Полный текст (3 156 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.
стр. 2836
بما يقتضي معنى ثلاثيه كأغرب إذا أتى أمرا غريباً فلا وجه لما قيل إنه للنسب، أو للإسناد للسبب، وقوله: من الكفر والعناد إشارة إلى أنّ ما يلام عليه مختلف حاله باعتبار من وصف به فلا يتوهم أنه كيف وصف فرعون بما وصف به ذو النون. قوله: (لأنها أهلكتهم وقطعت دابوهم الخ) يعني أنّ العقيم مستعار استعارة تبعية لما ذكر بتشبيه ما في الريح مما ذكر بما في المرأة مما يمنع حملها لأنّ أصل العقم اليبس المانع من قبول الأثر كما قاله الراغب: وهو فعيل بمعنى فاعل أو مفعول كما مرّ فلما أهلكتهم، وقطعت بالاستثصال نسلهم شبه ذلك الإهلاك بعدم الحمل لما فيه من إذهاب النسل، وهذا هو المراد هنا، وأمّا قوله أو لأنها لم تتضمن منفعة فبيان معنى مجازي آخر للريح العقيم، وهي التي لا تلقح الشجر بزهر، وثمر لا أنه مراد هنا إذ لا يصح أن يقال المراد أرسلنا عليهم ريحا لا نفع فيها فشبه عدم تضمن المنفعة بعقم المرأة، وهو ظاهر فهو بمعنى فاعل من اللازم، والنكباء كل ريح هبت بين ريحين لتنكبها، وانحرافها عن مهالث الرياح المعروفة، وهي رياح متعدّدة لا ريح واحدة، وتفصيله في كتب الأدب، واللغة. قوله: (كالرماد) أصل الرميم من رم إذا بلى ومنه الرماد، والتفتت عطف على البلى عطف تفسير، وقوله: تفسيره الخ يعني أنّ المراد بالحين ما ذكر لأنّ القرآن يفسر بعضه بعضاً، وليس قوله: فعتوا عطفا على قوله لهم حتى يكون العتوّ مترتباً عليه مع أنه مقدم عليه كما يشير إليه قوله: بعد الثلاث بل تفصيل لقصتهم كأنه قيل، وفي قصة ثمود الواقعة في زمان قيل لهم فيه ذللث، وهي أنهم عتوا الخ، وقوله: أي العذاب لأنّ أخذ الصاعقة، وإهلاكها لهم هو العذاب الحال بهم المعهود، والمرّة من الصعق بمعنى الصاعقة أيضاً أو الصيحة. قوله: (ما يقوم به إذا عجز عن دفعه) فهو معنى مجازيّ أو كناية شاعت فيه حتى التحقت
بالحقيقة، وقوله: عطفاً على محل في عاد لأنه أوّل قصص الإهلاك هنا، وإذا تعدد العطف فهل يعطف على الأوّل أو ك! ، على ما يليه قولان لأهل العربية اختار المصنف أوّلهما، وعلى الثاني هو معطوف على قوله في ثمود فلا وجه للجزم به هنا، وقوله: بالكفر الخ فليس المراد المعنى المشهور لأنّ أصله الخروج مطلقا كما مرّ مراراً. قوله: (بقوّة) لأنّ الأيد، والأدّ القوّة وليس جمع يد كما يتوهم، وإن صحت التورية به، وقوله: لقادرون من الوسع بمعنى الطاقة وفسره به لأنّ هذه الجملة الحالية المؤكدة لتذييل ما قبلها بإثبات سعة قدرته، وشمولها لكل شيء فضلاً عن السماء. قوله: (أو لموسعو ١، السماء أو ما بينها وبين الأرض) فالسعة مكانية، وهو تتميم أيضاً لما قبله، وقوله: أو الرزق أي بالأمطار كما نقل عن الحسن، وهو مبنيّ على أنّ السياق للامتنان على العباد لا لبيان القدرة فيكون إشارة لما مرّ في قوله وفي السماء رزقكم فناسب تفسيره بما ذكر، وقوله: مهدناها أي فالفرس مجاز عن البسط والتسوية وقوله: أي نحن إشارة إلى أنه المخصوص بالمدح المقدّر هنا. قوله: (من الأجناس الما كان الزوج بمعنى الصنف أو النوع لزم أن يكون الشيء هو الجنس الشامل له، وقوله: فتعلموا أنّ التعدّد أي بالذات أو بالتركب من الأجزاء يستلزم الإمكان على ما قرّره المتكلمون في برهان وحدته تعالى، وقد قيل المراد التذكر بما ذكر لأمر الحشر والنشر لأنّ من قدر على إيجادها كذلك قدر على إعادتها كما مرّ وله وجه. قوله: (من عقابه بالإيمان الخ) يعني أنّ الأمر بالفرار من العقاب المراد به الأمر بالإيمان، والطاعة لأنه لأمنه من العقاب بالطاعة كأنه فرّ لمأمنه فهو استعارة تمثيلية، وقوله: من عذابه أي عقابه فالضمير للمضاف المقدر فيما قبله أو لله بتقدير مضاف هنا، وقوله: بين الخ على أنه من أبان اللازم أو المتعدّي، ومفعوله على الثاني محذوف كما أشار إليه بقوله: مبين ما يجب الخ. قوله: " فراد الخ) هو الشرك الذي هو أكبر الكبائر فتغاير ما ترتب عليه، ووقع تعليلاَ له بمنزلة تغايره، ومثله: يكفي لعدم عدّه مكرّرا إلا أنه يرد عليه أنّ الإشرالى داخل في ترك الايمان، والطاعة، وذكر الخاص بعد العام يعد تكراراً أيضا، وما قيل في دفعه بأنه ليس من التكرير للتأكيد إذ الإيعاد على المجموع لا يستلزم الإيعاد على بعضه لا
يخلو من الكدر فتدبر، وترك قول الزمخشريّ أنّ في التكرير دليلاَ على أنّ الإيمان بدون العمل لا يعتد به لابتنائه على الاعتزال، وما في دلالة التكرير عليه من البطلان الغني عن البيان. فوله: (أي الأمر) في الأمم السابقة مثل ذلك فكذلك
стр. 2837
خبر مبتدأ محذوف، وقوله: إلى تكذيبهم أي كفار قريش، وقوله: نصبه بأتى على أن يكون صفة لمصدره وذلك بمعنى الإتيان، وقوله: أو ما يفسره وهو أتى آخر مقدّو على شريطة التفسير لأنّ ما لا يعمل لا يفسر عاملا في ذلك الباب كما صرّح به النحاة ففاعل يفسر ضمير أتى ومفعوله ضمير ما، وقيل الضمير البارز لذلك والمراد بما فسره قالوأ، والإشارة على هذا للقول، والمعنى إلا قالوا ساحر أو مجنون قولاً مثل ذلك القول ولا يخفى أنه مع تعسفه ليس مراداً للمصنف ﵀. قوله: (كان الأوّلين والآخرين الخ) فالاستفهام للتعجيب من تواردهم على ذلك لا للإنكار سواء كان بمعنى لم وقع أو لم يقع لأنه لا وجه له بوجهيه فلا وجه لتجويزه هنا، وقوله: لتباعد أيامهم متعلق بإضراب، وقوله: ولا تاع التذكير فالأمر للدوام عليه لئلا يكون تحصيلاَ للحاصل، وقوله: من قدر الله إيمانه وأمّا المؤمن بالفعل فهو متذكر فالمؤمن بمعنى المشارف والمستعدّ للإيمان، وقوله: أو من آمن فهو على حقيقته، والمراد بالانتفاع زيادته، وزيادة التبصر به. قوله: (لما خلقهم الخ (لا يخفى أنه إن قيل بأن أفعاله تعالى لا تعلل بالأغراض أو قيل به بناء على أنها يترتب عليها حكم ومصالح أرادها الله منها لا على الاستكمال بها يحتاج هذا للتأويل أمّا على الأوّل فظاهر، وأمّا على الثاني فلأنها لا تترتب على الخلق بالنسبة إلى الجميع، وحاصله كما قرّره بعض فضلاء عصرنا أنّ الآية بظاهرها دالة على أنّ العبادة هي الغاية المطلوية من الخلق الباعثة عليه، وهو مخالف لما تدلّ عليه الأدلة العقلية من عدم كون أفعاله معللة بالأغراض، وكون جميع المقدورات من الإيمان، والكفر والخير والثرّ، والطاعة والعصيان، وغيرها واقعة بقدرته، وارادته، وكان ذلك أيضاً منافياً لظاهر قوله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ١٧٩] الدال على إرادة المعاصي ليستحقوا بها العذاب، وعذاب جهنم، وهذا أيضاً مبنيّ على أنّ غاية فعل الفاعل المختار مرادة له أيضاً فلذا أوّلها المصنف بما سنبينه
لك إن شاء الله تعالى. قوله: (على صورة متوجهة إلى العبالة الخ) المراد بالصورة الصفة، والحالة كما يقال صورة المسألة كذا، ومعنى كونها متوجهة، ومقبلة لها كما في بعض النسخ أنها مقتضية لذلك مقبلة بوجوه الاستعداد عليها، والمعنى أنه ركب فيهم عقولاً وخلق لهم حواس ظاهرة، وباطنة لو خليت، ونفسها عرفت صانعها وانقادت له كما في الحديث. قوله: (كل مولود يولد على الفطرة) فشبه اقتضاء حالهم لما ذكر بجعلها غاية له واستعمل فيه ما وضع له، وهو اللام بطريق الاستعارة التبعية. قوله: (مغلبة لها) كذا في بعض النسخ وفي بعضها مقبلة لها، ومرّ تفسيره، وأمّا على هذه، وهي بزنة الفاعل من التغليب فالمعنى أنّ تلك الصفة تغلب العبادة على غيرها مما ركب فيهم من صفات النفس الأمارة كالغضب، والشهوة كما قيل. قوله: (جعل خلقهم منيي بها مبالنة في ذلك) يعني أنه مع أنه ليس غاية جعل غاية لما مرّ فهو استعارة لتشبيه المعدّ له الشيء بالغاية قيل، وهو شائع في الظروف كما يقال للقويّ جسمه هو مخلوق للمصارعة، وفي الكشف أنّ أفعاله تعالى تنساق إلى الغايات الكمالية، وهو ما وضع له اللام، والإرادة له ليس من مقتضى لام الغاية إلا إذا علم أنّ الباعث مطلوب في نفسه فهي على حقيقتها، ولا تحتاج إلى تأويل فإنهم خلقوا بحيث يتأتى منهم العبادة وهدوا إليها وجعلت تلك غاية كمالية لخلقهم، وتعوّض بعضهم عن الوصول إليها لا يمنع كون الغاية غاية وهذا معنى مكشوف اهـ، ولا يخفى ما فيه وأنّ كون الغاية لا يلزم أن تكون مرادة للفاعل المختار خلاف ما يشهد له العقل فإنّ الغرض ما يقصد من الفعل فتأمّل. قوله: (مع أنّ الدليل يمنمه أليس المراد بالدليل ما تقرّر من أنّ أفعاله تعالى لا تعلل بالأغراض كما قيل لأنه لا دليل على منعه فقد ذهب إليه كثير من المحدثين، والأدلة على خلافه كثيرة كما يدل عليه كثير من الآيات، والأحاديث، وإنما المراد أنّ الدليل قائم على أنّ الله تعالى لم يخلق الخلق لأجل العبادة أي لإرادة العبادة منهم إذ لو أواد العبادة منهم لم يتخلف ذلك وقد قام الدليل على التخلف بالمشاهدة، واستلزام الإرادة الإلهية للمراد، وقد قام الدليل عليه في الأصول. قوله: (لنا في ظاهر قوله الخ) إنما قال ظاهر قوله: لأنه يحتمل أن يكون لام لجهنم لام العاقبة فلا ينافي كونها ليست بعلة، وقوله: وقيل الخ هذا منقول عن ابن عباس وعليّ ﵃ فالمعنى إلا لآمرهم
стр. 2838
وادعوهم إلى العبادة فهو كقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [سورة البينة، الآية: ٥] فذكر العبادة المسببة شرعاً عن الأمر أو اللازمة وأراد سببها أو ملزومها فهو مجاز مرسل، وقيل: أراد المؤمنين من جنسي الجن، والإنس، وعن مجاهد أن معنى ليعبدون
ليعرفوني، واختاره الإمام. قوله: (أو ليكونوا عبادا لي) قيل عليه أنّ عبد بمعنى صار عبداً ليس من اللغة في شيء إلا أن يقال إنه من عبد بمعنى خدم وخضع، والخدمة والخضوع من لوازم العبودية فهو مجاز مرسل، وفيه نظر. قوله: (أي ما أريد أن أصرفكم في تحصيل) كان مقتضى الظاهر أن أصرفهم، وفليشتغلوا بما هم الخ. فكأنه نظر إلى أنهم، وإن ذكروا بطريق الغيبة إعراضاً عنهم، وتبعيداً عن ساحة الخطاب إلا أنّ أسماعهم مقصود هنا فكأنهم مخاطبون فلذا جوّز تقدير قل قبله فتدبر. قوله: (كالمخلوقين له والمأمورين به) بالجرّ في النسخ عطفا على المشبه لكنهم كما قيل مأمورون حقيقة لا مشبهون بهم فالصواب رفعه عطفا على الكاف، وتوجيهه بأنه مرفوع لكنه جزد مجاورته للمجرور مع فصله بقوله له تكلف لا يخفى بعده، وأقرب منه أن يراد أنهم هنا كالمأمورين لأنه لم يصرّح هنا بأمرهم فتدبر. قوله: (ويحتمل أن يقدر بقل) والغيبة فيه رعاية للحكاية فإن مثله يجوز فيه الغيبة، والخطاب، وقد قرئ بهما في قوله: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ١٢] وقد مرّ توجيهه ومن غفل عنه اعترض عليه بأنّ الغيبة لا تلائمه في المقامين وقيل المراد قل لهم وفي حقهم فتلائمه الغيبة في منهم، ويطعمون، ولا ينافيه قراءة أنا الرزاق لأنه تعليل للأمر با اغول أو الائتمار لا لعدم الإرادة فتدبر. قوله: (كل ما يفتقر إلى الرزق) عبر بما لأنها عامة في العقلاء وغيرهم فإن اختصت بغير العقلاء فهو لتغليبهم لكثرتهم، وفيه إشارة لمفاد صيغة المبالغة، وحذف المفعول وقوله: باستغنائه عنه أي عن الرزق لأنه لا رازق غيره فهو الغني عما سواه وما سواه مفتقر له. قوله: (شديد القوّة) فذكره بعد ذكر القوّة تأسيس لا تأكيد، ووصف القوّة به مع تذكيره لتأويلها بالاقتدار أو لكونه على زنة المصادر التي يستوي فيها المذكر، والمؤنث أو لإجرائه مجرى فعيل بمعنى مفعول، وجعله صفة ذو جرّاً على الجوار ضعيف، وفي وصفه بالقوّة والمتانة إشارة إلى كمال اقتداره، وقوله: ظلموا رسول الله من العهد الذي في الصلة. قوله: (نصيباً من العذاب (أصل الذنوب الدلو العظيمة الممتلئة ماء أو القريبة من الامتلاء، وهي تذكر وتؤنث وجمعها أذنبة وذنابيب فاستعيرت للنصيب مطلقا شرّاً كالنصيب من العذاب في الآية أو خيراً كما! ى العطاء في قوله:
فحق لشاس من نداك ذنوب
وهو مأخوذ من مقاسمة ماء البئر فيعطي لهذا ذنوب، ولآخر مثله كما بينه المصنف رحمه
الله، وقوله عن النبيّ ﷺ الحديث موضوع وخص المعدود به بالرياح لذكرها في أوّل السورة تمت السورة بحمد الملك العلام والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه الكرام.
سورة والطور
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (مكية الم يستثن منها شيء واختلف في عدد الآيات فقيل: سبع، وقيل: ثمان وقيل: تسع، وأربعون والاختلاف في قوله والطور إلى قوله: دعا وسيأتي، وقوله: يريد طور سينين فإنه يضاف إليه، والى سيناء لتمييزه عن الطور الملاصق لبيت المقدس المعروف بطور زيتا، ومدين هي أرض شعيب ﵊، وقوله: سمع الخ إشارة إلى وجه عطف الكتاب عليه لما بينهما من المناسبة التي لولاها لم يحسن العطف وقوله: بالسريانية هي أقدم اللغات، وهذا قول بعضهم، والذي عليه الجمهور إنها لغة عربية غير معرّية وقوله: أو ما طار الخ. فهو اسم من الطيران، والمراد بما طاو الأرواح كما قيل: فالطيران استعارة لتنزلها عن عالم القدس، والملكوت وأوج الإيجاد استعارة له أيضا، وحضيض الموادّ استعارة لعالم الملك أو هو من قبيل لجين الماء فالحضيض المواذ لكن استعمال الطور بهذا المعنى لم يعهد فكأنه من البطون، والأوح العلو، والعالي من صوب السماء، وضده الحضيض، وقيل: إنه معرّب. قوله: (ترتيب الحروف المكتوبة)
стр. 2839
هذا معناه المصدري، ويكون اسما للحروف المسطورة أيضا فلذا فال، والمراد به القرآن على إرادة الخاص من العام، وهو مجاز أيضا، وقوله: أو ما كتبه الله فالكتاب بمعنى المكتوب كما مرّ تحقيقه، وقوله: أو ألواح موسى بالرفع عطف على القرآن أو بالجرّ عطف على اللوح، وهو الظاهر، وقوله: أو في قلوب أوليائه معطوف على قوله في اللوح، وكونه مكتوباً في القلوب استعارة لثبوت صورته فيها، وقوله: أو ما تكتبه الحفظة معطوف على ما كتبه الله، ولما كان ما في اللوح المحفوظ أزلياً عبر عنه بالماضي بخلاف ما تكتبه الحفظة فإنه مستمرّ في المستقبل، ولذا عبر عنه بالمضارع. قوله: (استعير لما كتب فيه الكياب) إن أريد الاسنعارة اللغوية، وهو الظاهر فهو مجاز مرسل كالمشفر وإلا فيشبه فيه ما يكتب فيه من الألواح وغيرها بالرق بعلاقة محلية الكتابة، والأوّل أولى. قوله: (وتنكبرهما) أي تنكير كتاب ورق للتعظيم فإنه أحد مدلولاته كما بين في المعاني،
والأشعار بأنهما ليسا من جنس ما تعاوفه الناس باعتبار أنّ التنكير يقتضي عدم التعيين، وما هو متعارف معين ولو جعل هذا معنى آخر للتنكير كان أحسن، وهذا إذا لم يكن المراد القرآن ظاهر أما إذا أريد ذلك فعدم تعارفه باعتبار أنه ليس من جنس كلام البشر بقطع النظر عن النقش أو الكتابة أو بالنظر إليها فالكتابة ليست الكتابة المعهودة بل كتابة الملائكة ونحوها، وتفسيره بالكتابة في قلب الملك أو الرسول تعسف. قوله: (وعمارنها بالحجاج والمجاورين) عند.، وهو مجاز معروف يقال مكان معمور بمعنى مأهول مسكون تحل الناس في محل هو فيه، وقوله: أو الضراح بضم الضاد المعجمة بعدها راء مهملة، ثم ألف وحاء مهملة، وهو البيت المعمور سمي به لاشتقاقه من المضارحة، وهي المقابلة يقال: ضارح صاحبك في الرأي أي قابله سمي بذلك لكونه مقابلاَ للكعبة، ولذا سمي لحد القبر ضريحا كما قال المعري:
وقد بلغ الضراح وساكنيه ثناك وزار من سكن الضريحا
وقيل: هو من الضرح، وهو البعد سمي به لارتفاعه وبعده عن الناس. قوله: (وهو في السماء الرابعة) وفي الكشف ما في الحديث الصحيح من أنه في السماء السابعة (١١ لا ينافي هذا فقد ثبت أنّ في كل سماء بحبال الكعبة في الأرض بيتاً وأما الذي كان في زمن آدم ﵊ فرفع بعد موته فهو في الرابعة كما نقله الأزرقي في تاريخ مكة فهذا هو المراد وما وقع في الحديث محمول على غيره فلا يعارضه كما توهم لتعدد البيت المعمور بمعنى الضراج الكائن في السماء فالقول بأنه لا يدفلأع التنافي مكابرة. قوله: (وعمرانه كثرة غاشيتة) هذا على التفسير الثاني، والغاشية الطائفة الواردة عليه من الملائكة، وقوله: المملوء سجر معناه ملأ وكونه البحر المحيط حينئذ ظاهر، وجعل البحار نارالم ٣) أي محلاً للنار فالبحر كالنهر في الأصل بمعنى الشق يطلق على الأرض المشقوقة، وقوله: أو المختلط المراد تلاقي البحار بمياهها،
واختلاط بعضها ببعض، وقيل: المراد اختلاطها بحيوانات الماء وما له من دافع خبر ثان لأنّ أو صفة لواقع أو هو جملة معترضة. قوله: (ووجه دلالة هله الأمور المقسم بها على ذلك) أي على وقوع العذاب من غير دافع له بناء على أنّ القسم في أمثاله مثبت للمقسم عليه كما مرّ والدال على كمال القدرة السماء، وا. ر والجبال المذكورة لا البيت المعمور، وإن صح فلا حاجة إلى ما تكلف له من غير داع، وكمال الحكمة يدل على ذلك أيضاً لما في عجائب تلك المصنوعات من الحكم المشاهدة، وصدق إخباره لكون البيت معمورا كما أخبر بالحجاج، والمجاورين إلى يوم الدين، وضبط الأعمال لكتابتها في صحف الأعمال، واللوح المحفوظ، وهذا كله يدل على ما ذكر من الوقوع وأنه كائن غير مدفوع. قوله: (تضطرب) اضطراباً أي ترتج وهي في مكانها، وقوله: والمور الخ هو أصل معناه، والمراد به ما ذكر، والتموّح حركة الموج، وقوله: ويوم ظرف أي منصوب على الظرفية لأنه مفعول فيه وناصبه واقع أو دافع أو معنى النفي، وإيهام أنه لا ينبغي دفعه في غير ذلك اليوم بناء على اعتبار المفهوم لا ضير فيه لأنه غير مخالف للواقع لأنه أمهلهم في الدنيا، وما أمملهم. قوله: (تسير عن وجه الآرض الخ) كما في قوله: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثًّا﴾ [سورة الواقعة، الآية: ٥] وقوله: إذا وقع ذلك يشير إلى أنّ الفاء فصيحة في جواب شرط
стр. 2840
مقدّر، وقوله في الباطل إشارة إلى أنّ الخوض في الأصل المشي في الماء فتجوّز به عن الشروع، ثم غلب في الباطل كالإحضار حيث خص بالعذاب، وإن كان وضعه عاماً، وقوله: يدفعون أي يلقون، ويطرحون ومعنى الدع ما ذكره، وقوله: فيكون دعا حالاً بمعنى مدعوعين، وهي حاك مقدّرة لأنّ الدفع بعد الدعوة، وقيل: إنها مقارنة بإجراء قرب الوقوع مجرى المقارنة، ولذا لم يقل المصنف مقدّرة، وفيه نظر وهو على هذه القراءة وعلى القراءة السابقة كان مفعولاً مطلقاً. قوله: (أو ظرف لقول مقدّر) والمحكيّ بذلك المقدر قوله: هذه النار إلى قوله: تعملون فمحكيه مبتدأ خبره قوله هذه النار
الخ، وقوله: كنتم تقولون الخ المصداق بالكسر ما يظهر به صدق الشيء كوقوع العذاب المصدق لما أخبر به الوحي، وفيه إشارة إلى أنّ الفاء للسببية لتسبب هذا عما قالوه في الوحي. قوله: (أم سدّت أبصاركم الخ) كأنه لم يقل أي أم سدّت الخ بحرف التفسير كما هو المتبادر لأنه قصد أنه معادل لقوله: ﴿أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ على أنّ المعنى أسحرتم أم عميت أعينكم أم سدت فتأمّل، وقوله: دخلوها إشارة إلى أنّ الصلي مجاز عن الدخول فيها، وقوله: أي الأمران الخ فسواء خبر مبتدأ مقدر تقديره الأمران سواء، والمراد بالأمرين الصبر، وعدمه، ولا يجوز كونه فاعلاً لأنّ ضمير المثنى لا يستتر كما لا يجوز كونه خبرا، وسواء مبتدأ لما فيه من الأخبار عن النكرة بالمعرفة فمن قال: إنّ كلام المصنف محتمل لهذه الوجوه لم يصب. قوله: (لما كان الجزاء واجب الوقوع) أي متحتم الوقوع لسبق الوعيد به، وقضائه به بمقتضى عدله فليس مبنياً على أنه يجب على الله تعذيب العصاة كما يتوهمه بعض القاصرين، وقوله: في أية جنات الخ يعني أنّ التنوين للتعظيم. قوله: (مخصوصة بهم) على أنّ التنوين للنوعية إذ التنوين لا يفيد الاختصاص، والقول بأنه أراد أنه عوض عن المضاف إليه أي جناتهم ونعيمهم ليس بقويّ عند أهل العربية لأنه إنما يجري في الظروف كيومئذ وكل، وبعض وقوله: ناعمين اسم فاعل من النعيم لا من النعومة، وقوله: متلذذين تفسير له. قوله: (والظرف) يعني قوله: في جنات ونعيم فإن كان مستقرّا ففاكهين حال من المضمر المستتر فيه فعلى هذه القراءة فاكهون خبره والظرف متعلق به لكنه قدّم عليه، ويجوز أن يكون خبرا بعد خبر، وليس المراد بالظرف بما آتاهم الخ فإنه لغو على كل حال. قوله: " ن جعل ما مصدرية الأنها لو كانت موصولة خلا المعطوف على الصلة عن العائد إلى الموصول بحسب الظاهر المتبادر، وقيل: يجوز أن يكون التقدير وقاهم به عذاب الجحيم على أنّ الباء للملابسة، وقد يدفع فتأمّل. قوله: (أو في جنات) أي عطف على قوله في جنات إذا كان خبراً، وقوله: من المستسكن في الظرف، وهو ضمير المتقين المستتر فيه أو الحال أي حال من الضمير المستكن في الحال، وهو فاكهين وفي نسخة
أو الحال في فاعل آتى أو مفعوله أو منهما من غير تعرض للحال من الحال. وقوله: أي أكلا الخ. فهنيأ منصوب على المصدرية لأنه صفة مصدر مقدّر أو على أنه مفعول به، وعلى كليهما فقد تنازعه الفعلان، وقوله: لا تنغيص فيه أي لا تكدير فيه. قوله: (وقيل الباء زائدة الخ) مرضه لأنّ زيادة الباء في غير فاعل كفى لم تعهد، وهي مما لا يقاس يعني في! النفي، والاشفهام، وأمّا زيادتها في مفعول علم، وفي المبتدأ نحو بحسبك فغيروا رد لأنه ليس مما نحن فيه! إذ المراد زيادتها في الفاعل لا في مطلق الزيادة وعليه أيضاً يحتاج إلى تقدير مضاف أي جزاء ما كنتم الخ، وهو تكلف. قوله: (الباء لما في التزوبج الخ) يعني أنه متعد بنفسه لمفعولين، وعدّى بالباء لتأويله بما ذكر، وفي المغرب قال ابن السكيت: تقول العرب زوجته إياها، وتزوّجت امرأة وأمّا قوله تعالى: ﴿وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾ فمعناه قرناهم، وقال الفراء: تزوّجت بامرأة لغة أزد شنوءة وعليه استعمال الفقهاء انتهى، والى ما ذهب إليه! ابن السكيت أشار المصنف، وعلى قول الفراء لا يحتاج إلى التأويل. قوله: (من معنى الوصل والإلصاق) يع! ني أنّ الباء للتعدية لتضمينه معنى الوصل والإلصاق، وقوله: أو للسببية معطوف على قوله لما في التزويج الخ. فهي على هذا ليست للتعدية، وأزواجا بمعنى مؤتلفين من ذكر وأنثى مشتهين، وقوله: إذ المعنى الخ يعني أنّ التزويج على هذا ليس بمعنى الإنكاج بل بمعنى تصييرهم زوجين زوجين فلا يكون متعديا لاثنين. قوله: (أو لما في التزويج من
стр. 2841
معنى الإلصاق والقران) قيل عليه إنه وقع في أكثر النسخ هكذا، وظاهر تكراره مع ما مرّ إلا أن يحمل الأوّل على التضمين، وهذا على كونه مجازا بعلاقة السببية، ويؤيده قوله: أي قرناهم، واستقامة العطف بكونه مجازاً لا بالتضمين لبقاء معنى الإنكاج فيه، وفي بعض النسخ، ولما في التزويج من معنى الإلصاق، والقران عطف والذين الخ، وهي أصح من الأولى، ولا إشكال فيها لأنه توجيه للعطف فلا تكرار فيه ورد بأ " نه تصرّف لفظيّ لا مدخل له في حمل الأوّل على التضمين، والثاني على التجوّز مع أنّ التضمين يقتضي بقاء معنى التزويج بالعقد، وهو لا يناسب المقام إذ العقد لا يكون في الجنة لأنها ليست دار تكليف، وقال الراغب بعد تفسيره بقرناهم بهن، ولم يجىء في القرآن زوّجناهم حوراً كما يقال زوّجته امرأة تنبيها على أنه لا يكون على حسب المتعارف من المناكحة فكأنّ المصنف لما ذكره أوّلاً أراد تاخيره عن الوجه الآخر الذي حه) ! فيه الباء على السببية ليتصل به قوله، ولذلك عطف الذين آمنوا على ما حرّره، وضرب بال! ا ١٠ على الأوّل فأثبته الناقل غلطا منه، ولا يخفى ما فيه كله من التعسف، وكذا ما قيل ال! / ا، بالإلصاق هنا القران، وهو غير الإلصاق السابق بمعنى الاتصال فالحق أن يقال إنه على الى هـ- ء "
