← Тафсир

Тафсир · id 1535

حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي = عناية القاضي وكفاية الراضي

الشهاب الخفاجي

Полный текст (3 156 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

بعد نزول الآية كما هو أحد وجهيه، وقوله: إرادة بالنصب معطوف على قوله: تهكماً، وقوله: فإنه كان زنيماً أي دعيا لم يعرف نسبه للمغيرة حقيقة كما مرّ في سورة نون كما قيل: فأنت زنيم نيط في آل هاشم كما نيط خلف الراكب القدح الفرد وقوله: مبسوطاً كثيراً يعني أنّ الممدود تجوّز به عن الكثرة وهي إما له مع قطع النظر عن النماء كما في الوجه الأوّل أو بالنظر إليه كما في الثاني، وهذا هو الفرق بين الوجهين، والضرع أصل معناه الثدي، والمراد به الحيوانات التي تقتنى إما مجازا أو بتقدير ذوات الضرع. قوله:) حضورا الخ (فشهودا جمع شاهد بمعنى حاضر، والمراد إمّا الحضور مع أبيهم لعدم احتياجهم للسفر فيكون كناية عن كثرة النعم، ووفرة التبع والخدم أو مع الناس في المحافل فهو عبارة عن راسة بنيه كابيهم، وقوله: أسلم منهم ثلاثة خالد وعمارة وهشام تبع فيه الزمخشري، وهو غلط سبقهم إليه كثير من المحدثين والمفسرين قال ابن حجر في الإصابة عمارة بن الوليد بن المغيرة ابن عبد الفه بن عمر بن مخزوم استدركه ابن فتحون وعزاه لمقاتل فإنه قال في تفسيره في قوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [سورة المدثر، الآية: ١١] قال نزلت في الوليد بن المغيرة كان له من الولد سبعة فأسلم منهم ثلاثة خالد وعمارة وهشام كدّا قال: وأورده الثعلبيّ في تفسيره عن مقاتل، والصواب خالد وهشام والوليد فإما عمارة فإنه مات كافراً لأنّ قريشا بعثوه للنجاشي فجرت له معه قصة فأصيب بعقله وهام مع الوحش وقد ثبت أنه ممن دعا النبيئ لمجيرو عليهم من قريش لما وضع عقبة بن أبي معيط سلى الجزور على ظهره، وهو يصلي انتهى. قوله: (حتى لقب ريحانة قريش) يعني أنّ التمهيد في الأصل التسوية والتهيئة، ويتجوّز به عن بسطة المال والجاه وهو المراد هنا كما يقال: زاد الله تأبيده، وتمهيده لأنّ الوليد كان كذلك، ولذا كانت العرب تسميه ريحانة قريش لأنّ الريحان في الأصل نبت حسن طيب الرائحة وتجوز به عن الرزق الطيب، والولد الحسن فأمّا تسمية الوليد بريحانة فكناية عن كثرة غناه ونضارة حاله الرائقة في الأعين منظراً ومخبرا، وريحانة منصوب بنزع الخافض والوحيد معطوف عليه. قوله: (أي باستحقاق الرياسة) يعني مرادهم بالوحيد الملقب المنفرد بما ذكر، وأنما فسره به لئلا يتوهم بوحده في الشرارة وكونه دعيا كما مرّ تريبا. قوله: (وهو استبعاد لطمعه) يعني ثم ليست للتراخي هنا لأنّ طمعه في حال التمهيد وما معه لا بعده بمدة، والاستبعاد غير التفاوت الرتبي بل عد الشيء بعيدا غير مناسب هنا لما عطف عليه كما تقول: تسيء إليّ ثم ترجو إحساني فتنزل البعد المعنوي منزلة البعد الزماني، ومثله كثير وضمير لأنه للشأن واستبعاده وكونه غير لائق إما لزيادة ما أنعم الله به عليه أو لكفره وكفرانه فإنّ كلا منهما مناف لطلب المزيد لأنه إمّا من قلة أو بالشكر، وقوله: ولذلك إشارة إلى الوجه الثاني فإنه يؤيده دون الأوّل فإنه لا يناسبه، وما ذكره المصنف رحمه الله تعالى بعينه ما في الكشاف لا فرق بينهما كما توهم، وقوله: لا مزيد على ما أوني لأنه بلغ النهاية فلا يقبل الزيادة بالنسبة لحاله، وحال أمثاله لا أنه كذلك حقيقة أو كناية عن الغنى التام، وقوله: لأنه الضمير للطمع. قوله: (ردع له عن الطمع الأنها حرف ردع وزجر عند سيبويه والخليل وجمهور النحاة وما بعده جملة مستأنفة استئنافاً بيانياً لتعليل ما قبله لا نحوبا كما توهم كأنه قيل: لم زجر عن طلب المزيد وما وجه عدم لياقته، وقوله: بمعاندة آيات المنعم متعلق بقوله: تعليل، والآيات إما دلائل توحيده أو الآيات القرآنية، والمناسبة وما بعده صفة لمعاندة، وقوله: قيل الخ تأييد لما قبله من المنع عن الزيادة ومناسبة الزوال. قوله: (ساغشيه الخ) بيان لمنطوق اللفظ، وحقيقته وقوله: وهو مثل الخ بيان للمعنى المراد منه، وقوله: ساغشيه أي أجعله غاشيا لها أي آتياً من غشاه إذا أتاه، وأغشيه أفعال أو هو بالتشديد من التفعيل، ومعنى كونه مثلاً أنه شبه ما يسوقه الله له من المصائب بتكلف الصعود في الجبال الوعرة الثاهقة وأطلق لفظه عليه فهو اسنعارة تمثيلية. قوله ة (وعنه الخ) رواه الترمذيّ والحاكم وقوله: سبعين خريفاً أي عاماً ونقل عن الزمخشريّ أنّ الخريف آخر السنة فيه تثمر الثمار، وتدرك ولهذا سمي خريفا كالإنسان إذا بلغ آخر عمره فإنه قد يخرف يعني إنه سمي به آخر السنة تشبيها له بآخر العمر الذي من شأنه أن يقع فيه الخرف، وفيه تشبيه ضمنيّ للحواس الظاهرة، والباطنة بثمار الرياض المنتفع

стр. 3012

بها ومن لم يفهم المراد منه اعتراض عليه بعدم المناسبة بين الخرف، وهو فساد العقل واختراف الثمار بمعنى اقتطافها وهذا بناء على أنّ زمن الشتاء ابتداء السنة وأهل النجوم يعتبرونه من الربيع، وقوله: يصعد بصحيغة المجهول من التفعيل لما في القاموس من أنه يقال: صعد في الجبل وعليه تصعيداً، ولا يقال: صعد في الجبل مخففاً بل صعده وهذا خلاف ما يتبادر من تعدي المخفف ولزوم المشدد، وقوله: ثم يهوي أي يسقط أو ينزل وقوله: كذلك أي سبعين خريفاً أي عاما، وقوله: أبداً قيد للصعود والنزول. قوله: (تعليل للوعيد) هو قوله: سأرهقه فتوعده لما ذكر وقوله: أو بيان للعناد جملة مفسرة له فلا محل لها من الإعراب، وما بينهما اعتراض وتفس! ر بالبدل خلاف الظاهر، وقوله: فيما يخيل طعناً أي ما يوهم الناس من طعن فيه فطعنا تمييز أو مفعول له ويخيل بصيغة المعلوم أو المجهول. قوله: (تعجب من تقديره استهزاء به) التعجب من كيف لأنّ الاستفهام يكون له كما في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٨] ومن قتل لأنه كقولهم قاتله الله دعاء في الأصل تجوّز به للتعجب، وقوله: استهزاء به يعني أن التعجب للاستهزاء، والتهكم لأنّ التعجب يكون لحسن الشيء وضده وقوله: أو لأنه أصاب الخ فيكون تعجباً من إصابته لغاية ما يمكن أن يقال من مثله، وقوله: بلغ في الشجاعة الخ هذا وجه استعماله، وهو دعاء عليه في التعجب فهو كناية. قوله: (فإن له الحلاوة الخ) تعليل لكونه غير مجانس لكلام الإنس ولا لكلام الجن والحلاوة واستعارة لفصاحته وأنسجامه والطلاوة مثلثة الطاء الرونق والحسن الداعي للقبول، وقوله: أعلاه لمثمر يعني به أنّ لفظه فصيح على تشبيه اللفظ بما على الرياض والأشجار من الأوراق والثمار والقضبان التي تظهر عليه، وأسفله معناه المستتر تحته ومعنى مغدق أصابه الغدق وهو المطر لأنه إذا كثر سري لعروقه، وهو غاية النهاية في الريّ الموجب لكونه نضرا مورقا مثمراً أو المراد بأعلاه ما يتبادر منه لفظا ومعنى وبأسفله ما يترتب عليه من السدإد والصلاج لكونه حقا، ولذا قال: ليعلو ولا يعلى لأنه صفة الحق أي يفوق كل كلام ولا يفوقه كلام أبدا، ويجوز أن يكون استعارة تمثيلية لتشبيه القرآن ومعناه برياض مورقة مثمرة جادها الغيث أو بشجرة فيكون ناظرا لقوله: ﴿كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء﴾ [سورة إبراهيم، الآية: ٢٤] الآية. قوله: (صبأ) بالهمزة معناه خرج من دين إلى آخر وكانت قريش تقوله لكل من أسلم وقوله: أكفيكموه ضمير الخطاب المجموع لقريش، وضمير الغيبة للوليد أي أرده وأمنعه عن ميله الإسلام لأنهم خافوا أن يسلم فتتبعه قريش كلها، وقوله: بما أحماه بالمهملة أي أغضبه لما في الغضب من ثوران الحرارة الغريزية، وقوله: فقام أي الوليس من عند أبي جهل، وقوله: فناداهم أي نادى الوليد قريشاً وقوله: يخنق أي يصرع من الجنون فإنهم كانوا يتوهمون أن الجن تخنقه وقوله: يتكهن يعني فعل إفعال الكهنة ويقول: أقوالهم فإنّ لهم طريقة معروفة عندهم، وقوله: يفرق بين الرجل وأهله لأنه يوهم مفارقة من ذاق حلاوة الإيمان لأهله وماله ووطنه بسحر منه، وقوله: متعجبين منه أي مما قاله الوليد لأنه أزال الشبهة وأتى بما هو الغاية عدهم. قوله: (تكرير للمبالغة) في التعجب منه كما هو معتاد ممن أعجب غاية الإعجاب أنه يكثر من التعجب ويكزره، وقوله: على أنّ الثانية أبلغ من الأولى أي الجملة الثانية أبلغ في التعجب من الأولى للعطف بثم الدالة على تفاوت الرتبة فكأنه قيل: قتل بنوع ئا من القتل لا بل قتل بأشده وأشده، ولذا ساغ العطف فيه مع أنه تأكيد، وقوله: على أصلها أي مستعملة في معناها الوضعيّ، وهو التراخي الزماني مع مهلة. قوله: (في أمر القرآن (بقرينة قوله: قبله لآياتنا، وقوله: مرّة بعد أخرى لأنّ النظر هنا بمعنى الفكر وقد تقدم أنه فكر فيه فيفيد هذا تكرير.، وقوله: قطب وجهه أصل معنى قطب جمع يقال: قطب ما بين عينيه ولما كانت هيئة المعبس كذلك قيل له: مقطب، وقوله: اتباع لعبس يعني أنه مؤكد له كما يؤكد الاتباع في نحو حسن بسن ما أتبع به بناء على أنّ البسور إظهار العبوس، أو أشدّه من بسر إذا تجض ما بين عينيه كراهة للشيء حتى اسوذ وجهه منه هذا غاية ما يمكن في توجيهه إذ ليس من الاتباع المصطلح في شيء لتغاير معنييهما مع العطف، وقد صرّحوا بأنه لا يكون مع العطف لأنه نوع من التأكيد وقيل: البسور استعجال الشيء قبل أوانه ومنه البسو. قوله: (عن الحق) على الوجه الأوّل في تفسير نظر وعبس

стр. 3013

وقوله: أو الرسول على الوجه الثاني، وقوله: عن اتباعه أي الحق أو الرسول على الوجهين، وقوله: يروي ويتعلم لقوله: أخنه من سحرة بابل، وقوله: عن غير تلبث أي توقف وفي نسخة تثبت وهما بمعنى فالفاء للتعقيب من غير مهلة ولا مخالفة فيه لما مر من الرواية كما توهم حتى يحتاج إلى توجيه. قوله: (كالتثيد للجملة الأولى) لأنّ المقصود منهما نفي كونه قرآناً ومن كلام الله وإن اختلفا معنى، ولذا لم يجعلها تأكيدا، وقولة: بدل من سأرهقه الخ على المعنيين، وهو بدل اشتمال لاشتمال سقر على الشدائد وعلى الجبل من النار فلا إشكال فيه على الثاني كما قاله المعرب: وقوله: تفخيم أي تهويل وتعظيم لشأنها كما يفيده الاستفهام الدال على أنها مما لا يدرك حقيقته ويفهم مثله، وقوله: بيان لذلك الإشارة لتفخيم شأنها أو لشأنها فالجملة مفسرة أو مستأنفة. قوله: (والعامل فيها معنى التعظيم) أي أعظم سقر وأهوّل أمرها حالة كونها مفنية لكل ما يلقى فيها وأنما جعل العامل معنويا مأخوذا من الكلام كما ذهب إليه أبو البقاء لأن سقر مبتدأ أو خبر ولا تجيء الحال منه لأنه الابتداء عامل ضعيف لا ينصب الحال، وأنما يجوزون مجيء الحال منه في مثل هذا فتدبر وقوله: لا تبقى على شيء يلقى فيها يشير إلى أن المفعول محذوف أي لا تبقى ما يلقى فيها، ولا تذره أي تفنيه وتهلكه. قوله: (مسوّدة لأعالي الجلد) على أنه من لوّحته الشمس إذا سودت ظاهره وأطرافه قال: يا ابنة عمي لاحني الهواجر والبشر إمّا اسم جنس بمعنى الناس أو جمع بشرة وهي ظاهر الجلد والى الثاني يشير تفسير المصنف رحمه الله تعالى له بأعالي الجلد أو من لاح بمعنى ظهر والبشر بمعنى الناس لا غير كما ذكره المصنف رحمه الله تعالى، وعلى الأول يحتمل أيضا أن يكون البشر بمعنى الناس، ولو فسر به كلام المصنف رحمه الله تعالى على أنه بيان لحاصل المعنى صح أيضا لكنه خلاف الظاهر قيل: والصواب أن يفسر بالثاني لأنه لا يصح وصفها بتسويدها لظاهر البشرة مع قوله: ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ﴾ الصريح في الإحراق والإفناء لما يلاقيه وأجيب بأنها في أول الملاقات تسوّده، ثم تحرقه وتهلكه أو الأوّل حال من دخلها وهذا حال من يقرب منها فلا منافاة بينهما، وأمّا القول بأنه لا دلالة على أنها تفنى بالكلية أو الإفناء بمعنى التسويد فمما لا ينبغي أن يسود به وجه الطرس، وقوله: على الاختصاص فنصبه بأخص أو أعني مقدراً، ويجوز أن يكون حالاً مؤكدة من ضمير تبقى أو تذر ومن سقر والعامل ما مرّ. قوله: (ملكاً الخ) فالمعدود أفراد أو صنوف أو صفوف، والأول هو الظاهر الموافق لسبب النزول، وقوله: والمخصص لهذا العدد إن لم نقل إنه مما لا يعلم حكمته إلا الله فلا يبين ولا يسئل عنه كالأمور المشتبهة وهو الظاهر لأنّ ما ذكر تكلف وهو مأخوذ من التفسير الكبير، وقوله: في النظر يعني به الإدراك والعمل ما يصدر عنه مطلقاً. قوله: (القوى الحيوانية الخ) الحيوانية ما تختص بالحيوان وهي قسمان مدركة وفاعلة فالمدركة، وهي ما له دخل في الإدراك الحواس الخمس الظاهرة والحواس الخمس الباطنة المفصلة في محلها والفاعلة إمّا باعثة كالغضبية والشهوية، أو محركة وبهما تتم اثنتا عشرة والطبيعية التي لا تختص بالحيوان ثلاث مخدومة وهي الغادية والنامية والمولد، وأربع خادمة وهي الجاذبة والهاضمة والدافعة والماسكة على ما بين في الطبيعيات من الحكمة، والمصورة مندرجة في المولدة وليستا مستقلتين وليس هذا محل تفصيله، وكان على المصنف رحمه الله تعالى أن لا يذكر هذا لابتنائه على الفلسفة فلا يليق تفسير كلام الله تعالى بمثله ولكنه كثيرا ما يقتدى بالإمام، وقوله: اختلال النفوس الخ أراد بالاختلال فساد العقائد وبطلان الأعمال. قوله: (يعذب بترك الاعتقاد الخ (فتضرب هذه الثلاثة في الستة تصير ثمانية عشر، وهي مع ما للمسلمين تسعة عشر وقوله: ملك أو صنف لف ونشر على التفسيرين للعدد السابق. قوله: (خمسة منها الخ) فلم يخلق في مقابلتها زبانية ببركة الصلاة الشاملة لمن لم يصل فلا يلزم اختصاص العدد بالمصلين كما توهم، وقوله: بأنواع من العذاب متعلق بقوله: يؤاخذ وقوله: يتولاها صفة أنواع، ويؤاخذ به أي بسببه هو الذنوب. قوله: (بسكون العين) هو لغة فيه وجهها ما ذكر وقوله: كل بالتنوين وعشير جمع بالإضافة أي نقيب جماعة من الملاثكة وقوله: يستروحون إليهم يقال: استروح، واستراح بمعنى وجد راحة أي لا يستريحون بالركون إليهم، وقوله: فنزلت أي للدلالة على أنهم ليسوا بما يعرفون، ويقدرون على مقاومتهم

стр. 3014

والمراد يسكنون ويطمئنون. قوله: (وما جعلنا عددهم الخ) أي ما جعلنا عدد أصحاب النار المحتمل لأن يكون تسعة عشر فلا يلزم الفساد لحصر الشيء في نفسه، وكون مفعولي الجعل شيئا واحداً وهما متغايران لأنهما في الأصل مبتدأ وخبر فالجعل باعتبار تحقق العامّ في ضمن الخاص وسقط أيضاً ما قيل: إن الجعل من دواخل المبتدأ والخبر فما يترتب عليه يترتب عليه باعتبار نسبة أحد المفعولين للآخر كقولك: ما جعلت الحديد إلا فأساً لأقطع به فكيف يصح جعل عدتهم فتنة للاستيقان، والازدياد لأنّ المراد ما جعلنا عدتهم تسعة عشر إلا أنه عبر عنه بأثره فافهم. قوله: (فعبر بالأثر عن المؤثر) الأثر هنا عبارة عن الفتنة والمؤثر خصوص التسعة عشر لأنه سبب لافتنانهم بما ذكر وقوله: تنبيها الخ يعني أنّ الأثر هنا لعدم انفكاكه عن مؤثره لتلازمهما كانا كشيء واحد يعبر باسم أحدهما عن الآخر لأنه المتبادر منه، وإن كان إفضاؤه إليه في الجملة كافياً في صحة التجوز فلا يرد عليه أنه ليس عدم الانفكاك شرطا فكيف يحصل التنبيه منه. قوله: (ولعل المراد الجعل بالقول الخ) فإنّ الجعل يكون بمعنى التسمية والإطلاق كقوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [سورة الزخرف، الآية: ١٩] وأنما أخرج الفتنة عن الظاهر ليصح تعلق قوله: ليستقين بجعلنا ومعنى الفتنة في الحقيقة الجعل على هذا العدد لا العدد فنسبته إليه مجازية، وقوله: ليحسن تعليله دون ليجوز إشارة إلى صحته لو أبقى على ظاهره لأنّ سبب ما ذكر القول وسبب القول جعلهم كذلك وتصييرهم فهو السبب البعيد، والشيء كما يسند لسببه البعيد يسند لسببه القريب لكن الثاني أولى، وأما كون اللام ليست على حقيقتها عند أهل السنة فغير صحيح عند أهل الحق. قوله: (ليكتسبوا اليقين) يعني أنّ السين في الأصل للطلب تجوّز بها هنا عن الكسب لأنّ الطالب للشيء كالمكتسب له فيطلق ما يدل على أحدهما على الآخر بطريق الاستعارة فليس فيه إشارة إلى أنّ السين للطلب كما قيل، وقوله: لما بفتح اللام وتشديد الميم أو بكسرها. وتخفيف الميم على أنّ ما مصدرية. قوله: (بالإيمان (متعلق بيزداد يعني الإيمان بما تضمنته الآيات من عدتهم فإنهم يصدقون بكل ما جاء به القرآن فهذا زيادة في إيمانهم التفصيلي، أو إذا رأوا تصديق أهل الكتاب زاد إيمانهم قالوا: وهو في الأول زيادة في الكم وفي هذا زيادة في الكيف. قوله: (وهو تثيد للاستيقان) لأنّ من استيقن وزاد إيمانه لا يرتاب وللتنصيص على ذلك لم يقل، ويرتابوا لاحتمال عوده على المؤمنين فقط وقوله: ونفى الخ يعتي أنّ اليقين قد يكون المقدمات دقيقة، وأمور ربما غفل عنها المتيقن فاعترته شبهة ما فلذا أكد بهذا نفيا لهذا الاحتمال أي هو يقين وايمان جازم لا يعتريه شبهة أصلا ولما فيه من هذه الزيادة جاز عطفه على المؤكد بالواو لمغايرته له في الجملة على ما قرّر في المطول في قوله: ﴿وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ﴾ [سورة إبراهيم، الآية: ٦] فسقط ما قيل من أنه لا وجه للعطف إلا أن يحمل على أنّ المراد أنه كالتأكيد فإنه من باب الطرد والعكس وهو كل كلامين يقرّر منطوق أحدهما مفهوم الآخر وبالعكس، وقوله: حيثما إما للظرفية أو للتعليل. قوله تعالى: ( ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ ) أعاد اللام فيه للفرق بين العلتين فإنّ الأوّل من الهداية المقصودة بالذات وهذه بالعرض الناشئ من سوء صنيع الضالين، وتعليل أفعاله تعالى بالحكم والمصالح جائز عند المحققين وإن قيل في هذه اللام إنها للعاقبة أيضا، وقوله: فيكون إخباراً الخ وهذا على الوجه الثاني جواب عما يقال: إن هذه السورة مكية والنفاق إنما حدث بالمدينة فكيف يذكر فيها بأنه إخبار عما سيحدث من المغيبات. قوله: (ماذا أراد الله) ذا موصولة وما استفهامية أو ماذا مجموعه اسم استفهام ويبنى عليه الوجهان في إعرابه كما مرّ تفصيله وعلى الثاني كلام المصنف هنا، والمثل له معنيان أيضا ما شبه مضربه بمورده أو الأمر المستغرب، وكل نهما جائز كما ذكره المصنف وقوله: أراد الله إما من الحكاية وهم قالوا: ما أريد ونحوه أو من المحكي، ونسب لله استهزاء وتهكما منهم، وقوله: وقيل الخ مرضه لأنه يقتضي أنهم نسبوه لله حقيقة وهو بعيد جدا كما قيل، وفيه نظر لجواز كونه عدوه مثلا لاستغرابه ونسبته لله تعالى على ما مرّ. قوله: (مثل ذلك المذكور من الإضلال (يعني أن المقصود تشبيه ما مرّ من الإضلال بهذا في طريقته العجيبة وقس عليه الهدى، ويجوز أن تكون الإشارة لما بعده كما في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٤٣] لما مرّ تحقيقه في البقرة فتذكره.

стр. 3015

قوله: (جموع خلقه على ما هم عليه) بأن يعلم تفاصيل أحوالهم، وأنما فسره به ليفيد ا. لحصر ويتضح معناه ولذا فسره الزمخشري أيضاً بقوله: ما يعلم ما عليه كل جند من العدد الخاص به، وكونه من العقود التافة أو الناقصة، وهكذا كل المقادير التي قدّرها في الحدود وغيرها وهو أنسب بما قبله والمصنف لم يذكره لأنه مخالف لمذهبه في المقادير الشرعية إذ ينبني عليه عدم جري القياس فيها، وهو مذهب الإمام الأعظم. قوله: (إذ لا سبيل لآحد الخ) بيان لأنّ حصر علمها فيه باعتبار مخصوص لا مطلقا لأنّ الناس يعلمون بعض جنود ما، وقوله: وما يوجب اختصاص كل منها بما يخصه أي بحمسب ما قدره الله، وما اقتضته حكمته أو بحسب ما جرت به الأمور العادية إذ لا شرطية ولا علية بين الموجودات، وقوله: من كم ككون الزبانية تسعة عشر، وكيف كطبائع الأشياء حرارة وبرودة ونفعاً وضرّا والاعتبار قيل إنه الصفات العدمية والنسبة الصفات النسبية، وكان حقها أن تقدم ولا حاجة لتفسيره الاعتبار بما ذكر إذ لك أن تفسره بكل ما يعتبر في الأشياء من الأمور الطارئة عليها مطلقا. قوله تعالى: ( ﴿وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ (بينه وبين البشر السابق تجنيس تام لأنه جمع بشرة، وقد قال في الإتقان لم يقع في القرآن إلا في مواضع، ولم يعد هذا منها فاعرفه، وقوله: وما سقر قيل: هو معطوف على قوله: سأصليه سقر، وما بينهما اعتراض ردّ الطعن الكفرة وقوله: أو عدة الخزنة ووجه التذكير فيها والعظة أنه تعالى في خلقه ما هو في غاية العظمة حتى يكون القليل منهم معذباً ومهلكاً لما لا يحصى تأبيده فما بالك بعظمة ذاته جل، وعلا والتذكير في السورة ظاهر. قوله: (رع لمن أنكرها) أي سقر أو العدّة أو السورة بإنكار كونها كلام الله تعالى، وقوله: أو إنكار الخ على أنه رد لقوله ذكرى للبشر ولا يناقض ما قبله من إثبات التذكرة لها على جهة الحصر كما قيل: لا لأنها ذكرى لبعضهم وبعضهم يعرض عنها باختيار. كما قال: فما لهم عن التذكرة معرضين بل لأنّ شأنها أن تكون مذكرة لكل أحد، ومن لم يتذكر لغلبة الشقاء عليه لا يعد من البشر ولا يلتفت لعدم تذكره كما أنّ حلاوة العسل لا يضرها كونها مرة في فم منحرف المزاج المحتاج إلى العلاج فتذكره. قوله: (كقبل بمعنى اقبل) والمعروف فيه المزيد ولكن الثلاثي حسن هنا لمشاكلة الفواصل، وقوله: على المضي لأنّ إذ ظرف لما مض فهي المناسبة للفعل الماضي وإذا للمستقبل والماضي هنا للتحقق أو هي تقلبه مستقبلاَ. قوله: (البلايا الكبر) أي العظيمة الكثيرة وهذه واحدة منها يعني ما لهم غير محصور فيها بل تحل بهم بلايا غير متناهية أو هذه أعظمها كما يقال أحد الأحدين، وهو واحد الفضلاء أو إحدى دركات النار الكبر السبع لأنها جهنم ولظى، والحطمة وسقر والسعير والجحيم والهاوية، واختار المصنف الأوّل والزمخشريّ الثاني، وصاحب التيسير الثالث قيل: والأوّل أرجح وأنسب بالمقام. قوله: (إلحاقاً لها بفعلة) لأنّ المطرد جمعه على فعل فعلة دون فعلى فنزلت الألف منزلة التاء، والقاصعاء بالمدّ حجر اليربوع وفاعلة تجمع على فواعل باطراد فحمل فاعلاء عليه لاشتراك الألف والتاء في الدلالة على التأنيث وضعا، وقوله: جواب القسم وهو والقمر الخ أو القسم لمجرّد التأكيد غير محتاج للجواب أو جوابه مقدر يدل عليه كلا. قوله: (أو تعليل لكلا) قيل: القسم على كون كلا إنكاراً لأنّ يتذكروا بها والتعليل على أنه رح لمن أنكر قيل، وفيه إنّ قوله: إنها لإحدى الكبر كيف يكون تعليلاً لرح من ينكر أنها إحدى الكبر، وليس بشيء وإن ظن إنه وارد على الكشف لأنه منكر لذاتها لا لوصفها بما ذكر فتأمّل، وقوله: لإحدى الكبر إنذار إشارة إلى أنّ النذير على هذا بمعنى الإنذار مصدر، وقوله: عما دلت عليه الجملة لم يجعله منها لما في مجيئها من المبتدأ والخبر عند النحاة وهو مصدر مؤوّل بالوصف أو وصف بمعنى منذرة، ولم يؤنث لما مرّ في أنّ رحمة الله قريب من المحسين. قوله: (بدل من للبشر) أي الجار والمجرور بدل من الجار والمجرور لا المجرور مبدل من المجرور لإعادة الجار لأنه تكلف مستغنى عنه وقوله: للمتمكنين الخ أوّل به لأنّ الإنذار غير مناسب لمن يتقدم والمراد المتمكنين من فعل الخير وتركه قبل مباشرته، وقوله: أو لمن شاء خبر الخ فالمعنى لمن شاء التقدّم والتأخر أي السبق للإيمان، والتخلف عنه فيكون بمعنى الآية المذكورة، وفيه بعد ولذا أخره المصنف، وقول أبي حبان إنّ اللفظ لا يحتمله غير مسلم. قوله:

