Полный текст (3 156 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.
стр. 2416
جمع بين الألف واللام من كقوله:
ولست بالأكثر منهم حصى
وانما العزة للكاثر وتأويله تأويله فلا يرد عليه إنه لا يجوز بحسب العربية. قوله:) وقيل نزلت الخ) جعله مقابلا للأوّل لأنه فيه عامّ وفي هذا خاص بقصص الأعاجم أو الغناء والاشتراء على الأوّل مستعار لاختيار على القرآن، وانصرافهم عنه واستبداله به، وعلى هذا هو على حفيقته والقيان جمع قينة وهي الجارية، وقد خصمت بالمغنية في العرف وهو المراد هنا ولا يأباه لفظ الحديث، ولا يحتاج إلى تقدير ذات كما قيل لأنه لما اشتريت المغنية لغنائها فكان المشتري هو الغناء نفسه، ورستم واسفنديار من ملوك العجم والأكاسرة جمع كسرى، وهو معرّب خسر وعلم لملك منهم ثم أطلق على كل من ملكهم، ومرّضه لأنّ قوله أولئك لهم يقتضي تعدده كما قيل، وفيه نظر. قوله: (دينه) بالجرّ عطف بيان على سبيل الله مفسر له وكذا ما بعده والأوّل ناظر إلى قوله هدى، والثاني إلى قوله تلك آيات الكتاب ولو عممه ليشملهما كان له وجه وجيه، وقوله ليثبت على ضلاله الخ لأنه ضال قبله واللام للعاقبة وكونها على أصلها كما قيل بعيد، ولم يرتض ما في الكشاف من أنه وضع موضع يضل للعموم لأن من أضل فهو ضالّ، لأنّ الضلال لا يلزمه إلا ضلال وان اعتذر عنه بأنه أراد به الضلال المتجاوز لغيره بقرينة سبب لنزول لأنه تكلف لكن فيه توفق القراءتين معنى وبقاء اللام على حقيقتها. قوله: (بحال ما يشتريه الخ) متعلق بعلم، وقوله بغير علم ظاهر كلام المصنف إنه متعلق بيشتري، وقد جوّز تعلقه بيضل أي جاهلاً إنها سبيله أو أنه يضل أو الحق وهذا الوجه جار على
الوجهين في تفسير ومن الناس من يشتري، وقوله أو بالتجارة حيث استبدل الخ قيل إنه يجوز اعتباره فيهما أيضاً والظاهر من قوله استبدل أنه مخصوص بالأوّل كما صرّح به بعض أرباب الحواشي فتأمّل، والباء داخلة على المتروك. قوله: (ويتخذ السبيل) أو الآيات وقوله أولئك لهم جمع ضمير من بعد إفراده مراعاة للمعنى واشارة لعموم الوعيد، وقوله لإهانتهم إشارة لا أنّ الجزاء من جنس العمل عدلاً منه تعالى، وقوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ﴾ أفرد ضمير من مراعاة للفظه بعدما جمع مراعاة لمعناه في قوله يشتري بعد إفراد ضميره رعاية للفظه كما وقع في سورة الطلاق، ولا نظير لهما في القرآن كما قاله أبو حيان وتبعه المحشي وليس كذلك لأنّ لهما نظائر كما فصله المعرب في سورة المائدة، وقوله متكبراً إشارة إلى أنّ الاستفعال بعنى التفعل. قوله: (مثابهاً حاله حال من لم يسمعها) أي أشبهت حاله في عدم التفاته تكبراً حال من لم يسمعها وكأن المخففة ملغاة لا حاجة لتقدير ضمير شأن فيها، كما في الكشاف وفيه إشارة إلى أنّ جملة التشبيه حالية وقوله مشابها من في إذنه الخ بإفراد إذنه وفي نسخة إذنيه بالتثنية، وكلاهما ظاهر والتشبيه الثاني ترق في ذمّه لأنّ فيه دلالة على عدم قدرته على السماع لعدم الانتفاع وأشار بقوله ثقل إلى أنّ أصل معنى الوقر الحمل الثقيل استعير للصمم، ثم غلب حتى صار حقيقة فيه وتثقيل كأن في الثاني كأنه لمناسبته للثقل في معناه، وأذن بضم الذال وقرأها نافع بسكونها تخفيفاً. قوله: (والأولى) أي جملة كان الأولى والمبدل كل من كل والحال على الثاني متداخلة ولتهكم في البشارة مرّ تفصيله في البقرة، والحال المتداخلة تفيد تقييد عدم السماع بحال عدم القدرة، ويجوز كونه حالاً من أحد السابقين. قوله: (فعكس على المبالنة وفي نسخة للميالغة قيل في وجه المبالغة إنه لجعل النعيم أصلاَ ميزت به الجنات فيفيد كثرة النعيم وشهرته، وقيل لأن من ملك جنات النعيم كان له نعيمها كلها بطريق برهاني بخلاف ما لو قيل نعيم الجنات فإنه قد يتنعم بشيء غير مالكه) . قوله: (حال من الضمير) أي المجرور أو المستتر فيه لأنه خبر مقدم، أو من جنات على أنه فاعل الظرف لاعتماده بوقوعه خبرا فإن الحال لا تأتي من المبتدأ على الأصح، وهو مبتدأ لهم خبره لو لم يكن فاعلاً والجملة خبران
ولذا حعل العامل متعلقه فيهما إذ رجوعه على الأوّل خلاف الظاهر. قولى: (١ لأوّل) أي وعد الله مؤكد لنفسه أي لما هو كنفسه، وهي الجملة الصريحة في معناه لأنّ قوله لهم جنات النعيم الخ صريح في الوعد بخلاف قوله حقاً فإن الوعد يكون حقا وباطلا، والكلام في المؤكد لنفسه " وغيره والعامل فيه مفصل في النحو، وقوله لغيره يعني به جملة لهم جنات النعيم فمؤى إهما واحد، وقد مرّ في يونس أنّ حقاً مؤكداً لوعد الله المؤكد، وهو محتمل هنا وأما ى ن حمملة أنّ الذين الخ دالة على التحقق والثبوت فلو
стр. 2417
جعل مؤكداً لها كان مؤكداً لنفسه أيضا فاحتمال! تركوه لبعده فلا عبرة بما قيل إنّ الأخبار المؤكدة لا تخرج عن احتمال البطلان فتأمّل، وقوله وليس كلى وعد حقا أي في نفسه بقطع النظر عن قائله كما حقق في قولهم الخبر ما يحتمل المدق، والكذب فلا يرد عليه أنّ وعده تعالى حق بلا مرية. قوله: (فيمنعه الخ (إشارة إلى أنلأ تذييل مقرّر لحقية وعده المخصوص بمن ذكر المومي إلى الوعيد لمن عداهم، وقوله الذي لا يفعل الخ الحصر من فحوى الكلام، وقوله سبق في الرعد وكذا تفسير رواسي وتحقيقه مرّ فيها أيضا، وقوله كراهة أن تميد إشارة إلى أنه مفعول له بتقدير مضاف، وقد مرّت نظائره أيضاً وتميد بمعنى تضطرب. قوله: (استئناف) سقط من بعض النسخ لتقديمه في الرعد يعني جملة ترونها مستأنفة في جواب سؤال تقديره ما الدليل على ذلك فلا محل لها مسوقة لإثبات كونها بلا عمد لأنها لسو كان لها عمد رؤيت، وقد جوّز في الرعد كونها صفة لعمد أيضا فالضمير على هذا للسموات لا للعمد كما في الوصفية، وأفرد ولم يقل فيهن لأنه جمع قلة والرؤيه بصرية لا علمية حتى يلزم حذف أحد مفعوليها كما توهم، وعلى الوصفية يجوز أن يكون المراد أنّ لحا عمدا غير مرئية كما مرّ. قوله: (شوامخ) أي عالية، وقد فسر بثوابت أيضا كما مز، وقوله: فإنّ بساطة أجزائها وفي نسخة تشابه أجزائها، وهو تعليل لميدانها وترك الدليل الظاهر، وهو أنها أجرام عظيمة مرتفعة من شأنها أن لا تستقرّ بدون عمد لا سيما إذا كانت بسقف ممتد كما وردت به النصوص الإلهية، والآثار النبوية لظهوره ولإلزام من يقول ببساطتها وكريتها من الحكماء، وأهل الهيئة بما يدل عليه الحس وقد قام عليه الدليل في محله من بساطتها فلا وجه لمنعه، فإن قيل الدليل غير تامّ فأمر آخر، وضمير أجزائها للسموات وما بعده للأجزاء والامتناع المذكور لأنّ تشابه الأجزاء يقتضي الاشتراك في اللوازم فالاختصاص ترجيح بلا مرجح فاحتيج إلى مخصص خارح وهو الجبال، وأما كونه لا عليه ولا شرطية بين الممكظ ت عند المحققين لانتفائهما بالذات إلا بأقداره تعالى وجعله فالآيات والآثار مشحونة بخلافط مح أنّ مط ذكص إلش اميّ، وكون اللازم جواز ما ذكر وامكانه لا وقوعه غير مسلم لأن
مقتض التشابه الواقع الوقوع، وأنه بإرادته تعالى لا يقال ننقل الكلام إلى الجبال أيضاً لأنها من جنس الأرض فيلزم التبدل لأن مقتضى التشابه، والبساطة الكرية ومن حقها الميدان كما في الأفلاك والجبال أخرجتها عن الكرية، وتوجهت لثقلها نحو المركز ومنعها عن الحركة كالأوتاد، والبساطة لها معان ثلاثة على ما بين في علم الحكمة والمراد هنا ما لا يتركب من أجسام مختلفة الطبائع فيشمل العناصر والأفلاك والأعضاء المتشابهة كالعظم. قوله تعالى: ( ﴿وَبَثَّ﴾ ) أي أوجد وأظهر، وأصل البث الإثارة والتفريق وفي تأخيره إشارة إلى توقفه على إزالة الميدان، وقوله من كل صنف تفسير لزوح، وكثرة المنفعة تفسير لكرمه. قوله: (وكأنه استدل بذلك) أي ما ذكر من قوله خلق السموات بغير عمد إلى هنا، يشير إلى أن هذه الجملة ذكرت بعد قوله هو العزيز الحكيم لإثبات عزته وحكمته وفسر عزة الله بكمال قدرته وحكمته بكمال علمه فهي جلة مستأنفة لما ذكر، وللتمهيد لقاعدة التوحيد أي أصله المذكور بعده، وهذا إشارة لما ذكر أيضاً كما أشار إليه بقوله هذا الذي ذكر الخ، وفاء فأروني جواب شرط مقدر وأروني بمعنى أعلموني وأخبروني، وقوله اكهتكم تفسير لقوله من دونه لأنه بمعنى غيره من الآلهة، وقوله وماذا الخ لأنه قد يركب ويجعل اسماً واحداً استفهاميا فيكون مفعولاً لخلق مقدما لصدارته، وقد تكون ما وحدها اسم استفهام، وذا اسم موصول مبتدأ وخبر وعليها فالجملة معلق عنها سادّة مسداً لمفعول الثاني، وقد يكون ماذا كله اسماً موصولاً فيكون مفعولاً ثانياً لأروني والعائد محذوف في الوجهين، وما ذكره مبني على جريان التعليق في المفعولين الأخيرين، وفيه كلام في الرض انظره إن أردت. قوله: (الذي لا يخفى) هو ونحوه معنى قوله مببن والظاهر الظالمون وضع موضع أنتم، وقوله بإشراكهم إشارة إلى أنّ المراد بالظلم الشرك لقوله إنّ الشرك لظلم عظيم، وقوله من أولاد آزر الخ هو أحد الأقوال فيه، وقيل كان عبداً أسود، وقوله باعوراء بعين مهملة ممدودا ووقع في الكشاف باعور بدون ألف وهو اسم عبراني، وروي أنه خير بين الحكمة والنبوّة فاختار الحكمة على كلام فيه في شرح الكشاف. قوله:
стр. 2418
(استكمال النفس الخ) قيل إنه تعريف
باللازم والمراد كمال حاصل باستكمال النفس الخ أي طلب كمالها بتهذيبها، وهذا في العرف العام وعند الحكماء معرفة حقائق الأشياء على ما هي عليه بحسب الطاقة البشرية، واقتباس العلوم تحصيلها وفيه تشبيه لها بالنور، وقوله على الأفعال الخ متعلق بالملكة لما فيها من معنى الاقتدار، وقوله على قدر طاقتها متعلق باستكمال وشمرد من السرد وهو عمل حلق الدرع وفاعل فقال دأود ﵊ ولبوس بفتح اللام بمعنى ملبوس. قوله: (الصمت حكم الخ) قال الميدإني: الحكم بضم الحاء الحكمة ومنه وآتيناه الحكم صبيا، يعني أنّ استعمال الصمت حكمة ولكن قل من يستعملها وقد صار هذا مثلاً، وقوله أنه أمر بصيغة المجهول أو المعلوم والتقدير أمره داود عليه الصلاة والمملام، وهو المناسب لقوله سأله أو مولاه كما في الكشاف وترك لعدم تحقق كونه عبداً، وقوله فقال الخ إن كان السائل سأل عن الأطيب والأخبث من هذين العضوين مطلقا أي المحمود والمذموم منهما فحاصل جوابه أنّ الخبيث والطيب عارضان لا حقيقيان، وهما في هذين أشد فما أتى به من الشاة مثال لما في الإنسان، وان كان مراده ما في الحيوان المأكول وطيبه وخبثه باعتبار اللذة والنفع وعدمهما، فجوابه من الأسلوب الحكيم لينبهه على أنّ اللائق بالعارف أن يسأل عما فيه ذريعة إلى ما فيه الكمال وترك قبيح الخصال، وهذين العضوين وسيلة لهما فتأمّل. قوله: (لأن أشكر الخ) يعني أن مصدرية على تقدير اللام التعليلية أو على أنها بدل اشتمال من الحكمة بدون تقدير، وهو بعيد أو تفسيرية لتقدم ما فيه معنى القول دون حروفه كما أشار إليه المصنف ﵀ لأنّ إيتاءها إمّا بوحي أو إلهام، أو تعليم ولا يرد على الأوّل فوات معنى الأمر كما مرّ ولا على الثاني سواء كان تفسير الآتيناه الحكمة أو للحكمة أن الحكمة ليست الأمر بالشكر كما توهم، أمّ على الأوّل فظاهر، وأمّا على الثاني فلأنها ما تضمنه الأمر فتأمّل. قوله: (لأن نفعه الخ) فهو مؤوّل بما ذكر واستحقاق المزيد والدوام لقوله: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [سورة إبراهيم، الآية: ٧] لدلالة الزيادة على الدوام التزاماً، وقوله ومن كفر قيل عبر بالماضي للدلالة على الزيادة والتحقق في الكفران، وفيه نظر
ظاهر، وقوله فإن الله غني هو قائم مقام الجزاء، وهو فضرره عائد عليه لأنه مع أنه لا يحتاج للشكر مشكور محمود إمّ بحسب الاستحقاق أو بنطق ألسنة الحال، وحميد فعيل بمعنى مفعول في الوجهين، وأمّا ما قيل من أن قوله غني تعليل لقوله فإنما يشكر لنفسه وحميد للجواب المقدر للشرط الثاني بقرينة مقابله فتكلف لم تقم عليه قرينة ولم يدع إليه داع وان صح في نفسه فتدبر، وقوله جميع مخلوقاته أي سواء كفر أو شكر لدلالته على موجده، واذ قال بتقدير اذكر أو شكر وأنعم وأشكم بوزن أفعل علمان أعجميان، وكذا ما ثان بالمثلثة وجملة وهو يعظه حالية. قوله: (تصغير إشفاق) ومحبة لا تصغير تحقير:
ماقلت حبيبي من التحقير بل يعذب اسم الشخص بالتصغير
وقال آخر:
ولكن إذا ما حب شيء تولعت به أحرف التصغيرمن شدة الوجد
وقوله: يا بني تقدّم اختلاف القراء فيه وتسكين الياء بحذف ياء المتكلم وفتح الياء المشددة لأن ياء المتكلم مبني على الفتح، والكسر على بنائها على السكون وتحريكها بالكسر لالتقاء الساكنين، والكلام عليه مفصل في علم النحو والقراآت، وقوله كان كافرا ولذا نهاه فإن كان مسلما فقد حذره عن صدوره منه في المستقبل وقوله لأنه الخ تعليل لعظمه، وأنا كونه ظلماً فلوضعه في غير موضعه، وقوله وصينا أي أمرنا وقد مرّ تحقيقه، وبوالديه بتقدير رعايتهما. قوله: (ذات وهن) أي المصدر حال بتقدير مضاف أو مفعول مطلق لفعل مقدر والجملة حالية كما صرح به ويجوز جعل المصدر نفسه حالاً مبالغة لكنه مخالف للقياس إذ القياس فيه أن يكون مشتقاً، وقوله تضعف ضعفا الظاهر أنه تفسير له على الثاني ويجوز حمله على الوجهين، وقوله فوق ضعف تفسير لقوله على وهن أي متزايداً بازدياد ثقل الحمل إلى مدة الطلق، وقوله فإنها الخ تعليل أو تفسير لما قبله، وقوله والجملة الخ على الثاني وذو الحال أمّه، وأمّا جعله حالاً من ضمير
стр. 2419
حملته فيأباه قوله على ضعف فإن ضعفه لا يتزايد بل ينقص فلا وجه لمن جوّزه. قوله: (يقال وهن يهن الخ) يعني أنه ورد من باب ضرب يضرب فسقطت الواو من مفارعه لوقوعها بين ياء وكسرة، ومن باب علم فأثبتت الواو لعدم شرط حذفها، وقد
ورد من باب كرم أيضا كما في القاموس، وقوله أو وهن يوهن وهنا وقع في النسخ مضبوطا بفتح هاء المصدر فيكون المحرك مصدر الفعل الثاني والساكن مصدر الأوّل فلا يصح ما قيل إنه من باب تحريك العين إذا كانت حرف حلق كالشعر، والشعر على القياس المطرد كما ذهب إليه ابن جنى بل يكون لغة فيه كتعب يتعب تعبا هكذا قال بعض المتأخرين لكنه اعتماد على ضبط القلم فمان ساعدته الرواية فيها ونعمت، وكلام القاموس يدل على عدم اختصاص أحد المصدرين باحد الفعلين وقوله قرئ بالتحريك يعني في الموضعين وقد علمت وجهه.
قوله: (وفطامه) أي ترك إرضاعه والفطام والفصال بكسر الفاء بمعنى الفطم والفصل،
وقوله في انقضاء عامين أي تمامهما أي في أوّل زمان انقضائهما ففيه مضاف مقدّر مع تسمح يسير والقرينة على تقديره قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٣٣] . قوله: (وفيه دليل الخ) هو مذهب الشافعي والإمامين، وعند أبي حنيفة ثلاثون شهراً فما ذكر هنا أقل مذته وتفصيله في كتب الفقه. قوله: (تفسير لوصينا) فإن بمعنى أي التفسيرية، وعلى ما بعده مصدرية قبلها لام علة مقدرة، واذا كان بدلاً فكأنه قبل وصيناه بوالدبه بشكرهما وذكر شكر الله لأن صحة شكرهما تتوقف على شكره كما قيل في عكسه لا يشكر الله من لا يشكر الناس، فلذا قرن بينهما في الوصية، وعن ابن عيينة من صلى الصلوإت الخمس فقد شكر الله ومن دعا لوالديه في أدبارها فقد شكرهما وأمّا كون الأمر بالشكر يأبى التفسير والتعليل والبدلية كما قيل فليس بشيء كما مر. قوله: (وذكر الحمل والفصال الخ) أي على الوجوه في إعراب أن اشكر ووجه التوكيد ذكر ما قاسته في تربيته وحمله وأمّا كونه استئنافاً أو المراد بالاعتراض ما يعمه فغير صحيح لأن الكلام المستأنف لا يتعلق ما بعده بما قبله. قوله: (ومن ثئم) أي لأجل ما للأم من عظيم الحق قال النبي ﷺ لمن ساله عمن يبره أمّك وأجابه عن سؤاله به ثلاث مرات والحديث المذكور صحيح رواه أبو داود والترمذي وأمّك فيه منصوب بفعل مقدر تقديره برّ أمّك أي أحسن إليها، وقوله فأحاسب تفسيراً وتعليل أو تفريع. قوله: (باستحقاقه الإشراك) تفسير لقوله به بتقدير مضاف فيه بقرينة السياق، وتقليداً تعليل لقوله
تشرك، وقوله وقيل الخ إشارة إلى قول الزمخشريّ أراد بنفي العلم به نفيه أي لا تشرك بي ما ليس بشيء يريد الأصنام كقوله: ﴿مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ [سورة العنكبوت، الآية: ٤٢] قال في الانتصاف وتبعه الطيبي وغيره من الشراح هو من باب:
على لا حب لا يهتدي بمناره
أي ما ليس بإله فيكون لك علم بالإلهية وليس كما ذكره في قول فرعون ما علصت لكم
من إله غيري فقد زيفناه فيما تقدم انتهى، يعني أنه من الكناية ولا يلزم فيها اللزوم العقلي بل يكفي العرفي كما صرحوا به، وقال المدقق في الكشف ليس هذا من قبيل نفي العلم لنفي وجوده كما مر في القصص والا لقال ما ليس بموجود، بل أراد أنه بولغ في نفيه حتى جعل كلا شيء، ثم بولغ في سلك المجهول المطلق وهذا تقرير حسن فيه مبالغة عظيمة، ومنه يظهر ترجيح هذا المسلك في هذا المقام على أسلوب:
ولا ترى الضسب بها ينجعر
انتهى وكل منهما مسلك حسن، وقد مر أن المصنف و حمه الله فرق بين ما في القصص وغيره في سورة العنكبوت، فليس المراد تمريضه لئلا يتناقض " كلامه فلا تكن من الغافلين، وقال بعض الفضلاء ضعفه لما قيل إنه من خواص العلوم الفعلية دون الانفعالية، إذ لا يلزم من عدم علمنا بشيء أن لا يكون موجوداً والظاهر أن مراد القائل أنه مجاز عنه ولا يلزم فيه اللزوم العقلي بل يكفي العرفي كما مر والذهن ينتقل من نفي العلم إلى انتفائه، وفي شرح المفتاح أنه بناء على اللزوم الادّعائي بمجرّد الأصالة والفرعية وقوله في ذلك أي الشرك. قوله: (صحابا) بكسر الصاد مصدر كالصحبة يعني أن معروفا صفة مصدر محذوف، وقوله يرتضيه الخ تفسير للمعروف كأن يطعمهما ويكسوهما ويعودهما ويدفنهما بعد الموت، وقوله في الدنيا ذكره لمقابلته بقوله: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ٥٥] ووقع في نسخة في الدين والأولى أولى، وأناب بمعنى رجع
стр. 2420
إلى الحق وطريقه والمعنى اتبع طريق المخلصين لا سبيلهما، وقوله بالتوحيد تنازعه الفعلان، وقوله مرجعك ومرجعهما إشارة إلى أنّ فيه تغليباً
للخطاب على الغيبة، وقوله بأن أجازيك الخ فهو كناية عن الجزاء وليس المراد بالإعلام ظاهره والآيتان من قوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ﴾ إلى قوله ﴿تَعْلَمُونَ﴾ وقوله لما إمّا صلة التأكيد أو تعليل له وضمير فيها للوصية وفي نسخة فيهما أي الآيتين، وقوله كأنه بيان للمراد من ذكرهما على وجه يتضح به التأكيد، وقوله للمبالغة في ذلك أي في التأكيد للنهي عن الشرك واتباع من يأمر به ولو كان أحق الناس بالطاعة بعد الله وهما الوالدان ومن هنا جاءت المبالغة، وقوله مكثت أي أمّ سعد ولإسلامه بمعنى بعد إسلامه أو لأجل إسلامه، وقوله ولذلك أي لكون نزولهما فيه وضمير فإنه لسعد وضمير بدعوته لأبي بكر ﵁. قوله: (أي أنّ الخصلة الخ) فالضمير راجع لها لفهمها من السياق، وقوله مثلاً في الصغر أي في غاية الصغر حتى يضرب بها المثل فيه وهو تفسير لمثقال حبة الخ بما يشمل ما دونها وجعل الضمير للقصة على الرفع لعدم العائد فيها إلا بتكلف تقديره، وقوله وتأنيثها أي كان أي مضارعها لما ذكر أولتأويله بالزنة أو الحسنة والسيثة وقوله كما شرقت الخ من شعر للأعشى وأوّله:
وتشرق بالقول الذي قد أذعته
كما الخ وهو يهدّد بالهجاء من هجاه، والشرق وقوف الماء في الحلق كالغصة ب! فعله كعلم، وهو استعارة هنا لتضرّره بما ظنه نافعاً وتشبيه صدر القناة التي عليها الدم بمن شرق في مجرّد وقوف المائع والشاهد فيه ظاهر، والمثقال ما يقدر به غيره لتساوي ثقلهما. قوله: (في أخفى مكان وأحرزه) إشارة إلى أنّ ما ذكر كناية عن الأخفى والا حرز ونحوه، وليس مقصوداً بخصوصه وقوله أو أعلاه عطف على أخفى وقوله كمحدب السموات أي جهة الأوج دون الحضيض وخصه لأنه أعلى ما فيه فهو المناسب للمقام إذ المقصود المبالغة فلا يقال إنه لا وجه للتخصيص، وكلمة في لا تأباه لأنها ذكرت بحسب المكانية أو للمشاكلة أو هي بمعنى على وعبر بها للدلالة على التمكن والمحدب ظاهر الكرة والمقعر باطنها. قوله: (وقرئ بكسر الكاف) أي تغيب من وكن الطائر إذ دخل وكنته بفتح الواو وضمها وسكون الكاف أو ضمها مع ضمّ الواو أي عشه فهو استعارة أو مجاز مرسل كالمشفر وقد جوّز في ضمير تكن أن يكون للابن والمعنى أن تحتف وقت الحساب يحضرك الله، وهو غير ملائم للجواب، وقوله يحضرها
بالجزم وكذا ما عطف عليه وهو إمّا على ظاهره أو المراد يجعلها كالحاضر المشاهد لذكرها، والاعتراف بها. قوله: (يصل علمه إلى كل خفئ) هذا على أنّ معنى اللطيف في أسمائه تعالى العالم بالخفيات، وهو المناسب لما قبله وما بعده هنا وقد جوّز فيه أن يفسر بمعنا. المعروف لأنّ في ذلك لطفاً بأحد الخصمين والأوّل أنسب، وخبير تاكيد له على الأوّل والمصنف ﵀ فسره بالعالم بكته الخفيّ ليكون تأسيساً فيه أيضاً، وقوله سيما في ذلك أي تكميل نفسك وغيرك أو في الصلاة والأمر بالمعروف لشدة احتياجهما للصبر، أمّا الثاني فظاهر وأمّا الأوّل فلأنّ إتمامها والمحافظة عليها قد يشق، ولذا قيل وانها لكبيرة إلا على الخاشعين والإشارة إلى الصبر تناسب الأفراد والبعد لعلوّ منزلته وعلى ما بعده فهو مؤوّل بما ذكر. قوله: (عزمه الله) أي قطعه وأوجبه، والعزم بهذا المعنى يسند إليه تعالى ومنه ما وود عزمة من عزمات الله وفي الحديث: " لا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل " أي يأتي بنية قاطعة وقوله ويجوز أن يكون بمعنى الفاعل إذا كان بمعنى المفعول فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف أي الأمور المعزومة، وإذا كان بمعنى الفاعل فهو من الإسناد المجازي كمكر الليل لا من الإضافة على! نقثم) وإهذا أصل فعنا أشاولامبقوللنا منتعليليةا أو صحلة فينه ااس! تعملهبمعنىبها اجمهدلر في الأولا للإعراض عن الناس والصيد بفتح الصاد المهملة والياء التحتية كما في الجوهري، وبكسر الصاد كما في القاموس مرض في أعناق الإبل يتشنج به أعصابها فلا تتحرّك وتلتفت، وقد استعير للتكبر كالصعر وقوله داء الخ خبر بعد خبر لهو، وقوله وقرئ، لا تصعر أي من الأفعال وقوله والكل واحد أي بمعنى وعدى المصنف الميل بعن لتضميمة معنى الإعراض لأنه هو المذموم لا مطلق الميل، وقوله فيلوى أي البعير أو الداء لأنه سببه. قوله: (وقرأ نافع الخ (قيل
كان ينبغي تقديمها
стр. 2421
