Полный текст (3 156 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.
стр. 2451
ليجزيهم بصدقهم ويعذب غيرهم إن لم يتب وأنه يظهر بحسن صنيعهم قبح غيره:
وبضدّها تتبين الأشياء
فلا حاجة إلى ارتكاب التجوّز كما ارتكبه المصنف أو الحذف كما ارتكبه القائل إنه فذلكة مستأنفة لبيان الداعي لوقوع ما حكى من الأحوال والأقوال تفصيلاَ، وغاية له كأنه قيل وقع ما وقع ليجزي الصادقين بصدقهم والوفاء قولاً وفعلاَ، وليعذب المنافقين بما صدر عنهم من الأعمال والأحوال المحكية الخ، وقوله قولاً وفعلا نشر للصدق والوفاء فالوفاء في الفعل كالصدق في القول ففي قوله بصدقهم اكتفاء، ولم يقل في المنافقين بنفاقهم لقوله أو يتوب الخ فإنه يستدعي فعلاً خاصاً بهم، ولم يقل ليثيب كمقابله إشارة إلى أنّ الثواب مقصود بالذات، والعذاب بالعرض وهو السرّ في تخصيص! المشبه بجانب التعذيب. قوله: (والتوبة عليهم الخ) يعني أنّ التوبة المسندة إليه تعالى بمعنى قبول توبة العباد إن تابوا، وحذف الشرط لظهور استلزام المذكور له فتكون متأخرة عن توبتهم، أو هي مجاز عن توفيقهم للتوبة فتكون متقدمة وكلا المعنيين وارد كما في القاموص، وقوله يعني الأحزاب من المشركين واليهود ولا يأباه كون مساكن اليهود حول المدينة كما توهم لردّهم من محل تحزبهم إلى مساكنهم، وقوله مغيظين وفي نسخة متغيظين وهو إشارة إلى أنّ الجار والمجرور حال والباء فيه للمصاحبة. قوله: (بتداخل) بأن تكون الجملة حالاً من ضمير غيظهم والتعاقب على أنهما حالان من ضمير كفروا وقد جوّز في هذه الجملة أن تكون مستأنفة لبيان سبب غيظهم أو بدلاً وهو مراد الزمخشريّ بالبيان كما صرّحوا به نلا نظر فيه، وقوله وكفى الله الخ في المغني كفى بمعنى اكتف فتزاد الباء في فاعله نحو كفى بالله شهيدا وبمعنى أغنى فيتعدى لواحد كقوله قليل منك يكفيني، وزيادة الباء في مفعوله قليل ككفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع وبمعنى وقي فيتعدى لاثنين كقوله: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٣٧] ومنه هذه الآية وتفسيرها بأغنى على الحذف والإيصال لا وجه له. قوله: (ما يتحصن به) يعني القلاع والحصون ويقال بمعنى وتفسيرها بأغنى على الحذف والإيصال لا وجه له. قوله. (ما ينحصن به) يعني القلاع
والحصون ويقال بمعنى يطلق على ما حمر لكونها مما يحتمى به ويمتنع وشوكة الديك ما في رجله كالمخلب، وقوله قرئ بالضم أي ضمّ العين اتباعاً وهي مروية عن ابن عامر ﵀ والكسائيّ، وأمّ ضمّ سين تأسرون فعن أبي حيوة وهي شاذة والمتواتر فيها الكسر. قوله تعالى: ( ﴿فَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ الخ) جملة مستأنفة، وغير نظمها لما فيه من شبه الجمع والتفريق البديعي، وما قيل إنه للدلالة على الانحصار في االفريقين فيه نظر، وقوله: " صبيحة الليلة " صريح في وقوع غزوة بني قريظة والخندق في منة واحدة لكن النووي قال إنّ الأولى في الخامسة والثانية في الرابعة وما ذكره المصنف ﵀ موافق لما ني صحيح البخاريّ، ولأمتك بالهمزة بعد اللام وتبدل الفاء بمعنى درعك ونزعها ترك لبسها، وقوله جهدهم الحصار رأى شق عليهم المحاصرة، وقوله تنزلون على حكمي أي تنزلون من الحصن وأنتم راضون بحكمي، وقوله فرضوا به أي بحكم سعد رضي الله عته، وتكبيره ﷺ فرحا وتعجباً من موافقة حكمه لما حكم به الله، وقد كان أعلمه جبريل ﵊ به كما ذكره في الكشاف، وقوله سبعة أرقعة جمع رقيع وهي السماء مطلقاً أو سماء الدنيا والمراد سبع سموات حقيقة أو تغليباً، وقوله سبعة لتأويل السماء بالسقف وكون حكم الله من فوقها إما باعتبار اللوح المحفوظ كما قيل أو باعتبار نزول الملائكة بالوحي منه. قوله: (فتكلم فيه الأنصار) أي طلبوا منه ﷺ أن يشركهم معهم، وقوله فقال: " إنكم في منازلكم " أي أنتم الآن في دياركم غير محتاجين لهذا كالمهاجرين فإنهم غرباء وليس معناه إنكم ما حضرتم الوقعة والغنيمة لمن شهدها كما توهم،
وقد كان ذلك فيئاً غنيمة فمحله أهل الحاجة، وقوله طعمة بضم فسكون أي هو رزق خاص به ﷺ لأنه صفيّ أو فيء فلذا لم يعط منه الأنصار، وقوله وقيل خيبر قيل إنه أنسب وقوله وقيل كل أرض تفتح الخ فالخطاب لا يخص بالحاضرين. قوله: إ فتعالين) أصل تعال أمر بالصعود لمكان عال، ثم غلب في الأمر بالمجيء مطلقا والمراد به هنا الإرادة وذكر زينة الدنيا تخصيص بعد تعميم، وقوله أعطيكن المتعة الخ المتعة ما يعطى للمطلقة من درع وخمار وملحقة على حسب السعة والإقتار وتفصيله في الفروع، وقوله طلاقا من غير ضرار تفسير للتسريح الجميل، وهو في الأصل
стр. 2452
مطلق الإرسال، ثم كني به عن الطلاق فموجبه كالتخيير البينونة لأنه حكم الكناية عندنا، وعند الشافعيّ كما ذكره المصنف الطلاق، ولو كان رجعيا وقد اتفق المفسررن هنا على تفسيره به، والبدعة بمعنى الطلاق البدعي المعروف عند الفقهاء، وقوله لا يحل لك النساء أي الزيادة على عدتهن بعدما كان مرخصا له فيه إحسانا من الله لما اخترن رسوله ﷺ . قوله: (يدل على أن المخيرة الخ) يعني أنّ التعليق للتسريح بمعنى الطلاق بإرادتهن للدنيا وزينتها الواقع في مقابلة إرادة الرسول ﷺ دل على أنه مع الإرادة الثانية لا يقع الطلاق، والا لم يقع القسم موقعه كما لا يخفى وما ذكره المصنف مبني على مذهبه من أنه طلاق رجعي كما في شرح الرافعيّ، فما قيل من إنه دليل على أنه لا تقع البينونة وأما إنه لا يقع الطلاق أصلاً فلا دلالة له عليه إلزام له بما لا يلتزمه وكأنه غفلة عن مذهبه نعم هو عندنا يدل على نفي البينونة، ونفي الرجعة معلوم من شيء آخر مثبت عندنا وبدؤه كح! بعائشة ﵂ لأنها أحب إليه وأكمل عقلاً (بقي هنا بحث) أورده بعض المتأخرين على استدلال فقهاء المذاهب على هذه المسألة بهذه الآية، وهو أنّ تخييره ﷺ لم يكن من التخيير الذي الكلام فيه، وهو أن توقم الطلاق على نفسها بل على إنها إن اختارت نفسها طلقها ﷺ لقوله: " أسرّحكن " ففي الاستدلال بها وفيما ذكر من النقل نظر، والذي خطر ببالي إذ رأيت كبار أرباب المذاهب استدلوا بهذه الآية على ما ذكر أنه ليس مرادهم أنّ ما فيها هو المسألة المذكورة في الفروع إذ ليس في الآية
ج ٧ / م اسلأ
ذكر الاختيار المضاف لنفسها بل المراد أنه إذا كانت الإرادة المخير فيها هنا للطلاق وعدمه كما شهدت به الآثار لا للدنيا والآخرة كما فسره به بعض السلف لزم ما ذكر لأنّ القائل بأنّ اختيارها لزوجها طلاق جعل قوله اختاري كناية وقع بها لطلاق، وقوله أسرّحكن أي أطلقكن المرتب على اختيار غيره إمّا أن يراد به طلاق باختيار غيه كنفسها فتخصيصه به يقتضي أنه لا يقع باختيار. فإن أريد به طلاق أوقع بعده لأنه لم يقع به اقتضى ما ذكرناه بالطريق الأولى فتأمّل. قوله: (خلافاً لزيد الخ) فإنّ قوله اختاري كناية عندهم عن الطلاق فيقع، وان اختارت الزوج وقوله وتقديم التمتيع أي مع أنه يكون بعد الطلاق لتسببه عنه ليذكر إعطاء لهن قبل الطلاق الموحش لهن، ولأنه مناسب لما قبله من الدنيا، وقوله وقيل لأنّ الفرقة الخ يعني أن قوله إن كنتن تردن الحياة الدنيا هو الذي علق عليه الطلاق كأنه قيل إن اخترتن الدنيا فأنتن طوالق كما إذا علق الطلاق على الاختيار بقوله إن اخترت نفسك فأنت طالق فإرادة الدنيا لكونه المعلق عليه بمنزلة الطلاق وذكر المتعة في محله والسراج ليس بمعنى الطلاق بل الإخراح من البيوت بعده وهذا أيضا مما فسرت به الآية كما ذكره الرازي في الأحكام وقوله فإنه أي الاختيار، وفي نسخة فإنها أي الفرقة تعليل لكون الاختيار كالطلاق المعلق، وقوله واختلف في وجوبه أي المتعة وذكره لتأويله بما يعطي ونحوه كالتمتيع وليس في النظم ما يدل على وجوبه كما تمسك به القائل بالوجوب وهي عندنا مستحبة للمدخول بها واجبة في غيرها على تفصيل فيه كما عرف في الفروع وتنكير أجراً للتكثير لا للتعظيم لإفادة الوصل له ودونه بمعنى عنده، وقوله ومن للتبيين قيل ويجوز فيه التبعيض على أنّ المحسنات المختارات لله ورسوله وغنى واختيار الجميع لم يعلم وقت النزول، وهو بعيد. قوله: (ظاهر قبحها) تفسير له على فتح الياء وقد تقدم تفسيره في سورة النساء، وقوله فضل المذنب وهن أفضل من غيرهن والنعمة عليهن برسول
الله ﷺ في الدارين من أعظم النعم، وقوله لا يمنعه عن التضعيف الخ لأنّ عدّه يسيرا عليه تهديد كما مرّ قريبا، وقوله من يدم على الطاعة لأنّ أحد معاني القنوت الدوام على الطاعة، وله معان عشرة ليس هذا محلها. قوله: (ولعل ذكر الله للتعظيم لقوله الخ) أي لأنّ قوله وتعمل الخ مدلوله طاعة الله والأصل في العطف المغايرة فذكر الله إنما هو لتعظيم الرسول ﷺ بجعل طاعته غير منفكة عن طاعة الله، وفي بعض النسخ أو لقوله وهو من زيادة الناسخ إذ لا معنى لها ولو فسر القنوت بالخشوع خلا من التكرار أيضاً، وقوله أيضا أي كما قرأ به يقنت وقوله ويؤتها أي قرئ يؤتها بالياء التحتية على أنّ فيه ضميراً مستترا لله، وقوله زيادة على أجرها الذي كان مرّتين
стр. 2453
وهذا تفسير لكريماً لأنّ معناه الكثير الخير والنفع. قوله: (أصل أحد وحد بمعنى الواخد ثم وضع في النفي العام الخ) قيل عليه الموضوع في النفي العام همزته أصلية غير منقلبة عن الواو كما نص عليه النحاة، وأجيب بأنّ المذكور في النحو إنّ ما همزته أصلية يختص بالنفي ولا يمنعون اسنعمال ما همزته واو في النفي أيضاً وتعقب بأنّ السؤال عن وجه جعل همزته منقلبة باق مع أنّ الذي همزته غير منقلبة هو المختص بالعقلاء، والمشهور باستواء الواحد والكثير فيه وهو أنسب هنا على ما ذكره من المعنى، وقيل أيضا كيف يتأتى الجواب المذكور أوّلاً وهو معنى آخر إلا أن يستعمل لمعنى آخر غير النفي العام، وقد قاك أبو علي همزة أحد المستعمل في النفي للاستغراق أصلية لا بدل من الواو فالأولى أن يقال هـ، ذكر قول لبعض النحاة، وقد قال الرضى إنّ همزته في كل مكان بدل من الواو وكل هذا لاث. ي الغليل كما قاله القرافي في كتابه المسمى بالعقد المنظوم في ألفاظ العموم يستشكلون هذا بأن اللفظين صورتهما واحدة ومعنى الوحدة يتناولهما والواو فيها أصلية فيلزم قطعا انقلاب ألفه عنها وجعل أحدهما منقلبا دون الآخر تحكم، وقد أشكل هذا على كثير من الفضلاء حتى أطلعني الله على جوابه، وهو أنّ أحداً الذي لا يستعمل إلا في النفي معناه إنسان بإجماع أهل اللغة وأحد الذي يستعمل في الإثبات معناه الفرد من العدد فإذا تغاير مسماهما تغاير اشتقاقهما لأنه لا بد فيه من المناسبة بين اللفظ، والمعنى ولا يكفي فيه أحدهما فإذا كان المقصود به الإنسان فهو الذي لا يستعمل إلا في النفي وهمزته أصلية وان قصد به العدد ونصف الاثنين فهو الصالح للإثبات والنفي وألفه منقلبة عن واو اهـ، إذا عرفت هذا فما وقع للمصنف تبعاً للزمخشري هنا ليس كما ينبغي فإنه على تسليم الفرق المذكور ينبغي أن تكون الهمزة هنا أصلية كما قاله أبو حيان ﵀
وجواب الطيبي لا يجدي نفعا وكل ما ذكر بعده خبط عشواء فتأمّل. قوله: (والمعنى لستن كجماعة واحدة الخ) في الانتصاف أراد المطابقة بين المتفاضلين فإنّ نساء النبي جماعة ولو حمل على الواحدة كان أبلغ أي ليست واحدة منكن كواحدة من آحاد النساء فيلزم تفضيل الجماعة على الجماعة دون عكس، ورد بأنه لا شك أن اسم ليس ضمير الجماعة وقد حمل عليه كأحد وبين بقوله من النساء وتعريفه للجنس فيجب حمل أحد بمقتضى السياق على الجماعة كقوله فما منكم من أحد عنه حاجزين، ولو حمل على الواحد لزم التفضيل بحسب الوحدات ويرجع المعنى إلى تفضيل كلهن على واحدة واحدة من النساء ولا ارتياب في بطلانه أمّا تأويله بليست واحدة منكن فخلاف الظاهر وأمّا قوله يلزم الخ فجوابه أنّ تفضيل كل واحدة منهن يعلم من دليل آخر كقوله: ﴿وأزّواجه أمّهاتكم﴾ [سورة الأحزاب، الآية: ٦٠] ونحوه فما قيل على هذا يكون الأحد بمعنى الواحد لا موضوعا في النفي العام، والأولى أن يفسر بجماعة واحدة كانت أو أكثر ليعمّ النفي، ويناسب مقام تفضيلهن، ثم هذا يفيد بحسب عرف الاستعمال تفضيل كل منها على سائر النساء لأنّ فضلها يكون عالياً لفضل كل منها فلا حاجة إلى تقدير ليست إحداكن كامرأة لأنه خلاف الظاهر، أو يقال المقصود تفضيل الجماعة لا كل منها إذ لا شك أنّ بعضهن ليست بأفضل من فاطمة ﵂ فليس التقدير أولى كما توهم، اهـ ليس بصحيح أوّله لأنه شامل للقليل والكثير فلا يكون بمعنى الواحد نعم ما ذكره بعده كلام حسن فتأمّله، وقد اغتر بعضهم بما في الانتصاف فقال ما قال. قوله: (مخالفة حكم الله ورضا رسوله ﷺ إشارة إلى أنه من التقوى بمعناها المعروف في لسان الشرع وجعله بمعنى استقبلتن الرجال، وان كان صحيحاً لغة وقد ورد بمعنى الاستقبال في القرآن كثيراً كقوله: ﴿أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [سورة الزمر، الآية: ٢٤] كما أشار إليه الراغب لا يتأتى هنا لأنه لا يستعمل في مثله إلا مع المتعلق الذي يحصل به الوقاية كقوله بوجهه في الآية وباليد في قول النابغة: فتناولته واتقينا باليد
ليكون قرينة على إرادة غير المعنى الشرعي، فالقول بأنه غير معروف في اللغة فلا يناسب الفصاحة خطأ، وأمّا تمسك من فسره به هنا بأنه أبلغ في المدح لأنهن متقيات فليس بشيء لأن المراد دوامهن على التقوى مع أنّ المقصود به التهييج بجعل طلب الدنيا، والميل إلى ما تميل إليه النساء لبعده من مقامهن بمنزلة الخروج من التقوى. قوله: (مثل قول المريبات (أي الموقعات في الريب في طهارتهن، وهذا هو الصحيح ووقع في بعض النسخ المزينات أي الزانيات
стр. 2454
بالمعجمة والأولى أولى، وقوله فجور أي نية فجور واضماره، وقوله عقيب نهيهن
مأخوذ من الفاء وهو إشارة إلى أنه لتعقيب النهي لا المنهي، والعين على قراءة الجزم مكسورة لالتقاء الساكنين، وقوله بعيدا عن الريبة تفسير لقوله حسناً.
قوله: (من وقر يقر وقارا) إذا سكن، وقيل إنه من وقرت أوقر وقراً إذا جلست كذا في مفردات الراغب والمعنى عليهما لا تخرجن من البيوت، ولا تتبرجن وأصله أو قرن ولا خلط في كلامه كما توهم. قوله: (أو من قر يقرّ المضاعف (وهو من باب ضرب وعلى ما بعده من باب علم وعلى الأخير هو أجوف ومعنى قار اجتمع ومته القارة اسم قبيلة وهو على قراءة الفتح كخفن، ومعناه أجمعن أنفسكن في البيوت وحذف الأولى من الراءين، وقيل المحذوف الثانية إمّا ابتداء لكراهة التضعيف أو بعد قلبها ياء، ونقل الكسرة إلى ما قبلها. قوله: (ويؤيده الخ (إذ لا يحتمل المعتل حينئذ لكنه قيل عليه انّ مجيئه من باب علم لغة قليلة أنكرها المازني، وأمّا كون التضعيف لا يجوّز الحذف بدون الكسر فقياس الزمخشري له على ظل غير سديد فغير مسلم. قوله: (ولا تتبختزن) هو منقول عن قتادة ومجاهد وقد فسر أيضا بلا تظهرن الزينة وتقدم تفصيله، وقوله مثل تبرج النساء الخ إشارة إلى أنّ المصدر تشبيهيّ مثل له صوت صوت حمار، وبيان لحاصل المعنى، وقيل إنه لبيان أنّ فيه إضمار مضافين أي تبرح نساء أيام الجاهلية، وأن إضافة النساء على معنى في، وقوله وقيل الخ عطفه لأنّ ما قبله تفسير لها بالقديمة مطلقا من غير تعيين كما في هذا فلا يقال إنّ الظاهر ترك الواو، وما بين آدم ونوح عليهما الصلاة والسلام قيل إنه ثمانمائة سنة والنساء فيه قباج والرجال حسان فلذا كانت تدعوهن لأنفسهن، وقوله كانت المرأة هو على الأخير كما في الكشاف لا عليهما كما قيل. قوله: (جاهلية الكفر) هي ما كان قبل ظهور الإسلام من التكبر والتجبر والتفاخر بالدنيا، وكثرة البغايا وقوله ويعضده أي يقوّي إطلاقه على الفسق في الإسلام، والمعنى نهيهن عن التشبه بأهل جاهلية الكفر وقوله لأبي
الدرداء تبع فيه الزمخشريّ، وهو غلط كما قاله العراقي وغيره وإنما هو أبو ذرّ ﵄ كما في الصحيحين وليس في الحديث جاهلية الكفر، وكان شاتم رجلاً أمّه أعجمية فعيره بها فشكاه للنبيّ ﷺ ، وقوله تعالى: ﴿أَقِمْنَ الصَّلَاةَ﴾ [سورة الأحزاب، الآية: ٣٣] الخ خصهما لأنهما أساس العبادات البدنية والمالية كما مرّ. قوله: (الذنب المدنس لعرضكم) إشارة إلى أنّ أصل الرجس ما يدنس من المستقدرات استعير للإثم كما استعير الطهر لضده، ولذا يقال هو نقي العرض كما سيأتي، وقوله وهو تعليل الخ أي جملة مستأنفة في جواب سؤال مقدر فيفيد التعليل، وقوله ولذلك أي ولكون المقصود تعليل أمره ونهيه بإرادة تطهيرهم من الذنوب عمم الحكم بقوله أطعن الرسول على ما فسره به بعد تخصيصه بالصلاة والزكاة فيقتضي الطهارة التامّة ليطابق التعليل المعلل، أو عمم الحكم بقوله اطعن الرسول على ما فسره به بعد تخصيصه بالصلاة والزكاة فيقتضي الطهارة التامّة ليطابق التعليل المعلل، أو عمم الحكم المذكور في التعليل لغيرهن فقيل أهل البيت، وأتى بضمير الذكور تغليباً ليشمل الرجال والنساء لوجود العلة فيهم، وقوله نصب على المدح فيقدر أمدح أو أعني وأمّا نصبه على الاختصاص فضعيف لقلة وقوعه بعد ضمير المخاطب كما قاله ابن هشام، وقوله واستعارة الخ تقدم بيانه، وقوله والترشيح لمناسبة الطهارة له وهو ظاهر، وما قيل الملائم للمشبه به النجس سهو ويصمح أن يكون مستعارا لصونهم أيضا. قوله: (لما روي الخ) الحديث صحيح لكنه لا يدل على ما
ذكره كما سيأتي، والمرط بكسر فسكون الإزار والمرحل بالإهمال كمعظم برد فيه تصاوير رحال وتفسير الجوهري له بازار خزفية علم غير جيد إنما ذلك تفسير المرجل بالجيم كما في القاموس، والواقع في الحديث بالحاء المهملة كما ضبطه النووي ﵀ ونقله عن الجمهور والاسندلال به على عصتهم لتطهيرهم من الذنوب ليس بصحيح لأنه يجوز كونه بالعفو عنها بل هو أظهر لاقتضاء التطهير وقوع المطهر عته، وكون إجماعهم حجة مبني على العصمة من الكذب، وقوله لا يناسب ما قبل الخ أي من ذكر أزواجه. قوله: (الجامع بين الأمرين) أي كونه آيات الله وحكمته ويجوز أن يراد بالحكمة نصائحه ﷺ وأحاديثه، وقوله جعلهن الخ من قوله في بيوتكن وبرحاء بضم الباء والمد شدّته لأنه كان يعتريه ﷺ شبه الغشي أحياناً، وقوله مما يوجب بيان لما أنعم، وقوله حثا الخ تعليل لقوله تذكير. قوله: (يعلم ويدبر ما يصلح في الدين) بيان لقوله لطيفا
стр. 2455
خبيرا، وقيل اللطيف ناظر للآيات لدقة إعجازها والخبير للحكمة لمناسبتها للخبرة، وقوله أو يعلم قيل الظاهر عطفه بالواو وفيه نظر، وقوله الداخليه في السلم وهو ضدّ الحرب أو المفوّضين أمرهم لله كقوله: ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ﴾ [سورة أن عمران، الآية: ٢٠] وفسرهما بالمعنى اللغوي ليفيد ذكرهما معا، وقوله الداخلين تفسير للمسلمين والمسلمات معاً على التغليب لا للمسلمات لعدم صحته ولا للمسلمين والا لقدم. قوله: (بما يجب أن يصدّق به) وفي نسخة يصدّق بدون صلة فحمل على الحذف والإيصال على أنّ أصله يصدق
به، وقوله في القول والعمل لأنه يتعدى لهما فيقال صدق القتال كما يقال صدق الحديث، ولكن الظاهر أنّ الأوّل مجاز فالجمع بينهما وان جاز عند المصنف لكن لا حاجة إليه مع أن القنوت يغني عنه، وقوله بقلوبهم هو الأصل وخشوع الجوارح تابع له وقوله بما وجب لو أطلقه كالذي بعده كان أشمل وأولى كما في الكشاف، وما قيل إنّ استحقاق الوعد به فيه نظر وكذا قوله عن الحرام كان الأولى تركه، وأخر الذكر لعمومه وشرفه ولذكر الله أكبر، ولذا جمع الذكر القلبي مع اللساني، وقوله لما اقترفوا أي اكتسبوا وخص الصغائر لأنه الوارد أو لاستلزام ما قبله لعدمها لا على ما ذهب إليه المعتزلة. قوله: (والتدرع بهذه الخصال (أي الاتصال وفيه استعارة حسنة لتشبيهها بالدرع في صيانة صاحبها، وقوله: فما فينا خير أي أمر يحمد ليثني الله عليه، وهو يحتمل النفي والاستفهام بتقدير أفما والظاهر أنّ ضمير فينا للأزواج وقيل إنه للنساء على العموم وإلا يلزم تأخر نزول يا نساء النبي الآية عن هذه الآية لأنه خاص بهن لا يتجاوز غيرهن، وقد قيل بعدم لزوم ما ذكره لأنّ تلكا لآيات في بيان شرفهن فتأمّل. قوله: (وعطف الإناث على الذكور الخ) وجه كونه ضروريا أنّ تغاير الذوات المشتركة في حكم يستلزم العطف ما لم يقصد السرد على طريق التعديد، وقوله وعطف الزوجين أراد بالزوجين مجموع كل مذكر ومؤنث كعطف مجموع المؤمنين والمؤمنات على مجموع المسلمين، والمسلمات فإنه لا يلزم عطفه لكنه عطف هنا للدلالة على اجتماع الصفات، ولو ترك العطف جاز والمعدّ لهم المغفرة والأجر العظيم وعطف مبتدأ خبره لتغاير الخ، وقوله فليس معطوف على الخبر لا خبر لأنّ الفاء لا تزاد في مثله وفيه إشارة إلى أنّ الأزواج معطوفة على أمثالها لا كل على ما قبله على تهج الأوّل والآخر والظاهر والباطن. قوله: (ما صح له) بناء على ما ذكره الزمخشريّ من أنه يلزم الإفراد في نحو ما جاءني من رجل ولا امرأة إلا أكرمته حتى وجه الجمع في يكون لهم الخيرة بأنه أرجع الضمير على المعنى لا على اللفظ لعمومه إذ وقع تحت النفي، وإن كان ما ذكر غير مسلم عند أكثر النحاة حتى قال أبو حيان إنّ ما في الكشاف غير صحيح لأنّ العطف بالواو والمذكور في النحو إذا كان العطف بأو نحو من جاءك من شريف أو
وضيع أكرمه فلا يجوز ذلك إلا بتأويل الحذف وفي هذه المسألة كلام طويل في شرح التسهيل لا يهمنا هنا، والمراد عدم صحته شرعا أو ما أمكن لأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن والقضاء بعد المشيئة. قوله: (ودّكر الله لتعظيم أمره) أي ما أمر به أو شأنه فإنّ ذكر الله مع أنّ الآمر لهم الرسول ﷺ للدلالة على أنه بمنزلة من الله بحيث تعد أوامره أوامر الله، أو أنه لما كان ما يفعله بأمره لأنه لا ينطق عن الهوى ذكرت الجلالة، وقدمت للدلالة على ذلك فالنظم على هذا على نمط والله ورسوله أحق أن يرضوه، وعلى الأوّل من قبيل فإنّ لله خمسه وللرسول فالواو بمعنى أو وليسا وجها واحدا كما قيل فإنه بعيد لحمل قوله قضاءه قضاؤه على دعوى الاتحاد حقيقة والحامل على هذا العطف بالواو وهو سهل. قوله: (لآنه نزل الخ) تعليل لكونه قضاء رسول الله ﷺ ، وذكر الله للتعظيم ونحوه والسبب الأوّل أصح رواية ولذا قدم، وأمّ كلثوم ﵂ أول من هاجر من النساء ولما أمرها رسول الله ﷺ بتزوّج زيد قالت هي وأخوها أردنا رسول الله ﷺ فزوّجني عبده، وقوله والخيرة ما يتخير فهو صفة مشبهة والمذكور في النحو أنه مصدر وأنه لم يجيء من المصادر على وزنه غير طيرة والمعنى المصدري أنسب هنا وهو مختاره في القصص، وقوله من أمرهم متعلق بالخيرة أو حال منها. قوله: (أن يختاروا) كذا في الكشاف مع جعله الخيرة بمعنى المتخير فقال بعض شراحه أن أوّل كلامه إشارة إلى مصدريته وما بعده إشارة إلى أنه يكون بمعنى المفعول، ولا يخفى تعسفه فالصواب أنّ أن