المصححة لا إشكال فيه، وكأنها الذي استقرّ عليه رأي المصنف وأما على الأولى فالمعنى أنه على الأوّل الباء للتعدية فيه لما فيه من معنى الوصل، وهو يتعدى بها، والأخير على أنّ الباء فيه للإلصاق فالإلصاق الأول ملاحظ في معنى الفعل، والثاني معنى الباء. قوله: (ولذلك) أي لما فيه من معنى القرآن صح عطفه عليه لأنه لو أريد به معناه المتبادر منه لم يعطف عليه لعدم صحته معنى وقول أبي حيان: إنه تخيل أعجمي لا يقول به عربيّ تعصب منه كما فصله السمين فلا حاجة للتطويل بذكره وقوله: اعتراض للتعليل الخ أي لتعليل الحكم والمعنى الذين آمنوا التحقت بهم ذرّيتهم لأنّ الذزبة اتبعتهم بإيمان فكان لهم حكمهم كما يحكم بإسلامهم تبعا وجوّز عطفه على الصلة على هذا أيضاً، وقوله: للمبالغة الخ لأنّ الذرية دالة على الكثرة فإذا جمعت كان فيه مبالغة، وقوله: والتصريح أي بما ذكر من الكثرة ثم علله بقوله: فإنّ الذرّية الخ فإذا أفرد احتمل أن لا يراد الكثرة، وهو ظاهر، وفي نسخة بالباء الجارة على أنه صلة التصريح أو هي للسببية فتكون بمعنى الفاء، وتتوافق النسختان وعلى جعله صلة المراد أنه يعلم من القراءتين أو من الجمع الذي هو بمعنى المفرد لأنّ الأصل توافق القرأآت في معنى ذلك، واحتمال كونه جمع الجمع لقلته بعيد فما قيل إنه لا وجه له لا وجه له. قوله: (وقرأ أبو عمرو وأتبعناهم) بقطع الهمزة، وفتحها واسكان التاء ونون بعد العين، وألف بعدها، والباقون بوصل الهمزة، وتشديد التاء وفتح العين، وتاء ساكنة بعدها، وبقية القراآت مفصلة في كتب الأداء، وقوله: في الإيمان أي في حكمه فالباء بمعنى في كما يشير إليه كلامه، وقوله: وقيل بإيمان حال من الضمير الخ، وفيه وجوه أخر تعلقه بما بعده على الاستئناف، والمعنى أنّ إلحاقهم بسبب إيمان عظيم، وهو إيمان الآباء أو هو متعلق بما قبله، وهو الذي عوّل عليه المصنف، والزمخشري مائل لغيره وإذا كان الحال من الضمير فهي مؤكدة، وقوله: للتعظيم لأنّ المراد به إيمان الآباء كما مرّ، وقوله: أو الإشعار الخ فالمراد إيمان الأولاد كما أنه في الأوّل إيمان الآباء ولا يرد على كونه حالاً منهما أنه جمع بين متنافيين حينئذ كما توهم، وثنويته على هذا للتنكير، وما قيل عليه من أنه لو نكر أفاد ما ذكر أيضا، والظاهر أنّ المراد منه حقيقة الإيمان غفلة عن فهم مراده لأنّ المعنى حينئذ بإيمان ما مما يصدق عليه أنه إيمان، ولو لم ينكر لم يفده فتدبر. قوله: (لما روي الخ) وهو
حديث مرفوع رواه البزار وغيره، وظاهر الحديث أنّ الرنع بمعنى الإسكان معه لا اتصالهم أحياناً، ولو للزيارة عليه ظاهر الأحاديث: (المرء مع من أدبئ) ولعله مخصوص ببعض دون بعض، وقوله: لتقزبهم عينه قرّة العين كناية عن السرور كما هو مشهور في اللغة، وقوله: وقرأ الخ أي بصيغة الجمع، والنصب بالكسرة. قوله: (فإنه كما يحتمل الخ) فهو بإعطاء تلك المنازل تكرّما منه من غير نقص من ثواب آبائهم، وقوله: واكتناهم بالمد من الأفعال، وهو معطوف على قوله: قرأ ابن كثير بتقدير، وقرئ الخ وقوله: ومعنى الكل واحد، وهو التنقيص من الثواب هنا، وقوله: فكها استعارة، والمعنى خلصها من العذاب كما يخلص الرهن من يد مرتهنه، ولذا قابله بقوله: أهلكها، وضمير فكها للنفس المفهومة من السياق
стр. 2842
وهو أقرب من كونه للرقبة، وإن كان الفك شاع فيها لأنها مجاز عن النفس أيضاً فالتجوّز، ثم التقدير تعسف وقوله: بعمله إشارة إلى أن ما مصدرية، ومعنى كونه مرهونا عند الله على طريق التمثيل أن الكسب بمنزلة الدين، ونفس العبد مرهونة به فإن عمل صالحاً أدّى ديته، وفك رقبته من الرهن كما فصله في الكشف وفي الحديث الصحيح: (كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها) وأما كونه إشارة إلى أق الكسب مخصوص بالعمل الصالح، ونفس المؤمن مرهونة به لا تفك إلا بأداته فسيأتي تفصيله في سورة المدثر. قوله: (أي وزدناهم الخ) أصل معنى المد الجرّ ثم شاع في الزيادة واختص الإمداد بالمحبوب والمدّ بضدّه، وكونه وقتاً بعد وقت من مفهوم المد نفسه، وقوله: يتعاطون هم وجلساؤهم الخ أصل معنى التنازع تفاعل من النزع بمعنى الجذب، ثم استعمل في التخاصم بجعل الأقوال وتراجعها بمنزلة تجاذب الأجسام، وكذا في المجاورة يقال: تنازعنا الحديث إذا
تحادثوا في سمر ونحوه، وهو استعارة كما في قوله:
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا
وما هنا استعير لتعاطي الكاسات أي إدارتها بين الندامى، وأصله تفاعل من العطاء لأنّ النديم يعطيه الساقي فإذا شرب أعطاها له، وقوله: بتجاذب تفاعل من الجذب إشارة إلى معناه الأصلي المستعار منه وقيل إنه إشارة إلى أنّ بينهما ملاعبة، وتجاذبا لشدة سرورهم. قوله: (ولذلك أنت الضمير) ظاهره أنه لو لم يكن المراد به الخمر لم يكن مؤنثاً، وهو غير مستقيم لأنّ الخمر كما أنه مؤنث سمافي كذلك الكأس مؤنث كما صرّح به الجوهريّ، وغيبره من أهل اللغة، والكأس لا تسمى كأساً إلا إذا امتلأت خمراً أو كانت قريبة منه وقد تطلق على الخمر نفسه مجازا لعلاقة المجاورة كما- ذكره المصنف، ومثله شائبم، وقوله: في أثناء شربها إشارة إلى أنّ الظرفية في قوله: فيها مجازية، والمراد ما ذكر، وقوله: ولا يفعلون ما يؤثم به فاعله أي ما ينسب فاعله إلى الإثم لو فعله في الدنيا، ودار التكليف فالتفعيل للتشبيه، وقوله: مثل قوله تعالى: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ أي في الاختصاص الماخوذ من التقديم لا أنّ معناهما واحد، وقوله: بالكأس قدره بقرينة ما قبله، والباء للملابسة أو التعدية وقوله: مخصوصون هو معنى اللام، وقوله: سبقوهم أي ماتوا قبلهم لم يكونوا غلمانا. قيل ولم يقل غلمانهم لئلا يتوهم أنهم الخدم في الدنيا، وأنهم خدم في الآخرة أيضا، وليس كذلك ومرض كون المراد الاختصاص بالولادة لا بالملك لا لأنّ التنكير ينبئ عنه كما توهم بل لأنّ التعبير عنهم بالغلمان غير مناسب ونسبة الخدمة إلى الأولاد غير مناسب لمقام الامتنان، وقوله: من بياضهم، وصفائهم بيان لوجه التشبيه فمن سببية. قوله: (خائفين من عصيان الله) تقدم أنّ الإشفاق عناية مع خوف، وأنه قد يلاحظ فيه كل من الطرفين على ما فصله الراغب، وقوله: في أهلنا يحتمل أنه كناية عن كون ذلك في الدنيا كما قال بعده: من قبل تفنناً ويحتمل بيان أنّ خوف الله كان
فيهم، وفي أهلهم لتبعيتهم لهم في العادة، ولذا ذكر عموم الوقاية لهم فهو بيان لما من الله به عليهم من اتباع أهلهم لهم، وأمّا القول بأن السؤال عما اختصوا به من الكرامة دون أهليهم أو إثبات خوفهم في سائر الأوقات بالطريق الأولى أو جعل هذا إشارة إلى الشفقة على خلق الله كما أن قوله إنا كنا من قبل ندعوه إشارة لتعظيم أمر الله، وترك العاطف لأنه لعدم انفكاك كل منهما عن الآخر ادعى أنّ الثاني بيان للأوّل فليس بشيء لأنه لو قصد اختصاصهم بالكرامة لم يكن قوله: وقانا في محله، وكونه يثبت غيره بالطريق الأولى ممنوع وكذا كل ما ذكره بعده من التكلف، وقد ذكرنا ما فيه غنية عن مثل هذه التعسفات. قوله: (عذاب النار النافذة في المسامّ) فالسموم أطلق عليها لمشابهتها الريح السموم، وهي الريح الحارة النافذة في المسامّ أيضاً وإن كان وجه الشبه في النار أقوى لكنه في ريح السموم لمشاهدته في الدنيا أعرف فلذا جعل مشبها به وليس مبنيا على قلب التشبيه كما يتوهم، وقوله: بالفتح أي بفتح همزة أنه لتقدير لام الجرّ قبلها أي لأنه الخ. قوله: (فأثبت الخ القيامه بوظائف التذكير أوّله بما ذكر لتتم الفائدة، وقوله: ولا تكترث من لوازمه وقوله: بحمد الله وأنعامه في هذا الجار، والمجرور أقوال فقيل مو قسم جوابه ما علم من الكلام، وهو ما أنت بكاهن، ولا مجنون أو هو حال أي ملتبساً بنعمة ربك انتفى عنك هذا أو التقدير ما أنت حال إذ كارك لنعمته بكاهن، ولا مجنون أو هو متعلق بمضمون الكلام، والباء سببية أي انتفى عنك الكهانة، والجنون بسبب نعمة
стр. 2843
الله عليك كما تقول ما أنا معسر بحمد الله، واغنائه وما ذكره المصنف أقرب إلى الوجه الأخير لكن الأنعام مأخوذ من نعمة ربك لأنّ المقصود نعمته عليك، وهي تفيد الأنعام، وذكر أنعام الله عليه مع اعترافه به هو عين الحمد فلذلك أدرجه فيه، وأتى به على منوال المتعارف في قولهم ما أنا بحمد الله، واحسانه كذا، وأمّا احتمال القسم فبعيد عن مساقه، وإن قيل به في النظم، وأبعد منه ما قيل من أنّ النعمة مجاز عن الحمد بعلاقة السببية فانه تعسف، وتكلف ظاهر. قوله: (كما يقولون) إشارة إلى أنه للردّ عليهم، وابطال مقالهم فيه والا فلا امتنان عليه بانتفاء ما ذكر مع انتفائه عن أكثر الناس، وقوله: ما يقلق النفوس من حوادث الدهر قال المرزوقي رحمه الله تعالى في شرح قول الهذلي:
أمن المنون وريبه تتوجع
المنون قد يراد به الدهر فإذا أريد به ذلك فالرواية وريبه لأنه مذكر، وهو فعول من المن بمعنى القطع، ومه حبل منين أي مقطوع وقد يراد به المنية فيؤنث، وقد روي ريبها، وقد يرجع
له ضمير الجمع كقول عدي:
من رأيت المنون عززن أم من ذا عليه من المنون خفير
. فقال: عززن لقصد أنواع المنايا وريبها نزولها حكي عن أبي عبيدة راب عليه الدهر أي نزل، ويكون مصدر رابني الشيء، والمراد به حدثان الدهر، وصروفه ويقال: رابني، وأرابني اهـ فقوله: ما يقلق على أنه مصدر رابه إذا أقلقه أريد به حوادث الدهر لأنها مقلقة فعبر عنها بالمصدر مبالغة فالمنون بمعنى الدهر، وريبه صروفه وقوله، وقيل: المنون الخ. يعني المراد به هاهنا الموت، وإلا فهو مشترك بينهما كما عرفت، ومرضه لأنّ الريب لا يلائمه ظاهراً على ما فسره به، ولذا فسره المرزوقي بنزول المنية فلا غبار عليه، وقوله في الكشف: إنه أنثه إذ أراد المنية ليطابق قوله شعوب أو على تأوبله بالمنية وبيت أبي ذؤيب:
أمن المنون وريبه تتوجع
وظاهره أنه الدهر اهـ لا يخفى أنه غفلة عما نقلناه لك. قوله: (فعول من منه الخ) أي
على المعنيين لأنّ الدهر يقطع الأعمار، وغيرها والموت قاطع الأماني، واللذات، ولذا قيل المنية تقطع الأمنية، وقوله: قل تربصوا تهكم بهم، وتهديد بهم. قوله: (بهذا التناقض الخ) يعني أنّ وصفهم له بالكهانة، والشعر المقتضيين للعقل التام والفطنة الوقادة مع قولهم إنه مجنون تناقض أعرب عن أنهم لتحيرهم، وعصبيتهم وقعوا في حيص بيص حتى اضطربت عقولهم، وتناقضت أقوالهم، وكذبوا أنفسهم من حيث لا يشعرون وقوله: مغطى عقله لأنه يغلبه خلط سوداوي يمنع الإدراك فكأنه غطاه، وقوله: مخبل إشارة إلى الشعر المنطقي والتخيل بغلب في الشعر العرفي أيضاً ولذا قيل أعذبه أكذبه. قوله: (مجاز عن أدائها إليه) قال الشارح الطيبيّ هو كقوله ة ﴿أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ [سورة هود، الآية: ٨٧] الآية جعلت آمرة على الاستعارة المكنية فتشبه العقول بسلطان مطاع تشبيها مضمرا في النف! ويثبت له الأمر على طريق التخ! ل قيل، وهو وجه آخر غير ما ذكره الشيخان فإنهما أرادا أنّ الأمر مجاز عن التأدية إلى الشيء بعلاقة السببية، وهو وجه آخر صحيح في نفسه، وليس كما قال فانّ الزمخشريّ قال: هو مجاز لأدائها إلى ذلك فقال الشراح: اللام للتعليل أي إسناد الأمر إلى الأحلام مجاز والمجوز أنّ أحلامهم مؤدية إلى ذلك كالأمر، وهو ظاهر في الاستعارة، وقد صرّح فيما نظرها به بذلك فتدبر. قوله: (اختلقه) بالقاف أي افتراه، واخترعه بطريق الكذب من عند نفسه، وضمير
المفعول القرآن، وقوله: وعنادهم أي مع علمهم بأنه لا ريب فيه، ولا فيما جاء به، وأما علمهم بتناقضهم كما قيل فليس في الكلام ما يدل عليه، وقوله: كثير ممن تحدوا أي وقع معهم التحدي، والأمر بالمعارضة فلم عجزوا عنها، وهو مبنيّ للمجهول والجار والمجرور صفة فصحاء قدم عليها فانتصب على الحال وفصحاء صفة كثير وفي نسخة المحشي ممن عدوا بالعين المهملة فعل معلوم أو مجهول من العدد، والمراد بالمعدودين الشاعر، والكاهن، والمجنون الذين شوهد من حالهم ما يقتضي خلاف مدّعاهم، والظاهر أنّ النسخة الأولى أصح، وأنسب فتأمّل. فوله: (فهو رد للأقوال المذكورة) في حق النبيّ ﷺ والقرآن بالتحدي فإذا اتحدوا وعجزوا علم ردّ ما قالوه وصحة المدعي، وقوله: ويجوز الخ فإذا فسد مدعاهم في التقول علم غيره بطريق اللزوم مع ما مرّ من ظهور فساده، وتناقضه وكون الكهانة المنسوبة إليه أظهر فسادا من التقول لأنها لم تعهد منه، وقد نشأ بين
стр. 2844
أظهرهم، ولم يظهر شيئا من أمور الكهان إلى الآن فكونه صاو كاهناً أو مدعياً للكهانة هدّا أمر مستغرب جدا بخلاف الكذب فإنه مما تجوّزه العقول القاصرة فما قيل من أنه غير ظاهر وأنّ الأظهر أن يقال إنّ القول بالتقوّل أظهر بطلاناً ليس بشيء يلتفت إليه. قوله: (أم أحدثوا وقدّروا الخ) هذا إمّا من الجمع بين معنيي المشترك أو بين الحقيقة، والمجاز لأنه تفسير للخلق، وهو يكون بمعنى الأحداث، والتقدير كما مرّ مرارا وهو جائز عند المصنف، وهذا ليس محل الاختلاف لإرادة أحدهما، وهو الأحداث بالأصالة، والآخر بطريق اللزوم، والتبعية فيكون كدلالة الشمس على الجرم، والضوء ومن على هذا ابتدائية، ثم إنّ الإضرابات الواقعة للترقي في تجهيلهم، وتسفيه أحلامهم فلذا قال المصنف: أم أحدثوا الخ فنسب إليهم ما لا يجوز أن يكون لأنّ تعلق الخلق بالخالق من الضروريات فإذا أنكروا الخالق لم يجز أن يوجدوا بدون خالق فليس المراد أم حدثوا لكنه عبر بأحدثوا لمشاكلة النظم بل للإشارة إلى أنّ الحدوث من غير محدث في الاستحالة بمنزلة الخلق من غير خالق، وهذا هو المراد، والمشاكلة المذكورة ليست بشيء يعتد به هنا فتأمّل. قوله: (أو من أجل لا شيء من عبادة ومجازاة) إشارة إلى تفسير آخر مبنيّ على أن من للتعليل، والسببية على معنى أم خلقوا من غير علة، ولا لغاية ثواب وعقاب، وفي تعبيره بما ذكر شيء، وقوله: يؤيد الأوّل أي تفسيره الأوّل لقوله: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾ فأحدثوا، وقدروا بلا محدث ومقدر لأنهم إذا خلقوا من غير خالق فقد خلقوا أنفسهم، ولو كان معناه لم يخلفوا للجزاء لم تتم المقابلة لأنّ مقتضاه أن يقال لم يخلقوا للجزاء أم خلقوا له ويجازون بالثواب لا
بالعقاب مثلاً، وقوله: ولذلك أي لكون معناه أم خلقوا أنفسهم ذكر بعده نسبة خلق الأرض، والسماء إليهم لأنّ من يخلق نفسه يقدر على خلق غيره، ولأنه لو لم يكن معناه ما ذكر بل على العموم لعدم ذكر مفعوله لم يصح مقابلته لما بعده، ولم يقع الإضراب في موقعه. قوله: (وأم في هذه الآيات منقطعة) فتقدر ببل، والهمزة على ما هو المعروف فلذا قال، ومعنى الهمزة فيها لأنها تتضمنها إذ معناها بل أكان كذا وكونها منقطعة اختاره أبو البقاء، وكثير من المفسرين، ونقل عن الخليل أنها متصلة، والمراد بها الاستفهام كذا قال المعرب، وغيره وإذا كانت منقطعة فالإضرابات فيها واقعة على سبيل الترقي وتحقيقها على وجه أنيق بينه في الكشف جزاه الله خيراً بما لا مزيد عليه فمن أراد فهم النظم وما فيه من المعاني فلينظره. قوله: (إذا سثلوا من خلقكا الخ) يعني أنهم، وإن أسندوا خلق السموات، والأرض وخلق أنفسهم إلى الله إذا سئلوا عن الخالق لم يقولوه عن جزم، ويقين إذ لو كان كذلك عبدوه إذ من عرف خالقه امتثل أمره وانقأد له، وقوله: إذ لو أيقنوا الخ. بيان لأنّ إيقانهم جعل كلا إيقان، وهو تعليل لمقدر إذ التقدير قالوا: الله من غير تيقن أو ولا إيقان لهم فليس حق التعبير حينئذ فقالوا: الله كما قيل. قوله: (خزاءلن رزقه) قيل إنه إشارة إلى تقدير المضاف في الوجهين، والظاهر أنه بيان للمعنى المراد على أنه على طريق التمثيل، وأنّ المراد أنّ التصمرف في الكائنات بأيديهم أو إحاطة عملهم بما في العالم حتى يختاروا للنبوّة من أرادوه ويرضوا لها من ارتضوه. قوله: (الفالبون على الأشياء) معنى سيطر قهر، وغلب من سيطر عليه إذا راقبه لو ليس مصغراً كما يتوهم، ولم يأت على هذه الزنة إلا خمسة ألفاظ أربعة من الصفات مهيمن، ومبيقر ومسيطر، ومبيطر وواحد من الأسماء وهو مخيمر اسم جبل ووقع في شعر امرئ القيس، وقوله: صاعدين فيه يعني أنّ الظرفية على حقيقتها، وليست في بمعنى على كما في قوله: ﴿لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [سورة طه، الآية: ٧١] كما قيل والجار والمجرور متعلقه خاص وهو حال أي صاعدين فيه، وقيل إنه يشير إلى أنه مضمن معنى الصعود، ولا حاجة إليه وقوله إلى كلام الملائكة إشارة إلى تقدير متعلقه، وأنه يتعدى بأل كما يتعدى بنفسه لا بفي، ولو جعل منزلاً منزلة اللازم أي يقع منهم الإسماع جاز، وتوله: حتى يعلموا الخ إشارة إلى أنّ ما ذكر كناية عن علم
الكائنات، وقوله: بحجة تفسير لسلطان، وواضحة لمبين على أنه من أبان اللازم، وقوله: تصدق الخ لأنه المراد من الإتيان بها. قوله:) فيه تسفيه لهم الخ) يعني أنّ هذا هو المقصود منه فالمعنى بل هم سفهاء لصدور مثله عنهم، وقوله: يترقى بروحه الخ إشارة إلى ما للأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الاتصال الروحاني الذي سماه الحكماء انسلاخا
стр. 2845
وهو إشارة إلى ارتباط الآية بما قبلها من قوله أم لهم سلم الخ، وقوله: من التزام غرم المغرم مصدر ميميئ بمعنى الغرم والغرامة، وهو كما قاله الراغب: الضرر الماليّ من غير جناية منه تقتضيه ففيه مضاف مقدر كما أشار إليه المصنف، وفسر المغرم في الكشاف بالتزام الإنسان ما ليس عليه فيكون هذا تفسيراً له من غير تقدير فيه والحق الذي تقتضيه اللغة هو الأوّل، وقوله: محملون الثقل أي ملزمون بالمغرم الثقيل عليهم لأنه يشبه ما في الذمّة بالحمل حتى يقال: أثقله الدين ونحوه، وقوله: فلذلك إشارة إلى السؤال أو المغرم، وقوله: اللوح الخ فسره به لقوله: عندهم، ولو قدر فيه مضاف أي علم الغيب صح، وكيدهم بدار الندوة معلوم من السير، وهذا من الأخبار بالغيب لأنّ السورة مكية، وقصة دار الندوة وقعت في وقت الهجرة، وكان نزول هذه السورة قبله كما ورد في الأثر. قوله: (يحتمل العموم والخصوص الخ) فإذا أريد الخصوص، وهم كفرة قريش السابق ذكرهم المريدون لكيده كان الظاهر أن يقال فهم المكيدون فأقيم الظاهر مقام المضمر لما ذكره، وقوله: وبال كيدهم المراد به جزاؤه فلذا قال، وهو قتلهم الخ وقصة بدر في السنة الخامسة عشر من النبوّة قيل ولذا وقعت كلمة أم مكرّرة هنا خمس عشرة مرّة للإشارة لما ذكر ومثله لا يستبعد من المعجزات القرآنية وإن كان الانتقال لمثله خفياً ومناسبته أخفى، وقوله: من كايدته فكدته يعني أنه من باب المغالبة، وهو قصد كل غلبته على الآخر في الفعل المقصود لهما فيذكر الثلاثي للدلالة على تلك الغلبة كما بين في الصرف. قوله: (عن إشراكهم) على أنّ ما مصدرية، وما بعده على أنها موصولة، وقبله مضاف مقدر،
والعائد محذوف ولذا أخره، وقوله: قطعة فهو مفرد وقد قرئ في جميع القرآن كسفا، وكسفا جمعاً وافرادا إلا هنا فإنه على الإفراد وحده، وقوله: تراكم بعضه على بعض يعني ألقى بعضه على بعض للأمطار لا للعذاب وقوله: وهو جواب قولهم فأسقط الخ. حكاية لما قالوه بالمعنى، ولم يقصد لفظ التلاوة حتى يتوهم أنّ الصواب ما في الكشاف من قوله: أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا فإنّ ما ذكره المصنف محكيّ في سورة أخرى عن قوم شعيب لا عن قريش نعم ما في الكشاف أولى يعني أنهم لعنادهم بعدما قالوه لو أسقطناها عليهم قالوا: هذا سحاب مركوم ولم يصدقوا بنزول العذاب. قوله: (وهو عند النفخة الأولى القوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ﴾ [سورة الزمر، الآية: ٦٨] الخ وما قيل عليه من أنّ إبدال قوله يوم لا يغني الخ منه الدال على استعمالهم للكيد فيه طمعاً للانتفاع به يأبا. لأنّ النفخة الأولى لم يجر في مدافعتها كيد وحيل ليس بشيء لأنه على نهج قوله:
على لا حب لا يهتدي بمناره
فالمعنى يوم لا يكون لهم كيد، ولا غناء، وهو كثير في القرآن وباب من أبواب البلاغة، والإحسان، وقوله: شيئاً من الإغناء إشارة إلى أنه منصوب على المصدرية. قوله: (وهو عذاب القبر) والبرزخ لأنّ المراد لهم عذاب مقدم على عذاب الآخرة فهو إما في الدنيا بالقتل أو في البرزخ، وهذا جار على وجهي العموم، والخصوص في الذين ظلموا، ولا وجه لكونه لفا، ونشراً مرتباً لهما فإنه لا مخصص! له، والقحط هو المعروف في قصة الشعب، والصحيفة، وتوله: ذلك أي ما أعد لهم من العذاب المعجل. قوله: (وإبقائك في عناء) أي تعب بهم أي بسببهم ودعوتهم، وقوله: في حفظنا يعني أنّ العين والجارحة لما كان بهما الحفظ، والحراسة استعيرت لذلك، وللحافظ نفسه كما تسمى الربيئة عيناً وهو استعمال فصيح مشهور، وقوله: بحيث نراك، ونكلؤك أي نحفظك، ونحرسك من الكلاءة أي الحراسة بيان لعلاقة التجوّز، وأنه كما يقال هو مني بمرأى، ومسمع ولما جمعت العين هنا، وأفردت في قصة الكليم احتاج ذلك لنكتة بينوها بعد ذكر أنه جمع هنا لما أضيف لضمير الجمع، ووحد ثمة لإضافته لضمير
الواحد للمبالغة في الحفظ هنا حتى كان معه جماعة حفظة له بأعينهم لأنّ المقصود تصبير حبيبه على المكابد، ومشاق التكاليف، والطاعة فناسب الجمع لأنها أفعال كثيرة يحتاج كل منها! ! ى حارس بل حراس بخلاف ما ذكر هناك من كلاءة موسى ﵊، وإليه أشار المصنف بقوله، والمبالغة. قوله: (من أيّ مكان قمت) هو متعلق بتقوم لا تفسير لحين تقرم فهو على ظاهره من العموم أو مخصوص بالقيام من المنام أو إلى الصلاة، وما ورد في الحديث الصحيح من التسبيح الذي هو كفارة لما في كل مجلس، وهو (سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله
стр. 2846
إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك) فهو بيان لما أمر به على العموم، وهو راجع إلى التفسير الأوّل لا وجه آخر كما توهم. قوله: (فإنّ العبادة الخ) يحتمل التعليل للتسبيح بخصوصه، ويحتمل أنه تفسير للتسبيح بمطلق العبادة وقوله: أفرده بالذكر إشارة إلى دخوله في عموم ما قبله، وقدمه في قوله من الليل للاعتناء به لما ذكر، وقوله: وإذا أدبرت إشارة إلى أنّ المراد بإدبارها وقت الإدبار، وهو آخر الليل، وقوله: في أعقابها إشارة إلى أنّ المفتوج جمع دبر بمعنى عقب، وقوله: إذا غربت إشارة إلى أنّ المراد بكونها على عقبها بعد ظهورها، وهو إمّا بغروبها عن الأفق أو بخفائها لكونها تحت شعاع الشمس، والحديث المذكور موضوع كما مرّ مراراً (تمت) السورة بحمد الله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه.
