Полный текст (3 156 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.
стр. 2976
مضاف وليس المراد أنها صفة جرت على غير من هي له فإنه لا يوافق كلام النحاة إلا أن يريد ما ذكرناه ولا يخفى ما فيه. قوله: (جمع قطف الخ) جعله جمع المكسور لأنّ المصدر لا يطرد جمعه، وقوله: وهو ما يجتني بسرعة السرعة لا بدّ منها في القطف لأنها من شأنه ومن لم يذكره تركه لظهوره فمن اعترض عليه بأنّ أهل اللغة لم يصرحوا به غفل عما ذكر، وقوله: يتناولها القاعد لم يقل والمضطجع لأنّ مراده التمثيل فلا وجه لاستدراكه. قوله: (بإضمار القول) أي مقولاً فيها، وقوله: وجمع الضمير الخ مع أنّ ما قبله من قوله: إني ظننت الخ يقتضي الإفراد لكنه وإن كان مفردا لم يرد به معين فهو جمع معنى فلذا روعي فيه جانب المعنى نظر المعنى من، وقوله: أكلا الخ بفتح الهمزة وضمها وشربا بضم الشين وكسرها يعني أنه منصوب على أنه مفعول به لكونه صفة المفعول وجعله صفة لهما لأنّ فعيلا يستوي فيه الواحد فما فوقه لا لأنّ المصدر يتناول المثنى لأنه ليس بمصدر على هذا فمن قاله لم يصب أو على المصدر لأنّ فعيلاً من صيغ المصادر كما مز فهو مصدر لفعل وقع حالاً والهنيء ما لم ينغص وهنئتم مبنيّ للمجهول. قوله: (من أعمار الدنيا) الإضافة على معنى اللام لأنه بمعنى مدة
الدنيا، ويجوز أن تكون على معنى في وما في بعض النسخ من أعمال الدنيا باللام من تحريف الكتبة، وقوله: الموتة التي منها فالضمير راجع على ما علم من المقام وإن لم يسبق ذكره، وقوله: أمر من الموت الخ لأنه كما قيل أشد من الموت ما يتمنى فيه الموت. قوله: (أو يا ليت حياة الدنيا) فالضمير للحياة المفهومة من السياق أيضاً، وقوله: كانت الموتة تفسير للقاضية لأنها اشتهرت في الموت فلا يرد عليه أنّ القاضية تقتضي تجدّد أمر ولا تجدّد في الاستمرار على العدم كما قيل نعم لا يخلو من البعد، وقوله: ما لي من المال جعل ما موصولة صلتها الجار والمجرور ولم يجعل مال مضافاً لياء المتكلم لأنه أشمل والتفسير به أتمّ فهو شامل للتبع والمال، وغيرهما ولو حمله على المال وأنّ ما ذكره لازم له صح ففيه تورية، وقوله: ما أغنى عني ماليه هلك.
تنبيه: قال في شرح التوضيح هاء السكت لا تدغم لأنّ الوقف عليها محقق أو مقدر وعن ورس إدغام ماليه هلك وهو ضعيف قياسا (قلت) هذا مروفي عن أبي عمرو في رواية شاذة والمرويّ عن ورس إنما هو النقل في كتابيه أني. قوله: (والمنهـ س ل محذوف) تقديره شيئا وما الموصولة فاعله، وقوله: أو حجتي الخ فسره به أكثر السلف ورجح بأنّ من أوتي كتابه بشماله لا يختص بالسلاطين لكن ما بعده أشد مناسبة للأوّل، وقوله: يقوله الله فهو بتقدير القول، وقوله: ثم لا تصلوه الخ الحصر من تقديم المفعول، وقوله: لأنه كان يتعظم الخ فالمناسب تعظيم عذابه وهذا على اختصاص ما قبله بالسلاطين والقرينة عليه تعظيم أمره وتنصيص الله على تعذيبه فلا وجه للتوقف فيه فإنه لا ضير في كونه بيانا لحال بعض من أوتي كتابه بشماله كقوله: ﴿وَلَا يَحُضُّ﴾ [سورة الماعون، الآية: ٣] الخ فكم فيهم من لم يحض على الطعام من أهل الشمال، وقد مرّ أنّ الجحيم اسم طبقة منها. قوله: (طويلة) لأنّ السبعين كثرت في المبالغة والتكثير وحمله عليه هنا أبلغ من إبقائه على ظاهره وأن جاز، وقوله: بأن تلفوها الخ بيان لإدخاله في السلسلة فإنه يكون بلفها عليه حتى يكون داخلها، وقوله: مرهق بزنة اسم
المفعول بمعنى مضيق عليه من أرهقه عسرا إذا كلفه إياه أو بمعنى مغشى بها، وقوله: كتقديم الجحيم الخ فإنه كقرينه يقدر مقدما على عامله فلا يرد ما قيل إنّ قوله: في سلسلة ليس معمول فاسلكوه لئلا يلزم الجمع بين حرفي عطف، ثم والفاء فلا بد من تقدير عامل له فقد يقدر مقدماً وستأتي تتمته وما فيه. قوله: (لتفاوت ما بينها في الثدّة) أي بين أنواع ما يعذبون به من الغل والتصلية، والسلك وفي نسخة بينهما أي بين المعطوف والمعطوف عليه والأولى أوفق لما في سورة نوج كما سيأتي ولم يجعلها للمهلة إذ مقام التهديد لا يناسبه ذكر تفرق العذاب، ثم إنه قيل: إنّ ثم الثانية لعطف قول مضمر على ما أضمر قبل خذوه إشعارا بتفاوت ما بين الأمرين وفاء فاسلكوه لعطف المقول على المقول لئلا يتوارد حرفا عطف على معطوف واحد وأورد عليه أنه يلزمه أن يكون تقديم السلسلة على الفاء بعد حذف القول لئلا يلزم التوارد المذكور، ومبني هذا التكلف البارد الغفلة عن أنّ الفاء جزائية في وربك فكبر فالتقدير ما يكن من شيء فاسلكوه في سلسلة الخ فقدم الظرف وما معه عوضاً عن المحذوف ولتتوسط الفاء كما هو حقها وليدل على التخصيص وعلى الأخير اقتصر المصنف لأنه مقتضى المقام، ويجوز
стр. 2977
أن يكون التقدير هكذا، ثم ما يكن من شيء ففي سلسلة ذرعها سبعون ذراعا اسلكوه ففيه تقديمان تقديم الظرف على الفعل للدلالة على التخصيص، وتقديمه على الفاء بعد حذف الشرط للتعويض، وتوسيط الفاء وحينئذ، فمراد المصنف بقوله: وتقديم السلسلة التقديم الأوّل وهو الفائدة التي ذكرها المصنف ليس إلا فتدبر. قوله: (على طريقة الاستئناف) فإنه يفيد التعليل لوقوعه في جواب لم أستحق هذا فقيل إنه الخ وقوله: للمبالغة لأنّ السؤال المقدّر فيه تكثير للمعنى مع تقليل لفظه، وقوله: فمن تعظم فيها أي في الدنيا وقوله: على بذل طعامه يريد أنّ الحث إنما يكون على الفعل ففيه مضاف مقدّر وهو بذل أو الطعام بمعنى الإطعام بوضع الاسم موضع المصدر كالعطاء بمعنى الإعطاء، وقوله: فضلاً الخ على الوجهين، وقوله: تارك الحض لأنّ حض الغير ليس بلازم فالعقال عليه يدل على العقاب على غيره بالطريق الأولى فتدبر. قوله: (وفيه دليل الخ الأنه عذب على عدم إطعام المسكين، وترك الخير فلو لم يؤمر به لم يعاقب عليه، وقوله: الكفر بالله في قوله: لا يؤمن بالله الخ والبخل منءا- م بذل الطعام والقسوة من
منع المسكين الذي هو محل المرحمة يريد أنه جمع بهذين أقبح العقائد وأقبح الأعمال فدل على ما عداهما بالطريق الأولى، وقوله: وصديدهم عطف تفسير للغسالة بالضم لأنّ هذا الوزن للفضلات، وقوله: فعلين هو من أوزان الأسماء كصفين. قوله: (من الخطأ المضاذ للصواب) لا ضدّ العمد، وقوله: الخاطون بطرحها بعد إبدالها ياء وقيل إنه من خطأ يخطو كأنه يخطو من الطاعة إلى العصيان ومن الحق إلى الباطل كقوله: ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ﴾ [سورة الطلاق، الآية: ا] فيكون كناية عن الذنب أيضاً وقوله: فلا أقسم الخ تقدّم الكلام عليه في الواقعة والقول بأنّ أصله فلانا أقسم فتذكره، وقوله: لظهور الأمر الخ، ولذا لم يعين ما في المقسم به وقيل: إنّ بما تبصرون الخ تعيين له لأنه شامل لكل شيء وله وجه، وقوله: فإنّ الرسول الخ يعني أنّ الإضافة اختصاصية وأنما يكون القول خاصا برسل الله إذا بلغوه عن الله وليس دفعاً لما يرد من أنه كلام الله لا كلام الرسول فكيف أضيف له. قوله: (وهو محمد) قدمه لأنه الظاهر وعليه الأكثر لأنّ قولهم شاعر أو كاهن إنما كان في حقه ﵊ لا في حق جبريل ﵊ لما تحداهم وأعجزهم، وأمّا القول الآخر فمرجعه لهذا أيضا كما سترى، وقوله: أو جبريل هو قول مقاتل وبعض المفسرين وفسروه بأنه قول يلقيه جبريل عن الله لا من تلقاء نفس النبيّ ﵊ لا أنه شاعر أو كاهن كما زعمتم، والمقصود إثبات حقية القرآن على القولين. قوله: (تصدّقون الخ) يعني نصب قليلاً على أنه صفة للمفعول المطلق، وأنّ القلة بمعناها الظاهر لا بمعنى العدم والنفي كما قاله الزمخشريّ: لأنهم لظهور صدقه لهم لزم تصديقهم له في الجملة، وإن أظهروا خلافه عناداً وأبوة تمرداً بألسنتهم وكذا قليلا ما تذكرون لأنه خلاف الظاهر، وأمّا قول أبي حيان إنّ قليلاً إذا نصب لا يكون بمعنى النفي وإنما يكون بمعناه إذا رفع كقوله:
قليل بها الأصوات إلا بغامها
فدعوى لا تسمع على مثل الزمخشري بغير دليل وقد يجعل قليلا صفة زمان مقدر وقال
ابن عادل: نعت لمصدر أو زمان مقدّر أي إيمانا أو زماناً والناصب تؤمنون أو تذكرون وما
زائدة، وقال ابن عطية يحتمل أن تكون نافية ومصدرية. قوله: (أمر بين لا بنكره إلا معاند) فلا عذر لقائله في ترك الإيمان وهو أكفر من حمار وأما مباينته للكهانة فيتوقف على تذكر ما لأنه يأخذ جعلا ويجيب عما سئل عنه ويتكلف السجع، ويكذب كثيرا وإن التبس على الحمقى لإخباره عن بعض المغيبات بكلام منثور، وقوله: بالياء التحتية في تؤمنون وتذكرون على الالتفات كما فصل في كتب الأداء. قوله: (سمي الافتراء) يعني الكذب والتفعل على التكلف كتحلم، وقوله: والأقوال المفتراة أقاويل الخ أما إطلاق الأقاويل عليها تحقيرا فلا كلام فيه وأنما الكلام في وجهه فقيل لأنه جمع أقوولة لأنّ وزن أفعولة مختص بالأمور المستغربة كأضحوكة، وأعجوبة ورده صاحب الانتصاف بأن أفعولة من القول غريب عن القياس التصريفي، ويحتمل أن يكون جمع الجمع كأناعيم جمع إنعام وهو غير وارد لأنّ مراده أنه جمع لمفرد غير مستعمل لأنه لا وجه لاختصاصه بالافتراء غير ما ذكر والأحسن في توجيهه أن يمنع اختصاصه وضعاً وإنه جمع قول على غير القياس أو جمع الجمع، ودلالته على ما ذكر بقرينة السياق لا تضر كما يقال في التحقير
стр. 2978
بعض ألناس ولذا قال الشاعر:
وأقول بعض الناس عنك كناية خوف الوشاة وأنت كل الناس
وأمّا لزوم أن يعاقب بما دون ثلاثة أقوال فغير وارد لأنّ الألف واللام أبطلت جمعيته كالعالمين فتدبر. قوله: (لأخذنا منه) أي لأمسكناه وقوله: باليمين بعده بيان بعد الإبهام كما في قوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [سورة الشرح، الآية: ا] لأنه تفصيل بعد الإجمال، وقوله: بأفظع يعني أشد وأقبح فهو بفاء وظاء معجمة والفتاك بالفاء والكاف أو بالقاف واللام وهو المباشر للقتل، وقوله: يكفجه بالفاء والحاء المهملة يعني يواجهه بالسيف لأنّ الآخذ باليمين يقتله بعد مواجهته بالسيف ونظره له أشد عقوبة ومن يضرب عنقه من غيره مواجهة يأخذه من يساره فلذا قال بيمينه لبيان أنه يعاقب بأشد العقوبة أو اليمين بمعنى القوّة فالمراد أخذه بعنف، وشدة ومرضه لأنه يفوت فيه التصوير والتفصيل والإجمال ويصير قوله: منه زائداً من غير فائدة، ويرتكب المجاز من غير فائدة أيضاً. قوله: (عن القتل) فالمعنى لا يمنع أحد عن قتله أو لا يحول أحد بيننا وبينه، وهو المقتول لأنّ الحجز المنع ومنه الحجاز لأنه بين تهامة ونجد،
وقوله: وصف لأحد أو خبر له وجمع وصفه أو خبره لأنه أحد الوجوه في إعرابه وما حجازية أو تميمية رعاية للمعنى لأنه نكرة في سياق النفي فيعم وفيه تفصيل في الدر المصون. قوله: (لأنهم المنتفعون به) توجيه للتخصيص، وقوله: فيجازيهم مرّ تحقيقه مراراً، وقوله: اليقين الذي لا ريب فيه قد مرّ فيه في الواقعة كلام وأنّ إضافته لامية أو على معنى من أو هو من إضافة الصفة للموصوف وأصله اليقين الحق وفي كلام المصنف ﵀ ميل إليه، وتفصيله في الكشف، وقوله: فسبح الله تقدير لمفعوله المحذوف بيان لاتصاله بما قبله، وقوله: عن النبيّ ﷺ الخ حديث موضوع تمت السورة والحمد لله والصلاة والسلام على سيد الرسل واكه وصحبه الكرام.
سورة المعارج
وتسمى سورة سأل وهي مكية بالاتفاق وآيها أربع أو ثلاث وأربعون على قولين فيها.
بسم الله الرحمن الرحباً
قوله: (أي دعا داع به الخ الما كان السؤال يتعدى بنفسه أو بعن في الاستعمال المعروف
وهنا تعدى بالباء اختلفوا في توجيهه على وجوه منها ما ذكره المصنف ﵀، وهو أنّ السؤال بمعنى الدعاء فعدى بالباء والمراد به الاستدعاء والطلب، وهو بهذا المعنى يتعدى بالباء كما في قوله: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ﴾ [سورة الدخان، الآية: ٥٥] وليس تضميناً وقيل: إنها زائدة وقيل: إنها بمعنى عن كما في قوله: فاسأل به خبيرا واختلف في السائل على أقوال منها ما ذكره المصنف ﵀. قوله: (فأمطر علينا الخ) قد مرّ تفسيره وجعله واقعا على هذا وعلى ما بعده إمّ لأنّ جنسه واقع في الدنيا أو في الآخرة وعبر بما ذكر لتحققه فيهما من غير فرق بينهما، وقوله: استهزاء لأنه لا يريد عاقل حلول العذاب به. قوله: (استعجل بعذابهم) أي دعا عليهم، وقوله: وقرأ نافع وابن عامر الخ هو في هذه القراءة سال كقال وتبع فيه الزمخشري إذ قال: إنّ لغة قريث! فيه إنها تجعله أجوف واوياً وغيرهم يجعله مهموزا وباللغتين جاء القرآن على القراءتين فقوله: من السوال بالواو الصريحة بكسر السين وضمها كما في القاموس، وكون الواو فيه أصلية وهو لغة قريش فيه نظر لأنّ المصرّح به كتب اللغة والعربية خلافه وفي كتاب سيبوبه إنّ لغة أهل الحجاز همزه وتحقيق الهمزة فيه حتى قال: إنّ الألف مبدلة من الهمزة وإنه على خلاف القياس المقصور على السماع، وكيف لا والقرآن ورد بخلافه وهو فد نزل على لغة قريش إلا ما ندر والحاصل أنه اختلف في لغة سال بالف هل هي مخففة على خلاف القياس،
وفيه ما علصت ولا وجه لقول المحشي أنه مردود بعد السماع، وقيل: إنها لغة فيه واختلف هل هي منقلبة عن ياء أو واو وفي الكشاف هو من السوال، وهو لغة قريش يقولون: سلت تسال وهما يتسايلان قال الجاربردي: يعني هو من السؤال المهموز يعني لا اشتقاقا فلا ينافي قوله: يتسايلان والصواب من السوال بالواو ويتساولان كما في الحجة، اهـ فألفه منقلبة
стр. 2979
عن واو كخاف، وحكى أبو عليّ أنه سمع من العرب من يقول: يتساولان وبه صرّح ابن عادل وأهل اللغة، وأمّ قول بلال بن جرير:
إذاضفتهم أوسوايلتهم وجدت لهم علة حاضرة
فهو جمع بين اللغتين ووزنه فعايلتهم. قوله:) سالت الخ) البيت من شعر لحسان يهجو
به هذيلا لما سألوا النبيّ ﷺ أن يبيح لهم الزنا، ومعناه ظاهر وقيل: سالت في البيت معناه طلبت سولاً منه وليس من السؤال في شيء، وقوله: قرئ سال سيل كباع بيع وهي قراءة ابن عباس ﵁، وهو من السيل المعروف في الماء وأصله مصدر كالسيلان بمعنى الجريان، وقوله: سال واد يعني السيل بمعنى السائل وهو الماء الجاري فالظاهر أنه تسمح في التعبير عنه بالوادي، وأراد ما فيه كما يقال: جرى النهر وفي الكشاف وشروحه هنا كلام لا حاجة لنا به. قوله: (ومضتي الفعل الخ) هو على الأوّل حقيقة والتجوّز في قوله: واقع وعلى الأخير مجاز لا! العذاب لم يحل بهم، وقوله: قتل بدر وقد قتل فيها النضر وأبو جهل والسورة مكية وهو وقع بعد ذلك فيكون مجازاً من الأخبار بالغيب. قوله: (أو صلة لواقع (واللام للتعليل أو بمعنى على وقد قرأ به أبيّ في الشواذ، وقوله: وإن صح أن السؤال في قوله: سأل سائل المراد به السؤال عمن يحل به العذاب المتوعد به كما روي عن قتادة والحسن لأنّ أهل مكة قالوا: لما خوّفهم النبيّ بعذاب الله اسألوا محمدا عنه فسألوه فنزلت كما في تفسير البغوي فيكون قوله: للكافرين جوابا لذلك السؤال، والمعنى أنهم سألوا عن العذاب الواقع على من يقع، ولمن هو فأجيبوا بما ذكره فتقديره هو للكافرين فقوله: ليس له دافع جمله مؤكدة لقوله: هو للكافرين لا محل لها حينئذ، ولك أن تقول لها محل لأنها تأكيد معنوقي إلا أنهم لم يذكروه في الجمل. قوله: (والباء على هذا لتضمن سأل معنى اهتم) وقيل: إنّ الباء
بمعنى عن كما في قوله: فاسأل به خبيراً وعليه صاحب القاموس وذكره في المغني، ولم يرتض به المصنف ﵀ كبعض النحاة وجعلوا الباء فيه تجريدية أو سببية أو التجوّز والتصرّف في الفعل لأنه أقوى من الحرف فيجعل مجازا أو مضمنا معنى الاهتمام والاعتناء، وقوله: من جهتة فمن ابتدائية متعلقة بدافع لقربه لا بواقع وما بينهما اعتراضى لبعده لفظا ومعنى وقوله: يصعد فيها الكلم ليس المراد به السموات، ولا طرقها لأنه وجه آخر سيأتي بل المراد مقامات معنوية تكون فيها الأعمال والأذكار كما أنه فيما بعده مراتب في السلوك معنوية أو في منازل الآخرة، وقوله: مراتب الملائكة معطوف على قوله: الدرجات، وكذا السموات وضمير فيها للسموات. قوله: (استئناف الخ) وضمير إليه لله أو للمكان المنتهى إليه الدال عليه السياق، وقوله: على التمثيل والتخييل على الوجو. كلها لأنّ المراد أنه في غاية البعد والارتفاع المعنوي كما في بعض الوجوه كمراتب السالكين أو الحسي لكنه ليس المراد به التحديد كما أشار إليه بقوله والمعنى، وقيل: إنه إنما يظهر إذا فسرت المعارح بغير السموات فتأمّل. قوله: (وقيل معناه تعرج الخ) فالضمير راجع لله بتقدير مضاف فيه وهو عرس، وقوله: يقطعون فيه أي في ذلك اليوم ضمير فيها للمدة وهي خمسون ألف سنة، وقوله: لو فرض أي قطع الإنسان لها وسيره فيها إلا أنه يسير الملائكة فإنه ما سيذكره وهو خمسة آلاف سنة، وقوله: لا أن بلا النافية وأنّ المشدّدة ووقع في نسخة لأنّ وهو من غلط الناسخ فتدبر، وقوله: إلى محدب السماء فخمسمائة منها مسافة ما بين المقعر والمحدب وتقدم في السجدة إنه مسافة الذهاب والإياب في قول مع وجوه أخر مرّت مع ما فيها. قوله: (وقيل في يوم الخ) وقد كان متعلقا بيعرج فيما تقدم، وقوله: إذا جعل من السيلان فإنه يدل على وصول العذاب لهم في ذلك اليوم بخلاف ما إذا كان من السؤال فإنه لا يتعلق به لأنّ السؤال لم يقع فيه. قوله: (والمراد به يوم القيامة (يعني على هذا التفسير وقد صححه القرطبي وقال: إنه ورد في الحديث وهو أقرب الوجوه،
وقوله: واستطالته الخ يعني ليس المراد بالعدد المذكور حقيقته بل مجرّد الاستطالة على هذا الوجه وهكذا كل زمان شدة كما قيل:
تمتع بأيام السرور فإنها قصار وأيام الغموم طوال
قوله: (أو لكثرة ما فيه) بحيث لو وقع من غير أسرع الحاسبين وفي الدنيا طال إلى هذه المدة فهو مجاز عما
стр. 2980
يلزمه من كثرة ما وقع فيه أو كناية، وقوله: كذلك أي طويل حقيقة، وقوله: وافراده اًي بالذكر مع دخوله في الملائكة. قوله: (وهو متعلق بسأل) أي متفرّع عليه ومتعلق به تعلقاً معنويا، وقوله: عن استهزاء أي على أنّ السائل النضر أو أبو جهل، وقوله: أو تعنت أي إن كان السؤال عمن وقع به العذاب والسائل كفار مكة والتعنت تفعل من العنت وهو المكابرة عنادا، وقوله: يضجره أي النبيّ ﷺ إن كان هو السائل استعجالاً كما مرّ، وقوله: أو يسال بالألف على القراءة به مع سائل وسيل في الوجهين لأنّ معناه حينئذ قرب وقوع العذاب فيظهر تفريع الأمر بالصبر عليه، والحاصل أنه متعلق به على القراآت كلها وقد أورد على قوله: لأنّ المعنى قرب الخ أنّ المناسب لهذا أن يكون صيغة المضي لاقتراب الوقوع لا للتحقق كما مرّ ويدفع بأنه أشار يخما مضى إلى وجه وهنا إلى آخر أو هما متقاربان فتأمّل. قوله: (أويوم القيامة الخ) في الكشاف فيمن علق في يوم بواقع لأنّ المراد به يوم القيامة ويصح وصفه بالقرب والبعد وأمّا إذا علق بتعرح فليس المراد به يوم القيامة، ولا يوصف بالقرب والبعد معنى لأنّ استبعادهم إياه لاستحالتهم له وهم يستحيلون يوم العذاب لإنكارهم له لا يوم عروج الملائكة لأنه لم يقرع أسماعهم فمن قال: يجوز إرادته إذا تعلق بيعرج أيضا لأنّ واقع يدل عليه في أحد الوجهين لم يقف على مراده لأنّ مراده أنه لا يعود إلى يوم المذكور، وعلى ما ذكره يرجع إلى ما فهم من الكلام وهو شيء آخر. قوله ة (من الإمكان) فالمراد بالبعد البعد عن الإمكان وبالقرب القرب منه، ولا شك أنّ العذاب أو يوم القيامة ممكن ولا معنى لوصف الممكن بالقرب من الإمكان لدخوله في حيزه إلا أن يكون للمشاكلة والمراد، وصفه بالإمكان وهم يحيلونه لقولهم من يحي العظام وهي رميم. قوله: (أو من الوقوع) قدره في الثاني دون الأوّل لأنه لو تعلق به أفاد إمكانه عندهم وهم يحيلونه كما سمعت فيصير المعنى أنهم يرونه بعيداً من الإمكان، ونحن نراه قريباً من الوقوع فضلاً عن الإمكان وهو أحسن من تقدير الإمكان فيهما فمن قال: الأوّل في إيفاء حق البلاغة أظهر، وتعليق الثاني ببعيداً فيه إيهام اعتقادهم لإمكانه لم
يصب. قوله: (يمكن يوم تكون) بيان لحاصل المعنى وفيه إشارة إلى ما قلنا من أنّ المراد بالقرب من الإمكان الإمكان وعبر به إما مشاكلة أو إرخاء لعنان المساهلة، والمراد أنه ليس في ذلك اليوم ما يحيله فهو باق على إمكانه، والا فالإمكان متحقق في كل زمان فلا معنى لتقييده به، وقيل: المراد يظهر إمكانه فيه. قوله: (دل عليه واقع) وهو يقع وقوله: من في يوم إن علق به أي بواقع لأنه يكون المراد به يوم القيامة فيجوز إبداله منه بخلاف ما إذا علق بتعرج فإنه غير هذا اليوم وهو إبدال من المحلى لنصبه، وقول أبي حيان في ردّه إنّ مراعاة المحل إذا كان الجارّ زائداً أو شبيهاً بالزائد كرب فإن لم يكن كذلك لم يجز فلا يقال: مررت بزيد الظريف بالنصب غير وارد لأنّ اشتراط ما ذحص غير صحيح عندهم كيف لا وقد مرّ في قراءة وأرجلكم مراعاة المحل وليس كذلك، وأنما هو يتغنى ويضطرب وعلى التقادير الثلاثة المراد بالعذاب عذاب القيامة أما إذا أريد عذاب الدنيا فالمتعلق مقدر تقديره يكون كيت، وكيت فكان على المصنف أن يذكره مقدما لتاليه على الوجوه كتقدير اذكر ونحوه كما أشار إليه الزمخشري. قوله: (المذاب في مهل) أي ما تقع إذابته في زمان ممتذ لا ما يذاب بسرعة كالسمن والفلزات جمع فلز بكسر الفاء واللام، وتشديد الزاي المعجمة وفيه لغات هذه أفصحها وهو نوع من المعادن أشهر الأقوال فيه أنه ما يقبل السبك، والدق بالمطارق وقيل: ما ينفيه الكير والدرديّ بضم الدال وتشديد الياء ما يتجمد في قعره. قوله: (فإذا بست) أي فتتت وطيرت في الهواء ومشابهة العهن في التطير، واختلاف الألوان، وقوله: لا يسال قريب أي لاشتغاله بحاله عن غيره فمفعوله الثاني محذوف تقديره عن حاله مثلا وعلى قراءة ابن كثير في إحدى الروايتين عنه لا حذف ولا تقدير فيه ومعناهما متقارب. قوله: (يبصرونهم) أي يشاهدونهم وفي الجملة وجوه لاحتمال أن تكون مستأنفة لا محل لها كانه لما قيل، ولا يسأل الخ قيل: لعله لا يبصره فقيل: يبصرونهم أو هي صفة حميم أو جمع الضمير نظر المعنى العموم فيه قيل، وهو أولى من الحالية لتنكير صاحبها وأن كان العموم فيه مسوّغا له، وهو حينئذ إما حال من الفاعل أو المفعول أو من كليهما، وهو ذهول عما نظر إليه المصنف من أنّ الحالية أقعد معنى لأنّ
стр. 2981
