← Тафсир

Тафсир · id 1535

حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي = عناية القاضي وكفاية الراضي

الشهاب الخفاجي

Полный текст (3 156 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

تشهدوا رجلين فاستشهدوا رجلاً وامرأتين وحقيقته أمر الله أن تستشهدوا والضلال ليس من فعل المستشهد ولا من فعل الله فلهذا قدّر الإرادة وجعل فاعل الفعل المعلل هو الله لا المخاطبين أو يقال: حقيقة فليشهد أمر الله أن يشهد، فجعل فاعل الفعل هو الله لا امرأتان لأنه في بيان غرض الشارع من الأمر باستشهاد المرأتين لا بيان غرضهم، وذلك لأنّ النسيان غالب على طبع النساء لكثرة الرطوبة في أمزجتهن واجتماع المرأتين على النسيان أبعد في العقل من نسيان المرأة الواحدة فلهذا أقام الشرع المرأتين مقام الرجل الواحد حتى أنّ إحداهما لو نسيت ذكرتها الأخرى، وتقرير الجواب أنّ المراد من الضلال الإذكار لأنّ الضلال سبب للإذكار فأطلق السبب والمراد المسبب فكأنه قيل: إرادة الإذكار عند الضلال كما أنّ المراد من المثال إرادة الإدعام عند ميلان الحائط، قال الزجاج: زعم سيبويه والخليل والمحققون أنّ المعنى استشهدوا امرأتين لأنّ تذكر إحداهما الأخرى ثم سألوا لم جاء أن تضل وكيف يستشهد امرأتان للضلال وأجابوا بأن الإذكار سببه الضلال فجاز أن يذكر ويراد الإذكار كما قلت: أعددت هذا أن يميل الحائط فأدعمه وإنما أعددته للدعم لا للميل وإنما ذكرت الميل لأنه سبب الدعم، ولعل هؤلاء لما رأوا شرط نصب المفعول له منتفيا جعلوه مجروراً باللام لكن علة الاستشهاد ليس نفس الإذكار بل إرادته فيرجع إلى ما ذكره المصنف ﵀، وقيل: عليه متعلق الأمر والنهي قد يكون قيدا للفعل، وقد يكون قيدا للطلب نحو أسلم تدخل الجنة وأسلم لأني أريد الخير والعلة هنا لبيان شرعية الحكم واشتراط العدد فيجب أن يكون فعلاً للآمر وقيدا للطلب وباعثاً عليه وليس هو إلا إرادة الله تعالى للقطع بأنّ الضلال والتذكير بعده ليس هو الباعث على الأمر بل إرادة ذلك ثم إنّ النسيان وعدم الاهتداء للشهادة ينبغي أن يكون من الشيطان فلا يكون مراده تعالى سيما وقد أمر بالاستشهاد، وأجيب بأنّ الإرادة لم تتعلق بالضلال نفسه أعني عدم الاهتداء للشهادة بل بالضلال المصرّح بترتب الإذكار عليه وتسببه عليه، ومن قواعدهم أنّ القيد هو مصب الغرض فصار كأنه علق الإرادة بالإذكار المسبب عن الضلال والمرتب عليه كما إذ! قلت إرادة أن تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت ومن الغلط في هذا المقام ما قيل: إنّ المراد من الضلالط الخ لظهور أنه لا يبقى حينئذ لقوله فتذكر معنى وأنه لا يوافق قول المصنف، واعلم أن هذا مأخوذ من كلام سيبويه ﵀ وجمع من المحققين حيث قالوا: إنّ المعنى استشهدوا امرأتين لأن تذكر إحداهما الأخرى، وإنما ذكر أن تضل لأنّ الضلال هو السبب الذي به وجب الإذكار، إلا أن المصنف قدر الإرادة لأنه الباعث على الأمر لا الإذكار نفسه وكذا الكلام في المثالين وهذا بخلاف ما إذا كان الميل أو مجيء العدوّ حاصلا بالفعل فإنه يصح أعددت الخشبة لميل الجدار دون أن يميل الجدار، قيل: والنكتة في إيثار أن تضل على أن تذكر ان ضلت هي شدة الاهتمام بشأن الإذكار بحيث صار ما هو مكروه في نفسه مطلوبا لأجله من حيث كونه مقضيا إليه. (أقول (: ما ذكر العلامة هو كلام المتقدمين بعينه ولا غلط فيه وإنما الغلط من سوء الظن به إذ مراد. أنّ ذكر الضلال لم يرد به التعليلى بل أريد به بيان سبب التعليل، فقوله: أطلق السبب أي ذكر في معرض! التعليل والإرادة، والمراد أي الذي تعلقت به الإرادة للتعليل هو المسبب بدليل تفريع قوله فكأنه الخ عليه وقريب من هذا العطف أيضا ما سيأتي من أنّ العطف على المجرور باللام قد يكون للاشتراك في متعلق اللام مثل جئتك لأفوز بلقياك وأحوز عطاياك، ويكون هذا بمنزلة تكرير اللام وعطف الجارّ والمجرور على الجارّ والمجرور قد يكون للاشتراك في معنى اللام كما تقول جئتك لتستقرّ في مقامك وتفيض عليّ من إنعامك، فهي لاجتماع الأمرين ويكون من قبيل جاءني غلام زيد وعمرو أي الغلام الذي لهما وسيأتي تفصيله في سورة الفتح. قوله: (قرأ حمزة أن تضل على الشرط الخ) فالفعل مجزوم والفتح لالتقاء الساكنين والفاء في الجزاء، قيل: لتقدير المبتدأ وهو ضمير القصة والشهادة ولا يخلو عن تكلف بخلاف قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللهُ مِنْهُ﴾ [سورة المائدة، الآية: ٩٥] أي فهو ومما كان ينبغي أن يتعرّض له وجه تكرير لفظ إحدإهما ولا

стр. 772

خفاء في أنه ليس من وضع المظهر موضع المضمر إذ ليست مذكرة هي الناسية إلا أن تجعل إحداهما الثانية في موقع المفعول ولا يجوز لتقدّم المفعول على الفاعل في موضع الإلباس نعم يصح أن يقال: فتذكرها الأخرى فلا بد للعدول من نكتة. (أقول) : قالوا إنّ النكتة الإبهام لأنّ كل واحد من المرأتين يجوز عليها ما يجوز على صاحبتها من الإضلال والإذكار والمعنى إن ضلت هذه أذكرتها هذه فدخل الكلام معنى العموم وأنه من وضع الظاهر موضع المضمر وتقدير فتذكرها، وهذا يدل على أن إحداهما الثانية مفعول مقدّم وإنما يمتنع التقديم إذا وقع الباس يغير المعنى فإن لم يكن الباس نحو كسر العصا موسى لم يمتنع، قال أبو البقاء ﵀: وهذا من هذا القبيل لأنّ الإذكار والنسيان لا يتعين في واحدة منهما ومقتضاه أنه يجوز ذلك في نحو ضمارب موسى عيسى إذ لا يتغير المعنى فهو إجمال لا لب! وفي الكشاف من بدع التفاسير فتذكر فتجعل إحداهما الأخرى ذكرا يعني أنهما إذا اجتمعتا كانتا بمنزلة الذكر، وقد قيل: إنّ المضارع في جواب الشرط يقترن بالفاء من غير تقدير مبتدأ. قوله: (وسموا شهداء الخ) تقدم وجه آخر ولما كان السأم الملل وإنما يكون بعد المباشرة حمله أوّلاً على حقيقته وثانيا أوّله بالكسل فجعل كناية عنه وإنما كني عنه لأنه وقع في القرآن صفة للمنافقين كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى﴾ [سورة النساء، الآية: ١٤٢] ولذا وقع في الحديث: " لا يقول المؤمن من كسلت وأنما يقول ثقلت " وتقديم الصغير هنا لم مرّ في آية الكرسي والمشبع بالباء الموحدة بزنة اسم المفعول مجاز بمعنى المطول، وقوله: صغيرا كان الحق ناظر إلى جعل ضمير تكتبوه للحق وما بعده إلى كونه للكتاب، وقوله: إلى وقت حلوله الخ وفي الكشاف إلى وقته الذي اتفق الغريمان على تسميته وقوله: إشارة إلى أن تكتبوه أي أو إلى المذكور مطلقاً. قوله: (وهما مبنيان الخ الما كان أقسط أفعل من القسط بمعنى العدل وفعله أقسط وأمّا قسط فبمعنى جار وكذا أقوم ليس من القيام الثلاثي أجاب بأنه من الأفعال وسيبويه ﵀ يجيز بناء أفعل منه أو أنه على غير قياس شذوذ أو جواب آخر أنه ماخوذ من قاسط وقويم لا بمعنى اسم الفاعل لأنّ قاسطا بمعنى جائر بل بمعنى النسب كلابن وتامر فيكون اشتقاقا من الجامد كاحنك، وقال أبو حيان ﵀: قسط يكون بمعنى جار وعدل وأقسط بالألف بمعنى عدل لا غير حكاه ابن القطاع فلا حاجة لما ذكر وقيل: هو من قسط بوزن كرم صار ذا قسط أي عدل وقويم بمعنى بمستقيم، وقوله: وإنما صحت الواو يعني قيل: أقوم ولم يقل أقام لأنها تقلب في فعل التعجب نحو ما أقومه لجموده إذ هو لا يتصرف وأفعل التفضيل مناسب له معنى فحمل عليه وقيل: إنّ قوله لجموده ضميره لأفعل التفضيل أي لعدم تصرفهم في أفعل من الذي هو أصله وفيه نظر، وقوله: وأدنى الخ قيل: وهذا حكمة خلق اللوح المحفوظ والكرام الكاتبين مع أنه الغنيّ عن كل شيء تعليماً للعباد وارشاداً للحكام وحرف الجرّ مقدر هنا فقيل: اللام وقيل: إلى وقيل: من وقيل: في ولكل وجهة. قوله: (استثناء عن الأمر بالكتابة الخ) في هذا الاستثناء قولان أحدهما أنه من الاستشهاد وهو متصل فأمر بالاستشهاد في كل حال إلا ني حال حضور التجارة والثاني أنه منه ومن الكتابة وهو منقطع أي لكن التجارة الحاضرة يجوز فيها عدم الاستشهاد والكتابة كذا في الدر المصون والمصنف ﵀ جعله من الأمر بالكتابة في قوله: أوّل الآية فاكتبوه لذكر الإشهاد بعده فهو متصل، وقوله: وليكتب إلى هنا جمل معترضة فلا فصل ولا بعد وفسر التجارة الحاضرة بالواقعة بينهم أعمّ من أن تكون بدين أو عين والإدارة بكونها يدا بيد ليكون تأسيسا وهو محصل ما في الكشاف ولا غبار عليه وقوله: إلا أن تتبايعوا بيد بيان لمحصل المعنى، وقوله: فلا بأس تفسير عدم الجناح ووقع في نسخة إلا تتبايعوا بدون أن والصحيح روأية ودراية الأولى وهذه من تحريف الكتبة فلا حاجة إلى تكلف توجيهها. قوله: (والاسم مضمر تقديره الخ) قدره غيره المداينة والمعاملة وعليه فالتجارة مصدر لئلا يلزم الإخبار عن المعنى بالعين وجعله المصنف ﵀ كالزمخشريّ والقراء ضمير التجارة والخبر يفسره والضمير يعود على متأخر لفظا ومعنى ومثله جار في فصيح الكلام

стр. 773

كما مرّ، وهذا منقول عن الفراء. قوله: (بني اسد الخ) بنو أسد قبيلة معروفة والبلاء بالفتح والمد القتال يقال: أبلى فلان بلاء حسنا إذا قاتل مقاتلة محمودة واليوم الأشنع من الشناعة وهي القباحة الذي كثر شره، ويقال: لليوم الشديد ذو الكواكب كما يقال في التهديد لأرينك الكواكب ظهرا يقول: هل تعلمون مقاتلتنا يوم اشتد الحرب حتى أظلم. النهار ورؤيت الكواكب فيه ظهر الانسداد عين الشمس بغبار الحرب وقيل: المراد بالكواكب السيوف كقول بشار: كأنّ منار النقع فوق رؤوسنا وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه وليس بشيء وأذا كانت تامة فجملة تديرونها صفة، وقوله: هذا التبايع أي الذي يكون يدا بيد والأصكام بكسر الهمزة صد النسخ يقال: آية محكمة أي لم تنسخ. قوله: (يحتمل البناءين الخ) تثنية بناء وهو البنية واللفظ أي بناء المعلوم والمجهول وفسره على الوجهين فقوله: وهو نهـ يهما الخ على البناء للفاعل وهو تأكيد لما مرّ بالأعمّ، وقوله: أو النهي الخ على البناء للمفعول، والحمل عليهما معا كما قيل: ليس بشيء وعلى المجهول المنهي المتبايعان أو المخاطبون، وقوله: أن يعجلا بالتخفيف من قولهم أعجله عن مهمه إذا ألجأه إلى تركه والجعل بالضم الأجرة، وقوله: الضرر الخ قدر له مفعولاً ليكون مرجع ضمير فإنه، وقوله: لا حق بكم إشارة إلى أنّ الظرف صفة فسوف. قوله: (كرّر لفظة الله الخ) قال الراغب: إن قيل: كيف قال واتقوا الله الخ فكرّرها ثلاثا وقد استكرهوا مثل قوله: فما للنوى جذ النوى قطع النوى حتى قيل: سلط الله عليه شاة ترعى نواه وقوله: بجهل كجهل اليف والسيف منتضي وحلم كحلم اليف والسيف مغمد فاعلم أنّ التكرير المستحسن هو كل تكرير يقع على طريق التعظيم أو التحقير في جمل متواليات كل جملة منها مستقلة بنفسها، والمستقبح هو أن يكون التكرير في جملة واحدة أو في جمل في معنى ولم يكن فيه التعظيم والتحقير وهو الظاهر في البيتين لا الآية فإنّ قوله واتقوا الله حث على تقو! الله ويعلمكم الله تذكير نعمته، والله بكل شيء عليم تعظيم له ومتضمن للوعد والوعيد فلما قصد تعظيم كل واحد من هذه الأحكام أعيد لفظ الله وأما البيت الثاني فهو جملة واحدة لأنّ قوله: كجهل السيف نعت لقوله بجهل وكذا والسبف مغمد حال من قوله كحلم السيف والبيت الأوّل كرر جذ النوى وقطع النوى وهما بمعنى واحد والمصنف ﵀ لخص ما ذكره منه إلا أنّ ما ذكره الراغب في البيت الثاني وهو للبحتري غير مسلم لأنّ التكرير فيه استحسنه الثيخ في دلائل الإعجاز في فصل عقده له وليس بنا حاجة إلى بسطه وفي كلامه إشارة إلى توجيه العطف فيها مع الاختلاف خبراً وانشاء حيث قال وعد فجعلها الإنشاء الوعد، وجعل الثالثة لإنشاء المدح والتعظيم، وتفسير على سفر بمسافرين إشارة إلى أنّ على استعارة تبعية شبه تمكنهم في السفر بتمكن الراكب من مركوبه. قوله: (فالذي يستوثق به الخ) وحديث الدرع في الكتب الستة لكن في البخاري أنه ﵊: " رهته على ثلانين صاعاً " والإعواز الاحتياج وخلاف مالك وغيره في اللزوم وعدمه لا في الصحة، وثمرة الخلاف تظهر في تقديمه على غيره من الغرماء وغير ذلك قيل: وظاهر النص معه وغير مالك بالنصب على الاستثناء. قوله: (وهو خطأ الخ) تبع فيه الكشاف وأهل التصريف حيث قالوا: إنّ الياء الأصلية قبل تاء الافتعال تقلب تاء وتدغم نحو أيتسر وأما الهمزة والياء المنقلبة عنها فلا يجوز فيها ذلك، وقول الناس أتزر خطأ وهم كلهم مخطئون فيه فإنه مسموع في كلام العرب كثيرا وقد نقل ابن مالك جوازه لكنه قال إنه مقصور على السماع قال ومنه قراءة ابن محيصن أتمن ونقل الصاغاني أنّ القول بجوازه مذهب الكوفيين، وقالت عائشة ﵂: " كان ﷺ يأمرني فأتزر كما في البخاوي " قال الكرماني ﵀: فإن قلت لا يجوز الإدغام فيه عند الصرفيين وقد قال في المفصل وقول من قال أتزر خطا، قلت قول عائثة وهي من الفصحاء حجة على جوازه فالمخطىء مخطئ ص. قوله: (وفيه مبالغات الخ) يحتمل أن يريد في هذه الجملة لأنها تأكيد لسبق اتقوا الله واعادة

