Полный текст (3 156 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.
стр. 2941
ما عملتم الخ) إمّا مرفوع على أنه مستأنف إشارة إلى أنّ قوله: فإن الخ جزءا باعتبار الأخبار كأنه قيل: إن فعلتم ذلك فاعلموا أن الله غفور الخ أو مجزوم بناء على أنه جزاء باعتبار أن يراد به مسببه، وقوله: (على محبة الأموال) الخ إشارة لاتصاله بما قبله، وقوله: (في وجوه الخير عمومه من الإطلاق) وكونه خالصا لأنّ الخيرية لا تتأتى دونه، وقوله: (أي اقعلوا (فهو مفعول لفعل مقدر وقوله: (تثيد للحث) الخ لأنه جعل خاتمة لها مشيرة لترجيحها على ما اعتقدوا خيريته من الأموال والأولاد، وقوله: (جواباً للأوامر) وتقديره يكن ذلك خيراً لأنفسكم. قوله: ﴿إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ﴾ تقدم أنه استعارة مكنية، وقوله: (فيما أمره) على الحذف والإيصال أي أمر به كقوله:
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به
وقوله: يعطي الجزيل بالقليل يشير إلى أن في صيغة فعول مبالغة وأن الشكور في حقه تعالى معناه معطي الثواب الكثير بالعمل القليل، وحقيقة الشكر الاعتراف بنعمة المنعم، وقوله:) عن النبئ ﷺ حديث موضوع وآثار الوضع فيه ظاهرة ومناسبته للسورة لما ذكر فيها مما يجلب المنافع، ويدفع المضار وأنّ ثل مصيبة بإذنه وارادته فتأمّل تمت السورة بحمد الله ومنه والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
سورة الطلاق
وتسمى سورة النساء القصرى وهي مدنية بالاتفاق، واختلف في آياتها فقيل: اثنتا عشرة،
وقيل: إحدى عشرة والاختلاف في ثلاث آيات من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، ويجعل له مخرجا ويا أولي الألباب كما قاله الداني في كتاب العدد.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (خص النداء وعم الخطاب الخ (خص وعم إن كانا مجهولين فالنداء والخطاب مرفوعان بالنيابة عن الفاعل وإن كانا معلومين فهما منصوبان وضمير الفاعل له تعالى، يعني كان حقه أن يقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ فخص النداء به مع أنّ الكلام معهم جميعا والحكم عام له ﷺ ولهم لأنه مقتداهم فنداؤه كندائهم كما يقال لكبير القوم: يا فلان افعلوا كيت وكيت فتخصيصه ﷺ لرفعة شأنه، ولذا اختير لفظ النبيّ لما فيه من الدلالة على علو مرتبته، وقوله: بالحكم متعلق بالخطاب والمراد بالحكم الحكم الذي في الجملة الشرطية أو هو الحكم الشرعي، وهو التطليق لعدتهن وقوله: فنداؤه كندائهم لأنه منزل منزلتهم فيما لا يكون من خصائصه، وقوله: الحكم يعمهم ففيه تغليب للمخاطب على الغائب تقديره إذا طلقت أنت وأمتك، وقد قيل: إنه بعد ما خاطبه صرف الخطاب عنه لأفته تلوينا له لما في الطلاق من الكراهة فلم يخاطب به تعظيما له، وقيل: تقديره (يا أيها النبئ قل لأمتك إذا طلقتم) الخ وهو من المجاز قالوا: والا فلا معنى له إن اتحد الشرط والجواب لما فيه من تحصيل الحاصل أو يكون المعنى إذا طلقتم النساء قط لقوهت مرّة أخرى وهو غير مراد وجعله المصنف تبعا للزمخشريّ من المشارفة كقوله: " من قتل قتيلاَ فله سلبه " فقيل: عليه الأظهر أنه من ذكر المسبب وإرادة السبب، وفيه نظر لأنّ المراد ما ذكر لكن المراد أنه لم يتجوّز بالفعل
عن إرادته مطلقا بل عن الإرادة المقارنة له، ويتبعها تشبيه المشارف للفعل بالمتلبس به ففيه مكنية أو شبهها وهو أبلغ وأنسب بالمقام والمعترض لم يتنبه لمراد الشيخين هنا فافهم، ثم إنهم اتفقوا هنا على أنه لولا التجوّز لم يستقم الكلام ولك أن تقول إنه لا حاجة إليه، بل هو من تعليق الخاص بالعام وهو أبلغ في الدلالة على اللزوم كما يقال إن ضربت زيداً فاضربه ضربا مبرحاً لأنّ المعنى أن يصدر منك ضرب فليكن ضرباً شديداً وهو أحسن من تأويله بالإرادة فتدبر. قوله: (أي في وقتها) فاللام للتأقيت كالداخلة في التاريخ نحو لخمس خلون، وفسر وقت العدة بالطهر والمراد وقته ففيه مضاف مقدر وقوله: فإن اللام في الأزمان الخ بيان لكونها للتأقيت هنا، والمراد بالتأقيت أنها بمعنى في إذا لم تقم القرينة على خلافه كما في قوله: ﴿لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ [سورة التغابن، الآية: ٩] فإنّ اللام فيه تعليلية كما مرّ وما قيل: من أن ما ذكر فيما يشبهها صحيح وأما
стр. 2942
في الأوقات نفسها فلا لأنه يلزمه تكرير الوقت لأنه معنى اللام ومعنى مدخولها، وفيه أيضا تخيل فاسد لأنّ المراد بالتأقيت أنها بمعنى في وهي تدخل على الظرف وما ضاهاه لتعيين المراد منه. قوله:) ومن عد العدة بالحيض) بفتح الحاء وسكون الياء أو بكسر، ثم فتح جمع حيضة وهو مذهب أبي حنيفة، وقوله: علق اللام الخ إشارة إلى ترجيح مذهبه لأنها عنده تأقيتية متعلقة بطلقوهن من غير احتياج للتقدير لكنه أيد المذهب الآخر بالقراءة المنسوبة للنبيّ ﷺ ، وهي قبل عدتهن وبالأدلة الدالة على إرادة الحيض من القرء كما في الكشاف، ولذا أسقطه المصنف رحمه الله تعالى لمخالفته لمذهبه، وفيه كلام في الانتصاف وغيره حيث ادعوا عدم دلالة تلك القراءة على مدعاه بل هي دالة على خلافه، وليس هذا محل تفصيله. قوله:) مثل مستقبلات) كما قدرت في قولهم: كتبته لليلة بقيت من المحرم فإن تقديره مستقبلاً لها، وحينئذ يكون ابتداء العذة من الحيض لأنّ الطلاق الواقع في الطهر قبلها مستقبل لها، ومستقبلات المقدر حال، وقوله: وظاهره أي ظاهر النظم مؤيد لمذهبه وإن العدة بالإطهار لا بالحيض لأنّ الطلاق السني المامور به إنما يوقع في الطهر، وقد جعل في العدة في الآية فيكون الطهر عدة وما قدروه خلاف الظاهر، وقوله: وإن طلاق المعتدة الخ يعني يلزمه أن يفسر الإقراء بالأطهار بالحيض. قوله: (ينبغي أن يكون في الطهرا لم يقل يجب أن يكون في الطهر لأنّ إيقاع الطلاق في الطهر لم يقل أحد بوجوبه لكنه إذا جزم بإيقاعه ينبغي له أن يوقعه في الطهر، ولما كانت هذه العبارة موهمة لجوازه مع الكراهة في الحيض دفعه بقوله: عقبه وأنه يحرم في الحيض، ومن لم يتنبه له قال: الأولى أن يقول: يجب بدل قوله: ينبغي، وهو مما صرحوا به. قوله:) من حيث إن الآمر الخ) المسألة طويلة الذيل في الأصول لا حاجة لنا هنا في ذكرها، وإنما ذكر المصنف رحمه الله تعالى هذا لأنّ المراد من الأمر هنا تحريمه في
الحيض، لا إيجابه في الطهر كما عرفت، وقوله: ولا يدل الخ معطوف على قوله: يستلزم لقربه وظهوره، ولأنّ قوله: بعده إذ النهي الخ، داق عليه أو على قوله: يدل دفع للسؤال المقدر، لأنه إذا كان نهيا عن ضده وعن إيقاعه في الحيض، ربما يوهم أنه لو طلق فيه لا يقع، وضمير وقوعه للطلاق في الحيض، وفاعل يدل ضمير يعود على النهي، أو على قوله: ظاهره. قوله:) إذ النهي لا يستلزم الفساد (سواء رادف البطلان أو لا، وعلى الخلاف بين الشافعية والحنفية فيه، كما فصل في الأصول، قال المصنف رحمه الله تعالى في منهاج الأصول: النهي شرعا يدل على الفساد في العبادات، وفي المعاملات، إذا رجع إلى نفس العقد، أو إلى أمر داخل فيه، أو لازم له، فإن رجع إلى أمر مقارن كالبيع وقت النداء فلا انتهى، وما نحن فيه لأمر مقارن، وهو زمان الحيض فلا يقتضي الفساد عند الشافعية، وفي هذه المسألة خلاف لهم أيضا، وقال أبو حنيفة ﵀: النهي مطلقاً لا يفيد الفساد كما فصل في جمع الجوامع وشروحه. قوله: (كيف وقد صح أق ابن عمر الخ) تأييد لوقوعه، لأنه لو لم يقع لم يأمره بالرجعة، والحديث مرويّ من طرق في السنن، وفيه كلام ذكره ابن حجر. قوله: (وهو سبب نزوله) أي ما ذكر من تطليق ابن عمر ﵄، وأمر النبيّءلمجفه سبب نزول هذه الآية على قول وقيل السبب تطليق النبي-لمجي! حفصة ﵂، وقيل غيره، وقال القرطبي: نقلا عن علماء الحديث إنّ الأصح أنها نزلت ابتداء لبيان حكم شرعي، وكل ما ذكر من أسباب النزول لها لم يصح. قوله: (واضبطوها الخ (أصل معنى الإحصاء العد بالحصى، كما كان معتادا قديما، ثم صار حقيقة فيما ذكر. وقوله: في تطويل العدة الخ، بيان لحكمة كون الطلاق إذا أريد ينبغي إيقاعه في الطهر، وقوله: باستبدادهن، أي استقلالهن بالخروج من غير إخراج أحد لهن، وقوله: مساكنهن الخ إشارة إلى أن الإضافة ليست للتمليك بل للسكنى المخصوصة. قوله:) إمّا لو اتفقا على الانتقال الخ) قيل: إنه مذهب الشافعيّ، والحنفية لا
يجوّزونه، وفيه نظر، وقد ذكر الرازي في الأحكام ما يدل على خلافه، وأنها كالنفقة تسقط بالإسقاط فليحرر، وقوله: دلالة على استحقاقها السكنى، وهو من قوله: لا تخرجوهن، وقوله: لزومها بالجر عطف على ايتحقاقها، وهو مصدر مضاف لمفعوله، وملازمة بالرفع فاعله، وهذا من قوله: ولا يخرجن الخ.
стр. 2943
قوله: (مستثنى من الأول) أي من قوله: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ﴾ وقوله: (إلا أن يبذون) أي النسوة، وفي نسخة إلا أن تبذوا أي المرأة، ووحده كما في قوله: تزني الآتي، لأنه إنما يصدر عن البعض دون الجميع، والأوّل أصح، وإلبذاء بالذال المعجمة والموحدة هو الكلام القبيح كالشمّ، فإذا أطالت لسانها على الزوج، أو إحمائه كانت كالناشزة، فيسقط حقها في السكنى، فالفاحشة المتكلمة بالكلام الفاحش القبيح. قوله: (أو إلا أن تزتي الخ) فالفاحشة الفعلة، الفاحشة وهي الزنا، وعلى هذا يصح استثناؤه من كل منهما، وقوله: فتخرج مضارع الخروح، أو الإخراج، ولا يتعين أن يكون من الأوّل، كما يوهمه كلام المصنف رحمه الله تعالى، وقوله: للمبالغة في النهي لأنّ استثناء منه يدل على أنه غير منهيّ عته، فإذا أريد بالفاحشة الخروج نفسه يكون أقوى في النهي، لإشعاره بعدم ارتداعه بالنهي، فهو مستحق لما هو أشد منه. قوله: (بأنّ عرضها للعقاب) فسره بعضهم بأضرها ضررا دنيوياً، وقال: إنّ التفسير بتعريضها للعقاب يأباه، قوله: لعل الله الخ، لأنه مستأنف لتعليل الشرطية، وقد قيل: ما يحدثه تقليب قلبه إلى خلاف ما هو عليه، فلا بد من كون الظلم ضرراً دنيويا لا يمكن تلافيه، أو عامّا دنيوي، والأخروي، والتعليل بالدنيوي لأنّ الضرر به أشد عندهم وهم بدفعه أعني، وقد رد بأن الضرر الدنيوي غير محقق فلا ينبغي تفسير الظلم هنا به، وقوله: لعل الله الخ، ليس تعليلا لما ذكر بل ترغيباً للمحافظة على الحدود بعد الترهيب وفيه نظر. قوله: (أو المطلق (أي الذي تضمنه قوله: طلقتم، وقوله: برجعة متعلق بالرغبة، وقوله: أو استئناف أي لعقد النكاح إذا لم تكن رجعة فهو شامل للبائنة، وقوله: فراجعوهن بعده لا ينافي عموم صدره لأنه من ذكر الخاص بعد العامّ، وقوله: (شارفن) الخ، فهو من مجاز المشارفة بقرينة ما بعده، لأنه لا يؤمر بالإمساك بعد انقضاء العدة، وقوله: وانفاق مناسب يعني لحال اك وجين، وقوله: مثل الخ،
تمثيل للضرار. قوله: (على الرجعة أو الفرقة) أو لمنع الخلو، واختارها لمناسبة المفسر، وهو قوله: ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ﴾ فليست الواو أولى من أو هنا، وقوله: (تبرئا عن الريبة الف ونشر مرتب، فإنه لو لم يشهد على الرجعة قد يتهم بالزنا، وامساكها بعد الطلاق، وقطع النزاع بالإشهاد على الفرقة، ويجوز كونه تعليلاَ لهما لأنّ المرأة قد تنكر الرجعة، وربما يموت أحدهما بعد الفرقة فيدعي ثبوت الرجعة للإرث ونحوه، وقوله: وعن الشافمي الخ، هو قوله القديم، والأول قوله الجديد المفتى به عندهم. قوله تعالى: ( ﴿وَأَشْهِدُوا﴾ الآية (فيه دليل على إبطال قول من قال: إنه إذا تعاطف أمران لمأمورين يلزم ذكر النداء، أو يقبح تركه نحو: اضرب يا زيد، وقم يا عمرو، وعلى من خص جوازه باختلافهما، كما في قوله: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ﴾ [سورة يوسف، الآية: ٢٩] بأن المأمور بقوله: (أشهدوا للمطلقين) ، وبقوله: (أقيموا الشهادة للشهود) ، وقوله خالصا لوجهه تفسير لقوله الله، وقوله: (فإنه المنتفع (الخ، بيان لوجه تخصيص قوله: ﴿مَن يُؤْمِنُ﴾ ا! ث، مع أنه عام في نفسه. قوله: (جملة اعتراضية) أي بين المتعاطفين، وهي قوله: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾ ، وقوله بالوعد متعلق بقوله مؤكدة والمنهي عنه صريحا الخروج، والإخراج وضمناً ما علم من الأمر، وقوله؟ (من الطلاق) الخ، بيان لما والإضرار تطويل العذة كما مر وهو ضمني، واخراجها هو الصريح كما مر، وتوقع جعل بضم الجيم أي أجرة أو رشوة معلوم من قوله لله، وقوله: بأن يجعل متعلق بالوعد، وقوله: من وجه أي من جهة أخرى لم تخطر بباله. قوله: (أو بالوعد) معطوف على قوله: بالوعد السابق، فقوله: ﴿وَمَن يَتَّقِ﴾ الخ على الأول وعد خاص بمن اتقى عما نهى عنه صريحا أو ضمنا كما مر من الأزواج والزوجات ونحوهم وعلى هذا عامّ لكل متق عن المنهيات والمخرج في الأول من المضار المتعلقة بالتزاوج، وعلى هذا عن مضار الدارين مطلقاً. قوله: (أو كلام جيء به للاستطراد الخ) وهو معترض أيضا خلافا لمن توهم خلافه لكنه على الأول
مسوق لتقوية الحكم السابق بخصوصه أو بعمومه وعلى هذا لما ذكر المؤمنين استطرد لذكر بعض من أحوالهم، وأنه تعالى متكفل لأمورهم. قوله: (وعتة الخ) هو مؤيد للقولين الأخيرين، ولأنّ المراد العموم لا خصوص من سبق، وهذا الحديث ضعيف، وقال بعضهم إنه موضوع كما نقله السيوطي، وقوله: وروي الخ ذكره ابن مردويه في تفسيره، وقوله: فشكا أبوه لأنهم كلفوه ما لا يطيقه من الفداء، كما صرح به في الرواية، وقوله: وأكثر الخ روي أنه قال له ابعث إلي
стр. 2944
ابنك ليكثر من لا حول الخ، وقوله: غفل عنها في نسخة تغفل عنها، فيكون متعدياً من تغفلت الرجل عن كذا، إذ! أخذته على غفلة منه. قوله: (يبلغ ما يريده) فأمره مفعول بالغ والإضافة للملابسة، والمراد بأمره ما أراده من الأمور، وقوله: بالإضافة أي للمفعول أيضاً، وقوله: بالغ أمره على أنّ أمره فاعل أو مبتدأ خبره مقدم، والجملة خبر، وقوله: على أنه حال لا خبر على نصبها للجزأين في لغة لأنها ضعيفة، والحال من فاعل جعل مقدمة من تأخير لا من المبتدأ فإنهم لا يرتضونه، وقوله: تقديرا، فالمراد تقديره قبل وجوده، أو هو مقدار بقائه أو نهايته، وقوله: بيان لوجوب التوكل الخ، لأنه إذا علم أنّ كل ما يكون بتقديره في وقت معين، لا يتخلف عنه وجب التوكل، ولزم العاقل ذلك كما قيل:
لاتأس فإنّ حملك الهمّ جنون ما قدرأن يكون لا بدّيكون
قوله: (وتقرير لما ثقدم الخ (فإنه تعالى إذا جعل لكل شيء مقدار أو زمانا، كان الطلاق كذلك، فلزم إحصاؤه وضبطه. قوله تعالى: ( ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ﴾ الخ) قالوا: إنه مبتدأ خبره جملة
فعدّتهن الخ، وإن ارتبتم جوابه محذوف تقديره فاعلموا، أنها ثلاثة أشهر، والشرط وجوابه المقدر جملة معترضة، ويجوز كون قوله: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ﴾ الخ، جواب الشرط باعتبار الأخبار والأعلام، كما في قوله: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾ [سورة الخل، الآية: ٥٣] والجملة الشرطية خبر من غير حذف وتقدير، وقوله: روي الخ إشارة إلى أنّ الشرط لا مفهوم له، لأنه بيان للواقعة التي نزل فيها من غير قصد للتقييد. قوله: (أي جهلتم) قيل: لأمنع من إبقاء الشك على ظاهره وحقيقته، ويؤيده الرواية المذكورة، لأن السؤال لترددهم في العدة ولا يخفى إبقاؤه على ظاهره، ولذا فسره أوّلاً بقوله: شككتم ثم بين أنّ شكهم ناشئ من جهلهم، وسبب النزول مناسب للجهل والشك معا ولا ضير فيه، وقوله: ﴿لَمْ يَحِضْنَ﴾ ، وفي نسخة لا يحضن وهما بمعنى، وقوله: (مشهى عدّتهق الأن الأجل يطلق على المدة كلها، وعلى غايتها، والثاني هو المراد هنا، وقوله: لم يحضن بعد يعني الصغار، وقوله: كذلك هو الخبر المقدّر، وهو أحسن من تقدير فعدتهن ثلاثة أشهر وأخصر كما في الكشاف، ولو عطف على قوله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ﴾ ، وجعل الخبر لهما من غير تقدير جاز. قوله: (والمحافظة على عمومه الخ) أي عموم الواقع هنا للمطلقة، والمتوفى عنها ليكون عدتهما بالوضحع مطلقا أولى من إبقاء آية الوفاة على عمومها للحامل، وغيرها خلافا، لما روي من مذهب بعض الصحابة من أنه آخر الأجلين، ورجح إبقاء هذه على عمومها بقوله بالذات، لأنه جمع معرّف، فيعم بخلاف قوله: أزواجا فإنه جمع منكر، فمن قال بعمومه قال: لأنه وقع في الصلة، والموصول يعم فيعم ما في صلته، فلذا كان بالعرض لا لأنّ الجمع المنكر قد يعم، وتقديره بأزواج الذين يتوفون غير متعين، مع أنه لو سلم فعموم المصرّج أقوى، وأولى من عموم المقدرة فلا يضرنا أيضا. قوله: (والحكم معلل هاهنا) يعني أنّ قوله: وأولات الأحمال من تعليق المشتق الدال على علية مأخذ الاشتقاق لأنه في معنى، والحاملات أجلهن أن يضعن الخ، والحمل باعتبار شغل الرحم وفراغه عنه
صالح للعلية فحكمه أقوى من غيره لقوة المعلل على غيره، فيبقى على عمومه للمطلقة والمتوفى عنها بخلاف قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٣٤] فإنّ الوفاة لا تصلح للتعليل هنا. قوله: (ولآنه صح الخ) هو مروي في البخاري، وهو حديث صحيح، وقوله: بليال وقع في البخاري أربعين ليلة، وقوله: ولأنه متأخر النزول كما رواه البخاري، وأبو داود والنسائي وابن ماجه، عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: لما بلغه الخبر أنّ علياً قال عدتها آخر الأجلين، قال من شاء لاعنته إنّ سورة النساء القصرى، وآيتها نزلت بعد التي في البقرة، والعمل بالمتأخر لما سيأتي. قوله: (فتقديمه في العمل الخ) أي تقديم قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ ، وترجيح العمل به للمحافظة على عمومه، وترك العمل بهذه في حق ما تناولاه يكون بناء للعام على الخاص، ولو قدمنا هذه الآية في العمل والمحافظة على عمومها فهو تخصيص لعموم الآية الأخرى، لأنّ هذه الآية خاصة من وجه، كما أنّ تلك خاصة من آخر، فالعمل بهذه الآية المتأخرة في مقدار ما تناولاه، أعني الحامل المتوفى عنها زوجها تخصيص لها بما وراء الحامل المتوفى عنها زوجها، والخاص المتاخر يخصص العامّ المتقدم، وهذا على مذهب المصنف رحمه الله تعالى في جواز تراخي المخصص، وعند الحنفية هو يكون نسخاً
стр. 2945
لا تخصيصا، ولا من حمل العامّ على الخاص الغير المتصل، وتفصيل المسألة في مفصلات الأصول فقوله: للوفاق عليه فيه نظر يندفع بالتأمل فيه لأنّ مراده الاتفاق على العمل بالمتأخر سواه قلنا هو مخصص أو ناسخ، ولا حاجة إلى التجوّز في التخصيص، كما قيل ويؤيده كما في شرح التحرير ما في البخاريّ عن ابن الزبير أنه قال لعثمان ﵁ والذين يتوفون الخ نسختها الآية الأخرى فنكتبها، أو ندعها، قال: يا ابن أخي لا أغير شيئا منه من مكانه، وفيه تسليم عثمان للنسخ، وتقدم الناسخ على منسوخه في ترتب الآي من النوادر، وللمحشي هنا كلام لا يخلو من الخلل فتدبر. قوله:) بناء للعامّ على الخاص) يعني لو قدمت هذه بأن عمل بها كان فيها تخصيص لقوله: أزواجا في تلك بغير الحاملات، وتقديم تلك في العمل بها يلزمه بناء العامّ، وهو قوله: ﴿وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ﴾ الشامل للمطلقات، والمتوفى عنها على الخاص، وهو المتوفى عنها ثمة، والمراد بالبناء كما ثاله بعض الفضلاء هنا أن يراد بالعامّ الخاص من غير مخصص له، إذ المتقدم لا يصح لأن يكون مخصصا للمتأخر والبناء بهذا
المعنى لم نره لغيره فهو محتاج للتحرير، وقوله تعالى ﴿مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ قدم فيه البيان على مبينه للفاصلة، أو من فيه بمعنى في، أو تعليلية واليسر الثواب، أو السهولة فتأمّل. قوله: (أي مكاناً من مكان سكناكم) يعني أنّ من للتبعيض ومبعضها محذوف، وقوله: عطف بيان الجار والمجرور عطف بيان للجارّ والمجرور لا المجرور فقط، حتى يقال: إنّ إعادة الجار إنما عهد في البدل لا في عطف البيان مع أنه لا يبرد له بسلامة الأمير حتى يقال الوجه أن يكون بدلاً مع أنه لا فرق بينهما، إلا في أمر يسير كما ذكره النحاة. قوله: (فتلجؤهن إلى الخروج (لشغل المكان أو بإسكان من لا يردن السكنى معه ونحوه، وقوله: وهذا يدل الخ، وهو مذهب الشافعيّ ومالك، وأمّا عند الحنفية فلكل مطلقة حق النفقة والسكنى، ودليله أنّ عمر بن الخطاب ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لها النفقة والسكنى) وأنه جزاء الاحتباس، وهو مشترك بينها وبين غيرها، ولو كان جزاء للحمل لوجب في ماله إذا كان له مال، ولم يقولوا به وغير ذلك من الأدلة العقلية والنقلية، والدليل المذكور مبني على مفهوم الشرط، ونحن لا نقول به، مع أنه ذكر أنّ فائدة الشرط هنا أنّ الحامل قد يتوهم أنها لا نفقة لها لطول مدّة الحمل، فأثبت لها النفقة ليعلم غيرها بالطريق الأولى كما في الكشاف، فهو من مفهوم الموافقة. قوله: (والأحاديث تؤيده) قيل الجمع لتعدد طرقه، إذ المرويّ فيه حديث فاطمة بنت قيس، وقد طعن فيه الصحابة كعمر وعائثة وأسامة وغيرهم من كبار الصحابة، فهو دليل عليه لا له، ويؤيد الطعن القياس وقراءة ابن مسعود أنفقوا عليهن، وفيه نظر. قوله: (وليأمر بعضكم بعضاً الخ) يشير إلى أنّ الافتعال بمعنى التفاعل فالائتمار بمعنى التآمر، كالاشتوار بمعنى التشاور، وقد نقل أهل اللغة أنه يقال: ائتمروا إذا أمر بعضهم بعضاً. قوله: (تضايقتم) يعني ضيق بعضكم على الآخر بالمشاحة في الأجرة، أو طلب الزيادة ونحوه. قوله: (وفيه معاثبة للامّ الخ الأنه كقولك لمن تستقضيه حاجة فتتعذر منه سيقضيها غيرك، أي ستقضي
وأنت ملوم كذا بينه في الكشاف، وفي الانتصاف لأنّ المبذول من سجهتها لبن غير متمول، ولا يضن به لا سيما على الولد بخلاف ما يبذل من الأب فإنه مال يضن به عادة، فإن قلت المذكور المعاشرة، وهي فعل الأب والأمّ فكيف يخص الأمّ بالذكر، في الجزاء، قلت: هما مذكوران فيه، لكن الأمّ مصرح بها، والأب مرموز إليه لأنّ معنى سترضع له أخرى فليطلب له الأب مرضعة أخرى، لئلا يلزم الكذب في كلام الله، فمعاسرة الأب مذكورة أيضاً، لكنها غير فصرح بها، فظهر الارتباط بين الجزاء والشرط، وكون المعاتبة للأم كما حققه بعض شراح الكشاف، ولا حاجة إلى تكلف ما قيل إنّ الأب لما أسقط عن درجة الخطاب وبين أنّ معاسرته لا تجدي، إذ لا بد من مرضعة أخرى بأجر، وهذه أشفق منها، كان في حكم المعاتب المذكور في الجواب فتدبر. قوله: (فلينفق كل الخ) ترك الفاء أولى لأنه تفسير لقوله: لينفق، وقوله: وفيه تطييب لقلب المعسر أي تسلية له، واستمالة لأنّ ما ذكر هنا، وأنّ شملهما لكنه للإعسار أقرب، ويؤيده عبارة آتاه الخاصة به قبله، وذكر العسر بعده كما أشار إليه بقوله، ولذلك الخ وقوله: وعدله أي للمعسر من فقراء الأزواج بقرينة السياق، أو لمطلق الفقراء ويدخل فيه هؤلاء دخولاً أوليا، كما جوز. الزمخشري. قوله: (عاجلاَ
стр. 2946
أو آجلاَ) أخذه من عموم التنكير، وقوله: أهل قرية بتقدير المضاف، أو التجوز في القرية أو في الإسناد كما مرّ، وقوله: أعرضت عنه يعني أنه ضمن العتو، وهو التجبر والتكبر معنى الإعراض، فلذا عدى بعن، وقوله: بالاستقصاء أي طلب أقصاه وغايته، والمراد التشديد والدقة فيه، وهو المراد بالمناقشة، وأصل المناقشة إخراج شوكة بشوكة أخرى ثم صار حقيقة فيما ذكرناه، وقوله: لا ريح فيه أصلاً هو من تنوين التعظيم فيتضح تخصيصه بالعاقبة. قوله: (تكرير للوعيدا لأنّ ما مر وعيد عبر عنه بالماضي لتحققه، وقوله: ويجوز الخ فيكون الماضي السابق على حقيقته، وقوله: عتت وما عطف عليه صفة قرية، وأعد الله خبر كأين أو الخبر، وأعد الله استئناف لبيان أنّ ما أعد لهم غير منحصر فيما ذكر، بل لهم بعده عذاب شديد، وليس فيه تكرير للوعيد أيضا، على هذا.