стр. 3016

(كالرهن) فإنه مصدر بمعنى المفعول في أكثر استعمالاته، وقوله: لقيل رهين لأنّ فعيل بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر، والمؤنث في الأصل واختير المصدر مع موازنة الرهين لليمين، وكونه حقيقة غير محتاج للتأويل لأنّ المصدر هنا أبلغ فهو أنسب بالمقام فلا يلتفت للمناسبة اللفظية فيه، وكون فعيل صفة على خلاف القياس أو مما غلب عليه الاسمية كالنطيحة أمر آخر، ولكل أن يختار ما يختار فلا وجه لاعتراض أبي حيان على الزمخشري به، وقوله: أطلقت ظاهر وفي نسخة أطلق باعتبار المصدر. قوله: (وقيل هم الملانكة) فإنهم غير مرهونين بديون التكاليف كالأطفال، ومرضه لأنّ إطلاق النفس على الملك غير معروف ولأنهم لا يوصفون بالكسب أيضا، وقيل: لأنه يقتضي اختصاصهم باليمين والأول أولى، وقوله: فإنهم الخ إشارة إلى أنه استثناء متصل وعلى الأخير يجوز في الاستثناء الاتصال والانفصال بناء على أنّ الكسب مطلق العمل أو ما هو تكليف، وفي قوله: أو الأطفال مقدر أي، وقيل: وتركه لظهور أنه ليس مع ما قبله قولاً واحداً فلا غبار عليه. قوله: (لا يكتته وصفها) يشير إلى أنّ تنوينه للتعظيم، ويكتنه بمعنى يدرك كنهه، وقد تقدم أنه غير مولد وأنه ثابت في اللغة، وقوله: أو ضميرهم فقدّم للفاصلة وقوله: أي يسأل بعضهم بعضا فالمفاعلة على ظاهرها والبعض إمّا عبارة عن شخص أو جماعة والظاهر أنه غير منظور فيه لذلك، وقوله: أو يسألون غيرهم الخ فليس للمفاعلة الحقيقية، ولكنه أريد به الدلالة على كثرة المسند إليه وتعدده فإنّ التفاعل يرد للتكثير أيضاً واليه أشار بقوله: كقولك تداعينا وهو منقول عن الزمخشريّ في شرح الكشاف. قوله: (بجوابه) بيان لارتباطه بما قبله أي هذا سؤال بجوابه، وقع حكاية لما جرى بين المؤمنين المسؤولين والمجرمين أجاب بعضهم بعضا بها أي لما سألوا أصحابهم عن حال المجرمين قالوا لهم نحن سألنا المجرمين عن ذلك، وقلنا لهم: ما سلككم في سقر فقالوا لنا في الجواب لم نك من المصلين وكان يكفي أن يقال حالهم كيت وكيت لكن هذا أثبت للصدق، وأدل على حقيقة الأمر ففيه مقدر ومثله من الإيجاز كثير في القرآن، والتقدير ظاهر قيل: والأظهر أنه بيان للتساؤل والتقدير يتساءلون المجرمين عنهم لا يتساءلون عن حال المجرمين، وهو أقرب من إضمار القول من غير قرينة، ولا يخفى تكلفه وبعده وأقرب من هذا كله أن يقدر قائلين بعد ذلك للمجرمين وكونها حالاً مقدرة إن لم يعتبر امتداد زمان التساؤل سهل، وتقدير ويقولون لا يناسبه قالوا في الجواب لما فيه من الركاكة الظاهرة. قوله: (ما يجب إعطاؤه (إشارة إلى أن المراد بالإطعام الإعطاء وأنه مخصوص بالواجب لأنه الذي يقتضي تركه العذاب، وقوله: مخاطبون بالفروع المراد بالفروع ما عدا الإيمان من العمل لأنهم مخاطبون به بلا خلاف كالعقوبات، والمعاملات أما العبادات فاختلف فيها فالدّاهبون إلى أنهم مخاطبون بها استدلوا بهذه الآية فإنهم جعلوا عذابهم لترك الصلاة فلو لم يخاطبوا بها لم يؤاخذوا وتفصيل المسألة في أصول الفقه، فإن قلت إنه لا خلاف في المؤاخذة في الآخرة على ترك الاعتقاد فيجوز أن يكون المعنى من المعتقدين للصلاة ووجوبها فيكون العذاب على ترك الاعتقاد، وأيضاً المصلين يجوز أن يكون كناية عن المؤمنين وأيضا هو من كلام الكفرة فيجوز كذبهم أو خطؤهم فيه، قلت: ما ذكرت عدول عن الظاهر يأباه قوله، ولم نك نطعم المسكين الخ والمقصود من الآية تحذير غيرهم فلو كان كذباً أو خطأ لم يكن في ذكره فائدة. قوله: (نشرع في الباطل الخ (إما على أنه من استعمال المقيد في المطلق أو الاستعارة لأنّ الخوض ابتداء الدخول في البحار والأنهار، وقوله: أخر. لتعظيمه الخ جواب عن أنه كان ينبغي تقديمه لأنه أعظم الذنوب بأنه أخره لتعظيمه فإنّ المعظم قد يؤخر كما في قوله: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [سورة البلد، الآية: ١٧] والمعنى كنا بعد ذلك كله مكذبين بيوم القيامة، وقوله: الموت الخ ويجوز أن يراد العذاب الموعود به، وقوله: لو شفعوا لهم يعني أنه على الفرض، ولا شفاعة وقد تقدم أنه من قبيل: ولا ترى الضب بها يحجر وحمل تعريف الشافعين على الاستغراق لأنه أبلغ وأنسب بالمقام. قوله:) معرضين عن التذكير) إشارة إلى أنّ التذكرة مصدر بمعنى التذكر وأنّ الجار والمجرور مقدم من تأخير للفاصلة، والحال هنا من الضمير في الخبر وهي لازمة وهي المقصودة من الكلام ولها مع الاستفهام في ماله وما باله شأن خاص وجملة كأنهم حالية أيضا، وقوله:

стр. 3017

بحمر جمع حمار والمراد حمار الوحش لأنه موصوف بالنفار وشذة الفرار لا سيما من الأسد، وقوله: وهو القهر لغيره لشذة افتراسه، وقوله: نافرة بيان لحاصل معناه وقيل: فعل بمعنى استفعل كعجب واستعجب والأحسن أنه للمبالغة كأنها لشدة العد وتطلب النفار من نفسها كما في الكشاف. قوله: (قراطيس تنثر وتقرأ) يشير إلى أنّ المراد بكونها منشورة أن تفتح لتقرأ لا بمعنى غضة طرية كما قيل: ولا مفرقة، وقوله: لا لامتناع إيتاء الصحف يعني يرون أن إعراضهم لعدم مقترحهم فردّه الله به بأنه ليس كذلك بل لعدم الخوف المذكور، وقوله: فمن شاء أن يذكره إشارة إلى أنّ مفعول المشيئة مقدر من جنس الجواب، وقوله: وأي تذكرة إشارة إلى أن تنكيره للتعظيم والتفخيم. قوله: (وهو تصريح بأن فعل العبد بمشيئة الله (بالذات أو بالواسطة وهو رد على المعتزلة، وحملهم ذلك على مشيئة القسر والإلجاء خروج عن الظاهر، وقوله: بالتاء أي على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب وهي رواية شاذة عنه، وقوله: بهما وفي نسخة بها أي بتشديد الذال والكاف من باب التفعيل، وقوله: حقيق بأن يتقي فالتقوى مصدر من المبني للمفعول بخلاف المغفرة وضمن يغفر معنى يكرم فلذا عداه بنفسه دون اللام، وقوله: سيما المتقين منهم أشار به إلى الجواب عما في الكشاف، وقوله: وعن النبيئ عتيرر حديث موضحوع، وقوله: بمكة لنزولها بها تمت السورة بحمد الله ومنه والصلاة والسلام على أفضل مخلوقاته وعلى آله وأصحابه أجمعين. سورة القيامة لم يختلف في مكيتها واختلف في آياتها فقيل: أربعون وقيل: تسع وثلاثون. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (إدخال لا النافية) بحسب الوضع وإن كانت زائدة على احتمال هنا للتأكيد كما ذكره المصنف ﵀ وهذا بناء على أنها تزاد مطلقاً أو مع القسم في ابتداء الكلام والجملة وقد قيل إنها لا تزاد، إلا في حشو الكلام ووسطه، ورد بأنّ السماع على خلافه فإنها زيدت في أوائل القصائد كثيراً فلا حاجة إلى الجواب عما هنا بأنّ القرآن في حكم سورة واحدة وفيه وجوه أخر مرّت مفصلة. قوله: (فلا وأبيك ابنة العامريّ لا يدعي القوم إتي أفر) هو لامرى القيس من قصيدة وبعد.: تميم بن مر وأشياعها وكندة حولي جميعاصبر وقوله: لا أقسم على أن اللام لام ابتداء وأقسم خبر مبتدأ محذوف أي لأنا أقسم وقد تقدّم ما فيه أيضاً فتذكره. قوله: (بالنفس المتقية (فسرها بالنفس المتقية لأنّ القسم بشيء خصوصاً من الله يقتضي تعظيمه والنفس الفاجرة لا وقع لها فلا يقسم بها، وقوله: تلوم النفس إشارة إلى أن التشديد فيه للمبالغة بكثرة المفعول فهي في الكم، وقوله: تلوم نفسها أبدا أشار بقوله: أبداً إلى أن المبالغة في الكيف باعتبار الدوام، وقوله: المطمئنة تفسير آخر للوّامة وفيها وجوه أخر بعضها من اصطلاح الصوفية فقيل: هي فوق المطمئنة، وهي التي ترشحت لتأديب غيرها وقيل: هي الإمارة وكل نفس عبارة عن نفس الإنسان، وهو يتصف بصفتها وقد يثبت لإنسان واحد أنفساً بجعل تغاير الصفات بمنزلة تغاير الذات. قوله: (او بالجنس!) أي القسم بجنس النفس الشامل للتقية والفاجرة، والقسم بها حيحئذ بقطع النظر عن صفاتها لأنها من حيث هي شريفة لأنها بمعنى الروح، وهي من عظيم أمر الله فلا يرد عليه ما قيل من أنه لا يناسب إدخال النفس الفاجرة في المقسم به والإقسام يقتضي الإعظام وهو غير مناسب لها، وقوله: لم تزل تلوم أي تلوم نفسها وفي نسخة تتلوّم بالتشديد وهي للمبالغة في لوم النفس أيضا، وفي الأساس تلوم نفسه أنحى عليها باللائمة ويكون بمعنى التربص، والتمكث أيضاً فمن قصره عليه واعترض بأنه غير مناسب هنا فقد قصر، وقوله على ما خرجت به من الجنة أي على الفعل الذي خرجت به من الجنة. قوله: (وضمها) أي النفس في الذكر إلى يوم القيامة بالعطف المقتضي للمناسبة، وبينهما مناسبة لأنها دار الجزاء وهي المجازاة. قوله: (لآن فيهم من

стр. 3018

يحسب) فالإسناد إلى الجميع مجازي لوقوعه من البعض، وتقدم فيه كلام وانه هل يجوز ذلك مطلقاً أو يشترط فيه شيء ككثرة من صدر منه أو رضا الباقين، وقوله: أو الذي نزل فيه فالتعريف للعهد وعلى ما قبله للجنس، وقوله: عدي بن أبي ربيعة كذا في النسخ، وهو الموافق للكشاف وغيره وهو كما ذكره ابن حجر عدي بن أبي ربيعة ختن الأخن! بن شريق وهما اللذان كان ﷺ يقول فيهما: " اللهم اكفني جاري السوء " ووقع في بعضها عدي بن ربيعة وكأنه من تحريف الكاتب، وقوله: أو يجمع الله هذه العظام بفتح همزة الاستفهام والواو العاطفة ابتداء كلام للإنكار أي كيف يجمع الله عظاما بالية، وفي بعض النسخ بأو العاطفة بسكون الواو، ونصب يجمع بعدها أي لن أصدقك إلا أو إلى أن يجمع الله هذه العظام وأشاهدها كذلك وحينئذ أصدقك، وهو تعليق بالمحال على زعمه. قوله: (بعد تفرّقها الأن الجمع لا يتصوّر إلا بعد التفرّق، وقوله: وقرئ أن لن تجمع بالتاء الفوقية، وقوله: سلامياته جمع سلامى كحبارى وهي ما صغر من عظم الأطراف كاليدين والرجلين ففيها جهتان الصغر، وكونها في الأطراف وكل منهما يقتضي صعوبة الجمع، وثبوته لغيره بالطريق الأولى والبنان اسم جنس جمعي كالتمر فلذا، قال الذي هو أطرافه، وقوله: فكيف بغيرها لأنّ القادر عليها قادر على غيرها بالطريق الأولى، وقوله: وهو أي قادرين والفعل المقدر بعده نجمعها وفي تفسير محيي السنة البغوي هنا كلام مغلق نقله عن الفرّاء، وقال قادرين منصوب على الخروج، وهو مما خفي على كثير من الفضلاء لولا ضيق المحل أوردناه مشروحاً. قوله: (عطف على أيحسب) فيه تسمح لأنه إذا كان استفهاما لم يكن معطوفاً على أيحسب، بل على يحسب وحده كما صرح به في قوله: يكون الإضراب الخ فإنه على اللف والنشر، فلا يرد أنه إذا كان استفهاما عطف على يحسب، وإذا كان إيجاباً عطف على أيحسب وهو الأولى، والأبلغ ولا حاجة إلى أن يقال هو فيهما معطوف على أيحسب بتقدير همزة أو بدونه، وقال أبو حيان: إنها للإضراب الانتقالي بلا إبطال عن قوله: نجمعها قادرين إلى ما عليه الإنسان. قوله تعالى:) ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ ) هو كقوله: ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [سورة النساء، الآية: ٢٦] وفي المغني أنه قد اختلف فيه فقيل: المفعول محذوف أي يريد الله التبيين ليبين لكم، وقال الخليل وسيبويه ومن تبعهما: الفعل في ذلك مقدر بمصدر مرفوع بالابتداء، واللام وما بعدها خبر أي أراده الله ليبين لكم وعلى هذا فلا مفعول للفعل انتهى، وقيل: إنه منزل منزلة اللازم ومصدره مقدر بلام الاستغراق أي يوقع جميع إرادته ليفجر أو مفعوله محذوف يدل عليه ليفجر أي يريد شهواته ومعاصيه كما قدّره المعرب، وهو مخالف لكلامهم في نظائره فليحرّر. قوله: (ليدوم على فجوره فيما يستقبله من زمان (فسره به لأن إمامه ظرف مكان استعير هنا للزمان المستقبل فيفيد الاستمرار، والضمير للإنسان كما ذكره المصنف رحمه الله تعالى، وقيل: هو ليوم القيامة، ونقل عن ابن عباس وقيل: الدوام والاستمرار لأنه خبر عن حال الفاجر بأنه يريد ليفجر في المستقبل على أنّ إرادته وحسبانه هما عين الفجور وفي إعادة المظهر ما لا يخفى من التهديد ونعي قبيح ما ارتكبه، وأن الإنسانية تأباه، وقيل: حمله على الاستمرار ليصح الإضراب ويصير المعنى بل يريد الإنسان أن يستمر على فجوره، ولا يتوب فلذا أنكر البعث. قوله: (يسأل (استئناف أو حال أو تفسير لقوله: يفجر أو بدل منه والاستئناف بياني كأنه تيل: لم يريد الدوام على الفجور قيل: لأنه أنكر البعث واستهزأ به، وقوله: تحير فزعاً هو المعنى المجازي، وقوله: فدهش بصره هو المجازي فهو استعارة أو مجاز مرسل لاستعماله في لازمه أو في المطلق، وبرق بمعنى نظر البرق كقمر نظر القمر، وقوله: أو من البريق عطف على قوله: من برق، وقيل: إنه معطوف على قوله: وهو لغة، وقوله: شدّة شخوصه أي فتح عيته من غير أن تطرف وبلق بمعنى فتح، وقيل: إنه يكون بمعنى أغلق فهو من الأضداد واللام فيه أصلية، وقيل: بدل من الراء كما قيل في نثر نثل وقد قالوا: إنه سمع برق بمعنى فتح عينه. قوله: (بلق الباب) أي انفتح- فهو لازم والذي في القاموس إنه متعد فبلق الباب كفتحه. قوله: (في ذهاب الضوء) فاجتماعهما في التساوي صفة والجمع مجاز عنه، وقوله: والطلوع فالجمع بمعنى طلوعهما من سمت واحد وقوله: ولا ينافيه

стр. 3019

أي جمعهما المذكور لا ينافيه الخسوف السابق لأنّ الخسوت كما تقرّر يكون إذا تقابلا وحالت الأرض بينهما، ولذا كان في أواسطه فلا يتأتى مع اجتماعهما لأنه إنما ينافيه إذا أريد مصطلح أهل الهيثة أمّا لو أريد به ذهاب الضوء كما مر وذلك باستتاره، وهو المحاق بتثليث الميم فلا منافاة بينهما حتى يقال يجوز أن يكون الخسوف في وسط الشهر والجمع في آخره إذ لا دلالة على اتحاد وقتيهما في النظم، وإن صح ذلك أيضاً. قوله: (ولمن حمل ذلك) أي قوله: برق البصر على شخوصه عند النزع والاحتضار لأنه ينكشف له الأمر حينئذ فيعلم حقية ما أخبر به، ولذا اتصل بما قبله والخسوف حينئذ بمعنى ذهاب نور البصر منه، لأنه المناسب له وجمع الشمس، والقمر حينئذ استتباع الروح حاسة البصر فيعبر بالشمس عن الروج وبالقمر عن حاسة البصر على نهج الاستعارة فانّ نور البصر بسبب الروج كما أنّ نور القمر بسبب الشمس، وقوله: في الذهاب أي ذهاب الروح بزهوقها وذهاب إحساس الحاسة وجميع الحواس بذهاب الروج. قوله: (أو بوصوله إلى من كان الخ (الضمير للروح وإن كان مؤنثاً لتأويله بمذكر وقوله: من سكان جمع ساكن بيان لمن وفي نسخة لمكان فقوله: من سكان متعلق بقوله: يقتببس على أنه بدل من قوله منه وهو معطوف على قوله: باستتباع أي فله أن يفسر الجمع بوصول الروح الإنسانية إلى محل أو إلى من كان يقتبس الروج منه نور العقل، وهم سكان القدس أي الأرواح المقدسة المنزهة عز النقائص المتقدمة عن نور الأنوار فالقمر مستعإر للروح والشمس لسكان الملأ الأعلى لأنهم يقتبس منهم اقتباس القمر من الشمس. قوله: (وتذكير الفعل (وهو جمع لتقدّمه هو المصحح لأنه إنما يجب إذا تأخر وتغليب المعطوف المذكر، وهو القمر هو المرجح وليس التغليب هنا اصطلاحيا حتى يعترض بأنهما لم يجتمعا في تعبير واحد بل المراد به جعل حكمه من التذكير معتبرا غالباً على الشمس فلا وجه للاعتراض بأنه لا يجوز قام هند وزيد على التغليب، والجواب بأنه ليس وجها مستقلاً بل لا معنى له. قوله:) أين الفرار) فهو مصدر ميمي وقوله: قول الآيس لعلمه بأنه لا فرار حينئذ وحمله على حقيقته على توهمه ذلك لدهشته، والمتمني مفعول لوجدانه، وقوله: وقرئ بالكسر أي كسر الفاء على القياس في اسم المكان لأنّ مضارعه يفسر بالكسر ومن ظنه بكسر الميم فقدسها وجوّز في المكسور أن يكون مصدراً كالمرجع أيضا. قوله: (رع عن طلب المفر) المراد بطلب التلفظ بما يدل على طلبه عند اليأس، أو بناء على ظاهره فلا يعترض عليه بأنه لا يناسب ما تقدم من أنه قول الآيس كما قيل. قوله: (مستعار من الجبل) لأنّ الوزر الجبل المنيع، ثم شاع وصار حقيقة لكل ملجأ فلا ينافي هذا قوله في الكشاف كل ما التجأت إليه من جبل أو غيره وتخلصت به فهو وزرك كما قيل. قوله: (إليه وحده استقرار العباد) فالمستقر مصدر ميمي، واليه قدم لإفادة الاختصاص لا بناء على جواز تقدم معمول المصدر إذا كان ظرفاً لتوسعهم فيه بل لأنه خبر ومعنى كون استقرارهم إليه لا منجا ولا ملجأ غيره، وقوله: أو إلى حكمه الخ لأنه مالك الملك ومصير أمرهم إليه والى حكمه في القيامة، وقوله: أو إلى مثيئته على تقدير مضاف فيه كما في السابق أو هو محصل المعنى المراد منه، والمستقر على هذا اسم موضع وهو مقرهم بعد الحشر في دار الخلود فإنه مفوض لإرادته. قوله تعالى: ( ﴿يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ﴾ الخ) فصله عما قبله لاستقلال كل منه ومن قوله: يقول الخ في الكشف عن سوء حاله، وقوله: بما قدم من عمل عمله الخ فما قدم كناية عما عمل، وما أخر ما تركه ولم يعمله وهو مجاز مشهور فيما ذكر أو ما قدمه ما عمله وما أخره عمل من اقتدى به بعده عملاَ له كأنه وقع منه، وبقية المعاني ظاهرة. قوله: (حجة بينة) تفسير لقوله: بصيرة فهو مجاز عن الحجة الظاهرة أو بصيرة بمعنى بينة وهي صفة لحجة مقدرة وجعل الحجة بصيرة لأن صاحبها يبصر بها فالإسناد مجازي أو هي بمعنى دالة مجازا أو هو استعارة مكنية، وتخييلية وكلام المصنف رحمه الله تعالى يحتمله والإنسان مبتدأ وبصيرة خبره وعلى متعلق به، والتأنيث للمبالغة أو لكونه صفة حجة كما مرّ، وقوله: على أعمالها أي أعمال النفس فهو بتقدير مضاف فيه أو هو المراد منه. قوله: (لأنه شاهد بها) أي بالأعمال في يوم القيامة حيث تنطق أعضاؤه بما عمل، وقوله: أو عين بصيرة بها عطف على قوله: بينة وبها متعلق بمقدر أي

стр. 3020

يبصر بها وقوله: فلا يحتاج إلى الأنباء هو على الوجهين وفيه شائبة من التجريد كما في شرح الكشاف، وقوله: على المجاز لما مرّ لا لأنه للأعضاء كما توهم. قوله: (ولو جاء الخ (فشبه المجيء بالعذر بإلقاء الدلو في البئر للاستقاء به فيكون فيه تشبيه لذلك بالماء المروي للعطش، وقوله: على غير قياس لأن قياسه معاذر بغير ياء، وهو المراد من قول الزمخشريّ اسم جمع لأنه يطلقه على الجموع المخالفة للقياس كما مرّ غير مرة، ومن غفل عنه اعترض عليه بأنه ليس من أبنية اسم الجمع، وقوله: وذلك أولى أي كونه جمع معذار لجريه على القياس إلا أنّ في ثبوت المعذار بمعنى العذر نظر لأنه لم يسمع من الثقات أو سمع بمعنى الستر كما روي عن الضحاك، والجمع يحتمل أن يكون لمعذرة وأشبعت حركته فمد لذلك، والمعذرة مثلث الدال العذر وقيل معنى قوله وذلك أولى إن جمع معذرة على معاذير أولى من جمع منكر على مناكير لأنّ التغيير فيه أقل، وليس بشيء ولم يتعرضوا لجوإب لو هنا فإمّ أن يكون معنى الشرطية منسلخاً عنها كما قيل، أو يدل عليه ما قبله والظاهر الأوّل. قوله: (لتأخذه على عجلة) إشارة إلى أنّ الباء للتعدية وعن الشعبي عجل به من حبه إياه وهو لا ينافي ما ذكر، وقوله: وهو تعليل الخ يعني قوله: إن علينا جمعه، وهو ظاهر وقوله: بلسان جبريل عليك يشير إلى أنّ الإسناد مجازي هنا، وقوله: قراءته إشارة إلى أنه مصدر لا بمعنى المقروء، وقوله: وتكرر فيه فالاتباع عبارة عن قراءته كما قرأه جبريل والتكرار من المقام بقرينة السياق. قوله: (بيان ما أشكل عليك من معانيه الخ) التأخير من لفظ، ثم وأوّل من استدل بهذه الآية على ما ذكر القاضي أبو الطيب وهو إنما يتم إذا فسر البيان بتبيين المعنى، وقد قال الآمدفي يجوز أن يراد بالبيان الإظهار لا بيان المجمل، ويؤيده أنّ المراد جميع القرآن والمجمل بعضه وما ذكره الآمدي هو المروي عن ابن عباس ﵄ فإنه قال في تفسيره إنّ علينا أن نقرأه يريد ما ذكر. قوله: (اعتراض (يعني أنّ قوله: لا تحرك الخ كلام وقع معترضاً في أثناء أمور الآخرة توبيخاً على ما جبل عليه الإنسان. والمرء مفتون بحب العاجل حتى جعل مخلوقا من عجل ومن محبة العاجل وايثاره على الآجل تقديم الدنيا الحاضرة على الآخرة الذي هو منشأ الكفر، والعناد المودي إلى إنكار الحشر والمعاد فالنهي عن العجلة في هذا يقتضي النهي فيما عداه على آكد وجه، وهذه مناسبة تامّة بين ما اعترض فيه وبينه يندفع بها إنكار بعض الزنادقة للمناسبة فيه بوجه من الوجوه حتى تشبث به لأنه وقع في القرآن تغيير وتحريف ممن جمعه: وما عليك إذا لم تفهم البقر وقيل: قوله: بل يريد الإنسان ليفجر إمامه في معنى تحبون العاجلة فتظهر مناسبته لما قبله، وتوكيده له فلا حاجة إلى أن يقال: أراد بالاعتراض هنا الاستطراد كما قيل فإنه الوجه الآتي. قوله: (أو بذكر ما اتفق في أثناء نزول هذه الآيات) من عجلته لمجي! في تلقيها عن جبريل ﵊ فقيل له: لا تحرك الخ نهياً له عما صدر منه في ذلك الحين كما يقول المرء وهو يتكلم لمخاطبه إذا التفت لا تلتفت يميناً وشمالاً، ثم يعود لما كان فيه من الكلام فالمناسبة لما وقع في الخارج لا لمعنى الموحى به فهو استطراد واعتراض بالمعنى اللغوي لا الاصطلاحي حتى يرد عليه إنه لم يفد ما اعترض فيه توكيد أو لا بد منه في الاعتراض. قوله: (وقيل الخطاب مع الإنسان المذكور) في قوله: أيحسب الإنسان فهو المخاطب بقوله: لا تحرك الخ كما فصله المصنف ﵀ ولبعده مرضه المصنف رحمه الله تعالى، وإن ارتضاه غيره وقدمه على الوجه السابق، وهو مخالف للمأثور في تفسير الآية وقوله: رح للرسول الخ لف ونشر على التفسيرين، ويحتمل عود كل منهما إلى الجميع وقوله: للمعنى لأنه مفرد لفظا مجموع معنى وقوله: ويؤيده الخ لأنه على الغيبة ظاهر في أن الضمير للإنسان وعلى ما قبله غلب فيه النبيّ على غيره فلا التفات فيه وقوله: بهية أي حسنة، وقوله: متهللة أي منيرة مثرقة كالهلال من المسرة. قوله: (ولذلك) أي لكون المعنى ما ذكر قدم متعلقه، وهو قوله: إلى ربها ليدلّ على الاختصاص وعدم النظر لما سواه، وقوله: وليس هذا الخ ردّ على الزمخشريّ حيث ادعى نصرة لمذهبه في إنكار الرؤية أنه لو كان النظر بمعناه المعروف لم يصح الحصر لأن قصر النظر غير واقع كما لا يخفى على من له نظر بأنه في وقت ما لا في جميع الأوقات لأنه لا يراه دائما مع أنه قد يجعل رؤية ما سواه عدما أو يقال: التقديم لرعاية الفاصلة، لا للحصر هنا أو للاهتمام لأنه المقصود