سورة النجم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (مكية) على الإطلاق، وقيل: بعضها مدني كما في الإتقان، وقوله: إحدى الخ الاختلاف في قوله: إلا الحياة الدنيا الخ، وقوله: أقسم بجنس النجوم الخ إشارة إلى أنّ أصل النجم اسم جنس لكل كوكب، ثم صار علماً بالغلبة للثريا، وقدم العموم لأنه الأصل في الوضع، وقوله: فإنه أي النجم، وهو مذكر، ولو كان بمعنى الثريا ولذا ذكر قوله: فيه لمشاكلته، وجرياً على ظاهره، وكان حقه أن يقول فيها. قوله: (إذا غرب (تفسير لقرله: إذا هوى، وقد اختلفوا في متعلق إذا فقيل متعلق باقسم المقدر، وأورد عليه أنه إنشاء والأفعال الإنشائية كلها دالة وضعاً على الحال، وإذا للاستقبال فكيف يتلاقيان حتى قيل إنّ الزمخشري رجع عنه، وجعله متعلقا بمصدر محذوف تقديره، وهوى النجم إذا هوى، وقيل: إذا جرّدت لمجرّد الوقت لاستواء الحال، والاستقبال عنده تعالى، وقيل: إنه متعلق بعامل هو حال من النجم، وأورد عليه أز، الزمان لا يكون خبراً، ولا حالاً عن اسم جثة كما هنا، وأنّ المستقبل كنف يكون حالا إلا أن تكزن مقدرة أو تجرّد إذ المطلق الوقت كما يقال بصحة الحالية إذا أفادت معنى معتدا به فليس ممنوعا على الإطلاق كما ذكره النحاة أو النجم لتغيره طلوعاً وغروبا أشبه الحدث كما يقال الورد في أيار، وقد اختار في المغني تعلقها بإلقسم، وأنها معه للحال خارجة عن الاستقبال، وسيأتي تتمته إن شاء الله تعالى، ثم إنه فسر الهوفي بوجوه كالغروب، وهو غيبوبته عن مطلعه أو سقوطه من مقرّ.، وهذا جار على تفسيري النجم كالطلوع، وأمّا تفسيره بالانقضاض فهو على الوجه الأوّل وشمول النجم للشهب أيضا لا أن يخص النجم به كما قيل فإنه لم يذهب إليه أحد، وتخصيص القسم بوقت الهوفي لدلالته على حدوثه الدال على الصانع، وعظيم قدرته كما قال الخليل ﵊، ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٧٦] وقوله: فإنه الخ تعليل لتفسيره بما ذكر على الوجوه كلها. قوله: (هوى هوياً الخ) إشارة إلى أن هوى مشترك بين الصعود، والهبوط وانه قد فرق بين
مصدريهما لا بين فعليهما، وهذا مما اختلف فيه أهل اللغة على ما أشار إليه المصنف كصاحب القاموس فهوى يهوي كرمى يرمي هويا بالفتح في السقوط والغروب المشابه للسقوط، وبالضنم للعلو والطلوع، ويقال: أهوى بمعنى هوي، وفرق بعض اللغويين بينهما أيضا بأن هوى إذا انقض لغير صيد، وأهوى إذا انقض له، وهذا ما ارتضاه المحققون من أهل اللغة على اختلاف فيه. قوله: (أو بالنجم من نجوم القرآن (معطوف على قوله: بجنس النجوم، والنجم المقدار النازل من القرآن على النبيّ في، وإذا هوى بمعنى إذا نزل عليه مع ملك الوحي جبريل صلوات الله وسلامه عليه، وقوله: إذا سقط الخ على أنه من الهوى بالضم أو الفتح، وقوله: على قوله كما هو في أكثر النسخ متعلق بقوله: أقسم بيان لأنه جواب القسم لا قوله: ما كذب الفؤاد كما قيل، ووقع في بعضها على قواه فهو جمع قوّة متعلق بقوله: ارتفع، وفيه تسمح، والمراد القوى النامية، وهوى من الهوى بالضمّ، وقد صححه بعض المتأخرين. قوله: (ما عدل (أي عن الحق، والدين القويم فهو استعارة، وتمثيل لكونه على الصواب في أقواله وأفعاله، وقوله: وما أعتقد باطلاً لأن الغيئ الجهل مع اعتقاد فاسد، وهو خلاف الرشد
стр. 2847
فيكون على هذا عطفه على قوله: ما ضل من عطف الخاص على العام اعتناء بالاعتقاد، واشارة إلى أنه المدار وقوله، والمراد أي بقوله: ما ضل وما غوى نفي ما كانت قريش تنسبه إليه من الضلال في ترك ما كانت عليه آباؤهم، وأئمة الكفر منهم حتى كانوا يقولون لمن أسلم منهم صبا، وقال صاحبكم: تأكيداً لإقامة الحجة عليهم لأنهم مصاحبون له فهم أعلم بحاله. قوله: (وما يصدر نطقه الخ (يعني أنّ الضمير للنبي ﷺ لتقدم ذكره في قوله صاحبكم لا للقرآن كقوله: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ﴾ [سورة الجاثية، الآية: ٢٩] وأن تعديه بعن والمعروف نطق بكذا لتضمنه معنى الصدور وجعله نطقا مخصوصاً لقوله بالقرآن توطئة لأنه لا دليل فيه على عدم الاجتهاد والهوى كل ما تهواه نفسه وتشتهيه، وقوله: ما القرآن جعل الضمير للقرآن لفهمه من السياق أو لما ينطق به مطلقا كما يدل عليه الفعل، وقوله: يوحيه الله إشارة إلى أن الفاعل ترك للعلم به. قوله: (واحتج به) أي بما ذكر في النظم هنا من لم ير الاجتهاد جائزاً للأنبياء، وفي نسخة من لا يرى الاجتهاد للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهذا على الوجه الثاني، وجعل ضمير هو لما ينطق لا للقرآن لأنه حينئذ في قوّة قياس هو جميع ما ينطق به وحي، والاجتهاد ليس بوحي فلا شيء مما ينطق به باجتهاد، وأجيب عن الاستدلال بالآية بعد تسليم أنّ الضمير لما ينطق به لا للقرآن كما رجحه المصنف بأنه إذا أذن له في الاجتهاد بوحي من الله كان
اجتهاده في أمر، وما يترتب عليه وحي أيضا فصح ذلك منه، ولم ينتقض به الحصر الواقع في الآية، وحاصله منع الكبرى أي لا نسلم أن الاجتهاد الذي سوّغه الله ليس بوحي. قوله: (وفيه نظر لآق ذلك الخ) إيراد على الزمخشري فيما ذكره من الجواب السابق كما اعتر ضعليه أيضا بأنه يلزمه أن تكون الأحكام التي استنبطها المجتهدون وحياً. وردّ بأنّ النبيّ أوحى إليه أن يجتهد بخلاف غيره من المجتهدين واً مّا ما ذكره المصنف فقال في الكشف أنه غير قادج لأنه بمنزلة أن يقول الله لنبيه ﷺ متى ما ظننت كذا فهو حكمي أي كل مما ألقيته في قلبك فهو مرادي فيكون وحياً حقيقة لاندراجه تحت الأذن المذكور لأنه من أفراده فما قيل عليه من أن الوحي الكلام الحقيقي المدرك بسرعة فلا يندرج فيه الحكم الاجتهادقي إلا بعموم المجاز مع أنه يأباه قوله: علمه شديد القوى غير وارد عليه بعدما عرفت من تقريره فتدبره. قوله: (شديد قواه) إشارة إلى أنّ الصفة المشبهة مضافة لفاعلها، وقوله: فإنه الواسطة الخ بيان لشدة قواه بما ثبت من آثارها، وقوله: حصافة بفتح الحاء، والصاد المهملتين مصدر بمعنى الاستحكام، وهي مخصوصة بالعقل والتدبير، وهذا بيان لما وضع له اللفظ لأنّ العرب تقول لكل قوقي العقل، والرأي ذو مرّة من أمررت الحبل إذا أحكمت فتله، والا فوصف الملائكة بمثله غير ظاهر فهو كناية عن ظهور الآثار البديعة فأعرفه. قوله: (فاستقام على صورته الحقيقية الخ (فسر استوى باستقام، وأشار إلى أنّ الاستقامة ليست ضد الاعوجاج بل كونه على خلقته الأصلية لأنها أتم صورة فهو من استوى الثمر إذا نضج وكون استوى يرد بهذا المعنى لا خفاء فيه، وأنما الخفاء فيما عطف أو ترتب عليه هنا فإنه لم يبينه، والذي يظهر أن في الكلام طيا لأن وصفه بالقوّة، وبعض صفات البشر يدلّ على أنه رآه في غير هيئته الحقيقية، وهذا تفصيل لجواب سؤال مقدر أي فهل رآه على صورته الحقيقية قيل نعم مرّة لما أراده منه فاستوى الخ وما قيل من أن الفاء سببية فإن تشكله بتسبب عن قوّته وقدرته على الخوارق أو عاطفة على علمه أي علمه على غير صورته الأصلية ثم استوى على صورته الأصلية لا يخفى أنه لا
يتم به التئام الكلام، ويحسن به النظام. قوله: (قيل الخ) الحديث من رواية الترمذفي عن عائشة ﵂، ولكنه ليس فيه أن أحدا من الأنبياء غيره ﷺ لم يره على صورته الأصلية، ولذا مرضه المصنف فإنّ الذي صح أنه وآه على صورته موّتين مرّة في السماء، ومزة في الأرض بجياد، وليس فيه نفي رؤية كيره من الأنبياء، ولذا قال ابن حجر وحمه الله لم أجده هكذا في الكتب المعتمدة. قوله: (وقيل استولى بقوّته الخ) فاستوى بمعنى استولى كما في قوله تعالى: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٥٤] في أحد تفاسيره، وما جعل له ما أمر بمباشرته من الأمور، وقوله في أفق السماء الأفق الناحية، وجمعه آفاق، والمراد الجهة العليا من السماء المقابلة للناظر لا مصطلح أهل الهيئة. قوله:)
стр. 2848
فتعلق به الخ (فالتدلي مجاز عن التعلق بالنبيئ بعد الدنوّ منه لا بمعنى التنزل من علو كما هو المشهور، ومرجع ضمير دنا وتدلى واحد أو هو دنوّ خاص بحال التعلق فلا قلب، ولا تأويل بأراد الدنوّ كما في الإيضاح، وقوله: وهو ثمثيل لعروجه بالرسول الضمير لقوله: فتدلى بمعنى تعلق لأنّ تعلقه به عبارة عن رفعه من الأرض للعروج به، وقيل: هو راجع لقوله: ﴿ثُمَّ دَنَا﴾ إلى قوله: أدنى، وهو يقتضي أنه لما عرج به كان على هيئته الأصلية، وقوله: وقيل الخ ففيه قلب على هذا، ولدّا لم يرتضه، وقوله: بأنه عرج أي جبريل به أي بالنبيّ بوو، وقوله: غير منفصل عن محله الضمير المستتر في منفصل، والمضاف إليه محله لجبريل أيضا، ومحله الأفق الأعلى، وقوله: لشذة قوّته لرفعه له، وهو في محله، وقوله: فإن التدلي الخ بيان للإشعار بما ذكر لحمل التدلي على معناه الأصلي وهو ما ذكره والاسترسال الاسترخاء، والمذ ودلي رجله من السرير أي أرسلها، وهو جالس عليه، والثمر المعلق كعناقيد العنب، ويخص بها في الأكثر.
قوله: (كقولك هو مني معقد الإزار (بفتح الميم، وكسر القاف محل عقده بيان لما فيه
من التجوّز المصحح لحمل قاب قوسين على ضمير جبريل فإنه كناية أو مجاز عن لازمه، وهو القرب أي هو قريب مني كقرب ما ذكر أو الضمير ليس لجبريل بل للمسافة بتأوللها بالبعد ونحوه، وقاب القوس وقيبه ما بين الوتر ومقبضه، والمراد به المقدار فإنه يقدر بالقوس
كالذراع، ولذا قال مقدارهما، وقد قيل: إنه مقلوب أي قابي قوس، ولا حاجة إليه فإن هذا إشارة إلى ما كانت العرب في الجاهلية تفعله إذا تحالفوا أخرجوا قوسين، ويلصقون إحداهما بالأخرى فيكون القاب ملاصقا للآخر حتى كأنهما ذوا قاب واحد ثم ينزعانهما معا ويرميان بهما سهماً واحداً فيكون ذلك إشارة إلى أنّ رضا أحدهما رضا الآخر، وسخطه سخطه لا يمكن خلافه كذا قاله مجاهد، وارتضاه عامّة المفسرين. قوله: (على تقديركم) يعني أو تكون للشك أو للتشكيك، وكلاهما غير مناسب هنا أشار إلى أنه من جهة العباد كالترجي بلعل، ونحوه فهو تمثيل لشدة القرب بأنه في رأي العين، ورأي الواقف عليه يقال: هذا إمّا قاب قوسين أو أقرب منه كما مرّ في قوله: أو يزيدون فإنّ المعنى إذا رآهم الراتي يقول: هم مائة ألف أو يزيدون، وخطاب تقديركم لكل من يصلح للخطاب من غير تعيين، وقوله: والمقصود أي بما ذكر من قوله: ثم دنا الخ، والمراد بملكة الاتصال قوة اتصال النبيّ ﷺ بالملكة التي يعتمد عليها فأراد بالملكة لازمها، ولا مانع من إرادة معناها المعروف أيضاً، وقوله: بنفي متعلق بتمثيل، وقوله: واضماره أي إضمار ما يعود على الله، وقوله: كقوله: ﴿عَلَى ظَهْرِهَا﴾ أي حيث أتى بضمير الأرض، ولم يجر لها ذكر في قوله تعالى ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا﴾ ما ترك على ظهرها من دابة، وقوله: وفيه تفخيم للموحي به أي إذا عاد لجبريل فإنه يصير كقوله: ﴿فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [سورة طه، الآية: ٧٨] . قوله: (وقيل الضمائر الخ) مرضه لأنّ جمع القوى لا يناسبه، وقوله: ودنوّه أي الله منه أي من النبيّ ﷺ برفع مكانة النبيّ أي علوّ رتبته عند الله وقوله: جذبه بشراً شره أي بكليته بحيث لا يبقى له معين، وهذا يقال له الفناء في الله عند المتألهين. قوله: (ما رأى ببصره من صورة جبريل الخ) (١١ لم يقل من جبريل تصحيحا لاستعمال ما كما في شرح الكشاف وقوله: أو الله ينبغي أن يرفع بتقدير أو هو الله إذ لا وجه لإضافة الصورة لله سبحانه، وهو إشارة إلى الخلاف في المرئيّ هل هو جبريل أو الله بالعين أو القلب، وقوله: ما كذب بصره بما حكاه له بالنصب على أنّ المفعول محذوف للعلم به. قوله:
(فإنّ الأمور القدسية تدرك أوّلاً بالقلب الخ) توجيه لكون الفؤاد مكذبا ومصدقا للبصر فيما يحكيه له فإنه يقتضي تقدم إدراك القلب على رؤية العين فكأنه لما شاهده بعدما عرفه وتحققه لم يكذبه فؤاده فيه بعد ذلك فإنك إذا عرفت الشمس بالحذ، والرسم كان ذلك نوعا من المعرفة فإذا أبصرتها، ثم غمضت عينك عنها كان نوعاً آخر منها فوق الأوّل فما في عالم الملكوت يعرف أوّلاً بالعقل فإذا شوهد ذلك بالحس علم أنه عين ما عرفه أوّلاً بعقله فلم يكذب القلب البصر فيه، وما قيل من أنه تعليل لمقدمة مطوية معلومة مما قبله، وهي أن الفؤاد يحكي مثله للبصر وأنه غير مسلم على المذهب السنيّ إذ يجوز تعلق الأبصار أوّلاً بذاته تعالى، وبالملائكة فهو على زعم الفلاسفة من اتصال الأنفس البشرية بالمجرّدات ثم
стр. 2849
تصوير المتخيلة ما أدركته منها بما يلائمه، ثم ارتسامه في الحس المشترك كسائر المحسوسات ليس بشيء يعوّل عليه، وأنت بما سمعته في غنية عنه فإنه بيان للواقع في أمثاله. قوله: (ثم تتنقل منه) أي مما يدركه القلب والعقل إلى المشاهدة المحسوسة بالبصر فإنه إنما يشاهد ما في عالم القدس من صفقت مرآته، وصقلها بالإيمان بالغيب فلا غبار عليه. قوله: (أو ما قال فؤاده لما رآه لم أعرفك الخ) يعني أنه من قوله: كذب إذا قال كذباً فالمعنى ما قال الكذب، وهو قوله: لما شاهده بصره في حظائر القدس لم أعرفك بعدما عرفه كما شاهده. قوله: (أو ما رآه بقلبه) معطوف على قوله: أوّلاً ما رأى ببصره يعني أنّ رأى في الوجوه السابقة بمعنى أبصر، والرؤية فيها بصرية على الوجوه، وعلى هذا هي قلبية، والمعنى كما بينه أنّ ما أدركه قلبه ليس مثالاً كاذباً بل أمراً حقا متيقنا، وقوله: ويدل عليه أي على الوجه الأخير، وأنّ الرؤية فيه قلبية لا بصرية وهذا بناء على أنه في المعراج لم ير الله بعين بصره كما ذهبت إليه عائشة ﵂ وقوله: ما كذب أي بالتشديد من التفعيل. قوله: (واشتقاقه من مري الناقة) إذا مسح ظهرها وضرعها ليخرج لبنها، وتدرّبه فشبه به الجدال لأنّ كلا يطلب الوقوف على ما عند الآخر ليلزمه الحجة فكأنه استخرج درّه، وقوله: فمريته يعني من باب المغالبة، وقوله: لتضمين الفعل معنى الغلبة في الوجهين،
وكان حقه التعدي بفي لأنه يقال ماريته في كذا. قوله:) اقيمت مقام المرة ونصبت نصبها (على الظرفية لأن المرة مصدر مرّ يمز، ولشدة اتصال الفعل بالزمان عبر به عنه فالنزلة كذلك وقيل إنه منصوب على المصدرية للحال المقدرة أي نازلآ نزلة كما أشار إليه بقوله، وقيل: تقديره الخ. وقيل: إنه منصوب على أنه مصدر لرأي من معناه فنزلة بمعنى رؤية، وفيه نظر، وقوله: إشعارا الخ يعني أنه لم يقل مرّة بل نزلة ليفيد أنها رؤية مخصوصة. قوله: (والكلام في المرئتي والدنؤ ما سبق (يعني هل المرئيئ رب العزة أو جبريل، والدنوّ مكانيئ أو معنويّ لمكانته وشرفه كما مز تفصيله، وقوله: والمراد به أي بما ذكر من الجملة القسمية المؤكدة، أو المراد بالمصدر المؤكد للحال هنا نفي الريبة، والشك عن المرة الأخيرة حيث كانت عند النزول، وكمال الدنوّ فلم يكن فيها التباس لأن التأكيد بالمصدر يرفع الاحتمالات في مثله. قوله: (التي ينتهي الخ (فالمنتهى اسم مكان ويجوز كونه مصدرا ميميآ وانتهاء علم الخلائق أنه لا يعلم ما وراءها إلا الله، وانتهاء الأعمال إنها تعرض على الله عندها، وإضافة السدرة للمنتهى من إضافة الشيء لمحله كأشجار البستان، وجوّز أن يكون المنتهى الله فهو من إضافة الملك للمالك أي سدرة الله الذي إليه المنتهى كما في قوله: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى﴾ [سورة النجم، الآية: ٤٢، فهو من الحذف، والإيصال، وقول بعضهم هنا حذف المجرور والجار لا وجه له لأن المجرور لم يذكر إلا أن يريد بالحذف عدم النمكر،. وقوله: لأنهم يجتمعون الخ يعني أنّ شجر النبق يجتمع الناس في ظله، وهذه يجتمع عندها الملائكة فشبهت بها، وسميت سدرة لذلك، والنبق بكسر الباء وتسكن معروف فإطلاقها عليها بطريق الاستعارة وورد في الحديث: (إنها عن يمين العرس، وإنّ كل نبقة فيها كقلة من قلال هجر) فهو على هذا حقيقة، وهو الأظهر، وقوله: التي يأوي الخ فالمأوى اسم صكان، وإضافة الجنة إليه إضافة حقيقية لغايته أو هي من إضافة العام للخاص لا من قبيل مسجد الجامع كما توهم لأن اسم المكال! لا يوصف به. قوله: (كعظيم وتكثير الخ الأنه للتعبير عنه بالموصول المبهم إشارة إلى أنه أمر لا يحيط به نطاق
البيان، ولا تسعة أردان الأذهان وقوله، وقيل: الخ، والإبهام أيضاً لما ذكر، وأنما مرضه للتعيين فيه من غير قرينة دالة عليه، وقوله: ما مال وفي نسخة ما زال، وقوله: مستيقناً بكسر القاف، وفتحها على أنه حال من فاعل أثبت أو صفة إثباتا أو حال من مفعول أثبته، وقوله: والله الخ قدره لاقتضاء اللام له، وقوله: أي الكبرى من آياته فمن بيانية مقدّمة على المبين والجار والمجرور حال، وقوله: المعنية أي المقصودة بما رأى في قوله ما كذب الفؤاد ما رأى فهي العجائب الملكية والملكوتية، وقوله: على أنّ المفعول محذوف، وهو شيئا لا من التبعيضية لأنها اسم أو مؤولة باسم، وهو بعض لأنه لا يوافق قواعد النحو بغير تكلف مع أنه فيما ذكر الإبهام، والتفصيل، وما يفيد التعظيم كما مرّ، وزبادة من في الإثبات مما جوّزه بعض النحاة. قوله: (بنخلة) هي اسم مكان معين
стр. 2850
كما في قول المتنبي:
ما مقامي بأرض نخلة إلا كمقام المسيح بين اليهود
وقوله: وهي فعلة من لوى فأصلها لوية فخفف بحذف الياء، وأبدلت واوه أو عوّضى
عنها تاء فصارت كتاء بنت وأخت، ولذا وقف عليها بالتاء لا رعاية لصورة الكتابة كما قيل فإنه باطل إذ مثله سماعيّ لا نظراللخط من غير نقل ومن وقف بالهاء فهو ظاهر عنده، وقوله: بالتشديد أي تشديد التاء على أنه اسم فاعل من لت يلت إذا عجن كما أشار إليه بقوله: على أنه سمي به الخ، والحاج اسم جمع بمعنى الحجاج لا مفرد، وقوله: سمرة بفتح السين المهملة، وضم الميم شجر معروف وغطفان بالمعجمة وحركات قبيلة معروفة، ومنه مني أي سميت مني لأنه يمني فيها أي ينحر القرابين. قوله: (صفتان للتثيد) فإنّ كونها ثالثة، وأخرى مغايرة لما
تقدمها معلوم غير محتاج للبيان أو الثالثة للتأكيد والأخرى بيان لها لأنها مؤخرة رتبة عندهم عن اللات والعزى، وقوله: وهذه الأصنام معطوف على المقول لا على القول لما سيأتي، وقوله: هياكل جمع هيكل، وهو البنية، وتمثال الشيء ويطلق على الأصنام لأنها تماثيل لأمور أخر كما بين في محله، وهو معطوف على قوله: استوطنها. قوله: (وهو المفعول الثاني لقوله: أفرأيتم الخ) قد مرّ مراهـ اً الكلام في أرأيت وأنها بمعنى أخبرني، وفي كيفية دلالتها على ذلك واختلاف النحاة في فعل الرؤية فيه هل هو بصريّ فتكون الجملة الاستفهامية بعدها مستأنفة لبيان المستخبر عنه، وهو الذي اختاره الرضي أو علمية فتكون في محل المفعول الثاني فالرابط حينئذ أنها في تأويل أهي بنات الله وهو كله ظاهر لا كلام فيه إنما الكلام في قول المصنف إنكار لقولهم: (الملائكة بنات الله) فإنه إذا أريد به ذلك يكون مغايراً للأصنام فلا يصح قوله: إنه في محل المفعول الثاني كما قيل، ويدفع بأنه حينئذ إنكار لبنات الله كلها، ومن جملتها ما حل في هذه، وهو المقصود منها فكأنه عينها فالرابط حينئذ العموم في الخبر الشامل للمبتدأ فإنه أحد الروابط كما حققه النحاة. قوله: (جائرة) هو المراد، وكذا إذا همزت على أنها من ضأره بمعنى ظلمه، وقد اختلف فيها فقيل: ياؤها أصلية، وقيل: مبدلة من واو على أنه واويّ.، وقد تهمز ووزنه قيل: فعلى بضم الفاء كسرت لتسلم الياء على القول المشهور فيه، ولم تجعل فعلى بالكسر ابتداء لأنّ مذهب سيبويه أنّ فعلى بالكسر لم يجىء عن العرب في الصفات فلذا جعله منقولاً عن المضموم فانه شائع فيها كحبلى، ولذا قيل إنه مصدر كذكرى وصف به مبالغة، وخالفه غيره متمسكا بأنه ورد صفة أيضا في ألفاظ أربعة حكاها، وهي مشية حيكي، وامرأة عزهى وسعلى وكيصى، وردّ بأنه من النوادر فالحمل على الكثير المطرد في بابه أولى وأيضاً له أن يقول في حيكى، وكيصى ماقاله في ضيزى، وأمّا عزهى وسعلى فالمسموع فيه عزهاة، وسعلاة عنده. قوله: (كما فعل في بيض) جمع أبيض فإنّ وزنه فعل بضم الفاء كحمر فكسرت فاؤه لتسلم الياء، وقوله: فعلى بالكسر لم يأت وصفا عند سيبويه، وأنما جاء اسم مصدر كذكرى، واسما جامداً كدفلى وشعرى، وجمعا كحجلى وغيره يقول إنه ورد نادراً أو هو جامد أو مصدر وصف به لتأويله بالوصف، وقوله: مصدر نعت به أو هو مضموم عومل معاملة المعتل لأنه يؤول إليه فما قيل: من أنّ موجب التغيير غير موجود فيه فإنّ الضم لا يستثقل مع الهمزة استثقاله مع الياء الساكنة غير مسلم. قوله: (باعتبار الألوهية) أي باعتبار
إطلاق اسم الآلهة عليها أي ليس لها نصيب منها إلا إطلاق تلك الأسماء عليها، وهذا راجع لما بعده، ولذا قيل: إنّ الأولى تركه والمراد لا نصيب لها أصلاً، ولا وجه لتسميتها بذلك، ولو كانت الألوهية متحققة بمجرّد التسمية كانت آلهة فهو من نفي الشيء بإثباته أو هو ادعاء محض لا طائل تحته. قوو ": (أو للصفة (معطوف على قوله: للأصنام فضميرهي للصفة أي ليست الصفة المذكورة أو ليس صفتها المذكورة إلا مجرّد تسمية لا حقيقة لها، والعكوف على عبادتها بمعنى مداومتها لأنها فعلة من لوى بمعنى طاف وما بعده ظاهر، وقوله: سميتم بها لأنه يقال سماه بكذا، وسماه كذا بمعنى، وهو المراد هنا، وقوله: بهواكم متعلق بسميتموها، وقوله: وقرئ بالتاء كما هو مقتضى الظاهر، والقراءة الأخرى على الغيبة التفاتا، وقوله: ألا توهم الخ، إشارة إلى أنّ الظن ليس بمعنى إدراك الطرف الراجح بل المرجوج، وهو التوهم، وقوله: تشتهيه أنفسهم إشارة إلى أن ما موصولة عائدها مقدر
стр. 2851
ولو جعلت مصدرية سلمت من التقدير، وقوله: الرسول أو الكتاب فالهدى بمعنى الهادي أو جعل هدى مبالغة، وقوله: فتركوه يفهم من جعل هذه الجملة حالاً مقيدة لما قبلها، وهو الظاهر لأنّ المعنى يتبعون الظن وهوى النفس في حال ينافي ذلك، وهو أحسن من جعلها معترضة، وتسمى هذه الحال الحال المقرّرة للأشكال. قوله: (أم منقطعة) فهي مقدرة ببل والهمزة، والاستفهام المقدر معها للإنكار فهو في معنى النفي وهو متصل بما قبله من اتباع الظن، وهوي الأنفس فالإضراب عنه لبيان أنه لا ينال ذلك، وقوله والمعنى ليس له كل ما يتمناه فهو رفع للإيجاب الكليّ دون السلب الكليّ لأنّ قوله للإنسان ما تمنى بمنزلة إيجاب كليّ فإنكاره، ورفعه رفع للإيجاب الكليّ وهو سلب جزئيّ، وقوله: والمراد الخ بيان لموضوع السالبة الجزئية فتأمّل. قوله: (وليس لأحد أن يتحكم عليه الخ) إشارة إلى ما يفيده تقديم لله من الحصر لأنه إذا اختص بملكهما، والتصزف فيهما لم يكن لأحد تصرّف فيهما، والتحكم نوع من التصزف فلا يشفع ولا يشفع ما لم يرد الله ذلك،
وقوله: وكثير تفسير لكم الخبرية. قوله تعالى: ( ﴿لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ الخ) كلام وارد على سبيل الفرض أو هو من باب قوله:
على لا حب لا يهتدى بمناره
