Полный текст (3 156 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
أو التالي دبار فإن أفيه فمؤتس! أو عروبة أوشيار
قوله: (أمروا أن يجرّدوه للعبادة الخ) قيل: إن موسى ﵊ أراد أن يجعل
يوماً خالصا للطاعة وهو يوم الجمعة فخالفوه وقالوا نجعله يوم السبت لأنّ الله تعالى لم يخلق
فيه شيئا فلما اختاروه لترك سائر الأعمال نهوا فيه عن الاصطياد والعمل وأيلة قرية واسم بيت المقدس إيليا، والخرطوم كزنبور ما ضم عليه الحنكان. قوله: (وشرعوا فيها الجداول) وفي نسخة إليها قال المحقق قيل: معنى شرعوا لظهورها من شرع من الدين كذا بين ولا يخفى بعده، وقيل: جعل الجدول كالشارع المنتهى إليه وليس من اللغة والأحسن أشرعوا من شرع الباب إلى الطريق وأشرعته وشرع المنزل إذا كان بابه على الطريق النافذ اهـ. (أقول) في مفردات الراغب أشرعت الرمح قبله وقيل: شرعته فهو مشروع اهـ. فالصواب أنه منه ومعنى شرعوا الجداول جمع جدول وهو القناة جعلوها متصلة بها ومواجهة لها من غير تغيير ولا تكلف وقيل: من قولهم شرع بابا إلى الطريق أي فتحه كما نقل عن الخليل ﵀ (قلت) : وفي هذه الآية دليل على تحريم الحيل في الأمور التي لم تشرع كالربا وبها احتج مالك رحمه الله تعالى على ذلك إذ لا تجوز عنده، قال الكواشي: وجوّزها أكثرهم ما لم يكن فيها إبطال حق أو إحقاق باطل وأجابوا عن تمسكهم بأنها ليست حيلة وإنما هي عين المنهيّ عنه لأنهم إنما نهوا عن أخذها وفيه نظر وفي الكشاف فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم قيل: ذكره لتصحيح الظرفية في السبت للاعتداء، وتركه المصنف ﵀ لأنه مستغني عنه إذ المعنى في حكم السبت فتأمل. قوله: (جا معين بين صورة القردة والخسوء الخ) إشارة إلى أنهما خبران إذ لو كان الخبر الأوّل والثاني صفة لقردة القيل خاسئة، وأما جعله كما في ساجدين على تشبيههم بالعقلاء أو باعتبار أنهم كانوا عقلاء فلا حاجة إليه ولأنّ القردة خاسئة ذليلة فلا حاجة لتوصيفها به فيكون المراد أذلاء عند الله، إذ قد يتوهم أنّ المسخ يكفي في عقوبتهم وقردة جمع قرد كفيلة وديكة وبفتح القاف وكسر الراء مثله، والخسوء الصغار أي الذلة والطرد، وبكون متعديا ولازما ومنه قولهم للكلب أخسأ وقيل: الخسوء كما في نسخة مصدر خسأ الكلب بعد، وأما ذكر الطرد فلاستيفاء معنى الخسوء لا لبيان المراد والا لكان الخاسئ بمعنى الطارد، وفي القاموس الخاسئ من الكلاب والخنازير المبعد لا يترك أن يدنو من الناس. قوله: (قال مجاهد الخ (فيكون المقصود منه تشبيههم بالقردة والخنازبر كقوله:
إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى فكن حجراً من يابس الصخر جلمدا
كما يقال: أنت لا تقبل التعلم فكن حماراً أي اذهب وكن شبيه حمار والأمر مجاز عن
التخلية والترك والخذلان كما في قوله ﵊: " اصنع ما شئت " وقد قرّره العلامة في تفسير قوله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ [سورة العنكبوت، الآية: ٦٦] ولكن قال ابن جرير وغيره إن قول مجاهد رحمه الله تعالى خلاف الصحيح المشهور عن المفسرين من أنه مسخ حقيقيّ وكانوا إذا سبوا اليهود قالوا لهم يا إخوة الخنازير وليس تحويل الصورة بأعظم من إنشائها. قوله: (كونوا ليس بأمر إذ لا قدرة عليه الخ) هذا بناء على أنه مسخ حقيقي ولم يبينه لشهرته وظهوره من النظم والأمر عليه ليس تكليفياً بل تكوينيا كما في قوله تعالى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [سورة يى، الآية: ٨٢] وهو مجاز أيضا أي لما أردنا ذلك صار من غير امتناع ولا لبث وفيه إظهار عظمته ونفاذ أمره ومشيثته وقوله: بغير همز يحتمل إبدالها ياء وحذفها. قوله: (فجعلناها أي المسخة) المفهومة من السياق وجوّز رجوعه لكينونتهم وصيرورتهم قردة والنكال واحد الإنكال وهي القيود ونكل به فعل به ما يعتبر به غيره فيمتنع عن مثله قاله الراغب. قوله: (لما بين يديها وما خلفها لما قبلها الخ) يعني أنّ المراد بما بين يديها من يأتي بعدها كما يقال: فلان بين يديك أي يأتيك وبما خلفها من يتقدمها فكأنه قال نكالاً للآتين والماضين فظرفا المكان استعيرا للزمان وما أقيمت مقام من إما تحقيرا لهم في مقام العظمة والكبرياء أو لاعتبار الوصف فإن ما يعبر بها عن العقلاء إذا أريد الوصف، ومعنى قوله في زبر الأوّلين أي ذكر في كتبهم أنه
стр. 597
تكون تلك المسخة فاعتبروا بها وصحت الفاء لأنّ جعلها نكالاً للفريقين جميعا إنما يتحقق بعد القول والمسخ. قوله: (أو لمعاصريهم الخ) وهذا ظاهر، والتوجيه للظرفية وما جار فيه أيضاً لأنّ اللفظ ينبئ عن القرب وكون الجهة مداننة لجهة من أضيف إليه اليد وقد رجحوا هذا التفسير، وقالوا: إنه هو المنقول عن السلف كابن عباس ﵄. قوله: (أو لما بحضرتها) هذا هو الصحيح من النسخ ووقع في بعضها بحضورها ويحضرها وكأنه من النساخ، وهذا أيضا منقول عن ابن عباس ﵄ والظرفية مكانية حينئذ والظاهر أن المراد من القرى أهلها وأنّ ما بمعنى من أيضا وقيل: إنها على هذا الوجه
عام للعقلاء وغيرهم وأبلغ من الأوّل لما انضم إليه من الآثار وغيرها ولا فرق بين هذا والذي بعده إلا بالأتربية والأبعدية. قوله: (أو لآجل ما تقدّم عليها من ذنوبهم الخ) فتكون اللام للتعليل وهي في الوجوه السابقة صلة لنكالاً قيل: النكال على هذا بمعنى العقوبة لا العبرة أي جعلنا المسخة عقوبة لأجل ذنوبهم المتقدمة على المسخة والمتأخرة عنها يعني السيئات الباقية آثارها والا فلا ذنب منهم بعد المسخ والحاصل أنّ المراد ما يكون بعد المسخة بحسث الثبات والبقاء لا الصدور والحدوث ولا يخفى أن قوله تعالى: ﴿وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٦٦] لا يلائم هذا المعنى فلذا لم يرتضه اهـ. وقيل: عليه أن ضمير عليها في قول المصنف ما تقدّم عليها للمعصية المعهودة وما تأخر عنها لها إذ لا معنى لرجوع الضميرين للعقوبة فإنهم ما بقوا مكلفين إلا على قول مجاهد ﵀ ويوافقه ما في التيسير قيل ما بين يديها ما تقدم من سائر الذنوب قبل أخذ السمك وما خلفها ما بعدها، وقيل: هو عبارة عن كثرة الذنوب المحيطة بهم أوّلاً وآخرا. وقال أبو العالية ﵀: فجعلناها عقوبة لما مضى من ذنوبهم وعبرة لمن بعدهم فمراد المصنف وغيره بما تأخر منها ما تأخر من العقوبة على ذنوب غيرهم ويعضده ترك التخصيص بتأخير البيان بقوله من ذنوبهم واللام في للمتقين للتعليل أيضا فما اعترض به غير واحد وما وجه به وجه بارد، وأورد على المصنف ﵀ أنّ مبني هذا التفسير على أن النكال بمعنى العقوبة كما أشار إليه في الكشاف فكأنّ المصنف ﵀ غافل عنه أو نقول يلغي القيد المذكور في قوله تنكل فيه لكن يأباه تفسيره بتمنعه اص. ولا يخفى ما فيه من التكلف وتفكيك الضمائر فالحق ما ارتضاه الفاضل تبعا لصاحب الكشف. قوله: (أول هذه القصة الخ (هذا ملخص ما في الكشاف لكنه هذبه لما فيه من الاختلاف الباعث إلى القيل والقال، وحاصله أنّ القصة لم تقتص على ترتيبها المتبادر إذ كان الظاهر أن يقال قال موسى ﵊ إذ قتل قتيل تتوزع في قاتله إن الله يأمر بذبح بقرة هي كذا وكذا وأن يضرب ببعضها ذلك القتيل فيحيا ويخبر بقاتله فيكون كيت وكيت وأجاب المصنف ﵀ بأنه فك بعضها وقدم لاستقلاله بنوع من مساويهم التي قصد نعيها عليهم وقد وقع في النظم من فك التركيب والترتيب ما يضاهيه في بعض القصص وهو من المقلوب المقبول لتضمنه نكتاً وفوائد، وقيل: إنه يجوز أن يكون ترتيب نزولها على موسى ﵊ على حسب تلاوتها بأن يأمرهم الله بذبح البقرة ثم يقع القتل فيؤمروا بضرب بعضها لكن المشهور خلافه (أقول) : الحق أنّ قصة البقرة لما كانت متضمنة لأمور عجيبة وآيات باهرة ولذا سميت السورة بها أراد تعالى ذكرها مرّتين على وجه يتضمن كل من الذكرين فوائد ومقاصد يخرجها عن التكرار، وزاد ذلك
بأن حذف من كل ذكر وطوى فيه ما يدل عليه الآخر على طريقة الاحتباك حتى يتأسس الكلام ويرتبط النظام، ويأخذ بعضه بحجز بعض فطوى من الأولى بعضها إذ تقديره قال موسى ﵊ وقد قتل قتيل وقع فيه التنازع إنّ الله يأمرهم أن تذبحوا بقرة تضربوه ببعضها فيحيا ويخبر بقاتله قالوا أتتخذنا هزوا الخ إذ مجرّد الأمر بذبح بقرة وتقريب قربان لا استهزاء فيه فذكر الاسنهزاء ناشر لما طوى وأضمر في قوله فقلنا اضربوه ببعضها حين ثنيت القصة فقلنا اذبحوا بقرة موصوفة بما عرفتم فاضربوه ببعضها يحي الخ. وهذا معنى قول الكشاف كل ما قص من قصص بني إسرائيل إنما قص تعديداً لما وجد منهم من الجنايات وتقريعاً لهم عليها ولما جدد فيهم من
стр. 598
الآيات العظام وهاتان قصتان كل واحدة منهما مستقلة بنوع من التقريع وان كانتا متصلتين متحدتين فالأولى لتقريعهم على الاستهزاء وترك المسارعة إلى الامتثال وما يتغ ذلك، والثانية للتقريع على قتل النفس المحرمة وما يتبعه من الآية العظيمة وإنما قدّمت قصة الأمر بذبح البقرة على ذكر القتيل لأنه لو عمل على عكسه لكانت قصة واحدة ولذهب الغرض! في تثنية التقريع وقد روعيت نكتة بعد ما استؤنفت الثانية استئناف قصة برأسها أن وصلت بالأولى دلالة على اتحادهما بضمير البقرة لا باسمها الصريح في قوله: اضربوه ببعضها حتى تبين أنهما قصتان فيما يرجع إلى التقريع وتثنيته بإخراج الثانية مخرج الاستئناف مع تأخيرها وأنها قصة واحدة بالضمير الراجع إلى البقرة وتحقيق مراده على هذا المنوال مما لا مرية فيه وان لم يهتد إليه كثير من الفحول حتى قيل: لولا الفك والتقديم لم يحصل الفرض فإن قتل النفس بغير نفس والاختصام فيها من قبيل ما سبق من الاعتداء في السبت فإنّ في كل منهما ارتكاب المنهيّ بخلاف الاستهزاء بأمر الله وروادفه، وما فعله المصنف ﵀ أدق مما ذكره الزمخشريّ وبالقبول أحق، ويمكن أن يناقش فيما ذكره بمنع توقف تثنية التقريع على فك الترتيب فإنه يحصل بتكرير التذكير وموقع ما في القصة من الجنايات فتأمل. قوله: (وهو الاستهزاء بالأمر الخ الما سيأتي من قوله استخفافا به فلا يرد عليه أنّ المنقول عنهم في قوله أتتخذنا هزواً حمل الأمر على الاستهزاء لا الاستهزاء بالأمر وفرق بينهما. قوله: (وقصته الخ) في الكشاف كان في بني إسرائيل شيخ موسر فقتله بنو أخيه ليرثوه وطرحوه على باب مدينة ثم جاؤوا يطالبون بديته الخ. وقيل عليه الصواب بنو عمه كما في التفاسير وكما قال بعد ذلك قتلني فلان وفلان لابني عمه ومنهم من غير العبرة إلى فقتل ابنه بنو أخيه ليرثوه أي الشيخ ويدفعه ما في آخر القصة ولم يورّث قاتلي بعد ذلك لأنهم لم يقتلوا المورّث أي الشيخ فقيل: ضمير يرثوه للابن ويكون قتل الابن بعد موت الثيخ، ورد بأنه لا معنى لذكر الشيخ حينئذ إذ صارت القصة أنه كان رجل موسر فقتله بنو عمه ليرثه واعتذر له بأنّ الشيخ كان مشهوراً بينهم
بالغنى وهو يقتضي غنى ابنه الموجب للطمع وقيل: المعنى قتل ابن الشيخ بنو أخي الشيخ ليرثوا الشيخ إذا مات ويدفعه قضية لم يورث قاتل بعد ذلك وأنهم جاؤوا يطالبون بديته والمصنف ﵀ قصد إصلاحه فغيره لما ذكر وقوله: بدمه ظاهر في أنه بعد موت الشيخ وفاء فقتل فصيحة أي فمات فقتل ابنه والمراد بالميراث ميراث الشيخ لعدم تصرّف ابنه يخيه وذكر الشيخ لبيان سيب قتل ابن عمهم فتأمل والبقرة الأنثى والذكر الثور من بقر الأرض شقها بالحراثة وقيل: عامّ للذكر والأنثى، واستدل بالآية على أنّ الذبح فيها أحسن من النحر بخلاف الإبل. قوله: (أتتخذنا هزؤا الخ) الاتخاذ كالتصيير والجعل يتعدّى إلى مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر وقرئ بالتاء خطابا لموسى ﵊ وبالياء فالضمير لله أي أنخبرك أنّ رجلا قتل فتأمرنا بذبح بقرة إن لم يكن ذكر الإحياء بضربها أو أيمكن ذلك فأنت تستهزئ بنا ولما كان لإفراده وكونه اسم معنى لا يقع مفعولاً ثانيا لضمير الجمع بدون تأويل أشار إلى تأويله بقوله مكان هزؤ الخ فهو إمّا بتقدير مضاف أي مكان أو أهل أو بجعل الهزؤ بمعنى المهزوء به تسمية للمفعول به بالمصدر أو بجعل الذات نفس المعنى مبالغة نحو رجل عدل، ويرجع مكان هزؤ إلى المبالغة فيه بطريق الكناية وقوله: استبعاداً لما قاله واستخفافا به تعليل لقالوا أتتخذنا والاستبعاد والاستخفاف مأخوذان من الاستفهام أي أتسخر بنا فإنّ جوابك لا يطابق سؤالنا ولا يليق، ولا يخفى أنه يشعر بالاستخفاف فلا يتوهم أنه يأباه انقيادهم له فإنه بعد العلم بأنه جذ وعزيمة وقرئ بالضم على الأصل والتسكين للتخفيف وإبدال الهمزة المضموم ما قبلها واواً على القياس كما قرئ كفوا وكلها من السبعة. قوله: (لأنّ الهزؤ في مثل ذلك الخ) أي مقام التبليغ والإرشاد والجواب عما رفع إليه من القضية بخلاف مقام الاحتقار والتهكم مثل: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ والهزؤ ليس هو المزح والفرق بينهما ظاهر فلا ينافي وقوعه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وتوله: جهل وسفه عطف تفسير لأنّ الجهل كما قال الراغب: له معان عدم العلم واعتقاد
стр. 599
الشيء بخلاف ما هو عليه وفعل الشيء بخلاف ما حقه أن يفعل سواء اعتقد فيه اعتقادا صحيحا أو فاسداً وهو المراد هنا. قوله:) نفى عن نفسه ما رمى به على طريقة البرهان الخ) يعني طريقة الكناية حيث نفى عن نفسه أن يكون داخلا في زمرة الجاهلين وواحداً منهم لأن أن أكون من الجاهلين أبلغ من أن أكون جاهلاً لأنّ معناه كائن من زمرة معروفة بذلك الوصف وأن أكون جاهلا أبلغ من أن أجهل فبين أنّ الهزؤ في هذا المقام جهل وأنا لا أجهل فكيف أهزؤ ولذا صدره بالاستعاذة لاستفظاعه وعده فظيعا شنيعا يستعاذ منه بالله كما هو المعروف من إيراده في أثناء الكلام، وقوله: أح الخ أي سله لأجلنا يبين لنا، فيبين مجزوم في
جواب الأمر أي يظهر لنا ما هي. قوله: (أي ما حالها وصفتها وكان حقه الخ) قال المحقق ما تكون سؤالاً عن مدلول الاسم أو حقيقة المسمى أو وصفه مثل ما زيد وجوابه الفاضل أو الكريم أو نحو ذلك كما صرّح به الزمخشريّ والسكاكيّ، والأوّلان معلومان فتعين الثالث لأنهم سمعوا لها صفة من إحياء الميت ليست من جنسها فتعجبوا وسألوا عن حالها وصفتها فإن كانت معينة كما هو رأي البعض فظاهر لأنه استفسار لبيان المجمل والا فلمكان التعجب وتوهم أنّ مثلها لا يكون إلا معينا، وقد تقرّر في بعض الأذهان أنّ كلمة ما إنما تكون سؤالاً عن الاسم والحقيقة وأنّ السؤال عن الصفة إنما يكون بكيف أو أني فزعموا أنّ ما ههنا أقيمت مقام كيف أو أني إيماء إلى أنها كأنها نوع أو فرد مخصوص لها أوصاف خارجة عما عليه جنس البقر اص. ملخصاً. وقول المصنف ﵀ ما حالها إشارة إلى أنه قد يسئل بها عن الوصف، ولذا قال: غالباً لكن بين نكتة العدول عن الغالب فقوله: كان حقه أن يقولوا أيّ بقرة لأنّ أيا يسئل بها عما يميز أحد المتشاركين في أمر يعمهما، وكيف للسؤال عن الحال لكنهم لما رأوا ما أمروا بذبحه لإحياء الميت بضربه ببعضه لم يوجد بها أي بتلك الحال شيء من جنسه سألوا عن الحال بما يسئل به عن الحقيقة في الغالب لعدم مثله وزاد قوله إنه يقول إشارة إلى أنه من الله لا من عند نفسه، ولا فارض! ولا بكر صفة بقرة واعترض لا بين الصفة والموصوف نحو مررت برجل لا طويل ولا قصير، وأخبر مبتدأ محذوف أي هي وكرّرت لوجوب تكريرها مع الخبر والنعت والحال، ولا يجوز عدم التكرار إلا في ضرورة خلافا للمبزد وابن كيسان كقوله: قهرت العد إلا مستعينا بعصبة ولكن بأنواع الخدائع والمكر
والفارض المسنة الهرمة من فرض بمعنى قطع إفا لأنها فرضت سنها أو لقطعها الأرض بالعمل أو لأنها من فريضة البقر في الزكاة يخهو إسلاميئ، والبكر ما لم تحمل أو ما ولدت بطناً واحدأ أو ما لم يطرقها فحل وأصل الماذة يدل على الأوّلنة كما ذكره المصنف ﵀ وهو ظاهر والفتية الحديثة السن كالفتاة في النساء وفرضت بفتح الراء وضمها. قوله:) نصف الخ (النصف بفتحتين المرأة المتوسطة الست فهو من قبيل المشفر والعوان قال الجوهرقي: النصف في سنها من كل شيء وإنما ذكره لدفع توهم أنها جنين أو جفرة وقوله نواعم الخ هو من شعر للطرماج وهو: ظعائن كنت أعهدهن قدما وهق لدى الإقامة غير خون
حسان مواضع النقب الأعالي غراث الوشح صامتة البرين
طوال مثل أعناق الهوادي نواعم بين أبكار وعون
والهوادي الظباء وبقر الوحش، والنواعم اللينة الملمس وذلك وإن كان مفرداً أشير به لمتعدّد مؤوّل بما ذكر كما مرّ ولذا صح إضافة بين إليه لأنه لا يضاف إلا لمتعدّد. قوله: (وعود هذه الكنايات الخ) قيل: لا خلاف في أنّ ظاهر اللفظ في أوّل الأمر بقرة مطلقة ولا في أنّ الامتثال في الآخر إنما وقع بمعينة وإنما هو في أنّ المأمور به في أوّل الأمر معينة وأخر البيان عن وقت الخطاب أو مبهمة لحقها التغيير إلى المعينة بسبب كثرة سؤالهم ذهب بعضهم إلى الأوّل تمسكاً بأنّ الضمائر في أنها بقرة كذا وكذا للمعينة فكذا في السؤال. قيل: ورجحه المصنف خلافاً للزمخشريّ، ولذا قدمه وذكر متمسك قائله وعبر فيه
стр. 600
بالدلالة وفي الآخر بالزعم ولم يذكر له متمسكاً، وأجيب عما ذكره بأنهم لما تعجبوا من بقرة ميتة يضرب ببعضها ميت فيحيا ظنوها معينة خارجة عما عليه صفة الجنس فسألوا عن حالها وصفتها فوقعت الضمائر لمعينة بزعمهم فعينها الله تشديداً عليهم وان لم تكن من أوّل الأمر معينة، ولا يخفى أنه خلاف الظاهر المتبادر.
