← Тафсир

Тафсир · id 1535

حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي = عناية القاضي وكفاية الراضي

الشهاب الخفاجي

Полный текст (3 156 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

ومنه قول ابن التيهان ﵁ في بيعة العقبة يا رسول الله أنّ بيننا وبين القوم حبالاً ونحن قاطعوها فنخشى إن الله أعزك وأظهرك أن ترجع إلى قومك، وهذا من أسرار البلاغة ولطائفها أن يسكتوا عن ذكر الشيء المستعار ثم يرمزوا إليه بذكر شيء من روادفه فينبهوا بتلك الرمزة على مكانه ونحوه قولك عالم يغترف منه الناس، وشجاع يفترس أقرانه قالط قدس سره يريد بيان الاستعارة بالكناية وما يكون قرينة عليها وتد اتفقوا على أنّ في مثل أظفار المنية يد الشمال استعارة بالكناية واستعارة تخييلية لكن اضطرب كلامهم في تحقيق الاستعارتين وفي أن قرينة الاستعارة بالكناية هل يلزم أن تكون تخييلية البتة وار، مثل لفظ الأظفار واليد هل هو مستعمل في معنى مجازي أم لا والأشبه بل الصواب ما أشار إليه المصنف وهو أنّ المستعار بالكناية في أظفار المنية هو لفظ السبع المذكور كناية بذكر شيء من لوازمه كالأظفار وهو مسكوت عنه صريحاً لكنه في حكم المذكور، وههنا قد سكت عن الحبل ونبه عليه بذكر النقض حتى كأنه قيل ينقضون حبل الله أي عهده والنقض استعارة تحقيقية تصريحية حيث شبه إبطال العهد بإبطال تأليف الجسم وأطلق اسم المشبه به على المشبه لكنها إنما جازت وحسنت بعد اعتبار تشبيه العهد بالحبل فبهذا الاعتبار صارت قرينة على استعارة الحبل للعهد وبهذا ظهر إن الاستعارة المكنية قد توجد بدون التخييلية وانّ قرينتها قد تكون استعارة تحقيقية وأمّا في مثل أظفار المنية فالمحققون على أنّ الأظفار ليس مستعملا في معنى مجازي محقق وهو ظاهر ولا يتوهم كما زعم صاحب المفتاح بل هو في معناه لكن إثباته للمنية استعارة تخييلية بمعنى جعل الشيء لشيء ليس هو له فقرينه الاستعارة بالكناية ههنا استعارة تخييلية ومذاهب القوم فيها مبسوطة في المعاني، وابن التيهان بكسر الياء على الصحيح وصوب المرزوقي الفتح ثم قال: والبيص، استشهاد لاستعارة الحبل للعهد صريحا ثم القطع لنقضه. (أقول) فيه بحث من وجوه الأوّل أنّ مقتضى كلام العلامة والشارح أنّ المكنية إنما تصح أو تحسن إذا علم تشبيه المذكور بالمكنى عنه قبل ذلك فعليه كيف يستعار يد الشمال والشمال لم تشبه قبل ذلك بإنسان ولم يعهد فيها ذلك ونظائره كثيرة وفي الكشف ما شاع تشبيهه قبل اقترانه بالتخييل بجعل كناية وان أريد بصورة التخييل معنى آخر فإن لم يعهد ذلك يجعل ما جعل في مثله تخييلا استعارة تبعية كما في ﴿خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهمْ﴾ والثاني أنه قال: استفدنا من هذا أن قرينة الاستعارة بالكناية لا يجب أن تكون تخييلية بل قد تكون تحقيقية كاستعارة النقض لإبطال العهد ويرد عليه أنه لم يكون مستعملاً في معناه الوضعي وكون الحبل استعارة بالكناية يقتضي ذلك وكذا الافتراس والاغتراف واستعارة الحبل للعهد تأبى استعارة النقض للإبطال ومن قال استعارة النقض للإبطال إنما جاءت بعد استعارة الحبل للعهد فقد عكس الأمر وقد قيل: إنّ كلام صاحب الكشاف لحتمل أن يكون النقض بعد إثباته للعهد كناية عن بطلانه كما أنّ نشبت مخالب المنية كناية عن الموت وأن يكون مراده شاع استعمال النقض في مقام إفادة إبطال العهد أو في إظهار إبطال العهد ولا يخفى أن جعل القرينة مطلق التخييل أقرب إلى الضبط. الثالث: لو كان النقض مجازاً عن إبطال العهد لزم أن يكون ذكر العهد مستدركاً فالوجه أا! ايقال بمعنى الإبطال فقط. الرابع: أنّ قوله والبيت استشهاد الخ لا معنى له فإنّ كلام ابن التيهان كلام منثور كماءذكره ارباب السير فأيّ بيت هنا ولك أن نجيب عن الأوّل بأنّ مراده اشتراطه فيما كان التخييل فيه مستعملاَ في معنى غير حقيقي فإنه لا يكون من روادفه ولوازمه حتى يدل عليه فإذا عهد قبل ذلك تشبيهه به يصح الانتقال إليه بمجرّد ذكر لفظ كان معناه لازماً له والا فلا وعليه ينزل للامهم، وعن الثاني بأنهم استعملوا كثيرا النقض بمعنى إبطال العهد وإن لم يذكر معه العهد كما في الأساس فالظاهر إجراؤه على ما تقرّر قبل ذلك، وعن الثالث بأنّ العهد خارج عن معناه خروج البصر عن العمى في قولهم العمى عدم البصر إذ لا بصر مع العمى ولا عهد مع النقض وعن الرابع: بأنه وقع كذا في النسخ وهو سهو من طغيان القلم، ورأيت في بعض النسخ

стр. 527

البين لالنون بدل! اكء وكتب عليها بعضهم أي حديث البين أي الحديث الذي نحن بصدده المصدر بلفظ بين في قوله إن بيننا وبين القوم الخ ولا يخفى تكلفه من غير داع ولعل الاعتراف بالخطأ أحسن من هذا الصواب. قوله: (فإن أطلق مع لفظ الحبل الخ) بأن قيل ينقضون حبل الله يكون الحبل استعارة تصريحية والنقض ترشيح وإنما عبر بالمجاز للإشارة إلى أنّ الاستعارة المكنية حقيقة فلا يقال إنه لم يصادف محزه واستعمل أطلق مع الترشيح وذكر مع التخييل للتفنن ولا يخفى حسن الإطلاق مع الحبل والذكر مع العهد وقيل: لأنّ النقض لما كان في الأوّل ترشيحا كان مطلقاً على معنى ومستعملاً فيه ولما كان ههنا قرينة للاستعارة كان تابعاً له فكأنه لم يطلق على معنى بل إنما ذكر لينتقل إلى متبوعه والمراد بالروادف اللوازم ولا يخفى أنّ كلام المصنف راجع إلى ما قرّره في الاستعارة بالكناية محتمل لما يحتمله غيره وقيل إنه يشعر بأنّ الاستعارة لالكناية هي اللازم المذكور سمي استعارة لاستعارته للمشبه وبالكناية لأنه كناية عن النسبة وهو) نبات الحبلية للعهد، وهو قول رابع ذهب إليه في الكشف وحمل كلام الكشاف عليه فقوله إلى ما مو من روادفه ضمير هو راجع إلى النقض المستعار لما يرادفه من الإبطال المستلزم لأنّ العهد حبل بطريق الكناية وقيل: إنه عائد إلى ذكر النقض مع العهد لا إلى النقض كما توهم، وقيل: إن الظاهر أن يقال وهو العهد فتكلف في توجيهه والمعنى إن ذكر النقض كأن ر! زا إلى ما يتبع ذلك الذكر وهو الحكم على العهد بأنه حبل بطريق المبالغة في التشبيه فتأمّل. قوله: (والعهد الموثق) قال الراغب: وثقت به اعتمدت عليه وأوثقته شددته وما يشذ به وثاق والوثاق والميثاق عقد يؤكد بيمين والموثق الاسم منه قال تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ [سورة يوسف، الآية: ٦٦] أو هو مصدر أو اسم موضع الوثوق فالعهد للوصية واليمين لأنها تعهد وتحفظ وللمنزل كما ذكره الجوهري والتاريخ أي للزمان المؤرخ به كما يقال فعل على عهد فلان كذا، والتاريخ قيل: إنه معرب ماء روز أي حساب الشهور والأيام وقيل إنه عربي وهو الأظهر إذ في الأوّل بعد ظاهر وقوله وهذا العهد أي المذكور هنا إمّا العهد المأخوذ بالعقل لأنه تعالى لما خلقه فيهم كأنه أخذ عليهم العهد ووصاهم بالنظر في دلائل التوحيد وتصديق الرسل إذ العقل كاف في ذلك، وأمّا وجوب النظر فيه فهل يجب عقلا أو شرعاً فمختلف فيه على ما تقرّر في الأصول ثم وثقه بإرسال الرسل وإنزال الكتب واظهار المعجزات فوجب الإيمان بجميعه قال الراغب: العهد المأمور بحفظه ضربان عهد مأخوذ بالعقل وعهد مأخوذ بإرسال الرسل والمأخوذ بالرسل مبيّ على المأخوذ بالعقل ولا يصح إلا بعده ومعه وقد حملت الآية عليهما، وقال الإمام: المراد بهذا الميثاق الحجة القائمة على عباده الدالة لهم على صحة توحيده وصدق رسوله فعلى هذا يلزم الدمّ لأنهم نقضوا ما أبرمه الله تعالى من الأدلة التي كررها عليهم في الأنفس والآفاق وأوح في العقول من دلائلها وبعث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأنزل الكتب مؤكداً لها والناقضون على هذا الوجه جميع الكفار، وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ إشارة إلى آية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ الآية فإشهادهم على أنفسهم خلق العقل فيهم وإقامة الحجج وسيأتي بيانها، وقوله أو المأخوذ بالرسل الخ يعني المراد بالعهد ما عهد إليهم في الكتب السالفة هن أنه إذا بعث إليهم صدقوه فيكون المراد بالناقضين أهل الكتاب والمنافقون منهم وبؤيده أنّ المستهزئين بالأمثال كما روى ابن حبان أحبار اليهود، وما نقله من أنّ العهود المذكورة في القرآن ثلاثة عهد أخذ على جميع بني آدم بالعقل والحجة كما مرّ وعهد أخذ على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالتبليغ وأن لا يتفرّق مدعاهم في التوحيد وعهد أخذ على العلماء أن لا يكتموا ما علموه هذا ليس تفسيراً للأية لأن عهد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا تصح إرادته إذ لا نقض (منهم) بل المراد الأوّل وهو أحد الوجهين السابقين ويصح إرادة الأخير بأن يكون المراد بالعلماء علماء أهل الكتاب كاليهود ربالناقضين الكفار والمنافقين منهم، واعلم أنه على التفسير الأوّل للعهد الظاهر أنه مجاز بأن تشبه الحجج والبراهين التي اقتضاها العقل بالعهود والمواثيق فيهيف يكون

стр. 528

استعارة مكنية اللهم إلا أن يكون من قبيل فأذاقها الله لباس الجوع والخوف فتأمّله فإنهم سكتوا عنه. قوله: (الضمير للعهد الخ) الميثاق مفعال وهذا الوزن في الصفات كثير مصرح به في النحو كمنحار ومعطاء لكثير النحر والعطاء ويكون مصدراً أيضا عند الزمخشري وأبي البقاء كميلاد وميعاد بمعنى الولادة والوعد وأنكره بعض النحاة حتى إنّ ابن عقيل وابن عطية أوّلاً قول الزمخشريّ بأنه واقع موقع المصدر كعطاء بمعنى إعطاء، ويكون اسم آلة كمضراب ومرقاة مرآة ومحراث وهذا لم يذكره النحاة أيضا لكنه وقع ألفاظ منه مستعملة لذلك وهو قريب لأن مفعل بالكسر من أوزانها فكأنه إشباع له ولا مانع منه وقد حمله عليه هنا بعض أرباب الحواشي، وفي الكشاف الضمير في ميثاقه للعهد وهو ما وثقوا به عهداً لله من قبوله وإلزامه أنفسهم ويجوز أن يكون بمعنى توثقه كما أن الميلاد والميعاد بمعنى الوعد والولادة ويجوز أن يرجع الضمير إلى الله أي من بعد توثقته عليهم أو من بعد ما وثق به عهده من آياته وكتبه وانذار رسله، وفي الكشف فإن قيل: قد فسر العهد بالموث وهو والميثاق واحد ولهذا فسر موثقا من الله بما أوثق به من الله تعالى فإن رجع الضمير إلى العهد كان المعنى من بعد ميثاق الميثاق وهو غير ظاهر، أجيب بأنّ العهد لما فسر بما ركز في العقول أو ما أخذ الله عليهم من التصديق صار بمعنى المعاهد عليه فجاز أن يضاف إليه الميثاق وهو ما يقع به الوثاقة من التزامهم القبول على أنّ ميثاق الميثاق غير ممتنع فإنه تأكيد له وذلك أنّ ما ركز في عقولهم من الحجج على وجوده وقدرته وحكمته وجوده ميثاق وتأييده بالحجج السميعة وارسال الرسل ميثاق الميثاق ثم الأولى أن يرجع الضمير إلى الله تعالى (أقول (كونه أولى ظاهر إذ ليس فيه إضافة الشيء إلى نفسه المحتاج إلى التأويل المذكور وقد خفي على بعضهم ولم يلتفت إلى عود الضمير إلى المضاف إليه وهو خلاف الفصيح المعروف لأنه إنما هو في كير الإضافة اللفظية وأمّا فيها فمطرد كثير وما نحن فيه كذلك لأنه مصدر أو مؤوّل بمشتق كما أشار إليه فيكون كقولك أعجبني ضرب زيد وهو قائم ووجهه أنها في نية الانفصال فالمعترض لم يفهم كلامه. قوله: (وما وثق الله به عهده) أخر الزمخشري هذا الوجه قيل: لأن الثاني أبلغ في الذم وهو المراد من قوله ينقضون عهد الله على ما صرّح به نفسه فإن نقضهم العهد الذي أحكموه بالقبول والالتزام أشنع من نقغهحهم العهد الذي لم يحكموه ولكن أحكمه الله ثم الوجه الثالث لأن الأحكام وان كان مطلقاً لكن المقام يعين ما حاشية الشهاب / ج ٢ / م اا هو اللائق له وقوله بمعنى المصدر ومن للابتداء مرّ الكلام فيه. قوله: (يحتمل كل قطيعة لا يرضاها الله الخ) حمله المصنف على العموم والزمخشري خصه فقال معناه قطعهم الأرحام وموالاة المؤمنين، وقيل قطعهم ما يين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الوصلة والاتحاد والاجتماع على الحق في إيمانهم ببعض وكفرهم ببعض وقد رجح الوجه الأوّل من وجهي التخصيص بأنّ الظاهر أنه توصيف للفاسقين بأنهم يضيعون حق خلق الله بعد وصفهم بتضييع حق الله تعالى وتضييع حقه تعالى بنقض عهده وتضييع حق خلقه بقطعهم أرحامهم وقيل: إخه لا منافاة بين كلام المصنف رحمه الله تعالى والكشاف لأن قوله: ﴿الَّذِينَ يَنقُضُونَ﴾ متصل بقوله: ﴿إِلاَّ الْفَاسِقِينَ﴾ وهو إما مظهر وضع موضع المضمر وهم الطاعنون في التمثيلات التنزيلية وحينئذ لا يخلو إما أن يراد بهم المشركون فالمراد بقطع الأرحام عداوتهم لرسول الله يتت! هـ وامّا أن يراد بهم أهل الكتاب فالمراد قطعهم ما بين الأنبياء عليهم الصحلاة والسلام من الوصلة لإيمانهم ببعض وكفرهم ببعض وأما عام في جميع الفسقة فحينئذ يحمل على ما قاله القاضي ﵀ ويدخل فيه أحد الفريقين على البدل دخولأ أولياً بشهادة سياق الكلام انتهى وفيه نظر، وقوله وترك الجماعات المفروضة كالجمعات لأنها سبب للألفة بين المؤمنين التي من الله بها في قوله: ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [سورة الأنفال، الآية: ٦٣] وقوله: فإنه يقطع الخ تعليل لقوله وسائر الخ فإنه يشمل الشر والرفض المتعلق بالفاعل في نفسه كتركه الصلاة ولا قطع فيه ظاهر، وهذا مع ظهوره تردّد في معناه بعضهم، وفي القطع

стр. 529

والتوثيق ترشيح للمكنية. قوله: (والأمر هو القول الطالب للفعل) إسناد الطالب مجازي وحقيقته الدال على الطلب والأمر يكون بالمعنى المصدري فالقول على ظاهره وبمعنى الصيغة فالقول بمعنى المقول وتعميم الطالب يشمل المندوب وهو حقيقة فيه عند بعض الشافعية، واشتراط الاستعلاء الأعم من العلوّ مذهب الجمهور والكلام عليه مبسوط في كتب الأصول. قوله: (وبه سمي الأمر الذي هو واحد الأمور) أي نقل الأمر الطلبي إلى الأمر الذي يصدر عن الشخص لأنه يصدر عن داعية تشبه الأمر فكأنه مأمور به أو لأنه من شأنه أن يؤمر به وهو الذي أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى بقوله فإنه الخ كما سمي الخطب والحال العظيمة شأنا وهو مصدر في أصل اللغة بمعنى القصد سمي به ذلك لأنه م!! ضأنه أن يقصد وليس الكلام على هذه الأقوال مما يهمنا فإن كتب الأصول كفت مؤنته،، إنما الكلام في واحد الأمور والأوامر فإنّ أهل الأصول قالوا إنّ الأمر بمعنى القول المخصوص يجمع على أوامر، وبمعنى الفعل والشأن على أمور ولا يعرف من وافقهم إلا الجوهري في قوله أمره بكذا أمرا وجمعه أوامر وأمّا الأزهري أمام أهل اللغة فقال: الأمر صد النهي واحد الأمور وفي محكم ابن سيده لا يجمع الأمر إلا على أمور ولم يذكر النحاة أد فعلا يجمع على فواعل، وفي شرح البرهان إن قول الجوهري غير معروف وإن الأوامر صح بوجوه الأول أنه جمع آمر بالمد بوزن فاعل وصح أنه اسم أو صفة لما لا يصقل وهو مجاز لأن الآمر الشخص لا القول ولم يقولوا إنّ هذه الصيغة مجاز فكيف يخرج عليه للامهم مع تصريحهم بأنها جمع أمر، الثاني: أنه مجاز جمع آمرة وهي الصيغة وفيه ما مر، وعن ابن سيده أن الآمرة مصدر كالعافية وعليه خرجت هذه الصيغة وفيه نظر الثالث أنه حمع الجمع جمع على أفعل كأكلب وهو على أفاعل كأكالب وردّ بأنّ أوامر ليس أفاعل بل! راعل بخلاف أكالب وأجيب بأنه يخوز أن ي! س ن فاعل أبدلت همزته واواً كأوادم وهو قياس مطرد، وفرب شرح المحصول أنه لا يتم في النواهي وكونها جمع ناهية مجازاً تكلف وكذا ثونه لمشاكلة الأوامر فإنه يستعمل مفرداً فتأمل. قوله: (وأن يوصل الخ) ترك احتمال الرفع سقدير هو اًن يوصل لتكلفه لفظاً ومعنى، ورجح البدل من الضمير المجرور لفظا لقربه، معنى لأنّ قطع ما أمر الله بوصله اً بلغ من قطع وصلى ما أمر الله به نفسه وهو ظاهر راحتمال النصب بالبدلية من محل المجرور والنصب بنزع الخافض أي من اًن يوصل لا داعي له سوى تكثير السواد وقيل: إنه مفعول لأجله أي لأن يوصل أو كراهة أن يوصل. مرله: (بالمنع عن الإيمان) بالنهي عنه وغيره والاستهزاء بالحق من الأمثال المنزلة وغيرها، - الوصل كرطب جمع وصلة وقوله التي الخ بيان لكون قطعها إفساداً في الأرض والحمل لحلى جميع هذه الأمور أولى. قوله: (الذين خسروا الخ) قال الفاضل في شرح الكشاف: انه إشارة إلى أنهم جعلوا بمنزلة المتاجرين على طريق الاستعارة المكنية حيث استبدلوا شيئاً سنميء أنتهى. وفال الطيبي ة بشير إلى أنّ تلك الاستعارة التي سبقت في قوله ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه متضمنة للاستبدال المستعار له البيع والشراء استعارة قوله اشتروا الضلالة بالهدى، ولذا ذيل بقوله أولئك هم الخاسرون فإنّ الخسران لا يستعمل إلا في التجارة حقيقة فتكون قرينة للاستعارة الققدّرة شبه استبدال النقض بالوفاء المستلزم للعقاب بالاشتراء المستلزم للخسران) أقول) هذا من خبايا دفائنه فإنه جعل فيه التخييلية نفسها مع قرينتها مكنية، وأثبت لها تخييلية أخرى فيكون في الجملة الأولى مجاز بمرتبتين بل بمراتب إذا كانت مكنية في العهد تخييلية في النقض كما مرثم جعل مجموع الجملة مكنية تمثيلية وأثبت تخييلا آخر فانظره فإنه من سحر البلاغة قلما يعثر عليه غير صاحب الكشاف فلقه در اً بيه ولعلك يرد عليك ما يشفي الغليل فيه والباء في كلام المصنف ﵀ داخلة على المتروك كما سيأتي تحقيقه ثم إنّ الخسران يكون بإضاعة رأس المال كله أو بعضه وبالضرر عدم الفائدة فإهمال العقل الخ بمنزلة إضاعة رأس المال والاقتناص الصيد وهو معطوف على العقل أو النظر ولم يذكر القطع، والوصل مع ذكره في النظم

стр. 530

والكشاف لاندراجه في الإفساد كما يعلم من تفسيره، وعبر بالاستبدال في الإنكار والطعن وبالاشتراء في النقض والفساد للتفنن وقيل: لأنّ الاستبدال فيه مبالغة لتركهم ما في أيديهم، إلى غرة ليست في الاشتراء لأنه يعبر به عن الرغبة، وفيه نظر. قوله: (استخبار فيه إنكار وتعجيب الخ) ألاستخبار طلب الخبر بالجواب كما أنّ الاستفهام طلب الفهم منه، والفرق بينهما أنّ الاستخبار لا يقتضي عدم العلم بخلاف الاستفهام فلذا يستعمل الأوّل في حقه تعالى وان كان كل منهما قد يستعمل بمعنى الآخر فإن قلت الاستخبار لا يخلو من أن يكون معنى حقيقياً لصيغة الاستفهام أو مجازياً، والإنكار والمتعجب والتعجيب من معانيه المجازية فعلى الأؤل يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز وعلى الثاني يلزم الجمع بين معنيين مجازيين وكلاهما مما يمتنع، ولذا قيل: الأولى أن يقولي استخبار بمعنى التوبيخ والتعجيب إذ ليس هو في الحقيقة استخبار (قلت) ذكر سيبويه أن أرأيت بمعنى أخبرني وقالوا قاطبة في باب التعليق أنه معنى مجازي فدلالته على التعجب ونحوه إمّا تجوّز على تجوّز لشهرة الاستفهام في معنى الاستخبار حتى كأنه حقيقة فيه وإن كان في أرأيت أشهر أو أنّ! لالته على ذلك بطريق الاستتباع واللزوم لا من حاق اللفظ فلا محذور فيه، والقائل غفل عن قوله والمعنى أخبروني ولا مانع من اذعاء الحقيقة فيه، وتعجيب وقع في نسخة موافقا لما في الكشاف وفي أخرى تعجب قيل: والأولى أولى لما في التيسير أن كيف تكون للتعجب نحو انظر كيف يفترون على الله أي تعجب يا محمد وللتعجيب أي الحمل على التعجب كما هنا ومنهم من فسر التعجب هنا بمعنى أنه يتعجب منه كل عاقل يطاء عليه والا فحقيقته محالة عليه تعالى ولا يخفى أن التعجب إذا أطلق عليه تعالى كما في حديث " عجب ربكم " يكون بمعنى الاستعظام كما صرح به في الكشاف في غير هذا المحل لأن العجب روعة تعتري الإنسان عند استعظام الشيء وهو محال عليه تعالى فيراد به غايته والإنكار بمعنى أنه كان الواجب أن لا يكون وقد يكون بمعنى أنه لا يكون وكلام الكشاف مشعر بأنه بالمعنى الثاني: ولكن مراده أنه لا ينبغي أن يكون بل ينبغي أن لا يكون لقوّة الصارف عنه كما لا تكون المحالات لاستحالتها في أنفسها، ولهذا اً ضاف إلى الإنكار التعجيب كما فعل المصنف ﵀ والعجب لا يكون إلا مما وقع فمع ذكره لم يبق في كلامه احتمال آخر لكنه شدد في إنكاره فلا عبرة بتوهم خلافه. قوله: (بإنكار الحال التي يقع عليها على الطريق البرهاني الخ) في الكشاف بعدما ذكر أنه للأنكار والتعجيب حال الشيء تابعة لذاته فإذا امتنع ثبوت الذات تبعه امتناع ثبوت الحال فكان إنكار حال الكفر لأنها تتبع ذات الكفر ورديفها إنكار الذات الكفر وثباتها على طريق الكناية وذلك أقوى لإنكار الكفر وأبلغ، وتحريره أنه إذا أنكر أن يكون لكفرهم حال يوجد عليها وقد علم أنّ كل موجود لا ينفك من حال وصفة عند وجوده ومحال أن يوجد بغير صفة من الصفات كان إنكاراً لوجوده على الطريق البرهان أص. وفي المفتاح ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ الخ المعنى التعجب ووجه تحقيق ذلك هر أنّ الكفار في حالى صدور الكفر عنهم لا بدّ أن يكونوا على إحدى الحالين إمّا عالمين بالته دمامّا جاهلين به فلا ثالثة فإذا قيل لهم: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ وقد علمت أنّ كيف للسؤال عن الكفر وللكفر مزيد اختصاص بالعلم بالصانع وبالجهل به انساق إلى ذلك فأفاد اً في حال العلم بالله تكفرون أم في حال الجهل به ثم إذا قيل ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٨] وصار المعنى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ والحال حال علم بهذه القصة وهي أن ﴿كُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ﴾ الخ صير الكفر أبعد شيء عن العاقل فصار وجوده منه مظنة التعجب ووجه بعده هو أن هذه الحالة لابى أن لا يكون للعاقل علم بأنّ له صانعا قادراً عالما حيا سميعاً بصيراً موجوداً غنيا في حميع ذلك عن سواه قديماً غير جسم ولا عرض حكيما خالقا منعما مرسلا للرسل باعثأ مثيبأ معاقباً وعلمه بأن له هذا أنصانع يأبى أن يكفر، وصدور المعل عن القادر مع الصارف القري مظنة تعجب وتعجيب وانكار وتوبيخ فصح أن يكون قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ الخ تعجباً وتعجيباً وتوبيخأ وانكاراً اهـ. والحاص!! أنّ كيف للسؤال عن الحال على طريق