стр. 3021

بالإفادة إذ أصل النظر معلوم غني عن البيان. قوله: (وقيل منتظرة أنعامه) هو ما ارتضاه الزمخشري لتأييد مذهبه في إنكار الرؤية لأنّ النظر يكون بمعنى الانتظار، وقوله: إلى الوجه لأنه يقال: وجه زيد منتظر وارادة الذات يأباها قوله: ناظرة لأن المتبادر وصف الوجوه الحقيقية به، وقوله: لا يتعدى بإلى يعني بل بنفسه، وما قاله الشريف المرتضى في الدرر من أنّ إلى هنا اسم بمعنى النعمة واحد الآلاء بعيد جدا وأورد عليه أنّ الزمخشري لم يقل هنا النظر بمعنى الانتظار حتى يرد ما ذكر إنما قال إنه نظر العين للوجه وهو كناية عن توقع الإحسان ورجائه فالصواب أن الانتظار، والتوقع لا يلائم المقام والمناسب للمدح لهؤلاء ذكر ما أفاض عليهم من الأنعام وما أجيب به من أنه ليى ردا على الزمخشري بل على غيره من مشايخ العدلية الذاهبين إلى أنه هنا بمعنى الانتظار كما نقل في الكتب الكلامية خلاف ما يقتضيه سياق كلامه، فإنه بعينه ما في الكشاف، والقول بأنه ذهاب إلى الكناية وترك الحقيقة من غير داع لا وجه لأنه أي داع أقوى من كون الرؤية غير واقعة عنده وابطال المذهب أمر آخر. قوله: (وإدّا نظرت إليك من ملك) البيت لا أدري قائله يعني أنه استشهد بهذا البيت على أن النظر بمعنى الانتظار ورده بأن الانتظار لا يستعقب العطاء والمراد به هنا السؤال، وأنت خبير بأن ما في الكشاف إنه من قول الناس إنا إلى فلان ناظر ما يصحنع بي يريد معنى التوقع والرجاء ومنه قول القائل، وإذا نظرت الخ فهو ما عرفته من أنه كناية عن التوقع وهو يعقب العطاء، وليس فيه ذكر للانتظار لأنه مغاير للتوقع وغير ملازم له أيضا وأيضاً كون الانتظار لا يعقب العطاء، غير مسلم نعم لا يطرد فيه ذلك فقد يجعل هنا ادعائياً ولا بد منه في السؤال أيضا وكون النظر بمعنى السؤال بعيد ومن في قوله: من ملك تجريدية كرأيت منك الأسد، وقوله: والبحر دونك أي حائل بيني وبينك يعني أنه مع بعده عنه لا يزال يتقلب في نعمه أو المعنى والبحر في الجود لا يصل إلى كرمك وهذا أظهر وعليه فلا يرد ما ذكر رأساً لأنّ هذه الجملة حالية. قوله: (والباسل أبلغ من الباسر الخ) يعني كل منهما يدلّ على شدّة العبوس والباسل يدلّ على زيادة أقوى منه، وعدل عن الأبلغ لإيهامه غير المراد فقوله: لكنه الخ جواب من سؤال مقدر والكلوح بضم الكاف ما يظهر على الوجه في حال العبوس، وقوله: تتوقع أربابها إشارة إلى أنّ الظن هنا بمعناه الحقيقي وأنّ الضمير راجع إلى الوجوه بتقدير مضاف فيه، وكونه للوجه بمعنى الذات استخداما بعيد، وقيل: الظن هنا بمعنى اليقين كما مرّ وأيد بأن مقتضى مقابلة النضرة والنعم تحقق سوء المنظر والنقم لا ظته وتوقعه، وأجيب بأنّ المراد إنها مع ما هي فيه من البلاء المحقق متوقعة لما هو أشد منه بعده فهو عبارة عن عدم تناهي الثدائد، وفيه نظر ولا ينافي ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى كون أن مخففة من الثقيلة فإن المنافي له ما يدل على التحقق الصرف، وأمّا أفعال الظن فتقع بعدها المصدرلة والمخففة كما صرحوا به. قوله: (داهية) هو معناه الوضعي وقوله: تكسر الفقار، وهو عظم الظهر بيان لمأخذه واشتقاقه، وقوله: عن إيثار الدنيا الخ فهو ناظر إلى قوله: يحبون العاجلة، وقوله: أعلى الصدر لأنّ التراتي جمع ترقوة وهي عظم وصل ما بين ثغرة النحر والعاتق، وقوله: إضمارها يعني النفس فإن الضمير لها وهي معلومة من الإنسان، وقوله: الرقية بالضم كالعوذة ما يتكلم به عند الملسوع والمريض من آيات الشفاء ونحوها. قوله: (أو قال ملالكة الموت الخ) قيل: إنّ قوله: ملائكة الرحمة لا يناسب ما بعده من قوله: فلأصدّق الخ ويدفعه أنّ الضمير للإنسان والمراد به الجنس وكذا ما قبله من تقسيم الوجوه إلى الناضرة والباسرة والاقتصار بعده على أحوال بعض الفريقين لا ينافي عموم ما قبله، والاستفهام في هذا الوجه حقيقي، وكذا في الوجه الأوّل إلا أنه محتمل للإنكار على أنّ المعنى لا راقي له بعد هذه الحالة، وقوله: من الرقي بضم الراء مصدر بمعنى الصعود، وقوله: محابها بمعنى محبوباته منها. قوله: (التوت ساته بساقه) فالساق بمعناه الحقيق وال فيه عهدية أو عوض عن المضاف إليه، وقوله: أو شدّة الخ على أنّ الساق عبارة عن الثذة كما مر في سورة القلم، والتعريف للعهد أيضا فإن قلت: ما مر، هو الكشف عن الساق ووجهه ظاهر لأنّ المصاب يكشف عن ساقه فكيف ينزل هذا عليه، قلت: الأمر كما ذكرت لكنه

стр. 3022

شاع فيه ففهم ذلك من الساق وحده حتى صار عبارة عن كل أمر فظيع كما أشار إليه الراغب فتدبر. قوله: (سوقه إلى الله وحكمه) يشير إلى أنّ المساق مصدر بمعنى السوق، وإن فيه مضافاً مقدراً وتقديم الخبر كما مرّ. قوله: (ما يجب تصديقه) على أنّ صدّق ماضي التصديق، وما بعده على أنه من التصدق، ودخلت فيه لا على الماضي كما في قوله: وأفي عبد لك لا الما وله شواهد أخر فإن قلت: على أنه من التصدق الاستدراك ظاهر لأنه لا يلزم من نفي التصدق والصلاة التكذيب والتولي كما في كثير من عصاة المؤمنين، وأما إذا كان من التصديق فيلزم التكرار ووقوع لا بين أمرين متوافقين، وهو لا يجوز كما قاله أبو حيان: قلت ما ذكره غير مسلم فإنه معطوف على قوله: يسأل أيان يوم القيامة، وهو سؤال استهزاء واستبعاد كما مرّ فالمعنى استبعد البعث وأنكره فلم يأت بأصل الدين الذي هو التصديق بالله ولا بأهم فروعه، وهو الصلاة ثم أكد ذلك بذكر ما يضاده بقوله، ولكن كذب الخ نفيا لتوهم السكوت أو الشك أي ومع ذلك أظهر الجحود والتولي عن الطاعة فكونهما متوافقين غير مسلم ولا استدراك للاستدراك كما توهمه. قوله: (والضمير فيهما للإنسان الخ) إشارة إلى أنه معطوف على قوله: يسأل أيان يوم القيامة كما مرّ، وبه صرح الإمام فهو لا بعد فيه معنى وإن بعد لفظا فإنكار أبي حيان له غير مسلم، وقوله: أيحسب الإنسان بعده تكرير للإنكار، وقرينة مقربة له وفيه نظر فإنّ إنكار بعده مكابرة لا تخفى. قوله: (فإنّ المتبختر يمدّ خطاه (بيان لوجه إفادته لما ذكر قال الإمام: هذا ذكر لما يتعلق بدنياه بعد ذكر ما يتعلق بدينه قيل، وثم للاستبعاد لأنّ من صدر عنه مثل ذلك ينبغي أن يخاف من حلول غضب الله به فيمشي خائفا متطامناً لا فرحاً متبخترا، وقوله: أصله يتمطط فأبدل بعض حروف المضارعة ياء كما قيل في قصصت أظفاري قصيت ونظائره كثيرة، وقوله: أو من المطا فهو معتل بحست الأصل. قوله: (ويل لك) هذا محصل معناه المراد منه فإنه مثله فيرد للذعاء عليه أو للتهديد والوعيد، وعن الأصمعيّ إنها تكون للتحسر على أمر فات هذا هو المعنى المراد بها، والكلام في لفظها فقيل: هو فعل ماض دعائيّ من الولي واللام مزيدة أي أولاك الله ما تكرهه أو غير مزيدة أي أدنى الهلاك لك كما ذكره المصنف ﵀ وقريب منه قول الأصمعي إن معناه قاربه ما يهلكه أن ينزل به واستحسنه ثعلب، وقيل: إنه اسم وزنه أفعل من الويل فقلب وقيل: فعلى ولذا لم ينوّن ومعناه ما ذكر وألفه للإلحاق لا للتأنيث وعلى الاسمية هو مبتدأ ولك الخبر، وقيل: إنه اسم فعل مبنيئ ومعناه وليك شرّ بعد شرّ ونقل الزمخشري عن أبي علني أنه علم لمعنى الويل وهو غير منصرف للعلمية ووزن الفعل، وقيل عليه إن الويل غير متصرف ومثل يوم أيوم غير منقاس ولا بفرد عن الموصوف، واذعاء القلب من غير دليل لا يسمع وعلم الجنس خارج عن القياس ما ذكر بعيد من وجوه عدة وقيل: فالأحسن أنه أفعل تفضيل خبر لمبتدأ يقدر كما يليق بمقامه فالتقدير هنا النار أولى لك يعني أنت أحق بها وأهل لها. قوله: (أي يتكرّر ذلك عليه الخ) إشارة إلى مكرّر للتوكيد ومرّ تحقيقه والكلام في عطفه، وقوله: وهو يت! ضمن تكرير إنكاره الخ إشارة! فائدة ما ذكر بعد قوله: أيحسب الإنسان سابقا بأمرين، أحدهما: أنه في مقابلة تكريره للإنكا وثانيهما: دلالته على وقوع البعث لأنّ الحكمة في خلق الإنسان تقتضي التكليف، ثم الجر لئلا يكون عبثاً وهو قد لا يكون في الدنيا فلزم ذلك وقوله: استدلال آخر أي بعد الاستدلا بقوله: أيحسب الإنسان أن يترك سدى. قوله: (كان إذا قرأها الخ) قال ابن حجر رواه أبو دا والحاكم وهذا كما روي أنه جمنن كان يقول في آخر تبارك الله رب العالمين كما في تفسر الجلالين، وقوله: من قر " ٢ (الخ حديث موضوع تمت السورة بحمد الله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه. سورة الإنسان وتسمى سورة الدهر، والأمشاج وهل أتى ولا خلاف في عدد آياتها وهي مكية عند الجمهور، وقالط ابن عادل إنها مدنية عند الجمهور وهو مخالف لما قاله الفاضل المحشي، وقيل: مدنية مطلقاً وقيل: إلا قوله فاصبر الخ

стр. 3023

وقيل إلا قوله ولا تطع منهم آثماً أو كفورا. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (استفهام تقرير وتقريب) تقريب بالرفع عطف على استفهام أو بالجرّ عطف على تقرير، والتقرير الحمل على الإقرار بما دخلت عليه والمقرّر به من ينكر البعث، وقد علم أنهم يقولون نعم قد مضى دهر طويل لا إنسان فيه فيقال لهم: فالذي أوجدهم بعد أن لم يكونوا كيف يمتنع عليه إحياؤهم بعد موتهم، وهذا معنى الهمزة المقدرة معها، والتقريب تقريب الماضي من الحال وهو معنى قد وهل المرادفة لها فلما سدت مسد الهمزة دلت على معناها ومعنى الهمزة معاً، ثم صارت حقيقة في ذلك فقوله، ولذلك أي لدلالتها على ما ذكر كما عرفته، وقوله: فسر بقد كما فسرها به ابن عباس ﵄ وجماعة من النحاة كالكسائيّ وسيبوبه والمبرّد والفرّاء، وردّه ابن هشام في المغني وقوله: وأصله أهل على ما قرّرناه. قوله: (كقوله) القائل هو زيد الخيل قاله: في غارة أغارها على بني يربوع وهم قبيلة مغروفة أغار عليهم فأصاب منهم وقتل وسبى فقال في ذلك شعرا وهو: سائل فوارس يربوع بشذتنا أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم أم هل تركت نهيكافيه دامية ملاسة تنفث الطلاء بالقدم والحرث بن هشام عند معترك رهن المقامة للعرجاء والرخم إنا كذاك إذا ما غارة لحقت نفضي لكل رقيق حذه خدم وكل مشترف من نسل سلهمة يلتحن عند اعتراك الموت باللجم وهذه جميع الأبيات قال السيوطي في شرح شواهد المغني والذي رأيته في نسخة قديمة من ديوانه فهل رأونا وقال السيرافي الرواية الصحيحة أم هل رأونا وأم منقطعة بمعنى بل فلا دليل فيه لما قاله الزمخشري، ومن تبعه لأنّ الحرف لا يدخل على مثله ولم يجعله المصنف ﵀ دليلاَ كما في الكشاف لاحتمال أنه جمع بينهما للتوكيد كما في قوله: ولا للما بهم دواء مع أنّ هذا أقرب لعدم اتحادهما لفظاً، والسفح أسفل الجبل ينفسح فيه الماء، والقاع الأرض المنخفضة وا! م جمع أكمة وهي ما علا من الأرض دون الجبل والشدة بالفتح الحملة أو بالكسر القوّة والباء فيه لتضمين سائل معنى أهيم أو للسببية، وقوله: أهل الخ كناية وتعريض معناه أهل كنا غالبين أم هم وفيه تعريض بأنهم كانوا في الحضيض كذا في الكشف وعندي إنه كناية عن انهزامهم لأنّ من شأن المنهزم الالتجاء إلى جبل. قوله: (طائفة محدودة) أي مقدرة، وهو تفسير للحين وهو شامل للكثير والقليل لأنها إمّا مدة الحمل إن أريد النطفة أو هي مدّة مادة آدم المخمرة طيناً على الخلاف فيها هل هي أربعون سنة أو مائة وعشرون كما في الآثار إن أريد العنصر، وقوله: الزمان الممتدّ الغير المحدود تفسير للذهر فإنه عند الجمهور يقع على مدة العالم جميعها وعلى كل زمان طويل غير معين والزمان عامّ للكل، وتوقف أبو حنيفة في معنى الدهر كما ذكر في كتاب الإيمان يعني في المراد به عرفا حتى يقال: بماذا يحنث إذا قال: لا أكلمه الدهر. قوله: (غير مذكور بالإنسانية (إشارة إلى أنّ النفي راجع للقيد أي غير معروف بها والمراد أنه معدوم لم يوجد بنفسه إذ كان الموجود أصله مما لا يسمى إنساناً ولا يعرف بعنوان الإنسانية كالعناصر الأربعة جملتها أو بعضها المخلوق منها آدم ﵊، أو النطفة المتولدة من الأغذية المخلوقة من العناصر، وقوله: حال من الإنسان فأطلق على مادّته الإنسان مجازاً بجعل ما هو بالقوة منزلاً منزلة ما هو بالفعل أو هو من مجاز الأول وقوله: بحذف الراجع أي العائد وتقديره فيه كما في قوله: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً﴾ [سورة البقرة، الآية: ٤٨] . قوله: (والمراد بالإنسان الجنس) الشامل لآدم وبنيه لا آدم كما ذهب إليه بعض المفسرين وسيأتي لأنه أعيد معرفة في قوله: لقد خلقنا الإنسان من نطفة فيكون عين الأوّل، وآدم غير مخلوق من نطفة فإذا أريد الجنس فإمّا أن يكون جنس بني آدم وهو خارج، أو داخل بتغليب غيره عليه أو بجعل ما للأكثر للكل مجازاً في الإسناد أو الطرف فلذا قال: لقوله الخ فجعل هذا دليلاَ لتفسيره

стр. 3024

بالجنس بناء على الظاهر المتبادر. ترله: (أو آدم (أي المراد به في قوله: على الإنسان آدم ﵊، وقوله: بين أوّلاً خلقه أي ما خلق منه، ومادته لأنّ الشيء الذي لم يذكر المراد به العناصر أو التراب وهو وإن أبهم معلوم من القرائن الخارجية فما قيل: إنه بطريق الإشارة لا وجه له إلا أن يريد ما ذكر على أنّ الإشارة غير المصطلحة فقوله: سابقا كالعناصر، والنطفة المراد المجموع بالنظر إلى المجموع أو التوزيع على الوجهين في المراد بالإنسان وليس نظراً للتقريب في الاستفهام، وعدمه لأنّ مرتبة العنصرية بعيدة كما توهم لأنّ التقريب فيهما نسبي تقريبي. قوله: (أخلاط) جمع خلط بمعنى مختلط ممتزج، وقوله: مشج بفتحتين كسبب وأسباب أو بفتح فكسر ككتف وأكتاف ومشيج فعيل فإنه يجمع أيضا على أفعال كشهيد وأشهاد ونصير وأنصار وإن قال في التسهيل إنه غير مقيس، وقوله: وصف النطفة وهي مفردة بها أي بأمشاج وهو جمع لأن المراد بها مجموع ماء الرجل، والمرأة والجمع ققد يقال على ما فوق الواحد أو باعتبار الأجزاء المختلفة فيهما رقة وغلظا وصفرة وبياضا وطبيعة وقوّة وضعفا حتى اختص بعضها ببعض الأعضاء على ما أراده الله بحكمته وعلمه بقدرته فهذا في المعنى جوابان، والحاصل أنه نزل منزلة الجمع ووصف بصفة أجزائه، وقوله: ولذلك أي لأجل التفاوت والاختلاف المذكور وخلقها متفاوتة كذلك باختياره تعالى فلا يتوهم أنه مخالف للمذهب الحق من أنه باختياره تعالى، وإن جاز أن يقال إنه وقع كذلك ابتداء باختياره تعالى فتدبر. قوله: (وقيل مفرد) أي أمشاج هنا مفرد بناء على أنّ أفعالاً يكون في المفردات نادراً وقد عدوا منه ألفاظا مذكورة في كتب اللغة واليه ذهب سيبوبه في لفظ أنعام كما مرّ فالقول بأنه لم يذهب إليه غير صحيح وقد مرّ ما فيه، وقولهم: برمة أعشار أي متكسرة كأنها صارت عشر قطع والبرمة القدر وا! ياس بكاف وياء تحتية مثناة وشين معجمة ثوب غزل غزله مرّتين، وقيل: الثوب اكياس، من ملابس ا! ياس. قوله: (وقيل ألوان) معطوف على قوله: أخلاط على أنه مفسر بذاك أو بهذا، وقوله: اخضرّا لتغيرهما بالمكث في قعر الرحم كما يخضرّ الماء بالمكث، وهو حال أي من فاعل خلقنا أو من مفعوله وقوله: بمعنى مريدين إختباره يشير إلى ما يرد عليه من أنّ الابتلاء بمعنى الاختبار بالتكليف، وهو يكون بعد جعله سميعاً بصيراً لا قبله فكيف يترتب عليه قوله: فجعلناه الخ فأجاب بأنه إمّا حال مقدرة مؤولة بقوله: مريدين الخ أو الابتلاء ليس بمعنى الاختبار المذكور بل هو مجاز مستعار لنقله من طور وحال إلى طور، وحال آخر لأنّ المنقول يظهر في كل طور ظهوراً آخر كظهور نتيجة الامتحان بعده وليس هذا على تفسير الأمشاج بالأطوار كما يتوهم، وأما كون نبتليه في نية التأخير أي فجعلناه سميعا بصيراً نبتليه فتعسف، ولذا لم يعرج عليه المصنف. قوله: (فهو كالمسبب الخ) أي جعل الله الإنسان ذا سمع وبصر كالمسبب عن الابتلاء لأنّ المقصود من جعله كذلك أن ينظر الآيات الآفاقية والأنفسية وشممع الأدلة السمعية، ولذا خص هاتين الصفتين وقال كالمسبب لأنّ أفعاله تعالى لا تحتاج إلى الأسباب والعلل أو لأنه مسبب عن إرادة الابتلاء لا عن الابتلاء نفسه، وقوله: ولذلك أي لأجل أنه كالمسبب عطف بالفاء ورتب عليه ما بعده لأنه مسبب وما بعده عفة له، وقوله: ورتب عليه الخ لأنها جملة مستأنفة تعليلية في معنى لأنا هديناه أي دللناه على ما يوصله من الدلائل، وهو إنما يكون بعد التكليف والابتلاء به، وقوله: إنزال الآيات إشارة إلى الدلائل السمعية. قوله: (وإفا للتفصيل) باعتبار تعدد الأحوال مع اتحاد الذات ففصلت حالاته إلى الشكر والكفران كما أشار إليه بقوله: في حاليه والتقسيم للناس باختلاف الذوات والصفات باعتبار أن بعضهم كذا وبعضهم كذا، والشكر الاهتداء للحق وطريقه والكفران ضده فالمعنى إنا دللناه على الهداية، والإسلام فمنهم مهتد مسلم ومنهم ضال كافر. قوله: (أو من السبيل الخ (عطف على قوله من الهاء، وقوله: على حذف الجواب الخ وتقديره إمّا شاكراً فتوفيقنا له واقا كفوراً فبسوء اختياره ونحوه مما يناسب المقام، وقيل: إنها إمّا العاطفة وفتح همزتها لغة فيها، وقد تبدل ميمها ياء كما في قوله: إيماء إلى جنة إيماء إلى نار وقوله: ليطابق قسيمة تعليل للمنفي، ومحافظة تعليل للمنفي وقسيمه شاكرا، وقوله: التوغل فيه أي المبالغة والزيادة فيه الذي تفيده صيغة فعول، والكفران ترك

стр. 3025

الشكر وقلما يخلو منه أحد فحينئذ يلزم عدم الفرق بين المؤمن، وكيره ولا تتأتى المقابلة لأنّ كل شاكر كافر وقد يجتمعان، والمبالغة بحسب الكيف أو الكم لشموله الجميع. قوله: (وتقديم وعيدهم) هنا على الوعد للمؤمنين مع تأخر ذكرهم في التقسيم بقوله: ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [سورة الإنسان، الآية: ٣] لأنّ الإنذار أنسب بالمقام وحقيق بالاهتمام وليكون أوّل الكلام وهو شاكراً، وآخره من أوصاف المؤمنين وأيضاً هو لف ونشر مشوس، وهو أرجح لما فيه من اتصال أحد القسمين، وقوله: وقرأ نافع الخ ورويت عن غيره كما فصل في النشر، وقوله: للمناسبة يعني تنويته كما نوّن ما بعده وللمشاكلة يجوز صرف ما لا ينصرف، وذكر له وجو. أخر في الكشاف هذا أحسنها وأشهرها مع ما يرد على غيرها كما يعلم من شروح الكشاف، وقوله: جمع بر كأرباب جمع رب بناء على أن فاعلا لا يجمع على أفعال وما بعده بناء على القول بجوازه كصاحب، وأصحاب وكما في المثلى أحبارها أبناؤها والخلاف فيه مشهور، وقد مرّ والبر المطيع، وعن الحسن البر الذي لا يؤذي الذر ولا يضر البشو. قوله:) من خمر (فهو مجاز بعلاقة المجاورة، وقوله: تكون فيه إشارة إلى أنه مما وضع بقيد كالذنوب للذلو فيها ماء ونحوه، وقوله: ما يمزج بها كالحزام لما يحزم به فهو اسم آلة، وقوله: لبرده وحرارة الخمر فيعدلها وعذوبته وطعمها مز والكافور الحيّ، كذلك وهو طري وقيل: كافور الجنة مخالف لكافور الدنيا ولو ذكر بياضه كان أولى ليكون تركيبا بما عرف فيه، وطيب عرفه بالفتح أي رائحته وهذا تعليل للمزج به دون غيره بناء على أنّ الكافور بمعناه المعروف، وقوله: اسم ماء وعلى هذا فالمزج به ظاهر وعلى القول بأنه خمر الجنة فيه أوصاف الكافور الممدوحة فجعله مزاجا مجاز في الاتصاف بذلك. قوله: (أو من محل من كأس الخ) أي ماء عين أو خمر عين على الوجهين السابقين بناء على أن ما يجري منها خمر أو له فعل الخمر قيل: إنه لا حاجة لتقدير المضاف على هذا على أنه مجاز في النسبة والنصب على الاختصاص يعني بتقدير أعني أو أخص، وقوله: أو بفعل يفسره ما بعدها لا أنه صفة عيناً ولذا أورد عليه أنه إذا كان صفة عيناً فلا يفسر أيضا وإلا فيجوز نصبه بنفسه من غير تقدير، وفيه وجوه أخر ذكرها المعرب. قوله:) ملتذا (هذا بناء على كون عينا بدلاً من قوله: من كاس وما بعده على إبداله من كافورأ، وهو إشارة إلى أن يشرب لا يتعدى بالباء فهي متعلقة بمحذوف يدل عليه ما ذكر، وقوله: مبتدأ منها لأنّ العين المنبع وقوله: كما هو كأنه اكتفاء أي كما هو مبتدأ من الكأس في قوله: من كأس وترك الخبر لظهوره، وقيل: الكاف للبقاء على حاله وما موصولة، وهو مبتدأ وهو ضمير العين ذكر لتأويله بالمشروب وخبره محذوف تقديره عليه أي على الوجه الذي هو عليه، وبهذا الوجه أعرب قولهم كما أنت وفيه نظر. قوله: " جراء سهلاَ) فتنكيره للتنويع أو هو من التفجير لأن الفجر الشق الواسع كما قاله الراغب: فيفيد ما ذكر وقوله: ببيان ما رزقوه لأجله ضمير رزقوه المنصوب للمذكور والمجرور لما أي بيان البرّ الذي رزق الأبرار ما ذكر لأجله فإن ترتب الحكم على وصف البرّ يشعر بعليته، وكان الموافق لقوله: يشرب أن يقول ما يرزقونه وكأنه آثر صيغة الماضي للدلالة على التحقيق كقوله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [سورة القمر، الآية ١٠] ونحوه، وقوله: كأنه سئل عنه أي قيل بما استحقوا هذا النعيم، وقوله: وهو أبلغ الخ أي أنّ قوله: يوفون بالنذر كناية عن أن يؤدّوا الواجبات كلها العلم ما عداه بالطريق الأولى وإشارة إلى النص كما ذكره. قوله: (شدائده) التعميم مستفاد من الإضافة إلى اليوم فإنه يشمل كل ما فيه، وفاشيا بمعنى ظاهرا ومنتشرا أي عام اللحوق والإصابة واستطار الحريق بمعنى انتشر وظهر كنور الفجر، وقوله: أبلغ من طار لأنّ زيادة البنية تدل على زيادة المعنى وللطلب زيادة دلالة عليه لأنّ ما يطلب من شأنه أن يبالغ فيه وقوله: وفيه إشعار الخ حسن العقيدة لأنّ خوف يوم القيامة بعد الإيمان بالله، والحشر والنشر وما تبعه واجتناب المعاصي لأنّ من خاف العذاب خوفاً استحق به أن يمدحه الله بأنه اجتنب مقتضى الخوف كما لا يخفى. قوله: (حب الله الا ضعف فيه كما قيل لأنه يغني عنه قوله لوجه الله وغير مناسب لقوله: حتى تنفقوا مما تحبون لأنّ ما ذكر مؤيد له لا مناف له وعدم المناسبة غير ضارة، وهو أحسن من حب الطعام بخلاف حب الإطعام فتأمّل. قوله: (فإنه ﷺ الخ) قال ابن حجر ﵀: إنه لم يذكر ممن يعتمد عليه من