لكونها قراءة الأكثر من السبعة وفي الدر المصون إنها قراءة ابن كثير وابن عامر وعاصم فليحرّر فانه قيل إنه سهو والبطر النشاط للغرور ووقوع المصدر حالاً للمبالغة أو لتأويله بالوصف، وقوله أو لأجل المرح فهو مفعول له من غير تأويل. قوله: (علة للنهي (إفادته التعليل لأنه استئناف في جواب السؤال عن السبب والعلة، وقوله وتأخير الخ فهو لف ونشرمشوّس، وقوله مقابل للمصعر لأنه بمعنى المتكبر وهو قريب معنى من الفخور والمختال من الخيلاء، وهو التبختر في المشي كبراً فيناسب الثاني، ولك أن تجعله لفاً ونشرا مرتباً فإنّ الاختيال يناسب الكبر والعجب، وكذا المشي من جانب يناسب الفخر والكلام على رفع الإيجاب الكلي والمراد السلب الكلي، ولك أن تبقيه على ظاهره وصيغة- فخور للفاصلة، ولأن ما يكره منه كثرته فإنّ القليل منه يكثر وقوعه فلطف الله بالعفو عنه. قوله: (توسط فيه) من القصد وهو الاعتدال والدبيب المشي على هينة وبطء ضد الإسراع، وقوله: " سرعة المشي " الخ حديث رواه أبو نعيم وغيره عن أبي هريرة وقال ابن حجر في إسناده ضعف والبهاء الحسن والمراد أنها تورثه حقارة في أعين الناس لأنها تدل على الخفة، والمراد اعتبار ذلك بالإفراط فيه، وقول عائشة الخ في النهاية إنّ عائشة ﵂ نظرت إلى رجل كاد يموت تخافتاً فقالت ما لهذا لقيل إنه من القراء أي الزهاد الفقهاء فقالت كان عمر ﵁ سيد القراء وكان إذا مثى أسرع وإذا قال أسمع واذا ضرب أوجع. قوله: (فالمراد ما فوق دبيب المتماوت (يعني مراد عائشة ﵂ بالسرعة ما فوق البطء الشديد فلا ينافي ما في الآية وكذا ما ورد في صفة مثيه ﵊ كأنما ينحط من صبب، والمتماوت هو الذي يخفى صوته ويقل حركاته ممن يتزيّ بزيّ العباد كأنه يتكلف في اتصافه بما يقرب من صفات الأموات كما في النهاية ليوهم أنه ضعف من كثرة العبادة، وتسديد السهم توجيهه للغرض ليصيبه فهو
استعارة لتحري الصواب فيه. قوله: (وانقص متة وأ! دصر) أي أجعله قصيرا والمراد عدم شدة الجهر مجازاً، أو هو حقيقة عرفية وضده مدّ الصوت، ولما كان يقال غض الطرف والصوت متعديا جعله في الكشاف مستعارا من قولهم غض من فلان إذا ذمّه لئلا تكون من زائدة في الإثبات كما ذصب إليه بعضهم هنا، وتكلف بعضهم جعلها تبعيضية لكن ظاهر قول الجوهري: غض من صوته أنه يتعدى بمن فلا غبار عليه. قوله: (أوحشها) أي أقبحها كما يقال في العرف للقبيح، وحش وأصله ضدّ الإن! والألفة فهو إمّا مجاز أو كناية. قوله: (والحمار مثل في الذمّ) أي مشهور في الذمّ شهرة المثل، أو يضرب به المثل في معان من الذمّ كالبلادة وقبح الصوت والنهاق بالضمّ اسم للشديد من صوته كالنهيق، وقوله ولذلك أي لاشتهاره بالأحوال الذميمة كنت العرب عنه في الأكثر لأنّ عادتهم الكناية عما يستقبح لاستقذاره وإنما صرّح به هنا لأن بعض ما يقبح في مقام يحسن في آخر، ولما كان هذا مقام الذمّ والمذموم لا يوقر كان ذكره هنا مستحسنا، وهذا مما ذكره أهل البلاغة ولأنّ التصريح أبلغ كما صرّح به المصنف. قوله: (وفي تمثيل الصوت الخ) كذا في الكشاف قال الشارح الطيبي إنه إشارة إلى أنّ قوله إن أنكر الخ تعليل للأمر بالغض على الاستثناف كأنه قيل لم أغض فقيل لأنك إذا رفعته كنت بمنزلة الحمار في أحسن أحواله، ثم ترك المشبه وأداة التشبيه ووجهه وأخرج مخرح الاستعارة المصرّحة التمثيلية انتهى فجعله استعارة وحمله على ظاهره، وقال بعض أهل العصر أنه طوى المشبه على سنن الاستعارة وليس اسنعارة فإنّ المشبه لم يعرض عنه بالكلية لأنه، وإن لم يكن مقدرا منويّ مراد على نهج قوله وما يستوي البحر إن هذا عذب فرات الخ، ولذا قالوا مخرج الاستعارة دون أن يقولوا اسنعارة هذا محصل ما أطال به من غير طائل فإنه لا مانع من حمله على ظاهره بجعل صوت الحمير استعارة لصياح الإنسان والجامع بينهما الشدة مع القبح الموحش فتامّل. قوله: (وتوحيد الصوت الخ) يعني المراد بصوت الحمير صوت هذا الجنس، ولكون المراد من المضاف الجنس لا وجه لجمعه، فإن قلت ينبغي أن يوحد المضاف إليه أيضاً قلت أجيب بأن المراد بالجمع المحلي باللام الجنس بخلاف الجمع المضاف إلى المحلى بها وفيه نظر، وقد أجيب أيضاً بأنّ المقصود من الجمع التعميم، والمبالغة في التفسير فإنّ الصوت إذا توافقت عليه الحمير كان
стр. 2422
أنكر وأورد عليه أنه يوهم أنّ الأنكرية في التوافق دون الانفراد، وهو لا يناسب المقام فتأمّل، وما قيل من أنّ المحققين لم يذهبوا إلى أنّ الحمير جمع، وإنما هو بمنزلة أسماء الأجناس فلا وجه للسؤال مما يتعجب منه فإنّ أهل اللغة صرّحوا بجمعيته ولم يخالف فيه غير السهيلي فإنه قال إنّ فعيلاَ اسم جمع كالعبيد لعدم اطراد مفرده، واسم الجمع جمع عند أهل اللغة والفرق بينهما اصطلاح للنحاة لا يضرّنا، والنكير كونه منكراً وأمّ التوجيه بمراعاة الفواصل
فلا يكفي في التوجيه دون نكتة معنوية تليق بالتنزيل. قوله: (أو لأنه مصدر) وهو لا يثني ولا يجمع ما لم يقصد الأنواع كما في قوله: ﴿أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾ فلا يتوهم إنه يعارضه الجمع المذكور فتأمّل، وقوله بأن جعله أسبابا الخ فتسخيره لهم بمعنى تسخير ما تسبب عنه من النبات والأمطار فهو ينتفع بها بالذات، وبالواسطة وكذا الأرض سواء أريد بها ظاهرها أو جهة العلو والسفل فقوله بوسط الخ راجع لهما فتأمّل. قوله: (محسوسة ومعقولة) هو أحد التفاسير الظاهرة، والباطنة وفيها تفاسير للسلف ما لها ما ذكره المصنف،! ؤقوله ما تعرفونه الخ إمّا تفصيل للمعقولة أو لها وللمحسوسة فهو عطف بيان أو بدل مما قبله، وقوله وقد مرّ شرح النعمة وأنها ما ينتفع به ويستلذ وهو ينقسم إلى أخرويّ ودنيويّ وقوله بالإبدال أي إبدال السين صادا إذا اجتمعت مع أحد الحروف المستعلية المذكورة سواء فصل بينهما أو لم يفصل، وكلامه يشمل التقدّم والتأخر وقد اشترط بعضهم تقدّم السين فتبدل للتجانس كما قرّره النحاة، وهو إبدال مطرد وهذه قراءة ابن عامر وفي الكشاف إنه قرئ نعمه ونعمة ونعمته فقوله ظاهرة وباطنة حال وعلى التنكير صفة. قوله: (في توحيده) كالمشركين وفي صفاته كمنكري عموم القدرة وشمولها للبعث، وقوله مستفاد من دليل صفة موضحة لا مقيدة، وقوله راجع إلى رسول بأن يكون مأخوذا منه ولو جعل الهدى نفس الرسول مبالغة صح، ومنير أي منقذ من ظلمة الجهل والضلال. قوله: (وهو منع الخ) أي من تقليد من لم يعلم أنه مستند إلى دليل حق فإنه لا خلاف في امتناعه، أمّا تقليد المحق المستند إلى دليل فشيء اخر كما قيل وقد يقال إنه مبنيّ على مغ التقليد في العقائد مطلقاً أمّا التقليد في الفروع فلا خلاف فيه. قوله: (يحتمل الخ) ظاهر كلامه ترجيح الأوّل، وقد قيل إنّ الثاني أرجح لقوله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٧٠] بعد قوله: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٧٠] وترك احتمال كون الضمير للمجموع وكلامه يحتمل أن يكون الضمير لكل منهما منفردا أولاً على التعيين فتأمّل. قوله: (من التقليد) على كون الضمير لهم وما بعده جار على
الوجوه أو هو ناظر لكون الضمير لآبائهم، وقوله إلى ما يؤول إليه إشارة إلى أنّ عذاب السعير من ذكر المسبب وارادة السبب أو هو من مجاز الأول. قوله: (وجواب لو محذوف) وان كانت لو وصلية سواء كانت الوأو عاطفة أو حالية لأنّ الشرط لا بد له من جواب مذكور أو مقدر بقرينة لكن كثر الاستغناء عنه في الوصلية حتى ذهب بعضهم إلى أنه انسلخ عنها معنى الشرط، وأنّ تقديره بيان لأصل وضعها لا لزوم بحسب المعنى، والعجب من هذا القائل فإنه ذكر ما قرّرناه في سورة الحج، وغفل عنه هنا ولا يلزم على العطف تخالفهما خبراً وانشاء حتى يقال إنّ لاستفهام إنكاري فهو خبر معنى لتأخر الاستفهام عن العطف فسقط ما قيل إنّ الأولى ما في الكشاف من جعل الواو حالية من غير احتياح إلى تقدير الجواب ولا تأويل المعطوف الإنشائي ولا تعارض بين جعل الواوحالية وتقدير الجواب كما توهم والكلام على لو الوصلية سبق تفصيله. قوله: (والاستفهام الخ أليس فيه جمع بين معنيين مجازيين لأنّ الإنكار معنى الاستفهام، والتعجب مأخوذ من السياق أو على لعكس. قوله: (بأن فوّض أمره إليه) يشير إلى أنّ الإسلام والتسليم بمعنى التفويض وأنّ الوجه بمعنى الذات، وتسليم ذاته كناية عن تسليم أموره! ميعها لله الشراشر بمعنى الكلية كما مرّ والزبون بفتح الزاي بوزن فعول، وهو المشترى من الزبن بمعنى الدفع وكني به عن التبايع لتدافع المتبايعين في الأسواق لكنه بهذا اللفظ مولد كما ذكره الجوهري، وغيره وقوع في بعض النسخ الديون، وهو تحريف من الناسخ وقوله ويؤيده أي يؤيد كون الإسلام بمعنى التفويض لأنّ التفعيل أشهر فيه من الأفعال والأصل توافق القراآت معنى. قوله: (وحيث عدّى باللام الخ) كما في قوله
стр. 2423
لنسلم لرب العالمين فإنه وقع في القرآن متعدّياً بـ إلى واللام فالأوّل لأنّ المسلم أموره له يجعلها منتهية إليه، وأمّا الثاني فلإخلاصه له فالمراد بالتضمن في كلامه كونه ملاحظاً في ضمن معناه متعديا بحسبه لا مطاوع التضمين الإصطلاحي، وهذا مراد الشيخين هنا فلا حاجة إلى تبديل الإخلاص بالاختصاص كما ذهب إليه بعض المتأخرين حيث ضرب بالقلم على الإخلاص، وكتب بدله الاختصاص مع أنه قريب من كلام المصنف ولم يرد بالتضمين غير ما ذكرناه إذ المراد أنّ إسلام الوجه منتهيا إلى الله ومختصاً به فبالنظر إلى الأوّل تعدّى يالى، وبالنظر إلى الثاني باللام الدالة على الاختصاص في نحو الجل للفرس فلا وجه للاعتراض عليه بأنه أصابت بديهته، وأخطأت رويته فالاختصاص إنما يتعدّى بالباء ولا للاعتراض على المصنف بأنه لا حاجة إلى ما اعتبره من التضمين والمخطئ في هذا كله ابن أخت خالة المخطئ. قوله: (وهو تمثيل) أي تشبيه تمثيليّ مركب لذكر الطرفين بتشبيه حال المتوكل على الله المحسن في عمله بمن ترقى في جبل شاهق، أو
تدلي منه فتمسك بعرى حبل وثيق متدل منه، وهذا بعينه ما في الكشاف إلا أنه أبدل تدلى بترقي ملاحظة لعلوّ حاله، والتدلي باعتبار أنه المعروف فيه ولكل وجهة وقد ذكر في البقرة إنه استعارة في المفرد وهو العروة الوثقى فيستعار للتوكل النافع المحمود عاقبته واستمسك بمعنى طلب التمسك. قوله: (إذ الكل صائر إليه) تعريف الأمور يحتمل الاستغراق، والعهد كالكل إذ يحتمل كل الأمور وكل ما ذكرمن المجادلة وما بعده لكن كلامه ظاهر في الأوّل وتقديم إلى الله إجلالاً للجلالة ورعاية للفاصلة، ويجوز أن يكون للحصر ردا على الكفرة في زعمهم مرجعية آلهتهم لبعض الأمور، وليس الاستغراق مغنياً عنه كما قيل. قوله: (فلا يضرّك) فنفي الحزن مجاز أو كناية عن نفي الضرر وفسره الزمخشريّ بلا يهمنك وأحزن مزيد حزن اللازم، وقدر لزومه ليكون للنقل فائدة وقوله وليس بمستفيض أي شائع تبع فيه الزمخشري، واللغتان مشهورتان والقراءتان متواترتان لأنّ هذه قراءة نافع لكنه يشير إلى ما نقل عن الزمخشري أن المعروف في الاسنعمال ماضي الأفعال ومضارع الثلاثي، والعهدة في ذلك عليه. قوله: (في الدارين) فسره به لأنّ المراد بالرجوع وما بعده المجازاة كما أشار إليه بقوله بالإهلاك الخ وقوله فيجازي عليه لأنّ علمه تعالى عبارة عن الجزاء عليه وقوله فضلاً ناظر إلى العلم بما خفي مما أكن في الصدور ويصح رجوعه للمجازاة عليه أيضاً، واستعمل فضلا في الإثبات لتأويل فيجازي بمعنى لا يترك، أو عليم بذات الصدور فلا يخفى عليه شيء فلا يقال إنه لم يقع في موقعه. قوله: (تمتيعاً) يعني نصبه على المصدرية لأنه صفة مصدر مقدر أو على الظرفية لأنه صفة زمان مقدر، وقوله فإنّ ما يزول الخ بيان لقلته على الوجهين وأنها نسبية. قوله: (يثقل عليهم الخ) يعني أنّ الغلظ مستعار من الأجرام الغليظة والمراد الشدة والثقل على المعذب كما في الكشاف، والمراد بالاضطرار والإلجاء إلزامهم إلزام المضطر الذي لا يقدر على الانفكاك مما ألجئ إليه، وفي الانتصاف أنّ تفسير هذا الاضطرار ما في الحديث: " من أنهم لشدّة ما يكابدون من النار يطلبون البرد فيرسل عليهم الزمهرير فيكون أشدّ عليهم من اللهب فيتمنون عود اللهب اضطرارا " فهو اختيار عن اضطرار وبأذيال هذه البلاغة تعلق الكندي حيث قال:
يرون الموت قداما وخلفا فيختاروه والموت اضطرار
وكأنّ قول المصنف أو يضمّ الخ إشارة إلى هذا فتأمّل. قوله: (ليقولن الله) أي خلقهن
الله، وهو المطابق للسؤال بحسب المعنى كما فصل في محله، وقوله بحيث اضطروا إلى إذعانه فإنه لا يمكن إنكاره كغيره من العبادة ونحوها، ولذا اضطرهم إلى العذاب، وقوله بطلان معتقدهم وهو إشراك غيره به في العبادة التي لا يستحقها غير الخالق والمنعم الحقيقيّ فيجب أن يكون له الحمد والشكر، وأن لا يعبد معه غيره فتعريف الحمد للاستغراق وقد مرّ في العنكبوت وجهان آخران وكلام فيه. قوله: (أنّ ذلك يلزمهم) ذلك إشارة إلى إقرارهم واعترافهم صريحاً بأنه الخالق لا سواه واقتضاء بأنه المستحق للعبادة والحمد فيلزمهم بفتح الياء مضارع لزم الثلاثي أو بالضم مضارع ألزم، والمعنى اعترافهم بأنه الخالق يلزمهم الإقرار بغيره ويجوز أن يكون المعنى أنهم ليسوا من أولي العلم، وبل للإضراب عن جهلهم وإلزامهم. قوله: (لا يستحق العبادة فيهما غيره) فهذا إبطال لمعتقدهم
стр. 2424
من وجه آخر لأن المملوك لا يكون شريكا لمالكه فكيف يستحق ما هو حقه من العبادة وغيرها، وقوله عن حمد الحامدين خصه لمناسبة ما قبله وما بعده ولو عممه صح أيضا، وقوله المستحق الخ ففعيل بمعنى مفعول لا فاعل.
قوله: (ولو ثبت الخ) اختار المذهب اكثر من أنّ أن الواقعة بعد لو الشرطية فاعل ثبت
مقدّر بقرينة كون أن دالة على الثبوت، والتحقق لا مبتدأ مستغني عن الخبر لذكر المسند والمسند إليه بعده أو خبره مقدو مقدم أو مؤخر، واشتراط كون خبرها فعلا إذا كان مشتقا فلا يرد أقلام هنا ولا قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ﴾ [سورة الأحزأب، الآية: ٢٠] لأنها للتمني وليس مما نحن فيه وبقية الكلام مفصل في محله. قوله: (وتوحيد شجرة) أي قيل شجرة بتاء الوحدة دون شجر أو أشجار لأن المراد تفصيل الشجر واستقصاؤها شجرة حتى لا يبقى واحدة من جنسها إلا وقد بريت أقلاما ولو لم يفرد لم يفد هذا المعنى إذ الجمع يتحقق بما فوق الثلاثة إلا آن يذخل عليه لام استغراق وبهذا ظهر وجه التعبير بأقلام لأنها لعمومها في معنى الجمع فلا حاجة إلى اعتبار أغصان الشجرة المتكثرة كما قيل، وان صح هكذا قرروه وفيه بحث فإن إفادة المفرد التفصيل بدون تكرار أو الاسنغراق بدون نفي محل نظر لأنه إنما عهد ذلك في نحو جاؤوني رجلاً رجلا، وما عندي تمرة فقوله في الكشاف فإن قلت لم قيل من شجرة على التوحيد دون اسم الجنس الذي هو شجر قلت أريد تفصيل الشجر وتقصيها شجرة شجرة حتى لا يبقى من جنس الشجر ولا واحدة إلا وقد بريت أقلاما اهـ لم يظهر لي وجهه. قوله: (والبحر
المحيط) فتعريف البحر للعهد لأنه المتبادر ولأنه الفرد الكامل إذ قد يطلق على بعض شعبه وعلى الأنهار العظام كالنيل، وهذا بيان لحاصل المعنى ينتظم الوجوه، وليس فيه دلالة على كون البحر مرفوعاً بالابتداء كما قيل بل هو ظاهر في خلافه فتأمل، وقوله بشعبه أي مع شعبه جمع شعبة وهي ما تمتدّ منه، وقوله مداداً حال من البحرا وممدودا تفسير له فهو عطف بيان والمراد بالأبحر السبعة بحار أخر كالبحر المحيط، وقوله فأغنى الخ جواب عن عدم ذكره وقد كان الظاهر بعد جعل الشجر أقلاماً أن يقول والبحر مدادا وكان عليه أن يذكر نكتة العدول عن الظاهر وهو تصوير الإمداد على وجه الاستمرار التجددي لأنه من شأن المداد دون الدواة كما أشار إليه في الغشاف، وقوله يمده فاعل أغنى. قوله: (لآنهءمن مدّ الدواة وأمد! ا) أي جعلها ذات مداد وزاد في مدادها ففيه دلالة على المداد الذي هو بمنزلة حبر الدواة ولذا لم يذكره على وجه ما سواء كان يمدّه خبراً أو لا لظهور كون لابحر مداداً على الكل. قوله: (ورفعه) أي البحر بالعطف على محل أن مع معموليها لأنه رفع إذ هو فاعل لثبت المقدر كما مر لأنه اسم تأويلاَ، وهو من عطف المفرد على لمفرد على الجملة كما توهم إلا! أنه يلزم أن يلي لو المبتدأ أو الاسم الصريح، وقد قال النحاة " إنه مخصوص بالضرورة كقوله:
لوبغيرالماء حلقي شرق
لكنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع كما في نحو رب رجل وأخيه كما قاله أبو حيان وقوله ويمده حال أي على هذا الوجه. قولهء: (أو للابتداء) أي رفعه للابتداء على أنه مبتدأ نجبره يمده أو محذوف، ويمدّه حال أو مستأنف، واذا كانت هذه الجملة مستأنفة فالواو استثنافية وهذا الاستئناف الظاهر أنه نحوي لا بياني في جواب سؤال مقدّر لأنّ اقتران الجواب بالواو وإن كانت استئنافية غير معهود، وما قيل إنه يقترن بها في جواب السؤال للمناقشة لا للاستعلام مما لا يعتمد عليه فتقديره بماء المداد حينئذ لا يخلو من الاعتراض، ومن قال أو الابتداء على أنه مستانف والواو+ للحال أراد بالاستئناف قطعه جملى-عطفه على ما قبله ولا بعد فيه فإن ابن هشام ح قال في المغنى إن واو الحال تسمى واو الابتداء وسماها الشيخ في دلائل الإعجاز واو الاستثناف، فمن قال إنه وهم عظيم فقد وهم، وأمّا كون الواو واو المعية وان المفعول معه يكون جملة كما نقل عن ابن هشام فبعيد جدّا. قوله: (أير الواو للحال) وهي تكفي في ربطه من غير ضمير لأنها في معنى الظرف إذ معنى جئت والش! مس طالعة ووقع طلوع الشمس واحد، والظرف يربطه بما قبله تعلقد٤ به وإن لم يكن فيه ضميراً وهو إذا وقع حالاً استقرّ فيه الضمير فما يشبهه كأنه فيه ضمير مستقر فاعتراض أبي حيان بأن الظرف الواقع حالاً فيه ضمير انتقل إليه من عامله بخلاف الجملة الاسمية، والجواب عنه بانه أراد بالظرف ما انتصب على الظرفية لا ما وقع حالاً
стр. 2425
من ضيق العطن وخيانة؟ الفطن، وصاحب الحأل الموصول
أو الضمير الذي في صلته لا الأرض والبحر بمعنى بحرها بنيابة أل عن الضمير الرابط للاسمية على تقدير اعتبار أو أولويته، وما قيل من أن البحر على هذا يعم إلا بحر بقرينة الإضافة ويفيد خروج السبعة عن بحار الأرض والأوّل يحتمل العهد وعدم العموم كما مر ردّ بأنه لا فرق بينهما بل الأوّل في الجنسية، والثاني في العهدية أظهر لأنه أصل الإضافة وكون الأرض شاملة لجميع الأقطار لا ينافي العهدية كما توهم لأن المعهود البحر المحيط، وهو محيط بها كلها. قوله: (بالعطف على اسم أن) ويمده خبر له أي لو ثبت أن البحر ممدود الخ ولا يستقيم أن يكون يمذه حالا لأنه يؤذي إلى تقييد المبتدأ الجامد بالحال، ولا يجوز لأنها البيان هيئة الفاعل أو المفعول والمبتداً أليس كذلك ويؤدي أيضاً إلى كون المبتدأ لا خبر له لأن أقلام لا يستقيم أن يكون خبراً له كما في أمالي ابن الحاجب يعني والتقدبر خلاف الظاهر، واذا كان من الاشتغال تدخل لو على المضارع وهو جائز، والقراءة بالتاء الفوقية شاذة والفعل في هذه الفراءة مضارع مد الثلاثين من مد النهر ومذه، وأمده المزيد قال ابن جنى أنه مستفاد من إمدأد الجيش. قوله: (وقرئ يمدّه) أي مضارع مد ويمدّه أي مضارع أمد، وقوله بالياء والتاء أي فيهما فليحرر وقوله وايثار جمع القلة أي اختياره في النظم على جمع الكثرة المناسب بحسب الظاهر للمبالغة، وهذا بناء على أن جمع المؤنث السالم كجمع المذكر جمع قلة وهو المشهور، وكون ما لا تفي البحار بكتابته قليلاً بالنسبة إلى جميع معلوماته، وقوله للإشعار إشارة إلى أن جمع القلة المعرّف باللام أو الإضافة قد يفيد الاستغراق، والعموم لكنه لكون أصل وضعه القلة يشعر بما ذكر فلا يتوهم أن المفيد للقلة هو المنكر كما قيل، وأمّا اختياره في أقلام فلأنه لم يعهد له جمع سواه وقلام غير متداول فلا يحسن استعماله، وأعلم أدة لو هنا ليست معناها المشهور من انتفاء الجواب لانتفاء الشرط أو العكس لاقتضائها نفاد الكلمات بر هي دالة على ثبوت الجواب، أو حرف شرط في المستقبل وتفصيله في المغني. قوله تعالى: ( ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ الخ) تعليل لعدم نفاد كلماته، وقوله سألوا الخ على كونها مدنية كما مر وما بعده على كونها مكية، وهذا سبب النزول ووجه الجواب أن كون فيها علم كل شيء على تقدير تسليمه المراد به كل شيء مما يحتاجون إليه من أمور دينهم كما في قوله ما فرطنا في الكتاب من شيء والا فمعلوماته تعالى، وكلامه المعبر عنها لا نهاية لهما. قوله: (إلا كخلقها وبعثها) يعني أنه على تقدير
مضاف وأن المقصود تشبيه خلق المخلوقات كلها بخلق واحد بالنسبة لقدرته وكذا بعثها لأنه بتعلق الإرادة والقدرة، وهي تتعلق بجميعها معاً وليس كفعل بخلق واحد بالنسبة لقدرته وكذا بعثها لأنه بتعلق الإرادة والقدرة، وهي تتعلق بجميعها معا وليس كفعل العباد العجزة با-لة ومباشرة تقتضي التعاقب فيستوي عنده الواحد والكثير، وقوله كن فيكون معناه ما ذكر كما مر. قوله: (لا يشغله الخ (كذا فسره الزمخشريّ دفعاً لتوهم أن المناسب لما قبله ذكر القدرة، ونحوها لأن الخلق والبعث ليسا من المسموعات والمبصرات بأنه ذكر للاسندلال بأن تعلق علمه، وبصره وسمعه بشيء لا ينافي تعلقه بجميع ما عداه على أن ما يرجع إلى القدوة والفعل كذلك فهو استشهاد بما سلموه فشبه المقدورات فيما يرإده منها بالمعلومات فيما يدرك منها فظهر مناسبته وإرتباطه بما قبله، وقيل إن قوله إن الله سميع بصير تعليل لإثبات القدرة الكاملة بالعلم الواسع وأن شيئاً من المقدورأت لا يشغله عن غيره لعلمه بتفاصيلها وجزئياتها فيتصرّف فيها كيف يشاء كما يقال فلان يجيد عمل كذا لمعرفته بدقائقه، وهذا هو الملائم لما بعده وعمومه لكل مسموع ومبصر من تركه المفعول، وكونه في حالة واحدة من كونه تعليلاً لما قبله، واقتصر على الخلق في قوله فكدّلك الخلق مع أن الظاهر أن يقول والبعث كما قاله الزمخشريّ لأنه هو الذي أنكروه لأن البعث خلق آخر فهو شامل لهما فلا يرد عليه الاعتراض بأنه كان عليه أن يذكر فإن قلت كيف يكون ما ذكر مسلما وقد كان بعضهم إذا طعنوا في الدين يقول: " أسروا قولكم لئلا يسمع إله محمد " فنزل ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [سورة الملك، الآية: ١٣] قلت لا اعتداد بمثله من الحماقة بعدما رد عليهم ما زعموه، وأعلموا بما أسروه فتأمّل. قوله: (كل من النيرين) أي الشمس والقمر لا جميع ما ذكر، والمراد بجريه في فلكه حركته بحركة فلكه لا حركته الخاصة كما بيته بعده، وقوله إلى منتهى تفسير للأجل لأنه يطلق على نهاية المدّة، وهو المراد د! ان
стр. 2426
