← Тафсир

Тафсир · id 1535

حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي = عناية القاضي وكفاية الراضي

الشهاب الخفاجي

Полный текст (3 156 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

الذي غفره لي والمقصود تعظيم مغفرته له فتؤول إلى المصدرية، وهذا هو المناسب لقوله وجعلني من المكرمين لا ما قدره الزمخشري بالذي غفره من الذنوب فإن تمنى علم ذنوبه، وإن كانت مغفورة لا يحسن وكذا عطف قوله وجعلني من المكرمين عليه لا ينتظم، وما قيل من أنّ الغرض! منه الإعلام بعظم مغفرة الله ووفور كرمه وسعة رحمته فلا يبعد حينئذ إرادة معنى الاطلاع عليها لذلك بل هو أوقع في النفس من ذكر المغفرة مجرّدة عن ذكر المغفور لاحتمال حقارته تكلف. قوله: (أو استفهامية جاءت على الآصل) من عدم حذف ألفها إذا جرت فإنّ اللغة الفصيحة حذفها فرقا بينها، وبين الموصولة واثباتها شاذ، ولذا اعترض ابن هشام على من خرج الآية عليه بأنه غير لائق بفصاحة القرآن الحمل عليه هذا ما قالوه برمتهم، وتحقيقه ما في شرح أدب الكاتب أنها تسقط لما ذكر من الفرق إلا في قولهم بم شئت فإنها لم تثبت عند جميع العرب سواء كانت ما موصولة، أو استفهامية فإن جرت باسم مضاف لم تحذف وخص الاستفهام لأنه اسم تامّ فهي معه كاسم واحد إلى آخر ما فصله اللبلى في شرحه، وقد علم منه أنها قد تثبت في الاستفهام كما ذكره العلامة، وتبعه المصنف فسقط ما اعترض به عليه. قوله: (من بعد إهلاكه أو رفعه) على القولين السابقين من قتله ورفعه إلى السماء حيا ففيه مضاف مقدر هو أحد هذين، وقوله كما أرسلنا الخ تمثيل لإرسال الملائكة فلا حاجة إلى جعل الماضي بمعنى المستقبل لأنّ السورة مكية كما قيل نعم قوله لإهلاكهم إمّا تغليب لبدر أو المراد لقصد إهلاكهم، وان لم يقع لأنّ الخندق لم يكن فيه قتال واستحقاو هلاكهم بعدم إنزال جنده وكونه بصيحة واحدة، وقوله إيماء بتعظيم الرسول لتخصيصه بقتال الملائكة معه وحمل الإيماء على الإشعار فعداه بالباء إذ الظاهر اللام أوالي. قوله: (وما صح) هو أحد معاني ما كان الواردة في القرآن كما مرّ، وقوله وجعلنا ذلك أي إنزال الجند السماوية، وقوله ما موصولة قيل إنها لو جعلت موصوفة كان أحسن لأنّ من قزاد بعد النفي إذا كان مجرورها نكرة، وان كان يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع ولعله وجه تمريضه مع كونه خلاف الظاهر. قوله: (ما كانت الأخذة) بصيغة المصدر أو اسم الفأعل وعطف المصدر عليه يرجح الأوّل وقدره لقوله أخذتهم الصيحة، وقوله وقرئت أي صيحة بالرفع وكان ينبغي أن لا تلحقه تاء التأنيث لأنه لا يؤنث الفعل إذا كان فاعله مؤنثاً بعداً لا إلا نادراً فلا يقال ما قامت إلا هند بل، ما قام لأنّ تقديره ما قام أحد لكنه قصد به مطابقة ما بعدا لا لأنه الفاعل في الحقيقة كما قرأ الحسن وغيره لا ترى إلا مساكنهم، وقال لبيد: وما بقيت إلا الضلوع الجراشع ولذا أنكر أبو حاتم هذه القراءة ولا عبرة بإنكاره على أنّ تقدير المستثنى منه عامّا مؤنثاً ليطابق قراءة النصب لا مانع منه. قوله: (شبهوا بالنار الخ) ظاهره أنه استعارة بالكناية والخمود تخييلية، ويجوز أن تكون تصريحية تبعية في الخمود بمعنى البرودة والسكون لأنّ الروج لفزعها من الصيحة تندفع إلى الباطن دفعة واحدة، ثم تنحصر فتنطفئ الحرارة الغريزية لانحصارها وقد مرّ كلام الثريف فيه في شرح المفتاح وما عليه وله فتذكره، وقوله كالنار المراد بها الجمر لأنها تطلق عليه والساطع صفتها لتأويلها بالجمر ولذا ذكره لا أنها صفة جرت على غير من هي له أي الساطع لهبها، والساطع بمعنى المشرق وبيت لبيد من قصيدته العينية المشهورة، ويحور بالحاء والراء المهملتين بمعنى يعود ويرجع ومنه اللهم إني أعوذ بك من الحور بعد الكور، والشهاب هنا شعلة النار. قوله: (تعالى (بفتح اللام وسكون الياء ويجوز كسر اللام في لغة ضعيفة كما مرّ وهي في الأصل أمر بالصعود لمكان عال، ثم شاع في الأمر بالحضور مطلقاً كما قال بعض المتأخرين: أيها المعرض عني حسبك الله تعالى وقوله فهذه الخ إشارة إلى أنّ نداء الحسرة مجاز بتنزيلها منزلة العقلاء، وقوله وهي أي الأحوال التي تورث الحسرة ما دلت عليه الآية وهو استهزاؤهم بالرسل على أنّ المراد بالعباد مطلق المجرمين أو أهل القرية فالجملة مستأنفة لبيان ما تحسر منه. قوله: (ولقد تلهف الخ (يعني أنّ التحسر هنا، وقع من هؤلاء والمراد شدة خسرانهم حتى استحقوا أن يتحسر عليهم أهل الثقلين، وقوله ويجوز الخ على أنّ التحسر من

стр. 2522

الله، ولما كانت الحسوة ما يلحق المتحسر من الندم حتى يبقى حسيرا وهو لا يليق به تعالى جعلوه استعارة بأن شبه حال العباد بحال من يتحسر عليه الله فرضاً فيقول يا حسرة على عبادي قيل، وهو نظير قوله بل عجبت، ويسخرون على القراءة بضنم التاء كما سيجيء في الصافات فالنداء للحسرة تعجب منه، والمقصود تعظيم جنايتهم أي عدها أمرا عظيما يتعجب منه وتخسر بمعنى تفجع، وقوله لتعظيم متعلق به أو باستعارة على أنّ المراد بها الاستعارة الاصطلاحية أو اللغوية، وتأييد يا حسرتا لأنّ أصله يا حسرتي فقلبت الياء ألفا فتأمل. قوله: (بإضماو فعلها) أي يا قوم تحسروا حسرة فهو مفعول مطلق، ويجوز تقدير انظروا أو اسمعوا وقوله أو المفعول أي بواسطة الحرف لأنه لا يتعدى بنفسه، وأما الوقف على الحسرة بالهاء فلكونها حرف تأوّه وتأسف إلا أنه ينبغي حينئذ أن لا يتعلق به قرله على العباد لأنّ الوقف بين العامل ومعموله لا يحسن فيكون متعلقاً بمقدر أو خبر مبتدأ لبيان المتحسر عليه وتقديره الحسرة على العباد، وقوله ألم يعلموا جعلها علمية لا بصرية لأنها لا تعلق على المشهور، وفوله لأنّ أصلها الخ لأن الاشتراك خلاف الأصل لكن الظاهر أنّ كلاً منهما أصل برأسه بدليل اختلاف أحكام التمييز فيهما. قوله: (بدل من كم على المعنى الخ) فيه تسمح والمراد أنه بدل من جملة كم أهلكنا وقد أعربه سيبويه هكذا وتبعه الزجاج وقال السيرافي في شرحه المعنى ألم يروا أنّ القرون التي أهلكناها لا يرجعون إليهم فأنهم الخ بدل من جملة كم أهلكنا لأنّ كم منصوب بأهلكنا إذ لا يعمل فيها ما قبلها فلو أبدل منه كان تقديره أهلكناها أنهم إليهم لا يرجعون، ولا معنى له ولكن كم وما بعدها في تقدير ألم يروا الذين أهلكناهم من القرون فالمعنى ألم يعلموا أنّ القرون التي أهلكناهم من قبلهم لا يرجعون، وفيه وجه آخر وهو أن يجعل صلة أهلكناهم أي أهلكناهم بأنهم إليهم لا يرجعون أي بهذا الرب من الهلاك انتهى، وقوله على المعنى لأنّ كثرة المهلكين وعدم الرجوع ليس بينهما اتحاد بجزئية ولا كلية، ولا ملابسة كما هو مقتض البدلية لكنه لما كان في معنى الذين أهلكناهم دمانهم لا يرجعون بمعنى غير راجعين اتضح فيه البدلية على أنه بدل اشتمال، أو بدل كل من كل وبهذا سقط ما قيل إنه لا يصح فيه البدلية بوجه من الوجوه وانّ بدل المفرد من الجملة غير متعارف بل عكسه مع أنّ سيبوبه إذا ذكره فقد قالت حذام، والقول بأنه بدل من كم وجعله على المعنى لعدم صحة تسليط عامله عليه لكنه لما كان معمولاً ليروا معنى صحت البدلية ولا يخفى ما فيه من التعسف الذي لا تساعده قواعد النحو (بقي فيه وجوه أخر) منها أنه معمول لمقدّر أي قد قضينا، وحكمنا أنهم الخ والجملة حال من فاعل أهلكنا ومنها أنه معمول يروا وجملة كم أهلكنا معترضة، ومنها أنّ كم أهلكنا معمول يروا ولام التعليل مقدرة قبل إنهم والمعلل يروا كما في شرح المغني، وقد أورد عليه أنه لا فائدة فيه يعتذ بها وأنّ المراد باهلاكهم استثصالهم انتقاماً، وعدم رجوعهم لا يدلّ إلا على إماتتهم ولا يخفى أنّ ما ذكره وارد على البدلية أيضا، والظاهر أنّ المقصود من ذكره إمّا التهكم بهم وتحميقهم أو تقديم إليهم للحصر أي أنهم لا يرجعون إليهم بل إلينا فيكون ما بعده مؤكداً له، وأمّا كونه تعليلاً لأهنكنا وضمير أنهم للقرون واليهم للرسل أي أهلكناهم لعدم رجوعهم للرسل أي متابعة دينهم الحق، وقيل لا يرجعون دون لم يرجعوا للدلالة على الاستمرار وليس إليهم زائداً على هذا كما توهم أو هو على ما يتبادر منه من رجوع الأوّل للقرون، والثاني لمن يرون والمعنى أنهم لا يرجعون لهم فيخبروهم بما حل بهم من العذاب، وجزاء الاستهزاء حتى ينزجر هؤلاء فلذا أهلكناهم فتعسف ركيك المعنى دعاهم إليه عدم فهم ما قرّرناه، وههنا كلمات أخر نثأت من قلة التدبر تركناها خوف الملل. قوله: (للجزاء (وفي الكشاف للحساب وليس ببعيد من الأوّل وقيل محضرون معذبون، وقوله فعيل بمعنى مفعول أوّله به ليفيد ذكره بعد كل لأنها لإحاطة الإفراد، وهذه تفيد اجتماعهم في المحشر ولذا جاء أجمع بعد كل في التأكيد ومحضرون خبر ثان أو نعت، وقوله خبر آية ولكونها عين المبتدأ كخبر ضمير الشأن لم يحتج لرابط، وهذا حسن جدّاً إلا أنّ النحاة لم يصرّحوا به في غيره، وقيل إنها مؤوّلة بمدلول هذا القول، وأمّا كونها صفة لآية فلا وجه له، وقوله أو صفة لها أي جملة أحييناها صفة للأرض لأ نه لم يرد بها أرض! معينة بل الجنس فهو كقوله:

стр. 2523

ولقد أمرّ على اللئيم يسبني وإليه أشار بقوله إذ لم الخ ولذا وقعت خبراً عن النكرة، وأن كان الظاهر العكس حتى اعترض عليه المعرب بأنه مخالف للقواعد وقوله وهي أي الأرض! ، وكونها حالاً عاملها آية لما فيها من معنى الإعلام تكلف ركيك والاستئناف أرجحها. قوله: (قدم الصلة) وهي منه سواء كانت من ابتدائية أو تبعيضية ووجه الدلالة ما فيه من إيهام الحصر للاهتمام به حتى كأنه لا مأكول غيره، والأعناب قيل هنا بص منى الكروم ولعله بتقدير مضاف أو مجاز بقرينة عطفه على النخيل، وإلا فكلام المصنف مشعر بخلافه وهو جمع نخل كعبيد كما أشار إليه المصنف؟ وقيل إنه اسم جمع لأنه لم يطرد له مفرد معين كأكثر الجموع وقوله، ولذلك جمعهما لتدل الجمعية على تعداد أنواعهما والدال على الجنس الحبّ، واشعاره لأنه مقول على كثرة مختلفة الحقائق بخلاف النوع، وفي نسخة فانه الدال بضمير وفي أخرى بدونه قيل والأولى أولى لدلالتها على الحصر الدال على الجنس في الحب دون النخيل، والأعناب فيدلّ على أن دلالة لهما على الاختلاف بوجه ما لم يجمعا، والحاصل أن حباً نكرة دالة على الجنس تعتم الأنواع، وإن كانت في الإثبات لأنها في سياق الامتنان كما صرّح به في الأصول والنخيل والأعناب معرفان بأداة الاستغراق، هو اسم نوع فيعنم الإفراد لأنه لا يلزم أن يكون تحته أصناف، وأما قولهم جمع العالمين وهو اسم جنس ليشمل ما تحته من الأجناس فلا ينافيه كما قيل لأنّ المراد شمولاً ظاهرا متعينا وان حصل الإشعار بدونه، وقيل إنما جمع للدلالة على مزيد النعمة أما الحب فبه قوام البدم وهو حاصل بالجنس، وقوله ولا كذلك الدال على الأنواع يعني النخل والعنب ولذا لم يقل النوع. قوله: (وذكر النخيل الخ) التمور بالتاء المثناة يعني أنّ النخل ينتفع بخشبه وجريده وسعفه وطلعه فالنعمة ليست بتمره فقط، وقد يقال في وجهه أنّ التمر لا يكون على النخل بل بعد جفافه وما عليه هو البلح وليس به تفكه، وقوله ليطابق علة للمنفي لا للنفي والمطابقة بذكر المأكول، وقوله شجرها أي النخل فهو كشجر الأراك أو التمور، وآثار الصنع فيها ما للنخلة من الخواص لمشابهة الإنسان في موتها بقطع رأسها ورائحة طلعها ولقوحها بالذكر وغير ذلك من خواصها المذكورة في الفلاحة. قوله: (لفظاً) أي بحسب الوزن ومعنى لأنّ معنى التفجير هو التفتيح، والمخفف دال على معنى الفتح والمشدد دال على المبالغة والتكثير وقوله شيئاً من العيون فهو صفة موصوف مقدر ومن بيانية أو تبعيضية أو ابتدائية إن أريد بها المنابع لا زائد ة لأنها لا تزاد إلا في النفي، ومجرورها نكرة عند الجمهور خلافاً للأخفش، وقيل المفعول محذوف وهو ما ينتفع به. قوله: (ثمر ما ذكر الخ) يعني أنه كان الظاهر ثمرهما أي النخيل والأعناب فالضمير إمّا لما ذكر ليشملهما فإنّ الضمير قد يجري مجرى اسم الإشارة كما مرّ أو هو لله وإضافته له لأنه خالقه فالمعنى ليأكلوا مما خلقه الله ومما عملوه بأيديهم ففيه التفات من التكلم إلى الغيبة، واعترض عليه بأنه ليس من مظانّ الالتفات لأنّ المقصود من الجنات وتفجير مياهها ثمرها فالتمكين من الانتفاع بأكله أولى بالتفخيم الدال على الامتنان فالظاهر إضافته لضمير العظيم بأن يقال ثمرنا، ورد بأنه ذهب عليه أنّ ما سبق أفخم لأنها أفعال عامّة النفع ظاهرة في كمال القدرة والتمر أحط مرتبة من الحب فلا يستحق ذلك التفخيم، ولذا لم يورد على أسلوب الاختصاص وجعل من خلق الله، وقيل التمر لكون كماله بفعل العبد لا يستحق ذلك التعظيم، وليس المقصود مما ذكر أوّلاً التمر حتى ينبو عنه كما توهم بل الاستدلال على الصانع القدير ومنع دلالته على كمال القدرة مكابرة وفهم انحطا! مرتبته من التأخير لا ينافي الدلالة بوجه آخر، والأحسن أن الأكل والتعيش مما يشغل عن الله فيناسب الغيبة كما نبه على غفلتهم عن المنعم بقوله أفلا يشكرون، فالالتفات واقع في موقعه وقيل الضمير للنخيل وتركت الأعناب غير مرجوع إليها لأنها في حكمه، وقيل للماء وقيل للتفجير والإضافة لأدنى ملابسة ولا يخفى بعده. قوله: (عطف على الثمر) أو على محل من ثمره لا على الضمير المضاف إليه، وقوله والمراد ما يتخذ الخ لم يرتض ما في الكشاف من تفسيره ما عملته أيديهم بالغرس، والسقي والآبار لأنه مخالف للظاهر والدبس بكسر الدال المهملة وسكون الباء الموحدة والسين المهملة ما يعصر من التمر والزبيب، وقد ورد بمعنى العسل وليس بمراد هنا. قوله: (ويؤيد الأول الخ) وكذا كتب في بعض المصاحف العثمانية، ووجه التأييد أنّ

стр. 2524

الموصول مع الصلة كاسم واحد فيحسن معه الحذف لاستطالته لاقتضائه العائد، ودلالته عليه بجعله كالمذكور وتقدير اسم ظاهر غير ظاهر. قوله: (أمر بالشكر لأنّ إنكار ترك شيء يستلزم الأمر به، وقوله الأنواع والأصناف هو كقول الزمخشريّ الأجناس والأصناف لأنّ المراد بهما المعنى اللغوي لا الاصطلاحي كما توهم مع أنّ النبت والشجر جنس لا نوع، وقوله لا يطلعهم الله قعالى عليه أي بوجه مّا مما لا عين رأت ولا أذن سمعت إلا بالكنه لأنّ أكثر الأشياء لا قعلم بالكته. قوله: (وآية لهم الليل الخ) بيان لقدرته الباهرة في الزمان بعدما بينها في المكان، وقوله نزيله ونكشفه الخ يعني أنه استعير لإزالة الضوء السلخ استعارة تبعية مصرحة والجامع ما يعقل من ترتب أحدهما على الآخر، وقوله عن مكانه يشير إلى أنّ النهار طارى على الليل كما أن المسلوخ منه قبلى المسلوخ الذي هو كالغطاء الطارئ على المغطي لأنّ الليل سابق عرفا وشرعا وهذا هو تفسير الفراء ومن فيه ابتدائية أو تبعيضية وقيل سببية وما في المفتاح من أنّ المستعار له ظهور النهار من ظلمة الليل، والمستعار منه ظهور المسلوخ من جلده وهو مأخوذ كما قال الفاضل اليمني من قول الزجاج معنى نسلخ نخرج منه النهار إخراجا لا يبقى معه شيء من ضوئه فالظهور في عبارة السكاكي بمعنى الخروج كما في قول عمر ﵁ أظهر بمن معك من المسلمين، ويؤل معناه إلى الزوال الذي في عبارة الكشاف كما في قول أبي ذؤيب: وتلك شكاة ظاهر عنك عارها أي زائل ومتميز عنه فسقط ما أورده عليه الخطيب من أنه لو أريد هذا قيل فإذا هم مبصرون بناء على أنّ المراد بالظهور ظاهر من غير احتياج إلى حمله على القلب أي ظهور الليل من ظلمة النهار، ولا حاجة إلى جعل من بمعنى عن لأنّ الخروج يتعدى بعن والسلخ يكون بمعنى الكشط كما ذكره المصنف ﵀ وبمعنى الإخراج كما ذكره السكاكي إلا أنّ التعقيب والمفاجأة فيه عرفي، ولذا كان أتم فائدة على ما فصل في شرح التلخيص وحواشيه فإذا أردت تفصيله فانظره، وقد قيل إنّ كلام الزمخشري والسكاكي شيء واحد من غير اختلاف بينهما يعني أن ظهور النهار بمعنى خروجه والخروج لما فيه من المفارقة كناية عن زواله فهو بمعناه بن غير تكلف لما ذكروه، قال الراغب نسلخ منه النهار وننتزع وحقيقته نزع جلد الحيوان، وهو متعد بمن لا بعن كما توهم. قوله: (مستعار من سلخ الجلد) قيل المستعار لفظ السلخ والمستعار منه معنى الكشط، والمستعار له الإزالة وليس بشيء لأنه لم يرد المستعار منه اصطلاحا بل المراد أنه منقول منه بهذا المعنى إلى المعنى المجازي المراد فهذا من التغيير في الوجوه الحسان، والشراح على أنّ الاستعارة تصريحية وقد جوّز فيها أن تكون مكنية وتخييلية وقوله داخلون في الظلام يشير إلى أنّ التعقيب والفجائية في محلها، وقد علمت أنها على الوجه الآخر كذلك فتدبر، والدخول مستفاد من الهمزة لأنه كأصبح إذا دخل في وقت الصباج، والإعراب ما مرّ في قوله وآية لهم الأرض فتذكره. قوله: الحدّ معين الخ) فقوله الشمس تجري الخ معطوف على جملة الليل نسلخ الخ لأنه من آيات قدرته، وإنما جعله مجازا عما ذكر لدوام حركتها فلا قرار لها فالمستقر على هدّا اسم مكان تقطعه في حركتها الدائمة، ثم تعود ووجه الشبه على هذا الانتهاء إلى محل معين وان كان للمسافر قرار دونها وهذا ما تقطعه في السنة واللام تعليلية أو بمعنى إلى. قوله: (أو لكبد السماء) أي وسطها فالمستقرّ اسم مكان أيضا وجوّز فيه المصدرية، وكلام المصنف ﵀ يأباه واللام فيه كالأوّل وكونه محل قرار إمّا مجاز عن الحركة البطيئة أو هو باعتبار ما يتراءى، وهذا هو الوجه الثاني. قوله: (والشمس حيرى لها في الجوّ تدويم) هو من قصيدة لذي الرمة وأوّلها: أعن ترسمت من خرقاءمنزلة ماءالصبابة من عينيك مسجوم وصدر.: معرورياً رمض الرضراض تركضه يصف سير فرسه وجربه في الظهيرة وشذة الحر، ومعروريا بمهملات بمعنى سائر وحده، والرمض حرّ الشمس على وجه الأرض والرضراض! الحصى والركض الجري والجوّ ما بين السماء والأرض والمراد به هنا وسط السماء والتدويم وقوف الطائر في الهواء، وهو مجاز أو استعارة لوقوفها وسكونها وهو محل الشاهد، وحيرى مؤنثة حيران استعارة أو تشبيه لها أيضا لأنّ المتحير يقف فيقدم رجلاً ويؤخر أخرى. قوله: (أو لاستقرار لها الخ) فهو مصدر ميمي، واللام داخلة على الغاية أو

стр. 2525

الحامل ولم يبين المراد بالاستقرار فيه فيحتمل أن يكون جارياً فيه ما قبله، ويحتمل أن يكون راجعا لما بعده وقوله أو لمنتهى مقدر الخ فالاستقرار بمعنى الانتهاء والمستقرّ اسم مكان، وهذا هو الوجه الأوّل إلا أنه ثمة ما ينتهي إليه باعتبار السنين وهذا باعتبار الأيام وهو باعتبار أجزاء قسيّ المقنطرات ارتفاعا وانخفاضاً وقوله ثم لا تعود الخ أورد عليه بعضهم اتحاد مشرقها في آخر القوس وأوّل الجدي وأيضا دورها في السنة الشمسية وهي تزيد على ما ذكر باكثر من خمسة أيام فلا يتم أنّ لها في كل يوم ذلك، ولذا قيل إنه تقريبي أكثري لا تحقيقي كلي فتدبر. قوله: (أو لمنقطع جريها الخ) فاستقرارها انقطاع حركتها إذا قامت القيامة ومستقرّ على هذا اسم زمان وفي الكشف تفسير آخر نقله عن النبي ﷺ من حديث صحيح عن أبي ذرّ قال: كنت مع النبي ﷺ في المسجد عند غووب الشمس فقال: " يا أبا ذر أتدري أين تذهب هذه الشمس " قلت: الله ورسوله أعلم قال: " تذهب لتسجد تحت العرس فتستأذن فيؤذن لها ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها فيقال لها ارجعي حيث جئت فتطلع من منربها) وقرأ والشمس تجري لمستقرّ فهو قرارها أو محله في سجودها، وقوله بمعنى ليس فترفع مستقرّاً وهو مبني على الفتح في القراءة التي قبلها وعموم كل مقدور معلوم من حذف معموله. قوله: (ذلك الجري (فالإشارة للمصدر المفهوم من الفعل، وجعله كلال الفطن عن إحصاء الحكم أحسن مما في الكشاف من جعله عن إحصاء الحساب لوقوعه في الزيجات، وقوله قدّرنا مسيره ففيه مضاف مقدر لأنه لا معنى لتقديره في نفسه منازل فقدرنا متعد لمفعولين لأنه بمعنى صيرنا ومسير اسم مكان، واذا قدّر سيره المصدر فهو متعد لواحد ومنازل منصوب على الظرفية ويجوز كونه مفعولاً ثانيا بتقدير ذا منازل، ويجوز أن يكون أصله قدرنا له على الحذف والإيصال وهو متعد لواحد. قوله:) الشرطين) بفتح الشين والراء مثنى شرط بفتحتين، وهو العلامة وهما نجمان قيل ثلاثة عند قرن الحمل سميا به لأنهما علامة للمطر والريح، والبطين تصغير البطن وهو بطن الحمل والثريا مصغر أيضا، وفي الكشف هو ألية الحمل والدبران بفتحتين سمي به لأنه خلفها، والهقعة بفتح الهاء وسكون القاف وفتح العين المهملة ثلاثة أنجم برأس الجوزاء شبهت بهقعة الفرس، وهي كز وعلامة تجعل في أعلى عنقه والهنعة مثله إلا أن ثانيه نون وهي اسم سمة كر في منخفض! عتقه، وهي خمسة أنجم على هيئتها بمنكب الجوزاء والذراع نجمان سميا ذراعي الأسد والنثرة الفرجة بين الشاربين كوكبان بينهما مقدار شبر بأنف الأسد وهي أربعة أنجم والزبرة كوكبان نيران هما كاهلا الأسد والزبرة بضم الزاي معناها الكاهل والصرفة نجم نير بقلب الأسد سمي به لأنه عنده انصراف البرد، والعوّاء ممدود ومقصور خمسة أنجم يقال لها ورك الأسد والسماك المراد به الأعزل لأنّ الرامح ليس من المنازل، والغفر ثلاثة أنجم صغار من الميزان سميت بها لأن ضوءها مستتر لقلته، والزبانا بالضم وآخره ألف زبانا العقرب قرناها وهما نجمان برأس العقرب والإكليل أربعة أنجم برأس العقرب ولذا سميت به وأصل معناه التاج، والقلب قلب العقرب أيضا والشولة بفتح الشين المعجمة واللام ما ارتفع من ذنب العقرب وهما كوكبان عند ذنب العقرب، والنعائم أصلها الخشبات الموضوعة على البئر وهي ثمانية أنجم بقرب المجردة والبلدة الفرجة بين الحاجبين ستة أنجم بالقوس في فرجه وسعد الذابح كوكب بين يديه آخر يزعمون أنه شاة يذبحها وسعد بلع ليس له مثله كأنه بلع شاته وسعد السعود لأنه في ابتدائه يبدو ما تتعيش به المواشي، وسعد الأخبية لأنّ عند. كواكب تشبه بالخباء، وقيل لأنه تخرج فيه الهوام وهذه الأربعة بالجدي والدلو والفرغ بفتح الفاء وسكون الراء المهملة وغين معجمة وهو مجرى الماء من الدلو وهماك وكبان متقاربان سميا به لكثرة الأمطار فيهما، والرشاء بكسر الراء ومعناه واضح وقوله لا يتخطاه أي يتجاوزه قيل إنه أمر أغلبي إذ قد يتخطى ويتقاصر، وقوله الاجتماع أي اجتماعه مع الشمس الذي يذهب به ضوءه الحاصل بالمقابلة ودق أي صار دقيقاً لعدم امتلاء نوره واستقواسه كونه كالقوس انحناء، ونصب القمر بمقدّر على شريطة التفسير. قوله: (وهو الذي يكون فيه قبيل الاجتماع) مع الشمس وهو بعده ومعه لا يخرج عن منازله أيضاً لكنه لا يسمى قمراً على المشهور إلا من ثلاثة إلى ستة وعشرين