стр. 531

الإنكار الذي هو نفي معنى ونفي الحال مطلقاً أو الحال التي لا تنفك عنه يلزم منه نفي صاحبها بطريق الدليل والبرهان، فلذا قيل: كيف تكفرون على طريق الكناية ولم يقل أتكفرون مع أنه أظهر وأخصر ولا خلاف بحسب المآل بين كلامي الشيخين إلا أنّ كلام الزمخشريّ يشعر بأن كيف ههنا لإنكار الحال على العموم إمّا لأنّ وضعها لعموم الأحوال كما نقل عنه أنها للتعريض فهو أنسب أو لأنّ توجه النفي والإنكار إلى مطلق الحال وحقيقته توجب العموم أو لأنه وجب الحمل على ذلك لمقتضى المقام بوجود الصارف اللازم، وما في المفتاح أنّ للكفر مزيد اختصاص بالعلم بالصانع والجهل به فالمعنى أفي حال العلم به أو الجهل والحال أنّ معكم ما يقتضي العلم على ما سمعت قيل: إنه أولى لأن كيف في هذا الموقع يكون سؤالاً عن حال الفاعل عند مباشرة الفعل لا عن حال الفعل نفسه مما هو بمنزلة التابع له ولرديف ألا ترى أنّ معنى كيف يجيء زيد أراكباًاًم ماشياً وأجيب بأنّ مراد الزمخشريّ أيضا هذا وهو المراد بحال الكفر ولا ينافي كونه تابعاً له اً لا ترى إلى ما ذكره في السؤال الأخير من استبعاد ما آل إليه المعنى وهو على أيّ حال تكفرون حال علمكم بهذه القصة ثم جوابه بأن هذا السؤال لإنكار الذات بإنكار الحال للاستفهام عن الحال لينا ني القطع بإثبات الحال. (أقول) : فلا مخالفة حينئذ إلا أنّ الحال المنفية جميع الأحوال التي يلزم من نفيها نفي ذيها أو حالاً العلم والجهل اللتان لا يخلون عنهما والأمر فيه سهل والاشتغال بترجيحه عبث إلا أنهم سلموا أنها لا تكون سؤالاً عن حال الفعل وليس كذلك فإنها كما تكون سؤالاً عن حال الفاعل وهو ظاهر تكون عن حال الفعل أيضا قال ابن الشجري إنها تكون سؤالاً عن هيئة الفعل التي يقع عليها كما تقول: كيف زيد جالسا أي جلوسه على أيّ حال نقله عنه في شرح التسهيل، فعليك بتنزيل كلام المصنف ﵀ على مامرّ. تنبيه: جمع بين التعجب والتعجيب في المفتاح وقد عدهما المفسرون معنيين متقابلين حنى اعترض ابن كمال باشا على المصنف ﵀ في ذكره التعجب وقال: كان عليه أن يقول وتعجيباً فتأمل. قوله: (وأوفق لما بعده من الحال الخ) يعني وكنتم الخ لما فيها مما يقتضي عدم الكفر ونفيه ثم بين أنّ الخطاب على طريق الالتفات من الغيبة للتوبيخ والتقريع لأنّ ذكر معايب الشخص في وجهه أنكى له وقوله مع علمهم الخ هو محصل الجملة الحالية كما سيأتي، وسوء المقال هو قولهم ماذا أراد الله ونحوه ولا يضرّ كونه كناية كما مرّ وقوله أخبروني إشارة إلى معنى الاستفهام وعلى أيّ حال إشارة إلى أنها في معنى جارّ ومجرور واقعة موقع الحال. قوله: (أجساماً لا حياة لها الخ) يعني أنه أطلق عليهم أمواتا قبل الاتصاف بالحياة والموت عدم الحياة عما هي قن شأنه وقال في الكشاف إنه يقال لعدم الحياة مطلقا كقوله تعالى: ﴿بَلْدَةً مَّيْتًا﴾ [سورة الفرقان، الآية: ٤٩] ويجوز أن يكون استعارة لاجتماعهما في أن لا روح ولا إحساس، وقيل: عليه إنه لا خفاء في أنه من قبيل صم بكم فتسميته استعارة تسامح أو ذهاب إلى ما عليه البعض والحاصل أنا لا نسلم أنّ الموت عدم الحياة عما هي من شأنه بل عدم الحياة مطلقاً ولو سلم فالمعنى كنتم كالأموات والسؤال في مثل أمتنا اثنتين أظهر لظهور أنّ الإماتة إزالة الحياة وقد أطلقت بالنظر إلى الإماتة الأولى على إيجاد الجماد الذي لا حياة فيه، والجواب أنّ الإماتة لا تستلزم أن تكون تغييراً من الحياة إلى الموت كما يقال: وسع الدار وقصر الثوب بمعنى أوجده كذلك ثم إطلاق الموت على الحالة الجمادية إمّا حقيقة فلا إشكال وامّا استعارة فيلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز في ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ﴾ لا في هذه الآية بالنظر إلى الإماتة الثانية (أقول) إنه لم يقصد تشبيه الموجودين منهم بالاً موات بل المراد الإخبار عنهم بأنهم كانوا جمادا عناصر ونطفا ونحوها فشبه النطف بالأموات فكيف يكون تشبيها، وهذا غفلة نعم إنّ العناصر ونحوها أعرق في عدم الحياة فلا يحسن جعلها مشبهة، ولذا قال ويجوز إشارة إلى ضعفه كما هو دأبه وتقديم الموت على الحياة حينئذ ظاهر لتقدّمه عليها فيما من شانه أن يتصف بهما حيث كان مضغة كما سيأتي تحقيقه في سورة الأنعام ومن اعترض! عليه فقد غفل، وكذا من قال لا بد لصحة الحمل من تقدير كانت موادّ أبدانكم وأجزاؤها

стр. 532

أمواتا وأمّا ما ذكر من لزوم الجمع بين الحقيقة والمجاز فليس بوارد لأنه إما تغليب في تلك أو استعمال للإماتة في مطلق عدم الحياة ولا يتعين فيها الاستعارة المصطلحة فيكون معنى أمتنا اثنتين قدّرت لنا عدم الحياة مرّتين كما أشار إليه الشريف. في شرح المفتاح في تحقيق قوله ضيق فم الركية وسيأتي في محله والعناصر الأربعة معلومة وكذا الأغذية والأخلاط جمع خلط كرزق بمعنى مخلوط أو المخالط وهي الدم والصفراء والبلغم والسوداء الحاصلة من الغذاء ولذا أخرها في الذكر وقوله بخلق الأرواح الخ إشارة إلى حدوث الأرواح، وإن اختلف في أنه قبل البدن أو حال حدوثه واتصاله بما قبله باعتبار المرتبة الأخيرة ولو عطف بثم باعتبار غيرها جاز وآجال جمع أجل وتقضيها انقضاؤها. قوله: (أو للسؤال الخ) قال السدي أي ثم يحييكم في القبر ثم إليه ترجعون في الآخرة فإن ثم للتعقيب على سبيل التراخي فدل على أنه لم يرد حياة البعث فإن الحياة حينئذ يقارنها الرجوع إليه تعالى بالحساب والجزاء ويتصل به من غير تراخ والمصنف ﵀ أشار إلى دفعه بقوله بعد الحشر فيجازيكم الخ فليس على هذا الرجهع للحساب بل للعقاب والثواب وهو بعده بمدة طويلة فإن قلت لا مهلة بين الإماتة واحياء القبر كما في الحديث: " إن الميت يسمع صوت نعال أهله في القبر " حين الإحياء قلت بينه وبين الإماتة زمان ليس بين الإماتة الأولى والإحياء وهي مدة تجهيزه والصلاة والدفن والتراخي أمر نسبيّ ثم إنه قيل: لم لا يجوز أن يراد مطلق الإحياء بعد الإماتة الشامل للإحياء في القبر والنشور فإنّ الفعل وإن لم يدلّ على العموم فلا يلزم أن يكون للمرّة غاية الأمر أنّ الإحياءين لشدة ارتباطهما واتصالهما في الانقطاع عن أمر الدنيا وكون القبر أوّل منزل من منازل الآخرة عبر عنهما بلفظ واحد وحينئذ لا يرد السؤال بأنه لم ترك ذكر أحد الإحياءين وأق الإحناآت ثلاث ولم قال: أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ولا يرد عليه أن ثم تأباه لعدم التراخي بين إماتة الدنيا واحياء القبر لما مرّ والجواب أنّ الفعل لا يعمّ كما بين في الأصول فلو عمّ لكان مجازا ولا قرينة عليه ولو سلم عمومه لشمل جميع الحياة بعد الدنيا فلا يصح قوله: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فتأمّل وأمّا الكلام على الإحياء ثنتين فسيأتي ثمة وقوله بعد الحشر راجع إلى التفسير الأوّل وقوله أو تنشرون إلى الثاني وقوله فما أعجب كفركم مرتبط بقوله أخبروني وقوله: مع علمكم بحالكم هذه إشارة إلى أنّ مجموع الجمل حال مؤوّل بالعلم فلا حاجة إلى تقدير قد ولا يضرّ اختلاف أزمنتها كما ستراه عند تصريح المصنف ﵀. قوله: (فإن قيل إن علموا أنهم الخ) فإن قلت عدمهم الأوّل حياتهم محقق عند كل أحد فكيف صدر بأن التي للشك وكيف يترتب على علمهم هذا عدم العلم بذلك حتى تنعقد هذه الشرطية قلت الشك عندهم باعتبار الإسناد إليه تعالى لا باعتبار نفسها أو أنه نزل علمهم لعدم الجري على مقتضاه منزلة غير المحقق ولعدم تحققهم الأوّل لم يتحققوا الثاني أو أن وصلية وفي الكلام تقديم وتأخير أي هم لم يعلموا الحياة الأخرى وان علموا الأول أو القضية اتفاقية نحو إن كان الإنسان ناطقا فالحمار أ، هق وأجاب بأن تمكنهم من العلم منزلة العلم لا سيما وقد نبههم على ذلك بذكر خلقهم الأوّل الذي هو أنموذج القدرة الدالة على الإعادة بالطريق الأولى، وقوله ليس بأهون عليبما لم يقل الإعادة أهون عليه على وفق النظم قيل: لئلا يحتاج إلى التأويل بأهون بالنسبة ومن غفل عنه أوّله هنا وقيل: إنه إشعار بأنه يكفي في المطلوب فتأمل. قوله: (أو الخطاب مع القبيلين) في نسخة القبيلتين والأولى أصح وهو معطوف على قوله مع الذين كفروا السابق في تفسير: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ والمراد بالقبيلين المؤمنون والكافرون وتبيين دلائل التوحيد بقوله اعبدوا ربكم الخ والنبوة بقوله: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٣] الخ والوعيد على الكفر بقوله: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ﴾ الخ والنعم ١١! امة بقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ الخ والخاصة قيل في قوله: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الخ. وقيل في قوله: ﴿وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً﴾ باعتبار ما في ضمنها من حياتهم فرادى فرادى، ميل: هي الحياة الثانية الأبدية لأنها تخص الإنسان، ولك أن تقول المراد به الإيمان والعلم على تفسير الحياة به واستقباح الكفر في قوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ الخ. ليتحامى المؤمنون عن ااكفر وتنزجر الكافرون. قوله: (مع أن المعدود عليهم

стр. 533

نعمة الخ) إشارة إلى ما في الكشاف من،، جيه وقوع الماضوية حالاً بدون قد بأنّ الواو ولم تدخل على ﴿كُنتُمْ أَمْوَاتاً﴾ وحده بل على " وله: ﴿كُنتُمْ أَمْوَاتاً﴾ إلى ﴿تُرْجَعُونَ﴾ أنه قيل: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ وقصتكم هذه وحالكم أنكم ر تم أمواتا نطفا في أصلاب آبائكم فجعلكم أحياء ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ بعد هذه الحياة ثم يحييكم!! د الموت ثم يحاسبكم ثم أجاب عن أنه كيف يكون المجموع حالاً وب٤ الماضي والمستقبل! قلاهما لا يثسح أن يكون حالاً حاضراً فما الحال الذي وقع بأنه هو العلم بالقصة كأنه قيل: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ وأنتم عالمون بهذه القصة وبأوّلها وآخرها وحاصله على ما قرر. الشارح قدس سره أنه ليس مما وقع فيه الجملة الماضوية حالاً فيحتاج إلى قد بل الواو الحالية كالواو العاطفة افصة على أخرى وكون مجموع القصة حالأ مما تفرّد به والمعتبر في الحال المقارنة لزمان، نرع العامل لا الزمن الحاخسر الذي هو زمان التكلم للقطع بصحة قولنا جاء زيد في السنة الماضية وقد ركب وسيجيء زيد يركب وفي التنزيل: ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [سورة غافر، الابه: ٦٠] فإن قيل: ينبغي أن لا يشترط في الماضي قد وأن لا يشترط في المضارع التجرد عن حرف الاستقبال وأنه يصح جئت وقام الأمير بدون إضمار قد وسيجيء زيد سيركب لصحة المقارنة والحضور وقت الفعل على أنّ قد إنما تفيد التقريب إلى الحال الذي هو زمان التكلم لا زمان وقوع العامل بل ربما تفيد التبعيد كما في قولك جاء زيد قبل هذا بشهور بل دهور وقد ر كب الأمير قلت اشترط التحلي بقد ليشعر بالحضور حال وقوع العامل من جهة كونها في ا، صل للتقريب إلى الحاضر في الجملة فإنّ الماضي لاستقلاله بالمضي لا يفيد المقاربة وإن نان العامل أيضا ماضيا بل ربما يوهم أنه ماض بالنسبة إليه سابق عليه واشتراط التجرّد عن علم الأستقبال لمثل ذلك وليكون مما يصلح للحاضر فليتأمل. اه والحاصل أنّ معنى قولهم لتقرب الماضي عن الحال أي من حال وقوع العامل لا حال التكلم فتقارنه وهذا صرّح به المحققون من النحاة وكلامه هنا سالم من الطعن بخلاف ما وقع له في شرح التلخيص فإنه كلام مختل تبع فيه الرضي: وليس أوّل سار غرّه القمر وأما قول أبي حيان: أنّ ما ذكره الزمخشري تعسف وانّ الجملة الأولى فقط حالية وما بعدها مستأنف وأنّ الماضي يقع حالاً بدون تقدير قد فمخالف للمعقول والمنقول ولا عبرة بتأييده بوقف القراء على الجملة الأولى فإن الوقف لا يلزم أن يكون تاما والتمسك بمثله واه وحاصل الجواب أنها لإيصا ايا إلى النعمة العظمى نعمة والثاني أنّ المجموع نعمة لكل واحد منها وإنما ذكرت لبيان جملة حالهم ولتوقف البعض عليها. قوله: (أو مع المؤمنين خاصة الخ) عطف على قوله مع الكفار أو مع القبيلين وعلى هذا جعل الأمور المذكورة للامتنان وزاد تقرير لتقدم المنة عليهم في قوله وبشر الخ وحمل الموت على الجهل والحياة على العلم مجازاً كما اشتهر التجوّز به قال الزمخشرفي: لاتعجبن الجهول بزنة فذاك ميت وثوبه كفن ليكون مختصا بهم ولذا خص الرجوع بالرجوع للثواب والتنعم وعلى الوجه الذي قبله يصح حمله على ذلك مع الاسندلال وأما على الوجه الأوّل فيتعين الاستدلال والإنكار حينئذ بمعنى أنه لا يكون ذلك وهذا مأخوذ من قوله في التيسير ويجوز أن يكون الخطاب للمسلمين والمعنى كيف تكفرون نعم الله عليكم وقد كنتم آمواتاً بالكفر أو الجهل ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ بالإيمان أو العلم وهما تفسيران والمصنف ﵀ جمعهما في قوله العلم والإبمان وعمم لأنّ فيهم من لم يتدنس بالكفر أصلا، فإن قلت على ما في التيسير يكون الكفر كفران النعم وهو يتعذى بنفسه تقول: كفر النعمة ونقيض الإيمان يتعدّى بالباء تقول كفر بالله وما في الآية من الثاني فكيف يصح تفسيره بالأوّل. قلت أجيب عنه بالمنع فإنهما يتعديان نجالباء قال تعالى: ﴿وَبِنِعْمَتِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ [سورة النحل، الآية: ٧٢] وفي كلام الراغب إشارة إليه ولو سلم فباب التضمين والمجاز غير مسدود. قوله: (والحياة حقيقة في القوّة الحساسة الخ) هدّان قولان مذكوران في الكلام فالصحيح نسخة أو العاطفة ووقع في بعضها الواو بدلها واطلاقها على النمو والعلم ونحوه مجاز وعلاقته إما المشابهة أو ما ذكره المصنف ﵀، وكونها من طلائعها ظاهر لأنها لا تكون إلا بعده كما في الجنين والموت بإزائها

стр. 534

أي مقابل لها تقابل العدم والملكة لا تقابل التضاد والحيّ من أسمائه تعالى، وحياته صحة اتصافه بالعلم والقدرة فتكون مطلقة عليه باعتباو غايتها أو صفة أخرى ذاتية تقتضي ذلك فتكون استعارة وقوله اللازمة لهذه القوّة فينا زاد فينا لأنها لا تلزم في غير الإنسان وهو حيّ واللزوم في البعض يكفي لصحة المجاز ورجع يكون لازما ومصدره الرجوع ومتعدياً ومصدره الرجع وعلى اللغة الثانية قرى يرجعون مجهولاً وعلى الأخرى قرئ معلوما. قوله: (بيان نعمة أخرى مرتبة على الأولى الخ) الأولى هي الإحياء الأول والثاني مع ما لخلل بينهما من الموت والثانية هي المعاش والبقاء في الدنيا والآخرة أما البقاء في الدنيا فلا لكون إلا الغذاء ونحوه وهو مترتب على الخلق ومتأخر عنه وهو ظاهر وأما البقاء الأخروي لبالنظر في المخلوقات من الأنفس والآفاق والتمكن منه مع تركه فمن اتصف بالأول يخلد في النعيم ومن اتصف بالثاني يسجن سرمداً في عذاب الجحيم والخلود مترتب على البعث والجزاء متاخر عنه من غير تردّد وعبارة المصنف ﵀ ناطقة بهذا وصرّح بالبقاء المطلق وأدوج في الانتفاع الانتفاع الديني والاستدلال فمن غفل عنه اعترض بأن ترتب هذه النعمة على الأولى لا لصح لأنه يقتضي التأخر، وآخر الأولى لا يحصل إلا في الآخرة فكيف تتأخر عنه النعم الدنيوية وايضا هذه النعمة خلق ما يتوقف عليه بقاؤهم فيلزم تقدمه على البقاء بلا مرية فيقدم على الإحياء الثاني لتأخيره عن البقاء الأول فلا يتصوّر ترتبها على الأولى، وأجاب بأنّ الترتب بالنظر الى القصد دون الوجود فإن الأولى لما كانت هي المقصودة بالذات والثانية لأجلها صح اعتبار الترتيب القصدي وهو لا ينافي التقدّم الوجودي، وقوله مرّة بعد أخرى إشارة إلى تكرر الإحياء في الآية السابقة وأغرب من هذا من قال المراد بالأرض ما يشمل أرض الجنة فصح الترتب. مإن قلت لا يستفاد من الآية الأولى إلا إحياؤهم وخلقهم دون كونهم قادرين قلت هو معلوم من دلالة الفحوى لأنهم لو لم يكن لهم قدرة لم يستحقوا الوعيد وينكر عليهم ترك السبيل الواضح. قوله: (ومعنى لكم لأجلكم وانتفاعكم الخ) يعني أنّ اللام للتعليل والانتفاع كما يقال دعا له وفي ضده دعا عليه والاستنفاع طلب النفع وقوله بوسط أو بغير وسط دفع لما يخطر يالبال من أن كثيراً منها ضار كالسباع والحشرات وبعضها لا فائدة له أصلاَ كالهوام بأنها كلها نافعة إما بالذات كالمأكول والمركوب ونحوه وما يتراءى منه خلافه فهو نافع لنا باعتبار تسببه لمنافع غيره ألا ترى السباع الضارية تهلك كثيراً من الحيوانات التي لو بقيت أهلكت الحرث والنسل والثمار والحيات تقتل بسمها الأعداء ويتخذ منها الترياق إلى غير ذلك مما إذا تاتل العاقل عرف ذلك. قوله: (لا على وجه الغرض الخ) إذا ترتب على فعل أثر فذلك الأثر من حيث إنه نتيجة لذلك الفعل وثمرته يسمى فائدة ومن حيث إنه علي، طرف الفعل ونهايته يسمى غاية له ففائدة الفعل وغايته متحدان بالذات ومختلفان بالاعتبار ثم ذلك الأثر المسمى بهذين الاسمين إن كان سببا لإقدام الفاعل على ذلك الفعل يسمى بالقياس إلى الفاعل غرضاً ومقصوداً، ويسمى بالقياس إلى فعله علة غائية فالغرض والعلة الغائية متحدان بالذات ومختلفان بالاعتبار وان لم يكن سببا للإقدام كان فائدة وغاية فقط والغاية أعمّ من العلة الغائية إذا تمهد هذا فنقول أفعال الله تعالى يترتب عليها حكم ومصالح ومنافع راجعة إلى مخلوقاته وليس شيء منها غرضا له وعلة غائية لفعله واستدلوا على ذلك بوجهين أحدهما أنّ من كان فاعلاَ لغرض فلا بد أن يكون وجود ذلك الغرض أولى بالقياس إليه من عدمه وان لم يصح أن يكون غرضاً فيكون الفاعل حينئذ بفعله مستفيدا لتلك الأولوية ومستكملاً بغيره تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا لا يقال إنما يلزم الاستفادة والاستكمال إذا كانت المنفعة راجعة إلى الفاعل وأما إذا رجعت إلى غيره كالإحسان إلى المخلوقات فلا لأنا نقول إن كان إحسانه وعدم إحسانه إليهم متساويين بالنسبة إليه تعالى لم يصح الإحسان أن يكون غرضاً وان كان الإحسان أرجح وأولى به لزم الاستكمال، والثاني من الوجهين أنّ غرض الفاعل لما كان سبباً لإقدامه على فعله كان ذلك الفاعل ناقصا في فاعليته مستفيدا لها من غيره

стр. 535

ولا مجال إليه كما لا يخفى بل كمال الله تعالى في ذاته وصفاته يقتضي الكمالية في فاعليته وأفعاله وكمالية أفعاله تقتضي أن يترتب عليها مصالح راجعة إلى عباده فتلك مصالح غايات وثمرات لا علل غائية لها واتضح بما حققناه أن ليس شيء من أفعاله عبثاً أي خاليا عن الحكم والمصلحة وأن لا سبيل إلى الاستكمال والنقصان إلا سقوط عظمته وكبريائه وهذا مذهب صحيح لا تشوبه شبهة ولا تحوم حوله ريبة وما ورد في الآيات والأحاديث من تعليل أفعاله فهو محمول على هذا، ومن قال بتعليلها بناء على شهادة ظواهرها فقد غفل عما تشهد به الأنظار الصحيحة والأفكار الدقيقة أو أراد إظهار ما يناسب أفهام العامّة ليكلم الناس على قدر عقولهم وهذا زبدة ما ارتغ! ماه الشريف المرتضى في تعليقة له على هذه المسألة، وكلام المصنف ﵀ زبدة هذه الزبدة. قوله:) وهو يقتضي إباحة الآشياء النافعة الخ) كذا في الكشاف يعني أنّ الأصل في كل شيء الحل وهي مسألة أصولية واعترض عليه في الانتصاف بأنه مذهب فرقة من المعتزلة بنوه على التحسين والتقبيح،، لآ، ل صاحب الإنصاف أنه قال به جماعة من أهل السنة من الشافعية والحنفية واختاره الرازي ير المحصول وجعله من القواعد الكلية فليس مختصا بالمعتزلة كما زعم ولذا تبعه المصنف ر حمه الله وإنما قال: النافعة لأنّ الضارة لا اختلاف في حرمتها وكون الأصل الإباحة لا يضرّه المنع من بعضها لملكية الغبى ونحوهما لأنه عارض ولو سلم فإنما أبيح الكل للكل لا كل فرد) ممل فرد فقوله فإنه جواب تسليمي. قوله: (١ لا إذا أريد به جهة السفل الخ) يعني من قال معنى: ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٩] خلق لكم الأرض وما فيها إنما، صح إذا كني بالأرض عن الجهات السفلية دون حقيقة الأرض الغبراء لأنها وما فيها واقعة في ا) جهات السفلية وأمّا إذا أجريت على الحقيقة فلا فإنّ الشيء لا يحصل في نفسه ولا يكون ظرفا اطا مع أنه قيل: إنه من امتناع ظرفية الأجزاء للكل وليس من ظرفية الشيء لنفسه للتغاير الاعتباري بينهما وقوله كما يراد بالسماء جهة العلو غير قول الزمخشرقي: والمراد بالسماء حهات العلو لما يرد عليه من أنه لا باعث عليه مع أنّ تفسيره ثم استوى لا يلائمه وإن أجيب كمه مع أنّ التقابل يقتضي التفسير المذكور كما لا يخفى وأما حمل هذا على تقدير معطوف أي خلق ما في الأرض " والآرض على حدّ راكب الناقة طليحان " فتكلف دعا إليه في المثال تثنية الخبر وهنا لا داعي له وقوله وجميعاً حال من الموصول الثاني أي من ما بمعنى كل ولا دلالة ا! اعلى الاجتماع الزماني وهذا هو الفارق بين تولنا جاؤوا جميعا وجاؤوا معا، وإنما بين إكلرابه احترازاً عن كونه حالاً من ضمير لكم أو من الأرض! فإنه لا مبالغة فيه. قوله: (قصد أليها بإرادته من قولهم استوى إليه الخ) قال الراغب: الاستواء له معنيان. الأوّل أن يسند إلى " اعلين نحو استوى زيد وعمرو في كذا والثاني أن يقال: لاعتدال الشيء في ذاته ومتى عدى، هلى أقتضى الاستيلاء وإذا عدى بإلى اقتضى معنى الانتهاء إليه إما بالذات أو بالتدبير والإرادة، " نسوية الشيء جعله سواء انتهى. وهو مراد المصنف ﵀ حيث فسره أولاً بقصد إليها رهإرادته، وقوله يلوي بمعنى يعطف، ثم بين مأخذه وأن أصله من استوى افتعل وذكر فيه معنى الطلب إما لأن افتعل يكون بمعنى استفعل كما ذكره في التسهيل، أو أن من جعل الشيء سواء ثانه طلب ذلك من نفسه كما في استخرجت الوتد فلا يرد أنّ السين من بنية الكلمة وهو افتعال لا استفعال فإنّ مثله لا يخفى على مثل المصنف ﵀ كما توهم وكيف يتأتى ذلك وقد قال: إنه من السواء فأشار إلى أنّ السين فيه أصلية لا زائدة ولما لم يمكن حمله على معناه الحقيقيّ لأنه من خواص الأجسام أوّله أوّلاً بقصد بإرادته، وقوله: ولا يمكن حمله أي حمل لفظ الاستواء هنا على طلب السواء أي اقتضاء تسوية وضع أجزائه لأنه من خواص الأجسام، ومن فسره بحمله على الله فقدسها فتأمل ثم قال إنه قيل: إنه بمعنى استولى وإنما ضعفه لأنه يتعدى بعلى كما مرّ وكون إلى بمعنى على كما قيل: خلاف الظاهر وبشر المذكور في البيت هو بشر بن مروان أخو عبد الملك ووزيره وكان ولاه العراق فقيل: فيه ذلك، ومهراق بمعنى مراق أي مسفوح والهاء زائدة وكونه أوفق بأصل معناه أي طلب السواء

