Полный текст (3 156 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.
стр. 2801
عنها بسبب ما كما تقرّر في الأصول فتكون نسبة القدرة إلى جميع المقدورات على سواء من غير اختصاص ببعض منها دون بعض وإلا كانت متغيرة بل متخلفة، وقوله: دون شيء أي منتهية عند. غير متجاوزة له
لأنّ علتها لا تنتهي. قوله: (لانهزموا الأن توليته دبره كناية عن الهزيمة، وقوله: يحرسهم فسر الوليّ بالحارس لمناسبتة للمنهزم وهو أحد معانيه، وقوله: سن الخ إشارة إلى أنّ سنة منصوبة على المصدرية هنا، وقوله: في داخل مكة فهو كباطن الدار وبطن الوادي لداخله، وقوله: أظهركم إشارة إلى أنّ تعدى الظفر بعلى لتضمينه معنى الظهور والعلوّ عليهم أي الغلبة التامّة. قوله: (وذلك أن عكرمة الخ) في الدرّ المنثور كما أخرجه ابن جرير وابن المنذو وابن أبي حاتم عن ابن أبزى أنّ النبئ ﷺ لما خرج بالهدي وانتهى إلى ذي الحليفة قال له عمر: يا نبئ الله تدخل على قوم لك بنير سلاح ولا كراع فبعث إلى المدينة فلم يدع فيها كراعاً ولا سلاحاً إلا حمله فلما دنا من مكة منعوه أن يدخل فسار حتى أتى منى فنزل بها فأتاه الخبر أنّ عكرمة بن أبي جهل قد جمع عليك في خمسمائة فقال لخالد بن الوليد: يا خالد هذا ابن عمك قد أتاك في الخيل فقال خالدا: أنا سيف الله وسيف رسوله فسمي يومنذ سيف الله فقال: يا رسول الله ارم بي إن شئت فبعثه على خيله فلقي كرمة في الشعب فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، ثم دنا في الثانية فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، ثم دنا في الثالثة فهزمه حتى أدخله حيطان مكة فأنزل الله وهو الذي كف الخ، والمصنف تبع هنا ما ذكر وهو مطعون فيه لأنّ إسلام خالد ﵁ بعد الحديبية قبل عمرة القضاء، وقيل بعدها وهي في السنة السابعة لا الثامنة كما صححه أصحاب السير، والذي رواه ابن إسحاق وغيره أنه ﷺ خرج حتى إذا كان بعسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبي فقال: يا رسول الله هذه قريث! قد سمعت بمسيرك فخرجوا معهم العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمر، وقد نزلوا بذي طوى يعاهدون الله أن لا تدخلها عليهم أبداً، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قدموا إلى كراع الغميم، وقال ابن سعد: قدموا مائتي فارس عليها خالد بن الوليد ويقال: عكرمة بن أبي جهل قال: ودنا خالد في خيله حتى نظر إلى أصحاب النبيّ ﷺ فامر رسول الله ﷺ عباد بن بشر فتقدم في خيله فقام بإزائه وصف أصحابه، وحانت صلاة الظهر فصلى رسول الله ﷺ بأصحابه صلاة الخوف، اهـ فعلم منه أنّ خالد بن الوليد كان في سرية المشركين وأنّ إدخالهم حيطان مكة لم يكن فهو مردود رواية من وجهين. قوله: (وقيل كان ذلك يوم الفتح) أي فتح مكة والإشارة إلى بعث خالد وما بعده وهو إشارة إلى الطعن في الرواية الأولى كما سمعته آنفاً وقيل: الإشارة إلى كف الأيدي والظاهر الأوّل، وقيل: والرواية الأولى غلط منشؤه أنه ﷺ أمرّ خالد بن الوليد على بعض القبائل يوم فتح مكة فدخل من
أسفلها، وكان صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل جمعا ناساً ليقاتلوا فكان بينهم ما هو قريب من هذا كما رواه ابن إسحاق وابن هشام، قيل: ولا ينافيه قوله: بالحديبية لأنها قريبة من أسفل مكة وقد تبع المصنف في هذا الوهم بعضهم مع شغفه بالاعتراض عليه. قوله: (واستشهد به (أي بما في هذه الآية بناء على أنها في فتح مكة كما هو ظاهر قوله: ببطن مكة لا بما في هذا الحديث من قتالهم، والمستشهد به هو أبو حنيفة ﵀ ولما دخل عبئ مكة قال من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن فكان هذا أمانا لمن لم يقاتل منهم ولذا قال الشافعي: وغيره أنّ مكة مؤمنة وليست عنوة وقهراً والأمان كالصلح فيجوز بيع دورها وكراؤها وأكثرهم يرون فتحها عنوة لأنها أخذت بالخيل والركاب، وقد يجمع بأنّ بعضها بأمان وهو الطرف الذي دخل منه ﷺ وبعضها بحرب، وهو ما يقابله فلا يبقى محل للخلاف فتامّل. قوله: (وهو) أي كون ذلك يوم الفتح ضعيف وقد عرفت ما فيه الضعف، وقوله: إذ السورة نزلت قبله أي قبل فتح مكة كما بينه في أوّل السورة، وما قيل عليه من أنه إن أراد أنها بتمامها نزلت قبله فليس بثابت بل هو مخالف للأثر الذي رواه في آخر التوبة والا فلا يفيد مع أنه يجوز أن يكون إخباراً عن الغيب كما مرّ في إنا فتحنا ثم إنه يرد عليه منع دلالته على العنوة فقد يكون الفتح الظفر بالبلد، ولو صلحاً كما قال الزمخشري
стр. 2802
الفتح الظفر بالبلد عنوة أو صلحاً بحرب أو بغير حرب، اهـ فليس له وجه لأنّ المصنف له أن يلتزم الأوّل ويخص الأثر بالسور الطوال على أنّ مقصوده الرد على الزمخشري، وهو معترف بما ذكره وكونه إخباراً عن الغيب خلاف الظاهر والمتبادر من الفتح ما ذكره المصنف ﵀ وما ذكره هذا القائل معنى مجازي يحتاج الحمل عليه إلى قرينة، ثم إنّ الفتح وإن كان مطلق الظفر لكن الظفر إذا تعدى بعلى كما هنا أقتضى ما ذكر هنا بخلاف المعدى بالباء كما أشار إليه بعض شزاح الكشاف فتدبر. قوله:) من مقاتلتهم) عدل عن الخطاب مع أنّ تفسيره عليه لأنه المناسب لزمان التفسير، ولو قيل المصدر مضاف للمفعول على أنّ ضمير مقاتلتهم وكفهم ويجازيهم للكفار لا للمؤمنين كانت الغيبة على مقتضى الظاهر فتأمّل. قوله: (يدل على أنّ ذلك الخ الأن صدّ الهدي وعكوفه أي حبسه عن بلوغ محله إنما كان بها، وفاعل يدل المستتر يعود على قوله والهدي الخ وذلك إشارة إلى الصذ ولو جعل الضمير لقوله: هم الذين كفروا الخ لتضمنها للدالّ والإشارة للظفر المار ذكره لاتحاد زمان الصذ والظفر عند المصنف ﵀ لما مرّ من نزول السورة دفعة واحدة عنده لم يكن به بأس فالرد على قائله بما ذكر من لزوم ما لا يلزم. قوله: (مكانه الذي يحل فيه نحره (على أنّ المحل مكان
الحل لا مكان الحلول، وقوله: والمراد مكانه المعهود لا مطلق المكان إذ هو بالغ محله لأنّ محله حيث أحصر عند الشافعيّ فلا بدّ من هذا التأويل عنده بل مطلقا كما سيأتي. قوله: (وإلا لما نحره الخ) إلا هذه مركبة من أن الشرطية ولا النافية وقد أوقع اللام في جوابها، وقيل: إنه خطأ إذ لم يسمع مثله وإن كثر في كلام المولدين، ووجهه بعضهم بأنه حمل فيه إن على لو وليس بشيء فالصواب أن يقال: لو مقدرة في مثله ترقيا من احتمال العدم إلى الجزم به والتقدير، وإن لم يحمل على المعهود فلو حمل على الأعمّ لما وتقدير الشرط غير عزيز، وأما قول بعض الحنفية أنّ بعض الحديبية من الحرم كما قاله الزمخشري: أو غيره فقال في الكشف إنه خلاف ما عليه الجمهور، وحدود الحرم معروفة من زمن إبراهيم ﵊ ولا يعتدّ برواية شذ بها الواقديّ، وقد صرّح البخاري في صحيحه بخلافه نقلاً عن الثقات، وما ووي فيه عن الزهرقي لم يثبت ولذا لم يلتفت المصنف ﵀ لما في الكشاف. قوله: (فلا يتمهض حجة للحنفية) أي لا يصلح للدليل، والحجة وهو مجاز من نهض إذا قام بسرعة لاستقامته وتوجيهه كما يقال قام الدليل واستقام فإنه مجاز مشهور فيه، وهو ردّ على الزمخشريّ حيث قال وهذا دليل لأبي حنيفة على أنّ المحصر محل هديه الحرم فإن قلت: فكيف حل رسول الله ﷺ ومن معه، وأنما نحر هديهم بالحديبية قلت بعض الحديبية من الحرم وروي أنّ مضارب رسول اللهءلمجح كانت في الحل ومصلاه بالحرم فإن قلت فإذن قد نحر في الحرم فلم قيل: معكوفا أن يبلغ محله قلت المراد المحل المعهود وهو منى، اهـ ووجه الاستدلال به أنّ المسجد الحرام يكون بمعنى الحرم وهم لما صدوهم عنه ومنعوا هديهم أن يدخله فيصل إلى محله دل بحسب الظاهر على أنه محله ولا ينافيه أنه نحر في طرف منه كما لا ينافي الصدّ عنه كون مصلاه فيه لأنهم منعوهم فلم يمتنعوا بالكلية أو المقصود من المنع منه المنع من دخول مكة، والوصول إلى الكعبة فحينئذ لا بد من تأويل محله بالمحل المعهود لأنه بلغ محله فورد عليه من طريق الجدل الإلزام بأنه لم يبق فيه محل للاستدلال لاحتماله غير مذهبه أيضا وتقرير الزمخشري فاسد لأنه عليه لا له وهو غريب منه جدّا وقد مز تفصيله في سورة البقرة. قوله: (لاختلاطهم بالمشركين) فيه إشارة إلى أنّ العلم المنفي أوّلاً كناية عن اختلاطهم، وعدم تميزهم كما ذكره في الكشف وبه يندفع التكرار أيضاً واستبعاده ليس بشيء. قوله: (أن توقعوا بهم وتبيدوهم) أي تهلكوهم يعني أن الوطء استعير هنا للبطش المهلك وهي استعارة حسنة واردة في كلامهم قديماً وحديثا ووجهها ظاهر. قوله:
(ووطثتنا وطأعلى حنق وطء المقيد نابت الهرم (
هو من شعر للحرث بن وعلة الذهلي يخاطب به قومه لما قتلوا أخاه أوّله:
قومي هم قتلوا أميم أخي فإذارميت يصيبني دى حممي
والوطء مرّ تفسيره وفسره المرزوقي بالقهر والحنق أشد الغيظ والهرم بسكون الراء المهملة أو الزاي المعجمة
стр. 2803
وهما متقاربان معنى لأنهما اسم لنبت ضعيف ترعاه الإبل والمشهور رواية الأوّل ووطء المقيد صفة وطأ بتقدير مثل أو منصوب يفعل مقدر، وذهب السيرافي إلى أنه يجوز نصب مصدرين بفعل واحد استدلالاً بهذا وتأويله ما مرّ، والمراد بالمقيد البعير المقيد وخصه لأنّ وطأه أشد ولذا قيده بالحنق أيضاً، وقال الزمخشري: في شرح مقاماته وطء المقيد مثل في الثقل والمراد بالنابت القريب نباته على حد وليد وطئت كما قاله المرزوقيّ لأنه أضعف ففيه مبالغات بليغة، وروي يابس الهرم وهو أسرع انكسارا أيضاً.
قوله: (١ نّ آخر وطأة وطئها الله بوج) بفتح الواو وتشديد الجيم اسم بلدة أو واد بالطائف والوج
اسم لبعض العقاقير أيضا لكنه معرّب، ولا ينافي كونها آخر وقعة وقوع غزوة تبوك بعدها لأنه لم يقع فيها حرب فلم تكن وطأة كما في النهاية أو المراد آخر وقعة وقعت بالعرب وتلك بالروم.
تنبيه: قوله: آخر وطأة الخ هو بعض حديث وهو أنه ﷺ خرج يوماً ومعه الحسن والحسين ﵄ وقال: " إنكما ريحانتاي وأنكما لمبخلة ومجبنة وإنّ آخر وطأة وطأها الله بوج ومناسبة " آخر الحديث لأوّله خفية لم أر من بينها غير ابن الأثير في الجامع الكبير فقال: معناه أني مع شدّة محبتي لكما مفارق عن قريب لأنّ هذه آخر غزواتي وهو كلام نفيس جدّاً. قوله: (أو من! ميرهم) بكسر الهاء أي ضمير هؤلاء المذكورين أو بضمها أي من ضمير هو لفظ هم، وقوله: من جهتهم إشارة إلى أنّ من ابتدائية. قوله: (كوجوب الدية والكفارة (وجوب أحد هذه الأمور مذهب الشافعي لا مذهب أبي حنيفة لأنّ دار الحرب تمنع من ذلك عندنا لا عنده لكن الزمخشريّ ذكر ما ذكره المصنف ﵀ وهو حنفيّ، وفيه كلام في أوّل الفصول العمادية فليحرّر وفي عدّ الثالثة من المعرّة نظر. قوله: (متعلق بأنّ تطؤهم) المراد بالتعلق المعنويّ لا النحويّ لأنه حال من الضمير المرفوع كما اختاره المصنف ﵀ أو المنصوب كما جوّزه غيره، وجوّز الحالية من ضمير منهم وكونه صفة لمعرّة واختاره الإمام واعترض على الأوّل بأنّ فيه تكراراً من غير فائدة فالأولى أن يجعل في موضعه وقال المدقق في الكشف بعد قول الزمخشري متعلق بأن تطؤهم الخ على أنه حال من ضمير المخاطبين ولا تكرار مع قوله: لم تعلموهم سواء جعل أن تطؤهم بدل اشتمال من رجال ونساء أو من
المنصوب في لم تعلموهم أما على الثاني فلأنّ المعنى لولا مؤمنون لم تعلموا وطأتهم، واهلاكهم وأنتم غير عالمين بإيمانهم لاحتمال أنهم يهلكون من غير شعور مع إيمانهم بسبب الكف عن التكذيب فيعتبر فيه العلمان فمتعلق العلم في الأوّل الوطأة وفي الثاني أنفسهم باعتبار الإيمان، وأما على الأوّل فلأنّ قوله: بغير علم لما كان حالاً من فاعل تطؤهم كان العلم بهم راجعاً إلى العلم باعتبار الهلاك كما تقول: أهلكته من غير علم فلا الإهلاك عن شعور ولا العلم بإيمانهم حاصل، ولما كان المعرفتان مقصودتين كان الوجه ما آثرة جار الله، ولك أن تجعل لم تعلموهم كناية عن الاختلاط وفي كلامه إشارة إلى هذا وفيه ما يدفع التكرار أيضاً اهـ، محصله وحاصله أنّ متعلق العلمين متغاير فيهما فلا يلزم التكرار على كل حالة وهما لكونهما مقصودين بالذات صرح بهما وإن تقاربا أو تلازما في الجملة، وما قيل على الشق الأوّل من أنّ التعلق الثاني علم من لم تعلموهم لأنّ المبدل منه ليس منجي حقيقة، ولو سلم فضمير تطؤهم للمؤمنين والمؤمنات والمعنى لم تعلموا وطأ المؤمنين فيتضمن التعلق الثاني ويفيده لظهور أنّ عدم العلم بوطئهم لعدم العلم لإيمانهم مع أنه يتبادر من الكلام حينئذ معنى غير صحيح، وهو وطؤهم عالمين بهم لتوجه النفي إلى القيد غير صحيح إذ لا شبهة في أنّ العلم بهم غير مراد كما أنّ العلم بإيمانهم كذلك في الثاني، وكذا ما أورد على الثاني من أنّ ضمير المفعول في البدل عائد على رجال ونساء موصوفين بانتفاء العلم عنهم وعن إيمانهم فيعلم منه كون الوطء بلا شعور ولا نسل قصد التنصيص على كل منهما، وهذا ما عناه الإمام وهو كله على طرف الثمام. قوله: (وجواب لولا محذوف الخ) الجواب قوله: لما كف الخ، وما ذكره من المعنى هو حاصله على الوجوه وفيه ترجيح للإبدال من رجال ونساء ولذا قدر كراهة لأنّ البدل هو المقصود والوطء غير واقع ولولا تقتضي وقوع ما بعدها، وقوله: بين أظهر الكافرين إشارة إلى ما مرّ تحقيقه في الاختلاط. قوله: (علة لما دل عليه كف الأيدي الخ) يشير إلى أن
стр. 2804
الكف المذكور معلل بصون من بمكة عن المؤمنين فهذه العلة علة للعلة أو للمعلل بها، وهذا أحسن من جعله علة للجواب المحذوف أو لما يدل عليه كأنه قيل لكنه كفها عنهم ليدخل بذلك الكف المؤدّى إلى الفتح بلا محذور في رحمته الواسعة الخ، ولا ينافي هذا كون قوله: فتصيبكم الخ يفهم منه أنّ الكف المذكور معلل بصون المخاطبين لا بصون من بمكة من المؤمنين لأنه لا مانع من تعدّد العلل لأنها ليست عللاً تامّة حقيقية حتى لا يقبل ذلك كما توهم. قوله: (أي في توفيقه) إشارة إلى أنه إن كان المراد بمن يشاء المؤمنين فالرحمة التي يريد أن يدخلهم فيها التوفيق لزيادة الخير والطاعة لا لأصله لئلا يكون تحصيلاً للحاصل فليس احترازاً عن الرحمة من غير عمل حتى يكون اعتزالاً كما قيل فإن كف الأيدي عن أهل مكة وصون من فيها من المؤمنين، وابقاءهم على عملهم وطاعتهم توفيق لهم بزيادة الخير والطاعة وإن أريد بهم
المشركون كان المراد من الرحمة التي أدخلهم فيها الإسلام لاً نهم إذا شاهدوا مغ تعذيبهم بعد الظفر بهم لاختلاط المؤمنين بهم اعتناء بهم رغبوا في الإسلام، والانخراط في سلك المرحومين فظهر وجه كون قوله: ليدخل علة لكف الأيدي عن أهل مكة لصون من فيها من المؤمنين لأنهم إذا صانهم الكف المذكور أظهروا إيمانهم لمعاينة قوّة الدين وشوكة الإسلام ويقتدي بهم الصائرون للإيمان فلا وجه لجعل اللام مستعارة من معنى التعليل لما يترتب على الشيء تشبيها له بالعلة الغائية كما قيل لأنه عدول عن الحقيقة المتبادرة من غير داع للعدول سوى إظهار الفضول. قوله: (لو تزيلوا) جوز فيه الزمخشري أن يكون كالتكرير لقوله، ولولا رجال الخ على أنّ الجواب لهما لمرجعهما إلى معنى واحد ولا يرد عليه أنّ معناهما متغاير مغايرة ظاهرة لأنّ كراهة وطئهم لعدم تميز الكفار الذي هو مدلول الثاني فهو كبدل الاشتمال فتأمّل. قوله: (لعذبنا الذين كفروا منهم الخ) منهم هنا للبيان وزانها وزان منهم فيما سيأتي، وقوله: بالقتل إشارة إلى أنه دنيوقي والا لم يكن للو موقع، والأنفة بفتحتين الاستكبار والاستنكاف، واذعان الحق الانقياد له وأما الإذعان بمعنى الفهم أو سرعته فليس من كلام العرب، وحويطب تصغير حاطب بمهملتين ومكرز بكسر فسكون، ثم راء مهملة ثم زاي معجمة وظاهره أنه لم يكتب ما ذكره أوّلاً، وفي كتب السير أنه كتبه ثم محاه وصورة المكتوب باسمك اللهمّ هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الفه سهيل بن عمر وصلحا على وضحع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيه الناس أو يكف بعضهم عن بعض على أنه من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه ردّه عليهم ومن جاء قريشاً ممن مع محمد لم يردوه عليه، وأن بيننا عيبة مكفوفة وانه لا إسلال ولا إغلال وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه من أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه وسيأتي في الممتحنة نقضهم لهذا العهد، وكانوا يكتبون باسمك اللهمّ وكتبها النبيّ ىلمجبوو حتى نزلت سورة النمل، والقابل أصله العام
القابل وهو معناه عرفاً. قوله: (فهنم المؤمنون الخ) ضمير عليه لسهيل وعداه بعلى لتأويله بيوقعوا البطش عليه والسكينة الصبر والتحمل هنا، وقوله: اختارها لهم تفسير لألزمهم كما في الكشاف وهذا مما لم يبين وجهه الشراح فكأنه أراد به أنه لا لزوم للكلمة على هذين الوجهين فإنّ ضميرهم للنبيّ ﷺ ومن معه وهم لم يلزموا بها ولكنهم لما كتبوها مخالفين للمشركين في هاتين الكلمتين بإرشاده تعالى فقد اختارها لهم دون من عدل عنها لبسمك اللهم، ومحمد بن عبد الذ لأنها كلمة جليلة هم أحق بالهداية لها فالإلزام مجاز عما ذكر من اختيارها لهم وأمرهم بها قال الراغب: لزوم الشيء طول مكثه معه، والإلزام لما بالتسخير من الله أو بالقهر من الإنسان والزام بالحكم الأمر كما هنا. قوله: (أو الثباث الخ) هو تفسير الحسن فالمراد بالكلمة ما عاهدوا عليه الله والزامه أمرهم بالوفاء والثبات عليه فكلمة التقو! كلمة مخصوصة، وهي قولهم في الأصلاب بلى مقرّين بوحدانيته والإلزام الأمر بالثبات والوفاء به كما مرّ. قوله: (لأنها) أي الكلمة على الوجه الأخير سببها أي التقوى فإضافتها لها لأدنى ملايسة أو هي على تقدير المضاف فهي إضافة اختصاصية حقيقية، وقوله من غيرها وفي الكشاف من غيرهم قيل وهو الأظهر لأنه معنى قوله: أهلها فتدبر. قوله: (فيعلم أهل كل شيء الخ)
стр. 2805
إشارة إلى أنّ علمه بالأهلية هي المرادة وبه يلتئم التذييل والتكميل لأنه يدخل فيه دخولاً أوليا فإذا علمه على أتم الوجوه وهو القادر الحكيم يسره له. قوله: (والمعنى صدقه في رؤياه) أي حقق صدقها عنده كما هو عادة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وفيه إشارة إلى أنه على الحذف والإيصال وفي شرح الكرماني كذب يتعدى إلى مفعولين يقال: كذبني الحديث، وكذا صدق كما في الآية وهو غريب لتعدي المثقل لواحد والمخفف لمفعولين اكل، وهذه الرؤيا كانت قبل خروجه للحديبية، وقال مجاهد: كنت بالحديبية والأوّل هو الأصح، وقوله: قال بعضهم الخ هو عبد الله بن أبيّ وعبد الله بن نفيل ورفاعة بن الحرث وهذا القول على طريق الاعتراض وقد روي عن عمر ﵁ أنه قال: نحوه على طريق الاستكشاف ليزداد يقينه. قوله: (ملتبساً به الخ) هذا كلام مجمل يحتمل أنه حال من الرسول أو ظرف لغو لصدق أو حال من الفاعل أو من الرؤيا أي ملتبسة بالحق لتأويلها بما يراه كما يشير إليه ما بعده وإن كان الأظهر ملتبسة ورؤيا الأنبياء
وحي لا تتخلف. قوله: (وهو القصد إلى التمييز الخ) أي ليس المراد بالحق مطابقة الرؤيا للواقع بل مطابقة ما يلابسها للواقع وهو القصد المذكور لأجل ذلك التمييز أخره للعام القابل، وقوله: وأن يكون قسماً الخ فقوله: لتدخلن جوابه على الوجهين والوقف حينئذ على الرؤيا وقد كان جواب قسم مقدر كما ذكره المصنف ﵀. قوله: (تعليق للعدة بالمشيئة الخ) جواب عما يقال من أنه تعالى خالق للأشياء كلها وعالم بها قبل وقوعها فكيف وقع التعليق منه تعالى بالمشيئة، ولذلك ذهب بعض النحاة إلى أنّ أن تكون بمعنى إذ ومنه هذه فأجاب أوّلاً بأنه تعليم للعباد وهو معنى قول ثعلب اسنثنى فيما يعلم استثناء الخلق فيما لا يعلمون وفيه تعريض بأنّ وقوعه من مشيئته لا من جلادتهم وتدبيرهم فيكون كقوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ﴾ [سورة يوسف، الآية: ٩٩] وما-له أنه للتبرك وهو من وضع الظاهر موضع الضمير وأصله لتدخلنه لا محالة إلا إن أشاء عدم الدخول فهو وعد لهم عن ظاهره لأجل التعريض بهم والإنكار على المعترضين على الرؤيا فيكون من باب الكناية وفيه دقة فتدبر. قوله: (أو إشعارا الخ) جواب ثان بأنّ التعليق راجع إلى دخولهم جميعاً ونظيره ما قيل إنه ناظر إلى الأمن ورده صاحب الكشف بأنه لا يدفع السؤال لأنّ الدخول المخصوص أيضا خبر من الله، وهو ينافي الشك وليس نظير قول يوسف ﵊ ﴿ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللهُ آمِنِينَ﴾ [سورة الكهف، الآية: ٢٣] إذ لا يبعد منه ﷺ أن لا يعرف مستقراً لأمر من الأمن أو الخوف فلا بدّ من التأويل بأنّ الشك راجع إلى المخاطبين أو بأنه تعليم للعباد ويدفع بأنّ المراد إنه في معنى ليدخلنه من شاء الله دخوله منكم فيكون أيضاً كناية عن أنّ منهم من لا يدخله لأنّ أجله يمنعه منه فلا يلزم الرجوع لما ذكر. قوله: (أو حكاية لما قاله ملك الخ) هذا هو الجواب الثالث والرابع وما لهما الحكاية عن الغير فهو إما الملك الموكل أو النبيّ المرسل وردّه صاحب التقريب بأنه كيف يدخل في كلامه تعالى ما ليس منه بدون حكاية، وسلمه شراح الكشاف لظنهم أنه وارد غير مندفع، ولك أن تقول في دفعه إنّ المراد أنّ جواب القسم بيان للرؤيا، وقائلها في المنام الملك وفي اليقظة الرسول ﷺ فهي في حكم المحكيّ في دقيق النظر كأنه قيل: وهي قول الملك أو الرسول الخ ولا يخفى أنه وإن صحح النظم لا يدفع البعد وقد مرت الإشارة إلى جوابين كون أن بمعنى إذ أو رجوع التعليق للأمن. قوله: (حال من الواو) المحذوفة من قوله: لتدخلن الخ لالتقاء الساكنين، وقوله: محلقاً بعضكم الخ ففيه تقدير أو هو
من نسبة ما للجزء إلى الكل والقرينة عليه أنه لا يجتمع الحلق والتقصير فلا بد من نسبة كل منهما لبعض منهم، وقوله: محلقين الخ حال مقدرة لأنّ الدخول في حال الإحرام لا في حال الحلق والتقصير. قوله: (حال مؤكدة القوله آمنين وهذا إن كان حالاً من الضمير المستتر في آمنين وهو بمعناه فإن أريد لا تخافون تبعة في الحلق أو التقصير ولا نقص ثوإب فهي مؤسسة، وقوله: بعد ذلك قيل إنه ذكره لئلا يتكرر فيلغو مع قوله: آمنين لأنّ اسم الفاعلى للحال والمضارع هنا للاستقبال وفيه أنه لا تكون الحال حينئذ مؤكدة إلا أن يكون بحسب الظاهر المتبادر والاستئناف بيانيّ في جواب سؤال تقديره فكيف حالهم بعد الدخول. قوله تعالى: ( ﴿فَعَلِمَ﴾ الخ)
стр. 2806
