Полный текст (3 156 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.
стр. 2906
وهو قادر عليه عادة، والخلاف عند الثافعية، وقوله: المظاهر عنها احترز به عن غيرها فإنه لو جامعها ناسيا لم يستأنف أيضاً، وقوله: خلافاً لأبي حنيفة لأنه اشترط فيه كونه قبل التماس نصاً فإذا تخلف شرطه انتقض فلم يعتذ به. قوله: (شبق) بفتح الشين المعجمة، والباء وبالقاف شدة اشتهاء الجماع بحيث لا تتمالك نفسه عن الصبر عنه وقوله: فإنه الخ تعليل لكون الشبق عذراً فإنه المحتاج للبيان، وقوله: أن يعدل أي عن الصوم للإطعام وفي نسخة أن يفدي أي بالإطعام، وقوله: لأجله الضمير للشبق وهو إشارة إلى الحديث المذكور في التفاسير. قوله:
(لأنه أقل ما قيل في الكفارات الخ) قيل: على قوله في الفطرة بتاء التأنيث أنه خطأ من الناسخ، والصواب أن يسقط الهاء، ويراد كفارة الفطر في رمضان، وأما صدقة الفطر فهي صاع عند الافعية، وهو خطأ منه فإنّ عبارة الشافعية هنا زكاة الفطر فلا احتمال لما ذكره، والذي أوقعه فيما وقع فيه قراءته لفظ جنسه بالجر، وهو مرفوع مبتدأ خبره المخرج في الفطرة يعني أنّ المجزئ للإطعام هنا من جنس ما يجزئ في زكاة الفطر وهو ما يقتاته الناس غالبا مما تجب فيه الزكاة كما فصلوه في كتبهم المعتبرة كالوجيز، وليس بيانا لمقداره كيلا كما توهم. قوله: (يعطي كل مسكين الخ) الصاع أربعة أمداد فنصفه مدان كما في شرح الهداية، وقوله: اكتفاء بذكره الخ لم يترك في الثاني اكتفاء بالأوّل لأنه يمكن وقوع التماس في أثنائه بخلاف العتق فلو لم يذكر معه ربما توهم أنّ تحريمه قبل الشروع فيه خاصة، ولا يبقى إلى التمام، وأما الإطعام فكالصيام كما قيل، وفيه نظر. قوله: (أو لجوازه في خلال الإطعام كما قال أبو حتيفة رضي الله تعالى عنه) فيه أنّ أبا حنيفة لم يقل بالجواز، وأنما قال إنه لو وقع في خلاله لم يستأنفه لأن النص فيه مطلق غير مقيد به كما في الإعتاق والصيام، والمطلق لا يحمل على المقيد عنده مطلقا، وأما الجواز من غير إثم فمنقول عن الثورفي، وغيره في كتاب الأحكام فلو قال! : لأنه لا يبطله كان أحسن. قوله: (ذلك البيان أو التعليم) بنصبهما لأنهما صفتان مفسرتان لاسم الإشارة، وهو مفعول به هنا كما صرح به بعيده فليس فيه إشارة إلى أنه مبتدأ حتى يتوهم أنه كان عليه أن يقول أو محله النصب لئلا ينافي أوّل كلامه آخره نعم هو صحيح أيضاً، وكأنه تركه لظهوره أو ذلك إشارة إلى الأحكام المشروعة فتأئل. قوله: (الذين لا يقبلونها) كقوله: ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٢٩] في الآية الأخرى فأطلق الكافر على متعدي الحدود تغليظا لزجره كما أنّ المراد بالكفر في قوله، ومن كفر فإنّ الله غنيّ عن العالمين بقرينة المقام من لم يطعه لا مقابل الإيمان، والكفر الحقيقي. قوله: (فإنّ كلاَ من المتعاديين الخ) بيان لوجه إطلاق المحادة على المعاداة بأنها مفاعلة من الحد لأنّ كلا من المتعاديين في حد غير حد
الآخر أي في وجهته كما يقال: هو حديد فلان إذا كانت أرضه إلى جنب أرضه في جهة حده كما قيل للمعاداة مشاقة لأن كلا منهما في شق غير شق الآخر، واليه أشار بقوله في حد الخ أو من الحدود بمعنى الأمور التي لا تتجاوز، وهم إمّا واضعون لحدود الكفر، وقوانينه كأئمة الكفر أو مختارون لها، واليه أشار بقوله: أو يضعون الخ، وتكلف بعضهم فجعل الوجوه هنا أربعة! قال الفاضل المحشي: وفيه وعيد عظيم للملوك، وأمراء السوء الذين وضعوا أموراً خلاف ما حذه الشرع، وسموها يسأ وقانونا، وقد صنف العارف بالله تعالى الشيخ بهاء الدين قدس الله روحه رسالة في كفر من يقول يعمل بالقانون، والشرع إذا قابل بينهما، وقد قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [سورة المائدة، الآية: ٣] وقد وصل الدين إلى مرتبة من الكمال لا تقبل التكميل وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل ولكن أين من يعقل ويسا بياء مثناة تحتية وسين مهملة وضع قانون للمعاملة، ويقال: يسق لفظ غير عربيئ. قوله:) أخزوا أو أهلكوا (الخزي التذليل، وعبارة المصنف في العطف بأو أحسن من عطفه بالواو كما في الكشاف، والكب الإلقاء على الوجه، وفوله: ما جاء به معطوف على صدق أو الرسول، والمراد بصدقه كونه من عند الله، وهذه العبارة أخصر من قول الزمخشري، وصحة ما جاء به، وأما ترجيح هذه بأنه ليس كل ما جاء به يوصف بالصدق فليس بشيء وقوله: يذهب عزهم الخ فهو مجاز إذ الإهانة لا تتصؤر منه. قوله: (منصوب بمهين (ولا وجه لنصبه بالكافرين إذ لا وجه لتخصيص كفرهم بذلك اليوم، وفوله: بإضمار اذكر أي باذكر المضمر على إضافة
стр. 2907
الصفة لموصوفها، وقوله: كلهم فهو للتأكيد، وإن انتصب على الحال كطرّ أو كافة، وقاطبة وغيرها من ألفاظ التوكيد، وقوله: أو مجتمعين فيكون حالاً غير مؤكدة، وقوله: تشهير الخ يعني المقصود من أخبارهم بما عملوه ما ذكر زيادة في خزيهم ونكالهم، والا فلا طائل تحته. قوله: (كلياً وجزئياً (يشير إلى ما يفيده الموصول من العموم ليكون على وفق قوله على كل شيء شهيد ودالاً عليه وانتصابه على الحالية أو المصدرية أي علماً كلياً الخ لا على الظرفية فإنه تعسف لا حاجة تدعو إليه. قوله: (ما يقع من تناجي ثلاثة الخ (يعني أنه مضارع كان التامة، ونجوى فاعله وهو
مصدر بمعنى التناجي، ومن مزيدة، وقوله: يقدر مضاف تقديره ذوي نجوى الخ ونحوه أو يؤوّل نجوى المصدر بمتناجين جمع متناج كالنجيّ، وفي القاموس النجوى السر والمسارون اسم ومصدر وعليه لا حاجة إلى التأويل وأنما أوّل ليتأتى استثناء قوله: إلا هو رابعهم من غير تكلف كما سيأتي، وعلى هذين الاحتمالين ثلاثة صفة للمضاف المقدر أو لنجوى المؤوّل بما ذكر أو الموضوع له، ويجوز أن يكون بدلاً أيضا. قوله: (واشتقاقها الخ) أي هي مأخوذة منها لأنّ السر بصونه عن الغير كأنه رفع من حضيض الظهور إلى أوج الخفاء على التشبيه، وأقرب منه قول الراغب لأنّ المتسارّين يخلوان بنجوة من الأرض أو هو من النجاة. قوله: (إلا الله (يجعلهم أربعة يعني أنّ الرابع لإضافته لغير مماثله هنا بمعنى الجاعل المصير أي يجعلهم أربعة، وقوله: والاستثناء الخ فهو استثناء مفرغ من أعمّ الأحوال أي ما يكعونون في حال الأحوال إلا في حال تصيير الله لهم أربعة. قوله:) نزلت في تناجي المنافق! ين الخ) ١١ (يعني، وكانوا على هذين العددين، وقوله: وتر الخ يعني فلذا ذكر العددين من الأوتار، وأما تخصيصهما فأشار إلى توجيهه بقوله، والثلاثة الخ فخصها لأنها أوّل وتر من الأعداد، وأما الواحد فليس بعدد كما تقرر في الحساب لأنهم عرّفوه بما ساوى نصف مجموع حاشيتيه، وليس له حاشيتان، وأيضاً هو لا يليق بالخلق أو لأنّ التناجي هنا للمشاورة، وأقله ما ذكر لما ذكر، وهذا إنما يعلم منه وجه ذكر الثلاثة دون الخمسة، وأما مناسبتها للثلاثة في الوترية فلا يفيد وجه التخصيص إلا إذا ضمّ إليه ما يخصصه ككونه أوّل مراتب ما فوقه فذكر المشار بهما للأقل، والأكثر ونحوه، وقوله: يتناجون فهو حال من فاعله أو فاعل متناجين المستتر فيه. قوله: (كالواحد) فإنه يناجي نفسه أيضاً فيكون معهم في السر والعلانية، وذلك إشارة إلى الثلاثة، والخمسة وهو المقصود بما ذكر، وقوله: على محل من نجوى لأنه فاعل، ومن زائدة فيه، وقوله: محل لا أدنى فيه تسمح لأنّ المحل لأدنى وحده، وهو الرفع لأنه مبتدأ قبل دخول لا عليه، وفيه نظر وجملة هو
معهم خبره، وعلى قراءة العامة بفتح راء أكثر هو مجرور بالفتح معطوف على لفظ نجوى أو مفتوح لأنّ لا لنفي الجنس فهو كلا حول، ولا قوّة إلا بالله على الوجوه فيه، وقوله: بان جعلت الخ أي لا مشبهة يليس، ولا مزيدة لتأكيد النفي كما في الوجه السابق. قوله: (فإنّ علمه الخ) إذ علمه، وسائر صفاته الذاتية لا تتفاوت بتفاوت الأسباب، ولذا عمّ علمه كما أشار إليه بقوله: فإنّ علمه الخ، وقوله: تفضيحاً الخ إشارة لما قدمناه، وقوله: بما هو إثم أوّله به لينتظم الكلام أي يتناجون بأمور يرونها، وهي إثم ووبال عليهم، وتعدّ على المؤمنين، وتواص بمخالفة النبيّ ﷺ وقوله: " فيقولون السام " هو بمعنى الموت عندهم بالعبرية أو دعاء بأن يسأموا دينهم فإذا سلموا عليه قالوه وأوهموا أنهم يقولون السلام، وأنعم صباحا هي تحية الجاهلية ويقال عم صباحا كما قال امرؤ القيس:
ألا عم صباحا أيها الطلل البالي
والكفار يكره بدؤهم بالسلام إلا لضرورة فإذا بدؤهم قيل في الردّ، وعليك كذا في كتاب الأحكام هنا، وقوله: وسلام على عباده الخ هو تفسير لما حياه الله به. قوله: (هلا يعذبنا الله بذلك) أي لو كان نبياً عذبنا الله بسبب ما قلناه في حقه، وعدل عن قوله في الكشاف ما له إن كان نبياً لا يدعو علينا حتى يعذبنا الله بما نقول فإنه لا دلالة في النظم عليه، وقوله: حسبهم الخ جواب من الله لهم، وقوله: جهنم هو المخصوص بالذم المقدر، وقوله: كما يفعله المنافقون فالخطاب لخلص المؤمنين، ولا بد أن يكون هذا
стр. 2908
تعريضا بالمنافقين إذ مثله لا يصدر عن المؤمنين، ولذا قدّم الزمخشري كونه خطاباً للمنافقين، وسماهم مؤمنين باعتبار ظاهر أحوالهم فلا وجه لترجيح مسلك المصنف، وقراءة تنتجوا تقدم معناها، وحمل التقوى على
اتقاء معصية الرسول بقرينة ما سبق، وقوله: فيما تأتون الخ متعلق باتقوا.
قوله: (أي النجوى بالإثم) فالتعريف فيها للعهد كما وقع في بعض النسخ هنا، واللام للعهد، والقرينة عليه ما بعده فلا ينافي كون النجوى تكون في الخير، وقوله: وتناجوا بالبر والتقوى قبله، وقوله: فإنه المزين الخ أي المزين لهذه النجوى المخصوصة بالشر. قوله: (بتوهمهم (متعلق بيحزن أي حزن المؤمنين بما يتوهمون من تناجي اليهوديين، والمنافقين وتغامزهم من أنه وقع بإخوانهم المؤمنين أمر كالهزيمة، والقتل أو متعلق قوله: بتوهمهم مقدر أي توهمهم لأمر عظيم نزل بالمسلمين لأن النجوى كانت في نكبة نزلت بالمسلمين، وأمر حل بهم كما في الكشاف كانوا يوهمون المؤمنين في نجواهم، وتغامزهم أنّ غزاتهم قتلوا، وأنّ أقاربهم قتلوا، وفي عبارة المصنف قصور مّا، ولذا قيل: لو أسقط اللام كان أحسن فإنّ القصور إنما جاء من زيادتها، وما قيل إنها دعامة زائدة وفهم القصور من قصور الفهم من التعصب البارد. قوله: (أو التناجي) بصيغة المصدر، وفي نسخة المتناجي والأولى أولى، وفي الكشاف تجويز أن يرجع الضمير للحزن، ولا غبار عليه لاً نه إذا قيل إنّ هذا الحزن لا يضرهم اندفع حزنهم فلا ينافي أنّ المقصود إزالة الحزن كما توهم، وقوله: إلا بمشيئته تقدم بيانه فتذكره. قوله: (افسح عني أي تنح) فالتفسح في المجلس تنحي الناس بعضهم عن بعض توسعة له، وهو ظاهر وارتباطه بما قبله لأنه لما نهى عن التناجي، والسرار علم منه الجلوس مع الملا فذكر آدابه بعده وقوله، والمراد الخ فيكون مطلقا شاملاً لكل مجلس فتعريفه للجنس أو المراد به مجلسه ﷺ فتعريفه للعهد فجمعه لتعدده باعتبار من يجلس معه فإنّ لكل أحد منهم مجلساً وقوله: يتضافون بالتشديد أي يتلاصقون وبه بمعنى فيه، والضمير للمجلس أو للرسول فالباء سببية. قوله: (فيما تريدون (متعلق بيفسح الله لكم والفسح في الرزق تكثيره، وفي الصدر إزالة ما يحصل به الغم، وضيق الصدر كناية عنه وغيرها كالقبر، وقوله: ارتفعوا في المجال!
أي اجلسوا في صدورها، وأعلاها فليس عن المجلس بأولى منه لأنه إنما يكون أولى إذا أريد محل جلوسه بخصوصه أما لو قصد مجموع النادي ففي أولى، وقوله: بضم الشين، وغيرهم قرأ. بالكسر وهما لغتان فيه، وقوله: وايوائهم غرف الجنان فالرفعة فيه حسية وفيما فبله معنوية، والجمع بينهما من عموم المجاز أو الجمع بين الحقيقة، والمجاز وهو جائز عنده قال الواحدي سبب نزول هذه الآية أنه ى! ر كان في الصفة يوم الجمعة فجاء ناس من أهل بدر، وكان يكرمهم وقد سبقوا فقاموا حيال النبيئ ﷺ على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم فلم يفسحوا لهم فشق ذلك عليه ﷺ فقال لبعض من حوله: " قم يا فلان، ويا فلان " فأقام نفرا مقدار من قدم فشق ذلك عليهم، وعرف كراهية ذلك في وجوههم، وقال المنافقون ما عدل بإقامة من أخذ مجلسه وأحب قربه لمن تأخر عن الحضور فأنزل الله هذه الآية. قوله: (ويرفع العلماء منهم خاصة) في الانتصاف في الجزاء برفع الدرجات مناسبة للعمل المأمور به، وهو التفسح في المجالس، وترك ما تنافسوا فيه من الجلوس في أرفعها، وأقربها من النبيّ ﷺ ، ثم خص أهل العلم ليسهل عليهم ترك ما عرفوا بالحرص عليه من رفعة المجالس وحبهم للتصدير، وهذا من مغيبات القرآن لما ظهر من هؤلاء في سائر الأعصار من التناف! في ذلك وفي كلامه إشارة إلى أنه من عطف الخاص على العام تعظيما له بعده كأنه جنس آخر كما في ملائكته وجبريل، ولذا أعاد الموصول في النظم، ويمكن اتحادهما فيكون من جعل تغاير الصفات بمنزلة تغاير الذات لأنّ المراد بالعلم علم ما لا بدّ منه من العقائد الحقة، والأعمال الصالحة، وتغايرهما بالذات على أنّ المراد بالمؤمنين من لم يصل لمرتبة هؤلاء، ولكل وجهة، وعلى الوجوه الثلاثة ليس فيه تقدير عامل للموصول الثاني إذ لا حاجة إليه، وقول المصنف، ويرفع العلماء الخ توضيح للمعنى لا إشارة للتقدير كما توهم، والتشبث بما روي عن ابن عباس ﵄ من ضيق العطن. قوله: (للعمل الخ) تعليل
стр. 2909
لقوله: مزيد رفعة، وقدمه عليه للاهتمام به وللحصر، وقوله: ولذلك أي لمزيد رفعته، وأنه لا ينفك عن العمل أو للاقتضاء المذكور لأنه لو لم يقارنه العمل لم يعتذ بأفعاله، وقوله: مع علو درجته، وفي نسخة
من علو درجته إشارة إلى أنّ شرفه الذاتي مقرّر لكن لا يقتدي بأهله ما لم يقارن العمل، ولو قال لعلو درجته أو بعلو درجته صح لكنه معنى آخر فتدبر، وقوله: في أفعاله لارتفاع شأنها لأنه يراعي حقوقها، ويتحفظ فيها بخلاف العابد غير العالم. قوله:) وفي الحديث الخ) هذا الحديث رواه عن أبي الدرداء ﵁ أصحاب السنن الأربعة، وأيراده هنا بيانا لرفعة العلماء على من سواهم لا لبيان العطف كما توهم، وفوله: تهديد الخ فيه إيماء لما مرّ من أنّ الخبرة العلم بالظاهر، والباطن فإنّ عدم الامتثال من الظواهر، والاستكراه أمر باطني. قوله: (فتصدّقوا تدّامها) أي قبل النجوى، وقوله: مستعار ممن له يدان يعني أنّ في قوله بين يدي نجواكم استعارة تمثيلية، وأصل التركيب يستعمل فيمن له يدان أو مكنية بتشبيه النجوى بالإنسان واثبات أليدين تخييل، وفي بين ترشيح ومعناه قبل، وقوله: وفي هذا الأمر أي أمر المؤمنين بالتمذق قبل مناجاته ومكالمته تعظيم له ﷺ بعد مناجاته أمراً عظيماً، ونعمة تقابل بالشكر، والتصدق وانفاع الفقراء أي فقراء الصحابة ﵃ أمر ظاهر إلا أنّ لفظ الإنفاع غير صحيح، وقد استعمله المصنف في مواضع من كتابه هذا، ولم يذكره أهل اللغة وكذا منتوج اسم مفعول إلا أنّ القياس لا يأباه كما في الملتقط والنهي، والمنع مأخوذ من إيجاب الصدقة على المناجي، وهي لا تتيسر في كل زمان فيلزم قلة المناجاة له وما عداه ظاهر، والمقصود بيان الحكمة في الأمر المذكور. قوله:) في أنه) أي الأمر بالتصدق قبل المناجاة، وقوله: لكنه
أي الوجوب، ونسخه بقوله: أشفقتم الخ لأنّ قوله: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ [سورة المجادلة، الآية: ١٣] فيه ترخيص في الترك كما سيأتي، وقيل: نسخت بآية الزكاة، وقوله: وهو وإن اتصل الخ جواب سؤال مقدر، وهو أنه كيف يكون ناسخا، وهو مقارن له والناسخ لا بدّ من تأخره عن المنسوخ، وسيأتي بيان مدة بقائه، وقوله: ما عمل بها أحد غيري لا يقتضي عدم امتثال غيره من الصحابة رضي االله عنهم لجواز أنهم لم يناجوه، ولم يبدؤه بالمكالمة قبل نسخها خصوصاً إذا ى شت المدة ساعة، واليه أشار بقوله، وعلى القول بالوجوب الخ، وقوله: فصرفته من الصرف المعروف أي بدله بدراهم الفضة ليتعدد إخراجه، وتصدقه منه منافسة في مكالمته ﷺ ، وقيل: إنه نسخ قبل العمل به بناء على جواز النسخ قبله، ولكونه خلاف الظاهر لم يتعرض له المصنف، وفيه خلاف لأهلى الأصول. قوله: (وأطهر أي لأنفسكم من الريبة الخ) الريبة بالراء المهملة والباء الموحدة كما في النسخ الصحيحة، والمراد به الشبهة الحاصلة من ترك سؤاله ىيخييه لئلا يتصدقوا وترك الصدقة لحب المال، وهذا أظهو من أن يخفى، والعجب ممن ظنه الزينة بالمعجمة والنون، وهو من بعض الظن، ومن ليست داخلة على المفضل عليه بل متعلقة بأطهر كما في طهرته من النجاسة، واشعاره بالندبية لأن التصدق إنما يكون خيرا من غيره، إذا لم يكن واجباً، وقوله: أدل على الوجوب لأنّ المغفرة تقتضي أنّ في الترك إثما وذنباً، وقوله: أدل ويشعر إشارة إلى أنه ليس دليلا تاما في كلا الجانبين أما الأوّل فلأنّ المفضل عليه غير مذكور فيحتمل غير الترك من المندوبات أو الواجبات للترغيب فيه، ولو حمل على الترك احتمل أنه على الفرض، والتقدير كما في قوله خير مستقرّا، وأما الثاني فلأنّ المغفرة لا تتعين أن تكون للمناجاة من غير تصدق. قوله: (أخفتم الفقر الخ (الأوّل على أنه محذوف، وهو الفقر، وقوله: أن تقدموا بتقدير لأنّ تقدموا فمن في قوله من تقديم الخ تعليلية، وقوله: أخفتم التقديم على أنّ أن تقدموا مفعول من غير تقدير، وخوف التقديم لما يترتب عليه من الفقر فهما بمعنى واحد، وقوله: جمع صدقات توجيه للعدول عن صدقة، وهو أخف وأخصر فإن كان بعضهم ترك المناجاة كما هو ظاهر ا! نظم فلا مخالفة فيه للأمر كما مرّ. قوله:) بأن رخص لكم الخ) متعلق بتاب، وضمير تفعلوا لما ذكر، وهو التصدق والمناجاة، وقوله: مما قام مقام توبتهم هو الانقياد وعدم خوف الفقر، وقوله: وإذ على بابها أي ظرف لما مضى، والمعنى أنكم تركتم ذلك فيما مضى فتداركوه بإقامة الصلاة الخ. كما قاله أبو البقاء، وقيل: إنها بمعنى
إذا الظرفية للمستقبل
стр. 2910
الشرطية كما في قوله: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ [سورة غافر، الآية: ٧١] وتفصيله في المغني أو هي بمعنى أن الشرطية، والفرق بينها وبين إذا معروف. قوله: (فلا تفزطوا في أدائهما) في الكشاف فلا تفرطوا في الصلاة، والزكاة وسائر الطاعات وفي قوله: سائر الطاعات إشارة إلى أنّ الصلاة، والزكاة لجمعهما بين العبادة البدنية، والمالية أريد بهما جميع الطاعات، والعبادات كما مرّ، وترك المصنف ﵀ له لأنّ قوله بعده، وأطيعوا الخ. مغن عنه، ويحتمل أن يكون تفسيراً له أيضا، وهو الظاهر قيل وهو إشارة إلى أنّ قوله: فأقيموا الخ جواب إذ لأنها بمعنى إذا أو أن، وقال: لا تفرّطوا لأنّ الإقامة توفيه حقها، وادامتها لا مجرّد إيقاعها، ولذا مدح بالإقامة فيما حث الله على توفية حقه كأقاموا الصلاة، وأقاموا التوراة والإنجيل وأقيموا الوزن وردّ بأنّ تشريكه في الكشاف بينهما، وبين سائر الطاعات، وقول المصنف رحمه الله تعالى في أدائهما بضمير التثنية يأباه إذ الإقامة مذكورة في الصلاة خاصة فتفسيره بالمنع عن التفريط إنما هو لما يلزمه من تحصيل الحاصل إذ المأمور مقيم للصلاة مؤدّ للزكاة فلذا أوّل الأمر بترك التقصير، والأدأء وقد يجاب عنه بأنه توجيه لما في النظم من العدول عن صلوا وزكوا الأخصر الأظهر بأنه أمر برعاية حقوقهما لا بأصل الفعل وبينه في الإقامة لأنه أظهر ويعلم منه الإيتاء لأنه وإن كان معناه لغة الإعطاء إلا أنه خص في القرآن بدفع الصدقة كما قاله الراغب فهو الإعطاء على وجه مقبول، وفيه نظر، وقيل: إنّ فيه إشعاراً بتسببه عن قوله: فإذ لم تفعلوا كأنه قيل فلما قصرتم في ذاك فلا تقصروا في هذا وعدم التفريط إنما أخذ من التفريع على السابق لأنّ فيه نوع تفسير وأورد عليه ما مرّ، وفيه ما فيه فتدبر، وأمّا كون التفريع على ترك الفعل لا على التقصير فيرده أنّ ترك الفعل عين التقصير فليس بشيء، وقوله: ظاهرا وباطناً مرّ تفسيره. قوله: (والوا) أي صادقوهم، واتخذوهم أولياء فوادّوهم، وهم أعداء الدين، ومته أخذ الرازي ﵀ كراهة نكاح الكتابيات، وقوله: ما هم الخ ضمير الغيبة الأوّل للذين تولوا والثاني راجع لقوله: قوما، وفي قوله: ألم تر تلوين للخطاب بصرفه عن المؤمنين إلى الرسول وكذا في قوله: منكم فإن كان غلب فيه خطاب الرسول فلا التفات فيه وكذا إن لم يغلب لأنه ليس فيه مخالفة لمقتضى الظاهر لسبق خطابهم قبله فمن قال فيه التفات لم يصب، وقد قيل: إنه على رأي السكاكي وفيه نظر وجملة ما هم الخ. استئناف لا حال من فاعل تولوا لعدم الواو ٤ وكونه بمعنى مذبذبين لا يفيد كما مرّ في الأعراف ويحلفون الخ عطف على هذه الجملة أو على
تولوا، والمضارع لتعدّد الحلف فتأمّل. قوله:) وفي هذا التقييد دليل الخ) أي تقييده بقوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ فيرد به مذهب النظام، والجاحظ إذ على مذهبهما لا حاجة إليه، وفيه بحث لأنه يجوز أن يراد بالكذب ما خالف اعتقادهم، وقوله: وهم يعلمون بمعنى يعلمون خلافه فيكون جملة حالية مؤكدة لا مقيدة وكون التأسيس أصلا لا يعينه. قوله: (وروي) معطوف على ما قبله بحسب المعنى كعطف القصة على القصة لا على قوله، وهو ادعاء الإسلام كما قيل، والكذب المحلوف عليه عدم شتمهم له مج! هـ، وقوله: كمن يحلف الخ لما كان حلفهم على الحال، والغموس على الماضي لم يجعلها غموساً وشبهها به، وأما قوله: عبد الفه بن نبتل فهو بفتح النون، وسكون الباء الموحدة، وبعدها تاء مثناة من فوق ولام، وهو كما في الإصابة عبد القه بن نبتل بن الحرث بن قيس إلى آخر نسبه أنصاريّ أوسيّ، وذكره ابن الكلبي والبلادري في المنافقين، وذكره أبو عبيد في الصحابة قال ابن حجر: فيحتمل أنه اطلع على أنه تاب، وأمّا الحديث المذكور هنا فقال إنه لم يقف عليه في كتب الحديث، وأمّا قوله: في القاموس عبد القه بن نبيل كأمير من المنافقين فلا أدري أهو هذا، واختلف في ضبط اسمه أو غيره. قوله: (تشتمني أنت وأصحابك) قيل فيه تغليب وليس من التغليب المعروف بل هو من قبيل: ﴿اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٣٥] وفيه كلام لا يسعه هذا المقام، وقوله: نوعا من العذاب متفاقما إشارة إلى أنّ التنوين للنوع ومتفاقما بمعنى عظيم شدّته. قوله: (فتمزنوا) أ! اتخذوه عادة، والفاء للتفسير لأنّ كان تفيد في مثله التكرار، وأنه معتاد لهم أو الفاء للتفريع إمّا باعتبار المجموع أو لأنّ التمزن وهو كونه صار جبلة لهم لا يفارقونها غير التكرار فلا وجه لما قيل من أنه لو حذفها كان أظهر وقوله، وقرئ بالكسر هي قراءة شاذة منسوبة للحسن، والعامّة قرؤ. بالفتح جمع يمين بمعنى القسم، وقوله
стр. 2911
الذي أظهروه لأنهم منافقون. قوله: (فصدّوا الناس) إشارة إلى أنه متعد مفعوله محذوف، وهو الناس وقوله: في خلال أمنهم الضمير إمّا للمنافقين أو للناس لأنهم إنما يأتون، وهؤلاء
إنما يصدون في زمان الأمن واطمئنان المسلمين لكون النبيّ لمجت ليس مجاهدا، وقيل: إنه إشارة إلى أنّ المؤمن كسالك طريقاً لمقصوده آمنا، والتحريش الإغراء، والمراد إغراؤهم على المؤمنين لأذاهم، والتثبيط التعويق عن الدخول في الإسلام لمن أراده بتنفيره عنه، وقوله: وهذا عذاب الآخرة بقرينة، وصفه بالإهانة المقتضية للظهور فلا تكرار حينئذ، وقوله: سبق مثله يعني في سورة آل عمران، وقد سبق الكلام عليه أيضاً فمن أراده فلينظر.. قوله: (يوم يبعثهم الله الخ) تقدّم الكلام عليه، وقوله: تروج الكذب على الله بناء على جواز الكذب منهم في الآخرة وقد سبق الكلام فيه، وقوله: البالغون الخ أخذه من أن وتعريف الطرفين، واسمية الضمير المصدّر بإلا، وقوله: يحلفون عليه أي على الكذب له تعالى. قوله: (استولى عليهم) أي غلب على عقولهم بوسوسته، وتزيينه حتى اتبعوه فكان مستوليا عليهم، وقوله: من حذت الإبل، وأحذتها بالذال فيهما يعني أنه في الأصل بمعنى السوق، والجمع ثم أطلق على الاستيلاء، وورد من الثلاثي، والأفعال بمعنى كما في القاموس الحوذ الحوط، والسوق السريع كالأحواذ اهـ، ومن قال فيه إنه حذتها، وحزتها على أن الأوّل بالذال، والثاني بالزاي، والاشتقاق منه أكبر لم يصب، وفي بعض النسخ حذتها، وحذتها كقلتها رخفتها إشارة إلى أنّ ثلاثيه ورد من بابين كما ذكره الزجاج، وهو أقرب إلى الصواب مما غرّه، وأوقعه فيه غلط الكتاب. قوله: (وهو) أي استحوذ مما جاء على الأصل في عدم إعلاله على القياس إذ قياسه استحاذ كما سمع فيه قليلا فجاء مخالفا للقياس كاستنوق، وأخواته وإن وافق الاستعمال المشهور فيه، ولذا لم يخل استعماله بالفصاحة كما في شروح التلخيص، وقوله: لا يذكرونه الخ. فعدم الذكر اللساني كناية عن لازمه القلبي فلا يرد عليه أنّ الذكر باللسان غير الذكر بالجنان فكيف يراد اًن بلفظ واحد مع أنّ الخطب فيه يسير، وقوله: لأنهم فوتوا الخ. يعني أنّ الحصر لأن ما عداه كلا خسر لما ذكره،
وقوله: في جملة الخ يعني أنهم معدودون منهم، وهذا أبلغ من أولئك أذلون كما مرّ تحقيقه، وقوله: أذل خلق الله لأنّ تقديره أذل من كل شيء ذليل لاقتضاء مقام الذم العموم. قوله: (بالحجة) إنما قيد. به، ولم يقل وبالسيف لاطراد غلبة الحجة، وقوّتها بخلافه فإنّ الحرب سجال، ولو قدّر. لم يتخلف أبدا فيلزم الخلف هنا في خبره تعالى، وقوله: لا ينبغي أن تجدهم الخ. يعني أنّ المراد من نفي وجدانه لهؤلاء أنه لا يليق به ذلك الوجدان لأنّ المودّة والوجدان قد وقعا فلو أبقى على ظاهره لزم الكذب فيه إلا أن يراد لا تجد قوما كاملي الإيمان على هذه الحال نالنفي حينئذ باق على حقيقته، ولما كان عدم لياقة فعل الغير به مما لا وجه له أوّل هذا بأنه لا ينبغي لهم أن يوادّوهم فهو كناية عما ذكر بواسطة، وهي أبلغ أو جعل ما لا يليق كالعدم لمشاركته له في عدم الاعتداد به، وقوله: وادّين إشارة إلى أنّ المضارع لحكاية الحال الماضية، وأنه مما صدر عنهم، وثبت لا مما يثبت في المستقبل. قوله: (ولو كان المحادّون الخ) يعني ليس المراد بمن ذكر خصوصهم، وأنما المراد الأقرب مطلقاً لكه قدم الآباء لأنه يجب طاعتهم على أبنائهم، وثني بالأبناء لأنهم أعلق بهم لكونهم أكبادهم، وثلث بالإخوان لأنهم الناصرون لهم، وختم بالعشيرة لأنّ الاعتماد عليهم. قوله: (أثبته فيها الخ الما كان الشيء يراد أوّلاً ثم يقال، ثم يكتب عبر عن المبدأ بالمنتهى للتأكيد، والمبالغة فيه، وقوله. فإنّ جزء الثابت في القلب الخ هو بديهيّ غير محتاج إلى ترتيب قياس من الشكل الثاني كما قيل. قوله: (من عند الله) فمن ابتدائية داخلة على الفاعل الموجد له إذا ابتداؤ. منه، ونور القلب ما سماه الأطباء روحا، وهو الشعاع اللطيف المتكوّن في القلب، وبه الإدراك فالروح حقيقة على هذا، وإن أريد به القرآن، وما بعد. فهو استعارة تصريحية، وقوله: فانه سبب لحياة القلب إشارة إلى أنّ الروح على هذا بمعنى الإيمان، وأنه على التجريد البديعي فمن بيانية أو ابتدائية على
الخلاف فيها، وقوله: بخير الدارين من الإطلاق المفيد للعموم، وقوله: عن النبيّ ﷺ هو موضوع اللهمّ اجعلنا ممن كتبته في حزبك المفلحين ببركة القرآن المبين
стр. 2912
وببركة سيد المرسلين ﷺ ، وصحبه أجمعين.
