Полный текст (3 156 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
ما اذعاه وإن سبق إليه غير مسلم، والظاهر خلافه فيكفي لتصحيح الابتدائية فيهما اختلاف المبدأ ثم إن قول الشريف تبعا لغيره من الشرّاح أنه لا مجال للتبعية والإبدال في الآية الكريمة فيه أنّ المعرب جوّز فيه أن يكون بدل اشتمال، ولا حاجة إلى الضمير لظهور الارتباط مع أنه مخصوص بإبدال المفردات وقال في البحر من في قوله منها الابتداء ألغاية وفي من ثمرة كذلك لأنه بدل من قوله منها أعيد معه حرف الجرّ وكلتاهما متعلق برزقوا على جهة البدل وهذا البدل من بدل الاشتمال. قوله: (كل حين وزقوا مررّوقاً الخ) إشارة إلى أنّ ما مصدربة حينية ومرزوقا إشارة إلى أنّ الرزق بمعنى المرزوق مفعول به ومبتدئاً بكسر الدال على زنة اسم الفاعل ولو فتح صح فقيد الرزق بكونه مبتدئاً من الجنات وابتداءه منها بابتدائه من ثمراتها وهو ظاهر وقوله فصاحب الحال الخ إشارة إلى أنها حال متداخلة، وقد قيل عليه أنه لا وجه لجعل الثمرة مبدأ مبدئية الرزق لا مبدأ نفسه فالوجه أن تجعل الحال مترادفة وفائدتها أنّ كون الجنات مبدأ الرزق يحتمل أن يكون باعتبار غير الثمرة مما فيها فالثانية تعين المراد إلا أنه على ما ذكره يظهر كونه قيداً للمقيد بخلافه على الترادف وفي قوله واقعتان موقع الحال مسامحة ظاهرة لأنّ الحال متعلق الجارّ والمجرور أو هما لا الحرف، والمستكن بتشديد النون اسم فاعل يقال: اكتن واستكن إذا استتروا التخفيف من السكون بعيد واعلم أنّ الظاهر أنّ جعل المتعلق الواحد في حكم المتعدد لا يختص بصورة التقييد والإطلاق بل يجري في كل ما يشبهه بحسب التأويل كما في قولهم لم أر رجلاَ أحسن
في عينه الكحل منه في عين زيد فإن في تعلقت بأحسن فيهما لأنّ معناه زاد حسن الكحل في عين زيد على حسنه في عين غيره فهو بحسب التأويل متعدّد وله نظائر أخر ليس هذا محلها، وإنما المراد التنبيه على أنه ليس مخصوصاً بما ذكر كما يوهمه كلام الكشاف وشروحه فتدبر فإن قلت لم سأل عن قوله من ثمرة وبين في الجواب تعلق الظرفين وأيّ حاجة إلى ذكر متعلقين حتى يحتاج إلى التأويل ولو قيل: كلما رزقوا من ثمرها أفاد ما ذكر من غير ارتكاب لمشقة التأويل وتكرار من واعجاز التنزيل يأبى زيادة ما يحوج للتأويل قلت: الذي لاح لي بعد التأمّل الصادق أن تعليق الرزق بمحله وتعقيبه بثمرة منكرة يقتضي عمومه لكل ما فيها كما قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [سورة محمد، الآية: ١١٥ ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ ولولا ذكرهما لم يفد هذا النظم مع ما فيه من الإيضاح بعد الإبهام والتفصيل بعد الإجمال الذي هو أوقع في القلوب واليه أشار العلامة بما ذكره من السؤال والحاصل أن تعلق منها يفيد أنّ سكانها لا تحتاج لغيرها لأنّ فيها كل ما تشتهي الأنفس وتعلق من ثمرة يفيد أنّ المراد بيان المأكول على وجه يشمل جميع الثمرات دون بقية اللذات المعلومة من السابق واللاحق وفيه إشارة أيضا إلى أنّ عامّة مأكولهم الثمار والفواكه لأنهم لا يمسهم فيها جوع ولا نصب يحوجهم إلى قوت به قوام البدن وبدل ما يتحلل ومن هنا خطر بالبال أنّ المصنف ﵀ لم يعدل عما في الكشاف غفلة عن مراده بل إمّا لأنه فهم منه أنه أراد توضيح المعنى وتفسيره لا توجيه التعلق النحوي وتقريره أو بيان أنه لا حاجة داعية له إذا جعلت من فيهما ابتدائية لأنه يجوز تخريجه على وجه آخر أسهل منه وأمّا تخصيصه السؤال بقوله من ثمرة فلأنه سؤال نشأ من تكرّر من فيه. قوله: (ويحتمل أن يكون من ثمرة الخ) هذا هو الوجه الثاني في الكشاف وهو أن تكون من الأولى ابتدائية كما فهم من عدم تعرّض المصنف ﵀ لها، والثانية في قوله من ثمرة مبينة للمرزوق الذي هو مفعول! ان والظرف الأوّل لغو والثاني مستقرّ وقع- ا / * ن النكرة لتقدمه عليها والثمرة يجوز حملها على النوع وعلى الجناة الواحدة، ولم يلتفتو! إلى جعل من الثانية تبعيضية في موقع المفعول ورزقا مصدر مؤكد لبص هـ مع أنّ الأصل في من الابتداء والتبعيض ولا يعدل عهما إلا لداع قويّ كما مرّ في قوله تعالى: ﴿أَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٢] وقوله كما في رأيت منك أسدا صريح في أنّ من التجريدية بيانية، وقد قيل عليه أنه حينئذ تفوت المبالغة المقصودة في التجريد لأنّ الإجمال والتفصيل يفيد أن المبالغة في التفسير لا الصفة التي قصد بالتجريد بلوغها الغاية في الكمائا، والصحيح أنها ابتدائية أي رأيت أسدا كائناً منتزعا منك
стр. 492
ومن قال جعل هذا البيان على ذلك المنهاج مبنيّ على أنّ من البيانية عنده رأجعة إلى ابتداء الغاية فلا بد من اعتبار التجريد بأن ينتزع من المخاطب أسد ومن الثمرة رزق لم يأت بشيء يعتد به ألا ترى أنه جعل البيانية قسيما للابتدائية وأنه لا قرينة على انتزاع الرزق من الثمرة بل هي نفسها رزق وقد تغ فيه من قال: ليت شعري إذا حمل من على البيان لم يجعل من التجريد مع أنّ البيان يحمل المبين على المبين أظهر فإن
رزقاً تفسره الثمرة فليس من التجريد في شيء، والقول: بأنه لا منافاة بين التجريد والبيان مفتقر إلى البيان (أقول) هذا محصل ما قاله الشرّاح وسيأتي في أوّل سورة آل عمران تفصيله، والذي حملهم على إلاعتراض هنا أنّ المبين لما اتحد مع المبين في الجملة لم يكن أبلغ من حمله عليه في نحو زيد أسد مع أنّ عبد القاهر وغيره من أهل المعاني صرّحوا بأنّ التجريد أبلغ من التشبيه البليغ، والجواب عنه أنّ من البيانية تدخل على الجنس المبين به لكونه أعتم وأعرف بالمعنى الذي وقع فيه البيان، وهنا لما عكس وجعل الشخص جنساً مبينا به ومنتزعا منه ما هو الأعم الأعرف كان أبلغ بمراتب من التشبيه البليغ ولو كان معكوساً، فلو قلت رأيت منك أسدا جعلت زيداً جنساً شاملاً لجميع أفراد الأسد وخواصه بل أعمّ وأشمل لانتزاعك الجنس منه، وهأ ١٠ لا يقرّ به الحمل في أنت أسد ولو قيل: رأيت زيدا من أسد ورد ما ذكره قدس سرّه وغيره وليس مما نحن فيه وكذا في نحو رأيت منك عالماً في التجريد غير التشبيهي وهذا مسرح تظر العلامة وهو دقيق أنيق فلا حاجة إلى جعله مبنيا على رجوع من البيانية إلى الابتدائية ولا إلى الجواب عما أورد على التفتازانيّ بأنّ مراده بالبيانية ما تكون للبيان وان كان فيها معنى الابتداء وبالابتدائية التي لصرف الابتداء فيصح جعله قسيماً له على أنه لو سلم لم يفدنا شيئا لأن مذهب القاضي ﵀ كما صرّح به في منهاجه أنّ جميع معاني من ترجع للبيانية عكس مذهب الزمخشريّ. ثم إن من الابتدائية يكون المبتدأ فيها مغايراً للمبتدأ منه نحو سرت من البصرة ولدخولها غالباً على المكان ونحوه تدلّ على أنه مائل فيه وعلى المغايرة التي هي مبني التجريد مع أنّ بيانه قاصر على أحد قسميه غير شامل لنحو رأيت منك عالماً، وادّعاه عدم بلاغته ظاهر السقوط مخالف لكلام القوم والرضي جعل من فيه تعليلية ولكل وجهة. قوله: (تقذّم الخ) رذ لما قيل من أنها كيف تكون للبيان وليس قبلها ما تبب نه بأنه مبنيّ على جواز تقديم المبين على المبين وأنه يكفي تقدّمه ولو تقديراً كما ذهب إليه كثير من النحاة وان منعه وضعفه آخرون وأمّا جعلها على تقدير البيان ظرفا لغواً متعلقاً برزقوا فوهم لاتفاقهم على أنّ من البيانية لا تكون إلا ظرفاً مستقرّاً كما هو معروف عند النحاة وبه جزم السعد في مواضع من شرح الكشاف كما سيأتي. قوله: (وهذا إشارة الخ) أي لفظ هذا وهو دفع لما يتوهم من أنه كيف يكون هذا المرزوق عين ما في الدنيا أو ما تقدمه في الجنة وقد فني وأكل بأن الإشارة إلى النوع والمعنى أنّ نوع هذا وذاك متحد وكون هذا وضع للإشارة إلى المحسوس والأمور الكلية لا تحس ليس بكليّ مع أنه يكفي إحساس أفراده كما في المثال المذكور، ومن الناس من ذهب إلى وجود الكليّ في ضمن أفراده على ما فيه أو هو إشارة إلى الشخص وفيه تقدير أي مثل الذي رزقنا أو يجعل عينه مبالغة وقد رجح كونه إشارة إلى عين الثمرة بأنّ هذا إذا لم يذكر معه الوصف يكون إشارة إلى المحسوس دون الكليّ، وفي قوله العين المشاهدة إبهام وجريانه
بفتحات مصدر جرى الماء جريا وجريانا ووقع في نسخة بدله جزئياته جمع جزئيّ والأولى أولى واستحكم بمعنى قوي وتمّ يقال أحكمته فاستحكم إذا أتقنتة. قوله: (جعل ثمر الجنة من جنس ثمر الدنيا الخ) هذا معنى ما في الكشاف وقد قيل عليه أنه جيد لو لم يقل إذا رأى ما لم يألفه نفر عنه طبعه فإنّ بطلانه ظاهر فإنّ لكل جديدة لذة والحديث المعاد مثل في الكراهة وليس بشيء، وقد وقع مثله في شرح المفتاح وذكروا أنّ كون النفس تحب ما ألفته وهو يقتضئي تكزره معار ضلما اشتهر كما في المثل أكره من معاد وقد جمع بينهما بأنّ الأوّل فيما يستطاب وتطلب زيادته، والثاني فيما ليس كذلك، وقد وقع التصريح بهذا في كلام
стр. 493
الفصحاء والشعراء قديما ألا ترى قوله:
لكل جديد لذة غيرأنني وجدت جديد الموت غير لذيذ
وقول المعرّي:
ردّي حديثك ما أمللت مستمعا ومن يمل من الأنفاس ترديدا
وقول ابن سهل:
يستكره الخبر المعاد وقد أرى خبر الحبيب على الإعادة أطيبا
يحلو على ترداده فكأنه سجع الحمام إذا تردّد أطربا
ومثله كثير في كلامهم فلا وجه لما أورده الفاضل والقياس على الحديث المعاد قياس مع الفارق فإنه معاد بعينه وما نحن فيه ليس كذلك: والحق أنه مختلف بحسب الأحوال والمقامات ألا ترى أنّ أبا عمرو بن العلاء نظر إلى فتى عليه ثياب مشتهرة فقال له: يا بنيّ من المروءة أن تأكل ما تشتهي وتلبس ما يشتهيه الناس ونظمه الثعالبيّ في كتاب المروءة فقال رحمه الله تعالى: إن العيون رمتك إذ فاجأتها وعليك من شهر الثياب لباس
أمّا الطعام فكل لنفسك ما اشتهت واجعل ثيابك ما اشتهته الناس
وهذا الأحماض شابه دفع الاعتراض. قوله: (ويتبين لها مزية الخ) قد علمت ما فيه وأنه
ظاهر الاندفاع وان قيل في دفعه أيضا أنه جيد في غير الطعام فإنّ التجربة والوجدان شاهدا عدل بأنّ ما لم يعهد منه وان حسن شكله لا يباشره عاقل لاحتمال ضرره وقيل: إنه في بادي النظر وقبل التجربة والمزية الفضيلة ولا يبنى منه فعل إلا أنه ذكر في حواشي الجوهرقي أنه يقال: أمزيتة عليه أي فضلتة وفي الأساس تمزيت عليه وتمزينه فضلته وكنه النعمة حقيقتها أو غايتها أو وجهها والمشهور الأوّل إلا أنّ ابن هلال قال ني كتاب الفروق: كنه الشيء على فول الخليل غايته ويقال: هو في كنهه أي في وجهه قال:
وانّ كلام المرءفي غيركنهه لكالنبل تهوي ليس فيهانصالها
وقال ابن دريد: كنه الشيء وقته يقال أتيته في غير كنهه أي في غير وقته، ويكون الكته للقدر أيضاً يقال فعل فوق كنه استحقاقه فليس الكنه من الحقيقة في شيء والناس يظنونهما سواء انتهى وهو لا فعل له أيضا وأثبته بعض اللغويين فقال: يقال منه اكتنه، وقوله كذلك أي غير مألوف. قوله: (أو في الجنة الخ) عطف على قوله في الدنيا أي من قبل هذا الرزق أو المرزوق في الجنة، يعني أنّ مأكولات الجنة متحدة الشكل متفاوتة اللذة والطعوم فإذا قدم إليهم شيء آخر منها ظنوه مكررا والطعام ب! منى المطعوم بمعنى المأكول مطلقاً فيتناول الثمار وغيرها ففيه إثبات للشيء بما هو أعمّ منه أو يخص بالثمار بقرينة المقام، ولا حاجة إلى أن يقال إنه للتمثيل فإنّ الصحفة لا يوك! مع فيها الثمار لأنه غير مسلم، والصحفة بفتح الصاد المهملة وسكون الحاء المهملة كالقصعة الآنية جمعه صحاف وقوله كما حكي عن الحسن الخ أثر أخرجه ابن جرير عن يحى بن كثير بهذا اللفظ. وقوله روي الخ أخرجه أيضا ابن جرير موقوفاً وفي المستدرك من حديث ثوبان مرفوعاً: " لا ينزع رجل من أهل الجنة من ثمرها شيئاً إلا خلق الله مكانها مثلها " وقال: إنه صحيح على شرط الشيخين وقوله فلعلهم الخ لا ياً بى هذا قوله من قبل لأنّ معناه قبل هذا الزمان أو الوقت، وعلى تفسير المصنف من قبل الرزق أو الص روق الذي أشار إليه بقوله من قبل هذا لأن قبل مبنية على الضم لحذف المضاف إليه الذ؟ ب هو هذا ونية معناه وان لم يتخلل بينهما زمان وليس معنى رزقنا أكلنا التقدم الرزق على ا! ل وعلى الأثر الأوّل هو متشابه الصورة مختلف الطعم وعلى الثاني متشابه الصورة والطعم فتأمل. قوله: (والآوّل أظهر الخ) أي كون المراد بالقبلية في الدنيا أولى من كونها مما تقدم في الآخرة لأنّ كلما تفيد العموم، وعلى الثاني لا يتصوّر قولهم لذلك في أوّل ما قدم إليهم ويفوت موقع الاستئناف المبنيّ على السؤال على وجه التشابه بينهما وأن قيل إنّ الأظهر تعميم القبلية لما يشمل قبلية الدنيا والآخرة وقال المصنف أظهر ولم يقل إنّ التفسير هو الأوّل كما قاله الزمخشريّ لأنّ هذا له وجه ظاهر أيضاً حتى قيل إنه يتجه على الأوّل أنه يلزم فيه انحصار ثمار الجنة في الأنواع
стр. 494
الموجودة في الدنيا والأليق أن يوجد فيها ذلك مع غيره من الأنواع التي لا عين رأت ولا أذن سمعت كما ورد في الحديث. وقال السيوطي: أيضاً عندي أنّ الثاني
أرجح لأنّ فيه توفية بمعنى حديث تشابه ثمار الجنة وموافقة لقوله بعده متشابها فإنه في رزق الجنة أظهر وإعادته إلى المرزوق في الدارين لا يخفى ما فيه من التكلف كما سيأتي. وقوله كل مرة رزقوا منصوب على الظرفية فإنّ مرّة معناه فعلة واحدة وليس باسم زمان لكنه شاع بمعنى وقت واحد فاعطي له ولما يضاف إليه حكم الظرفية كما قاله المرزوقيّ. قوله: (والداعي إلى ذلك الخ) الداعي هو المقتضي لخطور ما ذكر في الذهن من قولهم هذا الذي الخ كأنه دعاه للحضور فحضر في كل مرّة من مرّات تناولهم، وفرط استغرإبهم أي كدّة غريباً عجئباً عدا مفرطا وتبجحهم بجيم وحاء مهملة افتخارهم وابتهاجهم بإظهار المسرّة بما وجدو. بين الرزقين، والتشابه البليغ في الصورة إمّا لتشابه النوعين المستلزم لتشابه ما صدق عليه أو لتشابه الفردين على ما مرّ من تفسيري هذا فسقط ما قيل من أنه يقتضي أن يكون قولهم هذا الذي رزقنا من قبل من التشبيه البليغ وأصل معناه هذا مثل الذي رزقنا من قبل كما في الكشاف وهو مخالف لقوله وهذا إشارة لنوع ما رزقوا لأنه ليس مبنياً على المبالغة في التشبيه إذ معناه هذا نوع ما في الدنيا والتفاوت مع التشابه منشأ للاستغراب والتعجب كما لا يخفى فلا وجه لما قيل من أن جعل التشابه البليغ داعياً لما ذكر ظاهر وأمّا التفاوت العظيم ففي مدخليته في ذلك خفاء وإن وضحه بما يؤول إلى ما ذكرناه، وهذا إشارة إلى سبب قولهم هذا لتتمّ الفائدة فمن قال إنه لا حاجة إليه لم يصب، وقد نقل عن ابن عباس ﵄ أنهم يقولونه على سبيل التعجب وفي الاستغراب إيماء له ومن الغريب ما قيل من أنّ هذا إشارة إلى اعترافهم بإعادة أشجار الدنيا وثمارها كإعادة أنفسهم فيكون تعجباً من قدرته تعالى أو إلى أنّ أرض الجنة قيعان تنبت فيها أعمال الدنيا كما ورد في الأثر فثمرة النعيم مما غرسوه في الدنيا ولا يخفى بعده. توله: (اعتراض يقرّر ذلك الخ) كذا في الكشاف وفي شرح الفاضل له هذا على تجويز الاعتراض في آخر الكلام وأكثرون يسمونه تذييلاً والعلامة يجعل الاعتراض شاملاً للتذييل كما يعرفه من تتبع كلامه، فلا يرد الاعتراض! عليه بأنّ الأشبه أنه تذييل وهو أن يعقب الكلام بما يشمل معت اه توكيداً ولا محل له من الإعراب ولا مشاحة في الاصطلاح وايهام أنه اصطلاح القوم كما قاله ابن الصائغ غير مسلم وهذا إذا كان ما بعده جملة مستأنفة بناء على جواز اقترانه بواو يسمونها الواو الاستئنافية وقد جوّز في هذه الجملة أيضا الاستئناف والحالية بتقدير قد وكلام النحاة لا يأباه لأنّ تقدير قد مع واو حالية في الماضيي كثير، وإنما كان هذا مقرّراً ومؤكداً لما قبله لما صرّح به المصنف ﵀ آنفا من أنه يدل على التشابه البليغ صورة ويلزم من
تقريره تقريره فتذكر. قوله: (والضمير على الآول الخ) أي الضمير المفرد المجرور في قوله به على أوّل التفسيرين المذكورين آنفاً وهو أن يراد بقوله من قبل في الدنيا لما رزقوا في الدارين ولا إضمار فيه قبل الذكر لدلالة مجموع قوله: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ﴾ على ما رزقوا في الدارين على هذا الوجه كما مرّ تقريره وهذا معنى قوله في الكشاف فإن قلت إلام يرجع الضمير في قوله وأتوا به. قلت إلى المرزوق في الدنيا والآخرة جميعاً لأن قوله هذا الذي رزقنا من قبل انطوى تحته ذكر ما رزقوه في الدارين، والحاصل أنه جواب عن سؤال هو أنّ التشابه يقتضي التعدّد وتوحيد ضمير به ينافيه بأنه راجع إلى موحد اللفظ متعدد المعنى وهو الجنس المرزوق في الدنيا والآخرة جميعاً كأنه قيل أتوا بذلك الجنس متشابه الأفراد وأوردوا عليه أنّ المرزوق فيهما جميعاً غير مأتي به في الآخرة وأجيب بأنّ المعنى أتوا به في الدارين لا في الجنة وجمعا في سلك تغليباً أو أنّ المراد من الإفإن إتمامه ولا يخفى أنه تعسف والذي ارتضاه في الكشف أنّ المراد من المرزوق في الدنيا والآخرة الجنس الصالح التناول لكل منهما لا المقيد بهما، وقال أبو حيان ما ذكره الزمخشريّ غير ظاهر الآية لأنّ ظاهر الكلام يقتضي أن يكون الضمير عائداً على مرزوقهم في الآخرة فقط لأنه هو المحدّث والمشبه بالذي رزقوه من قبل ولأنّ هذه الجملة إنما جاءت محدثا بها عن الجنة
стр. 495
وأحوالها وكونه مخبرا عن المرزوق في الدنيا والآخرة أنه متشابه ليس من حديث الجنة إلا بتكلف اص. قوله: (ونظيره قوله تعالى ﴿إِن يَكُنْ غَنِيًّا﴾ الخ) الذي تقرّر في كتب العربية أنّ الضمير الذي مع أو يفرد لأنها لأحد الشيئين إلا أنها إذا كانت للإباحة يجوز في الضمير بعدها الإفراد والتثنية لأنّ الإباحة لما جاز فيها الجمع بين الأمرين صارت أو فيها كالواو فتقول جالس الجسن أو ابن سيرين وباحثه ويجوز باحثها وعلى هذا قوله في سورة النساء: ﴿كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ﴾ [سورة النساء، الآية: ١٣٥] الخ وقد قال أرباب الحواشي تبعا لشرّاح الكشاف أنّ التنظير بهذه الآية لما نحن فيه باعتبار إرجاع الضمير باعتبار المعنى دون اللفظ فإنه عكس ما نحن فيه إذ ثني الضمير في بهما نظرا لما دل عليه الكلام من تعدد الجنسين مع أن مرجعه أحد الأمرين غنياً أو فقيرا وضمير يكن مفرد والمعنى يكن المشهود عليه غنياً أو فقيراً فترك إفراد الضمير لئلا يتوهم أنّ أولويته بالنسبة إلى ذات المشهور عليه فنبه غلى أنه باعتبار الوصفين ليعمّ المشهود عليه وغيره وفيما نحن فيه أفرد الضمير مع أنّ ظاهر المرجع اثنان وفي النطير ثني مع أنّ ظاهر المرجع واحد، ولك أن تقول إنه لا حاجة لما ذكر وأنه نظير له من غير ارتكاب لما ذكر فإنه كما أفرد ضميربه ثم عقب بما يدل على التعدد من قوله متشابهاً أفرد أيضا في النظير ضمير يكن باعتبار المشهود عليه وعدد ما بعده في المعطوف وضميره من غير حاجة للعدول عن الظاهر إلا أن يقال إنه من تلقى الركبان فإنه إنما يحتاج للتأويل بعد مجيء أو فتدبر. قوله: (أي بجنسي الننئ والفقير) فالضمير راجع لما دلّ عليه المذكور وهو جنسا الغنيّ والفقير لا إليه