التقييد بالوصف في مقام الإطلاق، والتعميم غير مناسب بخلاف الحالية كما ذكره فتدبر، وقوله: تدل على وجه الدلالة ظاهر وهو جار على الوجهين، وقوله: ما يغني عنه معطوف على التشاغل
والضمير للسؤال. قوله: (حال من أحد الضميرين) أي من ضمير الفاعل على فرض أن يكون هو السائل فإنّ فرض السائل المفعول فهو حال من ضميره لأنّ هذه الودادة إنما تمنع عن كونه سائلا لا مسؤولاً عنه، والتقدير يوذ المجرم منهم، وقيل الظاهر أنه حال من ضمير الفاعل لأنه المتمني. قوله: (فضلاَ أن يهتم الخ) انتصاب فضلا على المصدرية، وفي استعماله كلام طويل في شرحي الكشاف والمفتاح وقد أفرده ابن هشام برسالة فلا يسع المقام بيانه، إنما الكلام في أنه اشترط فيه أن يقع بعد نفي صريح أو ضمنيّ على كلام فيه، وعلى تسليمه فالتقدير هنا يتمنى أن لا يبقى أحد منهم إلا وقد قربه لعذابه فضلاً عن اهتمامه به واعتنائه لأنّ له في خويصة نفسه ما يعنيه، وهذا أحسن من جعل قوله: يتمنى الخ بمعنى ما يبالي بهم. قوله: (بفتح ميم يومئذ) لأنه مبنيّ على الفتح لإضافته لغير المتمكن المبنيّ كما مز، وقوله: عشيرته الذين فصل عنهم أي آبائه أو أقربائه الأدنين الذين ولدوه، وقوله: في النسب الخ تفسير للإيواء وهو الجمع والضم بضم نسبه لنسبهم أو ضمه نفسه لهم عند احتياجه والثقلين الإنس والجن والخلائق جميع المخلوقات الشامل لهم ولغيرهم، وقوله: ينجيه الافتداء فالضمير راجع للمصدر الذي في ضمن الفعل، ويجوز عوده إلى المذكور أو إلى من في الأرض وهو ظاهر. قوله: (على أنّ الافتداء لا ينجيه) يعني لو كان ابتداء أو هو من قبيل قوله:
على لا حب لا يهتدي بمناره
أي لا نجاة ولا افتداء. قوله: (الضمير للنار (المفهومة من العذاب وكونه مبهما يعود
على متأخر مرّ تفصيله في البقرة، وقوله: وهو خبر أي على الوجهين، وقوله: أو بدل لأنه علم شخص لجهنم ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث أو العدل عن المعرف باللام ولذا لم ينون كما قاله الراغب: لا علم جنس للنار كما قيل ولا يرد عليه إبدال النكرة غير منعوتة من المعرفة لأنّ أبا علي وغيره من النحاة أجازوه إذا تضمن فائدة كما فصله النحاة وعليه كلام المصنف ﵀ في الوجه الأوّل الذي اختاره فلا وجه لتخريج كلامه على العلمية كما قيل مع أنه قيل: إنّ نزاعة حينئذ صفة لظى لأنه بمعنى النار، وقوله: للقصة معطوف على قوله للنار
وقوله: ولظى مبتدأ يعني على الوجه الأخير، وقوله: وهو أي لظى اللهب الخالص من الدخان لشدة احتراقه وهذا بناء على أنه غير علم لكنه يأباه اتفاق القراء على عدم تنوينه فإنه مقتض لمنع الصرف ظاهرا، وقوله: وقيل علم للنار فهو علم جنس منقول لا علم بالغلبة لتخلف شرطه والأحسن كما مرّ أنه علم شخص وكلامه محتمل له لأنّ النار قد يراد بها جهنم أيضاً. قوله: (على الاختصاص) يعني به تقدير أعني أو أخص لا مصطلح النحاة، والمصنف ﵀ كالزمخشري يستعمله بهذا المعنى كثيراً، وقوله: المؤكدة لأنه لا ينفك عنها التلظي، وقوله: أو المنتقلة لانفكاكه بالزمهرير ومخالطة الدخان وقوله: على أن لظى بمعنى متلظية فالحال من الضمير المستتر فيها لا من لظى لأنها نكرة أو خبر وفي مجيء الحال من مثله ما فيه، وليس المراد بالمؤكدة مصطلح النحاة والعامل أحقه مقدراً أو الخبر لتأويله بمسمى أو المبتدأ لتضمته معنى التنبيه أو معنى الجملة فإنه لا يوافق شيئاً منها كلامه، وقوله ة على أن لظى بمعنى متلطية أو ملتظية الظاهر أنه غير علم وليس مخصوصا بكونها منتقلة كما توهم فإنه لا وجه لجعله علماً منقولاً ثم نأويله بما نقل عنه ففي كلامه لف، ونشر وهو مشوّس. قوله: (والشوي الآطراف) يعني أطراف الأعضاء كاليد والرجل، وقيل: الأعضاء التي ليست بمقتل ولذا يقال: رمى فاشوي إذا لم يقتل، وقوله: تدعو خبر مبتدأ مقدر أو حال من لظى أو نزاعة أيضاً، وفسره بقوله: تجذب من الجذب وهو سحبه إلى جانبه وتحضر مضارع أحضره إذا أتى به إليه واستشهد لورود تدعو لهذا المعنى بهذا البيت المذكور كما ستراه. قوله: (تدعو أنفه الريب الخ) هو من قصيدة طويلة لذي الرمة مطلعها:
مابال عينك منها الماءينسكب كأنه من كلامقريه ينسرب
وهو من قصيدة ذكر فيها بقر الوحش وثورها فقال في وصف الثور:
أمسى بوهبين مجتازا لمرتعه من ذي الفوارس تدعو أنفه الربب
стр. 2982
ووهبين وذو الفوارس علمان لموضعين، ومجتازا لمرتعه أي مارا بمحل يرتع فيه والربب
بالراء المهملة والباءين الموحدتين بزنة عنب جمع ربة بالكسر والتشديد، وهو النبت الذي يرعى بالصيف وليس نبتا معيناً كما في شرحه وبه فسره في المجمل أيضا، وتدعو فيه بمعنى تجذب وتحضر في الأصل وتجوّز به عن كونه نبتاً حسناً لا تفارقه البقر إذا رأته فجعل ذلك كأنه يدعوها على أنه استعارة تمثيلية أو تبعية، ولذا قال: مجاز من جذبها الخ. وقوله: لمن فرّ الخ، متعلق باحضارها وذكره إشارة إلى أنّ ما في الآية أيضا استعارة بتشبيه استحقاقهم للدخول
فيها بالدعوة لهم ولذا استشهد له ييت ذي الرمّة. قوله: (تدعو رّبانيتها) أي تجذبهم وتحضرهم لها فهو على حقيقته، والتجوّز في الإسناد أو يقدر فيه مضاف ودعاه بمعنى أهلكه الظاهر أنه حقيقة أيضاً، وهو خلاف المشهور في استعماله وإن ورد في كلامهم كقوله: دعاك الله من رجل يافعي وقوله: حرصاً وتأميلاً أي طول أمل وكل منهما علة لكل منهما، وكونه على اللف والنشر بعيد معنى. قوله: (شديد الحرص الخ) لأنّ سرعة الجزع إذا مسه المكروه، وسرعة المنع إذا ناله الخير فهي صفة مفسرة له، وقال ثعلب: إنّ الله فسر. بتفسير لا يكون تفسير أوضح منه فكان إذا سئل عنه قرأ هذه الآية وقال هو كقوله في الألمعي:
الألمعي الذي يظن بك الظن كان قد رأى وقد سمعا
وهو كلام حسن يناسب كون جزوعاً ومنوعا صفتين كاشفتين لهلوعاً كما قيل، ولا ينافيه
ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى من الحالية فإنها قد تكون مفسرة وإن كان الأول أولى، وقوله: الضرّ بفتح الضاد المراد به ضيق المعيشة بدليل ما يقابله. قوله: (أحوال مقدّرة الخ) لأنه في حال الخلق لم يكن كذلك وأنما حصل له ذلك بعد تمام عقله ودخوله تحت التكليف إن أريد اتصافه بذلك بالفعل فإن أريد مبدأ هذه الأمور من الأمور الجبلية والطبائع الكلية المندرجة فيها تلك الصفات بالقوة كانت الحال غير مقدرة بل محققة، وهذا الوجه الثاني هنا هو بحسب المآل ما ذكره في الكشاف بعينه إلا أنه قال: إنّ الإنسان لإيثاره الجزع والمنع ورسوخهما فيه كأنه مجبول عليهما مطبرع، وكأنه أمر خلقي ضروري غير اختياري كقوله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [سورة الأنبياء، الآية: ٣٧] فجعله استعارة لا أنه خلقي فيه حقيقة بناء على مذهبه كما بيته وزيفه في الانتصاف والمصنف رحمه الله تعالى جعله حقيقة بناء على قاعدة أهل الحق قصداً للرد عليه ضمنا فيما زعمه من أنّ الخلق على هذه الصفة قبيح لا يصح إسناده إلى الله تعالى كما سيأتي، ثم إنه بعد كونه مطبوعا عليها هل تزول أم لا اختلف فيه في علم الأخلاق فقيل: إنها تزول بالمعالجة، ولولاه لم يكن للمنع منها والنهي عنها فائدة فإنها ليست من لوازم الماهية فالله كما خلقها يزيلها وقيل: إنها لا تزول وأنما تستر ويمتنع المرء عن آثارها الظاهرة كما قيل:
والطبع في الإنسان لا يتغير
قوله: (أحوال مقدّرة أو محققة الخ) شروع في الرد لما في الكشاف من الانتصار لمذهبه
لما رأى الآية مخالفة له حيث قال إنه استعارة لشدّة تمكن الهلع ورسوخه حتى كأنه أمر طبيعي
وأيده بأنه في البطن والمهد لم يكن به هلع وانه ذم والله لا يذم فعله، والدليل عليه استثناء المؤمنين المجاهدين لأنفسهم بترك الشهوات حتى لم يكونوا مانعين ولا جازعين يعني أنه ليس بخلق الله لأنه قبيح لا يصدر عنه مثله، والدليل عليه أنه لو كان خلقياً ظهر في المهد والبطن وكان الله ذم ما هو فعل له ولم يذمهم والواقع بشهادة العقل خلافه فلذا صح استثناء المصلين الموصوفين بما ذكر منهم بخلاف ما إذا أريد ما جبلوا عليه لاستوائهم معهم، وعدم مخالفتهم لهم في الأمور الجبلية وما يكون لنوع الإنسان في الطفولية فذكر ثلاثة أدلة لنصرة مذهبه، وتأويله الآية بما ذكره فيها فرد المصنف رحمه الله تعالى الأول بأنها طبائع حقيقة لا مستعارة كما تكلفه وعدم ظهورها في البطن والمهد غني عن الرد لأنّ ما في البطن لا يعلمه إلا الله واسم الإنسان إنما وقع عليه بعد الوضع فذكر ما قبله لا وجه له، وفي المهد هو متصف به بلا شبهة حتى لو نزع الثدي منه أو أبطأ لحظة كان في غاية الجزع والهلع وامّا أنه لا يذم فعله فمسلم لأنه ذم لما قام بالعبد منه باعتبار قيامه به وكسبه لا باعتبار إيجاده كما حقق في الكلام، والجواب عن الاستثناء سيأتي قريبا والحكمة
стр. 2983
وفي خلقه مجبولاً عليها أنه ينازع نفسه فيها، ويمانعها فيظهر قوّة عقله ويتم له ما يستحق به الثواب والعقاب وزوالها وعدم زوالها قد ذكرناه،
قوله: (استثناء الخ) ردّ لما في الكشاف من أنّ الاستثناء لا يصح، لو كانوا مجبولين عليه لاقتضلأفه تحققه في المهد بل قبله وهم كغيرهم في حال الطفولية، ولذا خصه بالمطبوعين لأنه المذكور في الكشاف، ولأنه المشكل لا لترجيح الوجه الثاني كما توهم لأنه يخالفه ما ذكره قريباً ولم يبين أنه متصل أو منفصل، وقد جوز فيه الانقطاع لأنه لما وصف من أدبر وتولى معللاً بهلعه، وجزعه قال: لكن المصلين في مقابلتهم أولئك في جنات الخ ثم كر على السابقين بقوله: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [سورة المعارج، الآية: ٣٦] تخصيصا بعد تعميم عودا على المستهزئين الذين استفتح السورة بسؤالهم أو هو متصل على معنى إنهم لم يستمر خلقهم على لهلع فإنّ الأوّل لما كان تعليلا كان معناه خلقاً مستمرا على الهلع والجزع إلا المصلين فإنهم لم يستمر خلقهم على ذلك، وعلى الثاني حمل كلام المصنف رحمه الله تعالى، وهو وإن لم يصرّج به فإنه عند التأمّل كالصريح فيه فتدبر. قوله: (بالصفات المذكوررة (في قوله: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾ الخ، وقوله على الأحوال المذكورة قيل في جعله هلوعا جزوعا منوعاً، وقوله: لمضادّه تلك الصفات متعلق باستثناء وضمير لها للأحوال، وقوله: من حيث إنها أي الصفات المذكورة وقوله: الحق المراد به الله والاستغراق في طاعته معنى قوله: ﴿عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ والإشفاق الخ معطوف على الاستغراق، وهو من قوله: في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم والإيمان بالجزاء من قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [سورة المعارج،
الآية: ٢٦] فإنّ الدين بمعنى الجزاء، والخوف من العقوبة من قوله تعالى: ﴿مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ﴾ الخ وكسر الشهوة من قوله تعالى: ﴿لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ . قوله: (وإ-شار الآجل (أي تقديم أمور الآخرة على العاجل من الدنيا هذا معلوم من جميع ما ذكر ومن بذل أموالهم واستغراقهم في الطاعة، وقوله: وتلك أي الأحوال من الهلع ورفيقيه، ولما كان المراد بقوله: العاجل الدنيا أنث الضمير الراجع إليه فقال عليها لأنها المراد منه، ولو قال عليه استغنى عن التأويل. قوله: (كالزكوات والصدقات الموظفة (ترك قول الزمخشري لأنها مقدرة معلومة واقتصر على قوله: موظفة، ومعناه تعيين زمانها فقط لأن السورة مكية والزكاة إنما فرضت وعين مقدارها بالمدينة، وكانت قبل ذلك مفروضة من غير تعيين لكن في كون زمانها موظفا معلوما أيضا نظر فليحرر. قوله: (والذي لا يسأل فيحسب الخ) يعني معنى المحروم هنا بطريق الكناية المتعفف عن السؤال لأنه من شأنه أن يحرم إذ لو أريد من يحرموه بأنفسهم كان أوّل الكلام مناقضاً لآخره. قوله: (تصديقاً بأعمالهم (هو مصدر لقوله: ﴿يُصَدِّقُونَ﴾ ولم يرد بذكره أنه مقدر بل أراد تفسير التصديق، وبيان أن المراد به أكمله وهو ما فاض من الباطن على الظاهر لأنّ التصديق القلبي عام لجميع المسلمين لا امتياز فيه لأحد منهم، وأمّا كونه مصدراً مؤكداً لا يعمل أو هو عامل وذكر لئلا يتعلق حرفا جر بمتعلق واحد كما قيل فليس مراداً له، وإنما هو إلزام له بما لم يلتزمه، وقوله: وهو أي التصديق بالأعمال وجعله عين الأتعاب مبالغة، والمراد بالأتعاب الجد في الأعمال الدينية. قوله: (ولذلك ذكر الدين) الإشارة إفا للتصديق بالأعمال فذكر الدين لأنه في الأصل الطاعة والانقياد فيناسب العمل أو للطمع في المثوبة لأنّ الدين بمعنى الجزاء. قوله: (اعتراض يدل على أنه الخ (بيان لوجه الاعتراض بين المتعاطفين هنا وقوله: لأحد العموم من عدم ذكر الآمن وقوله، وإن بالغ في طاعته من جعل هؤلاء خائفين مع ما وصفوا به من الطاعة، وقوله: حافظون لأن أصل معنى الرعي حفظ الحيوان بما به بقاؤه، ثم شاع لمطلق الحفظ. قوله: (يعني لا يخفون ولا ينكرون) وقع هنا في النسخ اختلاف،
وأظهرها وأصحها ما ذكر فإن القيام بالشهادة وحقوقها عدم الإخفاء والإنكار لها أو لشيء منها، وفي نسخة سقطت لا وذكر يحقودط بالحاء المهملة والقاف وفي نسخة يحنون بنون بدل الفاء وفسر بلا يضيعون، وقيل: إنها أولى لشمولها للعهد والظاهر أنها كلها تحريف والصواب هو الأوّل، وقوله: أو لا يخفون ما علموه تفسير للقيام بالشهادة وتعميم لها بما يشمل حقوق الله وحقوق العباد، وقوله: لاختلاف الأنواع إذ لم يقصد هذا أفرد لأنه مصدر شامل للقليل والكثير. قوله: (فيراعون شرائطها الخ الأن الحفظ عن الضياع استعير للإتمام والتكميل
стр. 2984
للأركان والهيآت وهذا توطئة لدفع توهم التكرار، وقوله: أولاً وآخراً أي في أول هذه الصفات وآخرها وقوله: باعتبارين هما ما صرّج به من اعتبار المداومة وانحبار التكميل، وانافتها بمعنى شرفها وعلوّ قدرها لأنها معراج المؤمنين ومناجاة الرحمن ومبالغات هذه الصلاة قد مر في المؤمنين بعضها، وهي من جهة ما يفيده الموصول من أنّ صلته أمر محقق معلوم، وتقديم هم المقوي للحكم وتقديم على صلاتهم الدال على أنّ محافظتهم لأمور الآخرة لا يتجاوزها لأمور الدنيا، وصيغة المفاعلة مع ما يعرف من تعظيم الموصوف لمن له ذوق سليم. قوله: (أولئك في جنات الخ) إيثاره على هؤلاء إمّا لبعد المشار إليهم في الفضل أو في الذكر باعتبار مبدأ الأوصاف المذكورة، وقوله: (مسرعين) يعني للحضور عنده ليظفروا من استماعه بما يجعلونه هزأ وعزين حال من الذين كفروا أو من الضمير في مهطعين على التداخل، وعن اليمين إمّا متعلق بعزين لأنه بمعنى متفرقين أو بمهطعين أي مسرعين عن ارجهتين أو هو حال أي كائنين عن اليمين. قوله: (جمع عزة) وهي الفرقة من الناس، وقوله: ل أصلها عزوة فلامها واو من عزوته بمعنى نسبته وأصل العز والضم لأنّ المنسوب مضموم لطمنسوب إليه وقيل: لامه ياء وقيل هاء وقوله: يحلقون حول رسول الله ىشببرو أي يجتمعون، وقوله: حلقاً حلقاً قيل: إنه بفتح الحاء وكسرها، وقيل: فتحها في الدرع وكسرها في الناس، وفي القاموس حلقة الباب والقوم وقد فتح لامها وتكسراً، وليس في الكلام حلقة محرّكة إلا جمع حالق أو لغية ضعيفة جمع حلق محرّكة وكيد انتهى. قوله: (تعليل له) أي للرح المذكور، وقوله: والمعنى الخ كان
الظاهر أن يقول إنهم بالغيبة فكأنه عدل عنه إلى الخطاب إشارة إلى أنه أمر مشاهد محسوس لأنه المراد بقوله: مما يعلمون وقوله: لا تناسب عالم القدس ليس فيه مخالفة لمذهب أهل الحق وأهل السنة كما قيل، وقوله: لم يستعد دخولها ضمته معنى يستحق فعداه بنفسه، ولولاه كان الظاهر أن يقول لدخولها فإنه يتعدى باللام فالمراد على هذا بما يعلمون النطفة ومن ابتدائية، وضمير دخولها للجنة. قوله: (أو إنكم مخلوقون من أجل ما تعلمون) فمن تعليلية وما الموصولة عبارة عن العلم والعمل مما يكملهم فهو كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات، الآية: ٥٦] . قوله: (أو الاستدلال بالنشأة الأولى لخ) كان الظاهر تنكيره وأن يقول أو استدلال لأنه معطوف على قوله: تعليل، وقد وقع في بعض النسخ كذلك وقوله: بعد ردعهم متعلق بقوله: استدلال وضمير عنه للطمع وأخره المصنف رحمه الله تعالى إشارة إلى ما فيه من الخفاء كما لا يخفى، وأراد به أنّ فيه ردعا عن الطمع معللا بإنكارهم البعث لأنّ ذكر الدليل إنما يكون مع المكر فأقيم علة العلة مقام العلة مبالغة لما حكى عنهم طمع دخول الجنة، وهو مناف لحالهم في عدم إثباتها فكأنه قيل: إنّ من ينكر البعث أنى يتجه طمعه في دخول الجنة فاحتج عليهم بخلقهم أوّلاً وبقدرته على خلق مثلهم ثانياً وفيه تهكم وتنبيه على مكان مناقضتهم فإنّ الاستهزاء بالساعة، والطمع في دخول الجنة مما يتنافيان، وهذا هو الوجه كذا قرّره في الكشف فتأمّله. قوله: (أو نعطي الخ) معطوف على قوله: نأتي وقوله: بمغلوبين الخ لأنّ السبق يكون بمعنى الغلبة وهو حقيقة أو مجاز مشهور، وقوله: مر في آخر سورة الطور يعني قوله: فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون، وقد قال: المصنف رحمه الله تعالى فيه هو عند النفخة الأولى فهو المراد هنا أيضا لا النفخة الثانية كما توهم، وهو لا يناسب ما بعده أيضاً وقوله: مسرعين إشارة إلى أنه حال وهو جمع كظريف وظراف. قوله: (منصوب للعبادة) يعني النصب الصنم المنصوب للعبادة، أو العلم وهو المنصوب على الطريق ليهتدي به السالك، وقيل: ما ينصب علامة لنزول الملك وسيره فهم يسرعون إسراع عبدة الأصنام نحو صنمهم أو إسراع من ضل عن الطريق إلى أعلامها، وقيل: ما ينصب علامة ليرد الجند للملك وقوله: يسرعون لأنّ أوفض بمعنى أسرع، وقيل: بمعنى انطلق وقيل: استبق.
قوله: (بضم النون والصاد الخ (فيه قراآت والجمهور على الفتح والإسكان وابن عامر وحفص على ضمتين، وقراءة مجاهد بفتحتين وقتادة بضم فسكون فالأولى على أنه اسم مفرد بمعنى العلم المنصوب ليسرع نحوه، وقيل هو الشبكة لأنّ الصائد يسرع لها إذا وقع فيها الصيد لثلا ينفلت، والثانية يحتمل أنه مفرد بمعنى الصنم المنصوب للعبادة قال الأعشى:
стр. 2985
وذا النصب المنصوب لاتعبدنه لعاقبة والله ربك فاعبدا
أو هو جمع نصاب ككتاب وكتب أو جمع نصب كرهن وسقف جمع على رهن وسقف، والثالثة فعل بمعنى مفعول والرابعة تخفيف من الثانية أو جمع كحمر. قوله: (أو جمع) وفي نسخة أو جمع نصب أي بفتح الصاد كولد في جمع ولد لا بسكونها فإنه لم يسمع فعل بالضم جمعاً لفعل بالفتح، وتشبيهه للتخفيف في التفسير الكبيريسقف بالسكون في جمع سقف لا أصل له كما قيل، وكلاهما من قلة التتبع فإنه سمع في جمع ورد ورد بالضم وسقف بالسكون في متن التسهيل قال الشارح الدمامينيّ: قالوا في جمع سقف سقف بإسكان القاف أيضاً وبعضهم قال سقف جمع سقيف فهو على القياس انتهى، وقوله: عن النبيّءسبرو الخ حديث موضوع تمت السورة والحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
سورة نوح ﵇
مكية بالاتفاق وفي عدد آياتها خلاف فقيل ثمان وعشرون وقيل: تسع وعشرون وقيل: ثلاثون كما في كتاب العدد للداني واقتصر المصنف رحمه الله تعالى على الأولين.
بسم الله الرحمن الرحبم
قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ هو اسم أعجمي وصرف لعدم زيادته على الثلاثة مع سكون وسطه قال الكرماني: معناه بالسريانية الساكن، وهو أطول الأنبياء عمراً بل الناس وأوّل من شرعت له الشرائع، وسنت السنن وأوّل رسول أنذر على الشرك وأهلكت أمّته والإنذار إخبار بما فيه تخويف ضد البشارة. قوله: (بأن أنذر) أي بالإنذار يعني أنّ أن مصدرية، وقبلها حرف جر مقدر وهو الباء ويجوز تقدير اللام، وفي محله بعد الحذف من الجر أو النصب قولان مشهوران ورد أبو حيان كونها مصدرية فيما نحن فيه زاعما أنّ كل ما سمع من أن التي بعدها فعل أمر، ونحوه من الإنشائيات فإنه فيه تفسيرية للزوم فوات معنى الطلب على المصدرية، ولعدم صحة أعجبني أن قم مع صحة أعجبني إن قمت وكرهت أن تقوم وليس بشيء لأنّ فوات معنى الطلب كفوات معنى المضي والاستقبال، وأما عدم صحة أعجبني أن قم ونحوه فلأنه لا معنى لتعليق الإعجاب والكراهة بما فيه معنى الطلب، وقد منع فوات معنى الطلب لا بإضمار القول كما قيل: فانه لا وصل حينئذ بالإنشاء ولا بالإخبار حقيقة بل بتأويله بما يدلّ على الطلب فيؤول كتبت إليه بأن قم بالأمر بالقيام ولا نقض بنحو أمرته أن قم إذ جوازه فيما لا يمنعه خصوصية الكلام كاف، ولا حاجة إلى حمله على المبالغة بتقدير أمرته بأن يأمر نفسه بالقيام أو يجعله من التجريد اللهمّ إلا إذا تعين مصدرية أن مع دخولها تحت فعل الأمر كما في قوله تعالى: ﴿َأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة يونس، الآية: ١٠٤] وأن أقم وجهك فيوجه بالأوّل، والمعنى أرسلناه إلى قومه بإنذاره إياهم أو بالأمر بإنذاره إياهم ووضع قومك موضع ضميرهم لرعاية جانب المحكي والإشعار بكيفية الإرسال وضمير الخطاب يتحول ضمير غيبة عند تأوّل صيغة الأمر مع أن بالمصدر وإن أريد بقاء تلك الصيغة وضمير الخطاب على أصلهما قدر القول كما في قراءة أنذر بدون أن أي أرسلناه بأن قلنا له أنذر قومك (وهاهنا بحث) فيما ذكروه من فوات معنى الطلب فيه فإنه كيف يفوت، وهو مذكور صريحا في أنذر ونحوه وتأويله بالمصدر المسبوك تأويل لا ينافيه لأنه مفهوم منه أخذوه من موارد استعمالهم فكيف يبطل صريح منطوقه، وهذا مما لا وجه له وإن اتفقوا عليه فأعرفه. قوله: (أو بأن قلنا له أنذر) قد
عرفت إنّ هذا على المصدرية، وأنّ تقدير القول لئلا يفوت معنى الطلب كما قيل، والظاهر ما في بعض شروح الكشاف من أنه لأنّ الباء للملابسة وإرسال نوح لم يكن ملتبساً بإنذاره لتأخره عنه إنما التبس بقول الله له أنذر وقول الله له أنذر طلب للإنذار فلذا قال: بعده أي أرسلناه بالأمر بالإنذار، ولو كان كما قالوه اكتفى بالأوّل وله وجه آخر سمعته، وفيه كلام سلف لنا فتذكره، وقوله: لتضمن الإرسال الخ بيان لوجود شرطها، وقوله: بغير أن وفي نسخة بغيرها وهما بمعنى وقوله: على إرادة القول فيقدر قائلين أو وقلنا لا قائلا لعدم مطابقته لنون العظمة.