سورة الحشر
وتسمى سورة النضير لما سيأتي وهي مدنية، وآيها أربع، وعشرون بلا خلاف.
بسم الله الرحمن الرحبم
قوله: (روي الخ) هذا الحديث أصله في السير إلا أنه ليس بهذا اللفظ قال ابن حجر:
لم يوجد مسنداً في كتب الحديث المعتبرة، وفيه مخالفة لما ثبت في الرواية كما سنبينه لك، وبنو النضير بوزن أمير قوم من يهود خيبر معروفون، وكذا بنو قريظة وهم من نسل هارون وجدّهم كان كاهناً، ولذا لقب الحيان بالكاهنين، وقيل: إنهم نزلوا في فتنة من بني إسرائيل ثمة لانتظار بعثة النبيّ في لتبشير كاهنهم به، وقوله: ظهر بمعنى غلب، وانتشر صيته، وقوله: ارتابوا أي في كونه إياه، وقوله ة نكثوا أي نقضوا صلحه، وكعب بن الأشرف رجل من بني نبهان من طيئ، وأمّه من بني النضير، وكان شاعراً أكثر من أذية المسلمين، وهجائهم والإغراء بهم، ولذا أمر النبيّ ﷺ بقتله، ومحالفة أبي سفيان على اتحادهم في محاربته وأضراره وأخو كعب رضاعاً ليس هو محمد بن مسلمة بفتح الميم الأنصاريّ كما توهم بل هو سلكان بن سلامة بن وقشي، وهو أحد الخمسة الذين باشروا قتله كما فصله ابن سيد الناس في سيرته، والغيلة بكسر الغين المعجمة قتل الرجل بحيلة، وخدعة يخفيها، ويظهر أنه لا يريد قتله. قوله: (ثم صيحهم بالكتائب الخ) ظاهره أنه عقب قتل كعب، وليس كذلك فإنّ قتل كعب كان قبل أحد، وهذا بعدها بأشهر على ما فصل في السير، والحيرة بكسر الحاء المهملة اسم بلدة معروفة. قوله: (في أوّل حشرهم من جزيرة العرب الخ) أي إخراجهم منها، وهو إشارة إلى أنّ اللام في قوله: لأوّل الحشر لام التوقيت كالتي في قولهم كتبته لعشر خلون، ونحوه ومآلها إلى
معنى في الظرفية لكنهم لم يقولوا إنها بمعنى في إشارة إلى أنقا لم تخرح عن أصل معناها، وأنها للاختصاص لأنّ ما وقع في وقت اختص به دون غيره من الأوقات، ويل: إنها للتعليل، وقوله: من جزيرة العرب الخ. هذا قيد لبيان الواقع لا للاحتراز حتى يتوهم أنّ لهم حشراً من غيرها كحشرهم من الشام إلى أرض العرب فيعترض عليه بأنه كان باختيارهم، والأول مقابل للآخر لأنه أوّل إخراج وقع لهم في الإسلام أو لا يلزم أنّ تعتبو فيه المقابلة، وجزيرة العرب معظم ديارهم المعروفة من اليمن إلى الشام، والعراق، وسميت جزيرة لأنها بين البحر الهندي، وبحر الثأم، ودجلة والفرات، وتعيينها مذكور في تحديد البلدان، وتقويم الأقاليم. قوله: (إذ لم يصبهم هذا الخ) توجيه لكونه أوّل، وقوله: أو في أول حشرهم للقتال فالمراد بالحشر جمع أهل الكتاب للمقاتلة مع المسلمين فإنهم لم يجتمعوا له قبله، وهذا إمّا بناء على وقوع قتال منهم أو جمعهم له، وتهيؤهم لا يلزمه الوقوع فلا ينافي قوله: وقذف في قلوبهم الرعب، وما في الكشاف من أنّ المراد حشر الرسول، والمؤمنين لقتالهم لأنه أوّل قتال للمسلمين مع أهل الكتاب فوجه آخر تركه المصنف ﵀ لأنّ النبيّ ﷺ لم يعزم على القتال، ولذا ركب حماراً مخطوما بليف لعدم المبالاة بهم فلا وجه لما قيل إنه الظاهر فتدبر. قوله: (أو الجلاء إلى الشام) هذا بناء على أنه لم يقع منهم قتال، وقيل: إنه اعتبر الأوّلية، والآخرية بالنسبة إلى منتهى الجلاء، ويمكن اعتبار مبدئه من أرض العرب، وفيه نظر، وقوله: هناك يعني بالشام فإنها أرض المحشر كما روي عن عكرمة وغيره، وفاعل يدركهم ضمير القيام. قوله: (أو في أوّل حشر الناس) فتعريف الحشر على هذا للجنس، وعلى ما قبله للعهد واعتبار خصوص المحشورين، وقوله: أو إنّ ناراً الخ هو من أشراط الساعة، وهذا بيان لآخر حشرهم فهو معطوف على قوله: إنهم يحشرون، وأوّله حينئذ حشر الناس من غير تعيين لكن المقصود به ما مرّ أيضاً فتأمّل. قوله: (إخراج جمع) سواء كان من الناس لحرب أو لا فالمشروط فيه كون.
المحشور جمعا من ذوي الأرواح لا غير، وقوله: منعتهم بفتحتين مصدر أو جمع مانع كما مرّ وقوله، وظنوا الخ. أي ظنا قويا بقرينة السياق لا لأنّ أن إنما يعمل فيها ما يدل على علم أو يقين كما توهم مع
стр. 2913
أنه من التزام ما لا يلزم، وقوله: من بأس الله ففيه مضاف مقدر. قوله: (وتغيير النظم الخ) أي كان الظاهر أن يقال: ظنوا أنّ حصونهم مانعتهم أو تمنعهم فعبر عما ذكر لما ذكر، وهذا بناء على أنّ مانعتهم خبر مقدم وحصونهم مبتدأ مؤخر، والجملة خبر أنّ، وفيه وجوه أخر ستأتي، وقوله: للدلالة الخ يعني لما في التقديم من الاختصاص، وما في نصب ضميرهم اسماً لأنّ من التقوّى تأتي الدلالة على ما ذكر كما قيل، وفيه نظر فإن قلت كيف دل أنهم مانعتهم حصونهم على التقوّي، وليس كزيد عرف في تكرّر الإسناد قلت: تكرر الإسناد كما يكون بتكرّر المسند إليه يكون بغيره كما تحوّل ضربت زيدا لزيداً ضربت، ثم تقول زيد ضربته قال ابن جني: قدّموا المفعول لأنه المقصود فاعتنوا به، ولم يقنعوا بذلك حتى أزالوه عن الفضلة، وجعلوه رب الجملة فرفعو. بالابتداء وصيروا جملة ضربته ذيلاً له، وفضلة ملحقة به كذا قال الشارح الطيبي: وهو مخالف للمنقول، والمعقول أمّا الأوّل فلأن السكاكي، والخطيب اشترطوا فيه أن يكون فاعلا معنويا، وأما الثاني فلأنّ زيداً لم يتكرر الإسناد إليه في مثاله إلا أن يراد بالإسناد النسبة، ولم يجدي نفعاً، وما ذكره من كلام ابن جني لا يفيده أصلاً فتأمّل. قوله: (ويجورّ أن تكون حصونهم فاعلاَ لمانعتهم الاعتماده على المبتدأ وقد كان خبرا مقدماً ولم يذكر كونه مبتدأ خبره حصونهم لما فيه من الأخبار عن النكرة بالمعرفة إن كانت إضافته لفظية، والا بان يقصد استمرإر المنع فلأنّ المعنى ليس عليه، وكون هذا الوجه أقوى بحسب العربية غير مسلم، وأما تقدّم الخبر المشتق على المبتدأ المحتمل للفاعلية فلا يمتنع كالفعل، وقد صرّج به النحاة، والخلاف في مثله لا يلتفت إليه وتفصيل المسألة في حواشي التسهيل. قوله: (أي عذابه الخ) ففيه مضاف مقدر على الوجهين إمّا العذاب أو النصر، ومرض الثاني لما فيه من البعد بسبب التفكيك، وعلى الأخير فالمفعول محذوف لتعديه لاثنين وقوله العذاب أو النصر لف ونشر على الوجهين، وقوله: لقوّة وثوقهم على الوجه الأوّل هو متعلق بلم يحتسبوا، ويحتمل أنه على الثاني متعلق بأتاهم فيجري عليهم فتدبر. قوله: (وأثبت فيها الخوف) أصل القذف الرمي بقوّة أو من بعيد، وأما اقتضاؤه لثبوت ما رمى فكأنه من العرف كما في قوله:
لدي أسد شاكي السلاح مقذف
أي رمى بحلم ثبت فيه فليس ذكر القذف مستغنى عنه والرعب الخوف الشديد لأنه يتصوّر فيه أنه ملأ القلب من قولهم رعبت الحوض إذا ملأته، وقوله: آلاتها جمع آلة، وهي الخشب والعمد وكل منهما صحيح هنا، وأما الآلة بالمعنى المعروف فغير مراد هنا. قوله: (وعطفها على أيديهم الخ) يعنى أيدي المؤمنين ليست آلة لليهود في تخريبهم لبيوتهم، وإنما الآلة أيديهم أنفسهم لكن لما كان تخريب أيدي المؤمنين بسبب أمر اليهود كان التخريب بأيدي المؤمنين كأنه صادر عنهم فقوله: يخربون حينئذ إما من الجمع بين الحقيقة، والمجاز أو من عموم المجاز كما لا يخفى، وقوله: نكاية أي فعل المؤمنين لأجل النكاية، وهي فعل ما يغيظهم أشدّ الغيظ، وقوله: عن بغضهم الضمير لليهود أي صادر عن عداوتهم للمؤمنين. قوله: (أو تفسير للرعب) فالجملة تفسيرية لا محل لها من الإعراب، وعلى الحالية من ضمير قلوبهم هي في محل نصب، ويجوز أن تكون مستأنفة جواباً عن سؤال تقديره فما حالهم بعد الرعب أو معه، والتفسير باذء، ء الاتحاد لأنّ ما فعلوه يدل على رعبهم إذ لولا خوفهم ما خرّبوها فلا غبار عليه كما يتوهم، وقوله: التكثير في الفعل أو المفعول، ويجوز أن يكون في الفاعل، وقوله: التعطيل الخ فهو ما يكون بعد الهدم فيكون الإخراب أثر التخريب. قوله: (فلا تغدروا) كما غدر بنو النضير، ولا تعتمدوا على غير الله كما اعتمد هؤلاء على حصونهم إشارة لوجه تفرّعه على ما قبله، وقوله: استدل به المستدل به أكثر أهل الأصول كما هو مسطور فيها حيث قالوا: إنا مكلفون بالقياس سمعا لهذه الآية فإنا أمرنا بالاعتبار، والاعتبار ردّ الشيء إلى نظيره بأن يحكم عليه بحكمه، ولذا سمي الأصل الذي تردّ إليه النظائر عبرة، وهذا يشمل الاتعاظ، والقياس العقلي والشرعي، وسوق الآية للاتعاظ فتدل عليه عبارة وعلى القياس إشارة فلا ينافي كونه دليلاَ على حجية القياس قوله: فاتعظوا، واليه أشار بقوله: من حيث إنه الخ، وفي التعبير بالمجاوزة إشارة إلى أنّ الاعتبار من العبور والحال الأولى هي حال الشيء الذي صار عبرة كحال بني النضير في غدرهم، واعتمادهم على غير الله
стр. 2914
الصائرة سبباً لتخريب بلدانهم، ومفارقة أوطانهم فيتجاوز من هذه الحال إلى حال أخرى وهي حال المعتبر المتعظ إذا غدر فإنها تفضي به إلى نية ما أفضت الحال الأولى، وقوله: وحملها بالجرّ معطوف على المجاوزة والضمير لحال الثانية، وقوله: عليها الضمير لحال الأولى، وقوله: في حكم هو
العقاب المترتب على الغدر، وقوله: من المشاركة أي في جنس النوعين، وضمير له للحكم المذكور، والمراد بالكتب الأصولية المنهاج ومتعلقاته. قوله تعالى: ( ﴿وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اللَّهُ﴾ الخ) أن مصدرية لا مخففة، واسمها ضمير شان كما توهم، وقد صرّح به الرضي، وقوله: في الكشاف إنه كتب الخ تصوير للمعنى، وهو الذي غر من قال بعدم المصدرية هنا وقوله: استئناف لم يجعلها حالية لأنها تحتاج للتأويل لعدم المقارنة، وقوله: حاق بهم أي نزل بهم وهو الجلاء والتخريب، وما هو معد لهم عذاب الآخرة. قوله: (من نخلة) فهي أي اللينة بمعنى النخلة مطلقاً وهو أحد الأقوال فيها، وقيل الفحل منها، وقيل: ما عدا العجوة والبرنية، وهما أجوده، وقيل: أجوده مطلقاً ومعناه النخلة الكريمة، وقطع الكريمة لغيظهم، وقطع غيرها لإبقاء الأحسن للمسلمين، ولذا جعل القطع، والترك جاريا على وفق مراد الله، وقد صرّح به في الأثر، وقوله: وجمعها أليان، وفي نسخة ليان فعال، وعليه قوله:
وسالفة كسحوق الليان أضرّم فيه القوي السعر
وفي أخرى لين كما في الكشاف. قوله: (الضمير لما) وهي اسم شرط هنا كما صرّح به المعربون كما أشار إليه المصنف فأيّ في كلامه شرطية لا موصولة كما قيل، ولذا قدر الزمخشريّ فقطعها لإذن الله ليكون الجواب جملة، وقوله: وقرى أصلها يعني بضمتين، وأصله أصولها أو هو كرهن بضمتين من غير حذف وتخفيف، وقوله: فبأمره فالإذن مجاز عن الأمر، وقد يجعل مجازا عن الإرادة، والمشيئة كما مر، والمراد بأمر الله ظاهره أو أمر الرسول بأمر الله. قوله: (أي وفعلتم أو وأذن لكم في القطع) تقدم الكلام في أمثاله، وأنه يقدر له متعلق معلل معطوف على ما قبله أو يحذف علة ما قبله ويعطف هذا عليه فالتقدير ما ذكره أو فب! ذن الله ليعز المؤمنين وينصرهم، ويجوز أن يعطف على قوله بإذن الله إذ تعطف العلة على السبب كما ذهب إليه الزمخشري في قوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ٦٦ ا] فلا حاجة إلى الحذف فيه كما مر ومفعول فعلتم مقدّر بقرينة ما بعده أي فعلتم القطع أو يجعل عاما أي كل ما فعلتم، وتخصيص الأذن بالقطع لأنّ
الإخزاء فيه أظهر، وقوله: بإذن الله متعلق بكلا الفعلين من القطع، والترك لا بالقطع وحده كما في الكشاف قال في الانتصاف الظاهر أن الأذن عامّ في القطع، والترك لأنه جواب الثرط المضمن لهما جميعا ويكون التعليل بإخزاء الفا- سقيبن لهما جميعا فإنّ القطع يخزيهم بذهابها، والترك يخزيهم ببقائها للمسلمين. قوله: (على فسقهم) لأنّ التعليق بالمشتق يقتضي أنّ مأخذ الاشتقاق عله للحكم كما تقرّر في الأصول، وقوله: ليخزيهم إشارة إلى أنه من وضع الظاهر موضع المضمر لما ذكر، وقوله: واستدل به ال! خ أي استدل الفقهاء بهذه الآية، وهذه القصة، وفيه تفصيل في كتب الفقه، والحاصل أنه إن علم بقاؤها في يد أهل الحرب فالتخريب والتحرلق أولى، والا فالإبقاء أولى ما لم يتضمن مصلحة. قوله: (فما بال قطع النخل وتحريقيا) لم يتعرّض في النظم للتحريق لأنه في معنى القطع فاكتفى به عنه، وأما التعرض للترك مع أنه ليس بفساد فلتقرير عدم كون القطع. فسادا لنظمه في سلك ما ليس بفساد إيذانا بتساويهما قي عدم الإفساد، ومن لم يقف على ما فيه من المزية قال الترك يصدق ببقائها مغروسة أو مقطوعة، ولذا قال قائمة، ولم يدر أن العطف بأو يأباه، ولما ذكرناه من نكتة التعرض للترك قدره الزمخشريّ فقطعها بإذن الله فخصى القطع بالذكر مع وجوب كون المحذوف صن الجزاء عبارة عن القطع، والترك كليهما لتضمن الشرط لهما للإشعار بأنه المقصود بالييان والتعرّض للترك إنما هو لنكتة سنية تناسب المقام ذهبت على من قال ما قال، وماذا بعد الحق، إلا الضلال. قنوله: (وما أعاده عليه الخ) فالفيء، والغيئة الرجوع إلى حالة محمودة قاله تعالى: ﴿فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [سورة الحجرات، الآية: ٩] ومنه فاء الظل، والفيء لا يقال إلا للراجع منه، وقيل: للغنيمة التي لا يلحقها مشقة فيء قال بعضهم تشبيهاً له بالظل لأنه عرضى زائل قاله الراغب، والمصنف أشار بقوله: أعاده الخ إلى أنه إمّا بمعنى الصيرورة أو بمعنى الرد
стр. 2915
لما ذكره، وهو معنى آخر غير ما ذكره الراغب، وأشاو بقوله، وما أعاده إلى أت ما موصولة، ويجوز كونها شرطية فما أوجفتم الخ خبر أو جواب وردّه معطوف على صيره، وتعديته بعلى لما فيه من معنى الردّ أو إبقاء له على أصله فلا تكلف فيه عليهما كما قيل. قوله: (فهو جدير بأن يكون للمطيعين) ظاهره أنه غير مخصوص به ﷺ كما قيل، ومن
خصه به قال هو رأس المطيعين فهو أحق به فتأمّل. قوله: (او من الكفرة الخ) المراد مطلق الكفرة يعني بني النضير، وغيرهم أو المراد ما عدا بني النضير بناء على أنّ أموالهم كانت صفيا خالصاً له ﷺ من غير تخميس لكنه يتصرف فيها ما يشاء، وما عداها يخمس، وقيل: إنّ الغنائم كانت محرّمة على الأمم قبلنا ثم أحلت للنبيّ ﷺ خاصة، ثم نسخ ذلك بالتخميس، وفي الأحاديث الصحيحة ما يؤيده، ومن في قوله من خيل مقحمة صلة هنا، وقوله: فما أجريتم الخ. فالمراد ما حصل بلا قتال وقوله: كما غلب الراكب الخ. فلا يقال: راكب لمن كان على فرس أو حمار، ونحوه بل يقال: فارس، ونحوه وهذا باعتبار الأكثر الفصيح، وهو عام لغير. وضعاً. قوله: (وذلك) أي عدم أعمال الخيل، والركاب لأنها كانت قريبة جدّاً من المدينة، ولم يقع فيها من القتال إلا شيء يسير لم يعتدى به فجعل هو، والمحاصرة كالعدم، وقوله: ولذلك أي لقربها من المدينة، وعدم القتال الشديد فيها لم يعط الأنصار لأنهم أهل المدينة في الحقيقة فلا مشقة عليهم في ذلك أصلاً، وأمّا المهاجرون فلكونهم غرباء نزلت غربتهم منزلة السفر، والجهاد. قوله: (إلا ثلانة كانت بهم حاجة (أي كانوا فقراء فيهم احتياح شديد فخصهم بما أعطاهم، والثلاثة كما في الكشاف أبو دجانة سماك وسهل بن حنيف، والحرث بن الصمة، والذي في السير كما في سيرة ابن سيد الناس أنهما اثنان بدون ذكر الحرث، وأنه أعطى سعد بن معاذ سيفاً لابن أبي الحقيق كان له ذكر عندهم. قوله: (بقذف الرعب في قلوبهم) خصه لأنّ ذكره عقب كونه ليس بأعمال المراكب، والقتال اقتضى ذلك، وقوله: بالوسايط الظاهرة كالجنود والقتال، وغير الظاهرة كالرعب، وقوله: بيان للأوّل أي لقوله: ﴿مِمَّا أَفَاء اللَّهُ﴾ السابق، ولكونه بيانا له لم يعطف عليه لثذة الاتصال بينهما كما تقرّر في المعاني فلا حاجة إلى جعله معطوفا عليه بترك العاطف كما قيل لأنه مخالف للقياس لا يرتكب مثله من غير ضرورة داعية له. قوله: (لظاهر الآية) التي نحن فيها إذ ذكر فيها ستة وصرفه سهم
الله لما ذكر لشذة اختصاصها بالله، وصرفها إلى العساكر هو الأصح عند الشافعية، وقوله: والآن على الخلاف المذكور يعني في التخميس كما ذكره المصنف آنفاً، وفي نسخة على خلاف المذكور يعني أخيرا لأنه للغزاة، والعساكر. قوله: (أي الفيء) فالضمير راجع على مصدر ما أفاء، وقوله: حقه أن يكون للفقراء مأخوذ من السياق، وتعليل التقسيم بنفي دولة الأغنياء، وقوله: ويدور الخ تفسير لقوله يتداوله الأغنياء، وقوله: كما كان في الجاهلية من أخذ الرؤساء، والأغنياء الغنائم دون الفقراء، وهو معمول ليتداول أو يدور أو ليكون في النظم، وق! وله: وقرئ دولة أي بالفتح، وقوله: ذا تداول لأنه مصدر ومثله يقدر فيه المضاف إن لم يتجوّز فيه ولم يقصد المبالغة. قوله: (أو أخذه غلبة تكون بينهم) تفسير آخر للدولة معطوف على قوله: ما يتداوله فالدولة إما الأموال الدائرة بينهم أو أخذة القهر والغلبة، وقوله: أي كيلا يقع دولة جاهلية تفسير لقوله: بين الأغنياء منكم كما مر. قوله: (وما أعطاكم من الفيء) فآني بالمد بمعنى أعطى، والمراد ما أعطى من الفيء لأنّ المقام يعينه، ويخصه به وقال الراغب الإيتاء مخصوص بدفع الصدقة في القرآن، ولذا قدمه المصنف فليس ما بعده أولى كما توهم، وقوله: أو من الأمر واحد الأمور فيعم الفيء، وغيره أو الأوامر لمقابلة قوله، وما نهاكم له لكن الأوّل أقرب لأنه لا يقال أعطاه الأمر بمعنى أمره إلا بتكلف كما لا يخفى إلا أنّ ما بعده من قوله: واجب الإطاعة يقتضي أنّ الثاني هو المراد. قوله: (لأنه حلال لكم الف، ونشر مرتب فهذا على أنّ المراد بما آتاهم الفيء، وقوله: فتمسكوا به على أنّ المراد الأمر، وكذا قوله عن أخذه الخ، والعجب ممن ذكر هذا هنا مع تفسير الأمر بما مر فلا يخفى ما فيه من التخليط. قوله: (بدل من لذي القربى الخ الا من الجميع فإنّ الرسول لا يسمى فقيرا، وقوله: ﴿وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ بعده يأبى دخوله فيهم أيضاً إباء ظاهراً، وما اشتهر من قوله ﷺ :
" لفقر فخري " (١١ لا أصل له، وكيف يتوهم مثله-، والدنيا
стр. 2916
كلها لا تساوي جناج بعوضه عند الله وهو أحب خلقه إليه حتى قال بعض العارفين: ولا يقال له ﷺ زاهد لأنه تارك الدنيا، وهو لا يتوج! هـ إبحا! فضلاً عن طلبها اللازم لمحلترك فعليك بإمعان النظر في علوّ فقامه ﷺ ، وما خصه الله به من إكرامه. قوله: (ومن أعطى- أغنياء ذوي القربى) كالشافعي وقوله: خصص الأبدال الخ لأنهم لا يشترط فيهم الفقر عنده أو يخص؟ الفيء المذكور! نا بفيء بني النضير، وهو لم يعط الأغنياء منه مطلقاً وأبو حنيفة اشترط الفقر في ذوي القربى فجعله بدلاً منه وتفصيله في الأصول- وكتب الفزوع، وشروح الكشاف مخانظبره، وقوله: وأخذوا أمبرالهم إشارة إلى أنّ قوله، وأموالهم كقوله: ﴿تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ [سورة الحشر، الآية: ٩] وقوله: مقيدة لإخراجهم إشارة إلى أنه حال من نائب الفاعل، وما يوجب تفخيم شأنهم لأنّ مفارقة الديار، والأموال تقتضي الحزن، واليأس، وهذا يقتضي توكلهم التام، والرضا بما قدره الله. قوله: (الذين ظهر صدقهم الخ) تصحيح للحصر الذي يدل عليه توسط الفصل، وتعريف الخبر بأنّ المراد من ظهر صدقهم في إيمانهم لأنّ ابتغاء الفضل، والرضوان مع الإخراج من الأموال، والأوطان مما يظهر إيمانهم ظهوراً ليس لغيرهم ممن صدق، وآمن. قوله: (عطف على المهاجرين) لاشتراكهم في أنهم يعطون من الفيء لفقرهم،. واستحقاقهم، وقوله: والمراد بهم أي بالذين تبوّؤوا، وقوله: لزموا المدينة الخ إشارة إلى أنّ التبوّأ الترك في المكان، ومنه المباءة للمنزل فنسبه إلى الإيمان لأنه مجاز مرسل لاهتعماله في لازم معناه، وهو اللزوم والتمكن فيهما فالمعنى لزموا الدار، والإيمان، وتمكنوا فيهما، ولو قال أو تمكنوا فيهما كان وجها آخر على تنزيلى الإيمان منزلة المكان الذي يتمكن فيه على أنه استعارة بالكناية، ويثبت له التبوّأ على طريق التخييل ولفظ التمكن لأخذه من المكان أنسب حينئذ وفيه تورية ولطف هنا. قوله: (وقيل المعنى الخ) مرضه لما فيه من التكلف مع أنّ دار الهجرة، ودار الإيمان متحدة حينئذ،