قوله: (الذين آمنوا) منصوب بأعني المقدر، أو هو بيان للمنادى، أو نعت له لا بدل لعدم حلوله محل المبدل منه، وقوله: لكثرة ذكره فهو وصف بالمصدر مبالغة كرجل عدل، وقوله: أو لنزوله الخ، فتسميته به مجاز لما بينهما من الملابسة المشابهة للحال والمحل، وقوله: أو لأنه مذكور فهو مجاز كدرهم ضرب الأمير، وقوله: أو ذا ذكر، لم يقل ذو ذكر لعطفه على مذكور صثناكله للمفسر به. قوله:. (أو محمدا) معطوفي على قوله: جبريل، وهو من التسمية للفاعل بالمصدر، أو مجاز بالملابسة المازة، أو لشرفه وقوله: وعبر الخ، بيان لوجه قوله: أنزل على هذا مع أنه كان الظاهر أن يقول بدله أرسل، وقوله: ترشيحاً أي للتجوّز عن محمد بالذجمر، ولا يلزم أن يكون استعارة لأنّ الترشيح يجري في المجاز المرسل أيضاً.،! كما صرّحوا به، وقوله: أو لأنه أي إرساله مسبب فيكون أنزل مجازاً مرسلا، وإذا كان ترشيحا فهو على حقيقته، وقوله: وأبدل الخ، هو على الوجهين لا على الثان! د لأنّ قوله: عبر يعينه كما توهم، وقوله: للبيان! أي هو عطف بيان بناء على تجويزه في النكرات، وقوله: أو أراد الخ، لم يقل أو القرآن عطغا على جبريل لبعد العهد وخوف اللبس، وهو معطوف على قوله يعني. قوله: (ورسولاً منصوب بمقدّر) يعني على هذا الوجه، إذ لا حاجة إلى التقدير على ما قبله ففيه رد على الزمخشري، وقرله: أو ذكرا مصدر قيل معطوف على القرآن، أي أراد بالذكر ذكرا يعني نفسه بالمعنى المصدري، ولا يخفى ما فيه من التعسف، وقيل: إنه معطوف على قوله: بمقدر. قوله: (ورسولاً مفعوله) قيل: ولا يمنع إرادة القرآن من الذكر بالمعنى المصحدري عن أعماله في المفعول، كما ظن فإنّ إرادته منه بعد الأعمال، فالقرآن هو ذكر الرسول لا الذكر وحده، ولا يخفى ما فيه من التعسف مع أنه يصير قوله، ورسولاً مفعوله مستدركا مع ما في قوله، أو بدله من جعل البدل منصوبا بالمبدل منه، ولو كان المراد ما ذكره، قال أو ذكرا أو بدل منه، وأيضاً القرآن كما أنه ليس مرسلاً، ليس رسالة بل مرسل به، فإن فتح باب التأويل لم يبق حاجة إلى جعل الرسول بمعنى الرسالة، وقيل: ذكر بلفظ الفعل، وقوله: ورسولاً، مفعوله معطوف على قوله: أراد به القرآن بحسب المعنى، وكله من التعسفات الباردة والوجه الأوّل أقر بها. قوله: (حال من اسم الله) فنسبة التلاوة إليه مجازية كبنى الأمير المدينة، وآيات الله من
وضع الظاهر موضع الضمير، وقوله: والمراد بالذين آمنوا في قوله: ليخرج الخ، هكذا هو في النسخ الصحيحة المعتمدة، يعني أنّ الذين آمنوا قد خرجوا بالإيمان من الظلمات، فكيف تكون التلاوة عليهم لإخراجهم منها، فأجاب أوّلاً بأنّ قوله: ليخرج متعلق بقوله: أنزل لا بيتلو، وقوله: بعد إنزاله إشارة إلى أنّ معنى آمنوا بالنظر إلى نزال هذه الآية، وأما بالنظر إلى إنزال القرآن فالظاهر تؤمنون، وقوله: ليخرج إشارة إلى أنّ المراد تؤمنون في المستقبل، والمضيّ باعتبار علمه وتقديره الأزلي، ووقع في بعض النسخ، والمراد بالدين ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات، أي ليحصل الخ فقيل إنه سهو من الناسخ، وقيل: مراده بقوله: بالدين بالدال المهملة أنه ملتيس به فيكون يتلو عليكم آيات الله، قائما مقام متلبساً بالدين، كقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [سورة الفتح، الآية: ٢٨] فتأمّل. قوله: (فيه تعجيب وتعظيم الخ) إنما جعله للتعجيب، لأنه لم جعله خبراً لم يكن في ذكره فائدة، لأنّ المراد ما ذكر هنا وحسنه معلوم، والتعظيم إما من التعجيب لأنه لو يجعل عجيبا إلا لكونه مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، أو من تنوين رزقاً. قوله: (أي وخلق مثلهق في العدد) يحتمل أنه بيان لحاصل المعنى، وهو معطوف على قوله: سبع سموات، والفصل بين الواو
стр. 2947
والمعطوف بالجار والمجرور جائز، ويحتمل أن يكون قدر له عاملاً لئلا يلزم المحذور المذكور، وهو الظاهر، وقوله: في العدد إشارة إلى أنّ الأرض كالسماء سبع طبقات متميزة متفاصلة، وهو المعروف في الأحاديث الصحيحة كقوله: (رب الأرضين السبع وما أقللن) وقيل: هي الأقاليم السبعة، وهذا يستدعي أن تحمل الأرض على السفليات مطلقا، وليست هذه المسألة من ضحروريات الدين حتى يكفر من أنكرها، أو تردّد فيها والذي تعتقده إنها طبقات سبع، كالسموات ولها سكان من خلقه يعلمهم الله، واليه الإشارة بقوله: يجري أمر الله وقضاؤه الخ. قوله: (أو مضمر يعمهما) كفعل ما فعل لتعلموا الخ، أو أخبرتكم وأعلمتكم الخ، والحديث المذكور موضوع، تصت السورة بحمد الله والصلاة والسلام على أفضل أنبيائه العظام وآله وصحبه الكرام.
سورة التحريم
وتسمى سورة النبيّ وعدد آياتها متفق عليه وهي مدنية وقيل: إلا آيتين من آخرها.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (روي أفه ﵊ اختلف في سبب النزول فقيل: قصة مارية، وقيل: قصة العسل، وقال في شرح مسلم الصحيح أنها في قصة العسل، لا في قصة مارية المروية في غير الصحيحين، ولم تأت قصة مارية من طريق صحيح، ومارية جاريته ﷺ التي أهداها له المقوقس ملك مصر، وهي أمّ إبراهيم، (وقوله عند حفصة (وقيل: عند زينب بنت جحش، وقيل: عند سودة، وفي شرح مسلم للنووي الصواب أنّ شرب العسل كان عند زينب ﵂، وقوله: نشتم، وفي نسخة نشم من باب علم ونصر. قوله: (ريح المنافير) بفتح الميم وغين معجمة وفاء، وبعد الفاء ياء ثم راء مهملة، وفي بعض نسخ مسلم مغافر بلا ياء، وقال القاضي عيا ضالصواب إثباتها لأنه جمع مغفور بضم الميم، وهو صمغ حلوله رائحة كريهة يكون بشجر يسمى العرفط، وقيل: هو نبات له ورق عريض. قوله: (تفسير لتحرّم الخ) بيان للنكتة في ترك عطفه لأنه تفسير لتحرم بجعل أبتغاء رضاهن عين التحريم، مبالغة في كونه سبباً له، وقوله: استئناف الظاهر أنه استئناف نحوي ويجوز أن يكون بيانيا في جواب سؤال، تقديره لم أنكرت يا رب عليّ هذا، وقد وقع مثله من الأنبياء كما قال: ﴿إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ٩٣] وقوله: لبيان الداعي إليه أي إلى التحريم، وليس هذا بيانا لمنشا السؤال لأنه لا يصح، تقديره، ما الداعي لتحريمه، فإنه يعلمه أو المراد الداعي لما ذكر من الإنكار فلا يرد عليه شيء. قوله: (لك هذه الزلة الخ) تبع فيه الزمخشريّ
وقد ردّه في الانتصاف، وشن الغارة في التشنيع عليه، لأنّ تحريم الحلال مطلقا أو مؤكداً بيمين بمعنى الامتناع منه ليس بزلة، وكم من مباح يتركه المرء باختياره ولا يلحقه منه شيء، وأمّا اعتقاد الحرام حلالاً وعكسه مما يلحق به الإثم، فلا يصدر عنه ﷺ وحاشاه من نسبة مثله، وأجاب عنه في الكشف بأنه أراد به ترك الأولى، وهو بالنسبة لعصمته ﷺ وعلوّ مرتبته، وقد يقال له ذنب وإن لم يكن ذنباً في نفسه، ولذا عقبه بقوله: والله غفور رحيم، وقوله: لا يجوز ينبئ عنه. قوله: (قد شرع لكم تحليلها) إشارة إلى أنّ التحلة مصدر بمعنى التحليل، وا! التحليل في الأصل لحفعيل من الحل بالفتح وهو ضد العقد فكأنه باليمين على الشيء لالتزامه عقده عليه، فإذا استثنى أو كفر فقد حل ما عقده، وقوله: عقدته إن كان بضمير الخطاب فهو الفاعل، وإن كان بتاء التأنيث ففاعله ضمير مستتر للإيمان، والبارز لما وبالكفار متعلق بحل. قوله ة (واحتج به) أي بما في هذه الآية من فرض تحليلها بالكفارة إن لم يستئن، وقوله: مطلقاً أي تحريم المرأة أو غيرها مما يملكه، وهو مذهب أءي حنيفة، وخالفه فيه الشافعى-، ودليله أنه لو لم يكن يمينا لم يوجب الله فيه كفارة اليمين هنا، وأجاب عنه المصنف رحمه الله تعالى بأنه لا يلزم من وجوب الكفارة كونه يمينا، لجواز إشتراك الأمرين المتغايرين في حكم واحد، فيجوز أن تثبت الكفارة فيه لمعنى آخر، ولو سلم أق هذه الكفارة لا تكون إلا مع اليمين، فيجوز أن يكون أقسم مع التحريم، كأن يقول في قصة مارية والله لا أطؤها، والله
стр. 2948
لا أشربه، وقد رواه بعضهم عنه، كما في شرح مسلم، فالكفارة لذلك اليمين لا للتحريم وحده، فما ذكر وجهان لا وجه واحد، محصله أنه أتى باليميق والكفارة، فإنه مخالف لسياقه من غير داع له.
قوله:) أو العسل) قد عرفت أنّ هذا هو الصحيح، إلا أنه لم يكن عند حفصة على الصحيح، وأنما كان عند زينب كما مرّ، وأما كون أو هنا لمنع الخلو ليصح التبعيض، فلا أرى له وجها فتدبر وأسرار أمر الخلافة ذكره ابن حجر عن الطبراني-، وفي عبارته طسامح فإنها تشعر بالحصر، وليس بمراد، وقوله: أي على إفشائه فهو على التجوّز، أو تقدير مضاف
فيه، ولم يجعله لمصدر نبأت مع أنه بمعنى الإفشاء لئلا تنتشر الضمائر. قوله: (ويؤيده قراءة الكسائتي بالتخفيف الخ) فإنه على هذه القراءة لا يحتمل معنى العلم، لأن العلم تعلق به كله بدليل قوله: أظهره، وقوله: أعرض الخ فتعين أن يكون بمعنى المجازاة، لا بمعنى الإقرار كما في القاموس فإنه لا وجه له هنا، قال الأزهري في التهذيب من قرأ عرف بالتخفيف، يعني غضب من ذلك، وجازى عليه، كما تقول للرجل يسيء إليك والله لأعرفن لك ذلك، قال الفراء وهو حسن، انتهى وقد وردت المعرفة والعلم بمعنى المجازاة كثيرا في القرآن، لأنها لازمة لها إذ ما لا يعرف لا يجازي عليه. قوله: (لكن المشذّد الخ) ويجوز أن يكون العلاقة اللزوم أيضاً، والسببية إذ المجازاة بالتطليق مثلاً سبب لتعريفها بالجناية، والمخفف بالعكس. قوله: (على الالتفات) من الغيبة إلى الخطاب للمبالغة، فإنّ المبالغ في العتاب يصير المعاتب مطروداً بعيدا عن ساحة الحضور، ثم إذا اشتد غضبه توجه إليه وعاتبه بما يريد. قوله:) فقد وجد منكما الخ) يعني أنّ قوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ لا يصح أن يكون جوابا للشرط إلا بهذا التأويل، أي إن تتوبا فلتوبتكما موجب وسبب، كقوله: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٩٧] أي فلمعاداته سبب وموجب، أو التقدير حق لكما ذلك فقد صدر ما يقتضيها، وقال ابن هشام هذا كقوله: إن تكرمني اليوم فقد أكرمتك أمس، وفيه إشكال من وجهين، أحدهما أنّ الإكرام الثاني سبب للأوّل، فلا يستقيم أن يكون مسببا عنه، والثاني أنّ ما في حيز الشرط مستقبل، وهذا ماض، ولذا قال ابن الحاجب توهم كثير أنّ جواب الشرط يكون سبباً ومسبباً وهو فاسد، وتوجيهه أنه سبب للإخبار بقوله: صغت قلوبكما فإن قلت الآية سبب للتحريض على التوبة فكيف تجعل سبباً لذكر الذنب، قلت: ذكر الذنب متسبب عنه، وهو لا ينافي التحريض، وقيل الجواب محذوف تقديره يمسح إثمكما، وقوله: فقد صغت الخ، بيان لسبب التوبة فإن قلت: ما قدره في الكشف لا يتسبب عن الشرط، بل الأمر بالعكس، فإن اعتبر الإعلام فليعتبر ابتداءكما، فعله ابن الحاجب وإلا فحقه أن تقديره فقد أديتما ما يجب عليكما، أو أتيتما بما يحق لكما، ويجعل ما ذكر دليلاً على الجواب المقدر حينئذ (قلت) هذا جواب آخر غير ما ذكره ابن الحاجب، وهو نظير ما قاله النحاة في قوله:
إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة
فإنه بتاويل تبين أني لم تلدني لثيمة، والمعنى هنا فقط ظهر أنّ ذلك حق لكم، فليس
مآله إلى ما قاله ابن الحاجب، لكنه أقرب إلى التأويل مما ذكره كما قيل. قوله: (وهو ميل قلوبكما) الدال عليه صغت، وقال عن الواجب دون إلى الواجب، والحق أو الخير حتى يصح جعله جوابا من غير احتياج إلى الإضماو، فإنه يقال: صغا إليه إذا مال ورغب، كما في الأساس لأنه الماضي، وقد قرأه ابن مسعود زاغت، وتكثير المعنى مع تقليل اللفظ يقتضي ما اختاره المصنف رحمه الله تعالى، كما قيل لكنه إنما يتمشى على ما ذهب إليه ابن مالك، من أنّ الجواب يكون ماضياً، وإن لم يكن لفظ، كان فيه نظر. قوله: (من مخالقة رسول الله) بالخاء المعجمة واللام والقاف أي موافقة أخلاقه والتخلق بها وهو بيان للواجب، والفاء تحريف من الناسخ، وقوله: تتظاهرا أي تتفقا وتتعاونا عليه، وقوله: فلن يعدم من باب علم أي يفقد من يظاهره ويعينه، وهو إشارة إلى أنّ ما ذكر دليل الجواب وسببه أقيم مقامه، أو هو مجازا وكناية عما ذكر، فيكون جوابا بنفسه، وقوله: صلحاء المؤمنين إشارة إلى ما سيأتي، من أنّ صالح في معنى الجمع كما ستسمعه عن قريب. قوله: (رئيس الكروبيين) في الفائق الكروبيون سادة الملائكة كجبرائيل وإسرافيل، وهم المقربون من كرب إذا قرب، وقال ابن مكتوم في تذكرته إنّ الكروبين بفتح الكاف وتخفيف الراء من كرب إذا قرب قال:
كروبية منهم ركوع وسجد
وقد تقدم تفصيله. قوله: (ناصره اللمولى معان كما مرّ، فكون الله مولاه
стр. 2949
بمعنى ناصره، وكون جبريل مولاه بمعنى قرينه، وهو قريب من معنى الناصر، وكون المؤمنين مولاه بمعنى أتباعه والظاهر أنه قدّر لكل منهما خبراً على حده، ويجوز جعل مولاه خبرا عن الجميع لكنه يلزمه استعماله في معانيه، والأوّل أولى وفيه بحث. قوله: (متظاهرون) إشارة إلى أنّ ظهير بمعنى الجمع، واختير الإفراد لجعلهم كشيء واحد، وظاهر كلامه أنّ ظهير خبر الملائكة، وقد جوّز كونه خبرا لجبريل، وما عطف عليه وأن يكون خبراً له، وخبر ما بعده مقدر كقوله: وإني وتياربها لغريب
ولو قال بدل قوله: متظاهرون مظاهرون كان أظهر. قوله: (والمراد بالصالح الجنس) الشامل للقليل والكثير، والمراد به الجمع هنا كالحاضر والسامر، ولذا عم بالإضافة لأنّ الجمع
المضاف من صيغ العموم، ولذا لم يحمل على العهد هنا، وإن روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: " انّ صالح المؤمنين هنا أبو بكر وعمر، ورفع ذلك إلى النبئ ﷺ وقد ذهب إليه قتادة وعكرمة، وهو مناسب لذكر جبريل والملائكة عليهم الصلاة والسلام، فإنّ المراد دخولهما بالطريق الأولى لا التخصيص. قوله: (بعد ذلك ثعظيم لمظاهرة الملائكة) لأنّ موقع بعد ذلك هنا موقع، ثم في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [سورة البلد، الآية: ١٧] في إفادة التفاوت الرتبي كما بينه الزمخشريّ في قوله: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [سورة القلم، الآية: ١٣] ولما أوهم هذا أنّ نصرة الملائكة أعظم من نصرة الله تعالى وهو محال، دفعه بأنّ نصرة الله على وجوه شتى من أعظمها نصرته بالملائكة، فتعظيم نصرة الملائكة لكونها نصرة الله يتضمن تعظيم نصرته تعالى، واليه أشار بقوله من جملة ما نصره الله به، وليس في هذا تعرض لتفضيل الملك على البشر بوجه، حتى يتصد! لدفعه. قوله:) على التغليب) في خطاب الكل، مع أنّ المخاطب أوّلاً اثنتان منهن، وفي لفظة إن الشرطية أيضاً الدالة على عدم وقوع الطلاق، وقد روي أنه ﷺ طلق حفصة رضي الله تعالى عنها فغلب ما لم يقع من الطلاق على الواقع. قوله: (أو تعميم الخطاب الخ) يعني لجميع زوجاته ﷺ أمهات المؤمنين، فيكون التفاتا إلى الجميع وخطابهن لأنهن في مهبط الوحي وساحة العز والحضور فيصلحن لذلك، فلا تغليب لا في الخطاب، لأنه قصد خطاب الجميع، ولا في أن لأنّ طلاق الجميع لم يقع، ولذا عقب بقوله وليس فيه الخ، قوله: (والمعلق بما لم يقع الخ) يعني أنه علق إبدال خير منهن بتطليق الجميع، وهو لم يقع فلا يقع الإبدال ولا الخيرية، ولا يلزم أن يكون في الدنيا، أو في عصره
ﷺ من هو خير من أمهات المؤمنين، حتى يتكلف لدفعه. قوله: (وقرأ نافع وأبو عمرو بالتشديد (هكذا وقع في النسخ وفي بعضها بالتخفيف، وهو سهو من الناسخ كما يعلم من كتب القرا آت. قوله: (مقرات) هو معنى مسلمات ومخلصات، معنى مؤمنات لأنه يعتبر فيه تصديق القلب، وهو لا يكون إلا مخلصاً فلا تكرار في الجمع بينهما هنا، أو الإسلام بمعنى الانقياد، وهو معناه اللغوي فيفيد ذكره مع المؤمنات، وقوله: مصليات الخ، على أنّ القنوت بمعنى الصلاة أو الطاعة المطلقة، وقوله: أو متذللات لأن التعبد يكون بمعنى التذلل كما مرّ، وقوله: صائمات الخ أصل السياحة الذهاب في الأرض للعبادة، ولذا سمي المسيح مسيحا في قول، ثم إنه ورد بمعنى الصائم تشبيها له بأهل السياحة للعبادة في عدم الزاد نهاراً، أو المراد بها الهجرة لأنها سياحة الإسلام. قوله: (وسط العاطف بينهما الخ) يعني ليست هذه الواو واو الثمانية كما توهم، وأنما هي كالواو في قوله تعالى: ﴿الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [سورة التربة، الآية: ١٢ ا] حيث ترك عطف ما سواها، لأنها صفات مجتمعة في شيء واحد بيتها شدة اتصال تقتضي ترك العطف، وهاتان بينهما تقابل بحيث لا تجتمعان في ذات واحدة، فلذا خصتا بالعطف للدلالة على تغايرهما وعدم اجتماعهما، فإن قلت فحينئذ كان العناسب ألعطف بأو الفاصلة دون الواو الواصلة، قلت هو من وصف الكل بصفة بعضه، وهما مجتمعان في الكل فكأنه قيل: أزواجاً بعضهن ئيبات، وبعضهن أبكار فتأمّل. قوله: (ولأنهما في حكم صفة واحدة) يعني أنهما هنا كشيء واحد لأنّ المراد إحدى هاتين الصفتين، فالعطف للدلالة على ذلك فتدبر. قوله: (عطف على واو قوا الوجود الفاصل بينهما، فإنه لا يشترط فيه أن يكون تأكيدا، وقوله: فتكون أنفسكم الخ يعني أنّ أصله قوا أنتم وأهلوكم أنفسكم، وأنفسهم بأن بقي ويحفظ كل نفسه عما يوبقها، فقدم الأنفس وغلب أنفس المخاطبين على أنفس أهليهم، فشملهم الخطاب جميعاً، والتغليب في كم، وفي قوا أيضاً، والمراد بالقبيلين هم وأهلوهم. قوله:
стр. 2950
(وقودها الناس الخ (مرّ تفسيره في البقرة، وقوله: ناراً الخ يعني أنّ تنوينه للتنويع، وقوله: تلي أمرها فمعنى عليها أنهم موكلون عليها، وهم الزبانية التسعة عشر، وقوله:
غلاظ الأقوال فالغلظة مستعارة هنا، وفيما بعده حقيقة. قوله: (فيما مضى) قيد للعصيان والأمر على التنازع، كقوله: فيما يستقبل وهو إشارة إلى دفع التكرار في قوله تعالى ﴿لَا يَعْصُونَ﴾ الخ ويفعلون الخ بوجهين وقوله: لا يعصون على الوجه الثاني للاستمرار مثلى يفعلون، وعلى الأوّل لحكاية الحال الماضية، أو للاستمرار فيما مضى، وقد دفع أيضا بوجوه منها أنّ الجملة الأولى لبيان استمرار إتيانهم بأوامره، والثانية لأنهم لا يفعلون شيئا ما لم يؤمروا به كقوله تعالى: ﴿وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ فإنّ استمرارهم على فعل ما يؤمرون به يفيده فلا تكرار وما فيما يؤمرون موصولة عائدها مقدر وهو به ومحصله على الثاني أنهم يوافقون الأمر في الباطن والظاهر وقيل: إنه من الطرد والعكس وهو يكون في كلامين يقرر منطوق أحدهما مفهوم الآخر وبالعكس (وهاهنا بحث (وهو أن الجار والمجرور هنا ليس من القرآن والتنازع إنما يكون في مذكور لا مقدر والمقدرات القرآنية ليست منه كما تقدم في سورة الفاتحة وما في التسهيل من أنّ نحو ما قام وقعد إلا زيد من التنازع عند الكسائي لا يقتضيه لأن فيه ما يقوم مقام المقدر وما نحن فيه ليس كذلك فليحرر فإنه من المباحث المهمة. قوله: (أي يقال لهم الخ) إشارة إلى أنه على تقدير القول والمراد باليوم وقت دخول النار فتعريفه للعهد وقوله: لا عذر لهم أصلا فنفي الاعتذار كناية عن نفي العذر وليس المراد أنه نهى عن الإتيان بما هو عذر بحسب الصورة وحسبانهم كما قيل لأنه يرجع لما بعده حينئذ وقوله: من الذنب صلة التائب لأنه يتعدّى بمن فليست تعليلية وبالغة إشارة إلى دلالة صيغته على المبالغة والإسناد المجازي لأنّ النصوح صاحبها، وقوله: ذات نصوح فهو صفة بتقدير مضاف، وتنصح نصوحا فهو مصدر فعل جملته صفة، وقوله: توبوا نصوحا فهو مفعول له وهذا كله على قرإءة الضم. قوله: (وسئل علي رضي الله تعالى عنه الخ) هذا منقول عن يعسوب المؤمنين، وهو كمال التوبة عند الخواص لا إنه يشترط ذلك في تحققها حتى يخالف مذهب أهل السنة في أنه يكفي لتحقق التوبة الندم
والعزم على أن لا يعود والمذكور شروطها عند المعتزلة كما في شرح المواقف، واعادة الفرائض أن يقضي منها ما وقع في زمان معصيته كشارب الخمر يعيد صلاته قبل التوبة لمخامرته للنجاسة غالبا، وتربية نفسه تدريجها في فعل الطاعة حتى يتم إلفه لها. قوله: (بصيغة الآطماع) بكسر الهمزة وهي عسى ولعل ونحوهما، وقوله: جرياً على عادة الملوك الخ فإنهم إذا أرادوا فعلاً قالوا: عسى أن نفعل كذا، وقوله: غير موجب خلافا لبعضهم في الإيجاب بها وكونه بين الخوف والرجاء لا ينافي غلبة الرجاء واحمادا بمعنى جعلهم محمودين عند الله وناواهم بمعنى عاداهم كما وقع في نسخة من النوى وهو البعد ففيه تعريض لأعدائهم بالخزي وفيه إشارة لترجيح العطف وقد جوّز كون الخبر معه والمراد بالإيمان فرده الكامل هنا، وقوله: طفئ كسمع ذهب نوره فأظلم مكانه وأتمم بمعنى أدمه إلى أن يصلوا إلى الجنة، وقوله: وقيل الخ فالإتمام الزيادة وهو معطوف بحسب المعنى على قوله: إذا طفئ الخ وعلى هذا لا يلزم أن يكون هذا من باب بنو فلان قتلوا قتيلاً كما توهم. قوله: (إذ بلغ الرفق مداه) وفي نسخة إذا وهي الصحيحة يعني إذا رفقت غاية الرفق فلم يفد ذلك أغلظ عليهم حينئذ فإن من لا يصلحه الخير يصلحه الشرّ، وقوله: جهنم أو مأواهم هو المخصوص بالذم المقدّر فيه قيل، وهو من عطف القصة على القصة. قوله: (مثل الله تعالى حالهم) أي الكفرة، وقوله: يحابون بالحاء المهملة والموحدة من المحاباة في البيع والمراد هنا مجازا الرعاية وفعل الجميل وقوله: بما متعلق بيجابون، وقوله: بحالهما متعلق بمثل، وقوله: تعظيم نوح من مدح الله لهما بقوله: عبدين الخ وكان مقتضى الظاهر تحتهما فإن تعظيم السيد لعبده ومدحه يكفي فيه مثله فلا يتوهم أن لا تعظيم في وصف الأنبياء بالصلاح، ولذا أضيف لضمير العظمة فافهم، وفيه أيضاً تعريض
لأمّهات المؤمنين وتخويف لهن بأنه لا يفيدهن كونهن تحت نكاح النبيّ ﷺ . قوله: (إغناء مّ (فثثا منصوب على المصدرية، ويجوز أن يكون مفعولاً به أي شيئاً من العذاب وما إشارة إلى العموم من النكرة
стр. 2951
في سياق النفي، وقوله: أو يوم القيامة وعبر بالماضي لتحققه، وقوله: الذين لا وصلة الخ إشارة إلى فائدة قوله: مع الداخلين وقوله: ظرف للمثل الخ إذ هو بتقدير مثل امرأة فرعون حين قالت هذا المقال. قوله: (قريباً من رحمتك الخ) هو تفسير لقوله: عندك فإنه تعالى منزه عن المكان والحلول ومجاورة غيره فحمل الجوار هنا على القرب من رحمته فعندك حال من ضمير المتكلم أو من بيتا لتقدّمه عليه، وكان صفة لو تأخر وفي الجنة بدل أو عطف بيان لقوله: عندك أو متعلق بقوله: ابن وقدم عندك هنا كما في الفصوص للشيخ لنكتة، وهي الإشارة إلى قولهم: الجار قبل الدار، أو هو بمعنى أعلى الدرجات لأنّ ما عند الله خير ولأنّ المراد القرب من العرش وعندك بمعنى عند عرشك ومقر عزك وعندك على الاحتمالات في إعرابه ولا يلزم كونه ظرفا للفعل. قوله: (تسلية للأرامل الجمعه في التمثيل بين من لها زوج ومن لا زوح لها للتسلية لهن وتطييب قلوبهن، والأرامل جمع أرملة وهي التي لا زوج لها وقوله: فنفخنا الخ تقدم الكلام عليه مفصلاً في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وقوله: أو الحمل يعني عيسى كما مر في سورة الأنبياء وفي نسخة الجملة وهو تحريف من الكاتب. قوله: (من روح خلقناه بلا توسط أصل) فالإضافة للتشريف لا لأدنى ملابسة، وقوله: بصحفه المنزلة هو الظاهر وكونه بمعنى كلامه القديم القائم بذاته بعيد هنا جداً، وقوله: جنس الكتب فالإضافة تعمها إذ ليس المراد العهد وقوله: بعيسى لأنه سمي كلمة كما مرّ شرحه في قوله: وكلمة من الله وجوّز فيه أن يراد كلمة التوحيد وجنس الكتاب أيضا. قوله: (من عداد
المواظبين) أي عدت من الرجال المداومين على العبادة ومن للتبعيض، والتذكير للتغليب إذ لم يقل من القانتات، وقوله: عدت من جملتهم بإدخالها في عبادتهم وجعلها ممن يكون من سدنة القدس، ومثله فيه مبالغة فهو أبلغ من قانتة مع أنه أخصر وأظهر لدلالته على معناه وزيادة أنها من قوم قانتين كما في شرح المفتاح. قوله: (أو من نسلهم الخ) معطوف على قوله من عداد المواظبين وعلى هذا فلا تغليب فيه. قوله: (كمل من الرجال الخ) هو حديث صحيح (أقول) قال خاتمة المحققين شيخ مثايخنا السيد عيسى روى أحمد في مسنده سيد نساء أهل الجنة مريم ثم فاطمة، ثم خديجة ثم آسية ثم عائثة دمانما وصفن بالكمال لأنهن كن في زمان شرك وجاهلية ووصف عائشة بالفضل لأنها أعلمهن حتى قيل ربع الشريعة مروي عنها، ولذا شبهها بالثريد لأنه فيه نفع وقوّة للبدن وهو أنفع الأطعمة وهو خبز يجعل في مرق وعليه لحم كماقيل:
إذاما الخبرتأدمه بلحم فذاك أمانة الله الثريد
والحديث الذي ذكره المصنف صحيح رواه البخاري، وقوله: وعنه ع! رو الخ حديث موضوع تمت السورة والصلاة والسلام على أفضل الأنام وعلى آله وصحبه الكرام.
