← Тафсир

Тафсир · id 1535

حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي = عناية القاضي وكفاية الراضي

الشهاب الخفاجي

Полный текст (3 156 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

من يعمل بها " (١ " قلت) قيل إنه منسوخ بقوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [سورة النجم، الآية: ٣٩] ونقل عن ابن عباس ﵄، وقيل: إنه من طريق لعدل وأمّا من طريق الفضل فقد يثاب كما يؤاخذ بالسبب وقال المصنف ﵀: في غير هذا الموضعكما لا يؤاخذ بذنب الغير لا يثاب بفعله وما في الأخبار إنّ الصدقة والحج ينفعان الميت فلكون الناوي كالنائب عنه وكلامه هنا يشير إليه وسيأتي تحقيقه في محله. قوله: (لا يأتيني الناس بأعمالهم الخ) ، قال العراقيّ ﵀: لم أقف عليه، وقال السيوطيّ: خرجه ابن أبي حاتم من مرسل الحكم بن مينا أنّ رسول الله ﷺ قال: " يا معشر قريش إنّ أولى الناس بالنبئ ﷺ المتقون فكونوا أمماً بسبيل من ذلك فانظروا أن لا يلقاني الناس يحملون الآعمال وتلقوني بالدنيا تحملونها فأصد عنكم بوجهي " وهذا بمعناه قال النحرير رواه الجمهور ياتيني بالتخفيف فهو خبر في معنى النهي كما تقول النهي كما تقول تذهب إلى فلان تقول له كذا وتأتوني منصوب على أنّ الواو للصرف والنون للوقاية وقد حذفت نون الإعراب أي لا يكن من الناس الإتيان بالأعمال ومنكم بالأنساب وأمّا على رواية التشديد فهو صريح نهي، وقوله: الضمير الغائب هو بمعنى ضمير الغائب ومرّ ما في الآية من اللف والنشر وقوله: نكون الخ وقيل: إنه منصوب على الإغراء أي الزموا مفة إبراهيم وقيل: منصوب بنزع الخافض أي يقتدي بملة إبراهيم. قوله: (ولا تسألون عما كانوا يعملون الخ) إن أجرى السؤال على ظاهره فالجملة حالية مقرّرة لمضمون ما قبلها وان أريد به سببه أعني الجزاء فهو تذييل لتتميم ما قبله والجملة مستأنفة أو معترضة والمراد تخييب المخاطبين وقطع أطماعهم من الانتفاع بحسنات من مضى منهم وإنما أطلق العمل لإثبات الحكم بالطريق البرهاني في ضمن قضية كلية، وقيل: إنّ ما ذكره لا يليق بشأن التنزيل يكف لا وهم منزهون عن كسب السيئات فمن أين يتصوّر تحميلها على غيرهم حتى يتصدى لبيان انتفاعه وقد علم مما مر سقوطه فإنّ المقصود سوقها بطريق كليّ برهانيّ فكيف يتوهم ما ذكره. قوله: (مائلاَ عن الباطل إلى الحق الخ) أصل معنى الحنف الميل في الرجل وأطلق على الدين الحق المائل عن الباطل وهو حال إن كان من ملة فتذكيره لتأوبلها بالدين أو لكون فعيل يستوي فيه المذكر والمؤنث وهذا إذا كان المقدّر نتبع ظاهر وأما إذا كان المقدر نكون ففي مجيء الحال من خبرها وخبر المبتدأ تردّد وأمّ إذا جعل حالاً من المضاف إليه فيجوز بناء على ما ارتضوه من أنه دجوز في ثلاث صور إذا كان المضاف مشتقاً عاملاً أو جزءاً أو بمنزلة الجزء في صحة حذفه كما هنا فإنه يصح اتبعوا إبراهيم بمعنى اتبعوا ملته فيتحد عامل الحال وذوها حقيقة أو حكماً ولذا مثله بقوله ما في صدورهم لأنّ الصدور بعض وهذا مشبه به، وقوله: وما كان من المشركين اعتراض أو معطوف على الحال للتعريض المذكور وحينئذ فهي حال من المضاف إليه إلا أن يقدّر وما كان دين المشركين وهو تكلف. قوله:) الخطاب للمؤمنين الخ) ردّ على الزمخشريّ، إذ جوّز أن يكون للكافرين فإنّ قوله فإن آمنوا الخ يقتضي خلافه فيحتاج إلى تأوبله بأنه داخل في مقول قل أي وقل لهم قولوا ويكون قوله وما أنزل إلينا وارداً على عبارة الآمر دون المأمور كأنهم أمروا بأن يقولوا هذا المعنى على وجه يليق بهم وهو أن يقولوا وما أنزل إليكم أيها المؤمنون أو إشارة إلى أنهم من أمّة الدعوة وقد أنزل الكتاب إليهم أيضاً لكان المناسب أن يقدر فيما مر كونوا ملة إبراهيم وكله تكلف، وقوله: لأنه أوّل بالإضافة إلينا أي لم يصل إلى المؤمنين عمله وخبره إلا بعد وصول القرآن، أو لأنّ الإيمان بالقرآن سبب للإيمان به والسبب مرتبته التقدم ثم أوّل نزول صحف إبراهيم ﵊ عليهم باتباعهم كما في نزول القرآن على أمّة محمد ﷺ ، والأسباط جمع سبط كأحمال وحمل وهو في بني إسرائيل كالقبائل فينا وهو من السبوطة وهي الاسترسال وقيل: إنه مقلوب من البسط، قال الحلبي: وقيل للحسنين سبطا رسول الله ﷺ لا صشار ذرّيتهما ثم قيل: لكل ابن بنت سبط وكذا قيل: له حفيد أيضاً والحفدة والحفد جمع الحافد والحفيد ولد الولد وبه فسر أوّلاً وثانياً بالأولاد وذريتهم، وذراري يجوز فيه تشديد الياء وتخفيفها كأثافي وأثافيّ

стр. 667

وأواقي وأواقيّ وكذا كل جمع في آخره ياء مشدّدة ذكر الكرماني في شرح البخاري، وقوله: وهي وان الخ قد أسلفنا لك تصحيح هذا التركيب فلا تلتفت إلى ما قيل: إنه تركيب مختل لخلو هي المبتدأ عن الخبر ولما عن الجواب فلو حذف وإن وقوله فهي لكان هو الصواب ولما هنا ظرف بمعنى حين فتذكر. قوله: (أفردهما بحكم أبلغ الخ) المراد أنه أفرد موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام مع دخولهما في الأسباط بالحكم الأبلغ وهو الإيتاء وهو أبلغ من الإنزال لأنك تقول أنزلت الدلو في البئر ولا تقول آتيتها إياه لدلالة الإيتاء على الإعطاء الذي فيه شبه التمليك والتفويض ووجه مغايرته لما سبق من وجوه عديدة ككونهما كتابين عظيمين لم ينزل مثلهما وككثرة ما اشتملا عليه من الأحكام وغيرها وكوقوع التبشير بنبينا ﷺ فيهما، فإن قلت كيف يكون الحكم المنفردان به هو الإيتاء وقد قيل: بعده وما أوتي النبيون، قلت المنفردان به هو إسناد الإيتاء إليهما على التعيين وقوله: جملة المذكورين في نسخة جملة بالتنوين والمذكورون بالرفع والمعنى واحد وقوله: منزلاً عليهم من ربهم يحتمل أنه بيان لتعلقه بأوتي لأنه بمعنى أنزل أو أنه حال متعلقه ما ذكر، وقيل: إنه خبر ما وقوله: فنؤمن بالنصب في جواب النفي. قوله: (وأحد لوقوعه في سياق النفي عامّ الخ) الذي في الكشاف أنّ أحدا في معنى الجماعة لأنه اسم يصلح لمن يخاطب يستوي فيه المفرد والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث ويثترط أن يكون استعماله مع كلمة كل أو في كلام غير موجب نص على ذلك أبو عليّ وغيره من أئمة العربية وهذا غير الأحد الذي هو بمعنى أوّل في مثل: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فإنّ همزته من واو من الوحدة فلا يمكن أن يشمل الكثير لمنافاته لوضعه وهمزة هذا أصلية وليس من الوحدة لإطلاقه على غير الواحد حقيقة واعتبار وحدة نوعية وغيرها ينافي كونهم صرحوا بأنه معنى حقيقيّ له وليس كونه في معنى الجماعة من جهة كونه نكرة في سياق النفي على ما سبق لبعض الأوهام، ألا ترى أنه لا يستقيم لا نفرّق بين رسول من الرسل إلا بتقدير عطف أي رسول ورسول ولستن كأحد من النساء ليس في معنى كامرأة كذا قال النحرير معترضاً على المصنف ومن تابعه وعليه جملة أرباب الحواشي وبه اتضح وجه القول بأنّ الهمزة في هذا أصلية وفي الآخر بدل من الواو فإنه خفي على كثيرين وكان المصنف ﵀ لذلك جعله بمعنى واحد فلا ة مكن تعدده إلا باعتبار عه ومه في النفي، قال القرافيّ في الدر المنظوم: قال النحاة إذا قلت خذ أحد هذين فألفه منقلبة عن واو ويستعمل في الإثبات، وإذا قلت ما جاءني أحد فالفه ليست منقلبة عن واو ولا يجوز استعماله في الإثبات يعني إلا مع كل ويشكل بأن اللفظ صورتهما واحدة ولفظ الوحدة تتناولهما والواو فيها أصلية فيلزم قطعاً انقلاب الألف عنها وأن يكوّنا مشتقين من الوحدة وأمّا جعل أحدهما مشتقا منها دون الآخرة فترجيح من غير مرجح وقد أشكل هذا على كثير من الفضلاء حتى أطلعني الله على جوابه وهو أنّ أحدا الذي لا يستعمل إلا في النفي معناه إنسان بإجماع أهل اللغة واحدا الذي يستعمل في الإثبات معناه الفرد من العدد وإذا كان مسمى أحد اللفظين غير مسمى الآخر في اللغة وضابط الاشتقاق أن تجد بين اللفظين مناسبة في اللفظ والمعنى ولا يكفي أحدهما تغايراً في الاشتقاق وبهذا يعلم ما هو أحد الذي لا يستعمل إلا في النفي وما هو أحد الذي يصلح للنفي والثبوت بأن تنظر إن وجدت المقصود به إنسان فهو الذي لا يستعمل إلا في النفي وألفه ليست منقلبة عن واو وإن وجدت المقصود به نصف الاثنين من العدد فهو الصالح للإثبات والنفي وألفه منقلبة عن واو اص. إلا أنّ المصنف جعلهما واحداً وجعل التعدّد من عموم النكرة المنفية، وقول النحرير لا يستقيم لا نفرّق بين رسول بدون عطف غير مسلم عنده أيضا، قال قي الانتصاف النكرة الواقعة في سياق النفي تفيد العموم لفظاً عموما شمولياً حتى ينزل المفرد فيها منزلة الجمع في تناوله الآحاد مطابقة لا كما ظنه بعض الأصوليين من أنّ مدلولها بطريق المطابقة في النفي كمدلولها في الإثبات وذلك الدلالة على الماهية وإنما لزم فيها العموم من حيث إن سلب الماهية يستوجب سلب الإفراد لما بين الأعم والأخص من التلازم في جانب النفي إذ سلب الأعم أخص من سلب الأخص فيستلزمه فلو كان لفظها لا إشعار له بالتعدد والعموم وضعا

стр. 668

لما جاز دخول بين عليها وقد ساق هذا على أنه معنى كلام الكشاف وتبعه العلامة في شرحه والمصنف وقد حققنا المقام، بما فيه شفاء الغليل فليكن في خزانة فكرك عدة تدفع بها الأوهام. قوله: (من باب التعجيز والتبكيت الخ) ظاهر الآية أنهم إن آمنوا بدين مثل دين آمنتم به فقد اهتدوا لكن الدين الذي آمنتم به وهو دين الإسلام والتوحيد ليس له مثل فكيف يؤمنون بمثله، فأجاب بأنه من باب التبكيت أي إلزام الخصم فقد فرض أنهم إن حصلوا ديناً مثل دين الإسلام في الصحة فقد اهتدوا لكن من المحال تحصيل مثله فاستحال الاهتداء بغير دين الإسلام فبنى الكلام على الإضافة ليكون أبعث لهم على الاتباع حيث لم يطلب منهم الإيمان بما آمنوا به بل الإيمان بما هو حق وعلى ما ينبغي أيامّاً كان فاذا هجم بهم الفكر على أن ذلك الحق منحصر فيما آمنوا به لم يكن لهم محيص عن الإيمان وعلى هذا يكون آمنوا متعدياً بالباء أو يجري آمنوا مجرى اللازم والباء للاسنعانة والآلة أي إن دخلوا في الإيمان باستعانة شيء دخلتم في الإيمان باستعانته وهو كلمة الشهادة فقد اهتدوا أو مثل زائد كقوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ [سورة الأحقاف، الآية: ١٠] أي عليه، وقراءة ابن عباس وأبيّ ﵃ تدل عليه وقوله كقوله تعالى: ﴿فَأْتُواْ بِسورة مِّن مِّثْلِهِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٣] إشارة إلى أنّ ذكر المثل فيها أيضاً للتعجيز وسلوك الطريق المنصف ومنه يعلم سقوط ما ذكر فيها سابقاً فتذكر. قوله: (وقيل الباء للالة الخ) أي ليست صلة بل هي للاستعانة وآمنوا بمعنى أوجدوا الإيمان الشرعي ودخلوا فيه من غير احتياج إلى تقدير صلة أي فإن دخلوا في الإيمان بواسطة شهادة مثل شهادتكم قولاً واعتقاداً وذلك طريق للإيمان ولا مانع من تعذده كما قيل: الطرق إلى الله تعالى بعدد أنفاس الخلائق وعلى الوجهين ما موصولة عبارة عن الدين أو الشهادة. قوله: (أو مزيدة الخ) أي الباء زائدة وما مصدرية وضمير به دلّه واليه أشار المصنف ﵀ بقوله: إيمانكم وجوّز أن يكون لقوله آمنا بالله الخ بتأويل المذكور أو للقرآن أو لمحمد ﷺ ، أو مثل مقحمة كما في الآية المذكورة وقراءة بما آمنتم به بدون مثل قراءة ابن عباس ﵄ وقراءة بالذي آمنتم به قراءة أبيّ ﵁. قوله: (أي إن أعرضوا الإيمان الخ) فسر التولي بالإعراض! وقد مرّ الفرق بينهما لكن الفرق لا يحتاج إليه وكان بعض مشايخنا ﵀ يقول الألفاظ المتقاربة المعاني إذا اجتمعت افترقت وإذا افترقت اجتمعت وهو منزع لطيف والشقاق والمناواة المخالفة والمعاداة، واختلف في اشتقاق الشقاق فقيل: من الشق بالكسر أي الجانب لأنّ كلاً منهما في جانب غير الذي فيه الآخر واليه أشار المصنف ﵀ وقيل: إنه من المشقة وقيل: ماخوذ من قولهم شق العصا إذا أظهر العداوة. قوله: (تسلية الخ) وجه التسلية فيه ظاهر، وقوله: وتسكين أي تسكين لروعهم ومثبت لهم، وقوله: إمّا من تمام الوعد الخ وإذا كان من تمامه يفيد أنّ ذلك كائن لا محالة لعلمه بما هم عليه وسماعه لما يقولون المقتض له وأخذ تحقق وقوعه من هذا التأكيد مخالفاً للزمخشريّ من أخذه من السين في ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ﴾ حيث قال معنى السين إنّ ذلك كائن لا محالة ولو بعد حين لأنّ السين حرف تنفيس لا دلالة له على التأكيد وقول الشراح في توجيهه أنّ دلالتها على التأكيد من جهة كونها في مقابلة لن الدالة على تأكيد النفي قال سيبويه لن أفعل نفي سأفعل فيه تأمّل. والضميران مفعولان تقول كفاه مؤنته وأو في قوله أو وعيد للتنويع لا للترديد فلا يمتنع حمل الكلام على الوعيد والوعد معاً. قوله: (أي صبننا الله صبنتة الخ) الصبغة كالجلسة مصدر صبغ الثوب ونحوه وهو معروف ولما كان في الصبغ تزيين للمصبوغ ودخول فيه وظهور أثره عليه جاز أن يستعار للفطرة والطبيعة التي خلقهم الله عليها لأنهم يتزينون بها كما يتزين الثوب بصبغه أو للهداية التي هداهم الله بها لذلك أو للإيمان الذي أظهره الله عليهم كما يظهر أثر الصبغ على المصبوغ ويؤيده أنّ العرب سمت الديانات والاتصاف بها صبغة كما قال الشاعر: وكل أناس لهم صبغة وصبغة همدان خيرالصبغ قالوا: وعلى هذه الأقوال هو من الاستعارة التصريحية التحقيقية والقرينة الإضافة إلى الله والجامع

стр. 669

التأثر والظهور والتزين قالوا وهذا أنسب من المشاكلة لأنّ الكلام عام في اليهود والنصارى وتخصيصه بالنصارى لا وجه له، وأجيب بأنّ اختصاص الغمس في المعمودية بالنصارى لا ينافي صحة اعتبار المشاكلة لأنّ ذلك الفعل كائن فيما بينهم في الجملة وهذا يصححه ولكنه لا يقتضي حسته ويدفع التكلف عنه وهو مراد المعترض. قوله: (أو للمشاكلة فإنّ النصارى الخ) هذا راجع إلى الوجه الأخير وهو معنى التطهير لا للوجوه كلها كما قيل فعبر عن التطهير عن درن الشرك بالصبغ مشاكلة فإنّ النصارى كانوا يصبغون أولادهم بماء أصفر يعتقدون أنه تطهير للمولود كالختان (١١ لغيرهم فأطلق الصمبغ على التطهير بالإيمان للمشاكلة فإنّ المشاكلة كما تجري بين القولين تجري بين قول وفعل أيضا كما تقول إذا رأيت شخصاً يغرس أشجاراً أغرس غرس فلان تعني كن كريماً تصطنع الناس تريد حثه على الكرم والخير وان لم يجر ذكر الغرس لأنه مشغول به وعليه اقتصر الزمخشريّ، وقال المعنى تطهيراً لله لأنّ الإيمان يطهر النفوس والأصل فيه أنّ النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية ويقولون هو تطهير لهم وإذا فعل الواحد منهم بولده ذلك قال الآن صار نصرانياً حقا فأمر المسلمون بأن يقولوا لهم قولوا آمنا بالله وصبغنا الله بالإيمان صبغة لا مثل صبغتنا وطهرنا به تطهير الأمثل تطهيرنا أو يقول المسلمون صبغنا الله بالإيمان صبغته ولم نصبغ صبغتكم وإنما جيء بلفظ الصبغة على طريق المشاكلة الخ وقوله: فأمر المسلمون بناء على أن الخطاب للكافرين في قوله: قولوا آمنا، وقوله: أو يقول المسلمون بناء على الوجه الأوّل وهو أنّ الخطاب للمؤمنين والمصنف ﵀ لم يذكر هذا الترديد لأنه لم يجوّز كونه للكافرين كما مرّ، والمعمودية بفتح الميم وسكون العين المهملة وضم الميم الثانية وكسر الدال المهملة وبالياء المثناة التحتية المخففة مر معناه وقال الصولي في شرح ديوان أبي نواس: أنه معرّب مغموذيا بالذال المعجمة ومعناه الطهارة ويراد بها ماء يقدس بما يتلى عليه من الإنجيل ثم تغسل بها الحاملات ا!. قوله: (ونصبها الخ) أي هو مصدر مؤكد لنفسه محذوف عامله وجوبا وليس ناصبه آمناً كما قيل، وقيل: إنه على الإغراء بتقدير الزموا أو عليكم وقيل: بدل من ملة إبراهيم على النصب وإليه ذهب الزجاج والكسائيّ وغيرهما وردّه الزمخشريّ وسيأتي جوابه، وقوله: لا صبغة أحسن من صبغته إشارة إلى أنّ الاستفهام إنكارقي في معنى النفي. قوله: (تعريض بهم الخ) التعريض مستفاد من تقديم نحن المفيد للحصر، وقوله: وهو عطف الخ يعني هذه الجملة معطوفة على جملة آمنا وهو بحسب الظاهر يقتضي كون صيغة الله داخلاً فيها أيضاً لا إغراء ولا بدلاً من ملة إبراهيم لما فيه من تفكيك النظم لتخلل الأجنبيّ على الإغراء بينهما وتوسط ما هو بدل مما قبلها بين أجزائهما، ولذا ردّه الزمخشريّ والمصنف ﵀ أجاب عنه بقوله: ولمن قال الخ أي من قال به من أئمة العربية يحمل قولهم على أنهم قدّروا في هذه الجملة وقولوا نحن له عابدون بقرينة السياق فإنّ ما قبله مقول المؤمنين وتقدير القول سائغ شائع فلا يرد عليه أنه تكلف من غير دليل وهذه الجملة معطوفة على الزموا في صورة الإغراء والتقدير الزموا

стр. 670

صبغة الله، وقولوا: نحن الخ أو على اتبعوا ملة إبراهيم وقولوا آمنا بدل من عامل ملة إبراهيم المقدر أي الزموا أو اتبعوا وصبغة الله بدل من ملة والبدلى من الجملة ليس بأجنبيّ من بدل بعض أجزائها وقال الطيبي ﵀ مراد القاضي أنّ العطف مانع من جعل صيغة الله نصبا على الإغراء فيقدر الزموا صبغة الله وقولوا نحن له عابدون، والحق أنّ كلا من قوله ونحن له مسلمون ونحن له عابدون ونحن له مخلصون اعتراض وتذييل للكلام الذي عقب به مقول على ألسنة العباد بتعليم الله تعالى لا عطف، وتحريره أن قوله: ونحن له مسلمون مناسب لآمنا أي نؤمن بالله وبما أنزل على الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ونستسلم له وننقاد لأوامره ونواهيه، وقوله: ونحن له عابدون ملائم لقوله صبغة الله لأنها دين الله فالمصدر كالفذلكة لما سبق، وقوله: ونحن له مخلصون موافق لقوله: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [صورة القصص، الآية: ٥٥] وهو ترتيب أنيق قال النحرير: فإن قيل نحن لا نجعله عطفا على آمنا بل على فعل الإغراء بتقدير القول أي الزموا صبغة الله وقولوا نحن له عابدون ولو سلم ففيما ذكرتم أيضاً فصل بين المعطوف والمعطوف عليه وكذا بين المؤكد والتأكيد بالأجنبيّ لأنّ قوله فإن آمنوا وقوله: فسيكفيكم الله لا يدخل شيء منهما في حيز قولوا: قلنا لا وجه لارتكاب الإضمار بلا دليل مع ظهور الوجه الصحيح وما ذكر من الفصل وان لم يتعلق بقولوا لفظاً فقد تعلق به معنى فلا فك للنظم وهو الحق الذي لا محيد عنه قيل: وفي عدم فك النظم بالفصل بين المفعول وبدله يبدل الفعل العامل تأمّل. قوله: (في شأنه واصطفائه نبياً من العرب الخ) قيده لدلالة قوله: ما أنزل إلينا سابقاً، وقوله: ومن أظلم ممن كتم الخ لاحقاً وقوله: على كل مذهب يعني من مذهب أهل الحق في أنّ النبوّة بفضل من الله يختص به من يشاء، ومذهب الحكماء من أنها تدرك بالمجاهدة وتصفية الباطن والقاهر من كدر العقائد والأخلاق والذي يشعر بالأوّل قوله ربنا وربكم والذي يشير إلى الثاني الأعمالى وينتحونه بالمهملة بمعنى يقصدونه، وقوله: روي الخ قال السيوطي لم أقف عليه في كتب الحديث. قوله: (أم منقطعة الخ) يعني إن قركأ أم يقولون بياء الغيبة لا تكون أم إلا منقطعة للإضراب عن الخطاب في أتحاجوننا أي بل أتقولون الخ وهو للإنكار بمعنى ما؟ ط ن ينبغي ذلك وان قرئ بالخطاب فيجوز الإضراب والمعنى ما ذكر، ويجوز الاتصال والمراد أيهما يكون بمعنى أنه لا ينبغي ذلك وإلا فالعلم حاصل بثبوت الأمرين، وما ذكروه من الانقطاع على الغيبة ومنع الاتصال حكي عن بعض النحاة جوازه لأنك إذا قلت أتقوم يا زيد أم يقوم عمرو صح الاتصال وقال أبو البقاء: وهو جيد وقيل: إنه إذا لم تكن الغيبة من باب الالتفات كما يقتضيه التوفيق بين القراءتين فإن كان فالقراءتان سواء في الاتصال والانقطاع والحاجة إليه لما سمعته، وقوله: وقد نفى الخ يعني أنّ الله نفى عن إبراهيم ﵊ ما ادعيتموه وما ذكر بعده من إسماعيل واسحق ويعقوب والأسباط أتباعه وعلى ديته فكيف يكونون هوداً أو نصارى. قوله: (يعني شهادة الله تعالى لإبراهيم ﵊ الخ) يريد أنّ الظرفين كلاهما صفة شهادة أي كائنة من الله كائنة عند من كتم بمعنى متحققة له معلوه ت أنها شهادة الله والمعنى لا أظلم من أهل الكتاب لأنهم كتموا الشهادة على التحقيق أولاً أظلم من المسلمين لو كتموها على سبيل الفرض! فالفعل الماضي في الأوّل على أصله وفي الثاني للتعريض بمن تحقق منه الكتمان كما في قوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ﴾ الأولى حمله على الأعم منهما لكن الأوّل قالوا إنه اتفق عليه أهل التفسير وهو المرويّ عن مجاهد وقتادة لكن اختلفوا في المكتوم وهل هو نبوّة محمد ﷺ أو حنيفية إبراهيم ﵊ وأمّا الثاني فلا يعرف، قال أبو حيان ﵀: ولا يناسب المقام وإنما حمله المصنف ﵀ على التعريض لأنه ليس في الكلام تعرض له وقوله من للابتداء ظاهر وجوّز في من الله أن يتعلق بكتم أي كتمها من عباد الله وفيه نظر، وقوله: وقرئ بالياء قيل: إنه لم يوجد في شيء من كتب التفسير والقرا آت وليس كذلك فإنه قرأ بها السلمي وأبو رجاء وابن محيصن كما في اللوامح وهي شاذة خارجة عن الأربعة عشر. قوله: (تكرير الخ) قد مضى هذا النظم بعينه وبيان ما فيه لكنه أشار إلى حكمة تكريره أو أنّ شخص كل بمعنى ليكون تأسيساً والظاهر الأول ولذا قدمه إذ لا قرينة على الثاني. قوله: (الذي خفت أحلامهم الخ) السفه في الأصل مطلق الخفة ويطلق على خفة العقل وهو المراد هنا والأحلام جمع حلم وهو العقل، واستمهنوها بمعنى استذلوها والمراد بهم المنكرون لتغيير القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة أمّا حرصاً على الطعن أو إنكاراً للنسخ، وخبره به قبل وقوعه كما يدل عليه قوله سيقول ليوطن نفسه ويعدّ الجواب له كما في المثل قبل الرمي يراس السهم ونحوه ولأنّ المكروه إذا وقع بعد العلم به لا يكون هائلا كما إذا وقع فجأة وبغتة فإنه أصعب وقيل إنها نزلت بعد تحويل القبلة وقوله: والقبلة الخ، قال الراغب: القبلة في الأصل اسم للحالة التي كان عليها المقابل نحو الجلسة والقعدة، وفي المتعارف اسم للمكان المقابل المتوجه إليه للصلاة والمراد بالمتعارف والعرف عرف اللغة لا عرف الناس حتى يتوهم أنه ليس بلغويّ مع وروده في كلام العرب كقوله:

стр. 671

أليس أوّل من صلى لقبلتكم كما مرّ والمتوجه بفتح الجيم قيل: وأطلق ذلك عليها إشارة إلى أنّ المكان ليس بمقصود بالذات بل الحالة الحاصلة من التوجه إليه وقوله: لا يختص! به مكان الخ إشارة إلى أنّ المشرق والمغرب عبارة عن جميع الأمكنة، والارتسام بمعنى الامتثال. قوله: (وهو ما ترتضيه الحكمة وتقتضيه المصلحة من التوجه الخ) عدل عن قول الكشاف توجيه لأنه مبنيّ على الاعتزال، وبدل قوله من التوجيه إلى التوجه لاحتياجه إلى التوجيه على ما بين في شروحه فالمراد بالصراط المستقيم ما أراده الله وهو التوجه إلى بيت المقدس ثم التوجه إلى الكعبة شرفها الله تعالى. قوله: (وكذلك إشارة إلى مفهوم الآية المتقدّمه الخ) فالمشبه به كونهم مهديين إلى الصراط المستقيم أو جعل قبلتهم أفضل القبل والمشبه جعلهم خيارا قيل: وفي فهم أفضلية قبلتنا من الآية المتقدمة تأمّل إذ مثلية الحكم الناسخ جائزة، ولا يخفى أنه مفهوم من التشبيه لأنّ معناه جعلناكم خياراً مفضلين كقبلتكم وهو يقتضي ذلك بالفحوى فتأمّل. ثم إنه خالف الزمخشريّ في قوله وكذلك ومثل ذلك الجعل العجيب ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ قيل: لما فيه من التكلف وارتكاب إقحام بلا فائدة وفوات الارتباط بما قبله بخلاف ما اختاره وهو من قلة التدبر كما سترى، قال النحرير: يرد أنّ ذلك إشارة إلى مصدر الفعل المذكور بعده لا إلى جعل آخر يقصد تشبيه هذا الجعل به كما يتوهم من أنّ المعنى ومثل جعل الكعبة قبلة ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ وإذا تحققته فالكاف مفحم إقحاما كاللازم لا يكادون يتركونه في لغة العرب وغيرهم هكذا ينبغي أن يفهم هذا المقام وتبع فيه العلامة حيث قال: يريد أنّ الكاف منصوب المحل على المصدر وهو إشارة إلى جعل القبلة أي كما جعلنا قبلتكم أفضل قبلة جعلناكم أمّة وسطا، وكنا نقول وقت سماع هذا الكتاب ذلك إشارة إلى التحويل، فقال الأستاذ ﵀: لا بل هو إشارة إلى الجعل الذي اشتمل عليه قوله: جعلناكم أمّة أي جعلناكم أمّة وسطا مثل هذا الجعل العجيب ويرد عليه أنه تشبيه الشيء بنفسه لكنا نقول بالفاوسية همجنين كرديم وهمجنين ميكنيم واين اشارتست باين فعل وكأنه لا يتسنه وسيرد عليك أمثال هذا وفي الكشف يريد أنه لم يشر به إلى سابق بل إلى الجعل المدلول عليه بجعلناكم وجيء بما يدل على البعد تفخيما وأصله جعلناكم أمّة وسطا مثل هذا الجعل أي جعلاَ عجيباً كما تشاهدونه والكاف مقحم للمبالغة وهذا إقحام مطرد في كلام العرب والعجم لا تكاد تسمع غيره وهو في القرآن كثير وهذا هو الوجه، وقال الطيبي في قوله: كذلك قال الذين من قبلهم أي جرت عادة الناس على ما شوهد من هؤلاء وقد كنت مع تحقق أنّ هذا هو الحق ومقتضى البلاغة برهة ألتمس ما يميط عنه لثام الشبهة إلا أني مع كثرة ما أرفرف عليه لم أجد ما يفصح عنه ويبرد غلة الصدر فيه حتى انكشف لي الغطاء عقلا ونقلا وتقريره أنّ الشريف قدس سرّه، قال في شرح المفتاح: ليس المقصود من التشبيهات هي المعاني الوضعية فقط إذ تشبيهات البلغاء قلما تخلو من مجازات وكنايات فنقول: إنا رأيناهم يستعملون كذا وكذا للاستمرار تارة نحو عدل عمر في قضية فلان كذا وهكذا أي عدل مستمرّ قال الحماسيّ: هكذايذهب الزمان ويفنى الى صلم فيه ويدرس الأثر ونص عليه التبريزي في شرح الحماسة وله شواهد كثيرة وقال في شرح قول أبي تمام: كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر إنه للتهويل والتعظيم وهو في صدر القصيدة لم يسبق له ما يشبه به والإشارة كالضمير ترجع إلى المتأخر فتفيد التعظيم للتفسير بعد الإبهام فتجعل كناية عن ذلك وأن أمر عظيم مقرّر فالمراد في هذا ونحوه إنا جعلناكم جعلاً عجيباً بديعا هكذا وليست الكاف فيه زائدة كما يوهمه كلامهم لكنه قطع النظر فيه عن التشبيه واستعمل في لازم معناه فإن أريد بالإقحام هذا فمسلم ثم رأيت الوفلر عاصم بن أيوب قال في شرح قول زهير: كذلك خيمهم ولكل قوم إذا مستهم الضراء خيم قال: قال الجرجاني: تفسير لفظة كذلك أنها تشبيه إمّا لخبر مقدّم وامّا لخبر متأخر وهي نقيض كلا لأنّ كلا

стр. 672

تنفي وكذلك تثبت ومثله قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [سورة الحجر، الآية: ٢ ا] فمعنى البيت أنّ هرماً وآباءه ثبت لهم حسن الخلق في دفع الملمات إذا نزلت بقومهم وإن كانت الأخلاق تتغير عند نزول الشدائد وحلول العظائم اهـ. فعليك بالعض على هذا بالنواجذ فإنه من بدائع هذا الكتاب وروائعه، والحمد لله الموفق للصواب، وقد ذكر مثله عن ابن الأنباري ﵀ ومما يدل عليه دلالة ظاهرة قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٨ ا] فلو كان كذلك للتشبيه لم يصرّح بعده بمثل، ولا حاجة لما ذكر في توجيهه. قوله: (أي خبارا الخ) الخيار جمع خير وهم خلاف الأشرار وقد يكون الخيار اسما من الاختي ار وأمّا الخيار لنوع من القثاء فمولد وظاهره كالكشاف أنّ الوسط يكون بمعنى الخير مطلقاً كما قالوا خير الأمور الوسط والتحقيق ما قاله السهيليّ في الروض أنّ الوسط وصف مدح في مقامين في النسب لأنّ أوسط القبيلة أعرقها وصميمها فهو أجدر أن لا تضاف إليه الدعوة وفي الشهادة كما هنا وهو غاية العدالة كأنه ميزان لا يميل مع أحد وظن قوم أنّ الأوسط الأفضل على الإطلاق، وفسروا الصلاة الوسطى بالفضلى وليس كذلك بل هو لا مدح ولا ذمّ كما يقتضيه لفظ التوسط غير أنهم قالوا أثقل من مغن وسط على الذمّ لأنه كما قال الجاحظ يختم على القلب ويأخذ بالأنفاس لأنه ليس بجيد فيطرب ولا برديء فيضحك وقالوا أخو الدون الوسط وقوله أوعد ولا قد عرفت وجه إطلاقه عليه أنه لا يميل إلى طرف، ومزكين بفتح الكاف المشذدة جمع مزكى كمصطفين، وقوله: بالعلم لأنه الخصال المحمودة وهما أساسها وهو في الأصل المكان الذي تستوي المساحة من جوانبه وهي قياس الأرض، ثم استعير للخصال المحمودة لأنها على ما ذكر في الأخلاق لكل مضها طرفان مذمومان بالإفراط والتفريط وما بينهما هو المحمود كما ذكره ثم أطلق الحال على المحل واستوى فيه الواحد وغيره لأنه بحسب الأصل جامد لا تعتبر مطابقته، وقد يراعي فيه ذلك والتهوّر الوقوع في الشيء بقلة مبالاة من إنها بمعنى وقع. قوله: (واستدلّ به على أنّ الإجماع الخ (لأنّ الله تعالى شهد بعدالتهم وقبول شهادتهم ولا يمكن أن يكون ذلك بالنسبة إلى كل فرد فبقي ذلك في اجتماعهم لقوله ع! يرو: " لا تجتمع أقتي على الضلالة " والكلام عليه في الأصول، وانثلصت بمعنى اختلت من الثلم. قوله: (علة للجعل (أدرج فيه العلم لأنّ الشهادة لا تكون إلا عن علم إمّا بالمشاهدة أو بالسماع والاستفاضة وعمومها للمعاصرين وغيرهم لعموم الناس. قوله: (روي الخ) هذا الحديث رواه البخاريّ والترمذيّ، وقوله وهذه الشهادة الخ جواب عما يقال إنّ التعدّي بعلى للمضرّة وشهادتهم على الناس ظاهرة وأمّا شهادة الرسول يكتون فهي لهم لأنها تزكية نافعة فأجاب بأنه ضمن معنى الرقيب المهيمن لأنّ المزكي مراقب لأحوالهم مقيد بمعرفتها، ويصح أن يكون لمشاكلة ما قبله. قوله: (وقدّمت الصلة الخ) يعني عليكم لأنّ المراد بالشهادة الثانية التزكية وهو ﷺ إنما يزكي أمّته فقدم ليفيد الحصر وهو من قصر الفاعل على المفعول. قوله: (أي الجهة التي الخ) اختلفوا في الجهة التي كان ﷺ يتوجه إليها بمكة فقال ابن عباس وضي الله عنهما وجماعة كان يصلي إلى بيت المقدس لكنه لا يستدبر الكعبة بل يجعلها بينه وبين بيت المقدس وأطلق آخرون اً نه ﷺ : كان يصلي إلى بيت المقدس وقال آخرون كان يصلي إلى الكعبة فلما تحوّل إلى المدينة استقبل بيت المقدس وضعف هذا لما فيه من النسخ مرّتين والأصح الأول وقوله: أي الجهة التي كنت عليها ليس تفسيراً للقبلة بل للإشارة إلى أنّ جعل متعدّ لمفعولين الأوّل القبلة والثاني التي الخ بمعنى الجهة التي وليس الموصول صفة القبلة وهذا مختار الزمخشريّ، وعكس أبو حيان ﵀ فقال التي مفعول أوّل والقبلة مفعول ثان وقال إنّ المعنى عليه، وقيل: التي صفة القبلة والمفعول الثاني محذوف أي ما جعلنا القبلة التي كنت عليها قبلة، وقيل: لنعلم هو الثاني بتقدير مضاف أي ما جعلنا صرف القبلة إلا للعلم المذكور وعلى التفسير الأوّل التي عبارة عن جهة الكعبة وعليه النسخ وقع مرّتين وعلى الثاني الصخرة، وضمير بينه الأوّل للنبيّ

стр. 673

صلى الله عليه وسلم والثاني لبيت المقدس، وقوله والمعنى الخ بيان للثاني ويقابله قوله الآتي وعلى الأوّل معناه. قوله: (١ لا لنمتحن به الناس الخ) أي لنعاملهم معاملة الممتحن المختبر لتظهر حقيقة الحال ونعلم وتعلم يصح فيه النون والتاء وهو على التمثيل أي فعلنا ذلك فعل من يختبر ومنه يؤخذ جواب آخر عن السؤأل الآتي وعلى هذا اقتصر الزمخشريّ في قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ١١٤٠ في سورة آل عمران فتصير الأجوبة عن مثل هذا التركيب أربعة وهذا مبنيّ على الثاني أيضاً، والمراد بمن يرتد أهل مكة وقبلة آبائه إبراهيم واسمعيل عليهما الصلاة والسلام وهي الكعبة، وقوله أو لنعلم الآن أي حين حوّلت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة والمراد بمن لا يتبعه أهل المدينة ومن يحذو حذوهم والمراد بالعارضى موأفقة قبلتهم والنكوص الإحجام عن الشيء. قوله:) فإن قيل الخ) يعني أنّ قوله لنعلم يشعر بحدوث العلم في المستقبل وعلمه تعالى أزليئ أجاب بوجوه ثلاثة تقدم رابعها أنه على التجوّز في الإسناد بأن أسند إليه تعالى ما هو مسند إلى خواصه المقزبين وليس على حذف مضاف، أو العلم قديم ومتعلقه حادث في الحال فعبر عنه بذلك باعتبار المتعلق لأنه الذي يتعلق به الجزاء إذ العلم قبله لا يتعلق به جزاء وإنما يكون بعد وجوده وطاعته أو عصيانه فالله تعالى وان كان عالماً به دائماً إلا أن العلم الذي يتعلق به مجازاته إنما يحصل بعد وجوده، وحاصله تخصيص العلم أو هو من إطلاق السبب وهو العلم على المسبب وهو التميز في الوجود الخاوجي عند المخلوقين ويؤيده تعديه بمن كالتمييز، وبه فسره ابن عباس ﵄ وقوله: ويشهد الخ لأن معناها ليعلم الناس ذلك ويتميز عندهم، وقيل: إنما يصلح شاهداً لما قبله وفيه نظر لأنه لم يعين فيها العالم إذ ظاهره العموم، وأفا ما قيل: إن نعلم للمتكلم مع الغير فالمراد ليشترك العلم بيني وبين الرسول فغير مناسب لتشريك الله مع غنره في ضمير واحد كما سيأتي. ووجه خامس أنه أريد بالعلم الجزاء أي لنجازي الطائع والعاصي وكثيراً ما يقع التهديد في القرآن بالعلم. قوله:) والعلم إما بمعنى المعرفة الخ) فيتعدّى لمفعول واحد وهو من الموصولة وممن متعلق به كما مز أو بمقدر أو بيان لمن، ويجوز أن يكون على أصله متعديا لاثنين قامت الجملة المعلق عنها مقامهما، وممن ينقلب حال من فاعل يتبع أي متميزاً عنه وبهذا اندفع قول أبي البقاء ﵀ أنه لا يجوز أن تكون من استفهامية لأنه لا يبقى لقوله ممن ينقلب متعلقاً لأنّ ما قبل الاستفهام لا يعمل فيما بعده ولا معنى لتعلقه بيتبع، والكلام دال على هذا التقدير فلا يرد أنه لا قرينة عليه فإن قيل كيف يكون بمعنى المعرفة كذلك إذ المراد به الإدراك الذي لا يتعذى إلى مفعولين، وفيه نظر لأنه وقع في نهج البلاغة إطلاق العارف على الله تعالى وذكره ابن أبي الحديد في شرعته وأما السبق بالعدم فلا نسلم أنه من لفظ المعرفة بل ناشئ من معناها لأنها كذلك في اللغة وهو لا يضرّ لأنّ العلم أريد به هنا تعلقه ولذا عبر عنه بالمضارع وتعلقه مسبوق بالعدم فتأقل. وقوله: متميزاً يصح دعوه إلى الوجهين كما مرّ. قوله: (إن هي المخففة الخ) الخلاف في مثله معروف وهذه اللام تسمى الفارتة أو الفاصلة لفصلها بين النافية والمخففة وعلى قراءة الرفع كان زائدة، وقيل: إنها خبر مبتدأ محذوف أي فهي كبيرة والجملة خبر كان، وقوله: الثابتين الثبوت مأخوذ من مقابلة قوله ممن ينقلب على عقبيه والا فهي فعلية لا تفيد الثبوت. قوله: (أي ثباثكم على الإيمان) هذا أيضا مأخوذ من مقابلته لمن ينقلب وإلا فإضاعة أصل الإيمان وعدمها لا مانع من اعتبارها هنا. أو المراد به تصديق مخصوص بقرينة المقام. قوله:) أو صلاتكم (يعني الإيمان بمعنى الصلاة بقرينة المقام وهو مجاز من إطلاق اللازم على ملزومه وتد وقع تفسيره به في البخاري، وقوله:! كيف بمن ماتأ أي كيف يصنع به وهذا حديث صحيح أخرجه الشيخان والترمذفي والحاكم وأحمد عن البراء بن عازب ﵁. قوله: (فلا يضيع الخ) يعني إن المراد بالرحمة رحمة يترتب عليها ما ذكر ليتم الارتباط، وقوله: وهو أبلغ هو بناء على تفسير الرأفة بأشد الرحمة وحينئذ المناسب رحيم رؤوف وفيه نظر من وجهين الأوّل أنّ فواصل القرآن لا يلاحظ فيها الحرف

стр. 674

الأخير كالسجع كما هنا في رحيم وتعملون فذلك حال على كل حاصل. الثاني أنّ الرأفة حيث وردت في القرآن قذمت ولو في غير الفواصل كما في قوله تعالى: ﴿رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ [سررة الحديد، الآية: ٢٧] في وسط الآية والذي غزه كلام الجوهريّ، وهو عندي لن! بصواب ف! ق الرأفة معناها الشفقة واللطف والرحمة الإنعام ورتبتها التقديم كما قيل: الإيناس قبل الإبساس، وعليه استعمال العرب قال قيس الرقيات: ملكه ملك رأفة ليس فيه جبروت منه ولا كبرياء فانظره كيف أوضح معناها بالتقابل ومثله كثير في كلام العرب وقد فصلناه في سورة النور وقوله: ربما إشارة إلى أن قد هنا للتقليل وتحتمل التكثير كما في ربما وهما منصرفان إلى التقلب، والروع بالضم القلب، والتولي إما من الولاية أو من ولي جهته. قوله: (تحبها وتتشوّق إليها) جعل الرضا بمعنى المحبة والتشوّق لأنه لم يكن ساخطاً لتلك وإنما كان ألهم تغييرها فكان يتشوّق إلى مراد الله ويؤثره على مراده، وهذه مرتبة فوق التوكل وقوله: لمقاصد دينية إشارة إلى أنّ ميله لم يكن لهوى نفسه وإجابته لم تكن إلا لموافقة حكمة. قوله: (اصرف وجهك الخ) أي اصرفه عن غيره وأقبل به عليه لأن الإقبال بالوجه على شيء يقتضي صرفه عن غيره وإنما ذكره لاً نه تحوّل عن الجهة الأولى قال الراغب ولي إذا عدى بنفسه اقتضى معنى الولاية وحصوله في أقرب المواضع يقال: وليت سمعي كذا أقبلت به عليه قال تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ الخ وإذا عدى بعن لفظاً أو تقديراً اقتضى معنى الإعراض اهـ. فهو هنا متعدّ إلى مفعولين كما سمعت وعرفت معناه، فمن قال لا يخفى أنه ليس من التولية بشيء من المعنيين بل هو من قبيل ما ولاهم لم يصب، والزمخشريّ قال شطر المسجد نصب على الظرف أي اجعل تولية الوجه تلقاء المسجد أي في جهته وسمته، وقيل: إنه يشير إلى أنه قد ترك أحد مفعولي ولي وشطر ظرف بمعنى اجعل وجهك في جهة المسجد ولو كان مفعولاً به كما في لنولينك قبلة لما ذكر شطر بل اقتصر على المسجد وفيه نظر لأنّ وجه ذكر. أنه هو المتيقن كما صيأتي. والقطر بضم فسكون بمعنى الجانب وقوله: أن يتعرضوه أصله يتعرضوا له على الحذف والإيصال أو منع أن تدخله الكفرة. قوله: (نحوه الخ) هذا هو الصحيح في معنى الشطر، قال المبرد في الكامل: للشطر وجهان في كلام العرب أحدهما النصف والآخر القصد يقال: خذ شطر زيد أي قصده ونحوه وذكر الآية. قوله: (والبعيد يكفيه مراعاة الخ الا خلاف في أن حاضر الكعبة إنما يتوجه إلى عينها وإنما الخلاف في البعيد هل يلزمه التوجه إلى عينها أو يكفي التوجه إلى جهتها وهو المختار للفتوى وأدلة كلى من الفريقين مبسوطة في الفروع، والمصنف ر حمه الله اختار الثاني واستدل عليه بذكر المسجد دون الكعبة وكذا الشطر، وقوله: " روي الخ " اخرجه الشيخان، وقوله: ثم وجه الخ أخرجه أبو داود في الناسخ والمنسوخ عن سعيد بن المسيب مرسلاً وليس فيه قبل الزوال لكن يؤخذ من الحديث الآتي وسلمة بكسر اللام قال الجوهريّ: وليس في العرب سلمة بالكسر غيره. قوله: (وقد صلى ﵊ بأصحابه في مسجد بني سلمة الخ) قال السيوطي: هذا تحريف للحديث فإنّ قصة بني سلمة لم لكن فيها النبيّ ﷺ إماماً ولا هو الذي تحوّل في الصلاة أخرج النسائي عن أبي سعيد بن المعلى فال: كنا نعدو إلى المسجد فمررنا يوما ورسول الله ﷺ قاعد على المنبر فقلت: لقد حدث أمر لجلست فقرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء﴾ الآية فقلت لصاحبي تعال نركع ركعتين قبل أن ينزل رسول الله ىلجح! ر فنكون أوّل من صلى فتوارينا فصليناهما ثم نزل رسولط الله ﷺ فصلى الناس الظهر يومئذ، وأخرج أبو داود في الناسخ عن أنس ﵁: " أنّ النبيّ ﷺ وأصحابه كانوا يصلون نحو بيت المقدس، فلما نزلت هذه الآية مرّ رجل ببني سلمة فناداهم وهم ركوع في صلاة الفجر نحو بيت المقدس، إلا أنّ القبلة قد حولت إلى الكعبة فمالوا كما هم ركوعا إلى الكعبة " وأخرج الشيخان عن ابن عمر ﵄ قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال: " إن النبي

стр. 675

صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد أنزل عليه الليلة قرآن وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الثأم فاستداروا إلى الكعبة " اهـ فقد علمت أن ما ذكره المصنف ﵀ ليس موافقا للروايات الصحيحة فإنّ النبيّ ع! ي! لم يتحوّل في صلاته وأنّ التحوّل كان في صلاة الفجر. قوله:) وتبادل الرجال والنساء صفوفهم الخ) قيل: أراد أن الرجال تاموا في مكان النساء والنساء في مكان الرجال قيل: والطاهر أن مراده أنّ بعض الرجال قاموا مكان بعض النساء وبعض النساء قاموا مكان بعض الرجال مثلا إذا قام الإمام وصف خلفه صفين صفاً رجالاً وصفا نساء فإذا دار إلى جانب اليمين تحوّل ما في يمين الإمام من الرجال إلى خلف لاتباع الإمام وتسوية الصفوف فإذا كانوا قريبين من النساء يبعدوهن من أمكنتهن حتى يقوموا مكانهن، وكذا تحرّك من في يسار الإمام إلى قدام والنساء اللاتي خلف هؤلاء الرجال ليقف من وقفن مكان الرجال حتى تستوين مع النساء اللاني في جانب يمين الإمام كما يشهد به التخيل الصحيح، وقوله: واستقبل الميزاب أي كانت جهتهم مقابلة لميزاب الكعبة وهو معروف وقوله: خص الرسول ع! ت يعني في توله فولّ وجهك ثم عئم في هذه الآية لما ذكر. قوله: (جملة الخ (أي إجمالاً لمقابلته بقوله تفصيلاً، وقوله: لعلمهم الخ قيل: عليه هذه القبلة كانت لإبراهيم ﵊ كما مرّ فلا تخص شريعتنا فالأولى لعلمهم بأن محمداً عش! لا يأمر بباطل إذ هو النبيّ المبشر به في كتبهم، ولك أن تقول إنها نسخت فلم تكن قبلة فحين عاد التوجه إليها عن بيت المقدس صارت كأنها قبلة أخرى ولا يخفى ما فيه من التكلف، فالأحسن أن المراد أنه يغير قبلة من كان قبله إلى أخرى فلا يضره ما ذكر وقوله: للفريقين أي أهل الكتاب والمسلمين، وقوله: والمعنى ما تركوا الخ لأنّ عدم الاتباع بمعنى الترك وما قبله يدلّ على أنه كان عناداً، وقوله: وقبلتهم وان تعدّدت أي قبلة أهل الكتاب اليهود والنصارى لكنها لجمع البطلان لها كالشيء الواحد كما مرّ في قوله لن تصبر على طعام واحد، وقوله: لتصلب الخ في الأساس تصلب فلأن في الأمر إذا اشتد فيه، ثم إنّ كون قبلة النصارى مطلع الشمس صرحوا به لكن وقع في بعض كتب القصص أنّ قبلة عيسى ﵊ كانت بيت المقدس وبعد رفعه ظهر بولس ودسق في دينهم دسائس منها أنه قال: إني لقيت عيسى ﵊ فقال لي: إن الشمس كوكب أحبه يبلغ سلامي في كل يوم فمر قومي ليتوجهوا إليها في صلاتهم ففعلوا ذلك) بقي (الكلام في أن المطالع مختلفة فأيّ مطلع يعتبر عندهم لم أر من صرح به، وفي بدائع الفوائد لابن القيم قبلة أهل الكتاب ليست بوحي وتوقيف من الله بل بمشورة واجتهاد منهم أمّا النصارى فلا ريب أن الله تعالى لم يأمرهم في الإنجيل ولا في غيره باستقبال الشرق وهم مقرون بأن قبلة المسيح ﵊ قبلة بني إسرائيل وهي الصخرة وإنما وضع لهم أشياخهم هذه القبلة وهم يتعذرون عنهم بأن المسيح ﵊ فوّض إليهم التحليل والتحريم وشرع الأحكام وأن ما حللوه وحرّموه فقد حلله هو وحرّمه في السماء فهم مع اليهود متفقون على أنّ الله لم يشرع استقبال بيت المقدس على رسوله أبدأ والمسلمون شاهدون عليهم بذلك، وأما تبلة اليهود فليس في التوراة الأمر باستقبال الصخرة البتة وإنما كانوا ينصبون التابوت ويصلون إليه من حيث خرجوا فإذا قدموا نصبوه على الصخرة وصلوا إليه فلما رفع صلوا إلى موضعه وهو الصخرة، وأما السامرة فإنهم يصلون إلى طورهم بالثأم يعظمونه ويحجون إليه وهو في بلدة نابلس وهي قبيلة باطلة مبتدعة اهـ. قوله:) أي ولئن اتبعتهم مثلا (قال النحرير: معنى قوله مثلاً أنّ هذه الشرطية مبنية على الفرض! والتقدير وإلا فلا معنى لاستعمال أن الموضوعة للمعاني المحتملة بعد تحقيق الانتفاء بقوله: وما أنت بتابع قبلتهم يعني أن كونه من الظالمين لا يخص متابعته بل كل من يتبع كذلك وإنما أسند إليه ليعلم غيره بالطريق الأولى أو أنه ليس المقصود التخصيص بل متابعة الهوى مطلقآ كذلك. قوله:) وكد تهديده وبالغ فيه من سبعة أوجه الخ (وفي نسخة عشرة أوجه وكذا ذكرها الشارح النحرير وهي القسم واللام الموطئة له وان الفرضية وان