стр. 3026

أهل الحديث وكذا ما بعده والأسير المؤمن هو المملوك وسمي أسيراً باعتبار ما كان وتسمية المسجون أسيراً مجاز لمنعه عن الخروج، وقوله: وفي الحديث: " غريمك أسيرك " فيه تشبيه بليغ أي كأسيرك، وهذا كقول عليّ كرم الله وجهه أحسن إلى من شئت تكن أمنره. قوله: (على إرادة القول) بتقدير قائلين، وهذا إما قول باللسان لدفع الامتنان وتوهم توقع المكافأة أو بلسان الحال لما يظهر عليهم من أمارات الإخلاص، وقوله: إنها تبعث بالصدقة أي كانت تبعث بها، وقوله: شكرا إشارة إلى أنه مصدر كالدخول، وقوله: فلذلك نحسن الخ إشارة إلى أنه تعليل لما قبله من قوله: إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء، وقوله: عذاب يوم بتقدير المضاف أو لأنّ خوفه كناية عن خوف ما فيه. قوله: (تعبس فيه الوجوه) فوصفه بالعبوس مجاز في الإسناد كقوله: نهار. صائم أو فيه استعارة بالكناية على تشبيه اليوم بأسد مفترس، واثبات العبوس له تخييل وأخر. لأنّ العبوس ليس من لوازم الأسد ففي جعله تخييلية ضعف مّا لكنه لشهرة، وصفه به صح في الجملة وقيل إنه تشبيه بليغ، والضراوة بوزن الطراوة بالضاد المعجمة الاعتياد للصيد والافتراس وفي نسخة ضرره وهذه أصح. قوله: (كالذي يجمع ما بين عينيه) لأنه من قمطة إذا شده، وجمع أطرافه وقوله: وجمعت قطريها أى جانبيها لتضع حملها وقوله: والميم مزيدة فاشتقاقه من قطر بالاشتقاق الكبير وقوله: بدل عبوس الفجار المعلوم من قوله: وجوه يومئذ باسرة، وهو لشهرته فيه غنى عن ذكر مأخذه أو هو مص ت قوله: يوما عبوسا بناء على أرجح الوجهين فيه كما مرّ، وقوله: وايثار الأموال فيه مضاف مقدر أي إيثار بذل الأموال على اقتنائها، ولو قال: إيتاء الأموال كان أظهر والقياس دال على ما ذكرناه. قوله: (وعن ابن عباس ﵄ الخ (هو حديث موضوع مفتعل كما ذكره الترمذقي، وابن الجوزي وآثار الوضع ظاهرة عليه لفظا ومعنى فليت المصنف يترك إيراد مثله مع أنه يقتضي كون السورة مدنية لأنّ تزوّج علي بفاطمة ﵄ كان بالمدينة والسورة عند المصنف مكية، وقوله: فضة بلفظ أخت الذهب اسم جارية له، وأصوع جمع صاع وهو معروف وهو يؤنث، ولذا قال ثلاث أصوع وقوله: هنأك الله دعاء له بجعلهم قرّة لعينه لما لهم من الزهد. قوله: (حال من هم) وخص الجزاء بهذه الحالة لأنها أتم حالات المتنعم ولا يضر الحالية فوله: بما صبروا لأن الصبر في الدنيا وما تسبب عليه في الآخرة، ولو كان حالاً من ضمير صبروا ورد ذلك عليه إلا أن يجعل حالاً مقدرة، وقوله: أو صفة لجنة هذا على مذهب مرجوج عند النحاة فإن الصفة إذا جرت على غير من هي له يجب إبراز الضمير البارز فيها سواء ألبس إضماره أم لا فمقتضاه أن يقال هنا متكئين هم فيها، وهل الضمير البارز في مثله فاعل أو مؤكد للفاعل المستتر وارتضى الثاني الرضى، وتفصحيله في شرح التسهيل. قوله: (يحتملهما) أي الحالية من ضمير جزاهم، وكونه صفة جنة، وقوله: والمعنى الخ لأنها إذا لم يكن بها شمس لم يكن فيها هواء حار فقصد بنفي الشمس نفيها، ونفي لازمها معاً لقوله: ولا زمهريراً فتحسن المقابلة فكأنه قيل: الا حر، ولا قر) كما ورد في وصف هواء الجنة في الحديث وقوله: محم اسم فاعل من أحماه صيره شديد الحرارة والمراد مسخن لما لاقاه، وقوله: وقيل الخ لتظهر المقابلة والمعنى ما سيأتي. قوله: (وليلة ظلامها البيت اليلة مجرورة على تقدير رب وجملة ظلامها الخ صفتها واعتكر إشتدت ظلمته وتراكم بعضه على بعض، وقوله: ما زهر بمعنى أضاء وأشرق وهذا هو القرينة على أنّ الزمهرير في البيت القمر وقطعتها أي بالسير وجملة والزمهرير حالية. قوله: (حال الخ (هذا على قراءة النصب فهي حال أي معطوفة على محل الجملة الحالية، وهي لا يرون أو على متكئين الحال أو صفة معطوفة على الصفة السابقة بالوجهين، وقوله: أو عطف على جنة أي بتقدير موصوف وهو جنة وقوله: على أنها خبر ظلالها لا على أنهار رافعة له على الفاعلية حتى يستدلّ به على أعمال اسم الفاعل، من غير اعتماد كما ذهب إليه الأخفش مع أنه يجوز أن يكون خبرا لمبتدأ مقدّر فيعتمد إذ لا يتعين كونه مبتدأ فيستغني بفاعله عن الخبر، وقوله: والجملة حال قالوا وامّا عاطفة أو حالية، وإذا كان صفة فالجملة أيضاً معطوفة على الصفة أو صفة والواو للإلصاق على مذهب الزمخشري. قوله: (معطوف على ما قبله الخ) على الرفع وجعلت فعلية للإشارة إلى أن التظليل أمر دائم لا يزول لأنها

стр. 3027

لا شمس فيها بخلاف التذليل فإنه أمر متجدّد وقوله: حال من دانية أي من الضمير المستتر فيه، وقوله: على قطافها بضم القاف، وتشديد الطاء جمع قاطف وكيف شاؤوا أي جلوساً وقياما. فوله: (أي تكوّنت) أي أوجدت وخلقت وهو إشارة إلى أن كان هنا تامّة وقوارير حال، وإفادة ما ذكر لأنّ القارورة من الزجاج وهو على التشبيه البليغ أي كالقوارير في كونها شفافة صافية اللون، وقوله: نوّن قوارير أي فيهما وهي قراءة وقرئ بتنوين قوارير الأولى دون الثانية لوقوعها في الفاصلة وآخر الآية فنوّن ووقف عليه بالألف مشاكلة لغيره من كلمات الفواصل، وهو مراد المصنف بقوله: رأس الآية أي نهايتها فأطلق الرأس على النهاية، وإن كانت آخراً كما في قولهم رأس السنة لآخرها وقوله، وقرئ قوارير أي برفع قوارير الثانية على أنها خبر مبتدأ مقدر وفي الوقف بالألف ودونها هنا روايات مفصلة في النشر. قوله: (فجاءت مقاديرها الخ) فعلى الأوّل معناه أنها كما تمنى الشاربون وأحبوا صورة وقدرا فهو كقول الطائي: ولو صوّرت نفسك لم تزدها على ما فيك من كرم الطباع ولا يحتاج هذا إلى قرينة المقام لأنّ المرء ما يقدر في نفسه ما يجيء له إلا على ما يحب كما دل عليه بيت الطائي، وعلى الثاني إنّ السقاة أتوابها على مقدار يسع مقدار ما يكفي الشارب من غير زيادة ولا نقص وهو أهنأ وأمرأ، وقوله: وقرئ قدروها أي ببناء المجهول، وقوله: شرابها بالنصب مفعول قدر فعليه في الآية مضاف مقدر أو مضافان أحدهما مقدر هنا أي كفاية شرابها. قوله: (جعلوا قادرين لها الخ (يعني أنه من قدرت " الشيء بالتخفيف أي بينت مقداره فإذا نقل إلى التفعيل تعدى لاثنين ومعناه تصييره مقدارا له واحد المفعولين هنا الضمير النائب عن الفاعل، والثاني ها وقال أبو حيان أقرب من هذا ما نحاه أبو حاتم، وهو إن أصله قدّر ريهم منها تقديرا والري ضدّ العطش فحذف المضاف، وحرف الجر وأوصل الفعلى له بنفسه وفي كونه أقرب منه نظر فإنه أكثر تكلفاً ولكن كل حزب بما لديهم فرحون. قوله: (ما يشبه الزنجبيل) ما يجوز فيه المذ على أن يشبه صفته، والقصر ويشبه صلته وعلى التقديرين عينا بدل من زنجبيلا فإن كان زنجبيلا على حقيقته فعينا بدل من كأسا أي يسقون فيها كأساً كأس زنجبيل وقوله: وكانت العرب الخ إشارة إلى أنه ورد على ما تعارفوه، وإن كان ثمة ما يفوق لذته المستلذات كما يعرف بالذوق السليم. قوله: (لسلاسة انحدارها في الحلق) لأنّ أهل اللغة كما قال الزجاج: فسروه بما كان في غاية السلاسة يقال: شراب سلسل وسلسال وسلسبيل أي سهل الانحدار في الحلق ومساغها مصدر ميمي، وتوله: حكم بزيادة الباء تبع فيه الزمخشريّ، وقد قال أبو حيان عليه إنّ عني الزيادة الحقيقية فليس بجيد لأنه لم يقل أحد بأنّ الباء من أحرف الزيادة وإن عني إنها حرف في أصل الكلمة، وليس في أصل مرادفها من سلسل وسلسال على أنه مما اتفق معناه، واختلفت مادته صح وفيه نظر وقد قيل: إنه أراد به أنه من الاشتقاق اكبر. قوله: (والمراد به أن ينفي عنها الخ) اللذع بى العين المهملة لا بالمعجمة لأنّ أهل اللغة يفرقون بينهما، والأوّل في النار والأجزاء الحارّة ونحوها ونقيضه كونه سهل البلع. قوله: (وقيل أصله سل سبيلا) نقل هذا عن عليّ وهو افتراء عليه فإنه من تلفيق التجنيس كقول ابن مطران الشاشي: سل سبيلافيها إلى راحة النف ص براج كأنها سلسبيل وقوله: فسميت من التسمية، وهي وضع الاسم العلم وهو معنى قوله: تسمى في النظم على هذا، وعند غيره التسمية إطلاق الاسم علمماً أو غيره وعلى هذا هو علم منقول من الجملة محكى على أصله، وقوله: لأنه الخ توجيه للتسمية به وانها كانت في المنقول عنه استعارة أو مجازا مرسلا للعمل المؤذي إليها وغير هؤلاء لا يقولون بالعلمية لأنها تقتضي منع الصرف ولم يقرأ به في العشرة، وإن قرأ به طلحة في الشواذ إلا أن يقال إنه صرف على لغة أو لمشاكلة الفواصل ونحوه من الوجوه السابقة وقوله: رأيتهم الخطاب للنبي ﷺ أو لكل واقف عليه. قوله: (وانبثاثهم في مجالسهم) أي تفرقهم كاللؤلؤ المنثور وانعكاس الشعاع ليس من لوازم اللآلئ المنثورة فكأنها إذا كان جرمها كبيراً جدا كانت مضيئة كذلك فتأمّل. قوله: (لأنه عام معناه إن بصرك

стр. 3028

الخ) أراد بالعموم أنه منزل منزلة اللازم، وترك مفعوله فيفيد العموم في المقام الخطابي إذ تقدير أحد المفاعيل دون غيره ترجيح بلا مرجح فيلزم العموم هذا مراده، وهو أظهر من أن يخفى والعجب ممن ادّعى هنا أنه يقدر له مصدر معرف بلام الاستغراق بمعونة المقام، وانه بمعنى كونه عاماً وحينئذ فقوله: معناه على ظاهره ولا حاجة إلى جعله مال المعنى كما قيل، وثم ظرف بمعنى هناك نصب محلا على الظرفية. قوله: (واسعاً) فالكبر مستعار من عظم الحجم لسعة المسافة وأيده بالحديث المذكور: والجود أعظم والمواهب أوسع وقوله: يرى أقصاه كما يرى أدناه أي أقربه إليه لما يعطي من حدة النظر أو هو من خصائص الجنة. قوله: (هذا) أي الأمر هذا، والشان كما ذكر والحال أن للعارف بالله ما هو أعظم وأوسع من ذلك، وهو ما له في مدينة العلم من منازل العارفين التي تسافر فيها أبصار البصائر فلا تنتهي إلى حد وهو معاني العوالم التي هي لذة الأرواح، والمراد بالملك عالم الشهادة فلذا أضاف له الجلايا والملكوت عالم الغيب، ولذا أضاف له الخفايا، وأنوار القدس العلوم الحقيقية واضافته للجبروت، وهو العظمة لأنها المقتضية لتنزهه عما لا يناسبه جل وعلا وهذا مأخوذ من التفسير الكبير، وحاصله أن ما ذكر في المحسوسات ولهم من المعقولات ما وراء ذلك مما هو أعظم وأعظم فتدبره. قوله: (ما رق منها وما غلظ الف ونشر مرتب فما رق السندس، وما غلظ الاستبرق فإنه معرب استبر، وهو الغليظ منه وفي كلامه إشارة إلى أن خضراوان توسط فهو لهما، وقوله: أو حسبتهم الخ ما قيل عليه من أنه يلزمه تفكيك الضمائر لأنّ بعضها للطائف وبعضها للمطوف عليه ردّ بأنه مع القرينة المعينة لا بأس به مع أنّ كون ضمير حلواً وسقاهم للمطوف عليه غير مسلم فإنه يجوز كونه للطائفين كما ذكره المصنف، وقوله: أو ملكاً أي من المضاف قبل قوله: ملكاً لقربه، ويجوز أن يكون من المقدر قبل قوله: نعيماً كما ذهب إليه غيره وقوله: بالرفع أي وتقديره على الياء مع كسر الهاء، ومن نصبه ضمها وأخبر به عن النكرة لأنه نكرة واضافته لفظية كما أشار إليه بقوله: في تفسيره يعلوهم، وهو أحسن من جعله منصوبا بفتحة مقدرة لأنه شاذ أو ضرورة فلا ينبغي أن يخرج عليه القراءة المتواترة كما فعله أبو البفاء هذا، والأحسن لفظا ومعنى كما في بعض الحواشي أن يعرب عاليهم مبتدأ وثياب خبره فتأمّل. قوله: (حملا على سندس بالمعنى الأنه وإن كان مفرداً لفظا جمع معنى، واما جعل جره للجوار لتتوافق القراءتان معنى فلا يلتفت إليه لأنه شاذ لا يخرج عليه من غير ضرورة، وقوله: فإنه اسم أي اسم جنس جامد شائع في أفراده فيجوز أن يوصف بالجمع ولا يخلو كلامه من الخفاء. قوله: (استبرق بالرفع) أي قرئ به وقوله: بالعكس أي بجر استبرق عطفاً علي سندس، ورفع خضر على أنه صفة ثياب فيدل على خضرة الاستبرق أيضا كما أشار إليه المصنف في تفسيره أوّلاً، وقوله: والفتح أراد به فتح القاف على أنه علم جنس منقول من الفعل، وحكي فتحه أو المسمى به الجملة من الفعل والضمير المستتر، وقد رد الزمخشريّ هذا القول بأنه معرب من غير شبهة فيه وما ذكر في الحقيقة تكلف ضعيف رواية ودراية، وأضعف منه ما قيل إنه باق على فعليته والضمير المستتر فيه راجع للأخضر المفهوم من خضر أو للسندس، إشارة إلى خلوص خضرته وأنها لا يعلوها سواد كخضرة الدنيا وكله أو هي من بيت العنكبوت. تنبيه: للأئمة المعتمد عليهم في استبرق اختلاف كثير لأهل اللغة والعربية والتفسير هل هو عربي أو معرب وهل هو نكرة أو علم جنس مبنيّ أو معرب مصروف أو ممنوع من الصرف كلها أقوال مصرح بها وهمزته همزة قطع أو وصل والصحيح منها أنه نكرة معرب مصروف مقطوع الهمزة لأنه الثابت في السبعة المتواترة، وعدم قطع همزته ثبت في قراءة شاذة إما بناء على أنه عربي أو لمشابهته للاستفعال، وقول المصنف علماً يأباه صرفه لا دخول أل لأنه لم يثبت بناؤه على الفتح كما في المحتسب بناء على أنه منقول من جملة فعل وضمير مستتر وهو معرب استبر على الصحيح وعند ابن دريد معرب استروه، وتبعه في القاموس، ومعناه كل غليظ ثم خص بالديباج وفي تصغيره ومادته اختلاف لأهل اللغة، وهذا مما ينبغي المحافظة عليه. قوله: (عطف على ويطوف الخ) واختلافها بالماضوية والمضارعية لأنّ الحلية مقدمة على الطواف المتجدد، وقوله: لإمكان الجمع بتعدد الأساور لكل والمعاقبة بلبس الذهب تارة، والفضة أخرى

стр. 3029

والتبعيض بأن تكون أساور بعض ذهبا وبعض فضة، وقوله: فإن الخ تبعيض للتبعيض، وقوله: وأسواراً جمع لسوارة وفي نسخة بدله أنواراً على أنه استطراد، وقيل: إنه لدفع ما يتوهم من أنّ تلك الحلي للنساء بأنّ المراد بها الأنوار الفائضة عليهم المتفاوتة تفاوت الذهب والفضة، والتعبير عنها بأساور الأيدي لأنها جزاء ما عملته أيديهم، ولا يخفى ما فيه فإنّ ما ذكره وهم مبناه المتعارف اليوم فإما في الجنة فالأمر على خلافه، ولو كان كما ذكره لم يكن ثمة تعارض أصلاَ، وقوله: تتفاوت الخ إشارة إلى أنها ليست من جنس معدنيات الدنيا. قوله:) أو حال الخ) عطف على قوله: عطف، وعلى هذا التقدير يجوز أن يكون التحلي بأساور الفضة للخدم وأساور الذهب في غير هذه الآية للمخدومين فلا يخالف ما هنا المذكور ثمة، وذلك بأن يكون عاليهم حال من ضمير حسبتهم لكنه يرد عليه ما قيل من أنه يصير داخلا تحت الحسبان، وكيف يكون ذلك وهم لابسون السندس حقيقة بخلاف كونهم لؤلؤا فإنه على طريق التشبيه المقتضي لقرب شبههم باللؤلؤ أن يحسبوا لؤلؤا ويمكن تصحيحه بتكلف اهـ، وهو غير وأرد لأن الحسبان في حال من الأحوال لا يقتضي دخول الحال تحت الحسبان فتأمل. قوله: (يفوق على النوعين المتقدّمين) وهما ما مزج بالكافور وما مزج بالزنجبيل وهو مأخوذ من كلام طويل للإمام وأسنده إلى رواية فيها إنه تقدّم لهم الأطعمة، والأشربة فإذا فرغوا أتوا بهذا الشراب الطهور فإذا شبوا منه طهر بطونهم ورشح منه عرق بريح المسك وهو نوع من الشراب آخر، وقوله: يطهر شاربه يشير إلى أن الطهور بمعنى المطهر، وفيه كلام تقدّم، وقيل: إنه يعني به الشراب الروحاني لا المحسوس كالريحاني، وهو عبارة عن التجلي الرباني الذي يسكرهم بالذهول عما سواه وهو الذي عناه ابن الفارض رحمه الله تعالى بقوله: سقوني وقالوا لاتغيبن ولو سقوا جبال حنين ما سقوني لغابت قوله: (على إضمار القول) أي ويقال لهم الخ قيل، ويجوز أن يكون خطابا من الله في الدنيا للأبرار وهو لا يغني عن التقدير ليرتبط بما قبله، وقوله: ما عد من ثوابهم توجيه لأفراده وقوله: مجازي عليه الخ فالمشكور مجاز عما ذكر وقوله: مفرقاً بناء على أنّ التنزيل للتدريج وقد مرّ مراراً. قوله: (وتكرير الضمير الخ) أراد أنّ نحن نزلنا يفيد الاختصاص كما مرّ في نظائره، وتكرير الضمير مع أنه تأكيد لهذا الاختصاص سواء كان نحن بعده تأكيدا أو مبتدأ أو فصلا ولذا قال: مزيد لاختصاص ليتمكن في الذهن أنه هو المنزل لا غيره، وقد علم أنّ كل ما صدر منه على وفق الحكمة ومقتضاها الأمر بالصبر والمكافأة وسيأتي زمان القتال بعده وقوله: بتأخير نصرك متعلق بحكم. قوله: (أي كل واحذ من مرتكب الإثم الخ) اعلم أنه قال في الكشاف: إنّ أو لأحد الشيئين، وانه إذا قيل: لا تطع أحدهما فالنهي عن طاعتهما جميعا انتهى قيل، وهو فاسد لاحتمال أن يكون المطلوب ترك واحد منهما، أي: واحد كان لا ترك كل واحد فالصحيح إنها في الإثبات لأحد الأمرين وفي النفي لكليهما وأما توهم إنه لو أتى بالواو زال الوهم بالكلية فليس بشيء، وتقريره ما قيل من أنّ أو ليست للتخيير حتى يرد ما ذكر بل للإباحة، والمقام للمبالغة في النهي عن طاعتهما مجتمعين ومنفردين، ولو قيل: لا تطعهما أو هم النهي عن طاعتهما مجتمعين فلذا قيل لا تطع أحدهما ليدل منطوقه على النهي عن طاعة أحدهما، وفحواه على النهي عن طاعتهما بالطريق الأولى، ولذا قال الزجاج: أو هنا أوكد من الواو وعلم منه أن أو في الإباحة كجالس الحسن أو ابن سيرين تدل على استحقاق كل منهما ذلك بالفضل، والمزية ليدل على الاجتماع بالطريق الأولى والإباحة من خارج، وهو موافق لقول ابن الحاجب أو لإثبات الحكم لأحد الأمرين وضعا فإن قامت القرينة على عدم المنع عن المعية فهي للإباحة، وقال بعض الفضلاء أو في الإثبات لأحد الأمرين وفي النفي لكليهما فمراد السائل أنّ أو لأحد الأمرين فيحتمل إرادة النهي عنهما وجواز طاعة أحدهما بشرط ترك طاعة الآخر، والمحرم المجموع فلم لم يأت بالواو ليدلّ على النهي عن كل منهما وقوله: الناهي عن أحدهما النهي عنهما لا يدفعه، والجواب أنه أتى بأو ليفيد نفي كل واحد واحد لأنها في النفي لكل منهما لأن نقيض الإيجاب الجزئي السلب الكلي، والواو لا تفيد هذا لأنها في الإثبات للجمع ونفيه يحتمل

стр. 3030

أن يكون بنفي أحدهما فتشبيهه بالنهي عن التأفيف لا يصح، ويرده إنه لا شك إنّ أو في جميع مواقعها لأحد الشيئين، ويعرض لها معان أخر كالشك والإباحة، وغير ذلك فإذا قلت: اضرب زيداً أو عمراً فالمعنى اضرب أحدهما فقط وإذا قلت لا تضرب زيداً أو عمرا فالأصل أنّ معناه لا تضرب أحدهما واضرب الآخر كما في الأمر لكنه بمعنى لا تضرب أحدهما والأحد الأغلب عليه في غير الإثبات العموم فمعناه لا تضرب زيداً ولا عمراً، واحتمال غيره مرجوح والقرينة هنا دافعة له لوصفه بآثما وكفورا إذ المعنى لا تطع من كان فيه أحد هذين الوصفين فالنهي عمن اجتمعا فيه يعلم بالطريق الأولى، ولذا رد القول بأن أو هنا بمعنى الواو انتهى محصله إذا عرفت هذا فقوله: كل واحد أتى بكلمة كل لأنه لو قال لا تطع واحدا لم يفد ما أراده من عموم النهي هنا وليس الواحد كالأحد في العموم فما قيل من أنّ الأولى طرح كل لإيهامها خلاف المقصود هنا لا وجه له وقوله: الداعي لك إليه إشارة إلى أنّ تعليق النهي بالموصوفين ليس لمجرد الدلالة على الاتصاف بهذين الوصفين بل للدلالة على ارتكاب ذلك، والدعوة إليه فإنه إذا قيل لا تطع الظالم فهم منه لا تتبعه في الظلم، ولولاه كان ذكر الآثم لغوا كما في الكشاف، وقوله: الغالي في الكفر من صيغة فعول. قوله: (وأو للدلالة على أنهما سيان) كذا في بعض النسخ بالواو العاطفة قبل أو فهو وجه واحد مع ما قبله وفي بعضها أو من غير واو فهما وجهان كما في بعض الحواشي، وهو ظاهر ودلالتها على الاستواء فيما ذكر لما عرفت أنها وضعت للدلالة على أنّ الحكم لأحد الشيئين من غير ترجيح لأحدهما على الآخر، وما عداه من المعاني بواسطة القرائن الخارجية فليس فيه إشارة إلى أنها للإباحة كما توهم فالمقصود الدلالة على ما ذكر لا لأنه نهي عن إطاعة أحدهما دون الآخر حتى تكون الواو أولى هنا. قوله: (والتقسيم الخ) دفع لما يقال كلهم كفرة فما معنى التقسيم فيه بأنّ التقسيم ليس باعتبار ذواتهم حتى يكون بعضهم آثماً وبعضهم كفورا بل باعتبار ما دعوه له فإن منهم من دعاه ل! ثم ومنهم من دعاه للكفر، وقوله: فإن ترتب الخ أي ترتب النهي على الوصفين باعتبار أنّ الحكم على مثتق يقتضي أنّ مأخذ الاشتقاق علة له فقوله: بأنه أي النهي لهما أي الوصفين المذكورين وقوله: يستدعي أن تكون المطاوعة الخ أي المطاوعة المنهيّ عنها، وفي نسخة أن لا تكون فالمراد ضدّها والإثم إذا أطلق يراد به غير الكفر وهو المراد. قوله: (وداوم على ذكره) إشارة إلى شيئين الأوّل أنّ الأمر للدوام لأنه لم يترك ذكره حتى يؤمر به، والثاني أنّ قوله: بكرة وأصيلا كناية عن الدوام، وقوله: فإنّ الأصيل الخ أما تناوله للعصر فظاهر وأما تناوله للظهر فباعتبار أواخره إذ الزوال وما يقرب منه لا يسمى أصيلا وما قيل إنه قد يسمى ذلك أصيلاَ لو سلم فهو ارتكاب لغير المعروف من غير ضرورة تدعو له، والذي غرّه إنهم فسروه بالعشية وهي تطلق على ما ذكر وهذا يقتضي أن هذه السورة نزلت بعد فرض الصلوات الخمس، وهو الظاهر. قوله: (وبعض الليل الأن من تبعيضية، وقوله: فصل لأنّ السجود مجاز عن الصلاة بذكر الجزء وارادة الكل، وقوله: صلاة المغرب والعشاء ليتضمن الكلام الصلوات كلها، وقوله: وتقديم الظرف الخ يعني للاعتناء والاهتمام بظرفها وتشريفه الدال على أنها كذلك بالطريق الأولى وليس للحصر كما لا يخفى والكلفة المشقة لأنه زمان الاستراحة من الأعمال والفراغ، والخلوص لبعده عن الرياء والفاء على معنى الشرطية فالتقدير ما يكن من شيء فصل من الليل، وهو يفيد أيضا بتأكيده الاعتناء التامّ. قوله: (وتهجد له طائفة طويلة) حمله على التهجد لذكره بعد الصلوات كلها على تفسيره السابق إذ صلاة الليل غيرها كذلك وأصل التسبيح التنزيه، ويطلق على العبادة القولية والفعلية فلذا فسر المسبحين بالمصلين كما ذكره الراغب وفي تأخيره، وتأخير ظرفه ما يدل على أنه ليس بفرضى، وأما كونه معبراً عنه بالتسبيح فلا دلالة له على ما ذكر كما قيل، وقوله: طائفة الخ إشارة إلى أن التنوين للتبعيض كما مرّ في قوله ليلا من المسجد الحرام فيفيد أن تهجده من بعض، ومقدار طويل من الليل فقد وصف بعض الليل الواقع ذلك فيه بالطول فيفيد ما ذكر من غير تكلف ما قيل إنّ توصيف الليل بالطويل ليس للاحتراز عن القصير لعموم زمان التهجد بل لتطويل زمان التسبيح. قوله: (أمامهم) لأنّ يوم القيامة كذلك وجعله خلف ظهورهم بمعنى عدم