الظاهر عطفه على قوله: لقد صدق الله فالترتيب باعتبار التعلق الفعلي بالمعلوم إذ المراد ما لم تعلموا من الحكمة الداعية لتقديم ما يشهد لصدقه، وقيل: هو للترتيب الذكري، وقوله: في تأخير ذلك لم يقل كما في الكشاف في تأخير فتح مكة إلى العام القابل لما يرد عليه من أنه لم يقع في تلك السنة بل في السنة الثامنة، وإن ارتكب التكلف في تأويله بالتجوّز أو بتأويل الفتح بدخولهم معتمرين، وقوله: من الحكمة الخ لو فسر بما قدّمناه كان أنسب بالفاء فإنّ فيما ذكره إباء ما عنها ما لم يؤوّل بأظهر معلومه لكم وهو الحكمة المذكورة فتدبر. قوله: (من دون دخولكم المسجد) قدّمه لأنه أظهر وأقرب والزمخشريّ اقتصر على الثاني لأنه أنسب بما بعده، وقوله: لتستروح في الأساس يستروح بمعنى يستريح وضمن معنى تطمئن، وتسكن فلذا عدى بإلى وقوله: الموعود أي الفتح ااسموعود وهو فتح مكة، وقوله: ملتبساً به يعني أنّ الجار والمجرور حال من المفعول والباء للملابسة والتباسه بالهدى بمعنى أنه هاد، وقوله: بسببه فالباء للسببية أو للتعليل وهما متقاربان وعليه فهو ظرف لغو متعلق بقوله أرسله، وقوله: ليعليه هذا أصل معنى الظهور لأنه من أظهره إذا جعله على ظهره فلذا كني به عن العلوّ وعن كونه بادياً للرائي، ثم شاع في ذلك وصار حقيقة عرفية، وقوله: بنسخ الخ لأن علوه على جميع الدين والمراد ما يدان به من الشرائع والملل فيشمل الحق والباطل، وتعريفه للجنس وظهوره على الحق بالنسخ وعلى الباطل ببيان بطلانه أو بالتسليط على أهله، وقوله: إذ ما الخ تعليل لمقدر وهو قد تحقق ذلك أو لقوله بتسليط المؤمنين على أهله، وقوله: من الفتح أي فتح مكة أو خيبر. قوله: (على أنّ ما وعده (من إظهار دينه على جميع الأديان أو الفتح أو
المغانم كائن، وقوله: بإظهار المعجزات متعلق بقوله: شهيدا لأنّ المراد بشهادته تأييده له فهو على الوجه الثاني، وقيل إنه متعلق بهما معا فانّ شهادته على كينونة الوعد وعلى حقية ما ادّعاه من النبوّة إنما هو ب! ظهار المعجزات على يد النبيّ ﷺ وفيه نظر. قوله: (جملة مبينة الخ) على أنّ محمدا مبتدأ ورسول الله خبره وهو جار على الوجهين فإنه إن كان على أن ما وعده كائن فكينونة ما وعده لازمة لكونه رسولاً من الله إذ هو لا يوعد إلا بما هو محقق ولا يخبر إلا عن كل صدق مصدق كما لا يخفى، وعلى كون المشهود عليه النبوّة فهو أقرب وأنسب، وقيل: إنه على الثاني وقوله: صفة أو عطف بيان أو بدل وأيدت التبعية بأنه قرئ رسول الله بالنصب على الاختصاص، ولذا ضعف كونه مبتدأ والمحذوف ضمير تقديره هو أي المرسل بالهدى، وقوله: خبرهما أي المعطوف والمعطوف عليه على تقد! س الابتدائية ووفع أشدّاء الخ فإما على النصب على المدح أو الحالية المعطوف والمعطوف عليه على تقدير الابتدائية ورفع أشذاء الخ فإما على النصسب على المدح أو الحالية عن المقدر في معه فالخبر تراهم الخ. قوله: (والمعنى الخ) يعني فيهم غلظة وشدة على أعداء الدين ورحمة ورقة على إخوانهم المؤمنين فالثاني وهو قوله: رحماء الخ تكميل لو لم يذكره لربما توهم أنهم لاعتيادهم الشدة على الكفار قد صار ذلك لهم سجية في كل حال وعلى كل أحد فلما قيل: رحماء بينهم اندفع ذلك التوهم فهو تكميل واحتراس كما في الآية المذكورة فإنه لما قيل أذلة على المؤمنين ربما توهم أنّ مفهوم القيد كير معتبر، وأنهم موصوفون بالذل دائما وعند كل أحد فدفع بقوله: أعزة على الكافرين فهو كقوله: حليم إذا ما الحلم زين أهله على أنه عند العدوّ مهيب
قوله: (لأنهم مشتغلون الخ (فالرؤية بصرية وركعاً سجداً حال وأشار بقوله: في أكثر إلى
أنّ المضارع للاستمرار وأنه استمرار عرفي بجعل اكثر بمعنى الجميع واعطائه حكم الكل وأنه عبر بالركوع والسجود عن الصلاة مجازاً مرسلا، وقوله: الثواب والرضا تفسير للفضل والرضا على اللف والنشر المرتب، وقوله: بيانها فكأنه قيل سيماهم التي هي أثر السجود، وقوله: أو حال الخ المراد بالجار والمجرور في وجوههم الواقع خبرا وهذا ما اختاره المعرب، وعلى ما قبله هو خبر مبتدأ تقديره هي من أثر السجود ولا يخفى ما في كلامه من التسامح في التقابل. قوله: (وقد رويت ممدودة) وهي لغة فصيحة كثيرة في الشعر كقوله:
غلام رماه الله بالحسن يافعا له سيمياءلاتشق على البصر
قوله ة (إشارة إلى الوصف المذكور) وهو من قوله: أشداء إلى هنا وأفرده لأنّ الوصف مصدر شامل للقليل
стр. 2807
والكثير وفيه إشارة إلى وجه أفراده مع تعدد الأوصاف أو هو باعتبار ما ذكر ولذا قيل هو إشارة إلى ما ذكر من نعوتهم الجليلة، والبعد للإيذان بعلو شأنه وبعد منزلته في الفضل، وقيل: البعد باعتبار المبدأ، ولو قيل هذا التوهم أنّ المشار إليه هو الوصف الأخير أعني سيماهم في وجوههم من أثر السجود، والمراد بالسيما المذكورة نور وبياض في وجوههم يعرفون به يوم القيامة، وقيل: استنارة وجوههم في الدنيا لكثرة صلاتهم بالليل قيل: مواضع سجودهم يوم القيامة ترى كالقمر ليلة البدر، وقيل: هو صفة الوجه من سهر الليل وقيل: الخشوع حتى كأنهم مرضى وما هم بمرضى. قوله: (أو إشارة مبهمة يفسرها كزرع (الأصل في الإشارة إن تكون لمتقدم وأنما يثار إلى المتأخر إذا كان نعتاً لاسم الإشارة نحو ذلك الكتاب، وقد مرّ في سورة البقرة في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [سورة الفتح، الآية: ٢٩] أنه قد يشار لما بعده تفخيماً له وتعظيما لشأنه كما أنّ الضمير يعود على ما بعده كذلك فتأمّل. قوله: (صفتهم العجيبة) قد مرّ تحقيقه في سورة البقرة، وقوله: تمثيل الخ فقوله: كزرع خبر مبتدأ مقدر تقديره مثلهم أو هم وهذا بناء على أنّ ذلك إشارة إلى الوصف، وقوله: أو تفسير بناء على أنّ الإشارة مبهمة، وقوله: أو مبتدأ معطوف على قوله عطف. قوله: (فراخه) بكسر الفاء جمع فرخ كفرع لفظا ومعنى يقال: فرخ الزرع إذا تهيأ للانشقاق، وأصل الفرخ ما تولد من الحيوان أو الطاثر قال الراغب الشطأة فروع الزرع وهو ما خرج منه، وتفرع في شاطئه أي جانبه وجمعه أشطاء وقوله: بتخفيف الهمزة أي قلبها ألفاً بعد نقل حركتها لما قبلها، ويحتمل أن يكون مقصوراً. قوله: (فقوّاه من الموازرة الخ) قال أبو حيان: كونه من الموازرة خطأ فإنه لم يسمع في مضارعه توازر بل توزر وهذه شهادة نفي غير مسموعة، على أنه يجوز أن يكون ورد من بابين واستغنى بأحدهما عن الآخر ومثله كثير مع أنّ السرقسطي نقله عن المازني حيث قال في أفعاله: أزرت الرجل أعنته، قال أبو عبيدة: الإزر الظهر يقال: آزرني أي كان لي ظهراً، وقال ابن الأعرابي: الإزر القوّة يقال منه: أزرني أي قوّاني قال تعالى: ﴿أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ وقال أبو عثمان: وآزر الشيء غيره ساواه وحاذاه وأنشد لامرئ القيس:
بمحنية قدآزرالضال نبتها ببحرجيوس غانمين وخيب
ومنه قوله تعالى: ﴿أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ﴾ اص. قوله: (فصار من الدقة الخ) فهو كاستحجر الطين وهو ينبئ عن التدريج ويحتمل أنه للمبالغة كاستعظم، وقوله: سؤقه بالهمزة أي بإبدال الواو المضموم ما قبلها همزة كما في قراءة يؤقنون بالهمزة، وقوله: يعجب الزراع حال أي معجبا لهم وكثافة الزرع كثرة فروعه وأوراقه. قوله: (وهو مثل ضربه الله الخ) في الكشاف وهذا مثل ضربه الله لبدء أمر الإسلام وترتيه في الزيادة إلى أن قوي واستحكم لأنّ النبيّ ﷺ قام وحده، ثم قوّاه الله بمن آمن معه كما يقوّي الطاقة الأولى من الزرع ما يحتف بها مما يتولد منها، وهذا ما قاله البغويّ من أنّ الزرع محمد ﷺ أصحابه والمؤمنون فجعلا التمثيل للنبيّ ﷺ وأمته والمصنف ﵀ جعله للصحابة فقط ولكل وجهة، وعن بعض الصحابة إنه لما قرأ هذه الآية قال: تمّ الزرع وقد دنا حصاده. قوله تعالى: ( ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ ) قال في المواهب: إنّ الإمام مالكا ﵀ استنبط من هذه الآية تكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة فإنهم يغيظونهم ومن غاظ الصحابة فهو كافر ووافقه كثير من العلماء اهـ، وهو كلام حسن جدّاً. قوله: (علة لتشبيههم بالزرع) أي لاتخاذه تعالى لهم على وجه يشبه الزرع في القوّة والنماء، وليس المراد به التمثيل فإنه ركيك فتدبر. قوله تعالى: ( ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم﴾ ) أخر منهم هنا عن قوله: عملوا الصالحات، وقدم عليه في آخر سورة النور لما مرّ من أنّ عمل الصالحات لا ينفك عنهم، وهو ثمة لبيان الخلفاء والعمل الصالح ليس بلازم لهم حتى لا ينعزلوا بالفسق وأرجع البغوي ضمير منهم للشطء باعتبار المعنى ولا يخفى بعده، ويجعل من بيانية سقط حجة من طعن به على الصحابة وجعلها تبعيضية، وقوله: من قرأ سورة الفتح الخ حديث موضوع وأمره مشهور تمت السورة بحمد الله ومنه.
стр. 2808
سورة الحجرات
بسا الله الرحمن الرحيم
قوله: (مدنية) وفي قول شاذ أنها مكية وانتظام أوّل هذه السورة بآخر السورة السابقة
ظاهر وقد فصله في التيسير ولا خلاف في عددها. قوله: (أي لا تقدّموا أمراً) يعني أنه متعد حذف مفعوله لأنه أريد به العموم أو أنه نزل منزلة اللازم لعدم القصد إلى المفعول كما تقولط فلان يعطي ويمنع، أو هو لازم فإن قدم يرد بمعنى تقدّم كبين فإنه متعد ويكون لازماً بمعنى تبين، فقوله: لا تقدّموا على حذف المفعول العام كما بينه بقوله: فحذف الخ، وقدمه لأنّ لزومه وتنزيله منزلة اللازم على خلاف الأصل فليس بيانا لمآل المعنى على الوجوه فلا ينافي كونه مما ترك فيه المفعول كما قيل. قوله: (ليذهب الوهم الخ) يعني إنه لاحتماله لأمور لو قدر أحدها كان ترجيحاً بلا مرجح فيقدر أمراً عاماً لأنه أفيد مع الاختصار، وقوله: لأنّ المقصود الخ يعني المقصود بالنفي حقيقة التقديم على الرسول بقطع النظر عما يقدم بين يديه والزمخشري رجح الوجه الأوّل على ما عداه وقال: إنه الأوجه الأبلغ لما فيه من الإيجاز مع الفائدة التامّة للعموم واستعماله على أعرف اللغتين فيه مع المطابقة لما نزل في شأنه، وفي الكشف فإن قلت الظرف هاهنا بمنزلة مفعول التقدّم يعني عليه والتقدّم بين يدي المرء خروح عن صفة المتابعة فالتمثيل عليه أوقع، قلت: التقديم وهو أن تجعل أحدا إمّا نفسك أو غيرك متقدّما بين يديه أكثر اسنهجانا وأدلّ على الخروح عنها فافهم يعني أنّ التعدي على الوجهين أبلغ من اللزوم، وإن سلم من الحذف والتقدير الذي هو على خلاف الأصل لما ذكر، ثم إنه ربما يتوهم أنّ الظرف إذا تعلق به العامل قد ينزل منزلة المفعول فيفيد العموم كما قرّروه في مالك يوم الدين، والتقديم بين يديه فيه خروج عن المتابعة حساً فهو أوفق لاستعارته لعدم المتابعة المعنوية المقصودة هنا فتخريجه على اللزوم أبلغ ولا يضرّه عدم الشهرة فإنه لا يقاوم الأبلغية المطابقة للمقام فأشار إلى دفعه بأنّ المراد النهي عن مخالفة الكتاب والسنة والتعدية تفيد أنّ ذلك بجعل، وقصد منه للمخالفة وهو أقوى في الذم بالدلالة على تعمد عدم المتابعة لا صدورها عنه كيف ما اتفق، ومن لم يفهم مراده قال المتبادر إلى الذهن من التقديم جعل الغير متقدّما ليس إلا والظاهر أنّ التقدّم استحق من تقديم الغير مع ما بعده بموافقة القراءة الأخرى
فتدبر. قوله: (قراءة يعقوب) بحذف إحدى التاءين لأنه من التفعل وهو المطاوع اللازم، وقوله: من القدوم من الغيبة والسفر ففيه استعارة شبه تعجيلهم لقطع الحكم في أمر من أمور الدين بقدوم المسافر من سفره لما فيه من العزم، وشدة الرغبة كقوله تعالى ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا﴾ ولما فيه من البلاغة اختاره الزمخشريّ، وتبعه المصنف ولم يجعلاه من قدم إذا مضى في الحرب لأنه لا يناسب المقام بدون التجوّز ولا وجه له هنا، ومن لم يدر المراد اعترض بما ذكر. قوله: (مستعار مما بين الجهتين الخ) في هذا الكلام تجوز أن أحدهما في بين اليدين فإنّ حقيقتة ما بين العضوين فتجوز بهما عن الجهتين المقابلتين لليمين والشمال قريبا منه بإطلاق اليدين على ما يجاورهما ويحاذيهما فهو من المجاز المرسل، ثم استعيرت الجملة وهي التقدّم بين اليدين استعارة تمثيلية للقطع بالحكم بلا اقتداء ومتابعة لمن يلزم متابعته تصويراً لهجنته وشناعته بصورة المحسوس كتقدم الخادم بين يدي سيده في مسيره فنقلت العبارة الأولى بما فيها من المجاز إلى ما ذكر على ما عرف في أمثاله، هذا محصل ما في الكشاف وشروحه والمصنف اختصره اختصاراً مخلا اعتمادا على ظهور المراد ومراجعة أصله، وقوله: مستعار أراد به الاستعارة اللغوية فإنه بيان للتجوّز الأوّل وهو مجاز مرسل كما قرّرناه لك وأمّا حمله على معناه المعروف، ثم ادعاء أنه أراد الاستعارة في إضافة اليدين إلى الله فهو تعسف لا يسمن ولا يغني من جوع ولا يدفع الإشكال ما لم يرجع لما ذكرناه، وقوله: ليدي الإنسان متعلق بالمسامتتين أي المقابلتين وقوله: تهجيناً أي تقبيحاً من الهجنة، وهي القباحة وقد بيناه لك. قوله: (لا تقطعوا أمرا قبل أن يحكما به) قطع الأمر الجزم به والجراءة على ارتكابه من غير إذن من له الإذن، وقوله: وقيل المراد الخ فهو من باب أعجبني زيد وكرمه، وقد مرّ ما يفيده من قوّة الاختصاص فالنهي عن التقدّم بين يدي الرسول ﷺ وهو أوفق لما يجيء بعده فإنّ
стр. 2809
مساق الكلام لإجلاله ﷺ ، وإذا كان استحقاق هذا الإجلال لاختصاصه به تعالى ومنزلته منه فذكر بين يدي الله عز شأنه أدخل في النهي كما قرره المدقق في الكشف والتجوّز باق بحاله والفرق بينه وبين ما قبله ليس أنه لا يراعي في هذا الاستعارة مما بين الجهتين كما توهم بل إنّ ذكر الله على هذا لبيان قوّة الاختصاص تمهيدا وتوطئة لما بعده فتدبر. قوله: (في التقديم أو مخالفة الحكم) أو فيه للتخيير في التعبير والتفسير، والتقديم لأنه المنهيّ عنه ظاهراً ومخالفة الحكم لأنه المراد من التقديم، وقوله: فلا
تجاوزوا الخ تفسير للمراد منه فإنّ الرفع والفوقية حقيقة في الأجسام لكنه صار حقيقة عرفية فيما ذكر. قوله: (ولا تبلنوا به الجهر الخ الما كانت هذه الجملة كالمكرّرة مع ما قبلها وليس القصد للتأكيد لأنّ العطف يأباه أشار في الكشاف إلى أنّ المراد بالأوّل أنه إذا نطق ونطقتم فعليكم أن لا تبلغوا بأصواتكم حدّاً بلغه صوته بل يكون كلامكم دون كلامه ليمتاز منطقه، والمراد بهذا إنكم إذا كلمتموه وهو صامت فلا ترفعوا أصواتكم كما يفعل في مخاطبة العظماء، وبه حصل التغاير واتضح العطف، والمصنف لما رأى أن تخصيص الأوّل بمكالمته معهم وهذا بصمته خلاف الظاهر وفيه مندوحة عنه لأنّ الأول نهى عن أن يكون جهرهم أقوى من جهره كما هو صريح قوله فوق صوت النبيّ، وهذا نهي عن مساواة جهرهم لجهره فإنه المعتاد ير مخاطبة الأقران والنظراء بعضهم لبعض فلا تكرار فيه، ومجموعه يفيد غض صوتهم وتكلمهم بأخي السرار والهمس كما ورد في الآثار عدل عنه فليس في كلامه ما يدل على تقييدهما بما إذا نطق ونطقوا كما توهم وظاهر كلامه في الكشف أنّ مال ما في الكشاف إلى ما ذكره المصنف وفيه نظر فقوله: ولا تبلغوا به أي بالقول، ولا حاجة إلى حمل النهي الأوّل على وجوب كون صوته أعلى من صوتهم كما هو المعروف في العرف، وقوله: بل اجعلوا الخ بيان للحاصل من مجموع الجملتين. قوله: (محاماة على الترحيب) المحاماة بميمين وحاء مهملة المحافظة مفاعلة من حماه إذا منعه وصانه والترحيب قيل إنه بالحاء المهملة من قولهم أهلا ومرحبآ والترحيب بمعنى التوسيع، وقيل: بالجيم من رجبه إذا عظمه وهذا أقرب معنى إذ الأوّل محتاج إلى تكلف إنّ المراد بالتوسعة بعدما بين مقام النبوّة ومقام الأمّة المقتضي لما ذكر. قوله: (وقيل معناه الخ) فيغاير ما قبله ويتضح عطفه عليه لكنه خلاف الظاهر، ولذا مرضه لأن ذكر الجهر حينئذ لا يظهر له وجه إذ الظاهر أن يقال: لا تجعلوا خطابه كخطاب بعضكم لبعض كما مز في قوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا﴾ [سورة النور، الآية: ٦٣] . قوله: (وتكرير النداء) بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الخ لأنه مقتضى التوجه واقبال المنادى على المنادي المقتضي لتفريغ باله وسمعه المستدير لزيادة استبصاره، وفي تكريره طلب إقبالهم وتطرية نشاطهم فلا يفتروا ويغفلوا عن التامّل فلذا أفاد المبالغة في الاتعاظ، ودل على أنّ المنادى له أم مستقل غير تابع لغيره فهو مما يهتمّ به. قوله: (كراهة أن تحبط الخ) يعني أنّ قوله أن تحبط الخ في محل نصب مفعول له تعليل لما قبله من النهيين على طريق التنازع، وهر إمّا تعليل للنهي فيقدر فيه مضاف وهو كراهة كما أشار إليه المصنف فالمعنى إني أنهاكم عما
ذكر لكراهة حبوط أعمالكم بارتكابه أو للمنهيّ عنه وهو الرفع والجهر ولام التعليل المقدرة على هذا مستعارة للعاقبة التي يؤدّي إليها الفعل كما في قوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [سورة القصص، الآية: ٨] لأنّ الرفع والجهر ليس لأجل الحبوط وبما ذكر يتحد فاعل المعلل المعلل فيتم كونه مفعولاً له. قوله: (لأنّ في الجهر والرفع الخ) تعليل وتبيين لتأدية ما ذكر للحبوط مع أنّ المحبط في الحقيقة عند أهل السنة الكفر لا غير، والاستخفاف المراد به جعل ما ذكر من الجهر والرفع خفيفا هينا لا إلاستخفاف بالنبيّ ﷺ فإنه بمعنى الإهانة له وهي كفر فلا يصح قوله: وذلك إذا انضم الخ كما لا يخفى، وهو ردّ على الزمخشري حيث استدل به على مذهبه من إحباط الكبائر مطلقاً للأعمال فإنّ هذه كبيرة قد أحبطت ولا فرق بينها وبين غيرها مع أنه قد أول ما هنا بأنه للتغليظ، والتخويف إذ جعلت بمنزلة الكفر المحبط، أو هو للتعريض بالمنافقين القاصدين بالجهر والرفع الاستهانة فإنّ فعلهم محبط بلا شك
стр. 2810
فتأمّل. قوله: (وقد روي الخ) ثابت بن قيس هذا صحابيّ معروف وما ذكره المصنف ذكره البخاريّ وغيره وهو حديث صحيح، وقوله: جهوريا بفتح الجيم وسكون الهاء وفتح الواو وراء مكسورة بعدها ياء مشددة صيغة مبالغة من الجهر وهو ضد الإخفاء في الصوت ويوصف به الرجل وكلامه، وقوله: قد حبط قد كفرت واستوجبت النار بذلك، ولذا قال ﷺ : " إنك من أهلى الجنة تطميناً لقلبه وإزالة لخوفه " وقوله: فتفقده أي طلب سبب فقده وغيبته عن مجلسه، وقوله: لست هناك كناية عن نزاهته عما ظته بنفسه لأنه نفي عنه أن يكون في مكان تحبط فيه الأعمال فيلزم ذلك بطريق برهاني أن لا يحبط له عمل. قوله: (إنها محبطة) بيان لمفعوله المقدر بقرينة ما قبله، وقوله: عن مخالفة النهي عداه بعن لأنه ضمنه معنى الاجتناب، وقوله: يسرإنه الضمير للنبيّ ﷺ أي يخاطبانه بصوت خفيّ كالسرّ حتى أنه لا يسمعه أحيانا فيستفهم منهما عما قالا. قوله: (جرّبها للثقوى الخ) أصل معنى الامتحان التجربة والاختبار، وهذا مما
لا يسند إلى الله تعالى لأنّ الاختبار إنما يكون لمن لم يعرف المختبر فيفعله ليعرفه فلذا أوّله بوجوه، الأوّل قوله: جرّبها الخ فالتجربة بيان لمعناه الحقيقيّ، وقوله: مرّنها بيان للمراد منه فلذا عطفه عليه عطفاً تفسيرياً، والمراد من تمرّنهم واعتيادهم أنهم صبروا على التقوى واحتملوا مشاقها فالامتحان مجاز عن الصبر بعلاقة اللزوم وقيل إنه كناية تلويحية عن الصبر والاحتمال المذكور لأنّ الممتحن يعود للفعل مرّة بعد أخرى فيكون له قوّة عليه، وأورد عليه أنه لا يجوز إرادة المعنى الموضوع له هنا فلا يصح كونه كناية ولاستشعار صاحب الكشف لهذا قال: إنّ الإسناد إلى الله تعالى للدلالة على التمكن كما في ختم الله على قلوبهم ففيه مع الكناية تجوّز في الإسناد والأصل امتحنوا قلوبهم لها بتمكين الله لهم، وهو معنى قول الطيبي معنى الآية راجع للعباد ولا يخفى تكلفه، وقيل: إنه من المجاز المتفرع على الكناية أو هو مبنيئ على أنه لا يشترط في الكناية إرادة الحقيقة بل جواز الإرادة وإن امتنعت في محل الاستعمال، وكله تكلف لا حاجة إليه مع ما قدمناه. قوله: (أو عرفها الخ) هذا هو التأويل الثاني على أنه مجاز مرسل وضمع فيه الامتحان موضمع المعرفة لأنه سببها فإن قيل الله تعالى لا يوصف بالمعرفة فإنه لا يقال: عرف الله بل علم قلت: الممتنع إطلاق لفظ المعرفة لا معناها فإنه العلم بعينه مع أنه، وإن اشتهر غير صحيح أيضاً لأنه في نهج البلاغة أطلق العارف على الله وقد ورد في الحديث أيضاً فتدبر. قوله: (واللام صلة محذوف) أي كائنة أو خالصة للتقوى على أنّ الجارّ والمجرور حال من المفعول أعني قلوبهم أو هي متعلقة بامتحن باعتبار معناه الأصلي لا الكنائي ولا المجازي إذ معناه معتادة للتقوى، وهذا على الوجهين لا على الثاني ولا عليهما على اللف والنشر المشوّس كما قيل: واعلم أنّ اللفظ إذا كان مجازاً أوءضاية عن معنى واختلفت تعدية المعنى الأوّل والثاني يجوز أن يراعي كل منهما وقد فصلناه في غير هذا الموضع، وقوله: للفعل معطوف على صلة بتقدير أو صلة للفعل أو على محذوف على توهم أنه صلة محذوف فمانّ الإضافة لامية. قوله: (او ضرب الله قلوبهم الخ) هذا التأويل الثالث فعلى هذا الامتحان الضرب بالمحن، والمراد التكاليف الشاقة والضرب الإصابة فهو حقيقة واللام للتعليل والعلة، والغرض هو ظهور التقوى لا هي والاصطبار مستفاد من نفس التقوى وإليه أشار بقوله: فإنها الخ. قوله: (أو أخلصها للتقوى الخ (هو التوجيه الرابع ومعنى أخلصها للتقوى أنه ليس لغير التقوى فيها حق كأن القلوب صارت ملكا للتقوى، وهو استعارة أو تمثيل كما ذهب إليه شراح الكشاف ولا يأباه تفسيره بإخلاصها حتى يتعين أنه من إرادة المطلق بالمقيد كما توهم فإنه تفسير للمعنى المراد منه بعد التجوّز فيه كما لا يخفى، وابريزه بمعنى خالصه يقال: ذهب إبريز أي خالص وخبثه ما خالطه من غيره. قوله: (لذئويهم) بيان لمتعلق المغفرة وقوله: لغضهم أي
أصواتهم عند النبيّ ﷺ ، وأفرده عن سائر الطاعات لاقتضاء السياق له وهو بيان لمقتضى الثواب، وقيل: إنه تعليل لمتعلق الخبر وهو الثبوت وفيه نظر، وقوله: والتنكير الخ يعني تنكير ما وقع جزاء لهم وهو مغفرة وأجر ففي قوله: عظيم مبالغة في عظمه فإنه: (ما لا عين رأت ولا أذن سمعت) والجملة لهم مغفرة الخ. قوله: (لبيان
стр. 2811