стр. 536

وقيل: استوى إليه كالسهم لأنّ القصد إلى الشيء يناسب الاستواء ويترتب على القصد له فعله به التسوية لا استيلاؤه وهو ظاهر وأمر التعدية معلوم مما مرّ، وجعل الزمخشرفي الاستواء حقيقة في ألاعتدال والاستقامة ثم نقل مجازا إلى القصد المستوى من غير ميل إلى شيء آخر ثم شبه بذلك القصد الذي في الأجسام إرإدته تعالى خلق السماء من غير إرادة إلى خلق شيء آخر، واستعير لها لفظ الاستواء فهي استعارة مصرحة تبعية مترتبة على مجاز أو مجاز في المرتبة الثانية كذا قرّره القطب في شرحه وظاهر كلام المصنف يخالفه فإنه جعل الاعتدال ليس هو معناه الحقيقيّ. قوله: (والمراد بالسماء الخ) فسره بالأجرام بناء على أنّ الأرض بمعناها الظاهري فإن كانت بمعنى جهة السفل يكون مقابلها بمعنى جهة العلو وقيل: عليه إنّ الجهات كيف تحدد من علو وسفل ولم يكن سماء ولا أرض، وأجيب بأنه يكفي في التحدد جسم واحد محيط بالكل كريّ وكان موجوداً وهو العرس على أنه كما يجعل اليوم فرضياً يمكن أن تجعل الجهات كذلك أي بأن يكون إثبات الجهات العلوية والسفلية والأيام الستة والأربعة قبل خلق السماء مبنيا على التقدير والتمثيل ومن قال: إنه لا حاجة إليه إذ المراد ما يسمى الآن بالسفل والعلو لم يعرف أنه عين التمثيل مع أنه أحوجته إليه الأيام وأمّا ما قيل: إنه لا حاجة إلر، جعلها بمعنى جهات العلو بعد تفسير الاستواء بالإرادة فسترى عدم توجهه. قوله: (وثم لعله لتفاوت ما بين الخلقين الخ) اعلم أنّ خلق السماء وما فيها والأرض وما فيها باعتبار التقدم والتأخر وردت آيات فيه وأحاديث متعارضة ولم تزل الناس من عهد الصحابة إلى الآن تستصعب ذلك وتوفق بينها ولهم في التوفيق طرق شتى سنبينها لك بما لا مزيد عليه ونبين الحق منها مستمدين منه التوفيق فاصغ بإذن القبول لما أقول اعلم أنه تعالى قال في هذه السورة: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٩] وقال في سورة السجدة: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [سورة فصلت، الآية: ٩] إلى قوله: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا﴾ [سورة مصلت، الآيات: ١٠- ١١- ١٢] وقال في النازعات: ﴿أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [سورة النازعات، الآيات: ٢٧- ٢٨- ٢٩- ٣٠- ٣١- ٣٢- ٣٣] فاقتضت الآيات الأول تقدم الأرض! والأخيرة تأخرها وقد روى الحاكم والبيهقي لإسناد صحيح عن سعيد بن جبير قال جاء رجل إلى ابن عباس ﵄ فقال رأيت أشياء تختلف عليّ في القرآن قال: هات ما اختلف عليك من ذاك قال أسمع الله تعالى يقول: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ﴾ [سورة فصلت، الآية: ٩] حتى بلغ طائعين فبدأ بخلق الأرض! في هذه الآية قبل خلق السماء ثم قال في الآية الأخرى: ﴿أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا﴾ ثم قال: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ فبدأ بخلق السماء في هذه الآية قبل خلق الأرض! فقال ابن عباس ﵄ أمّا خلق الأرض في يومين فإنّ الأرض! خلقت قبل السماء وكانت السماء دخاناً ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ في يومين بعد خلق الأرض وأما قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ يقول جعل فيها جبلا وجعل فيها نهراً وجعل فيها شجرا وجعل فيها بحور انت! ى. يعني أن قوله أخرج منها ماءها بدل أو عطف بيان لدحاها بمعنى بسطها مبين للمراد منه فيكون تأخرها في هذه الآية ليس لمعنى تأخر ذاتها بل بمعنى تأخر خلق ما فيها وتكميله وترتيبه بل خلق التمتع والانتفاع به فإنّ البعدية كما تكون باعتبار نفس الشيء تكون باعتبار جزئه الأخير وقيده المذكور كما لو قلت بعثت إليك رسولاً ثم كنت بعثت فلانا لينظر ما يبلغه فبعث الثاني وإن تقدم لكن ما بعث لأجله متأخر عنه فجعل نفسه متأخرا وقد أشاروا إلى مثله فالفضل للمتقدم وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل فإن قلت كيف هذا مع ما رواه ابن جرير وغيره وصححوه عن ابن عباس أيضا ﵄ " أن اليهود أتت النبي ﷺ فسألتة عن خلق السموات والأرضر فقال: خلق الله الأرض يوم الأحد والاثنين وخلق الجبال وما فيهق من المنافع يوم الثلالاء وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والمدائن

стр. 537

والعمران والخراب فهذه أربعة فقال تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ﴾ أسورة فصلت، الآية: ٩ و ١٠] " وخلق يوم الخميس السماء وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملاتكة " فإنه يخالف الأوّل لاقتضائه خلق ما في الأرض من الأشجار والأنهار ونحوها قبل خلق السماء. قلت: الظاهر حمله على أنه خلق فيهاه، دة ذلك وأصوله وحدده إذ لا يتصوّر العمران والخراب قبل خلق السماء فعطفه عليها قرينة لذلك فلا تعارض بين الحديثين كما أنه ليس بين الآيات اختلاف ولذا قيل: لا بدّ على تقدير حمل ثم على التراخي في الوقت هنا من التأويل أما في الخلق بحمله على التقدير أو في المخلوق بإرادة مادته إذ لا شبهة في أنّ جميع ما في الأرض! لم يخلق قبل السماء كما نشاهده فلا تبقى مخالفة بين الآيتين ومثله لا يكون بالرأس فإمّا أن يؤخذ من الحديث أو يسكت عنه، والمصنف ﵀ ذهب إلى تقدم خلق السماء على الأرضى وهذه الآية تنافيه فقال: إنّ ثم للتفاوت في الرتبة المنزلة منزلة التراخي الزماني كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [سورة البلد، الآية: ١٧] فإن اسم كان ضمير يرجع إلى فاعل فلا اقتحم وهو الإنسان الكافر وقوله: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ تفسير للعقبة والترتيب الظاهري يوجب تقديم الإيمان عليهما لكن ثم هنا للتراخي في الرتبة مجازا وتشبث بأنه يخالف الآية الأخرى المصرّح فيها بالبعدية وبينه بأنها تدل على تأخر دحو الأرض أي بسطها وتمهيدها المتقدم على خلق ما فيها وأشار إلى تأويله بما ذكره ولا يخفى تكلفه وبعده وأنت في غنية عنه بما مرّ وقيل: الجواب بأنّ تقدم خلق جرم الأرض على خلق السماء لا ينافي تأخر وجودها عنه ليس على ما ينبغي لأنّ ثم تدل على تأخر خلق السماء عن خلق ما في الأرض! من عجائب الصنائع حتى أسباب اللذات والآلام وأنواع الحيوانات حتى الهوام على ما ذكر لا عن مجرّد خلق جرم الأرض، وسيذكر في حم السجدة ما يدل على تأخر إيجاد السماء عن خلق الأرض! ودحوها جميعا حتى قيل: إنه خلق الأرض وما فيها في أربعة أيام ثم خلق السماء وما فيها في يومين وكثر ذلك في الروايات ولا يفيد حمل ثم على تراخي الرتبة إلا أن يعول على رواية إيجاد السماء مقدما على إيجاد الأرض فضلاً عن دحوها على ما روي عن مقاتل والأولى أن يحام حول تأويل قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ ولا يخفى ما فيه فإن ما استبعد. هو المروي عن ابن عباس ﵄ وهو الحق كما مرّ وليس المراد بدحوها إلا تكميل مخلوقاتها كما عرفت، ومنهم من أوّل البعدية الرتبية وأنه كما يكون في ثم يكون في لفظ بعد كما تذكر جملا ثم تقول وبعد ذلك كيت وكيت ولا حاجة إليه أيضاً. قوله: ) عدلهن وخلقهق الخ) العوج يصح فيه هنا الفتح والكسر كما سيأتي في الكهف والفطور الشقوق وهذا من قبيل ضيق فم الركية وهو ظاهر من كلامه بلا مرية إذ خلقها كذلك يقتضي أنها لم تكن بخلافه، وجوّز في ضمير الجماعة أن يرجع إلى السماء بناء على أنها جمع سماءة أو سماوة لتأويلها بالجمع وهو الأجرام أو يرجع إليها ويجمع باعتبار الخبر أو يعود إلى المتأخر كلها احتمالات يأتي بيان الأرجح منها. قوله: (وإلا فمبهم يفسره ما بعده) قال في الكشاف: إن هذا هو الوجه العربي لأن الجمعية لم تثبت والتأويل خلاف الظاهر ويتعين على هذا أن يكون سبع سموات تمييزاً كما يعلم من مثاله وبه صرّح في غير هذا المحل فلا يرد عليه ما قيل إق الضمير يعود على متأخر لفظا ورتبة قياث في مواضع منها ضمير الشأن ويسمى ضمير المجهول والقصة ومنها الضمير المرفوع بنعم وبئس وما جرى مجراهما والضمير المجرور برلث العائد على مميزه والمرفوع بأوّل المتنازعين على مذهب البصريين والضمير المجعول خبره مفسراً له والضمير الذي أبدل منه مفسره، وفي هذا الأخير خلاف: منهم من أجازه ومنهم من منعه وعليه أبو حيان هنا ولهذا اعترض! على قول الزمخشري: إذ فهم من كلامه أنه بدل وكذا اعترض عليه إذ جوّز في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا﴾ أسورة الأحقاف، الآية: ٢٤] في الأحقاف كون الضمير عائدا إلى العارض وهو تمييز أو حال وخالفه في شرح التسهيل وفيه نظر، وقال الثليبيّ: الضمير في سواهن إذا رجع إلى السماء على

стр. 538

المعنى كان سبع سموات حالاً إن فسر سواهن كائنة سبع سموات وأذا كان مبهماً كان سبع سموات نصبا على التمييز نص عليه في السجدة، وفي نصب سبع خمسة أوجه البدل من الضمير المبهم أو العائد إلى السماء أو مفعول به والتقدير سوى منهن وهذا يناسب زياث تها على السغ أو أن سوى فيه معنى صير فينصب مفعولين وقيل: إنه لم يثبت أو حال مقدرة، وقوله أو تفسير أي تمييز، والإرصاد جمع رصد وهو معروف وكونه مشكوكا عند أهل الشرع وأشار المصنف ﵀ إلى جوابه على تقدير صحته بقوله وان صح الخ أي العدد مختلف إلا أنه إن ضم إلى ما قاله أهل الشرع الكرسي والعرس لم يبق بينهم خلاف قال السيد في خطبة المواقف سبع سموات هي الأفلاك السبعة السيارة والنجمان الآخران يسميان عرشاً وكرسيا انتهى. وهو توفيق حسن وكون العدد لا يدل! على نفي الزائد مسألة أصولية في مفهوم العدد هل هو معتبر أولاً وفيه خلاف مشهور بينهم. قوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فإن قلت عليم من علم وهو متعدّ بنفسه فكيف تعدى بالباء فان كان لضعفه بتقدم معموله فالتقوية باللام فقط قلت قالوا: إنّ أمثلة المبالغة خالفت أفعالها لأتها أشبهت أفعل التفضيل لما فيها من الدلالة على الزيادة فأعطيت حكمه في التعدية حاسية الشهاب / ج ٢ / م ١٢ وهو أنه إن كان فعله متعدّيا فإن أفهم علماً أو جهلاً تعدى بالباء نحو هو أعلم به وأجهل به وعليم به وجهول به والا تعدى باللام نحو أضرب لزيد وفعال لما يريد والا تعدى بما يتعدى به فعله نحو هو اصبر على النار وهو صبور على كذا وفيه نظر لأنه يقال رحيم به ولو تتبعت الكلام لوجدت ما يخالفه. قوله: (فيه تعليل كأنه قال الخ) الضمير في فيه ليس راجعا إلى قوله وهو بكل شيء عليم بل إلى الكلام المعلوم من السياق والمقصود بيان ارتباط هذه الجملة بما قبلها سواء كانت حالية أو معترضة تذييلية فإن نظرنا لآخر الكلام كان علة لما قبله فإنه لما أوجد هذه الأشياء العظيمة الدالة على قدرة عظيمة كاملة على أتقن الوجوه وأحسنها وأتمها كان إيجادها دليلاَ على علم شامل للجزئيات والكليات قبل وقوعها فإن الصانع إذا بنى بناء عظيماً ونحوه لا بد من تصوّره قبل إيجاده، وبهذا استدل في علم الكلام على شمول علمه لجميع المعلومات وقالوا الأفعال المتقنة تدلى على علم فاعلها، ومن تفكر في بدائع الآيات السماوية والأرضية وفي نفسه وجد دقائق حكم تدل على كمال حكمة صانعها وعلمه الكامل كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [سورة فصلت، الآية: ٥٣] والنتيجة تصلح بعد تقررها تعليلا للدليل والكل من مقدماته كما تقول تغير العالم لحدوثه العالم متغير لحدوثه، ولا خفاء في مثله فلا يرد عليه ما قيل إنّ علة خلق ما خلق على هذا النمط ليس لكونه عالماً بل لكونه عالماً قادراً وأنه لا يصح عطف التعليل على الدعوى وإن بين كونه تعليلا واستدلا تنافيا وعلمه بالكنه مأخوذ من صيغة المبالغة والنمط الطريقة وكونه عالماً مرّ وجهه وحكيماً مأخوذ من إتقانه ورحمته من الأنفع فإن قلت كلام المصنف ﵀ يقتضي أنّ نظام العالم هو الأصلح الأكمل الذي لا يمكن شيء فوقه كما قال الغزالي: ليس في الإمكان أباع مما كان وفي الفتوحات له تفصيل قلت: أنكر العلماء هذا وقالوا إنّ الله قادر على أن يوجد عالماً آخر أكمل من هذا وأحسن وأعظم كما هو مذهبنا ومعتزلة بغداد ذهبوا إلى وجوب الأصلح في الدين والدنيا بالنسبة إلى كل شخص، ومعتزلة البصرة إلى وجوب الأصلح في الدين فقط والفلاسفة إلى الأصلح بالنسبة إلى الكل من حيث هو كل لنظام العالم ونحن لا نرى بشيء منها (قلت) : مراده أنها أصلح وأكمل بحسب ما نشاهده ونعلمه ويصل إليه فهمنا لا بمعنى أنه ليس في مقدور الباري ما هو أباع منها كما هو رأي الفلاسفة لأنّ العقيدة أنّ كلا من مقدوراته ومعلوماته لا تتناهى كما صرّح به حجة الإسلام في عقيدته، وأمّا ما نقل عنه فقد قيل: إنه دسيسة أو غفلة واعتزض عليه وعلى المصنف بعض أرباب الحواشي وقد سمعت توجيه كلام المصنف وبه صرّح ابن الهمام في المسايرة، وأمّ كلام الغزالي فله وجه وجيه لأنّ الله علم بإيجاد العالم على هذا النظام الخاص الذي اقتضت الحكمة أكمليته فبعد تقديره في علمه الأزليّ يكون خلافه ممتنعا لئلا يلزم الجهل فهو مستحيل بالعرض لا بالذات ومثله يصح إطلاق عدم الإمكان عليه بلا تكلف فلا تغترّ بتشنيع بعضهم عليه، وللعلماء في هذه المسألة

стр. 539

تآليف مستقلة والكلام فيها كثير اكتفينا منه هنا بهذا القدر. قوله: (وإزاحة لما يختلج في صدورهم الخ) أشار بقوله يختلج إلى ضعفه لأن الاختلاح حركة ضعيفة وقوله واتصلت بما يثاكلها يعني عناصرها الأصلية لها، وقوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [سورة يس، الآية: ٧٩] فإنّ فيها ذكر عموم العلم لإثبات المعاد، وقوله مبنية في نسخة مبتنية أي مترتبة عليها وهذا وجه آخر للارتباط وقوله قابلة للجمع أي على أصل من قال إق الإعدام تفريق الأجزاء لا إفناؤها وتعاقب الاجتماع والافتراق والموت والحياة مبنيّ على شمول الموت للعدم الأوّل فلا يرد عليه أنه لا تعاقب بينها بل تعقيب الاجتماع بالافتراق وتعقيب الحياة بالموت بدون العكس كما قيل، وكون القبول ذاتيا هو المتبادر وأمّا احتمال اشتراطه بشيء آخر فلا دليل عليه، وقوله: فإنه عالم يصح فيه الكسر والفتح بتقدير فهي أنه وسد الحاجة بالفتح بما يحتاجون إليه، وفي قوله: جلت بمعنى عظمت ودقت بمعنى أنها دقيقة طباق بديعي وتسكين وهو بعد حرف العطف لغة لأنه معها يشبه كلمة واحدة مضمومة العين فيجوز تسكينها للتخفيف كما يقال: عضد وعضد وهو مطرد فيهما. قوله: (تعداد لنعمة ثالثة الخ) الأولى نعمة الإيجاد و! باس الحياة والثانية خلق ما في الأرض من النعم واللذات والطاعات والعبادات، والثالثة خلق أبينا وتكريمه بما جعله هو وذريته أفضل من الملائكة وجميع المخلوقات، وقوله: واذ ظرف الخ المراد بالنسبة الأولى نسبة الجملة المضاف إليها وبالثانية نسبة العامل الذي تعلقت به ولذلك لزم إضافتها للجمل كما أنّ حيث في ظروف المكان كذلك فلذا لزم إضافتها للجمل الأعلى سبيل الشذوذ ولافتقارها للجملة المضاف إليها أشبهت الموصول المفتقر لجملة الصلة فتشابها وان كان في إذ علة أخرى وهي الشبه الوضعي لوضعها على حرفين وقوله واستعملتا للتعليل والمجازاة أي أصك وضعهما للظرفية ولكن قد تستعملان لذلك واتفقوا على أنه لف ونشر مرتب وأنّ التعليل را- جع لإذ والمجازاة لاذا لأنه العروف إذ لم ترد إذ للتعليل واذ للشرط أما العكس فمقرر لأن إذ وردت له كثيراً كقوله تعالى: ﴿وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ اسورة الزخرف، الآية: ٣٩] أي لأجل ظلمكم إذ ليس زمان الظلم زمان الاشتراك وهل هو معنى حقيقي لها أو مستفاد من المقام قولان مفصلان في العربية، وكذا ورود إذا شرطية كثير لكن لا يجزم بها في السعه، ولك أن تجعله راجعا لهما معاً لأن إذا وحيث بل سائر الظروف تستعمل للتعليل عند الزمخشريّ لاستواء مؤدّي التعليل والظرف في قولك ضربته لإساءته وضربته إذا أساء لأنك إذا ضربته في وقت إساءته فإنما ضربته فيه لوجود إساءته فيه فأجرى مجرى التعليل كما أشار إليه الزمخشريّ في سورة محمد وارتضاه شراح المفتاح وكذا إذ نستعمل شرطية مع زيادة ما معها وهي جازمة ونقل في همع الهوامع أنها تكون شرطية بدون ما أيضا فقال ولا يجازي ولا يجزم بحيث واذ مجردتين من ما وأجازه الفراء قياسا على إن وأخواتها وردّ بأنه لم يسمع فيهما إلا مقرونتين بما انتهى. فكأنه نسيه هنا فقال: هنا هو لف ونشر فإن إذ هي التي تستعمل للتعليل وإذا هي التي تستعمل للمجازاة ولا يعرف وجود إذ للمجازاة ولا إذا للتعليل وقد سألني الخطيب عند كتابته على هذا المحل فأجبته بذلك انتهى ووقع في عبارة المفتاح إذ شرطية وخرجها عليها الشارحان المحققان فاحفظه فإنه من النوادر. قوله: (وبنيتا تشبيهاً بالموصولات الخ) هذا أحد مذهبين للنحاة في مثله قال السيرافيئ في شرح الكتاب إذ مبنية على السكون والذي أوجب بناءها أنها تقع على الأزمنة الماضية كلها وهي محتاجة إلى الإيضاح فصارت بمنزلة الذي المحتاجة إلى الصلة انتهى، وهذا بناء على أنّ علة البناء لا تنحصر في شبه الحرف بل تكون لمشابهة غيره من المبنيات واليه ذهب الزمخشريّ وابن الحاجب كما فصله في الأشباه النحوية ومن غفل عنه رده. قوله: (ومحلهما النصب أبدا بالظرفية الخ (هذا مدّهب لبعض النحاة وفي المغني أنّ لها أربعة استعمالات أحدها أن تكون ظرفا وهو الغالب، والثاني أن تكون مفعولاً به نحو قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٨٦، والغالب في أوائل الآيات من التنزيل ذلك بتقدير اذكر، وبعض المعربين يقول فيه إنه ظرف لا ذكر

стр. 540

محذوفاً وهو وهم فاحش لاقتضائه أنّ الأمر بالذكر في ذلك الوقت وليس كذلك بل المعنى اذكر الوقت نفسه، رالثالث أن تكون بدلاً من المفعول نحو واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت والرابع أن يكون مضافا إليها اسم زمان نحو يومئذ وبعد إذ هديتنا وزعم الجمهور أنها لا تقع إلا ظرفا إو مضافا إليها، وأما إذا فالجه طور على أنها لا تخرج عن الظرفية وجوّز بعض النحاة جرّهأ بحتى ووقوعها مبتدأ وخبراً ومفعولىلآ وبدلاً من مجرور انتهى. (وههنا بحثان) الأوّل أنّ قول المصنف ﵀ ومحلهما النصب أبدا لا يوافق مذهبا من المذاهب لأنها تكون في محل جرّ في نحو يرمئذ كثيراً بالاتفاق وكذا تعليلية فإنّ الظروف الغير المتصرفة يدخل عليها بعض حروف الجرّ والممتنع فيها النصب على المفعولية، والرفع في هذه على الفاعلية ممنوع بالاتفاق ولا وجه للتردّد في وجهه لأنّ المفعول شبيه بالظرف لكونه فضلة ولذا تنصب توسعا بالاتفاق أيضا، الثاني أنّ ما عده في المغني وهما فاحشا سلموه له وليس بوارد لأنّ الظرفية يكفي في صحتها ظرفية المفعول نحو رميت الصيد في الحرم كما سياتي في الأنعام وقوله لما ذكرناه هو أنه وضعت لزمان النسبة. قوله: (وأما قوله تعالى ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ﴾ الخ) جواب ما يرد عليه من أنه هنا بدل من المفعول ولا يصح أن يكون ظرفا لأن الذكر ليس في ذلك الوقت فأجاب بتقدير الحادث وهو ظرف له قائم مقامه في الدلالة على معناه لا أنه يحل محله حتى يلزم كونه مفعولاً به، ثم إنّ تقدير الحادث إما مضافا أي حادث أخي عاد وهو هود ﵊ أو معطوفا أي وحادثه، ومنهم من دّره صفة لأخي عاد ولا يخفى ركاكته والظاهر تقدير أمر، ثم إق في كلامه نظرا لم ينهوا عليه لأنه إذا قدر حادث أو نحوه فهو العامل فيه لا أذكر فإن جعل عاملا باعتبار وقوع المفعول فيه كما مرّ لم يفد التقدير فائدة جديدة فتأمل، واستدل على تقديرا اذكر بأنه ورد مصرحا به في آيات كثيرة وأما تقدير بدأ خلقكم فقيل إنه غير محرر لأنّ ابتداء خلقناكم لم يكن وقت ذلك القول بل قبله وليس بوارد لأنه يعتبر وقتا ممتداً لا حين القول، ومعمر بفتح الميمين أبن المثنى وهو أبو عبيدة اللغوي النحوي كما صرّح به القرطبي ﵀ لا المحدث وقوله هذا مردود في غاية الضعف عند النحاة وعلى تقدير بدأ وتعلقه بقالوا يكون معطوفا على صلة الذي وعلى تقدير أذكر يكون من عطف القصة على القصة أو عطف على بشر وما بينهما اعتراض! أو على أمر مقدر نحو تذكر هذه النعم واذكر الخ. قوله: (والملافكة جمع ملاك على الأصل كالشمائل جمع شمأل) وهي ريح الشمال ولا خلاف في أنّ أصل ملك ملأك وقد جاء على الأصل في قوله: وليست لانسيّ ولكن لملأك تنزل من جوّالسماءيصوب وانما الخلاف في وزنه فقال ابن كيسان: وزنه فعأل والهمزة زائدة وهو من م ل ك، وماذته تدل على القوّة وبه يشعر تمثيل الزمخشريّ بشمأل وان احتمل أن يريد الشبه الصوري من غير نظر إلى زيادة وأصالة كما هو مراد المصنف ﵀ بدليل ما سيصرج به من القلب وقوة الملك ظاهرة والمشهور أنّ ملأك مقلوب مألك وبه قال الكسائي: والليث الأزهري من الألوكة بمعنى الرسالة وأما الأك بمعنى أرسل فلم يشتهر فإن ثبت فهو أولى لسلامته من القلب ويكون مصدراً ميميا استعمل بمعنى المفعول أو جعل موضع الرسالة مبالغة وقد كثر في الاستعمال ألكني بمعنى أرسلني، وقال ابن الأنباري ﵀ أصله ألئكني فحوّلت كسرة الهمزة إلى اللام وحذفت لالتقاء الساكنين وقد نقله الأزهري ﵀ أيضا وإذا ثبت الأك ففيه غنيمة عن ثبوت لأك فيؤخذ منه لا من الألوكة لأنّ كثرة استعماله تأبى حمله على القلب وعلم منه أنّ هذا القول ليس بضعيف كما توهم شارحو كلام ابن الحاجب وهو الذي ارتضاه المصنف ﵀ ولذا جعله مقلوبا ولا ينافي هذا قوله على الأصل لأن أصله حينئذ مألك ولو جمع لقيل: ماكك كمآرب لكنه بعد القلب صار أصلاً ثانيا له، وتسميتهم رسلاً لإرسالهم إلى الأنبياء عليهم الصلاة