стр. 2986
قوله تعالى: ﴿لَكُم﴾ اللام فيه للتقوية أو للتعليل أي لأجل نفعكم من غير أن أسألكم ص ليه أجراً، وقوله وفي أن يحتمل الوجهان، وفي نسخة الوجهين يعني المصدرية والتفسيرية كما بيناه، وقوله: وهو ما سبق الضمير للبعض لأنه تفسير له بجعل من تبعيضية لا زائدة ولا مبينة لمقدر كما قيل، وتفسير البعض بأنه ما سبق لأنّ الإسلام يجب ما قبله أي يقطعه بمغفرته كما ورد في الحديث أو المراد به حقوق الله دون المظالم كما ذكره المصنف في غير هذه الآية، وهو المراد بما يجبه الإسلام وإن فهم منه الإطلاق في بعض المواضع فكان فيه اختلاف فتدبر. قوله: (هو أقصى ما قدّر لكم الخ) يعني أنه أجل معلق بالإيمان بأن يكتب في اللوح المحفوظ إنهم إن آمنوا يمتد عمرهم إلى مدة كذا، والا استؤصلوا وأهلكوا قبله وقد علم الله من يؤمن فيمتد عمره ومن لم يؤمن فيهلكه، وما علمه لا يتغير وهو قوله: إنّ الأجل الذي قدره الخ. قوله: (وقيل إذا جاء الأجل الأطول الخ) هذا ما ارتضاه الزمخشري، ولم يقبله المصنف وهاهنا أمران الأوّل أنه تال: أوّلاً يؤخركم فدل على أنّ الأجل قد يؤخر، ثم قال بعده: إنّ أجل الله إذا جاء لا يؤخر فدل على خلافه، وبينهما تناقض بحسب الظاهر ودفع بأنّ الأجل أجلان قريب غير مبرم وبعيد مبرم وهو الأجل المسمى والمحكوم عليه بالتأخير على تقدير العبادة هو الأوّل والمحكوم عليه بامتناع التأخير هو الثاني لأنّ أجل الله حكمه المعهود، والمعهود هو الأجل المسمى فلا تناقض الثاني أنّ قوله: إنّ أجل الله الخ جملة مستأنفة للتعليل، والكلام في المعلل به فعند المصنف هو تعليق تأخيرهم إلى الأجل المسمى على العبادة أي أنّ الأجل الذي قدره
الله تعالى لا يؤخر فإذا لم يعبدوه لم يتجاوزوا الأجل إلا قصر إلى الأقصى وعند الزمخشريّ هو تعليل لما فهم من تغيبة التأخير بالأجل المسمى، وهو عدم تجاوز التاخير عنه ورجح الأوّل بأنه أنسب بمقام الوعيد وتوضيحه إنّ الذي يؤخر عنه والذي لا يؤخر الأجل الأقصر لكن التأخير عنه على تقدير انتفاء شرطه، وعدم التأخير على عدم تحققه فلا حاجة إلى حمل أنّ أجل الله على الأطول على أن يكون إظهارا في موضع الإضمار كما ذهب إليه الزمخشريّ بناء على أنّ هذه الجملة تعليل لما يفهم من تغيية التأخير الموعود بالأجل المسمى، وهو أنهم لا يجاوزونه بل لا بدّ من الموت فيه بعد النجاة من الموت بعارض يستأصلهم كما قيل:
ولم أسلم لكي أبقى ولكن سلمت من الحمام إلى الحمام
وهو عن المساق بمراحل، وعليه فقوله: (إذا جاء) الخ بيان للواقع، ويكون ما بين الأقصر والأطول من أوقات الإمهال والتأخير، وفساده غير محتاج للبيان والتقرير فتدبر. قوله: (فبادروا في أوقات الامهال والتأخير) هو على الوجهين لا على الأخير كما قيل لاحتياجه على الأوّل إلى انضمام أمر آخر وفيه بحث. قوله: (لو ك! م من أهل العلم والنظر) قال بعض فضلاء العصر: جمع بين صيغتي الماضي والمضارع للدلالة على استمرار النفي المفهوم من لو ونفى العلم عنهم بجعلهم كالأنعام وحذف جواب لو لاحتمال تعلقه بآخر الكلام وأوّله أي لو كنتم تعلمون شيئاً إن حذف مفعوله لقصد التعميم، أو إن كنتم من أهل العلم إن نزل الفعل منزلة اللازم كما اختاره المصنف لعدم احتياجه للتقدير، وقوله: والنظر إشارة إلى أنّ المنفي هو العلم النظري لا الضروري ولا ما يعمه فإنه مما لا ينبغي. قوله: (لعلمتم ذلك) هو جواب لو المقدرة والإشارة إلى عدم تأخير الأجل إذا جاء وقته المقدر وهذا على تعلقه بآخر الكلام كما هو المتبادر، فإن تعلق بأوّله فالتقدير لسارعتم لما أمركم به لكنكم لستم من العلم في شيء فلذا لم تكونوا كذلك، وقوله: وفيه إنهم الخ يعني أنّ الجوأب تقديره لو علموه لعلموا ذلك فعملوا للنجاة منه، وهو مع ظهور. خفي على من اعترضى عليه بأنّ المشار إليه بذلك في قوله: لعلمتم ذلك ما مرّ من أنه عدم تأخير أجل الله عن وقته المقدر ولا يلزم من الشك فيه الشك في الموت نفسه، وقيل المراد الموت في وقت مجيء الأجل الأطول لا في الموت مطلقاً إذ السياق لا يساعده فتدبر. قوله تعالى: ( ﴿قَالَ رَبِّ﴾ ) استئناف للجواب عما علم مما قبله، وقوله: دائماً لأنّ مثله كناية عن الدوام، ولم يقل: أنذرت كما هو مقتضى ما قبله لأنّ الفرار من الدعوة لا عذر لهم فيه بخلاف الفرار من الإنذار. قوله: (وإسناد الزيادة إلى الدعاء) فإسناده مجاز إلى السبب وليس له فاعل حقيقي هنا أو هو
стр. 2987
الله على ما عرف في نحو سرتني رؤيتك وفي الآية مبالغات بليغة، وكان أصله فلم يجيبوني، ونحوه فعبر بالزيادة المسندة للدعاء وأوقعت الزيادة
عليهم مع الإتيان بالنفي والإثبات وفراراً تمييز، وقيل إنه مفعول ثان بناء على تعدي الزيادة والنقص إلى مفعولين، وقد قيل: إنه لم يثبت وإن ذكره بعضهم. قوله تعالى: ( ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ﴾ الخ أليس من عطف المفصل على المجمل كما توهم حتى يقال الواو من الحكاية لا من المحكي، وقوله: إلى الإيمان إشارة إلى حذف متعلقه ويصح جعله منزلاً منزلة اللازم أيضا، وقوله: (سدّوا مسامعهم (الخ فهو كناية عما ذكر ولما فيه من المبالغة البليغة اختاره وإن أمكن إبقاؤه على أصله وحقيقته كما يعرب عنه نسبة الجعل إلى الأصابع وهو منسوب إلى بعضها، وايثار الجعل على الإدخال على ما مرّ في سورة البقرة تفصيله. قوله: (تغطوا الخ) بيان للمعنى المراد منه، وقوله: كراهة النظر الخ ولفرط كراهتهم عموا بالستر آلة الأبصار، وغيرها من البدن مبالغة في إظهار ذلك، ولذا أتى بالاستفعال وسين الطلب فكأنهم طلبوا الستر من ثيابهم للمبالغة فيه أو لأنّ من يطلب شيئا يبالغ فيه فأريد لازمه فالمبالغة بحسب الكيف، ولكم فلا يقال الكراهة إنما تقتضي ستر عيونهم دون غيرها، وقوله: أو لئلا أعرفهم فأدعوهم أخره لضعفه فإنه قيل عليه إنه يأباه ترتبه على قوله: كلما دعوتهم اللهم إلا أن يجعل مجازاً عن إرادة الدعوة، وهو ئعكيس للأمر وتخريب للنظم. قوله: (وأكبوا على الكفر والمعاصي) يعني انهمكوا وجدوا فيها، وكونه مستعارا مما ذكر في أصل اللغة، وقد صار حقيقة عرفية في الملازمة للانهماك في الأمر، وقوله: الحمار أراد الحمار الوحشي الذكر والعانة بالعين المهملة والنون جماعة الحمر والأتن الوحشية أيضا والصرفي الأصل الربط وصر الأذنين رفعهما ونصبهما مستويتين كما تفعله الحيوانات إذا أسرعت، وجدت في عض بعضها في مخاصمته أو سوقه للأتان ونزوه عليها للجماع، وفيه إيماء إلى أنّ المنهمك في مثله قبيح رذل ملحق بأحمق الحيوانات لتشبيهه بالحمار في أقبح حالاته وأسوئها. قوله: (عظيما (هو من المصدر المؤكد المنكر فإنّ تنكيره للتعظيم وهو أولى من كونه للتنويع والاستكبار طلب الكبر من غير استحقاق له، وقوله: مرّة بعد أخرى يفهم من ذكره مكرّراً، وقوله: كرة بعد أولى أي رجوعا لكرة بعد البدء بمرة أولى. قوله: (على أفي وجه أمكنني) إشارة إلى وجه التكرير وإنه لتعميم وجوه الدعوة بعد تعميم وجوه الأوقات كما أشار إليه بفوله وثم الخ فإنّ العطف للدلالة على تفاوتها رتبة، وقوله: أغلظ من الأسرار يقتضي أنّ الأوّل سر فقط، وليس في النظم ما يقتضيه فكأنه
أخذه من المقابلة، ومن تقديم قوله: ليلا وذكرهم بعنوان قومه، وقوله: فراراً فإنّ القرب ملائم له وقوله: والجمع الخ فإنه شأن المجتهد في أمر كما قالت الخنساء:
لها حنينان إعلان وأسرار
قوله: (أو لتراخي بعضها عن بعض) فهي بمعناها الحقيقي لتراخي الزمان إلا أنه لئلا
ينافي عموم الأوقات السابق قيل: إنه باعتبار مبدأ كل من الأسرار والجهار ومنتهاه إذ لا ترجيح لاً حد الطرفين على الآخر فيهما فيدل على امتداد كل منهما وباعتبار منتهى الجمع بينهما لأنه المحتاج للبيان فيدل على أنه ممتد أيضا فثم الثانية محتملة للوجهين كما في قوله: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنًّا وَلاَ أَذًى﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٦٢] لا أنها على الثاني تفيد التأكيد إذ اعتبار تراخي المعطوف فيه باعتبار الانتهاء للإيذان بلزوم الاستمرار على عدم اتباعهم المن والأذى في استحقاق الأجر الموعود يفيده لا يتبعون لاستمرار النفي فيه بخلاف ما نحن فيه، ولذا ذكر المصنف الوجهين هنا وإقتصر على أحدهما ثمة فلا وجه للاعتراض عليه بما في الاقتصار من التقصير، ولك أن تقول عموم الأوقات عرفي كما في قوله: لا يضع العصا عن عاتقه فتدبر. قوله: (أحد نوعي الدعاء) فينتصب على المصدرية انتصاب قعدت القرفصاء وقوله: مجاهراً به بفتح الهاء اسم مفعول صفة للدعاء لأنه مجهور به وإذا كان حالاً فهو مؤوّل بمجاهر على زنة اسم الفاعل، وقوله: بالتوبة عن الكفر فإنه لا يغفر أن يشرك به وقال ربكم تحريكاً لداعي الاستغفار ولما كان هذا ملوحا لغفاريته نزلهم منزلة السائلين فقال إنه كان غفاراً. قوله: (وكأنهم لما أمرهم الخ) توجيه لذكر الأمر بالاستغفار والمنح العطاء جمع منحة، وقوله: ولذلك وعدهم أي لكون المقصود بما ذكر إزالة شبههم، ودفع ما يغيظهم وعدهم على الاستغفار بأمور هي
стр. 2988
أحب إليهم وهو قوله: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا﴾ الخ لأنه جواب الأمر فكانه قيل: إن يستغفروه يعطكم ما ذكر فهو وعد وأحبيتهم له لما جبلوا عليه من محبة الأمور الدنيوية:
والنفس مولعة بحب العاجل
فلذا لم يجعل الجواب يغفر لكم ويرحمكم ونحوه من أمور الآخرة.
قوله: (وقيل لما طالت دعوتهم الخ) فيظهر وجه تخصيص ما ذكر بالجوابية، وقوله:
بذلك متعلق بوعدهم والباء صلة، وقوله: بقوله الباء آلية أو ظرفية بمعنى في فلا يتعلق حرفا جرّ بمعنى بمتعلق واحد كما لا يخفى، وقوله: ولذلك الخ أي لوعد الله بالمطر على الاستغفار صار مشروعا فيه وليس الاستغفار مجرّد قول أستغفر الله بل الرجوع عن الذنوب وتطهير الألسنة والقلوب وقوله: والسماء الخ قيل عليه ذكر المطر أيضاً فإنه المدرار حقيقة، وقيل: إنه تركه لظهوره ولاعتماده على أنه فسره به في قوله: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا﴾ [سورة الأنعام، الآية: ٦] في الأنعام وفيه نظر، والدر السيلان ولذا سمي اللبن دراً لسيلانه وقوله: يستوي الخ وكذا صيغ المبالغة كلها كما صرح به سيبويه وما خالفه فهو على خلاف القياس وهذا يقتضي أنّ السماء مؤنثة وهي تذكر وتؤنث واقتصر على توجيهه إذا أنث لأنه المحتاج للتوجيه وأخر البنون عن الأموال لأنّ بقاء الأموال بالبنين كما أنّ بقاء الجنات بالماء المعين فلذا أخرت الأنهار أيضاً. قوله: (والمراد بالجنات البسأ-لين) يشير إلى أنّ المراد جنات الدنيا ليكون مما وعدوا به عاجلا وأعاد فعل الجعل دون أن يقول يجعل لكم جنات وأنهاراً لتغايرهما فإنّ الأوّل مما لفعلهم مدخل فيه بخلاف الثاني ولذا قال: يمددكم بأموال وبنين، ولم يعد العامل فإن كانت الجنات والأنهار ما في الآخرة كما قاله البقاعي فتأخيره ظاهر. قوله: (لا تأملون له توقيرا (الرجاء يكون بمعنى التأميل وبمعنى الخوف وكلاهما جائز هنا وبدأ بالأوّل لأنه الأصل المعروف فيه والوقار حينئذ بمعنى التعظيم من الله لعباده أي لم لا تأملون أن تكونوا موقرين عنده تعالى ومعظمين وهو في الحقيقة استفهام وطلب لما هو سببه وهو الطاعة، والعبادة إما مجازاً أو كناية فالوقار بمعنى التوقير كالسلام بمعنى التسليم ويمكن أن يكون هذا من إزالة الشبهة في قولهم فكيف يقبلنا ويلطف بنا الخ، وقوله: وقد خلقكم إلى قوله: فجاجا للدلالة على أنه لا يزال ينعم عليكم مع كفركم فكيف لا يلطف بكم ويوقركم إذا آمنتم ورد بأنّ الإعادة في الأرض ليست من النعم عندهم وإن خلقهم أطواراً ليس في حال الكفر إلا أن تفسر الأطوار بما يعتري الإنان في أسنانه من الأموو المختلفة فيكون بعضها في هذه الحال لكن القائل لم يتعرض لهذا التفسير. قوله: (ولله بيان للموقر) بزنة اسم الفاعل كما تقول سقيا له فهو خبر مبتدأ محذوف أو متعلق بمحذوف يفسره المذكور فالتقدير إرادتي دلّه أو الوقار لله وقوله: ولو تأخر لكان صلة للوتار فلما تقدم امتنع كونه صلة له بناء على امتناع تقدم معمول المصدر عليه ولو ظرفا وإن كان فيه خلاف للنحاة لأنه ارتكاب لأمر مرجوح وترك الراجح بجعله متعلقاً
بمقدر من غير اختلاف مع ما فيه من التفسير بعد الإيهام، وهو أبلغ كما أنه إذا تأخر كان جعله صلة أولى من جعله مستقرا على أنه صفة لما فيه من تقليل التقدير فاندفع ما قيل: إنّ الظرف يجوز تقديمه لتوسعهم فيه مع أنه لا يلزم من تأويل شيء بشيء أن يعطي حكمه، وأيضا إذا تأخر يجوز أن يكون صفة لا صلة فإذا تقدم صار حالاً ولما جعله الزمخشريّ صلة لو تأخر اعترض عليه المعرب بأنه يكون التوقير منهم لله وهو عكس مقصوده، ورد بأنه إذا قيل ضرب لزيد يجوز أن تكون اللام داخلة على الفاعل أو المفعول والتعيين للقرينة وفيه نظر، ثم اعلم أنّ الوقار إذا وصف به الله فهو بمعنى التعظيم أو العظمة وأما المقترن بالحلم فإنه يفهم منه لغة السكون وطمأنينة الأعضاء والأناة والتؤدة ونحوه فلا يطلق عليه تعالى إلا بتوقيف، ونقل وما هنا بمعنى التعظيم أو العظمة كما صرح به صاحب الانتصاف في سورة الحج وهو مخالف للزمخشريّ، والراغب وغيره فإنهم جوّزوا إطلاقه عليه تعالى بمعنى الحلم أو العظمة لأنّ الوقور معظم في نفس الأمر أو في النفوس، وقد أطلقه عليه الزمخشريّ في الحج فاحفظه. قوله: (أو لا تعتقدون له عظمة الخ (فالوقار بمعنى العظمة لأنه ورد في صفاته تعالى بهذا المعنى ابتداء كما ذهب إليه في الانتصاف أو لأنه بمعنى التؤدة لكنها غير مناسبة له تعالى فأطلقت عليه باعتبار غايتها وما يتسبب عليها من العظمة في نفس الأمر أو في نفوس الناس كما عرفته، وقوله: وأنما عبر عن
стр. 2989
الاعتقاد الخ يعني أنّ الرجاء للشيء تابع للظن فإنه لو لم يظن لم يرج فالمقصود بنفيه هنا نفي لازمه، وهو الظن فإذا نفي على طريق الإنكار لزم نفي الاعتقاد بطريق أبلغ وأولى، ويجوز أن يكون الرجاء بمعنى الخوف أي ما لكم لا تخافون عظمة الله، وهو منقول عن ابن عباس ﵄ وقد ورد كثيرا في كلامهم بهذا المعنى كقوله:
إذا لسعته النحل لم يرج لسعها
كما مرّ وهو أظهر. قوله: (حال) من فاعل لا ترجون وقوله: مقرّرة للإنكار المستفاد من الاستفهام هنا فإنّ المنعم الخالق حقيق بالرجاء فقوله: من حيث الخ أي لأنّ هذه موجبة له فهو للتعليل لأن قيد الحيثية يراد به التعليل والتقييد والإطلاق في كلام المصنفين وقوله: أي تارات ليست التارات هنا بمعنى المراتب كما توهم بل حالات خلق عليها كما في قول ابن عباس وقد قيل إنّ العزل وأد لا يكون وأدا حتى تأتي عليه التارات السبع فهذه العبارة مأثورة هنا، وقوله: مركبات تغذي هي المأكولات والأخلاط هي البلغم والسوداء والدم والصفراء، وقوله: إذ خلقهم ليس بمعنى فدرهم بل بتقدير مضاف أي خلق ماذتهم أو هو مجاز بجعل خلق أصلهم
خلقاً لهم تنزيلا لما هو بالقوّة منزلة ما بالفعل، وقوله: فيعظمهم أي فيعطيهم درجات بيان لمعنى ترجون وقاراً فيه لارتباطه به. قوله: (ثم أتبع ذلك) أي ما ذكر من آيات الأنفس الدالة على كمال صفاته وصفات كماله وهو معطوف على ما قبله بحسب المعنى وأتى بثم للدلالة على تفاوتهما، وبعد أحدهما عن الآخر رتبة، ولذا لم يعطف وقطع فكأنه قيل ذكر آيات الأنفس ثم أتبعها آيات الآفاق، وقوله: وهو أي القمر في الدنيا أي في السماء الدنيا وهي السابعة المواجهة للأرض فجعل فيهن وهو في إحداهن كما يقال زبد في مصر وهو في بقعة منها والمرجح له الإيجاز والملابسة بالكلية والجزئية وكونها طباقا. قوله: (مثلها به) إشارة إلى أنها تشبيه بليغ، وقوله: لأنها الخ بيان لوجه الشبه فإن كلا منهما يزيل ظلمة الليل وإن كان أحدهما بإنارته والآخر بمحو آيته، وقوله: عما حوله إشارة إلى أنه في المشبه أقوى ولكن لكون السراج أعرف وأقرب جعل مشبهاً به. قوله: (أنشثيم منها) يعني أن الإنبات يراد به الخلق ومن ابتدائية وهي داخلة على المبدأ البعيد كما بينه أوّلا، وقوله: فاستعير إشارة إلى أنه استعارة تبعية، وقوله: أدل على الحدوث لأنه محسوس وقد تكرر إحساسه فكان أظهر في الدلالة على الحدوث والتكوّن من الأرض لأنه بغير واسطة وهم، وإن لم ينكروا الحدوث جعلوا بإنكار البعث كمن أنكر.. قوله: (فاختصر اكتفاء بالدلالة الالتزامية الأن النبات يدل على الإنبات ونبتم التزاما فضاهى قوله: فانفجرت، وهو من بديع البلاغة حيث بني على غير فعله للتنبيه على تحتم القدرة وسرعة نفاذ حكمها حتى كان إنبات الله نفس النبات فقرن أحدهما بالآخر للدلالة على ما ذكر مع الإيجاز اللطيف فالدلالة الالتزامية هي دلالة نباتاً على إنباتا ونبتم للزوم الإنبات وكونهم نبتوا له عقلاً وصناعة ولا يضره دلالة أنبتكم على الإنبات تضمنا فإنه لا يأباه بل يقوي الدلالة عليه، ولو جعل من الاحتباك كان له وجه لكن ما ذكره المصنف أبلغ. قوله تعالى: ( ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ﴾ الخ) عطفه بثم لما بين الإنشاء والإعادة من الزمان المتراخي الواقع فيه التكليف الذي به استحقوا الجزاء بعد الإعادة، وعطف يخرجكم بالواو دون، ثم مع أنه كذلك لأن أحوال البرزخ والآخرة في حكم شيء واحد فكأنه قضية واحدة ولا يجوز أن يكون بعضها محقق الوقوع دون بعض بل لا بد أن تقع الجملة لا محالة، وإن تاخرت عن الإبداء كما
أشار إليه المصنف. قوله: (تتقلبون عليها) إشارة إلى وجه التشبيه بالبساط وهو الكون عليه والتقلب فوقه وانه ليس فيه دلالة على أنّ الأرض مبسوطة غير كرية كما قيل لأن الكرة العظيمة يرى كل من عليها ما يليه مسطحا واثبات الكرية ونفيها ليس بأمر لازم في الشريعة. قوله: (واسعة) إشارة إلى أنّ الفج صفة مشبهة فهو نعت لسبلاً فإن كان اسما للطريق الواسعة فهو بدل أو عطف بيان، ولم يقل واسعات لأن المفرد المؤنث يوصف به الجمع فلا حاجة لتكلف نكتة له، وقوله: لتضمن الفعل يعني لتسلكوا وهو يتعدى بفي لتضمنه معنى الاتخاذ وهو ظاهر. قوله: (اتبعوا رؤساءهم الخ) يعني أن زيادة المال والولد كناية عن الرآسة الدنيوية، ولذا وقع صلة لجعله سمة عرفوا بها، وقوله: بحيث صار ذلك أي النظر أو ما ذكر من الأموال والأولاد، وقوله: وقرأ
стр. 2990
الخ هو في رواية وليس فيما ذكر مخالفة لعادته في جعل إحدى القراءتين أصلا، وقوله: أو جمع قال في القاموس هو بالضم والكسر واحد وجمع. قوله: (عطف على لم يزده الخ) اختاره لأنه أنسب لدلالته على أنّ المتبوعين ضموا إلى الضلال الإضلال وهو الأوفق بالسياق فان المتبادران ما بعده، وهو قالوا الخ من صفة الرؤساء أيضا وأمّا عطفه على عصوني على أن المعنى مكر بعضهم بعضاً، وقال بعضهم لبعض: فهو خلاف المتبادر، وقوله: أبلغ فن كبار أي المخفف، وقوله: وذلك الإشارة إلى مكرهم وتحريش بالحاء المهملة والشين المعجمة بمعنى الإغراء والتحريض، وقوله: احتيالهم في الدين أي في أمور الدين أو في إبطال الدين. قوله: (لا تذرنّ هؤلاء خصوصاً) يعني خصت هذه الأصنام بعد قوله: آلهتكم مطلقا اعتناء بشأنها لأنها كانت أعظم أصنامهم، وقوله: صوروا بالمجهول أي نقلت صورهم ورسمت وكلب اسم قبيلة، وكذا ما بعده وهمدان بسكون الميم قبيلة باليمن وأما اسم البلدة فهو بفتح الميم كما في شرح المقامات ومذحج كمسجد بتقديم الحاء على الجيم وبالذال المعجمة هي في الأصل اسم أكمة باليمن، ولدت عندها امرأة فسميت باسمها، ثم
سميت بها قبيلة باليمن من نسلها ويجوز فيها الصرف، وعدمه وحمير بكسر فسكون أهل اليمن وأفرد يعوق ونسر عن النفي لكثرة تكرار لا وعدم اللبس، وقوله: انتقلت إلى العرب أي انتقل مضاهيها اسما وصورة لاهى بعينها كما قيل فإنه يبعد بقاؤها بعد الطوفان، وفي أصحابها اختلاف فقيل في قوله: لهمدان إنه لهذيل وفي قوله: لمذحج قيل لمراد، وقوله: مراد كغراب أبو قبيلة سمي به لتمرده فالميم أصلية، وقيل: أصله من الإرادة وقيل: إنه لهمدان وقيل لحمير، وقيل: لذي الكلاع من حمير. توله: (للتناسب) فإنه من المحسنات، وهو نوع من المشاكلة، وهذا أحسن من القول بأنه جاء على لغة من يصرف غير المنصرف مطلقا فانها لغة غير فصيحة لا ينبغي التخريج عليها، وقوله: للعلمية والعجمة أو وزن الفعل وهو المناسب لصرف سواع وقوله: أو للأصنام أخره لأنّ مقتضاه أن يقال أضللن فضمير العقلاء لتنزيلها منزلة العقلاء عندهم وعلى زعمهم. قوله: (عطف على رب إنهم عصوني الخ) وفيه عطف الإنشاء على الخبر، ولذا قيل: إن الواو من الحكاية لا من المحكي وأما جعله معطوفا على مقدر أي فأخذلهم، ولا تزد الخ على أنّ الواو من المحكي فأمر آخر والظاهر إنّ قوله: ﴿رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي﴾ [سورة نوح، الآية: ٢١] الخ ليس المقصود به إخبار علام الغيوب بل الشكاية والإعلام بعجز. ويأسه منهم فهو طلب للنصرة عليهم كما في قوله. ﴿رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾ [سورة المؤمنون، الآية: ٢٦] ولو لم يقصد هذا تكرر مع ما مز فحينئذ يكون كناية عن قوله: أخذلهم وانصرني وأظهر دينك ونحوه فهو من عطف الإنشاء على الإنشاء وما مرّ كله تكلف ويشهد له أنّ الله سمي مثله دعاء حيث قال: فدعا ربه إن هؤلاء قوم مجرمون فتدبر. قوله: (ولعل المطلوب الخ (أوّله بما ذكر لأن طلب الضلال وزيادته ونحوه إما غير جائز مطلقا أو غير جائز إذ ادعى به على طريق الرضا والاستحسان، وبدونه وإن كان جائزاً كقول موسى ﵊ واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا لكنه غير ممدوج ولا مرضي والقول بأنه بعدما أوحى إليه إنه لن يؤمر من قومك إلا من قد آمن فلما تحقق موتهم على الكفر دعا عليهم بزيادته لأنّ مآله الدعاء بزيادة عذابهم دعوى بلا دليل لعدم القرينة عليه، ومعنى الضلال في ترويج مكرهم أنهم لا يهتدون لطريقه ولا لطريق السداد في أمور دنياهم فيكون دعاء عليهم بعدم تيسير أمورهم وهو وجه وجيه فإن كان الضلال بمعنى الهلاك فالمعنى أهلكهم، وهو أظهر وهو مأخوذ من الضلال في الطريق لأنّ من ضل فيها هلك فلا يرد أن الدعاء بالضلال لا يليق بالنبيّ المبعوث للهداية. قوله: (من أجل خطيآتهم الخ (يعني أن من تعليلية وما زائدة لتعظيم الخطايا
في كونها من كبائر ما ينهي عنه، وقوله: والتعقيب يعني إن أريد عذاب الآخرة فلعدم الاعتداد بما بينهما جعل تعقيبا استعارة بتشبيه تخلل ما لا يعتد به بعدم تخلل شيء أصلا، وليس هذا معنى قولهم: تعقيب كل شيء بحسبه كما توهم، وقوله: أو لأن المسبب الخ فاستعيرت فاء التعقيب للسببية لأنه من شأنه أن يعقبه ما لم يحل حائل كما ذكره، وقوله: للتعظيم وعلى ما بعده للتنويع. قوله: (تعريض لهم الخ) أي فهو تهكم بهم، ولذا قيل: أنصاراً دون ناصراً وقوله: أحداً تفسير للمراد منه وهو للعموم ويختص بالنفي كألفاظ أخر عدها ال! نحاة لم ترد في الإثبات، وقوله: من الدر أو الدور يعني
стр. 2991
الملاحظ في معناه هذا أو هذا، فعلى الأوّل معناه لا تدع فيها من يسكن داراً، وعلى الثاني من يدور ويتحرّك على الأرض، ومن لم يفهم المراد منه، قال الدار أيضا مشتقة من الدور، فإنه اسم لما أدير عليه حائط من الأرض، وما فعل بسيد قلب الواو ياء لاجتماعها مع ياء ساكنة، كما هو معروف في التصريف. قوله: (لأفعال وإلا لكان دوارا) إذ لا داعي للقلب حينئذ، وكذا وزن تدير تفيعل لا تفعل، ولما ذكره في المفصل خطئ فيه، وفيه كلام مفصل في شروحه، وقول نوح لا تذر على الأرض الخ، لا يردانه يقتضي عموم بعثته لأهل الأرض، وقد ثبت في الأحاديث أنّ عموم الرسالة مخصوص بنبينا ﷺ ، لأنه ليس كعموم بعثة محمد-ش! ر، بل لانحصار أهل الأرض إذ ذاك في قومه كانحصار دعوة آدم ﵊ لأولاده، فهو ضروري وليس عموما من كل وجه، وفيه كلام مفصل في شرح البخاري. قوله: (إلا فاجراً كفارا) من جبل على الكفر، أو هو من مجاز الأول وقوله: لما جرّبهم الخ، وقيل علمه بوحي كقوله: ﴿أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ﴾ [سورة هود، الآية: ٣٦] وقوله: لمك بفتح اللام والميم، وفي جامع الأصول والإتقان إنه ساكن الميم، وفيه لغة أخرى لامك كهاجر، ومتوشلخ بضم الميم وفتح التاء الفوقية وفتح الواو وسكون الشين المعجمة وكسر اللام وبالخاء المعجمة كما في جامع الأصول، وفي الإتقان إنه بفتح الميم وتشديد التاء المضمومة وسكون الواو وفتح الشين واللام، وقوله: شمخا الخ هي أمه وهي بالشين والخاء المعجمتين بوزن سكري، وأنوس بالإعجام بوزن فعول، وقيل: إنه
استغفر ربه لما دعا عليهم لأنه انتقام منهم، ولا يخفى أنّ السياق يأباه، وقوله: كأنا مؤمنين أي أبواه، ولولا ذلك لم يجز الدعاء لهما بالمغفرة، وقوله: وعن النبي الخ، هو حديث موضوع تمت السورة رب اغفر لي ببركتها ولمن دخل بيتي من المؤمنين والمؤمنات، وآدم نوامي صلواتك وسلامك على محمد وآله وصحبه في البكر والعشيات.