أطلق على جميعها لكن إلى تقتضي الأوّل فقوله إلى منتهى بدل أو عطف بنان من قوله إلى أجل، أو تعلق بيجري بعدما تعلق به الأوّل فلا محذور فيه والأوّل أولى، وكذا قوله إلى آخر السنة أو هو متعلق بمقدر والمنتهى المعلوم آخر البروج، والمنتهى اسم زمان لا مكان لأن الأجل وقت والمراد بالجري حركته من نقطة معينة إلى أن يرجع إليها فلا يرد أنه يجري دائماً ٠ قوله: (وقيل إلى يوم القيامة (لانقطاع حركتهما حينئذ
فالجري مطلق الحركة أو اليومية، وقوله والفرق بينه وبين قوله لأجل الخ توجيه لتعديه بإلى واللام بأن تعديته بالأوّل نظراً إلى كون المجرور غاية، والثاني إلى كونه غرضاً فتكون اللام لام تعليل أو عاقبة، وقد جعلها الزمخشري للاختصاص ولكل وجهة، وقوله حقيقة إن كان الغرض بمعنى الثمرة والفائدة أو لغيره تعالى من الملائكة الموكلين أو قلنا بان أفعاله تعلل بالأغراض كما ذهب إليه المعتزلة وبعض أهل السنة بناء على تفسيرهم الغرض، وليس هدّا بناء على أنهما حيان مدركان وعدمه فإنه مما لا يلتفت إليه، ومجازا على خلافه، وقوله وكلا المعنيين أي الانتهاء والغرض! فإن النهاية قد تكون غرضاً وئمة بتاء التانيث أو هاء سكت ترسم ولا يلفظ بها درجا بمعنى هناك، وغرضه أي غرض الجري، وقوله إلى الذي ذكر توجيه لأفراد اسم الإشارة لتأويله بما ذكر، وقوله اختصاص الباري الخ أي باتفاق المسلمين والمشركين. قوله: (بسبب أنه الثابت في ذاته) إشارة إلى أن الباء سببية وأن الحق بمعنى الثابت المتحقق، ومعنى ثباته وجوده ومعنى كونه في ذاته أن ذلك ليس باستناده إلى شيء آخر فيكون واجب الوجود فلذا فسره بقوله الواجب من جميع جهاته فهو عطف بيان له والمراد بالجهات ليس معناها المعروف بل المراد من جميع الوجوه أي في ذاته، وصفاته وغيرها مما يليق بجنابه فسقط ما قيل إن للحق معنيين الثابت، والواجب ولا حاجة إلى الجواب بأنه على مذهب الشافعية في جواز استعمال اللفظ في معنييه. قوله: (أو الثابت إلهيتة) فذلك إشارة إلى الاتصاف بهذه الصفات، والثابت إلهيته لا بد من اتصافه بها لأنها لا تصلح لغيره فليس هذا كما قيل مبنيا على مذهب أبي هاشم من أن الباري يمتاز بحالة خامسة هي الإلهية، وهي علة لغيرها من الأربعة وهي الوجود والحياة والعلم والقدرة كما قرّر في الأصول، ولذا اختاره الزمخشريّ والمعقول هو العكس فتدبر. قوله:) وان ما تدعون من دونه الباطل (معطوف على أن الله هو الحق، وكونه معد وما في ذاته لأن وجوه عرضي وكذا صفاته باستناده لواجب الوجود فقوله لا يوجد بالفتح أي لا يوجد بذاته فهو كفوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [سورة القصص، الآية: ٨٨] كما سياني أو بالكسر، وقوله إلا بجعله راجع لقوله لا يتصف فقط أي لا يتصف بشيء من الصفات الموجودة أو بالوجود إلا بجعله تعالى وفي نسخة يتصرف وهي أظهر والأولى أولى وهذا ناظر لتفسير الحق الأوّل وما بعده للثاني. قوله: (مترفع الخ) تفسير لانفراده بالعلو، وقوله متسلط لانفراده بالكبرياء، وفوله على كل شيء وقع في نسخة عن كل شيء لتضمنه معنى التنزه، وصيغة التفعل للمبالغة كما قرّروه في قوله المتوحد وفي نسخة مرتفع. قوله:) في تهيئة أسبابه) الضمير للجري المفهوم من تجري ومن أرجعه للفلك لأنه مذكر قدر فيه مضافا أي أسباب جريه،
وقوله استشهاد آخر أي بعد الاستشهاد بقوله يولج الخ وشمول أنعامه للبر والبحر، وقوله والباء للصلة أي للتعدية كمررت به فإنه يتعدى بها أو سببية متعلقة بتجري، وقوله أو الحال أي للملابسة والمصاحبة وأقعة مع متعلقها حالاً كقولهم دخل بثياب السفر أو مصاحبا لها فالمعنى مصحوبة بنعمته، وهي ما يحمله من الطعام والمتاع ونحوه. قوله: (قرئ الفلك بالم! قيل (أي بضم اللام وفي الكشاف أنه يجوز في كل فعل مضموم الفاء ضم عبنه اتباعاً لفائه كما يجوز في فعل بضمتين تسكينها تخفيفا على التقارض، وقوله وبنعمات أي قرئ بنعمات جمع نعمة ويجوز في كل جمع مثلة تسكين العين على الأصل وكسرها اتباعا للفاء وفتحها تخفيفاً، وقوله دلائله أي دلائل ألوهيته وتوحيده. قوله: (على المشاق)) جمع مشقة وهي التعب ولما كان معرفة دلائل التوحيد لا اختصاص لها بمن تعب مطلقاً فكم من تعبان في تمشية كفره دفعه، أوّلاً بأنه ليس المرإد به مطلق التعب بل التعب في كسب الأدلة من الأنفس والآفاق فلذا اختص ذلك به، وثانيا بأنه صبار شكور كناية عن
стр. 2427
المؤمن من باب مستوى القامة عريض الأظفار فإنه كناية عن الإنسان لأن هاتين الصفتين عمدتا الإيمان لأنه وجميع ما يتوقف عليه إمّا ترك للمألوف غالباً، وهو بالصبر أو فعل وهو شكر لعمومه لفعل القلب والجوارح واللسان، ولذا جعلا نصف الإيمان في الأثر والمراد بالمؤمنين ما يشمل المشاوفين للإيمان وذكر الصبر والشكر بعد الفلك فيه أتم مناسبة لأنّ راكبه لا يخلو عنهما فتدبر. قوله: (يعرف النعم) بأنها من الله، ويتعرف أي يطلب معرفة مانحها أي من أعطاها ومنحها وهو الله، وقوله واذا غشيهم فيه التفات إن اتحد بالمخاطبين قبله والا فلا وكلام المصنف ناظر للثاني فلا وجه للجزم بالثاني، وقوله علاهم الخ يعني غشي من الغشاء بمعنى الغطاء من فوق لأنه المناسب هنا لا من الغشيان بمعنى إتيان، وقوله موح تنكيره للتعظيم والتكثير، ولذا أفرد مع جمع الظلل، وقوله من جبل أو سحاب بيان لما وأفردهما ولم يقل من جبال أو سحب لا لأنهما أسماء أجناس يفرق بينهما وبين واحدهما بالتاء كموح وموجة فهو في معنى الجمع لأن الجبل ليس كذلك بل لأن المراد جنس الجبل والسحاب، وهو لا يقتضي الوحدة فيكفي بيان جنس المشبه به، والظلة بالضم ما أظل، وقلة بالضم أعلى الجبل وظلال وقلال بكسر أوّلهما جمع فتأمّل. قوله: الزوال ما ينازع الفطرة) أي أصل الخلقة وما ذكر فيها من الإيمان بالله، ومن الهوى الخ بيان لما وبما متعلق بزوال ودهاهم بمعنى عرض بغتة لهم وأصابهم من الدواهي ومن الخوف بيان لما دهاهم. قوله:
(مقيم على الطريق القصد (أي المستقيم لأن أصل معنى القصد استقامة الطريق كما قاله الراغب نوصف به مبالغة والمقتصد سالكه المستمرّ فيه من غير عدول لغيره ولذا فسره بالمقيم الخ، وقوله الذي هو التوحيد تفسير للمراد مجازاً من الطريق المستقيم لأنه الموصل إلى الله تعالى فليس تفسيراً لإخلاص الدين كما توهم. قوله: (أو متوسط في الكفر الخ) تفسير آخر للمقتصد لأن الاقتصاد والقصد يكون بمعنى التوسط والاعتدال ومنه قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا﴾ [سورة التوبة، الآية: ٤٢] أي متوسطاً كما قاله الراغب وقوله لانزجاره أي رجوعه وانكفافه تعليل لتوسطه بترك الغلو في الكفر. قوله: (فإنه نقض بالضاد المعجمة (أي إبطال لما كان في الفطرة وضمير أنه الجحد الآيات، وهذا توجيه لإطلاق الغدر وهو إبطال العهد على الكفر والفطرى بكسر الفاء نسبة إلى الفطرة، وقوله أو لما كان في البحر توجيه آخر له أي نقض لما عاهد الله عليه في البحر من الإخلاص له فهو مقابل للمقتصد بتفسيره الأوّل، وأمّا على الثاني فلا واختار مقابل لصبار لأن من غدر لم يصبر على العهد وكفور لشكور. قوله: (لا يقضي عنه) أي شيئاً كما سيأتي فهو من جزى بمعنى قضى، وأغنى بمعنى أفاد ودفع العذاب عته، وقوله والراجع أي على القراءتين فقوله لا يجزي فيه يجوز فيه فتح الياء وضمها. قوله: (عطف على والد) فهو فاعل، والجملة بعده صفة له واداً كان مبتدأ فالمسوّغ للابتداء بالنكرة تقدّم النفي فلا وجه لمنعه والجملة خبر فإن قلت على الأوّل يتناقض الكلام فإنه نفي عنه الجزاء ثم وصفه بأنه جاز قلت المنفي عنه الجزاء في الآخرة والمثبت له الجزاء في الدنيا فلا تناقض أو معنى هو جاز إن من شأنه الجزاء العظيم حق الأب أو المراد بلا يجزي لا يقبل منه ما هو جاز به، وشيئا مفعول به أو هو منصوب على المصدرية لأنه صفة مصدر محذوف وعلى الوجهين تنازعه يجزي وجاز لا وجه لتخصيصه بالثاني فتدبر. قوله: (وتغيير النظم) أي العدول عن الفعلية المذكورة فيما قبله إلى الاسمية التي هي آكد منها على الإعراب الثاني، وقوله للدلالة الخ يعني إنه لما كان ملقى لمن يعتقد أو يظن أنه ينفع والده أكده بالاسمية والضمير رداً لمعتقده لكنه قيل عليه إنه يتوقف على كون الخطاب للموجودين والصحيح أنه عام، ورد بأنه غير مسلم لأن خصوص السبب لا ينافي العموم وقوله أولى لأنه دون الوالد في الحنوّ والشفقة فلما كان أولى بهذا الحكم استحق التأكيد، وهذا وجه آخر غير ما في الكشاف وهو ما أشار إليه بقوله وقطع الخ وقد حققناه آنفا أو لأنّ عظم حق الوالد يقتضي جزاءه فلذا أكد نفيه لأنه محل الاحتمال والتردد، وقوله إن وقع في نسخة بأن لأنّ القطع بمعنى الجزم فهو
متعلق به عليهما، وما قيل من أنّ عمومه مخصوص بغير صبيان المسلمين لثبوت الأحاديث بشفاعتهم لوالديهم وعلى العطف لا حاجة
стр. 2428
إلى التخصيص لأن جزاء الوالد في الدنيا يتحقق في الكبار فهو أوجه ليس بشيء لأنّ الشفاعة ليست بقضاء ولو سلم فلتوقفها على القبول يكون لقضاء منه تعالى حقيقة، وتخصيص الاعتراض مما لا وجه له أصلاً وقطع بالجرّ معطوف على مجرور اللام أو على، وترك ما في الكشاف من أن في لفظ المولود أيضاً تأكيداً لأنه من ولد بغير واسطة بخلاف الولد فإنه عام فإذا لم يشفع للأب الأدنى الذي يولد منه فكيف لغيره قيل لأنّ هذه التفرقة لم يثبتها أهل اللغة، وقد رد بأن الزمخشري والمطرزي ذكرا ذلك وكفى بهما حجة. قوله تعالى: ( ﴿إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ الخ) تعليل لعدم الجزاء، وقوله بالثواب والعقاب ففي الوعد تغليب أو هو بمعناه اللغوي، وقوله يرجيكم بالتشديد أي يوقعكم في الرجاء ويجعلكم راجين وهو المراد وقد يرد بمعنى المخفف كقوله:
ورج الفتى للخير ما إن رأيته على السن خيراً لا يزال يزيد
وقوله بالله صلة يغرّنكم يعني يخدعكم أو قسم. قوله: (علم وقت قيامها) بيان لحاصل المعنى أو إشارة إلى التقدير وهذا على أنّ الساعة اسم للقيامة لا لوقتها ولم يقل إن علم الساعة عند الله مع أنه أخصر لأن اسم الله أحق بالتقدبم ولأن تقديمه وبناء الخبر عليه يفيد الحصر كما قرّره الطيبي مع ما فيه من مزية تكرّر الإسناد، وتقديم الظرف يفيد الاختصاص أيضا بل لفظ عند لأنها تفيد حظه بحيث لا يوصل إليه فتتوافق الآية والحديث في الدلالة على الحصر مع أنه قال في شرح البخاري إن المغيبات لا تنحصر فيما ذكر وإنما خصت لوقوع السؤال عنها أو لنكتة أخرى، وقوله الحرث بن عمر ورجل من محارب وهي قبيلة والحديث المذكور رواه الثعلبي والواحدي بغيو سند، وقوله وعنه عليه الصلاة والاسلام رواه البخاري، وقوله خمس باعتبار تأويل المفتاج بالآلة أو الخزانة وفي نسخة خمسة وهي ظاهرة، والمراد بالمفاتح
الخزائن التي لا يطلع عليها ففيه استعارة. قوله تعالى: ( ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ (إن قلنا علم الساعة فاعل الظرف الواقع خبراً وهذا معطوف على الخبر فلا إشكال وإلا فيحتاج إلى أن يقال أصله أن ينزل الغيث فحذف أن كقوله أحضر الوغى سواء قلنا إنه معطوف على علم أو على الساعة، وكذا قوله ويعلم الخ وابانه بكسر الهمزة وتشديد الموحدة بمعنى وقته، وقوله في علمه راجع لهما والمعنى لا علم لغيره به وهذا على تقدير عطفه على الخبر من تقديم الجلالة وبناء الخبر عليها كما ذكرناه آنفاً وليس المقصود اختصاصه بانزاله لأنه لا شبهة فيه بل يعلمه بزمانه، ومكانه وهو على هذا الوجه الثاني ظاهر وعلى الثالث أظهر ما قيل من أن قول لا علم لغيره به مقدر بقرينة وقوعه جوابا للسائل المذكور لا صحة له إذا ليس كل تال واقفاً على ذلك السؤال فلا يصلح قرينة، وكذا ما قيل إنه مقدّر لقرينة السياق والحال فتدبر، والتشديد على أنه من التنزيل. قوله تعالى: ( ﴿وما تدري نفس بأي أرض تموت﴾ الما كانت نفس نكرة في سياق النفي عامّة جعل نفي العلم عن الجميع كناية عن اختصاصه تعالى بعلم ذلك كما يقال لقوم تكلموا في مسألة بحضرة العلماء أنتم لا تعلمون مثل هذا فيعلم منه أن العالم من كان عندهم، والجملة معطوفة على قوله إن الله عنده لا على الخبر كما اختاره صاحب الكشف، وفيه وجه آخر ذكره الطيبي لم يرتضه المدقق وقوله روي الخ رواه أحمد وابن أبي شيبة موقوفا. قوله: (العلم دلّه والدراية للعبد الخ) لأنّ أصل معنى درى رمى الدرية وهي الحلقة التي يقصد رميها الرماة وما يختفي خلفه الصائد وكل منهما حيلة فلذا كانت الدراية أخص من العلم لأنها علم بتحيل، وتكلف وأما كونها لا يوصف بها الله لذلك وقوله:
لا هم لا أدري وأنت الداري
كلام أعرابي جلف لا يعرف ما يجوز إطلاقه على الله مما يمتنع فكلام ذكره بعض أهل
اللغة وتبعه بعضهم، وقد وقع في البخاوي ما يخالفه من إطلاقه على الله حيث قال خمس لا يدريهن إلا الله تعالى فقال الكرماني أطلقت الدراية على الله لأنه أريد بها مطلق العلم، وقد يقال الممنوع إطلاقه عليه بانفراده أمّ مع غيره تغليباً فلا وقد يقال في البيت إنه مشاكلة. قوله:
(هيدل) أي ما ذكر من استعمال الدراية في جانب العبد، وقوله ما هو الحق أي اللائق به، وفيل إنه أفعل تفضيل من لحق بمعنى لصق ويؤيده إنه وقع في نسخة بدله ألصق أفعل من اللصوق، ومن كسبه بيان لما وكسبه من قوله ماذا تكسب وعاقبته من قوله بأي أرض تموت، وقوله ينصب مجهول نائب فاعله دليل، وقيل معلوم فاعله ضمير
стр. 2429
يرجع إلى الله ودليلا مفعوله وضمير له للعبد وعليه لما. قوله: (وشبه سيبوبه الخ) كان وجه التشبيه أنه تشبيه في أن تأنيثهما باعتبار المضاف إليه فيهما، وقوله كل في كلتهن نادر، وقوله يعلم الأشياء العموم من حذف المفعول، وقوله خبير توكيد له، وقوله كما يعلم ظواهرها إشارة إلى فائدة ذكره وهو التسوية بين علم الظاهر والباطن عنده، وقد مرّت له نظائر وقوله وعنه الخ من حديث فضائل لاسور المروي عن أبيّ بن كعب وهو موضوع، وقوله بعدد من عمل بالمعروف ونهى عن المنكر خصهما لوقوعهما في هذه السورة الكريمة، تمت السورة بحمد الله ومنه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه الكرام.
سورة السجدة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (مكية) قيل إلا ثلاث آيات من قوله أفمن كان مؤمناً الخ قيل وأثتتين من قوله تتجافى جنوبهم عن المضاجع الخ واستبعد لشدة ارتباطهما بما قبلهما وسيأتي بيانه وقوله وقيل تسع وعشرون لاختلافهم في قوله لفي خلق جديد هل هو آية أو بعض آية. قوله: (إن جعل اسماً للسورة الخ) ويجوز على هذين الوجهين أيضاً كونه خبر مبتدأ محذوف، وتنزيل! الكتاب خبر بعد خبر أو مبتدأ واذا كانا لتنزيل بمعنى المنزل فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف، أو بيانية بمعنى من ويجوز إبقاؤه على معناه لقصد المبالغة أو تقدير مضاف في الأوّل، وقوله خبر مبتدأ محذوف تقديره هذا المتلوّ ومرّ الكلام على هذا مفصلا في أوّل البقرة. قوله: (فيكون من رت الخ) أي على تقدير كون تنزيل مبتدأ خبره لا ريب بخلاف غيره من الوجوه فانه عامل ضعيف فلا يتعدى عمله لما بعد الخبر إلا أن يقال إنه ظرف يتوسع فيه، وهذا التوسع نحن في سعة عنه أو لأنه من تمامه والاسم لا يخبر عنه قبل تمامه، والمصدر تنزيل والضمير في فيه هو المجرور بفي، وهو للكتاب أو للتنزيل لا المستتر لعدم صحته معنى. قوله: (ويجورّ أن يكون) أي قوله من رب العالمين خبراً ثانياً أي ولا لم أو للمبتدأ المقدر على الوجهين والخبر الأوّل تنزيل كما يجوز أن يكون من رب خبر تنزيل، ولا ريب اعتراض وهو أرجح عند الزمخشريّ، وعليه اعتمدوا في تفسير الآية وبجوز أن يكون خبرا أوّل أو حالاً، وقوله حال من الكتاب فعامله تنزيل وهي مؤكدة. قوله: (والضمير في فيه) في بعض النسخ فيه بدون في وفيه تسمح، وقوله لمضمون الجملة أي على كونه اعتراضاً الضمير لكونه منزلاً من رب العالمين لا للتنزيل ولا للكتاب، والمعنى لا ريب في أنه من عند الله، وقوله ويؤيده أي يؤيد رجوع الضمير لما ذكر وإنما أرجعنا كلامه إلى الاعتراض دون الحالية ليطابق ما في الكشاف، ويسلم من الاعتراض! بأنه لا يتأتى اعتبار من رب العالمين في مضمونها مع تأخره فإن الاعتراض! في نية التاخير فلا يضرّ فيما ذكر وفي بعض النسخ بعد قوله ثانيا والأوجه أنه الخبر الخ. قوله: (فإنه)
أي قولهم افتراه إنكار لكونه من رب العالمين بيان لوجه التأييد فالأنسب أن يكون نفي الريب عما أنكروه، وهو كونه من رب العالمين قيل فلا بد أن يكون مورده حكماً مقصودا بالإفادة لا قيدا للحكم بنفي الريب عنه، واعترض بأن مصب الإفادة المقصودة في الكلام هو القيد كما صرّح به الشيخ في دلائل الإعجاز مع أن ما ذكره لا يلزم منه كونه هو الخبر بل يتحقق إذا كان خبرا ثانيا أيضا، ثم أورد على ما زاده اعتراضاً آخر من الزوائد فيما نحن فيه، ولا يخفى عليك إنه إذا كان من رب العالمين حالاً من ضمير فيه كان المعنى لا ريب فيه حال كونه من رب العالمين فيفيد أن ما هو منه لا يليق أن يرتاب فيه فيكون كونه منه نافيا للريب لا محلا له وهذا لا ينافي ما ذكره الشيخ وإنما ينافي الغرض! المسوق له الكلام وأما كونه خبراً ثانياً فيأباه عود الضمير على مضمون الكلام كما مرّ فتدبر. قوله: (وقوله بل هو الحق الخ) أي يؤيده أياً قوله هذا، وقوله فإنه تقرير له أي لما قبله فيكون مثله في التأييد، وقوله ونظم الكلام على هذا الوجه من كون تنزيل مبتدأ خبره من رب العالمين وما بينهما اعتراض! وهو الوجه المرضي للشيخين، والإشارة إلى إعجازه من قوله ألم كما مرّ في البقرة وهذا على ما وقع في بعض النسخ من قوله والأوجه إنه الخبر أي عن تنزيل الكتاب ظاهر وهو
стр. 2430
يقتضي صحة تلك النسخة، وأما الأخرى فمشكل لأن ظاهره مبني على ذلك الإعراب وهو غير مذكور في الكتاب فيحتاج إلى التوجيه بأن الإشارة إلى كونه اعتراضا، والضمير لمضمونه وفيه تأمّل. قوله:) وقرّر الخ) لأن الجملة المعترضة تفيد التقرير والتأكيد، وقوله فإن أم منقطعة فتقدر ببل، والهمزة الإنكارية وتفيد ما ذكر، وقوله المنزل من الله هو معنى قوله بل هو الحق من ربك وفيه نكتة ذكرها في الكشف وهي أنه أضاف الرب أوّلاً إلى العالمين، ثم إليه يك! م ثانيا تخلصا لإثبات نبوّته، واشارة لتعظيم شأنه بأنه الجامع لما فرق في العالم بأسره وارداً على أسلوب الترقي دالاً على أن جمعيته به أتم مما لكل العالم وحق له ذلك صلوات الله وسلامه عليه. قوله: (وبين المقصود من تنزيله الخ (الظاهر أنّ ما نافية كما أشار إليه المصنف بقوله إذ كانوا أهل الفترة لأنّ قريشا لم يبعث إليهم رسول قبله يك! برو على ما فصله شرّاح الكشاف، فمفعول تنذر الثاني محذوف تقديره العقاب وجملة ما أتاهم صفة قوما، وقد جوّز فيها الموصولية لأنّ أنذر يتعدّى لمفعولين كقوله: ﴿أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً﴾ [سورة فصلت، الآية: ١٣] فيوافق قوله وان من أمّة إلا خلا فيها نذير ويجوز أن تكون مصدرية كما ذكره المعرب، ولا يرد على المصنف أنه إذا لم يأتهم نذير لم تقم عليهم
الحجة حتى يحتاج إلى القول بأن العقل كفى به دليلاً على قاعدة الاعتزال كما في الكشاف لأنّ قيام الحجة وسطوع البرهان بإنذار سيد الأنبياء عليه وعليهم الصلاة والسلام كاف لما نحن فيه، وقوله الله الذي الآية مرّ الكلام عليها مفصلاً في الأعراف فلا وجه لتكراره هنا. قوله: (ما لكم إذا جاوزتم الخ) جواب عن أن الشفيع لا يطلق على الله، ولذا أنكر بعض السلف من قال له أستشفع بالله لك فكيف أطلق عليه هنا بأنه لم يرد بالشفيع الله بل غيره ومن دون للمجاوزة كما في قوله:
يا نفس ما لك دون الله من واقي
فمن دونه حال من مجرور لكم والعامل الجارّ والمجرور أو متعلقه أي ما استقرّ لكم مجاوزين الله ورضاه شفيع أي لا يمكن أن يوجد ناصر أو شفيع عنده لكم من الخلق فلا يلزم إطلاقه عليه تعالى، وان قلنا بأنه أطلق عليه فإنّ قوله مالك دون الله من واقي يقتضي أنه هو الواقي نإنما يمتغ بمعناه الحقيقي فإذا كان مجازاً عن الناصر فإن الشفيع ينصر من يشفع له فهو يطلق عليه تعالى، والحاصل أن الشفيع على الأوّل غير الله وعلى الثاني هو الله وإلى الثاني أشار بقوله أو ما لكم سواه الخ إشارة إلى أنّ دون بمعنى غير والجارّ والمجرور حال من شفيع قدم عليه لأنه نكرة والمعنى ما لكم وليّ ولا شفيع غير الله فيلزم إطلاقه عليه، وتوجيهه ما مرّ ويجوز على هذا أيضا كون من دون حالاً من المجرور كما في الوجه السابق بعينه، وقوله بمواعظ الله إشارة إلى أنه من التذكير بمعنى الوعظ. قوله تعالى: ( ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ﴾ ) الآية ذكر فيها المصنف ﵀ وجوها ذكرها الزمخشريّ وحاصلها كما في بعض شروحه أن الأمر إما المأمور به أو الحال أو الشأن أو الوحي، فإن كان الأوّل فمعنى يدبر ينزله مدبراً من السماء إلى الأرض، وتعديته بمن والى لتضمينه النزول، وفي يوم متعلق بيعرج والمراد بالألف استطالة المدة لأنها نهاية العقود وهو الوجه الأوّل في الكشاف، وإن كان الثاني فقوله في يوم الخ إمّا أن يتعلق بيدبر أو بيعرح فإن كان الأوّل فالمعنى يدبر أمر الدنيا كلها من السماء إلى الأرض لكل يوم من أيام الله وهو ألف سنة على أن يدبر على حقيقته، والجاران من والى متعلقان بالأمر والألف على حقيقته ومعنى العروج الثبوت عنده وفي صحف ملائكته والتدبير لهذه المدة وان كان مرّة إلا أن العروج متكرّر لكل يوم إلى تمام ألف سنة ثم وثم إلى انقراض الدنيا وهو الوجه الثاني وإن كان الثاني فالمراد بالعروج الصيرورة إليه لا ليثبت في ديوان الملائكة بل ليحكم به والمراد بيوم كان مقداره الخ يوم القيامة، والظرف متعلق بيعرح وهو الوجه الرابع وتكرار التدبير في الوجهين من المضارع، وأما أن العروج في الأوّل منهما في كل وقت من أوقات هذه المدة
فلأن كتابة الملائكة لا تتأخر عن وجود الحوادث، وان كان الثالث فيدبر بمعنى ينزل كما في الأوّل والجاران متعلقان به للتضمين وفي يوم متعلق بالفعلين للتنازع، واليوم وقت إنزال الوحي مع جبريل ﵊، وعروجه معه أيضاً أي رجوع ما كان من قبول الوحي وردّه إليه، وهذا الوقت وان كان قصيرا إلا أنه قدّر بألف سنة لأن مسافته صعودا وهبوطا سير الناس، وهو الوجه الثالث
стр. 2431