стр. 3031

الالتفات له والاستعداد، ولذا قيل: إنه على الأوّل حال من يوماً وعلى الثاني ظرف لقوله: يذرون، ولو جعل على وتيرة واحدة في التعلق صح أيضاً، وقوله: الباهظ بالموحدة والظاء المشالة تفسير للثقيل لكنه تفسير بما هو أخفى يقال: بهظه الحمل إذا أثقله فعجز عنه أو شق عليه حمله، فكأنه توصيف له بما يفيد أنّ في فعيل مبالغة في الثقل وفي نسخة من الثقل الباهظ وهي أحسن والاستعارة تصريحية أو مكنية وتخييلية والكل ظاهر. قوله: (وهو كالتعليل لما أمر الخ) يعني في قوله: ولا تطع إلى هنا فكأنه قيل: لا تطعهم، واشتغل بالأهم من العبادة لأنّ هؤلاء تركوا الآخرة للدنيا فاترك أنت الدنيا، وأهلها للآخرة وإن هذا يفيد ترهيب مجيء العاجل وترغيب مجيء الآجل والأوّل علة للنهي عن طاعة الآثم والكفور والثاني علة للأمر بالطاعة. قوله: (وأحكمنا ربط مفاصلهم الخ) يعني الأسر معناه في اللغة الشد والربط ويطلق أيضاً على ما يشدّ ويربط به، ولذا سمي الأسير أسيراً بمعنى مربوط فشبهت الأعصاب بالحبال المربوط بها ليقوي البدن بها أو لإمساكها للأعضاء، ولذا سموها رباطات أيضا والعارف يقول فمن كان أسره من ذاته وسجنه دنياه في حياته فليبك مدة عمره ويتأسف على وجوده بأسره، وقوله: شذة الأسر أي قوّة أعصابهم وبدنهم. قوله: (يعني النشأة الثانية (يعني المراد بالتبدل إيجادهم في النشأة الثانية بعد الموت وقوله: ولذلك أي لأنّ المراد النشأة الأخرى المحققة عبر بإذا الدالة على التحقق وجعل فيه تبديل الصفات بمنزلة تبديل الذوات فكان ذكر المشيئة على هذا لإبهام وقته، ومثله شائع كما يقول العظيم لمن يساله الأنعام إذا شئت أحسن إليك وقوله: وإذا التحقق القدرة وفي نسخة لتحقيق القدرة وهما بمعنى يعني أنّ إبدال الناس بعد إعدام جنسهم وهو تبديل في الذوات لم يثأه الله ولم يقع فلو أريد هذا كان المناسب أن بدل إذا كما في قوله: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ [سورة النساء، الآية: ١٣٣] لكنه لتحقق قدرته عليه وتحقق ما يقتضيه من كفرهم المقتضي لاستئصالهم جعل ذلك المقدور المهذد به كالمحقق، وعبر عنه بما يعبر به عن المحقق وهو إذا المناسبة للمقام، وهذا معنى ما نقل عن الزمخشري من أنه إنما جاز ذلك لأنه وعيد جيء به على سبيل المبالغة حتى كان له وقتا معينا فلا وجه لقوله في الكشف لا إخال نسبته إليه صحيحة وقد جاء في نظيره في التنزيل وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم لأنّ النكات لا يلزم اطرادها، وما قيل من أنّ كلمة الشك دخلت فيما تلاه على التولي لا على الاستبدال فإنه مقطوع على تقدير وقوع الشرط لا يخفى ما فيه من الخبط والخلل فتدبر. قوله: (تقرّب إليه بالطاعة) يعني أن اتخاذ السبيل إليه تعالى يكون بالطاعة الموصلة لقربه إيصال السبيل للمقاصد فهو تمثيل هنا، وقوله: إلا وقت الخ يعني أن يشاء الله في محل نصب على الظرفية بتقدير المضاف الذي سد مسده، وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ﴾ الآية قال بعض الفضلاء: معناه ما تشاؤون شيئآ أي ما تشاؤون اتخاذ سبيل إلى الله بدليل قوله: ﴿فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [سورة الإنسان، الآية: ٢٩] أي لا تتخذون السبيل بمشيئتكم إلا أن يشاء الله اتخاذكم والمقصود أنّ مشيئة العبد في أفعاله الاختيارية غير كافية بل لا بد مع ذلك من مشيئة الله تعالى بلا استقلال للعبد ولا جبر من السيد بل أمر بين أمرين يتحقق بالمشيئتين فيكسب العبد ويخلق الرب، وقوله: عليما أي يعلم ما يتعلق به مشيئة العباد من الإيمان والتقوى وخلافه حكيما لا يشاء الأعلى وفق حكمته، وهو أن يشاء العبد فيشاء الرب لا العكس ليتأتى التكليف من غير انفراد لإحدى المشيئتين عن الأخرى فخير الأمور أوسطها اهـ. فوله: (مشيئتكم) رد على الزمخشري حيث قال: إلا أن يشاء الله يقسرهم عليها فإنه تحريف من غير دليل والظاهر ما ذكره المصنف فإنّ مفعول المشيئة يقدر من جنس ما قبله وزيادة القسر هنا تعسف كما بينه شراح الكشاف. قوله: (بما يستأهل (بالهمزة ويجوز إبدالها ألفاً أي بما يستحق وأصل معناه يصير أهلا وقد! رّ تحقيقه، والقول بأنه لا يلائم المذهب الحق غير سديد فإن علمه باستحقاق كل أحد ومجازاته كما يستحق لا يقتضي الوجوب عليه كما توهمه القائل فتدبره بعين الأنصاف. قوله: (مثلاَ أوعد أو كافأ) بالهمز في آخره بمعنى جازى، ولم يقدر المذكور بعينه لأنه لا يتعدى بنفسه بل با كما يقدّر في نحو زيداً مررت به جاوزت زيداً مررت به، وقوله: ليطابق الخ دفع لما يقال أنه لو رفع استغنى عن التقدير فلم كانت القراءة المشهورة بالنصسب لأنّ المعطوف عليه ويدخل من

стр. 3032

يشاء جملة فعلية ولو رفع كانت جملة اسمية فتفوت المطابقة بين المتعاطفين وأحسن، وقوله: وقرئ بالرفع في الشواذ وهي قراءة منسوبة لابن الزبير وحسنت لتأكيد الو بالاسمية فانه يسهل فوات المطابقة وإن كانت قراءة الجمهور أحسن لما مر ولأنّ الأمر بالعكس لو حقق لسبق الرحمة الغضب. قوله: (عن النبئ ﷺ الخ) هو حديث موضوع اللهم ارر جنة وحريراً، وحررّنا تحريراً وصل وسلم على أشرف مخلوقاتك وآله وصحبه الذين طهر- من دنس المعاصي تطهيرا، ونوو قلوبنا بحبهم وذكرهم تنويراً تمت السورة بحمد الله وعونه. سورة المرسلات وتسمى سورة العرف ولا خلاف في عدد آياتها ولا في كونها مكية إلا أن بعضهم استثنى منها آية وهي: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (أقسم بطوائف الخ) هو المراد بالمرسلات وكل طائفة مرسلة، وقوله: متتابعة معنى قوله: عرفا كما سيأتي تحقيقه، وعلى هذا فالجموع المذكورة كلها صفات للملائكة، وقوله: بأوامره الخ هو جمع مخصوص بالأمر مقابل النهي ففيه اكتفاء كتقيكم الحرّ، وخص لأنه أهم لا لأنّ النهي يتضمن معناه وهوح مثلا وتفسير. بالعذاب على أنّ الإرسال به بمعنى إنفاذه وتأييده فإنه لا وجه للتخصيص على ما مرّ كما قيل فيه بحث وأذا كان الأمر موحى به، فالباء في قوله: بالأوامر للتعدية من أرسلته بالهدية ونحوه لا للملابسة كما قيل ويجوز أن تكون للملابسة بمعنى أنه أمرها بالذهاب، والمرسل غير مذكور وحينئذ لا يكون من باب الاكتفاء أو الأمر بمعنى العذاب المأمور به على ما اختاره الزمخشريّ لكن كلام المصنف رحمه الله تعالى لا يوافقه فمن ظنه موافقاً له فقد خلط فتأمّل، وقوله: فعصفن هو معنى العاصفات على أنه استعارة بمعنى المسرعات سرعة الرياح ولعدم انفصال السرعة عن الإرسال عطف بالفاء. قوله: (ونشرن الشرائع الخ) تفسير للناشرات وعطف بالواو لعدم ترتبه بسرعة على ما قبله لأنّ النشر على هذا بمعنى الإشاعة للشرائع وهو يكون بعد الوحي والدعوة، والقبول ويقتضي زمانا فلذا لم يقرن بالفاء التعقيبية وإذا حصل النشر ترتب عليه الفرق من غير مهلة كما فصله الإمام ولا يتوهم أنه كان حقه، ثم حينئذ لأنه لا يتعلق القصد هنا بالتراخي ولم يقدر لكل موصوفاً على حدة كما في الكشاف لعدم الحاجة إليه لاتحاد المتعاطفات في الذات والعطف إنما هو لتنزيل تغاير الصفات منزلة تغاير الذات كما في قوله: يا لهف زيابة للحرث الصابح فالغانم فالآيب وقد مرّ في الصافات ولم يفسر النشر بنشر الأجنحة لأنّ حقه التقديم على العاصفات فإن أريد به إرادة العصف فحقه العطف بالفاء فتأمّل. قوله: (أو نشرن النفوس الموتى بالجهل الخ) بالجهل متعلق بالموتى والنشر على هذا بمعنى الإحياء وفيما قبله بمعنى الإشاعة، وقوله: بما أوحين متعلق بقوله: نشرن، ويجوز تعلقه بالجهل وتنازعهما فيه، وقوله: فألقين الخ قيل: فالفارقات بمعنى المريدات للفرق، ولو لم يؤوّل بهذا كان الإلقاء مقدما عليه، وقد يجاب بأن نفس الفرق مقدم على الإلقاء لأنه يحصل بمجرد نزول الوحي الذي هو الحق المخالف للباطل الذي هو الهوى، والمتأخر عن الإلقاء هو العلم بالفرق فلا حاجة للتأويل بالإرادة، وقيل عليه إنه على تسليم صحته لا يدفع احتياج الناشرات للفاء على ما فسره به، اهـ وقيل عليه إذا أوّل النثر بإرادته كان اللائق أن يقال بدل قوله: يستدعي مهلة تجامعه، وهو أن يكون الفرق نفس نزولهم بالوحي الذي هو الحق المخالف للباطل، والفرق بهذا المعنى مقدم على الإلقاء والمتأخر هو العلم به فلا حاجة للتأويل ويكون وجهاً للعدول إلى الواو بخصوصها بغير ضميمة، ثم إن ترتب إرادة الفرق على إرادة نشر الشرائع محل تردد إذ الظاهر العكس، وأنما يحتاج لما ذكر إذا أريد بالعذر

стр. 3033

والنذر مطلق الوحي فليحرّر. قوله:) أو بآيات القرآن الخ (عطف على قوله: بطوائف لأنه تفسير آخر فالمرسلات صفة الآيات والعرف على هذا بمعنى المعروف، وقوله: بكل عرف بيان لحاصل المعنى لا تفسير إعراب حتى يكون منصوبا بنزع الخافض كما توهم فإنه مناف لكلامه الآتي في إعرابه، ويجوز أن يكون بمعنى المتتابع لنزوله منجماً كما لايخفى. قوله:) النسخ) متعلق بعصفن لأنه بمعنى أذهبن مجازاً مرسلاً أو استعارة، وقوله: ونشرن الخ من النشر بمعنى الإشاعة، وقوله: وفرقن لو قال ففرقن بالفاء كان أولى وقوله: فألقين الخ فالإلقاء التثبيت والرسوخ لأنه يكون في الأمور الثقيلة غالباً. قوله:) أو بالنفوس الخ (فالمرسلات صفة النفوس، والمراد بكونها كاملة إنها مخلوقة على صفة الكمال والعقل الهيولاني والاستعداد لقبول ما كلفته وما خلقت لأجله فما قيل: إنه يلزمه أن نفوس الأنبياء والأولياء كملها الله قبل تعلقها بأبدانها وتأباه حالة الطفولية فالمراد أنها مشارفة للكمال لا ينبغي أن تسود به وجوه الطروس ومن عرف أنّ الأرواح جنود مجندة عرف حقيقة ما قلناه، وقوله: لاستكمالها الضمير للنفوس، ويجوز رجوعه للأبدان والأوّل أولى وهذا إشارة لمعنى قوله: عرفا واعرابه. قوله: (فعصفن ما سوى الحق (أي أذهبته بالنظر في الأدلة الحقة، وقوله: ونشرن الخ تفسير للناشرات وذلك إشارة إلى العصف أو إلى ما سوى وأثره ما يتصف به البدن من العبادة والأعمال، وقوله: بين الحق بذاته أي المتحقق بذاته لا بغيره وهو واجب الوجود والباطل في نفسه أي المعدوم بقطع النظر عن استناده لواجب الوجود لأنّ عليه الاحتياج الإمكان لا الوجود عند المحققين وهو معنى كل شيء هالك إلا وجهه، وقوله: فيرون الخ مترتب على الفرق المذكور وجعله تفسيراً له ناشئ من عدم الفرق. قوله: (بحيث لا يكون في القلوب الخ) فمعنى إلقائه تمكينه في القلوب والألسنة أو طرج ما عداه، وقوله: أو برياح الخ فالمرسلات الوياح المرسلة للعذاب لا! الإرسال شاع في العذاب كما مر وهذا على تعدد الموصوف في المرسلات والناشرات، وقوله: ففرقن أي فرقن السحاب على البقاع وقوله: تسببن الخ فالتجوّز في إسناده. قوله:) وعرفا الخ (فالعرف المعروف من الجميل والإحسان والنكر المنكر مما يستقبح عقلا أو شرعا وهذا التفسير راجع إلى الوجوه كلها بجعل كل مع مناسبه لا للأخير كما لا يخفى فمن ذهب عليه ذلك فقد ارتكب شططا، وقوله: على العلة أي مفعول له، وقوله: من عرف الفرس عرف الدابة ما على قفاها من الشعر ومنه أخذ معنى التتابع، ثم صار حقيقة عرفية قال: البطليوسي يقال: طار القطا عرفا عرفا أي بعضه وجاء القوم عرفاً عرفا كذلك، وقوله: أرسلن للإحسان اقتصر عليه لأنه الأغلب وغيره يعلم بالقياس عليه، وقيل: لأنّ عذاب الأعداء إحسان للأولياء. قوله: (محا الإساءة) أي أزالها هو تفسير له بلازمه، وقوله: أنذر قياس مصدره الأفعال وهذا على خلاف القياس وقيل إنه اسم مصدر لا! فعلا لم يعهد في مصدر الأفعال وقيل: مصدر نذر بمعنى أنذر وفيه نظر، وقوله: بمعنى المعذرة وهو مصدر ميمي وعبر به ليظهر مغايرته للعذر، وقوله: أو بمعنى العاذر الخ أي صفة بمعنى الفاعل. قوله: (ونصبهما على الأوّلين الخ) الأولان كونه مصدراً أو جمعاً لفعيل المصدر ومآلهما للمصدرية فلذا كان نصبه على العلية فهو مفعول لأجله أو بدل من مصدر وعلى الأوّل العامل فيه الملقيات، أو ذكراً قيل: وهو على الثاني معذرة لأنه سبب النجاة أو هو بمعنى الداعي للمعذرة وفيه نظر. قوله: (أو البدلية من ذكرا الخ (إنما أوّله بما ذكر لتصح البدلية فإذا فسر بالوحي كان فيه إعذار وإنذار فهو بدل بعض لأنّ الوحي يعمه وغيره فإذا فسر الذكر بالمذكور العام لما ذكره كان بدل كل من كل لأنّ التوحيد والإيمان إعذار والشرك والكفر إنذار فهو بدل كل من كل والظاهر حينئذ أنّ الذكر بمعنى التذكير والعظة بالترغيب والترهيب. قوله: (بالحالية) يعني من الملقيات أو الضمير المستتر فيها، وظاهره أنه على الأوّلين غير جائز ولا مانع منه فإنّ المصدر يكون حالاً بالتأوبل المعروف في أمثاله وقد صرح به المعرب أيضا لكنه على خلاف القياس فكأنه عني أنه لا يجوز إذا جرينا على وفق القياس، وقوله: بالتخفيف أراد به سكون الذال وما عدا هؤلاء منهم من ضمهما، ومنهم من خففهما ومنهم من ثقلهما كما فصل في النشر. قوله: (جواب

стр. 3034

القسم) وهو قوله والمرسلات، وقوله: ومعناه إنّ الذي توعدونه الخ يشير إلى أنّ ما موصولة وإن كتبت متصلة وفسرها بما ذكر، وقوله: كائن لا محالة الخ التأكيد فيه من اسم الفاعل لأنه حقيقة في الحال فيفيد التعبير به التحقق كالماضي. قوله: (بحيث إذا ذهب نورها) وفي نسخة محقت أو أذهب نورها فعلى الأولى المقصود من محوها ذهاب نورها وهو تفسير واحد، وعلى الثانية إمّا أن يفسر بالمحق وهو إذهابها بالكلية وإعدام ذاتها أو بذهاب النور فله تفسيران، وقوله: صدعت أي شقت والصدع والفرج بمعنى الشق وقوله: ينسف بالمنسف بكسر الميم آلة النسف وهو التفريق والإزالة، قال تعالى: ﴿فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ [سورة طه، الآية: ٠٥ ا] . قوله: (عين لها وقتها) فسر الزمخشري التوقيت هنا بتبيين الوقت الذي فيه شهادة الرسل على الأمم قال: والوجه أنّ معنى أقتت بلغت ميقاتها الذي كانت تنتظره، وهو يوم القيامة وتحقيقه أنّ التوقيت إذا كان بمعنى التعيين والتحديد للوقت لا يوقع على الذوات إلا بإضمار لأنّ الوقت الحدث لا الجثث ويجيء بمعنى كونه منتهيا إلى وقت محدود فيقع عليها دون إضمار إذا كان بينهما ملابسة، وجعل هذا هو الوجه لأنّ القيامة وقت شهادة الرسل لا وقت يبين فيه وقت شهادثهم وحضورهم، وإذا الرسل الخ يقتضي ذلك لأنّ إذا أكرمتني أكرمتك زمان إكرام المخاطب مدلول إذا سواء كان معمول الجزاء أو لا هذا زبدة ما في الكشف وبه يعلم تحقيق كلام المصنف رحمه الله تعالى، وذكره الحضور والشهادة في الأوّل دون الثاني إشارة إلى الاحتياح فيه إلى الإضمار وقوله: بحصوله أي الوقت متعلق بعين للإشارة إلى أن تعيينه فيه بوقوعه لأبان يعين فيه وقت غير. لذلك فالتعيين هو الحصول وبيانه بما يميط عن وجهه لثام الأوهام أنّ بلوغ الوقت أمر نسبي بين البالغ ونهاية الميقات التي هي وقت، وليس عين الوقت ولا صفته فيوصف به ويسند إلى الحدث والجثث من غير تقدير كبلغت الرسل ميقاتها، وهي بالغة له ومدركته بخلاف تعيين الوقت وتبيينه فإنه باعتبار المعين بالفتح صفة الوقت والوقت وصفته لا يحمل على الجثث بدون تقدير فما قيل من أن عدم احتياج الثاني للتقدير محل بحث لا يلتفت إليه لأنه ناشئ من قلة التدبر فافهم. قوله: (فإنه لا يتعين لهم قبله الأنه من المغيبات ولا بعده كما علم من قوله: بحصوله، وقوله: بلغت بالتشديد وصيغة المجهول أو بالتخفيف، والمعلوم وهو الوجه الثاني وقد عرفت تحقيقه ووجه ترجيحه لما فيه من عدم الإضمار وشائبة كون الشيء ظرفا لنفسه كما قيل وقوله: على الأصل لأنّ الهمزة مبدلة من الواو المضمومة، وهو أمر مطرد كما بين في محله. قوله: (يقال الخ) يعني لأي يوم متعلق باجلت والجملة مقول قول مضمر هو جواب إذا أو حال من مرفوع اقتت، والمعنى ليوم عظيم أخرت أمور الرسل، وهو تعذيب الكفرة واهانتهم وتعظيم المؤمنين ورعايتهم، وظهور ما كانت الرسل تذكره من أحوال الآخرة وأهوالها ولذا عظم شأن اليوم وهوّل الأمر بالاستفهام كما أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى بقوله: (وهو ثعظيم) الخ. قوله: (بيان ليوم التأجيل) يعني أنه بدل منه مبين له وقيل متعلق بمقدر تقديره أجلت، وقيل: لامه بمعنى إلى وقوله: ومن أين الخ كناية عن تعطمه وتهويله وقوله بذلك الإشارة ليوم الفصل والتكذيب به إنكار البعث. قوله: (مصدر الخ) ومعناه هلاك وكان حقه النصب بفعل من لفظه أو معنا. فرفع على أنه مبتدأ أو سوغ الابتداء به، وهو نكرة أنه للدعاء نحو سلام عليكم وهو من المسوّغات كما بين في النحو وفائدة العدول ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى من الدلالة على الثبات والدوام ولم يجعل المصنف رحمه الله تعالى ما ذكر مسوّغا كما في الكشاف بل وجهاً للعدول، إشارة إلى الاعتراض عليه، وقوله: ظرفه أي يتعلق به لأنه مصدر أو صفته لوقوعه بعد نكرة وهو ظاهر، وقوله: وقرئ الخ هي قراءة شاذة قرأ بها قتادة، وهلكه بمعنى أهلكه مخالف للمشهور استعمالاً. قوله: (ثم نحن نتبعهم الخ) قدر المبتدأ ليتضح به الاستئناف على العادة في أمثاله، وقد قيل إنه لا حاجة إليه، ويجوز عطفه على قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ﴾ الخ وكونهم كفار مكة معلوم من المضارع فيكون تهديدا واخبارا عما يقع بعد الهجرة كبدر، وقوله: فيكون الآخرين الخ لأنه لم يقع إدراك هلاك كفار مكة فالمراد بهم بعض أمم الأنبياء السالفة أيضاً كما بينه المصنف رحمه الله تعالى، وقوله: مثل ذلك الفعل الإشارة لما قبله أو لما بعده، وقوله:

стр. 3035

بكل من أجرم إشارة إلى ما في الجمع المعرف من العموم. قوله: (فليس تكريرا الاختلاف متعلقهما كما ذكره أو يحمل أحدهما على الاخرة والآخر على الدنيا مع أن التأكيد أمر حسن لا ضير فيه وقوله: مقدار معلوم، هو مدة الحمل المعلومة، وقوله: نحن هو المخصوص بالمدح، وقوله: بقدرتنا إشارة إلى ما مر من عدم التكرير بتغاير المتعلق ونحوه. قوله: (اسم لما يكفت) أي يضم يقال: كفته الله إليه أي قبضه ولذلك سميت المقبرة كفتة وكفاتا والمراد بالاسم اسم الجنس أو أسم الآلة لأنّ فعالا كثر فيه ذلك كما مر تحقيقه في إمام، وقوله: أو مصدر كقتال أوّل بالمشتق ونعت به كرجل عدل، وهو معطوف على قوله: اسم، وقوله: كافت أي قطر كافت كما أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى فمن قال على تأويل الأرض بالمكان أو النسب لم يصب، وقوله: أو كفت بكسر الكاف وسكون الفاء كقدج وقداج، وقوله: وهو الوعاء لا ينافي كون الكفات بمعنى الوعاء أيضاً مع أنّ ما في القاموس ليس معنى الوعاء كما توهم، وقوله: أجرى على الأرض لأنه مفعول ثان، وهذا توجيه له على وجهي الجمع والأرض مفردة. قوله: (منتصبان على المفعولية (الظاهر أن ناصبه كفاتا وهو ظاهر على المصدرية، وكونه جمع كافت لا على كونه اسم آلة فإنه لا يعمل كما صرّج به النحاة وحينئذ فيقدر فعل ينصبه من لفظه كما صرّج به ابن مالك في كل منصوب بعد اسم غير عامل وقوله: للتفخيم بجعل التنوين للتعظيم والتكثير أي أحياء وأمواتا لا تعد ولا تحصى، ولو عرف باللام الاستغراقية جاز وهذا يحتمله أيضا، ولا ينافيه أو يقال تنوينه للتقليل أو التبعيثض لأنّ المراد بهم الناس وهم بالنسبة لغيرهم من الحيوانات والجن غير كثير كما لا يخفى. قوله: (من مفعوله المحذوف الأن تقديره كفاتا إياهم أو إياكم أو كفاتا للإنس لأنهم المقبورون دون غيرهم. قوله:) أو بنجعل (على أنه مفعول ثان بتقدير مضات أي ذات أحياء وأموات، وقوله: أو الحال وفي نسخة أو الحالية، وقوله: فيكون المعنيّ الخ أي على هذين الوجهين الأخيرين، وقوله: ثوابت طوالاً لف ونشر لرواسي شامخات، وقوله: ما لم يعرف الخ كما في الأراضي التي لم تعمر والجزائر الغامرة، ولا حاجة إلى جعل ضمير فيها للجبال وتفسير ما لم يعرف بالجبال السماوية فإنه تفسير بما لم يعرف. قوله: (أي يقال لهم انطلقوا) قدر القول ليرتبط بما قبله فيقدر مقولاً لهم ونحوه وضمير لهم للمكذبين، وقوله: من العذاب بيان لما، وقوله: عن يعقوب هو أحد الروايتين عنه، وقوله: على الأخبار أي بصيغة الماضي لا الأمر وهو استئناف بياني كأنه قيل: فما كان بعد الأمر فقيل: انطلقوا الخ فسقط قول السمين إنه كان الظاهر أن يقترن بالفاء كما تقول قلت له: اذهب فذهب فتركها ليس بواضح وقوله: خصوصا يعني الثاني ليس تكريراً للأوّل لتقييده بقيود ليست فيه ففيه رد على الزمخشري في قوله: إنه تكرير للأرّل، ومنه يعلم وجه اختيار الاستئناف على الإتيان بالفاء الدالة على امتثال الأمر لأنه كان يقتضي الاقتصار على ذكر المأمور به فالقول بأنه موضع الفاء سهو مع أنه قد يقال إن تجريده من الفاء أدلّ على الامتثال لإيهامه تقدمه على الأمر فتدبر. قوله: (نئ دخان جهنم (فهو استعارة تهكمية لتشبيه ما يعلو من الدخان بالظل، وفيه إبداع لأنّ الظل لا يعلو ذا الظل، وقوله: تفرق الذوائب أي كتفرق الذوائب ففيه تشبيه بليغ، وقوله: لأن حجاب النفس الخ المراد بالحس الحواس الظاهرة أو الحس المشترك أو ما يشملهما، والمراد بالخيال القوّة المتخيلة يعني فلكون الحجب ثلاثة جعلت الشعب بعددها وتحقيق هذه الحواس مفصل في الحكمة، وتفسير القرآن بمثله تعسف اقتدى فيه بالإمام، وقوله: فوق الكافر وهي الواهمة لأنها في الدماغ وما بعده العصبية، والشهوية وهو ظاهر. قوله: (تهكم الخ) لأنّ الظل لا يكون إلا ظليلا أي مظللا فنفيه عنه للدلالة على أنّ جعله ظلا تهكم بهم ولأنه ربما يتوهم إنّ فيه راحة لهم فنفي هذا الاحتمال بقوله: لا ظليل كما مر في قوله: ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾ [سورة الواقعة، الآية: ٤٤] وقوله: غير مغن الخ إشارة إلى أنه صفة لظل أيضا ومغن بمعنى مفيد ومجد وعدى بعن لتضمنه معنى مبعد. قوله: (كل شررة كالقصر) إشارة إلى أنّ شرر اسم جنس جمعيّ واحد شررة، وهو مؤول هنا أي كل واحد منه كالقصر وحمله على ذلك لدلالة ما يعده عليه ولأنه أبلغ وأنسب بالمقام، وقوله: ويؤيده الخ الظاهر أنه بفتح الشين جمع لا مفرد وهي. قراءة عيسى