وإلا لواحد ويشهد له أنه قرئ ﴿فَاللهُ أَوْلَى بِهِمْ﴾ كذا قاله المصنف ﵀ في سورة النساء وفيه كلام سيأتي فإن أردته فارجع إليه. قوله: (وعلى الثاني على الرزق الخ) أي ضمير به على نقدير كون معنى من قبل هذا في الجنة راجع إلى الرزق والمعنى أتوا بالمرزوق في الجنة متشابه الأفراد، ولما كان التشابه في الصفة وصفات ما في الجنة مغايرة لما في الدنيا كما قال ابن عباس ﵄ أنها لا تشبهها وإنما يطلق عايها أسماؤها، أجاب بأنّ الصورة من جملة الصفات فكما يصح إطلاق ألاسم يصح إطلاق التشابه لأنه لا يشترط فيه أن يكون من جميع الوجوه وحينئذ يحتمل هذا أن يكون على الحقيقة والمجاز كما يطلق على صورة الفرس أنها فرس والسؤال وارد على الاحتمالين كما يشهد له قوله بين ثمرات الدنيا والآخرة، وقيل: إنه طاهر على الاحتمال الأوّل ولا وجه له غير النظر لظاهر ما ذكر وما روي عن ابن عباس ﵄ أخرجه البيهقي وغيره. قوله: (هذا وإن للآية محملاَ آخر الخ) أي الأمر هذا أو هذا طاهر أو خذ هذا فاسم الإشارة في محل رفع أو نصب ويحتمل أن يكون ها اسم فعل بمعنى خذ وذا مفعوله من غير تقدير لكنه مخالف للرسم أي أنّ الآية تحتمل تفسيراً آخر بأن يكون ما رزقوه قبل هو الطاعات والمعارف التي يستلذها أصحاب الفطرة والعقول السليمة وهذا جزاء لها مشابه لها فيما ذكر من اللذة كالجزاء الذي في ضده في قوله ذوقوا ما كنتم تعملون أي جزاءه فالذي رزقنا مجاز مرسل عن جزائه وثوابه بإطلاق اسم السبب على المسبب أو هو استعارة بتشبيه الثمار والفواكه بالطاعات والمعارف فيما ذكر وهو الظاهر من كلام المصنف ﵀ وتوله في ضده ذوقوا مؤيد له ولا يأباه كما قيل: قوله من قبل لأنه في الجنة لا في الدنيا حتى تثبت له القبلية لأن التجوّز في هذا الذي رزقنا وتعلق القبلية به شيء آخر مبالغة بجعل تقدّم سببه واستحقاقه بمنزلة تقدمه كما يقول الرجل لمن أحسن له إني استغنيت حين قصدتك وأمّا تقدير المضاف وان كان أظهر فلا يحمل عليه ما قاله المصنف إلا بتعسف فلا حاجة إلى ما تكلف من جعل الرزق مجاز عن الاستحقاق، أو يقال هو من تسمية موجب الشيء باسمه فإنه لا يسمن ولا يغني من جوع وإنما جعل المصنف ﵀ الشبه معنويا في الشرف لا في الصورة لأنّ المعارف والأعمال أعراض! لا صورة لها وشرف أمور الجنة كلها مما لا شبهة فيه فمن قال لا نسلم تشابه مستلذات الجنة للأعمال في الشرف لم يصب، والمراد بالطبقة في قوله
علوّ الطبقة الرتبة والمنزلة مستعارة من طبقات البيت والقصر، وأصل الطبق الشيء على مقدار شيءآخر
стр. 496
كالغطاء كما في المصباج. قوله: (مما يستقذر من النساء الخ) يستقذر بمعنى يكره ولما كان القذر قد يختص بالنجس ولذا قال الأزهريّ ﵀: القذر النجس الخارج من بدن الإنسان عطف عليه قوله ويذمّ عطفا تفسيريا ليتضح المراد منه، وقوله مما الخ متعلق بقوله مطهرة في النظم وقوله كالحيض الخ بيان لعمومه لكل ما يذمّ به والدر ١١ والدنس بمعنى الوسخ، والطبع بالسكون الجبلة التي خلق الإنسان عليها والطبع بالفتح الدنس مصدر وشيء طبع كدنس وزنا ومعنى، والطبيعة الخلق ومزاج الإنسان المركب من الأخلاط ودنس الطبيعة بمعنى فساد الجبلة فسوء الخلق عطف تفسيريّ له أو هو أمر مغاير له، ووقع في نسخة بدل الطبيعة الطبع وهما بمعنى هنا لا بمعنى الدنس فالحيض مثال للقذر الحسيّ كالنفاس والمذي وغيره مما لا يكون لأهل الجنة، ودنس الطبيعة والطبع أن لا يجتنب ما تأبا. الطباع السليمة كالفجور والفحش وسوء الخلق كبذاءة اللسان ونحوه مما يكدر المعاشرة والازدواج، وقوله فإنّ التطهير الخ لف ونشر على وجه يندفع به ما يرد على ما قرّره من أنه يلزم فيه الجمع بين الحقيقة والمجاز ولذا قال الفاضل في شرح الكشاف معنى تطهيرهن عما ذكر أنها منزهة عن ذلك مبرأة منه بحيث لا يعرض لهن لا التطهير الشرقي بمعنى إزالة النجس الحسي ا. والحكمي كما في الغسل عن الحيض ليلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز نعم في إطلاق التطهير وتشبيه الدنس والطبع بالأقذار والأحداث وتبع فيه المدقق في الكشف حيث قال إن شيوع الاستعمال في عرف العامّة والخاصة في القسمين يدلّ على أنه للقدر المشترك حقيقة فلا نسلم أنه حقيقة في الطهارة عن النجاسات وما يشبهها من المستقذرات الحسية وفيه بحث لأنه في عرف الشرع حقيقة في إزالة النجاسة الحسية أو الحكمية كال! جنابة، وفي اللغة وعرف الاستعمال يتبادر الذهن منه إلى الطهارة من النجاسة وهي تدلّ على أنه مجاز في النزاهة عن قذر الأخلاق ودنس الطباع فالظاهر أنّ المراد بالتطهير التنزيه والخلوّ وأنه يشمل القسمين بعموم المجاز أو بالجمع بين الحقيقة والمجاز على رأي المصنف بلا تكلف ولذا قال الرأغب: التطهير يقال في الأجسام والأخلاق والأفعال جميعا فيكون عامّا لها قرينة مقام المدح لا مطلقا منصرفا إلى الكامل وكمال التطهير إنما يحصل بالقسمين كما قيل: فإن المعهود من إرادة الكامل إرادة أعلى أفراده لا الجميع. قوله: (وهما لغتان فصيحتان) يعني أنّ صفة جمع المؤنث السالم والضمير العائد إليه مع الفعل يجوز أن يكون مفردا مؤنثا ومجموعا مؤنثاً فتقول النساء فعلت وفعلن ونساء فاتنات وفاتنة نظر الظاهر الجمع ولتأويله بالجماعة وقوله يقال النساء فعلت وفعلن قال في المفصل عن أبي عثمان المازنيّ العرب تقول الأجذاع انكسرن لأدنى العدد والجذوع انكسرت وما ذاك بضربة لازب وفي شرحه لابن يعيش إنهم يؤنثون الجمع الكثير بالتاء والقليل بالنون، وفيه أقوال أقربها ما ذهب إليه الجرجانيّ وهو أنّ التأنيث لمعنى الجماعة والكثرة اذهب في معنى الجمعية
في القلة والتاء حرف مختص بالئأث فجعلت علامة فيما كان أذهب في معنى الجمعية والنون فيما هو أقل حظاً في الجمعية لأنّ النون لا ترد للتأنيث خصوصا وإنما ترد على ذوات صفتها التأنيث (والذي عندي) في ذلك إنّ بناء القلة قد جرى عليه كثير من أحكام الواحد من ذللأ جواز تصغيره على لفظه كاجيمال ومنها جواز وصف المفرد به كبرمة أعشار ومنها عود الضميم عليه مفرداً كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ [سورة النحل، الآية أ ٦٦] فلما غلب على القلة أحكام المفرد عبروا عنها في التأنيث بالنون المختصة بالجفع لئا يتوهم فيها الأفراد وقال الرضمي: جمع ضمير جمع القلة وهو النون لأنك لو صرّحت بعدد القللأ أي من ثلاثة إلى عشرة كان مميزه جمعاً نحو ثلاثة أجذاع وجعل ض! مير جمع الكثرة ضمي! الواحدة المستكن في نحو انكسرت لأنك لو صرحت بعدد الكثرة لما فوق العشرة كان مميز " مفرداً نحو ثلاثة عشر جذعا وفيه كلام في حواشي الرضي. قوله: (وإذا العذارى بالدخالأ تقنعت الخ) هو من قصيدة لسلمان بن ربيعة الضبيّ الحماسيّ أوّلها:
حلت تماضر غرة فاحتلت فلحا وأهلك باللوافاطالت
стр. 497
ومنها:
ومناخ نازلة كفيت+وفارس نهلت فتاتي من مطاه وعلت
واذا العذارى بالدخان تقنعت واستعجلت نصب القدور فملت
دارت بأرزاق العفاة مغالق تبدين من قمع العشار الجلت
وهي قصيدة مشهورة ذكر بعضها في الحماسة. قال المرزوقي: أنه عدد خصال الخي! المجموعة فيه بعد أن نبه على أنه لا يقوم مقامه أحد، والعذارى جمع عذراء وهي البك! وأصلها عذاريّ بتشديد الياء فالياء الأولى مبدلة من المدة قبل الهمزة كما تبدل في سربال فيقالا سرابيل ثم حذفت إحدى الياءين وقلبت الكسرة فتحة تخفيفاً فانقلبت الياء ألفا يقول: إذا أبكاد الساء صبرن على دخان الناو حتى صار كالقناع لوجهها لتأثير البرد فيها ولم تصبر على إدرال! القدور بعد تهيئتها ونصبها فسوّت في الملة بفتح الميم وهي الرماد قدر ما تعلل نفسها به ملا اللحم لتمكن الحاجة والضرّ منها ولا جداب الزمان واشتداد السنة على أهلها أحسنت وجوالبما إذا في البيت بعده وخص العذارى بالذكر لفرط حيائهن وشدّة انقباضهن ولتصوّنهن عن كثير مط يبتذل فيه غيرهن وجعل نصب القدور مفعول استعجلت على المجاز والسعة ويجوز أن يكودلا المراد استعجلت غيرها بنصب القدور أو في نصبها فحذف وتقنعت من القناع وهو ما يستر؟ الرأس، ومل! ف فعل ماض من الملة بالفتح ومعناه ظاهر، وقد قرّره في الكش! ، بما لا مزيد عل! يما والشاهد في قوله تقنعت بإفراد ضمير العذارى واستشهد له دون الجمع لأنه المحتاج للإثب! اللا
لجري ذلك على الظاهر كما أشار إليه والإفراد على تأويل الجماعة والمعنى جماعة أزواج مطهرة لأنّ أكثر خصوصا في جمع العاقلات القلة أو الكثرة فعلن ونحوه وجماعة لفظ مفرد وان كان معناه الجمع. قوله: (ومطهرة بتشديد الطاء الخ) معطوف على مطهرات في قوله وقرى مطهرات وفي الكشاف وقرأ زيد بن عليّ مطهرات وقرأ عبيد بن عمير مطهرة بمعنى متطهرة، وفي كلام بعض العرب ما أحوجني إلى بيت الله فأطهر به أطهرة أي فأتطهر به تطهرة فهو في هذه القراءة بتشديد الطاء المفتوحة وبعدها هاء مكسورة مشدّدة أيضا وأصله متطهرة فأدغمت الطاء فيه في الطاء بعد قلبها والفعل أطهر وأصله تطهر فلما أدغمت التاء في الطاء اجتلبت همزة الوصل والمصدر اطهرة بفتح الطاء وضم الهاء المشددتين وأصله تطهرة فأدغم واجتلبت له همزة الوصل وهو معروف في كتب الصرف. قوله: (والزوج يقال للذكر والأنثى الخ) ويكون أيضا لأحد المزدوجين ولهما معاً والمراد الأوّل والأفصح ما ذكر ويقال: زوجة في الناس في لغة قليلة، وقوله أبلغ من البلاغة لا من المبالغة وان صح وهو دفع لما يلوح في بادي النظر من أنّ تلك أبلغ منها لإشعارها بأنّ الطهارة ذاتية لا بفعل الغير لأنّ المطهر هو الله ولا يكون ذلك إلا بخلق الطهارة العظيمة وما يفعله العظيم عظيم كما قيل:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم
قوله: (فإن قيل الخ) يعني أنه يكفي في صحة الإطلاق الاشتراك في بعض الصفات ولو
في الصورة فإنها من الصفات أيضا وقد قيل: عليه أنه مبنيّ على أنّ فقد فوائد الشيء ولوازمه تستلزم رفع حقيقته ولا وجه له والقول بأنّ تسمية نعم الجنة بأسماء نعم الدنيا على سبيل المجاز والاستعارة لم يقل به أحد من أهل اللغة والعربية وقوله لا تشاركها في تمام حقيقتها غير مسلم أيضا مع أنه مخالف لما قدمه من قوله إنّ التشابه بينهما حاصل في الصورة التي هي مناط الاسم فإنه صريح في أنّ إطلاق اسم الثمار على أمثالها من الفواكه المطعومة حقيقة وهذا مخالف له وقد وقع ما يشبه هذا لبعضهم حيث قال: اعلم أنّ أمور الآخرة ليست كما يزعم الجهال فأنكر عليه غاية النكير حتى جرّهم ذلك إلى التكفير (قلت) كون أمور الآخرة ليست كأمور الدنيا من جميع الوجوه مما لا شبهة فيه كما أشار إليه سيد البشر ﷺ بقوله: " ما لا عين رأت ولا أذن سمعت) ثم إنه إذا أشبه شيء شيئاً بحسب الصورة والمنافع إلا أن بينه وبيته
تفاوتاً عظيما في اللذة والجرم والبقاء وغير ذلك فإذا رآه من لم يره قبله ولم يعرف له اسما فأطلق عليه اسم ما يشابهه قبل أن يعرف التفاوت حق معرفته هل يقال إنّ ذلك الإطلاق حقيقة نظرا للصورة وظاهر الحال أم لا نظراً للواقع، فالظاهر أنه حقيقة عند
стр. 498
من لم يعرفه وعند من عرفه مجاز استعارة أو مشاكلة ألا ترى أنّ من رأ! بعض أنواع القم اصيا الرومية ممن لم يعرفها فسماها نبقا لأنها مثله صورة فتلك التسمية عنده وعند من سمعه من أهل جلدته حقيقة وعند غيره مجاز، ونظيره جبريل ﵇ إذا أتى النبيّ ﷺ في صورة رجل فأطلق عليه الإنسان من رآه ولم يدر أنه ملك فهو حقيقة، وإذا قاله النبيّ ﷺ فهو مجاز عند. والقول بأنة لا يعرفه أهل العربية لا وجه له وليس هذا ما قاله بعض المتصوّفة فإنه سمّ في دسم وبهذا عرفت كلام المصنف ﵀ وأنّ أوّل كلامه لا يعارض آخره ومن لم يذق لم يعرف. قوله: (والخلد والخلود في الأصل الثبات الخ) في شرح الكشاف هذا مذهب أهل السنة وهو عند المعتزلة الدوام وهو أمر لغويّ لا دخل للمذهب فيه فمراده أنّ المعتزلة قالوا إنّ ذلك حقيقته التي لا يعدل عنها بغير داع ليبنوا عليه ما ورد في الآيات والأحاديث من خلود فسقة المؤمنين وغيرهم يقول حقيقته المكث الطويل دام أو لم يدم فتفسيره في كل مكان بما يليق به. فإن قلت قوله في الكشاف والخلد الثبات الدائم والبقاء اللازم الذي لا ينقطع قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [سورة الأنبياء، الآية: ٣٤] الخ معارض لقوله في الأساس خلد بالمكان وأخلد أطال به الإقامة وما بالدار الأصمّ خوالد وهي الأثافي وخلد في السجن وخلد في النعيم بقي فيه أبدأ خلوداً وخلداً وخلده وأخلده ومن المجاز فلان مخلد للذي أبطأ عنه الشيب والذي لا يسقط له سن لإخلاده على حالته الأولى وثباته عليها، ولذا قيل: إنه مما يقضي منه العجب وفي بعض شروح الكشاف أنّ ما في الأساس دليل لأهل السنة قلت: لا خلاف في استعماله لمطلق الثبات دام أو لم يدم وللدوام وللبقاء الطويل المنقطع وإنما الخلاف في أيها الحقيقة الذي يحمل عليه عند الإطلاق ويفسر به لأنه الأصل الراجح الدّي العدول عنه بغير داع في قوّة الخطأ عند أهل اللسان فما كأ الكشاف يدلّ على أنه حقيقة في طول مدة الإقامة مطلقا وهو وإن صدق على الدوام وغيره المتبادر منه أكمل فرديه وهو الدوام، وقد نقل عنه أنه من الأسماء الغالبة فيه وهو معنى شرفي فيحمل عليه عند الإطلاق ولذا استدلّ بالآية فلا يعارضه ما في
الأساس كما لا يخفى وهو في غير الإقامة مجاز وإن كان فيه معنى الثبات وقوله الأثافي بتخفيف الياء وتشديدها الأحجار التي توضمع عليها القدر وسميت خوالد لأنها تبقى في الديار بعد ارتحال أهلها، وقوله وللجزء الخ معطوف على مقول القول وهو خبر مقذم وقوله خلد بفتحتين بزنة حسن مبتدأ مؤخر وهو القلب الذي يبقى الإنسان حيا ما دام لأنه أشرف الأعضاء الرئيسة وقوله الذي يبقى الخ وان صدق على غيره لا يلزم إطلاقه عايه لأنّ القياس لا يجري في اللغة. قوله: (لنوا) قيل عليه لما كان استعماله في غيره مجازاً مشهوراً يكون التأبيد لدفعه ومثله كثير في كلام البلغاء فكيف يكون لغواً، ويدفع بأنّ المراد أنه زائد على إلتأسيس القائل به من غير زيادة فتدبر. قوله: (والأصل بنفيهما الخ) أي القاعدة المقرّرة تدل على هذا النفي لأن المجاز والاشتراك لا يرتكب إلا بدليل لاحتياجهما للقرينة فإذا وضعه لهما على العموم يحمل عليه واستعمال العامّ في بعض أفراده من حيث إنه فرد منه لم يقصد بخصوصه ليس بمجاز كما توهمه بعضهم ولا يختص أيضا بالمتواطئ فما قيل إنه من باب استعمال الكليّ المتواطئ في واحد من جزئياته كقولك لقيت اليوم إنسانا تريد به زيداً غير صحيح وقوله كإطلاق الجسم للإنسان وفي نسخة على الإنسان فإنه باعتبار أنه جسم حقيقة وباعتبار أنه إنسان مجاز محتاج للقرينة كما تقرّر في الأصول وقوله مثل قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ هو في أكثر النسخ وسقط من بعضها وهو مثال لما نحن فيه وردّ لما في الكشاف وغيره من الاستدلال به على إرادة الدوام لتعينه للنفي لأنه لم يرد على أنه بخصوصه معناه الحقيقيّ بل على أنه عامّ أريد به خاص بقرينة كما أشار إليه بقوله لكن المراد الخ. قوله: (عند الجمهور لما يشهد له من الآيات والسنن) الدالة على أبدية أهك الجنة فيها وهو ردّ على الجهمية الذاهبين إلى أنّ الجنة والنار يفنيان وأهلهما بعد تمتع أهل الجنة بقدر أعمالهم وعذاب أهل النار بقدر سيئاتهم وفي تفسير
стр. 499
السمرقنديّ الذي دعاهـ م إلى هذا أنه تعالى وصف نفسه بأنه الأوّل والآخر والأوّلية تقدّمه على جميع المخلوقات والآخرية تأخره ولا يكون إلا بفناء ما سواه ولو بقيت الجنة وأهلها كان فيه تشبيه بين الخالق والخلق وهو محال، ولأنه تعالى لا يخلو من أن يعلم عدد أنفاس أهل الجنة أم لا، والثاني تجهل والأوّل لا يتحقق إلا بانتهائها وهو بعد فنائهم ولنا أنّ هذا النص وغير. دال على الخلود والتأبيد وعضده العقل لأنها دار سلام وقدس لا خوف ولا حزن لأهلها والمرء لا يهنأ بعيش يخاف زواله كما قيل:
والبؤس خير من نعيم زائل
والكفر جريمة خالصة فجزاؤه عقوبة خالصة لا يشوبها نقص، ومعنى الأوّل والآخر ليس
كما في الشاهد لأنه صفة كمال ومعناه لا ابتداء لوجوده ولا انتهاء له في ذاته من غير اسنناد لغير. فهو واجب الوجود مستحيل العدم وبقاء الخلق ليس كذلك فلا يشبهه شيء من خلقه وعلمه تعالى لا يتناهى فيتعلق بما لا يتناهى إلى آخر ما فصله. قوله: (فإن قيل الأبدان مركبة الخ الما! قرّر أن الخلود بمعنى الدوأم هنا كما قرّرناه لك أو رد شبهة ترد عليه ودفعها ونبه على أنها ساقطة لأنها في غاية الضعف في آخر كلامه فلا يرد عليه ما قيل: من أنه لا حاجة هنا للسؤال والجواب لابتنائه على أصل فلسفيّ غير مناسب للمقام وما ذكره إشارة إلى ما قرّره الأطباء من أن تكون البدن من رطوبة معها حرارة تؤثر فيها بالتنضيج والتغذية ودفع الفضلات فإذا دام التأثير كثر التحلل فتضعف الحرارة بنقصان مادّتها كضعف نور السراح بقلة الدهن ولا تزال كذلك حتى تفنى الرطوبة الغريزية فتنقطع الحرارة أيضاً، والمراد بالكيفيات المتضادّة الأمزجة والكيفية معروفة والضدان أمران وجوديان متعاقبان على موضوع واحد بينهما خلاف أو غاية الخلاف والاستحالة التغير وألانقلاب من شيء إلى آخر بتبدّل صورته كاستحالة الخمر خلاَ، والتضادّ مؤدّ للانفكاك وهو تفرّف الأجزاء وانفكاك بعضها من بعض بانحلال ما يربطها ويكون سبباً لبقائها فاذا لزم هذا كل بدن لزم عدم وجوده واستحالة بقائه وخلوده كما هو مذهب الجهمية وقوله في الجواب بعيدها بناء على أنه تعالى إذا أحياها بعد الموت أعادها بعينها لا بامثالها على ما عرف في الكلام وقوله يعتورها أي يعرض لها ويتعاقب عليها بأن يعرض لها التغير وتبذل الأحوال. قوله: (بأن يجعل أجزاءها الخ) هذا هو اعتدال المزأح الذي ذكره الأطباء، وقالوا إنه ماخوذ من التعادل الذي هو التكافؤ لا من العدل في القسمة أي التساوي في القوى لا في المقدار قالوا لأنه قد يوجد الشيء مغلوباً في مقداره غالبا ني قوّته فيمكن وجود المزاج الحاصل من المتساوي المقدار المختلف الكيفية وقيل: الذي امتغ وجوده هو المتكافئ في المقدار والكيفية معاً لأنه لا يكون حينئذ غالبا قاسراً للمركب على التماسك والتقرّر فيستدعي كل التفرّق والتلاشي والميل إلى مركزه، وقوله: متقاومة بالقاف والميم مفاعلة من القيام، وفي المصباح يقاومه أي يقوم مقامه وفي نسخة بدله ستفاوتة بالفاء والتاء المثناة الفوقية من قولهم تفاوت الشيآن إذا اختلفا وتفاوتا في الفضل تباينا فيه نفاوتا بضم الواو كما في المصباح أيضا والنسختان متقاربتان معنى لأنّ المراد أنّ كيفيتها متباينة وقواها متساوية والقوّة كما مرّ مبدؤ التغير والتأثر من آخر في آخر.