ولم يرتض هذا الوجه الزمخشريّ لتكلفه، وكذا الرابع لأنه لا فائدة ظاهراً في العدول عن يوم القيامة إلى ما في النظم، اهـ محصله وعليه ينزل كلام المصنف وان خالفه ترتيبا ومعنى كما سنبينه. قوله: (يدبر أمر الدنيا الخ) هذا أحد الوجوه السابقة والتدبير فيه على ظاهره والأمر بمعنى الشأن كما أشار إليه بقوله أمر الدنيا والى متعلق بيدبر لتضمينه معنى ينزل ومن ابتدائية والى انتهائية، واليه أشار بقوله نازلة، وهذا هو المطابق لما في الكشاف وشروحه فقوله بأسباب سماوية بيان لحاصل المعنى، وهي الأمطار ونحوها ويجوز على هذا تعلق من السماء إلى الأرض بالأمر أو جعله حالاً منه ويجعل كناية عن تدبير جميع الأمور، وقيل من عنده سببية، وقوله آثارها الضمير فيه للأسباب ويعرح بمعنى يصعد ويرتفع على حقيقته كما ذكره، وقوله ويثبت في علمه بيان لوجه صعوده للعرض عليه، وقيل إنه إشارة إلى أن العروج والصعود مجاز عن الثبوت في العلم أي تعلق العلم به تعلقاً تنجيزياً فإنه كان معلوماً له قبله، ولذا قال موجوداً لئلا يرد أنه كان ثابتا فيه قبله ولو فسر بكتابته في الصحف كان أظهر. قوله: (في برهة) أي مدّة الخ يعني أن قوله في يوم الخ متعلق بيعرج في هذا الوجه وأن المراد استطالة مدة ما بين التدبير والوقوع لا ظاهر العدد فهو مجاز عن لازمه لأن الألف نهاية العقود، ولذا يعبر به عما طالت مدته وهذا مما خالف فيه الزمخشريّ لأنه أبقاه على ظاهره إذ جعل الأمر بمعنى الشأن وفسره به إذا كان واحد الأوامر. قوله: (وقيل يدبر الأمر الخ الم يبين المراد بالأمر في هذا الوجه والظاهر أنه بالمعنى السابق من أمور الدنيا وأحوالها وأنه الوحي وهو المطابق للكشاف، ويدبر على هذا مضمن معنى ينزل أيضاً كما أشار إليه وإنما مرضه لأن تقدير مسافة ما بين السماء والأرض به غير معلوم، ولأن كونها مدة الذهاب والإياب خلاف الظاهر، وكذا جعله بالنسبة لسير غير الملائكة، وقوله ثم يعرح أي الملك أو الأمر مع الملك، وقوله في زمان إشارة إلى أن اليوم بمعنى مطلق الوقت. قوله: (فإن ما بين السماء والأرض الخ) إشارة إلى أنّ قوله في يوم متعلق بالفعلين معنى وأنه تقدير لمسافة النزول والصعود بسير غير الملك فيكون على التشبيه، وقوله في الكشاف في الحقيقة ليس المراد به ما يقابل المجاز لأنه
يقال هذا في الحقيقة كذا أي في نفس الأمر أو فيما تحققه الناظر مع قطع النظر عن دلالة اللفظ كما بينه بعض شراح الهداية، ومن غفل عنه اعترض عليه وكذا من أجاب عنه بأن مقصوده المبالغة في التشبيه، وما في آية أخرى من قوله خمسين ألف سنة لا يعارضه إن قصد المبالغة أو هذا عروج إلى سماء الدنيا وذاك إلى العرس. قوله: (وقيل يقضي الخ) فيدبر بمعنى يقضي ومن السماء إلى الأرض متعلق بالأمر أو حال منه، والأمر قضاؤه تعالى ويعرج بمعنى يصعد ويعرض! كما مرّ وألف سنة على ظاهره ومرضه لأنّ نزول الملائكة بما قضى في ألف سنة، ثم الصعود به بعدها خلاف الظاهر. قوله:) وقيل يدبر الأمر الخ) فالأمر واحد الأمور من السماء إلى الأرض متعلق به أو حال وهو كناية عن جميع الأمور، والمراد بيوم الخ يوم القيامة ومرضه لأنّ العدول عن التعبير بيوم القيامة، ونحوه خلاف الظاهر ولأنه يحتاج إلى جعل في بمعنى إلى أو جعل تدبيره بمعنى الجزاء عليه، وجعل يعرج بمعنى يرجع إليه للجزاء وكل بعيد وقوله يعرج وقع في نسخة بدله يرجع أي للحكم، والجزاء عليه وهو تفسير ليعرج على هذا الوجه. قوله: (وقيل يدبر المأمور به) فالمراد بالأمر واحد الأوامر أو الوحي وهو بمعنى المأمور فالتضمين، والتعلق على حاله، وثم للاستبعاد والخلوص من الصعود والعروج لقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [سورة فاطر، الآية: ١٠] وألف عبارة عن الاستطالة كما مرّ وهذا الوجه قدّمه الزمخشري وأخره المصنف ﵀ إشارة إلى ضعفه عنده. قوله: (وفرئ يعرج) أي بالبناء للمفعول، وهي قراءة شاذة لابن أبي عبلة وأصله يعرج به فحذف الجارّ وإرتفع الضمير واستتر، وقوله ويعدون بالغيبة وهي قراءة الأعمش والجمهور على الخطاب، وقوله تعالى ذلك إشارة إلى الذات الموصوفة بتلك الصفات المقتضية للقدرة التامّة والحكمة العامّة، وهو مبتدأ خبره ما بعده والعزيز الرحيم خبران آخران أو نعتان، وقوله وفيه إيماء أي في قوله العزيز الرحيم أو في قوله الرحيم، وحده ووجه الإيماء ظاهر لأنّ الوصف بالمشتق! يقتفبي علية مأخذه فتدبيره للعالم
стр. 2432
رحمة منه لا إيجابا عليه وهو ردّ على من يقول بالإيجاب. قوله: (خلقه موفرا) أي مكملاَ تامّا وهذا بيان لحاصل المعنى لأنّ تقديره أحسن خلقه أي جعله حسنا تامّا كاملاً حسبما تقتضيه حكمته، وكون خلقه بدل اشتمال إذا كان بالمعنى المصدري فالضمير المضاف إليه لكل شيء أمّا إذا كان بمعنى المخلوق فهو بدل كل من كل أو بدل بعض من كل والضمير لله، والذي ارتضاه أبو عليّ في الحجة وهو ما صرّح به في كتاب سيبويه أنه مفعول مطلق لأحسن من
معناه، والضمير لله أيضاً وقد جوّز أيضا كونه مفعولاً ثانياً أو أوّل لأحسن لتضمينه معنى أعطى. قوله: (وقيل علم كيف يخلقه) قال الراغب الإحسان يقال على وجهين أحدهما الأنعام على الغير والثاني الإحسان في فعله، وذلك إذا علم علماً حسناً وعمل عملاً حسنا وعليه قول أمير المؤمين عليّ كرم الله وجهه الناس أبناء ما يحسنون أي ينسبون إلى ما يعلمونه، ويعملونه من الأفعال الحسنة اهـ فحينئذ إذا تضمن معنى العلم فلا مانع من أن يحوي معناه ويعمل عمله كما قرّروه في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ، [سورة هود، الآية: ٧] ولا يضرّ عدم تعدّبه لهما في المثال فقوله يحسن معرفته إشارة إلى وجه تفمنه معنى العلم لا إلى تقدير مضاف، وقوله قيمة المرء ما يحسنه هو من كلام عليّ أيضاً كرم الله وجهه وهو استشهاد على دلالته على العلم كالبيت المنسوب إليه أيضاً وهو:
وقيمة المرء ما قد كان يحسنه والجاهلون لأهل العلم أعداء
فلا يتوهم أنّ ما استشهد به غير موافق لمدعاه كما قيل، ومعنى المثال زيادة رفعة المرء
وعلوّ قدر. بعلمه لا بحسنه وجسمه فالقيمة مجاز فيه. قوله: (بفتح اللام) على أنه فعل ماض، والجملة واقعة بعد نكرة فهي صفة كل أو شيء والثاني أولى لأنّ المضاف بعد كل هو المقصود بالذات فهي في محل جرّ لا نصب، وهو الظاهر من قوله فالشيء الخ. قوله: (على الأوّل مخصوص بمنفصل وعلى الثاني بمتصل) قصر العامّ على بعض أفراده إمّا بغير مستقل، وهو كلام غير تام تعلق بصدره كلاصفة أو بمستقبل من كلام أو عقل أو غيره كالحس ويسمى الأوّل متصلاَ والثاني منفصلاً، وكل منهما تخصيص عند الشافعية لأنه قصر العامّ على بعض أفراده مطلقا وأمّا عندنا فالتخصيص هو الثاني فقط كلاما كان أو غيره فما ذكره المصنف من أنه على الأوّل أي على قراءة خلقه بالمصدرية على وجوه إعرابه مخصوص بمنفصل، وهو دلالة العقل على أنه لم يحسن خلق كل شيء مطلقاً حتى ذاته وصفاته لأنّ المتبادر من الخلق الحدوث الزمانيّ وذاته وصفاته منزهة عن الاتصاف بالخلق فاحتيج إلى تخصيص شيء بما ذكر، وأمّا الحدوث الذاتيّ فاصطلاح للفلاسفة واه كما بين في الكلام ولو جعلت جملة خلقه مستأنفة كان التخصيص بمنفصل أيضاً على هذه القراءة لكن لكونه خلاف الظاهر لم يتعرّض له المصنف وكون شيء بمعنى المفعول، وهو مشيء كما مرّ في البقرة بحسب الوضمع الأصلي، وقد يلاحظ فيه العموم فيحتاج إلى المخصص مع أنه وجه في المآل آخر للتخصيص فلا اعتراض به على المصنف ﵀ كما توهم فما ذكره المصنف مبنيّ على أصولهم، وقد يرجع إلى أصولنا أيضاً فأعرفه. قوله: (يعني آم) ﵊ قد مرّ تحقيقه وفوله
تنسل كتنصر تخرج، وتنفصل والسلالة الخلاصة وأصلها ما يسل ويخلص بالتصفية، وممتهن بمعنى مبذول وأصل التسوية جعل الأجزاء متساوية فلذا فسره بقوله قوّمه الخ وثم للترتيب الرتت أو الذكريّ لأنها قبل النسل* قوله: (إضافة إلى نفسه تشريفاً) إذ لم يقل روحا بل روحه تشريفاً له مع أنّ كل روح له، ومنه قيل بيت إدلّه وناقة الله تعظيما للمضاف وضمير له للإنسان أو للروح بتأويله بمخلوق، وقوله له مناسة ما إلى الحضرة الربوبية ظاهر في هذا أي انتساب إليها ولذا عداه بإلى وحضرة مصدر بمعنى حضور، والمراد المقام والمحضر وأقحم تأدّبا على ما عرف في الاستعمال ووجه المناسبة اتصالها بالعالم العلوفي، وتجرّدها عن التجسم وتصرّفها، وتوله من عرف نفسه الخ ليس بحديث بل هو من كلام أبي بكر الرازي كما ذكره الحفاظ، وبعض الجهلة يظنه حديثا كما وقع في بعض كتب الموضوعات، وقيل ليس معناه ما ذكر بل معناه من عرف نفسه، وتأمّل حقيقتها عرف أنّ له صانعاً موجدا له وإليه أشار تعالى بقوله ة ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [سورة الذاريات، الآية: ٢١] (قلت) ما ذكره المصنف ﵀ سبقه إليه غيره وهو مناسب لكلام الحكماء
стр. 2433
والصوفية واللفظ يحتمله فتأمّله. قوله تعالى: ( ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾ ) التفات إلى الخطاب لا يخفى موقع ذكره بعد نفخ الروح وتشريفه بخلقة العقل حتى صلح للخطاب، وقدم السمع لكثرة فوائده وأفرد لأنه في الأصل مصدر، وقوله خصوصا من لام الاختصاص والتقديم والاختصاص بالمجموع، والظاهر أنّ جملة قليلا الخ حالية، وقوله شكرا قليلا إشارة إلى أنه صفة مصدر مقدّر. قوله:) أي صرنا تراباً الخ) فهو من ضل المتاع وأضله إذا ضاع كأنه لاضمحلاله وامتزاجه بالتراب شيء ضائع، وقوله أو غبنا أي بالدفن فيها وان لم نفن ونضمحل كما في قول النابغة:
وآب مضلوه بعين جلية
أي دافنوه وهذا معنى آخر فلا وجه لما قيل الظاهر عطفه بالواو كما في القاموس، وقوله وقرئ ضللنا الخ هي قراءة عليّ وابن عباس رضمي الله محنهم لأنه يقال ضل يضل كضرب يضرب، وعلم يعلم وهما بمعنى وأمّا صل بالمهملة فمعناه تغير وأنتن من الصلة، وهي الدبر ويقال للأرض الصلة لأنها لست الدنيا، وتقول العرب ضمع الصلة على الصلة وصللنا روي في الإهمال بفتح اللام وكسرها وهي قراءة الحسن، وقوله على الخبر أي بترك الأستفهام، وقوله
والعامل فيه الخ لأنه لا يصح تقديم معموله عليه مع الاسنفهام المستحق للصدارة، وكذا أنّ لا يعمل ما بعدها فيما قبلها أيضاً وقوله، وإسناده الخ تقدّم ما قيه واعتراض بعضهم بأنه لا يشترط الرضا بل يكفي وقوعه فيما قبلها أيضاً وقوله، وإسناده الخ تقدّم ما فيه واعتراض بعضهم بأنه لا يشترط الرضا بل يكفي وقوعه فيما بينهم وتناقض كلامهم فيه، والجواب عنه والتوفيق فتذكره وقولهم هذا تهكم واستهزاء واذا يحتمل الظرفية المحضة والشرطية والجواب على الثاني محذوف وأبيّ بن خلف من المشركين مشهور. قوله: (بالبعث) فلقاء الله كناية عن البعث أو هو بتقدير مضاف أي بلقاء ملائكة ربهم، وهم ملائكة الموت والعذاب والإضراب على الأول للترقي من التردّد فيه واستبعاده إلى الجزم بجحده، وكون لاستفهام إنكاريا يؤول إلى الجحد لا يضرّه كما توهم، وقيل الظاهر ما في بعض النسخ من عطف وتلقى بالواو ليظهر الإعراب لأنه إنكار جميع ما بعد الموت، وهو أبلغ من إنكاره فقط. قوله تعالى: ( ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ﴾ الخ) وجه مناسبته لما قبله على الثاني ظاهرة لأنهم لما جحدوا بلقاء ملائكة الموت وما بعده قيل لهم إنكم سترون ملك الموت، وما بعده من الحساب والعقاب، وأمّا على الأوّل فلأنهم لما أنكروا البعث والمعاد ردّ عليهم بما ذكر لتضمن قوله: ﴿إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [سورة السجدة، الآية: ١١، البعث مع زيادة ذكر الموت، وكونه موكلاَ بهم لتوقف البعث عليه ولتهديدهم وتخويفهم وللإشارة إلى أنّ القادر على الإماتة قادر على الإحياء فلا حاجة إلى تكلف ادّعاء أنّ كلامهم يشعر بأنّ الموت بمقتضى الطبيعة حيث أسندوه إلى أنفسهم فليس عندهم بفعل الله، ومباشرة ملائكته وأبعد منه ما قيل في مناسبته إنّ عزرائيل، وهو عبد من عبيده إذا قدر على تخليص الروح من البدن مع سريانها فيه سريان ماء الورد في الورد، واللهب في الجمر فكيف لا يقدر خالق القوى والقدر على تمييز أجزائهم المختلطة بالتراب، وكيف يستبعد البعث مع القدرة الكاملة له تعالى فإنّ ذلك السريان ربما خفي على العقلاء فكيف بجهلة المشركين وفي وكل إشارة إلى أنّ المتوفى حقيقة هو الله كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ﴾ [سورة الزمر، الآية: ٤٢، أو هو بمعنى سلط. قوله: (يستوفي نفوسكم لا يترك منها شيئا) من أجزائها لا من جزئياتها لئلا يتحد بما بعده، وهذا من معنى التوفي لأنه بمعنى أخذ الشيء بتمامه كما في شرح المفتاح، وقوله أو لا يبقى منكم أحداً الخ هو من السياق، وقوله والتفعل الخ توجيه لتفسيره به بأنهما متلازمان فإنه مطاوعه وهو لا ينفك عنه أبداً أو أغلبيا،
وقوله إحصاء آجالكم ليس الإحصاء فيه بمعنى العد بل المراد معرفة انتهائها وتمامها. قوله تعالى: ( ﴿وَلَوْ تَرَىَ﴾ ) الخطاب للنبيّ ﷺ أو لغير معين، وقوله قائلين إشارة إلى أنه حال بتقدير القول، وهو أولى من تقدير الزمخشريّ يستغيثون بقولهما لخ، وعامل الحال ترى أو ناكسو، وقوله أبصرنا ما وعدتنا إشارة إلى مفعوله المقدر وقدره الزمخشريّ صدق وعدك ووعيدك قصداً للمبالغة. قوله تعالى: ( ﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ ) استئناف لتعليل ما قبله كقوله: ﴿إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ﴾ [سورة هود، الآية: ٣٧] بعد قوله: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [سورة هود، الآية: ٣٧] ولذا أكد بأنّ والاسمية، وقوله إذ لم يبق لنا شك إشارة إلى أنّ الإيقان اليقين الدافع للشك والشبه كما مرّ تحقيقه في أوّل سورة البقرة، وقيل إنه إشارة إلى أنه استئناف لم يقصد به التعليل وفيه نظر. قوله: (وجواب لو محذوف تقديره الخ) ظاهره
стр. 2434
أنها تدلّ على التمني حقيقة أو مجازا وحينئذ لا يكون لها جواب ملفوظ، ولا مقدر وقد خالف في ذلك ابن مالك وأبو حيان وقالا لا بد لها من الجواب استدلالاً بقول مهلهل في حرب البسوس:
فلو نبش المقابر عن كليب فيخبر بالذنائب أقي زير
بيوم الشعثمين لقرّ عينا وكيف لقاءم ن تحت القبور
فإنّ لو فيه للتمني بدليل نصب فيخبر وله جواب وهو قوله لقرّ وردّ بأنها شرطية ونصبه
عطفاً له كلى المصدر المتصيد من نبش، وتقديره لو حصل نبش فإخبار وهو تكلف، ولو قيل إنها لتقدير التمني معها كثيراً أعطيت حكمه فاستغنى عن تقدير الجواب فيها إذا لم يذكر كما في الوصلية، ونصمب جوابها كان أسهل مما ذكر. قوله: (والمضي فيها) أي في لو لأنها حرف امتناع لامتناع فيما مضى وفي إذ وضعا لأنّ إخباره تعالى عما تحقق في علمه الأزلي لتحققه بمنزلة الماضي فيستعمل فيه ما يدل عليه مجازا كلو واذ قيل ولا يبعد حمل ترى أيضا على المضيّ الفرضي أي لو رأيت إذ وقفوا على النار في الدنيا، وهو كلام حسن سقط به اعتراض! ابن هشام ﵀ بانه لا معنى له إذا لو أوّل ترى برأيت وهو مستقبل لزم كون رأيت بمعنى ترى وفي بعض شروج الكشاف فان قلت هذا في قوله ناكسو صحيح لأنه نزل فيه النكس المستقبل منزلة الواقع فيما مضى فأدخل فيه إذ أما في ترى فلا لأنه في حيز لو الامتناعية المقتضية عدم وقوع الرؤية فكيف ينزل منزلة الواقع قلت المراد من المترقب النكس لا الرؤية لكن لما جعل النكس، واقعا فيما مضى صارت الرؤية المتعلقة به بمنزلة الماضي بتبعيته مع امتناعها ورده معلوم مما قرّرناه أيضا فتأمّل. قوله: (ولا يقدر الخ التنزيله منزلة اللازم، وما دلّ عليه صلة إذ أي ما أضيفت إليه لأنه بمنزلة الصلة المتممة لها للزومها الإضافة وهو المجرمون
أو وقوفهم على النار، وقوله أو لكل أحد أي ممن يصح منه الرؤية لأنّ الضمير قد يراد به غير معين كما تقرّر في المعاني. قوله تعالى: ( ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ ) قيل إنه جواب لقولهم فاوجعنا بأنهم لو أرجعوا لعادوا لما نهوا عنه لأنا لم نقدر هدايتهم، وقوله ما يهتدي به الخ لو فسر بنفس الإيمان والعمل الصالح صح لكن هذا أتمّ وأولى وأنسب بمعنى الهداية، وقوله بالتوفيق متعلق بقوله آتينا. قوله: (ثبت) تفسير لحق لأنه بمعنى ثبت وتحقق، وقوله قضاتي تفسير للقول لأنه إذا أضيف إلى الله يراد به حكمه وقضاؤه كما ذكره الراغب في قوله: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾ [سورة بس، الآية: ٧] ومثله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١٥ ا] وقوله: ﴿سبق وعيدي﴾ تفسير آخر له فالقول على ظاهره، وقوله لأملأنّ الخ هو المقول على هذا ولذا قال وهو الخ. قوله تعالى: ( ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ ) قدم الجنة لأنّ المقام مقام تحقير ولأنّ الجهنميين منهم أكثر فيما قيل ولا يلزم من قوله أجمعين دخول جميع الإنس، والجن فيها وأمّا قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [سورة مريم، الآية: ٧١، فالورود غير الدخول كما مرّ تحقيقه في هود لأنها تفيد عموم الأنواع لا الإفراد فالمعنى لأملأنها من ذينك النوعين جميعاً كملأت الكيس من الدراهم والدنانير جميعا، كما ذكره بعض المحققين وردّ بأنه لو قصد ما ذكر كان المناسب التثنية دون الجمع بأن يقال كأيهما فالظاهر أنها لعموم الإفراد والتعريف فيها للعهد، والمراد عصاتهما ويؤيده قوله تعالى في آية أخرى خطابا لإبليس لعنه الله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [سورة ص، الآية: ٨٥] فتدبر. قوله: (وذلك تصريح الخ) ذلك إشارة إلى النص، وقوله لأملأنّ الخ وقد وقع في نسخة هذا النص صريح وهو ردّ على الزمخشريّ حيث أيد مذهبه من أنه تعالى لا يشاء القبيح كالضلال بل الهداية، وحمل المشيئة المذكورة على القسرية وقال إن تعقيب فذوقوا الخ بنسبة النسيان إليهم وجعله سبباً للإذاقة دال على أنّ المشيئة المطلقة مقيدة هنا بقيد الإلجاء والقسر، وأنّ العلم الأزليّ مانع لاختيارهم قال الطيبي ﵀ وهو عدول عن جادّة الصواب حيث أوقع حق القول المعبر به عن العلم الأزليّ المستتبع للكائنات سبباً عن استحبابهم العمي وجعل استحبابه مسببا عن اختيارهم المعدوم، والحق قول الإمام إنّ لو شئنا لآتينا الخ جواب لقولهم فارجعنا أي هذا الذي جرى علينا بسبب ترك العمل أمّا الإيمان فنحن موقنون به فأرجعنا لتتلافى العمل فأجيبوا بأنا لو أردنا الإيمان فنحن موقنون به فأرجعنا لتتلافى العمل فأجيبوا بأنا لو أردنا الإيمان هديناكم فلما لم نهدكم تبين أنا لم نرد إيمانكم فلا نردّكم فذوقوا العذاب
стр. 2435
المقدر عليكم بكفركم فإنه لا ينفعكم الآن شيء والمصنف ﵀ أشار إلى أنّ الآية صريحة في خلاف ما ذكره،
لأنها دالة على أنّ عدم إيمانهم لعدم مشيئة الله، وهذا معنى قوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ لأنّ الهدى الإيمان أو الموصل إليه، وقوله المسبب الخ أي وعدم المشيئة مسبب عن سبق حكم الله به، وهو معنى قوله ولكن حق القول مني الخ فإنه استدراك لدفع ما قبله والمراد أنه سبب استمراره أو سببه بنفسه فإنه لا مانع من تسبب أزليّ لأزليّ آخر فإنه لا يقتضي التقدّم الزمانيّ بل الرتبيّ، وما أورد عليه من أنّ العدم الأصليّ لا يحتاج إلى سبب فينبغي تفسيره بالكف أو الامتناع عن المشيئة غير مسلم في العدم الذي ليس بصرف، وكذا ما قيل من أنّ التصريح ممنوع إذ يجوز كون سبق الحكم سببا لعدم الهداية بل هو الظاهر إذ المناسب كون السبق لعدم المشيئة لا العكس، فإنه مخالف للنظم كما عرفت فتأمّل. قوله: (ولا يدفعه الخ) أي كما في الكشاف نصرة لمذهبه أي لا يعارض سبق القضاء لأنّ عدم الإيمان على هذا بسبب ميلهم الاختياريّ لا لعدم مشيئته تعالى، ولا للسبق المذكور والمراد بنسيانهم ترك العمل المشابه للنسيان أو ترك التدبر وعليه كلامه الآتي وذوقوا أمر تهديد توبيخيّ، والفاء تفصيلية أو في جواب شرط مقدر أي إذا حق القول، وهذا إمّا مفعول ذوقوا والمعنى ذوقوا ما أنتم فيه من نكس الرؤس والخزي، والغم أو صفة يوم وحذف مفعوله للتهويل بالإبهام ويدلّ عليه قول المصنف ﵀ فيما سيأتي من التصريح بمفعوله الخ، وقوله بقوله متعلق بجعل. قوله: (فإنه من الوسايط المفضية له) أي لذوق العذاب يعني ليس هو السبب الحقيقيّ حتى ينافي كونه بمشيئة الله وسبق قضائه، والجبر مندفع بمقارنة القدرة لفعل العبد عند الأشاعرة على ما بين في الكلام وأما التوبيخ بالواسطة مع سبق المسبب الحقيقيّ فلا بعد فيه كما توهم إذا تضمن نكتة كقربه من الوقوع، وظهوره وكونه هو الصادر منهم وقوله المفضية بالفاء والضاد المعجمة بمعنى الموصلة وفي نسخة المقضية والمقتضية بالقاف وهي متقاربة. قوله: (تركناكم من الوحمة أو في العذاب) وهما وان تغايرا متقاربان وهو إشارة إلى أنّ النسيان بمعنى الترك. لأنه محال عليه تعالى، وهو استعارة أو مجاز مرسل كما أنّ لنسيان السابق أيضا مجاز مرسل، وقد جعله الزمخشريّ مقابله أي مشاكله كما صرّح به بعض الشراح، وكون المشاكل الأوّل مجازا لا يمنع منها والقرينة على قصد المشاكلة فيه أنه قصد جزاؤهم من جنس عملهم فهو على حد قوله: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ الشورى، الآية: ٤٠] لكنه نادر في بابه فلا يرد الردّ عليه بأنه مجاز فافهم وقوله ترك المنسيّ أي كترك المنسيّ إشارة إلى أنه استعارة. قوله: (وفي استثنافه) أي إيقاعه هذه الجملة سمتأنفة لأنّ جعله جملة مستأنفة يقتضي الاهتمام به ففيه تأكيد أيضا. قوله: (وبظء الفعل على أنّ واسمها) أي إيقاع الفعل، وهو نسيناكم خبراً عن الاسم وجعله عجز
الاسمية مؤكدة بأن إشارة إلى أنه نسيان أي ترك شديد محقق كما تفيده الاسمية المؤكدة، والانتقام من وقوعه جزاء لنسيانهم. قوله: (كرر الأمر) أي قوله ذوقوا للتأكيد ولما كان من حق التاكيد أن لا يعطف أشار بقوله ولما نيط أي علق الخ إلى أنّ فيه زيادة على الأوّل جعلته بمغايرته للأوّل مستحقاً للعطف، وقوله من التصريح بمفعوله، وهو عذاب الخلد إشارة إلى أنّ مفعول الأوّل محذوف أو غير صريح لأنه اسم إشارة، وقوله وتعليله إشارة إلى أنّ الباء سببية وأفعالهم السيئة مدلول قوله ما كنتم تعملون، وقوله من التكذيب الخ بيان لها، وقوله بتركهم الخ معنى قوله بما نسيتم وفيه إشارة إلى أنّ ما مصدرية، وقوله دلالة الخ إشارة إلى أنها أسباب متعدّدة وان كانت وسايط فلا ينافي ما مرّ كما ذهب إليه الزمخشريّ. قوله تعالى: ( ﴿بِآيَاتِنَا﴾ ) المراد بها دلائل توحيده وقدرته أو آيات القرآن الدالة على ذلك، وقوله كالعجز الخ إشارة إلى ارتباطه بما قبله، وقوله حامدين الخ إشارة إلى أنّ الباء للملابسة والجار والمجرور حال وأنّ الحمد هنا في مقابلة النعمة، وقوله حامدين الخ إشارة إلى أنّ الباء للملابسة والجار والمجرور حال وأنّ الحمد هنا في مقابلة النعمة، وقوله وهم لا يستكبرون عطف على الصلة أو حال من أحد الضميرين، وقد تجوّز عطفه على أحد الفعلين. قوله تعالى: ( ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾ ) جملة مستأنفة أو حالية أو هي خبر ثان للمبتدأ وكذلك يدعون وإذا جعل يدعون صالاً احتمل أن يكون حالاً ثانياً وأن يكون حالاً من ضمير جنوبهم لأنّ المضاف جزء والتجافي البعد، والارتفاع من الجفاء وكني به