وفي تعويض اللام تكلف آخر يغني عنه كون التعريف للعهد، وقوله: وأخلصوا الإيمان بأن يقدر للثاني عامل معطوف على عامل الأوّل، وهو أحد الوجو. المذكورة في أمثاله. قوله: (وقيل سمي المدينة بالإيمان) مجازا مرسلا لإطلاق اسم الحال على محله أو تسمية محل ظهور الشيء باسمه، وهما متقاربان، والوجوه أربعة لأنه إما بالتقدير أو بدونه، والإيمان إما على حقيقته أو مجاز.، ولو نظرت إلى التبوّي زادت الوجوه، والتفصيل في شروح الكشاف، ولا حاجة إلى توسيع دائرته إذ يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق منها، وقول الطيبي طيب الله ثراه أنهم تمكنوا من الإيمان تمكن المالك في ملكه بلا منازع، وقد كان المهاجرون بتقية الخوف لم يوجد لهم ذلك التمكن حتى استقروا في دار الهجرة قيل عليه إنّ خوفهم من المشركين على أنفسهم وهو لا ينافي تمكنهم في الإيمان، وقد كان محققا معه فإما أن يبني على دخول العمل في الإيمان كما مر أو يقال التمكن يكون بالقدرة على التصرف في توابعه، وروادفه ولم يكن قبل الهجرة، ولا يخفى أنه غير وارد لأنه مناد على أنّ التمكن عدم المنازع والمعارض لمن أظهره، وهو أمر آخر غير ما فهمه المعترض فتدبر. قوله: (لأنها مظهرة ومصيره) كونها مظهر الإيمان ظاهر، وأما كونها مصيره أي محل رجوعه فلما ورد في الحديث أن الإيمان في آخر الزمان يرجع إلى المدينة، ويستقرّ فيها، وقد ورد أن الدجال لا يدخلها " وأن الإلمان يأرز إليها كما تأرز الحية إلى حجرها) . قوله: (من قبل هجرة المهاجرين الما كان ظاهر النظم أن الأنصار سبقوا المهاجرين إلى الإيمان، والأمر بالعكس أوّلوه بوجهين الأوّل أنه بتقدير مضاف فيه كما ذكره المصنف ولا شك أنّ تمكن الأنصار في الإيمان، والمدينة كان قبل هجرة المهاجرين، ولا يلزم من سبق إيمانهم على هجرتهم سبق إيمانهم على إيمانهم، والثاني أنّ فيه تقديماً، وتأخيرا والتقدير تبوّؤوا الدار من فبلهم، والإيمان ومرضه لأنّ القلب خلاف الظاهر وليس بمقبول ما لم يتضمن نكتة سرية، وهذا ليس كذلك، وأنما يحتاج إلى أحد هذين التأويلين في الوجه الأوّل، والثالث دون الثاني والرابع وإما أنه يكفي في تقدم المجموع تقدّم بعض أجزائه فغير مسلم، ولو قيل سبقوهم للتمكن في الدار، والإيمان لأنهم لم ينازعوا فيه لما أظهروه كان وجها تاماً من غير تقدير، ولا تقديم ولا تأخير. قوله: (ولا يثقل عليهم الخ) يعني أنّ المراد بمحبة
стр. 2917
المهاجرين هنا مواساتهم، وعدم الاستثقال، والتبرم منهم إذا احتاجوا إليهم فالمحبة كناية عما ذكر كما قيل:
يا أخي واللبيب إن خان دهر يستبين العدوممن يحب
قوله: (في أنفسهم) يعني المراد بالوجدان الوجود في الذهن، والتصور بأن لا يكون ذلك
في أنفسهم لأنها المدركة في الحقيقة فالصدور لكونها مقر القلوب التي بها الإدراك جعل ما في العقل، والإدراك في الصدور مجازاً. قوله: (ما تحمل عليه الحاجة) فالحاجة هنا مجاز عما يتسبب عنها مما ذكر، وقيل: إنه كناية حيث أطلق لفظ الحاجة على الغليظ، والحسد والحزازة لأنّ هذه الأشياء لا تنفك عن الحاجة فأطلق اسم اللازم على الملزوم على سبيل الكناية، وقد قدّمناه أولى من هذا، وفي الكشاف لا يجدون لا يعلمون في أنفسهم حاجة مما أوتوا أي طلب محتاج إليه مما أوتي المهاجرون من الفيء، وغيره والمحتاج إليه يسمى حاجة اهـ فسر الحاجة بالمحتاج إليه، وبينه شيوع الاستعمال، وجعل من بيانية أو تبعيضية، وهي على ما ذكره المصنف تعليلية وأضمر الطلب، والحاصل لا يعلمون في أنفسهم طلب ما أوتي المهاجرون مما يحتاج إليه الأنصار لأنّ الواجدان في النفس إدراك علمي، وفيه من المبالغة ما ليس في يعلمون، وفي حذف الطلب فائدة جليلة كأنهم لم يتصوّروا ذلك، ولا مرّ في خاطرهم أنّ ذلك محتاج إليه حتى تطمح النفس إليه كذا حققه المدقق في الكشف ولكل وجهة وما قيل إنّ مسلك المصنف أولى منه فيه نظر إذ ما ذصب إليه الزمخشري ليس فيه إلا تقدير مضاف، وهو أبلغ وأنسب بالمقام، وأوفق لسبب النزول فالمراد بالطلب طلب ما يشق عليهم والحزازة بمعجمتين بعد الحاء المهملة المفتوحة أصله مرض في القلب، ويكنى به عما يضمره الإنسان من الغيظ، والعداوة وهو المراد والحسد معروف، وهو تمني زوال النعمة، والغبطة تمني مثلها من غير أن تزول وقد يكون مذموماً، وقوله: نزل عن واحدة الخ أي طلقها ليتزوّجها الآخر، وقد كان النبيّ ﷺ آخى بينهم فكان لكل واحد من المهاجرين أخ من الأنصار كما قال ابن الفارض: نسب أقرب لي من أبوي
﵃ أجمعين، ونفعنا ببركاتهم آمين. قوله: (من خصائص! البناء الخ) يعني
أصله الخروق في البناء فكني به عن الاحتياج ثم صار حقيقة فيه، وقوله تعالى: ﴿وَمَن يُوقَ﴾ الخ أفرد أوّلاً ثم جمع رعاية للفظ من، ومعناها، وإيماء إلى قلتهم في الواقع عدداً وكثرتهم معنى:
فالناس ألف منهم كواحد وواحد كالألف إن أمر عنا
قوله: (هم الذين هاجروا الخ) فالمراد مجيئهم، إلى المدينة بعد مدة، والمجيء حسي، وقوله: أو التابعون ليس المراد به مصطلح المحدثين، وهو من لقي الصحابي بل معناه اللغوي، وهو من جاء بعد الصحابة مطلقاً كما صرّح به بقوله: ﴿هُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ الخ فالمجيء إما إلى الوجود أو إلى الإيمان، وجملة يقولون حالية، والمراد بدعاء اللاحق للسابق، والخلف للسلف إنهم متبعون لهم أو هو تعليم لهم بأن يدعوا لمن قبلهم، ويذكروهم بالخير، وقوله: فحقيق الخ. بيان لارتباطه بما ذيله أتم ارتباط، وقوله: لإخواننا الخ كأنه لم يؤخره عن قوله: للذين آمنوا لأنه تفسير له، ولم يقدمه على قوله، ولا تجعل إيماء إلى أنّ الدعاء للإخوان السابق ذكرهم من غير حاجة إلى قوله: للذين آمنوا وإن وضع فيه الظاهر موضع المضمر لمدحهم بصفة الإيمان، وبيان لمقتضى الأخوّة فتأمّل. قوله: (أو الصداقة الخ) الأوّل على أنّ الأخوّة أخوّة دين، واعتقاد، وهو مستعار من أخوّة النسب، والثاني على أنه بمعنى الصداقة لأنّ الأخ في النسب يجمع على أخوة، وفي الص! داقة على إخوان في الأكثر. قوله: (في قتالكم أو خذلائكم) تفسير لقوله فيكم لأنّ المراد في شانهم، وما يتفق منه، وعدم إطاعة الرسول، والمؤمنين مخالفة أمرهم، ونهيهم وأمرهم بالقتال، ونهيهم عن نصرهم، وهو الخذلان، وقد ذكر. المصنف تبعاً للزمخشريّ بعد قوله: لا نطيع فيكم، وهو في محله ومحز.، ولا سهو فيه كما توهم، وليس محله بعد قوله: لننصرنكم، وليس المعنى لا نطيع في ترك موافقتكم في الخروح معكم فإنه زائد بعد قوله: لنخرجن معكم فلا وجه لتكثير السواد بمثله. قوله: (قإنّ ابن أبئ) يعني ابن سلول رأس المنافقين، وقوله: وفيه دليل الخ لما فيه من الأخبار بالغيب، وهو من أدلة النبوّة وأحد وجوه الإعجاز أيضاً، وهذا بناء على أنّ السورة نزلت قبل وقعة بني النضير، وكلام أهل
стр. 2918
الحديث والسير يدل على خلافه، وإن قيل: إنّ النظم دال عليه وفيه نظر.
قوله: (على الفرض والتقدير) كما هو مقتضى أن الشرطية، ولولاه نافي قوله: لا ينصرونهم قبله، وقوله: أو نفاقهم هذا على أن الضميرين للمنافقين وعلى ما قبله هو لليهود، وقوله: ضمير الفعلين يعني الضمير الظاهر في قوله: يولن وينصرون، وكونه مستترا سهو غير مستتر، وقوله: مصدو الخ لأنّ المؤمنين مرهوب منهم لا راهبون.
قوله: (فإنهم كانوا يضمرون الخ) فسكونها في الصدور كناية عن الإضمار، وقوله: على
ما يظهرونه لا أنه فإنّ كونه أشد من رهبة الله يقتضي أن في نفوسهم رهبة من الله فأشار إلى أنه بناء على ما يظهرونه لا أنه كذلك في نفس الأمر، ولو أبقى على ظاهره وحقيقته لم يمنع منه مانع- قوله: (فإن استبطان رهبتكم (أي إخفاء الخوف منكم سبب لإظهار الخوف من الله، والإسلام وهو بيان لوجه الأشدية، وقوله: حتى يخشونه رفعه لوقوعه بعد النفي، ويجوز نصبه كما وقع في عبارة الزمخشري، وكلاهما مذهب مشهور للنحاة، وقوله: بالدروب جمع درب بالدالى المهملة وهو الباب الكبير معرّب در كما قيل، والخنادق جمع خندق، وهو معرب أيضاً، ومعناه معروف وقراءة أبي عمرو جدار بإقامة المفرد مقام الجمع لقصد الجنس أو لأنّ المراد السور الجامع للجدر، والحيطان. قوله:) وليس ذلك الخ (هذا هو بعينه ما في الكشاف مع زيادة، ولا مغايرة بينهما كما توهم، وقوله: إذا حارب الخ إيماء إلى أنّ بينهم متعلق بشديد قدم للحصر، وعبارته في الكشاف يعني أن البأس الشديد الذي يوصفون به إنما هو بينهم إذا اقتتلوا ولو قاتلوكم لم يبق لهم ذلك البأس، والشذة لأنّ الشجاع يجبن، والعزيز يذل عند محاربة الله ورسوله عتتن انتهى فلا غبار عليه. قوله: (مجتمعين الم يجعله مؤكداً لعدم صحته هنا، وقوله: لاختلاف عقائدهم الخ لأنّ طرق الضلال متسعة، وطريق الهدى واحد مستقيم كما مرّ تحقيقه في قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾
[سورة الأنعام، الآية: ١٥٣] وقوله: يوهن قواهم أي يضعف قوّتهم المركوزة فيهم بحسب الخلقة. قوله: (أو بني قينقاع (بفتح القاف وتثليث النون، وهم شعب من اليهود الذين كانوا حوالى المدينة، وايقاع النبيّ ﷺ بهم واجلاؤهم لأذرعات مشهور في السير، وقوله: إن صح الخ قال ابن سيد الناس غزوة بني قينقاع كانت يوم السبت على رأس عشرين شهرا من الهجرة في شوّال، وغزوة بني النضير كانت على رأس خمسة أشهر أو ستة وثلاثين من وقعة أحد وأحد كانت على رأس اثنين وثلاثين شهراً من الهجرة، ولم يحك غير هذا فيها فتكون قبل النضير بلا كلام فقوله: إن صح ليس بظاهر، وقوله: في زمان قريب فنصبه على الظرفية. قوله: (وانتصابه بمثل الخ) يعني انّ العامل في الظرف أعني قريبا، والناصب له لفظ مثل، ولا يخفى ركاكته فإنه إن قصد أنّ فيه مضافا مقدرا عمل المضاف إليه لقيامه مقامه كما قيل فلا يخفى أنّ المعنى ليس عليه لأنه قصد تشبيه المثل بالمثل أي الصفة الغريبة بمثلها لا بالوجود، وكونه لا يجب إضافة المثل، ودخول الكاف على المشبه به وكونه من إضافة الصفة لموصوفها أي المثل الموجود لا يدفع الركاكة، وإن صححه فإن أريد أنّ العامل التشبيه أو متعلق الكاف لأنه يدل على وجوده كانت العبارة نائية عنه، وقيل: عامله ذاقوا وعلى الأوّل فقوله: ذاقوا الخ مبين للمثل وهو جملة مفسرة لا محل لها من الإعراب. قوله: (أو المهلكين الخ (ينبغي على هذا أن ينتصب قريباً بذاقوا لئلا يفسد المعنى فما ذكره المصنف على الرأجح عنده، وقوله: سوء عاقبة كفرهم الخ سوء العاقبة هو معنى الوبال، والكفر معنى الأمر، وكونه في الدنيا مأخوذ من السياق ومما بعده، وقوله: كمثل الأوّل خبر مبتدأ تقديره مثلهم كمثل الذين الخ وقوله: كمثل الشيطان الخ بدل من قوله: كمثل أولاً لأنه مبين له فهو المقصود أو خبر آخر للمبتدأ المقدر الذي هو مثلهم على أنّ الضمير لليهود والنصارى جميعا، وكلام المصنف لا يوافقه فعليه ينبغي اًن يقدر لكل منهما مبتدأ على حده على أنّ الضمير المضاف إليه مثلهم الأول لليهود، والثاني للمنافقين، ولا يكون كما قيل بدلاً، والضمير في مثلهم المقدر في المثلين للطائفتين، ولا يأباه كلام المصنف لأن المراد مثل اليهود مع المنافقين لأنه كلام مختل، وليس البدل فيه واحدا من أقسام الأبدال المذكورة في النحو. قوله: (أغراه على الكفر الخ) فهو تمثيل، واستعارة وقوله: تبرأ عنه
стр. 2919
لو ذكره بعد قوله: إني أخاف الله الخ كان أحسن،
وقوله: وقيل أبو جهل فقوله: له اكفر أوّلاً أو الآن، ولا حاجة لتأويله بدم على الكفر لأنه تمثيل كما مرّ، وعلى هذا فمثلهم أولاً المراد منه أهل بدر هنا، ومثل الشيطان شيطان بدر أيضاً فتناسبا أشد التناسب، وقوله: وقيل: راهب حمله أي الشيطان على الفجور أي الزنا بامرأة وهو إشارة إلى قصة برصيصا الراهب، وهي مذكورة تفصيلاً في الإسرائيليات، ومشهورة في القصص. قوله: (وفي النار لغو) على هذه القراءة متعلق بقوله: خالدان وقدم للاختصاص، وقوله: فيها تأكيد له وأعاده بضميره كما مرّ في ففي الجنة خالدين فيها أو قوله: خالدان فيها خبر ثان. قوله: (سماه به لدنوّه) دنو الغد من أمسه فهو استعارة مصرّحة، وكذا ما بعده لكن وجه الشبه فيه مختلف لأنه على التشبيه به لأنه يعقبه ويكون فيه أحوال غير الأحوال السابقة كما في المثل إنّ مع اليوم غدا، وقوله: للتعظيم لما فيه من الشدائد والأهوال، والمراد بالاستقلال عد. قليلاً فالتنوين للتقليل فيه كما ستراه. قوله: (كأنه قال فلتنظر نفس واحدة في ذلك) فتنوينه للتقليل حتى كان الناظر نفس واحدة قال في الكشف وفيه حث عظيم على النظر، وتعيير بالترك وبأنّ الغفلة قد عصت الكل فلا أحد خلص منها، ومته ظهر أنّ جعله من قبيل علمت نفس ما أحضرت غير مطابق للمقام فهو كما في الحديث: " الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة) (١١ لأنّ الأمر بالنظر، وإن عئم لكن المؤتمر الناظر أقل من القليل، والمقصود بالتقليل هو هذا لأنّ المأمور لا ينظر إليه ما لم يأتمر فما قيل الأمر بالنظر يعتم الكل، وهو مقصود في المقام فجعله من قبيله أوجه، وأصح ليس بصحيح فضلاَ عن كونه أصح، وقوله: فلتنظر بالفاء مع أنّ ما في النظم بالواو قيل إنه إشارة إلى ترتبه على ما قبله، وانه ترك ما في النظم تعويلاً على فهم السامع، واعتمادا على أقوى الدليلين. قوله: (لأنه مقرون بالعمل) الدال عليه ما قدمت بخلاف ما قرن به الثاني مما جرى مجرى الوعيد، وهو قوله إنّ الله خبير الخ ولذا قال في الكشف إنّ
هذا أرجح لفضل التأسيس على التأكيد، وفي ورودهما مطلقين فخامة ظاهرة وأمّا كون التقوى كما مرّ شاملة لترك ما يؤثم، وفعل ما يلزم فلا وجه للتوزيع، والتأكيد أقوى، وأنسب بالمقام فغير مسلم خصوصاً، وما قدم المتبادر منه أعمال الخير، وقد اعترف به هذا القائل فكيف يزعم أنّ العموم فيه مقتضى المقام. قوله: (الكاملون في الفسق) توجيه للحصر كما تقدم أمثاله، وقوله: الذين استكملوا نفوسهم أي صيروها كاملة بالإيمان فاستحقوا بذلك الجنة، واستمهنوها أي صيروها ذليلة ممتهنة بالكفر، والعصيان حتى استحقوا العذاب، والعقاب، وفيه إشارة إلى أنّ الاستواء المنفي شامل للدّنيا، والا* خرة لا مخصوص بالآخرة كما في الكشاف، وهو توطئة لاستدلال الشافعية به على أنه لا يقتل المسلم بالكافر كما ستسمعه. قوله: (واحتج به أصحابنا الخ الأنه نفي الاستواء بينهم مطلقاً فيقتضي أن لا تتساوى دماؤهم، وقد ردّ بأنّ المراد نفي الاستواء في أحكام الآخرة بدليل أنه قال أصحاب الجنة والنار دون أصحاب التقوى، والعصيان والقصاص مبنيّ على التساوي في العصمة، وحقن الدماء، وهي موجودة لأنّ لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وفيه كلام في الفروع والأصول، وهل يعم لا يستوي جميع الأحكام أم لا فيه كلام مفصل في الكتب الأصولية. قوله: (تمثيل وتخييل الخ) يعني أنه استعارة تمثيلية تخييلية كما مرّ تفصيله، والردّ على من قال إنه ليس تمثيلاً مصطلحاً، والمعنى أنّ الجبال لو ركب فيها العقول، وخوطبت بهذا الكلام لخضعت لمهابة قائله وتهدمت من خشيته، وقوله: ولذلك إشارة إلى كونه تمثيلاَ وتخييلاً وكذا قوله: فإنّ الإشارة الخ. تعليل له فالإشارة بقوله: تلك إلى قوله: لو أنزلنا الخ، ولما كان مثلاً واحداً قال: والى أمثاله ليتضح الأخبار بالجمع عنه ففيه تقدير أي ونوع تلك أو المراد تلك وأشباهها ووجه التعليل أنّ الأمثال في الأغلب تمثيلات متخيلة كما مرّ تحقيقه فإن أردته فارجع إليه ووجه التوبيخ فيه ظاهر. قوله: (ما غاب عن الحس الخ) تفسير للغيب بمعنى الغائب وقوله: من الجواهر بيان لما والمراد بالجواهر هنا المجرّدات، ولذا قابله بالإجرام، وهي المجسمات، وتقدمه على هذا بحسب الوجود ظاهر، وقوله: وتعلق العلم بالجرّ معطوف على الوجود فإنّ علمه تعالى قديم، وتعلقه بالموجود حين وجوده لأنه
نسبة تتوقف على وجود
стр. 2920
الطرفين فإذا تقدم وجوده لزم تعلق علمه به أيضاً، وهما هنا وقعا مفعولين ومتعلقين للعلم فتقديمه هنا لتقدّم وجوده، وتقدّم تعلق العامل به فهو وجه آخر لا يغني عنه ما عطف عليه، وقوله: أو المعدوم فالغيب ما غاب عن الحس أيضا لغيبته عن الوجود، وتقديمه ظاهر مما قبله. قوله: (أو السرّ والعلانية) فتقديمه لأنه أهئم وأقدم أيضا، وتعلق العلم به أسبق، وله نكتة خاصة به هنا وهي بيان سعة علمه، وأنه يستوي عنده السرّ والعلانية. قوله: (البليغ في النزاهة الخ النزاهة مدلول مادته لأنّ التقدس التنزه، والتطهر، والصون عما لا يليق والبلاغة من الصيغة فإنها صيغة مبالغة، والقراءة بالفتح، وإن كانت لغة لكنها نادرة فإنّ فعول بالضم كثير وأمّ بالفتح فيأتي في الأسماء كسمور، وتنور وهبود اسم جبل باليمامة، وأمّا في الصفات فنادر جدا، وقوله: ذو السلامة إشارة إلى التأويل المشهور في أمثاله. قوله: (وقرئ بالفتح الخ) على الحذف، والإيصال كاختار موسى قومه، وإذا كانت قراءة، ولو شاذة فلا يصح قول أبي حاتم أنه لا يجوز إطلاقه عليه تعالى لإيهامه ما لا يليق به تعالى إذ المؤمن المطلق من كان خائفاً، وأمنه غيره فإنّ القراءة ليست بالرأي. قوله: (الرقيب الحافظ) هو معنا. المراد منه، وميمه الثانية مكسورة، وقد تفتح وهو مفيعل من الأمن، وأصله مؤأمن بهمزتين فقلبت الثانية ياء، والأولى هاء كما قيل في أراق هراق، وهو قول المبرد على أنه مصغر، وقد خطئ فيه فإنه لا يجوز تصغير أسمائه تعالى، وقال غيره هو اسم من هيمن كبيطر، وليس مصغراً، وتعدى بعلى لتضمنه معنى الاطلاع. قوله: (الذي جبر خلقه على ما أراده) أي قسرهم وأكرههم وجعله من الثلاثي لأنّ أكثر النحاة على أنّ أمثلة المبالغة لا تصاغ من غير الثلاثيّ، وقيل: إنها تكون من غيره أيضاً، وقال الفراء: لم أسمع فعالاً من أفعل إلا في جبار من أجبر ودراك، من أدرك واستدركوا عليه سآر من أسأر، وقيل إنه من جبره بمعنى أصلحه، وما تقدم في سورة المؤمن أنه من أجبره قول، وهذا قول فلا يقال بين كلاميه تعارض كما توهم، وجبر بمعنى أجبر لغة أيضاً وفيه كلام في اللغة، وقوله: تكبر الخ أي تعالى وارتفع وتنزه عنه وقوله. إذ لا يشاركه الخ الضمير المستتر لما في قوله عما والبارز لله تعالى. قوله: (الموجد لها بريئاً من التفاوث) المراد تفاوت ما تقتضيه هي بحسب الحكمة، والجبلة، وفسره
به ليفيد ذكره بعد الخالق، وقوله: الموجد لصورها على قراءة الكسر وقد فتحت في الشواذ هنا على أنها مفعول للبارئ فما في قاضيخان من أنّ قراءة المصوّر بفتح الواو هنا تفسد الصلاة فيه نظر، وقد أتسإر إليه بعض المتأخرلجن وقوله: لتنزهه عن النقائص الخ فلا تجد الكاكنات اشائبة نقص له فلا جرم أنها نزهته وقدسته. ص قوله: (الجامع للكملات بأسرها الخ) قيل إنه فسره به للإشارة إلى وجه اتصاله بما قبله ليكون كالعلة المستلزمة له! فإن استجماعه لجميع الكمالات يستلزم تنزهه عن جميع النقائص ضرورة امتناع اجتماع المتقابلين فتأمّل. قوله: (إلى الكمال في! القدرة) هو من قوله: العزيز لأنه الذي لا يغالب فيستلزم كمال القدرة والعلم من قوله الخكيم فإنه الفاعل بمقتضى الحكمة فيكون كاملا العنلم كما مرّ، وقوله عن " التبيّ ﷺ الخ هذا الحديث رواه الثعلبي عن أنس رضي إلله عنه ولم يقل ابن حجر أنه موضوع كغيره من ا! لأحاثميث الموضوعة في فضائل السور تمت السورة، والحمد لله وحده والصلاة والسلام على أفضل رسله سيدنا محمد، وآله ثوصحبه.