سورة الملك
وتسمى سورة تبارك والمانعة أيضاً وآياتها إحدى وثلاثون في المدني الأخير وثلاثون في
غيره كما قاله الداتي فقول المحشي بالاتفاق لا وجه له وهي مكية على الأصح، وكيل غير ثلاث آيات منها وقيل إنها مدنية وهو غير مشهور.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: ( ﴿تَبَارَكَ﴾ ) مرّ تحقيقه في الفرقان، وقوله: بقبضة قدرته الخ القبضة بالفتح
تطلق على أمور فتكون بمع! نى المقدار المقبوض بالكف، ويقال له: قبضة بالضم أيضاً وهذا من التسمية بالمصدر وفي العرف شاعت في الكف والأصابع مما به القبض والبسط، وهو المراد هنا لأنّ اليد تطلق عليه كما في قوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ [سورة المائدة، الآية: ٣٨] وتطلق عليها مع ما فوقها إلى الإبط كما في قوله: ﴿فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [سورة المائدة، الآية: ٦] ولذا كانت الغاية غاية إسقاط فيه فعنى المصنف أنّ اليد مجاز منقول من الأوّل، إلى القدرة فإضافة قبضة قدرته كلجين
стр. 2952
الماء واليد بمعنى القبضة مجاز عن القدرة، وهذا مما لا شبهة فيه إلا أنه خفي عليهم معنى القبضة هنا فقالوا: ما قالوا مما تركه أتمّ من ذكره والباء في قوله: بيده ظرفية بمعنى في، وهو ظاهر وبما مر علصت أن كون قبضة قدرته استعارة مكنية وتخييلية غير مناسب للمقام إذا دققت النظر فيه فتدبر. فوله: (التصرف في الأمور كلها) قيل إنها تفشر للملك على أنّ تعريفه للاستغراق فيشمل عالم الأجسام وعالم الأرواح والغيب والشهادة فإنه قد يخص بعالم الشهادة، ويقابله الملكوت وليس بمراد هنا، ويجوز بقاء الملك على ظاهره وأنه ترك تفسيره لظهوره والتصرف معنى كونه في يده بطريق المجاز أو الكناية لكنه غير موافق لكلام المصنف، وإن كان في نفسه صحيحاً لأنه حينئذ لا يحتاج إلى جعل اليد مجازاً عن القدرة لأنّ التقدير في قدرته الموجودات كلها ولا يخفى ركاكته وأمّا الاعتراض على الأوّل بأنه لم يدر أن كون جميع التصرفات لله غير كون التصرف في جميع الأمور له، وغير مستلزم له واللازم مما ذكره هو الأوّل دون الثاني، ولو سلم فبملاحظة مقدّمة أجنبية هي أنّ التصرف في الجميع واقع فخزازة ودقة في غير محلها فإنه لا فرق بينهما لمن له طبع سليم. قوله: (على كل ما يشاء قدير) فسره بالمشيء، ولم يرتض ما في الكشاف من قوله على كل ما
لم يوجد مما يدخل تحت القدرة فإنه خص كل شيء بما لم يوجد وقد قيل عليه إنه لا يظهر له وجه لأنّ الشيء إمّا أن يختص بالموجود أو يشمل الموجود والمعدوم، وأمّا تخصيصه بالمعدوم فلا وجه له إلا أن يقال إنه ليغاير ما قبله إذ الملك في العرف يختص بالموجود إلا أنّ اليد مجاز عن القدرة عند. فإن خصت القدرة بالمعدوم كما هو مذهبه اختص الأوّل بالمعدوم، وإن لم يختص لم يختص هذا أيضا وإن ردّ بأنّ تخصيصه بما لم يوجد لاستغناء الموجود عن الفاعل عند الزمخشريّ كاكثر المتكلمين، ومن جعل علة الاحتياج الإمكان من المحققين فلأنّ الاختيار يستدعي سبق العدم فجيء بهذا القرين تكميلا لأنّ الاختصاص بالموجود فيه إيهام نقص، وأورد عليه إنّ المستغني على زعمهم هو الباقي لا الموجود وبينهما فرق مع أنّ المعدوم مستغن عندهم، وكونه ليس مذهبه ممنوع واستدعاء الاختيار سبق العدم ممنوع أيضاً على ما قرره الآمدي مع أنّ الاختصاص بمسبوق العدم غير الاختصاص بالمعدوم، وردّ بأن مراد القائل استغناء الموجود عن الفاعل في الزمان الثاني وهو زمان البقاء لا زمان ابتداء الوجود، وقوله: مع أنّ المعدوم الخ في غاية السقوط لأن استغناءه في عدمه وهو لا ينافي احتياجه بعده مع أن اللازم مما ذكر عدم جواز تعلق القدرة بما يتصف بوجود هو أثر ذلك التعلق قبله لا عدم تعلقه إلا بما يتصف بالوجود أصلاً حتى يجب تعلقها بالمعدوم لجواز كون التعلق، والمتعلق قديمين وما قالوه من أنّ أثر المختار لا يكون إلا حادثاً لاستدعاء الاختيار سبق العدم مدفوع بان تقدم الإيجاد الاختياري على وجود المعلول كتقدّم الإيجاد الإيجابي عليه في كونه ذاتيا لا زمانياً فأثر المختار كالموجب يجوز أن يكون قديما، فإن قلت إنا نعلم بالبديهة أنّ القصد إلى إيجاد الموجود محال فلا بد أن يكون مقارنا لعدم الأثر قلت: تقدم القصد على الإيجاد كتقدّم الإيجاد على الموجود في كونهما بالذات فيجوز مقارنتهما للوجود زماناً لأنّ المحال هو القصد إلى إيجاد موجود بوجود قبل لا بوجود هو أثر لذلك الإيجاد ويمكن دفع السؤال بأنّ مراده. بما لم يوجد الأعمّ من المعدوم لأنّ الموجود الثاني متصف بالوجود في كل آن وأثر الفاعل كما يكون ابتداء الوجود يكون الوجود في الزمان الثاني، وإن كان الموجود فيهما واحداً ففي كل آن متصف بوجود لم يحصل في آن سابق عليه فيصدق عليه في كل آن أنه لم يوجد في آن يليه أي لم يحصل اتصافه به في ذلك الآن لعدم مجيئه بعد فالمقصود أنّ أثر القدرة يجب أن لا يحصل قبل التعلق، فظهر وجه التخصيص بما لم يوجد وأن انهدم به قاعدة القدرة والمشيئة) أقول) ما ذكره من أنّ المراد الزمان الثاني مقبول، وكذا ما بعده وأمّا ما ذكره مما ادعى إمكان الدفع به فلا وجه له وهو تعسف لحمله الكلام على ما لا يحتمله (بقي هاهنا بحث) وهو أنهم ادّعوا مخالفة كلام المصنف لما في الكشاف حتى قالوا ما قالوا، وهو غير صريح فيه لأنّ ما شاءه يجوز أن يريد به ما لم يوجد لأنّ تعلق المشيئة والإرادة في المستقبل يقتضي عدم وقوعه في الماضي، والحال وإنما عدل عن عبارة الزمخشريّ للإشارة
стр. 2953
إلى أنه بمعنى المشيء لا الشائي
كما فصله في البقرة لأنّ المشيثة معتبرة في مفهوم القدرة. قوله: (قدّرهما الخ الما اختلفوا في الموت هل هو أمر عدمي، وهو زوال الحياة عما هي من شأنه أو وجودي، وهو كيفية تضاد الحياة كما ذهب إله كثير من أهل السنة حتى زعم بعضهم أنّ من عرفه بزوال الحياة عرفه بلازمه دون حقيقته، أشار المصنف إلى تفسيره على القولين وقدم اعتبار العدم لأنه المتبادر الأقرب فاذا كان عدمياً لا يكون مخلوقاً فيفسر الخلق هنا بالتقدير، وهو يتعلق بالوجودي والعدمي فلا يتم الاستدلال بهذه الآية على أنه وجودي كما وقع في كتب الكلام.
قوله: (أو أوجد الحياة وأرّالها حسبما قدره) قيل: إنه أراد أنّ الموت ليس عدما مطلقا
صرفا بل هو عدم شيء مخصوص، ومثله يتعلق به الخلق والإيجاد لأنه إعطاؤه الوجود ولو لغيره وكونه معنى حقيقياً للخلق بعيد لأنّ الظاهر أنّ المعتبر فيه وجوده في نفسه، وقد قيل: إنه على تقدير مضاف أي خلق أسباب الموت، وقيل: الخلق يكون بمعنى الإيجاد وبمعنى الإنشاء والإثبات، وهو بالمعنى الثاني يجري في العدميات، وهو معنى مجازي شامل للمعنى الحقيقي، وهو مراد المصنف ولا يخفى بعده عن عبارته، وقيل: إنه أراد بهذا أنه وجودي لكنه عبر عنه بإزالة الحياة لأنه لازم له ولا يخفى ما فيه من التكلف، وأمّا القول بأنه غلب الخلق على الإزالة هنا فلا معنى له، وقوله: حسبما قدره حسب بمعنى قدر وما مصدرية أو موصولة عبارة عن زمان تفديره، وليس هذا إشارة إلى أنّ التقدير معتبر في مفهوم الخلق كما توهم فالظاهر أنه أراد أنّ المراد بخلقهما خلق زمان ومدة معينة لهما لا يعلمها إلا الله فإيجادهما عبارة عن إيجاد زمانهما مجازاً. قوله: (وقدّم الموت الخ) إشارة أنّ الموت إن كان العدم مطلقاً سواء كان سابقا أو لاحقاً كما هو أحد الوجوه في تلك الآية فتقدمه ظاهر لسبقه على الوجود، وهو عدم الحياة عما هي من شأنه فإن أريد به العدم اللاحق لأنه عدم الحياة عمن اتصف بها فتقديمه لأنّ فيه عظة وتذكرة وردعا عن ارتكاب المعاصي وهذا أحسن من جعله مبنيا على الأوّل، وأنه لما تعلق الخلق به خص بالعدم الطارئ لأنه تكلف ما لا حاجة إليه، وكذا إرادة الثاني وأنه يكفي لتقدمه تقدم نوع العدم إذ لا تمايز فيه. قوله: (أدص إلى حسن العمل الما بينا من أنه عظة وتذكرة، ولذا ورد أكثروا من ذكرها ذم اللذات وفي الحياة أيضا داعية له لأنّ من عرف أنها نعمة عظيمة، وكان ذا بصيرة دعته إلى العمل أيضا فلا يتوهم أنها لا داعية فيها وأنما ذكرها باعتبار توقف العمل عليها. قوله: (ليعاملكم معاملة المختبر الخ) يعني أنّ البلاء بمعنى الاختبار يقتضي عدم العلم بما اختبره فهو غير صحيح في حقه تعالى، ولذا جعلو. هنا استعارة تمثيلية أو تبعية على تشبيه حالهم في تكليفه تعالى لهم بتكاليفه، وخلق الموت والحياة لهم واثابته لهم وعقوبته بحال المختبر مع من اختبره وجربه لينظر إطاعته وعصيانه فيكرمه، ويهينه والمختبر بفتح الباء ويجوز كسرها، ولذا اختاره من قال بين التشبيه في جانب المختبر بالفتح دون الكسر
لأنه أقرب لرعاية الأدب، ومن قال إنه لا رعاية فيه للأدب لوجوب كون معنى الآية الكريمة ذلك لم يأت بشيء غير إساءة الأدب. قوله: (بالتكليف الخ) يجوز تعلقه بيعاملكم وبالمختبر ولا يرد عليه ما قيل: من أنه يقتضي وجود مختبر بالتكليف الإلهي اختبارآحقيقيا، ولا وجود له إذ الموجود مكلف غير مختبر لأنه لا يتعين إرادة التكليف الإلهي ولو سلم فيكفي فرض وجوده لصحة التشبيه به، وقوله: يا أيها المكلفون إشارة إلى تخصيص المخاطبين بهؤلاء لأن غيرهم لا يجري عليه ذلك والمخصص له هنا العقل كما لا يخفى. قوله: (أصوبه وأخلصه) الضميران للعمل والصواب ما كان على وفق ما ورد عن الشارع والخالص ما كان لوجه الله سالما عن الرياء وأتى باسم التفضيل، وإن عم الخطاب جميع المكلفين تحريضا على اجتناب القبيح، وأنه لا يعبأ به أصلاً وإنما النظر إلى المحاسن على مراتبها، والحديث المذكور مز في سورة هود مرفوعا مع بيانه وهو على هذا شامل لعمل القلب والجوارج. قوله: (المتضمن معنى العلم الخ) توصيف متضمن للتعليل فإنّ فعل البلوى لا ينصب مفعولين بلا واسطة، وقوله: ليس هذا من باب التعليق الخ وقد ذكر في سورة هود أنه تعليق، وهو مما يسئل عنه قديما لما بين المحلين من التعارض، وقد تقدم الكلام فيه مفصلا فتذكره، وقوله: لأنه يخل به هكذا هو في
стр. 2954
بعض النسخ وفي بعضها بها فقيل: عليه الوجه تذكيره ولا حاجة إليه، وقولى: وقوع الجملة خبراً أي في الأصل لأن الفعل من النواسخ. قوله: (الذي لا يعجزه الخ (بيان لارتباطه بما قبله لكنه قيل عليه إنه إنما يناسب كون الغرض من البلوى تمييز من أحسن ممن أساء حتى يكون تذييلا، وفيه نظر لأنه قد يوجه بأنّ ما مرّ لذكر الأحسن والحسن عملا، ثم تكميله بأنه لا يعجزه عقاب المسيء، وقوله: ﴿لِّمَن تَابَ﴾ منهم قيل: إنه تبع فيه الزمخشري، وهو مناسب لمذهب أهل السنة والمناسب له أن يقول لمن شاء ويدفع بأنه إنما خصه لأنه المناسب للمقام والمغفرة لمن تاب لا تنافي المغفرة لغيره إذا شاء، وقوله: تاب منهم الضمير لمن أساء وجمع نظراً لمعناه أو هو للناس المعلوم من السياق. قوله: (مطابقة) بفتح الباء إشارة إلى أن المصدر بمعنى اسم المفعول أو بيان لحاصل المعنى، وقوله: بعضها فوق بعض مبتدأ وخبر والجملة مفسرة لقوله: مطابقة، وكون بعضها مرفوعا بقوله: مطابقة سهو لأنه لو كان
كذلك قيل: مطابقاً وكذا جعل نرق منصوبا بنزع الخافض متعلقاً بمطابقة، ويجوز كونها جملة حالية وما ذكرناه أسهل اوأولى وكون مطابقة مصدراً على أنه تفسير لمصدر آخر وقوله: بئ اخصفتها بفتح التاء على ما عرف والخصف كالخياطة في الجلد وقوله: وصف به فهو بتقدير مضاف، أو مجاز لغوي إن لم يقصد المبالغة والموصوف سبع وكون الوصف للمضاف إليه العدد ليس بلازم بل أكثري، وقوله: أو ذات طباق على أنه جمع فإفه اسم جامد لا يوصف به، وأيضاً الطبقة المرتبة والسموات ذات مراتب لا نفس المراتب ومن لم يفهمه قال: خق العبارة أو جمع طبق إذ لا تمس الحاجة إذا جعل جمعاً إلى التقدير وأنما المحوج له المصدرية ولا غبار عليه في التخصيص أيضاً وقوله: طوبقت طباقاً فهو مفعول مطلق والجملة صفة، وما قيل من أنه يجوز نصب طباقا على الحالية لأنّ سبع سموات معرفة لشمولها للكل مما لا وجه له لأنّ كونه شاملا للسموات كلها وليس غيرها لا يصيرها معرفة فإنها كالشمس لا فرد لها، ولا يجوز نصب الحال المتأخرة عنها كقولك: طلعت علينا شمس مشرقة. قوله: (كرحبة) بفتح الحاء وهي الساحة لا بسكونها حتى يكون سهواً لأنه لم يسمع طبقة بسكون الباء كما توهم، وقوله: فإنّ كلا الخ وفي نسخة كان أو كما قيل بعضه يفوت بعضا والأمر فيه سهل. قوله: (صفة ثانية) والأولى قوله: طباقاً أو الجملة، وهي طابقت طباقا كما مرّ ولا يلزم الاقتصار على الأوّل كما توهم. قوله: (موضع الضمير (وهو فيهن فإن قلت: قال ابن هشام في الباب الرابع من المغني الجملة الموصوف بها لا يربطها إلا الضمير إما مذكوراً، أو مقدراً قلت ليس كلام ابن هشام نصا يلزم المصنف اتباعه والتوفيق بينهما بأنه إذا لم يقصد التعظيم كما قاله بعض المتأخرين ليس بشيء لأنه لا بد له من نكتة سواء كانت التعظيم أو غيره. قوله: اللتعظيم (لإضافته لاسمه تعالى إضافة تشريف، والإشعار المذكور ناظر لخصوصية الرحمن وكونها نعما لأنّ السفليات مستمدة من العلويات على ما تقرّر في الحكمة مع ما فيها من الأجرام المنوّرة، وكونها أدلة للسارين ومواقيت إلى غير ذلك قيل وفيه إشارة إلى قياس تقديره ما ترى فيها+ من تفاوت لأنها من خلقه تعالى، وما ترى في خلقه من تفاوت ومثله في النكت فلا وجه لما ورد عليه فلا نطول بإيراده، ودفعه فتأمّل والمراد بالتفاوت كما قاله الإمام: تفاوت يورثه نقصا كما قاله السدي. لا مطلق اختلاف الخلقة وبه يندفع الاعتراض على القياس. قوله: (متعلق به (أي بما قبله تعلقاً معنويا كما أشار إليه بقوله: على معنى التسمبب أي عن الأخبار بما قبله فإنه سبب
للأمر بالرجوع لما يعتري بعض السامعين من الشبهة فيه، وربما يقع الغلط بالنظرة الواحدة فهو في المعنى جواب شرط مقدّر أي إن كنت في ريب منه فارجع الخ فلا خلط في تقديره بعد ذكر التسبب السابق فتأمّل. قوله: (أي قد نظرت إليه مرارا) هذا مستفاد من فوله: فارجع الدال على سبق النظر وكونه مراراً من المضارع فإنه يدل على التجدد الاستمراري، ومن غفل عن هذا قال: إنه من الواقع لا من مقتضى الكلام فإنه لا يفيد كونه مراراً فافهم، وقوله: ما أخبرت به بصيغة المجهول والخطاب أو المعلوم والإسناد إلى ضمير المتكلم. قوله: (أي رجعتين أخريين) هو بيان لمنطوقه بحسب ظاهر اللغة، ثم بين المراد بقوله: والمراد الخ، وقوله: ولذلك أي
стр. 2955
لكون المراد التكثير فإنّ الخسوء لا يقع بالمرتين فقط والجوابية تقتضي الملازمة ولا يلزم ذلك من المرتين غالباً ولذا نفاه بعضهم فلا يرد عليه أنه قد يقع لبعض الأفراد لا سيما بعد دقة النظر على ما يقتضيه سياق فارجع البصر وهل. قوله: (بعيدا عن إصابة المطلوب) قال في الصحاح خسأت الكلب خسأ طردته وخسأ الكلب بنفسه يتعدى ولا يتعدى، وانخسأ الكلب أيضاً وخسأ بصره خسا وخسوأ أي سدر اهـ، ولو فسر بالسدر، وهو تحير النظر كان مكرراً مع قوله: وهو حسير لأنّ ما-لهما واحد فلذا لم ينظر إليه المصنف مع أنه أقرب ومن غفل عنه اعترض عليه بما ذكر مع أنّ فيما اختاروه مبالغة، وبلاغة ظاهرة فلذا أخذوه من خسأ الكلب المتعدي على أنه استعارة كما أشار إليه بقوله: كأنه الخ والصغار بالفتح الذل فهو استعارة لذل الخيبة فافهم. قوله: (أقرب السموات إلى الآرض) إشارة إلى أنّ الدنيا هنا صفة من دنا بمعنى قرب وقوله: بكواكب مضيئة فالاستعارة في الجمع ابتداء أو في المفرد، ثم جمع وكل منهما صحيح فلا وجه لتعيين أحدهما لما في الاقتصار من القصور وكأنّ من اقتصر على الأوّل نظر إلى أنّ الرتبة بالمجموع واختلاف مراكزها مبين في علم الهيئة، وأهل الشريعة لا يلتفتون لمثله نلذا حملوه على ظاهره، ومن خالفهم أوّله بما ذكر. قوله: " ذ التزيين بإطهارها عليها) خص التزيين بها لأنها إنما ترى عليها ولا يرى جرم ما فوقها فلا حاجة إلى القول بأنه على مقتضى إفهامهم لعدم التمايز بينهما فإنها ترى عليه كجواهر متلألئة على بساط الفلك الأزرق الأقرب، وقوله: والتنكير أي في مصابيع أي مصابيح ليست كمصابيحكم التي تعرفونها، ولم يجعله
للتنويع لأنّ هذا أنسب بالمقام، واعلم أنّ قوله: إضحاءة السرج فيها الظاهر أن ضمير فيها راجع للمصابيح كما صرّح به في بعض الحواشي بناء على أنّ المصباح مقرّ السراج لا السراج نفسه كما في الصحاح إذ لو أريد ذلك لم يحتج إلى قوله فيها وحينئذ فالمصابيح مجاز عما حل فيها، وهو السراج والسرج مجاز عن الكواكب ففيه تجوّز على تجوّز ولا حاجة إليه مع تصريح أهل اللغة بأنّ المصباح السراج أيضاً، واعادة ضمير فيها على الليل بعيد جدا ولو رجع ضمير فيها للسماء استغنى عن هذا التكلف والظاهر أنه المراد فتدبر. قوله: (بانقضاض الشهب المسببة عنها الخ) هذا بناء على ما قرّره الحكماء من أنّ الكواكب نفسها غير منقضة، وإنما المنقض شعل نارية تحدث من أجزاء متصاعدة لكرة النار لكنها بواسطة تسخين الكواكب للأرض فالتجوّز في إسناد الجعل إليها، أو في لفظها وهو مجاز بوسايط ولا مانع من جعل المنقض نفسه من جنس الكواكب وإن خالف اعتقاد الحكماء، وأهل الهيئة ولكن في القصوص الإلهية ما فيه رجوم الشياطين. قوله: (وقيل الخ) مرضه لأنه خلاف الظاهر المأثور والرجم يكون بمعنى الظن مجازاً معروفا، وقوله: المنجمون المراد به من يعتقد تأثير النجوم ويجزم بما ينسبه لها من الأحكام لأنه المحرم وأما غيره فليس بمحرم، وقوله: جمع رجم وقيل: إنه مصدر هنا بمعنى الرجم أيضا، وقوله: سمي به الخ فصار له حكم الأسماء الجامدة ولذا جمع وإن كان الأصل في المصادر أنها لا تجمع. قوله: (من الث! ياطين وغيرهم الخ) إشارة إلى أنه تعميم بعد التخصيص لدفع إيهام اختصاص العذاب بهم ولا تكرار فيه كما توهم نعم لو حمل على غير الشياطين ليخلو من شبهة التكرار، ويوافق قراءة النصب معنى كان حسناً أيضا. قوله: (صوتاً كصوت الحمير) فهو استعارة تصريحية وقوله: لها إمّا على ظاهره والمراد لها نفسها أو لأهلها بتقدير المضاف، أو التجوّز في النسبة وتشبيه أصواتهم أو صوتها بصوت الحمير في قباحته وكونه صوتاً منكرا ولا مكنية فيه بأنّ تشبه هي أو هم بالحمير فإنه لا حسن له هنا لأنه إنما يشبه به في الجهل، والبلادة وليس هذا محله كما توهم وفي الكشاف سمعوا لها شهيقا إمّا لأهلها ممن تقدم طرحهم فيها أو من أنفسهم كقوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [سورة هود، الآية: ٠٦ ا] وأمّا للنار تشبيهاً لحسيسها المنكر الفظيع بالشهيق واعترض بأنه قد مرّ في قوله: ﴿اخْسَؤُوا فِيهَا﴾ [سورة المؤمنون، الآية: ١٠٨] أن أهلها بعدما وقع منهم المتاركة ستة آلاف سنة يقال لهم: اخسؤوا فيها، ثم لا يكن لهم إلا زفير وشهيق فهما إنما يكونان لهم بعد القرار في
النار وبعد ما قيل لهم اخسؤوا فيها فلا يتسنى كون الشهيق هنا لأهلها، وردّ بأن ما ذكر ثمة إنما يدل على انحصار حالهم بعد ذلك في الزفير والشهيق لا على عدم وقوعهما منهم قبل، وأما كونه غير ثابت السند فلا يدفع الاعتراض
стр. 2956
على الزمخشريّ، وكونه ليس عقب الإلقاء لأنّ الزمان الدال عليه إذا يتسع جدا ككون المراد منه نفي الشهيق فإنه كله تعسف، والمرجل القدر. قوله تعالى: ( ﴿مِنَ الْغَيْظِ﴾ ) الغيظ كما في الصحاح الغضب للعاجز وقيل: المراد أنه على العاجز يقال: غضب عليه له ولكن لا يوافقه قوله: والكاظمين الغيظ إلا أن تجعل مجازا من قبيل المشفر سواء كان الوصفان لشخص أم لا، والتحقيق ما في شرح الفصيح للمرزوقي إنه الغضب أو أسوؤه وقوله: تتفرّق تفسير للتميز هنا وأنّ المراد به التفرّق والتقطع كما يقال تقطع وتمزق غضباً. قوله: (وهو تمثيل لشدّة اشتعالها) يعني شبه اشتغال النار بهم في قوّة تأثيرها فيهم وايصال الضرر إليهم باغتيار المغتاظ على غيره المبالغ في إيصال الضرر إليه فيكون استعارة تصريحية، والتمثيل بمعنى التشبيه في كلامه، ويجوز أن تكون المصرحة هنا تخييلية تابعة للمكنية بأن تشبه جهنم في شدة غليانها وقوّة تأثيرها في أهلها بإنسان شديد الغيظ على غيره مبالغ في إيصال الضرر إليه فتوهم لها صورة كصورة الحالة المحققة الوجدانية، وهي الغضب الباعث على ذلك واستعير لتلك الحالة المتوهمة الغيظ كما في شرح المفتاح الشريفي، وأما ثبوت الغيظ الحقيقيّ لها بخلق الله فيها إدراكا فبحث آخر لكنه قد قيل هنا إنه لا حاجة إلى ادّعاء التجوّز فيه لأنّ تكاد تأباه كما في قوله: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ [سورة النور، الآية: ٣٥] وقد صرّح به علماء المعاني في بحث المبالغة والغلوّ ودفعه ظاهر فتدبر. قوله: (ويجوز أن يراد غيظ الزبانية) فلا تمثيل فيه لكنهم قالوا: الإسناد فيه مجازي، أو هو على تقدير المضاف سواء كان الشهيق لجهنم أو لأهلها أو للزبانية، وأمّا الفوران فليس إلا لجهنم والمراد إسناد تكاد تميز لا الغيظ كما توهم حتى يقال إنه لم يسند لهم صريحا ولا لضميرها لأنه مصدر لا يتحمل الضمير ولا حاجة إلى تكلف إنّ أصله غيظها. قوله: (جماعة من الكفرمما مطلقاً غير الشياطين لقوله: فكذبنا ولا حجة فيها لمن قال: من المرجئة لا يدخل النار غير الكفرة كقوله: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الخ على قراءة الرفع فإنّ الحصر فيه إضافيّ بقرينة النصوص الواردة في تعذيب العصاة، وقوله: (يخوفكم) الخ إشارة إلى معنى الإنذار والنذير وحمل النذير على ما في المعقول من الأدلة خلاف الظاهر. قوله تعالى: ( ﴿سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ الخ) السؤال هنا ليس سؤال استعلام كما أشار إليه المصنف بقوله: وهو توبيخ، وورود قال بدله في الزمر لا يدل على أنه حقيقي كما أنّ ورود الاستفهام بعده لا يدل على أنه سؤال غير