أي لا شفاعة لهم ولا إغناء بدون الإذن فلا يخالف قوله: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٥٥] وفائدة إضافة الشفاعة إلى ضميرهم الإيذان بأنها لا توجد بغير إذن ولو من أهلها، ولذا قيل: إنّ المناسب أن يكون من يشاء من الناس لا من الملائكة ليفيد أنّ الشفاعة لا توجد فيمن هو أهل لها إلا من بعد أن يأذن الله فيها لمن هو أهل لأن يشفع له فما ظنهم بالأصنام، وشفاعتها لهم، ولا أهلية للشافع والمشفوع له، وفيه نظر. قوله: (أي كل واحد منهم) يعني أنه في معنى استغراق المفرد لأنه لو لم يكن كذلك كان الظاهر الإناث مكان الأنثى، وهذا مبنيئ على أنّ تسمية الأنثى وفي النظم ليس على التشبيه فيكون التقدير يسمون الملائكة أنثى بتسميتهم إناثاً أي قولهم: إنها بنات الله لأنهم إذا قالوه فقد جعلوا كل واحد بنتا، وهو على وزان كسانا الأمير حلة أي كسا كل واحد منا حلة، والإفراد لعدم اللبس كما مز فما قيل من أنه ليس توجيها لأفراد الأنثى حتى يقال إنه تأويل قبل ظهور الاحتياج، وأنّ الأولى تأويل الأنثى بالإناث فإنها اسم جنس يتناول الكثير، والقليل، والقول بأنه لرعاية الفاصلة، أو المراد الطائفة الأنثى أو هو منصوب بنزع الخافض على التشبيه فلا تمس الحاجة إلى الجمعية، وكذا ما قيل من أنّ الحمل على الاستغراق يوهم أنه مدار التشنيع مع أنه ليس كذلك، وأنّ الأوجه أن يقال: إن تعريفه للجنس كله كلام لا طائل تحته لأنه استسمان لذي ورم، ونفخ في غير ضرم لما عرفته. قوله:) أي بما يقولون) وهو التسمية المذكورة، وفسره بما ذكر لتوجيه تذكير الضمير، وقوله: لا يدرك إلا بالعلم أي حقيقة الشيء، وما هو عليه إنما تدرك إدراكا معتداً به إذا كان عن يقين لا عن ظن، وتوهم فسقط ما قيل من أنه من الجائز أن يكون المظنون، والموهوم مطابقا للواقع، وليس فيه دلالة على عدم اعتبار إيمان المقلد كما قيل لما بين في الأصول، والمراد بالمعارف الحقيقية المطالب الاعتقادية التي يلزم فيها الجزم، والوصلة إلى العمليات بالمسائل الفقهية، وأصولها. قوله: (فأعرض عن دعوته والاهتمام بشانه) فيكون
أمراً له بترك القتال، والآية منسوخة لأنها مكية، ويكون كقوله في الكشاف: فأعرض عته، ولا تقابله أو ولا تقاتله بالفوقية، والتحتية لأنّ المقابلة والمقاتلة لا تتصوّر بدون دعوة فإذا انتفت الدعوة انتفى ما يلزمها فليس مخالفا له كما توهم، وأنّ المصنف تركه لأنّ النسخ خلاف الأصل لا يرتكب من غير حاجة فإن أوّل فالتأويل بابه واسع يجري فيهما. قوله: (من غفل عن الله الخ (يعني ليس التولي عن ذكره ثعالى على ظاهره بل هو كناية عما ذكر، وقوله: لا تزيده الخ خبر أن وقوله: أمر الدنيا فالإشارة لأمرها المفهوم منها لا لها، ولذا ذكر اسم الإشارة، وكونها شهية أي مشتهاة لهم مفهوم من قصر إرادتهم عليها، وقوله: لا يتجاوزه علمهم تفسير لمبلغهم من العلم، وأنّ المراد أنه منتهى علمهم لا علم لهم فوقه لدلالة البلوغ على الانتهاء، وليس فيه إشارة إلى أنّ مبلغ اسم مكان، وإن كان اسم مكان في الواقع مجازاً بجعله كأنه محل وقف فيه علمهم ادّعاء، وقوله: والجملة اعتراض أي بين قوله فأعرض الخ، وقوله: إن ربك الخ بين العلة، والمعلل. قوله: (أي إنما يعلم الله الخ) قيل:
стр. 2852
القصر من ضميري الفصل، واعترض عليه بأن أعلم بمعنى عالم لا أفعل تفضيل ليصح كونه تعليلاً للأمر بالإعراض، والضمير إنما يكون فصلاً إذا كان اسم تفضيل فالصواب إنه مبتدأ، والقصر مأخوذ من السياق وبيان الحكم، وبدفع بأنهم أجازوا فيه التفضيل وغيره كما ذكره السمين، وأمّا صحة التعليل فلا تتوقف على كونه بمعنى عالم بل إذا كان أعلم على بابه فالتعليل أظهر كما لا يخفى على من له بصيرة. قوله: (من يجيب ممن لا يجيب الخ) قيل عليه الصواب تأخير الجلالة عن مفعول يعلم إذ المعنى لا يعلم من يجيب ممن لا يجيب إلا الله، وعلى تقديمها يكون المعنى ما يعلم الله إلا من يجيب ممن لا يجيب، وهو بمعزل عن الصواب إلا أن يقال: إنه قدم لئلا يتوهم أنه مفعول لا يجيب، وهو على نية التأخير، ولا يخفى أنّ ما ذكر من التقديم، والتأخير لا يرضا. إلا ذو التقصير، وعبارته في الكشاف إنما يعلم الله من يجيب ممن لا يجيب، وأنت لا تعلم، وتبعه المصنف مع اختصار مخل فيه، والعلم في مثله بمعنى التمييز كما أشار إليه شراح الكشاف، ولذا تعلقت به من، وحينئذ يجوز أن يكون المعنى إنما يريد الله تمييز من يجيب من غيره وتمييز الضالّ من المهتدي لا تمييز السالك على الدعوة الحريص على اتباع من دعاه من غيره، وحاصله ما عليك إلا البلاغ، وهذا لا يخلو من التعقيد، ولو قيل فيه تقدير، وأصله إنما يعلمه الله ليتميز من يجيب ممن لا يجيب كان أسهل، وباب التقدير باب واسع، وقوله: يجيب ولا يجيب تفسير لضل واهتدى، وعبر بالمضارع إشارة إلى أنه مستمرّ له ذلك في المستقبل، وأنه
عبر عنه بالماضي في النظم لتحقق وقوعه كما هو العادة الجارية في أخبار الله تعالى كما مز مراراً. قوله: (خلقاً وملكاً) يعني أنه لحصر الاختصاص التام فيه تعالى، وذلك كونه له من جميع الوجو. فلا يتوهم أنه من استعمال اللفظ في معنييه حتى يحتاج للاعتذار عنه، وقوله: ليجزي الذين الخ. قيل: اللام متعلقة بقوله: لا تغني شفاعتهم ذكره مكيّ، وهو بعيد لفظاً ومعنى، وقيل: إنه متعلق بما دل عليه قوله ﴿لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ أي له ملكهما يضل من يشاء ويهدي من يشاء ليجزي المحسن والمسيء، وقيل: متعلق بمن ضل، وبمن اهتدى واللام للصيرورة أي عاقبة أمرهم جميعا للجزاء بما عملوا، وقيل: متعلق بما دل عليه قوله: بمن ضل أي حفظ ذلك ليجزي قاله أبو البقاء. قوله: (بعقاب ما عملوا من السوء (فالباء صلة الجزاء بتقدير مضاف إمّ عقاب أو مثل لقوله وجزاء سيئة سيئة مثلها أو هي للسببية، وقوله: وهو علة إشارة لما مرّ، وقوله: أو ميز إشارة إلى ما مرّ من أنّ علمه بالفريقين كناية عن تمييز من يستحق الثواب ممن يستحق العقاب ليظهر جزاؤه فجملة ولله ما في السموات الخ جملة معترضة لتأكيد علمه وبيان إحاطته، أو حال من فاعل أعلم سواء كان بمعنى عالم أو لا. قوله: (بالمثوبة الحسنى الخ) فالحسنى صفة بمعنى الحسنى وموصوفها مقدّر وهو المثوبة أي الجزاء الحسن، والثواب والمراد به الجنة، وما فيها من النعيم أو الحسنى تأنيث أحسن اسم تفضيل، والباء عليهما صلة الجزاء، وعلى الأخير هي سببية، ولم يلاحظ في الأوّل زيادة كما توهم لأنه لا داعي له. قوله:) ما يكبر عقابه الخ (يعني وصفه بالكبر باعتبار كبر جزائه، وهو ردّ على الزمخشريّ حيث قال الكبائر: ما لا يسقط عقابه إلا بالتوبة، وقد اختلف في الكبائر أهل الأصول على أقوال كثيرة منها ما ذكره المصنف، وهو ما توعد عليه الشارع بخصوصه أو ما عين له حد كالزنا، وإذا أريد الجنس فعطف الفواحش عليه إمّا من عطف أحد المترادفين أو الخاص على العامّ، واختاره المصنف كما أشار إليه بقوله: خصوصاً، وقوله: ما قل الخ فاللمم الصغائر من الذنوب، واصل معناه ما قل قدره، ومنه لمة الشعر لأنها دون الوفرة، وقيل: معنا. الدنوّ من الشيء دون ارتكاب له. قوله:) والاستثناء منقطع) على تفسيره بالصغائر، وما قبله بالكبائر فيكون انقطاعه ظاهراً، وقيل هو متصل، والمراد مطلق الذنوب، وقيل إنه لا استثناء فيه
أصلا، والا صفة بمعنى غير إما لجعل المضاف إلى المعرف باللام الجنسية في حكم النكرة أو لأن غير أو إلا التي بمعناها يتعرف بالإضافة، ولم يذكره المصنف كما في الكشاف لأنّ شرطه كونه تابعا لجمع منكر غير محصور عند ابن الحاجب إلا أنّ سيبويه جوّز وقوع إلا صفة مع جواز الاستثناء فهو لا يشترط ذلك، وتبعه أكثر المتأخرين فلا يرد ما ذكر على الزمخشري إن كان هو الداعي لترك المصنف له نعم هو خلاف الظاهر فلا داعي لارتكابه. قوله:) ومحل الذين الخ) فهو صفة للذين قبله
стр. 2853
لأنّ الذي يوصف ويوصف به، وإذا نصب على المدح فهو بتقدير أعني أو أمدح، ويجوز كونه عطف بيان أو بدلاً لجعل إحسان العمل بدون اجتناب المنهيات في حكم العدم المطروج، ومن غفل عنه قال إنه لا حسن فيه، وقوله: خبر محذوت لم يقل فيه على المدح كالذي قبله لا لاحتمال كونه استئنافاً لتعينه بل للتفنن في العبارة.
قوله: (ولعله عقب به الخ (أي ذكر قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ بعد الوعد والوعيد
لما ذكر وهو رد على المعتزلة في قولهم: بعدم غفران الكبيرة من غير توبة ووجوب عقاب المسيء على الله بناء على الأصلح، والكلام عليه مفصل في كتب الكلام، وقوله: منكم قدره لما فيه من المبالغة البليغة، ولو قدره من كل أحد كان جائزا أيضا. قوله: (علم أحوالكم الخ ( ﴿خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ﴾ [سورة الروم، الآية: ٢٠، تفسير لقوله: من الأرض كما أنّ قوله: ﴿يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ﴾ معنى قوله: أجنة الخ وقوله: فلا تثنوا الخ فالمراد به الثناء وأصله من الزكاء بمعنى الزيادة أو الطهارة وهذا إذا قصد التمذح والرياء فإن ذكرت لغير ذلك فلا ولذا قيل المسرّة بالطاعة طاعة، وذكرها شكر لقوله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [سورة الضحى، الآية: اا] وقوله: الحافر اسم فاعل بمعنى من يحفر البئر بدليل فوله: فترك الحفر. قوله: (ئزلت في الوليد) ذكره الواحدي في أسباب النزول، ولم أر له تخريجا في غيره والمراد بالأشياخ
رؤساء الكفار، وقوله: بخل بالباقي ليس الذم فيه بالبخل فقط كما توهم لأن توليه عن الحق بالردة واعتقاده تحمل الغير لأوزاره واعطاءه في مقابلته ما أعطى ثم رجوعه المتضمن لبخله، وكذبه كله قبيح مذموم، والفاء في قوله: فهو يرى للتسبب عما قبله، وقوله: أتمّ الخ تفسير لقوله: وفر من التوفير، وهو التكثير فتكثيره لفعله، وأمر الغير به أو لمبالغته في كيفيته. قوله: (وتخصيصه) أي إبراهيم بذلك أي بالوصف بالوفاء بما التزمه، ونمروذ من الجبابرة معروف، وقصته مع الخليل ﵊ مشهورة، وقوله: أمّا إليك فلا لأنه كان عاهد الله أن لا يسأل غيره فقال: فادع الله قال: حسبي من سؤالي علمي بحالي وذبح الولد أي عزمه على ذبحه إذ لم يقع الذبح كما هو مشهور، وقوله: فإن وافقه أي إن وجده فوافقه على الذهاب معه، وليس وافقه بمعنى وجده كما قيل، وقوله: أكبر وقع في نسخة أكثر بالمثلثة، وقوله: مخففة من الثقيلة واسمها ضمير شأن مقدر، ولا تزر خبرها، وقوله: كأنه الخ يعني أنه استئناف بياني في جواب سؤال مقدر. قوله: (ولا يخالف ذلك قوله الخ (فإنّ هذه الآية تدل على أن أحدا لا يعاقب بوزر غيره مع أنّ الآية الأخرى تدل على أنّ القاتل لنفس عليه وزر من قتل بعده، والحديث يدل على أنّ من سن سنة سيئة عذب بوزر من عمل بها بعده، وكل ذلك وزر غيره فتتعارض هذه الآية، والآية الأخرى، والحديث هكذا يقرّر الإشكال، وأشار إلى الجواب عنه بقوله: فإنّ ذلك للدلالة الخ يعني أن ما عذب عليه ليس هو وزر غيره بل وزر عمله نفسه، وهو دلالته، وتسببه الذي هو صفة قائمة به لا عمل غيره، وهكذا يوفق بين ما ذكر
وقوله: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [سورة النجم، الآية: ٣٩] . قوله تعالى: ( ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ الخ) قد اختلف في تفسير هذه الآية على أقوال فعن ابن عباص ﵄ أنها منسوخة لقوله: ألحقنا بهم ذرياتهم كدخولهم الجنة بعمل آبائهم وقال عكرمة إنها في غير أمة محمد جميه، كقوم موسى ﵊، وقيل: إنها في الكفار لانتفاع المؤمنين بسعي غيرهم، وعن الحسن أنه من طريق العدل لا من طريق الفضل، وقيل: اللام بمعنى على أي ليس عليه غير سعيه وفيه نظر، وقد قدمنا قبل ما يفيد الجواب أيضاً. قوله: (إلا سعيه) إشارة إلى أنّ ما مصدرية ولو جعلت موصولة صح، ويرى في قوله: سوف يرى بصرية أو علمية مفعولها مقدر أي حاضرا ونحوه، وقوله: كما لا يؤاخذ الخ إشارة إلى أنّ السعي مراد به الخير فيكون تتميماً لما قبله لا عام للتأكيد. قوله: (وما جاء في الأخبار الخ) جواب عما قيل من أنّ الحج عن الميت، والصدقة عنه تنفعانه، وليس ذلك من سعيه فكيف التوفيق بينه، وبين الحصر الذي في هذه الآية بأنّ الغير لما نواه له صار بمنزلة الوكيل عنه القائم مقامه شرعاً فكأنه بسعيه، وهذا لا يتأتى إلا بطريق عموم المجاز عندنا أو جواز الجمع بين الحقيقة، والمجاز عند المصنف كما لا يخفى، وقد أجيب أيضاً بأنّ سعي غيره لما لم ينفعه إلا مبنياً على سعي نفسه من الإيمان، والعمل الصالح فكأنه سعيه، وفيه نظر، وكذا تضعيف الثواب كما في الكشاف
стр. 2854
من أنه ينافي القصر على سعيه وحده، والجواب عنه يعلم مما مرّ فتأمّله، وأمّا قراءة القرآن للميت، ونحوه فقال: جماعة لا يصل ثوابها له، وقيل إنه يصل، وقيل: يصل له إذا وهب ثوابه له فينبغي أن يقول: يعده اللهم إني وهبت ثواب ما قرأته لفلان اللهم فأوصله له، ثم إن ما ذكر لا يطرد في الأعمال كلها، والوارد في الأحاديث الصحيحة في الحج والصدقة واختلف في قراءة القرآن ولا يجري في الصلاة والصوم، وما وقع في الهداية من كتاب الحج من إطلاقه في صحة جعل الإنسان ثواب عمله لغيره، ولو صلاة وصوما وأنه مذهب أهل السنة فمحتاج إلى
التحرير، وتحريره أنّ محل الخلاف في العبادة البدنية هل تقبل النيابة فتسقط عمن لزمته يفعل غيره سواء كان بإذنه أم لا يعد حياته أم لا فهذا واقع في الحج كما ورد في الأحاديث الصحيحة أمّا الصوم فلا وما ورد في حديث: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) وكذا غيره من العبادات فقال الطحاوي في الآثار: إنه كان في صدر الإسلام، ثم نسخ وليس الكلام في الفدية، واطعام الطعام فإنه بدل، وكذا إهداء الثواب سواء كان بعينه أو مثله فإنه دعاء وقبوله بفضله تعالى كالصدقة عن الغير فأعرفه. قوله: (يجزي العبد سعيه بالجزاء الخ) المراد بالعبد الإنسان المذكور في النظم، وفي إعرابه وجهان أظهرهما أنّ الضمير المرفوع للإنسان والمنصوب للسعي، والجزاء مصدر مبين للنوع، والثاني أنّ الضمير للجزاء، والجزاء مفسر له أو بدل منه كقوله: ﴿وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ [سورة الأنبياء، الآية: ٣] وأمّا قول أبي حيان: إنه إذا كان تفسيرا للضمير المنصوب فعلام ينتصب وأمّا إذا كان بدلاً ففيه إبدال الظاهر من المضمر، والصحيح منعه فليس بشيء لأنّ انتصابه على أنه عطف بيان أو منصوب بأعني مقدرا، وقد منع أبو البقاء من وصف الجزاء على المصدرية لأنه وصف بالأوفى، وهو من صفة المجزي به لا الفعل لما يلزمه من تعدي يجزي لثلاثة مفاعيل الأوّل القائم مقام الفاعل، والثاني الهاء التي هي ضمير السعي، والثالث الجزاء الأوفى، وأيضاً معناه غير منتظم إلا أن يقال الجزاء بدل من الهاء لكنه سماه مفعولاً تسمحاً، وقوله: لا الفعل ممنوع بل هو من صفاته مجازاً كما يوصف به المجزي به إذ الحقيقة منتفية عنهما كذا في الدر المصون. قوله: (فنصب بنزع الخافض) وأصله يجزي الله الإنسان سعيه فالجزاء منصوب بنزع الخافض كما صرّح به المصنف وسعيه هو المفعول الثاني، وهو يتعدّى له بنفسه نحو جزاك الله خيرا، وجزاؤه سعيه بمعنى جزائه بمثله أو هو مجاز، وقيل: المنصوب بنزع الخافض الضمير والتقدير بسعيه أو على سعيه كما في الكشاف، والمصنف عدل عنه لما فيه من زيادة التقدير فتدبر. قوله: (ويجوز أن يكون مصدرا) قد علمت ما فيه، وما أورده أبو البقاء وجوابه، وما قيل عليه من أنه لا يدفعه لأنه، وإن جوّز وصف الفعل به للملابسة فهو مجاز عقلي من غير ضرورة داعية له غير مسلم لأن وصف المجزي به كذلك، ولو قيل بأنه حقيقة ففيه تجوّز آخر، وهو زيادة الباء التي هي خلاف الأصل، وأمّا تعديته إلى المجزي بنفسه فلا يفيد لأنّ المصنف خرجه على خلافه فهو صلح من غير تراض للخصمين والإبدالى على القول بجواز إبدال الظاهر من الضمير. قوله: (انتهاء الخلائق) إشارة إلى أنّ المنتهى مصدر ميمي، وقوله: على أنه منقطع
الخ يعني أنه على قراءة الفتح داخل فيما في الصحف فإذا كسرت إنّ فليست مما فيها، وهو جملة معطوفة على ما قبلها، وقوله: لا يقدر الخ إشارة إلى الحصر المأخوذ من الضمير لتقدمه وتكرّر الإسناد فيه أو لأنه ضمير فصل على رأى، وقوله: فإنّ القاتل الخ جواب عن أن القاتل أمات من قتل فكيف تنحصر الإماتة فيه تعالى بأنّ القاتل إنما نقض البنية الإنسانية، وفرّق أجزاءها، والموت الحاصل بذلك فعل الله تعالى على سبيل العادة في مثله، ولم يتعرّض للحصر في الإضحاك، والإبكاء لظهوره عندنا، ولأنه لا يترتب عليه خلاف كغيره، ولذا لم يذكر الضمير في قوله، وأنه خلق الزوجين في النظم لأنه لا يتوهم نسبة الخلق لغيره كما في أفعال العباد. قوله: (وقاء بوعده) دفع لما يتوهم من لفظ عليه المقتضي للإيجاب الذي ذهب إليه بعضهم بأنه أوجبه على نفسه لوعده وعدا لا يخلفه فلذا قال عليه، وقوله: مصدر نشأه الثلاثي لا المزيد فهو كالكفالة في المصادر الثلاثية. قوله: (وهو ما يتأثل من الأموال (أي يبقى، ويدوم ببقاء نفسه أو أصله كالرياض، والحيوان، والبناء لأنّ المؤثل بمعنى الأصيل كما في قوله:
стр. 2855
وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي
وتذكير ضمير القنية لرعاية الخبر، وقوله: وإفرادها أي بالذكر مع دخولها في قوله:
اً غنى، وأشف بمعنى أنفس وأشرف. قوله: (أو أرضى (أي معناه أرضى فإنه جاء في كلامهم بهذا المعنى كقوله:
فأقنيت حبي عفة وتكرّما
وقوله وتحقيقه الخ هو من كلام الراغب يعني أنه بهذا المعنى مجاز من القنية أيضا كأنه ادخر الرضا، والصبر لأنه ذخر من لا ذخر له، وقد يقال إنه مراد من فسره بأفقر ليظهر فيه الطباق كأضحك، وأبكى كما نقل عن الأخفش وغيره، وقيل: إنّ الهمزة فيه للسلب والإزالة، وهو احتمال أيضاً، ودلّه در القائل:
هل هي إلا مدّة وتنقضي مايغلب الأيام إلامن رضي
قوله: (يعني العبور الخ (الشعري علم مشترك بين كوكبين، وهما الشعريان الشعري
العبور بفتح العين المهملة، والباء الموحدة والراء المهملة بعد الواو، والغميصاء بغين معجمة مضمومة وميم مفتوحة بعدها ياء مثناة تحتية وصاد مهملة ومد من العبور بمعنى الدخول، والغمص! وهو ما يسيل من العين زعموا أنهما ذهبا خلف سهيل فعبرت العبور المجرّة، وتخلفت الغميصاء فبكت، وهو من تخيلات العرب الكاذبة، وفسرها بالعبور لأنها المتبادرة عند الإطلاق، وعدم الوصف ووجهه كما أشار إليه أنها أعظم، وأكثر ضياء وأنها التي عبدت دون الله في الجاهلية فلذا خصت بالذكر تجهيلا لهم بجعل المربوب ربا. قوله:) ولذلك كانوا يسمون الخ) كانت قريش إذا ذكرت النبيئ ﷺ في مقام مخالفته لهم للغض منه سموه بذلك كما في قول أبي سفيان لقد أمر أمر ابن أبي كبشة وغيره كما في الأحاديث الصحيحة، وهو أحد أجداده عتي! من قبل أمه على أقوال مختلفة في اسمه هل هو وهب أو وخز بن غالب سيد حزاعة إلى غير ذلك، وكانوا يشبهون النبيئ جمنن به لمخالفته لقومه في ترك عبادة الأوثان لعبادة الشعري لأنهم يزعمون أن كل صفة في المرء تسري إليه من أحد أصوله فيقولون نزع إليه عرق كذا، وعرق الخال نزاع. قوله: (وقيل عاد الأولى قوم هود الخ) قاله الزمخشري: ومرضسه المصنف لما سيأتي في سورة الفجر كما قاله الواحدفي: أن ارم عاد الأولى وأنها المرادة بقوله: أهلك عاداً الأولى فلا وجه للاعتراض بأنه مخالف لما سيأتي في الفجر إلا أنّ هذه رواية ضعيفة أيضاً. قوله: (وقرئ الخ (قد وقع في هذه الكلمة هنا كلام مضطرب مطوّل في كتب القرا آت، والإعراب، وتلخيصه انّ ابن كثير وابن عامر، والكوفيين قرؤوا عاداً بالتنوين لصرقه باعتبار الحي أو أنه كهند وكسر والتنوين وسكنوا اللام، وحققوا الهمزة بعدها وصلا فإذا ابتدؤوا أثبتوا همزة الوصل مع سكون اللام، وتحقيق الهمزة، وقرأ قالون بإدغام التنوين في اللام، ونقل حركة الهمزة إلى لام التعريف، وهمز الواو وصلا لضم ما قبلها كمؤسى فإذا ابتدأ فله ثلاث وجوه أحدها: ما مرّ والثاني والثالث إثبات همزة الوصل، وتركها وقرأ ورش كقالون إلا أنه أبقى الواو على حالها، وقرأ أبو عمرو كورش وصلا وابتداء وتوجيه القرا آت ظاهر فإن أردت تفصيله فارجع إلى الدر ألمصون. قوله: (لآنّ ما بعده (وهو أبقى لا يعمل فيه لأن ما
النافية لها صدر الكلام قيل، والفاء أيضاً مانعة فلا يتقدم معمول ما بعدها عليها، وقيل هو منصوب بأهلك مقدر، ولا حاجة إليه، وقوله: بغير تنوين لمنع صرفه كما مرّ مرأرا، وقوله: فما أبقى الفريقين بتقدير المفعول، وقيل: التقدير فما أبقى عليهم، وقيل: فما أبقى منهم أحداً وقوله: حراك بكسر الحاء المهملة مصدر، وقيل: إنها مفتوحة والمراد به القدرة على التحرّك. قوله: (ثعالى من قبل) صرّح بالقبلية لأنّ نوحا ﵊ آدم الثاني وقومه أوّل الطاغين والهالكين، والمؤتفكة تقدم تفصيلها ونصبها بالعطف أيضا فأهوى جملة مستأنفة أو بأهوى، وتقديمه للفاصلة، وأهوى بمعنى ألقى من علو وطرح كما أشار إليه بقوله: بعد أن رفعها الخ. قوله: (فيه (أي في التعبير بالموصول، وما ذكر تهويل أي تخويف بإبهامه للإشارة إلى أنه مما لا تحيط به العبارة، وأن نطاق التعبير تفصيلا عنه قصير، والتعميم لما أصابهم منه أيضاً لأنه من صيغ العموم فيشعر بأنه غشيها كل ما يمكن أن يغشى من العذاب سواء قلنا إنّ ما مفعول ثان، والتضعيف للتعدية أو فاعل، وهو
стр. 2856
للتكثير والمبالغة، ولش! التعميم من الإيقاع على ضمير القربة المقتضي لشموله لمن فيها بطريق اللزوم لأنه لو أريد هذا قيل لمن أصابهم، وتأويله تعسف، ولا إنه من حذف مفعول غشي لأنه متعين بقرينة ما قبله ٠ قوله: (تتشكك) إشارة إلى أن التفاعل مجرّد عن التعدد في الفاعل، والفعل للمبالغة في الفعل فلا حاجة إلى تكلف ما قيل إنّ فعل التماري للواحد باعتبار تعدد متعلقه، وهو الآلاء المتماري فيها، وقوله: والخطاب للرسول، والمراد منه أمتة تعريضا كما قيل:
إياك أعني فاسمعي يا جاره
فلا وجه لاعتبار الالتفات، وقوله: أو لكل أحد ممن يصلح للخطاب فهو مجاز، وقوله: والمعدودات أي الأمور المذكورة من قوله أم لم ينبأ الخ والنعم في الخلق، والإحياء، والإضحاك والإغناء ونحوه، والنقم في الإهلاك، والإبكاء والجزاء ونحوه، والآلاء النعم خاصة جمع إلى فسمي الكل نعماً لما في النقم المذكورة من نعم لا تعد كما فصله المصنف، والمقام غير مناسب للتغليب. قوله: (هذا القرآن) المدلول عليه بقوله: أم لم ينبأ فإنّ إنباءه بالوحي النازل عليه، وقوله: إنذار كما في النسخ الصحيحة إشارة إلى أنّ النذير مصدر كما مرّ،
وكذا في قوله: الإنذارات إشارة إلى أن النذر جمع نذير المصدر، وقوله: أو هذا الرسول المخاطب قبله، والمنذرين من سبق من الرسل، والنذير على هدّا بمعنى المنذر كما يلوّح إليه كلام المصنف، وقوله: الأوّلين إشارة إلى أنّ الأولى في معنى الأوّلين بتأويل الفرقة والجماعة الأولى لأن الجمع مؤنث، ولرعاية الفواصل اختير على غيره. قوله: (دنت الساعة الموصوفة بالدنو الخ) يعني أنّ اللام في الآزفة للعهد لا للجنس لئلا يخلو الكلام عن الفائدة إذ لا معنى لوصف الفريب بالقرب كما قيل، ولذا قيل: إنّ الآزفة علم بالغلبة للساعة هنا، وفيه نظر لأن وصف القريب بالقرب يفيد المبالغة في قربه كما يدل عليه الافتعال في اقتربت فتأمّل. قوله: (ليس لها نفس قادرة على كشفها (أو حال كاشفة أو التاء للمبالغة كعلامة قيل، والمقام يأباه لإيهامه ثبوت أصل الكشف لغيره تعالى، وفيه نظر أو هو مصدر بني على التأنيث، والكشف إمّا بمعنى العلم لحقيقتها أو التبيين كما في قوله: ﴿لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٨٧ ا] أو بمعنى الإزالة ومن دون الله بمعنى غنر الله والا الله، والمراد بكاشفة قادرة على الكشف لا إنها لم تكشف كما أشار إليه بقوله لكنه لا يكشفها، والكشف على التفسيرالأوّل الإزالة، وعلى الثاني بمعنى التأخير لأنه إزالة مخصوصة، وقوله: كاشفة لوقتها أي مبينة ومعينة لوقوعها، وقوله: من غيرالله تعالى لأنها من المغيبات. قوله: (١ نكارا) قيده به لأنه قد يكون استحسانا، وكذا قوله: استهزاء أي لا مسرة به، والتحزن تكلف الحزن وهو في محزه هنا، وقوله: لا هون أي عن تذكر ما فرطتم فلا وجه لما قيل إنّ المناسب تقديمه على قوله: ولا تبكون مع أنه مؤكد لقوله: تضحكون فلا يحسن الفصل بينهما بأجنبيّ كما لا يخفى، وهذا مما لا ينغي ذكره وقوله: من سمد أي على الوجهين، وقوله: دون الآلهة مأخوذ من لام الاختصاص، والسياق، والحديث المذكور موضوع (تمت) السورة بحمد الله ومنه والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وسحبه.