стр. 2456
يختاروا تفسير لأن يكون لهم الخيرة لا للخيرة وفائدته الإشارة إلى أن يكون هنا ليس بمعنى يصح ككان السابقة بل هي للذلالة على الوقوع فافهم. قوله: (وجمع الضمير الآوّل) قد قدمنا تقريره، واعتبر عمومه وإن كان سبب نزوله خاصا دفعا لتوهم اختصاصه بسبب النزول أو ليؤذن بأنه كما لا يصح ما اختاروه مع الانفراد لا يصح مع الجمع أيضا كي لا يتوهم أن للجمعية قوّة تصححه. قوله: (وجمع الثاني) أي ضمير من أمرهم مع أنه للرسول ﷺ أو له ولله وعلى كل فليس مقتضى الظاهر جمعه قيل لا يظهر امتناع عوده على ما عاد عليه الأوّل مع ترجيحه بعدم التفكيك فيه على أن يكون المعنى ناشئة من أمرهم المعنى دواعيهم السابقة إلى اختيار خلاف ما أمر الله، ورسوله ﷺ أو المعنى الاختيار في شيء من أمرهم أي دواعيهم فيه
بعد، وردّ هذا بأنه قليل الجدوى ضرورة أن الخيرة ناشئة من دواعيهم أو واقعة في أمورهم وهو بين مستغن عن البيان بخلاف ما إذا كان المعنى بدل أمره الذي قضاه ﷺ أو متجاوزين عن أمره لتأكيده وتقرير للنفي فهذا هو المانع من عوده إلى ما عاد عليه الأوّل، وهو كلام حسن والقراءة بالياء للفصل ولأنّ تأنيثه غير حقيقي ولبعضهم هنا كلام واه تركه أولى من ذكره. قوله: (وتوفيقك لعتقه واختصاصه) بالمحبة، والتبني ومزيد القرب منه ﷺ وهو من أجل النعم ولو أخر هذا كان أولى وزيد بن حارثة ﵁ تقدم ذكره وبيانه، ومقامه أجل من أن يخفى قيل وايراده هنا بهذا العنوان لبيان منافاة حاله لما صدر عنه ﷺ من إظهار خلاف ما في ضميره إذ هو يقع للاستحياء أو الاحتشام، وهو لا يتصوّر في حق زيد ويجوز أن يكون بيانا لحكمة إخفائه ﷺ لأنه مما يطعن به الناس كما قيل:
وأظلم أهل الظلم من بات حط سداً لمن بات في نعمائه يتقلب
فأعرفه. قوله: (وذلك أنه الخ) هذا الحديث ذكره الثعلبي، وهو في الطبرى بمعناه عن
عبد الرحمن بن أسلم وفي شرح المواقف إن هذه القصة مما يجب صيانة النبي عوو عن مثله فإن صحت فميل القلب غير مقدور مع ما فيه من الابتلاء لهما، والظاهر أن الله لما أراد نسخ تحريم زوجة الدقي أوحى إليه بتزوّج زينب إذا طلقها زيد فلم يبادر له ﷺ مخافة طعن الأعداء فعوتب عليه، وهو توجيه وجيه، وقوله لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم صريح فيه والقضة شبيهة بقصة داود ﵊ لا سيما، وقد كان النزول عن الزوجة في صدر الهجرة جارياً بينهم من غير حرج فيه وقوله: وقعت في نفسه أي وقعت محبتها وهي كناية عن الميل الاضطرارفي، وكان لم يمل لتزوّجها حين إرادته فلذا قال مقلب القلوب أي مغير أحوالها ودواعيها، وقوله لشرفها أي شرف نسبها بقرابتها من النبي ﷺ ، وقيل إنها كانت تطمع في طلاقها وتزوّج النبي ﷺ بها وفعل زيد ﵁ كان لذلك، ولكنه لم يصرّح به تأدبا وقوله أرابك أي أوقعك في ريب أو شك فيها لأنه يقال رابه وأرابه ويجوز كون الهمزة للاستفهام. قوله: (فلا تطلقها ضرارا) إنما ذكره لاقتضاء أمره بالتقوى مخالفة الطلاق لها فإما
أن يكون الطلاق نفسه ضرراً لأنه منهي عنه ويورث وحثة أو يكون ضرراً إذا كان بغير سبب ظاهر لأنه يوهم أنه علم منها ما يكره فلا يقال إن الأولى الاقتصار على قوله لا تطلقها، وقوله أو تعللا أي تكلفا لعلة وسبب هو تكبرها وعطفه بأو لأنه أراد بالضرار ما لا وجه له، فلا وجه لما قيل الأولى عطفه بالواو وجعله في الكشاف وجهاً آخر مقابلاً للتطليق، وهذا أحسن وتعدية أمسك بعلى لتضمينه معنى الحبس. قوله: (وهو نكاحها الخ) الأوّل هو الأصح، وأمّا قوله أو إرادة طلاقها فقد رده القاضي عياض في الشفاء، وقال لا تسترب في تنزيه النبي ﷺ عن هذا الظاهر وأن يأمر زيداً بإمساكها وهو يحب تطليقه إياها كما ذكره جماعة من المفسرين الخ، وليس المراد به أنه حسده عليها حتى يكون حسدا مذموماً بل مجرّد خطوره بباله بعد العلم بأنه يريد مفارقتها فلا محذور فيه فتأمّل. قوله: (تعييرهم إياك به) أي عذهم نكاحها عارا عليك فليس المراد بالخشية هنا الخوف، بل الاستحياء من قول
стр. 2457
الناس تزوّج زوجة ابنه كما قاله ابن فورك، وقوله إن كان فيه أي في ذلك الأمر ويجوز أن يراد تخشاه في كل أمر فيفيد ما ذكر على الوجه الأبلغ والمعنى والله وحده أحق بالخشية كما يفيده مقابلة خشية الناس. قوله: (والواو للحال) يعني الواو الثالثة، وأمّا الأوليان فعاطفتان على تقول وتحتملان الحالية على تقدير المبتدأ أي وأنت تخفى، وأنت تخشى لكونه مضارعا مثبتا، واختاره الزمخشريّ وكلام المصنف رحمه الله تعالى يحتمله قال صاحب الكشف كلامه صريح في أنه تجوز الحالية بدون تقدير على خلاف المشهور وكأنه مذهبه، وقد صرّح به في مواضعمن كتابه وتبعه أبو حيان فليس التقدير متفقاً عليه. قوله: (وليست المعاتبة الخ) فإن كتم ما لا يحتاج إليه في الشرع جائز له، وقاله الناس أي قولهم فهو مصدرا والقائلين منهم فهو جمع كالسادة، وهذا وما بعده لف ونشر مرتب ناظر لقوله وهو نكاحها أو إرادة طلاقها، وقوله فإن الأولى الخ إشارة إلى أن العتاب على ترك الأولى لا على ذنب منه، وقوله أن يصمت الخ غير قوله في الكشاف كأنّ الذي أراد منه أن يصمت لأنه مبني على مذهب المعتزلة مع أنه لا يواقفه أيضاً كما في الكشف. قوله: (حاجة) تفسير للوطر لأنه الحاجة المهمة كما قاله الراغب وقوله ملها وفي نسخة بحيث ملها ولم يبق الخ والملل السآمة من الشيء، ولعل ملله منها كان لتفرسه في أنها لا تدوم على زوجيته، وقوله وطلقها الخ قدّره لتوقف التزويج عليه، ولذا جعله بعضهم كناية عن الطلاق. قوله: (وقيل قضاء الوطر كناية الخ) مرضه لأنه عدول عن الظاهر مع أنه لا يغني عن التقدير لقوله وانقضت عدتها وجعلها كناية عن الطلاق وانقضاء العدة يم يقولوا به، وأمّ قوله إذا قضوا
منهن وطراً فهو كهذا أيضاً يقدر فيه ما قدر هنا، ولذا لم يفسره لأنه معلوم مما هنا لسقط قول بعضهم لا أدري ما وجه عدم ارتضائه هذا القول مع تعين ما ذكر من التعليل في قوله إذا قضوا منهن وطراً لإرادة الطلاق، وانقضاء العدة منه كناية أو مجازاً ولا يشترط الحكم ببلوغ الحاجة منهن والظاهر الاتحاد فيهما. قوله: (بلا واسطة عقد (أصالة ووكالة، وقوله وقيل مؤيد للأوّل وفي كان ضمير مستتر لزيد والسفير الرسول، والخطبة بكسر الخاء في النكاج وضمير إيمانه لزيد أيضاً، وقوله علة أي قوله لكيلا الخ علة ومتعلق بقوله زوّجناكها، وقوله وهو دليل الخ أي ما ثبت له ﷺ من الأحكام ثابت لأمته إلا ما علم أنه من خصوصياته بدليل، وهو على الأوّل ظاهر، وأما إذا كان بلا واسطة فالمراد مطلق تزوّج زوجات الأدعياء، وقوله أمره الذي يريده الأمر واحد الأمور أي ما يريده من الأمور يوجد لا محالة ومكوّنا بمعنى مخلوقاً، وقوله لأرزاقهم جمع رزقة بفتح الراء والعامة تكسرها وهو ما يقطعه السلطان ويرسم به كما في الكشف، والحرج الإثم والضيق وقد فسره بهما بعضهم بناء على جواز استعمال المشترك في معنييه مطلقاً أو في النفي. قوله: (سن ذلك سنة) إشارة إلى أنه مصدر منصوب بفعل مقدر من لفظه لا على الإغراء كما قاله ابن عطية ولا بتقدير عليكم لما مرّ ولم يرض ما في الكشاف من كونه اسماً موضوعا موضع المصدر كتربا وجندلاً وكأنه لم يثبت عنده مصدريته، وقوله ذلك ليس إشارة إلى المطلق الذي في ضمن المقيد، وهو عدم الحرج كما توهم بل إلى المقيد، وقوله سنة في الذين الخ مصدر تشبيهي، وقوله وهي أي سنته فيهم تفسير للمشبه به ولى ذ اوقع في نسخة هي بضمير المؤنث وفي أخرى هو رعاية لتذكير الخبر، وليس راجعا لذلك كما قيل وأباح لهم بمعنى أحل لهم ولذا عداه باللام. قوله تعالى: ( ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾ الخ) القضاء الإرادة الأزلية المتعلقة بالأشياء على ما هي عليه والقدرة عبارة عن إيجاده إياها على تقدير مخصوص معين، وفي التفسير الكبير القضاء ما يكون مقصوداً في الأصل والقدر ما يكون تابعاً والخير كله بقضاء، وما في العالم من الضرر بقدر كالزنا والقتل فلذا لما قال زوّجناكها ذيله بقوله وكان أمر الله مفعولاً لكونه مقصوداً أصليا، وخيراً مقضيا ولما قال الله في الذين خلوا إشارة إلى قصة داود ﵊، وامرأة أوريا قال قدراً مقدوراً، وهو مخالف للمشهور في معنى القضاء والقدر ولما اختاره في غير هذا المحل من انّ قصة أوريا لا أصل لها
مع أن ما ذكره لا يناسب السياق من كونه لنفي الحرج ولو كان كما ادعاه كان المقابل له القضاء لا الأمر. قوله: (قضاء مقضياً) فسر القدر بالقضاء، وقد مرّ الفرق
стр. 2458
بينهما لكن كل منهما يستعمل بمعنى الآخر فالمراد إيجاد ما تعلقت به الإرادة، وقوله قدرا مقدوراً وقضاء مقضياً كظل ظليل وليل أليل في قصد التأكيد، واليه أشار بقوله حكما مبتوتا أي مقطوعا به والأمر مصدر والمراد أنّ اتباعه والعمل بموجبه لازم مقضي في نفسه أو هو كالمقضي في لزوم اتباعه، أو اسم والمعنى كان مراده ذا قدر أو عن قدر، وقوله قرئ رسالة الله الإفراد لجعلها لاتفاقها في الأصول وكونها من الله بمنزلة شيء واحد وان اختلفت أحكامها. قوله: (تعريض بعد تصريح (بأنّ الله أحق أن تخشاه والتعريض لأنه وصف به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهو أولى بالاقتداء بسيرتهم والاتصاف بصفتهم، وقوله كافيا لأنّ الحسب يكون بمعنى الكفاية ومنه حسبي الله أو هو بمعنى المحاسب على الذنوب، وقوله فينبغي الخ على التفسيرين. قوله: (ولا ينتقض عمومه) أي عموم حكم هذه الآية من أنه ﷺ لم يكن أبا لأحد من رجالهم بما ذكر من أولاده الذكور فإنهم لم يبلغوا مبلغ الرجال بل ماتوا صغارا فلو فرض بلوغهم أو قيل الرجل مطلق الذكر خرج هؤلاء عن حكم النفي بقيد الإضافة، وأولاده ﷺ مذكورون في السير تفصيلا، ولا يرد على المصنف ﵀ أن القاسم والطاهر أيضا ولدا بمكة كما صح في السير وهذه السورة مدنية لأنّ المراد أنه لم يكن في الماضمي وقيل هذا مطلقا فتأمل، وقوله فيثبت منصوب على جوأب النفي، فإن قلت كيف يختص الرجل بالبالغ مع أنه في القرآن حيث ورد عام كقوله: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً﴾ وغيره وقول الفقهاء لو حلف لا يكلم رجلا وكلم صبياً حنث، قلت اختصاصه به في عرف اللغة مما لا شبهة فيه وما ورد في النظم وارد على أصل اللغة أو هو على الأصل وثبوت حكم البالغ فيه بدلالة النص، وكذا ما ذكره الفقهاء على الأصل مع أن الإيمان عندهم مبناها العرف لا اللغة فلا يرد على هذا شيء كما توهم، وقد أورد على الشق الثاني أنه لا ينتظم مع التأكيد بقوله خاتم النبيين وسيأتي دفعه وما فيه وما ذكر أيضاً جوأب عن الحسن والحسين ﵄. قوله: (وكل رسول أبو أمته (ظاهره أنه يصح إطلاق الأب عليه ﷺ كما تطلق الأم على زوجاته، ونقل الطيبي فيه خلافا عن الشافعية وفي الروضة لا يجوز أن يقال هو أبو المؤمنين لظاهر هذه الآية، وقوله وزيد منهم أي من
أمته، وقوله خبر مبتدأ تقديره هو وقوله من عرفتم الخ في نسخة أب من غير وراثة، والنصب مع التخفيف بتقدير كان أو للعطف بالواو وقيل يتعين الأوّل. قوله. (وآخرهم) هو على قراءة الكسر لأنه اسم فاعل بمعنى الذي ختم، وقوله أو ختموا به على قراءة الفتح لأنه اسم آلة لما يفعل به كالطابع لما يطبع به والقالب، وإن كان مآل معناه للآخر أيضاً فقوله على قراءة عاصم قيد للثاني. قوله: (ولو كان له ابن بالغ الخ (كذا في الكشاف ورده في الكشف ومنعه بعضهم فقال الملازمة ممنوعة إذ كثير من أولاد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يكونوا أنبياء فإنه أعلم حيث يجعل رسالاته والحديث على تقدير صحته لا يدل على كليته التي هي المدّعي (أقول) إمّا صحة الحديث فلا شبهة فيها لأنه رواه ابن ماجه وغيره كما ذكره ابن حجر، وأمّا الكلية فليس مبناها على اللزوم العقلي والقياس المنطقي بل على مقتضى الحكمة الإلهية، وهي أنّ الله أكرم بعض الرسل بجعل أولادهم أنبياء كالخليل ونبينا ﷺ أكرمهم وأفضلهم فلو عاس أولاده اقتضى تشريف الله له ذلك وأمّا كونه يجوز أن يكون أبا رجل ولا يكون نبيا لعدم وصوله لسن النبوّة يعني الأربعين فليس بشيء لأنّ تعين ذلك السن للنبوّة غير متعين، ولا يتوقف عليه كما يتبادر إلى الذهن من غير نظر لما جرت به العادة في الواقع، ثم أجاب عن الملازمة في الكشف بأنها مستفادة من الآية لأنه لولاها لم يكن للاستدراك معنى إذ لكن تتوسط بين متقابلين فلا بد من منافاة بنوّتهم له لكونه خاتم الرسل، وهو إنما يكون باستلزام بنوّتهم لنبوّتهم ولا يقدح فيه قوله رسول الله كما يتوهم لأنه لو سلم رسالتهم لكانت إما في عصر. وهي تنافي رسالته أو بعده، وهي تنافي خاتميته وقد تكلف بعض أهل العصر لتوجيه الاستدراك الغث والسمين، وقد يقال الاستدراك يكفي فيه أنه لما كان عدم النسل من الذكور يفهم منه أنه لا يبقى حكمه، ويدوم ذكره استدراك بما ذكر، أو أنه لما نفيت أبوته مع اشتهار أن كل رسول أب لأمته ربما يوهم نفي رسالته فاستدرك ذلك
стр. 2459
فعلم منه أنّ المنفي الأبوّة الحقيقية، وما قيل من أنّ قوله لو كان له ابن بالغ ناظر إلى الوجه الأوّل من الجواب عن النقض، وأما على الثاني فيجوز أن يقال كما أنّ قوله رسول الله يفيد كونه أبا لأمته من الحيثية التي ذكرها يفيد قوله خاتم النبيين امتداد هذه الأبوة إلى القيامة، وهذا لا يحصل من قوله رسولط الله وهو دفع لما أورد من أنّ الثاني لا ينتظم مع التأكيد يعني أنه لما قال إنه ليس أبا حقيقيا قال لكنه أب من حيث شفقته فما ذكر مؤكد للأبوة المثبتة لا للمنفية إذ لا يتعين ذلك فإنّ قوله رجاله لا رجالكم الخطاب فيه للأمة وأولاده من أمته فيدخلون في رجالكم (قلت (هذه مغالطة باردة لأن الإضافة للعهد الخارجي فالمراد به من أولاده لا من أولادكم.
قوله: (ولا يقدح فيه نزول عيسى الخ) أي لا يقدح في كونه خاتم النبيين ما ذكر، وقيل
عليه كونه على دينه لا ينافي استقلاله في الرسالة كما لم يناف ذلك أوّل بعثته مع أمره بالعمل بالتوراة فالجواب هو أنه كان نبيا قبله لا بعده فلا ينافي كونه خاتماً للأنبياء على معنى أنه آخرهم بعثة، والجواب بأنّ ما ذكره المصنف ﵀ جواب واحد وقدم قوله لأنه الخ اهتماماً به، ثم أشار بمع الدالة على المتبوعية إلى أن ما بعدها هو العمدة في الجواب وسياق المصنف ﵀ ينادي على خلافه فالظاهر أن المراد من كونه على دينه انسلاخه عن وصف النبوّة، والرسالة بأن يبلغ ما يبلغه عن الوحي وإنما يحكم بما يلقي عن نبينا، ولذا لم يتقدم لإمامة الصلاة مع المهدي فلا يتهم ورود ما ذكر بوجه. قوله: (ينلب الأوقات) يعني أنّ كثرته بالعدد وكونه في أغلب الأوقات فجعل الأوقات مغلوبة مجازا وبجوز نصب الأوقات على الظرفية أي يغلب على غيره في الأوقات، وقوله ويعمّ الأنواع يعني إنّ كثرته بكثرة أنواعه، وقوله بما هو أهله في نسخة أنواع ما هو أهله وهما بمعنى، والجملة صفة ذكراً مفسرة له والضمير المرفوع لله والمجرور للموصول، وهو أولى من عكسه وان جازوا لتمجيد التعظيم بما يليق فهو من ذكر العام بعد الخاص. قوله: (خصوصاً) إشارة إلى أنه يجوز أن يراد العموم كما يقال صباحا ومساء بمعنى دائما. قوله: (لكونهما مشهودين) أي يحضرهما ملائكة الليل والنهار لالتقائهما فيهما، وهذا يدل على فضلهما وأما قوله ﷺ : " يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل والنهار " فدلالته على ما ذكر محل نظر، وقوله لأنه العمدة إذ هو تنزبه وتخلية مقدمة على غيرها، وقوله وقيل الفعلان أي اذكروا وسبحو. ومرضه لأنه على تفسيره بغلبة الأوقات يكون شاملا لهما فلا حاجة لتعلقه بالأوّل على التنازع. قوله: (وقيل المراد بالتسبيح الصلاة) بإطلاق الجزء على الكل ومرضه لأنه تجوز من غير ضرورة. قوله: (وملانكتة) معطوف على الضمير في يصلي للفصل
بينهما لا على ما هو، وقوله بالرحمة تفسير لصلاة الله بالاستغفار لصلاة الملائكة كما هو المشهور، وقوله والاهتمام الخ راجع لهما يعني أن المراد بالصلاة هنا معنى مجازي شامل لهما فهو من عموم المجاز لا من استعمال اللفظ في معنييه، وان كان جائزا في مذهبه لكن الاهتمام من الله يقتضي رحمتهم ومن الملائكة يقتضي الاستغفار لهم، واليه أشار بقوله والمراد الخ وهو مراد صاحب الكشاف كما حمله عليه الطيبي ﵀ وان كانت عبارته ظاهرة في خلافه فلا يرد عليه أنه مخالف لمذهبه فيحتاج إلى ما وجهه به شراحه من أنّ الفاعل لتعدده يصيره كتعدد لفظ يصلي، وهو مخالف لكلامهم، أو هو من المشاكلة كقوله خذوا حذركم وأسلحتكم وان كان لكل وجهة. قوله: (مستعار) أي لفظ الصلاة بمعنى الدعاء لأنه الأشهر، والمراد بالاستعارة معناها المشهور فإنّ العناية تشبه الدعاء لمقارنة كل منهما للميل، أو المعنى اللغوي ليشمل المجاز المرسل لأنّ الدعاء مسبب عن العناية فذكر المسبب وأريد السبب. قوله:) وقيل الترحم) معطوف على قوله والمراد بالصلاة الخ أي المراد بها هنا الترحم وأصله عطف صلويه، وهما عرقان في منتهى الفخذ ينعطفان من المنحنى ومنه المصلى في خيول الحلية لأن رأسه محاذية لصلا ما يقدمه، ثم وضعت للصلاة المعروفة لما فيها من الانحناء والانعطاف في الركوع والسجود، وصارت حقيقة مشهورة فيها، ثم تجوز بها من الانعطاف الصوري إلى الانعطاف المعنوي، وهو الترحم والرأفة وقال الطيبي هذا أقرب لقوله: ﴿لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [سورة الحديد، الآية: ٩] الخ لأنه نص عليه بقوله وكان
стр. 2460
بالمؤمنين رحيما فدلّ على أن المراد بالصلاة الرحمة، وأشار المصنف ﵀ إلى جوابه بقوله في تفسيره حتى اعتنى الخ لكنه عدول عن الظاهر. قوله: (واستغفار الملائكة الخ (إشارة إلى أنّ استغفارهم أي دعاءهم بالمغفرة داخل فيه لأنه ترحم عليهم وسبب لرحمة الله لهم، وقوله من ظلمات الكفر الخ إشارة إلى أنّ الظلمات والنور هنا استعارة، وإنافة قدرهم بمعنى إعلائه وتشريفه، وقوله واستعمل الخ بيان لدخول صلاة الملائكة فيه لأنه تذييل لهما. قوله:) من إضافة المصدر إلى المفعول) وبجوز أن يكون مضافاً للفاعل والمعنى يحيي بعضهم بعضاً به والمحيي لهم على الأوّل الملائكة أو الله، وقوله إخبار أي لادعاء لأنه أبلغ هنا على إضافته للمفعول، وقوله سلام المراد به لفظه وهو خبر تحية هنا فلا يتوهم أنه جملة أخرى مع أنه لا
محذور فيه وقوله ولعل اختلاف النظم إذ عدل عن الاسمية في تحيتهم سلام إلى الفعلية في أعد الخ، والمبالغة في التعبير بالماضي الدال على التحقق، والظاهر أنّ الأعداد مقدم على الدخول واقع أوّلاً فالعدول لموافقة الواقع فتأمّل. قوله: (ونجاتهم) أي هدايتهم بدليل قوله بعد. وضلالهم فعبر عن السبب بالمسبب، وقوله وهو حال مقدرة لأنه لم يكن وقت الإرسال شاهداً إذ الشهادة عند التحمل والأداء، وتخصيص كونها مقدرة بهذا يشير إلى أنّ ما بعده ليس منها كما صرّح به في الكشف فيجعل الإرسال ممتذ التحقق المقارنة، وعليه لا تتحقق الشهادة بالتحمل وحده كما قيل لأنه إذا لوحظ امتداده وأطلقت الشهادة على التحمل فقط يكون هذا مقارناً أيضا وكونه خلاف العرف فيه نظر ويجوز أن لا يعتبر الامتداد وتكون مقدرة في الكل وليس في كلامه ما ينافيه. قوله تعالى: ( ﴿وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ الم يقل ومنذراً بل عدل إلى صيغة المبالغة لعموم الإنذار للمؤمنين العاصين والكافرين وخصوص الأوّل بالمؤمنين، ولذا قدم لشرفهم ولأنه المقصود الأصلي إذ هو ﷺ إنما أرسل رحمة للعالمين على أنه جبر ما فيه من المبالغة بقوله وبشر المؤمنين. قوله: (بتيسيره الخ (يعني أن الإذن هنا مجاز عن التيسير والتسهيل لأنّ من أذن له في أمر يسهل عليه الدخول فيه لا سيما إذا كان الاذن هو الله لأنه إذا أذن في شيء فقد أراده، وهيأ أسبابه ولم يحمله على حقيقته وان صح هنا أن يأذن له الله حقيقة في الدعوة لأنّ قوله أرسلناك يدل على الإذن فهذا أتم فائدة، وقوله أطلق له أي أطلق الإذن على التيسير مجازا مرسلاً لأنه سببه، ولم يقل استعمل فيه ليطابق قوله قيد به أي بالإذن إشارة إلى تعلقه بدا عيادون ما قبله وإن جاز رجوعه للجميع لكن صعوبة الدعوة تناسب التخصيص. قوله: (يستضاء به الخ) قال الفاضل اليمني إنه تشبيه إمّا مركب عقليّ أو تمثيليّ منتزع من عدّة أمور أو مفرّق وكلام المصنف ﵀ محتمل للوجوه أيضاً فيشبه في ذاته بالسراج، وما يدعو إليه بالنور أو المجموع بالمجموع وقوله يستضاء به بالنسبة للضالين، وقوله يقتبس بالنسبة للمهديين ولم يلتفت إلى ما جوّزه الزمخشريّ من جعل السراج المنير القرآن لما فيه من التكلف. قوله: (على سائر الآمم) متعلق بفضلا على أنه بمعنى زيداً لأن أصل معنى لفضل
الزيادة ولو جعل بمعنى العطاء والإحسان لم يحتج إلى ما ذكر، وقوله جزاء أعمالهم في نسخة أجر أعمالهم وهما بمعنى واحد وجعله عطفاً على أمر مقدر لئلا يعطف الإنشاء على الخبر حتى يجعل من عطف القصة، أو يجعل المعطوف عليه في معنى الأمر لأنه في معنى إدعهم مبشراً ومنذراً وبتقديره أيضا تتم المقابلة واللف والنشر كما سيأتي، وقوله تهييج الخ لأنه لم يطعهم حتى ينهى أو هو لأمّته، وقوله إيذاءهم الخ يعني على أنّ المصدر مضاف للفاعل أو المفعول، وتحتفل بمعنى تبال وقوله ولذلك أي لحمله على الثاني وكون إيذاء بمعنى أذى ذكره الراغب فلا عبرة بقوله في القاموس لا تقل إيذاء وقد تقدم تفصيله. قوله: (ولعله ثعالى لما وصفه الخ) يعني أنه تعالى وصفه بخمس صفات من قوله شاهداً إلى منيراً وقابل كلاً منها بما يقتضيه فقابل الشاهد براقب المقدّر لأنّ الشاهد لا بدّ له من مراقبة ما يشهد عليه، وقوله كالتفصيل يعني فيدلي عليه ويغني عنه والمبالاة معطوف على مراقبة وهو مبنيّ على الأوّل في أذاهم، وقد قيل عليه إنه كذا وقع في جميع النسخ لكنه تصحيف عن موافقة فانه المناسب لقوله ولا تطع ولا حاجة إليه فإنّ المراقبة الاحتراز كما في كتب اللغة، وهي تقتضي الخوف والمبالاة فاستعمل في لازم معناه فلذا عطف عليه، والمبالاة ليبين المراد منه، وقوله بالاكتفاء يعني
стр. 2461