стр. 3036

لأنها تدلّ عل أن المشبه بالقصر واحده كما في القراءة المشهورة، ويحتمل أنه بكسر الثين كما قرأه ابن عباس فإنه جمع أيضاً لشررة كرقبة ورقاب وإن احتمل جمع شرّ أيضاً كما ذكر المعرب، ومن قال: إنّ هذا متعين فقد ادّعى ما لم يقم عليه دليلاً. قوله: (وقيل هو جمع قصرة) فهو كتمر وتمرة فهو حينئذ من تشبيه الجمع بالجمع من غير احتياج للتأويل بما مر وكذ ما بعده، وقوله: كالقصر بضمتين كرهن وادعاء أنه مقصور من القصور مخالف للظاهر لأن مثله ضرورة أو شاذ نادر، وقوله: وكالقصر بكسر، ثم فتح جمع قصرة بفتحتين وحوج بكسر الحا وفتح الواو مخالف للقياس، ومقتضاه حيج كقيم فورد على الأصل شاذاً، وقوله: والها للشعب أي في قوله: إنها وقيل: لجهنم لعلمه من السياق، وقال ابن السيد في مثلثاته القصر بفتحتين أصول النخل، وقيل: أعناقها وبذلك فسرت قراءة من قرأ بفتح الصاد اهـ، وفي كتاب النبات الحبة لها قشرتان التحتية تسمى حشرة والفوقية قصرة، وقوله: كالقصر فشبه الشرر بما يطابق من تلك القشرة انتهى وهو غريب. قوله: (جمع جمال) فهو جمع جمع وجمالة بالكسر جمع جمل أو اسم جمع له، وقوله: سود مرّ الكلام عليه في البقرة، وقوله: الكثرة من جمع الجمع، وقوله: بما يستحق بصيغة المجهول أو المعلوم والتقدير بما يستحق التقوه به الإصغاء له فلا ينافي ما ورد في غير هذه الآية من النطق لأنهم نطقوا لكن نطقهم جعل كالعد لعدم ئفعه، أو المراد نفي النطق حقيقة لكن المواقف متعددة ففي بعضها ينطقون، وني نجعضها لا ينطقون ومثله كثير ني القرآن. قوله: (وقرئ بنصب اليوم) أي في قوله: هذا يوم لا ينطقود والقراءة المتواترة هنا الرفع على الخبرية ونصب في بعض الشواذ إما على أنه خبر لكنه بني على الفتح لإضافته للجملة، ولما حقه البناء أو منصوب على الظرفية وهذا إشارة ما ذكر والخبر مقدّر والتقدير هذا الذي ذكر من الوعيد واقع في يوم لا ينطقون، والى الثاني أشار المصنف رحمه الله تعالى، وقد مر الكلام فيه في آخر المائدة وقرئ هناك بالفتح لكنه متواتر ثمة وهنا شاذ. قوله: (عطف فيعتذرون الخ) يعني لم ينصب في جواب النفي ليفيد نفي الاعتذار مطلقاً إذ لا عذر لهم ولا يعتذرون ولو جعل جوابا دل على خلافه فلا وجه لما قيل بعدم الفرق بينهما، وأنما قرئ بهذا للمحافظة على رؤوس الآي كما بينه السمين، فإن قلت هذا ينافي ما في سورة غافر كما ذكره المصنف رحمه الله تعالى في قوله: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [سورة غاقر، الآية: ٥٢] من أنهم يعتذرون ولا ينفعهم العذر أو لا يعتذرون لعدم الأذن قلت: إن لم يوفق بينهما فليحمل هذا على قوم وذاك على آخرين وليس التعقيب المذكور هنا في مجرد الأخبار كما قيل لأنّ المراد لا يؤذن لهم في النطق مطلقاً أو في الاعتذار، والنفي الثاني مترتب على الأوّل في الواقع وفيه نظر. قوله: (تقرير وبيان للفصل الأنه لا يفصل بين المحق والمبطل إلا إذا جمع بينهم وقوله: تقريع الخ لأنه كقولك اصنع ما شئت، وقوله: في مقابلة المكذبين يعني لم يحمل المتقين على غير العصاة بل على ما يشملهم لوقوعه في مقابلة المكذبين بيوم الدين وهم كفرة المشركين هنا، وفيه ردّ على المعتزلة القائلين بخلود العصاة فإنهم استدلوا بظاهر هذه الآية وما شاكلها. قوله: (مستقرون الخ) قدره لأنه مستقر خبر وللإشارة إلى أنه حقيقة لا كظلال المكذبين، وأنه كناية عن جميع أنواع الرفاهية، وقوله: أي مقولاً الخ يعني أنه حال من ضمير المتقين في الخبر بتقدير القول كما ذكر وقوله: في العقيدة فسره به ليعمّ المؤمنين فيكون على وفق ما فسر به المتقين، وقوله: تمحض بصيغة الماضي أو بالمضارع، والنون للعظمة فيه وهو بيان للمراد بالهلاك المدعو به عليهم هنا بأنه هلاك، وعذاب مؤبد وقيل: إنه كلام مستأنف وفيه زظر، وقوله: ولخصومهم الخ من قوله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنينَ﴾ [سورة الصافات، الآية: ٨٠] . قوله: (تذكيرا لهم بحالهم الخ) فيكون الأمر بفرض أنه قيل لهم في الدنيا ذلك، والا فلا تمتيع لهم ثمة فكيف يؤمرون به، وقيل: إنه يقال لهم في الدنيا فيكون على ظاهره لكنه لا يرتبط بأطرافه حينئذ ولذا لم يلتفت إليه المصنف رحمه الله تعالى، وقوله: إنكم مجرمون في الكشاف إنه تعليل لما تقدّمه يدلّ على أنّ كل مجرم نهايته تمتع أيام قليلة بالأكل ثم يبقى في عذاب، وهلاك أبداً ولذا قال المصنف رحمه الله تعالى: بعده حيث عرضوا الخ. قوله: (أطيعوا الخ) فما ذكر كناية عن الانقياد أو الخضوع لا! الخطاب للكفرة فيناسب تفسيره بما ذكر أو هو على ظاهره لما رواه من الحديث المذكور، وقد رواه أبو داود والطبرانيّ وغيرهما وهذا

стр. 3037

إما أن يتصل بقوله: للمكذبين كأنه قيل: ويل يومئذ للذين كذبوا والذين إذا قيل لهم اركعوا الخ أو بقوله: إنكم مجرمون على الالتفات كأنه قيل: هم أحقاء بأن يقال لهم: كلوا وتمتعوا، ثم علله بكونهم مجرمين وكونهم إذا قيل لهم صلوا لا يصلون كذا في الكشف نقلا عن الحواشي. قوله: (لا نجبي (كذا صح رواية في الحديث من التجبية بالجيم، والباء الموحدة وهي الانحناء على هيئة الراكع أو الساجد ووقع في بعض النسخ لا ننحني بنونات وحاء مهملة ولكن الذي رواه الزمخشري هو الأوّل، وقوله: فإنها الضمير للهيئة أو للفعلة أو للتجبية المفهومة من الفعل، وقوله: مسبة أي عار يستحق فاعله السب كما في قولهم: الولد مجبنة. قوله: (واستدل به الخ) إذ لو لم يكن للوجوب لم يذموا بالترك مطلقا وعدم الامتئال، ودلالته على المخاطبة بالفروع لأنهم أمروا الصلاة وذكر تعذيبهم بتركها فلو لم يخاطبوا وتجب عليهم ما عذبوا وعوقبوا على تركها والكلام عليه مفصل في الأصول، وقد مرّ الكلام عليه أيضاً. قوله: (بعد القرآن) قالوا إنه على أسلوب بعد ذلك تنبيها على أنه لا حديث يساويه في الفضل أو يدانيه فضلاً عن أن يفوقه، ويعلوه فلا حديث أحق بالإيمان منه يعني البعدية للتفاوت في الرتبة كثم هنا، وقوله: من قرأ سورة والمرسلات الخ حديث موضوع كغيره مما مر تمت السورة بحمد الله والصلاة والسلام على سيد الأنبياء العظام وآله وصحبه الكرام. سورة النبأ وتسمى سورة عم يتساءلون وهي مكية بالاتفاق وآياتها أربعون أو إحدى وأربعون. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (أصله عما قحذف الألف) وقد قرئ به على الأصل في الثواذ وهو مخالف للاستعمال، واختلفوا في الداعي له والعلل النحوية حالها في الضعف معلوم فقال الزجاج: لأنّ الميم فيها غنة فشارك الأنف مخرجها في ذلك فكأنها حرف مكرر فتحتاج للتخفيف، وهذا يقتضي حذفها من ما الموصولة واً جيب بأنها تحصنت بالصلة، ولذا لم تحذف من ماذا المركبة، وقيل: لما خرج عما هو حقه من الصدارة ضعف فطرأ عليه التغيير ولتركبه مع الجار ثقل فاقتضى التخفيف، وقيل: حذفت تفرقة بينها وبين الموصولة، وخص بالجز لشدة الاتصال وقيل: لكثرة الدوران، وأورد عليه أنّ التفرقة تحصل بالعكس فلا بد من ضميمة لكثرة الدوران فلا يستقل الأوّل وجها، واثبات الكثرة فيه دون غيره دونه خرط القتاد وقيل: اختص لتقدمه لأنّ الشيء يسئل عنه، ثم يخبر فخص بالتصرف لتقدمه وفيه نظر وقد تقدم في الصف ما فيه. قوله: (لما مر) قد تقدّم ما فيه إلا أنه قيل: حذف منه الألف إما فرقا بين ما الاستفهامية وغيرها أو قصداً للخفة لكثرة استعمالها انتهى وفيه إن حذف الألف من ما الاستفهامية عند دخول حرف الجر عليها لازم واجب كما في الكشاف، ثم قال: ولم تحذف من غيرها للفرق ودفع الالتباس وحصول التخفيف، ولم يعكس لكثرة استعمال ما الاستفهامية فما فيه أحسن من عبارة هذا القيل فتأمله. قوله: (ومعنى هذا الاستفهام تفخيم شأن ما يتساءلون عنه) يعني أنّ الاستفهام لصدوره عن علام الغيوب لا يمكن حمله على حقيقته فجعل مجازا عما ذكر، وقيل عليه إنه لا يليق بشأنه أن يكون شيء عظيم مشبهاً بما يخفى عليه وهو لا يخفى عليه خافية، ورد بأنه ورد على طرز مخاطبات العرب فالاستفهام أو التشبيه بالنسبة إلى الناس، ولذا قال بعض المتأخرين إنه جاء على نهج الاستفهام إشعاراً بأنه خارج عن دائرة علوم الخلق لعظمته فحقه أن يعتني به، وسعأل عنه فلا حاجة إلى أن يقال: أنّ الاستفهام جرد للتفخيم بقطع النظر عن الخفاء وغيره ولا يرد ما توهمه بعض فضلاء العصر من أنه حينئذ يمكن إبقاؤه على معناه الحقيقي حتى يجاب بأنه عدل إلى المجاز لأنه أبلغ فتدبر. قوله: إكأنه لفخامته خفي جنسه) قد علمت ما يرد عليه، ودفعه فهو استعارة تبعية فشبه الأمر المحقق شأنه بما يخفى جنسه على الناس لا على السائل والمتكلم فيسأل عنه لانتفاء نظيره ويستعمل لفظ المشبه به في المشبه كما أوضحه المصنف رحمه الله تعالى. قوله: (والضمير لأهل مكة الخ) وإن لم يسبق ذكرهم للاستغناء عنه بحضورهم حسا

стр. 3038

قيل: مع ما في الترك من التحقير والإهانة للإشعار بأنه مما يصان عنه ساحة الذكر الحكيم، ولا يتوهم العكس لمنع المقام عنه فلا يرد أنّ في تركه إيهام فخامته وتعيينه لعظمته، وعلو صيته حتى يعلم وإن لم يذكر كما توهم ونحوه هي راودتني، وقوله: يتساءلون عن البعث الخ وتخصيصه بالبعث لأنّ قوله: ألم نجعل الأرض الخ من أدلته كما ستراه فسقط ما قيل إنه يجوز أن يكون عن القرآن أو النبوّة أو غير ذلك. قوله: (أو يسألون الرسول ﵇ والمؤمنين عنه) على أنّ الضمير لأهل مكة، والتساؤل متعد لمفعول السؤال ومفعوله مقدر هنا وهو ما ذكر، واستشهد له بما ذكر من كلام العرب لأنّ التفاعل في الأصل مطاوع فيكون لازماً وفاعله فاعل المفاعلة ومفعولها معاً فتقول ضارب زيد عمراً وتضارب زيد وعمرو فلا يتعدى إلا لمفعول غير الذي فعل بك مثل فعلك كما في قولهم تعاطينا الكأس، وتفاوضنا الحديث ولذا قال البطليوسي: في شرح أدب الكاتب من قال تفاعل لا يكون إلا من اثنين ولا يكون إلا لازما فقد غلط لأنه يكون من واحد متعدياً كقول امرئ القيس: تجاوزت أحراساً وأهوال معشر عليّ حراص لو يسرون مقتلي وجاء من اثنين وهو متعد إلى اثنين كقوله أيضاً: فلما تنازعنا الحديث وأسمحت هصرت بغمن ذي يثماريخ! ال وظن قوم أنّ هذا مخالف لقوله سيبويه ﵀ لا يكون تفاعلت إلا من اثنين ولا يكون معملا في مفعول كيف، وقد قال بعده وقد يجيء تفاعلت على غير هذا إلى آخر ما فصله وأطال فيه، وفيه تحقيق في شرح المفصل لابن يعيش وأشار إليه في آخر الباب الرابع من المغني، ومنه تعلم أنّ ما نقل عن الزمخشريّ من أنه إذا كان المتكلم مفردا تقول دعوته فإذا كان جماعة تقول تداعيناه فوضعوا تفاعل موضع فعل إذا كان في الفاعل كثرة مراعاة لمعنى التشارك بقدر الإمكان لا وجه لنقله هنا فإنّ تفاعل يكون بمعنى فعل كثيراً، وإن لم يتعدد فاعله كتواني زيد وتداني الأمر بل حيث لا يمكن التعدد نحو تعالى الله عما يشركون وهذا مما صرحوا به في المتون كالتسهيل، وغيره فما قيل من أنه إنما يتم الاستشهاد بما ذكر إذا كان مجيء تفاعل بمعنى فعل قياساً ليس بشيء فتأمّل. قوله: (أو للناس) عموما سواء كفار مكة وغيرهم من المسلمين، وهو معطوف على قوله: لأهل مكة وسؤال المؤمنين ليزدادوا خشية وايماناً، وسؤال غيرهم استهزاء ليزيدوا كفرا وطغياناً وحذف المفعول على التعدي في الوجه السابق لأنّ المستعظم السؤال بقطع النظر عمن سئل ويجوز أن يكون لصون المسؤول عن ذكر. مع هذا السائل. قوله. (بيان لشأن المفخم) أو للمفخم شأنه يعني ليس صلة بتساءلون لأن عمّ صلته بل هو صلة محذوف مستأنف للبيان، ولا يصح إبداله من الأوّل فإنّ معناه عن النبأ العظيم أم عن غيره، وهذا لا يطابقه أعيد الاستفهام أم لا كما قيل وليس بشيء فإنه يجوز فيه البدلية كما ذكره المعرب ولا يلزم إعادة الاستفهام لأنّ الاستفهام غير حقيقي ولا أن يكون عينه كما ادعاه لجواز كونه بدل بعض وما قيل لا نسلم عدم المطابقة إذا أعيد الاستفهام لغو من الكلام لا يتم بسلامة الأمير والسلام. قوله: (قراءة يعقوب عمه) وبها قرأ البزي أيضا ووجه التأييد أنه على الوقف أو نيته، وهو يدل على أنه غير متعلق بالمذكور لأنه لا يحسن الوقف بين الجار، والمجرور ومتعلقه لعدم تمام الكلام. قوله: (يجزم النفي الخ) الوجه الأوّل على أنّ الضمير لأهل مكة، وما بعده على أنه للناس عامّة وكان عليه أن يزيد في الثاني التوقف والشك كما قيل ويجوز أن يفسر الاختلاف بزيادة الخشية والاستهزاء، قيل: ويجوز أن يكون الإقرار والإنكار على الأوّل أيضا، وضميرهم للسائلين والمسؤولين ولا يخفى ما فيه من مخالفة الظاهر وتفكيك الضمائر. قوله:) ر! عن التساؤل) بمعناه الظاهر أو بمعنى السؤال كما مر، وقوله: ووعيد عليه هو على الأوّل ظاهر، وعلى الثاني بتغليب المنكرين، وقوله: تكرير للمبالغة لأنه لم يذكر مفعول العلم فإمّا أن يقدر سيعلمون حقيقة الحال وما عنه السؤال أو سيعلمون ما يحل بهم من اأ! عقوبات، والنكال وتكريره مع الإبهام يفيد مبالغة لأنه إذا قيل لزيد لم تدعو ثم كرر كان أبلغ في الزجر. قوله: (وثم للإشعار

стр. 3039

بأن الوعيد الثاني أشدّ) قال السمين التكرار للتوكيد وزعم ابن مالك أنه من التوكيد اللفظي، ولا يضره توسط حرت العطف والنحويون يأبون هذا ولا يسمونه إلا عطفا وإن أفاد التأكيد انتهى، ولا محصل له وكان عليه أن يقول: وأهل المعاني يأبونه لما بينهما من شدة الاتصال فإنّ ما ذكره المفسرون، والنحاة هنا مخالف لما ذكره أهل المعاني في الفصل، والوصل والتوفيق بينهما كما أشاروا إليه إنّ ثم هنا للاستبعاد والتفاوت الرتبي فكأنه قيل لكم: رح وزجر شديد بل أشذ وأشد وبهذا الاعتبار صار كأنه مغاير لما قبله، ولذا خص عطفه بثم غالبا، وما ذكره أهل المعاني ليس على إطلاقه ولم يقل بأن الرد، والوعيد الثاني لأنّ الوعيد يتضمن الرح أيضاً فاكتفى به مع القرينة السابقة. قوله: (وقيل الأوّل عند النزع (وهو ما يكون عند خروج الروح وزجر الملائكة، وعلمه بما يشاهده بانكشاف الغطاء، والثاني في القيامة زجر ملائكة العذاب ومشاهدة العقاب فثم في محلها لما بينهما من البعد الزماني، ولا تكرار فيه كما في الوجه السابق عليه، وكذا فيما بعده أيضا ولا فصل فيه بكلا بين المتعاطفين كما توهم لتغاير الزجرين والعلمين وليس بياناً لكون الوعيد الثاني أشذ كما تو وإن كان في نفسه كذلك. قوله: (على تقدير قل لهم سنعلمون) أي قل لهم كلا ستعلمو وأنما اقتصر على ما ذكر لبيان المقدر وما اقتضى تقديره فلا يتوهم أنّ التقدير بعد كلا كما لظهور خلافه، ولو جعل من الالتفات كما ذكره الإمام استغنى عن التقدير. قوله: (تذكير فهو متصل بما قبله لأنه دليل على إثبات المسؤول عنه فكأنه بتقدير قل كيف تنكرون أو تشكو فيه، وقد عاينتم ما يدل عليه من القدرة التامّة والعلم المحيط بكل شيء، والحكمة الما المقتضية أن لا يكون ما خلق عبثاً ولو لم تكن الإعادة كان أشذ العبث وهي أسهل من ال! د ومن كان عظيم الشأن والقدرة ينبغي أن يخاف ويخشى وينزجر بزواجره عما ردعهم وأوعد عليه، والمهاد البساط أو الفراش والمهد مصدر صار اسما لما يعد للصبي لينام فيه فهو تشبيه بليغ كالأوتاد، وهذه القراءة شاذة كما صرحوا به فلا ينافي هذا قول المصنف رحمه تعالى في طه إنه قرئ هنا وفي الزخرف مهدا ولم يختلفوا في الذي في النبأ أي اتفقوا قراءته مهادا كما يتوهمه بعض القاصرين فقوله: مصدر الخ بيان للمهد، وقيل إنه راجع وللمهاد لأنهما بمعنى كما في القاموس، وقوله: ذكرا وأنثى أي كل زوج ذكر وأنثى فلسى الظاهر ذكوراً واناثاً كما قيل. قوله: (قطعاً عن الإحساس الخ (لما ذهب أكثر أهل اللغة إلى السبات النوم كما نقله في القاموس، وغيره فيصير المعنى جعلنا نومكم نوماً ولا فائد احتاج إلى التأويل، فأول بوجوه كما فصله الشريف المرتضى في الدرر فقيل: إنّ معنا الأصل القطع يقال: سبت الشعر إذا حلقه وهو يرجع إلى معنى القطع دمان قال ابن الأنبار لم يسمع السبت بمعنى القطع كما في الدرر، فلما انقطعت الحواس الظاهرة عن الإدراك ذلك راحة لها أريد بالسبات مجازا الاستراحة فلذا رد الشريف على ابن الأنباري في قوله يسمع سبت بمعنى استراج بأنه أريد الراحة اللازمة للنوم وقطع الإحساس كما أشار المصنف رحمه الله تعالى، وقوله: إزاحة لكلالها بالمعجمة أي إزالة لتعبها ويجوز إهما والأول أولى ولذا سمي النوم سبتا لفراغ وراحة لهم فيه، وقيل: أصل السبت التمدد كا يقال: سبت الشعر إذا حل عقاصه هذا تحقيق الوجه الأول وفيه هنا كلام سخيف لا طائل في بعض الحواشي رأينا تركه خيراً من ذكره. قوله: (أو موتاً (أي كالموت على التشبيه وهذا على أنه ورد في اللغة بهذا المعنى وذكره حينئذ لأنه مشابه للأحياء بعد الموت فمن على هذا قادر على البعث الذي عنه يتساءلون فيكون هذا كقول الله تعالى ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ ، والتي لم تمت في منامها الآية، وفي الدرر يجوز أن يكون المراد جعلنا نومكم سباتا ليس بموت فأراد سبحانه أن يمتن علينا بأن جعل نومنا الذي يضاهي بعض أحواله الموت ليس بمخرج عن الحياة، والإدراك وليس بموت وفي وجه السبات النوم الطويل الممتد ولذا قيل لمن كثر نومه مسبوت والامتنان به لما فيه من عدم الانزعاج انتهى، والعجب أنّ بعضهم عكس هذا بناء على ما في القاموس من تفسيره بالنوم الخفيف ففسره بالخفيف ليصح الحمل وعني بعدم إطباقه وهو تعسف. قوله: (وهو أحد التوقيتين) أي المذكور في الآية

стр. 3040

السابقة وهو إشارة لوجه الشبه بينهما، وقوله: وأصله القطع أيضا فيه تسمح أي أصله المأخوذ منه السبت بمعنى القطع وقد علمت ما فيه وتردد ابن الأنباري في ورود السبت بمعنى القطع والمسبوت من طال نومه كما مرّ. قوله: (غطاء يستتر بظلمته الخ (خص مزيد الاختفاء، وهو لباس أي كاللباس لإحاطة ظلمته لكل أحد لأنه في مقام الامتنان وهو نعمة أقوى من حقه كما قال: وكم لظلام الليل عندي من يد تخبرأن المانوية تكذب وبهذا يظهر حسن ذكره بعد النوم مع الإشارة إلى حكمة جعل النوم ليلا لأنّ النائم معطل الحواس فكان محتاجا لساتر عما يضره فهو أحوج ما يكون للدثار، وضرب خيام الأستار فانظر حسن هذا الاتساق. قوله:) وقت معاس) يعني أنه مصدر ميمي بمعنى المعيشة وهي الحياة، وقع هنا ظرفا كما يقال: آتيك خفوق النجم وطلوع الفجر لأنه لم يثبت مجيئه في اللغة اسم زمان إذ لو ثبت لم يحتج لتقدير مضاف فيه هذا ما ظهر من سياقه، وقيل: إنّ معاشا في كلام المصنف رحمه الله تعالى متعين للمصدرية، وأما في النظم فمحتمل لكونه مصدرا واسم زمان وتفسيره محتمل لهما وفيه نظر، ولما فسر السبات بالقطع عن الحركة أو بالموت فسر المعاس بما فيه الحركة أو بالحياة إشارة إلى ما بين قوله: وجعلنا النهار معاشا وقوله، وجعلنا نومكم سباتا فن المطابقة المعنوية كما بين قوله: وجعلنا الليل لباسا، وجعلنا النهار معاشا أيضا فالحياة في الوجه الأوّل على الحقيقة لأنّ المراد بالمعاش ما يعاس به فيكون وقته وقت الحياة الأولى، وفي الثاني الانبعاث من النوم فسمي حياة كما سمي النوم موتا مجازا، وقوله: أو حياة بالجر معطوف على قوله: معاش وتبعثون بمعنى تنتبهون، ولا يخفى تناسب القرائن وأنه ليس في بعضها زيادة استطرادية. قوله تعالى: ( ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ ) عدل عن خلقنا هنا لأنه أريد تشبيهها بالقباب المبنية فلا يتوهم أنّ البناء ما يختص بأسفل البيت مع أنه غير مسلم. قوله:) من وهجت النار إذا أ! اءت (والمعنى سراجاً مشرقا منيرا مضيثا وجعل هنا متعد لواحد ويجوز أن يتعدى لاثنين لكنه مخالف للظاهر للتنكير فيهما، وإن قيل السراج وهي لانحصارها في فرد كالمعرفة، وقوله: بالغاً في الحرارة أي متناهيا، وهو من صيغة المبالغة فيه. قوله: (شارفت أن يعصرها الرياح الما كانت المعصرات السحاب وهي معصورة لا عاصرة ومعصرة، والقراءة فيه باسم الفاعل فسروه على وجوه تبينه من غير تكلف منها أنّ الهمزة فيه للحينونة كما يقال: أجذاذاً حان وقت جذاذه أي جاء وقته، وهو المراد بالمشارفة هنا والأفعال يكون لهذا المعنى كثيرا كاحصد إذا حان وقت حصاده، أو الهمزة لصيرورة الفاعل ذا المأخذ كأعسر وأيسر، وقال الدينوري: لأنها مكنت الرياح من اعتصارها وانزال مطرها كآكل النخل إذا أمكن من ذلك ورد بأن الصواب إنه من العصر أو العصرة، وهي الملجأ قال: فارس يستعيب غيرمعاب ولقدكان عصرة المنجود قوله: (أو الرياح) فهو صفة الرياح والهمزة والأفعال بحاله أيضاً إذا كان من العصر، وقوله: أعصرت الجارية كان الطبيعة حان أن تعصر دم حيضها فإن كان من الإعصار وهي الريح الشديدة التي ترفع الغبار كالأعمدة فبناء أفعل التفضيل على هذا للنسبة، ونسبة الإنزال للمعصرات من باب بنو فلان قتلوا قتيلاً، ويجوز اعتبار التجريد ونقل الإمام عن المازني أن المعصرات السحائب ذوات الأعاصير فإنها لا بد أن تمطر مع الأعاصير، وهو الأظهر كما قيل ولا يخفى ما فيه فإنّ الإعصار ريح فكيف ينسب لنفسه فهو لا يصح بدون التجريد والمراد بكونه من ذلك الباب نسبة ما للبعض للكل لتعدده وكثرته ومن هذا علم وجه ترجيح قول المازنيّ فتدبر، وأما جعل المعصرات السموات كما روي عن الحسن، وقتادة ففيه تكلف وهو مبنيّ على أنّ المطر ينزل من السماء للسحاب فلذا تركه المصنف رحمه الله تعالى، والكلام عليه في الكشاف وشروحه. قوله: (وإنما جعلت مبدأ للإ. لزال الخ) إشارة إلى أنّ من هنا للابتداء، وقيل: إنها للسببية، وقوله: تدرّ بالدال المهملة أفعال من الدر وهو اللبن والأخلاف جمع خلف بكسر الخاء المعجمة وسكون اللام، وهو ضرع الناقة وقوله: قرئ بالمعصرات أي بباء السببية، والآلية وفتح الصاد كما في بعض