قوله: (ومن أنكر ذلك رّعم أنّ المراد بها بقرة من شق البقر الخ) شق بالكسر أي من جانبها ونوعها من غير تعيين، وفي الأساس خذ من شق الباب أي عرضه ولا تختر أي أنّ المأمور به غير معينة بحيث يحصل الامتثال بذبح أيّ بقرة كانت تمسكاً بظاهر اللفظ لقوله ﵊: " لو اعترضوا أدنى بقرة فذبحوها لكفتهم " وهو مروفي عن ابن عباس ﵄ لكن لفظ المروي: " لو ذبحوا أيّ بقرة أرادوا لأجزأتهم ولكن شدّدوا على أنفسهم فشدّد الثه عليهم " أخرجه سعيد بن منصور بسند صحيح عن ابن عباس ﵄ موقوفاً، وبه يشعر قوله فافعلوا ما تؤمرون قبل بيان اللون، وقوله: ثم انقلبت الخ. جواب عن تمسك القائلين بالتعيين بأنه دل عليه السياق، ووقع الاتفاق على أنه لم يرد أمر متجدّد غير الأوّل يكون به امتثالهم وإنما الامتثال بالأمر الأوّل فلزم أن لا يكون منسوخا وأن يكون أمراً بذبح المعينة لظهور أنّ الامتثال لم يقع إلا بالمعينة، وتقريره إنا لا نجعل نسخ الأمر الأوّل وانتقال الحكم إلى المخصوصة مبنياً على ارتفاع حكمه بالكلية حتى يحتاج إيجاب المخصوصة إلى أمر متجدد
بل على أنه كان متناولاً لها ولغيرها بمعنى حصول الامتثال بأقي فرد كان فارتفع حكمه في حق ما عداها وبقي الامتثال بذبحها خاصة فكان ذبحها امتثالاً للأمر الأول ولم يكن هذا منافيا لنسخ الأمر الأوّل في الجملة ولا موجبا لكون المراد به أوّلاً ذبح المعينة ويلزمه النسخ حيث ارتفع الإجزاء بأيّ فرد كان والتخصيص في عبارته بمعنى التقييد لا القصر ولا الاصطلاحيّ لأنه مطلق لا عامّ، وقوله والحق جوازهما أي جواز تأخير البيان عن الخطاب فإنّ الممتنع تأخيره عن وقت الحاجة على الصحيح وليس هذا منه فإنه لا دليل على أنّ الأمر هنا للفور حتى يتوهم ذلك وكذلك النسخ قبل الفعل جائز بل واقع كما في حديث: " فرض الصلاة خمسين في المعراج ". وقد نص عليه السهيليّ في الروض! ، وإنما الممتنع النسخ قبل التمكن من الاعتقاد بالاتفاق، وقبل التمكن من الفعل عند المعتزلة وفيه نظر وأيده بتقريعهم بالتمادي وزجرهم عن المراجعة قبل بيان اللون وكونها مسلمة غير مذللة وقوله: ﴿وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ وقيل: إنه دليل على أنه اختار القول الثاني ولم يجعل الحديث دليلا لأنه خبر واحد لا يعارض الكتاب وان كان صريحا فيه. قوله: (فافعلوا ما تؤمرون أي ما تؤمرونه بمعنى ما توّمرون به الخ) تأكيد للأمر وتنبيه على ترك التعنت وقوله: ما تؤمرونه إشارة إلى أنّ ما موصولة والعائد محذوف قال المحقق قد يتوهم أنه مثل لا تجزي نفس عن نفس شيئا في حذف الجارّ والمجرور دفعة، أو تدريجاً أو أنه من قبيل التدريج حيث حذف الباء أوّلاً ثم الضمير، والظاهر من العبارة أنه من قبيل حذف المنصوب من أوّل الأمر لأنّ حذف الجارّ قد شاع في هذا الفعل وكثر استعمال أمرته كذا حتى لحق بالأفعال المتعدية إلى مفعولين وصار ما تؤمرون في تقدير ما تؤمرونه، ولذا جعل ما تؤمرون به هو المعنى دون التقدير وأمّا جعل ما مصمدرية والمصدر بمعنى المفعول أي المأمور بمعنى المامور به فقليل جداً وإنما كثر في صيغة المصدر اهـ. وهذا الأخير هو معنى قول المصنف ﵀ أو أمركم الخ ولما فيه أخره وهو يخالف قول الطيبيّ ﵀ أنّ الأمر لا يستعمل إلا بالباء وقوله:
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به فقد تركتك ذا مط ل وذا نشب
قيل: قائله عباس بن مرداس وقيل: خفاف بن ندبة، وقال الآمديّ ﵀: أرى من
الشعراء شاعرا يقال له الأعثى غير الأعشى المشهور وهو من بني فهم حلفاء بني سليم وهو القائل:
يا دارأسماء بين السفح فالرحب أقوت وعفى عليها ذاهب الحقب
إني حويت على الأقوام مكرمة قدماً وحذرني ما تتقون أبي
стр. 601
وقال لي قول ذي علم وتجربة بسالفات أمور الدهر والحقب
أمرتك الرشد فافعل ما أمرت به فقد تركتك ذا مال وذا نشب
أي أمرتك بالخير بدليل ما أمرت به وذا مال أي ذا إبل وماشية لأنه يخص بها في كلام العرب والنشب المال الأصيل وهو اسم يجمع الصامت والناطق والنشب بشين معجمة وموحدة بعد النون، وروي بسين مهملة. قوله: (الفقوع نصوع الصفرة (أي خلوصها وأصل معناه شدة البياض يقال: أبيض ناصع وأريد به هنا مطلق الخلوص، والحلكة شدة السواد وليس المراد بالتأكيد هنا ا! كيد الاصطلاحيّ بل النعت المؤكد كلمس الدابر، وقوله: في إسناده إلى اللون الخ يعني أنه صفة سببية ولونها فاعل لا مبتدأ كما يتبادر إلى الوهم، كذا قيل: ولا مانع منه وقد جوّز أبو البقاء ﵀ وتكون الجملة صفة نعم لا يصح جعله فاعل صفراء لتأنيثها واكتسابه التأنيث من المضاف إليه خلاف الظاهر وتسرّ صفة صفراء وجوّز كونه صفة لونها وهو بعيد لفظا ومعنى، وإنما أوثر ذلك على صفراء فاقعة لما فيه من المبالغة لأنه من قبيل جد جدّه وحن حنوته حيث أثبت للون صفرة وهو ظاهر. قوله ة (وعن الحسن ﵀ سوداء شديدة السواد الخ الا يخفى أنه خلاف الظاهر والصفرة وإن استعملتها العرب بهذا المعنى نادرا كما أطلقوا الأسود على الأخضر لكنه في الإبل خاصة كقوله: ﴿جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ [سورة المرسلات، الآية: ٣٣] لأنّ سواد الإبل تشوبه صفرة وتأكيده بالفقوع ينافيه لأنهم قالوا أسود حالك وأحمر قان وأبيض ناصع وأخضر ناضر وأصفر فاقع ففرقوا بينها بالأوصاف، وهذا هو المشهور في اللغة إلا أنه قال في كتاب اللمع يقال: أصفر فاقع وأحمر فاقع وبقال في الألوان كلها فاقع وناصع إذا خلصت اهـ. فعليه لا يرد ما ذكر وكون الأصفر بمعنى الأسود قاله أبو عبيد ﵀ في غريبه وابن قتيبة واستشهد له بما ذكر. وقال البصريّ في كتاب التنبيهات: فيه غلطان، أحدهما: أنّ الإبل لا توصف بالسواد وإنما يقال حمر النعم وصفر النعم والسود منها مذمومة، والثاني أنّ الزبيب أسود وأصفر والذي ذكره الأعشى الثاني وقال أبو يوسف ﵀: الأصفران الورس والزبيب ولكته سمع قول الأصمعيّ الألوان عند العرب لونان أبيض وه، سواه أسود فلم يفهم لأنّ عنده الألوان كلها ترجع لما ذكر اهـ. وقال أبو رياس: هو غلط وأين هما
عن قول ذي الرمة:
وجيد ولبات نواصع وضح إذا لم يكن من نصح حارثة صفرا
قوله: (قال الأعشى الخ) هو من قصيدة يمدح بها قيس بن معد يكرب وضمير منه يعود
له هو مذكور في قوله فبله:
إنّ فيساً قيس الفعال أبا الأف حث أمست أصداؤه لشعوب
وتلك مبتدأ وخيلي خبره ومنه حال أي حاصله من الممدوح، والركاب التي تركب واحدتها راحلة ولا واحد لها من لفظها والتشبيه بالزبيب علم في الوصف بالسواد وكون البعض من الزبيب أصفر وأحمر لا يدفع ذلك وحمل الصفر في البيت على الظاهر وجعل كالزبيب خبراً عن الأولاد يعني أنها صفر أولادها سود احتمال بعيد لا يحسن إلا بالعاطف أي وأولادها كذا قيل: ردّا على ما في الكشف وفيه نظر لأنه إذا جعل الجملة صفة لصفر سببية لا يتأتى فيه الواو، ولا مانع منه نعم ردّه الأوّل مسموع وكذا ما قاله من أنه على هذا القول استعيرت الصفرة للسواد وكذا فاقع لشديد السواد وهو ترشيح ويجعل سواده من جهة البريق واللمعان ولا يخفى ما فيه من التكلف، وقوله: لأنها من مقدماته إذ أكثر في النبات والثمار أنها تسودّ بعد اصفرارها فيكون إطلاق الأصفر على الأسود باعتبار ما كان عليه فمن قال في تفسير قوله من مقدماته أنه صار بالآخرة إليه فيكون مجازاً باعتبار ما يؤول إليه فقد سها فتأمّل. وقوله تعلوه صفرة قيل: فهو من ذكر المحل وارادة الحال، والسرور الفرح بحصول النفع ونحوه كدفع الضرر وتوقعهما واستعماله بمعنى الإعجاب للزومه له غالبا مجاز، وأخذ. من السرّ لأنه انشراح في الصدر أو لذة في القلب
стр. 602
فمبدؤه كالسرّ ومن قرأ السرور بالفتح مصدر سرّ والسرّ بالضم فقد تعسف وأتى بما لا فائدة فيه، وما هي ما استفهام عن الحال كما مرّ خبر أو مبتدأ أو الجملة في محل نصب يبين لأنه معلق عنها وجاز فيه ذلك لشبهه بأفعال القلوب والمعنى يبين لنا جواب هذا السؤال وكونه تكريراً بحسب الظاهر وهو معنى أنه كرّر عبارته لأنه سؤال عن الموصوف بالأوصاف السابقة طلبا لزيادة البيان وقوله اعتذار عنه أي عن تكرير السؤال، قيل: وقيد السؤال بالأوّل تنبيهاً على أنّ السؤال الثاني يخالف الأوّل لأنه عن اللون والأوّل مطلق وجعله مكرّرا كما في الكشاف لأنّ اللون من جملة الصفة وداخل فيها ومنه يعلم وجه تقييده بالأوّل لأنه مثله في الإطلاق فلا يرد ما قيل: إنه لا وجه له، واستكشاف زائد على التوصيف وجعله مضافا إليه على معنى أمر زائد خلاف الظاهر. قوله: (إنّ البقر الخ) قال الواحديّ ﵀: البقر جمع
بقرة أي اسم جنس جمعيّ يفرق بينه وبين واحده بالتاء ومثله يجوز تذكيره وتأنيثه نحو نخل منقعر والنخل باسقات وقالى القرطبيّ ﵀: التشابه مشهور في البقر وفي الحديث: " فتن كوجوه البقر) أي يشبه بعضها بعضا، والباقر اسم جمع كالحامل والسامر ويجمع أئضاً على باقور وبواقر كأنه جمع باقرة وأباقر جمع على خلاف اللفظ. قوله: (ويتشابه بالياء والتاء الخ) في الدرّ المصون تتشابه بتاءين على الأصل وتشبه بتشديد الشين والباء من غير ألف، والأصل تتشابه وتشابهت ومتشابهة ومتشابه ومتشبه على اسم الفاعل من تشابه وتشبه وقرئ تشبه ماضميا وفي مصحف أبيّ رضي إلله عنه تشابهت بتشديد الشين قال أبو حاتم هو غلط لأنّ التاء لا تدغم إلا في المضارع وهو معذور في ذلك، وقرئ تشابه كذلك إلا أنه بطرح تاء التأنيث ووجهها على أشكالها أن يكون الأصل أنّ البقرة تشابهت فالتاء الأولى من البقرة والثانية من الفعل فلما اجتمع مثلان أدغم نحو الشجرة تمايلت مع أنّ جعل التشابه في بقرة ركيك إلا أنه يشكل أيضا في تشابه من غير تأنيث لأنه كان يجب ثبوت علامة التأنيث إلا أن يقال إنه على حد قوله:
ولا أرض أبقل أبقالها
وابن كيسان يجوّزه في السعة. قوله: (إلى المراد ذبحها أو إلى القاتل) بيان لمتعلقه المحذوف وقوله وفي الحديث: " لو لم يستثنوا لم بينت لهم آخر الأبد " قال العراقي: لم أقف عليه، وقال السيوطي: أخرجه بهذا اللفظ ابن جرير عن ابن عباس ﵄ مرفوعا معضلاً، وأخرجه بنحوه سعيد بن منصور عن عكرمة مرفوعا مرسلاَ وابن أبي حاتم عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا موصولاً، قال المحقق: " لو لم يستثنوا لما بينت " أي البقرة يدل كون المعنى إنا لمهتدون إلى البقرة وكلمة: ﴿إِن شَاء اللَّهُ﴾ تسمى استثناء لصرفها الكلام عن الجغ م وعن الثبوت في الحال من حيث التعليق على ما لا يعلمه إلا الله وآخر الأبد كناية عن المبالغة في التأبيد والمعنى إلا الأبد الذي هو آخر الأوقات اص. وليس إطلاق الاستثناء على إن
حأشية الشهاب / ج ٢ / م ١٩
شاء الله والشرط اصطلاح الفقهاء لأنه يسقط لزوم ما يعتقده الحالف فصار بمنزلة الاستثناء الذي يسقط ما يوجبه اللفمل قبله كما قيل: لأنه ورد في " الحديث " وفي القرآن في قوله تعالى: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾ [سورة القلم، الآية: ١٧] قال في الكشاف: ولا يقولون ﴿إِن شَاء اللَّهُ﴾ فإن قلت لم سمى استثناء وإنما هو شرط، قلت لاً نه يؤدي مؤدي الاستثناء من حيث إنّ معنى قولك لأخرجت إن شاء الله ولا أخرج إلا أن يشاء الله واحد فتأمّل. قوله: (واحتج به أصحابنا الخ) وجهه أنّ الاهتداء علق بمشيئة الله فلا يقع بدونها وانّ الله قصه مقرراً له ووقع في الحديث ما يؤيده وليس ذلك إلا لحدوثه فيستوي في ذلك جميع الحوادث إذ لا قائل بالفرق فلا يرد أنه من كلام اليهود فكيف يكون حجة وأن كون الهداية بالإرادة لا يقتضي أنّ جميع ما عداها كذلك، وفيه نظر لأنه إن أراد أنه لا قائل بالفصل من أهل السنة فلا يجدي. وإن أراد مطلقاً فممنوع لأنّ المعتزلة لا يقولون بوقوع القبيح بإرادته والهداية أمر حسن فتأمّل، ثم إنه مبنيّ على ترادف المشيئة والإرادة وفيه خلاف أيضاً. قوله: (وإق الأمر قد ينفك الخ) ردّ على من قال من المعتزلة إنّ الأمر هو الإرادة ووجهه أنه أمرهم بذبحها ثم ارتضى تعليق الاهتداء لذبحها على إرادته فلو كانت عيته لم يرتض تعليقه بعد وقوعه، وفيه نظر لأنه
стр. 603
إنما يتم أن لو أريد بالاهتداء الاهتداء إلى المراد بالأمر وقد فسر بغيره أيضاً مع أنّ اللازم من الغرض! المذكور أن يكون المأمور به وهو ذبح البقرة مراداً ولا يلزمه الاهتداء إذ يجوز أن يكون لتلك الإرادة حكمة أخرى وقوله: للشرط أراد به التعليق وهو يطلق عليه وعلى أداته وعلى الجملة الأولى. قوله: (والمعتزلة والكرامية الخ) عطف على فاعل احتج وتقدم ضبط الكرامية فراجعه، ووجهه أنّ دخول كلمة أنّ عليها يقتضي الحدوث لأنه علق حصول الاهتداء على حصول مشيئته وهو حادث فكذلك مشيثته محدثة والا يلزم التخلف، وحاصل الجواب أنّ اللازم حدوث التعلق ولا يلزمه حدوث نفس الصفة وتفصيله في الكلام. قوله: (أي لم تذلل للكراب الخ) الكراب بالكى إثارة الأرض للحرث وتذلل بمعنى تستعمل له ولا ذلول صفة بقرة ولا بمعنى غير قيل: فكأنها اسم على ما صرح به السخاوي لكن لكونها في صورة الحرف ظهر إعرابها فيما بعدها، ويحتمل أن تكون حرفاً كما تجعل إلا بمعنى غير في مثل: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ﴾ [سورة الأنبياء، الآية: ٢٢] مع أنه لا قائل باسميتها وأما الثانية فحرف زيد لتأكيد النفي وهو لا ينافي الزيادة مع أنه يفيد التصريح بعموم النفي إذ بدونها يحتمل نفي الاجتماع ولذا تسمى المذكرة، وصرح بأنّ الفعلين صفتا ذلول إشارة إلى أنّ تثير منفيّ لكونه صفة للمنفيّ فيصح في
العطف عليه لا المزيدة لتأكيد النفي وفيه دفع لما ذهب إليه البعض كالكواشي من كون تثير حالاً اهـ. وفيه أنّ قوله إنّ إلا بمعنى غير لم يقلى أحد باسميتها ليس كما ذكر فقد صرحوا بخلافه وكون لا زائدة قيل: إنه ليس بشيء لأنه يلزم منه صحة الوصف بغير تكرير لا مع أنه مخصوص بالشعر والتصريح بعموم النفي لا يقتضيه، ثم إنّ الحالية جوزاها غير الكواشي من بقرة لأنه نكرة موصوفة أو من الضمير في ذلول والاعتراض على الزيادة غير وارد لأنها زبادة لازمة كما صرح به الرضيّ مع أن ابن كيسان وغيره أجاز ما منعه كما مر، ثم إنّ وصف ذلول بناء على ما ارتضاه بعض النحاة من أن الصفة يجوز وصفها كما صرح به السمين فلا يرد ما قيل: إن ذلولاً من صيغ الصفة فيمتنع أن تقع موصوفا، والإثارة قلب الأرض! للزراعة من أثرته إذا هيجته والحرث الأرض! المهيأة للزرع قاله الواحدي. قوله: (وقرئ لا ذلول بالفتح الخ) في الكشاف وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي التابعي لا ذلول بمعنى لا ذلول هناك أي حيث هي وهو نفي لذلها ولأنها توصف به فيقال: هي ذلول، ونحوه قولك مررت بقوم لا بخيل ولا جبان أي فيهم أو حيث هم يعني أنه قرئ بفتح اللام على أن لا لنفي الجنس والخبر محذوف والجملة صفة ذلول كناية عن نفي الذل عنها كما يقال: الذليل من حيث هو كناية عن إثبات الذل له، ولاذل بالكسر ضد الصعوبة وهو اللين والانقياد وبالضم ضد العز وقيل: إن تثير خبرها والجملة معترضة بين الصفة والموصوف وما اختاره المصنف أبلغ، وأما ما قيل: من أنه بعيد من حيث المعنى والأولى أن يقال: إنه بنى نظر الصورة لا لأنّ الرضي نقل أنه يبني مع لا الزائدة فهذه أولى ونحو مررت برجل لا بخيل ليس من قبيل الآية فليس بشيء، وقوله: وتسقي من أسقى أي قرئ تسقي بضم حرف المضارعة من أسقى بمعنى سقي وبعض أهل اللغة فرق بينهما بأن سقى لنفسه وأسقى لغيره كماشيته وأرضه. قوله: (سلمها الله من العيوب الخ (أي أنه من السلامة من العيوب أو من الكد في العمل أو أنّ لونها خالص لا يخالط صفرته لون آخر فيكون قوله لا شية فيها توكيداً له وأهلها عطف على فاعل سل! عا، وأخلص مبني للمجهول أي جعله الله خالصاً ولو قرئ على المعلوم صح وعطف خلص بأو هو الظاهر ووقع في بعض النسخ بالواو وكأنه تحريف من الناسخ. قوله: الا لون فيها الخ (شية مصدر وشيت الثوب أشيه وشيا فحذف فاؤه كعدة وزنة ومنه الواشي للنمام قيل ولا يقال له واس حتى يغير كلامه ويزينه ويقال ثور أشيه وفرس أبلق وكبش أخرج وتيس أبرق وغراب أبقع كل ذلك بمعنى البلقة وشية اسم لا وفيها خبرها وقال أبو حيان: ثور أشيه للذي فيه بلقة ليس مأخوذاً من الوشي لاختلاف
المادتين. قوله: (لآن جئت بالحق أي بحقيقة وصف البقرة الخ) الآن عند المحققين من أهل اللغة والنحو لازم البناء على الفتح ولا يجوز تجريده من الألف واللام واستعماله على خلافه لحن قال الحلبيّ: وهي تقتضي الحال وتخلص المضارع له وقال بعضهم: هو الغالب وقد جاء
стр. 604
حيث لا يمكن أن يكون للط ل نحو: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٨٧] إذ الأمر نص في الاستقبال وادعى بضهم إعرابه لقوله:
كأنهما يلأيئ لم يتغيرا
يريد من الآن فجره وهر يحتمل البناء على الكسر وهو معرفة لتضمنه معنى أل التعريفية كسحر ولذا بني وأمّا المذكورة فهي زائدة وفيه قول آخر والكلام مبسوط فيه في العربية، وقوله: أي بحقيقة وصف البقرة أي أنّ الحق هنا بمعنى الحقيقة وهي إما حقيقة الوصف والبيان التام الذي تحققنا به البقرة لا المقابل للباطل حتى يتضمن أنّ ما جاء به تجل كان باطلاً أو حقيقة البقرة نفسها لبيان مشخصاتها، وقال أبو حيان ﵀: جئت بمعنى نطقت بالحق الذي لا إشكال فيه وقيل الحق بمعنى الأمر المقضي أو اللازم وقراءة مد الآن بالاستفهام التقريري إشارة إلى استبطائه وانتظارهم له، وهذه مع إثبات واو قالوا وحذفها كما في البحر. قوله: (فيه اختصار الخ) قيل: إنها فاء فصيحة عاطفة على محذوف مثل فضرب فانفجرت، ورد بأنّ الاختصار لظهور المراد لا لإنباء الفاء عنه ولذا قيل: فيه اختصار، ولم يقل يتعلق بمحذوف إشارة إلى أنه ليس من قبيل الفاء الفصيحة لأنّ شرطها أن يكون المحذوف سببا للمذكور والتحصيل ليس سببأ للذبح بل الأمر به وليس بشيء لأنه متوقف عليه ومثله يعد من الأسباب ولا ينافيه كون الأمر سبباً آخر وهو ظاهر. قوله: (لتطويلهم وكثرة مراجعاتهم الخ (إشارة إلى نكتة التعبير بكاد هنا، والع! سجلة بكسر العين وسكون الجيم الفتية من البقر والغيضة بالغين والضاد المعجمتين مرعى واسع فيه أشجار، وقوله: اليتيم وأمه هو الصحيح ووقع في بحضها تحريفات تكلف بعضهم لتوجيهها ما لا حاجة إليه وملء جلدها وقع في نسخة مسكها بفتح فسكون وهو بمعناه، ويكبر! فتح الباء في السن، وشبت صارت شابة. قوله: (وكاد من أفعال المقاربة الخ) كاد موضوعة! قاربة ائخبر على سبيل حصول القرب لا على رجاث وهو حنر محض بقرب خبرها وخبرها لا يكون إلا مضارعا إلا على الحال لتأكيد القرب واختلف فيها
فقيل: هي في الإثبات نفي وفي النفي إثبات وأنه إذا قيل: كاد زيد يخرج فمعناه ما خرج وهو فاسد لأن معناها مقاربة الخروج وهو مثبت وأما عدمه فأمر عقليّ خارج عن مدلوله، ولو صح ما قاله لكان قارب ونحوه كذلك ولم يقل به أحد وقيل: هي في الإثبات إثبات وفي النفي الماضي إثبات وفي المستقبل على قياس الأفعال تمسكا بهذه الآية، ورد بأن المعنى وما قاربوا الفعل قبل أن يفعلوا وفعلهم بعد ذلك مستفاد من قوله فذبحوها فالصحيح أنها في الإثبات والنفي كغيرها من الأفعال، وللشيخ عبد القاهر هنا كلام لطيف سيأتي تفصيله في سورة النور. فوله: (ولا ينافي قوله وما كادوا يفعلون الخ) قيل: فيه إشكال لأنّ الظاهر أنّ قوله وما كادوا يفعلون حال من فاعل فذبحوها فتجب مقارنة مضمونة لمضمون العامل فلا يصح القول باختلاف وقتيهما، والجواب أنهم صرحوا بأنه قد يقيد بالماضي فإن كان مثبتاً قرن بقد لتقرّبه منه وإن كان منفيا لم يقرن بها لأن الأصل استمرار النفي فيفيد المقارنة، وهذا لا يدفع السؤال لأنّ عدم مقاربة الفعل لا يتصوّر مقارنته للفعل هنا فلا محصل لما ذكره سوى التطويل بلا طائل فالذي ينبغي أن يعول عليه أنّ قولهم لم يكد يفعل كذا كناية عن تعسره وثقله عليهم وتبرّمهم به كما يدل عليه كثرة سؤالهم ومراجعتهم وهو مستمر باق قال ابن مالك ﵀ في شرح التسهيل: قد يقول القائل لم يكد زيد يفعل ومراده أنه فعل بعسر لا بسهولة وهو خلاف الظاهر الذي وضمع له اللفظ وفي التسهيل، وتأتي كاد إعلاما بوقوع الفعل عسيراً ولبعضهم هنا كلام محتل طويل الذيل. قوله: (خطاب الجمع لوقوع القتل فيهم الخ) وإذ قتلتم نفسا معطوف على إذ قال موسى ونفساً بمعنى شخصاً حقيقة، وقيل: إنه مجازاً وبتقدير ذا نفس واسم المقتول عاميل بن شراحيل وقوله: لوجود القتل فيهم إشارة إلى أنه مجاز حيث أسند إلى الكل ما صدر من البعض كما صرح به الزمخشرقي في سورة مريم في قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ [سورة مريم، الآية: ٦٦] قال لما كانت هذه المقالة موجودة فيمن هو من جنسهم صح إسنادها إلى جميعهم كما يقولون بنو فلان قتلوا فلاناً وإنما القاتل رجل منهم لكن قال بعضهم: لا يحسن إسناد فعل أو قول صدر عن البعض إلى الكل
стр. 605
إلا إذا صدر عنه بمظاهرتهم أو رضا منهم وليس كما قال: فإن ما ذكرناه من الآيتين ليس كذلك وقد ناقض هذا القائل نفسه في مواضع كثيرة نعم لا بد لإسناده إلى الكل من نكتة وهي إمّا كون الصادر عنه أكثرهم أو كونه برضاهم أو غير ذلك فتأمّل. قوله: (اختصمتم في شأنها إذ المتخاصمان الخ) أصل ادارأتم تدارأتم تفاعل من الدرء وهو الدفع فاجتمعت التاء مع الدال مع تقارب مخرجهما
وأريد الإدغام فقلبت التاء دالاً وسكنت للإدغام فاجتلبت همزة الوصل للتوصل إلى الابتداء بها فبقي ادارأتم وهذا مطرد في كل فعل على تفاعل أو تفعل فاؤه دال نحو ادّاين وادّين أو طاء أو ظاء أو صاد أو ضاد نحو: أطاير وأظاهر وأصاهر وأضارّ، يعت ي أنه مجاز عن الاختلاف والاختصام أو كناية عنه لكون معناه الحقيقي وهو التدافع من الدرء وهو الدفع من روادف الاختصام ولوازمه أو هو في معنا. الحقيقي أعني تدافعتم، وفيه وجوه الأوّل أنّ البعض منكم يطرح قتلها أي النفس على البعض فكل من الفريقين طارج ومطروح عليه فكل منهما من حيث إنه مطروح عليه يدفع الآخر من حيث إنه طارح، الثاني أنّ طرج القتل في نفسه دفع له وكل من الطارحين دافع فتطارحهما تدافع من غير احتياج إلى أن يعتبر بعد التطارح دفع المطروح عليه الطارح وفيه نظر لأنّ هذا لا يكون تدافعأ لأنّ معناه دفع كل منهما الآخر لا دفع كل منهما القتل مثلا وإنما يصح مثل هذا في المتعدي مثل طارحنا الكلام وتطارحناه الثالث أنّ كلا من الفريقين يدفع الآخر عن البراءة إلى التهمة فكل منهما دافع ومدفوع وهو معنى التدافع، وكذا قال الشارح المحقق وكلام المصنف ﵀ يحتملهما إلا أنه قيل: إنه ترك الأخير ولم يعرّج عليه لبعده، وقد قيل: فيما نظر به أنه ليس بشيء لأنّ المعتبر في تفاعل مجرّد الاشتراك والاجتماع في أصل الفعل وبه يفارق فعل فإنّ فيه خصوصية الإسناد إلى أحدهما والإيقاع على الآخر والعجب من هذا القائل أنه اعترف به فيما مر في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [سورة البقرة، الآية: ٥١] (أقول) هو رذ على العلامة حيث قال: أو نقول: طرح القتل هذا على ذاك وطرح ذاك على هذا والطرح في نفسه دفع فيكون الدفع بينهما ومحصل نظره أنّ التفاعل لازم وما ذكره مأخذ القتل فيه لا يصح إلا إذا كان متعديا فالردّ لم يصادق محله فإئا أن يلتزم أنه متعد أو يقال: إنّ في الكلام تقديراً أي طرج بعضكم على بعض القتل فادّارأتم لأنّ الدرء بعد الطرج له أو جعل كناية عنه فلا يلزم ما ذكره فتأمّل. وقوله: إذ المتخاصمان أي إذ الفريقان المتخاصمان فلا يقال: الصواب بعضهما أو ترك التثنية كما في الكشاف، وفيها متعلق به على تفسيره بالتخاصم وإذا كان حقيقة ففي سببية وقيل: الدفع من دفع عليه أي طرح أو من دفع عنه وعلى الأوّل إمّا أن يوجد الدفع من أحدهما بأن يطرح عليه غيره فيدفعه المطروح عليه فالثاني دافع والأوّل طارح لا دافع إذ الدفع إنما يكون بعد الطرح وهو على طريقة دناهم كما دانوا فتأمّل. قوله: (مظهره لا محالة) أخذه من التعبير بالاسمية وبناء اسم الفاعل على المبتدأ المفيد لتقوي الحكم وفسره بالإظهار لوقوعه في مقابلة الكتم وقوله: واعمل مخرج الخ أي مع أنه ماض الآن وهو لا يعمل قيل: لأنه كما جاء حكاية الحال الماضية جاء حكاية الحال المستقبلة وان كان الأوّل أشهر وفيه نظر لأنه لا داعي هنا إلى اعتبار الحكاية والاستقبال والحال لا يراعي فيه حال التكلم بل حال الحكم الذي قبله وهو التدارؤ وهو بالنسبة إليه مستقبل فانظر وجهه،
وقوله: والضمير للنفس يعني وهي مؤنثة فذكر للتأويل المذكور، والجملة معترضة للتقريع وقيل: حالية أي والحال أنكم تعلمون ذلك. قوله: (أكط بعض كان) هذا هو الظاهر إذ لا فائدة في تعيينه ولم يرد به نقل صحيح، والأصغر أن القلب واللسان، والعجب بالفتح والضم ثم السكون أصل الذنب وهو أوّل ما يخلق وآخر ما يبلي كما ورد في الحديث. قوله: (يدل على ما حذف الخ) قال المحقق: يعني أنّ حذف ضربوه المعطوف على قلنا شائع مقرّر في الفاء الفصيحة في فحيي وههنا قد حذف الفاء الفصيحة مع المعطوف عليه والمعطوف وإنما كانت فصيحة بدلالة قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَى﴾ [سورة البقرة، الآية: ٧٣] مع الإشارة إلى أنّ حياة القتيل
стр. 606
كانت بمحض خلق الله من غير تأثير للضرب وقيل: عليه إنه غفلة عن أنّ ذلك إنما يكون على تقدير أن يكون مذكورا وما قبله محذوفا، وأمّا إذا حذفا معا كالذي نحن فيه فالفاء سببية محضة وهذا يتراءى في بادئ النظر لأنها إنما سميت فصيحة لإفصاحها عن المحذوف وهو ينافي حذفها وعند التأمّل ليس بشيء لأنه إمّا أن يريد أنها لو ذكرت كانت فصيحة أو أنها في قوة المذكورة هنا فيصح تسميتها فصيحة لأنّ كذلك إشارة إلى مدخولها أي مثل هذه الحياة الحاصلة بالضرب والإشارة إلى المذكور بل المحسوس فلولا تنزيلها منزلته لم يصح ذلك فتأمّل. ومثل هذه الاعتبارات لا حجر فيها.