ما هو (فهو استثناف بيانيّ وفيه إشارة إلى ترجيح الاستئناف، ولذا اقتصر عليه في الكشاف لما فيه من تكثير المعنى مع تقليل اللفظ مع ما تضمنه من بيان الاهتمام بشأنهم، وقوله: إحمادا لحالهم أي لأجل أنّ حالهم محمودة وهو تعليل للجزاء وقوله: من معرفتين يعني أولئك والذين وتعريفهما يفيد الحصر الادّعائي المفيد للمبالغة في وصفهم بما ذكر مع ما سيأتي، وايقاع اسم الإشارة مبتدأ متضمناً لما أشير إليه من اسم إنّ فيه تقوية له وتاكيد لأنه تكرير له معنى وأنّ اتصافهم با ذكر مقتضى لثبوت الخير لهم مع ما في الإشارة بما يشار به للبعيد من الدلالة على الشرف وعلو المرتبة وبعد المنزلة، وقوله: دلت صفة صلة وقوله: مبالغة الخ تعليل لقوله: أخبر الخ ووجه الدلالة فيها على ما ذكر ما مرّ من معنى الامتحان على الوجوه السابقة والاعتداد والارتضاء من حسن الجزاء، ويعلم منه ثبوت ضده لضده، وقوله: وأنّ حال المرتكب الخ من تعريف الطرفين من الدلالة على الحصر كما مرّ. قوله: (من خارجها الخ) ذهب بعض أهل اللغة إلى أن وراء من الأضداد يكون بمعنى خلف وقدام، وقال الآمدفي: في كتاب الموازنة ردّاً عليه ليست من الأضداد إنما هي من المواراة والاستتار فما استتر عنك فهو وراء خلفا كان أو قداما إذا لم تره وتشاهده فإذا رأيته لا يكون وراءك، وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [سورة الكهف، الآية: ٧٩] قالوا: إنه كان أمامهم وصلح لذلك لأنهم لم يشاهدوه، اهـ والى هذا أشار المصنف بقوله: من خارجها فالوراء بالنسبة لمن فيها ما كان خارجها لتواريه عمن فيها، وقول الجوهريّ: إنه من الأضداد قول آخر فلا يرد على ما ذكر كما توهم فهو مشترك معنوقي لا لفظيّ. قوله: (ومن ابتداءلية الخ) ما ذكره تبعاً للزمخشريّ حاصله الفرق بين ذكر من وحذفها فلا يجوز على الأوّل أن يجمعهما أي المنادي والمنادى الوراء فيقتضي أنّ المنادى داخل الدار،
ويجوز ذلك على الثاني لأنّ مدخول من مبتدأ الغاية، ولا يجتمع على الشيء الواحد أن يكون مبتدأ ومنتهى، واعترض عليه بأنّ من قد تكون لابتداء الغاية وانتهائها معا نحو أخذت الدراهم من زيد فزيد محل لابتداء الأخذ وانتهائه وقد صرّج به سيبويه وأيضاً أنّ المبدأ والمنتهى إن كان شخصاً يجوز جمعهما في جهة، وإن كان جهة ذات أجزاء فكذا والا فلا فرق بين دخول من وعدمه وردّ الأوّل بأن محل الانتهاء هو المتكلم ليس إلا كما ذكره ابن هشام في المغني في حرف الميم، وذكر أنّ ابن مالك قال: إنّ من فيه للمجاوزة، والثاني بما حاصله أنّ المبدأ الجهة باعتبار تلبسها بالفاعل لأنّ حرف الابتداء تعلق بالفعل ودخل على الجهة التي هي غير داخلة في مفهومه فيعتبر أنّ من للجهة، وتلبس الفاعل تحقيقاً لمقتضى الفعل والحرف، ولما وقع جميع الجهة مبدأ لم يجز كونها منتهى سواء انقسمت أو لا فإذا لم يذكر حرف الابتداء لم يرد هذا وظهر بما ذكر الفرق بينهما إلا أنّ التحقيق أنّ الفعل يتعدى من الفاعل، وينتهي إلى المفعول ويقع في الظرف ومن وراء الحجرات ظرف كصليت خلف الإمام ومن خلفه، والفرق بينهما تعسف والقسمة غير حاصرة وقد مرّ في الأعراف طرف منه، وذكر في قوله تعالى ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض أنّ في قوله: دعوته من مكان كذا يجوز كون الداعي والمدعوّ في ذلك المكان، ولا يخفى أنّ ما في الكشاف بناء على أنّ من للابتداء إذا دخلت على الظرف، وما في الكشف بناء على أنها زائدة لا فرق بين دخولها وخروجها وبعد هذا ففيه ما يحتاج إلى التحرير فتدبر. قوله: (وقرئ الحجرات الخ (إشارة إلى ما في مثله من الأسماء الجامدة الواقعة على وزان فعلة بضم الفاء وسكون العين فإنه يجوز في جمعه ثلاثة أوجه ضم العين اتباعا للفاء، وفتحها وتسكينها للتخفيف، وقوله: المحجورة بحائط أي الممنوعة عن الدخول فيها والحظيرة ما تجمع فيه، وتكون أطرافه محجورة بحطب ونحوه، وقوله: بمعنى مفعول لم يقل مفعولة وإن كان هو الظاهر لأنّ تأنيثه لفظيّ فإذا أوّل زال عنه التأنيث فتقول الغرفة المغروف لا المغروفة كما توهم إلا بتاويل لا حاجة له هنا. قوله: (والمراد الخ) فالتعريف للعهد، وقوله: وفيه أي في ذكر الحجرات كناية عن خلوته لأنها معدة لها ولم يقل حجرات نسائك ولا حجراتك توقيراً له ﷺ وتحاشياً عما يوحشه، وقوله: حجرة حجرة كقرأت النحو بابا بابا أي مفصلا فالمراد أنه للاستغراق
стр. 2812
العرفي أي جميع حجراته ﷺ ، وقوله: فأسند فعل الأبعاض إلخ
يعني أنّ الذين ينادونه لم ينادوه من وراء كل حجرة كما هو في الوجه الأوّل بل ناداه بعضهم من حجرة وآخر من أخرى، ومذا بناء على أنّ الاستغراق إفراديّ لا شموليّ مجموعي ولا أنه من مقابلة الجمع بالجمع المقتضي لانقسام الآحاد على الآحاد لأنّ من ناداه ﷺ من وراء حجرة منها فقد ناداه من وراء الجميع كما لا يخفى، وقوله: وقيل إنّ الذي نادا ٥ الخ مرضه لضعف الرواية فيه أو لعدم القرينة الدالة على تعينه إلا أنّ سبب النزول لا يلزم فيه ذلك وقوله وأنما أسند الخ مرّ ما فيه فتذكره. قوله تعالى: ( ﴿أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (لما كان نفي العقل عنهم ليسى على ظاهره إذ المراد أنهم لا يجرون على مقتضى العقل من مراعاة الأدب لا سيما مع أجل خلق الله وأعظمهم عليه ﷺ كما أشار إليه المصنف بقوله: إذ العقل الخ ورد أنّ الظاهر لا يعقلون من غير ذكر الأكثر وأجيب بأن التقييد لأنّ منهم من لم يقصد ترك الأدب لأمر مّا، أو المراد بالقلة التي يدل عليها نفي الكثرة العدم فإنه يكنى بها عنه وحذف لا من سيما وقد مرّ ما فيه مرارا والمراد بالمنصب مقام النبوة. قوله: (أي ولو ثبت صبرهم الخ) إشارة إلى أنّ أنّ المفتوحة المؤوّلة بالمصدر هنا فاعل فعل مقدر، وهو ثبت والقرينة عليه معنى الكلام فإنّ إن وأن تدل على الثبوت، وفي تقدير الفعل إبقاء لها على أصلها من دخولها على الفعل فإنها في الأصل شرطية مختصة بالفعل فلذا اختار هذا المصنف على كونها بتأويل مبتدأ لا خبر له أو خبره مقدر وكون خبر أن بعدها فعل دائما أو في اكثر مفصل في كتب النحو، وقوله: انتظارهم عطف على صبرهم عطف تفسير فإنه المراد بالصبر هنا. قوله: (وجب إضمار الفعل) أي لدلالة أن على التحقق والثبوت، وهو إنما يكون في الماضي حقيقة لأنّ ما يقع في المستقبل لا يعد ثبوتا في نفس الأمر إلا باعتبار أنه سيثبت فيه وكذا الحال إنما ثبوته باعتبار ما مضى منه، وهذا يقتضي تقديره ماضيا، وأمّا بيانه بأنّ تعريف الفعل للعهد والمراد به الفعل المعهود وهو الماضي المشتق من الثبوت لئلا يرد عليه أنه لا دلالة فيما ذكر عليه بل دلالته على
إضمار الخبر أظهر لأنّ حق الدال التقدم على المدلول عليه فتقدير لو أنّ صبرهم ثابت أظهر فتكلف بما لا يجدي لكنه لا يخفى ما في كلام المصنف من التسامح والخفاء فتدبر. قوله: (وحتى تفيد أنّ الصبر الخ) بيان للفرق بين إلى، وحتى واختيار حتى هنا دون إلى بأنّ حتى موضوعة لما هو غاية في نفس الأمر وإلى غاية لما هو غاية في نفس الأمر أو بجعل الجاعل فلذا اختيرت هنا كما أشار إليه بقوله: ينبغي أن يكون مغعى بخروجه يعني أنّ انتظارهم إلى أن يخرح إليهم أمر لازم لأنّ الخروح لما جعله الله غاية كان كذلك في الواقع فهي أبلغ في الدلالة على المراد وأخصر لعدم لزوم التصريح بأن معها، ولا تنافي بقاء الخيرية بعد الخروج أيضا بخلاف إلى. قوله: (ولا تقول حتى نصفها الخ) لأنّ مجرورها لا بد من كونه آخر جزء أو ملاقياً له هذا ما ذهب إليه الزمخشري تبعا لكثير من النحاة وليس مما تفرد به كما توهمه ابن مالك وأمّا ما أورد عليه من قوله:
عينت ليلة فمازلت حتى نصفهاراجيافعدت بؤسا
فعلى تسليم أنه من كلام من يعتد به مع أنه نادر شاذ لا يرد مثله نقضا مدفوع بأنّ معنى
قوله عينت ليلة أي وقتاً للزيارة وزيارة الأحباب يتعارف فيها أن تقع في أوّل الليل فقوله حتى نصفها غاية لوقت الزياوة المعهودة، وأمّا الجواب باختصاصها بذلك إذا صرّح بذي الغاية، وهذا ليس كذلك لأنه لم يقل ما زلت في تلك الليلة حتى نصفها، وإن كان المعنى عليه فليس بشيء لأنه إذا سلم أنّ ذا الغاية الليلة فهو مذكور بقوله: ليلة إذ لا فرق بين التعريف والتنكير فيه فتدبر. قوله: (وفى إليهم الخ) يعني أنه ليس زائداً بل قيد لا بدّ منه لأنه لا بد من علمهم بأنّ خروجه لأجلهم إذ لو خرح لغير ذلك لا بد من البقاء على الانتظار كما لو كان خروجه لحاجة أخرى. قوله: (لكان الصبر الخ) يعني أنّ اسم كان ضمير مستتر يعود على المصدر الدال عليه قوله، ولو أنهم صبروا كقوله من كذب كان شرّاً له أي الكذب، وقوله: وفدوا أي قدموا على النبيّ ﷺ والضمير لقوم من العرب، وهم بنو العنبر لأنّ النبيّ يك! رو بعث إليهم سرية
стр. 2813
أميرها عيينة ابن حصن فهو بواو تركوا النساء والذراري فسباهم، وقدم بهم على النيّ ﷺ فجاءه بعد ذلك رجالهم راجين لإطلاق الأسارى فأطلق النصف وفادى الباقي، وقوله: حيث اقتصر الخ وكاد مقتضى ذلك أن يعذبهم أو يهلكهم.
قوله: (فتعرفوا وتصفحوا) التصفح النظر في صفحاته وجوانبه واً لمراد التفتيش، وقوله:
الوليد بن عقبة هو أخو عثمان لأمه، وقوله: مصدّقا بالتشديد حال مقدرة أي آخذا للصدقة وهي الزكاة والأحنة بكسر الهمزة وسكون الحاء المهملة، والنون المراد بها عداوة وأصل معناها الحقد وسببه دم بينهما، وقوله: بعث إليهم خالد بن الوليد، وقدم عليهم ليلا مختفياً متجسسا كما يامره النبيّ ﷺ بذلك ويدل عليه قوله: متهجدين، وقوله: للتعميم لأنه نكرة في سياق الشرط فتعم كما قرّر في الأصول فيفيد العموم. قوله: (وتعليق الأمر) في بعض النسخ وفي تعليق الخ وفي زائدة من قلم الناسخ والصحيح تركها، وقد استدل بهذه الآية على أنّ الفاسق أهل للشهادة والا لم يكن للأمر بالتبيين فائدة ألا ترى أنّ العبد إذا شهد تردّ شهادته لا بالتثبت فيها خلافاً للشافمي، وقوله: يقتضي جواز قبول خبر العدل أي الواحد لقوله: وأنّ خبر الواحد الخ، وقد قرّره الأصوليون بوجهين أحدهما أنه لو لم يقبل خبر الواحد لما كان عدم قبوله معللا بالفسق، وذلك لأنّ خبر الواحد على هذا التقدير يقتضي عدم القبول لذاته، وهو كونه خبر وإحد فيمتنع تعليل عدم قبوله بغيره لأنّ الحكم المعلل بالذات لا يكون معللا بالغير إذ لو كان معللاَ بالغير اقتضى حصوله به مع أنه حاصل قبله لكونه معللا بالذات وهو باطل لأنه تحصيل للحاصل أو يلزمه توارد علتين على معلول واحد والثاني وهو امتناع تعليله بالفسق باطل لقوله تعالى: ﴿إِن جَاءكُمْ﴾ الخ فإنّ ترتيب الحكم على الوصف المناسب يغلب على الظن أنه علة له، والظن كاف هنا لأنّ المقصود هو العمل فثبت أنّ خبر الواحد ليس مردوداً وإذا ثبت ذلك ثبت أنه مقبول واجب العمل، الثاني أنّ الأمر بالتبين مشروط بمجيء الفاسق ومفهوم الشرط معتبر فيجب العمل به إذا لم يكن فاسقاً لأنّ الظن يعمل به هنا والقول بالواسطة منتف، وفيه بحث وقوله: من حيث هو كذلك الحيثية للتعليل فإنه أحد معانيها وكذلك أي خبر واحد، وقوله: عدم عند عدمه بناء على أنّ مفهوم الشرط معتبر، وهو الصحيح لا سيما عند الشافعية
كما قرّرناه لك، وأمّا اشتراك أمور في لازم واحد فيعلق بكل منها من غير أن يلزم انتفاؤه من انتفائه فغير متوجه لأنّ الشرط مجموع تلك الأمور وكل واحد منها لا يعد شرطا حقيقة على ما تقرّر في الأصول في مفهوم الشرط فانظره. قوله: (فتوقفوا الخ) إشارة إلى أنّ المقصود من التثت تبين الحال فهي في المآل بمعنى الفراءة الأخرى، وقوله: كراهة إصابتكم إشارة إلى أنّ المصدر في محل نصب على أنه مفعول له حذف منه مضاف وهو كراهة أو حرف نفي فالتقدير لئلا تصيبوا على المذهبين المعروفين في أمثاله لأنّ الأمر بالتبيين ليس لأجل الإصابة، وقوله: جاهلين بحالهم إشارة إلى أنّ الجار والمجرور حال كما في قوله: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ﴾ [سورة الأحزاب، الآية: ٢٥] أي مغتاظين وفي قوله: بحالهم لطف ظاهر، وقوله: فتصيروا الخ إشارة إلى أنه هنا بمعنى الصيرورة المطلقة من غير تقييد بوقت الصباح. قوله: (مغتمين غماً لازماً الأن الندم الغم على وقوع شيء مع تمني عدم وقوعه، واللزوم مأخوذ من هذه المادّة لأنها بسائر تصاريفها وتقليب حروفها تفيد الدوام كالندم فإنه غم لازم ومدن بمعنى لزم الإقامة ومنه المدينة وأدمن الشيء أدام فعله كالشراب، وقوله: دائرة إشارة إلى قلب حروفه، وأنث وهو خبر التركيب لإضافته إلى الأحرف المؤنثة ولا يفيد هذا لزوم تجديد الندم وتكرّره في التوبة، وإن كان التائب الصادق لا بد له من ذلك. قوله: (باعتبار ما قيده به من الحال الخ) إشارة إلى أنه لولا تقييده بالحال لم تتم الفائدة، وقوله: ولو جعل الخ إشارة إلى ما في الكشاف من أنّ هذه الجملة المصدرة بلو حالية لا مستأنفة كما جوّزه المعرب، وغيره لإدانة إلى تنافر النظم لأنه لو اعتبر لو يطيعكم الخ كلاماً برأسه لم يأخذ الكلام بعضه بحجز بعض لأنه لا فائدة حينئذ في قوله: واعملوا أنّ فيكم رسول الله إذا قطع عما بعده، فإن قلت لم لا يجوز أن يقصد به التنبيه على جلالة محله ﷺ ، وأنهم لجهلهم بمكانه مفرّطون فيما يجب
стр. 2814
له من التعظيم حتى كأنهم جاهلون بأنه بين أظهرهم فلما اتجه أن يسئل ما فعلوا حتى نسبوا للتفريط وما نتيجة ذلك أجيبوا ببيان النتيجة لخفائها، قلت: يأبى هذا كون قوله: واعلموا الخ
من تتمة ما قبله للعطف ولذا قال المصنف: لم يظهر للأمر يعني قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ فائدة كما في بعض شروح الكشاف فسقط ما قيل من أنّ فائدته الدلالة على أنهم نزلوا منزلة الجاهلين بمكانه لتفريطهم فيما يجب من تعظيم شأنه وقيل عليه أنّ المناسب أن يقال واعلموا أنّ الذي فيكم هو رسول الله ليفيد تجهيلهم بشان الرسول، وأنه يطاع ولا يطيع، وما في النظم إنما يفيد تجهيلهم في أنّ شأنهم أن يتبعوه ولا يتبعوا آراءهم، والمراد هو الأوّل دون الثاني فتدبر. قوله: (حال من أحد ضميري فيكم) يعني المجرور وهو ضمير المؤمنين المخاطبين، والمرفوع المستتر في الظرف، وهو ضمير الرسول وأورد عليه أنه حينئذ العامل فيه الظرف، وهو يدل على الزمن الحاضر ولو يطيعكم للماضي فكيف يكون قيداً له وأيضا ليس المعنى على التقييد فلا يصح جعله حالاً، وأمّا الاستمرار فهو في الماضي فلا تصح المقارنة كما أشار إليه المصنف والزمخشريّ بقوله، والمعنى أنّ فيكم رسول الله على حالة يجب عليكم تغييرها أو أنتم على حالة يجب عليكم تغييرها وهي أنكم تحاولون منه أن يعمل في الحوادث على مقتضى ما يعن لكم من رأى الخ فتأمل. قوله: (والمعنى الخ (يعني أنّ قوله لو يطيعكم الخ كناية عن أنهم أحبوا متابعة الرسول، وأنّ ذلك مما لا ينبغي فيجب تغييره والعدول عنه فإنه يوقعهم في العنت أي المشقة أو الهلاك أو الإثم أو الفساد فإنها معان له وأصله الكسر بعد الجبر، ووجه الإشعار المذكور ظاهر. قوله: (استدراك الخ) جواب عما يقال من أنّ الاستدراك بلكن شرطه مخالفة ما بعدها لما قبلها نفيا وإثباتا وهو مفقود هنا فليست في موقعها بأنها في موقعها لأنّ مآل المعنى لم يحملكم على ما أردتم من الإيقاع ببني المصطلق اتباع الهوى ومحبة متابعة النبيّ ﷺ لآرائكم بل محبة الإيمان وكراهة الكفر هي الداعية لذلك، وقوله: وبصفة الخ معطوف على قوله: ببيان عذرهم وهو توجيه آخر لكون الاستدراك في موقعه محصله أنّ الذين حبب إليهم الإيمان قد غايرت صفتهم صفة المقدم ذكرهم فلكن في موقعها كما ارتضاه الزمخشريّ لأنه المناسب لما بعده واليه أشار المصنف بقوله ويؤيده الخ فإنه ظاهر في أنّ ذوي الرشد طائفة في المعنى مستثناة ممن قبلهم، وهم الذين لم يروا الإيقاع بهم رأيأ. قوله: (لكنه لما تضمن معنى الخ) يعني ضمن معنى بغض فعدى تعديته، وحسنه مقابلته لقوله: حبب فإنّ مقابله بغض، وقوله: منزلة بغض وقع في نسخة بغضكم وليس بمناسب لما نحن فيه إلا أن يريد أنه متعد لواحد فإذا عذى للثاني احتيج إلى الحرف فتأمّل، ثم إن المصنف تعرّضى لكرّه
دون حبب لأنه على أصله وهو منقول من حبب إليه كما في القاموس وغيره فاستعماله على أصله ومن قال إنّ في التحبيب والتكريه معنى الإنهاء فلذا استعملا بإلى زاد نغمة لا تطرب ولا تضحك، وقوله: تغطية نعم الله يعني أنه في أصله للتغطية الحسية فنقل للتغطية المعنوية كالفسوق فإنه من فسقت الثمرة إذا خرجت من قشرها وفسق عن الطريق عدل عن جادته، والعصيان أصله من عصت النواة صلبت واشتدت فنقل للامتناع عن الانقياد. قوله: الا للراشدين) كما اختاره الزمخشري على أنه مفعول له فلما ورد عليه أن شرطه اتحادهما فاعلا أوّله بأن الرشد هنا مسبب عن التحبيب والتزيين والتكريه وهو فعل الله فردّه المصنف بأنه مسند إلى ضميرهم هنا فلا يوجد الشرط المذكور في العربية فكونه عبارة عما ذكر لا يفيد هنا ويرد عليه أنه بعد التأويل لا يكون مسنداً لضميرهم بل دلّه وقد جوّز المصنف مثله في قوله: ﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [سورة الرعد، الآية: ١٢] لقوله: ثمة أنّ إراءتهم تستلزم رؤيتهم مع اختلاف المسند إليه فيهما وليس ما ذكره المصنف والزمخشريّ هنا في شيء من الاعتزال كما توهم لأنّ الرشد فعل الله عند أهل الحق لا مسبب عنه لأنّ الكلام فيما يقال له فعل وفاعل عند أهل اللغة لا عند أهل الكلام، ولا حاجة إلى تأويله بأنّ المراد بالفعل الإيقاع والأحداث والرشد بمعنى إصابة الطريق السويّ بإيقاع الله وأحداثه بخلاف الفضل فإنه بمعنى الأفضال وهو نفس الإيقاع. قوله: (أو مصدر لغير فعله) فهو على الأوّل مفعول له، وعلى هذا مفعول مطلق من
стр. 2815
معناه كقعدت جلوساً إمّا منصوب بحبب أو بالراشدون وإليه أشار بقوله: فإنّ التحبيب الخ، وقوله: بأحوال المؤمنين الخ إشارة إلى أنه تذييل لما قبله من قوله: يا أيها الذين آمنوا الخ أو لقوله: أولئك الخ، وقوله: والجمع باعتبار المعنى فإنّ مقتضى الظاهر اقتتلنا لكن كل طائفة جماعة فهما جمع في المعنى، وإن كان مثنى لفظاً فهو من اعتبار المعنى أوّلاً واللفظ ثانيا عكس المشهور في الاستعمال، والنكتة فيه ما قيل إنهم أوّلاً في حال القتال مختلطون مجتمعون فلذا جمع أوّلاً ضميرهم وفي حال الإصلاح متميزون متفارقون فلذا ثنى الضمير وهو كلام حسن صالح لكونه وجها مستقلا. قوله: (إلى حكمه (على أنّ الأمر واحد الأمور فالمراد به الحكم أو على أنه واحد الأوامر والمراد به لازمه وهو الحكم، وقوله: أو ما أمر به على أنّ الأمر واحد الأوامر والمراد بالأمر المأمور به مجازاً وترجع تفسير لتفيء والفيء كل معناه يرجع إلى الرجوع
فالفيء الظل الواقع بعد الزوال سمي به لرجوعه بعدما أزالته الشمس، وهذا بناء على المشهور وفي اللغة من الفرق بين الظل والفيء في أصل الوضمع وقد يستعملان بمعنى كما بين في كتب اللغة، وقوله: لرجوعها الخ الرجوع يشعر بأنها كانت للمسلمين قبل الرجوع، ووجه بأن المال لله تعالى خلقه لعباده فكان حقه أن يكون بيد من تحقق بالعبودية من المسلمين فلذا جعل رجوعا لجعل الاستحقاق الذاتي بمنزلة التملك حقيقة، وهو كلام حسن. قوله: (بفصل الخ) تفسير لقوله: بالعدل، وقوله: هاهنا يعني ولم يقيد به قبل في قوله: فأصلحو! بينهما لأنّ هذا لوقوعه بعد المقاتلة مظنة للتحامل عليهم بالإساءة ولإيهام أنهم لما أحوجوهم للقتال استحقوا الحيف عليهم، وقوله: في كل الأمور العموم من ترك المفعول والمتعلق. قوله: (يحمد فعلهم الخ الأن محبة الله للفعل أو للعبد كونه مرضياً ومنعماً عليه، وأنما لم يقصر المسافة فيفسره بحسن الجزاء أوّلاً لأنّ محبة الله للعبد بمعنى إنعامه عليه كما قاله الراغب إشارة إلى انّ هذا الكلام مع دلالته على أنه تعالى يجزيهم أحسن الجزاء كما تفيده المحبة دال على ثناء الله عليهم بمجموع هذه الجملة فما قيل إنّ الحمد ليس بمعناه المشهور هنا وهم فهو تفسير لمجموعه والباء للملابسة فتدبر. قوله: (والآية نزلت الخ) أصل الحديث في الصحيحين مع زيادة ونقص في الرواية وسببه أنه ﷺ وقف على حماو له على مجلس للصحابة فبال الحمار فقال عبد الذ بن أبيّ ابن سلول: سير حمارك فقد أذانا فسبه ابن رواحة ﵁ وكثر الكلام حتى أدى إلى مضاربة الحيين من الأنصار وهما الأوس والخزرج كما فصله في الكشاف والسعف قضبان النخلى وجريده. قوله: (وهي تدل على أن الباغي مؤمن الخ (أي الآية دالة على ذلك لجعل الطائفتين الباغية والمبغيّ عليها من المؤمنين وهو رد على الخوارج القائلين بكفر من بغى وارتكب الكبيرة لا على المعتزلة في تخليد الفسقة إذ لم يتعرّض له المصنف، وقوله: قبض عن الحرب وفي نسخة قبض يده عن الحرب أي كف عنه، وقوله: كما جاء في الحديث إشارة إلى قوله ﷺ : " إن الله حكم فيمن بفى من هذه الأمّة أن لا يجهز على جريحها ولا يقتل
أسيرها ولا يطلب هاربها ولا يقسم فيؤها) كما رواه الحاكم وغيره، وقوله: لأنه أي الترك فيء مصدر وهو خبره أو الضمير للشان وفيء ماض مجهول، وكون الترك فيئاً يفهم من مقابلته للمقاتلة في النظم ومعاونة من يبغي عليه تفهم من قوله: فقاتلوا التي تبغي فإنها تستلزم ما ذكر وتقديم النصح يفهم من قوله فأصلحوا بينهما قبله، وهذا مفهوم من ترتيب النظم فلا حاجة إلى أن يقال إذا وجب النصح والدعاء للحكم الإلهي عند وجود البغي من الطائفتين فعند وجوده من إحداهما أولى لأنه أرجى لظهور أثره كما قيل. قوله: (من حيث إنهم الخ) تعليل لتسمية المشاركة في الإيمان أخوّة على أنه تشبيه بليغ أو استعارة شبه المشاركة فيه بالمشاركة في أصل التوالد لأنّ كلاً منهما أصل للبقاء، إذ التوالد منشأ الحياة والإيمان منشأ البقاء الأبدي في الجنان وفي كل منهما قوّة من وجه فلا يتوهم أنه تشبيه مقلوب فقوله: إلى أصل واحد استعارة لجعله كالأصل إلا أن يكون واحد الأصول الدينية، وهو بعيد. قوله: (تعليل الأنه جملة مستأنفة لبيانه كما هو معروف في أمثاله من الجمل المصدرة بأنّ، وتقريره أي تحقيقه وتوكيده لأنه من لوازم الأخوة أن يصطلحا، وقوله: ولذلك الخ فيه لف ونشر مشوّس فالتكرير للتقرير والترتيب
стр. 2816
بالفاء للتعليل، ولذا وضع الظاهر في قوله: بين أخويكم موضحع الضمير مبالغة في تقريره، وقوله: والتخصيص بمهملتين أو معجمتين، وقوله: وقيل المراد الخ فالأخوين بمعنى الحيين المذكورين سمي كلاً منهما أخا لاجتماعهم في الجدّ الأعلى، ويؤيد هذا التأويل القراءة المذكورة ولذا ذكرها عقبه. قوله: (أي لا يسخر بعض المؤمنين الخ) فالتنكير للتبعيض، وقوله: والقوم توجبه لمقابلته للنساء في النظم لأنه جمع أو في معنى الجمع للذكور فظهر تقابله مع النساء، وقوله: أو جمع أراد به الجمع اللغوي لأنه اسم جمع على الأصح لأنّ فعلاً ليس
