← Тафсир

Тафсир · id 1535

حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي = عناية القاضي وكفاية الراضي

الشهاب الخفاجي

Полный текст (3 156 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

اليهود بأنّ حرصهم هذا يدل على خلاف مدّعاهم. قوله: (ويجوز أن يراد وأحرص من الذين الخ) يعني حذف أفعل المعطوف على الأوّل ودل عليه بذكر متعلقه، والوجه الثالث أن يكون الجارّ والمجرور خبراً مقدما لمبتدأ محذوف وجملة يودّ صفته الموصوف إذا كان بعض اسم مجرور بمن أوفى مقدم عليه حذف نحو منا ظعن ومنا أقام أي فريق ظعن وفريق أقام وعلى الأوّل المراد بالذين أشركوا المشركون المعروفون غير اليهود وقيل: هم المجوس، وعلى الثالث اليهود لأنهم مشركون لقولهم عزير ابن الله وإنما فسره به ليرتبط الكلام بعضه ببعض والجملة على هذا في محل رفع صفة المبتدأوعلى ما قبله مستأنفة لا محل لها من الإعراب وأما القول بأنّ من الذين مبتدأ لتأويله ببعض الذين فقد علم حاله مما مر. قوله: (حكاية لودا تهم ولو بمعنى ليت) أي حكاية لها بيود لأنه وان لم يكن قولاً ولا في معناه لكنه فعل قلبيّ يصدر عنه الأقوال فعومل معاملتها وكان الظاهر أن يعمر وهذا بناء على أنّ لو التي للتمني ليست مصدرية، وأمّا على القول بأنها مصدرية فلا يحتاج إلى اعتبار الحكاية وكونها للتمني مذهب ذهب إليه الزمخشريّ، وقيل: هي لو الشرطية أشربت معنى التمني وقال ابن مالك ﵀ هي المصدرية، وقال: قول الزمخشريّ قد تجيء في معنى التمني نحو لو تأتيني فتحدّثني بالنصب إن أراد أنّ الأصل وددت لو تأتيني الخ. فحذف فعل التمني لدلالة لو عليه فأشبهت ليت في الأشعار بمعنى التمني فصحيح وان أراد أنها حرف وضع للتمني كليت فممنوع، وقوله: لقوله يودّ أي هو لمشاكلة ذلك ومنه تعلم أنّ التجوّز في المشاكلة قد يكون في الهيئة فقط وقد مر نظيره. قوله: (كقولك حلف بالله ليفعلق) كان الأصل لأفعلن لكن لما كان حلف ماضياً جاء ما بعده على نهجه قال! في البديع: اعلم أنك إذا أخبرت عن يمين حلف بها فلك فيه ثلاثة أوجه، أحدها أن يكون بلفظ الغائب كأنك تخبر عن شيء كأن تقول استحلفته ليقومن والثاني أن تأني بلفظ الحاضر تريد اللفظ الذي قيل له: استحلفته لتقومن كأنك قلت له لتقومق، والثالث أن تأتي بلفظ المتكلم فتقول استحلفته لأقومن ومنه قوله تعالى: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ بالنون والتاء والياء ولو كان تقاسموا أمرا لم يجز فيه الياء لأنه ليس بغائب اص. قوله: (الضمير لأحدهم الخ) يعني ضمير هو راجع لأحدهم وبمزحزحه خبره في محل نصب إن كانت ما حجازية وفي محل رفع إن كانت تميمية والباء زائدة في الخبر وأن يعمر فاعل اسم الفاعل أو راجع للتعمير المفهوم من يعمر وأن يعمر بدل منه وفيه ضعف للفصل بين. البدل والمبدل وللإبدال من غير حاجة إليه، وهذا معنى قوله أو لما الخ أو يكون ضمير التعمير وهو عائد على أن يعمر البدل وفي مثله يعود الضمير على المتأخير لفظا ورتبة، وهو معنى قوله أو مبهم الخ والفرق بين هذا الوجه والذي قبله أنّ ذاك مفسره شيء متقدم مفهوم من الفعل وهذا مفسر بالبدل وفيه خلاف تقدم وقد جوّز فيه أن يكون ضمير فصل قدم مع الخبر وأن يكون ضمير الثأن وأن يعمر مبتدأ و ﴿بِمُزَحْزِحِهِ﴾ خبره وفي زيادة الباء في مثله كلام أو فاعل بناء على جواز تفسير ضمير الشأن بمفرد وهو مذهب الكوفيين قال السيرافي في شرح الكتاب: كان الفراء يجيز أبذاهب الزيدان وأهل البصرة لا يجيزونه ودخول الباء على كل خبر منفيّ مطرد ومن أصحابنا من لا يجيز ألبتة ما هو بذاهب زيد إذا جعل ضمير الأمر لأنه إنما يفسر بجملة ولا يكون في ابتدائها الباء فاحتج عليه بقوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ﴾ [صورة البقرة، الآية: ٩٦] وأن يعمر بدل منه أو هو ضمير التعمير الذي تقدّم عليه الفعل اهـ. قوله: (وأصل سنة سنوة الخ الام سنة محذوفة فقيل: أصلها هاء وقيل: واو لأنه سمع في جمعه سنهات وسنوات وسنيهة وسنية وسانيت وسانهت وقوله: والزحزحة التبعيد فهو متعد، وقال السمين: استعملته العرب لازما ومتعديا. قوله: (فيجازيهم) يعني أنّ معنى إبصاره تعالى مجازاتهم بالتعذيب ما تقول لمن يعصي قد رأيت ما صنعت لتهديده وتخويفه. قوله: (نزل في عبد الله بن صوريا الخ) قال العراقي: لم أقف على سند وأورده الثعلبيّ والبغوي والواحديّ في أسباب النزول بلا سند، وعبد الله بن صوريا كيوريا من أحبار اليهود قيل إنه أسلم ثم كفر

стр. 632

وبختنصر بضم الباء وتسكين الخاء والمثناة الفوقية المفتوحة للتركيب المزجي وأصله بوخت بمعنى ابن ونصر كبقم مشدد اسم صنم وجد عنده فنسب إليه وهو الذي خرب بيت المقدس وقتل بني إسرائيل وئبله بمائة وثمان وثلاثين سنة بختنصر آخر مؤرخ به في الكتب القديمة وهو من ملوك الكلدانيين ذكره في شرح المحيط،، - قوله: فبم تقتلونه أي فبأيّ سبب يحل لكم قتله. قوله: (وقيل دخل عمر ﵁ مدارس اليهود الخ) أخرجه ابن أبي شيبة في مسنده وابن جرير وابن أبي حاتم من طرق عن الشعبيّ وله طرق أخرى فهو أقوى من الأول، والمدأرس بيت أليهود الذي يدرسون فيه كتبهم جمع مدراس كما وقع في بعض نسخ الكشاف وفي النهاية المدراس صاحب كتب اليهود ومفعل ومفعال من أبنية المبالغة والمدراس أيضا البيت الذي يدرسون فيه ومفعال غريب في المكان اهـ. وقد قدمنا أنه يكون مصدراً أيضاً فله ثلاث استعمالات أشهرها الوصفية والخصب بالكسر معروف والسلام مصدر بمعنى السلامة والنجاة، وقوله: كما تقولون أي من الملائكة المقرّبين وإنما قال عمر ﵁: لئن لما في كلامهم من إثبات الجهة فإنهم مجسمة كما مر وهو تسليمي إذ لا شك منه ﵁. قوله: (ولأفتم كفر من الحمير) قال الميداني: قولهم هو أكفر من حمار هو رجل من عاد يقال له حمارين مويلع وقال الشرقي: هو حمار بن مالك بن نصر الأزديّ كان مسلماً وكان له واد طوله مسيرة يوم في عرض أربعة فراسخ ولم يكن ببلاد العرب أخصب منه فيه من كل الثمار فخرج بنوه يتصيدون فيه فأصابتهم صاعقة فهلكوا فكفر وقال لا أعبد من فعل هذا ببنيّ ودعا قومه إلى الكفر فمن عصاه قتله فأهلكه الله وأخرب واديه فضرب به المثل في الكفر قال: ألم تر أن حارثة بن بدر يصلي وهوأكفرمن حمار والحمار مثل في البلادة وتعرّف النعم يحتاج إلى فطنة وقيل: لأنه صاحبه يعلفه ثم يرمحه، وفي المثل أيضا أخرب من جوف حمار لأنه إذا صيد لم يلق في جوفه ما ينتفع به وقيل: المراد كل جاهل لأنّ الكفر من الجهل والبلادة ولا شيء أبلد من الحمار قيل: وهذا أنسب لعدم الطباق بين الجمع في الكتاب والإفرأد في المثل، وقيل: قول عمر وضي الله عنه محمول على هذا العادي واضرابه من العتاة وجمعه نظراً إلى الأصل وقولهم جوف العير من تبديل لفظ بآخر للخفة فقد يبدلون في الأعلام لأغراض كقول أمية بن خلف لعنه الله لأبي بكر ﵁ يا أبا فصيل والأمثال يحتمل فيها ضروب من التخفيف وفيه أنه مخالف لكلام القوم فإنهم صرحوا بأنّ الأمثال لا تغير كما مر، وقوله: سبقه بالوحي أل فيه للعهد أي بوحي مطابق لما قاله ولعمر ﵁ آراء نزل الوحي موافقاً لها وقد ذكرها المؤرخون والمحدثون منها ما هنا. قوله: (وفي جبريل ثمان لنات الخ) هذا علم ملك ممنوع من الصرف العلمية والعجمة والتركيب المزجي على قول، وقد تصرفت فيه العرب على عادتهم في الأسماء الأعجمية على ثلاث عشرة لغة أشهرها وأفصحها جبريل كقنديل وهي قراءة أبي عمرو ونافع وابن عامر وحفص عن عاصم وهي لغة الحجاز الثانية كذلك إلا أنها بفتح الجيم وهي قراءة ابن كثير والحسن وتضعيف الفراء لها بأنه ليس في كلامهم فعليل ليس بشيء لأنّ الأعجمي، إذا عرّب قد يلحقونه بأوزانهم وقد لا يلحقونه مع أنه سمع سمويل لطائر الثالثة جبرائيل كسلسبيل وبها قرأ حمزة والكسائيّ وهي لغة قيس وتميم، الرابعة كذلك إلا أنها بدون ياء بعد الهمزة وتروى عن عاصم، الخامسة كذلك إلا أنّ اللام مشددة وتروى عن عاصم أيضاً وقيل إنه اسم الله في لغتهم السادسة جبرائل بألف وهمزة بعدها مكسورة بدون ياء وبها قرأ عكرمة، السابعة مثلها مع زيادة ياء بعد الهمزة، الثامنة جبراييل بياءين بعد الألف وبها قرأ الأعمش التاسعة جبرال العاشرة جبريل بالياء والقصر وهي قراءة طلحة بن مصرف، الحادية عشرة جبرين بفتح الجيم والنون، الثانية عشرة كذلك إلا أنها بكسر الجيم، الثالثة عشرة جبراين وفي الكشاف جبراييل بوزن جبراعيل، قال الشارح العلامة: من عادة المصنف رحمه الله تعالى بل أهل العربية قاطبة أنهم إذا أراوا أن يبينوا وزن كلمة يبدلون همزتها بالعين كما في المفصل في لغات كأين كائن بوزن كاعن الخ فاعرفه ومعنى جبرائيل

стр. 633

قيل: عبد الفه وجبر عبدوايل اسمه تعالى كما أنّ إسرائيل صفوة الله. قوله: (الباررّ الآوّل الخ) في الكشاف الضمير في نزله للقرآن ونحو هذا الإضمار أعني إضمار ما لم يسبق ذكره فيه فحامة لثأن صاحبه حيث يجعل لفرط شهرته كأنه يدل على نفسه ويكتفي عن اسمه الصريح بذكر شيء من صفاته وهو التنزيل في قوله نزله وفسر في الكشاف نزله بحفظه وفهمه فقال: معنى التنزيل المسند إلى جبريل هو التحفيظ والتفهيم كأنه جعله نازلاً بالقلب حالاً فيه والا فالمنزل حقيقة هو الله فهو مجاز لأنه انتقال من اللازم إلى الملزوم وكلام المصنف ليس بصريح فيه فيجوز أن يكون نزل بمعناه الحقيقي لكن كان مقتضى الظاهر عليك فزاد القلب لأنه القابل الأوّل، ومحل الفهم والحفظ بناء على أنّ الإدراك به والمدرك فيه على ما ورد في لسان ااصثمريعة وأهلها لا يقولون بإثبات الحواس الباطنة فلا يرد عليه أنهم قالوا حافظ الصور الجزئية الخيال وحافظ المعاني الجزئية قوّة في مؤخر الدماغ تسمى الحافظة وحافظ المعاني الكلية العقل المفاض على النفس بأمر الله تعالى، وكان الظاهر أن يقول على قلبي لأنّ القائل رسول الله ﷺ لكنه حكى ما قال الله له وجعل القائل كأنه الله لأنه سفير محض والحكاية إمّا بمعنى أنه روعي حال الأمر بالقول فحكي لفظه كما تقول قل لقومك لا يهينوك قال الفرزدق: ألم تر اني يوم جو سويقة دعوت فنادتني هنيدة ماليا وقيل ثمة قول آخر مضمر، والتقدير قال: يا محمد قال الله لي من كان وقيل: الضمير في نزله للقرآن فإن جبريل ﵊ نزل القرآن على قلبك والحفظ والفهم معاً إنما أفادهما حرف الاستعلاء لدلالته على أنّ المنزل ياخذ بمجامع قلبه وهو مرتب بقوله بئسما اشتروا به أنفسهم وما وقع بينهما غير أجنبيّ لأنه كله مقرّ! لكفرهم وانكارهم المنزل على نبينا ﷺ وان ذلك لشدة شكيمتهم وفرط عنادهم ولا يخفى ما فيه وان تابعه في بعض الطيبيّ وقوله بأمره الخ أصل معنى الإذن في الشيء الإعلام بإجازته والرخصة فيه وإذا أسند إلى الله قد يراد أمره وارادته لقوله تعالى إلا ليطاع بإذن الله وليس بضارّهم شيئاً إلا بإذن الله وكذا تيسيره، وقيل: إنّ إذن الله يكون بمعنى علمه أيضا وكلها معان مجازية والعلاقة فيها ظاهرة، وأما ما قيل: إنّ قوله بأمره إن أريد بالتنزيل معناه لظاهر، وقوله: بتيسيره إن أريد به التحفيظ والتفهيم فلا وجه له، وقوله من فاعل نزله والضمير المستتر فيه لجبريل ﵊، وقيل: إنه لله والمفعول ضمير جبريل والحال منه، أي مأذونا له أو معه إذن الله. قوله: (والظاهر أن جواب الشرط فإن نزله الخ) يعني أنّ من حق الشرط أن يكون سبباً للجزاء وهنا عداوة جبريل ﵊ ليست سبباً لتنزيل القرآن فوجه بأنه ليس بجواب في الحقيقة بل هو سبب الجواب أقيم مقامه ومعناه من كان عدوّاً لجبريل ﵊ فلا وجه لعداوته لأنه نزل بالقرآن على قلبك مصدقاً لما بين يديه الخ فلو أنصفوا أحبوه فتنزيل القرآن سبب لعدم توجه عداوته أو معناه من كان عدوّاً لجبريل ﵊ فلعداوته وجه لأنه نزل عليك بالقرآن وهم كارهون له فنزوله سبب لتوجه عداوتهم كما يقال إن عاداك فلان فقد آذيته أي فهو محق في عداوته لتأذيه وتحقيقه أن تقدير الكلام إن عادوه فالعاقل المنصف يقول لا وجه لمعاداته أو لها وجه فالسببية في الحقيقة لذلك القول المقدر فيكون سببا للإخبار بمضمون الجزاء كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾ [سورة النحل، الآية: ٥٣] وقيل التقدير من كان عدوّا لجبريل ﵊ فليمت غيظاً فإنه نزل على قلبك أي من عاداه هلك بعداوته لأنها دائماً متزايدة لنزوله على قلبك، وقول المصنف رحمه الله تعالى في هذا الوجه محذوف إشارة إلى أنه لا حذف في الأوّل بل تجوز بعلاقة السببية أو أنّ المحذوف فيه في قوّة المذكور لوجود ما يقوم مقامه لقوله قبله فحذف الخ فالمذكور كأنه جواب وفي هذا غير نائب عنه بل علة له واعلم أنّ كون على قلبك حكاية كلام الله إنما هو على التوجيهين الأوّلين دون هذا فتنبه ومنه يعلم نكتة للحكاية دقيقة، وأما كون من استفهاماً للاستبعاد والتهديد وما بعده تعليل له فخلاف الظاهر. قوله: (أراد

стр. 634

بعداوة الله مخالفته الخ الما كان معنى العداوة المعروف المقصود به الإضرار لا يتصوّر هنا جعله مجازاً عن المخالفة عناداً، وهذا ظاهر في لله ورسله، وأما في الملائكة فبمخالفة ما جاؤوأ به وفيه نظر وقريب منه تفسير المحبة بإرادة الطاعة أو المراد معناه الحقيقي بالنسبة للرسل والملائكة وذكر الله للتفخيم والتهويل لعداوتهم لأنّ من عاداهم فقد عادى الله وسيأتي تحقيقه في محله وعداوة الله عقابه أشد العقاب كما في الكشاف. قوله: (وأفرد المكان بالذكر الخ) أي ليدل على فضلهما حتى كأنهما ليسا من جنس الملائكة لاختصاصهما بمزايا وفضائل ولأنّ التغاير في الوصف بمنزلة التغاير في الذات كقوله: فإن تفق الأنام وأنت منهم فإنّ المسك بعض دم الغزال وقوله: والتنبيه الخ لأنّ الإفراد بالذكر يقتضي ذلك كما إذا قلت من أهان القوم وزيدا وعمرا أهنته اقتضى ترتب الجزاء على إهانة أفرادهم لا على المجموع فقط، وقوله: إذ الموجب الخ أي في نفس الأمر وهذه وجوه ونكت مستقلة، ولذلك قال ولأنّ الحاجة الخ بالواو ل! نه أعاد اللام للبعد فلا يقال الظاهر أن يقال أو للتنبيه ولا ينافيه ما سبق من تول اليهود إنّ ميكائيل محبوب لأنّ الخصب والرخاء منه وجبريل ﵊ عدوّ لأن الخسف والعذاب منه فتأمّل ولا إنّ الواو بمعنى أو لأن ما ذكر لا يدل على أشرفيتهما، وقوله ووضع الظاهر الخ مبني هذا في الكلام التعليق بالمشتق وأنّ الجزاء مرتبط بمعاداة كل واحد مما ذكر في الشرط لا بالمجموع وقوله كميكاعل قد مر إبدال الهمزة عيناً في الوزن وقرئ ميكئل كميكعل وميكئيل كميكعيل وميكال بدون همزة وياء. قوله: (أي المتمرّدين من الكفرة والفسق الخ الما كان الفسق يطلق على المعاصي والكفر أشدها وكان في النظم مخالفة للظاهر حينئذ دفعها بأنّ المراد المتمرّدون في الكفر لما روي عن الحسن ﵀ إنّ الفسق إذا استعمل في نوع من المعاصي كفراً أو غيره وقع على أعظمه لأنه في الأصل الخروج عن المعتاد فيه، وقد استعمل هنا في الكفر فيفيد ما ذكر واليه أشار بقوله: كأنه متجاوز الخ وما ذكر في سبب النزول يدل على أنّ المراد بهم اليهود لا ابن صوريا وحده كما قيل: لأنّ صيغة الجمع تأباه فالتعريف للعهد أو المراد الجنس وهم داخلون فيه دخولاً أوّلياً فينتظم السياق والسباق، وحديث ابن صوريا مرويّ عن ابن عباس ﵄. قوله: (الهمزة للإثكار الخ) قيل: جعله عطفا على محذوف إذ لا مجال للعطف على الكلام السابق وتوسيط الهمزة لغرض يتعلق بالمعطوف خاصة، ولم يحمل قراءة إسكان الواو على أنها أسكنت إسكان الهاء في وهو لأنه لم يثبت مثل ذلك في الواو والعاطفة بل حملت على أنها أو العاطفة للفعل بعدها أعني نبذه المقيد بالظرف وهو كلما على صلة الموصول الذي هو اللام في الفاسقون ميلاً إلى جانب المعنى وإن كان فيه مسخ اللام الموصولة كأنه قيل: إلا الذين فسقوا وإن لم يصح ابتداء وقوع صريح الفعل بعد اللام لا سيما مع تقدم معمول. (أقول) : قوله لا مجال للعطف برد عليه أنه إذا قرئ بالسكون فهي عاطفة على ما قبلها فما الفرق بينهما، وقوله: إنه ميل مع المعنى يقتضي أنّ العربية لا تساعد عليه وليس كذلك فإنّ أل تدخل على الفعل ابتداء في الضرورة كقوله: عص ت الحمار ليجاع وبالتبعية في السعة كثيراً كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا﴾ [سورة الحديد، الآية: ١٨] لاغتفارهم في الثواني ط لا! ختفر في الأوائل وسيأتي تحقيقه فهذا غفلة عن هذا وقيل: أو هنا بمعنى بل الإضرابية وانتصاب عهداً إمّا على أنه مصدر غير جار على فعله والأصل معاهدة ويؤيده قراءة عهدوا أو على أنه رفعول به بتضمين عاهدوا معنى اعطوا. قوله: (نقضه الخ) النبذ نقض العهد وأصله طرح ما لا جتدّ به كالنعل البالية، وقوله: فيما ينسى أي ما من شأنه ذلك لعدم الاعتداد به والا فهذا القيد لم يذكره أهل اللغة وقيد عدم الاعتداد صرح به الراغب ﵀ وقد فسر ظهريا بمنسياً فلعله منشأ الوهم، وقوله تعالى: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ أسورة البقرة، الآية: ٠٠ ا] جشسمل عطف المفرد بجعل لا يؤمنون حالاً من أكثر أو من الضمير المضاف إليه بمعنى ينبذون العهد عملا واعتقاداً. قوله: (رد لما يتوهم من أنّ الخ) يعني أنّ الفريق يطلق على الكثير والقليل والثاني هو المتبادر منه

стр. 635

فلذا أضرب عنه فهو إما انتقاليّ أو إبطاليّ وعلى الثاني المراد بالأكثر ما يشمل غير النابذين، وقوله: كالقرآن يشمل الإنجيل وفي نسخة وهو القرآن خص بالذكر لمناسبة الواقع في هذا المقام والنسخة الأولى أولى وجعل نبذ بعض التوراة نبذاً لها وهو ظاهر، وإذا فسر كتاب الله بالقرآن ورد أنّ النبذ يقتضي تقدم الأخذ وهم لم يأخذوه أصلاً فأشار إلى دفعه في الكشاف بقوله: كتاب الله القرآن نبذوه بعدما لزمهم تلقيه بالقبول يعني أنّ النبذ وراء الظهر! تضي سابقة الأخذ في الجملة وهذا في حق التوراة ظاهر وإنما الخفاء في الترك، وفي حق الفرآن بالعكس أي تركه ظاهر وإنما الخفاء في أخذه فجعل أخذ. هو لزوم التلقي بالقبول وترك التوراة هو الكفر بمحمد ﷺ قيل: والمصنف ﵀ أشار إلى دفعه بقوله: مثل لإعراضهم الخ يعنيان النبذ ليس حقيقة بل هو اسنعارة تمثيلية أربد به الإعراض فلا حاجة إلى أن يقال جعله لزوم التلقي الخ بل لا وجه ل وليس بشيء لأنه حينئذ تجوز بالنبذ عن عدم القبول اللازم له وهو ظاهر وأمّا التمثيل فلم ينص المصنف ﵀ على أنه بالنبذ بل في قوله وراء ظهورهم وقد قال الزمخشريّ في تفسيره أيضاً وراء ظهورهم: مثل لتركهم واعراضهم عنه مثل بما يرمى به وراء الظهر استغناء عنه وقلة التفات إليه اص. فهذا غافل عن معنى كلامهم فتأمّل، نعم لو جعل الجميع تمثيلا لكان له وجه، وقال الطيبيّ ﵀: شبه تركهم كتاب الله واعراضهم عنه بحالة شيء يرمي به وراء الظهر والجامع عدم الالتفات وقلة المبالاة ثم استعمل هنا ما كان مستعملا هناك وهو النبذ وراء الظهر فاذا حمل كتاب الله على التوراة كان كناية عن قلة مبالاتهم فقط لأنّ النبذ الحقيقي لم يكن منهم ولهذا قال بين أيديهم يقرؤونه الخ والحمل على القرآن لا ينافي حقيقة النبذ فهو كطويل النجاد. قوله: (أنه تعالى دل بالآيتين الخ) جل اليهود بمعنى معظمهم فإن أريد باليهود من كان منهم سواء ثبت على ذلك أو لا فهم أربع فرق كما قال المصنف ﵀ وان أريد من لم يرجع عنها فهم ثلاث فرق كما قال الراغب فلا مخالفة بيته وبين المصنف ﵀ كما توهم، وبقي منهم من لم ينبذها ولم يؤمن كالمعترفين بنبوة محمد ﷺ إلا أنهم خصوها بالعرب أو بغير بني إسرائيل وفرقة آمنوا بموسى ﷺ وماتوا قبل نزول التورإة إذ لا يصدق عليهم ما ذكر وق! على ذلك. قوله: (عطف على نبذ الخ) هذا مما قاله بعض المعربين كأبي البقاء وليس بظاهر لأنه يقتضي كونها جواب أحا واتباعهم هدّا ليس مترتبا على مجيء الرسول ﷺ بل كان قبله فالأولى أن تكون معطوفة على جملة لما وقيل: إن مراده ولكن لما كانت الجملة هي الجواب والشرط قيد لها عبر به تسمحا، وقيل: إنها معطوفة على مجمويم ما قبلها عطف القصة وقيل: على اشربوا وما موصولة وعائدها محذوف أي تتلوه وقيل: نافية، وقال ابن العربيّ إنه غلط فاحش وتتلو بمعنى تلت الحكاية الحال الماضية وهو إمّا على من تلاه بمعنى قرأه أو تبعه واليهما أشاو المصنف وهو ظاهر وجوّز في الشياطين وجوهاً، وقوله قيل: الخ يؤيد الأوّل. قوله: (أي عهده الخ) في الكشاف أي على عهد ملكه وفي زمانه، يعني أنّ على بمعنى في وفي الكلام مضاف مقدر وفي الفرائد إنّ تتلوف ق معنى الإملاء فعدى بعلى، وقيل: ضمن معنى الإقراء والتسخير جعل الشيء مسخراً أي منقاداً ويراد به الاستعمال بغير أجر. قوله: (وعبر عن السحر بالكفر الخ) يعني أنّ كفر بمعنى سحر مجازا للزومه له وأمّ كونه كفراً فلظاهر الآية والأحاديث كقوله ﵊: " من أتى كاهناً أو عرّافاً أو ساحراً فصدقه بما يقول فقد كفر " قال الجصاص ﵀ اتفق السلف على وجوب قتل الساحر ونص بعضهم على كفره واختلف الفقهاء في حكمه فعن أبي حنيفة ﵀ أنه يقتل ولا يستتاب والمرأة تحبس حتى تتركه فجعل حكمه حكم المرتد ولم يجعله الشافعيّ ﵁ كافراً قال في الروضة يحرم فعل السحر بالإجماع وأمّا تعلمه وتعليمه ففيه ثلاثة أوجه، الصحيح الذي قطع به الجمهور أنهما حرامان، والثاني مكروهان، والثالث مباحان، ومن أراد تفصيل الكلام فيه فليراجع أحكام القرآن فكلام المصنف محل تأمّل وقد حمل على من أعتقد تأثيره فإنه كفر بلا خلاف وسقط ما قيل إنا لم نر خلافاً في كون العمل به