стр. 2526

وبعدها يسمى هلالاً والناس يسمونه قمراً مطلقا وعلى العرف العام مشي المصنف، والشمراخ بكسر الشين المعجمة وميم ساكنة بعدها راء مهملة وألف وخاء معجمة وهو كالشمروخ بالضم عيدان العنقود الذي عليه الرطب، وما يجمعه مما فوقه يسمى العذق بكسر العين والكباسة كذا في المصباح وليس هو العنقود نفسه حتى يقال فيه تسامح لأنّ المشبه به عيدانه لا هو نفسه، والمعوج بتشديد الجيم أو الواو كما في قوله: فمن رام تقويمي فإني مقوّم ومن رام تعويجي فاني معوّج قوله: (فعلون) فنونه زائدة كما في المصباح وذهب قوم ورجحه في القاموس واعراب السمين والراغب إلى أنها أصلية فوزنه فعلول وما ذكره المصنف أظهر، وقوله كالعرجون أي بكسر العين وسكون الراء وفتح الجيم وبزيون بباء موحدة وزاي معجمة وياء مثناة تحتية ثم واو ونون بساط رومي، وقيل هو السندس، وقوله العتيق الذي مرّ عليه زمان ييبس فيه ويعوج، ولذا مرض القول بأنه ما مرّ عليه حول فصاعدا، وقد يحصل له اليبس الذي يتم به الشبه فيما دونه ووجه الشبه فيه مركب وهو الاصفرار والدقة والإعوجاج. قوله: (يصح لها وبتسهل الأنه مطاوع بغي بمعنى طلب فيكون في الاستعمال بمعنى تسخر وتسهل وقد يكون بمعنى حق ولاق، وقوله في سرعة سير. فإنه يقطع البروج في شهر وهي في سنة ولولاه لم تنتظم الفصول والمنافع في التكوّن والتعيش وآثاره إعطاء الألوان، ونحوها والشمس الإنضاج واو مكانه لأنه كلا في ذلك مخصوص، وسلطانه قوّة نوره ليلا فلو أدركته الشمس محت نوره وطفأته وهذا قريب من الأوّل والفرق بينهما اعتباري. قوله: (ولىللاء حرف النفي الشمس للدلالة على أنها مسخرة) قد خفي وجه الدلالة على بعضهم حتى ذكر ما لا طائل تحته وتوقف في فهمه، وقد قيل إنه يقتضي نفيها وإنها هالكة لا قدرة لها في نفسها على شيء، وقيل إنه يريد أنه كان الظاهر أن يقال لا ينبغي للشمس وانه كالنتيجة لماقبله لكن تركت فاؤه تعويلاً على فهم السامع، والفرق بين لا ينبغي للشمس ولا الشمس الخ أنّ الأوّل أبلغ وآكد لتقديم المسند إليه فيفيد أنها مسخرة ولا محصل لذلك كله، والذي دار في خلدي أنه أراد أنّ دخول النفي على الموضوع ذاتا أو ما هو في حكمها يحتمل نفيها احتمالاً ظاهرا لا سيما إذا كان في حيزه قيل حقه أن يدخل عليه وهو قريب من قول المنطقيين السالبة تصدق بنفي الموضوع فإن كان كذلك كان عدما لا يصلح لصدور شيء عنه دالا يدل على نفي صفات له تقرّبه من العدم، وهذا ما ذهب إليه الشافعية في قوله ﷺ : " إنما الأعمال بالنيات " حيث قدروا له صحة الأعمال واستدلوا به على وجوبها في الوضوء ورجحوه على تقدير الكمال بأنه أقرب إلى نفي الوجود المتبادر منه كما قرّروه في محله فبالقياس عليه يدل هذا على نفي صدور شيء عنها بالاختيار كما ذهب إليه بعض عبدة الكواكب، والحكماء فلزم كونها مسخرة لله. قوله: (لا يتيسر لها إلا ما أريد بها) الحصر مأخوذ من فحوى الكلام وكونها مسخرة لا من تقديم المسند إليه، وكان ينبغي أن يقول لا يصح ولا يتيسر بناء على تفسيره السابق فتأمّل. قوله: (يسبقه فيفوته) أي يتقدّم على وقتة فيدخل قبل مضيه، وقوله وقيل المراد بهما أي الليل والنهار آيتاهما أي الشمس والقمر لأنهما آية الليل والنهار قال تعالى: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [سورة الإسراء، الآية: ١٢] وهذا مختار الزمخشريّ، وقوله فيكون عكساً للأوّل هو من تتمة القيل وأراد بالأوّل قوله لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر لأنّ محصله على هذا ولا القمر ينبغي له أن يدرك الشمس، وليس المراد بالأوّل التفسير الأوّل لما قبله لأنه مناسب للآخر إذ المعنى لا يسبق القمر الشمس في سلطانها لأنّ الحكمة اقتضت لكل سلطاناً على حياله، والتعبير بالليل والنهار للإشارة إلى اختلافهما أيضاً. قوله: (وت! بديل الإدراك) وهو اللحوق بالسبق على هذا القيل لأنه مناسب لسرعة سير القمر إذ السبق يشعر بالسرعة والإدراك بالبطء كما لا يخفى. قوله: (وكلهم) قدّر ضمير العقلاء لمشاكلة قوله يسبحون إذ عبر به فيه لتثبت فعل العقلاء لهم، وقوله والضمير الخ توجيه لجمعه معه إنهما اثنان بأن اختلاف أحوالهما في المطالع، وغيرها نزل منزلة تعداد إفرادهما ولذا يقال الشموس والأقمار، وقوله مشعر بها أي بالكواكب لفهمها وخطورها بالبال إذا ذكرا فكانت مذكورة حكماً، وقيل التقدير كل ذلك

стр. 2527

والمراد بالفلك الفلك الأعلى لأنها تتحرّك بحركتة. قوله: (يسيرون فبه بانبساط) أي بسعة لأنّ السبح الأبعاد في السير وقد مرّ في سورة الأنبياء أنه من السباحة على التشبيه فتذكره، وفي شرح أدب الكاتب لابن السيد معنى يسبحون يسيرون فيه بانبساط وكل من بسط في شيء فهو يسبح فيه، ومنه السباحة في الماء اهـ. قوله: (أولادهم) المراد الكبار منهم لأنهم المبعوثون للتجارة ولمقابلتهم بالصبيان، وقوله أو صبيانكم الخ فالمراد بالذزبة أهل البيت، والاتباع مجازاً فلا جمع فيه بين الحقيقة والمجاز كما قيل وإن كان ذلك جائزا عند الشافعية أو هو تغليب ولم يخصصه بالنساء كما في الكشاف، وان ورد في الحديث إطلاقه عليهن مجازاً إطلاق السماء على المطر أو لعلاقة الحالية، والمحلية كما أشار إليه بقوله لأنهن مزارعها أي لأنّ النساء منشأ الذرية تنشأ كما ينشأ الزرع من منابته لأنّ حمل النساء وحدها غير معتاد، وقوله لأنهن أي النساء فهو تعليل لإطلاق الذرّية عليهن فقط، وترك تعليل إطلاقه على الصبيان لظهوره وفي ضمير مزارعها استخدام لعوده على الذرّية بمعنى الأولاد، وقوله وتخصيصهم توجيه لذكرهم فقط مع عدم الاختصاص بهم، والتماسك الثبات والاستقرار فيها. قوله تعالى: ( ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ الا يخفى مناسبته لقوله قبله في ذلك يسبحون وذكر المشحون أقوى في الامتنان بسلامتهم فيه أو لأنه أبعد من الخطر، وقوله المراد ذلك نوح فهو مفرد وتعريفه للعهد والمراد في الأوّل الجنس ومرضه لأنه محتاج للتأويل بخلاف الظاهر كما أشار إليه بقوله وحمل الله الخ أي معنى حمل الله حينثذ، وأنث ضمير فيها الراجع للفلك لأنه يجوز تأنيثه لكونه بمعنى السفينة. قوله: (وتخصيص الذرية الخ) أي على هذا الوجه حمل ذريتهم خص بالذكر لأنه أبلغ في الامتنان لأنّ استقرارهم فيها وتماسكهم أصعب ولتضمنه بقاء عقبهم، والتعجب من الآية لأنها أمر يتعجب منه وبقاء نسلهم ونجاتهم بسفينة واحدة أعجب، والإيجاز لأنه كان الظاهر أن يقال حملناهم ومن معهم ليبقى نسلهم وعقبهم فذكر الذرية يدل على بقاء النسل، وهو يستلزم سلامة أصولهم فدل بلفظه القليل على معنى كثير. قوله: (من الإبل) هو على التفسيرين السابقين لا على أن المراد بالفلك الجنس كما توهم إذ لا وجه لتخصيصه به، وقوله فإنها سفائن البر لكثرة ما تحمل لا لتبليغها للمقصود فإنه لا يختص بها، وقد شاع إطلاق السفينة عليها كما قيل: سفائن برّ والسراب بحارها قوله: (أو من السفن والزوارق) جمع زورق وهو السفينة الصغيرة وهذا على الثاني وهو أن يراد بالفلك سفينة نوج ﵊ ولا يبعده قوله خلقنا لأنّ أفعال العباد مخلوقة لله وتبادر الإنشائية ممنوع. قوله:) فلا مغيث لهم) إشارة إلى أن الصريح يكون بمعنى المغيث وبمعنى الصارخ، وهو المستغيث فهو من الأضداد كما صرح به أهل اللغة ويكون مصدرا بمعنى الإغاثة لأنه في الأصل بمعنى الصراخ وهو صوت مخصوص وكل منهما صحيح هنا، واعتراض أبي حيان على الثاني بأنه يحتاج إلى نقل أنّ الصريح يكون مصدراً بمعنى الصراخ لا يدفعه أنّ الزمخشريّ ثقة يعتمد عليه فإنه لا يستدلط بمحل النزاع، ولا يلزم من كون الصريح بمعنى المغيث أن يكون بمعنى الإغاثة إذا كان مصدراً لأنه مصدر الثلاثي فالذي يدفعه أنّ الصريخ كالصراخ مصدر للثلاثي وتجوّز به عن الإغاثة لأنّ المغيث ينادي من يستغيث به، ويصرخ له ويقول جاءك العون والنصر وقد ورد بهذا المعنى قال المبرد ﵀ في أوّل الكامل قال سلامة بن جندل: كنا إذا ما أتانا صارخ قرع كان الصراخ له فزع الطنابيب يقول إذا أتانا مستغيث كانت إغاثته الجد في نصرته، اهـ ولا عطر بعد عروس. قوله: (كقولهم أتاهم الصريخ) قيل عليه أنه لا يصلح دليلا للمدعي لجواز كون الصريح فيه بمعنى المغيث بل أتاهم أظهر فيه من معنى المصدرية، وليس بشيء لأنّ وروده مصدراً بمعنى الصراخ صرّحوا به، والمناقشة في المثال ليست بمرضية عند أرباب التحصيل فإنه لم يستدل به، وقوله ينجون بالتخفيف والتشديد والثاني أنسب. قوله: (إلا لرحمة ولتمتيع) وفي نسخة وتمتيع بدون إعادة الجار يعني أنه منصوب على أنه مفعول له وهو استثناء مفرع من أعمّ المفاعيل والظاهر أنه استثناء متصل، وقيل إنه منقطع أي ولكن رحمة من ربي هي التي تنجيهم كما مرّ في الأنعام وجوّز فيه كونه بتقدير الباء على الحذف والإيصال، وقيل إنه منصوب على المصدرية لفعل مقدّر.

стр. 2528

قوله: (الوقائع التي خلت) في الأمم الخالية المكذبة للرسل، وهو تفسير لما بين الأيدي وهو بتقدير مضاف أي مثل الوقائع وكونه بدون تقدير مضاف للعبرة سيأتي بيانه، وعذاب الآخرة تفسير لما خلفهم وكونه على العكس بأن يكون ما بين أيديهم في الآخرة وما خلفهم ما مضى في الدنيا لهم، وقوله أو نوازل السماء تفسير آخر لما بين أيديهم وما خلفهم على اللف والنشر المرتب كما في الآية المذكورة المفسر ما فيها بما بعدها من قوله: ﴿إِن نشأ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِّنَ السَّمَاء﴾ [سورة سبأ، الآية: ٩] والمراد إحاطة العذاب بهم من جميع الجوانب إلا أنّ التلاوة في سبأ أفلم بالفاء دون الواو فهو سهو. قوله: (أو عذاب الدنيا الخ) على اللف والنشر المرتب أو عكسه على المشوّس وجعل الدنيا خلفاً لمضيها والآخرة بين الأيدي لاستقبالها فلا بعد فيه كما توهم وهذا يرجع للوجه الأوّل إلا أنه فرق بينهما بأنّ الأوّل مقيد بالمثلية دون هذا أو الأوّل ملاحظ فيه معنى التقدّم دونه، وهذا إنما يتأتى على تقدير المضاف فيه أما إذا لم يقدّر فلا لكنه لا يناسب ما قبله ولا ما بعده فتدبر وقوله أو ما تقدم الخ على اللف والنشر والعكس لكنه اكتفى عنه بما مرّ. قوله: (لتكونوا راجين الخ) يعني أنّ الرجاء من جهة العباد لاستحالته على الله، أو لتكونوا بحال يصح فيها رجاء الرحمة ويستقيم ولا فرق بينهما لأنه على فرض التقوى فتأمّل. قوله: (أعرضوا) هو الجواب المحذوف، وقوله لأنهم الخ إشارة إلى ما في الكشاف كما أطبق عليه شراحه من أنّ هذه الجملة تذييل لما قبله فتكون معترضة أو حالاً مسوقة لتأكيد ما قبلها لشمولها لما تضمنته مع زيادة إفادة التعليل الدال على الجواب المقدر المعلل به فليس من حقها الفصل لأنها مستأنفة كما توهم، والتمرن على العمل مداومته وتكراره. قوله: (على محاويجكم) يعني المحتاجين منكم جمع محوج اسم فاعل من أحوج صار ذا حاجة قال في المصباح أحوج وزان أكرم من الحاجة فهو محوج وقياس جمعه بالواو والنون لأنه صفة عاقل والناس يقولون في الجمع محويج مثل سقاطير اص. ئوله: (كفروا بمالصانع) يعني أنكروا وجوده وهم المعطلة المنكرون لوجود الباري وهذا مروي عن ابن عباس ﵄، ولذا أظهر في مقام الإضمار، وقوله بعد. لو يشاء الله لا ينافي ذلك لأنه تهكم أو مبنيّ على اعتقاد المخاطبين كما أشار إليه المصنف بقوله تهكما الخ. قوله: (أنطعم (لم يقل أننفق إمّا لأنه المراد من الإنفاق أو تطعم بمعنى نعطي أو لأنه يدل على منع غيره بالطريق الأولى، وقوله على زعمكم إشارة إلى ما مرّ لأنهم معطلة، وقول الزمخشري أنطعم المقول فيه هذا القول بينكم تصحيح لوقوع الشرطية لامتناعية صلة مع أنّ شأن الصلة أن تكون أمراً معهودا على ما صرح به في قوله: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً﴾ [سورة النساء، الآية: ٩] لكنه اكتفى بما ذكر لكون الصلة والموصول كشيء واحد كما حققه الطيبي ﵀ فما قيل إنه لا ملجئ إليه لكفاية البناء على الزعم في صحة المعنى غفلة عن مراده، وقوله في الكشف أوّله به لأنهم كانوا معتقدين قدرة الله وارادته قيل إنه سهو أو سقط منه حرف النفي اللهمّ إلا أن يجعل الضمير للمخاطبين فيكون كقول المصنف على زعمكم. قوله: (استطعمهم الخ الأنهم جعلوا الله نصيباً في حرثهم وأنعامهم كما مرّ، وقوله أحق بذلك أي بعدم الإطعام وإنما قال إيهاماً وان كان الاستفهام الإنكاري صريحا فيه لأن مرادهم المنع مطلقا، وقوله من فرط جهالتهم أي عنادهم ولو لم يشأ الله ذلك لم يأمر به ويحث عليه، وقوله حيث أمرتمونا الخ فهو من مقول الكفلة وعداه بنفسه كقوله: أمرتك الخير فافعل مط أمرت! هـ وهذا على الوجوه كلها فهو إمّا تهكم أو عن اعتقاد ويحتمل أن يكون على الأخير. قوله: (وهي النفخة الأولى) أي التي يموت بها من بقي على وجه الأرض، وقوله وأصله يختصمون الخ فيه قرا آت كما ذكرها المصنف وتفصيلها على اختلاف الرواية فيها في النشر والدرّ المصون، فأولاها بفتح الياء وكسر الخاء لالتقاء الساكنين والصاد على الأصل وأصله يختصمون ففعل فيه ما ذكره المصنف، والثانية بكسر الياء اتباعاً للخاء المكسورة والثالثة بفتح الياء والخاء بنقل حركة التاء لها وأبو عمرو اختل! س حركتها أي خففها مع سرعة، واستشكلت قراءة نافع بأنّ فيها الجمع بين ساكنين على غير حده فكأنه جائز عنده إذا كان الثاني مدغماً وفي عزوها على ما ذكره المصنف ما يخالف ما نقله القرّاء وليس هذا محله. قوله: (وقرأ حمزة يخصمون) أي بفتح الياء وسكون الخاء، وتخفيف

стр. 2529

الصاد من خصم الثلاثي وهذه مروية أيضاً عن أبي عمرو وقالون كما في البحر، والمفعول محذوف أي يخصم بعضهم بعضاً وحذف المضاف إلى الفاعل فارتفع الضمير المجرور واستقرّ، وتفصيله كما في الحجة أنّ ابن كثير وأبا عمرو قرآبفتح الياء الخاء غير أنّ أبا عمرو يختلس حركة الخاء قريبا من قول نافع، وقرأ عاصم والكسائي وابن عامر بفتح الياء وكسر الخاء وهذه رواية خلف وغيره عن يحيى عن أبي بكر وقرأها نافع ساكنة الخاء مشذدة الصاد وورس بفتح الياء والخاء مشذدة الصاد وحمزة ساكنة الخاء خفيفة الصاد، وعن عاصم أنه قرأ بكسر الياء والخاء ويهدي بكسر الياء والهاء وقال أبو عليّ: من قال يخصمون حذف الحركة من الحرف المدغم وألقاها على الساكن، وهذا أحسن الوجوه بدليل قولهم ردّ وعض فألقوا حركة العين على الساكن، ومن قال يخصمون حذف الحركة إلا أنه لم يلقها على الساكن كما ألقاها الأوّل ولو جعله بمنزلة قولهم مسنا السماء حذف الكسرة من العين، ولم يلقها على الحرف الذي قبلها فلما لم يلقها التقى ساكنان فحرك ما قبل الحرف المدغم، ومن قال: يخصمون جمع بين الساكنين الخاء والحرف المدغم، ومن زعم أنّ ذلك ليس في طاقة ادّعى ما يعلم فساده بغير استدلال فأما من تال: يخصمون فتقدير. يخصم بعضهم بعضاً فحذف المضاف والمفعول به وهو كثير، ويجوز أن يكون المعنى يخصمون مجادلهم عن أنفسهم فحذف المفعول ومعنى يخصمون يغلبون في الخصام خصومهم، فأما يخصمون فعلى قول من قال أنت تخصم يريد تختصم فحذف الحركة وحركت الخاء لالتقاء الساكنين لأنه لم يلق الحركة المفتوحة على الفاء، وكسر الياء التي للمضارعة لسبقها كسرة الخاء وهذه لغة حكاها سيبويه عن الخليل وهذه الياء كسرت في مواضع حكاها سيبويه في يسبأ وينحل ويخصمون اهـ، وتوصية مفعول به ليستطيعون أو مفعول مطلق لفعل مقدّر وتبغتهم بالغين المعجمة أي تفجؤهم. قوله: (إلى ربهم ينسلون) لا منافاة بين هذا وبين ما وقع في آية أخرى فإذا هم قيام ينظرون لأنهما في زمان واحد متقارب قيل، وذكر الرب في موقعه للإشارة إلى إسراعهم بعد الإساءة لمن أحسن إليهم حين اضطرّوا له وقوله بالضم أي ضم السين، ومرقدنا قال المعرب يجوز أن يكون مصدرا بمعنى رقادنا وأن يكون مكاناً فهو مفرد أقيم مقام الجمع والأوّل أحسن لأنّ المصدر يفرد مطلقاً. قوله: (يمعنى أهبنا) ظاهره أنه يكون متعدّيا كالمزيد، وقد قال ابن جنى أني لم أر له أصلاً ولا مر بنا في اللغة مهبوب إلا أن يكون على الحذف والإيصال وأصله هب بنا أي أيقظنا. قوله: (وفيه ترشيح ورمز الخ) أي فيما ذكر على قراءة هبنا وأهبنا أو على القراآت إشارة إلى أنّ في المرقد اسنعارة أصلية إن كان مصدوا وتبعية، إن كان اسم مكان شبه الموت بالرقاد ثم استعير له اسمه ووجه الشبه الاستراحة من الأفعال الاختيارية وهي في المشبه به أقوى، وإن توهم بعضهم أنه ليس بأقوى لظن إنه عدم ظهور الأفعال وهي في الموت أقوى، وأما كونه البعث وهو في النوم أقوى وأشهر إذ لا شبهة فيه لأحد والقرينة صدوره من الموتى فمع أنه غير موافق لكلام المصنف لأحسن فيه لأنّ البعث القيام من النوم والقبر وهي حالة مضادّة له فلا يحسن جعلها وجهاً في غير الاستعارة التهكمية، وليس هذا منها مع أنه لا يشترط فيه كونه أقوى فقط بل أو أشهر وأعرف، ولا شك أنه أعرف في النوم لتكرّره على الحس، وأما كون البعث ترشيحاً على التوجيه الثاني ففيه نظر لأنه لا اختصاص له بالنوم ولا بالموت فكما لا يصلح أن يكون قرينة لا يصلح أن يكون ترشيحاً فمن جعله ترشيحا فلعله لكونه أعرف في النوم من غير منكر له أو لأنه مشترك فيهما فلا يدل على أحد معنييه بدون قرينة، وذكره مع الرقاد يتبادر منه معنى الهبوب من النوم فيكون ترشيحا، أو هو حقيقة وهذا مجاز ألحق بالحقيقة في لسان الشرع، وما قيل من أنّ المراد بالترشيح معناه اللغوي إذ لا تشبيه هنا ولا استعارة فلا معنى له أص! لأ. قوله: (أو إشعار) هذا وجه آخر بناء على أنهم قالوه لظنهم لاختلاط عقولهم أنهم كانوا نياما فهو على حقيقته، وأما على النسخة الأخرى وهي عطفه بالواو لا بأو فإمّا أن يقال الواو بمعنى أو ويقال هذا إشعار بأنهم على حال من شأنها ذلك لا أنه وقع منهم ذلك الظن الذي ألحقه بالحقيقة في الواقع، والظاهر أنّ النسخة الأولى هي الصحيحة لسلامتها من التكلف، وتوهم النوم لأنه كالراحة بالنسبة لما بعده، وما روي من أنّ البشر لهم نومة قبل الحشر غير صحيح كما في البحر، وما قيل من أنه

стр. 2530

لو استمرّ عذاب القبور لم يتأت منهم هذا المقال يعلم جوابه من قول المصنف لاختلاط عقولهم لأنهم ليس لهم فيها إدراك تام، وقوله ومن بعثنا الخ أي قرئ بمن الجازة والمصدر المجرور، وقوله محذوفة الراجع أي العائد وتقديره وعده وصدقه أو فيه وعلى المصدرية المصدر فيه بمعنى المفعول. قواله: (أو هذا صفة لمرقدنا التأويله بمشتق فيصح الوقف عليه، وقد روي عن حفص أنه وقف عليه وسكت سكتة خفيفة، كما وقع في بعض النسخ فمن قال إن الوقف على مرقدنا عند الكل لثلا يتوهم أنّ هذا صفة لمرقدنا فقد أخطأ من وجهين، وقوله خبر محذوف تقديره هو أو هذا وفيه من البديع صفة تسمى التجاذب، وهو أن تكون كلمة تحتمل أن تكون من السابق أو اللاحق كما في شرح المفتاح للسيد ولم أر له مثالاً غير هذا، وقوله من كلامهم أي الكفرة على أنهم أجابوا أنفسهم أو أجاب بعضهم بعضاً. قوله: (معدول الخ الأنهم سالوا عن الفاعل فحقهم أن يجابوا به فعدل عنه لما ذكر فهو من الأسلوب الحكيم، وهذا على الاحتمالين الأخيرين أو الكل، وقوله الفعلة قدّره عامّاً مؤنثاً على قاعدة الاستثناء المفرّغ وقراءة الرفع يجري فيها ما مرّ، وقوله بمجرّد تلك الصيحة من الفاء وإذا الفجائية والتهوين لكونه بمجرد الصيحة، وقوله هي النفخة الخ النفخة صوت فيصح تفسيرها بها ولا تجوّز فيه لأنّ الصيحة مسببة عنها، وقوله التي الخ فيه تسمح في التعبير. قوله: (. قوله: (حكاية لما يقال لهم) فضمير تجزون وتعملون والخطاب للكفرة، وتصوير الموعود وهو جزاؤهم على ما عملو. من غير ظلم والسكين من جعله حاضراً عندهم، وشيئاً منصوب على المصدرية أو مفعول به على الحذف والإيصال، ويجوز أن يكون إخباراً من الله عما لأهل المحشر على العموم بدليل تنكير نفس وتعريف اليوم للعهد لأنه في حكم المذكور والمراد به يوم القيامة لدلالة نفخ الصور عليه دلالة ركب السلطان على سلطان البلد قيعمّ الخطاب المؤمنين كما اختاره السكاكي، وما قيل عليه من أنه يأباه الحصر لأنه تعالى يوفي المؤمنين أجورهم ويزيدهم من فضله أضعافا مضاعفة فيرده أنّ المعنى أنّ الصالح لا ينقص ثوابه والطالح لا يزاد عقابه لأنّ الحكمة تأبى ما هو على صورة الطلم أما زيادة الثواب ونقص العقاب فليس كذلك، أو المراد بقوله لا تجزون إلا ما كنتم تعملون أنكم لا تجزون إلا من جنس عملكم إن خيرا فخير وان شرا فشر فلا وجه لما ذكره. قوله: (من الفكاهة بالضم) وهي التمتع والتلذذ ماخوذ من الفاكهة وقد يكون بمعنى التحدث بما يسر وتنكير شغل للتعظيم كأنه شغل لا يدرك كنهه، وقوله أعلى ما يحيط به بالإضافة إلى ما الموصولة أو الموصوفة، وكونه على حذف من التفضيلية وان كان بحسب المعنى أحسن إلا أنّ حذف من وابقاء مجرورها ركيك وكونها نافية والجملة مستأنفة لبيان كونه أعلى خلاف الظاهر، ويعرب بمهملتين من الإعراب وهو البيان وجوّز فيه كونه بالزاي المعجمة المضمومة أو المكسورة وفتح حرف المضارعة بمعنى يغيب، ويبعد بعطفه على الجملة المنفية وهو تكلف. قوله: (وقرأ الخ (حاصله أنّ قراءة الكوفيين وابن عامر بضمتين والباقون بضم فسكون وهما لغتان للحجازيين كما قاله الفراء: وأبو السماك بفتحتين ويزيد النحوي وابن هبيرة بفتح فسكون، والكل لغات فيه وقوله وشغل بفتحتين الخ معطوف على قوله شغل بالسكون بحسب المعنى، والتقدير قرئ في شغل وفصل بينهما لأنّ هذه من الشواذ وفكهون جمع فكه كحذر وهي صفة مشبهة تدل على المبالغة والثبوت، وقوله صلة أي متعلق به وبجوز كونه حالاً من ضمميره. قوله: (وقرئ فكهون بالضم) أي بضم الكاف وفتح الفاء وفعل من أوزان الصفة المشبهة كنطس بنون وطاء وسين مهملتين، وهو لغة في نطس بوزن حذر وهو الحاذق الدقيق النظر الصادق الفراسة والعرب تسمى الطبيب لذلك نطاسياً من التنطس وهو استقصاء النظر ويكون بمعنى التطهر والتنزه. قوله: (ويؤيده (لأن ظلل بضم وفتح جمع ظلة، وهي ما أظل لأظل بالكسر ولا منافاة بين هذا وبين ما مرّ في لقمان كما توهم ومتكئون خبر مبتدأ مقدر أي هم وعلى الأرائك متعلق به والجملة مستأنفة، وهو معنى قول المصنف على الأرائك جملة مستأنفة لكن فيه تسمح أو خبر آخر لأنّ قوله وهم مبتدأ أو مؤكد للمستكن في فاكهون، أو في قوله في شغل كما ذكره المصنف لكن فيه الفصل بين المؤكد وبينه بأجنبيّ، وهو فاكهون قاله المعرب والأحكام الثلاثة التفكه والقعود على السرر والاتكاء

