← Тафсир

Тафсир · id 1535

حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي = عناية القاضي وكفاية الراضي

الشهاب الخفاجي

Полный текст (3 156 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

قوله: (إلا أنها تعطفه بما عطف عليه الخ) يعني ليست الجمل المذكورة بعد الواوات متعاطفة على نسق واحد بل مجموع شهد واستكبرتم معطوف على مجموع كان وما معه، ومثله في المفردات هو الأوّل والآخر، والظاهر والباطن، والمعنى إن اجتمع كونه من عند الله مع كفركم واجتمع شهادته وايمانه مع استكباركم عن الإيمان، واستكبرتم معطوف على آمن لأنه قسيمه، والكل معطوف على الشرط ولا تكرار في استكبرتم لأنه بعد الشهادة والكفر قبلها، والحالية محتملة في الثانية أيضاً. قوله: (والشاهد هو عبد الله بن سلام) بتخفيف اللام الصحابيّ المشهور، فتكون هذه الآية مدنية مستثناة من السورة كما ذكره الكواشي وكونه إخباراً قبل الوقوع كقوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٤٨] خلاف الظاهر المتبادر، ولذا قيل لم يذهب أحد إلى أنّ الآية مكية إذا فسر الشاهد بابن سلام، وفيه بحث لأنه معطوف على الشرط الذي يصير به الماضي مستقبلا فليس من قبيل ما ذكر، فلا ضير في شهادة الشاهد بعد نزولها ويكون تفسيره به بيانا للواقع لا على أنه مراد بخصوصه منها لعموم النكرة بعد الشرط أو هو المراد والتنكير للتعظيم، وادّعا أنه لم يقل به أحد مع ذكره في شروح الكشاف لا وجه له، إلا أن يراد من السلف المفسرين وهو تحجير للواسع يحتاج إلى استقراء تامّ، وقيل الآية مكية وسبب نزولها أمر آخر، واسلام عبد الله بن سلام ﵁ مفصل في الكشاف وهو حديث صحيح ومن الإعلام سلام مخفف، ومنها ما هو مثدد، وتفصيله في كتاب المشتبه لابن حجر، ولا حاجة إلى استقصاء الكلام فيه هنا. قوله: (من نعت الرسول) هذا مؤيد لما مرّ من تفسيره به فكان المناسب للمصنف أن يذكره فيما مرّ فلعله أراد بنعت الرسول ما يشمل ذكر كتابه، وأنه منزل من عند الله وهو بعيد. قوله: (وهو ما في التوراة الخ) هذا على أنّ المراد بالشاهد ابن سلام فإنه لما صدق بالنبيّ ﷺ وبما جاء به لكونه مطابقا لما علمه من التوراة كان شاهدا على مثله ويجري على إرادة موسى ﵊ أيضا. وقوله: (من المعاني الخ) بين لما أو لمثل وهو الأظهر. وقوله: (المطابقة له) أي لمعانيه وهذا بيان لمماثلته له لاتحاد معانيهما، كالوعد والوعيد والتوحيد والإرسال وفي الكشاف على نزول مثله، وقيل: مثله كناية عن القرآن نفسه للمبالغة. وقوله: (أو مثل ذلك الخ) جعل شهادته على أنه من عند الله شهادة على مثله أي مثل شهادة القرآن لأنه بإعجازه كانه يشهد لنفسه بأنه من عند الله، وهذا أيضا جار على الوجهين وعلى كون الآية مكية ومدنية. قوله: (لما رآه من جنس الوحي) بفتح اللام وتشديد الميم، أو بالكسر. والتخفيف إشارة إلى أنّ الفاء للسببية وأنّ إيمانه مترتب على شهادته له بمطابقته للوحي، ويجوز أن تكون الفاء تفصيلية. وقوله: (اس! شاف) أي بيانيّ وقوله: بأنّ كفرهم لضلالهم لأنّ هذه الجملة تعليل لما قبلها، وهو الاستكبار عن الإيمان وهو عين الكفر وتسبب عن ظلمهم لتعليقه على المشتق. قوله: (ودليل الخ) ولدلالتة عليه حذف ومنهم من قدره أتؤمنون لدلالة فآمن، ووجه كونهم ظالمين أنّ مثله من عند الله في معتقدهم، فإذا لم ينصفوا يكونون ظالمين، وقدّر الجواب المعرب فقد ظلمتم وردّ ما قدّره الزمخشريّ والمصنف جواباً بأنه لو كان كذلك وجبت الفاء لأنّ الجملة الاستفهامية إذا وقعت جوابا للشرط لزمها الفاء، فإن كانت الأداة الهمزة تقدمت على الفاء، وإلا تأخرت واعتذر له السمين بأنه تقدير معنى لا تقدير إعراب وفيه كلام في شرح التسهيل يطول شرحه وقوله: وقال الذين الخ تحقيق لاستكبارهم. وقوله: (لأجلهم) فاللام ليست لام المشافهة والتبليغ، والا لقيل ما سبقتمونا وليس من مواطن الالتفات، وكونهم قصدوا تحقيرهم بالغيبة لا وجه له. وقوله: (سقاط) جمع ساقط كجهال جمع جاهل وهو الذي لا يعبأ به لعدم جاهه وماله، وأشياعه كما أشار إليه بقوله إذ أكثرهم الخ وغطفان بفتح الغين المعجمة والطاء المهملة قبيل معروفة، وكذا كل ما ذكر أسماء قبائل معروفة، وفي أسلم وأسلم تجنيس تامّ، ولذا لم يقل أسلمت. قوله: (مثل ظهر عنادهم الخ) إنما قدروا لإذ عاملها لأنها من الظروف اللازمة للإضافة إلى الجمل، وقد أضيفت إلى جملة لم يهتدوا به فلا تعمل فيها، وكذا لا يعمل فيها فسيقولون لأنّ إذ للمضي وهو مستقبل، وأيضاً الفاء تقتضي سبباً فلذا قدروا لها عاملا هو السبب وحذف عامل الظرف

стр. 2767

كثير ك! في قولهم حينئذ الآن أي كان ذلك حينئذ وامتغ الآن، فالماضي المقدّر معطوف على ما قبله والفاء دالة على تفريع ما بعدها على ذلك المقدر. وقال الواحديّ: إذ بمعنى إذا، وقد تأني للاستقبال، وقيل إنها تعليلية. وقال ابن الحاجب: يجوز تضمين إذ معنى الشرط بقرينة الفاء، وقد جوّز كونها معمولة لقوله فسيقولون باعتبار إرادة الاستمرار وردّ بأن المضارع إذا أريد به الاستمراو على أنّ السين للتأكيد، فإنما يدل على استمرار مستقبل بخلاف ما إذا لم يقترن بالسين، فإنه يكون للاستمرار في جميع الأزمنة، وأجيب عنه بأنّ السين إذا كانت للتأكيد يجوز أن يقصد الاستمرار في الأزمنة كلها نحو فلان يقري الضيف والفاء لا تمنع عن عمل ما بعدها فيما قبلها كما ذكره الرضي والتسبب حينئذ عن كفرهم. قوله: (مسبب عنه) أي عن ظهور عنادهم إشارة إلى أنّ الفاء للسببية والمسبب عنه مقدر. وقوله: (وهو أي) قولهم هذا إفك قديم بمعنى ما ذكر والقرآن يفسر بعضه بعضا. قوله تعالى: ( ﴿وَمِن قَبْلِهِ﴾ الخ) قراءة العامّة بمن الجارة، فالجار والمجرور خبر مقدم وقرى بمن الموصولة عمى أنه معمول لفعل مقدر كآتينا وإماما ورحمة حالان من كتاب والعامل فيه معنى الاستقرار والمعنى كيف يصح كونه إفكاً قديماً وقد سلموا كتاب موسى ورجعوا إلى حكمه مع أنّ القرآن ممدّق له، ولغيره من الكتب السالفة بمطابقته لها مع إعجازه وحفظه من التحريف القاطع بصحة ذلك، وهو جار على إرادة اليهود، أو مطلق الكفرة من الذين كفروا كما أشار إليه بقوله لكتاب موسى، أو لما بين يديه من الكتب السالفة، وأيد الثاني بأنه قرى به وتقديم من قبله للاهتمام، أو المعنى من قبله لا من بعده ليوفي حق الاختصاص اللازم له عند السكاكي كما في الكشف. قوله: (أو منه) أي من كتاب النكرة، وسوّغ مجيء الحال منه من غير تقديم له توصيفه والعامل حينئذ معنى الإشارة، وفيه كلام تقدم في هذا بعلى شيخا، وفائدتها أي فائدة مجيء الحال منه مع أنّ عربيتة أمر معلوم لكل أحد الدلالة على أنّ تصديقه لها باتحاد معناه معها، وهي غير عربية ومثله لا يكون ممن لم يعرف ذلك اللسان بغير وحي من الله وهو كاف في حقيته كما أشار إليه بقوله حقي دلّ الخ. وقوله: (يصدق ذا لسان الخ) يعني به النبيّ، فلا بد فيه من حذف المضاف، ولو جعل هذا إشارة إلى كتاب موسى لقربه لم يحتج لتقدير. وقوله: (وقيل) معطوف على قوله حال. قوله: (وفيه ضمير لخ) أي في هذا الفعل، وهو ينذر ضمير مستتر لما ذكر وأيد الأخير بقراءة الخطاب، فإنه لا يصلح بدون تكلف لغير الرسول والتعليل صحيح على الكل ولا يتوهم لزوم حذف اللام على أنّ الضمير للكتاب لوجود شرطه فإنه شرط الجواز لا الوجوب. وقوله: (وتوقيف) بتقديم القاف وفي نسخة بتاخيرها، وهو تحريف من الناسخ وقوله: (عطف على محله) أي محل لينذر وهو الجرّ لأنّ المصدر المسبوك لا يظهر إعرابه. قوله تعالى: ( ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا﴾ الخ) مرّ تفسيره في السجدة. وقوله: (جمعوا بين النوحيد) المستفاد من تعريف الطرفين المفيد للحصر. وقوله: (في الأمور) إشارة إلى عمومه لترك متعلقه والتي الخ صفة الاستقامة. وقوله: (على تأخر رتبة العمل (إشارة إلى أنها للتراخي الرتبي، وتوقف اعتباره على التوحيد من نفس الأمر، والترتيب الوجودي فهي للترتيب بدون تراخ وقوله: وجزاء منصوب بمقدر من لفظه لدلالة السياق عليه. قوله: (من لحوق مكروه) أي في الآخرة كما أنّ فوات المحبوب المطلوب في الدنيا ويجوز في هذا أن يكون لفاً ونشراً للعلم والعمل والأحسن رجوعه للكل. وقوله: (لتضمن الاسي! معنى الشرط) مع بقاء معنى الابتداء بخلاف ليت ولعل وكان كما فصله النحاة. وقوله: ﴿وَوَصَّيْنَا﴾ الخ تقدّم الكلام عليه في سورة العنكبوت. وقوله: (لىلصاء حسنا) فهو صفة لمصدر مقدر. وقد جوّز فيه المصدرية كعلنا فيكون له مصدران على فعل وفعل وهو خلاف المعروف في الاستعمال وإن توافقت فيه القراءتان. وقوله: ذات كره إشارة إلى أنه حال من الفاعل بتقدير مضاف. وقوله: (أو حمل! الخ) علي أنه صفة للمصدر، أو هو منصوب على المصدرية لتقدّم ما هو في معنى فعله وقد تقدم في النساء الفرق بين المفتوح والمضموم والكلام فيهما. قوله: (ومدّة حمله وفصاله) فيه مضاف مقدر لتصحيح الحمل من غير تكلف. وقوله: (أو وقته) عطف على قوله الفطام يعني الفصال إمّا

стр. 2768

بمعنى الفصل معطوف على حمله والمراد مدتهما، وإن كان الفصال بمعنى وقته فهو معطوف على مدّة الحمل المقدر وقوله والمراد به أي بالفصال على الوجهين. وقوله المنتهى به أي بالفصال أو بالفطام. وقوله: ولذلك أي ولكون المراد الرضاع التانم عبر بالفصال عنه، أو عن وقته دون الرضاع المطلق، لأنه لا يفيده والموصوف بقوله التامّ لما فيه من تطويل الكلام، وقد تقدم تفصيله في سورة البقرة. قوله: (كما يعبر بالأمد) ظاهره أنّ الأمد بمعنى النهاية وأنه عبر به عن جميع المدّة مجازاً كما تطلق الغاية على مجموع المسافة، وفيه نظر من وجهين الأوّل أنه مخالف لكلام أهل اللغة قال الراغب: يقال أمد كذا كما يقال زمانه والفرق بينهما أنّ الأمد يقال باعتبار الغاية، والزمان عامّ في الغاية والمبدأ، ولذا قال بعضهم الأمد والمدى متقاربان اهـ الثاني أنّ البيت المذكور لا دلالة له على مدعاه لاحتمال أن يكون انتهى بمعنى انقضى، ومضى فالأمد فيه بمعنى الغاية أيضاً ويدفع بحمل كلامه على ما قاله الراغب إذ ليس فيه ما يأباه والتأويل المذكور بعيد. قوله: (كل حتي الخ) البيت من شعر من قصيدة لعبيد الأبرص وتمامه: ومود إذا انتهى أمد. وهو من قصميدة مشهورة. قوله: (وفيه دليل على أنّ أقل الخ) لأنّ مجموع الحمل وتمام الرضاع ثلاثون شهراً، وقد ذكر في آية أخرى مدة الرضاع مقدّرة بحولين كاملين وهما أربعة وعشرون شهرا فالفاضل منها ستة أشهر، وقد ذكر الأطباء أنّ أقل مدة تكون الولد في الرحم هذا المقدار. وقوله: ولعل تخصيص الخ أي خص ما ذكر بالبيان في القرآن الكريم بطريق الصراحة، والدلالة دون أكثر الحمل وأقل الرضاع، وأوسطهما لانضباطهما بعدم النقص والزيادة بخلاف ما ذكر. قوله: (وتحقق ارتباط حكم النسب) بأقل مدّة الحمل حتى لو وضعته فيما دونه لم يثبت نسبه منه، وبعده يثبت وتبرأ أمّه من الزنا ولو أرضعته مرضعة بعد حولين لم يثبت له أحكام الرضاع في التناكح وغيره. قوله: (حتى إذا بلغ الخ) غاية لمقدر أي عاس واستمرّت حياته حتى الخ. والمراد أنه زاد سته على سن الكهولة من الثلاثين فما فوقها، وكونه لم يبعث نبيّ الخ أمر أغلبيّ، فإنّ عيسى كما مرّ نبئ في سن الصبا. وقيل إنه غير مسلم، وإنه كغيره بعث بعد الأربعين كما في شرح المواقف. وقوله: أوزعته بكذا أي جعلته مولعاً به راغباً في تحصيله فالمعنى رغبني ووفقني له. قوله: (وذلك يؤيد الخ) فإنه روي عن ابن عباس ﵄ أنها نزلت في الصدّيق ﵁ لأنه صحبه ﷺ ، وهو ابن ثمان عشرة ورسول الله ﷺ ابن عشرين سنة في سفر للشام في التجارة، فنزل تحت شجرة سمرة، وقال له الراهب: إنه لم يستظل بها أحد بعد عيسى غيره ﷺ ، فوقع في قلبه تصديقه ﷺ ، ولم يكن يفارقه في سفر ولا حضر، فلما نبئ وهو ابن أربعين سنة آمن به، وهو ابن ثمان وثلاثين سنة وصدقه فلما بلغ الأربعين قال وب أوزعني الخ كما قاله الوأحديّ، فما ذكر سواء أريد بالنعمة الدين أو ما يشمله يدل على أنها في حق واحد معين اتفق له في مراتب سنة ما اتفق، ولم يعهد في غير الصدّيق وذلك يحتمل أن يكون مبتدأ والجملة بعده خبره وما مفعوله، ويحتمل أنّ ما فاعل، وذلك مفعول مقدّم والإشارة إلى التفسير بما ذكر. قوله: (لم يكن أحد أسلم الخ) قيل عليه إسلام أبيه بعد الفتح، فيلزم أن ثكون هذه الآية مدنية والمصنف لم يستثن بعض الآيات كغيره فالتزمه بعضهم، وقال إنه مبنيّ على أنّ قوله ووصينا إلى أربع آيات مدنية فكان عليه أن ينبه عليه، وما ادّعاه من أنه لم يسلم أحد هو وأبوه غير. فيه نظر فإنّ في الصحابة جماعة كل منهم صحابيّ ابن صحابيّ كما يعرفه من نظر في أسماء الرجال كأسامة بن زيد وابن عمر نعم إنه قيل في ابنه عبد الرحمن إنه صحابيّ ابن صحابي ابن صحابي، ولا نظير له فتدبر. قوله: (أو لأنه أراد نوعاً) فالتنوين للتنويع، ولا يخفى أنّ النوع الذي يستجلب رضا الله عظيم أيضاً فالفرق بينهما يسير جدّا والمراد بكونه مرضياً له تعالى مع أنّ الرضا الإرادة مع ترك الاعتراض، وكل عمل صالح كذلك أن يكون سالما من غوائل عدم القبول كالرياء ونحوه، فحاصله اجعل عملي على وفق رضاك، وقيل المراد بالرضا هنا ثمرته على طريق الكناية. قوله: (واجعل لي الصلاح الخ) يعني كان الظاهر أصلح لي ذريتي لأنّ لإصلاح متعدّ

стр. 2769

كما في قوله وأصلحنا له زوجه فقيل إنه عدى بعلى لتضمته معنى اللطف أي الطف بي في ذريتي، أو هو نزل منزلة اللازم ثم عدى بفي ليفيد سريان الصلاح فيهم وكونهم كالظرف له لتمكنه فيهم، وهذا ما أراده المصنف وهو الأحسن. قوله: (يجرح الخ) أوّله: فإن تعتذر بالمحل من ذي ضروعها لدى المحل الخ والمراد بذي ضروعها اللبن يعني إن قل لبنها، فلم يكن فيه غنى للضيوف عرقبتها ونحرتها لهم ليأكلوها، وقد جعل يجرح مع تعديه لازما بمعنى يحدث في عراقيبها الجرح كما في الآية ٠٠ وقوله: عما لا ترضاه مأخوذ من قرينة المقابلة. وقوله: المخلصين لأنّ الإسلام بمعنى الانقياد، فهو في معنى الإخلاص وهو المناسب هنا وقوله: لا يثاب عليه إشارة إلى أنّ القبول كالمرادف للثواب وليس المراد بالأحسن الحسن كما توهم وقوله: لتوبتهم ليس ذكر التوبة لأنه لا مغفرة بدونها كما ذهب إليه المعتزلة بل لأنّ قوله: تبت أو لا قرينة عليه. قوله: (كائنين في عدادهم الخ) يعني أنّ الجارّ والمجرور هنا حال ومعنى الظرفية أنهم معدودون من زمرتهم، وعدهم فيهم يقتضي ثوابهم الجزيل مع المغفرة، فكان الظاهر عطفه بالواو لكنه عطفه باو ليغاير المتعلق بالخصوص والعموم، والظاهر أنه من قبيل وكانوا فيه من الزاهدين ليدل على الميالغة بعلوّ منزلتهم فيها إذ قولك فلان من العلماء أبلغ من قولك عالم، ولم يبينوه هنا، ومن لم يتنبه لهذا قال في بمعنى مع. قوله: (مصدر مؤكد لنفسه) يعني أنه منصوب على أنه مصدر لفعل مقدر، وهو مؤكد لمضمون جملة قبله لا محتمل لها غيره كقولك: له عليّ كذا عرفا كما أشار إليه بقوله: فإنّ الخ ومعنى المؤكد لنفسه وغيره مفصل في كتب النحو. قوله: (والمراد به الجنس) فهو في معنى الجمع ولذا صح الإخبار عنه بأولئك وهو جمع وقوله: وإن صح الخ جواب لسؤال مقدر على إرادة الجنس بأنه قيل إنها وردت في عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ فكيف يراد به الجنس، فإنّ خصوص السبب لا يدل على خصوص مدلوله حتى ينافي العموم، وفي تعبيره إشارة إلى عدم صحته لأن مروان قاله لمعاوية لما أراد معاوية عقد البيعة ليزيد فقال عبد الرحمن لقد جئتم بها هرقلية فقال مروان لتنفير الناس عنه هذا الذي قال لله في حقه والذي قال لوالديه الخ فأنكرت ذلك عائشة ﵂ وقالت لو شئت لسميت من نزلت فيه كما رواه النسائي وغيره وأيده الزمخشريّ بأنّ عبد الرحمن ﵁ من كبار الصحابة وهذه الآية في حق الكافر وهو الأصح، وأصله في البخاري كما ذكره ابن حجر ولم يقل، ولو صح لأنّ كثيرا من المحدثين كالسهيلي في الإعلام ذكر أنها نزلت في عبد الرحمن قبل إسلامه فلا وجه للتعبير بها كما قيل. قوله: (وفي أف قراآت) ولغات نحو الأربعين ذكرناها مع تحقيق معناها في سورة الإسراء، وقوله: بنون واحدة مشدّدة، وقرئ بالفك مع الكسر وسكون الياء، وفتحها وأمّا فتح النون فشاذ، وقد قيل إنه لحن لأنّ نون التثنية لا تفتح إلا في لغة رديئة. وقوله: فلم يرجع أحد منهم يعني أن المراد بمضيها هنا إنكار البعث كما قيل: ما جاءنا أحد يخبر أنه في جنة لمامضى أونار قوله: (يقولان الغياث) منصوب على المصدرية وضمير التثنية لوالديه والمراد إنكار قوله، واستعظامه كأنهما لجآ إلى الله في دفعه كما يقال العياذ بالله، أو يطلبان أن يغيثه الله بالتوفيق حتى-س جع عما هو عليه وقوله: يقولون يعني إنه معمول لقول مقدر صعطوف على قوله يستغيثان والأحسن أن يقدره يقولان والثبور الهلاك، وقوله: بالحث يعني أنه في الأصل معناه الدعاء بالهلاك، فأقيم مقام الحث على فعل أو ترك للإيماء إلى أنّ مرتكبه حقيق بأن يطلب له الهلاك، فإذا سمع ذلك ترك ما هو فيه وأخذ ما ينجعه كذا في شرح الكشاف للمدقق، وأورد عليه أنه لا يناسب معنى الحث فوجه الدلالة عليه أنّ فيه إشعاراً بأنّ الفعل الذي أمر به مما يحسد عليه، فيدعي عليه بذلك فهو باعث من هذه الجهة، ودفعه ظاهر لمن تأمّله لأنّ المراد الحث على خلاف المدعوّ عل! بسببيته فتدبر. وقوله: على تركه بدل من قوله على ما يخاف بصيغة المجهول، وقوله: بالثبور متعلق بالدعاء، وبالحث متعلق به أيضا وباؤه بمعنى مع أو للملابسة، وقيل: إنها للسببية ولو قال للحث كان أظهر. قوله: (وهو) أي ما ذكر من أنه حق عليه القول بدخول النار أي جزم بذلك لعلم

стр. 2770

الله بأنه لا يسلم فلا يصح أن يكون في حق من تحقق إيمانه لأنّ ما ذكر يدل على أنه من أهلها أي النار وقوله: لذلك أي لما حكى عنه من مقاله، فإنّ الإشارة كإعادة الموصوف وصفاته، وترتب الحكم على الوصف مؤذن بالعلية. وقوله: وقد جب بالبناء للمجهول أي قطع عنه ورفع ذلك إشارة إلى ما ورد في الحديث من أنّ الإسلام يجبّ ما قبله. وقوله: إن كان أي صح صدوره منه فكان تامّة، و، قوله: لإسلامه متعلق بقوله جبّ، ولا يخفى أنّ خصوص السبب لا يخصص الحكم فاذا أثبته ذلك للجنس لا ينافي خروج بعضهم من أحكامه الأخروية، وما قيل من أنّ ما ذكره المصنف ﵀ أولى من قوله: في الكشاف إنه كان من أفاضل المسلمين، وسرواتهم لسلامته عن الإيراد باحتمال سوء الخاتمة، وأنّ هذا في حق الكفار، فلا ينافي ما سيأتي من أنّ المظالم لا تغفر بالإيمان كلام مختل مضطرب لأنّ احتمال سوء الخاتمة لأفاضل الصحابة مما يلتفت إليه لا سيما من هو صدّيق ابن صديق، وما ذكره من المظالم سياتي ما فيه. قوله: (كقوله في أصحاب الجنة) يعني إنه واقع في مقابلته، فهو مثله إعرابا ومبالغة ومعنى. وقوله: على الاستئناف في جواب سؤال مقدر وقوله: مراتب توطئة للتغليب الآتي. وقوله: من جزاء ما عملوا إشارة إلى أنّ الجارّ والمجرور صفة درجات بتقدير مضاف فيه، وجمن بيانية أو ابتدائية، وما موصولة أو مصدرية. وقوله: من الخير والشر بيان لما أو من تعليلية بدون تقدير، وهو ظرف مستقرّ لا متعلق بكل كما قيل إلا أن يراد التعلق المعنوي. قوله: (جاءت على التنليب) أي للدرجات على الدركات لأنّ قوله لكل معناه لكل من الفريقين، والجنسين المستحقين للثواب والعقاب محال، ومراتب سواء كانت درجات أو دركات. وقوله: لكل بحسب الظاهر يأبى التغليب فتدبر. قوله: (وليوفيهاً الخ) فيه مضاف مقدر كما مرّ، وهو متعلق بمحذوف تقديره جازاهم بذلك وقد قرئ في السبعة بالياء التحتية والنون، وقراءة السلمي بتاء فوقية على الإسناد للدرجات مجازا وجملة وهم لا يظلمون حال مؤكدة أو اسنئناف. وقوله: بنقص ثواب الخ تقدّم أنه لو وقع لم يكن ظلماً وتأويله ما مرّ! من أنه لو صدر من العباد كان ظلماً. قوله: (يعذبون بها) يعني أن عرضهم على النار إمّا مجاز عن تعذيبهم من غير قلب، فهو كقولهم عرض على السيف إذا قتل كما مرّ أو بمعناه الحقيقي على القلب وهو الوجه الثاني ولما كان خلاف الأصل مرضه المصنف رحمه الله وقال أبو حيان إنه لا قلب في قولهم عرضت الناقة على الحوض لأنّ عرض الناقة على الحوض والحوض على الناقة صحيحان، وأنكر القلب في الآية. وقال إنه يرتكب للضرووة ولا ضرورة تدعو إليه هنا، ولا يخفى أنّ الزمخشري لم يخترع القلب في المثال المذكور بل سبقه إليه الجوهريّ، وغيره قال في عروس الأفراح المعروض ليس له اختيار والاختيار إنما هو للمعروض عليه فإنه قد يقبل، وقد يرد فعرض الناقة على الحوض مقلوب لفظا والقلب قد يكون لفظاً كخرق الثوب المسماو، ومعنى كقوله: كأنّ لون أرضه سماؤه وأمّا الآية ففي كونها من القلب ما سمعته، وقال السبكيّ إنها من القلب المعنويّ لا اللفظي لأنّ الكفار مقهورون، فكأنهم لا اختيار لهم والنار متصرفة فيهم، فهم كالمتاع الذي يتصرّف فيه من يعرض عليه كقولهم عرضت الجارية على البيع، والجاني على السيف والسوط، ومن الغريب قول ابن السكيت في كتاب التوسعة تقول عرضت الحوض على الناقة وأنما هو عرضت الناتة على الحوض على عكس ما مرّ، وهو مخالف للمشهور (أقول) الدّي لاح لي هنا أنّ العرض إن اعتبر فيه حركة المعروض، أو تحريكه نحو المعروض عليه وارادة المعروض عليه لما عرض عليه باختياره، أو ترجيحه وتمييزه كعرضت الرأي عليه لا يكون عرض الناقة على الحوض والكفار على النار وعكسه حقيقة لتخلف القيود المعتبرة فيما وضع له، ويصح كل منها على المجاز فعرض الناقة والكفار بمعنى السوق لأنّ المعروض يساق للمعروض عليه فهو في معنى وسيق الذين كفروا إلى جهنم وعكسه إعدادها وتهيئتها كقوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٤] لأنّ المعروض يهيا لتوجيهه للمعروض عليه وإن اعتبر الأوّل فقط كان عرض الناقة على الحوض، والكفار على النار حقيقة وعكسه من باب القلب وإن اعتبر الثاني كان على العكس، ومنه عرفت منزع الخلاف وأنّ ما ذكره المعترض كلام سطحي ناشئ من عدم