فائدة: التفاوت تفاعل بضم العين وهي الواو مصدر بمعنى المفاعلة وفي أدب الكاتب أنه
يجوز فيه كسر الواو وفتحها على خلاف القياس ولا نظير له، وقوله متعانقة من العناق وقوله: متلازمة عطف تفسير له وكذا ما بعد. وقد قيل عليه إن محصل كلامه أنه يلتزم وجود مركب من العناصر على اعتدال حقيقي ولا يقنع بذلك بل يدعي كونه محسوساً مشاهداً وفيه أنه إذا أعاد تلك الأجزاء بحيث تكون المقادير الحاصلة من الكيفيات الأربع في تلك الأجزاء متساوية بحسب أحكام محالها ومتفاوتة في أنفسها بحسب الشدّة والضعف حتى يحصل منها كيفية عديمة الميل إلى الطرفين المتضاذين وتكون على حاق الوسط بينهما فلا محالة في صيرورة هذا المزاج الحاصل من تفاعل تلك الكيفيات المتكافئات في المقدار والكيفية معا مزاجاً معتدلاً حقيقياً، ومثل هذا المزاج وان وقع الاختلاف بين العقلاء في إمكان وجوده لا خلاف لأحد في امتناع وجوده في زمن يسير
стр. 500
لسرعة التحلل أو لسرعة تفرّق الأجزاء لأنه لا يكون جزء غالب قاسر للمركب على التماسك والتقرّر لتداعيه إلى التفرّق والميل إلى المركز كما في شرح المواقف وما ثبت بالبرهان امتناع بقاء موجوده كيف يمكن إعادته وخلوده فقوله كما يشاهد الخ إن كان مثالاً لعدم الانفكاك فمسلم لكنه لا يفيد وأن كان لوجود المعتدل الحقيقي فلا وهو جواب جدلي والحق عنده هو قوله هذا الخ. قوله: (واعلم الخ الم يذكر الملابس لأنها ليست من المعظم عنده لأنّ المراد به ما به بقاء الشخص! أو النوع أو أدخلها في المساكن تغليباً كما جعل البيت لباساً في عكسه، وفي المعظم إشارة إلى لذات أخر كالأصوات الحسنة لم يلتفت إليها، والملاك بكسر الميم وفتحها ما يقوم به الشيء وقوله كل نعمة الخ إشارة إلى أنّ قوله وهم فيها خالدون تكميل في غاية الحسن ونهاية الكمال لأنّ النعم وإن جلت والترفه وان عظم لا يسمّ ويكمل إذا تصوّر زواله وانقطاعه وقوله منغصة بالغين المعجمة والصاد المهملة أي مكدّرة وقوله غير صافية الخ تفسير له والشوب الخلط وقولهم ليسر، فيه شائبة مأخوذ منه ومعناه ليس فيه شيء مختلط به وان قل كما قيل: ليس فيه علقة ولا شبهة فهو فاعلة بمعنى مفعولة كعيشة راضية قال في المصباح: كذا استعملوه ولم أجده في اللغة وقال الجوهريّ: الشائبة واحدة الشوائب وهي الأدناس والأقذار وقوله: بشر المؤمنين بها أي بالجنات وهو ظاهر وأبهى أفعل تفضيل من البهاء وهو الحسن أي أحسن، والمراد بقوله مثل أنه ذكر ما يماثلها في الصورة بما عرفوه في الدنيا لأنه على صورته إن كان أجل وأعظم لذة، وليس المراد أنه تشبيه أو مجاز كما مرّ تقريره في قوله وأتوا به متشابها، وما قيل من أنّ البشارة على طريقة أهل الشرع والتمثيل على طريقة الحكماء فإنهم يقولون المراد بالجنات التي تجري تحتها الأنهار والأزواج ورزق
الثمرإت لذات عقلية شبيهة بالحسيات ولو قال المصنف ﵀ أو مثل كان أوضح تعسف لا حاجة إليه لما قرّرناه لك. قوله: (لما كانت الآيات السابقة الخ) قيل إن هذه الآية جواب عن قول قوم من الكفرة لرسول الله ﷺ أما يستحيي ربك أن يخلق البعوض! والذباب ونحوهما مما يصغر في نفسه ولا يخفى ما فيه أو قالوا أما يستحيي ربك أن يذكر البعوض! والذباب وملوك الأرض يأنفون من ذلك فقال تعالى جوابا لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي﴾ الخ وقال الزجاج:) نها متصلة بقوله فلا تجعلوا لله أندإداً أي لا يستحي أن يضرب مثلا لهذه الأنداد، وقال الفراء ليس في البقرة ما يكون المثل جوابا له فعلى هذا هو ابتداء كلام لا ارتباط له بما قبله وهذا وإن جاز لكن الأنسب بكل آية أن ترتبط بما قبلها وتناسبه بوجه ما، ولذا ذهب المصنف رحمه الله تعالى إلى بيان الارتباط بأنه لما وقع قبله تمثيل أتى بما ينبه على أنه واقع في محرزه وأنه ليس بمستنكر فهي مرتبطة بما ذكر من أوّل السورة إلى هنا أو ببعضه فتدبر. والمراد بالتمثيل في كلامهم هنا التشبيه مطلقا سواء كان في مفرد أو مركب على وجه ألاستعارة أولاً مثلاً أو لا ولا يخص بشيء حتى يرد عليه أنه كيف يرتبط بما لم يذكر في بعض الوجوه، والحاصل أنه ذكر لمناسبة هذه الآية وارتباطها بما قبلها وجهين الأوّل ما أشار إليه بقوله الآيات السابقة متضمنة الخ يعني أنه سبق في النظم تمثيلات وأمور تدل على مطلق التشبيه كما بيناه في أثناء ذكر فرق الناس كما يعلم من تقريره سابقا، والثاني ما في ذكر الكتاب وأنه من عند الله من غير ريب وأن ارتاب فيه بعض العقول القاصرة بسبب ما وقع فيه من التمثيل ببعض أمور ظاهرها حقير ريبة لا وجه لها لتوهم أنه لا يليق بالكتب السماوية أو بعظمة الربوبية فبين الأوّل بما يتضمن توضيحه وتقويته وهذا هو الوجه الأول في الكشاف وفي كلام المصنف إلى قوله وأيضاً الخ وستراه كنار على علم. قوله: (عقب ذلك ببيان الخ) جواب لما، وذلك إشارة إلى الآيات السابقة وذكر لتأويله بالمذكور وعقبه بمعنى أورده بعده في عقبه متصلا به وقوله ببيان متعلق بعقب مضاف لحسنه وفي نسخة جنسه بجيم ونون، وما هو الحق معطوف على قوله حسنه في محل حرّ وقوله والشرط بالجرّ عطف على حسنه أو على ما الموصولة أو بالرفع معطوف على قوله الحق، والضمائر الثلاثة المتصلة راجعة للتمثيل على كلا التقديرين وهو عائد الموصول فلا تفكيك فالقول بأنه ركيك ركيك ومن قال:
стр. 501
المعنى أنه أورد عقيبها ما يدل على حسن التمثيل وعلى الشيء الذي هو أي التمثيل حق لأجل ذلك الشيء وذلك الشيء شرط في قبول التمثيل
عند أهل اللسان على أن يكون قوله والشرط عطفاً على قوله وما هو الحق له وفيه ركاكة التفكيك والظاهر أنه راجع إلى ما وضمير له راجع إلى التمثيل وكذا ضمير فيه وقوله والشرط عطف على قوله الحق أي وبيان الشيء الذي ذلك الشيء حق للتمثيل أي ثابت ولازم له وشرط في قبوله عند العقلاء والبلغاء، وذلك أن يكون التمثيل على وفق الممثل له فقد أطال بغير طائل وأتى بما لا وجه له لما عرفتة وحسنه لأنه تعالى مع عظمته وبالغ حكمته لما لم يتركه وأكثر منه دلّ على حسنه أو لأنه لما قال: لا يستحيي دلّ ذلك على حسنه لأنّ القبيح من شأنه أنّ فاعله يستحي منه وهذا على نسخة وستأني الأخرى، وحقه أن يكون جارياً على نهج السداد كما يدل عليه قوله: ﴿فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٦] وشرطه أن يكون على وفق الممثل له فقط لأنّ المقصود به الكشف عن حقيقته ورفع حجاب الشبه عنه وابرازه عياناً وقوله المشاهد المحسوس قذم فيه المشاهد على المحسوس وان قيل إنّ الظاهر ائعكس لأنّ المشاهد يستعمل كثيراً بمعنى المتيقن فلذا أورد بعده المحسوس ليتعين المراد به. قوله: (وهو أن يكون على وفق الممثل له الخ) الظاهر أنّ الضمير راجع لما الموصولة وأنّ الشرط معطوف على الحق فيكون الحسن مسكوتاً عنه ولو رجع لكل ما ذكر لتاويله بالمذكور يكون شاملا للحسن وهو الأحسن وحسته بإبرازه في صورة المشاهد المحسوس والحق فيه أن يكون على نهج السداد، وكونه على وفق الممثل له على ما بينه المصنف هو شرطه، وهذا على النسخة المشهورة وهي أنّ حسنه بحاء وسين مهملتين بينهما نون من الحسن ضد القبح على ما في كثر النسخ وعليه أرباب الحواشي، وفي بعض النسخ جنسه بجيم وسين مهملة بينهما نون وهو الجنس اللغويّ العرفيّ لا المنطقيّ المقابل للنوع والجنس مستفاد من تنكير مثلا لأنّ النكرة موضوعة للجنس لا للفرد المنتشر على الأصح وبيان ما هو الحق له معناه بيان الذي التمثيل حق له من المعنى الممثل له وهو ههنا كفر الكافر وفسقه المدلول عليهما بقوله وأمّا الذين كفروا وقوله: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٦، وقال الرازي: فإن قلت مثل الله آلهتهم ببيت العنكبوت وبالذباب فأين تمثيلها بالبعوضة فما دونها. فلت لأنه كأنه قال إنّ الله لا يستحيي أن يضرب مثل ا-لهتكم بالبعوضة فما دونها فما ظنكم بالعنكبوت والذباب وفي تبيين الشرط وهو أن يكون على وؤق الممثل الخ من هذه الآية محل تأمّل انتهى) أقول الا يخفى ما فيه فإنه مع مخالفته للنسخ المعروفة المألوفة لا وجه لما ذكره في تفسير الحق والحق ما مرّ نعم ما أشار إليه من أن أحد ما ذكروه من النظم فيه خفاء حق إلا أنه يندفع بالنظر الصادق المحفوف بالعناية والممثل الأوّل في كلام المصنف ﵀ اسم مفعول والثاني اسم فاعل والأوّل ما ضرب له المثل والثاني هو الضارب نفسه. قوله: (ليساعد فيه الوهم العقل ويصالحه الخ) إشارة إلى ما ذكره أهل المعقول من أنّ الوهم قوّة جسمانية للإنسان بها يدرك الجزئيات المنتزعة من
المحسوسات فهي تابعة للحس فإذا حكمت على المحسوسات كأن حكمها صحيحاً وإذا حكمت على غير المحسوسات بأحكامها كان كاذباً والنفس منجذبة إلى الوهم والحس لسبقهما إليها فهي مسخرة لهما حتى إنّ أحكام الوهميات ربما لم تتميز عندها من الأوّليات لولا دافع من العقل أو الثرع والمراد بمساعدة الوهم للعقل أنّ العقل وهو قوّة للنفس بها تدرك المعاني والكليات سواء كانت محسوسة الجزئيات أولاً إذا ذكر معنى أدركه وضرب له الوهم مثلا بجزئي يحكيه وشبهه به فقد ادّعى أنه من أفراده الموجودة في الخارج، وبذلك يتخيل أنه محسوس مشاهد وأنه لابس لحلة من حلله أخذها من خزانة الوهم فتبين بذلك وثبت تحققه في نفس الأمر وهذا معنى مساعدة الوهم له، ومعنى مصالحته له أنّ ما يدرك كل واحد منهما مغاير لما يدركه الآخر لإدراك الوهم لما ينتزع من الجزئيات المحسوسة والعقل للمعاني والكليات فبادّعاء أنّ أحدهما عين الآخر تصالحا على الاشتراك فيه عند النفس التي قضيت بذلك، والمراد بحب المحاكاة أنها تحب محاكاة المعقول بالمحسوس أي تكثر منه فكأنها تحبه وتألفه وهذا مما لا غبار عليه، فسقط به ما قيل من أنّ عدم
стр. 502
مساعدة العقل إنما هو في بعض الأحكام العقلية مثل أنّ بعض الموجودات غير متحيز إذ الوهم لألفه بالمحسوسات حكم حكماً تخييليا بأنّ كل موجود متحيز، وأمّا في المعارف الممثل لها في القرآن كوهن اتخاذ أولياء من دون الله فليس بظاهر أنه مما ينازع فيه الوهم العقل وإن سلم التنازع فتمثيله باتخاذ العنكبوت بيته لا نسلم أنه ينفي اقى اع فيه فالأولى الاقتصار على أنّ المعنى الصرف له خفاء فإن مثل بالمحسوس صار ظاهرا وارتفعت عنه الشبهة. قوله: (كما مثل في الانجيل الخ) تمثيل لوقوعه في الكشب السماوية لا لدفع الإنكار كما قيل في قول الزمخشري والعجب منهم كيف أنكروا ذلك وما زال الناس يضربون الأمثال ولقد ضربت الأمثال في الإنجيل لما أورد عليه من أن المنكرين إذ ذاك يهود أو مشركون وهم لا يعتقدون حقيقة الإنجيل وان قيل: في دفعه ما قيل، وما ذكر إشارة إلى ما في الإنجيل من قوله لا تكونوا كمنخل يخرج منه الدقيق الطيب ويمسك النخالة كذلك أنتم تخرج الحكمة من أفواهكم وتبقون الغل في صدوركم، وقوله قلوبكم كالحصاة التي لا تنضجها النار ولا يلينها الماء ولا تنسفها الريح وقوله: لا تثيروا الزنابير فتلدغكم أي لا تخالطوا السفهاء فيشتموكم كذا أورده في التفسير الكبير، وقوله: غل الصدر أصل الغل الحقد على الناس، والمراد به هنا ما يخفيه المرء مما لا يجب الاطلاع عليه، والمراد أنهم يقولون ما لا يفعلون وهو تشبيه لطيف وجهه إخراج الدقيق وأبقاء النخالة فهو كحفظ ما لا ينبغي حفظه،
والنخالة بالضم معروفة وشبه القلوب القاسية بالحصاة وصرّح بوجه الشبه فيه وهو ظاهر وليس تشبيهها بالصخرة أبلغ كما يتوهم لأ) ، الحصاة أقرب إلى هيئة القلب وأشدّ اكتنازاً منها مع ما فيها من الإيماء للتحقير، والزنابير جمع زنبور وهو ٥! روف. قوله: (وجاء في كلام العرب الخ) مثل أوّلاً بما في الكتب الإلفية وقدمه لتقدمها ذاتا وشرفا ثم أتبعه بم! " اشتهر في كلام العرب وشهرته بين العقلاء والبلغاء من غير نكير في المحقرات وغيرها مما يدل على أنه مطلقاً مقبول. وقوله أسمع من قراد أسمع أفعل تفضيل من السماع والقراد بالضم والتخفيف ما يلصق بالإبل ونحوها من الهوامّ وقال الميداني: أنها تسمع أخفاف الإبل من مسافة بعيدة فتتحرّك لاستقبالها وهذا بناء على زعمهم فيما اشتهر بينهم فلا وجه لما قيل إنّ ذلك بالإلهام لا بالسماع كما لا يخفى وقوله أطيش من فراشة أي أخف وفي مثل آخر أضعف من فراشة والمراد ضعف البنية والإدراك ذكرهما الميدانيّ فمن قال إنّ المصنف ﵀ غير قول الزمخشري: أضعف من فراشة فأحسن لأنها مثل في الطيش لا في الضعف لم يصب مع ما فيه من الضعف وقوله: أعز الخ أعز أفعل تفضيل من العزة بمعنى الندور وقلة الوجود لا من العز ضد الذل، والمخ الدماغ والدهن في داخل العظام ويتجوّز به عن المقصود من الشيء، والبعوض سيأتي تفسيره. قوله: (لا ما قالت الجهلة من الكفار الخ) قيل: ليس في الظاهر شيء يعطف عليه هذا الكلام فالصحيح أن يقال: إنّ ضرب المثل جائز عليه تعالى لا ممتنع كما قالت الجهلة من الكفار من أنّ الله تعالى أعلى من أن يضرب المثل بما ذكر، وقيل: إنه لا يخلو عن تكلف والظاهر أن يقول رذاً لما قالت الجهلة ليكون علة لقوله عقب ذللث، وقيل: إنه معطوف على قوله أن يكون على وفق الممثل له، يعني ما هو الحق في التمثيل والشرط له أن يكون على وفق الممثل له لا ما يفهم مما قالته الجهلة إنه ينبغي أن يكون مناسباً لحال الممثل بزنة اسم الفاعل ولا يخفى أنه لا حاجة إليه مع قوله دون الممثل فلو قيل: إنه معطوف على مقدّر يفهم مما قبله أي والحق هذا لا ما قالت الخ كان أظهر فيفيد ما ذكر من غير تكلف وقوله الله أعلى وأجل مبتدأ وخبر مقول قوله قالت الخ. قوله: (وأيضاً لما أرشدهم الخ) هذا هو الوجه الثاني وهذه الشرطية معطوفة على الشرطية السابقة وهي قوله لما كانت الآيات والإرشاد الدلالة على الخبر وقوله وحي منزل هو من قوله: ﴿مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٣] وقوله ذلك الكتاب الخ ووعيد من كفر بقوله فإن لم تفعلوا الخ ووعد من آمن بقوله وبشر الذين آمنوا الخ وظهور أمره الوقع في الخارج من نفي الريب والإشارة إليه. وقوله شرع الخ جواب لما والفرق بين الوجهين
стр. 503
أنه في الأوّل لتقوية التمثيلات والاستعارات السابقة وبيانها والذلت عنها، وفي هذا
هو لتقوية المتحدّي به وتأييد ما يزيل الريب عن المنزل لأنه لما ذكر الذباب والعنكبوت ضحكت اليهود وقالوا هذا لا يشبه كلام الله، وعلى الأوّل هو مربوط بما ذكر من أوّل السورة الى هنا أو بقوله إن الذين كفروا الخ. وهو متعلق على هذا بقوله وان كنتم في ريب الخ كأنه لما نفى توهم الريب فيه عةجه بذكر بعض ما أوقعهم في غيهم وغيابة ريبهم وقيل: إنه ذكر وجهين الأوّل منهما مبني على أنها مربوطة بقصة المنافقين وتمثيلهم تارة بمستوقد نار وتارة بأصحاب صيب جيء به لبيان حسن مطلق التمثيل الداخل فيه تمثيل المنافقين بما ذكر دخولاً أوليا، والثاني على أنها مرتبطة بآية التحدي بالقرآن ذكرت لذيّ الطعن فيه بعد ثبوت إعجازه وتال الطيبيّ على هذا نظم الآية بما قبلها نظم قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٦] الخ في كونها جملة مستطردة كما قاله الإمام. وقيل: إنه إشارة إلى مناسبة وضمع هذه الآية هنا ولم توضع في سورة العنكبوت أو الحج عقب المثلى المستنكر لأنه جواب عن شبهة أو ردت على إقامة الحجة على حقية القرآن بأنه معجز فكان ذكرها هنا أنسب، ووجهه أنه من الريب الذي هو في نهاية الاضمحلال وقد تقدمه ما هو من باب المثل، وفيه استطراد والاستطراد من أدق وجوه الارتباط وسيأتي بيانه (وههنا بحث مهم) وهو أنهم ذكروا أنّ المقصود من هذه الآية الرذ على من ارتاب بسبب ضرب الله العظيم الأمثال المحقرة بأنه لا ضير في ذلك فإنّ اللازم فيها إنما هو مناسبة الممثل به للممثل لا لمن أورده وحسنه ولطفه بكشف المعقولات وجلوتها على منصة المحسوسات مكسوّة بحلل للطائف ودقائق البلاغة حتى لاهدها الفطرة الوقادة والبصيرة النقادة، ولا غبار على هذا إنما الكلام في أنّ النظم كيف يدلّ على ما ذكره المصنف هنا فإنه مما خفي على كثير من الناس حتى أنكروه ولم نر فيه ما يشفي الغليل وتوضيحه أنهم لما قا اوا أما يستحي الرب الخ أجيبوا بنفي الاستحياء من ضرب كل مثل حقير وقليل ويفهم منه أنه لا قبح فيه، وأمّا حسنه وعلوّ مرتبته فيفهم من نفس المثل لأن كل أحد من أهل اللسان يعرف أنّ ما شبه مورده بمضر به سار في البلدان وسائر على كل لسان للطف لفظه ومعناه وهذا لشهرته غنيّ عن التصريح به ألا ترى إلى قوله في كثرة الاغتراب:
لا أستقرّبأرض قدمررت بها كأنني بكرمعنى سارفي مثل
قوله: (والحياء انقباض النفس الخ) إشارة إلى أنّ للنفس عوارض! نفسانية وهي كيفيات نعرض للنفس تبعاً لانفعالات تحدث لما يرتسم في بعض قواها من المنافع والمضارّ فيوجب لغيراً في البدن ويلزمها حركة الروج والدم الصافي النير إمّا إلى خارج دفعة كما في حال الغضب الشديد أو قليلا قليلا كما في حال الفرح واللذة المعتدلين أو إلى داخل دفعة كما في الفزع الشديد أو قليلاَ قليلاً كما في الغم الضعيف ولذا قال الحكماء: الغم جهاد فكري أو إلى داخل وخارج كما في الخجل فانقباض النفس انكفافها العارض من إدراك ما لا تريد وحينئذ
يعرض! للقلب ما يهيج حرارته الغريزية والنفس تكون بمعنى الروح الحيوايئ أو الدم الصافي في القلب وحركته لما مرّ، فلذا يحمرّ منه الوجه ويتجوّز فيه فيطلق على أثره الخجل حتى تظرّف القائل:
أبدى صنيعك تقصير الزمان ففي خد الربيع طلوع الورد من خجل
وفي الكشاف والحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من تخوّف ما يعاب به ويذم وتفصيل تحقيقه كما في ذريعة الشريعة للإمام الراغب أن الحياء انقباض النفس عن القبائح وهو من خصائص! الإنسان يرتاع به عما تنزع إليه الشهوة من القبائح وهو مركب من جبن وعفة ولذا لا يكون المستحيي فاسقاً ولا الفاسق مستحيياً والمستحيي شجاعا ولذا يجمع الشعراء في المدح بين الشجاعة والحياء كقوله:
يجري الحياء الغفق في قسماتهم في حين يجري من أكفهم الدم
ومتى قصد به الانقباض فهو مدح للصبيان دون المشايخ ومتى قصد به ترك القبيح فمدح
لكل أحد
стр. 504
وبالاعتبار الأوّل قيل: الحياء بالأفاضل قبيح وبالاعتبار الثاني قيل: إنّ الله يستحيي من ذي الشيبة في الإسلام أن يعذبه، وأما الخجل فحيرة النفس لفرط الحياء ويحمد في النساء والصبيان ويذمّ باتفاق من الرجال والوقاحة مذمومة بكل لسان إذ هي انسلاخ من الإنسانية وحقيقتها لجاج النفس في تعاطي القبيج واشتقاقها من حافر وقاح أي عحلب ولذا قال الشاعر وأ جا د:
يا ليت لي من جلدوجهك رقعة فأقدمنها حافراللأشهب
انتهى والحاصل أنّ هنا أموراً ثلاثة حياء وخجلا ووقاحة، ومغايرة الوقاحة لهما ظاهرة
لأنها عدم الانتهاء وكف النفس عن القبائح وأما الوقاحة في قوله:
وطالما قالوا ولم يكذبوا سلاح ذي الحاجة وجه وقاج
فمجاز عن الإلحاح في تحصيل المراء وليس مذموم مطلقا وإنما الكلام في الفرق بين الحياء والخجل فعلى ما ذكر. الراغب ﵀ هما متغايران وان تلازما لأنّ الخجل حيرة واقعة بعد الحياء وأيضا الحياء يذمّ ويحمد من الرجال بخلاف الخجل والثلاثة ملكات وكيفيات نفسانية وإنما كان الحياء بمعنى انقباض! النفس محموداً من الصبيان لأنه يدل على
العقل الغريزي وأمّا في الرجال فيذمّ لدلالته على قوّة الشهوة والهوى المنازع للعقل فتدبر. قوله: (والخجل الذي هو انحصار النفس عن الفعل مطلقاً) هذا مما زاده على الكشاف لأنّ الحياء لما كان وسطاً توقف معرفته على معرفة طرفيه فلذا ذكرهما والمراد بانحصارها نحيرها ودهشتها لفرط الحياء كما مرّ عن الراغب وقوله مطلقاً فسر في الحواشي بأنه سواء كان الفعل قبيحاً أولاً وسواء كان ذلك الانحصار لأجل مخافة الذم أولاً ومع ذلك جعل الحياء وسطاً ولا يخفى ما فيه فإنه حينئذ يكون أعتم من الحياء لأنه مقيد بما ذكر، ويخالف ما قاله الراغب: ولا يخفى أنه لا يكون إلا فيما يذمّ والمرأد ما يذمّ عادة سواء ذمّ شرمحا أم لا كانفلات الريح والظاهر أنّ الخجل أخص من الحياء فإنه لا يكون إلا بعد صدور أمرّ زائد لا يريده القائم به بخلاف الحياء فإنه قد يكون مما لم يقع فيترك لأجله وقوله في القاموس: وغيره من كتب اللغة خجل استحيا بناء على تسامحهم في أمثاله ثم إنه في الكشف قال إنه لم يرد بما ذكر تعريف الحياء فقد يكون لاحتشام من يستحيا منه بل هو الأكثر لكنه لما كان أمرا وجدانيا غنياً عن التعريف من حيث الماهية محتاجا إلى التبينة لدفع ما عسى يعرض! له من الالتباس نبه على أنه الأمر الذي يوجد في تلك الحالة، وهكذا الحكم في تعريف سائر الوجدانيات من العلم والإدراك وغيرهما فليحفظ هذأ الأصل فقد زل لإهماله كثير من حذاق العلماء، وتبعه الشارح المحقق وفيه أنّ قوله إنه وجدانيّ غنيّ عن التعريف لبداهته والتعريف يكون للنظريات مسلم في الأفراد الجزئية بالنسبة لمن قامت به، وأمّا الماهية الكلية فليست كذلك وهي المقصودة بالتعريف فما ادّعى من غفلة الحذاق عنه مما أصابته عين الكمال ولا حاجة إلى أن يقال إنه عرّف ليبني عليه كيفية جواز إطلاقه عليه تعالى وأمّا الاعتراض عليه بأنّ قوله قد يكون لاحتشام من يستحيا منه لا يعلم إلا بعد معرفة الحياء فهو دوريّ وأنّ ما ذكر خشية لإحياء لأنها خوف يشعر بتعظيم المخشي ومعرفته به فساقط لأنه بديهيّ عنده، ولأنّ الخشية لا تغاير الحياء من كل الوجوه كما يعلم من كلام الراغب. قوله: (واشتقاقه من الحيوة الخ (في الكشاف واشتقاقه من الحياة يقال حي الرجل كما يقال نسي وحشي وشظي الفرس إذا اعتلت هذه الأعضاء جعل الحيي لما يعتريه من الانكسار والتغير منتكس القوّة منتقص الحياة كما قالوا هلك فلان حياء من كذا ومات حياء، ورأيت الهلاك في وجهه من شدة الحياء وذاب حياء وجمد في مكانه خجلاَ وهذا ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى بعينه والنسا بفتح النون والقصر عرق يخرج من الورك وششبطن الفخذين ثم يمرّ بالعرقوب، ومنه المرضى المعروف بعرق النسا ومعنى حشي اعتل حشاه بأن أصابه الربو وهو مرض معروف يعلو منه النفس والحشا ما انضمت عليه الضلوع وهو قريب من الجوف معنى والأفعال الثلاثة من حشي ونسي وحيي بزنة علم والحيوة في
стр. 505
قول المصنف واشتقاقه من الحيوة ريص م في جميع النسخ بوإو بعد الياء كما ترسم الصلوة ونحوها كذلك فتقرأ ألفاً وقيل: إنها ولفظا