стр. 2531

والمعطوف عليه هم أو المستتر وهذا على الوجوه على القول بمجيء الحال من المبتدأ ولا مانع من كون في ظلال خبرا آخر فسر الأرائك بالسرر المزينة، وقيد. في المطففين بكونها في الحجال ولك أن تقول إنه معنى مزينة وقد ذكرهما أهل اللغة معا. قوله: (ما يدّعون) يعني أنه افتعال من الدعاء بمعنى الطلب، وهو بمعنى الثلاثي أي كل ما طلبوه لأنفسهم يصل إليهم، وقوله لأنفسهم إشارة إلى قول الإمام إنه ليس المراد أنهم يعطون بعد الطلب بل إنه حاصل لهم بدلي ن طلب كالمملوك إذا طلب من المالك فقال له لك، ولك احتمل أنك مجاب لمطلوبك وأن ذلك حاصل لك فلم يفد ولا مانع من حمله على الأوّل فإنه للحصول بعد طلب لا سيما والمطلوب عظيم والمطلوب منه ملك كريم، وأصله يد تعيون فقلبت التاء دالاً أو أدغصت وحذفت ياؤه على ما بين في اقصريف، واشتوى من الشي وهو معروف واجتمل بالجيم بمعنى جمل أي أذاب الشحم، وهما مثال للافتعال بمعنى الثلاثي، وقوله أو ما يتداعونه يعني أنه افتعال بمعنى التفاعل والتداعي طلب بعضهم من بعض بالفعل لما فيه من التحاب أو المراد صحة الطلب كما مز، وقوله أو ما يدعونه في الدنيا أي ما كانوا يدعون به ويطلبونه من الله فهو من الدعاء بمعناه المشهور، وقوله وما الخ جوّز أبو حيان مصدريتها فالمصدر بمعنى المفعول وهو تكلف. قوله: (بدل منها) أي من ما على الوجهين وهو إمّا بدل كل من كل على أنّ ما أريد بها خاص أو على ادّعاء ألاتحاد تعظيماً أو بعض على أنها عامّة حلى الموصولية يلزم إبدال النكرة كير الموصوفة من المعرفة فإمّا أن يلتزم جوازه من غير قبح، أو يقال هو في معنى الموصوف ومثله يكفي له، وقوله أو صفة يعني على كونها نحرة موصوفة، ولذا قال أخرى لأنه لا توصف المعرفة بالنكرة فهو مؤوّل بسالم أو بتقدير ذي سلام واذا كان خبرا بمعنى سالم خالص لا شوب فيه فلهم متعلق به وقدّر الخبر مقدماً ليسوغ الابتداء بالنكرة، وقوله على المصدر أي يسلمون سلاما بمعنى التحية أو السلامة وعلى الحالية فهو من الثاني كما أشار إليه، وقوله والمعنى وفي نسخة بمعنى وهو على الوجوه إذا كان السلام بمعنى التحية، وقوله على الاضصاص المراد به النص! على المدح بتقدير أعني وهذا أنسب بقوله من رب رحيم فإنه لا شيء أمدح من تسليمه عليهم وهو حينئذ جملة مستقلة. قوله: (وذلك حين يسار بهم إلى الجنة الخ الم يتعرض! كصاحب الكشاف لتوجيه عطفه لأنه بحسب الظاهر من عطف الإنشاء على الخبر فهو إمّا بتقدير ويقال امتازوا على أنه معطوف على يقال المقدّر العامل في قولاً، وهو أقرب وأقل تكلفاً لأنّ حذف القول وقيام معموله مقامه كثير حتى قيل فيه هو البحر حدّث عنه ولا حرج، أو يقال إنه من عطف القصة على القصة كما مرّ تفصيله في سورة البقرة أو يقال المعطوف مؤوّل بخبر لأنّ المراد أنّ المجرمين ممتازون متفرقون ليسوا كأهل الجنة مع أهلهم وأزواجهم وعدل عنه إلى الأمر لما فيه من التهويل والتعنيف، وهذا أحسن مما اختاره السكاكي من تأويل الأوّل لأنّ محصله فليمتازوا عنكم يا أهل المحشر وامتازوا عنهم لما فيه من التكرار إذ يعلم من امتياز أحدهما امتياز الآخر كما في الكشف وان كان لكونه أمراً تقديريا لا محذور فيه مع أنّ الامتياز الأوّل امتياز على وجه الإكرام وتحقيق الوعد والآخر على وجه الإهانة وتعجيل الوعيد فيفيد كل منهما ما لا يفيده الآخر، وأما كون امتازوا فعلا ماضياً والضمير المتصل لا المستتر للمؤمنين أي امتاز المؤمنون عنكم يا أيها المجرمون كما قيل فمع مخالفته للأسلوب المعروف من وقوع النداء مع الأمر نحو يوسف أعرض عن هذا قليل الجدوى، وما ذكره من التحسير فيه ما قبله من ذكر ما هم عليه من التنعم. قوله: (كقوله ويوم تقوم الخ) أي في الدلالة على أنّ كلاً منهما متمس ش منفرد عن الآخر، وقوله فإنّ لكل كافر الخ وهذا لا ينافي عتاب بعضهم بعضاً الوارد في آيآت أخر كقوله: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ﴾ [سورة غافر، الآية: ٤٧] كما قيل إن أراد لكل شخص لأنه باعتبار الأزمنة والأمكنة أو الإشراف عليهم فإن أراد لكل صنف كافر كاليهود والنصارى فلا يحتاج إلى الدفع. قوله: (وعهده إليهم ما نصب لهم من الحجج العقلية) فيكون العهد استعارة لإقامة البراهين، وقيل إنه حقيقة لأنه عبارة عما عهده في عالم الذو إذ قال لهم ألست بربكم، ولذا قال يا بني آدم فتأمّل. قوله: (وجعلها) أي العبادة عبادة الشيطان فالتجوّز في الشبة إلى السبب، ويجوز أن يكون استعارة بتشبيه طاعته بعبادته، وقوله وقرئ الخ أي بكسر

стр. 2532

حرف المضارعة، وهو لغة في فعل بالكسر مطلقا وبعضهم لا يكسر ألياء كما في الكشاف وقوله وأجهد أي قرئ بابدال العين حاء مهملة وحدها أو بإبدالها مع إبدال الهاء وادغامها وهي لغة تميم، وقيل إنّ الأوّل لغة هذيلى والثاني لغة تميص، وقوله بالطاعة متعلق بعبادته أي الشيطان وهو إشارة إلى ما أسلفه بقوله جعلها الخ. قوله: (لبيان المقتضى للعهد بشقيه) وهما عدم عبادة الشيطان وعبادة الله على أنّ الإشارة إلى ما عهد إليهم مطلقا أو بالشق الأخير وهو عبادة الله على أنّ الإشارة لعبادته لأنه المعروف في الصراط المستقيم ففيه لف، ونشر مرتب وقيل الأول أولى لأن عبادته تعالى إذا لم تنفرد عن عبادة غيره لا تسمى صراطاً مستقيما وليس المراد بالثاني عبادته خاصة لذكره بعد النهي لأنه يعود إلى الأوّل لكن عبادته ما لم تكن كذلك لا يعتد بها فتأمل. قوله:) والتنكير للمبالغة والتعظيم) توجيه لتنكيره مع أنّ حقه أن يعرّف، ويحصر الصراط المستقيم فيه ليتم التعليل بأنه عدل عنه لأن المراد أنه صراط بليغ في استقامته جامع لكل ما يجب أن يكون عليه، وأصل لمرتبة يقصر عنها التوصيف والتعريف فالتنوين للتعظيم. قوله: (أو للتبعيض! توجيه آخر بأنّ تنوينه للتبعيض كما في قوله: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾ ، [سورة الإسرأء، الآية: \، وهو وان لم يكن صراط مستقيم غيره إلا أن المراد كما في الكشاف الهضم من حقه على نهج الكلام المنصف توبيخاً أي لو كان بعض الطرق الموصوفة بالاستقامة كفى ذلك فكيف وهو الأصل والعمدة كما قيل: وأقول بعض الناس عنك كناية خوف الوشاة وأنت كل الناس وفيه إدماج لأنّ المطلوب الاستقامة والأمر دائر معها وقليلها كثير، وأما قوله فإن التوحيد الخ فتوجيه آخر بحمله على ظاهره فإنّ الإشارة إلى توحيده بالعبادة، وهو وان كان أجل الطرق المستقيمة إلا أنها لا تنحصر فيه لأنّ كل ما يجب اعتقاده طريق مستقيم فهو متعدّد وهذا وجه واحد منها لكنه رأسها ورئيسها، وما قيل عليه من أنّ البعض يطلق على جزء الشيء وجزئيه والأوّل مدلولط من والثاني مدلول التنكير الدال على الفرد المنتشر أو الماهية مع وحدة ما وأنه لا نظر في كلام الزمخشري لاستعماله في مدلوله الحقيقي، وأما المصنف ﵀ فارتكب المجاز لأنه دائر بين أمرين جعل الكل بعضاً ادعاء للمبالغة، واستعمال التنكير في معنى من التبعيضية فيميل إلى أيهما شاء وباب المجاز لا يغلق مبني على الفرق المذكور تبعا للشريف في حواشي المطول وهو مردود كما اعترف به القائل في رسالته التي صنفها في من التبعيضية لأن الزمخشريّ صرح بخلافه في مواضمع من الكشاف، وقد سبقه الإمام المرزوقي به في قوله ليلا وعبد القاهر في قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ فكأنه نسي ما قدمته يداه وافتخر به ثمة وهو الحق، وما ذكره من أن كلام المصنف ﵀ دائر بين أمرين لا أصل له أمّا الأول فمسلك الزمخشريّ كما سمعته وهو مصرح بخلافه، وأمّا الثاني فمع تكلفه ليس في كلامه نفحة ورائحة منه. قوله: (رجوع إلى بيان معاداة الشيطان (بعدما بينها أولاً بقوله إنه لكم عدوّ مبين لأنها وان كانت ظاهرة غنية عن البيان إلا أنهم لعدم جريهم على مقتضى علمهم جعلوا كالمنكرين فلذا كد فيما مضى، وقوله أفلم تكونوا تعقلون هو لإنكار أن يكونوا يعقلون شيئاً مّا أو أن يكونوا من أولي العقل، أو للتقرير أي لسمّ كذلك ادعاء لأنّ العائد له بعد ظهور. ليس بعاقل، والجبل الخلق أي الخلائق أو الطبع المخلوق عليه والأوّل أظهر هنا قال الراغب قولهم جبله الله على كذا إشارة إلى ما ركب فيه من الطبع الذي لا يتنقل كأنه جبل ومنه الجبلة، ولما فيه من معنى العظم في الأصل أطلق على الجماعة وقد فسر بالأمّة والجماعة هنا والقراآت ظاهرة والمعنى فيها واحد والقراءة الأخيرة بكسر الجيم والياء المثناة التحتية قراءة عليّ وهي شاذة ومعناها الطائفة من الناس وقدّم بيان كونها لغات على ما بعده لأنها في الأول مفرد وفي الباقية جمع فلذا فصل بينهما، والأمر في أصلوها للتحقير والإهانة، وقوله بكفركم إشارة إلى أنّ ما مصدرية ويجوز موصوليتها. قوله تعالى: ( ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ﴾ الخ) قد وفق بينه وبين قوله يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بأنّ منهم من يعترف فتشهد عليهم الألسنة، ومنهم من ينكر لقوله: ﴿وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٢٣] أو مبهوت فيختم على أفواههم وهذا بحسب تفاوت كفرهم، وعتوهم واسناد الختم إليه تعالى

стр. 2533

دون الكلام والشهادة قيل لأنه لئلا يحتمل الجبر عليه فدل على أنه باختيارهم بعد إقدار الله فإنه أدل على تفضيحهم! قوله: (بظهور آثار المعاصي عليها) بأن تبدل هيآتها بأخرى يلهم الله أهل المحشر أنها علامة دالة على ما صدر منهم فجعلت الدلالة الحالية بمنزلة المقالية مجازاً، ولا يمنع منه قوله: ﴿أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [سورة فصلت، الآية: ٢١، ولا قوله كل شيء كما توهم فإنه فسره المصنف ثمة بدلالة الحال وكل شيء بكل حيّ لكنه مع قوله قالوا ظاهر فيه جدّا، وكأنّ المعترف أراد هذا. قوله: (لمسحنا) بالحاء المهملة أي أذهبنا أحداقهم وأبصارهم حتى لو أرادوا سلوك الطريق الواضح المألوف لهم لا يقدوون عليه، ولما كان الصراط كالطريق مكاناً مختصاً ومثله لا ينصب على الظرفية أوّلوه بأنّ أصله إلى الصراط فنصبه بنزع الخافض، أو هو مفعول به لتضمينه معنى ابتدروا وليس حقيقة كما توهم، ونقل عن الأساس أو بجعله مفعولاً به لأنّ استبقوا يجيء بمعنى سبقوا فجعل مسبوقاً على التحوز في النسبة أو الاستعارة المكينة أو على أنه بمعنى جاوزوه كما ستعرفه، أو هو منصوب على الظرفية على خلاف القياس أو على قول بعض النحاة كابن الطراوة أنه غير مختص د! ان صرح سيبويه بخلافه، واستبقوا قيل المراد أرادوا الاستباق، وقيل لا حاجة لتأويله فإنّ الأعمى يجوز شروعه في السباق. قوله:) أو جعل المسبوق إليه مسبوقاً على الاتساع) إن أراد بالاتساع التوسع في الظرف حتى ينصب على أنه مفعول به كما مرّ في الفاتحة في نحو، ويوماً شهدناه فهو فرع صحة نصمبه على الظرفية والتأويل للفرار منه فلذا ردّ على اليمني إذ جعله منه وهو مراد صاحب الكشف، ومن لم يفهم مراده خبط وخلط فيه وان أراد به إسقاط الخافض تسمحأ فهو الوجه الأوّل فالظاهر أنه أراد به التجوّز باستعماله في معنى جاوزه مجازا لأنه لازم له إذ المقصود من المبادرة مجاوزته، ولا بد من هذا لأنه لو كان حقيقة كما هو ظاهر قوله في القاموس استبق الصراط جاوزه لم يكن اتساعاً ولو كان لازماً كما عليه اكثر أهل اللغة لم يكن له مفعول ولا يكون ثمة مسبوق فكيف يصح جعله استعارة مكنية، وتخييلية وهل هو إلا تخيل فاسد فما ذكره المصنف ﵀ هو بعينه ما في الكشاف لا فرق بينهما إلا أن ما في الكشاف يحتمل أنه حقيقة وبهذا سقط الاعتراض عن شراح الكشاف واطلاق الاتساع على المجاز كثير. قوله:) فأنى يبصرون) أنى بمعنى كيف والمقصود إنكار رؤيتهم وقوله بتغيير صورهم هو حقيقة المسخ، دمانما ذكر إبطال القوى لقوله فما استطاعوا الخ والمكانة بمعنى المكان هنا وقد تكون في المرتبة والمنزلة، ويجمدون بالجيم والدال المهملة مبنياً للفاعل (والمفعول من الأفعال والخاء المعجمة تحريف والمراد أنهم لا يقدرون على مفارقة مكانهم، والقراءة بالجمع لتعددهم. قوله:) فوضع الفعل الخ (لأنّ المعنى والصناعة تقتضيه أو لمعنى ولا رجوعا وهو معطوف على المفعول ومفعول اسنطاع لا يكون جملة فهو من قبيل تسمع بالمعيدي فلا يدل على الاستمرار حتى يجعل وجهاً للعدول كما قيل، وإذا كان بمعنى لا يرجعون عن تكذيبهم فهو معطوف على جملة ما استطاعوا، وقوله لقلب الواو ياء تعليل لكسرها ووزنه فعول بالضم وأصله مضوي فلما قلبت الواو ياء لاجتماعها معها ساكنة قلبت الضمة قبلها كسرة لتخف وتناسبها، وقوله كصثيّ بفتح الصاد المهملة بعدها همزة مكسورة ثم ياء مشددة مصدر صأي الديك أو الفرخ إذا صاح فهو مثال لمجيء فعيل مصدرا للمعتل كما في كتب اللغة والكشف، فمن قال إنّ المراد أنه بوزنه لأنه ليس بمصدر فقدسها لظنه إنه بالباء الموحدة، وقوله أحقاء لأنّ لو تقتضي أنه فرض ولم يقع، وقوله لم نفعل إشارة إلى أنّ لو للمضيّ على أنه بالباء الموحدة، وقوله أحقاء لأنّ لو تقتضي أنه فرض ولم يقع، وقوله لم نفعل إشارة إلى أنّ لو للمضيّ على أصلها لا بمعنى إن ودخولها على المضارع لاستحضار الصورة والدلالة على استمرار الامتناع، وقوله فلا يزال يتزايد ضعفه الخ تفسير لتقلبه وإشارة إلى أنه مستعار من التنكيس الحسي إلى المعنوي وبدء أمره مرفوع بكان أو منصوب على الظرفية وقوله فإنه أي تنكيس خلقه وإيجاده على تدرج لا ينافي المقدورية. قوله: (اي ما علمناه الشعر بتعليم القرآن الخ) يعني أنّ تعليمه المنفي ما كان بالقرآن الذي زعموه شعراً حين أتى به فإنه لا يشابه الشعر لفظاً لعدم وزنه وتقفيته ولا معنى لأنّ الشعر تخيلات، وهذا حكم وعقائد وشرائع فلو كانت الشاعرية المسندة له لذلك لم يصح بوجه من الوجوه فإنهم قاسوه على من يشعر بقراءة الدواوين، وكثرة حفظها فالباء في قوله

стр. 2534

بتعليم الخ للاسنعانة وجملة ما ينبغي معترضة، وفيه إدماج لا كناية تلويحية وقياس مضمر لردّ قولهم بمعنى أنكم لم تعرفوا منه ذلك ولا سمعتموه منه، وما يأتي به ليس على نهجه ويتوخى بمعنى يقصد، ومبني الشعر ما ذكره ولذا قيل أعذبه أكذبه، ومرادهم من إسناد الشاعرية أنه افترأء وتخيل والشعر يطلق في اللغة على قريب من مصطلح المنطق كما صرح به الراغب فلا يتوهم أنّ ما ذكر اصطلاح المنطقيين كما صرح به بعضهم. قوله: (وما يصح له الشعر الخ) يعني أن ينبغي مطاوع يبغي بمعنى يطلب، والمراد كما قال ابن الحاجب لا يستقيم عقلا كقوله: ﴿وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [سورة مريم، الآية: ٩٢] لأنه لو كان ممن يقول الشعر والمشاهد خلافه لتطرقت التهمة عقلاَ في أنّ ما جاء به من عند نفسه، ولذا قال ويحق القول الخ لأنه لم يبق إلا العناد الموجب للهلاك فظهر ارتباطه بما قبله وما بعده. قوله: (أنا الن! ئ لا كذب) إشارة إلى أنّ صفة النبوّة يستحيل معها الكذب فكأنه قال أنا النبيّ، والنبي لا يكذب فلست بكاذب فيما أقول حتى أنهزم وأنا متيقن أنّ الذي وعدني الله من النصر حق فلا يجوز عليّ الفرار والذي صححه أهل السير أنه قاله يوم حنين، وهو على بغلته الشهباء وأبو سفيان بن الحرث آخذ بزمامها، وقول شراح الكشاف إنه قاله بحنين حين نزل ودعا واستنصر مخالف للرواية وقوله هل أنت الخ قاله النبي ﷺ حين أصاب إصبعه حجر فدميت في بعض غزواته متمثلاَ به فلا ينافي ما قاله ابن هشام في السيرة من أنّ قائله الوليد بن المغيرة في قصة ذكرها، وقيل لابن رواحة ﵁ وأوّله: يانفس إن لم تقتل قموشي هذاحمام الموت قد صليتي وماتمنيتيه قدأ! يتي أن تفعلي فعلهماهديتي وهذا هو الذي صححه ابن الجوزي ولم يعزه لرسول الله ﷺ إلا أن يقال إنه تمثل به ولم يثبت أيضاً. قوله: (اتفاقي من غير تكلف وقصد منه) خبر لقوله قوله أي النبيّ ﷺ ، ودفع لما يرد على قولهم إنه لم يقل الشعر ولا يصح ذلك منه، وقد روي هذا* ونحوه عنه بأن تعريف الشعر لكلام المقفي الموزون على سبيل القصد، وهذا مما اتفق له من غير قصد لوزنه ومثله يقع كثيرا في الكلام المنثور ولا يسمى شعراً ولا قائله شاعرا ولا يتوهم أنّ انتسابه إلى جذه دون أبيه يعلم منه قصده لأنّ النسبة للجذ شائعة، ولأنه كان مشهوراً بينهم بالصدق والشرف والعزة فلذا خصه بالذكر ليكون كالدليل على ما قبله. قوله: (على أنّ الخليل) ابن أحمد واضع علم العروض ما عد الخ بحور الشعر معروفة، والرجز منها وسمي به لتقارب أجزائه وكثرة تغييراته من ارتجزت الإبل إذا أصابها الرجز وهو داء ترتعش منه، ووزنه مستفعلن ست مرات فإذا حذف من كل مصراع منه جزء مسمى مجزواً فيصير مستفعلن أربع مرات كقوله: ياليتني فيهاجذع أخبّ فيها وأضع إذا كانا مصراعي بيت وان حذف نصفه سمي مشطورا وإن حذف ثلثاه حتى بقي على جزأين سمي منهوكا كقوله: موسى المطر غيث بكر فقوله: " أنا النبي لا كذب " إن كان نصف بيت فهو مجزوّ وان كان بيتا تامّا فهو منهوك، وقوله: " هل أنت إلا إصبع دميت " الخ إن كان كل منهما بيتا فهو مشطور إلا فهو تام وفيه روايات فقيل الرجز كله ليس بشعر، ولذا يسمى قائله راجزا لا شاعراً، وعن الخليل إنّ المشطور منه والمنهوك ليس بشعر فمراد المصنف بالمشطور ما حذف منه شطر فأكثر فيدخل فيه المنهوك لكنه تسمح فيه وفي كون ما ذكر مشطوراً أو منهوكاً ما عرفت فهو غير متعين. قوله: (حرك الباءين) أي من كذب والمطلب وأعربهما فلا يكون موزونا، وكذا غير قوله هل أنت الخ فيخرج عن نمط الشعر، وعود الضمير على القرآن لأنه معلوم من السياق، وهو المناسب لما بعده قيل وعليه فيجوز صدور الشعر عنه وتئ ولا يحتاج إلى توجيه وفيه نظر. قوله: (عظة) فالذكر من التذكير وهو الوعظ، وكتاب سماوي تفسير لقرآن وظاهر الخ تفسير لمبين، وقوله يؤيده الخ لتعين الخطاب للرّسول، وقوله لما فيه من الإعجاز إشارة إلى جواز كون مبين من الإبانة لإظهار إعجازه أنه كلام لله تعالى فتأمّل. قوله: (عاقلاَ فهما) ففيه استعارة مصرحة بتشبيه العقل بالحياة، والغافل الثاني بالغين المعجمة، وكذا قوله أو مؤمنا لتشبيه الإيمان بالحياة بقرينة

стр. 2535

مقابلته بالكافرين ويجوز كونه على هذا مجازاً مرسلا لأنه سبب للحياة الحقيقية الأبدية وفي كلامه إيماء له، وقوله في علم الله توجيه للمضي في كل على الثاني بأنه باعتبار ما في علمه لتحققه، وقيل إنه من مجاز الأول أو المشارفة فأطلق مؤمنا على من سيؤمن، وقيل إن كان فيه بمعنى يكون وقوله وتخصيص أي على الوجهين أو على الثاني، ويحق القول مرّ تحقيقه. فوله: (المصرين على الكفر (فسره به لأنهم هم الذين يجب تعذيبهم بمقتضى الوعيد ويؤخذ من المقابلة على الثاني، وأما الصيغة فلا دلالة لها عليه كما قيل، وقوله إشعار الخ الإشعار من التقابل ويجوز أن يجعل استعارة مكنية قرينتها استعارة أخرى. قوله: (أولم الخ) معطوف على مقدر أي ألم يعلموا بدائع صنعنا لأنه معلوم مما مرّ، وقيل إنه معطوف على قوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ الخ والأوّل للحث على التوحيد بالتحذير من النقم وهذا بالتذكير بالنعم، وقوله تولينا إحداثه الخ إشارة أنّ عمل الأيدي مجاز عما ذكر كما سنبينه، والحصر المذكور من إقحام الأيدي ودلالة المقام والظاهر إنه استعارة تمثيلية لكن كون ذكر الأيدي والإسناد استعارة تسمح إذ مجموع عملت أيدينا على هذا استعارة وليست الاستعارة من قبيل: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ كما قيل، ويجوز أن يكون من المجاز المتفرع على الكناية بأن يكنى عن الإيجاد بعمل الأيدي فيمن له ذلك ثم بعد الشيوع يستعمل لغيره، وأمّا التجوّز في الأيدي وحدها فلا وجه له. قوله: (مبالغة في الاختصاص الخ (لأنّ المجاز أبلغ من الحقيقة، وقوله هذا شيء عملته بيدي يدل على التفرد كما هو معروف في الاستعمال أي لا مدخل لغيري فيه لا خلقاً ولا كسبا، والمراد بالأنعام الأزواج الثمانية، وبديع خلقها مشاهد وكذا كثرة نفعها فلذا خصت دون غيرها وهذا كقوله أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت. قوله: (متملكون الخ) فهو بمعناه المعروف، وإنما قال: بتمليكنا بيانا للواقع ولما به الامتنان أو هو بمعنى التمكن من التصرف فالملك بمعنى القدرة والقهر من ملكت العجين إذا أجدت عجنه ومنه قوله أملك رأس البعير أي أمسكه وأضبطه، وأخره لأنّ قوله وذللناها الخ على هذا يكون تأكيدا. قوله: (أصبحت الخ) هو من قصيدة للربيع بن منيع الفزاري يصف كبره وعلوّ سنه، وقد سئل عن حاله وكان من المعمرين لا لابن هرمة كما في شرح الكتاب وأوّله: أصبح مني الشباب مبتكرا إن يناعني فقدثوى عصرا فارقنا قبل أن نفارقه لمامضى من جماعناوطرا أصبحت لا أحمل السلاح ولا أملك رأس البعير إن نفرا والذئب أخشاه إن مررت به وحدي وأخشى الرياح والمطرا قوله: (مركويهم) فهي فعول وفعولة بمعنى مفعول وليس الثاني جمعاً للأوّل لأنه لم يسمع فعوله في الجمع ولا في أسماء الجموع، وعلى القراءة بالضم فهو مصدرك القعود فيه مضاف مقدر أو مؤوّل بالمفعول أو في قوله فمنها مضاف مقدر وهو منافع، ومن ابتدائية أو تبعيضية لكن المصنف ﵀ جعلها تبعيضية فتأمّل. قوله: (أي ما يثلون لحمه أليس مراده أنّ الموصوف حذف، وبقيت صلته لأنه ممنوع عند بعض النحاة بل هو بيان للمعنى وأنّ التبعيض قبله باعتبار الجزئيات، وهنا باعتبار الأجزاء، وليس للإشارة إلى أنّ الفعل موضوع موضع المصدر، وهو بمعنى المفعول للفاصلة إذ لا داعي له فإنّ الجملة معطوفة على الجملة قبلها من غير تأويل وإنما غير الأسلوب لأنه عام فيها جميعها، وكثير مستمر بخلاف الركوب وغير.. قوله: (من اللبن) خص مع دخوله في المنافع لشرفه واعتناء العرب به وجمع لتعدد ألبانها وللإشارة إلى أنها جميعها مشروبة، وهو تفسير لحاصل المعنى لأنه إذا كان موضعا فالمشارب هي نفسها لقوله فيها فإنها مقره، واذا كان مصدراً فهو بمعنى المفعول وتعميم المشارب للزبد والجبن لا يصح إلا بالتغليب أو التجوّز لأنها غير مشروبة، ولا حاجة إليه مع دخولها في المنإفع، وقوله نعم الله مفعوله المقدّر وذلك ما مرّ من التذليل والخلق ونعمة سائر المنافع كما يدل عليه ما بعد.، وقوله بعدما رأوا الخ إشارة إلى أرتباطه بقوله أولم يروا وانّ الاستفهام فيه إنكاريّ فهو في المعنى إثبات للرؤية وعلمهم تفرده بها أي يخلقها لقوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [سورة لقمان، الآية: ٢٥] وقوله