стр. 2771

التدقيق، وما ذكرناه من التوفيق من فيض من بيده أزمة التوفيق، ولبعضهم هنا كلام لا طائل تحتة، وقوله: مبالغة لأنه يقتضي أنها ثابتة، وأنهم جعلوا كالحطب الذي يساق لها وهو إشارة إلى أنّ القلب هنا مقبول لتضمنه نكتة، وهي المبالغة، وفي القلب ثلاثة أقوال معروفة الرد والقبول، والتفصيل بين ما تضمن نكتة فيقبل، وما لا يرد، وهو الصحيح عند أهل المعاني. قوله: (أي يقال لهم) إنما قدره ليرتبط به الكلام، وينتظم وضمير، وهو راجع إلى يقال المقدر لا إلى أذهبتم، وقوله: باستيفائها إشارة إلى أنّ الجار، والمجرور متعلق بقوله: أذهبتم، وأنّ الجمع المضاف يفيد الاستغراق، وكذا قوله فما بقي الخ، وقوله: بهمزة ممدودة صوابه غير ممدودة، وقوله: واستمتعتم بها عطف تفسير لقوله: أذهبتم، وقوله: بسبب الاستكبار يعني أنّ الباء سببية، وما مصدرية فيهما، وقوله: عن طاعة الله متعلق بالفسوق لأنه بمعنى الخروح. قوله: (وهو رمل الخ) هذا أصل معناه والمراد به منازلهم لأنها كانت ذات رمال كذلك كما أشار إله بقوله، وكانوا يسكنون الخ، وقوله: مشرفة أي قريبة منه ينظر الواقف بها البحر، والشحر بكسر الشين المعجمة، وتفتح وسكون الحاء المهملة، وفي آخره راء مهملة، وهو من أعمال اليمن، وإليه ينسب العنبر والطيب، وقوله: من احقوقف من ابتدائية أي مأخوذ منه لأنّ دائرة الأخذ أوسع من دائرة الاشتقاق أو المراد أنه مشتق منه لأنّ المجرد قد يشتق من المزيد إذا كان أعرف، وأشهر في معناه كما يقال الوجه من المواجهة، وقال التفتازاتي: لم يرد أنّ الحقف مشتق من احقوقف بل الأمر بالعكس، وأنما المراد أنّ بينهما اشتقاقا اهـ، وقيل عليه أنه لا يفيد وجه دخول من الابتدائية على المزيد ما لم يلاحظ ما ذكرناه، وفيه نظر لأنه بناء على أنّ الاشتقاق إنما هو من المجرّد فمن فيه اتصالية لا ابتدائية كما توهه هذا القائل فتدبر. قوله: (الرسل) إشارة إلى أنه جمع نذير بمعنى منذر لا بمعنى الإنذار كما جوّزه الزمخشري فإنه يكون حينئذ مصدرا، وجمعه على خلاف القياس فلا حاجة إليه وأمّا أنّ الأنذر ليس له أنواع مختلفة كما قيل فلا وجه له فانه يختلف باختلاف المنذر به. قوله: (قبل هود وبعده الف، ونشر مرتب، وقد جوّز فيه العكس لكنه غير متأت هنا لأنه قرىء، ومن بعده وهو معين لكون من خلفه بمعنى من بعده، ثم إنّ عطفه من قبيل: علفتها تبنا وماء باردا وفيه أقوال فقيل عامل الثاني مقدر، وقيل إنه مشاكلة، وقيل إنه من قبيل الاستعارة بالكناية كما فصلناه في الأمالي فلا يلزم الجمع بين الحقيقة، والمجاز كما قيل وإن كان جائزا عند المصنف ﵀ فلا حاجة إلى تكلف إنه باعتبار الثبوت في علمه تعالى أي ثبت، وتحقق في علمه خلوّ الماضين منهم، والآتين نعم هو لازم على تقدير أنه من تنزيل الآتي منزلة الماضي لتحققه كما في قوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ١٤٤ كما ذكره الشارح المحقق، وقوله: والجملة حال أي من فاعل أنذر أي معلماً بأنها خلت أو من المفعول أي عالمين ذلك بإعلامه لهم أو بغيره أو المعنى أنذرهم على فترة من الرسل فلا يؤوّل بما ذكر ويجوز عطفه على أنذر، وقوله: أو اعتراض أي بين المفسر، والمفسر أو بين الفعل ومتعلقه كأنه قيل اذكر زمان إنذار هود بما أنذر به الرسل قبله وبعده وهو أن لا تعبدوا الخ تنبيها على أنه إنذار ثابت قديما وحديثاً اتفق عليه الرسل فهو مؤكد لما اعترض فيه مع الإشارة إلى أنه مقصود قيد تابع كما في الحالية ولذا رجحه في الكشف مع ما فيه من التفسير بعد الإبهام، والسلامة عن تكلف الجمع بين الماضي، والمستقبل. قوله: (أي لا تعبدوا) فإن مفسرة بمعنى أي لتقدم ما فيه معنى القول دون حروفه وهو الإنذار، والمفسر معموله المقدّر، وقوله: بأن لا تعبدوا الخ على أنها مصدرية أو مخففة من الثقيلة فقبلها حرف جر مقدر متعلق بأنذر كما مرّ تحقيقه، وقوله كأنّ النهي الخ. بيان لكون أن لا تعبدوا مفسرا للإنذار أو مقدراً به على الوجهين، واشتمال ماً بعده أو مجموع الكلام على الإندّار لا يغني عما ذكر كما قيل، وقوله: إني أخاف الخ استئناف لتعليل النهي. قوله: (هائل) يعني أنّ عظمه مجاز عن كونه مهولاً لأنه لازم له وكون اليوم مهولاً باعتبار هول ما فيه من العذاب فالإسناد فيه مجازيّ، ولا حاجة إلى جعله صفة العذاب والجرّ للجوار، وقوله: بسبب شرككم يؤخذ من كونه تعليلاً لما قبله، وقوله: لتصرفنا لأنّ أصل معنى الإفك الصرف كما مرّ. قوله: (عن عبادتها) بيان للمراد من صرفهم عنها أو هو بتقدير مضاف فيه، وقوله: من العذاب

стр. 2772

وفي الكشاف عن معاجلة العذاب أي عن تعجيله في الدنيا لأنه هو الموعود به دون عذاب الآخرة فلا وجه لما قيل إنه لا وجه له. قوله: (لا علم لي بوقت عذابكم) هذا مدلول الحصر بإنما مع كون تعريف العلم للعهد فالمراد به العلم بوقت وقوع ما استعجلوه، وقوله: ولا مدخل لي فيه وجه إفادة هذا الكلام لما ذكر إنه وقع جوابا لاستعجالهم العذاب فيكون كناية عن أنه لا يقدر عليه، ولا على تعجيله لأنه لو قدر عليه، وأراده كان له علم به في الجملة فنفي علمه به نفي لمدخليته فيه حتى يطلب تعجيله من الله، وطلب تعجيله هو عين الدعاء المذكور في الكشاف حيث قال: فكيف أدعوه بأن يأتيكم بعذابه في وقت عاجل تقترحونه أنتم، ومن لم يفهمه قال لا حاجة لما ذكره الزمخشري فإنه يجر إلى سدّ باب الدعاء، وبهذا علم مطابقة جوابه لقولهم ائتنا. قوله: (فاستعجل به) فعل مضارع مبنيّ للفاعل منصوب في جواب النفي، ولا وجه لكونه مبنياً للمفعول كما قيل لما عرفت من معناه، وقوله: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ إشارة إلى أنه يفيد الحصر الإضافي بقرينة السياق، وقوله: في أفق أي جانب. قوله تعالى: ( ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ﴾ الخ (في الكشاف الضمير إمّا لقوله ما تعدنا أو مبهم يفسره قوله عارضاً، وهو إمّا تمييز أو حال وهذا الوجه أعرب، وأفصح وأنما كان أعرب أي أبين، وأظهر لما في عود الضمير لما من الخفاء لأنّ المرئيّ يكون الموعود باعتبار المآل، والسببية له، والا فليس هو المرئي حقيقة لكنه اعترض عليه بأنّ الضمير إنما يكون مبهماً مفسرا بما بعده في باب رب، ونعم وبأنّ النحاة لا يعرفون تفسيره بالحال، وقد مرّ فيه كلام في البقرة. قوله: (متوجه أوديتهم) أي في مقابلتها، واضافته لفظية إذ هو مضاف لمعموله، وليس بمعنى المضيّ، وقد وقع صفة للنكرة، وكذا قوله ممطرنا، وقوله قال هود قدره ليتم النظام، ويتوجه الإضراب، ولو قدر قل بقرينة القراءة به كان أتم، ولا وجه لتقدير قال الله كما في تفسير البغوي: وهذا كالعطف التلقيني، والبدلية من ما أو من هو، وقوله: صفتها أي صفة ربح لكونه جملة بعد نكرة، ويجوز في جملة تدمر أن تكون مستأنفة، وقوله من نفوسهم الخ إشارة إلى أنه استغراق عرفي، وقوله: نابضة حركة من نبض بمعنى تحرّك، وليس من إضمافة الصفة للموصوف لأنه لا يتأتى في قابضة سكون، وهما على وتيرة واحدة بل هو صفة أي حال نابضة، أو قابضة، والإضافة للحركة، والسكون بيانية. قوله: (وفي ذكر الأمر الخ) توجيه لتخصيصها بالربوبية مع عمومها بأنه لفوائد ككونها مما يدل على ربوبيته، وقدرته القاهرة وأنها مأمورة مسخرة إلى غير ذلك من الفوائد، وقوله: وقرئ يدمر بالياء التحتية من دمر الثلاثي كقعد، ورفع كل على الفاعلية، وقرئ بالفوقية من الثلاثي مع نصب كل وحذف العائد إذا كان الضمير للأشياء، والتقدير بها يدمر فتأمّل، وقوله: ويحتمل معطوف على قوله فيكون العائد الخ، وقوله: لا يتقدم الخ لكونه بأمر لا يعدوه، وهو بيان لوجه الإمهال، وترك التعجيل. قوله: (فجأتهم (إما من المفاجأة أو الفاء رابطة له بما قبله، والفعل بعدها من المجيء، وهو إشارة إلى أن الفاء فصيحة، وقوله: بحيث لو حضرت الخ يعني أنّ الخطاب له ﷺ على الفرض، والتقدير، ويجوز أن يكون عاما لكل من يصلح للخطاب، وقوله: وقرأ عاصم الخ هو بضم الياء التحتية، وصيغة المجهول، وقرأها الأعمش بالفوقية، والرفع أيضاً، والجمهور على أنه يمتنع لحاق التأنيث مع فصل إلا في الضرورة كقوله: وما بقيت إلا الضلوع الجراشع وفيه كلام في محله. قوله: (في الحظيرة) هي مكان يجعل في أطرافه الحطب، ونحوه ويدخل فيه، وقوله: فأمالت الأحقاف أي حملت الرياح، وأدخلتها مساكنهم، وضمير كشفت للريح أيضا أي أزالت ما حملته وسفته من الرمال. قوله: (توجب التكرير لفظاً الا معنى لأنّ الأولى موصولة لكنه فيه شبه التكرار الثقيل، ولذا قال من ذهب إلى أنّ أصل مهماما ما على أنها ما الشرطية مكرّرة للتوكيد قلبت ألف الأولى هاء فرارا من ثقل المعاد، وقوله في الذي الخ يعني هي موصولة أو موصوفة، والجملة الشرطية صلة أو صفة وقوله: صلة أي زائدة للتأكيد، وهم يعبرون عن مثله بالصلة تأدّباً، وهرباً من إطلاق الزائد عليه لأنه ليس زائدا مستغنى عنه بلا فائدة بلى لا بد فيه ما يحسنه في الجملة. قوله: (يرجى المرء ما أن لا يراه ويعرضر دون أدناه الخطوب)

стр. 2773

يرجى يحتمل أن يكون بمعنى يؤمّل، وكونه لا يراه كناية عن بعده وهو وصف له بالحرص، وأنه يحرص على الأمور البعيدة عنه، ويجهد في حصولها مع أنّ خطوب الدهر أي حوادثه قد تحول بيته، وبين أدنى شيء إليه، وأقرب منه، ويحتمل أنه بمعنى يخاف من أمور لا يدركها، وهو يتضرّر بأدنى شيء أي أقربه أو أقله وهذا كما في المثل قرأ أخاف عليه لا حرّاً، وقيل معناه تعرض الخطوب، والبلايا عند بلوغ أدنى شيء مما يؤمله، وهو يرجيه ظانا أنه خير له كقوله: ﴿وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢١٦] أو هو كقوله: المرء قد يرجو الرخاء مؤملاً والموت دونه قوله: (والأوّل أظهرا لسلامته من الزيادة والحذف، وقوله: وأوفق الخ أمّا من الأخير فظاهر، وكذا من الثاني لأنّ أن الشرطية لا تقتضي الوقوع، ولا عدمه حتى تكون نصا في موافقته فلا وجه لما قيل الموافقة متحققة على تقدير الشرطية أيضا، وأفرد السمع في النظم وجمع غيره لاتحاد المدرك به، وهو الأصوات، وتعدد مدركات غيره ولأنه في الأصل مصدر كما مرّ وأيضاً مسموعهم من الرسل متحد. قوله: (ليعرفوا تلك النعم) بيان للجميع لأنها تعرف بسائر الحواس فبالسمع يصل المرء إلى معرفة الشرائع، وغير ذلك مما هو من أجل النعم، وبالبصر يرى ما أنعم به عليه من الملابس، والمحاسن وغيرها، ومن الغفلة ما قيل إنه متعلق بالأفئدة فقط، والسمع ليسمعوا النذر، والأبصار ليبصروا آيات الآفاق والأنفس فيعتبروا ويتعظوا وقوله، وهو القليل بيان لأنّ من تبعيضية، وهي تحتمل الزيادة في المصدر فقوله: القليل حينئذ بيان لمعنى تنويته، وما في قوله: فما أغنى نافية أو استفهامية ولا يضره زيادة في المصدر فقوله القليل حينئذ بيان لمعنى تنوينه، وما في قوله. فما أغنى نافية أو استفهامية ولا يضر. زيادة من بعده كما زعم أبو حيان لأنها تزاد في غير الموجب، وفسروه بالنفي والنهي، والاستفهام فقوله: صلة أي متعلق بالنفي الصريح أو الضمني. قوله: (طرف جرى مجرى التعليل الخ) أشار في الكشاف إلى تحقيقه بأنه ظرف أريد به التعليل كناية أو مجاز الاستواء مؤدّي التعليل، والظرف في قولك ضربته لإساءته، وضربته إذ أساء لأنك إنما ضربته في ذلك الوقت لوجود الإساءة فيه إلا أن إذ وحيث غلبتا دون سائر الظروف في ذلك حتى كاد يلحق بمعانيهما الوضعية اهـ، وهو كلام نفيس وفي ذكر الغلبة إشارة إلى جريانه في غيرهما لكنه خلاف الكثير الأغلب، ومن فهم منه الاختصاص بهما فقد أخطا، وفي قول المصنف، وكذلك حيث إشارة لذلك، وقوله: من القرى بتقدير مضاف أو تجوّز عن أهلها لقوله: لعلهم يرجعون، ولو عمم لخرابها صح، وحجر بكسر فسكون. قوله: (من حيث إنّ الحكم مرتب الخ) يعني أنّ كونه علة باعتبار ما أضيف هو إليه لأنه كاللام، والعلة المترتب عليها الحكم ما بعدها. قوله: (فهلا منعتهم الخ) يعني أنّ لولا هنا للتوبيخ، والتنديم لدخولها على الماضي، والمراد بنصرهم منعهم من الهلاك الذي وقعوا فيه، وقوله: وأول مفعولي الخ مبتدأ، والراجع صفته، ومحذوف خبره، وفي نسخة المحذوف معرّف على أنّ الخبر الراجع، وهو صفته وقوله، وثانيهما أي مفعولي اتخذ لتعدّيه لاثنين كما لا يخفى، وهو ردّ على الزمخشريّ حيث قال: ولا يصح أن يكون قرباناً مفعولاً ثانياً، وا-لهة بدلاً منه لفساد المعنى؟ وللشراح فيه كلام طويل الذيل في الكشف، وحاصله أنّ المفعول الأوّل الضمير المحذوف، والثاني آلهة، وقرباناً حال وما عداه فاسد معنى فقال المطرزيّ، لأنه لا يصح أن يقال تقربوا بها دون الله لأنه تعالى لا يتقرّب به ومعناه ما في الانتصاف أنه يصير الذم متوجها إلى ترك اتخاذ الله متقربا به لأنك لو قلت لعبدك اتخذت فلاناً سيدا دوني فقد وبخته على نسبة السيادة لغيرك، والله تعالى لا يتقرّب به، ولكن يتقرّب إليه، وهذا معنى ما نقله عن المصنف من أت لا يصح أن يقال تقرّبوا بها من دون الله لأنّ الله لا يتقرّب به، وأنما يتقرّب إليه وأراد أنه إذا جعل مفعولاً ثانيا يكون المعنى فلولا نصرهم الذين اتخذوهم قربانا بدل الله أو متجاوزين عن اتخاذه قربانا لآلهتهم، وهو معنى فاسد، والاعتراض بأن جعل دون بمعنى قدام، وأنّ قربانا قد قيل إنه مفعول له أي متقرّب له فهو غير مخصوص بالمتقرّب به، وجاز أن يطلق على المتقرّب إليه، وحينئذ يلتئم الكلام غير قادح لأنه مع قلة استعماله لا يصلح ظرفا للاتخاذ، وأمّا قوله: فهو غير مخصوص بالمتقرّب به فليس بشيء لأنّ جار الله بعد أن فسر القربان بما يتقرب به ذكر هذا الامتناع على أنّ قوله بل ضلوا عنهم

стр. 2774

ينادي على فساده أرفع ا! لنداء، والله أعلم، وقيل أيضا البدل، وإن كان هو المقصود لكن لا بد في غير بدل الخالط من صحة المعنى بدونه، ولا صحة لقولهم اتخذوهم من دون الله قربانا أي ما يتقرّب به لأنّ الله لا يتقرّب به بل يتقرّب إليه فلا يصح أنهم اتخذوهم قربانا متجاوزين الله في ذلك، وأما حذف أحد مفعولي باب علمت فقد مرّ في آل عمران، وفي الإيضاح فساده لأنه لا يستقيم أن يقال كان من حق الله أن يتخذ قربانا وهم! ، لخذوا الأصنام من دونه قربانا كما استقام كان من حق الله أن يتخذ إلها، وهم اتخذوا الأصنام من دونه آلهة، وهو قريب مما مرّ والمصنف ﵀ جنح إلى أنه يصح أن يقال الله يتقرّب به أي برضاه، والتوسل به والفساد إنما يلزم لو كان معنى من دون الله غيره أما إذا كان بمعنى بين يديه فلا كما قاله بعض الثراح، وإليه ذهب أبو البقاء، وغيره وفي النظم وجوه أخر من الإعراب فصلها السمين، وأبو حيان فليحرّر هذا المقام فإنه من مزالّ الأقدام. قوله: (أو! لهة) عطف على قوله: قربانا، وقوله: عن نصرهم بالنون، ويجوز أن يكون بالباء التحتية فلا يلزم إنهم كانوا يمرأى منهم كما قيل لكن الأول هو الموافق لما في الكشاف وعليه أكثر النسخ وقوله: امتناع الخ. هو إشارة إلى أنّ في ضلوا استعارة تبعية. قوله: (وذلك الاتخاذ الخ) فالإشارة إلى الاطخاذ المذكور، وجعلها الزمخشريّ إشارة إلى امتناع نصرة آلهتهم لهم فقدّر فيه مضافاً أي أثر ءإفكهم لأنّ امتناع النصرة، وضلالهم عنهم أثر للإفك بمعنى الصرف عن الحق، وكذلك اتخاذهم آلهة كذلك فالإفك والافتراء على هذا شيثان متغايران، وقد رجح ما في الكشاف كما بيته شراحه، وقوله: أفكهم بالتشديد وصيغة الماضي، وآفكهم با أصمذ على زنة المفاعلة أو أصله أفعل، وما بعده اسم الفاعل. قوله: (أملناهم إليك (المراد، وجهناهم لك، وفي معنى النفر كلام سيأتي تفصميله في سورة الجن، وقوله: حال أي من نفراً لأنه نكرة موصوفة، وحمله على المعنى بجمع ضميره لأنه اسم جمع فهو في المعنى جمع، وعلى كون الضمير للقرآن فيه تجوّز وإذا كان للرسول فيه التفات. قوله: (أي منذرين إياهم) فمفعوله محذوف للفاصلة، وفي نسخة مخوّفين داعين إلى قول الرسول ﷺ ووادي النخلة معروف بين مكة، والطائف، ومنصرفه مصدر بمعنى انصرافه. قوله: (من الطائف) أي لما ذهب إلى دعوتهم قبل الهجرة كما بين في كتب السير لا في غزوته لهم فإنّ السورة مكية، ولم تستثن هذه الآية منها كما مرّ. قوله: (قيل إنما قالوا ذلك الخ) مرضه لأنه لا دليل عليه، وكذا ما بعده فانّ اشتهار أمر عيسى ﵊، وانتشار أمر دينه أظهر من أن يخفى لا سيما على الجن، والأحسن ما في شروح البخاري في حديث ورقة بن نوفل، وقوله: لما شاهدوا أمر النبيّ لمجيرو، وهذا هو الناموس الذي نزل على موسى دون أن يذكر عيسى لأنّ موسى متفق عليه عند أهل الكتابين، ولأن الكتاب المنزل عليه أجل الكتب قبل القرآن وكان عيسى مأموراً بالعمل بالتوراة، وقوله: من الشرائع أقي الأحكام الفرعية أو ما يشمل العقائد فهو من ذكر العامّ بعد الخاص، وقوله: وآمنوا به أي بداعي الله أو بالله لقوله: يغفر لكم. قوله: (بعض ذنوبكم (فمن تبعيضية، وقوله: فإن أن مظالم أي حقوق العباد، وليس هذا على إطلاقه فإنها ساقطة أيضا عن الحربي كالقتل، والغصب، وما نقله الطيبي من الحديث الدال على مغفرة المظالم مطلقاً غير مسلم فإنه مؤوّل عند المحدثين، وقد قيل إنه لم يرد وعد المغفرة للكافر على تقدير الإيمان في كتاب الله إلا مبعضة، والسر فيه أنّ مقام الكافر قبض لا بسط فلذلك لم يبسط رجاؤه كما في حق المؤمن. قوله: (واحتج أبو حتيفة الخ) قال النسفيّ في التيسير: توقف أبو حنيفة في ثواب الجن في الجنة، ونعيمهم لأنه لا استحقاق للعبد على الله تعالى، ولم يقل بطريق الوعد في حقهم، إلا المغفرة والإجارة، وهو مقطوع به، وأما نعيم الجنة فموقوف على الدليل، وهذا وهو الظاهر يدل على توقف أبي حتيفة في شأنهم لا الجزم بعدم ثوابهم كما هو ظاهر كلام المصنف ﵀ إلا أن يؤوّل بنفي القطع فيه فالمذاهب ثلاثة وتوابع التكليف الثوإب، والعقاب في الآخرة، والمؤاخذة في الدنيا كما في قوله: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١٣٢] والاقتصار على ما ذكر لما فيه من التذكير بالذنوب، والمقام مقام الإنذار فلذا لم يذكر فيه شيء من الثواب. قوله: (ولم يتعب ولم يعجز) هذا بناء على أنّ العيّ في التعب، والعجز على حد واحد، وفيه خلاف لأهل اللغة

стр. 2775

فقال الكسائيّ: يقال أعييت من التعب، وعييت من انقطاع الحيلة، والعجز والتحير في الأمر، ومنهم من لم يفرق بينهما، وفي جمع المصنف ﵀ بين التعب، والعجز إشارة إلى عدم الفرق بينهما. قوله: (والمعنى أن قدّرته الخ) فالمراد بكونها واجبة أنها لازمة للذات غير منفكة عنها، وما كان بالذات لا يتخلف، ولا يختلف كما تقرّر في الأصول فعدم العيئ والتعب مجاز عن عدم الانقطاع والنقص وقوله: أبد الآباد عبارة عن الدوام، ولو بلازمان، وقوله: قادر إشارة إلى أنه خبر أنّ. قوله: (ويدل عليه قراءة يعقوب يقدر (هنا، وفي يس في إحدى الروايتين عنه، وهذه القراءة موافقة أيضا للرسم العثماني أي يدل على أنّ قدرته لا تنقطع المضارع الدال على الاستمرار، وقوله: فإنه مشتمل الخ إشارة إلى ما مرّ من أنّ الباء تزاد بعد النفي، وما في حيز أنّ مثبت لكنه لانسحاب النفي عليه عومل معاملة المنفيّ، وقوله: ولذلك أجاب الخ أي لكونه في حكم النفي لأنّ بلى يختص بجواب النفي، وتفيد إبطاله على الصثمهور، وإن ورد في الإثبات نادراً، وأجازه بعض النحاة فهو في معنى أليس بقادر فلذا أكد بقوله: ﴿أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . قوله: (يكون كالبرهان) ولذا قيل إنه كبرى لصغرى سهلة الحصول! فكأنه قيل: إحياء الموتى شيء، وكل شيء مقدور له تعالى فينتج أن إحياء الموتى مقدور له، ويلزمه أنه قادر على أن يحيي الموتى، وقوله: بقول الخ تقديره، ويقال لهم يوم يعرض الخ أليس الخ، وقيل هو حال فتقديره، وقد قيل وفيه نظر والظاهر أنها معترضة، وقوله، والإشارة إلى العذاب الخ بقرينة التصريح به بعده، وقوله: بكفركم إشارة إلى أنّ ما مصدرية. قوله: (ومعنى الأمر الخ) فهو تهكم، وتوبيخ وإلا لكان تحصيلاً للحاصل، وليس تكوينا كما قيل أن يراد إيجاد عذاب غير ما هم فيه، والتوبيخ من قوله بما كنتم تكفرون، وقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ﴾ الخ الفاء عاطفة لهذه الجملة على ما تقدم، والسببية فيها ظاهرة كما قاله المعرب أو هي جواب شرط مقدر أي إذا كان الأمر على ما تحققته من قدرته الباهرة فاصبر الخ، وفسر العزم بالثبات، والاجتهاد في تنفيذ ما يريد وأولو العزم إما الرسل مطلقاً فمن بيانية، وهذا أحد الأقوال فيه أو طائفة مخصوصة منهم فمن تبعيضية، وفي تعيينهم أقوال كما أشار إليه المصنف ﵀. قوله: ( ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ﴾ الخ) أولو العزم من له عزم، ومعناه لغة مفصل في كتب اللغة قال شمر العزم، والعزيمة ما عقدت قلبك عليه من أمر، والعزم أيضاً القوّة على الشيء، والصبر عليه فالمراد به هنا المجتهدون المجدون أو الصابرون على أمر الله فيما عهده إليهم، وقدره وقضاه عليهم، ومطلق الجدّ والجهد، والصبر موجود في جميع الرسل بل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وكثير من الأولياء فلذا ذهب جمهور المفسرين في هذه الآية إلى أنهم جميع الرسل وأنّ من بيانية لا تبعيضية فكل رسول من أولي العزم، وارتضاه المصنف ﵀، وقدمه فإن أريد به معنى مخصوص ببعضهم فلا بد من بيانه ليظهر وجه التخصيص، ومنشأ الاختلاف في عددهم إلى أقوال أحدها أنهم جميع الردمل، والثاني أنهم أربعة نوح، وإبراهيم وموسى ومحمد، والثاني أنهم خمسة: محمد ونوج وابراهيم وموسى وعيسى، والرأبع أنهم ستة بزيادة واحد كهرون أو داود، والخامس أن! م سبعة: آدم ونوح وإبراهيم وموسى وداود وسليمان وعيسى كما ذكره السيد علي، وفي في خزينته، والسادس أنهم تسعة: نوح وابراهيم، واسحاق ويعقوب ويوسف وأيوب، وموسى وداود وعيسى كما في القاموس هذا هو المشهور، وقد يزاد وينقص، وتوجيه التخصيص أنّ المراد بهم من له جد، وجهد تامّ في دعوته إلى الحق وذيه عن حريم التوحيد، وحمى الشريعة بحيث يصبر على ما لا يطيقه سواه من عوارضه النفسية، والبدنية وأموره الخارجية كمبارزة كل أهل عصره كما كان لآدم، ونوح أو لملك جبار في عصره، وانتصاره عليه من غير عدة دنيوية كنمروذ إبراهيم، وجالوت داود وفرعون موسى، ولكل موسى فرعون، ولكل محمد أبو جهل وكالابتلاء بأمور لا يصبر عليها البشر بدون قوّة قدسية، ونفس ربانية كما وقع لأيوب ﵊ ومن هنا كشف برقع الخفاء عن وجه التخصيص، وهذا مما كشفت بركاتهم سرّه. قوله: (أولو الثبات الخ) إشارة إلى معنييه، والجذ بكسر الجيم وتشديد الدال الاجتهاد، وقوله: أصحاب الشرائع قالوا هو على احتمال التبعيض إلا أنّ الرسول لا يكون إلا صاحب شرع مبلغ فلا يناسبه بحسب الظاهر، وقد قيل إنه