стр. 541

والسلام بالذات والى الأمم الواسطة وتأنيث الجمع لأنه بمعنى الجماعة. قوله: (واختلف الناص في حقيقتهم الخ) مذصب الملبين أنهم أجسام لطيفة نورانية قابلة للتشكل لأنّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا يرونهم في صور مختلفة وأما قول النصارى فيرده هذه الآية لأنها قبل خلق البشر والحكماء قالوا: إنها مجرّدات عن النفوس البشرية وهي العقول العشرة والنفوس الفلكية التي تحرك الأفلاك وقوله منقسمة راجع إلى القول الأوّل بقرينة أنّ الحكماء لا يقولون بهذا ولا عبرة بقول النصارى فإنه باطل والملائكة المقربون هم الكروبيون، وقوله والمقول لهم أي في هذه الآية جميع الملائكة لعموم اللفظ وعدم المخصص وقيل: القرينة على تخصيص ملائكة الأرض كونهم مجعولين خليفة فيها وقوله فبعث عليهم ضمن معنى سلط فلذا تعدى بعلى وفي نسخة إليهم. قوله: (وجاعل من جعل الذي له مفعولان الخ) بين معناه ومصحح عمله من كونه مستقبلاً معتمدا على ما هو معروف في النحو وإذا كان بمعنى خالق فله مفعول واحد وفي الأرض ظرف متعلق به، قيل معناه حينئذ بعداً اللتيا والتي إني جاعل خليفة ص ق الخلائف أو خليفة بعيته كائنا في الأرض فإنّ خبر صار في الحقيقة هو الكون المقدر العامل في الظرف ولا ريب في أنّ ذلك ليس مما يقتضيه المقام وأنما الذي يقتضيه هو الإخبار بجعل ادم خليفة فيها كما يعربءضه جواب الملائكة فإذا قوله تعالى: خليفة مفعول ثان والظرف متعلق بجاعل قدم على المفعول الصريح للتشويق إلى ما أخر أو بمحذوف وقع حالاً مما بعده لكونه نكرة وأما المفعول الأوّل فمحذوف تعويلاَ على القرينة الدالة عليه كما في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَاماً﴾ [سورة النساء، الآية: ٥] ولا ريب في تحقق القرينة هنا أما إن حمل على الحذف عند وقوع المحكي فهو واضح لوقوعه في أثناء ذكر الله له كاً نه قيل إني خالق بشرا من طين وجاعله خليفة في الأرض، وأما إن حمل على أنه لم يحذف هناك بل في الحكاية فالقرينة جواب الملائكة، وهذه قعقعة لا طائل تحتها كما هو دأبه فإنه على الوجه المرضي عند المحققين لا شك أنه إذا قيل للمستولي على محل إني مول عليه آخر أفاد تبديله بغيره فإن كان ذلك غير معلوما بالشخص على ما جوّز هو أن يكون المراد بالخليفة معيناًفلا معنى لجعل المستخلف كائنا في الأرض بدلهم إلا استخلافه فيها وإن لم لكن معيناً فقد أشاروا إلى جوابه بأنهم يعلمون أنّ العصمة من خواصهم فيطابقه الجواب من غير حذف وتتهدير ولم يجر لآدم ذكر إلى الآن فهل هذا إلا تعسف. قوله: (والخليفة من يخلف غيره الخ) إنما جعل الهاء فيه للمبالغة لإطلاقه على الواحد المذكر فلو جعلت الهاء للتأنيث لجاز لإطلاقه على الجماعة كما يقال: فرقة باغية، وضمير استخلفهم راجع إلى آدم ومن ذكر من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا إلى كل حتى يقال: إنه جمع باعتبار المعنى، وقوله: لأنه كان خليفة الله الخ أي أوّل خليفة فلذا خص هنا، وقوله: لا لحاجة يعني ليس استخلافه تعالى كاستخلاف غير. فإنّ شأن الغير أنه إنما يستخلف لغيبة أو عجز بل لقصور المستخلف عليه كالسلطان يأمر خاصته بتبليغ أوامره للعامة ويأمرهم تارة بالدّات وأخرى بالواسطة وهذه حكمة أنه لو جعل ملكا خليفة لكان رجلا وقوله بحيث يكاد زيتها الخ شبه قلوبهم بالمصباح وذواتهم بالمشكاة وما أوح فيهم من القوّة القدسية بزيت من شجرة مباركة ﴿لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ تضيء من غير نار لشدة لمعانه ثم أوضح ذلك بالغضروف وهو مضموم الأوّل والثالث والثاني معجم وهو عضو مفرد ليس صلابة العظم لكته أصلب من باقي الأعضاء اللينة قال الأطباء: المنفعة في خلقه أن يحسن اتصمال العظام بالأعضاء اللينة بأن يتوسط بينهما فلا يكون الصلب واللين قد تركبا بلا وأسطة فيتأذى اللين بالصلب خصوصاً عند الضربة والسقطة والمصنف ذكر أنه لإمداده وهو أمر ظاهر، وقوله أو هو وذرّيته الخ في جعل مضر وهاشم مما استغنى به فيه نظر. قال القرافي قد ينقل العلم الموضوع لمعين إلى ما لا يتناهى من ذرّيتة كربيعة ومضر وقيس انتهى فليس من الاستغناء بل هو منقول للجملة إلا أن يقال: في الأول كان كذلك ثم غلب في الاستعمال حتى صار حقيؤة وحينئذ لا يكون فيه نقل إلا بحسب التقدير ولذا قيل: بينهما فرق لأنّ مضر وهاشماً، سما قبيلة بخلاف الخليفة، ورد بأنهما من الإعلام الغالبة والتمثيل بالنظر إلى أصل الاستعمال قبل الغلبة فلا إشكال وكان المجيب لم يفهم الاعتراض فإنّ محصله أنّ علم أبي القبيلة يطلق عليهم، وهذا ليس

стр. 542

يعلم بل وصف ونظيره ما سيأتي من إطلاق فرعون على قومه، واعترض عليه بأنه ليس أبا لهم فلا يطلق كإطلاق القبائل فكان ينبغي أن يقول: إنه ليس بشرط لوجود العلاقة فتأمل وفي الكشف أنه استشهاد لأنّ ما نحن فيه ليس من ذلك القبيل لأنّ آدم جاز أن يعبر به عن الكل لا وضعه الدال عليه والمعنى كما أن الاستغناء هنالك لأن أبا القبيلة أصلهم الجامع كذلك هم ورثوا الخلافة منه فخلافته الأصل الجامع اهـ. وقوله أو على تأويل من يخلفكم أي بلفظ عام شامل للقليل والكثير، ويعلم من قوله السابق أعلى رتبة أنّ موسى ﵊ أفضل الأنبياء بعد نبينا ﵊ وقد تردد بعضهم في تفضيله على إبراهيم ﵊ ويكفي لتخصيصه على سائر التوجيهات أوّليته فيها، وعلى القول بشمول الخليفة لذرّيته يظهر قول الملائكة من يفسد بلا تأويل وعلى غيره لأنه منشؤهم وأصلهم وقوله أو خلقا يخلفكم خلق بالخاء المعجمة والقاف وجوّز فيه أيضاً الفاء وقوله بأن بشر بوجوده الخ قيل: عليه ليس هذا مقام البشارة لأنه ليس بسارّ عليهم نظرا إليهم على ما يفصح عنه قوله ونحن نسبح بحمدك وتأويله بالإخبار يأباه سببية تعظيم المجعول فتأمل وقوله: واظهار فضله الراجح. قيل: هو أص كأ من قول الزمخشري صيانة لهم عن اعتراض! الشبهة في وقت استخلافهم لأنّ ذلك ليس من شأنهم سؤالهم إنما هو للتعجب كما سيأتي. وفيه نظر لأنه سيذكره بعينه وعلى هذه الوجوه إن كانت الملائكة ملائكة الأرض فقولهم أتجعل الخ ظاهر، وإن كانت الجميع فالقائل إفا هم أيضا لأن سكان الأرض! مثلهم فيما ذكر أو بعضهم وأسند إلى الجميع كما يقال بنو فلان قتلوا قتيلاً والقائل بعضهم لأنّ ما وقع بينهم كأنه صدر من جميعهم. قوله: (تعجب من أن يستخلف الخ (إنص حمله على التعجب لأنّ الإنكار لا يليق بهم فصرف لما يليق وقد استدل به الحشوية على عدم عصمة الملائكة عليهم الصلاة والسلام فأشاروا إلى ردّه بهذا، وقيل: كان الظاهر المطابق لما قبله أتجعل فيها خليفة من يفسد وإنما عدلوا عنه صرفا للتعجب إلى جعل المفسد في الأرض مع قطع النظر عن كونه خليفة فكأنهم قالوا إنّ أصل جعلهم في الأرض مستبعد فأنى الخلافة ولدقة هذا المعنى وذهابه على الزمخشريّ والمصنف وغيره صرفوا التعجب إلى استخلافهم. (قلت) : ما ذكره المصنف وغيره هو معنى النظم ومقتضى ترتبه على ما قبله من غير ريبة وهو المراد على كل حال وما ذكره القائل نكتة للعدول في التعبير عن مقتضى الظاهر لا تنافيه، وقد أشار المصنف إلى تنبهه لهذه النكتة بقوله فيما سيأتي لا تقتضي الحكمة إيجاد. فضلاً عن استخلافه، وقيل: أيضاً إنّ هذا ينافي كونه تعليما للمشاورة لأنّ مقتضاه أن يكون ألاستفسار والاستخباو مطلوبا منهم، ويكونوا مأذونين في السؤال والجواب فيناسب مقابلتهم بالاستفسار لا التعجب وليس بوارد لأنّ قوله وليس باعتراض يبين أنّ الممنوع فيه الاعتراض والاستفسار والتعجب لا ينافيه فتأمل ثم إنه ليس مشاورة لأنه تعالى غنيّ عن العالمين لكن تلك المعاملة ترشد للمشاورة لشبهها بها وكذا ترشد ل! خبار بما من شأنه أن يسرّ، فسقط الاعتراض على البشارة السابق أيضا وقوله: أو يستخلف مكان أهل الطاعة الخ الطاعة تستفاد من قوله: ونحن نسبح بحمدك الخ كما أنّ المعصحية من سفك الدم والاستكشاف طلب الكشف، وبهر بمعنى غلب وألغاه جعله لغواً. قوله: (وليس باعتراض على الله الخ) عطف على تعجب وعلى وجه الغيبة أي طريقها في الذم وإن لم تكن غيبة حقيقية وهو حرم ومكرمون أي معصومون وقوله: وإنما عرفوا ذلك إشارة إلى ما روي عن السدى رحمه الله تعالى إن الله تعالى لما قال لهم ذلك قالوا وما يكون من ذلك الخليفة قال يكون له ذرّية يفسدون في الأرض ويقتل بعضهم بعضا. وهذا أسلم الوجوه ولذلك قدمه فإنّ اطلاعهم على ذلك من اللوح يرد عليه أن في اللوح أيضا شرف بني آدم وحكمة خلقهم فلو أخذوه منه فلم يبق شبهة د إن كان مدفوعاً بأن الله منعهم عن النظر إلى جميع ما فيه فإنهم لا يفعلون إلا ما يؤمرون وكذا الاستنباط لا يمنع عرق الشبهة فإنه يقال: كيف أرتكز في عقولهم فإن قيل: بأن أخبرهم الله به أو رأوه في اللوح رجع إلى الأوّل وان قيل: بأن خلق

стр. 543

فيهم سبحانه علماً ضرورياً فإن كان بأن لا يعصم فرداً ما سواهم فهو خلاف الواقع أو نوعا مطلقاً وإن عصم بعض أفراده كالأنبياء عليهم الصلاة والسلام وهو المراد صح لكن لا يلائم قوله لا علم لنا إلا ما علمتنا، مع أن غاية ما يلزم من علمهم باختصاص العصمة بهم علمهم بصدور الذنب المطلق لا خصوصية الفساد وسفك الدماء، والمطلوب هذا دون ذاك إلا أن يقال وجه الاستنباط ما سيأتي من أنهم علموا عصمتهم ورأوا تأليف الإنسان يقتضي القوة الشهوية والغضبية المستلزمة للفساد والسفك أو أنهم علموا ذلك من تسميته خليفة لأن الخلافة تقتضي الإصلاح وقهر المستخلف عليه وهو يستلزم أن يصدر منه فسادا مّا في ذاته بمقتضى الشهوة أو في غيره من السفك، ووجه القياس أنهم علموا حال مثلهم في التناكح والتناسل فقاسوهم عليهم وقوله والسفك الخ هو من فقه اللغة وما ذكره عن ابن فارس، وقال المهدوي: لا يستعمل السفك إلا في الدم، وقيل: إنّ السفك والسفح يستعملان نن نشر الكلام والقدرة عليه وبين قراءة المجهول وأشار في ضمنها إلى أنّ من يجوز فيها أن نكون موصولة وموصوفة وترك ما في الكشاف من أنه قرئ بضم الفاء وكسرها. قوله: (حال مقرّرة لجهة الإشكال الخ) أي جملة حالية مقرّرة ومؤكدة لسؤالهم لدفع ما عرض لهم من الثسبهة ولما تراءى من ظاهر هذا الكلام أنه اعتراض! دفعه بأنّ المقصود منه الاستفسار وكما أنّ هذه الجملة مقرّرة للسؤال دافعة أيضا الاحتمال الاعتراض فإنهم إذا نزهوه أكمل تنزيه علموا أنه لا يصدر عنه ما لا تقتضيه الحكمة فلا يرد أن في كلام المصنف ﵀ تصريحا بأن قولهم هذا ناشئ من اعتراض الشبهة وقد عرفت أنه لا يليق بثأنهم فالصواب أن يقال: إنه حال مقرّرة لجهة الاستخبار عن حكمة الاستخلاف خاليا عن اعتراض الشبهة في موافقته الحكمة، فإن! لت إن ابن مالك قال في شرح الألفية إن كانت الجملة الاسمية حالاً مؤكدة لزم الضمير وترك الواو نحو هو الحق لا شبهة فيه وذلك الكتاب لا ريب فيه وقال ابن هشام: وتمتنع الوأو في المؤكدة، ووجهه أنّ واو الحال عاطفة بحسب الأصل والمؤكدة لا يعطف على المؤكد لما لينهما من شدة الاتصال وقد صرح به أهل المعاني أيضاً. قلت هو ليس بمسلم فإنهم صرحوا لخلافه أيضا كما في شرح التسهيل أنّ جملة وأنتم معرضون في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٨٣] حال مؤكدة وقد ينزل المؤكد منزلة المغاير لكونه أوفى بتأدية المراد فيقرن بعاطف ونحوه كما سيأتي إن شاء الله تعالى وعطف التفاخر على العجب بضم فسكون تفسيريّ وقوله وكأنهم علموا الخ. يعني بعلم ضروري خلق فيهم أو إخبار كما مر وشهوية بسكون الهاء نسبة إلى الشهوة، وقوله إلى الغ! ساد وسفك الدماء لف ونشر مرتب أن خص الفساد وقوله: ونظروا إليها أي إلى كل من الشهوية والغضبية فإن مقتضاهما ما ذكر وليس في هذا طعن في الملائكة بإسناد سوء الظن إليهم فإنه استخبار وقوله لا تقتضي الحكمة إيجاده إنما عبر بالإيجاد لأنه أبلغ من الاستخلاف مع دلالة الاستخلاف عليه التزاما فلا يقال: إنّ هذا يقتضي تفسير جاعل بخالق وفيه ما مر ثم أشار إلى أن كلاً من القوّتين لها إفراط وتفريط مذموم وحاق وسطهما مهذب ممدوح ومطواعة صيغة مبالغة والتاء للمبالغة لا للتأنيث ومتمرّنة معتادة فالعفة وسط القوة الشهوية والشجاعة وسط الغضبية وافراطها تهوّر وتفريطها جبن ومجاهدة الهوى بترك الشهوات ثمرة العفة، والإنصاف في المعاملات كذلك، وقيل: إنه ثمرة الشجاعة، والتركيب من أجزاء مختلفة يفيد قوّة تقصر عنها الآحاد المفردة الغير المركبة كأراك الجزئيات بالقوى الظاهرة والباطنة التي خلت عنها الملائكة كما سيأتي. ولما ورد أنه كان ينبغي بيان ذلك أشار إلى أنه بينه إجمالاً بقوله إني أعلم الخ لما فيه من إحاطة علم آدم ﵊ كما سيأتي. ونرك قول الزمخشري كفى العباد أن يعلموا أنّ أفعال الله تعالى كلها حسنة وحكمة وان خفى عليهم وجه الحسن والحكمة لأنه أورد عليه أنه إن أراد أن من شأنهم أن يعلموا ذلك ولو بعد حين لما فيهم من القوة العقلية فليس بكاف في ترك التعجب وأن أراد أنهم كانوا يعلمون ذلك فليس بمعلوم ولا في العبارة ما يدل عليه، وفيه نظر لأن

стр. 544

تنزيه الله وتقديسه عن كل نقص يدل على أنه لا يصدر عنه إلا الأفعال الحسنة الجاربة على وفق الحكمة ثم إنه أتى بهذه الجملة مؤكدة لأنها في جواب السؤال الذي يستحسن تأكيده، وقيل: لتنزيلهم منزلة المنكر لما اعترض لهم من الشبهة التي لا ينبغي أن تعرض وش! تفسر عنها وأعلم فعل مضارع وما مفعوله وهو الظاهر، وما إمّا موصولة أو موصوفة والعائد محذوف أي تعلمونه وقال أبو البقا: وغيره أنه اسم تفضيل استعمل بمعنى عالم فما في محل جر بالإضافة أو نصب بأعلم ولم ينون لعدم انصرافه وضعف بأنّ فيه جعل أفعل بمعنى فاعل وهو خلاف الظاهر وأن فيه عمل اسم التفضيل بمعنى الفاعل والجمهور لا يثبتونه. وقيل: إنه على بابه والمفضل عليه محذوف أي أعلم منكم وما منصوبة بفعل محذوف دل عليه أفعل أي أعلم ما لا تعلمون لأن أفعل لا ينصب المفعول به. قوله:) والتسبيح تبعيد الله عن السوء الخ (وفي نسخة تنزيه الله عن السوء وتبعيده عنه أي الحكم بنزاهته وبعده وألتلفظ بما يدل عليه وكذلك التقديس. وقد روي هذا التفسير عن النبي ﵊ وزاد القرطبي فيه على وجه التعظيم، وقوله وكذلك التقديس يفهم منه ترادفهما. قال الراغب: السبح المرّ السريع في الىء أو الهواء يقال سبح سبحا وسباحة واستعير لمرّ النجوم في الفلك ولجري الفرس، والتسبيح تنزيهه تعالى وأصله المرّ السريع في عبادته، وفي الكشف أنّ الزمخشريّ جعلهما مترادفين أصلاَ ونقلا والأشبه تغايرهما وان رجعا إلى نفي النقصان بالنظر في التسبيح إلى أنّ العارف أتى المستطاع في التنزبه ولم يتركه فإنه على حسب المعرفة وفي التقديس إلى أنّ الذات الكاملة التي لا يمكن أن تتصوّر بما يدانيها لها الطهارة عن كل سوء أطلق عليه لفظ دال عليه أو لم يطلق لوحظ في الأوّل العارف وفي الثاني المعروف، وفي قولهم هذا لطيفة إذ جعلوا سفك الدماء نهاية الإفساد وقابلوه بالتقديس الذي هو نهاية التنزيه وترقوا من العرفان إلى المعروف، وحاصله أن التسبيح تنزيهنا له عما لا يليق به والتقدي! تنزهه في ذاته على ما يراه لائقا بنفسه فهو أبلغ ويشهد له أنه حيث جمع بينهما أخر نحو سبوح قدوس. قوله: (وبحمدك في موضع الحال) نقل عن الزمخشري أن الباء لاستدامة الصحبة والمعية لا إحداثها وهو حسن، وفي الكشاف أي لسبح حامدين لك وملتبسين بحمدك لأنه لولا إنعامك علينا بالتوفيق واللطف لم نتمكن من عبادتك، وهذا كما في الحديث: " سبحانك وبحمدك " لأن المعنى وبحمدك نسبح، وإضافة الحمد إما إلى الفاعل والمراد لازمه مجازاً من التوفيق والهداية أو إلى المفعول والمعنى متلبسين بحمدنا لك كذا أفاده الكرماني في شرح البخاري. وأراد المصنف والعلامة الأوّل وبه تعلم معنى كلامهم ويندفع ما يتوهم من أن الحمد لم يقل أحد أن معناه التوفيق والإلهام وقوله لداركوا الخ وهذا كما قالط داود ﵊: يا رب كيف أقدر أن أشكرك وأنا لا أصل إلى شكر نعمتك إلا بنعمتك يعني أقدارك وتوفيقك واليه أشار محمود الوراق بقوله: إذاكان شكري نعمة الله نعمة عليئ له في مثلهايجب الشكر فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله وان طالت الأيام واتسع العمر فإن مس! بالنعماء عم سرورها وان مس بالضراء أعقبها الأجر وقال الغزالي ﵀: أنّ داود ﵊ لما قال ذلك أوحى الله إليه إذا ،، مت هذا فقد شكرتني وروي إذا عرفت أنّ النعم مني رضيت بذلك منك شكرا. قوله: (ئطهر ومرسنا من الذنوب لأجلك (لما كان التقدي! والتسبيح مترادفين بحسب الظاهر مع أنهما. "، ءيان بغير حرف وقد قيل: إنهما يتعذيان باللام أيضاً فسره بما يفيد تعديته بنفسه كما هو ٥١١! روف ويندفع به التكرار أي نطهر به أنفسنا فالتسبيح لله والتقديس لهم، وظاهر قوله واللام.، و، - ة أنه لم يرتض تعديه بها وإنما ضعفه لأنه خلاف الظاهر وقيل التسبيح التبعيد يعدى بتفسه) ، االام وكذلك التقديس فاللام في لك في المعنى متعلق بالفعلين، وكذا الحال أعني بحمدك وفائدة الجمع بين التسبيح والتقديس وان كان ظاهر كلامه

стр. 545

ترادفهما أن التسبيح بالطاعات والعبادات والتقدي! بالمعارف والاعتقادات وقيل: عليه إن ما هنا أولى فإنّ توسيط الحال بين العاملين والحمل على التنازع في لك وتخصيص التسبيح بالعبادات والتقديس بالمعارف بلا دليل بعيد وقيل: الأولى أن يفسر بأنا نقدسك لأجلك واستحقاقك لأجلنا من طمع ثواب أو خوف عقاب. قوله: (إما بخلق علم ضروويّ بها فيه الخ) هذه المسألة أصولية دائرة على الاختلاف في واضع اللغات هل هو الله أو البشر، وفي كيفيته وهو مفصل في أصول الفقه مع أدلته وما عليه وما له ومذهب الأشعري أنّ الواضع لها كلها هو الله ابتداء مع جواز حدوث بعض أوضاع من البشر كما يضع الرجل علم ابنه واستدل بهذه الآية وقالت المعتزلة: الواضع من البشر آدم أو غيره وشممى مدّهب الاصطلاح والثالث مذهب ألتوزيع بأن وضع الله بعضها والباقي البثر وأشار المصنف إلى الأوّل وطريق المعرفة بوضع الله لها أنه خلق في آدم علما ضرورياً بأسماعه إياها وخلق علم ضروريّ بأنّ هذا معنى هذا ورده أبو منصور: بأنّ الضروريّ إما بديهيّ أو مدرك بالحواس ولو كان كذلك لشاركتهم الملائكة فيه فلا بدّ أن يكون بإلهام أو بإرسال ملك لم يكلفه الأنباء، والروع بضم الراء والعين المهملة القلب والذهن والعقل والفرق بينهما إن الأوّل يكون بدون مباشرة الأسباب والثاني تكون معه فهو أعلى من الأوّل أو مغاير لأن الإلهام لا يكون ضرورياً ولأنه بغير إلقاء لفظ فتأمّل. قوله: (ولا يفتقر إلى سابقة اصطلاح الخ) لأنّ الاصطلاح يكون بالتكلم ويرجع الكلام إليه فإمّ أن يدور أو يتسلسل ولو سلم توقفه عليه فيجوز أن يعرف القدر المحتاج إليه في الاصطلاح بالترديد والقرائن كما يشاهد في الأطفال. قوله: (والتعليم فعل يترتب عليه العلم فالباً) دفع لما أورد عليه من أن خلق ذلك العلم والإلهام ليس تعليما إذ المعهود فيه أن يكون بإلقاء الألفاظ فيفتقر إلى سابقة اصطلاح فدفعه بأنه فعل يترتب عليه العلم مطلقا فلا يرد عليه أنّ هذا متمسك المنكرين لكون الأسماء معلمة من الله. قوله: (ولذلك يقال علمتة فلم يتعلم) هذا أيضا مما اختلف فيه عإنّ المطاوع هل ينفك عن مطاوعه م! قاً أو في بعض الموادّ أو لا ينفك أصلاً فعلم هل يستدعي التعلم أو لا فقيل: يستلزمه لقوله تعالى: ﴿مَن يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾ [سورة الأعراف، الآية: ١٧٨] ونحوه وقيل لا يستلزمه لقوله تعالى: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٦٠] لأن التخويف حصل ولم يحصل للكفار خوف نأفع فعلى الأوّل تكون الفاء في نحو أخرجته فخرج للتعقيب في الرتبة لا في الزمان ولا يصح أخرجته فما خرج إلا مجازاً، وعلى الثاني تكون الفاء للتعقيب ويكون أخرجته فما خرج حقيقة واختار السبكي التفصيل، فقال: يقال علمته فما تعلم ولا يقال كسرته فما انكسر والفرق إن حصول العلم في القلب يتوقف على أمور من المعلم والمتعلم فكان علمته موضوعا للمخبر الذي من المعلم فقط لعدم إمكان فعل من المخلوق يحصل به العلم ولا بد بخلاف الكسر فإنّ أثره لا واسطة بينه وبين الانكسار وتفصيله في شروح ابن الحاجب. قوله: (وآدم الخ) اختلف في آدم هل هو عربي من الأدمة أو مبئ أديم الأرض لأنه خلق من تراب فوزنه أفعل وأصله " دم بهمزتين فأبدلت الهمزة الثانية ألفا لسكونها بعد فتحة، أو أعجمي ووزنه فاعل بفتح العين وهو وزن يكثر في الأسماء الأعجمية كآزر وشالخ بالشين والخاء المعجمتين علمين وقد يستعمل في أسماء الآلات كقالب وخاتم ويشهد له جمعه على أوادم بالواو لا ٦ادم بالهمزة وان اعتذر عنه الجوهريّ بأنّ الهمزة إذا لم يكن لها أصل جعلت واواً فإنه غير مسلم منه وإذا كان أعجميا لا يجري فيه الاشتقاق حتى قالط أبو عبيدة أن من أجرى الاشتقاق فيها كمن جمع بين الضب والنون ولا كلام فيه إذ اشتقاقه من تلك اللغة لا نعلمه ومن غيرها لا يصح والتوافق بين اللغات بعيد جذاً نعم قد يذكرون فيه ذلك إشارة إلى انه بعد التعريف ألحقوه بكلامهم واعتبروا فيه اشتقاقا تقديريا ليعرف وزنه والزائد فيه من غيره، فحيث أطلقوا عليه ذلك تسمحاً فمرادهم ما ذكر، واشتقاقه من الأدمة بضم فسكون وهي السمرة ولا ينافي ذلك كونه من أجمل البشر ومنهم من فسرها بالبياض أو الأدمة بفتحتين وهي الأسوة و القدوة وأديم الأرض ما ظهر منها، ولا يلزم من كون أصله ذلك أن