قوله: (والخطاب مع من حضر حياة القتيل الخ) قيل: يعني يكون الكلام خطاباً معهم وضحمير يريكم ولعلكم لهم لا حرف الخطاب في كذلك فإنه خطاب لمن يتلقى الكلام فالأنسب ذكره بعد تعقلون. (أقول) : هذا بناء على أنّ الخطاب المتصل بالإشارة يقع لمن يجري معه معنى الكلام وإنما أفرد مع كونهم جماعة اكتفاء بخطاب واحد منهم كما نقله في شرح التسهيل عن ابن الباذس أو بتأويل فريق ونحوه وعلى هذا يجري فيه الالتفات، وقيل: إنه خطاب لمن
يلقي إليه الكلام فلا يجري فيه الالتفات وقد وقع من العلامة إجراؤه فيه تارة ومنعه أخرى بناء على المسلكين ومن غفل عن هذا قال: كان حقه أن يؤخر هذا عن قوله لعلكم تعقلون لئلا يتوهم أنّ المراد الخطاب في كذلك فإنه لا يصح خطابا لمن حضر حياة القتيل لأنهم معدومون وقت الخطاب بل هو خطاب لمن يتلقى الكلام ثم إنه على هذا التقدير لا بد من تقدير القول قبل كذلك أي وقلنا لهم أو قلنا بدون واو استئنافا بخلاف الوجه الثاني فإنه ينتظم بدونه بل يخرج معه عن الانتظام، فتأمّل والخطاب على الثاني مع كل من يقف عليه. قوله: (لكي يكمل عقلكم الخ) أوّله لأنّ كونهم يعقلون أمر محقق لا في صورة المرجوّ لكن جعلوا لعدم الجري على موجب العقل كأنهم لا يعقلون ولو قدر له مفعول ولم ينزل منزلة اللازم لم يحتج إلى هذا التأويل فالمراد إمّا العقل الكامل أو أثره الذي هو العلم ولك أن تجعل قوله أو تعلمون الخ إشارة إلى تقدير المفعول لكن تأخير قوله أو تعملون يأباه، والتقزب بالذبح، وأداء الواجب بامتثال الأمر واليتيم هو صاحب البقرة والتوكل من أبيه كما مرّ وكذا الشفقة، والطالب القوم الطالبون لمعرفة القاتل وقصة عمر ﵁ مذكورة في سنن أبي داود والنجيبة الجيدة من الإبل ويقال لراكبها نجاب، وكون المؤثر هو الله لأنّ مس عضو ميت بآخر مثله كيف يكون سبباً لحياة بين موتين، وقوله: ومن أراد في نسخة وأنّ من أراد وهذا مما يشير إليه باطن النص مع ملاحظة المعنى لا أنه تفسير مستقل كما أشار إليه فيما مضى والعدوّ النفس وشبه القوّة الشهوية بالبقرة لكثرة أكلها وعدم إدراكها لما فيه نفع وشرّة الصبا بكسر الشين وتشديد الراء خيانته وحمله على ما لا يليق، ويجوز فتح الشين والراء المخففة بمعنى الحرص والأوّل أولى وهذا مع ما بعده مأخوذ من قوله لا فارض ولا بكر، وكونها معجبة رائقة من قوله تسرّ الناظرين، وقوله: لا سمة بها أي علامة معنى لاشية لأنّ اللون المخالف يكون علامة لما فيه وليس معنى آخر كما توهم، وقوله فتحيا الخ من حياة القتيل وتكلمه وحمل التدارئ على ما بين العقل والوهم لأنه ينازعه دائما وهو ظاهر. قوله: (لقساوة الخ) أي القسوة معناها الحقيقيّ الييس والكثافة والصلابة ثم تجوّز بها عن عدم قبول الحق والاعتبار فالاستعارة في قست تبعية
تصريحية وان شئت قلت تمثيلية كما مرّ قيل شبهت حال القلوب في عدم الاعتبار والاتعاظ بالقسوة ولاعتبار هذه الاستعارة حسن التفريع بقوله فهي الخ، بخلاف ما إذا جعل القلوب استعارة بالكناية والقسوة قرينة فإنه لا يحسن بل لا يستقيم قولك ينقضون عهد الله فهو كالحبل وأوثق وذلك لأنّ استعارة الحبل أصل والنقمق تبع على ما هو الواجب في الاستعارة بالكناية وفيما نحن فيه الأمر بالعكس كما في تقري الرياح الرياض وبالجملة فالاستعارة وقعت في الحال والتعقيب صريح التشبيه في الذات فلا وجه لما يقال: إنّ ظاهر الكلام كون التشبيه فرع الاستعارة والأمر بالعكس
стр. 607
فالتشبيه مترتب على عرفان حالها وأنه حامل على التشبيه المؤذي إلى الاستعارة (أقول) : فيه بحث فإنه إنما يتوجه ما ذكره إذا شبهت القلوب بالحجارة كما في الممثل به فإن العهد شاع استعارة الحبل له كما مرّ أما لو أريد تشبيهها بالأجرام الصلبة الاملة للمعادن وغيرها فتتوجه صحة التفريع بلا تكلف إذ المعنى أنها صارت كالصلب فهي كأصلب ما يكون منه ولا يرد عليه شيء وبه يندفع أيضا الشبهة الواردة في التشبيه. قوله: (وثم لاستبعاد القسوة الخ) قال العلامة: ثم موضوعة للتراخي في الزمان ولا تراخي ههنا إذ قسوة قلوبهم في الحال لا بعد زمان فهي محمولة على الاستبعاد مجازا إذ يبعد من العاقل القسوة بعد تلك الآيات كقولك لصاحبك: قد وجدت مثل تلك الفرصة ثم لم تنتهزها، ومن الناظرين في الكتاب من حمل هذا على التباعد في الرتبة وليس بذاك فإنّ معناه أنّ مدخول ثم أعلى كما في قوله: ثم استوى والمراد ههنا أنّ مدخولها بعيد عن الوقه ع، وقوله: من بعد ذلك مؤكد للاستبعاد أشد تأكيد ثم إنّ منهم من جعل الاستبعاد مأخوذاً من الكلام لا مدلول ثم والأمر فيه سهل وما ذكر من الفرق بين التفاوت في الرتبة والاستبعاد ليس بشيء لأنه بعد رتبيّ أيضا إلا أنه لم يعتبر في الثاني العلو وهذا لا طائل تحته وهو يشبه النزاع اللفظي ولذا لم يلتفت إليه الشارح المحقق ثم إنه قيل: إنها للتراخي في الزمان لأنهم قست قلوبهم بعد مدة حتى قالوا: إنّ الميت كذب عليهم أو أنه عبارة عن قسوة عقبهم، وقوله: فإنها مما توجب الخ إشارة إلى وجه الاستبعاد كما مرّ. قوله: (والمعنى أنها في القساوة الخ) عبر بمثل إشارة إلى أن الكاف هنا اسم معطوف عليه أشد بمعنى أزيد أو التقدير مثلى ما هو أشد فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وأيده بقراءته مجرورا بالفتحة لعدم صرفه ولذا وقع في نسخة بالجر وفي أخرى بالفتح وقسوة قال أبو حيان تمييز محوّل عن المبتدأ أي فقسوتها وأشد معطوف على قوله كالحجارة
عطف مفرد على مفرد كما تقول زيد على سفر أو مقيم ولا حاجة إلى تقدير الزمخشريّ أو هي أشدّ. قوله: (وإنما لم يقل أقسى الخ) يعني أن فعل القسوة مما يصاغ منه أفعل وهو أخصر وقد ورد كقوله:
كل خمصانة أرق من الخص ص بقلب أقسى من الجلمود
وهو وان كان من العيوب لكنها باطنة لا ظاهرة فلا يمتنع صوغه منه كما توهم فلا حاجة
إلى التوصل إليه بأشد فأجاب بأنّ أشدّ أبلغ من أقسى لدلالته على الزيادة بالمادة والهيئة فيدل على اشتداد القسوتين في المفضل والمفضل عليه، أو أنّ المراد بأشدّ ليس التوصل بل التفضيل في الشدّة وقدم الأوّل لأنه الأنسب المتبادر ويمكن أن يقال: إنه لظهوره الحق بالعيوب الظاهرة وهو حسن، وأمّا الاعتراض بأن أشد محمول على القلوب لا على القسوة فليس بشيء لأن أصله قسوتهم أشدّ فحوّل. قوله: (وأو للتخيير الخ
لما كانت أو تستعمل للشك وهو عليه تعالى محال دفعه بأنه للتخيير وهو يكون في التشبيه كما يكون بعد الأمر كما مرّ أو للترديد يعني أنّ الشك ليس راجعاً إلى الله بل إلى من يعرف حالهم فإنه يمكته أن يشبههم بالحجارة أو أشدّ منها فالشك بالنسبة إلى المخاطبين لا بالنسبة إلى المتكلم. قال العلامة: وهذا يؤدّي إلى تجويز أن تكون معاني الحروف بالقياس إلى السامع حتى تستعمل إذا تحقق المخاطب وهذا إخراج للألفاظ عن أوضاعها فإنها إنما وضعت ليعبر بها المتكلم عما في ضميره ولو جعلت بمعنى بل لكان أحسن وقيل: إنها للتنويع أي بعضهم كالحجارة وبعضهم أشدّ، وقيل: معنى الترديد تخويز الأمرين مع قطع النظر عن الغير. قوله: (تعليل للتفضيل الخ) عدل عن جعله بيانا للتفضيل كما في الكشاف لأنه يقتضي الفصل ومراد. أنها جملة حالية مشعرة بالتعليل ومثله كثير، وأمّا قول الثارح المحقق يريد أنه بيان وتقدير من جهة المعنى وأمّا بحسب اللفظ فعطف على جملة هي ﴿كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ﴾ فلا يظهر وجهه وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ﴾ الخ وارد على نه! التعميم دون الترقي كـ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إذ لو أريد الترقي لقيل: وإنّ منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يتفجر منه الأنهار وفائدته استيعاب جميع الانفعالات التي على خلاف طبيعته وهو أبلغ من الترقي، وكأنّ المصنف ﵀ غافل عن هذا حيث جمع بينهما في البيان
стр. 608
وقذم الثاني، فقال: فإن منها ما يتشقق فينغ منه الماء ويتفجر منه الأنهار
وهذه نكتة جليلة في الترقي والتعميم ينبغي التنبه لها. قوله: (والخشية مجارّ عن الانقياد الخ) إطلاقا لاسم الملزوم على اللازم وحينئذ فالظاهر تعلق ﴿مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾ بالأفعال السابقة ولم يحملها على الحقيقة باعتبار خلق العقل والحياة في الحجارة أمّا عند القائل بأن اعتدال المزاج والبنية شرط الحياة فظاهر وأما من لا يقول به فلأنّ الهبوط والخشية على تقدير خلق العقل والحياة لا يصلح بياناً لكون الحجارة في نفسها أقل قسوة ثم مبني كلامه على عدم التغاير أو التفارق بين الأمر والإرادة، وقيل: قلوبهم إنما تمتنع عن الانقياد لأمر التكليف بطريق القصد والاختيار ولا تمتنع عما يراد بها على طريق القسر والإلجاء كما في الحجارة وعلى هذا لا يتمّ ما ذكره فالأولى حمل الكلام على الحقيقة اهـ. ما قاله الشارح المحقق ومنه تعلم أنّ متابعة المصنف ﵀ له فيما بناه على مذهب الاعتزال لا ينبغي وفيه بحث. قوله: (وعبد على ذلك الخ) أي على ما مرّ من قسوة القلب ونحوها وقوله: وقرأ ابن كثير الخ قال الجعبري: قرأ ابن كثير بالياء المثناة التحتية والباقون بالفوقية ووجه الغيبة مناسبة ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ وهم يعلمون ووجه الخطاب مناسبة ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ وتكتمون ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٧٣] ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم﴾ لا أفتطعمون لأنه للمؤمنين اهـ. وكذا في التيسير وغيره، ولذا قيل: إنّ المصنف ﵀ أخطأ في النقل إلا أن الطيبيّ قال: قرأ ابن كثير ونافع ويعقوب وأبو بكر بالتاء الفوقانية والباقون بالياء فكانت المخالفة في خلف فقول المصنف ﵀ ضما إلى ما بعده لأنّ المخاطب غيرهم فهو في حكم الغيبة، وقيل: ضما إلى ما بعده يعني قوله أن يؤمنوا وما بعده من الضمائر العائدة لليهود والباقون بالتاء ضمما إلى ما قبله لا إلى قوله أفتطمعون لأنه خطاب للمؤمنين وما بعده إخبار عن اليهود فمن قال ضما إلى ما بعده يعني أفتطمعون فقد أخطأ وعكس الترتيب. قوله: (الخطاب لرسول الله ﷺ وقيل: هو للرسول والجمع للتعظيم وفيه نظر وقوله: أن يصدقوكم وفي نسخ أي فسره بالتصديق فاللام زائدة ومثله يندر مع الفعل، ولذا! سره الزمخشريّ بيحدثوا لكم الإيمان، والوجه الثاني جعلها للتعليل بتقدير مضاف أي دعوتكم لأنّ الإيمان لله لا لهم، وقوله: يعني اليهود قيل هو في قوم مخصوصين منهم علم الله عدم إيمانهم فأيسه منه فلو عين كان أولى وقيل: المراد جنس اليهود ونافي الإيمان عن الجنس يكفي فيه تحققه في بعضه وإنما فسر به ليصلح جعل السالفين فريقاً منهم وإن كان إحداث الإيمان لا يتصوّر إلا من المعاصرين وردّ بأنه أخطأ لأنه ظن أنه على تقدير بيان يؤمنوا بقوم مخصوصين لا يصح جعل السالفين فريقا منهم
وكأنه لم ينظر إلى تفسير قوله منهم بطائفة من أسلافهم. قوله: (طائفة من أسلافهم) قال العلامة في شرح الكشاف: اعلم أنّ المراد بقوله أن يؤمنوا لكم اليهود الذين كانوا في زمنه ﷺ لأنهم الذين فيهم الطمع، وأمّا فريق منهم فاختلف فيه فبعضهم قال المراد من كان في عهد موسى ﵊ لأنه تعالى وصفهم بأنهم يسمعون كلام الله لأنهم أهل الميقات فكلام الله حينئذكلامه في الطور وقد حرّفوا فيه ما لا يتعلق بأمر محمد عتملا ما نقل عن السبعين، وبعضهم قال الفريق من كان في زمن النبيّ لمجرو وكلام الله هو التوراة وسماعه كما يقال: لأخذنا إنه يسمع كلام الله إذا قرئ عليه القرآن وتحريفها تحريف صفة النبيّء! يم وآية الرجم هذا محصل كلام الإمام فليت شعري لما فسر المصنف ﵀ كلام الله بالتوراة وتحريفها بما مر لم ذهب إلى أنّ الفريق من أسلافهم والظاهر أن ضمير منهم يرجع إلى ما يرجع إليه ضمير يؤمنوا، فإن قلت فعلى هذا المعاندون بعضهم وعناد البعض لا ينافي إقرار الباقين قلت: إنما لم يناف لو لم يكن الباقون مقلدين لهم اهـ. وردّ بأنه ظن أنّ تفسير الفريق بمن سلف منهم لضرورة وقوع التحريف منهم وليس كذلك كما ترى، وقوله يعني التوراة إشارة إلى أنّ السماع ليس بالذات كما مرّ في أحد القولين، وقوله كنعت محمد ﷺ فإنه روي أنّ من صفاته فيها أنه
стр. 609
أبيض ربعة فغيروه بأسمر طويل، وغيروا آية الرجم بالتسخيم وتسويد الوجه كما في البخاريّ وأصل التحريف من الانحراف والميل ومنه قلم محرّف لميل أحد شقيه أي يميلونه من حال إلى حال أخرى بتبديله أو تأويله، وقوله: أو تأويله عطف على المعنى كأنه قال يغيرون كلامه أو تأويله، وقيل: يسمعون بمعنى يقبلون والا فلا فائدة له وفيه نظر. قوله: (وقيل هؤلاء من السبعين الخ) هذا ما رواه الكلبيّ ﵀ من أنهم سألوا موشى ﵊ أن يسمعهم كلامه تعالى فقال لهم اغتسلوا والبسوا الثياب النظيفة ففعلوا فأسمعهم الله كلامه لكن الصحيح أنهم لم يسمعوا بغير واسطة وأنه مخصوص بموسى صلوات الله وسلامه عليه، ولذا مرّضه المصنف ﵀ وعلى هذا التحريف زيادة ما ليس فيه وإنما قال من السبعين لأنهم كلهم لم يفعلوا ذلك قيل وما ذكروه شاهد على فساده حيث علقوا الأمر بالاستطاعة والنهي بالمشيئة وهما لا يتقابلان وكأنهم أرادوا بالأمر غير الموجب على معنى افعلوا إن شئتم وان شئتم فلا تفعلوا ولا يذهب عليك أنّ ما ذكره مناقشة في ترجمة كلامهم لا يجدي نفعا، وقوله: ولم يبق لهم فيه ريبة أخذه من التعبير بالعقل وقوله: أنهم مفترون مبطلون إشارة إلى تقدير
المفعول وأنّ ذلك لم يكن منهم عن نسيان أو جهل بل عناد صرف لا يطمع في ضدّ!. قوله: (ومعنى الآية الخ) مقدميهم بفتح الدال جمع مقدم أشار به إلى أنّ المراد بالسلف المقدّم بالذات لا بالزمان، ولذا قابله بالسفلة والجهال وقوله: فما ظنك هو الصحيح وفي نسخة فما طمعك وقيل إنّ هذا مبنيّ على التأويل الأوّل، وقوله: وأنهم كفروا الخ على الثاني. قوله: (يعني منافقيهم) في الكشاف وإذا لقوا يعني اليهود الذين آمنوا قالوا آمنا قال منافقوهم آمنا بأنكم على الحق وأنّ محمدا ﷺ هو الرسول المبشر به وإذا خلا بعضهم الذين لم ينافقوا إلى بعض إلى الذين نافقوا الخ قال المحقق: جعل ضمير لقوا لجنس اليهود كما في أن يؤمنوا وخص ضمير قالوا بالمنافقه ق منهم أو اعتبر حذف المضاف لقيام القرينة ولم يجعل الشرطية عطفاً على يسمعون لأنّ هذه الملاقاة والمداولة والتحزب إلى المنافق، وغير المنافق لم تكن تخص الفريق السامعين المحرفين فلم يصح جعل الضمير لهم، ولا يخفى أنّ ضمير قالوا للبعض الذين لم ينافقوا فلذا كان حمل البعض الذي هو فاعل خلاً على غير المنافقين أحسن وأوفق بمراعاة النظم حيث وقع فاعل الشرط والجزاء شيئاً واحداً ثم جوّز أن يكون ضحمير قالوا للبعض الذين نافقوا وهم رؤساء اليهود يقولون ذلك لأتباعهم وبقاياهم الذين لم ينافقوا قصداً لإظهار التصلب في اليهودية نفاقا مع اليهود، والاستفهام في أتحدثونهم على الأوّل للعتاب والإنكار على ما كان يصدر عن المنافقين من التحدّث بمعنى ما كان ينبغي أن يقع ذلك، وعلى الثاني لإنكار أن يصدر عن الأعقاب تحديث فيما يستقبل من الزمان بمعنى لا ينبغي أن يقع وضمير أتحدثونهم الأوّل للأعقاب والثاني للمؤمنين اهـ. والمصنف ﵀ لم يرتض ما فيه وجعل ضمير لقوا للمنافقين من أهل الكتاب آمنوا بلسانهم خوفا من القتل والسبي وهم يضمرون الكفر وقد قالوا لخلص المؤمنين من الأصحاب وكان حق المصنف ﵀ أن يذكر قوله يعني الخ. قبل قوله الذين لئلا يتوهم أنه تفسير له بأن يكون إيمانهم بمجرّد اللسان وهو فاسد لكن القرينة قائمة على دفعه وما في الكشاف صرف عن الظاهر كما مرّ ولذا لم يرتضه المصنف قيل: وهو أدق، وبالقبول أحق وأمّا القرينة على تخصيصهم بالمنافقين فلما حكي عنهم كما مرّ مثله عن المنافقين في وصفهم فتأمّل وقوله بأنكم على الحق الخ بيان للمتعلق الذي قدروه فإن كان مقدّرا في المحكي فلم ينطقوا به لعدم مساعدة قلوبهم ألسنتهم وقوله أي الذين لم ينافقوا الخ
وكذا المراد بالبعض لينتظم الشرط والجزاء، وقوله: أو الذين نافقوا عطف على الذين لم ينافقوا وحمل الأوّل على التقريع والثاني على الإنكار ظاهر ومعنى فتح بين وعلم وعرّف وهو منقول عن ابن عباس ﵄ ومنه الفتح على القاري وقيل فيه وجوه أخر وقوله: فينافقون الفريقين أي المسلمين واليهود فإن منعهم بعدما أبدوا كتم لإبدائهم وإظهار أنهم لم يبدوا وهو محض نفاق معهم أيضا. قوله: (ليحتجوا عليكم الخ) إشارة إلى أن المفاعلة غير مرادة، وقوله: بما أنزل ربكم
стр. 610
معنى به وفي كتابه معنى عند ربكم وقد أوضحه بقوله جعلوا لأنّ معنى عند الله في حكمه كما يقال: عند أبي حنيفة، ومبنى الوجوه غير الأخير على أنه في الدنيا وقيل: عليه إنه لا وجه حينئذ للجمع بين به وعند ربكم إلا أن يجعل الثاني بدلاً أو ظرفا مستقراً بمعنى ليحاجوكم بما قلتم حال كونه في كتابكم فكان ينبغي التعرّض له ومن فسره بيوم القيامة فرّ من هذا. قوله: (وفيه نظرا لأنهم يعلمون أنهم يوم القيامة محجوجون حدثوا أو لم يحدثوا، وقيل: في جوابه إنّ العالم بذلك علماؤهم لا جميعهم ولأنّ محجوجيتهم يوم القيامة من الله لا تنافي احترازهم عن كونهم محجوجين من الخصم ولا يخفى ما فيه والإخفاء بمعنى إخفاء ما فتح الله، ولا يدفعها أي المحاجة. وقال بعض المتأخرين: إنه يتوجه عليه أنه إن أراد أنّ الإخفاء لا يدفعها في نفس الأمر فمسلم ولكن لا نفع به لجواز أن يعتقد ذلك اليهودي دفعها بالإخفاء وان أراد أنه لا يدفعها عنده فممنوع لجواز أن يدفع محاجتهم يوم القيامة وظهور الأسرار والخفيات يوم القيامة لا يقتضي محاجتهم فتدبر، وقوله: أفلا تعقلون إن كان من كلام اللائمين فمفعوله ما ذكر أولاً مفعول له وهو أبلغ، وان كان خطابا للمؤمنين فعدم الطمع في إيمانهم باعتبار بعضهم أو للجنس كما مرّ فتأمّل، أولاً يعلمون قرئ بالياء والتاء. قوله: (من جملتها أسرارهم الكفر الخ) يعني أنه عام وما مرّ داخل فيه دخولاً أوّلياً فلا حاجة إلى تخصيصه كما وقع في بعض التفاسير وقوله: تجهلة الخ هذا التفسير له باعتبار المراد منه والا فالأمّي هو الذي لم يتعلم الكتابة قيل: وان كتب نادراً وتفسيره الأوّل ناظر إلى الكتاب بمعناه اللغوي وهو الكتابة، والثاني إلى أنه بالمعنى العرفي وأنه المعهود بينهم وهو التوراة والأمي إمّا منسوب إلى الأمّ لأنه كما خرج من بطنها أو إلى أمة العرب أو إلى أمّ القرى لأنهم لا يكتبون غالباً، وقوله:
م! بطنها أو إلى أمة العرب أو إلى أمّ القرى لأنهم لا يكتبون غالبا، وقوله: فيطالعوا لأنّ من لم يكتب لا يقرأ في المتعارف فلا يرد عليه أنّ من لا يكتب يجوز أن يقرأ فيحتاج إلى التكلف في توجيهه. قوله:) استثناء منقطع والأماني الخ) كونه منقطعا على هذه الاحتمالات ظاهر لصحة وضع لكن موضع إلا، يقال منى الماني أي قدر والتمني تقدير الشيء في النفس ويكون عن تخمين وظن وروية ولما كان أكثره لا يصح أطلق على الكذب ولأنه يقدر أيضا في النفس، وكذا القراءة لأن القارئ يتصوّر ما يتلوه وللأماني تفاسير منها الأكاذيب. وروي عن ابن عباس ﵄ ومجاهد هنا ومنها الشهوات وهو المراد بقوله أو مواعيد الخ. ومنها القراءة قال حسان رضي الله تعالى عنه، يرثي عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه ويذكر قصته في الدار:
تمنى كتاب الله أوّل ليله تمنى داود الزبور على رسل
ورسل بكسر فسكون بمعنى تؤدة رهينة، وليلة قيل مضاف إلى ضمير الغائب لا بتاء التأنيث للوحدة على ما في بعض النسخ يعرف ذلك بالتأمل ويؤيده أنّ ابن الأنباري وغيره أنشد تمامه:
وآخره لاقى حمام المقادر
ولم يرو آخرها والمقادر كان أصله المقادير وفي الأساس المقادير الأمور تجري بقدر الله ومقدوره وتقديره وأقداره وتقاديره، والمواعيد الفارغة الكاذبة استعارة حسنة. قوله: (وقيل إلا ما يقرؤون الخ (إشارة إلى ما مرّ، وقوله: وهو لا يناسب بناء على المشهور من أنّ الأميئ هو الذي لا يقرأ ولا يكتب واعترض! عليه بأنه فسر الأمي بالذي لا يعرف الكتابة والزمخشريّ بالذي لا يجسن الكتابة وهذا لا يقتضي أنه لا يقرأ لجواز أن يتلقى من الأفواه ما يقرؤه كما نشاهده في كثير ولا يصح الجواب بأنه يراد به ما يقابل القارئ مطلقا عليه استعمال الفقهاء لأنه هنا بالمعنى اللغوي ولو سلم أنه لغوفي فلا يطابق تفسيره وما قيل إق الأمي ربما يقدر على كتابة كما روي في البخاريّ ومسلم أنّ رسول الله ﷺ يوم صلح الحديبية " أخذ الكتاب وليس يحسن