стр. 774

الجلالة الكريمة والتأكيد وذكر ربه لما فيها من أنه لم يؤدّ دينه لم يخف الله ولم يمتثل أمره، ويحتمل في هذا الكلام لما ذكر ولتسمية الدين أمانة واجبة الأداء، وقوله: أو المديونون الخ والشهادة شهادتهم على أنفسهم بمعنى إقرارهم بما عليهم ولا يخفى أنه خلاف الظاهر والظاهر أنه خطاب للشهود المؤمنين.. قوله: (أي يأثم قلبه الخ) يعني قلبه فاعل آثم أو آثم خبر مقدّم والجملة خبر إنّ ثم أشار إلى نكتة إسناد الإثم إليه مع أنه لو قال: آثم لتم المعنى مع الاختصار فوجه بوجو.، أحدها: أنّ الذي يقترفه أي يكتسبه هو القلب واسناد الفعل إلى الجارحة التي بها يفعل أبلغ كما يسند الإبصار إلى العين والمعرفة إلى القلب والنظير الذي ذكره إنما هو في إسناد ما للجملة إلى العضو، والثاني: أنه وإن كان منسوبا إلى الجملة لكن عير عنها أجزائها إشارة إلى عظم الفعل في نفسه لأنّ فعل القلب أعظم من سائر الجوارح فجعل الكتمان من آثام القلب تنبيها على أنه من أعظم الذنوب وترك توجيهاً آخر في الكشاف وهو أنه يظن أنّ الكتمان من فعل اللسان لا دخل للقلب فيه وليس كذلك فأسند له لينبه على ذلك لضعفه. قوله: (وقرئ قلبه بالنصب الخ) نصب القلب على التشبيه بالمفعول به وآثم صفة مشبهة وقيل: على التمييز وقيل: بدل من اسم إنّ، وقوله: تهديد مرّ وجهه، وقوله: خلقاً وملكاً فالأوّل إشارة إلى أنّ اللام للاختصاص واختصاصها به من جهة كونها مخلوقة أو لا شريك له في الخلق والثاني إشارة إلى كونها للملك فلا يقال من أين يؤخذ هذا من النظم، وقوله: والعزم عليه الخ أي لأنّ مجرّد ما يخطر بالبال لا يعد ذنبا بدون العزم والتصميم حتى يحتاج إلى المغفرة كما سيأتي. وكونه حجة على منكري الحساب بحسب الظاهر فلا يضرّ تأويلهم له بما يخالف الظاهر، وكذا نفي الوجوب لتعلقه بالمشيئة وأما احتمال أنّ تلك المشيئة واجبة كمن يشاء صلاة الفرض فإنه لا يقتضي عدم الوجوب فخلاف الظاهر. قوله: (ومن جزم بنير فاء الخ) إنما جعلوه بدلاً لاً نهم يقولوا بتعدد الجزاء كالخبر قيل: ولا مانع منه نحو إن تاتني أطعمك أكسك وقوله: بدل البعض من الكل أو الاشتمال قيل: إن أريد بقوله يحاسبكم معناه الحقيقي فيغفر بدل اشتمال كقولك أحب زيدا علمه وان أريد به المجازاة فهو بدل بعض كضربت زيداً رأسه، وقال الطيبي ﵀: الضمير المجرور في به يعود إلى ما في أنفسكم وهو مشتمل على الخاطر السوء وعلى خفيّ الوسواس وحديث النفس والمغفرة والعذاب يختص بما هو عزيمة فهو بهذا الاعتبار بدل بعض من كل وأما قول أبي حيان ﵀ وقوع الاشتمال في الأفعال صحيح لأنه جن! تحته أنواع يشتمل عليها وأما بدل البعض فلا إذ الفعل لا يتجزأ فليس بشيء لأنه إذا كان جنساً فله جزئيات يجري فيها ذلك. قوله: (متى تأتناتلمم بنا في ديارنا تجد حطباً جزلا وناراتأججا ( جعل الإلمام بدلاً من الإتيان إمّ بدل بعض لأنه إتيان لا توقف فيه فهو بعضه أو اشتمال لأنه نزول خفيف، وألف تأججاً ألف تثنية للنار والحطب يقال تأججت النار أي التهبت وتأجج الحطب إذا وقع فيه النار، أو ألف إطلاق وفاعل تأجج ضمير النار لتأويله بالقبس وقيل: أصله تتأجج فحذفت إحدى التاءين ولحقته نون التوكيد الخفيفة ثم صارت ألفاً في الوقف وهو بعيد وهو عبارة عن الجود وكثرة الضيفان. قوله: (وإدغام الراء في اللام لحن الخ) هذا مما تابع فيه الكشاف وهو من دائه العضال إذ هو يعتقد أنّ القراءة بالرأي وهو غلط فاحش وكيف يكون لحناً وهي قراءة أبي عمرو إمام القرّاء والعربية والمانع من الإدغام تكرير الراء وقوّتها والأقوى لا يدغم في الأضعف وهو مذهب سيبويه والبصريين وأجاز ذلك الفراء والكسائي والرواسي ويعقوب الحضرمي وغيرهم ولا حاجة إلى التطويل فيه وليس هذا مما يليق بجلالة المصنف رحمه الله تعالى وقد يعتذر له بما ذكره صاحب الإقناع من أنه روي عن أبي عمرو ﵀ أن رجع عن هذه القراءة فيكون الطعن في الرواية لا في القراءة فتدبر. وقال الزجاج ﵀: لما ذكر الله في هذه السورة فرض الصلاة والزكاة والطلاق والحيض والإيلاء والجهاد وقصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والدين والربا ختمها بقوله: آمن الرسول الخ، لتعظيمه وتصديق نبيه ﷺ والمؤمنين لجميع ذلك المذكور قبله وغيره ليكون

стр. 775

تأكيداً له وفذلكة. قوله: (شهادة وتنصيص من الله الخ) يعني أنّ الإيمان بما ذكر كما يجب على الأمة يجب عليه أيضاً به وبكتابه وبما قبله من غير فرق في أصل الإيمان وان تفاوت تفاوتا عظيماً فيما ينبني عليه وكيفيته ولا يلزم منه إتباعه لغيره من الرسل عليهم الصلاة والسلام فتأمل. قوله: (لا يخلو من أن عطف المؤمنون الخ) جوّز في المؤمنون أن يكون معطوفا على الرسول مرفوعا بالفاعلية فيوقف عليه ويدل عليه قراءة عليّ ﵁ وآمن المؤمنون وكل آمن جملة من مبتدأ وخبر وسوغ الابتداء بالنكرة كونه في تقدير الإضافة أو المؤمنون مبتدأ وكل مبتدأ ثان وآمن خبره والجملة خبر المؤمنون والرابط مقدر ولا يجوز كون كل تكيداً لأنهم صرحوا بأنه لا يكون تأكيداً للمعرفة إلا إذا أضيف لفظها إلى ضميرها، وقوله: الذي ينوب إشارة إلى أنّ تنوينه للعوض ولذا منعوا دخول الألف واللام عليه وعلى بعض وقالوا قولهم الكل والبعض خطا. قوله: (ويكون إفراد الرسول الخ) أي على الوجه الثاني إشارة إلى أنّ إيمانه لكونه تفصيليا عيانيا كانه نوع وجنس آخر وأيضاً المتبادر من المؤمنين الأمة فلا يدخل تحتهم. قوله: (يعني القرآن أو الجنس الخ) يعني أنّ الإضافة إما للعهد أو للجنس لأنها تأتي لمعاني اللام كما حققوه، وقوله: والفرق الخ يعني ما قيل: إنّ استغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع لأن المفرد يتناول جميع الآحاد ابتداء فلا يخرج عنه شيء منه قليلاً أو كثيرا بخلاف الجمع فإنه يستغرق الجموع أوّلاً وبالذات ثم يسري إلى الآحاد والفرق بينهما في النفي ظاهر وفي الإثبات كونه أظهر وأقوى خصوصا وقد شمل الحقيقة والماهية فاستغرق الإفراد الذهنية وضعا على ما في الكشف ونقل في الانتصاف عن بعض أهل الأصول أن تناوله للإفراد مجاز وتبعه الطيبي ﵀، وقوله: ولذلك قيل: الخ هو منقول عن ابن عباس ﵄، ولكن صاحب الانتصاف تردّد في ثبوته عنه ولذا لم يصرح به المصنف ﵀ وهذا المبحث من معضلات المعاني فراجعه فيها. قوله: (أي يقولون لا نفرّق الخ) والمقدر إمّا حال أو خبر بعد خبر وعلى قراءة لا يفرّقون جوّز فيها ذلك من غير تقدير القول ويجوز أن يقدر يقول بالإفراد على لفظ كل والضمير الراجع إلى كل يجوز إفراده نظرا إلى لفظها وجمعه نظرا لمعناها، كما قرّره أهل العربية وكلاهما وارد في القرآن كما ذكره المصنف ﵀. قوله: (وأحد قي معنى الجمع الخ) قال النحرير: ذكر أهل اللغة أن أحدا اسم لمن يصلح أن يخاطب يستوي فيه الواحد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث فإذا أضيف بين إليه أو أعيد إليه ضمير الجمع أو نحو ذلك، فالمراد به جمع من الجنس الذي يدل الكلام عليه وكثير من الناس يسهو فيزعم أنّ معنى ذلك أنه نكرة وقعت في سياق النفي فعممت وكانت بهذا الاعتبار في معنى الجمع كسائر النكرات اهـ. وهو ردّ على المصنف ﵀، وقد مرّ تفصيله وقوله: التفرقة بالتصديق والتكذيب بأن يصدق ببعضهم ويكذب بآخر كما يفعله الكفرة وفيه إشارة إلى أنّ التفرقة بالتفضيل ونحوه واقعة كما مرّ وهو إشارة إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ [سورة النساء، الآية: ١٥٠] . قوله: (أجبنا) هذا هو المعنى العرفي للسمع والإطاعة أخص منه لاً نها القبول عن طوع كما يقال سمعا وطاعة والغفران مصدر إمّا منصوب على المصدرية أو على أنه مفعول به والمصير مصدر ميمي المراد به البعث. قوله: (١ لا ما تسعه قدرتها الخ) على الأوّل المراد بالوسع القدرة أي لا يكلفها إلا ما تقدر عليه، وعلى الثاني ما يسهل عليها من المقدور فهو أخص كما إذا كان في قدرته أن يصلي ستاً فأوجب خمساً فالواجب دون مدى طاقته أي غايتها ونهايتها، وقوله: وهو يدل الخ يعني على التفسيرين أما على الأول فظاهر، وأمّ على الثاني فبطريق الأولى، وقيل: إنه على الثاني مخصوص بهذه الأمة فلا دلالة على ذلك فهو راجع إلى التفسير الأول وفيه ردّ على من استدل بها على امتناعه وتفصيله في الأصول وضمير لها للنفس العامة. قوله: (من خير الخ) أخذ. من اللام وعلى الدالتين على النفع والضر في الأصل وقوله: لا ينتفع الخ الحصر مستفاد من تقديم الخبر كما مرّ وما ورد من الانتفاع بعمل الغير كأن يحج عنه أو يهدي له ثواب صدقته والتضرر يوزر غيره فمؤوّل بأنّ الذي له ثواب كسب المال المنفق فيه واثم العمل الذي تسبب عنه عمل غيره ونحو ذلك. قوله: (وتخصيص الكسب بالخبر الخ) الاعتمال الاجتهاد في العمل

стр. 776

ويرد فيما يعمله المرء لنفسه والاستعمال فيما يعمله بواسطة غيره، والحاصل أنّ الصيغة لما دلت على زيادة معنى وهو الاعتمال والانجذاب إليه وردت في الشر إشارة إلى ما جبلت عليه النفوس واستعمل مقابلها في الخير لعدم ذلك فيه، وقال ابن الحاجب: إنه يدل على زيادة لطف من الله في شأن عباده إذ أثابتهم على الخير كيفما وقع ولم يجزهم على الشر إلا بعد الاعتمال والتصرّف وهو قريب مما ذكروه هنا. قوله: (أي لا تؤاخذنا بما أذى بنا الخ الما كان الخطأ والنسيان غير مؤاخذ عليهما فلا يظهر وجه الدعاء بعدم المؤاخذة أوّلوه بوجوه، أحدها: أنّ المراد لا تؤاخذنا بتفريط واغفال يفضي إلى خطأ أو نسيان وذلك التفريط فعمل لهم قد يؤاخذ به وان لم يكن ذنبا في نفسه لما يترتب عليه. قوله: (أو بأنفسهما الخ) أورد عليه أنه إنما يتم على القول بأنّ التكليف بغير المقدر وجائز عقلاً غير واقع فضلاً من الله والا فلا يكون ترك المؤاخذة على الخطأ والنسيان فضلا يستدام ونعمة يعتد بها والمحققون من أهل السنة والمعتزلة على خلافه واك زامه، وأنّ الجواب الأوّل مبنيّ على المشهور وهذا على خلافه أسهل من الجواب بأنّ غير المقدر وهو نفس الخطأ والنسيان وليس الكلام في المؤاخذة عليه بل على الفعل المترتب عليه كقتل مسلم ظنه غير معصوم ونحوه مما يكون ترك المؤاخذة عليه فضلاً من الله تعالى والعزيمة القصد المصمم، وقوله: فيجوز الخ فهو على أسلوب قوله تعالى: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾ [سورة الفاتحة، الآية: ٥، أو أنه من باب التحدث بالنعمة اعتناء بها كما قال تعالى. ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [سورة الفحى، الآية: ٠ ا] قال الطيبي: وهذا تكلف، وقد روي في مسلم أنّ هذه الآية ناسخة لقوله: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ﴾ أسورة البقرة، الآية: ا] الآية فكما أنّ الخطرات والوساوس محلها النفس كذلك معدن النسيان والخطأ النفس فلم يكن النسيان والخطا متجاوزا عنها عقلا بل نقلاً، وفي الانتصاف رفع المؤاخذ بهما عرف بالسمع لقوله ىلمج! هـ: " رفع عن أمتي الخطأ " الخ فلعل رفعهما كان إجابة بهذه الدعوة وقد روي أنه قيل له: عند كل دعوة قد فعلت وأنما المعتزلة يذهبون إلى استحالة المؤاخذة بذلك عقلاً بناء على التحسين والتقبيح أص. قوله: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان) وما أكرهوا عليه وفي رواية وما استكرهوا عليه كذا وقع في كثير من الكتب وقد أخرجه الطبرانيّ في الأوسط عن ابن عمر ﵄، وقال السبكيّ: قال محمد بن نصر ليس له إسناد يحتج به، وكذا قال غيره وقال النووي ﵀: إنه حديث حسن وفي سنن ابن ماجه بدل رفع وضع وهما متقاربان وسئل أحمد بن حنبل عنه فقال لا يصح: ولا يثبت إسناده وقال من زعم أنّ الخطأ والنسيان مرفوعان: فقد خالف كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فإنّ الله أوجب في قتل النفس خطأ الكفارة وفيه نظر. قوله: (عبأ) كحملا لفظا ومعنى بعين مهملة وباء موحدة وهمزة بين وجه اشتقاقه وأصل معناه بما ذكره وقوله: للمبالغة فعل يجيء للتكثير والمبالغة نحو قطعت الثياب وللتعدية وقتل الأنفس في التوبة أو في القصاص لأنه كان لا يجوز غيره في شريعتهم وقطع موضع النجاسة من الثياب ونحوها، وقيل: من البدن وقوله: وخمسين صلاة قال السيوطي رحمه الله تعالى: هذا لا أصل له وإنما الثابت في الأحاديث أنّ عليهم صلاتين، وقوله: من البلاء والعقوبة الخ ناظر إلى أوّل تفسيري قوله تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ وقوله: أو من التكاليف إلى ثانيهما وقوله: فيكون صفة الخ أي على التوجيه الثاني وأمّا على الأوّل فصفة مصدر محذوف كما أشار إليه وفي كون توبتهم بقتل أنفسهم كلام في التفاسير. قوله: (وهو يدل على جواز التكليف الخ) أي والا لم يكن لهذا الدعاء فائدة وأجيب بأنّ المراد به ليس هو التكليف الشرعي بل إنزال العقوبات التي نزلت بمن قبلنا لتقصيرهم، وأجيب أيضا بأنّ المراد التكليف الشاق الذي يشبه بما لا يستطاع أصلا وضعف بأنه يكون تكريرا لما سبق من قوله: لا تحمل علينا إصرا والفائدة الجديدة أولى وفي شرح المقاصد تمسك بهذه الآية على جواز التكليف بما لا يطاق ودلالته على الجواز ظاهرة وأما على الوقوع فلأنّ الاستعاذة إنما تكون عما وقع في الجملة لا عما أمكن ولم يقع أصلاً، والجوإب أنّ المراد به العوارض التي لا طاقة بها لا التكاليف اص. قوله: (وامح ذنوبنا) فيه إشارة إلى الفرق بين العفو

