Полный текст (3 156 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.
стр. 2486
ومرتبك بالراء المهملة والمثناة الفوقية والباء الموحدة، ثم كاف الواقع في شذة لا يكاد يتخلص منها والمطمورة مكان تحت الأرض! مظلم يحبس فيه وما وقع في بعض النسخ ممطورة اسم مفعول من المطر تحريف ويتفصى بالفاء بمعنى يتخلص، ويجوز أن يكون بالقاف بمعنى يبعد والأوّل أقرب. قوله: (هذا أدخل في الإنصاف الخ (حيث أسند الأجرام إلى أنفسهم بصيغة الماضي الدالة على التحقق والعمل إليهم بصيغة المضارع، وان كان فيه تعريض كما في شرح المفتاح ولا وجه لإنكاره كما قيل، والإخبات بالمثناة الخضوع والتذلل لاعترافهم بأنهم مجرمون لأنّ المرء لا يخلو من زلة. قوله: (في القضايا المنغلقة) أي الخفية المشكلة فكيف بالواضحة كإبطال الشرك، وإحقاق التوحيد وفيه إشارة إلى وجه تسمية فصل الخصومات فتحا
وأنه في الأصل لتشبيه ما حكم فه بأمر مغلق كما يشبه بأمر منعقد في تولهم حلال المشكلات وخص المنغلقة إشارة إلى أنّ المبالغة في فتاح في الكيف وإن جاز أن يكون في الكم ولأنّ غيرها يعلم فتحه بالطريق الأولى. قوله: (وهو استفسار عن شبهتهم الخ) جوّز المعرب في رأي هنا أن تكون علمية متعدية بهمزة النقل إلى ثلاثة مفاعيل ياء المتكلم والموصول وشركاء وعائد الموصول محذوف أي ألحقتموهم، وأن تكون بصرية تعدّت بالنقل لاثنين ياء المتكلم والموصول، وشركاء حال ولا ضعف في هذا كما قاله ابن عطية بل فيه توبيخ لهم إذ لم يرد حقيقته لأنه كان يراهم ويعلمهم فهو مجاز وتمثيل والمعنى ما زعمتموه شريكا إذا برز للعيون، وهو خشب وحجر تمت فضيحتكم، وقد جوّز الزمخشري فيه الوجهين كما أشار إليه بقوله وكان يراهم ويعرفهم، وقد صرّح به بعض شرّاحه فمن قصره على أحدهما فقد قصر، وقوله بعد إبطال المقايسة إبطالها بقوله أروني كما صرّح به الزمخشري. قوله: (الموصوف بالغلبة وكمأل القدرة) تفسير للعزيز وما بعده للحكيم، وقوله وهؤلاء الملحقون بصيغة المفعول، والمراد المعبودات التي ألحقت بالله وجعلت شركاء متصفة بضد ذلك مما ينافي الألوهية أو بصيغة الفاعل ومتسمة مفعوله، وهذا مأخوذ من الحصر فتأمّل. قوله: (والضمير) يعني هو لله فهو ضمير مبهم عائد لما في الذهن وما بعده يفسره، وهو الله الوأقع خبرا له والعزيز الحكيم على هذا صفتان له وإنما اختار هذا ولم يجعله عائدا على ربنا في قوله يجمع بيننا ربنا لما في التفسير بعد الإبهام من الفخامة كما في قوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وإن هي إلا حياتنا الدنيا بناء على جواز عود الضمير في مثله على المتأخر، وإذا كان ضممير شان فالله مبتدأ والعزيز الحكيم خبره والجملة خبر ضمير الثان لأنّ خبره لا يكون إلا جملة على الصحيح، وقد قيل إنّ معنى قوله لله أنه عائد على الرب المذكوو سابقاً والعبارة تحتمله. قوله: (إلا إرسالة عامة لهم (يعني أنّ كافة اسم فاعل من الكف صفة لمصدر محذوف وتاؤه للتأنيث، وهو الذي اختاره الزمخشريّ، وقد اعترض عليه بأنّ كافة لم ترد عن العرب إلا منصوبة على الحال مختصة بالمتعدد من العقلاء وأنّ حذف الموصوف، واقامة الصفة مقامه إنما يكون لما عهد وصفه بها بحيث لا يصلح لغيره وأجيب بأنه هنا غير ما التزم فيه الحالية، وان رجعا إلى معنى واحد وما قيل من أنه لم تستعمله العرب إلا كذلك ليى بشيء، د! اقامة الصفة مقام موصوفها منقاس مطرد بدون شرط إذا قامت عليه قرينة، وذكر الفعل قبله دال على تقدير مصدره كما في قصت طويلاً حسناً أي قياما طويلاً حسنا، وما ذكر كله من التزام ما لا يلزم فقد قال في شرح اللباب إنه
سمع خلافه في كلام البلغاء، وقد صح أنّ عمر ﵁ قال في كتابه لآل بني كاكلة قد جعلت هكذا لآل بني كاكلة على كافة بيت المسلمين لكل عام مائتي مثقال ذهبا إبريزا وقال له عليّ أيضاً حين أمضاه، وقال في شرح المقاصد إنه بخطهما موجود محفوظ إلى الآن بديار العراق فقد استعملوه في غير العقلاء، وغير منصوب على الحالية كما فصلناه في شرح الدرة، فما قيل من أنه لم تستعمله العرب إلا كذلك وأنّ ما ذكر في حذف الموصوف لا يصلح للسندية مكابرة لأنّ الطول والحسن يكثر وصف الذوات به دون الأفعال، وأمّا ما مرّ من أنّ هذه غير ما يلزم فيه الحالية فمع أنه لا حاجة إليه لم سمعته لا يفيد لأنّ مدعاهم لزوم هذه اللفظة لها. قوله: (من الكف) بمعنى المنع لكنها تجوّز بها عن معنى عامّة فقوله إذا عمتهم، الخ بيان لوجه التجوّز المصحح له والمرجح اشتهاره في الدلالة على العموم حتى هجر معناه الحقيقيّ، وصار هذا كأنه حقيقته وقطع النظر فيه عن معنى المنع بالكلية فلا يتوهم
стр. 2487
تخصيص إرساله بالإنذار، ويدفع بأنّ قوله بشيرا ونذيراً يأباه كما قيل. قوله: (أو إلا جامعاً لهم في الإبلاغ) أي إلا في حال كونك جامعا لجميع الناس في إبلاغ ما أرسلت به لهم واعرابه ما ذكر وهو دال على المقصود من الكلام، وهو عموم رسالته ﷺ وهذا هو الوجه الثاني فيه وهو مختار الزجاح، وما اعترض به عليه من أن كف بمعنى جمع ليس بمحفوظ في اللفة غير مسلم لأنه يقال كف القميص إذا جمع حاشتيه، وكف الجرح إذا ربطه بخرقة تحيط به وقد قال ابن دريد كل شيء جمعته فقد كففته مع أنه يجوز أن يكون مجازاً من المنع لأنّ ما يجمع يمتنع تفرّقه وانتشاره وكون ذي الحال متعدداً في كافة ليس بلازم لقول عمر ﵁ كافة بيت المسلمين كما مرّ فلا يرد عليه ما ذكر. قوله: (والتاء للميالغة الا للتأنيث على هذا، وعلى الأوّل لتأنيث موصوفه واعتراض ابن مالك بأنها مخصوصة بصيغة المبالغة كنسابة وفروقة غير مسلم لورودها في راوية ونحوه، وقد قيل إنه أيضاً مصدر كانكاذبة بمعنى الكذب جعل حالاً مبالغة أو بتقدير مضاف أو هو منصوب على أنه مفعول له. قوله: (ولا يجوز جعلها حالاً من الناس الخ) هذا بناء على ما اختاره كثير من النحاة من أن الحال لا تتقدم على معمولها المجرور بالحرف أو بالإضافة، وقد ذهب إلى خلافه كثير من متقدمي النحاة واختاره أبو حيان والرضى وجعلوا هذا الوجه أحسن في الآية، وما عداه تكلف لكنه اعترض عليه بأنه يلزمه عمل ما قبل إلا فيما بعدها يعني للناس وليس بمستثني ولا مستنثى منه، ولا تابع له وقد منعوه أيضاً، وأجيب بأنّ تقديره وما أرسلناك للناس إلا كافة فهو مقدّم رتبة ومثله كاف في صحة العمل وفيه نظر لأنّ الممنوع تخطي إلا العامل لغير استثناء وما ذكره لا يدفعه مع تعسفه فالأحسن أن يجعل مستثنى على أنّ الاسنثناء فيه مفرّغ وأصله وما أرسلناك لشيء من الأشياء إلا لتبليغ الناس كافة، وأمّ تقديره بما أرسلناك للخلق مطلقاً إلا للناس كافة على أنه مستثنى فركيك جداً، والاعتراض
بأنه يحتاج إلى جعل اللام بمعنى إلى ليس بشيء لأنّ أرسل يتعدى باللام، والى كما ذكره أبو حيان وغيره فلا حاجة إلى جعلها بمعنى إلى أو تعليلية وعموم رسالته ﷺ ثابت بأدلته القوية في الأصول، وكتب الحديث فلا نطيل هنا بما وقع في بعض الحواشي. قوله: (من فرط جهلهم (جعل الحامل لهم على هذا القول فرط الجهل أي زيادته لأنّ مثله لا يصدر عمن يعلم حقيته ولو سلم صدوره تعنتاً وعنادا مع علمهم فمثل هذا العلم يعد جهلا بل الجهل خير منه، وأمّا عدم عطفه بالفاء فلظهور تفرعه على ما قبله ومثله يوكل إلى ذهن السامع فالاعتراض! بمثله والجواب بأنّ فرط الجهل غير الجهل أو أنّ هذا حال بعض، وذاك حال بعض آخر كله من ضيق العطن. قوله: (وعد يوم) أي يوم عظيم لأنّ تنوينه للتعظيم، وهو إشارة إلى أن الميعاد مصدر ميمي أو اسم أقيم مقام المصدر على ما نقل عن أبي عبيدة وهو بمعنى الموعود ورجح سذا لوقوعه جواباً لقولهم متى هذا الوعد، وقوله أو زمان وعد على أف اسم زمان فإن مفعالاً يكون اسم زمان ومكان كالميلاد والمدراس فإضمافته على هذا لليوم، وهو اسم زمان لبيان زمان الوعد بأنه يوم مخصوص، وأيد بقراءته منوّنا مع رفع يوم على البدلية فإنه يقتضي أنه نفس اليوم، وكونه بدل اشتمال بعيد وكذا كون أصله ميعاد ميعاد فحذف المضاف. قوله: (وقرئ يوماً) بنصبه منوّنا بعد تنوين ميعاد فنصبه بتقدير أعني على أنه قطع لتعظيمه، ويجوز هذا في الرفع أيضاً أو هو منصوب على الظرفية، والعامل فيه مضاف مقدر أي لكم إنجاز وعد في يوم صفته كيت وكيت أو الميعاد على أنه مصدر بمعنى الموعود لا اسم زمان. قوله: (وهو جواب تهديد الخ) جواب عن السؤال بانه كيف طابق الجواب سؤالهم بأنّ سؤالهم تعنت، وانكار فلذا أجيبوا بالتهديد وليس هذا من الأسلوب الحكيم كما قيل وان أمكن جعله منه بتكلف، وأمّا كون هذا جوابا لأنّ تنكير يوم في قوّة أن يقال لا يعلمه إلا الله فتعسف لا حاجة إليه. قوله: (فيل إنّ كفار مكة الخ) مرضه لأنه ل! في السياق، والسباق ما يدل عليه وقوله وقيل الذي بين يديه يوم القيامة فكيون بين يديه عبارة عن المستقبل فإنه قد يراد به ما مضى، وقد يراد به ما
سيأتي ومرضه لأنّ ما بين يدي الشيء يكون من جنسه لكن محصله على هذا إنهم لم يؤمنوا بالقرآن ولا بما دل عليه، وأمّا اذعاء أنّ اكثر كونه للمتقدم فغير مسلم. قوله تعالى: ( ﴿وَلَوْ تَرَىَ﴾ ) الخطاب للنبيّ صلى
стр. 2488
الله عليه وسلم، أو لكل واقف عليه ومفعوله إذ أو محذوف ولو للتمني لا جواب له أو مقدر كلا يمكن بيانه ونحوه والظالمون ظاهر وضمع موضع المضمر للتسجيل، وبيان علة استحقاقهم ويرجع حال ويقولون استئناف ويتحاورون بحاء وراء مهملتين بمعنى يجيب بعضهم بعضا، وقوله: (لولا إضلالكم فيه) إشارة لتقدير مضاف أو هو بيان لمآل المعنى. قوله: (وأثبتوا أنهم الخ) لأنّ الهمزة للإنكار، والذي يليها هو المنكر وقد وليها ضمير الرؤساء فليس المنكر الصد بل وقوعه منهم وهذا معنى قوله بنوا الخ، وقوله لم يكن إجرامنا الصاذ أي كما زعم رؤساؤهم من أنّ إجرامهم بسوء اختيارهم هو الصادّ لهم، ودائباً بالباء الموحدة بمعنى دائما بالميم، وقوله أغرتم علينا رأينا كذا وقع في النسخ، والظاهر غيرتم علينا رأينا، وكونه من الإغارة وهي الغارة على العدوّ لنهب وقتل أريد به غلبتم علينا في رأينا علاج بعض المرض، وقوله إذ تأمروننا بدل من الليل والنهار أو تعليل لمكرهم. قوله: (والعاطف يعطفه الخ) إشارة إلى السؤال المذكور في الكشاف عن اقتران كلام المستضعفين بالعاطف دون كلام المستكبرين فقيل وقال الذين استضعفوا الخ والجواب على وجه يتضمن بيان حال الجمل كلها فصلاَ ووصلا أنّ قوله أوّلاً يقول الذين استضعفوا استئناف لبيان تلك المحاورة، أو بدل من يرجع الخ فلذا لم يجر عطفه، ولما كان قول المستضعفين أوّلاً اعتراضاً على رؤسائهم وقول الرؤساء قال الذين استكبروا جواباً عنه ترك العاطف لأنّ الجواب لا يعطف على السؤال في المحكيّ عنه، وكذا في الحكاية وان كان ربما قرن بالفاء، ثم لما رجع المستضعفون إلى كلامهم ثانيا عطف على كلامهم الأوّل وان تغايرا مضياً واستقبالاً، وقيل إنّ النكتة فيه إنه لما حكى قول المستضعفين بعد قوله يرجع بعضهم إلى بعض القول كان مظنة أن يقال فماذا قال الذين استكبروا للذين استضعفوا وهل كان بين الفريقين تراجع قول فقيل قال الذين اسنكبروا كذا،
وقال الذين استضعفوا كذا فأخرج مجموع القولين مخرج الجواب وعطف بعض الجواب على بعض وأمّا الاعتراض على ما هنا بأن المعطوف فعل الحكاية لا كلامهم المحكي ففي كلامهم مسامحة، وأنّ ما ذكر منقوض! بقوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٧٥] فإنه مرّ فيها كلام المستكبرين وجيء بالجواب محذوف العاطف على طريقة الاستئناف، ثم جيء بكلام آخر لهم ولم يعطف كما هنا بل استؤنف تكثيراً للمعنى مع تقليل لفظه فليس بوارد لأنه فرق بين الآيتين فإنّ كلام المستكبرين ثانيا وقع موقع الجواب فلذا لم يعطفه على كلامهم الأوّل بخلاف ما نحن فيه، ثم إنه لا مانع من عطفه على قال الذين استكبروا على أنهما تفصيل للمحاورة أيضاً فتدبره. قوله: (وإضافة المكر الخ) يعني أنه من التجوّز في الإسناد بحسب الأصل لأنه مصدر فلما أضيف إلى ظرفه وهو الليل والنهار أجرى فيه مجرى المفعول وأضيف إليه حتى كأنه ممكور به أو مجرى الفاعل حتى كأنهما ماكران وان كان المعنى على مكركم في الليل والنهار، وأما الإضافة على معنى في فمع أنّ المحققين لم يقولوا بها لم يلتفتوا إليها هنا لأنها تفوّت ما قصد من المبالغة البليغة. قوله: (وقرئ مكر الليل الخ) نصباً على المصدر بفعل مقدر تقديره مكرتم ظاهر إلا أنه قيل إنه لم ير النصب في شيء من الكتب إلا مع التشديد فكأنه سهو وقوله ومكر الليل أي قرئ مكرّ الليل بفتح الميم والكاف وتشديد الراء من الكرور بمعنى المجيء، والذهاب كما في قوله:
كرّ الغداة وكرّ العشيّ
قوله: (وأضمر) أي أخفى الفريقان من الذين ظلموا وهم المستكبرون والمستضعفون
وهذا تفسير لأسرّوا وبيان لمرجع ضميره باعتبار حاصل المعنى، وهو عائد على الظالمين لكنه أشار إلى أنه على وجه العموم إذ لو كان المراد ظاهره ثني الضمير ثم أنّ ندامة المستكبرين على الضلال والإضلال وندامة المستضعفين على الضلال فقط إذ حصول ندامتهم على الإضلال أيضا باعتبار قبوله تكلف. قوله: (وأخفاها كل عن صاحبه مخافة التعيير (قيل كيف يتأتى هذا مع قول المستضعفين لرؤسائهم لولا أنتم لكنا مؤمنين وأيّ ندامة أشد من هذا، وأيضا مخافة التعيير في مثل ذلك المقام بعد فالأولى ما مر في سورة يونس من أنهم بهتوا بما عاينوا فلم يقدروا على النطق، وهو المناسب لقوله لما رأوا وأما كون القول
стр. 2489
المذكور ولوما للرؤساء وما أخفوه الندامة وهي لوم نفسه وبينهما بون فلا يخفى حاله، واذا كان بمعنى الإظهار ففي غاية
الظهور. قوله: (نتنويهاً بذمّهم) أي إظهارا له وأصل التنويه في المدح، وقوله بموجب بكسر الجيم، وأغلاله بفتح الهمزة بصيغة الجمع لأنّ فعله غل لا أغل. قوله: (وتعدية يجزي الخ) ظاهره أنّ الجزاء ليس بمعنى القضاء وأنه لا يتعد! لمفعولين بنفسه، وكلام الراغب يخالفه فانه بعد تفسيره به قال: ويقال جزيته كذا وبكذا، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ [سورة الإنسان، الآية: ١٢] فلا حاجة إلى التضمين واذا ضمن فكيفية تقدير. أشهر من أن تذكر فمن قال إن تعدّبه لمفعولين لم يوجد في كتب اللغة وإنه إنما يتعدى لأحدهما بعن فقد أخطأ، وقوله أوبنزع الخافض وهو إمّا الباء أو عن أو على فإنه ورد تعديته بها جميعاً. قوله: (تسلية لرسول الله ﷺ مما مني به) أي ابتلى به يقال فيته بكذا أي ابتليته، وهو بصيغة المجهول والمعنى مناه الله به من مخالفة قومه وعداوتهم له:
وضرّ ذوي القربى أشدّ مضاضة على المرء من وقع الحسام المصمم
والسهام أنكؤها أدناها، وقوله المتنعمين تفسير للمترفين كما مر، وقوله المعظم من الإعظام بمعنى اجمثار يقال هذا معظمه أي أكثره وهو صفة الداعي أو منصوب على الظرفية أي في الأكثر من الأحوال، وقوله الانهماك في الشهوات خبر إنّ أي المنهمك هو المتنعم فيلزمه التكبر والمفاخرة المؤدّيان إلى التكذيب، وفي بعض النسخ المفاخرة بلا واو على أنه الخبر، والانهماك بالواو عطف عليها وماكه للأوّل وفي بعضها لأن الداعي المعظم إليه التكبر والمفاخرة على أنه الخبر والانهماك بالواو عطفاً عليه، وهي أظهر وأكثر فلا سهو فيه كما قيل والتهكم في قولهم وما نحن بمعذبين أو في قوله أرسلتم كما قيل والمفاخرة بالأموال والأولاد، وظاهره أنّ هذا من أمته ولا باع فيه لدخوله في العموم. قوله: (على مقايلة الجمع بالجمع) الجمع الأوّل الرسل المدلول عليه بقوله أرسلتم، والثاني كافرون فقد كفر كل برسوله، وخاطبه بمثله فلا تغليب في الخطاب في أرسلتم، وقيل إنه غلب المخاطب على جنس الرسل أو على اتباعه وليس لانقسام الآحاد على الآحاد فإنه لا يطرد فضمير أرسلتم إمّا تهكما أو تغليباً على من آمن به وليس المعنى عليه بل للدلالة على أنّ كلاً منهم كافر بكل منهم، وقيل الجمع الأوّل نذير لأنه يفيد العموم في الحكاية لا المحكي بوقوعه في سياق النفي وليس كل قوم منكراً لجميع الرسل فحمل على المقابلة، وما ذكرناه أوّلاً أقرب وأسلم من التكلف. قوله: (فنحن أولى بما
تدّعونه) من الكرامة في الآخرة، ولذا قال إن أمكن لإنكارهم البعث فقاسوا أمر الآخرة على أمر الدنيا وظنوا أنّ المنعم هنا منعم ثمة وايلاء نحن النفي إشارة إلى أنّ المؤمنين معذبون استهانة بهم لظنهم أنّ المال، والولد يدفع العذاب عنهم كما قاله بعض المشركين. قوله:) رد لحسبانهم) وفي نسخة ردا بالنصب على أنه مفعول له أي ردا لما ظنوه من أنهم أولى بما يدعونه وأنهم لا يعذبون لكثرة أموالهم وأولادهم الدالة على كرامتهم عند الله تعالى ولا حاجة إلى تخصيصه باحد الحسبانين حتى يكون إشارة إلى ترجيح الوجه الثاني. قوله: (لم يكن بمشيئته) أي لو كان ذلك بطريق الإيجاب عليه نافي المشيئة على ما أشار إليه بعض المدققين من أنّ الواجب إمّا عبارة عما يستحق تاركه الذمّ كما قاله بعض المعتزلة أو ما تركه مخل بالحكمة كما قاله بعض آخر أو ما قدّر الله على نفسه أن يفعل ولا يتركه وان كان تركه جائزا كما اختاره بعض الصوفية، والمتكلمين كما يشعر به النصوص كحرّمت الظلم على نفسي والأوّل باطل لأنه مالك الملك يتصرف في ملكه كيف يشاء فلا يتوجه إليه ذمّ أصلا وهو المحمود في كل فعاله، وكذا الثاني لعلمنا بأنّ جميع أفعاله تتضمن حكماً ومصالح لا يحيط بها علمنا على أنّ رعاية الحكمة المصلحة لا تجب عليه تعالى ولا يسئل عما يفعل وكذا الثالث لأنه إن قيل بامتناع صدور خلافه عنه فينافي الاختيار على ما صرح به في تعريفه من جواز الترك، وان لم يقل به فات معنى الوجوب إذ محصله إنه تعالى لا يتركه بمقتضى جري العادة وليس من الوجوب في شيء فهو مجرّد اصطلاح، اهـ محصله فقد علمت أن الإيجاب ينافي الاختيار والمشيئة عند التحقيق كما قال الشافعي رضي الله تعالى عنه:
ومن الدليل على القضاء وحكمه بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق
стр. 2490
فلا وجه لما قيل إنّ المشيئة تجامع الإيجاب، ولا لما قيل من أنّ المنافي لها هو الإيجاب عليه لا الإيجاب الناشئ منه تعالى، ودلالة الكرامة على زعمهم تقتضي الأوّل وأنّ كون المبدأ منه لا يقتضي الإيجاب عليه لأنّ صيرورته مبدأ بجعله تعالى لخلقه باختياره، وأنّ الأولى أن تفسير المشيئة في الآية باستقلالها كما هو مقتضى تخصيص البسط والقدر بها ليلزم أن لا يكون لكرامة يدل البسط عليها دلالة القدر على الهوأن ولا حاجة أيضا إلى ما قيل إنه تقرير لشبههم على زعمهم من أنّ أكرم الأكرمين لا يهين من أكرمه ولش الشرك سبباً للإهانة لمشاهدتهم خلافه فيكون جوابه منع كونه إكراما لاستواء المعادي، والموالي فيه لحكمة لا ما
ذكره المصنف فتأمل. قوله: (كما قال وما أموالكم الخ) قيل لأنّ نفي التقريب يفهم منه تحقق البعد عرفا فيدل على أنه استدراج، ولا يرد عليه شيء فتأمل وقوله قربة تفسير لزلفى واشارة إلى أنه مصدر من غير لفظه، وقوله والتي الخ يعني أنه أوقع هنا على الأموال والأولاد وهي جماعات وهذا مفرد مؤنث فوجهه بأن المجموع بمعنى جماعة فلذا أفرد وأنث لا إنه على تقدير مضاف في النظم، وهو لفظ جماعة أو هي صفة لموصوف مفرد مؤنث تقديره بالتقوى أو بالخصلة، وفي الكشاف أنّ التي بمعنى التقوى من غير تقدير. قوله: (استثناء من مفعول تقربكم) فهو استثناء منقطع لأنّ الضمير عبارة عن الكفرة فهو في محل نصب أو رفع على أنه مبتدأ ما بعده خبره أو خبره مقدر كما قاله أبو البقاء: وقيل إنه متصل على أن يجعلي الخطاب عامّا للكفرة والمؤمنين، أو على أنه ابتداء كلام لا مقولاً لهم، وفي شرح الكشاف إن هذا إنما يصح على الوجه الأوّل بجعل التي عبارة عن الأموال والأولاد أما إذا كانت عبارة عن التقوى فلا لأنه يلزم أن تكون الأموال والأولاد تقوى في حق غير من أمن وعمل صالحا لكن غير مقرّبة فالوجه أن يجعل على هذا استثناء من الأموال والأولاد على تقدير مضاف فيه كما أشار إليه المصنف ﵀ أي إلا أموال من آمن الخ وأولادهم فإنها تقوى على أن يجعل الأموال والأولاد تقوى مبالغة كقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [سورة الشعرأء، الآية: ٨٩] على وجه، وقيل إنه يصح على الوجه الثاني أيضاً ولا يتعين ما ذكر إذ يصح أن يقال وما أموالكم بتقوى إلا المؤمنين، وحاصله أن المال لا يقع تقوى مقرّ بالأحد إلا للمؤمنين واذا كان الاستثناء منقطعا اتضح وصح ما ذكره، وقوله أو من أموالكم الخ جعله الزجاج بدلاً من الضمير المجرور فلا يحتاج عليه إلى تقدير مضاف (بقي هنا بحث) وهو أنه أورد على جعله استثناء من ضمير تقرّ بكم أنه يلزمه إبدال الظاهر من ضمير المخاطب ويرد بأنه لا يلزمه الإبدال بل هو منصوب على الاستثناء، واذا كان منقطعاً فهو مبتدأ كما مرّ مع أنّ الفراء وجماعة أجازوه لكنه لا يجوز هنا لمعنى آخر كما فصله في البحر والدرّ المصون. قوله: (أن يجارّوا الضعف) أي الثواب
المضاعف، وهو بيان لحاصل المعنى لظهور أنّ المجازي هو الله وليس لبيان إنه مصدر من المبني للمجهول حتى يقال إن بعض النحاة نازع في صحته، وقوله والأصل أي الأكثر وفي نسخة بدله والإضافة، وقوله على الأصل أي بتنوين جزاء ورفعه ونصب الضعف، وقوله وعن يعقوب الخ في الإعراب رواية الأوّل عن قتادة، والثاني عنه وعن يعقوب وقوله على التمييز عن نسبة الضعف أو هو حال من فاعل لهم إن كان الضعف مبتدأ، ومنه إن كان فاعلاً وقوله أو المصدر أي يجزون جزاء لأنّ في لهم دلالة على أنهم يجزون به ولا حاجة إلى دلالة لهم عليه لأنّ المصدر المنصوب يكفي في الدلالة على فعله فتدبر وقوله على إرادة الجنس لأنّ لكل أحد غرفة والمفرد أخ! مع عدم اللبس فيه، وقوله بالردّة فالمراد السعي في إبطالها، وبحتمل أنه على تقدير مضاف فيه. قوله: (سابقين لأنبيائنا أو ظانين الخ) قال الراغب أصل معنى العجز التأخر لكون المتاخر خلف عجز السابق أو عنده أو في عجز الأمر، ثم تعورف فيما هو معروف فالمراد هنا بالمعاجزة إما المسابقة لتأخر المسبوق بتقدم السابق، ومعنى المفاعلة غير مقصود هنا إذ المقصود السبق، وعدم قدرة غيرهم عليهم لغلبتهم عليهم فلذا لم يقل في تفسيره مسابقين فغلبتهم إمّا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهي متصوّرة أو لله وهي غير متصوّرة فلذا جعلها بناء على زعمهم الفاسد، وظنهم الباطل لا إنه موضوع له. قوله: (فهذا في شخص واحد الخ) بدليل قوله له وما قيل