من أبنية الجموع لغلبته في المفردات، وهذا مراد من قال: إنّ قابلاً يجمع على فعل كصاحب وصحب وقوله: والقيام بالأمور الخ بيان لوجه اختصاصه بالرجال والمراد بالقيام بالأمور كونهم أصلا لفعلها وصدورها عنهم، وقوله: بالقبيلين أراد الرجال والنساء وعلى التغليب فهو ظاهر وعلى الاكتفاء يكون مستعملا في معناه الحقيقي ودل عليهن بالالتزام لعدم الانفكاك ففيه لزوم عاديّ. قوله: (واختيار الجمع الخ) أي لم يقل لا يسخر رجل من آخر ولا امرأة من أخرى مع أنه الأصل الأشمل الأعتم جريا على الأغلب من وقوع مثله في مجامع الناس، وبين الأقوام دون الآحاد لأنّ السخرية كما في الأحياء ذكر نقائص المرء بحضرته على وجه يضحك منه وهي في الأغلب بمحضر من الناس فعبر عنهما بالقوم لكون كل منهما في جماعة سواء كانت في جماعة المسخور منه جماعة الساخر، أو لا فكم من ملتذ بها وكم من متالم منها فجعل ذلك بمنزلة تعدد الساخر والمسخور منه، ولوقوعه فيما بينهم نسب لهم وما قيل من أنه لا يفي ببيان اختيار الجمع في جانب المسخور منه غفلة عن تصوّر المراد منه. قوله: (وعسى الخ) اختلف فيما إذا أسندت إلى أن والفعل فقيل إنها تامّة لا تحتاج إلى خبر وأن وما بعدها في محل وفع، وقيل: ناقصة وسد ما بعدها مسد الجزأين واليه ذهب المصنف ولا يخفى حينئذ أنّ لها محلاً من الإعراب فإن قيل هو رفع أو نصب لزم التحكم، وإن قيل له محلان باعتبارين فله وجه وقد ارتضاه بعض مشايخنا، وقوله: عسوا أن يكونوا الخ وكونها ذات خبر حينئذ قول للنحاة وفيه الإخبار عن الذات بالمصدر أو يقدر مضاف مع الاسم أو الخبر أو يقال هي بمعنى قارب، وأن وما معها مفعول أو قرب وهو منصوب على إسقاط الجار. قوله: (ولا يعتب بعضكم بعضاً الخ) اللمز الاعتياب وتتبع المعايب كما قاله الراغب: فقوله: لا يعتب تفسير لا تلمزوا وأما قوله: بعضكم بعضا فبيان لحاصل المعنى وأنه الأصل في التعبير عنه فضمير تلمزوا للجمع بتقدير مضاف فيه وأنفسكم عبارة عن بعض آخر من جنس المخاطبين، وهم المؤمنون فجعل ما هو من جنسهم بمنزلة أنفسهم كما في قوله: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [سورة التوبة، الآية: ١٢٨] وقوله: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ [سورة النساء، الآية: ٢٩] فأطلق الأنفس على الجنس استعارة كما أشار إليه بقوله: فإنّ المؤمنين الخ فعلى هذا فيه تجوّز وتقدير مضاف والنهي على
هذا مخصوص بالمؤمنين، وهو مغاير لما قبله وإن كان مخصوصا بالمؤمنين أيضاً كما مرّ بحسب المفهوم لتغاير الطعن والسخرية فلا يقال إنّ الأوّل مغن عنه إذ السخرية ذكره بما يكره على وجه مضحك بحضرته، وهذا ذكره بما يكره مطلقا أو هو تعميم بعد التخصيص كما يعطف العام على الخاص لإفادة الشمول كشارب الخمر وكل فاسق مذموم، وقيل: إنه من عطف العلة على المعلول أو اللمز مخصوص بما كان على وجه الخفية كالإشارة أو هو من عطف الخاص على العام لجعل الخاص كجنس آخر مبالغة فتأئل. قوله: (فإنّ المؤمنين كنفس واحدة) بيان لوجه التجوّز، وأنّ أنفسكم بمعنى بعض من جنسكم كما مرّ وكونه تعليلا للنهي بعيد، وقوله: أو لا تفعلوا الخ وجه ثان فأنفسكم على ظاهره والتجوّز في قوله: تلمزوا فهو مجاز ذكر فيه المسبب، وأريد السبب والمراد لا ترتكبوا أمرا تعابون به وأخره لأنه بعيد من السياق وغير مناسب لقوله: ولا تنابزوا كما في الكشف، وكونه من التجوّز في الإسناد إذ أسند فيه ما للمسبب إلى السبب تكلف ظاهر وكذا كونه كالتعليل للنهي السابق لا يدفع كونه مخالفاً للظاهر، وكذا كون المراد به لا تتسببوا في الطعن فيكم بالطعن على غيركم كما في الحديث: (من الكبائر أن يشمتم الرجل والديه) إذ فسر بأنه إذا شتم والدي غيره شتم الغير، والديه أيضا وترك المصنف الأوّل من الوجوه الثلاثة المذكورة في الكشاف، وهو أنّ المعنى خصوا
стр. 2817
أنفسكم أيها المؤمنون بالانتهاء عن عيبها والطعن فيها، ولا عليكم أن تعيبوا غيركم ممن لا يدين بدينكم ولا يسير بسيرتكم ففي الحديث: (اذكروا الفاجر بما فيه كي يحذره الناس) لأنه لا فرق بينه، وبين المعنى الثاني إلا باعتبار أنّ المراد بالأنفس في الأوّل غير اللأمزين من المؤمنين وجعلهم أنفسهم لتنزيل اتحاد الجنس منزلة اتحاد الذات، وفي الثاني أنفس اللامزين بالوجه المذكور قيل ولم يرتض الزمخشريّ الوجه الثاني لدلالة الحديث على صحة الوجه الأوّل، والمصنف لم يرتض ما ارتضاه لعدم ما يدل على التخصيص في النظم كما قيل والصواب ما قدمناه من أنه لقلة الفرق بينهما. قوله: (فقد لمز نفسه) أي فقد تسبب للمزها فكان كأنه لمزها والنبز، والنزب في الأصل اللعب، ثم خصه العرف بالتلقيب بما يكره الشخص وهو المنهي عنه فليس ذكر الألقاب معه مستدركا كما يتوهم ويستثنى منه ما لم يقصد به استخفاف بصاحبه وأذى له
كما إذا دعت له الضرورة لتوقف معرفته عليه كقول المحدثين فلان الأعمش والأحدب. قوله: (أي بئس الذكر المرتفع الخ) يعني الاسم المراد به هنا شيوع الذكر وشهرته من السمو كما يقال لفلان: اسم أي صيت واشتهار لا ما اصطلحوا عليه بما يقابل الكنية واللقب، وأما ما يقابل الفعل والحرف والخبر كاسم إنّ فاصطلاح حادث لا يتوهم إرادته هنا فلا حاجة لنفيه كما قيل إلا أن يريد عدم صحة إرادته هنا والمرتفع بمعنى المشتهر وعبر به لبيان وجه التجوّز لأنه من السمو وقوله: للمؤمنين تفسير لقوله بعد الإيمان. قوله: (أن يذكروا بالفسوق الخ (يشير إلى أنّ الفسوق هو المخصوص بالذم هنا، وأنّ المراد به لفظه بتقدير مضاف أي ذكر الفسوق أو اسم الفسوق، وقوله: واشتهارهم بالرفع عطف على أن يذكروا فضمير به للفسوق أو بالجرّ عطف على دخولهم فالضمير للإيمان. قوله: (والمراد به (أي بالمذكور من النظم إمّا تهجين أي تقبيح نسبة الكفر والفسق، وقوله: خصوصاً أي يخص التقبيح بالكفر والفسق لا بغيره من النبز والتلقيب مطلقا فكيف معنى قوله: ولا تنابزوا بالألقاب لا ينسبت أحدكم غيره إلى كفر أو فسق كا فيه بعد اتصافه بضده، وقوله: إذ روي تعليل لتخصيصه بما ذكر وصفية ﵂ من أمهات المؤمنين وحييّ تصغير حيّ علم أبيها، والمراد بالنساء زوجاته ﷺ والحديث المذكور رواه الترمذيّ والطبرانيّ وابن حبان، وقال ابن حجر: إنه غريب وكانت صفية من ذرّية هارون ﵊ كما ذكره أهل السير. قوله: (أو الدلالة الخ) بأو الفاصلة في (لنسخ لا بالواو الواصلة كما قيل حتى يقال الظاهر أو بدلها وهو معطوف على قوله: تهجين نسبة الكفر الخ فهو وجه آخر يفسر فيه الآية على أنّ المراد مطلق النبز لا خصوص الفسق والكفر، ويكون معنى قوله: بثس الخ أنّ التلقيب بما يكرهه الناس أمر مذموم لا يجتمع مع الإيمان فإنه شعار الجاهلية وقوله: أن يذكروا على البناء للفاعل وضمير
دخولهم للمذكورين، أو على البناء للمفعول والضمير للذاكرين وقد ذكر الزمخشري فيه ثلاثة أوجه أحدها أن بعد الإيمان بمعنى أنه لا يجتمع مع الفسق كما يقال: بئس الصبوة مع الكبر، والثاني: بثس تشهير الناس بفسق كانوا فيه بعد الاتصاف بضده كما يقال يهوديّ لمن أسلم منهم، والثالث بئس الفسوق بدل الإيمان وهو مبنيّ على الاعتزال ولذا لم يذكره المصنف. قوله: (بوضع العصيان الخ) فإنّ الظلم وضع الشيء في غير موضعه فيراد به ما ذكر بقرينة المقام، وقوله: كونوا إشارة إلى أنّ هذا أصل معناه، ثم شاع في التباعد اللازم له، وقوله: وابهام الكثير أي تنكير. لأنه إذا وجب اجتناب كثير لا على التعيين لزم ما ذكر، وقوله: من العمليات كالواجبات الثابتة بغير دليل قطعيّ كما في كثير من الأحكام. قوله: (والهمزة فيه (أي في الإثم بدل من الواو من وثمه إذا دقه وكسره قيل عليه إنّ الهمزة ملتزمة في تصاريفه، وإن أثم من باب علم، وثم من باب ضرب وأنه ذكره في باب الهمزة في الأساس والواوي متعد وهذا لازم، وقوله: يكسرها لكونه يضرّ من يعمل به في الجملة لا أنه يحبطها قطعا حتى يكون مبنيا على الاعتزال كما توهم. قوله: (باعتبار ما فيه من معنى الطلب الخ) يعني أن الجس بالجيم كاللمس فيه معنى الطلب لأنّ من يطلب الشيء يمسه ويجسه فأريد به ما يلزمه قال تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء﴾ [سورة الجن، الآية: ٨] أي طلبناها بدليل قوله: بعده فوجدناها واستعمل
стр. 2818
التفعل للمبالغة فيه، وقيل المراد أن التفعل للطلب كالاستفعال لا للتكلف وفيه نظر، وقوله: أثر الجس لأنّ من جس شيئاً يحس به وغايته ما يترتب عليه، وقوله وفي الحديث الخ ساقه لما فيه من تفسير الآية والعورة ما يكره المرء من الاطلاع عليه، وتتبعها
البحث عنها وتتبع الله لعورته عبارة عن إظهارها مجازاً أو مشاكلة وهذا حديث حسن رواه الترمذيّ والحاكم.
قوله: (ولا يذكر الخ) هذا هو تعريف الغيبة وهي مأخوذة من الغيبة إذ لو ذكره في وجهه
لم يكن غيبة، والحديث المذكور في مسلم والسنن مع مخالفة يسيرة لما ذكره المصنف، وبهتة بمعنى كذبت عليه لأنّ البهت بمعنى الكذب والافتراء كالبهتان والمغتاب الأوّل اسم فاعل والثاني اسم مفعول. قوله: (على أفحش وجه مع مبالغات) قال في المثل السائر: كني عن الغيبة بأكل الإنسان للحم إنسان آخر مثله ثم لم يقتصر على ذلك حتى جعله ميتا، ثم جعل ما هو في غاية الكراهة موصولاً بالمحبة فهذه أربعة أمور دالة على ما قصد له مطابقة للمعنى الوارد من أجله فأما جعل الغيبة كأكل لحم إنسان مثله فلأنها ذكر المثالب، وتمزيق الأعراض المماثل لأكل اللحم بعد تمزيقه وجعله كلحم الأخ لأنّ العقل والشرع استكرهاها وأمرا بتركها فكانت في الكراهة الشديدة كلحم الأخ وجعله ميتا لأنّ المغتاب لا يشعر بغيبته، ووصله بالمحبة لما جبلت عليه النفوس من الميل إليها مع العلم بقبحها وهو ما أشار إليه المصنف وأنه جعل ذلك استعارة تمثيلية فيها مبالغات كما في الكشاف، وفي حواشيه كلام لا محصل له. قوله: (إلاستفهام المقرّر) بيان لما به المبالغة فإنّ الاستفهام للتقرير وهو كما نقل في الكشف عن الزمخشريّ يفيد المبالغة من حيث إنه لا يقع إلا في كلام مسلم عند كل سامع حقيقة أو ادّعاء، وافادة أحد للتعميم ظاهرة فهو إشارة إلى ما جبلت عليه النفوس، وقوله: بما هو في غاية الكراهة هو لحم الأخ المغتاب. قوله: (وتمثيل الاغتياب الخ) يشير إلى أنه استعارة تمثيلية مثل اغتياب الإنسان لآخر بأكل لحم الأخ ميتاً وقوله: جعل المأكول بالجرّ أو النصب على أنه مفعول معه، وقوله: تعقيب ذلك أي التمثيل، وقوله: تقريراً وتحقيقا أي تعقيبه به لأجل الحمل
على الإقرار والتحقيق لعدم محبته أو لمحبته التي لا ينبغي مثلها، وقوله: والمعنى إن صح ذلك أي ثبت وتحقق والإشارة إلى أكل لحم الأخ الميت يعني أنّ هذه الفاء فصيحة في جواب شرط مقدّر كقوله:
فقد جئنا خراسانا
فما ذكر جواب للشرط وهو ماض فيقدر معه قد ليصح دخول الفاء على الجواب الماضي
كما في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ﴾ [سورة الفرقان، الآية: ١٩] وضمير كرهتموه للأكل وقد جوّز كونه للاغتياب المفهوم منه والمعنى فاكرهوه كراهيتكم لذلك الأكل وعبر عنه بالماضي للمبالغة فاذا أوّل بما ذكر يكون إنشائياً غير محتاج لتقدير قد، وقوله: ولا يمكنكم الخ فالماضي مؤوّل بما ذكر من تبين كراهته فيتحقق ترتبه على الشرط المستقبل، وقوله: على الحال الخ لأنّ المضاف جزء من المضاف إليه فيصح مجيء الحال منه بالاتفاق فمن قال: على مذهب من يجوّز مجيء الحال من المضاف إليه مطلقا فقد غفل غفلة ظاهرة، وقوله: لمن اتقى الخ متعلق برحيم إشارة إلى أنّ الجملة المصدرة بأنّ تعليل للأمر السابق عليها واتقى بمعنى اجتنب وما نهى عنه في الآيات قبله نحو لا يسخر وما بعده، وتوّاب بليغ في قبول التوبة أي مبالغ فيها، وقوله: إذ الخ بيان لأنّ المبالغة في الكيفية وقبول التوبة هو معنى التوّاب إذا وصف به الله وقوله أو لكثرة الخ فالمبالغة في الكمية أي كمية المفعول أو الفعل وهو ظاهر. قوله: (روي أنّ رجلين الخ) روي ما يقرب منه في الترغيب والترهيب، وقوله: لو بعثناه إلى بئر سميحة الخ في الكشف إنه روي بالجيم وهو مصغر اسم بئر من آبار مكة وليس بشيء إذ الصحيح كما في القاموس أنه بالحاء المهملة بوزن جهينة بثر بالمدينة لأنّ سلمان ﵁ إنما أسلم بالمدينة ولم يكن مع النبيّ ﷺ بمكة، وقوله: لو بعثناه الخ هو كما يقال: لو ذهب فلان إلى البحر لم يجد فيه ماء وهو عبارة عن أمر لا خير فيه أو أنه مشؤوم، ولذا جعله ىلمجب! م غيبة فأعرفه. قوله: (ما لي أرى خضرة اللحم الخ) (١! أراد بخضرة اللحم اللحم الأخضر وكني بكونه أخضر عن أنه لحم ميتة لأنّ لحم الجيف يرى كأنه أخضر فهو زيادة تهجين له، وهذا من معجزاته ﷺ الباهرة حيث شاهده محسوسا وكونه أراد بالخضرة النضارة لا وجه له، وقوله: من
آدم
стр. 2819
وحواء توجيه لأفراده، ولذا لم يقل ذكور واناث دماذا أريد به من أب وأم لا يظهر ترتب قوله فلا وجه الخ كما في الأوّل فإنه كقوله:
الناس في عالم التمثيل أكفاء أبوهم آدم والأمّ حواء
ولذا قدّمه. قوله: (ويجورّ أن يكون ثقريرا للأخوة) السابق ذكرها وأخر لأنّ ما قبله هو الموافق لقوله: لتعارفوا أنّ الخ إلا أن يؤوّل بما يعود لما قبله والشعب بزنة الضرب، والعمارة بفتح العين وقد تكسر وما ذكره في ترتيب القبائل مما اتفق عليه أهل النسب واللغة، وقوله: وقيل الشعوب بطون العجم وانه خص بهم لكثرة انشعابهم وتفزق أنسابهم ولغلبة الشعوب على العجم قيل لمن يفضل العجم على العرب شعوبيّ بالضم فنسب إلى الجمع كأنصاري. قوله: (ليعرف بعضكم بعضاً) فتصلوا الأرحام وتبينوا الأنساب والتوارث، وقوله: لا للتفاخر الحصر مأخوذ من التخصيص بالذكر والسكوت في معرض البيان، وقوله: بالإدغام وأصله لتتعارفوا بتاءين فأدغمت إحداهما في الأخرى، والكلام عليه مفصل في محله وهو قراءة ابن كثير في رواية عنه ولتتعارفوا بتاءين ولتعرفوا بكسر الراء ومعنى كريم على الله أنه له مرتبة وشرف في الآخرة والدنيا وضدّ. هين على الله وقوله: خبير ببواطنكم تقدم وجهه، وقوله: جدبة بكسر الدال المهملة أي فيها قحط، وقوله: يريدون الصدقة الخ أي يريدون بذكرهم ذلك للنبيّ ﷺ أن يعطيهم من الصدقات ويمنون على النبيّ بما ذكر والمراد بالاثقال أمتعة بيوتهم والمراد به
توكيد عدم المشاقة والمقاتلة، وقوله: قالت الأعراب أنثه لأنّ ذلك جائز في كل جمع كما قيل:
لا أبالي بجمعهم كل جمع مؤنث
وكونه للدّلالة على قلة عقولهم عكس ما روعي في قوله: وقال نسوة: لا يطرد في كل جمع والتأنيث غير مختص بالأعراب حتى يتم ما ذكر. قوله: (وإلا لما مننتم الخ) فإنّ من صدق الله ورسوله، وعرف أنّ الإيمان أمر واجب عليه منقذ له من العذاب، وموصل لسعادة الدارين عرف أنّ المنة لله لا له لقوله تعالى في آخر السورة: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ وقوله: فإنّ الإسلام الخ إشارة إلى الفرق بين الإسلام والإيمان وأصل وضعه دال على ما ذكر لأنّ معنى أسلم دخل في السلم وهو ضدّ الحرب كأصبح إذا دخل في وقت الصباح وقوله: يشعر به أي بالانقياد والدخول في السلم. قوله: (وكان نظم الكلام الخ (أي كان مقتضى الظاهر والتقابل أن يكون المنفيّ والمثبت على وتيرة فحيث نفى الإيمان ثبت الإسلام أو يذكر القول فيهما، ولذا قيل: إنه من الاحتباك وأصله لم تؤمنوا فلا تقولوا آمنا ولكن أسلمتم فقولوا: أسلمنا فحذف من كل منهما نظير ما أثبت في الآخر، ولما لم يكن للحذف داع ذهب المصنف إلى أنه عدل عن مقتضى الظاهر لأنه الأبلغ فإنهم ادّعوا الإيمان فنفي عنهم، ثم استدرك عليه فقال: دعوا ادعاء الإيمان واذعوا الإسلام فإنه الذي ينبغي أن يصدر عنكم على ما فيه فنفي الإيمان وأثبت لهم قول الإسلام دون الاتصاف به، وهو أبلغ مما ذكر من الاحتباك مع سلامتة من الحذف بلا قرينة. قوله: (احترازا من النهي الخ) أي احترز من نهيهم عن قول الإيمان فإنه لو قال: لا تقولوا آمنا كان نهيا عن القول بالإيمان وهو غير مناسب لمقام الشارع المبعوث للدعوة إلى الإيمان فلا يناسبه مقام النهي عنه وعن القول به ولو تال: ولكن أسلمتم كان جزما بإسلامهم واعتباراً له والحال أنه فقد شرط اعتباره شرعاً، وهو التصديق القلبي ففي كلامه لف ونشر لطرفي التقابل فلا وجه لما قيل لك أن تقول لم تؤمنوا في موقعه فإنه نفي لصريح دعواهم فلا يطلب له نكتة بخلاف ما لو كان النظم قل لا تقولوا آمنا فإنه
ليس نفياً لقولهم، والحاصل أنه روعي فيه المطابقة المعنوية مع رعاية الأدب والعدول عن تكذيبهم صريحاً المورث للعناد على ما فصل في الكشف فتأمّل. قوله: (توقيت لقولوا الخ (هذا جواب عن سؤال مقدر، وهو أنّ قوله لما يدخل الخ مكرّر مع قوله: لم تؤمنوا فما فائدته، والتوقيت التعيين والتحديد ومنه مواقيت الحرم فالمعنى أنّ لما تفيد النفي الماضي المستمرّ إلى زمن الحال وأنّ منفيها متوقع والجملة المنفية بها هنا حال من ضمير قولوا، والحال تقييد لعاملها فالأمر بقولهم أسلمنا دون آمنا
стр. 2820
مقيد بحال عدم دخول الإيمان في قلوبهم أي قولوا: أسلمنا ما دمتم على هذه الصفة فأفاد هنا فائدة زائدة، وهيئ توقيت القول المأمور به وتوقعه منهم بخلاف نفيه السابق فلا تكرار فيه، ولذا اختار كون الجملة حالاً لا مستأنفة إخبارا منه تعالى فإنه غير مفيد لما ذكر كما أشار إليه. قوله: (من لات ليتاً إذا نقص الخ) نقص يكون متعدياً ولازما، والمراد الأوّل هنا فلا حاجة لشديد قافه، وإن صح وهو على هذه اللغة أجوف وفي لغة غطفان وأسد مهموز الفاء وبهما قرئ في السبعة. قوله: (إذا أوقعه في الشك مع التهمة) قال الراغب: أن يتوهم بالشيء أمراً فينكشف عما يتوهمه والإرابة أن يتوهم فيه أمراً فلا يكشف عما يتوهمه والارتياب يجري مجرى الإرابة، وهو ما أشار إليه المصنف، وقيل الشك في الخبر والتهمة في المخبر فتأمّل وقوله: وفيه الخ يعني قوله: لم يرتابوا تعريض لمن نفى عنه الإيمان سابقاً بأنّ نفيه لكونهم مرتابين في الله ورسوله. قوله: (وثم للأشعار الخ (توجيه لما في النظم من أنّ عدم الارتياب لا ينفك عن الإيمان فكيف جعل متراخياً عنه وله طريقتان في الكشاف إحداهما أنّ من وجد منه الإيمان ربما يعترضه ما يوقعه في الشك فيستمرّ عليه فوصف المؤمن حقاً بالبعد عن هذه الموبقات كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [سورة فصلت، الآية: ٣٠، والثانية أنّ زوال الريب لما كان ملاك الإيمان أفرد بالذكر بعده تنبيهاً على مكانه وعطف بثم إشعاراً باستمراره في الأزمنة المتراخية غضا طريا يعني أنه لنفي الشك عنهم فيما بعد فدل على أنهم كما لم يرتابوا، أوّلاً لم تحدث لهم ريبة فالتراخي زمانيئ لا رتبيّ على ما مرّ في قوله ثم استقاموا أو عطفه عليه عطف جبريل على الملائكة تنبيها على أصالته في الإيمان حتى كأنه شيء آخر فثم دلالة على استمراره قديماً وحديثا، والفرق بين الاستمرارين أنه على الأوّل
استمرار المجموع كما في قوله: ثم استقاموا أي استمرّ إيمانهم مع عدم الارتياب وعلى الثاني الاسنمرار معتبر في الجزء الأخير فالتنظير بقوله: ثم اسنقاموا من جهة أخرى غير التراخي الرتبي السابق ذكره فليس إشارة لجريان هذا الوجه فيه كما توهم، وقيل إنه على الأوّل ثم فيه للتراخي الرتبي إذ المعنى لم يرتابوا بعد تشكيك المشكك والثبات على الشيء أعلى رتبة من إيجاده فتنظيره على ظاهره وعلى الثاني في الارتياب يبقى في الأزمنة المتراخية فثم للتراخي الزماني باعتبار النهاية فتدبر. قوله: (في طاعتة) يعني ليس المراد بسبيل الله الغزو بخصوصه بل ما يعم العبادات والطاعات كلها لأنها في سبيله وجهته، ولذا قال والمجاهدة الخ فالمجاهدة بالأموال عبارة عن العبادة المالية كالزكاة والمجاهدة بالأنفس البدنية كالصلاة والصوم وقدم الأموال لحرص الإنسان عليها فإنّ ماله شقيق روحه وجاهدوا بمعنى بذلوا الجهد أو مفعوله مقدر أي العدوّ أو النفس والهوى. قوله: (الذين صدقوا في ادعاء الإيمان) إشارة إلى أنه تعريض بكذب الإعراب في ادعاءهم الإيمان وأنه يفيد الحصر أي هم الصادقون لا هؤلاء، وايمانهم إيمان صدق وجد. قوله: (أتخبرونه به بقولكم آمنا) فهو من قولهم علمت به فلذا تعدى بالتضعيف لواحد بنفسه، والى الثاني بحرف الجرّ لأنه بمعنى الإعلام والإخبار، وقيل: إنه تعدى بها لتضمين معنى الإحاطة أو الشعور ففيه مبالغة لإجرائه مجرى المحسوس فتأمّل. قوله: (تجهيل لهم وتوبيخ الأنهم كيف يعلمونه، وهو العالم بكل شيء وقوله: وهي أي المنة النعمة التي لا يستثيب أي يطلب الثواب والجزاء عليها وموليها كمعطيها لفظا، ومعنى وقوله: ممن يزلها متعلق بيستثيب أي يوصلها إليه، قال في القاموس: أزل إليه نعمه أسداها واليه من حقه شيثاً أعطاه اهـ، وقوله: الثقيلة ثقل المنة عظمها أو المشقة في تحملها، وقوله: من المن وهو الرطل الذي يوزن به. قوله: (أو تضمين الفعل معنى الاعتداد) أي يعذون إسلامهم منة ونعمة كما أشار إليه أوّلاً والاعتداد بالشيء الاعتبار به، وقوله: على ما زعمتم في قوله قالت الأعراب: آمنا فلا ينافي هذا قوله لم تؤمنوا حيث نفى الإيمان عنهم، وقوله: مع أنّ الهداية الخ
فالهداية مطلق الدلالة فلا يلزم إيمانهم، وينافي نفي الإيمان السابق فإن قلت: الهداية هنا ما يلازم الإيمان لقوله: إن كنتم صادقين فكيف يتجه ما ذكره في هذه المعية قلت: الإضراب يقتضي أنّ ما من به عليهم واقع، وهو الدلالة لا الاهتداء ولا يلزم تقدير الجواب من لفظ ما قبله بعينه، ومتعلق الصدق ادّعاء الإيمان لا الهداية حتى ينافيه كما توهم. قوله:
стр. 2821
(وفي سيا ق الآية لطف الخ الما فيها من النكت إذ سمي ما أحدثوه إسلاما تكذيبا لهم في قولهم: آمنا في معرض الامتنان، ثم أمره أن يجيبهم بأنهم كاذبون وأضاف ما أتوا به إليهم في قوله: إسلامكم إشارة إلى أنه أمر غير معتد به فلا يليق الامتنان به، وتمام الحسن في التذييل الدالّ على كذبهم، وعلى اطلاعه على خواص عباده من النبيّ ﷺ وأتباعه، وقوله: فنفى جواب لما وهو قد يقترن بالفاء كما في التسهيل فليست الفاء زائدة فيه كما قيل. قوله: (وسماه إسلاماً الخ) كان عليه أن يقول، وبين أنهم ليس لهم أن يمنوا به ليظهر معه قوله: بأن قال الخ والأمر فيه سهل، وقوله في الحقيقة: إسلام أي انقياد ودخول في السلم، وقوله: وليس بجدير أن يمن بالبناء للمجهول والنائب عن فاعله قوله عليك، وأنما كان كذلك لأنه لعدم مواطأته القلب غير معتدّ به شرعا، وقوله: بل لو صح الخ من كلام المصنف ابتداء لا مقول القول وقوله: في سركم وعلانيتكم أخذه من ذكره عقب الغيب، وقوله: لما في الآية من الغيبة أي من ذكره هؤلاء بضمير الغيبة وما هو في حكمه كقوله: يمنون ونحوه، والحديث المذكور موضوع ومعناه ظاهر تمت السورة الشريفة فلفه الحمد على جزيل الأنعام وعلى سيدنا محمد وآله وصحبه أفضل الصلاة والسلام.