стр. 636

كفراً وعده من الكبائر لا ينافيه لأن الشرك منها وإن كان أعظمها، وبما ذكرناه يعلم أنه غير مسلم وعصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام منه تعلم من " تبرئة سليمان ﵊ منه " مع عدم الفارق ولكن إذا شذدت أعملت وإذا خففت ألغيت على ما تقرر في النحو. قوله: (إغواء وإضلالاً (هذا مأخوذ من إسناده إليهم وذمهم وأما تعليمه ليعرف فيجتنب فلا يقتضي الكفر كما قال أبو نواس: عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه، ومن لا يعرف الشر من الناس يقع فيه، وقوله: والجملة حال الخ هذا أحد أقوال فيها وقيل إنها حال من الشياطين ورده أبو البقاء ﵀ بأن لكن لا تعمل في الحال وفي الدر المصون أنه ليس بشيء لأنّ لكن فيها رائحة الفعل فتأمل. وضمير يعلمون عائد إليهم وأما إذا رجع إلى الذين اتبعوا فهي حال من فاعل الذين اتبعوا أو استئنافية والمراد بالتقرّب إلى الشيطان العزائم والرقي التي يقولون إنها تسخرها لهم وقوله: لا يستتمث أي يتم كما مر يعني لا يوجد إلا من النفوس الخاسرة الخبيثة فلا لبس بين السحر والمعجزة والكرامة كما استدل به من قال إنه لا حقيقة له والصحيح خلافه وأمّا الحيل فكثيرة معلومة ومن أرادها فعليه بكتاب عيون الحقائق ولا تسمى سحراً حقيقة بل تجوزا لمشابهتها له لأنّ أصل معنى السحر في اللغة ما لطف وخفي سببه ولذا سمي الغذاء سحراً بالفتح لخفائه ولطف مجاريه ومنه سحور رمضان قال لبيد: ونسحر بالطعام وبالشراب وأمّا قوله: إنه غير مذموم فرذ بأنّ النووفي وغيره نصوا على تحريمه وما يقال: إنه غير مذموم مطلقا بل إذا فعل لأمر لا وجه له. قوله: (عطف على السحر الخ) إن كانا شيئاً واحداً فتغايره باعتبار من تلقى منه وان كان الثاني أتوى فإفراده بالذكر لقوته، وقوله: منه متعلق بأقوى أي أقوى من ذلك النوع الآخر وقيل: إنه صفة نوع لا متعلق بأقوى لفساد المعنى وليس بشيء، وإنما أنزل الملكان لكثرة السحر في ذلك الزمان حتى ظن الجهلة أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معجزاتهم من هذا القبيل فأنزلا لإبطال ذلك. قوله:) وما روي الخ (رواه سنيد بن داود عن الفرج بن فضالة عن معاوية بن صالح عن نافع قال سافرت مع ابن عمر ﵄ فلما كان آخر الليل قال: يا نافع انظر هل طلعت الحمراء قلت لا مرتين أو ثلاثا ئم قلت طلعت قال لأمر حبابها ولا أهلاً، قلت سبحان الله نجم سامع مطيع، قال ما قلت إلا ما سمعت من رسول الله-كي! ، أو قال: قال رسول الله ئلمج! ز: " إنّ الملائكة قالت يا رب كيف صبرت على بني آدم في الخطايا والذنوب؟ قال: إني ابتليتهم وعانيتهم قالوا: لو كنا مكانهم ما عصيناك قال: فاختاروا ملكين منكم فلم يألوا جهدأ أن يختاروا فاختاروا هاروت وماروت فنزلا فألقى الله عليهما الثبق، قلث: وما الشبق؟ قال: الشهوة، فجاءت امرأة يقال لها الزهرة فوقعت في قلوبهما فجعل كل واحد منهما يخفي عن صاحبه ما في نفسه، ثم قال أحدهما للآخر: هل وقع ني نفسك ما وقع في قلبي؟ قال: نعم، فطلباها لأنفسهما، فقالت: لا أمكنكما حتى تعلماني الاسم الذي تعرجان به إلى السماء وتهبطان فأبيا ثم سألاها أيضا، فأبث ففعلا فلما استطيرت طمسها الله كوكبا وقطع أجنحتها ثم سألا التوبة من ربهما فخيرهما وقال: إن شئتما عذبتكما قي الدنبا فإذا كان يوم القيامة رددتكما إلى ما كنتما عليه، فقال أحدهما لصاحبه أنّ عذاب الدنيا ينقطع ويزول فاختارا عذاب الدنيا على عذاب الآخرة فأوحى الله إليهما أن ائتيا بإبل فخسف بهما فهما منكوسان بين السماء والأرض يعذبان إلى يوم القيامة " قال المحدثون وجميع رجاله غير موثوق بهم لكن قال خاتمة الحفاظ الشهاب ابن حجر أخرجه أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه وانّ له طرقاً كثيرة جمعتها في جزء مفرد يكاد الواقف عليها يقطع بصحتها لكثرتها وقوّة مخارجها وقال بعضهم: بلغت طرقه نيفا وعشرين لكن أهل الكلام اتفقوا على عصمة الملائكة عليهم الصلاة والسلام وطعنوا في هذه القصة وعدوها من المحالات لمسخ الإنسان كوكباً كما بينوه في كتبهم والمصنف ﵀ حاول التوفيق بأنها تمثيلات كقصة يسأل وسلامان وحرير مقطان وغيره ذلك مما وضعه المتقذمون إشارة إلى أنّ القوى لو ركبت في تلك لعصت وأسماء الله ومفاجأته تلحق

стр. 637

السفلي بالعلوي ونحوه، وقيل: أراد بهما النفس والبدن تعرضاً لامراً ة وهي الروح فحملاها على المعاصي ئم تنبهت بمصاحبتها لما هو خير فصعدت السماء، وزهرة بضم الزاي وفتح الهاء كتؤدة، قال: وأيقظيني لطلوع الزهر كذا في أدب الكاتب وتسكينها إما لحن أو ضرورة وهو نجم معروف وعلى القول بأنهما رجلان لا إشكال ولم يجىء مصدر لفعل يفعل على فعل بالكسر إلا سحر وفعل وكسر اللام قراءة ابن عباس ﵄ وأبي الأسود والحسن والجمهور على خلافها. قوله: (وقيل ما أنزل نفي الخ) وهاروت وماروت بدل من الشياطين على قراءة التشديد والنصب وأمّا على قراءة الرفع فهو منصوب على الذم وهو بدل بعض، ومن فسرهما بقبيلتين من الجن يكون عنده لل كل، وقيل: إنه بدل من الناس أي يعلمان الناس خصوصا هاروت وماروت وأمّا ما يعلمان على جعلها نافية ففي التفسير الكبير أن قوله: حتى يقولا كقولك ما أمرت فلانآ بكذا حتى قلت له إن فعلت كذا ضربتك أي ما أمرته به بل حذرته عنه وهذا مع ما ترى يدفعه قوله فيتعلمون منهما، وقيل: إنّ هاروت وماروت مع تعلمهما السحر وحذاقتهما فيه كانا على الصلاح وإنما غرضهما من التعليم يوقيه فلا يعلمان أحدا حتى ينصحاه ويحذراه وهذا هو مراد من قال إنهما ملكان، والباء في ببابل بمعنى في وهو علم أرض ممنوع من الصرف هاروت وماروت بدل من الملكين أو عطف بيان وقيل: بدل من الناس بدل بعض أوكل لإطلاقه على ما فوق الواحد، وعلى قراءة الرفع فهما خبر مبتدأ محذوف أو بدل من الثياطين وعدم صرفهما للعلمية والعجمة ولو كان من الهرت والمرت ومعناهما في اللغة الكسر لانصرفا ودعوى أنهما معدولان عن هارت ومارت والعدل لا يختص بأوزان لا وجه لها وقوله: أبدلهما الخ وعلى هذا القول فهما ليسا بملكين وتركه لظهوره وإنما لم يبدلهما من الملكين كما قيل: لأنّ ما بعده يأباه ومن لم يتنبه لمراده اعترض عليه بما لا وجه له. قوله: (فمعناه على الآوّل الخ) المراد بالأوّل أنهما ملكان والثاني أنهما رجلان ويتغ ذلك وجوه الإعراب كونه كفراً علم مما مر فيه. قوله: (وفيه دليل على أن ثعلم السحر الخ اللفرق بين العلم المجرّد والعمل ولو مع اعتقاد التأثير، وفيه إشارة إلى أنّ الاجتناب واجب احتياطاً وكما لا يحرم تعلم الفلسفة للمنصوب للذب عن الدين بردّ الشبه وان كان أغلب أحواله التحريم كذلك تعلم السحر إن فرض فشوّه في صقع وأريد تبيين فساده لهم ليرجعوا إلى الحق وهو لا ينافي إطلاق القول بالتحريم فاعرفه وقوله: الضمير لما دل! عليه من أحد، من الناس وليس أحد ههنا في معنى الجماعة ليصح عود ضمير الجمع إليه كما سيجيء لقوله فلا تكفر بالإفراد وأمّا عود ضمير الجمع إلى النكرة الواقعة في سياق النفي فليس بقوي. قوله: (وقرئ بضازي الخ) ما ذكره المصنف ﵀ بعينه كلام ابن جني في المحتسب ونصه بعدما قال إنّ من أقبح الشاذ حذف النون هنا وأمثل ما يقال فيه: أن يكون أراد ما هم بضارّي أحد ثم فصل بين المضاف إليه والمضاف بحرف الجر، وفيه شيء آخر هو أنّ هناك أيضاً من في من أحد غير أنه أجرى الجار مجرى جزء من المجرور فكأنه قال: وما هم بضارّي به أحد وفيه ما ذكرنا اهـ. وقال التفتازاني ﵀ نعم قال ابن جني هذا من أبعد الشواذ، وذلك أنه فصل بين المضاف والمضاف إليه بالظرف الذي هو به ثم جعل المضاف إليه هو الجار والمجرور جميعا ولا يصح أن تكون من مقحمة لتأكيد معنى الإضافة، كاللام في لا أباً له لأنّ هذه إضافة لفظية ليست بمعنى من ا!. وأيضا من هذه لاستغراق النفي وليست هي المقدّرة في الإضافة فالأولى تخريجها على أنّ نون الجمع تسقط في غير الإضافة كما في قوله: الحافظ وعورة العشيرة كما ذكره ابن مالك في التسهيل وأمّا اعتراض! الطيبي ﵀ بأنه إنما يجوز في المعرف بأل فابن مالك غير قائل به لأنه ورد بدونه كقوله: ولسنا إذا تأتون سلماً بمد! ي لكم غيرأنا إن نسالم نسالم أي بمدعيكم قاله أبو حيان: وهذا أقرب مما تكلفوه إذ جعل الجارّ جزءاً والإضافة إلى الجار والمجرور مما لم يعهد مثله وأقرب من هذا كله أن يقال: إنّ فيه مضافا مقدرا لفظا ولذا ترك تنوينه لذكره بعده كقوله:

стр. 638

يا تيم تيم عديّ: في أحد الوجوه وفي الدر المصون كلام هنا تركه أولى وكذا ما قاله الشارح المحقق أيضا فتدبر. قوله: (أي استبدل الخ) إشارة إلى أن اشترى استعارة كما مر وقوله: والأظهر الخ سواء أكانت علم متعدّية لمفعول أو مفعولين قيل: قد خفي الاحتمال الآخر الظاهر، ولا يبعد أن يقال: إنه إشارة إلى جواز حذف مفعولي العلم بقرينة ما سبق أي علموا أنه يضرهم ولا ينفعهم وحينئذ لمن اشتراه جواب قسم محذوف ولم يدر أنه إشارة إلى قول الفراء في هذه الآية الذي ذكره أبو البقاء إنّ هذه اللام موطئة للقسم ومن شرطية في محل رفع بالابتداء وماله في الآخرة من خلاق جواب القسم قال الحلبي فاشترى على القول الأوّل صلة وعلى هذا خبر اسم الشرط وجواب الشرط محذوف لأنه إذا اجتمع شرط وقسم ولم يتقدمهما ذو خبر أجيب سابقهما غالباً، وقد يجاب الشرط مطلقاً ولم يرتضه الزجاج وأمّا الاعتراض عليه بأنه مخالف لكلام الجمهور وإنما الموطئة لقد علموا فنا شيء من قلة التدبر. قوله: (نصيب) قال الزجاج: الخلاف النصيب وكثر استعماله في الخير ويكون للشر على قلة والخلاف يكون بمعنى القدر والمرتبة كما في قوله: فمالك بيت لدى الشامخات ومالك في غالب من خلاق وليس هنا مانع من إرادته وقوله: يحتمل المعنيين أي كونه بمعناه الظاهر وكونه بمعنى باعوا. قوله: (يتفكرون فيه الخ) جواب عن إثبات العلم في قوله ولقد علموا ونفيه بقوله. لو كانوا يعلمون لما بينهما من التنافي بأنه أريد بالمثبت علمهم ما لمستبد له والمنفيّ تفكرهم فيه أو علمهم بقبحه يقيناً أو علمهم بعاقبته ولما كان ما مستبد له من عدم النصيب في الآخرة يستلزم علمهم بما نفي أوّله بأنّ المثبت علم بالقوّة أو إجماليّ أو من غير جزم ولا يخفى ما فيه من التكلف فما ذهب إليه الزمخشريّ أقرب. قوله: (وقيل الخ) هذا ما ارتضاه الزمخشريّ وهو أوجه فالمراد بلو كانوا يعلمون يعملون بعلمهم تنزيلاَ لعلمهم منزلة العدم على نهج ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ [سورة الأنفال، الآية: ٧ ا] قال المحقق: فإن قيل: إنما يتوجه السؤال لو كان متعلق العلم في موضع الإثبات والنفي واحداً وليس كذلك فإنّ المثبت هو العلم بأنّ من استبدل كتب السحر وآثرها على كتاب الله تعالى فإنه لا نصيب له في الآخرة والمنفيّ هو العلم بسوء ما فعلوه من استبدال كتب السحر وإيثارها على أنفسهم قلنا مآل الأمرين واحد، وتقرير الجواب أنّ المنفيّ ليس هو العلم بما ذكر بل العمل بموجب العلم كأنه قيل: لو كانوا يعملون بموجب علمهم ويجرون على مقتضاه، وجواب لو محذوف أي لارتدعوا عن تعلم السحر وايثار كتبه أو لكان خيرا لهم. قوله: (جواب لو وأصله لأثيبوا مثوبة الخ الما أورد هنا أنّ الاسمية لا تصلح جواب لو أما لفظاً فلا طباق النحاة على أنه لا يكون إلا فعلية ماضوية، وأمّا معنى فلأن خيرية المثوبة لا تتقيد بإيمانهم واتقائهم ولا تنتفي بانتفائهما فالأولى أنّ ااجواب محذوف أي لأثيبوا، وأورد على قوله لتدل على ثبات المثوبة أنّ الاسمية إنما تدل على ثبوت مدلولها وهو كون المثوبة خير إلا على ثبات المثوبة وما ذكر إنما يتم لو قيل المثوبة لهم وأجيب بأنها ماضوية تقديرا إذ الأصل لأثابهم الله مثوبة فعدل إلى المثوبة لهم للدلالة على ثبات المثوبة لهم وهو استقرارها على تقدير الإيمان والتقوي ثم إلى المثوبة من عند الله خير لهم تحسرأ لهم على حرمانهم الخير وترغيباً لمن سواهم في الإيمان والتقوى أو أنّ ثبوت الخيرية للمثوبة يقتضي ثبوتها كذا قال المحقق. وقيل: عليه أنه لم يرد في كلام العرب جواب لو جملة اسمية فالحق أنها لام ابتدائية والجملة مستأنفة وجواب لو محذوف أو هي للتمني لا جواب لها وما ذكره تكلف تأباه العربية، وقوله: والجزم بخيريتها وجه بأنه لما عدل عن الفعلية المعلفة بالشرط تعليقاً ينافي الجزم حصل الجزم بها وفيه بحث لأنه كيف يجزم به وقد جعل جوابا للشرط الامتناعي الدال على عدمه فكيف الجزم فإن قيل: إنه ليس بجواب حقيقة بل قائم مقامه فهذا تطويل للمسافة بلا طائل فالحق ما تقدم، وقوله: وحذف المفضل الخ هذه نكتة لطيفة لكن قال أبو حيان: الحق أنّ خير هنا صفة لا اسم تفضيل وهو أقرب، ثم إنّ التمني على الله محال فجعله المعتزلة

стр. 639

بمعنى الإرادة المتخلفة عن المراد وغيرهم أوّله بأنه شبه بحال يتمنى العارف بها اتقاءهم ولا يخفى موقع التنكير هنا لأنه يفيد أن شيئاً ما من المثوبة خير مما هم عليه. قوله:) وقرئ لمثوية الخ) اختلف في وزن مثوبة فقيل: مفعولة وأصلها مثوبة فنقلت ضمة الواو إلى ما قبلها وحذفت لالتقاء الساكنين وهي من المصادر التي جاءت على مفعولة كمصدوقة نقله الواحدفي، وقيل: مفعلة بضم العين نقلت الضمة إيى ما قبلها فهي مصدر ميمي ويقال: مثوبة بسكون الثاء وفتح الواو وكان من حقها أن تعل فيقال مثابة كمقامة إلا أنهم صححوها كما قالوا ير الأعلام مكوزة، وقرأ بها أبو السمال وقتادة كمشورة ومعنى مثوبة ثواب وجزاء من الله وقيل: رجعة إلى الله والمصنف ﵀ أشار إلى أنّ المعنى الأوّل راجع إلى الثاني لرجوع المحسن إلى الله أي إلى جزائه واحسانه وقوله: إنّ ثواب الله الخ إشارة إلى تقدير مفعوله وأنه لم ينزل منزلة القاصر، وقوله: لترك التدبر بناء على تأويله يعلمون قبله بيتفكرون وقوله: أو العمل إشارة إلى ما حكاه بقيل. قوله: (الوعي حفظ النير لمصلحتة الخ (سواء كان الغير عاقلاً اولاً وقوله: وكان المسلمون الخ هذا أخرجه أبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس ﵄ وقوله تلقننا من التلقين وقوله: فافترصوه أي عدوه فرصة " س يدين نسبته إلى رعي الغنم اي أنت راع لا نبيّ وهم حينئذ يبقون الياء أو يختلسونها للتلبيس، أو سبه معطوف على نسبته لأن هذه الكلمة في لغتهم كلمة سب ونهى المؤمنين عنها يعلم منه أنه لا يجوز أن يطلق عليه! ما يوهم نقصا ولو على وجه بعيد وفي لغة أخرى وانظرنا قرئ بالوصل والقطع من الثلاثيّ والمزيد فإن كان من نظر البصر تعدى بإلى على الحذف والإيصال وإن كان من نظره بمعنى انتظره فهو متعد بنفسه والأنظار التأني والإمهال وراعونا بضمير الجميع للتعظيم بناء على ما أثبته الفارسيّ فيه وان قال الرضي: أنه لا يكون إلا في المتكلم نحو فعلنا وراعنا بالتنوين من الرعونة وهي الهوح بوزن الضرب أي الحق الناشئ عنه أفعال وأقوال تدل على السفه والصيغة للنسبة أي ذا رعونه كلابن وتامر وقوله: لما شابه الخ متعلق بقوله: نهوا أي نهوا عن ذلك لمشابهته فول اليهود الذي هو سب في لغتهم أو لقصدهم الرعونة أو التحقير بأنه راع وقيل: إنه متعلق بقوله: ذا رعن أي إنما نسب ذلك القول إلى الحماقة لما شابه الخ ولا وجه له. قوله: حاضة الشمال! / - ٢ / ء٢٣ (وأحسنوا الاستماع الخ) إنما أوّلوه لأنه لا فائدة في طلب السمع من السميع فالمراد إمّا أحسنوه حتى لا يحتاج إلى قولكم له ذلك ونحوه أو المراد اقبلوا قولي هذا وغيره والسمع يكون بمعنى القبول كما في سمع الله لمز، حمده أو اسمعوا ما أمرتم به هنا وهو قوله انظرنا والجد بكسر الجيم الاجتهاد والمراد بالكافرين اليهود الذين سبوه بهذه الكلمة ولم يحمل على العموم ودخولهم فيه أولى لأنّ الكلام مع المؤمنين فلا يصلح قوله وللكافرين الخ أن يكون تذييلاَ فالتعريف للعهد وفيه تحريض للمؤمنين على ترك ما ذكر وزاد قوله موذة المؤمنين وان لم يكن في النظم لأنّ من ودّ لهم الخير فقد أحبهم. قوله: (والود محبة الشيء مع تمنيه الخ) قال الراغب: الودّ محبة الشيء وتمني كونه وشمتعمل في كل واحد من المعنيين على أنّ التمني يتضمن معنى الود لأنّ التمني هو منتهى حصول ما توده اص. فأشار إلى أنه يكون مجموعهما ويستعمل لكل منهما على الانفراد ثم إنه هنا إمّا أن يراد به المحبة فقط كما أشار إليه بقوله بعد! وما يحبون ويصح أن يراد به المجموع ونفيه مستلزم نفيهما معاً إذ لا محبة بدون الود كما قاله " الراغب ويلزم أيضا من محبة الشيء جواز تمنيه فمن قال معترضا على المصنف ﵀ أنه لو كان كذلك لكان المناسب أن يقول ما يحب لأنّ نفي الود لا يستلزم نفي المحبة مع أنّ ما ذكره ليس في كتب اللغة فقد غفل وقوله: ومن للتبيين كما في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة البينة، الآية: ا] ولا زائدة لتأكيد النفي وفيه إشارة إلى تضعيف ما قيل: إنها للتبعيض. قوله: (ومن الأولى مزيدة الخ) وهي وان لم يلها نفي فالنفي\ الأول منسحب عليها فيكفي مسوّغا ولا حاجة إلى ما قيل إنّ التقدير يود أن لا ينزل خير وخير نائب الفاعل وقوله: يحسدونكم به أي بسببه وبالعلم وبالنصرة معطوف

стр. 640

على بالوحي وقوله:! يحسدونكم بيان للواقع أيضا لا تفسير للنظم لأنّ عدم مودتهم ناشئ عن الحسد وقوله: للاستغراق أي لتأكيد الاستغراق فإنّ النكرة في سياق النفي عامّة. قوله: (يستنبئه ويعلمه الخ) ! ايستنبته ناظر إلى تفسير الخير بالوحي ويعلمه الحكمة ناظر إلى قوله بالعلم وينصره ناظرا إلى قوله بالنصرة وفيه إشارة إلى أنّ المراد بالخير والرحمة واحد فهو من وضع الظاهر موضع المضمر وكذا أقيم الله مقام ضمير ربكئم لأنّ تخصيص من يشاء بالرحمة يناسب الألوهية كما أنّ إنزال الخير يناسب الربوبية وعدم الوجوب مستفاد من قوله من يشاء وهذا رد على الحكماء في قولهم إنّ النبوّة بتصفية الباطن، وعلى المعتزلة في قولهم بوجوب الأصلح على الله لأنّ الواجب إمّا عبارة عما يستحق تاركه الذمّ كما قال بعض المعتزلة أو عما تركه يخل بالحكمة كما قاله بعض آخر أو ما قدر الله تعالى على نفسه أن يفعله ولا يتركه وان كان تركه جائزاً كما اختاره بعض الصوفية والمتكلمين كما يشير به ظواهر الآيات والأحاديث مثل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [سورة الغاشية، الآية: ٢٦] والأوّل باطل لأنه تعالى مالك على الإطلاق والمتصرف في ملكه كيف يشاء فلا يتوجه إليه الذم أصلاً على فعل من الأفعال بل هو المحمود في كل أفعاله وكذا الثاني لأنا نعلم إجمالاً أنّ جميع أفعاله تتضمن الحكم والمصالح ولا يحيط علمنا بحكمته والمصلحة فيه على أنّ التزام رعاية الحكمة والمصلحة لا يجب عليه تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [سورة الأنبياء، الآية: ٢٣] وكذا الثالث لأنه إن قيل: بامتناع صدور خلافه عنه تعالى فهو ينافي ما صرح به في تعريفه من جواز الترك وان لم يقل به فات معنى الوجوب إذ حينئذ يكون محصله أنه تعالى لا يتركه على طريق جري العادة وليس ذلك من الوجوب في شيء بل يكون إطلاق الوجوب عليه مجرّد اصطلاح. قوله: (نزلت الخ) وانتظامها مع ما قبلها لأنّ النسخ بخير منها من الفضل العظيم، ولأنّ ما نسخ بخير من الخير. توله: (والنسخ في اللغة إزالة الصورة الخ (قال الراغب: النسخ إزالة شيء بشيء يعقبه كنسخ الشمس الظل والظل الشمس والشيب الشباب فتارة يفهم منه الإزالة وتارة يفهم منه الإثبات وتارة يفهم منه الأمران ونسخ الكتاب إزالة الحكم بحكم يعقبه قال تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ الخ قيل: معناه ما نزيل العمل بها أو نحرّفها عن قلوب العباد وقيل: معناه ما نوجدها وننزلها من نسخت الكتاب، وننسأها أي نؤخرها ولم ننزلها ونسخ الكتاب نقل صورته المجرّدة إلى كتاب آخر وذلك لا يقتضي إزالة الصورة بل يقتضي إثبات مثله في مادة أخرى كإيجاد نقش الخاتم في شموع كثيرة اهـ. فأشار إلى معنى الإزالة والإثبات معا أوّلاً، ومثله بنسخ الظل للشمس فإنّ صورة الضوء زالت عنه إلى غيره والراغب جعله مثالاً للإزالة فقط وهو أظهر وليس من الإضافة إلى المفعول كما توهم، والظاهر أنّ الصورة فيهما واحدة، فما قيل: إنّ الصورة المثبتة أعم من الصورة الأولى وغيرها خلاف الظاهر وقوله: والنقل أي نقل الكتاب باستنساخه أو نقل الشيء من مكان إلى آخر وهو أخص من الزوال فإنه إعدام صفة وهي التحيز وإحداث أخرى، أمّا عطف على إثباتها أو على نسخ الظل فعلى الأول عطفه عليه لأنه داخل فيه كما ذكره الراغب وأنما خصه لما يتوهم فيه من الإزالة كما أشار إليه وعلى الثاني ففيه إثبات محقق للصورة الأولى في الثانية ولانتقالها كأنها زالت عنه، والأول أولى وعلى كل فضمير منهما للإزالة والإثبات لأنّ هذا ليس معنى مستقلاً له كما عرفت ولخفائه قيل: المتبادر منه أنّ ضمير منهما للإزالة والنقل وليس كذلك كما يدل عليه ما بعده، والتناسخ من النقل لأنه عندهم انتقال الروح من بدن إلى آخر وليس المراد به مناسخة المواريث كما قيل: وفصله بقوله ومنه لأنه ليس فيه إزالة صورة واثباتها والنقل وقع في بعض النسخ دون بعض وهي أولى لأنه لا يناسبه ما بعده إذ نسخ الريح مثالأ للإزالة ونسخ الكتاب مثال للإثبات فتأمّل. وعلى كل حال فإنّ كلامه لا يخلو من الكدر. قوله: (ونسخ الآية بيان انتهاء التعبد الخ) إشارة إلى ما ارتضاه بعض الأصوليين مع أنه بيان انتهائه بما ذكره لا رفعه، وقال شمس الأئمة: إنّ النسخ بالنسبة إليه تعالى بيان لمدة الحكم الأوّل لا رفع وتبديل وبالنسبة إلينا تبديل، وأشار إلى أقسامه الثلاثة من منسوخ الحكم والتلاوة ومنسوخ أحدهما