стр. 546

يكون لونه ترابيا ألا ترى النبات على لطافة ألوانه مخلوقا من الأرض وأخيافا بمعنى مختلفين والأدم والأدمة الموافقة والألفة مأخوذ من إدام الطعام، ووجه كونه تعسفا ما مر. وادرش! من الدرس لكثرة دراستة للعلوم وكذا يعقوب من العقب لمجيئه عقب إسحق وإبليس من الإبلاس وهو اليأس من رحمة الله وعلى هذا فهو عربيّ واختاره ابن جرير وقال إنه منع صرفه لأنه لا نظير له في الأسماء وأورد عليه أنّ هذا لم يعذ من موانع الصرف مع أنّ له نظائر كاغريض واصليت، وفيه لظر. قوله: (لما روي عنه ﵊ الخ) قال السيوطي: أخرجه أحمد والترمذي وصححه ابن جرير وغيره ولله درّ القائل: الناس كالأرض ومنها همو من خشن الص! ق ومن لين فجلمد ترمي به أرجل واثمديجعل في الأعين قوله: (والاسم باعتبار الاشتقاق الخ) هذا بالنظر إلى المذهبين اشتقاقه من الوسم بمعنى العلامة أو من السموّ وهو العلوّ لرفعه مسماه من حضيض الجهل إلى ذروة التعقل والمراد بالعرف العرف العامّ والمخبر عنه الاسم والخبر الفعل، والرابطة الحرف وفي الاصطلاح يطلق على ما ذكر. وعلى ما يقابل الصفة وعلى ما يقابل الكية واللقب والمعنى المصطلح لا تصح إرادته هنا لأنه محدث بعد نزول القرآن فالمراد إمّا الأوّل وهو العلامة الدالة مطلقا المبينة بقوله من الألفاظ الخ والمراد بالصفات والأفعال معناها اللغوي فهو أعمّ من الثاني. قال الإمام: وقيل: المراد بالأسماء صفات الأشياء ونعوتها وخواصها لأنها علامات دالة على ماهياتها فجاز أن يعبر عنها بالأسماء، وفيه نظر لأنه لم يعهد إطلاق الاسم على مثله حتى يفسر به النظم والظاهر أن المراد الثاني قال الإمام المراد أسماء كل ما خلق من أجناس المحدثات من جميع اللغات المختلفة التي يتكلم بها اليوم أولاده من العربية والفارسية والزنجية وغيرها وكان ولد آدم يتكلمون بهذه اللغات فلما مات آدم وتفرّقت أولاده في نواحي العالم تكلم كل واحد منهم بلغة معينة فلما طالت المدة نسوا سائر اللغات. قوله: (والمعنى أنه خلقه من أجزاء مختلفة الخ) يعني أنه لا يلزم من معرفة الدوالّ من حيث هي دوالّ معرفة مدلولاتها وأشار به إلى جواب سؤال وهو أنه بتعليم الله ولو علمهم لأجابوا السؤال وأيضاً معرفة جميع الأشياء لا تمكن ولم تقع فأجاب بأن تعليمه لما خلق فيه من القوى الجسمانية الظاهرة والباطنة التي أعطته استعداداً ليس فيهم لإدراك الجزئيات والكليات والمخيلات والموهومات التي يقتدو على معرفتها ومعرفة خواصها وضبط أصولها وقوانينها لا جزئياتها الغير ا) ! تناهية. قوله: (الضمير فيه للمسميات المدلول عليها الخ) قال الشارح المحقق: إنما احتاج إلى اعتبار هذا الحذف ليتحقق مرجع ضمير عرضهم وينتظم أنبؤني بأسماء هؤلاء ولم يجعل المحذوف مضافا إلى مسميات الأسماء لينتظم تعليق الأنباء بالأسماء فيما ذكر بعد التعليم وظاهر كلامه أنّ اللام عوض عن المضاف إليه كما هو مذهب الكوفيين وقد نفى ذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [سورة النازعات، الآية: ٣٩] ولم يقل به في قوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [سورة مريم، الآية: ٤] فوجب أن يحمل على ما ذكرنا في ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٥] وان كان ظاهر عبارته على خلافه أو يقال ليس كل ما يذكره من المحتملات مختارا عنده وفيما ذكر إشارة إلى الردّ على من زعم أنّ الاسم عين المسمى وأنّ عود ضمير عرضهم إلى الأسماء باعتبار أنها المسميات مجازا على طريق الاستخدام. (أقول) : هذا الكلام وان وقع من عامّة الشراح هنا لكته ليس بمحرّر لأنّ المعرف بالألف واللام العهدية في معنى المضاف إضافة عهدية إذ لا فرق بين قولك رأيت الأمير وأمير البلد وليس الخلاف متصوّرا فيه إنما الخلاف في محل يكون المضاف إليه ضميراً في مقام محتاج إلى الرابط كما صرح به ابن هثام في شرح بانت سعاد حيث قال بعد ما فصل المسألة نيابة أل عن الضمير في نحو حسن الوجه من حيث هو ضمير لا من حيث هو مضاف إليه وربما توهم من كلامهم الثاني وقد استجرّ ذلك الزمخشري حتى جوّز نيابتها عن المضاف إليه المظهر في قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء﴾

стр. 547

ولا أعلم أحدا قال بهذا قبله، وقال الرضي: لا تعوّض اللام عند البصريين في كل موضع شرط فيه الضمير كالصلة وجملة الصفة والخبر والوصف المشتق منه ويجوز في غيره كقوله: لحا في لحاف الضيف والبرد برده أي وبردى برده فلا ينبغي أن يعدّ ما نحن فيه منه ولا كل محل من مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين، وهذا مما غفلوا عنه فاعرفه لترى ما في كلام الشارح مع جلالته من الخلل ولو قال المصنف ﵀ بدل قوله إذ التقدير أو التقدير لكان الأوّل وجها مستقلا معناه عود الضمير على ما يفهم من الكلام إذ الأسماء لا بد لها من مسميات، والظاهر أن معنى عرضها إخبارهم بما سيوجده من العقلاء وغيرهم إجمالاً، وسؤالهم عما لا بد لهم منه من العلوم والصنائع التي بها نظام معاشهم ومعادهم إجمالاً والا فالتفصيل لا يمكن علمه لغير الله فكأنه قال: سأوجد كذا وكذا فأخبروني بمالهم وما عليهم وما أسماء تلك الأنواع من قولهم عرضت أمري على فلان فقال لي: كذا فلا يرد أن المسميات أعيان ومعان وعرض الأعيان ظاهر فكيف عرضت المعاني كالسرور والحزن والعلم والجهل ولا حاجة إلى ما قيل: إنّ المعاتي في عالم الملكوت متشكلة بحيث ترى وهذا مثل عالم المثال الذي أثبتوه وقال: إنه قامت الأدلة على إثباته وأنه صنف فيه رسالة ونقل عن عبد الغفار القوصي إنّ المعاني تتجسم ولا يمتنع ذلك على الله، وتذكير الضمير المخصوص بالعقلاء لا جمعه كما قيل: لتغليبهم. قوله: (وقرئ عرضهن الخ) قال قدّس سره: إنما لم يجعل الضمير للمسميات المحذوف من قوله وعلم آم الأسماء لأنّ اعتبار ذلك الحذف إنما كان لأجل ضمير عرضهم وأمّا على تقدير عرضها أو عرضهن فيصح عود الضمير إلى الأسماء فلا يعتبر حذف المسميات ثمة مضافا إليه بل هنا مضافا لئلا يكون نزعا للخف قبل الوصول إلى الماء فليتأمل اهـ. وأورد عليه أنّ ما ذكره صحيح في ضمير عرضها دون عرضهن لأنه ضمير جمع المؤنث والأسماء ليس كذلك فلا بد من رجوعه إلى المسميات فيعتبر بالضرورة حذفها ثمة مضافا إليه فإنه نزع للخف بعد الوصول إلى الماء اص. (أقول) هذا بناء منه على أنّ ضميرهن مختص بالنسوة العقلاء وقد صرح الدماميني في شرح التسهيل بخلافه ومثله له بقوله تعالى: ﴿خَلَقَهُنَّ﴾ بعد قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [سورة فصلت، الآية: ٣٧] ولو كان كما زعم هذا القائل لزمه تغليب المؤنث على المذكر. قوله: (تبكيت لهم وتنبيه على عجزهم) إشارة إلى أنّ الأمر هنا تعجيزي والتبكيت غلبة الخصم بالحجة ولا يصح أن يكون للتكليف في هذا المحل حتى ينبني على مسألة تكليف ما لا يطاف المختلف فيها كما مر إذ إعلام من لم يعلم غير ممكن، وقيل: إنه غفلة عن قوله إن كنتم صادقين والا لما توهم لزوم التكليف بالمحال على تقدير كون الأمر للتكليف فإنّ المعلق بالشرط لا يوجد قبل وجوده وفيه نظر وقوله والأنباء الخ قال الراغب: النبأ خبر ذو فائدة عظيمة يحصل به علم أو غلبة ظن ولتضميته معنى الخبر يقال: أنبأته بكذا كقولك أعلمته بكذا اص. فقول المصنف ﵀ يجري مجرى كل واحد منهما أي يستعمل استعماله في التعدية بالباء تارة وبنفسه أخرى وألا أصل معناه مطلق الأخبار كما هنا فإنه تعانى غنيّ عن الأعلام أي إيجاد العلم. قوله: (في زعمكم أنكم أحقاء الخ (هو لبيان ترتب الجزاء على الشرط أي إن كنتم صادقين في أنكم أحق بالاستخلاف أو في أنّ استخلافهم لا يليق فأثبتوه ببيان ما فيكم من شرائطها السابقة وقوله فتبينوا كذا في النسخ وسقط من بعضها وتبين يكون متعديا كبين بمعنى أظهر ولازما بمعنى اتضح كما في القاموس وهو هنا متعد أي فأوضحوا ذلك وأثبتوا مدعاكم المذكور قال قدس سره: فإن قلت هذا ينافي ما سبق من أنهم عرفوا ذلك ب! خبار من الله أو من جهة اللوج أو نحو ذلك فإنه صريح في كونهم صادقين. قلت المراد بذلك مجرّد كون بني آدم من يصدر عنهم الفساد والقتل فإن قلت فما وجه ارتباط الأمر بالأنباء بهذا الشرط وما معنى إن كنتم صادقين فيما زعمتم فأنبؤني باسماء هؤلاء قلت معناه إن كنتم صادقين فيما زعمتم من خلوهم عن المنافع والأسباب الصالحة للاستخلاف فقد ادّعيتم العلم بكثير من خفيات الأمور فأنبؤني بهذه الأسماء فإنها ليست في ذلك الخفاء، ولقوّة

стр. 548

هذين السؤالين ذهب كثير من المفسرين إلى أنّ المعنى إن كنتم صادقين أني لا أخلق خلقاً إلا أنتم أعلم منه وأفضل إلا أنه لا دلالة في الكلام عليه. (أقول) : نقل الحافظ السيوطي أنه ورد أنهم قالوا لن يخلق الله خلقا أكرم عليه منا ولا أعلم أخرجه ابن جرير عن ابن عباس ﵄ والحسن البصري وتتادة والربيع بن أنس فالتقدير إن كنتم صادقين في قول ذلك ومثى عليه الواحدي ﵀ فما رذه هو التفسير المأثور وهو أحق بالاتباع وأمّا قوله لا دلالة في الكلام عليه فممنوع فإنّ قوله ونحن نسبح بحمدك ونقدّس لك يدل على أفضليتهم وتنزيه الله،. تقديسه أو تقديسهم أنفسهم يدل على كمال العلم أيضاً، ثم إنّ جوابه الأوّل لا يدفع السؤال فالظاهر في دفعه أن علمهم بذلك لا يقتضي علمهم بأنه مخالف للحكمة فتامّل. وأيضاً المناسب أنبؤني بدقائق الأمور التي تفضلكم عليهم لا بظوإهرها كما ذكر. وقال ابن جرير: الأولى أن يقدر إن كنتم صادقين في أني إن جعلت خليفة غيركم أفسد وسفك الدماء وان جعلتكم فيها أطعتم واتبعتم أمري فإنكم إذا كنتم لا تعلمون أسماء هؤلاء الذين عرضتهم عليكم من خلقي وهم مخلوقون موجودون ترونهم وتعاينونهم فأنتم بما هو غير موجود من الأمور التي ستكون أحرى بأن تكونوا غير عالمين فلا تسألوني ما ليس لكم به علم فإني أعلم بما يصلحكم ويصلح خلقي، ثم إنه اعترض! على إسناد هذا الزعم إليهم بأنه يفضي إلى تجويزهم صدور ما يخالف الحكمة عنه تعالى وهم أجل من ذلك، ولذا حمل السؤال في أتجعل على الاستخبار لا الإنكار وفيه نظر. توله: (وهو وإن لم يصرحوا به لكته لارّم مقالتهم) قيل: مثل هذا التركيب واقع في عباراتهم وظاهره غير مستقيم وغاية ما يمكن فيه أن يقال الواو زائدة كما في: وكنت وما ينهنهي الوعيد وان من حروف الزوائد والمعنى وهو غير مصرح به فيصح الاستدراك) أقول) هذا التركيب خرّجوه كما قال الشارح المحقق في سورة النساء في قول الزمخشري لأنّ عرض الدنيا وإن كان عاجلاً قريبا في الصورة إلا أنه فإن كل مبتدأ عقب بان الوصلية يؤتى في خبره بألا أو لكن الاستدراكية مثل هذا الكتاب وإن صغر حجمه لكن كثر علمه لما في المبتدأ باعتبار تقييده بأن ١٠ لوصلية من المعنى الذي يصلح الخبر استدواكاً له واشتماله على مفروض وجعل بعض الفضلاء الخبر مقدرا، والقائل غفل عن هذا لأنّ إن الوصلية لا تأني بدون الواو فما ذكره خطأ واستدلا ا ٤ بالشعر ليس في محله وقوله لكنه لازم مقالتهم الأوّل لازم لقوله: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ الخ والثاني لقوله أتجعل الخ وبجعله لازما لما قالوه لا أنهم صرّحوا به واعتقدوه سقط ما مر من الاعتراض بأنه لا يليق إسناده إليهم وعلم أنّ المصنف ٠- حمه الله ليس بغافل عنه والغافل من اعترض عليه، وما ذكره من أنّ التصديق وكذا التكذيب يكون لما يتضمنه الكلام وان كان إنشاء ظاهر. قوله: (اعتواف بالعجز والقمور الخ) إشارة إلى أنّ الكلام ملقي لعالم بفائدة الخبر ولازمها فلا بد من أن يقصد به بعض لوازمه وهو هنا اعترافهم بعجزهم وقصورهم عن إدراك حكمته إلا بتوفيق منه وهو ظاهر، وقوله وأشعار الخ وجهه أن نفيهم شامل لأحوال آدم وخلافته ومن لا يعلم شيئا لا يعترض عليه بل يسأل عنه ولا ينافي هذا ما مر من أنه تعجب لأنّ التعجب إنما يكون عند خفاء السبب، وأمّا احتمال أن يكون اعتراضاً وهذا توبة ورجوع عنه فبعيد، وظهور ما خفي عنهم علم من تعجيزهم إجمالاً وتلويحاً بأن ثمة من يعلم ذلك، وشكر النعمة يفهم من قوله علمتنا فإنه اعتراف بنعمة تعليمه تعالى لهم واعتقل بالعين المهملة والمثناة الفوقية واللام بمعنى حبس في الأصل والمراد به هنا أشكل وتصح فراءته مجهولاً ومعلوما. قوله: (وسبحان مصدر كغفران الخ) قدم معنى التسبيح وسبحان قيل: إنه اسم مصدر لا فعل له وأمّا سبح المشدد فمأخوذ من سبحان الله كهلل أي قال سبحان الله ولا إله إلا الله وقيل: إنه مصدر سمع له فعل وهو سبح مخففا بمعنى نزه وقدّس، قال الراغب: والسبوح والقدّوس من أسمائه تعالى وليس في كلامهم فعول بالضم سواهما، وقد يفتحان ككلوب وسمور والسبحة التسبيح ويقال: للخرزات التي يسبح بها سبحة ا!. وهو مصدر لا ينصرف أي لازم النصب على المصدرية وكان المصنف

стр. 549

أقحم يكاد إشارة إلى ما نقل عن الكسائي أنه يكون منادى فيقال: يا سبحان الله، وأمّا قوله أجرى علماً للتسبيح أي علم جنس للمعنى كما قالوا شعوب للمنية وفجار للفجرة فتابع فيه الزمخشري في المفصل حيث قال: سموا التسبيح بسبحان وقال ابن الحاجب في شرحه: قيل: هذا ليس بمستقيم لأنّ سبحان ليس اسما للتسبيح لأنه مصدرش ح ومعنى سبح: قال سبحان الله فمدلوله لفظ ومدلول سبحان تنزبه وهو معنى لا لفظ فتبين أنه ليس علماً للتسبيح وأجيب بأنه لو لم يرد التسبيح بمعنى التنزيه لكان كذلك وأمّا إذا ورد فلا إشكال والذي يدل على أنه علم قوله: سبحان من علقمة الفاخر ولولا أنه علم لوجب صرفه لأن الألف والنون في غير الصفات إنما تمنع مع العلمية ولا يستعمل سبحان علما إلا شاذاً وأكثر استعماله مضافاً وإذا كان مضافاً فليس بعلم لأنّ الأعلام لا تضاف لتعريفها وقيل إنّ سبحان في البيت على حذف المضاف إليه يعني سبحان الله وهو مراد للعلم به، وقيل: إنه مضاف لعلقمة ومن زائدة والمراد التهكم به وهو في قوله: سبحانه ثم سبحانا نعوذ به وقبلنا سبح الجودي والحمد مصروف عند سيبويه ﵀ للضرورة اهـ. والحاصل أنّ القول بعلميته لا داير له إلا استعماله ممنوعا من الصرف وهو مع شذوذ يجوز تخريجه على وجوه أخر، وقد سمع خلافه وادّعى سيبويه رحمه الله تعالى أنه ضرووة مقابل بالمثل وقال ابن يعيش ﵀ سبحان علم واقع على معنى التسبيح وهو مصدر معناه البراءة والتنزيه وليس منه فعل وإنما هو واقع موقع التسبيح الذي هو المصدر في الحقيقة جعل علماً على هذا المعنى فهو معرفة لا ينصرف فإن أضفته يصير معرفة بالإضافة وقوله بإضمار فعله هذا بناء على أنه له فعل إمّا مخفف أو مشدد على الخلاف فيه فإن لم يكن له فعل يقدر ما هو معناه، وإذا أضيف فليس بعلم خلافاً للزمخشري ولا حاجة إلى القول بأنه نكر وأضيف إذ لم يعهد تنكير أعلام الأجناس لأنها في المعنى نكرة وعلميتها للضرورة، وقد جاء بالألف واللام في قوله: سبحانك اللهم ذا السبحان وفيه شذوذ آخر لخروجه من النصب على المصدرية. قوله: (سبحان من علقمة الفاخر) هو من قصيدة للأعشى وسببها أنه لما فاخر علقمة بن علاثة ابن عمه عامر بن الطفيل العامريين وكان علقمة كريماً رئيسا وعامر عاهراً سفيهاً ساقا إبلا لينحرها المقرّ له فهاب حكام العرب أن يحكموا بينهما بشيء فأتيا هرم بن قطنة بن سنان فقال: أنتما كركبتي البعير تقعالت معا وتنهضان معاً قالا فأين اليمين قال كلا كما يمين فأمّا ما سنة لا يجسر أحد أن يحكم بينهما ثم إنّ الأعشى وصل إلى علقمة مستجيراً فقال: أجيرك من الأسود والأحمر، قال ومن الموت قال: لا فأتى عامراً فقال له: مثل ذلك، فقال: ومن الموت قال: نعم قال: وكيف قال: إن مت في جواري وديتك فبلغ ذلك علقمة فقال لو علمت أنّ ذلك مراده لهان عليّ فركب الأعشى ناقته ووقف في نادي القوم وأنشدهم قوله يهجو علقمة وينفر عليه عامراً أي يفضله: شاقتك من قبلة أطلالها بالشط فالجزع إلى حاجر حتى إذا بلغ إلى قوله في القصيدة: ياعجباللدهر إذ سويا كماضاحك منه ومن ساخر إنّ الذي فيه تماريتما بين للسامع والناظر ما جعل الجد الظنون الذي جنب صوب اللجب الماطر مثل الفراتيّ إذا ما جرى يقذف بالبوصيّ والماهر أقول لما جاءني فخره سبحان من علقمة الفاخر علقم لاتسفه ولاتجعلن عرضك للوارد والصادر الخ. والفاخر بالخاء الفوقية ذو الفخر وقيل: أراد سبحان الله على معنى التعجب ولا شاهد فيه لما مر ويحتمل أنه بناه لأنه لما أراد به ا! تعجب أجراه مجرى اسم الفعل في البناء. قوله: (وتصدير الكلام الخ) يعني أنهم لما نزهوه عما لا يليق بالحكمة دل على أن الاستخلاف لا ينبغي السؤال عنه وأنهم غير عالمين بما فيه من الحكم

стр. 550

الخفية وهو يشبه التوبة لأنّ السؤال لما لم يلق أشبه الذنب، ووجه ذكره مع التوب الإشعار بالعذر في ارتكاب الذنب بأنه لا منزه إلا هو أو تنزيهه عن ردّها لكرمه وتغير العليم بالذي لا يخفى عليه خافية أخذه من صيغة المبالغة وتفسير الحكيم بالمحكم سيأتي ما فيه في بديع السموات والأرض، وأنت ضمير فصل والخلاف في أنه له محل من الإعراب أم لا مشهور، وإذا كان تأكيداً فهو معرب محلا بإعراب متبوعه وقوله أعلمهم فسره باعتبار المآل والا فهو مراد به الإخبار المترتب عليه العلم ولذا عدى بالباء ولو كان بمعنى العلم لتعدى بنفسه. قوله: (وقرئ بقلب الهمزة ياء وحذفها بكسر الهاء فيهما) ضمير حذفها جوّز فيه أن يعود إلى الهمزة لأن قلبها يتضمن حذفها لكن المعهود في مثله التعبير بالقلب والى الياء المنقلبة عنها لأنه بعد القلب يصير كالأمر المعتل الآخر فيحذف آخره كارم وقوله فيهما أي في قلب الهمزة وحذفها ونقلاً عن حمزة. قوله: (إني أعلم غيب السموات والأرض الخ) فيه إيجاز بديع لأنه كان الظاهر ﴿أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ وشهادتهما ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ وما ستبدون وتكتمون فاقتصر على غيب السموات والأزض لأنه يعلم منه شهادتهما بالطريق الأولى وكذلك اقتصر من الماضي على المكتوم لأنه يعلم منه البادي بالأولى وعلى المبدي من المستقبل لأنه قبل الوقوع خفيّ فلا فرق لينه وبين غيره من خفياته، ثم إنه قيل: لا بد من بيان النكتة في تغيير الأسلوب حيث لم يقل ما تكتمون ولعلها إفادة استمرار الكتمان فإن المعنى ﴿أَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ قبل أن تبدوه وأعلم ما تستمرون على كتمانه وهذا مبنيّ على إن كان للاسنمرار وهو مجاز لا قرينة عليه وفيما مر غنية عنه. قوله: (استحضار لقوله اعلم الخ) إنما كان أبسط لتعرضه للتفاصيل وإن كان ما لا تعلمون أوجز وأشمل اللهمّ إذا خص بما خفي من مصالح الاستخلاف فحينئذ يكون أشمل، وقال الطيبي ﵀: إنما قال أبسط ولم يقل بيان له لأن معلوماته تعالى لا نهاية لها وغيب السموات والأرض وما يبدونه وما يكتمونه قطرة منه لكنه فيه نوع بسط لما أجمل فيه، فإن قلت ما يبدونه وما يكتمونه ليس مندرجاً فيما لا يعلمون، قلت المراد اندراح الأوّل في الثاني لا العكس كما أشار إليه بقوله فإنه تعالى لما علم الخ. أو يقال: إنّ قوله أعلم ما لا تعلمون كناية عن شمول علمه ويدل عليه قوله قال: ألم أقل لكم فإنه يقتضي سبقه بعينه أو بمساويه أو مقاربه، ووجه التعريض ظاهر ومترصدين بمعنى منتظرين. قوله: (استبطانهم أنهم أحقاء الخ) ليس المراد بالاستبطان الإخفاء عن الله الذي يعلمون أنه لا تخفى عليه خافية بل عدم التصريح له والرمز إليه في ونحن نسبح بحمدك وقوله وأسر منهم إبليس من المعصية الخ قال ابن عطية وجاء تكتمون على الجماعة والكاتم واحد منهم على عادة العرب في الاتساع كما إذا جنى! ض قوم جناية يقال لهم أنتم فعلتم كذا والفاعل بعضهم وقوله والهمزة الخ الإنكار في معنى النفي والجحد بمعنى النفي ونفي النفي إثبات. قوله: (تدل على شرف الإنسان ومزية العلم الخ) ، نه قدم عليهم في الاستخلاف وبين أنّ وجه تقديمه له علمه وقوله وأنّ التعليم الخ وجه إسناده إليه ظاهر وأمّا عدم إطلاقه عليه. أمّا على القول بالتوقيف فظاهر لأنه لم يرد إطلاقه عليه وأمّا على القول بعدمه خصوصاً في الصفات فإنّ شرطه أن لا يوهم نقصاً وفيه ذلك لأنه تعورف فيما! حترف به ولا عبرة بأنه أطلق على الله معلم الملكوت ولا بأنّ بعض الحكماء والمفسرين لأنه "! ورف فيما يحترف به ولا عبرة بأنه أطلق على الله معلم الملكوت ولا بأن بعض الحكماء االمفسرين أطلق المعلم الأوّل على الله. قوله: (وأنّ اللغات توفيفية الخ) هذا أحد المذاهب السابقة وارتضاه المصنف رحمه الله تعالى وخالفه في المنهإج، وقوله بخصوص هو بناء على أنّ المراد بالاسم المعنى العرفي والعموم بناء على المعنى الاشتقاقي وقبل عليه أنه على العموم لا يدل على تعليم جميع أنواعه وبه تمسك المخالفون ولا يخفى أنه إذا أريد جميع أنواعه أثبت المراد لدخول الألفاظ فيه وكلها صريح فيه و وله وتعليمها الخ جواب عن قول المخالف إنّ التعليم بمعنى الإلهام فلا يلزم التوقيف أو أنها كانت لغات سكان الأرض قبله فعلموها له. قوله: (وأنّ مفهوم الحكمة الخ) معنى قوله زائد إن كان بمعنى مشتمل على معناه زيادة فيكون ذكره بعده للترقي في الإثبات ولا يكون تكراراً وهو المتبادر لكن كان ينبغي أن