سورة الجن
وتسمى قل أوحي إليئ ولا خلاف في كونها مكية ولا في عدد آياتها.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (وقرئ احي الخ) يقال: وحي وأوحى بمعنى، وقلب الواو المضمومة أو المضموم
ما قبلها همزة مقيس مطرد، وقد يرد في المكسورة كوشاح وأشاج، والمفتوحة كوحد واحد، وقوله: فاعله يعني نائب فاعله لأنه يسمى فاعلاً أيضا. قوله: (والنفر ما بين الثلاثة إلى العشرة (هذا هو المشهور، وهو باعتبار الأغلب فإنه يطلق على ما فوق العشرة في الكلام الفصيح، وذكره صاحب القاموس وغيره من أهل اللغة، وفي كلام الشعبي حدثني بضعة عشر نفرا، ولا يختص بالرجال بل ولا بالناس لإطلاقه على الجن هنا، وفي المجمل الرهط والنفر يستعمل إلى الأربعين وقد أشبعنا الكلام فيه في شرح الدرة، فما قيل من أن قوله في السراجية أصحاب هذه السهام اثنا عشر نفراً تجوّزا وسهو من قلة التتبع وقصور النظر. قوله: (والجن أجسام الخ (واحد الجن جني كروم ورومي، وقوله: خفية أي قابلة للخفاء، وهر من شأنها إلا أنها لا ترى أصلا حتى يخالف مذهب أهل الحق، ومرض القولين الأخيرين لضعفهما ومخالفتهما لأقوال السلف، وظاهر الآيات والأحاديث، وقوله النارية لقوله تعالى: ﴿مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾ [سورة الرحمن، الآية: ١٥] . قوله: (وفيه (أي فيما ذكر هنا دلالة على أنه-لمجي! ما رآهم، ووجه الدلالة على عدم رؤية هؤلاء المذكورين هنا ظاهر للتصريح بأنه علم استماعهم له بالوحي لا بالمشاهدة، وقد وقع في الأحاديث إنه رآهم، وجمع بين ذلك بتعدد القصة، قال في آكام المرجان ما محصله في الصحيحين في حديث ابن عباس ما قرأ رسول الله-شح! على الجن ولا رآهم، وإنما انطلق بطائفة من الصحابة لسوق عكاظ، وقد حيل بين الجن والسماء بالشهب، فقالوا: ما ذاك إلا لشيء حدث فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فمرّ من ذهب لتهامة، منهم به ﷺ وهو يصلي الفجر فلما استمعوا له، قالوا: هذا الذي حال بيننا وبين السماء، ورجعوا إلى قومهم، وقالوا: ﴿يَا قَوْمَنَا﴾ (١! الخ، فأنزل الله عليه: ﴿قُلْ أُوحِيَ﴾ الخ، ثم قال: ونفى
стр. 2992
ابن عباس إنما هو في هذه القصة واستماعهم تلاوته في الفجر في هذه القصة لا مطلقاً، ويدلق عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ﴾ [سورة الأحقاف، الآية: ٢٩] الخ، فإنها تدل على أنه كلمهم ودعاهم، وجعلهم رسلاَ لمن عداهم، كما قاله البيهقي وروى أبو داود عن علقمة عن ابن مسعود عن النبيّ ﷺ قال: " أتاتي داعي الجن فذهبت معه وقرأت عليها القرآن قال: وانطلق بثا وأرانا آثارهم وآثار نيرانهم " الخ وقد دلت الأحاديث على أنّ وفادة الجن كانت ست مرات، وقال ابن تيمية أنّ ابن عباس علم ما دل عليه القرآن، ولم يعلم ما علمه ابن مسعود وأبو هريرة من إتيان الجن له، ومكالمتهم له، وقصة الجن كانت قبل الهجرة بثلاث سنين، وقال الواقدي كانت سنة إحدى عشرة من النبوّة، وابن عباس ناهز الحلم في حجة الوداع فقد علمت أنّ قصة الجن وقعت ست مرّات، وفي شرح البيهقي من طرق شتى عن ابن مسعود أنّ النبئ ﷺ صلى العشاء ثم انصرف فأخذ بيدي حتى أتينا مكان كذا فأجلست! وخط علئ خطاً ثيم قال: " لا تبرح عن خطك " فبينما أنا جالس إذ أتاتي رجال منهم كأنهم الزط فذكر حديثاً طويلا وإنه ﷺ ما جاءه إلى السحر قال وجعلت أسمع الآصوات ثم جاء فقلت: أين كنت يا رسول الله فقال: " أرسلت إلى الجن " فقلت: ما هذه الآصوات التي سمعت قال: " هي أصواتهم حين ودعوني وسلموا علئ " وفي الكشاف أنّ هؤلاء الجن من قبيلة هي أكثرهم وتسمى الشيصبان. قوله: (كتابا) فسره به للإشارة إلى أن ما ذكروه وصف له كله دون المقروء منه فقط، والمراد أنه من الكتب السماوية، وقوله: وهو مصدر يعني عجباً، وقوله: على ما نطق به الدلائل أراد المذكورة في هذا القرآن، أو مطلق الأدلة، وقوله: على التوحيد متعلق بالدلائل. قوله تعالى: ( ﴿وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ الم يعطف بالفاء لأنّ نفيهم هنا للإشراك، أمّا لما قام عندهم من الدليل العقلي كما هو ظاهر إطلاق المصنف لا السمعي، فحينئذ لا يترتب على الإيمان بالقرآن، فإن قلنا هو سمعي مأخوذ مما تلي عليهم كما يدلّ عليه قول المصنف، كأنهم سمعوا من القرآن ما ينبههم على خطأ ما اعتقدوه في الشرك، فيكفي في ترتبهما عليه عطف الأوّل بالفاء خصوصاً والباء في قوله، به تحتمل السببية فيعم الإيمان به، الإيمان بما فيه، فإنك إذا قلت ضربتة فتأدب وانقاد لي فهم ترتب الانقياد على الضرب، ولو قلت فانقاد لم يترتب على الأوّل، بل على ما قبله، فما قيل من أنه عطف بالواو لتفويض الترتب إلى ذهن
السامع، وقد يقال إنّ مجموع قوله: فآمنا به ولن نشرك مسبب عن مجموع قوله: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا﴾ الخ، فكونه قراناً معجزاً يوجب الإيمان به، وكونه يهدي إلى الرشد يوجب قلع الشرك من أصله، وفي تقرير المصنف إيماء إليه لا يخلو من الخلل فتدبر. قوله: (قرأه ابن كثير والبصريان بالكسر الخ) قيل: كلامه هنا في تفصيل القراآت لا يخلو عن خبط، وتحريره ما في النثر وهو أنهم اختلفوا في، وأنه تعالى وما بعده إلى قوله: وانا منا المسلمون، وتلك اثنتا عشرة همزة فقرأها ابن عامر وحمزة والكسائيّ وخلف وحفص بفتح الهمزة فيهن، ووافقهم أبو جعفر في ثلاثة، وأنه تعالى، وأنه كان يقول وانه كان رجال، وقرأ الباقون بكسرها في الجميع، واتفقوا على فتح أنه استمع، وأنّ المساجد لله، لأنه لا يصح أن يكون من قولهم، بل هو مما أوحي بخلاف الباقي فإنه يصح أن يكون من قولهم ومما أوحى، واختلفوا في وأنه لما قام فقرأ نافع وأبو بكر بكسر الهمزة والباقون بفتحها انتهى، وتلخيصه إن أن المشدّدة في هذه السورة على أقسام، فقسم ليس معه واو العطف، ولا خلاف بين القراء في فتحه أو كسره حسبحا اقتضته العربية، فلا خلاف في فتح أوحى إليّ أنه استمع، لأنه مصدر نابط عن الفاعل، وقوله: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا﴾ لا خلاف في كسره، لأنه محكي بالقول، وقسم مع الواو وهو أربع عشرة، إحداها لا خلاف في فتحه، وهو وأنّ المساجد، والثانية وانه لما قام كسرها ابن عامر وأبو بكر، وفتحها الباقون، والاثنتا عشرة، وهي وأنه تعالى جد الخ وإنه كان يقول، وانا ظننا، وانه كان رجال، وانهم ظنوا، وانا لمسنا السماء، وانا كنا، وانا لا نا- ري، وأنا منا الصالحون وأنا ٠ ظننا وأنا لما سمعنا وأنا منا المسلمون وهي مقروءة بالو- كين والكلام في توجيهها كما ستسمعه. قوله: (من جملة الموحى به) فيعطف على أنه استمع، وقوله: إلا في قوله: إنه لما قام فكسراه، وقوله: على أن ما كان من قولهم الخ، احترز به عن العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار، لأنه لا يجوز في فصيح الكلام، ولو
стр. 2993
قيل إنه بتقدير الجارّ، لاطراد حذفه قبل أنّ، وأن لكان سديداً كما في الكشف.
قوله: (كأنه قيل صدقناه وصدقنا إنه تعالى جدّ ربنا (قد اختلف في توجيه الفتح على القراءة
به، فقال أبو حاتم: هو معطوف على نائب فاعل أوحى، فهي كلها في محل رفع، وردّه المعربون بأن أكثره لا بصح بحسب المعنى عطفه على ما ذكر، كقوله: إنا لمسنا السماء، وانا كنا، وانا لا ندري، وأخوات له، فإنه لا يستقيم معناه، فلذا ذهب اكثر إلى أنه معطوف على محل به في آمنا به، كأنه قيل: صدقناه، وصدقنا إنه الخ، إلا أن مكيا ضعفه، وقال فيه بعد في المعنى لأنهم لم
يخبروا إنهم آمنوا بأنهم لما سمعوا الهدى آمنوا به، ولم يخبروا إنهم آمنوا بأنه كان رجال، إنما حكى الله عنهم أنهم قالوا ذلك مخبرين عن أنفسهم لأصحابهم، فالكسر أولى بذلك، ورد بأنه سبق الزمخشريّ إلى هذا الفراء والزجاج، وقد رأوا ما يرد عليه فدفعوه بأن الإيمان والتصديق يحسن في بعض ما قبح فيمضي في البواقي، ويحمل على المعنى على حد قوله:
وزججن الحواجب والعيونا
فيخرج على ما خرج عليه أمثاله، فيؤوّل صدقنا بما يشمل الجميع، أو يقدر مع كل ما يناسبه، وأوّله بصدقنا لأن آمن يتعدى بالحرف، فلو عطف على معموله لزم العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار، فلذا عطفه على محله المنصوب، وقد مرّ له توجيه آخر كما عرفته، وفيه إشارة إلى دفع ما يقال: من أنّ شرط العطف على المحل أن يصح إظهاره في الفصيح فإنه يكفي إظهاره ولو مع مرادفه كما ذكر. قوله: (أي عظمتة) فالمعنى عظمت عظمته، كقوله: جد جده، وفيه من المبالغة ما لا يخفى، وقوله: مستعار الخ، راجع إلى الوجوه كلها، والبخت معروف وهو غير عربي فصيح، وقوله: بيان لذلك أي لقوله تعالى جذ، فهو مفسر له، ولذا لم يعطف عليه، وقوله: صدق ربوبيته، قيل ظاهره أنه مضاف على قراءة الكسر، والذي ذكره المعرب أنه منون على هذه القراءة وكانه مراده، واكتفى بقوله: قبله جداً بالتمييز عن التصريح به ولا بعد فيه، وفسره بالصدق وهو في الأصل ضد الهزل. قوله:) كأئهم سمعوا الخ (لأن تفريع الإيمان ونفي الشريك والصاحبة والولد عليه يدل على ما ذكر، وقوله: مردة الجن جمع ما رد ككاتب وكتبة، وعلى هذا فالمعنى سفهاؤنا والإضافة للجنس، وقوله: ذا شطط الخ، يعني أنه مصدر بمعنى البعد، والمراد به مجاوزة الحذ صفة لقول مقدر، فهو بتقدير مضاف، أو جعله عين الشطط مبالغة فيه، وقوله: ما أشط فيه أي أبعد وتجاوز الحد بيان للمبالغة فيه. قوله: (اعتذار الخ) بظنهم متعلق بالاعتذار لأنه المعتذر به، وقوله: نصب على المصدر كقعدت القرفصاء، أو هو وصف لأنه يكون وصفا كما يكون مصدراً، ويوصف به القول كما يوصف به القائل، فيقال: رجل كاذب، وقول كاذب، و! وبمعنى مكذوب فيه لأنه
لا يتصوّر صدور الكذب منه، وإن اشتهر توصيفه به، فلا يقال: إن ما ذكره المصنف تطويل للمسافة، ولو جعله من الوصف بالمصدر مبالغة، على أن المبالغة في النفي لا في المنفي لأنه غير مقصود صح. قوله: (ومن قرأ أن لن تقوّل) وهو الحسن وغيره، وأصله تتقوّل بتاءين فحذفت إحداهما، وقوله: جعله مصدراً من غير لفظه كقعدت جلوسا لا وصفاً للقول، وقوله: بقفر أي أرض خالية، وهم يعتقدون إنها مقرّ الجن ورؤساؤهم تحميهم منهم، وقوله: فزادوا الضمير المرفوع للإنس المستعيذين برؤساء الجن، على هذا بخلافه في الوجه الثاني، الآتي كما سيأتي. قوله: (أو فزاد الجن الإن! غياً) فالفاعل الأوّل للتعقيب، وعلى الثاني قيل إنها للترتيب الإخباري، وذهب الفراء إلى ما بعد الفاء قد يتقدم إذا دلّ عليه الدليل، كقوله: ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٤] وجمهور النحاة على خلافه، وأن ما يخالف المشهور مؤوّل، وليس الترتيب الذكري مخصوصا بعطف المفصل على المجمل كما توهم، وقيل هنا مقدر على الثاني، أي فاتبعوهم فزادوهم الخ. قوله: (والرهق في الأصل غشيان الشيء) كما في قوله: ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [سورة عبس، الآية: ٤١] فإنّ المعنى يعرض لها ويغشاها، فحص بما يعرض من الكبر والضلال والعتو ونحوه، ولذا فسره الزمخشري بغشيان المحارم، فلا مخالفة فيه لما ذكر. قوله: (والآيتان) يعني وأنه كان رجال، وإنهم ظنوا من كلام الجن، والخطاب لهم، وإذا كان استئنافاً فالخطاب للإنس، وكذا فيما بعده، والبعث في الآية بعث الرسل، وهو الظاهر، ويحتمل بعث الموتى، وقوله: جعلهما من الموحى به، لم يرتضه في الكشف، لأنّ قوله:
стр. 2994
وانا لمسنا السماء من كلام الجن، أو مما صدقوه على القراءتين، لا من الموحى إليه فتخلل ما تخلل بينهما، وليس اعتراضاً غير جائز، إلا أن يؤول بما يجري مجرا. لكونه يؤكد ما حدث عنهم من تماديهم في الكفر، ولا يخفى ما فيه من التكلف. قوله: (ساد مسد مفعولي ظنوا) وإن مخففة من الثقيلة، ويجوز تقدير المفعول الثاني محذوفا، واعمل الثاني دمان خالف المختار، لأن ظنوا هو المقصود هنا، فجعل المعمول له أحسن، وأما كما ظننتم فمذكور بالتبعية، ومن لم يتنبه له قال إنه على خلاف المختار. قوله:) واللمس مستعار من المس للطلب (ظاهر كلامه ترادف اللمس: المس وقد مرّ تفصيله في الأنعام، وللطلب
متعلق بمستعار، والظاهر أنّ الاستعارة هنا لغوية، لأنه مجاز مرسل لاستعماله في لازم معناه، وجعل حرسا اسم جمع كرصد، لأنه على وزن يغلب في المفردات كبصر وبطر، ولذا نسب إليه فقيل: حرسي وذهب بعض النحاة إلى أنه جمع، والصحيح الأوّل ولذا وصفه بالمفرد، فقيل: حرسا شديدا، ولو روعي معناه جمع، إلا أن يكون نظر الظاهر وزن فعيل، فإنه قد يستوي فيه الواحد وغيره، وملئت حال إن كان وجد بمعنى صادف، ومفعول ثان إن كان من أفعال القلوب، وقوله: المتولد من النار بناء على أنه غير كوكب على ما قرره الحكماء، وفد مر تفصيله. قوله: (وإنا كنا نقعد الخ) قيل: إنّ الرجم حدث بعد مبعثه ﷺ ، وانه إحدى آياته، والصحيح أنه كان قبله كما ورد في الأحاديث، وقد وقع ذكره في أشعار الجاهلية، لكنه كثر بعد البعث وزاد زيادة ظاهرة للإنس والجن، ومنع الاستراق رأسا، وعن معمر قلت للزهري أكان يرمي بالنجوم في الجاهلية، قال: نعم، قلت: أرأيت قوله: وانا كنا نقعد، فقال: غلظت وشدد أمرها بعد البعثة، وفي قوله: ملئت، دليل على أنّ الحادث الكثرة، وكذا قوله: مقاعد كما فصله الزمخشريّ، وقوله: وللسمع الخ، فيه لف ونشر للتفسيرين، ويصح جعل كل لكل. قوله تعالى: ( ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ﴾ ) في شرح التسهيل الآن معناه هنا القرب مجازاً فيصح مع الماضمي والمستقبل، وقوله: شهابا راصدا يعني أنه على الإفراط صفة لشهاباً، ويجوز كونه مفعولاً له، وقوله: ولأجله تفسير لقوله له، أو هو إشارة لذلك، وإذا كان مفرداً صفة لشهاب فهو ظاهر، وأما إذا كان كحرساً فوصف المفرد بالجمع مع اشتراط النحاة التطابق في الإفراد وغيره، لأنّ الشهاب لشدة منعه، واحراقه جعل كأنه شهب فوصف بالجمع، كما وصف المعي، وهو واحد الأمعاء بجياع في قوله:
كأنّ قتودرحلي حين ضمت حوالب غرزا ومعي جياعا
كما قال الزمخشري وغيره إنه جعل المعي لفرط جوعه بمنزلة أمعاء جائعة، فجمع النعت
مع توحيد المنعوت، وهذا وإن كان بعيدا من جهة العربية فهو أقرب بحسب متانة المعنى من تقدير ذوي شهاب، كما قيل في الآية والبيت. قوله تعالى: ( ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي﴾ الخ الا يخفى ما
فيه من الأدب حيث لم يصرح بنسبة الشر إلى الله كما صرح به في الخير، وإن كان فاعل الكل هو الله، وقوله: في الانتصاف إنه من عقائد الجن الجامع بين الأدب وحسن الاعتقاد، مراده به التعريض بالزمخشريّ، والا فجعله من عقائد الجن لا وجه له كما لا يخفى. قوله: (المؤمنون) فسر الصالحين بالأتقياء الأبرار، ومن دونهم بالفسقة، وهو المراد بقوله: المقتصدون، وإن كان المقتصد المعتدل، وإن أمكن جعل دون بمعنى غير، وغير الصالحين شاملا للكفرة، لئلا يتكرر مع قوله: منا المسلمون ومنا القاسطون، وإن قيل إنّ التقسيم الثاني للناجي وغيره، وهذا للتقي وغير.، وهو مغاير له بالاعتبار، وحذف الموصوف بدون صفته، لأنه يطرد حذفه إذا كان بعض اسم مجرور بمن تقدم عليه، والصفة ظرف أو جملة، كما صرّح به النحاة، وفسر الطرائق بالمدّاهب، كما يقال طريقته كذا لمعتقده، وما هو حاله ولم يجعله منصوباً على الظرفية بتقدير في لأنه اسم خاص لموضع يستطرق فيه، فلا يقال للبيت والمسجد طريق على الإطلاق، وأنما يقال جعلت المسجد طريقا فلا ينتصب مثله على الظرفية إلا في الضرورة عند سيبويه هذا، وقال بعض النحويين هو ظرف لأنّ كل موضع يستطرق طريق كما في شرح الكتاب. قوله: (وهم المقتصدون) الذي في النسخ هم بضمير الجمع، وفي بعضها هو على أنه ضمير الموصوف، ولا وجه له رواية ودراية، وما قدره قبل طرائق ليصح الحمل لأنه ليس محل المبالغة، وقوله: أو كانت طرائقنا
стр. 2995
طرائق كونه من تلقي الركبان، والتأويل قبل الحاجة إليه لا يلتفت لمثله حتى يعد اعتراضا أو مانعاً، وقوله: من قد إذا قطع حتى كان كل طريق لامتيازها مقطوعة من غيرها، وقوله: علمنا تقدم الكلام عليه. قوله:) أن لن يعجز الله في الأرض) حمل المصنف رحمه الله تعالى الأرض هنا على العموم، لقوله أينما كنا، ولما وقع قوله ولن نعجز. هرباً في مقابلته لزم أن يكون الهرب إلى السماء ففيه ترق ومبالغة، كأنه قيل لا نعجزه في الأرض ولا في السماء، وأمّا في الثاني فلم ينظر فيه إلى عموم ولا خصوص، وجعل الفوت على قسمين أخذا من لفظ الهرب، كأنه قيل إنّ طلبنا لم نفتة، وإن هربنا لم نخلص منه، وذكر الأرض لتصوير أنها مع سعتها ليس فيها منجي منه ولا مهرب لشدّة قدرته وزيادة تمكنه منه كقوله:
وانك كالليل الذي هو مدركي وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع
وهذا أحسن مما قيل، إنّ فائدة ذكر الأرض تصوير تمكنهم عليها وغاية بعدها عن محل استوائه، فإنه غير مناسب للمقام، وهربا كما أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى حال! معنى هاربين، وكذا قوله في الأرض أو تمييز، وفسر الهدى بالقرآن، لاقتضاء قوله: سمعنا له، ولأنه المناسب لسبب النزول. قوله: (فهو لا يخاف) قدر هو ليحسن دخول الفاء فيه، لا! جواب الشرط المنفي بلا يصح فيه دخول الفاء وتركها، كما صرح به في شرح التسهيل، وفي كلام الزمخشريّ، وابن مالك إشارة إليه فما قيل إنه لتصحيح دخول الفاء غير صحيح، وعلى قراءة الجزم لا ناهية، لا نافية لأنّ الجواب المقترن بالفاء لا يصح جزمه. قوله: (والأوّل) يعني الرفع، وتقدير المبتدا لأنه من قبيل هو عرف، وهو يفيد التقوى، ويدلّ على الاختصاص عند الزمخشريّ، وفي النهي أيضا دلالة لأنه علق الحكم بمن يؤمن، وتعليق الحكم بالمشتق وما هو في حكمه يفيد علية مأخذ الاشتقاق، وهي تستلزم ما ذكر، وفي نسخة المؤمنين وبهم، وفي أخرى المؤمن وبه بالإفراد وقوله: والأوّل أدل بأفعل التفضيل، لأنه خبر يدلّ على تحقق مضمونه. قوله: (نقصا في الجزاء ولا أن ترهقه ذلة) فسر الرهق بغشيان الذلة، وأصل معناه مطلق الغشيان لقوله تعالى: ﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ [سورة يرنس، الآية: ٢٧] والقرآن يفسر بعضه بعضاً، وقوله: أو جزاء نقص، أي ورهق ظلم ففيه اكتفاء، كسرابيل تقيكم الحرّ الخ بقرينة ما بعده من قوله: لأنه الخ، فاندفع ما قيل عليه من أنّ الصواب أن يقول: جزءا نقص! ولا رهق كما في الكشاف حتى لا يبقى التعليل بقوله: ولم يرهق بلا معلل، وهذا إمّا على إضمار الجزاء بأن يقدر فيه مضاف، أو هو بيان لحاصل المعنى، وأنّ ما ذكر في نفسه مخوف فإنه يصح أن يقال: خفت الذنب وخفت جزاءه، لأنّ ما يتولد منه المحذور في نفسه محذور، وفيه دلالة على أنّ المؤمن لاجتنابه البخس والرهق لا يخافهما، فإن عدم الخوف من المحذور إنما يكون لانتفاء المحذور، وقوله: لأنه لم يبخس إشارة إلى ذلك، ويجوز أن يكون من وضع السبب موضمع المسبب والأوّل أظهر، وأقرب مأخذا كما رجحه المدقق في الكشف فتدبر. قوله: (لأنّ من حق المؤمن بالقرآن أن يجتنب دّلك (وفي نسخة من حق الإيمان وهو إشارة لما مر. قوله: (فمن أسلم) من كلام الله أو الجن، وفي الكشاف زعم من لا يرى للجن ثواباً أنه تعالى أوعد قاسطهم، وما وعد مسلمهم وكفى به وعدا إن قال فأولئك تحروا رشداً، فذكر سبب الثواب
وموجبه، والله أعدل من أن يعاقب القاسط، ولا يثيب الراشد، فتحرى الرشد مجاز بعلاقة السببية عن الثواب، كما أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى بفوله: (يبلغهم (الخ، والتوخي التحري، وهو القصد، وقوله: بكفار الإنس إشارة إلى أنهم في التكليف مثلهم، وتوله: إنّ الشأن إشارة إلى أنّ أن مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن مقدر، والضمير لما ذكر وقوله: على الطريقة المثلى تأنيث الأمثل، بمعنى الأفضل يشير إلى أنها جعلت طريقة، وما عداها ليس بطريقة يفهم منه كونها مفضلة على ما سواها، أو هو إشارة إلى أق التعريف فيه للعهد، والمعهود طريقة الجن المفضلة على غيرها. قوله: (لوسعنا عليهم الرزق) على التجوّز بما ذكر عن الرزق الواسع، أو الاكتفاء به لأن غيره يعلم منه أولوية، وقوله: والسعة عطف على المعاش ناظر إلى كثرة الماء، كانه قال: لأنّ أصل الماء أصل المعاس، وكثرته أصل السعة، فلا وجه لما قيل من انّ السعة عطف تفسير للمعاش، والا فأصل المعاش هو اصل الماء لا كثرته، وغدقا بفتح الدال وتكسر وبه قرئ في الشواذ. قوله: (لنختبرهم كيف يشكرونه) فالفتنة في الماء الاختبار في شانه
стр. 2996
هل يشكر أم لا، وقوله: وقيل الخ، مرضه لأنه مخالف للظاهر من وجوه، ومن استعمال الاستقامة على الطريقة في الاستعمال على الكفر، وكون النعمة المذكورة استدراجا من غير قرينة عليه، وقال الطيبي إنّ التذييل بقوله: ومن يعرض الخ، يؤيد هذا وفيه نظر، وقيل: إن استعارة الاستقامة على الطريقة للكفر في غاية البعد، وقوله: لنوقعهم في الفتنة ونعذبهم إشارة إلى أنّ الفتنة على هذا بمعنى العذاب لا بمعنى الاختبار كما في الوجه الأوّل، وقوله عن عبادته فالذكر مصدر مضاف لمفعوله فتجوز به عن العبادة، وإذا فسر بالموعظة فهو بمعنى التدّكير، وهو مضاف لفاعله، وكذا إذا كان بمعنى الوحي أيضاً. قوله: (يدخله (إشارة إلى أن سلك يتعدى إلى المفعول الثاني بفي، فعدى له بنفسه هنا لأنه ضمن معنى يدخله، كما في الكشاف، وقوله: شاقاً تفسير للمراد منه، وقوله: يعلو الخ، بيان لمعناه الحقيقي، وأن العلو تجوز به عن الغلبة، كما في قول عمر ﵁ تصعدتني خطبة النكاح، أي غلبتني وشقت علي كما وضحه الزمخشري، وقوله: مصدر يعني صعدا هنا مصدر وصف به مبالغة، أو تأويلاَ كما عرف في أمثاله. قوله: (ومن جعل الخ) هو منقول عن الخليل بن أحمد، وقوله: علة للنهي في قوله: فلا تدعو، فتقديره لا تدعوا مع الله أحدا لأنّ المساجد له على أنّ المساجد بمعناها المعروف، وقوله: فلا تعبدوا فيها غيره تقدير فيها