стр. 2536

حزبهم بحاء مهملة وزاي معجمة وباء موحدة بمعنى أصابهم ونزل عليهم من الشدائد، وقوله بالعكس أي لا قدرة لهم على النصرة والذت عنهم بل الذالث هم الكفرة، والذلت الدفع وهذا في الدنيا. قوله: (أو محضرون أثرهم في النار) فيكون في الآخرة والواو عاطفة أو حالية وكذا على هذا الوجه إلا أنها تكون حالاً مقدرة وعلى هذا فجعلهم جندا تهكم واستهزاء وكذا لام لهم الدالة على النفع فلا يرد ما ذكر عليه، وفي الكشاف وجه آخر وهو أنهم معدّون محضرون لعذابهم لأنهم يجعلون وقوداً للنار، ولا تفكيك فيه للضمائر كما توهم لأنه على كل حال أحد الضميرين للأصنام والآخر للكفرة، وإنما يختلف الترتيب فيها ومثله ليس بتفكيك ولا بأس به، وأمّ كون جند على ما ذكره المصنف باقياً على معناه وتفسيره مختص بمحضرون والمعنى أنهم جند لهم في الدنيا محضرون للنار أثرهم في الآخرة لاختصاص الإحضار بالشرّ فتعسف بعيد. قوله: (فلا يحزنك الخ) الفاء فصيحة أي إذا كان هذا حالهم فلا تحزن بسبب ما قالوه، وبهذا علمت معنى النهي هنا، والتهجين نسبة الهجنة والقباحة، وعلى الوجه الثاني يكون هذا راجعاً إلى قوله وما علمناه الشعر وعلى الأوّل متصل بما قبله ولهذا قدّمه لقربه، وقوله فنجازيهم عليه فعلم الله بسرّهم وعلانيتهم مجاز عن مجازاتهم أو كناية عنه للزومه إذ علم الملك القادر بما جرى من عدوّ. الكافر مقتض لمجازاته، وانتقامه وتقديم السرّ كما مرّ لبيان إحاطة علمه بحيث يستوي السرّ عنده والعلانية، وقيل للإشارة إلى الاهتمام باصلاح الباطن فإنه ملاك الأمر أو لأنه محل الاشتباه المحتاج للبيان، وما قدمناه هو المهئم المقدم، وقوله ولذلك أي ولكونه تعليلا للنهي، وقوله لو قرئ إشارة إلى أنه لم يقرأ به ولكنه جواب لمن قال إنه لا تصح القراءة به مع أنه لا فرق بينهما، وقد جوّز فيه كونه مقول القول على الكسر وبدلاً منه على الفتح على أنه من باب الإلهاب والتعريض كقوله: ﴿وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ﴾ [سورة يونس، الآية: ١٠٥] ولا يخفى بعده فالوقف على قولهم ليس بمتعين كما يقال، ثم إنه فسر يحزنك بيهمنك مؤكداً بالنون كما في أكثر النسخ وفي بعضها بدونها وهي ظاهرة فأما الأولى فوجه تأكيدها مع أنّ المفسر غير مؤكد إمّا الإشارة إلى ما يفيده من المبالغة في الحزن لأنه كناية كما في لا أرينك هنا أو مجاز في الإسناد، وكلاهما مقتض للمبالغة فيه هذا إن قلنا إنّ الهمّ هنا بمعنى الحزن كما في القاموس فإن قلنا الحزن همّ في القلب يظهر أثره على صاحبه يكون أخص منه، وأشد نوعية فتأكيده للإشارة إلى ذلك. قوله: (تسلية ثانية الخ) وأولاهما فلا يحزنك الخ، وما قيل إنّ فيه إشارة إلى أنّ قوله أولم ير الخ معطوف على أولم يروا قبله والجمع ابتناء كل منهما على التعكيس فإنه خلق له ما خلق ليشكر فكفر وجحد النعم والمنعم، وخلقه من نطفة قدرة ليكون منقاداً متذللا فطغى وتكبر وخاصم كما قاله الطيبي وافادة السياق للتهوين ظاهرة فإنك إذا قلت لأحد لا تحزن لقول فلان كذا فإنه يقول كذا أفاد أن مقالتة الثانية أعظم من الأولى، والكلام في كونه أهون لأنه على الوجه الثاني، وهو قوله أوفيك الخ مسلم، وأمّا على الأوّل فلا وكونه ادّعاء لا يفيد هنا فلعله لأنه نسبة للعجز إليه تعالى وتحميق للنبي ﷺ ، وهو أشدّ كما أشأر إليه بقوله وفيه تقبيح الخ (بقي) أنه محل بحث لأنّ عطفه على ذلك لا يؤدّي ما ذكر فتأمّل. قوله: (وفيه تقبيح بليغ لإنكاره) أي الحشر حيث عد منكره مخاصماً لربه، وقوله حيث عجب منه التعجب مأخوذ من الاستفهام فإنه يكون له كما في قوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ بالآية﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٨] وتعقيب إنكاره بالفاء دماذا الفجائية على ما يقتضي خلافه مقوّ للتعجب فلا وجه لجعله إشارة إلى أنّ الفاء للاستبعاد كثم والتعجب لازم له فإنّ الفاء تدلّ على التعقيب فلا تصلح للاستبعاد، وإنما جاء من ثم لكونها موضوعة للتراخي فتدبر. قوله: إ وجعله إفراطاً في الخصومة) هو من صيغة خصيم الدالة على المبالغة وبينا هو معنى مبين على أنه من أبان بمعنى بان، وقوله ومنافاة الخ هو إمّا مرفوع معطوف على تقبيح كما ذهب إليه بعضهم فالمعنى في بيان ما ذكر منافاة كلام الكافر لأجل جحوده القدرة على أهون الأمرين فإنّ تسليم القدرة الإلهية مناف للخصومة المذكورة، وامّا منصوب بالعطف على إفراطا كما قيل فما بعده تعليل له أو للتعجيب والجعل، والأول أحسن لأنه تعالى لم يذكر تلك المنافاة لا صريحاً ولا ضمنا حتى يقال جعله منافاة وانّ كان ما فيه بمنزلة الجعل، وقوله مما علمه أي الإنسان إشارة إلى أنّ رأي علمية وفي نسخة عمله

стр. 2537

بتقديم الميم والأولى أولى، وقوله ومقابلة النعمة يجوز رفعه ونصبه كما في قوله منافاة، وقوله شريفا مكرماً حال من مفعول خلق أو مفعول ثان إن كان بمعنى صير، وبالعقوق متعلق بمقابلة والحديث المذكور رواه البيهقي وبال بمعنى فإن ويفتته بمعنى يكسره. قوله: (نعم ويبعثك ويدخلك النار) ، جعل جوابهءسؤ كقوله تعالى: ﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ﴾ [سورة الصافات، الآية: ١٨] في جواب أئذا متنا وكنا تراباً الآية وهو من الأسلوب الحكيم لأنه تضمن الزيادة كانه قيل له لا كلام في ذلك بل انظر في هذا، وهو على أسلوب قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين كذا قرّره شزاج الكشاف قاطبة وتبعهم أرباب الحواشي هنا، وقصدوا به الرد على قول بعض شرّاح الكشاف كما نقله الطيبي إنه ليس من الأسلوب الحكيم في شيء فإنه أجابه عما سأل مع زيادة والسؤال إمّا جدليّ فلا ينبغي أن يزاد عليه ولا يتقص أو للتعلم فالمسؤول منه كالطبيب يتحرّى ما هو المناسب كما إذا سأل مريض عن أكل الجبن فقال له إشرب ماءه أو من به مرّة صفراء عن شرب العسل فقال له مع النمل وما نحن فيه من قبيل الأخير، وفيه إنه لا يوافق ما قرّر في المعاني فإنهم قالوا إنه العدول عن موجب الخطاب وتلقي السائل بغير ما يترقب سواء كان بالصرف إلى معنى آخر كما في جواب القبعثري، أو بدونه كما في جواب السؤال عن حال الهلال، وهو قريب مما سموه القول بالموجب وعلى كل حال فالزيادة ليست في شيء منه فإن كان اصطلاحا جديداً، فقد ظلم القائل ظلماً شديدا. قوله: (وقيل الخ) الفرق بينه وبين ما مرّ أن خصيم بمعنى مميز قادر على الخصام وإن لم يخاصم ومبين فيه متعد والتعقيب، والمفاجأة ناظر إلى خلقه لا إلى علمه ولا تسلية فيه ولذا مرضه، وان كانت التسلية بما بعده من قوله وضرب الخ، وهذا توطئة له ولذا لم يتعين الأوّل كما قيل. قوله: (أمرا عجيباً الخ) ذكر فيه الزمخشريّ وجهين أحدهما هذا وهو إنّ المراد بالمثل الأمر العجيب وهو إنكار قدرته تعالى على إحياء الموتى فضرب المثل عليه هو قوله من يحيي العظام الخ، وهو مجاز لمشابهته له في الدلالة على أمر بديع، والثاني قوله وتشبيهه الخ أي جعله ضرب مثل لتضمنه التشبيه لأنه إذا وصفه بالعجز فقد جعله مثلا مشابها للخلق في العجز، والمثل لكونه ما شبه مضربه بمورده يتضمن التشبيه فجعل هذا مثلا للمشابهة له إمّا في الدلالة على أمر غريب أو في تضمته تشبيه شيء بشيء، ولما كان تشبيهه بخلقه هو الأمر العجيب جعلهما المصنف وجهاً واحداً فمن ظته اقتصر على أحد الوجهين لأنه المناسب للمقام فقد أخطأ. قوله: (خلقنا إياه) فالمصدر مضاف للمفعول، ونسيانه إمّا حقيقة بأن لم يتذكره أو ترك تذكره لكفره وعناده أو هو كالناسي لعدم جريه على مقتضى التذكر، وقوله منكراً معنى الاستفهام المراد منه، وقوله ولعله فعيل الخ خالف الزمخشريّ في جعله اسماً جامداً كالرمّة والرفات فلذا لم يؤنث وهو جار على الجمع لأنّ له فعلا وهو رمّ بمعنى بلي كما ذكره أهل اللغة، وهو وزن من أوزان الصفة فكونه جامداً غير ظاهر لكنه غلب استعماله غير جار على موصوف فالحق بالأسماء فلم يؤنث كما ذكره المصنف لأنّ فعيلاً بمعنى فاعل لا يستوي فيه المذكر والمؤنث إلا أن يكون بالحمل عليه بمعنى مفعول كما قاله ابن مالك هذا إن كان رمّ لازماً فإن كان متعذيا فهو بمعنى مفعول وتذكيره ظاهر، ورمّه بمعنى أبلاه وأصل معناه ا! ل، كما ذكره الأزهرقي من رمّت الإبل الحشيش فكأنّ ما بلي أكلته الأوض فمن قال الذي في القاموس رمّه بمعنى أصلحه وأحكمه وهو غير مناسب للمقام لم يصب، والحاصل أنهم اختلفوا في وجه تذكيره بأن كان بمعنى مفعول والا فنقول إنه حمل عليه وقال الأزهرفي إنّ عظاماً لكونه بوزن المفرد ككتاب، وقراب عومل معاملته وذكر له شواهد وهو غريب. قوله: (وفيه دليل على أنّ العظم ذو حياة الخ) هذه المسألة مما اختلف فيه الحكماء والفقهاء بناء على أنّ الحياة تستلزم الحس واعظام لا إحساس لها فلا يتألم بقطعها كما يشاهد في القرن، وتألم العظام إنما هو لما يجاورها، وقال ابن زهر في كتاب التيسير اضطرب كلام جالينوس في العظام هل لها إحساس أم لا والذي ظهر لي أنّ لها حساً بطيئا وليت شعري ما يمنعها من التعفن، والتفت في الحياة غير حلول الروح الحيوأني فيها اهـ، ووينبني على هذا اختلاف الفقهاء في نجاستها وعدمه لكن فيه طريقان لنا أحدهما إنه لا حياة فيها حتى لا تتألم بقطعها والموت زوال الحياة فإذا لم يحلها الموت لم تكن نجسة وهو ما في الهداية فلما ودت عليهما

стр. 2538

هذه الآية بحسب الظاهر قيل المراد بالعظام هنا صاحبها بتقدير، أو تجوّز أو المراد بإحيائها ردّها لما كانت عليه غضة وطبة في بدن حيّ حساس، والثاني أنّ نجاسة الميتة ليست لعينها بل لما فيها من الرطوبة والدم السائل والعظم ليس فيه ذلك فلذا لم يكن نجسا وهذا لا يرد عليه شيء إلا أنه غير مسلم عند الشافعيّ، وتمام تفصيله في الفروع، ومن هذا علمت جوابه فيما استدلّ به لكن قيل الدليل في الحقيقة قل يحييها فلو أخره كان أولى، وفيه نظر وفي قوله قل يحييها قياس جليّ. تنبيه: ذكروا أن الشافعيّ قال العظم والشعر تحله الحياة وقال الحنفية لا حياة فيهما واستدل الشافعي بهذه الآية وأجابوا بأنّ معناها يحيى صاحبها أو المراد بإحيائها إعادتها لحالها الأولى وفيها دليل على المعاد، وكان الفارابي يقول وددت لو أنّ أرسطوا وقف على القياس الجليّ في الآية، وهو الله أنشأ العظام وأحياها أوّل مرّة وكل من أنشأ شيئا أوّلاً قادر على إنشائه وإحيائه ثانياً فينتج اًنّ الله قادر على إنشائها واحيائها بقواها، وهذا مما اختصت به هذه السورة وإن قلنا سبب النزول الوارد لا بد من دخوله فكيف يتأتى ما قاله الحنفية قلت لا مانع من دخوله بتأويل إحيائها بإعادتها لحالها الأولى فتدبر. قوله: (فإنّ قدرته الخ كما كانت) خبر أن وتذكير ضمير القدرة في قوله لامتناع التغير فيه لتأويله بالمذكور، وامتناعه لأنها صفة ذاتية قديمة، وقبول المادّة لتاثير القدرة فيها لازم لها لأنه لإمكانها وهو لا ينفك عنها أيضا، وقوله بعلمه ردّ على المعتزلة في قولهم إنه عالم بذاته لا بصفة زائدد عليها، وقوله أصولها وفصولها ضبطه بعضهم بالضاد المعجمة، وهو معنى زوائدها والظاهر أنه بالمهملة والمعنى هو ما ذكره أيضاً قال في المصباح يقال للنسب أصول وفصول فالفصول هي الفروع المتفرّعة عليها، وأمّا قولهم ما له أصل ولا فصل فهو بمعنى حسب ونسب كما في المجمل، ومواقعها محال وقوعها وطريق تمييزها إذا اختلطت بغيرها وقوله أو إحداث مثلها بناء على أنّ المعدوم لا يمكن إعادته بعينه، والإعراض والقوى هي ما به تشخصه وتنوّعه. قوله: (كالمرخ والعفار) المرخ بالراء المهملة والخاء المعجمة، والعفار بالعين والراء المهملتين يتخذ منها الزند الأعلى والزندة السفلى بمنزلة الذكر والأنثى على ما ذكره المصنف تبعاً للزمخشري المرخ ذكر والعفار أنثى واللفظ مساعد له وقد عكسه الجوهري لكنه يقبل ما تفرّد به إلا أنّ قوله: إذ المرخ لم يور تحت العفاز البيت يؤيده وفي المثل في كل شجر نار واستمجد المرخ، والعفار ضرب للفاضل يفضل على غيره وعن ابن عباس في كل شجر نار إلا العناب ولذا يتخذ منه مدق القصارين وفيه أقول: أيا شجر العناب نارك أو قدت بقلبي وما العناب من شجر النار ومن إرسال المثل المرخ والعفار لا يلدان غير النار والكاف إشارة إلى عدم انحصاره فيهما لكنهما أسرع وريا ولذا خصا بالتمثيل. قوله: (لا تشكون في أنها نار تخرج منه (يشير به إلى أنه محقق لما قبله مؤكد له ولولاه لم يكن لذكره فائدة فاندفع ما قيل ليس في ذكره كثير نفع مع عدم دلالة اللفظ عليه، ومضاذة الكيفية لأنّ الماء بارد رطب والنار حارة يابسة. قوله: (على المعنى (يعني أنه أنث رعاية لمعناه لأنه في معنى الأشجار والجمع يؤنث صفته، وهو اسم جنس جمعيّ في معناه فيجوز تأنيثه كنخل خاوية، وقيل لأنه في معنهى الشجرة كما أنث ضميره في قوله: ﴿مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ فَمَالِؤُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ [سورة الواقعة، الآية: ٥٣] الخ. قوله: (في الصغر والحقارة (لما كان المعنى قادر على إعادتهم كما هو قادر على خلقهم والمثلية ليست دالة على ذلك أوّلوه بوجهين الأوّل أنّ المراد بها هؤلاء الأجسام الصغيرة الحقيرة إمّا على أنّ المراد بمثلهم هم، وأمثالهم أو هم على طريق الكناية في نحو مثلك يفعل كذا وهذا هو الوجه، ولذا قدمه والثاني ما أشار إليه في قوله أو مثلهم في أصول الذات وصفاتها وفي الكشاف، أو أن يعيدهم لأنّ المعاد مثل المبتدأ وليس به وأورد عليه أنه خلاف المذهب الحق ورد بأنه لا خلاف بين المسلمين في إعادة الأجساد وأق المعاد عين المبتدأ ولولاه لم يكن الثواب والعقاب لمستحقه سواء كان معدوما أعيد بعينه، أو متفزقا جمع بعينه على المذهبين وهؤلاء أجل من أن يخفى عليهم مثله فمراده أن إيجاد المعاد وخلقه ثانيا مثل الجاده، وخلقه أوّلاً وليس إيجاده في الآخرة عبن إيجاده في الدنيا، وهذا ما عناه المصنف أو هو متحد معه ويكفي في الاتحاد اتحاد الأصول

стр. 2539

والصفات دون بعض العوارض الذي باعتباره كانت المماثلة المقتضية للمغايرة في الجملة، ولذا (ورد أهل الجنة جرد مرد () وضرس الكافر كاحد (وفيه نظر وأمّا عود ضمير مثلهم للسموات والأرض لشمولهما لمن فيهما من العقلاء فلذا كان بضمير العقلاء تغليبا والمقصود به دفع قدم العالم المقتضى لعدم إمكان إعادته فمع تكلفه ومخالفته للظاهر يأباه أنّ الكلام مع المشركين، وهم لا يعرفون مثله حتى يوردوه ويحتاج إلى دفعه لقولهم بحدوثه: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [سورة لقمان، الآية: ٢٥] وما صح عدمه في وقت صح دائما وقوله وعن يعقوب أي في رواية عنه أنه قرأ بدل قوله بقادر يقدر فعلا مضارعا مرفوعاً بفتح الياء وسكون القاف كما ذكره في النشر. قوله: (لتقرير ما بعد النفي) وهو خلقه وقدرته، وقوله مشعر بأنه لا جوأب سواه لأنّ الجواب هنا منحصر في الإثبات والنفي وبلى لنقض النفي المقرون بالاستفهام وابطاله فتعين الآخر، وقوله كثير المخلوقات الخ من صيغتي المبالغة واذا كان كذلك فلا شبهة في قدرته على الإعادة، وقوله شأنه إشارة إلى أنّ الأمر واحد الأمور، والمراد به شأنه الخاص في الإيجاد، وقد جوّز فيه إرادة الأمر القولي فيوافق قوله إنما قولنا لشيء فيراد به القول النافذ، وقوله تكوّن فهو من كان التامّة وهذا على ما ستسمعه وقوله فهو يكون إشارة إلى أنه مرفوع لا منصوب في جواب الأمر ولا بالعطف. قوله: (وهو تمثيل لتأثير قدرته الخ) يعني قوله كن فيكون استعارة تمثيلية والممثل الشيء المكوّن بسرعة من غير عمل واكة والممثل به أمر الآمر المطاع لمأمور مطيع على الفور، وهذا اللفظ مستعار لذلك منه فقوله في حصول متعلق بتمثيل وقطعا علة له، وقوله من غير امتناع أي من جانب المأمور، وافتقار أي من جانب الآمر وضمير هو للشبهة وهو في الحقيقة مادّتها وأصلها وذكره رعاية للخبر وقد جوّز فيه أن يكون حقيقة بأن يراد تعلق الكلام النفسيّ بالشيء الحادث على أنّ كيفية الخلق على هذا الوجه، واذا أريد بالأمر القول يكون هذا أظهر فيه وان احتمل التمثيل أيضاً. قوله: (عطفاً على يقول) وقد جوّز في سورة النحل كونه جوإبا للأمر، وقد فصلناه ثمة وذكرنا ما له وما عليه والفاء في قوله فسبحان جزائية أو سببية لأنّ ما قبله سبب لتنزيه الله سبحانه. قوله: (مالك الملك) فسر الملكوت بالملك لأنه صيغة مبالغة منه فهو الملك التامّ، وقد فسر في محل آخر بعالم الأمر والغيب فتخصيصه بالذكر لاختصاص التصرف فيه به من غير واسطة بخلاف عالم الشهادة، والتصرّف معنى قوله بيده وما ضربوا له الخ إشارة إلى قوله وضرب لنا مثلا، وقوله وتعجيب إما معنى آخر أو هما مرادان بناء على مذهبه في الجمع بين الحقيقة والمجاز والتعليل من التعليق به وجعله صلة، والقدرة من تصرّفه في كل شيء. قوله: (للمقرّين والمنكرين الف ونشر مرتب وقد قيل إنه وعيد بناء على أن الخطاب للمشركين كما مرّ توبيخاً لهم، ولذا عدل عن مقتضى الظاهر وقد ذكرها صاحب النشر، وقوله بهذه الآية أي قوله فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء الخ لأنها فذلكة شاملة لأمور المبدأ والمعاد، ولذا سن قراءتها عند المحتضر وعلى الموتى. قوله: (١ نّ لكل شيء قلباً وقلب القرآن يس الخ) هذا الحديث رواه الترمذفي عن أنس ﵁، وفيه كتبت له قراءة القرآن عشر مزات، وعن الغزاليّ أنّ المدار على الإيمان وصحته بالاعتراف بالحشر والنشر وهو مقرّر فيها على أبلغ وجه وأحسنه فلذا شبهت بالقلب الذي به صحة البدن وقوامه، وقيل المراد بالقلب اللب المقصود لمن له لب فإنّ ما سواه مقدمات أو متممات والمقصود من إرسال الرسل! انزال الكتب إرشاد العباد إلى غايتهم الكمالية في المعاد وذلك بالتحقق والتخلق بما عبر عنه بالصراط المستقيم كما مرّ في الفاتحة وقد استحسن ما قاله حجة الإسلام الإمام الرازي: ولا يرد عليه سواء أريد بالصحة الثبوت أو ما يقابل البطلان والفساد أو ما يقابل المرض والسقم إنّ كل ما يجب الإيمان به لا يصح الإيمان بدونه فلا وجه لاختصاص الحشر، والنشر بذلك كما قيل لما أفاده ذلك القيل من تميزه على ما سواه الموجب لفضله والمقتضى لتخصيصه من غير تكلف أنه ما يقابل السقم ومن صح إيمانه بالشحر خاف العقاب فارتدع عن المعاصي التي بها يضعف الإيمان فيكون كالمريض، وكذا كون وجه الشبه أنّ به صلاح البدن وهو غير مشاهد في الحس وله تكشف

стр. 2540

الحقائق وكذا الحشر من المغيبات التي بها الصلاح والسداد، وفيها تنكشف الأمور للعباد. قوله: (اثنتين وعشرين مرّة الخ) قد عرفت أنه مخالف لرواية الترمذيّ عشر مرّات فإن قلت يلزم من هذا تفضيل الشيء على نفسه لأن يس من جملة القرآن قلت ليس هذا بلازم إذ يكفي في صحته التغاير الاعتباري فإن يس من حيث تلاوتها فردة غير كونها مقرونة في جملته كما إذا قلت الحسناء في الحلة الحمراء أحسن منها في البيضاء وقد يكون للشيء مفردا ما ليس له مجموعا مع غيره كما يشاهد في بعض الأدوية، ألا ترى آيات الحفظ جرّبت خاصيتها إذا كتبت مفردة دون ما إذا كانت في المصحف، وقد قيل لبعض الملاحدة إنها تمنع سرقة المتاع فقال قد سرق المصحف وهي فيه، وليس من أجل شخصاً وأكرمه على انفراده كمن كرمه مع قرنائه وأنداده ولعل هذا أقرب مما قيل المراد القراءة بالتدبر وبدونه، أو المراد بقراءة القرآن قراءته دون يس، وقول بعض المشايخ اللازم حصول الأجر بلا تناه لقارئها ولا محذور فيه مما لا مآل له فتأمّل. قوله: (يصلون عليه) أي يدعون له ويصلون عليه الثاني من الصلاة على الميت تمت السووة، اللهمّ إني أسألك ببركة سورة يس أن تجعلنا من جوارك وحفظك في حصن حصين، وأن تصلي وتسلم على سيد المرسلين وآله وصحبه أجمعين. سورة الصافات بسم الله الرحمن الرحبم لم يختلفوا في كونها مكية ولا في عدد آياتها والثاني غير مسلم لأنّ الداني نقل فيها خلافا! ض من قال إحدى ومنهم من قال اثنتان وثمانون آية. قوله:) أقسم بالملافكة الصافين (يعني أنّ الواو للقسم والمقسم به جماعة كان حقه أن يجمع جمع المذكر السالم فتأنيثه إمّا على أنه جمع صافة أي طائفة، أو جماعة صافة فيكون في المعنى جمع الجمع أو على تأنيث مفرد باعتبار أنه ذات ونفس، والمراد بالصافات الملائكة لقيامها مصطفة في مقام العبودية لمالك الملك، وصفا وزجرا مصدر مؤكد وكذا ذكرا ويجوز فيه كونه مفعولاً به، وقوله على مراتب يعني تقدم بعض صفوفهم على بعض باعتبار تقدم الرتبة ولقرب من حظيرة القدس، وأما التفسير بأن منهم قياماً ومنهم ركوعاً ومنهم سجوداً فلا دلالة في اللفظ عليه، ومنتظرين حال من ضمير الصافين وهذا لبيان الواقع في حكم اصطفافهم لا من مدلولط النظم. قوله:) الزاجرين الإجرام الخ) الزجر يكون بمعنى السوق والحث، ويكون بمعنى المنع والنهي والى الأوّل أشار بما ذكر هنا ومعنى سوقها تسخيرها وتدبيرها لما خلقت له كإدارة حق الأفلاك وطلوع الأفلاك وغروبها واجراء المياه الأرضية، واخراج النبات وارسال السحب وهو المشار إليه بقوله فالمدبرات أمراً، وقوله أو الناس هو على الثاني ولا جمع فيه بين معني المشترك كما توهم إلا أن يكون في نسخة عطفه بالواو، والإجرام وما عطف عليه هو مفعوله المقدّر ولم يتعرّض لمفعول القول الأوّل وظاهره أنه لا مفعول له لتنزيله منزلة اللازم كما قيل، وقد رد بأن التقدير في أحدهما دون الآخر غير مناسب لاتساق النظام وهو مقدر أيضاً أي الصافات أنفسها، ولم يصرّح به لظهور. وصرّح به في الثاني لتكثير الوجوه المحتملة فيه دون ما قبله وفيه نظر لأنه ليس في كلامه ما يشعر بما ذكر مع أنّ احتمال الوجوه جار في الأوّل أيضا كما في الكشاف بأن يقدر أقدامها في الصلاة أو أجنحتها في الهواء فلعله مال إلى ما ذهب إليه أبو البقاء فإنه كثيراً ما يتبعه من أنّ صفا مفعول به فهو مفرد أريد به الجمع أي الصافات صفوفها فتدبر. قوله: (أو الشياطين) الظاهر عطفه بالواو لأنّ من الملائكة من يفعل هذا، ومنهم من يفعل الآخر وقوله التالين آيات الله صفة بعد صفة إشارة إلى أنّ ذكرا بمعنى المذكور المتلوّ وهو مفعول الذاكرات، ويحتمل أن يريد بيان مفعوله المقدر وذكرا مصدر مؤكد ليبهون على نسق واحد، وجلايا قدسه بالجيم جمع جلية بمعنى مجلوّة أو ظاهرة وفسرت بالدلائل أو بالمعارف التي لا تكتم عن خواص خلقه، أو بصفاته المقدسة التي يتحلى بها والثاني أقربها، وقوله على أنبيائه إشارة إلى أنه من التلاوة على الغير لأنه المناسب لذكره عقب الزاجرات ولو قصد ما يكملها في نفسها قن! م عليه. قوله: (أو بطوائف الإجرام المترتبة الخ) معطوفة على قوله