حقيقيّ كما توهم وهو غنيّ عن البيان لمن له أدنى إذعان. قوله: (فكذبنا الرسل الخ) وأفرطنا في التكذيب فيه إشارة إلى أنّ النذير هنا في معنى الجمع أو هو بيان لحاصل المعنى بعد المقاولة كما سيأتي، وقوله: نفينا الإنزال والإرسال رأسا هو تفسير لقوله: ما أنزل الله من شيء ورأساً بمعنى بالكلية كما في المكمل شرح المفصل، وقوله: بالغنا في نسبتهم إلى الضلال أي حيث قصروا عليه حالهم وجعلوهم مستغرقين فيه كأنه أحاط بجميع جوانبهم ثم وصفوه بالكبر، وقوله: فالنذير قرنه بالفاء التفريعية لأنه فهم من تفسيره السابق فمن قال: إنّ الفاء ليست في محزها لم يصب، وقوله: بمعنى الجمع لأنه فعيل وهي صيغة يستوي فيها الواحد وغيره فيوافق قوله: أنتم على الجمع قيل: ولم يجعل جمعاً كالعبيد لأنه لا يعرف له مفرد يصلح أن يكون هذا جمعاً له وفيه نظر، وقوله: أو مصدر الخ فهو بحسب الأصل يطلق أيضا على الجمع لأنه يلزم الإفراد والمضاف المقدر معه في معنى الجمع أيضاً لإطلاقه على ما يعم القليل، والكثير فيغني غناء الجمع فهما وجهان معنى، والمبالغة لجعله عين الإنذار ومنعوت معطوف على مقدّر. قوله:) أو الواحد) معطوف على الجمع، وقوله: والخطاب الخ توجيه لأنتم على هذا التقدير، وقوله على التغليب وأصله أنت وأمثالك فأدخلوا في الخطاب تغليباً لأنّ النذير واحد، وأمّا عدم اطراده لأنه لا يشمل حينئذ أوّل فوج أرسل إليهم وثانيهم ولا من كذب رسوله دون من قبله فيعلم دفعه مما مرّ. قوله: (أو إقامة تكذيب الواحد الخ) فيكون واحدا لكنه جعل جمعاً ادّعاء والظاهر أنه في الحكاية، وقيل الرسول واحد تأويلا كثير تحقيقاً فروعي فيه الحالان، وقوله قالت: الأفواج الخ لا يخفى بعده لأنّ السؤال جواب كلما وهذا جوابه فيلزم وقوعه مع كل فوج على حدة، واذعاء تأخر الجواب إلى اجتماع الكل في جهنم لا يلائم السياق. قوله: (جاء إلى كل فوج منا) هو بيان للمعنى المراد حينثذ لا أنه على حذف
стр. 2957
المضاف ونزع الخافض كما قيل: وقوله: يجوز أن يكون الخ هذا على تقدير كون النذير واحداً لأنه تأويل مخالف للظاهر فلا يرتكب من غير داع له وإن صح في الأوّل أيضاً، وقوله: على إرادة القول أي قالت لهم: الزبانية بعد اجتماعهم وأنما قدره ليرتبط بما قبله، وقوله: فيكون الضلال الخ وهو على الأوّل من مجاز الكون لأنهم ليسوا الآن في الضلال وعلى الثاني تجوز بالسبب عن المسبب، ولذا أضافه لضميره وأمّا كونه بمعنى الهلاك المذكور في الكشاف فمعنى
آخر غير ما ذكر. المصنف فمن أدرجه في كلامه فقد سها كما قيل: ولا يخفى أنّ للحمل عليه مجالاً وإن كان بعيداً فعده سهوا تعسف من قائله. قوله: (فنتقبله الخ) إشارة إلى أنّ السماع والعقل هنا بمعنى القبول والتفكر لقوله: لو كنا إذ لو كان على ظاهره كان واقعاً فالفاء في كلامه للتفصيل، والتفسير وأو للترديد لأنه يكفي انتفاء كل منهما لخلاصهم من السعير أو للتنويع فلا تنافي الجمع، وقيل: إنه إشارة إلى قسمي الإيمان التقليدي والتحقيقي أو إلى الأحكام التعبدية وغيرها، وهو تعسف بعيد، وقوله: في عدادهم الخ لأنهم إذا دخلوا معهم كانوا من جملتهم وليس فيه إشارة إلى أنّ السعير إنما أعدّت للشياطين كما قيل. قوله: (حين لا ينفعهم) أي اعترافهم بذنبهم واللام في قوله: لأصحاب السعير للتبيين كما في هيت لك، وسقيا له فأتى به مبهماً ثم فسره لأنه أوقع وأرسخ في النفس، وقوله: فأسحقهم الله سحقاً جعله مصدر أسحق بحذف الزوائد ولم يفسر. بسحقوا سحقاً مع أنه الظاهر ليفيد أنه تعالى جازاهم بذلك على منع فعلهم، وما قيل من أنه لم يفسره بسحقهم الله مع استعماله لقلته رد بأنه لم يجىء سحق بمعنى بعد إلا لازما وفيه نظر وقوله: بالتثقيل أي ضم الحاء لأن الضمة ثقيلة بالنسبة إلى السكون. قوله: (والتغليب للأيجاز والمبالنة والتعليل) قيل: إنّ المراد أنّ أصحاب السعير وهم الشياطين غلبوا على الكفرة إذ الظاهر أن يقال: فسحقاً لهم أي للقائلين بلى قد جاءنا الخ ولأصحاب السعير الذين هم الشياطين فغلب للإيجاز، وهو ظاهر والمبالغة في إبعاد الأوّلين إذ لو أفرد بالذكر أمكن تفاوت الإبعاد بأن يكون إبعادهم دون إبعاد الثياطين لجعلهم الشياطين عن إبعاد أصلاً وأنفسهم ملحقة بهم في ما كنا في أصحاب السعير فلما ضموا إليهم دل على أنّ إبعادهم لا يقصر أولئك وفي جعلهم من أصحاب السعير مع أنهم ليسوا منهم على الحقيقة، والتعليل للإشعار بأنّ الإبعاد لكونهم أصحاب السعير لترتب الحكم على الوصف المشعر بعليته لا من الفاء الدالة على أنّ تبعيدهم عن رحمته لاختيارهم للمعاصي المدخلة لهم السعير كما توهم، وأورد عليه أنّ اختصاص أصحاب السعير بالشياطين غير صحيح لأنّ سائر الكفرة يدخلونها وليس المراد من كونهم أصحابها إلا ذلك كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [سورة فاطر، الآية: ٦] وكونه إعداداً للشياطين خاصة ممنوع لقوله تعالى: ﴿فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا﴾ [سورة الفتح، الآية: ١٣، ونحوه وقوله: أعتدنا لهم عذاب
السعير لا يدل على الاختصاص وقول المصنف في عدادهم الخ صريح في خلافه وأيضا فالكفرة إذا لم يكونوا من أصحاب السعير حقيقة فكيف يفيد درجهم فيهم التعليل، وردّ هذا الردّ بأنه لا يلزم مما ذكر اختصاص السعير بالشياطين بل يكفي كونهم أصلاً في دخولها ألحق بهم الكفار كما يدل عليه قول المصنف في عدادهم، وجملتهم فالداخل في السعير قسمان ومقتضى الظاهر ذكرهما في الدعاء معاً فعدل عته، وغلب أصحاب السعير الدال على الأصالة كما يشهد به الذوق وهذا لا محصل له وإن تبجح به قائله فالظاهر أن يقال أصحاب السعير له معنى في اللغة، وهو كل من دخل نارا مسعرة مطلقا أو لازمها كما تفيد. الصحبة في عرف اللغة ومعنى في عرف الشرع فإنه ورد أنّ جهنم سبع طباق لكل طبقة منها اسم يخصها والسعير واحدة منها مخصوصة، وقد صرّح به المفسرون وورد في الأحاديث وذكره المصنف في سورة الفتح حيث قال: وقيل السعير نار مخصوصة فهي الطبقة المعدة للشياطين فحيث قامت القرينة على إرادة معناه اللغوي أو العرفي يعمل بها ويكون هذا كالدابة وهنا ما قبله دل على أنّ المراد منها الطبقة المخصوصة فيكون مجازا في الأخرى، والتغليب وغيره ظاهر كما فسروه بذلك وهو الذي أراده هذا القائل وحينئذ فلا إشكال عليه أصلاً وهذا كلام لا غبار عليه، وأما التعليل فإنهم لاتباع أصحاب السعير عدوا من جملتهم ومثله يكفي له وإن لم يكونوا منهم حقيقة، وقيل: مراده تغليب الكفرة على الفسقة
стр. 2958
والأصل سحقا لهم ولسائر أصحاب السعير فغلب الأكثر على الأقل ورد بأنّ فسقة المؤمنين لا يطلق عليهم أصحاب السعير لإفادته التأبيد والخلود في عرف القرآن، وأيضا لا تجوز فيه حينئذ والتغليب كله مجاز وأيضا المؤمنون لا يستحقون الدعاء بالإبعاد عن الرحمة إلا أن يرأد بالتغليب تعميم الحكم بالجمع في لفظ واحد وبالجملة فإنّ هذا من مشكلات هذا الكتاب، وقد أكثر علماء الروم الكلام فيه وحكم بعضهم بعدم صحة نسخة التغليب، وقال الصحيح التغيير بالرإء يعني أنّ الأصل ذكر الفعل والضمير فغير الأسلوب وحذف الفعل للإيجاز وهو ظاهر وللمبالغة لذكر المستحق مبهمآ من غير بيان من هو، وما يستحقه وجاء بقوله: لأصحاب السعير بياناً له ولو ذكر هذا الفعل فات هذا المعنى وعدل عن الضمير للتعليل فإنّ علة اللعن كونهم من أصحاب السجر باختيارهم الكفر، والتكذيب لاعترافهم بذنوبهم، وقيل على ما ذكره في هذا القيل أصحاب السعير الكفرة لأنهم الأكثر المغلبون كما صرح به القائل فتأتي كونهم أصحابا باعتبار اكثر ولا يلزم منه خلود الفسقة إلا أنه يرد عليه أنه لا تجوّز فيه أيضاً، وليس بشيء لأنه مجاز بحسب المعنى العرفي، وهو كاف لصحته وأيضا قيل: إنّ مثله من التغليب ينسب فيه ما للأكثر مما يختص به لغيره كما في قوله: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٨٨] وهو لا يتيسر هنا لأنّ الوصف المذكور للعصاة أيضاً ولا يخفى فساده لأنه للتأكيد فكيف يكون لهم، وما أورده غير وارد لأنه إذا كان
من التغليب لا يكون أصحاب السعير وصفاً للفسقة حقيقة فيكون مجازا ولا يخفى ما فيه من الخبط والخلط، وقيل: في توجيهه إنهم لما جعلوا الشياطين في صحبة السعير أصلا وأنفسهم دخيلا واقتضى ذكر الأشقياء بأسرهم تعميم دعاء اللعن لجميعهم كان الظاهر أن يقال: سحقا لهم أي للقائلين بل الخ، ولأصحاب السعير الذين هم الشياطين فقط على زعمهم إلا أنه غلب الثاني فعبر عن جملتهم بأصحاب السعير تجوّزا على زعمهم لفوائد الإيجاز، وهو ظاهر والمبالغية في إبعاد الأوّلين إذ لو أفرد بالذكر أمكن أن يكون إبعادهم دون الشياطين فلما سوّى بينهم في العبارة دل على أنّ إبعادهم ليس أدون من إبعادهم، والتعليل لما مرّ وحصول الكل منها بدون التغليب لا ينافي جعل الكل فائدة ولم سلم حصول الكل بدونه فالمقصود بيان فوائد التغليب ولا حاجة في ص! حته لنكتة، وقيل: سياق الكلام يقتضي أن يقال فسحقا لهم ولغيرهم من أصحاب السعير لأنّ ترتب االسحق إنما كان على المعترفين بذنبهم وهم من جملة أصحاب السعير فترتيب السحق على جميع أصحاب السعير تغليبا من إسناد حكم البكض للكل كما في لتعودنّ في ملتنا والتغليب كما يكون مجازاً لغويا يكون عقلياً كما هنا، أمّا الإيجاز فظاهر لأنه أوجز من لهم ولغيرهم من أصحاب السعير فإن مساقه وإن لم يقتض إسناد السحق للمعترفين بذنبهم فقط لكن مقفحى البلاغة التعميم لمن عداهم أيضا فإذن إسناد السحق إلى الجميع بعبارة أوجز مما ذكروه، وكذا المبالغة إذ إسناد السحق إلى الجملة في مقام الإسناد إلى البعض فيه مبالغة ظاهرة والتعليل لأنه يعلم أنّ استحقاقهم السحق لكونهم من أصحاب السعير، وقيل: التغليب هنا غير المصطلح لأنّ المراد به هنا تعميم الحكم وهو سخيف لوجود التعميم بدون هذه الأمور إلا أن يراد التعميم بطريق مخصوص، وبقيت هنا كلط ت لا طائل تحتها تركناها خوف الملل.
قوله: (يخافون عذابه الخ (هو بيان لحاصل المعنى أو إشارة لتقدير المضاف أو للتجوّز
في الن! سبة، وقوله: غائبا يعني أن قوله: بالغيب ظرف مستقرّ حال من المفعول المذكور أو المحذوف أو الفاعل والغيب بمعنى الغائب وقيل: بمعنى الغيبة والخفاء، وتفسيره بغائبا لتوضيح الحال لا لأنّ الغيب بمعنى الغائب ولا وجه له أو هو صلة يخشون والغيب بمعنى الغائب أيضا أو هو تسمية بالمصدر أو مخفف غيب كلين والباء للاستعانة وأل موصولة أو معرفة والغيبة عن عذابه ظاهرة وعن أعين الناس بمعنى عدم الرياء، ولو أبقى على ظاهره صح ومعنى غيبته عنهم كونه لا يدركه الحس ولا تقتضيه بديهة العقل كما مرّ في البقرة مثله فتدبر. قوله: الذنويهم) بيان لمتعلق المغفرة لا لتقديره مضاف في لهم لأنّ عطف قوله: وأجر كريم ياباه، وقوله: تصغر دونه لذائذ الدنيا لأنّ كبر الآخرة بالنسبة لما يقابلها وهو أجر الدنيا وجملة:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ﴾ الخ مستأنفة في جواب سؤال مقدر نشأ من ذكر الكفرة وهو إما حال من أحسن عملاً، وقوله: ﴿وَأَسِرُّوا﴾ الخ معطوف على مقدر تقديره فاتقوه
стр. 2959
في السر والعلن وأسروا الخ، وقوله: بالضمائر الخ فيدل على استواء السر والجهر عنده لأنه يعلمها قبل التعبير عنها فكيف بعده فسواء السرّ والجهر. قوله: (سرّا وجهرا (وفي نسخة أو جهراً وهو منصوب بنزع الخافض أو هو تمييز وكون نسبة التعبير لا إيهام فيها مكابرة والتقدير سرّاً! لان أو جهراً، وقوله: من أوجد الأشياء أي جميعها حتى السرّ والجهر فكيف لا يعلمه والخلق يستلزم العلم، وقوله: السر والجهر إشارة إلى أنه المفعول المقدر بقرينة ما قبله وأنه حذف لمجرد الاختصار دون قصد العموم لأنّ المقصود استواء السرّ والجهر لديه، ولذا قدر مفعول خلق عاما إشارة إلى أنه من مقدّمات الدليل، وهو اللطيف الخبير مسوق لبيان استلزام الخلق للعلم فلو قدر مفعول العلم خاصا كان خلواً عنها فيكون مستغنى عنه، وإن خص بالسرّ والجهر كان لغواً غير مفيد فتأمّل. قوله: (المتوصل علمه الخ) فيكون علمه محيطا بالجزئيات والكليات فكيف لا يعلم السرّ والجهر من هذا شأنه قال الغزالي: إنما يستحق اسم اللطيف من يعلم دقائق الأمور وغوامضها وما لطف منها، ثم يسلك في إيصال ما يصلحها سبيل الرفق دون العنف والخبير هو الذي لا يعزب عن علمه الأمور الباطنة فلا تتحرك في الملك والملكوت ذرّة ولا تسكن، أو تضطرب نفس إلا وعنده خبرها وهو بمعنى العليم وقوله: (ولا يعلم الله من خلقه) يعني أن من مفعول والعائد مقدر حينئذ ولا يصح أن يكون خلق عاما لأنه لو قصد العموم قيل ما خلق فلا يرد أنه تقييد للشيء بنفسه، ولا عبارة عن السر والجهر لأنّ من لما يعقل فلا وجه لتوهم مثله. قوله: (يستدعي أن يكون ليعلم مفعول) أي خاص كما قيدوه ليفيد لأنه لو لم يكن له مفعول خاص بأن يقدر عاما أو لا يقدّر لأنه في معنى العام المقدر، وكانت الجملة خالية يكون تقييداللشيء بنفسه لأنه علم ماظهر وما بطن بمعنى علم كل شيء فالمعنى ألا يعلم كل شيء، وهو العالم بكل شيء وهو لغو غير مفيد فإن قلت: إذا نزل منزلة اللازم من غير قصد للعموم يكون المعنى أن لا يثبت له أصل العلم، وهو العالم بظواهر الأمور وبواطنها أفاد فما المانع منه قلت لأنه في المقام الخطابي يفيد العموم كما ذكره السكاكي، ولو ادّعى أنّ هنا قرينة معنوية على عدم إرادته وهو عدم استقامته فالمقصود هنا أيضا ليس إثبات أصل العلم فإنه لم ينكره احد فكيف يثبت له مع الاستفهام الإنكاري، وذو الحال فاعل يعلم أو خلق إذ لا تفاوت بينهما كما قيل: وقد جوّز فيه كونه معطوفاً على الصلة فتأمّل. قوله: (لينة الخ) المراد باللين هنا ليس
ضد الخشونة بل ضد الصعوبة من قولهم: للدابة لينة الشكيمة إذا كانت منقادة غير صعبة من الذل بالكسر، وهو سهولة الانقياد كما ذكره الجوهريّ فهو استعارة كما صرح به الزمخشريّ وسيأتي بيانه، وقيل إنه تشبيه بليغ لذكر المشبه وهو الأرض وفيه نظر. قوله: (في جوانبها أو جبالها) فالمناكب استعارة تصريحية تحقيقية وهي قرينة للمكنية في الأرض حيث شبهت بالبعير ففيه استعارة تحقيقية ومكنية فإن قلت كيف تكون مكنية، وقد ذكر طرفها الآخر في قوله: ذلولاً قلت: هو بتقدير أرضاً ذلولاً فالمذكور جنس الأرض المطلق والمشبه هو الفرد الخارجي، وهو غير مذكور فيجوز كون ذلولاً استعارة والمكنية حينئذ هي مدلول الضمير لا المصرح بها في النظم والمانع من الاستعارة ذكر المشبه بعينه لا بما يصدق عليه كما مرّ في سورة يوسف فتذكره، وقد غفل عنه بعضهم هنا. قوله: (وهو مثل الخ) هكذا هو في الكشاف وقد بين هو مراده في شرح مقاماته فقال: المشي في مناكبها مثل لفرط التذليل ورضح معنى الذل! بوطء المناكب والتقلب فيها كما ذكرناه في الكشاف، اهـ فالمعنى أنه ليس هنا أمر بالمشي حقيقة وأنما القصد به إلى جعله مثلاً لفرط التذلل سواء كانت المناكب مفسرة بالجوانب أو الجبال وسواء كان ما قبله استعارة أو تشبيهاً، ومن لم يقف على المراد منه قال: الواو بمعنى أو فإنه إذا جعل مثلا لم تكن المناكب مستعارة للجوانب، والجبال بل تشبه الأرض بالبعير على نهج الكناية ويثبت لها المناكب تخييلا وزاد فيه من قال: المراد تذلل الأرض لا تذلل البعير كما توهم فاعترض عليه بما مر حتى احتيج إلى القول بأن الواو بمعنى أو والمراد هو مثل إن لم تحمل المناكب على الجوانب والتمثيل أيضاً مناف لجعل الأرض والمناكب استعارة مكنية، وتخييلية فالجمع بينهما خطأ وهو كله من ضيق العطن، وقلة الفطن فتدبر
стр. 2960
وقوله: لفرط التذليل لو قال المصنف: لفرط التذلل كان أحسن ليظهر التفريع بالفاء، ثم إنّ المراد به مطلق التسهيل لهم بقطع النظر عن كونه تذليل البعير أو الأرض كما توهم، وقوله: فإنّ مناكب البعير الخ سواء استعير للجوانب أو للجبال، وقوله: في الذل بكسر الذال أي السهولة. قوله: (والتمسوا الخ) فاحل والرزق أريد به طلب النعم مطلقاً وتحصيلها أكلاً وغيره فهو اقتصار على الأهم الأعم على طريق المجاز أو الحقيقة، وأنت إذا تأمّلت نعيم الدنيا وما فيها لم تجد شيئاً منها على المرء غير ما أكله وما سواه متمم له أو دافع للضرر عنه وتفسيره بالالتماس هو المناسب لقوله: امشوا فقوله: ما أنعم عليكم شامل لتذليل الأرض وتمكينهم منها والتماس الرزق في مناكبها. قوله: (على تأويل من في السماء أمره وقضاؤه) يجوز أن يريد أنه من التجوّز في الإسناد ففيه
مجاز عقلي وأن يريد أنّ فيه مضافاً مقدّراً وأصله من في السماء سلطانه فلما حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه ارتفع واستتر فليس فيه حذف للعائد المجرور ولا للفاعل كما توهم، وقوله: أو على زعم العرب تركه أولى من ذكره فإنّ بناء الكلام على زعم بعض الجهلة غير مناسب. قوله: (وعن ابن كثير الخ) مذاهب القراء في الهمزتين المفتوحتين إذا اجتمعتا مفصل في علم القراءة فمنهم من أبدل الهمزة الأولى واواً هنا في الوصل لضم ما قبلها وهو راء النشور فاذا ابتدأ حققها وأمّا الهمزة الثانية فمنهم من سهلها بين بين، ومنهم من أبدلها الفاء وقد مرّ تحقيقه في البقرة في قوله: ﴿أَأَنذَرْتَهُمْ﴾ إلا أن من أبدل وهو قنبل يسهل الهمزة وصلا. قوله تعالى: ( ﴿أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾ ) قال الراغب يقال: خسفه الله وخسف هو قال تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ [سورة القصص، الآية: ٨١] اهـ ولذا قيل إنّ الباء هنا للملابسة والخسف قد يتعدّى فمن خطأه وقال: بلزوم لزومه في هدّا المعنى وإن نصب الأرض بنزع الخافض فالمخطئ ابن أخت خالته، والفاء في قوله: (فيغيبكم (فيها تفريعية أو تفسيرية وهو تفعيل من الغيبة، وقوله: بدل أو منصوب بنزع الخافض وهو من الإجارة، وقوله: التردّد في المجيء والذهاب هو أصل معناه، والمراد به أنها حين الخسف زرتج وتهتز هزا شديداً كما بينه أوّلاً فليس المراد أنها تنكشف وتنقبض كما توهم، وقوله: ح! هـ باء بالمدّ هو الحصا. قوله: (كيف إنذاري) إشارة إلى أنّ النذير مصدر وأنّ الياء محذوفة والقراء مختلفون فيها فمنهم من حذفها وصلاً وأثبتها وقفاً ومنهم من حذفها في الحالين اكتفاء بالكسرة، وكذا الحال في نكير أي ستعلمون ما حال إنذاري وقدرتي على إيقاعه وعدمه ولا حاجة إلى تعيين المنذر به حتى يقال: إنّ الخسف لم يقع وإنّ المنذر به عذاب الآخرة وما بينهما اعتراض فإنه تكلف ما لا داعي له. قوله: (بإنزال العذاب) متعلق بكان أو بإنكاري فإنّ المراد من إنكار الله عليهم تعذيبهم مجازا، وقوله: وهو تسلية أي قوله: ولقد كذب الخ، أو قوله: فستعلمون الخ لأنهم سيرون جزاء تكذيبهم وتشتفي النفوس منهم. قوله تعالى: ( ﴿وَالصَّافَّاتِ﴾ ) حال من الطير أو من فوقهم فإذا كان حالاً فهي متداخلة أو هو ظرف لصافات أو ليروا أو قوله: إ باسطات أجنحتهق (فمفعوله محذوف وهو الأجنحة والصف البسط ولم يجعل مفعوله القوادم جمع قادمة، وهي
مقدم ريش الجناح لأنه في مقابلة يقبضن والقبض للأجنحة، وقوله: يقبضن من عطف الفعل على الاسم لأنه بمعنى يصففن أو قابضات فحمل على المعنى. قوله:) إذا ضربن بها جنويهن الخ) يعني مفعول يقبضن الأجنحة أيضا كما قدره في صافات، وقوله: وقتاً بعد وقت إشارة إلى أنّ الأصل في الطيران حالة الصف وهي الأغلب فيه والقبض يفعل في بعض الأحيان للتقوى بالتحريك كما يفعله السابح في الماء يقيم بدنه أحيانا ولتجدده عبر عنه بالفعل إشارة إلى أنه أمر طارئ على الصف بخلاف البسط والصف وأما الضم بدون تحريك فلا يكون في الطيران كما توهم، وقوله: ولذلك عدل الخ بيان لاختيار إلاسم في صافات لأنه الأصل الثابت في حال الطيران والفعل في يقبضن لأنه طارئ عليه متجدد. توله:) على خلاف الطبع) لأنّ طبيعة الأجسام لما فيها من العناصر الثقيلة النزول إلى الأرض والانجذاب إلى جهة السفل كما يشاهد في الأجسام كلها والنزول فيه إلى قول أهل الطبيعة كما قيل: لا ضير فيه لأنه من الأمور المحسوسة. قوله: (الشامل رحمته كل شيء) فسره لما في صيغته من المبالغة كما مز تقريره، وقوله:
стр. 2961
(بأن خلقهن) الخ متعلق بيمسكن لبيان وجه الإمساك برحمته وسببه من خلقهن على هيئة من إحاطة الريش وخفته بحيث يصعد في الهواء ويجري فيه فلا وجه لما قيل من أن ذكر الرحمن دون غيره للإشارة إلى علة الإمساك بعد خلقهن على أشكال مخصوصة هيأتهن للجري في الهواء وهي رحمته إذ لولاها لسقطن وهلكن لأنه دعوى بلا دليل، وقوله: بكل شيء تقديمه للفاصلة أو للحصر ردّا على من زعم أنه لا يعلم الجزئيات، والبصر دقة في العلم يقال له: بصر في كذا أي حذف كما قاله الإمام. قوله: (عديل لقوله: ﴿أَوَ لَمْ يَرَوْاْ﴾ الخ) جعل أم متصلة، وقال أبو حيان كغيره من المعربين إنها منقطعة بمعنى بل لأن بعدها اسم استفهام وهو من لكنهم لم يبينوا وجه منع وقوع الاستفهام بعدها من الاتصال فإن كانا استفهامين فما المانع منه إذا قصد التأكيد، واعلم أنّ مساق الآية إمّا لإنكار أن يكون للمخاطبين ناصر ورازق سوى الرحمن وأمّا لإنكار كون الأصنام تنصرهم وترزقهم وعلى هذا اقتصر المصنف وعلى الأوّل الاستفهام الإنكار ويقدر بعده يقال وعلى الثاني للتحقير ولا يحتاج إلى تقدير القول لأنّ المشار إليه مشاهد بخلافه على الأوّل فإنه لا يصح بدون تقدير كما قيل وفيه نظر فإنّ التقدير ليس لهذا فتأمّل. قوله: (على معنى أو لم تنظروا الخ) والصنائع القبض والبسط والإمساك وما شاكله مما يدل على كمال القدرة ولا حاجة إلى جعل الإمساك بمنزلة الصنائع، وقوله: (فلم تعلموا) الخ