هنا لا بد منه ليرتبط الكلام بعضه ببعض، كما أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى، وقوله: ألغى فائدة الفاء أي لزمه أي يجعل الفاء لغوا لأنها للسببية ومعناها مستفاد من اللام المقدرة، وكونها للإشعار بمعناها، وأنها مقدرة، أو تأكيد لها، كما قيل: لا يخلو من شيء، وقد مر فيه كلام في البقرة، وأن الفاء هنا لا يصح فيها أن تكون عاطفة، فإن جعلت جزائية على أنّ فيه شرطا مقدراً أو متوهماً، كما سيأتي في قوله: وربك فكبر، لا يلزم اللغوية التي ادعاها المصنف رحمه الله تعالى، ولذا اعترض عليه بأنها معنى الشرط، والمعنى أن الله يحب أن يوحد ولا يشرك به، فإن لم يوحدوه في سائر المواضع فلا تدعوا مع الله أحداً في المساجد لأنها مختصمة به، فالإشراك فيها أقبح القباح، فتأمّل. قوله: (وقيل المراد بالمساجد الأرض الخ) إشارة إلى ما في الحديث الصحيح: " جعلت الآرض مسجدا وطهورا " قال القاضي عياض: إنه من خصائص هذه الأمّة لأنّ من قبلنا كانوا لا يصلون إلا في موضع تيقنوا طهارته، ونحن خصصنا بجواز الصلاة في جميع الأرض إلا ما تيقنا نجاسته، وقال القرطبي وهو المشهور في كتب الحديث إن هذا مما خص به نبينا ﷺ ، وكانوا قبله إنما تباج لهم الصلاة في البغ والكنائس، وفيه أشكال مشهور، وهو أنّ عيسى ﵊ كان يكثر السياحة، وغير. من الأنبياء لجهم الصلاة والسلام، كافوا يسافرون فإذا لم تجز لهم الصلاة في غير الكنائ! ، لزم ترك الصلاة في كثير من الأوقات وهو بعيد، ولذا قيل المخصوص بهذه الأمة كونها مسجداً وطهوراً في التيمم واختصاص المجموع به لا يضر وقد يقال إنه مخصوص بالحضر فتدبر. قوله: (لأنه قبلة المساجد) توجيه لإطلاق الجمع عليه بأنه لكونه قبلة لها، يعني كل قبلة متوجهة نحوه:
كإنما هو مغناطي! أنفسنا فحيثما كان دارت نحوه الصور
جعل كأنه جميع المساجد مجازاً، وظاهره أنّ المراد به الكعبة نفسها لا الحرم كله، وان
صح أيضا، وتوله: ومواضع السجود عطف على قوله: المسجد الحرام، أي قيل المراد به مواضمع السجود مطلقاً، فهو جمع مسجد بمعنى مكان السجود مطلقا، والواو فيه بمعنى أو وفي نسخة، أو بدلها وهي ظاهرة. قوله: (على أنّ المراد النهي الخ الو أخره لأنه صالح لها كلها كان أولى، والآراب بالمد جمع أرب وهو العضو، والسبعة القدمان والركبتان والكفان والوجه أي الجبهة والأنف، وقوله: تجمع مسجد أي بفتح الجيم وهو مصدر ميمي كما قيل وهو مبني على تعلقه بقوله، أو السجدات فقط، وليس كذلك بل هو متعلق به، وبما قبله من قوله:
مواضع السجود أيضا، فإن المساجد على كلا الاحتمالين جمع مسجد بالفتح. قوله: (فإنه واقع موقع كلامه عن نفسه) أي أنه على جعله من الموحى إليه فالقراءة بالفتح، إذ كان أصله، وإني لما قمت فهو تعبير عن نفسه، فلذا قال عبد الله تواضعاً منه، وعلى القراءة الأخرى هو للإشعار فقط، وقوله: والإشعار الخ، فإنّ المقتضي للقيام للعبادة
стр. 2997
هو العبودية وفي كلامه إيهام لتعلق يدعو لقيامه، على أنّ المعنى قيامه للعبادة. قوله: (كاد الجن الخ) الضمير يحتمل عوده للجن أو للإنس، أو للكل، فعلى قراءة الفتح، وجعله من الموحي الضمير للجن، أي أوحى إليه حالهم لما رأوه يصلي، وعلى الكسر فالضمير للمقتدين به من الأصحاب، وهو من مقول الجن، وقوله: متراكمين تفسير لقوله: لبداً، أي مجتمعين مزدحمين حوله. قوله: (أو كاد الإنس والجن) على أنّ الضمير عامّ للفريقين، واجتماعهم لإبطال أمره، ويدعو من الدعوة لا بمعنى العبادة على هذا، وهذا على قراءة الكسر، وكونها جملة مستأنفة إبتداء إخبار منه تعالى عن حال رسوله تمهيداً لما بعده، وتوكيداً لما قبله، مقابلاً لقوله: وإنّ المساجد دلّه، كأنهم لما نهوا عن الشرك ودعوا للتوحيد قابلوه بالعداوة والجد في نقض أمره، وقوله: لبدة بكسر اللام وسكون الموحدة، وتلبد بمعنى اجتمع، ولبدة الأسد الشعر المجتمع بين كتفيه، وقوله: وعن ابن عامر الخ، أي قرأها بضم اللام وفتح الباء، جمع كزبرة وزبر، وهي لغة في جمعه، وروي عن ابن عامر الكسر أيضا، وكلاهما صحيح كما في الن! ثر، وقوله: لبداً كسجد بالضم والتشديد، وقوله: لبد بضمتين، والقراآت فيه مبينة مفصلة في النشر. قوله: (يوجب تعجبكم) هذا على كون الضمير للجن، وقوله: أو إطباقكم على مقتي وبغضي، على أن الضمير للجن والإنس جميعا، وقوله: عاصم وحمزة هو رواية عن أبي عمرو أيضاً، وقوله: ولا نفعاً فسر الرشد بالنفع لوقوعه في مقابلة الضر، وكذا تأويل الضرّ بالغيّ لوقوعه في مقابلة الرشد، فلا بد من تاويل الأوّل أو الثاني. قوله: (عبر عن أحدهما الخ) يعني إمّا أن يراد بالرشد النفع تعبيرا باسم السبب عن المسبب، أو يراد بالضرّ الغي تعبيرا باسم المسبب عن السبب، ففيه لف ونشر مرتب، ووجه إشعاره بالمعنيين أنّ السبب يشعر بالمسبب كعكسه، ويجوز أن يجرد من كل
منهما ما ذكر في الآخر، فيكون احتباكا، فالتقدير لا أملك لكم ضرا ولا نفعاً ولا غبار ولا رشداً، وقوله: منحرفا هو معناه الحقيقيّ، وملتجأ هو المجازي المراد، وقد جوّز فيه الراغب كونه اسم مكان ومصدرا. قوله: (استثناء من قوله: لا أملك الخ) يعني أنه استثناء من مفعوله، أعني ضراً ورشدا لأنه في معنى لا أملك شيئا كما في الكشف، وهو متصل، وظاهر قول المصنف رحمه الله تعالى، فإن التبليغ الخ، أنه مستثنى من رشد أوحده، والاستثناء من المعطوف دون المعطوف عليه جائز، والأوّل أولى ولفظ الإنفاع خطأ كما مرّ، لأنه لم يسمع له مزيد، وقوله: اعتراض الخ دفع للاعتراض بكثرة الفصل المبعدة له، والاستطاعة تؤخذ من توله: لا أملك لأنه بمعنى أقدر وأستطيع، وقوله: أو من ملتحداً فالاستثناء منقطع لأن البلاغ من الله، وقيل: إنه من التعليق بالمحال، كقوله: ﴿إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [سورة الدخان، الآية: ٥٦، وجوّز صاحب الكشف في الأوّل إن لم يؤوّل شيئاً أن يكون كقوله:
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم
الخ. قوله: (ومعناه أن لا أبلغ الخ) وفي الكشاف معناه أن لا أبلغ بلاغا، كقولك: إلا
قياماً فقعودا، وظاهره أنّ المصدر سد مسد الشرط كمعمول كان، والأكثر على أنّ حذف جملة الشرط مع بقاء الأداة جائز، وذهب أبو حيان وغيره إلى أنه لا يحذف إلا مع بقاء لا النافية، كقوله:
وألا يعل مفرقك الحسام
وان اختار في شرح التسهيل الجواز مطلقاً، واعترض بأنه كيف يقع الخلاف فيه، واشتراط بقاء لا مع ورود مثل قوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ [سورة التوبة، الآية: ٦] والناس مجزيون بأعمالهم إنّ خيراً فخيرا، لا أن يراد حيث يكون الشرط منفياً بها، إلا أنه لا يحذف إلا حيث ينفي بها مطلقاً فيسهل الأمر حينئذ، وليس بشيء فالظاهر أن اطراد حذفه مشروط ببقاء لا، ما لم يسد مسد شيء من معمول أو مفسر، وهو مراد النحاة فلا يرد ما ذكره. قوله: (وما قبله دليل الجواب الا اعتراض كما قيل، وفي منافاته للاعتراض نظر، وقوله: عطف على بلاغاً لا ينبغي تقدير المضاف فيه، أي بلاغ رسالاته، فإنه يكون من عطف الشيء على نفسه إلا أن يوجه، بأن البلاغ من الله فيما أجد عنه بغير واسطة، والبلاغ ما هو بها وهو بعيد غاية البعد. قوله: (في الأمر بالتوحيد الخ (إن كان المراد بالرسول رسول البشر وهو الظاهر، فالمعنى في شأن الأمر بالتوحيد وأمثاله، وإن كان رسول الملائكة فالمراد أن لا يبلغ
كما وصل إليه، وقوله: إذ الكلام الخ، يعني أنه مخصوص بقرينة المقام، فلا يصح استدلال المعتزلة به على تخليد العصاة في النار، وقوله: وقرئ فإنّ أي بفتح الهمزة، وقوله: على فجزاؤ. أن أي يجعل خبر مبتدأ مقدر تقديره
стр. 2998
جزاؤه وإن الخ، خبره وقوله: جمعه للمعنى أي لرعاية معنى من، ولو راعى لفظه قال: خالدا.
قوله: (والغاية لقوله يكونون الخ (يعني إن فسر باً لتجمع للعداوة، فهو غاية له وعلى
الوجه الآخر متعلق بمحذوف دلت الحال عليه، كأنه قيل: لا يزالون يستضعفونه، حتى إذا رأوه ما يوعدون تبين لهم المستضعف من هو، وأمّا جعله غاية لقوله: نار جهنم، فركيك جداً مع أنه يأباه ما بعده وما قبله، وأمّا استعباده بطول الفصل فليس بشيء كما توهمه أبو حيان، فإنه لا مانع من تخلل أمور غير أجنبية بين الغاية والمغيا، وقوله: ما أدري بيان لأنّ إن نافية هنا. قوله: (غاية تطول مدّتها الخ الما كان التقابل يقتضي أن يقال: أقريب أم بعيد، أو أله أجل وأمد أم لا، أوّله المصنف رحمه الله تعالى بالأمد البعيد بقرينة المقابلة، وإن كان الأمد وضعا شاملا لهما، ولذا وصف بقوله تعالى: ﴿تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [سورة آل عمران، الآية: ٣٠] وفي الكشاف المعنى ما أدري أهو حال متوقع في كل ساعة أم مؤجل له غاية مضروبة، وما ذكره المصنف رحمه الله تعالى أولى وأقرب. قوله:) هو عالم الغيب (يعني هو خبر ضمير محذوف، واضافته محضة لقصد الثبات فيه، فيفيد تعريف الطرفين فيه التخصيص لأنّ الكلام وقع تعليلاً لنفي الدراية، كأنه قيل: ما أدري قرب ذلك الموعد وبعده، إلا أن يطلعني الله عليه، لأن علم الغيب مختص به وقد يطلع عليه بعض خلقه. قوله: (على الغيب المخصوص به علمه الإفادة الإضافة الاختصاص واختصاصه به تعالى لأنه لا يعلمه بالذات والكنه علماً حقيقيا يقينيا بغير سبب، كاطلاع الغير إلا الله، وعلم غيره لبعضه ليس علما للغيب، إلا بحسب الظاهر، وبالنسبة لبعض البشر كما ذكره بعض المحققين فلا منافاة، لقوله: بعده لعلم بعضه، حتى يقال عليه إنه بعد ما حمل الغيب على الغيب المخصوص به علمه كيف يقول لعلم بعضه حتى يكون له معجزة، وتكلف بعضهم الجواب عنه، بأنّ المراد بالغيب المخصوص به ما لم ينصب عليه دليل، ولا يقدج في هذا الاختصاص كونه معلوما للغير بإعلامه تعالى إذ الاختصاص إضافيّ بالنسبة إلى من عدا المستثنى. قوله:) ١ لا من ارتضى (يصح في هذا الاستثناء الاتصال، وهو الظاهر، والانفصال بناء على التخصيص أو عدمه كما في
بعض الحواشي. قوله: (واستدل به على إبطال الكرامات) فيه كلام من وجهين الأول إنه لا دلالة فيه إلا على إبطال كرامة علم الغيب لا غير، والقول بأنه لا قائل بالفصل لا يتمشى في أمثال هذه المطالب، وادعاء دلالة النص ليس بشيء، لأن الخارق للعادة ليس مساويا لإظهار الغيب بل أقوى منه، إذ الأوّل قد يعرف بحدس ونحو.، وفي شرح المقاصد ليس هذا بقادج في حكم المقام، لأن مدعي أهل السنة حقية كرامات الأولياء جميعها، وأدلة الخصم بعضها يدل على إبطال الجميع، وبعضها على إبطال البعض، وهو الإخبار بالغيب إذ به يحصل بطلان ما ادعيناه من حقية جميعها، فلا يرد عليه إنه لا دلالة فيه إلا على إبطال كرامة علم الغيب لا غير فتأمله. الثاني إن كلامه لا يخلو من أن يكون مبنياً على جوابين كما في التفسير الكبير، حيث قال: الغيب مخصوص بوقت وقوع القيامة بدلالة السياق، والرسول بالملك فإنه تعالى يطلع الملائكة عليه يوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلاً، ويجاب أيضاً بتخصيص الإظهار بما يكون بغير واسطة، ويرد على الأول إنه كيف يصح هذا بعد قوله: ليكون معجزة، والمعجزة إنما هي لرسل البشر دون الملائكة، وأجيب بأنه غير مرضي له، وأنما قدّم لإيجازه وليفرغ منه إلى الأهم عنده كما هو دأب المصنفين، وقيل: كلاهما ليس بمرضي له، وأنما المرضي له ما أشار إليه في أثناء تفسير النظم من تخصيص الغيب، وحمل الرسول على المتعارف لدلالة السباق والسياق عليه، وأما هذا فالعهدة فيه على القوم، وأورد على الثاني أن الرسل لا يطلعون بغير واسطة، وقصة المعراح، وتكليم موسى ﵊ يرده، أو جواباً واحداً كما ارتضاه البعض، وهو الظاهر من عطفه بالواو، وقيل: وهو مخالف لقوله: حتى يكون معجزة، ومقتضى لزوم الواسطة للإظهار للأنبياء عليهم الصلاة والسلام وهو غير صحيح لقصة المعراج وغيرها، ولا يرد عليه أنه وارد على الجواب الأول عند القائل بالتعدد لأنه غير مرضي له، لا يقال: إذا خصص الغيب بالقيامة أو بغيرها مما يتعلق بذاته لا يرد المعراج ونحوه، لأنا نقول حينئذ لا يصح الاستدلال ولا يحتاج إلى الجواب، وهذا معنى ما قيل إنّ كلامه لا يخلو من الخلل والإخلال، ولبعض أهل العصر هنا كلام طويل بلا طائل. قوله: (وكرامات الأولياء الخ) يرد
стр. 2999
عليه إن الإمام الغزالي رحمه تعالى قال: الفرق بين الولي والنبيّ نزول الملك فإنّ الولي يلهم والنبيّ ينزل عليه الملك مع كونه يكون ملهماً فإنه جامع بين النبوّة والولاية، وتنبه له بعض أرباب الحواشي ففسر التلقي من الملك بالإلهام لأنه من نفث الملك بالروع وهو خلاف الظاهر ووده الشيخ الأكبر في الفتوحات، وقال: إنه غلط من قائله دال على عدم ذوقه والفرق بينهما إنما هو فيما ينزل به الملك لا في نزوله فإنه ينزل على الرسول والنبيّ بخلاف ما ينزل به على الولي التابع، وقد ينزل عليه بالبشرى والفوز والأمان في الحياة الدنيا كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [سورة
فصلت، الآية: ٣٠] إلى آخر ما فصله فأعرفه. قوله: (ليعلم المرتضي) فسره بما يشمل الوجهين وكذا ما بعده محتمل لهما خلافاً لمن قصر بعضها على بعض. قوله تعالى: ( ﴿وَأَحَاطَ﴾ ) قيل: هو معطوف على أبلغوا إن كان ضمير ليعلم للنبيّ الموحى إليه وأما إن كان الضمير لله فهو عطف على لا يظهر أي عالم الغيب فلا يظهر وأحاط بما عند الرسل وأحصى كل شيء عددا ويجوز هذا أيضاً على التقدير الأوّل وقيل: جملة أحاط حالية بتقدير قد وفيها دفع للتوهم الناشئ من الكلام السابق، وقوله: ليتعلق به علمه إشارة إلى أنّ علمه قديم، والمقترن بالزمان تعلقه بالمعلوم وإن تعليل هذا بالعلم الأزلي غير مراد بل هو معلل بتعلقه الحادث واظهاره ليتعلق به الجزاء كما في قوله: ﴿نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ﴾ كما مرّ تحقيقه وقوله: كما هي أي من غير تغيير وتبديل، وقوله عن النبيّ ﷺ الخ حديث موضوع تمت السورة.
سورة المزمل ﷺ
هي مكية بجميعها، وقيل: إلا آيتين منها واصبر على ما يقولون وما يليها وقيل، وقوله:
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ﴾ إلى آخر السورة وآياتها فيها اختلاف كما ذكره المصنف وقيل: هي ثمان عشرة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (وقد قرئ به (هي قراءة لأبيئ على الأص! وهي شاذة وقوله: وبالمزمل أي بتخفيف الزاي على أنه اسم مفعول أو فاعل من زمل بزنة فعل والكسر قراءة عكرمة، وقوله: الذي زمله غيره هو بيان له على قراءة الفتح وقوله: أو زمل نفسه على قراءة الكسر لأن ذكر الفاعل دون المفعول يدل على أنه حذف مفعوله للعلم به أو نزل منزلة اللازم فلذا لم يبن للمفعول ففيه لف، ونشر مرتب وما قيل من أنه متجه على القراءتين لا وجه له وكذا ما قيل إنه متعبر في الثاني ضرورة فإن تلت: لا بد من أن يكون زمل نفسه أو زمله غيره فأحدهما متعين، والقرا آت كلها متواترة فكيف اجتمعا قلت: هو زمل نفسه من غير شبهة فإن نظر إلى أن كل أفعاله من الله فقدر زمله غيره فلا يرد هذا كما توهم حتى يقال: إنه زمل نفسه، أولاً ثم نام فزمله غيره أو يعكس ولو ترك مثله رأساً كان أحسن، وقوله: سمى به النبيّ-لمجي! أي أطلق عليه في القراآت كلها. قوله: (تهجينا لما كان عليه (التهجين التقبيح وقد تبع في هذه العبارة الزمخشريّ، وشنع عليه صاحب الانتصاف فيها، وقال: إنّ فيه سوء أدب وهو كما قال: واما اعتذاره عنه في الكشف بأنه من ليطف العتاب الممزوج بالرأفة وقد خوطب بما هو أشد منه في قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ فليس بشيء لأنّ الله له أن يخاطب حبيبه بما شاء ونحن لا نجري على ما عامله به بل يلزمنا الأدب والتعظيم لجنابه الكريم، ولو خاطب بعض الرعايا الوزير بما خاطبه به السلطان طرده الحجاب وربما كان العقاب هو الجواب، والحق ما قاله السهيلي رحمه الله تعالى: من أنه تأنيس له وملاطفة على عادة العرب في اشتقاق اسم للمخاطب من صفته التي هو عليها كقوله-! فه لعلي كرّم الله وجهه: " قم يا أبا تراب " قصدا لرفع الحجاب وطيّ
بساط العتاب وتنشيطاً له ليتلقى ما يرد عليه بلا كسل:
وكل ما يفعل المحبوب محبوب
قوله: (لما كان عليه (متعلق بتهجينا، والمراد نومه متزملاً كما يفعله من لا تهمه الأمور والثؤون على ما في الكشاف وفيه ما فيه، وقوله: أو مرتعداً على ما روي في حديث بدء الوحي، وقوله: دهشة قيل الصواب أدهشه لأن دهش كفرح لازم بمعنى تحيروا أما دهش فهو مدهوش فوضع على صيغة المجهول كزهي ومن ضبطه بالتشديد من التفعيل فقد تعدى المعروف في استعماله
стр. 3000
والمصنف كثيرا ما يتسامح في أمر التعدية فلو قيل: إنه ضمنه معنى حير فعداه لم يبعد. قوله: (أو تحسيناً له (هذا أيضاً غير ملائم للسياق لأنه لو استحسنه لم يقل له: قم بل يقول كما قال:
أيها الراقد في لذاته نم هنيئا إنّ عيني لم تنم
وقوله: إذ روي الخ هذا لم يصح وحديث مرط عائشة في ليلة النصف من شعبان بالمدينة لا في بدء الوحي، وقد اعترض عليه في الانتصاف بأن السورة مكية وبناؤه ﷺ على عائثة كان بالمدينة، وإنما كان ذلك في بيت خديجة كما ورد في الأحاديث الصحيحة والتصدي لتوجيهه بما في جامع الأصول من أنه-شي! تزوج عائشة بمكة قبل الهجرة بثلاث، ودخل عليها بالمدينة فيجوز أن يبيت ليلة في بيت الصديق بعد العقد ويتغطى ببرد لها وباقيه عليها فحكته بعد ذلك أم المؤمنين ﵂ تكلف لا يتأتى مع مخالفته الأحاديث الصحيحة، ومثله لا يكفي فيه مجزد الاحتمال وقد عرفت أنّ هذا الحديث المذكور لم يقع في الكتب الصحيحة كما قاله ابن حجر قال أبو حيان: إنه كذب صريح فترك الاشتغال بالقيل، والقال فيه هو الصواب وقوله: مفروش على عائشة الأحسن أن يقول مطروج، ونحوه إذ القرس يكون على الأرض وما ضاهاها والمرط بكسر الميم كساء من صوف. قوله: (أو تشبيها له في تثاقله الخ) يعني أنه استعارة فشبه عدم التمرن فيما ذكر بالنوم على فراش مغطى ووجه الشبه تعطيل الأمور أو التثاقل فيها وحمله على التجوّز مع صحة الحمل على المعنى الحقيقي كما مز
لأنّ القرينة غير قطعية، ولو جعل كناية كان أنسب بقواعد المعاني والأحسن تركه لما فيه من سوء الأدب كالوجه الأوّل مع مخالفته للقواعد أيضا. قوله: (أو من تزمل الزمل) بالكسر كالحمل لفظا ومعنى فهو استعارة أيضا لكن وجه الشبه فيه مختلف ففي الأول ما مر، وفي هذا شبه إجراء التبليغ بتحمل الحمل الثقيل، ووجه الشبه ما فيهما من المشقة وهذا أحسن مما قبله لكن يرد عليه إنه مع صحة المعنى الحقيقي واعتضاده بالأحاديث الصحيحة لا وجه لادعاء التجوّز فيه وسيأتي في أول المدثر تحقيقه إن شاء الله. قوله: (أي قم إلى الصلاة) هذا على غير وجه التحسين له إذ قام يصلي وفوله: أو داوم عليها على ذلك الوجه ولا وجه لتخصيص الأول بالأوّل والثاني بالثاني كما قيل، والظاهر أنّ معمول قم مقدر عليهما والليل منصوب على الظرفية أو على التوسع والإسناد المجازي، وكسر ميم قم عند الجمهور لالتقاء الساكنين وقرأها أبو السماك بالضم اتباعا لحركة القاف وفتحت أيضاً للتخفيف. قوله: (ونصفه بدل من قليلاَ الخ) ذكروا فيه وجوهاً أربعة كما في الكشاف مع كلام فيه فالأول هذا، وهو أن يكون الاستثاء من الليل ونصفه بدلاً من قليلا وهو الوجه الثاني في الكشاف وقدمه المصنف لظهوره وسهولة مأخذه، وموافقته لقراءة النصب ومعناه التخيير بين قيام الضف وما فوقه وما دونه، وضمير منه وعليه حينئذ للنصف بلا كلام إنما الكلام في ضمير نصفه فإن أبا حيان أورد عليه إنه لا يخلو من عود. على المبدل منه أو على المستثنى منه ولا يجوز الأول لأنه يكون استثناء مجهول من مجهول إذ التقدير إلا قليلاً نصف القليل ولا الثاني لأنه يلغو فيه الاستثناء إذ لو قيل: قم الليل نصفه أو زد عليه، أو انقص أفاد معناه على وجه أوضح وأخصر وأبعد من اللبس وقد رده المعرب بأن قوله: استثناء مجهول من مجهول غير صحيح لأنّ الليل معلوم، وكذا بعضه من النصف وما دونه وما فوقه مع أنه لا ضير في استثناء المجهول من المعلوم نحو فشربوا منه إلا قليلا فالصواب إبدال مجهول من مجهول مع أنه لا محذور فيه كجاءني جماعة بعضهم مشاة فمن ظنه محذوراً حتى عين الثاني لم يصب وعلى الثاني ليس الاستثناء لغواً لأن فيه تنبيهاً على تخفيف القيام، وتسهيله لأن قلة أحد النصفين تلازم قلة الآخر وتنبيهاً على تفاوت ما اشتغل بالطاعة وما خلا منها لإشعاره بأنّ البعض المشغول بذكر الله بمنزلة الكل مع البيان بعد الإبهام الداعي للتمكن في الذهن وزيادة التشويق، وقد استدل به من قال: يجوز استثناء النصف وما فوقه على ما فصل في الأصول. قوله: (وقلته بالنسبة إلى الكل) جواب عما يرد عليه من أن النصف كيف يكون قليلاً، وهو مساو للنصف الآخر بأن القلة بالنسبة إلى الكل لا إلى عديله والتزامه بجعل النصف المتحلى بالعبادة لما عف ثوابها كأمثالها وزيادة زيادة على الآخر فلذا
جعل قليلاَ خلاف الظاهر
стр. 3001
ولذا لم يعرج المصنف عليه لأن القلة تعتبر في كمية الزمان ولا زيادة فيها والكيفية زيادة ونقصها لا يسمى قلة وكثرة حقيقة بل قوّة وضعفا كما لا يخفى. قوله: (أو نصفه بدل من الليل) بدل بعض من كل وهذا هو الوجه الثاني فهو على نية التقديم، والتأخير وضمير منه وعليه للأقل من النصف المفهوم من مجموع المستثنى والمستثنى منه لأن تقديره قم نصف الليل المخرح قليل منه، وهو الأقل والأقل من النصف الثلث مثلا، والنقص منه بقيام الربع والزيادة على الأقل بقيام النصف وما فوقه فالتخيير على هدّا بين النصف وبين الأقل والأكثر من الأقل، وهو النصف يعني بين الأقل من النصف والأقل من الأقل والا زيد منه وهو النصف بعينه والفرق بينه، وبين الأوّل من وجهين اختلاف مرجع الضميرين وإن الزائد على النصف في الوجه الأوّل داخل في التخيير وفي هذا خارج لأنّ ما-له إلى التخيير بين النصف والثلث والربع وخالف الزمخشريّ في هذا الوجه حيث جعل التخيير فيما وراء النصف والداعي لمخالفته إنه يوافق قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى﴾ [سورة المزمل، الآية: ٢٠] الآية في قراءة الجر في نصفه وثلثه وفيه تكلف، وإن وجهه صاحب الكشف بما فيه دقة فليحرر ٠ قوله: (أو للنصف) هذا هو الوجه الثالث، وهو على التقديم والتأخير أيضاً لكن ضمير منه وعليه فيه للنصف لا للأقل منه كما في الوجه الذي قبله، وقوله: والتخيير الخ في الكشف وللاعتناء بشان الأقل لأنه الأصل الواجب كرره على نحو أكرم إمّا زيداً وامّا زيداً أو عمراً، وفيه تكلف لأنّ تقديم الاستثناء على البدل ظاهر في أنّ البدل من الحاصل بعد الاستثناء لأنّ في تقدير تأخير الاستثناء عدولاً عن الأصل من غير دليل ولأنّ الظاهر على هذا رجوع ضمير منه، وعليه إلى النصف بعد الاستثناء لا للنصف المطلق كما في الوجه الآخر، وأيضا الظاهر إنّ النقصان رخصة لا أنّ الزيادة نفل والاعتناء بشأن العزيمة أولى انتهى، وقد قيل عليه إنّ ما ذكره أولاً يرد على الوجه الثاني، وقوله: الظاهر أن النقصان رخصة محل نظر إذ الظاهر إنه من قبيل فإن أتممت عشراً فمن عندك فالتخيير ليى على حقيقته ولو سلم فالأصل لأصالته واشتماله على تخفيف المشقة أولى بالاهتمام به، وفيه بحث وقد قيل هنا وجه آخر، وهو أن يكون نصفه بدلاً من الليل الذي استثنى منه القليل، والتقدير قم الليل إلا قليلا قم نصف الليل أو أنقص! من النصف قليلاً أو زد على النصف فعلى هذا هو كالوجه الأول أيضا التخيير فيه بين قيام النصف والزائد عليه والناقص عنه، ويكون قوله: أو أنقص عطفا على قم المسلط على نصفه والقليل المستثنى مقدار ما تستريح النفس بالنوم فيه وتنشط للتهجد وذلك القليل بالنسبة إلى الكل إمّا النصف أو أكثر منه بقليل أو أقل منه على ترتيب المخير فهي فتأمل. قوله: (أو الاستثناء من