стр. 777

والمغفرة وتأخير الرحمة ووجهه ظاهر من تفسيره وفسر المولى بالسيد وترك تفسيره بمن يتولى أمورهم كما في الكشاف وقوله: فإنّ الخ إشارة إلى وجه الترتب بالفاء وفسر الكافرين بأعدائهم في الدين المحاربين لهم لمناسبته للنصرة وجوّز أن يعم جميع الكفرة. قوله: (روي أنه ﷺ لما دعا الخ) قيل الظاهر أنّ المراد بدعائه بهذه الدعوات قراءته لهذه الآيات ويحتمل أن يكون قد دعا بها فنزلت هذه الآية حكاية لها، وقيل: الأوّل هو الوارد في الأحاديث الصحيحة " والثاني ورد بمعناه " حديث مرسل أخرجه ابن جرير، والنكتة في صيغة الجمع أنّ للاجتماعات تأثيرات وبركات ولإرادة العبد خبراً بأخيه أثراً في استنزال الخيرات، وقوله: " كفتاه) أي عن قيام تلك الليلة وقيل: " كفتاه " المكروه، وقوله: من كنوز الجنة تمثيل لما فيها من كثرة الخير والبركة والثواب، وكذا الكتابة باليد تمثيل وتصوير لإثباتهما وتحققهما وتقديرهما بألفي سنة عبارة عن قدمهما لا للتحديد. قوله: (وهو يرد الخ) قال النووي رحمه الله تعالى في كناية الأذكار: نقل عن بعض المتقدمين أنه كان يكره أن يقال سورة البقرة وسورة الدخان والعنكبوت وشبه ذلك وإنما يقال السورة التي يذكر فيها البقرة وهكذا وهو خطأ فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة " آيتان من آخر سورة البقرة " الحديث وأشباهه كثيرة لا تحصى اهـ. قلت قد مر أنّ المنع من ذلك صح عنهم والاستعمال أيضا صحيح بلا شبهة ولا خطأ فيه وإنما المنع كان في صدر الإسلام لما استهزأ سفهاء المشركين بسورة العنكبوت ونحوها فمنع منه دفعاً لطعن الملحدين ثم لما استقر الدين وقطع الله دابر القوم الظالمين شاع ذلك وساغ والشيء يرتفع بارتفاع سببه، وقوله: " فسطاط القرآن " الفسطاط بضم الفاء وكسرها هو الخيمة أو المدينة الجامعة أو الأوّل أصله وهذا منقول منه سميت بذلك لاشتمالها على معظم أصول الدين وفروعه وللإرشاد إلى كثير من أمور المعاس والمعاد، وسميت السحرة بطلة جمع باطل لانهماكهم في الباطل أو لبطالتهم عن أمر الدين ومعنى عدم استطاعتهم أنهم مع حذقهم لا يوفقون لتعلمها أو لتأمل معانيها أو العمل بما فيها، وقيل: لن يستطيعها إذا قرئت فإنها تهزمهم وتبطل سحرهم وشرهم وقيل: إنها من المعجزات التي لا تقدر السحرة على معارضحتها كغيرها من المعجزات المحسوسة، وقيل: المراد بالسحرة البلغاء كما في قوله: " إنّ من البيان لسحرا " وهو بعيد اللهم وفقنا للوصول إلى هذا الفسطاط واجعلنا ممن استظل بظل عنايتك ورحمتك ويسر لنا خيري الدنيا والآخرة واجعل القرآن ربيع قلوبنا وجلاء أسماعنا ونزعة أرواحنا ويسر لنا إتمام ما قصدناه بإحسانك يا أرحم الراحمين وصل وسلم على نبيك المنزل عليه وعلى آله وأصحابه وأهل بيته آمين. تتا الجزء الثاني ويليه الجزء الثالث أوّله سورة آل عمران

стр. 778

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة آل عمران قوله: (إنما فتح الميم في المشهور الخ) قد سبق الكلام في معنى ألم وهل هي معربة أو مبنية، أو موقوفة وأن الصحيح أنها معربة وإنما سماها بعضهم مبنية لعدم الإعراب بالفعل لفقد المقتضى له، وأنّ سكون أعجازها سكون وقف لا بناء، ولذا اغتفر فيها التقاء الساكنين، وحينئذ كان حقها هنا سكون الميم، وفتح الهمزة لكن جمهور القرّاء على فتح الميم وطرج الهمزة، واختلف في توجيهه فذهب سيبويه، وكثير من النحاة إلى أنه حرّك لالتقاء الساكنين بالفتح لخفته وللمحافظة، على تفخيم لفظ الله، وعليه مشى في، ألمفصل لأنه مختصر الكتاب، وذهب الفرّاء واختاره في الكشاف إلى أنه نقلت حركة الهمزة إلى ما قبلها، وحذفت وأورد عليه أن همزة الوصل سقطت في الدرج، ونقل الحركة إنما يكون على تقدير ثبوتها لآنّ إبقاء حركتها) بقاء لها، وأجيب عنه بأنه على نية الوقف فتكون ثابتة لأنه ابتداء كلام، ولإجرائه مجرى الدرج الصل به وحرّك، وأمّا قول ابن الحاجب إنه ضعيف غير مسلم، ولما كان التقاء الساكنين شائعا لي الوقف لم يقل إنّ التحريك له، وإليه أشار المصنف ﵀ بقوله: توهم التحريم فإنه غير محذور، وقوله: وقرئ بكسرها الخ هي قراءة أبو حيوة، قال الزمخشري: وما هي بمقبولة لكن الفارسي قال: إن القياس لا يدفعها، وعن عاصم تسكين ميم، والابتداء بالهمزة مع الوقف وعدمه، واختير الفتح لئلا يجتمع كسرتان وياء بمنزلة كسرتين وأورد عليه اتفاقهم على كسرة الرحيم الله في الوصل، وفي شرح الطيبة كسر ميم الرحيم الله الجمهور على أنه حركة إعراب فلا يرد ما ذكر. وبحتمل أنها سكنت بنية الوقف، ثم حركت لالتقاء الساكنين، وروي عن أمّ سلمة ﵂ قراءة سكون الميم وقطع الهمزة، وروي عن الكسائي فتح ميمه وصلا، وهو موجه بما مرّ، ويحتمل نصبه بأعني مقدراً. قوله: (روي الخ) المرويّ أنه ﵊ قال: اسم الله الآعظم في ثلاث سور سورة البقرة وآل عمران وطه قال أبو أمامة: فالتمستها فوجدت في البقرة الله لا إله إلا هو الحيّ القيوم الخ، والمصنف رحمه ألله رواه بالمعنى. قوله: (القرآن

стр. 779

نجوماً) أي على التدريج بناء على الفرق بين الإنزال والتنزيل، واليه أشار في تفسير أنزل هنا بقوله: (جملة) ، وقد مرّ أنّ بعضهم فسر التدريج بالتكثير الذي دل عليه فعل، وردّ بأنه إنما يدلّ عليه لو لم يكن للتعدية كما هنا، فإن نزل! لازم فلا يصح فيه ذلك، ومرّ جوابه. وأمّا ردّ أبي حيان ﵀ بأنه ورد في وصف القرآن نزل وأنزل فغير وارد، وقال الحلبيّ إنه يرى في كلام الزمخشريّ تناقضاً حيث قال: إنّ نزل يقتضي التنجيم، وأنزل يقتضي الإنزال الدفعيّ، وتجويزه أن يراد بالفرقان القرآن مع أنه قيل فيه أنزل قال ولا ينبغي أن يقال ذلك لأنه لم يقل إن أنزل للإنزال الدفعيّ. وفي المغني يشكل على الزمخشرفي قوله تعالى: ﴿لولا نزل عليه القرآن﴾ [سورة الفرقان، الآية: ٣٢] جملة واحدة فقرن نزل بكونه جملة، وقوله: وقد نزل عليكم في الكتاب. وقال العراقي: إنّ القرآن أنزل من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا جملة واحدة، ومن سماء الدنيا منجماً في ثلاث وعشرين سنة فيجوز أن يقال فيه نزل وأنزل، وأمّا بقية الكتب فلا يقال فيها إلا أنزل، وهذا أوجه وأظهر، وهذا فطير لم يخمر، وتخميره أن التدريج ليس هو التكثير بل الفعل شيئا فشيئا، كما في تسلل والألفاظ لا بدّ فيها من ذلك فصيغة نزل تدل عليه والإنزال مطلق، لكنه إذا قامت القرينة يراد بالتدريج التنجيم، وبالإنزال الذي قد قوبل به خلافه أو المطلق بحسب ما يقتضيه المقام إذا عرفت هذا فكل ما ذكر من عدم البصيرة، وضيق العطن فافهم، وقد مرّ ما فيه مفصلاً. قوله: (بالعدل أو بالصدق الخ) قيل ليس في اللغة الحق بمعنى العدل، والحجج المحققة، ووصفه بالصدق باعتبار بعض أجزائه وهو الأخبار ويمكن أن يجعل باعتبار جميع أجزائه لاستلزام كل إنشاء خبرا وليس بشيء لأنه نص عليه أمام اللغة الراغب وعليه تعويل المصنف ﵀ فيما مرجعه إلى اللغو، ومع قوله في أخباره كيف يتوهم السؤال بالإنشا آت، وما بين يديه ما تقدمه من الكتب كما مرّ تحقيقه، وهو في موضع الحال، وتقديره ملتبسا بالحق أو محقا. قوله: (واشتقاقهما من الورى والنجل الخ) الظاهر أنهما أعجميان لا عربيان وعلى القول بعربيتهما فأمر الاشتقاق والوزن ظاهر وعلى الأوّل فلا معنى له على الحقيقة لأنه إمّا أن يشتق من ألفاظ أخر أعجمية ولا مجال لإثباته، أو من ألفاظ عربية فهو استنتاج للضبّ من الحوت، ولذا عده المصنف ﵀ تعسفا، فلم يبق إلا بعد التعريب اجروه مجرى أبنيتهم في الزيادة، والأصالة وفرضوا له أصلا ليتعرّف ذلك، وقد نقل هذا عن بعض المتقدمين، ومثله ما مرّ في طالوت، فمن قال: إنه فقول عن البصريين والكوفيين لم يات بشيء، وعلى هذا الأخير فالتوراة قيل إنها من ورى الزناد يرى إذا قدح فظهر منه النار لأنها ضياء ونور تجلو ظلمة الضلال، وقيل: إنها من ورّى أي عرّض لأنّ فيها رموزا كثيرة، وقوله: ووزنهما بتفعلة بفتح العين عند بعض الكوفيين، وبكسرها عند الفرّاء لكن فتحت وقلبت ياؤها ألفا للتخفيف كما قالوا: في توصية وتوصاة وهي لغة لبعض العرب، وعند الخليل وسيبويه فوعلة، والأصل وورية فأبدلت الواو تاء، وقوله: والنجل بفتح فسكون هو الماء الذي ينز في الأرض، ومنه: النجيل لما ينبت فيه، ويطلق على الوالد والولد، وهو أعرف فهو ضد كما قاله للزجاجيّ: وهو من نجل بمعنى ظهر سمي به إمّا لاستخراجه من اللوح المحفوظ، وظهوره منه أو من التوراة، وقيل إنه من التناجل، وهو التنازع لكثرة النزاع فيه، وقيل: من النجل بمعنى الوسع لتوسيعه ما ضيق في التوراة، وقوله: لأنهما أعجميان قد عرفت وجهه وتوجيهه، وما قيل: إنّ الدليل على عربيتهما دخول اللام لأنّ دخولها في الأعلام الأعجمية محل نظر لا وجه له لأنهم ألزموا بعض الأعلام العجمية الألف واللام علامة للتعريب كما في الإسكندرية فإن أبا زكريا التبريزيّ قال: إنه لا يستعمل بدونها مع أنه لا خلاف في أعجميته حتى لحن من استعمله بدونها وافعيل بالكسر كثير، وأمّا بافتح فليس من أبنية العرب. قوله:) على العموم إن قلنا إنا متعبدون) بفتح الباء من تعبد الله الخلق بمعنى استعبدهم أي مأمورون بشرائع من قبلنا، وجوّز العلامة في شرح الكشاف كسرها من التعبد بمعنى التنسك، وإنما عبروا بالتعبد لأنه إذا أطلق أريد منه العمليات إذ لا خلاف في الاعتقاديات بين الشرائع، ومن لم يتنبه لهذا قال: يعني الناس مستغرق على

стр. 780

تقدير، ومعهود على آخر، وفيه أنه للاستغراق على كل تقدير إذ لا خلاف في أن الكتابين أخبرا عن نبوّة محمد ﷺ فهما هدى للناس جميعاً، وبأن أصول الكتابين لم تنسخ بكتابنا فنحن متعبدون بهما. قوله: (يريد به جنس الكتب الخ) الضمير في قوله ليعمّ لذلك المذكور أو للذكر، وسائر بمعنى الباقي أو بمعنى الجميع عند من جوّزه، وأعاد أنزل لئلا يتوهم أن المعنى وللفرقان، وعلى هذا فهو من ذكر العامّ بعد الخاص للتتميم، ولكونه بوصف آخر لا تكرار فيه. قوله: (أو الزبور أو القرآن الخ) اختار الإمام الوجه الأخير لأنّ التكرار خلاف الظاهر ولأن الزبور مواعظ فليس فيه ما يفرق بين الحق، والباطل من الأحكام، وأجيب بأنه لا تكرار لتنزيل تغاير الوصف منزلة تغاير الذات أو أنه تنزيل تدريجي، وانزال دفعيّ، وكان الظاهر تقديمه لكنه أخر لأن الانتفاع لنا بالأوّل أظهر، وأنّ المواعظ لما فيها من الزجر والترغيب فارقة أيضا، ولخفاء الفرق فيها خصت بالتوصيف به، وأورد عليه أن ذكر الوصف دون الموصوف يقتضي شهرته به حتى تغني عن ذكر موصوفه، والخفاء إنما يقتضي إثبات الوصف دون التعبير به، وقوله بما هو نعت له ليس المراد به النعت المصطلح بل الصفة مطلقاً لأن الكتب السماوية كلها فارقة بين الحق والباطل، فأعادته بذلك العنوان، وتخصيصه إشارة إلى أنه الكامل فيه لكونه بمعناه، ولفظه المعجز، ولو أجرى عليه لم يكن بهذه المنزلة. وفي بعض النسخ وعن محمد بن جعفر بن الزبير قال الفصل بين الحق والباطل فيما اختلف فيه الأحزاب من أمر عيسى ﵊ وغيره قال ابن جرير ﵀: وهذا القول أولى لأن صدر السورة نزل في محاجة النصارى للنبيّ ﷺ في أمر عيسى ﵊. قوله: (من كتبه المنزلة وغيرها) إشارة إلى أن الإضافة ليست للعهد وقوله بسبب كفرهم إشارة إلى أن التعليق بالموصول الذي هو في حكم المشتق يشعر بالعلية، وهو معنى تضمنه الرط، وترك فيه الفاء لظهوره فهو أبلغ إذا اقتضاه المقام، والعذاب الذي في مقابلة الكفر أو الشديد مخصوص بهم فلذا قدّم لهم فلا ينافيه تعذيب عصاة الموحدين. قوله:) غالب لا يمنع الخ) فسره به لأنه من شأن العزيز، وبه يتمّ الارتباط بما قبله، وقوله: لا يقدر على مثله منتقم أخذ المبالغة من التعبير بذي فإنه لا يقال صاحب سيف إلا لمن يكثر القتل لا لمن معه السيف مطلقاً مع ما فيه من التنوين المفيد للتعظيم، والإبهام ومنه يعلم أنّ ذا الإحسان أبلغ من محسن، ولذا عدل فيه عن المنهج المسلوك، وهو أخصر. قوله: (والنقمة عقوية المجرم (، وقيل: هي العقوبة البليغة وقيل: السطوة والانتصار والفعل منه نقم كعلم وضرب، وقيل: نقم عليه أنكر وانتقم عاقب، وتقرير التوحيد من لا إله إلا هو، والعمدة في إثبات النبوّة الوحي والكتب السماوية والزجر بالانتقام، والإعراض هو الكفر. قوله: (أي شيء كائن الخ) يصح قراءته بالتخفيف والتشديد، وقوله: كليا كان أو جزئيا ردّ على منكري العلم بالجزئيات كما بين في الكلام وقوله: إيمانا أو كفرا وقع في نسخة وكفرأ، وهو بمعناه وقوله: فعبر عنه بالسماء والأرض الخ يعني لأنهما العالم كله في النظر الظاهر، وجعله من إطلاق الجزء وارأدة الكل قيل: إنه ليس بسديد إذ لا يصح في كل جزء وكل بناء على اشتراط التركيب الحقيقي وزوال ذلك الكل بزوال ذلك الجزء كما في التلويح، وهو مما اختلف فيه فهو عنده كناية لا مجاز. وقوله: ما اقترف أي اكتسبه العباد من المعاصي فإنه فيها وجعله كالدليل لأنّ العلم يستلزم الحياة، ولم يقل دليلاَ لأن السياق إنما هو للوعيد والتحذير من عقاب من هو مطلع عليهم، وعبادته معطوف على نفسه عطف تفسير، واختلاف الصور مأخوذ من عموم كيف يشاء، والتصوير من جملة تدبيرهم، والقيام بامرهم واتقان الفعل يدل على العلم كما مرّ. توله:) اي صوّركم لنفسه وعبادته) أي ليس المراد بالتصوّر قيام الصورة بالذهن، وهذا المعنى يؤخذ من صيغة التفعل كما في الكشاف يقال: أثلث مالاً إذا جعلته أثلة أي أصلاً وتأثلته إذا أثلته لنفسك، ومنه تبناه اتخذه ابنا له، وباب تفعل يجيء للاتخاذ نحو توسدت التراب أي اتخذته وسادة لي فما قيل كأنه من تصوّرت الشيء بمعنى توهمت صورته فتصوّر لي توهم محض. قوله: (إشارة إلى كمال قدرته الخ) لأنّ الغلبة تقتضي القدرة التامّة، وصيغة