стр. 641

وتفصيله في الأصول، وقوله: وانساؤها إذهابها عن القلوب بأن لا تبقى في حفظهم وقد وقع هذا فإنّ بعض الصحابة أراد قراءة بعض ما حفظه فلم يجده في صدره فسأل النبيّ ﷺ فقال: " نسخ البارحة من الصدور ". قوله: (وما شرطية الخ) هذا هو القول الأصح من أنّ العامل فيها الشرط باعتبار أنها مفعول به لا مطلق كما جوّزه بعضهم وهي عاملة فيه الجزم باعتبار تضمن معنى الشرط فتكون عاملة ومعمولة من جهتين ومثله جائز، وناب جوابها عن الخبر ومن بيانية وقراءة ننسخ بالفتح ظاهرة وبالضم من الانساخ والهمزة إقا للتعدية أي ما ننسخك من آية أو ننسخ جبريل ﵊، والمعنى نأمره بالإعلام بنسخها لآنه لا يقدر أن ينسخ شيئا أو أن الهمزة لمعنى الوجدان على صفة نحو أحمدته أي وجدته محمودا ومعنى نجدها منسوخة أنا ننسخها على ما سبق به علمنا بذلك فهي في المآل موافقة للقراءة الأخرى وهذا رذ على من قال أنسخ لم يوجد في اللغة كأبي عليّ وأبي حاتم ولم يأت أنسخ بمعنى نسخ ولا يصح فيه التعدية ووجهوه بوجهين بناء على جواز التعدية وعدمها، وخرج ابن عطية التعدية على أنها من نسخ الكتاب والمعنى ما يكتب وينزل من اللوح المحفوظ أو ما نؤخر فيه ونتركه فلا ننزله أي ذلك فعلنا فإنما تأتي بخير من المؤخر المتروك أو بمثله ورده أبو حيان ﵀ والعجب من المفسرين والشراح أنهم لم يوردوا ما يصحح هذه اللغة ولعلنا نظفر به. قوله: (ننسأها الخ) قراءة أبي عمرو وابن كثير بفتح النون الأولى وسكون الثانية وفتح السين وبالهمزة الساكنة للجزم بالعطف على فعل الشرط وقرأ غيرهما بالألف في هذه ولم يحذفها للجازم لأنّ أصلها الهمزة من نسأ بمعنى أخر والمعنى نؤخرها في اللوح المحفوظ فلا ننزلها وقيل: نؤخرها عن النسخ إلى وقت معلوم، وقرئت بالتشديد من النسيان معلومة ومجهولة مع ذكر المفعول لو تركه وقوله في النفع والثواب شامل للأخف والأثقل والمساوي، وزاد النفع على الكشاف ليشمل التبديل إلى الإباحة والقول بأنّ فيه ثواب الاعتقاد خلاف الظاهر، وقوله: أو مثلها في الثواب لم يذكر معه النفع لأنه لو كان لخلا النسخ من الفائدة، وأمّا كونه مقتضى الزمان وان تساويا فيهما فهو نفع أيضا ولم يعكس، لأنّ المقصود هو النفع فيلزم كون المنسوخ أنفع وقوله أي ننس أحداً إياها الظاهر ننسها أحدا ٤ وقوله: بقلب الهمزة أي من ننسأها. قوله:) والآية دلت على جوارّ النسخ الخ الذكره صريحا فيها ولولا أنه جائز لم يكن لذكره وجه وأدوات الشرط من أن وما تضمن معناها في أصل وضعها تدل على احتمال ما دخلت عليه وجوازه فلا يرد اًن الشرطية لا تتوقف على صدق الطرفين كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [سورة الزخرف، الآية: ٨١] وجواز التأخير تأخير إنزال القرآن ناسخا أو منسوخا المدلوك عليه بقراءة أو ننسأها على أحد الوجوه والقراآت وقوله: وذلك إشارة إلى الجواز أي وجه ذلك أن الوحي للمصالح وهي تختلف باختلاف الأزمنة كما نرى من احتياج الصيف إلى غير لباس الشتاء وغير ذلك. قوله: (واحتج به) وفي نسخة بها على معنى النظم أو الآية لأنه نص على أنّ لها مثلأ أو خيرا فلا تكون أثقل ولا من غير الكتاب لأنه لا يماثله شيء ولا دليل فيه لأنّ المراد بالخيرية والمثلية في الثواب أو النفع لا في الأخفية ولا في النظم وهو ظاهر وقوله: والنسخ قد يعرف بغيره أي بقول المضارع هذه منسوخة مثلاَ وهو جواب عما يقال: إذا لم تنزل آية أخرى كيف يعلم نسخ الأولى وتفصيل هذا في أصول الفقه. قوله: (والمعتزلة على حدوث القرآن الخ) فإنّ تغير. بالنسخ وتفاوته في الخيرية وتأخير الناسخ عن المنسوخ كل ذلك ما يستلزم الحدوث فأجاب بأنه في تعلقاته وهي حادثة لا فيه نفسه وقوله: من لوازمه كان الظاهر من ملزومات الحدوث لأنه استدلال بالتغير على الحدوث والاستدلال يكون من الملزوم على اللازم لا العكس إذ يلزم من وجود الملزوم وجود لازمه بدون العكس فقيل: المراد أنّ التغيير والتفاوت من لوازم القرآن وهما مستلزمان للحدوث ففيه طيّ، أو يقال: المراد من اللازم ما لا يتحقق بدون ذلك كما يقال فلان لزم بيته أي لم يخرج منه وقد مر هذا في البسملة كما ذكره الشريف قدس سره وحاصله أنه لا تغير في المعنى القائم بذاته إنما هو في تعلقه بأفعال المكلفين وقيل: لا نسلم أنّ التفاوت

стр. 642

مستلزم للحدوث لم لا يجوز أن يكون أمور قديمة متفاوتة فإنّ صض ته تعالى قديمة مع أنها متفاوتة في الأحكام لا يقال المعتزلة لم يقولوا بالصفات القديمة لأنا نقول عدم قولهم بذلك لا يضرنا مع أنهم يقولون بالمعنى بالصفات القديمة وأن نفوها بحسب الظاهر كما حقق في الكلام (بقي أنه لا حاجة إلى هذا) فإنهم يدّعون حدوث الألفاظ ونحن لا نخالفهم فيه ولا يثبتون الكلام النفسي فهذا إنما يحتاج إليه الحنابلة فتأمل. قوله: (الخطاب للنبئ ﷺ والمراد الخ) في الكشاف فهو يملك أموركم ويدبرها ويجريها حسبما يصلحكم وهو أعلم بما يتعبدكم به من ناسخ ومنسوخ وهو لا يتضح حق الاتضاح إلا بعد بيان أنّ الخطاب للنبيّ ﷺ وهو في الحقيقة له ولأمته بدليل قوله: ﴿وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٠٧ ا] فلذلك قدمه عليه كذا قيل، وفيه أنّ الخطاب عند صاحب الكشاف ليس للنبيّ ﷺ وحده بل لكل واقف عليه على حد قوله: " بشر المشاثين " كما بينه شراحه ففي كلامه هذا إشارة إليه ولا حاجة إلى تقديم ما ذكر وسيأتي ما يرجحه والاستفهام حينئذ للتقرير وقوله ابن هثام في المغني: الأول أن يحمل على الإنكار التوبيخي أو الإبطالي أي ألم تعلم أيها المنكر للنسخ مبنيّ على أنّ الخطاب لمنكري النسخ لا للنبيّ ﷺ ولا للعموم فهو لم يصادف محزه، وقوله: يفعل ما يشاء أي من النسخ وغيره وإنما قال كالدليل لأن المالك للشيء يقدر على التصرّف فيه والدليل مبين للمدلول والمبين لا يعطف على المبين وكون هذا إنشاء وما ننسخ خبر مانع آخر أيضاً لعدم العطف، وأما كون أنّ الله على كل شيء قد يرد ليلاً أيضا فلا يضرّ في المقصود. قوله: (وإنما هو الذي يملك أموركم الخ) الحصر يستفاد من قوله دون الله لأنه بمعنى سوى الله، وقوله يملك الخ إشارة إلى أنّ الوليّ هنا بمعنى المالك والحاكم وما بعده تفسير للنصر وهو الناصر المعين إذ بالنصرة صلاج الأمور وانتظامها وأصل معنى الولاية الاتصال من غير تخلل شيء آخر أجنيّ بينهما ثم يستعار للقرب في المكان أو في النسب أو في الدين أو الصمداقة والنصرة كما حققه الراغب، وقوله: والفرق الخ يعني الوليّ بمعنى الوالي والمالك والنصير المعين، والمالك قد لا يقدر على النصرة أو قد يقدر ولا يفعل والمعين قد يكون مالكاً وقد لا يكون بل أجنبياً عنهم فالعموم والخصوص الوجهي ظاهر وبعض الناس توهم من قوله أجنبيا أنه فسر الوليّ بالقريب فاعترض عليه بأنه لا يليق هنا إذ لا يقال ليس فيهم قريب غير الله. توله: (أم معادلة للهمزة الخ) قد جوّزوا فيها الاتصال والانقطاع لكنهم رجحوا الثاني حتى قيل: ينبغي القطع بالقطع، فعلى الاتصال والمعادلة التي تكون بمعنى أيّ الأمرين المعنى ألم تعلموا أنه المالك المطلق الفاعل لما يريد أم تعلمون وتسألون رسوله عما لا ينبغي السؤال عنه كما سألوا موسى ﷺ فقوله: أم تريدون الخ مؤوّل بأم تعلمون لأنه لا يقترح المقترحات الشاقة إلا بعد العلم بأنّ له ربا قادرا على إجابة سؤاله ولا يخفى ما في هذا من التكلف، وقد أورد عليه أنها كيف تكون معادلة للهمزة مع أنّ الذي دخل على تفسيره في فاعل تعلم غير داخل في فاعل أم تريدون ومثله لا يجري في المتعادلين ولو سلم صحته فلا يخفى بعده وكذا جعلهما متحدين لأنّ خطاب النبيّ ﷺ فيما لا يخصه خطاب لأمته في الحقيقة، ووجه في الكشف الاتصال بأنّ ألم تعلم محمول على الثقة وأم تريدون الخ الدال على الاقتراح المنافي للثقة معادل له، كأنه قال: أتثقون بعد العلم بما يوجب الوثوق أم لا تثقون وتقترحون كما اقترحت أسلاف اليهود وهو حمل على الثقة على سبيل المبالغة كما في قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ [سورة المائدة، الآية: ٩١] وهذا كما تلخص للمسترشد طريقي الخير والشر وما فيهما من المصالح والمفاسد ثم تقول له أهذا تختار أم ذاك اهـ وهو كلام لطيف ومن هنا تبين أنّ عموم الخطاب لغير النبيّ ﷺ الذي أشار إليه الزمخشريّ أولى فإن قلت على المعادلة لا يخلو إما أن تكون معادلة للهمزتين أو للثانية فقط والأوّل خلاف الظاهر والثاني أقرب لكن قول المصنف قادر على الأشياء يأباه، قلت المراد الثاني ونما كان الثاني دليلا للأوّل كما مرّ كان معناه ملاحظا فيه فتامّل قيل: وفي عبارة المصنف، ﵀ إشارة إلى أنّ ما مصدرية في موقع المفعول المطلق كما في تفسير

стр. 643

الكواشي وقال النحرير: الأنسب أنها موصولة في موضعالمفعول به لتسألوا أي كالأشياء التي سئلها موسى ﵊ وذلك لأنّ الإنكار عليهم إنما هو لفساد المقترحات وكونها في العاقبة وبالاً عليهم وفيه نظر لأنّ المشبه أن تسألوا وهو مصدر فالظاهر أنّ المشبه به كذلك وقبح السؤال إنما هو لقبح المسؤول عنه مع أنه لا يحتاج إلى تقدير رابط فهو أولى، وفي قوله تريدون مبالغة كأنهم نهوا عن إرادة السؤال فضلاً عنه ولم يقل كما سأل أمة موسى ﵊ أو اليهود للإشارة إلى أنّ من سأل ذلك يستحق أن يصان اللسان عن ذكره. قوله: (أو منقطعة والمراد الخ) مر أنها بمعنى بل والهمزة أو بل فقط وإنما فسرها بما ذكر ليرتبط بما قبله وينتظم معه لأنه لما بين لهم بقوله ما ننسخ إلى قوله قد ير أنه مالك أمورهم العالم بما هو أصلح لهم وكيت وكيت وحملهم على الإقرار بقوله: ألم تعلم الجاري مجرى التعليل لقدرته وصاهم بالثقة به فيما هو أصلح لهم حتى لا يقترحوا عليه على أبلغ وجه وقد عرفت أنّ الزمخشريّ لاحظ معنى الثقة في الأوّل أيضاً فتذكر، وقوله: نزلت في أهل الكتاب فالخطاب حينئذ في ألم تعلم وتريدون لهم لأنهم هم المنكرون للنسخ فالاستفهام حينئذ للتوبيخ ويظهر ارتباطه بما قبله وهو أقرب مما بعده لخفاء ارتباطه بما قبله ولأنّ قوله كما سئل موسى لا يناسبه إذ لا علم لهم باقتراج قومه عليه وفيه نظر ولذا أخره، وهذا مرويّ عن مجاهد وما قبله عن ابن عباس ﵄، وقوله: لن نؤمن لرقيك أي لن تصدّق بارتقائك في السماء. قوله: (ومن ثرك الثقة بالآيات الخ) فسره بترك الثقة إلى الاقتراح ليرتبط بما قبله لأنه تذييل له على سبيل التهديد والتذييل ما يؤتى به في آخر الكلام بما يشتمل على المعنى السابق توكيداً له، وقوله: الطريق المستقيم تفسير لسواء السبيل وفسره بوسطه أيضاً ولا يضل عن ذلك إلا الأعمى، وقوله: ومعنى الآية الخ إشارة إلى أنه خبر المقصود به النهي والبعد عن المقصد مأخوذ من ضلال الطريق. قوله: (وذ كثير من أهل الكتاب يصني أحبارهم الخ) إنما خصه بالأحبار لقوله من بعد ما تبين لأنّ العارفين لذلك إنما هم الأحبار فلا يقال: إنه لا دلالة على هذا التخصيص والودادة من عامّتهم لئلا يبطل دينهم فالمراد جميعهم وعبر بالكثير لإخراج من آمن منهم، وفي الكشاف روي أنّ فخاص بن عازورا وزبد بن قيس ونفراً من اليهود قالوا لحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر بعد وقعة أحد: ألم تروا ما أصابكم فلو كنتم على الحق ما هزمتم فارجعوا إلى ديتا فهو خير لكم وأفضل ونحن أهدى منكم سبيلالم\ (فقال عمار ﵁: كيف نقض العهد فيكم قالوا: شديد قال: فإني قد عاهدت الله أن لا أكفر بمحمد ﷺ ما عشت فقالت اليهود أمّا هذا فقد صبأ، وقال حذيفة ﵁: وأمّا أنا فقد رضيت بالله ربا وبمحمد! كتبرو نبيا وبالإسلام ديناً وبالقرآن إماما وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخواناً ثم أتيا رسول الله -! رو فأخبراه فقال: أصبتما خيراً فنزلت الآية، ولعل المصنف إنما تركه لأنه كما قال الحافظ ابن حجر: لم يوجد في شيء من كتب الحديث. وقوله: فإنّ لو الخ أي تكون بمعناها في المصدرية لكنها لا تنصب وهذا قول للنحاة. قوله: (كفارا مرقدين وهو حال الخ) وجوّز فيه أن يكون حالأ من فاعل ودّ وارتضى بعضهم أنه مفعول يردّ بمعنى يصير لأنها تنصب مفعولين إذ منهم من لم يكفر حتى يردّ إليه فيحتاج إلى التغليب كما في لتعودن في ملتنا. قوله:) يجوز أن يتعلق بوذ الخ) جوّز فيه وجهين تعلقه بودّ على معنى تمنيهم ذلك من قبل أنفسهم وما تهواه لا من التدين، وأن يتعلق بحسداً أي حسداً منبعثاً من أنفسهم وتصوّر معنى الظرفية في عند ومن ثمة قال من قبل فهو ظرف لغو فيهما وهو منقول عن مكيّ، وردّه ابن الشجري في أماليه بأنه لم يعرف تعدي حسد وودّ بمن فهو مستقرّ أي حسدا وودّاً كائنا من عند أنفسهم وقيل: إنه مرادهم هنا والتعلق معنوفي وهو معمول معموله فكأنه معموله وكثيرا ما يريدون ذلك، وقيل: إنه على الأوّل لغو ومن ابتدائية وعلى الثاني مستقرّ وكلام المصنف ﵀ ظاهر فيه، وقوله: بالغاً مستفاد من كونه من عند أنفسهم إذ هو ذاتيّ لهم راسخ كالطبيعي، وما قيل: إنه مستفاد من كونه داعيا لأهل الكتاب إلى محبة كفرهم أو من التنكير بعيد غير ظاهر وبتفسير

стр. 644

العفو بترك العقوبة والصفح بترك التثريب بالمثلثة أي اللوم والتعيير وأصل معناه الإعراض! بجانبه تبين حسن الترتيب قال الراغب: في مفرداته الصفح ترك التثريب وهو أبلغ من العفو إذ قد يعفو الإنسان ولا يصفح فمن قال ليس هذا معناه لغة وأنما حمله عليه بمقتضى المقام لم يصب. قوله: (وفيه نظر) يعني أنّ ﴿فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٠٩] مقيدان بقوله حتى يأتي الله بأمره قال الإمام كيف يكون منسوخا وهو مغياً بغاية كقوله: ﴿أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ﴾ [سورة القرة، الآية: ١٨٧] فإذا لم يكن ورود الليل ناسخا لم يكن إتيان الأمر ناسخا وأجاب بأنّ الغاية التي يتعلق بها الأمر إذا كانت لا تعلم إلا شرعاً لم يخرج ذلك الوارد من أن يكون ناسخا فيحل محل اعفوا واصفحوا حتى أنسخه لكم، قال الطيبي: ويؤيده حكم التوراة والإنجيل أنه ذكر فيهما انتهاء مدة حكمهما بإرسال النبيّ الأميّ ﷺ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ﴾ [سررة الأعراف، الآية: ١٥٧] مع أنّ ظهوره يكتيرو نسخ لهما والحاصل أنّ هذا القدر من التقييا- لا ينافي النسخ وإنما ينافيه التقييد بمعنى تعيين وقت الحكم الأول كما في آية الصوم وأجيب أيضاً بأنّ ابن عباس ﵄ لعله يحمل الإتيان بالأمر على إماتتهم أو على إقامة الساعة كقوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [سورة النحل، الآية: ا] واعترض على الطيبي بأنه غفل عما تقرّر في الأصول حيث أنكر بعضهم النسخ وقال الشريعة المتقدّمة مؤقتة إلى وقت ورود الشريعة المتأخرة إذ ثبت في القرآن أنّ موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام بشرا بشرع محمد ﷺ وأوجبا الرجوع إليه عند ظهوره، وإذا كان الأوّل مؤقتاً لا يسمى الثاني نسخاً فأجابوا عنه بأنا لا نسلم أنّ بثارة موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام بشرع النبيّ ﷺ وايجابهما الرجوع إليه يقتضيان توقيت أحكام التوراة والإنجيل لاحتمال أن يكون الرجوع إليه لأنه مفسر أو مقرّر فمن أين يلزم التوقيت بل هي مطلقة كما يفهم من التأبيد الواقع فيها فيجوز أن يكون نسخا ولم يقولوا إن هذا القدر من التقييد ينافي النسخ اهـ. وهذا غير وارد لأنّ الجواب الأوّل بمنع التقييد وهذا تسليمي لا ينافيه أي ولو سلم أنه مقيد فالقيد الذي لا يعلم زمانه تعيينه نسخ لأنّ معنى النسخ كما مرّ بيان انتهاء الحكم وآية السيف قاتلوا الذين لا يؤمنون، وتفسيره القدرة بالقدرة على الانتقام مع عمومها ليرتبط بما قبله ارتباطاً تامّا واللجأ مقصور مهموز بمعنى الالتجاء ويكون بمعنى الملجأ، والمخالفة بالخاء المعجمة والقاف مفاعلة من الخلق الحسن وهو مستفاد من العفو والصفح والالتجاء بالعبادة لأنها تدفع عنهم ما يكرهون كما مرّ، وقراءة تقدموا من قدم من السفر وأقدمه غيره أي جعله قادما فهي قريب من الأولى لا من الإقدام ضد الإحجام وفسر عند الله بوجود ثوابه عند. وقيل: الظاهر أنّ المراد أنه ثابت في علمه لا يضيع لأن عند الله بمعنى في علمه كثير في القرآن بجعل ما في علمه بمنزلة الموجود المحسوس لتحققه ولذا أردفه بقوله: إنّ الله بما تعملون بصير فعبر عن علمه بالإبصار مع أن من أعمالهم ما لا يبصر، وهذا هو الداعي لتفسير البصير بالعالم في الكشاف وان قال النحرير إنه إشارة إلى نفي الصفات وأنه ليس معنى السمع والبصر في حقه إلا تعلق الذات بمعلومات خاصة وعلى قراءة التاء فضمير تعملون للكفرة فهو وعيد وتهديد لهم، وأمّا على القراءة الأخرى فهو وعيد للمؤمنين. قوله: (عطف على ودّ الخ) وما بينهما اعتراض بالفاء لأنّ الجملة تقترن بالواو والفاء كما في التلويح، وقوله: والضمير لأهل الكتاب لم يجعله للكثير مع أنه المتبادر كما قيل ليوافق ما بعده من قالت اليهود وقالت النصارى: ولأنّ الحكم ليس مخصوصا ببعضهم فيجعل الجميع كأنهم قالوه ويدل عليه الآية الأخرى، وقالوا: كونوا هوداً أو نصارى وقوله: لف الخ هذا نوع من اللف والنشر لطيف المسلك يسمى اللف والنشر الإجمالي قال المحقق ولقائل أن يقول لما كان اللف بطريق الجمع كان المناسب أن يكون النشر كذلك لأن ردّ السامع بقول كل فريق إلى صاحبه فيما إذا كان الأمران مقولين وكلمة أو لا تفيد إلا مقولته أحد الأمرين والجواب أنّ مقول المجموع لم يكن دخول الفريقين بل دخول أ- إهما لكن بعضهم هذا بالتعيين وبعضهم ذاك

стр. 645

بالتعيين اص. ورد بأن مقول المجموع دخول الفريقين لا دخول ذلك الفريق لا غير فالجواب أن وجه إيثار أو على الواو لدفع توهم أنّ شرط الدخول كون الشخص جامعا لوصفي اليهودية والنصرانية وهذا لا محصل له فالصواب ما في مغني اللبيب أنّ أو هنا للتفصيل والتقسيم وهو كما يكون بأو يكون بالواو أيضا فهي تدل على اجتماعهما في المقسم ولا تنافي اللف والنشر، وقوله: بين قولي الفريقين وفي بعض كتب المعاني بين الفريقين والمآ! واحد والثقة بفهم السامع لأن اليهود لا تقول لا يدخل الجنة إلا النصارى ولا عكسه. قوله: (وهود جمع هائد الخ) العوذ بالذال المعجمة الحديثات النتاج من الظباء والإبل والخيل واحده عائذ وقيل: إنه مصدر يستوي فيه الواحد وغير. وقيل: إنه مخفف يهود بمحذف الياء وهو ضعيف وإذا كان جمعا فاسم كان مفرد عائد على من باعتبار لفظها والخبر بالجمع باكأجار معناها وهو كثير، ولما كان تلك راجعاً إلى قوله لن يدخل الخ وهي أمنية واحدة أجاب عنه بأن المشار إليه متعدد وهو ما ذكره أو في الكلام مضاف مقدر في الأوّل أو في الثاني أي كل أمانيهم باطلة كهذه وقيل: لا حاجة إلى هذا لأنّ هذه محتوية على أمان أن لا يدخل الجنة إلا اليهود وأن لا يدخل الجنة إلا النصارى وحرمان المسلمين منها وأيضاً فقائله متعدد وهو باعتبار كل قائل أمنية وباعتبار الجميع أمان كثيرة وهذا توجيه آخر لا يرد على المصنف ﵀ كما توهم، ومن فوائد الانتصاف أن أمنيتهم لتأكدها وتكرّرها منهم عبر عنها بالجمع لأنه قد يعبر به لقصد ذلك كما قالوا معي جياع لأنّ الجمع يفيد زيادة الآحاد فيستعمل لمطلق الزيادة وهذا من بديع المجاز ومن نفائس البيان، وأمنية أصلها أمنوية كأعجوبة فأعلت وهو ظاهر، وجملة تلك أمانيهم معترضة والمراد بالأمنية الكذب كما مرّ فلا يقال: إن البرهان يكون على الدعوى لا على التمني الإنشائي حتى يتكلف بأنه أطلق التمني على دعوى ما لا يكون لشبهه به والبرهان الحجة القاطعة وما لا حجة فيه كالعدم كما قيل: من ادّعى شيئابلاشاهد لا بد أن تبطل دعواه وليس في الآية دليل على منع التقليد فإنّ دليل المقلد دليل اا! قلد. قوله: (بلى إثبات لما نفوه الخ الما كانت بلى إيجابا لما نفي والاستثناء من النفي إيجاب أشار إلى أنه يشتمل على إيجاب وهو دخولهم الجنة ونفي وهو أنه لا يدخل الجنة غيرهم فبلى إثبات لما نفو. فكأنهم قالوا لا يدخل الجنة غيرنا فقيل: بلى يدخلها غيركم فهو ردّ لما قالوه والوجه الجارحة المخصوصة لأنّ التوجه والاستقبال به ويطلق على مبدأ كل شيء نحو وجه النهار لأوّله ويقال للذات وللقصد والمقصد أيضا كما قاله الراغب والمصنف ﵀ أشار إلى أنه هنا أيضاً يصح أن يكون بمعنى الذات من إطلاق الجزء الأشرف على الجميع والقصد والإسلام الانقياد لما قضى الله وقدر وهو الإخلاص فلذا فسره المصنف به هنا لتعديه باللام. قوله: (وهو محسن في عمله الخ أليس هذا بناء على الاعتزال كما توهم أبو حيان ﵀ فإنه ليس فيه أنّ من لا يعمل لا يدخلها وقوله: الذي وعد له إشارة إلى أنه تفضل من الله والجواب تمّ عند بلى والوقف عليه وان قدر يدخك تكون هذه الجملة من الجواب لبيانها له وان كان بلى أيضاً على هذا جواباً مستقلاً فلا يرد ما قاله النحرير ثم إنّ بلي لما كانت ردّاً للنفي على الأوّل أتى بقوله من أسلم الخ ردّاً للإثبات فتفطن له وقدر نفي الحزن والخوف في الآخرة لأنّ المؤمن في الدنيا بين الرجاء والخوف حتى يكشف له الغطاء. قوله: (أي على أمر يصح الخ) في الكشاف وهذه مبالغة عظيمة لأنّ المحال والمعدوم يقع عليهما اسم الشيء فاذا نفى إطلاق اسم الشيء عليه فقد بولغ في ترك الاعتداد به إلى ما ليس بعده وهذا كقولهم أقل من لا شيء، قال النحرير: إطلاق الشيء على المحال مبنيّ على تفسيره بما يصح أن يعلم ويخبر عنه وهو المنقول عن سيبويه ﵀ وقد سبق وأمّا قولهم: إنّ المعدوم الممكن شيء بخلاف المستحيل فبحث آخر وهذا ردّ على صاحب الانتصاف إذ قال: إن ما ذكره الزمخشري لا يوافق قول أهل السنة والمعتزلة، والوفد بالفاء والدال المهملة القوم الوافدون أي القادمون ونجران كعطشان موضع فيه قوم من العرب نصارى سمي نجران بن زبد بن سبأ