стр. 2541

بالملائكة وهو تفسير ثان يعني أنّ المراد بالصافات الأفلاك وصفها قصدها مرصوصة بعضها فوق بعض ولا معنى لإدخال طبقات العناصر في كلامه هنا كما توهم، والزاجرات الأرواح الفلكية على مذهب الحكماء في إثبات أرواح ونفوس لها، وهو ما عبر عنه في لسان الشريعة بالملائكة، وزجرها بالمعنى الأوّل هو سوقها وتدبيرها ومن الناس من لم يعرفه فقوله طوائف الأجرام تفسير للصافات، وقوله الأرواح الخ تفسير للتاليات والمراد بها الملائكة لأنها عندهم جواهر بسيطة ذات حياة ونطق يعني ملائكة عرشه والكروبيون المقرّبون الملازمون للتسبيح، والتقديس فلذا وصفت بالتاليات. قوله: (أو بنفوس العلماء) وجه ثالث فالصافات نفوسهم، وذواتهم المصطفة في عبادة ربهم والزجر لغيرهم عن الكفر والمعاصي وتلاوتهم لآياته وشرائعه، وقوله أو بنفوس الغزاة جمع غاز وهو الوجه الرابع فصفوفهم في الحرب وزجرهم إمّا سوقهم للخيل وركضها أو منعهم وكفهم العدوّ، وتلاوتهم ذكر الله تعالى في وقت القتال كما كان دأب الخلفاء والصحابة ﵃ فإنهم لا يشغلهم شيء عن ذكر الله ومبارزة العدوّ ومقابلته، ومعارضته في الكرّ والفرّ. قوله: (والعطف لاختلاف الذوات الخ) هو إشارة إلى ما في الكشاف من أنّ الصفات المعطوفة بالفاء فيها ثلاث احتمالات الأوّل أن تدل على ترتب معانيها الوضعية في الوجود إذا كانت الذات فيها واحدة كقول ابن زيابة الحماسي: يا لهف زيابة للحرث الصابح فالغانم فالآيب وقد تقدم شرحه وما فيه يعني الذي صبح فغنم فآب أي رجع وهذا على أنّ المراد بها ذوات متحدة لكن صفها وجد أوّلاً لأنه كما لها في نفسها، ثم وجد بعده الزجر للغير لأنه تكميل للغير يستعد به وهو واقع بعده ثم إفاضة الغير عليها بعد الاستعداد الثاني، وهو مع الاتحاد أيضاً أن تدل على تفاوت الصفات في الرتب ترقياً وتدلياً كخذ الأفضل فاكمل فالأعلى، والثالث وهو مع التعدّد هو أن يكون لتفاوت موصوفاتها في الرتبة نحو رحم الله المحلقين فالمقصرين، وما جعله الزمخشريّ ثلاثة أقسام جعله المصنف قسمين، وقد قال شراح الكشاف إنّ القسمة رباعية لأنّ الترتيب إمّا بين الصفات أو بين الموصوفات وكل منهما إمّا بحسب الوجود أو الرتبة فالترتيب بين الصفات بحسب الوجود كما في البيت وبينها بحسب الرتبة نحو أتنم العقل فيك إذا كنت كهلا فشاباً وفي الموصوفات بحسب الوجود نحو وقفت كذا على بني بطنا فبطنا وفي الرتبة رحم الله المحلقين فالمقصرين، ووجهه في الكشف بأنّ المراد من قول الزمخشري ترتب موصوفاتها في ذلك التفاوت من بعض الوجوه إذ لا تدل على ترتب الموصوفات في الوجود البتة، ثم أنه يكون حقيقية في نحو رحم الله المحلقين الخ إذا أريد الترتب في الرحمة ومجازاً إن أريد الترتب في الفضل وكلاهما داخل في الدلالة على ترتب الموصوفات في التفاوت من بعض الوجوه، وأما دلالتها على ترتب الصفات في غير الوجود فمجاز البتة ومته ظهر أنّ القسمة مثلثة، ١ كل وكأنه يعني أنّ مدلولها الترتب الخارجي بين الصفات أو الموصوفات، وهو إمّا من حيث وجود ذواتها أو من حيث تلبسها بالعامل، وأما الترتب الرتبي وهو الثالث فمعنى مجازيّ لها اعتباري وبشرف الصفة وضده يكون الموصوف كدّلك وعكسه فليس بينهما فرق معتبر فلذا كانت مثلثة وحينئذ تظهر التثنية أيضاً فافهم وتدبر. قوله: (لاختلاف الذوات) أي في الثاني، وهو محتمل في غيره أيضاً ولا تعيين فيه حتى يقال الأظهر أنّ الفاء للترتيب الرتبي كما قيل وهذا توجيه لا يثار الفاء على الواو وقوله فانّ المصنف الخ هذا لا يقتضي الترتب الوجودي إلا بتكلف مع أنه لا يناسب الثاني، وتأخر التلاوة لأنها تحلية وما قبلها تخلية. قوله: (أو الإساقة) يقال أساقه إساقة إذا جعله سائقا كما أثبته أهل اللغة، وقوله غير أنه الخ كون ما في المثال الذي ظنه حديثاً الفضل للمتقدم ظاهر لأنّ حلق المحرم أفضل من تقصير. فيكون من قبيل التنزل، وأما كون ما في النظم على العكس ففيه نظر لأنه جعله في الكشاف وشروحه محتملا لهما من غير ترجيح فتأمّل. قوله: (أو الرتبة) عطف على الوجود، وليس المراد الشرف لأنه يكون ترقيا وعكسه كما سيشير إليه ومن قال الظاهر أن يقول الشرف فقد غفل عما أراد ولا يضرّ كون المثال منه فلا حاجة إلى تكلف أنه المراد لما بينهما من الملازمة. قوله: (رحم الله المحلقين الخ) في الكشاف، وقولك

стр. 2542

رحم الله الخ وأصاب إذ لم يجعله حديثاً فانّ الحديث كما في الصحيحين وغيرهما إنه ﷺ قال: " رحم الله المحلقين قالوا والمقصرين يا رسول الله قال والمقصربن " وهو عطف تلقين بالواو ولا شاهد فيه فاعتراض الطيبي ﵀ لا يرد عليه لكنه وارد على المصنف. قوله: (على ما هو المألوف الخ) من تثيد ما يهتم به بتقديم القسم ونحوه، وهو دفع لما مرّ من أنه كلام مع منكر مكذب فلا فائدة في القسم، ثم أشار إلى أنّ عدم فائدة القسم إنما تكون إذا لم يذكر برهانه وما يحققه، وهو قد ذكر بقوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الخ وأما ما قيل من أنّ الصانع ووحدته قد تثبت بالدليل النقلي بعد ثبوت ذلك بالعقل ففائدة القسم ظاهرة هنا فغير تام هنا لأنّ الكلام مع من لا يعترف بالتوحيد. قوله: (فإنّ وجودها الخ) قد مرّ من المصنف مثله في سورة البقرة ويرد عليه أنه مبني على وجوب الأصلح كقوله في الإحياء ليس في الإمكان أبدع مما كان، وقد شنع عليه كثيرون فيه بأنه مخالف للمذهب الحق من أنّ قدرته تعالى لا تتناهى، وأنه قادر على أن يوجد عالما آخر أحسن وأكمل من هذا العالم وقد صنف فيه عدة رسائل، والجواب عنه ما قاله الآمدي في كتابه غاية المرام في علم الكلام إنّ ما علم الله إنه لا يكون منه ما هو ممتنع لذاته كالجمع بين النقيضين ومنه ما هو ممتنع متعلق علم الله بعدم وجود مع إمكانه في ذاته والقدرة من حيث هي قدرة تتعلق به، ولا معنى لكونه مقدوراً غير هذا فيطلق عليه مقدور وممكن بهذا الاعتبار فإن أطلق عليه أنه غير مقدوراً وممكن لأمر خارج وهو مخالفة علمه تعالى فلا محذور فيه، ولذا قيل: وليس في ليس في الإمكان ما فهموا وإنما هو في التحقيق تخييل وفي كلام المصنف إشارة إليه ٠ قوله: (مع إمكان غيره) قد عرفت أنه لا بدّ من هذا ليوافق المذهب الحق فما قيل إنه لا حاجة إليه إذ يكفي إمكان نفسه إنما الحاجة إليه في إثبات صفة الإرادة غفلة مع أنه ردّ بأنه لا بد منه في إثبات التوحيد فإنّ هذا الوجه ا! مل إذا كان واجباً لا ينتهض ما ذكره المتكلمون في برهان التمانع لإثباته دليلا عليه إذ يقال المانع من تعلق قدرة الآخر، وارادته بغير هذا الوجه هو عدم إمكانه. قوله: (دليل على وجود الصانع) ذكره توطئة لقوله وحدته إذ التوحد مستلزم للوجود فلا وجه لما قيل من أته لا وجه لذكره إذ ليس الكلام فيه لقوله لواحد. قوله: (ورث بدل من واحد) فهو المقصود إلى أنه هو الرب الذي لا يشاركه غيره، واذا كان خبر محذوف فهو مرفوع على المدح. قوله:) فيدل على أنها من خلقه (ردّ على المعتزلة في خلق أفعال العباد قيل ووجها لدلالة خفي إذ لا يلزم من التربية الخلق وهو غير موجه لأنّ الرب كما يكون بمعنى المربي والسيد والمالك يكون بمعنى الخالق، واضافته للسموات تعينه وهو المراد فتأمّل. قوله: (مشارق الكواكب) هو المناسب لقوله إنا زينا الخ وقوله وهي ثلثمائة وستون هو بتنزيل الأكثر منزلة الكل وعدم اعتبار الكسور إذ السنة الشمسية تزيد على ذلك بنحو ستة، وقوله ولذلك اكتفى الخ هو جار على تفسيره بالكواكب أيضاً وفي قوله زينا إشارة إليه فلا يتوهم أنّ الاكتفاء يحصل بالعكس، وهو الاقتصار على المغارب كما أشار إليه بقوله مع أنّ الشروق الخ، وما قيل عليه إنه حينئذ تتمة لما قبله لأنه لا يتم بدونه لا وجه مستقل وأسلوب التحرير يأباه وقوله وبحسبها الدال على أصالتها يكفي وجها لعدم العكس فالوجه إنه جواب آخر مستقل كما فعله الإمام لأنّ الشروق لدلالته على أتم قدرة وأبلغ نعمة ينبغي الاكتفاء به غير متجه لأنّ مجرّد هذه الدلالة بدون الاستلزام غير كافية فجعل المجموع، وجا واحداً أتم والإباء المذكور ممنوع، قال الإمام: ولهذه الدقيقة استدل إبراهيم ﵊ بالشروق حيث قال فإنّ الله يأتي بالشمس من المشرق فتأمّل. قوله: (وما قيل الخ) فيكون على النصف من الأوّل فإنّ مشارقها من رأس السرطان إلى رأس الجدي متحدة معها من رأس الجدي إلى رأس السرطان بعد الاعتدالين فإن اعتبر ما كانت عليه وما عادت إليه واحداً كانت مائة وثمانين، وان نظر إلى تغايرهما كانت ثلثمائة وستين فأوقاتها من أوّل الصيف إلى أوّل الشتاء، ثم من أوّل الشتاء إلى أوّل الصيف فلك أن تنظر إلى الاتحاد والتغاير

стр. 2543

بالانتقال والعود. قوله: (القربى منكم) إشارة إلى أن الدنيا هنا مؤنث أدنى بمعنى أقرب أفعل تفضيل ومنكم صلته التي يتعدى بها فعله لأنه يقال قرب منه لا من الداخلة على المفضل عليه حتى يرد عليه أنّ النحاة منعوا من اجتماع الألف، واللام ومن فلا يقال الأفضل من زيد مثلا. قوله: (والإضافة للبيان) على معنى من لأنّ الزينة ما يزين به، وقوله على إبدالها أي بدل كل أو هو عطف بيان وتذكير ضمير الزينة لتأويلها باللفظ أو ما يتزين به، وقوله أو بزينة هي لها إذا فسرت الزينة بالأضواء لتغايرهما فالإضافة لامية، كما أشار إليه بقوله لها وهذا التفسير منقول عن ابن عباس ﵄، وقوله وأوضاعها تفسير آخر للزينة على كون الإضافة لامية والمراد بها نسبة بعض الكواكب إلى بعض أو نسبة بعض أجزائها لبعض كالثريا. قوله: (اسماً (جامدا كالليقة بلام مكسورة من لاق بمعنى التصق، وهو ما يجعل في الدواة من حرير ونحوه من الهخيوط المانعة لغوص القلم في الحبر وهي اسم جامد. قوله: (والنصسب على الأصل) وهو تهنوين المصدر وأعماله وجوّز أبو حيان كون الكواكب على النصب بدلاً من السماء بدل اشتمال، ولا ينافيه كونه بلا ضمير كما هو في يدل البعض والاشتمال لأنه قد يستغني عنه إذا ظهر اتصال أحدهما بالآخر كما قررو. في قوله: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ النَّار﴾ [سورة البروج، الآية: ٤] أو يقال اللام بدل منه ويجوز كونه بدلاً من محل الجاز والمجرور أو المجرور وحده على القولين أو بتقدير أعنى فإن قلت إنّ ابن مالك اشترط في إعمال المصدر أن لا يبهون محدوداً، وقال في شرحه المحدود ما فيه تاء الوحدة كالضربة ولم يحك فيه خلافا قلت ليس هذا منه فإنه وضع مع التاء كالكتابة، والإصابة وليس كل تاء في المصدر للوحدة، وأيضاً ليست هذه الصيغة صيغة الوحدة. قوله: (إن تحقق لم يقدح الخ) إشارة إلى أنه غير مقطوع به لا سيما عند أهل الشرع مع أنّ بعض علماء الهيئة شكك في تعين ما دلت عليه الأرصاد من أفلاكها وان كان قوله: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [سورة الأنبياء، الآية: ٣٣] يدل على اختلاف مراكزها في الجملة، وقوله فإن الخ توجيه على تسليم ما ذكر بأنه يكفي لصحة كونها مزينة بها كونها كذلك في رأى العين وقوله كجواهر الخ إشارة إلى قوله: وكان إجرام النجوم لوامعا درر نثرن على بساط أزرق فوجه تقييد السماء بالدنيا لأنها ترى عليها فلا يرد أنه لا تمايز بين الدنيا والعليا في ذلك كما توهم. قوله: (بإضمار فعله) فهو مفعول مطلق لفعل معطوف على زينا أي وحفظناها حفظاً، وقوله باعتبار المعنى لأنه معنى مفعول له والعطف على المعنى غير عطف التوهم والعطف على الموضع، وقوله بمري الشهب متعلق بحفظا وفيه إشارة إلى أنّ الكواكب يدخل فيها الشهب بطريق التغليب، وان كانت مغايرة لها كما سيأتي. قوله: (كلام مبتد " أي مستأنف اسمثنافاً نحو يا من غير تقدير سؤال لأنه لو قدر كان المتبادر أن يؤخذ من فحوى ما قبله فتقديره حينئذ لم يحفظ فيعود المحذور كما ذكره الزمخشري، ويجوز أن يكون أيضاً بيانيا في جواب فما حالهم بعد الحفظ، وأن يكون السؤال عما يكون عند الحفظ وعن كيفية الحفظ فقوله لا كيمعون جواب عن الأوّل أي يتمكنون من السماع ويقذفون جواب عن الثاني كما في بعض شروح الكشاف، وليس في كلامه ردّ على الزمخشري إذ منع تقدير السؤال مطلقاً كما تكلفه بعضهم فإنه يعيبه عبارة الزمخشري فلو صح إرادة المصنف ﵀ ما ذكر لكان في كلام الزمخشري إشارة لجوازه لكن الحق أنّ الاستئناف لا مانع منه بأن يقدر ما ذكر ونحوه كما اتفق عليه شراح الكشاف، وقوله فمانه يقتضي الخ أي لا يصح الوصفية لأنه لا معنى للحفظ ممن لا يسمع فيفسد على تقديره الكلام مع إيهامه عدم الحفعل ممن عداهم، وما قيل من أنه لا محذور فيه لأنّ المراد حفظهم ممن لا يسمع بسبب هذا الحفظ فغايته أنه يصيرك ﴿أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا﴾ [سورة المؤمنون، الآية: ٤٤] ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ﴾ [سورة النحل، الآية: ١٢] قد ردّ بأنه تعسف لأنك لو قلت اضرب الرجل المضروب وأردت كونه مضروباً بهذا الضرب المأمور به لا يضرب آخر قبله رشقت بسهام الملام لخروجك عن سنن الكلام، لكنه قيل إنّ المعنى لا يتمكنون من السماع مع الإصغاء أو لا يتمكنون من التسمع مبالغة في نفي السماع كأنهم مع مبالغتهم في الطلب لا يمكنهم ذلك ولا بد من ذلك جعل، وصفاً له أو لا جمعاً

стр. 2544

بين القراءتين وتوفية لحق الإصغاء المدلول عليه بإلى وحينئذ يكون الوصف شديد الطباق وأولى من قطع ما ليس بمنقطع معنى، وهو كلام دقيق جدّاً به يصح ما منعوه وحاصله أنة ليس المنفي هنا السماع المطلق حتى يلزم ما ظنوه لأنه لما تعدّى بمالى وتضمن معنى الإصغاء صار المعنى حفظناها من شياطين لا تنصت لما فيها إنصاتاً تامّاً تضبط به ما تقوله الملائكة، وما-له حفظناها من شياطين مسترقة للسمع، وقوله إلا من خطف الخ بناء على صحته فلله درّه في بعد مغزاه، واصابة مرماه ومن لم يقف على مراد. قال ما قال وماذا بعد الحق إلا الضلال، وكون الأوصاف قبل العلم بها إخباراً غير مطرد كما مرّ ولا لزوم له هنا فتدبر. قوله: (ولا علة للحفظ الخ) إهدارها هو إبطال عملها النصب كما في أحضر الوغى على روايته مرفوعا وفيه رواية أخرى بالنصب ولا شاهد فيها، وهو صدر بيت عجزه: وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي وهو من المعلقة المشهورة يخاطب من زجره ولامه في حضور الحرب خوف الهلاك، وعن التلذذ والتهتك في الملاذ ويقول هل تضمن ليس الخلود فإن مت لا خلود له يغتنم الفرص ولا يخاف الذي هو لا بد ملاقيه، والوغى بالمعجمة الحرب والقتال وقوله فإن اجتماع ذلك الخ أي حذف اللام وأن ورفع الفعل، لان كان كل منهما واقعاً في كلام الله وغيره أمّا اجتماعها فلا لأنه كم من حمل يقدر على حمل بعضه دون كله، وعدل عن قول الزمخشري كل واحد من هذين الحذفين غير مردود على انفراده فإمّا اجتماعهما فمنكر لأنه اعترض عليه بأن مدّهب الكوفيين تجويز هذين الحذفين قياساً كما قدروه في قوله: ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ﴾ [سورة النساء، الآية: ١٧٦] لئلا تضلوا وقال بعض شراحه إنه ليس بجائز عنده بل يقدر في مثله كراهة ان تضلوا ونية شيء وكذا ما قيل إنه مراد الزمخشري لأنّ هذين الحذفين باسم الإشارة يقتضي حذفين مخصوصين وهو ما كان مع الإهدار مع أنه لا يلزم من تجويز الكوفيين حذف اللام ولا جواز حذف اللام، وان وعلى كل حال فكلام المصنف ﵀ أولى. توله: (وتعدية السماع إلى الخ) سمع له استعمالات فيتعدى إلى غير المسموع بنفسه كسمعت زيداً يتحدث، وقد مرّ الكلام عليه وبالباء نحو قوله: عمرك الفه هل سمعت براع ردّ في الضرع ما قرى في الحلاب ويتعدى بإلى للمسموع كسمعت إلى حديثه والى غيره كسمعت إليه يتحدث، وهو يفيد الإصغاء مع الإدراك كما في الكشاف والظاهر أنه تضمين ويحتمل التجوّز أيضا والمصنف ﵀ اختار الأول ووجه المبالغة أنه يلزم من نفي الإصغاء نفيه بالطريق الأولى، والتهويل لأنهم إذا كانوا مع إصغائهم لا يسمعون يدل على مانع عظيم، ودهثة تذهلهم عن الإدراك، وأمّا ما قيل من أنه عدى بإلى لتضمنه معنى الانتهاء أي لا ينتهون بالسمع أو التسمع إلى الملأ الأعلى لتضمنه معنى الإصغاء لعدم لزوم انتفاء السمع أو التسمع إذ لا يلزم من انتفاء المجموع انتفاء كل جزء منه فالمبالغة فيه، وهم فهو غفلة لأنه إذا انتفى المجموع فأمّا بجزأيه وهو أبلغ أو جزؤه الثاني فهو المطلوب، أو الأوّل لزم منه انتفاء الثاني لأنّ من لا يصغي كيف يسمع فهو كقوله: ولا ترى الضب بها ينحجر فلا وجه لما قيل إنه من نفي القيد والمقيد وأمّا ما دل عليه كلام المصنف ﵀ من انّ تعدية التسمع بإلى على التضمين أيضا ففيه نظر لما سيأتي مع أنّ الظاهر أنه لا يخالف ثلاثيه! التعدية فمتعه مكابرة والاستعمال لا يقتضي كون حقيقة فتدبر. قوله: (ويدل عليه الخ (لأن التسمع طلب السماع على ما تدل عليه صيغة التفعل كتحكم، وتجرأ إذا طلب ذلك بتكلف أو كدونه فهو يدل على أنّ القراءة الأخرى موافقة لها معنى وطلب السماع يكون بالإصغاء فهي كل افقها وان لم يقل بالتضمين واذا انتفى تطلب السماع انتفى هو بالطريق الأولى لأنه مبدؤه غالبا لأن قلت كيف هذا، وتطلبهم واقع حتى قيل إنه ترك بعضهم بعضا لذلك قلت هو إما ادّعاء للمبالغة في نفي سماعهم، أو هو بعد وصولهم إلى السماء لخوفهم من الرجم حتى يدهشوا عن طلب السماع فضلاً عنه فاندفع ما قيل إنّ قول ابن عباس ﵄ يتسمعون فلا يسمعون كئمر القراءة بالتخفيف فتدبر. قوله: (الملأ الأعلى (لأنهم في الس! ء والملأ الأسفل الإنس والجن، وقد نقل عن ابن عباس تفسيره بالكتبة وإشراف الناس فالعلو معنوي. قوله: (من جوانب السماء (ليس المراد أن كل واحد يرمى من جميع الجوانب بلهو على التوزيع أي كل من صعد

стр. 2545

من جانب رمي منه وضمير صعوده للجانب أو للسماء وذكر لتأويله، وقوله أو مصدر أي مفعول مطلق ليقذفون كقعدت جلوساً لتنزيل المتلازمين منزلة المتحدين، ولذا قال لأنه الخ فيقام دحورا مقام قذفاً أو يقذفون مقام يدحرون، وقوله بمعنى مدحورين إمّا لأنه مصدر مؤول باسم المفعول، وهو في معنى الجمع لشموله للكثير وكونه جمع داحر بمعنى مدحور كقاعد وقعوداً وعلى ظاهره تكلف، وقوله ويقوّيه لأن فعولاً يكون بمعنى ما يفعل به كثيراً كطهور وغسول لما يتطهر ويغسل به. قوله:) وهو) أي على الفتح يحتمل أن يكون مصدراً كما يحتمل أن يكون اسماً لما يفعل به، وأن يكون صفة كصبور لموصوف مقدر أي قد فاد حوراً طارداً لهم وفعول بالفتح في المصادر نادر وفي كتب التصريف لم يأت منه إلا خمسة أحرف الوضوء والطهور والولوغ والوقود والقبول كما حكي عن سيبويه وزيد عليه الوزوع بالزاي المعجمة، والهوى بفتح الهاء بمعنى السقوط كما ذكره المصنف ﵀ في سورة النجم وصرح به في القاموس، والرسول بمعنى الرسالة كما مرّ في سورة الشعراء فهي ثمانية. قوله: (عذاب آخر (أي غير الرمي بالشهب المحرقة لهم، وقوله دائم قيل هو حقيقة معناه، وتفسيره بشديد تفسير له بلازمه. قوله: (استثناء من واو يسمعون) متصل وقد تبع فيما ذكره الزمخشري، وفال ابن مالك إذا فصل بين المستثنى والمستثنى منه فالمختار النصب لأنّ الإبدال للتشاكل، وقد فات بالتراخي وكونه منقطعاً على أنّ من شرطية جوابها فأتبعه أو من ضمير يقذفون أي هم لا يلبثون الأقدار الاختطاف تكلف، وكان من حق المصنف ﵀ أن يقدم تفسير الخطف على فأتبعه شهاب ثاقب، وقوله الاختلاس أي الأخدّ بخفة وسرعة على غفلة المأخوذ منه، وقوله ولذلك عرف الخطفة بلام العهد لأنّ المراد بها أمر معين معهود وفيه إشارة إلى أنه منصوب على المصدرية، ويجوز أن يكون مفعولاً به على إرادة الكلمة. قوله:) وقرئ خطف الخ (قراءة العامّة خطف بفتح الخاء وكسر الطاء مخففة وقرأ الحسن بكسرهما مع تشديد الطاء وهي لغة تميم، وعنهما أيضاً وعن عيسى بفتح الخاء وكسر الطاء المشددة وأصله اختطف فسكنت التاء للإرغام وقبلها خاء ساكنة فكسرت لالتقاء الساكنين، وسقطت همزة الوصل للاستغناء عنها، ثم كسرت الطاء اتباعا لها وأمّا الثانية فمشكله لأنّ كسر الطاء في الأولى للاتباع، وهو مفقود وقد وجه بأنه على لتوهم لأنهم لما أرادوا الإدغام نقلوا حركة التاء إلى الخاء ففتحت فتوهموا كسرها لالتقاء الساكنين كما مرّ، ثم اتبعوا الطاء للحركة المتوهمة، واذا جرى التوهم في حركات الإعراب فهذا أولى وهو تعليل شذوذ ضعيف، وقرأ ابن عباس ﵄ خطف بكسر الخاء والطاء الخفيفة اتباعا كنعم كذا أفاده المعرب ووجه كسر الخاء في الثانية لئلا يلتبس بفعل ولا يخفى ضعفه، والأوّل مأخوذ من كلام الزجاج والى ما ذكر أشار المصنف ﵀. قوله: (وأثبع) من الأفعال بمعنى تبع الثلاثي فيتعدى لواحد أو لاثنين لأنه لم يجعل الخاطف تابعا وروي في الشواذ فأتبعه بالتشديد. قوله: (والشهاب ما يرى كان كوكباً انقض (أي مشابها للكوكب النازل من السماء فسره بالمتيقن منه، وقوله وما قيل الخ إشارة إلى ما ذهب إليه الحكماء بناء على أن الشهب ليست كواكب بل أجزاء بخارية دخانية لطيفة، وصلت كرة النار فاشتعلت، وانقلبت ناراً ملتهبة فقد ترى ممتدة إلى طرف الدخان، ثم ترى كأنها صفيت وقد تمكث زماناً كذوات الأذناب على ما فصلوه، وقوله إن صح إشارة إلى عدم صحته لأنّ قوله زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين يقتضي خلافه وقوله فتخمين وقع في نسخة فيختنس أي ينزل وقوله ولقد زينا في نسخة إنا زينا وهو من سهو القلم، ثم أوّله على فرض صحته بأنه ليس في القرآن ما يدل على أنها تنزل من الفلك حتى ينافي ما ذكر من حدوثها تحت كرة النار، والزينة بها لا تقتضي كونها فيه حقيقة إذ يكفي كونه في رأى العين كذلك، وقوله في الجوّ العالي إشارة إلى أنه يجوز أن يراد بالسماء جهة العلو لا الفلك فلا ينافي كلامهم إذ لا مانع من كون الشهب والمصابيح غير الكواكب فقوله فإنّ كل نير الخ تعليل لقوله ليس فيه الخ، وجواب عن كونه مصباحا وزينة يقتضي انقضاضه من الفلك، وقد جوّز إطلاق الكوكب عليه للمشابهة أيضا، وقوله رجماً لشياطين الخ أي لا ينافي كونه للوقت انقضاضه في ذلك الوقت بمقتضى طبعه