стр. 781

حكيم تقتضي تناهي الحكمة، وقوله وقيل: ايخ أي نبه بالتصوير لجميع الناس على أن عيسى ﵊ عبد كغيره لحدوثه، وأن الرب من لا يخفى عليه خافية ومن لا يكون كذلك لا يكون رباً لأنه لا يعلم بما في نفسه إذ صوّر، وهذا من قوله: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَخْفَىَ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ٥] الخ ولخفائه ضعفه بقوله: وقيل الخ ولذا قيل إنه إدماج وليس مأخوذا من حاق النظم فافهم. قوله: (أحكمت عبارتها بأن حفظت الخ) في الكشاف بدل الإجمال الاحتمال وهو ما ذهب إليه الشافعية من أنّ المحكم المتضح المعنى، والمتشابه بخلافه ومعنى اتضاح المعنى أن يظهر عند العقل أنّ معناه هذا لا غير، وأمّا عند الحنفية فالمحكم الواضح الدلالة الظاهر الذي لا يحتمل النسخ والمتشابه الخفيّ الذي لا يدرك معناه عقلاً ولا نقلاً وهو ما استأثر الله بعلمه والغرض من إنزاله ابتلاء الراسخين وكج عنان التصرّف وقد يطلق المحكم بمعنى المتقن النظم والمتشابه على ما يشبه بعضه بعضا في البلاغة وهما بهذا المعنى يطلقان على جميع القرآن قال المدقق في الكشف واعلم أنه لا ينكر أنّ في القرآن من الحقائق ما لا سبيل للبشر إلى الوقوف عليه تصديقاً لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ، ولقوله ﵊: " هو البحر لا تنقضي عجائبه في وصفه) ، إنما النزاع في المتشابه المذكور في قوله: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ وفي أن ما سيق لتلك المعاني المستأثر بها في علم الغيب له ظاهر كلفنا علمه، وباطن كلفنا تصديقه إيمانا بالغيب فلا نزاع بين الفريقين، ومن المتشابه الصفات السمعية من الاستواء واليد والقدم، والنزول إلى السماء الدنيا والضحك والتعجب وأمثالها فعند السلف، ومنهم الأشعري أنها صفات أخر غير الثمانية ثابته وراء العقل ما كلفنا إلا اعتقاد ثبوتها مع اعتقاد عدم التشبيه والتجسيم لئلا يتعارض! العقل، والنقل وعند الخلف ليست صفات زائدة على الثمانية بل راجعة إليها والأليق أن يتوقف لأنه المنقول عن السلف الصالح، ولنا بهم أسوة حسنة مع ظهور وجهه، ثم إنّ التأويل له معنيان مشهور وهو ترجمة الشيء وتفسيره الموضح له وآخر وهو بيان حقيقته وابرازها لما بالعلم، أو بالفعل وكلاهما وارد في القرآن ومحتمل هنا أيضاً وعليه ينبني الوقف، وعدمه أيضاً. قال الراغب: التأويل من الأول وهو الرجوع إلى الأصل ومنه الموئل للموضمع الذي يرجع إليه وذلك هو ردّ الشيء إلى الغاية المرادة منه علماً كان أو فعلاَ ففي العلم نحو وما يعلم تأويله إلا الله وفي الفعل كقوله: وللنوى قيل يوم البين تأويل وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [سررة الأعراف، الآية: ٥٣] أن بيانه الذي هو غايته المقصودة منه، وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [سورة النساء، الآية: ٥٩] قيل: أحسن ترجمة ومعنى وقيل أحسن ثوابا في الآخرة انتهى، ويكون المحكم في مقابلة المنسوخ أيضآ لكنه غير مشهور وفي الترجيح بينهما كلام في شرح الكشاف، والأصول من أراد تفصيله فليرجع إليه. قوله: (والقياس أمّهات الخ الما لم يتطابق المحمولان أوّله بأنّ المراد منهن كل واحدة فيصح حمل المفرد عليه، وحينئذ فالكتاب إنا أن يراد به الجنس الشامل لكل آية أو يقدر فيه أي بعض الكتاب، أو إنه جعلهن في حكم شيء واحد لاتحاد نوعها فلذا أفرد الخبر. قرله:) محتملات الخ) مخالفة الظاهر من ذكر العامّ بعد الخاص لأنهم عرّفوه بما لا يتضح معناه وتحته أنواع منها المجمل فأو لمنع الخلوّ فلا يرد عليه شيء، وعلى هذا فكل آية منه تحتمل وجوها يشبه بعضها بعضا فتوصف بالتشابه باعتبار معناها وما فيها من الوجوه فسقط ما تيل إن واحد متشابهات متشابهة وواحد أخر أخرى والواحد منهما لا يصح وصفه بالآخر، فلا يقال أخرى متشابهة إلا أن يكون بعض الواحد شبه بعضاً، وليس المعنى عليه بل لا يصح في المفردات وإنما المعنى أنّ كل آية تشبه الأخرى فكيف يصح وصف جمع بجمع لا يصح وصف مفرده بمفرده، ولا حاجة إلى ما تكلف في الجواب عنه لأنه ليس من شرط صحة وصف المثنى والمجموع صحة بسط مفردات الأوصاف على أفراد الموصوفات كما أنه لا يلزم من الإسناد إليه صحة إسناده إلى كل واحد كما في وجد فيها رجلين يقتتلان إذ الرجل لا يقتتل رلذا قيل في قوله حافين من حول العرس ليس لحافين مفرد إذ الواحد لا يكون حافا أي محيطأ، وسيأتي بيانه على أنه إذا علم أن المتشابه مجاز أو كناية عما لا يتضح معناه، أو ما لا يعلم معناه على الرائين علم أن السؤال مغالطة غير واردة رأسا.

стр. 782

قوله: (ليظهر قيها فضل العلماء الخ) جواب سؤال عن حكمته، ولم لم يكن كله محكماً لأنه أنزل للهداية والإرشاد فأجاب بأنه متضمن للإرشاد أيضا إلى فضل العلماء واكتساب العلوم والكد المحصل للثواب، والاستنباط الاستخراج، والقرائح الطبائع ثم أشار إلى معنى آخر للمحكم والمتشابه وقد مرّ بيانه. قوله: (وأخر جمع أخرى لخ) أخر جمع أخرى مؤنث آخر أفعل تفضيل وقياس بابه إذا قطع عن الإضافة أن لا يستعمل إلا باللام فاستعماله بدونها عدول عما هي فيه، واعترض عليه أبو عليّ ﵀ بأنه لو كان كذلك وجب أن يكون معرفة كسحر فأجابوا بأنه لا يعد في استعماله نكرة بعد حذف اللام المانعة منه كذا في الإيضاح، والى هذا الأشكال أشار المصنف ﵀ بقوله، ولا يلزم منه معرفته وفي نسخة تعريفه يعني أنه لا يلزم في المعدول عن شيء أن يكون بمعناه من كل وجه، وإنما يلزم أن يكون قد أخرح عما يستحقه وما هو القياس فيه إلى صيغة أخرى نعم قد يقصد إرادة تعريفه بعد النقل إمّا بألف ولام تضمن معناهما فيبنى وامّا بعلمية كما في سحر فيمنع من الصرف، ولما لم يقصد في آخر إرادة الألف واللام أعرب ولا يصح إرادة العلمية لأنها تضادّ الوصفية المقصودة منه. قوله:) أو عن آخر من) هذا مذهب ابن جني وقال ابن مالك وغيره: إنه التحقيق ولكن ما مر مذهب الجمهور، ووجهه أنّ أصل باب التفضيل أن يستعمل بمن، ويستغنى به عن جمعه فلما خالفه جعل معدولاً عنه ولا يجوز أن يكون بتقدير الإضافة لأنّ المضاف إليه لا يحذف إلا مع بناء المضاف كما في الغايات أو مع ما يسدّ مسده، وفيه نظر. قوله: (عدول عن الحق) الزيغ الميل، قيل: لا يقال إلا لما كان من حق إلى باطل، وقال الراغب: الزيغ الميل عن الاستقامة إلى أحد الجانبين، وزاغ وزال ومال متقاربة لكن زاغ لا يقال إلا فيما كان عن حق إلى باطل انتهى، هاليه أشار المصنف وزبغ مبتدأ وفاعل. قوله:) فيتعلقون بظاهره الخ) هذا مأخوذ من الحصر المفهوم من التقابل إذ معناه أنهم يتبعون المتشابه وحده بأن ينظروا إلى ما يطابقه من المحكم، ويردّوه إليه وهو إمّا بأخذ ظاهره الغير المراد له تعالى أو أخذ أحد بطونه الباطلة، وحينئذ يضربون القرآن بعضه ببعض، ويظهرون التناقض بين معانيه إلحادآ منهم وكفراً ويحملون لفظه على أحد محتملاته التي توافق أغراضهم الفاسدة في ذلك، وهذا معنى قوله: ابتغاء الفتنة وابتغاء تأوبله فالإضافة في تأويله للعهد أي بتأويل مخصوص لا يوافق المحكم بل يوافق ما يشتهونه، وتوله: كالمبتدعة إشارة إلى أنه أعئم من المسلمين هنا إذ المراد من يخالف الحق، ويأتي بما يختلفه من الباطل لما ذكر في سبب النزول فتدبر. قوله: (ويحتمل أن يكون الداعي الخ (قيل: كأنه جعل الداعي أوّلاً الطلبتين على التوزيع بأن جعل ابتغاء الفتنة طلبة بعض، وابتغاء التأويل حسبما يشتهي طلبة بعض فعقبه باحتمالين آخرين، ويشير إليه تفسير اتباع ما لابه، ومناسبة المعاند أنه لقوّة عناده يتشبث بهما معا، والجاهل أنه لتحيره تارة يتبع هواه لعدم علم يصرفه إلى ما سواه وتفسير تأويله بما يجب أن يحمل عليه لأنه هو المطابق للواقع يعلم من التعبير بالعلم وإضافته إلى الله، والمراد بما يجب أن يحمل عليه أي على نوعه وما يضاهيه، والتعبير بالراسخين يقتضي تقابله بالزائغين. قوله: (ومن وقف على إلا الله) فيه ثلاثة مذاهب منهم من وقف على إلا الله ومنهم من وقف على الراسخون، ومنهم من جوّز الأمرين د! اليه ذهب كثير من أئمة التحقيق ولهم في ترجيح ذلك كلام طويل فرجح ما ذهب إليه بوجوه أما اوّلاً فلأنه لو أريد بيان خط الراسخين مقابلاً لبيان خط الزايغين لكان المناسب أن يقال وأمّا الراسخون فيقولون. واما ثانياً فلأنه لا فائدة حينئذ في قيد الرسوخ بل هذا حكم العالمين كلهم. وأما ثالثا فلأنه لا ينحصر حينئذ الكلام في المحكم والمتشابه على ما هو مقتضى ظاهر العبارة حيث لم يقل ومنه متشابهات لأن ما لا يكون متضح المعنى، ويهتدي العلماء إلى تأويله ورذه إلى المحكم مثل إلى ربها ناظرة لا يكون محكما ولا متشابها بالمعنى المذكور، وهو كثير جداً، وأمّا رابعا فلأنّ المحكم حينئذ لا يغون أثم الكتاب بمعنى رجوع المتشابه إليه إذ لا رجوع إليه لما استاثر الله به كعدد الزبانية، وقد رجح الثاني بأنّ أمّا للتفصيل فلا بد في مقابلة الحكم على الزائغين من حكم على

стр. 783

الراسخين لتحقق التفصيل غاية الأمر أنه حذفت أمّا والفاء وبأن الآية من قبيل الجمع والتقسيم والتفريق فالجمع في قوله: أنزل عليك الكتاب والتقسيم في قرله: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ والتفريق في قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ فلا بد في مقابلة ذلك من حكم يتعلق بالمحكم، وهو أن الراسخين يتبعونه، ويرجعون المتشابه إليه على ما هو مضمون قوله والراسخون في العلم الخ والجواب أنّ كون أمّا للتفصيل أكثريّ لا كليّ ولو سلم فليس ذكر المقابل في اللفظ بلازم، ثم لو سلم كون الآية من قبيل الجمع والتفريق والتقسيم فذكر المقابل على سبيل الاستئناف أو الحال أعني يقولون الخ كاف في ذلك، والحق أنه إن أريد بالمتشابه ما لا سبيل إليه للمخلوق فالحق الوقف على إلا الله وإن أريد ما لا يتضح بحيث يتناول المجمل، والمؤوّل فالحق العطف، ويجوز الوقف أيضا لأنه لا يعلم جميعه أو لا يعلمه بالكنه إلا الله وأما إذا فسر بما دلّ القاطع أي النص النقلي أو الدليل الجازم العقلي على أن ظاهره غير مراد ولم يقم دليل على ما هو المراد ففيه مذهبان فمنهم من يجوّز الخوض! فيه وتأويله بما يرجع إلى الجادّة في مثله فيجوز عنده الوقف وعدمه ، منهم من يمنع الخوض فيه على ما عرفت في الصفات السمعط فيمتنع تأويله ويجب الوقف عنده ففي قول المصنف ﵀ أو بما دلّ القاطع تأمّل. قوله: (اسمئناف موضح الخ) والنحاة يقدرون له مبتدأ دائماً أي هم يقولون وقد قيل: إنه لا حاجة إليه ولم يعرف وجه التزامهم لذلك فلينظر، وقوله: موضح لحال الراسخين إشارة إلى وجه ترك العطف فيه، وهذا القول، وإن لم يخص الراسخين لكن فيه تعريض بأن مقتضى الإيمان به أن لا يسلك فيه طريقاً لا يليق من تأويله على ما مرّ فكأنّ غيرهم ليس بمؤمن، وليس فيه أنه يقتضي أنّ الراسخين يعلمون جميع المتشابه مع أنّ منه ما استاثر الله بعلمه أي انفرد واستبذ به مع أن الواصلين لا يفسرون المتشابه بما يشمله بل بما يقابله فتأمل، وقوله: إن جعلته مبتدأ أي الراسخون، وقوله: كل من المتشابه هذا ظاهر إن رجع ضمير به إلى المتشابه وإن رجع إلى الكتاب فله وجه أيضاً لأنّ مآله كل من أجزاء الكتاب، وهي لا تخلو عنهما. قوله: (مدح للراسخين الخ) فهو معطوف على جملة يقولون لا من جملة المقول فهو حي! سذ من وضعالمظهر موضمع المضمر أي الأهم ودلالته على ما ذكر لحصر التذكر والتدبر فيهم وتجرّد عقولهم عما يغشاها من الحس المكدر لها من التعبير باللب إذ هو الخالص، وخلوصه عما ذكر كما مرّ تفسيره به. قوله: (واتصال الآية الخ (جعل العلم تصويراً وتربية للروح على ضرب من التمثيل لأنّ به كمالها وشقاوتها وسعادته فتبقى به في النعيم وتفارقه بعدمه كما أنّ الجسد يبقى بالروح ويفنى بمفارقتها، ولا يخفى أنّ كون كل منهما تصويرا وتكميلاً في الجملة يناسب ذكره معه، ولما بين التصوير الحقيقيّ الجسماني والذي ليس هو كذلك من الروحاني من التفاوت والتباين ترك العطف وقوله: (أو أنه جواب الخ) أي هذه الآية رد عليهم في فهمهم، من روج الله وكلمته ما فهموه، وما قبلها أيضا ردّ عليهم في إنه ابن الله لأنه لا أب له بأن من يقدر على هذا يقدر على التصوير من غير نطفة ولأنّ المصوّر لا يكون أب المصوّر كما مرّ، وقيل: المناسبة إنّ في المتشابه خفاء كما انّ تصوير ما في الأرحام كذلك. قوله: (من مقال الراسخين الخ) وقيل: إنه تعليم للعباد أي قولوا إذا مرّ بكم متشابه ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ عن الإيمان بأنه حق أو عن تأويله بما ترتضيه بعد إذ هديتنا بإنزاله علينا وما ذكره المصنف ﵀ أقرب، وما ذكره هذا القائل مآله إلى الوجه الثاني عند التأملى، والحديث المذكور أخرجه الترمذفي والشيخان وأصبعي الرحمن تأويل لأنّ هدايته وضلاله موقوف على إرادته فأيهما أراد وقع سريعا شبه تصرّفه ذلك بأمر خفيف يهون تقليبه بالأصابع وفي التعبير بالرحمن إشارة إلى أنّ لطفه به أكثر. قوله:) وقيل لا تبلنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا) قائله الزمخشري بناء على مذهب المعتزلة، ولذا ردّه المصنف وعبارته لا تبلنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا، أو لا تمنعنا ألطفاك بعد إذ لطفت بنا، وقرئ لا تزغ قلوبنا بالتاء والياء ورفع القلوب قال العلامة ظاهر النظم لا تضلنا لأنّ زيغ القلوب في مقابلة الهداية ومقبال الهداية الإضلال فيلزم أن يكون الإضلال من الله كما أنّ الهداية منه لكنه ليس موافقاً لمذهبه يعني في أفعال العباد فلا جرم أوّله بأحد