سورة ق قيل وتسمى سورة الباسقات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (مكية) قيل: بالإجماع، ويرد عليه أنه روي عن ابن عباس ﵄ أنه استثنى منه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [سورة ق، الآية: ٣٨] إلى قوله: لغوب لأنها نزلت في اليهود كما أخرجه الحاكم ونقله في الاتقان ولا خلاف في عددها. قوله: (الكلام فيه كما مرّ في ص) يعني من وجوه القراآت وكون الواو قسمية أو عاطفة وكونه تجريداً على نهج مررت بزيد والنسمة المباركة وكونه من الحروف المقطعة أو اسم للسورة أو القرآن لا في كونه فعل أمر لأنه وجه مرجوح لا يلتفت إليه، وأمّا كونه أمراً من قفاه إذا اتبع أثره على أنه أمر معناه اتبع القرآن، وأعمل بما فيه فلا وجه له لأنّ مثله لا يقال بالرأي فلا وجه لذكره، وتوهم جريانه هنا كما قيل وكذا ما قيل إنه أمر بمعنى قف. قوله: (والمجيد ذو المجد والشرف الخ) يعني أنّ المعروف وصف الذوات الشريفة به فوصف القرآن به إمّا على النسب كلاين وتامر وأورد عليه أنه غير معروف في فعيل كما قاله ابن هشام في أنّ رحمة الله قريب وشرفه على هذا بالنسبة لسائر الكتب أمّا غير الإلهية فظاهر وأمّا الإلهية فلإعجازه، وكونه غير منسوخ بغيره. قوله. (أو لأنه كلام المجيد) يعني أنه وصف بوصف قائله على أنه مجاز في الإسناد كالقرآن الحكيم، وقوله: أو لأنّ من علم معانيه الخ هو أيضاً من الإسناد المجازي لكنه وصف بوصف حامله أو هو بتقدير مضاف حذف فارتفع الضمير المضاف إليه أو فعيل فيه بمعنى مفعل كبديع بمعنى مباع لكن الوجه الأوّل أولى لما قدمناه من أنّ مجيء فعيل، وصفا من الأفعال لم يثبته أهل اللغة والعربية كما مرّ تفصيله، وقيل المجد سعة الكرم وصف به القرآن لما تضمنه من خير الدارين. قوله: (إنكار لتعجبهم مما ليس بعجب) الإنكار مأخوذ من السياق، والتعجب
مما ليس بعجب بل مما هو أمر لازم لا بد منه والإضراب للانتقال من وصف القرآن بالمجيد إلى إبطال تعجبهم مما ليس بعجب. قوله: (أحد من جنسهم أو من أبناء جلدتهم) يعني أنّ من بيانية والمراد بكونه منهم أنه من جنس البشر أو العرب، ومعنى كونه من أبناء جلدتهم أنه من نوعهم أو قبيلتهم أو ديارهم فالجلدة مستعارة لما ذكر يقال: فلان أشعر جلدته وأشعر أهل جلدته أي قبيلته فهي أخص من الجنس كما هو معروف في استعمال البلغاء. قوله: (حكاية لتعجبهم) فالفاء لتفصيل ما أجمل كقوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ﴾ [سورة هود، الآية: ٤٥] فقال: رب الخ، وقوله: للإشعار بتعنتهم الذي اشتهر في النسخ أنه بنون مشددة ومثناة فوقية تفعل من العنت وهو اللجاج في العناد، وفي نسخة بتعينهم بالياء التحتية والنون والمعنى على الأولى أنه ذكر أولاً مضمرا بياناً لعنادهم لإنكاوهم وتعجبهم مما لا ينكر، ثم أعيد تسجيلا عليهم
стр. 2822
بالكفر فلذا أظهر ما يدل عليهم بعد الإضمار، وعلى الثانية أنه أضمر ثم أظهر وكان الظاهر العكس لتعينهم والتسجيل عليهم، ومن العجب ما قيل إنه لتعيبهم تفعل من العيب بالباء الموحدة أي جعلهم ذوي عيب ظاهر بهذا المقال حتى لا يستحقون إظهار الذكر وهو تحريف منه. قوله: (أو عطف لتعجبهم من البعث الخ) والعطف بالفاء لوقوعه بعده وتفرّعه عليه لأنه إذا أنكر الميعوث أنكر ما بعث به أيضاً، وقوله: والمبالغة الخ مبتدأ خبره قوله بوضع الخ، وقوله: لأنه الخ بيان لإفادة ما ذكر للمبالغة أو هو الخبر، والجار والمجرور متعلق بالمبالغة وقوله: يفسره ما بعده فهي للبعث المفسر بقوله: أثذا متنا الخ فإنها جملة مستأنفة لبيان المتعجب منه، وقوله: ثم تفسيره أو تفصيله متعلق بقوله: محذوف دل عليه ما بعده على أنّ الرجع بمعنى الرجوع وقوله: عن الوهم بيان لأنّ البعد معنويّ نزل منزلة الحسيّ فأفاد ما ذكره، وقوله: وقيل الرجع بمعنى المرجوع وهو الجواب يقال هذا رجع رسالتك ومرجوعها ومرجوعتها أي جوابها وعلى هذا فهو من كلام الله لا من كلام الكفرة كما في الوجه السابق، والمعنى هذا جواب بعيد منهم لمن أنذرهم وذلك إشارة لقوله: أئذا متنا الخ ومرضه لبعد.، والدليل على متعلق الظرف
حينئذ ذكر المنذر والتقدير أنبعث إذا متنا، وقوله: ردّ لاستبعادهم أي للبعث فدفع أصله وهو أنّ أجزاءهم تفرّقت فلا تعلم حتى تعاد بزعمهم الفاسد. قوله: (وقيل إنه جواب القسم الخ) القسم في قوله: ق والقرآن قد اختلف المعربون في جوابه فقيل: محذوف تقديره لتبعثن، وقيل: مذكور وهو قد علمنا ولم يذكر اللام تخفيفاً لطول الكلام، وقيل: هو ما يلفظ من قول وقيل بل عجبوا وقيل: إنّ في ذلك لذكرى. قوله: (حافظ الخ) ففعيل بمعنى فاعل أو مفعول وعليهما فالكتاب الحفيظ استعارة لسعة علمه أو هو تأكيد لثبوت علمه والكتاب الحفيظ اللوح المحفوظ لا استعارة فيه، وقوله: بل كذبوا الخ الأكثر على أنّ المضرب عنه محذوف تقديره ما أجادوا النظر بل كذبوا الخ، وفي الكشاف إنه اتبع الإضراب الأوّل بما يدلّ على ما هو أفظع منه وهو التكذيب بالحق المؤيد بالقواطع فكأنه بدل بداء من الأوّل فلا تقدير فيه وكونه أفظع وأقبح للتصريح بالتكذيب من غير تدبر بعد التعجب منه كما صرّح به، وقيل: لأنّ التكذيب بالنبوّة تكذيب بالمنبأ به من البعث وغيره وهو نظر لمآل كلامه لا غفلة عن مرامه كما توهم. قوله: (أو النبثي) هو أعمّ مما قبله والمراد ليس إنكار ذاته بل إنكار نبوّته وما جاء به وقد يتوهم أنه لا فرق بينه وبين ما قبله، وقوله: أو القرآن قيل المضرب عنه على هذا قوله: ق والقرآن المجيد وفيه نظر، وقوله: وقرئ لما بالكسر أي بكسر اللام وتخفيف الميم وهي قراءة شاذة لجحدر، واللام توقيتية بمعنى عند وما مصدرية. قوله: (مضطرب) فالإسناد مجازيّ مبالغة بجعل المضطرب الأمر نفسه وهو في الحقيقة صاحبه، وقوله: إذا جرج بجيمين بينهما راء مهملة مكسورة بمعتى تحرّك واضطرب لسعته ويجوز أن يكون بحاء مهملة، ثم جيم بمعنى قلق واضطرب أيضاً، وقوله: وذلك الخ تفسير للمراد باضطرابه وهو اختلاف مقالتهم فيه، وعدم ثباتهم وجزمهم، وهو صادق على الأقوال لأنه بحسب الظاهر في النبيّ ﷺ ويؤول إلى الطعن في النبوّة والقرآن لادّعاء أنه شعر وسحر ونحوه مما تضمنه ما ذكر ويجوز أن يكون اضطراب أمرهم اختلاف حالهم ما بين تكذيب، وتردّد وتعجب إلى غير ذلك وقوله: في خلق العالم لم يقل خلق السموات مع أنه أظهر لأنه توطئة لما ذكر بعده والعالم ما سوى الله، أو المراد به العالم العلوي فعبر به ليشمل الكواكب المذكورة، ومثله سهل. قوله: (فتوق) جمع فتق وهو
الشق، والمراد به هنا لازمه وهو الفضاء بين الجسمين، ولذا فسره بقوله: بأن خلقها الخ لأنها لو لم تكن ملساء بل أجزاؤها متباينة ما بين مرتفع ومنخفض منع ذلك من تلاصقها فلا ينافي هذا أن يكون لها أبواب ومصاعد وإن لم يفسر الفروج بالخلل كالفطور، وهذا بناء على ما ذهب إليه الحكماء وهو مناف لما ورد في الحديث من أنّ بين كل سماء وما فوقها مسيرة خمسمائة عام والرواسي تقدم تفسيرها كالزوج بمعنى الصنف فتذكره. قوله: (متفكر في بدائع صنعه) تفسير للمراد من الرجوع إلى ربه فهو مجاز بتنزيل التفكر في المصنوعات منزلة الرجوع إلى صانعها، وقوله: وهما أي تبصرة وذكرى منصوبان على أنهما مفعولان
стр. 2823
له، ونصبهما على المصدرية لفعلين مقدرين محوج إلى كثرة التقدير فلذا لم يتعرض له المصنف، وهذا على التنازع وإعمال الأخير.
قوله: (وحب الزرع الذي من شأنه أن يحصد) فالإضافة لما بينهما من الملابسة والحصيد
صفة لموصوف مقدر، وهو الزرع فليس من قبيل مسجد الجامع ولا من مجاز الأول كما توهم والحصيد بمعنى المحصود، والنخل معطوف على جنات وباسقات حينئذ حال مقدرة لأنه لم تطل حال الإنبات بل بعده، وقوله: فيكون من أفعل على الثاني فهو فاعل والقياس مفعل فهو من النوادر كالطوائح واللواقح في أخوات لها شاذة ويافع من أيفع وباقل من أبقل، وقوله: وافرادها بالذكر أي مع دخولها في جنات كما مرّ في سورة ي!. قوله: (وقرئ باصقات لأجل القاف) وهي لغة لبعض العرب تبدل السين مطرداً صادا إذا وليها خاء أو عين أو قاف أو طاء مهملة أو فصل بينهما بحرف أو حرفين أو تقدمها كما فصل في التصريف، فقرله: لأجل القاف توجيه لهذه القراءة وأنّ الإبدال لقرب مخرج الصاد من القاف، وقوله: أو كثرة ما فيه من الثمر أي من مادة الثمر ففيه تسمح، وقوله: علة أي مفعول له أو حال بمعنى مرزوقاً، وقوله: أو مصدر أي من غير لفظه كقعدت جلوسا واليه أشار بقوله: فإنّ الإنبات رزق بفتح الراء وكسرها
وفيه تجوّز، وقوله: أرضاً جدبة فهو استعارة، وقد تقدم تحقيقها. قوله: (كما حييت هذه البلدة الخ) يعني المراد بالخروج خروجهم أحياء من القبور فشبه بعث الأموات ونشرهم بقدرته تعالى بإخراج النبات من الأرض بعد وقوع المطر عليها فكذلك خبر الخروج أو مبتدأ فالكاف بمعنى مثل، وقوله: أراد بفرعون الخ فأطلق على ما يشمل اتباعه كما تسمى القبيلة تميما باً سم أبيها وأنما أوّله بما ذكر لأنه أنسب وأتم فائدة، وقوله: لأنهم كانوا أصهاره فليس المراد الأخوة الحقيقية من النسب بل المصاهرة. قوله: (سبق في الحجر والدخان) وهو ما مرّ من أنّ أصحاب الأيكة قوم شعيب ﵊ كانوا يسكنون غيضة فسموا بها، والأيكة معناها لغة الغيضة وأنّ تبعاً هو الحميري وكان مؤمنا وقومه كفرة، ولذا لم يذم هو وذم قومه والرسق البئر التي لم تبن كما مرّ في الفرقان فلينظر تفصميله ثمة. قوله: (اي كل واحد أو قوم) بالجرّ معطوف على واحد، وقوله: منهم متعلق بهما فإن قيل لم يكذب كل واحد من قوم نوج وثمود وعاد كما صرّح به في غيرآية كقوله: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا﴾ فإنها صريحة في أنّ كل أمّة نبيّ فيها مصدّق ومكذب قلت: الكلية هنا المراد بها التكثير كما في قوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة النمل، الآية: ١٢٣ فهي باعتبار الأغلب اكثر، وقوله: أو جميعهم فالتقدير كل هؤلاء فكان حقه أن يقال كذبوا لكنه أفرد ضميره مراعاة للفظ كل فإنه مفرد وإن كان جمعاً معنى، وقوله: تسلية للرسول ع! ي! بأنّ عاقبة كل من كذب الرسل الهلاك، والتهديد للكفرة. قوله: (أفعجزنا عن الإبداء) فالعيّ هنا بمعنى العجز لا التعب قال الكسائي: تقول أعييت من التعب وعييت من انقطاع الحيلة والعجز عن الأمر وهذا هو المعروف والأفصح وإن لم يفرق بينهما كثير والخلق الأوّل هو الإبداء، واليه أشار المصنف. قوله: (أي هم لا ينكرون تدرتنا الخ) هذا تصحيح للإضراب بتقدير المضرب عنه لكنه اختصره إذ التقدير إنهم معترفون بالأوّل فلا وجه لإنكارهم للثاني بل هم اختلط عليهم الأمر والتبس، وقوله: لما فيه من مخالفة العادة بيان لمنشأ الالتباس وهو قياسهم أحوال المعاد بهذه النشأة التي لم يشاهد فيها أن يعود شيء بعد موته وتفرق أجزائه، ولذا نكر الخلق الجديد لما أضافه إليهم لأنه لاستبعاده عندهم كان أمرا عظيما فالتعظيم ليس راجعا إلى الله ولا إلى الإيجاد من حيث هو حتى يعترض بأنه أهون من الخلق الأوّل والمناسب تعريفه أو جعل تنكيره للتحقير كما بينه المدقق في الكشف، ومن لم يتنبه لما أرادوه هنا قال: الدلالة على التهوين من وصف الخلق بالجديد لما
تعورف من أنّ الإعادة أهون من الإبداء إلا أنّ التخويف مقصود أيضاً فلذا دلّ بالتنكير على عظمه فحق السامع أن يخافه ويهتم به فلا يعقد على لبس منه. قوله: (والإشعار الخ الو عطفه بأو كان أظهر لأنه وجه آخر أريد بالتنوين فيه الإبهام الذي هو أصل معنى التنكير إشارة إلى أنه على وجه لا يعرفه الناس. قوله: (ومنها وسواس الحلي) بضم الحاء وكسر
стр. 2824
اللام وتشديد الياء أو بفتح فسكون والياء مخففة، وهو صوتها إذا تحرّكت وصدم بعضها بعضا، ولذا تظرف بعض المحدثين فقال:
إن قيل شعرك وسواس هذيت به فقد يقال لصوت الحلي وسواس
قوله: (والضمير الخ) أي الضمير في قوله: به إن جعلت الباء صلة لتوسوس بمعنى تصوّت وما موصولة عائد على ما الموصولة، وجوّز فيها حينئذ أن تكون للملابسة أو زائدة والأوّل أولى وإن كانت الباء للتعدية وما مصدرية يعود ضمير به على الإنسان، والمعنى جعل النفس موسوسة للإنسان لأنّ الوسوسة نوع من الحديث وهم يقولون حدث نفسه وحدثته نفسه بكذا كما فال لبيد:
واكذب النفس إذا حدثتها إن صدق النفس يزري بالأمل
قوله: إ أي ونحن أعلم بحاله الخ) يعني أنه تجوّز بقرب الذات عن قرب العلم لتنزهه عن القرب المكاني إمّا تمثيلاً، وامّا من إطلاق السبب وارادة المسبب لأنّ القرب من الشيء سبب للعلم به، وبأحواله في العادة وقول المصنف لأنه موجبه صريح في أنه أراد الثاني، وكلامه في الكشاف مائل إلى الأوّل والمعنى أنه تعالى أعلم بأحواله خفيها وظاهرها من كل عالم. قوله: الأنه موجبه) بكسر الجيم وفتحها وعلى الأوّل ضمير أنه لقرب الذات وضمير موجبه للعلم أو لقربه وعلى الثاني بالعكس، وهذا بيان لعلاقة التجوّز وقوله: وحبل الوريد مثل في القرب يعني أنه ضرب به المثل في القرب لأنّ أعضاء المرء وعروقه متصلة على طريق الجزئية فهي أشد من اتصال ما اتصل به من الخارج وخص هذا لأنّ به حياته، وهو بحيث يشاهده كل أحد. قوله: (والموت أدنى لي من الوريد) أوّله:
هل أغدون في عيشة رغيد
وهو من شعر لذي الرمة والموجود في ديوانه كما قيل:
فإني وقيا ربها لغريب
ما دون وقت الأجل المعدود نقص ولا في العمر من مزيد
موعود رت صادق الموعود والله أدنى لي من الوريد
والموت يلقي أنفسى الشهود
وقوله: والحبل العرق تفسير للمراد به هنا لأنّ الحبل معناه معروف، واطلاقه على العرق بطريق المشابهة كم يقال حبل الوريد وحبل العاتق لعرقه، وقوله: واضافته للبيان على أنه مجاز عن العرق فإضافته للبيان كشجر الأراك أو لامية كما في غيره من إضافة العامّ للخاص فإن أبقى الحبل على حققته فإضافته كلجين الماء. قوله: (والوريدان الخ) في الكشف إنه بحسب المشاهد المعروف بين الناس فلا يرد عليه أنه مخالف لما ذكره أئمة التشريح في مبدأ العروق، وقال الراغب: الوريد عرق متصل بالكبد والقلب وفيه مجاري الروح فالمعنى أقرب من روحه، وهذا هو ما فسر به بعضهم الوتين، وقوله: يردان من الرأس فالوريد فعيل بمعنى فاعل وعلى ما ذكر من القيل هو فعيل بمعنى مفعول والمراد بالروح ما سماه الأطباء روحا، ويقال له: الروح الحيواني وهو إشارة إلى ما ذكره الراغب من أنّ مبدأه القلب. قوله: (مقدّر باذكر (قيل وهو أولى مما بعده لبقاء الأقربية على إطلاقها ولأنّ أفعل التفضيل ضعيف في العمل، وإن كان لا مانع من عمله في الظرف كما فصله في الكشاف إذ الكلام في رفع الفاعل الظاهر ونصب المفعول به، وقوله: وفيه إيذان أي في تعلقه بأقرب على هذا الوجه، وقوله: لكنه أي الاستحفاظ وهو تعيين الحافظ لا طلبه، وقوله: يثبط بمعنى يعوّق صفة تشديد لأن توكيل حافظ به يكتب كل ما صدر عنه مقتض لما ذكر، وقوله: للجزاء متعلق بتأكيد. قوله:) كالجليس (يعني فعيل بمعنى مفاعل كرضيع لمراضع ونديم لمنادم ومثله كثير كما في شرح التسهيلى، وقوله: فحذف الأوّل ولم يقل قعيد ران عاية للفواصل وقوله:
فأنى وقيا ربها لغريب
مثالى للحذف من أحدهما لدلالة الآخر إذ الحذف فيه من انثاني لا من الأوّل عدى
اختلاف فيه، وقوله: وقيل الخ مرضه لأنه ليس على إطلاقه بل إذا كان فعيل بمعنى مفعول بشروطه وهذا بمعنى فاعل ولا يصح فيه ذلك إلا بطريق الحمل على فعيل بمعنى مفعول، وقوله: ما يرمي به إشارة إلى أنّ معنى اللفظ الرمي من
стр. 2825
الفم تقول لفظت النواة إذا رميتها من فيك، ثم شاع في التلفظ فصار حقيقة فيه. قوله: (ولعله يكتب عليه ما فيه ثواب أو عقاب) يعني إن كاتب الحسنات يكتب ما فيه الثوأب، وكاتب السيئات يكتب ما فيه العقاب فلا يكتب واحد منهما المباج لأنه لا ثواب فيه، ولا عقاب ويشهد له الحديث المذكور فالعموم في قوله: ما يلفظ من قول مخصوص بما ذكر لأن الكتابة للجزاء عليه فما لا ثواب، ولا عقاب له مستثنى حكماً وما قيل من أنه يكتب عليه كل شيء حتى أنينه في مرضه فتسمية كاتب السيئات، وكاتب الحسنات شاهدة على خلافه، ويجمع بينهما على ما أشار إليه السيوطي في بعض رسائله بأن يكتب كلى ما صدر عنه حتى المباحات فإذا عرضت أعمال يومه محى منها المباحات، وكتب ثانياً ما له ثواب أو عقاب، وهو معنى قوله: يمحو الله ما يشاء، ويثبت فللقول بكتابة المباح وعدمها وجه فلا منافاة بين القولين، والحديثين، وأنما عطف الحديث بالواو، ولم يقل ففي الحديث كما قيك لأنه لا دليل فيه على ما ذكر إذ هو ساكت عما عداهما، وقيل: إنه كالتفسير للأية لذكره تعدد الكاتبين، وظاهر النظم وحدتهما وفيه نظر، والحديث المذكور رواه الطبريّ وذكره ابن حجر. قوله: (لما ذكر استبعادهم البعث) بقوله: ﴿أَئِذَا مِتْنَا﴾ الآية، وتحقيق قدرته ما دلّ عليه قوله: ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ﴾ ، وتحقيق علمه بقوله: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ﴾ الخ وقوله: أعلمهيم بأنهم يلاقون ذلك عن قريب بقوله: ونفخ في الصور، وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد فإن التعبير بالماضي لتحققه الذي صيره يشرف من الوقوع لأنّ كل آت قريب، وما تهيأ أسبابه، ووقعت مقدماته فهو في حكم الواقع. قوله: (شذّته الذاهبة بالعقل) أي المذهبة العقل فالباء للتعدية، وهو بيان لأنّ السكرة استعيرت
للشدة، ووجه الشبه بينهما أنّ كلاً منهما مذهب للعقل فالاستعارة تصريحية تحقيقية، ويجوز أن يشبه الموت بالشراب على طريق الاستعارة المكنية، واثبات السكرة لها تخييل كما قيل: للموت كأس وكل الناس ذائقها
والمقام لا ينبو عنه كما قيل ثم الأوّل أقرب، وقوله: حقيقة الأمر تفسير للحق بأنه الأمر المحقق، وقوله: الموعود الحق فهو صفة مشبهة موصوفها مقدر، والحق مقابل الباطل أو الحقيق اللائق، وقوله: من الموت والجزاء تفسير له على الوجوه كلها لا للأخير كما قيل، وقوله: فإنّ الإنسان الخ تعليل لقوله الذي ينبغي. قوله: (أو مثل الباء في تنبت بالدهن) يعني أنها للملابسة، وهو أوجه الوجوه فيها، وإن قيل إنها زائدة ونحو ذلك مما لا يجري هنا، وقراءة سكرة الحق أي سكرة الأمر المحقق، وقوله: سكرة الله لأنّ الحق من أسمائه تعالى، وقوله: للتهويل لأنّ ما يجيء من العظيم عظيم. قوله: (والخطاب للإنسان) الشامل للبز والفاجر لتقدم ذكره في قوله، ولقد خلقنا الإنسان، وفي شرح الكشاف للطيبي، وجاءت سكرة الموت الخ إن اتصل بقوله: في لبس من خلق الخ وما معه فالمشار إليه بذلك الحق، والخطاب للفاجر أي جاءك أيها الفاجر الحق الدّي أنكرته، وإن اتصل بقوله، ولقد خلقنا الإنسان الخ فالمشار إليه الموت والالتفات لا يفارق الوجهين، والثاني هو المناسب لقوله، وجاءت كل نفس معها سائق الخ بعده، وتفصيله ألقبا في جهنم كل كفار عنيد، وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد اكل فلا وجه لما قيل: إنّ الوجه الأوّل أرجح:
وللناس فيما يعشقون مذاهب
قوله تعالى: ( ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ ) هذا مناسب لكون الخطاب للفاجر فإذا كان للإنسان فالأصل يوم الوعد، والوعيد فاكتفى باحد القرينين لا لمراعاة الفاصلة كما قيل فإنها حاصلة إذا ذكر الوعد مقدّما، وقوله: أي وقت ذلك الخ يعني أنه لا بد فيه من تقدير المضاف لأنّ الإشارة ليست إلى اليوم بل إلى ما وقع فيه، وهو النفخ، وقوله: يوم تحقق الوعيد قيل إنه إشارة إلى تقدير مضاف آخر كما قدر قبل ذلك، ولا حاجة إليه لأنه إشارة إلى أنّ إضحافته إليه للملابسة التامّة بينهما باعتبار أنّ تحققه، وايجاده فيه، ولو جعلت الإشارة إلى وقت ذلك لقيام القرينة
عليه لم يحتج لتقدير أصلاً، وقوله: والإشارة الخ لأنّ اسم الإشارة كالضمير فيكون لاسم مصرح به أو في ضمن مشتق كما في قوله: اعدلوا هو أقرب للتقوى. قوله: (وقيل السائق كا! لب السيئات) هذا بناء على ما مرّ من أنّ الخطاب للإنسان الشامل للبر والفاجر، وأنما مرضه لأنه لا قرينة تدلّ على أنّ المراد بالسائق كاتب السيئات، وأمّا كونه
стр. 2826
يقتضي تخصيصه بالفجار إذ ليس لغيره كاتب للسيئات فلا وجه له لشموله للفريقين بذكر الشهيد معه كما عرفته. قوله: (وقيل السائق نفسه الا يخفى ضعفه لأنّ المعية تأباه والتجريد بعيد، وقوله: أو قرينه يعني شيطانه المقارن له في الدنيا هو أيضا مما لا قرينة في النظم عليه مع أنّ جعل الأعمال شهيدا غير ظاهر وأمّا اقتضاؤه تخصيص كل نفس بالفجار فلا. قوله: (ومحل معها النصب على الحال) قيل: الأولى أن يجعل استئنافا بيانياً وقال أبو حيان: معها صفة وما بعده فاعلى به لاعتماده أو المبتدأ، والخبر صفة وأورد عليه أنّ الأخبار بعد العلم بها أوصاف، ومضمون هذه الجملة غير معلوم فلا يكون صفة إلا أنّ يدعي به ولذا عبر عنه بالماضي، وقد مرّ غير مرّة أنّ ما ذكره غير مسلم، وأنّ ما ذكره أهل المعاني ليس المراد به ظاهره فتذكره، ولا تغتر بما ذكر. قوله: (لإضافته إلى ما هو في حكم المعرفة) هذا، وإن تبع فيه المصنف الزمخشريّ محل بحث لأنّ الإضافة للنكرة تسوغ مجيء الحال منها، وأيضاً كل يفيد العموم، وهو من المسوّغات كما في شرح التسهيل، وما ذكره تكلف لا تساعده قواعد العربية، والمراد منه كما نقل عن الزمخشريّ أنّ كل نفس في معنى كل النفوس لأنّ الأصل في كل أن تضاف إلى الجمع كأفعل التفضيل يعني أنّ هذا أصله، وقد عدل عنه في الاستعمال للتفرقة بين كل الإفرادي، والمجموعي فسقط ما قيل من أنه مسلم في كل المجموعي فتدبر. قوله:) على إضمار القول) فيقدر يقال لها أو، وقد قيل لها ليرتبط معناه، واعرابه بما قبله، وقوله: والخطاب لكل نفس أي عامّ لكل من يصلح للخطاب كما في قوله: ﴿وَلَوْ تَرَىَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٩٣] وقوله: إذ ما من أحد الخ دفع لما يتوهم من أنّ المراد بالغفلة عدم العلم بالبعث، وكل نفس ليست كذلك لأنّ المراد بالغفلة الذهول عن أخطارها بالبال بعد العلم، وهو قلما يخلو عنه أحد، ولذا خصه بعضهم بالنفس الكافرة، وقد أيد هذا بأنّ تنكير الغفلة، وجعله فيها، وهي فيه يدل على