стр. 2546

لتقدير الله له كذلك. قوله:) وما روي الخ) أي أنه كان إرهاصا إذ قربت أو وقعت ولا دلالة على ما روي في الآثار فإنه وقع في بعضها ما يدل بظاهره على أنّ ذلك إنما وقع في ذلك الزمان مع أنّ المعروف خلافه والآيات دالة على أن حفظ السماء بها لم يحدث بل إن خلقها لذلك فإمّا أن يقال ما روي غير صحيح، أو المراد منه أنه كثر ذلك جدا إذ ذاك، أو أنه صار طاردا للشياطين بالكلية لكن الطعن في صحته غير صحيح لأنه مروي عن ابن عباس في الصحيحين، وما روي عن الشعبي من أنه لم يقذف بالنجوم حتى ولد ﷺ فلما قذف بها جعل الناس يسيبون أنعامهم، ويعتقون رقيقهم يظنون أنه القيامة فأتوا عبد ياليل الكاهن وقد عمي وأخبروه بذلك فقال انظروا إن كانت النجوم المعروفة من السيارة والثوابت فهو قيام الساعة، والا فهو أمر حدث فنظروا فإذا هي غير معروفة فلم يمض زمن حتى أتى خبر النبي ﷺ لا ينافي ما ذكر كما توهم فإنّ قوله لم يقذف الخ معناه لم يكثر القذف بها فكثرته لأمر أراده الله، وهو حفظ السماء حفظاً كليا وقد قيل إنه يعني أنه لو كان بخاراً لم يختص بزمان فهو مبطل لقول الحكماء ومناف له فيجاب عنه بما ذكر، وقوله حدث بميلاده في المنتظم لابن الجوزي إنه حدث بعد عشرين يوما من مبعثه وهو غير موافق لهذا، وفي السير أن إبليس كان يخترق السموات قبل عيسى ﵊ فلما بعث عيسى أو ولد حجب عن ثلاث سموات، ولما ولد النبي ﷺ حجب عنها كلها وقذفت الشياطين بالنجوم فقالت قريش قامت الساعة فقال عتبة بن ربيعة انظروا إلى العيوق فإن كان رمي به فقد آن قيام الساعة وإلا فلا قال السهيلي هذا صحيح لكن القذف بالنجوم كان قديما وهو كثير في أشعار الجاهلية ولما جاء الإسلام كثر وشدد، ولذا قال تعالى: ﴿مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ [سورة الجن، الآية: ٨] ولم يقل حرست وذلك لينحسم أمر الشياطين وتخليطهم، ويصح الوحي فتكون الآية والحجة أقطع وان وجد استراق على الندرة قبل مبعثه وإنما ظهر في بدء أمره إرهاصاً فقد اتفقوا على أنه كان قبله، وإنما شدد في بدء بعثته هذا ما اتفق عليه المحدثون. قوله: (واختلف الخ (أي هل يلزم من إصابته له إهلاكه أم لا، وقوله فيرجع أي عن الاستراق أو إليه، وقوله لكن الخ بناء على أنه يحترق إذ لو لم يخطئ المرمى ارتدعوا وكفوا عنه رأساً أي بالكلية، وقوله ولا يقال الخ جواب عما يتوهم من أن المخلوق من النار لا تؤذيه. قوله: (فاستخبرهم الأن الاستفتاء الاستخبار عن أمر حدث ومنه الفتى لحداثة سنه وأشد يكون بمعنى أقوى وأصعب وبكل منهما فسر هنا، وقوله ما ذكر تفسير لمن خلقنا كما بينه وأراد به ما تقدّم صراحة ودلالة لأنّ تعريف الموصول عهدي في الأصل كما قرّر في شروج الرسالة الوضعية، وعددنا المقروء به في الشواذ روي مخففاً ومشدداً أي من ذكرنا فيما سبق من الآيات وفاء فاستفتهم جواب شرط مقدر أي إذا عرفت ما مرّ والاستفهام تقريري أو إنكاري وفسوه باستخبرهم على الأصل ولم يذكر الشيطان فيمن خلق لتحقيره أو لدخوله في المسؤولين، وإطلاقه أي عدم بيانه لقرب عهده وسبق ذكره والإشارة لما مرّ وهذا على تفسيره الصافات الخ الأوّل. قوله: (فإنه الفارق الخ) إشارة إلى عدم ارتضاء تفسيره بالأمم الماضية كما في الكشاف فإنّ ما ذكر ليس فارقا بينهم لاشتراكهم فيه فتعقيبه بقوله إنا خلقناهم من طين لازب يدل على أنه ليس مادّة ما قبله. قوله: (ولأن المراد إثبات المعاد ورد استحالته) أي عده محالاً وجه آخر لتأييد ما ذكر لترجيح ما فسره به وقوله، وتقريره أي تقرير إثبات المعاد بما ذكر أو ردّ استحالته، وقوله لعدم قابلية المادة الخ بناء على أنّ المعاد هو الأجزاء الأصلية وقوله الحاصل الخ تفسير للازب لأنّ المراد لاصق بعضه ببعض، وهو بامتزاجه بالماء وأصله الثابت أو اللازم كما يقال ضربة لازب. قوله: (والأمر فيه) أي في خلقهم من طين لا في إثبات المعاد لأنهم ومن قبلهم سواء في إنكاره كما توهم. قوله: (وقد علموا الخ) جواب عن سؤال مقدر تقديره إنما ينهض ما ذكر لو أقزوا بخلقهم من هذه المادة وهم جهلة معاندون، وحاصله أنه مسلم عندهم أو مشاهد لا يسمع إنكاره فاعترافهم بحدوث العالم مطلقاً، وهو يستلزم الاعتراف بحدوث ما فيه من إنسان وغيره فيلزمهم الاعتراف بما ذكر أو لأنهم لا ينكرون خلق آدم خاصة من الطين إن لم يعرفوا حدوث العالم جميعه

стр. 2547

فالمقابلة بينه وبين العالم مع دخوله فيه ظاهرة وتولد بعض الحيوانات منه كالحشرات، والفار مشاهد لهم لا ينكر ولا فرق بينه وبين غيره ففيه ترق في الإلزام، وقوله بلا توسط مواقعة بالقاف والعين المهملة أي مجامعة الذكر للأنثى دفع لما يتوهم من أنهم خلقوا من أب وأمّ بالمجامعة، وهذا ليس ثمة بأنه ثبت في رأى العين لهم خلافه. قوله: (وإمّا لعدم قدرة القاعل) معطوف على قوله إما لعدم قابلية المادّة، وهو على القول الآخر في المعاد بإيجاد المعدوم، وقوله ومن قدر وفي نسخة نإنّ من قدر وهو تعليل لقدرة الفاعل وقوله من ذلك يدأهم، وفي نسخة بدؤهم والإشارة إلى الطين، وقيل إلى مادّة البعث أو إلى اتحاد المادتين وقوله وقدرته ذاتية أي وما بالذات لا يزول ولا يقبل التغير بوجه. قوله تعالى: ( ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ ) بفتح تاء المخاطب على خطاب الرسول أو كل من يقبله وبل للإضراب إمّا عن مقدر دلّ عليه فاستفتهم أي هم لا يقرون بل الخ أو عن الأمر بالاستفتاء أي لا تستفتهم فإنهم معاندون بل انظر إلى تفاوت حالك، وحالهم فإنك تعجب من قدرته الباهرة وانكارهم لما لا ينكروهم يهزؤون ويسخرون، وجمع المصنف بين قدرة الله وانكار البعث في العجب والسخرية مخالفا للزمخشريّ في التفسير بكل منهما على الانفراد لأنه لا مانع منه مع كونه أتمّ فائدة وأشمل فلا وجه لجعل الواو بمعنى أو لأنه لا وجه للتعجب من قدرة الله، وإنما يتعجب من الإنكار مع هذه القدرة التامّة فتأمّل. قوله: (أي بلغ كمال قدرتي وكثرة خلائقي أتي تعجبت منها) وفي نسخة فكيف بعبادي، وقوله أو عجبت الخ خالف في هذا ما قبله فعطفه بأو الفاصلة، ولذا جعل بعضهم الواو بمعنى أو إذ الفرق بينهما حتى يجوز الجمع في الأوّل دون الثاني غير ظاهر. قوله: (والعجب من الله الخ (يعني أنه أسند إليه تعالى في هذه القراءة وهو منزه عنه لأن العجب والتعجب حالة تعرض للإنسان عند الجهل بسببه، ولذا قيل العجب ما لا يعرف سببه، واذا ظهر السبب بطل العجب، وهو تعالى لا يخفى عليه خافية فلذا أوّلت هذه القراءة بوجوه فقوله على الفرض! والتخييل يحتمل تغايرهما واتحادهما فالفرض على أن يكون استعارة تخييلية تمثيلية كما في قوله: قال الحائط للوتد لم تشقني فقال سل من يدقني أي لو كان العجب مما يجوز على عجبت من هذه الحال، والتخييل أن يكون استعارة مكنية وتخييلية كما في نحو لسان الحل ناطق فيجعل قعالى كأنه لإنكاره لحالهم يعدها أمراً غريباً، ثم يثبت له العجب منها تخييلا واذا كانا بمعنى يراد الأوّل أو الثاني منهما وقيل فرض إنه تعالى لو كان ممن يتعجب لعجب من هذا على المشاكلة. قوله: (أو على معنى الاستعظام اللارّم له) فهو مجاز مرسل وهذا موافق للمشهور من أنّ ما لا يجوز عليه تعالى كالغضب يحمل على غايته كما مرّ وأورد عليه أنّ الاستعظام لا يجوز عليه تعالى أيضاً لأنّ كل عظيم سواه عند. حقير وفيه نظر لأنه ورد في القرآن وكان ذلك عند الله عظيما من غير تأويل وعظم الشيء بلوغه الغاية في الحسن أو القبح فلا وجه لما ذكر، وقوله فإنه روعة الخ تعليل للوجه اأصاني، ويحتمل أنه تعليل لقوله والعجب من الله الخ أولهما، والروعة بفتح الراء الفزع والخوف ويتجوّز بها عن الاستحسان أو الاستنكار المفرط لما يفجؤك ومنه قولهم أمر رائع، وهو المراد هنا وعلى كل تقدير فهو تعالى منزه عنه. قوله: (عند استعظام الشيء) المراد بكونها عنده تعقبها له بسرعة حتى كأنهما في زمان واحدا وحصولها معه معية حقيقية فإنّ اللازم قد يكون كذلك كالإحراق للنار فلا ينافي كونه لازماً، فما قيل إن استعظام الشيء مسبوق بانفعال يحصل في الروع أي القلب عن مشاهدة أمر غريب كجوهرة نفيسة، وهو الروعة ليس بشيء وأعلم أنّ قوله والعجب الخ توجيه لإسناد العجب إليه في هذه القراءة فهو لا يتصوّر كونه حقيقة منه تعالى، وأمّا تعجب غير الله من أفعاله نحو ما أقدر الله ما أحلم الله فمنعه أبو حيان تبعاً لابن عصفور لأنّ معناه شيء أقدره أو حلمه وجوّزه السبكي لأنّ المتعجب هو الذاكر له، وله فيه تألمف. قوله:) وإذا وعظوا بشيء لا يتعظون به) في الكشاف ودأبهم إنهم إذا وعظوا بشيء لا يتعظون به، وهو أنسب وأبلغ مما ذكره المصنف فقيل إنه أخذ الاستمرار من إذا لأنّ الأصل فيها القطع والقطع إنما يحصل بالمشاهدة قبل الاختيار مراراً عدة أو من عطف المضارع على الماضي كما في ويسخرون أيضاً، وقيل عليه قطع الله تعالى لا يتوقف على ما ذكر. والظاهر من عطف

стр. 2548

المضارع على الماضي في الأمر المستغرب قصد الإحضار، وتبعه من قال حمل القطع المدلول عليه بإذا على قطع المخاطب، وهو لا يحصل إلا بما ذكر ولا مانع من حمله على قطع المتكلم، ولذا ترك المصنف هذه الزيادة وليس كما زعموا، إذ مراد العلامة أنّ عدم الاتعاظ مرّة لا يناسب مقام الذم فالأنسب أن يراد أنّ هذا دأبهم وديدنهم فلما رآه المدقق لائقاً بالنظم بين ما يدلّ عليه ليتأبد ما حاوله فقال الدال عليه إذا لأنها للقطع والعادة حصوله إذا كان المقطوع به مستقبلا بكثرة تكرّر صدور أمثاله فتجوّز بها عن التكرر هنا المستلزم للقطع، أو هو مأخوذ من العطف وليس النظر إلى كونه للخلق أو الخالق مع أنّ كون قطع المخاطب لا يحصل إلا بما ذكر خلاف الواقع فالإيراد غفلة عن المراد. قوله: (وإذا ذكر الخ) فالتذكير ذكر الأدلة، وعدم التذكير عدم الانتفاع بها، وقوله يبالغون الخ إشارة إلى أنّ زيادة السين لتدلّ على زيادة المعنى لأنّ ما يطلب يرغب فيه ويستكثر مته، وقوله أو يستدعي الخ فتكون السين للطلب على حقيقتها لطلب بعضهم من بعض، وقوله ظاهر سحريته في نفسه يعني أنه من أبان اللازم. قوله:) أصله أنبعث الخ) أي يحسب الظاهر المتبادر وبعد التغيير إلى ما ذكر لما ذكر إن كانت ذا ظرفية فهي متعلقة بمقدر لأنّ ما بعد إنّ واللام لا يعمل فيما قبله، وإن كانت شرطية فجوابها محذوف وفي عاملها الكلام المشهور وتقديره عليهما نبعث مقدماً ومؤخراً، فقوله وقدّموا الظرف يعني في الكلام بحسب الظاهر لا أنه مقدّم على عامل له مذكور كما يتوهم، وقوله مبالغة في الإنكار لتكرير حرفه وتصديره والاسمية، وانّ أيضاً قد تشعر بتأكيد الإنكار وقوله مستنكر في نفسه لإعادة همزة الإنكار معه، وقوله وفي هذه الحالة يعني حال موتهم وصيرورتهم عظاما رفاتا لإعادة إنكار مصدراً للاهتمام فأبلغيته على أبلغ الوجوه كما لا يخفى وتقدير المصنف له بقوله أنبعث الخ ظاهر في الظرفية. قوله: (عطف على محل إنّ واسمها) هذا مبنيّ على مدّهب البصريين القائلين بعدم اشتراط المحرز وكون أن لا تعمل في الخبر، والمخالف لهم يمنعه لأنّ الرفع للابتداء وقد زال بدخول الناسخ، ولأنه لو عطف عليه كان مبعوثون خبراً عنهما وخبر المبتدأ رافعه الابتدا وخبر أنّ رافعه أنّ فتوارد عاملان على معمول واحد مع شروط أخر اشترطها الجمهور، وقول المصنف على محل إن واسمها لا يدفع المحذور كما توهم بل يزيده لأنا لا نعلم من يقول إنّ أن المكسورة وما معها له محل من الإعراب فقد علمت ما في هذا الوجه فالأولى جعله مبتدأ محذوف الخبر وتعطف الجملة على الجملة. قوله: (أو على الضمير في مبعوثون) المستتر فيه ولا يشترط لصحة العطف تأكيده بل المفصل بأيّ شيء كان، وقد فصل هنا بالهمزة كما أشار إليه المصنف بقوله فإنه الخ وردّ هذا الوجه أبو حيان بأنّ همزة الاستفهام لا تدخل على المعطوف إلا إذا كان جملة لئلا يلزم عمل ما قبل الهمزة فيما بعدها، وهو غير جائز لصدارتها وهو ظاهر الورود والجواب بأنّ الهمزة هنا مؤكدة للاستبعاد فهي في النية مقدمة داخلة على الجملة في الحقيقة لكن فصل بينهما بما ذكر لا يجدي إلا بالعناية فإن الحرف لا يكرّر للتوكيد بدون مدخوله، والمذكور في النحو أنّ الاسنفهام له المصدر من غير فرق بين مؤكد ومؤسس، مع أنّ جوابه يعود عليه بالنقض لأنها إذا كانت في نية التقديم ينبغي أن لا يعتد بفصلها، وفصل حرف واحد أمر قليل في الاعتداد بمثله، وقوله لزيادة الاستبعاد أي أتى بالهمزة لزيادة الاستبعاد لأنّ إعادة من مات قبلهم أبعد في عقولهم القاصرة فعلى قراءة السكون لا احتمال للوجه الثاني، وصاغرون بمعنى أذلاء. قوله: (وإنما اكتفى به) أي بقوله نعم من غير إقامة دليل للمنكرين لأنه تقدّم البرهان عليه في قوله فاستفهم الخ ولأنّ المخبر علم صدقه بمعجزاته الواقعة في الخارج التي دلّ عليها قوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً﴾ وهزؤهم بها وتسميتهم لها سحرا عناد ومكابرة لا تضرّ طالب الحق ولا الناظر له بعد ظهوره ولذا أمره بقوله نعم دون زيادة والا لم يكن جواباً شافياً وإليه أشاو بقوله، وقيام المعجز على صدق المخبر وأمّا القول بأنه يجدي لقيام الحجة عليهم في القيامة، والحجة المنتظرة في القيامة لا تفيده هنا شيئاً وعدى القيام هنا بعلى لأنه من قام على كذا إذا استمرّ عليه كما في قوله: ﴿دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا﴾ [سورة آل عمران، الآية: ٧٥] أو لتضمنه معنى الدلالة ونعم في القراءة الثانية بكسر العين. قوله: (جواب شرط مقدّر الخ) يعني أنّ الفاء واقعة في جواب شرط مقدّر كما ذكر.

стр. 2549

ويجوز كما قال الزجاج أن يكون تفسيراً وتفصيلا للبعث المذكور قبل وهذه الجملة إمّا من مقول قل أو من قوله تعالى، وكان المصنف لم يحتج للثاني لأنّ تفسير البعث الذي في كلامهم لا وجه له والذي في الجواب غير مصرّح به، وتفسير ما كني عنه بنعم مما لم يعهد. قوله: (فإنما البعثة زجرة) إشارة إلى أنّ الضمير راجع إلى البعثة المفهومة مما قبله لا مبهم يفسره الخبر وهو زجرة كما في قوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٢٩] كما في الكشاف لما فيه من عود الضمير على متأخر لفظاً ورتبة، وقد مرّ تفصيله وقدروه في النازعات لا تستصعبوها فإنما هي زجرة الخ لأنّ الإنكار هناك أوضح كما في الكشاف، وقوله من زجر الخ إشارة إلى أنه استعارة، وقوله وأمرها أي الزجرة كأمركن في السرعة من غير توسط شيء وتخلف أصلاً كما مرّ في سورة يس وفي قوله كأمر إبهام لطيف، وقوله فإذا هم الخ يعني أن ينظرون من النظر بالبصر أو بمعنى الانتظار. قوله: (اليوم الذي نجارّي) يعني الدين هنا بمعنى الجزاء كما في كما تدين تدان، وقوله وقد تمّ به كلامهم وقيل كلامهم تمّ عند قولهم يا ويلنا، ولذا وقف عليه أبو حاتم وما بعده كلام الذ. أو كلام الملائكة لهم كأنهم أجابوهم بأنه لا تنفع الولولة، واختاره أبو حيان وتركه المصنف لأنه يكون تكرار اليوم للتأكيد والتأسيس خير منه. قوله: (وقيل هو أيضاً من كلام بعضهم لبعض (مرّضه لما فيه من التكرار وهو يؤيد ما قلناه، والفرق بين المحسن والمسيء تمييز كل عن الآخر بدون قضاء فيغاير ما قبله، وقوله أو أمر بعضهم أي الملائكة يأمر بعضهم بعضا بذلك وعلى الوجهين فهو حكاية ومقامهم محلهم إذا خرجوا من القبور. قوله: (وقيل منه) أي الموقف إلى الجحيم مزضه لأنه لا يلائم قوله: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ لأنه كتعقيب الشيء على نفسه، أو تسببه عنه فما قيل إنّ تعقيبه به يؤيده وإنما مرّضه لاقتضاء السياق للأوّل لأن الحشر يكون بالجمع من أماكن مختلفة فالفاء للسببية، أو تعقيب كل شيء بحسبه ليس بشيء لاقتضاء السياق والسباق للاوّل. قوله: (وأشباههم) يعني أنّ الزوج المقارن كزوجي النعل فأطلق على لازمه، وهو المماثل وبه فسر عمرو ابن عباس ﵃، وقوله في الكشاف وأشباههم من العصاة أهل الزنا مع أهل الزنا وأهل السرقة مع أهل السرقة تبعا للزجاج ليس مغايراً له كما توهم لأنه عام مثل له كل بمثال فلا ضعف فيه لعدم صحة سنده، والمصنف لم يقصد ردّ. ولذا روي عن عمر ﵁ تفسيره بنسائهم لمماثلتهن لهم في الكفر، وقوله مع عبدة الصنم إشارة إلى أنّ الواو يجوز أن تكون للمعية كما يجوز أن تكون عاطفة، وقوله كقوله: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا﴾ وهم أصحاب اليمين وأصحاب الشمال والسابقون إذ المراد به الأمثال المتقارنة كما هنا. قوله: (أو نساءهم) روي عن عمر ﵁ ومجاهد والحسن وما بعده عن الضحاك، وقوله من الأصنام وغيرها مما عبد من دون الله، وأمّا عزير والمسيح ونحوهما فقد مرّ الجواب عنه، وما نقل من قول ابن الزبعري وجواب النبيّ له بقوله: " بل هم عبدوا الشياطين التي أمرتهم " كما قال تعالى: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ [سورة سبأ، الآية: ٤١] وسيأتي ما في كلام المصنف من بيانه هنا وما قيل إنّ ما على عمومها والأصنام ونحوها غير داخلة لأنهم جميعهم إنما عبدوا الثياطين فمع مناقصته لما ذكره في غير هذه الآية كلام واه، وتخيل فأسد غنيّ عن الرد، وقوله زيادة في تحسيرهم مفعول له تعليل لحشرهم وما يعبدون. قوله: (وهو عامّ مخصوص الخ) يعني أنّ ما عام في كل معبود حتى الملائكة والمسيح وعزير لكنه خص منه البعض بهذه الآية، أو أنّ عبادتهم إنما كانت للشياطين الحاملة لهم على ذلك كما مرّ ولكل وجه لكن تخصيص العام أقرب من هذا التجوّز البعيد مع أنّ تفسير أزواجهم بقرنائهم من الشياطين مناسب لتركه فلذا تركه فمن اقتصر عليه استسمن ذا ورم كما ذكرناه، وقوله وفيه أي في قوله وما كانوا يعبدون وقد أطلق عليه في قوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة لقمان، الآية: ١٣] كما مرّ. قوله: (فعرّفوهم طريقها ليسلكوها) أي الجحيم أو طريقها والتعبير بالصراط والهداية للتهكم بهم. قوله: (احبسوهم في الموقف الا عند مجيئهم للنار كما قيل، والسؤال المعروف ثمة ما ذكره المصنف لا السؤال عن النصرة والشفاعة ولا دلالة في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاء اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّى إِذَا مَا جَاؤُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ﴾ [سورة فصدت، الآية: ٩ ا] الخ على ما ذكره لأن جاؤوا بمعنى شارقوا المجيء، أو جملة شهد حالية بتقدير قد ولا يليق إخراج النظم عما يظهر منه لمجرّد التشهي

стр. 2550

مع أنّ ما ذكره وجه وتفسير آخر بينه المصنف أيضا بقوله مع جواز أنّ موقفهم الخ. قوله: (والواو لا توجب الترتيب الخ) دفع لما يرد من أن وقوفهم للسؤال مقدم على سوقهم في طريق الجحيم، وظاهر النظم عكسه بأنّ الواو لا تقتضي ترتيباً كالفاء، وثم فلا مانع من تقدم الثاني على الأوّل ولما كانت مخالفة الظاهر من غير نكتة لا تناسب بلاغة النظم أجاب بجواب آخر، وهو قوله مع جواز أن موقفهم وفي نسخة اختلاف وا! راب هنا ففي نسخة أن يكون موقفهم وفي نسخة موقفهم متعدداً، وهي أظهرها وفي! خة أنه وفي نسخة موقفه بالإفراد وفي نسخة بعد الهدى، والتوقيف للسؤال وفي نسخة تركه والمراد منها واحد فموقفه بمعنى موقف هذا السؤال وموقفهم يعني لهذا السؤال أي لا مانع من إ! ا! ء على ظاهره لأنّ معنى هداية صراط الجحيم إراءته والدلالة عليه ولا مانع من تقدّمها على مو! فلا السؤال فانّ المؤخر عنه إنما هو الدخول في الطريق والوصول إليها، وأيضا يجوز أن جكون هذا سؤال آخر بعد السير أو الدخول على أنّ قوله: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ تفسير له أو صراط الجحيم طريقهم له من قبورهم إلى مقرهم وهو ممتد فيجوز كون الموقف في بعض منه مؤخرا عن بعض، وهذا إيضاحه بما لا مزيد عليه، وقد خبطوا فيه خبطاً عجيباً كقول بعضهم معنى هوله مع جواز أن يكون موقف ما لكم لا تناصرون جواز كون موقف السؤال موقف سؤال! ا! كم لا تناصرون على حذف مضافين، ويحتمل أن يكون موقفه بضمّ الميم على صيغة اسم ا! ا! لى واعتبر الصاحب بالصاحب. قوله تعالى: ( ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ ) جوّز في الإضراب أن يكون عن مضمون ما قبله أي لا ينازعون في الوقوف، وغيره بل ينقادون أو يخذلون أو عن قولى لا تناصص ون أي لا يقدر أحد على نصر أحد بل هم منضادون للعذاب أو هصخذولوه والانقياد لازم لطلب السلامة عرفاً فلذا استعمل فيه، وقوله يسلم بعضهم بعضاً أصل م! اه! سلمه بالتشديد والمراد يخذله يقال أسلمه لكذا إذ أخذله فقول ويخذله عطف تفسير له، والقرناء بمعنى الثياطين، وقوله للتوبيخ أي لا للاستعلام. قوله: (عن أق! وى لوجوه وأ! ظ الخ (!! ني أنّ الاتباع يقولون للرؤساء في مخاصمتهم هذا، وقد تجوّز به عن أحد هذه المعاني لأنّ يمين الإنسان أشرف وأقوى وبها يتيمن أيضاً ولذا يسمون اليسار شؤمى فتجوّز بها عن أحد هذه ا! افي على طريق الاستعارة لتشبيهها باليد اليمنى فيما ذكر، وتحرير معنى الآية أنّ قوله قالوا ا! خ! سسير لقولن يتساءلون بمعنى يتخاصمون فيقول بعضهم لبعض في الجحيم أي الاتباع للرؤساء إنكم كنتم تصدوننا بقوتكم عن اتباع الحق، وتزعمون أن ما أنتم عليه خير ودين حق فتخدعوننا وتفلوننا، ولذا أجابوهم بقولهم بل لم تكونوا الخ. قوله: (كأنكم تنفعونضا (متعلق ببم ما قبله أو بالأخير وهو الخير، وقوله نفع السانح الخ السانح والسنيح ما أتاك عن يمينك من طائر أو ظبي أو غيرهما ضد البارج ومن العرب من يتيمن بالسانح ويتشاءم بالبارج ومنهم من يتمثماءم بالسانح، ويتيمن بالبارج قاله الخليل في العين وفي النهاية السانح ما جاء من جهة يسارك إلى يمينك والبارح ضدّه فقد علمت أنّ لأهل اللغة في تفسيرهما مذهبين وأنّ العرب في التيمن والتشاؤم فرقتان منهم من يتيمن بهذا ومنهم من يتيم بالآخر ومراد المصنف تبعا للعلامة بالسانح ما يتيمن به، وأنه ما جاء من جهة اليمين لأنه الموافق لقوله تعالى عن اليمين ووجه التيمن به أنه جاء من جهة اليمين وهي مباركة ووجه التيمن بضذه أنه متوجه لها وضذه أمكن، ومته يعلم وجه عكس التسصية فقوله نفع السانح لبيان الاستعارة وتحقيقها فتدبر. قوله:) مستعار من يمين الإنسان (فالاستعارة تصريحية تحقيقية في اليمين وحده على المعاني السابقة فجهة اليمين استعيرت لجهة الخير والنفع، وان كانت جهة الخير أيضاً وجاء منه مجاز أيضاً لأنه لشهرته التحق بالحقيقة فيجوز فيه المجاز على المجاز كما في المسافة على ما قرّر في الكشاف، وشروحه لكن الظاهر أنه استعارة تمثيلية والتجوّز في مجموع قوله تأتوننا عن اليمين لمعنى تمنعوننا وتصدوننا فيسلم من التكلف، ودعوى المجاز على المجاز كما اختاره بعضهم، ثم إنّ المصنف خلط معنى القوّة مع هذه الوجوه مخالفاً لما في الكشاف وسيأتي الكلام عليه قريباً. قوله: (هو أقوى الجانبين وأشرفه وأنفعه الف ونشر مرتب ناظر لتفسيره اليمين يعني شبه أقوى الوجوه في القوّة والدين في الشرف