стр. 676

التحقيقية واللام في حيزها وتعريف الظالمين والجملة الاسمية وإذا الجزائية وإيثار من الظالمين على ظالم أو الظالم لإفادته أنه مقرر محقق وأنه معدود في زمرتهم عريق فيه وايقاع الاتباع على ما سماه هواء أي لا يعضده برهان، ولا نزل في شأنه بيان، وقيل: وعده واحداً منهم مجهولاً بعد تعينه بالحق وفيه نظر لا! هذا التركيب يقتضي المبالغة لا المجهولية ولولا مخالفته الاستعمال لكان حسنا وعلى هذه النسخة كأنه أسقط منها مبالغة إن والتعريف والأهواء وهو ظاهر ونقل في الكشف عبارة المصنف من عشرة أوجه، وقال: هي القسم واللام الموطئة والتعليق بأن لدلالته على أن أي شيء مفروض من الاتباع وقع كفي في كونه من الظلم والإجمال والتفصيل في قوله ما جاءك من العلم وجعل الجائي نفس العلم وحرف التحقيق واللام في حيزها وتعريف الظالمين الداذ على المعرقين فيه، وكون الجملة اسمية بخبريتها الدالّ على الاستمرار التام والثبات وما في إذا من المبالغة لكونها للجواب والجزاء ودلالتها على زيادة الربط ونيف على العشرة ما في قوله من الظالمين للدلالة على أنه إذ ذاك من الموسومين منهم وتسمية ما ذهبوا إليه أهواء لما فيه من المنع عن الاتباع المؤكد للوعيد. قوله: (الضمير لرسول الله ع! ير الخ (، كذا في الكشاف واعترض عليه أبو حيان ﵀ بأن الخطاب في الآيات السابقة إلى هنا للرسول كحت فكيف يقال إنه لم يجر له ذكر، وقال النحرير: إنه ليس بشيء ولم يذكر وجهه وفي الكشف فإن قيل: هو التفات لإضمار دون سبق الذكر تفخيما أجيب بأن الأمرين جائزان ولكن المقام لما ذكره ادعى إذ لا يحسن الالتفات إلا إذا كان مقصودأ لذاته مبنياً ما سيق له الكلام عليه ومع ذلك يكون له حسن موقع خصوصا اهـ. وهو معنى بديع يقيد به إطلاقهم تعريف الالتفات بأن يكون التعبير الأؤل مقصوداً فيه مسوقا له الكلام، وهذا نظير قولهم شرط الاستعارة أن يذكر المشبه بطريق القصد ليدخل فيه: قد زز أزراره على القمر فاحفظه فإنه من خصاثص هذا المقام والمراد بالعلم ما سبق في قوله: ﴿مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [سورة الرعد، الآية: ٣٧، وهو الوحي وهذه كلها مذكورة قبله وقوله: يشهد للأول أي لرجوع الضمير للنبيّ ع! ي! لأنه يتحد جنس المعروف فيهما ويؤيده ما رواه أيضا والمراد أنهم يعرفون نبوّته لا شخصه ﷺ كما في الكشاف! ان كان مراده هذا، فإن قلت: ما ذكره " عن ابن سلام ﵁ يقتضي أنّ معرفة الابن دون " (١١ لما فيها من الاحتمال والمشبه به أقوى في وجه الشبه، قلت: هذا ليس بشرط بل يكفي كونه أشهر كما هنا فإن معرفة الأبناء أشهر من غيرها أو أنّ معرفة ذات الابن وشخصه أقوى في نفسها والاحتمال في كونه حاصلا منه في الواقع لا ينافي ذلك واليه أشار المصنف ﵀ بقوله: لا يلتبسون الخ وهو الداعي لذكر التشخيص في الكشاف. قوله: (تخصيص لمن عاند الخ) في الكشاف أنه استثناء لمن آمن منهم أو لجهالهم وليس المراد بالاستثناء المصطلح بل الإخراج مطلقاً قال النحرير: أي إخراح عن حكم الكتمان لمن أظهر ما علم من الحق وآمن به أو لمن لم يعلمه فلا يتصوّر منه الكتمان لاقتضائه سابقة العلم فاختص الكتمان بفريق منهم دون الفريقين الآخرين وأوفى قوله أو لجهالهم لمنع الخلو والاعتراض بأنّ الجهال لا يدخلون في الذين يعرفونه فكيف يصح إخراجهم مدفوع با! اختصاص حكم المعرفة بالبعض لا ينافي عموم ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ وتناوله بحسب اللفظ للعارفين منهم والجاهلين، وقريب منه ما قيل: إنّ معنى يعرفونه يوجد فيهم العرفان إسناداً لفعل المحعض إلى الكل لاختلاطهم وارتباطهم وكأن المصنف ﵀ لم يرتض هذا فلذا تركه إلى ما هو الظاهر المتبادر من النظم. قوله:) كلام مستأنف الخ) على قراءة الرفع هو مبتدأ خبره الجار والمجرور بعده واللام إما للعهد إشارة إلى الحق الذي جاء به النبيئ لمجييه أو الحق الذي كتمه هؤلاء أو للجنس وهو يفيد الحصر حينئذ كما أشار إليه بقوله: لا ما لم يثبت كما في قوله الحمد دته والكرم في العرب والنسب إلى الآباء لوقوع المحكوم عليه لفس الجنس من غير قرينة البعضية أو هو خبر مبتدأ محذوف أي هو الحق والجار والمجرور خبر بعد خبر أوّل وسكت عن بيان التعريف فيه فكأنه محتمل للوجهين

стр. 677

السابقين لكن قيل: إنه على هذا التقدير اللام للجنس، كما في ذلك الكتاب ومعناه إنّ ما جاءك من العلم أو ما لكتمونه هو الحق لا ما يدعون ويزعمون وجعل جنسأ على الاذعاء ولا معنى حينئذ للعهد لأن المبتدأ متحد منطوقه ومفهومه فيحتاج إلى تكلف وقراءة النصب منسوبة إلى يمليئ كزم الله وجهه ل! ن كان مفعول يعلمون فهو من إقامة الظاهر مقام المضمر للتعظيم دمان كان بدلاً فوجهه أن " وله من ربك حال منه جصل بهما مغايرته للأوّل، وان اتحد لفظهما وجوّز فيه النصب بفعل مقدر كالزم. قوله: (الثاكين في أنه من ربك الخ) فسر المرية بالشك، وقال الراغب: إنها أخص وفسرها بالتردّد في أمر وبين متعلقه بقرينة المقام، وقوله: وليس المراد الخع لأن النهي عن شيء يقتضي وقوعه أو ترقبه من المنهيّ عنه وهو لا يتصوّر هنا لأن الكون والوجود ليس مقدورا له حتى ينهي عنه حقيقة كما سيأتي تحقيقه في قوله: ﴿فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٢] وهو معنى قوله لأنه ليس بقصد واختيار فإذا جعل كناية وعبر به عما يصح النهي عنه فالنبيّ ﷺ لا يصدر منه ذلك فإمّا أن يكون الخطاب لغير معين كما في قوله ﷺ : " بشر المشائين " الخ. وفيه من المبالغة أن المعنى لا ينبغي لكل من عرفه أن يشك فيه كائنآ من كان أو الأمر له والمقصود أمته كما في قوله: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء﴾ [سورة الطلاق، الآية: ا] والمقصود النهي عما يوقع في الريب والأمر باكتساب المعارف المزيحة للشك وهو راجع إلى الوجهين لما عرفت وهذا معنى ما نقل عن الزمخشرقي أنه نهى عن الأشياء المثيرة للشك لأنه ليس بالاختيار، وقال في الكشف: الأشبه أنه إظهار لكونه ليس مظنة للشك حتى كان الشك لا يعتري في مثله إلا لمن أغمض عيناً عن الحق وقوله على الوجه الأبلغ لأنّ النهي عن الكون على صفة أبلغ من النهي عن نفس الصفة فلذلك جاء التنزيل عليه إذ النهي عن الكون على صفة يدلّ على عموم الأكوان المستقبلة، والمعنى لا تمتر في كل فرد فرد من أكوانك فلا تمتر في وقت يوجد فيه الامتراء بخلاف قولك لا تمتر فإنه لا يفيد ذلك. قوله: (ولكل أمة قبلة الخ) أي المراد بكل إمّا كل أمة إذ لكل منها قبلة تخصها أو المراد لكل قوم من المسلمين كأهل المشرق والمغرب جهة وجانب يتوجهون إليه. قوله:) أحد المفعولين محذوف الخ (تقدم أن ولي بمعنى جعله مستقبلا يتعدى لمفعولين فضمير هو إما أن يرجع للرب أو لكل وضميرها مفعوله الأوّل وهو عائد إلى الجهة وعلى الأوّل تقديره وجهه لأنه يقال وليته الجهة ولا يقال وليت الجهة إياه، وعلى الثاني إياه. قوله:) وقرئ ولكل وجهة الخ (وضمير هو على هذه القراءة لله قطعا كما أنه على قراءة مولاها لكل من غير احتمال آخر وهذه قراءة ابن عامر وقد صعب توجيهها حتى تجرأ بعضهم على ردّها وهو خطأ عظيم، ووجهها المصنف ﵀ تبعا للزمخشريّ على أنّ اللام زائدة في المفعول المقدم للتأكيد والتقوية فإنّ العامل إذا تأخر ضعف فتزاد اللام في مفعوله كما تزاد في معمول الصفة ورذه أبو حيان تبعا لابن مالك بأن لام التقوية لا تزاد في أحد مفعولي المتعذي لاثنين قالوا: لأنها إنا أن تزاد فيهما ولا نظير له أو في أحدهما فيلزم الترجيح من غير مرجح، ورذه السفاقسي وقال إن طلاق النحاة يقتضي جوازه والترجيح من غير مرجح مدفوع هنا بأنه ترجح بتقديمه، وقوله: أي تد وليها أي صار في الجهة التي تليها. قوله: ( ﴿فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ﴾ الخ (هو منصوب بنزع الخافض أي إلى الخيرات قيل: ومدلول استبق ليس إلا طلب التسابق قيما بينهم ودلالته على سبق غيرهم من جهة أنهم لما أمروا بسبق بعضهم بعضا فسبق غيرهم أولى وهذا بناء منه على أنّ ضمير استبقوا للمسلمين ولو كان لكل لم يحتج إلى تأويل، وعلى الأوّل فالنكتة في التعبير به إشارة إلى أن ميدان الخيرات هم السابقون فيه لا غير وقوله: أو الفاضلات يريد به الأفضل وهو التوجه إلى عين الكعبة وسمتها أقوى ما يمكن ومعنى الإتيان بهم جميعاً أنّ صلاتهم مع اختلاف جهاتها في حكم جهة واحدة كأنها كلها مسامتة لعين الكعبة. قوله: (أينما تكونوا الخ) أين ظرف مكان واليه أشار بقوله: في أفي موضع وتكون للاستفهام وللشرط كما هنا وما زائدة ويأت جوابها والمراد بالموافق والمخالف ما وافق مقرهم وما خالفه والقصد التعميم للأمكنة والمحال وفيما بعده الشمول لجميع أجزائهم مجتمعة ومتفرّقة، والمحشر بفتح الشين

стр. 678

وكسرها والإتيان بهم لجزائهم بأعمالهم، والإتيان يكون في الآخرة أو المراد ما يشمل الجبال والوهاد والعمران والخراب والإتيان بمعنى قبض الأرواج، والوجه الآخر مبنيّ على الأخير في تفسير الاستئناف كما مرّ وقوله: فيقدر الخ على الوجهين الأوّلين. قوله: (ومن حيث خرجت الخ (حيث ظرف مكان لازمة الإضافة للجمل وإضافتها للمفرد نادرة، والظاهر أنه يريد من أفي مكان خرجت منه فول فمن حيث متعلق بول والفاء زائدة كما في ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [سورة المدثر، الآية: ٣] وقيل: إنه يشعر بأنه من حيث متعلق بخرجت فيلزم عدم إضافته إلا أن يتكلف تقدير حيث يكون خرجت ولا يخفى بعده، وقيل: إنه متعلق بولّ وما بعد الفاء يعمل فيما قبلها كما بين في محله إلا أنه لا وجه لا ٠ جتماع الواو والفاء، فالوجه أن يكون المدير أفعل ما أمرت به من حيث خرجت فول فيكون قوله فول معطوفا على المقدر ويجوز أن يجعل من حيث خرجت بمعنى أينما كنت وتوجهت فيكون فول جزاء له يعني أنها شرطية العامل فيها الشرط على نحو ما ذكره المصنف ﵀ ولا يخفى أنّ حيث بدون ما لا تكون شرطية وكذا إذ إلا في قول ضعيف للفراء وقالوا: إنه لم يسمع في كلام العرب وقوله: وانّ هذا الأمر، أي الشأن والحال الدال عليه قوله وقيل: إق المراد به التولية وأوّله ليصح تذكير ضميره وكذا فسره في الكشاف بهذا المأمور به ولو قصد بالأمر ظاهره صح أيضا. قوله: (كرّر هذا الحكم الخ (يعني أنه ذكر ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ في ثلاث مواضع فإمّا أن يكون كزره اعتناء بشأنه لأنه من مظان الطعن وكثرة المخالفين فيه لعدم الفرق بين النسخ والبداء أو لأنه ذكر في كل محل على وجه قصد به غير ما قصد في الآخر معنى وان تراءى من اللفظ تكرره ففي الأوّل ذكر بعد قوله فلنولينك قبلة ترضاها لتعظيم النبيّ ﷺ بابتغاء مرضاته وثانياً بعد قوله ولكل وجهة لجري العادة الإلهية الخ وهنا بعد قوله وأنه للحق الخ لدفع حجج المخالفين وقد بين بوجوه أخر متقاربة ولكل وجهة هو موليها. قوله: (وأنّ محمدآ ﷺ يجحد ديننا ويتبعنا الخ (قيل: هذا إنما يجدي لو لم يكن حكم من أحكام ديننا موافقاً لهم وليس كذلك كما في الرجم وليس بشيء لأنّ إنكارهم هذا لا ينافي إنكار غيره أو خص هذا لظهوره في كل يوم وكونه في أركان الدين والعبادة مع أنهم منكرون للرجم. قوله: (استثناء من الناس الخ (يعني أنه بدل مما قبله وإن جاز فيه النصب على الاستثناء لأنه المختار في الاستثناء من كلام غير موجب واليه أشار بقوله: إلا للمعاندين وقوله لأحد من الناس إشارة إلى أن تعريف الناص للجنس الاستغراق والزمخشري جعلها للعهد حيث تال: لأحد من اليهود، وقوله: أو بدا له أي تغير رأيه ولما كانت الحجة الدليل المثبت للمقصود ولا حجة لهم أجاب بأنّ الحجة ما يقصد به الاستدلال سواء كان صحيحا في نفسه أو في زعم قائله فإن كان حقيقة لغة فهو ظاهر والاستثناء متصل وأن لم يكن حقيقة فهو تغليب فلا يرد أن المذكور في صدر الكلام إن تناول هذه لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز وإلا لم يصح الاستثناء لا! الحكم حينئذ ينفي الحجة الحقيقية ولا محيص سوى أن يراد بالحجة المتمسك حقا كان أو باطلأ مع أن قوله لم يصح الاستثناء غير مسلم لأن غايته أن لا يكون متصلاً وقد قيل: بانقطاعه في الآية. قوله: (وقيل: الحجة بمعنى إلاحتجاج الخ) الاحتجاج المنازعة والمعارضة مطلقا والحجة تستعمل بمعناه كما في قوله تعالى: ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ [سورة الشورى، الآية: ١٥] اي لا احتجاج ومجادلة قاله الراغب فما قيل: إنه لا فائدة في جعل الحجة بمعنى الاحتجاج لأن مآله إلى الوجه الأوّل ولا يندفع به السؤال إلا إذا فسر بالتمسك لا وجه له. قوله: (وقيل: الاستثناء للميالغة في نفي الحجة الخ (وهو استثناء منقطع أيضا لكنه من تأكيد الشيء بضده وائباته بنفيه، قال الزجاج: تقول ما لك عليّ حجة إلا الظلم أي ما لك عليّ، حجة البتة ولكنك تظلمني ومعناه إن تكن لهم حجة فهي الظلم والظلم لا يمكن أن يكون حجة فحجتهم غير ممكنة فهو إثبات بطريق البرهان وقوله: ولا عيب الخ هو من قصيدة للنابغة الذبياني أوّلها: كليني لهم يا أميمة ناصب وليل أقاسيه بطيء الكواكب والفلول مصدر كالقعود بمعنى الانثلام والكسر وقيل: إنه جمع فل بالفتح بمعناه أيضاً، والقراع الضراب

стр. 679

والكتائب جمع كتيبة بالمثناة وهي الجيش المجتمع ويسمى هذا النوع في البديع تأكيد المدح بما يشبه الذم. قوله:) وقرئ ألا الخ (بالفتح والتخفيف وهي حرف يستفتح به الكلام لينبه السامع إلى الإصغاء والذين مبتدأ والفاء زائدة في خبره على الأصح، وقوله: فإن مطاعنهم الخ أخذه وما بعده من التعقيب والتفريع. قوله: (علة محذوف الخ (وهو أمرت وقدره مقدماً والزمخشريّ قدره مؤخراً قصداً للاختصاص ولأن الحذف يدذ على الاهتمام بالمذكور المقتضي لتقديمه لكنه لم يبين عطفه على ماذا، وقوله: وارادتي بيان لمعنى لعل لاستحالة حقيقة الترجي عليه وقد أسلفنا ما فيه، وقوله: أو لئلا يكون معطوف على علة أي أو عطف على لئلا يكون وأخره إشارة لمرجوحيته لبعد المناسبة ولا! إرادة الاهتداء إنما تصلح علة للأمر بالتولية لا لفعل المأمور على ما هو الظاهر في لئلا يكون وإيراد الأثر المذكور لترجيح المقدر وأبو حيان رحمه الله تعالى قال إن العطف على لئلا هو الراجح قال: ولا يضر الفصل بما ذكر لأنه من متعلقات العلة الأولى، قوله ير! الحديث أخرجه البخاريّ في الأدب والترمذيإ وكذا ما بعده. قوله:) متصل بما قبله الخ (اختلف في هذه الكاف فقيل: للتعليل وقيل: للتشبيه وهو الظاهر ولذا اقتصر عليه المصنف ﵀ ووجهه ظاهر وأوّله بالإتمام المذكور ليتم الانتظام، وقوله: أو بما بعده والتقدير اذكروني ذكرا مثل ذكري لكم بالإرسال فحذف منه، قال أبو البقاء: والفاء غير مانعة من عمل ما بعدها فيما قبلها وفيه كلام في النحو، وقوله: بإرسال إشارة إلى أن ما مصدرية وذكر الإرسال وارادة الإتمام من إقامة السبب مقام المسبب والمناسبة بين القبلة التي هي قبلة آبائهم وارسال رسول منهم تمام على تمام. قوله.) يحملكم على ما تصيرون الخ (المراد بالتزكية التطهير من النقائص ولما كانت التزكية علة غائية لتعليم الكتاب وإلحكمة وهي مقدمة في القصد والتصوّر مؤخرة في الوجود والعمل قدمت هنا وأخرت هناك رعاية لكل منهما وأما تقديم الايات وبيانها فإنّ المقصود بها ما يحصل الإيمان وهي تخلية مقدمة عليهما، وقيل: المراد بالتزكية هنا التطهير من الكفر وكذلك فسروه وهناك المراد بها الشهادة بأنهم أخيار أزكياء، وذكر متأخراً عن تعلم الشرائع والعمل بها وهو أحسن، وقوله: بالفكر والنظر قيد للمنفي منفيئ مثله، والمراد به ما يستفاد من النبيّ ع! ي! غير القرآن فهو جن! آخر فلذا أعيد فعله، وقوله: بالطاعة إشارة إلى أنه ليس المراد به الذكر اللساني وقوله: ما أنعمت إشارة إلى أنّ شكر يتعدى لواحد بحرف جر ولآخر بنفسه وما أحسن قول الثاعر: ولوكان يستغني عن الثكرمنعم لر! مة شأن أوعلومكان لما أمر الله العباد بشكره فقال اشكروني أيها الثقلان وقوله: بجحد النعم إشارة إلى أنه من الكفران لمقابلته بالشكر. قوله: ( ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الخ الما أمرهم بالذكر والشكر وكان ذلك ربما يقصر فيه بين لهم ما يعينهم وخصهما بالذكر لا! الصبر يشمل كل ترك والصلاة مشتملة على كل عبادة، وقوله: ومناجاة رلث العالمين عطف على المعراج تفسيري لأنه المقصود من العروج، وقوله: إن الله مع الصابرين تذييل لما قبله وخص الصبر كما قدمه حثا عليه وإذا كان معهم فهوبحينهم عليه وعلى غيره، وقوله: هم أموات إشارة إلى أنه خبر مبتدأ محذوف وكذا أحياء إلا أنّ جملته لا محل لها من الإعراب لأنها جملة مستأنفة وبل إضرابية، وقيل: تقديره بل قولوا هم أحياء فيكون في محل نصسب أيضا. قوله: (ما حالهم وهو تنبيه الخ (حياة الشهداء ثابتة في الآيات والأحاديث وقد اختلفوا فيها فذهب كثير من السلف إلى أنها حياة حقيقية بالروح والجسد ولكنا لا ندركها ولا نعلم حقيقتها لأنها من أحوال البرزخ التي لا يطلع عليها، وفي الحديث الصحيح " أنّ أرواحهم في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى قناديل تحت العريش وأنهم يعرض! عليهم رزقهم غدوة وغشية لما وذهب غيرهم وعليه الزمخشرقي والمصنف رحمه الله تعالى إلى أنها ليست بالجسد بل روحانية وجميع الأموات وان كانوا كذلك لكن تخصيصهم لمزيد كرامتهم وقرب درجتهم فكان

стр. 680

حياة غيرهم ليست معتداً بها والروح بفتح الراء الراحة والسرور. قوله: (والآية نزلت في شهداء بدر الخ) كذا أخرجه ابن منده، وقوله: " أربعة عشر وقيل: سبعة عشر أو ستة عشر! وأسماؤهم مسطورة في السير. قوله: (وفيها دلالة الخ) وجه الدلالة أنه أثبت لهم الحياة وهي ليست بالجسد فتعين كونها بالروح وحياة الروح بدون الجسد مستلزمة قيامها بنفسها وهو المذهب الحق خلافاً لمن ذهب إلى أنها أعراض والخلاف فيها معروف. قوله: (ولنصيبنكم الخ الما كان أصل الابتلاء الاختبار وهو على الله غير جائز جعله استعارة تمثيلية شبه إصابتهم بالبلاء الذي يظهر به صبرهم ورضاهم بما قدر الله بفعل المختبر الذي يكلف من اختبره أمراً شاقا ليعلم إطاعته. قوله: (أي بقليل الخ (القلة تؤخذ من لفظ شيء وتنكيره لأنه استعمل في ذلك ولهذا عيب على المتنبي قوله في الفلك: فعوقه شيء من الدوران ثم بين أنّ قلته نسبية بالنسبة لما حفظهم عنه مما لم يقع بهم، وقوله: وإنما أخبرهم به الخ هذا على مقتضى النظم ظاهر إذ عبر عنه بالمستقبل وأئا بالنظر إلى ما فسره به فمشكل لأنّ خوفه تعالى لم تزل قلوب المؤمنين مشحونة به وكذا ما بعده فإنها كلها سابقة على نزول الآية، وأما إنّ الزكاة والصدقة لا يناسب التعبير عنها بالنقص لأنها عبر عنها بالزكاة وهي النمو والزيادة فقد دفع بأنها نقص في الحس والظاهر وان كانت زيادة باعتبار ما يؤول، وأجيب بأنّ الخوف يتجدد بتجدد الإنذار فصح الابتلاء به وإن كان منه ما هو حاصل عند نزول الآية وكذلك الكلام في المرض! وموت الولد وهذه نزلت قبل إيجاب الزكاة وصوم رمضان ومعنى الابتلاء بخوف الله الابتلاء بما يخشى عقاب الله عليه وعطفه على شيء أولى لتوافقهما في التنكير ولذا قدمه والحديث المذكور أخرجه الترمذفي واطلاق الثمرة على الولد مجاز مشهور لأن الثمرة كل ما يستفاد وبحصل كما يقال ثمرة العلم العمل، وإضافتها إلى القلب كناية عن شدّة تعلقه به ومحبته له، ومعنى أسترجع قال إنا لله وإنا إليه راجعون وقوله: وبشر الخ معطوف على ما قبله عطف القصة على القصة أو على مقدر أي أنذر الجازعين وبشر الصابرين، وقوله:) كل شيء يؤذي الخ حتى الشوكة يشاكها والبعوضة تلسعة " وهو حديث ورد من طرق عديدة. قوله:) وليس الصبر بالاسترجاع الخ (ما خلق لأجله هو معرفة الله وتكميل نفسه حتى يستعذ للبقاء السرمدي ومفعول بشر مقدر أي برحمة عظيمة وإحسان جزيل بدليل ما بعده. قوله.) في الأصل الدعاء (إشارة إلى ما قال الراغب: إن أكثر أهل اللغة إنّ معنى الصلاة هو الدعاء والتمجيد يقال: صليت عليه أي دعوت وزكيت وصلاة الله للمسلمين هي في التحقيق تزكيته، والمراد بالتزكية محو السيئات وتطهيرها وجمعها للتكثير كما أن التثنية يراد بها ذلك كلبيك وسعديك وان كان جمع قلة فإن جمع القلة يستعار للكثرة ونكتة التعبير به أنها مع كثرتها قليلة في جنب عظمته. قوله: (والمراد بالرحمة اللطف والإحسان الخ (قد مز معنى اللطف والإحسان الإنعام، وقوله من " استرجع الخ " قال الطيبيئ ﵀ ما وجدته في كتب الحديث وتعقب بأنه أخرجه ابن أبي حاتم والطبراني والبيهقيّ في شعب الإيمان عن ابن عباس ﵄! قوله: (للحق والصواب حيث الخ الما كرّر أولئك لشدة الاعتناء بهم وتمييزهم وأتى بضمير الفصل المفيد للحصر والاهتداء ليس مخصوصاً بأولئك أشار إلى أن المخصوص بهم ليى مطلق الاهتداء بل اهتداء مخصوص وهو الاهتداء للتسليم وقت صدمة المصيبة فافهم. قوله:) علما جبلين الغ (لما ذكر الصبر عقبه بالحج لما فيه من الأمور المحتاجة إليه، وكونهما بالغلبة لأنّ أصل معناهما نوع من الحجارة مطلقا فتلزمهما اللام، والشعائر جمع شعيرة أو شعارة بمعنى علامة يطلق على ما يعلص به موطنه