أنها غفلة تامّة مقتضية لعدم العلم بها رأساً وفيه نظر. قوله: (ويؤيد الأوّل) أي كون الخطاب للنفس لتأنيثه والقراءة المشهورة ليست على تأويل النفس بالشخص كما قيل ومثل له بقوله:
يا نفس إنك باللذات س! رور
لأنّ التعبير بالنفس في الحكاية لا يستدعي اعتباره في المحكي حتى يحتاج إلى التأويل
كما في المفال المذكور لأنّ الفرق بينهما ظاهر، واعلم أنّ الغفلة جعلت غطاء وهو إمّا غطاء الجسد كله أو العينين وعلى كليهما يصح فكشفنا الخ أمّا على الثاني فظاهر وأمّا على الأوّل فلأن غطاء الجسد كله غطاء للعين أيضا. قوله: (قال الملك الموكل عليه) في الدنيا لكتابة أعماله، وهو الرقيب السابق ذكره فأفراده لتأويله كما مرّ في الرقيب وقوله: حاضر لدقي من العتاد، وهو الإعداد والإحضار ويقال: فرس عتد أي حاضر العدو كما قاله الراغب: فهذا إشارة لما في صحفه. قوله: (أو الشيطان الذي قيض له) أي سخره الله له فهو مقارن له يغويه فيكون معه ملكان أحدهما يسوقه والآخر يشهد عليه مع شيطان يقول ما ذكر، وقد كان مقرونا به في الدنيا وفي الآخرة أتى به معه أيضا ولا يلزم منه تخصيص كل نفس حتى ينبني على قول غير مرضيئ بل هو تفصيل لما تضمته العموم كما مرّ، وقوله: هذا ما عندي الخ تفسير لقوله: هذا ما لدي الخ على القول الثاني، وقوله: في ملكي وفي خسخة ملكتي وهو بمعناه أيضا والمراد إنه مسخر له في قبضة تصرفه وتملكه وعتيد بمعنى معدّ للعذاب وهذا إشارة للشخص نفسه، وقوله: فعتيد صفتها كقوله: لديّ وتركه لظهوره، وأمّا تعلقه بما فلا وجه له وعلى الموصولية لديّ صلتها، وقوله: فبدلها بناء على أنه يجوز بدل النكرة من المعرفة وإن لم توصف إذا حصلت لفائدة بإبدالها وأمّا تقديره بشيء عتيد على أنّ البدل هو الموصوف المحذوف الذي قامت صفته مقامه، أو ما الموصولة لإبهامها أشبهت النكرة فجاز إبدالها منها فضعيف لما يلزم الأوّل من حذف البدل، وقد أباه النحاة والثاني يقول به من يشترط النعت فيه فهو صلح من غير تراض للخصمين. قوله: (خطاب من الله للسائق والشهيد) على أنهما ملكان لا ملك جامع للوصفين كما مرّ وعلى كل حال فهذا فيه قول مقدر كما مرّ، ورجح الوجه الثاني لأنه يشهد له قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ [سورة ق، الآية: ٢٧] والقرآن يفسر بعضه بعضا ولذا اقتصر المصنف عليه فيما بعده، وقوله: أولو أحد أي لملك واحد من خزنة النار أو المراد
стр. 2827
بقوله: سائق وشهيد كما مرّ. قوله: (وتثنية الفاعل منزل منزلة تثنية الفعل الخ (على أنّ أصله
الق ألق ثم حذف الفعل الثاني، وأبقى ضميره مع الفعل الأوّل فثني الضمير للدلالة على ما ذكر كما في قوله: فإن تزجراني أصله تزجرني تزجرني بدليل قوله: يا ابن عفان ومعنى البيت ظاهر، وهذا القول منقول عن المازني ولا يخفى بعده وهل هو حقيقة أو مجاز لم يتعرّضوا له فحرّره، وقوله: بدل من نون التوكيد لأنها تبدل ألفا في الوقف فأجرى الوصل مجراه، وقوله: كثير المنع من صيغة المبالغة، والخير يطلق على المال لغة وقوله: عن حقوقه المفروضة مأخوذ من المقام وقرينة الذم، وقوله: وقيل الخ فاً لصيغة للمبالغة باعتبار كثرة بني أخيه أو باعتبار تكرّر منعه لهم لا باعتبار استمراره كما لا يخفى، ومرضه المصنف لأنه لو كان المراد هذا كان مقتضى الظاهر أن يقول مناع عن الخير. قوله: (وخبره فألقياه) أي فيقال في حقه ألقياه أو لكونه في معنى جواب الشرط لا يحتاج للتأويل، وقوله: تكريرا للتوكيد الخ مخالف لما ذكره أهل المعاني من أنّ بين المؤكد والمؤكد شدة اتصال تمنع من العطف، إلا أنه قيل إنه نظير قوله: فلا تحسبنهم الخ والفاء هنا للإشعار بأنّ الإلقاء للصفات المذكورة أو من باب وحقك ثم حقك نزل التغاير بين المؤكد والمؤكد والمفسر والمفسر منزلة التغاير بين الذاتين بوجه خطابي، ولا يدعي التغاير الحقيقي لأنّ التأكيد يأباه فما قيل إنه نظير قوله: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا﴾ [سورة القمر، الآية: ٩] لأنّ المراد كذبوه تكذيبا عقب تكذيبا لا يصح تفسير كلام المصنف به إلا أن يريدانه توجيه آخر للنظم ولو جعل العذاب الشديد نوعا من عذاب جهنم ومن أهواله على أنه من باب ملائكتة وجبريل كان حسنا (أقول) قال ابن مالك في التسهيل فصل الجملتين في التأكيد بثم إن أمن اللبس أجود من وصلهما، وذكر بعض النحاة الفاء وذكر الزمخشريّ في الجاثية الواو أيضاً واتفق النحاة على أنه تأكيد اصطلاحيّ وكلام أهل المعاني في إطلاق منعه غير سديد فالحق ما ذكره المدقق فاحفظه. قوله: (فإنه جواب لمحذوف دل عليه الخ) قيل إنه تعليل لمقدمة مطوية دل عليها ما قبله، وهي إنّ هاهنا تقاولاً وفي كلامه تسامح فإن قال: جواب لسؤال ناشئ عن ذلك المحذوف يعني إنه مبنيّ على المسامحة وتنزيل منشأ
السؤال منزلة السؤال نفسه، وقوله: دل عليه الخ يعني أنّ الدليل على التقاول وأنّ ثمة محذوفا هو قوله: لا تختصموا، وهذا القول يدل على تعيين ذلك المحذوف كما بينه في الكشاف فتأمّل. قوله: (بخلاف الأولى فإنها واجبة العطف الخ الأنهما جملتان خبريتان، وقد اجتمع مفهوماهما في حالة واحدة بخلاف ما قبل هذه فإنه كلام إنشائي غير مقارن لمضمون هذه الجملة فيدل على مقاولة مطوية، وقوله: فأعنته عليه دفع لما يتوهم من التدافع بين مضمون هدّه الجملة ومضمون قوله: هذا ما لديّ عتيد على التفسير الثاني فإنه عين الإطغاء بأن ما مز هو تزيينه له بوسوسته له، واعانته على كفره من غير تسليط له عليه كقوله: ﴿مَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ﴾ كما مرّ تفسيره وأشار إليه بقوله: فإنّ إغواء الشيطان الخ. قوله: (عالمين بأني أوعدتكم الخ (أوّل تقديم الوعيد بالعلم لتصح الحالية ويكون بين الحال وعاملها مقارنة زمانية، وإن كان ماضيا بحسب الظاهر فإن الاختصام في الآخرة وتقديم الوعيد في الدنيا فلا مقاربة بينهما فضلا عن المقارنة إلا إذا أوّل بالعلم بتقدّمه، وقوله: على أنّ قدّم بمعنى تقدّم فهو لازم يعدّى بالباء. قوله: (ويجوز أن يكون بالوعيد حالاً) من الفاعل أو المفعول والباء للملابسة أو المعية والمعنى قدمت هذا القول موعداً لكم به أو حال كون القول ملتبسا بالوعيد، وقوله: واقعاً على قوله: الخ يعني أنه مفعوله مراداً به لفظه أي قدّمت هذا القول. قوله: (وعفو بعض المذنبين الخ) هذا بناء على أنّ الوعد والوعيد كل منهما إخبار من الله بثواب أو عقاب فلا يجوز تخلفه لئلا يلزم الكذب في إخباره، وما يقع من التخلف في الوعيد لأسباب تخصصه كتوبة الموعود أو إرادة الله ومشيئته للعفو عنه، وقيل: إنّ الوعد لا يتخلف لأنه ينافي الكرم بخلاف الوعيد فإنّ تخلفه بمقتضى الكرم ولا يلزم الكذب إمّ لما ذكر أو لأنه إنشاء ولذا قال الشاعر في المدح:
وأني وإن أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
стр. 2828
وأمّا في حق الكفار فالوعيد على عمومه لقوله: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ [سورة النساء، الآية: ٤٨] . قوله: (فأعذب من ليس لي تعذيبه) وقد سبق
الوعد بأنه لا يصدر ذلك عنه فلو صدر كان في صورة الظلم لمخالفته لقضائه وحكمه الأزلي لا لأنه ممتنع في نفسه فلا يرد عليه أنه مخالف لمذهب أهل الحق من أنّ له تعالى تعذيب المطيع واثابة العاصي، وصيغة المبالغة تقدم تحقيقها وأنها إمّا لكثرة العباد أو لأنه لو صدر عنه ما يخالف حكمته كان ظلما عظيما فتذكره. قوله: (سؤال وجواب الخ) يعني أنه استعارة تمثيلية تخييلية على ما مرّ من تفصيله في عرض الأمانة على السموات والأرض، وعدم قبولهما لها وقد ردّ هذا في الانتصاف، وقال: إنّ الله قادر على أن يخلق فيها إدراكاً ونطقاً كما خلق ذلك في الحصى والجذع حتى سبح ولا داعي لتأويل النصوص مع إمكان إبقائها على ظاهرها، وهو كلام حسن وأمور الآخرة لا ينبغي أن تقاس على أمور الدنيا. قوله: (والمعنى أنها مع اتساعها الخ) ذكروا فيه وجوها ثلاثة أحدها: أنها تمتلئ بحيث لا تقبل الزيادة مع اتساعها فيكون الاستفهام إنكارياً معناه النفي لقوله: ﴿لأَملأنَّ جَهَنَّمَ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ١٨] فإنّ القرآن يفسر بعضه بعضا والثاني أنّ المراد الدلالة على سعتها بحيث يدخلها من يدخلها وفيها فراغ وخلوّ كانه يطلب الزيادة فالاستفهام للتقرير أو على حقيقته لكنه بالفرض والتقدير، أو أنه تمثيل لثدة توقدها وزفيرها وتهافت الكفرة والعصاة وقذفهم فيها حتى كأنه طالبة للزيادة فقوله: حتى تمتلئ إشارة إلى أنه استعارة وتمثيل للامتلاء إلا أنه قيل عليه لفظ التخييل غير مناسب هنا فتأمّل، فإن قلت الوجه الثاني وهو كونها فيها فراغ مناف لصريح النظم من قوله: ﴿لأَملأنَّ جَهَنَّمَ﴾ الآية قلت: لا منافاة بينهما كما توهم لأنّ الامتلاء قد يراد به أنه لا يخلو طبقة منها عمن يسكنها، وإن كان فيها فراغ كثير كما يقال: إنّ البلد ممتلئة بأهلها ليس فيها دار خالية مع ما بينها من الأبنية والأفضية، أو هذا باعتبار حالين فالفراغ في أوّل دخول أهلها فيها ثم يساق إليها الشياطين ونحوهم فتمتلئئ وأمّا دفع المخالفة بماورد في الحديث من أنه يضع فيها رب العرش قدمه فينزوي بعضها إلى بعض فيحصل حينئذ الامتلاء فمما لا يبغي ذكره لأنّ هذا
الحديث من المتشابهات التي لا بدّ من تأويلها. قال ابن فورك في كتاب مشكل الأحاديث والآيات: إنه حديث صحيح روي عن أبي هريرة ﵁ هكذا قال: إنّ جهنم لن تمتلئ حتى يضع الجبار قدمه فيها فتقول: قط قط وروي رجله بدل قدمه في رواية غير صحيحة، وقد اتفقوا على أنه مؤوّل فقال النضر بن شميل: إنّ القدم هنا الكفار الذين سبق في علمه تعالى دخولهم النار، والقدم تكون بمعنى المتقدم كقوله: قدم صدق وقال ابن الأعرابي قريباً منه أيضا وقال بعضهم القدم هنا بعض مخلوقاته أو أقدام بعضهم أضيف إليه تعالى لأنه عن أمره وحكمه، وقيل: الجبار جنس من الكفرة جبارون وقيل: المراد بهم إبليس وشيعته فإنّ لفظ الجبار غير مختص بالله تعالى وكذا رواية الرجل مؤوّلة فإنها تكون بمعنى الجماعة فلا بد من تأويله فأخذه على ظاهره ودفع المخالفة به مما لا يليق. قوله: (أو أنها من شدّة زفيرها الخ) هذا كما في الكشف مرتب على التمثيل والتصوير، والحاصل أنّ نفي الزيادة وإثباتها إمّا على ظاهره أو هو كناية عن الاستكثار فلا يرد عليه أنه للإنكار وهو غير مناسب لكون المخاطب هو الله كما قيل إذ إرادة المعنى الحقيقي غير لازمة ولو سلم فهو مجاز لا كناية، وقوله: كالمستكثرة الخ ناظر لشدة الزفير والحدّة والطالبة للزيادة ناظر لتشبثها بالعصاة فهو لف، ونشر وكل منهما ناظر إلى تفسير هل من مزيد أيضا ففيه لف ونشر آخر. قوله: (مصدر كالمحيد) وفي نسخة كالمميد من ماد إذا تحرّك فهو مصدر ميمي أو هو اسم مفعول أعل أعلال المبيع وهو ظاهر، وقوله: أو ظرف لنفخ لا يخفى بعده مع كثرة الفوامحل التي لا تصلح للاعتراض، وارادة التعلق المعنوي على أنه مما تنازع فيه الأفعال السابث ة كلها وتعلق بالأخير منها على الأرجح وذكر الأوّل التعيين المشار إليه فيه، خلاف الظاهر ولا يصح الحمل عليه من غير قرينة، وذلك في قوله: ذلك يوم الوعيد حينئذ الإشارة إليه لتقدّمه رتبة وإن تأخر لفظاً فحينئذ لا يحتاج إلى تقدير مضاف فيه كما إذا كان إشارة إلى النفخ وأمّا الاعتراض بأنّ زمان النفخ ليس يوم القول إلا إذا
стр. 2829
فرض ممتدّاً واقعا في أجزائه وإن كان الحامل عليه عدم احتياجه إلى التقدير فيجوز أن يكون ذلك إشارة إلى زمان النفخ الدال عليه الفعل فلا يحتاج للتقدير أيضا فقد دفعه المعترض، وادّعاء البعد فيه سهل والإشارة إلى زمان الفعل مما لا نظير له بخلاف الإشارة لمصدره. قوله: (مكاناً غير بعيد) فهو صفة للظرف قام مقامه، وانتصب انتصابه فهو متعلق
بقوله: أزلفت وعلى كل حال فهو للتأكيد ودفع التجوّز كما في الحالية فإنه بعد ذكر أنها قربت لا يحتاج إلى كونها غير بعيدة والحالية من الجنة وهي مؤنثة فلذا أوّله بتقدير شيء أو تأويل الجنة بالبستان أو لكونها على زنة المصدر الذي من شأنه أن يستوي فيه المذكر، والمؤنث فعومل معاملته وأجرى مجراه، وقوله: على إضمار القول أي مقولاً لهم وهو حال من المتقين. قوله: (بدل من المتقين بإعادة الجار) مرّ الكلام فيه وأنه لا حاجة إليه، أو الجار والمجرور بدل من الجار والمجرور. قوله: (بدل بعد بدل) يحتمل أنه بدل من كل المبدل من المتقين وهو الأولى أو أنه بدل من المتقين أيضا بناء على جواز تعدّد البدل، والمبدل منه واحد وقول أبي حيان تكرار البدل والمبدل منه واحد لا يجوز في غير بدل البداء وسره أنه قد طرح فلا يبدل منه مرّة أخرى غير مسلم فإنّ ابن الحاجب في أماليه جوّزه ونقله الدماميني في أوّل شرحه للخزرجية وأطال فيه، وكون المبدل منه في نية الطرح ليس على ظاهره فأعرفه، وقوله: أو بدل من موصوف أوّاب الخ بناء على جواز حذف المبدّل منه وقد جوّزه ابن هشام في المغني لا سيما وقد قامت صفته مقامه حتى كأنه لم يحذف. قوله: (ولا يجوز أن يكون) أي من خشي الرحمن في حكم أوّاب بأن يجعل صفة للمقدر مثله، ولذا لم يبدل من أوّاب لأنه لو أبدل منه كان له حكمه فيكون صفة والأسماء الموصولة لا يقع منها صفة إلا الذي على الأصح، وإن جوز بعض النحاة الوصف بمن أيضاً لكنه قول ضعيف كما بين في المفصلات. قوله: (على تأوبل الخ) لأنّ الإنشاء لا يقع خبراً بغير تأويل ولا يخفى تكلفه لما فيه من التقدير وتاويل ضمير الجمع، وقوله: ملتبسة إشارة إلى أنّ الباء للملابسة، وقوله: حيث خشي عقابه الخ إشارة إلى أن تليس الخشية بالغيب إمّا باعتبار المخشوّ منه، وهو الله أو المخشي نفسه، وهو العقاب أو الخاشي بأن يخاف الله في خلوته كما يخافه في جلوته لأنه لا يخفى عليه خافية وقوله: خشي عقابه يحتمل أنه بيان لحاصل المعنى، وهو الظاهر أو لتقدير مضاف فيه قبل الرحمن كما قيل. قوله:) وتخصيص الرحمن) دون غيره من أسماء الله مع أنّ غيره مما يدعو للخشية بحسب الظاهر أنسب إذ الرحمة ربما تقتضي عدمها للاتكال عليها فأجاب بأنّ صرف
الخشية قريب من الناس، وهم بنن الرجاء والخوف فلما ذكر الخوف وصف المخوف منه بما يشعر بأنهم لهم وجاء أيضاً كما أشار إليه بقوله: رجوا الخ والثاني إنّ هذا إنما يكون أنسب إذا أريد التحريض على الخشية أمّا إذا أريد مدح الخاشي بأنه خاس له على كل حال غير تارك للخشية اغترارا برحمته كما في قوله: لو لم يخف الله لم يعصه كان ذكر الرحمن أنسب كما أشار إليه بقوله: أو بأنهم يخشون خشية الخ. قوله: (إذ الاعتبار الخ) يعني هو وإن كان وصفا لصاحبه لكنه في الحقيقة صفة للقلب لأنّ المعتبر رجوعه، وقوله: سالمين الخ يشير إلى أنّ الجارّ والمجرور حال وأنه إمّا من السلامة أو من التسليم والتحية من الله أو الملائكة، وقوله: يوم تقدير الخلود لأن الإشارة إلى وقت الدخول، وهو ليس زمان الخلود فلا بد لصحة الحمل من تقدير مضاف أي ابتداء الخلود وتحققه وهو أحسن مما قدّره إذ هو المعروف في الحال وما نحن فيه ليس كذلك، وكون الإشارة إلى زمان السلام لا يصح من غير تأويل بما ذكر ونحوه كالأعلام بالخلود كما توهم، وكذا ما قيل من أنه لكونه ابتداء الخلود جعل يوم الخلود لما بينهما من الملابسة أو اليوم بمعنى الزمان وهو كالشيء الواحد والإشارة لم بعده كهذا أخوك. قوله: (فخرقوا في البلاد) هو أصل معناه الحقيقي، وقوله: وتصرفوا فيها تفسير للمراد منه فالتنقيب التصرف فيها بملكها ونحوه، وقوله: أو جالوا الخ فالتنقيب السير وقطع المسافة وفي الأساس خرقت المفازة قطعتها والنوق مخراق المفازة، وما قيل من أنّ الثاني لم ينقل عن أحد مما لا وجه له ومقام المصنف ﵀ أجل من ذلك، وقوله: فالفاء الخ لأنها عاطفة على معنى ما قبله أي اشتدّ بطشهم فنقبوا الخ وتصرفهم فيها
стр. 2830
مسبب عن اشتداد بطشهم بخلاف الجولان في البلاد حذر الموت فإنه وإن وقع عقبه لا تسبب له عنه وقوله: وأصل التنقيب الخ هذا باعتبار معناه العرفي وإلا فأصله ني اللغة التخريق كما مرّ. قوله تعالى: ( ﴿هَلْ مِن مَّحِيصٍ﴾ الخ) أي هل من مخلص من أمر الله قيل والجملة عن إضمار قول هو حال من واو نقبوا أي نقبوا في البلاد قائلين هل من محيص أو على إجراء التنقيب مجرى القول أو هو كلام مستأنف لنفي أن يكون لهم محيص وعلى الأوّل يقدر الخبر هل لنا وفي كلام المصنف إشارة
إلى أنّ من زائدة في المبتدأ والخبر وهو لهم أو لنا مقدّر. قوله: (ويؤيده الخ (لأنّ الأمر للحاضر وقت النزول من الكفار، وهم أهل مكة لا غير والأصل توافق القرا آت معنى وفيه التفات على هذه القراءة، وقوله: بالكسر أي كسر القاف المخففة على أنه ماض معلوم، وقوله: حتى نقبت أقدامهم فهو بتقدير مضاف مجاز من قبيل المشفر وعلى كون المراد أخفاف مراكبهم الإسناد فيه مجازي أو هو بتقدير مضاف ونقب الخف تخرقه، وحفاه ورقته من كثرة المشي، وقوله: أكثروا السير إشارة إلى أنّ نقب الإقدام كناية عن كثرة السير وهي كناية مشهورة فلا ينافيه قوله في الفاموس نقب في البلاد سار كما قيل. قوله:) قلب واع الخ) على أن القلب الذي لا يعي ولا يفهم بمنزلة العدم أو على أنه موصوف بصفة مقدرة والأوّل أحسن، وقوله: أصغي تفسير لإلقاء السمع فإنه بميله للاستماع كأنه ملق لسمعه، ثم إنه قيل أو لتقسيم المتذكر إلى تال وسامع أو إلى فقيه ومتعلم أو إلى عالم كامل الاستعداد لا يحتاج لغير التأمّل فيما عنده وقاصر محتاج للتعلم فيتذكر إذا أقبل بكليته وأزال الموانع بأسرها والحامل على تفسيره بما ذكر. أنه لو لم يراع نحوه كان الظاهر العطف بالواو لأنّ الفهم لا ينافي الإصغاء فتدبر وجملة وهو شهيد حال من فاعل ألقى. قوله: (حاضر بذهنه) يعني شهيد إما من الشهود، وهو الحضور والمراد المتفطن لأنّ غير المتفطن كالغائب فهو استعارة أو مجاز مرسل والأوّل أولى أو هو بمعنى شاهد وفيه مضاف مقدّر أي شاهد ذهنه، وكون الباء في قوله بذهته للتعدية وشهيد بمعنى يشهد كما قيل تعسف وقوله: أو شاهد بصدقه على أنه من الشهادة والمراد شاهد بصدقه أي مصدق له لأنه المؤمن الذي ينتفع به أو هو كناية عن المؤمن لقوله: ﴿وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ﴾ [سورة الحج، الآية: ٧٨] . قوله: (تفخيم) لأنّ التنكير يكون للتعظيم ولذا أشعر بما ذكره لأنه إنما يتذكر القلب العظيم، وقوله: واستراح يوم السبت ولذا حرّموا العمل فيه، وهذا مما زعموا أنه في التوراة كما أشار إليه المصنف. قوله ة (ما يقول المشركون الخ) وهو متعلق بما
قبله من فوله: ولقد خلقنا الخ على الوجهين، وقيل إنه على الثاني متعلق بما تلي من أوّل السورة إلى هنا ولا يخفى بعده، وقوله: والتشبيه أي تشبيه الله بغيره إذ نسبوا له الإعياء والاستراحة ونحوه من كفرهم وقوله: عما يمكن يعني من البعث والحشر وما يوجب التشبيه ما مرّ عن اليهود، وقوله: حامداً الخ إشارة إلى أنّ قوله بحمده حال. قوله: (وسبحه بعض الليل) يجوز أن يكون من الليل مفعولاً لفعل مضمر يفسره المذكور باعتبار الاتحاد النوعي والعطف عليه للتغاير الشخصي كما يشير إليه قوله: وسبحه بعض الليل وأن يكون مفعولاً لقوله: سبحه على أنّ الفاء جزائية والتقدير مهما يكن من شيء فسبحه من الليل، وقدم المفعول للاهتمام به وليكون كالعوض عن المحذوف ولتتوسط الفاء الجزائية كما هو حقها كما سيأتي في سورة الطور ففرّق الوجوه كما هو دأبه، لا لوجود مخصص لبعض الوجوه ببعض المواطن فتأمّل، وقوله: بعض الليل إشارة إلى أنه مفعول لتأويله بما ذكر كما مرّ تحقيقه في قوله ومن الناس من يقول آمنا فتذكره. قوله: (من أدبرت الصلاة) وقع بعد قوله: قرأ الحجازيان وحمزة بالكسر وهو الصحيح وتقدّم عليه في بعض النسخ فيكون بيانا لمأخذ الدبر، وقوله: وقيل المراد الخ معطوف على ما قبله بحسب المعنى لأنه في قوّة قولك التسبيح التنزيه، وعلى هذا فهو من إطلاق الجزء أو اللازم على الكل أو الملزوم. قوله: (لما أخبرك به) يعني أنه مقدر لأنه المراد وإن كان الأمر مطلقا، ثم أتى بقوله: يوم ينادي الخ بياناً لذلك المقدر وسلك هذا لما في الإبهام، ثم التفسير من التهويل والتعظيم لشأن المخبر به كما أشار إليه المصنف ولذا أمر بالاستماع قبل ذكر النداء، وقوله: أو جبريل هو الأصح لأنّ إسرافيل ينفخ وجبريل ينادي
стр. 2831
كما ورد في الآثار. قوله: (ولعله في الإعادة نظيركن في الابداء) فهو تمثيل لإحياء الموتى
بمجرّد الإرادة، وإن لم يكن نداء وصوت، وقوله: بما دل الخ أي يخرجون يوم ينادي الخ، وقوله متعلق بالصيحة أراد التعلق المعنويّ لأنه حال منه وقوله: وقد يقال للعيد أي يوم الخروج لخروج الناس فيه إلى المصلى. قوله: (مسرعين) إشارة إلى أنه مصدر وقع هنا حالاً من الضمير في عنهم، والعامل فيه تشقق لا يخرجون مقدرا كما قيل وقوله: لا يشغله شان الخ لأنّ ما بالذات يختلف ولا يعرض له ما يجعله متفاوتا، وقوله: تقسرهم من القسر، وهو الجبر والقهر، وقيل إنه منسوخ بآية القتال. قوله: (من قرأ) حديث موضوع وتارات جمع تارة، وهي الحالة فيحتمل أن يريد بحالاته سكراته فعطف قوله: سكراته عليه عطف تفسير، وقيل: المراد بتاراته ما فيه من الغشي، والإفاقة (تمث) السورة فالحمد لله على التمام، وأفضل صلاة وسلام على أفضل مخلوقاته وآله وصحبه الكرام.