سورة القمر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (مكية وآيها خمس! وخمسون) استثنى منها بعضهم إق المتقين الآيتين، وبعضهم سيهزم الجمع الخ وسيأتي ما فيه، وما له وما عليه. قوله: (روي أنّ الكفار (لا شك في أنه روي أنّ القمر انشق على عهده ع! ير وأنه من المعجزات الباهرة المنقولة في الأحاديث الصحيحة من طرق متعددة، وأمّا كونه متواتراً فليس بلازم وقد قال الإمام الخطابي: إن معجزاته ﷺ غير القرآن لم تتواتر، والحكمة فيه أنها لو تواترت كانت عامة والمعجزة إذا عمت أهلك الله من كذبها كما جرت به العادة الإلهية، والنبيّ ىلمج! هـ بعث رحمة وأمّن الله أمّته من عذاب الاستئص! ال، وأما القول بتواتره المذكور في شرح المواقف فقد سبقه إليه السبكي، وقال في شرح مختصر ابن الحاجب إنه اختلف في تواتره، والصحيح عندي ثبوته فلا وجه للاعتراض على ما في شرح الموافف، والقول بأنه لعله ظفر بنفل فيه مع وجود النقول، وأغرب
стр. 2857
منه قوله: إنّ حديث (من كذب على (الخ قالوا: إنه غير متواتر مع أن رواه ستون من الصحابة فيهم العشرة المبشرة إذ لا يلزم مع تواتر هذا تواتر ذاك لجواز تخلف شرط فيه، وسبب تعرّضهم للتواتر طعن بعض الملاحدة بأن القمر يشاهده كل أحد فلو انقسم قطعتين تواتر، وشاع في جميع الناس، ولم يخف على أحد، والطبائع حريصة على إشاعة ما لم يعهد مثله ولا أغرب من هذا مع أنّ الملازمة غير لازمة لأنه في الليل، وزمان الغفلة ولا يلزم امتداده، ولا أن يرى إذ ذاك في جميع الآفاق لاختلاف المطالع، وقد قيل إنه وقع مرتين أيضا. قوله: (فانشق القمر) قيل: لم يقل فشق إشارة إلى أنه فعل الله أظهره على يديه ولو قيل إشارة إلى أنه في ذاته قابل للخرق والالتئام رداً على ملاحدة الفلاسفة كان أحسن. قوله: (وقيل الخ)
فالتعبير بالماضي لتحققه كما مرّ تحقيقه وقوله: ويؤيد الخ وجه التأييد إنها حينئذ جملة حالية فتقتضي المقارنة لاقترابها ووقوعه قبل يوم القيامة، وكذا قوله: ﴿وَإِن يَرَوْا﴾ الخ فإنه يقتضي أنّ هذه معجزة رأوها وأعرضوا عنها، وقيل أيضاً التعبير بالاقتراب في مقابله، وهو الساعة / يقتضي وقوعه جسب الظاهر، وفيه نظر لجواز وقوعه بعد بعد في المستقبل، وقوله: قوله: وأن يروا الخ معطوف على فاعل يؤيد. قوله تعالى: ( ﴿وَإِن يَرَوْا﴾ آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمرّ) وجه التأييد فيه كما في شرح الآثار للطحاوي أنه دليل على انشقاقه في الدنيا لأنّ الآيات إنما تكون قبل يوم القيامة لقوله، وما نرسل بالآيات إلا تخويفا نعوذ بالله من خلاف الصحابة والاستكبار عن اتباع مذاهبهم كما قال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٤٦ ا] الآية انتهى ولو لم يكن الانشقاق من جنس الآيات لم يكن هذا القول مناسباً للمقام كما قيل وفيه بحث لأنه لو كانت هذه الجملة حالية والمعنى أنّ الساعة اقتربت، وانشقاق القمر فيها دنا زمانه، وظهرت آثاره والحال أنهم مصرّون على العناد كان منتظما أتم انتظام ولا ضير فيه سوى مخالفته للمنقول عن السلف في تفسيرها فتأمّل. قوله: (مطرد) فالاستمرار على هذا بمعنى الدوام، وقوله: وهو يدل أي هذا الكلام على تفسير الاستمرار يدل على ما ذكر لأنّ النكرة في سياق الشرط تعمّ فكونهم كلما رأوا آية نسبوها إلى السحر دال على ترادف الآيات وتتابع المعجزات، وأمّا كون استمراره بالإضافة إلى الأشخاص لما روي من أنّ المشركين استخبروا السفار والقادمين عن الانشقاق فلما أخبروهم برؤيته قالوا: سحر مستمرّ أي عام لنا، ولغيرنا فلا ينافي هذا كما توهم لأنّ تعدد الآيات لا ينافي تعدّد من اطلع على آية منها. قوله: (أو محكم) تفسير آخر لمستمرّ من المرّة بالفتح والكسر بمعنى القوّة، وهو في الأصل مصدر مررت الحبل مرّة إذا فتلته فتلاً محكماً فأريد به مطلق المحكم كما مرّ مجازا مرسلاً، والمحكم بالفتح والمستحكم بالكسر لأنّ فتحه خطأ للزوم فعله بمعنى فالقول بأنّ الظاهر المستحكم مكان المحكم خطأ أو تحكم. قوله: (أو مستبشع) أي مستمرّ بمعنى مستبشع أي منفور عنه لشدة مرارته، وهو مجاز أيضاً واستبشاعه في زعمهم، وقوله: أو مارّ تفسير لمستمرّ وفسر المارّ بأنه ذاهب لا يبقى وهذا تعليل، وتسلية لهم من أنفسهم للأماني الفارغة، وأنّ حاله ﷺ وما ظهر من معجزاته سحابة صيف عن قرب تنقشع، ﴿وَيَأْبَى اللهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾
[سورة التوبة، الآية: ٣٢] . قوله: (وذكرهما بلفظ الماضي الخ) مع أنّ أصل الشرط والجزاء الاستقبال فلا يعدل عنه بلا نكتة، وما عطف عليه له حكمه فالعدول فيه مع تقدم التعبير عنه بالمستقبل محتاج لنكتة، وهي ما ذكر فالقول بأنه لا دخل ليعرضوا فيه لا وجه له، ولما كان الإعراض يستلزم التكذيب عبر في أحدهما بالماضي بعد التنبيه على استمراره في المستقبل بالمضارع فإن عطف هذا على اقتربت كان ما بينهما اعتراضاً لبيان عادتهم إذا شاهدوا الآيات. قوله: (منته إلى غاية الخ) ظاهره أنه على العموم لا مخصوص بأمر النبيّ ﷺ كما قيل لكنه هو المقصود منه رداً على الكفار في تكذيبهم له، ويجوز تخصيصه بأمر النبيّ ﷺ دون غيره من الناس، وعلى التعميم هو تذييل بما هو كالمثل ولو أبقى على عمومه للعقلاء، وغيرهم كان وجها آخر وهو المذكور في الكشاف مقابلاَ لهذا، وقوله: فإنّ اليء الخ بيان للتلازم بين الانتهاء، والاستقرار حتى يكون الثاني كناية عن الأوّل لا مجازاً لصحة إرادة معناه الحقيقي فلا وجه لما قيل من أنه بيان للعلاقة
стр. 2858
المصححة للتجوّز، ولش! هذا منافياً لقوله:
وكل شيء بلغ الحدّ انتهى
فإنه مقام آخر غير ما نحن فيه فتدبر.
قوله: (وقرئ بالفتح) أي فتح القاف، واختار المصنف أنه على هذه القراءة مصدر، وحمله على كل أمر بتقدير مضاف فيه، ولو لم يقدر وقصد المبالغة صح، وجوّز الزمخشريّ كونه اسم زمان أو مكان، وهو محتاج أيضا إلى تقدير مضاف لأنّ الأمر ليس عين الزمان أو المكان، ولم يلتفت إليه المصنف لا لهما لا له كما توهم بل لظن أنه قليل الجدوى فيما قيل إذ كون كل أمر لا بد له من مكان أو زمان أمر معلوم لا فائدة فيه، وفيه نظر لأنّ فيه إثبات الاستقرار له بطريق الكاية، وهي أبلغ من الصريح فتأمّل. قوله: (وكل) بالرفع بغير تنوين على الحكاية أو منوّن لعدم قصد الحكاية، وهو مبتدأ أو معطوف على محل اسم أنّ، وهذا على هذه القراءة، واعترض عليه بأنه يعيد لكثرة الفواصل، وليس بشيء لأنه إذا دل عليه الدليل لا مانع منه وأمّا القول بأنه خبر جر على الجوار فلا يليق ارتكابه من غير ضرورة تدعو لمثله، وقيل: كل مبتدأ خبره مقدر كآت أو معمول به أو نحوه وقيل خبره حكمة بالغة. قوله: (من الأنباء) هو حال من ما قدّم عليه رعاية للفاصلة، وتشويقا لما بعده ومن للتبعيض أو للتبيين بناء على جواز تقديمه على المبين، وفيه خلاف للنحاة، وقال الرض: إنما جاز تقديم من المبينة على المبهم في نحو عندي من المال ما يكفي لأنه في الأصل صفة لمقدّر أي شيئء من المال،
والمذكور عطف بيان للمبين المقدر قبلها ليحصل البيان بعد الإبهام، وقوله: ازدجار فهو مصدر ميميّ، وقد جعل اسم مكان، ولكون ما فيه الازدجار لا موضع الازدجار لم يتعرّض له المصنف ولذا قالوا معنى ما فيه موضع الازدجار أنه نفس موضع الازدجار كقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [سورة الأحزاب، الآية: ٢١] أي هو أسوة لكم وهو من التجريد. قوله: (من تعذيب أو وعيد) بيان لما على تقدر مضاف أي نبأ تعذيب أو وعيد وأمّا كون النبأ بمعنى المنبأ به فهو وإن صح من غير احتياج لتأويل ما ذكر إلا أنه لا يناسب هنا لأنّ المتصف بالمجيء النبأ نفسه لا المنبأ به، وفيه لف ونشر فالتعذيب راجع لكونه أنباء القرون الخالية والوعيد لكونه أنباء الآخرة، وقوله: للتناسب متعلق بتقلب، والمراد تناسب المخرج أو ليحصل التناسب لأن التاء مهموسة، والحروف المذكورة مجهورة على ما بين في التصريف. قوله: (غايتها) مفعول لبالغة مقدر وفسر بلوغ الحكمة إلى غايتها بأنه لا خلل فيها إذ المعنى بلوغها غاية الأحكام فالخلل عدم مطابقتها للواقع أو جريها على نهج الحكم الإلهية وقوله: بدل أي بدل كل أو اشتمال وقوله: خبر لمحذوف تقديره هو أو هذه على أنّ الإشارة لما ذكر من إرسال الرسل، وايضاح الدليل، والإنذار لمن مضى من القرون أو إلى ما في الأنباء أو إلى الساعة المقتربة، والآية الدالة عليها كما قاله الإمام، وقوله: حالاً أو بتقدير أعني والصفة والصلة جملة فيه مزدجر، وقوله: فيجوز نصب الحال عنها أي مع تأخرها وهو أمر مقرّر في النحو غنيئ عن البيان. قوله: (فأيّ غناء تغني النذر) يعني أنها على الاستفهام في محل نصب على أنها مفعول مطلق، ويجوز أن تكون مبتدأ والعائد مقدر كما قاله ابن هشام. قوله:) أو مصدر) عطف على جمع نذير وفي نسخة أو المصدر بالتعريف عطف على المنذر قيل وتركه احتمال أن يكون جمع نذير بمعنى الإنذار على النسخة الأولى لأن حق المصدر أن لا يثنى. ولا يجمع وترك احتمال المصدرية على الثانية لاحتياج تأنيث الفعل حينئذ للتأويل، ويؤيد الأولى قوله: بمعنى الإنذار دون أو الإنذار عطفاً على المنذر، ويؤيد الثانية قوله في تفسير قوله: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [سورة القمر، الآية: ١٦] إن النذر يحتمل المصدر، والجمع حيث لم يسكت عنه ثمة، ولو قدمه هنا تركه هناك كما هو دأبه، وفي القاموس أنذره أعلمه، وحذره وخوفه والنذر بضم وضمتين هو الاسم منه فتأمّل. قوله: (لعلمك بأنّ الإنذار لا يغني فيهم (وفي نسخة عنهم وهو إشارة إلى أن الفاء للسببية، والمسبب التولي أو الأمر به، والسبب عدم
الإغناء أو العلم به فإن أريد بالتولي عدم القتال فهي منسو! ، وإن أريد ترك الجدال للجلاد فلا والظاهر الأوّل. قوله: (ويجورّ أن يكون الدعاء (أي للإعادة فيه كالأمر في قوله: كن للإبداء على أنه تمثيل، والداعي حينئذ هو الله كما مرّ تفصيله في سورة ق، وفي تفسير قوله: ﴿كُن فَيَكُونُ﴾ . قوله: (وإسقاط الياء) أي من الداعي تخفيفا واجراء
стр. 2859
لأل مجرى التنوين لأنها تعاقبه، والشيء يحمل على نظير. وضده، وقوله: وانتصاب يوم أي على الظرفية والعامل فيه ما ذكر، وإذا قدّر إذكر فنصبه على أنه مفعول به، وقوله: بالتخفيف أي بتسكين الكاف أو هو الأصل فيه، والضم للاتباع ولم ينصب يوم بقوله: فتول على أنّ المراد التولي في يوم القيامة عن الشفاعة لهم لأنه حيث ذكر في القرآن بعد الإنذار فهو في الدنيا، والقرآن يفسر بعضه بعضا، وقوله: قرئ نكر أي مجهول الثلاثي لأنه متعد كما في قوله: نكرهم. قوله: (لأنها لم تعهد مثله) وفي نسخة تشهد أي تشاهد أو تحضر، وهما متقاربان، وهو كناية عن شدة الفظاعة لأنه في الغالب منكر غير معهود، وقد جوّز فيه أن يكون من الإنكار ضد الإقرار، وقوله: يخرجون الخ جعل خاشعاً حالاً من فاعل يخرجون وفي إعرابه وجوه أخر ككونه مفعولاً به ليدعو أو حالا من ضمير عنهم أو من مفعول يدعو المقدر إذ تقديره يدعوهم كما فصله المعرب، وقوله: لأنّ فاعله الخ الأوّل تعليل للأوّل، وكلاهما تعليل للثاني، وقوله: على الأصل وهو تأنيث الجمع، وقوله: خشعا بضم فتشديد جمع خاشع، وقوله: ولا يحسن الخ لأنّ فاعل الصفة إذا كان ظاهراً سواء كانت نعتا سببياً لجمع أولاً لا يجمع في اللغة الفصيحة جمع المذكر السالم بخلاف جمع التكسير كما سنفصله. قوله: (لآنه ليس على صيغة تشبه الفعل الخ (إشارة إلى ما فصله النحاة فيما إذا رفعت الصفة اسما ظاهراً مجموعا فإنها تجري مجرى الفعل في المطابقة، وعدمها قال في التسهيل فإذا أمكن تكسيرها فهو أولى من أفرادها كمررت برجل قيام غلمانه هو أفصح من قائم غلمانه، وهذا قول المبرد ومن تبعه والسماع شاهد له كهذه القراءة وقول امرئ القيس:
وقوفا بها صحبي عليّ مطيهم
ونحوه وقال الجمهور: الإفراد أولى، والقياس معهم، وقيل: إن تبع مفرداً كرجل قائم
غلمانه فالأفراد أولى، وإن تغ جمعاً كرجال قيام غلمانهم فالجمع أولى، وأمّا التثنية وجمع المذكر السالم فعلى لغة أكلوني البراغيث، والمصنف مشى على مذهب المبرد، والزمخشريّ مع الجمهور فقوله: على صيغة الخ يعني أنه إذا كسر اسم الفاعل لم يشبه الفعل لفظاً فحسنت فيه المطابقة بخلاف ما إذا جمع جمع مذكر سالم فإنه لم تتغير زنته وشبهه للفعل فينبغي أن لا يجمع على اللغة الفصيحة لكنه في الاسم أخف منه في الفعل كما قاله الرضي ووجهه ظاهر ويجوز أن يكون فيه ضمير مستتر والظاهر بدل منه. قوله: (فتكون الجملة (أي الأسمية حالاً مرتبطة بالضمير بغير واو وقد مرّ الكلام عليه في البقرة، والأعراف وما فيه، وقوله: في الكثرة بيان لوجه الشبه فهو تشبيه محسوس بمحسوس، ووجه الشبه محسوس مركب من أمور متعدّدة لا متعدّد، وقوله: والانتشار في الأمكنة إشارة إلى أنّ منتشر من الانتشار بمعنى التفرّق، وقيل: إنه مطاوع نشره بمعنى أحياه فهو بيان لكيفية خروجهم من الأجداث، وقد دبت فيهم الحياة، وما ذكره المصنف أظهر، وجملة كأنهم الخ. حالية بمعنى مشبهين الخ. قوله: (مسرعين الخ) كذا فسره الراغب، وورد بهذين المعنيين في كلام العرب، وأصل معنا. مد العنق أو مدّ البصر، ثم كني به عن الإسراع أو النظر والتأمل، ولبعضهم هنا كلام تركه أولى من ذكره. قوله: (قيل قومك الخ) الأولى تقديمه على قوم نوح، وهذا الضمير ليس كالسوابق عليه عاما فيكون عودا إلى الأوّل، وقوله: يوم يدعو الداعي اعتراض، ويدخل فيهم هؤلاء دخولاً أوّلياً، ولك أن تخص الضمائر فيها خاصة بهؤلاء أيضا، وهذا تخويف لهؤلاء، وتسلية له ﷺ بأنّ هذه عادة الكفار، وقد انتقم الله منهم، وسينتقم من هؤلاء، ولذا قال قبلهم، والا فلا فائدة فيه، وقوله: وهو تفصيل الخ، ولما كانت مرتبة التفصيل بعد الإجمال مصدر بالفاء التعقيبية، وفي الوجه الأول المكذب هو المكذب في الموضعين وفي الثاني المكذب بالكسر متعدد، وفي الثالث المكذب بالفتح متعدد ومبني الأوّل على تنزيل كذب منزلة اللازم بمعنى فعل التكذيب، والمراد تكذيب نوج ﵊، ولم يجعل من التنازع لأنّ شرطه أن لا يكون الثاني تأكيداً، وهو هنا كذلك، ومبني الثالث على حذف المفعول، وهو مطلق الرسل كما ذهب إليه الزمخشريّ، والفاء سببية أو ما عدا نوحاً كما ذهب إليه المصنف، والفاء تعقيبية، وقوله: كلما خلا الخ ففيه اكتفاء بمرتبة، ويجوز أن يكون معنى الأوّل قصدوا التكذيب، وابتدؤه ومعنى الثاني
стр. 2860
أتمو.، وبلغوا نهايته كما قيل في قوله:
قد جبر الدين الإله فجبر
ولم يرتض المصنف ذينك الوجهين لأنّ الظاهر الاتحاد فيهما. قوله: (وزجر عن التبليغ)
أي منع بشدة كالضرب، والشتم عن تبليغ رسالته، وهذا أخبار من الله بما قاساه نوح ﵊، وعلى ما بعده فهو من مقول كفرة قوم نوح، ولذا حمل الزجر فيه على مس الجن له لأنه المناسب لقولهم مجنون، ولكونه غير ظاهر من قوله: ازدجر مرّضه كأنه لما مسه الجنون من الجن عدل عن مسلك العقلاء فشبه بمن زجرته الجن، وصرفته عن طرق الصواب ففيه استعارة حينئذ، ولا قرينة عليها، وقال الراغب: الزجر طرد بصوت ولصياحهم بالمجنون إذا طردوه قيل لمن جن: ازدجر فليس الزجر بمعنى التكهين كما توهم. قوله: (على إرادة القول) بطريق التضمين ليعمل في الجمل، وهدّا أحد القولين في مثله، والآخر أنّ ما فيه معنى القول يحكي به الجمل من غير تقدير حملا له على ما هو بمعناه، والمسألة مشهورة، وقد تقدّم تقريرها مراراً. قوله: (غلبني قومي) فعصوني، وهذا هو الظاهر، وقيل: غلبتني نفسي حتى دعوت عليهم بالهلاك، وما ذكره المصنف من الرواية لا تناسبه وخنقه من باب نصر معناه واضح، وقوله: فانهم الخ أي الحامل لهم على فعلهم هذا غلبة الجهل بالله ورسله عليهم الصلاة والسلام عليهم. قوله: (وهو) أي قوله: ففتحنا الخ مبالغة لجعل أبواب السماء تفتحت، وخرجت منها المياه كما تخرج من الترع، والجسور المفتحة، وجعل الماء لشدته هو الذي فتحها إن كانت الباء للآلة، والاستعانة، ولدّا رجح هذا على جعلها للملابسة، ونسبته إلى الله بضمير العظمة، وهذا أبلغ من قولهم جرت ميازيب السماء، وفتحت قرب الجوّ. قوله: (وتمثيل لكثرة الأمطار (أي استعارة تمثيلية بتشبيه تدفق المطر من السحاب بانصباب أنهار انفتحت لها أبواب السماء، وشق لها أديم الخضراء، ولو أبقى على ظاهره من غير تجوّز لم يمنع منه مانع إذ ورد في الأحاديث أنّ السماء لها أبواب، وأنّ بعض الأنهار يخرج منها كالنيل، والفرات فلا مانع من حمله على الحقيقة أيضا، وقوله: لكثرة الأبواب فالتفعيل لتكثير المفعول وهو أحد معانيه. قوله:) وأصله وفجرنا الخ) فالتمييز للنسبة، وهو محوّل من
المفعول، وقد يكون محوّلاً عن الفاعل، وهو الأكثر، ولذا جعل هذا منه على أنّ الأصل انفجرت عيون الأرض فإنه يكون محوّلاً عن فاعل الفعل المذكور أو فاعل فعل آخر يلاقيه في الاشتقاق، وهو تكلف لا حاجة إليه، وقوله: فغير أي عن المفعول إلى التمييز للمبالغة بجعل الأرض كلها متفجرة مع الإبهام، والتفسير، وقوله: ماء السماء، وماء الأرض فالماء جنس شامل لهما بقرينة ما قبله، ولأنّ الالتقاء يقتضي التعدد، وقوله: لاختلاف النوعين أي ثني لقصد بيان اختلاف نوعيهما والا فالماء شامل لهما، وقوله: بقلب الهمزة واوا لتطرفها بعد ألف وفيه إشارة إلى أنّ ماء الأرض فار بقوّة وارتفع حتى لاقى ماء السماء ففيه مبالغة لا تفهم من الأفراد. قوله: (على حال قدرها الله الخ) ذكر فيه وجوها الجار، والمجرور حال فيها، وعلى الأوّل القدر فيه مقابل القضاء، والأمر واحد الأمور بمعنى الشأن أي التقت المياه واقعة على حال كانت معينة عليه في الأزل لا تتفاوت، وقوله: أو على حال الخ هي كالوجه الأوّل في الأحوال كلها إلا أن قدر عين له مقدار فكل ما خرج أو نزل مقداره معين، والثالث معنى قدر كتب في اللوح المحفوظ أو هو من التقدير كما في الوجه الأوّل إلا أنّ على فيه للتعليل، والجارّ والمجرور يحتمل تعلقه بالتقى على هدّا، وفيه ردّ على أهل النجوم إذ جعلوه لاجتماع الكواكب السبعة في برح مائيّ بأنه بمحض تقديره تعالى لما قدر إهلاك هؤلاء لا لما ذكروه فتأمّل. قوله: (ومسامير) هذا أحد الأقوال فيها، وقيل هي أضلاعها، وقيل: حبال من ليف تشدّ بها السفن ودسار بكسر الدال المهملة، وقيل: إنها جمع دسر كسقف وسقف، وقوله: وهو الدفع فسميت بها المسامير لأنها تدق فتدفع بشدّة، وقوله: تؤدّي مؤذاها فالصفات أريد بها الكناية عن موصوفاتها كما يقال: كناية عن الإنسان طويل القامة عريض الأظفار بادي البشرة ونحوه، ولذا كان من بديع الكلام، وبليغه كما في الكشاف. قوله: (بمرأى) أي بمكان ترى، وتشاهد فيه هذا أصل معناه ثم كني به عن الحفظ كما مرّ، وقوله: فعلنا الخ يعني أنه مفعول له لفعل مقدر يعلم من جملة ما قبله من قوله: ففتحنا إلى هنا، وقوله: لأنه نعمة الخ يعني
стр. 2861
كفر من كفران النعمة فهو متعد بنفسه فيستعار لنوح النعمة بطريق الكناية، وينسب له الكفران تخيلا أو حقيقة، وقوله: على حذف الجاز على أنه من الكفر ضدّ الإيمان، وأصله كفر به فحذف الجار واستتر الضمير فيه، وعلى
قراءته مبنياً للفاعل فهو من الكفر أيضاً كما أشار إليه. قوله تعالى: ( ﴿وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا﴾ ) أي أبقيناها بناء على أنها أبقيت على الجودفي زمانا مديداً أو أبقينا خبرها أو أبقينا السفن، وجنسها أو تركنا بمعنى جعلنا، وقوله: الفعلة، وهي إنجاء نوح، ومن معه وإغراق غيرهم، وقوله: على الأصل بذال معجمة بعدها تاء الافتعال، وقوله: بقلب التاء ذا لا أي معجمة، والقراءة الأولى بقلبها دالاً مهملة. قوله: (والنذر) بضمتين يحتمل أنه مصدر ويحتمل أنه جمع نذير بمعنى الإنذار بناء على نسخة المصدر بالتعريف كما مرّ في قوله: ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [سورة القمر، الآية: ٥] ولذا جعل النذير بمعنى الإنذار كما دلّ عليه قوله، وانذاري بعده لا بمعنى المنذر، ولا المنذر منه لأنّ الحمل على التأسيس أولى، ولو كان على نسخة المصدر كان النذير بمعنى المنذر منه كما قيل، والعطف لتغاير العنوان، ومثله من قصور الإذعان فتدبر. قوله: (أو هيأناه) التهيئة رفع الموانع، وإحضار الدواعي وقوله: من يسر ناقته هو الوجه الثاني، ورحل بتشديد الحاء شذ الرحل على ظهر الناقة أو البعير والادكار كالاتعاظ لفظا، ومعنى، ويجوز تشديد كافه، وقوله: متعظ إشارة إلى ترجيح الأوّل لأنه الأنسب ولذا لم يقل أو حافظ، وتال كما قاله الإمام. قوله: (كذبت عاد الخ (لم يعطف هذا وما بعده إشارة إلى أنّ كل قصة مستقلة في القصد، والاتعاظ، وانذاري، وفي نسخة وانذار بدون ياء وقد تقدم شرحه، وعلى الوجه الأوّل العذاب، والإنذار لعاد وعلى ما بعده العذاب لهم، والإنذار لمن محداهم، ولم يذكره أوّلا مع احتماله لأنه يفهم مما هنا جريانه فيهما فلا غبار عليه، وقد مرّ ما في الصرصر في فصلت، وغيرها فتذكره. قوله: (استمرّ شؤمه أو استمرّ عليهم حتى أهلكهم) الأوّل على كون مستمرّ صفة نحس والثاني على أنه صفة يوم، وكلاهما على قراءة الإضافة التي قرأتها العامّة لا أنّ الثاني على قراءة التوصيف كما توهم، وقوله: استمرّ شؤمه أي يستمرّ عليهم إلى الأبد فإنّ الناس يتشاءمون بآخر أربعاء في كل شهر، ويقولون لها: أربعاء لا تدور قال الشاعر:
لقاؤك للمبكرفأل سوء ووجهك أربعاء لا تدور
إلا أنّ تشاؤمهم بالأربعاء التي لا تدور لا يستلزم شآمته في نفسه إلا أن ينبني على زعمهم، وهو غير منالسب للمقام (واعلم) أنه روي في حديث ابن عباس ﵄ كما