стр. 2491
في آية العنكبوت من أنّ الضمير في موضمع من لأنه مبهم غير معين فضميره مثله، وليس المراد شخصا واحداً باعتبار وقتين لأنه لو أريد ذلك لصدّر يقدر بأداة التعاقب لا يعارض ما ذكر هنا كما قيل لأنه لا تكرار ثمة فأجراه على مقتضى ظاهره من العموم بخلاف ما هنا. قوله: (فلا تكرير) بل فيه تقرير لأن التوسيع والتقتير ليسا لكرامة ولا هو إن فإنه لو كان كذلك لم يتصف بهما شخص واحد، وقوله إمّا عاجلا أو آجلا المراد بالعاجل ما في الدنيا وبالآجل ما في الآخرة ويجوز أن يريد ما تراخى زمانه، وأمّا تخصيصه بالآخرة فلا وجه له وهو مناف لما ورد في الأحاديث الصحيحة نحو " لكل منفق خلف ولكل ممسك تلف " فلذا لم يرتضه المصنف ﵀ وان نقله الزمخشري عن مجاهد، وعدّ الزمخشري من الخلف القناعة فإنها كنز لا يفنى. قوله: (لا حقيقة لرارّقيتة) أورد عليه وعلى نظائره ابن
عبد السلام في أماليه كما نقله السيوطي في شرح السنن وادّعاه بعضهم من نتائج قريحته هنا أنه لا بدّ من مشاركة المفضل للمفضل عليه في أصل الفعل حقيقة لا صورة وأجاب الآمدي بأنّ معناه خير من تسمى بهذا الاسم وأطلق عليه، وقد أجيب بأجوبة أخر في قوله أحسن الخالقين وكلها مدخولة فلا بد من جعل الرازقين بمعنى الموصلين للرزق والواهيين له بجعله حقيقة في هذا كما صرح به الراغب حيث قال الرزق العطاء الجاري والرازق يقال لخالق الرزق ومعطيه فيقال رازق لغير الله ولا يقال لغيره تعالى رزاق ولا حاجة إلى ما قيل إنه من عموم المجاز أو من استعماله في حقيقته ومجازه بناء على تجويزه. قوله: (تقريعاً الخ) فالمقصود من خطاب الملائكة تقريع المشركين لعلمه بما ستجيب به الملائكة، وقوله وتخصيص الملائكة أي تخصيصهم بالذكر هنا في حكاية ما قيل لهم في ذلك الموقف، وليس المراد الحصر كما يتوهم من تقديم إياكم حتى يقال الحصر بالنسبة للأصنام، والا فقد قيل مثله لعيسى ﵊ في قوله " نت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين فتدبر. قوله: (لآنهم أشرف شركائهم) إن كان الخطاب مع غير أهل الكتاب لتبادره من المشركين فشرفية الأصنام على زعمهم ولا يرد عيسى ﵊، والجواب بما مر متمش هنا ويؤيده قوله والصالحون للخطاب. قوله: (ولأن عبادتهم) يعني الملائكة مبدأ الشرك في العرب هذا بناء على ما وقع في بعض كتب القصص، والتواريخ كما نقله ابن الوردي في تاريخه من أنّ سبب حدوث الأصنام في العرب أن عمرو بن لحيّ أوّل من عبد الأصنام في العرب ودعاهم لذلك فأطاعوه وكان مرّ بقوم بالشام رآهم يعبدون الأصنام فسألهم فقالوا له هذه أرباب نتخذها على شكل الهياكل العلوية نستنصر بها ونستسقي فتبعهم، وأتى بصنم معه فاستمرّ العرب على ذلك إلى أن جاء الإسلام وعبادة عيسى ﵊ بعد ذلك بزمان كثير، وقد مرّت إليه إشارة في تفسير قوله تماثيل في هذه السورة، وما روي إنها صور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام رواية أخرى فلا وجه لما قيل إنّ هذا لا أصل له، وقوله بالياء فيهما أي في قوله يحشر ويقول. قوله: (لا موالاة الخ) تفسير لقوله من دونهم وقوله حيث أطاعوهم فعبادتهم مجاز عن إطاعتهم فيما سوّلوه لهم وفيما
بعده حقيقة، وقوله أو للمشركين فضمير كانوا للأكثر وهذا كالبيان له وقوله واكثر بمعنى الكل يعني على الثاني، ويجوز أن يبقى على ظاهره لأنّ منهم من لم يؤمن بهم وعبدهم اتباعا لقومه كأبي طالب وأيضا لا حاجة إلى التوجيه على الوجه الثاني إذ لم يتمثل الجن للكل. قوله: (إذ الأمر فيه كله له الخ) إن كان المراد بالنفع والضرّ الثواب والعقاب الأمر فيه كله من جنسهما لأنها دار الجزاء فلا غبار عليه، وان أريد الأعئم منهما ورد أنّ بعضهم قد ينفع بعضا كالأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالشفاعة فإما أن يقال إنها لا تكون بدون إذن كما مرّ فالنفع في الحقيقة منه تعالى أو المراد بالملك الاستقلال فيه وكونه كما يختار لا كما يختار له فإنه يقال هو مالك لأمره لمن يثصرف فيه كيف يشاء فلا يرد ما قيل إنّ إيقاع الشفاعة ملك لها. قوله: (عطف على لا يملك الخ) قيل إنه عطف على قول للملائكة لا على لا يملك كما قيل لأنه يقال يوم القيامة خطاباً للملائكة مترتباً على جوابهم المحكي، وهذا حكاية له ﷺ لما سيقال للعبدة إثر ما يقال للملائكة أي يوم نحشرهم، ثم نقول للملائكة كذا ويقولون كذا ونقول للمشركين ذوقوا الخ يكون من الأحوال والأهوال ما لا يحيط به نطاق المقال، وقيل الأحسن
стр. 2492
إنه عطف على عامل قوله فاليوم، وهو العامل في قوله يوم نحشرهم الخ والذي جنح إليه المصنف رحمه الله تعالى قربه من غير مانع فليس ما ذكر بأمر خفيّ يحتاج إلى التطويل والإنشاء الطويل. قوله تعالى: ( ﴿عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ ) وقع الموصول هنا وصفاً للمضاف إليه وفي السجدة في قوله: ﴿عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ﴾ [سورة السجدة، الآية: ٢٠] الخ صفة للمضاف فقيل لأنهم ثمة كانوا ملابسين للعذاب كما صرّح به في النظم فوصف لهم ثمة ما لابسوه وهنا عند رؤية النار عقب الحشر فوصف لهم ما عاينوه وكونه نعتاً للمضاف على أنّ تأنيثه مكتسب تكلف سمج هنا، وأما ما قيل من أنه دليل قاطع على أنّ عود الضمير إلى المضاف إليه إذا لم يكن فيه ليس حسن فمن قال إنه مخل بالبلاغة فقد وهم فليس بصحيح مدعى وسندا، أمّا الأوّل فلأن مرادهم إنه إذا كان ضمير يصح عوده على كل منهما من غير مرجح ولم يكن المضاف فيه كلاً ومثلاَ، ونحوه مما يكون المضاف والمضاف إليه شيئاً واحداً حقيقة أو حكماً مما المقصود فيه بالذات المضاف واليه وذكر الأوّل لإفادة عموم أو خصوص، وما نحن فيه من هذا القبيل لأن العذاب لازم للنار حتى لو لم يذكر فهم معناه فهنا يجوز عوده على كل منهما والمرجح ما ذكر، وأما السند فلأنّ هذا من الوصف لا من عود الضمير الذي ذكره صدر الأفاضل فإنّ
الضمير للموصول، وقوله ما هذا الإشارة للتحقير، ويستتبعكم بمعنى يجعلكم من أتباعه، وقوله مطابقة ما فيه يعني من الحشر والتوحيد، وقوله بإضافته الخ فسره به لأنّ الافتراء الكذب على الغير وبه يغاير ما قبله فيكون تأسيسا. قوله: (لآمر النبوة) تفسير لقوله للحق وجعل النبوّة سحرا لما معها من الخارق للعادة وجعل الإسلام سحراً لتفريقه بين المرء وزوجه وولده، ولما كان على تفسيره بالقرآن يلزم التكرار أو التدافع دفعه بما ذكر، وقل إن كلا منهما مقول طائفة منهم، وقوله وفي تكرير الفعل أراد بالتكرير ثاني الذكر لا مجموعهما والفعل قال ذكر هنا مع تقدمه ومع التصريح بالقائل وعنوانه بأنه كافر وأتى به، وبمقوله معرفا فهو معرفة بالموصولية ومقوله بأل العهدية المساوية للموصولية في العهد فلذا قال في اللامين تغليبا وللحق متعلق بكفروا واللام بمعنى الباء أو هي تعليلية، وقوله من الإشارة بيان للعهدية لأنها إشارة ذهنية، وقوله من المبادهة أي المسارعة والمفاجأة لأنّ لما تفيد وقوعهما في وقت واحد من غير فاصل والبت القطع، وقوله وفي تكرير الخ خبر مقدّم وانكار مبتدأ، وقوله تمهيداً للقول مفعول له تعليل للخير أو تمييز له أو للمبادهة ومعناه بسطا وتبيينا والإنكار والتعجب من فحواه. قوله: (وفيها دليل على صحة الإشراك) الواو حالية أو عاطفة على جملة يدرسونها وضمير فيها للكتب، وهذا القيد هو المقصود بالنفي أي لا دليل لهم على صحة الشرك، وجمع الكتب إشارة إلى أنه لشدة بطلانه واستحالة إثباته بدليل سمعيّ أو عقلي يحتاج إلى تكرر الأدلة وقوّتها فكيف يدعي ما تواترت الأدلة النيرة على خلافه، وقوله وما أرسلنا الآية يعني أنهم أميون كانوا في فترة لا عذر لهم في الشرك ولا في عدم الاستجابة لك كأهل الكتاب الذين لهم كتب ودين يابون تركه وبحتجون على عدم المتابعة بأنّ نبيهم حذرهم ترك دينه مع أنه بين البطلان لثبوت أمر من قبله باتباعه، وتبشير الكتب به وفيه من التهكم والتجهيل ما لا يخفى. قوله تعالى: ( ﴿وَمَا بَلَغُوا﴾ الخ) جملة حالية والمعشار بمعنى العشر، وقوله وما بلغ الخ إشارة إلى أنّ ضمير بلغوا الكفار قريش وضمير آتيناهم للذين من قبلهم وفي الوجه الذي بعده على العكس، وقوله من البينات والهدى أو من الفضل والشرف بنبيه الكريم وبيته العظيم. قوله: (فحين كذبوا الخ (
قدره في النظم إشارة إلى مقارنة التكذيب لمجيء النكير لأنّ فاء فكيف الفصيحة تنبي عنه كما ذكره شراح الكشاف، وما قيل من أنّ تقدير المظروف وهو جاءهم إنكاريّ يغني عنه فتقديره إنما هو لبيان الواقع المعلوم من شهرته ليس بشيء لأنه إشارة إلى أنّ المعطوف عليه مقرون بالفاء السببية الدالة على المقارنة وذكر الظرف لبيان ذلك لا لأنه مقدر فيه، ولما كان قوله فكذبوا كالمكرّر مع ما قبله وليس تأكيدا لعطفه بالفاء فسر الأوّل في الكشاف بقوله فعل صن قبلهم التكذيب، وأقدموا عليه وجعل تكذيب الرسل مسبباً عنه كقوله أقدم فلان على الكفر فكفر بمحمد فقيل إنه من قبيل إذا قمتم إلى الصلاة، وردّ بأنه لم يرد ذلك بل مراده إن كذب الذين من قبلهم بمعنى فعلوا التكذيب على تنزيل المتعدّى
стр. 2493
منزلة اللازم او هو معطوف على قوله وما بلغوا الخ. قوله: (جاءهم إنكاري بالتدمير) جعل التدمير إنكارا تنزيلا للفعل منزلة القول كما في توله:
ونشتم بالأفعال لا بالتكلم
أو على نحو:
تحية بينهم ضرب وجيع
ولم يقدره فأهلكناهم فكيف كان عاقبة إنكارهم، وان كان أظهر لأنّ التجوّز في المقدر
الغاز إشارة إلى أنه مذكور بالقوّة لظهور إفصاج المذكور عنه والنكير بمعنى الإنكار، وهو تغيير المنكر وقوله فليحذر الخ إشارة إلى أنّ المقصود من ذكره التخويف. قوله: (ولا تكرير الخ) إشارة إلى جواب السؤال المقدر كما بينا.، وقوله لأنّ الأوّل للتكثير يعني أن معنى كذب السابق أنهم أكثروا الكذب وألفوه فصار سجية لهم حتى اجترؤوا على تكذيب الرسل عليهم الصلاة والسلام فصيغة فعل فيه للكثير وفي هذا للتعدية والمكذب فيهما متحد وقوله وما بلغوا الخ اعتراض فمن فسره بأن القصد إلى كثرتهم، وقوتهم فقط وذكر التكذيب لأجله لم يصب وكذا من أورد عليه أنه لا حاجة إلى ذكره ثانيا مع كفاية الأوّل، ثم قال: توهم التكرار إنما هو إذا لم يكن التقدير فحين كذبوا والا فالثاني ظرف غير مقصود بالبيان، وإنما يتوهم هذا لو قدر فجاءهم إنكاري فتأمّل. قوله: (أو الأوّل مطلق الخ التنزيله منزلة اللازم كما مرّ والمعنى وقع منهم التكذيب وفعلوا التكذيب وهذا ما اختاره الزمخشري واقترانه بالفاء لأنّ التقييد بعد الإطلاق تفسير معنى ولو جعل ضمير فكذبا لمشركي العرب لأنّ تكذيب نبينا ﷺ تكذيب للكل، والفاء للفذلكة لم يتوهم فيه تكرار كما قيل. قوله: (بخصلة واحدة) إشارة إلى أنه صفة
لمقدّر وقوله هي ما دل الخ إشارة إلى أنّ قوله إن تقوموا بدل من قوله واحدة أو عطف بيان، وقوله وهو القيام الخ فالمراد به حقيقته على أنه قيام من مجلسه للتفكر وما بعده على أنه مجاز عن الجدّ والاجتهاد والمراد بالأمر ما سيأتي، وقوله لله بمعنى خالصا له وقوله يشوّس الخاطر أي يفرق الأفكار وهو بناء على الخطأ المشهور، والصواب فيه يهوش كما فصل في درة الغواص وقوله ومحله أي محل أن تقوموا. قوله: (أو البيان الم يذكر في بعض النسخ وعلى ذكره اعترض بأنّ واحدة نكرة وأن تقوموا معرفة لتقديره بقيامكم وعطف البيان يشترط فيه أن يكون معرفة من معرفة، أو توافقتهما تعريفا وتنكيرا على ما عرف من مذهبي النحاة فيه وأما تخالفهما تعريفاً وتنكيرا فلم يجوّزه أحد من النحاة، وما اعتذر به في المغني عن الكشاف من أنه أراد بعطف البيان البدل لا يتاتى هنا لجمعه بينهما والجواب عنه أن الزمخشريّ كما قاله ابن مالك في التسهيل ذهب إلى جواز تخالفهما، ثم إن كون المصدر المسبوك معرفة أو مؤوّلاً بمعرفة دائما غير مسلم ورجح الطيبي تقدير يعني وقال إنه أنسب لأنّ ذكر الواحدة مقصود هنا وأعني مضارع عناه الأمر إذا أهمه فأعرفه. قوله: (فتعلموا ما به جنون الخ (يحتمل أنه إشارة إلى تقدير ما ذكر لدلالة التفكر عليه لكونه طريقه أو أنّ التفكر مجاز عن العلم فلذا عمل في الجملة المعلق عنها وذهب ابن مالك في التسهيل إلى أنّ تفكير يعلق حملاً له على أفعال القلوب ولو حمل على التضمين لم يبعد والتعبير بصاحبكم للإيماء إلى أنّ حاله معروف مشهور بينهم لأنه نشأ بين أظهرهم معروفاً بقوّة العقل، ورزانة الحلم وسداد القول والفعل، وقوله يحمله على ذلك إشارة إلى أمر محمد ﷺ السابق ودعواه النبوّة. قوله: (أو استئناف الخ) معطوف على مقدر أو على ما قبله بحسب المعنى لأنّ المراد أنه معمول لما قبله أو لما دل عليه أو استئناف ويترتب عليهما الوقف وعدمه، وقوله منبه الخ ليس مخصوصاً بالاستئناف بل هو جار عليهما، والأمر الخطير العظيم النبوّة والرسالة العامة يعني أنّ عدم جنونه معلوم لهم ومدعي هذا إمّ صادق أو مجنون فكيف، وقد سطعت براهين صدقه ومرض الاستفهام لأنه مع كونه خلاف الظاهر ومجازا عن الإنكار مآله إلى النفي فطيّ المسافة أولى من التطويل بلا طائل، والباء بمعنى في ومن زائدة على النفي بيانية على الاستفهام، وقوله ثم تتفكروا الخ يعني
أنه على هذا الظاهر تعلقه بما قبله وان احتمل الاستئناف. قوله: (لآنه مبعوث في نسم الساعة) يعني أنّ إنذاره بين يدي العذاب إنذاره بعذاب القيامة وقد قرب وقوعه لأنّ مبعثه في آخر الدنيا وعلى قرب منها كما ورد في الحديث الذي رواه اقرمذي وغيره أنه ﷺ قال: " بعثت في نسم الساعة " ومعناه قربها إما لأنّ النسم جمع نسمة وهي
стр. 2494
الواحد من البشر أي في ناس وجيل خلقهم الله قريبا منها أو هو من نسم الريح وهو ما يهب بلين في أوائلها فالمعنى بعثت وقد أقبلت أوائل الساعة، وقيل النسم النفس وقد روي نفس الساعة وهو أيضا بمعنى القرب لأنّ من قرب منك وصل إليك نفسه.
قوله: (أيّ شيء سألتكم الخ) إشارة إلى أنّ ما هنا شرطية ولا وجه لما قيل حينئذ الأولى تفسيرها بمهما لأنّ مهما أيضا معناه أي شيء فهو تكثير للسواد، وتحتمل الموصولية أيضا فدخول الفاء لتضمنها معنى الشرط وهو ظاهر، وقوله والمراد نفي السؤال لأن ما يسأله السائل يكون له فجعله للمسؤول منه كناية عن أنه لا يسأل أصلاً والتنبي تكلف دعوى النبوّة لمن لم يؤتها. قوله: (ثم نفى كلاَ منهما) أي الجنون والغرض! الدنيوي من النفع، وهذا بناء على ما يتبادر من فحواه والمراد من الأجر مطلق الغرض والنفع حتى يشمل الجاه وغيره فلا يرد عليه أنه لا يلزم من نفي الأجر نفي النفع مطلقا ولا من السؤال نفي تحصيله بطريق غيره كالتضييق عليهم كما يشاهد من بعض الظلمة، وقوله وقيل ما موصولة الخ ويحتمل النفي، وقوله فهو لكم جواب شرط مقدر أي فإذا لم أسألكم فهو. قوله: (مراد الخ) خص هذا بالموصولية وان جوّزه الزمخشري في الشرطية لأن الموصولية تقتضي عهداً في الصلة وانه سؤال وقع في
الماضي فيناسب تفسيره بما ذكر فلذا لم يتبعه لأنّ الشرطية تقتضي أنه أمر غير معين بل مفروض لم يقع فلا تكن من الغافلين فالاستشهاد بالآية الأولى فيه خفاء فتأمّل. قوله: (يلقيه وينزله الخ) يعني أنّ أصل معنى لقذف الرمي بدفع شديد وليس معناه الحقيقي مرادا هنا فهو إما مجاز عن الإلقاء في القلب إن أريد بالحق الوحي وما يضاهيه وهو من استعمال المقيد في المطلق والباء الظاهر أنها زائدة ويجوز أن تكون للملابسة أو السبب أو بتضمين معنى الرمي، وقوله أو يرمى به الباطل الخ على أنّ المراد بالحق مقابل الباطل والقذف به عليه إيراده عليه حتى يبطله ويزيله ففيه استعارة مصرحة تبعية والمستعار منه حسيّ، والمستعار له عقلي والوجه الثالث هو مجاز عن إشاعته في الآفاق وهو استعارة أيضاً ويجوز أن يكون فيهما مكنية. قوله: (على محل إن واسمها الم يجعل المحل لاسمها لأنه لا محل له إذ شرطه بقاء المحرز وهذا منعه بعض النحاة أيضا في غير العطف، ولا يلزم على البدلية خلوّه من العائد لأنه ليس في نية الطرح من كل الوجوه وكسر الغيوب وضمه على أنه جمع والفتح على أنه مفرد للمبالغة كالصبور وفي نسخة الصيود بالدال المهملة. قوله: (وزهق الباطل الخ) بيان لحاصل المعنى وأنّ المراد بالباطل الشرك، والإبداء والإعادة الاً وّل فعل أمر ابتداء والثاني أن يفعله على طريق الإعادة ولما كان الإنسان ما دام حيا لا يخلو عن ذلك كني به عن حياته، وبنفيه عن هلاكه ثم شاع ذلك في كل ما ذهب وان لم يبق له أثر وان لم يكن ذا روح فهو كناية أيضا أو مجاز متفرّع على الكناية واليه أشار المصنف ﵀، والفعلان منزلان منزلة اللازم أو المفعول محذوف. قوله: (أقفر الخ) الشعر لعبيد بن الأبرص قاله: عندما أراد النعمان قتله في يوم بؤسه وقصته مفصلة في مجمع الأمثال فلا حاجة لها هنا وأقفر بمعنى خلا والمراد به فارق أهله عبيد وإنما عبر به مشاكلة لقول النعمان لما قال له أنشدنا قولك:
أقفر من أهله ملحوب
الخ وملحوب اسم مكان وقوله وقيل الخ فعلى هذا لا كناية فيه والمعنى أنه لا يقدر على
شيء أو أيّ شيء يقدو عليه واطلاق الباطل على إبليس لأنه مبدؤه ومنشؤه، وقوله والمعنى أي عليهما. قوله: (فإنّ وبال ضلالي عليها) الظاهر أنّ قوله على نفسي حال التقدير عائداً ضرر ذلك على نفسي وحمل النفس على معناها المتبادر، ولذا قال لأنه الخ ولو حملها على معنى الذات صح، وكان المعنى عليّ لا على غيري لكنه أجازه لما سيأتي في التقابل، وقوله بهذا الاعتبار الخ دفع للسؤال من أنه لا تقابل فيه لأنّ الظاهر! ان اهتديت فلها كقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا﴾ أو يقال هنا فإنما أضل بنفسي بأنه فيه تقابل بحمسب المعنى لأنّ كل ضرر فهو منها وبسببها وهو كسبها وعليها وباله وأما جعل على للتعليل حتى يحصل التقابل بلا تأويل ففيه العدول عن الظاهر من غير نكتة، وما في ما يوحي موصولة أو مصدرية، وقوله بفتح الياء أي من ربي ولو أخره عن بيان المعنى كان أولى، وقوله فإنّ الاهتداء الخ تفسير لقوله فبما الخ والمراد اهتداؤه ﷺ فالتعريف للعهد أو كل اهتداء على
стр. 2495
أنها للاستغراق كما مرّ فتثبت هدايته بطريق البرهان وهذا كناية عن لازمه، وهو الهداية والتوفيق فلذا فسره به لأنه كان مهديا قبل الوحي وبعده. قوله:) عند الموت) أي خوفهم من الموت لما شاهدوه أو المراد البعث لأنه الفزع ا! بر أو هو من فزع الحرب في بدر والخطاب في ترى للنبيّ ﷺ ، أو لكل من يقف عليه ومفعول ترى إمّا محذوف تقديره أي الكفار أو فزعهم أو لتنزيله منزلة اللازم أو هو إذ على التجوّز إذ المراد برؤية الزمان رؤية ما فيه. قوله: (فلا فوت) الفاء إن كانت سببية فهي داخلة على المسبب لأنّ عدم فوتهم من فزعهم وتحيرهم أو هي تعليلية فتدخل على السبب لترتب ذكره على ذكر المسبب، واذا عطف أخذوا عليه فيكون هو المقصود بالتفريع بلا تكلف وقوله بهرب وما بعده كل منهما ناظر للجميع، ويجوز جعله على التوزيع. قوله: (من ظهر الأرض إلى بطنها) ناظر إلى الموت وما بعده للبعث والأخير لبدر فهو لف ونشر مرتب والمراد بذكر قربه سرعة نزول العذاب بهم والاستهانة بهرم وبهلاكهم، والقليب البئر والمراد بها بئر معينة ببدر رمى فيها جثث من قتل من المشركين كما هو مصرّح به في الحديث ومن لاغريب ما ذكره القرطبي في كتاب الملاحم من التذكرة في حديث طويل في جيش السفياني وانهم يتوجهون لمكة فإذا كانوا بالبيداء قال الله لجبريل ﵊ اذهب فأبدهم فيضربها برجله ضرب يخسف الله بهم فذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ﴾ [سورة سبأ، الآية: ٥١] الخ فلا يبقى منهم إلا رجلان أحدهما بشير والآخر نذير وهما من جهينة، ولذلك جاء وعند جهينة الخبر اليقين اهـ. قوله: (والعطف الخ) ويجوز كونها حالاً من فاعل فزعوا أو من خبر لا المقدّر وهو لهم بتقدير قد، وقوله قرى أخذ أي بصيغة المصمدر المرفوع، وقوله هناك خبر قدّر مقدّما لأن المبتدأ نكرة، وقوله بمحمد وقيل الضمير للعذاب كقوله فيما سيأتي في قوله: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ﴾ أو للبعث لكن الإيمان بمحمد ﷺ شامل لهما فلذا اختاره المصنف، وقوله ني حيز التكليف الخ فإذا كان في القيامة فالبعد حقيقي واذا كان عند الموت فالبعد رتبي لأنه حالة يأس فنزل عدم القبول منزلة البعد الحسي. قوله: (ثناولاً سهلاَ) التناوس مطلق التناول كما قاله الراغب وصاحب القاموس فلو أبقاه على عمومه ولم يقيده كان أولى لكنه تبع الزمخشري فيه وهو ثقة، وقوله وهو تمثيل حالهم الخ يعني أنه استعارة تمثيلية شبه إيمانهم حيث لا يقبل بمن كان عنده شيء يمكن أخذه فلما بعد عنه فرسخاً مد يده ليتناوله، وقوله حالهم في الاستخلاص الخ أي طلب الخلاص هو المشبه، وقوله بحال الخ هو المشبه به، وقوله في الاشحالة هو وجه الشبه بينهما، وقوله أو أنه فاعل فات وسقط من بعضها ففاعله ضمير يعود للخلاص أو للاستخلاص، وقوله غلوة بالغين المعجمة واللام الساكنة ثم واو هي مقدار رمية سهم وهو هنا مثال للبعد كما أن الذراع مثال للقرب بدون قصد للتخصيص! ، وكونه بالعين المهملة تحريف من الناسخ وتناوله مصدر مضاف للمفعول أو للفاعل. قوله: (على قلب الواو لضمتها) همزة فإنها متى ضمت ضمة لازمة سواء كانت في الأوّل أو غيره جاز قلبها همزة لكن زاد أبو حيان فيه شرطين آخرين ورد على من أطلقه وهو أن لا تكون مدغمة كالتعوذ ولا في مصدر لم تقلب في فعله نحو تعاون تعاونا لأنّ المصدر يحمل فيه على فعله والشرط الأوّل صرّح به في التسهيل، ولا كلام فيه وأنما الكلام في الثاني فإنه إذا سلمه له لا يصح القلب هنا فيتعين كون الهمزة أصلية وقد ذكر جوازاً لقلب الزجاج وناهيك به، قوله: (أو أنه من نأشت الشيء الخ) فتكون على هذه القراءة الهمزة أصلية بدون قلب ويكون