الكتاب فكتب هذا ما قاضي عليه محمد بن عبد الله " الخ وهذا القدر لا يضر في التسمية بالأمي ولذا فسره الزمخشرقي بما مز غير مسلم فإنهم أوّلوا الحديث المذكور بأن كتب بمعنى أمر بالكتابة وأنّ كون النبيئ ع! يي! لم يكتب متفق عليه وان ذهب بعضهم إلى هذا ولابن حجر فيه كلام طويل ليس هذا محله، ثم إنّ التمني على
стр. 611
هذا بمعنى القراءة المطلقة وهو المراد في البيت، وأما إفادة كونها عارية عن المعنى فمن مجموع الكلام لأنك إذا قلت فلان لا يعلم من الكتاب إلا قراءته دل على أنه لا يفهم معناه، فما قيل: إنه من قرينة المقام غير مسلم وأمّا تضمن البيت لهذا المعنى فمحل كلام لأنّ القارئ الإمام عثمان ﵁ فكيف تعرى قراءته عن معرفة المعنى اللهم إلا أن يراد بيان أن يجيء لمجرّد القراءة وهذا من قلة التدبر ولعل المصنف ﵀ إنما قال: لا يناسب دون لا يصح لما مز ولا شبهة في عدم مناسبته. قوله: (ما هم إلا قوم الخ (أي أنه استثناء مفرغ والمستثنى محذوف أقيمت صفته مقامه، وقوله وقد يطلق الظن الخ كأن جواب أن فيهم جازمين فقال: إنه يطلق على ما يقابل العلم اليقيني عن دليل قاطع سواء قطع بغير دليل أو بدليل غير صحيح أو لم يقطع. قوله: (أي تحسر وهلك ومن قال الخ) قال ابن عباس ﵄: الويل العذاب وقيل: شديدة وقيل: هو للتقبيح وقيل: كلمة تحسر وتفجع وقيل: الهلاك أو الفضيحة أو حدوث الشر، وعلى كل حال فهو مصدر للدعاء عليهم ولا فعل له وأما وال فمصشوع كما قال أبو حيان: وأما أنه واد في جهنم أو جبل فيها " فرويا عن النبي " من طرق صححهما السيوطي فلا ينبغي أن يقال ومن قال الخ. والمصنف أوّله على تقدير وروده عنده بأنّ معنى الويل واد في جهنم أنه واد يستحق أن يقال لمن فيه ويل له: ومنعى قوله يتبوّأ أي يتبوّأ الويل من جعل له في جهنم ذلك المكان فجعل الويل متبوّأ على حد قوله تبوؤوا الدار والإيمان
مجازا وضمير فيها لجهنم فإنها مؤنثة ومن لم يفهمه قال كذأ في أكثر النسخ والصواب فهي كما في بعضها، ووجه التجوّز أنه سماه بصفة من فيه فالعلاقة الحالية والمحلية ولما كان ميتدأ وهو نكرة غير موصوفة بين المسوّغ له وهو أن المقصود به الدعاء وقد حول عن المصدر المنصوب ومثله يجوز فيه ذلك لاً نه معنى غير مخبر عنه كما بين في النحو وأما إذا كان علم واد ولو مجازاً فظاهر. قوله: (ولمله أراد به الخ) إنما حمله عليه لأنه لو كان التوراة ولو محرّفة لم يحتاجوا إلى قولهم هذا من عند الله إذ التحريف بعد وقرعه غير معين فهم لا يحتاجون إلى أن يقال لهم ذلك، وقوله تأكيد الخ مثل قاله بفيه ونظر بعينه لنفي المجاز، ويقول الزمخشرقي فيه في بعض المواضع لتصوير الحال، وهو ناظر إلى قوله من عند الله لأنّ التوراة أنزلت مكتوبة من السماء والاشتراء بمعنى الاستبدال ودخول الباء على غير الثمن مر الكلام فيه. قوله: (عرضاً من أعراض الدنيا الخ (عرض بالعين المهملة ما لإثبات له قال تعالى: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [سورة النساء، الآية: ٩٤، ومنه استعار المتكلمون العرض لما يقابل الجوهر قاله الراغب، وقوله: إلى ما استوجبوه الخ. قيل: كان الظاهر اعتبار قلته بالنسبة إلى ما فات عنهم من حظوظ الآخرة كما مز قلت بل الظاهر ما ذكره لأنه الأنسب بتفريع فويل الخ ولأنه أسلم من التكرار فتأمل. وما فيما كتبت وما يكسبون تحتمل الموصولية والمصدرية والثانية أرجح لفظاً ومعنى لعدم تقدير العائد ولأنّ مكسوب العبد حقيقة فعله الذي يعاقب ويثاب عليه قاله الشارح المحقق، وقيل عليه سببية الفعلين فهمت من توله فويل للذين يكتبون الكتاب لأن ترتيب الحكم على الشيء يدل على سببيته له فلو حمل على هذا لزم التكرار، والتحقيق أنّ العبد كما يعاقب على نفس فعله يعاقب على أثر فعله لافضائه إلى حرام آخر وهو هنا يفضي إلى إضلال الغير وأكل الحرام فلما بين أوّلاً استحقاقهم العقاب بنفس الفعل بين استحقاقهم له بأثره ورتبه عليه بالفاء (قلت (الأمر في مثله سهل استعظمه لأنه إنما يكون تكرارأ لو كان الأوّل صريحا مع أنه لما اعتبر المكتوب والمكسوب احتاج إلى أن يريد منه الأثر وهو تطويل للمسافة وكأنه لو أريد ذلك من المصدر لأنه قد يراد به الحاصل به صح مع أنه لا يتوجه ما قاله إلا إذا ذكر الكتب أما إذا ذكر معه الكسب للتعميم فلا. قوله: (المس انصال الشيء بالشرة الخ) قال الراغب: المس كاللمس لكن اللمس قد يقال لطلب الشيء وان لم يوجد قال الشاعر:
وألمسه فلا أجده
واللمس يقال: فيما يكون معه إدراك مجاسة السمع وكنى به عن النكاج والجنون، المس يقال: فيما ينال الإنسان من الأذى اهـ. ومنه أخذ المصنف رحمه
стр. 612
الله كما هو عادته، والمراد يتأثر الحاسة بلوغ أثره إلى القوّة الحاسة بسماع صوت أو إدراك ملاسة أوخشونة ونحو ذلك وكأنه لذلك أطلق على الأذى لتأثيره فيمن يصيبه، وأما ما قيل: إنه يلزم من كلام المصنف ﵀ أن يكون المس أبلغ من الإصابة وقد صرحوا بأنه أدنى درجات الإصابة حتى قالوا في قوله تعالى: ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا﴾ [سورة آل عمران، الآية: ١٢٠] إنّ لمس ينبىء عن أدنى مراتب الإصابة ويدل على أنّ أدنى إصابة خير تسوءهم وأما الشر والسيئة فإنما تسرّهم الإصابة منه والوصول التام بحيث يعتد به لا يقال: لو دلّ المس على ما ذكر لما جمع بينه وبين الوصف بالعظيم في قوله تعالى: ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة الأنفال، الآية: ٦٨] لأنا نقول لا منع في ذلك الجمع للدلالة المذكورة بل هو مقوّ لما قصد من المبالغة في تعظيم العذاب وتفظيع شأنه كأنه يقول: إنّ فظاعته بلغت إلى درجة لم يبق فرق بين مسه واصابته فيفعل أدنى درجاته فعل أوّلها إلا أنّ في قوله: ﴿رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [سورة الأنبياء، الآية: ٨٣] دلالة على أنّ في المس شدّة تأثير وأنه أبلغ من الإصابة والمس اللمس، كما في الجوهريّ وأما لمسه فلم يجده فمجاز على معنى استعمل آلة اللمس فلا دلالة فيه على ما ذكره اص. فليس بشيء لأنّ ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى كلام الراغب إمام أهل اللغة الذي أخذها من مجاريها كما سمعت وما نقله من الفرق بين المس والإصابة والذي ذكروه بين اللمس والمس وشتان بينهما وأما الفرق بين المس والإصابة فهو أنّ المس اتصال أحد شيئين بآخر على وجه الإحساس والإصابة كما قال الراغب: أصلها من إصابة السهم ثم اختصت بالنائبة كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [سررة الشررى، الآية: ٣٠] وأصاب جاء في الخير والشر قال تعالى: ﴿إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾ [سورة التربة، الآية: ٥٠] وقال بعضهم الإصابة في الخير اعتباراً بالصوب أي المطر وفي الشر اعتباراً بإصابة السهم وكلاهما يرجعان إلى أصل اص. ومنه يعلم أنّ الإصابة أبلغ من المس لأنه وان اعتبر فيه التأثير لكن تأثير هذا لما كان كالمطر أو السهم كان أقوى وأشذ، وأما ذكر أيوب ﵊ المس في مقام الإصابة فلشدة صبره حتى استهان بما أصابه، ثم إن الإصابة إذا كانت فعل المصيبة فذكرها مع السيئة أقوى وأنسب وان كانت بمعنى النزول به مطلقا فتستعمل لكل منهما فلكل مقام مقال فافهم وقوله: ألمسه فلا أجده مصراع من مجز والوافر والظاهر أنّ المصنف لم يقصد الشعر والا لقال وألمسه أو ألمسه أو أشار إليه ووكله إلى التتبع.
قوله: (محصورة قليلة) يعني أن التوصيف به مؤوّل بالقلة والا لم يفد ذكره، فإن قلت
هذا يخالف قوله في الكهف في تفسير سنين عدداً إن وصف السنين به يحتمل التكثير والتقليل. قلت: لا مخالفة بينهما وتحقيقه ما في محكم ابن سيده إنّ عددا فيها جعله الزجاج مصدر أو قال: المعنى تعد عددا قال: ويتجوز أن تكون نعتا لسنين والمعنى ذوات عدد والفائدة في قولك عددا في الأشياء المعدودة أنك تريد توكيد كثرة الشيء لأنه إذا قل: فهم مقداره ومقدار عدده فلم يحتج إلى أن يعد وإذا كثر احتاج إلى العد فالعدد في قولك صمت أياماً عددأ تريد به الكثرة ويجوز أن يؤكد عددا معنى الجماعة في أنها خرجت عن معنى الواحد هذا قول الزجاج. والأيام المعدودات أيام التشريق وهي ثلاثة أيام وإنما قلنا بمعدودة لأنها نقيض قولك لا تحصى كثرة ومنه: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ اص. ومنه نعلم أنه عدد كنائيّ قد يكنى به عن القلة كما هنا وقد يكنى به عن الكثرة وقد يحتملهما، فما قيل: إن عدداً ذكر هنا لمناسبة رؤوس الآي غفلة عما حققناه، ومعدودة صفة الجمع وهو مؤنث ولا كلام فيه إنما الكلام في معدودات وسيأتي. قوله: (روي أنّ بعضهم قالوا الخ) قالوا هذا حين دخل النبيّ ﷺ المدينة وسمعه المسلمون فنزلت هذه الآية وعدد عبادة العجل لأنّ آباءهم عبدوه فجعل الله ذلك مدة لعقاب اليهود ولو على غير ذلك من الذنوب وهذا بزعمهم الفاسد في إنكارهم الخلود. قوله: (خبرا ووعدا الخ) همزة اتخذتم للاستفهام التوبيخي مقطوعة وهمزة الوصل سقطت للدرج كقوله أصطفي البنات ومعنى العهد قد مز والمراد هنا على ما قال في التأويلات الخبر أي هل عندكم خبر عن الله تعالى أنكم لا تعذبون أبدا لكن أياما معدودة فإن كان لكم هذا فهو لا يخلف عهده، وفسر قتادة ﵀ هنا
стр. 613
العهد بالوعد مستشهداً بقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ﴾ [سورة التوبة، الآية: ٧٥، إلى قوله: ﴿بِمَا أَخْلَفُواْ﴾ الله ما وعدوه، والمصنف ﵀ جمع بينهما تنبيها على أنّ من فسره بالخبر أراد الخبر الموعود كما صرح به في آخر كلامه، ووقع في نسخة أو يدل الواو إشارة إلى أنهما معنيان وتفسيران للسلف وان تقاربا فلا وجه لما قيل إنّ الصحيح الأوّل ولا لما قيل إنه لا وجه لتخصيص العهد بالوعد مع عمومه، والقراءة بالإظهار على الأصل وبإبدالها تاء وإدغامها فيها وهو ظاهر. قوله:) جواب شرط مقدر الخ)
والفاء فصيحة وقدر بعضهم الشرط بأن كنتم اتخذتم بناء على أنه ماض! وحرف الشرط لا يغير معنى كان وفيه خلاف معروف. قال المحقق: أي إن كنتم اتخذتم إذ ليس المعنى على الاستقبال فإن قلت فلا يصح جعل فلن يحلف الله جزاء لامتناع السببية والترتب لكون لن لمحض الاستقبال قلت ذلك ليس بلازم في الفاء الفصيحة كقوله:
فقد جئنا خراسانا
ولو سلم فقد ترتب على اتخاذ العهد الحكم بأنه لا يخلف الرلهد فيما يستقبل من الزمان
فقط كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾ [سورة النحل، الآية: ١٥٣ قيل: عليه الأظهر أنه دليل الجزاء وضع موضعه أي إن كنتم اتخذتم عند الله عهداً فقد نجوتم لأنه لن يخلف عهده وامّا ما ذكره من أنه لا يلزم في الفاء الفصيحة إنما يتم لو لم يجعل جزاء شرط، إذ لا فرق بينه وبين غير. من الأجزية، وما ذكر من ترتب الحكم فيه إنّ اتخاذ العهد في الماضي والحكم حين النزول فكيف يتم الترتب وأيضاً لا وجه للتعليل بكون لن لمحض الاستقبال فإن السببية بين الشرط والجزاء بحسب الوجود مفقودة سواء كان عدم الخلف في المستقبل أو الماضي بل إذا كان ذلك بحسب الماضي يكون الجزاء أبعد ارتباطاً من الشرط كما لا يخفى ثم إنه لا وف لتفريع السؤال على تقدير كان، ثم إنّ المعتبر بين الشرط والجزاء اللزوم لا السببية والترتب فكان حقه أن يقرّر السؤال هكذا هذا لا يصلح جزاء لعدم شرط صحته وهو أن يكون مرتبا على الشرط أو لازماً له ومخالفة الفاء الفصيحة في ذلك لم نجد. ولعل وجه ما ذكره في الاستقبال ما سيصرّح به في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١١٤] من أنّ الباعث والعلة لا يترتب عليه أمر مستقبل منفصل عنه يعني عرفا والشرط كذلك سبب للجزاء وعلة له فتأمل. وهذا أحد مذهبين في الفاء التي في جواب الاستفهام فتذكر. قوله: (وفيه دليل الخ) قيل عليه العهد ظاهر في الوعد بل حقيقة عرفية فيه وهو المراد هنا فلا دليل على نفي الخلف في الوعيد وهو مذهب أكثر الأشاعرة وأما أنه مصادرة وأنه ينبغي تبديل محال بغير واقع فلا يرد ما ذكره. قوله: (أما معادلة لهمزة الاستفهام الخ) إشارة إلى ما في أم من الوجهين كونها متصلة للمعادلة بين شيثين بمعنى أيّ هذين واقع وأخرجه مخرح المتردّد فيه وان كان قد علم وقوع أحدهما وهو قوله على الله ما لا تعلمون ولذا وقع في نسخة آخرهما، والتقرير أي الحمل على الإقرار به أو تثبيته لتعيته ولها شروط مفصلة في النحو ويجوز أن تكون منقطعة غير عاطفة بمعنى بل والهمزة التقدير بل أتقولون والاستفهام للإنكار لوقوعه منهم واليه أشار المصنف ﵀، وقيل: إنما تقدر ببل وحدها بدون الهمزة فتعطف ما بعدها على ما قبلها واستدل بقولهم أنّ لنا إبلا أم شاء بنصبهما ونحوه ولو قدرت الهمزة لرفع على أنه خبر
مبتدأ محذوف ولا يصح فيها الاتصاف في المثا لعدم تقدّم الاستفهام فتأمل، والتقريع التوبيخ والتقرير هنا بمعنى التثبيت. قوله: (بلى إثبات الخ) بلى حرف جواب كجير ونعم إلا أنها تقع جواباً لنفي متقدم سواء دخله استفهام أم لا فيكون إيجابا له نحو ما قام فتقول بلى أي قد قام وقوله: ﴿أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ [سورة الأعراف، الآية: ١٧٢] ولذا قال ابن عباس رضيب الله تعالى عنهما: لو قالوا نعم كفروا، وأمّا قوله:
أليس الليل يجمع أم عمرو وإيانا فذاك بخا تداني
نعم وترى الهلال كما أراه ويعلوها النهار كما علاني
فقيل: ضرورة وقيل: نظراً إلى المعنى لأنّ الاستفهام إذا دخل على النفي قرر. فما قاله
ابن عباس ﵄ نظرا إلى الظاهر وبلى هنا ردّ لقولهم: ﴿لَن تَمَسَّنَا النَّارُ﴾ أي بلى تمسكهم أبدا بدليل قوله: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
стр. 614
قاله الزمخشرفي. وقوله أبداً في مقابلة قوله أياما معدودة وهو تقدير حسن ولا ٠ فرق بينه وبين كلام المصنف ﵀ خلافا لمن توهمه وهي بسيطة، وقيل: أصلها بل فزيدت عليها الألف، وقوله على وجه أعم يعني أنه لكل مكتسب لما ذكر من اليهود وغيرهم ليكون كالبرهان على الثبوت فيحقهم وأيضا هم أثبتوا تعذيب أيام وهو أثبت الخلود الأعمّ منها فلا يتوهم أنّ المعنى بل تمسكم أياما معدودة فانه فاسد لفظا ومعنى. قوله: (سيئة قبيحة الخ (هو فيعلة كسيدة أعل إعلاله وهي فيما يقصد بخلاف الخطيئة لكونها من الخطأ، والكسب جلب النفع فهو هنا استعارة تهكمية، وقيل: إنه عبر بالكسب لأخذهم الرشا المتقدم أو أنه حقيقة على زعمهم أنه نافع لهم ولكل وجهة وقد في قوله قد يقال: للتكثير اً وللتحقيق فلا يقال الصواب إسقاطها. قوله: (أي استولت عليه وشملت الخ (مرّ وجه الاستعارة، ومعنى استولت غلبت عليه وعمت ظاهره وباطنه وقلبه، وهذا لا يتصوّر في غير الكافر والسلف كمجاهد وغيره فسروا الخطيئة بالشرك، وهذا رذ على الزمخشرقي إذ فسرها بالكبيرة بناء على مذهب المعتزلة في أن صاحبها مخلد، وزاد قوله وإقرار لسانه رعاية للمذهب
المختار في الإيمان المنجي كما مر. قوله: (وتحقيق ذلك الخ) ومنه يعلم وجه ذكر كسب السيئة وتقديمها ومن لم يتنبه له قال كان يكفي من أحاطت خطيئته عنه وقوله: مستحسنا بصيغة الفاعل، ومنه يعلم وجه آخر على طريق الإدماج لإطلاق الكسب عليها كما مر، وقوله: وتأخذ بمجامع الخ كان الظاهر أخذت أو فتأخذ بالفاء، وقراءة الجمع وقلب الهمزة ياء وادغامها ظاهر لكنهم استحسنوا قراءة الجمع لأن الإحاطة لا تكون بشيء واحد. قيل: ولذلك فسرها المصنف رحمه الله تعالى بقوله: استولت وشملت مع أنّ الخطيئة وإن كانت مفردة نكنها لإضافتها متعدّدة كقوله: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللهِ﴾ [سورة النحل، الآية: ١٨] مع أنّ الشيء الواحد قد يحيط كالحلقة فتأمّل. قوله: (ملارّموها الخ (الصحبة وان شملت القليل والكثير لكنها في العرف تختص بالكثرة والملازمة، ولذا قالوا لو حلف من لاقى زبدا أنه لم يصحبه لم يحنث، والخلود لما كان معناه لغة مطلق اللبث الطويل بل سواء الخلود المعروف وغيره، فإن كانت الخطيئة بمعنى الكبيرة فالخلود بالمعنى الأوّل، وإن كانت الشرك فالثاني فلا دلالة لها ولا لما قبلها من قوله فويل الخ على ما ذكر لاحتمالها لهذا، وقيل: لأن تحريف كلام الله وأخذ ما ذكر كفر لا كبيرة، وقيل: المراد بما قبلها ﴿بَلَى مَن كَسَبَ﴾ الخ فإنّ المعنى بلى تمسكم أبدا وهو خطأ لأنهما آية واحدة، وقيل: إنه لا معنى له ولعله محرّف عن تليها أي تقع بعدها، وهذا عذر أقبح من الذنب ومجرد الويل لا يدل على الخلود، وهذا لا ينافي ما سبق في تفسير قوله: ﴿أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ من الدلالة على أنّ عذاب النار دائم لأنه بواسطة ما يشهد له من الآيات والآثار في معنى الخلود وهذا بناء على مجرد مدلول لغة أو جواب جدليّ فافهم. قوله: (جرت عادته سبحانه الخ) قال الطيبي ﵀: نجي دخول الفاء في الأوّل دون هذا قال السخاوندي: تقول من دخل داري فأكرمه عدم دخول الفاء يقتضي إكرام من دخل لكن على خطر أن لا يكرم، والذي دخل مع الفاء يكرم حقيقة الخ وهو كلام مختل لا محصل له وقيل الذكر الفاء فيما سبق وتركها هنا لأن ثمة موضع التأكيد لأن الوعيد مظنة الخلف دون
الوعد، وقيل: إنه إشارة إلى سبق الرحمة فإنّ النحاة قالوا من دخل داري فأكرمه يقتضي إكرام كل داخل لكن على خطر أن لا يكرم وبدونها يقتضي إكرامه البتة فتأمل. وقيل إنه إشارة إلى ما تسبب العذاب عنه بخلاف دخول الجنة فإنّ الأعمال لا تفي بسببه، وقوله يدلّ الخ لأنّ الأصل في العطف المغايرة ولا داعي إلى التأويل، والإقرار مسكوت عنه وهو يقتضي دخوله فيه. قوله: " خبار في معنى النهي الخ لا يضار برفع الراء المشددة والمقصود النهي كما فيما نحن فيه، وبين وجه أبلغيته بأنّ المنهيّ أو المأمور كأنه سارع إلى ذلك فوقع منه حتى أخبر عنه بالحال أو الماضي أي ينبغي أن يكون كذلك فلا يرد عليه أنه لا يناسب المقام لأنّ حال المخبر عنه على خلاف ذلك فالصواب أن يقال: لما فيه من الاعتناء بثأن المنهيّ عنه وتأكد طلبه حتى كأنه امتثل وأخبر عنه، ووجه التجوّز فيه سيأتي ويؤيده قراءة
стр. 615
لا تعبدوا بالجزم وعطف الأمر لأنّ الإنشاء يعطف على مثله، وغير عبارة الزمخشريّ لما فيها وإنما أول بالنهي لأنه لو كان خبراً لزم تخلف إخباره لأنهم وقع منهم عبادة غير الله، وتقدير القول أي قائلين أو قلنا وأما تقدير أن فضعيف لأنها لا تحذف قياساً إلا في مواضع ليس هذا منها وبعد حذفها جوّزوا في الفعل الرفع النصب وبهما روي بيت طرفة في معلقته وهو:
ألا أيهذا الزإجري أحضر الوغى وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي
وعلى هذه القراءة فهو مصدر مؤوّل بدل من الميثاق أو مفعول به بحذف حرف الجرّ أي
بأن لا، أو على أن لا، وقيل: إنه جواب قسم دل عليه الكلام أو جواب الميثاق نفسه لإنّ له حكم القسم وعلى قراءة التاء ففي الآية التفاتان في لفظ الجلالة وتعبدون، وغيبت بتشديد الياء جمع غائب ويصح تخفيفها بفتحتين لأنه جمعه أيضاً وجوّز فيه أن يكون حالاً وجعل أن تفسيرية وتقدير تحسنون بناء على أنه خبر وأحسنوا بناء على أنه إنشاء والجملة معطوفة على تعبدون، ويصح تعلقه بإحسانا أيضاً لأنه يتعدى بالباء والى يقال: أحسنت به واليه، وقيل عليه
أنه حينئذ مصدر مؤكد وحذف عامله ممنوع وفيه نظر. ومنهم من قدر استوصوا واحسانا مفعول له والوالدان تثنية والدلالة يطلق على الأب والأمّ أو تغليب وقال الحلبيّ: أنه لا يقال في الأمّ والد فيستعين التغليب، واليتامى وزنه فعالى ككسارى وألفه للتأنيث وهو جمع يتيم كنديم وندامى ولا ينقاس واليتم أصل معناه الانفراد ومنه الدرّة اليتيمة، وقيل: الإبطاء لإبطاء البر عنه وهو في الآدميين من قبل الآباء وفي البهائم من قبل الأمهات وفي الطيور من جهتهما، ووجهه ظاهر وقيل: إنه يقال في الآدميين لمن فقدت أمّه أيضا. قوله: (ومسكين مفعيل الخ) إشارة إلى أنّ الميم زائدة وهو أصح القولين لأنه من السكون كأن الفقر أسكنه أي جعله ساكنا والفرق بينه وبين الفقير معروف وسيأتي. قوله: (أي قولاً حسناً الخ) أي فيه قرا آت حسناً بضم فسكون مصدر وصف به مبالغة وحسنا بفتحتين صفة، وقيل: هو مصدر أيضا كحزن وحزن وحسن بضمتين وضم السين لاتباع الحاء وحسني واختلف في وجهه فقيل: هو مصدر كرجعي قال أبو حيان: هو غير مقيس ولم يسمع فيه فقيل: هو صفة كحبلى وقيل: مؤنث إفعل، واستعمل منكرا بدون من على خلاف القياس مثل كبرى وصغرى قال:
وان دعيت إلى حسني مكرمة