стр. 646

وهذه القصة ذكرها ابن جرير عن ابن عباس ﵄. قوله: (الواو للحال الخ) أي قالوا ذلك وهم من أهل العلم والكتاب ولما كان الحال عن الفريقين وكل فريق فاعل لفعل آخر ولا يعمل فعلان في حال جعل الفعل المسند إلى الفريقين واحداً ليصح عمله في الحال والمقصود من الحال توبيخهم. قوله: (كذلك مثل ذلك الخ) قيل: يعني أنّ كذلك مفعول قال: ومثل قولهم مفعول مطلق والمقصود تشبيه المقول بالقول في المؤدّي والمحصول وتشبيه القول بالقول في الصدور عن مجرّد التشهي والهوى والعصبية فظهر الفرق بين التشبيهين ودفع توهم اللغوية في أحدهما، وفي الكشف وجه آخر وهو أن مثل صفة مصدر مقدر وكذلك حال أي قالوا قولاً مثل قولهم جاريا على ذلك المنهاج الصادر عن مجرّد الهوى، وهذا مطرد في غير القول تقول كذلك فعل مثل فعله وهو في الفارسية أيضا، وتحقيقه أنّ كذلك اطرد في تأكيد الأمر وتحقيقه حتى كأنه سلب عنه معنى التشبيه فقوله: مثل قولهم يدل على تماثل القولين في المؤذي وكذلك يدل على توافقهما في الصفات والغايات وما يترتب عليها من الذمّ وهو دقيق وسيأتي تحقيقه في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [سورة البقرة، الآية: ٤٣ ا] والمعطلة بكسر الطاء المشدّدة طائفة نفوا الصانع وجعل قولهم مشبهاً به أقوى لأنه أقبح إذ الباطل من العالم أقبح منه من الجاهل، وفي إعرابه وجوه مفصلة في الدر المصون، وقوله: فإن قيل: الخ ظاهر أو يقال: إنه يريد أنّ دينه الآن حق وليس كذلك فوبخوا عليه. قوله: (بين الفريقين الخ) فان قلت لم خصهما بالذكر دون الذين لا يعلمون مع ذكرهم قبله قلت المراد توبيخ اليهود والنصحارى حيث نظموا أنفسهم في سلك من لا علم له فالواجب تقدير هؤلاء خاصة، وأيضا أنه لا يعتد بالقول من غير مستند، وقوله: بما يقسم الخ قيل: إنه للإشارة إلى أنّ حكم يستدعي التعدي بفي والباء كما يقال حكم الحاكم في هذه الدعوى بكذا فالأوّل محكوم فيه والثاني محكوم به، وهو محذوف تقديره ما ذكر، وفيه أيضاً إشارة إلى أنّ الحكم بين فريقين يقتضي أن يحكم لأحدهما بحق ولا حق لأحدهما فجعله بمعنى أنه يعين لكل عقابا أو يكذب كلاً منهما فهو مجاز عما ذكر. قوله: (عامّ لكل من خرّب الخ) وجه ارتباطه بما قبله أنّ النصارى عطلوا بيت المقدس أو مشركو العرب عطلوا المسجد الحرام لكنه عامّ في كل من عطل المعابد والمدارس كما في زماننا إذ خصوص السبب لا يمنع العموم فإن قيل: أليس المشرك أظلم ممن مغ مساجد الله، أجيب بأنّ المانع من ذكر الله الساعي في خراب المساجد لا يكون إلا كافراً متبالغا في الكفر لا أظلم منه في الناس أو المراد من المانعين الكفرة لأنّ الكلام فيهم لكن يحمل على عموم الكافر المانع ولا يخص بالمانعين الذين فيهم نزلت الآية كما صرح بعموم المساجد مع نزول الآية في مسجد خاص، وقوله: مرشح للصلاة أي معذلها والحديبية اسم بئر وسمي بها مكانها وهي مخففة كدويهية على الأفصح ويجوز تشديدها. قوله: (ثاني مفعولي منع الخ) منع يتعدّى لمفعولين بنفسه تقول منعته كذا وقد يتعدى للثاني بمن أو عن فمن ثمة اختلف في إعراب أن يذكر فقيل: هو مفعوله الثاني واختاره المصنف ﵀ والثاني أنه بدل اشتمال من مساجد، والثالث أنه على إسقاط الجار أي من أو عن والرابع أنه مفعول لأجله وهو متعد لاثنين ثانيهما مقدّر أي عمارتها أو العبادة فيها ونحوه أو لواحد وهو ظاهر، وقيل المقدّر الأوّل أي منع الناس مساجد الله وقدروه بكراهة أن الخ قال النحرير: وليس التقدير من جهة أن يكون فعلاً لفاعل الفعل المعلل مقارنا فيصح حذف اللام لأنه جائز مع أنّ وإن بدون ذلك بل من جهة أنّ المفعول له إمّا غاية يقصد بالفعل حصولها أو باعث يكون علة للإقدام على الفعل والذكر في المستقبل ليس واحداً منهما وإنما الباعث كراهة الذكر وقد يقال: إنّ ذكر الإرادة أو الكراهة في أمثال هذه المواضع بيان للمعنى لا تحقيق أنها على حذف المضاف (أقول) : قال في الكشف التحقيق أنه لا حاجة إلى الإضمار فإنّ الغرض هو الذي يسوق إلى الفعل ذهناً ويترتب عليه وجوداً فيكون حاصلا بعده سواء كان تحصيل ما ليس بحاصل أو إزالة ما هو حاصل كقولك ضربته لتأديبه وضربته لجهله فلو قيل: في الأوّل إرادة أن يتأدب، وفي الثاني كراهة أن يبقى في الجهل كان إظهاراً

стр. 647

للمعنى وكذلك إذا قلت منعته دخول الحانة لأن يرشد دل على أنّ المنع لإرادته ولو قلت منعته دخولها لا أن يفسق دل على أنّ المنع لكراهته، ومثله قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ﴾ [سورة النساء، الآية: ١٧٦] أي يبين لأجل ضلالكم الحاصل وازدياده فيما بعد بالاستمرار فلا ي! د أنّ أن الناصبة للاستقبال فكيف يصح من دون إضمار، نعم قد يحوح إلى الإضمار لكنه غير لازم والمعنى لا أظلم ممن منع مساجد الله من العمارة لأنّ داخلها سيذكر اسم الله على معنى لا باعث له على المنع غير ترقب أتصاف الداخل بالذكر وفيه مبالغة وذمّ عظيم حيث جعل ترقبه مانعاً لأنّ أن للاستقبال ولم يذكر ثاني مفعولي منع لشيوعه في الدخول والعمارة ونحوهما وهذا أصل ممهد لك فاحفظه اهـ. والشارح المحقق أشار إلى ما فيه إيماء لأنه جار على مقتضى العقل والقياس لكن كلام في قبول أهل العربية له وجريه على سنن كلامهم فإن مثل هذه التدقيقات وإن كانت بديعة كما هو دأبه إلا أنه لا بدّ من مساعدة الاستعمال له والبلاغة العربية زهرة لا تحتمل الفرك فتأمل وقوله: بالهدم ناظر إلى تخريب بيت المقدس وما بعده لما بعده وجعل التعطيل تخريبا استعارة حسنة، ومن الإشارات قول القشيري ومن أظلم ممن خرب بالشهوات أوطان العبادات وهي نفوس العابدين، أو خرّب بالاشتغال بالغير أوطان المشاهدات. قوله: (ما كان ينبنى لهم أن يدخلوها الخ) دفع لما يتوهم من أنّ الله أخبر بأنهم لا يدخلونها إلا خائفين وقد دخلوها آمنين وقد بقي في أيديهم أكثر من مائة سنة لا يدخله مسلم إلا خائفاً حتى استخلصه السلطان صلاح الدين بأنّ معنى ما كان لهم الخ ما كان ينبغي لهم دخوله إلا بخوف وخشية من الله أو أنه كان الواجب والحق هذا لكنهم تركوه لكفرهم، أو ما كان ذلك لهم في حكم الله وقضائه والمقصود وعد المؤمنين باستخلاصه منهم أو أنه خبر أريد به النهي عن تمكينهم من الدخول فيها إما وجوبا إن كان النهي تحريما أو لا إن لم يكن على اختلاف في المسألة نقلوه، وقيل: إنّ في كلام المصنف ﵀ ردّاً على الزمخشريّ حيث جعل الوجه الثاني معنى للأوّل فقال: أي ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله إلا خائفين والمعنى ما كان الحق والواجب إلا ذلك لولا ظلم الكفرة وعتوّهم وحاصل الثالث أنّ معنى ما كان لهم ما كان في حكم الله وقضائه يعني أنّ حكم الله أنهم يصيرون بحيث لا يدخلون إلا خائفين ولو بعد حين، وقد وقع في النسخ التي رأيناها في علم الله بدل في حكم الله وهو سهو من الناسخ لاقتضائه وقوع خلاف علمه تعالى وقيل: على الأخير لا يخفى أنّ العبارة إنما تفيد نهيهم عن الدخول كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا﴾ [سورة الأحزاب، الآية: ٥٣] لا نهي المؤمنين عن التمكين والتخلية وهو حاصل الوجه الأوّلط وهو كله غير وارد، أمّا الأول فلأنّ ما ينبغي يستعمل بمعنى ما يليق وبمعنى ما يجوز وبمعنى ما يكون والذي في كلام الكشاف غير الذي في كلام المصنف ﵀ فالذي غرّه اشتراك اللفظ وأما قوله: إنّ ما وقع فيه علم الله سهو فليس كما قال فانّ معنى حكم الله بذلك قضاؤه بوقوعه وهو لا يتخلف أيضاً ولذا قال الإمام يكفي تحققه في وقت ما ولا دلالة فيه على التكرّر ولا الدوام وهذا بعينه جار في علم الله أيضا وقال السيوطي: إنه تفسير مأثور عن قتادة فكيف بصح ما قاله وكذا ما أورده النحرير فإنه مقتضى للفظ بحسب وضعه لا بحسب ما كني به عنه قال الطيبي: نهى المؤمنون عن تمكينهم من الدخول وهو أبلغ من صريح النهي لأنّ الكناية أبلغ فإنك إذا قلت لصاحبك لا ينبغي لعبدك أن يفعل كذا على إرادة النهي للسيد كان أبلغ من النهي له، وقال الجصاص: إنّ قوله إلا خائفين يدل على أنّ المسلمين يلزمهم منعهم منها والا لما خافوا. قوله: (واختلف الأئمة فيه الخ) قال الشافعي: لا يدخل المشرك المسجد الحرام والحرم وقال مالك ﵀: لا يدخله ولا غيره إلا لحاجة، وقال الحنفية: يجوز له دخول سائر المساجد لدخولهم على النبيّ! كتيرو في مسجده وما ذكر محمول على النهي التنزيهي أو الدخول للحرم بقصد ال! في. قوله: (قتل وسبي أو ذلة الخ) عطفه بأو لأنهما لا يجتمعان إذ القتل والسبي للحربي والذلة بالجزية للذمي وهذا مع ظهوره خفي على من قال الظاهر وذلة وقوله بكفرهم وظلمهم مأخوذ من ترتبه على قوله ومن أظلم الدال على الكفر كما مرّ وجعل المشرق والمغرب كناية عن جميع الأرض ومثله كثير، وقوله:

стр. 648

فإن منعتم الخ بيان لارتباط الآية بما قبلها وأورد عليه أنه يقتضي أنها من تتمة الكلام فيمن منع المساجد وهو قول ضعيف والذي وردت به الأحاديث أنها نزلت مستقلة بسبب آخر اختلفت فيه الروايات على خمسة أوجه ذكرت في أسباب النزول، وفيه نظر لأنها وان كان لنزولها سبب آخر لا يمنع ذكر مناسبتها لما قبلها وفرق بين المناسبة وسبب النزول. قوله: (فقد جعلت لكم الأرض مسجدا) هكذا في الحديث الصحيح: " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا) . قال القاضي عياض ﵀ هذا من خصائص هذه الأمّة لأنّ من قبلنا كانوا لا يصلون إلا في موضع يتيقنون طهارته ونحن خصحصنا بجواز الصلاة في جميع الأرض إلا ما تيقنا نجاسته، وقال القرطبي ﵀. هذا مما خص الله به نبيهء! فه وكانت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبل إنما أبيحت لهم الصلاة في مواضع مخصوصة كالبيع والكنائس وقال الزركشيّ ﵀ في كتاب المساجد الظاهر من نظمهما في قرن ما قال بعض شراح البخاري إن المخصوص به المجموع وهو باختصاص أحد جزأيه وهو كون الأرض طهورا وأما كونها مسجداً فلم يأت في أثر أنه منع منه غيره وقد كان عيسى ﵊ يسيح في الأرض! ويصلي حيث أدركته الصلاة فكأنه ﵊ قال جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً وجعلت لغيري مسجداً إلا طهوراً، ولك أن تقول إنّ غيره ﵊ لم يبح له الصلاة في غير البيع والكنائس من غير ضرورة فلا يرد صلاة عيسى ﵊ في أسفاره، وقوله: إن تصلوا في المسجد الحرام أو الأقصى ذكر الأقصى على سبيل الفرض وقد وقع بعده ﷺ فهو من الإخبار بالمغيبات وقيل الأولى الاقتصار على المسجد الحرام ولا وجه لذكر الأقصى. قوله: (ففي أيّ مكان الخ) يعني أنّ أينما ظرف لازم الظرفية وليس مفعول تولوا فيكون بمعنى أفي جهة تولوا حتى يكون منافياً لوجوب التوجه للقبلة فيحمل على صلاة المسافر على الراحلة أو على من اشتبهت عليه القبلة وأنّ تولوا منزل منزلة اللازم فلا يحتاج إلى حذف مفعوليه وتقدير فأينما تولوا وجوهكم شطر المسجد الحرام، والتولية الصرف من جهة إلى أخرى وثم مبنيّ على الفتح اسم إشارة للمكان كهناك، ووجه الله إمّا بمعنى جهته التي ارتضاها للتوجه إليها وأمر بها وهي القبلة أو بمعنى ذاته كما مرّ أي فهو حاضر مطلع على عبادتكم وإنما أوّل بذلك لتنزهه عن المكان والجهة وقوله: فإحاطته بالأشياء أي بقدرته أو برحمته فإسناد السعة إليه مجاز بمعنى الإحاطة المذكورة وقوله في الأماكن كلها الربطة بما قبله. قوله: (وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنها نزلت في صلاة المسافر على الراحلة) وأينما ظرف كما في الوجه الذي قبله والمعنى في أيّ مكان فعلتم أيّ تولية لأنّ حذف المفعول به يفيد العموم لا أنّ المعنى إلى أيّ جهة تولوا وأينما مفعول به على ما شاع في الاستعمال كما توهم فإنه لم يقل به أحد من أهل العربية كما صرّح به النحرير وكذا في القول الآخر في أنها في حق من اشتبهت عليه القبلة فيصلي إلى أيّ جهة أدّى إليها اجتهاده والمسألة مع لزوم الإعادة وعدمها مفصلة في الفروع، والمراد بالتدارك الإعادة وكونها توطئة لنسخ القبلة ظاهر لاً نه إذا كان محيطا بكل جهة فله أن يرتضي ما شاء منها وتبديل التوجيه إليه يدلّ على أنه ليس في جهة إذ لو كان لوجب التوجه لها، وقيل: هذا أصح الأقوال لأنه روي عن ابن عباس ﵄ أنها نزلت لما قال اليهود: " ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها " وفيه نظر. قوله: (نزلت لما قال اليهود لخ) في بعض الحواشي فالضمير راجع إلى الثلاثة لسبق ذكرهم ولا تقل لم يسبق ذكر المشركين كما قال الذين لا يعلمون، وقرأ الجمهور بالواو وقرأ ابن عامر بتركها على الاستئناف واستحسنوا عطفها على الجملة التي قبلها لبعد الوجوه المذكورة هنا، وإنما قال على مفهوم قوله: ومن أظلم لأنها استفهامية إنشائية اسمية وهذه خبرية فأشار إلى أنها مؤوّلة بفعلية خبرية أي ظلم الذين منعوا ظلما عظيما وقالوا أيضاً اتخذ الله ولداً فإنّ الاستفهام ليس مقصوداً حقيقته ومنه علم وجه عطف تلك الجملة على ما قبلها أيضاً ولذا حسن ترك الواو ولو جعله من عطف القصة لم يحتج إلى تأويل كما مرّ والاستئناف بياني كأنه قيل: بعدما عدّد من تبائحهم هل انقطع خيط إسهابهم في الافتراء على الله

стр. 649

أم امتد فقيل: بل امتدّ فإنهم قالوا ما هو أشنع من ذلك. قوله: (تنزيه له عن ذلك فإنه يقتضي التشبيه الخ) إذ الولد حيوان يتولد من نطفة حيوان آخر والنطفة جسم يتولد من جسم فيلزم تشبيهه بالأجسام أو لأنّ الولد يشارك الأب في الماهية ويشابهه ولذا قالوا، ومن يشابه أباه فما ظلم، وهذا أقرب ويعينه قول المصنف بعده وأمّا الحاجة فلأنه يقتضي التجسيم والتركيب المحتاج إلى المادّة وقيل: لأنّ الابن إنما يطلب للحاجة إليه في أن يعاونه ويخلفه، وسرعة الفناء لأنه لازم للتركيب وكل محقق قريب سريع وقوله ألا ترى الخ هذا يشعر بأنّ لها إدراكا ونفوساً فلكية كما هو مذهب الحكماء والأولى ترك هذا كله وتنزيه التنزيل عن أمثاله، والمصنف ﵀ يرتكب مثله أحيانا وهو من إصابة الكمال وكون سبحان للتنزيه ظاهر كما مرّ. قوله: (رذ لما قالوه الخ) إشارة إلى أنّ بل ل! ضراب الإبطالي، قال الجصاص في أحكام القرآن: في هذه الآية دلالة على أنّ ملك الإنسان لا يبقى على ولده لأنه نفي الولد بإثبات الملك بقوله بل له ما في السموات الخ وهو نظير قوله: ﴿وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [سورة مريم، الآية: ٩٣] فاقتضى ذلك عتق ولده عليه إذا ملكه وقد " حكم النبيّ ﷺ بمثل ذلك في الوالد إذا ملكه ولده " وسيصرّح به المصنف ﵀ وقوله: واستدلال الخ يحتمله لكن قوله والمعنى الخ يقتضي أنّ وجهه أنه خالق لكل موجود فلا حاجة له إلى الولد إذ هو يوجد ما يشاء منزها عن الاحتياج إلى التوالد واللام في له للملك وقيل إنها كالتي في قولك لزيد ضرب تفيد نسبة الأثر إلى المؤثر وقوله: منقادون إشارة إلى معنى القنوت قال الراغب ﵀: القنوت لزوم الطاعة مع الخضوع وفسر بكل واحد منهما في قوله تعالى: ﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾ قيل: خاضعون وقيل طائعون، واختار المصنف الثاني لأنه أنسب بالمقام، وقوله: لم يجانس مكوّنة لأنه قاهر وهذا مقهور وقوله: فلا يكون له ولد بيان لارتباطه بما قبله. قوله: (وإنما جاء بما الذي الخ) في الكشاف فإن قلت كيف جاء بما التي لغير أولي العلم مع قوله قانتون قلت هو كقوله: سب! خان ما سخر! كن لنا، وكأنه جاء بما دونا من تحقيراً لهم وتصغيراً لثأنهم قال النحريريعني كيف غلب غير العقلاء فأتى بلفظ ما مع تغليب العقلاء فيه حيث جمع بالواو والنون فأجاب بأنه وقع في الخبر تغليب العقلاء على الأصل وفي المبتدأ عكسه لنكتة التحقير وهذا كما يقال: إن ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إشارة إلى مقام الألوهية والعقلاء فيه بمنزلة الجمادات و ﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾ إلى مقام العبودية والجمادات فيه بمنزلة العقلاء، وأمّا كون ما يعم العقلاء وغيرهم فإنما هو في موضع الإبهام فإذا وقع التمييز فرق بما ومن قدّر المضاف إليه في كل ما فيها لا كل واحد للإخبار عنه بالجمع وقوله: كل من جعلوه إلها وكذا كل من جعلوه ولدا لدلالة اتخذ الله ولداً عليه ووجه الإلزام أنّ من زعمتموه ولداً خاضمع له مقرّ بعبوديته، والوجوه الثلاثة في قوله سبحانه الذي نزهه عما يشابهه ونحوه المقتضى لعدم الولد وكون ما في الوجود ملكاً له لا ولدا وكونهم كلهم أو من اتخذ ولداً خاضعا مقرّاً بعبوديته، وقوله: واحتج الخ مرّ بيانه. قوله: (مبدعهما ونظيره السميع في قوله الخ) فعيل يكون بمعنى فاعل كعليم وبمعنى مفعول كقتيل وهو يكون من المزيد بمعنى اسم الفاعل كبديع بمعنى مباع ذكره بعض أهل اللغة واستشهدوا عليه بالبيت المذكور لأن سميعا فيه بمعنى مسمع إذ الداعي مسمع لا سامع، وفي لسان العرب، ط ن الأصمعي ينكر فعيلاً بمعنى مفعل ويبطله قول ابن الأعرابي سليم بمعنى مسلم، وقال ابن بري: قد جاء كثيراً نحو مسخن وسخين ومقعد وقعيد ومنقع ونقيع ومحب وحبيب ومطرد وطريد ومقض وقضيّ ومهدي وهديّ وموص ووصيّ ومبرم وبريم ومحكم وحكيم ومبدع وبديع ومفرد وفريد ومسمع وسميع ومونق وأنيق ومؤلم وأليم في أخوات له اص. فقد علصت أنّ فيه قولين لأئمة اللغة ارتضى كلا طائفة وعلى الثاني ابن دريد في الجمهرة، والزمخشريّ لما رأى سميعاً صفة مشبهة أو من صيغ المبالغة الملحقة باسم الفاعل وعليه ابن مالك في التسهيل قال: وربما بني فعيل من أفعل وكذا فعيل بالفتح بمعنى مفعل أيصاً فيه الخلاف وأخذها من المزيد المتعدّي على خلاف القياس لم يرتضه وقال: إن السميع على معنا. الظاهر

стр. 650

والإسناد مجازيّ لأنّ داعي الشوق لما دعاه صار عمرو سميعا لدعوته فقد نسب لكونه سميعا فأسند إليه السماع كما أسند الردّ إلى العافي في قوله: إذا رذعا في القدر من يستعيرها على أنه إن ثبت شاذ لا يقاس عليه والمصنف ﵀ لما صح عنده النقل فيه لم يلتفت إلى ما تكلفه مع أنه على ما ذهب إليه يكون من إضافة الصفة إلى فاعلها، وقد تقرّر في النحو أنها إذا أضيفت إليه يكون فيها ضمير يعود إلى الموصوف فلا تصح الإضافة إلا بما صح اتصاف الموصوف بها نحو حسن الوجه حيث يصح اتصاف الرجل بالحسن لحسن وجهه بخلاف حسن الجارية وإنما صح زيد كثير الإخوإن لاتصافه بأنه متقوّ بهم فعلى هذا لا يصح بديع السموات لامتناع اتصافه بذلك إلا إذا أريد أنه مبدع لها وهذا يقتضي أن يكون على ظاهره وأمّا ما قيل: إنّ من يقول إنّ البديع بمعنى المباع لا يدّعي أنه كذلك بل إنه من قبيل المبالغة من باب جد جده وقد اعترف به صاحب الكشاف في قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فقال: يقال ألم فهو أليم كوجع فهو وجيع ووصف العذاب به كقوله: تحية بينهم ضرب وجيع وهذا على طريقة قولهم جد جد. والألم في الحقيقة للمؤلم كما أنّ الجد للجاد، فغير صحيح لأنّ قول المصنف في الوجه الآخر من أباع ينادي بأنّ الأوّل من المزيد وأمّا ما ذكره في أليم فليس مما نحن فيه في شيء فإنه من الثلاثي لكن فيه إسناد مجازيّ فهو سهو آخر. قوله: (أمن ريحانة الداص السميع) تمامه يؤرّفني وأصحابي هجوع وهو مطلع قصيدة لعمرو بن معد يكرب يتشوّق أختاً له اسمها ريحانة أسرها بنو دريد بن الصمة ومنها: إذالم تستطع شيئافدعه وجاوزه إلى ما تستطيع والمراد بالداعي الشوق ويؤزقني بمعنى يوقظني من الأرق وهو السهر وهجوع بمعنى نيام وجملة وأصحابي هجوع حال، وقوله: أو بديع الخ ظاهر وهو مختار الزمخشري وهو حجة رابعة على نفي الولد لأنه أصله ومنشؤه الحاصل بالانفعال المنزه عنه ذو الجلال. قوله: (والإبداع اختراع الشيء الخ) فرق في شرح الإشارات بين الصنع والإبداع والإيجاد والتكوين والإحداث بأنّ الصنع الإيجاد بعد العدم فهو والإيجاد عامان والإبداع إيجاد من غير مادّة ولا زمان فهو أعلى مرتبة من التكوين والإحداث لأنّ التكوبن إيجاد عن مادّة والإحداث أن يكون مع الشيء وجود زمانيّ وكل واحد منهما يقابل الإبداع من وجه والإبداع أقدم منهما لأنّ المادّة لا يمكن أن تحصل بالتكوين والزمان لا يمكن أن يحصل بالأحداث لامتناع كونهما مسبوقين بمادّة أخرى وزمان آخر انتهى وكلام المصنف ﵀ يقتضي فرقا آخر وهو أنّ الإبداع الإيجاد الدفعي من غير ماذة لأنه معنى الاختراع والصنع الإيجاد عن مادّة وهي العنصر الذي فيه صورته كالسرير والخشب والتكوين إيجاد من مادّة خلعت عنها صورتها الأولى التي هي صورة أخرى في زمان كالإحداث لكن أورد عليه أنه كيف يكون إيجاد السموات لاعن مادّة وقد كانت دخانا كما صرّح به في الآيات وكيف يكون دفعيا وقد خلقت في ستة أيام فكأنه حمل ذلك على التمثيل لمناسبة ما بعده فتأمّل. قوله: (أي أراد شيئاً وأصل القضاء الخ) القضاء فصل الحكم في الشيء قولاً وهو ظاهر أو فعلاً وهو إيجاده ولما كان ذلك يستلزم الإرادة أطلق عليها فعلم أنه يستعمل بمعنى الإيجاد ويقابله القدر بمعنى التقدير وقد يعكس ذلك قال ابن السيد: قدّره الله وقدره قضاؤه ومنهم من يفرق بين قدر الله وقضائه فيجعل القا. ر تقديره الأمور قبل أن تقع والقضاء إنفاذ ذلك القدر وخروجه من العدم إلى حد الفعل وهذا هو الصحيح لأنه قد جاء في الحديث أنّ النبيّ ﷺ مرّ بكهف مائل للسقوط فأسرع المشي حتى جاوزه فقيل له أتفرّ من قضاء الله فقال أفرّ من قضائه تعالى إلى قدره ففرق ﷺ بين القضاء والقدر وبين أنّ الإنسان يجيب أن يتوقى انتهى. قوله: (ومن كان التامّة الخ) وهي تدل على معنى الناقصة لأنّ الوجود المطلق أعمّ من وجوده في نفسه أو في غيره مع أنها الأصل فلا يقال: إنّ الله كما يفيض الوجود في نفسه للأشياء يفيض الوجود لغيره وهو إنما يكون بأن يقول للشيء كن كذا، ووجه التمثيل فيه أنه شبهت الحالة التي تتصوّر من تعلق إرادته تعالى بشيء من