إعداد الليل الا من أجزائه فإن تعريفه للاستغراق إذ لا عهد فيه، وقوله: والتخيير بين قيام النصف الخ فالضمير راجع إليه باعتبار الأجزاء ففيه استخدام حينئذ أو شبهة فتدبر، وقد قيل: إنّ قيام الليل كان فرضا في صدر الإسلام قبل الصلوات الخمس فلما فرضت نسخ هذا كما فصله الزمخشري. قوله:) على تؤدة) بضم المثناة وفتح الهمزة وهو التمهل، وقوله: رتل بسكون التاء ورتل بكسرها واما رتل بفتحتين فمصدر كما في القاموس فضبطه به هنا سهو والمفلج بتشديد اللام اسم مفعول من الفلج وهو أن لا تكون الأسنان متصلة وهو ممدوج لأنه أزين وأنقى للفم. قوله: (إذ كان عليه الخ (هذا هو الصحيح الموافق لما في الكشاف وفي نسخة إذا وهي تحريف، ويجوز أن يكون احترازاً عن القصص والخصائص، وقوله: والجملة تعريفه للعهد يعني إن قوله: إنا سنلقي معترضة بين المعلل، وهو الأمر بقيام الليل والمعلل وهو إن ناشئة الليل الخ، وقيل: هي قوله: ورتل القرآن وهذه قال الطيبي وهو الأظهر لأنها اعترضت بين كلامين متصلين وفي الكشف إنه لا وجه له، وقوله: يسهل التكليف الخ بيان لفائدة الاعتراض وقوله: بالتهجد متعلق بقوله: بالتكليف يعني إنه سيرد عليك في الوحي المنزل عليك تكاليف شاقة هذا بالنسبة إليها سهل فلا تبال بهذه المشقة وتمرن بها لما بعدها، وقوله: ويدل على أنه أي التهجد فهو ثقيل على النفس لأنها تألف نوم الليل والهدو فيه فبينه وبين القرآن مناسبة في ثقل كل منهما على النفوس، وقوله: مشق قيل إنه لم يسمع له فعل مزيد من الأفعال فالأولى أن يقول شاق، وقوله: مضاذ للطبع أي لمقتضاه وهو بالضاد المعجمة وكونه بالمهملة
стр. 3002
مفاعلة من الصد كما قيل: لا يلتفت إليه. قوله:) أو رصين لررّانة لفظه (معطوف على قوله: ثقيل، وهو تفسير آخر له فمعنى كونه: ثقيلآ إنه لأحكام لفظه وقوة معانيه أطلق عليه ثقيل بمعنى راجح على ما عداه لفظا ومعنى لأنّ الراجح من شأنه ذلك فتجوز به عنه، وقوله: أو ثقيل على المأمل الخ هو مجاز أيضا عن المشقة كما في الوجه الأول، وتصفية السر بمعنى الإخلاص وتوجيه الذهن، وقوله: في الميزان عبارة عن كثرة ثواب قارئه فهو تجوز أيضا باستعماله في لازمه، وقوله: على الكفار أي صعب. قوله:) أو ثفيل تلقيه (يعني يثقل عليه نزوله والوحي به بواسطة الملك فإنه كان يوحي إليه على أنحاء منها أن لا يتمثل له الملك، ويخاطبه بل يعرض له حال كالغشي لشدة انجذاب روحه للملأ الأعلى بحيث يسمع ما
يوحى به إليه ويشاهده، ويحسه هو دون من معه وفي هذه الحالة كان يحس في بدنه ثقلا بحيث إن وركه كان على فخذ بعض الصحابة في تلك الحالة فكادت تكسرها، وهذا لا يعلم حقيقته بالتقرير، وقوله: فيفصم من أفصم إذا أقلع ومعناه يفارقه، وقوله: يرفض بالفاء والضاد المعجمة بمعنى يسيل. قوله: (وعلى هذا) أي على هذا الوجه دون الوجوه المتقدمة يجوز كونه صفة للمصدر فينتصب انتصابه لقيامه مقامه، والتقدير إلقاء ثقيلاً فليس صفة قول حينئذ، وقوله: والجملة أي جملة إنا سنلقى أيضاً على هذه الأوجه ظاهره إنه على جميعها ما عدا الأول فإنها فيه معترضة كما صرّح به وهو كذلك لأنّ أحكامه ومتانة معانيه تناسب قراءته ليلا في التهجد ليتدبرها، وكذا ما بعده في احتياجه للتأمل وكذا كثرة ثوابه تخفف ثقله ومشقته، وكذا صعوبته على الكفار تقتضي قراءته ليلاً لئلا يؤذوه وهو حكمة الأسرار في صلاة النهار أوّلاً وكذا ما بعده، فما قيل من أنه لا يتمشى في بعض الوجوه فهو تغليب كلام ناشئ من قلة التأنل فيه، وقوله: مستأنف خبر وكان الظاهر أن يقول مستأنفة، وقوله: للتعليل متعلق به أو خبر أوّل. قوله: (من نشأ من مكانه إذا نهض وقام (وفي شرح البخاري للكرماني نشأ بمعنى قام لغة حبشية عرّبوها والذي ذكره اللغويون إنه عربي من نشأت السحابة إذا ارتفعت، والمراد به النفس القائمة كما بينه المصنف ﵀، وقوله: نشأنا البيت لا أعرف صاحبه، وقوله: نشأنا بمعنى قمنا ونهضنا، وخوص جمع خوصاء وهي الناقة الغائرة العينين من الهزال وهو المراد هنا، وقيل: الناقة الضخمة وتوصف به الأعين وقد تلطف بعض المتأخرين في قوله:
لطيبة قدحثتنا النوق نسري وأعينهن نحوالنخل خوص
وبري بمعنى أذهب مستعار من بري العود والقلم وألصق بمعنى نكس وخفض ونيها بفتح
النون بمعنى شحمها وصحح الفتح في الكشف، والذي في القاموس الكسر وبعدها مثناة تحتية مشذدة، والمشرفات العالية والقماحد جمع قمحدة وهي ما خلف الرأس يقول: قمنا إلى نياق هزلت من كثرة السير، وقوله: أو قيام الليل فهي مصدر من نشأ بمعنى قام كالكاذبة، وقوله: على أنّ الناشئة له أي لليل يعني مسندة إليه مجازا كما يقال: قام ليله وصام نهاره وليس المراد إنها موضوعة له كما توهم، وقيل المراد إنّ إضافته على معنى اللام وقوله: أو العبادة التي تنشأ بالليل على أنّ الإضافة اختصاصية أو بمعنى في أو هو كمكر الليل على التجوّز في النسبة، واذأ
كان بمعنى الساعات فالإضافة اختصاصية، وقوله: تحدث واحدة بعد أخرى أي متعاقبة فلا يرد عدم شأوله للساعة الأولى مع أنه على التغليب فلا حاجة لتعميمه لآخر ساعات النهار كما قيل. قوله: (هي أشدّ وطأ) من مقابلها على التفاسير السابقة ووطأ منصوب على التمييز، وقوله: كلفة أي تكليفا ومشقة تفسير لوطأ على أنه من قوله: اللهمّ اشدد وطأتك على مضر كما مرّ تحقيقه في سورة الفتح فيكون على هذا أفضل، وإذا كانت بمعنى الثبات فهي من وطئ الرجل الأرض فيكون أفضل، وأوفق بمبادي حاله فإذا أريد الساعات كلها أو بعضها يكون المراد القيام فيها، وقوله: وقرأ أبو عمرو الخ بكسر الواو وفتح الطاء والمذ بعده على أنه مصدر واطا وطاء كقاتل قتالاً. قوله: (لها أو فيها (الأوّل على أنّ المراد بالناشئة النفس أي أشد وطأ لمواطأة القلب، وقوله: فيها على إنّ المراد بالناشئة القيام أو العبادة أو الساعات أي أشدّ وطأ لمواطأة قلب القائم فيها لسانه والإسناد على هذا مجازي. قوله: (أو موافقة) معطوف على قوله: مواطأة القلب، والمواطاة
стр. 3003
الموافقة فيهما إلا أنه على الأوّل اعتبر التوافق بين القلب واللسان وعلى هذا بين الحال، والمراد لله وهو على الوجوه كلها ولا يخفى أن الخضوع والإخلاص في الليل أقوى منه في النهار، وقوله: وأسد مقالاً من السداد بالسين المهملة وأحسن في تفسير مقابل الأشدّ بالأمد وقيلا فيهما مصدر لكنه في الأوّل عامّ للأذكار والأدعية وفي الثاني مخصوص بالقراءة، وحضور القلب مجاز عن عدم تشتيت الأفكار وهدّوا لأصوات بالدال المهملة سكونها وكل منهما راجع لكل مما قبله لا أنه لف ونشر إذ لا داعي للتخصيص فيه. قوله: (تقلباً في مهماتك) جمع مهمّ وأصل السبح المرّ السريع في الماء فاستعير للذهاب مطلقاً كما قاله الراغب وقوله: قرئ سبخا أي بالخاء المعجمة والنفش بالنون والفاء والشين المعجمة تفريق أجزاء ما ليس بعسر التفريق كالقطن والصوف فقوله: ونشر أجزائه تفسير له. قوله: (ودم على ذكره) فسره به لأنه لم ينسه حتى يؤمر بذكره والمراد الدوام العرفيّ لا الحقيقي لعدم إمكانه، وقوله: ليلاً ونهارا مأخوذ من ذكره مطلقا بعد تقييد ما قبله ولأنّ مقتضى السياق أنه تعميم بعد تخصيص، وقوله: كل ما يذكره من التذكير، وفي نسخة يذكر به وهي تحتمل التخفيف والتشديد، وقوله: دراسة علم يعني به العلوم الشرعية لأنها هي المذكرة بالله. قوله: (وانقطع الخ) لأنّ البتل القطع، ومنه البتول للمنقطعة عن الرجال، وقوله: جرد نفسك المراد
تفريغها عن غيره وفيه إشارة إلى ما مرّ في قوله: ﴿أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ فتذكره:
فما بالعهد من قدم
حتى يحتاج للإعادة وقوله: ولهذه الرمزة الخ يعني كان مقتضى الظاهر أن يقال: تبتل تبتلا فعدل عنه لما ذكر لمراعاة الفاصلة، وليدل على أنه ينبغي له تجريد نفسه عما سواه ومجاهدته فلذا ذكر التبتيل الدال على فعله بخلاف التبتل فإنه لا يدل إلا على قبول الفعل كالانفعال وهذا أحسن ما في الكشاف. قوله: (وقيل بإضمار حرف القسم) وجه ضعفه ظاهر لأنّ حذفه من غير ما يسدّ مسده وابقاء عمله ضعيف جداً كما بين في العربية مع أنه خص بالجلالة الكريمة نحو الله لأفعلن كذا، وقد نقل هذا التفسير عن ابن عباس ﵄ وقال أبو حيان إنه لم يصح عنه لأنّ إضمار الجارّ لم يجزه البصريون إلا مع الجلالة خاصة، ولأنّ الاسمية المنفية في جواب القسم تنفي بما لا غير، وتنفي بلا الفعلية وردّه العرب بأنّ ابن مالك أطلق في وقوع الجملة المنفية اسمية أو فعلية جوابا للقسم سواء كانت منفية بما أو لا أو إن وهو غير صحيح لأنّ كلامه في التسهيل، وإن كان ظاهره الإطلاق إلا أنه قال في شرح الكافية أنّ الجملة تقع جوابا للقسم مصدرة بلا النافية لكن يجب تكرارها إذا تقدّم خبرها أو كان المبتدأ معرفة نحو والله لا في الدار رجل، ولا امرأة ووالله لأزيد في الدار ولا عمرو فقال ثمة أبو حيان ردّا عليه إنه غلط فإنّ النحاة لم يذكروا وقوع الاسمية منفية بلا في جواب القسم فكيف يرد عليه بما يعتقده، وهما وغلطا ومن الناص! من اغتر به هنا. قوله: (مسبب عن التهليل) أي قوله: لا إله إلا هو، ولذا قال: بعده فإن توحده الخ لا يقال إنّ هذا مقتضى ألوهيته لا مقتضى الوحدانية فإنّ مقتضاها أن لا يوكل إلا إليه لأنه لو كان له سبحانه شريكا لم يستلزم ذلك أن يفوّض له الأمور لجواز تفويضها لغيره من الآلهة، وقيل المراد الاتكال النافع وهو لا يكون إلا بالتوحيد فتأمّل. قوله: (بأن تجانبهم وتداريهم اليست المجانبة مخصوصة بالقلب فإنّ الآية مكية قبل الأمر بالقتال والمكافأة المجازاة على فعلهم وكفرهم، وقوله: تكل الخ إشارة إلى اتصاله بما قبله وقوله: ﴿ذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ﴾ [سورة المزمل، الآية: ١١] هو معطوف أو الواو للمعية. قوله: (وكل إلئ أمرهم) قدم الجارّ والمجرور للتخصيص كما أشار إليه بقوله: فإنّ بي غنية عنك الخ يعني أنّ قول القائل: ذرني واياه في مقام الأمر بالاستكفاء فيه
مبالغة لأنه أمر بالترك المقتضي لعدم المنع فجعل ترك الاستكفاء منعاً وانه لو لم يكن ذلك لحصلت الكفاية قيل للإشارة إلى أنه في غاية الاقتدار عليه فقوله: ذرني والمكذبين كناية عما ذكر والتنعم الترفه، والتقلب في أنواع النعم. قوله: (زماناً الخ) يعني نصب قليلاً إمّا على الظرفية أو المصدرية وذكره للإشارة إلى أن التفعيل ليس للتكثير في الفعل ولا للتدريج بل لتكثير المفعول، وقوله: تعليل للأمر يعني لقوله: ذرني وما عطف عليه فكأنه قيل: فؤض أمرهم إليّ لأنّ عندي ما انتقم به منهم أشذ الانتقام، وقوله: الئكل بالكسر والفتح القيد الثقيل وقيل الشديد، وعن الشعبي إذا ارتفعوا استقل بهم، وقوله: طعاما ينشب في الحلق أيمما يتعلق به فلا
стр. 3004
يسوغ. قوله: (ونوعا آخر من العذاب (فسره به لأنّ تنوينه للتنويع ولأنه يعلم من المقابلة أيضا، وقوله: لا يعرف كنهه إلا الله من إيهامه وتنكيره. قوله:) ولما كانت العقوبات الأربع) هي النكال وما بعده وشرع في بيان اشتراكها بقوله: فإن الخ والانهماك زيادة التقيد في الاستكثار من الشيء، وقوله: تبقى مقيدة الخ ضمير حبها وبها للشهوات وهو بيان لاشتراكهما في الإنكال والقيود فقيد الأجسام حديد وقيد الأرواح عدم التجريد والبدن لمنعه لها عن الاتصال بعالم القدس والقيود والأغلال، وترك بيان ذكر قيد الجسد لظهوره، وقوله: متحرّقة بالتاء الفوقية أو النون بيان لجحيم الروح، وهو بعدها عن عالم القدس وجحيم البدن معلوم، وقوله: غصة الهجران بيان لما للروح من طعام الفجار وأمّا طعام أولئك في النار فظاهر، وقوله: معذبة بالحرمان إشارة إلى نصيبها من العذاب المبهم، وقد اقتدى بالإمام فيما ذكره فيكون الإنكال وما بعده مشتركاً بين عذاب الروج والبدن، وهو مجاز في الثاني حقيقة في الأوّل فيلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز أو عموم المجاز من غير قرينة، وليس في الكلام ما يدل عليه بوجه من الوجوه. قوله: (فسر العذاب (في قوله: عذابا أليما بالحرمان وهذا جواب لما، وقد أشار لتفسيره بما ذكر قبيله يعني، والحرمان عن لقائه مما يعذب به الأرواح لبعدها وحجبها عمن تحب والأشباج لعدم نظرها وتمتعها بلقاء من تحب، ولما كان الرضوان أعظم ثوابا كان الحرمان أشذ عقابا، ومن العجب ما قيل هنا إنه علق تفسير العقوبة الرابعة بالحرمان عن لقائه على كون العقوبات مشتركة، ومن جملة ذلك كونها معذبة بالحرمان، وفيه رائحة دور وتحير في جوابه، ثم اعترف بأنه تشوّس عليه فهمه، ولا يخفى أن الحرمان الذي جعله مشتركا هو الحرمان من الأنوار القدسية بحيث تبقى في ظلمة الضلال، والغضب والمقت ولا شك في
مغايرته للحرمان عن لقائه تعالى فحديث الدورّ باطل ووجه وقوعه جواباً أنه لما علم أن ما ذكر أمور اشتركت فيها الأرواح والأجساد، ودلّ تنكير العذاب وتهويله على أنه أعظم أنواع العذاب المشترك ولا أشذ مما ذكر فسر به كما أشرنا إليه أوّلاً لكن المدعي محتاج إلى التنوير فتدبر. قوله تعالى: ( ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ﴾ الخ) فيه وجوه فقيل إنه متعلق بذرني، وقيل: صفة عذابا وقيل متعلق بأليماً والذي اختاره المصنف ﵀ إنه منصوب بالاستقرار الذي تعلق به لدينا أي استقر ذلك العذاب لدينا، وظهر يوم ترجف الخ وترجف مبنيّ للفاعل، وقرئ مبنياً للمجهول من أرجف في الشواذ. قوله: (رملاَ مجتمعاً) فهو تشبيه بليغ، وقوله: فعيل بمعنى مفعول أي في الأصل، ثم غلب حتى صار له حكم الجوامد، وقوله: لأنه وفي نسخة كأنه وهي المتداولة، وأنما قال: كأنه لأنّ الظاهر إنه اسم وضع له ابتداء وليس بصفة مشبهة، فما قيل: إنه لا يعرف لإيراد كأنه وجه لا يعرف له وجه وكونها رملا يترتب على الرجفة لكنه ترك فيه ذكر حرف التعقيب، وعبر بالماضي مع أنّ ما تسبب عنه مضارع لتخييل أنه سبق الرجفة فكأنه حصل المسبب قبل السبب مبالغة في عدم تخلفه عنه، واتصاله به حتى يتوهم أنه كان قبله كما قاله بعض الفضلاء، وقوله: منثورا أي صارت ككثيب انتثر وكونه كثيبا باعتبار ما كان عليه قبل النثر فلا تنافي بين كونه مجتمعا ومنثورا وليس المراد إنها في قوّة ذلك، وصدده كما توهم ولا فرق بيته وبين تفسيره بما يطرج تحت الأرجل كما قيل. قوله: (من هيل هيلاَ إذا نثر) كلاهما فعل مجهول، وقوله: يا أهل مكة فيه التفات من الغيبة في قوله: فاصبر على ما يقولون والمكذبين إن كان الخطاب لهؤلاء، والمراد بهم المكذبون من أهل مكة فإن كان هذا عاما فالظاهر أنه ليس من الالتفات في شيء، وقوله: بالإجابة والامتناع عدل عما في الكشاف من قوله: يشهد عليك بكفركم وتكذيبكم لأنّ أهل مكة شامل للمؤمنين والكافرين وتخصيصه لأنه المناسب للمقام فليس ما هنا أولى منه، وقوله: لأن المقصود الخ إذ المقصود ذكر من تكبر على الرسل وعاقبته وقد يقال: لم يعين لأنه معلوم غنيّ عن البيان. قوله: (عرقه لسبق ذكره (ولو نكر أوهم مغايرته له وليس بمراد فالتعريف فيه للعهد الذكري، وقوله: لا يستمرأ أي لا يعد مريئا لذيذاً، وقوله: للمطر العظيم أي العظيم قطره. قوله:) فكيف تتقون أنفسكم (لا يخفى ما فيه فإن اتقى لا يتعدى لمفعولين حتى يقدر له مفعول آخر وأنما الذي غرّه قول الزمخشري في تفسيره فكيف تقون أنفسكم يوم القيامة، وهوله إص وقد ناقشه
стр. 3005
أبو حيان بأن اتقى
متعد لمفعول ووقى لاثنين فكيف يفسر به ولا وجه له وما قيل اعتذاراً للمصنف بأنه جعل يتقون بمعنى يقون فعداه لمفعولين كما فسره به جار الله خطأ صريح كما أنّ ما قبله تعصب قبيح. قوله: (عذاب يوم) يشير إلى أنه مفعول به بتقدير مضاف فيه لأنّ المخوف عذابه لا هو، ولو جعل نفسه مخوفاً لم يبعد، ويكون هذا بيانا لحاصل المعنى وفي الكشاف يجوز في يوما أن يكون ظرفاً أي كيف لكم بالتقوى في يوم القيامة إن كفرتم في الدنيا، ويجوز أن ينصب بكفرتم أي كيف تتقون الله، وتخشونه أي جحدتم يوم القيامة والجزاء، وقوله: وهذا على الفرض والتمثيل بالعطف بالواو في بعض النسخ على أنه وجه واحد، والمعنى أنه شبه يوم القيامة وما فيه من الأهوال بيوم يسرع فيه التسبب لهجوم الهموم والأحزان، ثم أطلق لفظ المشبه به على المشبه وشاع فيه حتى صار مثلا إذ لا يصير الولدان شيباً حقيقة فهو تمثيل بيوم مفروض إذ لا نظير له في الخارج، وأمّا على النسخة المشهورة وهي العطف بأو الفاصلة فقيل عليه إنه لا يعرف له وجه فليتأمّل. قوله: (وأصله أنّ الهموم الخ الأن الروج ينقبض إلى داخل فتنطفئ الحرارة الغريزية ولا تنضج الغذاء فيستولي البلغم على الأخلاط، وهو موجب لابيضاض الشعر بتقدير العزيز الحكيم، ولذا قيل:
فإنّ الشيب نوار الهموم
قوله: (ويجوز أن يكون وصف اليوم بالطول (لتعارفه أولاً فيما بينهم فإذا وصفوا يوما
بأنه طويل يقولون فيه ذلك فكان مقدار أيام لو عدت كانت سنين يبلغ بها الطفل سن الشيخوخة، وورد هذا على ما تعارفوه كقولهم: ما لاح كوكب، ونحو. فلا يرد ما في الكشف من قوله فيه ضعف لأنه أطول من ذاك وأطول فليس المراد على هذا وصفه بالشذة بل هو كناية عن طوله، وليس المراد به التقدير الحقيقي. قوله: (والتذكير) إن قلنا إنه مؤنث سماعي فإن كان يجوز تذكيره وتأنيثه من غير تأويل كما تقل عن الفرّاء فلا حاجة لتأويله والا فيؤوّل بما ذكر، وقيل: هو للنسب أي ذات انفطار، وفيه نظر. قوله: (بشدّة ذلك اليوم) وقع في نسخة باللام ولفظ به متصل بمنفطر وفي غيرها بالباء مع تأخر لفظ به عند. فهو تفسير له، وقوله: على عظمها الضمير للسماء ولم يذكره لإيهامه العود على اليوم وهو متعلق بمشتق، وقوله: الباء للآلة على جعله آلة للشق مبالغة في شدّته. قوله: (الضمير لله العلمه من السياق، وهو مصدر مضاف لفاعله كما أشار إليه المصنف، وقوله: الموعدة بزنة اسم الفاعل مخففا ومشدّداً وجوّز الفتح فيه على معنى موعد بها، وهو تكلف ومعناه الناطاقة
بالوعيد والمراد الآيات القرآنية، وقوله: إن يتعظ قدره به لمناسبة ما قبله وهو قوله: إنّ هذه تذكرة أي عظة والمعروف في مثله أن يقدر من جنس الجواب أي فمن شاء اتخاذ سبيل لله فل، والمراد أنه يستقيم ويحكم عليه بأنه اتعظ إلا أن يراد بمشيثته الاتعاظ الاستطاعة المقارنة للفعل وفيه نظر. قوله: (أي يتقرّب إليه) يعني اتخاذ السبيل سبب للتقرب فذكر السبب وأريد مسببه فهو الجزاء في الحقيقة فالمعنى من نوى أن يحصل له الاتعاظ تقرّب إلى الله فقربه سبب لتقربه له كما يدل عليه عقد الشرطية، وهو سبب بعيد. قوله: (استعار الأدنى الخ) يعني أنه في الأصل اسم تفضيل من دنا إذا قرب فاستعير للقلة بتشبيه أحدهما بالآخر وظاهر كلام المصنف أنه مجاز مرسل، واستعارة لغوية لأن القرب قلة الأحياز بين الشيئين فاستعمل في لازمه وفي مطلق القلة. قوله: (وقرأ ابن كثير الخ) في الكشاف قرئ بالنصسب على إنك تقوم أقل من الثلثين وتقوم النصف والثلث، وهو مطابق لما مرّ من التخيير بين قيام النصف بتمامه وبين قيام الناقصى منه، وهو الثلث وبين قيام الزائد عليه وهو الأدنى من الثلثين، وقرئ بالجرّ أي تقوم أقل من الثلثين ومن النصف والثلث، وهو مطابق للتخيير بين النصف وهو أدنى من الثلثين والثلث وهو أدنى من النصف والربع وهو أدنى من الثلث وهو الوجه الأخير اهـ، وفيه إشارة إلى أنّ الاعتماد على الوجه الثاني والأخير وما سواهما احتمالات كما قيل، والتفاوت بين القراءتين معلوم له تعالى وإن لم يجتمعا لأنّ الاختلاف بحسب الأوقات فوقع هذا في وقت ووقع هذا في آخر فكانا معلومين له والأمر إن كان وارداً كالأكثر لزم إمّا مخالفة النبيّ ﷺ لما أمر به أو اجتهاده والخطأ في موافقة الأمر، وكلاهما غير صحيح أما الأوّل فظاهر وأما الثاني فلأنّ من جوّز اجتهاده وخطأه فيه يقول: إنه لا يقرّ على الخطأ كما
стр. 3006
ذكره البزدوي فالصواب إنه وارد بالأقل لكنهم زادوا حذرا من الوقوع في المخالفة كما روي وفي كلام المصنف فيما بعده إشارة إليه هذا حاصل ما في بعض الحواشي، وفيه يحث. قوله: (ويقوم ذلك جماعة الخ) إن لم نقل بفرضية قيام الليل مطلقاً أو على غير النبيّ ﷺ من المؤمنين بأن يجب عليهم دونهم فلا كلام فيه وإن قلنا بالفرضية في صدر الإسلام على الكل، فالآية لا تخالفه أيضاً بناء على ما يتبادر من التبعيضية فإنه لا يتعين كونها تبعيضية بل تجعل بيانية، وأما احتمال الفرضية على الجميع وأن يقوم البعض في بيته والبعض معه! لئبعيض باعتبار المعية فيأباه ظاهر النظم، وكلام المصنف ولا حاجة إلى دعوى ظهور فساده لما فيها من الفساد. قوله: (كما هي إلا الله (زأد كما هي ليصح الحصر وهو توطئة لما بعده،
وقوله: يشعر بالاختصاص إشارة إلى أنه لا يتعين فيه ذلك كما في الكشاف، فإنه مخالف لما بينه السكاكي من عدم إفادة هو عمرو وأمثاله الحصر فإن اختص بالجلالة الكريمة، وبناء فعل من أفعاله تعالى عليها لا يجري في جميع ما ذكر ونقل المخالفة فيه بينهما كما ذهب إليه بعض شراح الكشاف وفي كلام المصنف إشارة مّا إليه، وقوله: ويؤيده أي يؤيد أنّ المراد الحصر فيما ذكر، وقوله: لن تحصوا عدد الأوقات إشارة إلى أنّ الضمير عائد لمصدر مقدّر كاعدلوا هو ولذا أفرد وذكر ولم يقل بخصوصهما لاحتماله لغير المراد منه يعني أنه تعبير لتفاوت مقادير الأيام والليالي، ففرض مقدار معين منه دائما يشق عليهم. قوله: (بالترخيص! في توك القيام الخ) إشارة إلى أنّ المراد بقوله: تاب عليكم ليس قبول التوبة فإنه غير مناسب هنا كما في غير. بل هو استعارة للترخيص وعدم المؤاخذة كما أنّ من قبلت توبته لا يؤاخذ فسببه الترخيص بقبول التوبة في رفع التبعة واستعمل لفظ المشبه به في المشبه كما في قوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٨٧، والتبعة بفتح التاء المثناة وكسر الموحدة الإثم والمؤاخذة به، وقوله: المقدر أي هنا وفيما تقدم من قوله: قم الليل. قوله:) كما عبر عنها الخ) يعني أنه مجاز ذكر فيه البعض وأريد الكل، وقوله: على التخيير المذكور كما فصله، وقوله: فنسخ به أي بهذا الترخيص في عدم تعين مقدار معين منه ووجوب مقدار مّا منه، ثم نسخ بالصلوات الخمس! وفي بعض الشخ ترك قوله: فنسخ به فكأنه لم يجعل رفع التقدير مع بقاء الوجوب نسخاً وفيه نظر.