اللفظ، ورد من مادّتين ولا بعد فيه وأقحمني في بيت رؤبة بالقاف والحاء المهملة بمعنى ألجأني وأبو الخاموس بالخاء والشين المعجمتين علم رجل، وقيل أفحم بالفاء والجاموس بالجيم ولست على ثقة منه ونأس بالهمز مصدر بمعنى الطلب مضاف للقدر والنؤس على وزن فعول صفته بمعنى الطالب. قوله: (تمنى الخ) هو من شعر لنهشل وهو:
ومولى عصاني واستبدبرأيه كما لم يطع فيما أشاء قصير
فلما رأى ما غب أمري وأمره وناءت بإعجاز الأمور صدور
تمنى نثيشاً أن يكون أطاعني وقد حدثن بعد الأمور أمور
فنئيشا على ما ذكر هنا بمعنى أخير، وقال المعرّي في رسالة الغفران: النئيش ما طلب
بعدما فات وقد صحف
стр. 2496
بعضهم هذا البيت وفيه كلام ليس هذا محله. قوله: (فيكون بمعنى التناول من بعد) يعني إذا كانت الهمزة أصلية يكون معنى التناوس التناول من بعد على الوجه الأخير كما في الكشاف لأن الأخير أو ما فات يقتضيه أو عليهما لأنّ الطلب لا يكون للشيء القريب منك الحاضر عندك فيكون قوله من مكان بعيد تأكيد، وأمّا تجريده لمطلق التناول وان صح فعبارتهما تأباه، وما قيل من أنّ البعد هنا زماني أي بعدما فات وقنه ليجمع بين بعد الزمان والمكان غير صحيح لأنّ المستعار منه إنما هو في المكان وما ذكره من أحوال المستعار له وأمّا كون بعد في العبارة بفتح الباء، والجرّ بمعنى متأخر فلا ينبغي أن يلتفت إليه لما فيه من التعسف الغنيّ عن البيان. قوله: (وقد كفروا به) حال أو معطوف أو مستأنف والأوّل أقرب، وقوله يرجمون تفسير ليقذفون وقد سبق بيانه قريباً، وقوله بالظن بمعنى المظنون تفسير للغيب بمعنى الغائب فيكون معنى يقذفون بالغيب يتكلمون بما لم ينشأ عن تحقيق ويظهر لهم فلا ينافي كون قوله بما لم يظهر تفسيراً له لأنه بيان لأنّ الظن ما كان عن تخمين وعدم تثبت فقوله يتكلمون بما لم يظهر تفسير لقوله يرجمون بالظن، وقوله في الرسول أو في العذاب لف ونشر مرتب لقوله بمحمد أو بالعذاب، وقوله من جانب بعيد يعني المراد بالمكان البعيد الجهة البعيدة والحال التي لا تناسب وما تمحلوه في الرسول قولهم رجل يريد أن يصدّكم الخ ونحوه وفي
الآخرة قياسها على الدنيا وظن الأموال والأولاد تفيد فيها كما حكاه عنهم سابقاً في قوله، وما نحن بمعذبين الخ. قوله: (ولعله) أي قوله ويقذفون الخ استعارة تمثيلية بتشبيه حالهم في ذلك أي في قولهم آمنا حيث لا ينفعهم بحال من رمى شيئا من مكان بعيد وهو لا يراه فإنه لا يتوهم إصابته ولا لحوقه لخفائه عنه وغاية بعده فباء بالغيب بمعنى في أي في محل غائب عن نظره أو للملابسة، وقوله وقرئ يقذفون أي ببناء المجهول وفاعله الشياطين وقذفهم به إلقاؤه عليهم وتلقينهم له، وقوله والعطف الخ أي على هذا يقذفون معطوف على قد كفروا وعبر بالمضارع لما ذكر فيكون هذا مما وقع في الدنيا فإن عطف على قالوا فهو تمثيل لحالهم في الآخرة وتلفظهم بالإيمان بعدما فات زمانه وضاع، وقوله في تحصيل الخ متعلق بحالهم وحيل مبنيّ للمجهول ونائب الفاعل ضمير المصدر أي وقعت الحيلولة وتقدم نظيره، والإشمام هنا بمعنى الروم ومن قبل متعلق بفعل أو بأشياعهم. قوله: (موقع في الريبة الخ) حاصله أنه إمّا من أراد به أوقعه في ريبة وتهمة فالهمزة للتعدية أو من أراب الرجل أي صار ذا رببة وهو مجاز إمّا بتشبيه الشك بإنسان على أنه استعارة مكنية وتخييلية أو على أنه إسناد مجازيّ أسند فيه ما لصاحب الشك للشك للمبالغة فتأمّله. قوله: (من قرأ الخ (هو حديث موضوع ومصافحة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ومرافقتهم لذكرهم وأحوالهم فيها تمت السورة والحمد لله رب العالمين، وأفضل صلاة وسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
سورة فاطر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (وآيها خمس وأريعون) أي بمدّ الهمزة جمع آية وقال الدأني ﵀ في كتاب العدد هي أربعون ويست آيات في المدني الأخير والشامي وخمس في عدد الباقين. قوله: (مبدعهما من الفطر الخ) يعني أن المراد به الإبداع وهو الإيجاد من غير سبق مثل ومادة، وقد كان أصل معناه الشق، ثم تجوّز به عما ذكر وشاع فيه حتى صار حقيقة أيضاً ثم إنه بين المناسبة بين المعنى الأوّل والثاني بقوله كأنه الخ وأشار بقوله كأنه إلى أنّ شق العدم ليس على حقيقته فإنّ الشق يختص بالأجسام لكنه أورد عليه أنّ في شق العدم متعلق الشق ليس السموات، وهو المذكور في المنقول إليه ولا مجال لجعله مجازاً في النسبة أو تكلف مجاز الحذف والإيصال فيه كما قيل فلا مناسبة بين ما جعله أصلا وما أريد به، وأمّا ما قيل من أنه لا مانع من حمله على أصله وهو الشق هنا ويكون إشارة إلى الأمطار والنبات ونزول الملائكة فليس بشيء لأنّ الأمطار لا معنى لكونها شاقة للسماء، ولأنّ معنى الشق لا يناسب في مثل فطر الناس وكذا حمله على شق السماء، ونسف الأرض
стр. 2497
يوم القيامة لا يلائم الحمد وكله مما لا يلتفت إليه لكناد ذكرناه لئلا يتوهمه الناظر فيه شيئاً، فالذي عليه المعوّل هنا أنّ المبتدع لما لم يكن فيه ولا معه شق محسوس جعله شقاً متوهماً وهو أنّ العدم لكونه الأصل جعل ما يوجد كانه خلفه أو فيه فشقه وخرح منه إلى العيان فالشاق، والفاطر السموات والإجرام المبتدعة والفطر صفتها لأنّ الفعل يسند حقيقة في عرف اللغة لما يتحقق به وإن كان الفاعل حقيقة هو الله فتدبر. قوله: (والإضافة محضة الخ) فيصح كونه صفة للمعرفة ولا حاجة إلى أن يقال إنه بدل، وهو قليل في المشتقات لكن قوله جاعلى إن كان بمعنى خالق ورسلاً حال فهو على قراءة الجرّ مثله وأمّا إن كان بمعنى مصير فرسلاً مفعول ثان، ولم يكن بد من جعله عاملا واضافته لفظية فتتعين فيه البدلية على ما مرّ تفصيله في سورة الأنعام، وقوله وسايط الخ إشارة إلى أنه بمعناه اللغويّ غير مختص برسل الملائكة كجبريل والإلهام والرؤيا بالنظر إلى الجميع والوحي مختص بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وذكر الرؤيا بناء على أنها بواسطة ملك بلغ عنه ما يرى
على ما ورد في الحديث، وقوله يوصلون الخ كالأمطار والرياح وغيرها وهم الموكلون بأمور العالم. قوله: (ذوي أجنحة) إشارة إلى أن أولي صفة رسلاَ وأنّ معناه ذوي ولا واحد له من لفظه، وقوله متفاوتة الخ فزيادتها لعلوّ مرتبة من زيدت له، وقوله ينزلن بها الخ ناظر لتفسير رسلاَ الأوّل وما بعد. لما بعده وأو هنا وفي الأوّل يحتمل أن تكون للترديد في التفسير والمراد أنه مفسر بهذا أو بهذا ويحتمل أنها للتنويع، وقوله ولعله لم يرد الخ لأنه لولا هذا خرج جبرائيل ونحوه من عظماء الملائكة والظاهر أنّ ما ذكر شامل لجميع الملائكة، وقوله أولى أجنحة الخ وصف كاشف لأنّ المراد جميعهم ولو أريد البعض منهم كان المناسب لمقام العظمة ذكر أعظمهم فلا بدّ مما ذكر فما ذكر للدلالة على التكثير والتفاوت فيها لا للتعيين ولا لنفي النقصان كما قيل لأنه لا يتوهم النقصان عن اثنين، وما قيل إنه عدول عن الظاهر من غير داع له، وأنّ قوله يزيد في الخلق ما يشاء يأباه من ضيق العطن لأنّ قوله يزيد الخ لا يدل على أنّ الزيادة في الأجنحة فتأمّل. قوله: (استئناف الخ) أي هي جملة مستانفة، ولذا لم تعطف واستئنافها لفوائد كما أشار إليه بقوله للدلالة، وقوله أمر بالجرّ معطوف على مقتضى ويجوز عطفه على الدلالة أو على مجرور على والأوّل أولى إذ المعنى أنه بمقتضى مشيئته لا بأمر يستدعيه ويقتضيه من ذواتهم، وأمّا احتمال شق ثالث وهو أن يكون بأمر خارج كما قيل فلما كان لحكمة كان داخلا في الأوّل والفصول جمع فصل وهو المميز للذوات. قوله: (لآنّ اختلاف الخ) أي لو كان اختلاف النوع لذات النوع، والمصنف لذات الصحنف لزم تنافي لوازم الأمور المتوافقة وكذا لو كان بسبب طبيعة الجنس المشترك بينهما فلا قصور في كلامه كما توهم، وقوله إن كان لذواتهم وفي نسخة لذاتهم بالإفراد أي للذات المشتركة في الطبيعة النوعية أو الجنسية فقوله بالخواص راجع للأصناف، والفصول للأنواع ومبني كلامه على عدم اختلاف الحقيقة الملكية، وهو كاف لمقصوده من غير توقف على تماثل الأجسام لتأنيه على كونها أرواحا أو عقولاً مجرّدة فلا وجه لجعله مبناه. قوله: (والآية متناولة الخ) ملاحة الوجه وما بعده مثال للمعاني ويجوز إرجاء الأوّل للصور وحصافة العقل بالحاء والصاد المهملتين والفاء
استحكامه وقوته كما في القاموس. قوله: (وتخصيص! بعض الآشياء الخ) وفي نسخة الأسباب والأولى أولى فلا يلزم ترجيح المساوي وهذا تأكيد وتقرير لما قبله من المشيئة، وقوله هو من تجوّز السبب للمسبب أي الفتح مجاز مرسل للإرسال بعلاقة السببية فإنّ فتح الباب مثلا سبب لإطلاق ما فيه وإرساله ولذا قابله بالإمساك والإطلاق كناية عن الإعطاء كما يقال أطلق السلطان للجند أرزاقهم فهو كناية متفرّعة على المجاز. قوله: (واختلاف الضميرين) العائدين لما حيث أنث الأوّل باعتبار المعنى وذكر الثاني باعتبار اللفظ وهذا هو الصحيح والمرجح ما أشار إليه بقوله لأنّ الموصول الخ، وفي عبارته تسمح حيث أطلق الموصول على ما وهي شرطية هنا لجزمها وهو إشارة إلى أنها في الاً صل اسم موصول تضمن معنى الشرط كما ذكره بعض النحاة. قوله: (بأنّ رحمتة سبقت غضبه) كما ورد في الحديث الصحيح، والمعنى سبق تقدم تعلقه في الوجود على تعلق الغضب لأنه إنما يكون بعد الوجود الذي هو أساب النعم وإلا فلا تقدم لأحد الصفتين
стр. 2498
على الأخرى إذا كانا من الصفات الذاتية وقد فسر السبق في الحديث بالغلبة، وقد حمل عليه كلام المصنف فالإشعار ظاهر لتخصيص الرحمة في الأوّل وتشريكها مع الغضب في الثاني الدال على غلبتها كما قيل، وقوله وفي ذلك أي تفسيرها ولو جعله من تقدّمها في الذكر كان أظهر لكن تفسيره دون مقابله المقتضى لقصده والاعتناء به مشعر بذلك فتدبر. قوله: (من بعد إمساكه) ويجوز تفسيره بغيه كما مرّ وهذا أولى لأتي هذا مستفاد من قوله فلا مرسل له فالأولى أن يفسر فلا مرسل الخ فلا قادر على إرساله سواه كما قيل، وقوله واتقان بالمثناة الفوقية ووقع في نسخة بالتحتية والأوّل هو الصحيح، وقوله الملك المراد به عالم الشهادة الدال عليه ذكر السموات والأرض والملكوت عالم الغيب الدال عليه قوله جاعل الملائكة. قوله: (احفظوها بمعرفة حقها) فليس المراد مجرّد ذكرها باللسان بل الاعتراف بها على وجه يقتضي أداء حقوقها كما يقول الرجل لمن ينعم عليه اذكر أيادفي عندك فهو كناية عما
ذكر كما بينه الزمخشريّ. قوله: (ثم أنكر الخ) إشارة إلى أنّ الاستفهام في قوله هل من خالق الخ إنكاريّ فإن قلت قد قال الرضى وغيره من النحاة في الفرق بين الهمزة وهل أنّ الهمزة ترد في الإثبات للاستفهام والإنكار وهل لا تستعمل للإنكار قلت قد أجيب عنه بأن الإنكار ثلاثة أقسام إنكار على مدعي الوقوع كقوله: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٤٠] ويلزمه النفي وانكار على من أوقع الشيء نحو أتضربه وهو أخوك وانكار لوقوع الشيء وششعمل هل في الأخير دون الأوّلين وهذا معنى قولهم الاستفهام بهل يراد به النفي كما في المغني، وهو الذي أراده الرضى واعترض عليه بأن كلام المفتاج وشرحه للشريف يخالفه حيث قال لا يصح أن يراد بالمضارع الداخل عليه هل معنى الحال سواء قصد الاستفهام أو الإنكار وفيه نظر لأنّ الإطلاق لا ينافي التقييد. قوله تعالى: ( ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ ) في الكشاف إنه جفلة مفصولة لا محل لها مثل يرزقكم في الوجه الثالث ولو وصلتها كما وصلت يرزقكم لم يساعد عليه المعنى لأنّ قولك هل من خالق آخر سوى الله لا إله إلا ذلك الخالق غير مستقيم لأنّ قولك هل من خالق سوى الله إثبات لله فلو ذهبت تقول ذلك كنت مناقضا بالنفي بعد الإثبات، وهذا مما أشكل على شرّاحه ولهم فيه كلام طويل وكانّ المصنف ذهب إلى أنه غير مستقيم فلذا تركه واذا كان كذلك فلا علينا إن تركنا ما تركه. قوله: (للحمل على محل من خالق) وهو الرفع لأنه مبتدأ خبره يرزقكم أو مقدر وهو لكم لا غير لأنّ المعنى ليس عليه ومن زائدة للتأكيد، والوصفية لتوقله في التنكير حتى لا يتعرّف بالإضافة فلذا جوّز وصف النكرة به مع إضافته للمعرفة، وقوله فإنّ الاستفهام بمعنى النفي توجيه للبدلية بحسب المعنى والصناعة لأنّ غير الله هو الخالق المنفي ولأنّ المعنى على الاستثناء أي لا خالق إلا الله والبدلية في الاستثناء بغير إنما تكون في الكلام المنفيّ لا توجيه لزيادة من ولا للابتداء بالنكرة كما قيل لأنه ليس في الكلام ما يدلّ عليه. قوله: (أو لآنه فاعل خالق) معطوف على قوله للحمل أي رفعه على أنه فاعل لخالق، وهو حينئذ مبتدأ لا خبر له ولا وجه لتوقف أبي حيان بأنه لم يسمع إعماله مع زيادة من فإنّ شرط الزيادة والإعمال موجود من غير مانع فالتوقف من غير داع لا وجه له غير التعنت. قوله: (أو استئناف مفسر له) على أن خالق فاعل لفعل مضمر يفسره المذكور وأصله هل يرزقكم خالق ومن زائدة في الفاعل، وقد اعترض على هذا الوجه بأنه قبيح شاذ في العربية فلا ينبغي حمل كلام الله عليه لأنّ هل لا تدخل على الاسم إذا كان في حيزها فعل نحو هل زيد خرج لاختصاصها بالأفعال في الأصل لكونها بمعنى قد وأصل هل أهل لكن استغنى عن
الهمزة للزومها لها، ثم تطفلت على الهمزة في الدخول على جملة اسمية فإذا رأت الفعل في حيزها حتت لألفها المألوف على ما فيه كما فصل في النحو وقد أجيب عنه بأنّ الزمخشريّ لا يسلم ما قالوه كما صرّح به في المفصل لأنّ حرف الشرط كان مثلاً ألزم للفعل من هل لأنه لا يجوز دخوله على الجملة الاسمية كما دخلت عليها هل وقد جاز عمل الفعل مقدراً بعدها على شريطة التفسير كقوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ [سورة التوبة، الآية: ٦] فيجوز في هل بالطريق الأولى وهذا أحسن مما قيل إنه أراد به ذكر جملة الوجوه المحتملة، وان كان بعضها غير جائز أو مستحسن كهذا وأمّا قول الطيبي إنّ هذا يحسن من البليغ إذا كان يتضمن معنى بليغاً مما يختص بالإضمار والتفسير كالإبهام، ثم التفسير وكون
стр. 2499
الاستفهام بالفعل أولى كما حسن مخالفته كالدخول على الجملة الاسمية بلا فارق بينهما فضعيف جداً لكنه ليس بسهو في فهم كلام المعترض كما توهم، وأمّا تفسير كلامه هنا بأنّ المراد أنّ خالق مبتدأ خبره مقدّر أي وقوله يرزقكم مستأنف في جواب سؤال مقدر أيّ خالق يسأل عنه على أنه استئناف بيانيّ، وما بعده استئناف نحويّ فليس بمراده كما صرّح به في الكشاف مع أنه لو حمل عليه جاز وعلى الأوّل فضمير له ليرزقكم المقدر فهو اسنخدام. قوله: (وعلى الأخير) إذا كان يرزقكم كلاما مستأنفاً ولم يكن صفة، ولا مضمراً على شريطة التفسير والمعنى على النفي فيقتضي حينئذ عدم جواز إطلاق لفظ الخالق على غير الله إذ معناه لا خالق غير الله بخلافه على الوجوه الأخر، فإنّ معناه لا خالق يرزق غير الله فالمختص مجموع الخالقية والرازقية أو الرازقية فيكون غيره خالقاً كما قاله المعتزلة من أنّ العبد خالق لأفعاله فجوّزوا لطلاقه على غيره. قوله: (أي فتأص بهم الخ) دفع لما يتوهم من أنّ الجواب مسبب عن الثرط وهذا أمر قد كان قبله بأنّ المراد التأسي بهم كما قيل:
قصوا عليّ حديث من قتل الهوى إنّ التأسي روح كل حزين
فالأصل فاصبر وتأص بمن قبلك فقد كذبوا وصبروا فحذف الجواب، وأقيم هذا مقامه
وإن كان هذا هو الجواب بحسب العربية والمسبب في الحقيقة التأسي لكن لما كان المراد الحث عليه قدر بالأمر فلا يتوهم أنّ المستغني عنه الأمر بالتأسي كما أشار إليه المصنف ويجوز أن يجعل الجواب من غير تقدير، ريكون المترتب عليه الإعلام والإخبار كما في وما بكم من نعمة فمن الله، وقوله وتنكير الخ وللتكثير أيضاً. قوله: (فيجازيك) تفسير للمراد من ذكر
الرجوع أو بيان لما يترتب عليه، وقوله لا خلف فيه بيان لأنه المراد فليست حقيته بمعنى وقوعه وقوله فيذهلكم فالغرور مجاز عنه والنهي على نمط لا أرينك ههنا، وقوله الشيطان فتعريفه للعهد ويجوز التعميم، وقوله فإنها وإن أمكنت بيان لما في الكشاف مما يخالفه بناء على الاعتزال وقطع الأمانيّ الفارغة بالكلية مما في حال الكفر فإنه اللازم من الآية فلا يتوهم مخالفته لأهل الحق، وقوله وهو مصدر لغرّه وان قل في المتعدى وقعود مثال لهما لأنه مصدر وجمع قاعد أيضاً وعلى المصدرية الإسناد مجازيّ. قوله: (عداوة عامّة) من قوله لكم وقديمة من الاسمية أو هو بيان للواقع إشارة لقصة آدم وقوله في عقائدكم أي كونوا معتقدين لعداوته عن صميم قلب، وإذا فعلتم فعلاً فأفطنوا له فيه فإنه يدخل عليكم فيه الرياء ويزين لكم القبائح، وقوله وبيان لغرضه إشارة إلى أنّ اللام ليست للعاقبة. قوله: (وقطع للأمانئ الفارغة) هذا كلام حق وان كان ذا وجهين فإنّ من الأمانيئ الفارغة بل التي بعد فراغها كسرت أكوابها أمانيّ الكفرة فإنهم قالوا إنّ الله أكرمنا في الدنيا فلا يعذبنا في الآخرة كما مرّ، وهو لم يقل أمانيّ عصاة المسلمين حتى يكون مخالفا لمذهب أهل الحق كما توهم وكيف يحمل عليه وقد نص على مراده بقوله قبيله وان أمكنت نعم هي كلمة حق أريد بها باطل في كلام الزمخشري فلا تغفل. قوله: (وبناء للأمر كله على الإيمان الخ) الظاهر أنّ مراده أمر الآخرة كله من الثواب والعقاب، والعفو فإنّ ما فيها جميعه لا يخلو عن ذلك ومداره كله على الإيمان والعمل الصالح وعدمهما فإنه لا عقاب إلا بكفر أو معصية ولا عفو ولا ثواب إلا بإيمان أو عمل صالح، وهذا مما لا شبهة فيه وكونه في الجميع على القطع من غير احتمال تخلف أصلاً مسكوت عنه ومعلوم من نصوص أخر فميس هذا مبنياً على الاعتزال كما قيل، ولا دخل للام الاختصاص هنا بناء على أنّ المراد بالأمر الأمر النافع وكأنه جعل العذاب الشديد والأجر الكبير توصيفهما ليس للاحتراز بل لأنّ عذاب الآخرة كله شديد بالنسبة لما في الدنيا، وكذا أجرها كله عظيم فالوصف للتوضيح لا للتقييد فلا يقال إنه تبع الزمخشري إما غفلة واما بناء على أنه المناسب للوعيد هنا فكلامه لا يخلو من كدر ولو تركه كان أحسن. قوله تعالى: ( ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ ) أي
حسن له عمله السيء فهو من إضافة الصفة للموصوف، وقوله تقرير له أي لما قبله من قوله الذين الخ وقوله بأن الخ بيان لتزيينه له، وقوله على ما هي عليه أي في نفس الأمر لا بمجرّد الوهم والتخيل. قوله: (فحذف الجواب الخ) قال السكاكي في باب الإيجاز
стр. 2500
قوله تعالى أفمن زين له الخ تتمته ذهبت نفسك عليهم فحذف لدلالة فلا تذهب نفسك عليهم الخ، أو تتمته كمن هداه الله فحذف لدلالة فإن الله يضل الخ انتهى فقال السعد في شرحه المحذوف على التقدير الثاني خبر وعلى الأوّل يحتمك الجزاء فأطلق لفظ التتمة ليشملهما انتهى فقيل إنه سد باب الجزائية على التقدير الثاني لقول ابن هشام إنّ الظرف لا يكون جوابا للشرط ووجهه أنّ الرضى صرّح بأنه لا يكون مستقراً في غير الخبر والصفة والصلة والحال ولم يذكر الجزاء، فلا يرد ما يتوهم من أنه إذا قدر متعلقه فعلا لم لا يكون جزاء وان لم يقرن بالفاء فإنه الأصل فيه فيندفع قول الثريف في حواشيه لا يجوز أن تكون من شرطية على هذا التقدير لانتفاء الفاء في الجزاء يعني أنّ تقدير الفاء داخلة على مبتدأ يكون الجار والمجرور خبره والجملة بتمامها جزاء غر جائز لما فيه من التكلف، وليس هذا كحذف الجواب مع الفاء كما توهم إلا أن ابن مالك في شرح الألفية في باب الشرط جعل من في هذه الآية شرطية على التقديرين وهو ظاهر قول الزجاج هنا الجواب على ضربين أحدهما ما يدل عليه فلا تذهب نفسك الخ ويكون المعنى أفمن زين له سوء عمله فأضله الله ذهبت نفسك عليهم حسرة ويكون فلا تذهب الخ يدد عليه، ويجوز أن يكون الجواب محذوفاً فيكون المعنى أفمن زين له سوء عمله كمن هداه الله ويكون دليله فإن الله يضل الخ، انتهى وهو ظاهر كلام المصنف ﵀ أيضاً إذ لا يظهر للعدول عن التعبير بالخبر إلى الجواب وجه فمن يحتمل أن تكون موصولة وشرطية في الآية، وما قيل من أنّ الموصولية فيها متعينة واطلاق الخبر على الجواب تسامح ليس بمسلم وان أيده بعضهم بأنه وقع في بعض النسخ الخبر بدل الجواب، وفيه كلام يطول شرحه في الباب الخامس من المغني وشروحه فليحرّر، وقوله عليه أي على الجواب. قوله: (وقيل تقديره) ضعفه لما فيه من الفصل بينه وبين دليل الجواب بقوله فإنّ الله ولا يظهر تقريره لما قبله وتفريعه عليه ولا تفريع قوله فإنّ الله الخ إلا بتقدير لا جدوى، ولا فائدة في ذلك وكله تكلف والهمزة للإنكار، وقوله فحذف الجواب يعلم حاله مما مرّ إذ الظاهر منه أنها شرطية لا موصولة على أن يريد بالجواب هنا الخبر تسمحا لكنه هنا أبعد إذ لا مانع من حمله على ظاهره ولم يجوزوا كون فرآه جوابا لركاكته صناعة، ومعنى لأنّ الماضي لا يقترن بالفاء بدون قد ولأنه لا معنى لإنكار كونهم رأوه حسناً إلا بتكلف، قيل ولم يلتفت لما في الكشاف من تقدير كمن لم يزين له وأنّ النبيّ-لمجت قال في جوابه: " لا " فرتب عليه قوله تعالى له: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ الخ لبعده وفيه نظر وقد حمل بعضهم الجواب في كلامهم على معناه اللغوي دون النحوي وهو جواب الاستفهام كلا ونعم على أنّ الاستفهام على ظاهره، وليس المراد به الإنكار وإنما استدعى الجواب ليرتب عليه ما يترتب فيكون على تقديره أفمن زين له كمن لم يزين له لا فإنّ الله يضل الخ وعلى تقدير أفمن زين له