стр. 2776

أراد أنه اختص بالأربعة المذكورة، ونبينا ﷺ لغلبته عليهم، وسكت عن ذكر خاتمتهم لأنه المقصود هنا ولك أن تقول إنّ هذا من إيجازه البديع، وهو جار على القولين أما على الأوّل فلأنه لم يرد الحصر فيمن ذكر بدليل قوله مشاهيرهم، وكاف التشبيه في قوله: كنوح الخ. وأمّا على الثاني فيصح الحصر لأنّ اشتهارهم بذلك يخصه بهم عند الإطلاق كما في الأعلام الغالبة حيث اختصت بمن اشتهر بها حتى صارت كالعلم الوضعيّ. قوله. (اجتهدوا) جملة مستأنفة لبيان وجه التسمية، وهم على هذا خمسة كما قيل: أولو العزم نوح والخليل الممجد وموسى وعيسى والنبيّ محمد قوله: (كنوح الخ الما كان البلاء معهوداً، وغير معهود بواسطة، وبدونها ممتدا، وغير ممتد أشار إلى ما ابتلاهم الله به من أنواعه والذبيح إسماعيل أو إسحاق كما مز، وقوله. والبصر تقدم أن الصحيح إنه لم يعم، وأنما ضعف بصره، وقوله: لم يضع لبنة على لبنة أي لم يبن بناء قط، وما ذكره من قصة موسى تقدم بيانه، وفي قوله استقصروا الخ إشارة إلى أن لبثهم المراد به مدّة عمرهم أو مكثهم في الدنيا. قوله: (بلاغ) قرئ بالرفع، والنصب والجرّ، ومعناه إمّا التبليغ أو الانقياد أو الكفاية فعلى الرفع هو خبر مبتدأ مقدر تقديره هذا الذي الخ. كما أوضحه المصنف، وقوله: أي كفاية الخ على التقديرين فالوجوه أربعة. قوله: (ويؤيده (أي يؤيد إنه بمعنى التبليغ إنه قرئ بصيغة الفعل من التبليغ على أنه أمر له فإنه قرئ به أو فعل ماض من التفعيل فإنه قراءة أيضاً، وكلاهما من الشواذ، وتاييده ظاهر لأنه من التبليغ. قوله:) وقيل بلاغ) في قراءته بالرفع مبتدأ خبره قوله لهم السابق فيوقف على قوله ولا تستعجل، ويبتدئ بقوله لهم بلاغ، وما بينهما من التشبيه معترض بين المبتدأ والخبر وهو ضعيف جدّاً لما فيه من الفصل، ومخالفة الظاهر لأنّ الظاهر تعلق لهم بتستعجل، ولهذا مرضه المصنف، وقوله: وقت يبلغون إليه لأنّ البلاغ، والبلوع يكون بمعنى الانتهاء إلى أقصى الأمر، والمنتهى زمانا كان أو مكاناً كما قاله الراغب: وقوله كانهم الخ إشارة إلى أنه معترض للتأكيد فإنّ استقصارهم للماضي لما شاهدوه من الهول الحاصل، وقوله: بلغوا لو قدر أمراً على وفق القراءة السابقة كان أحسن كما قيل. قوله: (الخارجون الخ) تقدّم أنّ أصل معناه الخروج عن الطاعة، وفي يهلك لغات تقدمت، وقوله من قرأ الخ حديث موضوع، وخص الرملة لأنها معنى الأحقاف كما مرّ تمت سورة الأحقاف بحمد الله ومنه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وا-له وصحبه أجمعين. سورة محمد ﷺ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (وهي مدنية (على الأصح، ولا إجماع فيه كما قاله ابن عطية فإنه روى خلافه عن ابن عباس، وبعض الصحابة فلا وجه لدعوى الإجماع، وقيل إلا قوله، وكأين من قرية الخ، وقوله: وآيها جمع آية سبع بالباء التحتية، وفي نسخة تسع بالتاء الفوقية، وهو الأصح كما في كتاب العدد للداني، وقيل: أربعون، والخلاف في قوله: حتى تضع الحرب أوزارها، وقوله: لذة للشاربين. قوله: (امتنعوا عن الدخول في الإسلام) صد صدودا وصدا لازم، ومتعدّ وأصده لغة فيه، والى الأوّل أشار بقوله: امتنعوا، وقوله: سلوك طريقه الضمير للدخول أو للإسلام، وهو الأظهر لا لله لبعده، وقوله: أو منعوا الناس إشارة إلى الثاني، وعلى الوجهين اتصاله بما قبله في آخر السورة ظاهر، وهو أنه كالمؤكد لقوله: كفروا عليهما لا على البدل فقط كما قيل إذ لا وجه له. قوله: (كالمطعمين يوم بدر (من المشركين فإنهم بإعانتهم لمن أتى لمنع المسلمين عن الجهاد، والغنائم كانوا صادّين بأنفسهم، وأموالهم فصدهم أعظم من صذ غيرهم ممن كفر، وصدّ عن السبيل، وخص بدرا والمراد به الكبرى لأنها أوّل وقعة فيها القتل، والفداء فلا غبار عليه إنما الكلام فيهم فالذي رويناه في سيرة ابن سيد الناس أنّ أوّل من نحر لهم حين خرجوا من مكة أبو جهل لعنه الله نحر عشرا من الإبل، ثم صفوان

стр. 2777

بن أمية تسعا بعسفان، ثم سهيل بن عمرو بقديد عشرا، ثم شيبة بن ربيعة، وقد ضلوا الطريق تسعاً ثم عتبة ابن ربيعة عشرا، ثم مقيس الجمحي بالإبواء تسعا، ثم العباس عشرا، والحرث بن عامر تسعا، وأبو البحتريّ على ماء بدر عشرأ، ومقيس تسعا ثم شغلتهم الحرب فأكلوا من أزوادهم، ونقل المحشي أنهم ستة نبيه ومنبه بن الحجاج وعتبة، وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل، والحرث ابنا هشام وضم إليهم مقاتل عامر بن نوفل، وحكيم بن حزام وزمعة بن الأسود، وأبا سفيان بن حرب وصفوان بن أمية، والعباس، وقال إنهم أطعموا الأحابيش استظهارا على عداوة النبيئءيخيلى، واعترض على عد أبي سفيان فيهم، وهو كان مع العير، ولا يخفى أنّ المراد بيوم بدر زمن وقعتها فيشمل ما أطعم في الطريق، وفي مذتها حتى انقضت فلا يرد ما ذكر إن صحت الرواية، وهو كلام آخر، وشياطين قريش العتاة من كفارهم. قوله:) أو عام في جميع من كفر ( تردّد في عمومه ولم يتردّد في عموم مقابله لظهور الفرق بينهما، وإن ظنه بعض خفيا لأنّ التردد على تفسيره الثاني، وليس كل كافر وقع منه الصدّ عن ذلك أمّا من ذكر من الكفار فصدر ذلك منه بخلاف المؤمنين الموصوفين بما ذكر فانه ظاهر في العموم. قوله: (جعل) بصيغة المجهول أو المعلوم، وفاعله ضمير مستتر يرجع إلى الله للعلم به من السياق، وقوله: محبطة بالكفر على الوجهين، وإن كان في اقتصاره على الكفر ما يوهم أنه على الأوّل ففيه إيماء لترجيحه، وقوله: مغلوبة مغمورة فيه فيه أنه إن أراد به إحباطها، وعدم نفعها تكرّر مع ما قبله، والا فلا معنى لغلبته عليه إن لم يكن محبطاً، وقوله: أو ضلالاً معطوف على قوله: ضالة أي معنى أضل أعمالهم صيرها ضلالا أي غير هدى، ولو قيل على هذا ضالة على أنه إسناد مجازي صح، وقوله: يقصدوا به أي بما ذكر، ولذا ذكره ولو قال بها بضمير الأعمال كان أظهر. قوله: (أو أبطل الخ) فإضافة الأعمال للعهد أو المراد بها على الأوّل محاسن الأعمال وعلى هذا المكايد وصدهم، واضلالها من ضل إذا غاب فتجوز به عن الإبطال، وهو معطوف على جعل، وقوله: بنصر الخ متعلق به على اللف، والنشر المرتب. قوله: (يعم الخ الأن الموصول من صيغ العموم ولا داعي للتخصيص هنا كما في الأوّل كما نبهناك عليه، وقوله: تخصيص الخ، أي خص بالذكر مع دخوله فيما قبله لما ذكر من النكات، على هذا فالمراد بما نزل القرآن أو الدين، والمراد أحكامه الفرعية، والإيمان به التصديق بحقيته من عند الله، ولو أريد به كل ما نزل عليه من الوحي بالشريعة الأصلية، والفرعية لم يكن كذلك، ووجه إفادته للتعظيم قرّرناه في عطف جبريل، والدلالة على أنه لا يتم بدونه لأنه يفيد بعطفه أنه أعظم أركانه لأفراده بالذكر ويلزم منه ما ذكر، وقوله: مما يجب أي من بين كل ما يحب الإيمان به، وقوله: ولذلك أي لكونه الأصل الذي لا يتم بدونه أو للإشعار بما ذكر أكده لأنه مقتض للاعتناء به. قوله:) اعتراضاً) اي بين المبتدأ وخبره، وقوله: على طريقه اختلف في مرجع هذا الضمير فقيل هو للتخصيص، وكان هذا طريق التخصيص لتعريف المسند، وحقيته مرفوع مبتدأ خبره قوله: بكونه ناسخاً، وقيل المعنى على طريق القرآن وبيان حاله، وحقيته بكونه ناسخاً لا ينسخ ثابتا غير متغير فحقيته بالجرّ عطفا على مجرور على، ولا يخفى أنّ الأوّل هو المراد، ولو قيل الضمير للاعتراض صح أي هو اعتراض وارد على طريق الاعتراض، وهو تأكيد لما اعترض فيه كما مرّ مرارا، وفسر الحقية بما ذكر ليتم الحصر بالنسبة لغيره من الكتب أو الأديان، والحق على هذا بمعنى الثابت في الواقع، ونفس الأمر فهو أخص منه بمعنى المقابل للباطل، ويكون وقوعه في مقابلته ظاهرا أيضا، ولا-س د. عليه أنّ ذكر الباطل بعده يقتضي تفسيره بما يقابله كما قيل، وقوله: سترها لأنه أصل معناه والمراد إزالتها لا أنها بقيت مستورة، والبال يكون بمعنى الحال، والشأن، وقد يخص! بالشأن العظيم كقوله ﷺ : " كل أمر ذي بال "، ويكون بمعنى الخاطر القلبيّ، ويتجوّز به عن القلب، ولو فسر به هنا كان حسناً أيضا وقد فسره السفاقسي بالفكر لأنه إذا صلح قلبه، وفكره صلحت عقيدته، وأعماله. قوله: (إشارة إلى ما مرّ) توجيه لأفراده باعتبار ما ذكره، وقوله: خبره بأنّ الخ لا خبر مبتدأ مقدّر كما في الكشاف أي الأمر ذلك لأنه كما قيل ارتكاب للحذف من غير داع له فيكون الجار، والمجرور في محل نصسب على الحالية كما في التقريب، والعامل فيه معنى الإشارة، وليس ظرفا لغوا، وقوله: بسبب الخ، إشارة إلى أنّ الباء سببية.

стр. 2778

قوله: (وهذا تصريح بما أشعر به ما قبلها) أي ما قبل هذه الجملة أو العلة والسببية لكن المناسب لقوله: هذا أن يقول ما قبله بتذكير الضمير كما قيل لكنه جنح إلى أنّ هذا إشارة إلى الكلام المذكور، وأنه تصريح بما قبل هذه السببية، والمراد أنّ البناء على الموصول يشعر بالعلية فالإتيان بياء السببية في الخبر تصريح بما علم بطريق الإيماء، والإشارة. قوله: (ولذلك يسمى) أي عند أهل المعاني تفسيرا لأنه صرّح به فيما علم ضمنا كقول الزمخشري رحمه الله تعالى في شعر له: به فجع الفرسان فوق خيولهم كما فجعت تحت الستور العوائق تساقط من أيديهم البيض حيرة وزعزع من أجيادهن المخانق ففيه تفسير على طريق اللف، والنشر كما في الآية، وهو من محاسن الكلام. قوله: (مثل ذلك الضرب) المثل المذكور بعده على ما مرّ تفصيله في البقرة، وقوله: يبين قد مز تحقيقه، وقوله: أحوال الفريقين فالمثل هنا بمعنى القصة والحال العجيبة، وضمير أمثالهم لفريقي المؤمنين، والكافرين أو للناس كلهم والأوّل ناظر إلى الوجه الأوّل، والثاني إلى الثاني من العموم في الفريقين فيشمل جميع الناس. قوله: (أو يضرب أمثالهم الخ) يعني أنّ حقيقة المثل كلام شبه مضربه بمورده، وهو غير موجود هنا فاما أن يكون بمعنى الحال والصفة أو بمعنى التمثيل، والتشبيه بأن جعل اتباع الباطل مثلا لعمل الكفار، وإتباع الحق مثلاً لعمل المؤمنين، والإشارة في قوله كذلك إما لما تضمنته الآية الثانية، أو لما تضمنته الآية الأولى، وذلك لأنه ليس ثمة اتباع الباطل، واتباع الحق حقيقة بل ارتكاب الباطل فشبه عمل الكافر باتباع الباطل بمعناه المعروف أو الشيطان في الإيصال إلى الهلاك وعمل المؤمن باتباع الحق بمعناه المعروف أو الله فالتمثيل مستعار لتشبيه حالي المؤمنين، والكافرين أو هو مجاز مرسل أريد به مطلق التشبيه، وقوله: مثلاً بمعنى تشبيها. قوله: (وقدم المصدر) أي على مفعول الفعل، وهو الرقاب لا على الفعل إذ لا وجه له، وقوله: وأنيب منابه أي في نصب المفعول، وهو الرقاب قبل الإضافة إليه، وهذا أحد قولي النحاة في المفعول في نحو قوله: فندلا زريق المال ندل الثعالب هل هو منصوب به أو بالفعل المقدّر ثم أضيف إلى مفعوله، وقوله: ضما إلى التأكيد بالمصدر الاختصار بحذف الفعل، وتنوين المصدر. قوله: (والتعبير به) يشير إلى أنّ ضرب الرقاب مجاز مرسل عن القتل مطلقاً لما ذكره من النكات، وفيه أيضاً إشارة إلى غلبتهم عليهم، وتمكنهم منهم، وقوله: بأشنع صورة أي القتل لأنّ ضرب الرقبة فيه إطارة الرأس التي هي أشرف أعضائه، ومجمع حواسه، وبقاء البدن ملقى على هيثة منكرة. قوله: (كثرتم قتلهم (الثخن كالغلظ يكون في نحو الحبل، والبر عبارة عن كثرة طاقاته، وفي المائعات حالة قريبة من الجمود تمنعه من سرعة السيلان فأثخان العدوّ إيقاع القتل بهم بشدة، وكثرة مستعار من ثخن المائعات لمنعه عن الحركة فهذا تفسير له لا إشارة لتقدير المضاف فيه كما قيل فإن كان بمعنى الإكثار فقط من ثخن الحبل، ونحوه ففيه مضاف مقدر لكنه لا يعرف الأثخان في الاستعمال بهذا المعنى فتدبر، والضمائر راجعة إلى الكل لكن المراد نسبة ما للبعض للجميع إذ المثخن لا يشد، ولا يمن عليه ولا يفدى. قوله: (بالفتح والكسر ما يوثق به) أي يشذ، ويربط ومنه الميثاق، والظاهر أنّ ما يوثق به بالكسر لأنه المعروف في الآلة كالركاب، والحزام، وهو اسم ا-لة على خلاف القياس نادر، وأمّا بالفتح فمصدر كالخلاص فالمراد أنه أيضا أطلق على ذلك، ولو مجازا فهو تفسير له على القراءتين، وقوله: تمنون منا فهو مفعول مطلق لفعل مقدر، وقوله: والإطلاق المراد به الاسترقاق، وفي نسخة، وهو الإطلاق فيكون تفسيراً للمن والاسترقاق غير مذكور لأنه معلوم مما بعده، وقوله: ثابت أي لم ينسخ، وقوله: فدا كعصا أي بالفتح والقصر، وقول أبي حاتم أنّ القصر غير جائز لا عبرة به فإنه فيه أربع لغات الفتح، والكسر مع المدّ، والقصر، ولغة خامسة البناء مع الكسر كما حكاه الثقات. قوله:) آلاتها الخ (يعني أنّ الأوزار كالأحمال، وزنا ومعنى استعير لما ذكر استعارة تصريحية أو مكنية بتشبيهها! انسان يحمل حملاً على رأسه أو ظهره، وأثبت له ذلك تخييلا وكلام الكشاف له أميل، وكونها أحمال المحارب أضيفت لها تجوّزاً في النسبة الإضافية، وتغليبا لها على

стр. 2779

الكراع يأباه إسناد الوضع للحرب، ولذا لم يلتفتوا له، وكون إسناده مجازيا أيضا، وإن صح خلاف المتبادر مع أنه يذهب رونق الكلام فتدبر، والكراع اسم للخيل لأنها تخبط كراعها في الدفع عن نفسها؟ ومما يفسره قول الأعشى: وأعددت للحرب أوزارها رما حاطوا لا وخيلا ذكورا قوله: (أي تنقضي الحرب الخ) على أنه تمثيل أو مجاز متفرع على الكناية عن انقضائها كما كني بقوله: فألقت عصاها واستقرّت بها النوى عن انقضاء السفر، والإقامة، وهو المراد فيما قبله، وأنما يخالفه في طريق الإفادة، وقوله: آثامها على أنها جمع وزر بمعنى إثم، وهو هنا الشرك، والمعاصي، وتضع بمعنى تترأ مجازاً، واسناده للحرب مجازا، وبتقدير مضاف أي أهلها، ومرضه لأنّ إضافة الأوزار بمعنى الآثام إلى الحرب غير ظاهر الصحة. قوله: (وهو غاية للضرب الخ (والمعنى اضربوا أعناقهم حتى تنقضي الحرب وليس هذا بدلاً من الأوّل، ولا تأكيداً له لأن حتى الأولى الداخلة على إذا الشرطية ابتدائية كما مرّ تحقيقها في سورة الأنعام، وقوله: للمن والفداء أي لهما معا، وقوله: للمجموع من قوله: فضرب الرقاب الخ وهو على مذهب المصنف ﵀ ظاهر، وأما عند الحنفية فمخصوص بحرب بدر على أنّ تعريفه للعهد أو منسوخ كما مز، وقوله: بزوال شوكتهم متعلق بالنفي أي حتى تزول قوّتهم، وقدرتهم على المحاربة فيعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون لأنه لا يكف عن القتال بدونه، وأمّا بعد نزول عيسى ﵊ فترفع الجزية أيضا. قوله:) الآمر الخ (فهو مبتدأ مقدر أو مفعول لفعل مقدر وذلك إشارة إلى ما تقدم في الحرب، وما يتبعها، وقوله: ولكن أمركم بالقتال الخ. يعني أنه تعالى قدر ما ذكر مع أنه لو أراد أهلكهم فلم يدع على الأرض منهم دياراً لكنه له فيما يشاء، ويختار حكمة بالغة فلذلك ابتلى المؤمنين بالكفار ليجاهدوهم فينالوا الثواب، ويخلد في صحف الدهر ما لهم من الفضل الجسيم، وابتلى الكفار بالمؤمنين ليعجل لهم بعض انتقامه فيتعظ به بعض منهم ممن هداه الله فيكون ذلك سببا لإسلامه، والجار والمجرور متعلق بأمركم الذي قدره. قوله: (يضل أعمالهم (قراءة الجمهور على أنه فعل من أضل مبنيا للفاعل، ونصب أعمالهم، وقرئ مبنيا للمفعول، ورفع أعماله وقرئ بفتح الياء من ضل ورفع أعمالهم، والكل ظاهر لفظا ومعنى، وقوله: سيهديهم إلى الثوأب أي يوصلهم إلى ثواب تلك الأعمال من النعيم المقيم، والفضل العظيم والمراد بتثبيت هدايتهم بعدما دفع به أن هؤلاء مهديون فهو تحصيل للحاصل الوعد بأنه يحفظهم ويصونهم عما يورث الضلال. قوله:) عرفها لهم في الدنيا الخ (إشارة إلى اًن هذه الجملة حالية بتقدير قد ويجوز أن تكون مستأنفة كما قاله أبو البقاء، ثم أشار إلى أنه إن كان ا! مراد بالتعريف ما كان بالتوصيف في الدنيا فالمراد منه أنه تعالى لم يزل يمدحها لهم حتى عشقوها فاجتهدوا فيما يوصلهم لها فهذا هو المراد منه كما قيل: أشتاقه من قبل رؤيته كما تهوى الجنان بطيب الأ-خبار وقيل: والأذن تعشق قبل العين أحيانا وإنن كان معرفتها في الآخرة فهو إلهام الله ﷺ لكل أحد أن يعرف منزله فيها فيتوجه له كما هو حالهم في منازلهم في هذه الدار، وورد في الأثر أنّ حسناته تكون دليلاً له إلى منزله فيها وقوله: من العرف بفتح العين، وهو معروف أو تعريفها تمييزها بحدها، ومفرزة بضم الميم بزنة اسم المفعول من أفرزه إذا فصله، وميز.. قوله: (إن تنصروا دينه ورسوله أليس على تقدير مضاف فيه بل هو إشارة إلى أنّ نصرة الله فيه تجوّز في النسبة فنصرته نصرة رسله وجنده وتأييد دينه إذ هو المعين الناصر وغيره المعان المنصور، وقوله: ويثبت أقدامكم كناية عن القوّة، والدوام وهو المراد بالقيام في عبارة المصنف ﵀ أيضاً لكنه ذكره تلميحا، ومجاهدة الكفار من جملة حقوق الإسلام فهي من عطف الخاص على العام أفردها لأنها هي المقصودة هنا إذ ما تقدّم كله في أمر الجهاد. قوله: (فعثورا لهم وانحطاط) أي هو دعاء بأن يعثر فيسقط لأنّ التعس في الأصل السقوط على الوجه كالكبّ، والنكس السقوط على الرأس، وضده الانتعاس فهو قيام من سقط، ووقع فيقال في الدعاء على الشخص العاثر تعسا له فإذا دعوا له قالوا: لعا له والجار، والمجرور وبعده متعلق بمقدر للتبيين كما في سقيا له، ولعا بلام وعين مهملة بعدها ألف مقصورة، وهو

стр. 2780

منصوب بفتحة مقدرة، ومعناه انتعاشا، واقامة، وفيه كلام في الرضمي، وغيره وليس هذا محله، وهو نقيض تعسا. قوله: (قال الأعشى) يصف ناقة في قصيدة مسطورة في ديوانه منها: كلفت مجهولة نفسي وشايعني همي عليها إذاما آلهالمعا بذات لوث عفرناة إذا عثرت فالتعس أولى لها من أن أقول لعا واللوث بفتح اللام، والثاء المثلثة القوّة، وناقة عفرناة قوية بفتح العين المهملة، والفاء، وسكون الراء المهملة، وبعدها نون، وألف ثم تاء تأنيث والمعنى حملت نفسي قطع بادية مجهولة الإعلام، وتابعني مؤيداً لي عزمي، وهمتي بناقة قوية لا تعثر، ولو عثرت كان الدعاء عليها أولى من الدعاء لها. قوله: (وانتصابه) على المصدر بفعل من لفظه يجب إضماره لأنه للدّعاء كسقيا فيجري مجرى الأمثال إذا قصد به ذلك وفي الكشاف: المعنى فقال تعسا لهم أو فقضى أي قدر لهم تعساً فعلى القول الأوّل هو مفعول مطلق، وعلى الثاني مفعول به، وانما دعاه لذلك أنّ جملته خبر عن قوله الذين، وهو لإنشاء الدعاء، والإنشاء لا يقع خبراً بدون تأويل فإمّ أن يقدر معه قول أو يجعل خبراً بتقدير قضى، ومن لم يقف على مراد. قال ما ذكره المصنف أولى فإنّ لفظ المصدر يدل على فعله فالوجه أن يكون هو المضمر لا قال، وقضى كما قاله الزمخشريّ، والأوّل هو ما قاله المصنف بعينه. قوله: (والجملة خبر الذين كفروا الأنه مبتدأ في محل رفع فالفاء داخلة في حيز الموصول لتضمنه معنى الشرط، وقد علمت أن الدعاء الإنشائيّ يكون خبراً بلا تأويل. قوله: (أو مفسرة لناصبه (فالذين في محل نصسب بفعل مقدر أي أتعس الله الذين كفروا تعسا أو التقدير تعسهم الله فإنه يقال تعسه، وأتعسه كما ذكره السفاقسي، وهو كقولهم زيداً خير عالم على أنّ عامل المصدر مفسر لناصبه، والفاء زائدة في الكلام على توهم الشرط كما في قوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [سورة المدثر، الآية: ٣] وقيل: يقدر مضارعا معطوفاً على قوله: يثبت أي يتعس الذين الخ، والفاء للعطف فالمراد إتعاس بعد إتعاس أو للدلالة على أنّ حق المفسر أن يذكر عقب المفسر كالتفصيل بعد الإجمال، وقد مرّ ما فيه في سورة النور فانظره. قوله: (وأضل أعمالهم عطف عليه) أي على الفعل المقدر الناصب لقوله تعسا فينبغي تقدير. ماضيا لا مضارعاً كما توهم، وهو جار على الوجهين. قوله. (لما فيه (يتعلق بكرهوا بيان لعلة تعسهم وضلالهم بكراهتهم القرآن وما تضمنه من الأصول، والفروع وقوله: وهو أي ما ذكر بقوله ذلك الخ. تخصيص لسبب تعسهم، وضلالهم بكراهة القرآن، وما فيه بعد تعميمه إذ جعل سببه مطلق الكفر لأنّ الموصول، والصلة يقتضي التعليل بالمأخذ كما مرّ مراراً، وقوله: وتصريح إشارة إلى أنه علم مما قبله لدخوله في الكفر دخولاً أوليا. قوله: (كرره (لأن قوله أضل أعمالهم بمعنى أبطلها، وأحبطها، وقوله: يلزم الكفر لتفريعه عليه بالفاء. قوله: (دمر دلّه عليهم) معنى دمره أهلكه، ودمر عليه أهلك ما يختص به من المال والنفس فالثاني أبلغ لما فيه من العموم لجعل مفعوله نسيا منسيا فيتناول نفسه، وكل ما يختص به من المال ونحوه، والإتيان بعلى لتضمنه معنى أطبق عليه أي أوقعه عليهم محيطاً بهم أو هجم الهلاك كما حققه شراح الكشاف، واليه أشار المصنف إلا أنه كان عليه أن يوجه ذكر الاستعلاء معه لأن استأصل لا يتعدى بعلى، وكلامه موهم له لكن لما كان العذاب المطبق مستأصلاً كان فيه إيماء له في الجملة. قوله: (أمثال تلك العاقبة وقوله: لأنّ التدمير) راجع للأخيرين من العقوبة، والهلثة، وهو المراد من السنة لكن كونها مرجعاً بخصوصها من غير قرينة في غاية البعد، وجمع الأمئال لأنّ لكل منهم مثل عاقبة السابقين ففيه مبالغة، وزيادة تهديد، وقوله: فيدفع العذاب إشارة إلى أنه بمعنى الناصر كالذي قبله فاندفع التناقض بين الآيتين كما بينه المصنف لعدم توارد النفي، والإثبات على محل واحد لأنه في المنفي بمعنى الناصر، والمثبت بمعنى المالك. قوله تعالى: ( ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الخ الما كان الثاني في مقابلة هذا ووجه التقابل فيه غير ظاهر في بادئ النظر قال الطيبي طيب الله ثراه: إنّ قوله يتمتعون، ويأكلون في مقابلة قوله عملوا الصالحات لما فيه من الإيماء إلى أنهم عرفوا أنّ نعيم الدنيا خيال باطل، وظل زائل فتركوا الشهوات، وتفرغوا