سورة الممتحنة
لم يذكروا خلافا في مدنيتها ولا في عدد آياتها المذكورة مع أنّ قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ الخ سيأتي أنها نزلت يوم فتح مكة فهو إمّا تغليب أو بناء على أنّ المدتي ما نزل بعد الهجرة وقوله: الممتحنة بفتح الحاء وقد تكسر فعلى الأوّل هي صفة المرأة التي نزلت فيها وعلى الثاني صفة السورة كما قيل لبراءة الفاضحة كذا في الأعلام وفي جمال القراء أنها تسمى سورة الامتحان وسورة المودّة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (نزلت في حاطب الخ) حاطب بحاء وطاء مهملتين وباء موحدة وبلتعة بفتح الباء الموحدة ولام
стр. 2921
ساكنة بعدها مثناة فوقية مفتوحة وعين مهملة قال السهيليّ هو مولى عبد القه بن حميد بن زهير بن سد بن عبد العزى وبلتعة اسمه عمرو وصورة ما في كتابه أنّ رسول الله يك! برو توجه إليكم بجيش كالليل يسير كالسيل وأقسم بالله لو سار إليكم وحده لنصره الله عليكم فإنه منجز له وما وعده قيل: وفي الخبر دليل على جواز قتل الجاسوس لتعليقه المنع بشهود. بدراً وسارة اسم امرأة هي مولاة بني المطلب ومعتقتهم وقيل: مولاة أبي عمرو بن صيفي بن هاشم وخاخ بخاءين معجمتين وقيل بحاء مهملة وجيم وقد روي في البخاريّ كذلك لكنه نسب للسهو وهو مكان بين مكة والمدينة يجوز صرفه وعدمه والظعينة بالظاء المعجمة والعين المهملة
المرأة ما دامت في هودجها وتطلق على المرأة مطلقا وقوله: فهموا بالرجوع وقع في بعض النسخ ولم يذكره المحدثون ولذا قيل: كيف يهمون به وقد أمرهم ﷺ بضرب عنقها فكأنهم فهموا أنّ الأمر ليس للوجوب وقوله: فبعث علياً الخ الذي وواه ابن إسحاق علياً والزبير وروي غيره والمقداد والعقيصة ضفيرة الشعر وقوله: عذره أي قبل عذره وقوله: آخذ بالمد أي بمعنى اتخذ وأجعل وقوله: ولا غششتك منذ نصحتك هكذا رواه المحدثون ونصيحة النبيّءلمجييه تصديقه والانقياد له كما في النهاية وورد في الحديث: " الدين النصيحة لله ورسوله " وفي نسخة صحبتك من الصحبة والأولى أصح رواية ودراية وقوله: ما كفرت أي لا ظاهرا ولا باطناً ليشمل النفاق فإنه المراد. قوله: (نفضون إليهم المودّة) قال في الأساس أفضيت إليه بشقوري وأفضى الساجد بيده إلى الأرض مسهماً فجعله متعديا بالباء وكلام المصنف يخالفه فلو قيل: تلقون تعدى بها لكونه بمعناه كان وجها أيضا وقوله: والباء مزيدة أي في المفعول كما في قوله: ولا تلقوا بأيديكم. قوله:) أو أخبار رسول الله ﷺ يعني مفعوله مقدّر تقديره ما ذكر وأخبار بفتح الهمزة جمع خبر والباء المسببية والقاء الأخبار إيصالها وارسالها مجازاً كإلقاء المودّة لإظهارها وجوّز في الباء أيضا تعلقها بالمصدر الدال عليه تلقون ولم يذكره لما يلزمه من حذف المصدر مع إبقاء معموله وفيه خلاف للبصريين وقوله: الجملة حال أي جملة تلقون الخ ويجوز أن يكون تفسيرا للموالاة أو لاتخاذها فلا محل لها من الإعراب أو مستأنفة قيل وهذا أولى من الحالية والوصفية لإيهامهما أنه تجوز الموالاة عند عدم الإلقاء فيحتاج إلى القول بأنه لا مفهوم له للنهي عن الموالاة مطلقاً في غير هذه الآية أو الحال والصفة لازمة ولذا كانت مفسرة. قوله: (ولا حاجة فيها إلى إبراز الضمير الخ) بأن يقال: تلقون إليهم أنتم بالمودّة اعلم أنّ الصفة إذا جرت على غير من هي له يجب إبراز فاعلها نحو زيد هند ضاربها هو وهل هذا الضمير فاعل أو الفاعل مستتر وهذا تأكيد له قولان للنحاة وفي شرح التسهيل لابن مالك المرفوع بالفعل كذلك إذا حصل الإلباس نحو زيد عمرو يضربه هو فتقييده بالصفة غير مسلم وإطلاق المصنف مردود بجواز زيد قائم أبواه لا قاعدان فقد جرت على غير من هي له ولم ينفصل الضمير وأجيب عنه بأنهم إنما قيدوه بالصفة لأنّ الإبراز فيها واجب مطلقا سواء ألبس أم لا وما ذكر تابع يغتفر فيه ما لا يغتفر في غيره مع أنّ المانع مطلقاً وهم البصريون لا يقولون بصحته وهذا الحكم لا يختص بالصفة بل هو جار في الصلة والحال والخبر ووجهه أنها ضعيفة
فلا تتحمل ضميراً. قوله: (حال من فاعل أحد الفعلين) فإن كان حالاً من الأوّل فهي حال مترادفة إن كانت جملة تلقون حالية أيضاً والط كان من الثاني فهي متداخلة أيضا وقد قيل إنها مستأنفة أيضا ولم يذكروا كونها حالاً من المفعول ولا مانع منه أيضاً، وضله: حال من كفروا أي من فاعله وقوله: لبيانه بادعاء أنه عين الكفر والمضارع لحكاية الحال الماضية وأمّا الاستمرار فغير مناسب للمعنى فتأمّل. قوله: (بأن تؤمنوا به) أي بسبب الإيمان وجعله السمين مفعولاً له وناصبه يخرجون أي يخرجونكم لإيمانكم أي كراهة إيمانكم وهو أحسن مما ذكره المصنف وقوله: وفيه تغليب للمخاطب وهم المؤمنون غلبوا على الرسول والالتفات من / التكلم إلى الغيبة بالاسم الظاهر إذ لم يقل بي وقوله: للدّلالة على ما يوجب الإيمان وهو كونه معبوداً بحق وربا فما ذكر يدل على استجماعه للصفات الكمالية عموما وعلى اتصافه بربوبيته خصوصا إذ المراد الدّات والصفات ولا دلالة في ضمير المتبهلم على الثاني. قولى: (إن كتتم
стр. 2922
خرجتم كن أوطانكم) إن أريد الخروج للغزو فظاهر وإن أريد الهجرة فالخطاب للمهاجرين خاصة لأن القصة صدرت منهم وهذا هو الظاهر الموافق لسبب النزول السابق. قوله: (علة للخروج الخ) يعني أنّ المعلق عليه عدم الاتخاذ ليس مطلق الخروج بل الخروج المعلل بهذين وقدر جواب الشرط والزمخشري جعله لا جواب له وحالاً من فاعل تتخذوا أي لا تتخذوا عدوّي وعدوّكم أولياء والحال إنكم خرجتم مرر أوطانكم لأجل الجهاد رضا لئه والمصنف لم يرتضه لأنّ الشرط لا يقع حالاً بدون جواب في غير أن الوصلية وهي لا بد لها من الواو وإن ترد حيث يكون ضد المذكور أولى بالوقوع نحو أحسن إلى زيد وإن أساء إليك وما نحن فيه ليس كذلك إلا أنّ ابن جني جوّزه وارتضاه الزمخشري هنا لأنّ البلاغة وسوق الكلام شاهدان له كقولك لا تخذلني إن ك! ت عمديقي حيث يقوله المدلي بأمره المتحقق صحبته من غير قصد للتعليق والشك وأنما يبرز تهييجاً للحمية وهو أحسن وأملأ بالفائدة وإن خالف المشهور. قوله: (بدل من تلقون الخ) " بدل كل من كل إن أريد بالقائها الإلقاء خفية أو بدل بعض إن أريد الأعثم لأنّ منها السرّ والجهر وقيل: بدل اشتمال لبيانه وقوله: أو استئناف أي بيانيّ في جواب سؤال لأنّ قوله: إن كنتم الخ يدل على معاتبة فلذا أوثر أن على إذا فكأنهم سألوا ما صدر عنا حتى عوتبنا كذا في الكشف. قوله: (ومعناه أيّ طائل لكم الخ) فسره بالاستفهام لأنّ الجملة مسوقة للإتكار عليهم حيث أسروا على من استوى عنده السرّ والجهر وقد أعلم رسوله بالوحي فأفاد أنه لا طائل تحته أيضا
وقوله: في أسرار المودّة إشارة إلى زيادة الباء فيه هنا كما في المبدل منه وقوله: أو الأخبار الخ إشارة إلى خذف المفعول على أنّ الباء سببية وهو الوجه الثاني أو هي لتضمينه تخبرون والاقتصار على الأخير لأنه أدل على الإنكار. قوله: " ي منكم) إشارة إلى أنّ أعلم اسم تفضيل حذف المفضل عليه وقوله: والباء مزيدة الخ وقد قيل: إنّ علم قد يتعدى بالباء كما يقال هو عالم بكذا وبه ورد الاستعمال لكنه غير مشهور والوجهان على الوجهين وذكر عا أعلنتم مع الاستغناء عنه إشارة إلى تساويهما في علمه ولذا قدم ما أخفيتم وقوله: يفعل الاتخاذ على أنه ضمير المصدر الذي في ضمن الفعل وجعله في الكشف للأسرار لقربه. قوله: (ضل سواء السبيل (من إضافة الصفة للموصوف أي الطريق المستوي وضل يتعدى كأضل فالسبيل مفعوله فإن لم يتعد فهو ظرف كقوله:
كما عسل الطريق الثعلب
والأوّل أولى ولذا اقتصر عليه المصنف وقوله: يظفروا بكم لأنّ المثاقفة الأخذ بدربة وحذق فأريد به الظفر هنا مجازاً كما ذكره. قوله: (ولا ينفعكم إلقاء المودّة الخ) لأنّ العداوة سابقة على الظفر المقدّر كما ينطق به قوله: لا تتخذوا عدوّي الخ فالمراد هنا اللازم والثمرة وهو ظهور عدم نفع التودّد ليظهر فائدة جعله جوابا وتوقفه على الشرط المذكور وقوله: ويبسطوا من العطف التفسيري أيضاً لا مستقل بالجزائية كما في شرح المفتاح الشريفي فتدبر. قوله: (وتمنوا ارتدادكم) لأنّ المودّة هنا بمعنى التمني فإنه يرد بمعناه كثيرا كما في قوله:
يود لو يهو! العذول ويعشق
وكفر المؤمنين إنما يتصوّر بالردّة إلا أن يراد بقاؤهم على حالهم الأوّل وقوله: ارتدادكم
إشارة إلى أنّ لو مصدرية. قوله: (للإشعار بأنهم ودوا ذلك قبل كل شيء الخ) كما في الكشاف إنّ الماضي وإن كان يجري في باب الشرط مجرى المضارع في علم الإعراب فإنّ فيه نكتة كأنه قيل: وودوا قبل كل شيء كفركم وارتدادكم يعني أنهم يريدون أن يلحقو! بكم مضار الدنيا والدين جميعا من قتلى الأنفس وتمزيق الأعراض وردكم كفاراً وهذا الردّ أسبق المضار عندهم وأوّلها لعلمهم أنّ الدين أعز عليكم من أرواحكم لأنكم بذالون لها دونه والعدوّ أهم شيء عنده أق يقصد أعز شيء عند صاحبه انتهى وقد أورد عليه في المعاني أنه إذا كانت الودادة قبل ذلك لا تصلح جوابا للشرط لأنه يترتب عليه ويتأخر عنه ولذا ذهب بعضهم إلى أنّ الجملة معطوفة
على مجموع الشرط والجزاء أو حال بتقدير قد وقال الخطيب: إنه لا فاثدة لتقييد ودادتهم بالظفر والمصادفة وهي أمر مستمرّ لا يختص بأحد النقيضين فالأولى عطفه على الشرط والجزاء حتى لا يتقيد بالظفر وأورد عليه أنّ مثله يتجه على قوله يكونوا لكم أعداء لثبوت عداوتهم ظفروا أولاً ولا يمكن فيه هذا التوجيه فالوجه أن يراد إظهار الودادة إجراء ما تقتضيه
стр. 2923
وكذا الحال في كونهم أعداء وهذا ما نحاه المصنف تبعاً للعلامة وتحقيقه أنّ أصل الودادة حاصلة لهم قبل كل شيء فهو غير مترتب على الشرط والمترتب عليه إنما هو الودادة المتفرّعة على الجد والاجتهاد في طلب ارتدادهم فهي سابقة بالنوع متأخرة بالنظر إلى بعض الأفراد فعبر بالماضي نظراً للأوّل وجعلت جوابا متأخراً نظراً للثاني فمن توهم أنّ المصنف يريد الحالية أو العطف على المجموع كصاحب الإيضاح فقد فسره بما لا يرضاه ولم يدر أنّ قوله مجيئه وحده بلفظ الماضي يأباه فإنه صريح في أنه مستقبل معنى كما قاربه من أجوبة الشرط ويقرب منه ما قيل إنّ ودادة كفرهم وعداوتهم بعد الظفر لما كانت غير ظاهرة لأنهم حينثذ سبي وخدم لا يعتذ بهم فيجوز أن لا يتمنى كفرهم فيحتاج إلى الأخبار عنه بخلاف الودادة قيل الظفر فيكون للتقييد فائدة لأنها ودادة أخرى متأخرة واعلم أنّ المعطوف على الجزاء والعلة في كلام العرب على أنحاء الأوّل أن يكون كل منهما جزاء وعلة نحو إن تأتني أو نسك وأعطك الثاني أن يكون الجزاء أحدهما وأنما ذكر الآخر لثدة ارتباطه به لكونه سبباً له مثلا نحو إذا جاء الأمير استأذنت وخرجت لاستقباله ونحوه حبست غريمي لأستوفي حقي وأخليه الثالث أن يكون المقصود جمع أمرين وحيئ! ذ لا ينافي تقدّم أحدهما كخرجت مع الحجاج لأرافقهم في الذهاب ولا أرافقهم في الإياب والنظم هنا محتمل للأوّل لاستقبال الودادة لإرادة الغزو المحتاج للبيان أو إظهارها وعبر بالماضي لتقدمه رتبة والثالث لكون المراد المجموع بتأويل يريدون لكم مضار الدنيا والآخرة وفي الكشاف إشارة ما إليه فالأوّلية على هذا زمانية وعلى الثاني رتيبة وجعلها الطيبي زمانية وذكر وجهاً آخر وهو أنّ المجموع مجاز من إطلاق السبب وارادة المسبب وهو مضار الدارين وفي المفتاح ترك يودّ إلى ودّ الماضي إذ لم يحتمل ودادة كفرهم من الشبهة ما احتمل العداوة لباسطي الأيدي والألسنة يعني الودادة أو إظهارها لتحققها عند المؤمنين عبر عنها بالماضي ولا يخفى مغايرته لما في الكشاف فمن حاول التوفيق فقد حاد عن سواء الطريق.
قوله: (قراباتكم) القرابة تكون مصدراً واسما بمعنى القريب كما تقول هو قرابتي كما قال
ابن مالك ولا تلتفت لإنكار الحريري له في درّته وهو محتمل لهما هنا بأن يراد بالأرحام ظاهرها أو يقدر ذوو أرحامكم بدليل عطف الأولاد عليه أو يجعل مجازاً كرجل عدل. قوله: (الذين توالون) إشارة إلى ما في سبب النزؤل وقوله: بما عراكم بمهملتين أي عرض لكم وحل بكم وقوله: فما لكم ترفضون هو بيان لارتباط هذه الآية بما قبلها وقوله: وقرأ حمزة والكسائيّ بكسر الصاد والتشديد أي قرأ بضم الياء وفتح الفاء وكسر الصاد مشددة وابن عامر كذلك إلا أنه
يفتح الصاد وما ذكر من أنه قرإءة ابن عامر عزاه غيره لابن ذكوان لكن الأوّل هو الذي في الشاطبية وفوله: وهو بينكم الضمير للمفعول وفيه شبه استخدام وبينكم حينئذ مبني لإضافته للضمير المبني وقيل نائب الفاعل ضمير المصدر وهو الفصل وقوله: وقرأ عاصم يفصل أي بفتح الياء وسكون الفاء وكسر الصاد وتخفيفها. قوله: (قدوة الخ) القدوة والأسوة بالضم والكسر فيهما بمعنى وهما يكونان مصدراً بمعنى الاقتداء واسماً لما يقتدى به يعني أنه اسم مصدر أطلق على الحاصل به لا صفة لمنعه من عمله بعده وقوله: في إبراهيم تجريد وقد تقدم الكلام عليه في الأحزاب وقوله: ولكم لغو لم يبين متعلقه وهو كان عند من جوز تعلق الظرف بها من النحاة على الخلاف المعروف فيه وقوله: لأنها وصفت يعني وهي مصدر أي اسم مصدر والمصدر واسمه إذا وصف لا يعمل لأنّ الوصف يضعف شبهه بالفعل فإن لم يكن مصدرا أو قلنا يعتفر عمله وإن وصف في الظرف جاز ذلك وجوّز في لكم أن يكون مستقرّا مبيناً كسقيا له. قوله: (ظرف لخبر كان) أي على الوجهين والعامل الجار والمجرور أو متعلقه أو لكان نفسها كما مرّ أو بدل من أسوة وقوله: كظريف وظرفاء على القراءة المشهورة وفيها قراآت أخر. قوله: (أي بدينكم أو بمعبودكم) يعني أنه على تقدير مضاف فيه لأنّ تعلق الكفر بهم محتاج إلى التأولل إذ المكفور به إمّا الدين أو الكتاب أو من جاء به لا من جاء له من القوم فيؤوّل بما ذكر وقوله: أو بكم وبه ضمير به للمعبود فقوله: بكم المراد منه القوم ومعبودهم بتغليب المخاطبين لأنه بيان
стр. 2924
لقوله: إنا برآ منكم ومما تعبدون من دون الله فلا بد من اشتماله على جملة ما تعلق به برآء وهو معنى قوله: في الكشاف ومعنى كفرنا بكم وبما تعبدون من دون الله إنا لا نعتد بثأنكم ولا بشأن آلهتكم وما أنتم عندنا على شيء وقولهما: لا نعتد إشارة إلى أنّ الكفر بالقوم ومعبودهم مجازاً وكناية عن عدم الاعتداد بهم ليعمهم وآلهتهم فهو تفسير له وما ذكرناه من التغليب أولى مما قبل إنه إشارة إلى أق فيه معطوفاً على الجار والمجرور محذوفا وفي الكشف ما حاصله أنه إنما ذكر كذلك وفي الكتاب كفرنا بكم تنبيها على أنّ الأصل كفرنا بما تعبدون ثم كفرنا بكم وبما تعبدون لأنّ من كفر بما أتى به النبيّ فقد كفر به ثم اكتفى بكفرنا
بكم لتضمنه الكفر بجميع ما أتوا به وما تلبسوا به لا سيما وقد تقدمه إنا برآ الخ وفسره بأنا لا نعتدّ الخ تنبيهاً على أنه تهكم به فإنه ليس كفراً لغة وعرفأ " وانما هو مثاكلة وتهكم انتهى وهو غير موافق لما عناه الزمخشري وقوله: لأنّ من كفر الخ ليس مما نحن فيه في شيء إلا أن يذكره على طريق التنظير وقوله: آلهتكم إشارة إلى أنّ الصغبود وإن كان لفظه مفردا هو جمع! عنى. قوله: (استثناء من قوله: أسوة حسنة) وهو محتمل للانقطاع والاتصال وقول الد! ضنف فإنّ استغفاره الخ إشارة إلى أنه منقطع عنده لأنه ليس مما يؤتسى به وقال الإمام: الآية تدل على أنه لا يجوز لنا بإ- التأسي في ذلك ولا تدل على أن ذلك كان معصية فإنّ كثيراً من خواص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يجوز التأسي به مما أبيح لهم وفي التقريب نفي اللازم ممنوع فإنّ استثناء عما وجب فيه الأسوة إنما يدل على أنه غير واجب لا على أنه غير جائز ومنكر وقوله: كان لكم لا يدل على الوجوب وقال الطيبي: ما حاصله لما أجاب إبراهيم قول أبيه لأرجمنك واهجرني ملياً بقوله: سأستغفر لك ربي رحمة ورأفة به ولم يكن عارفاً بإصراره على الكفر وفى بوعده وقال: واغفر لأبي فلما تبين إصراره ترك الدعاء وتبرأ منه فظهر أنّ ا " ستغفاره له لم يكن منكراً وهو في حياته بخلاف ما نحن فيه فإنه فصل عداوتهم وحرصهم على قطع أرحامهم بقوله: لن ينفعكم الخ وسلاهم عن القطيعة بقصة إبراهيم ثم استثنى منها ما ذكر كأنه قال: لا تجاملوهم ولا تبدوا لهم الرأفة كما فعل إبراهيم لأنه لم يتبين له كما تبين لكم انتهى فلا يتجه عليه أنّ المذكور في النظم الوعد بالاستغفار دونه حتى يقال إنه كناية عن الاستغفار فإنّ عدة الكريم خصوصا مثل إبراهيم لا سيما إذا أكدت بالقسم يلازمها الإنجاز فتأمّل وقد تقدم في سورة التوبة تفصيله. قوله: (فإنه كان قبل النهي الخ الفظة إياه بالمثناة التحتية أو بالموحدة كما قرئ به في سورة براءة لوعد أبيه الإيمان يعني أنه لم ينه عن الاستغفار للكفار ولا قبح قبله لأنه إنما يعلم من الشرع أو نهي عنه بعد تبين إصراره على الكفر وموته عليه والموعدة كانت قبل ذلك لقوله: فلما تبين له الآية فلا وجه لما قيل إنه بمعزل عن السداد لابتنائه على تناول النهي لاستغفاره له وأنبائه عن كونه مؤتسى به لو لم ينه عنه وكلاهما بين البطلان لما أنّ مورد النهي هو الاستغفار بعد تبين الأمر وقد عرفت أنه كان قبله وأنّ ما يؤتسى به ما يجب الائتساء به لا ما يجوز في الجملة وتجويز كون استغفاره بعد النهي مما لا مساغ له فتأمّل. قوله: (ولا يلزم من استثناء المجموع) جواب عن سؤال تقديره أنّ كونه لا يملك شيئا من الله أمر محقق ينبغي لكل أحد أن يقوله: واستثناؤه هنا يقتضي أنه مما لا يقال ولا يؤتسى بقائله وحاصله أنه لا يلزم من إخراح المجموع إخراج جميع أجزائه فالمخرج هنا ما قبله دونه كأنه قيل: لا تأتسوا به في الاستغفار مع أنكم لا تقدرون على ما سواه والجملة حالية فالمنفي المقيد دون قيده
فتأمّل. قوله: (متصل بما قبل الاستثناء الخ الا على أنه من جملة الأسوة ومقول القول كما توهم إذ المراد أنه جملة مستأنفة متصلة بحسب المعنى بما مرّ من أوّل السورة إلى الاستثناء بيانا لحالهم في إظهار عداوة أعداء الله والالتجاء إلى الله في كفاية شرّهم وأنّ ما صدر منهم لله لا لحظ نفسي وقيل: إنه بتقدير قول معطوف على لا تتخذوا أي وقولوا ربنا الخ وكلام المصنف لا يحتمله كما توهم لأنه لو كان كذلك كان متصلاً بما قبله على الوجهين. قوله: (ربنا لا تجعلنا الخ) الظاهر أنه دعاء متعدد لا ارتباط لكل بسابقه كالجمل المعدودة وليس ما بعده بدلاً مما قبله كما قيل لعدم اتحاد المعنيين كلا وجزءا ولا ملابسة بينهما سوى الدعاء الخ. قوله: (فيفتنونا الخ)
стр. 2925
فالفتنة مصدر بمعنى المفتون أي المعذب من فتن الفضة إذا أذابها وقوله: ما فرط بالتخفيف أي سبق منا وقوله: ومن كان كذلك الخ بيان لوجه اتصاله بما قبله ووقوعه تذييلا له وقوله: تكرير الخ إن لم ينظر لقوله: إذ قالوا فإنه قيد خصصه فإن نظر له فهو تعميم بعد تخصيص وفيه تكرير للخاص في ضمن العام أيضا، وقوله: ولذلك أي لأجل مزيد الحث وقصده. قوله: (وأبدل قوله لمن كان يرجو الله الخ) قد مر في سورة الأحزاب أنه قال: قيل: إنه بدل من لكم والأكثر على أنّ ضمير المخاطب لا يبدل منه فمرّضه ثمّ لمخالفته لقول الجمهور وذكره هنا على وجه ألارتضاء له فبين كلاميه تناف في الجملة لكن ابن الحاجب قال في شرح المفصل يبدل من ضمير الغائب دون المتكلم والمخاطب وليس هذا على إطلاقه لأنه مخصوص ببدل الكل من الكل ويجوز في الاشتمال والبعض وأجازه سيبويه في الأوّل أيضا وهو مخصوص أيضا بما لا يفيد إحاطة كقوله: تكون لنا عيداً لأوّلنا وآخرنا فإمّا أن يقال: رجح ثمة مذهب الجمهور ورجح هنا مذهب سيبويه أو يقال: ذهب هنا إلى أنه مما يفيد الإحاطة وليس محلاً للخلاف وقوله: فإنه يدل الخ فيه إيماء إليه وقوله: ولذلك أي لإيذانه بسوء العقيدة الخ ووجه الإيذان أنه يدل على أن من لا يأتسى به لا يرجو الله واليوم الآخر ومثله كافر وقوله: الغني الحميد مما خوطب بمثله الكفرة للتهديد. قوله: (لما فرط منكم في
موالاتكم الخ) فسره في الكشاف بغفور لمن أسلم من المشركين وهو مع قلة فائدته هنا ما ذكر أنسب بالمقام منه ولم يفسروا الرحيم لظهوره هنا إذ رحمته بضم شملهم وردهم إلى أقربائهم واستحالة الخيانة ثقة وانقلاب المقت مقة وقيل: قوله: لما بقي في قلوبكم تفسير له إذ معنا. لما في قلوبكم من الرحمة الغريزية لهم رحمكم رحمة عظيمة وقيل إنه من تتمة تفسير الغفور وقوله: لا ينهاكم الخ ليس المراد أنّ فيه مضافا مقدراً كما توهم لأنه يلغو البدل والبدل منه غير صحيح بل هو بيان للمقصود منه والمعي المراد فلو أخره عن البدل كان أولى وقوله: تفضوا الخ يعني أنّ تقسطوا ضمن معنى الإفضاء فعدى تعديته كما مر. قوله: (روي أن قتيلة) بالقاف والتاء بزنة المصغر وسبب النزول المذكور هنا هو المذكور في البخاري فلذا ذكره المصنف دون ما في الكشاف وفي الدر المنثور أنّ هذه الآية منسوخة بقوله: اقتلوا المشركين الآية وفي عز وقتيلة لأبيها دون زوجها هنا رعاية أدب من المصنف وقوله: بدل اشتمال ومثله ما قبله. قوله تعالى: ( ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ الخ) فيها قولان فعن قتادة أنه حكم حكمه الله ثم نسخ في براءة فنبذ إلى كل ذي عهد عهده وقال السهيلي: هي مخصوصة بنساء العهد والصلح وأمّا إخراج النساء مما عاهدوا عليه فاختلف فيه وسيأتي وسماهن مؤمنات نظر الظاهر الحال وقوله: بما يغلب الخ إن خفف فالعائد محذوف أي به وإن شدد من التفعيل فلا حذف فيه وقوله: أعلم أي من كل أحد أو منكم وقوله: فانه المطلع أي لا أنتم فإنه غير مقدور لكم. قوله: (العلم الذي يمكنكم تحصيله الخ) فالعلم هنا مستعار استعارة تبعية للظن الغالب المشابه
لليقين في القوّة وفي وجوب العمل به أو مجاز مرسل لمطلق الإدراك والأوّل أنسب هنا وكان الظاهر أن يفسره بالظن ففي عبارته تسمح لا يضر مع اتضاح المقصود مما بعده. قوله: (بالحلف) كانت المهاجرة تستحلف أنها ما هاجرت ناشزة ولا هاجرت إلا لله ورسوله فإذا حلفت لم تردّ وقوله: إلى أزواجهن لأنه لو لم يرد ذلك لم يكن لقوله: لا هن حسن لهم ولا هم يحلون لهن فائدة وقوله: والتكرير للمطابقة الخ أصل المطابقة من طابق الفرس إذا وضحع رجله مكان يد. قال:
مطابقا يرفع رجلا عن يد
ومنه المطابقة البديعية وهي الجمع بين المتضادين وأراد المصنف بها هنا كبعض البديعيين
ما سما. في التلخيص بالعكس والتبديل وهو وضعأحد لفظين وقعا في كلام بالتقديم والتأخير على عكس ما سبق كقوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ وليس المراد بها المطابقة المعروفة على أنها بين المذكر والمؤنث لتضادهما كما توهم لأنه حاصل بالجملة الأولى ولما كانت من المحسنات المعتبرة بعد المطابقة للحال ومقتضاه ذكر ما فيه من المبالغة لنفي الحل من الطرفين وهو أشذ في الفرقة وقطع العلاقة وقوله: أو الأوّل الخ يعني لا تكرار فيه لأنه على خلاف الأصل والأوّل محمول على الفرقة الثابتة لأنّ الاسم يدل على الحال والثاني على ما يستأنف ويستقبل لدلالة الفعل على الاستمرار التجدّدي.