إشارة إلى أنّ قوله: ألم بروا للاستدلال على قدرته على الخسف والحصب، وقوله: أم لكم جند ففيه التفات كما يشير إليه كلام المصنف ونكتته المبالغة في التهديد ٠ قوله: (إلا أنه أخرج مخرج الاستفهام الخ) إشارة إلى ما قدمناه من أنّ أم المتصلة استفهامية فلا وجه لا يراد من الاستفهامية بعدها لأنّ كونها موصولة كما قيل: خلاف الظاهر ووجهه بأنه عدل عن مقتضى الظاهر لنكتة وهو أنهم لاعتقادهم نصر آلهتهم لهم أتى باسم الاستفهام بعدها تهكماً بهم كان النصرة مقررة وأنما الكلام في تعيين الناصر لهم، وقوله: فهو كقوله الخ لم يجعله على التقدير والفرض كما في الكشاف لتكلفه ولذا اختار هذا الوجه. قوله: (ومن مبتدأ وهذا خبره) وهي عنده استفهامية لا موصولة وهذا مذهب سيبوبه وفيه الأخبار عن المعرفة بالنكرة وهو جائز عنده إذا كان المبتدأ اسم استفهام أو أفعل تفضيل كما بين في محله، وغيره يجعل هذا مبتدأ ومن خبره وجوّز في من أن تكون موصولة مبتدأ أيضاً وهذا مبتدأ ثان والذي خبره والجملة صلة بتقدير القول أي أم الذي يقال في حقه هذا الخ فأم متصلة أو منقطعة والمعنى أمن له هذه الصفات العظيمة ينصركم وينجيكم من الخسف والحصب إن أصابكم أم الذي يقال فيه هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الله، وقوله: محمول على لفظه وهو الإفراد ولو روعي المعنى قيل: ينصرونكم. قوله: الا معتمد لهم) أي غير تغرير الشياطين، وهو في حكم العدم بيان لمعنى الحصر فيه، وقوله: أم من يشار إليه ويقال: الخ يشير إلى أنّ من هنا موصولة وأنّ هذا الذي مبتدأ وخبر وهو صلة بتقدير القول، وأنما قدر القول لاستهجان أن يقال الذي هذا الذي هو جند لكم ومن مبتدأ خبرها مقدر أي رازق لكم وجعل الذي خبراً عن الذي سمج جدا وقد صرّح في من السابقة بأنها استفهامية فذكر في كل منهما وجهاً للإشارة إلى صحة كل منهما كما جعل أم متصلة، ثثم ومنقطة هنا وأمّا دخول الاستفهام على الاستفهام فدفعه أنّ أم هنا بمعنى بل بدون استفهام في قوله أمّا ذا كنتم تعملون، وقد مرّ أنه لا مانع من اجتماع استفهامين فمن قال: إنه يلزم المصنف حكاية المفرد بالقول، وإنه يجوز إذا أريد بالمحكي لفظه أو كان من قال بمعنى تكلم فينصب المفرد فقد غفل عما أراده المصنف ومعنى يقال في شأنه هذا أنه يشار إليه بهذا تحقيراً له فتأمّل. قوله تعالى: ( ﴿أَفَمَن يَمْشِي﴾ الخ) حال الهمزة معلوم فلا يفيد تقدمها الاستفهام عن السبب كما توهم ومن موصولة مبتدأ ويمشي صلته ومكبا حال من الضمير
المستتر فيه وعلى وجهه ظرف لغو متعلق بمكبا أو مستقرّ حال، والأوّل أولى وأهدى بمعنى أرشد خبر من. قوله: (وهو من الغرائب الأنه على عكس المعروف في اللغة من تعدى لأفعال ولزوم ثلاثيه ككرم وأكرمت، وله نظائر في أحرف يسيرة كأنسلى ريش الطائر ونسلته وأنزفت البئر نزفتها، وأمرت الناقة درت ومرتها وأشتف
стр. 2962
البعير رفع رأسه وشفقته وأقشع الغيم وقشعته الريح أي إزالته وكشفته، وقد حكى ابن الأعرابي كبه الله وأكبه بالتعدية فيهما على القياس، وحكاه في القاموس فالاعتراض عليه غير متوجه. قوله: (والتحقيق أنهما من باب انفض (يقال: انفض القوم بالفاء والضاد المعجمة إذا فني زادهم وقد يكنى به عن الهلاك أيضا فالهمزة فيه للصيرورة كألام إذا صار لئيما وانفض إذا صار نافضا لما في مزودته لفنائه وليست الهمزة فيه للمطاوعة وأك! ث مطاوع كب كما ذهب إليه ابن سيده في المحكم تبعاً لبعض أهل اللغة كالجوهريّ وتبعه ابن الحاجب وأكثر شراح المفصل إلا أن بعض المدققين قال معنى كون الفعل مطاوعا كونه دالاً على معنى حصل عن تعلق فعل آخر متعد به كقولك: باعدته فتباعد، فالتباعد معنى حصل من المباعدة كما يفهم من كلام شراح المفصل، والشافية ومباينة المطاوعة للصيرورة غير مسلمة وفي شرح الكشاف للشريف الائتمار معنى صيرورته مأمورا وهو مطاوع الأمر فسوى بين المطاوعة والصيرورة مع أنه ذكر ما هنا بعينه في بحث القلب من شرح المفتاح فليحرّر هذا. قوله: (يعثر كل ساعة ويخرّ على وجهه (الخرور السقوط على وجهه، وهو معنى الانكباب، وكونه: كل ساعة عبارة عن دوامه في حال مشيه وهو مستفاد من كونه حالاً من الفاعل هنا ومقارنا له مع معونة المقام، وهو معناه هنا لا في كل محل وقوله: لوعورة طريقه أي صعوبة المشي فيه لما فيه من الحجارة الكثيرة الكبيرة، وهو بيان لعلة السقوط والعثار، واختلاف أجزائه بانخفاض بعض وارتفاع بعض آخر فليس تفسيراً لما قبله كما توهم. قوله: (قائماً سالماً من العثار) اختار هذا التفسير لأنه بمعنى مستو والمستوي هو المنتصب القامة فلذا فسره بقائما وأمّا سلامته من العثار فمن وقوعه حالاً كما مرّ فإنه إذا دام انتص به لزم أنه سالم من العثار، وأمّا تفسيره بمستوى الجهة قليل الانحراف على أنّ المكب المتعسف الذي ينحرف هكذا وهكذا فغير مناسب هنا لأنّ قوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ يصير مكزرا وليس في كلام المصنف اختلاط الأمن سوء الفهم. قوله:) مستوى الأجزاء (لأنه إذا لم تستو أجزاؤه لم يستقم سطحه وعدم استواء الأجزاء اختلافها ارتفاعا وانخفاضا. قوله:) والمراد تمثيل المشرك الخ (تعريف السالكين للعهد وهما المكب والسوي والمسكين الطريق المستقيم، ومقابله فهما
تمثيلان لا أربعة كما يتوهم وفي كل منهما استعارة تمثيلية، وقوله: ولعل الخ إشارة إلى أنه ذكر المسلك في الثاني دون الأوّل اكتفاء بما يفهم من قوله: مكبا من أنّ طريقه غير مستو كما أشار إليه أوّلاً بقوله: لوعورة طريقه الخ وقوله: للإشعار الخ هو المرجح لتركه في الأوّل دون الثاني. قوله: (لا يستأهل الخ) تقدم أن يستأهل بمعنى يستحق ويصير أهلاً ورد في كلام المغرب، وهو لفظ صحيح فصيح وانكار الحريري له في درة الغواص وهم كما بيناه في شرحها فلا عبرة بمن اتبعه هنا واعترض على المصنف. قوله: (كمشي المتعسف) هو الذي يمشي في غير الطريق ويرتكب ما لا يليق فإنه لا يسمى مسلكه طريقا لأن أصل الطريق ما تطرقه الأتدام، وهذا ليس كذلك وفي عبارته تسامح لدخول الكاف على غير الممثل به إذ المشي لا يصلح مثالاً للطريق وفي بعض النسخ كممشى بميمين اسم مكان فلا تسامح فيه فلعل إحدى الميمين سقطت من قلم الناسخ والتعسف المشي في غير الطريق، وقوله: متعاد تفاعل من العداوة وهو مجاز بليغ لأن المراد مختلف الأجزاء أرتفاعا وانخفاضا فكأن بعض أجزائه معاد لبعض، ويقال: لضده متناصف كأنّ بعضه ينصف بعضاً، وقوله: وقيل المراد بالمكب الأعمى الخ وهو كناية أو مجاز مرسل جعل بعد ذلك تمثيلا لمن ذكر إذ هو لا ينافي التجوّز في بعض مفرداته قبله، وقوله: وقيل الخ فلا تمثيل فيه. قوله تعالى: ( ﴿قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ ) تقدم مثله وأنّ قليلاً صفة مصدر مقدر أي شكراً قليلا وما مزيدة لتأكيد التقليل والجملة حال مقدّرة والقلة على ظاهرها أو بمعنى النفي كان الخطاب للكفرة، وجوز في الجملة أن تكون مستأنفة والأوّل أولى وقوله: باستعمالها أي هذه الأعضاء المذكورة وهي السمع وما معه، وقوله: فيما خلقت لأجلها أنث الضمير الراجع لما رعاية لمعناها لأنها بمعنى الأشياء وما خلقت لأجلها هو ما أشار إليه من استماع المواعظ وما بعده، ويجوز أن يراد بما ذكر تعداد النعم. قوله: (للجزاء) قيده به لئلا يتكرّر مع قوله: ﴿أَنشأكُم﴾ ولأنه المناسب لقوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ، وقوله: (أو ما وعدوا) الخ لا يضرّه كونه لم يقع إذ تخلف الوعيد لا ضير
стр. 2963
فيه وقد أشار إليه المص ن ف بقوله: والإنذار يكفي له الخ مع أنه قد يقال: إنه وقع والخسف والحصب بمعنى التذليل وومنه الحصى في وجوههم كما قال:
ولا يقيم على خسف يراد به إلا الأذلان غير الحيّ والوتد
قوله: (علم وقته الأن علمه إجمالاً قد علم من التهديد به، وقوله: لا يطلع عليه هو من
كلمة إنما وفوله: بل الظن الخ هو ناظر إلى كون الموعود به الخسف وقرينه مع أن وقوعه معلق بشرط كالبقاء على الكفر، وقد آمن أكثرهم وهكذا كل وعد ووعيد عند من يقول بأنه خبر لئلا يلزم الكذب إذا تخلف، وأمّا كون الظن بمعنى الطرف الراجح أو هو من قبيل هذا كذا في ظني فتكلف لا حاجة إليه فلا يشكل الأمر بأن قوله: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ إخبار بوقوعه فإذا أريد الخسف والحاصب لزم المحذور كما توهم. قوله: (ذا رّلفة) هو منصوب على الحال أو الظرفية وأنما يحتاج إلى التقدير إذا كان بمعنى القرب أما بمعنى القريب فلا وقوله: بأن علتها الكآبة أي ظهر عليها آثارها فإن الكآبة الغم والانكسار والحزن والضمير للوجوه، وقوله: ساءتها الخ إشارة إلى فاعله المقدر ولا يلزم أن يكون فاعلاً حقيقياً. قوله: (تطلبون وتستعجلون الخ) أراد أن طلبهم نفس الاستعجال لا أنه ضمن معناه كما قيل فالباء صلة الفعل كما في قوله: يدعون فيها بكل فاكهة فإذا جعل من الدعوى فالباء سببية أو للملابسة باعتبار ذكره، ويؤيد الأوّل قراءة تدعون بالتخفيف، ولذا قدمه وسيأتي أنه يقال: دعاه إذا استدعاه وفي تهذيب الأزهري مخففا ومشددا وفسره الحسن بتكذبون من قولك يدعي الباطل، ويدعي ما لا يكون، وقال الفراء: يجوز أن يكون تدعون بمعنى تدعون ومن قرأ تدعون مخففا فهو من دعوت أدعو والمعنى هذا الذي كنتم به تستعجلون، وتدعون الله بتعجيله يعني قولهم: إن كان هذا هو الحق من عندك الخ ذكره يونس والزجاج، وقال: يجوز أن يكون يفتعلون من الدعاء من الدعوى. قوله: (فمن يجير الكافرين) أقيم الظاهر مقام الضمير إظهارا لعلته، وقوله: لا ينجيهم لأن الاستفهام الإنكاري نفي معنى وقوله: نتربصى الخ تقدم تفسير.، وقوله: الذي أدعوكم تفسير للضمير ومولى النعم تفسير للرحمن، وقوله: للعلم بذلك أي بكونه المنعم الحقيقي إشارة إلى أن ذكره عقبه لأنه معلوم منه، وقوله: لا يضرّ ولا ينفع إشارة إلى وجه الحصر المستفاد من تقديم عليه وقوله، والإشعار به أي بان غيره لا يضرّ ولا ينفع. قوله: (فستعلمون الخ) هو من
الكلام المصنف وقوله: بالياء ففيه التفات على أحد الوجوه والاحتمالات، وقوله: غائراً إشارة إلى أنه مصدر مؤوّل باسم الفاعل، ووصف به مبالغة والدلاء بالمد جمع دلو. قوله: (جار الخ) إشارة إلى أنه فعيل من معن أو مفعول من عين وكونه سهل المأخذ لوصول الأيدي إليه، وقوله عن النبيّءلمجح! الخ حديث موضوع وقد ورد في فضلها أحاديث كثيرة صحيحة فلو أورد بعضها كان أولى. تمت السورة والحمد لله والصلاة والسلام على سيد الأنام وآله وصحبه الكرام.
سورة ن
لا خلاف في عدد آياتها وكونها مكية إلا أنه قيل باستئناء بعض آياتها.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (من أسماء الحروف) والمراد ما بيناه في أوّل البقرة وقدمه لأنه الظاهر، وقوله:
وقيل الخ وجه تمريضه ظاهر خصوصا إذا أريد به الجنس سواء كان بمعنى الجميع أو الفرد غير المعين فإنه لا معنى للقسم به ولا مناسبة بينه وبين القلم، واليهموت بفتح الياء المثناة التحتية وسكون الهاء وما اشتهر من أنه بالباء الموحدة غلط على ما ذكره الفاضل المحشي، وإذا أريد هذا فوجهه إنه مما خلق أوّلاً قبل الأرض، ثم وضعت عليه كما في المعالم. قوله:) أو الدواة الخ) أنكر الزمخشريّ ورود النون بمعنى الدواة في اللغة أو في الاستعمال المعتد به والردّ عليه إنما يتأتى بإثباته عن الثقات لا بالتشهي وسلامة الأمير، فما قيل من أن المصنف قصد الردّ عليه بقوله: فإن بعض الحيتان الخ على أنه أطلق على الدواة مجازاً بعلاقة المشابهة لا يخفى ما فيه من السماجة فإنه لم يشتهر حتى يصح جعله مشبها به، والنقس بالسين المهملة كالحبر لفظا ومعنى. قوله: (ويؤيد الأول
стр. 2964
(أي كونه من أسماء الحروف هنا لأنه لو كان اسم جنس أو علما أعرب منوّنا أو ممنوعاً من الصرف وكتب كما يتلفظ به، وإن كان خط المصحف لا يقاس لأنه لا يرتكب ما أمكن إجراؤه على القياس! ، وكونه بنية الوقف واجراء الوصل مجراه على خلاف الأصل أيضا، ولذا قال: يؤيد دون يدل لهذا الاحتمال وأيضا يحتمل أنه اكتفى ببعض حروف الكلمة كقوله:
قلت لها قفي قالت قاف
وبينه وبين القلم غاية المنافرة. قوله: (الذي خط اللوح) المحفوظ فالتعريف فيه عهدفي، وفيما بعده جنسيّ وقوله: وأخفى ابن عامر الخ الإخفاء لغة الستر، وفي اصطلاح القرّاء صفة
للحرف بين الإظهار والإدغام عار من التشديد مع بقاء الغنة في الحرف الأوّل ومنه ظهر مفارقته للإدغام، والإخفاء للنون يكون مع غير الباء والألف، وغير أحرف الحلق الستة وأحرف يرملون الستة فهو عند خمسة عشر حرفا غير هذه، والنون تدغم مع الغنة وعدمها في حروف يرملون إذا عرفت هذا ظهر لك ما في كلام المصنف من الخلل، وإن حمل قوله: أخفى على معنى أدغم لأنه إخفاء لغوي لا اصطلاحي، وإن كان أولى من إبقائه لأنه أقل فساد أو هو المنقول في كتب الأداء عن هؤلاء أيضا فغير ظاهر إلا أن قوله: إجراء للواو المنفصل الخ لا وجه له فإنه إن أراد انفصالها بحرف آخر فليس بصحيح وإن أراد الانفصال عن الكلمة بأن تكون في كلمة أخرى فليس كونهما من كلمة واحدة شرطا عند أحد من القراء، وقوله: مع حروف الفم يعني الشفوية غير صحيح أيضا سواء أريد بالإخفاء الإدغام أو المعنى المصطلح كما عرفته، وأمّا إرادة ما يعمه ويعم القلب كما قيل فأشد فساداً، والعذر في مثله أقبح من الذنب، وقوله: كص وتوجيهه مفصل فيها. قوله: (على التعظيم الأنه واحد فالتعبير عنه بضمير الجمع تعظيما له وأما على الثاني وأرادة جنس ما به الخط فهو متعدد لكنه ليس بكاتب حقيقة بل هو آلة للكاتب فالإسناد إليه إسناد إلى الآلة مجازاً والتعبير عنه بضمير العقلاء لقيامه مقام العقلاء وجعله فاعلا، وقوله: لأصحابه معطوف على قوله: للقلم فالضمير راجع إلى الكتبة أو الحفظة المفهومين من القلم لا لأنه أريد بالقلم أصحابه تجوّزاً أو بتقدير مضاف معه، وأصحابه المؤمنون، وإذا أريد الحفظة لا يتعين أن يراد بالقلم ما خط اللوح كما توهم، وكونه لما وهي بمعنى من تكلف بارد. قوله: (والمعنى ما أنت الخ) أي انتفى عنك ذلك في حال كونك منعما عليك بأعظم النعم وقريب منه جعل الجار والمجرور متعلقاً بالنفي كالظرف اللغو، والحصافة بالحاء والصاد المهملتين الاستحكام والجزالة، وقد جوّز فيه كونه قسماً متوسطاً في الكلام لتأكيده من غير تقدير جواب أو يقدّر له جواب يدلّ عليه الكلام المذكور كما ذكره في سورة الطور. قوله: (وقيل مجنون) أي العامل في الحال مجنون كما ذكره الزمخشري وقوله: والباء لا تمنع الخ لأنّ معمول المجرور سواء كان بالحرف أو بالإضافة لا يتقدم عليه كما ذكره النحاة لكنها لكونها زائدة هنا لم تعد مانعا، وقوله: وفيه نظر اعتراض عليه فيما اختاره لأنه يقتضي أن انتفاء الجنون عنه في هذه الحالة، وقد لا ينتفي في غيرها وكونها حالاً لازمة كما ذكره المعرب لا يدفع الإيهام ولا يخفى أنه وارد على ما اختاره المصنف أيضا، وقيل في وجه النظر إنه نفي داخل
على مقيد فإئا أن يكون لنفي القيد فقط أو مع المقيد وأما كونه لنفي المقيد فقط فلم يرد في كلامهم فيقتضي نفي الجنون والإنعام عليه، أو نفي الانعام وثبوت الجنون وكلاهما غير صحيح هنا، وقد قيل عليه إنّ المتبادر من نحو ما زيد بقائم ضاحكا نفي القيام في هذه الحالة لا نفي تلك الحالة في غير القيام فيجوز قيامه في غيرها فإذا كان المحكوم به لازما لتلك الحالة لزم من نفيه نفيها والجنون غير لازم للنعمة إلا أن المتبادر في المثال ثبوت القيام مع نفي الحال ولا يمكن اعتباره هنا لأن نفي الجنون في حالة النعمة، وهي لا تنفك عنه فيلزم انتفاء الجنون ضرورة اهـ، ولا يخفى أنه كلام مضطرب لا حاصل له وقد مرّ تحقيقه وأن الجملة الحالية والحال مطلقا إذا وقعت بعد النفي إنما يلزم انتفاء مقارنتها لذي الحال لا نفيها نفسها لأنه لا يلزم من نفي الشيء في حال نفي تلك الحال ألا تراك تقول ما جاءني زيد وقد طلع عليه الفجر فقد نفيت مجيئه مقارنا لطنوعه ولا يقصد نفي طلوعه، وكذا إذا اعتذرت عن ترك زيارة صديق لما في الحال من الضيق فقلت: لا أزورك مملقا ولا أراه يشتبه على أحد حاله، وفي الكتاب المجيد ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾
стр. 2965
[سورة الأنفال، الآية ت ٣٣] وقد مرّ لنا فيه كلام في سورة البقرة والأنفال فتذكره وقوله: على الاحتمال يعني احتمال أذى المشركين، والإبلاغ تبليغ أمانة الرسالة وتحمل أعبائها، وقوله: من الناس رد على الزمخشري في جعله غير ممنون عليه من الله لأنه استوجبه بعمله وهو ظاهر. قوله: (ما لا يتحمله أمثالك (يعني من أولي العزم من الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ هي اسم السورة، وهو بدل من القرآن بدل بعض من كل فالعائد مقدر معه ولم يقع هذا في أكثر الروايات قال ابن حجر: وله قصة طويلة وهذا اللفظ رواه الحاكم، وقال السيوطي: هو في رواية البخاري في الأدب أيضاً، وقال العارت بالله المرصفي أرادت تخلقه بأخلاق الله ولكنها لم تصرّج به تأدّبا منها وهو كلام حسن لولا ما في هذه الرواية، ومعنى ما قالته عائشة إن الآية الأولى تضمنت خلقه جمي! إجمالاً. قوله: (والباء مزيدة (أي في المبتدأ كما جوّزه سيبويه وقوله: أو بابكم الجنون فالباء للملابسة، وهذا بناء على أن المصدر يكون على وزن المفعول كما جوّزه بعضهم، وقوله: أي في أيهما الخ إنما أوّله بالفريقين على
أن خطابهءج! ر خطاب لأضته أيضا دفعاً لما يرد عليه قال ابن الحاجب في شرح المفصل: يضعف جعلها غير زائدة بمعنى في والمفتون صاحب الفتنة، والخطاب له ولهم أنه لا يستقيم أن يقال لجماعة وواحد في أيكم زيد فلا بد من تقدير الفريقين فإن قلت هذا بعينه، وارد إذا كان المفتون بمعنى الفتنة أيضاً قلت: ليس كذلك لأنه يصح أن يقال لاثنين بأيهما الفتنة لأنه يصح قيامها بكل واحد منهما فيصح الاستفهام عن محله وصاحب الفتنة لا يستقيم أن يجعل محل الفتنة، اهـ. قوله: (وهم المجانين الخ) توضيح لارتباطه بما قبله حيث ذكر أنه سيعلم المجنون من غيره، وقد ذكرت هذه الجملة مؤكدة بعده مستأنفة لتبيينها فكان الظاهر أن يقال: إنه أعلم بالمجانين والعقلاء فعدل عنه للدلالة على أن الضلال عن سبيله هو الجنون، والاهتداء عين كمال العقل. قوله: (تهييج اله! ييه حيث نهاه عن إطاعتهم وهو أمر لم يقع منه ولا يتصوّر فالمراد حثه على تصميمه في عزمه، ومعاصاتهم بمعنى عصيانهم يقال: عاصاه وعصاه بمعنى، وقوله: تلاينهم أي تعاملهم باللين والمداهنة لهم بترك نهيهم أو موافقتهم فيما هم عليه أحيانا، وقوله: والفاء أي في قوله: فتدهنون للعطف على تدهن وتعقيب مداهنتهم على مداهنته ويكون كل منهما داخلا في حيز التمني على هذا، ولذا فسره بقوله: ودوا التداهن، وقوله: لكنهم الخ توجيه للعطف بالفاء ولا تسامح فيه كما قيل وقوله: وتمنوه تفسير فإنه يقال وذ كذا ويوذ كذا إذا تمناه وهو معنى حقيقي كما في كتاب الفصيح. قوله: (أو للسببية) أي الفاء ليست عاطفة بل داخلة على جملة متسببة على ما قبلها، وقدر المبتدأ ليصح كونها عاطفة وتتضح السببية فيها أي إنهم لتمنيهم أن يداهنهم يداهنوه والفرق بين التقديرين في كلامه من وجهين لأنه على الأوّل المعنى أنهم تمنوا لو تدهن فتترتب مداهنتهم على مداهنتك ففيه ترتب إحدى المداهنتين على الأخرى في الخارج، ولذا قال: حينئذ أي حين إذ داهنتهم ولو فيه غير مصدرية وعلى الثاني لو مصدرية، والترتب ذهني على ودادتهم وتمنيهم ولذا قال الآن. قوله: (على أنه جواب التمني) فالمعنى ليتك تدهن فيدهنوا، وقد خرجت هذه القراءة على أنها عطف على التوهم بناء على أن لو مصدرية فيوهم وقوع أن موقعها ونصب الفعل بها والتمني من، وذوا لو وقيل: جواب لو مقدر أي لو تدهن لسروا بذلك ومفعول وذوا مجذوف، وهو التداهن ولا يخفى ما فيه من التكلف. قوله: (كثير الحلف) فكثرته مذمومة ولو في الحق لما فيه من الجراءة على اسم الله، وطعان بمعنى عياب لأن الطعن يعيب الخلق وقوله: على وجه السعاية
أي الإفساد والضرر، وأصل السعاية أن يمشي بالناس عند الحكام والأثام كالوبال لفظاً ومعنى أو بالمد جمع آثم. قوله: (بعدما عد من مثاليه) بالمثلثة، والباء الموحدة بمعنى القبائح إشارة إلى أن الإشارة لجميع ما قبله لا للأخير فقط، وهي للدلالة على أن ما بعده أعظم في القباحة فبعد هنا كثمّ الدالة على التفاوت الرتبيّ كما مرّ في قوله: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [سورة التحريم، الآية: ٤] والدعيّ الملحق بقوم ليس منهم كما مرّ في قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ﴾ [سورة الأحزأب، الآية: ٤] والزنمة بفتحات ما يتدلى في حلق المعز والفلقة من أذنه تثق فتترك معلقة فشبه من انتسب لغير أبيه بذلك، والأخنس بالخاء المعجمة والسين المهملة بينهما نون رجل
стр. 2966
معروف من العرب، وشريق بالقاف بوزن شريف اسم أبيه وهو من قبيلة تثقيف فالتحق ببني زهرة حتى كان يعد منهم في الجاهلية. قوله: (لآن كان الخ) إشارة إلى أنّ قبل أن المصدرية لام جرّ مقدرة ومستظهراً بمعنى متقؤيا، وقوله: مدلول قال صادق بتقدير مثلها وتقدير كذب لأنّ قوله: هنا مكذب يدل عليه، وقوله: ما بعد الشرط الخ إشارة إلى أنّ إذا هنا شرطية لا ظرفية، وإن صح أيضا لتبادر من السياق، وقيل: لأنّ قوله: قال الخ جواب ولا محوج لإخراجه عنه وفيه أن عدم التقدير محوج له فينبغي جواز الوجهين، وقوله: على الاستفهام، وحيمئذ فلهم فيه الوجوه المعروفة إذا اجتمعت الهمزتان، وقوله: كذب متعلق اللام المقدرة الدال عليه قال: وما بعده يدل عليه لا تطع وقدره لأنّ ما قبل الهمزة لا يعمل فيما بعدها، وقوله على أنّ شرط الغني الخ يعني ليس لتفييد النهي به كما أنّ النهي عن الوأد في قوله: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٣١] منع عنه غير مقيد بذلك لأنّ النهي عنه في غير ذلك يعلم باً لطريق الأولى فيثبت بدلالة لنص والشرط والعلة في مثله مما
لا مفهوم له كما تبين في الأصول. قوله: (أو أن شرطه للمخاطب الخ) أراد به تطبيق المعنى في القراءتين لإفادة الشرط السببية، وهو بمعنى قريب من التعليل فنزل المخاطب المطيع لما ذكر منزلة من اشترطه كما ذكره المصنف وقوله: شارطاً يساره بيان لحاصل المعنى لا تقدير إعراب حتى يرد عليه أنّ الشرط المحض لا يقع حالاً كما قيل. قوله: (على الأنف) أصل الخرطوم للخنزير والفيل فإطلاقه على أنف الإنسان مجاز كإطلاق المشفر، وقوله: يوم بدر اعترض عليه بأن الوليد بن المغيرة من المستهزئين، وكلهم ماتوا قبل بدر وقد مرّ في سورة الحجر وقوله: يذله الخ يؤيده لفظ الخرطوم والعرب تقول وسمته بميسم السوء يريدون أنه ألصق به من العار ما لا يفارقه كما قال جرير رحمه الله تعالى:
لما وضعت على الفرزدق ميسمي وعلى البعيث جدعت أنف الأخطل
وجدع بالدال المهملة مجهول بمعنى قطع ورغم أصله الصادق الرغام وهو التراب، وقوله: سيما أصله لا سيما فحذفت منه لا وقد قيل: إنه لحن، وقوله: أو يسود وجهه أصل معنى الوسم الكي فتفسيره بسواد الوجه مجاز، ولا وجه لقوله: على الخرطوم حينئذ. قوله تعالى: ( ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ﴾ ) أي أصبناهم ببلية، وقوله: كما بلونا في محل نصب صفة مصدر مقدر أي ابتلاءكما الخ، والصرام بالكسر قطع الثمار بعد استوائها والحصاد والمنجل بكسر الميم معروف وقوله: خفية عن المساكين أي ليخفي عنهم ذلك حتى لا يطلبوا ما كانوا يأخذونه تصدقا قبله. قوله:) ولا يقولون إن شاء الله) الظاهر عطفه على أقسموا فمقتضى الظاهر أن يقال، وما استثنوا والعدول عنه لا يظهر له وجه فلذا فيل: إنه استئناف أو حال لكنه خلاف الظاهر مع أنّ الأحسن ترك الواو، ولو كان حالاً وأصل الاستثناء استفعال من الثني وهو التكرار أو الرجوع، ثم أطلق على إخراج بعض ما دخل في عموم ما قبله سواء كان بألا وأخواتها أو لا كالتقييد بالشرط وتخصيصه بالأوّل اصطلاح فليس المراد أنّ إطلاقه على إن شاء الله ونحوه