في قوله وكفى بالله وكيلاً، ومن أناره الله هو الرسول ﷺ وبرهاناً حال أو مفعول ثان لتضمنه معنى الجعل، وقوله يكتفي أي بالله عما سواه وهو موافق لما في الكشاف في غير تقدير المراقبة، ومقابلتها للشاهد. قوله: (بألف الخ) أي تماسوهن، وقوله من عددت يعني أنه مطاوعه، وقوله أو تعدونها فافتعل بمعنى فعل وقوله حق الأزواج قيل عليه ليس كذلك بل هي حق الولد والشرع، ولذا لا تسقط بإسقاطه كما صرّحوا به وليس بشيء لأنه ليس المراد أنها صرف حقه بل أنّ نفعها وفائدتها عائد عليه لأنها لصيانة مائه ونسبه الراجع إليه، وهو لا ينافي كون الشرع والولد له حق فيها يمنع إسقاطها مع أنّ بعض حقوق العبد لا تسقط بإسقاطه كما بين في الفروع. قوله: (وعن ابن كثير الخ الم يذكر هذه القراءة في النشر، وقال ابن عطية إنها لم تصح عن ابن كثير وردّه في الدر المصون، وقوله على إبدال الخ قيل عليه إنه تخريج غير صحيح لأنّ عد يعد من باب نصر كما في كتب اللغة فلا وجه لفتح التاء لو كنت مبدلة من الدال فالظاهر حمله على حذف إحدى
الدالين تخفيفاً، وأمّا حمل كلام المصنف عليه فلا تساعده العبارة، وقوله تعتدون فيها إشارة إلى أنه على الحذف والإيصال في هذا الوجه. قوله: (وظاهره) أي ظاهر النظم لتقييده، وجوب العدة بالمماسة ونفيه قبلها وعند عدمها وليس هذا من مفهومه حتى يقال إنا لا نقول به كما توهم لأنه منطوق صريح لكن ما ذكروه مبنيّ على تفسير المس بالجماع، وقد قيل إنّ حقيقته اللمس فالنص ساكت عن الجماع والخلوة إلا أنه لم يرد ظاهره حتى لو مسها بيده في غير خلوة لم تلزم العدّة بلا خلاف فدلّ ذلك على أنه يكنى به عن معنى آخر من لوازم الاتصال فهو الجماع، وما في معناه من الخلوة الصحيحة قيل ولكون منطوقه ساكتا عنهما سماه بعضهم مفهوماً، وما قيل من أنه لا تجب ديانة حتى لو تزوّجت وهي متيقنة بعدم الدخول حل لها، وإنما تجب قضاء فلا يصدقها القاضي لوجود المقتضى وانتفاء المانع لا يخفى بعده وهو وان نقله فقهاؤنا فقد صرّحوا بأنه لا يعوّل عليه والعجب من المحشي أنه أجاب به مع نقل كلامهم فالحق ما سمعته أوّلاً. قوله: (وتخصيص المؤمنات الخ) يعني أنه لبيان الأخرى والأليق بعدما فصل في البقرة نكاح الكتابيات، وقوله والحكم عامّ حال، وقوله وفائدة ثم الخ يعني نفي العدة مع تراخيه وبعد مدته لأنه ربما يتوهم أنّ له دخلا في إيجاب العدة كالخلوة لاحتمال الملاقاة سراً، وقوله ريثما تمكن الإصابة أي مقدار إمكانها وتأثيره في النسب إذا ادّعت أنّ ما ولد لها منه ومضى زمن مدة الحمل. قوله: (ويجورّ أن يؤوّل التمتيع الخ) أي يحمل الأمر بالمتعة هنا على ما يعمّ نصف المهر والمتعة المعروفة في الفقه على أنها بمعنى العطاء مطلقاً فيكونا لأمر عليهما للوجوب أو تحمل المتعة على معناها المعروف، والأمر على ما يشمل الوجوب والندب بناء على استحبابها لغير المفروض لها، وهو قول الشافعيّ الجديد وفي القديم أنها واجبة وعندنا مختلف فيه فبعضهم على الاستحباب وآخرون على نفي الاستحباب والوجوب ووقع لصاحب الهداية سهو في هذه المسألة في قوله وتستحب المتعة لكل مطلقة لا لمن طلقها قبل الدخول، وقد سمي لها مهراً فإنّ الصواب ولم يسم لها مهرا كما قاله الفاضل المحشي، وقوله أخرجوهن الخ أصل التسريح الإخراح للرير، ثم شاع فيما ذكر وقوله ولا يجوز تفسيره الخ أي السراح الجميل، وقوله مرتب على الطلاق لعطفه على متعوهن الواقع بعد الفاء فيلزم رتب الطلاق السنيّ على الطلاق ولا وجه له. قوله: (والضمير لغير المدخول بهن) يعني فلا
يمكن أن يكو طلاقاً آخر مرتبا على الطلاق الأوّل لأنّ غير المدخول بهن لا يتصوّر فيها لحوق طلاق بعد طلاق آخر مع أنها إذا طلقت بانت. قوله: (لأنّ المهر) بيان لوجه إطلاق الأجر عليه، وقوله لإعطائها أي الأجور معجلة قبل الدخول كما يفهم من معنى آتيت ظاهراً، وان جاز أن يؤوّل الإعطاء أوّلاً بالإعطاء، وما في حكمه كالتسمية في العقد كما في الكشاف كما جعل إعطاء الجزية شاملا لالتزامها في قوله حتى يعطوا الجزية إذ كل منهما لا يمكن إبقاؤه على ظاهره، وجعل وجه التخصيص عليه أيضاً اختياراً للأولى، وهو التسمية لأنه أولى من تركها وان جاز العقد بدونها وعليه مهر المثل، وظن بعضهم لعدم فهم مراده مع ظهوره أنّ بين طرفي كلامه تدافعا وهو من بعض الظن نعم ما فعله المصنف أظهر، وأحسن وكون التعجيل أفضل لبراءة الذمّة
стр. 2462
وطيب النفس معروف مشهور. قوله: (بكونها مسبية) أي باشر سباءها وشاهده، وقوله لا يتحقق بدء أمرها لجواز كون السبي ليس في محله ولذا نكح بعض المتورّعين الجواري بعقد بعد الشراء مع القول بعدم صحة العقد على الإماء لكنه قيل إنه يشكل بمارية ﵂ فإنها لم تكن مسبية وعندي أنه غير وارد لأنّ هدايا أهل الحرب للإمام لها حكم الفيء، ولذا أمر السلطان بوضعها في بيت المال، وتقييد بالجرّ عطف على قوله كتقييد والقرائب جمع قريبة، والمعية للتشريك في الهجرة لا للمقارنة في الزمان كقوله أسلمت مع سليمان قال أبو حيان ﵀ يقال دخل فلان معي وخرج معي إذا كان عمله كعمله دمان لم يقترنا في الزمان، وهو كلام حسن. قوله تعالى: ( ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ﴾ ) الآية قد سئل كثيراً عن حكمة أفراد العمّ والخال دون العمة، والخالة حتى إنّ السبكيّ ﵀ صنف جزأ فيه سماه بذل الهمة في أفراد العئم وجمع العمة وقد رأيت لهم فيه كلمات ضعيفة كقول الرازي أنّ العمّ والخال على زنة المصدر وقيل إنه يعمّ إذا أضيف والعمة، والخالة لا تعمّ لتاء الوحدة، وهي إن لم تمنعه حقيقة تأباه ظاهراً ولا يأباه قوله في سورة النور ﴿بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ﴾ لأنه على لأصل وأحسن منه ما قيل إنّ أعمامه ﷺ العباس وحمزة ﵄ وأبو طالب وبنات العباس كن ذات أزواج لا يليق ذكرهن، وحمزة ﵁ أخوه من الرضاع لا تحل له بناته، وأبو طالب ابنته أمّ هانئ لم تكن مهاجرة ومعنى كلام المصنف أن النساء المهاجرات أفضل من غيرهن فلذلك خصصن بالذكر لا لأنّ من لم يهاجر يحرم عليه، وهو أحد قولين في المسألة. قوله: (ويحتمل تقييد الحمل بذلك في حقه خاصة) هذا هو القول الثاني قال السيوطي ﵀ في خصائصه الصغرى مما حرّم عليه ﷺ خاصة نكاح من لم تهاجر في أحد الوجهين انتهى، وفي بعض شروح الكشاف أنه حرّم عليه، ثم نسخ فقد علمت
أنّ فيه قولين عندهم ذكراً في الحديث وكتب الشافعية فما قيل عليه من أنّ كونه للتقييد، وما قبله لبيان الأفضل يفيد معارضة في النقل، وهي لا تمنعه مما لا ووجه له. قوله:) ويعضده) أي يعضد القول الثاني ومن ذهب إلى خلافه يقول بعد تسليم صحة هذا الخبر هذا فهم من تول أم هانئ لا رواية عنه ﷺ أو المراد إنهن يشبهن المحرّمات لاختياره الأفضل منهن، وأمّ هانى اسمها فاختة، وقوله فاعتذرت إليه أي قالت له ﷺ إني مصيبة أي ذات صبية وأطفال والطلقاء من أسلم بعد فتح مكة كالطلقى لكون النبيّ ﷺ من عليهم وأطلقهم عامّة دون أسر لهم، والطليق الأسير الذي يطلق ووقع في بعض النسخ من الطلقى، وهو الأصح فنزول هذه الآية يكون بعد الفتح، ويكون قوله خالصة متعلقاً بقوله أحللنا كما سيشير إليه. قوله: (نصب بفعل يفسره ما بعده) وفي نسخة ما قبله، وهي أصلح ولذا اقتصر عليها القاضي زكريا وتقديره ونحل لك امرأة وإنما قدره لما ستعمله في الوجه الآتي وتقديره مضارعا أولى لما سيأتي ومن قدر أحللنا فهو مستقبل أيضاً لوقوعه جوابا للشرط فلا يرد عليه أنه لو صح تعلقه بأحللنا لم يحتج للتأويل كما قيل، وقوله ولا يدفعه أي يدفع نصبه بالعطف على ما قبله بأحللنا إن امرأة موصوف بهذين الشرطين، والفعل بعد الشرط مستقبل، وان كان لفظه ماضيا سواء الشرط والجواب وأحللنا ماض معنى فلا يصح كونه جوابا ولا قائما مقامه كما قاله أبو البقاء والجواب إن أحللنا بمعنى أعلمنا بالحل، وهو مستقبل كما تقول أبحت لك أن تكلم فلانا إن سلم عليك والتأويل به يكون بالنسبة للجميع لا للأخير فقط فإنه مع ما فيه من الجمع بين الحقيقة، والمجاز تعسف لكون لفظ واحد ماضيا ومستقبلاً معا وهو بعيد (وفيه بحث) فإنّ الإعلام بحل ذوات الأجور على هذا قد مضى إليها فالمحذور باق إلا أن يراد تجرّده عن الزمان المخصوص، والمعنى نعلمك بحل كل من هذه بعد وقوعه كما قيل، ولا يخفى ما فيه وأمّا حمل قوله إن وهبت على الحال أو النعت أي مفروضة أو مقدورة فلا يحتمله كلام المصنف ﵀ ولا وجه لحمله عليه فتأمّل. قوله: (إن اتفق) وقوع هبة له، وهو إشارة إلى القول بعدم وقوعه أو وقوعه مع عدم قبوله على ما ذكر. بعض شراح الكشاف، وقوله ولذلك نكره أي امرأة مؤمنة إذ ليست معلومة وأيضاً إن الدالة على أنه أمر مفروض تشير لذلك. قوله: (ميمونة الخ) ميمونة بنت الحرث توفي زوجها
стр. 2463
فتزوّجها النبيّ ﷺ سنة سبع، وأمّ شريك بنت جابر طلقها النبيّ ﷺ قبل أن يدخل بها، وكانت وهبت نفسها له ﷺ وخولة بنت حكيم وهبت
نفسها للنبيّ ﷺ فأرخاها فتزوّجها عثمان بن مظعون بإذنه، وقوله أو مدة إن وهبت فيكون في محل نصب على الظرفية وأكثر النحاة لا يجيزونه في غير المصدر الصريح كآتيك خفوق النجم، وغير ما المصدرية فقول المصنف إنه كقولك ما دام الخ غير متجه إلا أنّ من النحويين من أجازه، وقد جوّز في هذه القراءة أن يكون بدلاً من امرأة. قوله: (شرط للشرط الأوّل) يعني أنّ الشرط في مثله قيد للأوّل، ولذا أعربه النحاة حالاً لأنها قيد واشترط الفقهاء تقدم الثاني في الوجود حتى لو قال إن ركبت إن أكلت فأن طالق لا تطلق ما لم يتقدم اكل على الركوب ليتحقق تقييد الحالية لكن السمين استشكله بما هنا لأنهم جعلوه بمنزلة القبول لأن القصة في الواقع كذلك على ما عليه عامّة المفسرين فمن غير القبول في عبارة المصنف بالإيجاب لينطبق على القاعدة لم يصب، ثم قال إنه غرضه على علماء عصره فلم يجدوا مخلصا منه إلا بأنّ هذه القاعدة ليست بكلية بل مخصوصة بما لم يقم قرينة على تأخر الثاني كما في نحو إن تزوّجتك إن طلقتك فعبدي حرّ فإنّ الطلاق لا يتقدّم التزوّج، وما نحن فيه من هذا القبيل، ثم قال فمن جعل الشرط الثاني هنا مقدما لم يصب فإرادة طلب النكاح كناية عن القبول، وليس المراد بها الإرادة المتقدمة. قوله: (والعدول عن الخطاب) في قوله بنات عمك الخ وقوله مكرّراً أي لفظ النبيّ، وقوله الرجوع إليه أي إلى الخطاب، وقوله لأجله أي لأجل شرف النبوّة وهذا شامل لتخصيص الله له بهذا ولهبتهن أنفسهن فإنه لم يكن حرصاً على الرجال بل على الفوز بشرف خدمته، والنزول في معدن الفضل فيرتفع ما في هبتهن الصادر من عائشة غيرة عليه سك! ب! فليس محل هذا العدول بعد قوله خالصة لك، وليس هذا محل تقرير النبوّة كما توهم. قوله: (واحتج به) أي بقوله خالصة لكونه من خصوصياته ﷺ فلا حجة فيه لأبي حنيفة ﵀، وقوله لأنّ اللفظ تابع للمعنى يعني لما خص به جواز المعنى خص به جواز اللفظ، وعليه منع ظاهر فالآية لا تصلح دليلا لا لنا ولا لهم لأنّ معنى وهبت ملكت بعضها بلا مهر بأفي عبارة كانت إن اتفق ذلك، وحيث لم يكن هذا نصا في كون تمليكه بلفظ الهبة لم يصلح لأن يكون دليلا على صحة النكاح بلفظ الهبة خصوصاً إذا كان من خواصه ﷺ وادّعاء الاشتراك في اللفظ يحتاج إلى دليل فكيف يصح استدلال أبي حنيفة على الشافعيّ بهذه الآية كما فصله شرّاح الكشاف والحق أبلج، ولهم في هذا المقام كلام طويل أكثره مدخول فلذا تركناه. قوله: (والاستنكاح طلب النكاح) هذا أصل معناه لغة، وقد مرّ أنّ المراد به القبول هنا فسقط ما قيل إن الأولى تفسيره بالنكاح لأن الاستفعال يجيء بمعنى الثلاثيّ ولا تكرار فيه كما توهم ولا ركاكة بناء على أنّ
حاصله طلب القبول، وقوله مصدر مؤكد أي للجملة قبله كوعد الله وصبغة الله، وفاعلة غير عزيز في المصادر كما قاله الزمخشريّ: وقوله أو إحلال ما أحللنا لك فإن كان معناه لا تحل أزواجه واماؤه لأحد بعده ورجع لما تقدم لم يبق فيها متمسك للشافعيّ أصلاً وشرائط العقد مفصلة في الفقه، وقوله حيث لم يسم أي يعين ويعلم منه وجوبه إذا سمي بالطريق الأولى. قوله: (من توسيع الأمر فيها) بعدم تعيين العدد كالحرأئر، وقوله كيف ينبغي الخ معمول علمنا أي علمنا ما ينبغي فيه وفعلناه على مقتضى علمنا وحكمتنا، وقوله اعتراض خبر أي قوله علمنا إلى هنا جملة معترضة بين التعليل، والمعلل وقوله لا لمجرّد قصد التوسيع عليه والعلة وان دلت على أنه للتوسيع بصريحها لكن الاعتراض الدال على أنّ الفرق بينه وبين العباد على ما ينبغي من الحكمة دال على عدم القصر عليه، وهذه الدلالة عند الاعتراض أقوى من التأخير ولو جعل الاعتراض لتقرير الخلوص جاز أيضاً والتوسيع في زيادة العدد، والتضييق في مغ غير المهاجرات معه، وقوله لما يعسر التحرز عنه أو لما يشاء وهو الأولى. قوله: (تؤخرها) بتأخير قسمها لأنه رخص له فيه في قول أو بترك مضاجعتها فما بعده تفسير له، وكذا قوله تضم إليك أي في القسم أو المضاجعة، وقوله بالياء أي بدل الهمزة ومعناه تؤخر أيضاً، وقوله أو تطلق هو تفسير ابن عباس رضمي الله
стр. 2464
عنهما قيل وهو تمثيل إذ لا مانع من إرادة الجميع، وقوله في شيء من ذلك أي المذكور قيل ظاهره أنه جعل من ابتغيت عطفاً على من تشاء الثاني، والمراد غير المطلقة بقرينة المقابلة ولا يخفي قلة فائدته والعموم لا يمنع ما جوّز فيه من كون من هذه شرطية منصوبة بما بعدها، وقوله فلا الخ جوابها أي من طلبتها من النسوة التي عزلتها فليس عليك في ذلك جناح ويجوز كونها موصولة، والجملة خبرها والتقدير من ابتغيتها لا جناح عليك في ابتغائها، وقيل فيه حذف معطوف أي ممن عزلت ومن لم تعزل سواء لا جناج عليك كما تقول من لقيك ممن لم يلقك جميعهم لك شاكر ولا يخفى بعده وقد جوّز في من أن تكون بدلية لا سيما إذا كانت الآية الثانية منسوخة بها.
قوله: (ذلك التفويض) أو الإيواء والأوّل أنسب لفظاً لأنّ ذلك للبعيد وهذا معنى لأن قزة عيونهن بالذات إنما هي بالإيواء، وأقرب تفسير أدنى، وقوله إلى قرّة إشارة إلى أنه على نزع الخافض وهو قياسي فيه، وقوله عيونهن إشارة إلى أنّ جمع القلة أريد به الكثرة هنا وهو جائز، وقوله قلة حزنهن إشارة إلى أن مع الترجيح لا يخلون من حزن مّا ولذا قال والله يعلم ما في قلوبكم للتهديد وقيل القلة بمعنى النفي اختيرت لمجانسة القرّة، والأوّل أظهر، وقيل إنه! هـ مع تفويض القسم له لم يترك التسوية أصلاً كرما منه إلا لسودة ﵂ فإنها وهبت نوبتها لعائشة ﵂، وقوله فتطمئن نفوسهن أي لكونه بأمر الله ولأنّ الله سوى بينهن لكنه فوّض له ما يقتضيه شأنه، وقوله تأكيداً لهن أي من آتيتهن إما على أنّ الإشارة للإيواء فظاهر، وأمّا إذا كان للتفويض فآتيتهن بتأويل صنعت معهن فيعم ترك القسم والمضاجعة، وقوله فاجتهدوا أي جدوا في تحسين ما في القلوب من الرضا والنية الحسنة. قوله:) بذات الصدور) خصه للتصريح به في غير هذا المحل ولقوله قبله ما في قلوبكم، وقوله فهو حقيق بأن يتقي لأنّ غضب الحليم أعظم فانتقامه أشدّ، وقوله تأنيث الجمع غير حقيقي وقد وقع الفصل أيضا والمراد بالنساء الجنس الشامل للواحدة ولم يؤت بمفرد لأنه لا مفرد له من لفظه، والمرأة شامل للجارية وليست بمرادة هنا واختصاص النساء بالحرائر بحكم العرف، فما قيل إنه لا دلالة على ما ذكر والاستثناء دال على خلافه ليس بشيء ولا يلزمه كون الاستثناء منقطعا على أصل اللغة ولو التزم لا محذور فيه. قوله: (من بعد التع (بناء على أنه حزم عليه ما فوقها وهو قول لهم، وقوله أو من بعد اليوم أخره لأنه ليس لقوله ولا أن تبدل بهن فائدة تامّة، وقوله من مزيد الخ فيشمل النهي تبدل الكل والبعض، وقوله حسن الأزواج فالضمير على تفسيره للأزواج والمراد بهن من يعرضن بدلاً من أزواجه فتسميتهن أزواجاً باعتبار ما يعرض مآلاً والداعي له إن الباء تدخل في المتروك دون المأخوذ فلو كانت داخلة على المأخوذ كان ضمير بهن للنساء وكانت الأزواج على ظاهرها أزواج النبيّ ﷺ من غير تجوز وكان ضمير حسنهن للنساء لا
للأزواح، وهو أسلم من التكلف والداعي له ما ذكرنا وسيأتي تفصيله في سورة سبأ. قوله: (لتوغله قي التنكير) هذا مخالف لكلام النحاة فإنهم جوّزوا الحال من النكرة إذا وقعت منفية لأنها تستغرق فيزول إبهامها كما صرّح به الرضى فما ذكره مقتض. لا مانع، وأما ما قيل من أن منع التنكير لذلك للزوم التباس الحال بالصفة، وهو مندفع بالواو فليس له وجه لأن المصنف تابع للزمخشريّ في جواز دخول الواو على الصفة لتأكيد لصوقها كما صرّحوا به، وأما كون ذي الحال إذا كان نكرة يجب تقديمها فغير مسلم في الجملة المقرونة بالواو لكونه بصورة العاطف. قوله: (وتقديره مفروضاً إعجابك الخ) دفع لما يتوهم من أن لو تقتضي امتناع مدخولها والحال تدل على ثبوت أمر لذيها فبينهما تناف بأنه مؤوّل بوصف وجودي، وهو ما ذكر له، وقوله في أنّ الآية الدالة على عدم حل النساء له بعد ذلك منسوخة أم لا والناسخ إنا أحللنا كما قيل أو قوله تؤوي الخ كما ذكره المصنف ﵀ لكنه على تفسيرها بالطلاق، وعدمه وتقدير تأخير نزولها إذ لا يمكن النسخ مع التقدّم فقول بعضهم إنه من الأعاجيب إذ نسخت آية متقدمة آية متأخرة نظر الظاهر ترتيب المصحف والا فهو غير متصوّر، ووجه النسخ على تفسيرها بتطلق من تشاء إنه يدل بعمومه على أنه أبيح له الطلاق، والإمساك لكل من يريد فيدل على أنه له تطليق منكوحاته، ونكاح من يريد
стр. 2465
من غيرهن إذ ليس المراد بالإمساك إمساك من سبق نكاحه فقط لعموم من يشاء وقوله تؤوي ليس مقيدا بمنهن ولا حاجة إلى جعل ما ذكر هنا قرينة على إرادة ذلك كما توهم. قوله: (وقيل الخ) مرضه لأنّ بعد بمعنى غير حينئذ ولا إن تبدل تكرير للتأكيد والاستثناء لا يخلو من شيء لاندراج مملوك اليمين في الأربعة السابقة. قوله: (وقيل متقطع الاختصاص الشاء بالحرائر في الاستعمال كما مر وتبديلهن أزواجاً كالصريح فيه. قوله: " لا وقت أنّ يؤفإن لكم) يعني أن هذا أصله فحذف المفماف وحل المضاف إليه محله فانتصب على الظرفية وفي انتصاب المصدر غير الصمريح وغير ما فيه ما الدوامية على الظرفية قولان للنحاة أشهرهما أنه لا يجوز وقد جوّزه بعضهم فاعتراض أبي حيان ومن تابعه ليس بشيء ومن توهم إن حذف المضاف غير النصب على الظرفية فقد زاد في الطنبور نغمة. قوله: (أو إلا مأذوناً لكم) أي المصدر المؤوّل باسم المفعول في محل نصب على الحال مستثنى من أعتم الأحوال كما كان ما قبله مستثنى من أعتم الأوقات وهو مفرع فيهما إلا أن في هذا مخالفة لقول
النحاة المصدر المسبوك معرفة دائماً كما صرّح به في المغني والحق أنه سطحي وأنه قد يكون نكرة كما قيل في قوله ما كان هذا القرآن أن يفتري معناه مفترى فمن قال كون المصدر بمعنى المفعول غير معروف في المؤوّل لم يصب ويجوز أن يقدر قبله حرف جرّ وهو باء المصاحبة والمعنى إلا مصحوبين بالإذن. قوله: (لأنه متضمن معنى يدعى الأنه يقال إذن له في كذا ولا يتعدى بإلى وقوله وإن أذن أي في الدخول إلى الدار ولو صريحاً ما لم يكن مدعواً للطعام فإنّ كل إذن ليس دعوة إذ الدعوة أخص لأنها الإذن بالدخول واكل فلا وجه لما قيل إنّ الإذن هنا الإذن دلالة كفتح الباب ورفع الحجاب ولزوم الإذن في كل دخول من دليل خارج إذ ليس في الآية ما يقتضي التكرّر كما قاله الزيلعي ﵀. قوله: (كما أشعر به الخ) وجه الإشعار أنه حال من فاعل تدخلوا كما صرح به فيفيد أن الإذن المطلق بالدخول من غير إذن في الحضور للطعام لا يكون إذناً بحضوره كما ترى الحكماء يؤذن في الدخول عليهم لحوائج الناس دون حضور مائدتهم فلذا قيد النهي بعدم انتظارهم لإحضار الطعام فيدخلون عند وضعه وقد أذن في الدخول مطلقاً أو لأنّ المدعوّ للطعام لا ينتظره لأنه هيئ له وهذا مع ظهوره قد تكلفوا له ما لا حاجة إليه. قوله: (حال من فاعل لا تدخلوا الخ) وفي الكشاف إنه وقع الاستثناء على الوقت والحال معاً كأنه قيل لا تدخلوا بيوت النبي ﷺ إلا وقت الإذن ولا تدخلوها إلا غير ناظرين وردّه أبو حيان بأنه لا يقع بعد إلا في الاستثناء إلا المستثنى أو صفته إذ لا لا يتعدّد الاستثناء بأداة واحدة عند الجمهور وأجازه الكسائيّ والأخفش فيجوز ما قام القوم إلا يوم الجمعة ضاحكين والمانعون له يؤوّلون ما ورد منه بتقدير فيقدرون هنا أدخلوها غير ناظرين وهذه الحال يحتمل أن تكون مقدّرة واذا كان أن يؤذن حالاً فهي مترادفة. قوله: (أو المجرور في لكم) فالعامل يؤذن ولا محذور فيه وقوله وهو غير جائز عند البصريين ويجوز عند الكوفيين إذا لم يقع لبس كما هنا ولو أبرز قيل غير ناظر أنتم لا ناظرين أنتم كما قدره الزمخشري فإنه على لغة ضعيفة وتوله مصدر أنى الطعام الخ وقيل إنه بمعنى الوقت والآن وقوله ولا تمكثوا تفسير لقوله تفرّقوا لأنّ التفرّق ليس بلازم حتى لو ذهبوا جميعاً حصل المقصود. قوله: (والآية الخ) يتحينون بالحاء المهملة من الحين أي ينتظرون حين الطعام ويقصدونه وقوله مخصوصة خبر بعد
خبر أو حال وقوله وبأمثالهم ممن يفعل مثله في المستقبل فالنهي مخصوص بمن دخل بغير دعوة وجلس منتظراً للطعام من غير حاجة فلا يفيد النهي عن الدخول بإذن لغير طعام ولا الجلوس لمهمّ آخر ولذا قيل إنها آية الثقلاء وقد قيل بتنازع الفعلين تدخلوا ويؤذن في قوله إلى طعام ولا بأس به وأما ما قيل من إنها عامة لغير المحارم وخصوص السبب له يصلح مخصصاً كما قرّروه وتقيد الإذن بقوله إلى طعام معتبر هنا دون المفهوم فمعناه أنّ الآية ليست مخصوصة بهم نعم يكون وجهاً لتقييد الإذن بائطعام فيندفع وهم إعتبار مفهوم الموافقة عند الحنفية لا المخالفة عند الشافعية حتى يقال أين هذا من ذاك فتأمل. قوله: (لحديث بعضكم بعضا) فاللام تعليلية أو زائدة وقوله بالتسمع له أي سمعه أو استراقه وقوله عطف على ناظرين فهو مجرور ولا زائدة
стр. 2466
ويجوز عطفه على غير فيكون منصوبا كقوله: ﴿وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ والفعل المقدر معطوف على المذكور ومستأنسين حينئذ حال مقدرة أو مقارنة، وقوله اللبث فسره به لأنه هو المؤذي له في الحقيقة وأما كونه إشارة إلى الدخول على غير الوجه المذكور فيشمل النظر والاستئناس، أو إليهما باعتبار المذكور فغير ملائم للسياق والسباق، وقوله إشغاله من أشغله وهي لغة، وإن كانت رديئة حتى وقع الصاحب لمن كتب له إن رأى مولانا أن يأمر لإشغالي ببعض أشغاله فوقع له من كتب إشغالي لا يصلح لأشغالي. قوله: (من إخراجكم) يعني أنّ فيه تقدير مضاف، وهو إخراج ب! ليل ما بعده فإنه يدل على أنّ المستحيي منه معنى من المعاني لا ذوإتهم ليتوارد النفي، والإثبات على شيء واحد كما يقتضيه نظام الكلام فمعناه لا يترك تأديبكم والتأديب بإخراجهم لأنه كان يؤذيه ووضع الحق موضمع الإخراح لتعظيم جانبه، كما أشار إليه بقوله يعني الخ وهذا على أنّ الإشارة للبث فإن كانت لغيره قدر المنع عما ذكر، وقيل إنّ فيه مقدراً أي ولا مخرجكم فيستحيي للفاء التعليلية واولاه عطف بالواو ورد بأنّ الفاء إنما تدخل على المسبب ودخولها على السبب بتأويله به فالفاء في محلها وفيما ذكره كثرة الإضمار، وعدم توارد النفي والإثبات على مورد واحد وفيه ما لا يخفى. قوله: (يعني أن إخراجكم الخ) في الكشف يريد أنه لو كان الاستحياء من أنفسهم لقال: ﴿والله لا يستحى منكم﴾ فإن قلت الاستحياء من زيد للإخراج مثلا هو الحقيقة والاستحياء من إخراجه توسع بجعل ما نشأ منه الفعل كأصله وكلاهما صحيح فيصح إيقاع أحدهما موقع الآخر، قلت أراد أنه لا بد من ملاحظة معنى الإخراج فإما أن يقدر الإخراج، ويوقع عليه فيكثر الإضمار ولا يتطابق اللفظ نفيا وإثباتا، وأما أن يقدر