стр. 784

أمرين إما السبب أو منع اللطف، وقراءة الرفع من قبيل لا أرينك ههنا وهو من الكناية ولكونها بحسب الظاهر تؤيد مذهب المعتزلة تركها المصنف ﵀. قوله: (إلى الحق والإيمان الخ) هذا بناء على أن الهداية الدلالة الموصلة، وفسرها الزمخشريّ باللطف أيضاً إشارة إلى أنه يصح أن يراد بها مطلق الدلالة وبعد منصوب على الظرفية والعامل فيه تزغ، واذ مضاف إليه لأنها متصرّفة أو مصدرية، وأمّا القول بأنها بمعنى أن المصدرية المفتوحة الهمزة والمعنى بعد هدايتنا فلم نر من تعرّض له من النحاة أصلا لكن المصنف ﵀ ثقة والمذكور في النحو أنها تكون حرف تعليل فيؤوّل ما بعدها بالمصدر نحو، ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أي لظلمكم فإن كان أخذه من هذا فهو كما ترى، ثم إني رأيته في إعراب القرآن للحوفي، ولم أره لغيره وقوله: (تزلفنا إليك) أي تقرّبنا أخذه من لدن في لدنك ولدن أخص من عند لأنها تستعمل للحاضر بخلاف عند وأشار بقوله: عندك إلى أنها ظرف مثلها وعلى هذا التفسير الرحمة بمعنى الإحسان والأنعام، وعلى تفسيرها بالتوفيق فهي إنعام مخصوص وإنما ذكر الثبات ليفيد بعد ما فسر به إذ هديتنا، وقوله: لكل سؤال العموم مأخوذ من حذف المعمول، كما في فلان يعطي ويمنع، والهبة ما يكون بلا عوض! في الأصل فلذا يفيد ما ذكره، والقول بالوجوب ليس مذهب أهل السنة والكلام عليه مبسوط في الكلام، وقوله: (لحساب الخ) إشارة إلى تقدير مضاف وأن اللام للتعليل، والطلبتين عدم الزيغ وهبة الرحمة. قوله: (فإنّ الإلهية تنافيه الخ (يعني أنّ العدول عن المضمر المخاطب على ما هو الظاهر إلى الاسم المظهر بغير لفظ الرب المتقدم للدلالة على أنّ الحكم مترتب على ما يدل عليه اسم الله كما في التعليق بالوصف، وهذا بملإحظة معناه قبل العلمية، وهو المقصود من تلوين الخطاب، والتلوين أعمّ من الالتفات واستدل به الوعيدية وهم المعتزلة القائلون بوجوب الثواب والعقاب، وأجيب عنه بأجوبة منها أنه مشروط بشروط معلومة من ضوص أخر كعدم العفو أو عدم التوبة للوفاق بيننا وبينهم عليه على إن الميعاد مصدر بمعنى الوعد ولا يلزم من عدم خلف الوعد عدم خلف الوعيد لأنّ الأوّل مقتضى الكرم كما قال: واني وان أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي أو هو إنشاء فلا يلزم الكذب في تخلفه، وعلى الأوّل فالتعريف جنسيّ، وعلى ما بعده الألف واللام فيه للعهد. قوله: (أي من رحمته أو طاعته الخ) يعني أنّ من للبدل على تقدير مضاف كقوله: فليت لنا من ماء زمزم شربة أي بدلها ومعنى أغنى عنه أجزاء وكفاه فشيئاً نصب على المصدر، وقد يجعل مفعولاً به لما في أغنى من معنى الدفع لأنه في الأصل دفع الحاجة لكن لا يخفى أنّ المعنى ليس لا تدفع عنهم شيئاً بدل الرحمة، أو الطاعة نعم يصح أن يكون مفعولاً به لأنّ معنى أغنى عنه كفاه وشيئا ثاني مفعولي كفى كقوله تعالى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [سورة الأحزاب، الآية: ٢٥] وقال أبو حيان ﵀: كون معنى من البدلية ينكره أكثر النحاة فهي لابتداء الغاية كما قاله المبزد. أو التبعيض على أنها صفة لشيئاً قدمت عليها فصارت حالاً، والتقدير من عذاب الله حينئذ، وذكر أبو عبيدة أنها بمعنى عند وهو ضعيف واليه أشار المصنف ﵀ بقوله: أو من عدّابه فتأمّل، وقوله: حطبها إشارة إلى أنه على قراءة الفتح ليس بمصدر فلا يحتاج إلى تقدير وهذا هو الصحيح وقيل إنه مصدر أيضاً. قوله: (متصل بما قبله الخ) في إعرابه وجهان النصب على أنه صفة مصدر لتغني أي إغناء كعدم إغناء وفيه الفصل بين العامل، ومعموله بجملة وأولئك إلا أن تقدر اعتراضية أو أنه صفة لوقود وعلى كونه مصدرأ فهو ظاهر وأما على كونه اسما جامداً مفيه نظر كما قاله أبو حيان ﵀ وفيه وجوه، والرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي دأب هؤلا كدأب هؤلاء، وهو إن كان استئنافا بيانيا بتقدير ما سبب هذا على ما قاله النحرير: فلا يليق أن يقول المصنف ﵀ والعذاب والا فلا يرد عليه هذا كما قيل والجواب أن المراد لالعذاب استحقاقه بعيد، والدأب في الأصل بمعنى إتعاب النفس في العمل، ولدا استعمل في الثأن والخطر لأنه لا يحصل بدونه غالبا وقوله: إن ابتدأت بالذين هو الوجه الذي في العمل، ولدا استعمل في الشأن والخطر لأنه لا يحصل بدونه غالبا وقوله: إن ابتدأت بالذين هو الوجه الذي أشار إليه قوله: وقيل استئناف. قوله: (قل لمشركي مكة ستنلبون يعني يوم بدر) وعلى هذا إذا كان الخطاب

стр. 785

في قد كان لكم آية لهم فهو إئا مقول لهم بعد ذلك أو عبر عن المستقبل لالماضحي لتحقق وقوعه، وقينقاع بفتح القاف وتثليث النون طائفة من يهود المدينة، والإغمار لالغين المعجمه جمع غمر بالضم، والسكون وقوله: نحن الناس أي الكاملون العارفون لالحروب وفي " الكشاف " أيضاً أنه ﷺ لما غلب يوم بدر قالوا هذا والله النبيّ الأميّ الذي بشرنا به موسى ﵊، وهموا باتباعه فقال بعضم لا تعجلوا حتى ننظر إلى وقعة أخرى فلما كان يوم أحد شكوا فالمعنى لا تشكوا فإني إن غلبت اليوم فستغلبون وتحشرون إلى حهنم وعلى الأوّل ستغلبون كما غلبت قريش، وقريظة بالتصغير والنضير بالفتح والتكبير طانفتان من اليهود وهو حينثذ من دلائل النبوّة للإخبار بالغيب. قوله: (وقرأ حمزة الخ) قال الخحرير: حاصل الفرق أنّ المعنى على تقدير تاء الخطاب أمر النبيّ ﷺ بأن يخبرهم من عند لفسه بمضمون الكلام حتى لو كذبوا كان التكذيب راجعا إليه، وعلى تقدير ياء الغيبة أمره بأن يزذي إليهم ما أخبره الله تعالى به من الحكم بأنهم سيغلبون بحيث لو كذبوا كان التكذيب راجعا إلى الله تعالى قالوا: فعلى الخطاب الإخبار بمعنى كلام الله تعالى، وعلى الغيبة بلفظه وإلا ظهر أنّ الأمر بالعكس، وكانهم جعلوا ضمير بلفظه لما أخبره به، والحق أنه للنبيّ ﷺ كالمنصوب في أخبره، والمرفوع في يحكي أي أمره بأن يحكي لهم بلفظه هذا الوعيد على الوجه الذي يناسب ولا خفاء في أنه! لا يناسب أن يقول لهم سيغلبون بلفظ الغيبة فأحسن التدبر ففي المعنى تضييؤ، وفي اللفظ تعقيد حيث قال: وهو أن معنى سيغلبون الكائن، أي ما هو كائن من نفس المتوعد به أي الأمر الذي وقع به الوعيد إلى أن قال: وإذا كان الإخبار به! االمعنى فلا بد من الإتيان باللفظ الداذ عليه بخلاف الأمر بحكاية الإخبار فإنّ اللفظ من عنده على ما يقتضيه سوق الكلام هذا وما ذكره بعبارة الكتاب أوفق، وما ذكرناه بحسب المعنى أليق وذكر في قوله تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم﴾ [سورة الأنفال، الآبة: ٣٨] أن المعنى لأجلهم، وفي حقهم فذكر في كل من الآيتين أحد الوجهين فلا تكون الغيبة بلفظ الله والحكاية بلفظه ففي مثل هذا التركيب ثلاثة وجوه فأعرفه، وما ذكره رذ على العلامة لكنه ليس بوارد إذ لا خلاف بينهما إلا في مرجع الضمير، وقد اعترف بأنه أليق بعبارة الكتاب وليس على الشارح إلا موافقة كلامه لمشروحه فتأمّل، والمهاد كالفراش لفظأ ومعنى والجملة أفا مقول القول أو تذييل متعلق به والمحخصحوص بالذمّ مقدّر وهو جهنم وما مهدوه وحكمه معلوم في النحو- قوله: (الخطاب لقريش الخ) وقيل: إنه عاتم وارتضاه في الكشف، وقال: إنه الذي يقتضيه المقام كي لا يقتطع الكلام، ويقع التذييل والله يؤيد بنصره موقع المسلث في الختام. قوله: (يرى المشركون المؤمنين) في ضمير الفاعل في يرونهم احتمالان، الأوّل أن يعود إلى المشركين واستدلّ له في الكشاف بقراءة نافع ترونهم بالخطاب لأنّ الخطاب الأؤل عنده لمشركي مكة فيكون فاعل ترونهم للمشركين قطعا، وحينئذ فالضمير المفعول للمسلمين لا غير، والضمير المضاف إليه مثليهم أمّا للمشركين فالمعنى يرى المشركون المسلمين مثلى المشركين وكانوا قريبا من ألف فرأوا المسلمين قريبا من ألفين أو للمسلمين أي يرى المشركون المسلمين مثلى المسلمين وكانوا ثلثمائة وبضعة عشر فرأوهم ستمائة ونيفاً وعشرين، قيل: والمعنى على هذا واضح، وأمّا على ما قبله فيكون فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة هاليه أشار الزمخشرقي بقوله: مثل فئتكم الكافرة، وحينئذ يكون في الآية ثلاث التفاتات في قوله: ﴿وأخرى كانرة ترونهم مثليهم﴾ وقيل عليه أن ضمير الفاعل للفئة الكافرة وضمير المفعول للفئة المقابلة المسحمهآ لكنهم عبروا عنهما بالمشركين والمسلمين تنبيهاً على جهة العدول عن الإفراد أعني تراها إلى الجمع وضمير مثليهم يحتمل أن يكون للفئة الكافرة، وأن يكون للفئة المؤمنة والدليل على أنّ الخطاب لمشركي قريش قراءة نافع ترونهم بتاء الخطاب فإنّ المشركين هم الذين كثر المؤمنون في أعينهم لا اليهود، ولا يليق بنظم القرآن أن يجعل خطاب ترونهم لغير من له خطاب قد

стр. 786

كان لكم، وفي مثل فئتكم الكافرة إشارة إلى أن الصفة للفئة الكافرة المذكورة بطريق الغيبة لا للمخاطبين بترونهم لئلا يلزم الالتفات من الخطاب إلى الغيبة وخطاب ترونهم للمخاطبين بقوله لكم لا للفئة الكافرة لئلا يلزم الالتفات من الغيبة إلى الخطاب وفئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة في موضع الخبر أي هما فثة تقاتل، وأخرى كافرة أو البدل من فثتين أو المفعول أو الحال فليست عبارة عن المخاطبين في لكم بحيث يكون مقتضى الظاهر الخطاب ليلزم الالتفات فلا يلتفت إلى قول من زعم أنّ فيه ثلاث التفاتات وهذا مما ردّ به ما مرّ، وقد تبع فيه المدقق في الكشف وما ذكر من الالتفات سبقه إليه صاحب الانتصاف وتابعه الطيبي وسنبين لك حقيقته وقوله: فلما لاقوهم بالقاف من الملاقاة وروي بالفاء المشددة أي خالطوهم من الالتفاف في القتال، وهو مخالطة الجيشين كما قيل ما تصافوا حتى تلافوا وقوله وذلك كان بعدما قللهم إشارة إلى دفع ما قيل: إنه يناقض قوله في الأنفال ويقللكم في أعينهم بأنهم قللوا أوّلاً في أعينهم حتى اجترؤوا عليهم فلما لاقوهم كثروا في أعينهم حتى غلبوا فكان التقليل والتكثير في حالين مختلفين. قوله: (أو يرى المؤمنون المشركين الخ (هذا احتمال آخر ولا يرد عليه السؤال السابق في تعارض الآيتين لأنهم كانوا ثلاثة أمثالهم فاراءتهم مثليهم تقليل لهم في الواقع لما قرّر عليه أمرهم من مقاومة الواحد الاثنين في قوله تعالى: ﴿فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ﴾ [سورة الأنفال، الآية: ٦] بعدما كلفوا أن يقاوم الواحد العشرة في قوله: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ﴾ ولهذا أيضا وصف ضعفهم بالقلة لأنه قليل بالإضافة إلى عشرة الأضعاف، فإن قلت: إنه قال في الكشاف بعدما ذكر هذا وقراءة نافع لا تساعد عليه فكيف يقول المصنف رحمه الله تعالى، ويؤيده قراءة نافع قلت أجيب عن هذا بأن الزمخشريّ لما تعين عنده أنّ خطاب قد كان لكم للمشركين كانت قراءة الخطاب في ترونهم على تقدير أنهم المسلمون تفكيكا للنظم فلذا قال إنها غير مساعدة، وأمّا المصنف رحمه الله تعالى فلما جوّز كون الخطاب الأوّل للمؤمنين لم يجعلها غير مساعدة وهذا لا يقتضي أنها مؤيدة خصوصا وقد أخر ذلك الاحتمال ولم يبين أنه مراد على هدّا التوجيه أتول الظاهر أنه يريد أن الخطاب الواقع في آية الوعد المتقدمة للمؤمنين يقتضي أنه هنا إنجاز للوعد فيكون معنى قوله لكم آية علامة على ما وعدتم به فاثبتوا، فالخطاب الأوّل للمؤمنين على أنه ابتداء خطاب في معرض الامتنان عليهم بما سبق الوعد به وهذا معنى لطيف ولا يضرّ كونه خلاف الظاهر لأنه يقتضي مرجوحيته وقد أشار إليه بتأخيره، وفي الانتصاف إنما قال الزمخشرقي ذلك لأن الخطاب على قراءة نافع يكون للمسلمين أي ترونهم يا مسلمين وبكون ضمير المثلين أيضاً للمسلمين، وقد جاء على لفظ الغيبة فيلزم الخروج في جملة واحدة من الحضور إلى الغيبة والالتفات، وان كان شائعا فصيحا إلا أنه إنما يأتي في الأغلب في جملتين وقد جاء ههنا الكلام جملة واحدة لأنّ مثليهم مفعول ثان للرؤية ولو قال القائل. ظننتك يقوم على لفظ الغيبة بعد الخطاب لم يكن بذاك فهذا هو الوجه الذي باعد الزمخشريّ من قراءة نافع ومن هذا التأويل إلا أنه يلزم مثله على أحد وجهيه المتقدمين آنفاً لأنه قال: معناه على قراءة نافع ترون يا مشركون المسلمين مثلى عددهم أو مثلى فئتكم الكافرة فعلى هذا الوجه الثاني يلزم الخروج من الخطاب إلى الغيبة في الجملة بعينها كما التزمه هو على ذلك الوجه (وههنا بحث) وهو أنه إذا عبر عن جماعة بطريق من الطرق الثلاثة، ثم عبر عن بعضه بطريق آخر يخالفه هل يعدّ هذا من الالتفات أم لا الظاهر أنه لا يعدّ منه لكن وقع في كلام بعضهم ما يقتضي أنه منه فلعل من ذهب إلى الالتفات هنا بناء على هذا فلا تعارض بين مسلك الانتصاف والطيبي، والعلامة وبين ما ذهب إليه في الكشف وشرح النحرير. قوله: (وقرئ بهما) أي بالياء والتاء على البناء للمفعول، قيل: لم يجعله بمعنى الظن كما هو الشائع في الإراءة لأنه يأباه رأي العين لكن الأولى حمله عليه وجعل الظن بمعنى اليقين ولا حاجة إليه لأنه مصدر تشبيهيّ وقد اعترف به هذا القائل. قوله: (والنصب على الاختصاص) اعترض عليه أبو حيان- ﵀ بأنّ المنصوب على الاختصاص