стр. 2436
عن ترك النوم كما في قول ابن رواحة رضي الله تعالى عنه:
نبيّ يجافي جنبه عن فراشه إذا استثقلت بالمشركين المضاجع
واليه أشار المصنف ﵀، وخوفا وطمعاً إمّا مفعول له أو حالان أو صصدران لمقدر وتتنحى بالمهملة أي تبعد ومواضع النوم شامل للأرض. قوله: (وعن النض ﷺ في تفسيرها) أي الآية إشارة إلى ما رواه أحمد والحاكم، وغيرهما عنه ﷺ مرفوعاً من أنه قرأها وقال هو
صلاة الرجل في جوف الليل، وقوله إذا جمع الله الخ روأه أبو إسحق وأبو يعلى عن أسماء كما ذكره ابن حجر، وقوله يسمع الخلائق أي صوته أو هو معلوم من أسمع ويجوز أن يكون من سمع وفاعله الخلائق، والمراد بالجمع المحشر ومن أولى بالكرم أي من الله، وقوله فيسرحون أي يرسلون وشاقون إلى الجنة من غير حساب ومنه سرّح الماشية للمرعى، وسائر الناس باقيهم، وقوله وقيل الخ مرضه لمخالفتة للظاهر لأنه ليس وقتاً يكثر فيه النوم حتى يمدح بتركه ولمخالفته للرواية المشهووة السابقة، وقوله وجوه الخير شامل للفرض والنقل، وقوله ولا نبيّ الخ في نسخة بترك العطف وهو مرويّ في الحديث القدسيّ المتفق عليه عن أبي هريرة ﵁. قوله تعالى: ( ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم﴾ الخ) الفاء سببية، أو فصيحة أي أعطوا فوق رجائهم فلا الخ ونفس نكرة منفية فتعم وقرة العين السرور وقد مرّ تحقيقها، وقوله أعددت أي هيأت وأحضرت لهم من النعيم والرضوان، وقوله ما لا عين رأت الخ يعني أنه ليس من جنس ما يعرفون من النعيم بل هو أبئ وأعظم. قوله: (بله ما اطلعتم عليه) قال ابن هشام في المغني بله على ثلاثة أوجه اسم لاع ومصدر بمعنى الترك واسم مرادف لكيف وما بعدها منصوب على الأوّل ومخفوض على الثاني، ومرفوع على الثالث وفتحها بناء على الأوّل والثالث وإعراب على الثاني، وإنكار أبي عليّ أن يرتفع ما بعدها مردود رواية ومن الغريب ما في البخاريّ، من رواية الحديث من بله بمن الجارة خارجة عن المعاني الثلاثة، وقد فسرت بغير وبه يتقوّى عدّها من أدوات الاستثناء فما بعدها محتمل لوجوه الإعراب الثلاثة والمعنى على كل حال أنه ليس مما عرفتموه واطلعتم عليه واطلعتم معلوم من الاطلاع افتعال
بمعنى الوقوف عليه، وقد روي اطلعتم مجهولاً من الأفعال وما وقع في الرضى أعطيتم غير معروف رواية، وقوله إن شئتم أي أردتم تحقيقه. قوله: (وقرأ حمزة الخ) عقب الحديث بهذه القراءة إشارة إلى ما في الانتصاف من قوله كان جدي ﵀ يستحسن أن يقرأ الآية تلو الحديث المذكور بسكون الياء من أخفى ورده إلى المتكلم ليطابق صدر الحديث، وهو أعددت الخ ليكون الكل راجعاً إليه تعالى مسنداً إلى ضمير اسمه جل وعز صريحاً اهـ، وعلى القراءة المشهورة هو ماض مجهول بفتح الياء. قوله: (وقرئ نخفي) أي بنون العظمة وأخفى ماض معلوم، وقوله وقرات أي قرى قرّات بصيرة الجمع لقرة وهي قراءة شاذة أسندها أبو الدرداء وابن مسعود ﵄ إلى النبيّ ﷺ ، وقوله لاختلاف الخ بيان لنكتة جمع المصدر أو اسمه، وقوله والعلم بمعنى المعرفة فيتعدى لمفعول واحد وهو ظاهر على الموصولية وإذا كانت ما استفهامية يجوز تعديه لمفعولين لسد الجملة مسدهما وعلى كل من الموصولية والاستفهامية فالإبهام للتعظيم لأنه بمعنى أيّ شيء. قوله: (أي جزوا جزاء) فهو مفعول مطلق لفعل مقدر والجملة مستأنفة ويجوز جعلها حالية، وقوله أو أخفى للجزاء فهو مفعول له وقوله فإن إخفاءه لعلوّ شأنه بيان لوجه التعليل للإخفاء وحينئذ يجوز تعلقه بلا تعلم، وقوله وقيل الخ أي أخفى ليكون الجزاء من جنس العمل، ويجوز على المصدرية جعله مؤكداً لمضمون الجملة المتقدّمة. قوله: (خارجاً عن الإيمان) يشير إلى أنّ أصل معنى الفسق الخروج من فسقت الثمرة إذا خرجت من قشرها ثم استعمل في الخروج عن الطاعة وأحكام الشرع مطلقاً فهو أعمّ من الكفر وقد يخص به كما في قوله: ﴿وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [سورة النور، الآية: ٥٥] وكما هنا لمقابلته بالمؤمن. قوله: (في الشرف الخ) هذا على طريق الفرض أو التهكم إذ لا مثوبة للكانر أصلا، وقوله تأكيد أي لما فهم من قوله أفمن كان مؤمناً الخ فإنه يدلّ على عدم مشابهته له ومساواته معه، وقوله والجمع أي في ضمير يستوون الراجع لمن باعتبار المعنى بعد
стр. 2437
أفراده رعاية للفظه. قوله: (نإنها المأوى) أي المسكن لأنها مقرّ والدنيا ممر وجسر للآخرة، وقوله وقيل الخ فهو علم المكان مخصوص منها كعدن ومرضه لأنّ الجمع وإضافة العامّ إليه لا تناسبه والنزل كما مرّ ما يعد للنازل ثم عمّ كل عطاء أو جمع نازل حالاً. قوله:
(بسبب أعمالهم) فالباء للسببية، وكونها سبباً بمقتض فضله ووعده فلا ينافي حديث لن يدخل أحدكم الجنة بعمله، وقوله أو على إعمالهم فالباء للمقابلة والمعاوضة فإنها تستعمل بهذه المعنى كعلى في نحو بعتك الدار على ألف درهم، ووقع في نسخة عطفه بالواو فهو بيان لما قبله والأولى أولى وبما ذكرناه علم ضعف قوله في المغنى إنّ الباء هنا ليست للسببية كما قاله المعتزلة وكما قاله الجميع في نحو لن يدخل أحدكم الجنة بعمله لأنّ المعطي بعوض قد يعطى مجاناً، وأمّا المسبب فلا يوجد بدون السبب، وقد تبين عدم المعارضة بين الآية والحديث لاختلاف معنى الباءين اهـ. قوله: (مكان جنة المأوى الخ) يعني ليس المراد بالمأوى مطلق المحل والمنزل وإن جوّزه في الكشاف بل المحل المقصود والمطلوب للاستراحة والوقاية من الحرّ والبرد ففيه استعارة تهكمية، وهذا مأخوذ من المتعارف والمقابلة وهو أبلغ فلا يرد عليه أنه عدول عن الحقيقة من غير داع، ولا قرينة فلا وجه له كما قيل. قوله: (عبارة عن خلودهم فيها) دفع لما يتوهم من أنّ الإعادة تقتضي الخروج فهو معارض لقوله: ﴿وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٦٧] وقد حمل كلامه هنا على الاستعارة التمثيلية، وقد مرّ في سورة الحج أنّ التقدير فخرجوا لأنّ الإعادة بعد الخروح ومراده الخروح من معظمها فلا يخالف قوله وما هم بخارجين الخ، ولذا قال فيها دون إليها وقيل هو كناية عن القرب من الخروج وقد مرّ الكلام فيه. قوله تعالى: ( ﴿عَذَابَ النَّارِ﴾ الخ) في أمالي ابن الحاجب في نكتة إظهار النار مع ذكرها قبله أنه لأنّ فيه تهديدا وتخويفاً ليس في الإضمار لأنه وقع حكاية لما قيل لهم ثمة وليس مثله موضع الضمير، وأورد عليه الطيبي إنه داخل في حيز الآخبار لعطفه على أعيدوا الواقع جواباً لكلما فكما جاز الإضمار في المعطوف عليه جاز فيه أيفا إن لم يقصد التهويل فالوجه الثاني لا يتم وحده، وودّ بأنّ المانع إنه حكاية لما يقال لهم يوم القيامة والأصل في الحكاية أن تكون على وفق المحكي عنه دون تغييره ولا إضمار في المحكي لعدم تقدّم ذكر النار فيه، وقد يناقش فيه بأنّ مراده أنه يجوز وعاية المحكيّ والحكاية وكما أنّ الأصل رعاية المحكيّ الأصل
الإضمار إذا تقدّم الذكر فلا بدّ من مرجح فتأمّل. قوله: (عذاب الدنيا الأنه أدنى أي أقرب أو أقل من عذاب الآخرة، والسنة بمعنى القحط وقد دام على قريش قبل الهجرة سبع سنين كما ذكر في السير، وقوله يوم بدر الخ يقتضي أن هذه الآية مدنية والمختار عنده خلافه، وقوله لعل من بقي الخ لأنّ من قتل لا يتصوّر توبته، وعقبة هذا أخو عثمان لأمّه وقد أسلم هو وأخوه خالد يوم الفتح. قوله: (روي أنّ وليد الخ) تغ فيه الزمخشريّ، وفال ابن حجر إنه غلط فاحش فإنّ الوليد لم يكن حيث! ذ رجلاً بل طفلا لا يتصوّر منه حضور بدر وصدور ما ذكره الزمخشريّ من مشاجرته لعليّ ﵁. قوله: (وثم لاستبعاد الإعراض الخ) الاستبعاد غير التراخي الرتبي كما صرّح به بعض شرّاح الكشاف فهو أعمّ منه لأنه بعد أحدهما رتبة في شرف أو ضدّه سواء كان الأوّل أعلى أو الثاني، وهذا مطلق التباعد بينهما وان لم يشتركا في شرف أو ضده، وقوله بعد التذكير متعلق بالإعراض ويجوز تعلقه بالاستبعاد، وقوله عقلا تمييز راجع إلى الاستبعاد. قوله: (ولا يكشف الغماء إلا ابن حرّة) هو من شعر لجعفر بن علية الحارثي الحماسي وبعده قوله:
نقاسمهم أسيافنا شرّ قسمة ففينا غواشيها وفيهم صدورها
ومعنى يرى غمرات الموت يتحققها حتى كأنه يشاهدها أي لا يكشف الخصلة الشديدة
إلا رجل كريم يرى قحم الموت، ثم يلجا ولا يعدل عنها، وقال إبن حرّة لأنّ مثله ذو أنفة والغماء ما يغم وأصله التغطية، وثم فيه أيضاً الاستبعاد مشاهدة شدائد الهلاك، ثم الرغبة فيها واقتحامها وعبر بالزيارة إشارة إلى أنّ إتيانه لها برغبة تامّة لا اضطرار. قوله: (فكيف الخ) توجيه للعدول عن قوله منهم مع أنه الظاهر بأن هذا يثبت الانتقام منه بطريق برهانيّ، وقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٨٧] فسره الزمخشريّ في الكشاف بجنس
стр. 2438
الكتاب ليصح عود الضمير إليه لأنه لم يلق عين كتاب موسى وارادة العهد، وتقدير مضاف أي تلقى مثله بعيد كالاستخدام ورجوعه إلى القرآن المفهوم منه أبعد، ونهيه عن الشك المقصود به نهى أمّته والتعريض بمن صدر منه مثله. قوله: (من لقائك الكتاب) إشارة إلى أنه مصدر مضاف
إلى المفعول وفاعله محذوف وهو ضمير النبيّ ﷺ ، وقوله وإنك الخ اسنشهاد على أنّ الكتاب يوصف بالملاقاة وقوله فإنا الخ تعليل للنهي عن الامتراء بالتشابه يين الإيتاءين فليس الثاني مبتدعاً حتى يرتاب فيه، وقوله مما لم يكن قط، وفي نسخة لم يكن قط بيان لقوله باع ولما يينهما من التشابه قال أوّلاً مثل ما آتيناه، ثم عكسه هنا وقوله أو من لقاء موسى الكتاب فهو مضاف للمفعول أيضاً لكن فاعله موسى، وقد جوّز إضافته للفاعل على أنّ الضمير لموسى فتأمّله. قوله: (أو من لقائك موسى) ﵊ فالضمير لموسى على أنه مفعول، ويجوز أن يكون فاعلاً أيضاً والمراد بالكتاب العهد لكن وجه التفريع فيه بالفاء خفيّ، وقوله وعنه الخ تأييد لهذا التفسير وأنّ المراد لقاؤه في الدنيا وآدم بالمدّ بمعنى أسمر وطوالاً بضمّ الطاء بمعنى طويل والجعد خلاف السبط، وهو معروف وشنوأة بالمعجمة والهمزة حيّ من اليمن موصوفون ومشهورون بالجعودة فلذا شبهه بهم قيل، وهذا يدلّ على أنّ الآية نزلت قبل الإسراء، وقوله المنزل على موسى فالضمير للكتاب ويجوز وجوعه لموسى. قوله: (بأمرنا إيادم به) أي بأن يهدوا أي فالأمر واحد الأوامر، وعلى ما بعده واحد الأمور والمراد به التوفيق، وقوله وقرأ الخ أي بكسر اللام وتخفيف الميم وما مصدرية كما أشار إليه بقوله لصبرهم وكونه تفسيرا على الوجهين لأنّ الظرف والمظروف كالعلة والمعلول في اقتران أحدهما بالآخر فلذا يستعار له نحو أكرمك إذا أكرمت زيداً، وإن صح خلاف الظاهر وامعان النظر تدقيقه وأصل معناه الإبعاد، وجملة كانوا معطوفة على جعلنا أو صبروا وجوّز فيها الحالية أيضاً. قوله: (فيميز الحق من الباطل الخ الم يقصر المسافة، ويقول المحق من المبطل لقوله: ﴿فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٣ ا] وقوله من جنس المعطوف المراد به ما يناسبه معنى حتى يكون دليلاً عليه نحو ألم ينههم أو يدعهم ونحوه، وهذا أحد القولين فيه
والآخر أنه لا تقدير فيه والهمزة مقدمة من تأخير والمسألة مشهورة. فوله: (والفاعل ضمير الخ) جعله مضمرا لأنّ كم لصدارتها لا تقع فاعلاَ، وهي هنا في محل نصب بأهلكنا والفاعل لا يحذف في غير مواضع ليس هذا منها، وأمّا إذا كان مضافاً فيحذف نحو بدت القرية على أنّ أصله أهل القرية فشرطه أن يكون المضاف إليه يصح وقوعه فاعلا بحسب القرينة، والجملة لا تقع فاعلاَ على الصحيح فلا وجه لمن جوّزه هنا إلا إذا قصد لفظها فقول المصنف في غير هذه السورة إنّ الفاعل الجملة بمضمونها لا وجه له أيضا إلا أن يريد الوجه السابق وأمّا ما أورد عليه من أنه يلزم عود الضمير على متاخر لفظاً ورتبة فمردود لأنّ المراد أنه ضمير مبهم عائد إلى ما في الذهن، وما بعده مفسر له فتأمل. قوله: (أي كئرة من أهلكناهم الخ) هو بيان للفاعل بأنه كثرة المهلكين فإنّ إهلاكهم سبب للهداية فالإسناد إليه جائز وان كان مجازا ولا حاجة إلى تقدير مضاف فيه أي كثرة إهلاك من أهلكنا كما مرّ في سورة طه كما قيل فإنه مفهوم من الفحوى، ثم إنّ مفعوله مقدّر وهو طريق الحق، وقوله أو ضمير الله أي فاعل يهد ضمير الله لسبق ذكره في قوله ربك وهو معلق بكم عن المفعول، وهو مضمون الجملة لتضمينه معنى العلم. قوله: (يمشون في مساكنهم) جملة مستانفة بيان لوجه هدايتهم أو حال من ضمير لهم أو من القرون والمعنى أهلكناهم حال غفلتهم، وتشديد يمشون على أنه تفعيل من المشي للتكثير والكلام في أولم يروا كالسابق. قوله: (لا التي لا تنبت) كالسباخ الذي لا ينبت أصلا فإنه كما صرّح به أهل اللغة من الجرز، وهو القطع فيطلق على ما كان له نبت وقطع وعلى ما انقطع نباته لكونه ليس من شأنه إلا نبات وكلاهما ثابت مسموع لكن الثاني غير مناسب لقوله بعده فنخرج الخ كما ذكره المصنف رحمه الله تعالى تبعاً للزمخشريّ، فما قيل إنه لا مناسبة بين الإنبات بعد سوق الماء، وبين أن لا تنبت فالوجه أن يحال على النقل لا معنى له. قوله: (وقيل اسم موضع باليمن) أي الأرض الجرز اسم لما ذكر ووجه تمريضه ظاهر لأنه لا وجه لتخصيصه هنا، وقوله كالحب والتمر إشارة إلى أنّ المراد بالزرع ما يخرج بالمطر مطلقا فيشمل
الشجر وغيره
стр. 2439
وكذا قوله الورق قيما قبله لغلبة إطلاقه على أوراق الشجر فلا إشكال فيه كما قيل، وقوله فيستدلون الخ إشارة إلى أنه هو المقصود من النظر وقدّم الأنعام لأنّ انتفاعها مقصور على النبات، وأكثر ولأنّ كلها منه مقدّم لأنها تأكله قبل أن يثمر ويخرح سنبله، وجعلت الفاصلة هنا يبصرون لأنّ الزرع مرئي وفيما قبله يسمعون لأنّ ما قبله مسموع، أو ترقياً إلى الأعلى في الاتعاظ مبالغة في التذكير ودفع العذر. قوله: (النصرا للزومه للفتح، وقوله الفصل بالحكومة هو أحد معاني الفتح، ولذا قيل للقاضي فتاح وفي نسخة بالخصومة أي بسببها وقوله من قوله الخ أو فوله وفتحت السماء، وقوله لا ينفع الذين كفروا إيمانهم إن عمّ غير المستهزئين فهو تعميم بعد تخصيص، وإن خص بهم فإظهار في مقام الإضمار تسجيلاَ لكفرهم، وبياناً لعلة عدم النفع وعدم إمهالهم. قوله: (فإنه الخ) بيان لجريان هذا التفسير على الوجهين في معنى الفتح، وقوله وقيل يوم بدر مرضه لبعده عن كون السورة مكية وأمّا كونه يوم الفتح أي فتح مكة فمع ذلك يبعده قلة المقتولين فيه جدّاً. قوله: (والمراد بالذين كفروا الخ) دفع لما يتبادر إلى الذهن من أنّ يوم الفتح ليس زمانه زمان ياس حتى لا ينفع إيمانهم فيه بأن المراد بهم من قتل فيه على الكفر فمعنى لا ينفعهم إيمانهم لا! بمان لهم حتى ينفعهم فهو على حد قوله:
على لا حب لا يهتدى بمناره
سواء أريد بهم قوم مخصوصون استهزؤوا أم لا وسواء عطف وقوله ولا هم ينظرون على المقيد أو على المجموع فتأمّل. قوله: (وانطباقه جوابا عن سؤالهم) بقولهم متى هذا الفتح لأنّ الظاهر في الجواب تعيين ذلك اليوم المسؤول عنه فكأنه قيل لا تستعجلوا أو لا تكذبوا فإنه آت لا محالة، وإنه إذا أتى ندمتم وحصل لكم اليأس ومرّض كونه منسوخاً لاحتمال أنّ المراد الإعراض عن مناظرتهم لعدم نفعها أو تخصيصه بوقت معين، وقوله وقرئ بالفتح اي في منتظرون على أنه سم مفعول والمعنى ما ذكره. قوله: (عن انتبئ ﷺ الخ) قال ابن حجر رواه الثعلبيّ وابن مردوبه والواحدي مسندا وأشار إلى ضعفه ولم يقل إنه موضوع، وقوله كأنما
الخ تفسير! لمفعول أعطى المحذوف وهو أجرا عظيماً، وأمّا قوله من قرأ الخ فقال إنه لم يجده في شيء من كتب الحديث تمت السورة بحمد الله ومنه والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه.
سورة الأحزاب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (ثلاث وسبعون آية) قال! الداني هذا متفق عليه وفي الكشاف عن أبيّ بن كعب إنها
كانت تعدل سورة البقرة طولاً فنسخ أكثرها كآية الشيخ والشيخة إذ! زنيا فارجموهما، وأمّا كونها كانت في صحيفة عند عائشة ﵂ فأكلتها الداجن فمن كذب الملاحدة، وكذبهم في أنه ضاع بأكل الداجن من غير نسخ فلا يرد عليه ما ذكره ابن حجر من أنّ نسخ آيات منها روي في كتب الحديث فانظره. قوله: (تعظيماً! له وتفخيماً لشأن التقوى الف ونشر مرتب أي ناداه بوصفه دون اسمه تعظيماً له فإنّ مواجهة العظماء بأسمائهم في النداء لا تليق بخلاف الأخبار في أنّ محمداً رسول الله، وأمره بما ذكر تفخيماً وتعظيماً للتقوى نفسها حيث أمر بها مثله فإنّ مراتبها لا تتناهى مع أنّ المقصود الدوام والثبات عليها فلا يلزم اللغوية وتحصيل الحاصل، وقيل إنّ النداء المذكور للاحتراس وجبر ما يوهمه الأمر والنهي كقوله عفا الله عنك ولم يجعل الأمر والنهي لأمّته كما في نظائره لأنّ سياق ما بعده لأمر يخصه كقصة زيد ﵁. قوله: (ليكون ممانعاً عما نص عنه الخ) قيل عليه لو كان كذلك صدر النهي بالفاء فالظاهر أنه تخصيص بعد تعميم لاقتضاء المقام الاهتمام به كما يدلّ عليه سبب النزول وليس بشيء لأنّ التقوى وان منعت عما ذكر فعدم طاعته لهم أمر محقق سابق على الأمر فلو قرن بالفاء أوهم خلاف المراد فلا حاجة إلى جعله موكولاً لفهم المخاطب، ولم يؤوّله بالثبات على عدم ا! ماعة كما في الأمر لتجدّده بتجدد ما طلبوه ولأنّ النفاق حدث بالمدينة فتدبر. قوله: (فيما يعود بوهن في الدين) أي فيما يصير مضعفا للدين وأبو الأعور كنية لرجل من بني سليم يسمى
стр. 2440
عمرو بن أبي سفيان والموادعة المصالحة والمراد صلح الحديبية والمعنى في زمان الصلح، وهو زمان ممتدّ مستمرّ فلا يرد عليه ما قيل إنّ أبا سفيان لم يجيء إلا بعد نقض
المشركين العهد لتجديد. فلم يرضه ﷺ والمناسب ثبات الجانبين على المعاهدة دون تكليف أمر آخر، وقيل إنّ هذا كان بعد أحد والقائمون معهم من أهل نواحي المدينة ومنها، وأرفض بمعنى أترك ذكرها والمراد ذكرها بما يسوء بدلالة المقام، ودلالة الآية على سبب النزول ظاهر وندعك منصوب في جواب الأمر، وجملة إنّ الله الخ مستأنفة لتعليل ما قبلها. قوله تعالى: ( ﴿واتَّبَعَ﴾ ) من عطف الخاص على العامّ، وقوله ما يصلحه فاعله ضمير ما هذه ومفعوله ضممير ما تعملون وفي نسخة ما يصلحك ويغني معطوف على يصلح، وفي نسخة مغن بالعطف على موح وفيه إشارة إلى أنّ ذكر إحاطة علمه بعمله وعمل غيره أنه يعلمه بما يليق وينبغي له فيه لأنّ معرفة الطبيب بالداء ليصف الدواء قيل في كلامه ما يومئ إلى أنّ خطاب تعملون للنبيّ ﷺ وجمع للتعظيم، وليس بمتعين لجواز كونه عامّا ولكن المقصود بالخطاب هو وبيان حاله فهو داخل فيه بالدخول الأولى، وجعل المراد من العمل إذا كان الضمير للكفرة والمنافقين كيدهم ومكرهم لمناسبته للمقام، ثم جعله كناية عن دفعه لأنه المقصود منه وعلى هذه القراءة يجوز كون الضمير عامّاً أيضاً وفي كونه التفاتا تأمّل. قوله: (ما جمع قلبين في جوف) أراد أنّ خصوص الرجل ليس بمقصود، والمعنى ما جعل لأحد أو لذي قلب من لاحيوان مطلقا وجعل بمعنى خلق وتخصيص الرجل بالذكر لكمال لوازم الحياة فيه فإذا لم يكن ذلك له فكيف بغيره من الإناث، وأمّ الصبيان فما-لهم إلى الرجولية، وقوله في جوفه للتأكيد والتصوير كالقلوب التي في الصدور لأنّ القلب معدن الروح أي مقرّ الروح الحيوانيّ وهو البخار اللطيف النورانيّ الذي يتولد من دم رقيق فيه وبه الإدراك عند الحكماء وذكر المعدن إيماء إلى تشبيهه بالجوهر، وقوله المتعلق بفتح اللام أي الذي تتعلق به النفس الناطقة أي تتصل به لتفيض بواسطته ما تدركه عليه، وذكر النفس لتأويلها بالمدرك ونحوه وقوله أوّلاً إشارة إلى تعلقها بالبدن بواسطته، وقوله منبع القوى استعارة والمراد أنه الحامل لها إلى جميع البدن، وهذا على رأي وعند جالينوس أنّ الكبد والدماغ منبعان لبعض القوى أيضاً وقد مرّ ما فيه في سورة الحجر. قوله:) وذلك يمنع التعدّد) أي تعدّد قلب الإنسان أو الحيوان لأنه يؤدّي إلى التناقض كما سيأتي تقريره، وذلك
إشارة إلى كونه منغ جميع القوى، والدعوة بكسر الدال في النسب وبفتحها في الطعام ونحوه. قوله: (والمراد بذلك) أي قوله ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ردّ ما زعمته العرب من أنّ لبعض الشجعان ودهاة العرب قلبين حقيقة، واللبيب صاحب اللب وهو العقل أي العاقل والأريب السريع الفطنة والانتقال من الأرب وهو الدهاء فليس بتأكيد وإن كان بمعنى العاقل، والأرب العقل فهو تأكيد. قوله: (ولذلك قيل الخ) في نسخة أو لجميل وفي أخرى وقيل لجميل وفي غيرها ولجميل بالواو وظامره أنه جميل بن أسد غير أبي معمر وفي التيسير أبو معمر جميل بن معمر، وفي البحر روي أنه كان في بني فهر رجل يقال له أبو معمر جميل بن أسد وظاهره أنهما واحد وكلام الكشاف على التردّد وعليه يحمل كلام المصنف على نسخة أو المشهورة، وفي القاموس ذو القلبين جميل بن معمر فيه نزلت ما جعل الله الآية، والذي صححه في كتاب المرصع (أنه ابو معمر جميل بن معمر عبد الفه الفهري، وكان رجلا لبيباً حافظاً لما يسمع فقالت قريش ما حفظ هذا إلا وله قلبان، وكان يقول إنّ لي قلبين أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد فلما كان يوم بدر وهزم المشركون وفيهم أبو معمر لقيه أبو سفيان وإحدى نعليه في رجله والأخرى معلقة بيده فقال له ما حل الناس قال له: هزموا قال: فما بال إحدى نعليك بيدك قال ما شعرت إلا أنهما في رجلي فعرفوا يومئذ كذيه فيما كان يدعيه) وهذه الآية نزلت فيه، وقد ردّ الشاطبي عليهم وقال: إنه ليس بفهري بل الجمعي كما نقلته من خطه، والذي صححه ابن حجر في الإصابة بعدما ذكر فيه اختلافا أنه جميل بن أسيد مصغرا الفهري، وأنه يكنى أبا معمر وضعف قول ابن دريد أنه عبد الله بن وهب، وقول غيره إنه جميل بن معمر الجمعي وبهذاه عرفت ما في كلام المصنف، وغيره وأن العطف لا وجه له وأنّ أسيدا مصغراً لا أسداء مكبرا فأعرفه. قوله: (والزوجة المظاهر عنها) وفي نسخة منها وهو الموافق لما
стр. 2441