стр. 681

كما هنا وعلى نفس أعماله واضافتهما إلى الله لأنه جعلهما علامة مع ما فيه من التعظيم وتغليب الحج والعمرة بمعنى اشتهارهما في نوع مخصوص منهما، كالدابة لا أنهما علمان. قوله: (كان إساف على الصفا الخ) إساف بكسر الهمزة وخفة السين المهملة وألف بعدها فاء ونائلة بنون وألف يليهما همزة مكسورة ولام الأوّل اسم رجل سمي به صنم على الصفا والثاني اسم امرأة سمي به صنم على المروة قيل: " ولذا أنث وكانا زنيا في الكعبة فمسخا حجرين ووضعا ثمة ليكونا عبرة فلما تقادم العهد عبدوهما وكانوا يتمسحون بهما إذا سعوا ولما كان السعي واجبا أو ركناً عند الأكثر وكان قوله لا جناج يقتضي عدم الوجوب كما ذهب إليه بعض الصحابة والمجتهدين أجابوا عنه بما ذكر، وفي جامع الترمذيّ عن سفيان قال سمعت الزهري يحذث عن عروة: قال: " قلت لعائشة ﵂ ما أرى على أحد لم يطف بين الصفا والمروة شيئا وما أبالي أن لا أطوف بينهما فقالت بئس ما قلت يا ابن أختي طاف رسول الله-لمجي! عليه وطاف المسلمون وإنما كان من أهل المناة الطاغية التي بالمشلل لا يطوفون بين الصفا والمروة فأنزل الله تعالى: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ﴾ الآية ولو كان كما تقول لكانت فلا جناج عليه أن لا يطوف بهما، قال الزهري ﵀: فذكرت ذلك لأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام فأعجبه ذلك وقال: إنّ هذا هو العلم ولقد سمعت رجلا من أهل العلم يقول: " إنما كان من لا يطوف بين الصفا والمروة من العرب يقولون إن طوافنا بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية! وقال آخرون من الأنصار: " إنما أمرنا بالطواف بالبيت ولم نؤمر بالسعي بين الصفا والمروة " فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ﴾ قال أبو بكر بن عبد الرحمن فأراها نزلت في هؤلاء هذا حديث حسن صحيح انتهىإ. قال الكرمانيّ: فان تلت الآية لا تدل على الوجوب فلم جزمت به عائشة ﵂ قلت: أما أنها استفادت الوجوب من فعله ﷺ مع انضمام ٩ خذوا عني مناسككم " إليه أو فهصت بالقرائن إنّ فعله للوجوب كما قيل به، والسعي ركن عند مالك والشافعيّ وأحمد ﵏ وقال أبو حنيفة ﵀ واجب فلو تركه صح حجه ويجبر بالدم وقال النووي ﵀ هذا من دقيق علمها لأن الآية دلت على رفع الجناح عن الطائف فقط فأخبرته عائشة ﵂ بأنه لا دلالة فيها لا على الوجوب ولا على عدمه وبينت السبب في نزولها والحكمة في نظمها وقد يكون الفعل واجبا ويعتقد الإنسان منع إيقاعه على صفة مخصوصة وذلك كمن عليه صلاة الظهر وظن أنه لا يجوز فعلها عند الغروب فسأل عن ذلك فقال له مجيب لا جناج عليك إن صليتها في هذا الوقت فيكون جوابا صحيحاً ولا يقتضي نفي وجوب صلاة الظهر اهـ. وما نقله عن أحمد ينافي في نقل المصنف ﵀، وضمير أنه للطواف بهما واستدلال ابن عباس ﵄ بهذه الآية لأنّ لا جناج بحسب الظاهر يقتضيه ولم يذكر الاستدلال بقوله: ومن تطوّع خيراً فهو خير له لأنّ تفسير تلك الآية لا يلائمه كما في شروحه ولم يجعل قراءة ابن مسعود ﵁ أن لا يطوف ناصراً له لأنها شاذة لا عمل بها مع ما يعارضها ولاحتمال أن لا زائدة فيها كما يقتضيه السياق. قوله: (وهو ضعيف الخ) يعني رفع الجناج وإن تبادر إلى الفهم منه عرفا التخيير وان كان مفهومه بحسب العقل مجرّد عدم الحرمة أو الكراهة فيعم الواجب والمندوب لكنه لا ينافي الوجوب وقوله من شعائر الله قرينة على إرادته منه، وأمّا التطوّع ففي اللغة التبرع وقد يقال: لفعل الطاعة متنفلاً فهو بهذا الاعتبار يستدل به لكن تعديته بنفسه تشعر بأنّ المراد به الإتيان بالفعل طوعا وهو لا ينافي الوجوب أيضاً وقوله غتيرو: " اسعوا " أمر بالسعي مع التعليل والتأكيد بأنّ الله كتب عليكم يفيد غاية الوجوب بحيث يفوت الجواز بفواته وهو معنى الركنية وهو حديث صحيح أخرجه أحمد والطبراني عن ابن مسعود ﵁ والجواب عما ذكره أنه لا يقتضي إلا الوجوب المؤكد ولا دلالة على الركنية، قال الجصاص: وفي حديث الشعبي عن عروة بن مضرس الطائي أنه قال أتيت النبيّ! وو بالمزدلفة فقلت: يا رسول الله جئت من جبل طيّ ما تركت جبلا إلا وقفت

стр. 682

عليه فهل لي من حج فقال: " من صلى معنا هذه الصلاة ووقف معنا هذا الموقف وقد أدرك عرفة قبل ذلك ليلاَ أو نهارا فقد تتم حجه وقضى ثفتهإ فهذا ينفي كون السعي فرضأ من وجهين إخباره بتمام حجه وليس السعي بينهما ولو كان من فروضه لبينه للسائل لعلمه لمجب بجهله بالحكم. قوله: (أي قعل طاعة فرضاً الخ) يعني أنّ التطوّع فعل الطاعة مطلقا فلا يدل على سنيته أو المراد أتى بما زاد على الفرض بأن حج أو اعتمر مرة أخرى وعلى القول بسنتيه فهو ظاهر وخيراً صفة مصدر محذوف أي تطوّعا خيراً أو منصوب بنزع الخافض أي تطوّع بخير ويؤيده أنه قرئ به ولذا رجحه بعضهم أو مفعول لتعذيه بتضمينه معنى أتى أو فعل وقراءة تطوّع بالمضارع والإدغام ظاهرة وقوله: مثيب الخ، قال الراغب: إذا وصف الله بالشكر فإنما يعني به إنعامه على عباده وجزاؤه لهم، وقوله: لا يخفى عليه تفسير لعليم. قوله: ( ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ الخ) يعني أنزلنا في التوراة من العلامات الدالة على أمر محمد كت ثم شرحنا فيها العلامات الدالة على صحته ثم هديناهم فيها إلى طريق متابعته بوصفه بأنه الذي يصلي إلى القبلتين كما مر وهم يكتمون ذلك ويلبسون على الناس فيه وفسر الهدي والبينات والكتاب بما ذكر لأنه الذي يكتمونه ومن بعد إمّا متعلق بيكتمون أو أنزلنا، وقوله: كأحبار اليهود هو كقوله في الكشاف من أحبار اليهود بدليل تقييده الكتاب بالتوراة، وقيل: إنه عدل عنه ليشمل النصارى وليس بشيء، وقوله: لخصناه معناه شرحناه وبيناه لا اختصرناه فإنّ المذكور في اللغة الأوّل وهو المناسب للمقام. قوله:) أولئك يلعنهم الله الخ (لم يأتي بالفاء في هذه الجملة التي هي خبر الموصول قيل: لئلا يتوهم أن لعنهم إنما هو بهذا السبب أذله أسباب جمة، ومعنى لعن الله لهم تبعيدهم عن رحمته ولعن اللاعنين دعاؤهم! لميهم وقوله الذين يتأتى إشارة إلى التعميم فيه، وقال الزجاج: اللاعنون هم المؤمنون من الجن والإن! والملائكة، وعن ابن عباس ﵄ كل شيء في الأرض والمراد أنهم مستحقون لذلك، وقيل إنه للإشارة إلى أنه ليس على عمومه والمراد من قوله يلعنهم لعنهم في الحياة الدنيا، وقوله: ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٦١ ا] فيما بعد الممات لأن أمر الدنيا على التجدد والحدوث وأمر الآخرة على الدوام والثبات فلا تكرار وان لم يغاير بينهما فالأوّل بيان لحدوث اللعنة والثاني لبيان استقرارها وثباتها. قوله: (وبينوا ما بيته الله الخ (يعني أنّ المراد بالتبيين تبيين ما في كتابهم من وصف النبيئ كي! وغيره مما كتموه فإن بذلك توبتهم تتم وعلى ما بعده المراد به إظهار توبتهم ليمحو عنهم سمة الكفر أي علامتها فيقتدي بهم أشياعهم من الكفرة وإنما ضعفه لأنّ مجرّد التوبة والرجوع عما كانوا عليه يكفي في خلع ربقة الكفر ونزع طوق اللعنة ولا يشترط إظهار ذلك لغيرهم من أضرابهم وقوله بالقبول الخ قد مرّ أنّ معنى توبة الله قبوله توبة العباد، وقوله: المبالغ في قبول التوبة معنى التوّاب، وما بعده معنى الرحيم. قوله: (أي ومن لم يتب من الكاتمين حتى مات) قال الإمام: إنّ الذين كفروا عامّ فلا وجه لتخصيصه، وقال غيره: يجب حمله على من تقدم ذكره لأنّ الكاتمين إمّا أن يتوبوا فهو قوله: إلا الذين تابوا أو يموتوا من غير توبة فهو قوله: إن الذين كفروا فإن الكاتمين ملعونون في الحياة والممات، وأجاب / الإمام بأن هذا إنما يصح إذا لم يدخل الذين يموتون تحت قوله: أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون ولما دخلوا استغنى عن ذكرهم فيجب حمل الكلام على أمر مستأنف، وقال الطيبي ﵀: أنه أحسن لأنّ الآية حينئذ من باب التذييل فيدخل هؤلاء فيها دخولاً أوّلياً فالتعريف في قوله الذين كفروا على هذا للجنس وعلى الأوّل للعهد وقوله: استقرّ الخ مرّ بيانه. قوله: (وقرئ والملافكة الخ (أي بالرفع هذه القراءة خرّجت على وجوه، منها عطفه على لعنة بتقدير لعنة الله ولعنة الملائكة فحذف المضاف من الثاني وأقيم المضاف إليه مقامه ومنها رفعه بفعل مقدر كما ذكره المصنف ﵀، ومنها جعله مبتدأ محذوف الخبر أي والناس والملائكة يلعنونهم، ومنها أنّ لعنة مصدر مضاف إلى فاعله وهذا معطوف على محله، وقيل: عليه أنه ليس بجائز لأنّ شرط العطف على الموضع أن يكون ثمة طالب ومحرز للموضع لا يتغير وأيضا لعنة وان سلم مصدريته فهو إنما يعمل إذا انحل لأن والفعل وهنا المقصود

стр. 683

الثبوت فلا يصح انحلاله لهما وسلمه له غيره، وقالوا: إنه مذهب سيبويه ﵀ لأنه يوجب في نحو ضرب زيد وعمرو بالرفع تقدير ويضرب عمرو لكن قال الحلبيّ إن له طالبا وهو المصدر لأنه إذا نوّن يرفع الفاعل فيقال. ضرب زيد وفيه خلاف فالبصريون يجيزونه والفرّاء يمنعه، لكن قيل: إنه هو الصحيح لعدم السماع وإنما قاسه البصرئون وقد اتبعت العرب فاعل المصدر على محله رفعاً كقوله: مشى الهلوك عليها الخيعل الفضل وهو صفة للهلوك على الموضع وإذا ثبت في النعت جاز في العطف إذ لا فارق بينهما وأثا قوله: إنه لا يؤوّل فممنوع وفيه نظر وقوله: وإضمارها قبل الذكر أي بدون الذكر لكنه تسمح ووجه تفخيمها وتهويلها إنه لشدة الخوف منها لا تغيب عن الأذهان. قوله: (لا يمهلون الخ (يعني أنه إمّا من الأنظار بمعنى الإمهال أو من نظره بمعنى انتظره أي انتظره ليعتذر أو انتظر عذره أو من نظره بمعنى رآه وهو يتعدّى بنفسه أيضا كما في الأساس فيصاغ منه المجهول وأمّا قوله لا ينظر إليهم فبيان للمعنى لا إشارة إلى حذف حرف الجرّ. قوله: (خطاب عامّ (ويدخل فيه الكاتمون فينتظم الكلام فلا حاجة إلى جعل الخطاب لهم ووحدته فسرها بعدم الشريك فهو فرد في ألوهيته لا يصح أن يعبد غيره أو يسمي إلها وان لم يعبد، قال النحرير: ولا يخفى أنّ في قولنا سيدكم سيد واحد من تقرير السيادة وتسليمها ما ليس في سيدكم واحد فلذا أعيدا له ولم يقل واحد ولا إله إلا هو نفي لكل إله سواه وبحسب الاستثناء إثبات له ولألوهيته لأنّ الاستثناء من النفي إثبات سيما إذا كان بدلاً فإنه يكون هو المقصود بالنسبة ولهذا كان البدل الذي هو المختار في كل كلام تام غير موجب بمنزلة الواجب في هذه الكلمة حتى لا يكاد تستعمل لا إله إلا الله بالنصب أو لا إله إلا إياه فإن قيل: كيف يصح أنّ البدل هو المقصود بالنسبة والنسبة إلى المبدل منه سلبية قيل: إنما وقعت النسبة إلى البدل بعد النقض بإلا فالبدل هو المقصود بالنفي المعتبر في المبدل منه لكن بعد نقضه ونقض النفي إثبات وهذا كله بناء على أنه بدل من اسم لا على المحل وقد جعله أبو حيان ﵀ استثناء من الضمير المستتر في الخبر والكلام فيه يحتاج إلى تفصيل سيأتي في محله. قوله: (كالحجة عليها (أي الوحدانية لم يقل حجة لأنه لم يقصد به ذلك لما سيأتي من أن الدليل ما بعدها إذ لا شيء سوا. بهذه الصفة لأنّ ما سواه إمّا نعمة أو منعم عليه فيفيد الحصر فيه ولا يتوقف ذلك على تقدير هو فإن قيل: الكفر والمعاصي وسائر القبائح ليس بنعمة ولا منعم عليه قيل: هي كلها من حيث القابلية والفاعلية وما يرجع إلى الوجود والتنبيه نعم ومرجع الشر والقبح إلى العدم ولهذا بيان في علم آخر، وقوله: خبران آخران أي كص أنّ إله وجملة لا إله إلا هو خبران أيضاً أو المبتدأ محذوف اًي هو أو بدلان، وفاعل نزلت: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾ الخ على التأويل فيه وما ذكره أخرجه البيهقي في الشعب. قوله:) إنما جمع السموات الخ) هذا ما عليه الحكماء وأما المحذثون فالأرض عندهم طبقات بين كل منها والأخرى مسافة عظيمة، وفيها مخلوقات على ما وردت به الأحاديث فالنكتة كما قال أبو حيان ﵀ أنّ جمعها ثقيل وهو مخالف للقياس كأرضون ولذا لما أراد الله تعالى ذلك قال: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [سورة الطلاق، الآية: ١٢] ولم يجمعها ورب مفرد لم يقع في القرآن جمعه لثقله وخفة المفرد وجمع لم يقع مفرده كالألباب وفي المثل السائر نحوه، وقوله: متفاصلة بالصاد المهملة أي بعضها منفصل عن بعض، ولو قرئ بالمعجمة أي متفاوتة لصح ولكن الرواية والدراية مع الأوّل. قوله: (واختلاف الليل والنهار تعاقبهما الخ (الخلفة بكسر فسكون أن يخلف كل واحد الآخر ويسذ مسده وقيل: أمرهم خلفة أي يأتي بعضهم خلف بعض. قوله: (أي بنفعهم أو بالذي الخ (إشارة إلى أنّ ما إمّا مصدرية وضمير ينفع حينئذ إمّا للجري أو للبحر لا للفلك لأنه هنا جمع بدليل وصفه بالتي، وقوله: والقصد به الخ يمكن أن يقال ترك ذكر البحر لدلالة الأرض! عليه والمقصود هنا بيان جري السفن لما فيه من المنافع وكون البحر منشأ للسحاب أحد الأقوال كما مرّ، وقوله: لأنه بمعنى السفينة هذا تركه أولى من ذكره لأنه جمع هنا، وهو من الألفاظ التي استعملت مفرداً وجمعا وقدر بينهما تغاير اعتبارقي دماليه

стр. 684

أشار بقولي وضمة الخ، قال الراغب ﵀: الفلك يستعمل للواحد والجمع وتقديراهما مختلفان فإن الفلك إذا كان واحداً كان كبناء قفل وإذا كان جمعاً كان كبناء حمر والقراءة بضم اللام قيل: إنها لم توجد في شيء من الكتب المعتمدة، وقوله: على الأصل يعني أنه ليس مغيراً عن السكون لاتباع الفاء كما قالوا في عسر عسر بضمتين فهي لغة واردة على الأصل مبينة لأنه أصل الجمع وحينئذ يتحقق تغاير بين الجمع والمفرد. قوله: (من الأولى للابتداء الخ الما كان من قواعدهم أنه لا يتعلق حرفا جرّ بمتعلق واحد جعل الأولى ابتدائية لأن ابتداء نزوله من جهة السماء، والثانية لبيان ما الموصولة فتغاير معناهما بل ومتعلقاهما لأن من البيانية لا تكون إلا مستقرّا وجوّز) ي الثانية أن تكون تبعيضية وأن تكون بيانية بدلاً من الأولى وقوله: بالنبات وفي نسخة بالنباتات واحياء الأرض بالنبات مجاز معروف. قوله:) عطف على أنزل الخ) قد خفي أمر العطف هنا معنى ولفظا أفا معنى فلأنّ الماء المنزل من السماء والدواب المبثوثة لا جامع بينهما حتى يعطفا وتقابل السماء والأرض غير كاف والعطف على ما بعد الفاء يقتضي تسببه عن الإنزال وهو غير ظاهر، وأمّا لفظا فلأنه على الأوّل في حيز الصلة ولا عائد فيه وتقدير به لا يجوز لأنّ المجرور إنما يحذف إذا جرّ الموصول بمثله وهو مفقود هنا مع ما في الأوّل من الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه حتى اختار أبو حيان ﵀ أنه على حذف الموصول أي وما بث لقيام القرينة عليه ولأنه يصير آية مستقلة، قال وحذف الموصول! جائز في كلام العرب حتى قاسه الكوفيون وأجيب بأن أحى من تتمة الأوّل، أو المعنى وما أنزل لإحيائها فيظهر الجامع وعدم الفصل لاحتياج الدواب إلى الماء والنبات ولا خفاء في التسبب لأن الماء سبب حياة المواشي والدواب من أوجه وسبب بثها لأنّ الحركة فرع الحياة وهي بذلك، وجعل عطفه على أنزل أظهر لسبقه ولدلالته على الاستقلال وضمير فيها للأرض! وإن كان سيأتي في ﴿حم عسق﴾ أن في السماء دواب أيضا لأنها غير مشاهدة لهم حتى تكون آية وإذا عطف على أحى فلا حاجة إلى تقدير الضمير لأنّ الفاء السببية تكفي في الربط وما ذكره من شرط حذف المجرور أكثرفي لا كليّ، والحيا بالقصر والمد المطر والخصب ومهابها جمع مهب وهو جهة هبوبها، وأحوالها من اللين والشدة والبرد والحرارة ولا يتقشع من التفعل أو الانفعال بمعنى يزول وقوله: مع انّ الطبع الخ يعني يقتضي صعوده إن كان لطيفا وهبوطه إن كان كثيفآ ومسخر اسم مفعول ضميره أو تقلبه نائب فاعله والضمير للسحاب وسمي سحاباً لانسحابه في الجوّ أو لسحب بعضه بعضا أو لجرّ الرياج له. قوله:) يتفكرون فيها الخ (يعني المراد بالعقل هنا بقرينة المقام التفكر في هذه الآيات وتدبرها وعيون العقول استعارة مكنية وقوله: ويل الخ قال العراقي لم أقف عليه لكن رواه ابن مردويه وابن أبي الدنيا عن عائشة ﵂ بغير هذا اللفظ وهو أن النبيّ ﷺ قرأ هذه الآية ثم قال: " ويل من قرأها ولم يتفكر فيها "، وقال الأوزاعي: التفكر فيها أن يقرأها ويعقلها وقوله: مج بها من مج الريق من فيه، والباء لما فيه من معنى الرمي ووجه الدلالة على التفكر أن من تفكر فيها فكأنه حفظها ولم يلقها من فيه. قوله:) والكلام المجمل الخ (محتملة بفتح الميم وأنحاء بالمذ تجمع نحو بمعنى جهة أي وجهات مختلفة والمنطقة دائرة عظيمة متساوية البعد عن القطب فلا تمرّ به والقطب رأس القطر من الجانبين والأوج أبعد بعد من المركز والحضيض يقابله ولا بذ منهما فوجودها على هذا النمط البديع يدل على أنّ لها موجداً قادراً حكيما لا يدانيه شيء ولا يعارضه غيره وما ذكره كله مبنيّ على مذعي أهل الهيئة، وأهل الشرع والظاهر ما بين منكر له وساكت عنه. قوله: (إذ لو كان معه إله يقدر الخ (هذا برهان التمانع المذكور في الكلام وسيأتي تقريره في قوله تعالى لو كان فيهما آلهة إلا الله والتطارد بمعنى التمانع، وأصله طرد أحدهما الآخر. قوله: (من الأصنام الخ (فسر الأنداد هنا بالأمثال دون الأضداد إذ لم يقصد التهكم هنا وقيل: أنه لا مانع منه لكن ما بعده لا يناسبه فتأمل وهي إمّا الأصنام أو الرؤساء الذين اتبعوهم وفسر المحبة

стр. 685

بالتعظيم والطاعة لتلازمهما كما قيل: تعصي الإله وأنت تظهرحبه هذالعمري في القياس بديع قوله: (أي يسوّون الخ) هذا مفهوم بقرينة قوله أشد حبا والا فالتشبيه لا يقتضي المساواة بل زيادة المشبه به وحب الله مصدر مبنيّ للفاعل مضاف إلى المفعول أو مبنيّ للمفعول، وقوله: من الحب بالفتح كحب الحنطة ونحوها وواحده حبة، وحبة القلب وسطه مستعار له، فقوله: أستعير لحبة أي استعير الحب لها ثم اشتق منه المحبة لأنها أثرت في صميم القلب ورسخت فيه كما يقال: رأسه إذا أصاب رأسه وهذا كله مأخوذ من كلام الراغب. قوله: (ومحبة العبد دلّه الخ (قال بعض المتكلمين ة المحبة نوع من الإرادة فتتعلق بالجائزات فلا يمكن تعلقها بذاته تعالى وصفاته، وقالت الصوفية: العبد يحب الله لذاته وأمّا حب خدمته وثوابه فمرتبة نازلة، وقال الإمام ﵀: من حمل محبة الله على محبة طاعته أو محبة ثوابه فقد عرف أن اللذة محبوبة لذاتها ولم يعرف أن الكمال محبوب لذاته، وأما نحن فنحب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والأولياء بمجرّد اتصافهم بصحفات الكمال فالله تعالى المتصف بكل كمال لا يزانيه كمال أولى بالمحبة مما سواه، ومن أراد تفصيله فلينظر في الإحياء، والمصنف ﵀ لم يعدل عن هذا إلا لأن ذلك من خواص الخواص والكلام هنا على العموم وأما محبة الله للعبد فهي بمعنى إرادة الخير له إذ هو منزه عن الميل المذكور. قوله: الأنه لا تنقطع محبتهم الله الخ) إشارة إلى أنّ أشد بمعنى أدوم وأرسخ لا أكثر قال النحرير: آثر أشد حباً على أحب لأنه شاع في الأشد محبوبية يعني فعدل عنه احترازاً عن اللبس وهذه نكتة لطيفة في العدول عن أفعل القياسي، وأيضاً أحب أكثر من حب فلو صيغ منه لتوهم أنه من المزيد وفي الحديث: " من أحبك لشيء ملك عند انقطاعه " وقوله: ولذلك كانوا الخ كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ﴾ [سورة العنكبوت، الآية: ٦٥] الآية ومن اللطائف هنا أنّ باهلة كانت لهم أصنام من حي! أي تمر مخلوط بأقط وسمن فجاعوا في قحط أصابهم فأكلوها فقيل إنه لم ينتفع مشرك بآلهته كانتفاعهم بها فإنهم ذاقوا حلاوة الكفر. قوله: (ولو يعلم هؤلاء الذين ظلموا الخ (يعني إن رأى هنا بمعنى علم والذين ظلموا من وضع الظاهر موضح المضمر للدلالة على أنّ اتخاذ الأنداد ظلم عظيم، وقوله: إذا عاينوه إشارة إلى أنّ إذ بمعنى إذا والمضارع بمعنى الماضي ورأى بصرية ولا يخفى أنه إذا كانت إذ بمعنى إذا فالرؤية في المستقبل، فتأويله بالماضمي ثم جعل الماضي عبارة عن المستقبل لتحقق الوقوع تكلف لا داعي له إلا المناسبة اللفظية بين إذا والماضي فتأمّل. قوله:) ساذ مسذ مفعولي ير! الخ) مما يدل على أنها من الجواب أنه قرئ بكسران وقوله: لا ينفع الخ مأخوذ من قوله جميعا وبه يرتبط النظم. قوله:) على أنه خطاب للنبتي ﷺ الخ (في الكشاف وقرئ ولو ترى بالتاء على خطاب الرسول أو كل مخاطب أي! ن تصح منه الرؤية والمصنف رحمه الله تعالى ترك الثاني مع أنه من الفصاحة بمكان وهو متعدّ إلى مفعول واحد وهو الذين ظلموا، قال النحرير: وبنبغي أن يكون إذ يرون بدلاً منه، وكذا إذ تبرأ إذا لم يعهد الإبدال من البدل وأنّ القوّة في موقع بدل الاشتمال من العذاب وفي جعله بمنزلة المبصر المشاهد مبالغة، وقيل: هو في معرض التعليل للجواب المحذوف أي لرأيت أمراً عظيما لأنّ القؤة لله الخ وفيه فصل بالجواب ومتعلقه بين البدل الذي هو إذ تبرأ والمبدل منه، وأورد عليه أنه يقتضي جواز تعذد البدل بلا شبهة وإنما التردد في جواز البدل من البدل مع أنه لم يرد تعذد البدل في شيء من كتب النحو ولا ضرورة في هذه القراءة إلى جعل إذ بدلاً من المفعول إذ يصح إبقاؤه على الظرفية مع أنّ إن على هذه القراءة لا يتعين فتحها إذ قرئت بالكسر أيضاً وهو يؤيد ما زيفه من التعليل فتأمّل. واضمار القول تقديره لقلت إنّ القوة الخ على أنه جواب. قوله: (والواو للحال الخ) رجح الحالية على العطف لتأذيه إلى إبدال رأوا العذاب من إذ يرون العذاب وليس فيه كبير فائدة ولأنّ الحيق بالاستعظام والاستفظاع هو تبرؤوهم في حال رؤية العذاب لا هو نفسه، وقيل عليه إنّ البدل! الوقت المضاف إلى الأمرين والمبدل