стр. 3041

الحواشي ووجه التأييد أنها ظاهرة في الرياح فإن بها ينزل الماء من السحاب، وقوله: إنما جعلت الخ جواب عما يرد عليئ تفسيرها بالرياج، وهي لا تنزل منها الأمطار بأنها كالمبدأ الفاعل للإنزال فصح استعمال من الابتدائية التي للتعليل هنا، وقد ورد أنه تعالى يبعث الرياح فتحمل الماء من السماء إلى السحاب فإن صح فالإنزال منها ظاهر. قوله: (منصباً بكثرة) تفسيره بالمنصب إشارة إلى أنه من صب اللازم فإنه الاكثر في الاستعمال والكثرة من صيغة المبالغة، وقوله: يقال ثجه أي صبه فهو متعد وثج بنفسه على أنه لازم يعني أنه ورد لازماً ومتعدياً وجعله الزجاح في النظم من المتعدي لأنه لكثرته كأنه يصب نفسه، ويجوز حمل تفسير المصنف وحمه الله تعالى عليه على أنه بيان لحاصل المعنى إلا أنه خلاف الظاهر. قوله: (أفضل الحج الخ) هو حديث صحيح معناه أفضل أعمال الحج التلبية، والنحر وهو شاهد على أنه متعد بمعنى الصب وقوله: أي رفع الخ لف ونشر مرتب تفسير للعج والثج، وقوله: وقرى ثجاحاً أي بجيم، ثم حاء مهملة فإن قلت العصر المعتاد فيه إنه لا يحصل منه الماء الكثير فكيف هو مع الثج قلت: هو غير مسلم، ولم سلم فاصله هنا مقطوع عنه النظر أو القلة نسبية فتدبر. قوله ة (ما يقتات به الخ) ما موصولة ويقتات افتعال من القوت بمعنى يكون قوتا كالحنطة، ويعتلف أن يكون علفا وهو غذاء الحيوان الأهلي، والحشيش اليابس من النباتات فما ذكر عبارة عن غذاء الإنسان والحيوان، ولا ينافي ما ذكر كون الحب إنما يخرج بواسطة النبات فالقوت خاص بالإنسان، والعلف للحيوان وليس فيه لف، ونشر لأنّ الإنسان يأكل النبات أيضاً، ويجوز أن يكون لفا ونشراً كما في الكثير الأغلب في كل منهما فإنه كني به عما ذكرناه، وقوله: ملتفة تفسير لا لفافاً ببيان المراد منه إجمالاً وقوله: بعضها ببعض مبتدأ وخبر أي بعضها ملتف ببعض، والجملة مفسرة لقوله: ملتفة أو بعضها بدل من المستتر في ملتفة بدل بعض وقوله: ببعض متعلق بملتفة لا فاعل فإنه كان الظاهر ملتفا وإن جاز بتكلف. قوله: (جمع لف كجأع) واجذاع، واللف بمعنى الملفوف صفة مشبهة وفعل يجمع على أفعال باطراد ولما كان لف المفرد غير معروف في اللغة والاستعمال احتاج لإثباته بشاهد ولذا ذهب كثير إلى أنه جمع لا واحد له من لفظه، وهو كثير واختار. الزمخشري لسلامتة عن التكلف. قوله: (جنة لف وعيش مغدق وندامى كلهم بيض زهر) فاللف بمعنى ملتفة الأشجار والنبات والعيش بمعنى المعيشة، ومغدق في الأصل من الغدق، وهو الماء الكثير فتجوّز به هنا عن السعة والرفاهية وندامى جمع ندمان بمعنى نديم وزهر جمع أزهر بمعنى مشرق، والمراد بكونهم بيضاً زهرا أنهم حسان يصف طيب الزمان والمكان، وحسن الأخوان. قوله: (لفيف) بمعنى ملفوف وفعيل يجمع على أفعال كشريف وأشراف، وأنما اختلف النحاة في كونه جمعاً لفاعل كما مرّ. قوله: (أو لف) بضم اللام أي إلفافاً جمع لف بالضم وهو جمع لفاء كخضراء الممدود فيكون جمع جمع، وهذا قول ابن قتيبة وما قبله قول الكسائيئ، وقال في الكشاف: بعد نقله عنه وما أظنه واحدا له نظير من نحو خضر واخضار وحمر واحمار يعني أنه بعيد لأنّ نظائره لا تجمع على أفعال إذ لا يقال: خضر وإخضار وحمر واحمار لأن جمع الجمع لا ينقاس ووجود نظيره في المفردات لا يكفي كما توهم، وقوله: كخضراء الخ لم يرد أنه سمع فيه ذلك حتى يقال له: أثبت اللوح، ثم انقش لأنه مثال مفروض لا شاهد منقول حتى يعترض عليه كما قيل: نعم سوقه لا يخلو من ركاكة ما. قوله: (أو ملتفة بحذف الزوائد) يعني ألفافاً جمع لملتفة لأنه مفرد مسموع بلا كلام إلا أن مثله يجمع على ملتفات قياساً لا على ألفاف، فلذا قدر حذف زوائده ليكون ثلاثياً يجمع مثله على أفعال وادعى الزمخشري أنه قول وجيه إلا أنه كما قاله المعرب تكلف لا حاجة إليه فإنه لا يعرف في العربية حذف الزوائد المسمى عند النحاة ترخيماً في مثله لأنهم اصطلحوا على تسمية حذف الزوائد ترخيما كما يسمى حذف آخر المنادى ترخيما وأنما عرف في التصغير، والمصادر ولذا قال المدقق في الكشف فيه إنه لا نظير له أيضاً لأن تصغير الترخيم ثابت إما جمعه فلا انتهى قيل: واللوامح والطوائح ليس منه كما مر في الحجر، وما في الكشف غير مسلم فإنه وقع في كلامهم لكنه لقلته لم يتعرضوا له. قوله: (في علم الله تعالى أو في حكمه (وفي الكشاف في تقدير الله وحكمه

стр. 3042

والمراد بحكمه ما حكم به وقضاه في الأزل أيضاً لا تعلق إرادته كما توهم حتى يقال إنه مبني على أن تعلق الإرادة كالإرادة أزليّ إمّا لو كان حادثا فليس الثبوت إلا في علمه وأنت خبير بأنه لا وجه له، ولما أثبت البعث بالدليل القاطع كان مظنة السؤال عن وقته متى هو، وما هو فقال إنّ يوم الفصل الخ وأكده لأنه مما ارتابوا فيه فلا وجه لما قيل إنه ليس محلا للتأكيد أيضاً. قوله: (حداً تؤقت به الدنيا الخ) تؤقت بمعنى تحد لأنها تنتهي عنده، إذ هو أوّل أيام الآخرة، وهو يوم القضاء بين الخلق أو يوم الثواب والعقاب وهو اليوم الآخر الذي يجب الإيمان به، ولذا كان يوم ينفخ الخ بدلاً أو بيانا له فإن نفخ الصور واتصال الأرواح بالأجساد والحشر في الآخرة فظهر فساد ما قيل من أنه نهاية أيام الدنيا وآخر مخلوقاتها لأنه لا يخلق بعده شيء منها، ولذا يقال له اليوم الآخر. قوله: (أو حدا للخلائق ينتهون إليه) يعني أنّ الميقات أخص من الوقت، وهو الوقت المحدود كالميعاد والميلاد لتوقيت زماني الوعد والولادة فبين أنّ ذلك الوقت إمّا حد للدنيا، وامّا حد للخلائق على المعنيين، وكونه حداً للدنيا ظاهر وأمّا كونه حدا للخلائق فلانهم يرجعون إليه لتتميز أحوالهم ويعلم الشقي من السعيد. قوله: (روي أنه ﷺ الخ) قال ابن حجر أنه حديث موضوع وآثار الوضع لائحة عليه، والقردة جمع قرد وقوله: يسحبون الخ تفسير لقوله: منكوسون، وعمي جمع أعمى، وقوله: يتقدرهم أي يكرههم كما تكره الأمور القدرة وأهل الجمع هم أهل المحشر، وقوله: يلبسون مشدد ومخفف، وما قيل من أنه لا بدّ من التغليب في قوله: فتأتون إذ لا يمكن الإتيان للمصلوب والمسحوب على الوجه ولا من غير أيد وأرجل ليس بشيء فإنّ أمور الآخرة لا تقاس على أمور الدنيا، والقادر على البعث قادر على جعلهم ماشين بلا أيد وأرجل وأن يمشي بهم عمد النار التي صلبوا عليها، وقد قيل له ﷺ : كيف يمشون على وجوههم فقال:! الذي أمشاهم على أرجلهم قادر أن يمشيهم على وجوههم " مع أنه لا يلزم أن يأتوا بنفسهم لجواز أن تأتي بهم الزبانية فأعرفه. قوله: (ثم فسرهم بالقتات) بفتح القاف كالنمام لفظا ومعنى والمراد به الجنس، ويجوز ضم قافه على أنه جمع قات بمعنى نمام وتشصيصه بهذه الصورة لأنها معهودة في المسخ وهو لما غير ما نقله وكذب غير الله صورته، وأهل السحت هم الذين يأكلون الحرام غير الربا كالرشوة وهم أيضا يعدلون عما أحله الله لغيره فلذا غيرت صورتهم، وجعل الجائرين منكوسين لعدولهم عن الحق والمعجبين بأعمالهم عمياً لنظرهم لأنفسهم، ومن خالف قوله: عمله أصم أبكم لأنه لم يسمع ما قاله للناس في حق نفسه والمؤذي لجاره على صورة تؤذي أهل المحشر والسعاة لمشيهم إلى السلاطين قطعت أطرافهم والتابعين للشهوات على عمد النار تشهيرا لتعذيبهم، وألبس من تكبر ثياب القطران لأنها غاية المذلة فكان الجزاء من جنس العمل فأعرفه، وقوله: الخيلاء هو بضم الخاء المعجمة وفتح المثناة التحتية واللام والمد أصل معناها المعروف فيها أنها بمعنى التكبر فإمّا أن يكون وصف هنا بالمصدر أو هو جمع خائل كجاهل وجهلاء. قوله: (وشقت) إشارة إلى أنّ المراد بالفتح المضاف للجميع ليس ما عرف من فتح الأبواب، وإن جاز لكن هذا هو الموافق لقوله: ﴿إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ﴾ [سورة الانشقاق، الآية: ا، ﴿إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ﴾ [سورة الانفطار، الآية: ا] ونحوه فإنّ القرآن يفسر بعضه بعضاً والفتح يكون بمعنى الشق كفتح الجيوب وما ضاهاها وأمّا حمله على فتح الأبواب على أنّ السماء تمى أبوابها وتشقق أيضا فلا وجه له لأنها إذا شققت لا تحتاج لفتح الأبواب، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل وعبر عن الثق بالفتح إشارة إلى كمال قدرته حتى كان تشقق هذا الجرم العظيم كفتح الباب بسهولة وسرعة وهو معطوف على تأتون ولا مخالفة بينهما لأنّ المراد تفتح وعبر الماضي لتحققه، ولو جعل حالاً بتقدير قد كان وجهاً حسنا كما في الكشف. قوله: (فصارت الخ) إشارة إلى أن كان من الأفعال الناقصة، ومعناها اتصاف المبتدأ بالخبر في الزمن الماضي نحو كان زيد فائماً وقد ترد بمعنى صار كما ذكره ابن مالك في التسهيل، وغيره فتدل على الانتقال من حال إلى أخرى كما في قوله تعالى: ﴿فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثًّا﴾ [سورة الواقعة، الآية: ٦] والسماء بالثق لا تصير أبواباً حقيقية فلا بدّ من تأويلها فأما تشبه شقوقها بالأبواب في السعة، والكثرة تشبيها بليغاً أو يقدّر فيه مضاف كما ذكره

стр. 3043

المصنف. قوله: (في الهواء كالهباء (أي رفعت من أماكنها في الهواء، وذلك إنما يكون بعد تفتيتها وجعلها أجزاء متصاعدة كالهباء، فقوله: كالهباء حال أي كائنة كالهباء، وقوله: مثل سراب الخ إشارة إلى أنه تشبيه بليغ، وقوله: إذ ترى الخ تعليل له يتضمن وجه الشبه بالسراب فإنّ الجامع إنّ كلاً منهما يرى على شكل شيء وليس به فالسراب يرى كأنه بحر وليس كذلك، والجبال إذا فتتت وارتفعت في الهواء ترى كأنها جبال وليست بجبال بل غبار غليظ متراكم يرى من بعيد كأنه جبل لا إنها تجري جريان الماء فيزيد عطش الكفرة إذا راؤها وظنوها ماء كما توهم فإنّ كلام المصنف يأباه وفي نسخة أي التفسيرية بدل إذ. قوله: (موضع وصد) ظاهره إنّ مفعالاً يكون اسم مكان، وبه صرّج الراغب والجوهريّ وغيره والذي في كتب النحو أنه اسم آلة كمفعل بكسر الميم أو صفة مشبهة للمبالغة كمنحار، والظاهر أنه حقيقة فيها ولا حاجة إلى ادّعاء النقل والتجوّز ورصد بفتحتين مصدر بمعنى الترصد والترقب وفي بعض الحواشي إنّ المصدر بسكون الصاد وفيه نظر فالرصد يكون مصدرا كالحذر واسماً بمعنى الراصد واحداً وجمعاً، وقوله: من فيحها أي من إصابة ضرر فيحها وهو حرّها ولهبها ولا مانع من حمله على ما يشملهما. قوله: (كالمضمار الخ) تضمير الخيل أن تسمن ثم ترد لما كانت عليه مدّة معينة، وتلك المدة تسمى مضماراً وكذا الموضع كما ذكره الجوهريّ، وقوله: أو مجدة الخ بزنة اسم الفاعل من الجدّ وهو الاجتهاد والتقيد التام، وقوله: لئلا يشذ أي يخلص منها وينفرد وهذا بناء على أنّ مفعالاً للمبالغة والحاصل أنه إما اسم مكان أو صيغة مبالغة، وقوله: على التعليل أو بتقدير لام جرّ قبلها، وقوله: لقيام اأ! ساعة متعلق بالتعليل يعني كان يوم الفصل وهو يوم القيامة المعلل قيامه لأنهم يرصدون مما ذكر، وقوله: لقيام الخ باللام الجارة دون الباء والتقدير كان ذلك لإقامة الجزاء ولا يلزمه فتح إنّ للمتقين الخ كما قيل لأنّ به يتمّ الجزاء فتدبر. قوله: (للطاغين) جوّز فيه خمسة أوجه أن يكون خبرا آخر لكانت أو صفة لمرصاداً أو لمآبا قدم عليه فانتصب حالاً وأن يتعلق بمرصاداً أو مآبا وفصل المصنف له عن قوله مرصاداً، وذكره مع مآبا فيه إشعار بترجيح الثالث والخاس! ، وقوله: مرجعاً وماو! الأوجل معنا. الوضعي والثاني بيان للمراد منه بطريق الكناية هنا، وقوله: هو أبلغ لأنه صيغة مبالغة وصفة مشبهة تدل على الدوام والثبوت، ومن قرأ بالأوّل نظر إلى أنّ قوله: أحقاباً مفيد لتلك المبالغة، وقوله: مآبا بدل من مرصاداً بدل كل من كل على الوجو.، وقيل إنه على تفسيره الثاني لا يتأتى فيه البدلية، وفيه نظر. قوله: (دهورا متتابعة) إشارة إلى أنّ الأحقاب يفيد التتابع في الاستعمال بشهادة الاشتقاق فإنه من الحقيبة، وهي ما يشد خلف الراكب والمتتابعات يكون أحدها خلف الآخر كما صرّج به الزمخشريّ، وقوله: وليس فيه الخ دفع لما يتوهم من أن جعل لبثهم أحقابا أي سنين يقتضي تحديده وانتهاءه، وقد ذهب إليه بعض الملاحدة وقوله: لجواز الخ دفع لشبهة القائل بأن منطوقه سنين متتابعة، وهو لا يستلزم التناهي ومن غفل عما قرّرناه قال: إن الأحقاب لا تقتضي التتابع وكأنه حمله عليه لتبادره منه، وأغرب منه ما قيل إنّ التتابع من الأحقاب لأنها زمان والزمان متعاقب الأجزاء غير قار، وقوله: لو صح إشارة إلى المنع الوارد عليه مستنداً إلى ما روي عن الحسن من أنه زمان غير محدود، ولذا فسره بعض اللغويين بالدهر وصيغة القلة لا تنافي عدم التناهي أيضا لتأويلها بما ذكر لا لأنه ليس له جمع كثرة فهي مشتركة لثبوت الحقب في جمعه كما ذكره الراغب. قوله: (وإن كان الخ) كان تامّة أي وإن وجد وصح أنّ فيه ما يقتضي التناهي أو دلالتها على الخروج، ولو بعد زمان طويل فهو مفهوم معارض بالمنطوق الصريح في خلافه كآيات الخلود كقوله: ﴿وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ [سورة المائدة، الآية: ٣٧] إلى غير ذلك من النصوص المجمع عليها. قوله: (ولو جعل قوله الخ (جواب عما يتراءى من الآية من تناهي عذاب الكفار لتقييده بقوله: أحقاباً بأن ما ذكر إذا كان حالاً كما ذكر يكون قيداً للبث على تلك الحالة فبعد الأحقاب يكون لهم لبث على حال آخراً، وأحقابا ليس قيداً للبث لأنه منصوب بلا يذوقون وقوله: جنساً آخر من العذاب أي غير ذوق الحميم والغساق، ولم يلتفت إلى كون جملة لا يذوقون الخ صفة أحقاب لأنه خلاف الظاهر حينئذ لعود ضمير فيها إليها ولأنه لا يندفع به الإيهام

стр. 3044

الناشئ من ظرفية الأحقاب للبث بتقييد الأحقاب بشيء بخلاف ما إذا قيد اللبث المظروف فإنه لا يلزم من انتهاء زمان المقيد انتهاء زمان المطلق الظاهر بحسب المتبادر فتدبر، وقيل: لأنّ الصفة والحال متقاربان فيعلم الوصف بالقياس عليه، ولا يجب إبراز الضمير إذا كان الواقع صفة جارية على غير من هي له فعلا بالاتفاق وأنما الخلاف في اسم الفاعل وهو معروف في كتب النحو، وهو غفلة عن قول ابن مالك في شرح التسهيل المرفوع بالفعل كالمرفوع بالصفة إذا حصل الإلباس نحو زيد عمرو يضربه هو حتى اعترض الدماميني على من قيده بالصفة، وقال إنه ليس بجيد إلا أن الفرق بينهما أنّ الإبراز في الصفة واجب مطلقاً ألبس أم لا بخلاف الفعل فادعاء هذا القائل الاتفاق ناشئ من عدم النظر في المبسوطات، والذي غرّه فيه كلام الكافية وشرحها مع أنه سهو لأن ضمير يذوقون الراجع لغير من هو له الواو وهو بارز هنا لا مستتر فإن أراد بالبروز الانفصال فهو مع أنه خلاف الظاهر غير مسلم. قوله: (احتمل الخ) بين المعنى على الحالية ولم يبينه على كونه معمولاً ليذوقون لأنه خلاف الظاهر، وأنما ذكره لمجرّد احتماله لا أنه مقبول عنده حتى يعترض عليه، وكذا ما قيل: إن المراد باللابثين ما يقابل المتقين فيشمل العصاة والتناهي نظرا للمجموع. قوله: (ويجوز أن يكون جمع حقب (كحذر بمعنى محروم من النعيم، وهو حال من الضمير المستتر في لابثين وحرمانه كناية عن أنه معاقب، ولذا فسره بما بعده على أنه صفة كاشفة أو جملة مفسرة لا محل لها من الإعراب وقوله: والمراد بالببرد الخ فلا ينافي أنهم قد يعذبون بالزمهرير، وكون البرد بمعنى النوم مجاز كما قيل: منع البرد البرد، وقيل إنه لغة لبعض العرب، وقوله: مستثنى من البرد هو بناء على أنه بمعنى الزمهرير لأنه أشد البرد فإن كان بمعنى الصديد كان مستثنى من شرّابا فكان المتبادر تقديمه لكن نكتة تأخيره ما ذكر والحميم مستثنى من الشراب ففيه لف ونشر غير مرتب، والاستثناء متصل وقد جوّز فيه الانقطاع أيضا فتأمّل. قوله: (جوزوا بذلك) وفي نسخة جزوا وهو إشارة إلى أنه مفعول مطلق منصوب بفعل مقدر، ووفاقاً مصدر وافقه وهو صفة جزاء بتقدير مضاف أو بتأويله باسم الفاعل أو لقصد المبالغة على ما عرق في أمثاله، وقوله: أو وافقها وفاقا وجه آخر بجعله مصدر الفعل مقدر من لفظه كما في جزاء، ومعنى كونه موافقا لأعمالهم أنه بقدرها في الشدّة والضعف بحسب استحقاقهم كما يقتضيه عدله وحكمته والجملة من الفعل المقدّر ومعموله جملة حالية أو مستأنفة والجملة التي بعدها صفة جزاء على تقدير الفعل. قوله: (وفاقاً) بكسر الواو وتشد- د الفاء كما ضبطه السمين، وهي قراءة شاذة لابن أبي عبلة وأبي حيوة، وقوله: وفقه يفقه بالكسر والتخفيف كورثه يرثه أي وجد. موافقاً " لحاله وهو متعد لواحد على اختلاف فيه وقيل إنه لازم لأنّ قول العرب وفق أمره يفق روي أمره بالرفع ووقع في الإيضاح بالرفع والنصب على أنه كغبن رأيه ورأيه، وحكى ابن القوطية وفق أمره أي حسن بالرفع كذا في شرح أدب الكاتب، فقول المصنف كذا ليس مفعولاً ثانياً كما توهم لأنه لم يذصب أحد من أهل اللغة إلى تعديه لمفعولين بل هو كناية عن الفاعل فوفقه بمعنى وافقه وصادفه جزاء موافقا لعمله، وليس وصف الجزاء بالوفاق وصفا بحال صاحبه. قوله: (بيان لما وافقه هذا الجزاء) المراد به ما مرّ قبيله من قوله: إن جهنم الخ ووجهه أنهم لما أنكروا البعث وجحدوا الآيات وكذبوا الرسل عذبوا بأشدّ العذاب، ولم ينفس عنهم الكرب لأن كفرهم أعظم كفر ومثله يكفي للبيان ولا حاجة لتعسف ما قيل من أن نيتهم الاستمرار على الكفر لقوله: ﴿لاَ يَرْجُونَ﴾ الخ فيوافقه عدم تناهي اللبث والعقاب، ولما بدلوا التصديق الذي به تثلج الصدور بالتكذيب جعل شرابهم الحميم والغساق إلى غير ذلك مما تكلفوه من غير داع له، وقوله: تكذيبا إشارة إلى أنه مصدر مثله. قوله: (وفعال) أي بالكسر والتشديد الخ يعني أنه مطرد كثير في مصدر فعل، وقال ابن مالك في التسهيل إنه قليل وفعال المخفف مصدر فعل لكنه مطرد في المفاعلة، وقوله: فصدقتها الخ بيت من مجر والكامل وزنه متفاعلن أربع مرات وضمير صدقتها، وكذبتها للنفس والمراد أنه يصدق نفسه تارة بأن يقول إنّ أمانيها محققة وتكذيبها بخلافه أو على العكس كما قيل: اكذب النفس إذا حدثتها إنّ صدق النفس يزري بالأمل

стр. 3045

والبيت قيل إنه للأعشى. قوله: (وإنما اقيم) أي الكذاب مخففاً بمعنى الكذب، وقوله: كذبوا في تكذيبهم يعني أنه على هذه القراءة يفيد أنهم كدّبوا الآيات وكذبوا في تكذيبهم، ونفيهم لها ووجهه ما مرّ في قوله: ﴿أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [سورة نوج، الآية: ٧ ا] لأنه من الإيجاز وفعله الثلاثي إما مقدر أي كذبوا باتاتنا وكذبوا كذابا، أو هو مصدر للفعل المذكور باعتبار تضمنه معنى كذب الثلاثي فإنّ تكذيب الحق الصريح يستلزم أنهم كاذبون فيفيد ما ذكر، وبدل على كذبهم في تكذيبهم على الوجهين ولكنه على التقدير أظهر، ولذا قيل إنه المراد للمصنف وله وجه في الجملة. قوله:) أو المكاذبة الخ (معطوف على الكذب في قوله: بمعنى الكذب فيكون على هذا كالقتال بمعنى المقاتلة، وقوله: فإنهم الخ إشارة إلى أنّ المفاعلة ليست على معنى أن كلا منهم كذب الآخر بل على معنى أنّ كلا اعتقد كذب الآخر فنزل اعتقاده منزلة فعله لا على أنّ الكذب مخالفة الاعتقاد، وهذا يقتضي نصبه بفعل مقدر فيؤيد التقدير في الوجه السابق. قوله: (فكأن بينهم مكاذبة) أتى بأداة التشبيه، وهي كأنّ إشارة إلى أنه مجاز لأنه لا مكاذبة بينهم لكن نزل الاعتقاد منزلة الفعل كما بيناه وبعضهم ظنه كان الناقصة، وما قيل عليه من أن المكاذبة مقابلة الكذب الحقيقي بالكذب الحقيقي، ولو تجوّز استعمل في مقابلة الكذب الاعتقادي بالكذب الاعتقادي، وأمّا تسمية مقابلة ما هو صدق في اعتقاد كل منهما باعتبار أنه كذب في اعتقاد الآخر مكاذبة فبعيد جداً، انتهى مغالطة وسفسطة لا طائل تحتها، وقد أطال بعض فضلاء العصر في تزييفه لكنا تركناه لطوله من غير فائدة فيه. قوله: (أو كانوا مبالغين في الكذب الخ) يعني أنه مجاز من وجه لأنّ المفاعلة والمغالبة تقتضي الاجتهاد في الفعل فأربد به لازم معناه، أو هو استعارة له باعتبار ما ذكر، وقوله: وعلى المعنيين أي كونه بمعنى الكذب أو المكاذبة وفيه رد على الزمخشري لأنه قصره على الثاني، وقوله: يؤيده أي كونه حالاً وكذابا في هذه بضم الكاف، وتشديد الذال إمّا جمع كاذب كفساق أو صيغة مبالغة كما قالوا: كبار وحسان للمبالغة في الوصف وإليه أشار بقوله: ويجوز أن يكون. قوله: (فيكون صفة للمصدر) أي تكذيبا مفرطا كذبه وأنما جعله صفة للمصدر لا حالاً لأنه مفرد فالتقدير تكذيبا كذاباً فيفيد المبالغة والدلالة على الإفراط في الكذب لأنه كليل أليل وظلام مظلم ومثله يفيد مبالغة قوية كجد جده، وعلى كل حال فإسناده مجازي ليفيد المبالغة كما تقرر في محله فما قيل التكذيب إن كان بمعنى الإيقاع والأحداث فنسبة إفراط الكذب له مجازية، وإن أريد الحاصلى بالمصدر فهو حقيقي لاتصاف الخبر بالصدق، والكذب ليس كما ينبغي ولا يوافق الشرح فيه المشروح وانه لا تأييد فيه على المبالغة كما توهم. قوله: (بالرفع على الابتداء) والنصب على الإضمار على شريطة التفسير وقوله يتشاركان فيكون منصوبا بفعل هو موافق له معنى فأما يؤول أحصينا بكتبنا أو كتابا بإحصاء ويحتمل الاحتباك على الحذف من الطرفين، والضبط أصل معناه الإمساك وشاع في معنى الإحصاء وقوله: لفعله المقدر أي كتبنا كتابا والاعتراض قيل إنه لتأكيد كفرهم وتكذيبهم بالآيات بأنهما محفوظان للمجازاة والأحسن ما في شروح الكشاف م! ن أنه تاكيد للوعيد السابق بأنه كائن البتة لضبط معاصيهم عنده تعالى، وما قيل من أنّ الأوجه عطف المنصوب على اسم أنّ والجملة بعده على خبرها، وكذا في الرفع هو معطوف عليه باعتبار المحل ولا اعتراض، وانه الأنسب لبيان موافقة الجزاء للأعمال تكلف غني عن الردّ. قوله: (مكتوباً في اللوح الخ (وقيل: إنه تمثيل لإحاطة علمه بالأشياء لتفهيمنا وإلا فهو تعالى غنيّ عن الكتابة والضبط، ولا يخفى أنه ميل لمذهب الحكماء وأنه لا لوح ولا حفظ ولا كتبة والذي عليه أهل السنة خلافه، وليس هذا لاحتياج إنما هو لحكم تقصر عنها العقول. قوله: (مسبب عن كفرهم بالحساب) وتسبب الذوق والأمر به في غاية الظهور، وما قيل من أنه مسبب على قوله لا يذوقون الخ في غاية البعد لفظا مع ما فيه من كثرة الاعتراض، وإنّ تسبب الأمر بالذوق على ذوقهم لا تخفى ركاكته لمن له ذوق سليم. قوله: (ومجيئه على طريقة الالتفات الخ) لتقدير إحضارهم وقت الأمر ليخاطبوا بالتقريع والتوبيخ، وهو أعظم في الإهانة والتحقير ولو قدر القول فيه لم يكن التفاتاً، وقوله: وفي الحديث الخ في ثبوته كلام لابن حجر