سيأتي من تعدّبه بمن وهو منصوب عطف على اللبيب ولا يجوز رفعه على أنه مبتدأ وخبر، وكذا قوله: ودعى الرجل ابنه أي له حكم الابن عندهم في التوارث وغير. من الأحكام وان كان معلوم النسب، وقوله كالأمّ أي في الحرمة المؤبدة فقوله أمّهاتكم على التشبيه البليغ كما سيأتي. قوله: (ولذلك كانوا يقولون لزيد الخ) في الاستيعاب زيد بن حارثة بن شرحبيل
من بني كلب سبي في الجاهلية فاشتراه حكيم بن حزام لخديجة ﵂ فوهبته لنبيّ ﷺ فتبناه النبيّ ﷺ ، وهو ابن ثمان وأعتقه لما اختار خدمته على قومه، ولم يرض مفارقته ﷺ على ما فصله، وقوله: ابن محمد أي هو ابن محمد وقوله عن المظاهر منها الخ لف ونشر مرتب ونفي القلبين معطوف على نفي الأمومة، وقوله لتمهيد أصل أي حكم كلي وهو ما في قوله فإن لم تعلموا الخ، والذي ارتضاه صاحب الانتصاف والطيبيّ تبعاً للزجاج والبغوي، وهو المروي عن الزهري وقتادة إنه ضرب قوله: ﴿مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [سورة الأحزاب، الآية: ٤] مثلاَ للظهار والتبني فكما لا يكون لرجل قلبان لا تكون المظاهرة أمّا والمتبني ابناً فالمذكورات بجملتها مثل فيما لا حققة له، وهو المناسب لنظمها في نسق وتذييلها بقوله والله يقول الحق، وتعقبه في الكشف بأنّ سبب النزول وقوله بعد التذييل ادعوهم الخ شاهد صدق على أن الأوّل مضروب للتبني، وهم لم يجعلوا الأزواج أمّهات بل جعلوا اللفظ طلاقاً فإدخاله في قرن النبي استطراد، وهذا هو الوجه لا أنه قول لا حقيقة له في نفس الأمر ولا في شرع ظاهر ؤكذا جعلهن كالأمّهات في الحرمة المؤبدة مطلقاً من مخترعاتهم التي لم يستندوا فيها إلى مستند شرعي فلا حقيقة له أيضاً فما ادعاه غير وارد عليهم لا سيما مع مخالفتة لما روي عنهم، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. قوله: (وهو أن يكون كل منهما أصلاَ) بيان للتناقض بأنه يلزم من تعدّد القلب كون كل منهما أصلاً للقوى وغير أصل لها أو توارد علتين على معلوم واحد، وهذا أمر إقناعي فإنه يجوز كون أحدهما متبعاً لبعض والآخر لبعض آخر ويجوز اشتراكهما في ذلك كالعينين والأذنين في النظر والسمع فالأولى أن يوكل مثله للإرادة الإلهية وهو لا يسأل عما يفعل، وكونه أصلاً بالنظر لنفسه وغير أصل بالنظر للآخر، وقيل إنه محل الصحبة فلم يكرّر لئلا يكون فيه محبة اقترانية كما قيل:
ما أنصفتني الحادثات رمينني ~ بمفارقين وليس لي قلبان
وقال الآخر:
تملك بعض حبك كل قلبي ~ فإن تردالزيادة هات قلبا
قوله: (اللذين لا ولادة بينهما وبينه) بيان لوجه التناقض فيهما كما في الأوّل لأنّ ذلك يقتضي التوالد والزوجية والدعوة تقتضي خلافه، وهذا كالأوّل فإنهم لم يدعوا أمومة وبنوّة حقيقة حتى يرد عليهم التناقض كما لا يخفى. قوله: (وقرأ أبو عمرو الخ) وقوله بالياء وحده
أي من غير همزة قبله أو من غير ياء أخرى تتبعها لأنها ساكنة وتذكير الضمير لتأويله بالحرف، وقوله فخفف أي بحذف الهمزة والحجازيان نافع وابن كثير، وقوله بالهمزة أي المكسورة، وقوله وحده أي بدون ياء والقراءة الأخرى بهمزة بعدها ياء ساكنة وما ذكر. عن الحجازيين في رواية البزي عن ابن كثير وووش عن نافع في حالة الوقف، وأما في الوصل فيسهل كما ذكره الشاطبي، وقد روي عنهما التسهيل في الحالتين فما قيل إن المصنف لم يفرق بين الإبدال والتسهيل خطأ غرّه فيه كلام النثر. قوله: (وحمزة والكسائئ بالحذف) أي بحذف التاء الثانية، وقوله من الظهور أي من الثلاثيّ فلا ينافي ما سيأتي أنه من الظهر ولا حاجة لهذا فإن الظهور أيضا من الظهر في أصل اللغة لأنّ أصله أن يكون مكشوفا لكونه على ظهر كالبطون لما كان في بطن، ثم شاع في لازم معناه وهو الخفاء وعدمه كما نقله الطيبي عن أهل اللغة وقراءة ابن عامر تظاهرون أصله تتظاهرون فأدغم وهو ظاهر، وقوله باعتبار اللفظ أي باعتباو وقوع لفظه في كلام المظاهر مع قطع النظر عن معناه كلبي فإنّ معناه أن يقول لبيك والاشتقاق قد يكون من اللفظ، ولو كان غير مصدر. قوله: (وتعديتة بمن) إشارة إلى ما في الكشاف من أنه ضمن معنى التباعد لأنه يقال تباعد منه، وفي عبارة المصنف قصور فإنّ ظاهره أن المضمن تجنب مع أنّ
стр. 2442
تجنب متعد بنفسه لا بمن يقال تجنبه كما صرّح به أهل اللغة، والمراد كما في الكشف أنه ضمن فعلا فيه معنى المجانية يتعدى بمن، وأما كون الطلاق في الجاهلية أو في الجاهلية والإسلام كما ذكره المصنف ﵀ فلم ينظروا إليه لأنه إذا وقع استعماله في الجاهلية كذلك بقي لاستعماله بعده فإنه ليس من الإصطلاحات الشرعية فمن ظن أنّ في كلامه وداً على الزمخشريّ لم يصب، وكذا من قال إنّ مسلك المصنف أحسن ما أحسن وكذا الكلام في آلى. قوله: (وهو في الإسلام يقتضي الطلاق والحرمة إلى أداء الكفارة) وفي نسخة أو الحرمة وهما بمعنى لأنّ الواو فيه بمعنى أو التي للتقسيم كما ذكره ابن مالك فالمراد أنه يقتضي الطلاق لو نواه لأنه من محتملات لفظه، والحرمة المجرّدة إن لم ينوه كما فصله في شرح الإشارات وأشار إليه الرازي في الأحكام وكلامه على مذهب الثافعي، فما قيل من أنّ هذا لم يذكره أحد من المذاهب بل قالوا إنه منسوخ فلا يقع به طلاق، وان نواه بلا خلاف إلا أن يكون يقتضي بمعنى يلزم سهو. قوله: (وذكر الظهر للكناية عن البطن لخ) قال الأزهري خصوا الظهر لأنه محل الركوب والمرأة تركب إذا غشيت فهو كناية تلويحية انتقل من الظهر إلى المركوب، ومنه إلى
المغشي والمعنى أنت محرّمة عليّ لا تركبين كما لا تركب الأمّ كذا في الكشف، وتسمية الظهر عمود البطن قاله عمر رض! ي الله عنه، كما ذكره الزمخشريّ لأن به قوامها وعليه اعتماده كما تعتمد الخيمة على عمودها، وقوله الذي صفة البطن وذكره وان كان مؤنثا لتأويله بالعضو ونحوه وضمير هو للظهر وضمير عموده للموصول. قوله: (فإن ذكره الخ) تعليل للكناية وتوجيه لاختيارها بأنهم يستقبحون ذكر الفرج، وما يقرب منه سيما في الأمّ وما شبه بها فلذا عدل إلى الكناية. قوله: (أو للتغليظ في التحريم) توجيه آخر لذكر الظهر بأنه ليس للكناية عن البطن بل إنما ترك ذكر البطن إلى الظهر تغليظاً في تحريم المرأة، لأنّ إتيان المرأة وظهرها إلى السماء كان محرّما عندهم فالظهر مطلقاً حرام عندهم، وظهر الأم أشدّ حرمة وأما ذكر الأم ففيه تغليظ على الوجهين. قوله: (على الشذوذا لأنّ قياس فعيل بمعنى مفعول أن يجمع على فعلي كجريح وجرحى لكنه حمل عليه لكونه موازياً له، وقيل إنه مقيس في المعتل مطلقا وفيه نظر. قوله: (ذلكم) إشارة إلى ما ذكر أي من كونه ليس لأحد قلبان، وليست الأزواج أمّهات ولا الأدعياء أبناء لاشتراكها في كونها لا حقيقة لها، وأما قوله لتمهيد أصل الخ فلا يأبى هذا لأنّ التمهيد حاصل بالتسوية بينهما فما قيل من أن الأظهر جعل الإشارة للأخيرين لأن الأوّل ذكر للتمهيد كما بينه المصنف ليس بشيء، وقوله أو إلى الأخير وهو الدعوة لأنه هو المذكور هنا، ولذا اقتصر على هذا الوجه في الكشاف وقوله لا حقيقة له بيان لقوله بأفواهكم، وإشارة إلى أنه ليس من قبيل نظر بعينه مما قصد به التاكيد والتحقيق والمراد بقوله في الأعيان في الواقع ونفس الأمر، وقوله كقول الهاذى بالذال المعجمة من الهذيان وكونه بالمهملة من الهداية بعيد رواية ودراية وإن صح. قوله: (ما له حقيقة عينية) أي المراد بالحق الثابت المحقق في نفس الأمر، وقوله مطابقة له لقوله بفتح الباء وكسرها لأن المطابقة مفاعلة من الجانبين وقوله سبيل الحق إشارة إلى أنّ تعريفه عهدي، وني الكشاف لا يقول إلا ما هو حق ظاهره وباطنه ولا يهدي إلا سبيل الحق ثم قال ما هو الحق وهدى إلى ما هو سبيل الحق، وهو قوله ادعوهم الخ وتركه المصنف لخفاء وجه الحصر المذكور فيه، ولذا قال بعض شراحه أنه من مقابلة قوله: ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ لا من تقديم المسند إليه فإنه يفيد أنه الهادي لا غيره. قوله: (وهو أفراد للمقصود) بيانه هنا من أقواله الحقة أي من جميع أقواله الحقة المذكورة إجمالاً بقوله، وهو يقول الحق أو أفراد للمقصود كاملاً وعلى كل فلا ينافي قوله والمراد نفي الأمومة والبنوّة ونفي
القلبين لتمهيد أصل الخ. قوله: (قصد به الزيادة مطلقاً) أي هو أعدل من كل قول متصف بالعدل لا مما قالوه فإنه زور لا عدل فيه أصلاَ ويجوز أن يجعل قسطاً تهكماً، وأما كونه لا يخلو من قسط وصدق بنوع من المجاز فتكلف إلا أن يريد ما ذكرناه. قوله: (ومعناه البالغ) إلى الغاية في الصدق دفع لما يتوهم من أن المقام يقتضي ذكر الصدق لا العدل بأن العدل، والإنصاف هنا المراد به أتم الصدق لأنّ الكذب نوع من الجور، وقوله فتنسبوهم بحذف النون لعطفه على المجزوم واثباتها من
стр. 2443
تحريف الناسخ فلا غبار عليه وقوله فهم الخ إشارة إلى أنه خبر مبتدأ مقدّر والجملة جواب للشرط، والمراد بالمولى ذو الموالاة أو السيد. قوله: (بهذا التأويل) أي بتاويل الأخوّة والولاية في الدين، والبنوّة وان صح فيها التأويل أيضا لكن نهي عنها بالتشبيه بالكفرة والنهي للتنزيه، وقوله مخطئين قبل النهي أو بعده الخطا مقابل للعمد هنا فيشمل السهو والنسيان كما أشار إليه المصنف لا بمعنى الذنب، وكون الخطا بالمعنى المذكور قبل النهي، وبعده معفوّاً لا يقتضي أن العمد قبله غير معفوّ والمفهوم إذا كان فيه تفصيل لا يرد نقضاكما بين في أصول الشافعية فلا حاجة لتأويل مخطئين بجاهلين، وان كان الجمع بين الحقيقة والمجاز فيه على تسليمه جائزاً عند المصنف، ولا يرد على المصنف إنه لا قبح قبل النهي عند أهل السنة فتامّل. قوله: (ولكن الجناح فيما الخ) فهو معطوف على المجرور وقوله ولكن ما تعمدت الخ إشارة إلى احتمال آخر، وهو أن ما مبتدأ خبره جملة مقدرة وفي بعض النسخ فيما تعمدت قلوبكم فيه الجناح والصحيح الأوّل لأنّ هذه تحتاج إلى تكلف جعل الجارّ محذوفاً، وفيه متعلق بتعمدت والجناح مبتدأ خبره الجاز والمجرور. قوله: (لعفوه) وفي نسخة بعفوه بالباء السببية، وهو تفسير وبيان لمعنى الآية، وقوله لا عبرة به عندنا فلا يفيد العتق ولا ثبوت النسب، وعند أبي حنيفة يفيده بشروطه المبينة في الفقه فقوله يوجب عتق مملوكه أي سواء كان مجهول النسب أو لا يمكن الإلحاق أوّلاً بأن يكون أكبر منه سنا خلافا لهما في الثاني، وقوله لمجهوله أي النسب، وقوله الذي يمكن إلحاقه بأن يكون أصغر سناً منه. قوله تعالى: ( ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى﴾ ) أي أحق وأقرب إليهم من أنفسهم أو أشد ولاية ونصرة، وقوله بخلاف النفس فإنها إمّ أمّارة بالسوء وحالها ظاهر أولاً فقد تجهل بعض المصالح ويخفى عليها بعض المنافع، وقوله فلذلك أطلق أي لم يقيد الأولوية بشيء في النظم ليفيد أولويته في جميع
الأمور، وقوله فيجب أي فإذا كان كذلك يجب الخ، وقوله فنزلت ووجه الدلالة على سبب النزول إنه إذا كان أولى من أنفسهم فهو أولى من الأبوين بالطريق الأولى ولا حاجة إلى جعل أنفسهم عليه بالمعنى السابق في قوله: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ [سورة النساء، الآية: ٢٩] واطلاق الأب عليه لأنه سبب للحياة الأبدية كما أن الأب سبب للحياة أيضا بل هو أحق بالأبوة منه كما أشار إليه بقوله فإن كل نبيّ الخ، وهو إشارة إلى صحة إطلاقه على غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ويلزم من الاً بوة أخوة المؤمنين، وقوله من حيث أنه أصل هو الدين والإسلام. قوله: (منزلات منزلتهن في التحريم) أي تحريم النكاج وهو إشارة إلى أنه تشبيه بليغ ووجه الشبه ما ذكر، وقوله ولذلك أي لكون وجه الشبه مجموع التحريم واستحقاقه التعظيم قالت عائشة ﵂ لمن قال لها يا أمه ما ذكر وهو لا ينافي استحقاق التعظيم منهن أيضاً. قوله: (في التوارث) قيل إنه مخالف لما في الإطلاق من الدلالة على التعميم، ولما سيقوله من أن الاستثناء من أعمّ ما يقدر الأولوية فيه من النفع إلا أن يقال ذكر. على طريق المتمثيل، وقيل في جوابه لما كان ناسخاً لما في صدر الإسلام من توارث الهجرة، والموالاة في الدين صور الأولوية فيه على أنه مراد فقط أو داخل في العموم دخولاً أوّليا ولا يخفى أنه عين ما ذكره من التمثيل مع أنه دعوى بلا دليل، والصواب أن يقال لما كان المراد من النفع نفع الدنيوي الحاصل من الميت بعد موته، وهو إمّا إرث أو وصية لا غير فإذا جعلت الوصية لغير الأقارب بحكم الاستثناء لم يبق إلا الإرث فتفسيره به بيان لحاصل المعنى على وجهي الاتصال والانقطاع فافهم. قوله: (وهو نسخ) قيل الظاهر أن النسخ بآية آخر الأنفال لتقدمها على سورة الأحزاب مع أن هذا يخالف مذهب الشافعي حيث لا يقول بتوريث ذوي الأرحام، وهو غفلة عن تفسير. لذوي الأرحام بذوي القرابات الذي يطلق على ذوي الفروض، والعصبات مع أن الشافعي قال بتوريثهم إذا لم ينتظم بيت المال وكون المراد هذه الآية بعيد والأظهر أن يراد القرآن مطلقاً وقد مرّ ما فيه في الأنفال وكان في صدر الإسلام يرث المهاجرون بالهجرة والمؤمنون بالتواخي كما هو معروف في كتب الحديث، ثم نسخ وقوله فيما فرض الله فكتاب
الله ما كتبه أي فرضه، وقضاه وقدره وهو في القرآن يرد بهذا المعنى أيضا. قوله: (أو صلة لأولى) فهو المفضل عليه ومن ابتدائية، وقوله وأولوا الأرحام بحق القرابة الخ بيان
стр. 2444
للمعنى على الوجه الثاني بأن محصله أن الأقرباء أولى بالإرث من غيرهم من المؤمنين المهاجرين وغيرهم وعدى تفعلوا بإلى لتضمينه معنى الإيصاء والإسداء، وقوله من أعتم الخ فهو شامل لكل نفع ما لي إرثا ووصية وهبة ويدخل في حكم الهبة الهدية والصدقة، والمراد بالمعروف الوصية ولا ترد الهبة فإنها غير جائزة للوارث في المرض لأنها في حكم الوصية، ولذا تنفذ من الثلث ولا ترد المعاونة ونحوها فإن المراد النفع المالي ولا ينافيه العموم فافهم. قوله: (أو منقطع) يعني إذا حصلت الألوية بالتوارث كما هو ظاهر كلامه والمعروف أيضاً بمعنى التوصية أو عامّ لما عد التوا رث.
قوله: (كان ما ذكر في الآيتين) من حكم البنوّة والبنوّة والتوارث لا ما سبق في السورة
بعد قوله: ﴿مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ﴾ [سورة الأحزاب، الآية: ٤] إلى هنا أو إلا الأخير وهو التوارث فقط لأنّ الظهاو لم يبين حكمه هنا وسيأتي في سورة المجادلة، والإشارة بالبعيد تأبى الأخير وتخصيصه به لغو مع قوله فيه في كتاب الله أيضاً والأوّل هو المقصود بالذات هنا فحيث دخلا فيه لزم دخول ما بينهما لئلا يكون ألغازاً، فما قيل الظاهر التعميم أو التخصيص بالأخير لا وجه له. قوله: (وقبل في التوراة) مرضه لأن الكتاب المعرف الظاهر منه إنه عين الأوّل، وكون ما ذكرفي التوراة غير معلوم، وقوله مقدر باذكر على أنه مفعول لا ظرف لفساد المعنى وهو معطوف على ما قبله عطف القصة أو على مقدر كخذ هذا وجوّز عطفه على خبر كان وهو بعيد، وقوله مثاهير أرباب الشرائع وان كان لغيرهم شريعة أيضا ومآله للتعظيم أيضا، وقوله تعظيماً أو لتقدمه الواقع وآدم ﷺ بين الماء والطين فلا ينافي تقديم نوح ﵊ لتقدّمه في مقام آخر فإن لكل مقام مقالاً. قوله: (عظيم الشأن) يعني أن الغلظ استعارة للعظم أو للوثاقة على الوجه الثاني لأن الميثاق شبه بالحبل، والغليظ منه أقوى من غيره وتأكيده
باليمين قسماً على الوفاء بما حملوا، وقوله والتكرير أي ذكر الميثاق ثانياً ليوصف بقوله غليظاً الدال على عظمه ووثاقته، وأورد عليه أن الوصف لا يستلزم تكراره إذ لو اقتصر على الثاني أو ذكر لأوّل منكراً موصوفا حصل المقصود، وقيل المراد بالبيان ما كان على وجه التأكيد، وقيل مجموع الميثاق الغليظ يمين فلا تكرار وكله تكلف بارد. قوله: (أي فعلنا ذلك الخ) قوله فعلنا تفسير لقوله أخذنا وهو يحتمل أن يكون هو المتعلق لكنه عبر عنه بمعناه، ويحتمل أن يكون مقدّرا لكنه لكونه معنى أخذنا عبر فيه بضمير العظمة فيه، ومن لم يدر مراده قال الأظهر أن يقول فعل الله ذلك ولا حاجة إلى التقدير مع صحة تعلقه بأخذنا واللام للعاقبة أو للتعليل، وقوله عما قالوه وهو كلامهم الصادق في التبليغ فالصدق عليه بمعنى الكلام الصادق، وقوله أو تصديقهم معطوف على ما في قوله عما الخ فالصدق بمعنى التصديق والضمير المضاف إليه للقوم وضمير إياهم للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهم الصادقون وعلى ما بعده الصادقون الأمم، وقوله تبكيتا مفعول له لتعليل يسأل على الوجهين. قوله: (عطف على أخذنا) ولما كان أخذ ميثاق الأنبياء لا مناسبة له ظاهراً مع إعداد العذاب للكفار قال موجهاً له من حيث الخ يعني أن بعثة الرسل لما كان المقصود منها التبليغ للمؤمنين ليثابوا كان في قوّة أثاب المؤمنين فتظهر المناسبة المقتضية للعطف وهذا على الوجوه كلها في تفسير قوله ليسأل الخ وهو في غير الأوّل ظاهر واً مّا فيه فلان سؤال الأنبياء تبليغهم المقصود منه بيان من قبل من غيره، فما قيل إنه على الأوّل معطوف على يسأل بتأويله بالمضارع لا يخفى ضعفه بل عدم صحته لأنه لا جامع بينهما فلا بدّ من الرجوع إليه، وقيل إنّ الجملة حالية بتقدير قد أو هو من الاحتباك البديعي والتقدير ليسأل الصادقين عن صدقهم وأعدّ لهم ثواباً عظيماً ويسأل الكافرين عن كذبهم، وأعدّ لهم عذاباً أليما فحذف من كل منهما ما ثبت في الآخر وهو الاحتباك، وقوله أو على ما الخ فالمعطوف عليه مقدر دل عليه ما قبله وعلى الأوّل تقدير فيه. قوله تعالى: ( ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ﴾ الخ) شروع في ذكر قصة الأحزاب وهي وقعة الخندق وكانت سنة أربع أو خمس من الهجرة، وقوله إذ جأتكم بدل من نعمة الله أو ظرف لها وزهاء الشيء بضم الزاي المعجمة والمد ما هو قريب منه، وقوله اثني عشر ألفاً وقع في نسخة نوعا أي صنفاً من الناس، وقبيلة قبل والمراد بالنضير وهم قوم من اليهود بقية منهم لأنّ النبيّ ﷺ أجلاهم
стр. 2445
إلى الشام قبل ذلك، والخندق
معرّب كنده وهو حفر حول المعسكر عميق، وقد فعل برأي سلمان الفارسي ﵁، وقوله على المدينة المراد على مكان قريب منها كما ذكره أهل السير، وقوله لا حرب بينهم أي بالتقاء الصفوف أو باعتبار الأغلب فانّ عليا ﵁ بارز رجلاً منهم. قوله: (فأخصرتهم) أي اكمتهم بالخصر بالخاء المعجمة والصاد والراء المهملتين وهو شدّة البرد قال المعري:
لو اختصرتم من الإحسان زرتكم والعذب يهجر للإفراط في الخصر
وفاعله ضمير الليلة أو الريح، والثاني هو المناسب لقوله وسفت التراب بالسين المهملة والفاء أي رمته وقلعت خيامهم أي أطنابهم حتى وقعت، وماجت بالجيم أي اضطربت وقوله فالنجاء النجاء بالنصب على المصدرية أي انجوا النجاء أي أسرعوا وجدوا في الهرب لتنجوا وتسلموا وقوله المحاربة أي قصدها أو فعلها في غير هذه الوقعة فلا ينافي ما مرّ. قوله: (بدل من إذ جاءتكاً) بدل كل من كل، أو هو متعلق بتعملون أو بصيرا، وقوله من أعلى الوادي فالإضافة إليهم لأدنى ملابسة ولم يعبر به لئلا يوصف الكفرة بانعلوّ فإنه أظهر فيه من الفوقية فلا غبار عليه، ويحتمل أن يكون من فوق ومن أسفل كناية عن الإحاطة بالعلوّ فإنه أظهر فيه من الفوقية فلا غبار عليه، ويحتمل أن يكون من فوق ومن أسفل كناية عن الإحاطة من جميع الجوانب، وهذا بيان للواقع وبنو غطفان وقريش بدل من ضمير جاؤكم. قوله: (مالت الأنه من الزيغ وهو الميل ومستوى نظرها اسم مكان أو مصدر واستواء النظر اعتداله على المعتاد فيه، وحيرة مفعول له وشخوصاً بمعنى ارتفاع وامتداد، وهو غير ملائم للزيغ ولذا قيل المراد لازمه وهو الدهشة. قوله: (فإن الرئة الخ) الروع بفتح الراء الخوف، وقوله وهو أي الحنجرة وذكره باعتبار الخبر، وقوله مدخل الطعام والشراب محل دخوله أو إدخاله وهو تفسير للحلقوم لكنه قيل إنه تبع فيه الزمخشري والمعروف إنه مجرى النفس ومجرى الطعام المريء بوزن أمير وهو
تحته، وقيل إنه أطلقه عليه لمجاورته له تسمحا وفيه نظر. قوله: (١ لأنواع من الظن) يعني أنه مصدر شامل للقليل والكثير، وإنما يجمع للدلالة على تعدد أنواعه وظن مبتدأ خبره أنّ الله الخ أو ماض، وهو مفعوله وانجاز وعده بنصرهم، وقوله الثبت بفتح فسكون أو بضم مع فتح الباء المشدّدة جمع ثابت وباء القلوب يجوز فيها الحركات الثلاث والظاهر جرّه بالإضافة، وقوله فخافوا الزلل أي أن تزل أقدامهم فلا يتحملون ما نزل بهم، وقوله أو ممتحنهم أي مبتليهم فيظنون النصر تارة والامتحان أخرى أو بعضهم يظن هذا وبعضهم يظن ذاك، وقوله ما حكى عنهم هو قولهم ما وعدنا الله الخ وأدرج المنافقين فيهم مع أن الخطاب للمؤمنين تكميلاَ للأنواع أو لأن المراد المؤمنون ظاهراً والأوّل أولى فلا بعد فيه كما قيل. قوله: (والألف مزيدة في أمثاله) أي فيه، وفي أمثاله من المنصوب المعرّف بأل كالسبيلا والرسولا تشبيهاً لفواصل النثر بقوا في الشعر لكونها مقطعاً في إلحاق ألف الإطلاق به وقفاً ووصلاً لإجرائه مجراه وقد تسقط فيهما، وهو القياس وقد قرئ بالوجوه الثلاثة. قوله تعالى: ( ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ) هنالك ظرف مكان ويستعمل للزمان، وقيل إنه مجاز وهو أنسب هنا، وقوله اختبر المؤمنون أي اختبرهم الله والمعنى عاملهم معاملة المختبر لتبين حالهم فهو تمثيل كما سيأتي تحقيقه في سورة تبارك، وقوله من شدة الفزع أو من كثرة الأعداء والقياس في زلزال الكسر واذ يقول عطف على إذ السابقة، وقوله ضعف اعتقاد وهو ليس بنفاق بل هو لقرب عهدهم بالإسلام ونحوه كحداثة، وقيل المراد بهم المنافقون أيضا والعطف لتغاير الوصف كقوله:
إلى الملك القرم وابن الهمام
وقوله المنافقين ورسوله تقية أو إطلاقه عليه في الحكاية لا في كلامهم ويشهد له ما ذكره المصنف عن معتب لا استهزاء لأنه لا يصح ذلك بالنسبة لغيرهم، وقوله يتبرز أي يخرج من الخندق إلى البراز بفتح الباء، وهو الأرض الخالية لأجل قضاء الحاجة والفرق بفتحتين أي
الخوف وضمير منهم للمنافقين أو للجميع، وأوس بن قيظي بكسر الظاء المعجمة من رؤساء المنافقين وفارس والروم أي بلادهم مجازا أو بتقدير مضاف. قوله: (اسم أرض) وهو عليهما ممنوع من الصرف للعلمية ووزن الفعل أو التأنيث والنسبة فيهما على الحقيقة لا للمجاورة على الثاني كما قيل وقد كره النبي ﷺ تسمية المدينة يثرب وهو اللوم والتعيير (وسماها طيبة وطابه) كما رواه المحذّثون والكراهة
стр. 2446