تنبيه: في شرح البخاري لابن حجر ذهب بعضهم إلى أنّ صلاة الليل كانت مفروضة،
ثم نسخت بقيام بعض الليل مطلقاً، ثم نسخ بالخمس وأنكره المروزي وذهب بعضهم إلى أنه لم يكن قبل الإسراء صلاة مفروضة اهـ، وقوله: أو ﴿فَاقْرَؤُوا﴾ الخ فالأمر بالقراءة على ظاهره من غير تجوّز فيه فيكون رخص لهم في ترك جميع القيام، وأمروا بقراءة شيء من القرآن ليلا من غير مشقة عليهم لينالوا ثوابه بالأحياء بالقراءة والأمر للندب وفيما قبله للإيجاب. قوله: (يبين حكمة أخرى (يعني غير ما تقدم من عسرة إحصاء تقدير الأوقات، وقوله: ولذلك أي لكون هذا حكمة للترخيص كرّر الحكم بقوله: فاقرؤوا ما تيسر منه وفي قوله: مرتبا عليه أي على الاستئناف إشارة إلى أن اختلات المرتب عليه فيهما بحسن
التكرار، وقوله: وقال هكذا هو بالواو فيما رأينا من النسخ وفي بعضها بالفاء فقال: والأولى أصح لما في هذه من الإبهام لغير المراد وإن أمكن أن يبين لها وجه آخر كما قيل: إنّ المراد تكرير الحكمة المقتضية مع الحكم، ولذا قال فقال الخ وكرّر فعل العلم للإيذان بأنّ كلا منهما حكمة مستقلة في الترخيص. قوله: (والضرب في الأرض) وحقيقته السير والسفر وفي الآية الإشارة إلى أت السفر لكسب الحلال ونحوه فيه أجر كأجر المجاهد لما قرنه به مع ما فيه من المخاطرة واحتمال الهلاك المقرب له منه وقوله: الصلاة المفروضة فيه بحث لأنه إن أريد بها ما مرّ ينافي الترخيص، وإن أريد بها غيرها فهو لم يفرض حين نزول الآية فليتأمل. قوله: (وآتوا الزكاة الواجبة) هذا إمّا بناء على أنّ هذه الآية مدنية لأنّ الزكاة لم تفرض بمكة أو فرضت من غير تعيين للانصباء والذي فرض بها تعيين الانصباء، والقول بتقدم النزول على الحكم لا وجه له مع أنّ القائل قد صرّج بما ذكر في غير موضع، وقوله: المفروضة والواجبة تفنن في العبارة لأنّ الشافعية لا ي! فرقون بين الفرض والواجب. قوله: (أو بأداء الزكاة على أحسن وجه (بكونها من أطيب ماله واعطائها للمستحق من غير تأخير لأن القرض لما كان يعطى بنية الأخذ لا يبالي بأقي
стр. 3007
شيء وأيّ مقدار يعطي منه ولكونه محقق الرجوع إليه دل التعبير به على تحقق العوض هنا، والترغيب بالنصب معطوف على الأمر والضمير للإنفاق أو للأداء، وقوله: أو متاع الدنيا بالجر عطف على الذي تؤخرونه وهو مفضل عليه باعتبار الخيرية أو على الفرض، أو المراد ما ينفق منه ووقع في بعض النسخ من أجر الذي الخ وقوله: أجراً في النظم لا ينافيه كما توهم نعم إسقاطه أحسن. قوله: (وهو تثيد) أي لضمير تجدوه وإن كان بصورة المرفوع والمؤكد منصوب لأنّ هو يستعار لتأكيد المجرور والمنصوب، كما ذكره الرضي وقوله: أو فصل يعني ضمير فصل وهو في الأصل للفصل بين الصفة، وغيرها ولذا اشترط النحاة وقوعه بين معرفتين ومنعوا اطراده في غير ذلك إلا أفعل التفضيل فإنه يشبه المعرفة كالعلم في امتناع دخول أل عليه فأعطى حكمها في ذلك كما أشار إليه المصنف، وقوله: على الابتداء والخبر يعني والجملة مفعول ثان، وقوله: في مجامع
أحوالكم أي جميعها، والحديث المذكور موضرع تمت السورة والحمد لله والصلاة والسلام على محمد وا-له وصحبه أجمعين.
سورة المدثر ﷺ
مكية على الأصح لا بالإجماع كما قيل لأنّ منهم من استثنى منها آية وما جعلنا عدتهم
الآية وآياتها خمس أو ست وخمسون على اختلاف.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (المثدثر) يعني هذا أصله فأدغم، وقوله: لابس الدثار بكسر الدال وهو ما فوق القميص الذي يلي البدن ويسمى شعاراً لاتصاله ببشرته وشعره، وقوله: بحراء بكسر الحاء والمد جبل معروف بقرب مكة ويجوز صرفه وعدمه، ويقال: حرى كعلى في لغة غريبة، وقوله: على العرش في نسخة قاعد على العرش وتوله: فرعبت معلوم كمنعت كما في القاموس وككرصت كما في شرح البخاري وهو لازم متعدّ ولا يلزم في اللازم ضم العين كما توهم ومجهول بضم أوّله وكسر ثانيه، كما روي في الحديث وذكره أهل اللغة ومعناه فيهما فزعت وخفت. قوله: (ولذلك قيل هي أوّل سورة نزلت) أي لما وقع في هذه الرواية فإنها تدل على أنه لم يعرف الوحي وجبريل قبله ووجه تمريضه ظاهر فإنه لا دلالة فيه على أنه أوّل وحي لأنّ ارتعاده وحما. لرؤيته له على صورة مهيبة لم يرها قبل، وقيل: لغير ذلك على وجوه. في شرح البخاري ولا يجاب عما أورد عليه كما روي من أنّ أوّل نازل ﴿اقرأ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ بأن هذه أوّل سورة نزلت بتمامها، وتلك أوّل آيات نزلت منها لأنه غير مسلم أيضا لأن أوّل سورة نزلت الفاتحة كما مرّ واتفاقهم على نزول ذرني ومن خلقت الآيات في الوليد يقتضي أنها لم تنزل بتمامها إذ هذه الآيات نزلت بعد محاورة، وأمر جرى بعد الدعوة والتحدي فتتأخر عن بدء البعثة. قوله: (وقيل تأذى من قريش الخ (وهذا كما يفعله من يريد التوجه لما فكر فيه فيستر
نظره ليجتمع خاطره أو هذا كما يفعله المغموم، وقوله: المتدثر بالنبوّة إمّا أن يراد المتحلى بها والمتزين كما إنّ اللباس الذي فوق الشعار يكون حلية لصاحبه وزينة، ولذا يسمى حلة فلا يرد أنّ تشبيه الكمالات النفسية بالشعار أولى، وأمّا القول بأن التشبيه بالدثار في ظهورها ففيه قصور لأنّ الأمر النفساني لا يظهر والظاهر آثاره ومآله لما ذكرناه وكذا القول بأنه شبه به في الإحاطة. قوله: (أو المختفي الخ) لأنّ الدثار يواري البدن فيخفيه فأطلق المدثر وأراد به الغائب عن النظر على الاستعارة، والتشبيه لأنه كان بغار حراء كذلك فما قيل من أنه لم يوجد في اللغة المدثر بمعنى المختفي سهو لأنه ليس! معنى حقيقيا حتى يذكره أهل اللغة، والذي أوقعه في الغلط قول المصنف كالمختفي لأنه توهم أنه المشبه به، وليس بمراد له لكنه تسمح في العبارة لأنّ المختفي من يقصد إخفاء نفس! هـ خوفا من الناس فجعله مختفيا أوّلاً بمعنى الغائب عن النظر، والثاني بالمعنى المتعارف والحاصل أنه شبه أحد فرديه بالآخر وقد وقع للقائل خبط هنا، وقوله: على سبيل الاستعارة التبعية في الوجهين. قبله: (وقرئ المدثر (يعني بتخفيف الدال وتشديد الثاء المكسورة
стр. 3008
أو المفتوحة على زنة الفاعل أو المفعول، وهي قراءة شاذة تنسب لعكرمة وكلام المصنف ينزل عليهما سوأء كان دثر معلوماً أو مجهولاً وهو الظاهر والمعنى أنه معوّل عليه فالعظائم من الأمور منوطة به ما جل منها والحل والعقد مربوط به فكأنه قيل يا من توقف أمور الدنيا عليه لأنه وسيلتهم عند الله، وقوله: عصب به الضمير راجع للإنسان المنوط به الأمر ونائب الفاعل ضمير الأمر المستتر ودثر هذا الأمر هذا فيه نائب الفاعل وليس منصوبا على نزع الخافض كما توهم فإنه من الخطا في فهمه، وفي الأساس الأمور تعصب برأسه وقال النابغة:
حتى تمرّوه معصوباً بلمته نفع القبائل في عرنينه شمم
فافهم، وقوله: عصب يعني سد لا أحيط كما توهم وأنما حمله على هذا لأنه أبلغ وقراءة الكسر لا تلائم المعنى الأوّل والظاهر أن يراد بالمزمل والمدثر الكناية عن المستريح الفارغ لأنه في أوّل البعثة فكأنه قيل له: قد مضى زمن الراحة وجاءتك المتاعب من التكاليف، وهداية الناس لقوله: فإذا فرغت فانصب وهو لا ينافي إرادة الحقيقة فتأمّل. قوله: (قم من مضجعك (هو على التفسير الأوّل والثاني والثالث وما بعده لما بعده وقال أبو حيان: إنها هنا من أفعال الشروع كقولهم: قام زيد يفعل كذا وهي من أخوات كان، ولا يخفى بعده هنا لأنه استعمال غير مألوف وورود الأمر منه غير معروف مع احتياجه إلى تقدير الخبر فيه وكله تعسف. قوله: (فأنذرا لم يقل وبشر لأنه كان في ابتداء النبوّة والإنذار هو الغالب لأن البشارة لمن دخل في
الإسلام ولم يكن إذ ذاك أو هو اكتفاء لأنّ الإنذار يلزمه التبشير، وقوله: مطلق للتعميم أي ينزل منزلة اللازم ولا يقدر له مفعول لئلا يلزم الترجيح بلا مرجح أو التقدير بغير حاجة إذ لم يقصد منذر مخصوص، وما قيل: إنّ المراد أنه مطلق عن التعلق بمفعول معين بلفظ خاص أو عام أو مطلق عن قرينة تدل على تقدير مفعول معين ويبعد أن يراد تنزيله منزلة اللازم للتعميم في مصدره خطأ، وخبط عظيم ولا يلائمه ما بعده، وقوله: دل عليه قوله: وأنذر يعني خاصا لمناسبته لابتداء الدعوة في الواقع أو عام لقوله: إلا كافة الخ والى الوجهين أشار المصنف. قوله:) وخصص! ربك الخ) فتقديم مفعوله للتخصيص والكبرياء بالمذ العظمة، وقوله: عقدا يعني به الاعتقاد بقلبه والاعتقاد افتعال من العقد أيضا وهذا وارد بمعناه، وقوله: روي الخ الأولى تركه لأنه يقتضي تشككه أوّلاً وقوله: وأيقن أنه الوحي وقع في نسخة وعلم فقيل: هو على صيغة المجهول أي علمت خديجة أو المعلوم أي علم النبيئ-شب! ، وهو الظاهر لموافقته معنى للنسخة الأخرى وعكس الترتيب بين كبر وعلم سهل. قوله: (والفاء فيه وفيما بعده الخ (يعني أنها دخلت في الكلام على توهم شرط أو تقديره فيه، وهو قريب من قول النحاة في زيدا فاضرب قالوا تقديره تنبه فاضرب زيداً فالفاء في جواب الأمر المضمن معنى الشرط أو في جواب شرط محذوف وقد تقدم فيه كلام في سورة البقرة، وقوله: لإفادة معنى الشرط لم يصرّج بالتقدير لما عرفت، وقوله: وما يكن وفي نسخة من شيء بعده وما شرطية وكان المقدرة هنا تامّة بمعنى وجد وحدث والفاء جزائية، وهي مزحلقة فلا يضر عمل ماً بعدها فيما قبلها. قوله: (أو الدلالة على أنّ المقصود الخ (معطوف على إفادة وهو يعني به أنها للتعقيب والترتب من غير مهلة وتكبيره، وتعظيمه كناية أو مجاز عن التنزيه عن الشريك فالأمر بالتكبير نهي عما ذكر والنهي بحسب الظاهر للنبيّ ىلمجي! والمقصود نهى ما عداه بطريق التعريض هكذا قرّره أرباب الحواشي وليس في كلامه ما يفيد ما ذكر لأنها إذا كانت لإفادة التعقيب على القيام تكون عاطفة عليه قالوا، وحينئذ لا وجه له فالظاهر الواو بدل أو فإن ما قبله لا ينافي ما ذكر فتدبر وقوله: تنزيهه أي عما ذكر أو عن كل ما يجب التنزيه عنه فيدخل فيه ما ذكر دخولاً أوّلياً وقوله: كانوا مقرين لقوله: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [سورة
الزمر، الآية: ٣٨] ولكنهم كانوا مشركين مشبهين وحينئذ فأوّل ما يجب عليهم التكبير وتنزيهه عما ذكر. قوله: (بتقصيرها) وفي نسخة لتقصيرها وفي أخرى كتقصيرها والأولى أصح رواية ودراية فالأمر بتطهيرها كناية عن الأمر بتقصيرها والأمر الحقيقيّ مراد أيضا، أو هو مجاز عنه للزومه له وقد جمع مع الحقيقة لجوازه عند المصنف، والعادات المذمومة عند العرب أو الناس كلهم، وقوله: أو طهر نفسك الخ فتطهير الثياب كناية عن تطهير النفس عما تذم به وتهذيبها لأن من
стр. 3009
لا يرضى نجاسة ما يماسه كيف يرضى بنجاسة نفسه يقال: فلان طاهر الثياب وطاهر الجيب ونقي الذيل والأردان إذا وصف بالسلامة من العيوب والأخلاق الرديئة. قوله: (فيكون أمرا باستكمال القوّة العملية الخ) استكمال القوّة من وثيابك فطهر على هذا التفسير فإنّ تطهير النفس عن المذمة لا يتيسر بدون الأعمال الشاقة والمجاهدة والرياضة حتى يتصفى عنه كما بين في علم الأخلاق، وقوله: باستكمال القوّة النظرية هو من قوله: وربك فكبر لأنّ تعظيمه بنعوت الجلال وتنزيهه عما لا يليق بكبريائه إنما يظهر لمن كان تام العقل كاملا في قوّة النظر، ولذا قال: بعد أمره فتدبر. قوله: (فطهر دثار النبوّة الخ) هذا على تفسير المدّثر بالمتدثر بالنبوّة والكمالات النفسانية كما في بعض الحواشي، ولذا أخره المصنف فالثياب هي الدثارات يعني آثار صفاته النفسانية الظاهرة عليه وأنوار النبوّة الساطعة من مشكاة ذاته ومن لم يفهم مراده اعترضر عليه بأنه لا يلائمه جمع ثيابك لأنّ الثياب حينئذ الصفات الملتبسة به التباس الثياب بلابسها فافهم. قوله: (واهجر العذاب الخ) فالمراد بالرجز هنا العذاب، وهجره عبارة عن هجر ما يؤدّي إليه من الشرك والمعاصي ولما كان المخاطب به النبيّ ﷺ وهو بريء عن ذلك كان أمراً لغيره بطريق التعريض كقوله:
إياك أعني فاسمعي يا جارة
أو المراد الدوام على هجره وهو الذي عناه المصنف بقوله: بالثبات الخ فالرجز مجاز
وقد أقيم مقام سببه، أو هو بتقدير مضاف أي أسباب الرجز أو التجوّز في التشبيه. قوله: (وقرأ يعقوب وحفص! والرجز بالضتم) يعني بضم الراء وهي لغة في المكسور وهما بمعنى، وهو العذاب وعن مجاهد أنه بالضم بمعنى الصنم وبالكسر العذاب. قوله تعالى: ( ﴿وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ ) فيه تفاسير للسلف فعن ابن عباس لا تعط عطية لتعط! أكثر منها، وعن الحسن
والربيع لا تمنن بحسناتك على الله مستكثراً لها فتنقص عند الله وعن مجاهد لا تضعف عن عملك مستكثرا لطاعتك، وعن غيره لا تمنن بما أعطاك الله من النبوّة والقرآن مستكثراً به الأجر من الناس قال الرازي: وهو محتمل لها كلها فالوجه حمله على معنى عام شامل لها، وفيه نظر فقوله: ولا تعط مستكثراً على أنّ النهي عن المن بمعنى الإعطاء من من بمعنى أنعم والاستكثار على ظاهره والسين للطلب أي طالبا أكثر مما تعطي، وهذا هو تفسير ابن عباس ﵄، وهو المتبادر منه فلذا قدّمه لأنه أقوى رواية ودراية، وقوله: نهى بصيغة المصدر وهو أولى أو الماضي المجهول والاستغزار استفعال من غزر بالغين والزاي المعجمتين، ثم راء مهملة بمعنى كثروا لاستغزار كما ورد في الحديث أن يهب هبة يريد بها عوضاً أكثر منها وهو مكروه وقد نهى عنه النبيّ ﷺ ، وقوله: وهو الخ تفسير له، وقوله: في عرض المراد به متاع وشيء من أمور الدنيا. قوله: (نهي تنزيه) أي لا تحريم فإن كان النهي خاصاً بالنبيّ ﷺ فالنهي للتحريم لأنّ الله تعالى اختار له أكمل الصفات، وأشرف الأخلاق فامتنع عليه أن يهب لعوض أكثر وهذا لم يصدر عنه حتى ينهى، ويحرم عليه فهو بعيد ولذا أخره المصنف ﵀، وقوله: لقوله الخ فإنه يدل على عدم النهي فما ورد يكون نهياً له خاصة، وهذا الحديث موقوف على شريح رواه ابن أبي شيبة، وقوله: الموجب له أي المقتضي للنهي عن الاستغزار ما ذكر والحرص ظاهر للطلب المذكور والضنة بكسر الضاد البخل لأنه لو كان كريماً لم يقصد بهبته عوضا. قوله: (أو لا تمنن على الله تعالى بعبادتك الخ (فمتعلقه مقدر وهو بعبادتك، والمن بمعنى تعداد الجميل من من عليه إذا ذكر صنيعه معه وا! جمن على هذا ليست للطلب بل للوجدان والمعنى وجده وعده كثيراً فإن أريد به استكثار الأجر فهي للطلب والأجر كالأجرة النفع الدنيوي. قوله: (وقرئ تستكثر بالسكون) وهو حال كما أشار إليه المصنف فالسكون للوقف حقيقة أو بإجراء الوصل مجراه، وقيل: تسكينه للتخفيف وليس جزما أو هو جزم على البدلية من تمنن المجزوم بلا الناهية، وهو بدل اشتمال لأنّ المن بمعنى الإعطاء أو تعداد الجميل يشتمل على عد. أو وجدانه كثيراً وأمّا كونه بدل كل من كل على اذعاء الاتحاد فتكلف مستغنى عنه. قوله: (على أنه من من بكذا الخ) كان عليه أن يفسره، والمراد أنه من المن بمعنى الاعتداد بما أعطى لا الإعطاء نفسه، وفيه لطف لأنّ الاستكثار مقدّمة المن فكأنه قيل:
لا تستكثر فضلا عن المن كما في الكشف. قوله:) وبالنصب على إضمار أن)
стр. 3010
وأصله لا! تستكثره فقدر فيه أنّ واللام، وأنما صزج بإضمار أن لأنّ إضماره في مثل هذا على خلاف القياس فالمن بمعنى الإعطاء، وقوله: قرئ بها أي بأن ظاهرة وهي قراءة ابن مسعود ﵁ والرفع إذا كان بحذفها لا تكون الجملة حالية، وقوله: أحضر الوغى من بيت وهو:
ألا أيهذا اللائمي أحضر الوغى وإن شهد اللذات هل أنت مخلدي
وقد تقدم، وإن أحضر روي بالرفع والنصب، وقول أبي حيان أنه لا يجوز إلا في الشعر
وفي صحة الحالية مندوحة عنه غير صحيح فإنّ المخالف للقياس بقاء عملها، وأمّا الحذف والرفع فلا محذور فيه، وقد أجازه النحاة. قوله: (ولوجهه أو أمره فاصبر) الظاهر أنّ الوجه هنا ليس بمعنى الذات إذ لا وجه لإقحامه بل المراد به التوجه إلى الله وقصد جهته وجانبه، وقوله: أمره أي لامتثال أمره، وقوله: فاستعمل الصبر إشارة إلى أنه هنا منزل منزلة اللازم والصبر تعريفه للجنس لا للاستغراق كما قيل لأنّ المصدر الذي يدل عليه الفعل لا عموم له كما صزج به في الأصول إلا أنّ عدم تقدير المتعلق يفيد العموم، إذ لو قصد تعلقه بأمر خاص قدر، وقوله: أو فاصبر الخ على تقدير متعلق له خاص به ولا عموم فيه كما توهم. قوله: (وأصله القرع الخ) يعني أنّ هذا أصله ومنه منقار الطائر لأنه يقرع به ولما كان الصوت يحدث بالقرع تجوّز به عنه، وأريد به النفخ لأنه نوع من الصوت، وقوله: لقاء للسببية لأنّ عسر ذلك اليوم ويسره سببه صبره على أذاهم فإنه يفضي إلى عسر ذلك اليوم على الكافرين، ويسره على المؤمنين في الخارج كما أشار إليه المصنف ﵀ لا بحسب الوجود الذهني كما قيل. قوله: (اصبر على زمان صعب) صبر يتعدى بعلى كما في قوله تعالى: ﴿الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٧٧] ومن غفل عنه قال: إن على فيه تعليلية وإن الأظهر أن يقول: بدله إلى زمان الخ والمراد بالزمان الصعب زمان مقاساة الأعداء في الدنيا، قال! في الأساس صبرت على ما أكره وصبرت عما أحب وصابرته على كذا انتهى. قوله: (وإذا ظرف لما دل عليه قوله فذلك الخ) فالمعنى إذا نقر في الناقور عسرت الأمور فإنّ ذلك اليوم عسير غير يسير، وقوله: وقت النقر يعني المفهوم من قوله: فإذا نقر، وقوله تعالى يومئذ بدله أي بدل من ذلك الواقع مبتدأ ولكنه مبنيّ على الفتح لإضافته للمبني فلذا لم يظهر أثر الإعراب فيه، وقوله: أو ظرف
لخبره يعني يوم عسير خبر ذلك ويومئذ ظرف مستقر صفة للخبر فلما تقدم عليه صار حالاً فالتقدير كائنا يومئذ. قوله: (فذلك الوقت الخ) قيل إنه قدره هكذا ليصح كونه ظرفاً للخبر لئلا يكون الزمان ظرفاً للزمان فلذا قدّر مصدراً هو المظروف، وهو الوقوع والظاهر أن هذا تصوير للمعنى ببيان محصل المراد مته، وإن الوقت مرفوع صفة ذلك لأنه إشارة لوقت النقر كما صرّح به، وقوله: وقت وقوع الخ توجيه لتعلق يومثذ بالخبر لا أن فيه مضافا مقدراً، وقيل: إن المعنى ذلك بعد الظرفية والوقت منصوب على الظرفية ويومئذ عبارة عن وقت النقر والتصريح بلفظ الوقوع لإبراز المعنى والتفصي عن جعل الزمان ظرفا للزمان برجوعه إلى الحدث لا تقدير له في الكلام حتى يرد أن المصدر لا يعمل فيما قبله هذا ما قالوا، ولك أن تقول المراد بيومئذ يوم القيامة، وهو ممتد غير متناه ووقت النقر جزء منه فالمعنى، وذلك وقت النقر يوم عسير حال كونه في يوم القيامة فالظرفية من ظرفية الجزء في الكل فلا حاجة للفظ الوقوع انتهى وفيه نظر. قوله: (تثيد يمنع الخ الأنه لو لم يؤكد اقتضى ثبوت عسره في الجملة، ولو من وجه وهذا كما قرّره في قوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا قَيِّمًا﴾ [سورة الكهف، الآية: ا] وقوله: يشعر بيسره على المؤمنين لأنّ قوله: على الكافرين خصوصاً إن جعل متعلقاً بيسير يفهم منه أنّ عسر. وشدته مخصوص بالكفرة، ولا حاجة إلى جعل على الكافرين متعلقا بيسير والاعتذار عن تقدم معمول المضاف إليه على المضاف بجوازه في غيره حملاً على لا ونحوه كما قيل. قوله: (نزل في الوليد بن المغيرة) قيل: من غير اختلاف فيه، وقوله: وحدي مأخوذ من السياق وهو إشارة إلى ما مرّ في قوله: ذرني والمكذبين، وقوله: معه بيان للمراد وايماء إلى كون الواو في قوله: ومن خلقت يجوز فيها العطف والمعية كما مرّ، وقوله: لم يشركني الخ أي لم يشاركني ويشرك من باب علم يعلم، والمقصود من ذكر تفرّده بخلقه إنه كاف للانتقام منه لما عرفت من كمال اقتداره، وقوله: ذم أي منصوب بأذم ونحوه مقدراً وقوله: كان ملقبا به أي لا إنه حدث له ذلك اللقب
стр. 3011
بعد نزول الآية كما هو أحد وجهيه، وقوله: إرادة بالنصب معطوف على قوله: تهكماً، وقوله: فإنه كان زنيماً أي دعيا لم يعرف نسبه للمغيرة حقيقة كما مرّ في سورة نون كما قيل: فأنت زنيم نيط في آل هاشم كما نيط خلف الراكب القدح الفرد
وقوله: مبسوطاً كثيراً يعني أنّ الممدود تجوّز به عن الكثرة وهي إما له مع قطع النظر عن
النماء كما في الوجه الأوّل أو بالنظر إليه كما في الثاني، وهذا هو الفرق بين الوجهين، والضرع أصل معناه الثدي، والمراد به الحيوانات التي تقتنى إما مجازا أو بتقدير ذوات الضرع. قوله:) حضورا الخ (فشهودا جمع شاهد بمعنى حاضر، والمراد إمّا الحضور مع أبيهم لعدم احتياجهم للسفر فيكون كناية عن كثرة النعم، ووفرة التبع والخدم أو مع الناس في المحافل فهو عبارة عن راسة بنيه كابيهم، وقوله: أسلم منهم ثلاثة خالد وعمارة وهشام تبع فيه الزمخشري، وهو غلط سبقهم إليه كثير من المحدثين والمفسرين قال ابن حجر في الإصابة عمارة بن الوليد بن المغيرة ابن عبد الفه بن عمر بن مخزوم استدركه ابن فتحون وعزاه لمقاتل فإنه قال في تفسيره في قوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [سورة المدثر، الآية: ١١] قال نزلت في الوليد بن المغيرة كان له من الولد سبعة فأسلم منهم ثلاثة خالد وعمارة وهشام كدّا قال: وأورده الثعلبيّ في تفسيره عن مقاتل، والصواب خالد وهشام والوليد فإما عمارة فإنه مات كافراً لأنّ قريشا بعثوه للنجاشي فجرت له معه قصة فأصيب بعقله وهام مع الوحش وقد ثبت أنه ممن دعا النبيئ لمجيرو عليهم من قريش لما وضع عقبة بن أبي معيط سلى الجزور على ظهره، وهو يصلي انتهى. قوله: (حتى لقب ريحانة قريش) يعني أنّ التمهيد في الأصل التسوية والتهيئة، ويتجوّز به عن بسطة المال والجاه وهو المراد هنا كما يقال: زاد الله تأبيده، وتمهيده لأنّ الوليد كان كذلك، ولذا كانت العرب تسميه ريحانة قريش لأنّ الريحان في الأصل نبت حسن طيب الرائحة وتجوز به عن الرزق الطيب، والولد الحسن فأمّا تسمية الوليد بريحانة فكناية عن كثرة غناه ونضارة حاله الرائقة في الأعين منظراً ومخبرا، وريحانة منصوب بنزع الخافض والوحيد معطوف عليه. قوله: (أي باستحقاق الرياسة) يعني مرادهم بالوحيد الملقب المنفرد بما ذكر، وأنما فسره به لئلا يتوهم بوحده في الشرارة وكونه دعيا كما مرّ تريبا. قوله: (وهو استبعاد لطمعه) يعني ثم ليست للتراخي هنا لأنّ طمعه في حال التمهيد وما معه لا بعده بمدة، والاستبعاد غير التفاوت الرتبي بل عد الشيء بعيدا غير مناسب هنا لما عطف عليه كما تقول: تسيء إليّ ثم ترجو إحساني فتنزل البعد المعنوي منزلة البعد الزماني، ومثله كثير وضمير لأنه للشأن واستبعاده وكونه غير لائق إما لزيادة ما أنعم الله به عليه أو لكفره وكفرانه فإنّ كلا منهما مناف لطلب