стр. 2781

للصالحات فكانت عاقبتهم النعيم المقيم في مقام كريم، وهؤلاء غفلوا عن ذلك فرتعوا في دنياهم كالبهائم حتى ساقهم الخذلان إلى مقرهم من درك النيران فتقابله واقع في أحسن موقع، وفيه مقابلة أدق مما قيل إنه من الاحتباك فذكر الأعمال الصالحة، ودخول الجنة أو لا دليل على حذف الأعمال الفاسدة، ودخول النار ثانيا والتمتع والمثوى ثانياً دليل على حذف التمتع، والمثوى أوّلاً. قوله: (حريصين الخ) هو وجه الشبه، وقوله: مثوى لهم كقوله: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [سورة التربة، الآية: ٤٩] وقوله: على حذف المضاف هو أهل بقرينة قوله: أهلكناهم أو هو على المجاز بذكر المحل، وارادة الحال، وقوله: دهاجراء أحكامه الخ بالجرّ عطف على حذف المضاف يعني إنه حكم على القرية بأنها أشدّ قوّة، وأنها مخرجة له، وهو وصف لأهلها، وهذا الحكم بحسب الظاهر، وإن كان في الواقع على المضاف المحذوف، ومنه يعلم وجه كونه مجازا بالنقص لكن الفرق بينه، وبين المجاز العقلي دقيق جدّاً قوله: (والإخراج الخ) يعني أنه مجاز عقليّ كقوله: أقدمني البلد حق لي عليك والخلاف فيه معروف فعند المتقدّمين لا فاعل له حقيقي، وعند صاحب التلخيص الفاعل هو الله، وليس هذا الخلاف مبنياً على خلق أفعال العباد كما حقق في حواشي الحفيد على شرح التلخيص فمن توهمه فقد وهم، والتسبب لأنّ أهل مكة لم يخرجوه، ولكن أحبوه، وهموا به فكانوا بذلك سببا لإخراجه حين أذن الله له في الهجرة عنها. قوله: (وهو كالحال المحكية (لأنّ المتفرّع على الإهلاك عدم النصرة في الماضية لا في الحال، والاستقبال كما هو المتبادر من اسم الفاعل فمقتضى الظاهر أن يقال فلم يكن لهم نصر فعدل عنه كما في قوله: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾ [سورة يس، الآية: ٩] لتصوير الماضي بصورة الحال، وقال كالحال لأنّ اسم الفاعل ليس كالفعل إذ هو قد يقصد به الثبوت، وإذا لم يعمل قيل إنه حقيقة في الماضي كما حقق في الأصول الفرعية. قوله تعالى: ( ﴿أَفَمَن كَانَ﴾ الخ) الاستفهام لإنكار استوائهما، وقوله: على بينة أي ثابت قائم عليها، وقوله: حجة تفسير بينة، وقوله: وهو القرآن تفسير للحجة وذكره لرعاية الخبر، وقوله: كالنبيّ الخ تفسير لمن، ولم يخصه بالنبيّ كما في الكشاف لأنه لا داعي له وقوله: كالشرك بيان لسوء العمل لأنه بمعنى العمل السيئ وقوله: في ذلك الإشارة لسوء العمل، وقوله: لا شبهة لهم بيان لاتباع الهوى فيه، ولمقابلته لما قبله من الثبات على الحجة، والبينة. قوله: (أي فيما قصصنا عليك صفتها العجيبة) تفسير للمثل كما مرّ واشارة إلى أنّ مثل الجنة مبتدأ له خبر مقدر مقدم، وهو مختار سيبويه كما فصلناه في أوّل سورة المائدة، والنور ولذا قابله بقوله: وقيل الخ، وترجيح الأوّل لما مرّ فتذكره، وقوله: وتقدير الكلام الخ هذا، وإن كان تقديرا قبل الحاجة إليه حتى قيل إنّ الثاني أرجح منه، ولذا اقتصر عليه الزمخشري إلا أنه يرجحه أنه لما أنكر التسوية بين من وضح برهان ما ادعاه، ومن قال بحسب ما اشتهى هواه كان مقتضاه أن ينكر استواء سكان الجنان، وأهل النيران، ولذا قدمه المصنف ولم يعبأ بما ذكره هذا القائل. قوله: (أو أمثل الجنة الخ الما كان جعل الجنة مثلا لأهل النار غير ظاهر أشار إلى أنه إما على تقدير في الأوّل أو الثاني ليكونا على نمط واحد، وعلى كليهما فمثل مقدر في الثاني إمّا مع مضاف آخر أو لا، وأشار بقوله: أمثل إلى أن قوله مثل الجنة، وإن كان في صورة الإثبات هو في معنى الإنكار، والنفي لانطوائه تحت حكم كلام مصدر بحرف الإنكار، وانسحاب حكمه عليه، وهو قوله: أفمن كان الخ وليس في اللفظ قرينة على هذا، وإنما هو من السياق، وأنّ فيه جزالة المعنى. قوله: (فعرّي الخ (جواب سؤال مقدر تقديره إذا كان المعنى على ما ذكر فلم ترك ذكر الهمزة فيه، وهو نادر بأنه ترك لإبرازه في صورة التسليم، ومثله يدل على الإنكار بأبلغ وجه، وقوله: يجري مثله صفة استغناء وهو مضارع معلوم أو مجهول أو هو مصدر مجرور ومعناه أنه ترك فيه حرف الإنكار الذي هو نفي معنى، وأتى به مثبتا والمقصود نفيه أيضا، وهذا أعني قوله: يجري مثله مماثل لقوله: أفمن كان على بينة الخ فما اعتبر فيه يعتبر في هذا، وهو المصحح للتعرية، والمرجح ما أشار إليه بقوله: تصويراً الخ يعني أن التعرية عن حرف الإنكار لأجل أن تصوّر مكابرة من سوى بين المتمسك بالبينة، والتابع للهوى بصورة مكابرة من سوى بين الجنة، والنار فحذف حرف الإنكار وجعل الأوّل كالثاني يحقق هذا التصوير بخلاف ما لو ذكر حرف الإنكار، وقيل: أمثل الخ فإنه

стр. 2782

لا دلالة فيه على المماثلة، والتصوير المذكور قال في الانتصاف هذه النكتة التي ذكرها لا ينوّرها إلا التنبيه على أنّ في الكلام محذوفا لا بد من تقديره إذ لا معادلة بين الجنة، وبين الخالد في النار إلا على تقدير مثل ساكن الجنة فبه يقوم وزن الكلام وتتعادل كفتاه ومن هذا النمط قوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [سورة التوبة، الآية: ٩] فإنه لا بد من تقدير محذوف مع الأوّل أو الثاني ليتعادل القسمان وبهذا الذي قدرته تنطبق أجزاء الكلام فيكون المقصود تنظير بعد التسوية بين المتمسك بالبينة، والراكب للهوى ببعد التسوية بين المنعم في الجنة، والمعذب في النار على الصفات المتقابلة المذكورة في الجهتين، وهو من وادي تنظير الشيء بنفسه باعتبار حالتين إحداهما أوضح في البيان من الأخرى فإن المتمسك بالبينة هو المنعم في الجنة الموصوفة، والمتبع للهوى هو المعذب في النار المنعوتة ولكن أنكر التسوية بينهما باعتبار الأعمال أوّلاً، وأوضح ذلك باعتبار التسوية بينهما باعتبار الجزاء ثانيا اهـ، وليس ما ذكر مخصوصا بالوجه الثالث، وأنه إشارة إلى ارتضائه كما توهم فإنه اقتصر فيه عليه لقربه، وللاتكال على علم غيره بالمقايسة نعم ما ذكر بيان لوجه التعرية لا لحذف ما حدّف فلا وجه لذكره فتدبر وقوله: تصويراً تعليل لقوله يجري مثله واستغناء تعليل للتعري فلا حاجة لجعل التقييد بالثاني بعد التقييد بالأوّل كما قيل فإن قلت ما وجه المبالغة فيه، والأبلغية التي ذكرها الشيخان هنا، وما وجه الانتظام فيه قلت هذا شيء أومؤوا إليه، ولم يصرّحوا به، وكأن وجهه أنه لما ترك فيه حرف الإنكار كان في إثباته إشارة إلى التهكم به، والى تخطئة من توهمه، وهو كالبيان، والبرهان على ما قبله حتى قيل لا يستوي ذو الحجة البينة والأهوية القبيحة البينة حتى تستوي الجنة، والنار فتأمل. قوله: (وهو) أي الخبر وهو قوله كمن هو خالد على الوجه الأوّل، وهو كون مثل مبتدأ خبره مقدر أي فيما قصصشا الخ. قوله: (استئناف لشرح المثل (أي هو استئناف بيانيئ في جواب سؤال تقديره ما مثلها أي صفتها، وهو على الوجه الأوّل أي تقدير الخبر في قوله مثل الجنة، والمبتدأ في قوله: كمن هو خالد فلا يرد عليه قول الطيبي إنه يلزم وقوع الاستئناف قبل مضي خبر الجملة السابقة الذي هو مورد السؤال اللهمّ إلا أن يقدر للجملة الأولى خبر وللثانية مبتدأ كما قاله أبو البقاء. قوله: (أو حال من العائد المحذوف) وهو الضمير المقدر في الصلة العائد على التي بمعنى الجنة أي وعدها المتقون أو وعد المتقون إياها أي مستقزة فيها أنهار على أق الظرف حال وأنهار فاعله لا مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية حال لعدم الواو فيها، ولا فعلية لأنه خلاف الظاهر، وقد جوّز فيه الحالية على نهج قوله ملة إبراهيم حنيفاً، وفيه نظر، وفي الكشاف تجويز كونه داخلا في حكم الصلة كالتكرير لها ألا ترى إلى صحة قولك التي فيها أنهار يريد كما قاله التفتازاني إنها صلة بعد صلة كالخبر والحال، والصفة وهو متضمن لتفصيلها، ولو حمل على البدلية كان أولى، ولذا ترك العاطف فتدبر. قوله: (أو خبر لمثل (على أنّ الخبر، وإن كان جملة من المبتدأ كخبر اسم الإشارة فلا يحتاج إلى رابط، وقد تقدم مثله في سورة يس، وأنّ جريان مثله في الاسم الظاهر الذي ليس بقول لم يذكره النحاة، والمعنى مثل الجنة وصفتها مضمون هذا الكلام. قوله:) وآسن) بوزن فاعل كآجن بمعنى متغير الطعم، والريح لطول مكث ونحوه، وماضيه أسن بالفتح من باب ضرب، ونصر وبالكسر من باب علم كما حكاه أهل اللغة، وقوله على معنى الحدوث خبر بعد خبر لقوله: آسن اسم فاعل لأنه يدل على الحدوث أو حال من الضمير المستتر في الخبر، ويقابله قراءة ابن كثير أسن بوزن حذر صفة مشبهة أو صيغة مبالغة فتدل على الثبوت. قوله: (لم يصر قارصاً ولا خازرا) أي حامضاً، والقارص بالقاف، والراء والصاد المهملتين نوع من الحموضة كأنها تقرص لسان الشارب بقبضه، والخازر بخاء معجمة، وزاي وراء من الخزر، وهو نوع من الحموضة أشذ منه بلذعه. قوله: (لذيذة لا يكون فيها كراهة) فهو صفة مشبهة كصيغته، ومذكرها لذ أو هو مصدر بتقدير مضاف أو بجعلها عين اللذة مبالغة على التجوّز فيه أو في الإسناد كما هو معروف في أمثاله، والغائلة بالغين المعجمة الآفة، والمكروه فغائلة الريح بمعنى رائحة مكروهة، وغائلة السكر إزالة العقل، وما يترتب عليه، والخمار

стр. 2783

بالضم صداعه والعلة على أنه مفعول له، والمعنى ما هو إلا لأجل اللذة لا صداع، ولا آفة من آفات خمور الدنيا فيه. قوله: (لم يخالطه الشمع) بفتح الميم، والعامّة تسكنها، وهو إما لحن أو لغة رديئة، وهو تفسير للتصفية فإنه معناها المعروف فلا وجه لما قيل إنه من قرينة المقام، والعطف على ما ليس من ألبان الدنيا، وخمورها، والمراد تصفيته مما يخالفه حتى يكون خالصاً. قوله: (وفي ذلك) أي في قوله فيها أنهار الخ، وقال لما يقوم الخ دون أن يقول تمثيل لا شربة الجنة، وإن كان أخصر لأن ما ذكر ليس من الأشربة المعهودة في الدنيا لكنها تشبهها بحسب الصورة، وقوله: بأنواع الخ متعلق بقوله تمثيل، وقوله: ينقصها من النقص المعنوي، وهو الاتصاف بما لا يحمد فيها كتغير اللون، والريح، وينغصها بالغين المعجمة أي يكدرها، وفي نسخة بالقاف فقط، وما يوجب غزارتها أي كثرتها، وهو جعلها جارية جري الأنهار من قوله أنهار، وكذا استمرارها فإنه حال أنهار الدنيا أو هو من الاسمية. قوله: (صنف الخ (يعني أنّ الجارّ، والمجرور صفة مبتدأ مقدر، وقوله على هذا القياس أي قيالى! ما مرّ من أنها مجرّدة عن كل منقص منغص دائمة كثيرة، وقيل: تقديره زوجان كقوله: ﴿فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ [سورة الرحمن، الآية: ٥٢] وقوله: عطف على الصنف المحذوف أي على لفظ مصنف الذي هو مبتدأ مقدر، وقوله: لهم مغفرة إنما قدره لأن العطف يقتضي كون المغفرة لهم في الجنة وهي سابقة عليها فإمّا أن يعطف على المقدر بدون قيده، وهو قوله فيها، وهو خلاف الظاهر أو تجعل المغفرة عبارة عن أثرها من التنعيم أو مجازاً عن رضوان الله، وقوله: كمن هو خالد مرّ إعرابه. قوله: (مكان تلك الأشربة (إشارة إلى أنه تهكم بهم، وقوله ما الذي الخ إشارة إلى أنّ ذا اسم موصول هنا بمعنى الذي كما تقرّر في النحو، والمراد بالساعة الزمان الحاضر لأن تعريفها للعهد الحضوري كما في قوله الان، ويجوز أن يريد ما هو قبيله، وقوله: استهزاء علة لقالوا فإن الاستفهام يفيده بطريق المجاز أو هو استفهام فهو على حقيقته. قوله:) وآنفاً (اسم فاعل على غير القياس أو بتجريد فعله من الزوائد لأنه لم يسمع له فعل ثلاثيّ بل استأنف، وأتنف كما أشار إليه المصنف وقوله، وهو ظرف قاد الؤمخشرفي: إنه اسم للساعة التي قبل ساعتك التي أنت فيها من الأنف بمعنى المتقدم لتقدمها على الوقت الحاضر، وهو معنى قول المصنف مؤتنفا بمعنى مبتدأ ومتقدماً، وهو لا ينافي كونه اسم فاعل كما في بادئ فإنه اسم فاعل غلب على معنى الظرفية في الاستعمال كقولهم: بادئ بدء فلا عبرة بقول أبي حيان يتعين نصبه على الحالية، وانه لم يقل أحد من النحاة إنه يكون ظرفا أو هو بمعنى زمان الحال، وهو الموافق لقوله أوّلاً الساعة بحسب الظاهر المتبادر منه أو المراد به الحال التي أنت فيها من آخر الوقت الذي يقرب منك، وقو! هـ: قرئ أنفا أي بزنة حذر وهي قراءة ابن كثير. قوله: (فلذلك استهزؤوا الخ! أي على اللف والنشر لتفسيري قوله: ماذا قال آنفا لأنّ الإشارة لهؤلاء المارّ ذكرهم، وقوله: والذين اهتدوا يحتمل الرفع والنصب، وهدى إمّا مفعول ثان لأنّ زاد قد يتعذى لمفعولين، وهو الظاهر، ويحتمل أن يكون تمييزاً وقوله: زادهم الله على أنّ الفاعل ضمير يعود على الجلالة السابقة وهو الظاهر، وقوله: أو قول الرسول معطوف على الله فالضمير يعود على قولهءسنرو المفهوم من قوله: يستمعون إليك، وماذا قال ولكونه خلاف الظاهر أخره ولأنه واقع في مقابلة طبع القلوب فالأولى أن يتحد الفاعل فيهما، وأمّا كون الإسناد مجازياً فلا بأس به بل هو أبلغ إذا كانت قرينته ظاهرة، وكونه لاسنهزاء المنافقين بعيد جداً، ولذا تركه وإن ذكره الزمخشريّ، وقوله: بالتوفيق الخ هو عاثم لكل ما وفقوا له حتى استماع قول الرسول. قوله:) بين لهم ما يتقون الخ) فال الشارح الطيبي: إنّ هذه السورة روعي فيها التقابل، وآتاهم تقواهم في مقابلة اتبعوا أهواءهم فالظاهر أنه ليس من ارتكاب الهوى، والتشهي بل هو أمر حق مبني على أساس قوفي فيكون ببيان الله، أو إعانته فالإيتاء مجاز عن البيان أو الإعانة أو هو على حقيقته والتقوى مجاز عن جزائها لأنها سببه أو فيه مضاف مقدر، وهذا لا يخالف مذهب أهل الحق كما توهم ولو فسر بخلق التقوى فيهم كان أظهر، وقوله: فهل ينتظرون تفسير لينظرون. قوله: (كالعلة له (أي لما قبله من الانتظار لأن ظهور أمارات الشيء سبب لانتظاره، وإنما قال كالعلة لأنّ المقصود البدل، وبغتتها

стр. 2784

لا تناسب مجيء أشراطها إلا بتأويل فتأمّل. قوله:) شرط مستأنف (فالوقف على الساعة، وقوله: جزاؤه فأنى الخ لم يجعله قوله فقد جاء أشراطها لأنه غير ظاهر، وهو كما أشار إليه متصل بإتيان الساعة اتصال العلة بالمعلول، ولذا قال لأنه الخ، وقوله: أماراتها تفسير لقوله: أشراطها لأنه جمع شرط بالفتح، وهو العلامة وقوله: والمعنى أي على قراءة الشرط، وقوله: كمبعث النبيّ الخ هو مصدر أو اسم زمان، وهو لكونه خاتم الرسل، وشريعته آخر الشرائع كانت بعثته علامة للساعة كما ورد في الحديث: " بعثت أنا والساعة كهاتين " وانشقاق القمر من علاماتها لقوله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [سورة القمر، الآية: ا] وسيأتي بيانه، وقوله: فكيف جواب الشرط، وقوله: وحينئذ لا يفرغ له أي لا يتفرّغون للتذكر، ولا ينفعهم إذا جاءتهم، وفي قوله إذا إشارة إلى أنّ للشك في الأصل، ومجيثها متيقن فهي بمعنى إذا، والشك تعريضا بهم، وأنهم في ريب منها أو لأنها لعدم تعيين زمانها أشبهت المشكوك فيه، وإذا جاءتهم باعتبار الواقع فلا تعارض بينهما كما توهم في النظرة الحمقاء، ولا حاجة إلى القول بأنها متمحضة للظرفية، وفيه إشارة إلى أنّ مجرّد جواز الوقوع كاف في التنبيه والتذكير قبل مجيئها فكيف مع القطع، وقوله: لا يفرغ الخ فعل مجهول من الفراغ، وهو المراد من الجواب وأنى لهم ذكراهيم مبتدأ، وخبر وإذا جاءتهم اعتراض بينهما. قوله: (أي إذا علمت سعادة المؤمنين الخ) يعني أن هذه الفاء فصيحة في جواب شرط مقدر معلوم مما مرّ من أوّل السورة إلى هنا من حال الفريقين وقو! ء: فأثبت ا! خ إلثارة إلى أنه ﷺ ! الم بوحدانيته فأمره مؤوّل بالثبات، وهو أيضاً معلوم لكنه تذكير له بما أنعم الله عليه توطئة لما بعده، وجعل الأمر بالاستغفار كناية عما يلزمه من التواضع، وهضم النفس، والاعتراف بالتقصير لأنه معصوم أو مغفور لا مصرّ ذاهل عن الاستغفار، والتحقيق أنه توطئة لما بعده من الاستغفار لذنوب المؤمنين فتأمّل. قوله: (ولذنوبهم) تفسير لحاصل المعنى، وتوطئة لما سيأتي وقوله، والتحريض الخ فطلب الغفران على ما قبله الدعاء بالمغفرة وهو ظاهر لأنه طلب لها، وعلى هذا طلب سبب المغفرة كأمرهم بالتقوى، ونحوه وفيه جمع بين الحقيقة، والمجاز وهو جائز عنده، وقوله: وفي إعادة الجار الخ أي مع أن العطف على الظاهر لا يلزم فيه ما ذكر، وقوله: وحذف المضاف هو ذنوب، وقوله: إشعار بفرط احتياجهم لتعليق الاستغفار بذواتهم كأنها عين الذنوب، وكثرتها من التعليق بالذات، وعدم ذكرها، وقوله: فإنّ الخ هذا هو الجواب في الحقيقة يعني أعيد الجار لأنّ ذنوبهم جنس آخر غير ذنب النبيّ ﷺ فإنّ ذنوبهم معاص كبائر، وصغائر وذنبه ترك الأولى، وقوله: فإنّ الذنب تعريفه للعهد أي المذكور في الآية مضافاً للكاف، وهو ما صدر عنه، وفي عبارته نوع ركاكة لكن مرإده ظاهر. قوله: (فإنها مراحل الخ) بيان لوجه تخصيص المتقلب بمعنى محل الحركات بالدنيا فإنّ كل أحد دائما متحرّك فيها نحو معاده غير قار كما في الآخرة، ولذا خص المثوى بالعقبى، وهي الآخرة وبين وجهه أيضاً بقوله: فإذا دار إقامتكم وقوله: فاتقوا الله الخ إشارة إلى أنّ المراد من علم الله بممرّهم، ومقرهم تحذيرهم من جزائه، وعقابه على طريق الكناية. قوله: (هلا الخ) يعني لولا هنا تحضيضية لا امتناعية، وقوله: مبينة لا تشابه فيها هذا هو أحد معاني المحكم، وتكون بمعنى غير منسوخة وبه فسره الزمخشريّ لأنّ آيات القتال كذلك إلى يوم القيامة، وقوله: الأمر به فالأمر بالذكر ذكر خاص. قوله: (وقيل نفاق الأنه اشعمل بمعناه في صفة المنافقين كما مرّ في سورة البقرة، ومرضه هنا قيل لأنّ قوله الذين آمنوا يأباه لأنّ المنافقين كفرة فإن جعل بحسب ما يظهر من حالهم للناس بقرينة لعنهم بعده فلا بأس به، والقول بأنه على تقدير الإفساد، وقطع الرحم، وأنّ الفسقة من غير تعيين قد يلعنون خلاف الظاهر فلا يصلح مرجحا فأعرفه، وقوله نظر المغشيّ الخ شبه نظرهم بنظر المحتضر الذي لا يطرف بصره. قوله: (فويل لهم) تفسير للمراد منه، وبيان لحاصل معناه، وقوله: أفعل من الولي الخ اختلف فيه بعد الاتفاق على أنّ المراد به التهديد، والوعيد على أقوال فذهب الأصمعي إلى أنه فعل ماض بمعنى قارب، وقيل قرّب بالتفعيل كما سيأتي في سورة القيامة ففاعله ضمير يرجع لما علم منه أي قارب هلاكهم، واكثر أنه اسم تفضيل من الولي بمعنى القرب، وقال أبو عليّ: إنه اسم تفضيل من الويل

стр. 2785

والأصل أويل فقلب فوزنه أفلع وردّ بأنّ الويل غير متصرف، وأنّ القلب خلاف الأصل، وفيه نظر وقد قيل إنه فعلى من آل يؤول كما سيأتي، وقال ابرضي: إنه علم للوعيد وهو مبتدأ لهم خبره، وقد سمع فيه أولاة بتاء تانيث، وهو كما قيل يدل على أنه ليس بأفعل تفضيل، ولا أفعل فعلى، وأنه علم وليس بفعل بل مثل أرمل وأرملة إذا سمي بهما فلذا لم ينصرف، ولا اسم فعل لأنه سمع فيه أولاة معربا مرفوعاً، ولو كان اسم فعل بني، وفيه أنه لا مانع من كون أولاة لفظاً آخر بمعناه فلا يرد شيء منه عليهم أصلا كما جاء أوّل أفعل تفضيل واسم ظرف كقبل، وسمع فيه أوّلة كما نقله أبو حيان فلا يرد النقض به كما لا يخفى. قوله: (الدعاء عليهم بأن يليهم المكروه) هذا إذا كان من الولي بمعنى القرب، ومعنى يليهم يتصل بهم ويلزمهم، وقوله: يؤول إليه أمرهم أي يرجع إلى المكروه، وهذا إذا كان من آل فهو في الأصل دعاء عليهم بأن يرجع أمرهم إلى الهلاك، والمراد أهلكم الله ففيه لف ونشر مرتب. قوله: (استئناف الا متصل بما قبله على تقدير لهم طاعة على أحد الأقوال فيه، وهو على هذا إمّا خبر مبتدأ مقدر أي أمرهم الخ أو مبتدأ خبره مقدر وهو خيراً وأمثل أو نحوه، وإذا كان حكاية لقولهم قبل الأمر بالجهاد فلا يقدر فيه، إلا بحسب الأصل أي أمرنا طاعة، ونحوه، وقوله: جد من الجد وهو الاجتهاد. قوله: (وعامل الظرف محذوف القيام قرينة السياق عليه، وهو جواب إذا على القول بأنه هو العامل فيها، وتقديره ناقضوا ما مرّ عنهم أو نكصوا وجبنوا، ونحوه وكذا إذا قيل العامل صدقوا لأنّ جملة فلو صدقوا جوابها، ولا يضر اقترانها بالفاء، ولا عمل ما بعدها فيما قبلها كما صرحوا به، وقوله من الحرص الخ هو لف ونشر على تفسيري المرض السابق. قوله: (فهل يتوقع منكم (يعني أنّ الاستفهام يدخل على الخبر للسؤال عن مضمونه، وعسى وإن كان إنشائياً مؤوّل بالخبر أي يتوقع، وينتظر والمتوقع كل من يقف على حالهم لا الله تعالى إذ لا يصح منه تعالى، وقوله: أمور الناس مفعول توليتم المقدر على أنه من الولاية، ولذا فسره بقوله: تأمرتم من الإمارة وما بعده على أنه من التولي بمعنى الإعراض عن الإسلام بناء عى تفسير المرض الأوّل، وعلى الثاني تفسير باً لإعراض عن امتثال أمر الله في القتال فالإفساد عدم معونة المسلمين، وقطع الأرحام بذلك أيضا، وقد مز ما له وما عليه، وقوله: تناحرا بالحاء المهملة تفاعل من النحر بمعنى الذبح، والمراد به التخاصم الشديد والحرص، وهو منصوب على أنه مفعول له أو ظرف على معنى في، والتغاور بالغين المعجمة تفاعل من الغارة. قوله: (والمعنى (يعني على المختار في تفسير المرض، وحرصهم على الدنيا من قوله نظر المغشي الخ، وقوله: يتوقع إشارة إلى تأويله بالخبر، وقوله: من عرف إشارة إلى أنه لا يصح على الله فهو مؤوّل بهذا وقوله: لغة الحجاز هي إلحاق الضمائر به كما في سائر الأفعال المتصرفة، وتميم لا تلحقها به، وتلتزم دخولها على أن، والفعل فعلى الأوّل يقال الزيدان عسيا أن يقوما، وعلى الثاني كسى أن يقوما. قوله:) وإن توليتم اعتراض (هذا هو الظاهر، والجواب محذوف يدلّ عليه ما قبله، وهو أظهر من الحالية التي توهمها بعضهم أولى فإنّ الشرط بدون الجواب لم يعهد وقوعه حالاً في غير أن الوصلية، وهي لا تفارق الواو، وقوله: توليتم أي مجهولاً، وقوله: تقطعوا من القطع معطوف على توليتم أي قرئ من الثلاثي أو من التفعل، وهو لازم، وأرحامكم منصوب بنزع الخافض أي في أرحامكم، وقراءة الأصل من التفعيل وقوله: سبيله أي إلى لممبيله. قوله. (يتصفحونه (التصفح التاً مّل لا مطلق النظر كما في القاموس فإنه غير مناسب هنا، وما فيه الخ عطف تفسير لأنّ المراد بتأمّله تأمّل ما فيه مما ذكر فإن قلت لم غاير بين الفعلين ولم يقل أصمّ آذانهم أو أعماهم قلت: لأنه إذا ذكر الصمم لم يبق حاجة إلى ذكر الآذان، وإن كان مثله يضاف إلى العضو، والى صاحبه فيقال عىب زيد، وعينه ومثله لا يكفي في بيان النكتة كما توهم لأنّ السؤال باق وأمّا العمى فلشيوعه في البصر، والبصيرة حتى قيل إنه حقيقة فيهما فإذا كان المراد أحدهما حسن تقييده، وما قيل لا يلزم من ذهاب الأذن ذهاب السماع فلذا لم يتعرّض له، ولم يقل أعماهم لأنه لا يلزم من ذهاب الأبصار من العين ذهاب الأبصار لا معنى له، ولا طائل تحته. قوله: (لا يصل إليها ذكر الخ (يعني