وقوله: تخلق وارشاد أي ما فيه دلالة عليس حسن الخلق والمعاملة أو إرشاد إلى السداد. قوله: (على طريقة الالتفات أو لعل الخطاب الخ لأنّ ذكر بني إسرائيل إنما وقع بطريق الغيبة والخطابات إنما هي في حيز القول وفائدة الالتفات التعنيف والتوبيخ كأنه استحضرهم ووبخهم وتم للاستبعاد كما مر، وقال السمين: هذا إنما يجيء على قراءة لا يعبدون بالغيبة، وأما على قراءة الخطاب فلا التفات، ويجوز أن يكون أراد بالالتفات الخروج من خطاب بني إسرائيل القدماء إلى خطاب الحاضرين في زمنه ﵊، وقد قيل ذلك فيكون التفاتا على القراءتين (أقول) كون الالتفات بين خطابين لاختلافهما لم يقل به أهل المعاني لكنه وقع مثله في كلام بعض الأدباء، وهذا غير الالتفات المصطلح عليه فجعل الأوّل في حكم الغيبة لأنه محكيّ وهذا ابتداء كلام أقرب منه مع أنه خلاف الظاهر، وأمّا على التغليب فلا التفات فيه وفيه نظر. قوله: (١ لا قليلاَ منكم) المشهور فيه النصب لأنه موجب، وروي عن أبي عمرو وغيره
الرفع فقيل: إلا صفة بمعنى غير وهي يوصف بها المعارف والنكرات بخلاف غير وقيل: لا يوصف بها إلا النكرة أو المعرف بلام الجنس لأنه في قوّة النكرة، وقال المبرد: شرطه صلاحية البدل في موضعه، وقيل إنه عطف بيان وفيه نظر وقيل: إنه مبتدأ خبره محذوف أي لم يقولوا وقيل: إنه توكيد للضمير المرفوع أو بدل منه وجاز لأنه في معنى النفي، ورد بأنه ما من إثبات إلا ويمكن تأويله بمنفيّ وفيه نظر ومنكم صفة قليلاً والمراد بهم الأشخاص، وقال ابن عطية: يحتمل القلة في الإيمان أي لم يبق إلا إيمان قليل وهو بعيد جداً، والمراد على التغليب أنه ليس ببدع منكم لأنه ديدن آبائكم. قوله: (قوم عادثكم الأعراض الخ) يؤخذ كونه عادتهم من الاسمية الدالة على الثبوت، وهل هذه
стр. 616
الجملة معترضة أو حالية مبنية أو مؤكدة والمؤكدة هل يجوز اقترانها بالواو أو لا وكلها أقوال، وقال الطيبيّ ﵀: قوله وأنتم قوم عادتكم الإعراض يشير إلى أنه من الاعتراض والتذييل كما سيجيء في قوله: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ﴾ وقيل: لا يجوز أن تكون الواو للحال لأنّ التولي والإعراض واحد يعني والحال المؤكدة لا تفصل بالواو وهذا يرد على إطلاقهم في الاسمية كما مر وروي صاحب التحبير عن أبي علي ﵀ الحال مؤكدة في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ لأنّ في وليتم دلالة على أنهم مدبرون، وقال الراغب: وأنتم معرضون حال مؤكدة إذا جعلا شيئا واحداً، وقيل: إنّ التولي والإعراض مثل مأخوذ من سلوك الطريق، وإذا اعتبرنا حال سالك الطريق المنهج في ترك سلوكه فله حالتان إحداهما أن يرجع عوده على بدئه، وذلك هو التولي والثانية أن يترك المنهج ويأخذ في عرض الطريق، والمتولي أقرب أمراً من المعرض لأنّ من ندم على رجوعه سهل عليه العود إلى سلوك المنهج والمعرض حيث ترك المنهج والأخذ في عرض الطريق يحتاج إلى طلب منهجه فيعسر عليه العود إليه وهذا غاية الذمّ لأنهم جمعوا بين العود عن السلوك والإعراض، وقيل: إنّ التولي قد يكون لحاجة تدعوا إلى الانصراف مع ثبوت العقد، والإعراض هو الانصراف عن الشيء بالقلب اهـ. وهو تحقيق بديع وفي كلام المصنف ﵀ لمحة منه، وكذا في قوله ورفضتموه عطفاً عل!! أعرضتم عن الميثاق على أنه تفسير له إشارة إلى اعتبار الانصراف بالقلب في مفهوم الإعراض! فتدبر، والعرض في كلامه خلاف الطول وقوله ومن أسلم منهم أي من اليهود مطلقاً سواء قام على اليهودية قبل النسخ أولاً فتأمل. قوله: (على نحو ما سبق) أي من توجبه الخطاب والتأويلات في لا تعبدون لأنّ أخذ الميثاق بإنزال التوراة وقبولهم أحكامها المشترك بين السلف والخلف، وقوله: بعضاً منصوب بنزع الخافض أي لبعض والإجلاء الإخراج من الديار والمساكن. قوله: (وإنما جعل
قتل الرجل غيره الخ) قال المحقق: جعل غير الرجل نفسه أمّا في لا تخرجون أنفسكم فصريحاً وأمّ في لا تسفكون فدلالة والقول بأنّ قتل الغير بمنزلة قتل النفس لترتب القصاص يمكن اعتبار مثله في الإخراج لما يلحقه من العار والصغار اص. وقيل: لأنه يؤذي إلى أن يفعل به مثل ذلك وهو بعيد، فالتجوّز في محلين وبوجهين إمّا أنّ المتصل به دينا ونحوه أطلقت عليه النفس بعلاقة الملابسة والاتصال أو جعل قتل الغير قتلا لنفسه لتسبيبه له بالقصاص، وقيل: إنه مراد المصنف رحمه الله تعالى ولم يتعرّضر له لظهوره وانفهام وجهه مما ذكر وقيل: إنّ المصنف رحمه الله تعالى خص صورة القتل بالتوجيه ظناً منه أنّ الإخراج لا يحتاج إليه رذا على الكشاف نظراً إلى أنّ قتل الإنسان نفسه لا يكون في العادة فلا حاجة إلى أخذ الميثاق عليه بخلاف الإخراج عن دياره فإنه معروف فلا داعي لصرفه عن ظاهره فظهر أنّ جعل غير الرجل نفسه إنما هو في تسفكون لا في تخرجون ومن زعم أن ذلك في الثاني صريح دون الأوّل فقد عكس الأمر الظاهر اهـ. وهذا تخيل فاسد لأن الإخراج بمعنى الإجلاء والنفي لا يتصوّر بين الإنسان ونفسه بل الإخراج إذ يقال خرج زيد ولا يقال أخرح نفسه وبعد تقرّره وأن التجوز في النفس وهي مصرّح بها في الثاني دون الأوّل لا تبقى شبهة فيما ذكره الشارح المحقق نعم وجه التصريح في الثاني بالنفس دون الأوّل لازم ونكتتة أنه لو ترك لكان تخرجونكم وهو ممنوع في العربية، وقيل على الشارح أيضاً إنّ قتل الغير يفضي إلى قتل نفسه فيصح عذة قتلاً لنفسه، واخراج الغير لا يفضي إلى إخراج النفس فكيف يصمح عذه إخراجا لها وليس بوارد لأنّ إخراج جنسهم عار عليهم يفضي إلى ل! ضوق ذلك العار بمن أخرح أيضا فيجعل اللازم مفضياً إلى لازم آخر، وهو ظاهر. قوله: (وقيل معناه الخ) وهو على هذا مجاز أيضاً على منوال البطون القرآنية، وأما قوله في الحقيقة فليس المراد به مقابل المجاز بل معناه العرفي وهو إلا خلق وليس المراد بالحقيقة مصطلح الصوفية كما قيل: ويردي بمعنى يهلك، وقوله: يصرفكم عن الحياة الأبدية يعني عن لذاتها لأنهم مخلدون في النار أيضاً أو أنّ حياتهم كلا حياة، وقوله: فانه الجلاء الحقيقي
стр. 617
يعني أنّ غيره ليس جلاء بالنسبة إليه وفي الفصول للقصار ليس النفي جلاء الأوطان بل البعد عن رياض! الجنان. قوله: (ثم أقررتم بالميثاق واعترفتم بلزومه) أي خلفا بعد سلف يعني أخذ منكم الميثاق والتزمتموه فالإقرار ضد الجحد ويتعدّى بالباء ويحتمل أنه بمعنى إبقاء الأمر على حاله أي أقررتم بهذا الميثاق ملتزما والمصنف رحمه الله تعالى غافل عن هذا، ولذا عداه بالباء كذا قبل: وليس بشيء لأنّ إبقاء الشيء على حاله من غير اعتراف به لا يلائمه
ترله وأنتم تشهدون، وأتا بمعنى الإثبات سواء كان باللسان أو بالقلب وضده الإنكار فيتعدى بالباء أيضاً كما ذكره الراغب ووجه كونه تأكيدأ أنّ المعنى أقررتم إقرارا ملزما كما تلزم البينة، وهذا مما يقوّيه ويؤكده ويدفع احتمال أن يكون الإقرار ذكر أمر آخر لكنه يقتضيه فهو احتراس دافع أط! حتمال وهو لا ينافي التأكيد كما توهم وإذا كان الإقرار إقرار السلف واسناده لهؤلاء مجازيّ بأن أسند إليهم ما وقع من آبائهم فليس فيه تغليب كما توهم أنه من قبيل ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ فإنه وجه آخر، وانشهادة من الخلف فهو على هذا من عطف جملة على أخرى وعلى الأوّل حال على سبيل التتميم. قوله: (استبعاد لما ارتكبوه بعد الميثاق (مرّ تقرير الاستبعاد وما بينه وبين الترإخي الرتبي، وقوله: وأنتم مبتدأ الخ في الكشاف ثم أنتم بعد ذلك هؤلاء المشاهدون يعني أنكم قوم آخرون غير أولئك المقرّين تنزيلاً لتغير الصفة منزلة تغير الذات كما تقول: رجعت بغير الوجه الذي خرجت به وقوله: تقتلون بيان الخ، ولما كان الإخبار باسم الإشارة لا يقتضي المغايرة وحمل الظاهر على الضمائر لا يقتضي ذلك كما إذا قلت ها أناذا قائما وأنا زيد أو ضارب فلا عدول فيه عن مقتضى الظاهر اعترض عليه أبو حيان بأن المشار إليه بقوله: أنتم هؤلاء المخاطبون أوّلأ فليسوا قوما آخرين ألا ترى أنّ التقدير الذي قدره الزمششريّ من تقدير تنزيل تغير الصفة منزلة تغير الذات لا يتأتى في نحوها أنا ذا قائماً ولا في أنتم هؤلاء بل المخاطب هو المشار إليه من غير تغير، وقال الحلبي: لم يتضح لي صحة الإيراد عليه وما أبعده عنه لأنه لم يفهم مراده، فالحق أنه اعتراض قوفي وكلامه لا يخلو عن خفاء، وقد أشار إليه شراحه وحاولوا توجيهه فقيل: كان من حق الظاهر ثم أنتم بعد ذلك التوكيد في الميثاق نقضتم العهد فتقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم أي صفتكم الآن غير الصفة التي كنتم عليها فأدخل هؤلاء وأوقع خبرا لأنتم، وجعل قوله تقتلون أنفسكم جملة مبينة مستقلة ليفيد أنّ الذي تغير هو الذات بعينها نعيا عليهم بشدة وكأنه أخذ الميثاق ثم تساهلهم فيه وقله المبالاة به، وقوله: رجعت بغير الوجه الذي خرجت به يعني ما أنت بالذي كنت من قبل وكأنك ذهب بك وجيء بغيرك وفي الحديث: " دخل بوجه غادر وخرج بوجه كافر " اص. والمصنف رحمه الله تعالى لم يمثل بما مثلى به في الكشاف لكن لا فرق بينهما كما توهم لأن قوله أنت ذلك الرجل الذي فعل كذا مع أنّ الظاهر أن يقول أنت فعلت كذا كأنه قدر في نفسه أنه صار شخصآ آخر، ثم إنّ قوله وأنتم تشهدون على الوجه الثاني خطاب لمن أدرك
زمن النبيّ ﷺ من اليهود وأنتم هؤلاء كذلك فادّعاء المغايرة في المحمول بحسب الذات لا يخلو عن كدر وان كان خطابا للكل وأنتم كذلك فالمغايرة حقيقية والحمل محتاج إلى التأويل، وقوله باعتبار ما أسند إليهم يعني أنتم المعبر به عن المأخوذ عليهم الميثاق وباعتبار ما سيحكي يعني هؤلاء، وقيل: أراد بالأوّل إسناد الإقرار والشهادة لأنهما يوجبان القرب وبالثاني قتل أنفسهم الخ لأنّ المعاصي توجب البعد. قوله: (إمّا حال والعامل فيها معنى الإشارة) وشممى عاملاً معنويا لكونه في معنى الفعل وهذا كقولهم ها أنا ذا قائما قال أبو حيان رحمه الله تعالى: والمقصود من حيث المعنى الإخبار بالحال، وأما على البيان فكأنه لما قيل: ها أنتم هؤلاء قيل: ما شأننا فقيل: تقتلون الخ والجملة لا محل لها من الإعراب وأمّا أنه تأكيد فهو على أن يجعل بدلاً مما قبله، أو عطف بيان والمراد با اضأكيد معناه اللغوي وهو مطلق التقوية بالتكرير وأمّا جعله موصولاً فهو مذهب البصريين في جميع أسماء الإشارة فإنها تكون عندهم أسماء موصولة، كما قال الجمهور في ماذا صنعت أنه بمعنى ما الذي صنعت والصحيح خلافه ولأنه يصير أيضاً
стр. 618
من قبيل:
أنا الذي سمتني أمي حيدره
وهو ضعيف، وفي الآية وجوه آخر مبسوطة في الدر المصون وروى محيي السنة عن السدي أنّ الله تعالى أخذ العهد على بني إسرائيل في التوراة أن لا يقتل بعضهم بعضاً ولا يخرج بعضهم بعضاً من ديارهم وأيما عبد أو أمة وجدتموه من بني إسرائيل فاشتروه بما قام من ثمنه وأعتقوه. قوله: (حال من فاعل تخرجون الخ) الإثم الذنب والعدوان التعدي بالظلم، ووجه القراءة بالحذف أنه اجتمع تا آن فحذفت إحداهما للتخفيف وهي إمّا الأولى وامّا الثانية على اختلاف أو قلبت ظاء وأدغمت وهو ظاهر ومعنى المظاهرة المعاونة مأخوذ من الظهر للاستناد إليه. قوله: (روي الخ) قال الطيبي ﵀: العرب النازلون بيثرب فريقان يهود وهم بنو قريظة مصغرأ والنضير كأمير ومشركون وهم قبيلتان الأوس والخزرج وكانت بين الأوس والخزرج محاربات فاستحلف الأوس قريظة والخزرج النضير ليكون معهم في حروبهم ولم يكن بين فريقي اليهود محالفة ولا قتال وإنما كانوا يقاتلون مع حلفائهم فكانوا إذا أسر من اليهود
احد جمع كل من الفريقين ما يفيد به من المشركين فإذا كانوا مع الحلفاء قتل اليهود بعضهم بعضا وأخرجوهم من ديارهم وخرّبوها فإذا وضعت الحرب أوزارها أعطوا فداء من أسر منهم فإذا قيل: لهم في ذلك قالوا إنّ القتل والإخرإج لأجل حلفائنا وهو مخالف لما عهد في التوراة، ولذلك نفاديهم لأنا أمرنا به كما مر فأحلوا بعضا وحرّموا بعضاً، ومعنى إتيانهم حال كونهم أسارى إمّا حقيقة وامّا إتيان خبرهم ونحوه وقوله: وقيل الخ هذا خلاف الظاهر وهو من التأويل. قوله: (أسرى وهو جمع أسير الخ) قرئ أسر! وأسارى بفتح الهمزة وضمها، أمّا أسارى فلأنهم حملوا أسيرآ على كسلان فجمعوه جمعهم كسالى كما حملوا كسلان عليه فقالوا كسلى كذا قال سيبوبه: ووجه الشبه أنّ الأسر والكسل كل منهما أمر غير اختياري، وقيل: إنه مجموع كذا ابتداه من غير حمل كما قالوا في قديم قدامى والأصل فيه الفتح والضم ليزداد قوّة وقيل: أسارى جمع أسرى جمع أسير فهو جمع الجمع والفتح لغة عالية ولا فرق بين أسرى وأسارى، وقيل: من كان في الوثاق فهم أسارى وغيره أسرى وهو مأخوذ من الأسار وهو الرباط الذي يشد به، وفاداه وفداه بمعنى وقيل: فداه بالمال وفاداه أعطى فيه أسيرا مثله واللغة تخالفه وقيل: فداه بالصلح وفاداه بدونه والفدا بالكسر يمد ويقصر والأكثر مع اللام قصره نحو فدى لك، وبالفتح مقصور لا غير وهو يتعذى لمفعولين الأوّل بنفسه والثاني بالباء٠
قوله: (متعلق الخ (إشارة إلى ردّ ما قيل: إنه متعلق بجميع ما تقدم لأنه محتاج إلى تكلف والمراد أنه حال منه، وخص الإخراج ببيان حرمته قيل: لما فيه من الجلاء والنفي الذي لا ينقطع شره إلا بالموت والظاهر أنه لظهور منافاته لمفاداتهم فيناسب تفريع قوله أفتؤمنون الخ. وقوله: وما بينهما اعتراض قيل عليه الجملة المعترضة لا محل لها من اعراب وقد جعل قوله تظاهرون عليهم حالاً وبينهما منافاة ولا وجه له لأنّ المراد بالمعترضة جملة ﴿وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى﴾ [سورة البقرة، الآية: ٨٥] وأما جملة تظاهرون على الحالية فهي قيد للخروج ص ذ كور بذكره وهو ظاهر. قوله: (والضمير الخ (فيه وجوه من الإعراب أحدها أنه ضمير شان والجملة بعده خبره ولا يحتاج إلى رابط وقيل: خبره محرّم وإخراجهم نائب فاعله وهو مذهب الكوفيين وإنما ارتكبوه لأنّ الخبر المتحمل ضميراً مرفوعاً لا يجوز تقديمه على المبتدأ فلا يقال قائم زيد، وهو عند البصريين جائز وما ذكروه ممتنع لأنّ ضمير الشأن لا يفسر بمفرد والثاني أنه
ضمر مبهم يفسره بدله وهو إخراجهم وهذا بناء على جواز إبدال الظاهر من الضمير والثالث أنه راجع إلى الإخراج المفهوم من تخرجون واخراجهم بدل منه أو عطف بيان له وضعف بأنه بعد عوده إلى الإخراح لا وجه لإبداله مته. قوله: (أفتؤمنون الخ) الاستفهام للإنكار والتوبيخ على التفريق بين أحكام الله والعهد كان بثلاثة أشياء: ترك القتل، وترك ألإخراج، ومفاداة الأسارى، فقتلوا وأخرجوا على خلاف العهد وفدوا بمقتضاه وقيل: المواثيق أربعة فزيد ترك المظاهرة، وما في الكشاف من أنه قيل لهم: كيف تقاتلونهم ثم تفدونهم فقالوا أمرنا بالفداء وحرم علينا القتال ولكنا نستحي من حلفائنا يدل
стр. 619
على أنهم لا ينكرون حرمة القتال فإطلاق الكفر عليه على فعل ما حرم إمّا لأنه كان في شرعهم كفراً أو أنه للتغليظ كما أطلق على ترك الصلاة ونحوه ذلك في شرعنا. قوله: (الأخرى قي الحيوة الدنيا الخ) قال الراغب: خزى الرجل لحقه انكسار من نفسه أو غيره، فالذي من نفسه الحياء المفرط ومصدره الخزاية والذي من غيره كالذل والهوان مصدره الخزي أي ليس جزاء فاعله منكم لا ممن خالفتموهم في الدنيا إلا الفضيحة وفي الآخرة إلا العقاب والجزاء يطلق في الخير والشر وقيل: عليه أنّ القتل ليس خزيا على تفسيره إلا أن يكون خزيا لذراريهم وذويهم أو أنّ ما ذكره أصل معناه ثم عم واجلاء النضير إلى أريحاء وأذرعات، وقوله عمى غيرهم قيل عليه إنه صريح في أنهم غير منحصرين في قريظة والنضير وما ذكره سابقا وكذا ما نقل عن الطيبي يخالفه فالصواب ما في المغازي أنهم كانوا فريقين بني ينقاع بفتح القاف وتثليث النون وهما حلفاء الخزرج والاخر النضير وقريظة وهم حلفاء الأوس فتأمّل. وقوله: وأصل الخزي أي أصل هذه المادّة بقطع النظر عن خصوص المصدر وقيل: عليه أنّ الخزي لا يستعمل في الاستحياء، وإنما المستعمل فيه الخزاية كما مر عن الراغب وذكر مثله المرزوقيّ وغيره والدنيا مأخوذ من دنا يدنو وياؤه منقلبة عن واو فرقا بين الأسماء والصفات وإنما كان عصيانهم أشد لأنه كفر بكتاب الله بعدما علموا خلافه، ووجه القراءة بالخطاب والغيبة ظاهر والقراءة المنسوبة إلى عاصم شاذة والردّ إن كان بمعنى التصيير فظاهر وان كان بمعنى الرجوع فلأنهم معذبون في الدنيا وفي القبور، وقوله بالآخرة أي
بحظوظها ومن قال بحياتها أراد الحياة المقيدة بها إشارة إلى المجاز في اشتروا، والباء داخلة على المتروك. قوله: (بنقض الجزية الخ) أقول عدم تخفيف عذاب الكفار وقع في سور ثلاث البقرة وآل عمران والنحل وقد صرح فيها بأنّ العذاب الذي لا يخفف عنهم عذابهم بعد دخول جهنم المخلد لاقتضاء الحكمة والعدل الرحماتي عدم الاستواء فيه وأن يجعل على مقدار كفرهم فلا يكون عذاب من لم يؤذه ولم يبارزه بالعداوة بل أعتقد رسالته وأحبه وإنما كفر بالجحد اللساني لحمية الجاهلية كأبي طالب كعذاب غيره على مراتبهم في الكفر والإيذاء، فجعل عذاب الأوّل خفيفاً بالنسبة لمن عداه أو تخفيفه في البرزخ قبل سجن سجين لا ينافي عدم تخفيفه بعد دخول دار الخلود كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٢١] فلا ينافي القضاء بتخفيفه أوّلاً الذي سيذكره المصنف ﵀ في الزلة كما يتراءى في أوّل نظرة ومنهم من فسر التخفيف بتخفيف العذاب الدنيوي والأخروي الشامل للخزي والنصر بدفع الجزية ولم يتعرض لدفع العذاب لأنه يفهم من نفي تخفيفه بالأولى وقوله أي التوراة لم يقل جملة واحدة كما في الكشاف لأنه لا دلالة للنظم عليه وما فيه بيان للواقع. قوله: (وقفينا الخ) قالوا كان بين موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام أربعة آلاف نبيّ، وقيل سبعون ألفاً كانوا على شريعة موسى ﷺ ومعنى تترى متتايعين واحداً بعد واحد وأصله وترى واتبعه الأول في كلام المصنف من الافتعال والثاني من الأفعال، قيل: يقال قفاه يقفوه قفوا أي اتبعه وقفاه غيره تقفية أي اتبعه من القفا ولما كان عدم بيان إرداف موسى ﵊ بجمع من ارسل معا مراداً لم يقل وقفيناه بالرسل فإنّ المراد منه تقفية كل منهم لموسى ﵊ بالذات، وليس كذلك بل قثل: قفينا من بعده بالرسل على تضمين قفينا معنى جئنا من بعده بالرسل مقتفين أثره ومتبعين شريعته فمن قال أصل الكلام قفينا موسى ﷺ بالرسل فترك المفعول به وأقيم من بعده مقامه لم يصب وكذا تفسير المصنف ﵀ التقفية بالإرسال تبعاً للزمخشري غير صواب، وهذا تخيل لا وجه له لأن التقفية إما محسوسة، كأن يمشي على أثره أو معقولة كاتباع شريعته وكل من ذلك لا دلالة له على المعية كما يقال: للأمم اتبعوا نبيهم وتفسيره بأرسلنا بعده مما وقع لغير المصنف بيانا لأنّ المراد أنّ إرسالهم بعده لا في حياته فالإقدام على تخطئة هؤلاء الفحول من غير داع وارتكاب التضمبت من فضول الكلام
стр. 620
وقوله: أتبعه به في نسخة أتبعه إياه كما في الكشاف وهو الظاهر، وفي الأولى إشارة إلى أنه لا يتعدى لمغعولين وقوله: ذنبه من الذنب بفتحتين كذنبت الرطبة. قوله: (المعجزات الخ) تفسير البينات
بالإنجيل بدون الآيات خلاف الظاهر ولذا أخره وقوله: بالعبرية في الكشاف بالسريانية، وغيره المصنف ﵀ وأجاد وفي القاموس عيسى ﵊ اسم عبرانيّ أو سريانيّ وجمعه عيسون بفتح السين وقد تضم وعيسين بفتحها وقد تكسر والنسبة إليه عيسى وعيسويّ، وقوله: وعيسى بالعبرية يثوع بكسر الهمزة والمعجمة فعرّب ومعنا. السيد وقيل: المبارك وأفرد عيسى ﵊ لتميزه عنهم لكونه من أولي العزم وصاحب كتاب، وقيل: لأنه ليس متبعا لشريعة موسى ﵊، وأضافه إليها رداً على اليهود إذ زعموا أنّ له أبا. قوله: (ومريم بمعنى الخادم الخ) لأنّ أمها نذرتها لخدمة بيت المقدس، والزير بالكسر من الرجال من يكثر محادثة النساء ومجالستهن فمن يكثر من النساء من مخالطة الرجال كذلك فسمي به من يخدم من النساء لأنّ شأنه ذلك فلا مغايرة بين كونها بمعنى الخادم وكونها زير النساء ولا حاجة إلى ما قيل: إنها سميت بذلك تمليحاً كما يسمي الأسود كافوراً فإنه غفلة عن معنى كلامه وسيأتي ما يحققه، وقال الأزهريّ: المريم المرأة التي لا تحب مجالسة الرجال وكأنه قيل لها ذلك تشبيهاً لها بمريم البتول والشعر المذكور لرؤبة من أرجوزة مدح بي السفاح وبعده:
ضليل أهواء الصبا تندمه هل يعرف الربع المخيل أرسمه
عفت عوافيه وطال قدمه
وضليل كشرّيت مبالغة ضال صفة زير والتندم الندم فاعل ضليل على الإسناد المجازي كنهاره صائم. قوله: (ووزنه مفعل إذ لم يثبت فعيل) هو إمّا غير عربي عرّبته العرب بعدما كان بمعنى الخادم أو العابدة ونقل لمعنى يناسبه كما مر أو مشترك بين اللسانين ومعناه بالعبرية غير معناه بالعربية فهو حينئذ مفعل لا فعيل لأنّ فعيل بالفتح لم يثبت في الأبنية أو نادر ان قلنا به كما اختاره الصاغاني في الذيل وقال: إنه مما فات سيبويه، ومنه صهيد للصلب واسم موضمع وهو بالصاد المهملة والضاد المعجمة ومدين على القول بأصالة ميمه، وضهيا بالقصر وهي المرأة التي لا تحيض أو لا ثدي لها، وقال ابن جني: صهيد وعثير مصنوعان فلا دلالة فيهما وإذا كان مفعل فهو أيضا على خلاف القياس إذ القياس إعلاله بنقل حركة الياء إلى الراء وقلبها ألفا نحو مباع ولكته شذ كما شذ مدين ومزيد وإذا كان من رأم يريم المخصوص بالنفي فالقياس كسر يائه أيضا، والأيد القوّة ومنه أخذ أيد على فعل وآيد على أفعل. قوله: (بالروح المقدّسة كقولك حاتم الجود) يعني أنّ الأصل ذلك لكن أضيف الروح إلى القدس تنبيها على زيادة