سورة الذاريات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
آياتها ستون بالاتفاق كما في كتاب العدد. قوله: (يعني الرياح تذر والتراب وغيره) ذرأ المهموز الآخر بمعنى أنشأ، أو أوجد والمعتل بمعنى فرّق وبدد ما رفعه عن مكان! كما يكون التراب مفرقا بالرياح، ونحوه إذا أطارته فالذاريات حينئذ الرياح، ويقال: ذراه وأذراه أيضا. قوله: (أو النساء الولود) تفسير ثان للذاريات مناسب لظاهر قوله: الحاملات، والظاهر أنه مجاز كما تقول للمرأة الولود ذرية فشبه تتابع الأولاد بما يتطاير من الرياح، واليه أشار بقوله: فإنهن يذرين الأولاد أي يطيرنهم ويذرين بفتح الياء مضارع ذراه ولا وجه لجعله بالضم من المزيد، وإن صح لأنه غير مناسب للمفسر. قوله: (أو الأسباب التي تذري الخلائق الخ) تفسير ثالث، وهو بالنصب معطوف على الرياح، والظاهر أنه استعارة أيضا فشبهت الأشياء المعدة للبروز من كمون العدم بالرياح المفرقة للحبوب، ونحوها، وقوله: من الملائكة بيان للأسباب لا للخلائق، وقد جوّز على بعد فيه. قوله: (فالسحب الحاملة للامطاو الخ) تفسير للحاملات ناظر لما قدمه ففيه شبه لف، ونشر فالأوّلان على تفسير الذاريات بالرياح، والنساء الحوامل على تفسيره بالنساء الولود، وقوله: أو أسباب ذلك أي ما ذكر من الرياح والأمطار، والنساء على التفسير الأخير، وجعل الأسباب حوامل لمسبباتها الظاهر أنه استعارة، وقيل. إنه كبنى الأمير المدينة وفيه نظر. قوله: (وقرئ وقرا (بفتح الواو على أنه مصدر، وقره إذا حمله، والوقر للحمار كالوسق للبعير، وكونه بالفتح مصدرا ذكره الزمخشري، وناهيك به فالقول بأنه لم ينقله أهل اللغة إلاً بمعنى السمع لا يلتفت إليه، وهو على هذا مفعول به، ويجوز نصبه على المصدربة لحاملات من معناها كما في الكشاف. قوله: (أو الكواكب الخ (بناء على أن لها حركة في نفسها كما ذهب إليه أهل الهيئة وغيرهم، وقوله: صفة مصدر الخ أو حال كما نقل
عن سيبويه، وقوله: الملائكة فهي جمع مقسمة أي طائفة مقسمة كراسيات، ولذا أنث، وقوله: تقسم الأمور إشارة إلى أنّ الأمر واحد الأمور، وأنه مفرد أريد به الجمع، وهو مفعول به كما بينه الزمخشري، وقوله: ما يعمهم وغيرهم أي الملائكة، وفي نسخة غيرها، والأولى أولى، وقوله: بتصريف السحاب إشارة إلى أنّ القسمة استعارة أو هو مجاز في النسبة إذ المقسم الله، وهي سبب لذلك وواسطة فيه. قوله: (فإن حملت) أي الأمور المذكورة من قوله، والذاريات الخ على أمور مختلفة متغايرة بالذات كما نقل عن عليّ كرم الله وجهه، واختاره أكثر أهل التفسير فالذاريات الرياح، والحاملات السحب، والجاريات الفلك، والمقسمات الملائكة فالترتيب في الأقسام ترتيب ذكري ورتبي باعتبار تفاوت مراتبها في الدلالة على قدرته فإنه المناسب اعتباره هنا لما سيذكر في الجواب، ثم إنه إمّا على الترقي أو التنزل لما في كل منها من الصفات التي تجعلها أعلى من وجه، وأدنى من آخر إذا نظر لها ذو نظر صحيح فالملائكة المدبرات أعظم، وأنفع من السفن، وهي باعتبار أنها بيد الإنسان يتصرف فيها كما يريد ويسلم
стр. 2832
بها من المهالك أنفع من السحب، والسحب لما فيها من الأمطار أنفع من الرياح أو يعكس لأنّ الملائكة لا تختص بالمنافع كالسفر، والسفن ليست كالسحب، وهي ليست كالرياح أو هو بالنظر إلى الأقرب فالأقرب منا كما قيل فتدبر ولا تغتر بما وقع لبعض الفضلاء هنا من التوقف من غير داع له. قوله: (من التفاوت) بضم الواو مصدر تفاوت، وفي أدب الكاتب إنه مثلث الواو ولا نظير له فأعرفه. قوله: (وإلا) أي وإن لم تحمل على أمور مختلفة بل جعلت شيئا واحداً لا مطلقا بها، وأريد الريح كما صرّح به فالفاء لترتيب الأفعال، والصفات إذ الريح تذري الأبخرة إلى الجو، أوّلاً حتى تنعقد سحابا فتحمله ثانيا وتجري به ثالثا ناشرة وسائقة له إلى حيث أمرها الله ثم تقسم أمطاره أيضا فسقط الاعتراض عليه بأنه لا يظهر إذا حمل على النساء لتقدم الحمل على الذرو وما تكلف في دفعه أيضاً، وقوله: فتجري به باسطة الخ هو إما من المقام ومقتضى الفاء أو من قوله يسراً فتدبر. قوله: (كأنه استدل الخ) إنما قال كأنه لأنّ القسم بالشيء قد يكون لتعظيم المقسم به، ومخالفتها لمقتضى الطبيعة لأنّ الأصل عدمها، وما في قوله: إنما موصولة، والعائد على الموصولية مقدّر أي توعدونه أو توعدون به، وعلى المصدرية فهو مؤوّل بالوعد أو بالوعيد، والمضارع مضارع، وعد أو أوعد، وقيل إنّ الثاني أنسب هنا. قوله: (ذات الطرائق) يعني أنّ الحبك أصل معناها ما يرى كالطرق في الماء والرمل
وطرق السماء إمّا الطرق المحسوسة التي تسير فيها الكواكب كالمجرّة أو المعقولة التي تدرك بالبصيرة، وهي ما تدل على قدرة الصانع الحكيم إذا تأملها الناظر كما في قوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً﴾ ، [سورة آل عمران، الآية: ١٩١] . قوله: (أو النجوم) معطوف على قوله الطرائق المحسوسة، والإطلاق إمّا لذات ال! حبك بمعنى الطرق على النجوم فهو حقيقيّ لأنّ لها طرائق أو للحبك نفسها، وهو قول الحسن لأنها تزين السماء كما يزين الثوب الموشي تحبيكه أي نجوم كالطرائق لأنها زينتها، وهو استعارة، واليه أشار بقوله: أو أنها تزينها الخ، وعلى قراءة الحبك بكسرتين فهو اسم مفرد ورد على هذا الوزن شذوذا وليس جمعا كإبل، وقوله: كالبرق بضم ثم فتح جمع برقة، وهي أرض ذات حجارة. قوله: (ولعل النكتة الخ) يريد بيان مناسبة المقسم به هنا، وهو قوله: والسماء الخ للمقسم عليه، وهو قوله: إنكم الخ وجه اختياره كما بينه. في القسم الأوّل حيث قال: كأنه استدل به الخ. قوله: (من صرف (تفسير لقوله: من أفك، وقوله: إذ لا صرف الخ إنما دل النظم على هذا لدلالة يصرف عنه على من صرف فكأنه قيل: لا يثبت الصرف في الحقيقة إلا لهذا فما عداه كلا صرف، وقيل: يصرف عن القرآن من ثبت له الصرف الحقيقي، وهو من إطلاق صرف، وجعله بمنزلة يعطي ويمنع، ويساعده الإبهام في من أفك فإنّ معناه من أفك الإفك التام العظيم، ولولا هذا وحمله على المبالغة لم يفد يصرف من صرف، وضمير كأنه للشأن، أو للصرف المذكور أو لما يغايره فتدبر. قوله: (أو يصرف من صرف في علم الله الخ) وجه آخر لتوجيه هذا التركيب وازالة الأشكال عنه قيل وليس فيه كثير فائدة لأنّ كل ما هو كائن معلوم إنه ثابت في سابق علمه الأزلي، وليس فيه المبالغة السابقة. قوله: (ويجوز أن يكون الضمير للقول الخ) وعن فيه للتعليل كقوله، وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك قيل، ويحتمل بقاؤها على أصلها من المجاوزة بتضمينه معنى الصدور فإفادته للتعليل إنما هو من محصل المعنى، وما له التجوّز في نسبة الصدور إلى القول بإسناد
الشيء لسببه، ولا يخفى ما فيه فإنه لم يسند الإفك إلى القول في النظم، ولكنه لما لم يكن مصروفاً عنه القول، وأنما القول منشؤه جعلت عن في أمثاله للتعليل كما ذهب إليه بعض النحاة، والزمخشريّ في أمثاله يضمنه معنى الصدور كما في المغني، ولا تجوّز في الإسناد فيه، وأنما هو بيان لحاصل معناه. قوله: (ينهون عن كل وعن شرب) تمامه:
مثل المهاير تعن في خصب
يقال جمل ناه إذا كان مفرط السمن والضمير للجماعة أصحاب الإبل لا للإبل وإلا كان
حقه ينهين وهذا أيضا مضمن معنى الصدور أي يصدر تناهيهم في السمن، وقيل: إنه عجز بيت أوّله مثل المهاير تعن في خصب، وضمير ينهون لجماعة الرجال لا للنوق، والا لقيل ينهين، ولو قيل إنه للنوق، وضمير العقلاء لإسناد ما هو من صفاتهم لها كما مرّ في سورة يوسف في قوله: ساجدين جاز. قوله: (الكذابون) لأنّ الخرص التخمين ثم تجوز به عن الكذب، وقوله: من أصحاب الخ بيان للكذابين، وقوله: أجرى مجرى
стр. 2833
اللعن أي المراد به الدعاء مع قطع النظر عن معناه الحقيقي، وقوله: يغمرهم أي يشملهم شمول الماء الغامر لم فيه، وهو استعارة هنا، وقوله: غافلون الخ أو المراد به مطلق الغفلة.
قوله: (فيقولون متى) بيان لحاصل المعنى، وإذا دخل ما فيه معنى القول على جملة فإمّا
أن يقدر بعده القول أو يقال إنه عامل عمله لكونه بمعناه على المذهبين، وكلامه محتمل لهما، وقوله: أي وقوعه إشارة إلى أنّ فيه مضافا مقدّراً أقيم المضاف إليه مقامه لأنّ اسم الزمان إنما يقع ظرفا، وخبراً للحدث لا للزمان فصح، وقوعه خبرا عنه هنا بالتأويل المذكور، وحينئذ لا يرد أنّ الزمان ليس له زمان فيدفع بأنه لا محذور فيه عند الأشاعرة على ما فصل في كتب الكلام، وإيان بالكسر لغة في أيان المفتوحة. قوله: (يحرقون) لأنّ أصل معنى الفتن إذابة الجوهر ليظهر غشه ثم استعمل في التعذيب، والإحراق، ونحوه، وقوله: أي يقع الخ لأنّ المسؤول عنه، وقوعه كما مرّ فلذا قدر الجواب بما ذكر وإن فات فيه مطابقة السؤال، والجواب بالفعلية، والاسمية، وهو على هذا منصوب على الظرفية متعلق بما ذكر، وقوله: هو يوم هم الخ على أنه في محل رفع خبر مبتدأ مقدر لكنه بني على الفتح لما سيأتي، وقدّر كذا ليتطابقا في الاسمية، وهو جواب بحسب المعنى لأنّ التقدير يوم الجزاء يوم تعذيب الكفار فلا وجه لما
قيل إنه قائم مقام الجواب، وقوله: وفتح يوم يعني على تقديره خبر مبتدأ مقدر. قوله: (ل! ! افته إلى غير متمكن) يعني الجملة الاسمية، وهي هم عن النار يفتنون فإنّ الجمل بحسب الأصل كذلك، وفيه كلام بين البصريين، والكوفيين مفصل في شرح التسهيل، وقوله: مقولاً لهم إشارة إلى أنّ القول المقدر حال من ضمير يفتنون، وقوله: هذا العذاب فهو صفة لمقدّر، وقوله: والذي وصفته فيه نظر. قوله: (قابلين لما أعطاه! م) فسر الأخذ بالقبول مع الرضا لأنّ القصد للشيء يقتضيه غالباً، وقوله: كل ما آتاهم الخ أخذ العموم من لفظ ما والإطلاق في مقام المدح، وفي بعض النسخ قابلين بما أعطاهم الخ، وهي بمعنى ما في النسخة الآخرة لأنّ القبول لشيء يكنى به عن كونه مرضيا فلذا فسره بقوله: راضين. قوله: (قد أحسنوا أعمالهم) فمفعوله مقدر، وقوله: قد أحسنوا الخ بيان لمفاد أنّ من التحقيق وكان من المضي، وقوله: تعليل الخ ذكر الاستحقاق لأنه المقصود من الإخبار قبل الوقوع، وقوله: تفسير لإحسانهم يحتمل أن يريد أنه بدل من قوله: كانوا قبل ذلك محسنين مفسر له فالجملة في محل رفع، وأن يريد أنّ الجملة مفسرة للإحسان فلا محل لها من الإعراب، وقوله: في طائفة تفسير لقليل مع الإشارة إلى أنّ قليلا منصوب على الظرفية، وقوله: هجوعا قليلا إشارة إلى أنه منصوب على المصدرية، وقوله: في قليل من الليل هجوعهم إشارة إلى أنّ قليلا على هذين الوجهين منصوب على الظرفية، وأن ما يهجعون عليهما فاعل قليلاً، وفيه هو العائد على الموصولية، وإذا كانت ما موصولة فهي عبارة عن المقدار الذي يهجعونه أو فيه، ومن على الموصولية، والمصدرية للابتداء، وهو صفة قليلا أو متعلق بيهجعون المقدر، وقد جوّز فيها أن تكون بيانية أيضا، وأن تكون حالاً، وقوله: لا يعمل فيما قبلها على المشهور، وفي شرح الهادي أنّ بعض النحاة أجازه مطلقاً، وقيل في الظرف خاصة للتوسع فيه، واستدل عليه بقوله:
ونحن عن فضلك ما استغنينا
وأيضا المعنى ليس على النفي لأنه لا يمدح بترك النوم مطلقاً. قوله: (وفيه) أي في هذا
الكلام مبالغات في وصف هؤلاء بقلة النوم وترك الاستراحة، وقوله: ذكر القليل الخ بدل من قوله: مبالغات بدل اشتمال، والسبات بالضم النوم والغرار بالكسر، والإعجام القليل من النوم، وزيادة ما لأنها تدل على القلة ككل ما وأمر، ما ومعنى اسحروا دخلوا في وقت السحر وقوله: كأنهم الخ يعني أنّ الاستغفار يشعر باوتكاب جريمة وهم لم يجرموا بل تفرغوا للعبادة قبل السحر لكونهم لعدم اغترارهم بعبادتهم، وشدة خوفهم من الله يفعلون فعل المذنبين ويخافون خوف المجرمين في كل حال، وقوله: في بناء الفعل على الضمير أي تقديم الضمير، والإخبار عنه بالفعل المفيد للقصر، وقوله: بأنهم أحقاء فالحصر باعتبار الكمال، والأحقية لا على طريق الحقيقة. قوله: (يستوجبونه الخ) أي يعدونه واجباً عليهم وإن لم يجب، وفيه غاية المدح لهم فلا يتوهم أن من لم يعط الزكاة بعد وجوبها عليه كان في ماله حق ومثله ذم لا مدح، وقوله: للمستجدي أي طالب الجد أو هو العطاء،
стр. 2834
والنوال، وقوله: والمتعفف الخ تفسير للمحروم، وأنّ حرمانه من غير هؤلاء لئلا يتنافى الكلام. قوله: (أو وجوه دلالات الخ) فالدليل على الأوّل ما هو في الأرض من الموجودات والظرفية حقيقية، والجمع على ظاهره أيضا وعلى هذا الدليل نفس الأرض، والجمعية باعتبار، وجوه الدلالة، وأحوالها، والظرفية من ظرفية الصفة في الموصوف لا بالمعنى المعروف، وتلك الوجوه دلائل، وآيات حقيقة لا ادّعاء كما توهم فإنه لا وجه له وليس في قوله تدل على وجود الصانع ما يدل عليه فتأمّل. قوله: (تدل على وجود الصانع الخ) أي تلك الدلائل أو وجوه الدلالة تدل على ذلك لاحتياج تلك المصنوعات الدقيقة إلى صانع قدير عالم مريد واحد بذاته إذ لو تعدد فسدت، وما فيها من المنافع العظيمة لجميع الموجودات يدل على فرط رحمته بهم، وقوله: يدل دلالته أي يدل دلالة مثل دلالته والهيآت النافعة له كانتصاب قامته، وعلوّ رأسه ونحوه. قوله: (أسباب ررّقكم الخ) إمّا إشارة إلى تقدير
مضاف أو التجوّز بجعل، وجود الأسباب فيها كوجود المسبب، والأسباب النيران، والكواكب والمطالع، والمغارب التي تختلف بها الفصول التي هي مبادي ذلك وقوله أو تقديره أي تعيينه في اللوح المحفوظ أو ظهور آثار تدبيره إذ الملائكة في السماء، وهم موكلون بالأرزاق، وقوله: المراد بالسماء السحاب لأنها سماء لغة، وقوله: وبالرزق المطر فلا تقدير، ولا تجوز، وقوله: وثوابها إمّ اكتفاء عن عقابها أو المراد به مطلق الجزاء. فوله: (مكتوية مقدّوة) أي معينة فمعنى كونها فيها أنّ تعينها فيها، وقوله: ولما ذكر أي للأمور السابقة كلها، وأفراده وتذكيره لتأويله بما ذكر كما أشار إليه بقوله ولما ذكر، وقوله: مثل نطقكم إشارة إلى أنّ ما مصدرية، وقوله: كما أنه تفسير للتشبيه، وقوله: وقيل إنه أي مثل، وقوله: إن كانت بمعنى شيء أي موصوفة، وانكم الخ خبر مبتدأ، والجملة صفة، وقد جوّز فيها الموصولية أيضا، وقوله على أنه أي مثل صفة لحق لأنه لا يتعزف بالإضافة لتوغله في التنكير، ويجوز أن يكون خبراً ثانيا. قوله: (فيه) أي في هذا الكلام تعظيم لهذا الحديث المذكور بعده والتعظيم مأخوذ من الاستفهام لأنه للتعجب وأنه مما يسأل عنه وفيما ذكر تشويق له، وكل ذلك إنما يكون فيما له شأن، وفخامة وكونه موحى إليه من قوله أتاك، وقوله: في الأصل مصدر أي بمعنى الميل، وقوله: وسماهم ضيفا أي مع أنهم ليسوا كذلك لأنهم كانوا في صورة الضيف، ولأنّ إبراهيم ﵊ حسبهم ضيوفاً فالتسمية على مقتضى الظاهر، والحسبان. قوله: (للحديث الأنه صفة في الأصل فيتعلق به الظرف، وقوله: أو المكرمين إذا أريد به إكرام إبراهيم لأنّ إكرام الله لهم لا يتقيد، وقوله: وقرئ منصوبا أي سلما، وقوله: لم يكن تحيتهم
أي في ذلك الزمان، وقوله: علم الإسلام أي علامة الإسلام، وهو ما يقابل الكفر مطلقاً لا الملة المحمدية وإن اختص بها عرفا. قوله: (وهو) أي قوله: أنتم قوم منكرون كالسؤال منهم عن أحوالهم ليعرفهم فانّ قولك لمن لقيته أنا لا أعرفك في قوّة قولك عرف لي نفسك، وصفها، والتعرّف طلب المعرفة، والكاف لأنه ليس صريحاً فيه، وليس المذكور هنا قوله: نكرهم في هود فإنه أمر آخر. قوله: (فذهب إليهم في خفية) أصله من راغ الثعلب إذا مال وحاد، وقيد الخفية فيه لم يذكره أكثر أهل اللغة إلا أنه في الانتصاف نقله عن أبي عبيدة، وقال إنه من قولهم روغ اللقمة إذا غمسها في السمن فاستعملت في لازمها، وهو الإخفاء قال: وهو معنى حسن فكأنه من قرينة المقام لأنّ من يذهب لأهله لتدارك الطعام يكون غالبا كذلك، واليه أشار بقوله: فإنّ من أدب المضيف أن يبادر وفي نسخة يباده، ومعناه يفاجئئ ويبادر أيضا وهو بيان لما تدل عليه الفاء من عدم المهلة، وقوله: يكفه الضيف أي يمنعه من المجيء بالقرى لأنه غير محتاج له أو لا يريده وقوله: حذرا الخ تعليل للخفية، وضمير يكفه للمضيف، وفاعله: الضيف الظاهر لا ضمير مستتر كما توهم. قوله: (وهو) أي هذا الكلام مشعر بكونه أي العجل حنيذاً أي مشويا لأمره باكل منه من غير مهلة، وقوله:
стр. 2835
فقام أي العجل يدرج أي يمشي، وجملة يدرج حال أو مستأنفة، وقوله: يكمل علمه من صيغة المبالغة، وقوله: إذا بلغ قيده به لأنه حين البشارة لا علم ده فضلا عن كماله. قوله: (سارة إلى بيتها الخ) في التفسير الكبير أنهم لما تكلموا في ولادتها استحيت، وأعرضت عنهم متوجهة إلى بيتها فذكره الله بلفظ الإقبال دون الإدبار تأديباً لها فإن صح مثله عن نقل وأثر لا يأباه قوله: قالوا كذلك قال ربك إذ
الخطاب يقتضي الإقبال دون الإدبار كما قيل لأنه يجوز أن يقولوه بمسمع منها، وإن كانت مدبرة إلا أنه استعارة ضدية حينئذ، ولا قرينة هنا تصححها فلا يخفى ضحعفه، وسقوطه، وقوله: على الحال أي من الفاعل لأنه بمعنى صائحة، وقوله: أو المفعول أي مفعول به لأقبلت، وفي فيه زائدة كقوله:
يجرح في عراقيبها نصلي
والتقدير أخذت صيحة، وقيل فيه تسامح لأن أقبل بمعنى شرع من أفعال المقاربة فالمنصوب خبر له لا مفعول، وفيه نظر. قوله: (أي أنا عجوز عاقر فكيف ألد) وعقيم فعيل بمعنى فاعل أو مفعول، وأصل معنى العقم الييس، وقوله مرسلة قيل عليه كان الظاهر على هذا أن يقال من عند ربك، ولذا لم يذكره في الكشاف، وفيه أنه يجوز أن يكون عند ربك معناه أنها في علمه معدة للمسرفين فإنه أحد معناه عند المضافة لله. قوله: (وهو) أي الاستدلال بما في هذه الآية على اتحاد الإيمان، والإسلام بناء على أنّ الاستثناء المفرغ إنما يستقيم إذا اتحد إذ المعنى ما وجدنا فيها بيتاً من بيوت المؤمنين إلا بيتا من المسلمين، وهو ضعيف لأنه إنما يقتضي اتحادهما في الما صدق، ولو مع تغاير مفهوميهما، وما صدقا عليه، وهو من اتبع الرسول، وأجاب دعوته ظاهرا فإنّ من فعل ذلك يقال له مسلم، ومؤمن، واتحاداً لما صدق كالناطق، والإنسان لا يقتضي اتحاد المفهوم، وهو المختلف فيه عند أهل الأصول، والحديث فلا يتم الردّ به على من ذهب إلى تغايرهما تمسكاً بقوله: قل لم تؤمنوا، ولكن قولوا أسلمنا، وتفصيله في الأصول، وشروح البخاري. قوله: (فإنها المعتبرون بها) أي المتعظون بما فيها من العبر ولذا خصت بهم، وإن كانت عامّة، وقوله: وهي أي الآية، وقوله: أو صخر منضود أي بعضه فوق بعض وقع بديارهم أو ماء أسود منتن بأرضهم، وكأنه بحيرة طبرية. قوله:
(عطف على وفي الأرض) آيات للموقنين، وما بينهما اعتراض لتسليته! ر، بوعده بإهلاك الأفاكين كما أهلك قوم لوط ﵊. قوله:) أو وتركنا فيها) أي عطف على قوله، وتركنا فيها بتقدير عامل له أي وجعلنا في موسى، والجملة معطوفة على الجملة أو هو معطوف على فيها من قوله وتركنا فيها آية بتغليب معنى عامل الأوّل أو سلوك طريق المشاكلة في عطفه على الوجوه المذكورة في نحو:
علفتها تبنا وماء بارد!