стр. 2786

إنه تمثيل لعدم وصول التذكير، وانكشاف الأمور، ولكونه في قوّة ما ذكر تكون أم واقعة بين متساويين كأنه قيل: أفلا يتدبرون القرآن إذ وصل لهم أم لم يصل لهم فتكون أم متصلة على مذهب سيبويه، وهو الظاهر لا أنه بيان لما يتفرع على أفعال القلوب، ولذا قال بعده، وقيل أم منقطعة الخ إشارة إلى ترجيح الاتصال بالتأويل المذكور، وقوله: ومعنى الهمزة لتقديرها ببل، وهمزة عند الجمهور. قوله: (قلوب بعض منهم (بمن التبعيضية إشارة إلى أن تنكيره للتبعيض أو التنويع كما قيل، وقيل إنه اسم مفعول من الإبهام صفة بعض لا جار، ومجرور، وإن كان هو المتبادر لأنّ تعريف القلوب سواء كان باللام أو الإضافة يفيد كون المراد قلوب بعض منهم، وأنما الفرق بين تعريفها، وتنكيرها بالتعيين، والإبهام ولا يخفى أنه لا فرق بينه، وبين ما يليه، وقوله: لإبهام أمرها في القساوة أي لشدته حتى كأنه لا يمكن معرفته، والوقوف على حقيقته فيها وقوله، ونكرها أي كونها منكرة من بين القلوب لا تناسب شيئاً منها حتى لا تعد من القلوب، وتوله كأنها الخ لف ونشر مرتب فمبهمة ناظر لإبهام أمرها، ومنكرة لفرط جهالتها ونكرها، وقيل إنّ فرط جهالتها سرى إليها فكانت مجهولة، ولا يخفى ما فيه من التكلف من غير داع، وليس في الكلام ما يدلّ عليه. قوله: (وإضافة الأقفال الخ (يعني أنّ القلوب لا أقفال لها في الحقيقة كالأبواب، والخزائن، والصناديق فكان ينبغي أن لا تضاف لها فأجاب بأن المراد بها ما يمنع الوصول إليها مجازاً، وهو أمر خاص بها فلذا أضيفت لها ليفيد ذلك االاختصاص المميز لها عما عداها، وللإشارة إلى أنها لا تشبه الأقفال المعروفة إذ لا يمك! فتحها أبداً، وقوله: على المصدر بكسر الهمزة على الأفعال. فوله:) إلى ما كانوا عليه الض (تفسير لقوله: على أدبارهم لأنه بمعنى الرجوع إلى خلف، والسول بفتحتين كما هو بف! مط القلم في النسخ الاسترخاء استعير للتسهيل أي لعده سهلا هينا حتى لا يبالي به كأنه شبه بإرخاء ما كان مشدودا. قوله: (وقيل حملهم على الشهوات) يعني أن التفعيل للحمل على معنى المصدر كغرّبه إذا حمله على الغربة فسوّله حمله على سؤله، وهو ما يشتهيه ويتمناه فالسؤال بمعنى المسؤول، وما ذكره توطئة لما ذكره الزمخشري لا توجيه للاشتقاق، ودفع للاعتراض كما توهم، واليه أشار بقوله، وفيه أن السول الخ يعني أنّ السؤل بمعنى المتمني المسؤول من السؤال فهو مهموز والتسويل واوي فكيف يصح ما ذكر، والحاصل أنه لا يناسبه لا لفظا، ولا معنى فإنّ هذا واوي، وذاك مهموز، والتسويل التزيين، والمسؤول المشتهي، والمتمني فقول ابن السكيت أنه مشتق منه خطأ. قوله: (ويمكن رده بقولهم هما يتساولان (يعني أنّ السول من السؤال! ، وله استعمالان فيكون مهموزاً، وهو المعروف ومعتلا يقال: سال يسال كخاف يخاف، وقالوا: منه يتساولان بالواو فيجوز كون التسويل من السول على هذه اللغة أو هو على المشهورة خفف بقلب الهمزة واوا ثم التزم تخفيفه، وكم من عارض يلتزم ويستمرّ حتى يصير كالأصليّ كما قرّروه في تدير وتجيز، وفي جمع عيد على أعياد إلى غير ذلك من نظائره، وأمّا عدم المناسبة المعنوية فأشار إليها المصنف أوّلاً بقوله: حملهم على الشهوات فعلى هذا القول يكون هذا معناه، وهو صحيح واضح، وقوله: وقرئ سوّل أي ببناء المجهول، والتوجيه ما ذكر، ويحتمل تقديره سول كيده فحذف، وقام الضمير مقامه فارتفع قيل، وهو أولى لأنه تقدير في وقت الحاجة. قوله: (ومدّ لهم في الآمال والأماني) بالتخفيف، والتشديد ومعنى المد فيها توسيعها، وجعلها ممدودة بنفسها أو زمانها بأن يوسوس له بأنك تنال! في الدنيا كذا ويكون ذلك في الآخرة، ونحوه مما لا أصل له حتى يعوقه عن العمل، وقوله: أمهلهم الله على أنّ الفاعل ضمير عائد على اسمه تعالى، ولما فيه من التفكيك أيده بقراءة يعقوب أملى بصيغة المضارع المتكلم فإنّ ضميرها لله بلا مرية، والأصل توافق القرا آت إلا أن يجعل مجهولاً من مزيده سكن آخره للتخفيف كما قيل. قوله: (فتكون الواو للحال) يعني في قراءة يعقوب، ويقدر له مبتدأ لئلا يكون شاذاً كقمت، وأصك وجهه، ويحتمل أنه على تقدير عود الضمير دلّه أيضاً، وقوله: وهو أي المفعول القائم مقام الفاعل ففيه استخدام، والمعنى أمهل الشيطان لهم أي جعل من المنظرين إلى يوم القيامة لأجلهم ففيه بيان لاستمرار ضلالهم، وتقبيح حالهم لا وجه لما قيل إنه لا معنى له، وقوله: أو لهم أي القائم مقامه لفظ لهم

стр. 2787

وهو الجار والمجرور، والمعنى مذ لهم في أعمارهم. قوله: (في بعض أموركم) أي شؤونكم، وأحوالكم فالأمر واحد الأمور، وقوله: أو في بعض الخ على أنه واحد الأوامر ضد النهي، وقوله: كالقعود الخ قيل إنه لف ونشر على ترتيب الوجوه الثلاثة في تفسير الذين، وفيه بحث ظاهر، وقوله في الخروج الخ إشارة إلى قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾ [سورة الحشر، الآية: ١١] وقوله: والتظافر في بعض النسخ بالظاء المشالة المعجمة تفاعل من الظفر، وهو الغلبة، وفي بعضها بالضاد المعجمة، وهو قريب منه إذ معناه التعاون، والتعاضد ومنه المضفيرة في الشعر لالتفاف بعضها ببعض، وقوله: أفشاه أي أظهره لتفضيحهم. قوله: (فكيف يعملون ويحتالون) فبعده فعل مقدر أو التقدير كيف حالهم، وقوله: ألمحذوف إحدى تاءيه فأصله تتوفاهم وقوله: تصوير الخ بيان لفائدة قوله: يضربون الخ، وهي جملة حالية يعني أنّ هذا التقييد تصوير، وابراز له بما يخافون منه، ويجتنبون عن القتال، والجهاد لأجله فإن ضرب الوجو.، والأدبار في القتال، والجهاد مما يخشى، ويجتنب. قوله: (ذلك إشارة إلى التوفي الخ) ولما كان اتباع ما أسخط مقتضياً للتوجه له ناسب ضرب الوجه، وكراهة رضوانه مقتضية للإعراض ناسب ضرب الدبر ففيه مقابلة بما يشبه اللف، والنشر وقوله من الكفر، وكتمان الخ على أن القائلين اليهود، وقوله: وعصيان الأمر على أنهم المنافقون ويندرج فيه الوجه الأخير، وكذا قوله ما يرضاه من الإيمان الخ. ففيه لف ونشر على الترتيب، وقوله: لذلك إشارة إلى ما تفيد. الفاء في قوله: فأحبط من تفرّعه على ما قبله، واحباط العمل بالكفر مما لا خلاف فيه، وأنما الكلام في الإحباط بالكبائر كما هو مذهب المعتزلة، وتفصيله في الكلام، وفي الكشاف، وشروحه هنا. قوله: (يبرز) أي يظهر، وفسر. به لاختصاص الخروج بالأجسام، والحقد العداوة لأمر يخفيه المرء في قلبه، وقوله: لعرّفناكهم إشارة إلى أنّ الرؤية علمية، ولو جعلت بصرية على أن المعنى تعرفهم معرفة متفرعة على رؤيتهم جاز، وقد كانت في الأوّل متفرّعة على تعريف الله فلا يقال عطف المعرفة عليه يقتضي أنها بصرية. قوله: (بعلاماتهم) إشارة إلى أنه في معنى الجمع لعمومه بالإضافة لكنه أفرد للإشارة إلى أنّ علاماتهم متحدة الجنس فكأنها شيء واحد، وقوله: جواب قسم محذوف، والجملة معطوفة على الجملة الشرطية، وأنما جعله جواب قسم للتأكيد لأنه يحسن في جواب القسم دون جواب لو. قوله: (ولحن القول أسلوبه الخ) يعني أنه أسلوب من أساليبه مطلقا أو المائلة عن الطريق المعروفة كأنه يعدل عن ظاهره من التصريح إلى التعريض، والإبهام، ولذا سمي خطأ الإعراب به لعدوله عن الصواب وليس من استعمال المطلق في المقيد كما قيل لأنه حقيقة عرفية فيه إلا أن يريد في غيره، أو في أصله، وما ذكر تمثيل لا حصر حتى يقال إن ما في الكشاف ما يشمل الكناية بأقسامها، والتلميح أولى مع أنه محل نظر. قوله: (فيجازيكم على حسب قصدكم) لأنّ ذكر علمه يكون كناية عن مجازاته كما مرّ، والمجزى عليه ما قصده، ونواه في كلامه، وسائر أفعاله لا ما عرّض أو ورّى به، وقوله: " إذ الأعمال " الخ هو من الحديث الصحيح المشهور ومعنى كونها بالنيات أنه يجازي عليها بحسب النية، وهو كقوله ﷺ : " وإنما لكل امرئ ما نوى وليس أحدهما انسب من الآخر في هذا المقام " كما قيل. قوله: (بالأمر بالجهاد) كما يدلّ عليه نعلم المجاهدين، وسائر التكاليف الخ من قوله الصابرين فلذا قدره ليقابل ما بعده، وقوله: على مشاقها أي التكاليف. قوله: (ما يخبر به الخ) على أنّ المراد مطلق ما يخبر به عما عملوه، ولما كان البلاء يناسب الأعمالط قيل الأحسن أن يجعل كناية عن بلاء الأعمال، وإن كان حسن الخبر، وقبحه باعتبار ما أخبر به عنه فماذا تميز الخبر الحسن عن القبيح فقد تميز المخبر به عنه، ويصح أن يريد الكناية مما ذكر أو المراد ما يخبر به عن الإيمان، والموالاة على أنّ إضافته للعهد، وقوله على تقدير ونحن نبلو على أنه مستأنف، وهم يقدرون فيه مبتدأ كما مرّ، ويصح أن يكون منصوبا سكن للتخفيف وهو خلاف الظاهر، وقوله: قريظة أي بنو قريظة والنظير قبيلتان من اليهود الذين كانوا حوالى المدينة، والمطعمون مرّ تفسيرهم وتعيينهم، ويوم بدر وقعته، وأيام العرب شاعت في الوقائع، وتبين الهدى لهم علمهم يصدق الرسول في وما جاء به

стр. 2788

بإعجاز القرآن، ومعجزاته كما كانوا يقرون به فيما بينهم. قوله: (وحذف المضاف) ، وهو رسوله لتعظيمه بجعل مضرّته، وما يلحقه كالمنسوب دثه فيدل على التعظيم باتحاد الجهة، وكذا التفظيع أي عده فظيعا عظيماً مهولاً حيث نسبه إلى الله ظاهراً، وقوله: وسيحبط السين للاستقبال لأنه في القيامة أو هي لمجرّد التأكيد على أنها حابطة الآن أي باطلة، وبين أنّ المراد ببطلانها عدم ترتب الثواب عليها، وقوله: بذلك أي الصدّ والكفر، والشقاق، ولا تثمر لهم إلا القتل كما وقع لبني قريظة، وأكثر قريش من المطعمين أو الجلاء كما وقع لبني النصير. قوله: (بما أبطل به هؤلاء الخ) توطئة للردّ على الزمخشري حيث استدلّ بالآية على مذهبه من أنّ الكبيرة الواحدة تبطل مع الإصرار الأعمال، ولو كانت بعدد نجوم السماء بأنه لا دليل فيها لأنه لما نهاهم عن إبطال الأعمال بعد الأمر بطاعة الله، ورسوله دلّ ذلك على أنّ المراد بالمحيط عدم طاعته ظاهراً أو باطنا بالكفر والنفاق، وهو ليس بمحل اختلاف أو المراد ب! بطال أعمالهم تعقيبها بما يبطلها كتعقيب العمل بالعجب به أو الصدقة بالمن، والأذى لأنه المتبادر منه، وللتصريح به في آيات، وآثار آخر فيحمل عند الإطلاق عليه كما أشار إليه في الكشف فلا وجه لما قيل لا دلالة في النظم على إحباط أعمال هؤلاء بمثلى العجب والرياء والمن، والأذى فتدبر، وقوله: وليس فيه دليل أي كما زعمه الزمخشري. قوله: (عام في كل من مات الخ) هذا إنما يتمشى إذا أريد بالصذ عدم الدخول في الإسلام كما مرّ في أوّل السورة والا فالعموم مع التخصيص به محل نظر، والقليب بئر طرح فيها قتلى بدر من المشركين، والدلالة بالمفهوم المذكورة بناء على مذهبه في الاستدلال به. قوله تعالى: ( ﴿فَلَا تَهِنُوا﴾ ) الفاء فصميحة في جواب شرط مفهوم مما قبله أي إذا علمتم أنه تعالى مبطل أعمالهم، ومعاقبهم فهو خاذلهم في الدنيا، والاخرة فلا تبالوا بهم ولا تظهروا ضعفا، وقوله: ولا تدعوا إشارة إلى أنه مجزوم بالعطف على النهي، والخور بخاء معجمة وواو مفتوحة، وراء مهملة بزنة حسن ضعف القلب، واظهار العجز. قوله: (ويجوز نصبه بإضماو أن) بعطف المصدر المسبوك على مصدر متصيد مما قبله كقوله: لا تنه عن خلق وتأتي مثله وقوله: ولا تدعوا أي بالتشديد فإنه يقال: اذعوا بمعنى دعوا كما مرّ واعادة لا هو ما في الكشاف، وما قيل إنها قراءة السلمي، ولم يعد فيها لا محل نظر فانها قراءة شاذة وقد يكون مثله رواية فيها، أو شهادة النفي غير مسموعة. قوله: (الأغلبون) فانّ العلوّ بمعنى الغلبة مجاز مشهور، وقوله: ناصركم فإنه لا يتصوّر في حقه المعية الحقيقية فيحمل في كل مقام على ما يلائمه. قوله تعالى: ( ﴿وَلَن يَتِرَكُمْ﴾ الخ) قيل إنه معطوف على قوله معكم، وهي وإن لم تقع استقلالاً حالاً لتصديرها بحرف الاسنقبال المنافي للحال كما صرّح به النحاة لكنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في غيره فإن عطف على الجملة المصدرة بحرف الاستقبال فلا إشكال قيل، والمانع في مثله مخالفته للسماع، والا فلا مانع من كونها حالاً مقدّرة أو تجرّد لن لمجرّد النفي المؤكد، وفيه بحث. قوله: (ولن يضيع أعمالكم) بيان لمحصل المعنى المراد مته، وحقيقته أفردته ممن قرب منه بصداقة أو قرابة نسبية كما بينه المصنف أخذاً من الوتر بمعنى الفرد أي جعلته، وترا منه فهو متعد لمفعولين لتضمينه معنى السلب، ونحوه مما يتعذى لاثنين بنفسه، وفي الصحاح إنه من الترة، وانه محمول على نزع الخافض كأنه نقضه منه أو هو نظير دخلت البيت، وهو سديد أيضاً، ويجوز أن يكون متعديا لواحد، وأعمالكم بدل من ضمير الخطاب أي لن يفرد أعمالكم من ثوابها، وكلام المصنف محتمل لما ذكر، وهو أقرب لتعديه لواحد. قوله: (من قريب أو حميم) أي صديق بيان لقوله متعلقا بزنة المفعول، وقوله: من الوتر بفتح الواو مصدر، وبجوز كسرها والأول هو الأصح، وقوله: شبه به أي بالوتر إشارة إلى أنّ الاستعارة تبعية وقع التشبيه، والتصرّف في المصدر فشبه تعطيل العمل عن الثواب بالوتر أي قتل من ذكر، ويلزمه بطريق التغ تشبيه آخر، وقد جوّز فيه المكنية بأن يشبه العمل بلا ثواب بمن قتل قريبه، وحميمه ويتركم تخييلية، وقرينة لها، وتعطيل الثواب عدم ترتبه على العمل، وقوله: وأفراده عطف تفسير على تعطيل. قوله: (جميع أموالكم) إشارة إلى إفادة الجمع المضاف للعموم، وهو معطوف على الجزاء، والمعنى أن تؤمنوا لا يسألكم الجميع أي

стр. 2789

لا يأخذه منكم كما ياخذ من الكفار جميع أموالهم، ولا يخفى حسن مقابلته لقوله: ﴿يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ﴾ أي يعطيكم كل الأجور ويسالكم بعض المال، وقوله: كربع العشر إشارة إلى الزكاة، وما فصلى فيها. قوله: (فيجهدكم الخ) أي يشق عليكم طلبه للكل، واستأصله أخذ أصله وهو كناية عن أخذ الجميع، وقوله: فلا تعطوا إشارة إلى أنّ المراد من البخل عدم الإعطاء إذ هو أمر طبيعيّ لا يترتب عليه السؤال، وقوله: ويضغنكم أي يوقعكم في الضغن، وهو الحقد، والضمير في يخرج لله أو للبخل أو للسؤال ولا بعد فيه، وقوله: لأنه سبب الخ فالإسناد مجازيّ. قوله: (أي أنتم مخاطبون) وفي نسخة إنكم إشارة إلى أنّ ها مكرّرة للتأكيد داخلة على المبتدأ المخبر عنه باسم الإشارة، وقوله: الموصوفون أي بما تضمنه أن يسألكموها الخ فإنّ الإشارة تفيده كما مرّ تحقيقه في أولئك هم المفلحون فتذكره يعني أنّ هؤلاء المخاطبين هم الذين إذا سئلوا لم يعطوا وأنهم المفتضحون، وجملة تدعون الخ. مستأنفة مقرّرة، ومؤكدة لاتحاد محصل معناهما فإنّ دعوتهم للإنفاق هو سؤال الأموال منهم، وبخل ناس منهم هو بمعنى عدم الإعطاء المذكور مجملا أولاً. قوله: (أو صلة لهؤلاء) هكذا في الكشاف، وهو مذهب كوفيّ، ولا يكون عند البصريين اسم إشارة موصولاً إلا إذا تقدّمه ما الاستفهامية كماذا باتفاق أو من الاستفهامية باختلاف فيه، وقوله: وهو يعم الخ لأنّ معناه إنفاق مرضيّ لله مثاب عليه مطلقا فيشمل كل ما كان كذلك كالنفقة للعيال، والأقارب واطعام الضيوف، وليس مخصوصاً بالغزو كما يتبادر مته، ولذلك صرح به المصنف، وقوله: ناس يبخلون إشارة إلى أنّ من تبعيضية، وقوله: كالدليل لم يجعله دليلاً لما يلزمه ظاهرا من إثبات الشيء بنفسه لأنه مقرّر له كما مرّ، ووجه كونه كالدليل لأنّ الناس، وكل جماعة منهم من يجود، ومن يبخل. قوله: (والبخل يعدى بعن وعلى) والثاني هو المشهور فيه، وقوله: لتضمنه إن أراد بالتضمن كونه في ضمن معنا. الوضعي فهو على حقيقته، وإن أراد التضمن المصطلح يجري فيه الأقوال السابقة، والظاهر هو الأوّل، والمعنى أنه يمسك الخير عن نفسه أو نحوه مما يناسب مقامه، وقوله: فما يأمركم الخ بيان لأنّ هذه الجملة مبينة مقرّرة لما قبلها، وقوله: ثم لا يكونوا الخ، ثم للتراخي حقيقة أو لبعد الرتبة عما قبله لأنّ الظاهر توافق الناس في الأحوال، والميل إلى المال، والزهد إذا تعدى بفي فمعناه الترك، والإعراض كما هنا. قوله: (لآنه سئل الخ) حديث صحيح رواه الترمذي وغيره، وهو على شرط مسلم قال الشارح المحقق: حمل القوم على الملائكة بعيد في الاستعمال، وأمّا الحديث بعده فموضوع كنظائره، ثم مناسبة أوّل هذه السورة، وآخرها لما بعدها ظاهر منتظم غاية الانتظام فالحمد دلّه على حسن الختام، وعلى أفضل أنبيائه وأصحابه الكرام أفضل صلاة وسلام يتحلى بهما جيد الليالي، والأيام. سورة الفتح بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (مدنية) قيل بلا خلاف وفيه نظر، وقيل: إنها نزلت بجبل قرب مكة يسمى ضجنان بضاد معجمة وجيم ونونين بزنة سكران، وقوله: نزلت في مرجع الخ قيل إنه خص هذه السورة ببيان وقت نزولها، وليس من دأبه، ولم يجر مثله في غيرها لدفع توهم كونها مكية لأنه ﷺ كان بنواحي مكة وقت نزولها سوأء قلنا المدنيّ، والمكيّ بمعناه المشهور أولاً لا سيما وقد ذكر في الهداية أنّ بعض الحديبية من حرم مكة فلو لم يذكر أنّ نزولها بعد الرجوع ربما توهم أنها مكية على أحد الأقوال فيه، والخطب فيه هين. قوله تعالى: ( ﴿إِنَّا فَتَحْنَا﴾ الخ (أكده بأن والمخاطب هو النبيّ ﷺ ، ولا يتوهم منه تردّد، ولا إنكار فيما أخبره الله به لأنّ التأكيد لا يلزمه ما ذكر فقد يكون لصدق الرغبة فيه، ورواجه عنده كما صرّح به التفتازاني مع أنه قد يجعل غير السائل كالسائل المتردد لوجوه لا تحصى، وأيضا التردّد لا يلزم أن يكون ممن ألقى إليه الكلام سواء كان تردّدا في وقوعه أو في تعيين زمانه كما وقع لعمر ﵁ هنا. قوله: (وعد) الوعد

стр. 2790

مخصوص بالخبر، وقد يرد لغيره مقيداً، وهو حقيقة أو مجاز على اختلاف فيه، وظاهر عطفه الإخبار عليه أنه عنده إنشاء، وقد مرّ في سورة الأنعام ما يخالفه وفيه اختلاف قيل، والكلام فيه مضطرب فإن قلنا إنه خبر عما يأتي تقيد قوله إخبار بأنه عما مضى حتى يصح التقابل، ثم إنه أورد على أنه إنشاء أنّ الإنشاء منحصر في الطلبي، والإيقاعي وليس واحداً منهما أمّا الأوّل فظاهر، وأمّا الثاني فلأنّ مجرّد قولك! رمنك لا يقع به الإكرام، ولا يحصل، وقيل أصله إنشاء لإظهار ما في النفس مما يسر المخاطب، وما تعلق به وهو الموعود خبر كما قيل كان لإنشاء التشبيه، وهذا كله ناشئ من عدم فهم المراد منه فإن قيل المراد إكرام في المشقبل فهو خبر بلا مرية، وإن قيل معناه العزم على إكرامه، وتعجيل المسرة له بإعلامه فهو إنشاء فتدبر ٠ قوله: (والتعبير عنه بالماضي لتحققه) هذا وجه الشبه المصحح والمرجح فإن أخباره تعالى كلها كذلك فهو لتسلية المؤمنين، وتعجيل مسرة البشارة بما هو محقق، ثم إنه على هذا استعارة تبعية، وقد قال السيد استعارة الفعل على قسمين أحدهما أن يشبه مثلاً الضرب بالقتل، ويستعار له اسمه، ثم يشتق منه قتل بمعنى ضرب ضربا شديدا، والثاني تشبيه الضرب في المستقبل بالضرب في الماضي في تحقق الوقوع فالمعنى المصدري موجود في كل من الطرفين لكنه قيد بقيد يغاير الآخر فصح لذلك اهـ، وقال بعض الأفاضل: يجوز أن يكون اشعارة الماضي للمستقبل تبعية بتشبيه الزمان المستقبل بالزمان الماضي في الظرفية لأمر محقق فلا حاجة إلى تكلف ما التزموه من تصحيحه بتقييد المصدرين بقيدين متغايرين كما مرّ فاكتفوا فيه بالتغاير الاعتباري دون الذاتي المعروف في أمثاله، وقال بعضهم: الداعي له أنّ الزمان مدلول الهيئة، وهي ليست بلفظ، والاستعارة تجري في الألفاظ، وهو ليس بصحيح فإنّ الخبر إذا استعمل مجازاً في الإنشاء كان التصرّف في الهيئة بلا كلام فما زعمه دليلاَ ليس بشيء، ثم إنّ المجاز المرسل في الأفعال لا يسمى تبعياً كما يعلم مما وجهوه فلا وجه للتوقف فيه، وأنما أرخينا عنان البيان هنا تبعاً لبعض علماء العصر، وتتميما للفائدة. قوله: (أو بما اتفق له الخ) قيل الظاهر تأخير التعليل، وهو قوله لتحققه عن قوله وفدك لأنه يعم الوجهين، وترك لفظ عنه (أقول) هو غفلة منه فإنهما وإن اشتركا في المجازية نوعان مختلفان فلا يصح نظمهما في سلك واحد إذ الأوّل استعارة، والثاني مجاز مرسل، وهو مجاز المشارفة أو الأوّل فإن أردت تفصيله فانظره في أنواع المجاز من الاتقان، وفي الباب الثامن من المغني فلله درّ المصنف ما أبعد مرماه وأدق نظره، وفي الكشاف عدة له بالفتج، وجيء به على لفظ الماضي على عادة رب العزة سبحانه في أخبار. لأنها في تحققها، وتيقنها بمنزلة الكائنة الموجودة كأنه قال يسرنا لك فتح مكة اهـ، وأورد عليه أنه على رأي أهل السنة ظاهر لأنه إخبار بإيجاد الفتح، وتحصيله للرسول ﷺ بل وقوعه بلفظ الماضي فكان وعداً به على أبلغ وجه، وأمّا على رأيه فدونه خرط القتاد لقوله الفتح الظفر بالبلد عنوة أو صلحا بحرب أو بغيره، وهو من أحوال البشر التي يمتنع إسنادها لضميره تعالى فيجب المصير إلى جعله مجازاً عن تيسيره، واقامة المسبب مقام السبب كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ﴾ [سورة النحل، الآية: ٩٨] وقد بينه حيث قال كأنه قال الخ فالظاهر حمله على التيسير أي التسهيل الحاصل وقت الإخبار لا الوعد بالفتح المتوقع فإنّ موسى ﵊ سأله تعالى بقوله: يسر لي أمري أن يسهل أمره، وهو خلافته في أرضه، وما يصحبها كما مرّ، وقد أجيب إليه في موقف الدعاء بقوله: قد أوتيت سؤلك يا موسى، ولم يباشره بعد وحمله على الوعد بإيتاء السؤل له مع كونه خلاف الظاهر لا يجدي فيما نحن فيه إذ غايته كونه عدة بالتيسير المقارن للفتح لا عدة بالفتح نفسه إلا أن يكتفي بالعدة الضمنية المفهومة من تلك العدة أو من الأخبار السابق بالتيسير (أقول) الإسناد هنا مجازي من إسناد ما للقابل للموجد عندنا لأنه الفاعل الحقيقي لغة عند أهل اللسان وإن كان الفاعل في نفس الأمر هو الموجد كما زعمه المعتزلة فالإسناد مجازيّ عندنا، وعندهم فأشار العلامة إلى جهة التجوّز في الإسناد بقوله كأنه الخ، وليس بيانا للتجوّز في الفتح على أنه بمعنى التيسير كما توهمه وإن كان مجازا مرسلا لا استعارة كما صرّح به، وليس مثله إلا من قلة التدبر، وسوء الظن بالسلف قال