سوء عمله ذهبت نفسك عليه حسرة نعم يحرض على هداية الناس، ويكون ترتب قوله فانّ الله الخ لأن الهداية بيد الفياض فلذا رجوتها لهم، وهو كلا حسن وإن كان لم يفصح عنه وكلام المصنف ﵀ في حديث السببية ينبو عنه فتدبر. قوله: (ومعناه الخ) يعني أنّ هلاك نفسه بالحسرة عبارة عن التهالك فيها وشدتها كما يقال هلك عليه حبا ومات عليه حزنا وذهب بمعنى هلك. قوله: (والفاآت الثلاث الخ) الفاآت في النظم أربعة والمصنف ﵀ أسقط واحدة جعلها عاطفة أي للعطف من غير مهلة دون سببية ولم يعينها فقيل إنها فاء فرآه لأنها عطفته على زين ولا يخفى أنّ رؤيته حسنا مسبب عما سوّله له شيطان الوهم والهوى وتقرير المصنف مناد على خلاف ما ذكره، وقيل إنها فاء أفمن الخ فإنها رأس كلام وان قصد به تقرير ما قبله لا سيما إذا قلنا إنها عطفت على مقدّر كما هو مذهب المصنف ﵀ على ما عرف في أمثاله، وهو أقرب وستأني تتمة الكلام عليه. قوله: (غير أن الآوليين الخ) وجهه على الأوّل أن تزيين الأعمال وعدمه سبب للعذاب والأجر، واضلال الله وهدايته سبب للتزيين الذي أراه القبيح حسنا وأما النهي عن تهالكه وتحسره عليهم فمسب عن أنّ الله خلق الناس على قسمين ضال ومهديّ، وهو ظاهر ولذا ارتكبه من ارتكبه وعلى الثاني فاعتقاده الباطل حقا سبب لتزيينه عنده والإضلال والهداية سبب لذلك الاعتقاد، وأمر الثالث كما مرّ
стр. 2501
وللبحث فيه مجال، والفاء قد تدخل على المسبب وقد تدخل على المسبب وان فرق بعضهم بينهما فجعل الأولى تعليلية والثانية سببية، ولا مشاحة في الاصطلاح. قوله: (وجمع الحسرات الخ) يعني أنه مصدر صادق على القليل والكثير في الأصل لكنه جمع هنا لدلالة على زيادة حسرته التي كادت تذهب بنفسه لثدتها أو على تعدّدها بسبب تعدد أسبابها فالفرق بينهما ظاهر، وقوله لأنّ المصدر الخ تقدم إنّ بعضهم اغتفره في الجار والمجرور، وقوله أو بيان الخ فيكون ظرفا مستقرّاً متعلقه مقدر كأنه قيل على من تذهب فقيل عليهم ونصب حسرات على أنه مفعول أو حال. قوله: (استحضاراً الخ) إشارة إلى أنّ حكاية الحال تكون في الأمور المستغربة البديعة، وانه لتمثيلها بجعلها كالحاضر المشاهد لأنّ الأمور الغريبة يهتم بها السامع فيزيد تصوره لها كأنها محسوسة له، وقوله ولأنّ الخ الظاهر أن الأحداث مصدر مضاف للمفعول وهو الرياج، والفاعلى هو الله تعالى والأحداث هو معنى الإرسال لأنه إيجاد خاص من الله تعالى لها، وقوله بهذه الخاصية بالباء أو اللام كما في بعض النسخ وفي بعضها على هذه الخاصية والمقصود أن الإثارة خاصية لها وأثر
لا ينفك عنها فلا يوجد إلا بعد إيجادها فيكون مستقبلا بالنسبة إلى الإرسال فاستعمال المضارع فيه على ظاهره، وحقيقته من غير تأويل لأنّ المعتبر زمان الحكم لا زمان التكلم والفاء دالة على عدم تراخيه وهو شيء آخر، فما قيل من أنه مضاف للفاعل أي إحداث الرياح الإثارة وهي تحدث بعد إرسالها فللدّلالة عليه أتى بصيغة المستقبل، والفاء وان دلت عليه لكن لا مانع من تعدد الدال على أمر واحد للاهتمام به كلام مغشوش مشوّس والحق ما سمعته. قوله: (للدّلالة على استمرار الأمر) يعني أنه أتى بما يدل على الماضي ثم بما يدل على المستقبل إشارة إلى استمرار ذلك، وإنه لا يختص بزمان دون زمان إذ لا يصح المضي والاستقبال في شيء واحد إلا إذا قصد ذلك، وتشديد الياء من ميت وهما بمعنى وقد يفرق بينهما، وقوله وذكر السحاب كذكره جواب عن مرجع الضمير بأنه على ما يفهم منه بطريق الالتزام أو هو راجع إلى السحاب ونسبة الإحياء إليه لأنه سبب السبب، وقوله أو والصائر الخ عطف على سبب السبب، وهذا بناء على أنّ السحاب بخار متصاعد فقد يصير مطراً بعينه فالإسناد إليه لأنه أصله، وهذا مع تكلفه لا فرق بينه وبين ما قبله يعتدّ به واستعارة الموت والحياة قد مرّت مفصلة، وقيل إنه أشار بقوله بعد يبسها إلى أنّ الحياة مستعارة للرطوبة والموت لليبوسة لأنها تكون منشأ للآثار كالحياة وفيه نظر. توله: (والعدول فيهما الخ) وكون ضمير المتكلم أدخل في الاختصاص لأنه لا يحتمل الشركة كضمير الغائب، وهذا الفعل مما اختص به تعالى فناسب ذكره بما هو أدل على الاختصاص ولما فيه من كمال القدرة أتى بضمير العظمة. قوله: (أي مثل إحياء الموات الخ) المراد بالموات الأرض التي لا نبات فيها فإنباته فيها قدرة عظيمة دالة على صحة الحشر والنثر، والمعاد وقوله احتمال الخ أي إنّ النابت ثانياً زيادة أخرى غير مادة الأوّل، ولا مدخل له في المقدورية ولا في صحتها مع أنه بعينه جار في القسمين أيضاً على ما عرف فيه من أنه إعادة معدوم أولاً كماه فصل في الكلام. قوله: (وقيل في كيفية الإحياء (أي وجهه أنه مثله في الكيفية لأنه بأمطار ماء كالمني تنبت به الأجسام من عجب الذنب على ما ورد في الآثار، وهو معطوف على قوله في صحة المقدورية. قوله: (الشرف والمنعة) بفتحتين مصدر بمعنى العز والقوّة ويكون جمع مانع أيضا وتعريف العزة للجنس، وفيما بعده للاستغراق بقرينة قوله
جميعاً، وقوله فليطلبها الخ فوضع فيه السبب موضع المسبب لأنّ الطلب ممن هي له وفي ملكه جميعها مسبب عنه، وعبر بما ذكر للعدول إلى المقصود وترك الوسيلة كما مرّ في قوله فانفجرت والطلب منه إنما يكون بالطاعة والانقياد إذ ما عداه لا يعد لعدم إيصاله للمطلوب فلذا عقبه بقوله: (إليه يصمد الكلم الطيب) الخ وجعل بعضهم المقدّر فليطع الله، ولو أريد بالعزة الأولى جميعها وقدر الجواب فهو لا ينالها صح أيضا وهو أنسب بما بعده، ولا ينافي قوله ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين وقوله تعز من تشاء الخ كما قيل. قوله: (بيان لما يطلب به العزة) أو لكون العزة كلها لله وهي بيده لأنها بالعمل الصالح، وهو لا يعتد به ما لم يقبله أو هي مستأنفة وقوله وهو التوحيد تفسير للكلم الطيب لأنّ المراد به كلمة الشهادة وجمعها لتعددها بتعدد قائلها، وقوله:
стр. 2502
وصعودهما إمّا بناء على عطف العمل على الكلم أو لاستلزام الرفع له، وقوله مجاز أي مرسل بعلاقة اللزوم أو استعارة بتشبيه القبول بالرفع إلى مكان عال. قوله: (أو صعود الكتبة بصحيفتهما) فيجعل الكلم والعمل مجازا عما كتب فيه بعلاقة الحلول، والتجوّز في النسبة أو يقدر فيه مضاف أو يشبه وجوده الخارجي في السماء وكتابته فيها بالصعود فهو استعارة تبعية، وقوله للكلم فإنه يذكر ويؤنث، وفي قوله لا يقبل إشارة إلى أنّ الرفع كالصعود مجاز عن القبول أيضا، وقوله ويؤيد. الخ فهو من الاشتغال، وقيل في وجه التأييد أن الأصل توافق القراآت وفي هذه تعين الكلم للرّافعية والعمل للمرفوعية فتحمل عليه قراءة الرفع وفيه أنه كيف يتعين مع جواز أن يكون الرافع هو الله كما سيأتي فتأمّل. قوله: (أو للعمل) والضمير المنصوب للكلم وتحقيق الإيمان بإظهار آثاره إذ بها يعلم التصديق القلبي، وتقويته بتثبيته لا رفع قدره وقوله وتخصيص العمل الخ أي إذا كان الضمير لله فجعله مخصوصاً بالذكر ونسبة رفع الله له لأنّ الضمير البارز له لا لهما ولا لصاحبه كما قيل سواء كان العمل مبتدأ أو معطوفا لأنّ فيه كلفة ومشقة إذ هو الجهاد اكبر وفيه إشارة إلى أنّ الرفع بمعنى الشرف. قوله: (وقرئ يصعد من الإصعاد على البناءين) أي مبنياً للمعلوم والمجهول والفاعل المصرح به والمحذوف من ذكر فالكلم إمّا منصوب أو مرفوع، وقوله وعنه الخ رواه الحاكم والبيهقي والطبري عن ابن
مسعود ﵁، وقوله فحيا من التحية يقال حياه الله أي أبقاه فهو في الحياة، وقيل إنه من استقبال المحيا وهو الوجه وهو المناسب هنا على سبيل الاستعارة فالمعنى أنه يستقبل به الله والمراد رجاء رضا الله به، وقوله فإذا لم يكن الخ أي على هذا التفسير والمراد لم يقبل قبولاً كاملاً إن لم يرد ما يشمل العمل القلبي كالتصديق. قوله: (المكرات السيآت) يعني السيآت منصوب على أنه صفة المصدر لأنّ مكر لازم وقد جوّز نصبه على تضمين يقصدون أو يكسبون وعلى الأوّل فيه مبالغة للوعيد الشديد على قصده أو هو إشارة إلى عدم تأثير مكرهم، ودار الندوة دار بمكة كانوا يجتمعون فيها للمشاورة وفصل الأمور والندوة الاجتماع ومنه النادي وقصتها مشهورة، والتداور تفاعل بمعنى دارة للرأي فيما بينهم والمحاورة فيه. قوله: (لا يؤبه دونه) يقال لا يؤبه ولا يعبأ بضعنى يعتدّ به يعني أنّ ما مكروا به لا يعتد به بالنسبة للعذاب المعدّ لهم عند الله، وقوله يفسد أصل معنى البوار الكساد أو الهلاك فاستعير هنا للفساد وعدم التأثير لأنّ الكاسد يكسد لفساده ولأنّ الهالك فاسد لا أثر له. قوله: (لأنا الأمور مقدّرة لا تتغير به) أي بمكر أولئك ليس فيه حصر التأثير في التقدير ونفي اختيار العبد وكسبه حتى يكون على مذصب الجبرية كما توهم بل إن ما قدره الله لا يتغير كما أن ما علمه كذلك، ولا حاجة إلى أن يقال المراد بالأمور أمور النبوّة فقط لأن للتقدير فيها تأثيراً ظاهرا لا يتغير ومثله بعدما قرّر من مذهب الأشاعرة في الكلام تعصب فتأمل. قوله: (كما دل عليه بقوله والله) إلى آخر الآية فإنه دل على أنّ كل ما يقع جار على مقتضى علمه وقدرته، وقوله بخلق آدم الخ تقدّم فيه وجوه أخر فتذكرها. قوله: (إلا معلومة له) من في قوله من أنثى مزيدة في الفاعل، وقوله بعلمه حال منه أي ملتبسة بعلمه وليس فيه تصريح بذي الحال لكن الظاهر أنه الحامل والواضع لا المحمول والموضوع لعدم ذكرهما، ولا الحمل والوضع نفسهما لأنه خلاف الظاهر والمراد العلم بحملها ووضعها تفصيلاً لقوله، ويعلم ما في الأرحام لأنه لو قصد العلم بذاتها لم يكن لذكر الحمل والوضع فاثدة فلا يتوهم أنه لا يلزم من العلم بالحامل العلم بحملها، وسيأتي تفصيله في حم السجدة. قوله: (وما يمدّ في عمره من مصيره إلى الكبر) إمّا أن يريد أن معمر من مجاز الأول كقوله من قتل قتيلا لئلا يلزم تحصيل الحاصل كما قيل أو أن يعمر مضارع فيقتضي أن لا يكون معمرا بعد ولا ضرورة للحمل على الماضي كما قيل، وأما ما أورد على الأوّل من أنه لا يلزم من تعمير المعمر تحصيل الحاصل فرده معلوم مما مرّ تحقيقه في قوله
هدى للمتقين كما فصله في الكشف. قوله: (من عمر المعمر لغيره) اللام متعلقة بينقص ولا حاجة لجعله للبيان أي هذا النقص كائن لغيره فالضمير راجع للمعمر، والنقص لغيره إذ من عمر لا يتصوّر النقص من عمره فليس في إرجاع الضمير له إباء عنه كما توهم، وليس هذا بعد تأويله بالصيرورة مستغنى عنه أيضا فتدبر، وقوله بأن يعطي الخ أوله به بأنه لا يمكن الزيادة والنقص في شيء واحد.
стр. 2503
قوله: (والضمير له) أي للمنقوص عمره لا للمعمر كما في الوجه السابق وهو وإن لم يصرّح به في حكم المذكور كما قيل:
وبضدها تتبين الأشياء
قيعود الضمير على ما علم من السياق. قوله: (أو للمعمر على التسامح الخ) فهو كقولهم
له عليّ درهم ونصفه أي نصف درهم آخر فيعود الضمير إلى نظير المذكور لا إلى عينه كما جوّزه ابن مالك في التسهيل، وان قال ابن الصائغ، هو خطأ لأنّ المراد مثل نصفه فالضمير عائد إلى ما قبله حقيقة لأنه مناقشة في المثال وليس المراد بالمعمر أو ضميره، من من شأنه أن يعمر لأنه لو كان كذلك عاد الضمير عليه بعد التجوّز وليس بمراد، ومحصل كلامهم هنا أنه اختلف في معنى معمر فقيل المزاد عمره بدليل ما يقابله من قوله ينقص الخ، وقيل من يجعل له عمر وهل هو واحد أو شخصان فعلى الثاني هو شخص واحد قالوا مثلاَ يكتب عمره مائة ثم يكتب تحته مضى يوم مضى يومان وهكذا فكتابة الأصل هي التعمير والكتابة بعد ذلك هو النقص كما قيل:
حياتك أنفاس تعدفكلما مضى نفس منها انتقصت به جزأ
والضمير في عمره حينئذ راجع إلى المذكور والمعمر هو الذي جعل الله له عمرا طال أو
قصر وعلى القول الأوّل هو شخصان والمعمر الذي يزيد في عمره، والضمير حينئذ راجع إلى معمر آخر إذ لا يكون المزيد من عمره منقوصاً من عمره، وهذا قول الفرّاء وبعض النحويين وهو استخدام أو شبيه به وقد قيل عليه هب أنّ المعمر الثاني غير الأوّل أليس تد نسب النقص في المعمر إلى المعمر كما قلتم هو الذي زيد في عمره وأجيب بأن الأصل حينئذ وما يعمر من أحد فسمي معمراً باعتبار ما يؤول إليه وعاد الضمير باعتبار الأصل المحوّل عنه ومن العجيب ما قيل هنا إنّ السر المقدّر له عمر طويل وهو يجوز فيه أني بلغ فيه حدّ ذلك العمر وأن لا يبلغه، ولا يلزمه تغيير ما قدر له لأنّ المقدر أنفاس معدودة لا أيام محدودة وعدّه سرا دقيقاً وهو مما لا يعوّل عل! يه عاقل ولم يقل به أحد غير بعض جهلة الهنود مع أنه مخالف لما ورد في الحديث الصحيح من قول النبي ﷺ لأم حبيبة ﵂ وقد دعت بطول عمر سألت
الله لآجال مضروبة وأيام معدودة وقد أطال المحشي فيه وفي وده وهو غنيّ عنه وليس هذا من قبيل ضيق فم الركية كما قيل فتدبر. قوله: (لا يثيب الله عبدا ولا يعاقبه) هو مثال بناء على ما يتبادر منه من أنّ المراد يعاقب عبدا- آخر فلا يقال إنه لا يوافق مذهب أهل الحق ويتمحل للجواب عنه فإنّ المناقثة في المثال ليست من دأب المحصلين. قوله: (وقيل الريادة والنقصان الخ) فيكون المعمر والمتقص من عمره شخصاً واحدا بناء على ما ورد في الأحاديث من زيادة العمر ببعض الأعمال الصالحة كقوله: " الصدقة تزيد في العمر) فيجوز أن يكون أحد معمراً إذا عمل عملاَ وينقص من عمره إذا لم يعمله وهذا لا يلزم منه تغيير التقدير لأنه في تقديره تعالى معلق أيضاً، وإن كان ما في علمه الأزلي وقضائه المبرم لا محو فيه ولا إثبات وهذا ما عرف عن السلف، ولذا جاز لادعاء بطول العمر، وقال كعب (١٢ لو أنّ عمر ﵁ دعا الله أخر أجله. قوله: (وقيل المراد يالنقصان ما يمرّ من عمره الخ) فما يعمر المعمر جملة عمر. وما ينقص منه ما مضى منه، وقوله على البناء للفاعل أي بفتح الياء وضم القاف وفاعله ضمير المعمر، أو عمره ومن زائدة في الفاعل وإن كان متعدّيا جاز كونه لله، وقوله علم الله هو على الأوّل من وجوه النقص والزيادة ويجوز في الأخير أيضاً وما بعده على الأخيرين فتدبر، وقوله إشارة إلى الحفظ أي المفهوم من كونه في الكتاب والزيادة والنقص مفهومان من فعليهما. قوله: (ضرب مثل الخ) هذا هو المشهور رواية ودراية، وما قيل الأظهر إنه لبيان كمال القدرة العلية فلا يتكلف لتوجيه ما بعده ليس بشيء فترك لأجله ما في هذا من محاسن البلاغة وكسر العطش إزالته، وقوله يحرق أي يؤذي شاربه، وسيغ صفة مشبهة وملح كحذر كذلك وليس بمقصود من مالح لأنه لغة رديئة وان قيل به. قوله: (استطراد الخ) جواب عن سؤال مقدر، وهو أنه لا يناسب ذكر منافع البحر الملح وقد شبه به الكافر ولا دخل له في عدم الاستواء بل
ربما يشعر به بوجوه أحدها أنه ذكر على طريق الاسنطراد لا على طريق القصد، وليس هذا الجواب بقوي وأصل معنى الاستطراد أنّ الصائد يكون يعد وخلف صيد فيعرض له صيدآخر فيترك الأوّل ويذهب خلف الثاني فاستعير للانتقال من كلام إلى آخر يناسبه. قوله: (أو تمام التمثيل الخ) يعني أنه من جملة التمثيل
стр. 2504
وبه يتم فكأنه قيل لا استواء بينهما فيما هو المقصود الأصلي، وهو السقي منه وإزالة الظمأ وإن اشتركا من جهات أخر كالمؤمن والكافر يشتركان في أمور شتى، ولكن ما هو المقصود الأصلي وهو فطرة الإيمان لا يشتركان فيه فلا عبرة بتلك المشاركة فجملة ومن كل الخ جملة حالية.
قوله: (أو تفضيل للأجاج الخ) جواب ثالث فيكون كقوله: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٧٤] بعد قوله فهي كالحجارة فحاصله أنه أفيد بعد التشبيه أنّ الكافر ليس كالأجاج بل أدنى منه لأنه يشارك العذب في منافي دون الكافر والمراد المشاركة فيما يكون من أمور الدنيا والآخرة لأنّ أمور الدنيا لا عبرة بها في ذاتها عند الله، وهي مفقودة في الكافر بالكلية فلا يرد أن بين الوجهين تنافياً لأنّ في الأوّأى أثبت له منافع وهنا نفيت عنه مطلقا، وما قيل من أنّ قوله وإن اتفق الخ يدفعه فإنه يشير لقلته ففي الثاني بني الحكم على اكثر وألغى النادر عن حيز الاعتبار وفي الأوّل نظير له غير ظاهر فإنه ليس بنادر في نفسه كما لا يخفى. قوله: (والمراد بالحلية اللالي واليواقيث) الأولى أن يقول كما في الكشاف المرجان بدل اليواقيت، ولعل الياقوت عام في الأصل وتخصيصه بعرف طار وفيه تصريح بأنّ اللؤلؤ يخرج من المياه العذية ولا مانع منه، وان لم نره والقول بأن النظم لا دلالة له عليه مما لا وجه له كالقول بأنه من إسناد ما للبعض إلى الكل كما في قوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [سورة الرحمن، الآية: ٢٢] . قوله: (فيه) قدم هنا وأخر في النحل فقيل لأنه علق هنا بترى وثمة بمواخر وهو لا يتم به المقصود، وقوله ويجوز أن تتعلق الخ أي بمقدر كسخرنا البحرين وهياناهما ونحوه مما يشتمل على منافعهما، وقوله باعتبار ما يقتضيه ظاهر الحال يعني أنّ الترجي عليه تعالى محال فهو مجاز والمراد اقتضاء ما ذكر من النعم للشكر حتى كأنّ كلا
يترجاه من المنعم عليه بها فهو تمثيل يؤول إلى أمره بالشكر لنا. قوله: (هي مدّة الخ (لأنّ الأجل يطلق على مجموع المدة وعلى غايتها وقوله أو يوم القيامة على أنه منتهى معين، وقوله وفيها أي في هذه الإشارة إشعار بما ذكر لأنّ الأخبار والثناء عليه يقتضي ذلك، وفي قوله الإخبار إشارة إلى أنّ الله خبر لا نعت أو عطف بيان لاسم الإشارة لأنه لا يقع العلم فيه كغيره، وكونه باعتبار أصله قبل الغلبة تكلف ما لا حاجة إليه، وقوله في قران والذين الخ بإضافة القران لما في النظم أي كونه مقارنا له في الاستئناف، وهو معطوف عليه أو حال من الضمير المستتر في الظرف، وفي القران إشارة لهذا والجملة مقرّرة لما في الجملة قبلها من الدلالة على العظمة كما سيأتي وعلى الوجه الأول هو معطوف على جملة ذلكم الله الخ أو حال أيضاً، وقوله للدلالة الخ يعني أنّ قوله له الملك وما بعده مستأنف مقرّر لما قبله ودليل عليه كما أشار إليه شرّاح الكشاف فالتفرد بالألوهية والربوبية مستفاد من تعريف الظرفين في قوله: ﴿ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ﴾ وهذا مسوق لتقريره والاستدلال عليه إذ حاصله جمعي الملك والتصرّف في المبدأ والمنتهى له، وليس لغيره منه نقير ولا قطمير، ولذا قيل إنّ فيه قياساً منطقياً مطويا فسقط ما قيل من أنه يكفي فيه الأوّل لما فيه من تقديم الجارّ والمجرور المفيد للاختصاص، واللفافة بكسر اللام ظرف رقيق يلف به. قوله: (لأ! م) أي الأصنام لا الملائكة وعيسى مما عبد من دون الله جماد وخصهم لأنّ الكلام مع المشركين، وقوله أو لتبرئهم أي بلسان الحال لأنهم جماد أو لأنّ الله يخلق فيهم قوّة النطق وهو كناية عن عدم قدرتهم على النطق وكذا الكلام فيما بعده، وقوله مما تدعون بالتشديد وهو الربوبية. قوله: (فإنه الخببر على الحقيقة أليس المراد ما يقابل المجاز بل الواقع المتحقق لأنّ علمه تعالى ليس كعلم غيره بالأمور، وقوله ما يعن لكم بكسر العين وتشديد النون أي ما يعرض لكم ويطرأ من الأحوال لوقوعه في مقابلة الأنفس وليس المراد به ما ظهر أمامك، واعترض! كما قيل وان كان هذا أصله. قوله:) وتعريف الفقراء للمبالغة الأنه لا عهد فيه فهي للجنس أو الاستغراق وحصر الجنس فيهم يفيد أنه لا فقير
سواهم مع افتقار جميع الممكنات لواجب الوجود فجعل هؤلاء لشدّة احتياجهم كأنه لا فقير سواهم مبالغة، وقوله وانّ افتقار الخ الخ إشارة لما ذكر، ولذا عطف بالواو كما هو في النسخ الصحيحة وأما عطفه بأو على ما وقع في بعضها فكأنه من سهو الناسخ وتوجيهه بأنّ شدة الافتقار على الأوّل في أنفسهم وفي هذا بالإضافة لغيرهم بعيد يأباه سياقه لا يقال مثل هذا الاحتياح موجود في الجن حتى يدخلون في الناس تغليباً
стр. 2505
لأنه مما لا وجه له إذ هم لا يحتاجون في المطعم، والملبس وغيره كما يحتاج الإنسان وضعفهم ليس كضعفه مع أنه لا يضر إذ الكلام مع من يظهر القوّة والعناد من الناس، وأما احتمال كون القصر إضافياً بالنسبة إليه تعالى فمع كونه عدولاً عن الظاهر بلا ضرورة ومع فوات المبالغة المستفادة من العموم يكون قوله والله هو الغني مستدركاً والتأسيس خير من التأكيد فلا وجه للاقتداء بالإمام فيه، وما ذكر من سبب النزول وأنه لما كثر الدعاء من النبيّ ﷺ والإصرار من الكفارة قالوا لعل الله محتاج لعبادتنا فنزلت لا يفيده شيئا فإنّ قوله والله هو الغني كاف في الرد عليهم. قوله: (المستغني على الإطلاق) أي عن كل شيء، وقوله المنعم تفسير لقوله الحميد فإنّ أصل معناه المحمود لكن المراد به هنا بطريق الكناية ذلك ليناسب ذكره بعد فقرهم إذ الغنيّ لا ينفع الفقير إلا إذا كان جواداً منعماً ومثله مستحق للحمد فأريد به المستحق للحمد لأنعامه لا الاستحقاق الذاتي، وقوله على سائر الموجودأت أي جميعها من الإطلاق وعدم ذكر المتعلق، وقوله حتى استحق أي بواسطة أنعامه لا الاستحقاق الذاتي فإنه ثابت على كل حال. قوله: (بقوم آخرين) هذا على أن خطاب يذهبكم للمشركين أو للعرب، وقوله أطوع منكم أي أكثر طاعة لأنّ إذهابهم لا يكون إلا لعدم رضاه لعصيانهم، وقوله بعالم آخر أي غير الناس بناء على أنه عامّ، وقوله بمتعذر الخ لأنه من عز عليه كذا إذا صعب قال تعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [سورة التوبة، الآية: ٢٨ ا] والمتعذر أصعب من غيره. قوله: (ولا تحمل نفس آ٨ـلمة الخ) آثمة تفسير لوازرة لأنّ الوزر الإثم وهو صفة نفس مقدرة، ولذا أنث كأخرى وقوله وأما قوله الخ إشارة إلى أنّ هذه الآية لا تنافي تلك الآية التي في العنكبوت، لأنّ ما ثم بالتسبب وهو المشار إليه في حديث من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من يعمل بها إلى يوم القيامة. قوله: (ليس فيها