يحمله على باب إلا كما يتوهم فإنه ورد في اللغة بهذا المعنى وعليه يحمل كلام المصنف فأعرفه، وقيل: معناه لا يستثنون عما هموا به من منع المساكين. قوله: (غير أن المخرج به الخ) يعني إنك إذا قلت قام القوم إلا زيداً فالمخرج قيام زيد وهو مذكور لدخوله فيما قبله، وإذا قلت افعل كذا أو لا أفعله إن شاء الله فالمعنى إن شاء الله فعله أو عدمه لأنّ مفعول المشيئة مصدر متصيد مما قبله والمقصود إخراج ما لم يشأه الله عما قصد به وهو غير مذكور أو المذكور ما شاءه، ولا يرد عليه الاستثناء المنقطع فتدبر. قوله: (أو لأنّ معنى الخ) مبني الوجه الأوّل على أنّ الاستثناء معناه الإخراج من الكلام مطلقا فإطلاقه عليهما حقيقة لغوية، كما أشار إليه الراغب وغيره والذي اصطلح عليه النحاة تخصيصه بالمخرج بألا وأخواتها ومبني الثاني على أنه حقيقة فيما اصطلح عليه النحاة،! اطلاقه على الثرط المذكور لمشابهته له معنى فلا كلام فيه حيث قيل إنه كيف يخرج كلام الله على اصطلاح النحاة الحادث. قوله: (ولا يستثنون الخ (فهو بمعنى الإخراج الحسي وحينئذ هو معطوف على قوله: ليصر منها ومقسم عليه، او على قوله: مصبحين الحال كما مرّ وهو معنى لا غبار عليه، وقوله: لا كستثنون معطوف على قوله: ولا يقولون إن شاء الله. قوله:
стр. 2967
(بلاء طائف (أي محيط بها وطاف بمعنى نزل والبلاء بالمد وطائف صفته، وقيل الطائف ملك اقتلعها وطاف بها حول الكعبة، ثم وضعها بقرب مكة وهي البلدة التي تسمى طائفا كما في القاموس وغيره، وقوله: مبتدأ منه فمن ابتدائية، وقوله: صرم ثماره أي قطع وقوله: باحتراقها واسودادها ليى عطفاً تفسيرياً كما توهم نعم وجه الشبه بين الليل والمحترق الاسوداد، وقوله: سميا أي الليل والنهار، وقوله: كالرمال لأنها تسمى صريما أيضاً إذا كانت منقطعة عن غيرها. قوله: (أي أخرجوا) يعني أنّ أن تفسيرية بمعنى أي واغدوا بمعنى اخرجوا مطلقا أو غدوة، وقوله: أو بأن اخرجوا يعني أن إن مصدرية قبلها حرف جز مقدّر لأنها يجوز أن توصل بالأمر، وقوله: بغدو العدو الخ لأنه يقال غدا عليهم إذا أغار فشبه غدوه لقطع الثمار بغدو الجيش للغارة فيكون استعارة تبعية أو تمثيلية، وهذا بناء على انّ غدا يتعدى بعلى واستشهد له بشاهد وفيه نظر. قوله: " ن كنتم الخ (جوابه مقدر بقرينة ما قبله أي فاغدوا الخ، وقوله: يتسارون أي
سرّاً، وقوله: خفي بفتح الفاء من خفي بمعنى كتم وكسرها، وخفت بالمثناة بمعنى اخفي نفسه وصوته وسمي الخفاس خفدوداً لكونه يخفي بالنهار. قوله: (إن مفسرة الم يجوز فيها المصدرية، وإن لم يكن منها مانع لأنّ طرحها مؤيد لكونها مفسرة، وقوله: على إضمار القول أي ويقولون الخ أو على أعمال يتخافتون فيه لتضمنه معنى القول، وهو المذهب الكوفي فيه وفي أمثاله، وقوله: المبالغة لما فيه من الكناية كما مرّ تحقيقه في أوّل الأعراف وقوله: على نكد بفتح الكاف تفسير للحرد وقوله: لا غير إشارة إلى أنّ تقديمه على متعلقه للحصر ورعاية للفاصلة أيضاً والدر اللبن، وقوله: يتنكدوا على المساكين لو قال: ينكدوا كان أحسن يعني أنهم انعكس عليهم وحل بهم ما نووه للغير. قوله:) أو غدوا الخ (يعني أنهم غدوا للانتفاع واختصاصهم به فلم يحصل لهم غير الحرمان والحصر على الأوّل حقيقي وعلى الثاني ادّعائيّ والنكد ثمة عامّ لنكد المساكين ونكدهم في أنفسهم من غير تهكم بهم، وفي هذا القصر بالنسبة إلى انتفاعهم من خبثهم والنكد خاص بهم وجعل حرمانهم انتفاعا مقدوراً مكسوباً لهم تهكماً فالفرق بين الوجهين من وجوه. قوله: (وقيل الحرد بمعنى الحرد) يعني أنّ الساكن بمعنى المفتوح ومعناه الغيظ أي لم يقدروا على غير إغضاب بعضهم لبعض فهو بمعنى قوله: أقبل بعضهم على بعض يتلاومون، وقوله: حنق بفتحتين الغيظ أو أشده، وهو مضاف لبعضهم ويجوز رفعه على أنه فاعل للمصدر والقصر حقيقي ادّعائي أو إضافيّ كما مرّ، وقوله: وقيل القصد معطوف على الحرد أي قيل: الحرد الساكن بمعنى القصد والسرعة. قوله: (أقبل سيل الخ) أثبت به كون الحرد بمعنى القصد والسرعة، وهو بيت من الرجز وقوله: من أمر الله بخلاف الألف للضرورة كقوله:
ألا لا بارك الله في سهيل
وقال أبو عبيد: إنه في الوقف جائز وقد مرّ تحقيقه، والجنة البستان والمغلة الكثيرة الثمار
والنبات والأشجار ويحرد حرد الجنة أي يقصد جانبها وجهتها وهو محل الاستشهاد، وقوله: بسرعة يشير إلى أنّ معنى كونهم على حرد تلبسهم به فهو حال معنى وقوله: عند أنفسهم وعلى زعمهم إنما قيده به لأن ثمارها هالكة فلا قدرة لهم على جذاذها وقد فنيت وعلى تأويلها بما ذكر فهي حال حقيقة لا مقدرة كما توهم ولا دخل فيه للقول بأنّ القدرة مقارنة للفعل عند أهل السنة أو متقدمة عليه عند المعتزلة فإنه أمر آخر، وقوله: علم للجنة أي قادرين على تلك الجنة وصرامها عند أنفسهم أو مقدّرين ذلك فهو تفسير رابع للحرد إلا أنه بعيد.
تنبيه: ذكر القالي في أماليه للحرد معاني القصد والقلة والمنع والغضب والحقد اهـ.
قوله: (أوّل ما رأوها) فسره به لأنه المراد وإن كان برهان الرؤية ممتدا ليصح مع قوله: بل نحق
محرومون، وقوله: ما هي بها ما نافية أي ليست هي الجنة بعينها أو موصولة والباء ظرفية أي
والبقعة التي هي فيها وهو معطوف على طريق، وقوله: رأيا على أنّ الأوسط بمعنى الخير
والأحسن وما بعده على أنه بمعناه المعروف. قوله: (لولا تذكرونه الخ) يعني أنّ لولا فيه
تحضيضية والمراد بالتسبيح التوبة وذكر الله، وقوله: ويدل على هذا المعنى إنما دل عليه لأنّ
سبحان ربنا ذكر الله، وقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ ندامة واعتراف بالذنب فهو توبة. قوله: (أو
لولا ثستثنون الخ) أي تقولون: إن شاء الله وكان حثهم على قوله، وقوله: لتشاركهما لأن
التسبيح تنزيه له عما لا يليق بجلاله، وهو تعظيم وإن شاء
стр. 2968
الله تفويض للأمور إليه وهو تعظيم
وتوقير له فاستعير أحدهما للأخر فمعنى تسبحون تفولون: إن شاء الله وقوله، أو لأنه تنزيه الخ
لأن معنى التعليق أنه لا يقع شيء لا يريده، وهو في المعنى تنزيه فهو حقيقة. قوله: (وقرئ
يبدلنا بالتخفيف (كذا في بعض النسخ، واعترض عليه بأنه مخالف لعادته فإنه يذكر الشواذ
بصيغة المجهول ويقدم المشهور، وليس كما قال: فإنك لو جمعت ما ذكر هذا القائل إنه
مخالف لعادته وجدته ضعفاً لغيره فلا ينبغي تكثير السواد بمثله. قوله: (راجون العفو الخ الما
أضاف الرغبة إلى الله من غير تعيين للمرغوب فيه شمل ما ذكر، وقوله: لانتهاء الرغبة وهو قريب من التضمين أيضا، وقوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي من ذوي العلم والإدراك، وقوله: (لاحترزوا) الخ بيان للجواب المقدّر هنا لأنه ليس قيداً لما قبله إذ لا مدخلية لعلمهم في كون العذاب أكبر. قوله: (في الآخرة الخ الما كان تعالى منزهاً عن المكان فسرت العندية في كل مكان بما يناسبها فهي هنا إمّا عبارة عن الآخرة لاختصاصها به تعالى إذ لا يتصرف فيها غيره أو المراد القرب من عرشه وملائكة قدسه. قوله: (ليس فيها إلا النعيم) الحصر مأخوذ من اختصاص الإضافة والخاص توكيد للحصر أي ليس نعيمها كنعيم الدنيا مشوباً باكدار كما قيل:
خلقت على كدر وأنت تريدها صفوا من الأقذار واكدار
قوله: (التفات فيه تعجب الخ) أي من الغيبة إلى الخطاب لأنّ ضمير لكم للمجرمين، وقوله: إشعار الخ الإشعار من قوله: ما لكم لأنّ معناه أي شيء حصل لكم من خللى الفكر وفساد الرأي لا من المقام فقط كما قيل، وقوله: اختلال ذكر المراد به الفكر فهو بالضم، وفي اعوجاج الرأي استعارة ظاهرة. قوله تعالى: ( ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ﴾ الخ) هو مقابل لما قبله نظراً لحاصل المعنى إذ محصله أفسد عقلكم حتى حكمتم بهذا أم جاءكم كتاب فيه تخييركم وتفويض الأمر إليكم فقوله: فيه متعلق بتدرسون والضمير للكتاب أو هو متعلق بما قبله والضمير للحكم والأمر وتدرسون مستأنف أو حال من الضمير، وقوله: لأنه المدروس يعني أنه مفعوله فهو واقع موقع المفرد فلولا اللام لزم فتح إنّ فلما دخلت علقته عن العمل وحينئذ لا بدّ من تضمين تدرسون معنى العلم ليجري فيه معنى العمل في الجمل والتعليق فتدبر. قوله: (ويجورّ أن يكون حكاية للمدووس الخ) فيكون هذا بعينه لفظ الكتاب من غير تحويل من الفتح للكسر، ولم يبين الضمير فيه وهو على الأوّل للكتاب وأعيد للتأكيد وعلى هذا يعود لأمرهم أو للحكم فيكون محصل ما خط فيه أنّ الحكم والأمر مفوض لهم فسقط ما قيل إنّ الفرق بين هذا وما قبله عسير وأنّ فيه ما ينبو عنه، ولا حاجة لما تكلف من أنه كقول المؤلف ترغيبا في كتابه
إنّ في هذا الكتاب كذا وكذا وكذا إرجاع ضمير فيه ليوم القيامة بقرينة المقام أو للمكان المدلول عليه بقوله: عند ربهم فإنه كله تعسف بارد وإذا كان استئنافا فالضمير للحكم أيضاً، ويجوز الوقف على تدرسون، وقوله: أخذ خيره هو معناه بحسب الاشتقاق ثم عم لأخذ ما يريده مطلقاً. قوله: (عهود مؤكدة الخ) فأريد بالإيمان المعهود وهو من إطلاق الجزء على الكل أو اللازم على الملزوم كما أشار إليه المصنف ﵀ وقوله: متناهية هو معناه المراد منه وأصله بالغة أقصى ما يمكن فحذف منه اختصار أو شاع في هذا المعنى، وقوله: أحد الظرفين أي لكم أو علينا فهو حال من الضمير المستتر لا من إيمان لتخصيصها بالوصف لأنه بعيد. قوله: (لا نخرج عن عهدتها الخ (بيان للغاية، وقوله: تبلغ ذلك اليوم أي هي يمين مؤكدة لا تنحل إلى يوم القيامة وليس تأجيلا للمقسم عليه كما في الوجه السابق فإنه كقولك له عليّ يوم إلى رمضان كذا فرق بينهما، وقوله: جواب القسم الخ فيه مخالفة ما لكون الإيمان بمعنى العهود ويدفع بأنّ العهد كاليمين من غير فرق فيجاب بما يجاب به القسم فتأمّل. قوله: (قائم يدعيه ويصححه (تفسير للزعيم لأنّ معناه الكفيل أو رئيس القوم الذي يتكلم في أمورهم وهو العريف فلما أريد هنا الثاني جرد للدعوى وتصحيحها وصار معناه ما ذكر من المصحح للدعوى. قوله: (إذ لا أقل من التقليدا لمن شاركهم في قول مثل ما قالوه، وهو معنى قوله: أم لهم شركاء، وقوله: يتشبثوا به وفي نسخة لدعواهم أي يتعلقوا به في إثبات مدعاهم، وقوله: من عقل أي يدل عليه الدليل العقلي كما نبه عليه بقوله: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [سورة القلم، الآية: ٣٦] وقوله: أو نقل وهو قوله: أم لكم
стр. 2969
كتاب فيه، وقوله: يدل عليه راجع لكل منهما لأنّ الدليل إمّا عقليّ أو نقلي، وقوله: لاستحقاق إلى قوله: أو محض الخ وقع في بعض النسخ، وهو تعليل لما ادّعوه من كونهم أحسن حالاً في الآخرة أو لتشبثهم، وقوله: أن يتشبثوا المأخوذ من قوله: أم نجعل المسلمين كالمجرمين لأنّ وصولهم لذلك إما باستحقاق له أو لأن الله وعدهم به ووعد الكريم دين، وهو من قوله: ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ﴾ [سورة القلم، الآية: ٣٩] ومن لم يفهمه زعم أنّ الوجه تركه، وقوله: أو محض تقليد من قوله: أم لهم شركاء لأنّ المراد من شاركهم في هذه المقالة وسبقهم لها كما مرّ وهو معطوف على عقل وكونه على الترتيب معلوم من تقريرنا له، وقوله: مراتب النظر من الدليل العقلي، ثم النقلي ثم تقليد ممن يعتقد فيه صحة دليله ولم يعد في لنظر
تغليبا كما توهم فليتأمّل. قوله: (تزييفاً) أي إبطالاً وهو مستعار من بيان الناقد للرائج من الزيف المغشوش، والسند هنا ما يستند له من الدليل وما يقرب منه كتقليد من يصح تقليده وليس المراد به مصطلح أهل الجدل وهو ما يدل على المنع فقط، وإن صح هنا بنوع تكلف فيه إذا عرفت هذا من غير تعسف علمت فساد ما هنا لأرباب الحواشي كما قيل: إن في قوله: من عقل الخ لفا ونشراً مرتباً فالأوّل بيان لما يتشبث به عقلاً والثاني لما يتشبث به نقلا، وهو أن يكون لهم كتاب يدرسونه فيه أن لهم ما يشتهون أو أن يكون إيمان بالله عليه تعالى بالغة إلى يوم القيامة، وقوله: أو محض الخ عطف على وعد على أن يكون التقليد من المتشبثات النقلية أو عطف على قوله: أو نقل على أن يكون متشبثا آخر غير مسمى. قوله:) وقيل المعنى الخ (فالمراد بالشركاء على الأوّل من قال: بمثل مقالتهم فشاركهم فيها وعلى هذا الآلهة التي عدوها شركاء في الألوهية، وقوله: يوم يكشف الخ على الثاني متعلق بقوله: فليأتوا وكذا على الأوّل ويجوز تعلقه بمقدر كاذكر أو كان كيت، وكيت وقيل بخاشعة وقيل: ترهقهم. قوله: (وكشف الساق مثل في ذلك) أي في شذة الأمر والخطب فهو استعارة تمثيلية لما ذكر، وقد كان كناية والمراد به يوم القيامة وإنما فرضه في المخدرات الهاربة من العدوّ إذا وقعت الحروب لأنها تصعب عليها كشف ساقها فلا تفعله إلا إذا جدت في الهرب فذهلت عن التستر بذيل الصيانة فالساق ما فوق القدم، وهو والكشف في معناه الحقيقي والفاعل غير منظور إليه أو هو المخدرات كما أشار إليه المصنف ﵀. قوله: (أخو الحرب الخ) هو من شعر لحاتم الطائي ومعنى أخو الحرب أنه ملازم لها لا ينفك عنها في الشدائد كما لا ينفك الأخ عن أخيه وقوله: عضت الخ أي إذا اشتدت وكثر الضرب، والطعان صبر لها وأبدى النجدة والضرب والطعن للأقران فسمي صبره وفعله عضا مشاكلة وهو شاهد على أن كشف الساق، وتشميره عبارة عن تفاقم الأمور وإن لم يتصوّر ساق ولا تشمير. قوله:) أو يوم يكشف عن أصل الأمر الخ (فالكشف بمعنى الاظهار واليه أشار بقوله: يصير عيانا والساق بمعنى الحقيقة وأصل الأمر استعارة من ساق الشجرة ففيه استعارة تصريحية وفي الكشف تجوّز آخر أو هو ترشيح له ولا حاجة إلى جعل العوارض كالفروع هنا وساق الشجر أصلها النابت عليه فروعها وساق الإنسان لقيامه عليه جعل كالأصل هنا. قوله: (وتنكيره للتهويل الخ) أي على الوجه الثاني تنكيره
للتعظيم بخلافه على الأوّل فإنه تمثيل لا نظر فيه للمفردات أصلا، وقيل: التهويل على الأوّل والتعظيم على الثاني، وقوله: للساعة المعلومة من ذكر يوم القيامة والحال يعلم من دلالة الحال! وليس المراد حال النزع، ثم إنه قيل. إنّ التاء على البناء للمفعول لا تخلو عن حزازة إذ هو نظير تصرّف عن هند وجعل الفعل للساعة أو الحال على تقدير البناء للفاعل لا المفعول إذ ليس معناه تكشف الساعة عن ساق والكشف عن الساق عبارة عن الشدة أراد أنك إذا قلت كشف الله الساعة عن ساقها لم يستقم لاستدعائه إبداء الساق واذهاب الساعة كما تقول: كشفت عن وجهها القناع فالساعة ليست ستراً على الساق، وأجيب بانها جعلت ستراً مبالغة لأنّ المخدرة تبالغ في الستر جهدها فكأنها نفس الستر فقيل: يكشف الساعة عن ساقها كما تقول كشف زيد عن جهله إذا بالغت في إظهار جهله فكأنه ستر على جهله بستر معايبه فأثبته، وأظهرته حتى لا يخفى على أحد وهذا وجه السؤال والجواب لا ما توهمه، وقيل عليه حاصله أنّ الإذهاب ادعائيئ ولا يخفى ما فيه من التكلف ولا عبرة بما ذكر من المثال المصنوع، وأقل تكلفاً منه جعل عن ساق بدلآمن الضمير المستتر
стр. 2970
في الفعل بعد فزع الخافض منه وليس هذا بشيء لأنّ إبدال الجار والمجرور من الضمير المرفوع لا يصح بحسب قواعد العربية فهو ضغث على إبالة وتكلف على تكلف. قوله: (توبيخاً على تركهم السجود الخ) يعني إن كان اليوم يوم القيامة ولا تكليف فيه فالمراد من دعوثهم له التوبيخ على ما فرطوا فيه فان أريد باليوم، وقت النزع قبل خروج الروح في دار التكليف فهو على ظاهره والمراد منه أيضاً التنديم، وإن قلنا إنهم مكلفون بفروع الشريعة أيضاً. قوله: (لذهاب وقته الخ) الأوّل على أنّ المراد يوم القيامة، والثاني على أنه وقت النزع فهو لف ونشر مرتب والاستطاعة في الأصل استدعاء الطواعية وهي الإرادة والقصد ونفيها قد يكون لانتفاء القدرة وقد يكون نفياً للإرادة لوجه ما كالكراهية، وإن كان قادراً كما في قوله: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً﴾ [سورة الماثدة، الآية: ١١٢] قاله ابن هشام في تذكرته ومن خطه نقلت وما هنا ناظر له فانه في الأوّل لم تنتف القدرة فيه وأنما انتفى وقت التكليف وفي حالة النزع انتفت القدرة للمرض، وكذا قوله في الدنيا أو زمان الصحة وكدّا قوله: متمكنون الخ لكنه لف ونشر غير مرتب، ومزاحو العلل أي مرفوعة عنهم العلل في الدنيا لأنهم مكلفون فيها فما قيل إنّ كلامه يشعر بأن الاستطاعة المنفية القدرة الشرعية وما بعده يدلّ على أنّ المراد القدرة الحقيقية فيه ثأمّل بل سلامة الأسباب والآلات. قوله: (كله إلئ) أي أتركه وأمره إليّ فإني كاف له وهذا من بليغ الكناية، وقوله: درجة درجة أي درجة بعد
درجة وهذا من الاستفعال فإنه قد يدلّ على التدريج، وقوله: وهو أي الاستدراج والمراد بالأنعام ما يشمل الإمهال وادامة الصحة وزيادة النعم فلا ينافي ما قبله وقوله: لأنهم حسبوه بيان لاستدراجهم للهلاك وكيفيته. قوله: (وإنما سمي إنعامه استدراجاً (أي أطلق مجازا على أنعامه لأجل الاستدراج كيداً لأنّ ذلك الأنعام لما ذكر في صورة الكيد لأن حقيقة الكيد ضرب من الاحتيال، والاحتيال أن تفعل ما هو نفع وحسن معاملة ظاهرا وتريد به ضده وما وقع من سعة أرزاقهم وتطويل أعمارهم إحسان عليهم، ونفع ظاهرا والمقصود به الضرر لما علم من خبث جبلتهم وتماديهم في الكفر والكفران فذلك موقع لهم في ورطة التهلكة، وهو المراد منه. قوله: (اللوح) وأطلق عليه مجازا لأنه محل لصور المغيبات والقرينة قوله: فهم يكتبون، وقوله: ما يحكمون أي به وقوله: في الضجر هو وجه الشبه فهو متعلق بالتشبيه ويجوز تعلقه بما قبله، وقوله: فتبتلي جواب النهي، وقوله: تذكير الفعل أي تداركه، وقوله: وتداركه أي قرئ تداركه بفتح التاء وتشديد الدال وأصله تتداركه فأبدل وأدغم كما هو مبين في التصريف وقوله: على حكاية الحال لأنه حقه أن يعبر عنه بالماضي لمضيه. قوله: (بمعنى لولا إن كان يقال فيه الخ) إنما أوّله بما ذكر لأنه لا يتأتى بحسب الظاهر هنا إرادة الحال مع وجود أن فيه فلا بد من تأويله بما ذكر ليتصوّر كونه حالاً ثم يحكي إذ حكاية الحال أن تقدر أنّ القصة الماضية عبر عنها حال وقوعها بالمضارع الدال على الحال كما هو حقها، ثم حكى بعد المضي فكيف يحكي مع أن التي هي علم الاستقبال، وقيل: إن لولا تقتضي امتناع الثاني لتحقق الأوّل ودخول أن الاستقبالية فيه ينافي تحققه فلذا قدر دخولها هنا على الماضي، وهي لا تخلصه خصوصا لفظ كان فلا تنافي تحققه وهذا يقتضي امتناع دخول لولا على أن المصدرية والمضارع مطلقاً بدون تأويل، ولا تعلق له بحكاية الحال وقد مرّ مثله في تقديره لقوله: أم من هذا الذي يرزقكم. قوله: (الخالية عن الأشجارا لأن كونها ذات أشجار رحمة به لتقيه حر الشمس ونحوه كما مر والمليم والمذموم بمعنى وطرده عن الكرامة والرحمة لأنه بمعنى مستحق وجدير بالذم. قوله: (وهو حال يعتمد عليها الجواب) يعني لولا تقتضي نفي جوابها وهو هنا غير منفي
لثبوته، وأنما المنفي هذه الحال لأنها قيد والمقصود بالنفي والإثبات هو القيد فإذا لم يوجد النبذ على هذه الحالة لم يناف وجوده على غيرها وقوله: استنبأه أي جعله نبياً وكان الظاهر أن يقال: أو استنبأه وقوله: من الكاملين الخ لأنه نبيّ معصوم، وقوله: ما تركه أولى إشارة إلى أنه لم يذنب وأنما ترك الأولى لضجرته. قوله: (وفيه دليل على خلق الأفعال الأن جعله صالحاً بجعل صلاحه، وخلقه فيه وهو من جملة الأفعال ولا قائل بالفرق وهو رد على المعتزلة وتأويل مثله مشهور لكنه بجعله تجوّزا على خلاف الظاهر، والأصل غيره وقوله: أن يدعو على ثقيف
стр. 2971
أي لما آذوه حين عرض نفسه على القبائل بمكة، وهو مشهور فإن كانت في قصة أحد فالآية مدنية كما مرّت الإشارة إليه في أوّل السورة. قوله: (واللام دليلها الأنها لا تدخل بعد النافية، ولذا تسمى الفارقة على ما عرف عند النحاة والشزر بشين وزاي معجمتين ثم راء مهملة نظرا لغضبان بمؤخر عينه وهو معروف وقوله: يزلون قدمك أي يزيلون ثباتها ويرهقونها وهو من أبلغ المعاني وألطفها كقوله:
يتقارضون إذا التقوا في موطن نظراً يزل مواطئ الأقدام
قوله: (عيانون) أي كثيرون في الإصابة بالعين يقال: عانه يعينه إذ نظر إليه فأثر نظره فيه،
وقد قيل: إنّ قراءة هذه الآية تدفع ضرر العين وقوله وفي الحديث الخ هو حديث صحيح ذكره السيوطي في الجامع الصغير من عدة طرق وقوله: لتدخل الخ عبارة عن إهلاك كل ما أصابته وفي العين وكونها حقا وردت أحاديث كثيرة. قوله: (ولعله يكون من خصائص بعض النفوس الخ) هو لا ينافي مذهب أهل السنة من أن الإصابة بمحض خلق الله كما توهم فإنه لا مانع من خلقها في بعض دون بعض، وجعله مختصاً به بمحض خلقه كما خص السم بالعقرب والحية، وفي كتاب الروح تأثير النفس لا ينكر لا سيما عند تجرّدها من علائق البدن كمن نظر
إلى حجر عظيم فشقه أو إلى نعمة فأزالها وهو مما يشاهد على اختلاف الأعصار، ويضيفونه إلى العين باعتبار أن النفس تؤثر بواسطتها غالبا وقد لا يكون بواسطة كان يوصف له شيء فتتوجه له نفسه فتفسده انتهى ولا عبرة بإنكار بعض المبتدعة له، وقال بعض أصحاب الطبائع: إنه ينبعث من العين قوّة سمية تؤثر فيما نظره كما فصل في شرح مسلم، وقالط القاضي عياض يجتنب من عرف بذلك وينبغي للإمام حبسه ومنعه عن مخالطة الناس كفا لضرره فيرزقه من بيت المال، وقوله: ليرهقونك يحتمل الإهمال والإعجام وقوله: حيرة الخ أي لا جهلا به فإنهم يعلمون أنه أعقل الناس، وقوله: وما هو الخ جملة حالية من فاعل يقولون والرابط الواو فقط أو من عموم العالمين الشامل لهم، وقوله: جننوه أي نسبوه للجنون بواسطة تسليط الجن عليه بزعمهم لأجل نزول القرآن، المعجز عليه لقولهم: إنه كهانة والقاء عليه من الجن وقوله: بين الخ إشارة إلى أنه تكذيب من الله لهم، قوله وعن النبي حديث موضوع. تمت السورة والحمد لله وأفضل صلاة وسلام على أفضل الأنام وآله وصحبه الكرام.