стр. 551

يفسر الحكيم بالعالم بالأشياء الموجد لها على الأحكام كما قال الراغب: الحكمة منه تعالى معرفة الأشياء وايجادها على غاية الإحكام لا بما فسره به سابقا فإنه يقتضي المغايرة وإن كان يستلزم العلم، وإن أراد أنه صفة أخرى زائدة على العلم مترتبة عليه فهو ظاهر، وقيل: قدمه ليتصل بقوله وعلم الخ. قوله: (وأن علوم الملانكة الخ) يعني جميعهم والا لم يخالف كلام الحكماء أمّا إن كان الخطاب مع الجميع كما مر فظاهر وأمّا إذا كان مع البعض فلأنّ الفرق تحكم في عالم الملكوت وإنما دل على ذلك لأنه أعلمهم بما لم يكن عندهم علمه فزادوا علما، وأراد بالحكماء الإسلاميين بدليل استدلالهم بالآية وهي ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ أي مرتبة في العلم لا يتجاوزها. قوله: (أفضل من هؤلاء الملائكة الم يقل أفضل من الملائكة لأنّ الآية إنما تدل على أفضليته على المذكوربن فإن كان الجميع مذكورا فهو أفضل منهم وإن كان البعض فالآية تدل على تفضيله عليهم، وأمّ قوله لأنه أعلم منهم والأعلم أفضل فقيل: عليه إن أراد أنه أعلم منهم على الإطلاق فالآية لا تدل إلا على أعلميته بما أعلم به وان أراد أعلم في الجملة فلا يتم التقرير وكذا كون الأعلم أفضل إن أراد أفضل مطلقاً فغير مسلم وان أراد من جهة العلم فلا يتم التقرير أيضاً وأيضاً لو كان المعلم أفضل من المعلم لزم أفضلية جبريل على نبينا عليهما الصلاة والسلام والقول بأنه ليس بمعلم والمعلم هو الله لا وجه له وكذا آية: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي﴾ إنما تدل على تفضيل العالم على الجاهل لا على من سواه، وقد قيل: في الجواب أن التفضيل شرعا معلوم أنه إمّا بالعلم أو بالعمل وقد فضل علم آدم ﵇ على علمهم فعلم أنه أفضل منهم مطلقاً، والذين لا يعلمون عام شامل للعابدين وغيرهم فدل على ذلك فتدبر. قوله: (وأنه يعلم الأشياء قبل حدوثها الأنه تعالى علم آدم ﵊ قبل خلقه وما فيه من المصالح والحكم وغير ذلك قبل وجوده. قوله: (تعالى واذ قلنا للملانكة اسجدوا لآدم) غير الأسلوب فقال: أوّلاً ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾ وهنا واذ قلنا بضمير العظمة لأنه في الأوّل ذكر خلق آدم واستخلافه فناسب ذكر الربوبية مضافة إلى أحب خلفائه، وهنا المقام " مقام امر يناسب العظمة وأيضا السجود للتعظيم فلما أمر بفعله لغيره أشار إلى كبريائه الغنيمة عن التعظيم ونحوه في التعبير ما مر من قوله للملائكة أنبؤني ليكون عجزهم عنده أعظم عليهم وقال لآدم ﵊ أنبئهم تلطفا به وإظهار الفضلة عليهم. قوله: (أمرها بالسجود) يعني أن الأمر في هذه الآية منجز والفاء التعقيبية في قوله فسجدوا ظاهرة في عدم تراخي سجودهم عن الأمر وهذا يقتضي أن يكون بعد التعليم والأنباء وقوله اعترافا علة للسجود، وأداء لحقه إذ علمهم ما لم يعلموا وحق الأستاذ على من علمه حق تعظيم حتى قيل: لو جاز السجود لمخلوق لاستحقه المعلم ممن علمه ومن قال الأمر للفور استدل بذمّ إبليس على ترك الفور ولا دليل عليه سوى الأمر، وأجيب بأنّ دليل الفور ليس مطلق الأمر بل الفاء قيل: وعلى هذا لا لصح قوله اعترافا بفضله وأداء لحقه اعتذارا عما قالوه لكن التحقيق أن الفاء الجزائية لا تدل على التعقيب من غير تراخ كما في التلويح فتأمّل. قوله: (وقيل أمرهم به قبل أن يسوّي خلقه الخ) فيكون أمرا غير تنجيزيّ وحكمة الامتحان لهم ليعلم المطيع من غيره وليظهر فضله حين سألوا عنه وهذا أيضا في التفسير الكبير والمصنف رحمه الله تعالى أشار إلى عدم ارتضائه ولم لشر إلى جواب استدلاله بالآية وهو أن الفاء الجوابية لا تقتضي التعقيب كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [سورة الجمعة، الآية: ٩] فإنه لا يجب السعي عقبه ومنهم من أوّل هذه الآية بأنها لا تعارض! الأخرى إذ ليس فيها ما يقتضي وقوعها بعد الإنباء لعطفها بالواو ومنهم من رآها لذكرها بعد الأنباء ظاهرة في التأخر فقال: إنّ الأمر بالسجود وقع مرتين مرة عقب خلقه ومرة بعد أنبائه وضعفه بعضهم وادّعى آخرون أنه مشهور وأتا ما قيل: إنّ المراد بنفخ الروح في هذه الآية التعليم لما اشتهر أن العلم حياة والجهل موت فبعيد. قوله: (والعاطف عطف الظرف على الظرف الخ) والمراد العامل المقدر وهو أذكر كما مر أو بدأ خلقكم أي الذكر الحادث وقت قوله للملائكة إني جاعل والآخر عند أمرهم بالسجود، فإن لم يقدر في الأوّل يقدر في هذا أطاعوه فسجدوا ولا يعطف بدون تقدير لأن

стр. 552

الظرف الأول منصوب حينئذ بقالوا فلا يصح عطفه عليه لأنّ قولهم ذاك ليس وقت أمرهم بالسجود بل مقدّم عليه ولا يرد هذا على الأوّل كما توهم فتأمل. ولما قدّروه خبرا قال: إنه على هذا من عطف القصة قيل لئلا يلزم عطف الخبر على الإنشاء وردّ بأنه فاسد لأنّ كليتهما خبرية بل لأنّ مضمون هذه القصة نعمة رابعة مستقلة فناسب أن يعطف على مضمون القصة السابقة التي هي أيضا نعمة مستقلة فتأمل وباسرها يعني جميعها وأصله ما ربط به الأسير فإذا سلم به فقد سلم جميعا. قوله: (والسجود في الأصل تذلل مع تطامن) أي انخفاض! ولو بالانحناء وغيره كما في الشعر المذكور وهو لزيد الخيل لما أغار على بني عامر فقتل منهم وأسر وقال: بني عامر هل تعرفون إذا بدا أبا مكنف قد شد عقد الدوائر بجمع تضل البلق في حجراته ترى اكم فيه سجداللحوافر وجمع كمثل الليل مرتجز الوغى كثير حواشيه سريع البوادر أبت عادة للورد أن تكره القنا وحاجة رمحي في غير بن عامر ومعناه أن خيله لكثرتها لا ترى البلق منها فيها وأنها تحفر ا! م والروابي التي تحتها لشدة عدوها فجعلها لانخفاضها كأنها سجدت لحوافر خيله وهو شاهد لكونه بمعنى مطلق الانخفاض! لا مع التذلل لأنها لا تعقل فتذل إلا أن يكون ادّعاء أو التذلل أعم من الذل، وخيل مذللة أي سهلة وهو بعيد، وقيل: المراد أنك تجد خيلنا تستعلي على الأماكن المرتفعة ولا تستعصي عليها فكأنها مطيعة لها: وا! م بالسكون للتخفيف جمع أكمة وهي المرتفع من الأرض وليس تسكينها ضرورة وسجد! جمع ساجد، والحوافر جمع حافر وهو في الفرس ونحوه معروف. قوله: (وقلن له اسجد لليلي فأسجدا) هو لأعرابي من بني أسد وقيل: هو من شعر لحميد بن ثور وأوّله: فقدن لها وهما أبيا خطامه وقلن الخ روي بالواو وبالفاء واسجد بوزن أكرم بقطع الهمزة بمعنى طأطأ رأسه ليركب، وقال ابن فارس في فقه اللغة: إن العرب لا تعرف السجود إلا بمعنى الطأطأة والانحناء تقول أسجد الرجل إذا فعل ذلك وأمّا في الشرع فوضمع الجبهة على الأرض قصدا للعبادة فلا يكون حقيقة إلا لله لأنه المعبود حتى قال الإمام رحمه الله تعالى: أنه لغيره تعالى كفر فلذلك أولوه هنا إن أريد به معناه الشرعي بأن السجود لله وآدم ﵇ جعله قبلة وجهة له كالكعبة واعترض عليه بأنه لو كان لله ما امتنع إبليس عنه إذ لا فرق بين كون آدم ﵊ لبله وغيره وبانه لا يدل على تفضيله عليهم وقوله أرأيتك هذا الذي كزمت عليّ يدل عليه ألا ترى أن الكعبة ليست بأكرم ممن سجد إليها كالنبيّ ﷺ فتعين كونها سجدة تحية، ولك أن تقول لخصيصط جعله جهة لها دونهم يقتضي ذلك وسيأتي في كلامه ما يدفعه أيضا فتأمّل. قوله: (أو سببا لوجوبه) كما جعل لوقت سببا لوجوب الصلاة والبيت سببا لوجوب الحج ثم بين وجه كونه قبلة وسببا على وجه يقتضي تعظيمه بقوله فكأنه تعالى الخ. أي أنه خلقه في أحسن تقويم وجعل فيه مثالاً من كل موجود فمن العالم الروحاني وهم الملائكة العقل والعبادة ومن الجسمانيّ التركيب من العناصر فكان ذريعة أي وسيلة إلى تكميل علمهم بانبائهم ومشاهدتهم لحكمته في مخلوقاته وتمييز بعضهم عن بعض بمعرفة المطيع من غيره فاللام على كونه بمعنى القبلة بمعنى إلى كما في قول حسان رضي الله تعالى عنه أليس أوّل إلى آخره وهو حضرة عليّ رضي الله تعالى عنه وقبله: ماكنت أحسب هذا الأمرمنصرفاً عن هاشم ثم منها عن أبي حسن والسنن جمع سنة وعلى الثاني للسببية كما في قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ وأنموذج قال في القاموس: أنه لحن والصواب نموذج بفتح النون وهو مثال الشيء معرب نمونه او نموذة أو نموذان وأصل معناه صورة تتخذ على مثال صورة الشيء ليعرف منه حاله ولم تعرّبه العرب قديما وتبع فيه الصاغاني وتبعه هنا بعض أرباب الحواشي وليس كذلك قال في المصباح المنير الأنموذج بضم الهمزة مثال الشيء معرب

стр. 553

وان أنكره الصاغاني، ومنهم من جوّز أن يكون المسجود له آدم ﵊ حقيقة وأن السجود للمخلوق إنما منع في شرعنا ويجوز أن لا يكون كفراً في شريعة من قبلنا وحمل عليه قول الزمخشري: يجوز أن يختلف باختلاف الأحوال والأوقات وقيل: إنه مخالف لإجماع المفسرين ولذا تركه المصنف وفيه نظر. قوله: (وأمّا المعنى اللغوي وهو التواضع الخ) معطوف على قوله: إما المعنى الشرعي فالمراد به مطلق الانخفاض ولو بالانحناء وكانت التحية بالانحناء فلما جاء الإسلام أبطله بالسلام فصار حراماً نص عليه الثعالبي والفقهاء قال القرطبي ﵀ اختلف الناس في كيفية سجود الملائكة لآدم ﵊ بعد اتفاقهم على أنه ليس سجود عبادة فقال الجمهور: كان بوضع الجباه على الأرض! كسجود الصلاة لأنه المتبادر منه لأنه كان تكرمة لآدم ﵊ وطاعة لله وكان آدم ﵊ لهم كالقبلة لنا، وقال قوم لم يكن بوضع الجباه بل كان مجرّد تذلل وانقياد ثم اختلف القائلون بالأوّل فقيل: كان ذلك السجود خاصا بآدم ﵊ لم يجز لغيره وقيل: كان جائزا بعده إلى زمان يعقوب ﵊ لقوله وخروا له سجدا وكان آخر ما أبيح من السجود للمخلوق وأكثر على أنه كان مباحا إلى عصر نبينا ﷺ وقد نقله القائل أوّلاً بأنه مخالف لإجماع المفسرين وهو عجيب منه. قوله: (أو التذلل والانقياد الخ (لا الانحناء وضمير معاشهم وكمالهم راجع إلى آدم ﵊ وبنيه المفهوم من الكلام لا إلى الملائكة كما يتوهم إذ لا يصح إضافة المعاس إليهم والمراد منه حينئذ أمر الملائكة بالسعي في أمورهم فإنّ بعض الملائكة حفظة وبعضهم موكل بالرزق ونحو ذلك. تنبيه: من لم يعرف اللغة يستغرب أسجد بزنة أكرم كقوله: فقلن له اسجد لليلي فاسجدا كما ذكره المصنف ﵀ وهو كثير في كلامهم كما في أدب الكاتب ولكنهم اختلفوا فيه هل بينهما فرق أم لا وفي شرحه لابن السيد وغيره سجد معروف وأسجد بمعنى أنحني وقد فسر به قوله تعالى: ﴿ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً﴾ لأنهم لم يؤمروا بالدخوأسا على جباههم وإنما أمروا بالانحناء ويحتمل أنه حال مقدرة وقال أبو عمرو: السجود عند العرب الانحناء قيل: ومنه قوله تعالى: ﴿اسْجُدُواْ لآدَمَ﴾ فإنه سجود تحية بمعنى الانحناء وقال ابن حيوة القصري يقال سجد إذا وضع جبهته على الأرض وس! ف وأسجد إذا طاطأ رأسه وانحنى واسجد أدام النظر قال كثير: أغرّك منا أنّ ذلك عندنا واسجاد عينيك الصيود بن رابح انتهى فالسجود في أصل اللغة يكون بمعنى الركوع. قوله: ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ استئناف جواب لمن قال: ما فعل وقال أبو البقاء: إنه في موضع نصب على الحال أي آبيا مستكبرا والإباء الامتناع باختيار أي مع تمكنه من الفعل فهو أبلغ منه وان أفاد فائدته ولذا صح بعده الاستثناء المفرّغ واستكبار بمعنى التكبر وقدم الإباء عليه وإن كان متأخرا عنه في الرتبة لأله من الأحوال الظاهرة بخلاف الاستكبار فإنه نفسانيّ وأصل معنى التشبع تكلف الشبع ثم تجوز به عن التحلي بغير ما فيه، وقوله من أن يتخذه وصلة الخ راجع إلى جعله قبلة، وقوله أو بعظمه بناء على أنه تحية وقوله أو يخدمه الخ رأجع إلى الوجه الأخير وهو ظاهر. قوله: (في علم الله او صار الخ) إنما أوّلت الآية بما ذكر لأنه لم يحكم بكفره قبل ذلك ولم يجر منه ما يقتضيه فإقا أن يكون التعبير بكان باعتبار ما سبق من علم الله بكفره وتقديره ذلك وقيل: كان بمعنى صار وهو مما أثبته بعض النحاة وردّة ابن فورك وقال تردّه الأصول ولأنه كان الظاهر حينئذ فكان بالفاء والأظهر أنها على بابها والمعنى وكان من القوم الكافرين الذين كانوا في الأرض قبل خلق آدم فيكون كقوله: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ أو كان في علم الله وقوله باستقباحه بيان لكفره متعلق به على الوجهين وقيل إنه متعلق بصار أي تحوّل وانقلب حاله إلى الكفر بسبب استقباحه وانكاره كفره قكيف استقباحه وأنه ردّ على الراغب في قوله إنه ليس بمعنى صاروا لمضي باعتبار زمان الأخبار أو لأنّ الكفر لما أحبط ما قبله صار كأنه كافر قبل ذلك وهو تكلف لا دليل عليه، وقوله والتوسل به في نسخة أو وهو

стр. 554

إشارة إلى كونه قبلة وفيه نظر، ثم إنّ جواب الراغب مبنيّ على اعتبار زمان التكلم والإخبار وكذا من قال: معترضا على المصنف ﵀: كان إنما تدلّ على كون المذكور بعده واقعا في وقت من الأوقات الماضية أيّ وقت كان وذلك متحقق في كفره لأنه كفر وقت إبائه وهو ماض بالنظر إلى قوله كما أشار إليه في الكشاف وشرحه في سورة ص، وقوله لا بترك الواجب فإنه لا يوجب الكفر في ملتنا ولم يعلم إيجابه قبل ذلك وفيه نظر. قوله: (والآية تدل على أنّ آدم الخ) قيل: عليه هذا إذا كان السجود له أمّا إذا جعل قبلة فلا دلالة عليه وكذا إذا كان تحية كالسلام وأجيب بأن جعل الكعبة قبلة يدل على كونها أفضل البقاع فجعل آدم قبلة دون غيره يدلّ على كونه أفضل، وقيل: إنه مأخوذ من التعليم لآنه المعروف فيه فالأنسب جمعه مع فوائد الآية، وقوله ولو من وجه لأنه لا يلزم التفضيل من كل الوجوه إذ قد يفضلون بالقرب ونحوه، وعليه يحمل ما يقع من تفضيلهم والخلاف فيه مشهور وقال فخر الإسلام أنه لا طائل تحته والأحسن الكف عنه وما ذكره المصنف ﵀ فيه إشارة إلى هذا وسيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى، وقوله وأنّ إبليس كان من الملائكة لأنه استثناه منهم ودخوله في الأمر يدل على ذلك وقد نقل عن ابن عباس وغيره وكونه منقطعا ونحوه خلاف المتبادر فمعنى قوله ولم يصح يعني على الاتصال المتبادر وأما قوله: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ﴾ الآية فتنافي هذا بحسب الظاهر فأوّلها المصنف ﵀ بأنه منهم فعلاً لا نوعاً كما قال الشاعر: نحن قوم بالجن في زيّ ناص لكنه استبعد بأنه رتب على كونه من الجن فعلهم بقوله ففسق وبأنه مخالف لما سيذكره في تفسير الآية من أنها دالة على أن الملائكة لا تعصى البتة فهو جني في أصله، وقال علم الهدى: يحتمل أن يكون المعنى أنه صار من الجن بعدما كان ملكا بأن مسخ كما مسخ بعض بني آدم قردة وهو قول ثالث غريب وما رواه عن ابن عباس ﵄ من أن الملائكة نوعان نوع مجرّدون مطهرون ونوع ليسوا كذلك يناسب قوله فيما سيأتي ولعل ضربا من الملائكة الخ وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى. قوله: (ولمن زعم أنه لم يكن من الملانكة الخ الما تعارضت النصوص فاقتضى بعضها كون إبليس من الجن وبعضها كونه من الملائكة احتاجوا إلى التأويل في أحد الطرفين فاختار المصنف أنه من الملائكة والزمخشرفي أنه من الجن فأشار إلى ضعفه بالتعبير بالزعم وهم يقولون إنه جني سبته الملائكة فأقام معهم فغلبوا عليه لكثرتهم وشرفهم فالاستثناء متصل أيضاً قيل: لأنّ العبرة بالدخول في الحكم لا في حقيقة اللفظ فمن قال إنّ الاستثناء متصل إن كان من الملائكة ومنقطع إن لم يكن منهم لم يصب، وهذا ردّ على السعد وغيره وليس بوارد قال القرافي في العقد المنظوم النحاة وأهل الأصول يقولون المنقطع المستثنى من غير جنسه والمتصل المستثنى من جنسه وهو غلط فيهما فإنّ قوله تعالى: ﴿لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٨٨] من جنس ما قبله وكذا قوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [سورة الدخان، الآية: ٥٦] وهو منقطع فبطل الحدّان وكذا ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا﴾ والحق أن المتصل ما حكم فيه على جنس ما حكمت عليه أوّلاً بنقيض ما حكمت به ولا بذ من هذين القيدين فمتى انخرم أحدهما فهو منقطع بأن كان غير الجنس سواء حكم عليه بنقيضه أولاً، نحو رأيت القوم إلا فرساً فالمنقطع نوعان والمتصل نوع واحد ويكون المنقطع كنقيض المتصل فان نقيض المركب بعدم أجزائه، فقوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ﴾ [سورة الدخان، الآية: ٥٦] منقطع بسبب الحكم بغير النقيض لأنّ نقيضه ذا قوة فيها وليس " كذلك وكذلك إلا أن تكون تجارة لأنها لا تؤكل بالباطل بل بحق وكذلك إلا خطأ لأنه ليس له القتل مطلقاً والا لكان مباحا فتنوع المنقطع إلى ثلاثة أنواع الحكم على الجنس بغير النقيض والحكم على غيره به أو بغيره والمتصلى نوع واحد فهذا هو الضابط فما نحن فيه منقطع إن لم يكن منهم فتأمّل. قوله: (أو الجن كانوا أيضا مأمورين الخ (قيل: الفرق بينه وبين الوجه الأوّل أن التغليب في الأوّل على إبليس فقط وفي هذا على الجن المطلق الداخل فيه إبليس، وكان يحتمل أن يكون الثاني من قبيل دلالة النص لولا قوله والضمير في فسجدوا راجع إلى القبيلين وعلى المادير يكون الاستثناء متصلا

стр. 555

لا منقطعا. (أقول (: الظاهر أنّ المصنف ﵀ أراد الوجه الذي ذكره الإمام بقوله أو يقال: إنه أمر بلفظ غير مذكور في القرآن لقوله تعالى: ﴿إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٢ ا] يعني أنه يقتضي أن يكون مأموراً صريحا لا ضمناً فيكون مقدراً وهو وقلنا للجن اسجدوا وقوله فإنه إذا علم الخ بيان للقرينة الدالة عليه فالفرق بينه وبين الأوّل عموم الأمر للجن، والدلالة على ذلك بلفظ مقدر فليس من التغليب في شيء وأمر الضمير ظاهر حينئذ. قوله: (وأنّ من الملائكة من ليس بمعصوم الغ (عطف على انّ إبليس وهو مبنيّ على ما ارتضاه من أنه ملك قال علم الهدى زوال العصمة عن أفراد الملائكة بتحقق المعصية منهم جائز إذا تعلق به عاقبة حميدة لا وخيمة بخلاف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عندنا، وسيأتي الكلام عليه في قصة هاروت وماروت، وفي التيسير وأمّا وصف الملائكة بأنهم لا يعصون ولا يستكبرون فدليل لتصوّر العصيان منهم ولولا تصوّره لما صرّح به لكان طاعتهم طبع وعصيانهم تكلف وطاعة البشر تكلف ومتابعة الهوى منهم طبع ولا يستنكر من الملائكة صدور العصيان مع قصة هاروت وماروت. قوله: (ولعل ضرباً من الملانكة الخ (قال ابن إسحق: الجن اسم للملائكة أيضا لاجتنانهم أي استتارهم عن أعين الناس وهذا معنى قول المصنف يشملهما أي بحسب الاشتقاق وأصل اللغة وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [سورة الصافات، الآية: ١٥٨] فسر بالملائكة، وورد مثله في كلام العرب قال الأعشى في سليمان ﵊: وسخرمن جن الملائك تسعة قياماً لديه يعملون بلا أجر وقيل الجن صنف من الملائكة لا تراهم الملائكة مثلنا وقوله كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما لأنه قال: إنّ من الملائكة ضربا يتوالدون يقال لهم الجن أي يطلق عليهم الجن من إطلاق العامّ على الخاص فيكون كقوله يشملهما بلا فرق فلا يرد عليه ما قيل: إن ما ذكره سابقاً عنه أنّ الجن ضرب من الملائكة وأنّ إبليس من ذلك الضرب، وما ذكره ههنا إنه من صنف الجن المقابل لصنف الملائكة منهم ينافيه فأين هذا من ذاك، وقوله فلذلك صح عليه التغير يعني بعد تسليم كونه من الملائكة فلا يرد عليه ما قيل: في التفريع نظر فإنّ صحة تغير حاله لا تقتضي عدم مغايرته الملائكة بالذات بل هو على تقديره أظهر، وقوله كما أشار إليه هذا بناء أيضاً على تفسيره السابق بأنه كان منهم فعلا، فلا يرد عليه أنّ هذه الآية لا تدلّ على أنه من جنسهم. قوله: (لا يقال كيف يصح ذلك) أي عدم المخالفة بينهما بالذات وما ذكره عن عائشة رضي الله تعالى عنها حديث صحيح رواه مسلم. وقوله لأنه كالتمثيل جواب للسؤال المذكور ولم يقل: إنه تمثيل حتى يرد عليه أنه إخراج للنصوص عن ظاهرها كما يذهب إليه الباطنية وكثير من المعتزلة كما توهم لأنّ المفهوم من قوله فإنّ المراد بالنور الخ أنه أمر حقيقيّ وأنه إشارة إلى اتحاد ماذتهما بالجنس واختلافها بالعوارض فهو مشابه للتمثيل في تصوير مدعاه واظهاره ونكص بمعنى رجع وجذعة بمعنى حديثة فتية يقول من يريد الرجوع لأمر مضى إن شئت أعدتها جذعة، وأورد عليه أنه يدلّ على أنّ الجن من نار مخلوطة بالدخان كما صرّح به المصنف وغيره إلا أن يقال: المراد بصفائها صفاؤها بحسب ظاهر الجنس وهو لا ينافي اختلاطها به في الواقع.) أقول) : معنى المرج لغة الخلط فمارج بمعنى مختلط وبه فسره الراغب فاختلاطه إمّا باعتبار اختلاط بعضه ببعض حال اشتعاله أو باعتبار اختلاطه بالأجزاء النارية التي فيها الحراوة والإحراق الذي هو سبب التأذي والاتقاد، وهو المراد فالخالص منه يكون نورا محضا والمختلط به يكون مارجا فلا يرد عليه شيء وتفسيره النور بالجوهر المضيء احتراز عن الضوء فلذلك يطلق على الله دونه وان كان أبلغ من وجه آخر كما مرّ والمراد بالنصوص الآيات الأحاديث فإنّ فيها ما يخالفه كما في التأويلات مثل ما روي أن تحت العرش نهراً إذا اغتسل فيه جبريل ﵊ وانتقض يخلق من كل قطرة منه ملك وفيه أيضا إن الله خلق ملائكة من نار وملائكة من الثلج إلى غير ذلك مما يدل بحسب الظاهر على خلقها من غير النور. قوله: (ومن فوائد الآية استقباج الاستكبار الخ) عدها من