في الجامع الصغير (آخر أربعاء في الشهر يوم نحس مستمرّ (وقال الحافظ ابن كثير في تاريخه من قال: إنّ يوم النحس يوم الأربعاء، وأمثاله ففد أخطأ وخالف القرآن فإنّ في الآية الأخرى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ﴾ [سورة فصلت، الآية: ٦ ا] وهي ثمانية متتابعة فلو كانت نحسات في نفسها كانت جميع الأيام كذلك وهذا لم يقله أحد، وأنما المراد أنها كانت نحسات عليهم اهـ فليتأمل وقوله: أو استمرّ عليهم أي زمان نحو ستة فاليوم بمعنى مطلق الزمان لأنه الذي يتصوّر استمراره سبع ليال وثمانية أيام فالاستمرار بحسب الزمان، وقوله: حتى أهلكهم فيه تجوّز في إسناد الإهلاك إليه. قوله: (أو على جميعهم الخ) فالاستمرار الأوّل بحسب الزمان، واستمرار هذا بحسب الأشخاص والأفراد وقوله: أو اشتد مرارته فمستمز بمعنى شديد المرارة وهو مجاز عن بشاعته وشدة هو له إذ لا طعم له وهو على هذا من المرارة في الطعم كما مرّ، وقوله: وكان يوم الأربعاء آخر الشهر أي شهر شوّال أي كان ذلك اليوم الذي أرسل فيه الريح يوم الأربعاء لا أنّ إرسال الريح كان فيه فيوم اسم لا ظرف حتى يقال: أي ابتداؤه كان يوم الأربعاء كما قيل، ولا يأباه قوله، واستمرّ عليهم كما توهم فاسم كان ضمير اليوم لا ضمير الإرسال فتأمّل. قوله:) فنزعتهم الريح الخ) ضمير منها للشعاب والحفر لا للثلاثة لتكلفه وموتى حال من ضمير المفعول، وقوله: منقلع تفسير منقعر لأنه بمعنى أخرج من القعر، وتوله: وقيل الخ الفرق بينه وبين الأوّل أنه على هذا أشبهوا جثثا بدون رؤوس، وفي الأوّل لم ينظر له، والتذكير والتأنيث روعي في كل مكان للفاصلة. قوله:) كرره للتهويل (وللتنبيه على فرط عتوّهم، وقوله: لما يحيق بهم في الآخرة فكان فيه
стр. 2862
للمشاكلة أو للدلالة على تحققه على عادته تعالى في أخباره، وقوله: بالإنذارات على أنه جمع نذير بمعنى إنذار أو منذر منه أو منذر فكل منها صحيح هنا قيل، والأخير أظهر لاستلزامه ما عداه. قوله:) من جنسنا أو
من جملتنا) فالأوّل على أنه إنكار لإ) . سال البشر دون الملك، والثاني على أنه لإنكار إرساله دونهم مع أنهم أحق بالرسالة منه على زعمهم وقدم الأوّل لىلماء لترجيحه لعدم تكرّر. مع قوله: أألقي عليه الخ، وقوله: على الابتداء، والمسوّغ الاستفهام، والتوصيف، وقوله: للاستفهام لأنه يقتضي فعلاَ يدخل عليه في الأصل. قوله: (منفردا لا تبع له) جعل التغ واحدا أحسن من جعله جمعاً كخدم، وقوله: دون أشرافهم يفهم من تنكيره الدال على عدم تعيته، وكون خبر الواحد ليس بحجة لا مساس له هنا كما توهم، وكذا تفسيره بما يعم البشر والملك، وقوله: جمع سعير باعتبار الدركات أو للمبالغة والدلالة على الدوام، وقوله: كأنهم الخ الداعي لاعتبار. في كلامهم أنهم منكرون للحشر، وعذاب السعير فأشار إلى أنه ليس عن اعتقاد أنّ ثمة آخرة وسعير وإنما أرادوا تعكيس ما قاله والردّ عليه فقالوا: إن اتبعناك كنا كما نقول، وقوله: وقيل الخ فهو اسم مفرد ومرّضه لأنه خلاف الظاهر، ومسعورة بها شبه الجنون في حركاتها. قوله: (حمله بطره الخ) يعني أنّ الأشر البطر فوصف الكذاب به يدل على أنّ الداعي لكذبه بطره، وقوله: عند نزول العذاب بهم فغدا لمطلق الزمان المستقبل، وعبر به لتقريبه، وقوله: حمله أشره على الاستكبار الخ هذا هو بعينه ما قدمه، وبيناه لك فإنّ الترفع هو الاستكبار عن الحق، وادعاؤه عين طلبه للباطل لكنه تفنق في العبارة، ولعدم وقوف بعضهم عليه قال: لما سأل عن أنه كان ينبغي أن يتحد معنى الأشر فيهما أنه حمل الأشر على من حمله بطره على شيء منكر، وهو معنى واحد مفصل إلى كونه الترفع في صالح، والاستكبار في قومه فأعرفه. قوله: (على الالتفات) قال في الكشف أي هو كلام الله لقوم ثمود على سبيل الالتفات إليهم إمّا في خطابه لرسولنا ﷺ نظير ما حكي عن شعيب في قوله: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ﴾ بعد ما استؤصلوا هلاكاً وهو من بليغ الكلام، وفيه دلالة على أنهم أحقاء بهذا الوعيد حتى كأنهم لحضورهم حول إليهم الوجه لبغي جناياتهم عليهم وأمّا في خطاب صالح ﵊، والمنزل حكاية الكلام المشتمل على الالتفات، وعلى التقديرين لا إشكال فيه كما توهم أن وفيه بحث فتأمّل. قوله: (وقرئ الأشر) أي بفتح الهـ كزة، وضم الشين على أنه
صفة مشبهة حوّلت للضم للمبالغة كحذر وندس، وهو من النوادر، وقرى بضمتين على اتباع الهمزة للشين أيضاً، وقوله: والأشرّ أي على أنه أفعل تفضيل، وهو الأصل لكنهم لما تركوه إلى خير وشرّ، والتزموا تخفيفه حتى لم يسمع على الأصل إلا نادرا عدوه مخالفاً للقياس كقوله:
بلال خير الناس، وابن الأخير
وقال الجوهريّ: لا يقال الأشرّ إلا في لغة دريئة. قوله: (مخرجوها وباعثوها) إشارة إلى
أنّ الإرسال كناية عن الإخراج، وأنّ المعنى الحقيقي الذي هو البعث مراد أيضاً وقدم الإخراج لأصالته في الإرادة، وتقدمه في الوجود الخارجيّ، وصاحب الكشاف عكس الترتيب لكون البعث أصل المعنى، وتقدمه في الوجود الذهني، ولأنه طول ذيل الإخراج بقوله: من الهضبة كما سألوا الخ، والمراد الإخراج من الصخرة، وبهذا التقرير اندفع ما أورد على الكشاف فتدبر. قوله: (امتحاناً لهم) يجوز أن تكون بمعناها المعروف، والشرب كالنصيب من الماء، وقوله: أو يحضر عنه غيره قيل معناه يمنع عن ذلك غير صاحبه، وفيه أنّ الذي بمعنى المنع هو الحظر بالظاء لا بالضاد فلعله مبنيّ للفاعل أي بحضره صاحبه بنفسه أو يحضره غيره نائباً عنه، وقيل: معناه يتحوّل عنه غير صاحبه، وفي القاموس حضرنا عن ماء كذا أي تحوّلنا عنه فمن قال أو يحضر نائباً عنه فقدسها لأنّ المقصود ترديد كلام الله بين المعنيين لا بيان أنّ الحضور لا يختص بالحضور بنفسه بل جاز أن يحضر عنه نائبه كما لا يخفى وقيل أيضا يحضر مبنيّ للمفعول بمعنى يمنع عنه غير صاحبه لا على أنّ الحضور لغة المع حتى يقال: إنه تحريف من الحظر بالظاء بل على التجوّز بعلاقة السببية فإنه مسبب عن حضور صاحبه في نوبته، وباب المجاز مفتوح لا سيما إذا اقتضاه المعنى أو هو مبنيّ للفاعل بالمع! نى المنقول عن القاموس، ومن ذهب
стр. 2863
عليه هذا، وذاك قال ما قال ولو كان المراد ما ذكره لكفي أن يقول أو نائبه عطفاً على صاحبه اهـ ولا يخفى أنّ ما ذكره من الوجوه سائغ إلا أنّ ما نسبوه فيه إلى السهو ليس بصحيح لأنّ مراده بالنيابة ليست نيابة التوكيل حتى يكون الشربان واحداً بل صاحب النوبة الأخرى فيؤول إلى ما ذكروه فتأمّل.
قوله: (فنادوا صاحبهم (نداؤه لما أرادوه من عقرها لأنه أجرؤهم لأنداء استعانة، وقوله:
قدار بوزن فعال بالضم اسم عاقر الناقة، وأحيمر ثمود تصغير أحمر لقبه، والإضافة للتمييز قد
ترد في الإعلام، وقوله: فاجترا الخ يعني التعاطي إن كان مفعوله القتل فهو مؤوّل بالجراءة، والقصد ليصح تفريع فعقر عليه لأنه عينه لو لم يؤوّل على هذا التقدير، وإن كان مفعوله السيف فهو على ظاهره، وأما تنزيل التعاطي منزلة اللازم على أنّ معناه أحدث ماهية التعاطي فعقر تفسير له لا مترتب عليه فلا يخفى ركاكته، وفوله: تناول الشيء بتكلف أصل معناه تفاعل من العطاء، وفسره الراغب بالتناول مطلقاً فما ذكر كأنه معنا. عرفا فلينظر. قوله: (كهشيم المحتظر (تشبيه لإهلاكهم وافنائهم والحظيرة زريبة الغنم ونحوها، وقوله: كهشيم الحظيرة فهو على الفتح اسم مكان، والمراد به الحظيرة نفسها أو التقدير كهشيم الحائط المحتظر فهو اسم مفعول أو لا يقدر له موصوف فالمحتظر الزرب نفسه. قوله: (ريحاً تحصبهم) وتنكيره لتأويله بالعذاب أو لأنه لم يرد به الحدوث فهو كناقة ضامر، ولو فسره بملك يرميهم بالحصباء، والحجارة كما ذكره في غير هذا المحل كان أظهر، وقوله: في سحر فالباء بمعنى في أو هي للملابسة أو المصاحبة، واليه أشار بقوله: مسحرين أي داخلين في وقت السحر لأنّ الأفعال يكون للدخول في مصدر الثلاثي، والجار والمجرور عليهما حال وقوله: إنعاماً فسرها به ليتحد فاعله، وفاعل المعلل فيظهر نصبه على أنه مفعول له، ويجوز نصبه على المصدرية بفعل مقدر من لفظه أو بنجينا لأنّ التنجية إنعام فهو كقعدت جلوساً. قوله: (أخذتنا بالعذاب) إشارة إلى ما فيه من معنى المرّة، والوحدة وأنه باق على معناه المصدري، وإن تبادر منه العذاب فإنه لا ينافي معناه الوضعيّ كما توهم، وقوله: فكذبوا الخ إشارة إلى أنه ضمن معنى التكذيب أو حمل عليه لأنه بمعناه فعدى بالباء تعديته، ولولاه تعذى بفي، وقوله: قصدوا الفجور بيان لحاصل معناه وأصله الطلب من راد إذا جاء وذهب، وهذا من إسناد ما للبعض للجميع كما مرّ، وصفقهم ضربهم بكفه مفتوحة، وقوله: فقلنا الخ إشارة إلى تقديره لينتظم الكلام وقوله: على ألسنة الملائكة يعني أنه مجاز لإسناده إلى الله وهو في الحقيقة للملائكة فأسند للأمر، وقوله: أو ظاهر الحال فيكون القائل ظاهر الحال فلا قول، وأنما هو تمثيل. توله: (ولقد صبحها بكرة) البكرة أخص من الصباح فليس في ذكرها بعده ف ادة، وقوله: غير مصروفة
للعلمية والتأنيث، وقوله: يستقرّ بهم أي يدوم حتى ينتهي بهم إلى النار، ولو قيل معناه لا يدفع عنهم أو يبلغ غايته كما مرّ جاز. قوله: (كرر ذلك في كل قصة (أي قوله: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [سورة القمر، الآية: ٧ ا] بعد ذكر العذاب والنذر فإنه وقع كذلك في القصص كلها مع تغيير يسير حيث قال: فذوقوا مكان فكيف كان، وهذا هو مقتضى ما بعده لا أنه تعليل لتكرير، ولقد يسرنا وحده لا فذوقوا لأن الأوّل للطمس، والثاني للتصبيح كما قيل إذ قوله: مقتض لنزول العذاب يقتضي أنّ ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ من جملة المعلل، وقوله: واستماع كل قصة الخ تعليل لتكرير قوله: فهل من مذكر، وقوله: واستئنافا الخ تعليل لتكرير قوله، ولقد يسرنا القرآن الخ ولما معه، وقوله: في كل قصة الكل إمّا إفرادي أو مجموعي فتدبر. قوله: (وهكذا تكرير قوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ) استطراد لبيان ما سيأتي في سورة الرحمن يعني تكراره لما في كل جملة قبلها بما هو نعمة صريحة أو ضمنية فكرّر ذلك للتنبيه، والإيقاظ قال علم الهدى في الدرر، والغرر التكرار في سورة الرحمن إنما حسن للتقرير بالنعم المختلفة المعددة فكلما ذكر نعمة أنعم بها، وبخ على التكذيب بها كما يقول الرجل لغيره ألم أحسن إليك بأن خوّلتك في الأموال ألم أحسن إليك بأن فعلت بك كذا، وكذا فيحسن فيه التكرير لاختلاف ما يقرّر به، وهو كثير في كلام العرب، وأشعارهم كقول مهلهل يرثي كليبا:
стр. 2864
على أن ليس عدلاً من كليب إذاما ضيم جيران المجير
على أن ليس عدلاً من كليب! ! ار! ف اهـ ٥١ من الدبور
على أن ليس عدلاً من كليب إذا خرجت مخبأة ا! رور
على أن ليس عدلاً من كليب إذا ما أعلنت نجوى الأمور
على أن ليس عدلاً من كليب إذا! ف اهـ خسوف من ا! كور
على أن ليس عدلاً من كليب غداة تلاتل الأمص ا! كبير
على أن ليس عدلاً من كليب إذا ماخارجارالمستجير
ثم أنشد قصائد أخرى على هذا النمط لولا خوف الملل أوردتها فأعرفه من لطائف العرب. قوله: (اكتفى بذكرهم الخ الأنه رأس الكفر والطغيان ومدعي الألوهية فهو أولى بالنذر، وأمّا أنه إشارة إلى إسلامه فما لا يلتفت إليه. قوله: (يعني الآيات التسع) كذا في الكشاف مع أنه قال النذر موسى، وهارون وغيرهما من الأنبياء لأنهما عرضا عليهم ما أنذر به المرسلون، ولا يخفى أنّ المناسب حينئذ أن يراد آيات الأنبياء كلهم كما جوّزه في قوله، ولقد أريناه آياتنا كلها. قوله تعالى: ( ﴿أَخْذَ عَزِيزٍ﴾ ) منصوب على المصدرية لا على قصد التشبيه، وقوله: أكفاركم الخ الاستفهام إنكاريّ في معنى النفي فكأنه والله أعلم بمراده لما خوّف كفارهم بذكر ما حل بالأمم السالفة مما تبرق، وترعد منه أسارير الوعيد يقول لهم لم لا تخافون أن يحلى بكم ما حل بهم أأنتم خير منهم عند الله أم أعطاكم الله براءة من عذابه أم أنتم أعز منهم منتصرون على جنود الله، وقوله: الكفار المعدودين يعني هؤلاء الأمم، وعند الله راجع لقوله: مكانة، ودينا أو هو متعلق بقوله: خير فيرجع للجميع، وهو أتم فائدة ولو تعلق بمكانة لقربه جاز، ولا وجه لجعله توهما كما قيل أو المعنى أنّ المنكر كونهم كذلك عند الله لا عندهم على زعمهم فالخيرية ليست بالمعنى المتعارف، وقوله: يا معشر العرب فالخطاب عامّ للمسلمين وغيرهم، والا لقال أأنتم فتأمّل. قوله: (أم لكم بيراءة في الزبر الخ) الخطاب فيه عامّ أيضاً، والمعنى أم لمن كفر منكم براءة، وقيل: هو خاص بالكفار، وهو لا يلائم كلام المصنف لكه اختاره غيره، وقوله: جماعة أمرنا مجتمع تفسير لقوله: جميع ليفيد وقوعه خبراً إذ ليس تأكيداً لقوله: منتصر والا لقال جميعاً بالنصب، ويحتمل أنه جعل جميع بمعنى مجتمع خبر مبتدأ مقدّر، وهو أمرنا أو هو إسناد مجازيّ، وليس من قبيل:
أنا الذي سمتني أمي حيدره
كما توهم. قوله:) ممتنع لا يرام) كناية عن عدم المغلوبية فإنّ المغلوب يرإم، ويطمع فيه عدوّه، ولذا فسر انتصر بامتنع يقال: نصره فانتصر إذا منعه فامتنع، وقوله: أو متصر من الأعداء أي منتقم منهم فقوله: لا يغلب راجع للوجهين معاولاً يغلب كناية عن كونه غالبا وليس المراد أنّ الانتصار لا يوجب الغلبة بل يكفيه عدم المغلوبية كما قيل لأنه غير ملائم للمقام، وقوله: ينصر بعضنا بعضا تفسير لقوله: متناصر، وهو إشارة إلى أنّ الافتعال بمعنى التفاعل كالاختصام، والتخاصم. قوله: (والتوحيد (أي في قوله: منتصر، وكان المطابق لنحن
منتصرون لكنه نظر لجميع، ورجح جانب لفظه عكس ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ لخفة الأفراد، ورعاية الفاصلة فإنّ جميع مفرد لفظاً جمع معنى فروعي جانب لفظه لما ذكر، وليس من مراعاة جانب المعنى في جميع أوّلاً ثم مراعاة جانب اللفظ ثانياً على عكس المشهور كما قيل. قوله: (وإفراده لإرادة الجنس) الصادق على الكثير، وهذا مصحح والمرجح رعاية الفواصل ومشاكلة قرائنه وقوله: أو لأنّ كل واحد يولي دبره على حد كسانا الأمير حلة كما مرّ، والمرجح ما مرّ، وقوله: وهو من دلائل النبوّة لأنّ الآية مكية ففيها أخبار عن الغيب، وهو من معجزات القرآن ففيه ردّ على من زعم أنّ هذه الآية مدنية لأنّ غزوة بدر بعد الهجرة كما مرّ، وقوله: فعلمته أي المراد من هذه الآية وتأويلها، وهذا الحديث صحيح متصل رواه الطبراني، وغيره عن عكرمة، وهو صريح فيما ذكره المصنف من أنها مكية من دلائل النبوّة كما صححه ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف فأعرفه. قوله: (موعد عذابهم) فهو المراد منه، وهذا بيان لحاصل المعنى أو هو إشارة إلى تقدير مضاف فيه، وقوله:
стр. 2865
الأصليّ فسره بقوله، وما يحيق أي يحيط بهم، ويلحقهم طليعة له أي مقدّمة من طليعة الجيش، وهي طائفة تتقدمه، وقوله: والداهية إشارة إلى أنّ أدهى بمعنى أعظم داهية فتفسيره باشد بيان للمراد منه، وقوله: لدوائه أي لما يزيله وينفع من نزل به فهو استعارة هنا، وقوله: وأمرّ مدّاقا لم يفسره بأقوى على أنه من قولهم ذو مرّة أي قوّة لأنه يفهم من قوله: أشد قبله. قوله: (عن الحق في الدنيا) ذكر في الكشاف في الضلال، والسعر وجهين أوّلهما في هلاك، ونيران وثانيهما ما ذكره المصنف فكأنه رأى الأوّل لذكر النيران مخصوصاً بالآخرة لأنه لو كان على التوزيع كان عين ما بعده، ولا مجال لكونه في الدنيا، وعليه فذكر الهلاك ليس فيه كبير فائدة حيحثذ، ولذا جوّزه في قوله ولا تزد الظالمين إلا ضلالاً قيل: فيوم يسحبون منصوب بالقول المقدر في: (ذوقوا م! سقر) وفي انتصابه بمتعلق سعر تكلف كتعلق عند الله بخير قبيله، والعجب لمن تغطن له هنا فلم يجوّزه أنه جوّزه هناك وقد جعل منصوبا بذوقوا فالخطاب لمن خوطب في قوله: كفاركم أي ذوقوا أيها المكذبون
محمداً ﷺ يوم يسحب المجرمون المتقدمون، والمراد حشرهم معهم والتسوية بينهم في الآخرة كما ساووهم في الدنيا (قلت أليس هذا بمحل العجب لأنه فيهما جائز حيث تعلق بعامل في أمور، وكان تعلقه باعتبار بعضها هنا، وأئا ثمة فيجوز تعلقه بالجميع، ولو سلم فهذا يدل على صحته بتكلف لا على منعه فالعجب من ابن أخت خالته لمن تدبر النظر في مقالته. قوله: (ذوقوا حرّ النار وألمها) في الكشاف مم! ق سقر كقولك: وجد مس الحمى وذاق طعم الضرب لأنّ النار إذا أصابتهم بحرّها ولحقتهم بإيلامها فكانها تمسهم مسا بذلك كما يمس الحيوان ويباشر بما يؤذي أن فقيل: أراد أنها مكنية، وقيل: كلامه يحتمل المكنية والمصرحة، وقيل: إنه أراد أنّ سى سقر كمس الحمى وذوقوا مس سقر كذاق طعم الضرب واستعمال الذوق في المصائب بمنزلة الحقيقة فلذا لم يبيته كما بين المس، وفي قوله: كما يمس الحيوان إشارة إلى اًنّ ألاستعارة في المس تحقيقية لا أنها في سقر بالكناية، وفي المس تخييلية كما توهم اهـ والمصنف خالف فسكت عن استعارة الذوق لأنها مشهورة، وجعل مس سقر مجازا مرسلاً بعلاقة السببية لألمها لأنّ الذوق متعلق بالآم، والمؤلمات في الاستعمال، وهو ظاهر فلا تشتغل بالقيل والقال. قوله: (علاً لجهنم) أعاذنا الله منها ببركة كلامه العظيم، وعدم صرفها للعلمية والتأنيث، وصقر بإبدال السين صاد الأجل القاف كما مرّ، ولوّحته بالحاء المهملة تفعيل من التلويح، وهو تغيير الجلد، ولونه من ملاقاة حر النار أو الشمس. قوله: (مرتباً على مقتضى الحكمة) تفسير لقوله: بقدر فالقدر بمعنى المقدر الذي استوفى فيه مقتضى الحكمة أو الحكم المبرم المقارن للقضاء كما قاله الطيبي، وقوله: ما بعده يعني به خلقناه، وقوله: لا نعتا يعني لشيء لوقوع الجملة بعد النكرة، وقوله: ليطابق المشهورة أي القرأءة المشهورة وهي قراءة النصب فإنّ السبعة اتفقوا عليها فالخبر أرجح لموافقته لمذهب أهل السنة في خلق الأفعال، ومطابقته لمعنى الفراءة المشهورة فإنّ الأصل توافق القراآت فليس للاستدلال بها على الاعتزال وجه كما توهم. قوله: (في الدلالة على أنّ كل شيء مخلوق) بالرفع خبر أنّ، وقوله: بقدر متعلق به لا خبر كما هو في الوجه المرجوح، وقد قيل: إنه لا فرق من حيث المعنى بين النصب، والرفع ولا بين كون خلقنا خبراً أو صفة لأنّ الشيء هنا المراد به المخلوق إذ ليس كل ما يطلق عليه الشيء مخلوقا كما لا يخفى فالمعنى على الخبرية كل مخلوق مخلوق بقدر،
وعلى الوصفية كل شيء مخلوق كائن بقدر فلا فرق بينهما معنى، وليس بشيء لأنّ الفرق مثل الصبح ظاهر فإنّ خلقنا ليس مبنياً للمفعول لإسناده لفميره تعالى فالمعنى على الخبرية كل مخلوق مخلوق لنا بقدر، وعلى الوصفية كل شيء مخلوق لنا كأين بقدر ولا شك أن الأوّل يفيد المقصود، والثاني: يوهم خلافه فافترقا افتراقا بينا فلا تمسك للمعتزلة بهذه الآية كما توهمه الزمخشري لا بمنطوقها، ولا بمفهومها لأنّ الشيء يطلق على المعدوم عندهم فتدبر. قوله: (ولعل اختيار النصب الخ (يعني أن السبعة، والقرا آت المتواترة اتفقت على النصب المحتاج إلى التقدير، وترك فيها الرفع مع أنه لعدم احتياجه للتقدير أرجح بحسب الظاهر، وليس من المسائل التي رجح فيها النصب في باب الاشتغال لأنه نص في المقصود فيرجح على الرفع الموهم لخلاف المراد كما ذكره ابن مالك، وابن الحاجب فليس
стр. 2866
مخالفا لكلام النحاة كما توهم لأنهم اختاروا النصب في مثله، وقد بينا لك وجهه، وكون النصب نصا في المقصود دون الرفع. قوله: (إلا فعلة واحدة الخ (فالأمر واحد الأمور بمعنى الشأن، وقوله: بلا معالجة ومعاناة أي مشقة في العمل من العناء، والمراد أن الوحدة بمعنى أنه على وتيرة واحدة ونهج متحداً والوحدة لصفة الإيجاد دون تعلقه، وموجوداته، وقوله: كلمة واحدة فالأمر مقابل النهي وواحد الأوامر، وقوله: في اليسر الخ هو وجه الشبه وفيه وجه آخر مز في تفسير قوله، وما أمر الساعة الخ فتذكره. قوله: (أشباهكم الخ (أصل معنى الأشياع جمع شيعة، وهم من يتقوى بهم المرء من الاتباع، ولما كانوا في الغالب من جنسى واحد أريد به ما ذكر إفا باستعماله في لازمه أو بطريق الاستعارة. قوله: (وكل شيء فعلوه الخ الم يختلف في رفعه قالوا: لأنّ نصبه يؤدّي إلى فساد المعنى لأنك لو نصبته كان التقدير فعلوا كل شيء في الزبر، وهو خلاف الواقع، وأما الرفع فمعناه أنّ كل ما فعلوه ثابت فيها، وهو المقصود فلذلك اتفق على رفعه، وهو من دقائق العربية. قوله: (مستطر (بفتح التاء من السطر أي مكتتب، وروي عن عاصم تشديد الراء بمعنى ظاهر من طرّ الشارب أو هو من الاستطار، وشدد في الوقف على لغة معروفة فيه، ثم أجرى الوصل مجراه، وقوله: ونهر بفتح النون والهاء، وهو مجرى الماء أو الماء نفسه، وقوله ة واكتفى باسم الجنس المفرد أي مع إرادة معنى الجمع بدليل جنات لكنه أفرد لرعاية الفواصل، وقوله: أو سعة أي المراد بالنهر سعة الرزق، والمعيشة لأن
مادته وضعت لذلك كما في قول قيس في طعنة:
ملكت بها كفي فأنهرت فتقها
أي وسعته، وقوله أو ضياء على الاستعارة بتشبيه الضياء المنتشر بالماء المتدفق من منبعه
أو هو بمعنى النهار على الحقيقة، وإليه يشير قوله من النهار، وقوله: وقرئ بسكون الهاء هو بمعنى المفتوح لغة فيه، وهي قراءة مجاهد وغيره. قوله: (وبضم النون والهاء) أي قرئ بذلك، وهو جمع نهر المفتوح أو الساكن كرهن، ورهن وكلام المصنف يحتملهما فإنّ أسد جمعه أسد بضم الهمزة والسين ويجوز تسكينها وقد قرئ بضم النون، وسكون الهاء على أنه جمع نهر أيضاً، وقيل: هو جمع نهار كسحب وسحاب والمراد أنهم لا ظلمة، ولا ليل عندهم فيها كما قاله القرطبي. قوله: (في مكان مرضئ) فالصدق مجاز مرسل في لازمه أو استعارة، وقيل: المراد صدق المبشر به، وهو الله ورسوله أو المراد أنه ناله من ناله بصدقه وتصديقه للرسل فالإضافة لأدنى ملابسة، وقوله: مقاعد هي قراءة عثمان البتي وهي تبين أنّ المراد بالمقعد المقاعد، ومليك بمعنى ملك، وليس إشباعاً بل هي صيغة مبالغة كالمقتدر كما أشار إليه بقوله تعالى أمره الخ، وقوله: مقربين الخ، إشارة إلى أنّ العندية للقرب الرتبي دون المكاني تعالى الله عنه لا أنّ متعلقه خاص، وإن جاز وفيه إشارة إلى أنّ الظرف حال هنا ويجوز أن يكون خبراً بعد خبر، وصفة لمقعد صدق أو بدلاً منه. قوله: (بحيث أبهمه دّوو الإفهام) بفتح الهمزة ويجوز كسرها، وهذه العبارة لا تخلو من ركاكة، وقلاقة ولو قال على ذوي الإفهام كان أحسن لكن المراد منها معلوم كما يفهم من كلام الكشاف، والمراد أنه أبهم العندية والقرب، ونكر مليكاً ومقتدراً للإشارة إلى أنّ ملكه، وقدرته لا تدري الإفهام كنههما، وأنّ قربهم منه بمنزلة من السعادة، والكرامة بحيث لا عين رأت، ولا أذن سمعت مما يجل عن البيان، وتكل دونه الأذهان، وليس متعلقا بقوله تعالى: بل راجعاً لجملة ما قبله. قوله: (عن النبتي ﷺ الخ) حديث موضوع، والمناسبة فيه ظاهرة، وقوله: في كل غب بالغين المعجمة المكسورة، والباء الموحدة المشددة أراد أنه يقرؤها يوماً بعد يوم مستعارة من الغب في سقي الإبل يوماً، وترك السقي يوماً ومنه الغب في الحمى تمت السورة بحمد الله، وأنعامه والصلاة والسلام على أكرم رسله وعلى آله وصحبه.