المزيد لأنه إمّا من قلة أو بالشكر، وقوله: ولذلك إشارة إلى الوجه الثاني فإنه يؤيده دون الأوّل فإنه لا يناسبه، وما ذكره المصنف رحمه الله تعالى بعينه ما في الكشاف لا فرق بينهما كما توهم، وقوله: لا مزيد على ما أوني لأنه بلغ النهاية فلا يقبل الزيادة بالنسبة لحاله، وحال أمثاله لا أنه كذلك حقيقة أو كناية عن الغنى التام، وقوله: لأنه الضمير للطمع. قوله: (ردع له عن الطمع الأنها حرف ردع وزجر عند سيبويه والخليل وجمهور النحاة وما بعده جملة مستأنفة استئنافاً بيانياً لتعليل ما قبله لا نحوبا كما توهم كأنه قيل: لم زجر عن طلب المزيد وما وجه عدم لياقته، وقوله: بمعاندة آيات المنعم متعلق بقوله: تعليل، والآيات إما دلائل توحيده أو الآيات القرآنية، والمناسبة وما بعده صفة لمعاندة، وقوله: قيل الخ تأييد لما قبله من المنع عن الزيادة ومناسبة الزوال. قوله: (ساغشيه الخ) بيان لمنطوق اللفظ، وحقيقته وقوله: وهو مثل الخ بيان للمعنى المراد منه، وقوله: ساغشيه أي أجعله غاشيا لها أي آتياً من غشاه إذا أتاه، وأغشيه أفعال أو هو بالتشديد من التفعيل، ومعنى كونه مثلاً أنه شبه ما يسوقه الله له من المصائب بتكلف الصعود في الجبال الوعرة الثاهقة وأطلق لفظه عليه فهو اسنعارة تمثيلية. قوله ة (وعنه الخ) رواه الترمذيّ والحاكم وقوله: سبعين خريفاً أي عاماً ونقل عن الزمخشريّ أنّ الخريف آخر السنة فيه تثمر الثمار، وتدرك ولهذا سمي خريفا كالإنسان إذا بلغ آخر عمره فإنه قد يخرف يعني إنه سمي به آخر السنة تشبيها له بآخر العمر الذي من شأنه أن يقع فيه الخرف، وفيه تشبيه ضمنيّ للحواس الظاهرة، والباطنة بثمار الرياض المنتفع
стр. 3012
بها ومن لم يفهم المراد منه اعتراض عليه بعدم المناسبة بين الخرف، وهو فساد العقل واختراف الثمار بمعنى اقتطافها وهذا بناء على أنّ زمن الشتاء ابتداء السنة وأهل النجوم يعتبرونه من الربيع، وقوله: يصعد بصحيغة المجهول من التفعيل لما في القاموس من أنه يقال: صعد في الجبل وعليه تصعيداً، ولا يقال: صعد في الجبل مخففاً بل صعده وهذا خلاف ما يتبادر من تعدي المخفف ولزوم المشدد، وقوله: ثم يهوي أي يسقط أو ينزل وقوله: كذلك أي سبعين خريفاً أي عاما، وقوله: أبداً قيد للصعود والنزول. قوله: (تعليل للوعيد) هو قوله: سأرهقه فتوعده لما ذكر
وقوله: أو بيان للعناد جملة مفسرة له فلا محل لها من الإعراب، وما بينهما اعتراض وتفس! ر بالبدل خلاف الظاهر، وقوله: فيما يخيل طعناً أي ما يوهم الناس من طعن فيه فطعنا تمييز أو مفعول له ويخيل بصيغة المعلوم أو المجهول. قوله: (تعجب من تقديره استهزاء به) التعجب من كيف لأنّ الاستفهام يكون له كما في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٨] ومن قتل لأنه كقولهم قاتله الله دعاء في الأصل تجوّز به للتعجب، وقوله: استهزاء به يعني أن التعجب للاستهزاء، والتهكم لأنّ التعجب يكون لحسن الشيء وضده وقوله: أو لأنه أصاب الخ فيكون تعجباً من إصابته لغاية ما يمكن أن يقال من مثله، وقوله: بلغ في الشجاعة الخ هذا وجه استعماله، وهو دعاء عليه في التعجب فهو كناية. قوله: (فإن له الحلاوة الخ) تعليل لكونه غير مجانس لكلام الإنس ولا لكلام الجن والحلاوة واستعارة لفصاحته وأنسجامه والطلاوة مثلثة الطاء الرونق والحسن الداعي للقبول، وقوله: أعلاه لمثمر يعني به أنّ لفظه فصيح على تشبيه اللفظ بما على الرياض والأشجار من الأوراق والثمار والقضبان التي تظهر عليه، وأسفله معناه المستتر تحته ومعنى مغدق أصابه الغدق وهو المطر لأنه إذا كثر سري لعروقه، وهو غاية النهاية في الريّ الموجب لكونه نضرا مورقا مثمراً أو المراد بأعلاه ما يتبادر منه لفظا ومعنى وبأسفله ما يترتب عليه من السدإد والصلاج لكونه حقا، ولذا قال: ليعلو ولا يعلى لأنه صفة الحق أي يفوق كل كلام ولا يفوقه كلام أبدا، ويجوز أن يكون استعارة تمثيلية لتشبيه القرآن ومعناه برياض مورقة مثمرة جادها الغيث أو بشجرة فيكون ناظرا لقوله: ﴿كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء﴾ [سورة إبراهيم، الآية: ٢٤] الآية. قوله: (صبأ) بالهمزة معناه خرج من دين إلى آخر وكانت قريش تقوله لكل من أسلم وقوله: أكفيكموه ضمير
الخطاب المجموع لقريش، وضمير الغيبة للوليد أي أرده وأمنعه عن ميله الإسلام لأنهم خافوا أن يسلم فتتبعه قريش كلها، وقوله: بما أحماه بالمهملة أي أغضبه لما في الغضب من ثوران الحرارة الغريزية، وقوله: فقام أي الوليس من عند أبي جهل، وقوله: فناداهم أي نادى الوليد قريشاً وقوله: يخنق أي يصرع من الجنون فإنهم كانوا يتوهمون أن الجن تخنقه وقوله: يتكهن يعني فعل إفعال الكهنة ويقول: أقوالهم فإنّ لهم طريقة معروفة عندهم، وقوله: يفرق بين الرجل وأهله لأنه يوهم مفارقة من ذاق حلاوة الإيمان لأهله وماله ووطنه بسحر منه، وقوله: متعجبين منه أي مما قاله الوليد لأنه أزال الشبهة وأتى بما هو الغاية عدهم. قوله: (تكرير للمبالغة) في التعجب منه كما هو معتاد ممن أعجب غاية الإعجاب أنه يكثر من التعجب ويكزره، وقوله: على أنّ الثانية أبلغ من الأولى أي الجملة الثانية أبلغ في التعجب من الأولى للعطف بثم الدالة على تفاوت الرتبة فكأنه قيل: قتل بنوع ئا من القتل لا بل قتل بأشده وأشده، ولذا ساغ العطف فيه مع أنه تأكيد، وقوله: على أصلها أي مستعملة في معناها الوضعيّ، وهو التراخي الزماني مع مهلة. قوله: (في أمر القرآن (بقرينة قوله: قبله لآياتنا، وقوله: مرّة بعد أخرى لأنّ النظر هنا بمعنى الفكر وقد تقدم أنه فكر فيه فيفيد هذا تكرير.، وقوله: قطب وجهه أصل معنى قطب جمع يقال: قطب ما بين عينيه ولما كانت هيئة المعبس كذلك قيل له: مقطب، وقوله: اتباع لعبس يعني أنه مؤكد له كما يؤكد الاتباع في نحو حسن بسن ما أتبع به بناء على أنّ البسور إظهار العبوس، أو أشدّه من بسر إذا تجض ما بين عينيه كراهة للشيء حتى اسوذ وجهه منه هذا غاية ما يمكن في توجيهه إذ ليس من الاتباع المصطلح في شيء لتغاير معنييهما مع العطف، وقد صرّحوا بأنه لا يكون مع العطف لأنه نوع من التأكيد وقيل: البسور استعجال الشيء قبل أوانه ومنه البسو. قوله: (عن الحق) على الوجه الأوّل في تفسير نظر وعبس
стр. 3013
وقوله: أو الرسول على الوجه الثاني، وقوله: عن اتباعه أي الحق أو الرسول على الوجهين، وقوله: يروي ويتعلم لقوله: أخنه من سحرة بابل، وقوله: عن غير تلبث أي توقف وفي نسخة تثبت وهما بمعنى فالفاء للتعقيب من غير مهلة ولا مخالفة فيه لما مر من الرواية كما توهم حتى يحتاج إلى توجيه. قوله: (كالتثيد للجملة الأولى) لأنّ المقصود منهما نفي كونه قرآناً ومن كلام الله وإن اختلفا معنى، ولذا لم يجعلها تأكيدا، وقولة: بدل من سأرهقه الخ على
المعنيين، وهو بدل اشتمال لاشتمال سقر على الشدائد وعلى الجبل من النار فلا إشكال فيه على الثاني كما قاله المعرب: وقوله: تفخيم أي تهويل وتعظيم لشأنها كما يفيده الاستفهام الدال على أنها مما لا يدرك حقيقته ويفهم مثله، وقوله: بيان لذلك الإشارة لتفخيم شأنها أو لشأنها فالجملة مفسرة أو مستأنفة. قوله: (والعامل فيها معنى التعظيم) أي أعظم سقر وأهوّل أمرها حالة كونها مفنية لكل ما يلقى فيها وأنما جعل العامل معنويا مأخوذا من الكلام كما ذهب إليه أبو البقاء لأن سقر مبتدأ أو خبر ولا تجيء الحال منه لأنه الابتداء عامل ضعيف لا ينصب الحال، وأنما يجوزون مجيء الحال منه في مثل هذا فتدبر وقوله: لا تبقى على شيء يلقى فيها يشير إلى أن المفعول محذوف أي لا تبقى ما يلقى فيها، ولا تذره أي تفنيه وتهلكه. قوله: (مسوّدة لأعالي الجلد) على أنه من لوّحته الشمس إذا سودت ظاهره وأطرافه قال:
يا ابنة عمي لاحني الهواجر
والبشر إمّا اسم جنس بمعنى الناس أو جمع بشرة وهي ظاهر الجلد والى الثاني يشير تفسير المصنف رحمه الله تعالى له بأعالي الجلد أو من لاح بمعنى ظهر والبشر بمعنى الناس لا غير كما ذكره المصنف رحمه الله تعالى، وعلى الأول يحتمل أيضا أن يكون البشر بمعنى الناس، ولو فسر به كلام المصنف رحمه الله تعالى على أنه بيان لحاصل المعنى صح أيضا لكنه خلاف الظاهر قيل: والصواب أن يفسر بالثاني لأنه لا يصح وصفها بتسويدها لظاهر البشرة مع قوله: ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ﴾ الصريح في الإحراق والإفناء لما يلاقيه وأجيب بأنها في أول الملاقات تسوّده، ثم تحرقه وتهلكه أو الأوّل حال من دخلها وهذا حال من يقرب منها فلا منافاة بينهما، وأمّا القول بأنه لا دلالة على أنها تفنى بالكلية أو الإفناء بمعنى التسويد فمما لا ينبغي أن يسود به وجه الطرس، وقوله: على الاختصاص فنصبه بأخص أو أعني مقدراً، ويجوز أن يكون حالاً مؤكدة من ضمير تبقى أو تذر ومن سقر والعامل ما مرّ. قوله: (ملكاً الخ) فالمعدود أفراد أو صنوف أو صفوف، والأول هو الظاهر الموافق لسبب النزول، وقوله: والمخصص لهذا العدد إن لم نقل إنه مما لا يعلم حكمته إلا الله فلا يبين ولا يسئل عنه كالأمور المشتبهة وهو الظاهر لأنّ ما ذكر تكلف وهو مأخوذ من التفسير الكبير، وقوله: في النظر يعني به الإدراك والعمل ما يصدر عنه مطلقاً. قوله: (القوى الحيوانية الخ) الحيوانية ما تختص بالحيوان وهي قسمان مدركة وفاعلة فالمدركة، وهي ما له دخل في الإدراك الحواس
الخمس الظاهرة والحواس الخمس الباطنة المفصلة في محلها والفاعلة إمّا باعثة كالغضبية والشهوية، أو محركة وبهما تتم اثنتا عشرة والطبيعية التي لا تختص بالحيوان ثلاث مخدومة وهي الغادية والنامية والمولد، وأربع خادمة وهي الجاذبة والهاضمة والدافعة والماسكة على ما بين في الطبيعيات من الحكمة، والمصورة مندرجة في المولدة وليستا مستقلتين وليس هذا محل تفصيله، وكان على المصنف رحمه الله تعالى أن لا يذكر هذا لابتنائه على الفلسفة فلا يليق تفسير كلام الله تعالى بمثله ولكنه كثيرا ما يقتدى بالإمام، وقوله: اختلال النفوس الخ أراد بالاختلال فساد العقائد وبطلان الأعمال. قوله: (يعذب بترك الاعتقاد الخ (فتضرب هذه الثلاثة في الستة تصير ثمانية عشر، وهي مع ما للمسلمين تسعة عشر وقوله: ملك أو صنف لف ونشر على التفسيرين للعدد السابق. قوله: (خمسة منها الخ) فلم يخلق في مقابلتها زبانية ببركة الصلاة الشاملة لمن لم يصل فلا يلزم اختصاص العدد بالمصلين كما توهم، وقوله: بأنواع من العذاب متعلق بقوله: يؤاخذ وقوله: يتولاها صفة أنواع، ويؤاخذ به أي بسببه هو الذنوب. قوله: (بسكون العين) هو لغة فيه وجهها ما ذكر وقوله: كل بالتنوين وعشير جمع بالإضافة أي نقيب جماعة من الملاثكة وقوله: يستروحون إليهم يقال: استروح، واستراح بمعنى وجد راحة أي لا يستريحون بالركون إليهم، وقوله: فنزلت أي للدلالة على أنهم ليسوا بما يعرفون، ويقدرون على مقاومتهم
стр. 3014
والمراد يسكنون ويطمئنون. قوله: (وما جعلنا عددهم الخ) أي ما جعلنا عدد أصحاب النار المحتمل لأن يكون تسعة عشر فلا يلزم الفساد لحصر الشيء في نفسه، وكون مفعولي الجعل شيئا واحداً وهما متغايران لأنهما في الأصل مبتدأ وخبر فالجعل باعتبار تحقق العامّ في ضمن الخاص وسقط أيضاً ما قيل: إن الجعل من دواخل المبتدأ والخبر فما يترتب عليه يترتب عليه باعتبار نسبة أحد المفعولين للآخر كقولك: ما جعلت الحديد إلا فأساً لأقطع به فكيف يصح جعل عدتهم فتنة للاستيقان، والازدياد لأنّ المراد ما جعلنا عدتهم تسعة عشر إلا أنه عبر عنه بأثره فافهم. قوله: (فعبر بالأثر عن المؤثر)
الأثر هنا عبارة عن الفتنة والمؤثر خصوص التسعة عشر لأنه سبب لافتنانهم بما ذكر وقوله: تنبيها الخ يعني أنّ الأثر هنا لعدم انفكاكه عن مؤثره لتلازمهما كانا كشيء واحد يعبر باسم أحدهما عن الآخر لأنه المتبادر منه، وإن كان إفضاؤه إليه في الجملة كافياً في صحة التجوز فلا يرد عليه أنه ليس عدم الانفكاك شرطا فكيف يحصل التنبيه منه. قوله: (ولعل المراد الجعل بالقول الخ) فإنّ الجعل يكون بمعنى التسمية والإطلاق كقوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [سورة الزخرف، الآية: ١٩] وأنما أخرج الفتنة عن الظاهر ليصح تعلق قوله: ليستقين بجعلنا ومعنى الفتنة في الحقيقة الجعل على هذا العدد لا العدد فنسبته إليه مجازية، وقوله: ليحسن تعليله دون ليجوز إشارة إلى صحته لو أبقى على ظاهره لأنّ سبب ما ذكر القول وسبب القول جعلهم كذلك وتصييرهم فهو السبب البعيد، والشيء كما يسند لسببه البعيد يسند لسببه القريب لكن الثاني أولى، وأما كون اللام ليست على حقيقتها عند أهل السنة فغير صحيح عند أهل الحق. قوله: (ليكتسبوا اليقين) يعني أنّ السين في الأصل للطلب تجوّز بها هنا عن الكسب لأنّ الطالب للشيء كالمكتسب له فيطلق ما يدل على أحدهما على الآخر بطريق الاستعارة فليس فيه إشارة إلى أنّ السين للطلب كما قيل، وقوله: لما بفتح اللام وتشديد الميم أو بكسرها. وتخفيف الميم على أنّ ما مصدرية. قوله: (بالإيمان (متعلق بيزداد يعني الإيمان بما تضمنته الآيات من عدتهم فإنهم يصدقون بكل ما جاء به القرآن فهذا زيادة في إيمانهم التفصيلي، أو إذا رأوا تصديق أهل الكتاب زاد إيمانهم قالوا: وهو في الأول زيادة في الكم وفي هذا زيادة في الكيف. قوله: (وهو تثيد للاستيقان) لأنّ من استيقن وزاد إيمانه لا يرتاب وللتنصيص على ذلك لم يقل، ويرتابوا لاحتمال عوده على المؤمنين فقط وقوله: ونفى الخ يعتي أنّ اليقين قد يكون المقدمات دقيقة، وأمور ربما غفل عنها المتيقن فاعترته شبهة ما فلذا أكد بهذا نفيا لهذا الاحتمال أي هو يقين وايمان جازم لا يعتريه شبهة أصلا ولما فيه من هذه الزيادة جاز عطفه على المؤكد بالواو لمغايرته له في الجملة على ما قرّر في المطول في قوله: ﴿وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ﴾ [سورة إبراهيم، الآية: ٦] فسقط ما قيل من أنه لا وجه للعطف إلا أن يحمل على أنّ المراد أنه كالتأكيد فإنه من باب الطرد والعكس وهو كل كلامين يقرّر منطوق أحدهما مفهوم الآخر وبالعكس، وقوله: حيثما إما للظرفية أو للتعليل. قوله تعالى: ( ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ )
أعاد اللام فيه للفرق بين العلتين فإنّ الأوّل من الهداية المقصودة بالذات وهذه بالعرض الناشئ من سوء صنيع الضالين، وتعليل أفعاله تعالى بالحكم والمصالح جائز عند المحققين وإن قيل في هذه اللام إنها للعاقبة أيضا، وقوله: فيكون إخباراً الخ وهذا على الوجه الثاني جواب عما يقال: إن هذه السورة مكية والنفاق إنما حدث بالمدينة فكيف يذكر فيها بأنه إخبار عما سيحدث من المغيبات. قوله: (ماذا أراد الله) ذا موصولة وما استفهامية أو ماذا مجموعه اسم استفهام ويبنى عليه الوجهان في إعرابه كما مرّ تفصيله وعلى الثاني كلام المصنف هنا، والمثل له معنيان أيضا ما شبه مضربه بمورده أو الأمر المستغرب، وكل نهما جائز كما ذكره المصنف وقوله: أراد الله إما من الحكاية وهم قالوا: ما أريد ونحوه أو من المحكي، ونسب لله استهزاء وتهكما منهم، وقوله: وقيل الخ مرضه لأنه يقتضي أنهم نسبوه لله حقيقة وهو بعيد جدا كما قيل، وفيه نظر لجواز كونه عدوه مثلا لاستغرابه ونسبته لله تعالى على ما مرّ. قوله: (مثل ذلك المذكور من الإضلال (يعني أن المقصود تشبيه ما مرّ من الإضلال بهذا في طريقته العجيبة وقس عليه الهدى، ويجوز أن تكون الإشارة لما بعده كما في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٤٣] لما مرّ تحقيقه في البقرة فتذكره.
стр. 3015
قوله: (جموع خلقه على ما هم عليه) بأن يعلم تفاصيل أحوالهم، وأنما فسره به ليفيد ا. لحصر ويتضح معناه ولذا فسره الزمخشري أيضاً بقوله: ما يعلم ما عليه كل جند من العدد الخاص به، وكونه من العقود التافة أو الناقصة، وهكذا كل المقادير التي قدّرها في الحدود وغيرها وهو أنسب بما قبله والمصنف لم يذكره لأنه مخالف لمذهبه في المقادير الشرعية إذ ينبني عليه عدم جري القياس فيها، وهو مذهب الإمام الأعظم. قوله: (إذ لا سبيل لآحد الخ) بيان لأنّ حصر علمها فيه باعتبار مخصوص لا مطلقا لأنّ الناس يعلمون بعض جنود ما، وقوله: وما يوجب اختصاص كل منها بما يخصه أي بحمسب ما قدره الله، وما اقتضته حكمته أو بحسب ما جرت به الأمور العادية إذ لا شرطية ولا علية بين الموجودات، وقوله: من كم ككون الزبانية تسعة عشر، وكيف كطبائع الأشياء حرارة وبرودة ونفعاً وضرّا والاعتبار قيل إنه الصفات العدمية والنسبة الصفات النسبية، وكان حقها أن تقدم ولا حاجة لتفسيره الاعتبار بما ذكر إذ لك أن تفسره بكل ما يعتبر في الأشياء من الأمور الطارئة عليها مطلقا. قوله تعالى: ( ﴿وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ (بينه وبين البشر السابق تجنيس تام لأنه جمع بشرة، وقد قال
في الإتقان لم يقع في القرآن إلا في مواضع، ولم يعد هذا منها فاعرفه، وقوله: وما سقر قيل: هو معطوف على قوله: سأصليه سقر، وما بينهما اعتراض ردّ الطعن الكفرة وقوله: أو عدة الخزنة ووجه التذكير فيها والعظة أنه تعالى في خلقه ما هو في غاية العظمة حتى يكون القليل منهم معذباً ومهلكاً لما لا يحصى تأبيده فما بالك بعظمة ذاته جل، وعلا والتذكير في السورة ظاهر. قوله: (رع لمن أنكرها) أي سقر أو العدّة أو السورة بإنكار كونها كلام الله تعالى، وقوله: أو إنكار الخ على أنه رد لقوله ذكرى للبشر ولا يناقض ما قبله من إثبات التذكرة لها على جهة الحصر كما قيل: لا لأنها ذكرى لبعضهم وبعضهم يعرض عنها باختيار. كما قال: فما لهم عن التذكرة معرضين بل لأنّ شأنها أن تكون مذكرة لكل أحد، ومن لم يتذكر لغلبة الشقاء عليه لا يعد من البشر ولا يلتفت لعدم تذكره كما أنّ حلاوة العسل لا يضرها كونها مرة في فم منحرف المزاج المحتاج إلى العلاج فتذكره. قوله: (كقبل بمعنى اقبل) والمعروف فيه المزيد ولكن الثلاثي حسن هنا لمشاكلة الفواصل، وقوله: على المضي لأنّ إذ ظرف لما مض فهي المناسبة للفعل الماضي وإذا للمستقبل والماضي هنا للتحقق أو هي تقلبه مستقبلاَ. قوله: (البلايا الكبر) أي العظيمة الكثيرة وهذه واحدة منها يعني ما لهم غير محصور فيها بل تحل بهم بلايا غير متناهية أو هذه أعظمها كما يقال أحد الأحدين، وهو واحد الفضلاء أو إحدى دركات النار الكبر السبع لأنها جهنم ولظى، والحطمة وسقر والسعير والجحيم والهاوية، واختار المصنف الأوّل والزمخشريّ الثاني، وصاحب التيسير الثالث قيل: والأوّل أرجح وأنسب بالمقام. قوله: (إلحاقاً لها بفعلة) لأنّ المطرد جمعه على فعل فعلة دون فعلى فنزلت الألف منزلة التاء، والقاصعاء بالمدّ حجر اليربوع وفاعلة تجمع على فواعل باطراد فحمل فاعلاء عليه لاشتراك الألف والتاء في الدلالة على التأنيث وضعا، وقوله: جواب القسم وهو والقمر الخ أو القسم لمجرّد التأكيد غير محتاج للجواب أو جوابه مقدر يدل عليه كلا. قوله: (أو تعليل لكلا) قيل: القسم على كون كلا إنكاراً لأنّ يتذكروا بها والتعليل على أنه رح لمن أنكر قيل، وفيه إنّ قوله: إنها لإحدى الكبر كيف يكون تعليلاً لرح من ينكر أنها إحدى الكبر، وليس بشيء وإن ظن إنه وارد على الكشف لأنه منكر لذاتها لا لوصفها بما ذكر فتأمّل، وقوله: لإحدى الكبر إنذار إشارة إلى أنّ النذير على هذا بمعنى
الإنذار مصدر، وقوله: عما دلت عليه الجملة لم يجعله منها لما في مجيئها من المبتدأ والخبر عند النحاة وهو مصدر مؤوّل بالوصف أو وصف بمعنى منذرة، ولم يؤنث لما مرّ في أنّ رحمة الله قريب من المحسين. قوله: (بدل من للبشر) أي الجار والمجرور بدل من الجار والمجرور لا المجرور مبدل من المجرور لإعادة الجار لأنه تكلف مستغنى عنه وقوله: للمتمكنين الخ أوّل به لأنّ الإنذار غير مناسب لمن يتقدم والمراد المتمكنين من فعل الخير وتركه قبل مباشرته، وقوله: أو لمن شاء خبر الخ فالمعنى لمن شاء التقدّم والتأخر أي السبق للإيمان، والتخلف عنه فيكون بمعنى الآية المذكورة، وفيه بعد ولذا أخره المصنف، وقول أبي حبان إنّ اللفظ لا يحتمله غير مسلم. قوله:
следующие страницы →