لأنه لا يصح تسليط الترك بمعنى الإبقاء على قوله، وفي موسى، وما قيل عليه إن فيه
بحثا لأنّ! مقتضى عطفه على فيها تعلقه بتركنا من حيث اللفظ، ولا مغ منه لدلالة الفعل على الماهية، وقوله: تركنا استئناف كلام فاسد لأنه لا بد من تسلط عامل المعطوف عليه لفظاً، ومعنى كما لا يخفى. قوله: (على معنى وجعلنا الخ) قد عرفت أنّ المعطوف إذا لم يصح تسلط عامل المعطوف عليه معنى، وكان ما يقتضيه من العامل بينه، وبين المذكور ملابسة وقرب معنويّ كما في:
متقلداً سيفا ورمحا
وإضرابه فيه للنحاة مذاهب تقدير عامل للثاني والتجوّز في عامل الأوّل، والتسمح في العطف وإلى ذلك أشار المصنف فمن قال: لا حاجة إلى الإضمار ثم أجاب بما أجاب فقد غفل عن تحقيق معنى المسألة وأطال بغير طائل كما أشرنا إليه فلا حاجة إلى بيان خطئه من صوابه، والله أعلم بالصواب. قوله: (هو معجزاته) والسلطان يطلق على ذلك مع شموله للواحد، والمتعدّد لأنه في الأصل مصدر كما مرّ تحقيقه، وقوله: فأعرض عن الإيمان به أي بموسى ﵊، فركنه جانب بدنه وعطفه والتولي به كناية عن الإعراض، والباء للتعدية لأنّ معناه ثنى عطفه أو للملابسة، وقوله: أو فتولى الخ تفسير ثان والركن فيه بمعنى الجيش لأنه يركن إليه، ويتقوى به، والباء للمص! احبة أو للملابسة وكونها للسببية غير وجيه، وضم الكاف اتباعا للراء، وقوله: حصل ذلك أي ما ينسب مثله للجرت، ويظهر على يد بعض الناس فإن كان بعمله الاختياري فهو سحر وألا فهو جنون وهذا بناء على زعمه الفاسد فلا يرد
عليه أنّ السحر ليس من الجن كما بين في محله. قوله: " ت بما يلام عليه) إشارة إلى أنّ الأفعال هنا الإتيان
стр. 2836
بما يقتضي معنى ثلاثيه كأغرب إذا أتى أمرا غريباً فلا وجه لما قيل إنه للنسب، أو للإسناد للسبب، وقوله: من الكفر والعناد إشارة إلى أنّ ما يلام عليه مختلف حاله باعتبار من وصف به فلا يتوهم أنه كيف وصف فرعون بما وصف به ذو النون. قوله: (لأنها أهلكتهم وقطعت دابوهم الخ) يعني أنّ العقيم مستعار استعارة تبعية لما ذكر بتشبيه ما في الريح مما ذكر بما في المرأة مما يمنع حملها لأنّ أصل العقم اليبس المانع من قبول الأثر كما قاله الراغب: وهو فعيل بمعنى فاعل أو مفعول كما مرّ فلما أهلكتهم، وقطعت بالاستثصال نسلهم شبه ذلك الإهلاك بعدم الحمل لما فيه من إذهاب النسل، وهذا هو المراد هنا، وأمّا قوله أو لأنها لم تتضمن منفعة فبيان معنى مجازي آخر للريح العقيم، وهي التي لا تلقح الشجر بزهر، وثمر لا أنه مراد هنا إذ لا يصح أن يقال المراد أرسلنا عليهم ريحا لا نفع فيها فشبه عدم تضمن المنفعة بعقم المرأة، وهو ظاهر فهو بمعنى فاعل من اللازم، والنكباء كل ريح هبت بين ريحين لتنكبها، وانحرافها عن مهالث الرياح المعروفة، وهي رياح متعدّدة لا ريح واحدة، وتفصيله في كتب الأدب، واللغة. قوله: (كالرماد) أصل الرميم من رم إذا بلى ومنه الرماد، والتفتت عطف على البلى عطف تفسير، وقوله: تفسيره الخ يعني أنّ المراد بالحين ما ذكر لأنّ القرآن يفسر بعضه بعضاً، وليس قوله: فعتوا عطفا على قوله لهم حتى يكون العتوّ مترتباً عليه مع أنه مقدم عليه كما يشير إليه قوله: بعد الثلاث بل تفصيل لقصتهم كأنه قيل، وفي قصة ثمود الواقعة في زمان قيل لهم فيه ذللث، وهي أنهم عتوا الخ، وقوله: أي العذاب لأنّ أخذ الصاعقة، وإهلاكها لهم هو العذاب الحال بهم المعهود، والمرّة من الصعق بمعنى الصاعقة أيضاً أو الصيحة. قوله: (ما يقوم به إذا عجز عن دفعه) فهو معنى مجازيّ أو كناية شاعت فيه حتى التحقت
بالحقيقة، وقوله: عطفاً على محل في عاد لأنه أوّل قصص الإهلاك هنا، وإذا تعدد العطف فهل يعطف على الأوّل أو ك! ، على ما يليه قولان لأهل العربية اختار المصنف أوّلهما، وعلى الثاني هو معطوف على قوله في ثمود فلا وجه للجزم به هنا، وقوله: بالكفر الخ فليس المراد المعنى المشهور لأنّ أصله الخروج مطلقا كما مرّ مراراً. قوله: (بقوّة) لأنّ الأيد، والأدّ القوّة وليس جمع يد كما يتوهم، وإن صحت التورية به، وقوله: لقادرون من الوسع بمعنى الطاقة وفسره به لأنّ هذه الجملة الحالية المؤكدة لتذييل ما قبلها بإثبات سعة قدرته، وشمولها لكل شيء فضلاً عن السماء. قوله: (أو لموسعو ١، السماء أو ما بينها وبين الأرض) فالسعة مكانية، وهو تتميم أيضاً لما قبله، وقوله: أو الرزق أي بالأمطار كما نقل عن الحسن، وهو مبنيّ على أنّ السياق للامتنان على العباد لا لبيان القدرة فيكون إشارة لما مرّ في قوله وفي السماء رزقكم فناسب تفسيره بما ذكر، وقوله: مهدناها أي فالفرس مجاز عن البسط والتسوية وقوله: أي نحن إشارة إلى أنه المخصوص بالمدح المقدّر هنا. قوله: (من الأجناس الما كان الزوج بمعنى الصنف أو النوع لزم أن يكون الشيء هو الجنس الشامل له، وقوله: فتعلموا أنّ التعدّد أي بالذات أو بالتركب من الأجزاء يستلزم الإمكان على ما قرّره المتكلمون في برهان وحدته تعالى، وقد قيل المراد التذكر بما ذكر لأمر الحشر والنشر لأنّ من قدر على إيجادها كذلك قدر على إعادتها كما مرّ وله وجه. قوله: (من عقابه بالإيمان الخ) يعني أنّ الأمر بالفرار من العقاب المراد به الأمر بالإيمان، والطاعة لأنه لأمنه من العقاب بالطاعة كأنه فرّ لمأمنه فهو استعارة تمثيلية، وقوله: من عذابه أي عقابه فالضمير للمضاف المقدر فيما قبله أو لله بتقدير مضاف هنا، وقوله: بين الخ على أنه من أبان اللازم أو المتعدّي، ومفعوله على الثاني محذوف كما أشار إليه بقوله: مبين ما يجب الخ. قوله: " فراد الخ) هو الشرك الذي هو أكبر الكبائر فتغاير ما ترتب عليه، ووقع تعليلاَ له بمنزلة تغايره، ومثله: يكفي لعدم عدّه مكرّرا إلا أنه يرد عليه أنّ الإشرالى داخل في ترك الايمان، والطاعة، وذكر الخاص بعد العام يعد تكراراً أيضا، وما قيل في دفعه بأنه ليس من التكرير للتأكيد إذ الإيعاد على المجموع لا يستلزم الإيعاد على بعضه لا
يخلو من الكدر فتدبر، وترك قول الزمخشريّ أنّ في التكرير دليلاَ على أنّ الإيمان بدون العمل لا يعتد به لابتنائه على الاعتزال، وما في دلالة التكرير عليه من البطلان الغني عن البيان. فوله: (أي الأمر) في الأمم السابقة مثل ذلك فكذلك
стр. 2837
خبر مبتدأ محذوف، وقوله: إلى تكذيبهم أي كفار قريش، وقوله: نصبه بأتى على أن يكون صفة لمصدره وذلك بمعنى الإتيان، وقوله: أو ما يفسره وهو أتى آخر مقدّو على شريطة التفسير لأنّ ما لا يعمل لا يفسر عاملا في ذلك الباب كما صرّح به النحاة ففاعل يفسر ضمير أتى ومفعوله ضمير ما، وقيل الضمير البارز لذلك والمراد بما فسره قالوأ، والإشارة على هذا للقول، والمعنى إلا قالوا ساحر أو مجنون قولاً مثل ذلك القول ولا يخفى أنه مع تعسفه ليس مراداً للمصنف ﵀. قوله: (كان الأوّلين والآخرين الخ) فالاستفهام للتعجيب من تواردهم على ذلك لا للإنكار سواء كان بمعنى لم وقع أو لم يقع لأنه لا وجه له بوجهيه فلا وجه لتجويزه هنا، وقوله: لتباعد أيامهم متعلق بإضراب، وقوله: ولا تاع التذكير فالأمر للدوام عليه لئلا يكون تحصيلاَ للحاصل، وقوله: من قدر الله إيمانه وأمّا المؤمن بالفعل فهو متذكر فالمؤمن بمعنى المشارف والمستعدّ للإيمان، وقوله: أو من آمن فهو على حقيقته، والمراد بالانتفاع زيادته، وزيادة التبصر به. قوله: (لما خلقهم الخ (لا يخفى أنه إن قيل بأن أفعاله تعالى لا تعلل بالأغراض أو قيل به بناء على أنها يترتب عليها حكم ومصالح أرادها الله منها لا على الاستكمال بها يحتاج هذا للتأويل أمّا على الأوّل فظاهر، وأمّا على الثاني فلأنها لا تترتب على الخلق بالنسبة إلى الجميع، وحاصله كما قرّره بعض فضلاء عصرنا أنّ الآية بظاهرها دالة على أنّ العبادة هي الغاية المطلوية من الخلق الباعثة عليه، وهو مخالف لما تدلّ عليه الأدلة العقلية من عدم كون أفعاله معللة بالأغراض، وكون جميع المقدورات من الإيمان، والكفر والخير والثرّ، والطاعة والعصيان، وغيرها واقعة بقدرته، وارادته، وكان ذلك أيضاً منافياً لظاهر قوله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ١٧٩] الدال على إرادة المعاصي ليستحقوا بها العذاب، وعذاب جهنم، وهذا أيضاً مبنيّ على أنّ غاية فعل الفاعل المختار مرادة له أيضاً فلذا أوّلها المصنف بما سنبينه
لك إن شاء الله تعالى. قوله: (على صورة متوجهة إلى العبالة الخ) المراد بالصورة الصفة، والحالة كما يقال صورة المسألة كذا، ومعنى كونها متوجهة، ومقبلة لها كما في بعض النسخ أنها مقتضية لذلك مقبلة بوجوه الاستعداد عليها، والمعنى أنه ركب فيهم عقولاً وخلق لهم حواس ظاهرة، وباطنة لو خليت، ونفسها عرفت صانعها وانقادت له كما في الحديث. قوله: (كل مولود يولد على الفطرة) فشبه اقتضاء حالهم لما ذكر بجعلها غاية له واستعمل فيه ما وضع له، وهو اللام بطريق الاستعارة التبعية. قوله: (مغلبة لها) كذا في بعض النسخ وفي بعضها مقبلة لها، ومرّ تفسيره، وأمّا على هذه، وهي بزنة الفاعل من التغليب فالمعنى أنّ تلك الصفة تغلب العبادة على غيرها مما ركب فيهم من صفات النفس الأمارة كالغضب، والشهوة كما قيل. قوله: (جعل خلقهم منيي بها مبالنة في ذلك) يعني أنه مع أنه ليس غاية جعل غاية لما مرّ فهو استعارة لتشبيه المعدّ له الشيء بالغاية قيل، وهو شائع في الظروف كما يقال للقويّ جسمه هو مخلوق للمصارعة، وفي الكشف أنّ أفعاله تعالى تنساق إلى الغايات الكمالية، وهو ما وضع له اللام، والإرادة له ليس من مقتضى لام الغاية إلا إذا علم أنّ الباعث مطلوب في نفسه فهي على حقيقتها، ولا تحتاج إلى تأويل فإنهم خلقوا بحيث يتأتى منهم العبادة وهدوا إليها وجعلت تلك غاية كمالية لخلقهم، وتعوّض بعضهم عن الوصول إليها لا يمنع كون الغاية غاية وهذا معنى مكشوف اهـ، ولا يخفى ما فيه وأنّ كون الغاية لا يلزم أن تكون مرادة للفاعل المختار خلاف ما يشهد له العقل فإنّ الغرض ما يقصد من الفعل فتأمّل. قوله: (مع أنّ الدليل يمنمه أليس المراد بالدليل ما تقرّر من أنّ أفعاله تعالى لا تعلل بالأغراض كما قيل لأنه لا دليل على منعه فقد ذهب إليه كثير من المحدثين، والأدلة على خلافه كثيرة كما يدل عليه كثير من الآيات، والأحاديث، وإنما المراد أنّ الدليل قائم على أنّ الله تعالى لم يخلق الخلق لأجل العبادة أي لإرادة العبادة منهم إذ لو أواد العبادة منهم لم يتخلف ذلك وقد قام الدليل على التخلف بالمشاهدة، واستلزام الإرادة الإلهية للمراد، وقد قام الدليل عليه في الأصول. قوله: (لنا في ظاهر قوله الخ) إنما قال ظاهر قوله: لأنه يحتمل أن يكون لام لجهنم لام العاقبة فلا ينافي كونها ليست بعلة، وقوله: وقيل الخ هذا منقول عن ابن عباس وعليّ ﵃ فالمعنى إلا لآمرهم
стр. 2838
وادعوهم إلى العبادة فهو كقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [سورة البينة، الآية: ٥] فذكر العبادة المسببة شرعاً عن الأمر أو اللازمة وأراد سببها أو ملزومها فهو مجاز مرسل، وقيل: أراد المؤمنين من جنسي الجن، والإنس، وعن مجاهد أن معنى ليعبدون
ليعرفوني، واختاره الإمام. قوله: (أو ليكونوا عبادا لي) قيل عليه أنّ عبد بمعنى صار عبداً ليس من اللغة في شيء إلا أن يقال إنه من عبد بمعنى خدم وخضع، والخدمة والخضوع من لوازم العبودية فهو مجاز مرسل، وفيه نظر. قوله: (أي ما أريد أن أصرفكم في تحصيل) كان مقتضى الظاهر أن أصرفهم، وفليشتغلوا بما هم الخ. فكأنه نظر إلى أنهم، وإن ذكروا بطريق الغيبة إعراضاً عنهم، وتبعيداً عن ساحة الخطاب إلا أنّ أسماعهم مقصود هنا فكأنهم مخاطبون فلذا جوّز تقدير قل قبله فتدبر. قوله: (كالمخلوقين له والمأمورين به) بالجرّ في النسخ عطفا على المشبه لكنهم كما قيل مأمورون حقيقة لا مشبهون بهم فالصواب رفعه عطفا على الكاف، وتوجيهه بأنه مرفوع لكنه جزد مجاورته للمجرور مع فصله بقوله له تكلف لا يخفى بعده، وأقرب منه أن يراد أنهم هنا كالمأمورين لأنه لم يصرّح هنا بأمرهم فتدبر. قوله: (ويحتمل أن يقدر بقل) والغيبة فيه رعاية للحكاية فإن مثله يجوز فيه الغيبة، والخطاب، وقد قرئ بهما في قوله: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ١٢] وقد مرّ توجيهه ومن غفل عنه اعترض عليه بأنّ الغيبة لا تلائمه في المقامين وقيل المراد قل لهم وفي حقهم فتلائمه الغيبة في منهم، ويطعمون، ولا ينافيه قراءة أنا الرزاق لأنه تعليل للأمر با اغول أو الائتمار لا لعدم الإرادة فتدبر. قوله: (كل ما يفتقر إلى الرزق) عبر بما لأنها عامة في العقلاء وغيرهم فإن اختصت بغير العقلاء فهو لتغليبهم لكثرتهم، وفيه إشارة لمفاد صيغة المبالغة، وحذف المفعول وقوله: باستغنائه عنه أي عن الرزق لأنه لا رازق غيره فهو الغني عما سواه وما سواه مفتقر له. قوله: (شديد القوّة) فذكره بعد ذكر القوّة تأسيس لا تأكيد، ووصف القوّة به مع تذكيره لتأويلها بالاقتدار أو لكونه على زنة المصادر التي يستوي فيها المذكر، والمؤنث أو لإجرائه مجرى فعيل بمعنى مفعول، وجعله صفة ذو جرّاً على الجوار ضعيف، وفي وصفه بالقوّة والمتانة إشارة إلى كمال اقتداره، وقوله: ظلموا رسول الله من العهد الذي في الصلة. قوله: (نصيباً من العذاب (أصل الذنوب الدلو العظيمة الممتلئة ماء أو القريبة من الامتلاء، وهي تذكر وتؤنث وجمعها أذنبة وذنابيب فاستعيرت للنصيب مطلقا شرّاً كالنصيب من العذاب في الآية أو خيراً كما! ى العطاء في قوله:
فحق لشاس من نداك ذنوب
وهو مأخوذ من مقاسمة ماء البئر فيعطي لهذا ذنوب، ولآخر مثله كما بينه المصنف رحمه
الله، وقوله عن النبيّ ﷺ الحديث موضوع وخص المعدود به بالرياح لذكرها في أوّل السورة تمت السورة بحمد الملك العلام والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه الكرام.
سورة والطور
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (مكية الم يستثن منها شيء واختلف في عدد الآيات فقيل: سبع، وقيل: ثمان وقيل: تسع، وأربعون والاختلاف في قوله والطور إلى قوله: دعا وسيأتي، وقوله: يريد طور سينين فإنه يضاف إليه، والى سيناء لتمييزه عن الطور الملاصق لبيت المقدس المعروف بطور زيتا، ومدين هي أرض شعيب ﵊، وقوله: سمع الخ إشارة إلى وجه عطف الكتاب عليه لما بينهما من المناسبة التي لولاها لم يحسن العطف وقوله: بالسريانية هي أقدم اللغات، وهذا قول بعضهم، والذي عليه الجمهور إنها لغة عربية غير معرّية وقوله: أو ما طار الخ. فهو اسم من الطيران، والمراد بما طاو الأرواح كما قيل: فالطيران استعارة لتنزلها عن عالم القدس، والملكوت وأوج الإيجاد استعارة له أيضا، وحضيض الموادّ استعارة لعالم الملك أو هو من قبيل لجين الماء فالحضيض المواذ لكن استعمال الطور بهذا المعنى لم يعهد فكأنه من البطون، والأوح العلو، والعالي من صوب السماء، وضده الحضيض، وقيل: إنه معرّب. قوله: (ترتيب الحروف المكتوبة)
стр. 2839
هذا معناه المصدري، ويكون اسما للحروف المسطورة أيضا فلذا فال، والمراد به القرآن على إرادة الخاص من العام، وهو مجاز أيضا، وقوله: أو ما كتبه الله فالكتاب بمعنى المكتوب كما مرّ تحقيقه، وقوله: أو ألواح موسى بالرفع عطف على القرآن أو بالجرّ عطف على اللوح، وهو الظاهر، وقوله: أو في قلوب أوليائه معطوف على قوله في اللوح، وكونه مكتوباً في القلوب استعارة لثبوت صورته فيها، وقوله: أو ما تكتبه الحفظة معطوف على ما كتبه الله، ولما كان ما في اللوح المحفوظ أزلياً عبر عنه بالماضي بخلاف ما تكتبه الحفظة فإنه مستمرّ في المستقبل، ولذا عبر عنه بالمضارع. قوله: (استعير لما كتب فيه الكياب) إن أريد الاسنعارة اللغوية، وهو الظاهر فهو مجاز مرسل كالمشفر وإلا فيشبه فيه ما يكتب فيه من الألواح وغيرها بالرق بعلاقة محلية الكتابة، والأوّل أولى. قوله: (وتنكبرهما) أي تنكير كتاب ورق للتعظيم فإنه أحد مدلولاته كما بين في المعاني،
والأشعار بأنهما ليسا من جنس ما تعاوفه الناس باعتبار أنّ التنكير يقتضي عدم التعيين، وما هو متعارف معين ولو جعل هذا معنى آخر للتنكير كان أحسن، وهذا إذا لم يكن المراد القرآن ظاهر أما إذا أريد ذلك فعدم تعارفه باعتبار أنه ليس من جنس كلام البشر بقطع النظر عن النقش أو الكتابة أو بالنظر إليها فالكتابة ليست الكتابة المعهودة بل كتابة الملائكة ونحوها، وتفسيره بالكتابة في قلب الملك أو الرسول تعسف. قوله: (وعمارنها بالحجاج والمجاورين) عند.، وهو مجاز معروف يقال مكان معمور بمعنى مأهول مسكون تحل الناس في محل هو فيه، وقوله: أو الضراح بضم الضاد المعجمة بعدها راء مهملة، ثم ألف وحاء مهملة، وهو البيت المعمور سمي به لاشتقاقه من المضارحة، وهي المقابلة يقال: ضارح صاحبك في الرأي أي قابله سمي بذلك لكونه مقابلاَ للكعبة، ولذا سمي لحد القبر ضريحا كما قال المعري:
وقد بلغ الضراح وساكنيه ثناك وزار من سكن الضريحا
وقيل: هو من الضرح، وهو البعد سمي به لارتفاعه وبعده عن الناس. قوله: (وهو في السماء الرابعة) وفي الكشف ما في الحديث الصحيح من أنه في السماء السابعة (١١ لا ينافي هذا فقد ثبت أنّ في كل سماء بحبال الكعبة في الأرض بيتاً وأما الذي كان في زمن آدم ﵊ فرفع بعد موته فهو في الرابعة كما نقله الأزرقي في تاريخ مكة فهذا هو المراد وما وقع في الحديث محمول على غيره فلا يعارضه كما توهم لتعدد البيت المعمور بمعنى الضراج الكائن في السماء فالقول بأنه لا يدفلأع التنافي مكابرة. قوله: (وعمرانه كثرة غاشيتة) هذا على التفسير الثاني، والغاشية الطائفة الواردة عليه من الملائكة، وقوله: المملوء سجر معناه ملأ وكونه البحر المحيط حينئذ ظاهر، وجعل البحار نارالم ٣) أي محلاً للنار فالبحر كالنهر في الأصل بمعنى الشق يطلق على الأرض المشقوقة، وقوله: أو المختلط المراد تلاقي البحار بمياهها،
واختلاط بعضها ببعض، وقيل: المراد اختلاطها بحيوانات الماء وما له من دافع خبر ثان لأنّ أو صفة لواقع أو هو جملة معترضة. قوله: (ووجه دلالة هله الأمور المقسم بها على ذلك) أي على وقوع العذاب من غير دافع له بناء على أنّ القسم في أمثاله مثبت للمقسم عليه كما مرّ والدال على كمال القدرة السماء، وا. ر والجبال المذكورة لا البيت المعمور، وإن صح فلا حاجة إلى ما تكلف له من غير داع، وكمال الحكمة يدل على ذلك أيضاً لما في عجائب تلك المصنوعات من الحكم المشاهدة، وصدق إخباره لكون البيت معمورا كما أخبر بالحجاج، والمجاورين إلى يوم الدين، وضبط الأعمال لكتابتها في صحف الأعمال، واللوح المحفوظ، وهذا كله يدل على ما ذكر من الوقوع وأنه كائن غير مدفوع. قوله: (تضطرب) اضطراباً أي ترتج وهي في مكانها، وقوله: والمور الخ هو أصل معناه، والمراد به ما ذكر، والتموّح حركة الموج، وقوله: ويوم ظرف أي منصوب على الظرفية لأنه مفعول فيه وناصبه واقع أو دافع أو معنى النفي، وإيهام أنه لا ينبغي دفعه في غير ذلك اليوم بناء على اعتبار المفهوم لا ضير فيه لأنه غير مخالف للواقع لأنه أمهلهم في الدنيا، وما أمملهم. قوله: (تسير عن وجه الآرض الخ) كما في قوله: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثًّا﴾ [سورة الواقعة، الآية: ٥] وقوله: إذا وقع ذلك يشير إلى أنّ الفاء فصيحة في جواب شرط
стр. 2840
مقدّر، وقوله في الباطل إشارة إلى أنّ الخوض في الأصل المشي في الماء فتجوّز به عن الشروع، ثم غلب في الباطل كالإحضار حيث خص بالعذاب، وإن كان وضعه عاماً، وقوله: يدفعون أي يلقون، ويطرحون ومعنى الدع ما ذكره، وقوله: فيكون دعا حالاً بمعنى مدعوعين، وهي حاك مقدّرة لأنّ الدفع بعد الدعوة، وقيل: إنها مقارنة بإجراء قرب الوقوع مجرى المقارنة، ولذا لم يقل المصنف مقدّرة، وفيه نظر وهو على هذه القراءة وعلى القراءة السابقة كان مفعولاً مطلقاً. قوله: (أو ظرف لقول مقدّر) والمحكيّ بذلك المقدر قوله: هذه النار إلى قوله: تعملون فمحكيه مبتدأ خبره قوله هذه النار
الخ، وقوله: كنتم تقولون الخ المصداق بالكسر ما يظهر به صدق الشيء كوقوع العذاب المصدق لما أخبر به الوحي، وفيه إشارة إلى أنّ الفاء للسببية لتسبب هذا عما قالوه في الوحي. قوله: (أم سدّت أبصاركم الخ) كأنه لم يقل أي أم سدّت الخ بحرف التفسير كما هو المتبادر لأنه قصد أنه معادل لقوله: ﴿أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ على أنّ المعنى أسحرتم أم عميت أعينكم أم سدت فتأمّل، وقوله: دخلوها إشارة إلى أنّ الصلي مجاز عن الدخول فيها، وقوله: أي الأمران الخ فسواء خبر مبتدأ مقدر تقديره الأمران سواء، والمراد بالأمرين الصبر، وعدمه، ولا يجوز كونه فاعلاً لأنّ ضمير المثنى لا يستتر كما لا يجوز كونه خبرا، وسواء مبتدأ لما فيه من الأخبار عن النكرة بالمعرفة فمن قال: إنّ كلام المصنف محتمل لهذه الوجوه لم يصب. قوله: (لما كان الجزاء واجب الوقوع) أي متحتم الوقوع لسبق الوعيد به، وقضائه به بمقتضى عدله فليس مبنياً على أنه يجب على الله تعذيب العصاة كما يتوهمه بعض القاصرين، وقوله: في أية جنات الخ يعني أنّ التنوين للتعظيم. قوله: (مخصوصة بهم) على أنّ التنوين للنوعية إذ التنوين لا يفيد الاختصاص، والقول بأنه أراد أنه عوض عن المضاف إليه أي جناتهم ونعيمهم ليس بقويّ عند أهل العربية لأنه إنما يجري في الظروف كيومئذ وكل، وبعض وقوله: ناعمين اسم فاعل من النعيم لا من النعومة، وقوله: متلذذين تفسير له. قوله: (والظرف) يعني قوله: في جنات ونعيم فإن كان مستقرّا ففاكهين حال من المضمر المستتر فيه فعلى هذه القراءة فاكهون خبره والظرف متعلق به لكنه قدّم عليه، ويجوز أن يكون خبرا بعد خبر، وليس المراد بالظرف بما آتاهم الخ فإنه لغو على كل حال. قوله: " ن جعل ما مصدرية الأنها لو كانت موصولة خلا المعطوف على الصلة عن العائد إلى الموصول بحسب الظاهر المتبادر، وقيل: يجوز أن يكون التقدير وقاهم به عذاب الجحيم على أنّ الباء للملابسة، وقد يدفع فتأمّل. قوله: (أو في جنات) أي عطف على قوله في جنات إذا كان خبراً، وقوله: من المستسكن في الظرف، وهو ضمير المتقين المستتر فيه أو الحال أي حال من الضمير المستكن في الحال، وهو فاكهين وفي نسخة
أو الحال في فاعل آتى أو مفعوله أو منهما من غير تعرض للحال من الحال. وقوله: أي أكلا الخ. فهنيأ منصوب على المصدرية لأنه صفة مصدر مقدّر أو على أنه مفعول به، وعلى كليهما فقد تنازعه الفعلان، وقوله: لا تنغيص فيه أي لا تكدير فيه. قوله: (وقيل الباء زائدة الخ) مرضه لأنّ زيادة الباء في غير فاعل كفى لم تعهد، وهي مما لا يقاس يعني في! النفي، والاشفهام، وأمّا زيادتها في مفعول علم، وفي المبتدأ نحو بحسبك فغيروا رد لأنه ليس مما نحن فيه! إذ المراد زيادتها في الفاعل لا في مطلق الزيادة وعليه أيضاً يحتاج إلى تقدير مضاف أي جزاء ما كنتم الخ، وهو تكلف. قوله: (الباء لما في التزوبج الخ) يعني أنه متعد بنفسه لمفعولين، وعدّى بالباء لتأويله بما ذكر، وفي المغرب قال ابن السكيت: تقول العرب زوجته إياها، وتزوّجت امرأة وأمّا قوله تعالى: ﴿وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾ فمعناه قرناهم، وقال الفراء: تزوّجت بامرأة لغة أزد شنوءة وعليه استعمال الفقهاء انتهى، والى ما ذهب إليه! ابن السكيت أشار المصنف، وعلى قول الفراء لا يحتاج إلى التأويل. قوله: (من معنى الوصل والإلصاق) يع! ني أنّ الباء للتعدية لتضمينه معنى الوصل والإلصاق، وقوله: أو للسببية معطوف على قوله لما في التزويج الخ. فهي على هذا ليست للتعدية، وأزواجا بمعنى مؤتلفين من ذكر وأنثى مشتهين، وقوله: إذ المعنى الخ يعني أنّ التزويج على هذا ليس بمعنى الإنكاج بل بمعنى تصييرهم زوجين زوجين فلا يكون متعديا لاثنين. قوله: (أو لما في التزويج من
следующие страницы →