شيء من أوزار غيرهم) ولا ينافيه قوله مع أثقالهم لأنّ المراد بأثقالهم ما كان بمباشرتهم وبما معه ما كان بسوقهم وتسببهم فهو لهؤلاء من وجه لأولئك من آخر. قوله: (نفي أن يحمل عنها ذنبها الخ) ضمير عنها للمثقلة أي لا تحمل عنها ذنبها سواء كان الحامل وازرا أم لا فبين بطلان زعم اتحادهما، وعموم الحامل من عدم ذكر المدعوّ ظاهر فلا مجال لهذا الزعم، وأما المثقلة فاخص من الوازرة، ثم أنه قيل إنّ هذا نفي للحمل اختيارا والاً وّل نفي له إجباراً وأنه قريب مما ذكره المصنف ﵀ وقد قيل عليه إنه يأباه قوله ولا تزر إذ المناسب حينئذ ولا يوزر على وازرة وزر أخر! وقوله لا يحمل منه شيء إذ المناسب للاختيار لا يحمل شيئاً ببناء الفاعل وأيضا حق نفي الإجبار أن يتعرّض له بعد نفي الاختيار فالظاهر أن الأوّل نفي للحمل الاختياري تكرّما من أنفسهم ردّ القول المضلين ولنحمل خطاياكم، والثاني نفي له بعد الطلب منهم أعمّ من أن يكون اختيارا أو جبرا واذا لم يجبر عليها بعد الطلب والاستعانة علم عدم الجبر بدونه بالطريق الأولى فيعمّ النفي لأقسام الحمل كلها وهو كلام حسن إلا أنّ كلام المصنف ﵀ ليس فيه تعرّض للإجبار وعدمه، ولا تزر وازرة وزر أخرى وقوله ولو كان المدعوّ وقد قدر أيضا ولو كان الداعي والأوّل أحسن لأنّ الداعي هو المثقلة بعينه فيكون الظاهر عود الضمير عليه، وتأنيثه فلا وجه لاستحسانه مع ركاكته. قوله:) على حذف الخبر) وتقديره ولو كان ذو قربى مدعوّا لا مدعوّها كما قدر لما فيه من الأخبار بالمعرفة عن النكرة وإن أمكن دفعه، وقوله فإنها أي التامّة لا يلتئم معها النظم لأنّ هذه الجملة الشرطية كالتتميم والمبالغة في أن لا غياث أصلا ولو قدر المدعوّ ذا قربى ولو قدرته أن تدع النفس المثقلة إلى تخفيف ما عليها لا تجد معاوناً، ولو وجد ذو قربى لم يحسن ذلك الحسن وملاحظة كون ذي القربى مدعوّاً بقرينة السياق، وتقدير فيدعوه ونحوه لكونه خلاف الظاهر لا يتم مسه الا! ظام فتدبر. قو! هـ: (! ائبين الخ) يعني أنّ بالغيب حال من الفاعل أو المفعول لأنه بتقدير عذاب ربهم وقد مرّ فيه وجوه أخر فتذكر، وقوله فإنهم الخ إشارة إلى وجه التخصيص مع أنّ الإنذار للكفار أيضاً. قوله: (واختلاف الفعلين لما مرّ) في قوله الله الذي أرسل الرياح فتثير قالوا والمراد الوجه الثالث وهو استمرار الأمر فهو هنا لاستمرار الطاعة، والانقياد لثبوتها في الماضي والمستقبل وإنما يتجه بجعل الخشية والإقامة كشيء واحد ويكفي أيضاً تلازمهما كما في المقيس عليه فتأمّل. قوله:
(وهو اعتراض الخ) لأنّ
стр. 2506
كونهما من التزكي أمر معلوم فإذا بين عود نفعهما على من قاما به كان ذلك داعيا لهما وحثا عليهما، وما قيل من أنّ المعنى أنه تاكيد لوجوبهما أو نفعهما لا وجه له والاعتراض هنا سالم من الاعتراض فمن قال إنه ليس اعتراضاً نحوياً لعدم تعلق ما بعده بما قبله لم يصب، وقوله وما يستوي معطوف على قوله أوّلاً وما يستوي. قوله: (الكافر والمؤمن الخ) على أنه ضرب مثلاَ لهما كالبحرين فهو بجملته استعارة تمثيلية أو في الأعمى والبصير استعارة مصرحة، وقوله وقيل الخ فيكون من تتمة قوله ذلكم الله الآية وهو أيضاف استعارة تمثيلية والمعنى لا يستوي الله مع ما عبدتم، أو الأعمى عبارة عن الصنم على أنه اسنعارة أو من استعمال المقيد في المطلق فالبصير على حقيقته. قوله: (ولا الثواب) وقدّم الظل ليكون مع ما قبله على نمط واحد فإنّ العمي والظلمة والظل متناسبة أو لسبق الرحمة كما مرّ مع ما فيه من رعاية الفاصلة، وقوله وتكريرها على الشقين أي في النور والحرور والظل لمزيد التأكيد فإنّ أصله حصل بتصديرهما بالنفي وأما ترك ذلك في الأول فلأن قوله الأحياء والأموات لما كان بمعناه اكتفى بالتكرار فيه عن التكرار فيه، وقيل كرّرت فيما فيه تضادّ والأعمى والبصير لا تضادّ بين ذاتيهما فإنّ الشخص بصير أعمى بعدما كان بصيرا، وإن تضادّ وصفاهما وقيل لأنّ المخاطب في أوّل الكلام لا يقصر في فهم المرام وقيل وقيل وفي هذا كفاية. قوله: (غلب على السموم) بعدما كان بمعنى الشديد الحرارة مطلقاً، وقيل السموم الخ وقيل الحرور بالليل والنهار وقوله ولذلك كرر الفعل إشارة إلى أنه مقصود بالتمثيل وجمع لذلك، وقوله وقيل للعلماء والجهلاء فإنّ الموت والحياة كثيرا ما يستعار لهما كما قيل:
لايعجبن الجهول بزته فذاك ميت لباسه كفنه
وقوله يسمع المراد به سماع تدبر وقبول. قوله: (محقين أو محقاً) يعني أنّ بالحق حال
إما من فاعل أرسلنا أو من مفعوله أو هو صفة لمصدره والباء للمصاحبة، وقوله صلة أي للأوّل
وحذفت صلة الثاني ولوضوحه أجمله. قوله: (ينذو عنه) أي عن الله، وقوله والاكتفاء الخ يعني أنه في الأصل نذير وبشير فاكتفى بتقديره إيجازاً لما ذكر أو المراد أنه اقتصر على هذا، وترك الآخر رأساً من غير تقدير وقيل خص بالذكر لأنّ البشارة لا تكون إلا بالسمع فهو من خصائص الأنبياء فالبشير نبي أو ناقل عنه بخلاف النذارة فإنها تكون سمعا وعقلاً فلذا وجد النذير في كل أمة، وردّ بأن الحسن والقبح شرعيان عند أهل الحق فالإنذار كالأبشار لا يكون إلا سمعا ولو سلم فالإبشار يوجد أيضاً بالعقل كإثبات الفلاسفة اللذة الروحانية بعد الموت، ورد بأن ما ذكر مبني على ما ذهب إليه الحنفية من أن لبعض الأشياء جهات حسن يدركها العقل كالإيمان بالله فبإدراكه يستحق العقاب كيلا يلزم الدور كما تقرّر في الأصول فلا ورود لما ذكره وهذا كله لا محصل له وكدر العين من أول مجراها ولولا التزام ما قيل وقال كان ترك هذا عين الكمال. قوله: (ولآن الإنذار الخ) وجه آخر للاقتصار وبه يندفع عن الأوّل أنه لم أكتفي بهذا دون ذاك مع حصول الإيجاز بالعكس، وقوله على إرادة التفصيل يعني ليس المراد أن كل رسول جاء بجميع ما ذكر حتى يلزم أن يكون لكل رسول كتاب وعدد الرسل أكثر بكثير من الكتب كما هو معروف، بل المراد أن بعضهم جاء بهذا وبعضهم جاء بهذا ولا ينافي جمع بعضها لبعض آخر كالكتاب مع المعجزة مثلاً ومآله لمنع الخلو منها، وقوله ويجوز أن يراد الخ أي بالزبر والكتاب على إرادة الجنس فيهما وعبر بيجوز إشارة لبعده والوصفين زبر وكتاب بمعنى مزبور ومكتوب، وقوله إنكاري بالعقوبة مرّ تفسير. وتفصيله في سورة سبأ. قوله: (أجناسها وأصنافها الخ) فسر الألوان بوجهين الأنواع كما يقال جاء بألوان من الطعام فاختلافها تعدد أصنافها، وقوله كلا لإحاطة الأنواع أي كل نوع منها كالكمثري له أصناف متغايرة لذة وهيئة كما يرى في بعض ثمار الدنيا، ويجوز أن يراد الإفراد، وقوله أو هيئاتها الخ على أن يراد بالألوان معناها المعروف المدرك بالبصر وهذا أيضاً في الأنواع أو الأفراد. قوله تعالى: ( ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ﴾ ) إما معطوف على ما قبله بحسب المعنى أو حال، وكونه استئنافاً مع ارتباطه بما قبله غير ظاهر، وقوله ذو جدد بضم الجيم وفتح الدال، وهي القراءة المشهورة جمع جدّة بالضم وهي الطريقة
من جده إذا قطعه وقال
стр. 2507
أبو الفضل هي من الطرائق ما يخالف لونه لو ما يليه ومنه جدة الحمار للخط الذي في وسط ظهر. يخالف لونه وعلى كل فهو يحتاج إلى تقدير مضاف فيه إن لم يقصد المبالغة لأن الجبال ليست نفس الطرائق، وما-له أن الجبال مختلفة ألوانها فيناسب قرينيه لأنه المقصود وان لم يكن قوله مختلف ألوانها صفة جدد فلا يرد عليه إنه إنما يتمشى عليه، وهو خلاف المختار والخطط بضم، ثم فتح جمع خطة بالضم كنقطة بمعنى الخط بالفتح، ولذا قال للخطة السوداء: وما وقع في بعض النسخ من ترك التاء سهو من الناسخ، وقيل لها خطة لفصلها وقطعها عن بقية لونه وأما خطة وخطط بالكسر فهي الأرض نفسها. قوله:) وقرئ جدد بالضم) جمع جديدة كسفينة وسفن، وقيل جمع جديد كما ذكره المصنف ﵀ وفي نسخة جديدة وهي أصح، وهي قراءة الزهري وهي بمعنى الأولى وتجمع على جدائد أيضا قال: جون السراة له جدائد أربع
أي طرائق وخطوط واليه أشار بقوله بمعنى الجدد أي بضم ففتح، وقوله جدد بفتحتين
هي مروية عن الزهري أيضاً، وقدرة أبو حاتم هذه القراءة من حيث المعنى وصححها غيره وقال الجدد الطريق الواضح البين إلا أنه وضع المفرد موضع الجمع ولذا وصف بالجمع، وأما كونه من وصفه بوصف أجزائه كنطفة أمثاج لاشتمال الطريق على قطع كما قيل فغير ظاهر ولا يناسب لجمع الجبال. قوله: (بالثدّة والضعف) إشارة إلى أن ألوانها فاعل مختلف لا مبتدا لأنه لو كان كذلك قيل مختلفة وأنه صفة لقوله بيض وحمر والمراد باختلافها تفاوتها لأنها مقولة بالتشكيك ولولا هذا التأويل لم يفد غير التأكيد ويحتمل أيضا أن يكون صفة جدد كما فصله المعم ب. قوله: (ومنها غرابيب متحدة اللون) أخذ الاتحاد من مقابلته لما اختلف لونه، ولأنّ الغريب تأكيد للأسود كأسود حالك فيتبادر منه ذلك فلا وجه لما قيل من أنّ السواد لا يقتضي الاتحاد لجواز اختلافه كما في الأوّلين. قوله: (وهو تثيد مضمر (بالإضافة والمراد التأكيد الاصطلاحي لتصريح أهل العربية واللغة بأنها تأكيد للألوان فيقال أبيض يقق وأصفر فاقع وأسود حالك، وغربيب وهو تأكيد لفظي لأنه يكون بإعادة اللفظ أو مرادفه، وأما كون المؤكد لا يحذف كما ذكره بعض النحاة لتنافي الغرضين فيهما فإنّ التأكيد يقتضي الاعتناء والتقوية وقصد التطويل، والحذف يقتضي خلافه فقد رده الصفار كما في شرح التسهيل بأن المحذوف لدليل كالمذكور فلا ينافي توكيده فحمل التأكيد هنا على الصفة المؤكدة، وتأويل قوله ونظير ذلك في الصفة الصريح في خلافه بجعله بمعنى الصفة المخصصة تعسف من غير داع، وقوله ومن حق التأكيد أي مطلقاً لا في الألوان كما توهم. قوله: (يفسره) يشير إلى ما في بعض شروح
المفصل من أنه حذف فيه الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، ثم لما عرض في الصفة إيهام بينت بذكر الموصوف بعدها إما بإضافتها إليه كما في سحق عمامة أو بجعله بدلاً منها، أو عطف بيان لها كما في العائذات الطير ويقاس عليه التأكيد فلا مخالفة بينهما كما قيل وكونه بدلاً أو عطف بيان للصفة وهي عين الموصوف لا ينافي كونه مفسرا فأعرفه. قوله: (والمؤمن الخ) هو من قصيدة النابغة المشهورة وتمامه:
ركبان مكة بين الغيل والسند
والواو للقسم أقسم بالله المؤمن الطير الملتجئات إلى حرم مكة زادها الله شرفا ومسحها
كناية عن أمنها حتى لا تفر من يد لامس، والغيل والسند موضعان والعائذات مجرور بالإضافة لأنه يجوز إضافة الوصف ذي اللام لمثله أو منصوب بالكسرة على أنه مفعول لمؤمن والطير بدل منه أو عطف بيان ومن الوهم ما قيل إنه لا محل له من الإعراب لأنه إنما جيء به لتفسير المحذوف لأنّ ما ذكره النحاة، إنما هو في الجملة المفسرة لا في المفرد غير متصوّر فيه ومن جوّز تقديم الصفة على موصوفها جعله صفة للطير. قوله: (وفي مثله مزيد تكيدا لتأكيد المحذوف مرّتين مرة بغرابيب وأخرى بسود مع ما فيه من الإبهام والتفسير كما أشار إليه المصنف ﵀. قوله: (كاختلاف الثمار الخ) يعني أنه في محل نصب صفة مصدر مفذر ومختلف صفة مبتدأ من الناس خبره أي صنف مختلف، وقيل إنه متعلق بما بعده والإشارة لما مرّ أي مثل المطر والاعتبار بمخلوقاته تعالى واختلاف ألوانها يخشى الله العلماء ورده المعرب بأن إنما لا يعمل ما بعدها فيما قبلها وبأنّ الوقف على كذلك من غير خلاف فيه عن أهل الأداء وبه ظهر ضعف ما قيل إن معناه الأمر
стр. 2508
كذلك أي كما بين ولخص على أنه تخلص لذكر أولياء الله. قوله: (فمن كان أعلم به أليس استطراداً كما قيل بل إشارة إلى أنّ المراد بالعلماء العالمون بالله لا بالنحو والصرف مثلاً، وقوله: " إني أخشاكم دلّه وأتقاكم " الحديث صحيح رواه مالك
في الموطأ وغيره وسببه إنّ رجلا قبل امرأته وهو صائم على ما فصل فيه، وقوله ولذلك أتبعه الخ أي لكون الخشية مشروطة بمعرفة الله ذكرت الخشية بعد ما يدل على كمال القدرة من قوله ألم تر الخ وفيه إشارة إلى ارتباطه بما قبله، وقوله وقر! الخ تقدم تحقيقه وطعن صاحب النشر في هذه القراءة وقوله لأنّ المعظم الخ بيان لوجه العلاقة، وهو ظاهر في أنه مجاز مرسل بعلاقة اللزوم فيجوز حمل كلامه عليه فالاسنعارة لغوية، وقيل الخشية ترد بمعنى الاختيار كقوله: خشيت بني عمي فلم أرمثلهم
قوله: (تعليل لوجوب الخشية الخ) تعليلها بالعزة الدالة على كمال القدرة على الانتقام
ظاهر وأمّا دلالتها على خصوص المغفرة ففيها خفاء، وقد قال الطيبي ﵀ إنه دال على القدرة التامّة لأنه لا يوصف بالمغفرة والرحمة إلا القادر على العقوبة وقد يقال إنه تكميل كما في قوله:
حليم إذا ما الحلم زين أهله سع الحلم في عين العدوّ مهيب
فتأمّل. قوله: (يداومون على قراءته) وفي نسخة يداومون قراءته على الحذف والإيصال
أو تضمينه معنى يلازمون لأنه يتعدى بعلى وإلاستمرار مأخوذ من المضارع الدال على الاستمرار ومن وقوعه صلة ومن اختلاف الفعلين كما مرّ في كثير والسمة العلامة، والعنوان علامة الكتاب على ظهره وهو تشبيه بليغ وقوله أو متابعة ما فيه وفي نسخة عطفه بالواو إما لأن القراءة لا يعتد بها دون عمل أو لأن يتلو من تلاه إذا تبعه. قوله: (أو جنس كتب الله الخ) هذا أنسب بالتعبير بغير ما يخصه كالقرآن والأوّل أنسب بكون الإضافة للعهد، وقوله فيكون ثناء على المصدقين من الأمم جميعا فيدخل فيهم أمّة محمد ﷺ دخولاً أوليا أو المقصود حثهم على أتباعهم، وقد قيل ولأنه على إرادة الجنس لا يتعين ما ذكر لأنّ هؤلاء باتباع القرآن كأنهم اتبعوا سائر الكتب لأنه مصدق لما بين يديه مطابق لما فيها من أصول العقائد كما مرّ في قوله: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [سورة الشعراء، الآية: ١٠٥] فتأمل، وقوله كيف اتفق فإنه يعبر بمثله عنه ومن خصهما بما ذكر فلأنه الأكمل فيهما، وقوله تحصيل الخ فالتجارة استعارة لتحصيل الثواب بالطاعة وقول الطيبي بمزاولة الطاعة بناء على أن التجارة هي تعاطي ذلك لا الربح بالفعل فما ذكره أقرب لمعناه وما ذكره المصنف ﵀ أسدّ في مغزاه فتدبر. قوله:
(لن تكسد ولن تهلك) البوار ورد بمعنى الكساد والهلاك، وهل هو حقيقة فيهما أو في الأوجل مجاز في الثاني أو العكس احتمالات نطق بكل واحد منها نصوص أهل اللغة، والمصنف جمع بينهما بناء على مذهبه أو هو تفسير له بما يؤولط إليه وعلى الأوّل فهو ترشيح للاستعارة في التجارة. قوله: (علة لمدلوله (أي هو متعلق بما دل عليه لن وهو انتفاء الكساد، وتنفق بمعنى تروج وفيه مع أنفقوا لمناسبة لأنّ الحرف لا يتعلق به الجارّ والمجرور على المشهور ومن لم يقف على مراده قال لا مانع من كونه علة للن تبور فلو ترك لفظ مدلول كان أصح، وقوله أو عاقبة ليرجون لا يظهر لتعبيره بالعاقبة دون العلة وجه إلا التفنن ليصرج بأنها علة غائية، وقد تبع فيه أبا البقاء ووجهه الطيبي بأنّ الكلام يدل على أن غرضهم عدم بوار تجارتهم لأن صلة الموصول علة لأنها تؤذن بتحقق الخبر ولم يذهب إليه الزمخشري لأنّ مثل هذه اللام إنما تكون في نحو فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوّاً وحزنا. قوله: (أو لمدلول الخ) بمعنى أنه متعلق بمقدر يدل عليه ما قبله كفعلوا ذلك والجملة المقدرة معترضة لئلا يفصل بأجنبيّ، ويجوز تعلقه بما قبله على التنازع، وقوله من فضله إن رجع لهما فهو ظاهر وان رجع للثاني فللدلالة على أنّ الأوّل كالواجب لكونه جزاء لهم بوعده. قوله: (أي مجازيهم عليها الخ) فإنّ الشكر في حقه تعالى لا يليق حمله على ظاهره فيحمل على الجزاء بالإحسان مجارّا، وقوله أو خبران الخ فيقدر العائد وهو لهم والمعنى مغفورون مشكورون، ويجوز أن يكون خبراً بعد خبر وحفص وأو أنفقوا لقربه ولأنّ القيد المتعقب لأمور متعددة يختص بالأخير لكنه مذهب أبي حنيفة كما قاله الطيبي فكأنه تبع فيه الزمخشري ويجوز أن يكون حالاً من مقدر والجملة معوّضة
стр. 2509
أي فعلوا ذلك راجين فلا يرد عليه أنه فصل بأجنبي بين المبتدأ وخبره، وأما التنازع في الحال فلا يخفي حاله.
قوله: (يعني القرآن ومن للتبيين) إذا كان المراد بالموحي جميعه من المتلو وبالقرآن ذلك ويصح أن يكون للتبعيض أيضاً فإن أريد بالموحي جنس الموحي المتلو أيضاً فهو بعض القرآن بمعنى المجموع، ويجوز كونها بيانية على هذا أيضاً وقوله هو الحق إن كان الضمير للفصل وقصد الحصر فهو من قصر المسند إليه على المسند لا العكس لعدم استقامة المعنى إلا أن يقصد المبالغة. قوله: (أحقه) أي أحققه أو أجعله حقا فالعامل فيه مقدر يفهم من مضمون الجملة، وهي حال مؤكدة لغيرها أو لنفسها وهو الظاهر من قوله لأن حقيته الخ وقوله عالم
بالبواطن معنى خبير كما مرّ تحقيقه والظواهر راجع للبصير لتعلقه بالمحسوسات، وقوله فلو كان الخ بيان لارتباطه بما قبله من الوحي. قوله: (الذي هو عيار الخ) العيار بكسر العين مصدر عايرت المكاييل والموازين إذا قايستها بغيرها ليعلم صحتها وهو مجاز مرسل عما هنا يعلم به صحة غيره منها فما وافقه فهو صحيح من عند الله وما خالفه فليس منه بل هو محرف مبدل، وقوله وتقديم الخبير على البصير إشارة إلى ما ذكر والى ذلك أشار لمجب! بقوله: " إن الله لا ينظر إلى أعمالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم " ولذا قالوا المرء بأصغريه فتدبر. قوله: (حكمنا بتوريثه) يعني أنّ توريث أمة محمد في الكتاب بعده في المستقبل فالتعبير بالماضي إما لأنّ المعنى حكمنا بتوريثه، وقدّرناه فهو مجاز من إطلاق السبب على المسبب أو عبر عنه بالماضي لتحققه وهو معطوف على أوحينا بإقامة الظاهر مقام الضمير أو على الذي أوحينا الخ، وثم للتراخي الزماني على الثاني والرتبي على الأوّل والمراد بالكتاب على هذا القرآن. قوله: (أو أورثناه من الأمم السالفة) فالمراد بالكتاب إما القرآن كما قيل إنه لفي زبر الأوّلين أو الجنس. قوله: (والعطف) أي على هذا الوجه على أن الذين يتلون الخ على المعنيين السابقين، وثم للتراخي الزماني لأنّ التوريث بعده لكن الكلام في المضي فإن كان على ظاهره لأن توريثه من الأمم السالفة سابق على تلاوته لزم كون، ثم للتفاوت الرتبي أو للتراخي في الأخبار ولذا جعله في الكشاف وشروحه متصلا بقوله وإن من أمة إلا خلا فيها نذير فذكر أوّلاً إرساله للرّمل ثم عقبه بما يختص برسوله عتيبرو من قوله والذي أوحينا الخ معترضا ثم أخبر بتوريثه الكتاب لهذه الأمة بعدما أعطى تلك الأمم من الزبر فثم للتراخي في الأخبار أو في الرتبة إيذانا بفضل هذه الأمة كما قرره الفاضل اليمني، وغيره ولا يخفى ما بينهما من المخالفة وكلام المصنف ﵀ محل تأمّل. قوله: (اعتراض لبيان كيفية التوريث الأنه إذا صدقها لمطابقته لها في الأصول والتشريع في الجملة كان كأنه هي وكأنه انتقل إليهم ممن سلف، وقوله أو الأمة الخ أما العلماء
فبالذات وأما غيرهم فبالواسطة فلا بعد فيه كما توهم. قوله تعالى: ( ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ ) الفاء للتفصيل لا للتعليل كما قيل والظالم لنفسه من ارتكب المعاصي سواء كان يظلم نفسه أو يظلم غيره والمصنف ﵀ قصره على الأوّل إما لأنه مقتضى السياق لأنّ توريث الكتاب للعمل، أو لأن من يظلم نفسه لا ينتهي عن ظلم غيره وادخاله فيه لأنّ من ظلم غيره ظلم نفسه فليس ببعيد لكن كلام المصنف ﵀ ظاهر في خلافه ولام لنفسه للتقوية. قوله: (بضم التعليم والإرشاد الخ) الظاهر تفسيره بغلبة الحسنات وزيادة العمل لكنه لما كان خير الناس من ينفع الناس ونفع ورثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بما ذكر ذكره لبيان الواقع لكن ما ذكره مناسب لما بعده فتأمل. قوله: (وقيل الظالم الجاهل الظلمه نفسه بعدم تكميلها ولا يخفى أنه خلاف الظاهر فوجه تمريضه ظاهر، وعليه فضمير منهم راجع للعباد أو للموصول على الوجه الثاني من إرادة الأمّة وتوريث الكتاب للجاهل كتوريث بعض الورثة السفهاء المضيعين لما ورثوه. قوله: (وقيل الظالم المجرم) أي من كان أغلب أحواله الجرم والعصيان وهذا التفسير ليس ببعيد ولا يظهر لتمريضه وجه وما وجه به من أنه لا يكون التقسيم بملاحظة الكتاب لا وجه له لأنّ مآله للعمل به وعدمه، ومعنى الاقتصاد وهو التوسط والاعتدال فيه أظهر فإنّ صح ما ذكره فيه من الحديث فنور على نور وفيه نظر سيأتي، وقوله مكفرة بصيغة المفعول، وقوله وأما الذين ظلموا الخ أورد عليه أنه أنسب بالوجه الأوّل إذ الظاهر تعذيب المجرم، وكذا الحساب اليسير يكون للعامل بالكتاب غالباً فلعل هذا
стр. 2510
وجه تمريضه، وقوله بغير حساب متعلق بيدخلون ويجوز تعلقه بيرزقون أيضا. قوله: (وقيل الظالم الكافر الخ) وجه تمريضه ظاهر لأن المتبادر أنه تفصيل للمصطفين لا للعباد فيخرج الكفرة، وأما كون العباد المضاف لله مخصوصا بالمؤمنين فليس بمطرد، وإنما يكون إذا قصد بالإضافة التشريف فلا وجه للتوجيه به هنا، وقوله على أن الضمير أي في قوله فمنهم وكونه للموصول واصطفاؤهم بحسب الفطرة تعسف. قوله: (وتقديمه) أي على الوجوه كلها فقوله لكثرة الظالمين ناظر للأوّل، وقوله ولأن الخ للثاني كما هو المتبادر، وقيل إن الثاني يختص بغير الوجه الأخير من وجوه التفاسير للظالم بخلاف الوجه الأوّل فإنه يعم الوجوه، وقيل الكل على الكلى فإنّ الركون متحقق في الكافر أيضاً وفيه نظر.