سورة الرحمن
وتسمى عروس القرآن.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 2867
قوله: (مكية الخ) الأول قول ابن عباس، والثاني قول مقاتل، والثالث نقله في جمال القراء، وقال: إنه استثنى منها بعضهم يسأله من في السموات الخ، وانها ست أو سبع أو ثمان، وسبعون على اختلاف في بعضها هل هو آية أو بعض آية على ما فصله في الإتقان مما ليس هذا محله. قوله: (لما كانت السورة الخ) مناسبة الرحمة للنعم ظاهرة، والرحمن لنعم الدارين بناء على أنه عام إذ يقال: يا رحمن الدنيا، والآخرة كما مر تفصيله في أوّل الكتاب، وقوله: وقدم الخ بيان للنكتة فيما بدأ به وهو تعليمه للقرآن لأنّ المقصود الدين وأصله، وأجله القرآن فلذا قدم لتقدّمه رتبة، وإن تأخر تعليمه عن خلق الإنسان وجوداً، وقوله: أساس الدين لأنه يعلم به، ويؤخذ منه وبه يستدل، وقوله: إذ هو الخ تعليل للأعظمية، والأعزية وقوله: مصدّق الخ لف ونشر مرتب فتصديقه لنفسه لإعجازه لأنه يدل على أنه كلام الله، وإذا ثبت ذلك ثبت حقية ما فيه، وما طابقه فكان مصداقا لسائر الكتب السماوية. قوله: (ثم أتبعه) أي أتبع القرآن، وتعليمه المقدم ك! فه أي ذكره على عقبه، وقوله: إيماء مفعول له لتعليل ذكره بعده من غير فاصل ولقربه من معنى الإشعار عداه بالباء، وكان الظاهر إلى، وقوله: من البيان بيان لما، وقوله: وهو التعبير الخ تفسير للبيان، والضمير ما يضمر في القلب، ويطلق عليه نفسه، وكلاهما صحيح هنا، وقوله: لتلقي الوحي الخ خبر لأنّ خلق البشر الخ. فإذا كان خلقهم إنما هو في الحقيقة لذلك اقتضى اتصاله بالقرآن، وتنزيله الذي هو منبعه، وأساس بنيانه فما قيل: إنّ قوله لتلقي الوحي متعلق بخلق البشر سهوا لا أن يريد للتعلق المعنوي وهو خلاف الظاهر. قوله: (وإخلاء الجمل الخ أليس المراد بإخلائها عنه أنّ حق الثلاث أن تعطف حتى يرد عليه أنّ
الأولى لا يصح عطفها فكان عليه أن يقول إخلاء الجملتين كما قيل أو يتوهم أن الثالثة هي الشمس، والقمر بحسبان بل المراد أنه لم يذكر عاطف فيها، ولم تورد متعاطفة لا مقرون كل منها بعاطف كما توهم مع أن إخلاء الكل لا يستلزم استحقاق الكل، وإذا ظهر المراد سقط الإيراد، وقوله: لمجيئها على نهج التقدير هذا هو المصحح، والمرجح الإشارة إلى أن كلآ منها نعمة مستقلة تقتضي الشكر ففيه إيماء إلى تقصيرهم في أدائه، ولو عطفت مع شدة اتصالها، وتناسبها ربما توهم أنها كلها نعمة واحدة، وهذا بناء على أن الرحمن مبتدأ خبره ما بعده، وقد قيل: إنه خبر مبتدأ أي الله الرحمن، وما بعده مستأنف لتعديد نعمه وعلم من التعليم، و! وله مقدّر أي علم الإنسان لا جبريل أو محمداً عليهما الصلاة والسلام، وليس من العلامة من غير تقدير كما قيل: أي جعله علامة، وآية لمن اعتبر لبعده، وثم أتبعه عطف على قوله: قدم، وأشار بثم إلى تفاوت الرتبة بينهما، وقيل: لأن الشروع في الفعل بعد مضي مدة من تصور الغرض منه غالباً فجرى هذا على المنوال المعروف في أمثاله، ولا يخفى بعده. قوله: (يجريان بحساب معلوم الخ) فسر الحسبان بوجوه منها أنه مصدر بمعنى الحساب كالكفران، وقيل: هو جمع حساب كشهاب وشهبان، وقيل: اسم جامد بمعنى الفلك من حسبان الرحا، وهو ما أحاط بها من أطرافها المستديرة، وهو غريب لكنه منقول عن مجاهد والجار، والمجرور إمّا خبر بتقدير مضاف أي جري الشمس، والقمر كائن أو مستقر بحسبان أو الخبر محذوف، وهو متعلق به أي يجريان بحسبان، وهذا ما اختاره المصنف، والحسبان عليه محتمل للوجهين الأوّلين، وعلى الأخير هو خبر من غير تقدير. قوله: (والنبات) فسروه به لأنّ اقترانه بالشجر يدل عليه، وإن كان تقدم الشمس، والقمر يتوهم منه أنه بمعناه المعروف ففيه تورية ظاهرة، وقوله: ينقادان الخ إشارة إلى أنه استعارة مصرحة تبعية شبه جريهما على مقتضى طبيعته بانقياد الساجد لخالقه، وتعظمه له. قوله:) وكان حق النظم في الجملتين الخ) هكذا وقع في النسخ بالعاطف في قوله، وأجرى وقد قيل عليه إنّ الظاهر تركه لأنّ الكلام ليس في العطف، وعدمه بل في ذكر ضمير يربطه كما في غيره من الجمل، وليس الكلام في الإجراء وحده بل في كونه بحسبان فكان عليه أيضا أن يقول أجرى الشمس، والقمر بحسبان وجعل النجم، والشجر يسجدان فكأنه أشار بذكر العاطف إلى أنها خبر عن الرحمن فهي كالمعطوفة على الخبر فحقها ما ذكر، وأمّا ترك قوله: بحسبان فلظهوره، وهو أمر سهل فتأمّل. قوله: (في
اتصالهما
стр. 2868
بالرحمن) بذكر ضمير يعود عليه، وظاهر أنه خبر أيضاً لا مستأنف كما قيل، وأنّ القطع لأنها مسوقة لغرض آخر وقوله: يغنيه عن البيان فهو مرتبط ارتباطا معنوياً به.
قوله: (لاشتراكهما في الدلالة على أنّ ما يحس به) كان الظاهر ترك قوله به لكنه ذكره لتضمنه معنى الشعور، وهو توجيه لما يقتضيه العطف من التناسب فأشار إلى أنّ التناسب هنا باشتراكهما فيما ذكر، وليس المراد أنّ الدلالة على ما ذكر تتحقق بكل منهما بل لكل منهما مدخل فيها فهي من مجموعهما كما يقال: هما مشتركان في العبد، ونحوه: أو المراد تحقق الدلالة بكل منهما لأنّ كلاً منهما يعلم منه حال الآخر بالمقايسة فلا تسامح في كلامه كما قيل، وليس حق العبارة لإشراكهما بالأفعال دون الافتعال كما توهم، وفي الكشاف إنّ الشمس والقمر سماويان، والنجم والشجر أرضيان فبينهما مناسبة بالتقابل، وأيضا جري الشمس، والقمر انقياد لإرادته كانقياد النجم، والشجر المراد من السجود فالمناسبة بينهما بهذا الاعتبار، ولكل وجهة. قوله: (خلقها مرفوعة الخ الأنها لم تكن مخفوضة، ثم رفعت بل المراد أنها وجدت ابتداء هكذا، وليس من قبيل ضيق فم الركية السابق وقوله: فإنها منشأ أقضيته تعليل لكونه أعلى رتبة أي أشرف من الأرض كما مرّ والرفع المحلي مشاهد غنيّ عن البيان، والرفع في النظم شامل للحسي، والرتبي، ولذا قال: محلاً ورتبة دون أو رتبة لأنه من عموم المجاز أو على مذهبه في جواز الجمع بين الحقيقة، والمجاز فلا غبار عليه، وقوله: ومتنزل أحكامه تفسير لقوله: منشأ أقضيته لأنّ ما قضاه الله يثبت في اللوح المحفوظ، وأمّ الكتاب أوّلاً ويعلم به الله تعالى من في الملأ الأعلى، ويأمرهم بتنفيذه وكله في السماء. قوله: (وقرئ بالرفع على الابتداء) ولا إشكال فيه لأنه جملة اسمية معطوفة على مثلها، وأنما الكلام في النصب في أمثاله مما ولي العاطف فيه جملة ذات وجهين أي اسمية الصدر فعلية العجز هل يستوي فيه الرفع، والنصب مطلقا او يرجح الرفع إن لم يصلح للخبرية، وفيه خلاف للنحاة مفصل في المطوّلات، وقد تقدم في سورة يس في قوله: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [سورة بس، الآية: ٣٩] طرف منه. قوله: (العدل بأن وفر الخ) فالميزان مستعار للعدل استعارة تصريحية، ولكونه أتثم فائدة قدمه، وارتضاه، وقوله في الحديث قامت السموات، والأرض قيامهما بمعنى بقائهما، والمراد بقا من فيهما من الثقلين إذ لولاه أهلك أهل الأرض بعضهم بعضا وأما الملأ الأعلى فهم لا يفعلون غير ما
يؤمرون ولا يجري بينهما ما يحتاج للحكم والعدل فذكر. للمبالغة، وأنّ البقاء للعالم جميعه بالعدل، ولذلك يجوز أن يقصد بقاؤهما في نفسهما فتأمّل. قوله: (أو ما يعرف به الخ) فهو أيضا مجاز من استعمال المقيد في المطلق فما قيل من أنّ قوله: ألا تطغوا في الميزان، وأقيموا الوزن الخ أشذ ملاءمة له، ولذا اقتصر عليه الزمخشريّ غير ظاهر لأنّ كلاً منهما لا يخلو من التجوّز، وما ذكر إنما يؤيده لو أريد به الحقيقة، وإن كان هذا أقرب في الجملة، وقوله: كأنه لما وصف السماء الخ بيان لوجه اتصال قوله: وضع الميزان بما قبله على الوجه الثاني، وقوله: التي هي مصدر الخ وصف للرفعة على أنّ المراد بها الرتبة السابقة كما بيناه. قوله: (لئلا تطغوا فيه) فهو على تقدير الجار وجعلها الزمخشريّ مفسرة لما في وضع الميزان من معنى القول لأنه بالوحي، واعلام الرسل قيل، وهو أحسن مما ذكره المصنف لأنه لا معنى لقوله: ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾ إذ المناسب في الموزون، ونحو. فلا وجه لما قيل: إن المصنف لم يذكر. لعدم تقدم جملة متضمنة لمعنى القول وهو شرطها فإنه غفلة ظاهرة. قوله: (ولا تجأوزوا الإنصاف) هذا جار على التفسيرين للميزان، وإن كان المتبادر منه الوجه الأوّل مع. أنه للاقتصار عليه وجه وقوله: على إرادة القول بتقدير قائلاً ونحوه لا قل كما قيل، ولا ناهية بدليل جزمه وعلى الأوّل نافية ولا ينافيه عطف أقيموا الإنشائي عليه لأنه لتأويله بالمفرد تجرّد عن معنى الطلب، ويجوز كونها ناهية أيضاً، وقوله من حقه أن يسوي، ويعلم منه أنّ الزيادة غير ممنوعة بالطريق الأولى. قوله: (وتكريره مبالفة في التوصية الخ) أي تكرير لفظ الميزان بدون إضماره على مقتضى الظاهر، ويحتمل تكرير الأوّل بالعدل في الوزن لدلالة الجمل الثلاث على معان متقاربة فهي مكرّرة معنى. قوله: (على أن الأصل الخ) متعلق بقراءة الفتح، وهذا بناء على ما ارتضاه بعض أهل اللغة من أنه لم يرد منه إلا لازما هذا هو الذي أراده
стр. 2869
الشيخان كما صرّح به بعض شراح الكشاف، وأمّا ما قيل من أنه لا حاجة إلى ذلك لأنّ خسر جاء متعدياً كقوله: ﴿خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١٢] ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ [سورة الحج، الآية: ١١١ والجواب عنه بأنه ليس هذا من ذاك فإنّ معناه وقوع الخسران بهما، وأنهما معدومان، وهذا المعنى غير مراد هنا إذ المراد لا تخسروا الموزون في الميزان، وكذا إذا جعل
بمعنى النقص فلا محصل له لأنه إذا سلم أنه لا يكون إلا متعديا فلا حاجة للتقدير المذكور نهايته أنه يجعل الميزان مجازاً عما فيه أو يقدر فيه مضاف فتامله فإنه غير محرّر. قوله: (للخلق الخ) هو أحد معانيه في اللغة وقيل هو الجن، والإنس وقيل ما على الأرض، وقوله: ضروب مما يتفكه به أخذه من التنكير بمعونة مقام المدح كتمرة خير من جرادة، وأيضاً هو اسم جنس فيشعر الاقتصار عليه باختلاف الأنواع. قوله: (أو كل ما يكم أي يغطي الخ) يقال: كمه يكمه بالضم كنصره ينصره، وهذا أظهر مما قبله فإنّ ثمر النخل لا كم له كما لا يخفى إلا أن يراد أكمام طلعه قبل أن يصير بلحا، والكم بكسر الكاف في الثمار، وبضمها في القميص، وقد يضم في الأوّل أيضاً كقوله:
نسيمه قد جرّ أذياله وزهره يضحك في كمه
والليف بكسر اللام معروف، وسعفه بفتحتين أغصانه إذا يبست أو ما دام عليها الخوص
فإذا خلا عنه فهو جريد، وكفريّ بضم الكاف وفتح الفاء، وفتح الراء المشددة، والقصر وعاء طلع النخل من الكفر، وهو الستر وقوله: فإنه ينتفع به أي بما يغطي مما ذكر، وهو بيان لفائدة توصيفه لقوله: ذات اكمام، وقوله: كالمكموم متعلق بقوله: ينتفع أي كما ينتفع بالمكموم، وهو ثمره وشحمه. قوله: (كالجذع) وهو خشبتها، وجرمها القائم وهو مثال بعد مثال إشارة إلى الانتفاع بجميع ما فيها فهو بدل مما قبله، ولو عطفه عليه كان أظهر، وفي بعض النسخ كالجشع، والحب والثمرة، وفي بعضها كالجأع، والجمار والثمرة، والحب ذو العصف قيل، وهو الصواب والنسخ مختلفة لكن المقصود منها ظاهر. قوله: (يعني المشموم) إما أن يراد به كل نبات له رائحة طيبة فيشمل الأزهار أو يراد به الريحان المعروف، وإطلاقه على الرزق لأنه يرتاح له، وقوله: أو أخص أي يقدر ناصبه أخص مقدراً، واعترض عليه بأنه لم يدخل في مسمى الفاكهة، والنخل حتى يخصه من بينها، وأجيب عنه بأنه أراد إضمار هذا اللفظ لا الاختصاص الصناعي، وقيل عليه لزوم دخول المنصوب على الاختصاص فيما قبله غير مسلم ألا ترى نحن معاشر الأنبياء، وسبحانك الله العظيم، وأمثاله انتهى، وهذا كله من ضيق العطن فإنّ كونه ليس باختصاص صناعي، وكون الاختصاص لم يشترطوا فيه ما ذكر مما لا شبهة فيه، والمعترض إنما أراد أن ما قدره غير صحيح أو غير حسن بحسب المعنى لأنّ تقدير أخص قد يقتضي بحسب السياق أنّ الكلام فيه ما يشمله، وغيره وما نحن فيه كذلك فتأمله. قوله:
(ويجورّ أن يراد وذا الريحان) على أنّ الريحان بمعنى اللب، وقوله: فحذف المضاف أي وأقيم المضاف إليه مقامه، وقوله: بالخفض بالعطف على العفص والرفع بعطفه على فاكهة. قوله:) وهو فيعلان من الروح) هذا جواب عن اعتراض معروف بأنّ الظاهر أنه من الروح، وهو واوي كما صرّح به أبو علي فلا وجه لقلب الواو ياء حينثذ بأنّ أصله ريحان بالتشديد، وكان أصله ريوحان فقلبت الواو ياء لاجتماعها مع ياء ساكنة مقدمة، وهو في مثله قياس مطرد لزوما، ثم خفف بعد القلب بحذف إحدى الياءين، وهو قياس مطرد وأمر حسن بحسب اللسان أيضا كهين، وميت وكثير من أمثاله. قوله: (وقيل روحان الخ) أي أصله روحان بفتح الراء، وسكون الواو فقلبت على غير القياس شذوذاً، ولذا مرضه وهذا منقول عن أبي عليئ الفارسي، وقد اعترض عليه بما مرّ واليه يشير كلام المصنف. قوله: (المدلول عليهما الشمول الأنام لهما كما مرّ من تفسيره، والثقلان يدل أيضا على أنّ ذلك هو المراد فلا يرد أنه لم يتقدم هنا فكيف يدل مع تأخر.، والمراد بالدليل هنا الدليل المتعارف في لسان العرب، وعرف البلغاء لا المنطقي حتى يورد عليه أنه عامّ والعامّ لا دلالة له على الخاص بشيء من طرق الدلالة. قوله:) والفخار الخزف (وهو ما أحرق منه حتى تحجر، وقوله: فلا يخالف الخ جمع بين الآيات الوارد فيها ذلك بما ذكر، وقوله: الجن الخ في تفسير الجان أقوال فقيل هو اسم جنس شامل للجن كلهم، وقيل: إنه
стр. 2870
اسم لأبيهم كآدم للبشر وهل هو إبليس أو غيره قولان أيضا، وقوله: أبا الجن مفرد منصوب لا جمع أب، وقوله: من الدخان متعلق بصاف لا بيان له. قوله: (بيان لمارج الخ) في الكشاف بيان لمارج كأنه قيل: من صاف من نار أو مختلط من نار انتهى، وفي الكشف يعني أنه إن كان بيانا لمارج فالتنكير للمطابقة، ولأن التعريف لكنه حقيقته، وكأنه قيل: خلق من نار صافية أو مختلطة على التفسيرين، وإن جعلت من ابتدائية فإنما نكر لأنه أراد نارا مخصوصة متميزة من بين النيران لا هذه المعروفة اهـ، والمصنف اختار أحد الوجهين فأعرفه. قوله: (فإنه ني الأصل الخ (بيان لأنه محتاج للبيان لعمومه لكل مضطرب، ومنه الهرج،
والمرج وقوله: أطوار خلقتكما المراد به النطفة فما بعدها، وقوله: أفضل الخ المراد جميعها لأنّ الإنسان أفضل من الملك عندنا، ولا يلزم تفضيل الجن عليهم أو المراد الحيوانات، وغيرها مما في العالم السفلي بناء على أنّ المركبات لا تشمل الملك ظاهراً وهو الظاهر، وقوله: أرسلهما أي أجراهما، وهو لا ينافي ما مرّ من أنّ معنى المرج الاضطراب لأنه إذا جرى اضطرب. قوله: (يتجاوران الخ) يعني أنهما إذا دخل أحدهما في الآخر قد يجري فيه فراسخ، ولا يتلاشى ويضمحل حتى يغير أحدهما طعم الآخر، ولونه كما نشاهده، وقد صرح به المصنف في آخر الفرقان، ومرّ ما فيه أو بحري فارس والروم فإنهما يلتقيان في البحر المحيط، وهو مروفي عن قتادة لكنه أورد عليه أنه لا يوافق قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج والقرآن يفسر بعضه بعضآ، وقوله: خليجان أي شعبتان من الأصل من خلجه إذا شقه فقوله: يتشعبان منه تفسير له، وقوله: يلتقيان حال مقدرة إن أريد إرسالهما إلى المحيط أو المعنى إيجاد أصلهما إن كان المراد إرسالهما منه ولكل وجهة فتأمل. قوله:) حاجز من قدرة الله) إن أريد بالبحرين العذب، والملح أو من الأرض إن أريد بحرآ فارس، والروم ففيه لف ونشر مرتب، ومعنى يلتقيان على الثاني تجاور أحدهما للآخر بلا تماص، وتلاصق بخلافه على الأوّل كما مرّ وكذا قوله: لا يبغي أحدهما الخ ناظر إلى الأوّل، وقوله: لا يتجاوزان بالمعجمة ناظر للثاني، وقوله: المرجان الخرز الأحمر، وهو البسد، وهذا هو المشهور المتعارف واللؤلؤ على هذا شامل للكبار، والصغار والتمييز بينهما بالوصف، وبه فسر ابن مسعود. قوله:) وإن صح الخ) هو مما لا شبهة في صحته فلو لم يعبر به كان أحسن، وقوله: فعلى الأوّل أي التفسير الأول، وهو أق اللؤلؤ كبار الدرّ والموجان صغاره فيشكل قوله: منهما لأنه خرج من أحدهما، وهو الملح فإقا أنه لامتزاجهما يكون خارجا منهما حقيقة أو أنه نسب لهما ما هو لأحدهما كما يسند إلى الجماعة ما صدر من واحد منهم كما مز، وفي الانتصاف
إنّ هذا هو الصواب ومثله لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم وأنما أريد إحدى القريتين، وكما يقال: هو من أهل مصر، وأنما هو من محلة منها انتهى، ولا يخفى أنّ هذا وإن اشتهر خلاف الظاهر فإمّا أن يكون ضمير منهما لبحري فارس، والروم وهو الأصح أو يقال: معنى خروجه منهما ليس أنه متكوّن فيهما بل إنهما يحصلان في جانب من البحار انصبت إليها المياه العذبة كما قيل: إنّ الغوّاصين نقلوه أو الماء العذب هنا هو ماء الأمطار، واللؤلؤ منه لأنّ الأصداف في شهر نيسان تتلقى ماء المطر بأفواهها فيتكوّن مته، ومما يشاهد في الجدب قلة اللآلى، والأسماك فالماء العذب كاللقاح، والنطف لها كما ذهب إليه الجمهور، وظاهر قوله: فعلى الأوّل أنه على الثاني غير محتاج للتأويل، وليس كذلك فإن المرجان أيضاً لا يتكون إلا في البحر الملح ففي عبارته قصور آخر. قوله: (أو لأنهما لما اجتمعا الخ) أي هما لاجتماعهما، وتلاقي سطحيهما صارا كشيء واحد فنسب الخارح إليهما حقيقة، ولا يخفى أنّ هذا إنما يتم إذا كان تكوّنه في محل اجتماعهما وإذا ثبت هذا لم يحتج لتأويل أصلاً، وقبل ثبوته لا يتم الجواب، واعلم أنه لم يرد في كلام العرب مثل لؤلؤ إلا جؤجؤ بمعنى صدر ودؤدؤ وبؤبؤ. قوله: (ورفع الراء) أي إظهار الرفع على الراء، وقد كان مقدرا على الياء التي في آخره لأنه منقوص فاذا حذفت لالتقاء الساكنين كانت مقدرة عليها أيضاً، وقرأ أبو عمرو برفع الراء لأنّ المحذوف لما تناسوه أعطوا ما قبل الآخر حكمه، وقد سمع هذا من العرب في الشعر المذكور فإنه أظهر فيه الرفع على نون ثمان، وهو منقوص أيضا، وقد مرّ بحثه في الأعراف، والثنايا من الأسنان مقدمها
стр. 2871
والشعر في وصف ثغر امرأة، ومعناه واضح. قوله: (المرفوعات الشرع) بضم الشين، والراء جمع شراع وهو القلع من أنشأه بمعنى رفعه أو المرفوعات على الماء، ولم يذكره المصنف لقلة جدواه، وكونه بمعنى المصنوعات أشهر لكنه لا فائدة فيه أيضا، وقوله: الرافعات الشرع على الإسناد المجازي إلى المحل وانشاؤها للأمواج مجاز أيضا، والمراد شقها للماء فهو، وما بعده مجاز أيضاً. قوله: (من خلق موادّ السفن الخ)
تفسير للآلاء بما يناسب ما قبله حتى لا يكون مكررا صرفا، وضمير أخذها للموادّ، وقوله: من للتغليب إذا أريد به مطلق الحيوان أو مطلق المركب بخلاف ما بعده، ولذا قدم ذكره عليه، وقوله: ذاته فالوجه مجاز مرسل بمعنى الذات، وهو مجاز شائع، وقد يخص بما شرف منها. قوله: (ولو استقريت جهات الموجودات الخ) هذا تفسير آخر على أنّ الوجه ليس بمعنى الجارحة مجازا عن الذات بل بمعنى الجهة التي تقصد، ويتوجه إليها فإنه موضوع لهذا لغة أيضا لا بمعنى القصد، والمراد المقصود كما توهم قال أسناذنا المقدسيّ قدس الله روحه: ما هو في حذ ذاته عدم فالأصل بقاؤه على ما هو عليه بحسب الذات إلا الجهة التي يليها الحق أي يتولاها بفضله، ويفيضها عليه من عنده فالمعنى ما سوى الحق من الممكنات فإن أي قابل للفناء في حد ذاته لولا نظر الحق إليه، وإفاضة خلع الوجود عليه لما حصل له تشريف الوجود، ولبقي على ما كان عليه، وهو مفقود فلم يبق بعد نظر الحق إليه على الفناء الذي كان ثابتاً له في حدّ ذاته، وبالنظر إليه نفسه فيمكن أن يراد بالوجه العمل الصالح كما في بعض التفاسير، ومعنى قوله: يلي جهته يمرّب به إليه ويقصد به الجهة التي أمرنا بالتوجه إليها، وهو قد كان في حيز العدم فلما فعله العبد ممتثلاً أمره أبقاه له إلى أن يجازيه عليه، ولك أن تقول هو بالقبول صار غير قابل للفناء لما أنّ الجزاء عليه قام مقامه، وهو باق، وقال بعض مشايخنا: ذلك الوجه الموصوف بعدم الفناء قيوميته تعالى للموجودات، وهي صفة له تعالى غير قابلة للفناء في ذاتها، وتؤمن بها كما أخبر الله، وإن جرينا على مذهب السلف من أنّ الوجه، واليد ونحوهما صفات نثبتها، ولا نشتغل بكيفيتها ولا بتأويلها صح، وصفها بأنها غير قابلة للفناء في حد ذاتها قال بعض العارفين: أبى المحققون أن يشهدوا غير الله لما حققهم به من شهود القيومية، وإحاطة الديمومية، وقال ابن عطاء: الكون كله ظلمة وإنما أناره ظهور الحق فيه فمن رأى الكون، ولم يشهد فيه أو عنده أو قبله أو بعده فقد أعوزه وجود الأنوار، وحجبت عنه شموس المعارف بسحب الآثار اهـ وعلى هذا فهو تفسير آخر لكن في سياقه تسمح لأنه ظاهر في خلافه أو نقول الوجه بمعنى الذات أيضاً لكنها ذات العبد، والمخلوق، واضافته للرّب ليست بيانية بل لامية، والمعنى إلا الذات من حيث استقبالها لربها، ووقوفها في محراب قربها، وضمير ذاته لمن، وهو تفسير واحد، وهذا هو الأقرب والأشبه بمقاصده فافهم، وقال بعض علماء العصر يريد بيان كون من عليها فانيا مع الاتصاف بالوجود، وبيان فائدة لفظ الوجه، وهو أنّ الموجودات الممكنة لها جهات، ووجوه من ذواتها وصفاتها وأحوالها، وتلك الجهات، والوجوه كلها هالكة فانية في حذ ذاتها إلا الوجه الذي يلي جهته تعالى، ويكون