стр. 686

منه الوقت المضاف إلى واحد ولبس بينه وبين إبدال الوقت المضاف إلى التبري مقيداً برؤية العذاب كبير فرق وقوله: والأوّل أظهر لاستقلاله في الاستفظاع، والحالية إمّا من فاعل تبرأ أو رأوا فتكون متداخلة وباء بهم للسببية بتقدير مضاف أي بكفرهم أو الحالية أي ملتبسة وقيل: إنها للتعدية واستبعدت الحالية بأنّ تقطعها ليس في حال تلبسهم بها وفيه نظر. قوله: (وأصل السبب الخ) قال الراغب في مفرداته: السبب الحبل الذي يصعد به النخل ومثل هذه القيود بناء على الأكثر فيها فلا يرد ما قيل: إن هذا القيد غير مذكور في كتب اللغة، والوصل بضم الواو وفتح الصاد المهملة جمع وصلة بسكونها. قوله: (لو أنّ لنا كرّة الخ) المراد من الكرّة الرجوع إلى الدنيا أي ليت لنا كرّة إلى الدنيا، قال النحرير: هذا بيان للمعنى وأمّا بحسب اللفظ فأنّ لنا كرّة في موضع رفع أي لو ثبت أنّ الخ ونتبرأ مع أن المضمرة عطف عليه وإنما تمنوا ذلك لأنّ التبري منهم في الآخرة لا يضرهم لأنهم في شغل شاغل، وأمّا على قراءة مجاهد ففيه إشكال لأنّ الاتباع إذا تبرؤوا في الآخرة لم يكن لهذا التمني معنى بل ينبغي أن يكون هذا من المتبوعين على ما قيل إنّ حقه أن يقرأ وقال الذين اتبعوا على البناء للمفعول، واعترضى بأنّ هذا يكون تمنيا لذل الدنيا بعد ذل الآخرة وفيه نظر ووجه النظر أنّ ذل الآخرة مشترك بينهما وأنهم بعد ما اتضح الحال لو رجعوا إلى الدنيا لم يتبعوهم حتى يتبرأ الرؤساء منهم فلا يليق مثله في النظم وهو ظاهر. قوله: (مثل ذلك الآراء الخ) الأراء مصدر أراء أراءة وأراء كما سمع إقاما واقامة والمعروف في مثله التاء لأنها عوض عن العين المحذوفة لكن حكى هذا سيبويه قيل: واختار. مع أنه خلاف المشهور ليوافق تذكير ذلك وإن كان تأنيث المصدر غير معتبر أو لأنّ الإراءة عرفت في معنى الرياء وهو غير صحيح هنا وجعل المشار إليه مصدر الفعل المذكور بعده لا ما قبله كما مرّ تحقيقه في قوله ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ . قوله:) يريهم الله أعمالهم الخ) الرؤية هنا يحتمل أن تكون بصرية فتتعدى لاثنين أوّلهما الضمير والثاني أعمالهم وعلى هذا حسرات حال من أعمالهم، وأن تكون قلبية فتتعذى لثلاثة مفاعيل ثالثها حسرات وعليهم إمّا متعلق بحسرات بتقدير مضاف أي على تفريطهم لأنّ حسر يتعدى بعلى أو صفة لحسرات والحسرة الندم أو شذته. قوله:) أصله وما يخرجون الخ) يعني أنّ التركيب مثل وما أنت علينا بعزيز والمعروف فيه قصد اختصاص المسند إليه بالنفي وثبوت الفعل لغيره لكنه لم يقصد هنا الحصر وان كان صحيحاً لأنّ أرباب الكبائر يخرجون من النار وإنما القصد إلى التقوى وقد تبع فيه المصنف ﵀ الزمخشرفي حيث قال: هم بمنزلته في قوله: هم يفرشون اللبد كل طمرّة في دلالته على قوّة أمرهم فيما أسند إليهم لا على الاختصاص واعترض عليه في عروس الأفراج وقالط هي دقيقة اعتزالية لأنه لو جعله للاختصاص لزمه تخصيص عدم الخروج بالكفار فيلزم خروج أصحاب الكبائر كما هو مذهب أهل السنة والزمخشري أكثر الناس أخذ بالاختصاص في مثله فإذا عارضه الاعتزال فزع منه اهـ، فكان على المصنف ﵀ أن لا يتبع هواه فيه وان كنا نقول من جانبه أنه اعتمد على ما يدل على خلافه من النصوص وسيأتي مثله في سورة المائدة في قوله وما هم بخارجين منها. قوله: (نزلت في قوم حرّموا الخ (قيل إنه ليس كذلك إنما نزلت في المذكورين آية المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ﴾ [سورة المائدة، الآية: ٨٧] وأمّا هذه فنزلت في الكفار الذين حرموا البحائر والسوائب والوصائل كما ذكره ابن جرير وغيره بدليل قوله: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٧٠] كما ذكر في قصة البحائر وخطاب المؤمنين بعده بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ كما خوطبوا في تلك الآية لأنهم مؤمنون فعلوا ذلك زهداً وهو وارد غير مندفع. قوله:) وحلالآ مفعول كلوا الخ) في هذه الآية وجوه من الإعراب الأوّل أن حلالاً مفعول كلوا ومن لابتداء الغاية متعلقة بكلوا قيل: لا للتبعيض لأنّ من التبعيضية في موقع المفعول أي كلوا بعض ما في الأرض فإن قيل: لم لا يجوز أن تكون حالاً قدم عليه لتنكيره، قيل: لأن كون من التبعيضية ظرفا مستقرّاً أو كون اللغو حالاً مما لا يقول به النحاة (أقول) أما كون الثاني

стр. 687

مما لا يقول به النحاة فظاهر وأمّا الأول فليس كما قال فإنهم صزحوا بأنّ من التبعيضية تكون مستقرّاً ولغواً وسكت عن كونها بيانية كأنه ظن أنها لا تتقدم على المبين والصحيح خلافه. قوله: (أو صفة مصدر محذوف أو حال الخ (ومن يجوز فيها الابتداء أو التبعيض، وقوله: إذ لا يؤكل كل ما في الأرض ظاهره أنه على سائر الوجوه السابقة فليتأمّل. قوله: (يستطيبه الشرع أو الشهوة) قيل: المراد على الأوّل ما لا شبهة فيه وهو ظاهر، وأتا على الثاني فيرده أنّ ما ليس كذلك إمّا حلال بلا شبهة فلا منع منه أو لا فخارج بقيد الحلال ولا يتأتى الجواب بأنه صفة مؤكدة لا! قوله: إذ الحلال الخ يأباه وهو غير وارد إذ المراد بالحلال ما نص الشارع على حله وبهذا ما لم يرد فيه نصى ولكنه مما يستلذ ويشتهيه الطبع المستقيم ولم يكن في الشرع ما يدل على حرمته كإسكار وضرر. قوله: الا تقتدوا به الخ) يعني أن اتباع الخطوات استعارة للاتباع كما يقال: هو على أثره على قدمه. قوله: (وقرأ الخ (يعني أنه قرئ بضم الخاء والطاء وبضم الخاء وسكون الطاء وبفتح الخاء والطاء وبفتح الخاء وسكون الطاء وبضمهما والهمزة ووجهها أنّ فعلة الساكن العين السالمها إذا كان اسما جاز في جمعه بالألف والتاء ثلاثة أوجه السكون وهو الأصل والاتباع وفتح العين تخفيفا، وأفا قراءة الهمزة ففيها وجهان قيل: إنها أصلية من الخطا بمعنى الخطيئة وقيل: إن الواو وقلبت همزة لأنّ الواو المضمومة تقلب لها نحو أجوه وهذه لما جاورت الضمة جعلت كأنها عليها، والفرق بين الخطوة بالفتح والضم أنّ الأوّل مصدر للمرّة كالضربة والثاني اسم للمتخطي أي ما بين القدمين كالغرفة للمغروف. قوله: (ظاهر العداوة) يعني أنه من أبان بمعنى بان وظهر وتسميته وليا باعتبار ما يظهره ويحتمل أنه من باب تحيتهم السيف. قوله:) بيان لعداوته الخ (يعني أنّ هذه الجملة مستأنفة لبيان ما قبله ولذا ترك عطفه، ووجوب التحرّز لأنّ ما يأمر به ويزينه قبيح فلا يرد ما قيل: إنّ التحرّز إنما هو من كونه عدوّاً مبينا، وقوله: واستعير الخ لدفع ما يتراءى من معارضته لقوله: إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إذ الأمر يقتضي العلوّ التسلط ووجه الدفع أنّ الأمر استعير لتزيينه القبائح ووسواسه، ودفع أيضاً بأنّ الأمر للاستعلاء لا للعلوّ وبأنّ المأمورين من اتبع خطواته وهم الغاوون والمذكور في الآية الأخرى غيرهم وعلى الأوّل فهو استعارة تبعية ويتبعها الرمز إلى أنهم بمنزلة المأمورين لما بين الأمرين من الملازمة، وقال الإمام: أمر الشيطان عبارة عن الخواطر التي نجدها في أنفسنا وفاعلها هو الله تعالى كما هو أصلنا لكن بواسطة إلقاء الشيطان إن كانت داعية إلى الشر بواسطة الملك إن دعت إلى الخير وبعض الصوفية والفلاسفة يفسر الملك الداعي للخير بالقوّة العقلية والشيطان بالقوّة الشهوانية والغضبية، ثم إنهما إن كنا شيئا واحداً فالعطف لتنزيل تغاير الوصفين منزلة تغاير الحقيقتين والا فالأمر ظاهر. قوله: (وفيه دليل على المنع من اتباع الظن رأساً (أي ابتداء من غير نظر ومأخذ يقتضيه الدليل وهذا توطئة لما بعده من قوله وأمّا اتباع المجتهد الخ وحاصله دفع سؤال وهو أنّ المجتهد يعمل بمقتضى ظنه الحاصل عنده من النصوص فضلا عن المقلد ف! صيف يمنع من القول بغير علم، والجواب أنّ الشارع جعل ظنه مناطا للأحكام وعلة لها كما جعل ألفاظ العقود علامة عليها فمتى تحقق ظنه بالوجدان علم قطعا ثبوت ما نيط به إجماعاً بل ضرورة من الدين فقد أفضى به ظنه إلى العلم بالأحكام أنفسها ووجب عليه العمل بمقتضى ظنه لذلك، فالطريق ظتي والمقصد علم محقق أو علمه بوجوب أنّ اتباع الحكم المظنون يوصله إلى العلم بثبوته من الله تعالى في حقه مع مقلديه بأن يقول هذا حكم يجب عليّ اتباعه وما ليس حكما ثابتا من الله تعالى لا يجب عليّ اتباعه والمقدمتان قطعيتان فكذا النتيجة أعني كوته ثابتاً من الله تعالى في حقه وإن أردت تحقيق هذا فانظر حواشي العضد والمدرك بالفتح بزنة اسم المكان ما يؤخذ منه الحكم وهو من ألفاظ الأصوليين المولدة. قوله:) الضمير للناس وعدل عن الخطاب الخ (هذا غفلة عما قاله هناك فإنه فسر الناس بالمتزهدين وهو لا يصح هنا بل هم اليهود أو المشركون والضمير للناس على طريقة الالتفات، ولو كانوا غير الأوّلين لم يكن هناك التفات، وألفى بمعنى

стр. 688

وجد كما صرح به في الآية الأخرى وألفه منقلبة عن ياء. قوله: (الواو للحال أو العطف الو وأن الوصلية في مثل هذا تقترن بالواو وقال أبو حيان ﵀ إنها لازمة لا يجوز إسقاطها واختلف فيها فقيل: عاطفة على حال مقدرة وقيل: حالية وقيل: القولان بمعنى لأنّ المعطوت عليه حال فهي عاطفة وحالية وهذا هو الصحيح وبعينه قول العرب: قد قيل: ما قيل أصدقا وان كذبا ونحوه والضابط فيها أن تقدر بالأبعد ليفيد الأقرب دلالة وفي الكشف إن الشرط نقل لمجرّد التسوية وهذا الشرط لا يقتضي جوابا على الصحيح لأنه خرج عن معنى الشرطية وإنما يقدرونه توضيحا للمعنى وتصويراً له وأمّا دلالتها على المنع من التقليد فلزمهم على اتباع آبائهم ولو كانوا لا يهتدون فإمّا من تيقن أنه مهتد محقق فلا يدخل فيه وهو ظاهر. قوله: (على حذف مضاف الخ) اختلف في هذا التشبيه هل هو مفرّق على أنه تشبيه أشياء بأشياء أو تشبيه مركب بمركب وانّ تقدير المضاف هل هو مبني على التفريق أم لا فقيل: لا بد من تقدير المضاف وان كان مركبا على ما ينبئ عنه لفظ المثل لأنّ المناسبة تقتضي إضافة المثل أي الحال والقصة في الطرفين إلى المتناسبين الواقع أحدهما موقع الآخر وان لم يكن القصد الأصلي تشبيهه به كقوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٧] و ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [سررة الجمعة، الآية: ٥] ولا يحسن كمثل الأسفار وبهذا يندفع ما يقال لم لا يجوز أن يكون التشبيه مركباً غير مفرّق فلا يحتاج إلى تقدير وأورد عليه أنهم قد صرحوا في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء﴾ [سورة يونمى، الآية: ٢٤] أنه لا تقدير فيه على التركيب وتابعهم هذا القائل في قوله تعالى. ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء﴾ [سورة البقرة، الآية: ٩ ا] وفيه بحث ليس هذا محله، وإذا قلنا بالتقدير سواء كان لازما في الوجهين أو في أحدهما فإما أن يقدر في الأوّل مثل داعي الذين كفروا أو في الثاني أي كمثل بهائم الذي ينعق وعلى التفريق فالداعي بمنزلة الراعي والكفرة بمنزلة الغنم المنعوق بها ودعاؤه الكفرة بمنزلة صياج الناعق وعلى التركيب شبه حال هذا الداعي مع من دعاه في أنهم يسمعون قوله ولا يفهمونه بمنزلة الراعي الصائح بغنمه وكلام المصنف ﵀ محتمل لهذا وإليه أشار بقولة والمعنى الخ، ومغزاه بالعين والزاي المعجمتين أصله محل الغزو والقتال وتجوّز به عن المقصود منه يقال: هو لا يعرف مغزى كذا أي ما يقصد منه وهذان وجهان من ثمانية أوجه في الآية وهما الأرجح وجوّز فيه الزمخشري أن يراد بما لا يسمع البهائم كما هو الظاهر من كلمة ما، والنعيق التتابع في تصويت البهائم وأن يراد الأصم الأصلح وتركه المصنف ﵀ لأنه خلاف الظاهر من وجوه والداعي هنا الداعي إلى الإيمان. قوله: (وقيل هو تمثيلهم الخ (في الكشاف، وقيل: معناه ومثلهم في اتباعهم آباءهم وتقليدهم لهم كمثل البهائم التي لا تسمع إلا ظاهر الصوت ولا تفهم ما تحته فكذلك هؤلاء يتبعونهم على ظاهر حالهم ولا يفقهون أهم على حق أم باطل فشبه حالهم في اتباع آبائهم بحال البهائم كما أنها لا تتبع إلا ظاهر النداء كذلك هؤلاء لا يتبعون إلا ظاهر حال الآباء وهذا أشذ مناسبة لما قبله وفيه احتمال التركيب والتفريق والأوّل أولى ولا تقدير على هذا التقدير. قوله: (أو تمثيلهم في دعائهم الآصنام الخ (يعني أنّ هذا الوجه فيه احتمالان أحدهما أن يكون تشبيها مفرقاً والآخر أن يكون تمثيلا والاحتمال الأوّل مردود لفقدان التقابل بين المشبه والمشبه به وعدم صحة قوله الادعاء ونداء لأنهم لا يسمعون شيئاً، والثاني مقبول لعدم ورود ذلك وأورد عليه أنه على التمثيل لا يندفع ذلك لأنّ المراد أنّ داعي الأصنام لا يرجع من دعائها إلى شيء وأنها أدون حالاً من البهائم لأنها تسمع دعاء ونداء وهي لا تسمع شيئا قط قال تعالى: ﴿إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ فإذا لم يوجد في الممثل ما للممثل به يناسبه تفوت هذه الدقيقة لأنّ الواجب في التمثيل أن يقدر للممثل له ما للممثل به من الحال المتوهمة المنتزعة من أمور ولو اختل منها شيء اختل التمثيل اللهم إلا أن يجعل التشبيه مركباً عقلياً أي مثل دعائهم الأصنام فيما لا جدوى فيه كمثل الناعق بما لا يسمع الادعاء ونداء وردّ بأن ما يذكر في الطرفين لا بد أن يكون له دخل في انتزاع الهيئة والفرق بين المركب الوهمي والمركب العقلي في ذلك بتخصيص المدخلية وهم وهذه جملة معطوفة على

стр. 689

الجملة الشرطية تقرّر ما ذمهم به من التقليد وعدم رفعهم رأسا إلى اتباع الممد من عند الله بالتأييد وعطفه على خبر كان آباؤهم بجعل الذين كفروا مظهراً قائما مقام الضمير عدول عن الظاهر، وقوله: رفع على الذم أي خبره مبتدأ محذوف تقديره هم فإن قلت المرفوع على الذم أو المدح وكذا المنصوب نعت مقطوع وهذا نكرة لا يصح أن يكون نعتاً للذين حتى يقطع، قلت: سيأتي أنّ النعت إذا قطع لا يشترط فيه ما يشترط إذا أجرى كما صرحوا به. قوله:) أي مما يعقل الخ (وقع في النسخ هنا اختلاف فعلى هذه المراد التعميم أي لا يعقلون شيئا مما يعقل ويعقل مجهول وفي نسخة بالفعل وفي نسخة بالعقل والمراد به العقل المكتسب لا ما هو بحسب الفطرة والاستعداد. قوله: (لما وسع الأمر الخ) هذا لا ينافي قوله في ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ إنها نزلت الخ لأن خصوص السبب لا ينافي عموم اللفظ كما بين في الأصول وقوله: سوى ما حرم مأخوذ من قوله حلالاً، فإن قلت: قوله أن ينحروا طيبات الخ أي يقصدوا يقتضي أنه لم يسبق مع أنه قال أوّلاً حلالاً طيبا قلت على تفسير الطيب الأوّل هناك لا يرد وعلى الثاني فالمخصوص بهذا المقام التحري مه! القيام بالحقوق لا هو فقط. قوله:) فإنّ عبادته لا تتم إلا بالشكر الخ (في نسخة فالمعلق بفعل العبادة هو الأمر بالشكر لإتمامه وهو عدم عند عدمه يعني أنه علق العبادة بالشكر بل علق حصرها فيه وتوحيده بها به وهو يقتضي أن لا ينفك أحدهما عن الآخر فأجاب بأنّ المراد تمامها وهو إنما يكون بالشكر ولو قبل: أن الشكر لا يوجد بدون العبادة لأنه نوع منها بل هي عين الشكر إذ هو أعم من اللسان والجنان والأركان لصح لكن المصنف ﵀ بناه على المتبادر وهو أن المراد بالعبادة ما يكون طاعة معروفة وبالشكر الحمد اللساني فتأمّل وقوله: وعن النبيّ ﷺ الخ أخرجه الطبراني في السنن والديلميئ والبيهقيّ: " ويعبد ويشكر " مجهولان. قوله: (أكلها والانتفاع بها الخ الما سيأتي من أن الحرمة تتعلق بأفعال المكلفين فإذا علقت بالعين فالمراد تحريم التصرف والانتفاع مطلقا إلا ما خصه الشرع كالانتفاع بالجلد المدبوغ وألحق بالميتة ما أبين أي فصل من حيّ وهو بعض أعضائه وأمّا السمك والجراد فميتتاهما غير حرام إمّا لأن الميتة في العرف ما يذكي إذ لم يذكيا أو أنه خص بحديث: أحلت لنا ميتتان ودمان السمك والجراد والكبد والطحال. قوله: " نما خص اللحم الخ) قال ابن عطية خص اللحم ليدل على تحريم عينه ذكي أو لم يذك وفيه نظر. قوله:) اي رفع به الصوت الخ) هذا أصله ثم جعل عبارة عما ذبح لغير الله، وكون الإهلال أصله رؤية الهلال كما ذكره المصنف ﵀ هو ما ذهب إليه كثير من أهل اللغة وارتضى في الكشف أن هذه المادة وضعت للأولية فيقولون الهلل لأول المطر والهلال لأوّل ما يبدو القمر، ثم قيل: أهل الصبيّ إذا رفع صوته حين الولادة لأنه أوّل ظهوره وسماع صوته ثم استعمل في رفع الصوت مطلقاً وقوله: بالاستئثار أي طلب أن يؤثر نفسه على ذلك المضطرّ الآخر بأن ينفرد بتناوله فيهلك الآخر. قوله: (سدّ الرمق الخ (أصل معنى عدا تجاوز ومنه العدوان لتجاوز الحد كما أنّ بغي بمعنى طلب ومنه البغي لطلب الفساد والخروج على الإمام وقد فسرا هنا بهذين المعنيين فاختار المصنف ﵀ تفسير البغي بالبغي على الغير بأخذ نصيبه والعادي بالمتجاوز ما يسدّ الرمق والجوع، وعلى القول الآخر هو من البغي والعدوان لكن خلاف القول الصحيح عند الأئمة الأربعة إلا في قول للشافعيّ وأحمد قالا بمثله في قصر الصلاة. قوله:) المراد قصر الحرمة الخ) يعني أنه ردّ على المشركين في تحريمهم ما أحل الله من السائبة وأخواتها وتحليلهم ما حرّمه الله من هذه المذكورات كأنهم قالوا تلك حرمت علينا لكن هذه أحلت فقيل: لهم ما حرم عليكم إلا هذه فهو قصر قلب هذا معنى الوجه الأوّل وهو مبنيّ على أنه للكفار فإن عاد على المؤمنين في تحريمهم لذيذ الأطعمة ورفيع الملاب! فهو قصر إفراد، وقوله: فمن اضطرّ الخ لتفصيل الحكم وبيانه بأنه محرّم في حال الاختيار وقوله: أو قصر حرمته على حال الاختيار أي أنه يعلم من التفريع المذكور أنّ الحكم الأوّل مقيد بحالة الاختيار والحصر بالنسبة إليه حقيقيّ لكنه مخالف للظاهر إذ الحصر في وصف غير مذكور في الكلام بعيد، ولذا قال الطيبي ﵀: إنه ضعيف، وقوله عوضاً فسر الثمن به لدخول الباء على ما يقابله وقد مضى

стр. 690

الكلام فيه. قوله.) إمّا قي الحال الخ (المأكول هنا هو الرشا التي أخذوها في مقابلة ما بذلوه وأكلها مجاز عن أخذها والنار مجاز عنها من إطلاق المسبب على السبب عكس ما في البيت فالمراد بالتلبس ملابسة السببية لا أنه إسناد مجازفي. قوله: (كلت دماً الخ) هو لأعرابي تزوّج امرأة فلم توافقه فقيل له: إنّ حمى دمشق تهلك النساء سريعا فحملها إليها وقال: دمشق خذيها واعلمي أن ليلة تمزبعودي نعشها ليلة القدر أما لك عمر إنما أنت حية إذا هي لم تقتل تعش آخرالدهر ثلاثين حولاً لا أرى منك راحة لهنك في الدنيا لباقية العمر أكلت دما إن لم أرعك بضرّة بعيدة مهوى القرط طيبة النشر قال التبريزي: أجود الوجوه في معناه أنه يدعو على نفسه بأن يقتل له قتيل فيأخذ ديته، ويجوز أن يكون المراد بأصابني جدب وحاجة لأنهم كانوا يأكلون الدم في القحط أو يعني بالدم دم الحية وهو سمّ فلا شاهد فيه وأرعك بمعنى أخوّفك والمراد أسوءك وبعيدة مهوى القرط وهو الحلقة في الأذن كناية عن طول العنق، وقيل الأحسن طول القامة وقوله أو في المآل معطوف على في الحال وأكل النار عبارة عن إحراب باطنهم والا فهي لا تؤكل حقيقة. قوله: (ومعنى في بطونهم الخ الا يخفى أن البطن ليست ظرفاً للأكل بل للمأكول لأنّ الأكل المضغ أو التغذي لكن يذكر معه للذلالة على أنه ملؤوه وإذا قيل في بعض بطنه فالظاهر ما دون الملء ففي كلام المصنف ﵀ تأمّل. وقيل: إنه بيان لحاصل المعنى وأمّا التحقيق فهو أنه جعل البطن بتمامه محل الأكل بمنزلة ما لو قيل: جعل الأكل في البطن فهو ظرف متعلق بيأكل لا حال مقدرة على ما في تفسير الكواشي) أقول) قال أبو البقاء: الأجود أن تكون حالاً مقدّرة لأنها وقت الأكل ليست في بطونهم وإنما يؤول إلى ذلك والتقدير ثابتة في بطونهم لكن فيه تقدم الحال على الاستثناء وهو ضعيف. قوله:) كلوا في بعض بطنكمو تعفوا) تمامه: فإن زمانكم زمن خميص أي تعفوا عن السؤال. قوله: (عبارة عن غضبه الخ الما كان الله يسألهم حمل الكلام على الكلام بما يسرهم فيكون مخصوصا بقرينة المقام ولم يرتضه المصنف ﵀ وجعله عبارة عن غضبه على طريق الكناية، وكذا قوله وتعريض بحرمانهم لأنّ التعريض نوع من أنواع الكناية وهو مبنيئ على أن سؤال القيامة لهم من الله وقيل: إنه ليس كذلك بل بواسطة الملائكة عليهم الصلاة والسلام وحمل التزكية على الثناء لأنها لازم معناه، وقوله: أليم بمعنى مؤلم مرّ ما فيه ومعنى اشتراء الهدى بالضلال استبداله، وقوله: بكتمان متعلق بهما. قوله: (تعجب من حالهم الخ) اختلف في ما أفعل في التعجب فذهب الجمهور إلى أنّ ما نكرة تامّة ومعناها التعجب فمعنى ما أحسن زيداً شيء صير زيداً حسناً وذهب الفرّاء إلى أنّ ما استفهامية ضمنت معنى التعجب نحو كيف تكفرون بالله وذهب الأخفش إلى أنها موصولة وفي قول له إنها نكرة موصوفة وعلى هذه الأقوال هي في محل رفع على الابتداء والجملة خبرها أو خبرها محذوف إن كانت صفة أو صلة، وبقية الكلام فيه مبسوط في النحو ثم إنّ التعجب هنا راجع إلى العباد وأنّ حالهم حقيق بأن يتعجب منها لأنّ التعجب منشأه الجهل بالسبب وهو في نفسه انفعال فلا يجوز عليه تعالى من وجهين، ثم إنّ الصبر هنا مجاز عن الجراءة على أسباب العقوبة وهو من بليغ الكلام، قال الراغب: قال أبو عبيد إنّ ذلك لغة بمعنى الجراءة واحتج بقول أعرابيّ قال لخصمه ما أصبرك على الله وهذا تصوّر مجاز بصورة حقيقة لأنّ ذاك معناه ما أصبرك على عذاب الله في تقديرك إذا اجترأت على ارتكاب ذلك والى ذلك يعود قول من قال ما أبقاهم على النار وقول من قال ما أعلمهم بعمل أهل النار، ويصح أن يكون استعارة تمثيلية وقوله: كتخصيص! قولهم الخ يعني قصد التعجب لأنه من المخصصات كالاستفهام أو لأنه موصوف تقديراً وان كانت موصولة أو موصوفة فهو ظاهر وبقية الأقوال واضحة وكلها بناء على التعجب، وجوّز فيه وجه آخر وهو