وخطا بوزن تمرة، ولم يعل لئلا يلتبس بحية واحدة الحيات وهو خطأ منه غرّة فيه ما وقع في القاموس فإنّ هذه اللفظة لم تثبت إلا شذوذاً فلا وجه لجعلها أصلا وان لم نقل باختصاصها بالعلم وفي تصريف أبن عصفور المسمى بالممتنع كون العين ياء واللام واواً نحو حيوت لا يحفظ في كلامهم في اسم ولا فعل فأمّا الحيوان وحيوة فشاذان والأصل فيهما حييان وحية فأبدلوا من إحدى الياءين واواً وزعم المازنيّ أنّ هذا مما جاء عينه ياء ولامه واوا وهو فاسد إلى آخر ما فصله. قوله: (فإنه انكسار يعتري الخ) هذا مما لم يتعرّض! أحد من شرّاح الكتابين لإماطة لثام الخفاء عنه وها أنا أفيدك ما به شفاء الصدور فأقول تحقيقه أنّ أبنية الأفعال وصيغها لها معان كما عقدوا لها بابا في مفصلات العربية وأصلها أن تكون لوجود مأخذ الاشتقاق والمعنى المصدري في الفاعل وقد تجيء لغير ذلك كما في رأسه وجلده إذا أصاب رأسه وجلده وللإزالة كما في قشر. إذا أزال قشره وللأخذ منه نحو ثلثه إذا أخذ ثلثه وقد تكون لإصابة آفة بأصله سواء كان معنى أو عينا وان خصه في التسهيل بالثاني كنسي إذا اعتل نساء وهذا معنى مستقل ويجوز إرجاعه للإزالة أو للإصابة أو الأخذ منه لأنه ينقص بنقص قوّته، ويؤيد الأوّل تمثيله له في الكشاف بقوله هلك فلان حياء كما يؤيد الأخير قوله منتقض الحياة إذا عرفت هذا فقوله انكسار الخ يعني به أنّ الحياة يتبعها قوى نفسانية كالإحساس ونحوه فإذا استحيا إنسان كانت قواه المحركة له لانقباضها منكسرة عما يريده، ولهذا أشار العلامة الكرمانيّ في شرح البخاريّ فقال الحياء الخوف من الحياة خوف المذمّة وقال الواحديّ: قال أهل اللغة الاستحياء الحياة لأن استحياء الرجل من قوّة الحياة فيه لشدة علمه بمواقع الذئم والعيب والحياة من قوّة الحس وهو عكس ما قاله الزمخشري: ولقد أجاد المصنف ﵀ في صنيعه حيث فسر الحياء أوّلاً ثم أتى في بيان اشتقاقه ما فسره به الزمخشريّ تتميماً للفائدة وايماء إلى تحادهما والانكسار إمّا مطاوع انكسر بالمعنى المشهور أو بمعنى الرجوع والانهزام فإنه شاع بهذا المعنى كما قال بعض المتأخرين: لقدكسرالشتاءقدوم ورد فإنّ الورد شوكته قوية
وهذا من المتن الإلهية والفوائد التي لا يعثر بها نظرك في غير هذا الكتاب. قوله:) وإذا وصف به الباري الخ) في شرح التأويلات للسمرقندفي اختلف أهل الكلام في إضافة الحياء إلى الله تعالى فقال قوم بجوازه لوروده في الآية والحديث لأنه قد يحمد منه ما لا يحمد من الشاهد كالكبر والحياء محمود فهو أحق بالإطلاق وقيل لا يجوز لأنه انقبا ضالقلب وانزواؤه لما يسوءه أو لخوف العجز وهو محال في حقه تعالى فلا يجوز إلا بتأويل كما سيأتي، ولما كان في الآية منفيا عنه وهو لا يقتضي اتصافه به ظاهراً أتى بالحديث الصريح فيه فقال كما جاء في الحديث الخ والحديث الأوّل
اخرجه البيهقي في الزهد عن انس ﵁ وابن أبي الدنيا عن سلمان رضمي الله عنه والثاني أخرجه أبو داود والترمذيّ وحسنه والحاكم عن سلمان وصححه بدون قوله: " حتى يضع فيهما خيراً) والحاكم عن أنس بهذه الجملة والشيبة بفتح فسكون مصدر شاب يشيب شيبا وشيبة، وبطلق على اللحية الشائبة أيضاً وكلاهما محتمل في الحديث والمسلم بالجرّ بدل من ذي بمعنى صاحب أو صفته وأن يعذبه بأن المصدرية بدل اشتمال مما قبله أي يستحيي من تعذيبه، وقوله إنّ الله الخ حديث آخر، ولم يعطفه لقصده التعديد وحيي بثلاث يا آت فعيل من الحياء بمعنى مستحي وقوله يستحيي الخ جملة مفسرة لا محل لها من الإعراب وإذا رفع الخ يدذ على استحباب رفع اليدين في الدعاء كما يستحب مسح الوجه بهما أيضاً كما أثبته ابن حجر في فتاواه الحديثين ورفعهما نحو السماء لأنها قبلة الدعاء تعبدوا وان كان الله تعالى منزهاً عن المكان والجهة وقيل: توجه للقبلة كما في شرح العقائد العضدية وفيه كلام ثمة، وقوله صفرأ بكسر الصاد المهملة وسكون الفاء ثم راء مهملة بمعنى خال لا شيء فيه مأخوذ من الصفير، وهو الصوت الخالي من الحروف يقال: صفر
стр. 506
يصفر كتعب إذا خلا فهو صفر وأصفر لالألف لغة فيه ولم يقل صفرين لأن اليدين كشيء واحد، ولأنه يستوي فيه الواحد المذكر وعيره لأنه مصدر في الأصل وفي الكشاف هو جار على سبيل التمثيل مثل تركه تخييب العبد، انه لا يرد يديه صفراً من عطائه لكرمه بترك من يترك رذ المحتاج إليه حياء منه وفي الانتصاف لمائل أن يقول ما الذي دعاه إلى تأويل الآية مع أنّ الحياء الذي يخشى نسبة ظاهره إليه تعالى مسلوب في الآية كقولنا الله تعالى ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض في معرض! التنزيه والتقديس وأمّا تأويل الحديث فمستقيم لأنّ الحياء فيه مثبت له تعالى، ويجاب بأن السلب في مثله إنما يطرأعلى ما يمكن نسبته إلى المسلوب عنه إذ مفهوم سلب الاستحياء عنه في شيء خاص ثبوته له في غيره فالحاجة داعية إلى تأويله وإنما يتوجه السؤال لو كان مسلوبا مطلقاً وقال العلامة فإن قيل يرد عليه النقض بقوله تعالى: ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٥٥] و ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ﴾ [سورة المؤمنون، الآية: ٩١] ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١٤] وأمثالها فإنها إن كانت إيجابات ورد السؤال عليها وان كانت سلوباً فلم لا لكون قوله لا يستحيي سلبياً فنقول نفي الحياء وصف مذمّة كما يقال للخائض فيما لا ينبغي لا
حياء له ولا يكون مذمة إلا إذا كان عما من شأنه الحياء فهو كمال له وسلبه عنه نقص وفي العرف لا يسلب الحياء إلا عمن هو من شأنه فلذا احتاج للتأويل بخلاف ما في الآيات الأخر، وأيضاً هو مقيد يرجع نفيه إلى القيد فأفاد ثبوت أصل الفعل أو إمكانه لا أقل فاحتاج إلى التأويل كما إذا قيل لم يلذ ذكرا ولم يأخذه نوم في هذه الليلة، وليس بعرض قارّ الذات. قوله: (فالمراد به الترك اللازم للانقباض الخ) إشارة إلى ما مرّ من أنّ الانقباض النفسانيّ والتغير مما لا يحوم حول حظائر قدسه فلا بدّ من تأويله والتجؤز فيه بما يصح نسبته إييه تعالى كما في غيره من أمثاله، فأوّل بما ذكر وقوله في الانتصاف أن كلام الزمخشريّ يدل على أنّ التأويل إنما يحتاج إليه في الحديث دون الآية وهم يعرفه من عنده إنصاف لأنّ قوله وكذلك معنى قوله إنّ الله لا يستحي الخ ينادي على خلافه ولكن لكل جواد كبوة والعجب من بعض الناس إذ قال إنه أوجه وقوله اللازم يقتضي أنه مجاز مرسل لاستعماله في لازم معناه كالرحمة والغضب وقوله سابقا ترك من يستحيي ولاحقاً لما فيه من التمثيل يقتضي أنه استعارة تبعية سواء كانت تمثيلية أولاً كما مرّ تحقيقه ويدفع إن لم يقل بجواز الأمرين عند. وأنّ هذا إشارة له بأنه ليس مجازاً عن مطلق الترك حتى يكون كذلك بل عن ترك ناشئ من الاستحياء فيشبه تركه تعالى لها لحقارتها بترك العظيم سفساف الأمور استنكافا عنها كترك المشي في السوق وأطلق اسم المشبه به على المشبه، وذكره اللازم لأنّ كل مجاز مرسلا كان أو استعارة ينتقل فيه من الملزوم إلى اللازم غايته أن يكون اللزوم في الاستعارة بطريق التشبيه مبالغة لادعائه أنه منه فلذا اختاروه هنا وما قيل من أنّ هذا تكلف لأن الحياء ليس معناه حقيقة الترك حتى يشبه به تركه تعالى تخييب العبد الخ خبط غنيّ عن البيان. قوله: (ونظيره قول من يصف الخ) هو من قصيدة للمتنبي مدح بها ابن العميد أوّلها:
نسيت وما أنسى عتاباً على الصد ولا خفراً زادت به حمرة الخد
ومنها:
كفانا الربيع العيس من بركاته فجاءته لم تسمع حداء سوى الرعد
إذا ما استحين الماء يعرض نفسه كرعن بسبت في إناء من الورد
وما ذكره المصنف ﵀ تبعاً للزمخشري بناء على ما رواه ابن جني في شرحه من أنه استحيز بمهملتين من الاستحياء، وبسبت في هذه الرواية بسين مهملة مكسورة وباء موحدة ساكنة ومثناة فوقية وهو الجلد النقيّ المدبوغ ومنه النعال السبتية، واستعير هنا المشافر الإبل لنقائها ولينها قال يقول إذا مرّت هذه الإبل بالمياه والغدران التي غادرتها السيول لكثرتها صارت كأنها تعرض نفسها على الإبل فتشرب منها وكأنها مستحيية منها لكثرة ما تعرض نفسها عليها
وإن كان لا عرض هناك ولا استحياء في الحقيقة ولكنه جرى مثاً وكر عن بمعنى شربن وأصله ااحيوان يدخل أكارعه حين يخوض المياه ليشرب منها
стр. 507
بفمه ثم عمّ لكل شرب وجعل الموضع
المتضمن للماء لكثرة الزهر فيه كأنه إناء من ورد والمعنى أنه يصف كثرة مياه الأمطار في طريقه ٨ انه أينما ذهب رأى الماء يجري فكأنه يسعى لإبله ليعرض نفسه عليها فالإبل تستحيي من ردّه هـ! نه سائل لا يردّ مثله نهرا لكثرة عرضه نفسه عليها فتكرع فيه بمشافر كالسبت والأرض المنبتة ا! ازهار كاناء من الورد ممتلئ ماء وقال أبو الفضل العروضيّ في شرحه للمتنبي: ما أصنع، / جل ادّعى أنه قرأ على المتنبي، ثم يروي هذه الرواية ويفسر هدّا التفسير وقد صححب روايتنا من جماعة منهم الخوارزميّ والشعوانيّ وغير ما إذا ما استجبن بجيم وباء موحدة استفعال من الأجابة وكر عن بشيب بثين مكسورة ومثناة تحتية ساكنة وباء موحدة والاستجابة بالغرض أشبه االمعنى أنّ هذا يعرض نفسه وذاك يجيب والكرع بشيب أن تثرب الإبل الماء فتصوّت مشافرها اضيب شيب اسم صوت في شربها كما في قول ذي الرمة:
تداعين باسم الشيب في متثلم
وقال الواحدي: ليس ما قاله ابن جني ببعيد عن الصواب والكرع في الماء بالسبت أحسن
! " ق مشفر الإبل يشبه في صحتة ولينه بالجلود المدبوغة بالقرظ كما في قول طرفة:
وخد كقرطاس الشآمي ومشفر كسبت اليماني قذه لم يجرّد
يقول تكرع فيه بمشافرها التي هي كالسبت وهو صحيح وشيب في حكاية صوت الإبل
ءصد الشرب صحيح لكن لا يقال كرعت الإبل في الماء بثيب إذا شربته فالسبت هنا أولى انتهى اللت (إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل فإنّ ابن جني وناهيك به يروي ديوان المتنبي عنه وقد ٥١٥ مت الرواية هنا الدراية فالحق ما قاله كما أشار إليه الإمام الواحدي ولذا رجحه العلامة ونظر / " من غير نظر إلى الرواية الأخرى التي عليها لا يكون نظيراً بوجه والتنظير باستعماله الاستحياء --. ت لا يتصوّر معناه الحقيقي لإسناده إلى الإبل وإليه أشار المصنف ﵀ بقوله يصف إبلا " - يرد عليه انّ اللازم هنا عكس ما في القرآن فإن الاستحياء ثمة من الفعل ولازمه الترك وهنا ١٠، الترك ولازمه الفعل أي شرب الماء كما قيل: مع أنه يصح أن يراد باستحين تركن الانصرافء، واستحين فيه كقراءة من قرأيستحي بحاء مكسورة وياء ساكنة كما روي عن ابن كثير وهي اء، تميم وبكر كما فصمل وجهه في اللغة والتصريف فنقلت فيه حركة الياء الأولى إلى الحاء ١١ صاكة فالتقى يا آن ساكنان فحذفت أولاهما واسم الفاعل منه مستح والجمع مستحون ومستحين اوص في البيت أمور أخر لطائف أدبية تركناها خوف الملل. قوله: (وإنما عدل به عن الترك الخ (اي عدل عن الترك الدالّ على المراد بالصراحة والمطابقة إلى ما ذكر من الاستحياء اا. حتاج للتوجيه لأنه اسنعارة وتمثيل وهي تدل على إثبات الشي! ببينة وتقرير مع ما فيه من
المبالغة والبلاغة على ما تقرّر في المعاني، وهذا صريح في أنه ليس بمجاز مرسل كما مرّ وقيل: إنّ في كلامه احتمالات منها أنّ قوله لما فيه من التمثيل إشارة إلى أنه استعارة إمّا تمثيلية مركبة صرّج فيها بما هو العمدة من الاستحياء وجعل بواقي الألفاظ منوية كما سبق أو استعارة تبعية، والتمثيل بمعنى مطلق التشبيه ومنها أن قوله فالمراد به الترك اللازم للانقباض الخ إيماء إلى جواز كونه مجازاً مرسلاً من باب إطلاق اسم الملزوم على اللازم وفيه نظر، ثم إنه قيل إن في هذه العبارة خللا وحقها عدل إليه عن الترك قال الليث: العدل أن تعدل الشيء عن وجهه تقول عدلت فلانا عن طريقه وعدلت الدابة إلى موضع كذا، وتعديته بالباء إذا قصد به معنى التسوية قال الجوهري عدلت فلاناً بفلان إذا سوّيت بينهما فالجمع بين الباء وعن جمع بين الضب والنون ولا يخفى أنّ هذا إنما يرد عليه إذا جعلا للتعدية ولا داعي له غير محبة الاعتراض! والتشبث بأذيال النقض فالباء إمّا ظرفية أي إنما عدل في النظم أو التعبير أو سببية أكب إنما عدل عن الأصل بسبب ما ذكر، وهو أظهر من أن يخفى على مثله. نعم ما قيل هنا من أن الباء للتعدية والضمير راجع إلى التعبير المدلول عليه بالقرينة أي جعل التعبير عادلاً ومجاوزاً عنا الترك بمعنى أنه لم يقع به بل بالاستحياء ولا يجوز أن يرجع إلى الاستحياء لفساد المعنى يرد عليه ما ذكر مع ما فيه من التكلف
стр. 508
المؤدّي إلى التعقيد بغير فائدة، وقوله من التمثيل عرفت معناه وما قيل في شرحه أنه بمعنى الاستعارة التمثيلية وبه يظهر أنّ المستعار في الاستعارة التمثيلية قد يكون لفظا مفردا دالاً على أمور متعددة كما مرّ مرارا فلا تغفل تبرّع بما لا يملك لمن لا يقبل فتذكر. قوله: (وتحتمل الآية خاصة أن يكون مجيئه على المقابلة) المراد بالمقابلة هنا معناها اللغوقي لا ما ذكر في البديع أي مجيئه في هذه الآية لا الحديث ونحوه للمشاكلة لما وقع في كلامهم من قولهم أما يستحيي رب محمد أن يضرب مثلا بالذباب والعنكبوت وفي الكشاف جاءت في سبيل المقابلة واطباق الجواب على السؤال وهو فن من كلامهم بديع وطراز عجيب منه قول أبي تمام:
من مبلغ أفناءيعرب كلها أني بنيت الجارقبل المنزل
وشهد رجل عند شريح فقال: إنك لسبط الشهادة فقال الرجل: إنها لم تجعد عني فقال:
لله بلادك وقبل شهادته فالذي سوّغ بناء الجار وتجعيد الشهادة مراعاة المشاكلة ولولا بناء الدار لم يصح بناء الجار ولولا سبوطة الشهادة لامتغ تجعيدها وهو كما قاله الشارح المحقق، يعني أنّ المشاكلة في غير الاستعارة وظاهر أنه ليس بحقيقة لكن وجه التجوّز فيه غير ظاهر، ولذا قال: فن بديع وطراز عجيب، وظاهر كلامهم أنّ مجرّد وقوع مدلول هذا اللفظ في مقابلة ذاك
جهة التجوّز والجواز لإخفاء في أنه يمكن في بعض صور المشاكلة اعتبار الاستعارة كان يشبه انقب! اض الشهادة عن الحفظ وتأتيها عن القوّة الذاكرة بتجعيد الشعر لكن الكلام في مطلق المشاكلة سيما في مثل قوله:
قلت اطبخوا إلى جبة وقميصا
فالمراد بالصحبة التي جعلت علاقة هنا الصحبة التحقيقية أو التقديرية والمتصاحبان مدلولاً اللفظين في الخيال لا اللفظان نفسهما في الذكر كما قيل لأنّ الصحبة الذكرية بعد الاستعمال والعلاقة مصححة للاستعمال فلا بد من تقدمها مع أنّ المتأخر الصحبة التحقيقية لا التقديرية والصحبة كما تكون تحقيقا تكون تقديراً كما أنها تكون بيم! الشيء ومشاكله وبينه وبين ضده كما في قوله من طالت لحيته تكوسج عقله، ومنها أيضا ماله علاقة أخرى على كلام فيه دكرناه في رسالة مستقلة وما قيل من أنّ المشاكلة واسطة بين الحقيقة والمجاز وأنّ العلاقة فيها الشبه الصوري كما تطلق الفرس على صورتها مما لا يلتفت إليه لظهور فساده. قوله: (وضرب المثل اعتماله الخ) اعتماله بمعني عمله واختراعه من عند نفسه لا بمعنى التكلم به مطلقاً كما بقوله من يورد مثلاً في كلامه، والاعتمال باللام كما وقع في كثير من النسخ مبالغة في العمل، ن صيغة الافتعال ترد كثيراً لذلك، ولما كان المخترع للمثل أتى بأمر بديع شبه بمن يجتهد في الصناعة ويتأنق فيها وقيل: إنه ليس بسديد لأنّ الاعتمال هو العمل لنفسه كما صرّج به في ا، ساس وهو لا يلائم قوله من ضرب الخاتم فإنه أعمّ من كونه لنفسه وغيره فالمخصوص وخمسه هو اضطرابه كما روي أنّ رسول الله ﷺ اضطرب خاتما من ذهب ثم ألقاه ثم أخذه من ورق نقش فيه محمد رسول الله والسديد اعتماده بالدال المهملة كما في بعض النسخ كما في الكشاف وهو القصد إليه وصنعه من ضرب اللبن وضرب الخاتم ولا يبعد أن يكون ما في الكتاب من تحريف الناسخ وسيأتي هذا في يس (أقول) تبع في هذا الفاضل التفتازانيّ في شرحه هنا فبنى عليه تخطئة الناسخ وليس في الأساس ما توهمه، والذي فيه إنما هو تفسير الاعتمال، التعميل بالاجتهاد ولا يتعمل لنفسه ويستعمل غيره ويعمل رأيه ويتعمل في حاجات الناس أي
يتعنى ليجنهد وأنشد سيبور ﵀:
إنّ الكريم وأبيك يعتمل إن لم يجديوماً على من يتكل
الخ ولو سلم أنّ الافتعال هنا للعمل بنفسه لأن افتعل يأتي لذلك كاكتحل وادّهن واتخذ فالمصنف توسع فيه فاستعمل المقيد للمطلق ومثله كثير سهل وما فسر به اضطرب في الحديث لا ينافيه وفص ٥ في النهاية بأمر يضربه والحديث المذكور وان روي عن عليّ ﵁ منسوخ بآخره كما صرّحوا به وقد فسر الاعتماد هنا بالذكر وبالقصد إليه وبجعل مضربه معتمدا على مورده وذكر المدقق في الكشف أنه
стр. 509
إشارة إلى إظهار المناسبة بين الموضوع الأصليّ وهو الاعتماد المؤلم وبين ما استعمل فيه مناسبة وأشار إلى أنّ فيه معنى الجعل ولهذا جوّز تعديته إلى مفعول واحد والى مفعولين وأمّا أخذه من ضربك أي مثلك على معنى أن يمثل لهم مثلاً كما ذكره في سورة يس، فلم يذكره لأنه مرجوج ههنا، وفيه إشارة إلى أنّ المضرب والمورد في أمثاله تعالى لا يفترقان وإنه تعالى ضربه أشد لا أنه شبه المضرب بالمورد وأنه متناول للتشبيه التمثيليّ والاستعارة التمثيلية فاشية كانت أولاً. قوله: (وأصله وقع شيء على آخر) أي معنى الضرب الحقيقي هو إيقاع شيء على شيء وهل يعتبر قصد الإيلام فيه أولاً فيه كلام لهم وقال الراغب الضرب إيقاع شيء على شيء وضمرب المثل من ضرب الدراهم وهو ذكر شيء أثره يظهر في غيره فهذا مجاز متفرّع على مجاز آخر ملحق بالحقيقة لاشتهاره أو هو حقيقة عرفية وقوله وأن بصلتها مخفوض الخ في الكشاف أن استحيا يكون متعدّيا بالحرف وبنفسه وعلى الأوّل اقتصر المصنف ﵀ تبعا للراغب إمّا لأنه الأفصح أو لأنّ الآخر عنده من الحذف والإيصال وحينئذ فمحل المصدر إفا نصب أو جز على الخلاف المشهور وعلى الثاني نصب قطعا، وما قيل: من أنّ يستحيي إذا كان بمعنى يترك استغنى عن حرف الجرّ لأنّ الترك يتعدى بنفسه فإن كان بمعناه الحقيقيّ يجب تقدير الحرف غفلة عن أنّ المجاز المخالف لأصله في التعدية يجوز فيه النظر لأصله، ولمعناه المجازي كما قرّرناه في محله فتدبر. قوله: (وما إبهامية تزيد النكرة إبهاماً الخ) يعني أنها اسم بمعنى شيء يوصف به النكرة لمزيد الإبهام وسذ طريق التقييد وقد يفيد مع ذلك معنى آخر كالتحقير في نحو أعطاه شيئاً ما والتعظيم في نحو لا مرّ ما جدع قصير أنفه والتنويع في نحو اضربه ضربا ما وهذا مما يتفرع على الإبهام فهي على هذا اسم يوصف به كما يكون موصوفا وبه صرّج النحاة كابن هشام وغيره، وقال أبو البقاء: إنها نكرة موصوفة فقدر صفتها وجعل بعوضة بدلاً منها وغيره جعلها صفة لها واليه ذهب الفرّاء والزجاج وثعلب فما بدل من مثلا وجعلها الزمخشرفي في المفصل زائدة وهو مذهب لبعض النحاة فيها كما في الدرّ المصون فليس بين كلاميه منافاة ومعارضة كما توهم فإن قلت يستحي مآل معناه يترك كما مرّ فعلى العموم يصير المعنى إنّ الله لا يترك أيّ مثل كان فيقتضي أنّ جميع
الأمثال مضروبة في كلامه وليس كذلك قلت ليس المنفيّ مطلق الترك بل الترك لأجل الاستحياء فالمعنى لا يترك مثلاَ ما استحياء وإن تركه لأمر آخر أراده، ومن هنا يظهر لك أنه استعارة ووجه عدم التفاتهم لكونه مجازاً مرسلا كما مرّ. قوله: (أو مزيده للتثيد الخ الما توهم أنّ الزائد حشو ولغو فلا يليق بالكلام البليغ فضلا عن المتحلي بحلية الإعجاز دفع بأنه إنما يكون كذلك لو لم يفد أصلاً وليس كذلك، فالمراد به ما لم يوضع لمعنى يراد به وإنما وضع ليقوّي الكلام ويفبده وثاقة فلا يكون لغواً ولذا سموه في القرآن صلة ولم يطلقوا عليه الزائد تأدّبا وان كانت زائدة باعتبار عدم تغير أصل المعنى بها، واستشكل ببعض الحروف المفيدة للتأكيد مثل إنّ واللام حيث لم تعد صلة فإن اشترط عدم العمل انتقض بلام الابتداء حيث لم تعمل وبزيادة بعض الحروف الجارّة حيث عملت وقد تكون حروف الصلة لتزيين اللفظ واقامة الوزن والسجع وزيادة الفصاحة، وقيل عليه أن من الزائدة بعد النفي تفيد الاستغراق كما ذكره الزمخشريّ في تفسير قوله تعالى: ﴿مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ﴾ أسورة الأعراف، الآية: ٨٠] فقد يغير بها أصل المعنى فيخالف ما ذكر. المصنف وغيره وليس بوارد لأنّ النكرة في النفي تفيد الاستغراق وتحتمله فقد كان الكلام دالاً عليه ومن أكدته ولم تغيره ولذا شرط في زيادتها على الأفصح تنكير مجرورها وسبق النفي عليها وهو مسبوق بهذا الاعتراض، وأشار العلامة في شرح الكشاف إليه وإلى دفعه بأن ما وضع للتأكيد يقصد جعله لفظا ومعنى جزءاً منه. فمعنى قولنا إنّ زيداً قائم قيام زيد ثابت محقق ولذا دفع به الإنكار وجعل نظير الجص بين الآجر والمسامير بألواح الباب التي تعذ جزءاً منه ولا ينتفع به فيما قصد منه بدونها والزائد لم يقصد به ذلك فهي كالضبة التي ليست جزءاً منه وإنما تفيد وثاقة فهو باعتبار المراد وضعا مهمل ومشابه لغير المهمل والتأكيد هنا إمّا لمثلاً فيكون بمعنى حقاً أو الجملة فيكون بمعنى البتة
стр. 510
كما في شرح الكشاف، فان قلت هل هي كلمات نحوية أم لا قلت: صرّح بعض شرّاح الكشاف بأنها ليست بكلمات اصطلاحية حقيقة، وقيل: إنها كلمات لأنها ألفاظ موضوعة لمعنى في غيرها وهو القوّة والوثاقة التي أفادتها لما ذكر معها ولا يخفى أنّ الواضع لم يضعها لما ذكر وإلا لم يكن بينها وبين أن ولام التأكيد فرق فعذها منها تسامح فتدبر.
قوله: (عطف بيان لمثلاَ الخ) على هذا المعنى إنّ الله جل وعلا لا يستحيي من ضرب
أيّ مثل أراد حقيراً كان أو لا لكون النكرة في سياق النفي فلا يرد عليه أنّ عطف البيان للتوضيح ولا يتم لا يستحي أي يضرب مثلاً بدون بعوضة إذ لا استحياء من ضربه إلا أن يقال
إن التنوين للتحقير ولم يتعرض للبدلي٤ لأنّ البدل هو المقصود بالنسبة عندهم وليس بظاهر هنا وهذا رجحه أبو حيان على كونه عطف بيان لأنه لا يكون في النكرات عند الجمهور وكون البدل هو المقصود بالنسبة ليس على ظاهره ففي نصب بعوضة وجوه من الإعراب تسعة وهي أن تكون صفة لما أو بدلاً منها أو عطف بيان إن قيل بجوازه في النكرات أو بدلاً من مثلاً أو عطف بيان له إن قيل ما زائدة، أو مفعولاً ومثلاَ حال أو منصوبا على نزع الخافض والتقدير ما من بعوضة فما فوقها كما نقل عن الفراء والفاء بمعنى إلى كما في قوله:
يا أحسن الناس ما قرنا إلى قدم ولا حبال محب واصل يصل
أو مفعولاً ثانيا أو أوّل.