стр. 787

لا يكون نكرة فالوجه أنه منصوب بتقدير فعل كأمدح وأذمّ، وأجيب بأنه لم يرد به معناه المصطلح عليه في النحو في نحو نحن معاشر الأنبياء لا نورث إنما يعني النصب بإضمار فعل لائق وأهل البيان يسمون هذأ اختصاصا وكذا فسره الطيبيّ وغيره، وعلى الحالية المقصود مؤمنة وكافرة وفئة وأخرى توطئة للحال. قوله: (رؤية ظاهرة) في الدر المصون أي بصرية ومصدرها الرأي والرؤية وعلمية اعتقادية ومصدرها الرأي فقط وحلمية ومصدرها الرؤيا، وظاهر هذا التفسير أنها بصرية فتتعدى لواحد، ومثليهم حال فان كانت علمية فهو مفعول ثان، وقيل: إنّ الثاني لا يصح لقوله رأي العين فإنه مصدر مؤكد ولأنّ رؤية القلب علم ومحال أن يعلم الشيء شيئين وأجيب بأنه مصدر تشبيهيّ أي رأيا مثل رأي العين، وبأنّ المراد بالرؤية هنا الاعتقاد فلا يلزم ما ذكره، وقيل: إنّ المعنى على المفعولية فالوجه أنه متعدّ إلى مفعولين لكونه بمعنى العلم المستند إلى المعاينة لا بمنزلة أن يقال يبصرونهم، وفيه نظر وقيل: إنّ رأي العين منصوب على الظرفية أي في رأي العين، ومعاينة وقع في نسخة بدله معينة والأولى هي الموافقة لما في الكشاف وعديم العدة بضم العين هي آلات الحرب، وشاكي السلاح صفة الكثير بمعنى حامل السلاح وكون الوقعة آية أي معجزة للنبيّ ﷺ لما فيها من إراءة القليل كثيرا أو غلبة القليل الكثير، أو لمطابقتها للغيب الذي أخبر به النبيّ ﷺ من نصرهم، والعبرة ما يعتبر به ويتعظ وجعل الأبصار جمع بصر بمعنى بصيرة استعارة أو بمعناه المعروف. قوله: (اي المشتهيات الخ) مناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما ذكر القتال، وكان كثيرا ما يقع للحظوظ النفسانية أتبعه التنفير عنها حثا لهم على الإخلاص في كل ما يأتون ويذرون وجعلها نفس الشهوات إشارة إلى ما ركز في الطباع من محبتها، والحرص عليها حتى كأنهم يشتهون اشتهاءها كما قيل لمريض ما تشتهي فقال: أشتهي أن أشتهي، ولما كان في الإيماء معنى التنبيه عداه بعلى تسمحاً، وقيل: الأنسب أنه جعلها شهوة تنبيها على خستها لأنّ الشهوات خسيسة عند الحكماء والعقلاء فالقصد التنفير عنها، والترغيب فيما عند إدته كما في الكشاف. قوله: (والمزين هو الله تعالى الخ) قال السيوطي: هذا أخرجه ابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب ﵁ وفي الانتصاف التزيين للشهوات يطلق ويراد به خلق حبها في القلوب وه وبهذا المعنى مضاف إليه تعالى حقيقة لأنه لا خالق إلا هو ويطلق، ويراد به الحض على تعاطي الشهوات والأمر به وهو بهذا الاعتبار لا يضاف إلى الله إذ هو لا يخص الأعلى المشروع شهوة أو غيرها، وأمّا الشهوات المحظورة فتزيينها بالمعنى الثاني مضاف إلى الشيطان تنزيلاً لوسوسته، وخسينه منزلة الأمر بها والحض على تعاطيها وكلام الحسن ﵀ محمول على التزيين بالمعنى الثاني لا بالمعنى الأوّل فإنه يتحاشى أن ينسب خلق الله إلى غيره لكن الزمخشريّ كثيرا ما يورد أمثال هذه العبارة المبهمة وينزلها على قواعدهم الفاسدة فتفطن لها ونزه من قالها من السلف الصالح عما يزعمه انتهى، وكذا الجباتي بناء على قواعدهم جعل التزيين بمعنى الخلق وجعله في المباح لله، وفي الحرام للشيطان بناء على أنه ليس مخلوقا لله لخلق العباد أفعالهم، ولكن الحق ما عرفت، وقد صرّح به الإمام الراغب كما مر والمصنف ليس بغافل عنه لكنه نقل كلامهم على ما فهموه فمن قال: المزين في الحقيقة هو الشيطان لأنّ التزيين صفة تقوم به ومن قال: المزين هو الله لأنه الخالق للأفعال والدواعي، فقد أخطا في المدعي وما أصاب في الدليل فالمخطئ ابن أمّه وكلا التفسيرين منقولان عن السلف وقد مرّ تحقيقه ومن قال: إنه من قبيل أتدمني بلدك حق لي على فلان فقد تعسف وتصلف، وقوله: ولعله زينه أي زين ما ذكر ابتلاء للعباد أي معاملة لهم معاملة المبتلى، والمختبر ليتميز الزاهد فيها عن غيره أو للحكمة الأخرى. قوله: (والقنطار الخ (وقيل: هو ألف دينار والمسك بفتح فسكون الجلد ومن عادة العرب أن يصفوا الشيء بما يشتق منه للمبالغة نحو ظل ظليل، وهو كثير في وزن فاعل ويرد في المفعول كما هنا والبدرة ألف دينار أو درهم والسومة بالضم العلامة والمشهور فيه السمة وفي القاموس السومة السوم في البيع والمطهمة

стр. 788

التامّة الخلق، والأنعام يطلق على الأصناف الثلاثة والنعم مختصة بالإبل. قوله: (إشارة إلى ما ذكر) يعني أن إفراده وتذكيره لتأويل المشار إليه بما ذكر ويصح أن يكون لتذكير الخبر وإفراده و ﴿حُسْنُ الْمَآبِ﴾ بمعنى المآب الحسن والباء في قوله: بالشهوات داخلة على المتروك والمخدجة بمعنى الخداج الناقصة. قوله: (يريد به تقرير أنّ ثواب الله الخ) أي المأخوذ من قوله: ﴿حُسْنُ الْمَآبِ﴾ وذلكم إشارة إلى ما قبله من النساء وما معه وللذين الخ خبر مقدم وجنات مبتدأ مؤخر والجملة مستأنفة لما ذكر وعلى تعلقه بخير لم يجعل عند وبهم خبراً مقدما لأنه يقال عند الله الثواب ونحوه، ولا يقال عند الله الجنة ووجه التأييد ظاهر لمطابقته له معنى ولأنه لا موقع لقوله للذين حينئذ سوى تعلقه بخير سواء جعل تعلقاً لفظيا أو معنويا بأن يكون صفة لخير، وما يستقذر من النساء الحيض ونحوه، ويرتفع معطوف على يتعلق ويجوز رفعه قيل وهو أرجح. قوله: (فيثيب الخ) فالعباد عامّ وعلى ما بعده خاص، ومتاع الدنيا وان ذكر للذم والتنفير لكن يعلم من خير أنّ المفضل عليه خير أيضاً فهو نعمة، والرضوان رضا عظيم ولذا خص بالله في القرآن. قوله: (صفة للمتقين) أي للذين اتقوا، وفيه الفصل بين الصفة والموصوف فهو بعيد لفظا وكونه صفة للعباد بعيد معنى وكونه واردا على المدح أسلمها واً حسنها، وقوله: في استحقاق المغفرة يعني إن وقع منه ذنب أو كونه مستعدأ لها إن لم يقع، ثم إنّ التوسل اتخاذ الوسيلة ويترتب عليها الطلب وأقصى مراد السالك المغفرة ثم هي بعد ذلك مراتب وأقصاها الرضوان فلا يرد عليه أنه قال: أوّلاً ورضوان من الله أكبر وهنا المغفرة أعظم المطالب ولا حاجة إلى أن يقال إنها شاملة للرض! وان. توله: (وتوسيط الواو الخ) وهذا مما تقرر في علم البيان فلا عبرة بقول أبي حيان ﵀: لا نعلم العطف في الصقة بالواو يدؤ على الكمال، والروع بالضم القلب والمراد بالمجتهدين المجدين في العبادة. وقوله: (وقيل الخ (وجه آخر للتقييد وهو أنه كان كذلك في الواقع. قوله:) بين وحدانيته الخ) يعنى أنه استعارة تصريحية تبعية فالمشبه دلالته على الوحدانية بما نصب من الأدلة العقلية ونزذ من الأدلة السمعية، وكذا الإقرار والإيمان والاحتجاج من الثقلين والمقصود تشبيه إظهار مخصوص بإظهار آخر والجامع بينهما مطلق الإظهار والبيان والكشف فلا يرد عليه أنه يلزم الجمع بين المعاني المجازية لأنه يمتنع كما يمتنع الجمع بين الحقيقة والمجاز، ولا يرد أيضا أنّ قوله: بين يقتضي أنّ المشبه البيان، وقوله: في البيان الخ يقتضي أنه وجه الشبه وخص الاحتجاج بأولي العلم لأنه وإن لم يمنع مانع من صدوره من الملائكة لكن لا داعي لذكره. قوله:) مقيما للعدل) أشار به إلى معنى القسط وأنّ الباء للتعدية، والقسم مصدر قسم المال، وقوله: وانتصابه على الحال الخ جوّز فيه وجوه إعرابية الحال والنصب على المدح والاختصاص من فاعل شهد أو ضمير هو، والوصف لاسم لا المبنيّ وهو إله وجوّز إفراد المعطوف عليه بالحال كالمعطوف في نافلة إذا قامت قرينه تعينه معنوية أو لفظية وأمّا إذا التبس فلا يجوز وإنما أخرت الحال للدلالة على علوّ مرتبتهما وقرب منزلتهما، والمنصوب على المدح وان كان إنما عرف في المعرفة وأمّا في النكرتين أو في النكرة بعد المعرفة، كما هنا فقد أثبته الزمخشريّ والفصل بين الصفة بالخبر والبدل ظاهر، ثم أشار إلى أنه على الحالية من الفاعل لا يندرج في المشهود به وفي غيره يندرج، وعلى قراءة التعريف فهو بدل من هو وهو حينئذ من بدل البدل فتأمّل وأشار في جعلها حالاً من هو إلى أنها حال مؤكدة وترك ذكره على كونها حالاً من الفاعل كما ذكره الزمخشرفي إشارة إلى ما فيه لأنه اعترض عليه بأنّ الحال المؤكدة إنما تجيء عقب الجملة الاسمية على ما في المفصل حتى ذهب بعض الشراح إلى أنّ هذا ليس بتعريف، بل بيان أنها خاصة تجيء بعد الاسمية بخلاف المنتقلة، أو هو تعريف للحال المؤكدة التي يجب حذف عاملها، وقد شاع القول بالحال المؤكدة في الجملة الفعلية حتى قيل مبناه على أن يجعل كل حال ليست مما ثبت تارة وتزول أخرى مؤكدة، ولا كلام في وقوع مثل هذا في الكلام فالحال المؤكدة مقولة بالاشتراك على معنيين، وتسمى هذه حالاً ثابتة فتنقسم الحال إلى المنتقلة والثابتة والمؤكدة. قوله: (كرره للتأكيد الخ) أمّا التأكيد

стр. 789

فظاهر، وأمّا مزيد الاعتناء بمعرفة أدلته فلأن تثبيت المدعي إنما يكون بالدليل والاعتناء به يقتضي الاعتناء بأدلته، وقوله: والحكم به أي بوجدانيته بعد ما ذكر الحجج إجمالاً بقوله: شهد الله الخ وقوله الموصوف بهما أراد به الوصف اللغوي إذ الضمير لا يوصف فهو إمّا بدل أو خبر مبتدأ محذوف، وأمّا كونه صفة فاعل شهد فبعيد، وقوله: وقدم الخ يعني أنّ العزيز يدلّ على القدوة لكونه بمعنى الغالب والقدرة إذا علمت علم أنّ له مصنوعات إذا تأملها العاقل علم ما اشتملت عليه من الحكم. قوله: (وقد روي في فضلها) أي فضل تلاوة هذه الآية، والمراد بصاحبها من كان يقرؤها وفي المدارك: " من قرأها عند منامه وقال بعدها أشهد بما شهد الله به واستودع الله هذه الشهادة وهي عنده وديعة بقول الله تعالى يوم القيامة إنّ لعبدي عندي عهدا وأنا أحق من وفى بالعهد أدخلوا عبدي الجنة " والحديث ضعيف لكنه في الفضائل وكونه دليلاً على شرف الأصول لدلالته على شرف التوحيد الذي هو معلومه، وشرف أهله لأن قيمة المرء ما يحسنه. قوله: (جملة مستأنفة الخ) أي مبتدأة لا استئنافاً بيانياً، ولذا قال: مؤكدة لأن المستاً نفة لا تكون مؤكدة عندهم، وهذا لأكيد معنوقي لا اصطلاحيئ، وأشار بقوله سوى الإسلام إلى الحصر المستفاد من تعريف الطرفين، وقوله: والتدزع اًي التحصن من تدزع إذا لبس الدرع وقوله: (يدل الكل الخ) إن فسر الإسلام بالإيمان وأريد بالإيمان الإقرار بوحدانية الله تعالى، والتصديق بها الذي هو الجزء الأعظم فبدلية الكل ظاهرة، دمان فسر بالتصديق بما جاء به النبيّ ئسر مما علم من الدين لالضرورة فكذلك لأنه عين الشهادة بما ذكر باعتبار ما يلزمها فهي عينه مآلأ وأما إذا فسر لالشريعة فهي شاملة للإيمان والإقرار بالوحدانية ولا يضر كونه جزءا إن سلم لأن المانع منه العكس، فاندفع ما قيل إنّ الإيمان هو التصديق بما جاء به النبيئ-لمج! فلا يمون بدل كل لثموله لما قبله ولغيره وأنه إذا أريد الشريعة فما قبله جزؤه فلا يكون بدل اشتمال، قال الفارسي: قرأ الكسائيئ بالفتح فيهما من باب بدل الشيء من الشيء لأن الدين الذي هو الإسلام يتضمن التوحيد والعدل، وهو هو في المعنى أو من بدل الاشتمال لأن الإسلام يتضمن التوحيد والعدل انتهى، وهو بعينه كلام المصنف ﵀ ومنه يعلم معنى كلامه، وأن البدل لا إشكال فيه مع ملاحظة قائما بالقسط فلا تغفل. قوله: (أو إجراء شهد مجرى قال تارة وعلم أخرى) أي أنه لاحظ فيه الاعتبارين في حال فكسر أنه لملاحظة معنى قال وفتح أن لملاحظة معنى علم ولك أن تحمله على التضمين أي قال: عالمأ إنه الخ فتأقل. قوله: (من اليهود الخ) يعني في معنى الذين أوتوا الكتاب وجوه منها أنهم اليهود والنصارى، والمختلف فيه دين الإسلام وشأنه فاعترف به قوم منهم على الوجه الحق وآخرون مع ادعاء تخصيصه بالعرب، وإنكار عموم البعثة، ولما كان هذا موافقا للأوّل في الاعتراف في الجملة قدمه على النفي فلا يقال الظاهر تقديم قوله: ونفاه عليه، أو أمر التوحيد وتخصيصه بقوم موسى ﵊ لأن الكتاب المعزف كالعلم للتوراة واختلافهم أنّ موسى جملى لما استحضر استودع التوراة سبعين حبراً من بني إسرائيل وجعلهم أمناء عليها واستخلف يوشع، فلما مضى قرن بعد قرن اختلف أبناء السبعين بعدما جاءهم علم التوراة بغيأ بينهم وتحاسدأ على حظوظ الدنيا والرياسة، واختلاف النصارى في أمر عيسى ﵊ بعدما جاءهم أنه عبد القه ورسوله إلى فرق مفصلة في الملل والنحل. قوله: (أي بعدما علموا الخ) لم يقل علموا مع أنه أخصر إشارة إلى أنه علم بسبب الوحي ولما كان العلم يقتضي عدم الاختلاف لأن الحقيقة واحدة وبخهم بأنه بغي وحسد لا يليق صدوره من عاقل أو يؤوّل مجيء العلم بالتمكين منه لسطوع براهينه وتفسير البغي بالحسد مز تحقيقه. قوله: (الا شبهة وخفاء في الأمر) يعني أنه للبغي لا لهذا وهو عطف على قوله حسداً على حذ ما جاءني إلا زيد لا عمرو وهو تركيب حكم الشيخ عبد القاهر والسكاكي بعدم صحته لكنه وقع مثله في الكشاف كثيراً وقالوا: إن عدم صحته غير مسلمة وسيأتي تحقيقه، يريد أن بغيا مفعول له لما دل

стр. 790

عليه ما والا من ثبوت الاختلاف بعد مجيء العلم كما تقول ما ضربت إلا ابني تأديبا وأما ما أشار إليه من حصر الباعث في البغي فمن المقام أو من الكلام إن جوزنا تعدد الاستثناء المفرغ أي ما اختلفوا في وقت لغرض إلا بعد العلم لغرض البغي كما تقول ما ضرب إلا زيد عمراً أي ما ضرب أحد أحدأ إلا زيد عمرأ وسرعة الحساب تقتضي إحاطة العلم والقدرة فلذا أفاد الوعيد وباعتباره ينتظم الشرط والجزاء. قوله: (بعدما أقمت الحجج الخ) يعني ليس أمره بما ذكر لترك المحاجة والإلزام بل لأن الحجة قامت عليهم، وهم للعناد واللجاج لا ينتهون وستسمع تتمته، وقوله: أخلصت نفسي وجملتني قيل يعني إن الوجه مجاز عن نفس الشيء وذاته كما في ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [سورة الرحمن، الآية: ٢٧، أو عن جملة الشخص تعبيرا عن الكل بأشرف الأجزاء، وقيل عليه لو كان القصد الترديد بين المعنيين لقال أو جملتني فالوجه أن قوله نفسي إشارة إلى المراد وقوله: وجملتي إشارة إلى وجهه بأنه من التعبير عن الكل بأشرف الأجزاء لتنزيله منزلة الكل وإليه أشار بقوله وإنما عبر الخ وما ذكره في كلام المصنف واضح وأما في كلام الكشاف فلا يتعين، وإذا جعل مجازا عن النفس ففي علاقة المجاز خفاء فإن كانت الثانية اتحدا وإلا فلا تظهر. قوله: (عطف على التاء في أسلمت الخ) أورد عليه وعلى ما بعده إنه يقتضي اشتراكهم معه في إسلام وجهه، وليس المعنى أسلمت وجهي، وهم أسلموا وجوههم إذ لا يصح أكلت رغيفا وزيد وقد أكل كل منهما رغيفاً، وردّ بأنه لا مانع منه، قال الزمخشري: أخلصت نفسي وجملتي دئه وحده لم أجعل فيها لغيره شركاً بأن أعبده، وادعوه إلها معه، يعني إن ديني دين التوحيد وهو الدين القويم الذي ثبتت عندكم صحته كما ثبتت عندي وما جئت بئيء بديع حتى تجادلوني فيه ونحو: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء﴾ [سورة آل عمران، الآية: ٦٤] الآية فهو دفع للمحاجة فيه، وقوله: يعني الخ بيان لكيفية الربط بين الشرط والجزاء اًي قوله: أسلمت دفع للمحاجة بأنه لا معنى لها لكونها مجادلة فيما اتضح حقيقته وقوله، وهو الدين القويم في بعض نسخ الكشاف القديم يعني دين إبراهيم، وقوله: أسلمت وجهي كما قال الخليل: أسلمت لرب العالمين: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ . قوله: (وقل للذين أوتوا الكتاب الخ) هو عطف على الجملة الشرطية والمعنى فإن حاجك أهل الكتاب فرذ محاجتهم بذلك، فإذا أفحمتهم عمم الدعوة وقل للأسود والأحمر أأسلمتم إذ جاءكم ما وجب قبوله من الدين القويم دين أبيكم إبراهيم فإن أسلموا فقد اهتدوا ودليل العموم ضمّ الأفيين لأهل الكتاب، وأما تأويل اهتدوا بقوله: فقد نفعوا الخ فقيل لتقييد الجزاء وفيه نظر ووجه الوعيد مرّ بيانه فافهم ووجه التعبير أنه كما إذا قرّرت مسألة ووضحتها، ثم قلت للسائل هل فهمت. قوله: (هم أهل الكتاب الخ) ولما لم يقع منهم قتل لهم أوّله بالرضا به والهمّ والقصد الآن، فإن أوّل قتل النبيين بالأول وقتل الآمرين بالقسط بالثاني، وجعل شاملا للنبيّ فظاهر وإلا يلزم الجمع بين معنيين مجازيين في لفظ واحد وهو ممتنع وقد مرّ ما فيه فتذكره. قوله: (وقد منع سيبويه الخ) أشار بقوله كليت إلى دليله وأشار إلى الفرق بينهما بأن إنّ المكسورة، وكذا المفتوحة لا تغير معنى الكلام لأنه باق على خبريته بخلافهما ومن جعل الخبر ما بعده جعل قوله: فبشرهم جملة معترضة بالفاء كما في قولك زيد فافهم رجل صالح، وقد صزح به النحاة في قوله: واعلم فعلم المرء ينفعه أن سوف يأتي كل ما قدرا ومن لم يفهم هذا قال: إنّ الفاء جزائية وجوابها مقدم من تأخير والتقدير زيد رجل صالح، وإذا قلنا لك ذلك فافهم وإنما أعاد قوله: ويقتلون للفرق بينهما فإن أحدهما بالقوّة والآخر بالفعل، وقال: هنا بغير حق لأن الجملة هنا أخرجت مخرج الشرط المناسب للعموم وثمت في ناس بأعيانهم، وكان الحق الذي يقتل به معيناً عندهم. قوله: (يدفع عنهم العذاب الخ) أشار بالإفراد إلى أنّ المعنى ما لهم ناصر وإنما عبر بالجمع ليعلم غيره بالطريق الأولى ولأن شأن من ينصر التجمع والتحزب، وقوله: التوراة الخ قيل إنه لف ونشر غير مرتب، فإذا أريد التوراة فمن للبيان وإن أريد الجنس فللتبعيض، واللام على الأوّل للعهد، وعلى الثاني للجنس، وهو محتمل فيها ويجوز أن تكون للابتداء، وترك تفسيره باللوج الذي في الكشاف لأنه