стр. 691

أن تكون ما استفهامية قصد بها التوبيخ وأصبر فعل ماض بمعنى صيره صابراً لكنه لم يوجد في اللغة أصبر بهذا المعنى، ولذا تركه المصنف ﵀. قوله: (أي ذلك العذاب بسبب الخ (يعني ذلك إشارة إلى العذاب والكتاب للجنس والمختلفون هم اليهود القائلون بأنّ البعض من هذا الجنس حق كالتوراة والبعض باطل كالقرآن وجوّز أن يكون إشارة إلى كفر اليهود والكتاب للمعهود أعني القرآن والمختلفون هم المشركون حيث افترقوا في شأنه فرقا وهو ظاهر وأمّا على الأوّل فالاختلاف عائد إلى جنس الكتاب حيث جعلوه قسمين ووصف القوم به تجوّز ثم لما كان إنزال الكتاب ليس نسبباً للعذاب قدر قوله فرفضوه الخ للقرينة القائمة عليه لتتضح السببية وقيل: السببية راجعة إلى الحال الذي هو القيد أي وان الذين الخ فليتدبر. قوله: (وإنّ الذين اختلفوا في الكتاب الخ) تقدم الإشارة إلى أنّ الجملة حالية وأنّ اختلافهم بمعنى اختلاف الكتب عندهم وأن الإسناد مجازيّ وأمّا إذا أريد التوراة فالذين واقع على اليهود وهم لم يختلفوا فيها فالمراد باختلفوا تخلفوا عن سلوك طريق الحق فيها وتأخروا عنه أو جعلوا ما بدلوه خلفا عما فيها، قال الراغب: يقال تخلف فلان فلانا إذا تأخر عنه وإذا جاء خلف آخر وإذا قام مقامه ومصدره الخلافة اهـ. ومن لم يقف عليه قال حمل الاختلاف على الخلف أو التخلف مما لم نجده في كتب اللغة والتقوّل تفعل من القول بمعنى الكذب والشقاق بمعنى المخالفة كما مرّ، وقوله: بعيد عن الحق بيان لتقدير متعلقه. قوله: (البر كل فعل مرضني) وفي الكشاف الخطاب ولأهل الكتاب لأنّ اليهود تصلي قبل المغرب إلى بيت المقدس والنصارى قبل المشرق، وفي الكشف إنّ هذا بحسب أفق مكة وهو يقتضي أنّ التوجه لهما للقدس وأما كونه مشرقا ومغربا بحسب الأفق لا مطلقا فانظره وذكر القبلة هنا استطراد حسن الموقع لأنه لما ذكر اختلافهم في الأصول تممه باختلافهم في الفروع ولولا هذا لم يرتبط بما قبله، وقوله ليس البر ما أنتم عليه عبارة الكشاف فيما أنتم إشارة إلى أنه لم يقصد الحصر والمصنف ﵀ أشار إلى أنه حصر إضافيّ لا مانع منه. قوله:) وقيل عام لهم وللمسلمين الخ (فيكون عودا على بدء فإنّ الكلام في أمر القبلة وطعنهم في النبيّ ﷺ بذلك كان أساس الكلام إلى هذا القطع فجعل خاتمة كلية أجمل فيها ما فصل وإنما قال ليس البر العظيم لأنّ ما يكثر الخوض فيه يكون لا محالة عظيم الشأن ولأنه في نفسه بر وكذلك الجدال فيه بالحق فبقي كونه براً بالنسبة إلى هذه الأنواع التي هي أصول وذلك من توابعها كذا في الكشف، وقال النحرير: على الأول حمل البرّ على إطلاقه والخبر أعني أن تولوا على تقدير في لأنهم لم يزعموا أنّ جنس البر ذلك بل فيه فنفى وعلى الثاني حمل البرّ على الكامل الذي كأنه البر كله والخبر على تقدير مضاف أي أمر البرّ أن توتوا والبحث عن ذلك والنزاع فيه وحينئذ لا يصح نفي البرّ بالكلية فتعين الحمل على الكامل اهـ. ومنه يعلم إقحام المصنف ﵀ لفظ أمر وتوصيفه البر بالعظيم لكن في قوله مقصوراً بأمر القبلة قصور بحسب الظاهر إذ كانت حقه أن يقول على أمر القبلة وكأنه لاحظ أنه مقصور على البرّ بأمر الفبلة. قوله: (ولكن البرّ الذي ينبغي أن يهتنم به الخ) إشارة إلى الوجوه الثلاث الجارية في مثله من التقدير في الأوّل أو الثاني أو جعله عين البر مبالغة على حد: فإنما هي إقبال وادبار وإليه أشار بقوله ولكن البار لكنه إشارة إلى أنّ التجوّز في الظرف لا في الإسناد وقوله: أوفق أي لقوله ليس البرّ وأحسن إذ سابقية القرينة أولى من لاحقيتها، ولأنه تقدير في وقت الحاجة لا قبلها ولأنّ المقصود بيان البرّ لا ذية ومراده أنه أحسن من التقدير الثاني لأنّ الأخير أبلغ وقوله: والمراد بالكتاب الخ هذا دليل على ما يراد به في قوله اختلفوا في الكتاب ليتلاءم أجزاء الكلام وأمّا احتمال أن يراد به التوراة لأنّ الإيمان به يوجب الإيمان بغيره فبعيد. قوله:) أي على حبّ المال الخ) أي في الاحتياج إليه أو في صحته لأنه بالمرض يزهد فيه، ويؤيده الحديث المذكور وهو حديث رواه الشيخان وتمامه: " وتأمل الغني ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان " كذا لكن لفظه: أن تصذّق بدل أن تؤتيه وعلى في الوجه الأخير للتعليل والمراد مخلصاً وقوله المحاويج يعني الفقراء جمع

стр. 692

محتاج على خلاف القياس، وقوله: اثنتان أي حسنتان وقوله: " صدقتك على المسكين ") ٢! أخرجه الترمذي والنسائيّ وابن جرير من حديث سلمان بن عامر ٠ قوله: (الذي أسكشه الخلة الخ) الخلة بفتح الخاء الحاجة أي جعلته ساكناً لا يقدر على الحركة لضعفه أو ساكنا ملتجئا إلى غيره وأشار به إلى أن الميم زائدة وأمّا تمسكن فلجعلها بمنزلة الأصلية والفرق بينه وبين الفقير معروف ولكن المراد هنا الفقير مطلقا ومفعيل من صيغ المبالغة ووجه المبالغة فيه ظاهر وابن السبيل المسافر، والقاطع يعني به قاطع الطريق وقوله يرعف به أي يأتي منها بغتة على غير انتظار وأصل معنى رعف سبق وبادر، ومنه الرعاف. قوله: (الذين ألجأهم الحاجة الخ) وقيل؟ السائل المستطعم فقيراً كان أو غنياً وعلى ما ذكره المصنف المراد به المحتاج الذي يعرف حاجته بسؤاله والمساكين السابق ذكرهم الذين لا يسألون وتعرف حاجتهم بحالهم وان كان ظاهرهم الغنى وهو معنى قوله: " وإن جاء على فرسه " وهذا الحديث أخرجه أحمد وقال عيسى ﷺ : إن للسائل حقا وان أتاك على فرس مطوّق بالذهب، وقوله: وفي تخليصها إمّا إشارة إلى تقدير مضاف أو إلى ما يفهم من السياق والرقبة مجاز عن الشخص، وقوله: أو ابتياع الرقاب أي اشترائها وتملكها وحمل الصلاة على المفروضة لنظمها مع الفرائض. قوله: (يحتمل الخ) يعني لا يكون القصد إلى أداء الزكاة ليكون قوله: وآتى الزكاة تكرارا بل إلى بيان مصارفها التي هي أهم وأكثر ثوابا على أن يكون السائلين إشارة إلى الفقراء ويشترط في ذوي القربى واليتامى الفقر والا فقد ترك ذكر البعض وذكر ما ليس من المصارف ولمن أوجب حقا سوى الزكاة أن يتمسك بهذه الآية وبقوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ وبالأحاديث الواردة في ذلك وبالإجماع على وجوب دفع حاجة المضطرّين وأن يجيب عن نسخ الزكاة وجوب كل صدقة با! المراد الواجبات المقدرة وحديث: " نسخت " الخ أخرجه ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ من حديث علي كرّم الله وجهه مرفوعا: " نسخ الأضحى كل ذبح ورمضان كل صوم وغسل الجنابة كل غسل والزكاة كل صدقة ". وقال هذا حديث غريب أخرجه الدارقطني البيهقي فإن قلت هذا لا يناسب ما تقدم من تقييد ذوي القربى واليتامى بالمحاويج لأنّ ذوي القربى إذا كانوا كذلك يلزم النفقة عليهم، قلت: هو على هذا التفسير لا يقيده به إذ لا يلزم من كونهم كذلك أن لا يكون لهم غيره ممن يجب عليه نفقتهم. قوله:) والموفون الخ (لم يقل وأوفى كما قبله إشارة إلى أنه أمر مقصود بالذات والتقييد بقوله إذا عاهدوا للتأكيد والمبالغة أو للتتميم. قوله:) نصبه على المدح الخ (قال ابن الشجري: في أماليه ومن المدح في التنزيل قوله: والصابرين في البأساء بعد قوله: والموفون بعهدهم أراد عين الصابرين ومثله والمقيمين الصلاة بعد قوله والمؤتون الزكاة ا!. ذهب إلى أن المقيمين منصوب على المدح وهو أصح ما قيل فيه، وفي الدرّ المصون في رفع الموفون عطفه على فاعل آمن أو على من آمن أو جعله خبر مبتدأ محذوف أي وهم الموفون ونصب الصابرين على المدح وهو في المعنى عطف على من آمن قال الفارسيّ: وهو أبلغ ووقع نصبه على المدح في الكتاب أيضا فما قيل. معناه تقدير ما يدل على المدح مثل وأخص الصابرين أو أمدح الصابرين وحينئذ يكون من عطف الجملة على جملة ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ﴾ وحذف هذا المقدّر واجب والمشهور بالرفع أو النصب على المدح هي الصفات المقطوعة ولم نجد ذلك مبينا في المعطوف وإنما أخذناه من هذا الموضع اهـ. من قلة الاطلاع وضيق العطن وهذه المسألة مسطورة في متن المفصل في باب الاختصاص قال وقد جاء نكرة في قول الهذلي: وبأوى إلى نسوة عطل وشعثامراضحيع مثل السعالى وهذا الذي يقال: فيه نصب على المدح والذم والترحم اص. وذكر القطع في البد! أيضا قال في المقتبس: وأفاد القطع في العطف الاختصاص لأن الإعراض عن العطف السلس المنقاد أوهم أن الثاني ليس من جنس الأوّل وهذا معنى الاختصاص اهـ. وقوله: لفضل الصبر على سائر الأعمال أي بقيتها غير ما مر من الإيمان وأخواته فلا يرد عليه ما قيل. إن الإيمان أفضل منه، والبأس كثر استعماله في بأس العدوّ.

стр. 693

قوله: (أولئك الذين صدقوا الخ (جع! الصدق في هذه الأمور بقرينة ما سبق وكما يدل عليه أولئك كما مر وعمم التقوى ليصح الحصر حقيقة وتهذيب النفس عن الرذائل بفعل الطاعات وترك المنهيات ووجه الإشارة فيما ذكر صريحا ظاهر، وضمنا لما لم يذكر من أنواعها لا! هذه أمهاتها تدل على باقيها، وقوله: ولذلك وصف الخ فهو لف ونشر مرتب وقوله: ﴿مِّنْ عَمَلِ﴾ الخ أخرجه ابن المنذر في تفسيره عن أبي ميسرة. قوله: (كان في الجاهلية بين حيين الخ (قا اط العراقي لم أقف عليه وقال السيوطي: أخرجه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير مرسلاً والطول بفتح فسكون الفضل والمراد هنا شرف العشيرة، وقوله: أن يتباوؤوا قال في الفائق هو أن يتقاصوا في قتالهم على التساوي فيقتل الحرّ بالحرّ والعبد بالعبد يقال باء فلان بفلان إذا كان كفؤاً له يقتل به بوأ وبواء ثم يقال: هم بواء أي أكفاء في القصاص والمعنى ذو بواء وكثر حتى قيل: هم في هذا الأمر بواء أي سواء وفي النهاية عن أبي عبيدة يتباووا كيتعاووا، والصواب يتباوؤوا بوزن يتقابلوا مهموزا من البواء بمعنى المساواة وقال غيره يتباووا صحيح أيضا بأن حذفوا الهمزة للتخفيف ورسم الخط يحتملهما هنا. قوله:) ولا تدل الخ) ردّ لمن استدل بهذه الآية على ذلك ثم إثبات لمدعاه بطريق آخر قال النحرير لأنها بيان وتفسير لقوله: كتب عليكم القصاص في القتلى فدل على اعتبار الموافقة ذكورة وحرية في القصاص لا أنها مفهومها يدل على أنّ غير الأنثى لا يقتل بالأنثى وفيه نظر أمّا أولاً فلأن القول بالمفهوم إنما هو على تقدير أن لا يظهر للتقييد فائدة وهنا الفائدة أنّ الآية إنما نزلت لذلك واليه أشار المصنف بقوله: وقد بينا ما كان الفرض يعني سبب النزول وأمّا ثانيا فلأنه لو اعتبر ذلك لزم أن لا تقتل الأنثى بالذكر نظراً إلى مفهوم بالأنثى واليه أشار المصنف بقوله: كما لا تدل على عكسه ودفع بأنه يعلم بطريق الأولى، وأمّا ثالثا فلأنه لا عبرة بالمفهوم في مقابلة المنطوق الدال على قتل النفس كيفما كانت لا يقال تلك حكاية عما في التوراة لا بيان الحكم في شريعتنا لأنا نقول شرائع من قبلنا لا سيما إذا ذكرت في كتابنا حجة وكم مثلها في أدلة أحكامنا حتى يظهر الناسخ وما ذكر ههنا يصلح مفسراً فلا يجعل ناسخا، ودليل آخر على عدم النسخ أنّ تلك أعني النفس بالنفس حكاية عما في التوراة وهذه أعني الحرّ بالحرّ خطاب لنا وحكم علينا فلا ترفعها وما ذكرنا من كونه مفسراً إنما يتم لو كان قولنا النفس بالنفس مبهما ولا إبهام بل هو عام والتنصيص على بعض أفراد لا يدفع العموم سيما والخصم يدعي تأخر العام حيث يجعله ناسخا لكن يرد عليه أنه ليس فيه رفع شيء من الحكم السابق بل إثبات زيادة حكم آخر اللهمّ إلا أن يقال إنّ في قوله الحرّ بالحرّ الخ دلالة على وجوب اعتبار المساواة في الحرّية والذكورة دون الرق والأنوثة ومنه يعلم ما في قوله أنه حكاية ما في التوراة فلا ينسخ ما في القرآن. قوله: (وإنما منع مالك والشافعئ الخ) هذا ردّ لما في الكشاف أنه جعل مذهبهما أنه لا يقتل الحرّ بالعبد والذكر بالأنثى فإنه وهم محض إذ لا خلاف لهما في قتل الذكر بالأنثى فلذا قال وإنما، وقوله: ولم يقده أي لم يقتله قوداً ثم أثبته " بالحديث " واجماع الصحابة ثم قاممه على الأطراف إذ لا قصاص فيها بين الحز والعبد بالاتفاق. قوله: (واحتجت الحنفية به على أنّ مقتضى العمد الخ) اختلف الفقهاء في موجب القتل العمد فقال أبو حنيفة وأصحابه ومالك وغيرهم ليس للوليّ إلا القصاص ولا يأخذ الدية إلا برضا القاتل لظاهر هذه الآية لأنه هو المفروض! ، وقال الأوزافي والليث والشافعيّ في أحد قوليه وهو مختار المصنف ﵀ وإن قيل: إن المفتي به في مذهبهم خلافه أنّ الولي بالخيار بين أخذ القصاص أو الدية وان لم يرض القاتل قال الجصاص: ظاهر الآيات إيجاب القصاص دون المال وغير جائز إيجاب المال على وجه التخيير إلا بمثل ما يجوز به نسخة لأنّ الزيادة في بعض القرآن توجب نسخه والتخيير بعد التعيين زيادة كعكسه وهما من قبيل النسخ كما صرّح به الجصحاص وأهل الأصول فقوله ولذلك قيل الخ مخالف للراجح في الأصول وهو قول عند الشافعية ارتضا. المصنف ﵀ فلا اعتراض عليه كما قيل وقوله وكذا كل فعل جاء في القرآن أي فعل لله ورد فيه فإنه مبنيّ للمجهول وللفاعل لتقذم ذكره حقيقة أو حكماً ويحتمل أنه أراد

стр. 694

كتب حيث ورد وهو الظاهر. قوله: (شيء من العفو الخ) من إمّا شرطية أو موصولة، وقوله: من العفو إشارة إلى أنّ شيء القائم مقام الفاعل المراد به المصدر وهو مصدر نوقي فيقوم مقامه أو المراد شيء قليل أو قصاص وهو عفو مخصوص وعفا غير متعد والمراد بالأخ المقتول أو وليّ الدم سماه أخا استعطافاً بتذكير أخوة البشرية والدين ونحوهما وعفا يتعدى إلى الجاني والى الجناية بعن يقال عفوت عن زيد وعن ذنبه فإذا ذكرا تعدى إلى الجاني باللام والى الجناية بعن فتقول عفوت لزيد عن ذنبه كما في هذه الآية وإنما قام شيئاً مقام الفاعل لما ذكره من أنّ بعض العفو كالتامّ في إسقاطه سواء عفا بعض الورثة أو عفا الوارث عن بعض القصماص فإنه لا يتجزأ. قوله: (وقيل عفى بمعنى ترك وشيء مفعول به) فهو متعذ أقيم مفعوله مقام فاعله، وقد ورد متعديا في كلام العرب بمعنى ترك ذكره السرقسطي وغيره من أئمة اللغة لكن ضعفه الزمخشريّ وتبعه المصنف ﵀ بأنه ليس يثبت وإنما المتعدي أعفاه فإن ورد فخلاف اللغة المعروفة فلا ينبغي تخريج القرآن عليها وجعل مثله جراءة على كلامه تعالى، ورد بأنه إذا ورد بمعنى ترك ومحى ونقله أهل اللغة وان لم يشتهر فإسناده إلى المفعول الذي هو الأصل في المبني للمجهول يرجحه على إسناده للمصدر الذي هو مجازع على خلاف الأصل ولا حاجة إلى القول بأنه تضمين لأنه لا ينقاس وقوله: عن جنايته تقدير لمتعلقه الآخر، وتوله: من جهة أخيه إشارة إلى أن من ابتدائية. قوله: (أي فليكن اتباع الخ (يعني أنه مرفوع على الفاعلية ومنهم من قدره فعليه اتباع أو فالواجب اتباع وقوله وفيه دليل الخ تقدم الكلام فيه وجوابه مبسوط في أحكام الجصاص. قوله: (ذلك أي الحكم الخ (كون الواجب على اليهود القصاص وحده كذا في الكشاف هنا أيضاً لكنه ذكر في الأعراف أنهم منعوا من الدية فقط وكان لهم القصاص أو العفو مجاناً وسيأتي تفصيله في محله. قوله: (لا أعافي أحدا قتل بعد أخذه الدية (أخرجه أبو داود وفي رواية لا أعفي وظاهره أنه لا يقبل من ولي القتيل الثاني عفوه عن القصاص مطلقا وفيه تأمّل. قوله: (كلام في غاية الفصاحة الخ الأنهم كانوا يقولون القتل أنفى للقتلى ويعدونه أبلغ كلام في معناه وهذا التركيب أبلغ منه وأفصح بوءجوه كثيرة كما في شروح المفتاح وقد أشير إلى طرف منها هنا كقوله حيث جعل الشيء محل ضده إذ جعل القصاص وهو فناء وموت مكانا لضده الذي هو الحياة، وقد رد هذا صاحب الانتصاف وقال هذا إما وهم أو تسامح لأنّ شرط تضاذ الحياة والموت اجتماعهما في محل وأحد ولا تضاد بين حياة غير المقتص وموت المقتص وليس كما زعم فإنّ فيها حمل الشيء على ضده ولم يكتف بهذا القدر بل صرح بالظرفية بأن جعل القصاص مدخول في وفائدته أنّ المظروف إذا حواه الظرف صانه عن التفرق فالقصاص يحمي الحياة من الآفات، ومعناه أنّ الحياة الحاصلة بالارتداع أو الحياة العظيمة إنما تحصل بشرعية القصاص لا غير فالظرفية مجازية تفيد بحسب الوضع اجتماعهما وهما ضدان فيقصد بها هذا المعنى البديع في نفسه الغريب في مأخذه فلا يرد عليه شيء. قوله: (وعرف القصاص الخ (يعني أنّ التعريف للجنس والتنوين للتنويع والتعظيم لأنه يردع القاتل عن القتل فيكون سبباً لحياة نفسين أو يمنع أن يقتل غير القاتل كما كان في الجاهلية فتحيا به نفوس، فعلى الأوّل فيه إضمار أي شرع القصاص أو علم القصاص وعلى الثاني فيه تخصيص الحياة بحياة غير المقتص منه والنوعية أنسب بالأوّل والتعظيم بالثاني ولذا خصه في الكشاف والمصنف ﵀ لم يعينه لصلاحيته لكل منهما. قوله: (يحتمل أن يكونا خبرين الخ) وقوله: صلة له أي متعلقا بمتعلقه أو به نفسه لنيابته عن المتعلق أو حالاً وقراءة القصص جوّز فيها أيضا أن يكون القصص مصدراً بمعنى القصاص وخص! الخطاب بأولي الألباب لما ذكره، وقيل: لأنّ الحكم مخصوص بالبالغين دون الصبيان، وقوله: في المحافظة إشارة إلى أنه من التقوى بالمعنى الشرعي وقوله: أو عن القصاص فيكون بالمعنى اللغوي. قوله: (كتب الخ (ترك العطف في هذا ونظائره لأنه قصد استقلالها وأن كلاً منها مقصود بالذات وان أمن فيها العطف وملاحظة مناسبة بينها، وقوله حضر

стр. 695

أسبابه إشارة إلى تقدير مضاف لأن الموت لا يحضر وقيل: إق المراد به الحضور العلمي وفسر الخير بالمال الكثير ويطلق على المال قليلاً أو كثيرا. قوله: (مرفوع بكتب الخ) وترك تأنيثه وان كان غير حقيقي لا بد له من مرجح وقيل: الأحسن أنّ نائب الفاعل الجار والمجرور وهو عليكم والوصية خبر مبتدأ كأنه قيل: ما المكتوب فقيل: هو الوصية، وكتب بمعنى قدر وقضى أو جعل وليس تقديره ولا جعله في وقت حضور الموت بل قبله لكن الغرض الذي في ضمنه يكون في ذلك الوقت فلذا قال مدلول كتب ولم يجعله نفس الفعل كما قاله غيره وقريب منه ما قيل: إنّ معنى كتب أوجب والظرف قيد الوجوب لا الإيجاب من حيث الحدوث والوقوع على ما هو مدلول الفعل وما ذكره من أنّ معمول المصدر لا يتقدّم عليه هو المشهور لكن ذصب بعض المحققين إلى جواز تقدم الظرف فحينئذ يتعلق به وهو أنسب معنى. قوله: (وقيل: مبتدأ الخ) ردّه بأنّ حذف الفاء من جواب الشرط لا يجوز ما ذكره من الشعر لا ينهض حجة أمّ أوّلاً فلأنّ الرواية ليست هكذا بل هي: من يفعل الخير فالرحمن يشكره كما قاله المبرد وقال: إنه لم يسمع في الشعر أيضاً وهذا معنى قوله: إن صح ولو سلم فهو ضرورة كما ذكره سيبويه ﵀ فلا يصح تخريج الآية عليه والبيت لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت، وقيل لكعب بن مالك وقد اختلفت رواية صدره كما ذكرناه وروي أيضا: من يحفظ الصالحات الله يحفظه وعجزه: والشرّ بالشر عند الله سيان وروي مثلان. قوله: (وكان هذا الحكم في بدء الإسلام الخ) هذا مرويّ عن ابن عباس ﵄ ذكره أبو داود وناسخه وابن أبي شيبة وابن جرير عن ابن عمر ﵄ وقوله: " إنّ الله أعطى " الخ أخرجه الترمذيّ وحسنه والنسائي وابن ماجه، وظاهره أنّ الآية والحديث نسخا آية الوصية لكن قال الطيبيّ ﵀ الحق أنّ آية المواريث هي الناسخة والحديث مبين لكونها ناسخة لأنّ الحديث لا ينسخ الكتاب. قوله:) وفيه نظر لأنّ آية المواريث لا تعارضه الخ) وجه عدم المعارضة أنه قال في آية المواريث ﴿مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [سورة النساء، الآية: ١٢] فقرر فيها الوصية ونص على تقدمها مطلقاً فكيف تكون معارضة لها حتى تنسخها وأجاب عما قاله المصنف بوجهين: الأوّل أنّ المشهور الذي تلقته الأمة بالقبول له حكم المتواتر عند الحنفية كما عرف، والثاني: أنّ الحديث ليس ناسخا بنفسه بل مبين أنّ آية المواريث نسخت وجوب الوصية للوالدين وأنّ المراد بالوصية فيها ليس المطلق وذلك لأنّ ناسخية آية المواريث كان فيها خفاء واحتياج إلى بيان فبينها الحديث ولا يلزم من عدم صحة ناسخية خبر الواحد صحة بيانه للنسخ المراد بالآية كما لا يلزم من عدم صحة إثباته للفرضية عدم صحة بيان إجمال الآية التي ثبتت بها الفرضية وهو بحث مشهور على أن قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ﴾ متروك الظاهر بالإجماع فلم لا يجوز أن ينسخ مثله بخبر الواحد فتأمّل. قوله: (ولعله احترز عنه من فسر الخ) عبر بلعل إشارة إلى ضعفه لأنّ الوصية المتبادر منها ما يتعلق بغير أنصباء الورثة وقوله: فلا يفضل الغنيّ مبنيّ على القول بأنه قبل فرض المواريث وقوله: ولا يتجاوز الثلث مبنيّ على القول بأنها لا تعارض آية المواريث. قوله:) مصدر مؤكد الخ) قال أبو حيان: هذا تأباه القواعد النحوية لأنّ على المتقين متعلق بحقا أو صفة له فلا يكون مؤكداً والمصدر المؤكد لا يعمل وهذا وارد اللهمّ إلا أن يجعل معمولأ لمقدر غير صفة ومنهم من جعله صفة مصدر مقدر أي إيماء حقا، وقيل: إنه حال. قوله: (فمن بدله الخ (لما عمم من للأوصياء والشهود فسر السماع بالتحقق والوصول ليشمل الأوصياء وقوله حاف من الحيف وهو الظلم وفي نسخة خان من الخيانة، وكونه وعيداً لأنه يستعمل للتهديد بأن يعاقبه على ما علمه منه. قوله: (أي توقع وعلم الخ) أصل الخوف توقع مكروه عن إمارة مظنونة أو معلومة كما أنّ الرجاء توقع محبوب كذلك ولما كان هنا لا معنى للخوف من الميل والإثم سيما بعد الوقوع ذهبوا إلى أنه مستعمل فيما يلزمه من التوقع والظن الغالب أو العلم فإن التوقع وان لم يستلزم الجزم لا ينافيه فجاز الجمع بينهما نعم استعمال التوقع فيما لا جزم فيه أكثر وأظهر كما في أخاف أن ترسل أي أتوقعه، وفسر الجنف بالميل خطأ والإثم بتعمد