стр. 651

المكوّنات الدال علبها قوله: قضى كما مرّ وسرعة إيجاد. إياه من غير امتناع ولا توقف بحالة أمر الآمر النافذ تصرفه في المأمور المطيع الذي لا يتوقف في الامتثال فأطلق على هذه الحالة ما كان يستعمل في ذلك من غير أن يكون هنا قول وأمر فهو استعارة تمثيلية، وذهب لعضهم إلى أنها استعارة تحقيقية تصريحية ورده النحرير وسيأتي ما فيه، وقوم إلى أنه حقيقة وأنّ السنة الإلهية جرت بأنه تعالى يكوّن الأشياء بكلمة كن ويكون المأمور هو الحاضر في العلم والمأمور به الدخول في الوجود وكأنّ مراده أنّ اللفظ موجود حقيقة والا فهذا الأمر تسخيريّ وهو مجاز أيضاً ووجه تقريره للإبداع أنّ هذه السرعة تقتضي عدم التوقف على المادّة، وكون الولد يقتضي ما ذكر مما جرت به العادة وقوله: بفتح النون يعني به النصب والفتح يستعمل في البناء وإذا أضيف إلى الحرف دون الكلمة يراد ذلك أيضا للفرق بين فتح الكلمة وفتح الحرف وقراءة النصب قراءة ابن عامر ﵀ وقد أشكلت على النحاة حتى تجرأ بعضهم عليه وقال إنها خطأ وهو سوء أدب والرفع على الاستئناف أي فهو يكون وهو مذهب سيبويه ﵀، وذهب الزجاج إلى عطفه على يقول وأمّ النصب فقيل: إنه روعي فيه ظاهر اللفظ لصورة الأمر فنصب في جوابه ولو نظر إلى المعنى لم يصح لأنّ الأمر ليس حقيقيا فلا ينصب جوابه، ولأنّ من شرطه أن ينعقد منهما شرط وجزاء نحو ائتني فأكرمك إذ تقديره إن تأتني أكرمتك وهنا لا يصح هذا إذ يصير التقدير إن يكن يكن فيتحد فعلاً الشرط والجزاء معنى وفاعلاً ولا بد من تغايرهما لئلا يلزم كون الشيء سبباً لنفسه لكن المعاملة اللفظية على التوهم واقعة في كلامهم، وقال ابن مالك ﵀: إن أن الناصية قد تضمر بعد إنما لإفادتها النفي وقد قالت العرب إنما هي ضربة من الأسد فتحطم ظهره بنصب تحطم ولك أن تقول إنها منصوبة في جواب الأمر والاتحاد فيه المذكور مردود لأنّ المراد أن يكن في علم الله وإرادته يكن في الخارج كقوله ع! يي! : " فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله " أي من كانت هجرته عملاً ونية فهجرته ثوابا وقبولاً، وكون الأمر غير الحقيقي لا ينصب في جوابه ممنوع فإن كان بلفظ كما ذهب إليه كثير من المفسرين فظاهر ولكنه مجاز عن سرعة التكوين كما مرّ في ﴿كُونُواْ قِرَدَةً﴾ وان لم يعتبر ذلك فهو مجاز عن إرادة سرعة التكوين فيكون استعارة تبعية يترتب عليها وجوده سريعا فالتقدير أن يرد سرعة وجود شيء يوجد في الحال فالتغاير ظاهر ومنه تعلم أنّ عدم الذهاب إلى التمثيل له وجه خلافا لمن ردّه ثم بين السبب في غلط الكفرة في نسبة الولد بأنه في لسانهم الأب مشترك بين المبدكأ الموجد ومعناه المعروف وهذا ملخص من كلام الإمام ﵀. قوله: (أي جهلة المشركين الخ) فنفي العلم عنهم على حقيقته وعلى الثاني لتجاهلهم أو لعدم عملهم بمقتضاه والتفسير الأول منقول عن قتادة والسديّ والثاني عن ابن عباس ﵄ ولذا لم يقل المصنف ﵀ جهلة المشركين وأهل الكتاب ومتجاهليهم لغلبة الجهل في أهل الشرك والتجاهل في أهل الكتاب فافهم وقوله هلا إشارة إلى أنّ لولا هنا للتحضيض وقد تكون حرف استفتاح نحو ولولا فضل الله، والكلام معهم إمّا بالذات أو بإنزال الوحي وهو استكبار منهم بعدهم أنفسهم كالملائكة والأنبياء عليهم الصلاة والسلام وما بعده إنكار وجحود وهو ظاهر، وقوله: والثاني جحود أنّ الخ في نسخة لأنّ، وقوله: كذلك الخ تقدم الكلام في توجيه الجمع بين كلمتي التشبيه، وأرنا لله نظير لولا يكلمنا الله وهل يستطيع نظير طلب الآية والحجة وقراءة التشديد شاذة وهي قراءة أبي حيوة وابن أبي إسحق قال الداني ﵀: وذلك غير جائز لأنه فعل ماض والتاءين المزيدتين إنما يجيآن في المضارع فيدغم أمّا الماضي فلا، وقال الراغب: إنه حمله على المضارع فزادهما وبهذا القدر لا يندفع الإشكال ولذا قال السفاقسي قراءة تشابهت لإدغام التاء فيها وليس في الماضي تاآن تبقى إحداهما وتدغم الأخرى ووجهت على أنّ الأصل أشابهت وأصله تشابهت فأدغم التاء في الشين وأجتلبت همزة الوصل فحين أدرج القارئ القراءة ظن السامع أنّ تاء البقرة هي تاء الفعل، فتوهم أنه قرأ تشابهت ولا يظن بابن أبي إسحق أنّ التاء من الفعل على الإدغام

стр. 652

لأنه رأس في علم النحو أخذه عن أصحاب الدؤلي انتهى. (قلت) : مآله إلى تخطئة الراوي دون القارئ. قوله: (أي يطلبون اليقين أو يوقنون الحقائق الخ) في الكشاف لقوم ينصفون فيوقنون أنها آيات يجب الاعتراف بها والإذعان لها والاكتفاء بها عن غيرها، قال النحرير: أنه يعني لقوم يوقنون إيقانا صادراً عن الإنصاف ليكون إذعاناً وقبولاً فيكون إيمانا لأنّ مجرّد الإيقان بدون إذعان وقبول بل مع إباه واستكبار ليس بإيمان بل كأنه ليس بإيقان، والظاهر أنه ليس مرادهم من هذا التأويل بل أنّ الموقن لا يحتاج إلى التبيين ولذا أوّله المصنف ﵀ بأنّ المراد الطالبون لليقين أو الواقفون على الحقائق في غيرها وقيل: إنه فسره بالإيقان المستفاد من الإنصاف لأنّ القوم كانوا معاندين وكانوا موقنين لاعن إنصماف فعلى هذا الإيقان حقيقيّ وعلى الأوّل من وجهي المصنف مجاز، والإشارة المذكورة تؤخذ من الكناية والتعريض، وقوله: ملتبساً إشارة إلى أنّ الظرف مستقرّ ويجوز تعلقه بأرسلنا وبشيراً ونذيراً حال من الكاف وجوّز كونه من الحق، ونذير بمعنى منذر بلا كلام وهذا مما يؤبد كون بديع بمعنى مباع لكنه هنا قد يقال سوّغه المشاكلة فتأمّل. قوله: (ما لهأ لم يؤمنوا الخ) هذا كله تسلية للنبيّ ﷺ وأمّا القراءة بالنهي ففيها عطف الإنشاء على الخبر فأمّ لأنه خبر معنى إذ المراد لست مكلفاً بجبرهم الآن إذ هو قبل الأمر بالقتال ونحوه أو عطف على مقدر أي فبشر وأنذر وأمّا قوله نهي لرسول الله ﷺ فتبع فيه قول الكشاف روي أنّ النبيّ ﷺ قال: " ليت شعري ما فعل أبواي " فنهى عن السؤال، قال الطيبي: أي ما فعل بهما وفي الحديث: " يا أبا عمير ما فعل النغير " أي إلى أيّ شيء انتهى عاقبة أمره فلو قيل ما فعلت بالنغير لم يكف في الاهتمام بذلك، وقال العراقيّ ﵀: لم أقف عليه في حديث، قيل: ونعما فعل فإنه لم يرد في ذلك إلا أثر ضعيف الإسناد فلا يعوّل عليه والذي نقطع به أنّ الآية في كفار أهل الكتاب كالآيات السابقة عليها والتالية لها وقد ورد في الأثر وان كان ضعيفاً " أن الله أحياهما حتى آمنا به "، ولتعارض الأحاديث في ذلك وضعفها، قال السخاوي ﵀ الذي ندين الله به الكف عنهما، وعن الخوض في أحوالهما وقد التزم بعض الجهلة في هذا الزمان من الوعاظ البحث عنهما وللسيوطي فيه تأليف مستقل فمن أراده فليراجعه. قوله: (أو تعظيم لعقوية الكفار الخ) يشير إلى أنّ النهي عن السؤال قد يكون لتهويل الأمر المسؤول عنه حتى كان السائل لا يقدر على استماع حاله والمسؤول لا يمكنه ذكره كما يكون لتعغليمه أيضاً كما قال: وعن الملوك فلا تسل والمتأجج بمعنى المشتعل ويخبر مبنيّ للمجهول. قوله: (ولعلهم قالوا مثل ذلك الخ) يعني أنّ قوله لن ترضى حكاية لمعنى كلامهم ليطابق قوله قل إنّ هدي الله الخ فإنه جواب لهم لأنهم ما قالوا ذلك إلا لزعمهم أنّ دينهم حق وغيره باطل فأجيبوا بالقص! ر القلبي أي دين الله هو الحق ودينكم هو الباطل وهدى الله الذي هو الإسلام هو الهدى وما يدعون إلى اتباعه ليس بهدي بل هو على أبلغ وجه لإضافة الهدي إليه تعالى وتأكيده بأن واعادة الهدي في الخبر على حدّ شعري شعري وجعله نفس الهدي المصدري وتوسيط ضمير الفصل وتعريف الخبر، وفسر الأهواء بالزائغة أي المنحرفة عن الحق والمراد الباطلة. قوله: (والمقة ما شرعه الله الض) في الكشف الملة والطريقة سواء وهي في الأصل اسم من أمللت الكتاب بمعنى أمليته، كما قاله الراغب: ومنه طريق مملوك مسلوك معلوم كما نقله الأزهري ثم نقل إلى أصول الشرائع باعتبار أنها يمليها النبيّ ﷺ ولا يختلف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فيها وقد تطلق على الباطل كالكفر ملة واحدة ولا تضاف إلى الله فلا يقال ملة الله ولا إلى آحاد الأمّة، والدين يرادفها صدقاً لكنه باعتبار قبول المأمورين لأنه في الأصل الطاعة والانقياد ولاتحاد ما صدقهما قال تعالى: ﴿دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١٦١] وقد يطلق الدين على الفروع تجوّزا ويضاف إلى الله والى الآحاد والى طوائف مخصوصة نظراً للأصل، على أنّ تغاير الاعتبار كاف في صحة الإضافة ويقع على الباطل أيضا، وأمّا الشريعة فهي المورد في الأصل وهي اسم

стр. 653

للأحكام الجزئية المتعلقة بالمعاس والمعاد سواء كانت منصوصة من الشارع أو لا لكنها راجعة إليه، والنسخ والتبديل يقع فيها وتطلق على الأصول الكلية تجوّزا. قوله: (أي الوحي أو الدين الخ) الوحي بمعنى الموحى به وهو إشارة إلى أن العلم بمعنى المعلوم فإنه شاع فيه حتى صار حقيقة عرفية والمعلوم يتصف بالمجيء دون العلم نفسه إلا أن يكون مجازاً كما أشار إليه النحرير، وأمّا القول بأنّ مجيء المعلوم يستلزم مجيء العلم فضعفه ظاهر وكذا القول بأنّ الوحي بالمعنى المصدري وهو وأن كان إعلاماً لا علما فهما متحدان بالذات كالتعليم والتعلم وكله من التكلفات الباردة. قوده: (مالك من الله من ولئ ولا نصير) هذه الا، م هي الموطئة للقسم وهي تقع قبل أدوات الشرط وتكثر مع أن وقد تأتي مع غيرها نحو لما آتيتكم من كتاب ولسبقها يجاب القسم معها دون الشرط ولو أجبت الشرط هنا لوجبت الفاء فهذه الجملة جواب القسم فقوله وهو جواب لئن يخالفه، اللهمّ إلا أن يقال مراده أنه جواب القسم المدلول عليه به فأقامه مقامه لكنه تسمح في التعبير وقيل: إنه إشارة إلى أنه جواب الشرط وذلك إنما يجوز إذا قدر القسم بعد الشرط وقدر مالك جملة فعلية ماضوية أي ما استقرّ والا تعين كونه جواب القسم لوجوب الفاء، وهو تعسف إذ لم يقل أحد من النحاة بتقديره مؤخراً مع اللام الموطئة وتقديرها فعلية لا دليل عليه. قوله: (يريد به مؤمني أهل الكتاب الخ) خصه بهم لأنهم الذين أوتوه ويتلونه، لؤمنون به وفسر حق التلاوة وهو منصوب على المصدرية لإضافته له بصون لفظه عن التحريف وتدبر معانيه والعمل به وجعله حالاً مقدرة لأنهم لم يكونوا وقت الإيتاء كذلك بل بعده وهذه الحال مخصصة لأنه ليس كل من أوتيه يتلوه فالمراد بالذين المقيد بالحال مؤمنو أهل الكتاب بحسب المنطوق وأولئك يؤمنون به خبر بلا تكلف، وأمّا إذا جعل يتلونه خبراً وأولئك يؤمنون به جملة مستأنفة فلا بدّ من تخصيص الموصول بالمؤمنين استعمالاً للعامّ في الخاص وهذا معنى قوله على أنّ المراد الخ أي على أنه مراد منه بقرينة عقلية ليصح الإخبار عن العامّ بما هو لبعض أفراده، وأمّا قوله: يريد أولاً فمعناه يريد من هذا اللفظ بخسب الدلالة، وقيل: معناه أعمّ من الإرادة بالتقييد اللفظي ومن الإرادة بالاستعمال فلا يرد عليه أنّ قوله على أنّ المراد بالموصول مستغنى عنه ولا حاجة إلى تكلف أنّ المراد بمؤمني أهل الكتاب الذين آمنوا بكتابيهم وهما التوراة والإنجيل، وقوله المراد مؤمنو أهل الكتاب ثانياً المراد به من آمن بنبينا ﷺ فإنه تعسف وعذر أشدّ من الذنب فإنه ليس إلا تكرار لفظ لا حاجة إليه يوهم أنه يجوز أن يراد غيره وقوله: دون المحرفين يشير إلى أنّ هذا يفيد القصر كما في الله يستهزئ بهم كما ذهب إليه الزمخشريّ وفسر الكفر بكتابهم بتحريفه لأنه كفر به كما مرّ، وقوله: حيث اشتروا الكفر بالإيمان أي استبدلوه إشارة إلى أنّ فيه استعارة مكنية وأنه إيماء إلى ما مرّ منهم وقوله: لما صدر قصتهم الخ بيان لفائدة ذكر ما فيها مع أنه تقدم. قوله: (كلفه بأوامر ونواه) قال الراغب: بلي الثوب بلا خلق وبلونه اختبرته كأني أخلقته من كثرة اختباري له وسمي التكليف بلاء لأنه شاق ولأنه اختيار من الله لعباده، وابتلى يتضمن أمرين أحدهما تعرّف حاله والوقوف على سا يجهل من أمره، والثاني ظهور جودته ورداءته وربما قصد به الأمران وربما يقصد به أحدهما فإذا قيل: ابتلاه الله فالمراد أظهر جودته ورداءته لا التعرّف لأنه لا يخفى عليه خافية وفي الكشاف اختبره بأوإمر ونواه واختبار الله عبده مجاز عن تمكيته من اختيار أحد الأمرين ما يريد الله وما يشتهيه العبد كأنه يمتحنه ما يكون منه حتى يجازيه على حسب ذلك قال العلامة اختبار الله عبده لا يكون بطريق الحقيقة لأنّ الاختبار حقيقة إنما يصح فيمن خفي عليه العواقب بل هو مجاز على طريق التمثيل شبه حال الله والعبد في تمكينه من الأمرين الطاعة والمعصية وإرادة الطاعة منه بحال المختبر مع المختبر ثم عبر عنها بالاختبار، وما في قوله ما يكون استفهامية وفي الامتحان معنى العلم أي بتمحنه ليعلم أيّ شيء يفعل انتهى. وحاصله أنّ مراده التكليف أيضا لكنه بطريق الاستعارة التمثيلية وكلام الراغب يشعر بأنه مجاز باعتبار إطلاقه على ما هو الغاية منه، وأشار إلى أن يعلم ويبتلى بمعنى لترتبه

стр. 654

على الاختبار فلهذا يعلق كما سيأتي في سورة تبارك، والمصنف رحمه الله تعالى خالفهم وذهب إلى أنّ حقيقته التكليف ولكن تكليف العباد لما استلزم الاختبار ظنوا أنهما مترادفان، وهذا لا وجه له لأنّ أهل اللغة صرّحوا قاطبة بأنّ معناه الاختبار، والاستعمال يشهد له شهادة بينة ولم يقل أحد بترادفهما إذ الاختبار أعمّ منه أو مباين له، وأمّا قوله فيما سيأتي عامله معاملة المختبر فسيأتي الكلام فيه وقوله أحد التقذمين يعني، إمّ في اللفظ حقيقة أو حكما نحو اعدلوا هو أو في الرتبة كالفاعل المؤخر وهو ظاهر، وقول الزمخشريّ وما يشتهيه العبد اعتزال خفيّ ولذا تركه المصنف ﵀. قوله: (والكلمات قد تطلق على المعاتي فلذلك فسرت الخ) أصل معنى الكلمة اللفظ المفرد وتستعمل في الجمل المفيدة أيضا وتطلق على معاني ذلك لما بين اللفظ والمعنى من العلاقة وقد فسر به قوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ [سورة الكهف، الآية: ٠٩ ا] كما سيأتي. قوله: (فسرت بالخصاب الثلاثين الخ) هذه الثلاثين جعلها في الكشاف عشراً منها في سورة براءة وعشراً في سورة الأحزاب، وعشراً في سورتي المؤمنون و ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ وآية براءة: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ﴾ [سورة التوبة، الآية: ١١٢] وآية الصؤمنون: ﴿ ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [سورة المزمنون، الآيات: ا- ٩] وآية الأحزاب: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [سورة الأحزأب، الآية: ٣٥] وآية سأل سائل: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُم بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾ [سورة المعارج، الآيات: ٢٢- ٣٤] والمذكور في السور الثلاث ست وثلاثون وهي التوبة والعبادة والحمد والسياحة والركوع والسجود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحفظ حدود الله، والصلاة والخشوع وترك اللغو والزكاة وحفظ الفرج وحفظ الأمانة وحفظ العهد والمحافظة على الصلاة والإسلام والإيمان والقنوت والصدق والصبر والخشوع والصدقة والصوم وحفظ الفرح وكثرة ذكر الله ومداومة الصلاة واعطاء السائل والمحروم والتصديق بيوم الدين والإشفاق من العذاب وحفظ الفرج وحفظ العهد وحفظ الأمانة والقيام بالشهادة والمحافظة على الصلوات وأنت إذا أسقطت المكرّر حصل منه ثلاثون كما في الكشاف والمصنف ﵀ ما نذر إلى المكرّر وكأنه لاحظ فيه مغايرات اعتبارية بقيود خارجية فأسقط السورة الثالثة وخالف ما صنعه الزمخشري ولا يخفى أنه إن كان هذا ماً ثورا في أحدهما فلا وجه للآخر وان لم يكن كذلك فالأولى ترك هذه التكلفات. قوله: (وبالعشر التي هي الخ) هي خمس في الرأس تفريق شعر الرأس في الجانبين، وتص ا! شارب، والسواك والمضمضة والاستنشاق وخمس في غيرها، الختان، وحلق العانة، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، والاستنجاء وفي التيسير أنها كانت فرضاً عليه، وقوله: وبمناسك الحج أي فسرت الكلمات بمناسك الحج وقوله: وبالكوكب متعلق بفسرت مقدر أيضا، وهجرته ﵊ كانت من العراق إلى الشأم وقوله: على أنه تعالى عامله هو على الوجه الأخير لأنه لم يكلف به ووجه التجوّز فيه ما مرّ وما بعدها الإمامة وتطهير البيت وما معهما ولا وجه لما قيل: إق الأولى تأخير قوله: على أنه تعالى عامله عن هذه لأن هذه تكاليف، وأذا رفع إبراهيم فالمراد بالابتلاء الاختبار مجازا لأنه وان صح من جانبه لا يصح من الجانب الآخر فعبر به عن الدعاء والطلب لأنّ الاختبار لا يخلو عن الطلب غالباً، وفسر الإتمام بتكميل

стр. 655

الحقوق وأستشهد له بقوله الذي وفى لأنّ التوفية أداء الحقوق وإذا رفع إبراهيم وكان الابتلاء بمعنى الطلب فضمير أتمهن لله بمعنى أجابه ويصح رجوعه زبراهيم ﵊ بمعنى أنه أتئم ما دعا به وأدّاه على أتمّ الوجوه والأوّل أولى. قوله: (استئناف إن أضمرت ناصب إذ الخ) إضمار ناصبها هو تقدير أذكر ونحوه ككان كذا وكذا على أنها مفعول به أو المراد اذكر الحادث إذ قال وحي! عذ فالقول بأنها معمول اذكر تجوّز، وعلى هذا فجملة قال مستأنفة استثنافاً بيانيا وأمّا: إذا تعلق بقال فجملته حينئذ معطوفة على مجموع ما قبلها عطف القصة على القصة وجوّز أن يكون معطوفا على نعمتي وجعله بيانا على تقدير تعلقه بمقدر وهو أحسن مما في الكشاف إذ جعله بيانا على تقدير تعلقه بقال وان تكلف له بأنه يجوز في قولك أعطاه حين اكرمه أن يكون إعطاؤه بيانا لإكرامه فكذا قوله: إني جاعلك حين ابتلاه وفي صحته نظر وجاعل قد يتعدى لواحد وقد يتعدى لاثنين الأوّل الكاف والثاني إماما. قوله: (والإمام اسم لمن يؤتم به الخ) قيل: إنه اسم شبيه بالصفة كالقارورة وفي الكشاف أنه على زنة الآلة كالإزار لما يؤتزر به، قال النحرير هو اسم للآلة فإن فعالاً من صيغ الآلة كالإزار والرداء وقيل: عليه في جعله آلة نظر لأنّ الإمام ما يؤتمّ به والإزار ما يؤتزر به فهما مفعولان ومفعول الفعل ليس با-لة لأن الآلة هي الواسطة بين الفاعل والمفعول في وصول أثره إليه ولو كان المفعول آلة لكان الفاعل آلة وليس فليس وفي المقتبس اسم الآلة ما يعمل به وما اشتق من فعل لما يستعان به في ذلك الفعل وصيغته المطردة مفعل ومفعال وما ألحق به الهاء سماعي كما في الزمان والمكان وما جاء مضموم الميبم والعين نحو مسعط لم يذهبوا به مذهب الفعل ولكنها جعلت أسماء لهذه الأوعية، ومنهم من يجعل فعالاً بالكسر كالعماد والنقاب وأمثالها منه اص. وقوله: وامامته عامّة الخ كانّ الداعي له أنه حمل تعريف الناس على الاستغراق لكن كون جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بعده مأمورين باتباعه فيه نظر لنسخ ما بعده من الثرائع لما قبلها كشريعة نبينا ﷺ وشريعة موسى ﵊ فلو حمل على الجنس لم يرد هذا فكان مراده أنهم مأمورون باتباعه في العقائد وما يضاهيها كما قيل: لنبينا ﷺ اتبع ملة إبراهيم. قوله: (عطف على الكاف الخ) قيل: فيه إنّ الجارّ والمجرور لا يصلح مضافاً إليه فكيف يعطف عليه وإنّ العطف على الضمير كيف يصح بدون إعادة الجارّ وأنه كيف يكون المعطوف مقول قائل آخر ودفع الأوّلين بأنّ الإضافة اللفظية في تقدير إلانفصال ومن ذريتي في معنى بعض ذريتي وكأنه قال واجعل بعض ذريتي وهو صحيح والثالث بأنه عطف تلقيني كما يقال: سأكرمك فتقول وزيداً أي وتكرم زيداً وتريد تلقينه ذلك، ولم يجعله بتقدير أمر أي واجعل بعض ذرّيتي احترازاً عن صورة الأمر ودلالتة على أنه كأنه واقع البتة وهذا أكثره وقع في كلام أبي حيان ﵀ إذ قال: إنه لا يصح بمقتض العربية والذي يقتضيه المعنى أن يكون من ذزيتي متعلقاً بمحذوف أي اجعل من ذريتي إماما لأنه فهم من إني جاعلك الاختصاص به، وقيل: إن التلقيني يقتضي أن يقال: ومن ذرّيتك إذ لو ضم مع قوله إني جاعلك لم يقل ومن ذريتي وفي الكشف أصله واجعل بعض ذريتي لكته عدل عنه لا وجه من المبالغة جعله من تتمة كلام المتكلم كأنه متحقق مثل المعطوف عليه، وجعل نفسه كالنائب عن المتكلم فيه مع ما في العدول عن لفظ الأمر من المبالغة في الثبوت ومن مراعاة الأدب في التفادي عن صورة الأمر وفيه من الاختصار الواقع موقعه ما يروق كل ناظر وفي الحواشي عن المصنف ﵀ إنه كعطف التلقين وعنه في قوله ومن كفر فأمتعه أنه عطف تلقين، وقال راعيت الأدب في الأوّل تفاديا عن جعله تعالى شأنه ملقناً، وحاصله أنه في الحديقة معمول لمقدر والتقدير اجعلني إماماً واجعل من ذرّيتي أئمة فحذف ذلك وأوهم أنه معطوف على ما قبله لما ذكر من النكت فلا يرد عليه حينئذ شيء من الشبه السابقة، وقد ذكر هذه المسألة الأسنوي وغيره في أصوله فقالوا هل يتركب الكلام من كلمات متكلمين أجازه بعضهم ومنعه الجمهور وإلا لزم أنّ من قال امرأتي فقال آخر طالق يقع به الطلاق