стр. 791

خلاف الظاهر، والتنكير كما يحتمل التعظيم والتحقير يحتمل التكثير، ورجح التعظيم بأنه أدخل في التوبيخ لأنهم مع ما معهم من الحظ الوافر يفعلون خلافه، وفيه نظر لا! المعنى يحتمل إن ما معهم شيء قليل بالنسبة إلى غيره وهم يتركون الخير الكثير، ولما كان المتبادر من كتاب الله القرآن أيد الوجه الأخر بما رواه ابن إسحق وغيره من سبب النزول، والمدراس صاحب الدراسة ومعلمها، ويطلق على الموضحع الذي يقرأ اليهود فيه التوراة وهو المراد هنا، وقصة الرجم والتسخيم ستأتي. قوله: (وقرئ ليحكم على البناء للمفعول الخ) في الكشاف والوجه أن يراد ما وقع من الاختلاف والتعادي بين من أسلم من أحبارهم، وبين من لم يسلم يعني لا بينهم وبين الرسول في إبراهيم ﷺ بدليل، قوله: ليحكم بينهم فالداعي ليس هو الرسول ﷺ بل بعضهم لبعض فمن قال: إنه ردّ على الزمخشري ﵀ لم يصب وكذا من قال: فيه بحث فإنه يجوز أن يكون ضمير بينهم لليهود والرسول ﷺ كما في القراءة المشهورة بلا فرق وقيل إن قوله: والوجه ليس مخصوصا بهذه القراءة بل هو الراجح مطلقا، والمصنف ﵀ فهم منه خلاف مراده وفيه نظر. قوله: (وفيه دليل الخ) لأنهم لما اذعوا أنّ دين إبراهيم ﵊ اليهودية وأراد إثباته بما في التوراة، وهو دليل سمعي دل على ذلك، وفيه بحث لأنه ليس بمتعين لذلك لاحتمال أن يكون الحكم مما هو في الفروع كالرجم وهو المتبادر من الحكم وأمّا احتمال أنه أراد إثبات معجزة له ﷺ باطلاعه على ما في التوراة مع أنه أفي لا إثبات دين إبراهيم ﵊ فبعيد مع إنّ المستدل عليه حال إبراهيم ﷺ أنه يهودي أم مسلم، وليس من الأصول إلا أن يراد به غير العملي فتأمل. قوله: (استبعاد الخ) يعني أنّ التراخي رتبي لا حقيقيّ، وقوله: وهم قوم عادتهم الإعراض كذا فسره الزمخشرقي فقيل إنه إشارة إلى أنّ الجملة معترضة على رأيه أو تذييل على رأي الأكثر وأياما كان فهي مؤكدة لما سبق لا حال كما ذكره المصنف ﵀ شعم إنما تكون حالاً إذا لم تفسر بأنهم قوم عادتهم الإعراض انتهى، والمصنف ﵀ جنح إلى أنّ التفسير بما ذكر لا يمنع الحالية وكذا الوصفية بأن يعطف على منهم بناء على قلة الفائدة بعد وصفهم بالتولي لأنه إنما فسر بذلك لتحصل الفائدة إذ الأوّل يقتضي الحدوث الذي يكون في معرض! الزوال فأردفه بما يدل على أنه ثابت لهم كالطبيعي فيهم، والحال لا يلزم أن تكون منتقلة فلا يرد عليه ما توهموه واردا. وقوله: (بسبب تسهيلهم الخ (لا جهلهم بحقيقته، والطمع الفارغ استعارة لما لا يجدي كما مرّ وقوله: (ألا تحلة القسيم) أي إلا قليلأ وسيأتي تحقيقه في قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [سورة مريم، الآية: ٧١] . قوله: (فكيف إذا جمعناهم الخ) أي كيف يكون حالهم في ذلك الوقت فالفعل محذوف، وهو كثير في كلامهم لأنّ كيف سؤال عن الحال وهذا الاستفهام للاستعظام والتهويل، وأن حالهم كذا وما حدثوه به أنفسهم كذا. قوله: (جزإء ما كسبت الخ) يعني أنّ في الكلام مضافاً مقدّراً وحبوط العبادة سقوطها بالمعاصي، والمسألة مفصلة في شرح المقاصد، وقوله: (وأن المؤمن لا يخلد الخ) رذ على المعتزلة، وهم يؤولون التوفية بتخفيف العذاب ولا وجه له ٠ قوله: (الضمير لكل نفس الخ) يعني أن النفس مفردة مؤنثة وقد أرجع إليها ضمير الجمع المذكر لأنها في معنى كل إنسان وكل يجوز مراعاة معناه فيجمع ضميره فلا يقال الصواب كل الناس كما في الكشاف: ولا حاجة إلى الاعتذار بأن المراد توجيه التذكير وتوجيه الجمع يعلم منه. قوله: (الميم عوض عن يا الخ) وشذد لأنه عوض عن حرفين وأمّا جمعها مع يا في قوله: أقول يا اللهم يا اللهما فشاذ. والقول بأن أصله يا الله آمنا قول الكوفيين ولا يخفى ما فيه، ويقتضي أن لا يليه أمر دعائيّ آخر إلا بتكلف. قوله: (يتصرف فيما يمكن التصرف فيه) في الكشف إنه تعزيف للملك لأنّ الملك من له الملك كما أنّ المالك من له المال، ولو قيل مللث المللث لم يصح إلا على ضرب من التجوّز، وكون اللهم لا يوصف مذهب سيبويه ﵀ لأنه لاتصال الميم به أشبه أسماء الأصوات وهي لا توصف وخالف غيره ونقض دليله بسيبويه وعمرويه فإنه مع كونه فيه اسم صوت يوصف، وأجيب بأن اسم الصوت مركب معه، وصار كبعض حروف الكلمة بخلاف ما نحن

стр. 792

فيه. قوله: (فالملك الأوّل الخ) لأنّ الله تعالى مالك جميع الملك والملك المعطى والمنتزع بعض منه والتعريف للجنس في الجميع، وقيل: في الأوّل للجتس وفي الأخيرين للعهد، وقيل: في الأوّلط للاستغراق وفي الأخيرين للعهد الذهني، والمراد بالأدبار ضد النصر كما أن الخذلان ضد التوفيق. قوله: (ذكر الخير وحده لآنه المقضئ بالذات الخ) هذا ما ذهب إليه المحققون من الحكماء قال: في شرح الهياكل إن الشرّ مقضيّ بالعرض وصادر بالتبع لما أن بعض ما يتضمن الخيرات الكثيرة قد يستلزم الشرّ القليل، فكان ترك الخيرات الكثيرة لأجل ذلك الشرّ القليل شرا كثيرا فصدر عنك ذلك الخير فلزمه حصول ذلك الشرّ، وهو من حيث صدوره عنك خير إذ عدم صدوره شرّ لتضمنه فوات ذلك الخير، فأنت المنزه عن الفحشاء مع أنه لا يجري في ملكك إلا ما تشاء انتهى، وهذا بناء على الأصلح، ونحن نقول يفعل ما يشاء من خير وشرّ ولا يسئل عما يفعل فعلى مذهبهم تخصيص الخير لأنه المقصود له بالذات، وقدمه لظهور الآية فيه أو مراعاة للأدب إذ لم يضف إليه أو لا! سبب نزول الآية ما أتى الله النبيّ ﷺ من البشارة بالفتوج وترادف الخيرات، وقوله: (خط الخندق) اًي حفره والخندق معرب كنده (وقطع لكل عشرة أي عين لهم حفرها) والمعاول جمع معول بكسر الميم الفأس، وضمير صدعتها ومنها للصخرة والمستكن للضربة، وضمير لابتيها للمدينة، وهما حزتان يكتنفانها، والحرّة كل أرض ذات حجارة سود كأنها محترقة من الحرّ واللوب الحوم حول الماء للعطش عند الازدحام، وقوله: لكانّ جواب قسم، والحيرة بكسر الحاء المهملة وياء ساكنة وراء مهملة مدينة بقرب الكوفة، وتشبيه القصور بأنياب الكلاب في صغرها وبياضها وانضمام بعضها إلى بعض مع الإشارة إلى تحقيرها وإن استعظموها وما ذكره لي الخندق هو ما وقع في غزوة الأحزاب والحديث بطوله مخرج في الدلائل للبيهقي وكونه سبب النزول أخرجه ابن جرير ﵀، والفرق بفتحتين الخوف وفي الحديث أسرار ولطائف تنظر بعيون الأفكار. قوله: (والولوج الدخول الخ) يعني هو حقيقته كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [سررة الأعراف، الآية: ٤٠] وأمّا هنا فهو إما استعارة للتعاقب أو زيادة زمان النهار في الليل وعكسه بحسب المطالع والمغارب في أكثر البلدان. قوله: (نهوا عن موالاتهم الخ (هذا على قراءة الجزم ظاهر وكذا على الأخرى لأنه نفي في معنى النهي واتخذ بمعنى صير متعدّ إلى اثنين والوليّ بمعنى الموالي من الولي، وهو القرب يعني لا يراعوا أموراً كانت بينهم في الجاهلية بل يراعوا ما هم عليه الآن مما يقتضيه الإسلام من بغض وحب، وقوله: أو عن الاستعانة بهم في الغزو كأنه قول للشافعيّ ﵁ ومذهبنا وعليه الجمهور إنه يجوز ويرضخ لهم وإنما يستعان بهم على قتال المشركين لا البغاة كذا صرحوا به وما روي عن عائثة ﵂ أنها قالت خرج رسول الله ﷺ لبدر فتبعه رجل مشرك كانت ذا جراءة ونجدة قفرح أصحاب النبي ﷺ حين رأوه فقال له النبتي ﷺ : " ارجع فلن استعين بمشرك " فمنسوخ بأن النبي ﷺ استعان بيهود بني قينقاع ورضخ لهم واستعان بصفوان بن أمية في هوازن لكن بشرط الحاجة والوثوق كذا في كتاب الناسخ والمنسوخ. قوله: (إشارة إلى أنهم الأحقاء) يعني ليس النهي مقيداً بكونه من دون المؤمنين حتى يفهم منه جواز اتخاذهم أولياء مع ولاية المؤنين بل الإشارة إلى أن الحقيق بالمولاة هم المؤمنون،، مندوحة بمعنى سعة وقد استدل بهذه الآية ونحوها على أنه لا يجوز جعلهم عمالاً ولا اشخدامهم في أمر الديوان، وغير. لثبوته بالنص المؤكد. قوله: (من ولايته في شيء يصح الخ (أشار إلى أنه بتقدير مضاف وصفة لشيء وفيه إشارة إلى أن ولايتهم كما لا تجتمع مع ولاية المؤمنين لا تجتمع مع ولاية الله لأنهم أعداء الله ومن والى عدوّ الله لا يواليه، وأنثد في معخاه البيت المذكور وبعده: وليس أخي من ودّني رأى عينه ولكن أخي من ودّاني في المغايب والنوك بضم النون والكاف الحماقة وعازب بالمعجمة بمعنى بعيد غائب. قوله: (إلا أن تخافوا من جهتهم الخ) لما كان اتقى متعديا بنفسه، وههنا تعدى بمن أشار إلى أن المفعول تقاة على أنه وصف بمعنى ما يتقى منه

стр. 793

ومن لابتداء الغاية وأصل الكلام تقاة كانت من جهتهم فلما تذم انتصب على الحال فإن كانت تقاة مصدرا فهو مفعول مطلق ويكون تعدى بمن لأنه بمعنى خاف وحذر، وهو يتعدى بمن قال تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾ ﴿فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا﴾ فتعديه بمن للثاني مما لا شبهة فيه، فعلى هذا يكون ترك أحد مفعوليه للعلم له أي ضررا ونحوه، فقول النحرير: هذا يشعر بأنّ حذر وخاف يجيء متعديا بمن خلاف اتقى لإنه ليس إلا متعديا بنفسه مردود. قوله: (منع عن موالإسم الخ) كونه ظاهرا وباطنا مأخوذ من عموم الاستثناء، وقول موسى ﵊ معناه المداراة للضرورة لأنه أمر بأن يظهر ما ليس هو عليه وقيل معناه كن وسطا في معاشرتهم ومخالفتهم، وامش جانبا في موافقتهم فيما يأتون ويذرون، وقيل كر بجسدك مع الناس وقلبك في حظيرة القدس، وعقاب الله إذا أسنده إليه وكذا كل شيء أضيف إليه دل على عظمه ولا يؤيه بمعنى لا يبالي. قوله: (يعلم ضمائركم الخ) في قوله إن تخفوها أو تبدوها إشارة إلى وجه ذكر المبدي مع أن علمه المخفي يستلزم علمه وهو أنه استوى في علمه المخفي والمبدي وأنهما عنده على حد سواء وهي نكته لطيفة، ولو قيل المراد التعميم لصح لكن قوله بعد.: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ الخ يفيده فلا تكون النكتة سرية، وقوله: (فيعلم سرّكم وعلنكم) إشارة إلى أنه بمنزلة الدليل لما قبله إلا أنه يحتاج إلى نكتة للعطف حينئذ فتأمّله، وقوله: فيقدر الخ بيان لربط النظم، وقوله: بيان لقوله ويحذركم الخ أي بيان لوجه التحذير لا لمعناه. قوله: (بعلا ذاتئ الخ (في الكشف ذات في الأصل مؤنث وقطع عنها مقتضاها من الوصف والإضافة وأجريت مجرى الأسماء المستقلة فقالوا ذات متميزة وذات قديمة أو محدثة، ونسبوا إليها من غير حذف التاء فقالوا: ذاتيئ وحكى الأزهري عن ابن الأعرابيّ ذات الشيء حقيقته وهو منقول عن مؤنث ذو بمعنى صاحب لأنّ المعنى القائم بنفسه بالنسبة إلى ما تقوم به وافراده يستحق الصاحبية والمالكية، ولمكان النقل لم يعتبروا أن التاء للتأنيث عوضا عن اللام المحذوفة وأجروها مجرى تاء هات ولهذا، أبقوها في النسبة ولم يتحاشوا عن إطلاقها على الباري تعالى وان لم يجروا نحو علامة عليه تعالى واطراده في لسان حملة الشريعة دليل على أن الإذن في الإطلاق صادر، وقد يطلقونها على ما يرادف الماهية. قوله: (يوم منصوب بتودّ الخ) في ناصبه وجوه منها أنه قدير، ولا يرد عليه تقييد قدرته بذلك اليوم لأنه إذا قدر في مثله علم قدرته، في غيره بالطريق الأولى، ومنها أنه منصوب بالمصير أو يحذركم أو باذكر مقدرا فيكون مفعولاً به، ومنها ما ذكره المصنف ﵀ تبعا للزمخشرقي أنه منصوب بتودّ وضمير بينه لليوم، ومعناه واضح لكنه مبنيّ على أمر اختلف فيه النحاة، وهو إذا كان الفاعل ضميرا عائدا على ما اتصل به معمول الفعل المتقدم نحو غلام هند ضربت هي أي هند وقوله: أجل المرء يستحث ولا يد ري إذا ما ينعي حصول الأماني ففاعل يستحث ضمير المرء المضاف إليه أجل المنصوب، وما نحن فيه مثله فجوّزه الجمهور ومنعه بعضهم لأنّ عود الضمير يقتضي لزومه ونصبه ويجعله فضلة يصح الاستغناء عنه وفيه نظر، وتجد يجوز أن تكون الناصية لمفعولين ثانيهما محضراً وأن تكون بمعنى تصيب فمحضرا حال، وجوّز في ما الموصولية، وهو الراجح والشرطية والمصدرية، واحضاره إمّا بإحضار صحفه أو جزائه. قوله: (بينها وبين ذلك اليوم) قيل الظاهر عوده على ما علمت لقربه، ولأنّ اليوم أحضر فيه الخير والشرّ والمتمني بعد الشرّ لا ما فيه مطلقا، ورذ بأنه أبلغ لأنه يودّ البعد بينه وبين اليوم مع ما فيه من الخير لئلا يرى ما فيه من السوء، والمعنى كل ما علصت من خير محضر أو ما علمت من سوء محضرا فيكون من العطف على المفعولين وحذف الثاني اختصارا بقرينة ذكره في الأوّل وهو جائز كم صرح به في الدرّ المصون، وقيل: إنه كقولك علمت زيدا فاضلاً وعمراً فليس من باب الاقتصار على المفعول الأوّل وليس بشيء لأنه مثل زيد قائم وعمرو وهو مما حذف فيه الخبر كما صرحوا به فيلزم الاقتصار ضرورة وأما الفرق بين المبتدأ والمفعول في هذا الباب فوهم، وجوّز أن يكون توذ مفعولاً ثانياً وأن تكون متعدية لواحد فلا حذف، وعلى تقدير اذكر ففي ما علمت وجهان إما مبتدأ خبره جملة توذ أو