стр. 2926
قوله: (لحصول الفرقة) فيه نظر قال في الهداية وإذا خرج أحد الزوجين إلينا من دار الحرب وقعت البينونة بينهما وقال الشافعيّ لا تقع انتهى فهذا لا يوافق مذهبه بحسب الظاهر لأنّ الفرقة عنده بالإسلام ودخول دار الإسلام لا بمجرّد دخول دارنا فينزل هذا عليه وحينئذ لا تكون الآية دليلاً لأبي حنيفة ﵀ وقوله: لأنّ صلح الحديبية الخ وفي كتب الحديث: أنه ﷺ أمر عليا كرم الله وجهه أن يكتب بالصلح فكتب باسمك اللهم هذا ما صالح عليه محمد بن عبد القه سهيل بن عمرو اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين تأمن فيهن الناس ويكف بعضهم عن بعض على أن من أتى محمداً من قريش بغير إذن وليه ردّه عليه ومن جاء قريشا ممن مع محمد لم يرذو. عليه وأنّ بيننا عيبة مكفوفة وأنه لا إسلال ولا إغلال وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه اهـ. قوله: (لورود النهي عنه) يعني قوله: فلا ترجعوهن وهذا كما قيل من تخصيص العام عند الشافعية فمانهم يجوّزونه مع التراخي
ومن نسني الستة بالكتاب عند الحنفية وفيه أنه إن كان ما مرّ في كتاب العهد وقع على الرجأل فقط كما ذهب إليه البعض فلا تخصيص ولا نسخ والا فلا بد من القول بما ذهب إليه الشافعيّ والاً لزم نقف العهد. قوله: (لزمه ردّ مهورهن) قيل لأنه بدل بضعهن ولما لم يتمش هذا التعليل على تقدير تسليم صحته إلا في غير المدخولات فإن المدخولات استوقيت منافع بعضهن وأنما يعلم مثل هذا من الشارع قال المصنف: إذ روي الخ لتعلقه بلزم فبين اللزوم بفعل الشارع وما أعطى زوجها هو المهر بالاتفاق اهـ وقد عرفت أنّ الآية إمّا مخصوصة أو منسوخة إذ هذا الحكم لا يتمشى في المدخولات ولا في غيرها لأنّ من أتت مسلمة من دار الحرب لا يلزمها شيء بالاتفاق فما ذكر لا وجه له قتدبر. قوله: (بعد (أي بعد الصلح وقوله: إذ جاءته بدل منه وليست فجائية لما فيه من التكلف وقوله: سبيعة بصيغة المصغر مخالف لما في السير وكتب الحديث من أنها أمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط فإنها هاجرت إلى النبيّ ﷺ فخرج أخوها عمارة والوليد في ردّها بالعهد فلم يفعله جمر ونزل قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ الآية إلا أن يقال: بتعدد سبب النزول فإنه جائز قال البغوي: اختلف في رد مهر من أسلمت من! النساء إلى أزواجهن أكان واجبا أو مندوبا وأصله أن الصلح لم يقع على ردّ النساء بل على الرجال لأنه لا فتنة في ردّ الرجال ولإصابة المشرك لهت ولأنه لا يؤمن من ردّتهن بتخويف واكراه ولا تهتدي إلى التقية فلذا قيل كان واجبا واختلفوا في أنه هل يجب العمل به اليوم في رد المال إذا شرط في الصلح فقيل: لا والآية منسوخة وقيل: يرد. قوله تعالى: ( ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ (استدل به أبو حنيفة على عدم العدة في الفرقة بخروجها إلينا من دار الحرب مسلمة إلا في الحاملى لأنه وإن كان زيادة على النص وهي لا تجوز بالظني لكنه ثبت بحديث: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقين ماءه زرع غيره "
وهو حديث مشهور تجوز بمثله الزيادة على النص قيل وفيه نظر فإنه لا يمنع من النكاج كالحبل من الزنا وفي الهداية قول أبي حنيفة إذا كان معتاتدهم العدة قلت هذا قياس مع الفارق وفي الحديث إشارة إلى عدم اعتبار حبل الزنا فإنه شبهه بالزرع فالزنا زرع في أرض مغصوبة ومثله يقلع لأنه لا حرمة له ووجه الاحتجاج أنه نفي الجناج بعد إيتاء المهر من غير تقييد بمضيّ عدة فلولا أن الفرقة بمجرّد الوصول لدار الإسلام لكان الجناج ثابتا وقد أجابوا عنه بأنّ عدم التعرّض ليس معرضا للعدم فتأمل. قوله: (شرط إيتاء المهر الخ اليس! المراد بالإيتاء الإعطاء بالفعل بل التزامه وتعهده والشرطية من تقييده بوقت الإيتاء لا لأن إذا هنا شرطية جوابها مقدر بدليل ما قبله كما توهمه عبارة المصنف وإن كان صحيحا في نفسه وقوله: إيذاناً الخ وجه الإيذان ظاهر لذكر الإيتاء في الآية مع تغايرهما بجعل الأوّل ما أنفقه الأزواج وهذا أجر لهن. قوله:) بما يعتصم به الكافرات) إشارة إلى أنّ العصمة اسم لما يعتصم به وأن الكوافر جمع كافرة لاطراد جمع فاعلة عليه وهو نهي للمؤمنين عن أن يكون بينهم وبين الزوجات المشركات الباقية في دار الحرب علقة من علق الزوجية أصلا حتى لا يمنع إحداهن نكاج خامسة أو نكاح أختها في العدة إذ لا عذة لهن وقوله:
стр. 2927
وسبب أي من أسباب النكاح، وفي نسخة نسب بالنون، وهو من تحريف الناسخ، وقوله: من مهور الخ لأنّ الصلح وقع عليه، وهو منسوخ كما مرّ. قوله:) على حذف الضمير (العائد إلى ذي الحال، والتقدير لحكمه وهذا الضمير مفعول مطلق لا مفعول به كما في شرح الكشاف أو العائد الضمير المستتر فيه بجعل الحكم حاكماً مبالغة كان الحكم لقوّته، وظهوره غير محتاج لحاكم آخر، وقوله: وإن سبقكم الخ يعني المراد! ت الفوات مجازاً لحوق النساء هاربة بدار الحرب من الأزواج. قوله: (وإيقاع شيء موقعه (أي موقع أحد كما هو مقتضى الظاهر لأنّ شيئاً، وإن وقع على الذوات من أولي العلم كأحد إلا أنه غلب استعماله إذا أريد التعميم في العقلاء، وغيرهم أو التحقير في العقلاء، ولذا عاب في دلائل الإعجاز على المتنبي في قوله:
لوالفلك الدوّارأبغضت سعيه لعوّقه شيء عن الدوران
وهنا قصد تحقير ما فات من الزوجات، وعده من غير ذوي العقول لاختياره الكفر على الإسلام، وتعميمه فهو أحسن من لفظ أحد هنا، ولا حاجة إلى اعتبار عموم النكرة مع الشرط، وإن كان من محسناته أيضاً. قوله: (أو شيء من مهورهق) مبنيّ على ظاهره، ومن في قوله من أزواجكم ابتدائية لا بيانية كما في الوجه الأوّل. قوله: (فجاءت عقبتكم الخ (فعاقب مفاعلة من العقبة لا من العقاب، وهي النوبة في ركوب أحد الرفيقين على دابة لهما، والآخر بعده والمراد لزوم أداء المهر كما لزم الكفار فليس المعنى على معاقبتهم لغيرهم بل على معاقبتهم في الأداء، وهو لا يقتضي المشاركة كما يقال: للإبل معاقبة إذا رعت الحمض تارة والخلة أخرى، وإن لم تعاقب غيرها من الإبل، واليه أشار المصنف بقوله: من أداء المهر، وقوله: شبه الحكم إشارة إلى أنه استعارة تبعية أو تمثيلية فشبه لزوم الأداء لكل من هؤلاء، وهؤلاء بتعاقب رفيقين على أمر واحد وجعل المصنف المشبه الحكم، وفي الكشاف إنه المحكوم به، وهو أداء المهر، ولا تسامح فيه لأنه كما اتحد الحكم اتحد المحكوم به نوعا فتأمّل. قوله: (وقيل معناه إن فاتكم الخ) فالعقبى مجاز بمعنى الغنيمة، وتأويله كما قال الزجاج: كانت العقبى لكم أي الغلبة حتى غنمتم فهو من إقامة السبب مقام المسبب لأنّ الغنيمة مسببة عن الغلبة إذ المعنى أصبتموهم بعقوبة حتى غنمتم، وقوله: يبايعنك حال مقدرة. قوله: (نزلت يوم الفتح) بيان لوقت النزول، وسببه كما هو شأن المفسرين، وليس! هذا مأخوذا من النظم كما توهم حتى يقال: لا دلالة فيه على ذلك إلا بضم ضميمة، وما ذكره المصنف عليه الأكثر إلا البخاريّ فإنه أوردها في بيعة الرجال، ولا يساعده النظم، وقوله: يريد وأد البنات يعني بالقرينة الخارجية، وإن كان الأولاد أعمّ منهن. قوله تعالى: ( ﴿يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ (في شرح البخاريّ للكرماني ما معناه لا تأتوا ببهتان من قبل
أنفسكم، واليد والرجل كناية عن الذات لأنّ معظم الأفعال بهما، ولذا قيل للمعاقب بجناية قولية هذا ما كسبت يداك أو معناه لا تنشؤه من ضمائركم، وقلوبكم لأنه من القلب الذي مقرّه بين الأيدي والأرجل، والأوّل كناية عن إلقاء البهتان من تلقاء أنفسهم، والثاني عن كونه من دخيله قلوبهم المبنية على الخبث الباطني، وقال الخطابيّ: معناه لا تبهتوا الناس كفاحا، ومواجهة كما يقال للآمر بحضرتك إنه بين يديك، ورد بأنهم وإن كنوا عن الحاضر يكون بين يديه فلا يقال بين أرجله، وهو وارد لو ذكرت الأرجل وحدها أما مع الأيديّ تبعاً فلا فالمخطئ مخطئ، وهو كناية عن خرق جلباب الحياء، والمراد، النهي عن القذف، ويدخل فيه الكذب والغيبة انتهى، وفي الكشاف كانت المرأة تلتقط المولود، وتقول لزوجها هو ولدي منك فكني بالمفتري بين يديها، ورجليها عن ذلك الولد لأنها تحمله في بطنها كذلك، وهو غير الزنا فلا تكرار فيه. قوله: (في حسنة تأمرهن بها) يعني المراد ما عرف حسنه من قبل الشرع وفي النهاية المعروف اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله، والإحسان إلى الناس، وكل ما أمر به الشرع ونهى عنه اهـ. قوله: (والتقييد بالمعروف الخ) يعني إذا جاز مخالفة الرسول إذا أمر بغير المعروف أي الحسن شرعاً مع عظم شأنه، وكونه لا يأمر بغير معروف فما ظنك بغير.، وهو زجر عما يتخيله بعض الجهلة من أنّ إطاعة أولى لأمر لازمة مطلقاً. قوله: (بضمان الثواب الخ) متعلق بقوله: بايعهن، وقولى: على الوفاء
стр. 2928
متعلق بالثواب وبهذه الأشياء متعلق بالوفاء ومبايعة الناس للإمام بعهد الإطاعة لأوامره ونواهيه ومبايعة الإمام قبول ذلك منهم واثابتهم عليه. قوله: (أو اليهود (لأنهم عبر عنهم في غير هذه الآية بالمغضوب عليهم وقوله: لكفرهم الخ لف ونشر مرتب فالأوّل ناظر لأنّ المراد بالقوم عامّة الكفار وقوله: أو لعلمهم الخ ناظر لقوله: أو اليهود الخ. قوله: (أن يبعثوا الخ (بدل اشتمال من أصحاب القبور متعلق بقوله: يئس. قوله: (أو يثابوا أو ينالهم خير منهم (فالمعنى أن يأس هؤلاء من الآخرة كيأس الكفار الذين ماتوا وسكنوا القبور وبينوا أنهم لا حظ لهم في الآخرة من الثواب أو أنهم لا ينالون خيراً من هؤلاء الأحياء فليس المراد بالكفار قوماً غضب الله عليهم وقوله: من أصحاب القبور بيان للكفار فهو ظرف مستقرّ حينئذ وهذا هو التفسير الثاني. قوله: (وعلى الأوّل (أي على التفسير الأوّل وا! المراد بالكفار قوم غضب الله عليهم
يكون من وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلا لكفرهم وبياناً لما اقتضى الغضب عليهم أو لما حصل لهم اليأس واليه أشار بقوله: للدلالة الخ. قوله: (عن النبئ ﷺ هو من حديث أبيّ المشهور وهو موضوع كأكثر الأحاديث التي ذكرت في فضائل السور ووجه ما فيه أنه ذكر فيه أحوال المؤمنين والمؤمنات من الصحابة والمهاجرين والمهاجرات كما مرّ تصت السورة الكريمة بحمد الله ومنه ويمنه والصلاة والسلام على أفضل الأنبياء والرسل الكرام وعلى من اتبعه من الأصحاب والآل والتابعين لهم بإحسان إلى يوم القيامة ما تعاقبت الليالي والأيام.
سورة الصف
وتسمى سورة الحواريين ولا خلاف في عدد آياتها وأنما الخلاف في كونها مدنية وعليه الجمهور أو مكية واليه ذهب الحسن وبعض الصحابة وسيأتي ما فيه إن شاء الله تعالى.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (روي الخ) رواه الحاكم وهو سبب النزول وقوله: إنّ الله يح! ث الذين الخ وجه الدلالة على أنهم أحب إلى الله تعالى وأعمالهم أحب الأعمال عنده مع أنّ المذكور فيها أنه يحبهم فقط أنّ تخصيصهم في مقام المدح يقتضي اختصاصهم بمحبة الله دون غيرهم من المؤمنين الذين لم يقاتلوا فلو كان على ظاهره اقتضى أنّ غيرهم مبغوض له فحمل على الأحبية لقيام القرينة العقلية عليه فلا يتوهم عدم المطابقة فيه وقوله: يوم أحد مما يدل على أنها مدنية. قوله: (لكثرة استعمالهما معاً) فلذا استحق التخفيف دون غيره واثبات الكثرة فيه أمر عسير وسيأتي فيه كلام وقوله: واعتناقهما بالجر معطوف على كثرة لا على ما أضيف إليه فإن قلت: كل حرف جر مع مجروره كذلك فلا وجه للتخصيص المذكور قلت الظاهر أنه يعني إنّ قولك لم فعلت مثلاً المستفهم عنه علة الفعل فهو كالمركب من العلة والفعل والعلة مدلول اللام والفعل مدلول ما لأنها بمعنى أفي شيء والمفيد له مجموع الحرف ومدخوله فقد اعتنقا في الدلالة على المستفهم عنه إذا دخله الحرف وعند عدمه المسؤول عنه الفعل وحده وما قيل إنّ كليهما متعلق به الحرف لفظاً ومعنى وما الاستفهامية معنى فكانا من هذه الجهة ككلمة واحدة لا
محصل له وقول النحاة إنه للفرق بين الخبر والاستفهام مع ما فيه أظهر من هذا. قوله: (ونصبه) أي مقتا وقوله: للدلالة ليس علة لنصبه على التمييز كما لا يخفى على من له أدنى تمييز وإن كان ظاهره كذلك بل لذكره منصوبا بحسب المعنى موصوفا بما ذكر لكنه تسمح فيه اعتمادا على ظهور المراد الدافع للإيراد وقيل: إنّ نصبه تمييزا للنسبة يقتضي كونه بمعنى الفاعل ومتحدا معه ويلزمه أن الفاعل وهو القول مقت خالص من شائبة تشوبه وقوله: كبر الخ إشارة إلى فائدة قوله: عند الله وقد مرّ الكلام على كبر وافادته التعجب ونصب التمييز بعده في الكهف وقوله هذا بدل من قولهم ومقت خبر أنّ وقوله: خالص الخ من كونه كبيرا عند الله لما ذكره وقوله: يحقر إما تفعيل واما ثلاثي بكسر القاف وضمها من باب ضرب وكرم وقوله: مبالغة تعليل للدلالة وقوله: مصطفين إشارة
стр. 2929
إلى أنه حال مؤوّل بالمشتق، وقوله: في تراصهم الخ بيان لوجه التشبيه بالبنيان المرصوص، ويفهم أنهم يقاتلون مشاة لأنّ التراص ظاهر فيهم كما قيل. قوله: (حال الخ) أي من المستكن في الحال الأولى، وهو صفا لتأويله بالمشتق، وهذا بيان لقوله في الكشاف صفا كأنهم بنيان الخ. حالان متداخلتان كما في الإنصاف، ولم يرتض قوله في الانتصاف أنّ معنى التداخل أنّ الحال الأولى مشتملة على الحال الثانية فإنّ هيئة التصاف هي هيثة الارتصاص فإنه خلاف المعروف من التداخل في اصطلاح أهل العربية وكون التصاف مشبهاً بالتراص لا يأباه كما توهمه الطيبي. قوله (مقدّر باذكر الخ (يعني هو مفعول به لا ذكر مقدّر كما مرّ أو هو ظرف متعلق بفعل مقدّر يدل عليه ما بعده كزاغوا ونحوه والجملة معطوفة على ما قبلها عطف القصة على القصة، والعصيان مخالفة أمره، والإدرة بضم الهمزة، وسكون الدال المهملة وبراء مهملة مرض يكبر منه الخصاء، وكان موسى ﵊ لحيائه إذا اغتسل بعد عن الناس فقالوا: إنّ له أدرة في القصة المشهورة. قوله: (بما جئتكم من المعجزات) إمّا متعلق بتعلمون، والباء للاستعانة أو برسول والباء للتعدية وقوله: مقرّرة للإنكار الدال عليه قوله: لم تؤذونني فإنه استفهام إنكاري والتقرير لأنّ من علمت نبوّته كان حقه التوقير لا الأذية، وقال بنبوّته دون رسالته كما في النظم إما لأنه إذا لزم من نبوّته هذا لزم من رسالته بالطريق الأولى أو المراد به الرسالة، وعدل عنها لأنها محتملة لغير المراد وقوله، وقد لتحقيق العلم أي لا للتقليل، ولا للتقريب لعدم مناسبته للمقام. قوله: (صرفها عن قبول الحق) زاد القبول هنا ليصح كونه جواباً للما مترتباً على زيغهم لأنه كان الظاهر العكس، وأن يقال: لما
أزاغ الله قلوبهم زاغواه، وبهذا يظهر الترتب، وقوله: هداية موصلة يعني لا مطلق الدلالة فإنها واقعة غير منتفية بل عامّة. قوله: (ولعله لم يقل يا قوم الخ) المراد بكونه لا نسب له فيهم النسب المعروف المعتاد، وهو ما كان من قبل الأب والا فأمه مريم من أشرفهم نسباً، وقيل: إنه للاستعطاف وفيه أنه لو قال: يا قومي كان الاستعطاف فيه أظهر وكأنه إنما لم يقل ذلك إشارة إلى أنه عامل بالتوراة وأنه مثلهم في أنه من قوم موسى هضما لنفسه بأنه لا اتباع له، ولا قوم ولعل هذا أحسن وأظهر، وكأنّ القائل عناه ولكنه لم يفصح عنه. قوله: (والعامل في الحالين) يعني مصدّقا ومبشرا فإنهما حالان من الضمير المستتر في برسول فيعمل فيهما لأنه في معنى الفعل لا الجارّ، وهو قوله: إليكم لأنه ظرف لغو لتعلقه بالرسول، والجارّ قد يعمل في الحال وش! مى عاملاً معنويا لكنه إذا كان مستقرّاً لأنه لنيابته عن متعلقه يعمل عمله. قوله: (يعني محمداً ﷺ ذكره بأشهر أسمائه إشارة إلى أنه أكثر الأنبياء حامدا ومحموداً لأنّ أحمد وإن احتمل كما قيل كونه اسم تفضيل من الحامدية والمحمودية فإنّ الأشهر المقيس هو الأوّل كما ذكره النحاة نعم هو سمع فيه بالمعنى الثاني نحو العود أحمد فلا بأس بالتخريج عليه بعد الورود عن العرب. قوله: (فذكر أوّل الكتب المشهورة الذي الخ) هو وصف أوّل منصوب محلاً، والنبيّ معطوف على أوّل يعني أنه جعل الأوّل، والآخر كناية عن الجميع كالصباح، والمساء إذ جعل عبارة عن الأيام فلذا خصهما بالذكر. قوله: (الإشارة إلى ما جاء به (إشارة إلى أنّ التنكير مع تأنيث البينات لتأويله بما جاء به، وقوله: أو إليه يعني إلى عيسى ﵊ فتذكيره ظاهر. قوله: (لا أحد أظلم الخ) لأنّ الاستفهام إنكاريّ وهو نفي معنى ونفي الأظلمية صادق بنفي المساوأة أيضا كما مرّ مراراً، وقوله: ممن يدعي الخ بيان لوجه التقييد بالجملة الحالية هنا، وأنّ لها مدخلا عظيما في الأظلمية كقولك: أتهين زيداً وهو صديقك القديم، وضمير المقتضى له راجع لمن يدعي إلى الإسلام وقوله: فإنه أي الافتراء على الله، وقوله: يعم إثبات المنفيّ الخ الظاهر أنه لف ونشر مشوّس فإثبات المنفيّ إثبات السحر
للآيات، وهو منفي عنها ونفي الثابت نفي رسالته الثابتة بالمعجزات، والآيات الحقة في الواقع ويصح كونه مرتبا فإثبات المنفيّ إثبات كذب الرسول المنفي عنه، ونفي الثابت نفي حقية الآيات بجعلها تخيلا وسحرا، والأوّل أولى. قوله: (يقال دعاه وادّعاه) بمعنى كلمسه، والتمسه فيجوز أن يكون تفسيراً
стр. 2930
وتمثيلاً لأنه بمعنى الطلب أيضاً، وقوله: لا يرشدهم مرّ توجيهه قريبا. قوله: (واللام مزيدة الخ) في هذه اللام مذاهب للنحاة أحدها أنهار زائدة والفعل منصوب بأن مقدرة بعدها وزيدت لتأكيد معنى الإرادة لما في لام العلة من للإشعار بالإرادة، والقصد فإنك تعني إذا قلت: جئتك كرمك أردت أنّ قصدي بالمجيء إكرامك كما زيدت بين الأسماء لتأكيد معنى الإضافة فيها في نحو لا أبا لك فإنها لو لم تكن زائدة لم يعرب أب بالحروف لاختصاصه بالإضافة، والإضافة كاللام تدلّ على الاختصاص فلذا أكدتها لكنه لم يعامل معاملة المضاف للضمير، ونحوه من كل وجه لأنّ اسم لا لا يكون معرفة فيسقط استشكاله بما ذكر. قوله: (أو يريدون الافتراء ليطفؤوا (هذا هو المذهب الثاني، وهو أنه! غير زائدة للتعليل بل ومفعوله محذوف وهو الافتراء كما ذكره المصنف، والثالث أنّ حال محل المصدر مبتدأ والمجرور بلام التعليل خبره أي إرادتهم كائنة للإطفاء، وهو ضعيف لتأويل الفعل بالمصدر من غير سابك، والرابع مذهب الفراء وهو أنّ اللام مصدرية بمعنى أن من غير تقدير، وهو مفعول به ويكثر ذلك بعد فعل الإرادة والأمر، والخامس أق يريدون نزل منزلة اللازم لتأويله بيوقعون الإرادة قيل: وفيه مبالغة لجعل كل إرادة لهم للإطفاء، وفيه كلام في شرح المغني وغيره. قوله: (يعني دينه الخ) فنور الله استعارة تصريحية والإطفاء ترشيح، وقوله: بأفواههم فيه تورية حينئذ، وكذا قوله: نوره لكن قوله: متم تجريد لا ترشيح له، وقوله: بالإضافة أي إضافة متم لنور. وجعله في الكشاف استعارة تمثيلية تمثيلا لحالهم في اجتهادهم في إبطال الحق بحال من ينفخ الشمس بفيه ليطفئها تهكما وسخرية بهم كما يقول الناس هو يطين عين الشمس، وهو أبلغ وألطف مما اختاره المصشف. قوله: (إرغاماً لهم) مفعول له وتعليل لقوله. متم نوره والإرغام التخييب والتذليل وأصله إلصاق الأنف بالرغام وهو التراب، وقوله: بالقرآن أو
المعجزة بجعله نفس الهدى وهو هاد مبالغة فهو مجاز فيه، وقولى: لما فيه متعلق بقوله: كره. قوله:) استئناف الخ (كأنه جواب سؤال تقديره ما هذه التجارة دلنا عليها، وقوله: وهو الجمع الضمير للتجارة وذكره مراعاة للخبر وهو الجمع وإنما فسره به لأنهم مؤمنون فلا يفيد وصفهم أو أمرهم بالإيمان فلذا أشار إلى أنّ المراد يجمعون بين الإيمان والجهاد وبين تكميل النفس والغير، وقد أوّل أيضاً بيثبتون ويدومون على الإيمان أو بجعل الخطاب للمؤمنين ظاهرا فالمراد تخلصون الإيمان وقوله: المؤذي إلى كمال غيرهم صفة الجهاد لأنه يحملهم على الإسلام، وليس المراد به إعطاء المال لمن يجاهد فإنه غير مراد له كما توهم. قوله: (والمراد به الأمر الخ) يعني المراد آمنوا وجاهدوا لكنه عبر عنه بالمضارع الدال على تجدد وقوعه مستمراً والله تعالى أخبر عنه، وخبر الصادق لا يتخلف وهذا جار في كل خبر أريد به الأمر أو الدعاء كرحمه الله كما حققه العلامة في أماكن كثيرة ولا يلزم أن يكون مذكوراً للتعليم والأصل فيه الأمر والنهي كما توهم، وأضعف من هذا اذعاء أنه في تأويل مفرد وأصله أن تؤمنوا فلما حذفت إن ارتفع الفعل لأنه يوهم من قوله: الأمر أن لفظ الأمر مقدر فيه، وهو وهم غريب منه غرّه ظاهر كلام شراح الكشاف. قوله: (يعني ما ذكر (توجيه لأفراد اسم الإشارة، وقوله: إن كنتم من أهل العلم إشارة إلى تنزيل يعلمون هنا منزلة اللازم أو لا حاجة إلى تقدير مفعول له، وهذا أخصر وأبلغ مع أنّ تقديره إن كنتم تعلمون أنه خير لكم لا وجه له إذ هو خير لهم على كل حال علموا أو لا، ولذا تركه المصنف، وقوله: إذ الجاهل لا يعتد بفعله حتى يوصف يالخيرية لا لأنه لا يثاب فإنه باطل. قوله: (ويبعد جعله جوابا لهل أذلكم) كما قاله الفراء فإن مجرّد دلالة الله لهم على ما ينفعهم لا يوجب المغفرة لهم إنما الموجب لها الإيمان والجهاد، ولذا أوّله الزمخشري، وقال: لما كان متعلق الدلالة التجارة المفسرة بالإيمان والجهاد فكأنه قيل هل تتجرون بالإيمان والجهاد يغفر لكم وفي الانتصاف لا حاجة إلى هذا التأويل فإنه كقوله: ﴿قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلاَةَ﴾ [سورة إبرأهيم، الآية: ٣١] لأنّ الأمر الموجه للمؤمن الراسخ في الإيمان لما كان مظنة لحصول الامتثال جعل كالمحقق، وقوعه والدلالة لما كانت مظنة لذلك نزلت منزلة المحقق، ويؤيده قوله: إن كنتم تعلمون لأنّ من له عقل إذا دله سيده على ما هو خير له لا يتركه، وادّعاء الفرق بين المقامين لما ثمة من الإضافة التشريفية
وهنا من المعاتبة
стр. 2931
غير ظاهر فتدبر. قوله: (الإشارة إلى ما ذكر الخ) توجيه لأفراد اسم الإشارة أيضا، وقوله: ولكم إلى هذه النعمة أي مضمومة إليها فأخرى صفة لمبتدأ مقدر، وخبره محذوف وهو لكم ولعل هذه الجملة حالية لا معطوفة على يغفر الخ بحسب المعنى، وقوله: منصوبة بإضمار يعطكم كقوله:
علفتها تبناً وماء باردا
وقوله: أو تحبون أي أخرى فهو مفعول لمقدر يفسره ما بعده على شريطة الاشتغال، وقوله: وهو أي نصر والأولى كونه مبتدأ خبر. مقدر، وقوله: على البدل أي على وجوه النصب والمراد بالاختصاص نصبه بأعني مقدراً لا مصطلح النحاة، وقوله: أو المصدر أي تنصرون نصراً. قوله: (عطف على محذوف (وهو قل المقدر قبل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ﴾ [سورة الصف، الآية: ٠ ا] الآية كما أشار إليه، وقوله: فإنه في معنى الأمر كما مز وقدره الزمخشريّ آمنوا وجاهدوا يثبكم الله وينصركم وبشر المؤمنين، وقدره بما ذكر ليبين أن الفواصل غير أجنبية وفي الإيضاح فيه نظر لأنّ المخاطب بتؤمنون المؤمنون وببشر النبيّ ﷺ ، ثم إنّ قوله: تؤمنون بيان لما قبله وبشر لا يصلح لذلك، وأجيب بأن تؤمنون شامل للنبيّ-! ر وأمّته ما تقرّر في الأصول وإذا فسر بامنوا وبشر دل على تجارته ﷺ الرابحة وتجارتهم الصالحة وقدم آمنوا لأنه فاتحة الكل ولو سلم فلا مانع من العطف على الجواب ما هو زيادة عليه إذا ناسبه وهذا أولى الوجوه عند صاحب الكشف كتقدير أبشر يا محمد وبشر وتقدير قل، وجعل بشر أمرا بمعنى الخبر كما في قوله: أبطئي أو أسرعي، وسبق النداء على الأمر ليس بلازم إذا لم يكن لبس كقوله: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي﴾ [سورة يوسف، الآية: ٢٩] كما مرّ فلا يلتفت لما هنا من القيل والقال. قوله: (بعض أنصار الله) فالتنوين للتبعيض لا للتعظيم، وقوله: ليطابق الخ يعني إلى بمعناها لتضمينه ما ذكر لا بمعنى مع لأنّ ما بعده إنما يطابقه معنى على الأوّل اللهم إلا أن يقدر نحن أنصار نبيّ الله كما قيل. قوله: (والإضافة الأولى) أي إضافة
أنصاري والاشتراك هنا في النصرة والتوجه إلى الله، وقوله: لما بينهما من الاختصاص لأنهما لما اشتركا في نصرة الله كان بينهما ملابسة تصحح إضافة أحدهما للآخر وأمّا الاختصاص! الإضافي الحقيقي فغير موجود فيهما ففي عبارته قصور مّا، وقوله: والثانية يعني أنصار الله فإن معناه ننصر الله. قوله: (والتشبيه الخ أليس التشبيه على ظاهره من تشبيه كون المؤمنين أنصار الله فقول عيسى إذ لا وجه لتشبيه الكون بالقول بل مؤوّل بما ذكر وجعل التشبيه باعتبار المعنى على تقدير قل لظهوره فيه وانصباب الكلام إليه، وقوله: أو كونوا الخ فما مصدرية وهي مع صلتها ظرف والأصل ككون الحواريين أنصارا وقت قول عيسى، ثم حذف المظروف، وأقيم ظرفه مقامه وقد جعلت الآية من الاحتباك والأصل كونوا أنصار الله حين قال لكم النبيّ من أنصاري إلى الله كما كان الحواريون أنصار الله حين قال لهم: عيسى من أنصاري إلى الله فحذف من كل منهما ما دل عليه المذكور في الآخر وهو كلام حسن. قوله: (من الحوار وهو البياض) وفي نسخة الحور بغير ألف وقد مرّ في آل عمران أنهم سموا به لنقاء ظاهرهم وباطنهم، وقيل: كانوا يلبسون البياض، وقيل: كانوا قصارين وقيل الحواريون المجاهدون، وقوله: (عن النبئ ﷺ الخ) الحديث موضوع تمت، السورة والحمد لله على نعمائه، والصلاة والسلام على أشرف أنبيائه وعلى آله وأصحابه وأحبائه.