المضاف فيقل ويتطابق ومع وجود المرجح وفقدان المانع لا وجه للعدول فلا بد من ذكره وهذا بناء على أنّ الأصل في من أن تدخل على من يحتشمه لا على ما احتشم لأجله، وأما كون أصله يستحيي منكم من إخراجكم والله لا يستحيي منكم من إخراجكم على أنه من الاحتباك فيكاد أن يكون من الهذيان فضلا عن كونه أنسب بإعجاز القرآن كما توهم. قوله: (كما لم يتركه الله ترك الحي) يشير إلى أنّ إطلاق الاستحياء عليه، وإن كان منفياً كما مر على نهج الاستعارة بأنه شبه تركه له على أنه غير مرضي محمود كترك من ترك الفعل لاستحيائه منه أو هو مجاز مرسل استعمل الاستحياء في لازمه، وهو الترك ويجوز أن يكون مشاكلة، وقوله ترك الحي ظاهر في استعارة ومن ردّ على من جوّزها بأن المذكور في النظم الاستحياء لا الترك لم يصب بوجه، والله لا يستحي من الحق وحذف إحدى الياءين لغة شائعة وهي إما الأولى والثانية واعلالها ظاهر. قوله: (روي أن عمر ﵁ الخ) رواه النسائي والحديث الذي بعده أيضاً رواه البخاري والنسائي وما ذكره أحد موافقات عمر ﵁ وهي مشهورة، وقوله المستعيذة بالعين المهملة والذال المعجمة وهي امرأة تزوّجها النبي ﷺ فلما دخل بها ورأته قالت أعوذ بالله منك فقال لها: " لقد عذت بمعاذ وطلقها وأمر أسامة فمتعها بثلالة أثواب " وذكر ابن سيد الناس في السيرة في اسمها خلافاً عند ذكر زوجاته التي فارقهن فقيل عمرة بنت يزيد الكلابية، وقيل فاطمة بنت الضحاك الكلابي وقيل غير ذلك، وقوله فهثم عمر رضي الله
عنه برجمهما لأنه لا ينعقد النكاج على أمهات المؤمنين فيكون زنا، وتوله قبل أن يمسها يقتضي أنّ المراد بالدخول بها مجامعتها لا مجرّد الخلوة، وهو كذلك وظاهره أنّ هذا الحكم مخصوص بنبينا ﷺ ، وقوله على ألسنتكم متعلق بتبدوا. قوله: (وفي هذا التعميم الخ (في قوله بكل شيء وشيئا دون أن يقول به وتبدوه، وقوله مع البرهان أي على إثبات علمه بما يتعلق بزوجاته لأنّ علمه بكل شيء خفي وظاهر يدل على علمه به بطريق برهاني والتهويل المزيد ومبالغة الوعيد لأنّ العالم بتفاصيل كل شيء إذا أرأد العقاب عليه يكون عقابه أشد، وأكثر كما ورد في الحديث: " من نوقش الحساب عذب ". قوله: (أو لأنه كره ترك الخ (هو قول للفقهاء كما نص عليه المفسرون لكنه قيل عليه إنّ هذه العلة، وهو احتمال أن يصفا لأبنائهما وهما يجوز لهما التزوّج بها جار في النساء كلهن ممن لم يكن أمهات محارم فينبغي التعويل على الأوّل. قوله: (من العبيد والإماء (هو مذهب الشافعي ﵀ ومذهب أبي حنيفة أنه مخصوص بالإماء فمن تبع المصنف
стр. 2467
رحمه الله من الحنفية هنا فقد وهم، وقد مز تفصيله في سورة النور. قوله: (يعتنون بإظهار شرقه (إشارة إلى ما تقدم من أن الصلاة بمعنى الدعاء تجوز بها عن الاعتناء بصلاح أمره واظهار شرفه، وقد مرّ أنه أرجح من جعله بمعنى الترحم مجازاً من الصلاة بمعنى العبادة المعروفة ومعنى الاعتناء بما ذكر إعلاء ذكره، وإبقاء شريعته واشاعة جلالته في الدنيا والآخرة، وليس فيه جميع بين الحقيقة والمجاز. قوله: (وقولوا اللهئم صل على محمد) فيكون اعتناء الناس بالطلب من الله أن يعتني به للإشارة إلى قصور وسعهم عن أداء
حقه، وهو من عموم المجاز لكن قال بعض الفضلاء إن سوق الآية لا يجاب اقتدائنا به تعالى فناسب، اتحاد المغني مع اتحاد اللفظ فاندفع به اعتراضه في التلويح فانظره. قوله: (وقولوا الخ) أي قولوا ما يدل عليه بأي عبارة كانت أو هو تمثيل وتسليماً مصدر مؤكد قال الإمام ولم يؤكد الصلاة لأنها مؤكدة بقوله إن الله وملائكته الخ، وقيل إنه من الاحتباك فحذف عليه من أحدهما والمصدر من الآخر، وقد قال بعض الفضلاء إنه سئل في منامه لم خص السلام بالمؤمنين دون الله والملائكة، ولم يذكر له جوابا قلت وقد لاح لي فيه نكتة سرّية وهي أن السلام تسليمه عما يؤذيه فلما جاءت هذه الآية عقيب ذكر ما يؤذي النبي ﷺ والأذية إنما هي من البشر، وقد صدرت منهم فناسب التخصيص بهم، والتأكيد وإليه الإشارة بما ذكر بعده، وقوله وانقادوا الخ فالسلام من التسليم والانقياد. قوله: (والآية تدل على وجوب الصلاة والسلام) لأنّ الأصل في الأمر الوجوب، وقوله في الجملة أي من غير تعيين مقدار وزمان وتكرار ولذلك اختلف فيه السلف، وقوله كلما جرى ذكره ذهب إليه الإمام الطحاوي من الحنفية، وقوله رغم الخ رواه الترمذي وغيره ورغم بكسر الغين المعجمة وفتحها في الماضي وبفتحها وضمها في المضارع وأرغمه بمعنى ألصقه بالرغام، وهو التراب ثم صار عبارة عن الذلة وهي جملة دعائية تدل على إثم تاركها وكذا ما بعده، وهو حديث صحيح أيضا رواه الطبراني والبزار من طرق، وفي الشفاء أنه ﷺ صعد المنبر فقال: " آمين ثم صعد فقال آمبن ثم صعد فقال آمين فسأله معاذ ﵁ عن ذلك فقال. إن جبريل أتاتي فقال: يا محمد من سميت بين يديه فلم يصل عليك فمات فدخل النار فأبعده الله فقل آمين فقلت آمين وقال من أدرك رمضان فلم يقبل منه فمات مثل ذلك ومن أدرك أبويه أو أحدهما فمات مثل ذلك " انتهى والكلام عليه مفصل في شرح الشفاء. قوله: (وتجوز الصلاة على غيره تبعاً (وكذا السلام أيضاً في غير سلام تحية الأحياء، واختلف في الكراهية هل هي تحريمية أو تنزيهية والصحيح الثاني، وكذا اختلف في دعاء البشر للنبيّ ﷺ بالرحمة وصحح السيوطي ﵀ في نكت
الأذكار إنه يجوز تبعاً للصلاة عليه ﷺ ، ويكره استقلالاً. قوله؟ (يرتكبون الخ) فالمراد بالأذية لهما ارتكاب ما لا يرضيا به مجازاً مرسلاً لأنه سبب أو لازم له، وان كان بالنسبة لغيره فإنه كاف في العلاقة وذكر الله ولرسوله على ظاهره، وقوله أو يؤذون رسول الله على أنّ الأذية على حقيقتها والمقصود ذكر الرسول، وذكر الله إنما هو لتعظيمه ببيان قربه وكونه حبيبه المختص به حتى كان لم يؤذيه يؤذيه كما أن من يطيعه يطيع الله. قوله: (ومن جوّرّ إطلاق اللفظ الخ) كاستعمال اللفظ المشترك في معنييه أو في حقيقته، ومجازه الذي جوّزه الشافعية، وقوله باعتبار المعمولين الواقع في بعض النسخ إشارة إلى ما ذكره في الإنصاف من أنّ تعدد المعمول بمنزلة تكرّر لفظ العامل فيجيء فيه الجمع بين المعنيين، وان كان قد ادعى هو أنه ليس من الجمع الممنوع وردّه الشرّاح كما مرّ والمراد بالمعنيين معنيي الأذية فيكون بالنسبة إلى الله ارتكاب ما يكره مجازا وبالنسبة إلى الرسول ﷺ على ظاهره، ويمكن إرجاعه إلى عموم المجاز كما عرف في أمثاله ورباعيته بفتح الراء المهملة سن بين الثية والناب، وقد كسرت في غزوة أحد كما هو مشهور. قوله: (كانوا يؤذون علياً كرّم الله وجهه) حال أو استئناف، وقوله يبتغون بالغين المعجمة أو بالمهملة ومرّض هذا لأنّ قوله بغير ما اكتسبوا يأباه ظاهره إلا أن يحمل على قصد الاكتساب وارادته، وقوله فقد احتملوا خبر الموصول المتضمن معنى الشرط. قوله: (ومن للتبعيض الخ) وقد قال في الكشاف: إنه يحتمل وجهين إن يتجلبين
стр. 2468
ببعض ما لهن من الجلابيب فيكون البعض واحداً منها أو يكون المراد ببعضه جزأ منه بأن ترخى بعض الجلباب، وفضله على وجهها فتتقنع به والتجلبب على الأوّل لبس الجلباب على البدن كله، وعلى هذا التقنع بستر الرأس والوجه مع إرخاء الباقي على بقية البدن، وقوله يدنين يحتمل أن يكون مقول القول، وهو خبر بمعنى الأمر أو جواب الأمر على حذ ﴿قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلاَةَ﴾ [سورة إبراهيم، الآية: ٣١] والجلباب إزار واسع يلتحف به فما قيل إنّ النظم عليهن دون على
وجوههن، وقد فسره يستر وجوههن وأبدانهن به فكيف يصح الحمل على التبعيض حينئذ إذ لا يصح لفظ البعض في موضع من إلا أن يبقى بعض من الجلباب غير مستعمل في الوجه، والبدن ليس بشيء لأن قوله عليهن إما على تقدير مضاف أي على رؤسهن أو وجوههن، أو على أنه مفهوم منه وإن لم يقدر، وأما قوله وأبدانهن فبيان للواقع لأنها إذا أرخت على الوجه بعضه بقي باقيه على البدن لكن المأمور به ضم بعض منه لأنّ به الصيانة. قوله: (عن الإماء والقينا!) إما من عطف أحد المترادفين أو المراد بالقينات البغايا وأما إرادة المغنية فلا وجه له، وقوله يميزن فالمراد بالمعرفة التمييز مجازاً لأنه المقصود ولو أبقى على معناه صح، قال السبكي في طبقاته واستنبط أحمد بن عيسى من فقهاء الشافعية من هذه الآية أنّ ما يفعله العلماء والسادات من تغيير لباسهم وعمائمهم أمر حسن، وان لم يفعله السلف لأن فيه تمييزا لهم حتى يعرفوا فيعمل بأقوالهم. قوله: (لما سلف أليس المراد به أمر التجلبب قبل نزول هذه الآية حتى يقال إنه لا ذنب قبل الورود في الشرع فهو مبني على الاعتزال، والقبح العقلي بل المراد ما سلف من ذنوبكم المنهيّ عنها مطلقا فيغفرها إن شاء ولو سلم إرادته فالنهي عنه معلوم من آية الحجاب التزاماً، وقيل المراد لما عسى يصدر من الإخلال في التستر. قوله تعالى: ( ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ الخ) إمّا أن يراد بالمنافقين والمرّاض والمرجفين قوم مخصوصون، ويكون العطف لتغاير الصفات مع اتحاد الذات على حد:
إلى الملك القرم وابن الهمام
أو يراد بهم أقوام مختلفون في الذوات والصفات فعلى الأوّل تكون الأوصاف الثلاثة للمنافقين، وهو الموافق لما عرف من وصفهم بالذين في قلوبهم مرض كما مرّ في البقرة، والأراجيف بالمدينة أكثرها منهم لكنه لا يوافق ما ذيل به من الوعيد بالإجلاء والقتل فإنه لم يقع للمنافقين، وعلى الثاني هم المنافقون، وقوم ضعاف الدين كالمؤلفة قلوبهم أو الفسقة وأهل الفجور والأوّل أصح لأنه لم يكن الثاني في صدر الإسلام، والمرجفون اليهود الذين كانوا مجاورين لهم بالمدينة، وهذا هو الظاهر من كلام الشيخين وقد وقع القتال والإجلاء لمن لم ينته منهم وهم اليهود وهذا لا عبار عليه، وقوله عن تزلزلهم متعلق بينته وهو على طريق اللف والنشر فهذا ناظر لضعف الإيمان وقلة الثبات وما بعده للفجور وقوله إخبار السوء كالهزيمة،
وقوله الأخبار الكاذب بصيغة المصدر وفي نسخة الأخبار الكاذبة بصيغة الجمع، وقوله لكونه متزلزلاً أي في نفسه أو لاضطراب قلوب المؤمنين به، وقوله بقتالهم واجلائهم أي بقتال بعض منهم وإجلاء بعض آخر، وقوله لنأمرنك إشارة إلى أنّ الإغراء وهو التحريش تجوز به هنا عن الأمر، وقوله ما يضطرّهم ما مصدرية وهو معطوف على إجلائهم. قوله:) وثم للدلالة على أنّ الجلاء الخ) يعني أنها للتفاوت الرتبى والدلالة على أنّ ما بعدها أبعد مما قبلها وأعظم وأشد عندهم، وقوله زماناً الخ فهو منصوب على الظرفية أو المصدرية وأما نصبه على الحال والمعنى أنهم قليلون أي أذلاء وملعونين صفته فلا يخفى حاله. قوله: (نصب على الشتم) أي بفعل مقدّر كأذم ونحوه مما يدل على الشتم، وهذه العبارة نما أتستعملها النحاة في النعت المقطوع، واذا كان حالاً فهو من فاعل يجاورونك، وقوله والاستثناء شامل له أي للحال بناء على أنه يجوز أن يستثنى بأداة واحدة معا شيئان، وقد تقدم ما فيه ومنع أكثر النحاة له. قوله:) ولا يجورّ أن ينتصب الخ) أي على أنه حال من ضمير أخذوا وقتلوا الخ أي لأنّ ما بعد أداة الشرط لا يعمل فيما قبلها مطلقا وفي المسألة ثلاثة أقوال للنحاة، المنع مطلقاً والجواز مطلقاً، والجواز في معمول الجواب والمنع في معمول الشرط وقوله لأنه لا يبذلها على أنّ المبدل هو الله. قوله: (عن وقت قيامها) إمّا لأنّ الساعة اسم الزمان أو لأنه على تقدير مضاف وقيامها وقوعها، وقوله استهزاء إن كان السؤال من المشركين المنكرين لها والتعنت من
стр. 2469
المنافقين، والامتحان من اليهود لأنهم يعلمون من التوراة أنها مما أخفاه الله فيسألونه ليمتحنوه هل يوافقها وحياً أو لا. قوله: (شيئاً قريباً) توجيه لتذكير. وهو خبر عن ضمير الساعة المؤنث بأنه صفة للخبر المذكور لا خبر بحسب الأصل، أو هو ظرف منصوب على الظرفية فإنّ قريبا وبعيداً يكونان ظرفين فليس صفة مشتقة حتى تجري عليه أحكام التذكير والتأنيث، وقوله في معنى اليوم والوقت كما مرّ والوقت شاملى لليوم فليس فية مخالفة لما مرّ كما توهم، وقد تقدم في أنّ وحمة الله قريب
وجوه أخر، وقوله وفيه الخ أي في ة وله وما يدريك الخ، والمستعجلين هم المستهزؤون لأنّ استعجالهم استهزاء نشأ عن إنكارهم، وفي نسخة بدل الممتحنين المتعنتين، وقوله شديدة الاتقاد لأنّ تسعير النار إيقادها في الشدّة من فعيل صيغة المبالغة، وقوله يحفظهم لأنّ الولي يكون بمعنى الحافظ المتولى للأمر.
قوله: (كاللحم يشو!) وفي الكشاف تشبيه بقطعة لحم في قدر تغلي ترامى بها الغليان
من جهة إلى جهة، وقوله أو من حال إلى حال فالمراد تغيير هيآتها من سواد وتقدير وغيره، وقوده وقرك! تقلب أي بفتح التاء وأصله ما ذكر ونقلب بنون العظمة أو بالتاء والبناء للفاعل لأنه قرئ بهما، والظرف يوم وهو متعلق بيقولون، وقد جوّز فيه تعلقه بمحذوف كاذكر أو بيجدون أو نصيراً فيقولون حال أو استئناف، والقادة كالسادة لفظا ومعنى، وقوله الذين لقنوهم الكفر إشارة إلى ما أطاعوهم فيه. قوله: (على جمع الجمع) فهو شاذ كبيوتات وكون سادة جمعاً هو المشهور، وقيل اسم جمع فإن كان جمعاً لسيد فشاذ، وان كان جمعاً لمفرد مقدّر وهو سائد كان ككافر وكفرة لكنه شاذ أيضاً لأنّ فاعلاً لا يجمع على فعلة إلا في الصحيح، وقوله السبيلا بالف الإطلاق تقدّم توجيهه ومعناه جعلونا ضالين عن السبيل، وقوله أشدّ اللعن وأعظمه لأنّ الكبر يستعار للعظمة مثل كبرت كلمة، وليس هذا من التنوين وان كان للتعظيم أيضا. قوله: (فأظهر براءته ﷺ من مقولهم يعني مؤذ! ومضمونه) يعني أنّ القول هنا بمعنى المقول سواء كانت ما موصولة أو مصدرية والمصدر مؤوّل بالمفعول، والمراد بالمقول مدلوله الواقع في الخارج، وبرأه بمعنى أظهر براءته وكذبهم فيما أسند إليه وإنما أوّل الفعل بإظهاره لأنّ المرتب على أذاهم ظهور تبرئته لا تبرئته لأنها مقدمة عليه، واستعمال الفعل مجاز عن إظهاره والمقول بمعنى المضمون كما يقال قالة للسبة وهي ما يسب به أمر شائع لا يكاد لكثرته يعدّ تأويلاَ فما قيل إنه تعالى لما أظهر براءته مما افتروه عليه انقطعت كلماتهم فيه فبرئ من قولهم على أن برّأه بمعنى خلصه من قولهم لقطعه عنه فهو تكلف لأنّ قطع قولهم ليس مقصوداً بالذات، حتى لو
انقطع باي طريق كان طابق ما في النظم بل المراد انقطاعه لظهور خلافه فلا بد من ملاحظة ما ذكره المصنف، وأما كون البراءة لا تكون إلا من الدين أو الجب فليس مسلماً عند القائل، وان ذكره شراح الكشاف لتأويله البراءة بما ذكره. قوله: (قذفوه بعيب في بدنه الخ) الأدرة بضم الهمزة وسكون الدال المهملة وراء مهملة مفتوحة، وهاء تأنيث مرض ينتفخ منه الخصيتان ويكبران جدا لانصباب مادّة أو ريح غليظ فيهما ورجل آدر بالمد كآدم به أدرة، وفرط تستره لأنه ﷺ يكره أن يكشف شيئاً من جسده فظنوه لمرض فيه يخفيه، واطلاع الله عليه لما اغتسل ووضمع ثيابه على حجر فذهب الحجر بها، وظل يجري خلفه عريانا وهم ينظرون إليه كما هو مشهور في الآثار، وقوله ذا قربة ووجاهة لأ نه من الجاه عند العظماء وهو التقرّب والعظمة والعزة. قوله: (قاصدا إلى الحق الخ) أي متوجهاً إليه كما يتوجه السهم إلى الهدف لأنه من قولهم سدد سهمه إذا وجهه للغرض المرمى، وقوله من سدج يسد أي بكسر سين مضارعه ومصدره السداد بفتح أوّله وأما سد يسد بالضم فمعناه من سد الثلمة والسداد بالكسر ما يسد به، وقوله والمراد النهي عن ضده، وهو القول الذي ليس بسديد لأنّ الأمر بشيء يلزمه النهي عن ضده والمقام للنهي عما يؤذي النبي ﷺ ، ولذا عطفه على ااضهي السابق وهو المناسب لما مرّ والمراد بزينب بنت جحش أم المؤمنين ﵂ وحديثها فصتها من تطليق زيد ﵁ لها، وتزوّح النبيّ ﷺ بها. قوله: (تقرير للوعد السابق الخ) أي بيان له على وجه التأكيد، ولذا لم يعطف والوعد قوله فاز فوزا عظيما لأنّ المراعي لها فائز كما أشار إليه وقوله إنه
стр. 2470
كان ظلوماً جهولاً بتقدير إن لم يراع حقا فلا يأباه كما قيل مع أن قوله بتعظيم الطاعة يدفعه فتأمّل. قوله: (وسماها) أي الطاعة أمانة ظاهره أنّ الأمانة مستعارة هنا للطاعة، وليس بمراد بل هو بيان لحاصل المعنى على الوجهين وسياتي الكلام عليهما، وقوله والمعنى الخ شروع في بيان معنى الآية وما فيها من الاستعارة وقد قرّره الزمخشري على وجهين وله ولشراحه فيه كلام طويل الذيل، والذي ارتضاه المدقق في الكشف أنّ فيه وجهين الأوّل أنه أريد بالأمانة الطاعة المجازية ليتناول اللائق بالجماد والمكلفين والعرض والإشفاق والإباء عن الحمل أي الخيانة،
وعدم الأداء مجازات متفرّعة على التمثيل الذي مداره على تشبيه الجماد بمأمور متبادر إلى الامتثال تعريضا للأنسان بأنه كان أحق بذلك، وفيه تفخيم لشأن الطاعة بأنّ مشابهها يتسارع له الجماد لعظمة شأنه فكيف بها ونظيره ما مرّ في قوله: ﴿اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [سورة فصلت، الآية: اا] وهو من المجاز الذي يسمى التمثيل كما نص عليه ثمة وان اختلف الغرض فيهما والثاني أريد فيه بالأمانة الطاعة الحقيقية لما كلفه الإنسان والعرض والإشفاق والإباء حقيقة والحمل بمعنى الاحتمال لا الخيانة، وحقيقة التمثيل إنه مثل حال التكليف في صعوبته وثقل محمله الخ والغرض تصوير عظم الأمانة وهو المراد بقوله ثمة، ويجوز أن يكون تخييلاً ومنه ظهر أنّ التخييل تمقيل خاص والتصوير لا ينافي كونه تمثيلاً وما لهج به بعضهم من الكناية الإيمائية وأخذ الزبدة من غير نظر لحقيقة التمثيل لا يطابق الحقيقة، والإصطلاج ولا يغني عن الرجوع لما مرّ مع تناقضه في مواضع وهذا أبسط موضع حقق المصنف فيه التمثيل فليحذ على مثاله فيما يرد من أمثاله، وهذا زبدته بعد مخضه وتبيين خالصه ومخضه وللنظر فيه مجال، ولكن لكل مقام مقال. قوله: (بحيث لو عرضت الخ) هذا هو الوجه الثاني فالمراد بالأممافة الطاعة الحقيقية، وهو استعارة مركبة وتمثيل تخييليّ على حد قولهم لو قيل للشحم أين تذهب لقال أسوّي العوج، والمراد أنّ ما كلفه الإنسان على ضعفه لو كلف هذه الأجرام حمله أبته فشبهت حالة الإنسان المحققة بحالة مقدرة مفروضة ومفرداته على حفيقتها والإشفاق الخوف مع الاعتناء. قوله: (حيث لم يف بها (أي بالأمانة، وهو إشارة إلى أنّ فيه مقدراً بعد قوله حملها أي وغذر أو لم يف، وقوله وهذا وصف للجنس الخ لأنّ منهم من وفى بما عاهد الله عليه كالنبيين الصديقين، وهذه الجملة مستأنفة استئنافا بيانيا وتأكيدها لأنها مظنة للتردد. قوله: (وقيل المراد بالأمانة الطاعة الخ) يعني إنّ هذه الأجرام انقادت لأمر الله انقياد مثلها تكويناً وتسوية والإنسان لم يكن حاله كذلك وهو عاقل مكلف فالأمانة الطاعة المجازية الشاملة للإنسان والجماد وهو الوجه الأوّل وهو مختار الزجاج والمقصود تعظيم شأن الطاعة وتوبيخ الإنسان ففيه تقرير لما قبله أيضا، وهو تجوّز في مفردات عدة أو تمثيل يتفرع عليه تلك المجازات على ما مرّ في الكشف فالطاعة قبول الأمر وسرعة الانفعال، وقوله استدعاؤها أي تسخيرها كما بينه بقوله الذي يعم الخ، والمراد بالمختار ما يقابل الجماد من المخلوقات،
وقوله وبحملها الخيانة بتشبيه الأمانة قبل أدائها والمراد إتيان ما يتأتى منها ولا يخفى بعدهما. قوله: (وقيل إنه تعالى الخ) هذا التفسير نقله البغوي والطيبي عن السلف ولا بعد أن يخلق الله فيها فهما لخطابه فأجابت بأنها ميسرة لما خلقت له وأما كونها استحقرت أنفسها عن التكليف فلا يتم به الجواب. قوله: (ولعل المراد بالآمانة العقل أو التكليف) وفي نسخة والتكليف بالواو وهي أولى ليخرج الملك وعلى الأوّل تخصيص الإنسان دون الملك والجن لأن الكلام معه، وليس الأوّل ناظرا إلى كون السموات إحياء عاقلة والثاني إلى خلافه كما توهم فإنه مما لا يلتفت إليه، وهذا وجه رابع في الآية وليس من تتمة الثالث كما يتوهم، وقيل المراد بالأمانة المختصة بالإنسان وهي مظهر لصفات الألوهية، ولذا سمي بالعالم اكبر كما قيل:
وتزعم إنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر
قوله: (اعتبارها بالإضافة إلى استعدادهن (أي من حيث الخصوصيات كالإعراض والصفات
стр. 2471
لا بالنظر إلى الذات الجسمية حتى يرد عليه أنّ الأجسام متماثلة يقبل كل منها ما يقبل الآخر عند أهل الحق واستعدادها بجعل الله لها مستعذة، وقوله استعداده لها أي مع ما فيه من العقل ليتم المراد. قوله: (لما غلب عليه من القوّة الفضبية (الداعية للظلم والشهوية الداعية للجهل بعواقب الأمور ففيه لف ونشر مرتب، وقوله علة للحمل عليه بيان لاختياره لهذا الوجه بأنه ينتظم فيه قوله إنه كان ظلوما جهولاً مع ما قبله على أنه علة باعتبار حمل العقل عليه بمعنى إيداعه فيه لأجل إصلاج ما فيه من القؤتين المحتاجتين إلى سلطان العقل الحاكم عليهما فكأنه قيل حملناه ذلك لما فيه من القوى المحتاجة لقهره وضبطه، وقوله فإن من فوائد العقل الخ ظاهر على النسختين أما على عطفه بالواو فأظهروا ما على الأخرى فلاستلزام كل منهما للآخر كما أشار إليه بقوله ومعظم مقصود الخ، وقيل إن قوله فإنّ الخ ناظر إلى إرادة العقل بالأمانة، وقوله معظم الخ ناظر إلى كون المراد بها التكليف فقيه لف ونشر مرتب، ومهيمنا بمعنى ناظراً ورقيبا والمراد به حافظاً فهو تفسير له، وقوله كسر سورتهما أي تضعيف شدتهما. قوله: (تعليل
للحمل الخ) يعني أنه علة للحمل مجازاً فهي لام العاقبة ولو جعل علة للعرض لم يحتج إلى التجوّز لكنه تبع فيه الزمخشري وفيه على هذا التفات، وقوله وذكر التوبة في الوعد يعني كان مقتضى المقابلة أن يقول وينعم أو يثيب ونحوه لكنه عدل عنه لنكتة كما ذكره، وقوله من قرأ الخ الحديث موضوع تمت السورة والحمد لله والصلاة والسلام على من أنزلت عليه وعلى آله وصحبه.