تنزيهية، وقوله موضع قيام فهو اسم مكان ويجوز أن يكون مصدرا ميمياً، والمعنى لا ينبغي أو لا يمكن لكم الإقامة ههنا، وقوله فارجعوا الخ أي ليكون ذلك أسلم من القتل أو لاتخاذ يد عند حاضرهم، وقوله أسلموه أي سلموا النبي ﷺ لأعدائه أو اخذلوه واتركوه. قوله: (أو لا مقام لكم بيثرب) أي لا مقام لكم بعد اليوم بالمدينة أو نواحيها لغلبة الأعداء، أو لأنه علم نفاقهم فخافوا من قتل النبي ﷺ بعد غلبته، ويجوز أن يراد على هذا ليس لكم محل إقامة في الدنيا أصلاً وفيه مبالغة، وقوله فارجعوا أي عن الإسلام وكفارا حال أو هو خبر وارجعوا بمعنى صيروا، وجملة يقولون حال أو مستأنفة، والضمير للفريق وهو تعليل للاستئذان أو تفسير له. قوله: (وأصلها الخلل) أي في البناء ونحوه بحيث يمكن دخول السارق فيها وهي في الأصل مصدر فوصف به مبالغة أو لتأويله بالوصف، وقيل إنه لا ينافي المبالغة لأنّ ظاهره يكفي لقصد المبالغة لكن المبالغة لا تناسب قوله، وما هي بعورة ولذا قصر بعضهم التأويل على الأوّل. قوله: (ويجوز الخ) على أن يكون صفة والتصحيح حينئذ خلاف القياس لأنّ القياس قلبها ألفاً كما قيل وردّ بأنه إنما يقتضي القياس القلب إذا قلب فعله وفعله لم يقلب حملا على اعورّ المشدد كما ذكره المعرب، وقوله قرئ بها أي في الموضعين، وهي قراءة ابن عباس ﵄ وقتادة وهو صفة مشبهة وقوله دخلت المدينة أو بيوتهم تفسير للضمير المستتر. قوله: (من أقطارها) جمع قطر بمعنى الجانب قيل ولعل فائدته أن لا يخالف قوله وما هي بعورة فإن الدخول من عين أقطارها لا يقتضي الخلل
منها فإن لكل منها بابا، وفي الكشاف من كل جوانبها وهو غير مناسب لذمّهم إذ مقامه يقتضي أنهم يرتدون بأدنى شيء ولو بلا فزع كامل، وليس بشيء لأن الفزع الكامل يقتضي الغارة والعداوة التامّة فالمراد أنهم يطيعون من أمرهم بالكفر ولو كان أعدى أعدائهم، وما في الكشاف هو بعينه ما ذكره المصنف ﵀ والحاصل أن فرارهم لنفاقهم لا لخوفهم. قوله: (وحذف الفاعل) وهو الداخل عليهم وضمن الإيماء معنى الإشعار، ولذا عداه بالباء والحكم المرتب عليه قوله سألوا الفتنة الخ، وقوله لأعطوها تفسير له على قراءة المدّ فإن آتى بمعنى أعطى والظاهر أنه تمثيل بتشبيه الفتنة المطلوب اتباعهم فيها بأمر نفيس يطلب منهم بذله واطاعتهم ومتابعتهم بمنزلة بذل ما سألو. وإعطائه وفعلوها تفسير له على قراءة القصر، ويحتمل أنه تفسير لهما فتأمّل. قوله: (أو ب! عطائها) وفي نسخة أي بدل أو يعني أن الضمير للفتنة دون تقدير فيه أو بتقدير مضاف يعلم مما قبله والقول بأنه على الأوّل راجع إلى الإعطاء المذكور حكما لاكتسابه التأنيث من المضاف إليه تعسف وأمّا كون التلبث في الفتنة نفسها لا يكون فلا وجه له لأن لا مانع من حمله على المكث على الردّة، وظاهره أن الباء ظرفية أو للملابسة أو سبية ويجوز أن يكون هذا وجه العطف بأو، وفي الكشاف أن معناه ما ألبثوا إعطاءها على أن الباء للتعدية بتقدير المضاف فيه، ويحتمل أن الضمير للمدينة أو بيوتها كما أشار إليه في الكشاف وأشار إلى ضعفه بتأخيره وتبعه المصنف ﵀ لما فيه من تفكيك الضمائر، ومن لم يتنبه له قال لو حملوه عليه كان أولى. قوله: (ريثما السؤال والجواب) أي بمقداره، وفي نسخة يكون بعد ريثما وهي أصح قال المطرزي في شرح المقامات الريث في الأصل مصدر راث بمعنى أبطأ أجروه مجرى الظرف كمقدم الحاح قال أبو علي لإضافته إلى الفعل كقوله:
لا يمسك الخير إلا ريث يرسله
صار بمعنى حين وظاهره لزوم الفعل بعده وما زائدة فيه لوروده بدونها كثيراً، وأكثر ما تستعمل مستثنى في كلام منفي ويجوز كونها مصدرية، وقوله إلا يسيراً أي تلبثا يسيراً أو رّماناً يسيرا لأنّ الله يهلكهم أو يخرجهم بالمسلمين أو لتهالكهم على المسلمين يعني أن ارتدادهم للقرار في مساكنهم ولا يحصل لهم مرادهم. قوله: (يعني بني حارثة الخ) فهؤلاء هم الذين
طلبوا الرجوع، وقيل المراد الأنصار مطلقاً وما عاهدوا عليه النبي ﷺ ليلة العقبة، وفشلوا بمعنى جبنوا فتركوا الحرب، وقوله مسؤولاً عن الوفاء به يعني أنه على الحذف والإيصال وقد مرّ تحقيقه. قوله: (فإنه لا بدّ لكل شخص! الخ) قيل عليه المعنى لا ينفعكم نفعا دائما أو تامّا في دفع الأمرين المذكورين بالكلية إذ لا بدّ لكل شخص من حتف أنفه، أو قتل في وقت معين لا لأنه سبق
стр. 2447
به القضاء لأنه تابع للمقضي فلا يكون باعثاً عليه بل لأنه مقتضى ترتب الأسباب والمسببات بحسب العادة على مقتضى الحكمة فلا دلالة فيه على أن الفرار لا يغني شيئا حتى يشكل بالنهي عن الإلقاء للتهلكة، وبالأمر بالفرار عن المضار، وقوله واذا لا تمتعون إلا قليلا عن أنّ في الفرار نفعا في الجملة ورد بأن ما ذكره المصنف ظاهر على أن الأجل مطلقاً متعين لا يتغير لظاهر ما في الأحاديث كقوله: " لا ينفع حذر من قدر " وآجال مضروبة لا تؤخر، ولا تعجل وعليه كثير والحق أن هذا حال المبرم في علمه تعالى لا للمكنون في اللوح لما في الأحاديث " من زيالة الصدقة، وصلة الوحم " في العمر كما فصل في محله فالمعنى لن ينفع الفرار من الموت المبرم لسبق القضاء به سبقاً زمانيا لا ذاتياً حتى يقتضي سبقيته إذ ليس في كلامه ما يدل عليه، فما زعمه من تبعية القضاء للمقضي لتبعيته للإرادة التابعة للعلم التابع للمعلوم، وهو المقضي ومخالفته لما ذكر ودلالة ما بعده على ما ذكره كله في حيز المنع كما لا يخفى فتأمل، وحتف الأنف الموت بدون قتل وجرى القلم القضاء الأزلي. قوله: (وإق نفعكم الخ) يعني أنه أمر فرضي تقديري، وقوله إلا تمتيعاً الخ يعني أن قليلاً منصوب على المصدرية أو الظرفية لكونه صفة مصدر أو اسم زمان مقدّر، وقوله يعصمكم بمعنى يمنعكم مما قضاه وقدره، وقوله أو يصيبكم الخ دفع لأنّ العصمة والمنع من السوء فكيف عطف على ما بعده الرحمة بان فيه تقديرا كما بينه فحذف إيجازاً كما في قوله:
متقلدا يفاوشا
أي وحاملاً أو معتقلاَ لأنّ التقليد بحمائل السيف فلا يكون بالرمح وأوّله:
ورأيت زوجك في الوغى
متقلداً الخ وروي:
يا ليت ؤوجك قد غدا
وقوله أو حمل الثاني الخ فالمعنى من ذا الذي يمنعكم من الله، وما قدر مان خيرا وان
شرّاً وهذا التوجيه جار في البيت أيضاً بل قيل إنه أظهر والآية نظير البيت في مجرّد التقدير بعد العاطف لا في عطف معمول مقدر على معمول مذكور. قوله تعالى: ( ﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُم﴾ الخ) أي لأولى فيجدوه فهو كقوله:
ولا ترى الضب بها ينحجر
وهو معطوف على ما قبله بحسب المعنى فكأنه قيل لا عاصم لهم ولا ولي ولا نصير أو الجملة حالية، وقد في قوله قد يعلم الله للتحقيق، أو لتقليله باعتبار متعلقه وبالنسبة لغير معلوماته، ومنكم بيان للمعوّقين لا صلته واليه أشار بقوله عن رسول الله ﷺ وقوله من ساكني المدينة وهم الأنصار بيان لأن الأخوّة بالصحبة والجوار. قوله: (قرّيوا أنفسكم) قال المصنف في الأنعام هلم يكون متعدّيا كقوله: ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١٥٠] ولازما كقوله هلم إلينا قيل وبينهما مخالفة فإنّ كلامه هنا يقتضي أنه متعد حذف مفعوله، وما مرّ يقتضي أنه في هذه الآية لازم بمعنى أقبل والحوالة عليه تقتضي عدم المخالفة بينهما فإما أن يكون تفسير الحاصل المعنى فإن من أقبل إليك فقد قرب بعينه منك، أو إشارة إلى أنه وان ورد متعديا ولازما يجوز اعتبار كل منهما في هذه الآية فحمله على ظاهره في الأنعام وجوّز هنا كونه متعدّيا. قوله: (أو بأساً) على أنه صفة مفعول مقدّر كما كان صفة المصدر أو الزمان، والمراد بالبأس الحرب وأصل معناه الشدة وقوله: ﴿فإنهم يعتذرون﴾ بيان له على الوجوه الثلاثة لا على بعضها كما يتوهم ومعناه على الثالث يعتذون في البأس الكثير ولا يخرجون إلا في القليل، وقوله أو يخرجون الخ وجه آخر فيكون يأتون البأس بمعنى يقاتلون مجازاً وعلى الأوّل هو على ظاهره، وقيل إنه معطوف على يعتذرون فهو بيان لعدم إتيانهم، وقوله ما قاتلوا إلا قليلا وقع في بعض النسخ وما بالواو وليس ذلك في النظم. قوله: (وقيل إنه الخ) هو على الوجه الأوّل حال من القائلين أو عطف بيان على قد يعلم وهو على هذا من مقول القول وهو ظاهر. قوله:
(بخلاء عليكم بالمعاونة الخ) هو جمع بخيل كاشحة جمع شحيح يعني أنّ المراد عدم إرادتهم نصرة المؤمنين ومعاونتهم في الحرب وخالف فيه الزمخشريّ تبعا للواحدي، والكواشي حيث فسبره بقوله أضناء بكم يترفرفون عليكم كما يفعل الرجل بالذاب عنه المناضل دونه عند الخوف وإنما عدل عنه لأنه معنى قوله: ﴿فَإِذَا جَاء الْخَوْفُ﴾ [سورة الأحزاب، الآية: ٩ ا] الخ للتفرّع عليه وصاحب الكشاف جعله تفسيرا له وقد قيل إنه إنما اختاره ليطابق معنى ويقابل قوله بعده أشحة على الخير لأنّ الاستعمال يقتضيه فإن الشح على الشيء هو أن يريد بقاءه له كما في الصحاح، وأشار إليه أضناء بكم وما ذكره غير لا يساعده الاستعمال قال وهو حقيق فإن سلم له ما ذكرمن الاستعمال كان متعيناً وإلا فلكل وجهة كما لا يخفى على
стр. 2448
العارف باساليب الكلام وأما ما قيل من أن ما في الكشاف بعيد إلا أن يحمل فعلهم على الرياء فليس بشيء لأنّ فعلهم ذلك خوفاً على أنفسهم لأن النبي ﷺ ومن معه لو لم يغلبوا لم يكن لهم من يمنع الأحزاب عنهم، ولا من يحمي حوزتهم فلا حاجة إلى حمله على الرياء مع أنه لا يلائم كلامه، وقوله أو النفقة وقع في نسخة عطفه بالواو وله وجه. قوله: (جمع شحيح) على غير القياس إذ قياس فعيل الوصف المضاعف عينه ولامه أن يجمع على أفعلاء كضنين وأضناء وقد سمع أشحاء أيضاً، وقوله ونصبها أي أشحة وفيه وجوه أن ينصب بمقدّر على الذمّ أو على الحال من فاعل يأتون أو من ضمير هلم إلينا أو يعوّقون مضمرا أو من المعوّقين أو القائلين ورد هذان بأن فيهما الفصل بين أبعاض الصلة، وفيه كما قيل إن الفاصل من متعلقات الصلة وإنما يظهر الردّ على كونه من المعوّقين لأنه عطف على الموصول قبل تمام صلته، وقرأ ابن أبي عبلة أشحة بالرفع على أنه خبر مبتدأ مقدّر أي هم أشحة. قوله: (في أحداقهم) وفي نسخة باحداقهم والحدقة سواد العين فإن كانت الأحداق بفتح الهمزة جمع حدفة فالنسخة الثانية ظاهرة لأن الباء للتعدية والمعنى تدير أعينهم أحداقهم أو للمصاحبة، وأما الأولى وهي المشهورة فقد أورد عليها أن الأحداق في العيون لا العكس والقلب غير مناسب هنا، ولذا قيل إنه تحريف والعبارة كانت أي التفسيرية على أنه تفسير للعين بالحدقة، ولو قرئ الأحداق بكسر الهمزة مصدر أحدق إليه إذا أحدّ النظر لم يرد عليه شيء لكن المشهور المتحديق حتى قال المطرزيّ قال الحجاح وقد ارتج عليه قد هالني كثرة رؤسكم وإحداقكم إليّ بأعينكم والصواب تحديقكم إليّ، وقال ابن الجوزي في غلطاته إنها عامية، وفي نظر لأن الحجاج فصيح يستدل بكلامه، وقد ذكر الأحداق الراغب وصاحب القاموس مع أنه يكفي لمثله تداوله في الاستعمال. قوله: (كنظر المغشي عليه الخ) يعني أن قوله كالذي الخ صفة مصدر مع تقدير مضاف أو مضافين بعد الكاف أي نظروك نظراً
كنظر الذي يغشى عليه أو دوراناً كدوران عين الذي يغشى عليه، وقدم الأوّل لموافقته لما صرّح به في سورة القتال، وقوله أو مشبهين به أي هو حال من ضميرهم وما بعده على أنها حال من الأعين، وقوله من معالجة سكرات الموت تفسير لقوله من الموت على أنه أطلق على مفدّماته أو إشارة إلى تقديره في النظم. قوله: (خوفاً ولو أذابك) تعليل لقوله ينظرون أو تدوروا اللواذ إلا لنجاء ومنه الملاذ للملجا، وقوله ضربوكم أصل السلق بسط العضو ومده للقهر سواء كان يداً أو لساناً كما قاله الراغب فسلق اليد بالضرب وسلق اللسان بإعلان الطعن والذمّ، ولذا قيل للخطيب مسلاق فتفسيره بالضرب مجاز كما يقال للذمّ طعن، والحامل عليه توصيف الألسنة بقوله حداد، ويجوز أن يشبه اللسان بالسيف على طريق الاستعارة المكنية، ويثبت له الضرب تخييلاً وذربة بفتح فكسر للراء المخففة، ثم موحدة بمعنى محدّدة مسنونة، وقوله يطلبون الغنيمة تفسير للمراد من قوله سلقوكم وقوله على الحال أي من فاعل سلقوكم، وقوله ويؤيده أي الذمّ لأنه خبر مبتدأ والجملة مستأنفة لا حالية كما هو كذلك على الذمّ وقوله مقيد من وجه يعني أنّ تغاير القيدين جعلهما متغايرين، وفي نسخة مفيد بالفاء والمعنى واحد. قوله: (إخلاصاً) فسره به لأنهم منافقون باطناً مؤمنون ظاهرا، وقوله فأظهر بطلانها لأنها باطلة قبل ذلك إذ صحتها مشروطة بالإيمان وهم مبطنون الكفر فقوله إذ لم تثبمض لهم أعمال مبالغة في عدم الاعتداد بها لكونها هباء منثورا ويصح أن يقرأ مجهولاً من أثبته أي لم يكتب لهم أعمال عند الله لأنها غير مقبولة والفاء لا تأباه وإنما لم يفسره به على الأوّل لأنّ هذا أبلغ، وقوله أو أبطل الخ فالأعمال ما عملوه نفاقاً وتصنعاً وإن لم يكن عبادة والمقصود من قوله وكان ذلك على الله يسيرا التهديد والتخويف. قوله: (وقد انهزموا) حال من ضمير ينهزموا، وقوله ففروا معطوف على قوله يظنون أي يحسبون، وقد تبع فيه الزمخشريّ وفيه إشارة إلى أنّ في النظم مقدرا وهو قوله ففروا وقد ردّه الطيبي ﵀ بأنه لم ينقل فرار أحد منهم في السير ولا في التفاسير فإمّا أن يكون ظفر برواية فيه أو أخذه من النظم كقوله والقائلين لإخوانهم هلمّ إلينا لدلالته على أنهم خارجون عن معسكره ﵊ لحثهم لإخوانهم على اللحاق بهم، وقوله ولو
стр. 2449
كانوا فيكم الخ، وقوله: ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ [سورة الأحزاب،
الآية: ٢٠] فإنه صريح في مفارقتهم للمؤمنين إلا أن يؤوّل قوله هلمّ إلينا بإلى رأينا أو مكاننا الذي في طرف لا يصل إليه السهم، وأن يكون حسبانهم ليلاً أو لدهشتهم أو لظن حيلة منهم ونحوه، وقوله لو كانوا فيكم على تحاد المكان ولو في الخندق أو يرأد بالمعوّقين قوم قعدوا بالمدينة ولم يخرجوا إلى الخندق، وفسر يحسبون بيظنون وهو المشهور ومنهم من فرق بين الظن، والحسبان وقد مرّ.
قوله: (تمنوا) يحتمل أنه معنى يودّوا ويحتمل أنه معنى لو لأنه قيل إنها للتمني وان ورد
على الأوّل وقوع خبر أنّ يعد لو غير فعل، وعلى الثاني إنه يتكرّر مع يودّ وجوابه وتفصيله مبين في العربية، وقوله يسألون حال من ضمير بادون، وقوله هذه الكرّة أي المفروضة بقوله وإن يأت الأحزاب أو الكرّة الأولى السابقة ويؤيده قوله ولم يرجعوا إلى المدينة فمعنى وكان قتال أي محاربة بالسيوف ومبارزة الصفوف. قوله: (خصلة حسنة الخ) يؤتسى بمعنى يقتدي، وقوله أو هو في نفسخ الخ فهو على هذا تجريد كلقيت منه أسدا والتجريد كما يكون بمعنى من يكون بمعنى في كقوله:
وفي الله لم يعدلوا حكم عدل
ومعناه أن ينتزع من ذي صفة آخر مثله فيها مبالغة في الاتصاف، وكذا المثال الذي ذكره، والمراد بالبيضة بيضة الحديد وهي الكرة أوما يوضع على الرأس وهو المغفر والمن بتشديد النون وزن معروف وحديد بدل منه وفي نسخة منا بالقصر والتخفيف والإضافة وهو لغة فيه بمعنى المن أيضا وليست في فيه زائدة كما توهم. قوله: (أي ثواب الله الخ) إشارة إلى تقدير مضاف فيه لأنّ الرجاء يتعلق بالمعاني والرجاء في هذا بمعنى الأمل، واليوم الآخر يوم القيامة وقوله أو أيام الله بتقدير أيام بقرينة المعطوف، وأيام الله وقائعه فإنّ اليوم يطلق على ما يقع فيه من الحروب والحوادث واشتهر في هذا حتى صار بمنزلة الحقيقة وقوله خصوصاً إشارة إلى أنه من عطف الخاص على العامّ لأن اليوم الآخر من أيام الله إن لم يخص بما في الدنيا ويراد باليوم الآخر يوم القيامة، والرجاء على هذا بمعنى الخوف أو بمعنى الأمل إن أريد ما فيها من النصر والثواب. قوله: (هو كقولك أرجو رّيدا وفضله) وأعجبني زيد وكرمه مما يكون ذكر
المعطوف عليه توطئة للمعطوف، وهو المقصود وفيه من الحسن والبلاغة ما ليس في قولك أعجبني زيد كرمه على البدلية، ولما كان هذا إذا كان المعطوف صفة للأوّل أو بمنزلتها في التعلق به وهذا بحسب الظاهر ليس كذلك أشار إلى الجواب عنه بقوله فانّ اليوم الآخر الخ يعني أنه في معنى يوم الله لشدّة اختصاص ذلك اليوم به من بين أيامه بحسب نفوذ حكمه فيه ظاهراً وباطنا من غير احتمال أن يكون لغيره فيه حكم كما في قوله: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [سورة غافر، الآية: ٦ ا] فتعلقه به لشدة ظهوره مغن عن إضافته لضميره على ما عرف في أشباهه من هذا الباب، وفي نسخة داخل فيها أي في جملة أيامه فهذا مغن أيضا عن إضافته لضميره فإنه غير لازم فيه. قوله: (والرجاء الخ) أي فيحمل على كل فيما يناسبه كما مرّ أو عليهما معا إذا احتمل المقام لأنّ المصنف ﵀ شافعيّ قائل باستعمال اللفظ المشترك في معنييه أو في حقيقته ومجازه معاً. قوله: (صلة لحسنة) أي متعلق بها أو صفة لها لوقوعه بعد النكرة، وقوله وقيل بدل مرضه لقوله واكثر الخ يعني أن تجويزه مخصوص بضمير الغائب كما صرّحوا به وببدل الكل ففي كلامه تسامح، وقد أجازه الكوفيون والأخفش وقد قيل إنه بدل بعض على أنّ الخطاب عامّ ويحتاج إلى تقدير منكم وهو مخالف للظاهر من أنّ المخاطبين هنا المخاطبون قبله بأنبائكم ونحوه وهم خلص المؤمنين وهذا بناء على أنّ المبدل منه الضمير والمبدل من وأعيد العامل للتأكيد كما مرّ تفصيله فما قيل عليه من أنه بإعادة الجار وعدم جوازه غير مصرّج به غير وارد عليه وهذا مخالف لقوله في سورة الممتحنة. قوله: (أبدل قوله لمن كان يرجو الله واليوم الآخر﴾ [سورة الممتحنة] من لكم لمزيد الحث على التأسي لكنه جرى هنا على قول وثمة على آخر. قوله: (وقرن بالرجاء الخ) المقارنة من الواو لأنها للجمع المطلق، وتوله فانّ المؤتسى أي المقتدى تعليل لا يراد الرجاء والذكر هنا فالمعنى حصل لكم أسوة به ﷺ ولا ينافيه قوله من حقها ثمة كما لا يخفى مع أنّ المراد ياتسي بها كل أحد فتأمّل. قوله تعالى: ( ﴿قَالُوا هَذَا﴾ ) أي الخطب أو البلاء وما موصولة عائدها محذوف، وهو المفعول الثاني لوعد أي وعدناه أو مصدرية، وقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ [سورة البفرة، الآية: ٢١٤] الآية مرّ تفسيرها في أواخر البقرة وقوله إنهم أي
стр. 2450
الأحزاب وهذا لم يوجد في كتب الحديث كما ذكر. ابن حجر، وقوله تسع أو عشر أي تسع ليال من غرّة الشهر أو من وقت إخباره ﷺ وهذا من الحديث ويحتمل أنه من كلام الراوي، وقوله بكسر الراء أراد إمالتها نحو الكسرة فتسمح والمراد بفتح
الهمزة عدم إمالتها وقد روي إمالتهما وامالة الهمزة دون الراء على تفصيل فيه في النشر فلينظر فيه، وفي راويه. قوله: (وظهر صدق خبر الله الخ) إنما أوّله بالظهور لأنّ صدقهما محقق قبل ذلك والمترتب على رؤية الأحزاب ظهوره سواء عطفت الجملة على مقول القول أو على صلة الموصول أو جعلت حالاً بتقدير قد، وقوله واظهار الاسم أي الله ورسوله مع سبقهما لما ذكر ولأنه لو أضمر قيل وصدقا والجمع بين الله وغيره في ضمير واحد الأولى تركه، ولو قيل صدق هو ورسوله بقي الإظهار في مقام الإضمار فلا يندفع السؤال كما قيل، وقد مرّ تفصيله وماله وعليه في الكهف. قوله: (فيه ضمير لما رأوا) أي في زادهم ضمير مستتر يعود لما رأوا المفهوم من قوله: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ﴾ الخ وما تحتمل الموصولية أو المصدوية، ولم يذكر مصدر رأي المفهوم منه إشارة إلى وجه تذكيره وأما تذكير اسم الإشارة فلتذكير خبره ويجوز رجوعه إلى الوعد، والخطب والبلاء مفهومان من السياق أو الإشارة. قوله: (من الثبات الخ) خص ما ذكر لأنه المقصود هنا بقرينة ما ورد في سبب النزول فلا يقال عليه الظاهر التعميم، ولو عمم لصح ويدخل فيه ما ذكر دخولاً أوليا، وقوله فإنّ المعاهد الخ إشارة إلى ما فصله الزمخشريّ، من أنّ تعديه إلى ما عاهدوا إمّا على نزع الخافض، وهو في والمفعول محذوف والأصل صدقوا الله فيما عاهدوه أو يجعل ما عاهدوا عليه بمنزلة شخص معاهد على طريق الاستعارة المكنية، وجعله مصدورا يحتفل أو على الإسناد المجازيّ. قوله: (نذره) أصل معنى النحب النذر وقضاؤه الوفاء به، وقد كان رجال من الصحابة ﵃ نذروا أنهم إذا شهدوا معه ﷺ حربا قاتلوا حتى يستشهدوا وقد استعير قضاء النحب للموت لأنه لكونه لا بدّ منه مشبه بالنذر الذي يجب الوفاء به، فيجوز أن يكون هنا حقيقة واستعارة مع المشاكلة فيه، وقوله في رقبة كل حيوان مبالغة في لزوم الوفاء بالنذر، ولو كان الناذر ليس بإنسان والا كان
الظاهر كل إنسان. قوله: (استعير للموت) ظاهره أنّ النحب وحده مستعار استعارة تصريحية فيكون القضاء ترشيحاً وهو محتمل للتمثيل فإن أراد استعارته بعد هذا أو في هذا المحل فظاهر وإن أراد استعارته هنا فقد أورد عليه أمور منها أنه فسر المعاهد عليه، وهو المنذور بالثبات والمقاتلة وهذا يخالفه ومنها أنه إذا صح الحمل على الحقيقة لا يتأتى المجاز ومنها أنّ قوله ومنهم من ينتظر لا يلائم تفسيره، فإنهم وفوا نذرهم بالثبات، والجواب عنه أن يحمل قولهم في النذر بالقتال حتى يستشهدوا على الثبات التامّ لأنّ الشهادة ليست في أيديهم والموت لا يصح نذره، وهذا المجاز مجاز مشهور فيجوز الحمل عليه، وإن أمكنه الحقيقة بل ربما يرجح عليها وإنّ قوله ومنهم من ينتظر بالنظر إلى حرب آخر أو إلى من لم يشهد الحرب منهم. قوله: (شيئاً من التبديل) إشارة إلى أنّ المصدر صرّح به ليفيد العموم، وقوله روي أنّ طلحة الخ هو حديث صحيح رواه الترمذيّ وغيره عن الزبير ﵁ مرفوعاً، وقوله أوجب طلحة أي استحق الجنة استحقاقا كالواجب على الله بمقتضى وعده وفضله وأصله أوجب الجنة لنفسه على الله، وفي النهاية يقال أوجب الرجل إذا فعل فعلاً وجبت له به الجنة. قوله: (وفيه تعريض الخ) يعني أنه كناية تعريضية تفهم من تخصيصهم به أي ما بدلوا كغيرهم من المنافقين والمراد بالتبديل نقض المعهد، وقوله بالتبديل متعلق بالتعريض. قوله: (تعليل للمنطوق والمعرضر به) لما جعل قوله وما بدلوا الخ تعريضاً للمبدلين من أهل النفاق صار المعنى وما بدلوا كما يدل المنافقون فقوله ليجزي، ويعذب متعلق بالمنفيّ والمثبت على اللف والنشر التقديريّ، وجعل تبديلهم علة للتعذيب على المجاز لكن التعليل في المنطوق ظاهر وهو على الحقيقة، وأمّا في المعرّض به فلتشبيه المنافقين بالقاصدين لعاقبة السوء على نهج الاستعارة المكنية كما أشار إليه
بقوله وكأنّ الخ والقرينة إثبات معنى لتعلل فهي على الحقيقة لا جمع بين الحقيقة والمجاز عند غير السكاكي كما قيل فتأمّل قيل ولا يبعد جعل ليجزي، الخ تعليلا للمنطوق المقيد بالمعرض به كأنه قيل ما بدلوا كغيرهم
стр. 2451
ليجزيهم بصدقهم ويعذب غيرهم إن لم يتب وأنه يظهر بحسن صنيعهم قبح غيره:
وبضدّها تتبين الأشياء
فلا حاجة إلى ارتكاب التجوّز كما ارتكبه المصنف أو الحذف كما ارتكبه القائل إنه فذلكة مستأنفة لبيان الداعي لوقوع ما حكى من الأحوال والأقوال تفصيلاَ، وغاية له كأنه قيل وقع ما وقع ليجزي الصادقين بصدقهم والوفاء قولاً وفعلاَ، وليعذب المنافقين بما صدر عنهم من الأعمال والأحوال المحكية الخ، وقوله قولاً وفعلا نشر للصدق والوفاء فالوفاء في الفعل كالصدق في القول ففي قوله بصدقهم اكتفاء، ولم يقل في المنافقين بنفاقهم لقوله أو يتوب الخ فإنه يستدعي فعلاً خاصاً بهم، ولم يقل ليثيب كمقابله إشارة إلى أنّ الثواب مقصود بالذات، والعذاب بالعرض وهو السرّ في تخصيص! المشبه بجانب التعذيب. قوله: (والتوبة عليهم الخ) يعني أنّ التوبة المسندة إليه تعالى بمعنى قبول توبة العباد إن تابوا، وحذف الشرط لظهور استلزام المذكور له فتكون متأخرة عن توبتهم، أو هي مجاز عن توفيقهم للتوبة فتكون متقدمة وكلا المعنيين وارد كما في القاموص، وقوله يعني الأحزاب من المشركين واليهود ولا يأباه كون مساكن اليهود حول المدينة كما توهم لردّهم من محل تحزبهم إلى مساكنهم، وقوله مغيظين وفي نسخة متغيظين وهو إشارة إلى أنّ الجار والمجرور حال والباء فيه للمصاحبة. قوله: (بتداخل) بأن تكون الجملة حالاً من ضمير غيظهم والتعاقب على أنهما حالان من ضمير كفروا وقد جوّز في هذه الجملة أن تكون مستأنفة لبيان سبب غيظهم أو بدلاً وهو مراد الزمخشريّ بالبيان كما صرّحوا به نلا نظر فيه، وقوله وكفى الله الخ في المغني كفى بمعنى اكتف فتزاد الباء في فاعله نحو كفى بالله شهيدا وبمعنى أغنى فيتعدى لواحد كقوله قليل منك يكفيني، وزيادة الباء في مفعوله قليل ككفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع وبمعنى وقي فيتعدى لاثنين كقوله: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٣٧] ومنه هذه الآية وتفسيرها بأغنى على الحذف والإيصال لا وجه له. قوله: (ما يتحصن به) يعني القلاع والحصون ويقال بمعنى وتفسيرها بأغنى على الحذف والإيصال لا وجه له. قوله. (ما ينحصن به) يعني القلاع
والحصون ويقال بمعنى يطلق على ما حمر لكونها مما يحتمى به ويمتنع وشوكة الديك ما في رجله كالمخلب، وقوله قرئ بالضم أي ضمّ العين اتباعاً وهي مروية عن ابن عامر ﵀ والكسائيّ، وأمّ ضمّ سين تأسرون فعن أبي حيوة وهي شاذة والمتواتر فيها الكسر. قوله تعالى: ( ﴿فَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ الخ) جملة مستأنفة، وغير نظمها لما فيه من شبه الجمع والتفريق البديعي، وما قيل إنه للدلالة على الانحصار في االفريقين فيه نظر، وقوله: " صبيحة الليلة " صريح في وقوع غزوة بني قريظة والخندق في منة واحدة لكن النووي قال إنّ الأولى في الخامسة والثانية في الرابعة وما ذكره المصنف ﵀ موافق لما ني صحيح البخاريّ، ولأمتك بالهمزة بعد اللام وتبدل الفاء بمعنى درعك ونزعها ترك لبسها، وقوله جهدهم الحصار رأى شق عليهم المحاصرة، وقوله تنزلون على حكمي أي تنزلون من الحصن وأنتم راضون بحكمي، وقوله فرضوا به أي بحكم سعد رضي الله عته، وتكبيره ﷺ فرحا وتعجباً من موافقة حكمه لما حكم به الله، وقد كان أعلمه جبريل ﵊ به كما ذكره في الكشاف، وقوله سبعة أرقعة جمع رقيع وهي السماء مطلقاً أو سماء الدنيا والمراد سبع سموات حقيقة أو تغليباً، وقوله سبعة لتأويل السماء بالسقف وكون حكم الله من فوقها إما باعتبار اللوح المحفوظ كما قيل أو باعتبار نزول الملائكة بالوحي منه. قوله: (فتكلم فيه الأنصار) أي طلبوا منه ﷺ أن يشركهم معهم، وقوله فقال: " إنكم في منازلكم " أي أنتم الآن في دياركم غير محتاجين لهذا كالمهاجرين فإنهم غرباء وليس معناه إنكم ما حضرتم الوقعة والغنيمة لمن شهدها كما توهم،
وقد كان ذلك فيئاً غنيمة فمحله أهل الحاجة، وقوله طعمة بضم فسكون أي هو رزق خاص به ﷺ لأنه صفيّ أو فيء فلذا لم يعط منه الأنصار، وقوله وقيل خيبر قيل إنه أنسب وقوله وقيل كل أرض تفتح الخ فالخطاب لا يخص بالحاضرين. قوله: إ فتعالين) أصل تعال أمر بالصعود لمكان عال، ثم غلب في الأمر بالمجيء مطلقا والمراد به هنا الإرادة وذكر زينة الدنيا تخصيص بعد تعميم، وقوله أعطيكن المتعة الخ المتعة ما يعطى للمطلقة من درع وخمار وملحقة على حسب السعة والإقتار وتفصيله في الفروع، وقوله طلاقا من غير ضرار تفسير للتسريح الجميل، وهو في الأصل
стр. 2452
مطلق الإرسال، ثم كني به عن الطلاق فموجبه كالتخيير البينونة لأنه حكم الكناية عندنا، وعند الشافعيّ كما ذكره المصنف الطلاق، ولو كان رجعيا وقد اتفق المفسررن هنا على تفسيره به، والبدعة بمعنى الطلاق البدعي المعروف عند الفقهاء، وقوله لا يحل لك النساء أي الزيادة على عدتهن بعدما كان مرخصا له فيه إحسانا من الله لما اخترن رسوله ﷺ . قوله: (يدل على أن المخيرة الخ) يعني أنّ التعليق للتسريح بمعنى الطلاق بإرادتهن للدنيا وزينتها الواقع في مقابلة إرادة الرسول ﷺ دل على أنه مع الإرادة الثانية لا يقع الطلاق، والا لم يقع القسم موقعه كما لا يخفى وما ذكره المصنف مبني على مذهبه من أنه طلاق رجعي كما في شرح الرافعيّ، فما قيل من إنه دليل على أنه لا تقع البينونة وأما إنه لا يقع الطلاق أصلاً فلا دلالة له عليه إلزام له بما لا يلتزمه وكأنه غفلة عن مذهبه نعم هو عندنا يدل على نفي البينونة، ونفي الرجعة معلوم من شيء آخر مثبت عندنا وبدؤه كح! بعائشة ﵂ لأنها أحب إليه وأكمل عقلاً (بقي هنا بحث) أورده بعض المتأخرين على استدلال فقهاء المذاهب على هذه المسألة بهذه الآية، وهو أنّ تخييره ﷺ لم يكن من التخيير الذي الكلام فيه، وهو أن توقم الطلاق على نفسها بل على إنها إن اختارت نفسها طلقها ﷺ لقوله: " أسرّحكن " ففي الاستدلال بها وفيما ذكر من النقل نظر، والذي خطر ببالي إذ رأيت كبار أرباب المذاهب استدلوا بهذه الآية على ما ذكر أنه ليس مرادهم أنّ ما فيها هو المسألة المذكورة في الفروع إذ ليس في الآية
ج ٧ / م اسلأ
ذكر الاختيار المضاف لنفسها بل المراد أنه إذا كانت الإرادة المخير فيها هنا للطلاق وعدمه كما شهدت به الآثار لا للدنيا والآخرة كما فسره به بعض السلف لزم ما ذكر لأنّ القائل بأنّ اختيارها لزوجها طلاق جعل قوله اختاري كناية وقع بها لطلاق، وقوله أسرّحكن أي أطلقكن المرتب على اختيار غيره إمّا أن يراد به طلاق باختيار غيه كنفسها فتخصيصه به يقتضي أنه لا يقع باختيار. فإن أريد به طلاق أوقع بعده لأنه لم يقع به اقتضى ما ذكرناه بالطريق الأولى فتأمّل. قوله: (خلافاً لزيد الخ) فإنّ قوله اختاري كناية عندهم عن الطلاق فيقع، وان اختارت الزوج وقوله وتقديم التمتيع أي مع أنه يكون بعد الطلاق لتسببه عنه ليذكر إعطاء لهن قبل الطلاق الموحش لهن، ولأنه مناسب لما قبله من الدنيا، وقوله وقيل لأنّ الفرقة الخ يعني أن قوله إن كنتن تردن الحياة الدنيا هو الذي علق عليه الطلاق كأنه قيل إن اخترتن الدنيا فأنتن طوالق كما إذا علق الطلاق على الاختيار بقوله إن اخترت نفسك فأنت طالق فإرادة الدنيا لكونه المعلق عليه بمنزلة الطلاق وذكر المتعة في محله والسراج ليس بمعنى الطلاق بل الإخراح من البيوت بعده وهذا أيضا مما فسرت به الآية كما ذكره الرازي في الأحكام وقوله فإنه أي الاختيار، وفي نسخة فإنها أي الفرقة تعليل لكون الاختيار كالطلاق المعلق، وقوله واختلف في وجوبه أي المتعة وذكره لتأويله بما يعطي ونحوه كالتمتيع وليس في النظم ما يدل على وجوبه كما تمسك به القائل بالوجوب وهي عندنا مستحبة للمدخول بها واجبة في غيرها على تفصيل فيه كما عرف في الفروع وتنكير أجراً للتكثير لا للتعظيم لإفادة الوصل له ودونه بمعنى عنده، وقوله ومن للتبيين قيل ويجوز فيه التبعيض على أنّ المحسنات المختارات لله ورسوله وغنى واختيار الجميع لم يعلم وقت النزول، وهو بعيد. قوله: (ظاهر قبحها) تفسير له على فتح الياء وقد تقدم تفسيره في سورة النساء، وقوله فضل المذنب وهن أفضل من غيرهن والنعمة عليهن برسول
الله ﷺ في الدارين من أعظم النعم، وقوله لا يمنعه عن التضعيف الخ لأنّ عدّه يسيرا عليه تهديد كما مرّ قريبا، وقوله من يدم على الطاعة لأنّ أحد معاني القنوت الدوام على الطاعة، وله معان عشرة ليس هذا محلها. قوله: (ولعل ذكر الله للتعظيم لقوله الخ) أي لأنّ قوله وتعمل الخ مدلوله طاعة الله والأصل في العطف المغايرة فذكر الله إنما هو لتعظيم الرسول ﷺ بجعل طاعته غير منفكة عن طاعة الله، وفي بعض النسخ أو لقوله وهو من زيادة الناسخ إذ لا معنى لها ولو فسر القنوت بالخشوع خلا من التكرار أيضاً، وقوله أيضا أي كما قرأ به يقنت وقوله ويؤتها أي قرئ يؤتها بالياء التحتية على أنّ فيه ضميراً مستترا لله، وقوله زيادة على أجرها الذي كان مرّتين
стр. 2453
وهذا تفسير لكريماً لأنّ معناه الكثير الخير والنفع. قوله: (أصل أحد وحد بمعنى الواخد ثم وضع في النفي العام الخ) قيل عليه الموضوع في النفي العام همزته أصلية غير منقلبة عن الواو كما نص عليه النحاة، وأجيب بأنّ المذكور في النحو إنّ ما همزته أصلية يختص بالنفي ولا يمنعون اسنعمال ما همزته واو في النفي أيضاً وتعقب بأنّ السؤال عن وجه جعل همزته منقلبة باق مع أنّ الذي همزته غير منقلبة هو المختص بالعقلاء، والمشهور باستواء الواحد والكثير فيه وهو أنسب هنا على ما ذكره من المعنى، وقيل أيضا كيف يتأتى الجواب المذكور أوّلاً وهو معنى آخر إلا أن يستعمل لمعنى آخر غير النفي العام، وقد قاك أبو علي همزة أحد المستعمل في النفي للاستغراق أصلية لا بدل من الواو فالأولى أن يقال هـ، ذكر قول لبعض النحاة، وقد قال الرضى إنّ همزته في كل مكان بدل من الواو وكل هذا لاث. ي الغليل كما قاله القرافي في كتابه المسمى بالعقد المنظوم في ألفاظ العموم يستشكلون هذا بأن اللفظين صورتهما واحدة ومعنى الوحدة يتناولهما والواو فيها أصلية فيلزم قطعا انقلاب ألفه عنها وجعل أحدهما منقلبا دون الآخر تحكم، وقد أشكل هذا على كثير من الفضلاء حتى أطلعني الله على جوابه، وهو أنّ أحداً الذي لا يستعمل إلا في النفي معناه إنسان بإجماع أهل اللغة وأحد الذي يستعمل في الإثبات معناه الفرد من العدد فإذا تغاير مسماهما تغاير اشتقاقهما لأنه لا بد فيه من المناسبة بين اللفظ، والمعنى ولا يكفي فيه أحدهما فإذا كان المقصود به الإنسان فهو الذي لا يستعمل إلا في النفي وهمزته أصلية وان قصد به العدد ونصف الاثنين فهو الصالح للإثبات والنفي وألفه منقلبة عن واو اهـ، إذا عرفت هذا فما وقع للمصنف تبعاً للزمخشري هنا ليس كما ينبغي فإنه على تسليم الفرق المذكور ينبغي أن تكون الهمزة هنا أصلية كما قاله أبو حيان ﵀
وجواب الطيبي لا يجدي نفعا وكل ما ذكر بعده خبط عشواء فتأمّل. قوله: (والمعنى لستن كجماعة واحدة الخ) في الانتصاف أراد المطابقة بين المتفاضلين فإنّ نساء النبي جماعة ولو حمل على الواحدة كان أبلغ أي ليست واحدة منكن كواحدة من آحاد النساء فيلزم تفضيل الجماعة على الجماعة دون عكس، ورد بأنه لا شك أن اسم ليس ضمير الجماعة وقد حمل عليه كأحد وبين بقوله من النساء وتعريفه للجنس فيجب حمل أحد بمقتضى السياق على الجماعة كقوله فما منكم من أحد عنه حاجزين، ولو حمل على الواحد لزم التفضيل بحسب الوحدات ويرجع المعنى إلى تفضيل كلهن على واحدة واحدة من النساء ولا ارتياب في بطلانه أمّا تأويله بليست واحدة منكن فخلاف الظاهر وأمّا قوله يلزم الخ فجوابه أنّ تفضيل كل واحدة منهن يعلم من دليل آخر كقوله: ﴿وأزّواجه أمّهاتكم﴾ [سورة الأحزاب، الآية: ٦٠] ونحوه فما قيل على هذا يكون الأحد بمعنى الواحد لا موضوعا في النفي العام، والأولى أن يفسر بجماعة واحدة كانت أو أكثر ليعمّ النفي، ويناسب مقام تفضيلهن، ثم هذا يفيد بحسب عرف الاستعمال تفضيل كل منها على سائر النساء لأنّ فضلها يكون عالياً لفضل كل منها فلا حاجة إلى تقدير ليست إحداكن كامرأة لأنه خلاف الظاهر، أو يقال المقصود تفضيل الجماعة لا كل منها إذ لا شك أنّ بعضهن ليست بأفضل من فاطمة ﵂ فليس التقدير أولى كما توهم، اهـ ليس بصحيح أوّله لأنه شامل للقليل والكثير فلا يكون بمعنى الواحد نعم ما ذكره بعده كلام حسن فتأمّله، وقد اغتر بعضهم بما في الانتصاف فقال ما قال. قوله: (مخالفة حكم الله ورضا رسوله ﷺ إشارة إلى أنه من التقوى بمعناها المعروف في لسان الشرع وجعله بمعنى استقبلتن الرجال، وان كان صحيحاً لغة وقد ورد بمعنى الاستقبال في القرآن كثيراً كقوله: ﴿أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [سورة الزمر، الآية: ٢٤] كما أشار إليه الراغب لا يتأتى هنا لأنه لا يستعمل في مثله إلا مع المتعلق الذي يحصل به الوقاية كقوله بوجهه في الآية وباليد في قول النابغة: فتناولته واتقينا باليد
ليكون قرينة على إرادة غير المعنى الشرعي، فالقول بأنه غير معروف في اللغة فلا يناسب الفصاحة خطأ، وأمّا تمسك من فسره به هنا بأنه أبلغ في المدح لأنهن متقيات فليس بشيء لأن المراد دوامهن على التقوى مع أنّ المقصود به التهييج بجعل طلب الدنيا، والميل إلى ما تميل إليه النساء لبعده من مقامهن بمنزلة الخروج من التقوى. قوله: (مثل قول المريبات (أي الموقعات في الريب في طهارتهن، وهذا هو الصحيح ووقع في بعض النسخ المزينات أي الزانيات
стр. 2454
بالمعجمة والأولى أولى، وقوله فجور أي نية فجور واضماره، وقوله عقيب نهيهن
مأخوذ من الفاء وهو إشارة إلى أنه لتعقيب النهي لا المنهي، والعين على قراءة الجزم مكسورة لالتقاء الساكنين، وقوله بعيدا عن الريبة تفسير لقوله حسناً.
قوله: (من وقر يقر وقارا) إذا سكن، وقيل إنه من وقرت أوقر وقراً إذا جلست كذا في مفردات الراغب والمعنى عليهما لا تخرجن من البيوت، ولا تتبرجن وأصله أو قرن ولا خلط في كلامه كما توهم. قوله: (أو من قر يقرّ المضاعف (وهو من باب ضرب وعلى ما بعده من باب علم وعلى الأخير هو أجوف ومعنى قار اجتمع ومته القارة اسم قبيلة وهو على قراءة الفتح كخفن، ومعناه أجمعن أنفسكن في البيوت وحذف الأولى من الراءين، وقيل المحذوف الثانية إمّا ابتداء لكراهة التضعيف أو بعد قلبها ياء، ونقل الكسرة إلى ما قبلها. قوله: (ويؤيده الخ (إذ لا يحتمل المعتل حينئذ لكنه قيل عليه انّ مجيئه من باب علم لغة قليلة أنكرها المازني، وأمّا كون التضعيف لا يجوّز الحذف بدون الكسر فقياس الزمخشري له على ظل غير سديد فغير مسلم. قوله: (ولا تتبختزن) هو منقول عن قتادة ومجاهد وقد فسر أيضا بلا تظهرن الزينة وتقدم تفصيله، وقوله مثل تبرج النساء الخ إشارة إلى أنّ المصدر تشبيهيّ مثل له صوت صوت حمار، وبيان لحاصل المعنى، وقيل إنه لبيان أنّ فيه إضمار مضافين أي تبرح نساء أيام الجاهلية، وأن إضافة النساء على معنى في، وقوله وقيل الخ عطفه لأنّ ما قبله تفسير لها بالقديمة مطلقا من غير تعيين كما في هذا فلا يقال إنّ الظاهر ترك الواو، وما بين آدم ونوح عليهما الصلاة والسلام قيل إنه ثمانمائة سنة والنساء فيه قباج والرجال حسان فلذا كانت تدعوهن لأنفسهن، وقوله كانت المرأة هو على الأخير كما في الكشاف لا عليهما كما قيل. قوله: (جاهلية الكفر) هي ما كان قبل ظهور الإسلام من التكبر والتجبر والتفاخر بالدنيا، وكثرة البغايا وقوله ويعضده أي يقوّي إطلاقه على الفسق في الإسلام، والمعنى نهيهن عن التشبه بأهل جاهلية الكفر وقوله لأبي
الدرداء تبع فيه الزمخشريّ، وهو غلط كما قاله العراقي وغيره وإنما هو أبو ذرّ ﵄ كما في الصحيحين وليس في الحديث جاهلية الكفر، وكان شاتم رجلاً أمّه أعجمية فعيره بها فشكاه للنبيّ ﷺ ، وقوله تعالى: ﴿أَقِمْنَ الصَّلَاةَ﴾ [سورة الأحزاب، الآية: ٣٣] الخ خصهما لأنهما أساس العبادات البدنية والمالية كما مرّ. قوله: (الذنب المدنس لعرضكم) إشارة إلى أنّ أصل الرجس ما يدنس من المستقدرات استعير للإثم كما استعير الطهر لضده، ولذا يقال هو نقي العرض كما سيأتي، وقوله وهو تعليل الخ أي جملة مستأنفة في جواب سؤال مقدر فيفيد التعليل، وقوله ولذلك أي ولكون المقصود تعليل أمره ونهيه بإرادة تطهيرهم من الذنوب عمم الحكم بقوله أطعن الرسول على ما فسره به بعد تخصيصه بالصلاة والزكاة فيقتضي الطهارة التامّة ليطابق التعليل المعلل، أو عمم الحكم بقوله اطعن الرسول على ما فسره به بعد تخصيصه بالصلاة والزكاة فيقتضي الطهارة التامّة ليطابق التعليل المعلل، أو عمم الحكم المذكور في التعليل لغيرهن فقيل أهل البيت، وأتى بضمير الذكور تغليباً ليشمل الرجال والنساء لوجود العلة فيهم، وقوله نصب على المدح فيقدر أمدح أو أعني وأمّا نصبه على الاختصاص فضعيف لقلة وقوعه بعد ضمير المخاطب كما قاله ابن هشام، وقوله واستعارة الخ تقدم بيانه، وقوله والترشيح لمناسبة الطهارة له وهو ظاهر، وما قيل الملائم للمشبه به النجس سهو ويصمح أن يكون مستعارا لصونهم أيضا. قوله: (لما روي الخ) الحديث صحيح لكنه لا يدل على ما
ذكره كما سيأتي، والمرط بكسر فسكون الإزار والمرحل بالإهمال كمعظم برد فيه تصاوير رحال وتفسير الجوهري له بازار خزفية علم غير جيد إنما ذلك تفسير المرجل بالجيم كما في القاموس، والواقع في الحديث بالحاء المهملة كما ضبطه النووي ﵀ ونقله عن الجمهور والاسندلال به على عصتهم لتطهيرهم من الذنوب ليس بصحيح لأنه يجوز كونه بالعفو عنها بل هو أظهر لاقتضاء التطهير وقوع المطهر عته، وكون إجماعهم حجة مبني على العصمة من الكذب، وقوله لا يناسب ما قبل الخ أي من ذكر أزواجه. قوله: (الجامع بين الأمرين) أي كونه آيات الله وحكمته ويجوز أن يراد بالحكمة نصائحه ﷺ وأحاديثه، وقوله جعلهن الخ من قوله في بيوتكن وبرحاء بضم الباء والمد شدّته لأنه كان يعتريه ﷺ شبه الغشي أحياناً، وقوله مما يوجب بيان لما أنعم، وقوله حثا الخ تعليل لقوله تذكير. قوله: (يعلم ويدبر ما يصلح في الدين) بيان لقوله لطيفا
стр. 2455
خبيرا، وقيل اللطيف ناظر للآيات لدقة إعجازها والخبير للحكمة لمناسبتها للخبرة، وقوله أو يعلم قيل الظاهر عطفه بالواو وفيه نظر، وقوله الداخليه في السلم وهو ضدّ الحرب أو المفوّضين أمرهم لله كقوله: ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ﴾ [سورة أن عمران، الآية: ٢٠] وفسرهما بالمعنى اللغوي ليفيد ذكرهما معا، وقوله الداخلين تفسير للمسلمين والمسلمات معاً على التغليب لا للمسلمات لعدم صحته ولا للمسلمين والا لقدم. قوله: (بما يجب أن يصدّق به) وفي نسخة يصدّق بدون صلة فحمل على الحذف والإيصال على أنّ أصله يصدق
به، وقوله في القول والعمل لأنه يتعدى لهما فيقال صدق القتال كما يقال صدق الحديث، ولكن الظاهر أنّ الأوّل مجاز فالجمع بينهما وان جاز عند المصنف لكن لا حاجة إليه مع أن القنوت يغني عنه، وقوله بقلوبهم هو الأصل وخشوع الجوارح تابع له وقوله بما وجب لو أطلقه كالذي بعده كان أشمل وأولى كما في الكشاف، وما قيل إنّ استحقاق الوعد به فيه نظر وكذا قوله عن الحرام كان الأولى تركه، وأخر الذكر لعمومه وشرفه ولذكر الله أكبر، ولذا جمع الذكر القلبي مع اللساني، وقوله لما اقترفوا أي اكتسبوا وخص الصغائر لأنه الوارد أو لاستلزام ما قبله لعدمها لا على ما ذهب إليه المعتزلة. قوله: (والتدرع بهذه الخصال (أي الاتصال وفيه استعارة حسنة لتشبيهها بالدرع في صيانة صاحبها، وقوله: فما فينا خير أي أمر يحمد ليثني الله عليه، وهو يحتمل النفي والاستفهام بتقدير أفما والظاهر أنّ ضمير فينا للأزواج وقيل إنه للنساء على العموم وإلا يلزم تأخر نزول يا نساء النبي الآية عن هذه الآية لأنه خاص بهن لا يتجاوز غيرهن، وقد قيل بعدم لزوم ما ذكره لأنّ تلكا لآيات في بيان شرفهن فتأمّل. قوله: (وعطف الإناث على الذكور الخ) وجه كونه ضروريا أنّ تغاير الذوات المشتركة في حكم يستلزم العطف ما لم يقصد السرد على طريق التعديد، وقوله وعطف الزوجين أراد بالزوجين مجموع كل مذكر ومؤنث كعطف مجموع المؤمنين والمؤمنات على مجموع المسلمين، والمسلمات فإنه لا يلزم عطفه لكنه عطف هنا للدلالة على اجتماع الصفات، ولو ترك العطف جاز والمعدّ لهم المغفرة والأجر العظيم وعطف مبتدأ خبره لتغاير الخ، وقوله فليس معطوف على الخبر لا خبر لأنّ الفاء لا تزاد في مثله وفيه إشارة إلى أنّ الأزواج معطوفة على أمثالها لا كل على ما قبله على تهج الأوّل والآخر والظاهر والباطن. قوله: (ما صح له) بناء على ما ذكره الزمخشريّ من أنه يلزم الإفراد في نحو ما جاءني من رجل ولا امرأة إلا أكرمته حتى وجه الجمع في يكون لهم الخيرة بأنه أرجع الضمير على المعنى لا على اللفظ لعمومه إذ وقع تحت النفي، وإن كان ما ذكر غير مسلم عند أكثر النحاة حتى قال أبو حيان إنّ ما في الكشاف غير صحيح لأنّ العطف بالواو والمذكور في النحو إذا كان العطف بأو نحو من جاءك من شريف أو
وضيع أكرمه فلا يجوز ذلك إلا بتأويل الحذف وفي هذه المسألة كلام طويل في شرح التسهيل لا يهمنا هنا، والمراد عدم صحته شرعا أو ما أمكن لأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن والقضاء بعد المشيئة. قوله: (ودّكر الله لتعظيم أمره) أي ما أمر به أو شأنه فإنّ ذكر الله مع أنّ الآمر لهم الرسول ﷺ للدلالة على أنه بمنزلة من الله بحيث تعد أوامره أوامر الله، أو أنه لما كان ما يفعله بأمره لأنه لا ينطق عن الهوى ذكرت الجلالة، وقدمت للدلالة على ذلك فالنظم على هذا على نمط والله ورسوله أحق أن يرضوه، وعلى الأوّل من قبيل فإنّ لله خمسه وللرسول فالواو بمعنى أو وليسا وجها واحدا كما قيل فإنه بعيد لحمل قوله قضاءه قضاؤه على دعوى الاتحاد حقيقة والحامل على هذا العطف بالواو وهو سهل. قوله: (لآنه نزل الخ) تعليل لكونه قضاء رسول الله ﷺ ، وذكر الله للتعظيم ونحوه والسبب الأوّل أصح رواية ولذا قدم، وأمّ كلثوم ﵂ أول من هاجر من النساء ولما أمرها رسول الله ﷺ بتزوّج زيد قالت هي وأخوها أردنا رسول الله ﷺ فزوّجني عبده، وقوله والخيرة ما يتخير فهو صفة مشبهة والمذكور في النحو أنه مصدر وأنه لم يجيء من المصادر على وزنه غير طيرة والمعنى المصدري أنسب هنا وهو مختاره في القصص، وقوله من أمرهم متعلق بالخيرة أو حال منها. قوله: (أن يختاروا) كذا في الكشاف مع جعله الخيرة بمعنى المتخير فقال بعض شراحه أن أوّل كلامه إشارة إلى مصدريته وما بعده إشارة إلى أنه يكون بمعنى المفعول، ولا يخفى تعسفه فالصواب أنّ أن
следующие страницы →