سورة الجمعة
مدنية والقول بأنها مكية غلط لأن الجمعة وأمر اليهود لم يكن إلا بالمدينة ولا خلاف في
عدد آياتها المذكور.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (لآنّ كثرهم الخ) قيد به لأنّ منهم من قرأ وكتب ومن أطلق أراد ذلك أيضاً، وقوله: من جملتهم بيان لأنّ من تبعيضية والبعضية إما باعتبار الجنس فلا تدل على أنه أمّيّ أو باعتبار الخاصة المشتركة في
стр. 2932
الأكثر فتدل على ذلك ويزكيهم بمعنى يطهرهم، وقوله: من خبائث متعلق به والشريعة تفسيير للحكمة لأنها فسرت بعلم الشرائع والشريعة، وقوله: من المنقول والمعقول بيان للكتاب والحكمة على اللف والنشر المرتب والمراد بالمعالم نفس الأمور العقلية والنقلية التي يعلم بها الدين جمع معلمة، وهو المحل الذي يعلم منه الشيء كالمسألة محل السؤال مجاز إلا الأدلة فإنه غير مناسب هنا فالكتاب والحكمة كناية عن جميع العقليات والنقليات كالسموات والأرض لجميع الموجودات والأنصار والمهاجرين لجميع الصحابة، وقوله: سواه أي سوى ما ذكر كما قال في البردة:
كفاك بالعلم في الأ! ي معجزة في الجاهلية والتأديب في اليتم
قوله:) وإرّاحة الخ (هذا وما قبله مأخوذ من قوله: هو الذي بعث إلى هنا، ولم يبين أنّ
نسبة الضلال إليهم باعتبار الأكثر اعتماداً على ما مز فلا يرد أن منهم مهتد كورقة وأضرابه كما توهم، وتوله: وإن هي المخففة لا شرطية ولا نافية واللام تختص بها، ولذا سميت الفارقة وآخرين جمع أخرى بمعنى غير وقوله: منهم التخصيص بالذكر للعرب أو للأميين منهم لا ينافي عموم رسالته، ودعوته ﷺ سواء قلنا باعتبار المفهوم أولاً لأنّ المذكور هنا قومه وجنسه
الذين بعث فيهم، وهو خاص بلا كلام والعامّ المبعوث إليهم ولم يتعرض له هنا نفيا واثباتاً فلا وجه لما تكلفوه هنا مما لا يرد رأسا فيحتاج للدفع كما توهم، وقوله: فإنّ دعوته إذا عطف على الأقيين وتعليمه على ما بعده ففيه لف ونشر مرتب. قوله: الم يلحقوا بهم بعد (أي إلى الآن وسيلحقون وهو إشارة إلى أنّ لما نافية جازمة كلم إلا أن نفيها يستمرّ إلى الحال، ويتوقع وقوعه بعده وهو الفرق بينه وبين منفي لم كما ذكره النحاة، وقوله: الخارق للعادة يعني جمعه للعلوم بالشرائع وغيرها وهو أمي بين قوم أميين وهو بيان لارتباطه بما هو دليل له، وقوله: عن أقرانه يعني من قومه وأهله وهذا أولى أو من جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لامتيازه عليهم بما أوتيه من العلم لا بعموم دعوته لما مرّ من أنه لم يتعرض له هنا. قوله: (علموها (بالمجهول من التفعيل، والتحميل في هذا شائع يلحق بالحقيقة، وقوله: لم يعلموا الخ لتحريفهم وتعطيلهم لكثير من أحكامها ومن ذلك ذكر خاتم الرسل ونعته والتبثير به، وقوله: حال لتعريفه وكون المضاف عاملاً فيه، وقوله: أو صفة لا! تعريفه ذهني فهو معنى نكرة فيوصف بما توصف به، وقوله: أي مثل الذين كذبوا الخ يعني أن مثل القوم فاعل بئس والذين كذبوا هو المخصوص بالمدح بتقدير مضاف كما ذكره فيتحد الفاعل والمخصوص، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وإذا كان صفة للقوم فالمخصوص بالمدح محذوف والتقدير مثلهم أو هو وتهادوا وتهوّدوا بمعنى صاروا يهودأ. قوله:) إذ كانوا يقولون نحن أولياء الله وأحباؤه) تفسير لقوله: زعمتم وفيه إشارة إلى انّ قولهم: ذلك محقق فاستعمل فيه إن التي
للشك إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يجزم به لوجود ما يكذبه، وقوله: وأحباؤه عطف تفسير بيانا لأنّ المراد بالأولياء هنا الأحباء، وقوله: إن كنتم صادقين لأنّ الحبيب يتمنى لقاء من يحب ولا يفر منه. قوله: (والفاء لتضمن الاسم معنى الشرط) أراد بالاسم اسم إن وهو ردّ على من زعم أنّ الفاء إنما تدخل الخبر إذا تضمن المبتدأ معنى الشرط، والمتضمن له الذي وليست بمبتدأ بأنه صفة اسم إنّ الذي هو بحسب الأصل مبتدأ والصفة، والموصوف كالشيء الواحد ولأن الذي يكون في الأغلب صفة، وإذا لم يذكر لموصوف تدخله الفاء فكذا إذا ذكر وهو كلام حسن. قوله: (وكان فرارهم يسرع لحوقه) أي الموت بهم هو من الفاء في قوله فإنه ملاقيكم فإنها نفيد تعقيب ملاقاته المفسرة باللحوق فيما مرّ وليست هذه الفاء لازمة كالتي في الجواب الحقيقي فإقحامها لنكتة تليق بالمقام، وهي ما ذكر فكان الفرار الذي أعدوه سببا للنجاة سبباً للهلاك تعكيساً للحال، فما قيل من أنّ الأولى أن يقال. كان فرارهم يلحقه بهم والتشبيه في الترتب لا محالة ولا تظهر دلالته على الإسراع إلا إذا قيل الفاء الجزائية تدل على التعقيب، وفيه ما فيه ليس بشيء لما عرفته مع أنّ الترتب صادق بالسرعة فيحمل على أكمل الإفراد. قوله: (ويجوز أن يكون الموصول الخ) والتعقيب بحاله والمعنى ما مرّ من أنّ الفرار مستعقب لموتهم ملحق له بهم، وقوله: أذن لها
стр. 2933
أطلقه ولها أذانان أذان خارح المسجد، وأذان بعده بين يدي المنبر إذا جلس الخطيب، وفي الكشاف أنّ الثاني هو المراد ويعينه أنّ الأوّل لم يكن على عهد النبيّ ﷺ وإنما أحدثه عثمان ﵁ كما صرحوا فكيف يقال المراد الأوّل في الأصح لأنّ الإعلام به، وأمّا كون الثاني لا إعلام فيه فلا يضر لأنّ وقتة معلوم تخميناً ولو أربد ما ذكره وجب بالأوّل السعي، وحرم البيع وليس كذلك وفي كتاب الأحكام روي عن ابن عمر والحسن ﵃ في قوله: إذا نودي الخ قال: إذا خرج الإمام وأذن المؤذنون فقد نودي للصلاة، أن فهو التفسير المأثور فلا عبرة بغيره.
قوله: (بيان لإذا) من هذه تحتمل التبعيض وأن تكون بمعنى في كما ذهب إليه أبو البقاء
فإن أراده المصنف ﵀ فالبيان لغوي لأنّ تعيين اليوم الذي فيه ذلك الوقت تعيين له، ولا لبس فيه لأنّ المعاني متقاربة ومثله يسمى إجمالاً لا لبساً لأنّ الليس باحتمال ما لا يصح كما ذكره ابن الحاج في المدخل، وظاهره أنه أراد البيان المشهور لكن أورد عليه أنّ شرط من
البيانية أن يصح الحمل فيها، وهو منتف هنا لأنّ الكل لا يحمل على الجزء، واليوم لا يصح أن يراد به هنا مطلق الوقت لا لأنّ قوله تسميه العروبة يمنعه لأنه يجوز فيه الاستخدام بل لأنّ يوم الجمعة علم لليوم المعروف لا يطلق على غيره في العرف، ولا قرينة عليه هنا. قوله: (وإنما سمي جمعة لاجتماع الناس فيه) هذه عبارة اللغويين وظاهر. أنّ الجمعة وحدها من غير يوم علم ولا مانع منه، واضافة العامّ المطلق إلى الخاص جائزة مستحسنة إذا خفي معنى الثاني أو كان مثتركاً بينه وبين غيره كمدينة بغداد وشجر الإرأك بخلاف إنسان زيد فإنه قبيح وما نحن فيه من الأوّل لأنّ التسمية حادثة، وإن اختلف أهل اللغة فيها هل حدثت في الإسلام أو قبله فلا حاجة إلى تقدير المضاف هنا إلا أن يقال العلم مجموعه وهو محتمل أيضا. قوله: (وكانت العرب تسميه العروبة) هذا بناء على أنّ هذا الاسم حدث في الإسلام وأوّل من استعمله الأنصار، وقيل: إنه جاهليّ وأوّل من سماه كعب بن لؤي مصغرا تصغيرا لأي وعروبة علم جنس يستعمل بال وبدونها، وقيل: أل لازمة والأصح الأوّل وأوّل جمعة مبتدأ وجمعها صفة جمعة، وقوله: في دار لبني سالم خبره، وقوله: إنه لما قدم بالفتح وقبله لام أو باء مقدرة، وهو مقدم من تأخير ويجوز الكسر على أنها جملة معترضة وفي العبارة نوع من الخفاء لا يخفى مثله وما ذكر. من أنّ أوّل جمعة صلاها النبيّ ﷺ وأوّل جمعة فعلت في الإسلام قبل قدوم النبيّ ﷺ للمدينة صلاها ابن زرارة وبه يلغز في صلاة مفروضة صلاها الناس قبل النبيّ ﷺ ، وقوله: وأوّل جمعة أطلق الجمعة على الصلاة مجازاً كما تطلق مجازاً على أيام الأسبوع أو فيه مضاف مقدر أي صلاة جمعة. قوله: (قصدا) المراد بالقصد هنا الاعتدال لا التعمد فإنه مشترك بينهما وقوله: فإنّ السعي الخ تعليل لكون المراد بالسعي عدم الإفراط في السرعة، وهو المعروف في اللغة وتفسيره في القاموس بعد ألا يخلو من شيء، وقوله: والذكر الخطبة مجازا من إطلاق البعض على الكل كإطلاقه على الصلاة أو لأنها كالمحل له، وقوله: والأمر بالسعي إليها الخ الظاهر عود ضمير إليها للخطبة لأنّ إطلاقها على الصلاة ممرض غير مرضي له ولأنه المحتاج للدليل، وقيل: إنه يجوز عوده لكل واحد منهما. قوله: (واتركوا المعاملة (فالبيع مجاز عن مطلق المعاملة بيعاً وشراء واجارة وغيره أو هو دال على ما عدا. بدلالة النص وقوله: فإن نفع الآخرة خير إشارة إلى أنّ التفضيل فيه مراد لأنّ الخيرية تعم الثواب، وغيره فهي مطلق
النفع. قوله: (أو إن كنتم من أهل العلم) فمفعوله محذوف أو لا مفعول له لتنزيله منزلة اللازم واقتصاره على الثاني في الصف كما مرّ قيل: لأنه في مقام العتاب، وهو المناسب له وقوله: فرغ منها إشارة إلى ما في التنقيح وغيره من كتب الأصول من أنّ القضاء يكون بمعنى الإتمام كما مرّ في قوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٠٠] وله معان أخر وقوله: إطلاق لما حظر أي منع فهو إباحة للمعاملة بعد الفراغ منها، وقد كانت ممنوعة وهذا توطئة لما بعده. قوله: (واحتج به من جعل الأمر الخ (الأمر هنا للإباحة على الأصح وفي شرح البخاري للكرماني أنه متفق عليه وفيه نظر لأنه قيل: إنه للوجوب كما نقله السرخسي، وقيل: إنه للندب كما نقل عن سعيد بن جبير وهو الأقرب لما فيه من عدم التشبه بأهل الكتاب في تعليل يوم السبت والأحد، وهذا اليوم لنا بمنزلته، واختلف
стр. 2934
الأصوليون في الأمر الوارد بعد المنع، فقيل: للإباحة استدلالاً بما هنا فإنه لم يذهب أحد من أصحاب المذاهب المشهورة إلى أنه للإيجاب، وهذا عائد بالنقض في دليله ومدلوله، أمّا في دليله فلأن الأصل بقاء الأمر على أصله من الإيجاب أو الندب، وهذا مثال جزئيّ لم يحمل عليه، لأنّ الاتفاق على خلافه قرينة مانعة عن إرادته، ولأنّ المعاملات حق شرع للعبد رفقا به، فلو أوجب أو طلب كان مشقة لا رفقا به، وأشار المصنف ﵀ إلى دفعه بالحديث أيضا، فإنه دل على أن المأمور به أمر أخروي لا دنيوي، فهو باق على الندبية، ولا دليل فيه لهم على الإباحة وتفصيله في الأصول. قوله: (واذكروه في مجامع أحوالكم) أي في كل مكان لكم جامع لأحوالكم، وعدم الاختصاص مفهوم من عدم تقييده بحال، ومكان وزمان، والأمر للندب، وقوله: فمرّت عليه عير بكسر العين أي إبل محملة بأنواع المأكولات المجلوبة كالبر، وقوله: إلا اثني عشر رجلا من الصحابة ﵃، وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجرّاج وسعيد بن زيد وبلال وعبد القه بن مسعود، وفي رواية عمار بن ياسر بدل ابن مسعود، وعد في مسلم منهم جابراً. قوله:) وأفراد التجارة برد الكناية الخ) يعني كان مقتضى الظاهر إليهما لسبق شيئين، أو إليه بعود الضمير على
ما ذكر، وعوده على الرؤية المفهومة من رأوا خلاف الظاهر المتبادر، والكناية هنا بمعنى الضمير اصطلاح النحاة والمشهور هو اصطلاح أهل المعاني، وقوله: لأنها المقصودة، يحني فاكتفى بالأهمّ كما قرّرناه، وفيه نظر لأنه بعد العطف بأو لا يثنى الضمير، ولا الخبر ولا الحال ولا الوصف لأنها لأحد الشيئين حتى تأوّلوا إن يكن غنيا أو فقيراً فالله أولى بهما، كما مز وتفصيله في إعراب السمين، فالظاهر أن يقال: وحد الضمير لا! العطف بأو واختير ضمير التجارة دون اللهو، لأنها الأهم المقصود وقد يقال: إنه المراد فتدبر، وقوله: فإنّ المراد الخ بيان لأنه الأهمّ. قوله: (والترديد الخ) يعني العطف بأو للدلالة على ما ذكرنا، إذ لو عطف بالواو اقتضى أن الانفضاض لهما معا، وحينئذ فعدم ذكره لعدم الاعتداد به، ولا تغليب فيه كما توهم، وقوله: أو للدلالة عطف على قوله للدلالة قبله، لا على قوله لأنها المقصودة، كما قيل لأنه يتراءى في بادئ النظر إنه علة لتخصيصه بإرجاع الضمير إليه، وهو ظاهر، لكن وجه ما قلناه، وهو المتبادر من السياق أنه سوّى بينهما وذثم الانفضاض إلى التجارة دونه اعتماداً على شذة الظهور فيه، وأنه يعلم بالطريق الأولى فتأمّل. قوله:) وقيل تقديره الخ (ووجه تمريضه ما مرّ من أنه بعد العطف بأو لا يحتاج إلى الضمير لكل منهما، بل يكفي الرجوع لأحدهما، فهو تقدير من غير حاجة. قوله: (بخلاف ما يتوهمونه من نفعهما (إشارة إلى أن التفضيل عليهما، واثبات الخبرية لهما بناء على زعمهم وتوهمهم وإلا فخيرية اللهو متوهمة لا حقيقة لها، وخيرية التجارة غير باقية، كما في سائر أمور الدنيا وتقديم اللهو ليس من تقديم العدم على الملكة، كما توهم بل لأنه أقوى مذمة فناسب تقديمه في مقام الذمّ، وقوله: وعن النبيّ ﷺ الخ حديث موضوع، وخص الأمصار لأنها إنما تلزم فيها على ما عرف في الفقه، تمت السورة والصلاة والسلام على المنزلة عليه وعلى آله وصحبه الكرام.