سورة سبأ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (وقيل إلا وقال الخ) وفي نسخة والذين الخ وهما سهو والصواب، ويرى الذين
أوتوا العلم إذ ليس في نظمها ما ذكره، وكذا ما ذكره من عدد الآيات صوابه خمس وخمسون أو أربع وخمسون فإنه المذكور في كتب الإعداد كما قاله الداني والاختلاف في قوله عن يمين وشمال الخ. قوله: (خلقاً ونعمة) وفي نسخة وملكاً والثانية هي الموافقة لما ذكره في غير هذه الآية والأولى هي الموافقة للكشاف، ولما بعده من قوله تمام نعمته وهما تمييزان للنسبة، وقوله فله الحمد في الدنيا ليس إشارة إلى معطوف عليه مقدر في النظم بل بيان لحاصل المعنى لأنّ السموات والأرض عبارة عن هذا العالم بأسره وهو يشتمل على النعم الدنيوية فعلم من التوصيف بقوله الذي الخ إنه محمود على نعم الدنيا، ولما قيد الثاني بكونه في الآخرة علم أنّ الأوّل محله الدنيا فصار المعنى أنه المحمود على نعم الدنيا فيها، وعلى نعم الآخرة فيها أو هو من الاحتباك وأصله الحمد لله الخ في الدنيا وله ما في الآخرة والحمد فيها فأثبت في كل منهما ما حذف من الآخر، وقوله لكمال قدرته إشارة إلى أنّ الحمد الثناء بالجميل سواء كان في مقابلة نعمة أم لا، وقوله وله الحمد في الآخرة معطوف على الصلة أو اعتراض إن كانت جملة يعلم حالية. قوله: (لأنّ ما في الآخرة أيضاً كذلك) أي له خلقاً ونعمة وملكا، وقوله من عطف المقيد بكونه في الآخرة على المطلق عن ذلك وما يقابله بل هو من عطف مقيد على مقيد كما قرّرناه لك من أنّ معناه الحمد في الدنيا لخالف الدنيا، وما فيها من النعم وقوله تقديم الصلاة أراد قوله له، ولا يرد عليه إنه لا حاجة في إفادة ما ذكر إلى التقديم لأنّ اللام الاختصاصية تفيده، ولا ينقضه دخولها في الحمد على نعم الدنيا لأنها أيضاً مقصورة عليه في الحقيقة، وإنما الفرق بينهما إنها تكون صورة لغيره وما في الآخرة لا يكون لغيره صورة ولا حقيقة لأنه مبنيّ على أنّ الاختصاص المستفاد من اللام معنا. الحصر، وليس كذلك فإنهم ارتضوا أنه بمعنى الملابسة التامّة لا الحصر كما فصله الفاضل الليثي، ولو سلم فهو تأكيد الحصر لا لحصر الحصر. قوله: (ولا كذلك نعم الآخرة) قيل عليه إنها أيضاً قد يكون فيها التوسط كما يحصل
بشفاعة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والكرام المشفعين، وا! الحمد لا يلزم أن يكون في مقابلة نعمة كالشكر والثاني ظاهر الدفع لأنه في العرف يكون بمعنى الشكر، وهو المراد هنا إلا أنّ قوله لكمال قدرته ينبو عنه، وأمّا الأوّل
стр. 2472
فقد دفع بأنّ المراد بالتوسط هنا وصول النعمة بيد المتوسط حتى كأنها من عنده وفيه نظر فإنه يكفي للحمد التسبب في الجملة فما ذكر غير صاف من الكدر. قوله: (الذي أحكم الخ) هو بيان لحاصل المعنى لأنّ ما يصنع بحكمه يكون محكما ولا حاجة إلى جعله إشارة إلى أنّ فعيلا بمعنى مفعل، وقد قال بعض أهل اللغة بعدم وجوده في كلام العرب، وقوله ببواطن الأشياء فسره به بناء على ما قاله بعض أهل اللغة من أن الخبرة تختص به لأنها من خبر الأرض إذا شقها لا لمناسبته لما بعده وإن كانت حاصلة، ثم إن علم الباطن سواء أريد الظاهر أو الخفيّ يستلزم غيره فلا يتوهم أنّ التعميم أولى كما قيل. قوله: (يعلم الخ) إمّا تفسير للخبير أو حال أو مستأنف، وقوله ينبع في آخر كأنه ذكر. ليعلم أنه نفذ فيها إذ لولاه لم يعلم أنّ في باطنها ماء أو المراد أنه يعلم بالنابع منها في أيّ موضع مبدأ نفوذه ولذا ذكر العيون فيما بعده فلا يرد أنه ينبغي أن يذكر هذا فيما بعده، والمراد بالحيوان المطلق لأنه كله مخلوق من التراب أو المتولد منه، والفلزات بكسر الفاء واللام وتشديد الزاي ما ينطرق ويذوب من المعدنيات، أو المراد به جميع المعدنيات كما ذكره الجاربردى والمقادير المراد بها مقادير الأعمار والأمور المقدرة، والأنداء جمع ند على خلاف القياس، وهو معروف وفي نسخة الأندية والولوح يكون بالوضمع فيها، ومعنى العروج معنى الاستقرار فلذا عداه بفي دون إلى والسماء جهة العلوّ مطلقا كما مرّ. قوله تعالى: ( ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ ) فذم الرحمة لأنها منشأ المغفرة أو للفاصلة، وقوله للمفرّطين الخ بناء على أنّ ذلك لهم في الدنيا وما بعده على أنه في الآخرة ولو عممه لهما كان أولى، وقوله مع ما له الخ إشارة إلى مناسبته لما قبله لأنه من أعظم النعم أيضاً فلا يتوهم أنّ المناسب لما قبله ذكر الكريم فاصلتها تذييل لما قبلها فينتظم أتمّ انتظام. قوله: (أو استبطاء استهزاء) هذا أيضاً إنكار إلا أنه يريد يتضمن الاسنهزاء والنفي فيه مجاز عن الاستبطاء وفي الأوّل هو على حقيقته، وقوله وتأكيد لما نفوه لأنّ بلي لإثبات ما نفى فقوله لتأتينكم تأكيد على تأكيد كما أشار إليه بقوله تكرير لإيجابه أي لإيجاب المجيء، وقيل المعنى لما أوجبه بلى. قوله: (مقرر الوصف المقسم به) وهو ربي ووصفه عالم
الغيب، وجعله وصفاً لا عطف بيان أو بدلا لأنه أريد به الدوام والثبوت فإضافته محضة معرّفة أو المراد بوصفه الربوبية والصفات عدم غروب شيء عن علمه وجزاء المحسنين وما تضمنه ذلك، وقوله تقرّر إمكانه أي إمكان ما أنكروه من مجيء الساعة ولم يقل تقرّر وقوعه اقتصاراً على مقدار الكفاية في ردّ استبعادهم بأنّ علمه محيط بجميع الأشياء فيعلم أوقاتها، وما في تعجيلها وتأخيرها من الحكم فيظهرها على ما اقتضته حكمته، وتعلقت به مشيئته كما فصله في سورة الأنعام. قوله: (ويؤيده القراءة بالفتح) أي النصب لأنه شبيه بالمضاف ولا حاجة إلى تخريجه على لغة فيه كما ذكره النحاة في قوله ﷺ : " لا مانع لما أعطيت "، ووجه التأييد أنها من النواسخ فاسمها مبتدأ في الأصل، والعطف فيه غير متجه كما بينه بقوله ولا يجوز الخ. قوله: (لآنّ الاستثناء الخ) أي لأنّ الاستثناء حينئذ إذا كان متصلاً يقتضي أنّ ما في الكتاب وهو اللوح المحفوظ عزب عنه فغاب عن علمه وليس كذلك، وقوله اللهم الخ إشارة إلى ضعفه كما هو معروف في الاستعمال والمعنى حينئذ لا يبعد عن غيبه شيء إلا ما كان في اللوح لبروزه من الغيب إلى الشهادة، قال أبو حيان: ولا يحتاج إلى هذا إذا جعل الكتاب ليس اللوح المحفوظ، وأمّا ما قيل عليه من أنه لا يساعده المعنى لأنّ الغيبيّ إذا برز إلى الشهادة لم يعزب عنه بل بقي في الغيب على ما كان عليه مع بروزه فمعناه أنّ كونه في اللوح كناية عن كونه من جملة معلوماته، وهي إمّا مغيبة وأمّا ظاهرة وكل مغيب سيظهر والا كان معدوما لا مغيبا، وظهوره وقت ظهوره لا يرفع كونه مغيبا فلا يكون الاستثناء متصلاً ألا تراك لو قتل علم الساعة مغيب عن الناس إلا علمهم بها حين تقوم، ويشاهدونها لم يكن هذا الاستثناء متصلا ومن لم يقف على مراده قال: كيف يبقى من الغيب على ما كان والغيبة والبروز صفتان متقابلتان ينافي الاتصاف بأحدهما الاتصاف بالآخر فتأمل، وإذا كان الاستثناء منقطعا فالمعنى أنّ ما في اللوح يطلع عليه في الملأ الأعلى فليس بغيب، وكذا إذا كان المعنى
стр. 2473
أنه لا يعزب عنه إلا ما هو عنده في أمّ الكتاب على نهج قوله:
ولا عيب فيهم غيرأن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب
فيكون مؤكداً لعدم العزوب ويروى أيضاً بجرّ أصغر وأكبر وفيها إشكال مع جوابه في البحر والدر المصون. قوله: (علة لقوله لتأتينكم) ولم يجعله علة لقوله لا يعزب لأنّ علمه تعالى ليس لأجل الجزاء، وقد جوّزه أبو البقاء وجوّز أيضاً تعلقه بمتعلق في كتاب، وقوله بيان لما يقتضي إتيانها بالمثناة الفوقية والنون لأنّ المقتضى لمجيء الساعة جزاء المحسن والمسيء، ووقع في بعض النسخ إثباتها بالمثلثة والموحدة بعدها والمثناة الفوقية والمعنى أنّ الجزاء مقتض لإثبات الأشياء في علمه أو في اللوح فيكون مرتبطاً بجملة ما قبله، والأولى أولى. قوله: الا تعب الخ الأن الكريم من شأت أن لا يتعب من يحسن إليه، ولا يمن عليه فوصف بوصف صاحبه، وقوله والذين سعوا الخ جوّز فيه أن يكون مبتدأ وجملة أولئك الخ خبره وأن يعطف على الذين قبله أي ويجزي الذين سعوا ويكون جملة أولئك التي بعده مستأنفة، والتي قبله معترضة قيل وعلى هذا يحتمل مدلولهما أن يكون هو الثواب والعقاب وأن يكون غيره مما هو أعظم منه كدوام رضا الله وسخطه، وهو غير متوجه وكيف يتأتى حمله على رضوان الله وضحده وقد صرّح فيه بالمغفرة والرزق في مقابله بالعذاب وجعل الأوّل جزاء. قوله: (مثبطين) أي معوّقين ومانعين وتقدّم فيه كلام في سورة الحج وسيأتي في آخر هذه السورة، وقوله سيئ العذاب بناء على أنّ الرجز أشد العذاب فيكون قوله أليم صفة مؤكدة واذا كان مطلقه فهي مؤسسة وكون أليم بمعنى مؤلم تقدم ما فيه، واذا رفع أليم فهو صفة عذاب. قوله: (ويعلم) فرأى علمية لا بصرية، وشايعهم بمعنى تابعهم ووافقهم وقوله أو من مسلمي أهل الكتاب في الكشاف ويجوز أن يريد وليعلم من لم يؤمن من الأحبار أنه هو الحق فيزدادوا حسرة، وغماً وتركه المصنف قيل لأنّ وصفهم بأولى العلم يأباه لأنها صفة مادحة، وهو غير مسلم عنده كما أشار إليه بأنّ المراد ازدياد حسرتهم، وقد وصفوا بمثله كقوله:! تيناهم الكتاب﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٢١] فالظاهر أنه لمقابلته بقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ والفرق بين الوجهين أنّ علمهم من النبيّ ﷺ على الأوّل دون الثاني وقوله من رفع الحق الخ يعني ومن نصبه جعله ضمير فصل. قوله: (وهو) أي يرى مرفوع بضمة مقدرة على آخره، وقوله مستأنف أي ابتداء كلام
غير معطوف على ما قبله، وقيل إنه عطف على قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ﴾ على معنى وقال الجهلة: لا ساعة وعلم أولوا العلم أنه الحق الذي نطق به الكتاب المنزل عليك بالحق، ولو فسر أولوا العلم على هذا بالأحبار الذين لم يؤمنوا لم يستقم المعنى، وأما على وجه النصب فصحيح لصلوحه تعليلا كما بينه، وقد جعل تكلفاً بعيدا لأنّ دلالة النظم إنما هي على الاهتمام بشأن القرآن لا غير وأنت خبير بأنّ ما قبله من قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ﴾ [سورة مبأ، الآية: ٧] الخ في شأن الساعة ومنكري الحشر فكيف يكون ما ذكره بعيدا بسلامة الأمير فذكر حقية القرآن هنا بطريق الاستطراد، والمقصود بالذات حقية ما نطق به من أمر الساعة. قوله: (وقيل منصوب) أي يرى صنصوب بفتحة مقدرة فقوله والذين سعوا معطوف على الموصول الأوّل، أو مبتدأ والجملة معترضة فلا يضرّ الفصل كما توهم. قوله تعالى: ( ﴿وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ ) فيه وجوه أحدها أنه مستأنف وفاعله إمّا ضمير الذي أنزل أو الله فقوله العزيز الحميد التفات الثاني أنه معطوف على الحق بتقدير، وأنه يهدي الثالث أنه معطوف عليه عطف الفعل على الاسم كقوله صافات ويقبضن الرابع أنه حال بتقدير وهو يهدي وتخصيص الوصفين للتحريض على الرهبة والرغبة، وقوله الذي الخ تفسير للصراط. قوله: (قال بعضهم لبعض) بيان لحاصل المعنى لا لأنه من إسناد ما للبعض إلى الكل كما قيل وقوله يعنون محمدا ﵊ والتعبير عنه برجل المنكر من باب التجاهل كأنهم لم يعرفوا منه إلا أنه رجل، وهو عندهم أشهر من الشمل:
وليس قولك من هذا بضائره والعرب تعرف من أنكرت والعجم
وقوله يحدّثكم بأعجب الأعاجيب كما قالوا:
حياة بعد موت ثم حشر حديث خرافة يا أم عمرو
стр. 2474
وهذا ماخوذ من النبأ لأنه الإخبار بأمر مستغرب، وتنكير رجل لتنزيلهم قائله منزلة من لا يعرف حتى كأنه رجل غريب يحدثهم بما يحكي للهزؤ والسخرية، ولذا قالوا استهزاء وتهكماً هل ندلكم كأنه لكونه لا يعبؤ به مجهول المكان محتاج لدلالة دليل عليه قيل، وحذفوا المنبأ عنه ظاهراً إشارة إلى أنه مما لا يتفوّه به وفيه نظر وما قيل إنه من دلالة المقام لا الكلام من بعض الأوهام. قوله: (كل تمزيق وتفريق) إشارة إلى أنّ ممزق مصدر ميمي، وقوله وتقديم الظرف يعني إذا والمراد بتقديمها إيقاعها مقدّمة في المنبأ به لا أنها كانت مؤخرة فقدمت لأنها
قيد لما بعدها معنى، وحقه التأخير عما قيد به فهو كقولهم ضيق فم الركية ويدل عليه جعل عاملها محذوفاً لا ما ذكر بعدها ولولاه كان كلامه متناقضاً، فما قيل عليه من أنّ الشرطية حقها التقديم فما الحاجة إلى لعذر ولا حاجة إلى الإخراج عن معنى الشرط، وقد أضمر جزاؤها ناشئ من عدم التأمّل في كلامه، وكذا ما قيل من أنه يجوز اعتبار تقديمها على كونها شرطية معمولة للجزاء حتى قال الشريف في شرح المفتاح إنه على هذا القول يجوز أن يفيد الحصر في نحو إذا خلوت قرأت فإنه مع بعده لا يوافق ما ذكره المصنف، واذا الشرطية إذا كان جوابها جملة اسمية يقترن بالفاء كما صرّحوا به إلا أنه قال في شرح المفتاح أنها تركت هنا لأنه بمعنى تجدد خلقكم فعدل إلى الاسمية للدلالة على التحقق، وفيه نظر لأنها لو اقترنت بالفاء لم تزل دلالتها على التحقق فتأمّل. قوله: (وعامله محذوف) كتبعثون أو تحشرون مقدر قبلها إن لم تكن شرطية وبعد هذا الكلام على أنه جواب إن كانت شرطية، وقوله للدلالة على البعد أي بعد المدعي في أوّل الأمر من تجديد الخلق فإنّ تفريقهم غاية التفريق يبعد الإعادة، والمبالغة من قوله كل ممزق، وقوله وعامله محذوف مرّ تقديره، وقوله فإنّ ما قبله يعني ينبئكم أو يدلكم، وقوله لم يقارنه يعني أنّ التنبئة ليست في وقت التمزيق وما بعده أي بعد إذا من الجملة مضاف إليه والمضاف إليه لا يعمل في المضاف أو ما هو في موقع الجواب، وهو مصدر بأنّ وهي لها الصدر فلا يعمل ما بعده فيما قبله من خلق أو جديد، وما ذكره المصنف مما ارتضاه بعض النحاة قال الطيبي قال السجاوندي: إذا إنما تعمل فيما بعدها إذا كان مجزوما بها وهو مخصوص بالضرورة فلا يخرج عليه القرآن فإذا لم تجزم كانت مضافة، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف فسقط ما قيل إنا نمنع الإضافة فإنهم أجمعوا على أنها إذا جزمت لا تضاف فما الدليل على وجوب الإضافة إذا لم تجزم، وقد عزا ابن هشام كون عامل إذا فعل الشرط إلى المحققين مع أنه بناء على شرطيتها، وقد تقدم أنها لمحض الظرفية ثم إنّ الجملة الشرطية بتمامها معمولة لينبئكم لأنه بمعنى يقول لكم كما ذكره المعرب. قوله: (يحتمل أن يكون مكاناً) أي اسم مكان لا مصدراً فينتصب كل على الظرفية لأنّ كلاً لها حكم ما تضاف إليه كما في قوله: (ذهب كل مذهب) وقوله السيول على طريق التمثيل لأنّ أجزاء الميت في قبره إذا تبدّدت، وصارت أجزاء دقيقة إنما ينقلها من مكانها السيل في الأكثر فلا وجه لما قيل إن التمزيق لا اختصاص له بالسيول فكان الأولى أن يقول طرحتكم الرياح، وقوله طرحته أي المذهب وفي نسخة طرحتكم وهي أظهر. قوله: (وجديد بمعنى فاعل) أي فعيل بمعنى فاعل من جد الثوب، والشيء بمعنى صار جديداً وهو لازم فلا يكون بمعنى مفعول، وقيل بمعنى مفعول من جده بمعنى قطعه، ثم شاع في كل جديد وإن لم يكن مقطوعا كالبناء والسبب في
الخلاف أنهم رأوا العرب لا يؤنثوه ويقولون ملحفة جديد لا جديدة فذهب الكوفيون إلى أنه بمعنى مفعول والبصريون إلى خلافه، وقالوا ترك التأنيث لتأوبله بشيء جديد أو لحمله على فعيل بمعنى مفعول. قوله: (يوهمه ذلك ويلقيه على لسانه) جعل الجنون موهما وملقياً تجوز لأنه يتخيل لغلبة الخلط السوداوي تخيلات توهمه ذلك أو أنّ أحداً يكلمه ويلقيه عليه، وقوله واستدلّ الخ أي استدلّ به أبو عمرو الجاحظ على أنّ من الكلام الخبري ما هو واسطة بين الصدق والكذب على ما عرف من مذهبه فيه لأنه فابل كلام المجنون بالكذب وهم لا يعتقدون صدقه فيكون غير صادق ولا كاذب وأجابوا عنه بأنّ الافتراء الكذب عن عمد لا مطلق الكذب كما ذكره أهل اللغة فيكون تقسيما للكذب بأنه عن عمد أولاً فلا يثبت ما ذكر هذا محصل كلامه فقوله غير معتقدين الخ حال من ضمير جعلهم وضمير صدقه له كب! أو لخبره والمآل واحد، وقوله بين
стр. 2475
الصدق والكذب إمّا على ظاهره أو بمعنى الصادق والكاذب، وهذا هو الموافق لظاهر قوله وهو كل خبر الخ وقوله لأنّ الافتراء الخ إشارة إلى ما مز على أن كلام المجنون لا حكم فيه والمقسم إليهما الخبر هو ما اشتمل عليه فلا يضرّ خروجه كالإنشائيات والتصوّرات، وان نوقش فيه بأنّ مناط الصدق والكذب اشتماله على الحكم بحسب الظاهر (بقي ههنا بحث) وهو أنّ أم هنا تحتمل الاتصال والانقطاع عندهم لكن الطيبي قال إنّ الاستدلال والجواب مبنيّ على الاتصال، وهو مدخول من وجهين أحدهما أنّ الآية بقرينة السياق والسباق واردة في البعث لا في دعوى الرسالة، وثانيهما أن أم ظاهرة في الانقطاع لاختلاف الجملتين فعلية واسمية فالظاهر أنهم لما استهزؤوا به وبكلامه في الحشر وعقبوه بقولهم أفترى على الله كذبا أضربوا عنه ترقيا إلى ما هو أشنع كأنهم قالوا دعوا حديث الافتراء فإنّ هنا ما هو أطمّ لأنّ العاقل كيف يحدث بمثله وردّه في الكشف بأنها متصلة والعدول إلى الاسمية إشارة إلى أنّ الثابت هو ذلك الشق، والتفابل لأنّ المجنون لا افتراء له فالاستدلال على الانقطاع بتخالف العديلين ساقط، والترقي المذكور حاصل مع الاتصال أيضا ثم إنّ ابتناء الاستدلال على الاتصال غير مسلم فتأمّل. قوله: (رد من دلّه عليهم ترديدهم الخ) يعني أنّ الإضراب لإبطال ما قبله بقسميه مع إثباته لهم ما هو أقبح وأشد، ولذا وضع الذين لا يؤمنون موضع الضمير توبيخا لهم، وايماء إلى سبب الحكم بما بعده وفي عبارته ركاكة إذ كان الظاهر إضافة الإثبات لما وأفظع بالفاء والظاء المعجمة بمعنى أقبح وأشنع، وهو أظهر مما في بعض النسخ من أقطع بالقاف والطاء المهملة أي قاطه لبطلان القسمين ولا يخفى بعده، وان زعم
بعضهم أنه الملائم للمقام. قوله: (وهو الضلال الخ) الضمير راجع لما، وقوله من العذاب بيان لما هو مؤداه أي ما يؤدّي إليه الضلال وهو العذاب، وقوله وجعله رسيلا له أي قريناً له في الوقوع لأنّ الاقتران في النظم يناسب الاقتران في الوقوع، والاسمية الدالة على ثبوتهما ظاهرة فيه فلا يضرّ كون الواو لا دلالة لها على القران، وقوله للمبالغة لإشعاره بانهم في العذاب من وقت الضلال بل قبله لسرعة أدائه إليه ولتحقق استحقاقهم له، وقوله وصف الضلال به مبالغة لأنّ ضلالهم إذا كان بعيداً في نفسه فكيف بهم أنفسهم ففيه مبالغة أخرى. قوله: (وما يحتمل فيه) معطوف على ما يعاينونه، وضمير فيه لما يعاينونه أو لما يدل أي ذكرهم بمخلوقاته العظام الدالة على قدرته الكاملة ونبههم على ما يحتمل أن يقع فيها من الخسف، واسقاط الكسف وقوله إزاحة وتهديد ألف ونشر مرتب أي لما يعاين وما يحتمل، وإزاحة الاستحالة بكمال القدرة، وقوله جعلوه افتراء أي من النبيّ ﷺ وهزؤا أي منهم بما ذكره لهم وقوله والمعنى أعموا فلم ينظروا إشارة إلى أنّ الهمزة داخلة على مقدر هو المعطوف عليه كما هو مذهب النحاة، وينظروا تفسير ليروا لأنها بصرية لا علمية، ولذا لم يعد بنفسه وما أحاط بجوانبهم تفسير لما بين ايديهم، وما خلفهم وهذا ناظر لما يعاينونه، وقوله وأنا إن نشاء الخ إلى ما يحتمل، وقوله لقوله أفتري على الله لأنه من قبيل الغيبة فتلك القراءة على الالتفات وقوله بالتحريك قد مرّ أنّ الساكن إمّا جمع كسفة أو فعل بمعنى مفعول أو مخفف من المصدر. قوله: (النظر الخ) أي الإشارة لمصدر يروا وذكر لتأويله بالنظر وعطف عليه التفكر لأنه المراد من النظر، وقوله ما يدلآن عليه معطوف على النظر لا على الضمير المجرور من غير إعادة الجار لضعفه وضمير يدلان للنظر والتفكر أو للسماء والأرض! ، وقوله فإنه يكون لخ بيان لوجه تخصيص المنيب بالذكر، وقوله منا أي بغير واسطة. قوله: (اي على سائر الأنبياء الخ) فالفضل بمعنى الزيادة وهو المتعدي بعلى بخلاف الذي بمعنى التفضل والإحسان فالمفضل عليه على
الأوّل إما سائر الأنبياء السابقين عليه أو أنبياء بني إسرائيل، أو ما عدا نبينا ﷺ لأنه ما من فضيلة في أحد من الأنبياء إلا وقد أوتي مثلها بالفعل، أو مكن منها فلم يختر إظهارها ولا مانع من إبقائه على ظاهره إذ قد يكون في المفضول ما ليس في غيره، وقد انفرد بما ذكر هنا. قوله: (أو على سائر الناس الخ) قيل عليه إن أريد إن كلاً منها فضل لا يوجد في سائر الناس فعدم مثل ملكه وصوته محل شبهة، وان أريد المجموع من حيث هو ففيه أنه غير موجود في الأنبياء أيضاً فلا وجه لتخصيصه بالثاني، وأما كونه يندرح فيه على الأوّل ما سوى النبوّة كما
стр. 2476