стр. 2551

والخير في النفع بجارحة اليمين فاستعيرت لإحداها، وقوله ولذلك أي لما فيه من القوّة أو الشرف أو النفع سمي الجانب المعهود يميناً لما فيه من ذلك لأنّ اليمين في الأصل القوّة والبركة، وتيمنت الناس بالسانح لكونه يأتي من اليمين أو يتوجه إليها كما بيناه. قوله:) أو عن القوّة والقهر الخ) معطوف على قوله عن أقوى الوجوه فيكون اليمين مجازاً عنه لا عن الوجه القوي والجهة، وبهذا فارق الأوّل وليس فيه حيحئذ مجاز على المجاز بل ولا استعارة لأنه مجاز مرسل إمّا بإطلاق المحل على الحال أو السبب على المسبب، ويجوز أن يكون استعارة بتشبيه القوّة بالجانب الأيمن في التقدم ونحوه والأوّل أولى، وقوله فتفسروننا الخ بيان للمراد منه على هذا، وقوله أو عن الحلف فتكون اليمين حقيقة بمعنى القسم ومعنى إتيانهم عنه أنهم يأتونهم مقسمين لهم على حقية ما هم عليه فالجار والمجرور حال، وعن بمعنى البأء كما في قوله: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [سورة النجم، الآية: ٣] أو هو ظرف لغو وتفسيره بالشهوة، والهوى لأنّ اليمين موضع الكبد كما في القاموس غويب جداً. قوله: (بل لم الخ) إضراب عما قالوه، وقوله أجابهم الرؤساء إشارة إلى أنّ السابق من كلام الاتباع فقولهم لم تكونوا مؤمنين إنكار لإضلالهم لأنهم أضلوا أنفسهم بالكفر، وقولهم ما كان لنا الخ جواب آخر تسليمي على فرض! إضلالهم بأنهم لم يجبروهم عليه وإنما دعوهم له فأجابوا له باختيارهم لموافقة ما دعوا له هواهم، وقيل إنه جواب واحد محصله أنكم اتصفتم بالكفر من غير جبر عليه. قوله: (ثم بينوا أنّ ضلال الفريقين) أي الرؤساء واتباعهم، وقوله: ﴿كَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا﴾ [سورة مريم، الآية: ٢١] أي بقضاء منه تعالى، وهذا معنى قوله: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا﴾ أي وجب العذاب لجميعهم لقضائه تعالى بذلك، وقضاؤه تعالى سواء قلنا برجوعه إلى صفة العلم كما هو مذهب الماتريدية أو إلى الإرادة كما هو مذهب الأشاعرة لا يستلزم الجبر كما قرروه في الكلام فإنه لا ينافي الكسب باختيارهم وضملال الفريقين هو معنى قوله أغويناكم إنا كنا غاوين، ووقوعهم في العذاب معنى إنا لذائقون فما قيل من أنّ دلالة النظم عليه غير ظاهرة وأنه يجر إلى الجبر ظاهر الدفع أنه لو سلم الثاني يكون بياناً لمدعي هؤلاء الكفرة، وهو باطل مع أنّ قوله وأنّ غاية الخ صريح في خلافه، وقولن دعوهم إلى الغيّ معنى أغويناكم فليس المراد به حقيقته بل الحملى عليه. قوله: (لأنهم كانوا على الغئ الخ (هو معنى قوله إنا كنا غاوين إشارة إلى أنها جملة مستأنفة لتعليل س قبلها، وقوله إيماء بأنّ الخ أي إشعار به ولذا عداه بالباء على عادته في التسامح في الصلات ووجه الإشعار أنهم لم يقولوا مغوين بصيغة المفعول لما فيه من الإشارة إلى أنّ غواية الاتباع ليست من الرؤساء كما بينه بقوله إذ لو كان كل غواية ناشئة من إغواء غاو آخر وتأثيره لكان لكل مغو مغو آخر وليس كذلك لأنّ أول غاو لا مغوى له، وهذا كما في حديث العدوى [فمن أعدى الأوّل] كما في البخاري وليس المراد أنه برهان قطعيّ فيما ذكر بل إنه أمر جار على ما عرف في العرف، والمحاورات فاندفع ما قيل عليه من أنه لا تلزم الكلية حتى يكون لهم مغو آخر أيضاً، وأنّ قوله لو كان كل غواية الخ لا وجه له فإنّ للغواية أسباباً منها الإغواء قليس بلازم بخصوصه، وبه سقط ما قيل إذا ئحققت غواية بلا إغواء يكون كل فرد كذلك لاتحاد الطبيعة إن اتحاد أفراد طبيعة في جميع الأمور غير لازم فتدبر. قوله: (بالمشركين لقوله الخ) يعني تخصيصهم لأنّ ما بعده معين له، وقوله لشاعر مجنون قيل إنه كالهذيان فإئا لشعر يقتضي عقلا تاما، وفيه نظر وقوله رد عليهم إشارة إلى أنّ الإضراب إبطاليّ، وفي قوله إنكم لذائقوا الخ التفات. قوله: (وقرئ بنصب العذاب الخ) يعني أنه بتقدير لذائقون العذاب فأسقطت النون للتخفيف كما أسقط الشاعر التنوين مع نصبه المفعول، وعدم إضافته فيهما وقوله ولا ذاكر الله الخ هو شعر لأبي الأسود الدؤلي وأوّله: فالفيته غير مستعتب لا ذاكر الله الخ وذاكر روي بالجرّ وبالنصب بالعطف على غير أو مستعتب. قوله: (وهو ضعيف في غير المحلى) . قوله: أمّا ما كان صلة للألف واللام فورد حذفه كثيرا لاستطالة الصلة الداعية للتخفيف كما في قوله الحافظ وعورة العشيرة البيت، وقوله وهو على الأصل أي قرئ بالنصب مع إثبات النون على الأصل والقاعدة في عدم حذفها في نحوه، وقوله مثل ما عملتم لأنّ الجزاء من جنس العمل لا عينه. قوله: (استثناء منقطع) فقوله أولئك الخ مستأنف لبيان حالهم والاتصال مع عموم الضمير بعيد لما فيه من تفكيك

стр. 2552

الضمائر، ويحتاج إلى تكلف لأنّ عدم جزائهم بمثل العمل بمعنى الزيادة والمضاعفة أبعد وأبعد، وأمّ كون المنقطع لا بد فيه من هذا التأويل أيضاً فغير مسلم لأنّ إلا مؤوّلة بلكن وما بعد المستثنى كخبرها كما ذكره النحاة فيصير التقدير لكن عباد الله المخلصين لهم رزق وفواكه، الخ فلا حاجة لتكلف مثله ولا لتكلف أنّ الإخراج من مماثلة الشيء بالشيء فينتفي عنهم، ويثبت جراء الحسن بالحسن والأحسن كما قيل، وفي شروح التأويلات للسمرقندي أن الاستثناء محتمل أن يكون من قوله: ﴿لَذَائِقُو الْعَذَابِ﴾ فيكون الاستثناء حيمئذ حقيقة، ويحتمل أن يكون من تجزون على أنّ ما كنتم تعملون بتقدير بما كنتم تعملون فالاستثناء لأنهم لا يجزون بما كانوا يعملون بل يعطون النعم تفضلاً منه تعالى لأنّ عبادتهم لا تؤدي شكر ما أنعم به عليهم في الدنيا، وجزاء الكفرة في مقابلة العمل ومقدّر بقدره، ولا يحتمل العفو والإسقاط بمقتضى الحكمة انتهى. قوله: (خصائصه من الدوام الخ) جواب عن سؤال صرح به السمرقندي بأنّ الرزق لا يكون معلوما إلا إذا كان مقدراً بمقدار لأنّ ما لا يتعين مقدأره لا يكون معلوما، وقد قيل في آية أخرى يرزقون فيها بغير حساب، وما لا يدخل تحت الحساب لا يحد ولا يقدّر فلذا جعل معلوميته باعتبار وصفه، وخصائصه المعلومة لهم من آيات أخر كقوله غير مقطوعة ولا ممنوعة ونحوه فلا ينافي ما في الآيات الأخر، وقوله من الدوام الخ لم يرد به حصر الخصائص فيما ذكر وقد ذكر فيه في الكشاف، وغيره وجوها أخر ككونه معلوم الوقت لقوله: ﴿بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [سورة مريم، الآية: ١٦٢ وقول قتادة المعلوم الجنة يأباه قوله في جنات وان كان المعنى على أن الجنة معينة لهم، وهم مكرمون فيها بإقامة الظاهر مقام الضمير لأنّ جعلها مقرّ المرزوقين لا يلائم جعلها رزقا أما إذا كان للرزق فهو ظاهر الإباء كما في الكشف وكون المساكن رزقا للساكن فإذا اختلف العنوان لم يكن به بأس لا يدفعه كما توهم. قوله:) أو تمحض اللذة) في بعض النسخ عطفه بالواو، وقوله ولذلك فسره بقوله فواكه إشارة إلى أنه عطف بيان وعلى غيره هو بدل كل أو بعض أو خبر مبتدأ محذوف والجملة مستأنفة، وقوله محفوظة عن التحلل أي التحلل في البدن المحتاج لبدل فلا ينافي ما ورد في الحديث من إنه يتحلل بعض فضلات الغذاء بعرق طيب الرائحة فإنه الاحتياج إلى التقوت ليحصل من كيموسه بدل عما تحلله الحرارة الغريزية من أجزاء البدن كما ذكر. الأطباء وهو دفع لما يتوهم من منافاته لقوله: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [سورة الواقعة، الآية: ٢١] لأنّ المراد بالفاكهة ثمة المعروفة وهنا ما يتلذذ به مطلقا. قوله: (كما عليه وزق الدنيا) من الكد والكسب، وقوله ليس فيها إلا النعيم إشارة إلى أنّ الإضافة على معنى لام الاختصاص المفيدة للحصر، وقد مرّ في ألم السجدة أن المراد في نعيم الجنات ومرّ ما فيه. قوله: (وهو ظرف القوله مكرمون أو معلوم ولذا لم يعين متعلقه، وقوله خبر ثان إشارة إلى أنّ قوله لهم رزق معلوم خبر أوّل ويجوز كونه خبرهم أيضا، وقوله يحتمل الحال أي من المستتر في مكرمون أو في جنات النعيم وكدّا قوله فيكون متقابلين حالاً أي من المستتر الخبر أو في قوله على سرر على احتماليه. قوله: (بإناء فيه خمر) إشارة إلى ما ذكره أهل اللغة من أنها لا تسمى كأسا حقيقة إلا وفيها شراب فإن خلت منه فهو قدج، وقوله أو خمر مجازا من إطلاق المحل على الحال فيه لكنه مجاز مشهور بمنزلة الحقيقة، وقوله وكأس الخ يشير إلى قول الأعشى من قصيدة له مشهورة: وكأس شربت على لذة وأخرى تداويت منهابها لكي يعلم الناس أني امرؤ أتيت اللذاذة من بابها يعني ورب كاس شربتها لألتذ بسكرها وأخرى لأداوي بها خمار الأولى وكسلها كما قال: كما يتداوى شارب الخمر بالخمر فقوله شربت قرينة على أنه أراد بالكأس الخمر الذي فيها لأنّ تقدير شربت ما فيها تكلف كما أن بيان الكأس بقوله من معين هنا قرينة على ذلك. قوله: (ظاهر للعيون) جار على وجه الأرض! كما تجري الأنهار، أو خارج من العيون جمع عين وهو المنبع لأنها تطلق عليه، وعلى ما يخرج منه فهو كقوله وأنهار من خمر ومعين كمعيب أصله معيون من عان أو هو من معن فهو فعيل إذا ظهر أو نبع، وقوله وصف به الخ إشارة إلى أنه استعارة وانه في الأصل اسم مفعول أو صفة بوزن فعيل. قوله: (لأنها تجري كالماء)

стр. 2553

هذا بناء على أنها خمر حقيقة لكنها وصفت بالمعين تشبية لها به لكثرتها حتى تكون أنهاراً جارية في الجنان وقوله للأشعار بأنّ ما بالمد والقصر، وهو وجه آخر مبني على أنه ماء جار على الحقيقة لكنه في حلاوة العسل وله تفريح ونشوة كنشوة الخمر ووجه الإشعار ظاهر لأنّ جعله خمراً يفيد أن فيه لذته، ونشوته وكونه معيناً يدل على ماء أو جنس من المشروب يضاهيه في لونه ورقته فلا يخفى وجه الإشعار لمن له شعور، وفائدته على الأوّل وصف الخمر بالرقة واللطافة، وعلى الثاني وصف الماء باللذة والنشوة. قوله: الكمال الفذة (بدل من قوله لما يطلب أو متعلق بجامع تعليل له، وقوله وكذلك أي على الاحتمالين، وقوله أيضاً أي كما أن قوله من معين صفة، وقوله للمبالغة بجعل الملتذ به عين اللذة، وقوله كطب بفتح الطاء بمعنى طبيب حاذق فهو فعل بسكون العين صفة كصعب بمعنى فعيل أو بكسرها كخشن أو بفتحها كحسن فسكن للإدغام، وقوله في البيت ولذ فسره في الكشاف بنوم وفسره في الأساس يعيش لذيذ وهو الظاهر وعلى كليهما فهي شاهد لما ذكره لأنه على الأوّلين ليس باسم جامد له بل معنى لذيذ بغلب على النوم، والتردد فيه لا وجه له والصرخدي الخمر منسوب لصرخة بلدة بالشام ينسب إليها الخمر الجيد، والحدثان بفتحات شدائد الدهر ونوائبه التي تحدث فيه. قوله تعالى: ( ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ ) قدم فيه الظرت للتخصيص، والمعنى ليس فيها ما في خمر الدنيا من الخمار وفيه كلام في كتب المعاني والغائلة ما يخشى من الضرر، وقوله كالخمار بضم الخاء صداع الخمر وأشار بالكاف إلى عدم حصر ضررها فيه، وقوله ومنه الغول التي تذكرها العرب من شياطين الجن المهلكة، وهل لها حقيقة أولاً فيه تفضيل في حياة الحيوان أي سميت به لإفسادها، وفي المثل الغضب غول الحلم والمراد بالحلم العقل أو معناه المعروف أي مذهبه ومهلكه. قوله: (يسكرون (بيان لحاصل المعنى وهو على قراءته مجهولا وكذا قوله نرف الشارب على البناء للمفعول إذا ذهب عقله وادواكه من السكر كأنه ظرف للعقل ففرغ منه، وقوله أفرداه الخ مع أنّ ذكر الخاص بعد العام مستغنى عنه لكنه للاعتناء بنفيه جعل كأنه نوع آخر فعطف عليه كما عطف جبريل على الملائكة تعظيماً له، وقوله وقرأ الخ أي بضم الياء وكسر الزاي مضارع أنزف أي صار ذا نزف أي عقل أو شراب نافد ذاهب فالهمزة فيه للصيرورة أو للدخول في الشيء ولذا صار لازما فهو مثل كبه فأكب، وسيأتي تحقيقه وهو أيضا بمعنى السكر لنفاد عقل السكران أو نفاذ شرابه لكثر شربه فيلزمه عليهما السكر، ثم صار حقيقة فيه قال: لعمري لئن أنزفتمو وصحوتمو ويجوز أن يراد لا يفنى شرابهم أو ينفد حتى ينغص عيشهم، وتعديته بعن لتضمينه معنى يصدرون عنها سكارى، وقوله وأصله النفاد أي ما وضل له في الأصل نفاد شيء من شيء كنفاد الماء من البئر والدم من الجريح والعقل من السكران، ونزحت الركية بمعنى أخرجت ماءها حتى نزفتها أي لم يبق فيها شيء منه، والركية بفتح الراء البئر. قوله: (قصرن أبصارهق على أزواجهت) فلا ينظرن لغيرهم هو إمّا على ظاهره، وكناية عن شدة الحسن المانع عن رؤية غيره أو عن إفراط المحبة، وقوله نجل العيون بضم النون جمع عين نجلاء وهي التي اتسع شقها وليس المراد السعة المفرطحة فإنها غير ممدوحة، ولذا قيل سعتها عبارة عن كثرة محانها ولا حاجة إليه. قوله: (شبههن ببيض النعام الخ) على عادة العرب في تشبيه النساء بها وخصت ببيض النعام لصفائه، وكونه أحسن منظرا من سائره ولأنها تبيض في الفلاة وتبعد بيضها عن أن يمس، ولذا قالت العرب للنساء بيضات الخدور كما بينه الزمخشري ولأن بياضه يشوبه قليل صفرة مع لمعان كما في الدر، وهو لون محمود جداً إذ البياض الصرف غير محمود وإنما يحمد إذا شابه قليل حمرة في الرجال وصفرة في النساء، ولذا ورد في الحلية الشريفة أبيض ليس بالأمهق، ومن الغريب قول بعض أهل العصر المراد به بيض طبخ وقشر لنعومته وطراوته لقول العامّة كأنها بيضة مقشرة، وهذا من عدم معرفة كلام العرب ولولا خوف الإطالة ذكرت الأبيات حتى صرح فيها بهذا التشبيه. قوله: (فيتحادثون على الشراب) على للمعية أي مع شرب الشراب، وقوله كعادة الشرب بفتح الشين وسكون الراء جمع شارب كصحب وصاحب، وقوله وما بقيت الخ تبع فيه الزمخشري والذي رأيناه في كتب الأدب أنّ هذا الشعر لمحمد بن فياض من المحدّثين

стр. 2554

وأنشدوه هكذا وهو الذي في الانتصاف: وما بقيت من اللذات إلا محادثة الكرام على الشراب ولثمك وجينتي قمرمنير يحول بوجهه ماءالشباب وعارض معناه القائل: وكان الصديق يزور الصديق لشرب المدام وعزف القيان فصار الصديق يزور الصديق لبث الهموم وشكوى الزمان وزاد فزورته إن أتى هروبامن الدين أومن زباني وهذه نفثة مصدور خشيت أن تحرق السطور. قوله: (والتعبير عنه الخ) كان الظاهر توافق المتعاطفين مضياً واستقبالاً لكن أتى بصيغة الماضي لأنها لدلالتها على التحقق تفيده الإقبال على الحديث لكونه أعظم لذاتهم حقيق بالاعتناء فيؤكد لذلك قيل وهذا أولى من قول الزمخشري إنه جيء به على عادة الله في إخباره لاشتراك العلة بين المتعاطفين فكان ينبغي تناسبهما، وقيل إنه لا يغني شيئاً لقوله قبله في أهل النار وأقبل بعضهم الخ وقد عطف ثمة على مضارع مع عدم تأتي ما ذكر هنا من الاعتناء فيه، وفيما قالاه نظر لأن ما قاله الأوّل لا يخفى على أحد فضلا عن الزمخشريّ فالظاهر أنّ مراده إخبار الله عما صدر عن عباده وحكايته له عنهم كما في تلك الآية أيضاً والمعطوف عليه ليس كذللث لأنه إخبار عما أنعم به عليهم في الآخرة، وهو لا يشتبه ولا يستغرب عند المخاطبين فلذا أكد الثاني دونه ومنه يعلم ترجيح ما في الكشاف مع أن المعتاد في أمثاله مما يدل على الشروع في أمر الماضي، وأمّا الثاني دونه ومنه يعلم ترجيح ما في الكشاف مع أن المعتاد في أمثاله مما يدل على الشروع في أمر الماضي، وأمّا الثاني ففي حيز المنع لأنّ المراد الاعتناء بالنسبة للمعطوف عليه ولا شك أنّ توبيخ بعضهم لبعض أعظم من توبيخ الغير، وعلى ما ذكره المصنف ﵀ فما بين المتعاطفين معترض أو من متعلقات الأول لثلا يطول الفصل فتدبر. قوله: (فإنه الخ) تعليل لمقدر تقديره فيستحق التأكيد فإنه الخ وقوله، وقرئ بتشديد الصاد من التصدق قيل إنه لا يلائم قوله بعده أئذا الخ وليس بشيء لأنه قيل إن رجلين شريكين، وقيل أخوين ورثا ثمانمائة ألف دينار واقتسماها فعمد أحدهما، وكان كافراً بماله فاشترى به بساتين وفرشاً وجواري يتنعم بها وأنفق الآخر ماله في وجوه الخير رجاء رحمة ربه ونعيمه المخلد، وكان مؤمناً ثم أصاب الثاني فاقة فذهب إلى ذلك وطلب منه شيئاً فسأله عما كان له فأخبره بفعله فقال له إنك من المتصدقين لأنا بعد الموت والفناء نبعث ونجازى فنزلت هذه الآية في إعلام حالهما لرسول الله ﷺ فمن نزلت فيه متصدق، ومصدّق أيضاً وما أنكره عليه ذلك الكافر أنه أنفق ليجازي على إنفاقه مما هو أعظم وأبقى فقد ضيع ماله لتصوّر ما لا أصل له، وهو الجزاء الأخروي ولا يكون بدون البعث فلذا قدم إنكاره بل إنكاره رأسا للجزاء بقوله إنا لمدينون لأنه المقصود بالإنكار والنفي فقوله لمدينون أنسب بالثاني، والنظم وكذا سبب النزول تمام المناسبة له إذ محصله أنت المتضق طلبا للجزاء في الآخرة فهل نحن بعدما نفنى نبعث ونجازى فما ذكروه مندفع بلاشبهة، وكيف يتوهم عدم المناسبة وقد قرئ بها. قوله: (ترابا وعظاماً) قيل ذكر تراباً يكفي ويغني عن ذكر العظام، وكونه للتنزل في الإنكار أو للتأكيد لا يرجحه بل يجوّزه فكأنه تصوير لحال ما يشاهده من الأجساد البالية من مصير اللحم، وغيره ترابا عليها عظام نخرة ليذكره ويخطر بباله ما ينافي مدعاه. قوله: (ذلك القائل (أي كان لي قرين الخ يعني المذكور في قوله قال قائل منهم والمقول له جلساؤه، ويقابل هذا القول ما سيأتي وقوله إلى أهل النار عداه بإلى لتضمينه معنى ناظرين، وقوله لأريكم الخ إشارة إلى أن المقصود من قوله هل أنتم مطلعون سواء كان المراد منه الأمر أو العرض إراءتهم سوء حال قرينه، وقوله يقول لهم أي لهؤلاء المتحادثين في الجنة، وهل تحبون إشارة إلى أنه للعرض عليهم إن أرادوا، واطلاع أهل الجنة على أهل النار ومعرفة من فيها مع ما بينهما من التباعد غير بعيد بانه يخلق الله لهم حدة نظر، وقيل إنّ لهم طاقات في الجنة ينظرون منها من علو لأهل النار كما قاله السمرقندي. قوله: (وعن أبي عمرو الخ) المذكور في الإعرإب، وكتب القرا آت أنّ أبا عمرو قرأ بسكون الطاء وفتح النون وكونها رواية شادة عنه كما قيل يحتاج

стр. 2555

إلى نقل وإنما هي شاذة منقولة عن حماد وهشيم، وقد قرئ مطلعون بالتشديد والتخفيف مع فتح النون وكسرها كما سيأتي والتشديد من اطلع على الأمر إذا شاهده أو اطلع علينا أقبل، والتخفيف من اطلعه عليه إذا أوقفه ليراه والأوّل لازم والثاني يكون متعدّيا ولازما بمعنى اطلع، واطلع قرئ ماضياً مبنياً للفاعل من الافتعال وهمزته همزة وصل، وقرئ فأطلع بهمزة قطع مضمومة وكسر اللام ماضياً مبنياً للمفعول، وقوله فاطلع بالتشديد والتخفيف مضارعاً منصوبا في جواب الاستفهام واذا كان مبنياً للمفعول فنائبه ضمير المصدر أو ضمير المطلع عليه على الحذف والإيصال أو ضحمير القائل، والقراءة في العشرة بالتشديد والتخفيف في مطلعون مع فتح النون، واطلع بالماضي المعلوم المشدد على الأولى والمخفف المجهول في الثانية وما عداهما شاذ فأعرفه. قوله: (وضم الألف) أي همزة اطلع الساكن الطاء في هذه القراءة مضمومة على أنه ماض! مجهول فلامه مكسورة أو مضارع منصوب بصيغة المعلوم، والمجهول فلامه مكسورة ومفتوحة وهو على متعد وكلام المصنف ﵀ يحتملهما وان كان ما بعده أظهر في بعضها. قوله: (على أنه جعل اطلاعهم سبب اطلاعه) بسكون الطاء فيهما والسببية من الفاء إذ المعنى إن اطلعتموني أطلع والمقصود اطلاع الجميع ولكنه عبر بما ذكر رعاية للأدب الآتي، وهذا المعنى أيضاً يتأتى على فتح النون، وقوله يمنع الاستبداد به أي الاستقلال بالاطلاع لأن من الآداب أن لا ينظر في مجلسه لشيء، ولا يفعل شيئا مما لم يشاركوه فيه فإن كان المخاطب بهل أنتم مطلعون الملائكة لم تحتج السببية إلى هذه النكتة ولذا أخره فخاطب الملائكة عطف على قوله جعل. قوله: (على وضع المنصل موضع المتقصل (يعني أنّ أصله على قراءة الكسر مطلعون إياي، ثم جعل المنفصل متصلاً فقيل مطلعوني، ثم حذفت الياء واكتفى عنها بالكسرة كما في قوله فكيف كان نكير هذا ما أراده المصنف ﵀ تبعا للزمخشري، وللنحاة في هذه المسألة كلام طويل حاصله أنّ نحو ضاربك وضاربيك ذهب سيبويه فيه إلى أنّ الضمير في محل جر بالإضافة، ولذا حذف التنوين ونون التثنية والجمع وذهب الأخفش وهشام إلى أنه في محل نصب وحذفها للتخفيف حتى وردت ثابتة في نحو قوله: هم الآمرون الخير والفاعلونه وقوله: أمسلمني للموت أنت فميت فعنده أنّ النون في مثله تنوين حرك لالتقاء الساكنين ورد بأنه سمع مع الألف واللام قوله وليس الموافيني، ومع أفعل التفضيل كما وقع في الحديث " غير الدجال أخوفني عليكم " وإنما هذه نون وقاية ألحقت مع الوصف حملاً له على الفعل كما حمل ضماربونه في إثبات نونه على تضربونه وقد ردّ أبو حيان ما ذكر بانه ليس من محال المنفصل حتى يدعي أنّ المتصل وقع موقعه إذ لا يجوز أن يقال هند زيد ضارب إياها ولا زيد ضارب إياي لأنه لا يعدل إلى الانفصال ما دام الاتصال ممكناً وما أجاب به المعرب من أنه لا يسلم إنه يمكن الاتصال حالة ثبوت النون والتنوين قبل الضميربل يصير الموضع موضع المنفصل فصح ما قاله الزمخشري، وكلام المصنف ﵀ لا يصح على المذهبين لأنّ من قال إنها نون الوقاية قال الموضع موضع الاتصال ومن قال إنه تنوين قال أيضاً إذا ثبت ضرورة لزم الاتصال كما نقلناه آنفا وكذا ما قيل مراده أنّ الحذف لازم في الاختيار كما نبه عليه بتمثيله وفرض! الإبقاء لا يجدي فاسد لأنه يعود على المدّعي بالنقض إذ لو كان لازما لم تصح القراءة به، وقد علمت أن مراده غير ما فهم. قوله: (هاً الآمرون الخير والفاعلونه) تمامه: إذا ما خشوا من محدث الأمر معظما لا يعرف قائله، ولذا قيل إنه مصنوع لا يصح الاستشهاد به، وقيل إن الهاء هاء سكت حركت للضرورة وهو فرار من ضرورة لأخرى إذ تحريكها واثباتها في الوصل غير جائز، وقوله أو شبه الخ عطف على قوله وضع الخ وهو مخصوص بتوجيه الجمع، وأمّا المفرد كقوله أمسلمني فلا يتأتى فيه، وقوله فاطلع عليهم أي على أهل النار لا على أصحابهم كما توهم وقوله وسطه لأنه ورد عن العرب انحنى سوائي أي وسطي كما أوضحه الزمخشري سمي به لاسنواء جانبيه، وقوله لتهلكني لأنّ الردى الهلاك واللام هي الفارقة أي بين المخففة والنافية، وقوله معك فيها أي في الجحيم لأنها مؤنثة ولو قال فيه بإعادته للسواء صح وهما سواء. قوله: (عطف الخ) هو أحد القولين كما فصله في المغني، وقوله أنحن مخلدون الخ بناء على أنه قول المؤمنين لتوبيخ الكفار وبقي إنه في بعض النسخ بدون همز إشارة إلى أنّ الاستفهام