стр. 2791

الأبهرقي في حاشية العضد الفاعل يجب أن يكون قابلا لفعله فإذا خلق الله شيئا في محل يقوم به يسند ذلك الشيء إلى محله، وإن لم يكن له مدخل في التأثير لا إليه تعالى الخ ما فصله فالعلامة مشى على الحق فيه فزعمه أنه ظاهر على رأي أهل السنة ظاهر البطلان، وكذا قوله الفتح عبارة عن التيسير، وما فرّعه عليه، وفدك بفاء مفتوحة، ودال مهملة مفتوحة، وكاف بلدة معروفة بخيبر، وقوله: لأنها في تحققها إلى قوله وفي ذلك من الفخامة والدلالة على علوّ شأن المخبر ما لا يخفى قيل أي في مجيء المستقبل بصيغة الماضي لتنزيله منزلة المحقق ما لا يكتته كنهه لأنّ هذا الأسلوب إنما يرتكب في أمر عظيم لا يقدر على مثله إلا من له قهر وسلطان، ولذا ترى أكثر أخباى هـ على هذا النهج (أقول (هـ! فهمه من أنّ فخامته لا تستعمل إلا في أمر عظيم ليس كذلك، إذ اللازم تحقق الوقوع، ولذا لم يعرّج عليه أحد من شرّاحه فالوجه أنّ الفخامة لدلالته على كمال العلم وجلالة القدر حيث استوى عنده الحال، والاستقبال فيقع ما أراده البتة بن غير مانع لقضائه أو تردّد في إمضائه كما قيل، وما قيل عليه من أنّ الأخبار بفعل حادث يدل على علم المخبر بوقوعه الدال على قدرة فاعله قطعاً فإن كان ذلك قد وقع يكون مدلول الخبر مجرّد علم المخبر، وقدرته إن كان الفعل مسنداً إليه وقدرة غيره إن أسند للغير، وإن كان مستقبلاً لم يقع بعد فإن سيق على نهجه فما دل عليه الخبر من العلم أكمل من الأوّل لابتنائه على معرفة المباديء، والدلائل إن لم يكن ناشئا عن عادة فاشية أو قرائن غير خافية، وإن صرف عن نهجه، وأورد على لفظ الماضي، ولم يكن المراد تقريب المدة ولا الوقوع منوطا بالعادة أو المقدمات المعتادة فمرتبة العلم أعلى من الأوّل من حيث إنه ينبئ عن قوّة وثوق المخبر بالوقوع بحسب إحاطته بتعاضد الأسباب، والدلائل، وحال القدرة في الصور الثلاث واحدة هذا فيما يكون المخبر يجري عليه الزمان فإنه لا يعلم من الأزمنة، وما فيها من الحوادث يقيناً إلا ما دخل تحت الوجود بالفعل لأن في غيره لا يؤمن احتمال الخطا في ترتيب مباديه اللائقة، والمدافعة من الأموو العائقة وأمّا إذا كان المخبر هو العليم الخبير، والمخبر به فعل مستقبل عبر عنه بلفظ الماضي يدل ذلك حتما على كمال علمه تعالى لابتنائه على كمال إحاطته بجميع أحوال الوجود، وأحوال كل موجود، وتفاصيل المبادي المؤدّية إلى ذلك، وعلى أنّ الحال، والاستقبال بالنسبة إليه سيان، وما سيكون كما قد كان، ثم إن كان الفعل مسندا له تعالى كما هنا أو متعين الإسناد له كقضي بينهم دل على كمال قدرته أيضاً لإيذانه بأنه لا يتخلف عنه مقدور، ولا يستعصي عليه أمر من الأمور فكلما أراد وجد، وأما المسند لغيره كنادى أصحاب الجنة فالدلالة على كمال العلم، وهو كاف في الفخامة، والدلالة على علوّ شأن المخبر أمّا كمال القدرة فلا لما عرفت أنه إنما يدلّ على قدرة الفاعل لا المخبر فضلاً عن كمالها، وإسناد جميع الأفعال من حيث الخلق إليه تعالى وإن لا تأثير للقدرة الحادثة، وإن أغضينا عن مخالفة زعم المصنف المستفاد من مباد أخر فلا دلالة للخبرمن حيث هو عليه، ولا للتعبير المذكور قطعاً، والاعتذار بأن كمال العلم المتعلق بفعل الخبر إنما يكون بامتناع عدم مطابقة الخبر للواقع قطعاً، وذلك إنما يتحقق بانسداد جميع أنحاء عدم ذلك الفعل، ولا يتصوّر ذلك مع إمكان تعلق قدرة الفاعل بعدمه إلا بأن تكون جميع القوى، والقدر مقهورة لقدرته، وذلك معنى كمالها فما دل على كمال علمه دل على كمال قدرته غلوّ في الاعتساف، وما ذكره السعد إنما يستقيم فيما أسند الفعل فيه إليه تعالى كما هنا ولعله جعل ذلك إشارة إلى ذلك، وليس كذلك أو اكتفى في تحقق الدلالة المذكورة في المطلق فتحققها في بعض الصور أي ما أسند له تعالى (أقول) ما ذكره وإن تراءى في بادئ النظر غير وارد لأنّ كمال القدرة أشار المحقق لتفسيره بقيد الحيثية، وأوضحه بما يقطع عرق الشبهة بقوله: بحيث الخ يعني أنّ كمال القدرة هنا باعتبار أنّ شيئا لا يتخلف عن مراده سواء كان فعلاً له بالذات أو لا ودلالته على ذلك ظاهرة أمّا عندنا فلقدرته على إيجاده في أيّ زمان أراد بحيث لا يمنعه مانع، وأمّا عند الزمخشري فلأنه مسبب الأيى باب، ورافع الموانع والتمكين منه بيد قدرته منوط فبعد التصريح بهذا كيف يتوجه ما أراد أو يغفل عن المراد، وهو عجيب مته، ولا يصح حمل ما في الكشاف على تفصيله مع قوله

стр. 2792

عادة الله في أخباره، وشأن المخبر دون أفعاله وشأن الفاعل فتدبر. قوله: (أو بما اتفق له في تلك السنة الخ) (أتول (هكذا وقع في كتب الحديث أيضاً كما ذكره البغوي مسنداً، وهو معارض لقوله في تفسير قوله: سيقول المخلفون الخ. يعني مغانم الخ فلا يكون في تلك السنة، ويدفع بأنّ التاريخ الذي جعل فيه رأس السنة المحرّم محدث في زمن عمر وضي الله عنه كما في التواريخ الصحيحة، وكان التاريخ في بدء الإسلام بمقدمه ﷺ للمدينة، وهو في ربيع الأوّل فهو رأس السنة كما في النبراس، وقال ابن القيم: قال مالك: كان فتح خيبر في السنة السادسة، والجمهور على أنه في السابعة، وقطع ابن حزم بأنها كانت في السادسة بلا شك، والخلاف مبنيّ على أنّ أوّل السنة هل هو ربيع الأوّل شهر مقدمه المدينة أو المحرّم وللناس فيه طريقان (قلت) والأوّل هو المصرّح به في الأحاديث الصحيحة وعليه ينبني ما هنا فأعرفه. قوله: (أو أخبار) ظاهره أنّ ما قبله ليس بإخبار وقد مرّ ما فيه، وما قيل من أنّ ما ذكره في تعليل الفتح بالمغفرة لا يجري هنا، ولذا أشار لمرجوحيته ليس بشيء لما أسنده البخاريّ عن البراء ﵁ أنه تال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية كنا مع النبيّ ﷺ أربع عشرة مائة والحديبية بئر فنزحتاها فلم نترك منها قطرة فبلغ النبيّ ﷺ فأتاها فجلس على شفيرها ثم دعا بماء فتوضأ ثم تمضمض، ثم صبه فيها إلى آخر القصة، وأيضا هو غفلة عن قوله بعد هذا وإنما سماه فتحاً لأنه كان بعد ظهوره الخ، ولا يخفى ما فيه من إعلاء كلمة الله تعالى وبه يتجه كون الفتح علة للمغفرة حينثذ كما لا يخفى. قوله: (وظهر له في الحديبية آية عظيمة الخ) قيل: لا يظهر له مدخل في تسمية صلحها فتحاً وليس بشيء لما سمعنه من حديث البخاري، وفي هذه المعجزة العظيمة من الظهور على المشركين ما اقتض الصلح ومناسبته للفتح في غاية الظهور لما فيهما من جامع الظهور، وقد ظهر ببركته الماء في البئر وفي البخاركط إنه نبع من بين أصابعه بوو في الركوة ولا منافاة بينهما لجواز وقوع كل منهما كما في شرح الكرماني. قوله: (وتسبب لفتح مكة) إشارة إلى أنه مجاز مرسل سمي فيه السبب باسم المسبب، وقد كان فيما قبله على الاستعارة بتشبيهه بالفتح، وقيل إنه على عكس هذا لكون الصلح مسببا عن الفتح والظهور على المشركين وفيه نظر، وقوله: أو فتح الروم الخ أشار بقوله: وقد عرف كونه فتحاً إلى وجه التجوّز فيه وتسميته فتحاً لأنّ فيه معجزة له لأنه أخبر عن الغيب فتحقق ما أخبر به في عام الحديبية ولأنه يقال به لغلبة أهل الكتاب المؤمنين، وفي ذلك من غلبته وظهور أمره ما هو بمنزلة الفتح ففي الفتح استعارة لتشبيه ظهوره بالفتح ويحتمل أن يبقى على حقيقته أي فتحنا على الروم لأجلك، وقوله: فتحا للرسول يأباه. قوله: (وقيل الفتح بمعنى القضاء) أي حكم الله والفتح يكون بهذا المعنى في اللغة، ومنه يقال للقاضي فتاح ومرّضه لبعده وعدم ما يدلّ عليه هنا. قوله: (علة للفتح) قيل قصد به الردّ على الزمخشويّ حيث جعل فتح مكة علة للمغفرة، وفيه بحث من وجوه أمّا أوّلاً فلأنّ التعليل الذي ذكرء المصنف لا يفيد إلا علية الفتح للمغفرة كما قاله: وأمّا ثانياً فلأنّ أفعاله تعالى لا تعلل بالإغراض على مذهب أهل الحق فاللام للعاقبة أو لتشبيه مدخولها بالعلة الغائية في ترتبه على متعلقها فكان تعبير الزمخشريّ أوفق للمذهب الحق، وأمّا ثالثاً: فلأنّ الغاية لها جهتا علية ومعلولية على ما تقرّر فلا لوم على من نظر إلى جهة المعلولية لظهور صحته، وهو كلام واهي ا! ناف متخلخل الأطراف إذ ليس في كلام المصنف ما يدل على الردّ بل هو تلخيص له بتغيير التعبير تفنناً كما هو دأبه أمّا الأوّل: فلأنه يصلح للعلية، والمعلولية كما اعترف به وصرّح به في الحواشي السعدية، وأمّا الثاني: فظاهر السقوط لتصريح المحققين بأنّ أفعاله تعالى وإن كانت لا تعلل بالأغراض يترتب عليها حكم ومصالح تنزل منزلة الأغراض، ويعبر عنها بما يعبر به عنها، وقد قال النسفيّ والكرماني: إنه لا يمتنع في بعض أفعاله تعالى، وأمّا الثالث: فعليه لا له. قوله: (من حيث إنه مسبب الخ (قيل يعني ما يكون سبباً وعلة للمغفرة ينبغي أن يكون فعلا من أفعاله، والفتح ليس كذلك بل هو فعل الله فكيف يكون سبباً لاستحقاق المغفرة، وأجاب بأنّ الفتح وإن كان فعله تعالى إلا أنه لصدوره بما وقع منه من

стр. 2793

الجهاد ونحوه من الأفعال الصالحة لأن تكون علة للمغفرة صح أن يجعل الفتح علة لها كأنه قيل إنا خلقنا فيك أسباب الفتح من الجهاد، والسعي في إعلاء الدين ليغفر لك الخ، ولا يخفى أن الفعل يسند حقيقة لمن قام به لا لمن أوجده كما مرّ مراراً فيقال تكلم زبد حقيقة لا تكلم الله وإن أوجد كلامه فيه والفتح الظفر بالبلد وهو صفة العبد قائمة به ولو كان فتحنا بمعنى خلقناكم لم يكن استعارة كما صرّج به المصنف بل مجازا مرسلا فليس المراد ما ذكره بل أنّ المغفرة إذا لم تكن بمحض فضله وترتبت على فعل من أفعال العبد فلا بدّ أن يكون عبادة فلذا جعله جهادا مثمرا لهذه الثمرة، وما ذكره هذا القائل بعيد عنه بمراحل، وفي الكشاف لم يجعل الفتح علة للمغفرة ولكن لاجتماع ما عدد من الأمور الأربعة، وهي المغفرة واتمام النعمة وهداية الصراط المستقيم والنصر العزيز كأنه قيل يسرنا لك فتح مكة ونصرناك على عدوّك لنجمع لك بين عز الدارين، وأغراض العاجل والآجل أن قال السعد ﵀ حاصله أنّ الفتح لم يجعل علة لكل من المتعاطفات بعد اللام أعني المغفرة، واتمام النعمة والهداية والنصر بل لاجتماعها ويكفي في ذلك أن يكون له دخل في حصول البعض كإتمام النعمة والنصر العزيز، وتحقيقه أنّ العطف على المجرور باللام قد يكون للاشتراك في متعلق اللام مثل جئتك لأفوز بلقياك وأحوز عطاياك ويكون بمنزلة تكرير اللام، وعطف جار ومجرور على جار ومجرور وقد يكون للاشتراك في معنى اللام كجئتك لتستقرّ في مقامك وتفيض عليّ من أنعامك أي لاجتماع الأمرين، ويكون من قبيل جاءني غلام زيد وعمرو أي الغلام الذي هو لهما، وفيه أنه إذا كان المقصود بعضه فذكر باقيه لغو من الكلام فالظاهر أن يقال لا يخلو كل منها من أن يكون مقصودا بالذات، وهو ظاهر أو المقصود بعضه، وحينئذ فذكر غيره إمّا لتوقفه عليه أو لشدة ارتباطه به، وترتبه عليه فيذكر للإشعار بأنهما كشيء واحد، والأوّل كقوله تعالى: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٨٢] إلى قوله: أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى فليس الضلال علة بل التذكير متوقف عليه كقولهم أعددت الخشب ليميل الحائط فأدعمه كما حققه سيبويه وتبعه العلامة، ومثال الثالث لازمت غريمي لأستوفي حقي وأخليه وليس ما نحن فيه من هذا القبيل، أو المقصود المجموع من حيث هو مؤوّل بما يكون كذلك كما هنا لأنّ جمع عز الدارين محصل مجموع الكلام والى الثاني أشار في دلائل الإعجاز بقوله: إذا عطف شيء على جواب الشرط فهو على ضربين أحدهما أن يستقل كل بالجزائية نحو إن تأتني أعطك وأكسك، والثاني أن يكون المعطوف بحيث يتوقف على المعطوف عليه كقولك: إذا رجع الأمير استأذنت وخرجت أي إذا رجع استأذنت وإذا استأذنت خرجت اهـ، وقد علم مما مضى أنه غير مخصوص بالشرط، ولا بما ذكر فتأمّله فإنه مهمّ جدّاً قوله: (جميع ما فرط) بجعل المتقدم والمتأخر للإحاطة كناية عن الكل، وقوله: مما يصح الخ إشارة إلى أنه ليس بذنب حقيقي بل من قبيل حسنات الأبرأر سيئات المقرّبين لعصمة الأنبياء، وقوله: وضم الملك إلى النبوّة كأنه أراد بالملك فتح البلاد واجراء أحكامه فيها تسمحاً والا ففي الحديث: (١ ن الله خيره ﷺ بين أن يكون ملكاً نبياً كسليمان وعبدا رسولاً فاختار أن يكون عبداً رسولاً ولم يرض الملك حتى لا يسمى خلفاؤه الراشدون ملوكاً فضلاَ عنه ﷺ ولذا قيل: إنه لا يقال في نعته إنه زاهد لأنه لم يختر الدنيا أصلا حتى يقال إنه زهد فيها، وهكذا ينبغي أن يعرف مقامه ﷺ وفيه تفاسير أخر في الكشاف، وغيره لم يرتضها المصنف ﵀. قوله: (في تبليغ الرسالة الخ) فالهداية على حقيقتها فلا حاجة إلى ما قيل من أنّ المراد زيادة الاهتداء أو الثبات عليه. قوله: (فيه عز ومنعة الخ) العزيز بحسب الظاهر هو المنصور فلما وصف به النصر أشار إلى أنه إمّ للنسبة، وإن كان المعروف فيه فاعل وفعال أو فيه تجوّز في الإسناد إذ هو من وصف المصدر بصيغة المفعولى لا الفاعل لعدم مناسبته للمقام وقلة فائدته إذ الكلام في شأن المخاطب المنصور لا المتكلم الناصر، ومنعة بفتحتين يكون مصدرا وجمع مانع بزنة كتبة، وقيل: هو بتقدير مضاف أي عزيز صاحبه قال الإمام: وذكر الجلالة إشارة إلى أنّ النصر لا يكون إلا من الله وهو من قوله تعالى: ﴿مَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللهِ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ١٢٦] قال: لأنه لا يكون إلا بالصبر، وهو

стр. 2794

لا يكون إلا منه تعالى كما قال: ﴿وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللهِ﴾ [سورة النحل، الآية: ٢٧ ا] لأنه بذكر الله الذي تطمئن به القلوب. قوله: (الثبات) هذا هو أرجح التفاسير وفسرت بالرحمة أيضاً وهكذا هو في كل سكينة وردت إلا ما في البقرة، وقوله: حتى ثبتوا وكان قلقهم لصدّ الكفار لهم عن البيت وقد ظنوا الرؤيا ناجزة كما ورد في الحديث، وسيأتي وتدحض بمعنى تزل وهو كناية هنا عن القلق. قوله: (يقيناً مع يقينهم) يعني أنّ الإيمان لما ثبت في الأزمنة نزل تجدّد أزمانه منزلة تجدده، وازدياده فاستعير له ذلك ورشح بكلمة مع، وعلى الثاني هو على حقيقته ومن قال: الأعمال من الإيمان، وهو يزيد وينقص لا يحتاج للتأويل ويحتمل أن يكون هذا مراد المصنف، وقوله فيسلط الخ هذا بالنسبة لجنود الأرض أو لمجموع جنود السماء والأرض لأنّ جنود السماء الملائكة ولا يجري فيها ذلك، وقوله: كما تقتضيه حكمته تنازع فيه الفعلان قبله. قوله: (من معنى التدبير) بيان لما إشارة إلى أنّ قوله ولله جنود السموات والأرض كناية عنه، وقوله: ليعرفوا الخ إشارة إلى أن العلة معرفة النعمة وشكرها لكنها لما كانت علة لدخول الجنة أقيم المسبب مقام السبب كما في الكشاف، وقوله: ذلك إن كان إشارة إلى التسليط فهو عذاب دنيوي، وإن كان إشارة إلى إدخالهم الجنة فهو أخروي وتعليقه بفتحنا وأنزل مع تعلق اللام الأخرى به بناء على ما مرّ في البقرة من تعلق الأوّل به مطلقا، والثاني مقيذ أو بتنزيل تغاير الوصفين منزلة تغاير الفعلين إذ لا يتعلق بعامل واحد حرفا جر بمعنى واحد من غير اتباع، وقوله: أو جميع ما ذكر إمّا على التنازع أو التقدير أي بتقدير ما يشملها كفعل ما ذكر ليدخل الخ. قوله: (بدل الاشتمال) وهو ما كان بينه وبين المبدل منه ملابسة بحيث يدخل أحدهما على الآخر بوجه ما وشرط في الملابسة أن تكون بغير البعضية، والكلية وهل المشتمل الأوّل أو الثاني أو العامل أو معنى الكلام أقوال ارتضى الأخير منها في الإيضاح، والاشتمال هنا لأن إدخال المؤمنين والمؤمنات الجنة وتعذيب الكفار مستلزم لزيادة الإيمان ومشتمل عليه فما قيل من أنّ الاشتمال باعتبار أنّ المؤمنين والمؤمنات يشمل المؤمنين لا وجه له فتأمل. قوله: (ينطيها) هو أصل معناه، ثم كني به عن محوها كالعفو وقوله: وعند حال من الفوز لأنه شأن صفة النكرة إذا قدمت عليها، وكونه يجوز فيه الحالية إذا تأخر عن قوله عظيماً لا ضير فيه كما توهم. قوله: (عطف على يدخل الخ) ذكر في المعطوف عليه وجوها وأشار إلى صحة العطف على الجميع سوى البدلية لما سيأتي وهو ظاهر إلا إذا تعلق بقوله: ليزدادوا ففيه نوع خفاء وتقريره كالأوّل لأنّ ازدياد إيمان المؤمنين مما يغيظهم أيضاً والغيظ بذلك كفر على كفر مقتض لتعذيبهم وعذاب الدنيا بأيدي المؤمنين، وإمّا تقريره بأنّ اعتقادهم أنه تعالى يعذب الكفار يزيد في إيمانهم لا محالة، وما أوود عليه من أنّ مدخول اللام يجب ترتبه على متعلقها في الخارج نلا يحسم الإشكال ولا يزيل الخفاء فلا وجه له تقرير، وايراداً لأنه لا دلالة في النظم على ما ذكره إلا إذا أوّل يعذب بيجزم باعتقاد أنهم معذبون، وهو في غاية البعد لكنه مترتب على زيادة الإيمان ولزوم الترتب المذكور التزام لما لا يلزم من غير قرينة فتدبر. قوله: (إلا إذا جعلته بدلاً الخ) فيه نظر لأنّ بدل الاشتمال تصححه الملابسة كما مرّ وازدياد الإيمان على التفسيرين مما يغيظهم فلا مانع منه على البدلية، وما قيل في توجيهه من أنّ المذكور في المعطوف يباين المؤمنين فلا يستقيم عطفه على بدل الاشتمال سهو ظاهر لأنّ بدل الاشتمال لا بد فيه من المباينة كسلب زيد ثوبه، وقوله: فيكون عطفاً على المبدل منه هكذا هو في النسغ المعتمدة وفي بعضها سقط منه منه فاحتاج إلى جعله من الحذف والإيصال كالمشترك أو أنّ البدل يكون بمعنى المبدل منه من أبدلته بغيره إذا نحيته ونحن في غنية عنه بما صح في النسخ. قوله: (ظن الأمر السوء) يعني أنّ المراد بالسوء الأمر الذي ظنوه وهو عدم النصرة، وقوله تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [سورة الفتح، الآية: ٦] إما إخبار عن وقوع السوء بهم أو دعاء عليهم وجملته معترضة، والدائرة مصدر بزنة اسم الفاعل أو اسم فاعل من دار يدور سمي به عقبة الزمان، والسوء بالفتح مصدر أضيف إليه للمبالغة كرجل صدق، ويقال: رجل سوء ورجل السوء معرفاً ومنكرا وبالضم هو اسم مصدر بصعنى المساءة كما في الصحاح، وليس فيه حصر المضاف

стр. 2795

إليه في المفتوح حتى يردّ عليه بقراءة دائرة السوء بالضم أو يردّ بأنّ ما نحن فيه من إضافة الاسم الجامد وما فيها من إضافة غيره وبينهما فرق ظاهر، ويرد عليه ظن السوء إلا أن يريد بالجامد اسم العين وقول المصنف غلب الخ يشير إلى أنه أكثرقي كما عرفت إلا أنّ قوله: وكلاهما في الأصل مصدر فيه لمخالفة إمّا لكلام الجوهريّ، وقد مرّ الكلام عليه مفصلا في سورة براءة. قوله: (والواو في الأخيرين الخ) يعني كان مقتضى الظاهر أن يقال فلعنهم فاعد لهم لكنه عدل عنه للإشارة إلى أنّ كلاَ منهما مستقل بالوعيدية من غير اعتبار للسببية فيه. قوله تعالى: ( ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية) ذكره سابقا على أنّ المراد به أنه المدبر لأمر المخلوقات بمقتضى حكمته فلذلك ذيله بقوله: عليماً حكيماً، وهنا أريد به التهديد بانهم في قبضة قدرة المنتقم فلذا ذيله بقوله عزيزا حكيما فلا تكرار، وقيل إنّ الجنود جنود رحمة وجنود عذاب والمراد هنا الثاني ولذا تعرّض لوصف العزة فتأمّل. قوله: (الخطاب للنبئ ﷺ الخ) إذا كان الخطاب للنبيّ ﷺ وأمّته كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ [سورة الطلاق، الآية: ا] فهو تغليب ويكون النبيّ مخاطباً بالإيمان برسالته كسائرالمؤمنين وهو كذلك، وقال الواحديّ: هو على اللف والنشر فالخطاب في أرسلناك للنبيّ وفي لتؤمنوا لأمّته والتقدير فعل ذلك لتؤمنوا أو قل لهم لتؤمنوا لأنّ سماعهم مقصود وأورد عليه أنه مناف لقول الشريف في شرح المفتاح في قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة هود، الآية: ٢٣ ا] فيمن قرأ بتاء الخطاب بتغليب المخاطب على الغائب إذ عبر عنهم بصيغة موضوعة للمخاطب، ولا يجوز اعتبار خطاب من سواه بلا تغليب لامتناع أن يخاطب في كلام واحد اثنان من غير عطف أو تثنية أو جمع اه، وهذه القاعدة وإن قرّرها الرضي وغيره في مباحث اسم الإشارة فليست مطلقة كما يعلم من تتبع كلامهم بل هي فيما إذا لم يكن أحدهما بعضاً من الآخر فإنه حينئذ غير مغاير له بالكلية، وإن لم ينسلخ عنه معنى الخطاب كقوله: أحيا أباكن يا ليلي الأماديح قال المرزوقي خاطب الجماعة ثم خص واحدة منها وذكر له نظائر، وقال الرضي في التعجب لا يخاطب اثنان في حالة واحدة إلا أن ينمحي معنى الخطاب عن أحدهما وعلى الوجه الأوّل أحدهما بعض من الآخر وعلى الثاني هو عينه ادّعاء فلا تعدّد كما أشار إليه المصنف أو أنهم ليسوا مخاطبين في الحقيقة مخاطبهم في حكم الغيبة فاحفظه، ومنه تعلم أنّ ما تقدم كلام من لم يطبق المفصل في هذه القاعدة، وقد فصلناها في غير هذا الكتاب وأنه لا غبار عليه سوى عدم الفهم والقول بأنه ليس كلملاما واحداً لتقدير المعلل كما مرّ عن الواحدي لا حاجة إليه، ولا يلائم ما ذكره المصنف. قوله: (وتعزروه (من العزر وهو أحد معاني التعزير وفي نسخة وتقوّوه فعزره بمعنى أيده وقوّاه، وهذا على المختار من رجوع الضمائر كلها لله لا إنّ الأوّلين للرسول والأخير لله لما فيه من التفكيك، وقوله: أو تصلوا له فإن التسبيح يطلق على الصلاة لاشتمالها عليه، وبه فسر ابن عباس ﵁ هنا وقوله: غدوة وعشياً على الوجهين بإبقائه على ظاهره، وقوله: أو دائما بجعل طرفي النهار كناية عن الجميع كما يقال شرقاً وغرباً لجميع الدنيا. قوله: (لأنه المقصود ببيعته) توجيه للحصر بأنه باعتبار المقصود لأنّ المقصود من بيعة الرسول واطاعته إطاعة الله وامتثال أوامره لقوله: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ [سورة النساء، الآية: ٨٠] فبيعة الله بمعنى طاعته مشاكلة أو هو صرف مجاز. قوله: (حال أو استئناف مؤكد له على سبيل التخييل الا يخفى ما في الحالية لعدم اقتران الاسمية بالواو وقد أباه المصنف ومرّ توجيهه فتذكر. وهو حال من الفاعل، وقيل: هو خبر بعد خبر والتأكيد ظاهر لأنّ قوله: يد الله الخ عبارة عن المبايعة، وفي الكشاف لما قال: ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ أكده تأكيدا على طريق التخييل فقال: يد الله فوق أيديهم يريد أنّ يد رسول الله ﷺ التي تعلو أيدي المبايعين هي يد الله والله تعالى منزه عن الجوارح وعن صفات الأجسام وأنما المعنى تقرير أنّ عقد الميثاق مع الرسول ﷺ كعقده مع الله من غير تفاوت بينهما اهـ، وفي المفتاح أمّا حسن الاستعارة التخييلية فبحسب حسن الاستعارة بالكناية متى كانت تابعة لها كما في قولك فلان بين أنياب المنية ومخالبها، ثم إذا انضم إليها المشاكلة كما في قوله يد الله الخ كانت أحسن وأحسن