قيل فغير صحيح لأنّ ملك سليمان أعظم من ملكه، ولو سبق كان ملكاً أيضا وفي الكتب الإلهية ما هو أعظم من الزبور إلا أن يراد أنبياء زمانه فتأمل. قوله: (رجعي معه) أي كرّري لأنّ الأوب الرجوع والنوحة عطف على التسبيح، وعلى متعلق به وقوله أو بحملها إياه الخ قد نوقش فيه بأنه مع كون لفظ معه يأباه لا اختصاص له به حتى يفضل به على غيره أو يكون معجزة له فهو ارتكاب تجوّز من غير داع يحمله عليه وكذا أورد على ما بعده أنّ الجبال أوتاد الأرض، ولم ينقل مثله عن داود ﵊ أو غيره داع يحمله عليه، وكذا أورد على ما بعده أنّ الجبال أوتاد الأرض، ولم ينقل مثله عن داود ﵊ أو غيره وعلى هذا فهو من التأويب وهو سير النهاو، وقوله بإضمار قولنا أو قلنا الظاهر إنه لف ونشر مرتب وان جاز إبدال الجملة من المفرد عند النحاة فعلى البدلية من فضلاً يقدر قولنا وعلى الثاني قلنا، وهو إمّا بدل كل من كل أو اشتمال. قوله: (عطف على محل الجبال الأنه في محل نصب لكنه يلزم عليه، وعلى ما بعده عطف المعرّف بأل وهو لا تدخل عليه يا علي المنادى وفي جوازه ومنعه اختلاف للنحاة ومن أجازه استدل بقوله:
ألا يا زيد والضحاك سيرا
ونحوه مما فصل في محله، وتأييد الرفع له بناء على الظاهر المتبادر وأن الظاهر لا يعطف على الضمير المستتر في الأمر وان أجازه بعض النحاة على التغليب كما سيذكره المصنف، وقد مرّ الكلام فيه في سورة البقرة، وتشبيهها بحركة الإعراب لعروضها. قوله: (أو على فضلاَ) فإيتاؤها بمعنى تسخيرها أو بتقدير مضاف أي تسخير الطير ويجوز نصبه بسخرنا مقدراً، وقوله أو مفعولاً معه ولا ياباه معه سواء تعلق بأوبى على أنه ظرف لغواً وجعل حالاً
لأنهما معمولان متغايران إذ الظرف والحال غير المفعول معه، وكل منها باب على حدة وإنما الموهم لذلك لفظ المعية، فما اعترض به أبو حيان من أنه لا يفضي الفعل إلى اثنين من مفعول معه إلا على البدل أو العطف كما لا يجوز جاء زيد مع عمرو مع زينب غير متوجه، وان ظنوه كذلك وأقبح من الذنب الاعتذار حيث أجيب بأنه حذفت واو العطف من قوله والطير للاستثقال، أو اعتبر تعلق الثاني بعد تعلق الأوّل، وقوله وعلى هذا الخ لاتحادهما معنى كما في الوجهين الأوّلين حيث عطفا على الجبال. قوله: (وكان الأصل الخ) يعني أنه كان مقتضى الظاهر أن يكون النظم هكذا فعدل عنه لما ذكره فعلى هذا هو استعارة تمثيلية أو فيه مكنية وتخييلية في يا جبال وأوّبي، والإحماء إيقاد النار عليه والطرق الضرب بالمطرقة، وقوله بالأنته أي جعله ليناً متعلق بجعلنا والباء للسببية. قوله:) أمرناه الخ) قدّره لأنّ أن المفسرة لا بدّ أن يتقدّمها ما يتضمن معنى القول دون حروفه لكن حذف المفسر لم يعهد، وقوله أو مصدرية يحتمل أنه على تقدير أمرنا أيضا والتقدير أمرناه بعمل سابغات، أو هو إذا لم يقدر فيقدر اللام ويتعلق بالنا أي الناه لعمل السابغات وهذا أولى، وقوله دروعا واسعات ففيه موصوف مقدر والسابغ الطويل التام وقوله وقرئ صابغات أي بإبدال السين صاد الأجل الغين، وقوله بحيث يتناسب حلقها جمع حلقة فتقديرها جعلها على مقادير متناسبة. قوله: (أو قدر مساميرها الخ) أي أجعلها على مقدار معين غلظاً وغيره مناسبة للثقب الذي هيئ لها من ملتقى طرفي الحلقة فإنها إن كانت دقيقة اضطربت فيها فلم تمسك طرفيها، وان كانت غليظة خرقت طرف الحلقة الموضوعة فيه فلا تمسكه أيضاً. قوله:) ورد) أي تفسيره الثاني بقدر مساميرها الخ قال البقاعي أخبرنا بعض من رأى ما نسب إلى داود ﵊ أنه بغير مسامير فقيل عدم الحاجة إلى التسمير على تقدير لين الحديد بالإنته أما لو لين بقوّته فلا بد من التسمير، وقيل ليس ردّ المصنف ﵀ مبنياً على عدم الحاجة بل على الرواية على ما نبهت عليه ولو سلم فإذا لان الحديد كالشمع بقوّته لم يبق حاجة للتسمير، وهذا كله لا محصل له فإنّ الإنة الحديد التي أعطاها الله له ﷺ إما بجعله كالشمع من غير نار معجزة له أو بإيداع قوّة في يديه بحيث إنه إذا
فركه كسره كما يريد، وعلى كل فبعد جمع الحلق إذا أدخل بعضها في بعض لا بد من انفصال طرفي كل حلقة فإذا أدخل بعضها في بعض احتاج بعده للتسمير لتصير محكمة، وهذا لا ينافي كونه معجزة قبله فإن قال إنه رواية فقد نقل في الدرّ المنثور عن قتادة وابن عباس ومجاهد من طرق مختلفة أنّ السرد في الآية بمعنى المسامير فكيف يقابل هذا بنقل البقافي عن مجهول لا يلتفت لمثله، وقول المصنف ويؤيده الخ في تأييده نظر لما عرفت، وقوله الضمير لداود
стр. 2477
وأهله لفهمهم التزاما من ذكره، وقوله فأجازيكم الخ فالمقصود منه الترغيب والترهيب، وقوله وقرئ الرياح أي بالرفع. قوله: (جريها بالنداة مسيرة شهر الخ) إنما قدروه كذلك لأنّ الغدوّ والرواج ليسا نفس الشهر وإنما يكونان فيه، وفي الأمالي الحاجبية فائدة إعادة لفظ شهر الإعلام بمقدار زمن الرواح والألفاظ المبينة للمقادير لا سحين إضمارها كما لا يحسن في التمييز فتقول زنة هذا مثقال، وهذا مثقال بدون إضمار وليس هذا من وضعالظاهر موضع المضمر فتأمل. قوله: (النحاس المذاب) من قطر يقطر قطراً وقطرانا بسكون الطاء وفتحها وأماً القطران المعروف فبكسرها، والعامة تسكنه والعين إن كانت هنا بمعنى الماء المعين أي الجاري وإضافته كلجين الماء فلا تجوّز في نسبته وإنما هو من مجاز الأول، وقد قيل إنّ فيه مجازين في التشبيه وفي الطرف باعتبار الأول على أنّ العين منبع الماء ولا حاجة إليه لكن قوله، ولذلك أي لتشبيه عين القطر بالينبوع سماه عينا يقتضي ما ذكر. قوله: (عطف على الريح (فهو في محل نصب وكون ما ذكر من الجن معطوفا على الريح، ومن يعمل بدل منه تكلف ويعمل إما منزل منزلة اللازم أو مفعوله مقدّر يفسره ما سيأتي ليكون تفصيلا بعد الإجمال وهو أوقع في النفس، وقوله بأمره قد مرّ تحقيقه وتفسير. بتيسيره وهو قريب منه، وقوله وقرئ يزغ أي بصيغة المعلوم فمفعوله محذوف أي نفسه أو غيره وقد ضبط في بعض النسخ بصيغة المجهول فلا يحتاج إلى تقدير مفعول، وفوله عذاب الآخرة وقد فسر بعذاب الدنيا لأنه روي أنه كان يحرق من يخالفه وهو أظهر. قوله: (قصور حصينة) هذا أصل معنى المحراب، وسمي باسم صاحبه لأنه يحارب غيره في حمايته ومحراب من صيغ المبالغة، وليس منقولاً من اسم الآلة وإن جوّزه بعضهم فيه ولابن حبوس:
جمع الشجاعة والخشوع لربه ما أحسن اهحراب في محرابه
ثم نقل إلى الطاق التي يقف بحذائها الإمام، وهي مما أحدث في المساجد ولم يكن في الصدر الأول كما قاله السيوطي ﵀ ولذاكره الفقهاء الوقوف في داخلها، وقوله لأنها يذب أي يمنع إشارة لما مر وفسر مجاهد المحاريب بالمساجد على أنها من تسمية الكل باسم جزئه، وجملة يعملون مستأنفة أو حال وقوله على ما اعتادوا الخ أي على هيآتهم في عبادتهم التي كانوا يعتادونها وهو صفة صور أو حال منها، وقوله ليروها متعلق بيعملون. قوله: (وحرمة الثصاوير شرع مجدّود) وفي نسخة شرع محمد جواب عن سؤال مقدر وقوله روي الخ تأييد له، واشارة إلى ضعف ما قيل إنها كانت صور شجر أو حيوان ناقص بعض الأعضاء، وهو مما جوّز في شرعنا وإنما حرم لأنه بمرور الزمان اتخذها الجهلة مما يعبد وظنوا وضعها لذلك فشاعت عبادة الأصنام. قوله: (وصحاف) جمع صحفة وهي كالجفنة، والقصعة ما يوضع فيه الطعام مطلقا كما ذكره الراغب فلا يرد عليه تعريف بعض أهل اللغة بأنّ الجفنة أعظم القصاع، ثم يليها القصعة وهي ما تشبع عشرة ثم الصحفة وهي ما تشبع خمسة، ثم الميكلة وهي ما تشبع ثلاثة أو اثنين، ثم الصحيفة فلا ينبغي تفسيرها بها ولو سلم فالمراد بها هنا المطلق بقرينة قوله كالجواب، وقوله من الجباية وهي الجمع فهو في الأصل مجاز في الطرف أو النسبة لأنها مجبيّ لها لا جابية، ثم غلبت على الإناء المخصوص غلبة الدابة في ذوات الأربع، والأثافي جمع أثفية بضم الهمزة وتشديد الياء، وهي ما يوضمع عليه القدر. قوله: (حكاية لما قيل لهم) بتقدير قلنا مستأنفاً أو قائلين حال من فاعل سخرنا المقدر، وقوله على العلة أي مفعول له وفيه إشارة إلى أنّ العمل حقه أن يكون للشكر لا للرجاء والخوف، وداود ﵊ قد يدخل هنا في آله فإنّ آل الرجل قد يعمه، وقوله أو المصدر أي المفعول المطلق لأنّ العمل نوع من الشكر فهو كقعدت القرفصاء، وقوله أو الوصف له أي للمصدر على أنّ أصله عملا شكراً والحال بتأويله بثاكرين لأنّ الشكر يعم القلب والجوارح واذا كان مفعولاً به فهو كقوله عملت الطاعة، وقيل إنّ أعملوا أقيم مقام اشكروا مشاكلة لقوله يعملون وقال ابن الحاجب إنه جعل مفعولاً به تجوّزاً. قوله: (المتوفر أداء الشكر) المتوفر معناه المستزيد وضمنه معنى القائم فعداه بعلى، وقوله أكثر أوقاته أي لا يفرق بين الرخاء والشدة، وقوله ومع ذلك الخ
стр. 2478
تفسير
لقوله قليل وقوله لأنّ توفيقه الخ وقد نظم هذا القائل بقوله:
إذاكان شكري نعمة الله نعمة عليّ له في مثلهايجب الشكر
فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله وإن طالت الأيام واتحح ا! ص
إذا مس بالنعماء عمّ سرورها وإن مس بالضراء أعقبها الأجر
قوله: (ولذلك قيل الخ) إشارة إلى ما ذكره الإمام الغزالي في الإحياء من أنّ داود ﵊ قال في مناجاته يا رب إذا كان إلهامك للشكر وأقدارك عليه نعمة فكيف يتأتى لي شكرك فقال: يا داود إذا عرفت هذا فقد شكرتني. قوله: (اكه) أي ضمير دلهم لآل سليمان وأتباعه ومرضه لأنّ قوله بعده تبينت الجن يأباه بحسب الظاهر وعليه يجعل كلاما مستأنفا، والأرضة بفتحات دويبة تأكل الخشب ونحوه وتسمى سرفة، وقوله أضيفت إلى فعلها يعني أنّ الأرض هنا ليس ما يقابل السماء بل هو مصدر أرضت أرضاً إذا أكلت وقد قيل في نظم:
كل ما في القرآن من ذكرأرض لا التي في سبا فضذالسماء
وقيل إنها أضيفت إلى الأرض لأنّ فعلها في اكثر فيها والأوّل أولى ويؤيده القراءة بالفتح، ونسبة الدلالة إليها نسبة إلى السبب البعيد لأنّ الدال خروره لما كسرت العصا لضعفها بأكلها منها، وقوله وهو تأثر الخشبة الخ لأنه مصدر لمطاوعه ومن فسر الساكن به يريد أنه أريد بالمصدر معنى الحاصل بالمصدر مجازاً أو هو مصدر المبني للمجهول ليتفق معنى القراءتين فليس بسهو ناشئ من عدم الفرق بين الساكن، والمتحرّك كما توهم. قوله:) يقال أرضت الخ) يعني أنّ المفتوح مصدو لفعل يفعل من باب علم المطاوع لفعل يفعل فعلاَ كضرب يضرب ضربا، وقوله مثل أكلت القوادح بالقاف والدال والحاء المهملتين جمع قادحة وهي دودة تكون في الأسنان، وهو معنى قوله في الكشاف من باب فعلته ففعل كقولك أكلت القوادح الأسنان أكلاً فأكلت أكلا انتهى لا فرق بينهما كما توهم، وإنما جعل الأرض! بالسكون مصدر المجهول لما ذكرناه. قوله: (من نسأت البعير إدّا طردته) أو من نسأته إذا أخرته ومنه النسيء فهي العصا الكبيرة التي تكون مع الراعي وإضرابه، وقوله قلباً أي بقلبها ألفاً أو بحذفها بالكلية، وقوله بين بين ببنائهما على الفتح كخمسة عشر أي بين الهمزة والألف، وقوله ومنساءته أي وقرئ منساءته
بالمد والميضأة آلة التوضي وتطلق على محله أيضا، وقوله ومن سأته أي قرئ من ساته بمن الجارة وسأته بالجرّ بمعنى طرف العصاة وأصلها ما انعطف من طرفي القوس استعيرت لما ذكر إما استعارة اصطلاحية لأنه قيل إنها كانت خضراء فاعوجبت بالاتكاء عليها أو لغوية باستعمال المقيد في المطلق فلا وجه لمنع الأوّل، ووقع في بعض النسخ مشتقا بمعنى مأخوذاً فالاشتقاق بمعناه اللغوي كما ذكره بعضهم وهذه القراءة مروية عق سعيد بن جبير، وعن الكسائيّ العرب تقول سأة القوس وسئتها كضعة وضعة بفتح أوّله وكسره، وبما ذكرناه علم رد ما قاله البطليوسي بعدما نقل هذه القراءة عن الفراء إنه تعجرف لا يجوز أن يستعمل في كتاب الله تعالى لم تأت به رواية ولا سماع ومع ذلك هو غير موافق لقصة سليمان لأنه لم يكن معتمدا على قوس، وإنما كان معتمدا على عصا ووقع في بعض النسخ وقرئ منساته بالألف بدلاً من الهمزة وهي لغة قريش، وقيل إنه على غير القياس لأنّ الهمزة المتحرّكة لا تبدل ألفا ومنسيته بإبدالها ياء، وقراءة ابن ذكوان وهشام بهمزة ساكنة وقحة بفتح القاف وكسرها بمعنى الوقاحة فهو محذوف الفاء كعدة وأما سئة فالمحذوف لامها واوا أو ياء. قوله: (علمت الجن بعد التباس الأمر الخ) يعني أنّ تبين بمعنى ظهر لكنه هنا بمعنى علم لما بينا لظهور والعلم من الملازمة، والمراد بالجن ضعفاؤهم فهم علموا إنّ رؤساءهم لو كانوا يعلمون الغيب كما توهموا وأوهموهم ذلك ما التبس عليهم الأمر أو الجنس بأن يسند للكل ما للبعض أو أنهم كانوا يزعمون علم ذلك بما يتلقفونه من الملائكة، أو المراد كبارهم المدعون لذلك وهم وإن كانوا عالمين قبل ذلك لكن أريد التهكم بهم كما تقول للمبطل إذا أدحضت حجته هل تبينت إنك مبطل وقد كان متبيناً، وقوله بعد التباص الأمر أي
стр. 2479
أمر سليمان في حياته ومماته لا علمهم بالغيب وعدمه وان جاز إذا أريد بالجن ضعفاؤهم والمراد بالعذاب الأعمال الشاقة، وقوله حيثما وقع أي في زمان وقوعه فإنّ حيث قد يستعار للزمان.
قوله: (أو ظهرت الجن الخ) على أن تبين بمعناه الأصلي فهو غير متعد لمفعول كما في الوجه الأول وأن لو الخ بدل من الجن بدلط اشتمال والظهور في الحقيقة مسند للبدل لأنه المتصف بالظهور كما أشار إليه بقوله أي ظهر أنّ الخ لأنّ المبدل منه في نية الطرج، وليس فيه مضاف مقدر هذا بدل منه بدل كل من كل أي أمر الجن كما قيل قيل وهذا فيه قياس مطوفي بعض مقدماته أي لكنهم لبثوا فهم لا يعلمون. قوله: (وذلك) إشارة إلى جميع ما مرّ أي وبيان ذلك الخ، وقوله في موضحع فسطاط موسى ﵊ الفسطاط الخيمة بويت الشعر ونحوه، وقد استشكل هذا بأن موسى لم يدخل بيت المقدس حتى أنه عند موته سأل الله تعالى
أن يدنيه منه مقدار رمية حجر فدفن عند الكثيب الأحمر وهو ضريحه المعروف الآن وأجيب بأنهم كان عندهم فسطاط له يتوارثونه، ويضربونه ثمة تبركا يتعبدون فيه فبني البيت في ذلك الموضع لا أنه كان يضرب هناك في زمن موسى ﵊، ولا يخفى بعده وا! مثله لا يقال بالرأي فإن كان فأهلا ومرحبا، ولو قيل المراد مجمع العبادة على دين موسى كما وقع في الحديث فسطاط إيمان وقال القرطبي في التذكرة المراد به فرقة منحازة عن غيرها مجتمعة تشبيها بالخيمة أو المدينة كان أظهر. قوله: (فلم يتم بعد إذ دنا أجله (في العبارة قلاقة والمراد به وقت دنا أجله منه وأعلم به على ما فصل في الكشاف، وقد مز في سورة النمل إنه أتمه وتعبد فيه وتجهز بعده للحج ففيه روايتان كما نقله البغوي، وامّا تسمية ما قارب الفراغ فراغا ثمة وما قارب الشيء له حكمه فخلاف الظاهر، وقوله يعمى أي يستر على الجن موته. قوله: (فوجدوه قد مات منذ سنة) تخمينا واقتصاراً على الأقلى والا فيجوز أن تكون الأرضة بدأت بالأكل بعد موته بزمان كثير، وأمّا كون بدئها في حياته فبعيد وكونه بالوحي إلى نبي في ذلك الزمان كما قيل واه جدّاً لأنه لو كن كذلك لم يحتاجوا إلى تخمينه بإلقاء الأرضة لتأكل من العصا بعده. قوله: (لأولاد سبا بن يشجب الخ) يشجب على زنة مضارع بضم الجيم، وقوله لأنه صار اسم القبيلة ففيه العلمية والتانيث بعدما كان اسم رجل، ومع قوله اسم القبيلة لا يتأتى جعل قوله: أولاد سبا إشارة إلى تقدير مضاف كما توهم ولم يذكر احتمالط كونه اسم البلدة كما مرّ في النمل استغناء بذكره ثمة وعليه فضمير مساكنهم لأهلها أو استخدام. قوله:) ولعله أخرجه بين بين الخ الم يذكر هذه القراءة في النشر لكنه نقل عن عقيل تسكينها بنية الوقف فإن صحت هذه الرواية فلا مانع من حملها على ظاهرها فإن الهمزة إذا سكنت يطرد قلبها من جنس حركة ما قبلها وهذا أحسن من توهيم الراوي فإن مبني الروايات ونقلها على التحقيق، وقد ذكر المعرب أنه رواية عن أبي عمرو والمروي عن ابن كثير القصر والتنوين، وإنما حمله على ما ذكر لأنه القياس في الهمزة المتحرّكة. قوله: (في مواضع سكناهم) فهي اسم مكان لا مصدر،
وقوله يقال لها مأرب كمنزل كما في القاموس وفي نسخة مأربة بتاء، وقوله بالإفرإد والفتح فهو اسم مكان على القياس ولا حاجة إلى جعل المفرد بمعنى الجمع كقوله:
كلوا في بعض بطنكم تعفوا
حتى يقال إنه مصدر بمعنى السكنى لأنّ ما ذكر يختص بالضرورة عند سيبويه فإنّ المسكن كالدار يطلق على المأوى للجميع وان كان قطراً واسعا كما تسمى الدنيا دارا بلا تأويل، ثم إنه قيل إنّ في بمعنى عند فإنّ المساكن محفوفة بالجنتين لا ظرف لهما، وقيل إنه لا حاجة إلى هذا فإنّ القريب من الشيء قد يجعل فيه مبالغة في شدة القرب ولكل وجهة وهذا ما لم يرد بالمساكن دياوهم دون مقامهم فإن أريد فلا حاجة إلى التأويل أصلاً. قوله: (بالكسر حملا على ما شذ) كان الظاهر أن يقول على خلاف القياس إذ لا معنى للحمل على الشاذ فإنه لا يقاس عليه، وإنما شذ لأنّ ما ضمت عين مضارعه أو فتحت قياس المفعل منه زماناً ومكانا ومصدراً الفتح لا غير، وقد قيل إنّ الكسر لغة شائعة لأهل الحجاز. قوله: (علامة دالة على وجود الصانع) تفسير لآية وقوله من الأمور العجيبة التي يعجز البشر عنها فإنها تدلّ على وجود مبدعها، وقدرته التامّة كالأجرام العظام المصدر بذكرها السورة وكونه مجازيا للمسيء، والمحسن هو بمقتضى حكمته وأنه لم يوجدنا عبثا وهو
стр. 2480
مأخوذ من ذكر البعث أوّلاً، وقوله معاضدة أي مقوية للبرهان الذي في أوّل السورة كما صرّح به هناك وفي قوله أفلم يروا الخ، وقوله كما في قصتي الخ إشارة للمناسة التامّة بين هذا وما قبله وأيضاً في هذه ذمّ الكفور كما في تلك مدح الشكور. قوله: (١ لآية جنتان الو قدره هي جنتان كان أظهر ولا حاجة إلى أن يقال المراد قصتهما لا هما في أنفسهما كما في الكشاف لأنّ البدل لا يشترط فيه المطابقة أفراداً، وغيره ولذا لم يؤوّله في الوجه السابق وكذا الخبر إذا كان غير مشتق، وأما قوله جماعتان فبيان للواقع ولأنه أعظم وأدل على المقصود وقوله كل واحدة الخ إشارة إلى وجه إطلاق الجنة على كل جماعة منها، وقوله تضايفها ضبط بالفاء أي تنضم إليها وتتصل بها حتى تكون في حكم شيء واحد وان تباينت حدودها وملاكها، أو بالقاف وليس فيه ضيق في المعنى كما قيل لأنه كما يطلق التفسح على الانفصال كقوله تفسحوا في المجالس يطلق الضيق على الاتصال لأنه لازم معناه. قوله: (أو بستاناً كل رجل الخ) يعني أنّ لكل واحد جنتين إحداهما
عن يمينه والأخرى عن شماله فلا يحتاج إلى توجيه العدول إلى التثنية، وأما ما قيل من أنها لو جمعت لزم أنّ لكل مسكن رجل جنة واحدة لمقابلة الجمع بالجمع فقد ردّ بأنّ قوله عن يمين وشمال يدفعه لأنه بالنظر إلى كل مسكن إلا أنها لو جمعت أو هم أنّ لكل مسكن جنات عن يمين وجنات عن شمال، وهذا لا محذور فيه إلا أن يدعى أنه مخالف للواقع. قوله: (حكاية لما قال الخ) فهي جملة مستأنفة بتقدير قول حقيقي أو فرضي وقوله أو دلالة معطوف على قوله حكاية وليس بينه وبين ما قبله كثير فرق، وقوله استئناف للدلالة أي للتصريح به أو لتأكيده إذ ما قبله دال عليه أيضا، والفرطات ما يصدر من غير قصد تامّ من الصغائر والعاهة الأمراض لأنها لم تكن وبائية لطيب هوائها والهامّة بتشديد الميم ما يهمّ على الأرض أي يدلث كالعقارب والبراغيث، وقوله عن الشكر هذا هو المناسب لما قبله ويدخل فيه الإعراض عن الإيمان لأنه أعظم الكفر والكفران. قوله: (سيل الآمر العوم الخ) قدر فيه موصوفا ليتخلص من إضافة الموصوف للصفة التي أباها أكثر النحاة، وعرم مثلث الراء بمعنى اشتد، وشرس من شراسة الخلق بمعنى صعوبته، وقوله أو المطر بالجرّ عطف على الأمر فالعرم بمعنى الشديد والإضافة على ظاهرها، والجرد بضم الجيم وفتح الراء المهملة والذال المعجمة نوع من الفيران قيل إنه أعمى ويسمى الخلد أيضا، وقوله أضاف إليه الخ إشارة إلى أنّ الإضافة لأدنى ملابسة، والسكر بفتح السين وكسرها وسكون الكاف، ثم راء مهملة الجسر والسد على الماء وضربته بمعنى صنعته وبنته وحقنت بمعنى حبست وجمعت، والشحر بكسر الشين المعجمة وقد تفتح وسكون الحاء المهملة وبعدها راء مهملة واد بين عمان وعدن من أرض اليمن وفيه مساكن سبا ويطلق على الوادي ومجرى الماء مطلقاً. توله: (أو المسناة التي عقدت سكرا) هذا تفسير آخر للعرم وهي مفعلة من سنيته بمعنى سقيته ومته البيانية للساقية، وهي الدلو المستقى به ويطلق على البعير الذي يخرجه وفسرها الطيبي ﵀ بما يردّ ماء السيل عن البساتين وقوله جمع عرمة كشجر وشجرة، وقيل لا راحد له والمركومة بمعنى الموضوع بعضها فوق بعض لتكون سداً.