قوله: (أو مفعول ليضرب مثلأ حال الخ) قال في شرح الفاضل التفتازاني لاخفاء في أنه
لا معنى لقولنا يضرب بعوضة إلا بضم مثلا إليه فتسميته مثل هذا مفعولاً ومثلا حالاً بعيد جداً وتوهم كونه حالاً موطثة غلط ظاهر فإنّ مثلا هو المقصود وإنما يستقيم لو جعل بعوضة حالاً ومثلا صفة له مثل أنزلناه قرآناً عربيا (قلت الا غلط فيه فانّ الحال قد تكون هي المقصودة بحسب المعنى والصناعة كما ذكروه في نحو ما شأنك قائماً فإن المسؤول عنه القيام ولولاه لم يفد الخبر فقد وطأت له الخبرية ولكن الكلام في صحة تقدمها كما ستراه مفصلاً إن شاء الله تعالى ثم إنه إذا نصب مفعولاً واحداً يكون بمعنى يبين ويذكر فكيف يقال إنه لا معنى لقوله يضرب بعوضة إلا بذكر مثلا متأمل. قوله: (أو هما مفعولاه لتضمته معنى الجعل الخ أليس المراد بالتضمين هنا المعنى المصطلح بل اللغوي وهو كون الجعل في ضمنه لأنه جعل مخصوص ولذا عده النحاة من الأفعال التي تنصب المبتدأ والخبر كجعل وان ضعفوه ولذا أخر هنا، وعلى هدّا القول قيل لا بد من أن يكون أحد مفعوليه لفظ مثل وقيل: لا يشترط ذلك كقولهم ضربت الطين لبناً، ومثلاً المفعول الثاني وبعوضة الأوّل وجوّز المعرب عكسه وصح التنكير لحصول الفائدة إذ القصد بها إلى أصغر صغير فاندفع قول الطيبي أنه أبعد الوجوه لندرة مجيء مفعولي جعل نكرة إذ أصلهما المبتدأ والخبر ولذا قال المدقق في الكشف: إنه ليس بشيء لأنّ البعوضة فما فوقها فيه معنى التعميم والوصف أيضا أنه بمعنى صغير وأصغر أو صغير وكبير وقيل: عليه أنه يقتضي الصحة ولا يدفع الندرة وفيه ما لا يخفى لمن له نظر. قوله: (وعلى هذا تحتمل ما وجوهاً أخر الخ) قراءة الرفع كما قاله ابن جني: حكاها أبو حاتم عن أبي عبيدة عن رؤبة والظاهر أنّ مثله ليس بالرأي كما يومىء إليه قول صاحب الانتصاف لا يجوز أن يذهب القارىء في القراءة إلى ما يختاره بل يعتمد على ما يروبه الثقات فإنه يوهم أن الرفع لم يرو هنا عن الثقات، والمراد انّ جموع هذه الاحتمالات مخصوصة بالرفع بحسب الظاهر فلا
، رد عليه ما قيل: من أنه صريح في أنها لا تحتمل الموصولية على قراءة النصب وليس كذلك *ـمد ذكر ابن جرير أنه على قراءة النصب يجوز أن تكون ما موصولة حذف صدر صلتها، فإن ليل: إئه لا وجه له أجيب بأنّ له وجهين أحدهما أنّ ما لما كانت في محل نصب وبعوضة صلها أعربت باعرابها كما في قوله:
فكفى بنا فضلاعلى من غيرنا
فإنّ غيرنا أعربت بإعراب من والعرب نفعل ذلك في من وما خاصة تعرب صلتهما
، ١ عرابهما والثاني أنه على تقدير ما بين بعوضة إلى ما فوقها فحذف بين ونصب بعوضة لاقامته مقامه ثم حذف إلى اكتفا بالفاء على حد قولهم أحسن الناس ما قرنا فقدما أي ما بين قرن إلى! ا- م على أنّ في صحة ما ذكر نظر الآن إعراب الصلة! اعراب الموصول إما بتبعيته كالبدلية مثلا او بدونها
стр. 511
وعلى الأوّل لا يصح كونه صلة، والثاني لا نظير له ونصب بعوضة على الظرفية في عاية البعد فلا وجه له أو وجهه منزل منزلة العدم عندهم ولذا قال في الانتصاف: إنه غير مستقيم وهذا وجه ترك المصنف ﵀ له، والضمير في قوله قرئت للأية أو لبعوضة فتذكير صمير أنه لتأويله بلفظ أو لرعاية الخبر وعلى كون ما موصولة أو موصوفة هي في محل نصب لحلى أنها بدل من قوله مثلاً وبعوضة عليهما خبر مبتدأ أي الذي هو بعوضة، والجملة صفة أو صلة حذف صدرها مع عد اطولها كما في قوله تعالى: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِيَ أَحْسَنَ﴾ [سورة ا، لعام، الآبة: ٥٤ ا] في قراءة أحسن أفعل التفضيل المرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف وهو مليل في غير أيّ الموصولة وقيل أنّ ما على هذه القراءة أيضا يحتمل النفي والتقدير حينئذ ما،! وضة فما فوقها متروكة فحذف الخبر لدلالة لا يستحيي عليه. قوله: (واستفهامية هي المبتدأ الخ) وهذا استفهام إنكاريّ مؤكد للردّ كما في المثال المذكور وقال في الانتصاف: إنه غير. ـ حستقيم لأنّ مثله يقع للتنبيه بالأدنى على الأعلى كما يقال: هو يعطي الأموال فما الدينار االديناران وهم أنكروا ضرب المثل بالذباب فلا يستقيم أن تكون البعوضة فما فوقها في الصغر ١١ الكبر كذلك وقال في الانصاف: لو تأمل حق التأمل لم يرد هذا لأن المسلوب عنه تعالى أن وحتحى من ضرب أيّ مثل كان فما البعوض فما فوقه لأنه ليس بخارج عنها حتى ينكر ولا يلزم ١١، لراعي ما ذكر من الانكار للتنبيه الذي ذكره بل أنكر على من سمع أمرا كلياً فتردد في بعض. ء ئياته وتمثيله بما يبالي بما وهب من المال فما دينار وديناران ليس كالمثال الذي ذكره اا.! ترض والحاصل أنه تعالى له أن يمثل بما يكون على وفق الممثل له في الحقارة وغيرها فما " ال الحقير والأحقر حتى لا يمثل به لما هو حقير، وقال طيب الله نراه ما في الأنصاف يشعر
بأنّ ما بعوضة الخ من باب التذييل وأنه يؤكد معنى العموم في قوله أن يضرب مثلاً وبعوضة فما فوقها للاستيعاب والشمول كقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [سورة مريم: الآية: ٦٢] سواء اعتبرت الصغر والكبر أو لا والذي يفهم من كلام المصنف ﵀ أنّ التفسير الأوّل لقوله فما فوقها من باب الترقي كقوله تعالى: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٠ ا] والثاني من باب الأولوية كقوله تعالى: ﴿فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٢٣] وإلى الأوّل أشار بقوله أبلغ وأعرف فيما وصف به والى الثاني بقوله كأنك قلت فضلاً عن الدرهم والدرهمين وقال الفاضل اليمني لسان جار الله بقول: عليّ نحت القوافي من معادنها
فما ذكوه حق أبلج وما سواه باطل لجلج لأنّ الكمار أنكر واضرب المثل بالذباب والعنكبوت لخستهما في أنفسهما والبعوضة فما فوقها أقل وأحقر مما استنكروه فإذا جاز أن لا يستحيي من ضرب المثل بهما قبالأولى أن لا يستحي من ضربه بما هو أكبر منهما فنبه بجواز ضرب الأدنى عدى ضرب الأعلى وكون البعوضة فما فوقها أكبر في الحقارة من يمنعه (أقول) تحقيقه أنّ نفي الأدنى يدلّ على نفي الأعلى بطريق الدلالة لأنّ الترقي في النفي بنفي الأعلى ثم نفي الأدنى مثل فلان لا يستحي أن يعطي سائله الدرهم ولا الفلس وفي الإثبات باثبات الأدنى ثم إثبات إلا على مثل فلان يعطي سائله الدرهم بل الدينار ففيما نحن فيه نفي الاستحياء من ضرب المثل بالبعوضة فما فوقها مما هو أصغر من الذباب والعنكبوت فدل على عدم الاستحياء من ضرب المثل بالذباب والعنكبوت بالطريق الأولى لأنهما أكبر من البعوضة ونفي الأعلى أدنى من نفي الأدنى ومنشأ الشبهة في النفي والإثبات عدم الفرق بين الترقي في النفي والإثبات فسقوط ما مرّ من القال والقيل غير محتاج إلى دليل. قوله: (والبعوض فعول من البعض الخ) يعني إنّ البعوض نعول صفة بمعنى المقطوع ولذا سمي في لغة هذيل خموس والخمش والخدس كله بمعنى الجرح اليسير لكنه مخصوص بالوجه وهذه المادة كلها تدل على ذلك كالبضع وهو كالقطع لفظاً ومعنى وكذا العضب للسيف القاطع، والبعض بفتح الباء الموحدة وسكون العين المهملة وضاد معجمة كما يكون اسماً جامداً مقابلاَ لكل يكون مصدراً كالقطع لفظاً ومعنى وقد تلطف المطوعي في قوله:
ياليلة حط رحلي فيها بشرّ محل
стр. 512
فأذهب الحز بردي وأذهب البعض كلي
وأراد بالبرد النوم وبالبعض لسع البعوض ففيه مع التورية الإبهام وحسن التقابل. قوله:
(أو ما إن جعلت اسماً الخ) يعني أنّ هذه الفاء عاطفه ترتيبية بحسب الرتبة على كلا معنيي فما
فوقها من التنزل والترقي وظاهره أنّ صحة العطف على ما جار على جميع وجوه الاسمية سواء كان موصولاً أو موصوفا أو استفهاما وقد صرح به من قال: ما الأولى إن كانت صلة أو إبهامية وتلنا إنّ الإبهامية حرف فالثانية معطوفة على بعوضة وان كانت ما الأولى اسماً سواء كانت مرصولة أو موصوفة أو استفهامية فالثانية معطوفة عليها ومحلها محلها من الرفع والنصب السابق، وقيل إنه ليس على إطلاقه بل هو مخصوص بما إذا كانت اسما موصولاً أو موصوفا على رفع بعوضة أما إذا جعلت اسما مبهماً صفة لمثلا فلا يحتمل قوله فما فوقها العطف عليه ولصرصور الحال أطلق المقال وقيل: أيضاً إنه على تقدير الاستفهام لا يصح العطف أيضاً لأنّ بعوضة خبره فيصير ما فوق البعوضة بعوضة فالتعميم والإطلاق ليس بصحيح فتدبر.! قوله:) ومعناه ما زاد عليه في الجثة الخ) في الكشاف فما فوقها فيه معنيان أحدهما فما تجاوزها وزاد عليها في المعنى الذي ضربت فيه مثلاً وهو القلة والحقارة نحو قولك لمن يقول فلأن أسفل الناس وأنذلهم هو فوق ذلك تريد هو أبلغ وأعرق فيما وصف به من السفالة والنذالة والثاني فما راد عليها في الحجم الخ. والى هذين المعنيين أشار المصنف ﵀ إلا أنه عكس ترتيبه، ن الثاني يتبادر من الفوقية والزمخشري قدمه لما سيأتي فالمراد على الأوّل بالفوقية الزيادة في حجم الممثل به فهو ترق من الصغير للكبير وعلى الثاني الزيادة والفوقية في المعنى الذي وقع التمثيل فيه وهو الصغر والحقارة فهو تنزل من الحقير للأحقر قيل: والأوّل أوفق بسبب نزول الآية والثاني أقضى لحق البلاغة وفيه نظر، والذي ارتضاه المدقق في الكشف إن ما قدمه الزمخشريّ وجعله المصنف ثانيا أولى واليه ميل المحققين، قال: وهو الحق لأنه المعنى الذي سيق له الكلام ولأنه المطابق للمبالغة، وأما الحمل على الثاني فلا يظهر وجهه إلا إذا خص لمورد النزول وأنه كان في نحو الذباب والعنكبوت أو بجعل البعوضة عمود التحقير وكلاهما غير ظاهر وهذان الوجهان على المشهورة وأما على قراءة الرفع فإن جعلت ما موصولة ففيه الوجهان وان جعلت استفهامية فقد أوضحه حق الايضاح وبين أنّ المعنى فما فوقها في الحجم لقوله ما دينار وديناران وحينئذ يتعين هذا المعنى لأنّ العظم مبتدأ من البعوضة إذ ذاك فافهم،) أقول (: وكون الثاني أبلغ وأوفق بسبب النزول مسلم وأمّا إنه على الثاني لا بدّ من التخصيص أو جعل البعوضة عمود التحقير فلا لأنه لو قصد التعميم وتسوية الصغير والكبير في صحة التمثيل وحسن موقعه كان حسنا ظاهراً كما لا يخفى كأنه قيل: في الردّ عليهم للعليم الخبير أن لمثل بكل صغير وكبير بحسب مقتضى الحال! من غير نكير، وكأنه لهذا لم يعرّح عليه غيره من الشراح وغير المصنف ﵀ الترتيب فتدبر. قوله: (كأنه قصد به رذ ما استنكروه) أي عدّوه منكراً وان لم يكن كذلك كما يقال استقبحه واستجهله وقد عزى هذا البعض السلف كقتادة فالمراد بما فوقها ما هو أكبر جثة كالكلب والحمار وهو ردّ على الجهلة القائلين إنّ الله أجل من ان يضرب الأمثال بالمحقرات من الذباب والعنكبوت وليس قوله كأنه إشارة إلى ضعف هذا
الوجه لما مر لأنه عبر بذلك أيضا في الوجه الآخر حيث قال: قبل هذا كأنه لما ردّ استعبادهم الخ لأت توجيه بما سمعته آنفاً فمن قال في حواشيه هنا قوله فما فوقها ترقياً من البعوضة إلى ما هو أكبر منها فإنّ الكفار لما استنكروا ضرب المثل بالذباب والعنكبوت وكان يتصوّر أن يتحقق ما هو أحقر منهما وأصغر ى ن المناسب في ردّ كلامهم أن يذكر ذلك الأحقر والأصغر ليترقى منه إلى ما ذكروه من الذباب والعنكبوت فيقال لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فضلا عما يقود ونه لم يطبق مفاصل الكلام، ولم يقرب من المرام نافهم. قوله: (ونظيره في الاحتمالين الخ) المراد بالاحتمالين ما فسر به ما فوقها، وقوله أو في المعنى عطف على قوله في الجثة وهو الوجه الثاني، والمراد بما فوقها فيه الأصغر
стр. 513
الأحقر وقوله كجناحها أي كجناح البعوضة إشارة إلى ما ورد في الحديث من قوله ﵊ " لو كانت الدنيا ثعدل عند الله جناج بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء " وهو حديث صحيح أخرجه الترمذي عن سهل بن سعد ولله در ابن المقري ﵀ في قوله في تائيته المشهورة.
فقد ضاع عمر ساعة منه شري بملءها والأرض أية! مة
أبنفق هذا في هوى هذه التي أبى الله أن تسوى جناح بعوضة
وقوله ما روي أنّ رجلاً بمنى الخ حديث صحيح رواه مالك والبخاري ومسلم والحديث بتمامه في الكشاف وهو عن الأسود قال دخل شباب من قريش على عائشة رضي الله تعالى عنها وهي بمنى وهم يضحكون فقالت ما يضحككم قالوا فلان خرّ على طنب فسطاط فكادت عنقه أو عينه أن تذهب فقالت لا تضحكوا إني سمعت رسول الله ﷺ قال ما من مسلم يثاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة ومحيت عنه بها خطيئة وقوله ما أصاب المؤمن الخ رواه ابن الأثير في النهاية إلا أنّ فيها المسلم بدل المؤمن وقال الطيبي لم أقف له على رواية وقال الحافظ العراقي لم أقف عليه بهذا اللفظ والطنب بضمتين وسكون الثاني يكون مفرداً فيجمع على أطناب كعنق وأعناق ويكون جمعا أيضا كما في المصباح وهو الحبل الذي تشدّ به الخيمة
الحوها، والفسطاط بضم الفاء وكسرها بيت الشعر وقوله يشاك بصيغة المجهول تصيبه شوكة! هي ما يدق ويصلب رأسه من النبات والشوكة تكون اسما لهذه ومصدوا بمعنى أصابتها يقال ضاكه يشوكه شوكا وشوكة وفي شرح الكشاف أنها هنا مصدر واسم معنى لا عين ولو أراد العين) تال بشوكة، والتنظير فيه بأنه يقال شيك الرجل فهو مشوك إذا دخل في جسمه شوكة لا وجه له نعم ما ذكر بعيد بحسب الظاهر لكثرة الحذف والإيصال والنخبة بفتح النون وسكون الخاء المعجمة آخره باء موحدة بمعنى العضة والقرصة ويقال: نخبت النملة تنخب إذا عضت. قوله:) أمّ حرف تفصيل يفصل الخ) الكلام في أمّ طويل الذيل وليس هذا محل تفصيله وحاصل ما عليه المحققون أنها حرف لا اسم كما يوهمه تفسيرهم لها بمهما ولم يذهب إلى اسميتها أحد ءـ حن يعتد به من أهل العربية فننقله والقول بأنه عبر بعضهم بالكلمة عنها ليشمله لا وجه له،، لذا صرّح المصنف ﵀ بحرفيتها وليست حرف شرط أيضاً عند المحققين والا لزمها، قوع الفعل بعدها بل متضمنة لمعنى الشرطية ولذا لزمتها الفاء غالبا ومن قال: إنها حرف شرط اراد هذا فأضافتها له لأدنى ملابسة وتفيد مع هذا تأكيد ما دخلت عليه من الحكم ووقع في للام النحاة كما نقله أبو حيان في شرح التسهيل إنها حرف أخبار يفيد معنى الشرط وكأنهم ارادوا به أنها في أصل وضعها وضعت لتأكيد جملة خبرية تقع بعدها وتكون لتفصيل مجمل! قدمها صريحا أو دلالة أو لم يتقدّم لكنه حاضر في الذهن ولو تاقديرا، ولما كان هذا خلاف الظاهر في كثير من موارد استعمالها جعله الرضي وكثير من المحققين أغلبياً، وقالوا تفسير سيبويه لها بمهما يكن من شيء ليس المراد به أنها مرادفة لذلك الاسم والفعل لأنه لا نظير له، ل المراد أنها لما أفادت التأكيد وتحتم الوقوع في المستقبل كان مآل معناها ذلك ولما أشعرت صالشرطية قدر شرط يدل على تحتم الوقوع وهو وجود شيء ما في الدنيا إذ لا تخلو عنه فما علق عليه محقق ولذا قدر بعضهم الشرط الذي أشعرت به إن يكن مانع لأنه إذا وجد مع المانع لدونه هو أولى وأحرى. قوله: (أي هو ذاهب لا محالة الخ الا محالة بفتح الميم والبناء على المتح بمعنى لا بد وهو أبلغ منه لأنه بمعنى لا حيلة فيه أصلاً قال الإمام المرزوقي: يقولون في مرضع لا بدّ لا محالة ويقال: حال حولاً وحيلة أي احتال وما فيه حائلة أي حيلة انتهى. وفيما دكره ميبويه إشارة إلى أنها موضوعة للتأكيد كما يؤكد الكلام بقولهم البتة ولا بدّ لأنه يدل على: سوته ولزومه وذلك لتعليق وجوده على ما لا بدّ منه وهو وجود شيء ما في الدنيا وضمير أنه كل كلام المصنف ﵀ راجع للذهاب والعزيمة كالعزم ما يجزم به ويدّعي إيجابه، ومنه ما
ورد في الحديث: " عزمة من عزمات الله " قال ابن شميل: أي أمر واجب أوجبه الله ولما كان أصل الكلام مهما يكن من- شيء ومهما مبتدأ والاسمية لازمة للمبتدأ ويكن فعل شرط والفاء لازمة له تليه غالبا فحين قامت أمّا مقام المبتدأ
стр. 514
والشرط لزمها الفاء ولصوق الاسم إقامة للازم مقام الملزوم وابقاء لأثره في الجملة ومن أراد تفصيله فلينظر حواشي المطوّل والرضي، وقوله كرهوا الخ أي وقوع الفاء بعد حرف في معنى الشرط من غير فاصل والمعروف تخلل جملة الشرط بينهما ولذ قال: فادخلوا الخ وعدى أدخل إلى مفعولين بنفسه وقد يتعدى إلى الثاني بعلى فيقال: مثلا أدخلوها على الخبر والمراد بتعويضه شغل خبره به وكون ما يلي أمّا مبتدأ ليس بلازم لكنه كثير فيه وفي الرضي أنه يقدم على الفاء من أجزاء الجزاء المفعول به نحو فأمّا اليتيم فلا تقهر والظرف والحال وعذد أموراً يفصل بها وفيه كلام ذكرنا. في حواشي الرضي وشرح التسهيل. قوله: (وفي تصدير الجملتين به الخ) ضمير به لا ما باعتبار أنه لفظ وحرف والإحماد هنا بمعنى الحمد والمدح العظيم المتضمن لأنه بموقع مرضيّ منه كما قال في الأساس من المجاز أحمدت صنيعه رضيته والأرض! رضيت سكناها وفي بعض شروح الكشاف الاحماد الحكم بلزوم كونهم محمودين كالأكفار للحكم بالكفر وقال السعد: أحمدت فلاناً وجدته محموداً وجاورته فأحمدت جواره والحمد والذمّ مفهوم من نفس الجملتين ولكن لما أفادت أما تأكيده وتحقيقه علم منها ذلك أيضاً من أوّل الأمر وهي تفصيل لما دل عليه قوله إنّ الله لا يستحي الخ من أنه وقع فيه اختلاف بين التحقيق والارتياب. قوله: (والضمير في أنه للمثل أو لأن يضرب الخ) أي ضمير أنه في قوا، تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ للمثل أو لضربه المفهوم من أنه يضرب لأنه مؤوّل به وعود الضمير للمثل أقرب ولذا قدّمه المصنف ﵀ وجوّز فيه أيضاً أن يعود لترك الاستحياء المفهوم مما مر وللقرآن. قوله: (والحق الثابت الخ) الحق خلاف الباطل وهو في الأصل مصدر حتى يحق من بابي ضرب وقتل إذا وجب وثبت وقال الراغب أصل الحق المطابقة والموافقة ويقال على أوجه فالأوّل: الموجد للشيء بحسب مقتضى الحكمة ومنه الله هو الحق، والثاني الموجد بالفتح على وفق الحكمة ومنه فعل الله حق، والثالث الاعتقاد المطابق للواقع، والرابع الفعل والقول الواقع بحسب ما يجب وقدر ما يجب في الوقت الذي يجب وليس بين هذا وبين ما قبله فرق غير التعميم فلو تركه كان أحسن والى ما ذكر أثار المصنف ﵀ بقوله الثابت الخ، وقوله لا يسوغ إنكاره بمعنى لا يصح
ويجوز من ساغ الشيء إذا سهل تناوله ودخوله في الحلق فاستعير للصحة والجواز وشاع حتى صار حقيقة فيه، والأعيان الذوات والجواهر، والثابتة بمعنى المقررة المحسوسة، والصائبة بمعنى المصيبة إلا أن فعله مزيد من أصاب الرأي فهو مصيب والأفعال مصيبة لا صائبة، ولذا فسره في بعض الحواشي بالموافقة للغرض يثير إلى أنه استعارة من قولهم أصاب السهم الهدف وصابه إذا وصل إليه وفيه نظر وفي الأساس من المجاز أصاب في رأيه ورأي مصيب وصائب وتعريف الحق للمبالغة كأنه تلك الحقيقة والجنس أو للحصر الاضافيّ لما قالوه، وأخكامه يقتضي الثبوت فلذا قالوا ثوب محقق أي محكم النسج كما في الأساس والعامّة تقول ثوب محقق بمعنى منقوش وفي الفصول القصار فيض فضله محقق وبرد مجده محقق. قوله: (كان من حقه الخ) القرين المقارن وعطف يقابل قسيمه على يطابق قرينه تفسيريّ لأنّ القرين والقسيم بمعنى والمطابقة المراد بها المقابلة بالمعنى اللغوي أو البديعي وهو الجمع بين معنيين متقابلين في الجملة كقوله. قوله: ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٥٨] وهو هنا يعلمون ولا يعلمون لتقابل السلب والايجاب فيه أي لم يقل أما الذين كفروا فلا يعلمون حتى يقابل قسميه بل عدل عنه لما ذكر من المبالغة في المدح والذمّ المذكورين لأنّ هذا يدل على أنّ قولهم هذا لفرط جهلهم على طريق الكناية التي هي أبلغ من التصريح لإثبات المدعي ببينة بينة كما أشار إليه لأن الاستفهام إما لعدم العلم أو للإنكار وكل منهما يدل على الجهل دلالة واضحة ومن لقل للمسك أين الشذا كذبه رائحة الطيب ولذا قال المصنف: ﵀ دليلا واضحا قيل ولم يقل فأما الذين آمنوا فيقولون الخ إشارة إلى أنّ المؤمنين اكتفوا بالخضوع والطاعة من غير حاجة إلى التكلم والكافرون لخبثهم وعنادهم لا يطيقون الاسرار لأنه كإخفاء الجمر في الحلفاء، أو يقال يقولون لا يدلّ صريحا على العلم وهو المقصود، والكافرون منهم الجاهل
стр. 515
والمعاند، وقوله يقولون الخ أشمل وأجمع وهذا هو الأولى وأتى بعبارة الرلث في الأوّل إشارة إلى أنهم يعترفون بحقية القرآن وبما أنعم الله به عليهم من النعم التي من أجلها نزول هذا الكتاب وهو المناسب لقوله نزلنا على عبدنا وأما الكفرة المنكرون للمناسبة لجلاله تعالى المتخذون غيره من الأرباب فالله هو المناسب لحالهم، وما قيل من أنّ ما نسب إلى الكفار أشدص، عدم العلم لدلالته على أنهم يستهزؤون وينسبون القول بأنه من الله إلى السفه غير متجه عالى أن ما ذكره يتوقف على كون قولهم عن مكابرة فالظاهر أنه لا يصح لا يعلمون وان صح فوجه آخر وانكار خلافه مكابرة ظاهرة فتدبر وقال: كالبرهان لأنه ليس برهانا حقيقياً. قوله: (يحتمل وجهين الخ) لي الدرّ المصون للنحاة في ماذا ستة أوجه الأوّل أن يكون ما اسم استفهام وذا اسم إشارة خبر له، والثاني أن يكون ذا اسما موصولاً وهو وان كان بحسب الأصل اسم إشارة لكته يكون اسماً
موصولاً في هذا المحل فقط والعائد محذوف تقديره أراده فقول المصنف: والمجموع خبر فيه تسمح ظاهر فيه ملاحظة المعنى فلا يتوهم فيه الغفلة عما ذكروا وأخبر بالمعرفة عن النكرة هنا بناء على مذهب سيبويه ﵀ في جوازه في أسماء الاستفهام وغيره يجعل النكرة خبرا عن الوصول، وما قيل: من أنه يتعين مذهب سيبوبه بالاتفاق في ماذا غير مسلم لأنّ الرضي نقل فيه الخلاف أيضاً، والثالث أن يغلب ما فيركبا ويجعلا اسماً واحدا للاستفهام ومحله النصب على أنه مفعول مقدم، والرابع أن يجعل مجموعهما اسما مركبا موصولاً كقوله: دعى ماذا علصت سأتقيه أي الذي علمت، والخاسى أن يجعلا اسماً واحداً نكرة موصوفة، وقد جوّز هذا في المثال المذكور والسادس أن يجعل ما اسم استفهام وذا زائدة وهو ضجف والمعتبر في هذه الآية الوجهان المذكوران في الكتاب. قوله: (والأحسن في جوابه الرفع على الآوّل الخ) وجه الرفع أنّ جملة السؤال حينئذ اسمية فيرفع الاسم الواقع في الجواب على أنه خبر مبتدأ محذوف فيطابقه في الاسمية لفظاً وعلى الثاني ماذا مفعول مقدم فجملة السؤال فيه فعلية فينصب بفعل مقدر ليتطابقا، وهذا هو الأصل الراجح ويجوز عكسه كما أشار إليه المصنف ﵀ بقوله والأحسن لأنه المطابق لمقتض الظاهر وقد يرد على خلافه لنكتة، ولذا قال بعض المحققين: إنّ نحو قوله تعالى: ﴿خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ﴾ [سورة الزخرف، الآية: ٩] ترك فيه المطابقة إشارة إلى بلادة الكفار وعنادهم فإنه إذا تحقق خلق السموات لا ينبغي أن يشك في فاعله فالمناسب لحالهم التردد في نفس الخلق، وقيل تقديره فعلية في جواب من أكثر في الاستعمال وما خالفه لنكتة لقصد القصر والتخصيص أو التأكيد بالاسمية وتفصيله في حواشي المطوّل والمفتاح، وقد أطبقوا ثمة على أنّ ماذا صنعت إذا كان جملة اسمية يجاب بالاسمية، وما قاله قدس سره في شرح المفتاح: في الفصل والوصل من أنّ الفعل في ماذا صنعت مسند للمخاطب وليس فيه معنى الفاعلية بخلاف من قام وماذا عناه لا يخلو من الكدر لأنّ كون الاستفهام بالفعل أولى يختص بصورة الفاعلية فإنّ تقدير قولك من ضربت أضمربت زيداً أم عمراً والفرق بين ماذا صنعت وماذا عناه حتى يجاب بالاسمية في الأول وبالفعلية في الثاني تحكم بحت كما في الحواشي الحسنية، ولنا فيه كلام حاصله أن غفلة عن مراده قدس سره لأنّ المطابقة المعنوية كما قرّره في من التائب أن يجعل المحكوم عليه في السؤال والمحكوم به فيه كذلك في الجواب لأنّ المحكوم عليه معلوم للسائل والمطلوب له إنما هو الخبر وهو مصسث الفائدة فإذا كان ضمير من وماذا فاعلاَ في السؤال فهو مسند إليه معلوم له فيطابقه الجواب إذا حكم عليه سواء كان فاعلا أو مبتدأ إلا أنّ الفاعلية يرجحها كون الاستفهام بالفعل أولى دماذا كان مفعولاً فلا يطابقه الجواب إلا بجعله مفعولاً والجملة في السؤال والجواب فعلية قطعاً وإذا اشتغل
الفعل بضميره وجعل ذا موصولاً خبراً لما أو مبتدأ خبره ما فلا يطابقه الجواب إلا بكونه فيه كذلك ولا يتأتى بغير الاسمية بأن تقول الذي صنعته كذأ أو كذا مصنوعي لأنك لو أتيت بها معلية كأن مفعولاً لا محكوما ولا به فتفوت المطابقة المعنوية، فالفرق بين ماذا صنعت وماذا عناه كالصبح في الظهور فإن فهمت فهو نور على نور والتحكم
стр. 516
بهتان وزور وقال الشارح الفاضل: هنا في شرح قوله في الكشاف وقد جوّزوا عكس ذلك أنه يعني إذا اتفق السائل والمخبر على الفعل وكان السؤال عن المتعلق بخلاف مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [سورة النحل، الآية: ٢٤] فإنه بالرفع لأنه في المعنى نفي الإنزال أي هذا الذي تزعم أنه منزل هو أساطير الأوّلين فلا يصح تقدير الفعل كما سيجيء لحقيقه وتفصيله.