стр. 656

ولا قائل به وأوّلوا كلام من قال بصحته بأنّ كلا منهما يضمر في كلامه ما ذكره الآخر بقرينة المقام فهما كلامان ولكن يعدا كلاما واحداً على التسمح ثم إنهم ذكروا أن النلقين ورد بالواو وغيرها من الحروف وأنه وقع في الاستثناء كما في الحديث: " إن الله حرّم شجر الحرم " قالوا: إلا الأذخر يا رسول الله ذكره الكرماني في شرح البخاري وقال إنه استثناء تلقيني فإن قلت تقدّم أنّ كونه إماما عامّ لجميع الناس فيقتضي أنّ جميع ذريته كذلك إذا عطف عليه وليس كذلك قلت يكفي في العطف الاشتراك في أصل المعنى وقيل: يكفي حصوله في حق نبينا ﷺ فتأمّل. قال الجصاص: ويحتمل أن يريد بقوله ومن ذربتي مساءلته تعريفه هل يكون من ذريته أم لا فقال تعالى في جوابه لا ينال الخ فحوى ذلك معنيين أنه سيجعل ذلك إمّا على وجه تعريفه ما سأله أن يعرفه إياه وأمّا على وجه إجابته إلى ما سأل لذرّيته اهـ. قوله: (والذرية نسل الرجل الخ) أصلها الأولاد الصغار ثم عمت الكبار والصغار الواحد وغيره وقيل: إنها تشمل الآباء لقوله تعالى: ﴿أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [سورة يس، الآية: ٤١] يعني نوحا وأبناءه والصحيح خلافه وفيها ثلاث لغات ضم الذال وكسرها وفتحها وبها قرى، وفي اشتقاقها أقوال فقيل: من ذروت وقيل: من ذريت وقيل من ذرأ وقيل: من الدّرّ فإن كانت من ذروت فأصلها ذروة فعولة بواوين زائدة ولام الكلمة قلبت الثانية ياء تخفيفا فقلبت الأولى ياء بالإعلال المعروف وكسر ما قبلها، وقيل: فعيلة وأصلها ذروة فأعلت بما مرّ وان ك نت من ذريت فوزنها إمّا فعولة وأصلها ذروية فأعلت أو فعيلة فأصلها ذريية فأدغمت وان كانت مهموزة فوزنها فعليثة قلبت الهمة ياء وأدغمت، وان كانت من الذرّ بالتشديد فأصلها فعلية والياء للنسبة وضئم أوّله كما قالوا دهريّ أو لغير النسب كقمرية أو فعيلة وأصلها ذرّيرة قلبت الراء الثالثة ياء هربا من ثقل التكرير كما قالوا في تظننت تظنيت وفي تقضضت تقضيت أو فعولة وأصلها ذرّورة فقلبت الراء الثالثة وأعلت كما مرّ وقس عليه حال الفتح والكسر. فوله: " جابة إلى ملتمسة الخ) هذا يقتضي تقديرا جعل في الكلام والا فليس فيه ما يدل على الطلب وقوله: وأنهم لا ينالون الإمامة والإمامة شاملة للنبوّة والخلافة والقضاء والإمامة المعروفة وهي كلها مرادة على ما قال الجصاص وأدخل فيها الإفتاء والشهادة ورواية الحديث والتدرش! لأنهم غير مؤتمنين على الأحكام قال ومن نصب نفسه في هذا المنصب وهو فاسق لم يلزم الناس إتباعه ولإطاعته وهو يدل على أنّ الفاسق لا يكون حاكماً وأنّ أحكامه لا تنفذ إذا ولي وأنه لا يقدم للصلاة لكن لو قدم واقتدى به صح ولا فرق عند أبي حنيفة بين القاضي والخليفة في أنّ شرط كل واحد منهما العدالة وأنّ الفاسق لا يكون خليفة ولا حاكما ومذهبه فيه معروف وما نقل عنه من خلافه كذب عليه وقد أطال في تفصيله، وقيل: اتفق الجمهور من الفقهاء والمتكلمين على أن الفاسق لا يصلح للإمامة ابتداء وان اختلف في أنه لا يصلح لها بقاء بحيث لا ينعزل بطريان الفسق، وقال النحرير: وجه دلالة الآية على أن الظالم لا يصلح للإمامة والخلافة ابتداء ظاهر وأمّا أنه لا يصلح لذلك بحيث ينعزل بالظلم فلا، قال: وفيه إشكال من وجهين أمّا أولاً فلأنّ وجه دلالتها إمّا أن تستفاد من منطوق النص أو دلالته أو القياس لا سبيل إلى الأوّل لما عرفت أنّ المراد بالإمامة النبوّة فلا يتناول بمنطوقه الخلافة ولا إلى الثاني لأنّ أقل مرتبتها المساواة وهي مفقودة هنا إذ لا يلزم من عصمة النبيّ غ! يه إلا على عصمة الأدنى منه، ولا إلى الثالث إذ لا جامع بينهما وأمّ ثانيا فلأن وجه دلالة الآية على أنّ الظالم لا يصلح ل! مامة والخلافة ابتداء وان كان ظاهراً في ذلك ينبغي أن يكون ظاهراً أيضاً في الانعزال بطريان الفسق إذ لا وجه له في الظاهر للمنافاة بين وصفي الإمامة والظلم فالجمع بينهما محال ابتداء وبقاء ويجاب عن الثاني بأنّ المنافاة في الابتداء لا تقتضي المنافاة في البقاء لأنّ الدفع أسهل من الرفع ويشهد له أنّ رجلا لو قال لامرأة مجهولة النسب يولد مثلها لمثله هذه بنتي لم يجز له نكاحها، ولو قال لزوجته الموصوفة بذلك لم يرتفع النكاج لكن إن أعحرّ عليه يفرّق القاضي بينهما. (أقول (: ما ذكره النحرير مسطور عن السلف كما مر والظاهر

стр. 657

أنه من المنطوق لأنه قال إما ما ولم يقل نبياً ونحوه ليشمل كل من يقتدي به فكلام النحرير لا غبار عليه برمته. قوله: (وفيه دليل على عصمة الأنبياء عليهم والصلاة والسلام من الكبائر) وجه الدلالة أنّ المعنى لا يصل عهدي إلى الظالمين فهو حال الوصول إليه لم يكن ظالماً وكونه كذلك مانع منه فلا فرق بينه وبين ما قبله والظلم إذا أطلق ينصرف إلى الكبائر فلا يقال إنه إنما يدل عليه إذا كان الفسق نوعا من الظلم ولم يكن المعنى أنه لا ينال عهدي الظالمين ما داموا ظالمين إذ لو كان كذلك فالظالم إذا تاب لم يبق طالماً كيف وقد نال الإمامة أبو بكر وعمر وعثمان مع سبق الكفر فتامّل، وقوله: وأنّ الفاسق الخ أي ابتداء على ما مرّ، وقوله: والمعنى واحد ظاهر لكن مقتضى تفسيره بالأخذ في بعض كتب اللغة أن يسند إلى العقلاء فيكون غيره مغلوبا. قوله: (غلب عليها الخ) جعله علما بالغلبة فتلزمه اللام أو الإضافة ولو جعل التعريف للعهد لصح. قوله: (مرجعا يثوب الخ) يعني أنّ الزائرين يثوبون إليه بأعيانهم أي أنفسهم أو بأمثالهم وأشباههم ومن يقوم مقام أنفسهم لظهور أنّ الزائر ربما لا يثوب بل قلما يثوب لكن صح إسناده إلى الكل لاتحادهم في القصد، والناس للجنس ولا دلالة له على أنّ كل فرد يزور فضلاً عن الثوب وما يقال: إنّ المراد بالأعيان الأشراف حملا للناس على الكاملين، أو أنّ المراد بالثوب القصد على ما هو مقتضى الديانة متعسف، ولك أن تقول إنه مثل قولهم فلان مرجع الناس يعني أنه يحق أن يرجع ويلجأ إليه ولا سكلف فيه وان كان من الثواب فلا إشكال وقرأ الأعمش وطلحة مثابات بالجميع بتنزيل تعدد الزجوع منزلة تعدد محله أو أنّ كل جزء منه مثابة وهدّا أوضح، وقيل: إنه باعتبار تعدد الإضافات ث هو يقتضي أن يصح التعبير عن غلام جماعة بالمملوكين لا يعرف وفيه نظر، وقد مر عن الانتصاف أنّ صيغة الجمع تدل على زيادة المعنى والوصف دون الإفراد كقولم معى جياع وتاؤه لتأنيث البقعة أو المبالغة وهو اسم مكان وجوّز فيه المصدرية وسمع مثاب بمعنى مثابة. قوله: (وموضع أمن الخ) قال النحريز: فإن قيل: هذا القدر كاف فيما قصد من كون آمنا لمعنى موضع أمن فلم ضم إليه ويتخطف الخ قلنا هو بيان لوجه كونه آمناً كأنه قال لأنّ أهله يسكنون فيه فلا يتخطفون ولأنّ الجاني ياوي إليه فلا يتعرّض له (قلت) الأظهر أن ما حوله مما هو أقرب الأماكن مخوف فأمنه موهبة وحماية الهية لا لعدم البغاة وعلى مذهب أبي حنيفة ﵁ وجهه ظاهر ووصفه بآمن اسم فاعل مجاز لأن الآمن هو الساكن والملتجئ وكذا ما في الآية إذا جعل بمعناه أو جعل كانه نفس الأمن أمّا إذا حمل على حذف المضاف أي موضع أمن فلا مجاز وقوله: يجبّ ما قبله أي يزيله ويمحو. غير حقوق العباد والحقوق المالية كالكفارة. قوله: (على إرادة القول الخ) أي وقلنا: اتخذوا وهو معطوف على جعلنا أو هو معطوف على اذكر المقدر عاملاً في إذ، وقوله: أو اعتراض معطوف على مضمر تقديره ثوبوا بالثاء المثلثة أي ارجعوا وهو مأخوذ من قوله مثابة واعترض عليه بأنه لا حاجة إلى تقدير المعطوف عليه لأنّ الواو تكون اعتراضية كما في قوله: إنّ الثمانين وبلغتها قدأحوجت سمعي إلى ترجمان ووجهه بأنه قدره ليناسب ما قبله ويلتئم معه لأنّ الجملة المعترضة تقوي ما اعترضت فيه وتؤكده وبه يظهر ذلك وأيضا اتخاذ المقام مصلى إنما يكون بعد الرجوع، وفيه تأمل. وعلى قراءة الأمر فالخطاب لهذه الأمة لا لغيرهم بدليل سبب النزول الآتي وليس مبنياً على الاعتراض حتى يرد الاعتراض على تخصيصه، قيل: ولا يخفى إق عطف قوله وعهدنا على جعلنا البيت يستدعي جعل واتخذوا معترضة ويدفع كونها معطوفة على ناصب إذ، وكون الأمر استحبابياً مجمع عليه. قوله: (ومقام إبواهيم الخ) المقام بالفتح موضمع القيام وهو الحجر الذي قام عليه في الحقيقة وكان إذا وطئه يلين ويصير كالطين معجزة له ويطلق على المحل الذي فيه الحجر توسعاً وهو موضعه الذي هو فيه الآن وكان قيامه عليه وقت دعائه ووقت رفعه بناء البيت فقوله: أو الموضع بيان لوجه تسميتة مقاما أو رفع بصيغة الماضي معطوف على

стр. 658

قام وصححه في بعض النسخ رفع بصيغة المصدر وعطف على الحج قيل، كأنه لاحظ أنه لم يكن لإبراهيم ﵊ موضع معين وليس هذا وجهه بل وجهه أنه لو عطف ماضياً على قام اقتض أنه قام عليه في موضعه الآن لرفع البناء مع أنه بعيد عن حائط الكعبة كما يرى بالمشاهدة فيحتاج إلى أن يجعل قوله أو الموضع لبيان المعنى الثاني الذي يطلق عليه المقام وتعلق حين يأثر فتأمل. وقوله: روي الخ رواه ابن مردويه عن ابن عمر ﵄، وقوله: لما روى جابر ﵁ أخرجه مسلم وهي إحدى موافقاته الوحي المشهورة، وقوله: في وجوبهما أي ركعتي الطواف وقوله: واتخاذها مصلى الخ فهو مأخوذ من الصلاة بمعنى الدعاء، وقوله: مقامه الموسوم به أي المعروف به فالمقام مجاز عن المحل المنسوب إليه وكذا المصلى بمعنى القبلة مجاز عن المحل الذي يتوجه إليه في الصلاة بعلاقة القرب والمجاورة. قوله: (أمرناهما الخ) العهد يكون بمعنى الوصية ويتجوّز به عن الأمر فلا يقال: إنه لا ينبغي حينئذ أن يعدى بإلى ولا حاجة إلى التضمين وجعله بمعنى الوحي، وقوله بأن طهرا إشارة إلى أنّ الجارّ محذوف على القياس المعروف أو هي مفسرة لتقدّم ما تضمن معنى القول دون حروفه وهو العهد إذ هو شرطها وأمّا دخولها على الأمر ففيه خلاف مشهور ومنهم من قدر بأن قلنا لتكون داخلة على الخبر تقديرا والطهارة أعم من الحسية والمعنوية. قوله: (يريد البلد أو المكان الخ (يعني أن الإشارة إن كانت إلى ما هو بلد حال الإشارة فالمسؤول الأمن وذكر البلد توطئة له وان كانت إلى المكان فيكون المسؤول بلديته وأمنه وأوّل أمنا بوجهين أن يكون بمعنى النسبة أي صاحب أمن لمن فيه أو أنه إسناد مجازيّ والأصل آمنا أهله فأسند ما للحال للمحل لأنّ الأمن والخوف من صفات العقلاء. قوله: (عطف على من آمن الخ) قال النحرير: هو عطف تلقين كأنه قال قل وارزق من كفر أيضا فإنه محله وما ذكر من أنّ المعنى وأرزق بلفظ المتكلم تقرير للمعنى لا تقرير للفظ والذي يقتضيه النظر الصائب أن يكون هذا عطفاً على محذوف أي أرزق من آمن ومن كفر بلفظ الخبر واجعلني إماما وبعض ذريتي بلفظ الأمر فيحصل التناسب، ويكون المعطوف والمعطوف عليه مقول واحد اص. وهذا يخالف ما أسلفه في قوله: إني جاعلك لكن الأوّل تقرير لكلام المصنف ﵀ وهذا بيان لمختاره فهو لا يقول بالعطف التلقيني وقد مر تحقيقه على أحسن الوجوه، وقوله: قاس إبراهيم ﵊ الرزق الخ تبع فيه صاحب الكشاف والأحسن أن يقال إنه تعالى لما قال لا ينال عهدي الظالمين احترز إبراهيم ﵊ من الدعاء لمن ليس مرضيا عنده فأرشده الله تعالى إلى كرمه الشامل. قوله: (أو مبتدأ متضن معنى الشرط الخ) هذا يحتمل أن يريد أنه موصول تضمن معنى الشرط فدخلت الفاء في خبره وهو جملة أمتعه أو اسم شرط لأنها أيضاً تتضمن معنى حروف الشرط كان، وجملة فأمتعه جواب الشرط وأمّا تقدير أنا فيه فلا حاجة إليه لأن ابن الحاجب نص على أنّ المضارع في الجزاء يصح اقترانه بالفاء إلا أن يكون استحسانا فقول النحرير قدره لتصح الفاء غير سديد، ولما كانت الفاء تفيد السببية والكفر لا يصلح لسببية التمتع أشار إلى توجيهه بأنه هنا ليس سببا للتمتع بل لقلته أو للتمتع الذي هو منتج للعذاب والى هذا أشار في الكشاف بقوله: يجوز أن يكون مبتدأ متضمناً معنى الشرط وقوله: فأمتعه جوابه أي ومن كفر فأنا أمتعه فأضطره فلا يرد ما قيل هو في التنزيل ثم اضطرّه والاعتذار بأنه ذكره بالفاء إيماء إلى أنه من مواقع الفاء ولكن أتى بئم للتراخي الرتبي غير وارد وضمن مقصورا معنى مخصوصا فعداه بالباء. قوله: (أي ألزه إليه لز المضطر) كذا في الكشاف وقال الطيبي: إنه استعارة شبه حال الكافر الذي أدر الله عليه النعمة التي استدناه بها قليلاً قليلا إلى ما يهلكه بحال من لا يملك الامتناع مما اضطرّ إليه فاستعمل في المشبه ما استعمل في المشبه به، وقيل: إنه قال في الأساس لز هذا بهذا قرن به وألصق، ومن المجاز لزه إلى كذا اضطره إليه وبهذا يظهر أنّ ما في الكتاب تكلف لا حاجة إليه وفيه نظر لأن الكافر لش مضطراً إلى العذاب إذ يمكنه الإسلام فهو مجاز عن كون العذاب واقعا به وقوعا

стр. 659

محققاً حتى كأنه مربوط به، وما في الأساس شيء آخر، وقليلاً صفة مصدر مقدر أي تمتعا قليلا أو المراد زمانا قليلا فهو ظرف. قوله: (وقرئ بلفظ الأمر (من الامتاع واضمطرّه أمر بفتح الراء كما هو في نحو شذه وهذه القراءة منقولة عن ابن عباس ﵄، وكونه على هذه القراءة من دعاء إبراهيم ﷺ مروي عن السلف كما أخرجه ابن أبي حاتم وقال ابن جني حسن إعادة قال لطول الكلام وللانتقال من دعاء قوم إلى دعاء آخرين ويحتمل أن يكون ضمير قال لله أي فأمتعه يا قادر يا رازق خطابا لنفسه على طريق التجريد ولم يلتفت إليه المصنف ﵀ لبعده. قوله: (بإدغام الضاد وهو ضعيف (هذا مما تغ فيه الزمخشري وليس بصواب فإنّ هذه الحروف أدغمت في غيرها فأدغم أبو عمرو الراء في اللام في نغفر لكم والضاد في الشين في لبعض شأنهم والشين في السين في العرس سبيلاً، وأدغم الكسائي الفاء في الباء في نخسف بهم، والذي قاله سيبويه إنه هو الأكثر وأصل اضطرّ اضشر فأبدلت التاء طاء كما بين في الصرف وضم مبني للمجهول وشفر بمعنى منبت الأهداب وقوله المخصوص بالذم محذوف والجملة للتذييل معترضة في الآخر لئلا يلزم عطف الإنشاء على الخبر. قوله: (حكاية حال ماضية الخ) لأنّ الرفع مضى وانقضى، قال أبو حيان ﵀: وفيه نظر لأن إذ تخلص الفعل للمضيّ ولا وجه لجعله مانعاً من الحكاية فتأمّل والقاعدة جرت مجرى الجوامد ولذا لم تجر على موصوف بمعنى الثابتة مجاز من القعود ضدّ القيام كما قاله الراغب: ومنه قعدك الله في الدعاء لأنه بمعنى أدامك الله وثبتك وهو دعاء استعملته العرب في القسم وهو مصدر منصوب على أنه مفعول مطلق لا مفعول به وان ذهب إليه بعض النحاة وقول الزمخشري: سألت الله أن يقعدك يشعر به لكنه صرح بخلافه في المفصل وهو بفتح القاف، وروي كسرها عن المازني وأنكره الأزهري ويقال قعيدك الله وهما مثل عمرك الله بنصب الله والجلالة بعدهما واجبة النصب إمّا على المفعولية أو البدلية وذلك لأنهما مصدران كالحس والحسيس ومعناهما المراقبة، فالتقدير أقسم بمراقبتك الله فالله مفعول أو هما وصفان كالخل والخليل ومعناهما الرقيب والحفيظ وهما منصوبان بنزع الخافض أي أقسم بقعدك والله بدل منه لكي قال الدماميني أنه لم يرد في الشرع إطلاقهما على الله وفي التهذيب قال أبو عبيد يقال قعدك الله بمعنى الله معك وأنشد: قعيد كما الله الذي أنتما له قوله: (ورفعها البناء الخ) دفع لما يتوهم من أنّ الأساس لا يمكن رفعه فأوّل بأنّ رفعه مجاز عن رفع ما عليه من البناء فجعل رفع ما عليها رفعاً لها لا نهاية تعلم وتدرك وأنت ضمير الأساس باعتبار القاعدة لكن في عبارته تسامح فإنها لا تنتقل إلى الارتفاع وإنما المرتفع ما عليها فالأولى تركه، والسافات بالسين المهملة والفاء جمع سافية وهي الصف من اللبن والطين وكل ساف قاعدة لما فوف فالمراد برفعها على هذا بناؤها نفسها ووجه الجمع على هذا ظاهر وعلى الأوّل لأنها مربعة ولكل حائط أساس وقيل: الرفع بمعنى الرفعة والشرف وقواعده بمعناه الحقيقي السابق فهو استعارة تمثيلية ولبعده مرّضه. قوله:) وفي إبهام القواعد (يعني كان الظاهر تواعد البيت لكن التبيين بعد الإبهام أبلغ فلذا عدل على الأخصر ومن هنا ابتدائية متعلقة بيرفع أو تبعيضية أو ابتدائية حال من القواعد ولكن في ذكر الكل بيان للجزء في ضمنه وهو مراد المصنف ﵀ لا أنها من البيانية ولا أنها صفة القواعد، وقوله: وأسمعيل ﵊ كان يناوله الخ قيل: وفي تأخيره إشارة إلى ذلك، وقوله والجملة حال، وقيل: إنها خبر إسماعيل بتقدير القول فإبراهيم ﵊ بان وإسماعيل ﵊ داع وروي ذلك عن عليّ رضي ألله عنه وقوله: بدعائنا ولنياتنا أي بقرينة المقام وقيل: الأولى فتسمع دعاءنا وتعلم نياتنا. قوله:) مخلصين لك الخ) أسلم يكون بمعنى أخلص وانقاد ولما كانا مخلصين منقادين أوّلها بأن المراد الزيادة في ذلك أو الثبات واستدلّ بهذا على الموافاة، وفيه نظر والإذعان في اللغة بمعنى الانقياد وأمّا استعماله بمعنى الفهم فمن كلام المولدين وإذا أريد به ذلك فهل هو حقيقة أو مجاز فيه كلام مرّ تحقيقه في إهدنا الصراط في الفاتحة وهاجر زوجة إبراهيم عليه الصلاة

стр. 660

والسلام والخلاف في الجمع مشهور. قوله: (واجعل بعض ذزيتنا الخ) قيل: إنه إشارة إلى أن من للتبعيض وأنها في موضع المفعول الأوّل الذي هو مبتدأ في الأصل وجعل الحرف مفعولاً تعسف كما مرّ مع أنّ مجيء إنّ من ذزيتي أمّة يدفعه الآيات يفسر بعضها بعضا، والحمقى جمع أحمق وحمقاء أيضاً كما صرحوا به. قوله:) ويجوز أن تكون من للتبيين الخ) قال النحرير: لما كان الأنسب في مثل هذا الدعاء أن لا يقتصر على البعض من الذرية جوّز كون من للتبيين ولم يقطع به لأنّ من البيانية مع المجرور تكون أبداً من تتمة المبين بمنزلة صفة أو حال ولم يعهد كونها خبراً عنه مثل الرجس من الأوثان بمعنى هي الأوثان ولا محيص عنه سوى أن يقال المعنى أمة مسلمة هي ذرّيتنا على التعدي إلى مفعول واحد أو على أن يكون أمة مسلمة مفعولي جعل ولذا لم يجعله المصنف ﵀ مفعولاً ثانيا وارتكب تقديمه على المبين والفصل بين حرف العطف ومعطوفه بالظرف مع ما في ذلك من الخلاف لأهل العربية فالجارّ والمجرور كان صفة للنكرة فلما قدم انتصب على الحال. قوله: (من رأى بمعنى أبصر أو عرف) فيتعدى بالهمزة إلى مفعولين بعد تعديه لواحد، وفي الإيضاج لابن الحاجب ﵀ إنه لم يثبت رأيت الشيء بمعنى عرفته وإنما هي بمعنى علم أو أبصر وتبعه أبو حيان ﵀ لكن الزمخشريّ ذكره في المفصل والراغب في مفرداته وهما- ش الثقات فلا عبرة بإنكارهما، والنسك بضمتين وتسكن العبادة والذبح للتقرّب ولذا تسمى الذبيحة نسيكة والمذابح مناسك قيل: وقيد الغاية في كلام المصنف ﵀ ليس في اللغة وليس كذلك فإنه ذكره الرأغب ﵀. قوله: (وفيه إجحاف) بتقديم الجيم أي زبادة تغيير وتبع فيها الزمخشرفي وليس كما ينبغي لأنها من القرا آت المتواترة وقد شبه فيه المنفصل بالمتصل فعومل معاملة فخذ في جواز إسكانه للتخفيف ولما كان النقل هو المستعمل والأصل مرفوضاً شبه بالأصلي وقد استعملته العرب كذلك قال: أرنا إداوة عبد الله نملؤوها من ماء زمزم أنّ القوم قد ظمؤوا والاختلاس تخفيف الحركة حتى تخفى. قوله: (استتابة لذرّيتهما الما كانت التوبة تقتضي الذنب وهم معصومون على الأصح قبلها وبعدها أوّله بما ذكر فهو بتقدير مضاف أو من إطلاق اسم الأب على الذرّية كما يقال تميم للقبيلة وبقية الوجوه ظاهرة، وقوله: لمن تاب متعلق بالرحيم ولو قال فترحم من تاب كان أولى. قوله: (ولم يبعث من زيتهما الخ) أي من ذرّيتهما معا بأن يكون ابن إسماعيل بن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام لا من ذرّية ك!! منهما فإنّ في أولاد إسحق أنبياء ورسلاً " وقال دعوة أبي إبرأهيم " في الحديث اقتصارا على الأعظم والا فهو دعوة إسماعيل عليهما الصلاة والسلانم أيضاً ويصح أن يراد من ذرية كل منهما المدعو بها في ذلك المقام أما دعوة إسماعيل ﵊ فظاهرة وأما دعوة إبراهيم ﵊ فلأنّ إسحق لم يكن معه فلعله قصد به عامّة من كان من عقبه بواسطة إسماعيل وهو تكلف، تيل: ويحتمل أن يكون مرا! كل منهما ذرّيته فيكون سائر الأنبياء دعوة إبراهيم ﵊ ومحمد ﷺ إجابة دعوتهما، وقوله ﷺ : " أنا دعوة أبي إبراهيم " من غير ذكر إسماعيل يدل على أنّ المجاب من الدعوتين كان دعوة إبراهيم عليه ا! صلاة والسلام وفيه نظر وقوله ﷺ : " أنا دعوة أبي إبراهيم " جعله نفس الدعوة مبالغة أو في الكلام مضاف مقدر أي أثر دعوته وهذا الحديث رواه الإمام أحمد بن حنبل وشارح السنة عن العرباض عن رسول الله ﷺ أنه قال: " ساخبركم بأوّل أمري أنا دعوة أبي إبراهيا وبشارة عيسى ورزيا أمّي التي رأت حين وضعتني " فدعوة إبراهيم ﵊ في هذه الآية وبشارة عيسى ﵊ في قوله: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ أسورة الصف، الآية: ٦] ورؤيا أمّه، كما رواه الدارمي هي التي " رأت حين وضعته وقد خرج لها نور أضاءت له قصور الشام وأمّه آمنة بنت وهب بن عبد مناف من بني زهرة، وفي الاستدلال برؤياها ما يرشح إسلامها، وقوله: يقرأ عليهم إشارة إلى أنّ المراد بالآيات آيات القرآن