سورة المنافقون
مدنيتها وعدد آياتها لم يختلف فيه.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (الشهادة إخبار عن علم) هو تفسير له اتكالاً على فهم السامع، لا تعريف حتى
يقال: إنه تعريف غير تامّ، والتعريف التامّ هو أنها أخبار بحق للغير على آخر عن يقين، وأمّا هذا فمنقوض بالدعوى والإقرار، وغيره من الأخبار عما يشاهد، وكونها بالمعنى اللغوي لا يقابل ما ذكر، أو التعريف بالأعم جائز عند الفقهاء واللغويين مما لا حاجة إليه، وقوله: من الشهود أي مشتقة أو ماخوذة منه، وقوله: ولذلك أي لكون معنى الشهادة ما ذكر. قوله: (صدّق المشهود به الخ) المعلل في الحقيقة تكذيبهم في إخبارهم عن
стр. 2935
أنهم شهدوا وهم لم يعتقدوا ما شهدوا به، وأمّا تصديق المشهود فلتحقيق أنه مخالف للعلم دون الواقع، فلا يرد ما قيل إنّ كون الشهادة ما ذكر لا يوجب تصديق المشهود به، وإنما هو سبب لتكذيبهم في الشهادة. قوله: (لأنهم لم يعتقدوا الخ) متعلق بقوله: كذبهم، يعني أنّ إخبارهم بما ذكر ليس عن علم، فاندفع تمسك النظام بهذه الآية لما اذعاه، من أنّ معنى الصدق والكذب مطابقة الحكم لاعتقاد المخبر وعدمها لأنه علق فيها التكذيب، بقوله: إنك لرسول ﷺ ، وهو مطابق للواقع دون الاعتقاد، فيلزم أن يكون الكذب عدم مطابقة الخبر للاعتقاد، ولا قائل بالفصل، فالصدق مطابقته للاعتقاد أيضا لأنا لا نسلم أنّ تكذيبهم في هذا القول، وهو إنك لرسول الله، بل في قولهم نشهد، لأنّ معنى الشهادة ما مز، فإطلاق الشهادة على الزور مجاز، ك! طلاق البيع على الباطل، ومن عمم الشهادة للزور يقول التكذيب في ادّعائهم صدق الرغبة ووفور النشاط في أخبارهم، وأنه صادر عن صميم القلب وخلوص الاعتقاد، كما تدل عليه الجملة الاسمية المؤكدة، أو التكذيب لقولهم: نشهد الخ. لتأكيد المشهود به بما يدل على أنه مواطئ لما في القلب، وبه رجع إلى عدم مطابقة الواقع، وهذا الأخير ما اختاره الزمخشريّ، وقد تقدم فيه كلام في سورة البقرة. قوله: (حلفهم الكاذب) كونه: كاذباً يفهم من الإضافة، وعلى هذا هو استئناف لتعديد قبائحهم، وقوله: أو شهادتهم هذه أي المراد بإيمانهم، قولهم: نشهد هنا،
والجمع باعتبار تعدد قائليه فهو استثناف لبيان ما في قلوبهم، وقوله: فإنها أي هذه الجملة تجري مجرى الحلف، توجيه لتسمية ما ذكر يمينا بأنّ الشهادة، وأفعال العلم واليقين أجرتها العرب مجرى القسم، وتلقته بما يتلقى به القسم، كقوله: إنك لرسول الله وقوله: ولقدعلمت لتأتين منيتي إنّ المنايالاتطيش سهامها
فشبهت اليمين المقررة للدعوى بالشهادة المثبتة له، واستعير اسمها له، أو هو مضمن له فيؤكد بها الكلام، كالقسم، وقوله: وقرئ إيمانهم أي بكسر الهمزة، وقراءة العامّة بفتحها جمع يمين. قوله: (صذّا أو صدودا) يعني أنّ الفعل متعد فمفعوله محذوف أي الناس، أو لازم، لأنّ الفعول غلب في مصدر اللازم كالجلوس، وعلى الأوّل معناه المنع وعلى الثاني الأعراض قيل: والأوّل أظهر لأنّ إعراضهم أمر مستمر غير مسبب عن اتخاذ الإيمان جنة، وفيه نظر لأنّ المنع لا يظهر تسببه عما قبله، وهو مستمر أيضا فلا بد من التأويل فيه أيضاً، وقوله: اتخذوا جواب إذا، وقيل الجواب قالوا وقيل هو مقدّر، وقوله: والله يعلم جملة معترضة، لدفع إيهام أنّ كذبهم في مضمون الخبر، وظاهره فيه تتميم لطيف كقوله:
فسقي ديارك غيرمفسدها صوب الحياء وديمة المطر
وهو من حشو اللوزينج كقول المتنبي:
وتحتقر الدنيا احتقار مجرّب يرى كل ما فيها وحاشاك فانيا
قوله: (من نفاقهم وصدّهم) الدال عليه ما مرّ، وقوله: أي ذلك القول يعني قوله: ساء ما
كانوا يعملون، والإشارة بالبعيد لتقضي ذكره كما مرّ في أوّل سورة البقرة، وقوله: أو إلى الحال المذكورة، لو قال ما ذكر كان أحسن لما فيه من توجيه الأفراد والتذكير في اسم الإشارة، وقوله: بالإيمان بكسر الهمزة وفتحها، وقوله: ثم كفروا سرّاً لأنهم منافقون لا يظهرون الكفر، ولذا أوّل ليناسب ما نحن فيه، وثم على هذا لاستبعاد ما بين حالي الكفر والإيمان أو المراد ثم ظهر إسرارهم الكفر كما في شرح الكشاف، وحينئذ يجوز في ثم إن تكون على حقيقتها. قوله: (أو آمنوا إذا رأوا آية الخ (هذا أيضا وصف المنافقين، ويكون
إيمانهم وكفرهم فيما بينهم وبين شياطينهم، وقيل: هذا بناء على أنّ المراد بهم أهل الردّة، وعلى الوجه الثاني في الكشاف، ولا يخفى أنه ليس في كلام المصنف ما يدل عليه، وقوله: تمرنوا أي صار معتاداً لهم، وقوله: حقية الإيمان، وفي نسخة حقيقة الإيمان، والأولى أصح، وقوله: صباحتها بالفتح أي حسنها وجمالها، وقوله: لذلاقتهم بفتح الذال المعجمة وهو انطلاق ألسنتهم وحدتها. قوله: (فيعجب بهياكلهم) بالبناء للمجهول، وكذا ما بعده لأنه ﵊ لا يعجبه مثل هؤلاء الصور الفارغة، والهيكل في الأصل البناء المشرف، والحكماء تستعمله للبناء
стр. 2936
المعد للأصنام، ويراد به مجازاً الأجسام القوية، والضخم من كل شيء. قوله: (حال من الضمير الخ) في الكشاف وموضسع كأنهم خشب رفع على هم، كأنهم خثب، أو هو كلام مستأنف لا محل له، ولم يرد بالاستثناف ما هو جواب السؤال، ولم يحمله على أنه حال من الضمير كما قاله أبو البقاء، وتبعه المصنف ﵀ كما في قوله:
فقلت عسى أن تبصريني كأنما بنيّ حواليّ الأسود الخوادر
لأنّ الحالية تفيد أنّ سماع قولهم لأنهم كالخشب المسندة، وليس كذلك، ولقائل أن
يقول لا وجه لحمله على حذف المبتدأ، لأنه مع حذفه أيضا مستأنف، وهو صالح لذلك من غير اعتبار المبتدأ وتقديره فتدبر. قوله:) في كونهم أشباحا الخ) فيه تسمح لأنه بيان لوجه الشبه المشترك بينهما، فكأن الظاهر أن يقول خالية عن الفائدة، لأنّ الخشب تكون مسندة إذا لم تكن في بناء أو دعامة لشيء آخر، كما بسطه في الكشاف. قوله:) وقيل الخشب جمع خشباء (وعلى الأوّل هي جمع خشبة كثمرة وثمر، ومعناها معروف ومرّض هذا القيل لأنه خلاف المتبادر، ولأنه لا تساعده القراءة بضمتين، لأنّ فعلاء لا يجمع على فعل بضمتين، بل على فعل ساكناً كحمراء وحمر، ولذا قدمه المصنف على ذكر قراءة التسكين، ومن غفل عنه قال: حقه أن يذكره بعد قراءة من قرأ بسكون الشين، فإنّ هذا القول منقول عن اليزيدفي في تلك القراءة، لأنّ قرأءة الأكثر بالضم تدل على أنّ هذه مخففة منها، إذ الأصل توافق القرا آت، ففيه ردّ ضمنيّ لليزيديّ أيضا، وقوله: نخر بالنون والخاء المعجمة والراء المهملة بمعنى تفتت وبلي، وفي نسخة دعر بمهملات كفرح بمعنى فسد، وهو كذلك في الكشاف، وقوله: قبح المخبر أي الباطن والخفي مما يحتاج معرفته إلى الاختبار، وقوله: على التخفيف أي تسكين المضموم ليخف في التلفظ به، وقوله: كبدن أي في أن سكونه أصلي وفيه ما مرّ فتدبر. قوله:
(لجبنهم) أي شدة خوفهم لما في طبائعهم من الجبن، وهو ضد الشجاعة، وقوله: اتهامهم أي اتهامهم لأنفسهم بمعنى علمهم بأنهم محل تهمة للنفاق، ونحوه مما يخشونه فهم منتظرون للإيقاع بهم، فالاتهام افتعال من التهمة وهي معروفة، وقوله: ويجوز أن يكون صلته أي صلة صيحة لتعلقه به لأنه يقال: صاح عليه، وهو أحد الوجوه في إعراب السمين، ومن لم يفهم المراد منه، قال المراد أنه صلة يحسبون، وفيه تسامح لأن المراد أنه نعت للمفعول الأوّل، ولا يخفى ما فيه من الخبط والخلط. قوله: (وعلى هذا يكون الضمير) وهو قوله هم، فحينئذ كان الظاهر إفراده بأن يقال: هو أو هي، لكنه أتى بضمير العقلاء المجموع لمراعاة معنى الخبر وهو مما جوزه النحاة، وهذا بناء على أنّ العدوّ يكون جمعاً ومفردا، وهو هنا جمع وهذا وإن كان خلاف المشبادر لكن في معناه من البلاغة واللطف ما لا يخفى، وهو كقول جرير:
مازلت تحسب كل شيءبعدهم خيلاتكرّعليهم ورجالا
ومنه أخذ المتنبي قوله:
وضحاقت الأرض حتى كان هاربهم إذا رأى غير شيء ظنه رجلا
ولبعض المتأخرين في نديم له:
لكل شيءرآه ظنه قدحا وكل شخص رآه ظنه الساقي
قوله: (لكن ترتب قوله الخ (لا! التحذير منهم يقتضي وصفهم بالعداوة لا بالجبن، كما
يفيده ما قبله على الوجهين والترتب من الفاء الدالة على التعقيب، وهذا الضمير للمنافقين بلا شبهة، فإذا عاد ما قبله على العدوّ لزم تفكيك الضمائر، وفي اتصال قوله: للمنافقين بقوله: قاتلهم الله إيهام لطيف لا يخفى لطفه. قوله:) وهو طلب (لأنه دعاء والدعاء من أقسام الطلب، والمطلوب منه في الدعاء هو الله فيكون طالباً من نفسه لعنهم، ويكون كما في قولك أستاذك يقول لك كذا، وهو معدود من التجريد فلا يكون من إقامة الظاهر مقام الضمير، لأنه يفوت به نضارة الكلام كما لا يخفى، وقوله: أن يلعنهم الخ إشارة إلى أن قاتل بمعنى لعن وطرد، وعلى هذا فلا طلب، وأنما المراد أن وقوع اللعن بهم مقرر لا بد منه، وقوله: أو تعليم فتقديره وقولوا الخ. قوله: الؤوا رؤوسهم) هو كناية عن التكبر والأعراض، وقوله: عن ذلك الإشارة إلى القول المذكور، أو الإتيان أو
стр. 2937
الاستغفار، والظاهر الأوّل لتقييد الصد بقوله: عن الاستغفار، وقوله: الخارجين الخ، فسره به لأنّ الفسق أصل معناه الخروج، وحمله على المتبادر منه لا
يعد ذمّاً لهم. قوله: (أي للأنصار (فضميرهم للمنافقين، والمقول لهم الأنصار كما يقتضيه سبب النزول المذكور في الكشاف، ومن افتتان بعض موالي المهاجرين مع مولى لابن أبيّ رأس المنافقين، فقال لقومه: لو أمسكتم عن هؤلاء الطعام لم يركبوا رقابكم الخ، فإنه لم يخص الخطاب بالمنافقين، فلا وجه لما قيل هنا من أنّ الظاهر أن يقول المصنف ﵀ للمنافقين بدل قوله للأنصار. قوله: (هم الذين يقولون لا تنفقوا الخ) تعليل لرسوخهم في الفسق لا لعدم المغفرة لأنه معلل بما قبله، وقوله: على من عند رسول الله الظاهر أنه حكاية ما قالوه بعينه، لأنهم منافقون مقرّون برسالته ظاهرا، ولا حاجة إلى أنهم قالوه تهكماً أو لغلبة عليه حتى صار كالعلم، كما قيل: ويحتمل أنهم عبروا بغير هذه العبارة، فغيرها الله إجلالاً لنبيه ﷺ واكراماً، وقوله: القسم بكسر القاف جمع قسمة وهي النصيب. قوله: (روي أق أعرابياً) هو جهجاه بن سعيد، وهو أجير لعمر رضي الله عته، والأنصاري سنان الجهني حليف بن أبيّ رأس المنافقين، وبعض الغزوات هي غزوة بني المصطلق، والماء يسمى المريسيع، كما بينه أصحاب السير، وقوله: فضرب الأعرابيّ الخ، فيه مخالفة لما في الكشاف لا تضر، وقوله: فشكى إلي ابن أبيّ لأنه مولا. وحليفه، وقوله: فقال أي ابن أبيئ. قوله: (ونصب الأعز والأذل على هذه القراآت الخ) القراءة المشهورة بضم الياء وكسر الراء مسندا إلى الأعز والأذل مفعول به، والأعز بعض المنافقين، والأذل المؤمنون بزعمه، وقرأ الحسن وابن أبي عبلة لنخرجن بنون العظمة، ونصب الأعز على المفعول به، وغيره بالغيبة بفتح الياء وضم الراء، وآخرون بضم الياء وفتح الراء بالبناء للمجهول، وتخريج هذه القراآت ما ذكره المصنف ﵀، فإن قدر فيه مضاف هو مصدر قام هذا مقام حذفه، فالنصب على المصدرية، أو قدر مثل فالنصب على الحالية. قوله:
(مصدرا لقيامه مقامه بعد حذفه. قوله: (أو حال) إمّا بناء على جواز تعريف الحال، أو أل فيه مزيدة على حد أرسلها العراك، وادخلوا الأوّل فالأوّل، وجوّز أبو البقاء نصبه على أنه مفعول به لحال محذوفة، أي مشبهاً إلا ذلّ أو بتقدير مثل فيه، وهذا الأخير هو الذي ذكره المصنف ﵀، فتقدير المضاف جاو على الوجهين في كلامه. قوله: (خروج أو إخراج الف ونشر مرتب فتقدير خروج على قراءة يخرجن بفتح الياء، وتقدير إخراج على القراءتين بعدها وهو ناظر إلى المصدر، وتقدير مثل ناظر للحالية على القرا آت الثلاث. قوله تعالى: ( ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ﴾ الخ) قيل: إنّ العطف هنا معتبر قبل نسبة الإسناد، فلا ينافي تقديم الخبر المفيد للحصو، ولا يضرّه إعادة الجار لأنها ليست لإفادة الاستقلال في النسبة، بل لإفادة تفاوت ثبوت العزة، فإنّ ثبوتها له تعالى ذاتيّ، ولالرسول ﷺ بواسطة الرسالة، وللمؤمنين بواسطة الإيمان فتدبر. قوله:) ولمن أعزه الخ) فيه توجيه للحصر أيضاً، وقوله: كالصلاة الخ، فالذكر مجاز عن مطلق العبادة، وقوله: المذكرة للمعبود بيان لعلاقة المجاز فيه، وهي السببية، لأنّ العبادة سبب لذكره وهو المقصود في الحقيقة منها. قوله:) والمراد نهيهم عن اللهو بها) يعني اللهو المنهي عنه مسند لما ذكر فهو منهيّ بحسب الظاهر، لكن المقصود نهي المؤمنين عن الاشتغال بها وتدبيرها. قوله: (وتوجيه النهي إليها للمبالغة الأنها لقوّة تسببها اللهو وشدة مدخليتها فيه جعلت كأنها لاهية، وقد نهيت عن اللهو فالأصل لا تلهوا بأموالكم الخ، فالتجوّز في الإسناد وهو الظاهر وقيل: إنه تجوّز بالسبب عن المسبب، كقوله: ﴿فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٢] والمجاز أبلغ من غيره. قوله: (ولذا) أي لكون المقصود نهيهم، قال ومن يفعل فأوعد من يفعله من المؤمنين، ليدل على أن النهي لهم، أو للمبالغة في النهي ذكر بعده ذلك، لأنّ فيه مبالغة من وجوه كالتعريف بالإشارة والحصر للخسار فيهم، وتكرير الإسناد وتوسبط ضمير الفصل. قوله: (أي اللهو بها) جعل الإشارة لإلهائها، وهو أبلغ مما لو قيل بدله، ومن تلهه تلك وإيثارها لأنّ ما في الدنيا تابع لها، كما قال: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [سورة الكهف، الآية: ٤٦] وقوله: وهو الشغل فليس المراد به اللعب هنا، وقوله: بعض أموالكم، فمن تبعيضية، ولا يخفى ما في جعل الإنفاق ادخاراً من البلاغة والحسن. قوله: (أي يرى دلائله) يعني أن فيه
مضافا مقدرا، والمراد بدلائله أماراته ومقدماته، فالتقدير يأتي أحدكم
стр. 2938
مقدمات الموت، ولا بد من هذا التقدير ليصح تفريع قوله، فيقول الخ عليه، وأمّا احمله على ظاهره من غير تقدير، وجعل قوله: لولا أخرتني الخ، سؤالاً للرجعة فبعيد متكلف، ولذا تركه المصنف ﵀. قوله: (وجزم كن للعطف على موضع الفاء الخ (نصبه أبو عمرو وجزمه الباقون، فذهب الزمخشري إلى أنه عطف على محل قوله، فأصدق لأنه في معنى إن أخرتني أصدّق، كما قاله أبو عليّ الفارسيّ، والذي ذهب إليه سيبويه والخليل أنه عطف على توهم الشرط الذي يدل عليه التمني، لأنّ الشرط غير ظاهر ولا مقدر حتى يعتبر العطف على الموضحع، كما في قوله: ﴿مَن يُضْلِلِ اللهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ١٨٦] لكن عبارة التوهم غير مناسبة لقيح لفظها هنا، والفرق بين العطف على الموضع، والعطف على التوهم، كما قاله أبو حيان أن العامل في العطف على الموضمع موجود، وأثره مفقود، وفي التوهم هو مفقود، وأثره موجود، والظاهر أن الخلاف فيه لفظي، فمراد أبي على العطف على الموضع المتوهم، أو المقدر إذ لا موضع هنا في التحقيق، لكنه فر من إيهام العبارة، وأمّا التوفيق بأنّ المصدر المسبوك من أن وصلتها في قوله: فأصدق مبتدأ محذوف الخبر، والجملة جواب شرط مقدر، أي إن أخرتني فتصدقي ثابت، فالفاء رابطة لا عاطفة للمصدر المؤوّل على المصدر المتوهم، كما ذهب إليه الجمهور فمما لا مجال له، لأنه لو ظهر كان النظم هكذا لو أخرتني إلى أجل، إن أخرتني إلى أجل، ولا يخفى ركاكته، وأنه غير مناسب للبلاغة القرآنية. قوله: (وقرئ بالرفع على وأنا كون الخ) النحويون وأهل المعاني قدروا المبتدأ في أمثاله من الأفعال المستأنفة، لا لأنّ الفعل لا يصلح للاستئناف مع الواو الاستئنافية كما هنا، وبدونها فإنه لم يذهب إليه أحد من النحاة، وقد صرح المحقق السعد بأنه مما لم يظهر له وجهه، وقد جوز في الرفع أيضاً عطفه على أصدق لأنه في محل رفع، أو لتوهم رفعه كما في الجزم بعينه، وليس ببعيد. قوله تعالى: ( ﴿وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا﴾ ) هذه السورة الثالثة والستون، ولذا قيل: إنه إشارة إلى موت النبيئ لمجي! ، وسن عمره، وقوله: عن النبي ﷺ موضوع، تمت السورة والحمد دته، أوّلاً وآخرا والصلاة والسلام على النبيّ واكه وصحبه أجمعين.
سورة التغابن
لا خلاف في عدد آياتها وأنما الخلاف في كونها مكية أو مدنية، أو بعضها مكي، وبعضها مدني كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ ، وعلى أقوال ثلاثة واليه الإشارة بقوله: مختلف فيها.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (بدلالتها على كماله) أي بدلالة الموجودات بأسرها على كمال صانعها سبحته ونزهته عما لا يليق به، فالباء سببية أو للاستعانة، وأنث الضمير لتأويل ما بالموجودات، واختاره ليتميز الدال من المدلول عليه. قوله: (قدّم الظرفين) أراد بالظرف الجار والمجرور، وهو له الواقع خبراً هنا فيهما، والمراد بالأمرين الملك والحمد، وقوله: للدلالة على اختصاص الأمرين، إما بناء على أنّ هذه اللام للاستحقاق، وهو أحد معانيها وقد مثل له ابن هشام في المغني بهذه الآية، أو للاختصاص، والاختصاص المدلول عليه باللام ليس بمعنى الحصر أو بمعناه، ولا ينافي دلالة التقديم عليه لجواز اجتماع الأدلة على مدلول واحد، فلا حاجة لتقدير مضاف فيه لتصحيحه، كما قيل إق التقدير على تأكيد اختصاص الأمرين، لأن أصل الاختصاص تدل عليه اللام، إلا أن يقال مدلول اللام لاختصاص في الإثبات، ولذا سوي في المفتاح بين قولنا: السماحة لابن الحشرج، وسمح ابن الحشرج وهو المراد ليستغني عن التقدير، وفيه نظر لأنه في المفتاح إنما سوى بينهما في كونهما طريفاً لتخصيص الصفة بالموصوف صريحا، والمراد بالتخصيص التخصيص في الإثبات أي إثبات الصفة للموصوف، وتقييدها به سواء قصد الحصر أولاً، كما صرح به الشريف في شرحه، فلا تنافي هذه التسوبة قصد الحصر كما يتراءى في النظرة الأولى فتدبر. قوله: (من حيث الحقيقة (لأنه المبدئ المبدع لكل شيء، المالك له في الحقيقة، وملك غيره تسليط منه تعالى للعبد فهو له بالذات، ولغيره بالعرض، واذا كان كل شيء له فأصول
стр. 2939
النعم وفروعها له، وأمّا العبد فلجريان إنعامه تعالى على يد.، يعد منعما فالحمد لله بالحقيقة ولغيره بحسب الصورة، ومنه تعلم ما في تقديم قوله: له الملك، لأنه كالدليل لما بعده من الحسن الظاهر. قوله: (لأن نسبة ذا-له الخ) لأنّ ذاته مقتضية لقدرته فلا تنفك عنها، وتكون نسبتها إلى جميع الأشياء على سواء، فلا
يتصوّر كون بعضها مقدوراً له دون بعض، بل هو قدير عليها كلها، وقوله: ثم شرع الخ، المدعي هنا كونه قادراً على كل شيء من الذوات والصفات، كالكفر والإيمان، فقال هو الذي خلقكم الخ، كما سنقرره، وقوله: إلى الكل متعلق بنسبته. قوله تعالى: ( ﴿فَمِنكُمْ كَافِرٌ﴾ الخ) ظاهر تقريرهم أنه معطوف على الصلة، ولا يضره عدم العائد لأنّ المعطوف بالفاء يكفيه، وجود العائد في إحدى الجملتين، كما قرّروه في نحو الذي يطير الذباب فيغضب عمرو، أو يقال فيها رابط بالتأويل لأنها بمعنى وقد كفرتم الخ، وفي كلام المصنف إشارة مّا إليه، أو نقول هي معطوفة على جملة هو الذي الخ. قوله: (مقدّر كفره) بصيغة المفعول وبجوز كونه بصيغة الفاعل، وكذا موجه وسيأتي بيانه، ومعنى التوجيه إليه خلقه مستعدّا ومتهيأ لما خلق له فالفاء للتفصيل مع التعقيب أيضاً، لأنّ التوجيه المذكور بعد الخلق باعتبار الوقوع ولا مخالفة فيه لما ني الكشاف، وما قيل من إنها تفصيلية كقوله: ﴿خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ [سورة النور، الآية: ٤٥] الآية لأنّ كونهم كافرين ومؤمنين مراد من قوله: خلقكم الخ، وكونه تقريراً لما ادعاه يدل عليه، وجعلها الزمخشريّ للترتيب والعاقبة، ولا يناسبه السياق، وأنّ الآية واردة لبيان عظمته في ملكه وملكوته، واستبداده فيهما ليس بشيء، لأنّ قصده بما ذكر هو الرد على المعتزلة، في أنّ الكفر والإيمان ليس مخلوقاً له تعالى، ولذا عدل المصنف عما في الكشاف، كما يظهر لمن نظره فالفاء تفصيلية عندهما، وقد جعلها الزمخشريّ، كقوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [سورة الحديد، الآية: ٢٦] وتفيد الترتيب لأنّ توجيه ما يحمله عليه، وتوفيقه يكون بعد الخلق، وكون كلام الزمخشري غير مناسب للسياق مكابرة لمن تأمّله، وكونها واردة لما ذكر لا يأباه، مع أنه قيل إنها ليست واردة له، بل لما يتوقف عليه الوعد والوعيد بعده من القدرة التامّة والعلم المحيط بالنشأتين، والذي أوقعه فيما وقع فيه كلام الطيبي فتدبر. قوله: (بالحكمة البالنة) أي العظيمة إذ أصله البالغة أقصى ما يتصوّر منها ونحوه، وفسر بما ذكر لأن المراد به مقابل الباطل هنا، فيراد به الفرض الصحيح الواقع على أتم الوجوه، وقوله: ثم زينكم الخ، وفي نسخة حيث زينكم الخ، يعني أنه تعالى جعل الإنسان معتدلى القامة على أعدل الأمزجة، وآتاه العقل وقوّة النطق والتصرّف في المخلوقات، والقدرة على أنواع الصنائع، وجعل فيه الروح ليكون ملحاقاً بعالم المجرّدات، والبدن المادي ليجمع بين العالم
العلوي والسفلي، فلذا كان أنموذجا كما قيل:
وتزعم أنك جرم صنن وفيك انطوى العالم الأكبر
وقوله: ﴿وَأَحْسِنُوَاْ﴾ إشارة إلى وجه اتصال، قوله واليه المصير بما قبله، والمسخ بالخاء المعجمة أريد به التغيير وهو ظاهر. قوله: (فلا يخفى عليه الخ) تفسير لقوله: ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ، وبيان لأنه ذكر تعليلا لما قبله، وهو كالدليل عليه، لأنه إذا علم السرائر وخفيات الضمائر لم يخف عليه خافية، من جميع الكائنات الكليات والجزئيات، وقوله: لأنّ نسبة الخ، استدلال على إحاطة علمه تعالى، كما مرّ في القدرة لأنه ذاتي، وما هو بمقتضى الذات لا يتفاوت ولا يختص ببعض المعلومات. قوله: (وعلى علمه بما فيها) وفي نسخة لما فيها، لأنّ اأ! ال على علمه إما اتقان مصنوعاته لأنّ مثل هذه المتقنات لا تصدر إلا عن علم كمل بها، ويكفيه إيجادها أو اختيار بعض أحوالها دون بعض، فإنه يدلّ عليه أيضا، وللمتكلمين في إثباته وجهان كما ذكرناهما، واليه أشار المصنف بقوله: من الإتقان، وقوله: والاختصاص الخ، فتأمّل. قوله: (أيها الكفار) جعل الخطاب للكفار لدلالة ما بعده عليه، قيل: إنه إشارة إلى أنه خطاب لأهل مكة، وقوله: في الدنيا متعلق بذاقوا، أو بكفرهم، وقوله: أصله الثقل، واستعمل للضرر لأنه يثقل على الإنسان ثقلا معنويا، وقوله: الثقيل القطار من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها، وهو بزنة كتاب جمع قطر، وقوله: المذكور توجيه لأفراد ذلك لتأويله بالمذكور، ولو قال: ما ذكر كان أحسن، وقوله: بسبب الخ فالباء سببية، والضمير شأني، وقوله: وتعجبوا لأحسن، أو تعجبوا، وقوله: للواحد الخ دفع لما يتوهم من أنه كان الظاهر يهدينا. قوله: (واستغنى الخ) معطوف على ما قبله ولا حاجة إلى جعله حالاً
стр. 2940
بتقدير قد، واستغنى بمعنى أظهر الغنى لأنه يلزم الطلب، أو هو للمبالغة أو بمعنى الثلاثي، والأوّلي أنسب بما بعده. قوله:) يدل على حمده كل مخلوق الخ (كل مخلوق مرفوع على أنه فاعل يدل، فالمعنى أنه محمود وجميع المخلوقات دالة على أنه المحمود منادية على ذلك بلسان الوجود، لأنّ حقيقة الحمد إظهار
صفات المحمود الكمالية، وكل مخلوق مظهر لكمال خالقه، ويجوز نصبه والمعنى لأنه المرشد لحمده والمعلم لعباده أن يحمدوه، والأوّل أولى، وقوله: ولذلك أي لما فيه من معنى العلم، وقوله: أي بما في حيزه وهي مخففة لا مصدرية، لئلا يتوالى ناصبان، ولأنها تدخل على الجمل فتسد مسدا لمفعولين، وقوله: بلى تبعثون لأنّ بلي لإيجاب النفي، كما مز تقريره. قوله: (لقبول المادّة الخ (يعني ذلك إشارة للبعث وتعسره على الفاعل المختار إما لعدم قبول مادته للإيجاد، أو لعدم قدرة الفاعل، أو لنقصها، وكلاهما منتف أما الأوّل فلعدم اقتضاء الموادّ الممكنة للعدم، وأما الثاني فلثبوت قدرته عن إنشائها، وانشاء ما هو أعظم منها. قوله: (فإنه بإعجارّه الخ) عرفوا النور بأنه هو الظاهر بنفسه المظهر لغيره فاستدل بثبوت الحد على ثبوت المحدود، فيعلم منه وجه إطلاق النور عليه والمشابهة بينهما فإن فهمت فهو نور على نور وضمير فيه للقرآن، وما بعده لما وقوله: فمجاز عليه مرّ بيانه، وهو أحسن من تفسير الزمخشريّ له بمعاقبكم لأن هذا شامل للوعد والوعيد الدال عليهما ما قبله من الأمر بالإيمان، وقوله: ظرف لتنبؤون بتنوين ظرف وكسر اللام بعده أو بإضافته وفتحها وحينئذ فما ذكر وجه لاختصاصه بذلك اليوم وما بينهما اعتراض، وأما تعلقه بخبير فلا وجه له ويجوز تعلقه بمحذوف بقرينة السياق أي يكون من الأحوال والأهوال ما لا يحيط به المقال، وقوله: أو مقدر باذكر لا وجه لما قيل الظاهر اذكروا ليوافق بجمعكم. قوله: (لآجل ما فيه (فاللام تعليلية وفيه مضاف مقدر، وقيل: اللام بمعنى في فلا تقدير فيه، وقوله: يغبن فيه بعضهم بعضا فالتفاعل على ظاهره وهو كما في الكشاف مستعار من تغابن التجار وفيه تهكم بالأشقياء لأنّ تلك المنازل نافعة لهم أو جعل تغابنا مبالغة على طريق المشاكلة، وقوله: واللام فيه الخ يعني تعريف التغابن المفيد للحصر بتعريف الطرفين كما في زيد الشجاع، والتعريف للجنس والمعنى أنه لا يوم للتغابن غيره. قوله: (١ لإشارة إلى مجموع الأمرين) المراد بالأمرين تكفير السيئات