стр. 696

الجنف أي الجور ليظهر التقابل وأصل الجنف الميل في الحكم مطلقا كما قاله الراغب، وقوله: فأصلح أي فعل الصلاح، وقوله: في هذا التبديل أي تبديل جور الموصى لهم بالعدل ولو فسر فلا إثم عليه بأعم منه لم يكن النفي واقعا موقعه لأنه يقتضي أنه مظنة لذلك فتأمل. قوله: (وعد للمصلح الخ) يعني أنه بعد نفي الإثم لا يبقى للوعد بالمغفرة فائدة وإنما أتى به لمناسبة ذكر الإثم ولكون ما فعله يتوهم فيه الإثم ولو حمل على أنه وعد له بمغفرة ماله من الآثام لما أحسن فيه لكان أظهر وقوله: من جنس ما يؤثم من الأفعال بمعنى ما يوقع في الإثم يقال آثمة إذا أوقعه في إثم، وأما أثمه بالتشديد فمعناه نسبة إلى الإثم. قوله: (يعني الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الخ (ووجه التوكيد يعلم من كونه فرضاً على جميعهم فهو مما يهتم به وقوله: وتطييب على النفس أي تسهيل عليها، وفي نسخة للنفبس وقيل: إنه إشارة إلى أنّ المشقة إذا عمت طابت وقوله: تنازع إليه النفس أي تميل وتشتاق. قوله: (كما قال ﵊ الخ) حديث صحيح في البخاري ومسلم عن عبد الله ﵁: " قال لنا رسول الله كي! يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء " والباءة النكاج، ولو جاء نوع من الخصباء وهو أن ترض! عروق الأنثيين وتترك الخصيتان كما هنا أي يقطع شهوة الجماع كما يقطعها الخصاء وهو بكسر الخاء والمد وجوّز بعضهم فتحا مع القصر والإخلال معطوف على المعاصي وفيما ذكره المصنف ﵀ إشارة إلى أن النكاج للقادر سنة، وقيل: إنه عبادة وقوله: فعليه بالصوم، قال! المأزرقي: إنه إغراء للغائب وهو شاذ كقوله عليه رجلا ليس وفي شرح التقريب أنه ليس منه للخطاب بقوله: من استطاع منكم، وفيه بحث يعلم من شروح الكتاب. قوله: (معدودات الخ) أي إفا أن تراد حقيقته أي معينات بالعدد أو يجعل عبارة عن القلة كما مرّ تحقيقه لأنّ القليل يسهل عده فيعد والكثير يؤخذ جزافا ويهال من قولهم هلت الدقيق في الجراب أي صببته من غير كيل. قوله: (ونصبها ليس بالصيام (أي نصب أياما ليس بالمصدر لما يلزم من الفصل بين المصدر ومعموله لكن الرضي جوّزه لأنه يتوسع في الظرف ما لا يتوسع في غيره. قوله: (أو ما وجب صومه الخ) اختلف السلف هل وجب صوم قبل رمضان فالمشهور وهو أحد قولي الشافعيّ أنه لم يجب صوم قبله وفي آخر وهو قول أبي حنيفة ﵀ أوّل ما فرض! صوم عاشوراء فلما فرض رمضان نسخ، وقيل: نسخ صومه بصوم أيام البيض ثم نسخت برمضان كذا في شرح البخاريّ لكنه قيل: إنه كنا قبل نزول هذه الآية وإنه نسخ بها، وقوله: أو ثلاثة الخ هي أيام البيض قال النحرير: فإن قيل: كيف يكون الناسخ متصلا قلنا الاتصال في التلاوة لا يدلّ على الاتصال في النزول وبناء السؤال على أن النسخ قبل العمل لا يجوز والأصح جوازه إلا أن يقال بناؤه على نسخ ما عمل به مدة مديدة كيف يكون متصلاً ويجاب بأنه نسخ بوحي غير متلو ثم قرر ذلك بهذا. قوله:) أو بكما كتب الخ) هذا وما بعده منقول عن الفراء وذكره أبو البقاء، قال أبو حيان ﵀: وهو خطأ أمّا النصب على الظرف فانه محل للفعل والكتابة ليست واقعة في أيام لكن متعلقها هو الواقع في أيام وأما النصب على المفعولية اتساعا ف! نه مبنيّ على كونه ظرفا للكتب وهو خطأ وليس بشيء لأنه يكفي للظرفية ظرفية المتعلق كما في ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة العنكبوت، الآية: ٥٢] . قوله: (وقيل: الخ) كونه في الحر شاقاً ظاهر وأمّا في البرد مع قصر النهار وعدم غلبة الحرارة فيه فلعل مشقته لأمر آخر كعسرة تدارك مؤنته ونحوه وقوله: لموتان الموتان بوزن البطلان الموت الكثير الوقوع والموتان بفتح الواو الجماد ضد الحيوان وفي الحديث موتان الأرض! لله ورسوله يعني مواتها وفي الأساس وقع في الناس موتان وموتان بالفتح والضم مع سكون الواو ومن المجاز اشتر الموتان ولا تشتر الحيوان، قال الراغب: قيل: كان قد وجب على من قبلنا صوم رمضان فغيروا فزادوا ونقصوا وهذا قول عهدته على قائله. قوله: (مرضاً يضره الصوم الخ (هذا هو الصحيح، وفي قرل للشافعية أنه يجوز وان لم يتضرر به، وقوله: أو راكب إشارة إلى أنّ كلمة على استعارة تبعية شبه تلبسه بالسفر باستعلاء

стр. 697

الراكب واستيلائه على المركوب يتصرّف فيه كيف يشاء، وقوله: وفيه إيماء إلى أنّ من سافر أثناء اليوم وفي نسخة يوم وفيه خفاء ولذا جعله إيماء وقيل: وجهه أنه لما عدل عن الظاهر وهو أو مسافراً أو في سفر إلى على المقتضية للتمكن التامّ وكان لتمام إنما هو بسفر اليوم كله كان فيه إشارة إليه وقوله: أخر يومىء إلى ذلك أيضا فتأمل. والإفطار في السفر رخصة وقال أبو هريرة ﵁: أنه لو صام في السفر لم يصح ولزمه القضاء في الإقامة تمسكا بظاهر الآية. قوله: (نصف صاع من بر الخ (في الصحيحين عن سلمة ﵁ لما نزلت: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ " كان من أراد أن يفطر افتدى حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها " لأنه في أوّل الأمر شق عليهم فرخص لهم ثم نسخ بقوله: ﴿وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ لكن يعارضه ما في صحيح البخاري أيضا أنّ ابن عباس ﵄ تلاها وقال:! ليست منسوخة وهي للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكينا " وجمع بأنها كانت في حق الجميع ثم خصت بالعاجز وأورد عليه أنّ هذا ليس من الجمع في شيء فإن منطوق اللفظ لا يساعده لتباين مفهوم من يطيق ومن لا يطيق واعتذر له بأنّ الآية كانت مفيدة للرخصة للمطيقين منطوقا ولغيرهم مفهوما ثم نسخت بالنسبة إلى المنطوق دون المفهوم وفيه بحث وفي شرح تحرير ابن الهمام ومشى ابن الهمام ﵀ على تقديم ما روي عن ابن عباس ﵄ لأنه مما لا يقال بالرأي إذ هو مخالف لظاهر القرآن لأنه مثبت فجعله بتقدير حرف النفي لا يقدم عليه إلا بسماع ولأنّ قوله وأن تصوموا خير لكم ليس نصا في نسخه، وأورد عليه أن في هذه الآية خمس قراآت وللكل معنيان أحدهما يقدرون عليه لا مع جهد وعسر وبه فسره النسفي ﵀ وثانيهما في المجهول يكلفونه على جهد منهم ومشقة وفي المعلوم يتكلفونه على هذا الوجه أيضاً فالآية على المعنى الأوّل منسوخة قطعاً من غير احتياج إلى تقدير لا مع أنه لم ينقل تقديرها عن ابن عباس ﵄ لكن في قراءة حفصة وعلى الذين لا يطيقونه فيحمل على هذا المعنى على القول بالنسخ وعلى الناتئ ثابتة الحكم عند الجمهور خلافا لمالك وعليه يحمل القول بنفي النسخ على أنه لو كان محل توارد قولي النسخ، ونفيه في القراءة المشهور تقدير لا وعدمه لكان قول النسخ مقدماً. قوله: (وقرئ يطوقونه الخ) كل هذه اللغات تخريجها ظاهر وإنما الكلام في يطيقونه هل هو تفعل أو تفيعل قال النحرير هو تفيعل إذ لو كان تفعلا لكان بالواو دون الياء كما أن تديرا لو كان تفعلا كما وقع في المفصل لكان تدوراً لأنه واوي ولهذا لما أورده زين المشايخ عليه إذ! ن له وقالط أغواني عبد القاهر: وكذا ديار فيعال ولو كان فعالاً لقيل دوار وذكر المرزوقي أنه تفعل وجاء بالياء نظراً إلى الديار وأنا أظن أنّ ما نقل عن الزمخشريّ لا أصل له فإنّ هذه قاعدة مقررة أن قلب الواو ياء إذا كثر في كلامهم عاملوها معاملة الأصلية وقد كرر هذه القاعدة ابن جني ﵀ في كثير من كتبه من غير تردد قال في إعراب الحماسة في قول الشاعر: أن لا يخاف حد وجنا قذف النوى قبل الفساد إقامة وتديرا التدير تفعل من الدار وقياسها تدوّر لأنّ عينها واو بدلالة قولهم دور غير أنهم لما كثر استعمالهم فيها ديار وديرة أنسوا الياء ووجدوا لفظها أوطأ حساً وألين مساً فاجترؤوا عليها فقالوا: تديرنا داراً وقال حاتم: تديره منها الصهرباد وحاضر انتهى. وقال أيضاً في قول الراجز: إن ديموا جاد وان جادوا وبل هكذا روا. أبو زيد ورواه أيضاً دوّموا فإمّا أن يكون لما غلبت الياء في الديمة والديم جاؤوا بها على صورة الياء البتة انتهى، فرواية دوموا تقتضي أنه فعلوا لا فيعلوا وذكر له نظائر كإرياح ورياح وهذا مما لا شبهة فيه. قوله: (وعلى هذه القراآت الخ) أي في هذه القرا آت غير المشهورة وهي منقولة عن ابن عباس ﵄ وفيها وجهان أحد الوجهين أنّ المعنى أنهم يكلفونه لأنّ الصوم في نفسه تكليف والمطيق مكلف به إذ لا يكلف فوق الطاقة وهو بمعنى المشورة والثاني أن ينظر فيه إلى بلوغ الجهد والطاقة ويلاحظ معنى الكلفة بالفعل ويكون المراد به الشيوخ والعجائز ولا يكون منسوخا

стр. 698

ثم ذكر المصنف أنّ المعنى الأخير جار في المشهورة من أطاق الفعل بلغ نهاية طوقه فيه، وجاز أن تكون الهمزة للسلب كأنه سلب طاقته بأنه كلف نفسه المجهود فسلب طاقته عند تمام بذله ويكون مبالغة في بذل المجهود لأنه مثارف زواله إذ ذاك ولا حاجة إلى تقدير لا كما ذهب إليه بعضهم فقوله فيكون ثابتا أي غير منسوخ، وقوله يصومونه جهدهم وطاقتهم أي يجهد ومشقة تضعفهم وتتعبهم. قوله: (فمن تطوّع خيرا) قال النحرير قوله فمن تطوّع خيراً مصدر خرت الرجل فأنت خائر وفي قوله فهو خير له اسم تفضيل بمعنى أزيد خيراً وضمير فهو للتطوّع أو لخير المصدرية، وحمل التطوّع على الزيادة على الفدية لأنّ التطوّع كما مّر يستعمل غير الواجب، وقوله: أيها المطيقون على القراءة والمطوقون على الأخرى وجهدتم بمعنى وقد جهدتم طاقتكم وكذا قوله من الفدية ناظر إلى الوجوه السابقة في صدر الآية وقوله: إن كنتم من أهل العلم فينزل منزلة اللازم ولا يقدر له متعلق كالذي قبله. قوله: (مبتدأ خبره ما بعده الم يبينه وهو يحتمل وجهين أحدهما أنه الذي أنزل الخ، والثاني أنه قوله فمن شهد الخ والفاء زائدة في الخبر والربط بالاسم الظاهر والأوّل أولى لسلامته من التكلف أو خبر مبتدأ تقديره ذلك أو المكتوب وعلى الأوّل فاسم الإشارة لتقضي المشار إليه أو لتعظيمه بجعل بعد الرتبة بمنزلة البعد المحسوس. قوله: (أو بدل الخ (هو ما ذكره المصنف بدل كل من كل ومنهم من لم يقدر وجعله بدل اشتمال لكن المعهود فيه إبدال المصدر من الظرف نحو: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢١٧] وهذا عكسه فما ذكره المصنف أولى. قوله: (وقرئ بالنصب على إضمار صوموا الخ) الوجه الأوّل ظاهر وأما الثاني فأورد عليه أنه يلزم الفصل بين أجزاء الصلة بأجنبيّ منها وهو الخبر والإخبار عن الموصول قبل تمام صلته وكلاهما ممنوعان ولذا وقع في بعض النسخ وفيه ضعف والبدل يبعده بعد المبدل منه والفصل بينهما وجوّز فيه أن يكون مفعول تعلمون بتقدير مضاف أي شرف شهر رمضان ونحوه. قوله: (ورمضان مصدر رمض إذا احترق الخ (قال أبو حيان: يحتاج في تحقيق أنه مصدر إلى صحة نقل فإن فعلانا ليس مصدر فعل اللازم فإن جاء شيء منه كان شاذاً، فقوله: وجعل علما يعني مجموع شهر رمضان علماً لا رمضان وحده قال النحرير: والا لم يحسن إضافة شهر إليه كما لا يحسن إنسان زيد ولهذا لم يسمع شهر رجب وشهر شعبان وبالجملة فقد أطبقوا على أنّ العلم في ثلاثة أشهر مجموع المضاف والمضاف إليه شهر رمضان وشهر ربيع الأوّل وشهر ربيع الثاني وفي البواقي لا يضاف شهر إليه ثم في الإضافة لا تغيير في أسباب مغ الصرف وامتناع اللام ووجوبها على المضاف إليه فيمتنع مثل شهر رمضان وابن داية من الصرف ودخول اللام وينصحرف مثل شهر ربيع الأول وابن عباس وتجب اللام في مثل امرئ القيس، وتجوز في مثل ابن عباس وعلى هذا فنحو من صام رمضان من حذف جزء العلم لعدم الإلباس كذا قالوا برمتهم) وفيه بحث (من وجوه الأوّل أنّ قوله لا يحسن إضافة العامّ إلى الخاص ينافيه أنهم جوّزوه من غير قبح كما ذكره هذا القائل في علم المعاني ونحوه كمدينة بغداد وشجر الأراك، وأجيب بأنه إذا اشتهر المضاف وعلم أنه من أفراد المضاف إليه ولم يكن في ذكره فائدة فهو قبيح كإنسان زيد والأحسن فهو يختلف باختلاف المقام ولا يقبح مطلقا ولذا تراه إذا قبحه مثل بإنسان زيد وإذا جوّزه بشجر الأراك والمرجع فيه إلى الذوق الثاني أنّ قوله لم يسمع شهر رجب مما شاع بين المتأخرين وكنت أتردد فيه حتى راجعت الكتب القديمة والكتاب وشروحه فوجدته لا أصل له لأنّ كلام سيبويه وغيره من النحاة يخالفه، قال في شرح التسهيل مقتضى كلام المصنف ﵀ جواز إضافة شهر إلى جميع أسماء الشهور وهو قول أكثر النحويين وقيل: يختص بما أوّله راء غير رجب فادعاؤه إطباقهم عليه غير صحيح وإن اشتهر ذلك الثالث، أنّ النحاة تبعا لسيبويه فرقوا بين ذكر الشهر وعدمه فحيث ذكر لم يفد العموم نحو: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ حيث حذف إفادة نحو من صام رمضان، قال السهيلي: وعلى هذا استعمال رجب ووجهه مذكور في المفصلات وعليه يكون لإضافة العاتم إلى الخاص فائدة فلا يقبح ولا يكون مثل إنسان زيد، وقال أبو حيان: ما ذكره الزمخشرقي

стр. 699

من أنّ علم الشهر مجموع اللفظين غير معروف والعلم رمضان علم جنس، الرابع: أنّ قوله ثم في الإضافة الخ تبع فيه صاحب الكشف وهو أخذه من إيضاج ابن الحاجب قال فيه: المضات إليه في هذه الإعلام كلها مقدر علميته فيعاملوه معاملته في مغ الصرف إن كان فيه علة أخرى ومنع اللام إلا أن يكون سمي به وفيه اللام كأنهم لما أجروه بعد العلمية مجرى المضاف والمضاف إليه في الإعراب وهو معرفة قدروا الثاني علما ليكون على قياس المعارف في الأصل الذي أجر مجراه إذ لا تضاف معرفة إلى نكرة فلذلك مغ صرف قترة في ابن قترة وامتنعت اللام في بنت طبق وان لم يقع على انفراده علما انتهى لكن النحاة صرحوا بخلافه فإنّ ابن داية سمع منعه وصرفه كقوله: فلما رأيت النسر عز ابن داية وعشش في وكريه جاس له صدري قالوا ولكل وجهة، أما عدم الصرف فلصيرورة الكلمتين بالتركيب كلمة بالتسمية فكان كطلحة مفرداً وهو غير منصرف، وأما الصرف فلأنّ المضاف إليه في أصله اسم جنس والمضاف كذلك وكل منهما بانفراده ليس بعلم وإنما العلم مجموعهما فلا يؤثر التعريف فيه ولا يكون لمنع الصرف مدخل فيه ومنه يعلم أنّ ما ذكره المصنف ﵀ فيه نظر من وجوه، فتدبر. واعلم انّ ما ذكره المتأخرون لا أصل له لأنّ سيبويه وشراحه كلهم أثبتوا أسماء الشهور وجوّزوا إضافة شهر إليها بأسرها وفرق سيبويه بين ذكرها وعدمه وما ذكروه من إضافتها إلى ما أوله راء غير رجب لا صحة له ومنشأ غلطهم ما في شرح أدب الكاتب من أنه اصطلاح الكتاب قال: لأنهم لما وضعوا التاريخ في زمن عمر ﵁ وجعلوا أوّل السنة المحرّم فكانوا لا يكتبون في تواريخهم شهرا إلا مع رمضان والربيعين انتهى فهو أمر اصطلاحيّ لا وضعي لغويّ ووجهه في رمضان موافقه القرآن وفي ربيع لئلا يلتبس بفصل الربيع فاحفظه فإنك لا تجده في غير كتابنا هذا، وقوله: لارتماضهم أي التهابهم، وقوله: لارتماض الذنوب كذا وقع في حديث مرفوع. قوله: (من صام رمضان) " تمامه إيمانا واحتسابا غفر له ما تقذم من ذنبه وما تأخر " وأورد في الكشاف حديث من أدرك رمضان فلم يغفر له قال النحرير لا يوجد له تمام فيما اشتهر من الكتب ويحتمل أن تكون من استفهامية والمعنى ما أدركه أحد فلم يغفر له بمعنى أنّ كل من أدركه غفر له فيكون كلاما تاما انتهى، وليس كما قال والحديث بتمامه معروف أخرجه البزار من حديث عبد القه بن الحرث الزبيدي مرفوعا: " أتاتي جبريل ﵊، فقال: من أدرك رمضان فلم يغفر له فأبعده الله ثم أبعده قل آمين، وقد ذكر الحديث بتمامه الحافظ ابن حجر أماليه فقال روي عن أبي هريرة رضي الئه عنه: " أن رسول الله ﷺ رقي المنبر فقال: آمين ثلاث مرّات، فقالوا يا رسول الله ما كنت تصنع بهذا فقال أتاني جبريل ﵊ فقال رغم أنف رجل دخل عليه رمضان فلم ينفر له فقلت آمين ثم قال رغم أنف رجل أدرك أبويه أو أحدهما فلم يغفر له فقلت آمين ثم قال: رغم أنف رجل ذكرت عنده فلتم يصل علئ فقلت آمين " وروي من غير طريق عن الدارقطني والبزار والبيهقيّ، ومن فيه موصولة فقول المحقق إنها استفهامية وأنه لم يوجد له تمام عجيب منه. قوله: (حينما نقلوا) أي في الوقت الذي نقلوه عن أسمائها القديمة أي غيروا الأسماء القديمة وهي مؤتمر وناجر الخ ووجه تسمية هذه مذكور في كتب الآداب مشهور. قوله: (أي ابتدئ فيه إنزاله الخ الما فهم من النظم أنّ القرآن نزل في رمضان وليس كذلك بينه بأنّ المراد أن ابتداء نزوله وقع فيه أو أنه نزل جملة فيه إلى سماء الدنيا ثم نجم أو المراد أنزل! في شأنه، " والحديث المذكور أخرجه أحمد والطبراني ". قوله: (والفاء لوصف الخ) قال السمين: الفاء زائدة على رأي الأخفش وليست هذه الفاء التي تزاد في الخبر لتشبيه المبتدأ بالشرط وإن كان بعضهم زعم أنها مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [سورة الجمعة، الآية: ١٨ وليس كذلك لأن قوله الموت الذي تفرّون منه يتوهم فيه عموم بخلاف شهر رمضان وفيه نظر، وقوله: إشعاو بأن الإنزال أي ابتداء الإنزال أو الإنزال جملة إلى السماء الدنيا والا فمطلق الإنزال مشترك بينه وبين غيره. قوله: (حالان من القرآن الخ) أي هدى وبينات وأما ما بعده

стр. 700

فهو متعلق به، ثم إنه أشار إلى تغيرهما بأنه هدى للمنكرين وغيرهم بإعجازه وأنها واضحة الهداية إلى الحق من غير ذلك وفارقة بين لاحق والباطل فالهدى ليس مكررا هنا لتغاير متعلقه والزمخشريّ دفعه بأنه تدرج في وصفه بالهداية فجعله أوّلاً هدى ثم واضحات هدى. قوله: (قمن حضر في الشهر الخ) يعني ليس الشهر مفعولاً به كما في قولك شهدت يوم الجمعة بمعنى أدركته إذ ليس معناه كنت مقيما غير مسافر فيه وإنما لم يكن مفعولاً به لأنّ المقيم والمسافر كلاهما شاهدان للشهر أي مدركان له مع أنّ المسافر لا يجب عليه الصوم على الوجه الذي يجب على المقيم أي من غير رخصة في الإفطار، وإذا جعل الشهر ظرفاً والشاهد بمعنى الحاضر له لم يتناول المسافر فلم يحتج إلى تخصيصه كما احتيج إلى تخصيص المريض المقيم في الشهر ولا خفاء في أنّ تقليل التخصيص! أولى ولا حاجة إلى تقدير المفعول أي شهد البلد وأما ضمير فليصمه فظرف على الاتساع كما في قوله: ويوم شهدناه وفيه نظر فإن ما بعده مخصص له فلا حاجة إلى سلوك غير المتبادر وتقليل الاختصاص أمر سهل، وقوله للتعظيم أي المفهوم من التكرار وان لم يكن معنى اللفظ مما يشعر بالتعظيم. قوله:) وقيل فمن شهد منكم هلال الشهر الخ) الشهر زمن معروف في الأشهر وقال الزجاج: أنه اسم للهلال نفسه، قال ذو الرمة: يرى الشهر قبل الناس وهو نحيل ثم أطلق على الزمان لطلوعه فيه فعلى هذا الشهر مفعول وشهده بمعنى المشاهدة ونحوها والمصنف ﵀ حمل المشاهدة على هذا المعنى فاحتاج إلى تقدير الهلال لأنّ الشهر نفسه لا يشاهد ولو كان بمعنى الإدراك لم يحتج إلى تقدير أيضا كما يقال شهدت عهد الخليفة أي أدركته وأما ضمير يصمه فعلى التوسع على كل حال لأنّ صام غير متعد ومثل بشهدت الجمعة للتقدير لقيام القرينة وهو ظاهر، وقوله: فيكون الخ أي مخصصاً للمجموع أو للمسافر والا فهو مخصص للمريض على كل حال وأما ذكره مسابقا فلما لم يصرح فيه برمضان لم يكن مخصصاً فتأمل. وبين وجه تكريره أو أن ما مرّ من قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ الخ إذ كان منسوخا على أحد الوجهين كما مرر بما توهم نسخه لذكره فأعاده لتقريره. قوله:) يريد أن ييسر عليكم ولا يعسر الخ) يشير إلى أن قوله: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ قرينة على أنّ المراد بقوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ الترخيص في الإفطار لا إيجابه على ما زعم بعض الناس والمعنى فعليه عذة من أيام أخر لو اختار الرخصة وما ذكر من أنه يريد أن لا يعسر مدلول يريد الله بكم اليسر لا مدلول ولا يريد بكم العسر لأن عدم إرادة العسر لا يستلزم إرادة عدم العسر إلا إذا ثبت لزوم تعلق الإرادة بأحد النقيضين كذا قيل: ورذ بأنه مسلم بالنظر إليها في نفسها وأما بملاحظة قوله: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ فيستلزمه، وقيل: إنّ قوله ولا يعسر مرفوع معطوف على ما يريد لا منصوب معطوف على ييسر ونبه به على أنّ عدم إرادته العسر مستلزم لعدم العسر إذ لا يكون شيء بدون إرادته ومنه ظهر ضعف ما قاله النحرير وفيه نظر واباحة الفطر للسفر والمرض يسر دون عسر لجواز الفطر وعدم إيجابه. قوله: (علل لفعل محذوف الخ الما لم يكن في النظم ظاهراً ما يعطف عليه هذا التعليل اختلف فيه على وجوه سيأتي بيانها وعندي أنه ميل مع المعنى والتوهم لأنّ ما قبله علة للترخيص فكأنه قيل: رخص لكم في ذلك لإرادته بكم اليسر دون العسر ولتكملوا الخ والمصنف ذهب إلى أنها علل لمقدر معطوف على ما قبله بقرينة ما قبله شرع لكم ما ذكر لتكملوا أما ذكر الأمر بالصوم وبمراعاة العدة فظاهر، وأما الترخيص فقيل بقوله: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ وقيل: بقوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ وقيل: عليه أنه ذكر في تفصيل العلل أمر الشاهد بالصوم دون تعليم كيفية القضاء، وفي تطبيق العلل ورذ كل منها إلى معلل بالعكس ولم يقع بإزاء صوم الشهر علة وبإزاء لتكبروا معلل، وأجيب بأن أمر الشاهد بصوم الشهر توطثة وتمهيد وفي الأمر بمراعاة العذة تعليم لكيفية القضاء لا! معناه فليراع عذة ما أفطر ليصومها من شهر فيخرج عن العهدة ولما في هذا اللف من الخفاء قال الزمخشرقي: إنه لطيف المسلك. قوله: (أو لأفعال كل الخ (عطف على قوله لفعل وعلى الأوّل يقدر فعل مجمل شامل لها وعلى هذا يقدر على التفصيل كأمركم بصومه ورخص لكم فيه لسفر ومرض الخ وأخره لما فيه من كثرة التقدير