стр. 556

الفوائد لأنّ فيها إشارة إليها ولا تدلّ عليها ألا ترى أنّ الآية لا تدل على مطلق الاستكبار، ومطلق الأمر وكذا الدلالة على الوجوب إنما تعلم من قوله أفعصيت أمري ونحوه مما هو خارج عنها فلا يرد ما قيل: إنّ كفر إبليس ليس لمخالفة الأمر بل لاستقباح أمره وهو كفر فتأمّله، وكذا دلالتها على أنّ الكافر حقيقة من علم الله موته على الكفر وهو مأخوذ من قوله من الكافرين إذ المراد به أنه في علمه الأزاي كذلك وهذه مسألة الموافاة ومعناها أنّ العبرة بالإيمان الذي يوافي العبد عليه أي يأتي متصفاً به في آخر حياته وأوّل منازل آخرته، ومن فروع هذه المسألة أنه يصح أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله وحيث أطلقت مسألة الموافاة فالمراد بها ذلك وهي مما اختلف فيها الشافعية والحنفية والأشعرية والماتريدية وللسبكي فيها تأليف مستقل وينبني عليها مسألة الإحباط في الأعمال بالردّة وقوله إذ العبرة بالخواتم وفي نسخة بالخواتيم بالياء والقياس الأوّل لأنه جمع خاتمة وروي في الحديث الصحيح: " الأعمال بالخواتيم " وهذا مما جوّزه بعض النحاة في جمع فاعل بالإشباع. تنبيه: مسألة الموافاة من أمّهات المسائلى وفصلها النسفيّ في شرح التمهيد فقال ما حاصله إنّ الشافعيّ رحمه الله تعالى يقول إق الشقي شقيّ في بطن أمه وكذا السعيد فلا تبديل في ذلك ويظهر ذلك عند الموت ولقاء الله وهو معنى الموافاة والماتريدية ﵏ يقولون: ﴿يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ﴾ فيصير السعيد شقياً والشقيّ سعيداً إلا أنهم يقولون من مات مسلماً مخلد في الجنة ومن مات ك افراً مخلد في العذاب باتفاق الفريقين فلا ثمرة للخلاف أصلاً إلا أن يقال: إن من كان مسلماً وورث أباه المسلم إذا مات كافراً يردّ ما أخذه على بقية الورثة المسلمين وكذا الكافر وتبطل جميع أعماله والمنقول في المذهب خلافه فحينئذ لا ثمرة له إلا أنه يصح منه أن يقولط أنا مؤمن إن شاء الله بقصد التعليق في المستقبل حتى لا يكون شكا في الإيمان حالاً ولا حاجة لتأويله والماتريدية يمنعون ذلك مطلقاً. قوله: (السكنى من السكون الخ) يعني أنّ اسكن أمر من السكنى بمعنى اتخاذ المسكن لا من السكون بمعنى ترك الحركة ولذا ذكر متعلقه بدون في إلا أنّ مرجع السكنى إلى السكون وتأكيد ضمير اسكن المستتر بأنت لئلا يلزم العطف على الضمير المتصل بلا فصل وهو ممتنع في فصيح الكلام وصحة أمر الغائب بصيغة أفعل للتغليب مثل أنا وزيد فعلنا وايثاره على اسكنا للإشعار بالأصالة والتبعية هكذا قاله قدس سرّه: يعني أنّ السكون والسكنى من أصل واحد وأنّ المقصود هنا هو الثاني والجنة مفعول به لأنّ معناه أتخذ الجنة مسكنا وأمّا إذا كان من السكون فهو مفعول فيه فيجب إظهار في لأنه ليس بمكان مبهم وأنّ التأكيد ليصح العطف إذ شرطه الفصل سواء كان بتأكيد أو غيره وزوجك اسم ظاهر، وهو من قبيل الغيبة وأسكن أمر للمخاطب المذكر فلا يصح جعله مأمورا به ولذا قدّر فيه بعضهم وليسكن زوجك وجعله من عطف الجمل لأنه لا يصح هنا حلول المعطوف محل المعطوف عليه والمجوّز له قال: هو ليس بلازم كما يصح تقوم هند وزيد بلا خلاف وجعلوه تغليبا بل تغليبين لأنه غلب فيه المخاطب على الغائب والمذكر على المؤنث إلا أنّ هذا التغليب خفاء مع أنه يلزم فيه تغليب المؤنث على المذكر في نحو تقوم هند وزيد إذ معنى السكون والأمر موجود فيهما حقيقة، والتغليب من المجاز فإمّا أن يلتزم أنه قد يكون مجازا غير لغويّ بأن يكون التجوّز في الإسناد أو يقال: إنه لغويّ لأنّ صيغة هذا الأمر للمخاطب وقد استعملت في الأعمّ منه فتأمّل ثم إنّ المذكور في المعاني أنّ التأكيد لتقرير النسبة ونحوه ولم يذكروا من فوائده تصحيح العطف ولا ضير فيه لأنه أمر لفظيّ تكفل به النحو وقد جوّز في هذا الأمر أن يكون من السكون أيضا لكنه مرجوح لمنافاته لقوله حيث شئتما واحتياجه إلى التجوّز ونكتة التغليب ما ذكروه من الدلالة على التبعية، وأمّا كون نصبه على أنه مفعول معه ففيه نظر ظاهر مع أنه ليس بلازم سلوك أحد الطريقين المتساويين ثم إنّ الأمر والنهي في هذه الآية منسوخان بقوله اهبطوا. قوله: (والجنة دار الثواب الخ) أي التي لا يقع الثواب الحقيقي إلا فيها وكون التعريف للعهد لأنها معلومة لهم ولغيرهم لأنها المتبادرة عند الإطلاق ولسبق

стр. 557

ذكرها في هذه السورة، وهذا هو المعروف عند المفسرين وأمّا القول الآخر فمرجوح ولا عبرة بقوله في التأويلات الأحوط والأسلم هو الكف عن تعيينها والقطع به، قال القرطبيّ ﵀: حكي عن بعض المشايخ أنّ أهل السنة مجمعون على أنّ جنة الخلد هي التي أهبط منها آدم ﵊ فلا معنى لقول المخالف كيف يطلب شجرة الخلد وهو في دار الخلد لعكسه بأن يقال: كيف يطلب شجرة الخلد في دار الفناء وكأنه فهم من قوله اسكن أنها عارية مستردّة فطلب سبب البقاء وهي والنار موجودتان وبعضهم نفى وجودهما كما بين في الأصول فأوّلها هنا بالمعنى االمغوفي وهو البستان وأوّل الإهباط وهو النزول من العلو على يمكبيل القهر بخلاف الإنزال فإنه أعتم كما قاله الراغب: بمجرّد الانتقال من أرض! إلى أخرى كما في أهبطوا مصراً وفلسطين بكسر الفاء وفتحها كورة بالشأم وقرية بالعراق وعلى الثاني ما في التيسير قلوا هذه الجنة كانت بستانا بين فارس وكرمان من أرضى فارس وعلى الأول كلام المصنف ﵀ ولذا قال: أو بين الخ فلا يرد عليه ما قيل: إنّ الأولى طرح أو من البين لما في التيسيو وقيل: إنه كان بعدن، وقوله امتحانا لآدم ﵇ إذ كان سبباً لهذه القصة. تنبيه: قول المصنف دار ثواب يقتضي أن في الجنة تكليفا والمشهور خلافه كما فصله ابن فورك فقال: فيها أقوال فذهب قوم إلى أنه لا تكليف فيها أصلاً وما أوهم خلافه فمؤوّل وما ذكر عن آدم إنما هو نعيم تفضلاً من الله وذهب آخرون إلى أنها لا تكليف فيها بعد الحشر، وقبله فيها ذلك وبه يجمع بين الآيات وأنها دار دعة ونعيم والدنيا دار تعب ونصب وعلى هذا كان ستر عورة آدم واجبا عليه فاعرفه. قوله: (واسعاً رافها) صفة مصدر محذوف أي أكلاً رغدا والرغد الهنيء الذي لا عناء فيه، وقال الليث: يأكل ما شاء متى شاء حيث شاء فيكون حيث شئتما كالتفسير له والرافه والرفيه بمعنى المخصب اللين، وقيل: إنه حال بتأويل راغدين مرفهين. قوله: (أي مكان من الجنة شئتما الخ (قيل: حيث للمكان المبهم ففسر بالعموم لقرينة المقام وعدم المرجح ولم يجعله تعلقا باسكن مع أنه أظهر من جهة المعنى لوقوع الفاصل وفيه نظر لأنّ التكريم في أكل من كل ما يريد منها لا في عدم تعيين السكنى، ولأنّ قوله فكلا من حيث شئتما في محل آخر يدلّ عليه وكذا ما بعده من قوله ولا تقربا هذه الشجرة ومنه تعلم حال ما قيل: إنّ الأول تعليقه بهما معنى وجعله من التنازع، وتوسيع الأمر بعدم حصره في ماكول مخصوص حتى يمل، والإزاحة الإزالة وكما وسع الأمر ضميق النهي والفائتة للمحصر لمعنى السابقة له يقال: فاتني كذا أي سبقني وسبق الحصر كناية لطيفة عن عدمه. قوله: (فيه مبالغات تعليق النهي بالقرب الخ) أي مبالغة من وجوه، منها أنّ المنهيّ عنه الأكل منها فنهى عن قرب الشجرة المأكول منها ومنها أنّ العصيان مع كونه مرتباً على أكل رتبه على القرب،، منها أنّ الظاهر أن يقال فتأثماً فعبر بالظلم الذي يطلق على الكبائر ولم يكتف بأن يقول ظالمين بل قال: من الظالمين على ما تقرّر وسيأتي إن شاء الله تعالى أنّ قولك زيد من العالمين أبلغ من قولك زيد عالم لجعله عريقا في العلم أى عن جد وكذا تكونا لأنها تدلّ على الدوام ومن غفل عن هذا قال: كأنه أطلق الجمع وأراد التثنية لأن المبالغة هنا بطريقين، أحدهما تعليق النهي بالقرب كما بينه وثانيهما جعله سبباً لكونهما من الظالمين أو يقال: الأولى لما تضمنت اعتبارات جعلت أكثر من واحدة وضمير تحريمه وعنه للقرب اهـ وقيل: لا تقرب بفتح الراء نهى عن التلبس بالفعل وبضمها بمعنى لا تدن منه وضمير يأخذ للميل ومجامع القلب أي أطراف ما يحيط به، وقوله كما روي الخ هو حديث أخرجه أبو داود عن أبي الدرداء ﵁ مرفوعاً وقال الميدانيّ معناه يخفي عنك معائبه ويصم أذنيك عن سماع مساويه كما قال الشاعر: وكذبت طرفي فيك والطرف صادق وأسمعت أذني فيك ما ليس يسمع قوله:) وجعله الخ) أي القرب وفسر الظلم بظلم نفسه بالمعصية إما بناء على تجويز مثله أو أنه قبل البنوّة أو ليس في دار التكليف أو بمعنى نقص الحظ إن لم يكن كذلك لأن الظلم يكون بمعنى نقص الشيء من حقه كما أشار إليه الراغب ﵀، وأورد عليه أنه مخالف لقطعه فيما سبق بكون النهي المذكور للتحريم

стр. 558

بناء على الظاهر المتبادر. قوله: (تفيد السببية سواء جعلته الخ (يعني أنه إمّا مجزوم بحذف النون معطوف على تقربا فيكون منهيا عنه أو على مذهب الكسائي فإنه يجوّز لا تكفر تدخل النار وكان جملى أصل معناها أو منصوب بحذفها على أنه جواب للنهي كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ﴾ [سورة طه، الآية: ٨١] والنصب بإضمار أن عند البصريين وبالفاء نفسها عند الجرمي وبالخلاف عند الكوفيين وكان حينئذ بمعنى صار. قوله: (والشجرة الخ) وقيل: هي الحنظلة وقيل: النخلة إلى غير ذلك والأولى عدم القطع والتعيين كما أن الله لم يعينها باسمها في الآية ولا يترتب على تعيين الشجرة ثمرة والشجر ما له ساق، وقيل: كل ما تفرّع له أغصان وعيدان وقيل: أعمّ من ذلك لقوله تعالى: ﴿شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾ [سورة الصافات، الآية: ١٤٦] وقوله: من أكل منها أحدث أي تغوّط ولا حدث في الجنة. قوله: (وقرئ بكسر الشين الخ) قال السمين ﵀: قرئ الشجرة بكسر الشين والجيم هإبدالها ياء مع فتح الشين وكسرها لقربها منها مخرجاً وبقية القراآت ظاهرة. قوله: (أصدر زلتهما عن الشجرة الخ) في الكشاف وتحقيقه فأصدر الشيطان زلتهما عنها، وعن هذه مثلها في قوله تعالى: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [سورة الكهف، الآية: ٨٢، وقوله: ينهون عن أكل وعن شرب قال العلامة: يعني لما كان عن ههنا للسببية فاصل الكلام أن يقال: فازذ بهما فاستعمال عن لأنه معنى الإصدار كقوله وما فعلته عن أمري أي ما فعلته بسبب أمري وتحقيقه ما أصدرته عن اجتهادي ورأي وإنما فعلته بأمر الله. اهـ فضمن الفعل معنى الإصدار وعلق به عن التعليلية مع بقاء معنى المجاوزة فيها في الجملة لأنّ المعلول إذا برز بعلته فقد تجاوزها ومثله قول بعض العرب يصدر عن رأيه أي أنّ رايه سبب لما يصدر منه من الأفعال لا غير فاعرفه فإنّ بعض الناس لم يعرف معناه وسياتي في محله وقوله وحملهما على الزلة قيل: يعني يجوز أن يكون من قولك زل الرجل إذا أتى زلة وأزله غيره حمله على ذلك فيكون الضمير للشجرة والمعنى فحملهما الشيطان على الزلة بسببها وتحقيقه فأصدر الشيطان زلتهما عنها، وبهذا التاويل عدى بعن، وقيل: إنه إشارة إلى أنّ في الإصدار عن الشجرة تجوّزا بتنزيل السبب منزلة الفاعل بجعل الشجرة التي هي سبب الزلة فاعلاَ مصدرأ لها كالسكين للقطع ومنه يعلم أن ما يقال: إن طريق التضمين أن يجعل الفعل المضمن في المعنى حالاً ليس بلازم، وقوله ونظيرة عن هذه في قوله في الكلأم مقدر أي عن في قوله أو موجودة في قوله الخ أي ما أصدرت فله عن اجتهادي ورأي وإنما فعلته بأمر الله. قوله: (أو أزلهما عن الجنة بمعنى أذهبهما) من قولهم زل عني كذا إذا ذصب وأصل معناه كما قال الراغب: استرسال الرجل من غير قصد يتهال: زلت رجله تزلّ والمزلة المكان الزلق وقيل: للذنب من غير قصد زلة وإليه أشار المصنف بقوله إن زل يقتضي عثرة، وقوله ويعفده الخ لم يقل يدذ عليه لاحتمال عوده إلى الشجرة بتقدير مضاف أي عن محلها أو تجوّز، ولا ينافي هذه القراءة قوله فاخرجهما لما سيأتي في تفسيره، ولا يعارضه قراءة ابن مسعود ﵁ فوسوس لهما الشيطان عنها أي عن الشجرة لأنها شاذة مع أنه يصح عود الضمير إلى الجنة بتضمين الإذهاب ونحوه، وقوله ومقاسمته إياهما إني لكما لمن الناصحين أي مقاسمته على ذلك أو بقوله ذلك وسيأتي تفسيرها وقد قالوا أوّل مخلوق كذب وحسد إبليس. قوله: (واختلف في أنه تمثل لهما فقاولهما الخ) أي تمثل في صورة غيره فكالمهما بما ذكر من الكلمات أو ألقاه بطريق الوسوسة من غير تصوّر وتكلم كما هو الآن وقيل: الأمر في قوله أخرج يحتمل أن يكون للإهانة كما في قوله كونوا حجارة وهو بعيد. قوله: (قام عند الباب فناداهما) اعترض عليه بأنه لا يصح مع قوله: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ إذ الوسوسة الصوت الخفيّ وله أن يقول: إنه أصل معناها كما سيأتي وقد تستعمل للكلام على وجه الإفساد مطلقا. قوله: (بعض اتباعه) قوّاه الإمام بأنهما كانا يعرفانه ويعرفان عداوته وحينئذ فيستحيلى أن يقبلا قوله وقيل: عليه كانه لم يتأمل قوله تعالى: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا﴾ إلى قوله ﴿إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ فإنه صريح في مباشرة الشيطان نفسه وفيه نظر وقوله والعلم عند الله إشارة إلى ما قال أبو منصور رحمه الله تعالى ليس لنا البحث عن كيفية ذلك ولا نقطع القول بلا دليل. قوله: (أي من

стр. 559

الكرامة والنعيم) اختار هذا التفسير لصحته على كل من الاحتمالين المذكورين في مرجع ضمير عنها وأما تفسيره بالجخة فمخصوص بعوده إلى الشجرة وهو ظاهر، وقيل: أخرجهما من لباسهما الذي كانا فيه من نور أو حلة أو ظفر لأنهم لما أكلا منها تهافت عنهما. قوله: (خطاب لآدم ﵊ وحواء الخ) في الكشاف والصحيح أنه لآدم وحواء، والمراد هما وذرّيتهما الخ واستدل بالآية المذكورة لتعين الخطاب فيها لهما والقصة واحدة وبعضكم لبعض عدوّ حكم فيما بين الذرية وليس المراد التعادي بينهما وبين إبليس بل فيما بين بني آدم لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ﴾ [سورة طه، الآية: ٢٣ ا] الخ حيث قسمهم إلى المؤمنين والكافرين وبين ما لكل فريق من الجزاء وقوله وجمع الضمير الخ ظاهر. أنه لتنزيلهما منزلة البشر كلهم بهذا الاعتبار لا لشمول الخطاب لهم ولذلك ترك قول الزمخشريّ والمراد الخ لأنه وأن ارتبط به ما بعده كما قرره شرإحه وقد نقلناه لكنه لا مساغ له إلا على القول بأنّ خطاب المشافهة يشمل المعدوم، فتأمل. قوله: (أو لهما وإبليس) معطوف على قوله لاً دم ولما اقتضى هذا اهباطه معهما وقد طرد منها قبل ذلك وجهه بأنه منع من دخولها على وجه التكرمة لا من دخولها للوسوسة أو مسارقة أو إنّ المأمور به ليس هو هبوطهم من الجنة بل من السماء التي هي أعم فيشمل ذلك إبميس لعارض! ، وقد رجح هذا بعضهم لأنه تفسير السلف كمجاهد وابن عباس ﵄ ولا يلزمه تكلف كجعل الخطاب شاملا للمعدوم والحال مقدرة وفي التيسير أنّ أمر اهبطوا ينتظمهم ولا يلزم أن يكون دفعة واحدة حتى يرد عليه ما قيل إن إبليس خرج قبل ذلك وهو مخالف للظاهر وقيل لهما والحية وهذا يقتضي كون الحية عاقلة واستبعد الإمام حكاية الدخول في فم الحية بأنه لم يتمثل حية ابتداء ولم عوقبت الحية مع أنها ليست ى قلة، وهذا الأمر تكويني فلا يستلزم أنها عاقلة، فتأمل. قوله: (حال استغنى فيها عبالواو عن الضمير الخ) قيل: الاكتفا بالضمير في الجملة الاسمية ضعيف لا يليق بالنظم المعجز، ولذلك جعل بعض المعربين هذه الجملة استئنافية ووجه بأنّ الجملة هنا مؤوّلة بالمفرد لأن بعضكم لبعض عدوّ بمعنى متعادين كما أشار إليه المصنف ﵀ ومثلها يستغني فيه بالضمير عن الواو أو أنّ هذه الحال دائمة والحال الدائمة لا تكون بالواو، فلا حاجة إلى التأويل (أقول) التحقيق ما ذكره أبو السعادات في كتاب البديع من أن الجملة الحالية لا تخلو من أن تكون من سببي ذي الص ل أو أجنبية فإن كانت من سببيه لزمها العائد والواو تقول: جاء زيد وأبوه منطلق وخرج عمرو ويده على رأسه إلا ما شذ من نحو كلمته فوه إلى فيّ، وان كانت أجنبية لزمتها الواو نائبة عن العائد وقد يجمع بينهما نحو قدم عمرو وبشر قام إليه وقد جاءت بلا واو ولا ضميرقال: ثم انتصبظ جبال ا) ! غد معرضة عن اليسط روعن أيماننا جدد فجبال الصغد معرضة حال اهـ. وبقي قسم ثالث وهي أن تكون صفة ذي الحال نحو وليتم وأنتم معرضون وكلام النحاة يدلّ على أنه يجوز فيها الوجهان بالمراد وما نحن فيه إن كان الخطاب لهما وللذرية فهو من هذا القسم لصدور التعادي منهم حتى من آدم ﵊ لعداوته لبعض أولاده كما يعلم من قصة قابيل وهابيل وكذا على الوجه الآخر فعليك بتطبيق كلامهم على هذا حيث جوّزوه تارة ومنعو. أخرى، وأما التأويل بالمفرد فليس بشيء لأن كل حال مؤوّلة به وواقعة موقعه ألا ترى أنّ فوه إلى فيّ بمعنى مثافها مع أنهم ضعفوه وكذا الفرق بين الدائمة وغيرها فاحفظه، وهذه الحال مقدرة ويصح أن تكون مقارنة على الوجه الثاني فإن قلت: كيف يقيد الأمر بالتعادي وهو منهيّ عنه فإنك لو قلت لأحد قم ضاحكاً وأنت تنهاه عن الضحك لم يصح، قلت الأمر كذلك إذا كان تكليفا أما إذا كان تكوينا كما في قوله كونوا قردة خاسئين فلا، ولذا نقل عن ابن عباس رضمي الله عنيما أنّ الجن كلهم مامورون بالهبوط وقد قيل إنهم غير مكلفين، وأما قول أبي حيان ﵀ أنّ الفعل إذا كان مأمورا به من يسند إليه في حال من أحواله لم تكن تلك الحال مأمورا بها لأنّ النسبة الحالية نسبة تقييدية لا إسناد به فلو كانت مأمورا بها لم تكن تقييدية فليس بشيء لأن المنظور إليه في الكلام القيد فإذا قيل

стр. 560

صل قائماً أو مستتراً فهو مأمور به بلا شك وما خالف ذلك يحتاج إلى التأويل وقوله بتضليله قيل: إن كان الشيطان داخلا فيه فهو ظاهر، وأما على تقدير التخصيص بآدم وحواء فباعتبار أن يراد بهما ذريتهما إما بالتجوّز كإطلاق تميم على أولاده كلهم أو يكتفي بذكرهما عنهم وفيه نظر لأن معناه يظلم بعضكم بعضاً بسبب تضليل الشيطان وهذا إن لم يكن على خروجه أظهر فليس الاحتمال الآخر أولى به منه. قوله: (موضع استقرار الخ) يعني أنه إما اسم مكان أو مصدر ميمي ولم يعرّج على كونه اسم زمان وإن احتمله اللفظ لأنه يتكرر مع قوله ومتاع إلى حين وكذا احتمال كونه اسم مفعول بمعنى ما استقرّ ملكهم عليه وجاز تصرفهم فيه كما ذكره الماوردي لاً نه خلاف الظاهر مع احتياجه إلى الحذف والإيصال. قوله: (تمتع الخ) المتاع البلغة ماخوذ من متع النهار إذا ارتفع والمتاع الانتفاع الممتد وقته ولا يختص بالحقير وقد يستعمل فيه والى حين متعلق بمتاع أو به وبمستقر على التنازع إن كان مصدراً وقيل: إنه في محل رفع صفة لمتاع والحين مقدار من الزمان طويلاً أو قصيرا. قوله: (يريد به وقت الموت أو القيامة) استشكل الثاني بأن المتاع التمتع بالعيش وليس بعد الموت تمتع وأجيب بأن المراد به حصول الثواب والعقاب وتمتع الكافر تهكم على التغليب أو يجعل ابتداء القيامة من الموت لأنّ من مات فقد قاصت قيامته أو جعلت مقدمات الشيء من جملته ولا يخفى أنّ التفسيرين حينئذ واحد أو جعل السكنى في القبر تمتعا في الأرض قيل: وهو أقرب ولا يخفى أنه إذا فسر لكم بأنه لكل أحد احتاج إلى التأويل أما إذا فسر بأنه لجنسكم ولمجموعكم فلا إشكال فتأمل. قوله: (استقبلها بالأخذ والقبول والعمل بها) قال الراغب يقال لقي فلان خيراً وشراً ويقال لقيته بكذا إذا استقبلته به قال تعالى: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [سورة الإنسان، الآية: ١١] وتلقاه كذا قال تعالى: ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [سورة الأنبياء، الآية: ١٠٣] وقيل التلقي لغة الأخذ فالعمل خارج عنه فكيف أدرج فيه فقال الطيبي مشيراً إلى دفعه أنه مستعار من التلقي بمعنى استقبال بعض الناس من يعز عليهم إذا قدم بعد غيبته وهو يكون بأنواع الإكرام واكرام الكلمات الواردة من الحضرة الإلهية العمل بها فعلى رفع الكلمات يكون استعارة أيضاً بجعلها كأنها مكرمة له لكونها سبب العفو عنه، وقوله وبلغته إشارة إلى مآل المعنى بعد التجوّز والقول الأوّل هو الأصح المأثور عن ابن عباس ﵄ وغيره، والثاني أخرجه البيهقي وقوله وبحمدك قال الكرمانيّ أي وسبحتك بحمدك أي بتوفيقك وهدايتك لا بحولي وقوّتي ففيه شكر لله على هذه النعمة والاعتراف بها والتفويض إلى الله، والواو في وبحمدك أما للحال وأما لعطف الجملة سواء قلنا إضافة الحمد إلى الفاعل والمراد لازمه مجازا وهو ما يوجب الحمد من التوفيق والهداية أو إلى المفعول ويكون معناه سبحت ملتبساً بحمدي لك وقيل: الواو زائدة، وفي الأساس تلقيتة استقبلته وتلقيتة منه من لقيته الشيء فلقاه منه قيل: وإنما لم يجعل من هذا مع ظهوره حيث استعمل بمن ليرتب عليه الأخذ والقبول والعمل وسائر ما يدخل في استقبال الرب! أعزته وأحبابه فعلى هذا يكون من ربه حالاً من كلمات يعني أنّ التوبة إنما تترتب على التلقي ترتباً ظاهرا إلا إذا كان بمعنى الاستقبال المقتضي للإكرام بالقبول والعمل ولذا قال وسائر ما الخ فإنّ من جملته قبول المستقبل، ومن غفل عن مراده قال: فيه بحث لأنّ الترتيب المذكور إنما يتاتى بعد صحة استعمال اللفظ في المعني الذي هو فيه وهو غيرظاهر فكيف يصح جعل الترتيب جهة لصحة الاستعمال فالصواب أن يقال: لأنّ تلقي الكلمات لا يترتب على الإهباط بلا تراخ بخلاف الاستقبال فإنّ ابتداءه وهو الانتظار للكلمات حصل عقيبه بلا تراخ وكذا ما قيل /: الأظهر أنه لم يلتفت إليه لأنه لا يحتمله قرأءة رفع كلمات وبعض هذه القرا آت مفسر لبعض وعلى هذه القراءة لم يؤنث للفصل ومعناها كالقراءة الأخرى لأنّ بعض الأفعال يكون إسنادها إلى الفاعل كإسنادها إلى المفعول من غير فرق نحو نالني خير ونلت خيراً، ومنه تقول لقيت زيدا ولقيني زيد قال قدّس سرّه: ثم إنّ التعبير بالتلقي فيه نكتة غير أبلغية المجاز وهي الإيماء إلى أنّ آدم كان في ذلك الوقت في مقام البعد لأن التلقي استقبال من جاء من بعيد وتصدير هذه الجملة بالفاء ظاهر، وعلمها إما من التعليم