قوله: (بمعنى الجهل والركون إلى الهوى مقتضى الجبلة) أي الطبيعة والخلقة كما قيل:
والظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم
أما الجهل فلخلو الإنسان في أوّل أمره عن الإدراك، والركون إلى الهوى لحب الشهوات
ولا ينافي هذا سلامته في الفطرة الوارد في حديث " كل مولود يولد على الفطرة " لأنها فطرة الإسلام ومعرفة الخالق وهذا لا ينافي الجهل بغيه وتزيين أمور الدنيا في بادي نظره، وقوله الاقتصاد الخ أي على كل من المعاني فيستحقان التأخير لعروضهما، وأعلم أنّ ابن طلحة ﵀ قال في كتاب الفوائد الجليلة إنّ السلف لهم في تفسير هذه الآية خمسة وأربعين قولاً منها إن المراد بهم الكافر والفاسق والمؤمن، وقيل من أسلم بعد الفتح ومن أسلم قبله ومن أسلم قبل الهجرة وقيل من ترجحت سيآته ومن تساوت سيآته وحسناته ومن ترجحت حسناته وقيل من لا يبالي من أين ينال ومن يطلب قوته من الحلال ومن يكتفي من الدنيا بالبلاغ، وقيل من يدخل النار ومن يحاسب حساباً يسيراً ومن لا يحاسب، وقيل الفاسق والمخلط والتائب، وقل من دام على العصيان إلى الموت ومن عصى، ثم أطاع ومن يدوم على الطاعة، وقيل من همه الدنيا ومن همه العقبى ومن همه المولى وقيل طالب الدنيا وطالب الغنى وطالب المولى، وقيل طالب النجاة وطالب الدرجات وطالب المناجاة وقويل تارك الذلة، وتارك الغفلة وتارك العلاقة وقيل من أوتي كتابه وراء ظهره ومن أوني كتابه بشماله ومن أوتي كتابه بيمينه، وقيل من شغله معاشه عن معاده ومن شغله بهما ومن شغله معاده عن معاشه، وقيل ذو الكبائر ذو الصغائر والمجتنب لهم وقيل من يدخل الجنة بالشفاعة ومن يدخلها بفضل الله ومن يدخلها بغير حساب، وقيل من يأتي بالفرائض خوفا من النار، ومن يأتي بها خوفا من النار ورضا واحتسابا ومن يأتي بها رضا واحتساباً، وقيل الغافل عن الوقت والجماعة والمحافظ على الوقت دون الجماعة والمحافظ عليهما وقيل ن غلبت شهوته عقله ومن تساويا ومن غلب عقله شهوته، وقيل المهتدي مع العلم والساعي مع العلم والعامل مع العلم وقيل من ينهي عن المنكر ويأتيه ومن يأتي المعروف ولا يأمر به ومن يأمر بالمعروف ويأتيه، وقيل ذو الجور وذو العدل وذو الفضل وقيل ساكن البادية والحاضرة والمجاهد انتهى. قوله: (مبتدأ وخبر الخ (ردّ على الزمخشري إذ جعله بدلاً من الفضل الكبير الذي هو السبق بالخيرات المشار إليه بذلك، ولما بينهما من المغايرة الظاهرة وعدم حسن أن يكون بدل اشتمال قال إنّ السبب في نيل الثواب نزل منزلة المسبب كأنه هو الطواب فأبدل منه جنات عدن فتكلف، وتعسف ترويجاً لمذهبه ولذا لم يلتفت إليه المصنف. قوله: (أو للمقتصد والسابق) وهو مع ما فيه من الاحتياج للتأويل
المذكور من قصد الجنس حتى يصح فيه معنى الجمعية جار على الوجوه السالفة لا على تقدير أن يراد بالظالم الكافر فإن ظالم نفسه مطلقاً لا يحسن وعده بالجنة على النمط المذكور المشعر بأنه مستحق لما ذكر وأهل للتفضل عليه ولو جعل للسابق أيضا جاز لا سيما إذا كانت الإشارة للسبق. قوله: (منصوب بفعل الخ) وأمّا الاحتمال جره بدلاً من الخيرات فلما فيه من التكلف الذي ذكر. الزمخشري، والفصل بين البدل والمبدل منه بأجنبيّ لم يلتفت إليه، وقوله أو حال مقدرة قيل إنها لقرب الوقوع فيه تعد مقارنة، وقوله يحلون الخ مرّ ما فيه مفصلا في الحج. قوله: (أو من ذهب في صفاء اللؤلؤا لا يظهر له وجه إلا على تشبيه الذهب الخالص في بريقه
стр. 2511
وصفائه باللؤلؤ لكن ليس هذا محل العطف، وما قيل في توجيهه أنه من عطف أحد الوصفين على الآخر مع اتحاد الذات لا يتأتى مع أنهما اسماً عين جامدان ومثله مكابرة إلا أن يدعي التجوّز فيه، وهو تكلف ظاهر ولا حاجة إليه لأنه لا يلزم من التحلي باللؤلؤ أن يكون سواراً وهو لم يعهد. قوله: (همهم منخوف العاقبة الخ) الأولى بقاؤه على عمومه ليشمل كل هنم وكل ما وقع في التفسير فهو تمثيل وفي الكشاف أكثروا فيها حتى قالوا همّ المعاش وكراء الدار، ومعناه أنه يعئم كل حزن في الدارين. قوله: (اثبع نفي النصب الخ) يعني أن النصب المشقة التي تصيب من ينتصب لمزاولة أمر، واللغوب الفتور الذي يلحقه بسبب النصب فهو نتيجة لازمة له وان جاز وجوده بدونه ففي ذكره معه تأكيد ومبالغة، وقيل الأوّل جسمانيّ والثاني نفسانيّ ولكل وجهة وجملة لا يمسنا حال من أحد مفعولي أحل، وقوله لا يحكم الخ أوّله لأنه لو كان بمعنى الإماتة لغا وقوله فيموتوا أو احتيج إلى تأويله بيستريحوا، وأمّا قوله فيستريحوا فليس تفسيراً ليموتوا بل بيان لما يترتب عليه في الواقع وقوله ونصبه أي في جواب النفي. قوله:) بل كلما خبت) أي طفئت وأسعارها إشعالها والمراد دوام العذاب فلا ينافي تعذيبهم بالزمهرير ونحوه،
وقوله مبالغ من صيغة فعول وكل كافر مبالغ فيه لأنّ كل كفر عظيم وأشار إلى أنه يجوز أن يكون من الكفر أو الكفران. قوله: (يستعمل في الاستغاثة) فيقال صريح للمستغيث لأنه يصيح غالباً، وقوله لجهد بالدال المهملة لا بالراء كما في بعضها أي يجهد ويبالغ في مد صوته ويبذل جهده فيه، واستغاثتهم بالله بدليل ما بعده لا ببعضهم لحيرتهم كما قيل، وقوله بإضمار القول أي ويقولون بالعطف أو بدونه على أنه تفسير لما قبله أو قائلين على أنه حال منه، وقوله بالوصف المذكور هو قوله غير الذي الخ وإنما ذكر ولم يكتف بالموصوف كما في قوله أرجعنا نعمل صالحا لما ذكره وقوله لتلافيه أي تلافي العمل غير الصالح. قوله: (وإنهم كانوا يحسبون الخ) هذا وجه آخر للتقييد والوصف فيه مقيد لا مؤكد كما في الأوّل لأنه بناء على أنهم كانوا يحسبون أنهم يحسنون صنعاً والأولى أن يقول ولأنهم كما في الكشاف. قوله:) جواب من الله) أي عن قولهم ربنا أخرجنا، وهو توبيخ وتقريع لهم في الدنيا أو في الآخرة بتقدير فيقال لهم وهذا هو الظاهر من كونه جواباً، وقوله ما يتذكر فيه إشارة إلى أنّ ما موصولة أو موصوفة لا مصدربة ظرفية كما قاله أبو حيان أي مدة التذكر لأنه قيل إنه غلط لأنّ ضمير فيه يأباه لأنها لا يعود عليها ضمير إلا على قول الأخفش باسميتها وهو ضعيف ولعله يجعل الضمير للعمر المفهوم من نعمر فلا غلط فيه كما قيل ولا يصح كونها نافية لفساد المعنى كما قاله ابن الحاجب ﵀. قوله ﷺ : (العمر الذي أعذر الله الخ) حديث صحيح رواه الببخاري عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : " أعذر الله إلي رجل أخر أجله حتى بلغ ستين سنة " قال في النهاية أي لم يبق فيه موضع للاعتذاو حيث أمهله فلم يعتذر يقال أعذر إذا بلغ أقصى الغاية، ويحتمل أن تكون همزته للسلب، وقوله والعطف أي عطف جاءكم الخ فليس
من عطف الخبر على الإنشاء لأنّ ما عطف عليه خبر معنى ويجوز عطفه أيضاً على نعمركم ودخول الهمزة عليهما سواء كانت للتقرير أو الإنكار، وقوله وقيل العقل مرضه لما فيه من رائحة الاعتزال، ولقلة فائدته فإنه مآل ما قبله من التذكر. قوله: (وهي أخفى ما يكون) لأنّ ذات الصدور ما كان مضمراً في صدر المرء ولا يعلمه غير صاحبه فلا يمكن اطلاع أحد عليه بخلاف غيره من الخفيات كالدقائن، ونحوها فلا وجه لما قيل إنه غير بين ولا مبين. قوله: (ملقى إليكم مقاليد التصرّف) هو استعارة عن تمكينهم من التصرّف والانتفاع بما فيها على أنّ الخطاب عامّ والخلافة القيام مقام مالكها في إطلاق يده وتصرّفه فإن كان المراد أنه جعلهم خلفاً بعد خلف فيها لم يدلّ على التصرّف، وجعله جمع خليفة لاطراد جمع فعيلة على فعائل، وفعيل على فعلاء ككريم وكرماء وقد جوّز الواحديّ كون خلفاء جمع خليفة أيضاً وهو خلاف المشهور، وقوله جزاء كفره فيه مضاف مقدر. قوله: (بيان له) أي قوله ولا يزيد الخ بيان وتفسير لقوله فعليه كفره أي جزاؤه فان قلت هو يقتضي ترك العطف كما تقزو في المعاني قلت لزيادة تفصيله نزل منزلة المغاير له كما ذكروه أيضا، وقوله والتكرير أي تكرير قوله ولا يزيد الكافرين
стр. 2512
وقوله لكل واحد من الأمرين أي المقت والخسارة يعني أنّ اقتضاءه لكل منهما بالاستقلال لا تبعية أحدهما للآخر ولا بد من ذكر كل في عبارة المصنف رحمه ألله لتفيد، وما ذكر فما قيل إنّ الأولى طرحها سهو وقوله مستقل باقتضاء قبحه أي قبح الكفر يعني لو لم يكن الكفر مستوجبا لشيء سوى مقت الله كفى ذلك لقبحه، وكذا لو لم يستوجب شيئا سوى الخسار كفى ٠ قوله: (أو لأنفسهم الخ) فالإضافة فيه لأدنى ملابسة على الأوّل وعلى هذا فهم شركاء في أموالهم فالإضافة حقيقية والصفة مقيدة لا مؤكدة. قوله: (بدل من أرأيتم الخ) ويجوز أن يكون بدل كل لاتحادهما، ولا يرد عليه أن البدل في حكم تكرير العامل ولا عامل هنا ولا أنّ المبدل من مدخول الهمزة يلزم إعادتها معه ولا أنّ البدل لا يصح في الجمل كما توهم أمّا الأوّل فإنما
هو في بدل المفردات كما صرّحوا به، وأمّ الثاني فإنما هو إذا كان الاستفهام باقيا على معناه أمّا إذا انسلخ عنه كما هنا فليس ذلك بلازم، وأمّا الثالث فلأنّ أهل العربية والمعاني نصوا على خلافه وقد ورد في كلام العرب كقوله:
أقول له ارحل لا تقيمن عندنا
ويجوز كون أروني استئنافا على أنه حذف من أرأيتم وأروني إحدى المفعولين وعلى البدلية لا حذف أصلا وهو الداعي لارتكابه، ويجوز أن يكون اعتراضا وماذا خلقوا ساذ مسد المفعول الثاني، وعلى ما اختاره الرضى مستأنف والكلام فيه مفصل في النحو. قوله:) أروتي أيّ جزء من الأرض استبذّوا بخلقه) أي استقلوا به، وإنما فسره بهذا وجعل ما استفهامية لأنّ أم منقطعة متضمنة لبل والهمزة وهي تقتضي التدرّح إذا لم يتقدمها خبر كأنه قيل أخبروني عن الذين تدعون من دون الله هل استبدوا بخلق شيء حتى يكونوا معبودين مثل الله، ثم تنزل وقال ألهم شركة في الخلق ثم تنزل عنه إلى أم معهم بينة على الشرك. قوله: (أم لهم شركة) إشارة إلى أنّ الشرك مصدر بمعنى الشركة ويكون بمعنى النصيب ويكون اسما من أشرك بالله، وقوله فاستحقوا الخ يحتمل أنه مرتب على الشركة في السموات والظاهر أنه على ما سبق من الاستبداد بخلق جزء من الأرض والشركة في خلق السموات، ولا يأبا. كون الأوّل يجامع الثاني وقد مرّ أنّ الكلام مبنيّ على الترقي، ثم إنه قيل إنّ قوله خلق السموات إشارة إلى أنّ فيه مضافا مقدراف والأولى أن لا يقدر على أنّ المعنى أم لهم شركة معه فيهن خلقا، وابقاء لأنّ المقصود نفي آيات الألوهية عن الشركاء، وهذا منها كما قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاء وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [سورة الروم، الآية: ٢٥] وما قدره المصنف هو الموافق لقوله ماذا خلقوا من الأرض لأنّ المناسب لإنكار خلق الله تعقيبه بخلق السماء فتدبر. قوله: (ينطق على أنا، لخذناهم شركاء (من قولهم نطق الكتاب إذا بين وأوضح ومنه قوله تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ﴾ [سورة الجاثية، الآية: ٢٩] وهو مجاز متعارف في هذا والاستعمال على تعديه بعلى لأنه بمعنى يشهد ويدل، وما قيل من أنه عدى بعلى لتضمينه معنى الدلالة كما عديت الحجة بالباء لتضمين معنى النطق والاستعمال على عكسه يأباه إنّ التضمين المصطلح يعطي مجموع المعنيين، والمعنى الحقيقيّ للنطق غير متصوّر هنا وإيتاؤهم الكتاب، وإن كانوا جمادا لأن الضمير للأصنام كما سيصرّح به بناء على زعمهم فليس قوله ينطق تفسيراللإيتاء لما ذكر كما قيل. قوله: (بأنّ لهم شركة جعلية) أي في جعل الأشياء وخلقها، وقوله هم للمشركين في الموضعين لا للأصنام كما في الوجه السابق، وعلى هذا فهو التفات كما قيل والظاهر ما قيل إنه بيان
للضمير الثاني فقط وأم منقطعة للإضراب عن الكلام السابق فلا التفات فيه ولا تفكيك للضمائر لأنه المناسب لآية الروم المذكورة فتأمّل. قوله: (وقرأ نافع الخ (قيل إنه مخالف لمعتاده من جعل ما اتفق عليه أكثر القراء أصلاً يبني عليه تفسيره خصوصاً وقد تضمنت قراءة الأكثر وجها لطيفاً كما أشار إليه وما ذكر غير ملتزم له كما يعرفه من تتبع كتابه وكم من محل مرّ على خلافه، وهو يقول في كل إنه مخالف لعادته وإنما أخره لما فيه من التفصيل ولأن المراد بالبينة الكتاب فالظاهر إفراده، ولذا احتاج العدول عنه إلى نكتة فأعرفه. قوله: (لا بدّ فيه من تعاضد الدلائل) الظاهر أنه على طريق التهكم فانّ الشرك لا يقوم عليه دليل فكيف يكون عليه دلائل متعاضدة فافهم. قوله: (لما نفي أنواع الحجج الخ الا يرد عليه ما قيل من أنّ أنواع الحجج غير منحصرة فيما ذكر لجواز كونه وحيا غير متلو، ولذا قال في آية الأحقاف أو أثار من
стр. 2513
علم فجعل ذلك رابع الحجج لأنه مندرج فيما ذكر كما أشار إليه المصنف إذ المراد بما ذكر نفي الدليل العقليّ والسمعيّ أو خص نفي الكتاب إيماء إلى ما ذكر من أنه أمر خطر لا يكفي غير الوحي المتلوّ فيه، وما ذكر ثمة من توسيع الميدان، وارخاء العنان وأمّ كون المؤتى الكتاب إمّا المشركين أو معبوديهم فأيهما حمل عليه انتفى وبقي الآخر غير منفيّ فليس بشيء لأن الكتاب المؤتى لمعبوديهم مؤتى لهم والكتاب الإلهي المؤتى لهم بواسطة معبوديهم لأنهم وسايط بينهم وبين الله على زعمهم. قوله: (والرؤساء الاتباع) في النسخ الصحيحة عطفه بالواو ليشمل الكل وهو المراد وما في بعضها من العطف بأو بمعناها أيضا لأنها للتقسيم على سبيل منع الخلوّ، وقوله بانهم متعلق بتغرير ولا يجوز أن يراد الشيطان لقوله: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا﴾ [سورة النساء، الآية: ١٢٠] لأنه ياباه قوله بعضهم بعضاً. قوله: (كراهة أن تزولا) فهو مفعول له بتقدير مضاف كما مرّ وقوله فإنّ الخ تعليل للإمساك بمعنى الحفظ كما أشار إليه، وفيه إشارة إلى أنّ الممكن كما هو محتاج إليه حال إيجاده محتاج في حال بقائه كما هو مذهب محققي أهل الكلام لأنّ علة الاحتياج الإمكان لا الوجود، وقوله أو يمنعهما الخ فيمسك مجاز بمعنى يمنع وأن تزولا مفعول على الحذف والإيصال لأنه يتعدى بمن، وقوله لأنّ الإمساك بيان لوجه التجوّز فيه، ويجوز كون أن تزولا بدل اشتمال من السموات والأرض. قوله: (والجملة سادة مسدّ الجوابين) أي هي جواب القسم الدال عليه اللام وجوأب الشرط محذوف لدلالة جواب
القسيم عليه، ولكونها عين المذكور جعل هذه الجملة ساذة مسدهما بحسب المعنى لا بحسب الصناعة، وان نافية وأمسك بمعنى يمسك. قوله: (حيث أمسكهما الخ) بيان لموقع التذييل مما قبله لأنّ المراد حلمه تعالى عن المشركين مع عظيم جرمهم المقتضى لتعجيل العقوبة وتخريب العالم الذي هم فيه، ومغفرته لمن تاب عن شركه بالإيمان ولولا كرم الله لم يجبّ الإسلام ما قبله فاندفع ما يتوهم من أنّ المقام يقتضي ذكر القدرة لا الحلم والمغفرة، وقوله لئن جاءهم على المعنى وألا فهم قالوا جاءنا كما مرّ تحقيقه. قوله: (أي من واحدة من الأمم الخ) فإحدى بمعنى واحدة وتعريف الأمم للعهد، والمراد الأمم الذين كذبوا رسلهم بقرينة سبب النزول والظاهر أنّ إحدى عام وان كان في الإثبات لأنّ المعنى أنهم أهدى من كل واحدة لا من واحدة ما فلا يقال إنه غير مناسب للمقام. قوله: (أو من الأمّة التي الخ) فالمراد تفضيلهم على تلك الأمم كما يقال هو واحد عصره وفي الكشف نقلاً عن الزمخشري أنّ العرب تقول للداهية العظيمة هي إحدى الأحد واحدى من سبع أي إحدى ليالي عاد في الشدة، ودلالته هنا على تفضيلهم على سائر الأمم ليست بواضحة بخلاف واحد القوم فالتوجيه إنه على أسلوب:
أو يرتبط بعض النفوس حمامها
يعني أنّ البعض المبهم قد يقصد به التعظيم كالتنكير فإحدى مثله، وفيه إنّ إحدى المضاف
قد استعملته العرب للاستعظام فيدلّ على ما ذكر من التفضيل قال ابن مالك في التسهيل وقد يقال لما يستعظم مما لا نظير له هو إحدى الأحد انتهى لكن في شرحه للدماميني إنه إنما ثبت استعماله للمدح في إحدى، ونحوه المضاف إلى جمع مأخوذ من لفظ كإحدى الأحد أو المضاف لوصف كأحد العلماء واحدى الكبر أمّ في أسماء الأجناس كالأمم فيحتاج إلى نقل وفيه بحث. قوله: (على التسبب) هو على الوجهين يعني أنّ النذير أو مجيئه سبب لزيادة النفور فلذا أسند إليه مجازا سواء علم فاعله الحقيقيّ وهم المزدادون أو لم يعلم كما في قوله:
يزيدك وجهه حسناً إذا ما زدته نظرا
وليس هو الله كما علم ثمة لأنّ الفعل لا يسند حقيقة لخالقه فتأمّل. قوله: (وأصله وأن
مكروا الخ) يعني أنه ليس من إضافة الموصوف للصفة والسيئ صفة لمكر آخر مقدر، وهذا عامله كما فصله ولو قيل أصله مكر وأمكر السيء أي الفعل السيء أو الشخص على إقامة المصدر مقام فعله قصرا للمسافة جاز، وأدخل المصنف الباء في قوله بالمصدر على المأخوذ وهو أحد استعماليه، وقد مرّ فيه تفصيل صاحب الكشاف والفرق بين الإبدال والتبذل والتبديل مما ذهل عنه المعترض هنا فلا غبار عليه. قوله: (وقرأ حمزة وحده) الأولى خاف وحده فإنه روي عن غيره أيضاً قال في النشر قرأ حمزة بإسكان الهمزة في الوصل لتوالي الحركات تخفيفا كما أسكنها
стр. 2514
أبو عمرو في بارئكم وهو أحسن هنا لكونها ظرفا وهو كثير في كلام العرب فلا يعبأ بمن قال إنه لحن كما فصله الفارسي في الحجة وهب مروية عن أبي عمرو والكسائيّ، واذا وقف حمزة أبدلها ياء خالصة وكذا هشام إلا أنه يزيد الروم انتهى، ويحيق بمعنى يحيط لكنه إنما ورد فيما يكره. قوله تعالى: ( ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ ) هو من إرسال المثل ومن أمثال العرب من حفر لأخيه جبا وقع فيه منكبا، وفي التوراة من حفر محواة وقع فيها، وقراءة لا يحيق بالضم من أحاق المتعدي وفاعله الله كما ذكره المصنف ﵀. قوله: (ينتظرون الخ) هو مجاز بجعل ما يس تقبل بمنزلة ما ينتظر ويتوقع، وقوله سنة الله فيهم إشارة إلى أنه مضاف للمفعول لأنّ من الأوّلين مصدّقا ومكذبا، وقد جرت عادته بتعذيب المكذب منهم. قوله: (إذ لا يبدلها الخ) إشارة إلى عدم التكرار فيه فتبديلها بجعل غير التعذيب، وهو الرحمة مكان التعذيب هذا مراده وهو على ما في بعض النسخ من سقوط قوله تعذيباً ظاهر وعليها فغير التعذيب مفعول ثان، وتعذيباً مفعول أوّل أي بجعل التعذيب غيره أي رحمة فسقط ما قيل إنّ المعنى على العكس بأن يرحمهم بدل تعذيبه. قوله: (استشهاد) أي طلب للشهادة من كل من يصلح لها والمقصود تشهيرهم، وقوله وما كان الله أي ليس من شانه ذلك والواو حالية أو عاطفة وتفسير ليعجزه مرّ مراراً، وقوله إنه تعليل لنفي الإعجاز. قوله: (ظهر الأرض!) فالضمير واجع لها لسبق ذكرها وليس من الإضمار قبل الذكر كما زعمه الرضى، وقوله من
نسمة بفتحتين أي ذي روح من التنسم وهو التنفس، واستنشاق النسيم ولكنه غلب استعماله في بني آدم كما في حديث من أعتق نسمة أعتق الله بكل عضو منها عضواً منه من النار وليس معناها الروح حتى يكون مجازاً هنا كما توهم، وهلاكهم بمعاصيهم لا بعد فيه ألا ترى قوله: ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً﴾ [سورة الأنفال، الآية: ٢٥] ولأنه يمتنع المطر ويفسد الهواء فيهلك الدواب. قوله: (لقوله الخ) وجه الدلالة أنّ الضمير للناس لأنه ضمير العقلاء، وفيه ضعف لأنه لجميع من ذكر تغليباً ويوم القيامة هو الأجل المضروب لبقاء جنس المخلوقات فسقط، ما قيل إنّ الناس كلهم لا يؤخرون للقيامة، وقوله فيجازيهم إشارة إلى أن ما ذكر ليس هو الجزاء بل وضع موضعه لأنه مجاز عن الجزاء. قوله: (عن النبتي ﷺ وحديث موضوع، ودعوة أبواب الجنان عبارة عن دعاء من بها من ملائكة الرضوان جعلنا الله ممن يدعي لتلك الأبواب من غير حساب ولا عقاب بجاه سيدنا ونبينا محمد-تخيرو وعلى جميع الأهل والأصحاب.
سورة يس
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (مكية الم يستثن منها قوله وتكتب ما قدموا وآثارهم بناء على أنها نزلت في بني سلمة من الأنصار لما أرادوا الانتقال من دورهم لجوار مسجد رسول الله ﷺ ، وقد قال أبو حيان ني البحر أنه ليس بقول صحيح ولا يرد عليه أنه أخرجه الترمذفي، والحاكم ولفظه كانت بنو سلمة في ناحية المدينة فأرادوا الثقلة إلى قرب المسجد فنزلت هذه الآية فقال ﷺ : " إنّ آهساركم ئكتب) فلم ينتقلوا لأنّ الحديث المذكور معارض بما في الصحيحين أنّ النبيّ ﷺ قرأ لهم هذه الآية، ولم يذكر أنها نزلت فيهم وقراءته لا تنافي تقدم النزول وهذا مراد أبي حيان لا أنه أنكر أصل الحديث كما توهم، وكذا ما قيل إنّ قوله واذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله نزلت في المنافقين فتكون مدنية فإنه لا صحة له أيضاً والمعمة بضم الميم، كر العين المهملة، وبعدها ميم مشددة بوزن المهمة لأنها تعمّ صاحبها بخير الدارين وما ذكره ظاهر وقد مرّ أنّ أسماء السور توقيفية، فإن قلت فعله عمّ لا أعمّ فكيف قيل معمة قلت قال ابن سيده: يقال عتم بمعروفه ولمّ المتاع فهو معئم وملمّ بضم الميم وكسرها، ولم يقولوا عامّ ولانم على القياس ولا نظير لهما.