стр. 2556

فيه تقريري ويجوز أن يكون من قولهم جميعا، وقوله بمن شأنه الموت إشارة إلى ما في الصفة المشبهة من الدلالة على الثبوت، وتوجيه للاستثناء ليكون متصلاَ وضمير هي للموتة الأولى، وقوله متناولة الخ توجيه للموتة بتاء الوحدة بأنّ موتة القبر بعد السؤال داخلة في الأولى لأنّ ما بينهما من الحياة غير معتد به لأنه ليس إعادة تامّة ولا قارة. قوله: (وقيل على الاستثناء المنقطع (هو فيما قبله استثناء مفرع من مصدر مقدّر وعلى هذا المعنى لكن الموتة الأولى كانت لنا في الدنيا كما في قوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [سورة الدخان، الآية: ٥٦] وسيأتي تحقيقه وقوله وذلك الخ يعني قوله أفما نحن بميتين الخ ويجوز أن يكون من كلام الجميع كما مرّ، وقوله يحتمل أن يكون من كلامهم أي أهل الجنة الشامل للقائل والجلساء، ولذا لم يقل كلامه ثم كما صرّح به فمن قال الأظهر أن يقول كلامه لم يصب. قوله: النيل مثل هذا) ففيه مضاف مقدر ومثل يحتمل لإقحام كما في مثلك لا يبخل، وقوله للحظوظ الدنيوية إشارة إلى ما يفيده تقديم الجار والمجرور من الحصر والانصرام الانقطاع واحتمال الأمرين كونه كلام الله أو كلامهم. قوله: (ثمرها نزل أهل النار) إشارة إلى أنّ فيه مضافاً مقدراً أي ثمر شجرة الزقوم لأنّ الشجرة ليست نفسها نزلاً والنزل بضمتين وبالزاي ما يعد للنازل من الطعام، أو هو مستعار من الحاصل للشيء وله معان أخر كريع الطعام والفضل والبركة ولكن الأوّل هو المراد ليدل على ما ذكره من الدلالة، والإشارة إلى ما مرّ من قوله رزق معلوم فواكه الخ لأنه رجوع إليه، والقصة المذكورة بينهما ذكرت بطريق الاستطراد كما ذكره الزمخشري وإن جوّز بعضهم كونه من كلام هؤلاء، وجعل ثمر الزقوم خيراً ونزلا تهكم بهم أو للمشاكلة، وجوّز فيه المصنف الحالية من لاضمير في خير والتمييز من غير تمييز بينهما كما في الكشاف إذ جعله حالاً إذا كان ما يعد للنازل، وتميزا إذا كان بمعنى الحاصل من الشيء إذ الحال يصدق على ذيها والرزق معد بخلاف التمييز فإنه يغاير المميز نحو هو الرجل كرما وشجاعة، وحاصل الشيء غيره والمصنف اقتصر على أحد المعنيين، وجوّز الوجهين فيكون التمييز كما في لله دره فارسا حيث ميزه بما يصدق عليه وحاله ظاهر، وقوله دفرة بالدال المهملة يعني منتنة لا بالمعجمة دمان قيل إنه بمناه أيضا لأنّ المشهور أنّ الثاني يختص بالطيب فيقال مسك أذقر، وتهامة سهل الحجاز مقابل نجد وقوله الموصوفة أي بما ذكر في هذه الآية. قوله: (محنة وعذابا (لما مرّ من أنّ الفتنة في الأصل الإذابة بالنار فلذا أطلق على العذاب وبالإذابة يعلم ما غش من غيره فلذا أطلق على الابتلاء، والحيوان الذي يعيش في النار هو السمندل وتفصيله في حياة الحيوان وقوله في قعر جهنم إشارة إلى أنّ الأصل هنا بمعنى أسفل كما يقال لأسفل الشجرة أصلها. قوله:) حملها (بفتح الحاء وهو ما على رأس أو شجر، وقوله مستعار من طلع التمر الأولى أن يقول طلع النخل وهو أوّل ما يبدو قبل أن تخرح شماريخه أبيض غض مستطيل كالكوز فسمي به هذا إتا لأنه بشابهه في الشكل فيكون استعارة تصريحية أو لاستعماله بمعنى ما يطلع مطلقا فيكون كالرسن للأنف فهو مجاز مرسل، وهذا معنى قوله في الكشاف استعارة لفظية أو معنوية وقد ذكر الطيبي له تفسيراً آخر بأنّ المراد باللفظية التصريحية وبالمعنوية المكنية، وهو غريب واوظاهر لم يرده فقوله أو الطلوع معطوف على الشكل، والهون بمعنى الفزع والخوف. قوله: (وهو تشبيه بالمتخيل الخ) رد على بعض الملاحدة إذ طعن فيه بأنه تشبيه بما لا يعرف بأنه لا يشترط أن يكون معروفا في الخارج بل يكفي كونه مركوزا في الذهن والخيال ألا ترى امرى القيس وهو ملك الشعراء يقول: ومسنونة رزق كأنياب أغوال وهو لم ير الغول، والغول نوع من الشياطين لأنه في خيال كل أحد مرتسم بصورة قبيحة وإن كان قابلا للتشكل، كما أنهم إذ! استحسنوا شيئاً قالوا ما هو إلا ملك كما قرره أهل المعاني، والأعراف جمع عرف وهو بضم فسكون شعر على ما تحت الرأس، وقوله لعلها سميت بها لذلك أي لقبح منظرها سميت به على طريق التخيل أيضاً لكن المشبه به على الثاني متحقق لكنه لم يرتضه لكونه غير معروف لا في الذهن ولا في الخارج. قوله: (من الشجرة أو من طلعها) الظاهر أنه يريد أنّ الضمير للشجرة، ومن ابتدائية أو تبعيضية وفيه مضاف مقدر ويؤيده أنه وقع في نسخة أي طلعها، واما أنه على أنّ الضمير راجع للطلع وأنث لإضافته للمؤنث أو لتأويله بالثمرة، أو للشجرة على التجوّز فجائز مع بعدما.

стр. 2557

قوله: (أي بعدما شبعوا الخ) فثم للتراخي على حقيقتها، وقوله ويجوز الخ فهو للتراخي الرتبي لأنّ شرابهم أشنع من مأكولهم بكثير إما ملء البطون فيعقبه، وليس بشيء غير ما قبله متصوّر فيه تفاوت رتبي فلذا ترن بالفاء، وقيل على الأوّل إنه يأباه عطفه بالفاء في آية أخرى ﴿فَمَالِؤُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ﴾ [سورة الواقعة، الآية: ٥٣- ٥٤] فلا بد من عدم توسط زمان أو شيء آخر كطول الاستقاء بينهما لكن ملؤهم البطون أمر ممتد فباعتبار ابتدأئه يعطف بثم وباعتبار انتهائه بالفاء فتأمّل. قوله: (من غساق) بالتخفيف والتشديد عين فيها تسيل إليها سموم الحيات والعقارب، أو ماء دموع الكفرة فيها والصديد ما يسيل من جراحهم، وجلودهم فليس فيه جعل شيء قسيماً لنفسه حتى يقال أو للتخيير في التعبير، ولا ينافيه تفسير غساق بصديد في محل آخر، واذا ضم شين شويا فهو ما يشاب به كما أنّ القفل ما يقفل به. قوله: (إلى دركاتها) دفع لما يتوهم من أنه عود لما هم فيه ولا معنى له بأنّ المراد أنهم يوردون في الجحيم من مكان إلى آخر أدنى منه، أو ذلك النزل! كان قبل الدخول فيها ولكونه خلاف الظاهر أخره، وقوله يوردون الخ تفسير لقوله يطوفون الخ في الآية الثانية، وقوله وقيل الحميم الخ هذا وجه في الجواب ثالث فيه أنّ الحميم خارج عن محل من النار يخرج المجرمون منه للسقي كما يخرج الدواب للماء، وليس المراد أنه خارج عن الجحيم بالكلية حتى ينافي أنهم بعد دخول النار لا يخرجون منها بالاتفاق كما قيل بل إنه في غير مقرهم فيجوز أن يكون في طبقة زمهريرية منها مثلاً والانقلاب أظهر في الرد فلذا جعله مؤيداً له. قوله: (كأنهم يزعجون (أخذه من فعل الأهراع المجهول وقوله وفيه إشعار الخ هو من الإسراع المقرون بالفاء، وقوله قبل قومك لأنهم المراد بالظالمين الراجع إليهم جميع الضمائر لأنهم المنكرون لخروج الشجر في النار فليس فيه تفكيك للضمائر كما توهم وإلاستثناء يحتمل الاتصال، والانقطاع وقد تقدم الكلام فيه والخطاب في قوله فانظر. قوله:) ولقد دعانا (أي بإهلاك قومه إذ قال: ﴿لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [سورة نوج، الآية: ٢٦] بقرينة قوله أيس من قومه. قوله:) فحذف منها ما حذف) هو محتمل لأن يريد بالمحذوف القسم لدلالة اللام عليه والمخصوص بالمدح وهو فحن، وقوله فأجبناه الخ بيان لحاصل المعنى أو المحذوف ما ذكر وجملة فأجبناه أحسن الإجابة لأنّ المدح بحسن الجواب يقتضي تقدمه على أحسن الوجوه. قوله:) من الغرق أو أذى!!) وفي نسخة وأذى قومه وهي أحسن إذ لا مانع من الجمع وهو تفصيل لما قبله ولا يلزم التكرار على تفسيره بأذى قومه بل على تفسيره بالغرق لقوله ثم أغرقناكما فيل، وقوله إذ هلك من عداهم الخ بيان لحصر الباقين في ذرّيته كما يفيده ضمير الفصل، وقوله إذ روي الخ لا بد منه لأنه كان في السفينة من عداهـ (لكنهم لم يعقبوا عقابا باقيا فلا يضرّنا وأولاده سام وحام ويافث ومنهم تشعبت الأمم كما فصل في التوايخ، ولذا قيل آدم الثاني. قوله: (هذا الكلام (يعني قوله سلام على نوح في العالمين إذ لو لم يحك نصب لأنه مفعول تركنا كما قرأ به ابن مسعود ﵁ فهو مبتدأ وخبر وجاز الابتداء بالنكرة لما فيه من معنى الدعاء، والحكاية إمّا بتركنا لتضمنه معنى القول بناء على مذهب الكوفيين أو بقول مقدر أي تركنا قولهم سلام ملى نوح، وقوله يسلمون عليه تسليما إشارة إلى أنه إذا كان اسم مصدر من التسليم كان منصوبا على المصدرية على الأصل واذا كان سلاما من الله لا من الآخرين فتقديره، وقلنا سلام الخ فمفعول تركنا على هذا محذوف كما ذكره. قوله: (متعلق بالجار والمجرور) هو إمّا على طاهره لأنه لنيابته عن عامله يعمل عمله أو المراد أنه متعلق بما تعلق به، وفي قوله بثبوت هذه الئحية إيماء إليه أو المراد به التعلق المعنوي فيجوز كونه حالاً من الضمير المستتر فيه، وقوله لى الملائكة إشارة إلى أنّ فيه شمولاً وعموماً لا يغني عنه قوله في الاخرين وكونه بدلاً منه يأباه! شره وفصله. قوله: (من التكرمة) بنجاته وتخليد الثناء عليه واحسانه مجاهدته في إعلاء كلمة الله وإزالة أعدائه، وقوله تعليل لإحسانه المدلول عليه بالمحسنين والتعليل من سياق مثله مقرر لى المعاني، وقوله إظهاراً لجلالة قدره أي قدر الإيمان حيث مدح من هو من كبار الرسل به في لمقصود بالصفة مدحلها لنفسها لا مدح موصوفها كما مرّ إذ الرسول لا يتصوّر انفكاكه عن الإيمان على ما بينه شراح الكشاف، وما قيل عليه من أنه توجيه لتوصيفه بالإيمان دون تعليل الإحسان بالإيمان وهو

стр. 2558

المقصود من قصور النظر لأن معنى تعليل الإحسان بالإيمان بيان لحاصل المعنى والأصل تعليل كونه محسنا بكونه من العباد الموصوفين بالإيمان، وليس المقصود هنا من إحسانه مجرّد إيمانه بل ما ينبني عليه فعدل عن المقصود لهذا ما ذكره من أصالته لأنه أساس لكل خير يوجد، ومركز لدائرته ومسك خاتمته. قوله: (ثم أغرقنا الخ) ثم للتراخي الذكري إذ بقاء ذريته وما معه متأخر عن الإغراق، وقوله شايعه أي تابعه، وقوله في الإيمان وأصول الشريعة لأنّ الظاهر أنّ كلا منهما صاحب شريعة مستقلة، وهذا المقدار متيقن وأصول الشريعة العقائد أو توانينها الكلبة من إجراء الأوامر الإلهية وفيه وجوه أخر كالتصلب في الدين وقوّة الصبر، وقوله ولا يبعد الخ وجه آخر إذ لم ينقل اختلاف بينهما أو المراد في غالبها فيعطي للأكثر حكم الكل، وقوله ألفان وستمائة الخ هو رواية وفيه أقوال أخر. قوله: (متعلق بما في الشيعة من معنى المشايعة الخ) إن أراد أنه جامد لا يتعلق به شيء لكنه لما فيه من معنى الوصفية جاز تعلقه به ورد عليه ما قيل إنه يلزمه عمل في ما قبل لام الابتداء فيما بعدها، والفصل بين العامل ومعموله بأجنبي فيجاب بأنه لا مانع منه لتوسعهم في الظروف، وان أراد تعلقه بمقدّر يدل عليه ما ذكر كأنه قيل منى شايعه فقيل شايعه إذ الخ لم يرد عليه شيء لكن ظاهر الكلام الأوّل لجعله مقابلاً للحذف. قوله: (من آفات القلوب) وفي نسخة الذنوب والأولى أصح وأكثر فسليم على هذا سالم من جميع الآفات وآفاتها فساد العقائد والنيات السيئة والضمائر القبيحة ونحوه، أو سالم من العلائق الدنيوية يعني ليس فيه شيء من محبتها والركون إليها والى أهلها فهو دائما مشغول بمحبة الله ومشاهدة عوارفه ومعارفه، ولذا فسره بقوله خالص لله أي متمحض لجنابة كما قيل: تملك بعض حبك كل قلبي فإن ترد الزيادة هات قلبا وهذا مقام الخلة فليس! فيه جمع بين معنيي المشترك على مذهبه كما توهم. قوله: (أو مخلص له) يحتمل أن يكون بفتح اللام بزنة اسم المفعول بمعنى أنه أخلصه لله، أو بكسرها اسم فاعل من أخلص المنزلة منزلة اللازم أي ذا إخلاص فلا يلزم كون القلب مخلصا لنفسه كما قيل. قوله: (حزين) فيكون استعارة من السليم بمعنى الملدوغ من حية أو عقرب فإنّ المعنى سمته سليما تفاؤلاً بسلامتة، وصار حقيقة فيه يقال لدغنه الهموم، وهو وجه لطيف لكن الأوّل أنسب بالمقام فلذا أخر هذا. قوله: (ومعنى المجيء به الخ) يعني كان الظاهر جاء ربه سليم القلب فلم عدل عنه إلى ما في النظم، وفي الكشاف معناه أخلص لله قلبه وعرف ذلك منه فضرب المجيء مثلاً لذلك، اهـ وفي المطلع معنى مجيئه ربه أنه أخلص لله قلبه، وعرف ذلك منه معرفة الغائب وأحواله بمجيئه وحضوره فضربه مثلاً وقال الإمام: معناه أنه أخلص لله قلبه فكأنه أتحف حضرته بذلك القلب، فقيل المفهوم من المطلع أن الباء للملابسة ومن كلام الإمام أنها للتعدية وظاهر كلام المصنف الأوّل، قيل وفي قول الزمخشري عرف ذلك إطلاق اسم العارف عليه وقد منعوه ولذا غير المصنف عبارته وقيل إنه بصيغة المجهول فلا يتجه ما ذكر عليه، ثم إنّ ظاهر كلامهم أنّ في جاء استعارة تبعية تصريحية فشبه أخلاصه قلبه بمجيئه الغيبة عن حضرته تعالى إلا أنه لا معنى حينئذ لجعل سليم بمعنى الخالص أو المخلص كما قاله بعض الفضلاء (أقول) هذا جميع ما قالوه برمته والذي يقبله القلب السليم أنّ ما ذكروه من الاستعارة مقرّر وأن ما قاله المصنف هنا خالص أو مخلص بيان لمحصل المعنى فيصير معنى التركيب أنه أخلص لله قلبه السليم من الآفات، أو المنقطع عن العلائق أو الحزين المنكسر فرب قلب سليم عن الأوّلين غير مخلص كما في القلوب البله وكذا الثالث، وإنما عقده تقديمه التفسير ومخالفة الزمخشري إذ تركه، وأما ما ذكروه في المعرفة ففيما أجيب به كفاية لكن أصل الاعتراف فيه توفف، وان اشتهر فقد وقع في أوّل خطبة نهج البلاغة إطلاقه عليه تعالى في قوله عارفا بقرائنها واحيائها وقال شارحه أنه صحيح وكفى به حجة عليه فأعرفه. قوله: (فقدّم المفعول للعناية) لأنّ إنكاره أو التقرير به هو المقصود وفيه رعاية الفاصلة أيضاً، وقوله على أنها الخ إشارة إلى أنه بدل كل من كل وليست الآلهة عين الكذب لكنها جعلت عينه مبالغة أو على التأويل

стр. 2559

المعروف في أمثاله بالتقدير في الأوّل أو في الثاني كما ذكره فإن عبادتها إفك أي صرف للعبادة عن وجهها أو هو حال من فاعل تريدون، أو من المفعول بتقدير مأفوكة لكن وقوع المصدر حالاً غير مقيس. قوله: (بمن هو حقيق بالعبادة الخ) فسر رب العالمين بالحقيق بالعبادة ليرتبط بما قبله من إنكار عبادة الأصنام، ولذا جعله حجة عليه فالمعنى أنّ استحقاقه للعبادة أظهر من أن يختلج عرق شبهة فيه فأنكر ظنهم الكائن في بيان استحقاقه للعبادة، وهو الذي حملهم على عبادة غيره، وقوله لكونه الخ يعني أنه أقيم فيه الدليل، والعلة مقام مدلوله ومعلوله لدلالته عليه. قوله: (حتى تركشم عبادته) مع كونه المستحق لها وحده لكونه المالك الحقيقي وما سواه مملوك وقد قيل: كل مايصلح للمولى على العبد حرام وقوله وأشركتم الخ أي تركتم عبادته خاصة، وفي نسخة أو أشركتم وهو الأظهر فالمعنى على الأوّل فما ظنكم به وهو حقيق بالعبادة أشككتم فيه حتى تركتم عبادته بالكلية، وعلى الثاني أعلمتم أفي شيء هو حتى جعلتم الأصنام شركاءه وعلى الثالث ما ظنكم بعقابه حتى اجترأتم على الإفك عليه، وفي كلامه لف ونشر وقوله والمعنى الخ يعني أنّ الاستفهام إنكاري والمراد من إنكار الظن إنكار ما يقتضيه، ويصد بالصاد المهملة بمعنى يمنع. قوله: (على طريقة الإلزام) بناء على اعترافهم بأنه رب العالمين وجعله كالحجة دون أن يقول وهو حجة ملتزمة لأنه ليس صريحاً في الإلزام ولذا جعله على طريقته فتأمّل. قوله: (فرأى مواقعها الخ (إنما فسر به لأنّ ما يستدل به على حدوث أمر ليس هو رؤية أجرامها ففط بل مع ما يستدل به من أحوالها كاتصال بعضها ببعض، وتقابلها وتقارنها ومواقعها مغاربها فالمراد بالنظر فيها التأمل في أحوالها، أو في علمها المشروح فيه ما شاهده من ذلك أو في كتب النجوم وأحكامها، ولذا عذاه بفي كما قيل: هل من كتاب أوأخ أوفتى أنظر فيه أو له أو إليه وقيل: لبعض الملوك ما تشتهي فقالط حبيب أنظر إليه ومحتاج أنظر له وكتاب أنظر فيه فهو مجاز عما ذكر أو فيه مضاف مقدّر. قوله: (ولا منع منه (أي كيف ينظر في النجوم، وهو نبيّ معصوم فأجاب بأنه ليس بممنوع شرعا وكون النجوم تدل على بعض الأمور لجعل الله لها علامة عليه جائز، وإنما الممتنع اعتقاد أنها مؤثرة بنفسها والجزم بكلمة أحكامها وقد ذكر الكرماني في مناسكة أنّ النبيي ﷺ قال لرجل أراد السفر في آخر الشهر: " أتريد أن تخسر صفقتك وتخيب سعيك اصبر حتى يهل الهلال " مع أنه لم ينظر فيها حققة بل أوهمهم ذلك لأنهم كانوا منجمين فأظهر لهم ذلك لئلا يحضر معهم في مجامع كفرهم. قوله: (سألوه أن يعيد معهم) يقال عيد إذا حضر مع الناس في العيد كما يقال جمع إذا حضر الجمعة، وعرّف إذا حضر عرفة فلما سألوه الذهاب معهم لعيدهم، ومجمع كفرهم ذكر ذلك ليتخلف عنهم. قوله: (أراهم أنه استدد بها) أي أوهمهم أنه استدل بالنجوم على سقمه، وقوله على أنه مشارف للسقم متعلق باستدل، ولئلا متعلق بأراهم ومعيد بضم الميم وفتح العين المهملة وتشديد الياء المثناة التحتية محل عيدهم، وإنما أوّل سقيم بالمشارفة لأنه غير سقيم بالفعل كما شاهدوه والسقيم بالفعل لا يحتاج للنظر في النجوم لذلك، وظاهر عطف قوله أو أراد بأو كما في أكثر النسخ أن هذا تأويل مستقل فالتأويلات أربعة فالمراد أنه مستعد ل! سقام كما هو شأن كل أحد إذ المشارفة بمعناها المعروف غير موجودة فيؤول إلى الجواب الأخير، أو المراد بسقيم صدور الكذب منه وأنه جائز إذا تضمن مصلحة والظاهر هو العطف بأو على أنّ الوجوه ثلاثة، وسقم قلبه حزنه وغمه بجعل ذلك مرضاً على طريق التشبيه أو هو مجاز باستعماله في لازمه، وهو الخروح عن الاعتدال فإنّ الاعتدال الحقيقي غير موجود أو أراد أنه مستعدّ للموت استعداد المريض فهو استعارة أو مجاز مرسل، وإنما أوّلوه لأنه معصوم عن الكذب وتسميته كذبا في الأحاديث الصحيحة نظرا لظاهره، وجعله ذنبا في حديث الشفاعة لأنه خلاف الأولى إذ عدل عن التصريح إلى التعريض، ومن جوّز صدور الذنب عنهم لا يؤوله، وقول الإمام إسناد الكذب إلى راوي الحديث أهون من إسناده إلى إبراهيم لا يلتفت له وقد روي في الصحيحين. قوله: (ومنه المثل كفى بالسلامة داء) هو حديث في مسند الفردوس فهو من الأمثال النبوية، ومعناه أنّ حياة المرء سبب لموته فهو

стр. 2560

المرض الحاضر، وهو معنى كثير الأشعار القديمة كقول حميد بن ثور: وحسبك داء أن تصح وتسلما ومنه أخذ المتنبي قوله: قداستشفيت من داءبداء وأقتل ما أعلك ماشفاكا والبيت الذي ذكره المصنف للبيد من قصيدة وقبله: كانت قناتي لا تلين لغامز فألانها الإصباح والإمساء وجاهدا بمعنى مجتهداً ويصحني منأصحه إذا صيره صحيحا، ولبيد كان ممن رزق العمر الطويل والمثل والبيت بيان للوجه الأخير. قوله: (هاربين مخافة العدوى (بفتح العين، وهي سراية المرض وعلى تفسيره هذا مدبرين حال مقيدة لا مؤكدة كما هو المتبادر، وقوله فذهب الخ أصل معناه الميل في جانب ليخاع من خلفه فتجوّز به عما ذكره لأنه المناسب هنا والطعام المذكور كان يقرب للأصنام في أعيادهم، وأتى بضمير العقلاء لمعاملته معهم معاملة العقلاء، وقوله وأنّ الميل لمكروه، وعلى للمضرّة كما في دعا عليه وضربا مصدر لراغ باعتبار المراد منه بطريق التجوّز أو بدلالة السياق، ويجوز كونه حالاً بمعنى ضارباً أو مفعولاً له. قوله: (وثقييده باليمين الخ) فيكون المراد الضرب القوفي والباء في الأوّل للاستعانة ويجوز كونها للملابسة، واليمين بمعنى القوّة مجازاً كما مرّ، وفي الثاني للسببية. قوله: (بعدما رجعوا فرأوا أصنامهم مكسرة) إشارة إلى التوفيق بين ما في هذه الآية وما في الأخرى سمعنا فتى يذكرهم الخ فإنّ هذه تقتضي أنهم شاهدوه، وهو يكسرها فأسرعوا إليه وتلك تدلّ على أنهم لم يشاهدوه، وإنما استدلوا بذمّه على أنه الكاسر لها بأنّ هذه لا تنافي تلك فإنّ معناها أنه حين كسرها لم يشعر به أحد وأقبالهم إليه يزفون بعد رجوعهم من عيدهم، وسؤالهم عن الكاسر وقولهم فأتوا به على أعين الناس، وليس في النظم ما ينافيه وأجيب أيضا بأنّ الرائي له بعض أتباعهم ولم يذكره لكبرائهم لصارف مّا حتى بلغهم فقالوا ما صدر عنهم وهو المذكور في سورة الأنبياء. قوله: (من رّف النعام) أي أسرع لخلطه الطيران بالمشي، ولذا قيل زت العروس لا لسرعة المشي بها بل لخفة السرور، ونشاطه ومصدره الزف والزفيف وأزفه حمله على الزفيف أو دخل فيه فيكون متعدياً ولازما من الثلاثي المعلوم قرأ جميع القراء إلا حمزة فإنه قرأه بضمّ الياء على أنه معلوم المزيد، والقرا آت الباقية كلها شاذة فما نقله المصنف عن حمزة مخالف لما في جميع كتب القرا آت وقوله يزف بعضهم قدر مفعوله لأنّ أزف متعد وقد عرفت أنه يكون لازماً فلا يحتاج لتقديره، وكون وزف بمعنى أسرع أثبته الثقات فلا يلتفت لمن أنكره، وزفا بمعنى حدا استعير لمعنى أسرع كما أشار إليه بقوله كان الخ. قوله: (وما تعملونه (فما موصولة وعائدها محذوف، وهذا رجحه في الكشاف على المصدرية لكنه زعمأنه هو الموافق لمذهب أهل العدل لأنّ أهل السنة استدلوا بهذه الآية على أنّ أفعال العباد مخلوقة لله تعالى وبنره على كون ما مصدرية وأنه الأصل لعدم احتياجه إلى التقدير وليس هذا أيضاً بلازم كما أشار إليه المصنف وقال الزمخشريّ أنّ المعنى الآية يأباه إباء جلياً لأنه تعالى احتج عليهم بأنّ العابد والمعبود جميعا خلق الله فكيف! عبد المخلوق المخلوق على أنّ العابد هو الذي صوّره وشكله، ولولاه لم يكن له صورة فلو قلت والله خلقكم وخلق عملكم لم تكن محتجا عليهم، ولا كان لكلامك طباق وما في ما شحتون موصولة فلا يعدل بها عن أختها لما فيه من فلف النظم وتبتير. هذا محصله، وهو كلام حسن لكنه حق أريد به باطل كما سنبينه. توله: (فإن جوهرها بخلقه وشكلها وإن كان بفعلهم (ردّ على الزمخشري إذ جعل الموصولية دالة على أنّ جوهرها أي مادّتها بخلقه تعالى دون تشكيلها، وتصويرها فإنها من أفعال العباد المخلوقة لهم عنده فالموصولية لا تنافي مذهب أهل الحق إذ تعلق الفعل بالمشتق يقتضي تعلقه بمبدأ اشتقاقه فمعنى يحب التوّابين يحب ذواتهم وتوبتهم، وقوله وان كان الخ أن فيه وصلية أي لهم مدخل في الفعل بالكسب الاختياري والمباشرة، وإن كان الله خلقه كما هو مذهب الأشعرية ولا دلالة في كلامه على أنه لا مدخل لشلق الله في الشكل كما توهم، وقوله ولذلك جعل من أعمالهم دفع لما قيل إنه كيف جعل. مخلوقا لله ومعمولاً لهم من غير احتياج إلى إيقاع الخلق على جوهرها والعمل على شكلها كما في الكشاف تاييدا لمذهبه، وقوله فبأقداره الخ خبر
следующие страницы →