وقال بعض الفضلاء: بعدما أو! ده المدعي هنا أنّ الأحسن في الجواب الرفع وهذا ليس لجواب بل ردّ لما اعتقدوه، والجواب أن تعطيه ما يطلبه منك ثم إنه لا جواب لقوله ماذا أراد الله بهذا مثلا لأنه استفهام إنكارفي ونفي لكون مراد الله فيه ومن حقه نفي أن يكون منه تعالى! على هذا لا يصح أن يكون يضل به كثيراً جواب ماذا أراد الله وأيضا: ماذا أراد الله مذكور على سبيل النقل فلا يطلب له جواب، ولذا لم يلتفت إليه في الكشاف. (أقول) : قد سمعت ما لعرف به الحق الحقيق بالقبول هنا، وما ذكره الفاضل غير مسلم لأن اللازم النظر إلى حال السؤال بحسب الظاهر ثم تطبيق جوابه عليه سواء كان مقول قول أم لا على أنا نقول ما قاله غير موافق لما نحن فيه فإنه كيف يتفق على الفعل ومرادهم في الحقيقة إنكار صدور المثل المذكور عن الله وهو يستلزم إنكار كونه مرادا لله كما لا يخفى وما ذكره المعترض! لا محصل له فإنهم لم يدعوا أنّ قوله يضل به جواب حقيقة كما سيأتي تحقيقه، فلا يلتفت إلى القيل والقال: فماذا لعد الحق إلا الضلال. قوله: (والإرادة نزوع النفس وميلها الخ) عطف الميل على النزوع للتفسير فإنه يقال نزع بمعنى اشتاق ومال كما يقال: نزع عن الأمر إذا ك! عنه وأمسك بلا خلاف بين أهل اللغة فيه، وإنما الخلاف في المصدر فانه سمع فيه أيضا نزعا ونزاعاً ونزوعا! هل يختلف المصدر فيه أم لا وليس هذا محله وأصل معنى الميل الانعطاف ثم صار حقيقة عرفية في المحبة والقصد وهو المراد هنا، وقوله: بحيث الخ متعلق به وحمل الميل للنفس على الفعل جعلها متوجهة لإيقاعه والكلام في الإرادة من جهتين من جهة معناها اللغويّ ومن حهة المراد بها في لسان الثارع في وصف الله تعالى أو العبد بها وقول المصنف ﵀: لروع النفس الخ بيان لمعناها اللغوي. قال الراغب: الإرادة منقولة من راد يرود إذا سعى في طلب شيء وهي في الأصل قوّة مركبة من شهوة وخاطر وأمل وجعلت اسماً لنزوع النفس إلى الئيء مع الحكم فيه بأنه ينبغي أن يفعل أو لا يفعل ثم تستعمل مرة في المبدأ وهو نزوع النفس الى الشيء وتارة في المنتهى وهو الحكم فيه بأنه ينبغي أن يفعل أو لا يفعل اهـ فما قيل: هنا
من أنّ كون إرادة المعنى من اللفظ من هذا القبيل فيه بحث والظاهر أنّ الإرادة في الآية من هذا القبيل انتهى ليس بشيء لأنّ الإرادة فيما ذكره لمجرّد القصد وهو استعمال آخر وسواء قلنا إنه مشترك فيه أو مجاز صار حقيقة عرفية لا يرد نقضاً على الآخر وكذا ما قيل: بعد نقل ما في شرح المواقف من أنه يصدق على الشهوة وهرب غير الإرادة فإنّ المصنف بصدد تحقيق أصل معناه لغة لا ما ذكره المتكلمون وما ادّعاه من مغايرة الشهوة للإرادة ليس كذلك فإن بينهما عموماً وخصوصاً كما صرّح به الصدر في رسالة إثبات الواجب وهو المفهوم من كلام الراغب، وقد قالوا إنّ الإرادة قد تتعلق بنفسها بخلاف الشهوة التي هي توقان النفس إلى الأمور المستلذة فانها لا تتعلق بنفسها وإنما تتعلق باللذات وإذا ذكرت متعلقة بنفسها كانت مجازاً عن الإرادة كما قيل: لمريض ما تشتهي فقال: أشتهي أن أشتهي يعني أريد أن أشتهي والإنسان قد يريد شرب الدواء البثع ولا يشتهيه وقد يشتهي الطعام اللذيذ ولا يريده إذا علم أنّ فيه هلاكه فقد وجد كل منهما بدون الآخر وقد يجتمعان في شيء واحد فبينهما عموم وخصوص بحسب الوجود، وقوله: وتقال للقوّة الخ قد مرّ تحقيق معنى القوّة فتذكره، وقيل الإرادة في حقنا عبارة عن ميل النفس الدّي يعقبه اعتقاد يقع في المراد وأما العزم فنوع من الإرادة لأنه إرادة جازمة بعد نوع تردد سابق والإرادة لا تقتضي سبقه وقال الإمام لا حاجة إلى تعريف الإرادة لأنها ضرورية فإنّ الإنسان يدرك بالبديهة التفرقة بين إرادته وعلمه وقدرته وألمه ولذته، ثم حدها بأنها صفة تقتضي رجحان أحد طرفي
стр. 517
الجائز على الآخر في الوقوع لا الإيقاع. قال: وبالقيد الأخير احترز عن القدرة. قوله: (والأوّل مع الفعل) أي الأوّل من معنى الإرادة اللغوية المذكورة في كلامه وهو الميل الحامل على إيقاع الفعل وإيجاده يكون مع الفعل وبجامعه وان تقدم عليه بالذات لأنه الحامل والباعث وهذا لا يقتضي إيجاده بالاستطاعة وهي القدرة التامّة المستجمعة لجميع شرائط التأثير بمعنى العلة التامّة والإرادة جزء منها إلا أنها مع الفعل بمنزلة جزء العلة الأخير ولما كان الثاني بمعنى القوّة وهي الصفة القائمة بالحيوان التي هي مبدأ الميل إلى أحد طرفي المقدور وإيقاعه كان قبله لأنه إذا وجد يعطي حكم تلك القوة بخروجه من القوّة إلى الفعل، أو المراد بها ما لم يكن معه جميع جهات حصول الفعل، والحاصل كما في شرح المقاصد أنّ القوّة مع جميع جهات حصول الفعل بها لزوماً أو معها عادة مقارنة وبدون ذلك سابقة فلا غبار على ما ذكر، وقوله وكلا المعنيين الخ عدم تصوّر الميل النفساني والقوّة التي هي مبدؤه في حقه تعالى ظاهر وكلا مبتدأ وغير متصوّر خبره واتصاف نائب فاعل متصوّراً ومبدأ وغير خبر مقدم والجملة خبر كلا ولا حاجة إلى جعله على نهج قوله:
غير مأسوف على زمن
قوله: (فقيل إوادته لأفعاله الخ الما كان معنى الإرادة السابق لا يليق بذاته تعالى فسر
إرادته بتفاسير للمتكلمين من أهل السنة وغيرهم فأوّلها ما ذهب إليها المعتزلة كالكلبيّ والنجار
وكيرهما من أنّ معنى إرادته تعالى لأفعاله أنه يفعلها عالماً بها وبما فيها من المصلحة ولأفعال غيره أنه أمر بها وطلبها، وهذا هو مرضي صاحب الكشاف كما صرّح به في سورة السجدة وهو امر عدميّ بالنسبة إليه تعالى ووجوديّ بالنسبة لغيره فإما أن يكون موضوعا لمعنى شامل لهما، أو يقال: هو مشترك بينهما أو مجاز في الثاني فليس من الصفات السلبية على الإطلاق كما فيل ٠ قوله: (فعلى هذا لم تكن المعاصي بإرادته) لأنّ العبد يخلق أفعاله عندهم بإرادته وارادة الله لها بمعنى أنه أمرهم بها وهو لا يأمر بالفحشاء ولا يريد المعاصي عندهم لأنّ الإرادة مذلول الأمر أو لازمه وأدلتهم مفصلة في كتب الكلام، وقد ردّ مذهبهم بأنه مخالف لما اشتهر من أنّ ما شاء الله كان وما لم يشألم يكن وأنه لا يجري في ملكه إلا ما يشاء وأن الأمر قد ينفك عن الإرادة كأمر المختبر فإنّ السلطان لو توعد بعقاب السيد على ضرب عبده من غير مخالفة فاذعى مخالفته له وأراد تمهيد عذره بعصيانه له بحضرة السلطان فيأمر العبد ولا يريد منه الإتيان بالمأمور به بل ظهور عصيانه، وقال: خاتمة المحققين جلال الملّة وا أط ين الأمر أمران أمر تكوين يلزم منه وقوع المأمور به وهو يعم سائر الممكنات وأمر تشريع وعليه مدار الثواب والعقاب والطاعة هي الإتيان بما يوافق الأمر الثاني والرضا يترتب عليه. قوله: (وقيل علمه باشتمال الآمر على النظام الخ) هذا رأي الجاحظ وبعض المعتزلة إليه ذهب الحكماء فقالوا: إرادته تعالى هي علمه بجميع الموجودات من الأزل إلى الأبد وبأنه كيف ينبغي أن يكون نظام الوجود حتى يكون على الوجه اكمل وبكيفية صدوره عنه حتى يكون الموجود على وفق المعلوم على أحسن النظام من غير قصد وطلب شوقيّ ويسمون هذا العلم عناية والأمر شامل للفعل والترك والنظام اكمل بالنظر إلى العالم والوجه الأصلح بالنظر إلى العبد وقوله فانه الضمير للعلم أي العلم يدعو القادر على الأمر المذكور إلى تحصيله، وهذا بناء على أنّ الإرادة ليست سوى الداعي إلى الفعل في الشاهد والغائب جميعا أو في الغائب خاصة، قالوا وهو العلم أو الاعتقاد أو الظن باشتمال الفعل أو الترك على المصلحة ولما امتنع في حق الباري الظن والاعتقاد كان الداعي في حقه تعالى هو العلم بالمصلحة وبمثل نظام جميع الموجودات لى علمه السابق عليها مع الأوقات التي يليق وقوعها فيها. قالوا: وهذا هو المقتضي لإفاضة ذلك النظام على ذلك الترتيب والتفصيل إذ لا يجوز أن يكون صدوره عن الواجب وعن العقول المجردة بقصد د ارادة ولا يجب بطبعه ولا على سبيل الاتفاق والجزاف لأنّ العلل الغائية لا لمعل لغرض في الأمور السابقة فقد صرّحوا في إثبات هذه العناية بنفي ما نسميه الإرادة كما لزره في شرح المقاصد فتدبر. قوله: (والحق أنه ترجيح أحد مقدوريه الخ) هذا مذهب
стр. 518
أهل السنة، ولذا قال المصنف ﵀ والحق إشارة إلى بطلان ما سواه فهي صفة ذاتية قديمة
وجودية زائدة على العلم! ومغايرة له وللقدرة وقوله بوجه الخ احتراز عن القدرة فإنها لا تخصص الفعل ببعض الوجوه بل هي موجدة للفعل مطلقا وليس هذا معنى الاختيار كما توهم وقد أورد على المصنف أنّ الإرادة عند الأشاعرة الصفة المخصصة لأحد طرفي المقدور وكونها نفس الترجيح لم يذهب إليه أحد وفي شرح المواقف الإرادة عند الأشاعرة صفة مخصصة لأحد طرفي المقدور بالوقوع فالميل الذي يقولونه لا ننكره لكنه ليس إرادة بالاتفاق ولو كانت نفس الترجيح الذي هو من صفات الأفعال كانت صفة حادثة وليس مذهب أهل السنة، والجواب بأنه تعريف لها باعتبار التعلق، ولذا قيل إنها على الأوّل مع الفعل وعلى الثاني قبله أو أنه تعريف لإرادة العبد لا وجه له أما الأول فلأنه لا يكون مغايراً لما بعده، وأمّا الثاني فالسياق والسباق مناد على خلافه وكذا القول بأنّ المراد بيان معنى الإرادة مطلقا سواء كانت إرادة الله أو إرادة العبد، وأعجب منه قوله إنّ وقوع الإرادة بمعنى الصفة المخصصة لا يستلزم عدم وقوعها بمعنى التخصيص نفسه ويعد كل كلام فكلامه هنا لا يظهر وجهه فليحرّر. قوله: (وتخصيصه بوجه دون وجه) أي مقدور الفعل والترك والوجه المذكور حسنه أو قبحه ونفعه أو ضرّه وما يحويه من زمان ومكان وما له من ثواب أو عقاب وقوله وهي أعنم الخ مأخوذ من كلام الراغب والمراد بالميل الترجيح والتفضيل كونه عنده أفضل مما يقابله لأنّ الاختيار أصل وضعه افتعال! من الخير وقد استعمله المتكلمون بمعنى الإرادة أيضا إلا أنه قيل إنه لم يرد بهذا المعنى في اللغة، ولذا قال الفاضل ابن العزفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ﴾ [سورة القصص، الآية: ٦٨] وليس الاختيار هنا بمعنى الإرادة كما يقول المتكلمون إنه فاعل بالاختيار وفاعل مختار فإنه معنى حادث وبقابله الإيجاب عندهم فلا ينبغي أن يحمل عليه القرآن والاختيار في اللغة ترجيح الشيء وتخصيصه وتقديمه على غيره وهو أخص من الإرادة والمشيئة وفي المحكم خار الشيء واختاره انتقاه، وفي التنزيل واختار موسى قومه سبعين رجلاَ والمختار يكون ايى ٣ فاعل ومفعول وهذا إمّا تفسير لإرادة الله كما مرّ أو لمطلق الإرادة الشاملة لإرادة العبد وعلى هذا لا يرد عليه اختيار أحد الطريقين المستويين وأحد الرغيفين المتساويين للمضطرّ لأنا لا نسلم ثم إنه اختيار على هذا ولا حاجة إلى أن يقال إنه خارج عن أصله لقطع النظر عنه فتدبر. قوله: (وفي هذا استحقار واسترذال) أي تحقير وتنقيص له والاسترذال عذة رذلاً أي حقيراً وفي نسخة استخفاف بدل استحقار وهما بمعنى الكشاف وفي قولهم ماذا أراد الله بهذا مثلاً استرذال واستحقار كما قالت عائشة ﵂ في عبد القه بن عمرو بن العاصي ﵄: " يا عجباً لابن عمرو) هذا، وقول المصنف ﵀: وفي هذا معناه في لفظ هذا الواقع في النظم الكريم لأنّ اسم الإشارة يستعمل للتحقير كقوله:
أبعلي هذا بالرحى المتقاعس
وكقوله تعالى أهذا الذفي بعث الله رسولاً كما يكون للتعظيم بحسب اقتضاء المقام ويجوز
جعل الاستحقار من مجموع ماذا لأنّ الاستفهام قد يقصد به ذلك أيضاً كما يقال: من أنت وقد جؤز بعضهم في قول المصنف وفي هذا أن يكون هذا إشارة إلى التركيب وعبارة الكشاف محتملة لو لم يمثل بقول عائشة ﵂ فحمله على هذا كما قيل: بعيد ولك أن تقول إن المصنف ﵀ أسقط الحديث المذكور لهذا وللاختصار وهو منزع حسن لا يبعد عن مقاصده. قوله: (ومثلأ نصب على التمييز الخ) في الكشاف مثلاً نصب على التمييز كقولك لمن اجاب بجواب غث ماذا أردت بهذا جوابا ولمن حمل سلاحا رديئأ كيف تنتفع بهذا سلاحا وذكر أرباب الحواشي هنا تبعا للفاضل التفتازانيّ هنا في شرحه أنه كثر في الكلام التمييز عن الفئممير وقد يكون عن اسم الإشارة وتمامهما بنفسها من جهة أنه يمتنع إضافتهما وذلك إذا كانا مبهمين لا يعرف المقصود بهما مثل يا له رجلاً ويا لها قصة ويا لك من ليل ونعم رجلا وأشباه ذلك والعامل هو الضمير واسم الإشارة فقد جوّزوا أعمالهما كما في سائر الأسماء الجامدة المبهمة التامّة بالتنوين ونحوه أمّا إذا كان المرجع والمشار إليه معلوما كما في قولنا جاءني زيد لله دره رجلا
стр. 519
ويا لك رجلا في الخطاب لمعين، " وقال الله عز قائلاَ " أو من قال: " ولقيت زيدا قاتله الله شاعرا " وانتفع بهذا سلاحا فالتمييز عن النسبة وهو نفس المنسوب إليه كما في قوله: " كفى زيد رجلاَ " و " ويلتم أيام الشباب " معيشة وأمثال ذلك، ومعلوم أن هذا في الآية إشارة إلى المثل وفيما أورد من المثالين إلى الجواب والسلاح فالتمييز فيهما عن النسبة وهي نسبة التعجب والإنكار إلى المشار إليه. (أقول) هذا برمته مأخوذ مما قرّره نجم الأئمة الرضي في باب التمييز وفيه بحث لأنهم قالوا التمييز يكون لمفرد أو لنسبة والعامل في الأوّل المميز ولو جامدا وفي الثاني أحد طرفي النسبة وهذا لا كلام فيه إنما الكلام في أنّ تمييز المفرد يكون بعد تمام الاسم المميز ومعنى تمامه أن يكون عاى حال لا يمكن إضافته معها وذلك إمّا بإضافته أو كونه فيه لنوين أو ما يشبهه من نون تثنية وجمع لأنه إذا تمّ شابه الفعل التامّ بفاعله فيشبه التمييز بعده المفعول فلذا نصبه وعمل فيه وعلى هذا اقتصر أكثر النحاة والرضي زاد عليهم أنّ الاسم قد لكون بنفسه تاما لا بشيء آخر، وذلك في شيئين الضمير واسم الإشارة إذا تعين المقصود بهما بذكر مرجع الضمير والمشار إليه كما فصله ولخصه اك! ارح المحقق هنا ولا يخفى أنّ اسم الإشارة لا ينفك باعتبار الوضع عن أنّ يشار به إلى معلوم الذات بقرينة لازمة لفظية نحو جاء هذا الرجل أو حالية لتعين المشار إليه حسا وإنما سمي مبهما لأنّ مسماه لا يفهم منه بلا قرينة فليس في الإبهام كعشرين الذي لا ينفك عن الإبهام وضعا وابهام هذا إنما هو للذهول عن القرينة ولذا ذكر الدمامينيّ في شرح التسهيل أنّ بعض النحاة قال: إنّ ما قاله الرضي غير مرضي وفيه كلام ليس هذا محله فليحرّر. قوله: (أو الحال كقوله الخ) قال أبو البقاء: مثلاً حال من اسم الله أو من هذا أي ممثلاً أو ممثلاً به أي المعنى على الأوّل ممثلاً وعلى الثاني ممثلا به
وهذا هو الظاهر وقوله كقوله: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٧٣] ظاهر فيه ولذا قال الشارح المحقق الحال من اسم الإشارة بأن يكون هو ذا الحال وأما العامل فهو الفعل ولا حاجة إلى جعل العامل اسم الإشارة وذي الحال الضمير المجرور أي الذي في أشير إليه مثلا وعلى هذا فالتمثيل بقوله هذه الخ في مجزد أن الحال اسم جامد وإلا ففي الآية العامل في الحال اسم الإشارة مثل هذا بعلى شيخا وهو ردّ على من قال إنّ العامل فيه اسم الإشارة كما نقله أبو حيان ﵀ في البحر وايقاء مثلاً تمييزاً أو حالاً من هذا يشعر بأنه إشارة إلى المثل لا إلى ضرب المثل على ما هو أحد م! شتملي الضمير في أنه ال! ق ولكم بيان لآية وإنما أتى بنظير للثاني لوقوعه جامداً على خلاف قياس الحال ولما كان التمييز جامداً في أكثر لم يمثل له فالقول بأنه يحتمل أن يقال: إنه جعل آية حالاً أو تمييزاً عن ضمير لكم فاكتفى به في تمثيلهما بعيد جدّاً فلذا لم يلتفتوا إليه. قوله: (جواب ماذا الخ) قذم في النظم الضلال على الهداية مع سبق الرحمة على الغضب وتقدمها بالرتبة والشرف لأنّ سؤالهم ناشئ من الضلال مع أن كون ما في القرآن سببا للضلال! أحوج للبيان لأنّ سببيته للهدى في غاية الظهور فالاهتمام ببيانه أولى ثم إن فيما ذكره المصنف ﵀ أموراً (منها) أنه جعل ما ذكر جوابا والعلامة الزمخشريّ لم يلتفت إليه لأنه كما قيل: تعسف يصان عنه ساحة الإعجاز إذ الاستفهام ليسر باقيا على معناه حتى يكون له جواب وكونه محكياً ومقول القول يأبى الجواب غاية الإباء كما في قوله تعالى: ﴿أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ فإنّ المقصود به إبطال اعتقادهم فلذا تعين رفعه لا لأن وجوب المطابقة مخصوص بما إذا اتفق السائل والمجيب على الفعل وكان السؤال عنه كما مرّ تقريره، وأجيب بأنه على تقدير كون الاستفهام للإنكار ومعناه ليس في ضرب الأمثال بالمحقرات فائدة يعتد بها جعل جوابا ورذاً له بأنّ فيه فائدة وأي فائدة وهي إضلال كثير وهداية كثير وقريب منه ما قيل: من أنه لا يفهم من كلام المصنف أنّ الاسنفهام غير باق على حقيقته وأنه للاستحقار فقط لجواز إرادة الاستفهام الاستحقار معا أو يقال الجواب لدفع الاستحقار والمصنف رحمه الله تعالى ليس أبا عذرة هذا وقد سبقه إليه غيره كأبي عليّ الفارسيّ حيث قال: في كتاب القصريات: فإذا ليس مفعول أراد لأنه استوفى مفعوله وهو ماذا أو ضميره المقدر، وقوله يضل الخ على وجهين إمّا جواب عن سؤالهم على المعنى لا على اللفظ أو صفة مثلاً
стр. 520
والجواب وما يضل الخ على المعنى انتهى. فجنح إلى تعين الجوابية أو ترجيحها كما أشار إليه المصنف ﵀ بتقديمها. (ومنها) أنّ حق الجواب على وجهي ماذا كما مرّ أن يكون باسم مرفوع أو منصوب وجوابه ما أشار إليه المصنف ﵀ بقوله: وضع الخ وهو غني عن البيان وقوله: أي إضلال كثير بالرفع في النسخ اقتصاراً على أرجح الوجهين وأظهرهما وفي بعض الحواشي أنه يجوز فيه الرفع والنصب على الوجهين وفيه نظر ظاهر) ومنها) : أنه
قال: كما في أكثر النسخ المتداولة إضلال كثير وإهداء كثير وفي بعضها هدي كثير وهداية كثيرة وأورد على الأولى أنها خلاف الصواب لاتفاق أهل اللغة على أنه لا يقال أهدى من الهداية بل من الهدية فلا يصح منها الأفعال والازدواج غير مقيس وان قلنا إنه مشاكلة وهي من المجاز) قلت) قال ابن عطية في غير هذه السورة قرئ يهدي بضم الياء وكسر الدال وهي ضعيفة. وقال ابو حيان: حكى الفرّاء هدي لازما بمعنى اهتدى فإذا ثبت ما حكاه لم تكن ضعيفة لأنه أدخل على اللازم همزة التعدية انتهى. والقراءة وان كانت شاذة تثبت بها اللغة فثبت ما في بعض النسخ وان كان غريبا نادراً وقد نقله وأقرّه في الملتقط فلا وجه لإنكاره إلا عدم الوقوف على مثله في خبايا الزوايا واعلم أن ما ذكر ليس جوابا في الحقيقة للاستفهام ولا للإنكار والا. ستحقار لأن جواب الأوّل إنه أراد به التذكير وابراز المعقول في صورة المحسوس ليقرّ في الأذهان وجواب الثاني نظرا لظاهر الحال أنه جهل ناشئ من عمي البصيرة فنزل ما يؤول إليه الأمر منزلته وأوقع في موقعه وغير أسلوبه كما غير معناه ولذا جعله أبو عليّ في معنى الجواب وهذا ما وعدناك به فاعرفه. قوله: (وضع الفعل موضع المصدر الخ) إفادة الفعل للحدوث وهو الوجود بعد العدم من دلالته على الحدث المقارن للزمان والمراد بالتجدد الاستمرار في المستقبل وهو ما يقال: له استمرار تجددي والمضارع يستعمل له كثيرا كما صرّحوا به، ومنه علم اختيار المضارع هنا على الماضمي، ولذا قيل: المراد بالتجدد كثرته كما يشعر به التفعل ولما كان السؤال دالأ على عدم الفائدة ناسب في الرذ عليهم الدلالة على كثرة الفائدة المترتبة عليه فقط ما قيل عليه من أنه إن أريد بالتجذد الحدوث كان تكراراً بلا فائدة وإن أريد الحصول ضيئا فشيئا فليس بلازم للفعل ولا داخلاً في مفهومه كما في حواشي المطوّل للشريف لأنه يفهم من خصوصية الحدث واقتضاء المقام وهو المراد ولذا عبر المصنف ﵀ بالإشعار والمراد انه عبر بالمضارع ليدلّ على أنّ الإضلال والهداية المذكورين لا يزالان يتجددان ما تجدد الزمان لما مرّ وليس المراد أنه عدل إلى لفظ الفعل المضارع للإشعار بالتجدد والحدوث لكون الفعلين المذكورين في تأويل المصدر كما في نحو تسمع بالمعيدي خير من أن تراه كما توهم تشبثا لظاهر قوله وضع موضع المصدر لأنّ المراد أنه عدل عما هو حق الجواب من الإتيان بالاسم الذي هو مصدر هنا سواء كان مرفوعا أو منصوبا وأتى بهذا الفعل بدله لما ذكر لا أنه جرّد الفعل فيه عن الدلالة على غير المعنى المصدري لأنه لو كان كذلك انسلخ عن الحدوث والتجدد كما لا يخفى، وقيل: إنه وضع الفعلان موضع الفعل الواقع في الاستفهام مبالغة في الدلالة على تحققهما فإنّ إرأدتهما دون وقوعهما بالفعل وتجافياً عن نظم الإضلال مع الهداية في سلك الإرادة لإيهامه تساويهما في التعلق وليس كذلك فإنّ المراد بالذات من ضرب المثل هو التذكير والاهتداء كما في قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ وما يعقلها إلا العالمون وأمّ الإضلال فعارض وهذا مسلك آخر في العدول عن مقتضى الظاهر وهو مع تكلفه
يأباه السياق لأنّ التمثيلى إذا لم يكن للإضلال لا يصل لوقوعه في موقع الجواب ولذا مدّ من موانعه فتدبر. قوله: (أو بيان للجملتين المصدّرتين بأما الخ) عطف على قوله جواب ماذا الخ وهذا ما اختاره في الكشاف من أنّ الجملتين المصدرتين بإمّا تشتملان على أمرين أحدهما إنّ كلا الفريقين موصوف بالكثر. ة وثانيهما أنّ العلم بكونه حقا من الهدى الذي يزداد به المؤمنون نورا إلى نورهم والجهل بموقعه من الضلالة التي يزاد بها الجهال خبطا في ظلمتهم وقوله يضل به الخ يزيد ما تضمنه الجملتان وضوحا، وفي الكشف أنّ هذا كما سيأتي
стр. 521