стр. 661

وما بعده إشارة إلى أنّ المراد الحجج الإلهية لثلا يتكرّر به ولو أريد ما يشملهما صح فيكون ما بعده ذكرا للخاص بعد العامّ. قوله: (والحكمة الخ اللمفسرين في تفسيرها أقوال متقاربة يجمعها الكتاب والسنة فقيل: هي السنة، وقيل: القرآن وقيل: الفقه في الدين وقيل: العلم والعمل، وقيل: كل صواب من القول أورث صحيحاً من العمل والتزكية التطهير وذيلت بالعزيز وهو الذي لا يقهر والحكيم بمعنى المحكم بناء على أنّ فعيلا يجيء بمعنى مفعل كما مرّ لإعزازه تعالى أنبياءه عليهم الصلاة والسلام وارسالهم بالحكمة وضمير له لما يريد، وقوله: استبعاد إشارة إلى أنّ الاستفهام ليس حقيقياً بل هو للإنكار والاستبعاد وهو أي الاستبعاد عد الشيء بعيداً وهو عين الإنكار هنا فلا يرد ما قيل: الاستبعاد معنى مجازي كالإنكار ولا يصح الاستعمال في معنيين مجازيين إلا أن يقال معناه الإنكار المبنيّ على الاستبعاد لا على الامتناع لا أنهما قصدا معاً. قوله: " لا من استمهنها وأذلها الخ) استمهنها أي عدها مهنة ذليلة فعطف وأذلها تفسيري إشارة إلى أنه متعد وهو القول الأصح وأمّا اللازم فسفه بالضم بمعنى صار ذا سفه وهو حقيقة، وقيل ضمن معنى جهل أي جهل نفسه لخفة عقله ولم يعرفها بالتفكر لأنّ من جهل نفسه لا يعلم شيئاً، وقيل: أهلك واستشهدوا له بوقوعه في الحديث متعدياً من غير احتمال آخر وقوله: فيه إن تسفه الحق أي تجهله وتغمض بالغبن والضاد المعجمتين وكسر الميم وفتحها بمعنى تحتقر ومن جعله لازما قال إنه منصوب على التمييز وهو يجيء معرفة بالألف واللام والإضافة لكنه نادر نحو غبن رأيه بالنصب، وغبن مجهول من الغبن ورأيه منصوب على التمييز المحوّل عن نائب الفاعل وكذا ألم رأسه كعلم. قوله: (وقول جرير الخ) كذا في النسخ وهو سهو فإنّ الشعر للنابغة الذبياني بالاتفاق وكذا رأيناه في ديوانه وهو في مدح النعمان بن المنذر وقد مرض وأبو قابوس لقبه والشعر: فإن يهلك أبو قابوس يهلك ربيع الناس والبلد الحرام ونأخذ بعده بذناب عيش أجب الظهرليس له سنام ويروى والشهر الحرام وأراد بالربيع طيب العيش وبالبلد والشهر الحرام الأمن، والأجب المقطوع السظ م وهو لا يستقرّ عليه فالمراد إمّا ذهاب عزهم لأنّ السنام يكنى به عنه أو كثرة اضطرابهم بعده وذناب الشيء بالكسر عقبه أي نبقي بعده آيسين من الأمن والخير والظهر منصوب على التمييز لكن جعله في المفصل من المشبه بالمفعول به لأن أجب صفة مشبهة فلا ينهض شاهدا عليه، وقيل: إنه أيضاً حقه التنكير كالتمييز وقوله: على المختار إشارة إلى قول آخر أنه في محل نصب ونفسه تأكيد له واختلف فيمن هل هي موصولة أو موصوفة وجهان. قوله: (حجة وبيان لذلك الخ) قيل: كأنه يشير إلى أنّ الجملة حالية لكن الظاهر أنها جواب قسم محذوف فتكون الواو اعتراضية لا عاطفة والمقصود ما ذكر وجعلها حالية لا ينافيه جعلها جواب قسم لأنّ الحال هو القسم وجوابه واللام لا تعين القسمية لكن لام الابتداء تقتضي استئناف ما بعدها، واذ قال ظرف لاصطفينا كأنه أريد أنه مذ ميز وعقل لم يزل! مصطفى إلى أن فارق الدنيا، وقيل: إنه منصوب بقال أي قال أسلمت إذ قال له ربه أسلم وأوّل الخطاب بالإسلام بالأخطارلم التمكين من النظر إذ لو أجرى على ظاهر. كان وحياً مسبوقا باستنبائه واسلام النبيّ يكترو سابق عليه لعصمتهم عن الكفر قبل النبوّة وإنما جرى ذلك في أوائل تمييزه وعلى القول الآخر يجعله في معنى أطع والأمر على ظاهره. قوله: (مشهودا له بالاسنقامة والصلاح يوم القيامة) الاستقامة الاستمرار على الصلاج فهو إمّا مأخوذ من الصلاح أو من الجملة الاسمية المؤكدة. قوله: (ظرف لاصطفيناه) تقدم بيانه والظروف تفيد التعليل كما مرّ وفسر الإسلام بالإذعان لأنّ معناه الحقيقي لا يصح هنا، وأمّا قوله روي أنها نزلت أي آية ومن يرغب فإنه دعاهما إلى الإسلام وقال لهما قد علمنا أنّ الله تعالى قال في التوراة إني باعث من ولد إسماعيل نبيا اسمه أحمد من آمن به فقد اهتدى ورشد ومن لم يؤمن به فهو ملعون فنزلت الآية تصديقا له، فقال السيوطيّ رحمه

стр. 662

الله: إنه لم يجد هذا في شيء من كتب الحديث. قوله: (التوصية الخ) قال الراغب ﵀: التوصية التقدم إلى الغير بما يعمل به مقترنا بوعظ من قولهم أرض واصية أي متصلة النبات فأصل معناه الوصل فهو ضدّ فصاه تفصية إذا فصله، ومنه التفصي عن الأمر ومنهم من جعله من باب ضرب وضمير بها إما للملة أو لقوله: أسلمت باعتبار أنه كلمة أو جملة وهذا باعتبار الحكاية إن كان معنى قال أسلمت نظر أو عرف أو باعتبار المحكيّ فلا حاجة إلى ما تكلفه بعض أرباب الحواشي ثم ذكر الخلاف بين البصريين والكوفيين في أنه هل يشترط فيه خصوص القول أو يصح في كل ما يؤدّي معناه وقوله: بالكسر أي كسر همزة إن ليكون محكياً بأخبرانا، ورجلان تثنية رجل سكنت جيمه لضرورة الشعر وضبة اسم قبيلة معروفة والأسماء المذكورة منها ما هو معروف كبنيامين بوزن إسرافيل وروبين بضم الراء وكسر الباء وياء ونون وقال البيساني الصحيح فيه روبيل باللام، ومنها ما هو غير معروف لأنها ليست بعربية فلم يقدم على ضبطها من غير نقل والمراد بدين الإسلام الذي به الإخلاص لله والانقياد له وبه يعلم أنّ الإسلام يطلق على غير ديننا لكن العرف خصصه به، والصفوة مثلثة الصاد. قوله: (ظاهره النهي عن الموت الخ الما كان المطلوب من الشخص والمنهي عنه ما هو مقدور له وهنا ليس كذلك قال والمقصود الخ وهو تحقيق وتصريح بما هو مدلول اللفظ من حيث كون النهي راجعاً إلى القيد الذي هو الحال حيث أوقعه خبر كان الذي هو المقصود بالإفادة وفي الكشاف فلا يكن موتكم إلا على حال كونكم ثابتين على الإسلام الخ، قال النحرير: ولا خفاء في أنّ معنى لا تجيء إلا راكبا لا يكن مجيئك إلا على حال الركوب واحد لا يتفاوت إلا بتصريح وتوضيح، كما يقال في لا تأكل معناه لا يكن منك أكل ثم ليس المقصود النهي عن الموت في غير حال الإسلام لأنه ليس بمقدور مع أنه كائن البتة والقبد وهو الكون على حال الإسلام مقدور فعاد الكلام إلى النهي عن الاتصاف بالقيد والثبات عليه عند حدوث المقيد الضروري وهو الموت لما بين المعنيين من الاتصال والارتباط والجمهور على أنه كناية وان احتمل المجاز وتقرير الكناية بأنّ طلب امتناع النفس عن فعل الموت في غير حال يراد منه يلزمه طلب الامتناع عن كونها على غير تلك الحال عند الفعل ليس على ما ينبغي لأنّ امر الكناية بالعكس وكذا تقريرها بأن ههنا كناية بنفي الذات عن نفي الحال كما أنّ قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٨] كناية بنفي الحال عن نفي الذات وذلك لأنّ نفي الفعل المقيد بالحال! س نفياً للذات بل ربما يدعي كونه نفياً للحال اص. (وفيه بحث) أمّا الأوّل لإنه مبنيّ على أنّ الكناية هل هي الانتقال من الملزوم إلا اللازم أو عكسه وفيه الخلاف المعروف وأما الثاني فلأنه لم يرد بالذات إلا المقيد لا معناها المتبادر والقرينة عليه ظاهرة فإن تيل: إذا كان النفي في الكلام المقيد راجعاً إلى القيد كان مدلول الكلام هو النهي عن كونهم على غير حال الإسلام عند الموت ولا حاجة إلى ما ذكر، قيل: إذا كان الفعل مقدوراً مثل لا تجيء إلا راكباً والمنهيّ هو الفعل في غير حال الركوب حتى يمتثل ترك الفعل رأسا وبالإتيان راكبا والفعل هنا ليس بمنهيّ عنه البتة لعدم المكنة وإنما المنهيّ هو الكون على خلاف تلك الحالة فلا امتثال إلا بالكون عليها لكته جعل الفعل شبيهاً بالمنهيّ الذي حقه أن لا يقع فإن وقع كان كالعدم كما أنه في مت وأنت شهيد بمنزلة المأمور الذي من حقه أن يقع. (وفيه بحث) : لأنّ كون المقيد غير مقدور كما هنا أو القيد غير مقدور كما في لا تصم وأنت مريض أو كونهما مقدورين كما في لا تجيء إلا راكباً لا يضرّ فيتوجه النفي إلى القيد أو عدمه بل يؤكده فما الداير إلى هذه التكلفات، ومن هنا علمت تفصيلا آخر في توجه النفي إلى القيد فليكن على ذكر منك واتضح لك معنى كلام المصنف ﵀ وفوله: وروي الخ، قال السيوطي ﵀: لم أقف عليه وفاعل فنزلت أم كنتم شهداء الخ. قوله: (أم منقطعة الخ (اختلف في أم هذه هل هي متصلة أم منقطعة وهل الخطاب لليهود أم للمؤمنين وإذا كانت منقطعة وهي بمعنى بل الإضرابية فهل الإضراب هنا للانتقال أم للإبطال وهل ما بعدها خبر أم مقدر بالاستفهام على القولين للنحاة فيها أو استفهامية مستقلة فعلى

стр. 663

الانقطاع وتقدير الهمزة، فالمعنى بل أكنتم شهداء فإذا كان الخطاب لليهود بدلالة سبب النزول ولذا قدمه المصنف ﵀ فهو للإنكار عليهم في دعواهم وصاحب الكشاف ردّ هذا الوجه بأنهم لو شهدوه وسمعوا ما قاله لبنيه وما قالوه لظهر لهم حرصه على ملة الإسلام ولما ادعوا عليه اليهودية فالآية منافية لقولهم فكيف يقال لهم أم كنتم شهداء يعني ردّاً عليهم وانكاراً لمقاتلتهم بل ينبغي أن يقال أكنتم حاضرين حين رضي باليهودية وبما يحقق دعواكم كما تقول لمن يرمي زيداً لفسق أكنت حاضرا حين زنى وشرب ونحو ولا تقول حين صلى وزكى وأجابوا عنه بوجهين أحدهما أنّ الاستفهام حينئذ للتقرير أي أكانت أوائلكم حاضرين حين وصى بنيه بملة الإسلام والتوحيد وأنتم عالمون بذلك فما لكم تدعون عليهم اليهودية، وثانيهما أنه يتم الإنكار عند قوله: ما تعبدون من بعدي ويكون قوله قالوا: الخ بيان فساد ادعائهم لا داخلاَ في حيز الإنكار كان سائلاً سأل فما قالوا له فأجابه بما ذكر ولا تعلق له بما قبله لاختلال النظم وانحلال الربط والمصنف ﵀ اختار هذا الجواب فلم يبال بما أورد عليه ولهذا اقتصر على قوله: وقال ولم يذكر ما قالوه فالاستفهام إنكاريّ بمعنى ما كنتم حاضرين ذلك فكيف تدعونه، وقيل: وجه الردّ عليه أنّ المعنى ما كنتم حاضرين حين موته ولا تعرفون ما وصى به حيث وصى بخلاف ما تدعون فلم تدعون له من غير علم ما يخالف ما ظهر منه، وهذا في غاية الوضوح وان خفي على صاحب الكشاف وشراحه ولا يخفى أنه لا ينزع عرق الشبهة، ولو قيل: إنّ قوله إذ قال لبنيه لا تعلق له بالأوّل ولذا أعاد إذ بدون عطف لكان أظهر ولكن كلام المصنف ﵀ يخالفه، قيل: ولو ذهب إلى أنّ أم إضرابية داخلة على الخبر بدون الاستفهام لإبطال ما ادّعوه بذكر خلافه لم يحتج إلى توجيه والإضراب عليهما انتقالي وجوّز على الانقطاع المذكور أن يكون الخطاب للمؤمنين للتحريض على اتباع نبينا ﷺ بإثبات بعض معجزاته وهو الإخبار عن حال الأنيجاء السابقين عليهم الصلاة والسلام من غير سماع من أحد ولا قراءة كتاب والإنكار بمعنى أنه لم يكن أي ما كنتم حاضرين ذلك ولا شاهدتموه ولا سمعتموه فإنما حصل بطس يق الوحي فلا يصح قصد الخبر به حينئذ وعلى الأوّل يصح كون الإضراب لإبطال ما ادّعوه المأخوذ من سبب النزول لا لما قبله. قوله: (أو متصلة بمحذوف تقديره كنتم غائبين الخ) هذا على كون الخطاب لليهود والمقصود الردّ عليهم فيما ادّعوه من تهوّد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وقدره بما ذكر والمراد اق حالكم لا يخلو من الغيبة أو الحضور فعلى الأوّل كيف تجزمون بما لم تروه وتدركوه وعلى الثاني فليس الأمر كما قلتم بل الثابت خلافه، والزمخشرّ قال تقديره أتدعون على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام اليهودية أم تعلمون كونهم على الإسلام لاعترافكم بحضور آبائكم وصية يعقوب ﵊ وإعلامهم بذلك قرنا بعد قرن، قال النحرير: وليس الاستفهام على حقيقته حتى يعتزض بأنّ كلا الأمرين معلوم التحقق بل على سبيل الفرض والتقدير والتفويض إلى إخبارهم واقرارهم قصداً إلى تبكيتهم وإلزامهم لقطعهم بالثاني أعني حضور أسلافهم وفيه نفي لدعواهم يهودية أنبيائهم عليهم الصلاة والسلام فإن قيل لا معنى للإسلام فإن قيل لا معنى ل! سلام الذي عليه يعقوب ﵊ وبنوه سوى الإذعان والقبول للأحكام والإخلاص له تعالى لا التصديق بنبينا صك! يرو وهو لا ينافي اليهودية التي ادّعوها حتى يلزم من) ثباته نفيها، قيل: لا توحيد لهم لقولهم عزير ابن الله ولا إسلام لعنادهم واستكبارهم وترفعهم عن قبول كثير من الأحكام لا سيما نبوة محمد ﷺ (وفيه بحث) فإنّ الإسلام بهذا المعنى قطعا وهم يدعون أنّ اليهودية من هذا الإسلام وأنهم عليها وليس في هذا المقام ما ينفيه فتأمّل. توله: (وقيل الخطأب للمؤمنين الخ) هذا على الانقطاع وقد تقدّم تقريره، وقيل: هذا مختار الزمخشريّ ولم يرتضه المصنف ﵀ فإنّ الخطاب هنا مع اليهود بقرينة سبب النزول لا يستقيم أن يخاطب به المؤمنرن وقد علمت ما في سبب النزول من الضعف، وقد اعترض أبو حيان ﵀ على ا! لوجه الأوّل بأنه لا يعلم أحداً من النحاة أجاز حذف الجملة المعطوف عليها في أم المتصلة لمانما سمع حذف أم مع المعطوف

стр. 664

لأنّ الثواني تحتمل ما لا تحتمل الأوائل كقوله: فوالله ما أدري أرشد طلابها أي أم غيّ لكن سبق الزمخشريّ إليه الواحديّ وقدره أبلغكم ما تنسبون إلى يعقوب عليه الصلاة والسلام من إيصائه بنيه باليهودية أم كنتم شهداء وذكر ابن هثام في المغني ولم يتعقبه، وقال ابن عطية ﵀: أنّ أم بمعنى الهمزة للاستفهام التوبيخي وهي لغة يمانية ولا تكون إلا في صدر الكلام وحكى الطبريّ ﵀ أنها تكون في وسطه وشهداء جمع شهيد أو شاهد بمعنى حاضر وحضر يحضر كقعد يقعد وفي لغة حضر بكسر الضاد في الماضي وضمها في المضارع وهي شاذة، وقيل: إنها على التداخل وإنما جعل إذ الثانية بدلاً من الأولى بدل اشتمال لأنها لو تعلقت بقالوا لم ينتظم الكلام. قوله: (أراد به تقريرهم الخ) أي تثبيتهم على ذلك فليس استفهاماً حقيقيا وما عامّ يصح إطلاقه على ذي العلم وغيره عند الإبهام سواء كان استفهاميا أو لا وإذا علم أنّ الشيء من ذوي العقل والعلم فرق فحص من بذوي العلم وما بغيره وبهذا الاعتبار يقال: إنّ ما لغير العقلاء واستدلّ على إطلاق ما على ذوي العقول بإطباق أهل العربية على قولهم من لما يعقل من غير تجوّز في ذلك حتى لو قيل: من لمن يعقل، كان لغوا بمنزلة أن يقال لذي عقل عاقل، فإن قيل: ههنا يجب أن يفرق بمن وما لأنّ ما يعقل معلوم أنه من ذوي العلم قلنا لكن بعد اعتبار الصلة أعني يعقل وأمّا الموصول فيجب أن يعتبر مبهما مرادا به شيء ما ليصح في موقع التفسير بالنسبة إلى من لا يعلم مدلول من وليقع وصفه بيعقل مفيدا غير لغو وقد تقرّر أنّ ما يقع سؤالاً عن مفهوم الاسم وماهية الشيء، وعن الوصف والوصف في نفسه لا يعقل فإذا كان هو المراد أطلقت ما على العقلاء وما في الآية يجوز أن يحمل على هذا والمعنى ما معبودكم. قوله: (المتقق على وجوده) أخذ الاتفاق من جعله إلها لهم ولآبائهم وعدّ إسماعيل أبا ليعقوب مع أنه من نسل أخيه إسحق بطريق التغليب وهو ظاهر وأما الجد وهو إبراهيم ﵊ فداخل في الآباء لأنه أب حقيقة فلذا لم يذكره المصنف في المغلب عليه، والمشهور في علاقة التغليب أنها الجزئية والكلية فقوله: أو لأنه كالأب وجه آخر المراد به أنّ العمّ يطلق عليه أب بدون تغليب لمشابهته للأب في كونهما من أصل واحد وقيامه مقامه في أكثر الأمور وكثر ذلك فيه فصح جمع أب وأب وأب بمعنى أب وجد وعمّ على آباء كما يقال عيون للعين الباصرة والجارية والذهب مثلاَ فلا يرد عليه أنّ المقابلة غير صحيحة لأنّ المشابهة طريق للتغليب كالمصاحبة ويعتذر بأنه اعتبر التغليب أوّلاً بعلاقة المصاحبة وثانيا بعلاقة المشابهة، وعنم الرجل صنو أبيه حديث صحيح أخرجه الشيخان والصنو بالكسر واحد صنوأن وهما نخلتان من عرق واحد. قوله: (هذا بقية آبائي) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه وغيره بلفظ: احفظوني في العباس فإنه بقية آبائي قال النحرير أي الذي بقي من جملة آبائي يقال بقية القوم لواحد بقي منهم ولا يقال بقية الأب للأخ والحاصل أنّ بقية الشيء من جنسه. قوله: (وقرئ إله أبيك الخ) في شرح التسهيل قالوا أبون وهو يحتمل وجهين أن يكون أصله أبوين ضموا الباء لمناسبة الواو ثم حذفت كسرة الواو للتخفيف وهي لالتقاء الساكنين وأن يكونوا استعملوه ناقصاً كما كان حالة إفراده وهو أسهل، والشعر المذكور لزياد بن واصل السلمي وهو: غزتنا نساء بني عامر فسمن الرجال هوأنامبينا بضرب كولع ذكور الذباب تسمع للهام فيه رنينا ورمى على كل عرّافة تردّالشمال وتعطي اليمينا فلما تبين أصواتنا بكين وفديننابالأبينا ويروي فلما تبين أشباحنا والنون في الأفعال للنسوة اللاني أسرن وفديننا بتشديد الدال أي قلن جعل الله آباءنا فداءكم وألف الأبينا للإطلاق والرواية فلما بالفاء لا بالواو أو أبيك على هذه القراءة مفرد وابراهيم بدل منه أو عطف بيان! اسمعيل معطوف على أبيك ولم يرتض كونه عمّ لالإضافة فأبدلا منه. قوله: (بدل من إله الخ) والنكرة تبدل من المعرفة بشرط أن توصف واليه اشار المصنف ﵀ بقوله: كقولك الخ

стр. 665

والبصريون لا يشترطون ذلك فيها وأشار إلى فائدة الإبدال بأنها دفع توهم التعذد الناشئ من ذكر الإله مرّتين وبين وجه تكراره بأنه أعيد لأنه لا بعطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجاز، وقوله: أو نصب على الاختصماص، قال أبو حيان: النحويون ن! ص على أنّ المنصوب على الاختصاص لا يكون نكرة ولا مبهماً وجعله منصوباً على الحال الموطئة ونحن له مسلمون حال من الفاعل أو المفعول أو منهما لوجود صميريهما أو اعتراضية في آخر الكلام بلا كلام. قوله: (والأمة في الأصل المقصود الخ الأنها من أمّ بمعنى قصد قال الراغب: الأمّة كل جماعة يجمعهم أمر مّا إما دين واحد أو زمان واحد أو مكان لأنهم يؤم بعضهم بعضا أي يقصده. قوله: (لكل أجر عمله الخ) وقع في نسخة لكل أجير وهي أظهر أي لكل أجير جزاء عمله وأمّا على هذه فالظاهر لكل عمل أجره ولا داير للعدول عنه وقيل: فيه إشارة إلى أنّ المراد بمالها أجر مالها وإن ههنا قصر المسند على المسند إليه أي لها أجر كبتها لا أجر كسب غيرها ولكم أجر كسبكم لا أجر ك! سب غيركم وسيأتي ما فيه، وقوله: والمعنى الخ بيان لانتظام الكلام معنى مع ما قبله وهو مأخوذ من ذكر الكسب دون النسب بطريق التعريض وأمّا لفظاً فلأنه صفة أو حال أو استئناف. قوله: (والمعنى الخ) في الكشاف والمعنى أنّ أحداً لا ينفعه كسب غيره متقدّما كان أو متأخراً فكما أن أولئك لا ينفعهم إلا ما اكتسبوا فكذلك أنتم لا ينفعكم إلا ما اكتسبتم، قيل: هذا يشعر بأنّ لها ما كسبت الخ من قصر المسند على المسند إليه أي لها سسبها لا كسب غيرها ولكم كسبكم لا كسب غيركم وهذا كما قيل: في لكم دينكم ولي دين أي لا ديني ولا دينكم اهـ. وتحقيقه أنّ تقديم المسند على المسند إليه مذهب السكاير والخطيب أنه يفيد قصر المسند إليه على المسند فمعنى عليك التكلان لا على غيرك وصرح به الزمخشريّ في مواضمع والسكاكيّ في أحوال المسند وقال في القصر إنه من قصر الموصوف على الصفة وعند الطيبي ومن تابعه أنه من قصر المسند على المسند إليه وهو عنده من قصر الموصوف على الصفة ذكره في التبيان وذكر صاحب الفلك الدائر أنه لا يفيد قصراً أصلا وذهب بعض المتأخرين أنه يرد لكل منهما وقال: إنّ قول عليّ ﵁: لئا علم وللأعداء مال ظاهر فيه لكن العكس صحيح وهل هو مستفاد من التقديم أو من معونة المقام والتقديم قرينة عليه، قال الظاهر الثاني فيصرف إلى ما يقتضيه المقام وفيه نظر والمشهور كلام السكافي لكته قيل عليه إنّ المسند في لا فيها غول هو الظرف والمسند إليه ليس مقصوراً عليه بل على جزئه وهو الضمير الراجع إلى خمور الجنة، وأجيب بأنّ المراد أنّ عدم الغول مقصور على الاتصاف بفي خمور الجنة والحصول فيها لا يتجاوزه إلى الاتصاف بفي خمور الدنيا وكذا لكم دينكم كما في شروح المفتاح فالموصوف الدين والغول أو عدمه ولا يشترط فيه أن يكون ذاتا وضعية الحصول فيها مثلاً فهذه مغالطة نشأت من عدم فهم مراده وأيضا أنه إذا قصمر المبتدأ على المجرور كان من قصر الصفة وهو الدين على الموصوف وهم المخاطبون وقد ذهب إلى توجه هذا كثيرون وقالوا: إنّ الأمثلة لا تساعده منهم العلامة في شرح المفتاح وهو محل تامّل مبسوط في شرح التلخيص وحواشيه فما قاله النحرير هنا إن حمل على ظاهره يفيد أنّ التقديم يكون لكل من القصرين لكن كلامه في المطوّل وغيره ينافيه ولك أن تقول إنه بيان لمحصل المعنى ومآل الجملتين، وتحقيقه أنها إذا كانت لقصر المسند إليه على المسند يكون المعنى ليس ما كسبت إلا لها وليس ما كسبتم إلا لكم ومآله أنه ليس لكل إلا ما كسب، ألا تراك لو قلت ليس العلم إلا لزيد وليس المال إلا لعمرو ردّ المعتقد التثريك أو العكس لزم منه أنه ليس لزيد إلا العلم وليس لعمرو إلا المال لأنّ كل جملة مستلزمة لعكس الأخرى كما مرّ في البيت المنسوب لعليّ كرم الله وجهه ولهذا قال: يشعر ولم يقل يدل أو يصرح ويكون صدر هذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [سورة النجم، الآية: ٣٩] وآخرها كقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [سورة فاطر، الآية: ١٨] وعكس هنا لمناسبة افتخارهم بآبائهم فإن قلت قد وقع في الآيات والأحاديث الانتفاع والتضرو بفعل الغير كقوله تعالى: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [صورة المائدة، الآية: ٣٢] " ومن سن سنة سيئة فعليه ورّرها ووزر