قوله: (ثمر بشع) أي كريه منفور وهو تفسير لأكل الخمط أو للخمط نفسه، وهو المناسب لقوله فإنّ الخمط الخ وقوله أخذ طعما من مرارة أي فيه مرارة الطعم بحيث لا يؤكل، وقوله أكل بالتنوين والإضافة وعلى الإضافة هو ظاهر إذ اكل الثمر والخمط شجره وعلى التنوين أصله ذوإني أكل أكل خمط كما بينه المصنف وعلى كل حال فليس فيه توصيف بالجامد حتى يقال إن في كلام المصنف ﵀ إشارة إلى أنّ الخمط، أريد به معنى البشع مجازاً ويلتجأ إلى أنه ورد وصفا بمعنى الحامض أو المرّ نقلاً عن البقاعي ومثله لا يعتمد على كلامه في مقابلة ما فسره به الثقات كالراغب والزمخشري، وغيره أما على الإضافة فظاهر وأما على عدمها فلما ذكر. المصنف من تقدير أصله وقوله والتقدير أي على الوجوه كلها لا على الأخيرين فقط لما عرفت وقوله أوّلاً ثمر بشع بيان لحاصل المعنى لا إشارة إلى الوصفية. قوله: (أو كل شجر لا شوك له (كذا في مفردات الراغب وعليه اعتماد المصنف ﵀، وفي الكشاف عن أبي عبيدة أنه كل شجر ذي شوك وكذا وقع في بعض النسخ هنا وقد رشحت بأن الأشجار التي لها شوك قليلة النفع، وأنّ الشوك مضرة حاضرة فيناسب
стр. 2481
المقام، ولذا اختاره في الكشف وفيه نظر. قوله: (معطوفان على كل لا على خمط (على التفاسير لخمط وعلى تقدير المضاف وعدمه، وتعليله بقوله فانّ الخ على الأوّل دون الثاني لأنه لا اشتباه فيه، وهذا بناء على ما مرّ وقد عرفت ما فيه، والطرفاء بالمد شجر لا ثمر له وهو نوع من الأثل بالمثلثة وثمر الطرفاء المذكور في الطب لا يضر لأنه لا يعتمد على الكتب الطبية في مثله، وقوله ووصف السدر ظاهر إذا كان صفة له وكذا إن كان وصفاً الشيء المبين به فإنه وصف له معنى والجنى الثمر واحده جناة، والنبق بفتح النون وكسر الباء حمل السدر وثمره وهو معروف وتسكن بائه تخفيفا كما قيل:
أرسلت خوخاً به ظللنا تعيش في نعمة ونبقا
يعني أنه لطيب ثمره جعله الله قليلا فيما بدلوا به لأنه لو كثر كان نعمة لا نقمة وإنما أوتوه تذكيراً للنعم الزائلة ليكون حسرة عليهم، ولذا قيل المراد بالسدر نوع منه لا ثمر له يسمى الضال وهو أنسب، وقوله وتسمية البدل جنتين إشارة إلى أنّ الباء داخلة على المتروك وللمشاكلة لأنّ الجنة ما فيه أشجار مثمرة، وقوله بتخفيف أكل أي تسكين الكاف وغيرهما ضمها. قوله: (بكفرانهم) إشارة إلى أنّ ما مصدرية سوأء كان من الكفر أو الكفران، وقوله إذ
روي الخ اعترض عليه بأنه مخالف لقوله هنا وكان ذلك بين عيسى ونبينا عليهما أفضل الصلاة والسلام سواء قلنا إنه لا نبي بينهما أو بينهما أربعة أنبياء ثلاثة من بني إسرائيل وواحد من العرب، وهو خالف العبسي كما مرّ في المائدة فإنه بعث لقومه وبنو إسرائيل لم يبعثوا للعرب ففيه خلل من وجهين كما قيل إلا أن يقال ما بين عيسى، ونبينا ﷺ هو خراب السد وما ذكر هنا على رواية في جملة قومهم من سبا بن يشجب إلى أن أهلكهم الله أجمعين فتأمّل. قوله: (وتقديم المفعول للتعظيم لا للتخصيص) المراد بالمفعول ذلك المشار به إلى التبديل ولما كان الجزاء غير مقصور عليه لتمزيقهم الآتي وغيره جعله لتعظيم الجزاء أي عده أمرا عظيما مهولاً كما يدل عليه اسم الإشارة للبعيد أيضا. قوله: (وهل يجازي بمثل ما فعلنا) يعني ليس المراد بالجزاء هنا ما يشمل الثواب، والعقاب لأنه لا يتأتى معه الحصر بل جزاء مخصوص بجنس ما مرّ وهو العقاب الخاص فلا يتوجه على الحصر إشكال بعد التخصيص، وهو أنّ عصاة المؤمنين يجازون أيضاً على سيئاتهم لأنهم لا يجازون في الدنيا بمثل هذا الجزاء المستأصل مع أنّ العقوبات الدنيوية للمؤمن مكفرات، وليس معاقبا على جميع ما يصدر منه كما أشار إليه في الكشف، وقوله البليغ من صيغة فعول. قوله: (نجازي بالنون والكفور بالنصب) على أنّ المجازي هو الله والمجازاة المكافأة ولم يرد في القرآن إلا مع العقاب بخلاف الجزاء فإنه عامّ وقد يخص بالخير ونقل الفرق بينهما ابن جنى وأما قول الراغب إنه يقال جزيته وجازيته ولم يجيء في القرآن إلا جزى دون جازى، وذلك لأنّ المجازاة المكافأة وهي مقابلة نعمة بنعمة هي كفؤها ونعمة الله تعالى عن ذلك، ولذا لم يستعمل لفظ المكافأة فيه تعالى فغير ظاهر لأنه يرد عليه ما هنا وهو قول آخر غير ما مرّ عن ابن جنى ومنهم من اختلط ذلك عليه فافهم. قوله تعالى: ( ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى﴾ الخ) معطوف بمجموعه على مجموع ما قبله عطف القصة على القصة نذكر أوّلاً ما أنعم به عليهم من الجنتين، ثم تبديلهما بما مرّ ثم ذكر هنا ما كان أنعم به عليهم أيضا قبل هلاكهم بالسيل من جعل بلادهم متصلة بأنزه البلاد وأوسعها، واتصال العمران بن بلادهم والثأم فإنه كما قيل:
بجيرانها تغلو الديار وترخص
ثم عقابهم بجعلها منفصلة عنها. قوله: (متواصلة يظهر بعضها لبعض) فسره بوجهين الأوّل الاتصال وقرب بعضها من بعض بحيث يظهر لمن في بعضها ما في مقابلته من الأخرى أو أنها جعلت موضوعة على الطرق ليسهل سير السابلة فيها، والفرق بينهما ظاهر. قوله:
(وقدّرنا) أي جعلنا بين قراها مقادير مساوية فمن سار من قرية صباحا وصل إلى أخرى وقت الظهيرة والقيلولة ومن سار بعد الظهر وصل إلى أخرى عند الغروب فلا يحتاج لحمل زاد ولا مبيت في أرض خالية، ولا يخاف من عدوّ ونحوه وهذا معنى قوله بحيث الخ. قوله: (سيروا فيها) في إشعار بشدة القرب حتى كانهم لم يخرجوا من نفس القرى، وقوله بلسان الحال كأنهم لما تمكنوا منه جعلوا مأمورين به فالأمر للإباحة والمقال على
стр. 2482
لسان نبي ونحوه كما مرّ. قوله: (متى شثتم من ليل أو نهار) بيان لفائدة ذكر الليالي والأيام والسير لا يخلو عنهما بأنه لاستمرارا منها بحيث لا تختلف أوقاته، أو المراد الأمن وإن طالت مدته فهو للتكثير أو هو كناية عن مدة أعمارهم وتقديم الليالي لسبقها، وفي الأوّلين لأنها مظنة الخوف أيضا ودلالته على ما ذكر بطريق الكناية وقد يجعل في بعضها مجازا. قوله: (أشروا النعمة) أي سئموا وبطروا كما يشتهي من أكثر من شيء ضده كبني إسرائيل إذ طلبوا الثوم والبصل بدلاً من المن والسلوى فطلبوا تبديل اتصال العمار بالمفاوز والقفار ليظهروا بقدرتهم الفخر، والكبر على الفقراء العاجزين، وقوله ملوا العافية في بعض النسخ قلوا بمعنى استقلوا والظاهر أنه تحريف. قوله: (وترا الخ) قراءة هشام بعد بتشديد العين وأنه فعل أمر والباقون باعد طلبا من المفاعلة وفاعل بمعنى فعل فعلى الأمر طلبوا البعد لبطرهم، وعلى الخبر فهو إمّا شكوى من مسافة ما بين قراهم مع قصرها لتجاوزهم في الترفه والتنعم، أو شكوى من بعد الأسفار التي طلبوها أوّلاً بعد وقوعها فيتقارب المعنى على القراءتين كما قاله أبو حيان: أو دعاء بلفظ الخبر ونصب بين بعد كل فعل متعدّ في إحدى هذه القراآت ماضياً كان أو أمراً عند أبي حيان على أنه مفعول به لا ظرف، ويؤيده أنه قرى برفعه وضم نونه أو على الظرفية والفعل منزل منزلة اللازم أو متعد مفعوله محذوف تقدير بعد السير بين أسفارنا وهو أسهل من إخراج الظرف الغير المتصرّف عن ظرفيته وفي قراءة سفرنا بالإفراد وهي شاذة. قوله: (وإسناذ الفعل إلى بين) برفعه لفظا أو محلاً على أنّ حركته بنائية كما ذهب إليه الأخفش وهما قراءتان ويجوز إضمار الفاعل على أنه ضمير المصدر أو السير ونصب بين على الظرفية كما مرّ تحقيقه في قوله: ﴿تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [سورة
الأنعام، الآية: ٩٤] وقوله حيث بطروا النعمة والبطر طغيان من كثرة النعم وهذا على قراءة الأمر وارادة معنى الطلب، وقوله أو لم يعتدوا بها بالعطف بأو كما في أكثر النسخ على وجوه الخبرية والقراآت الأخيرة، وكذا على العطف بالواو على ما في بعضها، وقيل هذه النسخة أولى لأن كلا من البطر وعدم الاعتداد حاصل على كل من الوجوه أو ظلمهم أنفسهم لتقلبهم وعدم رضاهم بحاله فتأمّل. قوله: (يتحدّث الناس بهم تعجباً) إشارة إلى أنّ الأحاديث جمع أحدوثة وهي ما يتحدث به على سبيل التلهي والاستغراب لا جمع حديث على خلاف القياس كما مرّ تفصيله وأن جعلهم نفس الأحاديث إمّا على المبالغة أو تقدير المضاف لأنهم متحدّث بهم، وقوله تفرقوا أيدي سبأ أي مثل أيدي سبأ فحذف المضاف وإنما قدر فيه مع اقتضاء المعنى لأنه معرفة بالإضافة وقد وقع حالاً فجعل الحال في الحقيقة منل المقدّر لأنه لا يتعرّف بالإضافة والمعنى متفرّقين تفرّق أيدي سبأ وسبا مهموز في الأصل لكنه ورد في هذا المثل بألف لينة فلا يغير وروى أيادي سبأ والأيدي هنا بمعنى الأولاد لأنه يعتضد بهم، وقيل إنه بمعنى البلاد أو الطلاق من قولهم خذيد البحر أي طريقه وجانبه أي تفرقوا في طرق شتى والظاهر أنه على هذا منصوب على الظرفية بدون تقدير فيه كما أشار إليه الفاضل اليمني وفي المفصل الأيدي إلا نفس كناية أو مجازاً قال في الكشف وهو أحسن فتأمّل. قوله: (ففرقناهم الخ) قيل أشار بالفاء إلى أنّ الجملة جارية مجرى التفسير للتي قبلها والأولى ما في بعض النسخ فرقناهم بلا فاء تفسيراً لمزقناهم كما قيل والأحسن جعل الفاء مفسرة لما في النظم لتغاير الجملتين فيه كما لا يخفى، وقوله غاية التفريق إشارة إلى أنّ ممزق مصدر ميمي كما مر وكل هنا للمبالغة كما في هو الرجل كل الرجل. قوله: (والأزد بعمان) بضم العين وتخفيف الميم قال الجوهري: عمان مخفف بلد وأما الذي بالشام فهو عمان بالفتح والتشديد وهو غير مراد هنا لتقدم ذكر الشام، وقوله عن المعاصي أخذه من مقابلة شكور فلا وجه لما قيل الأنسب صبار على النعم بأن لا يبطروا إلى دفعه بإدخال البطر في المعاصي. قوله: (أي صدق في ظته) يعني أنه على قراءة التخفيف ورفع إبليس ونصب ظنه منصوب على الظرفية بنزع الخافض، وأصله في ظنه أي وجد ظنه مصيباً في الواقع فصدق حينثذ بمعنى أصاب مجازاً ولا حاجة إلى جعل الظن نوعا من القول، وقوله أو صدق بظن ظنه فظنه منصوب على أنه مصدر لفعل مقدر كفعلته جهدك أي وأنت تجهد جهدك فالمصدر وعامله في موقع الحال وصدق مفسر بما مرّ. قوله: (ويجورّ الخ (فينتصب ظنه على أنه مفعول به لأنّ الصدق
стр. 2483
أصله في الأقوال والفول متعد والمعنى حقق ظنه
كما في الحديث: " صدق وعده ونصر عبده " قال تعالى: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [سورة الأحزاب، الآية: ٢٣] قال الراغب: الصدق والكذب أصلهما في القول ماضياً كان أو مستقبلاً وعدا كان أو غيره ولا يكونان بالقصد الأوّل إلا في الخير، اهـ فضمير لأنه للصدق وقيل إنه للظن وهو من القول إما مجاز الشدة الاتصال بينهما أو حقيقة على أنّ المراد من الظن ما هو لفظي، أو على أن يراد بالقول القول النفسي وهو يوصف بالصدق فتأمل. قوله: (بمعنى حقق ظنه) أي صدّق بمعنى حقق مجازاً لأنه ظن شيئا فوقع فحققه وهذا صريح فيما مرّ، وقوله بمعنى وجده ظنه صادقاً والعرب تقول صدقك ظنك، والمعنى أنّ إبليس كان يسوّل له ظنه شيئا فيهم فلما وقع جعل كأنه صدقه وعلى متعلق بصدق لا بالظن كما قاله ابن جنى وقوله خيله إغواءهم برفع إغواؤهم على الفاعلية أو نصبه على الحذف، والإيصال وفاعله ضمير الظن أي خيل له إغواءهم، وقوله على الإبدال أي إبدال الظن من إبليس بدل اشتمال، وقوله وذلك أي ظنه فضمير عليهم لسبأ أو لبني آدم مطلقا وقوله حين رأى أباهم النبي هو آدم ﷺ وهذا بيان للوجه الثاني ووصفه بالنبوّة لأنه إذا ضعف عزمه مع نبوّته فما بالك بأولاده ولم يدر ما في أولاده من أولي العزم وما ركب معطوف على أباهم. قوله: (أو سمع من الملانكة قولهم أتجعل فيها الخ) فكان ما سمعه سبباً لظنه وعزمه على إغوائهم وإضلالهم وهذا جار على الوجهين في ضمير عليهم ويجوز أن يكون على الوجه الثاني. قوله: (إلا فريقاً هم المؤمنون) فمن بيانية ومتبعو. على هذا هم الكفار، وهذا ظاهر على إرجاع ضمير عليهم لبني آدم وعلى أن يراد سبأ يلزم إيمان بعض منهم وعلى الثاني فمن تبعيضية والمراد مطلق الاتباع الذي هو أعمّ من الكفر. قوله: (تسلط واستيلاء (فالسلطان مصدر بمعنى التسلط، وفسره بالوسوسة ليوافق ما في غير هذه الآية من نفي سلطانه لأنه بمعنى التسلط بالقهر التام والاستثناء مفرغ من أعنم العلل أي ما كان تسليطه لأمر من الأمور إلا للعلم وقد جوّز فيه الانقطاع، وهو بعيد أي ما كان له
تسلط عليهم لكنا مكناه من الاتغواء لنعلم الخ. قوله: " لا ليتعلق علمنا الخ) يعني أنّ العلم المستقبل المعلل به هنا ليس هو العلم الأزلي القائم بالذات المقدس بل تعلقه بالمعلوم في عالم الشهادة الذي يترتب عليه الجزاء بالثواب والعقاب فالمعنى ما سلطناه عليهم إلا ليبرز من كون الغيب ما علمناه فتظهر الحكمة فيه، ويتحقق ما أردناه من الجزاء أو لازمه وهو ظهور المعلوم وقد جوّز فيه أن يكون المعنى لعلمنا الأزلي بأنهم من أهل الشك كقعدت عن الحرب جبناً فنعلم بمعنى الماضي، وهو بعيد ويجوز أن يكون المعنى لنجزي على الإيمان وضده. قوله: (أو ليتميز المؤمن من الشاك (فالمراد بنعلم نجعل المؤمن متميزاً من غيره في الخارج فيتميز عند الناس على أنه مضمن معنى نميز لا لأنه مجاز بعلاقة السببية لأن العلم صفة توجب تمييزاً لأنّ التمييز المذكور للعالم، وذلك في علم البشر فسقط ما قيل إن أراد ليتميز لنا فهو مآل المعنى الأوّل وإن أراد لغيرنا فضمير المتكلم يأباه فالأولى جعله مجازاً بمعنى ليظهر علمنا. قوله: (أو ليؤمن من قدّر إيمانه الخ) فالمراد من وقوع العلم في المستقبل وقوع المعلوم لأنه لازمه كما مرّ وقوله والمراد من حصول العلم حصول متعلقه هو على الوجه الأخير فليس المعنى ليعلم إيمان من يؤمن وشك من يشك كما توهم ووجه المبالغة جعل المعلوم عين العلم. قوله: (وفي نظم الصلتين (أي في تغايرهما حيث جعلت صلة الموصول الأوّل فعلية والثاني اسمية، ومفابلة الإيمان بالشك وتغيير الصلات وكان الظاهر أن يقال من يؤمن بالآخرة ممن لا يؤمن بها لنكتة، وهي أنه قوبل الإيمان بالشك ليؤذن بأنّ أدنى مراتب الكفر مهلكة والجزم بعدمها ليس بلازم وأورد المضارع في الأولى إشارة إلى أنّ المعتبر في الإيمان الخاتمة ولأنه يحصل بنظر تدريجي متجدد وأتى بالثانية اسمية إشارة إلى أن المضر الدوام، والثبات عليه إلى الموت ونكر شكا لتقليل وأتى بفي إشارة إلى أنّ قليله كأنه محيط به وعذاه بمن دون في وقدمه لأنه إنما يضرّه الشك الناشئ منها، وأنه يكفي شك ما فيما يتعلق بها. قوله: (والزنتان متآخيتان) أي فعيل ومفاعل بمعنى يردان بمعنى واحد كثيراً كالجليس بمعنى المجالس، والرضيع بمعنى المراضمع وليس المحافظ بمعنى المواظب المداوم بل بمعنى الوكيل القائم على أحواله وأموره، وقوله للمشركين إشارة إلى أنّ الأمر والخطاب لنبينا صلى الله
стр. 2484
عليه وسلم وأن المقول له مشركو قومه.
قوله: (أي زعمتموهم ا-لهة الخ) قال ابن هشام الأولى أن يقدر زعمتم أنهم آلهة لأن الغالب على زعم أن لا يقع على المفعولين الصريحين بل على ما يسد مسذهما من أن وصلتها، ولم يقع في التنزيل إلا كذلك يعني أنه اكثر في كلامهم ولم يقع مصرّحا به في
القرآن إلا على الأكثر فالأشسب أن يوافق المقدّر المصرح به فلا وجه لما قيل من أنه اعترف بوقوعه على صريحهما في قوله:
زعمتني شيخا ولست بشيخ
فلا ضيق على من قذ ره كذلك. قوله:) حذف الآوّل) يعني أنّ مفعولي زعم محذوفان، وتقديرهما ما ذكر وحذف الأوّل تخفيفا لأنّ الصلة والموصول بمنزلة اسم واحد ففيه طول يطلق تخفيفه والثاني لأنّ المجار والمجرور صفة له سدت مسده فلا يلزم إجحاف بحذفهما معا، وقوله ولا يجوز الخ لأنه مع أنه لا يجوز حذف أحد مفعولي هذا الباب لا يصح أن يكون هذا مفعولاً ثانياً لأنه لا يتمّ به الكلام ويلتئم النظام إذ لا يفيدهم من دون الله معنى تامّا بل ليس بصحيح عند التامّل، وقوله ولا لا يملكون أي لا يصح أن يكون المفعول الثاني قوله لا يملكون لأنّ ما زعموه ليس كونهم غير مالكين بل خلافه، وليس هذا أيضاً بزعم لو سلم أنه صدر منهم بل حق. قوله: (والمعنى ادعوهم الخ) فالأمر مقصود به التوبيخ والتعجيز، وقوله لعلهم يستجيبون الخ أي راجين استجابتهم لكم، وقوله ثم أجاب الخ يعني أنه كلام مستأنف في موقع الجواب ويجوز! دير، ثم أجيب عنهم قائلا لا يملكون الخ، وقوله وذكرهما للعموم الخ يعني أنّ السموات والأهـ ض! يعبر بهما عن جميع الموجودات كالأنصار والمهاجرين لجميع الصحابة فلا يتوهم أنهم سملكون في غيرهما، وقوله أو لأنّ ا-لهتهم الخ فالمراد نفي قدرة السماوي منهم على أمر سماويّ والأرضيّ على أمر أرضيّ فعدم قدرته على غيره بالطريق الأولى، وقوله أو لأنّ الأسباب الخ فالمراد نفي قدرتهم بشيء من الأسباب القريبة فكيف بغيرها وليس المراد أنّ في للسببية كما توهم، وقوله استئناف لبيان حالهم في الواقع وأنهم إذا لم يملكوا ذلك كيف يكونون آلهة تعبد. قوله: (ولا تنفعهم) في النسخة التي عندنا بالواو وفي غيرها بالفاء وهي الفاء الداخلة على النتيجة إشارة إلى أنّ المقصود من الكلام نفي شفاعتهم لهم لكنه ذكر بأمر عامّ ليكون طريقاً برهانياً فلا حاجة إلى ما قيل إنّ المقصود لا شفاعة لهم فلا
نفع، وهو تفريع على لا يملكون لأنه لا يلائم قوله إذ لا الخ وزعمهم إذ قالوا هؤلاء شفعاؤنا عند الله. قوله: (أذن له أن يشفع الخ) يعني أنّ المراد إمّا الإذن للشافع في الشفاعة والتكلم عنده لعلوّ شأنه، أو الإذن في التكلم في شان المشفوع فيفيد أنه لا يتكلم عنده إلا من أذن له وفيما أذن له فيه وفيه دلالة على عظمته أيضاً فالضمير في له إمّا للشافع ولا كلام فيه لأنّ الشافعة فعل الشافع، والإذن في الفعل أي لا تنفع شفاعة شفيع إلا إذا أذن له أن يشفع أو للمشفوع له وهو لم يصدر عنه فعل حتى يؤذن له فيه فإمّا أن يقدر فيه مضاف أي لشفيعه فاللام صلة إذن أو صلته مقدرة، وهذه لام التعليل فالتقدير لمن أذن لشفيعه له، وإنما ارتكب هذا لأنّ المشفوع له هو المنتفع بالشفاعة وهو من أذن لأجله لا له وهو الذي يقتضيه السياق، والاستثناء المفرّغ من أعمّ الأحوال أي كائنة لمن كانت إلا كائنة لمن الخ أو من أعئم الذوات أي لا تنفع لأحد إلا لمن الخ، واللام لا تتعلق بتنفع لأنه لا يتعدى إلا بنفسه، وقوله أن يشفع بصيغة المجهول والفعلان تنازعا له ويجوز أن يكون بصيغة المعلوم على أنّ فاعله ضمير الشافع والأوّل أولى. قوله: (لعلوّ شأنه) الظاهر أنّ المراد لعلوّ شأنه تعالى أن يتكلم عنده أحد في أحد ما لم يأذن له فهو على الوجهين، وفوله لم يثبت ذلك الإشارة إلى الإذن أي لم يثبت الإذن لمن زعمتموهم شفعاء في الشفاعة لكم، وقد جوّز فهي كون الضمير للشافع وعلوّ شأنه حيث أهل للشفاعة عند الله أو للمشفوع، وعلوّ شأنه بالإيمان على أنّ التعليل مخصوص بالثاني إشارة لترجيحه فالإشارة إلى علوّ الثأن بالتوحيد والإيمان ولا يخفى ركاكة وصف المشفوع له بعلوّ الشأن، وقوله واللام أي لام لمن إذا كان من عبارة عن الشافع لام اختصاص وعلى الثاني، وكون من عبارة عن المشفوع له اللام للتعليل واللام الثانية تابعة للأولى، وقوله بضنم الهمزة من أذن على مبنيّ للمفعول وله قائم مقام فاعله. قوله: (غاية لمفهوم الكلام الخ الما لم يكن قبلها مغياً بحسب الظاهر ولا بد منه ذهب أبو حيان إلى أنه غاية لقوله
стр. 2485
فاتبعوه ولا يخفى بعده وفيه وجوه أخر أقربها ما ذكره المصنف تبعاً للزمخشريّ أنه غاية لما فهم مما قبله كما ورد مصرّحا به في سورة عمّ من أنّ ثمة موقفاً مهولاً عظيماً يقومون منتظرين للشفاعة راجين للإذن فيها فلا يزالون كذلك حتى إذا فزع الخ، وقوله كشف الفزع إشارة إلى معنى فزع وأنّ التفعيل فيه للسلب كقردت الجمل إذا رميت قراده، والشافعي والمشفوع لهم تفسير لضمير قلوبهم. قوله: (وقيل الضمير) أي في قلوبهم للملائكة لأنهم مما عبد ولأنهم من الشفعاء المأذون لهم في
الكلام ومرضه لخفائه، وقوله على البناء للفاعل والفاعل ضمير الله المستتر أي أزال الله الفزع عنهم، وقوله وقرئ فرّغ أي بالتفعيل وصيغة المجهول من الفراغ بالفاء والغين المعجمة وهو بمعنى أزيل ونفى أيضا وعن قلوبهم نائب الفاعل وأصله فرغ الوجل عن قلوبهم. قوله: (وهو الإذن بالشفاعة) تفسير للحق، وقوله لمن ارتضى جار على المعنيين في اللام، وقوله ليس لملك الخ بيان لمناسبته وارتباطه بأوّل الكلام، وقوله يريد به ثقرير الخ أو حملهم على الإقرار بالله تعالى ووجه الإشعار أمره النبيّ ﷺ بأن يجيب وتوليه الإجابة له دونهم كما مرّ. قوله: (من الموحدين الخ) بيان للفريقين والمتوحد بالنصب مفعول للموحدين وهو عبارة عن الله تعالى، والرزق بالفتح مصدر بمعنى إعطاء الرزق وبالعبادة متعلق بالموحدين والمشركين معطوف على الموحدين والجماد منصوب مفعول للمشركين، والنازل وفي نسخة المنزل صفة الجماد والمراد نزوله في الدرجة السافلة من درجات الممكنات لأنّ منها إنسانا وحيوانا وهو أخسها ومع هذا جعلوه شريكا لله جل وعزل شأنه، وقوله لعلى أحد الأمرين خبران في كلام المصنف وأمّا في النظم ففيه أقوال فقيل قوله لعلى هدى الخ خبر الأوّل وخبر الثاني محذوف، وقيل على العكس وقيل هو خبر لهما من غير تقدير لأنّ المعنى أنّ أحدنا لفي أحد هذين الأمرين فما الحاجة إلى التقدير من غير ضرورة، وفي كلام المصنف إيماء لهذا، وقيل إنّ ما ذكره بحسب المعنى وما ذكروه مقتضى الصناعة وفيه نظر. قوله: (من الهدى والضلال المبين) أفرده ليطابق ما في النظم وإن كان وصفا لهما لأنّ الوصف والضمير يلزم إفراده بعد المعطوف بأو وفي نسخة المبينين وهي أظهر، وقوله أبلغ من التصريح لأنه في صورة الإنصات المسكت أي الذي يسكت الخصم لانقطاع حجته وفي نسخة المبكت، وهو بمعناه والمشاغب بالغين المعجمة من الشغب وهو الخصام وتهييج الشرّ، وهذا فن من فنون البلاغة يسمى الكلام المنصف. قوله: (أتهجوه الخ) هو من قصيدة لحسان بن ثابت وضي الله عنه قالها في فتح مكة وأوّلها:
عفت ذات الأصابع فالجواء إلى عذراء منزلها خلاء
ومنها وهو خطاب لأبي سفيان بن حرب يجيبه عما كان هجا به النبيّ ﷺ قبل إسلامه رضي الله تعالى عنه:
هجوت محمدافأجبت عنه وعند الله في ذاك الجزاء
أتهجوه ولست له بكفء فشركمالخيركما الفداء
هجوت مبرأبراً جميلاَ أمين الله شيمته الوفاء.