منسوبا إليه فإنه الباقي وحده، وذلك الوجه الباقي يطلق عليه لفظ الوجود لكونه مظهر النور الإلهي المنوّر له من الله الذي هو نور السموات والأرض، وبهذا التقرير اندفع توهم التدافع بين تفسير الوجه أوّلاً بالذات وثانياً بالذي يلي جهته فتأمله فإنه من مزال الأقدام، وقد طلع الصباح فأطفئ المصباح. قوله: (ذو الاستنناء المطلق الخ) فسره بما ذكر لأنّ الجلال العظمة، وهي تقتضي ترفعه عن الموجودات، وتستلزم أنه غنيّ عنها ثم ألحق بالحقيقة، ولذا قال الجوهرفي: عظمة الشيء الاسنغناء عن غيره، وكل محتاج حقير، وأمّا الإكرام فظاهر وقال الكرماني: إنه تعالى له جهات عدمية مثل لا شريك له، وتسمى صفات الجلال، وصفات وجودية كالعلم والحياة، وتسمى صفات الإكرام اهـ، وفيه تأمّل. قوله:) مما ذكرنا الخ) تفسير للآلاء أيضاً، وإبقاء ما لا يحصى إشارة إلى ما مز في تفسير وجه وبك، وقوله: أو مما يترتب الخ بجعل الآلاء هي نفس الفناء لأنه مراحل البقاء وقيل: إنه كناية عما ذكر، وخطاب ربك غير خطاب ربكما، ولذا أفرد مع تثنيته إمّا لأن المخاطب النبيّ! ت أو هو عامّ لكل من يصلح للخطاب لعظم الأمر، وفخامته واندراج الثقلين فيه اندراجا أولياً، ولا كذلك
стр. 2872
الثاني فلذا أبقاه على ظاهره، وهو الذي ارتضاه الطيبي. قوله: (في ذواتهم الاستناد وجودهم إليه تعالى بدأ وبقاء، وقوله: نطقاً كان أي ما يدل على الحاجة، وقوله: كل وقت الخ. قيل عليه إنه بحسب الظاهر مخالف لما مرّ في تفسير قوله: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾ [سورة القمر، الآية ت ٥٠] لاقتضائه عدم التدريج ولذا قيل جف القلم فالتوفيق بينهما أنّ الأوّل باعتبار تقديره في الأزل وهذا باعتبار تعلق الإرادة باحداثه في وقته المعين له كما قيل إنها شؤون يبديها لا شؤون يبتديها وهذا معنى قوله: يحدث الخ. قوله: (وفي الحديث الخ) رواه ابن ماجه وابن حبان وغيرهما عن أبي الدرداء ﵁، وقوله: وهو
ردّ لقول اليهود الضمير لما في الآية من قوله: كل يوم وما في الحديث تفسير لها، ولذا قيل: إنّ الآية نزلت في اليهود، وقوله: مما يعسف تفسير للآلاء كما مرّ، ومكمن العدم محل كونه أي اختفاؤه، وهو استعارة حسنة، وفيه إشارة لما قدمه. قوله:) ستتجرّد لحسابكم وجزائكم الخ (التجرّد بمعنى الفراغ، ويقال: تجرّد للأمر إذا جد فيه لأنّ الجد في الأمر يلزمه ترك ما عداه وليس المراد أنه مجاز مرسل لاستعمال الفراغ في لازمه، وهو التجزد كما توهم فإنّ التجرّد كالفراغ في أت تعالى لا يوصف به بل المراد أنه جعل انتهاء الشؤون إلى شأن واحد وهو جزاء المكلفين فراغا على سبيل التمثيل لأنّ من ترك أشغاله إلى شغل واحد يقال: فرغ له، واليه فشبه حال هؤلاء وأخذ. تعالى في جزائهم فحسب بحال من فرغ له، وجازت الاستعارة التصريحية أيضا لاشتراك الأخذ في الجزاء فقط والفراغ من جميع المهام إلى واحد في أنّ المعنيّ به ذلك الواحد كما في المفتاح كذا في شرح الكشاف، وذلك إشارة إلى التجوّد لهما أو لهما باعتبار ما ذكر، وكذا ضمير غيره أو هو للجزاء فإنه المقصود. قوله: (وقيل تهديد الخ (لما كان الفراغ يفتضي لغة سابقية عمل، والفراغ للشيء يقتضي لاحقيته أيضاً استعمل الثاني للتهديد كأنه فرغ عن كل شيء لأجله فلا شغل له سواه فيدل على التوفر في النكاية، وهو كناية فيمن يصح عليه، ومجاز في غيره. كما فهما نحن فيه وليس الخطاب للمجرمين على هذا لأنّ توله: أيها الثقلان يأباه نعم المقصود يالتهديد هم، ولا مانع من تهديد الجميع أيضاً، وقوله: فإنّ المتجرّد الخ بيان لكون القول المذكور يدل على التهديد كما بيناه. قوله: (أي سنقصد إليكم) يعني أنه ضمن معنى القصد أو حمل عليه إذ هو يتعدى بإلى بخلاف الفراغ فإنه لا يتعدى بها، وأمّا القراءة المشهورة فلا تحتاج لهذا كما توهم، وإن كان الفراغ على ضربين فراغ عن شغل، وقصد لشيء فتأمل. قوله: (سميا " لك لثقلهما على الأرضر الخ (لم يجعله من ثقل الدابة، وهو ما يحمل عليها على طريق الاستعارة لأنه لا حاجة إليه فالقول بأنه أولى لا وجه له، ورزانة الرأي، والقدر مجاز كثقل اقكليس، وقريب منه قول الحسن سميا ثقلين لثقلهما بالذنوب، والثقل يقال: لكل ذي قدر وزنة صما يتنافس فيه، ومنه الحديث (إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي) . قوله: (إن قدرتم
الخ) أصل الاستطاعة طلب طواعية الفعل، وتأتيه ثم جعل نفيه بمعنى نفي الإرادة، والقدرة فلذا فسره بما ذكر، ثم إنه تعالى لما ذكر أنه لا محالة مجاز للعباد عقبه بقوله: إن اسنطعتم الخ. لبيان أنهم لا يقدرون على الخلاص من جزائه، وعقابه إذا أراده فما قيل إنه غير مناسب لما قبله وما بعده مكابرة. قوله: " ن قدرقم أن تنفذوا الخ) فالمراد بالنفوذ دخولهم في السماء بعد الصعود لها أو في الأرض، وقوله: ببينة تفسير للسلطان فإنه يكون بمعنى الحجة كما يكون بمعنى القوّة والقهر، وفي العروج على البينة استعارة مكنية، وتخييلية لتشبيهها بالسلم. قوله: (أي من التنبيه والتحذير الخ) مبني على الوجه الأوّل وكون السلطان بمعنى القوّة، وقوله: مما نصب الخ على الثاني، وأنّ السلطان الحجة، وجعل الأدلة العقلية مصاعد لما فيها من العلو، والنقلية معارج تفننا، واشارة لسهولتها. قوله: (ودخان الخ) ولما كان المعروف فيه المعنى الآتي بما ذكره، والبيت للأعثى من قصيدة، والسليط الزيت، وما يوقد به المصابيح، وقيل: ومنه السلطان لتنوير الوجود بعدله، وضمير فيه للضوء، ويجوز رجوعه للسراح، والأوّل أولى، وقوله: مذاب أخذه من قوله: يرسل بمعنى يصب، والا فمعناه الصفر مطلقاً، وفسر الشواظ باللهب مطلقاً، وقيل: إنه اللهب الذي معه دخان، وقيل: الصافي منه الأحمر، وجملة يرسل الخ مستأنفة في جواب سؤال مقدر عن الداعي للفرار أو عما يصيبهم ومن في قوله: من نار ابتدائية لا بيانية حتى يلزم كون الشواظ في قراءة الجرّ مفسراً باللهب، والدخان
стр. 2873
معاً، ولا حاجة أيضاً إلى تقدير موصوف أي شيء من نحاس كما توهم أو يقال هو معطوف على شراظ، وجرّ للجوار فإنه تكلف ما لا داعي
له، وقوله: أو صفر معطوف على دخان، وقوله: نحس بضمتين جمع نحاس كلحف جمع لحاف، ونون نحاس تكسر في لغة، وبه قرمما أيضا. قوله: (فإنّ التهديد لطف) إذ به ينزجر الشخص عن المعاصي فيفوز بالنعيم المقيم فبهذا الاعتبار كان من الآلاء، وهو بيان لكون ما ذيل به مناسبا له. قوله تعالى: ( ﴿فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاء﴾ الخ) إذا شرطية جوابها مقدر أي كان ما كان مما لا تطيقه قوّة البيان أو وجدت أمراً هائلاً أو رأيت ما يذهل الناظرين، وهو الناصب لاذا ولهذا كان مفرّعا ومسبباً عما قبله لأنّ في إرسال الشواظ ما هو سبب لحدوث أمر هائل أو رؤيته في ذلك الوقت. قوله: (حمراء كوردة) فهو ثبيه بليغ وقوله: التجريد أي البديعي لأنه بمعنى كانت منها أو فيها وردة مع أنّ المقصود أنها نفسها وردة. قوله: (ولئن بقيت الخ) هو من قصيدة لقتادة بن مسلمة مذكورة في الحماسة وأوّلها:
نكرت عليّ من السفاه تلومني سفهاءتعجزبعلهاوتلوم
وقرله: ولئن وقع في الحماسة فلثن بالفاء، وقوله: تحوي الغنائم أي تحوزها مضارع حوى، وفي رواية نحو الغنائم بنصبه ظرفاً لأرحلن، وقوله: أو يموت بالنصب أي إلا ان يموت كريم، وعني بالكريم نفسه على طريق التجريد وهو محل الاستشهاد إذ لو لم يجرد من نفسه كريما لقال أو أموت. قوله: (مذابة كالدهن) فالدهان بالكسر بمعنى الدهن لأنه اسم آلة، ومعناه ما يدهن به، وفيه وجوه من الإعراب ككونه خبرا بعد خبر وصفة وردة، وحالاً من ضمير كانت على رأي من أجازه، وكلام المصنف رحمه ألله يحتملها، وقوله: أو جمع دهن كرمح ورماح، وإذا كاك بمعنى الأديم الأحمر فقيل: هو مفرد، وقيل: هو جمع أيضاً كما فصله السمين، وقوله: مما يكون بعد ذلك، ولما لم يكن انشقاق السماء من الآلاء جعله من النعم باعتبار أنه مقدمة لدخول الجنة، وما معه فتدبر. قوله: (لآنهم يعرقونهم بسيماهم) إشارة إلى أنّ قوله: يعرف
المجرمون الخ استئناف لتعليل انتفاء السؤال، والمجرمون من وضع الظاهر موضع المضمر للإشارة إلى أنّ المراد بعض من الإنس، وبعض من الجن كقوله: ﴿لَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [سورة القصص، الآية: ٧٨] وقوله: ذوداً ذودا الذود طائفة من الإبل، واستعارة لهم تشبيهاً لهم بالبهائم، وقوله: وأما قوله الخ توفيق بين الآيتين بأنه باعتبار المواقف فنفى السؤال عنهم في محل لا ينافي السؤال عنه في آخر، وقد تقدم نظيره أو السؤال المنفيّ سؤال التعرّف، والمثبت سؤال التوبيخ، والتقريع وهذا جواب آخر غير ما ذكره المصنف ﵀ فلا وجه لتفسيره به كما قنل، وقوله: والهاء الخ، ولو جعل للمذكور صح أيضاً، وقوله: باعتبار اللفظ فإنه مفرد، وتقدمه رتبة لأنه نائب عن الفاعل، وهو بيان لما يصحح كونه مرجعا مع تأخره لفظا، وقوله: في هذا اليوم بيان لارتباطه بما قبله، وتوجيه لكونه من الآلاء، والنعم وقوله: فيؤخذ بالنواصي الخ الباء كالتي في أخذت بالخطام فهي للآلة، وقيل: إنها للتعدية لتضمينه معنى يسحبون، ولا وجه له لأنّ سحب لا يتعذى بالباء فإن أراد ما ذكر فلا حاجة للتضمين، وفيه كلام في الدر المصون والناصية مقدم الرأس، وليست أل فيه عوضاً عن الضمير كما توهم. قوله: (مجموعاً بينهما) بغل، ونحوه أو في الأخذ بعنف، وقوله: وقيل: يؤخذون بالنواصي الخ فالواو بمعنى أو التي للتقسيم ولذلك مرضه لأنه خلاف الظاهر بالنواصي متعلق بيؤخذون كما في النظم، ولا وجه لكونه بدل اشتمال من يؤخذون كما تيل. قوله تعالى: ( ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ﴾ الخ (مقول قول مقدر معطوف على قوله: يؤخذ الخ. أو مستأنف في جواب ماذا يقال لهم لأنه مظنة للتوبيخ، والتقريع أو حال من أصحاب النواصي، وكان أصله التي كذبتم بها فعدل عنه لما ذكر للذلالة على استمرار ذلك، وبيانا لوجه توبيخهم وعلته، وقوله: يحرقون بها بيان للواقع أو بيان لما أريد من الطواف بينها، وهو الظاهر. قوله: (بلغ النهاية في الحرارة (وهو اسم منقوص كقاض من أنى يأتي إذا غلى، وقيل: إنه بمعنى حاضر وقد تقدم تفصيله في سورة الأحزاب، وقوله: وقيل الخ فبين للتقسيم كما تقول هو بين الخوف وبين الرجاء. قوله: (موقفه الذي يقف فيه الخ (يعني أنّ مقام اسم مكان، وهو المكان الذي يقف فيه الخلق للحساب لأنهم قائمون فيه لانتظار ما يراد بهم ويحل عليهم، وإضافته للرب لامية لاختصاص الملك
стр. 2874
يومئذ به تعالى بحسب نفس الأمر، والظاهر لا أنه موقف مقام للزب لأنه منزه تعالى عن مثله فالإضافة اختصاصية لا لأدنى ملابسة كما توهم. قوله: (أو قيامه على أحواله الخ (هذا معنى ثان المقام فيه مصدر ميمي بمعنى القيام أي من خاف قيام ربه، وقيامه بمعنى مراقبته له، وكونه مهيمنا عليه حافظاً لأحواله كما في قوله
تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [سورة الرعد، الآية: ٣٣] . قوله:) أو مقام الخائف عند ربه الخ (أي المقام لمن خاف، واضافته للرب لأنه عنده فهو كقول العرب ناقة رقود الحلب أي رقود عند الحلب فذهب الكوفيون إلى أنه بمعنى عند وزادوا الإضافة العندية، والجمهور على أنها لامية كما صرّح به شزاح التسهيل، وليس من الإضافة لأدنى ملابسة أيضا، وقوله: بأحد المعنيين أراد به معنيي المقام، وهو كونه اسم مكان أو مصدرا ولا فرق بينه، وبين الأوّل إذا كان أسم مكان إلا في تخصيص المكان بالخائف، وتغاير الإضافة على رأي الكوفيين وأما على الثاني فهو ظاهر لأنّ القيام على ظاهره لا بمعنى الحفظ، والإضافة غير تلك الإضافة، وقوله: تفخيما وتهويلا لأنّ العندية، والمكانية محال في حقه تعالى فالمراد بها ذلك فما قيل: المراد أنه باحد المعنيين المذكورين، وهو موقفه الذي يقف فيه للحساب، ويحتمل أن يريد بأحد المعنيين أيهما كان لكن لا تخلو صحة المعنى الثاني عن تكلف كلام ناشئ من قلة التدبر. قوله: (أو ربه) أي التقدير خات ربه، ومقام مقحم، وليس المراد أنه زائد حقيقة بل زيادته بالنظر إلى أصل المعنى المراد، وأنه يصح بدونه لأنه غير زائد بل هو ذكر لأنّ الكلام كناية عن خوف الرب، واثبات خوفه له بطريق برهانيئ بليغ لأنّ من حصل له الخوف من مكان أحد يهابه، وإن لم يكن فيه فخوفه منه بالطريق الأولى، وهذا كما يقول المترسلون: المقام العالي، والمجلس السامي، وكما في الشعر المذكور، واليه أشار المصنف بقوله: للمبالغة. قوله: (كقوله الخ) هو من قصيدة للشماخ مدح بها عرابة بن أوس الخزرجي أولها:
إلا نومي طوى لي وصل أروى ظنون آن مطرح الظنون
وماء قد وردت لوصل أروى عليه الطيركالورق اللجين
ذعرت به القطا ونفيت عنه مقام الذئب كالرجل اللعين
والقصيدة في ديوانه مشهورة، ومعنى ما ذكر أنه يصف تبكيره للقاء محبوبته فقوله: وماء
البيت يعني به أنه ورده، وهو خال من الناس قبل كل أحد، واللجين بفتح اللام الذي خبط حتى تلجن أي تلزح، وقوله: ذعرت به القطا الخ. خصهما لأن القطا أنكى الطيور، والذئب أنكى السباع، والشاهد في قوله: مقام الذئب فإذا لم يكن للذئب فيه مقام لزم أن لا يكون ذئب، وقوله: كالرجل اللعين أي المطرود الذي خلفه من يطلبه فإنه لا ينام ويرد الميا. قليلا، وتفسيره بما يتخذ في المزارع على هيئة رجل لتخويف الوحوس، والطيور وطردها وإن ذهب إليه كثير ممن شرحه لكن الأوّل أظهر، وأبلغ وضمير به وعنه للماء في البيت الذي قبله. قوله:
(جنة الخ) بيان لوجه اختيار التثنية دون الإفراد والجمع، وقوله: بعد مبنيّ على الضم أي بعد هذه الآية، وقوله: ذواتا تثنية ذات بمعنى صاحبة فإنه إذا ثنى فيه لغتان ذاتا على لفظه، وهو الأقي! كما يثنى مذكره ذوا والأخرى ذواتا بردّه إلى أصله فإنّ التثنية تردّ الأشياء إلى أصولها، وليس تثنية الجمع كما يتوهم، وتفصيله في باب التثنية من شرح التسهيل، وهو صفة جنتان أو خبر مبتدأ مقدر أي هما، وقوله: جمع فن ومعناه النوع، ولذا استعمل في العرف بمعنى العلم. قوله: (وهي الغصنة) بكسر الغين المعجمة، وفتح الصاد المهملة جمع غصن كقرط وقرطة فضمير هي للأفنان إذا كانت جمع فن أو للفنن، وتأنيثه لتأنيث خبره، والأفنان ما دق، ولان من الأغصان كما قاله ابن الجوزي، وتفسيره بالأغصان كما في القاموس تسمح على عادة أهل اللغة في التعريف بالأعم، وفرع الشجرة ما قام على الساق من القضب الغليظة، وأطرافها هي أفنانها فمن قال إنه الغصنة تأنيث غصن بالضم فقد تعسف مع ما فيه من الركاكة الغنية عن البيان. قوله: (وتخصيصها) أي الأفنان مع أنها ذوات قضب، وأوراق وثمار إلى غير ذلك مما في الأشجار لأنّ في ذكرها ذكراً للأوراق، والثمار والظلال المقصودة بالذات على طريق أخصر، وأبلغ لأنه كناية كما في شروح الكشاف. قوله: (حيث شأؤوا في الأعالي
стр. 2875
والأسافل الخ) إشارة إلى فائدة قوله: يجريان، والقرينة عليه ما علم من وصف عيون الجنة فالقرينة خارجية وقوله: قيل الخ يعني أنهما سميا بهذين الاسمين، وسيأتي معناهما، وقوله: صنفان لأنّ الزوح يكون بمعنى الصنف كما مرّ، وقكئين مدح للخائفين يعني هو إمّا حال من قوله: خاف، وجمع رعاية لمعناه بعد الإفراد رعاية للفظه، وقيل: عامله محذوف أي يتنعمون متكثين ٦ والمراد بالمدح أنه منصوب باعني مقدراً لا أنه نعت مقطوع ولا منصوب على الاختصاص إذ لا وجه له، وقوله: لأنّ من خاف في معنى الجمع راجع للوجهين. قوله: (وجنى) اسم أو صفة مشبهة بمعنى المجني، وهو الثمر الذي يجني أي يؤخذ من أغصانه، وكسر الجيم لغة فيه، وقوله: فإنّ جنتان يدل على جنان لأنه يلزم من أنه لكل خائف جنتان أن
يكون فيها جنان، ويساتين كثيرة فلا حاجة إلى قول الفراء أنّ العرب توقع ضمير الجمع على المثنى كما في الأشباه، والنظائر النحوية. قوله: (أو فيما قيهما الخ) فضمير فيهن للبيوت، والقصور المفهومة من الجنتين أو للجنتين باعتبار ما فيهما مما ذكر كما هو المعروف في أمثاله في الدنيا، وقوله: أو في هذه الآلاء فضمير فيهن للألاء، والظرفية مجازية كما يقال للمتنعم هو في النعيم، وفي اللذات، والمجموع ظرف مجازيّ فلا يتوهم أنّ المناسب للفرس على لا في مع أنه غير مسلم، وقد قيل إنه شبه تمكنهم على الفرش بتمكن المظروف في الظرف، وإيثاره للأشعار بأنّ أكثر حالهم الاستقرار عليها، ولذا قيل: متكئين على فرس ولا يضرّه تقدّم ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ على ذكر الاتكاء على الرفوف فتأمّل. قوله: (نساء قصرن الخ) قال ابن رشيق في قول امرى القيس:
من القاصرات الطرف لو دلث محول من الذرّ فوق الأنف منها الأثرا
أراد بالقاصرات الطرف أنها منكسرة الجفن خافضة النظر غير متطلعة لما بعد، ولا ناظرة
لغير زوجها ويجوز أن يكون معناه أنّ طرف الناظر لا يتجاوزها كقول المتنبي: وخصرتثبت الأبصارفيه كأنّ عليه من حدق نطاقا
اص فاسم الفاعل مضاف لمفعوله، ومتعلق القصر محذوف للعلم به أي على أزواجهن أو المعنى قاصرات طرف غيرهن عن التجاوز لغيرهن. قوله: (لم يمس الانسيات الخ) ظاهر قوله: الإنسيات، والجنيات أنها زوجات لا حوريات، ولكنه سيصرّح بخلافه كما سيأتي، والطمث الجماع، وهو المراد بالمس، وأصله خروج الدم، ولذلك يقال: للحيض طمث، ثم أطلق على جماع الأبكار لما فيه من خروج الدم، ثم عم لكل جماع، وقد يقال: إنّ التعبير به ل! شارة إلى أنها توجد بكرا كلما جومعت وقوله: دليل على أنّ الجن يطمثون أي يحيضون، ويدخلون الجنة، ويجامعون فيها كالإنس لبقائهم فيها منعمين كبقاء المعذبين منهم في النار، وهو أصح الأقوال قال في الانتصاف: إنه ردّ على من زعم أن الجن المؤمنين لا ثواب لهم، وأنما جزاؤهم ترك العقوبة، وجعلهم ترابا اهـ كما قيل ذلك في سائر الحيوانات، وهذا هو القول الثاني، وقوله: بضم الميم هي لغة فيه، وما ذكره من الدليل يؤخذ من السياق، ومقام الامتنان. قوله:) وبياض البشرة وصفائهما) أي الوجنة، والبشرة وهذا بناء على أنّ المرجان
صغار اللؤلؤ فتخصيصه بالتشبيه به لأنه كما في الكشاف أنصحع لونا وبياضا من كباره قيل، ولا يخالفه قوله: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ﴾ [سورة الصافات، الآية: ٤٩] لأنّ بياضه مخالط لقليل من الصفرة، وهو أحسن ألوان الأبدان كما قالوه ثمة لجواز كون المشبهات بالمرجان غير المشبهات بالبيض، وفيه نظر فتأمّل. قوله: (لمن دونهم من أصحاب اليمين (قيده به لخروج من ليس من أصحاب اليمين عنها رأسا لكنهم دون هؤلاء في المرتبة، والخوف حينئذ أشذه إذ لا يخلو مؤمن من خوف ربه. قوله: (خضروان (في تهذيب الأزهري الدهمة السواد، وقيل: مد هامّة لشدة خضرتها، ويقال: اسودّت الخضرة إذا اشتدّت خضرتها اهـ، واليه أشار المصنف ﵀ بما ذكره، وقوله: تضربان إلى السواد أي تميل إليه لأنّ الشديد الخضرة كذلك، وقوله: وفيه أي، وفي وصفهما بأنهما مد هامّتان إشعار بما ذكره لأنّ الأشجار توصف بأنها ذوات أفنان كما أنّ النبات يوصف بالخضرة الشديدة فالاقتصار في كل منهما على أحد الأمرين مشعر بما ذكر، والتفاوت لأنّ الجنة الكثيرة الظلال، والثمار ليست كغيرها فلا وجه لما قيل: يكفي في تحفق الدهمة النبات، والرياحين ولا
следующие страницы →