في القتال! نوع من الكلام يسمى في البيان بالتفسير وليس المراد به أنه يجري مجرى عطف البيان لخفاء في الأوّل يحتاج إلى إيضاج فإنه يكون استئنافا وجاريا مجرى الاعتراض! تتميما للبيان كما نحن فيه ويكون عطف بيان أيضا ومنه يعلم أن جعله جواب ماذا على معنى إضملالاً كثيراً وهدي كثيرا والعدول إلى الفعل لإرادة التجدد ليس بشيء وفيه تكلف يصان عنه النظم اهـ وهو ردّ على المصنف ﵀ كما بيناه لك أوّلاً مع ما يعلم منه الجواب عنه أيضاً فتذكر. قوله: (وتسجيل بأن العلم بكونه حقاً الخ (التسجيل والإسجالط كتابة السجل وهو في العرف الكتابي الحكمي فأريد به لازمه وهو الحكم والجزم وقوله وبيان معطوف على قوله هدى ويجوز عطفه على قوله تسجيل والأوّل أولى وأقرب وأصل معنى البيان الكشف والمراد أنه إظهار لما هو مقصود منه كقوله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى﴾ [سورة آل عمرأن، الآية: ١٣٨] وجعله هدى مبالغة لأنه أثره ومنه جاء، وقوله لحسن مورده يقتضي أنه من المثل وقد تبع فيه الزمخشرفي. وقال في الكشف: إشارة إلى أنه غير مرضي ليس المثل بمعناه المصطلح بل أعمّ وكون المورد بمعناه اللغويّ خلاف الظاهر والمراد بالضلال فقد الطريق المستقيم، وقوله فسق وفي نسخة فسوق أي خروج عن تلك الطريق وفيه إشارة إلى دخول ما بعده في البيان. قوله: (وكثرة كل واحد من القبيلين الخ) يعني أنّ الأمرين المتقابلين وإذا وصف أحدهما بالكثرة المتبادر ووصف مقابله بالقلة وتحقيقه أنه إذا كان كذلك فلا خفاء فيه فإذا وصفا معاً بالكثرة لا يخلو أن تكون كثرتهما بالنسبة لشيء آخر أو لكل في نفسه بقطع النظر عن غيره أو نسبة كل منهما للآخر فعلى الأوّل محذور فيه كما أنّ العشرة والعشرين كل منهما يتصف بالكثرة نظراً للخمسة وكذا على الثاني فإنّ المقف ارين الكثيرين كثيران في نفسهما وإن قل أحدهما بالنسبة للآخر وأمّا على الثالث فلا يصح لأن إذا كان كل منهما كثيراً بالنظر لمقابله يلزم اتصاف كل منهما بالقلة والكثرة من جهة واحدة وأنه إذا قيل هذا أكثر من ذا لزم كون ذا قليلاً فإذا قيل: إنه أيضا أكثر منه كان قليلا كثيراً معا وهو باطل إلا أن يكون مختلف الزمان فما ذكره المصنف تبعا للزمخشريّ إن كان دفعاً لهذا فالمراد أنّ كثرته نجالنظر له في نفسه لا بالنظر لمقابله فلا محذور فيه كما صرّح به في قوله بالنظر إلى أنفسهم لا بالقياس إلى مقابلهم، وان كان المراد أنّ المهتدين من كل طائفة وفي كل عصر
اقل من غيرهم لقلة الأخيار وكثرة الأشرار في كل عصر وقطر كما يومئ إليه قوله فإن المهديين فليلون بالإضافة إلى أهل الضلال فمحصل الجواب بعد تسليم أنه كذلك أنّ قلتهم بالنسبة لأضدادهم لا تنافي كثرتهم في نفسهم بقطع النظر عما سواهم فإن أريد دفع المنافاة رأسا ولو بحسب الظاهر تحمل الكثرة على الكثرة المعنوبة بجعل كثرة الخصائص اللطيفة بمنزلة كثرة الذوات الشريفة كما قيل:
ولم أر أمثال الرجال تفاوتت لدى المجد حتى مد ألف بواحد
ولكون هذا غير متبادر من الكثرة لا سيما وقد ذكر معها الكثرة الحقيقية فالظاهر أنهما
على نمط واحد ولذا قال بعض الفضلاء: أنه في غاية البعد وإن كان ما علله به من أن النظر الى المعنى يوجب وصف أهل الضلال بالقلة لا وجه له عند من تدبر قول المصنف ﵀ كثرة الضالين من حيث العدد. قوله: (كما قال : ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ الخ [سورة سبأ، الآية: ١٣] (قيل إنه لا يدلّ على ما قصده فإنّ الشكور المبالغ في الشكر إلا أنه تبع في هذا الزمخشريّ حيث قال: فإن قلت لم وصف المهديون بالكثرة والقلة صفتهم ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ وقليل ما هم، الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة، وجدت الناس أخبر نقله الخ وقد قيل في جوابه أنّ الشكور هو المتوفر على أداء الشكر بقلبه ولسانه وجوارحه في كل أوقاته فيكون واصلا إلى المرتبة الرابعة من الهداية كما مرّ في الفاتحة وهم قليل بالإضافة لمن عداهم يعني أنّ المهديين أنواع وهؤلاء نوع منهم وقد وصفوا بالقلة بالنسبة لمن عداهم ومثله يكفي في التمثيل فلا وجه لإنكاره فتأمّل. قوله: (قليل إذا عدّوا الخ) هو من قصيدة طويلة للمتنبي يمدح بها عليّ بن يسار التميمي وأوّلها:
أقل فعالي بله أكثره مجد وذا الجد فيه نلت أولم أنل جد
стр. 522
سأطلب حقي بالقنا ومشايخ كأنهم من طول ما التئموا مرد
ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعوا قليل إذا عدوا كثير إذا شدّوا
إلى آخر القصيدة وشهرة شعره وديوانه تغني عن بيانه، وثقال جمع ثقيل كخفاف جمع خفيف، وحقيقة الثقلة معروفة، والمراد به هنا ثقل وطأتهم على الأعداء إذا لاقوهم كما أنّ المراد بخفتهم إسراعهم إلى الحرب إذا دعاهم لها من ينتصر ويستعين بهم ودعوا بضم الدال والعين مجهول دعاه إذا ناداه للحرب وشدوا بفتح الشين المعجمة من شد للحرب وفي الحرب إذا قاتل وحمل على أعدائه، وأصل شد شدد من باب ضرب إذا قوي وشددته شدا أوثقته ومنه
شد الرحال كناية عن السفر وشد الحرب منه أيضا إلا أنه صه ار حقيقة عرفية فيه، وفي بعض ألفاظ هذا البيت تقديم وتأخيز في الديوان لا تغير المعنى كبير تغيير. قوله: (إن الكرام كثير في البلاد وإن الخ) هو من قصيدة طويلة لأبي تمام مدح بها عبد العزيز الطائي من أهل حمص وأولها كما في ديوانه:
يا هذه أقصري ما هذه بشر ولا الخرائد من أترابها الأخر
ومنها:
قالوا أتبكي على رسم فقلت لهم من فاته العين هدى شوقه الأثر
إنّ الكرام كثير في البلاد وان قلوا كما غيرهم قل وان كثروا لايدهمنك من دهمائهم عدد فإنّ جلهم بل كلهم بقر
إلى آخر القصيدة جعل البكاء على رسم الأحبة من الكرام ثم بنى عليه التخلص إلى المدح أو الاقتضاب منه إليه كما فصله في الكشف ومعنى البيت إنّ الكرام كثير في الدنيا باعتبار نفعهم وقيامهم مقام الكثير في الغناء والفائدة وإن كانوا قليلاً بحسب العدد كما أنّ غيرهم بعكس ذلك ففيه شاهد لإطلاق الكثير على القليل لكثرتهم المعنوية وهو المراد في هذا التوجيه، وقل كما في الرواية المعروفة بضم القاف وتشديد اللام اختلف فيه شراح الكشاف فقيل إنه جمع قليل ككثير، وقيل: إنه مفرد وارتضاه ابن الصائغ فهو في الأصل مصدر قل يقل قلة وقلا كذل يذل ذلة وذلاً وهذا هو الظاهر بحسب العربية ولعله على الجمعية جمع اقل كأغرّ وغر لا قليل على أنّ أصله قلل بضمتين كنذير ونذر فخفف وأدغم كما قيل: لأن قواعد الصرف تأباه فإنهم قالوا إنّ أول المثلين في كلمظ إذا تحرّك يجوز إدغامه بشروط منها أن لا يكون جمعا على وزن فعل بضمتين كسرر وذلل لئلا يلتبس بفعل بضم فسكون كحمر جمع أحمر ولما كان الجواب الأخير على التنزل وتسليم القلة ظاهراً كان الشعر مناسبا له حيث وصف فيه الكرام بالقلة في أنفسهم من حيث العدد وبالكثرة من حيث المرتبة وغيرهيم بالعكس، فلا وجه لما في الانتصاف من أن الاستشهاد بهذا البيت غير مستقيم لأنّ معناه إن الكرام وإن كانوا قليلا فالواحد منهم كالكثير في النفع واللئام بالعكس لقبض أيديهم عن الجود إن تبعه صاحب الأنصاف، وبقي هنا كلام في شرح الكشاف للطيبي رأينا تركه أهم من ذكره، وقد مر ما يرشدك إلى أن تقديم المؤمنين في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٦] الخ لشرفهم كما قيل:
فقلناله هاتيك نعمي أتمها ولاتبتئس إن المهم المقدم
وانّ تقديم الضالين بعده في قوله يضل به كثيراً الخ لمقتضى المقام فإنّ سؤالهم ناشئ من
الضلال وكون ما في القرآن سببا للضلال أحوج إلى البيان وقيل: لما كان سوق الكلام لبيان ضلال الكفرة كان تقديم حال المؤمنين وكونهم على الحق أدخل في تحقيق ضلالهم وأعون عليه وماذا بعد الحق إلا الضلال، فهو جار على مقتضى الحال لكن لما كان السياق في بيان حال الكفرة بالغ! ي ذمهم وأطنب في مثالبهم وهذا لم أر من تعرض له ولا يخفى ما فيه فتدبر. قوله: (أي الخارجين عن الإيمان الخ) قال الراغب: فسق فلان خرج عن حجر الثرع وذلك من قولهم فسق الرطب إذا خرج من قشره وهو أعم من الكفر والفسق يقع بالقليل والكثير من الذنوب لكن تعورف في الكبائر، ويقال للكافر فاسق لخروجه عن
стр. 523
مقتض الفطرة والعقل قال تعالى: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا﴾ [سورة السجدة، الآية: ١٨] وقال ابن الأعرابي: لم يسمع الفاسق في وصف الإنسان في كلام العرب وإنما قالوا فسقت الرطبة عن قشرها. أنتهى. وفي الدرّ المصون زعم ابن الأنباري أنه لم يسمع في كلام الجاهلية ولا في شعرها فاسق، وهذا عجيب منه وقد قال رؤبة يذهبن في نجد وغوراً الخ (أقول) الظاهر أنه يعترض على ما ذكر بأنه كيف ينكر هذأ مع وروده في الأشعار القديمة كثيراً لا سيما وقد جاء في أفصح الكلام ولذا عده عجيباً، والعجب ممن لم يقف على المراد وحاد على طريق السداد فإن هذا مما اتفق عليه أئمة اللغة وقد عقد له ابن فارس في فقه اللغة بابا والعجب من صاحب المزهر أنه نقله عنه وتغ هنا المعرب وليس غفلة منه وإنما هو تغافل كما قيل:
ليس الغبيّ بسيد في قو! لن سيدهم هو المتغابي
قال ابن فارس ﵀ في معرفة الألفاظ الإسلامية: كانت العرب في جاهليتها على
إرث من آبائهم في لغاتهم وآدابهم ونسائكم وقوانينهم فلما جاء الله تعالى بالإسلام حالت أحوال ونسخت ديانات وأبطلت أمور ونقلت من اللغة ألفاظ عن مواضع إلى مواضع أخر وعد منها حتى قال: ولم يعرفوا الفسق إلا قولهم فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها فجاء الشرع بأنّ الفسق إلافحاس في الخروج عن طاعة الله تعالى انتهى. وهكذا قاله غيره من أهل اللغة من غير تردد فيه وحاصله أنه خروج الأجرام وبروز الأجسام من غير العقلاء من كون لآخر من حيز إلى حيز فنقله الشرع في الإسلام إلى خروج العقلاء من الناس عن الطاعة وشاع بعد ذلك حتى صار حقيقة عرفية لغوية ومنه بيت رؤبة فإنه ليس شاعرا جاهليا مع أنه في خروج الإبل وهي لا تعقل أيضا فلم يخرج عن الوضع، ومما أحدثوه منه الفويسقة للفأرة والفاسقية لعمامة كانت معروفة
في العهد الأول وأما الفسقية للحوض فلم يرد في كلام العرب ولا أدري ما أصلها وبعض المتأخرين توهمها منسوبة للفسق فقال:
هجوت فسقيتكم عامداً لأنها في اللهو أصلية
أليس في فسق جمعتم بها فحق أن تدعي بفسقية
قوله: (قال رؤبة الخ) هو رؤبة بن العجاح الراجز المشهور وهو شاعر إسلاميّ بليغ يستدل بكلامه ورؤبة براء مهملة مضمومة يليها همزة ساكنة ثم باء موحدة وهاء تأنيث ويجوز إبدال همزته واواً لسكونها بعد ضمة وقوله في أدب الكاتب إنه بالهمزة لا غير مما خطئ فيه، وقد يقال مراده أنّ هذه مادّته الأصلية فلا خطأ فيه وهو علم منقول وأصله من رأب الشيء إذا أصلحه والبيت من أرجوزة طويلة له وهو:
يذهبن في نجد وضوراً غائراً فواسقا عن قصدها جوائرا
وهو من صفة نوق وإبل سائرة في المفازة والنجد ما ارتفع من الأرض! وبه سميت بعض
بلاد العرب والمراد الأوّل والغور بالفتح ما انخفض منها وغائرا صفة له من لفظه مؤكدة كليل أليل، وقوله يذهبن للنوق وفواسق بمعنى خوارج، والقصد هنا بمعنى الطريق المستقيم ويكون بمعنى الإرادة وجوائرا من جار عن الطريق إذا انحرف عنها وصرف فواسق وجوائر للضرورة أي أنّ الإبل تصعد وتهبط إذا عدلت عن جادّة السبيل. قوله: (والفاسق في الشرع الخ) يعني أنه نقل لكل خروج عن طاعة الله فيشمل الكفر والكبيرة والصغيرة لكنه اختص في العرف والاستعمال بمرتكب الكبيرة فلا يطلق على الآخرين إلا نادراً بقرينة ويدخل في أمر الله نهيه أيضاً بطريق اللزوم والدلالة إذ لا فرق بينهما وفي الأمر بالشيء نهي عن ضدّه أو على أن المراد بالأمر واحد الأمور، وهو ما جاء من قبل الله مطلقا والكلام في الكبيرة والاختلاف فيها مشهور وسيأتي، والمراد به ما كان شنيعاً من المحرّمات ويدخل فيه الإصرار على الصغيرة لأنها تصير كبيرة على ما اشتهر فلا حاجة إلى أن يزاد فيها هنا أو الإصرار على الصغيرة قيل: ولو ذكر كان أحسن، والتغابي بالمعجمة التغافل من غير غفلة كالتجاهل لمن يظهر والجهل وليس بجاهل من الغباوة وهي ضد الفطنة وف٣ ارتكاب الكبيرة وما في حكمه إلى ثلاثة أقسام وفسر الأوّل بأن
стр. 524
يرتكب الكبيرة في بعض الأحيان مع علمه بحرمتها وقبحها شرعا لكنه لغلبة الهوى وتزيينه لها كمن لم يعلم قبحها فيشبه الغبيّ ولذا كان متغابيا. قوله: (والثانية الانهماث الخ) الانهماك في الأمر الجد فيه والولع والتقيد به، ولذا فسره بقوله أن يعتاد الخ وقوله غير مبال بها يعني به أنه لكثرة ارتكابها واعتيادها لا يخاف وبالها والطعن بها يقال: لا أباليه ولا أبالي به أي لا أهتم به
ولا أكترث له قالوا: ولا يستعمل إلا مع النفي كغير هنا وهذا وان كان مستقبحاً لها إلا أنه لعدم المبالاة كأنه غير مستقبح بها فلذا لم يذكره وأما ارتكابها أحيانا مع عدم المبالاة فنادر لأنّ عدم المبالاة يقتضي الاعتياد غالبا فلا يرد عليه أن ثمة درجات أخر. قوله: (والثالثة الجحود وهو الخ) يقال جحده حقه ولحقه جحداً وجحودا إذا أنكره ولا يكوز إلا عن علم من الجاحد به كما صرح به أهل اللغة وانكار الأمور الدينية عندنا كما قاله ابن الهمام يكون كفرا إذا علم من الدين بالضرورة أو علم المنكر ثبوته ولح في العناد فإنه يكفر لظهور أمارة التكذيب وعند الشافعية قال النووي في الروضة ليس تكفير جاحد المجمع عليه على إطلاقه بل من جحد مجمعا عليه فيه نص وهو من الأمور الظاهرة التي يثترك في معرفتها الخواص والعوام كالصلاة وتحريم الخمر ونحوهما فهو كافر، ومن جحد مجمعا عليه لا يعرفه إلا الخواص كاستحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب ونحوه فليس بكافر، ومن جحد مجمعاً عليه ظاهرا، لا نص فيه ففي الحكم بتكفيره خلاف انتهى. فلا خلاف بيننا وبينهم في هذه المساً لة فالمراد بجحدها جحد حرمتها فلا يستقبحها ولا يبالي بها ويكون ما جحده ما ذكرناه وعلى هذا يحمل كلام المصنف ﵀ وتركه للعلم به ولتصريحه به سابقا في قوله يؤمنون بالغيب كما مرّ، فما أورد على المصنف ﵀ من أنّ مرتكب الكبيرة المستصوب لها ليس كافرا مطلقا غير وارد ولا! ا-ة لما ور! رفه في دفعه! ط بر. قولى: (فإذا شارف هذا المقام الخ) مشارفة الشيء القرب منه وأصله من الشرف وهو المكان المرتفع فكأنه يطلع على محل عال لينظر ما يريده فيقرب منه والتخطي فعل الخطوة وهي نقل القدم والخطط جمع خطة بكسر الخاء المعجمة وتشديد الطاء المهملة قبل! اء تأنيث المكان الذي ينزل فيه المسافر ولم ينزله أحد قبله يقال. اختط وخط عليه إذا حظره وحدده لنفسه ثم صار بمعنى المحلة مطلقا وجمعه خطط يكسر ثم فتح بزنة عنب، والمقام هنا معنوي كالمنزلة والمرتبة، والمراد به الاتصاف بما ذكر من تحليل الحرام واستحسان القبيح واستصوابه، والربقة بكسر الراء المهملة وسكون الباء الموحدة بعدها تاف وهاء حبل فيه عروة تشد به البهائم والأسير ويجعلى في العتق ليقاد بها فإذا خلعت أي طرحت أو قطعت لم ينقد فلذا جعل خلع الربقة وقطعها عبارة عن عدم الطاعة والانقياد كما في قول المصنف ﵀ خلع ربقة الإيمان من عنقه وهو كناية أو استعارة تمثيلية أو مكنية وتخييلية عما ذكر، فإن قلت ليس كل استصواب للكبيرة كفرا على أنه إنما يكفر الجاحد إذا جحد ما مر مما علم من الدين بالضرورة أو كان في حكمه لا إذا شارف الجحود فكلام المصنف ﵀ غير صواب والصواب ترك المشارفة. قلت هذا مما يلوج في بادي النظر لإذا وقفت على مراد المصنف ﵀ عرفت اندفاعه فإن أردت تحقيق ذلك فاصخ لما يتلى عليك واعلم أن المشار إليه بهذا المقام هو مقام الجحد لما علم من الدين بالضرورة وما يقوم
مقامه مما يدل عليه التكذيب وخلع ربقة الإيمان والدخول في الكفر لاتصافه بما يصير به كافرا عند أهل السنة لأنّ قوله خلع الخ جواب إذا فهو مرتب على مجموع مشارفة مقام هذا الجحد وتخطي مجال هذا المقام وخططه والضمير المضاف إليه الخطط راجع للمقام لا للشخص كما يقع في بعض الأوهام وتخطي تلك المحال إن لم يكن يتجاوزها فهو بالدخول فيها بغير مرية ولا شك حينثذ في كفره، وقوله لاتصافه بالتصديق مناد بتصديقه لمن ألقى السمع وهو شهيد، وإنما ذكر المشارفة لتصوير الحال وبيان ترتب الثالث على الثاني وتأدية الانهماك إلى الاستحلال وتعب يمره بالربقة إيماء لما يعقبه من نقض العهد وحباله " وخلع ريقة الإسلام من العنق " مما ورد بلفظه في الحديث الشريف. قوله: (لاثصافه بالتصديق الخ) قيل: إنه
стр. 525
يدل على أنّ الإقراش ليس بركن من الإيمان بل شرط لإجراء أحكام الدنيا عليه كالصلاة عليه ودفنه في مقابرنا ونحوه ولا بد من أن يكون إقراره أيضاً على وجه الإعلان للمسلمين بخلاف ما إذا كان لإقمام الإيمان فإنه يكون بمجرّد أليهلم، والخلاف في القادر على التكلم لا العاجز كالأخرس ثم اختلف أهل التحقيق في المراد بالتصديق هنا هل هو المنطقي وهو الإذعان والقبول أو هو أمر آخر أخص منه ولذا قال بعض المحققين المعتبر في الإيمان التصديق الاختياري ومعناه نسبة الصدق إلى المتكلم اختياراً، وبهذا القيد يمتاز عن المنطقي فإنه يخلو عن الاختيار وذهب بعض المتأخرين إلى أنه بعينه المنطقيّ غايته أنه نوع منه بالمعنى اللغوي والتصديق والتسليم واحد كما يعلم من كلام كبار الصحابة وعلماء الأمة وتفصيله في الكلام وقد مر نبذ منه وقوله لقوله تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ﴾ الخ دليل على أنّ اسم المؤمن لا يسلب عمن لم يشارف الجحد فانّ الاقتتال كبيرة وقد أطلق على المقتتل أنه مؤمن ولو كان باغيا فقال: قاتلوا التي تبغي حتى تفيء الخ وحتى تقتضي الامتداد في البغي وهو انهماك فلا يرد عليه أنه لا دلالة فيها على أنّ اسم المؤمن لم يسلب عن المنهمك فإنه بمجرّد القتال لا يتحقق الانهماك. قوله: (والمعتزلة لما قالوا الخ) اختلف المعتزلة بعد اعتبارهم العمل في الإيمان هل المراد بالعمل الطاعة مطلقا أو الفرض فذهب بعضهم إلى الأوّل وبعضهم إلى الثاني، وهل الإيمان العمل فقط أو مجموع الثلاثة، ونزوله منزلة المؤمن أنه يحكم له بحكم الإيمان من
التناكح والتوارث والدفن والصلاة عليه وغير ذلك، وتنزيله منزلة الكافر في استحقاقه ا! لذم، التخليد في النار وعدم قبول شهادته، ومشاركتة للمؤمن فيما ذكر وفي أصل التصديق وللكافر مي عدم الطاعة وفيما ذكر وأول من أظهر المنزلة بين المنزلتين واصل بن عطاء حين اعتزل مجلس الحسن كما تقرّر في محله. قوله: (وتخصيص الإضلال الخ) التخصيص مأخوذ من الحصر وترتبه على الفسق من تعليقه بالمشتق كما مرّ من اقتضائه العلية المقدمة على المعلول رتبة ومرتبا بصيغة المفعول حال من الإضلال وقيل: إنه يجوز فيه أن يكون بصيغة اسم الفاعل حالاً من الفاعل المقدّر للتخصيص وهو الله تعالى وهو تكلف لا حاجة إليه وان جاز والضمير لي توله على أنه للفسق وما بعده يدل على أنّ الفسق هنا بمعنى الكفر لأنه يطلق عليه كما مر من شاع في الكبائر حتى اختص بها عرفا، والفاسقين منصوب على أنه مفعول يتجلى لأنه استثناء مفرّغ وأعد بمعنى هيأ فالفسق جعلهم مستعدين لخلق الله فيهم الضلال وأدى بهم بمعنى أوصلهم إلى الضلال به أي بما ذكر من المثل وبه سقط في بعض النسخ، وأذى متعد بنفسه، والمصنف ﵀ عداه بالباء ففي كل من الفسق والميل سببية باعتبار كما أشار إليه بقوله لأنّ كفرهم الخ وإصرارهم بالباطل مضمن معنى تصريحهم به ولذا عداه بالباء والمعروف تعديه وهلى وقوله صرفت أنثه باعتبار الأمور المذكورة وترك قول الزمخشري إنّ إسناد يضل مجازي إلى السبب لابتنائه على الاعتزال مع ما يرد عليه من أنّ التصريح بالسبب في قوله به يأباه إلا أن ومال إنه تعالى تسبب بضربه المثل تسببا قريبا مع ما فيه مما يعلم من شرح الفاضل التفتازاني اقوله: وقرئ يضل على البناء للمفعول أي في هذا وفيما تقدم وكذا قرئ يهدي أيضا وكان مليه أن يذكره لئلا يرد عليه ما قيل: من أنه لم يوف هذه القراءة حقها وان قيل إنه سكت عنه احلمه بالقرينة فتأمل. قوله: (صفة للفاسقين) وجوز فيه القطع وأن يكون مبتدأ خبره جملة ا، لنك، ووجه تقريره للفسق أنّ الخروج عن العهدة خروج عن الإيمان وأصل معنى النقض لقون في الحبل ونقيضه الإبرام وفي الحائط ونحوه، ونقيضه البناء وظاهر كلام الراغب أنه في العقد والعهد حقيقة فلعله ملحق بالحقيقة لثيوعه فيه، وقد جوّز في قول الزمخشري من أين ساغ استعمال النقض في إبطال العهد أن يكون شاع بالشين المعجمة وعين مهملة وأن يكون
بسين مهملة وغين معجمة، والطاقات جمع طاقة وهي ما ينعطف بعضه على بعض من بناء أو جيل وقوله: واستعماله الخ في الكشاف، فإن قلت من أين ساغ استعمال النقض في إبطال العهد قلت: من حيث تسميتهم العهد بالحبل على سبيل الاستعارة لما فيه من ثبات الوصلة بين المتعاهدين
стр. 526