وهو الدافع للمضار ودخول الجنات وهو النافع لا الإيمان والعمل الصالح وقوله: ولذلك الخ أي لكونه جامعا لهما، والعظيم أبلغ من الكبير لما سيأتي في سورة البروج إنه يجلب المنافع لا غير وفيه نظر. قوله: (بيان للتغابن الخ (لاحتوائهما على منازل السعداء والأشقياء، وهو ما وقع فيه التغابن كما مز، وقوله: كأنها قال كأن تأدباً على عادته في عدم الجزم بمراد الله لأنّ الواو تأبى البيان كما عرف في المعاني لأنّ قوله: وتفصيل له إشارة إلى وجه العطف لأنه لما فيه من التفصيل ينزل منزلة المتغايرين فيعطف على ما بينه كما فصله في المطول في قوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ الآية، واذن الله مرّ تحقيقه مرارا. قوله: (والاسترجاع عند حلولها) أي الصبر، وقوله: ﴿إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٥٦] إذا حلت به مصيبة، وقوله: على طريقة سفه نفسه يعني أنه منصوب بنزع الخافض والتقدير يهد في قلبه أو إلى قلبه كاهدنا الصراط المستقيم كأنّ المؤمن واجد لقلبه مهتد له وغيره فاقد له ضالّ عنه فهو كقوله: لمن كان له قلب أو هو تمييز بناء على أنه يجوز ثعريف التمييز وقد مرّ تفصيله في هذه الآية المذكورة فتذكره. قوله: (ويهدأ بالهمزة الخ) لأنّ في الإيمان اطمئنان القلب وفي غيره قلقه واضطرابه، وأنما فسر الهداية بالثبات والاسترجاع لأنّ المؤمن مهتد فلو أبقى على ظاهره لم يفد. قوله: (فلا بأس عليه الخ) يعني أنه من حذف الجزاء واقامة دليله مقامه أو من إقامة السبب مقام المسبب كما مرّ في سورة النحل، وقوله: (لآنّ إيمانهم الخ (ليس في الآيات لمن تأمل في الحث على التوكل أعظم من هذه الآية لإيمائها إلى أنّ من لا يتوكل ليس بمؤمن، وقوله: (يشغلكم (الخ بناء على أنّ سبب النزول أن عوفا الأشجعي كان إذا أراد الغزو تعلق أهله به وبكوا فرجع، وقوله: (أو يخاصمكم) الخ بناء على أن سببها ما ذكروه من منع أولاده عن الهجرة والتفقه في الدين كما فسره الزمخشري، وقوله: (غوائلهم) بالغين المعجمة جمع غائلة، وهو الضرر المترتب على بعض الأمور، وقوله: (التثريب) هو التوبيخ. قوله: (يعاملكم
بمثل
стр. 2941
ما عملتم الخ) إمّا مرفوع على أنه مستأنف إشارة إلى أنّ قوله: فإن الخ جزءا باعتبار الأخبار كأنه قيل: إن فعلتم ذلك فاعلموا أن الله غفور الخ أو مجزوم بناء على أنه جزاء باعتبار أن يراد به مسببه، وقوله: (على محبة الأموال) الخ إشارة لاتصاله بما قبله، وقوله: (في وجوه الخير عمومه من الإطلاق) وكونه خالصا لأنّ الخيرية لا تتأتى دونه، وقوله: (أي اقعلوا (فهو مفعول لفعل مقدر وقوله: (تثيد للحث) الخ لأنه جعل خاتمة لها مشيرة لترجيحها على ما اعتقدوا خيريته من الأموال والأولاد، وقوله: (جواباً للأوامر) وتقديره يكن ذلك خيراً لأنفسكم. قوله: ﴿إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ﴾ تقدم أنه استعارة مكنية، وقوله: (فيما أمره) على الحذف والإيصال أي أمر به كقوله:
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به
وقوله: يعطي الجزيل بالقليل يشير إلى أن في صيغة فعول مبالغة وأن الشكور في حقه تعالى معناه معطي الثواب الكثير بالعمل القليل، وحقيقة الشكر الاعتراف بنعمة المنعم، وقوله:) عن النبئ ﷺ حديث موضوع وآثار الوضع فيه ظاهرة ومناسبته للسورة لما ذكر فيها مما يجلب المنافع، ويدفع المضار وأنّ ثل مصيبة بإذنه وارادته فتأمّل تمت السورة بحمد الله ومنه والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
سورة الطلاق
وتسمى سورة النساء القصرى وهي مدنية بالاتفاق، واختلف في آياتها فقيل: اثنتا عشرة،
وقيل: إحدى عشرة والاختلاف في ثلاث آيات من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، ويجعل له مخرجا ويا أولي الألباب كما قاله الداني في كتاب العدد.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (خص النداء وعم الخطاب الخ (خص وعم إن كانا مجهولين فالنداء والخطاب مرفوعان بالنيابة عن الفاعل وإن كانا معلومين فهما منصوبان وضمير الفاعل له تعالى، يعني كان حقه أن يقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ فخص النداء به مع أنّ الكلام معهم جميعا والحكم عام له ﷺ ولهم لأنه مقتداهم فنداؤه كندائهم كما يقال لكبير القوم: يا فلان افعلوا كيت وكيت فتخصيصه ﷺ لرفعة شأنه، ولذا اختير لفظ النبيّ لما فيه من الدلالة على علو مرتبته، وقوله: بالحكم متعلق بالخطاب والمراد بالحكم الحكم الذي في الجملة الشرطية أو هو الحكم الشرعي، وهو التطليق لعدتهن وقوله: فنداؤه كندائهم لأنه منزل منزلتهم فيما لا يكون من خصائصه، وقوله: الحكم يعمهم ففيه تغليب للمخاطب على الغائب تقديره إذا طلقت أنت وأمتك، وقد قيل: إنه بعد ما خاطبه صرف الخطاب عنه لأفته تلوينا له لما في الطلاق من الكراهة فلم يخاطب به تعظيما له، وقيل: تقديره (يا أيها النبئ قل لأمتك إذا طلقتم) الخ وهو من المجاز قالوا: والا فلا معنى له إن اتحد الشرط والجواب لما فيه من تحصيل الحاصل أو يكون المعنى إذا طلقتم النساء قط لقوهت مرّة أخرى وهو غير مراد وجعله المصنف تبعا للزمخشريّ من المشارفة كقوله: " من قتل قتيلاَ فله سلبه " فقيل: عليه الأظهر أنه من ذكر المسبب وإرادة السبب، وفيه نظر لأنّ المراد ما ذكر لكن المراد أنه لم يتجوّز بالفعل
عن إرادته مطلقا بل عن الإرادة المقارنة له، ويتبعها تشبيه المشارف للفعل بالمتلبس به ففيه مكنية أو شبهها وهو أبلغ وأنسب بالمقام والمعترض لم يتنبه لمراد الشيخين هنا فافهم، ثم إنهم اتفقوا هنا على أنه لولا التجوّز لم يستقم الكلام ولك أن تقول إنه لا حاجة إليه، بل هو من تعليق الخاص بالعام وهو أبلغ في الدلالة على اللزوم كما يقال إن ضربت زيداً فاضربه ضربا مبرحاً لأنّ المعنى أن يصدر منك ضرب فليكن ضرباً شديداً وهو أحسن من تأويله بالإرادة فتدبر. قوله: (أي في وقتها) فاللام للتأقيت كالداخلة في التاريخ نحو لخمس خلون، وفسر وقت العدة بالطهر والمراد وقته ففيه مضاف مقدر وقوله: فإن اللام في الأزمان الخ بيان لكونها للتأقيت هنا، والمراد بالتأقيت أنها بمعنى في إذا لم تقم القرينة على خلافه كما في قوله: ﴿لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ [سورة التغابن، الآية: ٩] فإنّ اللام فيه تعليلية كما مرّ وما قيل: من أن ما ذكر فيما يشبهها صحيح وأما
стр. 2942
في الأوقات نفسها فلا لأنه يلزمه تكرير الوقت لأنه معنى اللام ومعنى مدخولها، وفيه أيضا تخيل فاسد لأنّ المراد بالتأقيت أنها بمعنى في وهي تدخل على الظرف وما ضاهاه لتعيين المراد منه. قوله:) ومن عد العدة بالحيض) بفتح الحاء وسكون الياء أو بكسر، ثم فتح جمع حيضة وهو مذهب أبي حنيفة، وقوله: علق اللام الخ إشارة إلى ترجيح مذهبه لأنها عنده تأقيتية متعلقة بطلقوهن من غير احتياج للتقدير لكنه أيد المذهب الآخر بالقراءة المنسوبة للنبيّ ﷺ ، وهي قبل عدتهن وبالأدلة الدالة على إرادة الحيض من القرء كما في الكشاف، ولذا أسقطه المصنف رحمه الله تعالى لمخالفته لمذهبه، وفيه كلام في الانتصاف وغيره حيث ادعوا عدم دلالة تلك القراءة على مدعاه بل هي دالة على خلافه، وليس هذا محل تفصيله. قوله:) مثل مستقبلات) كما قدرت في قولهم: كتبته لليلة بقيت من المحرم فإن تقديره مستقبلاً لها، وحينئذ يكون ابتداء العذة من الحيض لأنّ الطلاق الواقع في الطهر قبلها مستقبل لها، ومستقبلات المقدر حال، وقوله: وظاهره أي ظاهر النظم مؤيد لمذهبه وإن العدة بالإطهار لا بالحيض لأنّ الطلاق السني المامور به إنما يوقع في الطهر، وقد جعل في العدة في الآية فيكون الطهر عدة وما قدروه خلاف الظاهر، وقوله: وإن طلاق المعتدة الخ يعني يلزمه أن يفسر الإقراء بالأطهار بالحيض. قوله: (ينبغي أن يكون في الطهرا لم يقل يجب أن يكون في الطهر لأنّ إيقاع الطلاق في الطهر لم يقل أحد بوجوبه لكنه إذا جزم بإيقاعه ينبغي له أن يوقعه في الطهر، ولما كانت هذه العبارة موهمة لجوازه مع الكراهة في الحيض دفعه بقوله: عقبه وأنه يحرم في الحيض، ومن لم يتنبه له قال: الأولى أن يقول: يجب بدل قوله: ينبغي، وهو مما صرحوا به. قوله:) من حيث إن الآمر الخ) المسألة طويلة الذيل في الأصول لا حاجة لنا هنا في ذكرها، وإنما ذكر المصنف رحمه الله تعالى هذا لأنّ المراد من الأمر هنا تحريمه في
الحيض، لا إيجابه في الطهر كما عرفت، وقوله: ولا يدل الخ معطوف على قوله: يستلزم لقربه وظهوره، ولأنّ قوله: بعده إذ النهي الخ، داق عليه أو على قوله: يدل دفع للسؤال المقدر، لأنه إذا كان نهيا عن ضده وعن إيقاعه في الحيض، ربما يوهم أنه لو طلق فيه لا يقع، وضمير وقوعه للطلاق في الحيض، وفاعل يدل ضمير يعود على النهي، أو على قوله: ظاهره. قوله:) إذ النهي لا يستلزم الفساد (سواء رادف البطلان أو لا، وعلى الخلاف بين الشافعية والحنفية فيه، كما فصل في الأصول، قال المصنف رحمه الله تعالى في منهاج الأصول: النهي شرعا يدل على الفساد في العبادات، وفي المعاملات، إذا رجع إلى نفس العقد، أو إلى أمر داخل فيه، أو لازم له، فإن رجع إلى أمر مقارن كالبيع وقت النداء فلا انتهى، وما نحن فيه لأمر مقارن، وهو زمان الحيض فلا يقتضي الفساد عند الشافعية، وفي هذه المسألة خلاف لهم أيضا، وقال أبو حنيفة ﵀: النهي مطلقاً لا يفيد الفساد كما فصل في جمع الجوامع وشروحه. قوله: (كيف وقد صح أق ابن عمر الخ) تأييد لوقوعه، لأنه لو لم يقع لم يأمره بالرجعة، والحديث مرويّ من طرق في السنن، وفيه كلام ذكره ابن حجر. قوله: (وهو سبب نزوله) أي ما ذكر من تطليق ابن عمر ﵄، وأمر النبيّءلمجفه سبب نزول هذه الآية على قول وقيل السبب تطليق النبي-لمجي! حفصة ﵂، وقيل غيره، وقال القرطبي: نقلا عن علماء الحديث إنّ الأصح أنها نزلت ابتداء لبيان حكم شرعي، وكل ما ذكر من أسباب النزول لها لم يصح. قوله: (واضبطوها الخ (أصل معنى الإحصاء العد بالحصى، كما كان معتادا قديما، ثم صار حقيقة فيما ذكر. وقوله: في تطويل العدة الخ، بيان لحكمة كون الطلاق إذا أريد ينبغي إيقاعه في الطهر، وقوله: باستبدادهن، أي استقلالهن بالخروج من غير إخراج أحد لهن، وقوله: مساكنهن الخ إشارة إلى أن الإضافة ليست للتمليك بل للسكنى المخصوصة. قوله:) إمّا لو اتفقا على الانتقال الخ) قيل: إنه مذهب الشافعيّ، والحنفية لا
يجوّزونه، وفيه نظر، وقد ذكر الرازي في الأحكام ما يدل على خلافه، وأنها كالنفقة تسقط بالإسقاط فليحرر، وقوله: دلالة على استحقاقها السكنى، وهو من قوله: لا تخرجوهن، وقوله: لزومها بالجر عطف على ايتحقاقها، وهو مصدر مضاف لمفعوله، وملازمة بالرفع فاعله، وهذا من قوله: ولا يخرجن الخ.
стр. 2943
قوله: (مستثنى من الأول) أي من قوله: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ﴾ وقوله: (إلا أن يبذون) أي النسوة، وفي نسخة إلا أن تبذوا أي المرأة، ووحده كما في قوله: تزني الآتي، لأنه إنما يصدر عن البعض دون الجميع، والأوّل أصح، وإلبذاء بالذال المعجمة والموحدة هو الكلام القبيح كالشمّ، فإذا أطالت لسانها على الزوج، أو إحمائه كانت كالناشزة، فيسقط حقها في السكنى، فالفاحشة المتكلمة بالكلام الفاحش القبيح. قوله: (أو إلا أن تزتي الخ) فالفاحشة الفعلة، الفاحشة وهي الزنا، وعلى هذا يصح استثناؤه من كل منهما، وقوله: فتخرج مضارع الخروح، أو الإخراج، ولا يتعين أن يكون من الأوّل، كما يوهمه كلام المصنف رحمه الله تعالى، وقوله: للمبالغة في النهي لأنّ استثناء منه يدل على أنه غير منهيّ عته، فإذا أريد بالفاحشة الخروج نفسه يكون أقوى في النهي، لإشعاره بعدم ارتداعه بالنهي، فهو مستحق لما هو أشد منه. قوله: (بأنّ عرضها للعقاب) فسره بعضهم بأضرها ضررا دنيوياً، وقال: إنّ التفسير بتعريضها للعقاب يأباه، قوله: لعل الله الخ، لأنه مستأنف لتعليل الشرطية، وقد قيل: ما يحدثه تقليب قلبه إلى خلاف ما هو عليه، فلا بد من كون الظلم ضرراً دنيويا لا يمكن تلافيه، أو عامّا دنيوي، والأخروي، والتعليل بالدنيوي لأنّ الضرر به أشد عندهم وهم بدفعه أعني، وقد رد بأن الضرر الدنيوي غير محقق فلا ينبغي تفسير الظلم هنا به، وقوله: لعل الله الخ، ليس تعليلا لما ذكر بل ترغيباً للمحافظة على الحدود بعد الترهيب وفيه نظر. قوله: (أو المطلق (أي الذي تضمنه قوله: طلقتم، وقوله: برجعة متعلق بالرغبة، وقوله: أو استئناف أي لعقد النكاح إذا لم تكن رجعة فهو شامل للبائنة، وقوله: فراجعوهن بعده لا ينافي عموم صدره لأنه من ذكر الخاص بعد العامّ، وقوله: (شارفن) الخ، فهو من مجاز المشارفة بقرينة ما بعده، لأنه لا يؤمر بالإمساك بعد انقضاء العدة، وقوله: وانفاق مناسب يعني لحال اك وجين، وقوله: مثل الخ،
تمثيل للضرار. قوله: (على الرجعة أو الفرقة) أو لمنع الخلو، واختارها لمناسبة المفسر، وهو قوله: ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ﴾ فليست الواو أولى من أو هنا، وقوله: (تبرئا عن الريبة الف ونشر مرتب، فإنه لو لم يشهد على الرجعة قد يتهم بالزنا، وامساكها بعد الطلاق، وقطع النزاع بالإشهاد على الفرقة، ويجوز كونه تعليلاَ لهما لأنّ المرأة قد تنكر الرجعة، وربما يموت أحدهما بعد الفرقة فيدعي ثبوت الرجعة للإرث ونحوه، وقوله: وعن الشافمي الخ، هو قوله القديم، والأول قوله الجديد المفتى به عندهم. قوله تعالى: ( ﴿وَأَشْهِدُوا﴾ الآية (فيه دليل على إبطال قول من قال: إنه إذا تعاطف أمران لمأمورين يلزم ذكر النداء، أو يقبح تركه نحو: اضرب يا زيد، وقم يا عمرو، وعلى من خص جوازه باختلافهما، كما في قوله: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ﴾ [سورة يوسف، الآية: ٢٩] بأن المأمور بقوله: (أشهدوا للمطلقين) ، وبقوله: (أقيموا الشهادة للشهود) ، وقوله خالصا لوجهه تفسير لقوله الله، وقوله: (فإنه المنتفع (الخ، بيان لوجه تخصيص قوله: ﴿مَن يُؤْمِنُ﴾ ا! ث، مع أنه عام في نفسه. قوله: (جملة اعتراضية) أي بين المتعاطفين، وهي قوله: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾ ، وقوله بالوعد متعلق بقوله مؤكدة والمنهي عنه صريحا الخروج، والإخراج وضمناً ما علم من الأمر، وقوله؟ (من الطلاق) الخ، بيان لما والإضرار تطويل العذة كما مر وهو ضمني، واخراجها هو الصريح كما مر، وتوقع جعل بضم الجيم أي أجرة أو رشوة معلوم من قوله لله، وقوله: بأن يجعل متعلق بالوعد، وقوله: من وجه أي من جهة أخرى لم تخطر بباله. قوله: (أو بالوعد) معطوف على قوله: بالوعد السابق، فقوله: ﴿وَمَن يَتَّقِ﴾ الخ على الأول وعد خاص بمن اتقى عما نهى عنه صريحا أو ضمنا كما مر من الأزواج والزوجات ونحوهم وعلى هذا عامّ لكل متق عن المنهيات والمخرج في الأول من المضار المتعلقة بالتزاوج، وعلى هذا عن مضار الدارين مطلقاً. قوله: (أو كلام جيء به للاستطراد الخ) وهو معترض أيضا خلافا لمن توهم خلافه لكنه على الأول
مسوق لتقوية الحكم السابق بخصوصه أو بعمومه وعلى هذا لما ذكر المؤمنين استطرد لذكر بعض من أحوالهم، وأنه تعالى متكفل لأمورهم. قوله: (وعتة الخ) هو مؤيد للقولين الأخيرين، ولأنّ المراد العموم لا خصوص من سبق، وهذا الحديث ضعيف، وقال بعضهم إنه موضوع كما نقله السيوطي، وقوله: وروي الخ ذكره ابن مردويه في تفسيره، وقوله: فشكا أبوه لأنهم كلفوه ما لا يطيقه من الفداء، كما صرح به في الرواية، وقوله: وأكثر الخ روي أنه قال له ابعث إلي
стр. 2944
ابنك ليكثر من لا حول الخ، وقوله: غفل عنها في نسخة تغفل عنها، فيكون متعدياً من تغفلت الرجل عن كذا، إذ! أخذته على غفلة منه. قوله: (يبلغ ما يريده) فأمره مفعول بالغ والإضافة للملابسة، والمراد بأمره ما أراده من الأمور، وقوله: بالإضافة أي للمفعول أيضاً، وقوله: بالغ أمره على أنّ أمره فاعل أو مبتدأ خبره مقدم، والجملة خبر، وقوله: على أنه حال لا خبر على نصبها للجزأين في لغة لأنها ضعيفة، والحال من فاعل جعل مقدمة من تأخير لا من المبتدأ فإنهم لا يرتضونه، وقوله: تقديرا، فالمراد تقديره قبل وجوده، أو هو مقدار بقائه أو نهايته، وقوله: بيان لوجوب التوكل الخ، لأنه إذا علم أنّ كل ما يكون بتقديره في وقت معين، لا يتخلف عنه وجب التوكل، ولزم العاقل ذلك كما قيل:
لاتأس فإنّ حملك الهمّ جنون ما قدرأن يكون لا بدّيكون
قوله: (وتقرير لما ثقدم الخ (فإنه تعالى إذا جعل لكل شيء مقدار أو زمانا، كان الطلاق كذلك، فلزم إحصاؤه وضبطه. قوله تعالى: ( ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ﴾ الخ) قالوا: إنه مبتدأ خبره جملة
فعدّتهن الخ، وإن ارتبتم جوابه محذوف تقديره فاعلموا، أنها ثلاثة أشهر، والشرط وجوابه المقدر جملة معترضة، ويجوز كون قوله: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ﴾ الخ، جواب الشرط باعتبار الأخبار والأعلام، كما في قوله: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾ [سورة الخل، الآية: ٥٣] والجملة الشرطية خبر من غير حذف وتقدير، وقوله: روي الخ إشارة إلى أنّ الشرط لا مفهوم له، لأنه بيان للواقعة التي نزل فيها من غير قصد للتقييد. قوله: (أي جهلتم) قيل: لأمنع من إبقاء الشك على ظاهره وحقيقته، ويؤيده الرواية المذكورة، لأن السؤال لترددهم في العدة ولا يخفى إبقاؤه على ظاهره، ولذا فسره أوّلاً بقوله: شككتم ثم بين أنّ شكهم ناشئ من جهلهم، وسبب النزول مناسب للجهل والشك معا ولا ضير فيه، وقوله: ﴿لَمْ يَحِضْنَ﴾ ، وفي نسخة لا يحضن وهما بمعنى، وقوله: (مشهى عدّتهق الأن الأجل يطلق على المدة كلها، وعلى غايتها، والثاني هو المراد هنا، وقوله: لم يحضن بعد يعني الصغار، وقوله: كذلك هو الخبر المقدّر، وهو أحسن من تقدير فعدتهن ثلاثة أشهر وأخصر كما في الكشاف، ولو عطف على قوله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ﴾ ، وجعل الخبر لهما من غير تقدير جاز. قوله: (والمحافظة على عمومه الخ) أي عموم الواقع هنا للمطلقة، والمتوفى عنها ليكون عدتهما بالوضحع مطلقا أولى من إبقاء آية الوفاة على عمومها للحامل، وغيرها خلافا، لما روي من مذهب بعض الصحابة من أنه آخر الأجلين، ورجح إبقاء هذه على عمومها بقوله بالذات، لأنه جمع معرّف، فيعم بخلاف قوله: أزواجا فإنه جمع منكر، فمن قال بعمومه قال: لأنه وقع في الصلة، والموصول يعم فيعم ما في صلته، فلذا كان بالعرض لا لأنّ الجمع المنكر قد يعم، وتقديره بأزواج الذين يتوفون غير متعين، مع أنه لو سلم فعموم المصرّج أقوى، وأولى من عموم المقدرة فلا يضرنا أيضا. قوله: (والحكم معلل هاهنا) يعني أنّ قوله: وأولات الأحمال من تعليق المشتق الدال على علية مأخذ الاشتقاق لأنه في معنى، والحاملات أجلهن أن يضعن الخ، والحمل باعتبار شغل الرحم وفراغه عنه
صالح للعلية فحكمه أقوى من غيره لقوة المعلل على غيره، فيبقى على عمومه للمطلقة والمتوفى عنها بخلاف قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٣٤] فإنّ الوفاة لا تصلح للتعليل هنا. قوله: (ولآنه صح الخ) هو مروي في البخاري، وهو حديث صحيح، وقوله: بليال وقع في البخاري أربعين ليلة، وقوله: ولأنه متأخر النزول كما رواه البخاري، وأبو داود والنسائي وابن ماجه، عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: لما بلغه الخبر أنّ علياً قال عدتها آخر الأجلين، قال من شاء لاعنته إنّ سورة النساء القصرى، وآيتها نزلت بعد التي في البقرة، والعمل بالمتأخر لما سيأتي. قوله: (فتقديمه في العمل الخ) أي تقديم قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ ، وترجيح العمل به للمحافظة على عمومه، وترك العمل بهذه في حق ما تناولاه يكون بناء للعام على الخاص، ولو قدمنا هذه الآية في العمل والمحافظة على عمومها فهو تخصيص لعموم الآية الأخرى، لأنّ هذه الآية خاصة من وجه، كما أنّ تلك خاصة من آخر، فالعمل بهذه الآية المتأخرة في مقدار ما تناولاه، أعني الحامل المتوفى عنها زوجها تخصيص لها بما وراء الحامل المتوفى عنها زوجها، والخاص المتاخر يخصص العامّ المتقدم، وهذا على مذهب المصنف رحمه الله تعالى في جواز تراخي المخصص، وعند الحنفية هو يكون نسخاً
стр. 2945
لا تخصيصا، ولا من حمل العامّ على الخاص الغير المتصل، وتفصيل المسألة في مفصلات الأصول فقوله: للوفاق عليه فيه نظر يندفع بالتأمل فيه لأنّ مراده الاتفاق على العمل بالمتأخر سواه قلنا هو مخصص أو ناسخ، ولا حاجة إلى التجوّز في التخصيص، كما قيل ويؤيده كما في شرح التحرير ما في البخاريّ عن ابن الزبير أنه قال لعثمان ﵁ والذين يتوفون الخ نسختها الآية الأخرى فنكتبها، أو ندعها، قال: يا ابن أخي لا أغير شيئا منه من مكانه، وفيه تسليم عثمان للنسخ، وتقدم الناسخ على منسوخه في ترتب الآي من النوادر، وللمحشي هنا كلام لا يخلو من الخلل فتدبر. قوله:) بناء للعامّ على الخاص) يعني لو قدمت هذه بأن عمل بها كان فيها تخصيص لقوله: أزواجا في تلك بغير الحاملات، وتقديم تلك في العمل بها يلزمه بناء العامّ، وهو قوله: ﴿وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ﴾ الشامل للمطلقات، والمتوفى عنها على الخاص، وهو المتوفى عنها ثمة، والمراد بالبناء كما ثاله بعض الفضلاء هنا أن يراد بالعامّ الخاص من غير مخصص له، إذ المتقدم لا يصح لأن يكون مخصصا للمتأخر والبناء بهذا
المعنى لم نره لغيره فهو محتاج للتحرير، وقوله تعالى ﴿مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ قدم فيه البيان على مبينه للفاصلة، أو من فيه بمعنى في، أو تعليلية واليسر الثواب، أو السهولة فتأمّل. قوله: (أي مكاناً من مكان سكناكم) يعني أنّ من للتبعيض ومبعضها محذوف، وقوله: عطف بيان الجار والمجرور عطف بيان للجارّ والمجرور لا المجرور فقط، حتى يقال: إنّ إعادة الجار إنما عهد في البدل لا في عطف البيان مع أنه لا يبرد له بسلامة الأمير حتى يقال الوجه أن يكون بدلاً مع أنه لا فرق بينهما، إلا في أمر يسير كما ذكره النحاة. قوله: (فتلجؤهن إلى الخروج (لشغل المكان أو بإسكان من لا يردن السكنى معه ونحوه، وقوله: وهذا يدل الخ، وهو مذهب الشافعيّ ومالك، وأمّا عند الحنفية فلكل مطلقة حق النفقة والسكنى، ودليله أنّ عمر بن الخطاب ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لها النفقة والسكنى) وأنه جزاء الاحتباس، وهو مشترك بينها وبين غيرها، ولو كان جزاء للحمل لوجب في ماله إذا كان له مال، ولم يقولوا به وغير ذلك من الأدلة العقلية والنقلية، والدليل المذكور مبني على مفهوم الشرط، ونحن لا نقول به، مع أنه ذكر أنّ فائدة الشرط هنا أنّ الحامل قد يتوهم أنها لا نفقة لها لطول مدّة الحمل، فأثبت لها النفقة ليعلم غيرها بالطريق الأولى كما في الكشاف، فهو من مفهوم الموافقة. قوله: (والأحاديث تؤيده) قيل الجمع لتعدد طرقه، إذ المرويّ فيه حديث فاطمة بنت قيس، وقد طعن فيه الصحابة كعمر وعائثة وأسامة وغيرهم من كبار الصحابة، فهو دليل عليه لا له، ويؤيد الطعن القياس وقراءة ابن مسعود أنفقوا عليهن، وفيه نظر. قوله: (وليأمر بعضكم بعضاً الخ) يشير إلى أنّ الافتعال بمعنى التفاعل فالائتمار بمعنى التآمر، كالاشتوار بمعنى التشاور، وقد نقل أهل اللغة أنه يقال: ائتمروا إذا أمر بعضهم بعضاً. قوله: (تضايقتم) يعني ضيق بعضكم على الآخر بالمشاحة في الأجرة، أو طلب الزيادة ونحوه. قوله: (وفيه معاثبة للامّ الخ الأنه كقولك لمن تستقضيه حاجة فتتعذر منه سيقضيها غيرك، أي ستقضي
وأنت ملوم كذا بينه في الكشاف، وفي الانتصاف لأنّ المبذول من سجهتها لبن غير متمول، ولا يضن به لا سيما على الولد بخلاف ما يبذل من الأب فإنه مال يضن به عادة، فإن قلت المذكور المعاشرة، وهي فعل الأب والأمّ فكيف يخص الأمّ بالذكر، في الجزاء، قلت: هما مذكوران فيه، لكن الأمّ مصرح بها، والأب مرموز إليه لأنّ معنى سترضع له أخرى فليطلب له الأب مرضعة أخرى، لئلا يلزم الكذب في كلام الله، فمعاسرة الأب مذكورة أيضاً، لكنها غير فصرح بها، فظهر الارتباط بين الجزاء والشرط، وكون المعاتبة للأم كما حققه بعض شراح الكشاف، ولا حاجة إلى تكلف ما قيل إنّ الأب لما أسقط عن درجة الخطاب وبين أنّ معاسرته لا تجدي، إذ لا بد من مرضعة أخرى بأجر، وهذه أشفق منها، كان في حكم المعاتب المذكور في الجواب فتدبر. قوله: (فلينفق كل الخ) ترك الفاء أولى لأنه تفسير لقوله: لينفق، وقوله: وفيه تطييب لقلب المعسر أي تسلية له، واستمالة لأنّ ما ذكر هنا، وأنّ شملهما لكنه للإعسار أقرب، ويؤيده عبارة آتاه الخاصة به قبله، وذكر العسر بعده كما أشار إليه بقوله، ولذلك الخ وقوله: وعدله أي للمعسر من فقراء الأزواج بقرينة السياق، أو لمطلق الفقراء ويدخل فيه هؤلاء دخولاً أوليا، كما جوز. الزمخشري. قوله: (عاجلاَ
следующие страницы →