الاختصاص به لأنّ من شأن الصفة النسبة إلى الموصوف فإذا أضيف إليها يكون الموصوف منسوبا إلى الصفة فيزيد معنى الاختصاص كحاتم الجود بإضافة الموصوف إلى مبدأ صفته مبالغة في ثبوته له أو اختصاصه به واشتهاره والإضافة معنوية بعد تنكير العلم وبدونها عند الرض وليس المعنى أنّ الجود بمعنى الجواد مبالغة والموصوف مضافا إلى صفته كما توهم والقدس التقدي! ومعناه التطهير وروح القدس جبريل ﵊، قال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ﴾ [سورة النحل، الآية: ٠٢ ا] لنزوله بالقرآن والوحي الذي تطهر به النفوس من دنس الهيولى، والروح إذا أطلق على جبريل ﵊ لا يؤنث وبمعناه المعروف يذكر ويؤنث وحظيرة القدس الجنة وقيل الشريعة، وقوله: روح عيسى ﵊ الخ أتا طهارته من مس الشيطان فسيأتي تحقيقه في آل عمران وأمّ كرامته على الله وتعظيمه باضافته إليه فظاهر، والمراد بالأصلاب أصلاب الرجال والطوامث النساء التي تحيض ومريم لم تحض تط كما رواه الثقات واطلاق الروح على الإنجيل لأنه أطلق على الوحي الذي به الحياة الأبدية واطلاقه على الاسم الأعظم لأنه كالروج في إحياء الموتى والاسم الأعظم فيه كلام لعل النوبة تفضي إليه، والقدس بضم الدال وتسكن وبهما قرئ. قوله: (هوي بالكسر هوي إذا أحب الخ)
стр. 621
فهو من المحبة كعلم يعلم ومصدره هوى بالقصر ومن السقوط من باب ضرب ومصدره الهويّ بالضم وأصله فعول فأعل هذا هو المشهور، وقال المرزوقي في شرح أشعار هذيل: معنى هوى أنقض انقضاض النجم والطائر وكان الأصمعي يقول هوت العقاب إذا انقضت لغير الصيد وأهوت إذا انقضت للصيد وحكى بعضهم أنه يقال: هوى يهوي هوياً بفتح الهاء إذا كان القصد من أعلى إلى أسفل قال:
هويّ الدلو أسلمها الرشاة
وهوى يهوي هوياً بضم الهاء إذا كانت من أسفل إلى أعلى قال أبو بكر:
واذا رميت به الفجاج رأيته يهوي مخارمها هويّ الأجدل
اص والهوى المحبوب ويكون في الحق وغيره وإذا أضيف إلى النفس فالمراد به الثاني في الأكثر. قوله: (ووسطت الهمزة بين الفاء وما تعلقت به الخ) قال ابن هشام ﵀: في المعنى الهمزة لكونها أصل أدوات الاستفهام لها تمام الصدر فإذا كانت في جملة معطوفة بالواو
أو الفاء أو ثم قدمت على العاطف تبيهاً على أصالتها في التصدير وأخواتها تتأخر عنه كما هو القياس نحو فهل يهلك هذا مذهب سيبويه والجمهور وخالفهم جماعة منهم الزمخشريّ فزعموا أنّ الهمزة في محلها الأصلي وأنّ العطف على جملة مقدرة بينها وبين العاطف، وردّ بأنه تقدير ما لا حاجة إليه وأنه لا يتأتى في كل موضع وان كان الزمخشريّ خالفه في مواضع كثيرة ومن عرف معنى كلام الزمخشري عرف أنه قول من لم يصل إلى العنقود قال الشارح المحقق اختلف كلامهم في الواو والفاء وثم الواقعة بعد همزة الاستفهام فقيل: عطف على مذكور قبلها لا مقدّر بعدها بدليل أنه لا يقع في أوّل الكلام، وقيل: بالعكس لأنّ للاستفهام صدر الكلام والمصنف يحملها في بعض المواضع على هذا وفي البعض على ذاك بحسب مقتض المقام ومساق الكلام، ولا يلزم بطلان صدارة الهمزة إذ لم يتقدمها شيء من الكلام الذي دخلت هي عليه وتعلق معناها بمضمونه غاية الأمر أنها توسطت بين كلامين متعاطفين لإفادة إنكار جمع الثاني مع الأوّل أو لوقوعه بعده متراخياً أو غير متراخ وهذا مراد من قال إنها مقحمة مزيدة لتقرير معنى الإنكار أو التقرير أي مقحمة على المعطوف مزيدة بعد اعتبار عطفه ولم يرد أنها صلة اكل هـ ومعنى كلام المصنف ﵀ أنّ قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا جَاءكُمْ﴾ تسبب عن قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [سورة هود، الآبة: ١٠ ا] ولهذا دخلت الفاء عليه والتقدير نحن أنعمنا عليكم ببعثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وانزال الكتب لتشكروا تلك النعم بالتلقي فعكستم بأن كذبتم فريقاً الخ كقوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [سورة الوأقعة، الآية: ٨٢] ثم أدخل بين السبب والمسبب همزة التوبيخ والتعجيب لتعكيسهم فيما يجب عليهم وأن لم تعطف على ما قبلها بل على مقدر فهي مستأنفة والتقدير أفعلتم ما فعلتم فكلما الخ وما فعلتم إمّا عبارة عما ذكر بعد الفاء فيكون العطف للتفسير وأمّا غيره مثل أكفرتم بالنعمة واتبعتم الهوى فتكون دحقيقة التعقيب. قوله: (والفاء للسببية أو للتفصيل الخ) لأنّ ما ذكر نشأ من استكبارهم عن اتباعهم وان أريد باستكبر أظهر التكبر بفعل ما لا يليق فهو تفصيل له، والأول أولى، ولذا قدّم وتقتلون بمعنى قتل آباؤكم فأسند إليهم للرضا به وللحوق مذمّته بهم وعبر بالمضارع حكاية للحال الماضية واستحضاراً لصورتها لفظا عنها واستعظامها، وأمّا كونه لرعاية الفواصل ولذا قدم مفعوله فوجهه أنه من قبيل المشاكلة للأفعال المضارعة فيما قبله فلا يقال إنّ التعبير عن الماضي بالمضارع لرعاية الفواصل مما لا يوجد في كتب العربية لكنه لا يبعد عن الاعتبار. قوله: (أو للدلالة على أنكم بعد الخ (أي بعدما مضى والمراد الآن قيل: وقوله تقتلون تغليب لدخول محمد ﷺ في هذا الفريق وليس مخصوصاً وقوله: لولا أني أعصمه يدل على أنه أراد
بالقتل أعم من القتل بالفعل والعزم عليه، وهو تكلف لا حاجة إليه لأنه ﵊ قتل بالسم حقيقة. ويصح استقبال تقتلون بالنظر إلى ما قبله من التكذيب وفيه أنّ قتل النبيّ ﷺ بالسم لنيل مرتبة الشهادة (١١ لم يكف وقت نزول الآية فلا يفيد الحمل عليه دفع التكلف، وقصة السحر وسم اليهود له شاة وأكله منها مذكورة في الصحيحين وستأتي الأولى
стр. 622
في المعوّذتين. قوله: (منشاة بأغطية خلقية) فهو جمع أغلف وسكونه على الأصل كأحمر وحمر وهو ذو الغلفة الذي لم يختن ويقال قلفة وقلفة أيضاً والمعنى أنّ قلوبنا لا يصل إليها ما تقول فتفهمه لأنها منعت منه لما خلقت عليه، وهذا كقوله: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ [سورة فصلت، الآية: ٥٥] أو أصله غلف بضم اللام جمع غلاف ككتاب وكتب فسكن للتخفيف، وقرئ على الأصل في الشواذ والمراد أنها أوعية العلم المملوءة به وحينئذ فلا تعي ما تقول لأنه ليس من المعلوم أو أنه منها ولكنها لا حاجة لها فيه إذ عندها ما يكفيها فالتفاسير ثلاثة، وقوله: بل لعنهم الله الخ ردّ له، وبينه المصنف ﵀ على التفاسير الثلاثة واللعن الطرد عن رحمة الله ومعنى خذلان الله لهم بكفرهم أنه تعالى جعلهم كفاراً غير مستعدّين لقبول الحق وأنه بفعله تعالى واحداثه فيهم، وقد غير عبارة الزمخشريّ المبنية على مذهبه وبقية كلامه ظاهر. قوله: (فإيماناً قليلاَ الخ) وما مزيدة لتأكيد معنى القلة لا نافية لأنّ ما في حيزها لا يتقذمها ولأنه وان كان بمعنى لا يؤمنون قليلا فضلا عن الكثير لكن ربما يوهم لا سيما مع التقديم أنهم لا يؤمنون قليلا بل كثيراً وأمّا المصدرية فلا مجال لها وإنما لم يجعل قليلاً من صفة الأحيان كما في قليلاَ ما يشكرون لأنهم لم يؤمنوا قط نعم إذا كانت القلة بمعنى العدم فهو محتمل كذا قيل: وقد جوّز في قليلاً أن يكون حالاً أي يؤمنون حال كونهم جميعا قليلاً أي المؤمن منهم قليل، وقد
نقل عن ابن عباس وقتادة وجوّز كون ما نافية أيضاً بناء على جواز تقدم ما في حيزها عليها وهو مذهب الكوفيين وأمّا منع المصدرية على أنّ المصدر فاعل قليلاً أي قليلاً إيمانهم فلأنه لا ناصب لقليلا بخلافه في قوله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [سورة الذاريات، الآية: ١٧] ولو قدر كانوا لصح لكنه خلاف الظاهر وأمّا كونه منعه للزمان فجوّزه السمين وقال إنه صفة لزمان محذوف أي فزمانا قليلاً ما يؤمنون وهو كقوله: ولمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره﴾ [سورة آل عمران، الآية: ٧٢] وأما قوله أنه محتمل على تقدير أنّ القلة بمعنى العدم فركيك لأنه يصير المعنى يؤمنون زمانا معدوماً ولا محل له. قوله: (وقيل: أراد بالقلة العدم) ضعفه لأنه خلاف الظاهر وقال أبو حيان أن القلة بمعنى النفي وان صحت لكن في- غير هذا التركيب لأنّ قليلا انتصب بالفعل المثبت فصار نظير وقت قليلا أي قياما قليلاَ ولا يذهب ذاهب إلى أنك إذا أتيت بفعل مثبت وجعلت قليلا صفة لمصدره يكون المعنى في المثبت الواقع على صفة أو هيئة انتفاء ذلك المثبت رأساً وعدم وقوعه بالكلية وإنما الذي نقل النحويون أنه قد يراد بالقلة النفي المحض في قولهم أقل وجل يقول ذلك وقلما يقوم زيد فحملها على ذلك ليس بصحيح، وردّ بأنه قال به الواقديّ قبل الزمخشرفي فانه قال: أي لا قليلاً ولا كثيراً كما تقول قلما يفعل كذا أي ما يفعله أصلا (قلت) ما ذكره أبو حيان قويّ من حيث الدليل فإنه لا معنى لتأكيد الفعل بمصدر منفيّ ولا نظير له. قوله: (مصدق لما معهم من كتابهم الخ الم يجعل ما معهم مصذقا للكتاب وان كان يتبادر أنه أقوى لإلزامهم لأنّ القرآن معجز دال بإعجازه على أنه من عند الله فإذا طابق ما قبله دل على أنه صدق وعلى الحالية فذو الحال نكرة لكنها تخصصت بالوصف ولا يضرّ احتمال أنّ الظرف لغو متعلق بجاء ولو جعل حالاً من الضمير المستقز في الظرف لكان أقرب، وأمّا ما قيل: إن تقييد المجيء بالحال أنسب فلا وجه له وجعل جواب لما محذوفا وهو مختار الزجاج وتقديره كفروا أو كذبوا به واستهانوا بمجيئه وذهب الفرّاء أنّ لما الثانية مع جوابها جواب للأولى وضعف بأنّ الفاء لا تقع في جوا! لما ولو جوّز وقوعها زائدة فلما لا تجاب بمثلها لا يقال لما جاء زيد لما قعد أكرمتك وذهب المبرّد إلى أنّ كفروا جواب لما الأولى، والثانية مكررة لطول الكلام وقيل إن الفاء مانعة منه وفيه نظر وقيل أنه جواب لهما وأمّا جعل فلعنة الله جوابها وما بينهما اعتراض فبعيد. قوله: (يستفتحون على الذين كفروا أي يستنصرون الخ) أصل الفتح إزالة الإغلاق المحسوسة كفتح الباب ويستعمل في غيره بفتح المشكلات وفتح القضية لفصلها، ولذا قيل: فتاج بمعنى حاكم والفتح الظفر المزيل للموانع واقفالها عما ظفر به والاستفتاح طلب الفتح والنصر وأصله في المدن ونحوها ثم عمّ فيستفتحون بمعنى يستنصرون
стр. 623
على المشركين بالنبيّ ﷺ أي يطلبون من
الله أن ينصرهم به. قال تعالى: ﴿إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الْفَتْحُ﴾ [سورة الأنفال، الآية: ٩ ا] روى السديّ ﵀ أنهم كانوا إذا اشتد الحرب بينهم وبين المشركين أخرجوا التوراة ووضعوا أيديهم على موضمع ذكر النبيّ ﷺ ، وقالوا: اللهمّ إنا نسألك بحق نبيك الذي وعدتنا أن تبعثه في آخر الزمان أن تنصرنا اليوم على عدوّنا فينصرون فالسين للطلب أو هو بمعنى يفتحون أي يعرفون من الفتح في العلوم والسين زائدة للمبالغة كأنهم فتحوا بعد طلبه من أنفسهم والشيء بعد الطلب أبلغ وهو من باب التجريد جرّدوا من أنفسهم أشخاصا وسألوهم الفتح كقولهم استعجل كأنه طلب العجلة من نفسه، وقيل يستفتحون بمعنى يستخبرون عنه هل ولد مولود صفته كذا وكذا نقله الراغب وغيره وما قيل: إنه لا يتعدى بعلى لا يسمع بمجرّد التشهي وما عرفوا كناية عن الكتاب المتقدّم وكفروا به أي جحدوه مع علمهم به وهذا أبلغ في ذنهم كقوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ﴾ [سورة النمل، الآية: ١٤] وكفرهم بما جاء من عند الله كفر بمن جاء به أيضاً، فلذا لعنوا وطردوا وجملة وكانوا من قبل يستفتحون حال بتقدير قد. قوله: (فتكون اللام للعهد ويجورّ الخ) أي المراد بالكافر اليهود والتعريف للعهد لتقدّم ذكرهم أو المطلق فالتعريف جنسيّ ويدخل فيه اليهود أوّل داخل لأنهم المقصودون بالسياق وهو كناية إيمائية لأنّ اللعنة إذا شملت الكافرين كلهم لزم كون اليهود ملعونين لأنّ كفرهم أشدّ من كفر غيرهم كذا قال الطيبيّ ﵀: وأطال فيه، وفيه تأمّل لأنّ المكنى عنه من إفراد المعنى الحقيقيّ والجواب أنّ المراد هم بخصوصهم وليس للعامّ دلالة على بعض أفراده بخصوصه فادّعى أنهم متى ذكر الكفرخطروا بالبال كما يقال لمن يذمّ لم أر قبيحاً إلا تذكرتك ونحوه قوله:
إذا الله لم يستي إلا الكرام فسقي وجوه بني حنبل
وهو دقيق والتعبير بالمظهر للدلالة على أنّ وجه لعنهم كفرهم وقيل: لأنّ من أهل الكتاب من أسلم وفيه نظر. قوله: (ما نكرة بمعنى شيء الخ (وفاعل بئس المستتر عائد إليها
واشترى من الأضداد فهو هنا بمعنى باع لأنّ أنفسهم مبذولة في الباطل كالمبيع وهو الظاهر، ولذا اقتصر عليه الزمخشريّ وقدّمه المصنف ﵀، وهو استعارة كما مرّ أو هو بمعناه المشهور بناء على ظنهم أو دعواهم وقيل: إنه الصواب لأنه كيف يدعي أنهم ظنوا ذلك مع قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ﴾ ، فإذا علموا مخالفة الحق كيف يظنون نجاتهم بما فعلوا ولا يصح أن يراد بالعقاب الدنيوي كترك الرياسة لأنه لا يشتري به الأنفس ولعدم صحته تركه في الكشاف وصرّح به أبو حيان أو ظنوا أنهم خلصوا أنفسهم فكأنهم اشتروها والاشتراء استعارة كما مرّ،،! قيل: إنه مجاز عن التخليص وللنحاة في بثسما ونعما كلام طويل فذهب الفرّاء إلى أنّ ما وبئس شيء واحد كحبذا فلا محل لما وذهب الأخفش إلى أنها في محل نصب على التمييز وهي نكرة، وجملة اشتروا صفتها وفاعل بئس ضمير يعود لما كما مرّ والمخصوص أن يكفر والتأوبل بالمصدر والتقدير بئس هو شيئاً اشتروا به كفرهم ويجوز على هذا حذف المخصوص بالذمّ وجعل اشتروا صفته وان يكفروا بدل من المحذوف أو خبر مبتدأ محذوف أي هو أن يكفروا وذهب الكسائيّ أنّ ما تمييز وبعدها ما أخرى موصولة مقدرة اشتروا صلتها وهي المخصوص بالذمّ، والتقدير بئس شيئاً الذي اشتروا الخ وأن يكفروا خبر مبتدأ مقدر وذهب سيبويه ﵀ إلى أنّ ما في محل رفع وهي فاعل بئس وهي معرفة تامّة والمخصوص محذوف أي شيء اشتروا، وذهب بعضهم إلى أن ما موصولة بمعنى الذي فاعله وان يكفروا هو المخصوص وقيل: ما مصدرية والتقدير بئس إشتراؤهم وهو المخصوص بالذم وفاعلها مضمر والتمييز محذوف وقيل: هو فاعل ورذ ومنه علم جملة وجوه الإعراب فيها. قوله: (هو المخصوص بالذمّ) قيل: هذا إنما يصح لو قال كفروا بلفظ الماضي لظهور أنّ ما باعوا أنفسهم واستبدلوها به ليس كفرهم في المستقبل وقيل: إنه مما يقضي منه العجب لأنه إنما يتوجه لو لم يتعين أن يكون المخصموص بالذمّ المناط فيه هو العاقبة فما باعوا به أنفسهم أو شروها باعتقادهم هو كفرهم الذي يكون لهم في الخاتمة. قوله: (طلباً لما ليس لهم
стр. 624
الخ) فيه بيان وجه التعبير عن الحسد لالبغي الذي هو في الأصل بمعنى الطلب، ويجوز أن يكون البغي بمعنى الظلم كدّا قاله المحقق لكنه قدم ما أخره الزمخشريّ ولكل وجه، وأورد عليه أنّ بغي بمعنى حسد مصدره البغي وبمعنى طلب مصدره البغاء بالضم، وبمعنى فجر مصدره البغاء بالكسر، فالمصنف والزمخشريّ لم يصيبا في الجمع بين البغاء والبغي هنا والمصنف ﵀ زاد فقدّم الطلب على الحسد بحيث لم يبق احتمال لجعله تفسيراً له.
(أقول) كون البغي بمعنى الطلب مطلقاً أو تجاوز الحد في جميع معانيه مما أشار إليه
أهل اللغة كالراغب وغيره لكن أنواعه تختلف ففي طلب زوال النعم هو الحسد وفي طلب
التجاوز على الغير ظلم وفي طلب الزنا فجه- ر، وأشير باختلاف المصدر إلى اختلاف أنواعه ومثله كثير يعرفه من تتغ اللغة والذي غرّه في ذلك ظاهر كلام التيسير من غير إمعان للنظر فيه. قوله: (علة يكفروا دون اشثروا للفصل) رذ لما في الكشاف من جعله علة لاشتروا بأنه يلزم عليه الفصل بينه وبين المعلل بأجنبيّ وهو المخصوص بالذمّ لأنه مبتدأ وهو أجنبيّ من متعلقات الخبر كما صرّح به النحاة، وردّه صاحب الكشف بأن المعنى على ذمّ الكفر الذي أوثر على الإيمان بغيا لا على ذمّ الكفر المعلل بالبغي وأما الفصل فليس بأمر أجنبيّ، ورذ بأنّ المخصوص بالذمّ وإن لم يكن أجنبيا بالنسبة إلى فعل الذمّ وفاعله لكن لإخفاء في أنه أجنبيّ بالنسبة إلى الفعل الذي وصف به تمييز الفاعل، والقول بأنّ المعنى على ذم ما باعوا به أنفسهم حسداً وهو الكفر لا على ذم ما باعوا به أنفسهم وهو الكفر حسداً تحكم اهـ. وأما الجواب بأنّ المميز والمميز والصفة والموصوف كالشيء الواحد فلا فصل بأجنبيّ، وأنّ إيثار الكفر بغيا وعنادا أدخل في الذم من إيثار الكفر الناشئ من البغي إذ لا يتعين حينئذ كون الإيثار عنادا لاحتمال أن يكون لوجه يخف به استحقاق الذم فالفرق واضح، وحديث التحكم مضمحل لاحتماله أنّ كفرهم ليس حسدا بل لأمر آخر كاعتقاد أنّ دينهم لم ينسخ فمخالف للمعقول والمنقول لكن إنما يلزم الفصل بأجنبيّ إذا كان المخصوص مبتدأ بئسما خبره أما لو كان خبره مبتدأ محذوف والجملة معترضة على أحد الوجهين فيه فلا وأما القول بأنه علة لاشتروا مقدراً فكلام آ-ض لا يصلح للجواب كما توهم، ومنهم من أعرب بغيا حالاً ومفعولاً مطلقاً لفعل مقدّر، وأن ينزل جوّز فيه أن يكون مفعولاً من أجله للبغي وأن يكون على إسقاط الخافض المتعلق ببغيا أي على أن، وأشار المصمنف رحمه الله تعالى إلى تعلقه به بقوله حسدوه، ومن في من فضله للابتداء صفة لموعموف محذوف أي شيئا كائناً من فضله وهو الوحي. قوله: ( ﴿وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ﴾ الخ) في الكشاف فصاروا أحقاء بغضب مترادف لأنهم كفروا بنبيّ الحق ﷺ وبغوا عليه وقيل: كفروا بمحمد ﷺ بعد عيسى ﵊، قيل: بعد قولهم عزير ابن الله وقيل: دلّ على الاستحقاق العطف بالفاء على اشتروا إلى ساقته، وفيه دلالة على تضاعف الجريمة على قوله بغيا فصح استحقاق ترادف الغضب ولهذا اختار الوجه الأوّل في جهة استحقاق ترادف الغضب وقوله بغضب حال أي رجعوا ملتبسين بغضب وعلى غضب له، وهذا بناء على تغاير الغضبين كما بينوه وقيل: هما واحد، وقيل: عليه أنه غفلة عن اعتبار الاستحقاق في مفهوم ياء لأنّ معناه صاروا أحقاء كما مر فدلالة الفاء على سببية الاشتراء للاستحقاق لا على الاستحقاق والفرق واضح وأيضا أنه يقتضي دخول باؤوا في صلة ما أوصفتة وفيه مع التمحل في المعنى عدم العائد إلى ما فالظاهر أنّ الفاء فصيحة والمعنى فإذا كفروا
حسدا على ما ذكر باؤوا أي صاروا أحقاء بغضب أو رجعوا ملتبسين بغضب كما سبق في تفسير ﴿وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ١١٢] فلا ينبغي أن يجزم بالحالية، وهذا كله على طرف التمام أمّا الأول فلأنّ باء معناه رجع لا أستحق والاستحقاق إنما فهم فيما مر من السياق وهنا من الفاء فالغفلة من المعترض، وأما الثاني فلأنّ المعقب بالفاء لا يحتاج إلى رابط فيهما بل يكفي في أحدهما كما ذكروه في الذي يطير الذباب فيغضب زيد ولا تمحل في المعنى لأنهم ذموا على ما استحقوا به الغضب المترادف، وقوله: للكفر والحسد بيان للغضبين المأخوذين مما قبله لترتبه على جميع ما مر ومن غفل عن هذا قال إنه ملائم لما اختاره من كون بغياً علة يكفروا دون
стр. 625
اشتروا، والعجب من الزمخشري أ " نه بعد جعله علة اشتروا قال: هنا لأنهم كفروا بنبيّ الحق ﷺ وبغوا عليه وهو برهان قاطع على قوّة ما اختاره المصنف رحمه الله تعالى وضعف ما وجه به والعجب من ابن أمّه فإنّ هذأ لا علاقة له بما مر فإنه تفريع على ما قبله فيما يفيد غضبين من غير ملاحظة للغلبة السابقة مع أنّ المشتري عين الكفر فإنّ المخصوص دال فيه والاختلاف السابق ليس إلا لأمر لفظيّ كما مر. قوله: (مهين يراد به الخ) مهين اسم فاعل أصله مهون فاعل، وقوله: يراد به إشارة إلى أنه إسناد مجازفي للسبب ولام لهم وتقديم الخبر على النكرة الموصوفة المقتضي للاختصاص يقتضي أنّ إهانة العذاب للكفار لا للعصاة لأنه لتطهيرهم ولذا لم يوصف به عذابهم في القرآن، وأما قوله: ﴿مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ١٩٢]- فالمراد به الفضيحة بالدخول وهو غير هذا. قوله: (يعتم الكثب المنزلة بأسرها الخ) فيه دلالة على أنّ ما بمعنى الذي تفيد العموم لأنه تعالى أمرهم أن يؤمنوا بما أنزل الله فلما آمنوا بالبعض دون البعض ذمّهم على ذلك فلولا العموم لما حسن هذا الذمّ وفيه نظر. قوله: (حال من الضمير) إما بتقدير وهم يكفرون أو بناء على جواز دخول الواو على المضارع وهو مذهب الزمخشريّ كما مر ولم يجعله معطوفاً على ما قبله والتعبير بالمضارع لحكاية الحال ولا استئنافا كما قيل: لأنّ الحال أدخل في ردّ مقالتهم أي قالوا ذلك مع مقارنته لما يشهد ببطلانه. قوله: (ووراء في الأصل مصدر الخ) في الموازنة للأمديّ ﵀ وراء ليست من الأضداد إنما هو من المواراة والاستتار فما أسنتر عنك فهو وراء خلفا كان أو قد أما إذا لم تره ولم تشاهده فأما إذا رأيته فلا يكون وراءك وإنما قال لبيد:
أليس ورائي إن تراخت منيتي لزوم العصا تحني عليها الأصابع
بمعنى أليس أمامي لأنه قاله قبل أن يشاهده وكذلك قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ
يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [سورة الكهف، الآية: ٧٩] الآية قالوا إنه كان أمامهم وصح ذلك لأنهم لم يعاينوه ولم يشاهدوه اهـ. وهذا لا ينافي قول المصنف رحمه الله تعالى ولذلك عدّ من الأضداد لأنّ معناه أنه لما أطلق وقدام وهما ضدان عذ ضدا تسمحاً على عادة أهل اللغة وإن كان موضوعا لمعنى شامل لهما لأنه مصدر بمعنى الستر فيهما لكنه قد يستعمل بمعنى الساتر وقد يستعمل بمعنى المستور، ولذا قال في القاموس: هو من الأضداد أوّلاً، وقيل: إنه مضاف إلى الفاعل مطلقاً لأنّ الرجل يواري ما خلفه عل ما هو قدّامه وما قدّامه على من هو خلفه. قوله: (وهو الحق الضمير لما وراءه الخ) في الدرّ المصون وهو الحق مبتدأ وخبر والجملة في محل نصب على الحال والعامل فيها قوله يكفرون وصاحبها فاعل يكفرون، وأجاز أبو البقاء أن يكون العامل الاستقرار في قوله بما وراءه أي بالذي استقرّ وراءه وهو الحق اص. وتابعه بعض المتأخرين فقال الحق المعروف بالحقية الحقيق بأن يخص باسم الحق على الإطلاق حال من فاعل يكفرون، واعترض بأنّ صاحبها ما الموصولة لا فاعل يكفرون فهذا غفلة منهما، ومن الناس من أجاب عنه بأنّ الجملة الحالية المقترنة بالواو لا يلزم أن يعود منها ضمير إلى ذي الحال نحو جاء زيد والشمس طالعة أي مقارنا لطلوعها وهذا هنا صحيح أيضا إذ التقدير يكفرون بغيره مقارنين لحقيته ومعترفين بها والمعترض بعدم الضمير غافل أيضاً لأنّ مصدّقاً من هذه وهي من جملتها ومعهم فيها ضمير لهم أيضاً ولكن لتأخره وتقدّم ضمير منها يتبادر عدم ارتباط الحال بهم ولا يخفى أنه على تقدير صحته تكلف في النظم من غير داع فلا بدّ للعدول عن الظاهر من مقتض، ولك أن تقول أنه إذا كان حالاً من الواو يكون المعنى وهم مقارنون لحقيته أي عالمون بها كقوله: ﴿مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٠٩ ا] وهو أبلغ في الذمّ من كفرهم بما هو حق في نفسه مع أنّ قوله بعد ذلك في تقرير المعنى يكفرون بالقرآن والحال أنه حق ممدّق لما آمنوا به ينافيه وقوله: والمراد به القرآن قيل: الظاهر أن يقول القرآن والإنجيل كما قال الواحدي: ولعل تخصيصه لاقتضاء المقام إذ هو الذي علم لنا تصديقه له، وقال الشارح المحقق: وهوا لحق حال مما وراءه وتعريف الخبر لزيادة التوبيخ والتجهيل بمعنى أنه خاصة هو الحق الذي يقارن تصديق كتابهم ولولا الحال أعني مصدقا لم يستقم الحصر لأنه في
стр. 626
مقابلة كتابهم وهو حق أيضا، وقيل: الأحسن أن يقال لا حصر، بل اللام للإشعار بأنه مسلم الاتصاف بالحقية معروف بها كقوله:
ووالدك العبد
كما مرّ بل لا يصح الحصر هنا لتخصيصه بالقرآن لأنّ الإنجيل حق مصدق للتوراة، دانما
ذكر الحصر في شروح الكشاف لأنه لم يخصه بالقرآن. قوله: (حال مؤكدة الخ) لأنّ كتب الله
تعالى يصدق بعضها بعضا فالتصديق لازم لا ينتقل، وموافقته للتوراة نزوله على حسب ما فيها فإنكاره إنكار لما فيها فلا يرد عليه أنّ الكفر بالقرآن إنما يستلزم الكفر بما يصدقه أن لو كفروا به وقالوا: إنه كذب كله وأمّا إذا كفروا بأنه كلام الله وأعتقدوا بأنّ فيه الصادق والكاذب فلا. قوله: (فلم تقتلون أنبياء الله الخ) الفاء جواب شرط مقدر أي إن كنتم آمنتم فلم الخ وما استفهامية حذف ألفها وحذف من الأوّل الشرط ومن الثاني الجواب على طريق الاحتباك وقيل: إنه جواب الش ط المذكور بناء على جواز تقديمه، وأما كون إن نافية فخلاف الظاهر وتقتلون مستقبل بمعنى الماضي قال القرطبيّ ﵀ لما ارتفع الإشكال بقوله: من قبل جاز أن يؤتى بالمستقبل بمعنى الماضي وكذا عكسه كقول الحطيئة:
شهدالحطيئة يوم يلقى ربه أن الوليد أحق بالعذر
فشهد بمعنى يشهد، وهذا أصوب مما قيل: فإن قيل المدعون هم اليهود المعاصرون والقاتلون للأنبياء عليهم الصلاة والسلام من قبل هم الماضون على أنّ تقييد المضارع بقوله من قبل لا يستقيم قلنا هو حكاية للحال المضاية كأنه قيل: فلم كنتم تقتلون، ومعنى نؤمن بما أنزل علينا جنس اليهود من المعاصرين والماضين فإيمانهم إيمانهم وفعلهم فعلهم، والاعتراض عليهم اعتراض عليهم، وقد يجاب بأنّ المعنى فلم ترضون بقتلهم الآن وفي تعلق من قبل يتقتلون بعض نبوة عنه لما فيه من أنّ حكاية الحال مع قوله من قبل لا تتسق وأما النبوة التي ذكرت فغير مسلمة لتعلقه بالقتل لا بالرضا، ومن الناس من جوّز حمل كلام المصنف ﵀ على هذا وفيه نظر، وحينئذ ففي الكلام تغليبان تغليب المعاصر على آبائهم في الخطاب وتغليب آبائهم عليهم في إسناد القتل فتأمله، وفي قوله عازمون عليه ما مرّ من الجمع بين الحقيقة والمجاكأ فتذكره. قوله: (الآيات التسع) في التيسير هي الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والعصا واليد البيضاء وفلق البحر وتفجير الماء من الحجر، وقاله المصنف ﵀ في الإسراء أيضا وقيل: الأظهر أن يراد بالبينات الدلائل ايدالة على الوحدانية. قوله: (ثم اتخذتم العجل) قيل لفظ ثم أبلغ من الواو في التقريع لأنها تدل على أنهم فعلوا ذلك بعد مهملة من النظر في الآيات وذلك أعظم ذنباً وقوله: إلها يعني أن نصب العجل باتخذتم والمفعول الثاني محذوف وقد يتعدى أتخذ لواحد نحو: ﴿اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ [سورة
الفرتان، الآية: ٢٧] . قوله: (بعد مجيء موسى علبه الصلاة والسلام الخ) قد مرّ ما فيه ثم إنه أورد عليه أنه كان الظاهر أن يكون المراد مجيئه بالبينات إلا أنه مشكل من حيث إنّ تفجر الماء منه وهو لم يكن قبل اتخاذهم العجل وكأنّ هذا منشأ لحمله على المجيء من الطور، والقول بأنّ قوله إلى الطور متعلق بالمصدرين على سبيل التنازع لا بالثاني وحده لا يخفى ما فيه من الكلف بل عدم الصحة، ولا فرق بين المجيء إلى الطور والذهاب إليه وإنما الفرق بين المجيء منه والذهاب إليه، وأمّا الإشكال المذكور فامره صعب (أقول) إذا حمل مجيئه على مجيئه بالبينات لا يلزم أن يكون المراد جميعها بل بجنس ما وقع منها مع أنه لو تعين فكيف ارتضى إدخاله فيها على ما نقل عن التيسير. قوله: (حال بمعنى أتخذتم العجل ظالمين الخ) قيل: المراد بالاعتراض التذييل لأنّ المعترضة هي التي اعترضت بين كلام أو بين كلامين متصلين معنى والتذييل ما يؤكد به تمام الكلام، ومنهم من جوّز الاعتراض في آخر الكلام فلا يرد عليه والفرق بين أن يكون حالاً وبين أن يكون اعتراضاً أنّ الحال لبيان هيئة المعمول والاعتراض لتأكد الجملة بتمامها، ومن ثمة قال في الحال: وأنتم واضعون العبادة غير موضعها، وفي الاعترا ضوأنتم قوم عادتكم الظلم أي استمررتم عليه، وعبادة العجل نوع مته، وأيضاً الجملة الحالية مقيدة للمطلق
стр. 627
فتكون لتخصيص العام، والمعترضة ما اعترضت فيه، واليه الإشارة بقوله: وأنتم قوم عادتكم الظلم وفي الكشف التحقيق أنّ الاعتراض أولى وان كان ميل أكثر المفسرين إلى الأوّل لأنه يكون تكراراً محضاً فإنّ عبادة العجل لا تكون إلا ظلما بخلاف الثاني فإنه يكون بياناً لرذيلة لهم تقتضي ذلك ثم قال نعم يمكن أن يحمل على بيان شمول الظلم أوّل حالهم وآخرها فلا يلزم التكرار (قلت) دلالته على هذا الشمول غير بينة، اللهم إلا أن يؤخذ من معنى الاستمرار الذي تدل عليه الجملة الاسمية ومع ذلك لا يعارض فائدة الاعتراض، فالوجه أن يقال: إن حمل الاتخاذ على الحقيقة نحو اتخذت خاتماً فظاهر أنّ الحال أولى لأنّ الاتخاذ لا يتعين كونه ظلما إلا إذا قيد بعبادته، وان حمل على أنه بمعنى العبادة كما يشعر به ظاهر لفظ المصنف ﵀ فقوله وأنتم ظالمون جار مجرى القرينة الدالة على التجوّز وفيه تعريض بأنهم صرفوا العبادة عن موضعها الأصليّ إلى غير موضعها وايهام مبالغة من حيث إنّ إطلاق الظلم يشعر بأنّ عبادة العجل كل الظلم وأنّ من ارتكبها لم يترك شيثاً من الظلم حيث لم يقل ظالمون فيه فهذا ينصر قول الأكثر، وقد ظهر أنّ التذييل عند المصنف ﵀ من أقسام الاعتراض! اهـ وقول المصنف اتخذتم العجل ظالمين بعبادته من غير ذكر إلها يحتمل أنه إشارة إلى أنه على الحالية يكون محمولاً على معناه الحقيقيّ لما مرّ، وقوله: أي إلهاً فيما مضى بيان لوجه آخر أو لمحصل المعنى فمن قال: لو جعل اتخذتم من قبيل اتخذ خاتماً بمعنى صنعه وعمله لكانت فائدة الحال ظاهرة فإنّ الاتخاذ بهذا المعنى لا يكون ظلماً إلا حال كونه مقرونا بالعبادة، وان جعل بمعنى عبدتم العجل على ما اختاره المصنف ﵀
وهو المناسب للمقام ففائدته زيادة التوبيخ، ومن بين وجه كونه حالاً على جعل اتخذتم متعدياً إلى واحد فقدسها وغفل عن قول المصنف أي إلها فإنه صريح في القطع بأن اتخذتم هنا متعدّ إلى مفعولين ولم يأت بشيء، ثم إنه على الحالية أيضا لو فسر بأنكم من عادتكم الظلم ووضع الشيء في غير موضعه لكان أبلغ ولا أدري لم عدلوا عنه، وأما تخيل أنه يلزم كون الحال مبينة للهيئة فلا، فتأمل. قوله: (ومساق الآية الخ) أي كما أنّ مساق ما قبلها كذلك فإنه مما يخالف دعوى الإيمان، وقوله والتنبيه الخ لأنهم كما كفروا بمحمد ومعجزاته كفرت أسلافهم بمعجزات موسى ﵊ فليس هذا ببدع منهم وكذا رفع الطور إشارة إلى أنهم لا يؤمنون اختيارا كآبائهم وكأنه لم يرتض ما في الكشاف من وكرّر رفع الطور لما نيط به من زيادة ليست مع الأول يعني وأشربوا في قلوبهم الخ. قوله: ( ﴿خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُواْ﴾ الخ) إشارة إلى مطابقة الجواب فإنّ الظ، هر فيه سمعنا فقط أو لا نسمع قال في الكشاف فإن قلت كيف طابق قوله جوابهم قلت طابقه من حيث إنه قال لهم اسمعوا ليكن سماعهم سماع تقبل وطاعة فقالوا سمعنا ولكن لا سماع طاعة يعني المأمور به ليس مطلق السماع بل سماع مراد به القبول كقوله سمع الله لمن حمده وقال:
دعوت الله حتى خفت أن لا يكون الله يسمع ما أقول
فأجابوا بنفي ذلك القيد، وهذا بناء على أنهم أجابوا بهذا اللفظ كما يتبادر من النظم وقال
أبو منصور أن قولهم عصينا ليس على أثر قولهم سمعنا بل بعد زمان كما في قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُم﴾ فلا حاجة إلى دفعه بما ذكر. قوله: (تداخلهم حبه الخ الما كان المعنى أنّ حبه والميل إليه تمكن منهم عبر عنه بالإشراب وهو من شرب الثوب الصبغ وأشربه به فيقال: هو مشرب بحمرة لأنّ الصبغ يؤثر في ظاهره وباطنه حتى كأنه شربه أو من أشربت البعير شددته بحبل في عنقه قال:
فأشربتها الأقران حتى وقعنها بقرح وقد ألقين كل جنين
كأنه شد في قلوبهم لشغفهم به أو من الشراب أي أشرب حبه في قلوبهم لأنّ من عادتهم
أنهم إذا عبروا عن مخامرة حب أو بغض استعاروا له اسم الشراب إذ هو أبلغ نجاع في البدن، ولذلك قالت الأطباء: الماء مطية الأغذية والأدوية ومركبها الذي تسافر به إلى أقطار البدن،
قال:
стр. 628
تغلغل حيث لم يبلغ شراب ولا حزن ولم يبلغ سرور
وفي المثل أشربتني ما لم أشرب أي ادّعيت عليّ ما لم أفعل، وقيل: سمعنا جواب اسمعوا وعصينا جواب خذوا وفيه تثويش، وقوله حبه إشارة إلى تقدير مضاف وأما إنّ المراد انتقاس صورته في قلوبهم فيأباه اشربوا، وقيل: أيضاً أنه لا حاجة إلى التقدير، إذ جعل العجل نفسه مشرباً أبلغ، وقيل: الإشراب حقيقة لأنّ موسى ﵊ برد العجل بمبرد وجعل باردته في ماء وأمرهم بشربه فمن كان يحب العجل ظهرت برادته على شفتيه وهذا وان نقل عن السدي ﵀ بعيد. قوله: (بيان لمكان الإشراب الخ) دفع لما يتوهم على تقدير المضاف أنه لا حاجة إلى ذكر القلوب إذ الحب لا يكون إلا فيها بأنه لما أسند إلى الجميع أشير إلى بيان محله وذكر المحل المتعين يفيد مبالغة في الإثبات لا أنّ القلوب هي المشربة كما أنّ البطون ليست هي الآكلة. قوله: (مجسمة وحلولية) وفي نسخة أو حلولية وقيل: إنه سهو لأنّ القول بالتجسيم لا يكفي بدون القول بالحلول، وفيه نظر لأنهم إذا كانوا مجسمة يجوّزون أن يكون جسم من الأجسام إلها وكذا إذا كانوا حلولية يجوّزون حلوله فيه تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً وفي بعض التفاسيريبعد من جم غفير من العقلاء أن يعتقدوا عجلا صنعوه على هيئة البهائم إلها مع أنهم رأوا ما رأوا وشاهدوا ما شاهدوا من موسى ﵊ فلعل السامريّ ألقى إليهم أنّ موسى ﵊ له طلسمات يفعل بها ما يفعل فروّج عليهم ذلك وأطمعهم في أن يصيروا مثله وهذا ليس بشيء مع ما نرى من عبدة الأصنام، وقوله بئس ما الخ قد مرّ ما يبينه. قوله: " يمانكم) في الكشاف وإضافة الأمر إلى إيمانهم تهكم يعني إسناده إليه تهكم، وكذلك إضافة الإيمان إليهم أما الثاني فظاهر كما في قوله أنّ رسولكم الذي أرسل إليكم تحقيرا واسترذالاً ودلالة على أنّ مثل هذا لا يليق أن يسمى إيمانا إلا بالإضافة إليكم وليس المراد أنه استعارة تهكمية فليتأمل كذا قيل: يعني ليس المقصود تسمية كفرهم بما في التوراة إيماناً على طريقة التهكم المعروفة بل سبق على مدعاهم وأسند إليه الأمر والإيمان إنما يأمر ويدعو إلى عبادة من هو غاية في العلم والحكمة، فالإخبار بأنّ إيمانهم يأمر بعبادة ما هو في غاية البلادة غاية التهكم والاستهزاء سواء جعل يأمر به بمعنى يدعو إليه أولاً وسواء قصد السبب الباعث مجازاً كما يتوهم أولاً كما هو الحق. قوله: (تقرير للقاخ الخ) يعني ليس الشك من المتكلم إس لعدم مطابقته للواقع إن اعتبر حال القائل أو لاستحالتة عليه تعالى إن اعتبر حال
الآمر، وأنّ المعنى قل لهم عني فليس يوهم كما توهم إذ هو للتشكيك إن قيل: بأنه قد يراعي في الألفاظ حال المخاطب بها كما مرّ أو أنه من إرخاء العنان والغرض لقيام الحجة وترتيب القياس كقوله: ﴿إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [سورة المائدة، الآية: ١١٦] والتقدير إن كنتم مؤمنين بها فبض ما أمركم به إيمانكم أي فقد أمركم إيمانكم بالباطل لكن الإيمان لا يأمر بالباطل فإذا لستم مؤمنين أي لكن اللازم باطل فالملزوم مثله، وقوله: فبئسما إشارة إلى أنّ الجواب مقدر بدلالة ما قبله لا أنّ المقدم جواب وإن قيل: بجواز تقدمه لأنه إن كان جامداً لا بد له من الفاء وادّعاء حذفها تعسف. قوله: (إن كانت لكم الدار الآخرة الخ) الدار الآخرة هنا الجنة قال الراغب: الخالص كالصافي إلا أنّ الخالص هو ما زال عنه شوبه بعد أن كان فيه والصافي لا يعتبر فيه ذلك، وقد يقال: لما لا شوب فيه ثم إنّ الخلوص ولام الاختصاص يقتضي انفرادهم بها، وقد فسره الراغب بالإفراد أيضاً فقوله: خاصة بمعنى خالصة لكم ومن دون الناس مؤكد له لما قال أبو حيان: أنه متعلق بخالصة ودون تستعمل للاختصاص وقطع الشركة يقال: هذا لي دونك أو من دونك أي لا حق لك فيه وقد تأتي في غير هذا للانتقاص في المنزلة أو المكان أو المقدار فمن اعترض على المصنف ﵀ بأنّ كلامه يقتضي أنّ الاختصاص مستفاد من خالصة وهو إنما استفيد من دون لم يصب وقوله خاصة أي ذات اختصاص فالصيغة للنسبة والا فالظاهر مخصوصة والذي نجي اللغة الخاصة خلاف العامة. قوله: (على الحال من الدار) والخبر لكم بناء على مجيء الحال من اسم كان وهو الأصح، ومن لم يجوّز الحال من اسم
стр. 629
كان بناء على أنه ليس بفاعل جعلها حالاً من الضمير المستكن في لكم والكلام فيه مبسوط في شروح الكشاف، ولما كانوا من الناس فسره بسائرهم أي باقيهم ممن عداهم فأطلق الجنس وأريد بعضهم أو اللام للعهد والمراد المسلمون أو من عداهم. قوله: (لأنّ من أيقن الخ) قيل: عليه أنّ كل واحد منهم غير موقن بدخول الجنة فإنّ المتيقن لهم أنه لا يدخلها غير اليهود ولا يلزم منه ذلك كما أ: لا نتيقن أنّ المسلمين دون الكفار يدخلون الجنة ولا يتيقن كل مسلم أنه يدخلها قبل العذاب، فالظاهر أن يقال: المراد بقوله: إن كنتم صادقين الصدق في دعوى أنهم أبناء الله وأحباؤه فإضا من اعتقد ذلك يأمن العذاب وهذا أيضا غير متجه إذ لم يجر لما ذكره ذكر ولم تقم عليه قرينة هنا فينبغي أن تفسر خالصة بأنها خالصة من الكدر والعقاب، وأشتاق يتعدّى بنفسه
ولذا قال: اشتاقها وقد يتعدى بإلى، وقيل: يتضمن النزاع وقوله: وأحب التخلص قال الراغب: المحبة داعية إلى الشوق والشوق داع إلى محبة لقاء المحبوب ومحبة لقائه داعية لسلوك السبيل إليه ولا طريق له سوى الموت فيتمنى لذلك. قوله: (كما قال علئ ﵁ لا أبالي سقطت على الموت أو سقط الموت علئ) أخرجه ابن عساكر في تاريخه كما نقله السيوطيّ وفي الكشاف أنّ علياً ﵁ طاف بين الصفين في غلالة فقال له ابنه الحسن: ما هذا بزيّ المحاربين فقال: يا بنيّ لا يبالي أبوك على الموت سقط أم عليه سقط الموت لكنه قال: في ربغ الأبرار خفق عليّ رض! ي الله عنه نعاساً ليلة حرب الجمل فقال له مسلم بن عقيل ابن أبي طالب: أتخفق نعاساً في مثل هذا الوقت يا أمير المؤمنين فقال: اسكت يا ابن أخي فإنّ عمك لا يبالي أوقع على الموت أم،. قع الموت عليه وانّ لعمك يوما لا يعدوه " وقد أخبر به رسول الله ﷺ . وهذه قصة أخرى فلا يقال إنه حينئذ لا يناسب المقام لأنّ عدم مبالاته ﵁ ليس لاشتياقه إلى الجنة بل لعلمه ﵁ أنه لا يموت في ذلك الوقت وسقوطه على الموت مباشرته لأسبابه المفضية إليه مع علم بها وسقوط الموت عليه مفاجأته له. قوله: (وقال عمار ﵁ بصفين الخ) صفين بصاد مهملة مكسورة وفاء مكسورة مشددة موضع قرب الرقة على شاطى الفرات وكانت وقعة صفين سنة سبع وثلاثين في غرّة صفر بين عليّ كرّم الله وجهه ومعاوية ﵁ وفيها استشهد عمار بن ياسر الصحابي ﵁ وكان النبيّ ﷺ قال لعمار ﵁: " تقتلك الفئة الباغية " فقال ذلك في وقت الحرب لأنه علم أنه يستشهد وتلاقي روحه في حظيرة القدس النبيّ ﷺ وأصحابه ﵃ فاشتاق لذلك ونادى به فرحا. وقال حذيفة بن اليمان الغساتي وهو محتضر يشاهد الموت: جاء حبيب أي الموت، وقيل: أراد لقاء الله، على فاقة أي احتياجي إليه ثم قال: لا أفلح من قد ندم يريد أني تمنيته فلما جاء ما ندمت فعمم وقال لا أفلح الخ. وهذا يحتمل الدعاء أيضاً قال أبو الحسن: تقول العرب لا أفلح من ندم يريدون من ندم فلا أفلح وهذا أخرجه ابن سعد في طبقاته وصححه، وقوله سيما متعلق بقوله اشتاقها وحذف لام! سيما ولو
لم يسمع من العرب وتقدّم ما فيه، وقوله: لا يشاركه فيها غيره يعني من المسلمين فلا يرد أنّ اليهود لا يدعون أنّ غيرهم لا يدخل الجنة كيف وهم معترفون بأنّ آدم ونوحا وغيرهما ممن لم تنسخ شريعتهم يدخلون الجنة. قوله: (ولن يتمنوه أبدا الخ) أبداً هنا للاستغراق ولا حاجة إلى القول بأنّ لن للتأبيد وان قيل به، والمراد الاستغراق لمدّة أعمارهم في الدنيا خلافاً لمن قال إنه مخصوص بعهد الرسول ﷺ ولا ينافي ذلك تمنيهم له في النار إذ ﴿نَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [سورة الزخرف، الآية: ٧٧] ويقولون: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ [سورة الحاقة، الآية: ٢٧] . قوله: (ولما كانت اليد العاملة الخ) اختصاص اليد بالإنسان المراد به أنها على وجه مخصوص من القدرة على العمل بها من غير ابتذالها بالوطء عليها فلا يرد عليه أنّ للبهائم يدا وللقرد يداً كيد الإنسان في ا! ل وأليه أشار بقوله عامة صنائعه، فلا يرد على ما فسر به: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٧٠] من اكل باليد أنه يوجد في القرد، ثم إنّ اليد الجارحة المخصوصة وتستعمل في النعمة لتسبيها عنها وفي القدرة لذلك وان أطلقت على قدرة الله مع تنزهه عن الجارحة كقوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [سورة ص، الآية: ٧٥]
стр. 630
وتطلق على الذات أيضا كقوله: ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٩٥] أي أنفسكم وفي كونه من إطلاق الجزء على الكل كلام سيأتي، وقد يكنى بالعمل باليد عن جميع الأعمال واليد في معناها الحقيقي وهو المراد هنا. قال الواحديّ: بما قدمت أيديهم أي بما قدموه وعملوه فأضاف ذلك إلى اليد لأنّ أكثر جنايات الإنسان تكون بيد. فيضاف إلى اليد كل جناية وان لم يكن لليد فيها مدخل، وظاهر كلام المصنف ﵀ يخالفه ولذلك اعترض عليه وما موصولة عائدها مقدر أو مصدرية وأيديهم فاعل مقدر رفعه.