سورة الحاقة
لم يختلف في نزولها وعدد آياتها.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (أي الساعة) والقيامة المعروفة لأنها تسمى ساعة فهي اسم جامد، وقوله: أو الحالة التي يحق بكسر الحاء وضمها من باب ضرب وكتب ومعناه يتحقق ويجب فهي صفة لموصوف مقدر، وتفسيرها هنا بيليق لا يليق وكذا معنى قوله: تحق فيها الأمور أي تتحقق بصيغة المعلوم والمجهول من حققته إذا عرفت حقيقته وهو على الأوّل لازم على الأخير متعد. قوله: (أو يقع فيها حواق الأمور) أي ثوابتها وواجباتها، وقيل أوساطها وهو عطف على قوله تعرف حقيقتها ولم يذكره عقب الأوّل لاشتراكهما في كون الحاقة من حق الشيء اللازم إذا ثبت ليظهر تعلق قوله: على الإسناد المجازي به أيضا ولا يتوهم اختصاصه بالثاني كما في انكشاف، ولم يلتفت لنقدير المضاف فيه على الثاني أي ذو الحاقة لأنه ليس من تسمية الشيء باسم ملابسه فإنه ذا الحاقة هو الله تعالى وتقليل التأويل أولى، وما قيل من أنه جعل الفعل للساعة مجازاً وهو لأهلها على الوجه الأخير وعلى الثاني يحتمل الإسناد المجازي أيضا لأن الثبوت والوجوب لما فيها فالإسناد إلى الزمان مجازي، ويحتمل أن يراد ذو الحاقة بتسمية الشيء باسم ملابسه وهذا أرجح لأنّ الساعة وما فيها سواء في وجوب الثبوت فتضعف قرينة الإسناد المجازي والتجوّز فيه تصوير ومبالغة فقيل: إنه جعله أرجح لأنّ ظاهر ما ذكره يمنع من الحمل على الإسناد المجازي لأنّ المساواة الواقعية لا تنافي قصد المبالغة في أحد المتساويين لداع
стр. 2972
فتجوز إرادة المبالغة في ثبوت ما اشتملت عليه الساعة من الأمور وصدقه والتصوير بأنه بلغ مرتبة في الثبوت سرت لظرفه، ولو فرض عدم وصفه به ولا يخفى توجه مثله إلى الوجه الذي رجحه فإنّ الساعة توصف بالوجوب، والثبوت في نفسها فما الداعي لتقدير المضاف وتسمية الشيء باسم ملابسه وما القرينة عليه فقد ردّ بأنّ المقام مفام مبالغة فيعد داعياً وترينة للتجوّز لما فيه من التصوير، والمبالغة وما في الساعة لكونه مساوياً لها في وجوب الثبوت لم يكن محلاً لاعتبار المبالغة في اتصافه بالثبوت على الإسناد المجازي نعم يجوز أن يقال ة إنّ الساعة وما فيها، وإن استويا في وجوب الثبوت ونفس الأمر إلا أنّ ثبوتها لما كالن يثبت فيها ما فيها جعل الثبوت كأنه وصف بحا فيها فوصفت به الساعة على الإسناد المجازي مبالغة في اتصاف ما فيها
به فلذا قال: ما قال فتدبر. قوله: (على التعظيم لشأنها) لأنّ الظاهر يوضع موضع الضمير لذلك سواء كان الظاهر دالاً على ذلك أولاً وأهول أفعل تفضيل من الهول، وهو الخوف والفزع والمعنى أعظم في التخويف منها، وضمير لها للحاقة كأنها لعظمتها لا يقف أحد على حقيقتها. قوله: (وأي شيء أعلمك ما هي الخ (يعني أنه كني بالاستفهام فيه عن لازمه وهو أنها لا تعلم ولا تصل إليها دراية دار وجملة ما الحاقة علق عنها الفعل وهو إدراك لما فيه من معنى العلم وقوله: أعظم من أن يبلغها كقولهم أكثر من أن يحصى فالمعنى أعظم من كل ما تبلغه الدراية أو ضمن معنى المباعدة أي متباعدة من بلوغها كما تقرّر في محله، وقوله: ما مبتدأ خصه بالذكر لأنها فيما بعده يحتمل أن تكون خبراً. قوله: (بالحالة التي تقرع الناس الخ (القرع ضرب شيء بشيء والقارعة القيامة، والداهية الفاجئة كما في القاموس فالمراد بالحاقة في كلام المصنف القيامة لا ما يحل بهم من العذاب الذي أوعدوا به وتقرع في كلام المصنف مضمن معنى تفجأ والباء للتعدية لا للآلة المجازية كما توهم والإجرام بمعنى السموات، وما فيها من الكواكب والانفطار الانشقاق والانتثار سقوط الكواكب إذا قامت القيامة، وقوله: في وصف شذتها لما في القرع من المعنى الذي لا تفيده الحاقة. قوله: (بالواقعة المجاوزة للحدّ (فإنّ الطغيان معناه تجاوز الحذ فسمي به ما ذكر لزيادة شدته، وقوله: بالقارعة يعني به القيامة وقوله: وهو لا يطابق الخ قال في الكشف: في الآية جمع وتفريق فلو قيل: أهلك هؤلاء بالطغيان على أنه سبب جالب وهؤلاء بالريح على أنه سبب إن لم يتناسقا حتى يجري على نهج التفريق، وليس المراد إنّ أحدهما عين والآخر حدث، وقوله: بالصيحة لقوله في هود: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ﴾ [سورة هرد، الآية: ٦٧] لقوله في الأعراف: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٧٨] وهي الزلزلة المسببة عن الصيحة فلا تعارض بين الآيات لإسناده إلى السبب القريب أو البعيد وأما الصاعقة المذكورة في حم السجدة ففسرت بالصيحة فلا تغايرهما ولذا لم يتعرض لها المصنف ﵀. قوله: (من الصرّ أو الصرّ (لأن الصرّ بالفتح الصوت وبالكسر البرد وأصله العقد وقوله: في صرة فسر بالصيحة كما مرّ ومنه الصرير، وقوله: كأنها
عتت الخ إشارة إلى أنه اسنعارة تبعية لا تمثيلية ويجوز أن يكون تشبيها بليغا من العتو وهو الخروج عن الطاعة وخزانها الملائكة الموكلون بها، وقوله: يقدروا ضمن معنى يطيقون فتعدى بنفسه دون على وقوله: جيء به جار على الوجهين وقوله: من اتصالات الخ المراد اقتران بعض الكواكب ببعض، ونزولها في بعض المنازل وهو نفي لكون ذلك بتأثير الكواكب استقلالاً بمقتضى اتصالاتها كما أشار إليه بقوله إذ لو كانت أي الاتصالات المقتضية لبعض الحوادث كان ذلك بتقديره وتسبيبه تعالى لا من ذاتها استقلالاً فكانت تامّة بمعنى وجدت أو ناقصة خبرها مقدّر أي مقتضية لما ذكر. قوله: (سلطها (قيل: التسخير نوعان تسخير رحمة كسخر لكم الليل والنهار ويفسر بالتذليل وتسخير عذاب ويفسر بالتسليط قوله: متتابعات فهي مجاز مرسل من استعمال المقيد، وهو الحسم الذي هو تتابع الكي لمطلق التتابع أو استعارة بتشبيه تتاييم الريح المستأصلة بتتابع الكي القاطع للداء. فوله: (نحسات الخ) فحسوماً بمعنى قواطع ومعموله مقدر وهو الخير أي قاطعات للخير بنحوسها فهو حقيقة لا استعارة والجمع باعتبار الأيام لا باعتبار الخير المحسوم فانه تجوّز بلا مقتض له، وقوله: مصدراً كالخروج والمحسوم الخير أو دابرهم ولم يذكره لأنه يعلم مما قبله وقوله: على العلة أي مفعول له وجملة تحسمهم حالية، وهي حال مقدرة ففي
стр. 2973
قوله: المقدرة حالاً إيجاز حسن، وقوله: بالفتح أي بفتح الحاء فإنه يتعين إفرادها وهي شاذة نقلت عن السندي.
قوله: (وهي كانت أيام العجوز) وهي أيام في آخر الشتاء مشهورة معروفة سميت بها لأن عجوزاً كاهنة أخبرت ببرد شديد يهلك المواشي فلم يكترثوا بقولها: وجزوا غنمهم لما قرب الربغ فوقع برد شديد أهلك المواشي فسميت بذلك هي، وكل ما وافقها في كل سنة وإليه أشار المصنف بقوله: أو لأنّ عجوزاً الخ، وقيل الصواب أيام العجز بدون واو أي آخر الشتاء، والصحيح الأوّل وقوله: لأنها عجز الشتاء فعجوز بمعنى عجز واختلف في عددها فقيل: خمسة، وقيل: سبعة وقيل: ثمانية وهي المختار هنا وقوله: الأربعاء الآخر بفتح الخاء وكسرها وهو الظاهر أي الواقع في آخر الشهر أو السنة ويقال له: أربعاء لا يدور كما وقع في الحديثأ١ (، وقوله: توارت في سرب هو بفتح السين والراء المهملتين حفير تحت الأرض،
وتوارت بمعنى اختفت عند هلاك عاد لظنها أنها تنجو من عذاب الله. قوله: (إن كنت حاضرهم) يعني أنّ الخطاب فيه فرضيّ، وقوله: أو في الليالي والأيام كان ينبغي تقديمه لأنه الأولى لذكره صريحا، وقوله: من بقية فهو منقول والتاء للنقل إلى الاسمية أو المراد جماعة باقية، وقوله: أو نفس باقية فالتاء للتأنيث والموصوف مقدر وقوله: أو بقاء فهو مصدر كالطاغية والكاذبة، والتاء للوحدة. قوله: (ومن تقدّمه (على قراءته بقبل الظرفية فهو تعميم بعد التخصيص كالمؤتفكات فإنّ ممن قبله عادا وثمود، وقوله: ومن قبله بكسر القاف وفتح الباء وقبل بمعنى جهة وجانب فلذا فسره بما ذكر، وقوله: ويدلّ عليه أي على أنّ المعنى ما ذكر وقراءة من معه شاذة منقولة عن أبي وابن مسعود وقوله، والمراد أهلها مجازاً بإطلاق المحل على الحال أو بتقدير مضاف فيه أو على الإسناد المجازي، وكلام المصنف يحتملها والقرينة عطفه على من يتصف بالمجيء. قوله: (بالخطأ) فهو مصدر على زنة فاعلة بمعنى ضد الصواب، وقوله: ذات الخطأ على أنه للنسبة لأنّ الخاطئ أصحابها ويجوز أن يكون مجازا في النسبة كعيشة راضية. قوله: (كل أمة رسولها) الظاهر أنه إبقاء لإفراد الرسول على ظاهره وتأويل عصوا بكل طائفة على عادته في الاكتفاء ببعض التأويلات في بعض المواضع، ولذا قيل إنه اختاره من بين الوجوه المذكورة في الشعراء لأنه الظاهر من قوله: فأخذهم، ويجوز أن يكون الرسول جمعاً أو مما يستوي فيه الواحد وغيره لأنه مصدر في الأصل، وأريد منه التكثير لاقتضاء السياق له فهو من مقابلة الجمع المقتضية لانقسام الآحاد أو أطلق المفرد عليهم لاتحادهم معنى فيما أرسلوا به، وقد حمل على هذا كلام المصنف فيكون بيانا لحاصل المعنى، وأنه من مقابلة الجمع بالجمع وفيه نظر. قوله: (زيادة أعمالهم في القبح) يعني أنه باستحقاق ومن جنس عملهم، وقوله: وذلك الخ هو على الوجهين وطغيانه على خزانه على أنه
استعارة ولا وجه لكونه حقيقة إلا بتكلف ما لا حاجة إليه والفرق بين الوص ٠ ايخن أن تجاوز الحد قد يكون بالنسبة للغير وقد لا يكون مع الاشتراك في الاستعارة والمستعارص ما تجاوز المرء حده والمستعار له كثرة الماء، ويجوز كونه تمثيلاً، وقوله: وهو يؤيد من قبله ة تح القاف وسكون الباء أي يؤيد هذه القراءة لأنّ الطوفان قبل فرعون وهذه جملة مستأنفة لى، ن أحوال من ذكر أوّلاً، ثم إنه أشار بقوله: أي آباءكم وأنتم في أصلابهم إلى الارتباط علي القراءتين والمراد تقدير مضاف في النظم لا التجوّز في المخاطبين بإرادة آبائهم المحمولين ت! لاقة الحلول كما قيل لبعده غاية البعد سواء كان الخطاب لفرعون، ومن قبله التفاتا أو للص ر! حرين وقت النزول من غير التفات فتدبر. قوله:) وعن ابن كثير (لم ينسب هذه القراءة م ب كتب الأداء له، والمذكور فيها أن العامّة على كسر العين وتخفيف الياء بالفتح عطفاً على نب إؤللها، وابن مصرف وأبو عمرو في رواية هارون عنه، وقنبل بإسكانها تشبيها لها برحم من فعل بر-جلقى العين وروي عن حمزة إخفاء الكسرة في رواية شاذة وما روي عن عاصم من تشديد سياء إجراء للوصل مجرى الوقف قيل: إنه غلط وروي عن حمزة أيضا تسكين الياء كما في لدر المصون وهي شاذة أيضا- قوله: (من شأنها أن تحفظ ما يجب حفظها (الضمير لما باعتبا االمعنى لأنها عبارة عن الأمور المسموعة أو للأذن والعائد محذوف أي له أو هو المضاف إليد في قوله: بتذكره، وجعله الأذن حافظة ومتذكرة ومستمعة ومتفكرة وعاملة تجوز لأنّ الفاعل لا أك صاحبها لا هي
стр. 2974
ولا ينسب لها حقيقة غير السمع وأنما أتى به مشاكلة لقوله واعية في النظ إه. قوله: (والتنكير الخ) فإنه مع الإفراد المتبادر منه التقليل والعموم في الإثبات في نحو ولتنظما؟ نفس نادر لا يقاس عليه، وقوله: تسبب الخ لأنه جعل وعي هذه الأذن علة لإنجائهم وانجا- أبائهم لعطفه على العلة، وقوله: بالتخفيف يعني سكون الذال. قوله:) تفخيماً لشأنها (تعليل " للفعلين لأنّ تهويل أمرها وتهديد المكذب بها يفيد تفخيما لها وقوله: وتنبيهاً على مكانها يعظ، كونها عظيمة لأن المكان والرتبة يستعاران للرتبة وفي نسخة بدل مكانها إمكانها، وهي ظاه اة أيضا لأنها لو لم تكن ممكنة لم يعد التكذيب بها ذنباً عظيماً يتوعد صاحبه. قوله: (وإنماص ؤن إسناد الفعل الخ) لما كان الفعل دالا على المصدر لم يكن في الإسناد إليه فائدة وقد مبم مه السبكي وكلام المصنف ﵀ يشير إلى جوازه مع قبح إن لم يقيد بأمر زائد فإن قيد ٤١٤ حسن وقد قيدها
بتاء الوحدة وهي وصف معنى وبصريح الوصف فأفاد فائدة تامّة ومن اقتصر على أحدهما فقد قصر، وقوله: وحسن تذكيره أي الفعل يعني أنّ المجوّز له كونه اسما ظاهراً وقد انضم له أمور حسنته كالفصل، وكونه غير جمع حقيقي التأنيث ومصدرا فإنّ تأنيثه غير معتبر لتأويله بأن والفعل كما ذكره الجاربردي في شرح الشافية. قوله: (والمراد بها النفخة الأولى) كما روي عن ابن عباس ﵄ واختاره على الروأية الثانية من أنها النفخة الثانية لأنه المناسب لما بعده، وإن كانت الواو لا تدل على الترتيب لكن مخالفة الظاهر من غير داع مما لا حاجة إليه. قوله: (أو بتوسط زلزلة الم يجعل الزلزلة حاملة حتى يقال عليه إن الزلزلة لا حمل فيها، ويعتذر بأنه من مقدماته كما ترى من يريد حمل شيء ثقيل يحركه ثم يرفعه، وقوله: فضربت الجملتان أي جملة الجبال بجملة الأرضين ضرب أحدهما بالآخر فتفتت وانتثر وصارا أرضا مستوية يعني أنّ أصل الدك الضرب على ما ارتفع لينخفض، ويلزمه التسوية غالبا فلذا شاع فيها حتى صار حقيقة ومعنى لا عوج فيها ولا أمتاً لا ارتفاع ولا انخفاض كما مرّ في الكهف، وقوله: ولذلك أي لكونه سبباً للتسوية وهذا لا ينافي عد الزمخشريّ له في قسم الحقيقة من الأساس لما عرفته، ومنه الدكان للصفة المستوية. قوله: (فحيئذ) يعني المراد باليوم هنا مطلق الوقت، وقوله: لنزول الملائكة فسره به لقوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ﴾ [سورة الفرقان، الآية: ٢٥] الآية فإنّ القرآن يفسر بعضه بعضا ولا ينافي هذا ما في تفسير قوله: ﴿السَّمَاء مُنفَطِرٌ بِهِ﴾ [سورة المزملى، الآية: ١٨] من أنه لشدة ذلك اليوم وهو له كما قيل فإنّ الأمر قد يكون له علل شتى، وقوله: ضعيفة هو حقيقته، وقوله: مسترخية تفسير لضعيفة فإنه المراد منه. قوله: (ولعله تمثيل لخراب السماء) يعني قوله: ﴿وَانشَقَّتِ السَّمَاء﴾ إلى هنا تمثيل لما ذكر إنما حمله على التمثيل لأنّ الله يفني الملائكة قبله حتى لا يبقى غير الملك القيوم، وهو حين تجليه قائلاً لمن الملك اليوم لأنّ الملائكة يموتون بعد النفخة الأولى فإذا كان تمثيلا لم يناف ما ذكر فإن أبقى على ظاهره فذهاب الملائكة يكون عقب ذهاب هذا اليوم، وهو الفرق بينهما والمراد التوفيق بين النصوص وقوله: انضواء أهلها بالضاد المعجمة بمعنى التجائهم وذهابهم للأطراف وضمير أهلها للبنيان وأنثه لتأويله بالأبنية لأنه مصدر وحواليها بفتح اللام
بمعنى الجوانب. قوله: (فوق الملانكة) المدلول عليهم بالملك لأنّ المراد به الجنس كما مرّ فالفوقية على ظاهرها من العلو الحسي، وهم الحملة غير ملائكة الأرجاء، وقوله: لأنها في نية لتقديم لأنها فاعل رتبته التقديم فيجوز عود الضمير المتقدم عليه لتأخره لفظا لا رتبة كما لا يخفى إلا أنّ هذا فيه تكلف لأنهم حينئذ فوق أنفسهم والمحمول وإن لم يلزم بأن يكون فوق الحامل كما في اليد والجنب إلا أنه يلزم مغايرته له فكأنه أعاده عليه بمعنى الحملة مطلقاً فالفوقية معنوية بمعنى زيادة العدد، ويؤيده قوله: لما روي وإن كان دليلاً لكون الثمانية إملاكا لا صفوفا ونحوه فتأمّل. قوله: (ولعله أيضاً تمثيل الخ) فجملة تعرضون مستعارة لتحاسبون كما أن حمل العرض والإتيان به عبارة عن تجليه بصفة العظمة وهو وجه حسن فالاعتراض به بأنه تجوّز مع إمكان الحقيقة ومثله لا وجه له غير متجه. قوله: (وهذا) أي العرض والحساب وحمل العرس، وهو دفع لما يرد عليه من أنّ مقتضى النظم وقوع هذا بعد هذه النفخة وهي الأولى كما مرّ مع أنه بعد الثانية كما وردت به الأحاديث بأنّ يومئذ المذكور المراد به زمان متسع شامل
стр. 2975
لجميع ما ذكر وقوله: سريرة تفسير لخافية وفي نسخة ذكر منكم بعده إشارة إلى أنه في نية التأخير صفة لخافية لما قدم للفاصلة صار حالاً ويصح تعلقه بخافية، ولذا قيل: إنه من التجاذب المذكور في شرح المفتاح وهو نوع من البديع، وهو أن يقع في الكلام لفظ يصح تعلقه بما بعده وما قبله، وهو في علم النحو من التنازع فيما توسط فأعرفه وقوله: للفصل مرجح كما مرّ، وقوله: تبجعاً بتقديم الجيم على الحاء ومعناه الافتخار على
وجه المسرّة بما افتخر به. قوله: (وفيه لغات الخ) ها تكون فعلا صريحا واسم فعل ومعناها في الحالين خذ فإذا كانت اسم فعل ففيها لغتان المدّ والقصر، وهي كذلك مع المذكر والمؤنث والمفرد وغيره، ويتصل بها كاف الخطاب اتصالها باسم الإشارة وإذا كانت فعلا صريحا اتصلت بها الضمائر البارزة المرفوعة وفيها حيحئذ لغات إحداها أن تكون بوزن عاطي يعاطي فيقال: هاء يا زيد وهائي يا هند وهائيا يا زيدان ويا هندان، وهاؤا يا زيدون وهكذا والثانية أن تكون مثل هب، والثالثة: أن تكون كخف وهي متعدية بنفسها كخذ وقيل؟ بإلى كتعال وتفصيله في كتب العربية. قوله: (أجودها هاء يا رجل) أي أفصح لغاتها أن تستعمل كما ذكرها لمصنف وهو المذكور في كتاب سيبويه وهاؤم بالميم قيل: مخفف من أمّوا بمعنى اقصدوا وقيل: الميم ضمير جماعة الذكور، وفيه كلام في محله ومرّ في الكهف طرف منه. قوله: (لآنه أقرب العاملين) فيرجح لقربه وهو أحد المذهبين وبهذا استدل من رجحه لأنه لو أعمل الأوّل أضمر في الثاني لأنّ الأولى إظهار الضمير إذا أمكن كما هنا، وإنما لم يظهر في الأوّل لأنه على اللغة الجيدة اسم فعل فلا تتصل به الضمائر كما مرّ. قوله: (والهاء فيه وفي حسابيه وماليه وسلطانيه للسكت الا ضمير غيبة فحقها أن تحذف وصلا وتثبت، وقفا لتصان حركة الموقوف عليه فإذا وصل اسنغنى عنها ومنهم من أثبتها في الوصل لإجرائه مجرى الوقف أو لأنه وصل بنية الوقف والقراآت مختلفة فيه على ما فصل في كتب الأداء واثباتها وصلا قراءة صحيحة ولا يلتفت لقول بعض النحاة إنها لحن وقوله: في الإمام هو مصحف عثمان ﵁، وقوله: ولذلك أي إثباتها في الإمام تبع فيه الزمخشريّ حيث قال: قرأ جماعة لإثباتها وقفاً ووصلا اتباعاً للمصحف قال في الانتصاف تعليل القراءة باتباع المصحف عجيب مع أنّ المعتقد الحق أتا لقرا آت بتفاصيلها منقولة عن النبيّ ﷺ وأطال في التثنغ عليه وهو كما قال. قوله: (ولعله عبر عنه بالظن الخ) بناء على أنّ الظاهر من حال المؤمن الكامل تيقن أمور الآخرة من الحشر والحساب، ونحوه فالمنقول عنه في مدحه ينبغي أن يكون كذلك لكن الأمور النظرية لكون تفاصيلها لا تخلو عن تردّد مّا في بعضها مما لا يفوت اليقين فيه كشدة الحساب وسهولته مثلا عبر عنه بالظن مجازا للإشعار بذلك وليس مراده أنه مما يلزم الإيمان به، وتيقنه كما قيل فإنه لا يلزم ذلك إذ من المؤمنين من يكرمه الله لأنه لا يحاسب فكيف يكون تيقنه لازما حتى يورد عليه
أن إيمان المقلد معتبر والظن الذي ليس معه احتمال النقيض كاف في الإيمان، ويجاب بأنّ المراد حسابه اليسير أو المراد ظننت أني ملاق حسابي مع الثدّة والمناقثة ونحو. مما لا داعي له، ثم هذا بناء على أنّ الظن لا يستعمل بمعنى العلم إلا مجازا وهو المصرّح به في كتب اللغة، وقيل: إنه يطلق عليه حقيقة وهو ظاهر كلام الرضي في أفعال القلوب وفيه نظر. قوله: (ذات رضا على النسبة بالصينة الخ) يعني أنّ النسبة على قسمين نسبة بالصيغة كلابن وزرّاد وبالحرف كروميّ وزنجيّ، والمراد هنا النسبة بالصيغة فهي بمعنى ذات رضا أي ملتبسة بالرضا فيكون بمعنى مرضية وهو المراد إلا أنه أورد عليه أنّ ما أريد به النسبة لا يؤنث كما صرّح به الرضي وغيره فكيف يصح هذا التاويل مع تأنيثه إلا أن يقال: التاء فيه للمبالغة كعلامة كما ذكره بعض المتأخرين ولا يخفى ما فيه، والحق كما يفهم من شراح الكتاب أنّ المراد أنّ ما قصد به النسبة لا يلزم تأنيثه وإن جاء فيه على خلاف الأصل الغالب أحياناً وليس هذا محل تفصيله. قوله: (أو جعل الفعل لها مجازا) يعني أنه مجاز في الإسناد وأصله راض صاحبها فأسند الرضا إليها لجعلها لخلوصها دائما عن الشوائب كأنها نفسها راضية، ويجوز أن يكون فيه استعارة مكنية وتخييلية كما فصل في المطوّل. قوله: (أو الدرجات الخ) فوصفها بالعلو مجاز لعلو درجاتها وما فيها من بناء ونحوه وهو على الأوّل حقيقة، وعلى الأخيرين مجاز عقليّ أو بتقدير
стр. 2976
مضاف وليس المراد أنها صفة جرت على غير من هي له فإنه لا يوافق كلام النحاة إلا أن يريد ما ذكرناه ولا يخفى ما فيه. قوله: (جمع قطف الخ) جعله جمع المكسور لأنّ المصدر لا يطرد جمعه، وقوله: وهو ما يجتني بسرعة السرعة لا بدّ منها في القطف لأنها من شأنه ومن لم يذكره تركه لظهوره فمن اعترض عليه بأنّ أهل اللغة لم يصرحوا به غفل عما ذكر، وقوله: يتناولها القاعد لم يقل والمضطجع لأنّ مراده التمثيل فلا وجه لاستدراكه. قوله: (بإضمار القول) أي مقولاً فيها، وقوله: وجمع الضمير الخ مع أنّ ما قبله من قوله: إني ظننت الخ يقتضي الإفراد لكنه وإن كان مفردا لم يرد به معين فهو جمع معنى فلذا روعي فيه جانب المعنى نظر المعنى من، وقوله: أكلا الخ بفتح الهمزة وضمها وشربا بضم الشين وكسرها يعني أنه منصوب على أنه مفعول به لكونه صفة المفعول وجعله صفة لهما لأنّ فعيلا يستوي فيه الواحد فما فوقه لا لأنّ المصدر يتناول المثنى لأنه ليس بمصدر على هذا فمن قاله لم يصب أو على المصدر لأنّ فعيلاً من صيغ المصادر كما مز فهو مصدر لفعل وقع حالاً والهنيء ما لم ينغص وهنئتم مبنيّ للمجهول. قوله: (من أعمار الدنيا) الإضافة على معنى اللام لأنه بمعنى مدة
الدنيا، ويجوز أن تكون على معنى في وما في بعض النسخ من أعمال الدنيا باللام من تحريف الكتبة، وقوله: الموتة التي منها فالضمير راجع على ما علم من المقام وإن لم يسبق ذكره، وقوله: أمر من الموت الخ لأنه كما قيل أشد من الموت ما يتمنى فيه الموت. قوله: (أو يا ليت حياة الدنيا) فالضمير للحياة المفهومة من السياق أيضاً، وقوله: كانت الموتة تفسير للقاضية لأنها اشتهرت في الموت فلا يرد عليه أنّ القاضية تقتضي تجدّد أمر ولا تجدّد في الاستمرار على العدم كما قيل نعم لا يخلو من البعد، وقوله: ما لي من المال جعل ما موصولة صلتها الجار والمجرور ولم يجعل مال مضافاً لياء المتكلم لأنه أشمل والتفسير به أتمّ فهو شامل للتبع والمال، وغيرهما ولو حمله على المال وأنّ ما ذكره لازم له صح ففيه تورية، وقوله: ما أغنى عني ماليه هلك.