стр. 2796

اص، يعني أنّ اسم الله استعارة بالكناية تشبيها له بالمبايع، واليد استعارة تخييلية مع أنّ فيها أيضاً مشاكلة لذكرها مع أيدي الناس وامتناع الاستعارة في اسم الله إنما هو في الاستعارة التصريحية دون المكنية لأنه لا يلزم إطلاق اسمه تعالى على غيره، ومن سخيف الكلام ما قيل إنه يلزم من المشاكلة أي ازدواج اللفظ في يبايعونك وأنما يبايعون أن يكون الله تعالى مبايعا وأن لا بد للمبايع من يد فيتوهم له تعالى شيء كاليد وهي القدرة ويطلق عليه لفظ اليد، وهذه الاستعارة منضمة إلى المشاكلة أو يقال المبايعة المنسوبة له تعالى تخييلية تنزيلا له تعالى منزلة رسوله ﷺ وأثبت له يد على سبيل التخييل ترشيحاً فصار يد الله قد انضم إليها المشاكلة كما حققه السعد، والسيد في شرح المفتاح فما ذكره السكاكيّ غير ما في الكشاف فلا تغتر ربما في بعض الشروح من التخليط والتخبيط هنا، وقد أجمل المصنف ما فصلناه وأقحم لفظ سبيل كما أقحم الزمخشريّ لفظ طريق دفعا لم يتوهم من أن التخييل لا يصح استعماله في حقه تعالى، وقد قيل الصواب إبدالها بالتمثيل فتدبر. قوله: (بضم الهاء) كما تضم في نحو له وضربه ومن كسرها راعى الياء قبلها، وقوله: في بيعة الرضوان وهي البيعة الواقعة بالحديبية سميت بيعة الرضوان لقول الله تعالى فيها لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك الآية. قوله: (أسلم الخ) هي قبائل من العرب معروفة، وقوله: استنفرهم أي طلب منهم أن ينفروا معه أي يخرجوا معه والخذلان منه تعالى إذ لم يوفقهم لطاعة رسوله ﷺ . قوله: (من يقوم بإشنالهم) أي بأشغال الأهل والأموال فغلب العقلاء على غيرهم في الضمير، وقوله: بالتشديد أي تشديد الغين المعجمة، وقوله: من الله متعلق باستغفر أي اطلب لنا منه مغفرة لذنبنا الصادر منا وهو التخلف فعلى للتعليل، وقوله: تكذيب الخ يعني أنّ كلامهم من طرف اللسان غير مطابق لما في الجنان كناية عن كذبهم، والكذب راجع لما تضمنه الكلام من الخبر عن تخلفهم بأنه كان لضرورة داعية له وهي القيام بمصالحهم التي لا بد منها وعدم من يقوم بها لو خرجوا معه وأما تكذيبهم في الاستغفار وهو أمر وإنشاء لا يحتمل الصدق والكذب فباعتبار ما تضمنه من اعترافهم، وايمانهم بأنهم مذنبون وأنّ دعاءه لهم يفيدهم فائدة لازمة لهم مع أنّ اعتقادهم يخالفه. قوله: (فمن يمنعكم الخ) فسريملك بيمنع على أنه مجاز عنه أو ضمن معناه لتعديته بمن ولما عقب بقوله: إن أراد بكم الخ لزم تقدير المشيئة بعده لأنه كالتقسيم له واللام إمّا للبيان أو للصلة أي قل لهم إذ لا أحد يدفع ضره ولا نفعه فليس الشغل بالأهل والمال عذراً وفي الانتصاف إنّ فيه لفاً ونثرا وكان الأصل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا ومن يحرمكم النفع إن أراد نفعا لأنّ هذا ورد في الضر مطرداً كقول: ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [سورة المائدة، الآية: ١٧] وكذا في الحديث خطاباً لعشيرته ﷺ : " لا أملك لكم من الله شيئاً الخ) وفيه بحث. قوله: (ما يضركم) فليس المراد به المعنى المصدري وهو إمّ الحاصل به أو مؤوّل بالوصف، وقوله: كقتل وهزيمة ظاهر وما قيل عليه من أنّ المراد به ما يضر من هلاك الأهل والمال وضياعهما حتى تخلفوا عن الخروح لحفظهما والنفع ما ينفع من حفظ المال والأهل، وتعميم الضر والنفع يردّه قوله: بل كان الله بما تعملون خبيراً فإنه إضراب عما قالوا وبيان لكذبه بعد بيان فساده على تقدير صدوره كلام أو هي من بيت العنكبوت لأنّ في التعميم إفادة لما ذكر مع زيادة لا تضر بل تفيد قوّة وبلاغة وفي كلام المصنف إشارة إليه، وقوله: تعريض بالردّ أي بردّ اعتذارهم كما قرّرناه من أنه يفيد أن تخلفهم ليس لما ذكر بل لخوف الهلاك وظن النجاة بالقعود، ثم إنّ الإضراب الأوّل ردّ أن يكون حكم الله أن لا يتبعوهم واثبات الحسد والثاني إضراب عن وصفهم بإضافة الحسد إلى المؤمنين إلى وصفهم بما هو أظلم مته، وهو الجهل وقلة الفهم كما في الكشاف ويستأصلونهم بمعنى يقطعون أصلهم فكني به عن قتلهم جميعاً. قوله. (وأهلون الخ) جمعه جمع السلامة على خلاف القياس لأنه ليس بعلم ولا صفة من صفات من يعقل، وقوله: وقد يجمع على أهلات بملاحظة تاء التأنيث في مفرده تقديراً فيجمع كتمرة وتمرات، ويجوز تحريك عينه أيضا فيقال:

стр. 2797

أهلات بفتح الهاء فإن قلت كيف يصح قوله: في أهال إنه اسم جمع وشرطه أن يكون على وزن المفردات سواء كان له مفرد أو لا قلت ما ذكرته هو مصطلح النحاة والمصنف والزمخشريّ يستعمله بمعنى الجمع الوارد على خلاف القياس، وإن لم يكن كذلك كما مرّ تحقيقه في الأحاديث الواردة، والمراد بالأهل عشيرته أو أقرباؤه. قوله: (فتمكن فيها) زيته بمعنى حسنه حتى قبلوه فتمكن في قلوبهم، وقوله: وهو الله مرّ تحقيقه في سورة الأنعام، وقوله: الظن المذكور يعني في قوله بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول الخ فتعريفه للعهد الذكرى، وقوله: والمراد التسجيل الخ يعني أنه أعيد ليبين صفة السوء له فلا تكرار فيه أو هو عام فذكره للتعميم بعد التخصيص، والزائغة بالزاي والغين المعجمتين بمعنى الباطلة، وقوله: هالكين فسره به لأنّ بوراً في الأصل مصدر كالهلك بالضم فيوصف به الواحد المذكر وغيره أو هو جمع بائر كعائذ وعوذ وأصل معناه الفساد كما أشار إليه المصنف، وقوله: عند الله بمعنى في علم الله وحكمه وهو توجيه للمضي في قوله: كنتم بأنه باعتبار العلم الأزلي. قوله: (وضع الكافرين الخ) يعني أنّ مقتضى الظاهر لهم فعدل عنه لما ذكر، وقوله: بكفره لأنّ التعليق بالمشتق يقتضي أنّ مأخذ اشتقاقه علة للحكم عليه بما حكم به كما تقرّر في الأصول، وقوله: للتهويل لما فيه من الإشارة إلى أنه لا يمكن معرفتها واكتناه كنهها، وقوله: أو لأنها نار مخصوصة فالتنوين والتنكير للتنويع أو لأنها اسم لطبقة مخصوصة منها شاعت فيها فلا حاجة لتعريفها باللام كما قيل وسيأتي في سورة تبارك تفصيله، وفيه بحث لأنه لا يصح القول بالعلمية لدخول أل عليه ولا بالغلبة لأنه يلزمه اللام أو الإضافة ولو عرف السعير وقصد تعريف العهد أفاد ما ذكر فالوجه هو الأوّل فتأمّل. قوله: (يدبره كيف يشاء) هذا معناه الالتزامي لأنه إذا اختص به ملكه لزم تصرفه كيف يشاء وهو توطئة لما بعده، وقوله: إذ لا وجوب عليه بل هو معلق بمحض إرادته ومشيثته فالغفران والتعذيب لا مقتضى له سوى إرادته كما هو ظاهر الآية وهو مذهب أهل الحق خلافا للمعتزلة في الإيجاب لما ذبر عليه، ولذا قال في الكشاف: يدبره تدبير قادر حكيم فيغفر ويعذب بمشيئته ومشيئته تابعة لحكمته وحكمته المغفرة للتائب وتعذيب المصر هـ، والمصنف أشار إلى الردّ عليه بما ذكره لما فيه من التحريف والتعكيس الداعي له حمية الجاهلية الاعتزالية كما بينه الشراح. قوله: (فإنّ النفران الخ) دفع لما يتوهم من تدافع كونه غفوراً رحيماً، وكونه معذبا بأنّ الغفران والرحمة بحسب ذاته والتعذيب بالعرض وتبعيته للقضاء، والعصيان المقتضي لذلك كما قرّره المصنف في قوله: بيدك الخير من أنّ الخير هو المقضي بالذات والشر بالعرض إذ لا يوجد شرّ جزئي إلا وهو متضمن لكل خير فالشرية بالعرض والتبع كما فصله في شرح هياكل النور فإن فهمت فنور على نور. قوله: (في الحديث الإلص) أي القدسي ولفظه: (كتب ربكم على نفسه بيده قبل أن يخلق الخلق رحمتي سبقت غضبي) فالسبق على ما ذكره المصنف بمعنى التقدم الذاتي، وقال التوربشتي المراد بالسبق والغلبة الواقعة في بعض الروايات كثرة الرحمة وشمولها كما يقال: غلب على فلان الكرم وقال الطيبي هو كقوله كتب على نفسه الرحمة أي أوجب على نفسه بوعده لهم أن يرحمهم قطعا بخلاف ما يترتب على الغضب من العقاب فإنه يتجاوز عنه فالمراد بالسبق القطع بالوقوع، فإن قلت صفاته تعالى قديمة فكيف يتصوّر سبق بعضها على بعض قلت: السبق كما في شرح الكرماني للبخاري باعتبار التعلق أي تعلق الرحمة سابق على تعلق الغضب لأن الرحمة مقتضى ذاته بخلاف الغضب فإنه يتوقف على سابقة عمل من العبد مع أنّ الرحمة، والغضب ليسا صفتين دلّه بل هما فعلان له، ويجوز تقدم بعض الأفعال على بعض اص. قوله: (يعني المذكورين) من القبائل في تفسير قوله: سيقول لك المخلفون من الإعراب، وقوله: يعني مغانم خيبر فإنّ السين تدلّ على القرب وخيبر أقرب المغانم التي انطلقوا إليها من الحديبية فهي المرادة هنا كما أشار إليه بقوله: فإنه الخ وقوله: سنة ست قد تقدّم أنه ينافي قوله في أوّل هذه السورة في هذه السنة، وقد سبق التوفيق بينهما وفتح مكة في سنة تسع كما في البخاري. قوله:) فخصها بهم) أي بمن شهد الحديبية وكان ذلك بوحي وفي هذا قرينة

стр. 2798

على تقييد إطلاق ما سيأتي من قوله أن يعوضهم الخ ولا ينافي التخصيص المذكور إطلاق بعض مهاجري الحبشة وبعض الدوسيين والأشعريين من ذلك، وهم أصحاب السفينة كما في البخاري فإنه كان اسننزالاً للمسلمين عن بعض حقوقهم لهم أو اًن بعضها فتح صلحاً وما أعطاه لهؤلاء بعض مما صالح عليه، وكله مذكور في السير لكن الذي صححه المحدّثون أنه لا صلح فيها، وقال الكرمانيّ: إنما أعطاهم برضا أصحاب الوقعة أو أعطاهم من الخمس الذي هو حقه وميل البخاري إلى الثاني، ومنه يظهر أنّ ما قيل إنّ الأولى أن يقول بدل قوله: أن يعوّضهم أن يخصهم ليظهر التبديل ويجوز أن يقال المراد جميع مغانم خيبر لأن الجمع المضاف من صيغ العموم لا وجه له فتدبر. قوله: (وقيل قوله الخ) قال البغوي: قال ابن زيد هو قوله تعالى: ﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَدًا﴾ [سورة النوبة، الآية: ٨٣] والأوّل أصوب وعليه عامة التأويل اهـ ولذا مرضه المصنف وقوله: والظاهر أنه في تبوك أي في غزوتها المعروفة فنزول هذه الآيه بعد ذلك بكثير، وفي البحر وقد غزت جهينة ومزينة بعد هذه المدة معه ﷺ أعلم بصحته، وقوله: اسم للتكليم أي هو اسم مصدر له والكلم اسم جمعيّ، وسماه المصنف جمعا على اصطلاح أهل اللغة وهو أمر سهل، وقوله: نفي في معنى النهي فالخبر مجاز عن النهي ب الإنشائي، وهو أبلغ وقوله: تهيئهم للخروج بيان للمضاف المقدر. قوله تعالى:) ﴿بَلْ تَحْسُدُونَنَا﴾ ) إضراب عن كونه بحكم الله أي بل إنما ذلك من عند أنفسكم حسداً كما سيأتي في قوله، ومعنى الإضراب الخ، وقوله: أن نشارككم بيان لمفعوله المقدر وقوله. بالكسر أي كسر سين المضارع وهي شاذة والمشهور فيها الضم، وقوله: إلا فهما قليلاً فهو صفة مصدر مقدر، وقوله: وهو أي الفهم القليل، وقوله: بهذا الاسم أي المخلفين من الإعراب، وقوله: مبالغة الخ لتأكيده بتكريره الدال على شناعته، وبني حنيفة كسفينة قوم مسيلمة الكذاب الذين ارتدوا وقاتلهم أبو بكر ﵁، وقوله: أو المشركين هو مذهب الشافعيّ فإنه لا يقبل منهم الجزية، وعند أبي حنيفة هو مخصوص بمشركي العرب. قوله تعالى: ( ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ ) جوّز في هذه الجملة أن تكون مستأنفة استئنافاً بيانياً وحالية وصفة لقوم لإخراج من عدا أهل الردة والشرك وليس في كلام المصنف ما يخالفه، ومن قال إنه لا وجه للوصفية قيل: أراد أن مضمونه غير معلوم لهم كما هو شأن الصفات لكنه أمر غير مطرد، وقيل إنه لو كان صفة قيل: يقاتلون أو يسلمون لئلا يتضمن زيادة لا حاجة إليها وتوقف فيه بعضهم، وكله مما نشأ من قلة التدبر فإنه قال: ولا يجوز أن يكون صفة لقوم لأنهم دعوا إلى قتال القوم لا أنهم دعوا إلى قوم موصوفين بالمقاتلة أو الإسلام، اهـ وأصله العطف فعدل إلى أعظم الوصلين وحاصله أنّ المعنى فاسد على الوصفية لأنه لا يفيد أنّ دعوتهم للقتال، وهو المقصود فتدبر، ومنه تعلم حال الحالية. قوله: (يكون أحد الأمرين (كما تدل عليه أو، وقوله: لا غير لأنها لمنع الخلوّ ثم إنهم فعلوا ذلك وحصلوا الغرض فهو خبر عن أمر واقع والاعتراض بأنه يلزم أن لا ينفك الوجود عن أحدهما لصدق أخبار. تعالى وهو منفك بتركهم سدى أو بالهدنة فيلزم أن يؤوّل بالأمر كما في أمالي ابن الحاجب غير سديد لأنهم قوم مخصوصون والواقع أنهم قوتلوا إلى أن أسلموا سواء فسر القوم بثقيف وهوازن أو ببني حنيفة أو فارس والروم على أنّ الإسلام الانقياد وما انفك الوجود عن أحدهما بل وقعا وأمّا امتناع الانفكاك فليس من مقتضى الوضع، ولا الاستعمال فأو للتنويع والحصر لا للشك وهو كثير وقوله: دل عليه قراءة أو يسلموا لأن النصب يقتضي أنّ أو بمعنى إلا أن الخ فيفيد الحصر أو بمعنى إلى أن والغاية تقتضي أنه لا ينفطع القتال بغير الإسلام فيفيده أيضاً فقصره على الأوّل تقصير أو قصور، وأمّا احتمال عطفه على تقاتلون بحسب المعنى لأنه في معنى لتقاتلوهم إذ هو في جواب لماذا ندعي فبعيد لا يرتكب مثله من غير ضرورة داعية له. قوله: (وهو يدل على إمامة أبي بكر ﵁ الخ ( ووجهه ما قاله الإمام من أنّ الداعي في قوله: سندعون لا يخلو من أن يكون النبيّ ﷺ أو الأئمة الأربعة أو من بعدهم لا يجوز الأوّل لقوله: قل لن تتبعونا الخ ولا أن يكون عليا كرم الله وجهه لقوله: أو يسلمون فإنه إنما قاتل البغاة والخوارج، ولا من ملك بعدهم لأنهم على الخطا عندنا وعلى الكفر عند الشيعة فتعين أن يكون أبا بكر وعمر

стр. 2799

وعثمان وأيهم كان ثبت المطلوب لأنّ إمامتيهما فرع عن إمامته وقد أوجب تعالى طاعة الداعي، وأوعد على مخالفته وهو يقتضي إمامته ولا يرد عليه كما توهم أنّ لن لا تفيد التأبيد لا سيما والمراد منها النهي، أو أنه نفي مقيد أي في خيبر أو ما دمتم على مرض القلب لأنّ مثله لا يكفي فيه مجرّد الاحتمال، وفي البحر أنه ليس بصحيح لأنه قد حضر كثير منهم مع جعفر في موته وحضروا معهءلجي! ز هوازن وتبوك فلا يتمّ ما ذكر إلا إذا عين أهل الردة، وقوله: ومعنى الخ أي على هذا الوجه الأخير كما مرّ تحقيقه فإنّ فارس مجوس والروم نصارى فلا يتعين أحد الأمرين من المقاتلة والإسلام إذ يقبل منهم الجزية فإذا كان يسلمون بمعنى ينقادون تناول قبول الجزية وصح معناه. قوله: (فصل الوعد الخ) أورد عليه بعض فضلاء العصر أنّ آية الوعيد المجمل المذكور وهي قوله: يعذبكم عذابا أليما قرينة للوعد السابق، وهو قوله: فأن تطيعوا الخ والوعيد العام الآتي وهو قوله ومن يتولّ يعذبه عذابا أليماً قرين الوعد العام فكما أنّ الوعيد مكرّر فكذا إعادة الوعد مقرّر فليس في جانب الوعيد ما يكون جابراً لنقصانه عن الوعد الناشئ من الإجمال، وأجيب عنه بأنّ القائل غفل عن تقييد المصنف قوله: بالتكرير بقوله: على سبيل التعميم يعني أنّ التكرير إذا كان بطريق التعميم في الوعيد يكون مقابلا للتفصيل في الوعد فيحصل الجبر، وقيل: الأحسن أن يقال مراده بالتكرير تكريره بخصوصيته، وليس هو كذلك في جانب الوعد لأنّ العنوان فيه مختلف، وهذا المجيب خفي عليه ما قلنا فظن المخلص قوله على سبيل التعميم، ولم يدر أنّ التعميم موجود في صورة الوعد أيضاً ولا يخفى ما في تقريرهم فإنّ المخاطب في الجملة الأولى قوم مخصوصون في جانبي الوعد والوعيد وهم المخلفون والمذكور هاهنا عام فيهما ولذا عبر عنه بالموصول، ولا تكرار في الوعد لتغاير الموعودين بالعموم والخصوص والوعدين بالإجمال والتفصيل لفظاً ومفهوما بخلاف الوعيد يعني أنّ المصنف أدخل في الإجمال الغنيمة فكيف يكون هذا تفصيله، وسبق الرحمة سبق تقريره والترهيب أنفع لأنّ المقام يقتضيه وبه ينزجر المرء عن المعاصي فيفوز بالسعادة العظمى والترغيب ربما ضر بتأديته للتكاسل. قوله: (روي أنه ﷺ الخ (رواه الإمام أحمد ﵀، والحديبية بتخفيف الياء تصغير حدباة سمي بها المكان وفي القاموس الحديبية بالتخفيف وقد تشدد بئر قرب مكة أو شجرة اه، والتخفيف هو المختار عند أهل اللغة والتشديد قول ابن وهب وأكثر المحدثين كما في الأذكار وخراش بكسر الخاء المعجمة وفتح الراء المهملة وألف بعدها شين معجمة وهو صحابيّ معروف وهكذا هو في السير وفي الاستيعاب فما وقع في بعض النسخ من أنه حواس بالحاء والواو والسين المهملة من تحريف الناسخ، وقوله: هموا به بتقدير مضاف أي بقتله والأحابيش جمع أحبوش وهم قوم من قبائل شتى سموا به قيل: لسوادهم كالحبش، وقيل: لتحالفهم عند جبل يسمى حبشيئ وقوله: فأرجف بقتله أي تحدث الناس به وشاع بينهم والإرجاف إشاعة أخبار لا أصل لها، وقوله: أو أربعمائة هو الأصح عند المحدثين، وجمع بين الروايات بانها بناء على عد الجميع أو ترك الأصاغر والاتباع والأوساط كما في شرح البخاريّ، وسمرة بفتح السين المهملة وضمّ الميم شجرة معروفة، وفي قوله: جالسا تحت سمرة إشارة إلى أنّ قوله تحت الشجرة حال من مفعول يبايعونك ويجوز تعلقه به، وكانت بيعتهم على أن يقاتلوا وقيل على الموت وكان الناس يأتون الشجرة فيصلون عندها فبلغ ذلك عمر ﵁ فأمر بقطعها، وقيل: إنها عميت عليهم فلم يدووا أين ذهبت وحكمته أنه خشي الفتنة بها لقرب الجاهلية وعبادة غير ألله فيهم. قوله: (فعلم) عطف على قوله: يبايعونك لأنه ماض قصد به حكاية الحال الماضية أو علي رضي الله والفاء داخلة على السبب لتأويله بظهر علمه فيصير مسببا فلا يرد ما قيل عليه إن رضاه عنهم مترتب على علمه بذلك مع ما فيه. قوله: (أو هجر (قيل عليه: إنّ هجر كما في النهاية قرية قريبة من المدينة منها القلال أو قرية بالبحرين ولم يذكر أحد أنه غزاها، وفي البخاري أنه صلى الله عليه وسم صالح أهل البحرين وأخذ الجزية من مجوس هجر والفتح يعم الصلح كما مرّ وهجر يكون اسما أيضاً لجميع أرض البحرين فسقط ما اعترض به سقوطا ظاهرا، ولما فيه من حمل الفتح على خلاف ظاهره مرضه المصنف، وقوله: غالبا الخ لف ونشر مرتب. قوله تعالى: ( ﴿وَعَدَكُمُ﴾ )

стр. 2800

قال بعض الأفاضل: المناسبة لما مرّ من ذكر النبيّ ﷺ بطريق الخطاب وغيره بطريق الغيبة كقوله: لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تقتضي أنّ هذا جار على نهج التغليب، وإن احتمل تلوين الخطاب فيه، وقوله: فعجل لكم هذه قيل عليه إن نزلت بعد فتح خيبر لم تكن السورة بتمامها نازلة في مرجعه س! ر كما ذكره في أوّل السورة فهو باعتبار اكثر وإن نزلت قبلها فهو بتنزيلها لتحققها منزلة الحاضرة المشاهدة على أنه إخبار عن ال! ب على عادته تعالى، ولا يخفى بعده فالظاهر أن يجعل المرجع اسم زمان ممتد فتدبر. قوله: (ما يفيء) أي يعود ويرجع من الفيء وبنو أسد وغطفان كانوا حلفاء لأهل خيبر فلما سمعوا بتوجهه ىس! لخيبر ساروا لمعاونة اليهود فسمعوا ضجة، وظنوا أنّ النبيّءشوو والمؤمنين أوقعوا بحبهم فرجعوا أو خلوا بينه وبين خيبر كما ذكره المحدثون، وقوله: هذه الكفة تفسير للضمير المؤنث المستتر في تكون ولو فسر بالكف وجعل تأنيثه باعتبار الخبر صح، وقوله: أمارة تفسير للآية وقوله: من الله بمكان أي لهم رفعة وشأن عند الله فالمكان مجاز عن رتبة الشرف وتنوينه للتعظيم، وقوله: أو صدق بالنصب معطوف على محل إنهم الخ أي إمارة تعرفون بها صدق الرسولءلمج! هـ في وعده لهم، قوله: في حين الخ مؤيد لما مرّ من امتداده، وقوله: وعد المغانم معطوف على قوله: أمارة وكون الآية بمعنى الوعد لأنه يدل على وقوع ما وعد والآية بمعنى الدليل وكذا عنوانا، وعنوان رسول الله-ش! لى فتح مكة في منامه، ورؤيا الأنبياء صلوات الله عليهم وحي فتأخر ذلك إلى السنة القابلة فجعل فتح خيبر علامة وعنوانا لفتح مكة، ولا يخفى أنّ معنى العنوان قريب من الإمارة فإنه يتجوز به عن ذلك كقولط ابن الرومي: وقل من ضمنت خيراً طويته إلا وفي وجهه للخير عنوان ثم إنّ في قول الزمخشريّ في السنة القابلة نظراً فإنه كان بعد مضي أكثر من سنة فتأمّل. قوله: (والعطف القوله: ولتكون الخ على مقدر لعدم تقدم ما يصلح لعطفه عليه ظاهرا وجوز كونه علة لجميع ما قبله من قوله: وعدكم الخ والتقدير لنفعكم بما ذكر ولتكون الخ، وفي قوله: لتسلموا الخ لف ونشر والواو عاطفة أيضاً. قوله: (هو الثقة الخ) فسر الصراط المستقيم بما ذكر لأن الحاصل من الكف ليس إلا ذلك ولأنّ أصل الهدى حاصل قبله، وقوله: وأخرى الخ ذكر فيه وجوه من الإعراب كلها ظاهرة وأجروا فيه الوجوه الثلاثة إلا أنّ كونه مجروراً بإضمار رب قيل فيه غرابة لأنّ رب لم تأت في القرآن جارّة مظهرة مع كثرة دورها فكيف تضمر هنا والوارد منها متصل بما الكافة نحو ربما يودّ وفيه نظر، وقوله: على هذه أي على لفظ هذه في قوله: ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ﴾ [سورة الفتح، الآية: ٢٠] هذه والتعجيل بالنسبة لما بعده فيجوز تعدد المعجل كالابتداء بشيئين، وقوله: قضى الخ ليس المقصود بالإفادة كونها مقضية بل ما بعده فلا يتوهم أنه لا فائدة فيه وإذا رفعت بالابتداء فخبرها قد أحاط الخ أو هو مقدر ثمة ونحوه، وقوله: لأنها موصوفة أي بجملة لم تقدروا وقد جوّز فيه عدم الوصفية كقولهم ضعيف عاذ بقرملة. قوله: (بعد) قيل: هو قيد زائد يتعين حذفه، وهو ناشئ من قلة التدبر لأنه مبنيّ على الضم وأصله بعد ما مضى ومعناه إلى الآن وهو لبيان صحة الجمع بين كونه معجلا أو غير مقدور عليه، وليس الموعود من الغنائم معيناً ليدخل فيه الأخرى، ويرد ما قيل على تقدير قضى إنّ الأخبار بقضاء الله بعد اندراجها في المغانم الموعودة لا فائدة فيه، وإنما الفائدة في تعجيلها فتدبر. قوله: (لما كان فيها من الجولة) وهي مرّة من الجولان بمعنى الدور وهو تعبير بليغ وقع في الأحاديث وإشعار العرب القديمة كقوله: فجلنا جولة ثم انثنينا فكني به عن الهزيمة مطلقاً أو عن الهزيمة مع الرجوع عن القتال وهي الجولة ثم الهزيمة، ثم الرجوع ومن فسرها بالغلبة على أنّ المراد غلبة الكفار لم يصب. قوله: (استولى) فالإحاطة مجاز عن الاستيلاء التام فهي في قبض قدرته يسخرها له! ن أراد ولذا ذيله بقوله، وكان الله الخ وقوله: لأنّ قدرته ذاتية أي قدرته تعالى مقتضى ذاته ولا مدخل فيها لغير الذات أصلا وما هو بمقتضى الذات لا يمكن أن يتغير، ولا أن يتخلف ويزول