стр. 561

المجهول أو من العلم المعلوم. قوله: (وعن ابن عباس ﵄ قال يا رب الخ) هذا الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك وغيره وصححه وبيدك بمعنى قدرتك وبلى وقع بدلها نعم في بعض التفاسير وقوله: أراجعني قال قدس سره اسم فاعل أضيف إلى المفعول وأنت فاعله لاعتماده على الاستفهام أو مبتدأ وأما نسخة زين المشايخ وقيل: عليها السماع أراجعيّ بتشديد الياء فحملها على سهو القلم أقرب من أن يجعل راجمي جمعا مضافا إلى ياء المتكلم واقعاً خبر أنت أي أنت راجعوني إلى الجنة كما في قوله: ألا فارحموني يا إله محمد وعلى النسختين فوقوع الجملة الاسمية جزاء الشرط محل بحث انتهى. (أقول) هذا مما لم يصححه شراح الكشاف وجملة ما قالوه ما ذكره الشارح المحقق فإن صحت الرواية به فلها عندي وجه بديع أشار إليه الرضيّ وتفصيله على ما قال الجعبرفي في شرح الرائية أنّ بني يربوع يزيدون على ياء الضميرياء أخرى صلة لها حملاً على هاء الضمير المكسورة بجامع الإضمار والخفاء كما زادوها على تاء المخاطبة نحو قوله رميتيه فأصبت وما أخطأت الرمية ونقل عن سيبويه ﵀ قريباً منه فقوله فحملها الخ مردود وقوله محل بحث مردود أيضا لأنه كيف يتردد في صحة وقوع الجملة الاستفهامية جزاء وهو في القرآن أكثر من أن يحصى كقوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [سورة العلق، الآية: ١٣] قال الرضي: هل لا تقع في الجزاء بدون الفاء أبدا بخلاف الهمزة وأسماء الاستفهام فإنه يجوز معها الوجهان والهمزة في الجزاء عند التحقيق متقدّمة على الشرط فقولك إن جئتني أتكرمني مآله أن جئتني تكرمني ومن لم يحققه قال إنه مخالف لما في شرح التلخيص من تجويز وقوع الجزاء طلبياً نحو إن جاءني زيد فأكرمه إلا أن يفرق بين الأمر والاستفهام وقوله في الحديث من روحك معناه من روح خلقتها والإضافة للتعظيم كما ذكره الراغب، ثم ذكر إن الكلام والكلمة من الكلم وهو الجرح والتأثير وفي قوله المدرك بإحدى الحاستين تسمح أي المدرك أثره والكلام والجراحة لف ونشر مرتب. قوله: (رجع عليه بالرحمة وقبول التوية الخ) التوية إذا أسندت إلى المجد فمعناها الرجوع عنه مع الندم والعزم على عدم العود إليه كما أشار إليه المصنف ﵀ وفي حقوق العباد المالية ونحوها لا بذ من الرد والاستحلال ولم يذكره المصنف ﵀ لدخوله في كلامه لأن الغاصب ما دام الغصب في يده أو ذمته لا يقال إنه رجع وإذا أسندت إلى الله فمعناها قبول التوبة والعفو عن الذنب ونحوه أو التوفيق لها ولما كانت الفاء للتعقيب وقد روي أنهما بكيا مائتي سنة ونحوه مما يدل على خلافه أشار إلى جوابه بقوله وإنما رتبه الخ فأما أن يريد أن ما قبله وهو تلقي الكلمات بالقبول والعمل بها هو عين التوبة أو مستلزم لها وقبول التوبة مترتب عليه فهي لمجزد السببية أو أن التوبة لما دام عليها يصح التعقيب باعتبار آخرها إذ لا فاصل بينهما ولا حاجة إلى ما قيل: إنه كان منتظراً لقبولها فترتب ذلك على آخر انتظاره وليس في الكلام حذف حتى تكون الفاء فصيحة كما توهم وقوله وهو الاعتراف ذكر ضمير التوبة مراعاة للخبر. قوله: (واكتفى بذكر آدم) ﵊ يعني لم يقل عليهما لأن النساء متبع يغني عنهن ذكر المتبوع وترك التصريح أحسن وفسر التوبة في الثواب بالرجوع إلى المغفرة لأنه أوفق بمعناه اللغوي مع استلزامه للمعاني الأخر والكثرة من صيغة المبالغة وذكر الرحمة إحسان على إحسان. قوله: (كرّر للتثيد الخ) ولذا لم يعطف وحسنه أنه رتب على الأوّل غير ما رتب على الثاني وهو نوع من البديع يسمى الترديد وقد يعاد المبنيّ عليه تأكيدا وتذكبراً له لطول الفصل، كما سيأتي في آل عمران في فلا تحسبنهم فمن قال التكرار في الكلام التام خصوصا بعد الفصل بالأجنبيّ المحض للتأكيد بيد جداً ولذلك عطف الزمخشريّ عليه ما ذكر من النكتة بالواو لم يصب وقدم على هذا التوبة والتلقي لفرط الاهتمام بصلاح حاله وفراغ باله والإخبار بقبول توبته والتجاوز عن هفوته وإزالة ما عسى تتشبث به الملائكة عليهم الصلاة والسلام وقد فضل عليهم وأمروا بالسجود له فإن كان كذلك في المحكيّ فلا كلام فيه والا فالحكاية تراعي فيها تلك النكت أيضا فلا يرد عليه شيء كما توهم. قوله: (أو لاختلاف المقصود الخ)

стр. 562

فالفصل عن السابق ليس لأنه تأكيد بل لتباين الغرضين من الجملتين وهو من جهات الفصل ثم بين التغاير بينهما بأنهم ذكر إهباطهم أوّلاً للتعادي وعدم الخلود فالأمر فيه تكوينيّ، وثانيا ليهتدي من يهتدي ويضل من يضل فالأمر فيه تكليفيّ إذ لم يكن لهم تكليف قبله بغير المنع من الشجرة، وعبر في الأوّل بدلّ لأنه منطوقه فالتعادي والابتلاء من قوله بعضكم الخ وعدم الخلود من قوله إلى حين، وفي الثاني بأشعر لأنه من فحوى الكلام إذ لم يصرح فيه بتكليف وإنما أخذ من تعقيبه بالفاء واهتدى الهدى إما على الحذف والإيصال أي إلى الهدى أو على تضمينه فعل الهدى أو سلك الهدى ونحوه. قوله: (والتنبيه على أن مخافة الإهباط الخ) الأمر إن هما ما ذكر مع الأوّل من التعادي وزوال الخلود وما ذكر مع الثاني من التكليف معنى فكان ينبغي أن لا يخالفا لخوف الإهباط لأحد هذين الأمرين فكيف بجميعهما فلو لم يعد الأمر لعطف فإما يأتينكم على الأوّل فيكون المعاقب به هو الإهباط المترتب عليه جميع هذه الأمور والحازم بالحاء المهملة والزاي المعجمة الضابط لأموره المستوثق فيها، وقوله ولكنه نسي الخ اقتباس لبيان عذره بأنه نسي ما أمر به ولو لم ينسه لخاف من الطرد المترتب عليه ما ذكر وقوله وان كلى واحد توضيح لما مر وبيان له في نفسه. قوله: (وقيل الأول من الجنة الخ) وهو ضعيف لأنه يأباه قوله في الأوّل: ﴿وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٣٦] الخ ولأنّ الظاهر اتحاد مرجع الضمائر ثمّ وما قاله الإمام من أنه لما من إلله عليهما بالقبول ربما توهم الإعادة إلى الجنة فبين أنه أمر محتوم وقضاء مبرم فهو حسن ولا ذكر للسماء هنا وأما ما قيل: إن التوبة إنما صدرت وهو في الأرض فلا خفاء في ضعف ترتبها على الهبوط إلى السما الدنيا بالفاء فقيل: إنه ليس بذاك إذ لم يثبت أنه ﵊ تاب بعد الهبوط بل الظاهر من قوله فتلقى حيث عطف بالفاء الدالة على عدم تراخيه عنه أنه ﵊ تاب قبل الهبوط لأنه تدريجي، فلو تأخرت عنه التوبة لتأخر عن الأمر المذكور زمانا، وجميعاً حال من فاعل اهبطوا أي مجتمعين سواء كان في زمان واحد أم لا وهذا هو الفرق بين جاؤوا جميعاً وجاؤوا معا فإن الثاني يقتضي اتحاد الزمان بخلاف الأوّل وقد وهم في هذا بعضهم نعم قد يفهم من سياق الكلام في بعض المقامات ولذا قال المصنف ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ في سورة الحجر أنه أكد بكل للإحاطة وبأجمعين للدلالة على أنهم سجدوا مجتمعين دفعة فلا يقال: إنه مناف لكلامه فتأمل. وقيل: إنه تأكيد لمصدر محذوف أي هبوطا جميعا وإنما أتى بالضمير المنفصل في قوله أنتم أجمعون لأنه لا يصح تكيد الضمير المتصل بألفاظ التأكيد قبل تأكيده بالمنفصلى وهو وان اختص بالنفس والعين وجوباً فإنه يحسن في غيره بالقياس عليه فلا يقال إنه اشتبه عليه التأكيد بأجمعين بالتأكيد بالنفس وقوله كما ترى كناية عن ظهور ضعفه بحيث يغني إدراكه عن بيانه. قوله: (الشرط الثاني الخ) الشرط الثاني هو من الشرطية ومنهم من أعربها موصولة والفاء تدخل في حيزها لتضمنها معنى الشرط وجعله مع جوابه جواب الأوّل ومنهم من قدر جواب الأوّل محذوفا ومهم من قال الجواب لهما والأصح ما ذكره المصنف ﵀ وإذا زيدت ما التأكيدية على أن الشرطية كد الفعل بعدها بنون التأكيد لأنّ التأكيد أوّلأ وطأ لذكره ثانيا ولذا قال المصنف ﵀ ولذلك الخ. مع أن الشرطية لا يؤكد فيها في الأكثر وإنما يكثر في الطلب والقسم ثم إنه هل هو على سبيل الوجوب حتى إنه لا يخالف إلا في ضرورة أو شذوذ كقوله: أما ترى رأسي حاكى لونه أو هو الحسن الشائع قولان للنحاة اختار المصنف ﵀ الثاني لأنّ الأصل عدمه فإذا رجع إليه لا ينبغي أن يقال إنه ضرورة. قوله: (وإنما جيء بحرف الشك الخ الما كان الظاهر إذا قال الزمخشريّ: أنه للإيذان بأنّ الإيمان بالله والتوحيد لا يشترط فيه بعثة الرسل دمانزال الكتب وأنه إن لم يبعث رسولاً ولم ينزل كتابا كان الإيمان به وتوحيده واجبا لما ركب فيهم من العقول ونصب لهم من الأدلة ومكنهم من النظر والاستدلال يعني أنه لو لم يكن طريق العقل كافياً لكان إتيان الكتاب والرسول واجبا فلم يكن يصح الإتيان بكلمة الشك فلما

стр. 563

أتى بها آذن أنه ليس بواجب فتعين الوجوب بطريق العقل وهذا على أصول المعتزلة وأما عندنا فلا وجوب على الله فوجه كلمة إن ظاهر إذ لا قطع بالوقوع بل إن شاء هدى وان شاء ترك لكن لما علم من لضله ورحمته أكد كلمة أن بما إيماء إلى رجحان الوقوع وهذا معنى كلام المصنف ﵀ مهو ردّ عليه لابتنائه على التحسين والتقبيح العقليين وقيل: إنّ الهدى الخاص بإنزال الكتب والإرسال ليس بواجب عند المعتزلة أيضاً فلا ردّ فيه فتأمّل وقيل: إنّ إنّ إذا قرنت بما! لا نقتضي الشك واعترض عليه بأنّ المفهوم منه أن ما يحتمل في نفسه لكونه غير واجب عقلاً من مواقع إن وهو ينافي ما مر في قوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٤٠] وفيه لظر، ومتى متعلق بيأتينكم لأنّ الخير كله منه. قوله: (وكرر لفظ الهدى الخ) النكرة إذا أعيدت معرفة فهي عين فكان الظاهر الإضمار لكته ليس بكليّ وهي هنا غير لأنّ الأوّل الهداية الحاصلة بالرسل والكتب، والثاني أعم لأنه شامل لما يحصل بالاستدلال والعقل وليس هذا مبنيا على مذهب المعتزلة كما توهم، وقيل إنه جعل الهدى أوّلاً بمنزلة الإمام المتبع المقتدى به ثم ذكر. مضافا إلى نفسه وفيه من التعظيم ما لا يكون لو أتى به معرّفاً باللام وإن كان ذلك سبيل ما يكون نكرة ثم بعاد فكيف لو اكتفى عنه بالضمير وهذا وجه وجيه للعدول من غير احتياج إلى مخالفة القاعدة وهو من قول الطيبي أنه وضع المظهر موضمع المضمر للعلية لأنّ الهدى بالنظر إلى ذاته واجب الاتباع وبالنظر إلى أنه أضيف إلى الله إضافة تشريف أحرى وأحق أن يتبع وهذا موافق لقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرواْ﴾ في مقابلة ﴿مَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ﴾ فالمقابل له حكم المقابل، وقوله ما أتاه الخ بيان للعموم السابق. قوله: (فلا خوف عليهم فضلاَ الخ (خوف مبتدأ وعليهم خبره او عاملة عمل ليس والأوّل أولى، وقرىء بالرفع وترك التنوين لنية الإضافة وبالفتح والخوف الفزع مما يكون في المستقبل فيكون قبل وقوعه منفيه يدل على نفي الوقوع بالطريق الأولى وليس المراد نفي الخوف بالكلية بل نفيه عنهم في الآخرة كما سيأتي وقوله ولا هم ممن يفوت عنهم محبوب تفسير للحزن وهو ضد السرور مأخوذ من الحزن وهو ما غلظ من الأرض! فكأنه ما غلظ من الهمّ ولا يكون إلا في الأمر ال! ماضي عند بعضهم فيؤوّل حينئذ ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ﴾ [سورة يوسف، الآية: ١٣] ونحوه بعلمه بذلك الواقع وقيل: إنه والخوف كلاهما في المستقبل لكن الخوف استشعار لفقد مطلوب والحزن استشعار غمّ لفوت محبوب كما في إني ليحزنني الآية وقيل: لا خوف عليهم من الضلالة في الدنيا ولا حزن من الشقاوة في العقبى وقدم انتفاء الخوف لأنّ انتفاء الخوف فيما هو آت أكثر من انتفاء الحزن على ما فات ولدّ! صدر بالنكرة التي هي أدخل في النفي وقدّم الضمير إشارة إلى اختصاصهم بانتفاء الحزن وأنّ غيرهم يحزن والظاهر عموم نفي الخوف والحزن عنهم لكن يخص بما بعد الدنيا لأنه قد يلحق المؤمن الخوف والحزن في الدنيا فلا يمكن الحمل على ذلك وعلى جعله كناية كما قال المصنف ﵀ لا يبقى وجه لهذا فتأمل. قوله: (نفى عنهم العقاب الخ) لأنّ نفي الخوف كناية عن نفي العقاب ونفي الحزن كناية عن إثبات الثواب وهي أبلغ من الصريح وآكد لأنها إثبات الشيء ببينة كما تقرّر في محله. قوله: (وقرئ هديّ الخ) أي بإبدال الألف ياء وادغامها وهي لغة هذيل في كل مقصور أضيف للياء لأنه يكسر ما قبلها في الصحيح فأتوا بالياء التي هي أختها محافظة على ذلك ولا يفعلون ذلك في ألف التثنية وهذه قراءة جحدر وابن إسحق وهي شاذة. قوله: (عطف على من تبع الخ) قيل: وأفرد الأوّل إشارة إلى قلة أهل الهدى بخلاف أهل الكفر ثم اعتذر عن جمع ضميرهم بأنه إشارة إلى كثرتهم في الغناء ولا يخفى أنه تكلف بارد لا داعي له لأنّ من مفرد اللفظ مجموع المعنى وليس المقام يقتضي ملاحظة هذه النكت وقوله قسيم له فيه نظر لأن من لم يتبع شامل لمن لم تبلغه الدعوة ولم يكن من المكلفين، فالعدول عن الظاهر لعله لإخراج أمثالهم، ومن الناس من أغرب فقال: هو أبلغ من قوله ومن لم يتبع هداي وان كان التقسيم اللفظيّ يقتضيه لأن نفي الشيء على وجوه كعدم القابلية لخلقه وعقله وتعمد تركه فأبرز في صورة ثبوتية مزيلة لباقي الاحتمالات التي ينتظمها

стр. 564

النفي اهـ. فانظر ما بين أوّل كلامه وآخره من التنافر وأصحاب النار سكان النار ويراد بهم الكفار في الأكثر كما يخص الصاحب بالوزير، وهو إمّا جمع صاحب على خلاف القياس أو جمع صحب الذي هو جمع صاحب أو مخففة وإذا أطلق الكفر تبادر منه الكفر بالله فإن أريد هنا فظاهر وبآياتنا متعلق بكذبوا وان لم يرد تنازع الفعلان الجارّ والمجرور فالكفر بالآيات إنكارها بالقلب والتكذيب إنكارها باللسان فلا تكرار. قوله: (والآية في الأصل العلامة الظاهرة) قال الراغب: هي العلامة الظاهرة وحقيقتها كل شيء ظاهر هو ملازم لشيء آخر لا يظهر ظهوره فمتى أدرك مدرك الظاهر منهما علم أنه أدرك الآخر الذي لم يدركه بذاته إذ كان حى كمهما سواء وذلك ظاهر في المحسوسات والمعقولات لمن علم ملازمة العلم للطريق المنهج ثم وجد العلم علم أنه وجد الطريق وكذا إذا علم شيئا مصنوعا علم أنه لا بدّ له من صانع اص. وفي أصلها ووزنها ستة أقوال فمذهب سيبويه والخليل اق أصلها أيية بفتحات قلبت ياؤها الأولى ألفاً لتحرّكها وانفتاح ما قبلها على خلاف القياس لأنه إذا اجتمع حرفا علة أعل الآخر لأنه محل التغيير نحو جوى وهوى ومثله في الشذوذ غاية وراية ومذهب الكسائيّ إن وزنها آثية على وزن فاعله فكان القياس أن تدغم كداية إلا أنه ترك ذلك تخفيفا فحذفوا عينها كما خففوا كينونة ومذهب الفراء أنها فعلة بسكون العين من تأيا القوم إذا اجتمعوا، وقالوا في الجمع آياء فظهرت الياء والهمزة الأخيرة بدل من ياء ووزنه أفعال والألف الثانية بدل من همزة هي فاء الكلمة ولو كانت عينها واواً لقالوا في الجمع آواء، ثم إنهمءقلبوا الياء الساكنة ألفا على غير قياس لأن حرف العلة لا يقلب حتى يتحرّك وينفتح ما قبله وذهب بعض الكوفيين إلى أنّ وزنها أيية كنبقة فأعل وهو في الشذوذ كمذهب سيبويه والخليل وقيل: وزنها فعلة بضم العين وقيل: اصلها إياة فقدمت اللام وأخرت العين وهو ضعيف فهذه ستة مذاهب لا يخلو واحد منها من شذوذ. قال ابن الأنباري في الزاهي: وفي آية القرآن قولان فقيل: إنها بمعنى العلامة لأنها علامة لانقطاع الكلام الذي بعدها والذي قبلها قال الأحوص: ومن رسم آيات عفون ومنزل قديم يعفيه الأعاصر محول وقيل: لأنها جماعة من القرآن وطائفة من الحروف، قال أبو عمرو: يقال: خرج القوم لآيتهم أي بجماعتهم وهو باعتبار الأكثر الأغلب، فلا يرد عليه أنها تكون كلمة واحدة كمدهامتان كما قيل: وفيها قول ثالث وهو أن تكون سميت آية لأنها عجب يتعجب من إعجازه كما يقال فلان آية من الآيات اهـ وقول المصنف ﵀: من حيث إنها تدل إشارة إلى القول الأوّل وقوله لكل طائفة إشارة إلى الثاني فكان عليه أن يميز بين القولين ولذلك اعترض عليه بأنه لم يصب في خلطهما. وقوله واشتقاقها من أيّ بتشديد الياء عينه ولامه ياء، وقوله: لأنها تبين أيا من أيّ بالتشديد أيضاً قيل معناه شيء يسئل عنه بأفي أي جوابه أي تميز أمرا مجهولاً من آخر التيس هذا هو المراد، وقيل: إنّ العبارة آيا من آي بالمد أي شخصا من شخص وشيئا من شيء لأنّ الآي بالمد بمعنى الشخص وفيه نظر، وقوله أو من أوى إليه لأنها بمنزلة المنزل الذي ياوي إليه القارئ فعينها واو وقوله وأصلها آية على القول الأوّل وأوية على القول الثاني وكونها على خلاف القياس لما مرّ والآيات إمّا آيات القرآن أو مطلق الدوال وهو ظاهر لكن التكذيب يأباه إلا بأن ينزل المعقول منزله الملفوظ ولذا أخره المصنف ﵀ عنه، والرمكة أنثى البراذين. نوله:) وقد تمسكت الحشوية بهذه القصة على عدم عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام) الحشوية بسكون الشين وفتحها قوم تمسكوا بالظواهر فذهبوا إلى التجسيم وغيره وهم من الفرق الضالة، قال السبكيّ في شرح أصول ابن الحاجب: الحشوية طائفة ضلوا عن سواء السبيل وعميت أبصارهم يجرون آيات الله على ظاهرها ويعتقدون أنه المراد سموا بذلك لأنهم كانوا في حلقة الحسن البصري فوجدهم يتكلمون كلاما فقال: ردّوا هؤلاء إلى حشا الحلقة فنسبوا إلى حشافهم حشوية بفتح الشين، وقيل سموا بذلك لأنّ منهم المجسمة أو هم والجسم حشو فعلى هذا القياس فيه الحشوية

стр. 565

بسكون الشين نسبة إلى الحشو، وقيل: المراد بالحشوية طائفة لا يرون البحث في آيات الصفات التي يتعذر إجراؤها على ظاهرها بل يؤمنون بما أراده الله مع جزمهم بأنّ الظاهر غير مراد ويفوّضون التأويل إلى الله وعلى هذا فإطلاق الحشوية عليهم غير مستحسن لأنه مذهب السلف. اهـ وقيل: طائفة يجوّزون أن يخاطب الله تعالى بالمهمل ويطلقونه على الدين قالوا الدين يتلقى من الكتاب والسنة وهو المناسب هنا اهـ والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم لا يجوز عليهم الكفر وتعمد الكذب في التبليغ بلا خلاف وأمّا غيرهما فالكب ئر يمتنع صدورها عمدأ بعد النبوّة عند الجمهور إلا الحشوية وهو مراد المصنف وأمّا صدورها سهوا أو خطأ في التأويل بعد النبوّة فجوّزه قوم والمختار خلافه، وأمّا قبل النبوّة فذهب الجمهور إلى أنه لا يمتنع صدور الكبائر عنهم ومنعه بعضهم وأمّا صدور الصغائر عمدا فجوّزه الجمهور إلا الجبائي وأمّا سهواً فجائز اتفاقا إلا ما فيه خسة كسرقة لقمة، وقال الجاحظ يجوز أن يصدر عنهم غير الصغائر خسيسة بشرط أن ينبهوا عليها فينتهوا عنها وتبعه كثير وبه أخذ الأشاعرة وذهب كثير من المفسرين إلى أنهم معصومون من الكل قبلها وبعدها سهوا وعمداً والقلب إليه أميل والعصمة ملكة يخلقها الله فيهم تمنع عما لا يليق بالطبع. قوله: (١ لأوّل أن آدم ﵊ كان نبياً الخ) أي قبل، إهباطه لأنه خاطبه، والخطاب منه خاص بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام والمنهيّ عنه قرب الشجرة وكونه عاوصيا لأنّ الظاهر من النهي التحريم وجعله ظالماً بقوله فتكونا من الظالمين والظلم التعدي وهو مخصوص بالكبائر، وقوله: والظالم ملعون جراءة عظيمة كان الأولى تركها والظلم في الآية المذكورة المراد به الكفر فلا دليل فيها، وقوله أسند إليه العصيان والغيّ وهو الغواية والضلال وهو كبيرة وتلقين التوبة يقتضي أنها كبيرة بحسب الظاهر وكذا الخسران وعقوبته بالإبعاد ونص-. قوله: (الآوّل أنه لم يكن نبياً الخ الأنه ليس له أمّة ولم يؤمر بتبليغ ولئن سلم فالنهي تنزيهيّ والخسران والظلم بمعناه اللغوي وما سيأتي هو أنه تعظيم للزلة وزجر لأولاده وأمره بالتوبة لتلافي التقصير وتهذيبه أتم تهذيب وأمّا ما جرى عليه فليس للإهانة لل لتحقيق الخلافة الموعود بها ولئن سلم أنها كبيرة والنهي تحريمي فإنه صدر منه وهو ناس فلا يعذ ذنبا أو يعد صغيرة في حقه لأنّ النسيان وان حط عن الأمم لم يحط عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لجلالتهم ولذا يعاتب الرئيس فيما لا يعاتب به غيره وقال الجنيد: حسنات الأبرار سيئات المقرّبين، وقيل: " إنّ النسيان لم يرفع عن الأمم السالفة مطلقاً وإنما هو من خصائص! هذه الأمّة كما ورد في الأحاديث الصحيحة ". قوله: (أشدّ الناس بلاء الخ (هذا الحديث أخرجه الترمذيّ والنسائيّ وابن ماجه وصححوه لكن ليس فيه ثم الأولياء وأخرجه الحاكم بلفظ الأنبياء ثم العلماء ثم الصالحون وقال القشيري: ليس كل أحد أهلا للبلاء إنّ البلاء لأرباب الولاء فأمّا الأجانب فيتجاوز عنهم ويخلي سبيلهم لا لكرامة محلهم ولكن لحقارة لدرهم. قوله: (أو أذى الخ) عطف على قوله عوتب جواب آخر عن أنه إذا كان ناسياً وقلت إنه عوتب عليه لما مرّ فلم جرى عليه ما جرى فذكر أنّ جريانه لأنه تعالى قدّر تسببه عنه فضره في الدنيا ولو تعمده لضرّه في الدارين كأكل السمّ عامدا أو جاهلا ووجه السؤال أنّ ما ذكر من المقاسمة على أمر الشجرة لا يتصوّر معه النسيان وجوابه ظاهر لكنه قيل: عليه أنه إنما يتوجه لو ثان بينهما عهد طويل وفي الحديث ما يخالفه إلا أن يقال: إنّ الحديث لم يصح عنده. قوله: (والرابع أنه ﵊ أقدم عليه الخ) يعني أنه أخطأ في اجتهاده إذ ظن أنّ النهي تنزيهيّ أو أنّ الإشارة إلى فرد معين فكل من غيره فإنّ الإشارة قد تكون للنوع كما في " الحديث " المذكور وهو حديث صحيح في الأربعة وقوله وإنما جرى إشارة إلى جواب ما قيل: كيف يكون تنزيها وقد وصف بالظلم وجرى عليه ما جرى فقال: إنه تفظيع أي تعظيم وتخويف من جنس الخطيئة وان لم يكن هذا خطيئة، فإن قلت هذأ لا يوافق أنّ المجتهد يثاب على الخطأ، وفيه إيجاب أن يجتنب أولاده الاجتهاد قلت لا دلالة له على ذلك لأنه ليس اجتهادا في محله كما لو اجتهد صحابيّ بحضرة النبيّ صلى الله عليه
следующие страницы →