стр. 701

وكذا حذف المعطوف عليه خلاف الظاهر أيضا. قوله: (ويجوز أن يعطف على اليسر) قال العلامة في سورة الصف: وكا! هذه اللام زيدت مع فعل الإرادة تأكيداً لما فيها من معنى الإرادة في قولك جئتك لإكرامك وشبهه بلا أبالك في أنها زيدت لتأكيد معنى الإضمافة قيل: ولعل الأشبه أن يجعل من قبيل وأمرنا لنسلم أي يريدون الإطفاء لا لشيء غيره وفيه مبالغة وتنبيه على أنهم لم يقصدوا بالإطفاء غرضاً كما يقصده العقلاء في أفعالهم انتهى وهذه ملاحظة دقيقة في تعليل الشيء بنفسه كأنه لا علة له سواه وبلاغته ظاهرة لكنه يأباه عطف المفعول له على المفعول به إلا أن يريد أنها زائدة في المفعول به ولكن وجه زيادتها إيهام ما ذكر ولا يخفى بعده فتأمل. قوله: (والمعئئي بالتكبير الخ (أي عدى به باعتبار ما قصد منه وهو الثناء لأنه يقال: أثنى عليه خيرا أو لتضمينه ذلك كما في الكشاف وهذا يدذ على ضعف ما ذكر بعده ولذا قدمه عليه مع أنه خلاف الظاهر إذ لا قرينة لتخصيصه، وقوله: والخبر أي الموصولية لأنّ صلتها جملة خبرية والعائد مقدر واليه أشار بقوله إليه. قوله: (فقل لهم إني قريب (قدر القول بقرينة سبب النزول ليرتبط الجزاء بالشرط والقرب حقيقة في القرب المكاني المنزه عنه الله تعالى فهو استعارة لعلمه بحالهم واجابة سؤالهم، وقوله: روي الخ أخرجه ابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه ونناجيه يجوز فيه النصب في جواب الاستفهام والأولى الرفع أي إن كان قريبا فنحن نناجيه ومقتضى الحكاية أن يقول فإنه قريب لكن عدل للدلالة على شدّة القرب حتى كأنهم يسمعون كلامه بالذات، وقوله: أمر بالثبات الخ فسر به ليأخذ الكلام بعضه بعضا وليكون ذكره بعد ليستجيبوا على ما فسر به غير مستغنى عنه وقوله: راجين تقدم توجيهه وما له وعليه. قوله: (واعلم الخ) وجه الحث أن ما شرع لأجله يكون مهما يعتني به، وقوله: تأكيداً له وحثا ليس هذا التأكيد في الكلام صريحا منطوقا أو مفهوما وإنما هو بطريق الإيماء والتلويح ومثله يحسن فيه العطف إشارة إلى أنه مقصود بالذكر لا مذكور بالتبعية فلا يرد عليه أن التأكيد يقتضي ترك العطف حتى يحتاج إلى عطفه على مقدر وهو إذا لم يسألوني فإني غنيئ عنهم وإذا سالك الخ. قوله:) روي أن المسلمين الخ (أخرجه أحمد من حديث كعب بن مالك وأبو داود من حديث معاذ بن جبل ﵁ مخصصآ بما بعد النوم وأخرجه ابن جرير عن ابن عباس ﵄ وفيه: ٩ إذا صلوا العشاء " كما قال المصنف ﵀ وهذا أحد موافقات عمر ﵁، وقوله: وليلة الصيام الخ لأن الليل سابق على النهار على الأصح إلا في ليلة عرفة فإنها بعده كما صرحوا به. قوله: (والرفث كناية عن الجماع الخ (الرفث كلام متضمن لما يستقبح ذكره من ذكر الجماع ودواعيه وهو هنا كناية عن الجماع ولم يجعل مجاز العدم المانع من الحقيقة وعدى بإلى لتضمن معنى الإفضاء يقال رفث وأرفث بمعنى صار ذا رفث ووجه دلالته على معنى القبح من جهة أنه الإفصاج بما يجب أن يكنى عنه فذكر لتقبيح ما فعلوه ولذا سماه خيانة في قوله: ﴿كُنتُمْ تَخْتانُونَ﴾ بعده فلم يقل أفضيتم أو باشرتم أو نحوه كما في أمثاله فإن قيل: لم لا يجعل من أوّل الأمر كناية عن الإفضاء كما في الأساس قيل: لأن المقصود هو الجماع والإفضاء أيضاً كناية عنه. قوله: (استئناف يبين سبب الإحلال (جعله في الكشاف كالبيان للسبب، قيل: والتمثيل ببيت النابغة الجعدي وان كان لتشبيهه باللباس لكن يفيد أن وجه الشبه هو الاشتمال لا ما قيل: إنّ كلاً منهما يستر الآخر عن الفجور والضجيع المضاجع وثنى عطفها أمال شقها وتثنت مالت وفيه أيضاً أنّ اللباس استعارة وليس على حذف أداة التشبيه كما هو رأي الأكثرين وذلك لأنّ الظاهر أن عليه متعلق به كما في أسد عليّ انتهى وقيل إنه اعتراض! على قول المصنف ﵀ أو لأنّ الخ بأنه خلاف قصد العرب وهو غير وارد لأنّ قصد العرب لهذا لا يمنع من تشبيه الله تعالى بوجه آخر أنسب بالحل ولذا أخره عنه كما جعل التقوى لباسا وقد استفاض هذا التشبيه وتصرفوا فيه على أبحاث شتى وتظرف بعض المتأخرين فقال: لبسنا ثياب العناق مزررة بالقبل وأما قوله: وليس على حذف أداة التشبيه فالمرضى خلافه وقد مر جوابه. قوله: (علم الله الخ (جملة معترضة

стр. 702

مبينة أن الله عالم بهم متضمنة لو عدهم بمتابعة أوامره ووعيدهم على مخالفته، والخيانة ضد الأمانة ولما كانت خيانة النفس غير متصورة جعلها مجازاً عن الظلم وتنقيص الثوأب، وقال الراغب: الاختيان مراودة الخيانة ولم يقل تخونوا أنفسكم لأنه لم يكن منهم الخيانة بل الاختيان فإنّ الاختيان تحزك شهوة الإنسان لتحرّي الخيانة وذلك هو المشار إليه بقوله: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [سورة يوسف، الآية: ٥٣] وفسر عفا عنكم بمحا أثره أي أحله بعدما حرم لأنه أنسب والتحريم الأوّل كان بالحديبية وهذه الآية نسخته والإلزاق والإلصاق بمعنى وهو المماسة. قوله: (فالآن باشروهن لما نسخ الخ (أشار به إلى أنه متفزع على أحل لكم الخ، وأنّ الأمر للإباحة لأنه بعد التحريم وهو توطئة لما بعده، وقوله: من الولد إشارة إلى أن المقصود من الجماع التناسل لإقضاء الوطر والنهي عن العزل بالنسبة إلى الحرائر وعلى الوجه الأخير ٤٧٢ سورة البقرة / الآية: ٨٧ ١ بالقرآن والمباشرة إلزاق البشرة بالبشرة كنى به عن الجماع ﴿وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ واطلبوا ما قدره لكم وأثبته في اللوج المحفوظ من الولد والمعنى انّ المباشر ينبغي أن يكون غرضه الولد فإنه الحكمة من خلق الشهوة وشرع النكاح لإقضاء الوطر وقيل النهي عن العزل وقيل عن غير المأتي والتقدير وابتغوا المحل الذي كتب الله لكم ﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ شبه أوّل ما يبدو من الفجر المعترض! في الأفق باعتباره عن المحل وهو ظاهر. قوله:) شبه أوّل ما يبدو من الفجر) في الكشاف فإن قلت: أهذا من باب الاستعارة أم من باب التشبيه، قلت قوله من الفجر أخرجه من باب الاستعارة كما أن قولك رأيت أسداً مجاز فإذا زدت من فلان رجع تشبيها، وأورد عليه بعض فضلاء العصر تبعا لابن القاري وغيره اعتراضأ فقال لو كان الفجر بيانا للمراد من الخيط الأبيض لكان مستعملا في غير ما وضع له وهو ينحصر في المجاز والكناية وليس كناية ولا مجازا مرسلاً لأنه المراد به التشبيه فتعين أن يكون استعارة إلا أن يكون بياناً لمقدر أي حتى يتبين لكم شبه الخيط الأبيض لكم نظم الآية لا يحتاج إلى تقدير وارتكاب حذف لا سيما والمجاز أبلغ وأطال فيه واذعى أنه تحقيق دقيق وهذا غفلة منهم عن كونه بيانا غير حقيقيّ على سبيل التجريد كما مرّ نعم البيان اللفظ إذا كان بغير معناه الحقيقيّ ولم يقصد به التجريد لزم أن يكون استعارة ولذا قال العلامة في سورة النحل في تفسير قوله تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ﴾ [سورة النحل، الآية: ٢] الروج استعارة للوحي الذي هو سبب الهداية الأبدية ومن أمره بيان له وفي بعض شروحه شبه الروح بالوحي لإحيائه ميت الجهل ثم أقيم المشبه به مقامه فصار استعارة تحقيقية مصرحة والقرينة الصارفة عن إرادة الحقيقة إبدال أن أنذروا من الروج، وقيل: من أمره يخرج الاستعارة إلى التشبيه كما في هذه الآية (قلت) بينهما بون بعيد لأنّ نفس الفجر عين المشبه الذي شبه بالخيطين وليس مطلق الأمر ههنا شبيها بالروج حتى يكون بيانا له لأنه أمر عام بمعنى الشأن والحال ولهذا يصح أن يفسر الروج الحيواني. به كقوله تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٨٥] أي من شأنه ومما استأثر بعلمه وأن يفسر به الروح المراد منه الوحي أي من شأنه ومما أنزله على أنبيائه عليهم الصلاة والسلام، نعم هو مجاز أيضاً لأنّ الأمر العام إذا أطلق علي فرد من أفراده كان مجازآ انتهى والى هذا أشار في الكشف بقوله: ليس وزان من أمره وزان من الفجر فمن ظن أن البيان مطلقا ينافي الاستعارة كما توهمه عبارة المطوّل فقد وهم وأما قول المرزوقي في شرح الفصيح الخيط واحد الخيوط استعمل فيما هو كالسطر الممتد مجازاً تشبيهأ بامتداد الخيط في قوله تعالى الخيط الأبيض فمن تسمح أهل اللغة في استعمال المجاز في أمثاله، وقوله: المعترض! احتراز عن المستطيل وهو الفجر الكاذب فإنه ليس منتهى الليل، والغبش بالتحريك بقية الليل ويقال ظلمة آخر الليل والجمع أغباش. قوله: (واكتفى ببيان الخيط الأبيض الخ (يريد أن بيانه وهو الغبش كأنه ذكر معه فيخرج إلى التشبيه كالخيط الأبيض وهذا مختار السكاكي ومنهم من جعل الخيط الأسود استعارة لأنه لم يبين لا يقال ففي كلا ستعارة دلالة على حذف المشبه لأنا نقول لا بل فيها دلالة على أن المراد هو المشبه وفرق بين هذا وبين الدلالة على أنّ في الكلام محذوفا ومقدراً هو اسم المشبه سواء كان جزءاً من الكلام يتوقف صحة التركيب عليه أولاً، وقوله: وبذلك خرجا الخ لأنه من باب التجريد وهو من التشبيه البليغ كما مرّ. قوله: (ويجوز أن تكون من للتبعيض الخ) في الكشاف من الفجر بيان للخيط الأبيض واكتفى به عن بيان الخيط الأسود لأنّ بيان أحدهما بيان للثاني، ويجوز أن تكون من للتبعيض لأنه بعض الفجر وأوّله وفي الكشف لما مرّ من أنّ الخيط الأسود ما يمتد معه من الغبش فقد حصل بيان الثاني تبعا لأنّ الغبش لا ينفك عنه، ويجوز أن تكون من للتبعيض لأنه بعض الفجر وأوله لأنّ ما يبدو أولاً الخيط الأبيض

стр. 703

والمعنى لا يختلف وكفاك دليلا قوله: أول ما يبدو من الفجر المعترض في تفسير الخيط الأبيض، وقول بعضهم الصحيح الأوّل مردود لفظاً ومعنى وجوز أن يرجع إلى الغبش على أنّ الفجر عبارة عن النور والظلمة بعضه أي جزؤه لا جزء منه وهو خلاف الظاهر لقوله: وأوّله وحينئذ يكون وزانه وزان من في قولك جاءتي العالم من القوم، والاعتراض! بأنه إذ ذاك من تتمة الأبيض فوجب أن لا يفصل بينهما بالخيط الأسود غير قادج لأنه في المعنى بيان له أيضاً لأنّ محله النصب على الحالية تبينا كان أو تبعيضا فحقه التأخير عما هو في صلة التبيين، ولو قيل إن الفجر عبارة عن مجموع الخيطين لقول الطائي: وأزرق الفجر يبدو قبل أبيضه فيكون بيانا لهما على وزان قولك حتى يتميز العالم من الجاهل ويكون وقت التبيين عبارة عن الفجر الصادق على أنّ الخيط إشارة إليه لكان وجهاً، ثم إنهم سكتوا في وجه التبعيض عن الحقيقة والمجاز والظاهر من كلام الكشاف أنه حقيقة وفيه تأمّل، وقوله: فإن ما يبدو بعض الفجر إذ هو مجموع البياض والسواد وعلى الأوّل هو البياض فقط أو مجموعهما وجعله بيانا لأنّ بيان الجزء بيان الكل أو إنّ فيه تقديراً أي من بعض الفجر والظاهر الأوّل لأنه لو سلم الثاني كان بياناً لهما من غير تقدير كما في الكشف ولم يكن فرق بين البيان والتبعيض. قوله: (وما روي أنها نزلت الخ) هذا صحيح مذكور في البخاري فلا ينبغي أن يقولي إن صح ولما كان تأخير البيان على القول به لا يجوز عن وقت الحاجة على الصحيح أوّله بأن نزوله كان قبل رمضان وهو غير دافع لأنهم محتاجون إليه في صوم التنفل فالأولى الاقتصار على ما بعده، قال سعد. الكرمانيّ: كان استعمال الخيطين فيهما شائعا غير محتاج إلى البيان فاشتبه على بعضهم فحملوه على العقالين، وقال النووي: فعله من لم يكن مخالطا لرسول الله! ي! من الأعراب ومن لا فقه عنده أو لم يكن في لغته استعماله فيهما ورجح هذا بعضهم وقال إنه كان معروفا في لغة قريش ومن جاورهم قال أبو داود: فلما أضاءت لنا سدفة ولاج من الصبح خيط أنارا وقال آخر: قد كان يبدو وبدت تباشره وسدف الخيط البهيم ساتره وعدي بن حاتم لم يكن ذلك من لغته. قوله:) وفي تجويز المباشرة إلى الصبح الخ (لأنه لما أباح المباشرة إلى تبين الفجر تبين أنّ الغسل فيما بعده وأما دلالته على جواز النية بالنهار فلا ولدا لم يذكره كما في الكشاف لأنه ثابت بدليل آخر. قوله: (بيان آخر وقته الخ (ونفى صوم الوصال وفي نسخة فينتفي صرم الوصال وهي أولى وهو أن يصوم يومين فأكثر من غير أن يفطر الليل قيل إنّ النبيّ لمجيئ استنبط هدّا منها كما أخرجه أحمد ووجهه أنه جعل الليل غاية للصوم وغاية الشيء منقطعه ومنتهاه وما بعد الغاية مخالف ما قبله وإنما يكون كذلك إذا لم يبق بعده صوم، وأما احتمال كون الغاية للوجوب فمع أنه خلاف الظاهر لا ينفي احتماله مع بيان المراد بالحديث الصحيح. قوله: (والاعتكاف الخ) أصل معنى العكوف في اللغة الملازمة على سبيل التعظيم ثم نقل في الشرع إلى الاحتباس في المسجد على سبيل القربة وأما دلالته على ما ذكر فلأنه معنى الاعتكاف شرعا كما قدمه، وأما كونه لا يخص مسجداً فظاهر فلا يرد أنه ربما يذعي دلالته على أنّ الاعتكاف يكون في غير المسجد دمالا لما كان للتقييد فائدة وقوله: وأنّ الوطء يحرم فيه راجع للاعتكاف بقرينة قوله: ويفسده، وأما المجامعة في المسجد مطلقا فلا تدل الآية على حرمتها، وقال ابن الهمام ﵀: التحريم يحتمل أن يكون للاعتكاف وأن يكون للمسجد فتكون ظنية الدلالة وبمثلها تثبت كراهة التحريم لا التحريم فهي مكروهة كراهة تحريم على الأصح كما في شرح الكنز. قوله: (أي الأحكام التي ذكرت الخ) أي الأحكام المذكورة من باشروا وابتغوا وكلوا واشربوا للإباحة وأتموا الصيام للإيجاب ولا تباشروهت لتحريم حدود الله، والنهي عن الإتيان والقربان في الحرام ظاهر وأما في الواجب

стр. 704

والمندوب والمباج فمشكل، وعن التعذي بالعكس لأن النهي عن التعذي في الجواب والمندوب والمباح ظاهر لأنه بمعنى ينبغي أن يكون هذا عملكم، وفي الحرام مشكل لأنّ التعدي عن الحرام واجب وما ذكر في الكشاف من كون منع القربان مبالغة في منع التعدي وكون التعدي عبارة عن ترك الطاعة والعمل بالشرائع وتجاوز حيز الحق إلى حيز الباطل يدفع الإشكالين بتأويل في اللفظ وهو أنّ تلك الأحكام ذوات حدود فلا تقربوها كيلا يؤذي إلى تجاوزها والوقوع في حيز الباطل وهو معنى قوله نهى أن يقرب الحد الحاجز الخ، وقوله: فضلا عن أن يتخلى جواب عما قيل: كيف قيل: فلا تقربوها مع قوله: ﴿فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٢٩] ومنع تعذي الحد ومنع قربانه متدافعان لأنّ منع التعدي يشعر بجواز القربان فإن منع القربان يفيد مغ التعذي بطريق الأولى فهو أبلغ منه، وقوله لكل " ملك حمى " حديث صحيح وهو من جوامع الكلم وشبه المحارم بالحمى الذي يحميه السلطان عن الرعاة وغيرهم فلا يدخله أحد ثم نهى عما يقرب منه من المشتبهات فإنه يوقع في المحرمات كمن قرب من المرعى المحمى فإنه يخشى عليه من دخوله، ويوشك بمعنى يقرب وهو شاهد للمنع من القرب وان كان المذكور فيه المحارم فقط. قوله: (ويجوز أن يريذ بحدود الله الخ) فيستقيم منع اأمربان من غير تأويل إلا أنه لم يسبق إلا نهي واحد وهو قوله لا تباشروهق فقيل: التعدد باعتبار أن الأوامر السابقة نهى عن أضدادها، وقيل: إنه في أمر الإباحة مشكل فالأوجه أن يراد هذا وأمثاله. قوله: (مثل ذلك التبيين (يحتمل أنّ الإشارة إلى التبيين السابق أو إلى ما بعده كما مرّ، وقوله: مخالفة الأوامر والنواهي على التفسير الأوّل ظاهر وعلى الثاني تتميم. قوله: (أي لا يكل بعضكم الخ) يعني أنّ هذا ليس من مقابلة الجمع بالجمع كما في اركبوا دوابكم بل المراد نهي كل عن أكل مال الآخرة فقوله بالباطل متعلق بتأكلوا وبينكم أيضا كذلك أو ظرف مستقر حال من الأموال والأدلاء الإلقاء أي إلقاء الأموال إلى الحكام، وفي الأساس أدليت دلوي في البئر أرسلتها ودلوتها نزعتها ومن المجارّ دلوت حاجتي طلبتها ودلوت به إلى فلان تشفعت به إليه وأدلى بحجته أظهرها وأدلى بمال فلان إلى الحكام رفعه وعلى نصبه بإضمار أن معناه لا يكن منكم أكل الأموال والإدلاء ومثله وإن كان للنهي عن الجمع لا ينافي كون كل من الأمرين منهيا، وبها الباء للتعدية متعلق بتدلوا أي ترسلوا بها إلى الحكام أو للسببية وضمير بها للأموال وبالإثم متعلق بتأكلوا والباء للسببية أو للمصاحبة والجار والمجرور حال من فاعل تأكلوا أي ملتبسين بالإثم وكذلك جملة وأنتم تعلمون حالية ومفعوله محذوف كما أشار إليه المصنف ﵀. قوله:) روي أن الخ (هذا الحديث أخرجه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير مرسلاً وامرؤ القيس هذا صحابيئ ﵁ وليس هو الشاعر المشهور لأنه جاهليّ وعبدان بوزن عطشان علم. قوله: (وهو دليل على أن حكم القاضي الخ) هذه المسألة مما اختلف فيه هل حكم الحاكم بحسب ظاهر الشرع إذا لم يكن كذلك في نفس الأمر ينفذ ظاهراً وباطنا أو ظاهراً فقط حتى لا يحل له ما حكم له به وليس الخلاف فيمن ادّعى حقا في يدي رجل وأقام بينة تقتضي أنه له فإنه غير جائز له أخذه وحكم الحاكم لا يبيح له ما كان قبل ذلك محظورا عليه وإنما الخلاف في حكم الحاكم بعقد أو فسخ عقد بشهادة شهود إذا علم المحكوم له أنهم شهود زور فقال أبو حنيفة ﵀: إذا حكم الحاكم ببينة بعقد أو فسخ عقد مما يصح أن يبتدأ فهو نافذ ظاهرا وباطنا ويكون كعقد عقداه بينهما وإن كان الشهود شهود زور كما روي: أنّ رجلا خطب امرأة هو دونها فأبت فاذعى عند عليّ كرّم الله وجهه أنه تزوجها وأقام شاهدين فقالت المرأة إني لم أتزوّجه وطلبت عقد النكاح فقال عليّ ﵁: قد زوّجك الشاهدان وقال أبو يوسف ومحمد والشافعيّ: لا ينفذ وحكم الحاكم في الظاهر كهو في الباطن والمسألة معروفة في الفروع والأصول ولها تفصيل في أدب القاضي والآية تدلّ على القول الثاني بحسب الظاهر. قوله:) ويؤيده الخ (الحديث المذكور أخرجه الشيخان وألحن أفعل تفضيل من اللحن وهو صرف الكلام عن سننه الجاري إما بلحن أو بجعله تعريضا وقيل: للفطن لحن وكذا القوي على التكلم ومنه ما في الحديث ودلالته لما ذكر ظاهرة ولكنه ليس محل الخلات كما مرّ ومطابقة سبب النزول للآية باعتبار أكل المال

стр. 705

بغير حق مطلقا. قوله:) سأله معاذ بن جبل ﵁ الخ (قال العراقي: لم أقف له على إسناد وتعقب بأنه أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق من طريق السدي عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄ وله طرق أخرى وغنم بغين معجمة ونون بوزن قفل وكما بدا يصح فيه الهمزة والألف أي كما كان أوّلاً. قوله: (أي إنهم سألوا عن الحكمة الخ (ذهب أهل المعاني إلى أن هذا من الأسلوب الحكيم ويسمى القول بالموجب وهو تلقي السائل بغير ما يطلب بتنزيل سؤاله منزلة غيره تنبيهاً على أنه الأولى بحاله وأنهم سألوا عن السبب في اختلاف القمر وزيادة النور ونقصانه فقالوا: ما باله يبدو دقيقا ثم يتزايد قليلاً قليلآ حتى يمتلئ ثم يعود إلى حاله الأوّل فأجيبوا ببيان الغرض من هذا الاختلاف من بيان مواقيت العبادات والمعاملات تنبيهآ على أن الأولى بحالهم أن يسألوا عن الغرض لا عن السبب لأنهم ليسوا ممن يطلع على دقائق الرياضات ولا يتعلق لهم غرض بها فإن كان المصنف ﵀ أراد هذا فالظاهر أن يقول: سألوا عن السبب والعلة، وإن أراد أنّ السؤال إنما هو عن غايته وفائدته فالمذكور في سبب النزول لا يساعده كما قيل: وليس بشيء لأن عبارة السؤال لا تنافيه ولذا قال النحرير: أنا لا أزيد على التعجب سوى أن أقول أي دلالة لقولهم ما بال الهلال الخ على أنه سؤال عن السبب والفاعل دو) ، الغاية والحكمة فحمله المصنف على ذلك لأنه اللائق إذ مثلهم لا يستبعد منه السؤال عن ذلك فيكون محصله لم جعله الله كذلك بخلقه على حالة تقتضيه ولم يدم على حالة واحدة كالشمس فأجيبوا بأنه للمواقيت ونحوها فإن كان السؤال عن السبب وعدل عنه إلى ما ذكر لما مرّ وسيذكره المصنف ﵀ أيضا فوجه العدول أنه أمر لا يتعلق بمنصب النبوّة إذ العلوم قسمان قسم يعلم من الشرع كالعلوم الدينية وقسم يعلم من غيره إذ لا تعلق له بمعرفة الله وأمور الدين كمثل هذا أو لأنهم ليسوا ممن يقف على مثل هذه الدقائق الموقوفة على الإرصاد والأدلة الفلسفية وليس هذا مما نقص! من قدرهم كما توهمه بعض الناس مع أنّ كثيرأ من أدلتهم مطعون فيها عندهم أيضا والحكم المسكوت عنها لا تحصى وقوله: ومعالم يعني أن الميقات ما يوقت به الشيء كما أنّ المقدار ما يقدر به، وقوله: وخصوصا الحج إشارة إلى أنه من ذكر الخاص بعد العام لمزيد اختصاص الميقات به حيث روعي فيه أداء وقضاء وقيل: إنه توبيخ لأصحاب النسيء وتوطئة لما بعده. قوله: (والمواقيت الخ) هذا الفرق مأخوذ من الراغب وعليه يعوّل في أمثاله وقوله: إن المذة احترز عما إذا قيدت كمدة كذا، وقوله: المفروض لأمر أي المقدر لأنّ أصل معنى الفرض! التقدير. قوله:) كانت الأنصار الخ) الفسطاط بضم الفاء وكسرها بيت الشعر والنقب خرق الحائط وهو راجع إلى الدار والفرجة راجعة إلى الفسطاط. قوله: (ووجه اتصاله الخ) أي وجه جمعه مع ما قبله بالعطف وعدم فصله وذكر له أربعة أوجه، وقوله: أنهم سألوا عن الأمرين أمر فرضيّ فلا يضره منافاة بعض الوجوه الآخر وأصل معنى الاستطراد في الصائد إذا قصد صيداً بعينه فعرض! له صيد آخر فمضى في أثره وطرده لا عن قصد والفرق بيته وبين الاعتراض أنّ الاعتراض! مؤكد لما سيق له الكلام منزلة منزلة الجزء منه حتى صح توسطه بين أجزائه ولا يعد فصلا وهذا يتصل به باعتبار مناسبة مّا فلا يتصل كالاعتراض لكن يشبه به من حيث إنهما غير مقصودين فلهذا يساق مساقة إلحاقا للاتصال الضعيف بالقوي توسعا ويكون بواو وبدونها هكذا فرق بينهما صاحب الكشف ويفرق بوجه آخر وهو أنّ الاستطراد قد يتعلق بما معه بحسب الإعراب والسكاكي لم يفرق بينهما وقوله: أو أنهم لما سألوا الخ يعني لما سألوا ما لا يهمهم لكونه ليس من العلوم الدينية أجيبوا وذكر لهم هذا إشارة إلى أنه اللائق بأن يسأل عنه ويعنونه بمعنى يقصدونه والمراد أنه ليس من شأنه أن يقصد لهم وقوله: أو أنّ المراد به الخ محصله أنه ذكر ضمربا للممثل لهم بأنهم في سؤالهم عما لا يهم وترك المهم كمن يترك باب الدار وياً ني من غير الطريق، وقوله: برّ إشارة إلى ما مر في مثله، وقوله إذ ليس الخ مبنيّ على الوجوه الأول، وقوله: فباشروا على الأخير. قوله: (في تنيير أحكامه) يعني إتيان البيوت
следующие страницы →