قوله: (إخبار بالغيب الخ) قيل: وفيها أيضا دليل على اعترافهم بنبوته ﷺ لأنهم لو لم يتيقنوا ذلك ما امتنعوا من التمني. قوله: (فإن التمني ليس من عمل القلب الخ) دفع لما يرد من أنه كيف يكون معجزة مع أنه لا يمكن أن يعلم أنه لم يتمن أحد إذ هو أمر قلبيّ لا يطلع عليه بأنه ليس أمراً قلبيا بل هو أن يقول: ليت ونحوه مما يؤدّي مودّاه ولو سلم أنه أمر قلبيّ فهذا مذكور على طريق الحاجة واظهار المعجزة فلا يدفع إلا بالإظهار والتلفظ كما إذا قال رجل لامرأته أنت طالق إن شئت أو أحببت فإنه يعلق بالإخبار لا بالإضمار وهذا معنى قوله ولو كان بالقلب، وهذا على التسليم فلا يرد عليه أنّ التمني محبة حصول الشيء كما صرّح به المحققون، ولا أنه يعارض قوله في تفسير: ﴿إِلاَّ أَمَانِيَّ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٧٨] الأمنية ما يقدر في النفس كما مر. قوله: (وعن النبئ ﷺ أخرجه البيهقي رحمه الله تعالى في الدلائل عن
الكلبيّ عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄ مرفوعا بلفظ " لا يقولها رجل منهم إلا غص بريقه " وأخرجه الترمذي والبخاري عن ابن عباس ﵄ مرفوعا ولفظه:! لو أنّ اليهود تمنوا الموت لماتوا " وهذا يدلّ على عمومه لجميع اليهود في جميع الأعصار وهو المشهور الموافق لظاهر النظم، وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﵄ موقوفا لو تمنوه يوم قال لهم ذلك ما بقي على وجه الأرض يهوديّ إلا مات وهذا يدل على تخصيصه بعصره ﷺ ومن فيه ولذلك اختلف فيه المفسرون، وقوله لغص بريقه كناية عن الموت لأنّ الغصة والشرق وقوف الطعام والشراب في الحلق بحيث لا يجري وعند الموت لا يجري للإنسان ريق فجعل عبارة عنه فإن قيل: لا وجه لأصل السؤال لأنه تعالى أخبر بأنهم لن يتمنوه ولا شك في خبره قلنا القصد إلى إثبات أنه إخبار عن الغيب ليثبت كونه معجزا حتى يثبت أنه كلامه تعالى فلو أثبت صدقه بكونه كلامه تعالى لكان مصادرة، فإن قيل: عدم نقل تمنيهم الموت إلى الآن لا يدل على عدم تمنيهم أبدا قيل: الخطاب مع المعاصرين وقد انقرضوا ولم يتمنوا وفيه نظر ووجه التهديد إقامة الظالمين مقام ضميرهم، ودعوى ما ليس لهم هو قولهم: ﴿لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً﴾ [سورة البقرة، الآية: ١١ ا] . قوله: (من وجد بعقله الخ) لأنّ الوجدان يكون بالإحسان وبتعدى لواحد وبالعقل والعلم فيتعدّى لواحد كعرف ولاثنين كعلم، فقوله الجاري صفة مقيدة وتنكير الحياة لأنه أريد بها فرد أي فرد نوعي وهو حياة الدنيا وقيل: التنكير للتحقير أي الحياة الدنيا وهو المطابق لقراءة أبيّ ﵁ بالتعريف لأنه للمعهود المعروف منها، وقال أبو حيان أنه على تقدير مضاف أو صفة أي طول حياة أو حياة طويلة ولو لم يقدر لصح المعنى بأن يكونوا أحرص على أيّ مقدار منها ولو قليلاً فكيف بغيره، وقوله: ومفعولاه هم وأحرص أي لفظ هم وهو الضمير المتصل ولفظ أحرص وفي نسخة هم أحرص بدون واو على الحكاية بنصب أحرص ورفعه وهم. قوله: (محمول على المعنى الخ) يعني لما كان لا فعل حالات منها الإضافة ومنها جر المفضل عليه ممن عطف الحالة الثانية على الأولى لتوهم أنه وارد عليها، وقيل: على قوله أحرص من الناس الأولى أحرص من باقي الناس فإنه
بعض من المضاف إليه بخلاف مجرور من فإنه غيره ألا ترى إلى صحة قولنا زيد أفضل من الجن ولا يقال أفضل الجن اص. وأجيب بأنّ مدخول من التفضيلية يجوز أن يكون كلاكما قال صاحب الإقليد تقول زيد أفضل من القوم ثم تحذف من وتضيفه والمعنى على إثبات من وفيه نظر. قوله: (وإفرادهم بالذكر الخ) يعني أنهم داخلون في الناس فتخصيصهم بالذكر إمّا لشدّة حرصهم أو لتوبيخ
стр. 631
اليهود بأنّ حرصهم هذا يدل على خلاف مدّعاهم. قوله: (ويجوز أن يراد وأحرص من الذين الخ) يعني حذف أفعل المعطوف على الأوّل ودل عليه بذكر متعلقه، والوجه الثالث أن يكون الجارّ والمجرور خبراً مقدما لمبتدأ محذوف وجملة يودّ صفته الموصوف إذا كان بعض اسم مجرور بمن أوفى مقدم عليه حذف نحو منا ظعن ومنا أقام أي فريق ظعن وفريق أقام وعلى الأوّل المراد بالذين أشركوا المشركون المعروفون غير اليهود وقيل: هم المجوس، وعلى الثالث اليهود لأنهم مشركون لقولهم عزير ابن الله وإنما فسره به ليرتبط الكلام بعضه ببعض والجملة على هذا في محل رفع صفة المبتدأوعلى ما قبله مستأنفة لا محل لها من الإعراب وأما القول بأنّ من الذين مبتدأ لتأويله ببعض الذين فقد علم حاله مما مر. قوله: (حكاية لودا تهم ولو بمعنى ليت) أي حكاية لها بيود لأنه وان لم يكن قولاً ولا في معناه لكنه فعل قلبيّ يصدر عنه الأقوال فعومل معاملتها وكان الظاهر أن يعمر وهذا بناء على أنّ لو التي للتمني ليست مصدرية، وأمّا على القول بأنها مصدرية فلا يحتاج إلى اعتبار الحكاية وكونها للتمني مذهب ذهب إليه الزمخشريّ، وقيل: هي لو الشرطية أشربت معنى التمني وقال ابن مالك ﵀ هي المصدرية، وقال: قول الزمخشريّ قد تجيء في معنى التمني نحو لو تأتيني فتحدّثني بالنصب إن أراد أنّ الأصل وددت لو تأتيني الخ. فحذف فعل التمني لدلالة لو عليه فأشبهت ليت في الأشعار بمعنى التمني فصحيح وان أراد أنها حرف وضع للتمني كليت فممنوع، وقوله: لقوله يودّ أي هو لمشاكلة ذلك ومنه تعلم أنّ التجوّز في المشاكلة قد يكون في الهيئة فقط وقد مر نظيره. قوله: (كقولك حلف بالله ليفعلق) كان الأصل لأفعلن لكن لما كان حلف ماضياً جاء ما بعده على نهجه قال! في البديع: اعلم أنك إذا أخبرت عن يمين حلف بها فلك فيه ثلاثة أوجه، أحدها أن يكون بلفظ الغائب كأنك تخبر عن شيء كأن تقول استحلفته
ليقومن والثاني أن تأني بلفظ الحاضر تريد اللفظ الذي قيل له: استحلفته لتقومن كأنك قلت له لتقومق، والثالث أن تأتي بلفظ المتكلم فتقول استحلفته لأقومن ومنه قوله تعالى: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ بالنون والتاء والياء ولو كان تقاسموا أمرا لم يجز فيه الياء لأنه ليس بغائب اص. قوله: (الضمير لأحدهم الخ) يعني ضمير هو راجع لأحدهم وبمزحزحه خبره في محل نصب إن كانت ما حجازية وفي محل رفع إن كانت تميمية والباء زائدة في الخبر وأن يعمر فاعل اسم الفاعل أو راجع للتعمير المفهوم من يعمر وأن يعمر بدل منه وفيه ضعف للفصل بين. البدل والمبدل وللإبدال من غير حاجة إليه، وهذا معنى قوله أو لما الخ أو يكون ضمير التعمير وهو عائد على أن يعمر البدل وفي مثله يعود الضمير على المتأخير لفظا ورتبة، وهو معنى قوله أو مبهم الخ والفرق بين هذا الوجه والذي قبله أنّ ذاك مفسره شيء متقدم مفهوم من الفعل وهذا مفسر بالبدل وفيه خلاف تقدم وقد جوّز فيه أن يكون ضمير فصل قدم مع الخبر وأن يكون ضمير الثأن وأن يعمر مبتدأ و ﴿بِمُزَحْزِحِهِ﴾ خبره وفي زيادة الباء في مثله كلام أو فاعل بناء على جواز تفسير ضمير الشأن بمفرد وهو مذهب الكوفيين قال السيرافي في شرح الكتاب: كان الفراء يجيز أبذاهب الزيدان وأهل البصرة لا يجيزونه ودخول الباء على كل خبر منفيّ مطرد ومن أصحابنا من لا يجيز ألبتة ما هو بذاهب زيد إذا جعل ضمير الأمر لأنه إنما يفسر بجملة ولا يكون في ابتدائها الباء فاحتج عليه بقوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ﴾ [صورة البقرة، الآية: ٩٦] وأن يعمر بدل منه أو هو ضمير التعمير الذي تقدّم عليه الفعل اهـ. قوله: (وأصل سنة سنوة الخ الام سنة محذوفة فقيل: أصلها هاء وقيل: واو لأنه سمع في جمعه سنهات وسنوات وسنيهة وسنية وسانيت وسانهت وقوله: والزحزحة التبعيد فهو متعد، وقال السمين: استعملته العرب لازما ومتعديا. قوله: (فيجازيهم) يعني أنّ معنى إبصاره تعالى مجازاتهم بالتعذيب ما تقول لمن يعصي قد رأيت ما صنعت لتهديده وتخويفه. قوله: (نزل في عبد الله بن صوريا الخ) قال العراقي: لم أقف على سند وأورده الثعلبيّ والبغوي والواحديّ في أسباب النزول بلا سند، وعبد الله بن صوريا كيوريا من أحبار اليهود قيل إنه أسلم ثم كفر
стр. 632
وبختنصر بضم الباء وتسكين الخاء والمثناة الفوقية المفتوحة للتركيب
المزجي وأصله بوخت بمعنى ابن ونصر كبقم مشدد اسم صنم وجد عنده فنسب إليه وهو الذي خرب بيت المقدس وقتل بني إسرائيل وئبله بمائة وثمان وثلاثين سنة بختنصر آخر مؤرخ به في الكتب القديمة وهو من ملوك الكلدانيين ذكره في شرح المحيط،، - قوله: فبم تقتلونه أي فبأيّ سبب يحل لكم قتله. قوله: (وقيل دخل عمر ﵁ مدارس اليهود الخ) أخرجه ابن أبي شيبة في مسنده وابن جرير وابن أبي حاتم من طرق عن الشعبيّ وله طرق أخرى فهو أقوى من الأول، والمدأرس بيت أليهود الذي يدرسون فيه كتبهم جمع مدراس كما وقع في بعض نسخ الكشاف وفي النهاية المدراس صاحب كتب اليهود ومفعل ومفعال من أبنية المبالغة والمدراس أيضا البيت الذي يدرسون فيه ومفعال غريب في المكان اهـ. وقد قدمنا أنه يكون مصدراً أيضاً فله ثلاث استعمالات أشهرها الوصفية والخصب بالكسر معروف والسلام مصدر بمعنى السلامة والنجاة، وقوله: كما تقولون أي من الملائكة المقرّبين وإنما قال عمر ﵁: لئن لما في كلامهم من إثبات الجهة فإنهم مجسمة كما مر وهو تسليمي إذ لا شك منه ﵁. قوله: (ولأفتم كفر من الحمير) قال الميداني: قولهم هو أكفر من حمار هو رجل من عاد يقال له حمارين مويلع وقال الشرقي: هو حمار بن مالك بن نصر الأزديّ كان مسلماً وكان له واد طوله مسيرة يوم في عرض أربعة فراسخ ولم يكن ببلاد العرب أخصب منه فيه من كل الثمار فخرج بنوه يتصيدون فيه فأصابتهم صاعقة فهلكوا فكفر وقال لا أعبد من فعل هذا ببنيّ ودعا قومه إلى الكفر فمن عصاه قتله فأهلكه الله وأخرب واديه فضرب به المثل في الكفر قال:
ألم تر أن حارثة بن بدر يصلي وهوأكفرمن حمار
والحمار مثل في البلادة وتعرّف النعم يحتاج إلى فطنة وقيل: لأنه صاحبه يعلفه ثم يرمحه، وفي المثل أيضا أخرب من جوف حمار لأنه إذا صيد لم يلق في جوفه ما ينتفع به وقيل: المراد كل جاهل لأنّ الكفر من الجهل والبلادة ولا شيء أبلد من الحمار قيل: وهذا
أنسب لعدم الطباق بين الجمع في الكتاب والإفرأد في المثل، وقيل: قول عمر وضي الله عنه محمول على هذا العادي واضرابه من العتاة وجمعه نظراً إلى الأصل وقولهم جوف العير من تبديل لفظ بآخر للخفة فقد يبدلون في الأعلام لأغراض كقول أمية بن خلف لعنه الله لأبي بكر ﵁ يا أبا فصيل والأمثال يحتمل فيها ضروب من التخفيف وفيه أنه مخالف لكلام القوم فإنهم صرحوا بأنّ الأمثال لا تغير كما مر، وقوله: سبقه بالوحي أل فيه للعهد أي بوحي مطابق لما قاله ولعمر ﵁ آراء نزل الوحي موافقاً لها وقد ذكرها المؤرخون والمحدثون منها ما هنا. قوله: (وفي جبريل ثمان لنات الخ) هذا علم ملك ممنوع من الصرف العلمية والعجمة والتركيب المزجي على قول، وقد تصرفت فيه العرب على عادتهم في الأسماء الأعجمية على ثلاث عشرة لغة أشهرها وأفصحها جبريل كقنديل وهي قراءة أبي عمرو ونافع وابن عامر وحفص عن عاصم وهي لغة الحجاز الثانية كذلك إلا أنها بفتح الجيم وهي قراءة ابن كثير والحسن وتضعيف الفراء لها بأنه ليس في كلامهم فعليل ليس بشيء لأنّ الأعجمي، إذا عرّب قد يلحقونه بأوزانهم وقد لا يلحقونه مع أنه سمع سمويل لطائر الثالثة جبرائيل كسلسبيل وبها قرأ حمزة والكسائيّ وهي لغة قيس وتميم، الرابعة كذلك إلا أنها بدون ياء بعد الهمزة وتروى عن عاصم، الخامسة كذلك إلا أنّ اللام مشددة وتروى عن عاصم أيضاً وقيل إنه اسم الله في لغتهم السادسة جبرائل بألف وهمزة بعدها مكسورة بدون ياء وبها قرأ عكرمة، السابعة مثلها مع زيادة ياء بعد الهمزة، الثامنة جبراييل بياءين بعد الألف وبها قرأ الأعمش التاسعة جبرال العاشرة جبريل بالياء والقصر وهي قراءة طلحة بن مصرف، الحادية عشرة جبرين بفتح الجيم والنون، الثانية عشرة كذلك إلا أنها بكسر الجيم، الثالثة عشرة جبراين وفي الكشاف جبراييل بوزن جبراعيل، قال الشارح العلامة: من عادة المصنف رحمه الله تعالى بل أهل العربية قاطبة أنهم إذا أراوا أن يبينوا وزن كلمة يبدلون همزتها بالعين كما في المفصل في لغات كأين كائن بوزن كاعن الخ فاعرفه ومعنى جبرائيل
стр. 633
قيل: عبد الفه وجبر عبدوايل اسمه تعالى كما أنّ إسرائيل صفوة الله. قوله: (الباررّ الآوّل الخ) في الكشاف الضمير في نزله للقرآن ونحو هذا الإضمار أعني إضمار ما لم يسبق ذكره فيه فحامة لثأن صاحبه حيث يجعل لفرط شهرته كأنه يدل على نفسه ويكتفي عن اسمه الصريح بذكر شيء من صفاته وهو التنزيل في قوله نزله وفسر
في الكشاف نزله بحفظه وفهمه فقال: معنى التنزيل المسند إلى جبريل هو التحفيظ والتفهيم كأنه جعله نازلاً بالقلب حالاً فيه والا فالمنزل حقيقة هو الله فهو مجاز لأنه انتقال من اللازم إلى الملزوم وكلام المصنف ليس بصريح فيه فيجوز أن يكون نزل بمعناه الحقيقي لكن كان مقتضى الظاهر عليك فزاد القلب لأنه القابل الأوّل، ومحل الفهم والحفظ بناء على أنّ الإدراك به والمدرك فيه على ما ورد في لسان ااصثمريعة وأهلها لا يقولون بإثبات الحواس الباطنة فلا يرد عليه أنهم قالوا حافظ الصور الجزئية الخيال وحافظ المعاني الجزئية قوّة في مؤخر الدماغ تسمى الحافظة وحافظ المعاني الكلية العقل المفاض على النفس بأمر الله تعالى، وكان الظاهر أن يقول على قلبي لأنّ القائل رسول الله ﷺ لكنه حكى ما قال الله له وجعل القائل كأنه الله لأنه سفير محض والحكاية إمّا بمعنى أنه روعي حال الأمر بالقول فحكي لفظه كما تقول قل لقومك لا يهينوك قال الفرزدق:
ألم تر اني يوم جو سويقة دعوت فنادتني هنيدة ماليا
وقيل ثمة قول آخر مضمر، والتقدير قال: يا محمد قال الله لي من كان وقيل: الضمير
في نزله للقرآن فإن جبريل ﵊ نزل القرآن على قلبك والحفظ والفهم معاً إنما أفادهما حرف الاستعلاء لدلالته على أنّ المنزل ياخذ بمجامع قلبه وهو مرتب بقوله بئسما اشتروا به أنفسهم وما وقع بينهما غير أجنبيّ لأنه كله مقرّ! لكفرهم وانكارهم المنزل على نبينا ﷺ وان ذلك لشدة شكيمتهم وفرط عنادهم ولا يخفى ما فيه وان تابعه في بعض الطيبيّ وقوله بأمره الخ أصل معنى الإذن في الشيء الإعلام بإجازته والرخصة فيه وإذا أسند إلى الله قد يراد أمره وارادته لقوله تعالى إلا ليطاع بإذن الله وليس بضارّهم شيئاً إلا بإذن الله وكذا تيسيره، وقيل: إنّ إذن الله يكون بمعنى علمه أيضا وكلها معان مجازية والعلاقة فيها ظاهرة، وأما ما قيل: إنّ قوله بأمره إن أريد بالتنزيل معناه لظاهر، وقوله: بتيسيره إن أريد به التحفيظ والتفهيم فلا وجه له، وقوله من فاعل نزله والضمير المستتر فيه لجبريل ﵊، وقيل: إنه لله والمفعول ضمير جبريل والحال منه، أي مأذونا له أو معه إذن الله. قوله: (والظاهر أن جواب الشرط فإن نزله الخ) يعني أنّ من حق الشرط أن يكون سبباً للجزاء وهنا عداوة جبريل ﵊ ليست سبباً لتنزيل القرآن فوجه بأنه ليس بجواب في الحقيقة بل هو سبب الجواب أقيم مقامه ومعناه من كان عدوّاً لجبريل ﵊ فلا وجه لعداوته لأنه نزل بالقرآن على قلبك مصدقاً لما بين يديه الخ فلو أنصفوا أحبوه فتنزيل القرآن سبب لعدم توجه
عداوته أو معناه من كان عدوّاً لجبريل ﵊ فلعداوته وجه لأنه نزل عليك بالقرآن وهم كارهون له فنزوله سبب لتوجه عداوتهم كما يقال إن عاداك فلان فقد آذيته أي فهو محق في عداوته لتأذيه وتحقيقه أن تقدير الكلام إن عادوه فالعاقل المنصف يقول لا وجه لمعاداته أو لها وجه فالسببية في الحقيقة لذلك القول المقدر فيكون سببا للإخبار بمضمون الجزاء كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾ [سورة النحل، الآية: ٥٣] وقيل التقدير من كان عدوّا لجبريل ﵊ فليمت غيظاً فإنه نزل على قلبك أي من عاداه هلك بعداوته لأنها دائماً متزايدة لنزوله على قلبك، وقول المصنف رحمه الله تعالى في هذا الوجه محذوف إشارة إلى أنه لا حذف في الأوّل بل تجوز بعلاقة السببية أو أنّ المحذوف فيه في قوّة المذكور لوجود ما يقوم مقامه لقوله قبله فحذف الخ فالمذكور كأنه جواب وفي هذا غير نائب عنه بل علة له واعلم أنّ كون على قلبك حكاية كلام الله إنما هو على التوجيهين الأوّلين دون هذا فتنبه ومنه يعلم نكتة للحكاية دقيقة، وأما كون من استفهاماً للاستبعاد والتهديد وما بعده تعليل له فخلاف الظاهر. قوله: (أراد
стр. 634
بعداوة الله مخالفته الخ الما كان معنى العداوة المعروف المقصود به الإضرار لا يتصوّر هنا جعله مجازاً عن المخالفة عناداً، وهذا ظاهر في لله ورسله، وأما في الملائكة فبمخالفة ما جاؤوأ به وفيه نظر وقريب منه تفسير المحبة بإرادة الطاعة أو المراد معناه الحقيقي بالنسبة للرسل والملائكة وذكر الله للتفخيم والتهويل لعداوتهم لأنّ من عاداهم فقد عادى الله وسيأتي تحقيقه في محله وعداوة الله عقابه أشد العقاب كما في الكشاف. قوله: (وأفرد المكان بالذكر الخ) أي ليدل على فضلهما حتى كأنهما ليسا من جنس الملائكة لاختصاصهما بمزايا وفضائل ولأنّ التغاير في الوصف بمنزلة التغاير في الذات كقوله:
فإن تفق الأنام وأنت منهم فإنّ المسك بعض دم الغزال
وقوله: والتنبيه الخ لأنّ الإفراد بالذكر يقتضي ذلك كما إذا قلت من أهان القوم وزيدا وعمرا أهنته اقتضى ترتب الجزاء على إهانة أفرادهم لا على المجموع فقط، وقوله: إذ
الموجب الخ أي في نفس الأمر وهذه وجوه ونكت مستقلة، ولذلك قال ولأنّ الحاجة الخ بالواو ل! نه أعاد اللام للبعد فلا يقال الظاهر أن يقال أو للتنبيه ولا ينافيه ما سبق من تول اليهود إنّ ميكائيل محبوب لأنّ الخصب والرخاء منه وجبريل ﵊ عدوّ لأن الخسف والعذاب منه فتأمّل ولا إنّ الواو بمعنى أو لأن ما ذكر لا يدل على أشرفيتهما، وقوله ووضع الظاهر الخ مبني هذا في الكلام التعليق بالمشتق وأنّ الجزاء مرتبط بمعاداة كل واحد مما ذكر في الشرط لا بالمجموع وقوله كميكاعل قد مر إبدال الهمزة عيناً في الوزن وقرئ ميكئل كميكعل وميكئيل كميكعيل وميكال بدون همزة وياء. قوله: (أي المتمرّدين من الكفرة والفسق الخ الما كان الفسق يطلق على المعاصي والكفر أشدها وكان في النظم مخالفة للظاهر حينئذ دفعها بأنّ المراد المتمرّدون في الكفر لما روي عن الحسن ﵀ إنّ الفسق إذا استعمل في نوع من المعاصي كفراً أو غيره وقع على أعظمه لأنه في الأصل الخروج عن المعتاد فيه، وقد استعمل هنا في الكفر فيفيد ما ذكر واليه أشار بقوله: كأنه متجاوز الخ وما ذكر في سبب النزول يدل على أنّ المراد بهم اليهود لا ابن صوريا وحده كما قيل: لأنّ صيغة الجمع تأباه فالتعريف للعهد أو المراد الجنس وهم داخلون فيه دخولاً أوّلياً فينتظم السياق والسباق، وحديث ابن صوريا مرويّ عن ابن عباس ﵄. قوله: (الهمزة للإثكار الخ) قيل: جعله عطفا على محذوف إذ لا مجال للعطف على الكلام السابق وتوسيط الهمزة لغرض يتعلق بالمعطوف خاصة، ولم يحمل قراءة إسكان الواو على أنها أسكنت إسكان الهاء في وهو لأنه لم يثبت مثل ذلك في الواو والعاطفة بل حملت على أنها أو العاطفة للفعل بعدها أعني نبذه المقيد بالظرف وهو كلما على صلة الموصول الذي هو اللام في الفاسقون ميلاً إلى جانب المعنى وإن كان فيه مسخ اللام الموصولة كأنه قيل: إلا الذين فسقوا وإن لم يصح ابتداء وقوع صريح الفعل بعد اللام لا سيما مع تقدم معمول. (أقول) : قوله لا مجال للعطف برد عليه أنه إذا قرئ بالسكون فهي عاطفة على ما قبلها فما الفرق بينهما، وقوله: إنه ميل مع المعنى يقتضي أنّ العربية لا تساعد عليه وليس كذلك فإنّ أل تدخل على الفعل ابتداء في الضرورة كقوله:
عص ت الحمار ليجاع وبالتبعية في السعة كثيراً كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا﴾ [سورة الحديد، الآية: ١٨] لاغتفارهم في الثواني ط لا! ختفر في الأوائل وسيأتي تحقيقه فهذا غفلة عن هذا وقيل: أو هنا بمعنى بل الإضرابية وانتصاب عهداً إمّا على أنه مصدر غير جار على فعله والأصل معاهدة ويؤيده قراءة عهدوا أو على أنه رفعول به بتضمين عاهدوا معنى اعطوا. قوله: (نقضه الخ) النبذ نقض العهد وأصله طرح ما لا جتدّ به كالنعل البالية، وقوله: فيما ينسى أي ما من شأنه ذلك لعدم الاعتداد به والا فهذا القيد لم يذكره أهل اللغة وقيد عدم الاعتداد صرح به الراغب ﵀ وقد فسر ظهريا بمنسياً فلعله منشأ الوهم، وقوله تعالى: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ أسورة البقرة، الآية: ٠٠ ا] جشسمل عطف المفرد بجعل لا يؤمنون حالاً من أكثر أو من الضمير المضاف إليه بمعنى ينبذون العهد عملا واعتقاداً. قوله: (رد لما يتوهم من أنّ الخ) يعني أنّ الفريق يطلق على الكثير والقليل والثاني هو المتبادر منه
стр. 635
فلذا أضرب عنه فهو إما انتقاليّ أو إبطاليّ وعلى الثاني المراد بالأكثر ما يشمل غير النابذين، وقوله: كالقرآن يشمل الإنجيل وفي نسخة وهو القرآن خص بالذكر لمناسبة الواقع في هذا المقام والنسخة الأولى أولى وجعل نبذ بعض التوراة نبذاً لها وهو ظاهر، وإذا فسر كتاب الله بالقرآن ورد أنّ النبذ يقتضي تقدم الأخذ وهم لم يأخذوه أصلاً فأشار إلى دفعه في الكشاف بقوله: كتاب الله القرآن نبذوه بعدما لزمهم تلقيه بالقبول يعني أنّ النبذ وراء الظهر! تضي سابقة الأخذ في الجملة وهذا في حق التوراة ظاهر وإنما الخفاء في الترك، وفي حق الفرآن بالعكس أي تركه ظاهر وإنما الخفاء في أخذه فجعل أخذ. هو لزوم التلقي بالقبول وترك التوراة هو الكفر بمحمد ﷺ قيل: والمصنف ﵀ أشار إلى دفعه بقوله: مثل لإعراضهم الخ يعنيان النبذ ليس حقيقة بل هو اسنعارة تمثيلية أربد به الإعراض فلا حاجة إلى أن يقال جعله لزوم التلقي الخ بل لا وجه ل وليس بشيء لأنه حينئذ تجوز بالنبذ عن عدم القبول اللازم له وهو ظاهر وأمّا التمثيل فلم ينص المصنف ﵀ على أنه بالنبذ بل في قوله وراء ظهورهم وقد قال الزمخشريّ في تفسيره أيضاً وراء ظهورهم: مثل لتركهم واعراضهم عنه مثل بما يرمى به وراء الظهر استغناء عنه وقلة
التفات إليه اص. فهذا غافل عن معنى كلامهم فتأمّل، نعم لو جعل الجميع تمثيلا لكان له وجه، وقال الطيبيّ ﵀: شبه تركهم كتاب الله واعراضهم عنه بحالة شيء يرمي به وراء الظهر والجامع عدم الالتفات وقلة المبالاة ثم استعمل هنا ما كان مستعملا هناك وهو النبذ وراء الظهر فاذا حمل كتاب الله على التوراة كان كناية عن قلة مبالاتهم فقط لأنّ النبذ الحقيقي لم يكن منهم ولهذا قال بين أيديهم يقرؤونه الخ والحمل على القرآن لا ينافي حقيقة النبذ فهو كطويل النجاد. قوله: (أنه تعالى دل بالآيتين الخ) جل اليهود بمعنى معظمهم فإن أريد باليهود من كان منهم سواء ثبت على ذلك أو لا فهم أربع فرق كما قال المصنف ﵀ وان أريد من لم يرجع عنها فهم ثلاث فرق كما قال الراغب فلا مخالفة بيته وبين المصنف ﵀ كما توهم، وبقي منهم من لم ينبذها ولم يؤمن كالمعترفين بنبوة محمد ﷺ إلا أنهم خصوها بالعرب أو بغير بني إسرائيل وفرقة آمنوا بموسى ﷺ وماتوا قبل نزول التورإة إذ لا يصدق عليهم ما ذكر وق! على ذلك. قوله: (عطف على نبذ الخ) هذا مما قاله بعض المعربين كأبي البقاء وليس بظاهر لأنه يقتضي كونها جواب أحا واتباعهم هدّا ليس مترتبا على مجيء الرسول ﷺ بل كان قبله فالأولى أن تكون معطوفة على جملة لما وقيل: إن مراده ولكن لما كانت الجملة هي الجواب والشرط قيد لها عبر به تسمحا، وقيل: إنها معطوفة على مجمويم ما قبلها عطف القصة وقيل: على اشربوا وما موصولة وعائدها محذوف أي تتلوه وقيل: نافية، وقال ابن العربيّ إنه غلط فاحش وتتلو بمعنى تلت الحكاية الحال الماضية وهو إمّا على من تلاه بمعنى قرأه أو تبعه واليهما أشاو المصنف وهو ظاهر وجوّز في الشياطين وجوهاً، وقوله قيل: الخ يؤيد الأوّل. قوله: (أي عهده الخ) في الكشاف أي على عهد ملكه وفي زمانه، يعني أنّ على بمعنى في وفي الكلام مضاف مقدر وفي الفرائد إنّ تتلوف ق معنى الإملاء فعدى بعلى، وقيل: ضمن معنى الإقراء والتسخير جعل الشيء مسخراً أي منقاداً ويراد به الاستعمال بغير أجر. قوله: (وعبر عن السحر بالكفر الخ) يعني أنّ كفر بمعنى سحر مجازا للزومه له وأمّ كونه كفراً فلظاهر الآية والأحاديث
كقوله ﵊: " من أتى كاهناً أو عرّافاً أو ساحراً فصدقه بما يقول فقد كفر " قال الجصاص ﵀ اتفق السلف على وجوب قتل الساحر ونص بعضهم على كفره واختلف الفقهاء في حكمه فعن أبي حنيفة ﵀ أنه يقتل ولا يستتاب والمرأة تحبس حتى تتركه فجعل حكمه حكم المرتد ولم يجعله الشافعيّ ﵁ كافراً قال في الروضة يحرم فعل السحر بالإجماع وأمّا تعلمه وتعليمه ففيه ثلاثة أوجه، الصحيح الذي قطع به الجمهور أنهما حرامان، والثاني مكروهان، والثالث مباحان، ومن أراد تفصيل الكلام فيه فليراجع أحكام القرآن فكلام المصنف محل تأمّل وقد حمل على من أعتقد تأثيره فإنه كفر بلا خلاف وسقط ما قيل إنا لم نر خلافاً في كون العمل به
следующие страницы →