إلى آخر القصيدة. قوله: (وقيل إنه على اللف والنشر (أي المرتب وهو ظاهر، وقوله
وفيه نظر قد بين النظر بأنه لو قصد، للف بأن يكون على هدى راجعا لقوله: إنا وأو في ضلال راجعاً لإياكم كان العطف بالواو ولا بأو وكونها بمعنى الواو كما في قوله:
سيان كسر رغيفه أوكسرعظم من عظامه
بعيد جدا إلا أنه قيل إنه لو جعل فيه إيماء لذلك لم يبعد. قوله:) واختلاف الحرفين
الخ) يعني قوله على هدى وفي ضلال أدخل علي على الأوّل وفي على الثاني للدلالة على استعلاء صاحب الهدى وتمكنه، واطلاعه على ما يريد كالواقف على مكان عال أو الراكب على جواد وانغماس الضال في ضلاله حتى كأنه في مهواة مظلمة ففيه استعارة مكنية أو تبعية كما مرّ تقرير. في قوله تعالى: ﴿عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ﴾ [سورة البقرة، الآية ت ٥] والمنار البناء المرتفع كالمنارة
стр. 2486
ومرتبك بالراء المهملة والمثناة الفوقية والباء الموحدة، ثم كاف الواقع في شذة لا يكاد يتخلص منها والمطمورة مكان تحت الأرض! مظلم يحبس فيه وما وقع في بعض النسخ ممطورة اسم مفعول من المطر تحريف ويتفصى بالفاء بمعنى يتخلص، ويجوز أن يكون بالقاف بمعنى يبعد والأوّل أقرب. قوله: (هذا أدخل في الإنصاف الخ (حيث أسند الأجرام إلى أنفسهم بصيغة الماضي الدالة على التحقق والعمل إليهم بصيغة المضارع، وان كان فيه تعريض كما في شرح المفتاح ولا وجه لإنكاره كما قيل، والإخبات بالمثناة الخضوع والتذلل لاعترافهم بأنهم مجرمون لأنّ المرء لا يخلو من زلة. قوله: (في القضايا المنغلقة) أي الخفية المشكلة فكيف بالواضحة كإبطال الشرك، وإحقاق التوحيد وفيه إشارة إلى وجه تسمية فصل الخصومات فتحا
وأنه في الأصل لتشبيه ما حكم فه بأمر مغلق كما يشبه بأمر منعقد في تولهم حلال المشكلات وخص المنغلقة إشارة إلى أنّ المبالغة في فتاح في الكيف وإن جاز أن يكون في الكم ولأنّ غيرها يعلم فتحه بالطريق الأولى. قوله: (وهو استفسار عن شبهتهم الخ) جوّز المعرب في رأي هنا أن تكون علمية متعدية بهمزة النقل إلى ثلاثة مفاعيل ياء المتكلم والموصول وشركاء وعائد الموصول محذوف أي ألحقتموهم، وأن تكون بصرية تعدّت بالنقل لاثنين ياء المتكلم والموصول، وشركاء حال ولا ضعف في هذا كما قاله ابن عطية بل فيه توبيخ لهم إذ لم يرد حقيقته لأنه كان يراهم ويعلمهم فهو مجاز وتمثيل والمعنى ما زعمتموه شريكا إذا برز للعيون، وهو خشب وحجر تمت فضيحتكم، وقد جوّز الزمخشري فيه الوجهين كما أشار إليه بقوله وكان يراهم ويعرفهم، وقد صرّح به بعض شرّاحه فمن قصره على أحدهما فقد قصر، وقوله بعد إبطال المقايسة إبطالها بقوله أروني كما صرّح به الزمخشري. قوله: (الموصوف بالغلبة وكمأل القدرة) تفسير للعزيز وما بعده للحكيم، وقوله وهؤلاء الملحقون بصيغة المفعول، والمراد المعبودات التي ألحقت بالله وجعلت شركاء متصفة بضد ذلك مما ينافي الألوهية أو بصيغة الفاعل ومتسمة مفعوله، وهذا مأخوذ من الحصر فتأمّل. قوله: (والضمير) يعني هو لله فهو ضمير مبهم عائد لما في الذهن وما بعده يفسره، وهو الله الوأقع خبرا له والعزيز الحكيم على هذا صفتان له وإنما اختار هذا ولم يجعله عائدا على ربنا في قوله يجمع بيننا ربنا لما في التفسير بعد الإبهام من الفخامة كما في قوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وإن هي إلا حياتنا الدنيا بناء على جواز عود الضمير في مثله على المتأخر، وإذا كان ضممير شان فالله مبتدأ والعزيز الحكيم خبره والجملة خبر ضمير الثان لأنّ خبره لا يكون إلا جملة على الصحيح، وقد قيل إنّ معنى قوله لله أنه عائد على الرب المذكوو سابقاً والعبارة تحتمله. قوله: (إلا إرسالة عامة لهم (يعني أنّ كافة اسم فاعل من الكف صفة لمصدر محذوف وتاؤه للتأنيث، وهو الذي اختاره الزمخشريّ، وقد اعترض عليه بأنّ كافة لم ترد عن العرب إلا منصوبة على الحال مختصة بالمتعدد من العقلاء وأنّ حذف الموصوف، واقامة الصفة مقامه إنما يكون لما عهد وصفه بها بحيث لا يصلح لغيره وأجيب بأنه هنا غير ما التزم فيه الحالية، وان رجعا إلى معنى واحد وما قيل من أنه لم تستعمله العرب إلا كذلك ليى بشيء، د! اقامة الصفة مقام موصوفها منقاس مطرد بدون شرط إذا قامت عليه قرينة، وذكر الفعل قبله دال على تقدير مصدره كما في قصت طويلاً حسناً أي قياما طويلاً حسنا، وما ذكر كله من التزام ما لا يلزم فقد قال في شرح اللباب إنه
سمع خلافه في كلام البلغاء، وقد صح أنّ عمر ﵁ قال في كتابه لآل بني كاكلة قد جعلت هكذا لآل بني كاكلة على كافة بيت المسلمين لكل عام مائتي مثقال ذهبا إبريزا وقال له عليّ أيضاً حين أمضاه، وقال في شرح المقاصد إنه بخطهما موجود محفوظ إلى الآن بديار العراق فقد استعملوه في غير العقلاء، وغير منصوب على الحالية كما فصلناه في شرح الدرة، فما قيل من أنه لم تستعمله العرب إلا كذلك وأنّ ما ذكر في حذف الموصوف لا يصلح للسندية مكابرة لأنّ الطول والحسن يكثر وصف الذوات به دون الأفعال، وأمّا ما مرّ من أنّ هذه غير ما يلزم فيه الحالية فمع أنه لا حاجة إليه لم سمعته لا يفيد لأنّ مدعاهم لزوم هذه اللفظة لها. قوله: (من الكف) بمعنى المنع لكنها تجوّز بها عن معنى عامّة فقوله إذا عمتهم، الخ بيان لوجه التجوّز المصحح له والمرجح اشتهاره في الدلالة على العموم حتى هجر معناه الحقيقيّ، وصار هذا كأنه حقيقته وقطع النظر فيه عن معنى المنع بالكلية فلا يتوهم
стр. 2487
تخصيص إرساله بالإنذار، ويدفع بأنّ قوله بشيرا ونذيراً يأباه كما قيل. قوله: (أو إلا جامعاً لهم في الإبلاغ) أي إلا في حال كونك جامعا لجميع الناس في إبلاغ ما أرسلت به لهم واعرابه ما ذكر وهو دال على المقصود من الكلام، وهو عموم رسالته ﷺ وهذا هو الوجه الثاني فيه وهو مختار الزجاح، وما اعترض به عليه من أن كف بمعنى جمع ليس بمحفوظ في اللفة غير مسلم لأنه يقال كف القميص إذا جمع حاشتيه، وكف الجرح إذا ربطه بخرقة تحيط به وقد قال ابن دريد كل شيء جمعته فقد كففته مع أنه يجوز أن يكون مجازاً من المنع لأنّ ما يجمع يمتنع تفرّقه وانتشاره وكون ذي الحال متعدداً في كافة ليس بلازم لقول عمر ﵁ كافة بيت المسلمين كما مرّ فلا يرد عليه ما ذكر. قوله: (والتاء للميالغة الا للتأنيث على هذا، وعلى الأوّل لتأنيث موصوفه واعتراض ابن مالك بأنها مخصوصة بصيغة المبالغة كنسابة وفروقة غير مسلم لورودها في راوية ونحوه، وقد قيل إنه أيضاً مصدر كانكاذبة بمعنى الكذب جعل حالاً مبالغة أو بتقدير مضاف أو هو منصوب على أنه مفعول له. قوله: (ولا يجوز جعلها حالاً من الناس الخ) هذا بناء على ما اختاره كثير من النحاة من أن الحال لا تتقدم على معمولها المجرور بالحرف أو بالإضافة، وقد ذهب إلى خلافه كثير من متقدمي النحاة واختاره أبو حيان والرضى وجعلوا هذا الوجه أحسن في الآية، وما عداه تكلف لكنه اعترض عليه بأنه يلزمه عمل ما قبل إلا فيما بعدها يعني للناس وليس بمستثني ولا مستنثى منه، ولا تابع له وقد منعوه أيضاً، وأجيب بأنّ تقديره وما أرسلناك للناس إلا كافة فهو مقدّم رتبة ومثله كاف في صحة العمل وفيه نظر لأنّ الممنوع تخطي إلا العامل لغير استثناء وما ذكره لا يدفعه مع تعسفه فالأحسن أن يجعل مستثنى على أنّ الاسنثناء فيه مفرّغ وأصله وما أرسلناك لشيء من الأشياء إلا لتبليغ الناس كافة، وأمّ تقديره بما أرسلناك للخلق مطلقاً إلا للناس كافة على أنه مستثنى فركيك جداً، والاعتراض
بأنه يحتاج إلى جعل اللام بمعنى إلى ليس بشيء لأنّ أرسل يتعدى باللام، والى كما ذكره أبو حيان وغيره فلا حاجة إلى جعلها بمعنى إلى أو تعليلية وعموم رسالته ﷺ ثابت بأدلته القوية في الأصول، وكتب الحديث فلا نطيل هنا بما وقع في بعض الحواشي. قوله: (من فرط جهلهم (جعل الحامل لهم على هذا القول فرط الجهل أي زيادته لأنّ مثله لا يصدر عمن يعلم حقيته ولو سلم صدوره تعنتاً وعنادا مع علمهم فمثل هذا العلم يعد جهلا بل الجهل خير منه، وأمّا عدم عطفه بالفاء فلظهور تفرعه على ما قبله ومثله يوكل إلى ذهن السامع فالاعتراض! بمثله والجواب بأنّ فرط الجهل غير الجهل أو أنّ هذا حال بعض، وذاك حال بعض آخر كله من ضيق العطن. قوله: (وعد يوم) أي يوم عظيم لأنّ تنوينه للتعظيم، وهو إشارة إلى أن الميعاد مصدر ميمي أو اسم أقيم مقام المصدر على ما نقل عن أبي عبيدة وهو بمعنى الموعود ورجح سذا لوقوعه جواباً لقولهم متى هذا الوعد، وقوله أو زمان وعد على أف اسم زمان فإن مفعالاً يكون اسم زمان ومكان كالميلاد والمدراس فإضمافته على هذا لليوم، وهو اسم زمان لبيان زمان الوعد بأنه يوم مخصوص، وأيد بقراءته منوّنا مع رفع يوم على البدلية فإنه يقتضي أنه نفس اليوم، وكونه بدل اشتمال بعيد وكذا كون أصله ميعاد ميعاد فحذف المضاف. قوله: (وقرئ يوماً) بنصبه منوّنا بعد تنوين ميعاد فنصبه بتقدير أعني على أنه قطع لتعظيمه، ويجوز هذا في الرفع أيضاً أو هو منصوب على الظرفية، والعامل فيه مضاف مقدر أي لكم إنجاز وعد في يوم صفته كيت وكيت أو الميعاد على أنه مصدر بمعنى الموعود لا اسم زمان. قوله: (وهو جواب تهديد الخ) جواب عن السؤال بانه كيف طابق الجواب سؤالهم بأنّ سؤالهم تعنت، وانكار فلذا أجيبوا بالتهديد وليس هذا من الأسلوب الحكيم كما قيل وان أمكن جعله منه بتكلف، وأمّا كون هذا جوابا لأنّ تنكير يوم في قوّة أن يقال لا يعلمه إلا الله فتعسف لا حاجة إليه. قوله: (فيل إنّ كفار مكة الخ) مرضه لأنه ل! في السياق، والسباق ما يدل عليه وقوله وقيل الذي بين يديه يوم القيامة فكيون بين يديه عبارة عن المستقبل فإنه قد يراد به ما مضى، وقد يراد به ما
سيأتي ومرضه لأنّ ما بين يدي الشيء يكون من جنسه لكن محصله على هذا إنهم لم يؤمنوا بالقرآن ولا بما دل عليه، وأمّا اذعاء أنّ اكثر كونه للمتقدم فغير مسلم. قوله تعالى: ( ﴿وَلَوْ تَرَىَ﴾ ) الخطاب للنبيّ صلى
стр. 2488
الله عليه وسلم، أو لكل واقف عليه ومفعوله إذ أو محذوف ولو للتمني لا جواب له أو مقدر كلا يمكن بيانه ونحوه والظالمون ظاهر وضمع موضع المضمر للتسجيل، وبيان علة استحقاقهم ويرجع حال ويقولون استئناف ويتحاورون بحاء وراء مهملتين بمعنى يجيب بعضهم بعضا، وقوله: (لولا إضلالكم فيه) إشارة لتقدير مضاف أو هو بيان لمآل المعنى. قوله: (وأثبتوا أنهم الخ) لأنّ الهمزة للإنكار، والذي يليها هو المنكر وقد وليها ضمير الرؤساء فليس المنكر الصد بل وقوعه منهم وهذا معنى قوله بنوا الخ، وقوله لم يكن إجرامنا الصاذ أي كما زعم رؤساؤهم من أنّ إجرامهم بسوء اختيارهم هو الصادّ لهم، ودائباً بالباء الموحدة بمعنى دائما بالميم، وقوله أغرتم علينا رأينا كذا وقع في النسخ، والظاهر غيرتم علينا رأينا، وكونه من الإغارة وهي الغارة على العدوّ لنهب وقتل أريد به غلبتم علينا في رأينا علاج بعض المرض، وقوله إذ تأمروننا بدل من الليل والنهار أو تعليل لمكرهم. قوله: (والعاطف يعطفه الخ) إشارة إلى السؤال المذكور في الكشاف عن اقتران كلام المستضعفين بالعاطف دون كلام المستكبرين فقيل وقال الذين استضعفوا الخ والجواب على وجه يتضمن بيان حال الجمل كلها فصلاَ ووصلا أنّ قوله أوّلاً يقول الذين استضعفوا استئناف لبيان تلك المحاورة، أو بدل من يرجع الخ فلذا لم يجر عطفه، ولما كان قول المستضعفين أوّلاً اعتراضاً على رؤسائهم وقول الرؤساء قال الذين استكبروا جواباً عنه ترك العاطف لأنّ الجواب لا يعطف على السؤال في المحكيّ عنه، وكذا في الحكاية وان كان ربما قرن بالفاء، ثم لما رجع المستضعفون إلى كلامهم ثانيا عطف على كلامهم الأوّل وان تغايرا مضياً واستقبالاً، وقيل إنّ النكتة فيه إنه لما حكى قول المستضعفين بعد قوله يرجع بعضهم إلى بعض القول كان مظنة أن يقال فماذا قال الذين استكبروا للذين استضعفوا وهل كان بين الفريقين تراجع قول فقيل قال الذين اسنكبروا كذا،
وقال الذين استضعفوا كذا فأخرج مجموع القولين مخرج الجواب وعطف بعض الجواب على بعض وأمّا الاعتراض على ما هنا بأن المعطوف فعل الحكاية لا كلامهم المحكي ففي كلامهم مسامحة، وأنّ ما ذكر منقوض! بقوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٧٥] فإنه مرّ فيها كلام المستكبرين وجيء بالجواب محذوف العاطف على طريقة الاستئناف، ثم جيء بكلام آخر لهم ولم يعطف كما هنا بل استؤنف تكثيراً للمعنى مع تقليل لفظه فليس بوارد لأنه فرق بين الآيتين فإنّ كلام المستكبرين ثانيا وقع موقع الجواب فلذا لم يعطفه على كلامهم الأوّل بخلاف ما نحن فيه، ثم إنه لا مانع من عطفه على قال الذين استكبروا على أنهما تفصيل للمحاورة أيضاً فتدبره. قوله: (وإضافة المكر الخ) يعني أنه من التجوّز في الإسناد بحسب الأصل لأنه مصدر فلما أضيف إلى ظرفه وهو الليل والنهار أجرى فيه مجرى المفعول وأضيف إليه حتى كأنه ممكور به أو مجرى الفاعل حتى كأنهما ماكران وان كان المعنى على مكركم في الليل والنهار، وأما الإضافة على معنى في فمع أنّ المحققين لم يقولوا بها لم يلتفتوا إليها هنا لأنها تفوّت ما قصد من المبالغة البليغة. قوله: (وقرئ مكر الليل الخ) نصباً على المصدر بفعل مقدر تقديره مكرتم ظاهر إلا أنه قيل إنه لم ير النصب في شيء من الكتب إلا مع التشديد فكأنه سهو وقوله ومكر الليل أي قرئ مكرّ الليل بفتح الميم والكاف وتشديد الراء من الكرور بمعنى المجيء، والذهاب كما في قوله:
كرّ الغداة وكرّ العشيّ
قوله: (وأضمر) أي أخفى الفريقان من الذين ظلموا وهم المستكبرون والمستضعفون
وهذا تفسير لأسرّوا وبيان لمرجع ضميره باعتبار حاصل المعنى، وهو عائد على الظالمين لكنه أشار إلى أنه على وجه العموم إذ لو كان المراد ظاهره ثني الضمير ثم أنّ ندامة المستكبرين على الضلال والإضلال وندامة المستضعفين على الضلال فقط إذ حصول ندامتهم على الإضلال أيضا باعتبار قبوله تكلف. قوله: (وأخفاها كل عن صاحبه مخافة التعيير (قيل كيف يتأتى هذا مع قول المستضعفين لرؤسائهم لولا أنتم لكنا مؤمنين وأيّ ندامة أشد من هذا، وأيضا مخافة التعيير في مثل ذلك المقام بعد فالأولى ما مر في سورة يونس من أنهم بهتوا بما عاينوا فلم يقدروا على النطق، وهو المناسب لقوله لما رأوا وأما كون القول
стр. 2489
المذكور ولوما للرؤساء وما أخفوه الندامة وهي لوم نفسه وبينهما بون فلا يخفى حاله، واذا كان بمعنى الإظهار ففي غاية
الظهور. قوله: (نتنويهاً بذمّهم) أي إظهارا له وأصل التنويه في المدح، وقوله بموجب بكسر الجيم، وأغلاله بفتح الهمزة بصيغة الجمع لأنّ فعله غل لا أغل. قوله: (وتعدية يجزي الخ) ظاهره أنّ الجزاء ليس بمعنى القضاء وأنه لا يتعد! لمفعولين بنفسه، وكلام الراغب يخالفه فانه بعد تفسيره به قال: ويقال جزيته كذا وبكذا، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ [سورة الإنسان، الآية: ١٢] فلا حاجة إلى التضمين واذا ضمن فكيفية تقدير. أشهر من أن تذكر فمن قال إن تعدّبه لمفعولين لم يوجد في كتب اللغة وإنه إنما يتعدى لأحدهما بعن فقد أخطأ، وقوله أوبنزع الخافض وهو إمّا الباء أو عن أو على فإنه ورد تعديته بها جميعاً. قوله: (تسلية لرسول الله ﷺ مما مني به) أي ابتلى به يقال فيته بكذا أي ابتليته، وهو بصيغة المجهول والمعنى مناه الله به من مخالفة قومه وعداوتهم له:
وضرّ ذوي القربى أشدّ مضاضة على المرء من وقع الحسام المصمم
والسهام أنكؤها أدناها، وقوله المتنعمين تفسير للمترفين كما مر، وقوله المعظم من الإعظام بمعنى اجمثار يقال هذا معظمه أي أكثره وهو صفة الداعي أو منصوب على الظرفية أي في الأكثر من الأحوال، وقوله الانهماك في الشهوات خبر إنّ أي المنهمك هو المتنعم فيلزمه التكبر والمفاخرة المؤدّيان إلى التكذيب، وفي بعض النسخ المفاخرة بلا واو على أنه الخبر، والانهماك بالواو عطف عليها وماكه للأوّل وفي بعضها لأن الداعي المعظم إليه التكبر والمفاخرة على أنه الخبر والانهماك بالواو عطفاً عليه، وهي أظهر وأكثر فلا سهو فيه كما قيل والتهكم في قولهم وما نحن بمعذبين أو في قوله أرسلتم كما قيل والمفاخرة بالأموال والأولاد، وظاهره أنّ هذا من أمته ولا باع فيه لدخوله في العموم. قوله: (على مقايلة الجمع بالجمع) الجمع الأوّل الرسل المدلول عليه بقوله أرسلتم، والثاني كافرون فقد كفر كل برسوله، وخاطبه بمثله فلا تغليب في الخطاب في أرسلتم، وقيل إنه غلب المخاطب على جنس الرسل أو على اتباعه وليس لانقسام الآحاد على الآحاد فإنه لا يطرد فضمير أرسلتم إمّا تهكما أو تغليباً على من آمن به وليس المعنى عليه بل للدلالة على أنّ كلاً منهم كافر بكل منهم، وقيل الجمع الأوّل نذير لأنه يفيد العموم في الحكاية لا المحكي بوقوعه في سياق النفي وليس كل قوم منكراً لجميع الرسل فحمل على المقابلة، وما ذكرناه أوّلاً أقرب وأسلم من التكلف. قوله: (فنحن أولى بما
تدّعونه) من الكرامة في الآخرة، ولذا قال إن أمكن لإنكارهم البعث فقاسوا أمر الآخرة على أمر الدنيا وظنوا أنّ المنعم هنا منعم ثمة وايلاء نحن النفي إشارة إلى أنّ المؤمنين معذبون استهانة بهم لظنهم أنّ المال، والولد يدفع العذاب عنهم كما قاله بعض المشركين. قوله:) رد لحسبانهم) وفي نسخة ردا بالنصب على أنه مفعول له أي ردا لما ظنوه من أنهم أولى بما يدعونه وأنهم لا يعذبون لكثرة أموالهم وأولادهم الدالة على كرامتهم عند الله تعالى ولا حاجة إلى تخصيصه باحد الحسبانين حتى يكون إشارة إلى ترجيح الوجه الثاني. قوله: (لم يكن بمشيئته) أي لو كان ذلك بطريق الإيجاب عليه نافي المشيئة على ما أشار إليه بعض المدققين من أنّ الواجب إمّا عبارة عما يستحق تاركه الذمّ كما قاله بعض المعتزلة أو ما تركه مخل بالحكمة كما قاله بعض آخر أو ما قدّر الله على نفسه أن يفعل ولا يتركه وان كان تركه جائزا كما اختاره بعض الصوفية، والمتكلمين كما يشعر به النصوص كحرّمت الظلم على نفسي والأوّل باطل لأنه مالك الملك يتصرف في ملكه كيف يشاء فلا يتوجه إليه ذمّ أصلا وهو المحمود في كل فعاله، وكذا الثاني لعلمنا بأنّ جميع أفعاله تتضمن حكماً ومصالح لا يحيط بها علمنا على أنّ رعاية الحكمة المصلحة لا تجب عليه تعالى ولا يسئل عما يفعل وكذا الثالث لأنه إن قيل بامتناع صدور خلافه عنه فينافي الاختيار على ما صرح به في تعريفه من جواز الترك، وان لم يقل به فات معنى الوجوب إذ محصله إنه تعالى لا يتركه بمقتضى جري العادة وليس من الوجوب في شيء فهو مجرّد اصطلاح، اهـ محصله فقد علمت أن الإيجاب ينافي الاختيار والمشيئة عند التحقيق كما قال الشافعي رضي الله تعالى عنه:
ومن الدليل على القضاء وحكمه بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق
стр. 2490
فلا وجه لما قيل إنّ المشيئة تجامع الإيجاب، ولا لما قيل من أنّ المنافي لها هو الإيجاب عليه لا الإيجاب الناشئ منه تعالى، ودلالة الكرامة على زعمهم تقتضي الأوّل وأنّ كون المبدأ منه لا يقتضي الإيجاب عليه لأنّ صيرورته مبدأ بجعله تعالى لخلقه باختياره، وأنّ الأولى أن تفسير المشيئة في الآية باستقلالها كما هو مقتضى تخصيص البسط والقدر بها ليلزم أن لا يكون لكرامة يدل البسط عليها دلالة القدر على الهوأن ولا حاجة أيضا إلى ما قيل إنه تقرير لشبههم على زعمهم من أنّ أكرم الأكرمين لا يهين من أكرمه ولش الشرك سبباً للإهانة لمشاهدتهم خلافه فيكون جوابه منع كونه إكراما لاستواء المعادي، والموالي فيه لحكمة لا ما
ذكره المصنف فتأمل. قوله: (كما قال وما أموالكم الخ) قيل لأنّ نفي التقريب يفهم منه تحقق البعد عرفا فيدل على أنه استدراج، ولا يرد عليه شيء فتأمل وقوله قربة تفسير لزلفى واشارة إلى أنه مصدر من غير لفظه، وقوله والتي الخ يعني أنه أوقع هنا على الأموال والأولاد وهي جماعات وهذا مفرد مؤنث فوجهه بأن المجموع بمعنى جماعة فلذا أفرد وأنث لا إنه على تقدير مضاف في النظم، وهو لفظ جماعة أو هي صفة لموصوف مفرد مؤنث تقديره بالتقوى أو بالخصلة، وفي الكشاف أنّ التي بمعنى التقوى من غير تقدير. قوله: (استثناء من مفعول تقربكم) فهو استثناء منقطع لأنّ الضمير عبارة عن الكفرة فهو في محل نصب أو رفع على أنه مبتدأ ما بعده خبره أو خبره مقدر كما قاله أبو البقاء: وقيل إنه متصل على أن يجعلي الخطاب عامّا للكفرة والمؤمنين، أو على أنه ابتداء كلام لا مقولاً لهم، وفي شرح الكشاف إن هذا إنما يصح على الوجه الأوّل بجعل التي عبارة عن الأموال والأولاد أما إذا كانت عبارة عن التقوى فلا لأنه يلزم أن تكون الأموال والأولاد تقوى في حق غير من أمن وعمل صالحا لكن غير مقرّبة فالوجه أن يجعل على هذا استثناء من الأموال والأولاد على تقدير مضاف فيه كما أشار إليه المصنف ﵀ أي إلا أموال من آمن الخ وأولادهم فإنها تقوى على أن يجعل الأموال والأولاد تقوى مبالغة كقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [سورة الشعرأء، الآية: ٨٩] على وجه، وقيل إنه يصح على الوجه الثاني أيضاً ولا يتعين ما ذكر إذ يصح أن يقال وما أموالكم بتقوى إلا المؤمنين، وحاصله أن المال لا يقع تقوى مقرّ بالأحد إلا للمؤمنين واذا كان الاستثناء منقطعا اتضح وصح ما ذكره، وقوله أو من أموالكم الخ جعله الزجاج بدلاً من الضمير المجرور فلا يحتاج عليه إلى تقدير مضاف (بقي هنا بحث) وهو أنه أورد على جعله استثناء من ضمير تقرّ بكم أنه يلزمه إبدال الظاهر من ضمير المخاطب ويرد بأنه لا يلزمه الإبدال بل هو منصوب على الاستثناء، واذا كان منقطعاً فهو مبتدأ كما مرّ مع أنّ الفراء وجماعة أجازوه لكنه لا يجوز هنا لمعنى آخر كما فصله في البحر والدرّ المصون. قوله: (أن يجارّوا الضعف) أي الثواب
المضاعف، وهو بيان لحاصل المعنى لظهور أنّ المجازي هو الله وليس لبيان إنه مصدر من المبني للمجهول حتى يقال إن بعض النحاة نازع في صحته، وقوله والأصل أي الأكثر وفي نسخة بدله والإضافة، وقوله على الأصل أي بتنوين جزاء ورفعه ونصب الضعف، وقوله وعن يعقوب الخ في الإعراب رواية الأوّل عن قتادة، والثاني عنه وعن يعقوب وقوله على التمييز عن نسبة الضعف أو هو حال من فاعل لهم إن كان الضعف مبتدأ، ومنه إن كان فاعلاً وقوله أو المصدر أي يجزون جزاء لأنّ في لهم دلالة على أنهم يجزون به ولا حاجة إلى دلالة لهم عليه لأنّ المصدر المنصوب يكفي في الدلالة على فعله فتدبر وقوله على إرادة الجنس لأنّ لكل أحد غرفة والمفرد أخ! مع عدم اللبس فيه، وقوله بالردّة فالمراد السعي في إبطالها، وبحتمل أنه على تقدير مضاف فيه. قوله: (سابقين لأنبيائنا أو ظانين الخ) قال الراغب أصل معنى العجز التأخر لكون المتاخر خلف عجز السابق أو عنده أو في عجز الأمر، ثم تعورف فيما هو معروف فالمراد هنا بالمعاجزة إما المسابقة لتأخر المسبوق بتقدم السابق، ومعنى المفاعلة غير مقصود هنا إذ المقصود السبق، وعدم قدرة غيرهم عليهم لغلبتهم عليهم فلذا لم يقل في تفسيره مسابقين فغلبتهم إمّا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهي متصوّرة أو لله وهي غير متصوّرة فلذا جعلها بناء على زعمهم الفاسد، وظنهم الباطل لا إنه موضوع له. قوله: (فهذا في شخص واحد الخ) بدليل قوله له وما قيل
следующие страницы →