стр. 3046

ووجه الأشدية أنه تقريع في يوم الفصل، وغضب من أرحم الراحمين وتأييس لهم بقوله: فلن نزيدكم مع ما في لن من أنّ ترك الزيادة كالمحال الذي لا يدخل تحت الصحة كما قيل. قوله: (فوزا) على أنه مصدر ميمي وما بعده على أنه اسم مكان، وقوله: بدل الاشتمال على أنه بمعنى الفوز، وهو الظفر بالمطلوب وهو النجاة من العذاب أو النعمة أو كلاهما وبدل البعض على أنه موضع الفوز والرابط مقدّر، وتقديره حدائق هي محله أو فيه ونحوه، قيل: ولا يخلو على الأوّل من التكلف وانه يجوز أن يكون بدل كل على الاذعاء أو منصوبا بأعني مقدرة، وقوله: فلكت أي استدارت مع ارتفاع يسير، وهو يكون في سن البلوغ وأحسن الشبوبية وثدي بضم المثلثة وكسر الدال المهملة، وتشديد الياء التحتية جمع ثدي وهو معروف، ولدات جمع لدة بزنة عدة من تساوى في السن ووقت الولادة. قوله: (وأدهق الحوض ملأه) قيل: لو قال ودهق الحوض ملأه كان أحسن لأنهما بمعنى والمصدر الواقع في النظم للثلاثي، وقيل: إنه إشارة إلى استعمال دهق وأدهق بمعنى لكنه استغنى عن ذكر الثلاثي لأنه يعلم من ذكر مصدره، وقوله: كذبا أو مكاذبة إشارة إلى ما مرّ قريباً من معنيي المخفف كما عرفته، وقوله: إذ لا الخ لبيان المفاعلة فهو متعلق بمقدّر أو بيسمعون، ويكذب بالتشديد لا بالتخفيف كما توهم حتى يكون علة للجميع لأنّ نفي الكذب نفي للتكذيب والمكاذبة وهو من التكلفات الباردة. قوله: (بمقتض وعده) جزاء مصدر مؤكد منصوب بمعنى إنّ للمتقين مفازا لأنه في معنى جازاهم بالفوز، وقوله: بمقتضى وعده للرد على المعتزلة في زعمهم وجوب إثابة المطيع وعقاب العاصي، ونحن نقول: لا يجب عليه شيء لكن وعدنا بكرمه ذلك، وهو لا يخلف الميعاد فكان كأنه جزاء على العمل حقيقة، ولولاه لتنافى كونه جزاء وارشاده أضاف الرب إلى النبيّ دونهم تشريفاً له، وقيل: لم يقل من ربهم لئلا يحمل على أصنامهم، وهو بعيد جدّاً. قوله: (وقيل منتصب به الخ) قائله صاحب الكشاف، ومرضه المصنف، ولم يرتض به قيل: لأنّ النحاة قالوا: إنما يعمل المصدر إذا لم يكن مفعولاً مطلقا، وقال أبو حيان: أنه جعل جزاء مصدرا مؤكدا لمضمون جملة أنّ للمتقين الخ والمصدر المؤكد لا يعمل بلا خلاف للنحاة لأنه لا ينحل لفعل وحرف مصدري وردّ بأن ذلك إذا كان الناصب للمفعول المطلق مذكورا إمّا إذا حذف لازما كان الحذف أو جائزاً ففيه خلاف هل هو العامل أو الفعل، وما نحن فيه منه فإنّ جزاء مصدر مؤكد كما قال غايته: إنه اختار أعمال المصدر ولعل وجه التمريض مرجوحية أعمال المصدر قال الرضي: الأولى أن يقال العمل للفعل على كل حال، وقيل: في ردّه أيضا أنّ المفعول المطلق لا يعمل إلا إذا حذف عامله وجوباً، وهو هنا كذلك لأنّ فاعل فعله وهو ربك متعلق به، هذا زبدة ما في الحواشي تبعاً لشرّاح الكشاف) وعندي) أنه خلط وخبط والحق ما قاله أبو حيان لأنّ المذكور هنا هو المصدر المؤكد لنفسه أو لغيره والذي اختلف فيه النحاة غيره قال: ناظر الجيش نقلاً عن ابن مالك المصدر على ضربين ضرب يقدو بالفعل وحرف مصدري، وضرب يقدر بالفعل وحده وهو الآتي بدلاً من اللفظ بفعله وأكثر وقوعه أمرا ودعاء وبعد استفهام والأمر كقوله: فندلا زريق المال ندل الثعالب والدعاء كقوله: يا قابل التوب غفرانا مآثم قد ~ أسلفتها أنا منها خائف وجل والاستفهام كقوله: أعلاقة أمّ الوليد بعد ما الخ اهـ وهذا هو المختلف فيه عند النحاة وما نحن فيه ليس من هذا القبيل فأعرفه. قوله: (من أحسبه الشيء إذا كفاه) أي مأخوذ من هذه المادة لا مشتق حتى يكون على القول المرجوح في اشتقاق المصدر من الفعل، ويكون الفعال بالفتح مصدر الأفعال، وحساباً صفة لعطاء وإن كان مصدراً لتأويله بالمشتق ولذا فسر. بكافياً أو هو على تقدير مضاف أو وصف به مبالغة، وقوله: حسبي أي يكفيني. قوله: (أو على حسب أعمالهم) حسب بفتح السين أو سكونها، والمراد على قدرها، وقيل: عليه أنه غير مناسب هنا لمضاعفة الحسنات، ولذا لم يقل وفاقاً كما في السابق ويدفع بأنه بعد المضاعف جاء هو وأضعافه على حسبها أيضا أو ما ذكر هو الأصل وما زاد تفضلاً وتكرّما بمقتضى وعده، وقيل: معناه عطاء مفروغا عن

стр. 3047

حسابه لا كنعم الدنيا وفيه نظر. قوله: (وقرئ حساباً) أي بالفتح والتشديد على وزان صيغ المبالغة وهو بمعنى المحمسب بكسر السين أي بزنة اسم الفاعل، وهذا بناء على أن فعالاً يكون صفة من الأفعال وفيه كلام لأهل العربية، ونقل الراغب عن بعض أهل اللغة أن فعالاً لا يجيء صفة من الأفعال وجبار من جبر لا من أجبر فليحرّر. قوله:) بدل من ربك الخ (وفي إبداله تعظيم له أيضا وايماء إلى ما في الآثار المقدسة لولاك لما خلقت الأفلاك، ورفعه الحجازيان نافع وابن كثير وأبو عمرو، ولو أعرب في الرفع خبر مبتدأ مقدر على أنه نعت مقطوع لتوافقت القراءتان، وقوله: صفة له أي لربك أو لرب السموات على الأصح عند المحققين من جواز وصف المضاف إلى ذي اللام بالمعرف بها فلا يرد عليه أنه ممنوع عند النحاة كما توهم مع أنه إنما يرد لو أراد أنه صفة رب السموات، ولو أراد صفة ربك كما يؤيده قراءة من جره مع رفع ما قبله فلا فتأمله. قوله: (إلا في قراءة ابن عامر الخ) في النسخ هنا اختلاف واختلال وتحريره ما في النشر قال: اختلفوا في رب السموات والأرض، فقرأه يعقوب وابن عامر والكوفيون بخفض الباء والباقون برفعها واختلفوا في الرحمن فقرأ ابن عامر ويعقوب وعاصم بخفض النون، والباقون برفعها اهـ، وللرحمن هنا وفيما سياتي موقع بليغ جدا. قوله: الا يملكون خطابه الخ (ظاهره أنّ منه بيان مقدم للخطاب، وسيأتي تحقيقه وهو دفع لما يتوهم من منافاة هذه الآية للشفاعة الآتية فإنّ للشفيع مقالاً وخطاباً مع الله بأنّ المنفيّ هنا خطاب الاعتراض لا الشفاعة، والرجاء وما بعده من ذكر الصواب دال عليه، ويجوز أن يكون عاما خص منه ما بعده وهذا غير ما في الكشاف إذ المعنى أنهم لا يتصرّفون في خطاب الأمر والنهي تصرّف الملاك فيزيدون وينقصون كما يريدون، وهو من قوله: لا يملكون، وقد حققه المدقق في الكشف، ثم قال: وأمّا منه في التنزيل فصلته ولم يذكر لظهوره، والمعنى لا يملكون من الله خطابا واحداً أي لا يملكهم الله ذلك كما تقول ملكت منه درهماً إشارة إلى أن مبدأ الملك منه، وهذا أظهر أو لا يملكون أن يخاطبوه بشيء من نقص العذاب وهذا وجه آخر في الآية فيه منه صلة خطاباً كما تقول خاطبت منك على معنى خاطبتك كبعت زيدا وبعت من زيد فمنه بيان مقدم على المصدر لا صلة يملكون، وقد قيل عليه إنّ تعدى الخطاب لم يثبت في اللغة، وكذا البيع لا يتعدّى بلا واسطة إلا إلى المبيع لا إلى المشتري فينبغي أن يجعل منه صلة يملكون أي لا يملكون منه تعالى في ذلك اليوم خطابا باعتراض ونحوه، وهذا عجيب فإنه لم يقل إنه صلة الخطاب حتى يرد عليه ما ذكر إذ هو في الوجه الأوّل جعل من ابتدائية متعلقة بيملكون، وفي الثاني جعلها بيانية فهو ظرف مستقر لكنه تعسف في قوله: خاطبت منك وأمّ تعدّي البغ بمن فصحيح ذكره صاحب المصباح، وحاصل ما ذكره أنّ النظم يحتمل وجهين أي لا يقدرون على أن يخاطبوه فالخطاب منهم أو لا يصلون لسماع خطاب منه لكنه عقده على عادته، ولولا ظن الإغفال كان ترك مثله أولى من ذكر.. قوله: (لأنهم مملوكون الخ) يعني أنّ ذواتهم وصفاتهم وأملاكهم وكل ما يتعلق بهم جوهراً أو عرضاً مخلوق له تعالى، وهو مالكه فله التصرّف فيه كما يشاء لأنه لا يمنع أحد منا من التصرّف في ملكه مع أنه غير حقيقي فكيف بمالك الملك على الإطلاق فلا يجب عليه شيء من ثواب، وعقاب ولا يسئل عما يفعل وفيه ردّ على المعتزلة، وقوله: تقرير الخ لأنهم إذا لم يتملكوا بغير إذن لم يملكوا الخطاب كما لا يخفى. قوله: (فإن هؤلاء الذين هم أفضل الخلانق الخ) هذا بعينه في الكشاف لكنها كلمة حق أريد بها باطل ثمة فإنّ الخلاف في أفضلية الملائكة بمعنى كثرة الثواب، وما يترتب عليها من كونهم أكرم على الله وأحب إليه لا بمعنى قرب المنزلة من الله ودخول حظائر القدس، ورفع ستارة الملكوت بالاطلاع على ما غاب عنا مع النزاهة وقلة الوسايط، وغيره فإنهم أفضل بالاعتبار الثاني بلا خلاف فيه وهذا كما نشاهده من حال خدام الملك، وخاصة حرمه فإنهم أقرب إليه من وزرائه والخارجين من أقربائه وليسوا عند. بمرتبة واحدة وإن زادوا في التبسط والدلالة عليه، ولذا عطف قوله وأقر بهم الخ على أفضل الخلائق عطفاً تفسيرياً ومته تعلم أنّ الخلاف هنا لفظيّ مع أنّ بعض أهل السنة، وعلماء الشافعية ذهبوا إلى تفضيل الملك مطلقا حتى ادّعى بعضهم أنه مراد المصنف، ومذهبه: وللناس فيما يعشقون مذاهب قوله:

стр. 3048

(كالشفاعة لمن ارتضى الخ) المراد بمن ارتضى من اصطفاه واختاره من صفوة خلقه من المسلمين وأنما فسره لأنّ غير الصواب لا يصدر من الملائكة، ولا يؤذن لأحد فيه. قوله: (والووح ملك موكل على الآرواح الخ) قال في الأحياء: الملك الذي يقال له الروح هو الذي يولج الأرواح في الأجسام فإنه يتنفس فيكون في كل نفس من أنفاسه روح في جسم، وهو حق يشاهده أرباب القلوب ببصائرهم اهـ. قوله: (او جنسها) أي والمراد به جنس الأرواح، وقيامها وهي من المجرّدات بدون الأجسام غير متصوّر، ولذا قيل: تقديره ذوات الأرواح وفيه نظر، والطاهر أن ضمير جنسها راجع للملائكة لتقدمها في النظم، وفهمها من المقام. قوله: (الكائن لا محالة) تفسير للحق الموصوف به اليوم أو الواقع خبر ذلك اليوم أي هو مما لا يمكن إنكاره، وهذا مؤكد لما قبله، ولذا لم يعطف. قوله: " لى ثوابه) بيان للمراد أو تقدير لمضاف فيه، وهو الأظهر وإنما قدر المضاف فيه قيل: لأنّ الرجوع لذاته تعالى غير مراد لتنزهه عنه، وتعاليه فالمتصوّر الرجوع لحكمه وثوابه ووعده ونحوه كما قيل في قوله: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ [سورة الفجر، الآية: ٢٨] وقيل: لأنّ رجوع كل أحد إلى ربه ليس بمشيئته إذ لا بد منه شاء أم لا والمعلق بالمشيئة الرجوع إلى ثوابه فانّ العبد مختار في الإيمان، والطاعة ولا ثواب بدونهما ولا يرد عليه ما قيل من أنه مناف لمذهب الأشاعرة لأنّ العبد له كسب في أفعاله بمشيئة مقارنة لمشيئة الله لما أوجدها فيه، ويكفي في مثله ذلك كما حقق في محله وقيل إنما قدر الثواب لما مرّ من قوله: للطاغين مآبا فإنّ لهم مرجعاً لله أيضا لكن للعقاب لا للثواب، ولكل وجهة هو موليها. قوله: (وقريه لتحققه) جواب عن سؤال مقدر تقديره إذا فسر بعذاب الآخرة كيف يكون قريبا فإمّا أن يجعل لتحقق وقوعه قريبا لأنّ ما تحقق في المستقبل يجعل قريباً بخلاف ما تحقق في الماضي، ولذا قيل: ما أبعد ما فات، وما أقرب ما هو آت أو يقال: البرزخ داخل في الآخرة، ومبدؤه الموت وهو قريب حقيقة إذ القرب والبعد من الأمور النسبية، قيل: وأنما يحتاج إلى التوجيه لو كان يوم ينظر ظرفا مستقرّاً أي قريبا كائناً يوم الخ إمّا إذا كان لغواً للقرب فلا لأنه في ذلك اليوم قريب لا فاصل بينه وبين المرء، وفيه نظر لأنّ الظاهر جعل المنذر به قريبا في وقت الإنذار لأنه المناسب للتهديد والوعيد إذ لا فائدة في ذكر قربه منهم يوم القيامة فإذا تعلق به فالمراد بيان قرب اليوم نفسه كما في قوله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [سورة القمر، الآية: ١] فتأمّل. قوله: (يرى ما قدّمه من خير أو شرّ) بيان لحاصلى المعنى فلا ينافي كون ما استفهامية أو هو تفسير له على الوجه الراجح، ولذا قدّمه، وتعرض لتفسير. على تقدير أنها استفهامية بقوله: أي ينظر الخ، وقوله: والمرء عامّ لاشترإك الفريقين في النظر، ولما بين حال الكافر بعده وتحسره علم حال غيره فهو كقوله: وورثه أبواه فلأمّه الثلث، ولم يصرّح به لإيهام إنه لا يحيط به الوصف، وقيل: المراد به المؤمن كما نقل عن قتادة وتركه المصنف لما في الكشاف من أنه ظاهر الضعف وإن رجحه الإمام بأنّ بيان حال الكافر بعده يدل على أنّ هذا حال المؤمن. قوله: (وقيل هو الكافر الخ) مرضه لأنّ ما قبله في حال الفريقين عموما فلا وجه للتخصيص، وقوله: إنا أنذرناكم الخ لا يخص الكافرين لأنّ الإنذار عامّ للفريقين أيضا فلا دلالة له على الاختصاص كما يتوهم في بادى النظر، وقوله: فيكون الكافر الخ لأنه على هذا كان الظاهر عود ضمير للمرء من غير تصريح به لكنه لإفادة لفظ الكافر الذي أقيم مقام الضمير لذلك، وقيل: الكافر إبليس لما شاهد آدم ﵊ ونسله وما لهم من الثواب تمنى أن يكون ترابا لأنه احنقره لما قال: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ١٢] وهو كلام حسن ووجه وجيه، وإن بعد من السياق. قوله: (وما موصولة) والعائد مقدر أي ما قدمته وعلى الاستفهامية فالجملة معلق عنها لأنّ النظر طريق للعلم كما بينه النحاة، والمعنى على الثاني ينظر جواب ما قدمته يداه، ومثله: كثير ظاهر. قوله: (وقيل: يحشر سائر الحيوانات الخ) كما اشتهر ذلك وورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ لتؤذن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجماء من الشاة القرناء تمت السورة والحمد لله وحده والصلاة والسلام على أعظم مخلوقاته وآله وصحبه وآل بيته. سورة النازعات

стр. 3049

وتسمى سورة الساهرة والطامّة وهي مكية بالاتفاق وعدد الآيات ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (هذه صفات ملانكة الموت الخ) يعني أن الموصوف واحد فيها وهم ملائكة الموت فالعطف لتغاير الصفات كما مرّ ولو جعلت الموصوفات متعددة على أنّ النازعات ملائكة العذاب، والناشطات ملائكة الرحمة جاز أيضا وجعل النزع للكفار، والنشط لغيرهم لأنّ النزع جذب بشدة والنشط بسهولة ورفق فلاءم ذلك التخصيص، وقوله: ينزعون أي يخرجون بجذب، وقوله: إغراقا الخ أي مبالغة في الغرق فالغرق بمعنى الإغراق كالسلام بمعنى التسليم أو هو الإغراق بحذف الزوائد، وقوله: فإنهم ينزعونها الخ تعليل وبيان للإغراق، وتخصيصه بالكفار لما مرّ من أنه جذب بشدة، وما للمؤمنين نشط لا أنه في الكفار معكوس من الأسفل إلى الأعلى حتى لا يرد أنه لا وجه للتخصيص! كما قيل، وهو منصوب على أنه مفعول مطلق، والمفعول به محذوف. قوله: (أو نفوساً غرقة في الأجساد (فهو مصدر مؤول بالصفة المشبهة، ونصبه على أنه مفعول به على هذا أو صفة للمفعول به، وهو معطوف على قوله: إغراقا، وقيل: على قوله: أرواح الكفار وعلى الأوّل التقابل ظاهر، وأما على الثاني فلأن المراد ينزعون أرواح الكفار من أبدانهم، أو نفوساً غرقة في الأجساد لشدة تعلقها بها بغلبة الصفات الجسمانية فهي بعيدة عن الرقيّ لعالم الملكوت، وهي نفوس الكفار، وهي من المجرّدات، وتتعلق بالبدن بواسطة الروح الحيواني، وهو البخار اللطيف الساري في البدن وبنزعه ينقطع تعلق الروح عن البدن، ومنه يعلم فساد ما قيل من أنهما متحدان لا تقابل بينهما. قوله: (يخرجون أرواح المؤمنين برفق) تفسير للنشط على، وجه يعلم منه وجه اختصاصه بالمؤمنين كما مرّ، وكذا اختصاص السبح أيضا وظاهر هذا أنهم النزع خارج البدن كالواقف، وظاهر ما بعده من السبح والغوص دخولهم فيه لإخراجها فيؤوّل أحدهما كالنشط بأنّ المراد منه السهولة أو السبح بأن المراد مجرّد الاتصال، والظاهر أنّ السبح هو الحركة الاختيارية في الماء فلا ينافي الغوص فما قيل من أنّ إطلاق السبح على الغوص غير متعارف لا وجه له مع أنه لا ينفك عنه. قوله: (فيسبقون بأرواح الكفار الخ) السبق هنا بمعنى الإسراع مجازا فالعطف بالفاء إشارة إلى عدم التراخي في الاتصال، وقوله: أمر عقابها وثوابها لف ونشر مرتب، وقوله: بأن يهيؤها الخ إشارة إلى أنّ ملائكة العذاب غير ملائكة الموت فإنّ ملائكة الموت تهيؤها وتوصلها الإدراك الألم، واللذة دون تنعيم وتعذيب. قوله: (أو الأوليان) أي الصفتان الأوليان، وهما النازعات والناشطات لملائكة الموت وما بعده لملائكة الرحمة والعذاب فتتغاير الموصوفات كالصفات، وفوله: في مضيها الأظهر أن يقال في مضيهم، ولما حمل السابقات على طوائف غير ملائكة الموت لم يكن السبح إخراج الأرواح بل بمعنى المضي والسرعة في اتصالها لما سيقت له من النعيم والعذاب، فيدبرون أمره أي أمر ما أمروا به من كيفيته وما لا بدّ منه، فلا وجه لما قيل إنّ الأظهر أن يقال: فتدبرونه. قوله: (أو صفات النجوم) معطوف على قوله: صفات الملاثكة، وقوله: فإنها تنزع أي تسير من نزع الفرس إذا جرى، وهذا إشارة إلى أنّ المراد بها على هذا السيارة دون الثوابت وهي شاملة للشمس والقمر لما سيأتي، وقوله: غرقا في النزع أي مجدّة في السير مسرعة، وقوله: بأن تقطع الفلك من قطع المسافر الطريق إذا جاوزها، وهذا بالنسبة لما يبدو للناس في النظرة لأنّ حركتها تبع لحركة الفلك لا مستقلة في قطعه، وقوله: وتنثط الخ تفسير للناشطات على هذا وقوله: يسبحون الخ فيه تسمح وكان الظاهر تسبح، وقوله: كاختلاف الفصول الخ فإنه بحركة الشمس تحصل الفصول الأربعة وبحركة القمر تتميز الشهور والسنين والمواقيت إلى غير ذلك مما جعله الله منوطا بحركة النيرين كأوقات الصلوات والحج والمعاملات المؤجلة. قوله: (حركاتها من المشرق إلى المغرب) فسره به لأنها بحركة الفلك الأعظم تبعاً لأنه يتحرّك كذلك فيتبعه ما فيه ضرورة، وأما حركة الكواكب في منازلها من البروج لأنها حركتها الخاصة بها فغير سريعة وهي بإرادتها من غير قسر لها فلذا أطلق على الأولى نزعا لأنه جذب بشذة، وسميت الثانية نشطاً لأنه برفق كما مرّ وهذا مبني على ما ذكر في الرياضات. قوله: (أو صفات

стр. 3050

النفوس الفاضلة) معطوف أيضاً على قوله: صفات ملائكة فالمراد بالنازعات النفوس المفارقة لأبدانها بالموت، ووصفها بالنزع لأنه يعسر عليها مفارقة البدن بعد الإلفة، ولذا قال ﷺ : " إق للموت لسكرات " فلا يختص بغير المؤمنين على هذا، وقيل: النزع بمعنى الكف على هذا، وقوله: تنشط من النشاط وهو خفة السوق، وقوله: وتسبح فيها أنث الضمير سواء رجع للعالم أو الملكوت لتاويله بمؤنث وارادة المقارّ ونحوه يعني أنها تتوجه لعالم العقول المجرّدة فترقي الملكوت من مرتبة إلى أخرى بسرعة فتسبق لحظائر القدس بالطهارة من النقائص، وهو مقام القرب من الرب. قوله: (فتصير لشرفها وقوّتها من المدبرات) يحتمل أنّ المراد بالمدبرات الملائكة، وأنّ النفوس بعد الاستكمال ومفارقة البدن ودخولها في الحظائر المقدسة تلتحق بالملائكة، ولذا ألفت المقام الأعلى، وصلحت للخلود أو هو صفة للنفوس المفارقة العالية فإنها بقوتها، وشرفها تصلح للوصف بأنها مدبرة كما قال الإمام إنها بعد المفارقة قد يظهر لها آثار وأحوال في هذا العالم فقد يرى المرء أستاذه بعد موته فيرشده لما يهمه، وقد نقل عن جالينوس أنه مرض مرضا عجز عن علاجه الحكماء فوصف له في منامه علاجه فأفاق وفعله فأفاق، وقد ذكره الغزالي، ولذا قيل: إذا تحيرتم في الأمور فاستعينوا من أصحاب القبور، إلا أنه ليس بحديث كما توهم ولذا اتفق الناس على زيارة مشاهد السلف والتوسل بهم إلى الله وإن أنكر. بعض الملاحدة في عصرنا، والمشتكي إليه هو الله. قوله: (أو حال سلوكها) معطوف على قوله: حال المفارقة والأوّل على أنه من صفات الأرواح بعد الموت، وهذا في الحياة والسلوك في العرف تطهير الظاهر والباطن، بالاجتهاد في العبادة والترقي في المعارف الإلهية، وقوله: فإنها الخ تفسير للنزع على هذا بالحذف من حضيض الهوى إلى أوج التقوى وما بعده ظاهر، وقوله: فتنشط الخ إشارة إلى أنّ فيه ترتبا لكنه وكل إلى فهم السامع. قوله: (حتى تصير من المكملات) بصيغة اسم الفاعل أو المفعول، والظاهر الأوّل لأنه تفسير للمدبرات، وقوله: أو صفات أنفس الغزاة معطوف على قوله: صفات ملائكة، وقوله: أو أيديهم معطوف على قوله: أنفس الغزاة والقسيّ جمع قوس، وقوله: بإغراق السهام أي المبالغة في جذبها للرمي، وقوله: ينشطون بالسهم للرمي أي يرسلونه بعد الجذب من قولهم: نشط العقدة إذا حلها كما في التاح وغير. ومثله يسند لليد وصاحبها، نعم ما بعده إسناد محتاج للتحويل للملابسة فما قيل من أنّ في إسناد النشط وما بعده إلى الأيدي كلاما لا يخلو من القصور أو التقصير، وقوله: يدبرون أمرها الضمير للحرب لأنها مؤنثة. قوله: (فإنها تنزع في أعها نزعاً) يحتمل أنه كقوله: يجرج في عراقيبها نصلي أي تمد أعنتها مداً قوياً حتى تلصق الأعنة بالأعناق من غر ارتخاء لها فتصير كأنها انغمست فيها، أو هو مجاز من قولهم: نزع في القوس إذا مذها لأنه يتعدى بفي كما ذكره الأزهري، وتسبح في جريها هو مستعار من سبح في الماء لكنه الحق بالحقيقة لشهرته، وقوله: فتدبر أمر الظفر أسند التدبير إليها مجازاً لأنها سببه، وقوله: وإنما حذف أي جواب القسم، وتقديره لتبعثن أو لتقومن القيامة ونحوه. قوله:) وهو منصوب به) أي ما بعده الدال عليه، وهو قوله: يوم ترجف الراجفة منصوب بالجواب المقدر لأنه ظرف وتقديره ما مرّ وعلى ما فسره به المصنف لا بدّ من اعتبار زمان النفخة الأولى ممتدا فلا يرد أن البعث وقيام الساعة بعد النفخة الثانية ويينهما أريعون سنة فيما قيل: فلا حاجة إلى التعسف، وتكلف جعل يوم مبنياً فاعلا للجواب وتقدير. ليأتين يوم الخ. قوله: (والمراد بالراجفة الخ) فتسميتها راجفة باعتبار الأول ففيه مجاز مرسل وبه يتضح فائدة الإسناد، وانه ليس من قبيل يقوم القائم وتعريفه للعهد فيه وفيما بعده، وقوله: ترجف الإجرام الخ إشارة إلى أنّ الإسناد إليها مجازي لأنها سببه أو التجوّز في الظرف بجعل سبب الرجف راجفا قيل: ولو فسرت الراجفة بالمحركة جاز وكان حقيقة لأنّ رجف يكون بمعنى حرك وتحرك. قوله: (التابعة) من ردفه إذا تبعه ولوقوع ذلك فيها بعد الرجفة الأولى جعلت رادفة لها، وقوله: أو النفخة الثانية تفسير آخر للرادفة، وقوله: في موقع الحال من الرأجفة قيل: وهي حال مقدّرة أو هي مستأنفة كما ذكره المعرب وفي الكشاف فإن قلت: كيف جعلت يوم ترجف ظرفاً للمضمر الذي هو لتبعثن، ولا يبعثون عند النفخة الأولى
следующие страницы →