قوله: (وآيها اثنان وثمانون) وفي عدد آثر ثلاث وثمانون كما في كتاب العدد للداني ولا خلاف بينهما، دمانما الخلاف في يس هل يوقف عليها لأنها آية برأسها أم لا. قوله: (كالم في المعنى والإعراب) فتجري فيه الوجوه السابقة في سورة البقرة
стр. 2515
مفصلة حتى كونها حروفاً مقتطعة من أسماء الله فما قيل إنه لم يقل به هنا خطأ، وقوله وقيل معناه يا إنسان فبل ما كان مصغراً كما سيصرح به بعده لأنّ تصغيره هنا ليس فيه معنى زائد عليه لأنّ الظاهر أنه للشفقة والمحبة كما يقال يا بني كما سيأتي. قوله: (على أنّ أصله يا أنيسين الني) تبع في هذا ما في الكشاف، وقد اعترض عليه أبو حيان بأن المنقول عن العرب في تصغير إنسان أنيسيان بياء قبل الألف لا نعلمهم قالوا غير. وهو دليل على أن الإنسان من النسيان، وأصله أنسيان فلما صغر ردّه لا صلة التصغير مع أنه لا بد من بنانه على الضمة حيحئذ وأيضا التصغير لا يجوز في أسماء الله والأنبياء بل الأمور المعظمة، ولذا لما قال ابن قتيبة في مهيمن أنه مصغر مؤيمن أبدلت همزته هاء قالوا إنه قريب من الكفر، وهذا كله غير وارد لأن من يقول أنيسيان على خلاف القياس، وهو الأصح لا يلزمه فيما غير منه أن يقدّره على خلاف القياس، وهو لم يلفظ به حتى يقال له نطقت بما لم تنطق به العرب بل هو أمر تقديري فإذا قال المقدّر مفروض عندي على القياس هل يتوجه عليه السؤال، وأما بناؤه على الضم فلا كلام فيه فلعل من فسره به يقرؤه بالضم على الوجوه فيه واما أن التصغير ممنوع فيه فهو إنما يمتنع منا وأما من الله فله أن يطلق على نفسه وخلقه ما أراد ويحمل حينئذ على ما يليق كالتعظيم، والتحبيب ونحوه من معاني التصغير كما قال أبن الفارض ﵀:
ماقلت حبيبي من التحقير بل يعذب اسم الشخص بالتصغير
وأما القول بأن المثبت مقدم على النافي فكلمة حق أريد بها باطل لأنّ ابن عباس رضي الله
عنه لم يقل إن أصله ذلك! انما فسره به وهذا من تصرفاته. قوله: (كما قيل الخ) التنظير في مجرّد الاقتصار على بعض الكلمة وأيمن كلمة قسم، وتفصيله في النحو وقوله كأين فإنه حرّك للساكنين وفتح للخفه ومنع الصرف وموجب البناء تقدم في البقرة تفصيله، ويجوز أن يكون الفتح لنصبه بعد حذف حرف القسم، وقوله إن جعل يس مقسماً به لئلا يتوالى قسمان على مقسم عليه وفيه ما مرّ، والحكيم إمّا استعارة أو تجوّز في الإسناد على ما مز فتذكر. قوله: (لمن الذين أرسلوا على صراط سشقيم) يشير إلى ان قوله على صراط ظرف لغو متعلق بالمرسلين ولما كان اسم الفاعل والمفعول يعمل بالحمل على الفعل أبرزه لذلك وللإشارة إلى أنه ليس المراد به ها
الحال أو الاسنقبال مع التصريح بأن أل فيه موصولة. قوله: (وهو التوحيد) فسره به لأنه الجادة المسلوكة للأنبياء والعقلاء، والمراد بالأمور نوع الأحكام الشرعية الفرعية وقوله خبراً ثانيا والأوّل لمن المرسلين وفيه ضمير له ﷺ فيجوز أن يكون هذا حالاً منه أو من عائد الموصول المستتر في اسم الفاعل، وفيه وجوه أخر ككونه حالاً من نفس المرسلين أو من الكاف على رأي من يجوزه من المبتدأ. قوله: (وفائدته وصف الشرع الخ) أي على الوجوه كلها فإنّ كل مرسل سالك للطريق المستقيم في عقيدته، ونهج شريعته يعني أنه وصف له بأنه من رسل الله ولشريعته التي أرسل بها بأنها طرق الرسل كلهم من قبله، ولذا لم يقل إنك رسول مع أنه أخصر وأدلّ على المقصود لدلى* لته على ما ذكر على أبلغ وجه كما مرّ وهو على الوجوه ولا وجه لتخصيصه بغي الأوّل بناء على أنه من جملة الصلة المعينة للموصول، وهي إنما تتم به فلا حاجة إلى بيان الفائدة فيه، وهو غير مسلم فإن إرسال الرسل إنما يكون بالعقائد والشرائع الحقة فالإرسال يدل على ما ذكر التزاما لا نصا نعم تخصيصه بكونه خبراً لأنه محط الفائدة له وجه لكنه فصل بين العصا ولحائها وذكر في الكشاف وجهاً آخر تتم به الفائدة والدلالة على ما يدل عليه ما قبله بجعل التنكير للتعظيم حيث قال وأيضاً فإن التنكير فيه دال على أنه أرسل من بين الصراط المستقيمة على صراط المستقيم لا يكتنه وصفه يعني أنه هاد ومرشد إلى أكمل الشرائع وأتمها أصولاً وفروعا كما أشار إليه شراحه وهذا شيء لم يعلم مما قبله فمن زعم أنه من نتائج أفكاره فقد جلب التمر إلى هجر. قوله: (خبر محذوف) أي هو والضمير للقرآن، وقد تجوّز فيه أن يكون خبر يس إن كان اسماً للسورة أو مؤوّلاً بها والجملة القسمية معترضة، والقسم لتأكيد المقسم عليه والمقسم به اهتماما فلا يقال إن الكفار ينكرون القرآن فكيف يقسم به لإلزامهم كما مرّ، وقوله والمصدر بمعنى المفعول أو يجعل عين التنزيل مبالغة وفعله المقدر على النصب نزل، وقوله على أصله أي معناه الأصلي وهو المصدرية لا مؤولاً باسم المفعول والجر
стр. 2516
على البدلية من القرآن وكونه وصفا بالمصدر على خلاف الظاهر ولذا لم يذكره. قوله: (أو بمعنى لمن المرسلين) أي أرسلت لتنذر الخ لأنّ كونه بعض المرسلين يدل على أنه أرسل، ولم يجعله متعلقاً بالمرسلين وان جاز صناعة لأنّ المرسلين لم يرسلوا الإنذار هؤلاء بل لإنذار أممهم فلو علق به احتاج إلى تكلف. قوله: (غير منذر) بصيغة المفعول المنوّن وآباؤهم نائب فاعل فما نافية والجملة صفة قوما مسندة تلك الجملة إلى الرسول، والمفعول الثاني محذوف أي عذابا لقوله: ﴿إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ [سورة النبأ، الآية: ٤٠] فما يحتمل أربعة أوجه الثانية والموصولية والموصوفة والمصدرية
والإنذار التخويف أو الإعلام والمراد به الأوّل، ويجوز إرادة الثاني أيضاً ولما كان بين هذا التوجيه والتوجيه الآخر الدالّ على إنذار آبائهم وبين قوله، وان من أمّة إلا خلا فيها نذير منافاة بحسب الظاهر وجهه بأنّ المراد آباؤهم الأقربون دون الأبعدين فإنّ إسماعيل ﵊ أنذرهم وبلغهم شريعة إبراهيم ﵊، وقد كان منهم من تمسك بشرعه وان اندرس على تطاول المدد، وأما عيسى ﷺ فلم يرسل إليهم على المشهور فلا يقال إن هؤلاء لم ينذروا مطلقاً بنا على أحد الأقوال في أهل الفترة وفي التعليل كلام مرّ. قوله: (فيكون صفة مبينة لشدّة حاجتهم إلى إرساله (فإنه بين أظهرهم وهم قوم لم يبلغهم ولا آباءهم الاًدنون الدعوة بخلافه على الوجه الآني فإنه ليس صفة ولا دلالة فيه على ما ذكر وهذا لا ينافي قوله وان من أمّة إلا خلا فيها نذير كما مر لأنّ أمة العرب خلا فيها نذير فالأمة أهل العصر جميعهم، وأما عيسى ﵊ ورسل أهل الكتاب فكانت بعثتهم مخصوصة ببني إسرائيل إذ عموم الرسالة مخصوص بنبينا ﷺ . قوله: (أو الذي الخ) فما موصولة أو موصوفة، وقوله الأبعدون إشارة إلى التوفيق بين التوجيهين، وقوله أو إنذار الخ فما مصدرية وهو مفعول مطلق والمنذر به العذاب. قوله: (متعلق بالنفي) أي تعلقاً معنوياً لتفرعه عليه وتسببه عنه فالفاء داخلة على المسبب واذا لم تكن ما نافية فهي داخلة على السبب فهي تعليلية، وهو متعلق بقوله لمن المرسلين ويجوز تعلقه به على الأوّل أيضاً ويجوز تعلقه بقوله لتنذر على الوجوه وجعل الفاء تعليلية، والضمير لهم أو لآبائهم وحق بمعنى ثبت ووجب، وقوله لأملأن الخ مجمل والمراد ممن مات على الكفر منهم فإنهم محكوم عليهم بدخول جهنم. قوله: (لأنهم ممن علم الله أنهم لا يؤمنون) قيل عليه إنه على مذهب الأشاعرة من جعل العلم علة ويلزمه الجبر وأما على مذهبنا فذلك لاختيارهم الكفر وإصرارهم عليه، وقد منعوا كون العلم الأزليّ علة وجعلوا علمه تابعا للمعلوم مسببا عنه، ولذا قال في الكشاف يعني تعلق بهما هذا القول وثبت عليهم ووجب لأنهم ممن علم الله أنهم يموتون على الكفر فجعل تعلق هذا القول مسبباً عن موتهم على الكفر، وعكسه المصنف فقال لأنهم ممن علم الخ أي لاختيارهم الكفر وكسبهم والإصرأر عليه فليس العلم علة مستقلة عندهم حتى يلزم الجبر بل لاختيارهم وكسبهم مدخل فيه على ما قرّر في أفعال العباد كما فصل في علم الكلام. قوله:
(تقرير لتصميمهم على الكفر الخ) أي مجموعه استعارة تمثيلية فشبههم في عدم التفاتهم إلى الحق وعدم وصولهم إليه بمغلول بين سدين لا يلتفت، ولا ينظر لما خلفه وما قدامه و! ي التيسير جمع الأيدي إلى الأذقان بالأغلال عبارة عن منع التوفيق حين استكبروا عن الحق لأف المتكبر يوصف برفع العنق والمتواضع بضده كما في قوله: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [سورة الشعراء، الآية: ٤] وفي الانتصاف تصميمهم على الكفر مشبه بالوضع في الأغلال واستكبارهم بالأقماح وهي إلى الأذقان تتمة للزوم الأقماح وعدم الاعتبار بالأمم الخالية والتفكر في العواقب الآتية بالسدين من خلف، وقدام فيكون فيه تشبيه متعدد والتمثيل أحسن منه، وإنما اختير هذا لأنّ ما قبله وما بعده في ذكر أحوالهم في الدنيا ويؤيده ما روي في بعض التفاسير، وذكره المصنف من أنّ سبب نزول هذه الآية أنّ أبا جهل لعنه الله حلف لئن رأى محمداً يصلي ليرضخن رأسه فأتى ومعه حجر فلما رفعه لصقت يده بالحجر وشلت يده فلما عاد رجع ف، كان، أو هو رجل من بني مخزوم وقع منه مثله وجعله أبو حيان لبيان أحوالهم في الآخرة على أنه حقيقة لا تمثيل فيه فورد عليه أنه يكون أجنبيا في البين، وتوجيهه بأنه كالبيان لقوله: ﴿حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾ لا يلائم ما فسره به المصنف لأنه وعيد قبل الوقوع أيضاً، وقوله بتمثيلهم متعلق بتقرير وفي نسخة بتشبيههم، وقوله في أنهم الخ متعلق بتمثيلهم
стр. 2517
ولفت بكسر اللام وسكون الفاء بمعنى جانب لا النظر كما توهم وهو منصوب على نزع الخافض، ويطأطؤ، د بمعنى ينكسون ويخفضون، وقوله له كما في بعض النسخ أي لأجل الحق فمن قال إنه سهر فقدسها. قوله: (وبمن أحاط بهم سدّان الخ) إشارة إلى أن قوله وجعلنا الخ تمثيل آخر لا أله تمثيلات أخر متعدّدة ولا المجموع تمثيل واحد كما يتوهم من التقرير السابق والجاز، والمجرور متعلق بتمثيلهم أيضاً ولا حاجة إلى اعتبار تعلقه به بعد تعلق الأوّل لأنه معطوف وكذا قوله في أنهم الخ وقوله فغطى بالبناء للمجهول أو للمعلوم والضمير لله والمطمورة حب! مظلم تحت الأرض، وأصله حفرة يجعل فيها الطعام وفي مطمورة الجهالة استعارة مكنية وتخييلية ومن بين أيديهم ومن خلفه قدامهم ووراءهم كناية عن جميع الجهات، ووجه الشبه فيهما عقلي في المشبه حسي في المشبه به وهو في الحقيقة عدم القدرة على فعل ما ينبغي لهم فهو مشترك بينهما لكنه تسمح فذكر المقصود من عدم التفاتهم، وممنوعيتهم كما في قوله كلام كالعسل في حلاوته كما قرر في المعاني فلا يتوهم أن ما ذكر لا يصلح وجها للشبه لعدم اشتراكه إذ المغلول قد يكون ملتفتاً للحق فتأمّل. قوله: (وقيل ما كان بفعل الناس الخ (مر
تفصيله في سورة الكهف، وأنّ الخليل قال المضموم اسم والمفتوح مصدر والعشاء بالمهملة ضعف البصر وعلى هذا القول كل من لآيتين في رجل مخزومي واحد والجمع على طريقة قولهم بنو فلان فعلوا كذا والفاعل واحد منهم وعلى القراءة الأولى فيه مضاف مقدر أي أعشينا أبصارهم، كما أشار إليه بقوله يغطي أبصارهم، وقوله الآيتان الخ رواه ابن إسحق في السير وأبو نعيم في الدلائل، وله أصل في البخاري وبنو مخزوم بطن من قريش ومنهم أبو جهل لعته الله، والرضخ بالضاد والخاء المعجمتين الكسر بحجر كبير والدمغ شجة تبلغ الدماغ، وقوله وسواء الخ لم يورده بالفاء مع ترتبه على ما قبله إمّا تفويضا لذهن السامع أو لأنه غير مقصود هناء قوله: (إنذارا يترتب عليه البغية) بكسر الباء وهي المقصود المطلوب قيده به ليصح الحصر ولثلا ينافي قوله لتنذر قوماً الخ، وقوله اتبع الذكر إمّا بمعنى يتبع الذكر أو بمعنى ينفع إنذارك أو المراد إنذار عما يفرط من المؤمنين فلا يلزم تحصيل الحاصل كما توهم، وقوله خاف عقابه ففيه مضاف مقدر، وقوله قبل حلوله الخ تفسير للغيب على أنه حال من المضاف المقدر أو من الرحمن، وقوله أو في سريرته أي في قلبه وما يضمره فيه مما لا يطلع عليه الناس فهو حال من الفاعل لأنه في العلانية رياء وقوله ولا يغتر برحمته إشارة إلى وجه التعبير بالرحمن هنا دون القهار مع أنه قد يتوهم أنه المناسب للمقام. قوله: (١ لأموات بالبعث) فهو على حقيقتة والضمير لإفادة الحصر أو للتقوية وهو اسنئناف، وقوله أو الجهال بالهداية لاسنعارة الموت والحياة لهما كما مر، وهو تعليل لما قبله والضمير للحصر أو التقوية أيضاً فلا وجه للفرق بينهما وحبس بمعنى وقف وتفوه لأنه يحبس على ما وقف له، وقوله اللوح الخ فسر أيضاً بعلمه الأزلي. قوله: (من قولهم هنه الأشياء الخ) قد مر تفصيله في سورة البقرة وأنّ ضرب اعتماله وأنه هل يتعدّى لمفعول أو مفعولين والمثل هنا بمعنى القصة الغريبة، وقوله أي أجعل لهم مثل أصحاب
القرية الخ إشارة إلى أنّ مثلا مفعول ثان، وقوله ويجوز الخ على القول بأنه متعدّ لواحد فمثل أصحاب القرية بدل من مثلا بدل كل من كل أو عطف بيان على لقول بجواز اختلافهما تعريفاً وتنكيراً أو المقدّر مفعول وهذا حال. قوله: (بدل من أصحاب القرية) أي بدل اشتمال أو ظرف للمقدر، وجعله بدل كل على أنّ المراد بأصحاب القرية قصتهم وبالظرف ما فيه تكلف ما لا داعي له وقال جاءها دون جاءهم إشارة إلى أنهم أتوهم في مقرهم. قوله: (والمرسلون رسل عيسى ﵊ الخ) قيل عليه إنه ينافي كون يحيى ويونس عليهما الصلاة والسلام نبين في نفسهما، وقول المرسل لهم ما أنتم إلا بشر مثلنا إذ البشرية على زعمهم تنافي الرسالة من الله لا من غيره، وأجيب بأنهم إمّا أن يكونوا دعوهم على وجه فهموا منه أنهم مبلغون عن الله دون واسطة أو أنهم جعلوا الرسل بمنزلة مرسلهم فخاطبوهم بما يبطل رسالته، ونزلوه منزلة الحاضر تغليباً فقالوا ما قالوه بناء على ذلك أو معنى كونهم رسل عيسى ﵊ أنهم على شريعتة، وداعون بدعوته وأمره فتدبر، وقوله يحيى ويونس وقع في نسخة بدله يوحنا وبولص، وهو الذي صححه الشريف في شرح
стр. 2518
المفتاح وبه يندفع السؤال الأوّل وهذه النسخة هي التي عليها المعوّل لأنّ يونس ﵊ لم يدرك زمن عيسى، وإن أدركه يحيى كما فصل في التواريخ، وفي تاريخ ابن الوردي إنّ النصارى تسمى يحيى يوحنا والله أعلم. قوله: (فقوّينا) من قولهم للأرض الصلبة عزاز ومنه العز بمعناه المعروف، وفيه لغتان التخفيف والتشديد وبهما قرئ في السبعة وهما بمعنى كشدّد وشدد، وقوله وحذف المفعول أي لم يقل فعززناهما والمعزز بصيغة المفعول وبه نائب فاعله وليس فيه ضمير، وقو؟ له إنا إليكم مرسلون أي من عيسى أو من الله على الوجهين السابقين، وشمعون من الحواريين. قوله: (فآمن حبيب
الخ) ظاهره أنه كان كافرا ويحتمل أنه كان مؤمناً ولكنه آمن بما جاء به وفي مرآة الزمان قال أبو الحسين بن المنادى حبيب النجار هو نبيّ أصحاب الرس المذكور في القرآن وهو بعيد، وقوله من أوجدك من فيه تحتمل الموصولية والاستفهام ومطموس العينين بمعنى أعمى بلا حدقة، وقوله ليس الخ أي لا أخفي عنك ما في قلبي وضميري وقوله ثم قال أي شمعون أو الملك، وقوله يشفع الخ أي يسأل الله قبول دعائهم لأن شمعون كان يدعو معهم سرّاً والبندقة واحدة البندق بالضم، وهو طين مستدير يرمي به والذي يؤكل معرب فندق وعربيه جلوز وهو محتمل هنا أيضاً. قوله: (ورفع بشر الخ) أي لم ينصب كما في قوله ما هذا بشراً لمشابهتها ليس في الدلالة على النفي لأنّ شرط عملها أن لا ينتقض نفيها بدخول إلا على خبرها كما هنا لأنها تعمل بالحمل على ليس فإذا انتقض نفيها ضعف الشبيه فيها فبطل عملها خلافاً ليونس، وقوله وما أنزل الرحمن الخ يقتضي إقرارهم بالألوهية لكنهم ينكرون الرسالة، ويتوسلون بالأصنام لكنه يخالف قولهم ألنا إله سوى اكهتنا الصابق فينبغي أن يجعل هذا من لاحكاية لا من المحكي، وهم قالوا لا إله ولا رسالة فلا يرد عليه شيء والتعبير بالرحمن لحلمه عليهم ورحمته بعدم تعجيل العذاب حين الإنكار ومنه تعلم ما في كلام المحشي من الغفلة عما سبق. قوله: (وهو يجري مجرى القسم) أي في التأكيد والجواب بما يجاب به، وأما كفر من قال علم الله كاذباً فأمر آخر وقوله وزادوا اللام أي في قولهم هنا دون الأوّل لمرسلون. قوله: (لأنه جواب عن إنكارهم) في الكشاف إنّ الأوّل ابتداء أخبار والثاني جواب عن إنكار وهذا مخالف لما في المفتاح من أنهم أكدوا في المرّة الأولى لأنّ تكذيب الاثنين تكذيب للثالث لاتحاد المقالة فلما بالغوا في تكذيبهم لهم في المرة الأولى فالتأكيد فيها للاعتناء والاهتمام
بالخبر قال الشريف وما ذهب إليه السكاكي أدق قال الفاضل اليمني إنما أكد لتنزيلهم منزلة من أنكر إرسال الثلاثة لأنه قد لاح ذلك من إنكار الاثنين فعلى هذا يكون ابتداء أخبار بالنظر إلى إخراج الكلام على مقتضى الظاهر، وانكاريا بالنظر إلى إخراج الكلام لا على مقتضى الظاهر فظهر بهذا إن نظر صاحب الكشاف أدق، وكلامه بالقبول أحق انتهى وفي الكشف أنه أراد بالابتداء إنه غير مسبوق بإخبار سابق، ولم يرد أنه كلام مع خالي الذهن وهذا يصح إن جعل قوله فقالوا الخ تفصيلاً للمجمل وفيه لف في عدم تمييز قول الثالث ثقة بفهم السامع، وإلا فالظاهر من قوله فكذبوهما سبق إنكاراً وجعل الابتداء باعتبار قول الثالث أو المجموع والأوّل هو الوجه وعليه ظاهر الآية يعني أنّ هذا الأخبار لما كان عن الثلاثة والمتبادر بشهادة الفاء أن القائل هو الثالث، وكلامه لم يقع جواباً لإنكار لكنه علم إنكارهم لمقالته لاتحاد مرسلهما، ومرسله بالكسر والمرسل به والإنكار إذا لم يصرح به ويحتج عليه دون ما يخالفه لاحتمال الرجوع عنه كما وقع لبعضهم فلذا كان تأكيد الأوّل بالاسمية، وان والثاني بهما مع اللام والقسم والحاصل أن الإبتدائي عند أهل المعاني مقابل للإنكاري، وما في حكمه وعند غيرهم ما ليس بجواب والزمخشري لما أوقعه مقابلاً للجواب، والإنكار احتمل كلاً منهما فحمل تارة على هذا وأخرى على هذا لكن في كلامه نظر فانّ الوجه الأوّل الذي ارتضاه لا يخرج عما بعده فتأمل، وما قيل من أن إنكارهم في كلام المصنف ﵀ المراد به أشدّ الإنكار لأنّ هذا جواب عن إنكار أيضاً، وان مراد الزمخشري بالابتداء ما هو بمنزلته بالنسبة إلى الثاني لا أنه ابتداء حقيقي فليس مما يلتفت إليه بعدما سمعت، وكذا ما ذكره من أنّ
стр. 2519
القصة تدل على زوال الإنكار عن جمع منهم فالكلام بالنسبة إلى هؤلاء ابتدائي لأنّ هؤلاء لم يذكر حالهم في النظم، وإنما ذكر المنكرون لأنهم الأكثر ولأنّ المراد ذكر حال من طغى وتجبر وإنما أطلنا الكلام في هذا المقام لما وقع فيه من الأوهام.
قوله: (وهو) أي كون ما بلغ نبينا بأنباء بينة هو المحسن للاستشهاد بعلمها لله الذي هو
في معنى القسم في قولهم ربنا يعلم الخ ولولاه لم يحسن إذ قسم المدعي، ونحوه مما يصدر عن العاجز عن الدليل الذي لا متشبث له خصوصا بعلم الله الذي لا يطلع عليه أما إذا قاله تحقيقاً وتأكيداً لحجته البينة فلا. قوله: (تشاء منا بكم) أصل معناه كان في التفاؤل بالطير البارح والسانح ثم عم، وقوله لاستغرابهم الخ أو لما وقع بينهم من افتراق الكلمة أو الشدائد ومنع المطر وهذا ديدن السفهاء في التبرك بما يوافق أهواءهم والتشاؤم بغيره، وقوله سبب شؤمكم لأنّ الطائر يتشاءم به فهو سبب له فتجوز به عن مطلق السبب، وقوله طيركم معكم الطير يكون جمع طائر ومفرداً بمعناه كما في كتب اللغة، والأوّل أكثر فيحمل عليه ويفسر بأسباب التثاؤم
من الكفر والمعاصي، وتركه المصنف وحمه الله لظهوره مما ذكر لأنّ طائركم وان كان مفرداً لكنه بالإضافة شامل لكل ما يتطير به فهو في معنى الجمع، والقراءتان متوافقتان على كل حال ولا حاجة إلى تفسير الطير بالطائر ليتوافقا كما قيل، ويؤيده أنه لم يقع في القرآن إلا جمعا كقوله: ﴿وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾ [سورة النور، الآية: ٤١] وقال! الزجاج لا أعلم أحداً قرأ طيركم بدون ألف والزمخشري ثقة إذ مثل هذا لا يتجاسر عليه بدون نقل. قوله: (وجواب الشرط محذوف) قال المعرب اختلف سيبويه، ويون! فيما إذا اجتمع استفهام وشرط أيهما يجاب فذهب سيبويه إلى إجابة الاستفهام أي تقدير المستفهم عنه ويونس إلى إجابة الشرط فيقدر. سيبويه تتطيرون، ويونس تتطيروا مجزوما وعلى القولين جواب الشرط محذوف انتهى فجواب الشرط مثل تطيرتم، أو توعدتم بالرجم والتعذيب وقال أبو البقاء قدره كفرتم وردّه الطيبي بأنّ الكلام مع الكفار الموجود كفرهم فلا يعقد الشرط وكلام المصنف ﵀ محتمل لهما فالقول بأنه على مذهب يونس، وهم ولو قدّر قلتم ما قلتم ونحوه مما يعم حسن. قوله: (وقد رّيدت ألف بين الهمزتين) القراء السبعة على أنها همزة استفهام بعدها إن الشرطية وأصولهم في مثله التحقيق، وادخال ألف بين الهمزتين أو التسهيل أو حذف الألف على ما يعرفه أهل الأداء وهذه قراءة أبي عمرو وقالون وهشام وعبر فيها بالمجهول وما للاختصار فلا اعتراض عليه بناء على أنه يعبر به في الشواذ مع أنه لم ينقل عنه مثله ولم يلتزمه، وقوله بفتح أي قرئ بغتح أن المصدرية فقبلها لام جرّه مقدرة، وهذه القراءة مع همزة الاستفهام وما بعدها بدونها- مع الفتح والكسر فإمّا أن تكون همزة الاستفهام مقدرة قبلها لتوافق القراءة الأخرى أو بدونه فيكون على صورة الخبر كما في الكشاف، وهو مسوق للتعجب والتوبيخ أي تطيرتم إن ذكرتم أو لأن ذكرتم أو طائركم معكم لأن ذكرتم فلم تذكروا ولم تنتهوا على تعلقه بمقدر أو بطائركم على ما فصل في شرحه ولا بعد فيه كما قيل، وقوله وأين الخ أي قرئ بهمزة مفتوحة بعدها ياء ساكنة مع تخفيف الكاف وهي أبلغ لأنّ مجرد ذكرهم إذا أثر الشؤم فكيف بوجودهم المشؤم. قوله: (عادتكم الإسراف) كونه عادة من تبوت الاسمية، والاسم وذكر قوم الدال! على شيوعه فيهم، وقوله في العصيان أو في الضلال الفرق بين الوجهين إنّ الإسراف إمّا في المعاصي أو في الضلال والغي والاضطراب على الأوّل على تقدير تسليم حصول الشؤم وسببه لكونه أضرب عما جعلوه سببا للشؤم إلى إثبات سبب آخر أعظم وأقوى منه وعلى الثاني الإضراب عن ذكر الشؤم وسببه إلى ذكر ضلالهم وغيهم وتماديهم فليس فيه، إثبات للشؤم ولا لسببه فلذا قال في الأوّل فمن ثتم
جاءكم الشؤم، وفي الثاني ولذلك توعدتم الخ هذا ما اختاره بعض شراح الكشاف وهو أحسن ما فيها من الوجوه والإضراب في الأوّل عن قوله طائركم معكم والجملة الشرطية معترضة، وعلى الثاني عن مجموع ما قبله لا عن قوله أئن ذكرتم كما قيل وقيل إنه لف ونشر على تقدير الجزاء فالأولى على تقدير تطيرتم والثاني على تقدير توعدتم فتأمل، وقوله أن يكرم ويتبرك به إشارة إلى أن ما هم فيه تعكيس لما يقتضيه النظر الصحيح. قوله تعالى: ( ﴿وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾ ) قدم الجاو والمجرور على الفاعل الذي حقه التقدم بيانا لفضله إد هداه الله مع بعده عنهم، وانّ بعده لم يمنعه عن ذلك، ولذا عبر بالمدينة هنا بعد
стр. 2520
التعبير بالعرية إشارة للسعد وأن الله يهدي من يشاء سواء قرب أم بعد، وقال بعض الأدباء لما سمع قولهم الأطراف منازل الأشراف هذا مأخوذ من قوله تعالى من أقصى المدينة، ولو قيل إنه لو أخرتوهم تعلقه بيسعى فلم يفد أنه من أهل المدينة مسكنه في طرفها وهو المقصود وسيأتي مثله ويسعى بمعنى يسرع حرصاً على نصح قومه أو بمعنى يقصد وجه الله كقوله وسعى لها سعيها وهذا وان كان مجازاً يجوز الحمل عليه لشهرته فلا غبار عليه. قوله: (وكان ينحت) بتثليث الحاء المهملة بمعنى يبري، ويصنع وكونه كان يصنعها لا يوافق ظاهراً إيمانه بنبينا ﵊، ولذا قيل الأصنام هنا بمعنى التماثيل التي كان نحتها مباحا في شرعهم وهو خلاف الظاهر، وكذا ما قيل إيمانه بمحمد ﷺ كان على يد الرسل مع أنه معارض لحديث سباق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالته طرفة عين (علي، وصاحب يس، ومؤمن آل فرعون (، وتبشير الأمم السالفة والإيمان ينبينا قبل وجوده من خصائصه ﷺ كإيمان تبع على ما عرف في السير وكتب الحديث، وقوله وقيل الخ وجه مقابلته للأوّل ظاهر لأنه في الأوّل مخالط للناس صنع، وفي هذا متباعد عنهم ووجه تمريضه إنه ينافي قوله تعالى من أقصى المدينة، وقوله وهم مهتدون أي ثابتون على الاهتداء
وقوله تلطف أي الجل المحكي عنه هذا، وقوله بإيراده أي إيراد قوله مالي الخ ووضعه موضع نصحه لنفسه ظاهرا لمامحاض عطف على الإرشاد ويجوز عطفه على المناصحة. قوله: (ولذلك قال الخ) أي لكون المراد تقريعهم وتوبيخهم لم يقل، واليه أرجع مبالغة في تهديدهم بتخويفهم بالرجوع إلى شديد العقاب مواجهة وصريحاً فإنه لو قال واليه أرجع كان فيه تهديد بطريق التعريض، وقد جوّز كونه من الاحتباك وأصله على ذكرهما في الطرفين فحذف من الأوّل ما ذكر في الثاني وعكسه ومثله لا يرتكب من غير ضرورة فالأولى تركه. قوله:) ثم عاد إلى المساق الأوّل) أي مناصحة نفسه تلطفا لإرشادهم، وقوله لا تنفعني شفاعتهم أمّا على حذ قوله:
ولا ترى الضب بها لمجنحجر
أي لا شفاعة لهم حتى تنفع أو هو على فرض وقوعها لأنها غير واقعة، وفي قوله أءاتخذ
إشارة إلى أنها ليست بلائقة للألوهية وهو تحميق لهم لأنّ ما يتخذ وبصنعه المخلوق كيف يعبد، وقوله ولا ينقذون الإنقاد التخليص ترق من الأدنى للأعلى، وقوله ما لا ينفع يعني الأصنام المعبودة دون الله. قوله: (فاسمعوا إيماتي) ففيه مضاف مقددماذ السماع لا يتعلق بالذوات وتقدير ما ذكر لقوله قبيله آمنت الخ فالمراد بايمانه قوله آمنت أو سمي الإقرار إيمانا للزومه له شطراً أو شرطا فالخطاب على هذا لقومه، ومقصوده دعوتهم إلى الخير الذي اختاره لنفسه لا أن يغضبهم ويشغلهم عن الرسل بنفسه فإنّ تصريح المصنف بأنه من المساق الأوّل ينبو عنه بعض نبوة والأولى أن يفسر باسمعوا جميع ما قلته في هذا المساق، واقبلوه فمانّ السماع يرد بمعنى القبول كسمع الله لمن حمده، وقوله فأسرع الخ أي ليشهدهم على إيمانه واقراره به ليشهدوا له عند الله. قوله: (بشرى بأنه من أهل الجنة) يدخلها إذا دخلها المؤمنون، والقائل له ملائكة الموت فالأمر للتبشير لا للإذن في الدخول حقيقة، وقوله كسائر الشهداء فانهم يدخلونها عقب الموت بأن تطوف أرواحهم فيها وهم أحياء في قبورهم يشاهدون مقاماتهم فيها، ويؤيده قوله جعلني من المكرمين. قوله: (رفعه الله (جواب لما وفي نسخة
فرفعه الله بالفاء فإنّ جوابها قد يقترن بها، وان منعه بعض النحاة فعلى هذا يكون رفع حياً إلى الجنة كعيسى صلوات الله وسلامه عليه فإذا فنيت الجنة بفناء السماء، ثم أعيدت أعيد له دخولها وهذا مرويّ عن الحسن. قوله: (وإنما لم يقل له) لأنّ الغرض ذكر المقول لا الاقائل ولا المقول له، وتقدير السؤال ما حاله بعدما استشهد، وقوله وكذلك الخ بكاف التشبيه أي هذه الجملة أيضاً مستأنفة استئنافا بيانيا كالتي قبلها في جواب فما قال إذ قيل له ذلك ووقع في نسخة لذلك باللام أي للاستئناف هذا الكلام أيضا ولا يخفى إنه تكلف لحسن الظن بالكاتب دون المصنف. توله: (على دأب الأولياء الخ) فإنهم مع ما فعلوه به لم يظهر غيظاً بل ترحما وشفقة، وقوله وليعلموا بالعطف بالواو وهو الظاهر إذ لا منافاة بينهما وما وقع من عطفه بأو في بعض النسخ لتباين الغرض فيهما. قوله: (وما خبرية) أي موصولة والعائد مقدر أي به أي بسببه، أو الذي غفره لي على أنّ غفر بمعنى الغفران
стр. 2521
الذي غفره لي والمقصود تعظيم مغفرته له فتؤول إلى المصدرية، وهذا هو المناسب لقوله وجعلني من المكرمين لا ما قدره الزمخشري بالذي غفره من الذنوب فإن تمنى علم ذنوبه، وإن كانت مغفورة لا يحسن وكذا عطف قوله وجعلني من المكرمين عليه لا ينتظم، وما قيل من أنّ الغرض! منه الإعلام بعظم مغفرة الله ووفور كرمه وسعة رحمته فلا يبعد حينئذ إرادة معنى الاطلاع عليها لذلك بل هو أوقع في النفس من ذكر المغفرة مجرّدة عن ذكر المغفور لاحتمال حقارته تكلف. قوله: (أو استفهامية جاءت على الآصل) من عدم حذف ألفها إذا جرت فإنّ اللغة الفصيحة حذفها فرقا بينها، وبين الموصولة واثباتها شاذ، ولذا اعترض ابن هشام على من خرج الآية عليه بأنه غير لائق بفصاحة القرآن الحمل عليه هذا ما قالوه برمتهم، وتحقيقه ما في شرح أدب الكاتب أنها تسقط لما ذكر من الفرق إلا في قولهم بم شئت فإنها لم تثبت عند جميع العرب سواء كانت ما موصولة، أو استفهامية فإن جرت باسم مضاف لم تحذف وخص الاستفهام لأنه اسم تامّ فهي معه كاسم واحد إلى آخر ما فصله اللبلى في شرحه، وقد علم منه أنها قد تثبت في الاستفهام كما ذكره العلامة، وتبعه المصنف فسقط ما اعترض به عليه. قوله: (من بعد إهلاكه أو رفعه) على
القولين السابقين من قتله ورفعه إلى السماء حيا ففيه مضاف مقدر هو أحد هذين، وقوله كما أرسلنا الخ تمثيل لإرسال الملائكة فلا حاجة إلى جعل الماضي بمعنى المستقبل لأنّ السورة مكية كما قيل نعم قوله لإهلاكهم إمّا تغليب لبدر أو المراد لقصد إهلاكهم، وان لم يقع لأنّ الخندق لم يكن فيه قتال واستحقاو هلاكهم بعدم إنزال جنده وكونه بصيحة واحدة، وقوله إيماء بتعظيم الرسول لتخصيصه بقتال الملائكة معه وحمل الإيماء على الإشعار فعداه بالباء إذ الظاهر اللام أوالي. قوله: (وما صح) هو أحد معاني ما كان الواردة في القرآن كما مرّ، وقوله وجعلنا ذلك أي إنزال الجند السماوية، وقوله ما موصولة قيل إنها لو جعلت موصوفة كان أحسن لأنّ من قزاد بعد النفي إذا كان مجرورها نكرة، وان كان يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع ولعله وجه تمريضه مع كونه خلاف الظاهر. قوله: (ما كانت الأخذة) بصيغة المصدر أو اسم الفأعل وعطف المصدر عليه يرجح الأوّل وقدره لقوله أخذتهم الصيحة، وقوله وقرئت أي صيحة بالرفع وكان ينبغي أن لا تلحقه تاء التأنيث لأنه لا يؤنث الفعل إذا كان فاعله مؤنثاً بعداً لا إلا نادراً فلا يقال ما قامت إلا هند بل، ما قام لأنّ تقديره ما قام أحد لكنه قصد به مطابقة ما بعدا لا لأنه الفاعل في الحقيقة كما قرأ الحسن وغيره لا ترى إلا مساكنهم، وقال لبيد:
وما بقيت إلا الضلوع الجراشع
ولذا أنكر أبو حاتم هذه القراءة ولا عبرة بإنكاره على أنّ تقدير المستثنى منه عامّا مؤنثاً ليطابق قراءة النصب لا مانع منه. قوله: (شبهوا بالنار الخ) ظاهره أنه استعارة بالكناية والخمود تخييلية، ويجوز أن تكون تصريحية تبعية في الخمود بمعنى البرودة والسكون لأنّ الروج لفزعها من الصيحة تندفع إلى الباطن دفعة واحدة، ثم تنحصر فتنطفئ الحرارة الغريزية لانحصارها وقد مرّ كلام الثريف فيه في شرح المفتاح وما عليه وله فتذكره، وقوله كالنار المراد بها الجمر لأنها تطلق عليه والساطع صفتها لتأويلها بالجمر ولذا ذكره لا أنها صفة جرت على غير من هي له أي الساطع لهبها، والساطع بمعنى المشرق وبيت لبيد من قصيدته العينية المشهورة، ويحور
بالحاء والراء المهملتين بمعنى يعود ويرجع ومنه اللهم إني أعوذ بك من الحور بعد الكور، والشهاب هنا شعلة النار. قوله: (تعالى (بفتح اللام وسكون الياء ويجوز كسر اللام في لغة ضعيفة كما مرّ وهي في الأصل أمر بالصعود لمكان عال، ثم شاع في الأمر بالحضور مطلقاً كما قال بعض المتأخرين:
أيها المعرض عني حسبك الله تعالى
وقوله فهذه الخ إشارة إلى أنّ نداء الحسرة مجاز بتنزيلها منزلة العقلاء، وقوله وهي أي الأحوال التي تورث الحسرة ما دلت عليه الآية وهو استهزاؤهم بالرسل على أنّ المراد بالعباد مطلق المجرمين أو أهل القرية فالجملة مستأنفة لبيان ما تحسر منه. قوله: (ولقد تلهف الخ (يعني أنّ التحسر هنا، وقع من هؤلاء والمراد شدة خسرانهم حتى استحقوا أن يتحسر عليهم أهل الثقلين، وقوله ويجوز الخ على أنّ التحسر من
стр. 2522
الله، ولما كانت الحسوة ما يلحق المتحسر من الندم حتى يبقى حسيرا وهو لا يليق به تعالى جعلوه استعارة بأن شبه حال العباد بحال من يتحسر عليه الله فرضاً فيقول يا حسرة على عبادي قيل، وهو نظير قوله بل عجبت، ويسخرون على القراءة بضنم التاء كما سيجيء في الصافات فالنداء للحسرة تعجب منه، والمقصود تعظيم جنايتهم أي عدها أمرا عظيما يتعجب منه وتخسر بمعنى تفجع، وقوله لتعظيم متعلق به أو باستعارة على أنّ المراد بها الاستعارة الاصطلاحية أو اللغوية، وتأييد يا حسرتا لأنّ أصله يا حسرتي فقلبت الياء ألفا فتأمل. قوله: (بإضماو فعلها) أي يا قوم تحسروا حسرة فهو مفعول مطلق، ويجوز تقدير انظروا أو اسمعوا وقوله أو المفعول أي بواسطة الحرف لأنه لا يتعدى بنفسه، وأما الوقف على الحسرة بالهاء فلكونها حرف تأوّه وتأسف إلا أنه ينبغي حينئذ أن لا يتعلق به قرله على العباد لأنّ الوقف بين العامل ومعموله لا يحسن فيكون متعلقاً بمقدر أو خبر مبتدأ لبيان المتحسر عليه وتقديره الحسرة على العباد، وقوله ألم يعلموا جعلها علمية لا بصرية لأنها لا تعلق على المشهور، وفوله لأنّ أصلها الخ لأن الاشتراك خلاف الأصل لكن الظاهر أنّ كلاً منهما أصل برأسه بدليل اختلاف أحكام التمييز فيهما. قوله: (بدل من كم على المعنى الخ) فيه تسمح والمراد أنه بدل من جملة كم أهلكنا وقد أعربه سيبويه هكذا وتبعه الزجاج وقال
السيرافي في شرحه المعنى ألم يروا أنّ القرون التي أهلكناها لا يرجعون إليهم فأنهم الخ بدل من جملة كم أهلكنا لأنّ كم منصوب بأهلكنا إذ لا يعمل فيها ما قبلها فلو أبدل منه كان تقديره أهلكناها أنهم إليهم لا يرجعون، ولا معنى له ولكن كم وما بعدها في تقدير ألم يروا الذين أهلكناهم من القرون فالمعنى ألم يعلموا أنّ القرون التي أهلكناهم من قبلهم لا يرجعون، وفيه وجه آخر وهو أن يجعل صلة أهلكناهم أي أهلكناهم بأنهم إليهم لا يرجعون أي بهذا الرب من الهلاك انتهى، وقوله على المعنى لأنّ كثرة المهلكين وعدم الرجوع ليس بينهما اتحاد بجزئية ولا كلية، ولا ملابسة كما هو مقتض البدلية لكنه لما كان في معنى الذين أهلكناهم دمانهم لا يرجعون بمعنى غير راجعين اتضح فيه البدلية على أنه بدل اشتمال، أو بدل كل من كل وبهذا سقط ما قيل إنه لا يصح فيه البدلية بوجه من الوجوه وانّ بدل المفرد من الجملة غير متعارف بل عكسه مع أنّ سيبوبه إذا ذكره فقد قالت حذام، والقول بأنه بدل من كم وجعله على المعنى لعدم صحة تسليط عامله عليه لكنه لما كان معمولاً ليروا معنى صحت البدلية ولا يخفى ما فيه من التعسف الذي لا تساعده قواعد النحو (بقي فيه وجوه أخر) منها أنه معمول لمقدّر أي قد قضينا، وحكمنا أنهم الخ والجملة حال من فاعل أهلكنا ومنها أنه معمول يروا وجملة كم أهلكنا معترضة، ومنها أنّ كم أهلكنا معمول يروا ولام التعليل مقدرة قبل إنهم والمعلل يروا كما في شرح المغني، وقد أورد عليه أنه لا فائدة فيه يعتذ بها وأنّ المراد باهلاكهم استثصالهم انتقاماً، وعدم رجوعهم لا يدلّ إلا على إماتتهم ولا يخفى أنّ ما ذكره وارد على البدلية أيضا، والظاهر أنّ المقصود من ذكره إمّا التهكم بهم وتحميقهم أو تقديم إليهم للحصر أي أنهم لا يرجعون إليهم بل إلينا فيكون ما بعده مؤكداً له، وأمّا كونه تعليلاً لأهنكنا وضمير أنهم للقرون واليهم للرسل أي أهلكناهم لعدم رجوعهم للرسل أي متابعة دينهم الحق، وقيل لا يرجعون دون لم يرجعوا للدلالة على الاستمرار وليس إليهم زائداً على هذا كما توهم أو هو على ما يتبادر منه من رجوع الأوّل للقرون، والثاني لمن يرون والمعنى أنهم لا يرجعون لهم فيخبروهم بما حل بهم من العذاب، وجزاء الاستهزاء حتى ينزجر هؤلاء فلذا أهلكناهم فتعسف ركيك المعنى دعاهم إليه عدم فهم ما قرّرناه، وههنا كلمات أخر نثأت من قلة التدبر تركناها خوف الملل. قوله: (للجزاء (وفي الكشاف للحساب وليس ببعيد من الأوّل وقيل محضرون معذبون، وقوله فعيل بمعنى مفعول أوّله به ليفيد ذكره بعد كل لأنها لإحاطة الإفراد، وهذه تفيد اجتماعهم في المحشر ولذا جاء أجمع بعد كل في التأكيد ومحضرون خبر ثان أو نعت، وقوله
خبر آية ولكونها عين المبتدأ كخبر ضمير الشأن لم يحتج لرابط، وهذا حسن جدّاً إلا أنّ النحاة لم يصرّحوا به في غيره، وقيل إنها مؤوّلة بمدلول هذا القول، وأمّا كونها صفة لآية فلا وجه له، وقوله أو صفة لها أي جملة أحييناها صفة للأرض لأ نه لم يرد بها أرض! معينة بل الجنس فهو كقوله:
стр. 2523
ولقد أمرّ على اللئيم يسبني
وإليه أشار بقوله إذ لم الخ ولذا وقعت خبراً عن النكرة، وأن كان الظاهر العكس حتى اعترض عليه المعرب بأنه مخالف للقواعد وقوله وهي أي الأرض! ، وكونها حالاً عاملها آية لما فيها من معنى الإعلام تكلف ركيك والاستئناف أرجحها. قوله: (قدم الصلة) وهي منه سواء كانت من ابتدائية أو تبعيضية ووجه الدلالة ما فيه من إيهام الحصر للاهتمام به حتى كأنه لا مأكول غيره، والأعناب قيل هنا بص منى الكروم ولعله بتقدير مضاف أو مجاز بقرينة عطفه على النخيل، وإلا فكلام المصنف مشعر بخلافه وهو جمع نخل كعبيد كما أشار إليه المصنف؟ وقيل إنه اسم جمع لأنه لم يطرد له مفرد معين كأكثر الجموع وقوله، ولذلك جمعهما لتدل الجمعية على تعداد أنواعهما والدال على الجنس الحبّ، واشعاره لأنه مقول على كثرة مختلفة الحقائق بخلاف النوع، وفي نسخة فانه الدال بضمير وفي أخرى بدونه قيل والأولى أولى لدلالتها على الحصر الدال على الجنس في الحب دون النخيل، والأعناب فيدلّ على أن دلالة لهما على الاختلاف بوجه ما لم يجمعا، والحاصل أن حباً نكرة دالة على الجنس تعتم الأنواع، وإن كانت في الإثبات لأنها في سياق الامتنان كما صرّح به في الأصول والنخيل والأعناب معرفان بأداة الاستغراق، هو اسم نوع فيعنم الإفراد لأنه لا يلزم أن يكون تحته أصناف، وأما قولهم جمع العالمين وهو اسم جنس ليشمل ما تحته من الأجناس فلا ينافيه كما قيل لأنّ المراد شمولاً ظاهرا متعينا وان حصل الإشعار بدونه، وقيل إنما جمع للدلالة على مزيد النعمة أما الحب فبه قوام البدم وهو حاصل بالجنس، وقوله ولا كذلك الدال على الأنواع يعني النخل والعنب ولذا لم يقل النوع. قوله: (وذكر النخيل الخ) التمور بالتاء المثناة يعني أنّ النخل ينتفع بخشبه وجريده وسعفه وطلعه فالنعمة ليست بتمره فقط، وقد يقال في وجهه أنّ التمر لا يكون على النخل بل بعد جفافه وما عليه هو البلح وليس به تفكه، وقوله ليطابق علة للمنفي لا للنفي والمطابقة بذكر المأكول، وقوله شجرها أي النخل فهو كشجر الأراك أو التمور، وآثار الصنع فيها ما للنخلة من الخواص لمشابهة الإنسان في موتها بقطع رأسها ورائحة طلعها ولقوحها
بالذكر وغير ذلك من خواصها المذكورة في الفلاحة. قوله: (لفظاً) أي بحسب الوزن ومعنى لأنّ معنى التفجير هو التفتيح، والمخفف دال على معنى الفتح والمشدد دال على المبالغة والتكثير وقوله شيئاً من العيون فهو صفة موصوف مقدر ومن بيانية أو تبعيضية أو ابتدائية إن أريد بها المنابع لا زائد ة لأنها لا تزاد إلا في النفي، ومجرورها نكرة عند الجمهور خلافاً للأخفش، وقيل المفعول محذوف وهو ما ينتفع به. قوله: (ثمر ما ذكر الخ) يعني أنه كان الظاهر ثمرهما أي النخيل والأعناب فالضمير إمّا لما ذكر ليشملهما فإنّ الضمير قد يجري مجرى اسم الإشارة كما مرّ أو هو لله وإضافته له لأنه خالقه فالمعنى ليأكلوا مما خلقه الله ومما عملوه بأيديهم ففيه التفات من التكلم إلى الغيبة، واعترض عليه بأنه ليس من مظانّ الالتفات لأنّ المقصود من الجنات وتفجير مياهها ثمرها فالتمكين من الانتفاع بأكله أولى بالتفخيم الدال على الامتنان فالظاهر إضافته لضمير العظيم بأن يقال ثمرنا، ورد بأنه ذهب عليه أنّ ما سبق أفخم لأنها أفعال عامّة النفع ظاهرة في كمال القدرة والتمر أحط مرتبة من الحب فلا يستحق ذلك التفخيم، ولذا لم يورد على أسلوب الاختصاص وجعل من خلق الله، وقيل التمر لكون كماله بفعل العبد لا يستحق ذلك التعظيم، وليس المقصود مما ذكر أوّلاً التمر حتى ينبو عنه كما توهم بل الاستدلال على الصانع القدير ومنع دلالته على كمال القدرة مكابرة وفهم انحطا! مرتبته من التأخير لا ينافي الدلالة بوجه آخر، والأحسن أن الأكل والتعيش مما يشغل عن الله فيناسب الغيبة كما نبه على غفلتهم عن المنعم بقوله أفلا يشكرون، فالالتفات واقع في موقعه وقيل الضمير للنخيل وتركت الأعناب غير مرجوع إليها لأنها في حكمه، وقيل للماء وقيل للتفجير والإضافة لأدنى ملابسة ولا يخفى بعده. قوله: (عطف على الثمر) أو على محل من ثمره لا على الضمير المضاف إليه، وقوله والمراد ما يتخذ الخ لم يرتض ما في الكشاف من تفسيره ما عملته أيديهم بالغرس، والسقي والآبار لأنه مخالف للظاهر والدبس بكسر الدال المهملة وسكون الباء الموحدة والسين المهملة ما يعصر من التمر والزبيب، وقد ورد بمعنى العسل وليس بمراد هنا. قوله: (ويؤيد الأول الخ) وكذا كتب في بعض المصاحف العثمانية، ووجه التأييد أنّ
стр. 2524
الموصول مع الصلة كاسم واحد فيحسن معه الحذف لاستطالته لاقتضائه العائد، ودلالته عليه بجعله كالمذكور وتقدير اسم ظاهر غير ظاهر.
قوله: (أمر بالشكر لأنّ إنكار ترك شيء يستلزم الأمر به، وقوله الأنواع والأصناف هو كقول الزمخشريّ الأجناس والأصناف لأنّ المراد بهما المعنى اللغوي لا الاصطلاحي كما توهم مع أنّ النبت والشجر جنس لا نوع، وقوله لا يطلعهم الله قعالى عليه أي بوجه مّا مما لا عين رأت ولا أذن سمعت إلا بالكنه لأنّ أكثر الأشياء لا قعلم بالكته. قوله: (وآية لهم الليل الخ) بيان لقدرته الباهرة في الزمان بعدما بينها في المكان، وقوله نزيله ونكشفه الخ يعني أنه استعير لإزالة الضوء السلخ استعارة تبعية مصرحة والجامع ما يعقل من ترتب أحدهما على الآخر، وقوله عن مكانه يشير إلى أنّ النهار طارى على الليل كما أن المسلوخ منه قبلى المسلوخ الذي هو كالغطاء الطارئ على المغطي لأنّ الليل سابق عرفا وشرعا وهذا هو تفسير الفراء ومن فيه ابتدائية أو تبعيضية وقيل سببية وما في المفتاح من أنّ المستعار له ظهور النهار من ظلمة الليل، والمستعار منه ظهور المسلوخ من جلده وهو مأخوذ كما قال الفاضل اليمني من قول الزجاج معنى نسلخ نخرج منه النهار إخراجا لا يبقى معه شيء من ضوئه فالظهور في عبارة السكاكي بمعنى الخروج كما في قول عمر ﵁ أظهر بمن معك من المسلمين، ويؤل معناه إلى الزوال الذي في عبارة الكشاف كما في قول أبي ذؤيب:
وتلك شكاة ظاهر عنك عارها
أي زائل ومتميز عنه فسقط ما أورده عليه الخطيب من أنه لو أريد هذا قيل فإذا هم مبصرون بناء على أنّ المراد بالظهور ظاهر من غير احتياج إلى حمله على القلب أي ظهور الليل من ظلمة النهار، ولا حاجة إلى جعل من بمعنى عن لأنّ الخروج يتعدى بعن والسلخ يكون بمعنى الكشط كما ذكره المصنف ﵀ وبمعنى الإخراج كما ذكره السكاكي إلا أنّ التعقيب والمفاجأة فيه عرفي، ولذا كان أتم فائدة على ما فصل في شرح التلخيص وحواشيه فإذا أردت تفصيله فانظره، وقد قيل إنّ كلام الزمخشري والسكاكي شيء واحد من غير اختلاف بينهما يعني أن ظهور النهار بمعنى خروجه والخروج لما فيه من المفارقة كناية عن زواله فهو بمعناه بن غير تكلف لما ذكروه، قال الراغب نسلخ منه النهار وننتزع وحقيقته نزع جلد الحيوان، وهو متعد بمن لا بعن كما توهم. قوله: (مستعار من سلخ الجلد) قيل المستعار لفظ السلخ والمستعار منه معنى الكشط، والمستعار له الإزالة وليس بشيء لأنه لم يرد المستعار منه اصطلاحا بل المراد أنه منقول منه بهذا المعنى إلى المعنى المجازي المراد فهذا من التغيير في
الوجوه الحسان، والشراح على أنّ الاستعارة تصريحية وقد جوّز فيها أن تكون مكنية وتخييلية وقوله داخلون في الظلام يشير إلى أنّ التعقيب والفجائية في محلها، وقد علمت أنها على الوجه الآخر كذلك فتدبر، والدخول مستفاد من الهمزة لأنه كأصبح إذا دخل في وقت الصباج، والإعراب ما مرّ في قوله وآية لهم الأرض فتذكره. قوله: الحدّ معين الخ) فقوله الشمس تجري الخ معطوف على جملة الليل نسلخ الخ لأنه من آيات قدرته، وإنما جعله مجازا عما ذكر لدوام حركتها فلا قرار لها فالمستقر على هدّا اسم مكان تقطعه في حركتها الدائمة، ثم تعود ووجه الشبه على هذا الانتهاء إلى محل معين وان كان للمسافر قرار دونها وهذا ما تقطعه في السنة واللام تعليلية أو بمعنى إلى. قوله: (أو لكبد السماء) أي وسطها فالمستقرّ اسم مكان أيضا وجوّز فيه المصدرية، وكلام المصنف ﵀ يأباه واللام فيه كالأوّل وكونه محل قرار إمّا مجاز عن الحركة البطيئة أو هو باعتبار ما يتراءى، وهذا هو الوجه الثاني. قوله: (والشمس حيرى لها في الجوّ تدويم) هو من قصيدة لذي الرمة وأوّلها:
أعن ترسمت من خرقاءمنزلة ماءالصبابة من عينيك مسجوم
وصدر.:
معرورياً رمض الرضراض تركضه
يصف سير فرسه وجربه في الظهيرة وشذة الحر، ومعروريا بمهملات بمعنى سائر وحده، والرمض حرّ الشمس على وجه الأرض والرضراض! الحصى والركض الجري والجوّ ما بين السماء والأرض والمراد به هنا وسط السماء والتدويم وقوف الطائر في الهواء، وهو مجاز أو استعارة لوقوفها وسكونها وهو محل الشاهد، وحيرى مؤنثة حيران استعارة أو تشبيه لها أيضا لأنّ المتحير يقف فيقدم رجلاً ويؤخر أخرى. قوله: (أو لاستقرار لها الخ) فهو مصدر ميمي، واللام داخلة على الغاية أو
стр. 2525
الحامل ولم يبين المراد بالاستقرار فيه فيحتمل أن يكون جارياً فيه ما قبله، ويحتمل أن يكون راجعا لما بعده وقوله أو لمنتهى مقدر الخ فالاستقرار بمعنى الانتهاء والمستقرّ اسم مكان، وهذا هو الوجه الأوّل إلا أنه ثمة ما ينتهي إليه باعتبار السنين وهذا باعتبار الأيام وهو باعتبار أجزاء قسيّ المقنطرات ارتفاعا وانخفاضاً وقوله ثم لا تعود الخ أورد عليه بعضهم اتحاد مشرقها في آخر القوس وأوّل الجدي وأيضا دورها في السنة الشمسية وهي تزيد
على ما ذكر باكثر من خمسة أيام فلا يتم أنّ لها في كل يوم ذلك، ولذا قيل إنه تقريبي أكثري لا تحقيقي كلي فتدبر. قوله: (أو لمنقطع جريها الخ) فاستقرارها انقطاع حركتها إذا قامت القيامة ومستقرّ على هذا اسم زمان وفي الكشف تفسير آخر نقله عن النبي ﷺ من حديث صحيح عن أبي ذرّ قال: كنت مع النبي ﷺ في المسجد عند غووب الشمس فقال: " يا أبا ذر أتدري أين تذهب هذه الشمس " قلت: الله ورسوله أعلم قال: " تذهب لتسجد تحت العرس فتستأذن فيؤذن لها ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها فيقال لها ارجعي حيث جئت فتطلع من منربها) وقرأ والشمس تجري لمستقرّ فهو قرارها أو محله في سجودها، وقوله بمعنى ليس فترفع مستقرّاً وهو مبني على الفتح في القراءة التي قبلها وعموم كل مقدور معلوم من حذف معموله. قوله: (ذلك الجري (فالإشارة للمصدر المفهوم من الفعل، وجعله كلال الفطن عن إحصاء الحكم أحسن مما في الكشاف من جعله عن إحصاء الحساب لوقوعه في الزيجات، وقوله قدّرنا مسيره ففيه مضاف مقدر لأنه لا معنى لتقديره في نفسه منازل فقدرنا متعد لمفعولين لأنه بمعنى صيرنا ومسير اسم مكان، واذا قدّر سيره المصدر فهو متعد لواحد ومنازل منصوب على الظرفية ويجوز كونه مفعولاً ثانيا بتقدير ذا منازل، ويجوز أن يكون أصله قدرنا له على الحذف والإيصال وهو متعد لواحد. قوله:) الشرطين) بفتح الشين والراء مثنى شرط بفتحتين، وهو العلامة وهما نجمان قيل ثلاثة عند قرن الحمل سميا به لأنهما علامة للمطر والريح، والبطين تصغير البطن وهو بطن الحمل والثريا مصغر أيضا، وفي الكشف هو ألية الحمل والدبران بفتحتين سمي به لأنه خلفها، والهقعة بفتح الهاء وسكون القاف وفتح العين المهملة ثلاثة أنجم برأس الجوزاء شبهت بهقعة الفرس، وهي كز وعلامة تجعل في أعلى عنقه والهنعة مثله إلا أن ثانيه نون وهي اسم سمة كر في منخفض! عتقه، وهي خمسة أنجم على هيئتها
بمنكب الجوزاء والذراع نجمان سميا ذراعي الأسد والنثرة الفرجة بين الشاربين كوكبان بينهما مقدار شبر بأنف الأسد وهي أربعة أنجم والزبرة كوكبان نيران هما كاهلا الأسد والزبرة بضم الزاي معناها الكاهل والصرفة نجم نير بقلب الأسد سمي به لأنه عنده انصراف البرد، والعوّاء ممدود ومقصور خمسة أنجم يقال لها ورك الأسد والسماك المراد به الأعزل لأنّ الرامح ليس من المنازل، والغفر ثلاثة أنجم صغار من الميزان سميت بها لأن ضوءها مستتر لقلته، والزبانا بالضم وآخره ألف زبانا العقرب قرناها وهما نجمان برأس العقرب والإكليل أربعة أنجم برأس العقرب ولذا سميت به وأصل معناه التاج، والقلب قلب العقرب أيضا والشولة بفتح الشين المعجمة واللام ما ارتفع من ذنب العقرب وهما كوكبان عند ذنب العقرب، والنعائم أصلها الخشبات الموضوعة على البئر وهي ثمانية أنجم بقرب المجردة والبلدة الفرجة بين الحاجبين ستة أنجم بالقوس في فرجه وسعد الذابح كوكب بين يديه آخر يزعمون أنه شاة يذبحها وسعد بلع ليس له مثله كأنه بلع شاته وسعد السعود لأنه في ابتدائه يبدو ما تتعيش به المواشي، وسعد الأخبية لأنّ عند. كواكب تشبه بالخباء، وقيل لأنه تخرج فيه الهوام وهذه الأربعة بالجدي والدلو والفرغ بفتح الفاء وسكون الراء المهملة وغين معجمة وهو مجرى الماء من الدلو وهماك وكبان متقاربان سميا به لكثرة الأمطار فيهما، والرشاء بكسر الراء ومعناه واضح وقوله لا يتخطاه أي يتجاوزه قيل إنه أمر أغلبي إذ قد يتخطى ويتقاصر، وقوله الاجتماع أي اجتماعه مع الشمس الذي يذهب به ضوءه الحاصل بالمقابلة ودق أي صار دقيقاً لعدم امتلاء نوره واستقواسه كونه كالقوس انحناء، ونصب القمر بمقدّر على شريطة التفسير. قوله: (وهو الذي يكون فيه قبيل الاجتماع) مع الشمس وهو بعده ومعه لا يخرج عن منازله أيضاً لكنه لا يسمى قمراً على المشهور إلا من ثلاثة إلى ستة وعشرين
следующие страницы →