ومنه قول ابن التيهان ﵁ في بيعة العقبة يا رسول الله أنّ بيننا وبين القوم حبالاً ونحن قاطعوها فنخشى إن الله أعزك وأظهرك أن ترجع إلى قومك، وهذا من أسرار البلاغة ولطائفها أن يسكتوا عن ذكر الشيء المستعار ثم يرمزوا إليه بذكر شيء من روادفه فينبهوا بتلك الرمزة على مكانه ونحوه قولك عالم يغترف منه الناس، وشجاع يفترس أقرانه قالط قدس سره يريد بيان الاستعارة بالكناية وما يكون قرينة عليها وتد اتفقوا على أنّ في مثل أظفار المنية يد الشمال استعارة بالكناية واستعارة تخييلية لكن اضطرب كلامهم في تحقيق الاستعارتين وفي أن قرينة الاستعارة بالكناية هل يلزم أن تكون تخييلية البتة وار، مثل لفظ الأظفار واليد هل هو مستعمل في معنى مجازي أم لا والأشبه بل الصواب ما أشار إليه المصنف وهو أنّ المستعار بالكناية في أظفار المنية هو لفظ السبع المذكور كناية بذكر شيء من لوازمه كالأظفار وهو مسكوت عنه صريحاً لكنه في حكم المذكور، وههنا قد سكت عن الحبل ونبه عليه بذكر النقض حتى كأنه قيل ينقضون حبل الله أي عهده والنقض استعارة تحقيقية تصريحية حيث شبه إبطال العهد بإبطال تأليف الجسم وأطلق اسم المشبه به على المشبه لكنها إنما جازت وحسنت بعد اعتبار تشبيه العهد بالحبل فبهذا الاعتبار صارت قرينة على استعارة الحبل للعهد وبهذا ظهر إن الاستعارة المكنية قد توجد بدون التخييلية وانّ قرينتها قد تكون استعارة تحقيقية وأمّا في مثل أظفار المنية فالمحققون على أنّ الأظفار ليس مستعملا في معنى مجازي محقق وهو ظاهر ولا يتوهم كما زعم صاحب المفتاح بل هو في معناه لكن إثباته للمنية استعارة تخييلية بمعنى جعل الشيء لشيء ليس هو له فقرينه الاستعارة بالكناية ههنا استعارة تخييلية ومذاهب القوم فيها مبسوطة في المعاني، وابن التيهان بكسر الياء على الصحيح وصوب المرزوقي الفتح ثم قال: والبيص، استشهاد لاستعارة الحبل للعهد صريحا ثم القطع لنقضه. (أقول) فيه بحث من وجوه الأوّل أنّ مقتضى كلام العلامة والشارح أنّ المكنية إنما تصح أو تحسن إذا علم تشبيه المذكور بالمكنى عنه قبل ذلك فعليه كيف يستعار يد الشمال والشمال لم تشبه قبل ذلك بإنسان ولم يعهد فيها ذلك ونظائره كثيرة وفي الكشف ما شاع تشبيهه قبل اقترانه بالتخييل بجعل كناية وان أريد بصورة التخييل معنى آخر فإن لم يعهد ذلك يجعل ما جعل في مثله تخييلا استعارة تبعية كما في ﴿خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهمْ﴾ والثاني أنه قال: استفدنا من هذا أن قرينة الاستعارة بالكناية لا يجب أن تكون تخييلية بل قد تكون تحقيقية كاستعارة النقض لإبطال العهد ويرد عليه أنه لم يكون مستعملاً في معناه الوضعي وكون الحبل استعارة بالكناية يقتضي ذلك وكذا الافتراس والاغتراف واستعارة الحبل للعهد تأبى استعارة النقض للإبطال ومن قال استعارة النقض للإبطال
إنما جاءت بعد استعارة الحبل للعهد فقد عكس الأمر وقد قيل: إنّ كلام صاحب الكشاف لحتمل أن يكون النقض بعد إثباته للعهد كناية عن بطلانه كما أنّ نشبت مخالب المنية كناية عن الموت وأن يكون مراده شاع استعمال النقض في مقام إفادة إبطال العهد أو في إظهار إبطال العهد ولا يخفى أن جعل القرينة مطلق التخييل أقرب إلى الضبط. الثالث: لو كان النقض مجازاً عن إبطال العهد لزم أن يكون ذكر العهد مستدركاً فالوجه أا! ايقال بمعنى الإبطال فقط. الرابع: أنّ قوله والبيت استشهاد الخ لا معنى له فإنّ كلام ابن التيهان كلام منثور كماءذكره ارباب السير فأيّ بيت هنا ولك أن نجيب عن الأوّل بأنّ مراده اشتراطه فيما كان التخييل فيه مستعملاَ في معنى غير حقيقي فإنه لا يكون من روادفه ولوازمه حتى يدل عليه فإذا عهد قبل ذلك تشبيهه به يصح الانتقال إليه بمجرّد ذكر لفظ كان معناه لازماً له والا فلا وعليه ينزل للامهم، وعن الثاني بأنهم استعملوا كثيرا النقض بمعنى إبطال العهد وإن لم يذكر معه العهد كما في الأساس فالظاهر إجراؤه على ما تقرّر قبل ذلك، وعن الثالث بأنّ العهد خارج عن معناه خروج البصر عن العمى في قولهم العمى عدم البصر إذ لا بصر مع العمى ولا عهد مع النقض وعن الرابع: بأنه وقع كذا في النسخ وهو سهو من طغيان القلم، ورأيت في بعض النسخ
стр. 527
البين لالنون بدل! اكء وكتب عليها بعضهم أي حديث البين أي الحديث الذي نحن بصدده المصدر بلفظ بين في قوله إن بيننا وبين القوم الخ ولا يخفى تكلفه من غير داع ولعل الاعتراف بالخطأ أحسن من هذا الصواب. قوله: (فإن أطلق مع لفظ الحبل الخ) بأن قيل ينقضون حبل الله يكون الحبل استعارة تصريحية والنقض ترشيح وإنما عبر بالمجاز للإشارة إلى أنّ الاستعارة المكنية حقيقة فلا يقال إنه لم يصادف محزه واستعمل أطلق مع الترشيح وذكر مع التخييل للتفنن ولا يخفى حسن الإطلاق مع الحبل والذكر مع العهد وقيل: لأنّ النقض لما كان في الأوّل ترشيحا كان مطلقاً على معنى ومستعملاً فيه ولما كان ههنا قرينة للاستعارة كان تابعاً له فكأنه لم يطلق على معنى بل إنما ذكر لينتقل إلى متبوعه والمراد بالروادف اللوازم ولا يخفى أنّ كلام المصنف راجع إلى ما قرّره في الاستعارة بالكناية محتمل لما يحتمله غيره وقيل إنه يشعر بأنّ الاستعارة لالكناية هي اللازم المذكور سمي استعارة لاستعارته للمشبه وبالكناية لأنه كناية عن النسبة وهو) نبات الحبلية للعهد، وهو قول رابع ذهب إليه في الكشف وحمل كلام الكشاف عليه فقوله إلى ما مو من روادفه ضمير هو راجع إلى النقض المستعار لما يرادفه من الإبطال المستلزم لأنّ العهد حبل بطريق الكناية وقيل: إنه عائد إلى ذكر النقض مع العهد لا إلى النقض كما توهم، وقيل: إن الظاهر أن يقال وهو العهد فتكلف في توجيهه والمعنى إن ذكر النقض كأن ر! زا إلى ما يتبع ذلك الذكر وهو الحكم على العهد بأنه حبل بطريق المبالغة في التشبيه فتأمّل. قوله:
(والعهد الموثق) قال الراغب: وثقت به اعتمدت عليه وأوثقته شددته وما يشذ به وثاق والوثاق والميثاق عقد يؤكد بيمين والموثق الاسم منه قال تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ [سورة يوسف، الآية: ٦٦] أو هو مصدر أو اسم موضع الوثوق فالعهد للوصية واليمين لأنها تعهد وتحفظ وللمنزل كما ذكره الجوهري والتاريخ أي للزمان المؤرخ به كما يقال فعل على عهد فلان كذا، والتاريخ قيل: إنه معرب ماء روز أي حساب الشهور والأيام وقيل إنه عربي وهو الأظهر إذ في الأوّل بعد ظاهر وقوله وهذا العهد أي المذكور هنا إمّا العهد المأخوذ بالعقل لأنه تعالى لما خلقه فيهم كأنه أخذ عليهم العهد ووصاهم بالنظر في دلائل التوحيد وتصديق الرسل إذ العقل كاف في ذلك، وأمّا وجوب النظر فيه فهل يجب عقلا أو شرعاً فمختلف فيه على ما تقرّر في الأصول ثم وثقه بإرسال الرسل وإنزال الكتب واظهار المعجزات فوجب الإيمان بجميعه قال الراغب: العهد المأمور بحفظه ضربان عهد مأخوذ بالعقل وعهد مأخوذ بإرسال الرسل والمأخوذ بالرسل مبيّ على المأخوذ بالعقل ولا يصح إلا بعده ومعه وقد حملت الآية عليهما، وقال الإمام: المراد بهذا الميثاق الحجة القائمة على عباده الدالة لهم على صحة توحيده وصدق رسوله فعلى هذا يلزم الدمّ لأنهم نقضوا ما أبرمه الله تعالى من الأدلة التي كررها عليهم في الأنفس والآفاق وأوح في العقول من دلائلها وبعث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأنزل الكتب مؤكداً لها والناقضون على هذا الوجه جميع الكفار، وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ إشارة إلى آية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ الآية فإشهادهم على أنفسهم خلق العقل فيهم وإقامة الحجج وسيأتي بيانها، وقوله أو المأخوذ بالرسل الخ يعني المراد بالعهد ما عهد إليهم في الكتب السالفة هن أنه إذا بعث إليهم صدقوه فيكون المراد بالناقضين أهل الكتاب والمنافقون منهم وبؤيده أنّ المستهزئين بالأمثال كما روى ابن حبان أحبار اليهود، وما نقله من أنّ العهود المذكورة في القرآن ثلاثة عهد أخذ على جميع بني آدم بالعقل والحجة كما مرّ وعهد أخذ على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالتبليغ وأن لا يتفرّق مدعاهم في التوحيد وعهد أخذ على العلماء أن لا يكتموا ما علموه هذا ليس تفسيراً للأية لأن عهد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا تصح إرادته إذ لا نقض (منهم) بل المراد الأوّل وهو أحد الوجهين السابقين ويصح إرادة الأخير بأن يكون المراد بالعلماء علماء أهل الكتاب كاليهود ربالناقضين الكفار والمنافقين منهم، واعلم أنه على التفسير الأوّل للعهد الظاهر أنه مجاز بأن تشبه الحجج والبراهين التي
اقتضاها العقل بالعهود والمواثيق فيهيف يكون
стр. 528
استعارة مكنية اللهم إلا أن يكون من قبيل فأذاقها الله لباس الجوع والخوف فتأمّله فإنهم سكتوا عنه.
قوله: (الضمير للعهد الخ) الميثاق مفعال وهذا الوزن في الصفات كثير مصرح به في
النحو كمنحار ومعطاء لكثير النحر والعطاء ويكون مصدراً أيضا عند الزمخشري وأبي البقاء كميلاد وميعاد بمعنى الولادة والوعد وأنكره بعض النحاة حتى إنّ ابن عقيل وابن عطية أوّلاً قول الزمخشريّ بأنه واقع موقع المصدر كعطاء بمعنى إعطاء، ويكون اسم آلة كمضراب ومرقاة مرآة ومحراث وهذا لم يذكره النحاة أيضا لكنه وقع ألفاظ منه مستعملة لذلك وهو قريب لأن مفعل بالكسر من أوزانها فكأنه إشباع له ولا مانع منه وقد حمله عليه هنا بعض أرباب الحواشي، وفي الكشاف الضمير في ميثاقه للعهد وهو ما وثقوا به عهداً لله من قبوله وإلزامه أنفسهم ويجوز أن يكون بمعنى توثقه كما أن الميلاد والميعاد بمعنى الوعد والولادة ويجوز أن يرجع الضمير إلى الله أي من بعد توثقته عليهم أو من بعد ما وثق به عهده من آياته وكتبه وانذار رسله، وفي الكشف فإن قيل: قد فسر العهد بالموث وهو والميثاق واحد ولهذا فسر موثقا من الله بما أوثق به من الله تعالى فإن رجع الضمير إلى العهد كان المعنى من بعد ميثاق الميثاق وهو غير ظاهر، أجيب بأنّ العهد لما فسر بما ركز في العقول أو ما أخذ الله عليهم من التصديق صار بمعنى المعاهد عليه فجاز أن يضاف إليه الميثاق وهو ما يقع به الوثاقة من التزامهم القبول على أنّ ميثاق الميثاق غير ممتنع فإنه تأكيد له وذلك أنّ ما ركز في عقولهم من الحجج على وجوده وقدرته وحكمته وجوده ميثاق وتأييده بالحجج السميعة وارسال الرسل ميثاق الميثاق ثم الأولى أن يرجع الضمير إلى الله تعالى (أقول (كونه أولى ظاهر إذ ليس فيه إضافة الشيء إلى نفسه المحتاج إلى التأويل المذكور وقد خفي على بعضهم ولم يلتفت إلى عود الضمير إلى المضاف إليه وهو خلاف الفصيح المعروف لأنه إنما هو في كير الإضافة اللفظية وأمّا فيها فمطرد كثير وما نحن فيه كذلك لأنه مصدر أو مؤوّل بمشتق كما أشار إليه فيكون كقولك أعجبني ضرب زيد وهو قائم ووجهه أنها في نية الانفصال فالمعترض لم يفهم كلامه. قوله: (وما وثق الله به عهده) أخر الزمخشري هذا الوجه قيل: لأن الثاني أبلغ في الذم وهو المراد من قوله ينقضون عهد الله على ما صرّح به نفسه فإن نقضهم العهد الذي أحكموه بالقبول والالتزام أشنع من نقغهحهم العهد الذي لم يحكموه ولكن أحكمه الله ثم الوجه الثالث لأن الأحكام وان كان مطلقاً لكن المقام يعين ما حاشية الشهاب / ج ٢ / م اا
هو اللائق له وقوله بمعنى المصدر ومن للابتداء مرّ الكلام فيه. قوله: (يحتمل كل قطيعة لا يرضاها الله الخ) حمله المصنف على العموم والزمخشري خصه فقال معناه قطعهم الأرحام وموالاة المؤمنين، وقيل قطعهم ما يين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الوصلة والاتحاد والاجتماع على الحق في إيمانهم ببعض وكفرهم ببعض وقد رجح الوجه الأوّل من وجهي التخصيص بأنّ الظاهر أنه توصيف للفاسقين بأنهم يضيعون حق خلق الله بعد وصفهم بتضييع حق الله تعالى وتضييع حقه تعالى بنقض عهده وتضييع حق خلقه بقطعهم أرحامهم وقيل: إخه لا منافاة بين كلام المصنف رحمه الله تعالى والكشاف لأن قوله: ﴿الَّذِينَ يَنقُضُونَ﴾ متصل بقوله: ﴿إِلاَّ الْفَاسِقِينَ﴾ وهو إما مظهر وضع موضع المضمر وهم الطاعنون في التمثيلات التنزيلية وحينئذ لا يخلو إما أن يراد بهم المشركون فالمراد بقطع الأرحام عداوتهم لرسول الله يتت! هـ وامّا أن يراد بهم أهل الكتاب فالمراد قطعهم ما بين الأنبياء عليهم الصحلاة والسلام من الوصلة لإيمانهم ببعض وكفرهم ببعض وأما عام في جميع الفسقة فحينئذ يحمل على ما قاله القاضي ﵀ ويدخل فيه أحد الفريقين على البدل دخولأ أولياً بشهادة سياق الكلام انتهى وفيه نظر، وقوله وترك الجماعات المفروضة كالجمعات لأنها سبب للألفة بين المؤمنين التي من الله بها في قوله: ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [سورة الأنفال، الآية: ٦٣] وقوله: فإنه يقطع الخ تعليل لقوله وسائر الخ فإنه يشمل الشر والرفض المتعلق بالفاعل في نفسه كتركه الصلاة ولا قطع فيه ظاهر، وهذا مع ظهوره تردّد في معناه بعضهم، وفي القطع
стр. 529
والتوثيق ترشيح للمكنية. قوله: (والأمر هو القول الطالب للفعل) إسناد الطالب مجازي وحقيقته الدال على الطلب والأمر يكون بالمعنى المصدري فالقول على ظاهره وبمعنى الصيغة فالقول بمعنى المقول وتعميم الطالب يشمل المندوب وهو حقيقة فيه عند بعض الشافعية، واشتراط الاستعلاء الأعم من العلوّ مذهب الجمهور والكلام عليه مبسوط في كتب الأصول. قوله: (وبه سمي الأمر الذي هو واحد الأمور) أي نقل الأمر الطلبي إلى الأمر الذي يصدر عن الشخص لأنه يصدر عن داعية تشبه الأمر فكأنه مأمور به أو لأنه من شأنه أن يؤمر به وهو الذي أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى بقوله فإنه الخ كما سمي
الخطب والحال العظيمة شأنا وهو مصدر في أصل اللغة بمعنى القصد سمي به ذلك لأنه م!! ضأنه أن يقصد وليس الكلام على هذه الأقوال مما يهمنا فإن كتب الأصول كفت مؤنته،، إنما الكلام في واحد الأمور والأوامر فإنّ أهل الأصول قالوا إنّ الأمر بمعنى القول المخصوص يجمع على أوامر، وبمعنى الفعل والشأن على أمور ولا يعرف من وافقهم إلا الجوهري في قوله أمره بكذا أمرا وجمعه أوامر وأمّا الأزهري أمام أهل اللغة فقال: الأمر صد النهي واحد الأمور وفي محكم ابن سيده لا يجمع الأمر إلا على أمور ولم يذكر النحاة أد فعلا يجمع على فواعل، وفي شرح البرهان إن قول الجوهري غير معروف وإن الأوامر صح بوجوه الأول أنه جمع آمر بالمد بوزن فاعل وصح أنه اسم أو صفة لما لا يصقل وهو مجاز لأن الآمر الشخص لا القول ولم يقولوا إنّ هذه الصيغة مجاز فكيف يخرج عليه للامهم مع تصريحهم بأنها جمع أمر، الثاني: أنه مجاز جمع آمرة وهي الصيغة وفيه ما مر، وعن ابن سيده أن الآمرة مصدر كالعافية وعليه خرجت هذه الصيغة وفيه نظر الثالث أنه حمع الجمع جمع على أفعل كأكلب وهو على أفاعل كأكالب وردّ بأنّ أوامر ليس أفاعل بل! راعل بخلاف أكالب وأجيب بأنه يخوز أن ي! س ن فاعل أبدلت همزته واواً كأوادم وهو قياس مطرد، وفرب شرح المحصول أنه لا يتم في النواهي وكونها جمع ناهية مجازاً تكلف وكذا ثونه لمشاكلة الأوامر فإنه يستعمل مفرداً فتأمل. قوله: (وأن يوصل الخ) ترك احتمال الرفع سقدير هو اًن يوصل لتكلفه لفظاً ومعنى، ورجح البدل من الضمير المجرور لفظا لقربه، معنى لأنّ قطع ما أمر الله بوصله اً بلغ من قطع وصلى ما أمر الله به نفسه وهو ظاهر راحتمال النصب بالبدلية من محل المجرور والنصب بنزع الخافض أي من اًن يوصل لا داعي له سوى تكثير السواد وقيل: إنه مفعول لأجله أي لأن يوصل أو كراهة أن يوصل. مرله: (بالمنع عن الإيمان) بالنهي عنه وغيره والاستهزاء بالحق من الأمثال المنزلة وغيرها، - الوصل كرطب جمع وصلة وقوله التي الخ بيان لكون قطعها إفساداً في الأرض والحمل لحلى جميع هذه الأمور أولى. قوله: (الذين خسروا الخ) قال الفاضل في شرح الكشاف: انه إشارة إلى أنهم جعلوا بمنزلة المتاجرين على طريق الاستعارة المكنية حيث استبدلوا شيئاً سنميء أنتهى. وفال الطيبي ة بشير إلى أنّ تلك الاستعارة التي سبقت في قوله ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه متضمنة للاستبدال المستعار له البيع والشراء استعارة قوله اشتروا الضلالة
بالهدى، ولذا ذيل بقوله أولئك هم الخاسرون فإنّ الخسران لا يستعمل إلا في التجارة حقيقة فتكون قرينة للاستعارة الققدّرة شبه استبدال النقض بالوفاء المستلزم للعقاب بالاشتراء المستلزم للخسران) أقول) هذا من خبايا دفائنه فإنه جعل فيه التخييلية نفسها مع قرينتها مكنية، وأثبت لها تخييلية أخرى فيكون في الجملة الأولى مجاز بمرتبتين بل بمراتب إذا كانت مكنية في العهد تخييلية في النقض كما مرثم جعل مجموع الجملة مكنية تمثيلية وأثبت تخييلا آخر فانظره فإنه من سحر البلاغة قلما يعثر عليه غير صاحب الكشاف فلقه در اً بيه ولعلك يرد عليك ما يشفي الغليل فيه والباء في كلام المصنف ﵀ داخلة على المتروك كما سيأتي تحقيقه ثم إنّ الخسران يكون بإضاعة رأس المال كله أو بعضه وبالضرر عدم الفائدة فإهمال العقل الخ بمنزلة إضاعة رأس المال والاقتناص الصيد وهو معطوف على العقل أو النظر ولم يذكر القطع، والوصل مع ذكره في النظم
стр. 530
والكشاف لاندراجه في الإفساد كما يعلم من تفسيره، وعبر بالاستبدال في الإنكار والطعن وبالاشتراء في النقض والفساد للتفنن وقيل: لأنّ الاستبدال فيه مبالغة لتركهم ما في أيديهم، إلى غرة ليست في الاشتراء لأنه يعبر به عن الرغبة، وفيه نظر. قوله: (استخبار فيه إنكار وتعجيب الخ) ألاستخبار طلب الخبر بالجواب كما أنّ الاستفهام طلب الفهم منه، والفرق بينهما أنّ الاستخبار لا يقتضي عدم العلم بخلاف الاستفهام فلذا يستعمل الأوّل في حقه تعالى وان كان كل منهما قد يستعمل بمعنى الآخر فإن قلت الاستخبار لا يخلو من أن يكون معنى حقيقياً لصيغة الاستفهام أو مجازياً، والإنكار والمتعجب والتعجيب من معانيه المجازية فعلى الأؤل يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز وعلى الثاني يلزم الجمع بين معنيين مجازيين وكلاهما مما يمتنع، ولذا قيل: الأولى أن يقولي استخبار بمعنى التوبيخ والتعجيب إذ ليس هو في الحقيقة استخبار (قلت) ذكر سيبويه أن أرأيت بمعنى أخبرني وقالوا قاطبة في باب التعليق أنه معنى مجازي فدلالته على التعجب ونحوه إمّا تجوّز على تجوّز لشهرة الاستفهام في معنى الاستخبار حتى كأنه حقيقة فيه وإن كان في أرأيت أشهر أو أنّ! لالته على ذلك بطريق الاستتباع واللزوم لا من حاق اللفظ فلا محذور فيه، والقائل غفل عن قوله والمعنى أخبروني ولا مانع من اذعاء الحقيقة فيه، وتعجيب وقع في نسخة موافقا لما في الكشاف وفي أخرى تعجب قيل: والأولى أولى لما في التيسير أن كيف تكون للتعجب نحو انظر كيف يفترون على الله أي تعجب يا محمد وللتعجيب أي الحمل على التعجب كما هنا ومنهم من فسر التعجب هنا بمعنى أنه يتعجب منه كل عاقل يطاء عليه والا فحقيقته محالة عليه تعالى ولا يخفى أن التعجب إذا أطلق عليه تعالى كما في حديث " عجب ربكم " يكون بمعنى الاستعظام كما صرح به في الكشاف في غير هذا المحل لأن العجب روعة
تعتري الإنسان عند استعظام الشيء وهو محال عليه تعالى فيراد به غايته والإنكار بمعنى أنه كان الواجب أن لا يكون وقد يكون بمعنى أنه لا يكون وكلام الكشاف مشعر بأنه بالمعنى الثاني: ولكن مراده أنه لا ينبغي أن يكون بل ينبغي أن لا يكون لقوّة الصارف عنه كما لا تكون المحالات لاستحالتها في أنفسها، ولهذا اً ضاف إلى الإنكار التعجيب كما فعل المصنف ﵀ والعجب لا يكون إلا مما وقع فمع ذكره لم يبق في كلامه احتمال آخر لكنه شدد في إنكاره فلا عبرة بتوهم خلافه. قوله: (بإنكار الحال التي يقع عليها على الطريق البرهاني الخ) في الكشاف بعدما ذكر أنه للأنكار والتعجيب حال الشيء تابعة لذاته فإذا امتنع ثبوت الذات تبعه امتناع ثبوت الحال فكان إنكار حال الكفر لأنها تتبع ذات الكفر ورديفها إنكار الذات الكفر وثباتها على طريق الكناية وذلك أقوى لإنكار الكفر وأبلغ، وتحريره أنه إذا أنكر أن يكون لكفرهم حال يوجد عليها وقد علم أنّ كل موجود لا ينفك من حال وصفة عند وجوده ومحال أن يوجد بغير صفة من الصفات كان إنكاراً لوجوده على الطريق البرهان أص. وفي المفتاح ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ الخ المعنى التعجب ووجه تحقيق ذلك هر أنّ الكفار في حالى صدور الكفر عنهم لا بدّ أن يكونوا على إحدى الحالين إمّا عالمين بالته دمامّا جاهلين به فلا ثالثة فإذا قيل لهم: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ وقد علمت أنّ كيف للسؤال عن الكفر وللكفر مزيد اختصاص بالعلم بالصانع وبالجهل به انساق إلى ذلك فأفاد اً في حال العلم بالله تكفرون أم في حال الجهل به ثم إذا قيل ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٨] وصار المعنى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ والحال حال علم بهذه القصة وهي أن ﴿كُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ﴾ الخ صير الكفر أبعد شيء عن العاقل فصار وجوده منه مظنة التعجب ووجه بعده هو أن هذه الحالة لابى أن لا يكون للعاقل علم بأنّ له صانعا قادراً عالما حيا سميعاً بصيراً موجوداً غنيا في حميع ذلك عن سواه قديماً غير جسم ولا عرض حكيما خالقا منعما مرسلا للرسل باعثأ مثيبأ معاقباً وعلمه بأن له هذا أنصانع يأبى أن يكفر، وصدور المعل عن القادر مع الصارف القري مظنة تعجب وتعجيب وانكار وتوبيخ فصح أن يكون قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ الخ تعجباً وتعجيباً وتوبيخأ وانكاراً اهـ. والحاص!! أنّ كيف للسؤال عن الحال على طريق
следующие страницы →