стр. 2801

عنها بسبب ما كما تقرّر في الأصول فتكون نسبة القدرة إلى جميع المقدورات على سواء من غير اختصاص ببعض منها دون بعض وإلا كانت متغيرة بل متخلفة، وقوله: دون شيء أي منتهية عند. غير متجاوزة له لأنّ علتها لا تنتهي. قوله: (لانهزموا الأن توليته دبره كناية عن الهزيمة، وقوله: يحرسهم فسر الوليّ بالحارس لمناسبتة للمنهزم وهو أحد معانيه، وقوله: سن الخ إشارة إلى أنّ سنة منصوبة على المصدرية هنا، وقوله: في داخل مكة فهو كباطن الدار وبطن الوادي لداخله، وقوله: أظهركم إشارة إلى أنّ تعدى الظفر بعلى لتضمينه معنى الظهور والعلوّ عليهم أي الغلبة التامّة. قوله: (وذلك أن عكرمة الخ) في الدرّ المنثور كما أخرجه ابن جرير وابن المنذو وابن أبي حاتم عن ابن أبزى أنّ النبئ ﷺ لما خرج بالهدي وانتهى إلى ذي الحليفة قال له عمر: يا نبئ الله تدخل على قوم لك بنير سلاح ولا كراع فبعث إلى المدينة فلم يدع فيها كراعاً ولا سلاحاً إلا حمله فلما دنا من مكة منعوه أن يدخل فسار حتى أتى منى فنزل بها فأتاه الخبر أنّ عكرمة بن أبي جهل قد جمع عليك في خمسمائة فقال لخالد بن الوليد: يا خالد هذا ابن عمك قد أتاك في الخيل فقال خالدا: أنا سيف الله وسيف رسوله فسمي يومنذ سيف الله فقال: يا رسول الله ارم بي إن شئت فبعثه على خيله فلقي كرمة في الشعب فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، ثم دنا في الثانية فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، ثم دنا في الثالثة فهزمه حتى أدخله حيطان مكة فأنزل الله وهو الذي كف الخ، والمصنف تبع هنا ما ذكر وهو مطعون فيه لأنّ إسلام خالد ﵁ بعد الحديبية قبل عمرة القضاء، وقيل بعدها وهي في السنة السابعة لا الثامنة كما صححه أصحاب السير، والذي رواه ابن إسحاق وغيره أنه ﷺ خرج حتى إذا كان بعسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبي فقال: يا رسول الله هذه قريث! قد سمعت بمسيرك فخرجوا معهم العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمر، وقد نزلوا بذي طوى يعاهدون الله أن لا تدخلها عليهم أبداً، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قدموا إلى كراع الغميم، وقال ابن سعد: قدموا مائتي فارس عليها خالد بن الوليد ويقال: عكرمة بن أبي جهل قال: ودنا خالد في خيله حتى نظر إلى أصحاب النبيّ ﷺ فامر رسول الله ﷺ عباد بن بشر فتقدم في خيله فقام بإزائه وصف أصحابه، وحانت صلاة الظهر فصلى رسول الله ﷺ بأصحابه صلاة الخوف، اهـ فعلم منه أنّ خالد بن الوليد كان في سرية المشركين وأنّ إدخالهم حيطان مكة لم يكن فهو مردود رواية من وجهين. قوله: (وقيل كان ذلك يوم الفتح) أي فتح مكة والإشارة إلى بعث خالد وما بعده وهو إشارة إلى الطعن في الرواية الأولى كما سمعته آنفاً وقيل: الإشارة إلى كف الأيدي والظاهر الأوّل، وقيل: والرواية الأولى غلط منشؤه أنه ﷺ أمرّ خالد بن الوليد على بعض القبائل يوم فتح مكة فدخل من أسفلها، وكان صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل جمعا ناساً ليقاتلوا فكان بينهم ما هو قريب من هذا كما رواه ابن إسحاق وابن هشام، قيل: ولا ينافيه قوله: بالحديبية لأنها قريبة من أسفل مكة وقد تبع المصنف في هذا الوهم بعضهم مع شغفه بالاعتراض عليه. قوله: (واستشهد به (أي بما في هذه الآية بناء على أنها في فتح مكة كما هو ظاهر قوله: ببطن مكة لا بما في هذا الحديث من قتالهم، والمستشهد به هو أبو حنيفة ﵀ ولما دخل عبئ مكة قال من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن فكان هذا أمانا لمن لم يقاتل منهم ولذا قال الشافعي: وغيره أنّ مكة مؤمنة وليست عنوة وقهراً والأمان كالصلح فيجوز بيع دورها وكراؤها وأكثرهم يرون فتحها عنوة لأنها أخذت بالخيل والركاب، وقد يجمع بأنّ بعضها بأمان وهو الطرف الذي دخل منه ﷺ وبعضها بحرب، وهو ما يقابله فلا يبقى محل للخلاف فتامّل. قوله: (وهو) أي كون ذلك يوم الفتح ضعيف وقد عرفت ما فيه الضعف، وقوله: إذ السورة نزلت قبله أي قبل فتح مكة كما بينه في أوّل السورة، وما قيل عليه من أنه إن أراد أنها بتمامها نزلت قبله فليس بثابت بل هو مخالف للأثر الذي رواه في آخر التوبة والا فلا يفيد مع أنه يجوز أن يكون إخباراً عن الغيب كما مرّ في إنا فتحنا ثم إنه يرد عليه منع دلالته على العنوة فقد يكون الفتح الظفر بالبلد، ولو صلحاً كما قال الزمخشري

стр. 2802

الفتح الظفر بالبلد عنوة أو صلحاً بحرب أو بغير حرب، اهـ فليس له وجه لأنّ المصنف له أن يلتزم الأوّل ويخص الأثر بالسور الطوال على أنّ مقصوده الرد على الزمخشري، وهو معترف بما ذكره وكونه إخباراً عن الغيب خلاف الظاهر والمتبادر من الفتح ما ذكره المصنف ﵀ وما ذكره هذا القائل معنى مجازي يحتاج الحمل عليه إلى قرينة، ثم إنّ الفتح وإن كان مطلق الظفر لكن الظفر إذا تعدى بعلى كما هنا أقتضى ما ذكر هنا بخلاف المعدى بالباء كما أشار إليه بعض شزاح الكشاف فتدبر. قوله:) من مقاتلتهم) عدل عن الخطاب مع أنّ تفسيره عليه لأنه المناسب لزمان التفسير، ولو قيل المصدر مضاف للمفعول على أنّ ضمير مقاتلتهم وكفهم ويجازيهم للكفار لا للمؤمنين كانت الغيبة على مقتضى الظاهر فتأمّل. قوله: (يدل على أنّ ذلك الخ الأن صدّ الهدي وعكوفه أي حبسه عن بلوغ محله إنما كان بها، وفاعل يدل المستتر يعود على قوله والهدي الخ وذلك إشارة إلى الصذ ولو جعل الضمير لقوله: هم الذين كفروا الخ لتضمنها للدالّ والإشارة للظفر المار ذكره لاتحاد زمان الصذ والظفر عند المصنف ﵀ لما مرّ من نزول السورة دفعة واحدة عنده لم يكن به بأس فالرد على قائله بما ذكر من لزوم ما لا يلزم. قوله: (مكانه الذي يحل فيه نحره (على أنّ المحل مكان الحل لا مكان الحلول، وقوله: والمراد مكانه المعهود لا مطلق المكان إذ هو بالغ محله لأنّ محله حيث أحصر عند الشافعيّ فلا بدّ من هذا التأويل عنده بل مطلقا كما سيأتي. قوله: (وإلا لما نحره الخ) إلا هذه مركبة من أن الشرطية ولا النافية وقد أوقع اللام في جوابها، وقيل: إنه خطأ إذ لم يسمع مثله وإن كثر في كلام المولدين، ووجهه بعضهم بأنه حمل فيه إن على لو وليس بشيء فالصواب أن يقال: لو مقدرة في مثله ترقيا من احتمال العدم إلى الجزم به والتقدير، وإن لم يحمل على المعهود فلو حمل على الأعمّ لما وتقدير الشرط غير عزيز، وأما قول بعض الحنفية أنّ بعض الحديبية من الحرم كما قاله الزمخشري: أو غيره فقال في الكشف إنه خلاف ما عليه الجمهور، وحدود الحرم معروفة من زمن إبراهيم ﵊ ولا يعتدّ برواية شذ بها الواقديّ، وقد صرّح البخاري في صحيحه بخلافه نقلاً عن الثقات، وما ووي فيه عن الزهرقي لم يثبت ولذا لم يلتفت المصنف ﵀ لما في الكشاف. قوله: (فلا يتمهض حجة للحنفية) أي لا يصلح للدليل، والحجة وهو مجاز من نهض إذا قام بسرعة لاستقامته وتوجيهه كما يقال قام الدليل واستقام فإنه مجاز مشهور فيه، وهو ردّ على الزمخشريّ حيث قال وهذا دليل لأبي حنيفة على أنّ المحصر محل هديه الحرم فإن قلت: فكيف حل رسول الله ﷺ ومن معه، وأنما نحر هديهم بالحديبية قلت بعض الحديبية من الحرم وروي أنّ مضارب رسول اللهءلمجح كانت في الحل ومصلاه بالحرم فإن قلت فإذن قد نحر في الحرم فلم قيل: معكوفا أن يبلغ محله قلت المراد المحل المعهود وهو منى، اهـ ووجه الاستدلال به أنّ المسجد الحرام يكون بمعنى الحرم وهم لما صدوهم عنه ومنعوا هديهم أن يدخله فيصل إلى محله دل بحسب الظاهر على أنه محله ولا ينافيه أنه نحر في طرف منه كما لا ينافي الصدّ عنه كون مصلاه فيه لأنهم منعوهم فلم يمتنعوا بالكلية أو المقصود من المنع منه المنع من دخول مكة، والوصول إلى الكعبة فحينئذ لا بد من تأويل محله بالمحل المعهود لأنه بلغ محله فورد عليه من طريق الجدل الإلزام بأنه لم يبق فيه محل للاستدلال لاحتماله غير مذهبه أيضا وتقرير الزمخشري فاسد لأنه عليه لا له وهو غريب منه جدّا وقد مز تفصيله في سورة البقرة. قوله: (لاختلاطهم بالمشركين) فيه إشارة إلى أنّ العلم المنفي أوّلاً كناية عن اختلاطهم، وعدم تميزهم كما ذكره في الكشف وبه يندفع التكرار أيضاً واستبعاده ليس بشيء. قوله: (أن توقعوا بهم وتبيدوهم) أي تهلكوهم يعني أن الوطء استعير هنا للبطش المهلك وهي استعارة حسنة واردة في كلامهم قديماً وحديثا ووجهها ظاهر. قوله: (ووطثتنا وطأعلى حنق وطء المقيد نابت الهرم ( هو من شعر للحرث بن وعلة الذهلي يخاطب به قومه لما قتلوا أخاه أوّله: قومي هم قتلوا أميم أخي فإذارميت يصيبني دى حممي والوطء مرّ تفسيره وفسره المرزوقي بالقهر والحنق أشد الغيظ والهرم بسكون الراء المهملة أو الزاي المعجمة

стр. 2803

وهما متقاربان معنى لأنهما اسم لنبت ضعيف ترعاه الإبل والمشهور رواية الأوّل ووطء المقيد صفة وطأ بتقدير مثل أو منصوب يفعل مقدر، وذهب السيرافي إلى أنه يجوز نصب مصدرين بفعل واحد استدلالاً بهذا وتأويله ما مرّ، والمراد بالمقيد البعير المقيد وخصه لأنّ وطأه أشد ولذا قيده بالحنق أيضاً، وقال الزمخشري: في شرح مقاماته وطء المقيد مثل في الثقل والمراد بالنابت القريب نباته على حد وليد وطئت كما قاله المرزوقيّ لأنه أضعف ففيه مبالغات بليغة، وروي يابس الهرم وهو أسرع انكسارا أيضاً. قوله: (١ نّ آخر وطأة وطئها الله بوج) بفتح الواو وتشديد الجيم اسم بلدة أو واد بالطائف والوج اسم لبعض العقاقير أيضا لكنه معرّب، ولا ينافي كونها آخر وقعة وقوع غزوة تبوك بعدها لأنه لم يقع فيها حرب فلم تكن وطأة كما في النهاية أو المراد آخر وقعة وقعت بالعرب وتلك بالروم. تنبيه: قوله: آخر وطأة الخ هو بعض حديث وهو أنه ﷺ خرج يوماً ومعه الحسن والحسين ﵄ وقال: " إنكما ريحانتاي وأنكما لمبخلة ومجبنة وإنّ آخر وطأة وطأها الله بوج ومناسبة " آخر الحديث لأوّله خفية لم أر من بينها غير ابن الأثير في الجامع الكبير فقال: معناه أني مع شدّة محبتي لكما مفارق عن قريب لأنّ هذه آخر غزواتي وهو كلام نفيس جدّاً. قوله: (أو من! ميرهم) بكسر الهاء أي ضمير هؤلاء المذكورين أو بضمها أي من ضمير هو لفظ هم، وقوله: من جهتهم إشارة إلى أنّ من ابتدائية. قوله: (كوجوب الدية والكفارة (وجوب أحد هذه الأمور مذهب الشافعي لا مذهب أبي حنيفة لأنّ دار الحرب تمنع من ذلك عندنا لا عنده لكن الزمخشريّ ذكر ما ذكره المصنف ﵀ وهو حنفيّ، وفيه كلام في أوّل الفصول العمادية فليحرّر وفي عدّ الثالثة من المعرّة نظر. قوله: (متعلق بأنّ تطؤهم) المراد بالتعلق المعنويّ لا النحويّ لأنه حال من الضمير المرفوع كما اختاره المصنف ﵀ أو المنصوب كما جوّزه غيره، وجوّز الحالية من ضمير منهم وكونه صفة لمعرّة واختاره الإمام واعترض على الأوّل بأنّ فيه تكراراً من غير فائدة فالأولى أن يجعل في موضعه وقال المدقق في الكشف بعد قول الزمخشري متعلق بأن تطؤهم الخ على أنه حال من ضمير المخاطبين ولا تكرار مع قوله: لم تعلموهم سواء جعل أن تطؤهم بدل اشتمال من رجال ونساء أو من المنصوب في لم تعلموهم أما على الثاني فلأنّ المعنى لولا مؤمنون لم تعلموا وطأتهم، واهلاكهم وأنتم غير عالمين بإيمانهم لاحتمال أنهم يهلكون من غير شعور مع إيمانهم بسبب الكف عن التكذيب فيعتبر فيه العلمان فمتعلق العلم في الأوّل الوطأة وفي الثاني أنفسهم باعتبار الإيمان، وأما على الأوّل فلأنّ قوله: بغير علم لما كان حالاً من فاعل تطؤهم كان العلم بهم راجعاً إلى العلم باعتبار الهلاك كما تقول: أهلكته من غير علم فلا الإهلاك عن شعور ولا العلم بإيمانهم حاصل، ولما كان المعرفتان مقصودتين كان الوجه ما آثرة جار الله، ولك أن تجعل لم تعلموهم كناية عن الاختلاط وفي كلامه إشارة إلى هذا وفيه ما يدفع التكرار أيضاً اهـ، محصله وحاصله أنّ متعلق العلمين متغاير فيهما فلا يلزم التكرار على كل حالة وهما لكونهما مقصودين بالذات صرح بهما وإن تقاربا أو تلازما في الجملة، وما قيل على الشق الأوّل من أنّ التعلق الثاني علم من لم تعلموهم لأنّ المبدل منه ليس منجي حقيقة، ولو سلم فضمير تطؤهم للمؤمنين والمؤمنات والمعنى لم تعلموا وطأ المؤمنين فيتضمن التعلق الثاني ويفيده لظهور أنّ عدم العلم بوطئهم لعدم العلم لإيمانهم مع أنه يتبادر من الكلام حينئذ معنى غير صحيح، وهو وطؤهم عالمين بهم لتوجه النفي إلى القيد غير صحيح إذ لا شبهة في أنّ العلم بهم غير مراد كما أنّ العلم بإيمانهم كذلك في الثاني، وكذا ما أورد على الثاني من أنّ ضمير المفعول في البدل عائد على رجال ونساء موصوفين بانتفاء العلم عنهم وعن إيمانهم فيعلم منه كون الوطء بلا شعور ولا نسل قصد التنصيص على كل منهما، وهذا ما عناه الإمام وهو كله على طرف الثمام. قوله: (وجواب لولا محذوف الخ) الجواب قوله: لما كف الخ، وما ذكره من المعنى هو حاصله على الوجوه وفيه ترجيح للإبدال من رجال ونساء ولذا قدر كراهة لأنّ البدل هو المقصود والوطء غير واقع ولولا تقتضي وقوع ما بعدها، وقوله: بين أظهر الكافرين إشارة إلى ما مرّ تحقيقه في الاختلاط. قوله: (علة لما دل عليه كف الأيدي الخ) يشير إلى أن

стр. 2804

الكف المذكور معلل بصون من بمكة عن المؤمنين فهذه العلة علة للعلة أو للمعلل بها، وهذا أحسن من جعله علة للجواب المحذوف أو لما يدل عليه كأنه قيل لكنه كفها عنهم ليدخل بذلك الكف المؤدّى إلى الفتح بلا محذور في رحمته الواسعة الخ، ولا ينافي هذا كون قوله: فتصيبكم الخ يفهم منه أنّ الكف المذكور معلل بصون المخاطبين لا بصون من بمكة من المؤمنين لأنه لا مانع من تعدّد العلل لأنها ليست عللاً تامّة حقيقية حتى لا يقبل ذلك كما توهم. قوله: (أي في توفيقه) إشارة إلى أنه إن كان المراد بمن يشاء المؤمنين فالرحمة التي يريد أن يدخلهم فيها التوفيق لزيادة الخير والطاعة لا لأصله لئلا يكون تحصيلاً للحاصل فليس احترازاً عن الرحمة من غير عمل حتى يكون اعتزالاً كما قيل فإن كف الأيدي عن أهل مكة وصون من فيها من المؤمنين، وابقاءهم على عملهم وطاعتهم توفيق لهم بزيادة الخير والطاعة وإن أريد بهم المشركون كان المراد من الرحمة التي أدخلهم فيها الإسلام لاً نهم إذا شاهدوا مغ تعذيبهم بعد الظفر بهم لاختلاط المؤمنين بهم اعتناء بهم رغبوا في الإسلام، والانخراط في سلك المرحومين فظهر وجه كون قوله: ليدخل علة لكف الأيدي عن أهل مكة لصون من فيها من المؤمنين لأنهم إذا صانهم الكف المذكور أظهروا إيمانهم لمعاينة قوّة الدين وشوكة الإسلام ويقتدي بهم الصائرون للإيمان فلا وجه لجعل اللام مستعارة من معنى التعليل لما يترتب على الشيء تشبيها له بالعلة الغائية كما قيل لأنه عدول عن الحقيقة المتبادرة من غير داع للعدول سوى إظهار الفضول. قوله: (لو تزيلوا) جوز فيه الزمخشري أن يكون كالتكرير لقوله، ولولا رجال الخ على أنّ الجواب لهما لمرجعهما إلى معنى واحد ولا يرد عليه أنّ معناهما متغاير مغايرة ظاهرة لأنّ كراهة وطئهم لعدم تميز الكفار الذي هو مدلول الثاني فهو كبدل الاشتمال فتأمّل. قوله: (لعذبنا الذين كفروا منهم الخ) منهم هنا للبيان وزانها وزان منهم فيما سيأتي، وقوله: بالقتل إشارة إلى أنه دنيوقي والا لم يكن للو موقع، والأنفة بفتحتين الاستكبار والاستنكاف، واذعان الحق الانقياد له وأما الإذعان بمعنى الفهم أو سرعته فليس من كلام العرب، وحويطب تصغير حاطب بمهملتين ومكرز بكسر فسكون، ثم راء مهملة ثم زاي معجمة وظاهره أنه لم يكتب ما ذكره أوّلاً، وفي كتب السير أنه كتبه ثم محاه وصورة المكتوب باسمك اللهمّ هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الفه سهيل بن عمر وصلحا على وضحع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيه الناس أو يكف بعضهم عن بعض على أنه من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه ردّه عليهم ومن جاء قريشاً ممن مع محمد لم يردوه عليه، وأن بيننا عيبة مكفوفة وانه لا إسلال ولا إغلال وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه من أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه وسيأتي في الممتحنة نقضهم لهذا العهد، وكانوا يكتبون باسمك اللهمّ وكتبها النبيّ ىلمجبوو حتى نزلت سورة النمل، والقابل أصله العام القابل وهو معناه عرفاً. قوله: (فهنم المؤمنون الخ) ضمير عليه لسهيل وعداه بعلى لتأويله بيوقعوا البطش عليه والسكينة الصبر والتحمل هنا، وقوله: اختارها لهم تفسير لألزمهم كما في الكشاف وهذا مما لم يبين وجهه الشراح فكأنه أراد به أنه لا لزوم للكلمة على هذين الوجهين فإنّ ضميرهم للنبيّ ﷺ ومن معه وهم لم يلزموا بها ولكنهم لما كتبوها مخالفين للمشركين في هاتين الكلمتين بإرشاده تعالى فقد اختارها لهم دون من عدل عنها لبسمك اللهم، ومحمد بن عبد الذ لأنها كلمة جليلة هم أحق بالهداية لها فالإلزام مجاز عما ذكر من اختيارها لهم وأمرهم بها قال الراغب: لزوم الشيء طول مكثه معه، والإلزام لما بالتسخير من الله أو بالقهر من الإنسان والزام بالحكم الأمر كما هنا. قوله: (أو الثباث الخ) هو تفسير الحسن فالمراد بالكلمة ما عاهدوا عليه الله والزامه أمرهم بالوفاء والثبات عليه فكلمة التقو! كلمة مخصوصة، وهي قولهم في الأصلاب بلى مقرّين بوحدانيته والإلزام الأمر بالثبات والوفاء به كما مرّ. قوله: (لأنها) أي الكلمة على الوجه الأخير سببها أي التقوى فإضافتها لها لأدنى ملايسة أو هي على تقدير المضاف فهي إضافة اختصاصية حقيقية، وقوله من غيرها وفي الكشاف من غيرهم قيل وهو الأظهر لأنه معنى قوله: أهلها فتدبر. قوله: (فيعلم أهل كل شيء الخ)

стр. 2805

إشارة إلى أنّ علمه بالأهلية هي المرادة وبه يلتئم التذييل والتكميل لأنه يدخل فيه دخولاً أوليا فإذا علمه على أتم الوجوه وهو القادر الحكيم يسره له. قوله: (والمعنى صدقه في رؤياه) أي حقق صدقها عنده كما هو عادة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وفيه إشارة إلى أنه على الحذف والإيصال وفي شرح الكرماني كذب يتعدى إلى مفعولين يقال: كذبني الحديث، وكذا صدق كما في الآية وهو غريب لتعدي المثقل لواحد والمخفف لمفعولين اكل، وهذه الرؤيا كانت قبل خروجه للحديبية، وقال مجاهد: كنت بالحديبية والأوّل هو الأصح، وقوله: قال بعضهم الخ هو عبد الله بن أبيّ وعبد الله بن نفيل ورفاعة بن الحرث وهذا القول على طريق الاعتراض وقد روي عن عمر ﵁ أنه قال: نحوه على طريق الاستكشاف ليزداد يقينه. قوله: (ملتبساً به الخ) هذا كلام مجمل يحتمل أنه حال من الرسول أو ظرف لغو لصدق أو حال من الفاعل أو من الرؤيا أي ملتبسة بالحق لتأويلها بما يراه كما يشير إليه ما بعده وإن كان الأظهر ملتبسة ورؤيا الأنبياء وحي لا تتخلف. قوله: (وهو القصد إلى التمييز الخ) أي ليس المراد بالحق مطابقة الرؤيا للواقع بل مطابقة ما يلابسها للواقع وهو القصد المذكور لأجل ذلك التمييز أخره للعام القابل، وقوله: وأن يكون قسماً الخ فقوله: لتدخلن جوابه على الوجهين والوقف حينئذ على الرؤيا وقد كان جواب قسم مقدر كما ذكره المصنف ﵀. قوله: (تعليق للعدة بالمشيئة الخ) جواب عما يقال من أنه تعالى خالق للأشياء كلها وعالم بها قبل وقوعها فكيف وقع التعليق منه تعالى بالمشيئة، ولذلك ذهب بعض النحاة إلى أنّ أن تكون بمعنى إذ ومنه هذه فأجاب أوّلاً بأنه تعليم للعباد وهو معنى قول ثعلب اسنثنى فيما يعلم استثناء الخلق فيما لا يعلمون وفيه تعريض بأنّ وقوعه من مشيئته لا من جلادتهم وتدبيرهم فيكون كقوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ﴾ [سورة يوسف، الآية: ٩٩] وما-له أنه للتبرك وهو من وضع الظاهر موضع الضمير وأصله لتدخلنه لا محالة إلا إن أشاء عدم الدخول فهو وعد لهم عن ظاهره لأجل التعريض بهم والإنكار على المعترضين على الرؤيا فيكون من باب الكناية وفيه دقة فتدبر. قوله: (أو إشعارا الخ) جواب ثان بأنّ التعليق راجع إلى دخولهم جميعاً ونظيره ما قيل إنه ناظر إلى الأمن ورده صاحب الكشف بأنه لا يدفع السؤال لأنّ الدخول المخصوص أيضا خبر من الله، وهو ينافي الشك وليس نظير قول يوسف ﵊ ﴿ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللهُ آمِنِينَ﴾ [سورة الكهف، الآية: ٢٣] إذ لا يبعد منه ﷺ أن لا يعرف مستقراً لأمر من الأمن أو الخوف فلا بدّ من التأويل بأنّ الشك راجع إلى المخاطبين أو بأنه تعليم للعباد ويدفع بأنّ المراد إنه في معنى ليدخلنه من شاء الله دخوله منكم فيكون أيضاً كناية عن أنّ منهم من لا يدخله لأنّ أجله يمنعه منه فلا يلزم الرجوع لما ذكر. قوله: (أو حكاية لما قاله ملك الخ) هذا هو الجواب الثالث والرابع وما لهما الحكاية عن الغير فهو إما الملك الموكل أو النبيّ المرسل وردّه صاحب التقريب بأنه كيف يدخل في كلامه تعالى ما ليس منه بدون حكاية، وسلمه شراح الكشاف لظنهم أنه وارد غير مندفع، ولك أن تقول في دفعه إنّ المراد أنّ جواب القسم بيان للرؤيا، وقائلها في المنام الملك وفي اليقظة الرسول ﷺ فهي في حكم المحكيّ في دقيق النظر كأنه قيل: وهي قول الملك أو الرسول الخ ولا يخفى أنه وإن صحح النظم لا يدفع البعد وقد مرت الإشارة إلى جوابين كون أن بمعنى إذ أو رجوع التعليق للأمن. قوله: (حال من الواو) المحذوفة من قوله: لتدخلن الخ لالتقاء الساكنين، وقوله: محلقاً بعضكم الخ ففيه تقدير أو هو من نسبة ما للجزء إلى الكل والقرينة عليه أنه لا يجتمع الحلق والتقصير فلا بد من نسبة كل منهما لبعض منهم، وقوله: محلقين الخ حال مقدرة لأنّ الدخول في حال الإحرام لا في حال الحلق والتقصير. قوله: (حال مؤكدة القوله آمنين وهذا إن كان حالاً من الضمير المستتر في آمنين وهو بمعناه فإن أريد لا تخافون تبعة في الحلق أو التقصير ولا نقص ثوإب فهي مؤسسة، وقوله: بعد ذلك قيل إنه ذكره لئلا يتكرر فيلغو مع قوله: آمنين لأنّ اسم الفاعلى للحال والمضارع هنا للاستقبال وفيه أنه لا تكون الحال حينئذ مؤكدة إلا أن يكون بحسب الظاهر المتبادر والاستئناف بيانيّ في جواب سؤال تقديره فكيف حالهم بعد الدخول. قوله تعالى: ( ﴿فَعَلِمَ﴾ الخ)
следующие страницы →