تنبيه: قال في شرح التوضيح هاء السكت لا تدغم لأنّ الوقف عليها محقق أو مقدر وعن ورس إدغام ماليه هلك وهو ضعيف قياسا (قلت) هذا مروفي عن أبي عمرو في رواية شاذة والمرويّ عن ورس إنما هو النقل في كتابيه أني. قوله: (والمنهـ س ل محذوف) تقديره شيئا وما الموصولة فاعله، وقوله: أو حجتي الخ فسره به أكثر السلف ورجح بأنّ من أوتي كتابه بشماله لا يختص بالسلاطين لكن ما بعده أشد مناسبة للأوّل، وقوله: يقوله الله فهو بتقدير القول، وقوله: ثم لا تصلوه الخ الحصر من تقديم المفعول، وقوله: لأنه كان يتعظم الخ فالمناسب تعظيم عذابه وهذا على اختصاص ما قبله بالسلاطين والقرينة عليه تعظيم أمره وتنصيص الله على تعذيبه فلا وجه للتوقف فيه فإنه لا ضير في كونه بيانا لحال بعض من أوتي كتابه بشماله كقوله: ﴿وَلَا يَحُضُّ﴾ [سورة الماعون، الآية: ٣] الخ فكم فيهم من لم يحض على الطعام من أهل الشمال، وقد مرّ أنّ الجحيم اسم طبقة منها. قوله: (طويلة) لأنّ السبعين كثرت في المبالغة والتكثير وحمله عليه هنا أبلغ من إبقائه على ظاهره وأن جاز، وقوله: بأن تلفوها الخ بيان لإدخاله في السلسلة فإنه يكون بلفها عليه حتى يكون داخلها، وقوله: مرهق بزنة اسم
المفعول بمعنى مضيق عليه من أرهقه عسرا إذا كلفه إياه أو بمعنى مغشى بها، وقوله: كتقديم الجحيم الخ فإنه كقرينه يقدر مقدما على عامله فلا يرد ما قيل إنّ قوله: في سلسلة ليس معمول فاسلكوه لئلا يلزم الجمع بين حرفي عطف، ثم والفاء فلا بد من تقدير عامل له فقد يقدر مقدماً وستأتي تتمته وما فيه. قوله: (لتفاوت ما بينها في الثدّة) أي بين أنواع ما يعذبون به من الغل والتصلية، والسلك وفي نسخة بينهما أي بين المعطوف والمعطوف عليه والأولى أوفق لما في سورة نوج كما سيأتي ولم يجعلها للمهلة إذ مقام التهديد لا يناسبه ذكر تفرق العذاب، ثم إنه قيل: إنّ ثم الثانية لعطف قول مضمر على ما أضمر قبل خذوه إشعارا بتفاوت ما بين الأمرين وفاء فاسلكوه لعطف المقول على المقول لئلا يتوارد حرفا عطف على معطوف واحد وأورد عليه أنه يلزمه أن يكون تقديم السلسلة على الفاء بعد حذف القول لئلا يلزم التوارد المذكور، ومبني هذا التكلف البارد الغفلة عن أنّ الفاء جزائية في وربك فكبر فالتقدير ما يكن من شيء فاسلكوه في سلسلة الخ فقدم الظرف وما معه عوضاً عن المحذوف ولتتوسط الفاء كما هو حقها وليدل على التخصيص وعلى الأخير اقتصر المصنف لأنه مقتضى المقام، ويجوز
стр. 2977
أن يكون التقدير هكذا، ثم ما يكن من شيء ففي سلسلة ذرعها سبعون ذراعا اسلكوه ففيه تقديمان تقديم الظرف على الفعل للدلالة على التخصيص، وتقديمه على الفاء بعد حذف الشرط للتعويض، وتوسيط الفاء وحينئذ، فمراد المصنف بقوله: وتقديم السلسلة التقديم الأوّل وهو الفائدة التي ذكرها المصنف ليس إلا فتدبر. قوله: (على طريقة الاستئناف) فإنه يفيد التعليل لوقوعه في جواب لم أستحق هذا فقيل إنه الخ وقوله: للمبالغة لأنّ السؤال المقدّر فيه تكثير للمعنى مع تقليل لفظه، وقوله: فمن تعظم فيها أي في الدنيا وقوله: على بذل طعامه يريد أنّ الحث إنما يكون على الفعل ففيه مضاف مقدّر وهو بذل أو الطعام بمعنى الإطعام بوضع الاسم موضع المصدر كالعطاء بمعنى الإعطاء، وقوله: فضلاً الخ على الوجهين، وقوله: تارك الحض لأنّ حض الغير ليس بلازم فالعقال عليه يدل على العقاب على غيره بالطريق الأولى فتدبر. قوله: (وفيه دليل الخ الأنه عذب على عدم إطعام المسكين، وترك الخير فلو لم يؤمر به لم يعاقب عليه، وقوله: الكفر بالله في قوله: لا يؤمن بالله الخ والبخل منءا- م بذل الطعام والقسوة من
منع المسكين الذي هو محل المرحمة يريد أنه جمع بهذين أقبح العقائد وأقبح الأعمال فدل على ما عداهما بالطريق الأولى، وقوله: وصديدهم عطف تفسير للغسالة بالضم لأنّ هذا الوزن للفضلات، وقوله: فعلين هو من أوزان الأسماء كصفين. قوله: (من الخطأ المضاذ للصواب) لا ضدّ العمد، وقوله: الخاطون بطرحها بعد إبدالها ياء وقيل إنه من خطأ يخطو كأنه يخطو من الطاعة إلى العصيان ومن الحق إلى الباطل كقوله: ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ﴾ [سورة الطلاق، الآية: ا] فيكون كناية عن الذنب أيضاً وقوله: فلا أقسم الخ تقدّم الكلام عليه في الواقعة والقول بأنّ أصله فلانا أقسم فتذكره، وقوله: لظهور الأمر الخ، ولذا لم يعين ما في المقسم به وقيل: إنّ بما تبصرون الخ تعيين له لأنه شامل لكل شيء وله وجه، وقوله: فإنّ الرسول الخ يعني أنّ الإضافة اختصاصية وأنما يكون القول خاصا برسل الله إذا بلغوه عن الله وليس دفعاً لما يرد من أنه كلام الله لا كلام الرسول فكيف أضيف له. قوله: (وهو محمد) قدمه لأنه الظاهر وعليه الأكثر لأنّ قولهم شاعر أو كاهن إنما كان في حقه ﵊ لا في حق جبريل ﵊ لما تحداهم وأعجزهم، وأمّا القول الآخر فمرجعه لهذا أيضا كما سترى، وقوله: أو جبريل هو قول مقاتل وبعض المفسرين وفسروه بأنه قول يلقيه جبريل عن الله لا من تلقاء نفس النبيّ ﵊ لا أنه شاعر أو كاهن كما زعمتم، والمقصود إثبات حقية القرآن على القولين. قوله: (تصدّقون الخ) يعني نصب قليلاً على أنه صفة للمفعول المطلق، وأنّ القلة بمعناها الظاهر لا بمعنى العدم والنفي كما قاله الزمخشريّ: لأنهم لظهور صدقه لهم لزم تصديقهم له في الجملة، وإن أظهروا خلافه عناداً وأبوة تمرداً بألسنتهم وكذا قليلا ما تذكرون لأنه خلاف الظاهر، وأمّا قول أبي حيان إنّ قليلاً إذا نصب لا يكون بمعنى النفي وإنما يكون بمعناه إذا رفع كقوله:
قليل بها الأصوات إلا بغامها
فدعوى لا تسمع على مثل الزمخشري بغير دليل وقد يجعل قليلا صفة زمان مقدر وقال
ابن عادل: نعت لمصدر أو زمان مقدّر أي إيمانا أو زماناً والناصب تؤمنون أو تذكرون وما
زائدة، وقال ابن عطية يحتمل أن تكون نافية ومصدرية. قوله: (أمر بين لا بنكره إلا معاند) فلا عذر لقائله في ترك الإيمان وهو أكفر من حمار وأما مباينته للكهانة فيتوقف على تذكر ما لأنه يأخذ جعلا ويجيب عما سئل عنه ويتكلف السجع، ويكذب كثيرا وإن التبس على الحمقى لإخباره عن بعض المغيبات بكلام منثور، وقوله: بالياء التحتية في تؤمنون وتذكرون على الالتفات كما فصل في كتب الأداء. قوله: (سمي الافتراء) يعني الكذب والتفعل على التكلف كتحلم، وقوله: والأقوال المفتراة أقاويل الخ أما إطلاق الأقاويل عليها تحقيرا فلا كلام فيه وأنما الكلام في وجهه فقيل لأنه جمع أقوولة لأنّ وزن أفعولة مختص بالأمور المستغربة كأضحوكة، وأعجوبة ورده صاحب الانتصاف بأن أفعولة من القول غريب عن القياس التصريفي، ويحتمل أن يكون جمع الجمع كأناعيم جمع إنعام وهو غير وارد لأنّ مراده أنه جمع لمفرد غير مستعمل لأنه لا وجه لاختصاصه بالافتراء غير ما ذكر والأحسن في توجيهه أن يمنع اختصاصه وضعاً وإنه جمع قول على غير القياس أو جمع الجمع، ودلالته على ما ذكر بقرينة السياق لا تضر كما يقال في التحقير
стр. 2978
بعض ألناس ولذا قال الشاعر:
وأقول بعض الناس عنك كناية خوف الوشاة وأنت كل الناس
وأمّا لزوم أن يعاقب بما دون ثلاثة أقوال فغير وارد لأنّ الألف واللام أبطلت جمعيته كالعالمين فتدبر. قوله: (لأخذنا منه) أي لأمسكناه وقوله: باليمين بعده بيان بعد الإبهام كما في قوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [سورة الشرح، الآية: ا] لأنه تفصيل بعد الإجمال، وقوله: بأفظع يعني أشد وأقبح فهو بفاء وظاء معجمة والفتاك بالفاء والكاف أو بالقاف واللام وهو المباشر للقتل، وقوله: يكفجه بالفاء والحاء المهملة يعني يواجهه بالسيف لأنّ الآخذ باليمين يقتله بعد مواجهته بالسيف ونظره له أشد عقوبة ومن يضرب عنقه من غيره مواجهة يأخذه من يساره فلذا قال بيمينه لبيان أنه يعاقب بأشد العقوبة أو اليمين بمعنى القوّة فالمراد أخذه بعنف، وشدة ومرضه لأنه يفوت فيه التصوير والتفصيل والإجمال ويصير قوله: منه زائداً من غير فائدة، ويرتكب المجاز من غير فائدة أيضاً. قوله: (عن القتل) فالمعنى لا يمنع أحد عن قتله أو لا يحول أحد بيننا وبينه، وهو المقتول لأنّ الحجز المنع ومنه الحجاز لأنه بين تهامة ونجد،
وقوله: وصف لأحد أو خبر له وجمع وصفه أو خبره لأنه أحد الوجوه في إعرابه وما حجازية أو تميمية رعاية للمعنى لأنه نكرة في سياق النفي فيعم وفيه تفصيل في الدر المصون. قوله: (لأنهم المنتفعون به) توجيه للتخصيص، وقوله: فيجازيهم مرّ تحقيقه مراراً، وقوله: اليقين الذي لا ريب فيه قد مرّ فيه في الواقعة كلام وأنّ إضافته لامية أو على معنى من أو هو من إضافة الصفة للموصوف وأصله اليقين الحق وفي كلام المصنف ﵀ ميل إليه، وتفصيله في الكشف، وقوله: فسبح الله تقدير لمفعوله المحذوف بيان لاتصاله بما قبله، وقوله: عن النبيّ ﷺ الخ حديث موضوع تمت السورة والحمد لله والصلاة والسلام على سيد الرسل واكه وصحبه الكرام.
سورة المعارج
وتسمى سورة سأل وهي مكية بالاتفاق وآيها أربع أو ثلاث وأربعون على قولين فيها.
بسم الله الرحمن الرحباً
قوله: (أي دعا داع به الخ الما كان السؤال يتعدى بنفسه أو بعن في الاستعمال المعروف
وهنا تعدى بالباء اختلفوا في توجيهه على وجوه منها ما ذكره المصنف ﵀، وهو أنّ السؤال بمعنى الدعاء فعدى بالباء والمراد به الاستدعاء والطلب، وهو بهذا المعنى يتعدى بالباء كما في قوله: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ﴾ [سورة الدخان، الآية: ٥٥] وليس تضميناً وقيل: إنها زائدة وقيل: إنها بمعنى عن كما في قوله: فاسأل به خبيرا واختلف في السائل على أقوال منها ما ذكره المصنف ﵀. قوله: (فأمطر علينا الخ) قد مرّ تفسيره وجعله واقعا على هذا وعلى ما بعده إمّ لأنّ جنسه واقع في الدنيا أو في الآخرة وعبر بما ذكر لتحققه فيهما من غير فرق بينهما، وقوله: استهزاء لأنه لا يريد عاقل حلول العذاب به. قوله: (استعجل بعذابهم) أي دعا عليهم، وقوله: وقرأ نافع وابن عامر الخ هو في هذه القراءة سال كقال وتبع فيه الزمخشري إذ قال: إنّ لغة قريث! فيه إنها تجعله أجوف واوياً وغيرهم يجعله مهموزا وباللغتين جاء القرآن على القراءتين فقوله: من السوال بالواو الصريحة بكسر السين وضمها كما في القاموس، وكون الواو فيه أصلية وهو لغة قريش فيه نظر لأنّ المصرّح به كتب اللغة والعربية خلافه وفي كتاب سيبوبه إنّ لغة أهل الحجاز همزه وتحقيق الهمزة فيه حتى قال: إنّ الألف مبدلة من الهمزة وإنه على خلاف القياس المقصور على السماع، وكيف لا والقرآن ورد بخلافه وهو فد نزل على لغة قريش إلا ما ندر والحاصل أنه اختلف في لغة سال بالف هل هي مخففة على خلاف القياس،
وفيه ما علصت ولا وجه لقول المحشي أنه مردود بعد السماع، وقيل: إنها لغة فيه واختلف هل هي منقلبة عن ياء أو واو وفي الكشاف هو من السوال، وهو لغة قريش يقولون: سلت تسال وهما يتسايلان قال الجاربردي: يعني هو من السؤال المهموز يعني لا اشتقاقا فلا ينافي قوله: يتسايلان والصواب من السوال بالواو ويتساولان كما في الحجة، اهـ فألفه منقلبة
стр. 2979
عن واو كخاف، وحكى أبو عليّ أنه سمع من العرب من يقول: يتساولان وبه صرّح ابن عادل وأهل اللغة، وأمّ قول بلال بن جرير:
إذاضفتهم أوسوايلتهم وجدت لهم علة حاضرة
فهو جمع بين اللغتين ووزنه فعايلتهم. قوله:) سالت الخ) البيت من شعر لحسان يهجو
به هذيلا لما سألوا النبيّ ﷺ أن يبيح لهم الزنا، ومعناه ظاهر وقيل: سالت في البيت معناه طلبت سولاً منه وليس من السؤال في شيء، وقوله: قرئ سال سيل كباع بيع وهي قراءة ابن عباس ﵁، وهو من السيل المعروف في الماء وأصله مصدر كالسيلان بمعنى الجريان، وقوله: سال واد يعني السيل بمعنى السائل وهو الماء الجاري فالظاهر أنه تسمح في التعبير عنه بالوادي، وأراد ما فيه كما يقال: جرى النهر وفي الكشاف وشروحه هنا كلام لا حاجة لنا به. قوله: (ومضتي الفعل الخ) هو على الأوّل حقيقة والتجوّز في قوله: واقع وعلى الأخير مجاز لا! العذاب لم يحل بهم، وقوله: قتل بدر وقد قتل فيها النضر وأبو جهل والسورة مكية وهو وقع بعد ذلك فيكون مجازاً من الأخبار بالغيب. قوله: (أو صلة لواقع (واللام للتعليل أو بمعنى على وقد قرأ به أبيّ في الشواذ، وقوله: وإن صح أن السؤال في قوله: سأل سائل المراد به السؤال عمن يحل به العذاب المتوعد به كما روي عن قتادة والحسن لأنّ أهل مكة قالوا: لما خوّفهم النبيّ بعذاب الله اسألوا محمدا عنه فسألوه فنزلت كما في تفسير البغوي فيكون قوله: للكافرين جوابا لذلك السؤال، والمعنى أنهم سألوا عن العذاب الواقع على من يقع، ولمن هو فأجيبوا بما ذكره فتقديره هو للكافرين فقوله: ليس له دافع جمله مؤكدة لقوله: هو للكافرين لا محل لها حينئذ، ولك أن تقول لها محل لأنها تأكيد معنوقي إلا أنهم لم يذكروه في الجمل. قوله: (والباء على هذا لتضمن سأل معنى اهتم) وقيل: إنّ الباء
بمعنى عن كما في قوله: فاسأل به خبيراً وعليه صاحب القاموس وذكره في المغني، ولم يرتض به المصنف ﵀ كبعض النحاة وجعلوا الباء فيه تجريدية أو سببية أو التجوّز والتصرّف في الفعل لأنه أقوى من الحرف فيجعل مجازا أو مضمنا معنى الاهتمام والاعتناء، وقوله: من جهتة فمن ابتدائية متعلقة بدافع لقربه لا بواقع وما بينهما اعتراضى لبعده لفظا ومعنى وقوله: يصعد فيها الكلم ليس المراد به السموات، ولا طرقها لأنه وجه آخر سيأتي بل المراد مقامات معنوية تكون فيها الأعمال والأذكار كما أنه فيما بعده مراتب في السلوك معنوية أو في منازل الآخرة، وقوله: مراتب الملائكة معطوف على قوله: الدرجات، وكذا السموات وضمير فيها للسموات. قوله: (استئناف الخ) وضمير إليه لله أو للمكان المنتهى إليه الدال عليه السياق، وقوله: على التمثيل والتخييل على الوجو. كلها لأنّ المراد أنه في غاية البعد والارتفاع المعنوي كما في بعض الوجوه كمراتب السالكين أو الحسي لكنه ليس المراد به التحديد كما أشار إليه بقوله والمعنى، وقيل: إنه إنما يظهر إذا فسرت المعارح بغير السموات فتأمّل. قوله: (وقيل معناه تعرج الخ) فالضمير راجع لله بتقدير مضاف فيه وهو عرس، وقوله: يقطعون فيه أي في ذلك اليوم ضمير فيها للمدة وهي خمسون ألف سنة، وقوله: لو فرض أي قطع الإنسان لها وسيره فيها إلا أنه يسير الملائكة فإنه ما سيذكره وهو خمسة آلاف سنة، وقوله: لا أن بلا النافية وأنّ المشدّدة ووقع في نسخة لأنّ وهو من غلط الناسخ فتدبر، وقوله: إلى محدب السماء فخمسمائة منها مسافة ما بين المقعر والمحدب وتقدم في السجدة إنه مسافة الذهاب والإياب في قول مع وجوه أخر مرّت مع ما فيها. قوله: (وقيل في يوم الخ) وقد كان متعلقا بيعرج فيما تقدم، وقوله: إذا جعل من السيلان فإنه يدل على وصول العذاب لهم في ذلك اليوم بخلاف ما إذا كان من السؤال فإنه لا يتعلق به لأنّ السؤال لم يقع فيه. قوله: (والمراد به يوم القيامة (يعني على هذا التفسير وقد صححه القرطبي وقال: إنه ورد في الحديث وهو أقرب الوجوه،
وقوله: واستطالته الخ يعني ليس المراد بالعدد المذكور حقيقته بل مجرّد الاستطالة على هذا الوجه وهكذا كل زمان شدة كما قيل:
تمتع بأيام السرور فإنها قصار وأيام الغموم طوال
قوله: (أو لكثرة ما فيه) بحيث لو وقع من غير أسرع الحاسبين وفي الدنيا طال إلى هذه المدة فهو مجاز عما
стр. 2980
يلزمه من كثرة ما وقع فيه أو كناية، وقوله: كذلك أي طويل حقيقة، وقوله: وافراده اًي بالذكر مع دخوله في الملائكة. قوله: (وهو متعلق بسأل) أي متفرّع عليه ومتعلق به تعلقاً معنويا، وقوله: عن استهزاء أي على أنّ السائل النضر أو أبو جهل، وقوله: أو تعنت أي إن كان السؤال عمن وقع به العذاب والسائل كفار مكة والتعنت تفعل من العنت وهو المكابرة عنادا، وقوله: يضجره أي النبيّ ﷺ إن كان هو السائل استعجالاً كما مرّ، وقوله: أو يسال بالألف على القراءة به مع سائل وسيل في الوجهين لأنّ معناه حينئذ قرب وقوع العذاب فيظهر تفريع الأمر بالصبر عليه، والحاصل أنه متعلق به على القراآت كلها وقد أورد على قوله: لأنّ المعنى قرب الخ أنّ المناسب لهذا أن يكون صيغة المضي لاقتراب الوقوع لا للتحقق كما مرّ ويدفع بأنه أشار يخما مضى إلى وجه وهنا إلى آخر أو هما متقاربان فتأمّل. قوله: (أويوم القيامة الخ) في الكشاف فيمن علق في يوم بواقع لأنّ المراد به يوم القيامة ويصح وصفه بالقرب والبعد وأمّا إذا علق بتعرح فليس المراد به يوم القيامة، ولا يوصف بالقرب والبعد معنى لأنّ استبعادهم إياه لاستحالتهم له وهم يستحيلون يوم العذاب لإنكارهم له لا يوم عروج الملائكة لأنه لم يقرع أسماعهم فمن قال: يجوز إرادته إذا تعلق بيعرج أيضا لأنّ واقع يدل عليه في أحد الوجهين لم يقف على مراده لأنّ مراده أنه لا يعود إلى يوم المذكور، وعلى ما ذكره يرجع إلى ما فهم من الكلام وهو شيء آخر. قوله ة (من الإمكان) فالمراد بالبعد البعد عن الإمكان وبالقرب القرب منه، ولا شك أنّ العذاب أو يوم القيامة ممكن ولا معنى لوصف الممكن بالقرب من الإمكان لدخوله في حيزه إلا أن يكون للمشاكلة والمراد، وصفه بالإمكان وهم يحيلونه لقولهم من يحي العظام وهي رميم. قوله: (أو من الوقوع) قدره في الثاني دون الأوّل لأنه لو تعلق به أفاد إمكانه عندهم وهم يحيلونه كما سمعت فيصير المعنى أنهم يرونه بعيداً من الإمكان، ونحن نراه قريباً من الوقوع فضلاً عن الإمكان وهو أحسن من تقدير الإمكان فيهما فمن قال: الأوّل في إيفاء حق البلاغة أظهر، وتعليق الثاني ببعيداً فيه إيهام اعتقادهم لإمكانه لم
يصب. قوله: (يمكن يوم تكون) بيان لحاصل المعنى وفيه إشارة إلى ما قلنا من أنّ المراد بالقرب من الإمكان الإمكان وعبر به إما مشاكلة أو إرخاء لعنان المساهلة، والمراد أنه ليس في ذلك اليوم ما يحيله فهو باق على إمكانه، والا فالإمكان متحقق في كل زمان فلا معنى لتقييده به، وقيل: المراد يظهر إمكانه فيه. قوله: (دل عليه واقع) وهو يقع وقوله: من في يوم إن علق به أي بواقع لأنه يكون المراد به يوم القيامة فيجوز إبداله منه بخلاف ما إذا علق بتعرج فإنه غير هذا اليوم وهو إبدال من المحلى لنصبه، وقول أبي حيان في ردّه إنّ مراعاة المحل إذا كان الجارّ زائداً أو شبيهاً بالزائد كرب فإن لم يكن كذلك لم يجز فلا يقال: مررت بزيد الظريف بالنصب غير وارد لأنّ اشتراط ما ذحص غير صحيح عندهم كيف لا وقد مرّ في قراءة وأرجلكم مراعاة المحل وليس كذلك، وأنما هو يتغنى ويضطرب وعلى التقادير الثلاثة المراد بالعذاب عذاب القيامة أما إذا أريد عذاب الدنيا فالمتعلق مقدر تقديره يكون كيت، وكيت فكان على المصنف أن يذكره مقدما لتاليه على الوجوه كتقدير اذكر ونحوه كما أشار إليه الزمخشري. قوله: (المذاب في مهل) أي ما تقع إذابته في زمان ممتذ لا ما يذاب بسرعة كالسمن والفلزات جمع فلز بكسر الفاء واللام، وتشديد الزاي المعجمة وفيه لغات هذه أفصحها وهو نوع من المعادن أشهر الأقوال فيه أنه ما يقبل السبك، والدق بالمطارق وقيل: ما ينفيه الكير والدرديّ بضم الدال وتشديد الياء ما يتجمد في قعره. قوله: (فإذا بست) أي فتتت وطيرت في الهواء ومشابهة العهن في التطير، واختلاف الألوان، وقوله: لا يسال قريب أي لاشتغاله بحاله عن غيره فمفعوله الثاني محذوف تقديره عن حاله مثلا وعلى قراءة ابن كثير في إحدى الروايتين عنه لا حذف ولا تقدير فيه ومعناهما متقارب. قوله: (يبصرونهم) أي يشاهدونهم وفي الجملة وجوه لاحتمال أن تكون مستأنفة لا محل لها كانه لما قيل، ولا يسأل الخ قيل: لعله لا يبصره فقيل: يبصرونهم أو هي صفة حميم أو جمع الضمير نظر المعنى العموم فيه قيل، وهو أولى من الحالية لتنكير صاحبها وأن كان العموم فيه مسوّغا له، وهو حينئذ إما حال من الفاعل أو المفعول أو من كليهما، وهو ذهول عما نظر إليه المصنف من أنّ الحالية أقعد معنى لأنّ
следующие страницы →