стр. 666

من يعمل بها " (١ " قلت) قيل إنه منسوخ بقوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [سورة النجم، الآية: ٣٩] ونقل عن ابن عباس ﵄، وقيل: إنه من طريق لعدل وأمّا من طريق الفضل فقد يثاب كما يؤاخذ بالسبب وقال المصنف ﵀: في غير هذا الموضعكما لا يؤاخذ بذنب الغير لا يثاب بفعله وما في الأخبار إنّ الصدقة والحج ينفعان الميت فلكون الناوي كالنائب عنه وكلامه هنا يشير إليه وسيأتي تحقيقه في محله. قوله: (لا يأتيني الناس بأعمالهم الخ) ، قال العراقيّ ﵀: لم أقف عليه، وقال السيوطيّ: خرجه ابن أبي حاتم من مرسل الحكم بن مينا أنّ رسول الله ﷺ قال: " يا معشر قريش إنّ أولى الناس بالنبئ ﷺ المتقون فكونوا أمماً بسبيل من ذلك فانظروا أن لا يلقاني الناس يحملون الآعمال وتلقوني بالدنيا تحملونها فأصد عنكم بوجهي " وهذا بمعناه قال النحرير رواه الجمهور ياتيني بالتخفيف فهو خبر في معنى النهي كما تقول النهي كما تقول تذهب إلى فلان تقول له كذا وتأتوني منصوب على أنّ الواو للصرف والنون للوقاية وقد حذفت نون الإعراب أي لا يكن من الناس الإتيان بالأعمال ومنكم بالأنساب وأمّا على رواية التشديد فهو صريح نهي، وقوله: الضمير الغائب هو بمعنى ضمير الغائب ومرّ ما في الآية من اللف والنشر وقوله: نكون الخ وقيل: إنه منصوب على الإغراء أي الزموا مفة إبراهيم وقيل: منصوب بنزع الخافض أي يقتدي بملة إبراهيم. قوله: (ولا تسألون عما كانوا يعملون الخ) إن أجرى السؤال على ظاهره فالجملة حالية مقرّرة لمضمون ما قبلها وان أريد به سببه أعني الجزاء فهو تذييل لتتميم ما قبله والجملة مستأنفة أو معترضة والمراد تخييب المخاطبين وقطع أطماعهم من الانتفاع بحسنات من مضى منهم وإنما أطلق العمل لإثبات الحكم بالطريق البرهاني في ضمن قضية كلية، وقيل: إنّ ما ذكره لا يليق بشأن التنزيل يكف لا وهم منزهون عن كسب السيئات فمن أين يتصوّر تحميلها على غيرهم حتى يتصدى لبيان انتفاعه وقد علم مما مر سقوطه فإنّ المقصود سوقها بطريق كليّ برهانيّ فكيف يتوهم ما ذكره. قوله: (مائلاَ عن الباطل إلى الحق الخ) أصل معنى الحنف الميل في الرجل وأطلق على الدين الحق المائل عن الباطل وهو حال إن كان من ملة فتذكيره لتأوبلها بالدين أو لكون فعيل يستوي فيه المذكر والمؤنث وهذا إذا كان المقدّر نتبع ظاهر وأما إذا كان المقدر نكون ففي مجيء الحال من خبرها وخبر المبتدأ تردّد وأمّ إذا جعل حالاً من المضاف إليه فيجوز بناء على ما ارتضوه من أنه دجوز في ثلاث صور إذا كان المضاف مشتقاً عاملاً أو جزءاً أو بمنزلة الجزء في صحة حذفه كما هنا فإنه يصح اتبعوا إبراهيم بمعنى اتبعوا ملته فيتحد عامل الحال وذوها حقيقة أو حكماً ولذا مثله بقوله ما في صدورهم لأنّ الصدور بعض وهذا مشبه به، وقوله: وما كان من المشركين اعتراض أو معطوف على الحال للتعريض المذكور وحينئذ فهي حال من المضاف إليه إلا أن يقدّر وما كان دين المشركين وهو تكلف. قوله:) الخطاب للمؤمنين الخ) ردّ على الزمخشريّ، إذ جوّز أن يكون للكافرين فإنّ قوله فإن آمنوا الخ يقتضي خلافه فيحتاج إلى تأوبله بأنه داخل في مقول قل أي وقل لهم قولوا ويكون قوله وما أنزل إلينا وارداً على عبارة الآمر دون المأمور كأنهم أمروا بأن يقولوا هذا المعنى على وجه يليق بهم وهو أن يقولوا وما أنزل إليكم أيها المؤمنون أو إشارة إلى أنهم من أمّة الدعوة وقد أنزل الكتاب إليهم أيضاً لكان المناسب أن يقدر فيما مر كونوا ملة إبراهيم وكله تكلف، وقوله: لأنه أوّل بالإضافة إلينا أي لم يصل إلى المؤمنين عمله وخبره إلا بعد وصول القرآن، أو لأنّ الإيمان بالقرآن سبب للإيمان به والسبب مرتبته التقدم ثم أوّل نزول صحف إبراهيم ﵊ عليهم باتباعهم كما في نزول القرآن على أمّة محمد ﷺ ، والأسباط جمع سبط كأحمال وحمل وهو في بني إسرائيل كالقبائل فينا وهو من السبوطة وهي الاسترسال وقيل: إنه مقلوب من البسط، قال الحلبي: وقيل للحسنين سبطا رسول الله ﷺ لا صشار ذرّيتهما ثم قيل: لكل ابن بنت سبط وكذا قيل: له حفيد أيضاً والحفدة والحفد جمع الحافد والحفيد ولد الولد وبه فسر أوّلاً وثانياً بالأولاد وذريتهم، وذراري يجوز فيه تشديد الياء وتخفيفها كأثافي وأثافيّ

стр. 667

وأواقي وأواقيّ وكذا كل جمع في آخره ياء مشدّدة ذكر الكرماني في شرح البخاري، وقوله: وهي وان الخ قد أسلفنا لك تصحيح هذا التركيب فلا تلتفت إلى ما قيل: إنه تركيب مختل لخلو هي المبتدأ عن الخبر ولما عن الجواب فلو حذف وإن وقوله فهي لكان هو الصواب ولما هنا ظرف بمعنى حين فتذكر. قوله: (أفردهما بحكم أبلغ الخ) المراد أنه أفرد موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام مع دخولهما في الأسباط بالحكم الأبلغ وهو الإيتاء وهو أبلغ من الإنزال لأنك تقول أنزلت الدلو في البئر ولا تقول آتيتها إياه لدلالة الإيتاء على الإعطاء الذي فيه شبه التمليك والتفويض ووجه مغايرته لما سبق من وجوه عديدة ككونهما كتابين عظيمين لم ينزل مثلهما وككثرة ما اشتملا عليه من الأحكام وغيرها وكوقوع التبشير بنبينا ﷺ فيهما، فإن قلت كيف يكون الحكم المنفردان به هو الإيتاء وقد قيل: بعده وما أوتي النبيون، قلت المنفردان به هو إسناد الإيتاء إليهما على التعيين وقوله: جملة المذكورين في نسخة جملة بالتنوين والمذكورون بالرفع والمعنى واحد وقوله: منزلاً عليهم من ربهم يحتمل أنه بيان لتعلقه بأوتي لأنه بمعنى أنزل أو أنه حال متعلقه ما ذكر، وقيل: إنه خبر ما وقوله: فنؤمن بالنصب في جواب النفي. قوله: (وأحد لوقوعه في سياق النفي عامّ الخ) الذي في الكشاف أنّ أحدا في معنى الجماعة لأنه اسم يصلح لمن يخاطب يستوي فيه المفرد والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث ويثترط أن يكون استعماله مع كلمة كل أو في كلام غير موجب نص على ذلك أبو عليّ وغيره من أئمة العربية وهذا غير الأحد الذي هو بمعنى أوّل في مثل: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فإنّ همزته من واو من الوحدة فلا يمكن أن يشمل الكثير لمنافاته لوضعه وهمزة هذا أصلية وليس من الوحدة لإطلاقه على غير الواحد حقيقة واعتبار وحدة نوعية وغيرها ينافي كونهم صرحوا بأنه معنى حقيقيّ له وليس كونه في معنى الجماعة من جهة كونه نكرة في سياق النفي على ما سبق لبعض الأوهام، ألا ترى أنه لا يستقيم لا نفرّق بين رسول من الرسل إلا بتقدير عطف أي رسول ورسول ولستن كأحد من النساء ليس في معنى كامرأة كذا قال النحرير معترضاً على المصنف ومن تابعه وعليه جملة أرباب الحواشي وبه اتضح وجه القول بأنّ الهمزة في هذا أصلية وفي الآخر بدل من الواو فإنه خفي على كثيرين وكان المصنف ﵀ لذلك جعله بمعنى واحد فلا ة مكن تعدده إلا باعتبار عه ومه في النفي، قال القرافيّ في الدر المنظوم: قال النحاة إذا قلت خذ أحد هذين فألفه منقلبة عن واو ويستعمل في الإثبات، وإذا قلت ما جاءني أحد فالفه ليست منقلبة عن واو ولا يجوز استعماله في الإثبات يعني إلا مع كل ويشكل بأن اللفظ صورتهما واحدة ولفظ الوحدة تتناولهما والواو فيها أصلية فيلزم قطعاً انقلاب الألف عنها وأن يكوّنا مشتقين من الوحدة وأمّا جعل أحدهما مشتقا منها دون الآخرة فترجيح من غير مرجح وقد أشكل هذا على كثير من الفضلاء حتى أطلعني الله على جوابه وهو أنّ أحدا الذي لا يستعمل إلا في النفي معناه إنسان بإجماع أهل اللغة واحدا الذي يستعمل في الإثبات معناه الفرد من العدد وإذا كان مسمى أحد اللفظين غير مسمى الآخر في اللغة وضابط الاشتقاق أن تجد بين اللفظين مناسبة في اللفظ والمعنى ولا يكفي أحدهما تغايراً في الاشتقاق وبهذا يعلم ما هو أحد الذي لا يستعمل إلا في النفي وما هو أحد الذي يصلح للنفي والثبوت بأن تنظر إن وجدت المقصود به إنسان فهو الذي لا يستعمل إلا في النفي وألفه ليست منقلبة عن واو وإن وجدت المقصود به نصف الاثنين من العدد فهو الصالح للإثبات والنفي وألفه منقلبة عن واو اص. إلا أنّ المصنف جعلهما واحداً وجعل التعدّد من عموم النكرة المنفية، وقول النحرير لا يستقيم لا نفرّق بين رسول بدون عطف غير مسلم عنده أيضا، قال قي الانتصاف النكرة الواقعة في سياق النفي تفيد العموم لفظاً عموما شمولياً حتى ينزل المفرد فيها منزلة الجمع في تناوله الآحاد مطابقة لا كما ظنه بعض الأصوليين من أنّ مدلولها بطريق المطابقة في النفي كمدلولها في الإثبات وذلك الدلالة على الماهية وإنما لزم فيها العموم من حيث إن سلب الماهية يستوجب سلب الإفراد لما بين الأعم والأخص من التلازم في جانب النفي إذ سلب الأعم أخص من سلب الأخص فيستلزمه فلو كان لفظها لا إشعار له بالتعدد والعموم وضعا

стр. 668

لما جاز دخول بين عليها وقد ساق هذا على أنه معنى كلام الكشاف وتبعه العلامة في شرحه والمصنف وقد حققنا المقام، بما فيه شفاء الغليل فليكن في خزانة فكرك عدة تدفع بها الأوهام. قوله: (من باب التعجيز والتبكيت الخ) ظاهر الآية أنهم إن آمنوا بدين مثل دين آمنتم به فقد اهتدوا لكن الدين الذي آمنتم به وهو دين الإسلام والتوحيد ليس له مثل فكيف يؤمنون بمثله، فأجاب بأنه من باب التبكيت أي إلزام الخصم فقد فرض أنهم إن حصلوا ديناً مثل دين الإسلام في الصحة فقد اهتدوا لكن من المحال تحصيل مثله فاستحال الاهتداء بغير دين الإسلام فبنى الكلام على الإضافة ليكون أبعث لهم على الاتباع حيث لم يطلب منهم الإيمان بما آمنوا به بل الإيمان بما هو حق وعلى ما ينبغي أيامّاً كان فاذا هجم بهم الفكر على أن ذلك الحق منحصر فيما آمنوا به لم يكن لهم محيص عن الإيمان وعلى هذا يكون آمنوا متعدياً بالباء أو يجري آمنوا مجرى اللازم والباء للاسنعانة والآلة أي إن دخلوا في الإيمان باستعانة شيء دخلتم في الإيمان باستعانته وهو كلمة الشهادة فقد اهتدوا أو مثل زائد كقوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ [سورة الأحقاف، الآية: ١٠] أي عليه، وقراءة ابن عباس وأبيّ ﵃ تدل عليه وقوله كقوله تعالى: ﴿فَأْتُواْ بِسورة مِّن مِّثْلِهِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٣] إشارة إلى أنّ ذكر المثل فيها أيضاً للتعجيز وسلوك الطريق المنصف ومنه يعلم سقوط ما ذكر فيها سابقاً فتذكر. قوله: (وقيل الباء للالة الخ) أي ليست صلة بل هي للاستعانة وآمنوا بمعنى أوجدوا الإيمان الشرعي ودخلوا فيه من غير احتياج إلى تقدير صلة أي فإن دخلوا في الإيمان بواسطة شهادة مثل شهادتكم قولاً واعتقاداً وذلك طريق للإيمان ولا مانع من تعذده كما قيل: الطرق إلى الله تعالى بعدد أنفاس الخلائق وعلى الوجهين ما موصولة عبارة عن الدين أو الشهادة. قوله: (أو مزيدة الخ) أي الباء زائدة وما مصدرية وضمير به دلّه واليه أشار المصنف ﵀ بقوله: إيمانكم وجوّز أن يكون لقوله آمنا بالله الخ بتأويل المذكور أو للقرآن أو لمحمد ﷺ ، أو مثل مقحمة كما في الآية المذكورة وقراءة بما آمنتم به بدون مثل قراءة ابن عباس ﵄ وقراءة بالذي آمنتم به قراءة أبيّ ﵁. قوله: (أي إن أعرضوا الإيمان الخ) فسر التولي بالإعراض! وقد مرّ الفرق بينهما لكن الفرق لا يحتاج إليه وكان بعض مشايخنا ﵀ يقول الألفاظ المتقاربة المعاني إذا اجتمعت افترقت وإذا افترقت اجتمعت وهو منزع لطيف والشقاق والمناواة المخالفة والمعاداة، واختلف في اشتقاق الشقاق فقيل: من الشق بالكسر أي الجانب لأنّ كلاً منهما في جانب غير الذي فيه الآخر واليه أشار المصنف ﵀ وقيل: إنه من المشقة وقيل: ماخوذ من قولهم شق العصا إذا أظهر العداوة. قوله: (تسلية الخ) وجه التسلية فيه ظاهر، وقوله: وتسكين أي تسكين لروعهم ومثبت لهم، وقوله: إمّا من تمام الوعد الخ وإذا كان من تمامه يفيد أنّ ذلك كائن لا محالة لعلمه بما هم عليه وسماعه لما يقولون المقتض له وأخذ تحقق وقوعه من هذا التأكيد مخالفاً للزمخشريّ من أخذه من السين في ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ﴾ حيث قال معنى السين إنّ ذلك كائن لا محالة ولو بعد حين لأنّ السين حرف تنفيس لا دلالة له على التأكيد وقول الشراح في توجيهه أنّ دلالتها على التأكيد من جهة كونها في مقابلة لن الدالة على تأكيد النفي قال سيبويه لن أفعل نفي سأفعل فيه تأمّل. والضميران مفعولان تقول كفاه مؤنته وأو في قوله أو وعيد للتنويع لا للترديد فلا يمتنع حمل الكلام على الوعيد والوعد معاً. قوله: (أي صبننا الله صبنتة الخ) الصبغة كالجلسة مصدر صبغ الثوب ونحوه وهو معروف ولما كان في الصبغ تزيين للمصبوغ ودخول فيه وظهور أثره عليه جاز أن يستعار للفطرة والطبيعة التي خلقهم الله عليها لأنهم يتزينون بها كما يتزين الثوب بصبغه أو للهداية التي هداهم الله بها لذلك أو للإيمان الذي أظهره الله عليهم كما يظهر أثر الصبغ على المصبوغ ويؤيده أنّ العرب سمت الديانات والاتصاف بها صبغة كما قال الشاعر: وكل أناس لهم صبغة وصبغة همدان خيرالصبغ قالوا: وعلى هذه الأقوال هو من الاستعارة التصريحية التحقيقية والقرينة الإضافة إلى الله والجامع

стр. 669

التأثر والظهور والتزين قالوا وهذا أنسب من المشاكلة لأنّ الكلام عام في اليهود والنصارى وتخصيصه بالنصارى لا وجه له، وأجيب بأنّ اختصاص الغمس في المعمودية بالنصارى لا ينافي صحة اعتبار المشاكلة لأنّ ذلك الفعل كائن فيما بينهم في الجملة وهذا يصححه ولكنه لا يقتضي حسته ويدفع التكلف عنه وهو مراد المعترض. قوله: (أو للمشاكلة فإنّ النصارى الخ) هذا راجع إلى الوجه الأخير وهو معنى التطهير لا للوجوه كلها كما قيل فعبر عن التطهير عن درن الشرك بالصبغ مشاكلة فإنّ النصارى كانوا يصبغون أولادهم بماء أصفر يعتقدون أنه تطهير للمولود كالختان (١١ لغيرهم فأطلق الصمبغ على التطهير بالإيمان للمشاكلة فإنّ المشاكلة كما تجري بين القولين تجري بين قول وفعل أيضا كما تقول إذا رأيت شخصاً يغرس أشجاراً أغرس غرس فلان تعني كن كريماً تصطنع الناس تريد حثه على الكرم والخير وان لم يجر ذكر الغرس لأنه مشغول به وعليه اقتصر الزمخشريّ، وقال المعنى تطهيراً لله لأنّ الإيمان يطهر النفوس والأصل فيه أنّ النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية ويقولون هو تطهير لهم وإذا فعل الواحد منهم بولده ذلك قال الآن صار نصرانياً حقا فأمر المسلمون بأن يقولوا لهم قولوا آمنا بالله وصبغنا الله بالإيمان صبغة لا مثل صبغتنا وطهرنا به تطهير الأمثل تطهيرنا أو يقول المسلمون صبغنا الله بالإيمان صبغته ولم نصبغ صبغتكم وإنما جيء بلفظ الصبغة على طريق المشاكلة الخ وقوله: فأمر المسلمون بناء على أن الخطاب للكافرين في قوله: قولوا آمنا، وقوله: أو يقول المسلمون بناء على الوجه الأوّل وهو أنّ الخطاب للمؤمنين والمصنف ﵀ لم يذكر هذا الترديد لأنه لم يجوّز كونه للكافرين كما مرّ، والمعمودية بفتح الميم وسكون العين المهملة وضم الميم الثانية وكسر الدال المهملة وبالياء المثناة التحتية المخففة مر معناه وقال الصولي في شرح ديوان أبي نواس: أنه معرّب مغموذيا بالذال المعجمة ومعناه الطهارة ويراد بها ماء يقدس بما يتلى عليه من الإنجيل ثم تغسل بها الحاملات ا!. قوله: (ونصبها الخ) أي هو مصدر مؤكد لنفسه محذوف عامله وجوبا وليس ناصبه آمناً كما قيل، وقيل: إنه على الإغراء بتقدير الزموا أو عليكم وقيل: بدل من ملة إبراهيم على النصب وإليه ذهب الزجاج والكسائيّ وغيرهما وردّه الزمخشريّ وسيأتي جوابه، وقوله: لا صبغة أحسن من صبغته إشارة إلى أنّ الاستفهام إنكارقي في معنى النفي. قوله: (تعريض بهم الخ) التعريض مستفاد من تقديم نحن المفيد للحصر، وقوله: وهو عطف الخ يعني هذه الجملة معطوفة على جملة آمنا وهو بحسب الظاهر يقتضي كون صيغة الله داخلاً فيها أيضاً لا إغراء ولا بدلاً من ملة إبراهيم لما فيه من تفكيك النظم لتخلل الأجنبيّ على الإغراء بينهما وتوسط ما هو بدل مما قبلها بين أجزائهما، ولذا ردّه الزمخشريّ والمصنف ﵀ أجاب عنه بقوله: ولمن قال الخ أي من قال به من أئمة العربية يحمل قولهم على أنهم قدّروا في هذه الجملة وقولوا نحن له عابدون بقرينة السياق فإنّ ما قبله مقول المؤمنين وتقدير القول سائغ شائع فلا يرد عليه أنه تكلف من غير دليل وهذه الجملة معطوفة على الزموا في صورة الإغراء والتقدير الزموا

стр. 670

صبغة الله، وقولوا: نحن الخ أو على اتبعوا ملة إبراهيم وقولوا آمنا بدل من عامل ملة إبراهيم المقدر أي الزموا أو اتبعوا وصبغة الله بدل من ملة والبدلى من الجملة ليس بأجنبيّ من بدل بعض أجزائها وقال الطيبي ﵀ مراد القاضي أنّ العطف مانع من جعل صيغة الله نصبا على الإغراء فيقدر الزموا صبغة الله وقولوا نحن له عابدون، والحق أنّ كلا من قوله ونحن له مسلمون ونحن له عابدون ونحن له مخلصون اعتراض وتذييل للكلام الذي عقب به مقول على ألسنة العباد بتعليم الله تعالى لا عطف، وتحريره أن قوله: ونحن له مسلمون مناسب لآمنا أي نؤمن بالله وبما أنزل على الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ونستسلم له وننقاد لأوامره ونواهيه، وقوله: ونحن له عابدون ملائم لقوله صبغة الله لأنها دين الله فالمصدر كالفذلكة لما سبق، وقوله: ونحن له مخلصون موافق لقوله: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [صورة القصص، الآية: ٥٥] وهو ترتيب أنيق قال النحرير: فإن قيل نحن لا نجعله عطفا على آمنا بل على فعل الإغراء بتقدير القول أي الزموا صبغة الله وقولوا نحن له عابدون ولو سلم ففيما ذكرتم أيضاً فصل بين المعطوف والمعطوف عليه وكذا بين المؤكد والتأكيد بالأجنبيّ لأنّ قوله فإن آمنوا وقوله: فسيكفيكم الله لا يدخل شيء منهما في حيز قولوا: قلنا لا وجه لارتكاب الإضمار بلا دليل مع ظهور الوجه الصحيح وما ذكر من الفصل وان لم يتعلق بقولوا لفظاً فقد تعلق به معنى فلا فك للنظم وهو الحق الذي لا محيد عنه قيل: وفي عدم فك النظم بالفصل بين المفعول وبدله يبدل الفعل العامل تأمّل. قوله: (في شأنه واصطفائه نبياً من العرب الخ) قيده لدلالة قوله: ما أنزل إلينا سابقاً، وقوله: ومن أظلم ممن كتم الخ لاحقاً وقوله: على كل مذهب يعني من مذهب أهل الحق في أنّ النبوّة بفضل من الله يختص به من يشاء، ومذهب الحكماء من أنها تدرك بالمجاهدة وتصفية الباطن والقاهر من كدر العقائد والأخلاق والذي يشعر بالأوّل قوله ربنا وربكم والذي يشير إلى الثاني الأعمالى وينتحونه بالمهملة بمعنى يقصدونه، وقوله: روي الخ قال السيوطي لم أقف عليه في كتب الحديث. قوله: (أم منقطعة الخ) يعني إن قركأ أم يقولون بياء الغيبة لا تكون أم إلا منقطعة للإضراب عن الخطاب في أتحاجوننا أي بل أتقولون الخ وهو للإنكار بمعنى ما؟ ط ن ينبغي ذلك وان قرئ بالخطاب فيجوز الإضراب والمعنى ما ذكر، ويجوز الاتصال والمراد أيهما يكون بمعنى أنه لا ينبغي ذلك وإلا فالعلم حاصل بثبوت الأمرين، وما ذكروه من الانقطاع على الغيبة ومنع الاتصال حكي عن بعض النحاة جوازه لأنك إذا قلت أتقوم يا زيد أم يقوم عمرو صح الاتصال وقال أبو البقاء: وهو جيد وقيل: إنه إذا لم تكن الغيبة من باب الالتفات كما يقتضيه التوفيق بين القراءتين فإن كان فالقراءتان سواء في الاتصال والانقطاع والحاجة إليه لما سمعته، وقوله: وقد نفى الخ يعني أنّ الله نفى عن إبراهيم ﵊ ما ادعيتموه وما ذكر بعده من إسماعيل واسحق ويعقوب والأسباط أتباعه وعلى ديته فكيف يكونون هوداً أو نصارى. قوله: (يعني شهادة الله تعالى لإبراهيم ﵊ الخ) يريد أنّ الظرفين كلاهما صفة شهادة أي كائنة من الله كائنة عند من كتم بمعنى متحققة له معلوه ت أنها شهادة الله والمعنى لا أظلم من أهل الكتاب لأنهم كتموا الشهادة على التحقيق أولاً أظلم من المسلمين لو كتموها على سبيل الفرض! فالفعل الماضي في الأوّل على أصله وفي الثاني للتعريض بمن تحقق منه الكتمان كما في قوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ﴾ الأولى حمله على الأعم منهما لكن الأوّل قالوا إنه اتفق عليه أهل التفسير وهو المرويّ عن مجاهد وقتادة لكن اختلفوا في المكتوم وهل هو نبوّة محمد ﷺ أو حنيفية إبراهيم ﵊ وأمّا الثاني فلا يعرف، قال أبو حيان ﵀: ولا يناسب المقام وإنما حمله المصنف ﵀ على التعريض لأنه ليس في الكلام تعرض له وقوله من للابتداء ظاهر وجوّز في من الله أن يتعلق بكتم أي كتمها من عباد الله وفيه نظر، وقوله: وقرئ بالياء قيل: إنه لم يوجد في شيء من كتب التفسير والقرا آت وليس كذلك فإنه قرأ بها السلمي وأبو رجاء وابن محيصن كما في اللوامح وهي شاذة خارجة عن الأربعة عشر. قوله: (تكرير الخ) قد مضى هذا النظم بعينه وبيان ما فيه لكنه أشار إلى حكمة تكريره أو أنّ شخص كل بمعنى ليكون تأسيساً والظاهر الأول ولذا قدمه إذ لا قرينة على الثاني. قوله: (الذي خفت أحلامهم الخ) السفه في الأصل مطلق الخفة ويطلق على خفة العقل وهو المراد هنا والأحلام جمع حلم وهو العقل، واستمهنوها بمعنى استذلوها والمراد بهم المنكرون لتغيير القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة أمّا حرصاً على الطعن أو إنكاراً للنسخ، وخبره به قبل وقوعه كما يدل عليه قوله سيقول ليوطن نفسه ويعدّ الجواب له كما في المثل قبل الرمي يراس السهم ونحوه ولأنّ المكروه إذا وقع بعد العلم به لا يكون هائلا كما إذا وقع فجأة وبغتة فإنه أصعب وقيل إنها نزلت بعد تحويل القبلة وقوله: والقبلة الخ، قال الراغب: القبلة في الأصل اسم للحالة التي كان عليها المقابل نحو الجلسة والقعدة، وفي المتعارف اسم للمكان المقابل المتوجه إليه للصلاة والمراد بالمتعارف والعرف عرف اللغة لا عرف الناس حتى يتوهم أنه ليس بلغويّ مع وروده في كلام العرب كقوله:
следующие страницы →