стр. 794

معطوفة على ما الأولى وتوذ إمّا مستأنف أو حال من ضمير عملت لقربه لا من نفس ولا يرد عليه أنه تخصيص للعمل، والمقام لا يناسبه لأنه ليس القصد التخصيص بل بيان سوء حالهم وحسرتهم ولا بأس فيه. قوله: (ولا تكون ما شرطية لارتفاع توذ الخ! عليه اعتراض مشهور، وهو إنه إذا كان الشرط ماضياً والجزاء مضارعا جاز فيه الجزم والرفع من غير تفرقة بين أن الشرطية وأسماء الشرط وما قيل ولا يمتنع إطباق القراء على أحد الجائزين وان كان مرجوحا، وما يقال المراد الارتفاع على وجه اللزوم ليس بشيء لأنّ اللزوم إنما هو من جهة أنه ورد كذلك ولا مجال لتغيير النظم كما لا مجال لتغيير ما ورد فيه من الشعر وأجيب بأنه شاذ بحيث لم يوجد إلا في قوله: وان أتاه خليل يوم مسغبة يقول لا غائب مالي ولا حرم وهو غير مسلم لأنه ورد كثيرا في كلام العرب حتى اذعى بعض المغاربة أنه أحسن ص الجزم وأنشد له أبو حيان رحمه الله تعالى شواهد كثيرة منها قوله: أن يسألوا الخيريعطوه وإن خبروا في الجهد أدرك منهم طيب الخبر والشاهد في الشرط الثاني فإنّ جوابه أدرك وهو مضارع مرفوع لا في الأوّل حتى يقال إنه سهو لأنه مضارع مجزوم بحذف النون فيهما كما توهم، وفي المغني أن الزمخشري امتنع من تخريجه على رفع الجواب مع مضي الشرط وقد صرح في المفصل بجواز الوجهين في نحو إن قام زيد أقوم لكنه لما رأى الرفع مرجوحا لم يستسهل تخريج القراءة المتفق عليها عليه يوضح لك هذا أنه جوّز ذلك في قراءة شاذة مع كون فعل الشرط مضارعا لتأوّله بالماضي، أعني قوله: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ﴾ [سررة النساء، الآية: ٧٨] برفع يدرك لأنه في معنى أينما كنتم وقد ظنه كثير تناقضاً منه والصواب ما بينا لك وفيه نظر يعلم مما سلف. فوله: (وقرئ وذت حأشية الشهأب / ج ٣ / م ٣ الخ) وعليها ارتفع مانع الارتفاع لكن الحمل على الموصولية أولى لكونها أوفق بقراءة العامّة، وأجرى على سنن الاستقامة لأنه كلام لحكاية الحال الكائنة في ذلك اليوم فيجب أن يحمل على ما يفيده الوقوع ولا كذلك الشرطية على أنها تفيد الاستقبال، ولا عمل سوء في استقبال ذلك اليوم وهذا لا ينفي الصحة لأنها وان لم تدل على الوقوع لا تنافيه وحديث الاستقبال يدفعه تقدير، وما كانت عملت كما في نظائر له كذا قال النحرير: وقال إنّ في صحته كلاما لأن الجملة على تقدير الموصولية حال أو عطف على تجد والشرطية لا تقع حالاً ولا مضافا إليها الظرف فلم يبق إلا عطفها على (اذكر) وهو بتقدير صحته مخل بالمعنى وهو كون هذه الحالة والودادة في ذلك اليوم، ولا محيص سوى جعلها حالاً بتقدير مبتدأ أي وهي ما عملت من سوء تود، وفي قوله الحمل على الابتداء والخبر إشعار بأنها لو جعلت شرطية لم تكن في موقع المبتدأ بل المفعول كما في قولك ما تصنع أصنع لأنّ عملت لم تشتغل بضميره بل بقي مسلطا عليه كما يعلم من معرفة أحوال أسماء الشرط والاستفهام وصدارتها قلت: ولا يخلو هذا الكلام من تكلف واهمال وما ذكروه من دعاوى أكثرها بلا برهان فإنهم أعربوا أن الوصلية مع جملتها على الحالية، ولم ينص النحاة على منع الإضافة إليها نعم لا مجال للشرطية هنا بحسب الصناعة والمعنى لأنه لا مفعول لتجد حينئذ إذ لا يصح عمله في اسم الشرط ولا فيما بعده لصدارته والمعنى على تعلقه بما بعده ولا وجه له غير العمل فيه ففيه تفكيك للنظم المرتبط، وحل لما عقد من غير داع وحديث الاستقبال لا يرد رأسا إذا لم يتعلق به حتى يحتاج إلى التأويل فتأمل. قوله: (كرر للتوكيد والتذكير) هذا بحسب الظاهر، وقال النحرير: الأحسن أنه ذكر أوّلاً للمنع عن موالاة الكافرين، وثانيا: للحث على عمل الخير والمنع عن عملى السوء، وقوله: إشارة الخ يعني أنّ رأفته أمّا بنفس تحذيره لمنعه لهم به وهو نوع من اللطف فيكون تتميما لما قبله أو بغيره فيكون مريدا لهم الخير مع وعيده فكيف مع وعده ورضاه كما في قوله تعالى إن الله لذو مغفرة وذو عقاب فهو تكميل كما في الكشاف وشروحه. قوله: (المحبة ميل النفس الخ) ذهب عامة المتكلمين إلى أنّ المحبة نوع من الإرادة وهي لا تتعلق حقيقة إلا بالمعاني والمنافع فيستحيل تعلقها بذاته تعالى وصفاته قإذا قيل إن العبد يحب الله فمعناه يحب طاعته

стр. 795

وخدمته أو ثوابه واحسانه وأمّا محبة الله العباد فعبارة عن إرادة إيصال الخيرات والمنافع في الدين والدنيا إليهم، وهما مجاز من باب إطلاق الملزوم على اللازم أو استعارة تبعية شبه إرادة العباد اختصاصه تعالى بالعبادة، ورغبتهم فيها بميل قلب المحب إلى المحبوب ميلا لا يلتفت إلا إليه وقد اغتز بهذا صاحب الكشاف حتى طعن على من اذعى محبة ذات الله بما لا يليق صدوره عن عاقل، وأمّا العارفون فقالوا: إنّ العبد يحب الله لذاته وأمّا محبة ثوابه فدرجة نازلة قال الغزالي رحمه الله تعالى: المحبة عبارة عن ميل النفس إلى الشيء المستلذ فإذا قوي ذلك سمي عشقا، والبغض نفرة الطبع عن المؤلم فإن زاد سمي مقتا ولا يظن أن الحب مقصور على المحسوس وهو سبحانه لا يدرك بالحواس ولا يتمثل في الخيال فلا يحب لأنه ﵊ سمى الصلاة قرّة عين وجعلها أبلغ المحبوبات وليس للحواس فيها حظ بل جس البصيرة الباطنة أقوى من البصر الظاهر، القلب أشد إدراكا من العين، وجمال المعاني المدركة بالعقل أعظم من جمال الصور الظاهرة للأبصار فيكون لا محالة لذة القلوب بما تدركه من الأمور الشريفة الإلهية التي يجل عن أن تدركها الحواس أتم وأبلغ فميل الطبع السليم والعقل الصحيح إليه أقوى ولا معنى للحب إلا الميل إلى ما فيه إدراك لذة فلا ينكر حب الله إلا من قيده القصور في مربط البهائم، نعم هذا الحب يستلزم الطاعة كما قال الورّاق ﵀: تعصي الإله وأنت تظهرحبه هذالعمري في القياسم! بديع لوكان حبك صادقالأطعته إن المحب لمن يحب مطيع وهذا معنى قول المصنف بحيث يحملها الخ فإنه يشير إلى أن ما ذكره المتكلمون نظرا إلى الظاهر، والتفاسير المذكورة في كلامهم كالإرادة تفسير باللازم، وقوله من الله أي حدوثه منه وبالله أي بقاؤه به وإلى الله أي مآله ومرجعه إليه، والحب لله أي لأجله أو المختص به وفي الله أي مرضاته وهما متقاربان وهو إشارة إلى مرتبة الحب الصرف الذي لم يمتزج مشربه في زجاجة كأنها كوكب درّي، وهي التي بها العقول سكارى وما هي بسكارى: على نفسه فليبك من ضاع عمره وليس له منهانصيب ولاسهم والقطرة تغني عن الغدير. قوله:) جواب للأمر الخ) والكلام في إن جازمه الأمر أو الشرط المقدر معروف في النحو فالمراد بالمحبة الرضا لأنه يلزمها فهو استعارة لغوية أو مشابه لها لأن من رضي بشيء كأنه استلذه، والمشاكلة ظاهرة والتجاوز عما فرط معنى المغفرة فقوله: عبر عن ذلك أي الرضا لا جميع ما تقدم فتسمح اتكالاً على ظهور المراد أو لأن الرضا مستلزم له فكأنه غير مغاير له ومعنى يبوّئه ينزله وقوله: لمن تحبب إليه هو مقتضى السياق، وقوله: على عهده أي في حياته، وعلى احتمال المضارعية في تولوا أصله تتولوا على الخطاب، وحيسئذ يحتمل أن يكون داخلاً تحت القول قوله: (يرض عنهم ولا يثني عليهم الخ (لما كان رضا الله دعاء وثناء متضمنا لأنواع اللطف والجميل أجمل به ما مضى في قوله ويكشف الحجب الخ فلا يقال الأحسن أن يقال فلا يكشف الحجب عن قلوبهم بالتجاوز عما فرط منهم ولا يقربهم من جنات عزه وجوار قدسه. قوله: (وإنما لم يقل الخ) دلالته على العموم لأن الكافرين يشمل من تولي ويفهم منه أن التولي كفر لاندراجه فيه وان نفي المحبة عنهم لذلك لتعليقه بالوصف المشعر بالعلية ونفي المحبة عنهم يقتضي الحصر في ضدهم، وقيل عليه إن جعل إن الله لا يحب الكافرين جزاء لا يصح تصد العموم لأن تولي طائفة خاصة لا يصير سبباً لعدم محبة جميع الكافرين، بل سبب عدم محبة كل أحد توليه وإن جعل دالاً عليه وقائما مقامه فتقدير الكلام إن تولوا فإن الله لا يحبهم لأنه لا يحب الكافرين فليس من وضع الظاهر موضع المضمر حتى يحتاج إلى نكتة وهذه مغالطة، لأن المراد بالكافرين من تولى فتسببه ووضعه موضع الضمير ظاهر، والعموم إنما هو بحسب التعبير المذكور بقطع النظر عن المراد لأنه إذا لم يحبهم لكفرهم دل على أنه لا يحب كل من هو كذلك. قوله: (بالرسالة والخصائص الخ (ذكر آل عمران بعد آل إبراهيم

стр. 796

مع دخولهم فيهم لبيان أنهم مقصودون هنا بالذات إذ السورة نزلت لبيان فضلهم لا لكونهم أشرف لدخول نبينا ﷺ في آل إبراهيم، وفي كلامه إشارة إلى أن المقصود بمن ذكر جميع الرسل لا خصوص من خص بالذكر، ووجه الاستدلال المذكور أن العالمين شامل لجميع المخلوقات فإذا اختار هؤلاء عليهم اقتضى تفضيلهم، والتأويل خلاف الظاهر، وقوله: وكان بين العمرانين يعني عمران أبا موسى وعمران أبا مريم وعمران المذكور في النظم يحتملها، ورجح في الانتصاف القول الثاني بأن السورة تسمى آل عمران ولم تثرح قصة عيسى ﵊ ومريم في سورة أبسط من شرحها في هذه السورة، وأمّا موسى وهارون فلم يذكر من قصتهما في هذه السورة طرف فدل ذلك على أن عمران المذكور ههنا هو أبو مريم انتهى. قوله: (حال أو بدل الخ) اختلف في إعراب نصبه فقيل على البدلية من آدم، وما عطف عليه وهذا إنما يتأتى على قول من يطلق الذرية على الآباء والأبناء لأنه من الذرء بمعنى الخلق والأب ذرئ منه الولد والولد ذرئ من الأب، وبه صرح الراغب وغيره فلا يرد عليه قول أبي البقاء إنه لا يصح أن يبدل من آدم لأنه ليس بذرية، وقيل بدل من نوج وما بعده، وقيل بدل من الآلين لأنّ المتبادر من الذرية النسل، ولذا اقتصر المصنف ﵀ على هذين القولين لما فسر الذرية به، وقس عليه الحالية، وقوله: ذرية واحدة الوحدة مستفادة من التاء ومن ابتدائية على الأوّل اتصالية على الثاني أو هي اتصالية فيهما، وعلى الثاني يكون كقوله: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ﴾ [سورة التوبة، الآية: ٦٧] . قوله: (والذزية الولد الخ) فيه أقوال فقيل منسوب إلى الذز بالفتح والضم لتغيير النسب بمعنى الخلق أو البث لأنه تعالى خلقها وبثها، أو بمعنى صغار النمل لإخراجهم ست صلب آدم ﵊ على هيئتها واختاره الزجاج وقيل أصلها ذرّورة فعولة منه فأبدلت الراء ياء ثم قلبت الواو ياء أيضاً وأدغمت كأحد الوجوه في سرية ولو جعلت من الذر ولكان أنسب وقيل إنه من ذراً الخلق مهموزاً والتزم تخفيفه كما في البرية، قال: في الكشف الأول أصح ومعنى التفريق والبث أظهر وفعوله بتشديد العين. وقوله: (بأقوال الناس الخ الف ونشر، والتعميم من حذف المتعلق، والتخصيص بقرينة السياق. قوله:) فينتصب به إذ) أي بسميع عليم على التنازع أو بسميع، ولا يضر الفصل بينهما بالأجنبي لتوسعهم في الظروف، وحنة بفتح الحاء المهملة ونون مشذدة وتاء تأنيث اسم عبراني، ثم ذكر أن مريم اثنتان كعمران وتوله: فظن أن المراد زوجته أي المراد بامرأة عمرإن في الآية أمّ مريم هذه وزوجته وفي نسخة أنه المراد وزوجته. قوله: (وتردّه كفالة زكريا) أي يردّ هذا القول قوله تعالى، وكفلها زكريا فإن زكريا في عصر عمران بن ماثان لا عمران بن يصهر وتزوّج زكريا إيشاع بنت عمران بن ماثان أخت مريم فيكون عيسى أبن مريم ويحيى بن زكريا ابني خالة لأب كما ورد في الحديث الصحيح، دمانما كانتا لاًب لأنهما بنتا عمران لكن مريم من حنة وايشاع من غيرها لما ذكر أنّ حنة كانت عاقرا حتى صارت عجوزا، ثم حملت بمريم وايشاع كانت أكبر سنا من مريم لكن ما سيأتي من أن زكريا قال: أنا أحق بها عندي خالتها يدل على أنها خالتها فمنهم من وفق بينهما بان حنة وإيشاع بنتا فاقوذا فمريم بنت أخت إيشاع وبنت الأخت يطلق عليها أخت إطلاقاً متعارفا فيكونان ابني خالة مجازا، ومنهم من قال: كان عمران تزوّج أم حنة فولدت له إيشاع وكانت حنة ربيبته فتزوّجها، وكان ذلك جائزا في شريعتهم فولدت مريم فتكون إيشاع أخت مريم من الأب وخالتها أيضاً لكن أورد عليه أنّ الأوّل مجرذ احتمال لا رواية فيه والثاني لا يصح مع قوله إن إيشاع بنت عمران. قوله: (روي أنها كانت عاقرا) أي حنة وخدم بفتحتين جمع خادم كتبع، وهو جمع نادر، ونذر تحرير الأولاد في شرعهم مخصوص بالذكور وبعد هذه القصة جاز بالبنات أيضا فما في بطني بمعنى إن كان ذكرا على تقدير العرف، وتعيينه فيه أو أنها طلبته، ودعت أن يكون ذكرا فيكون المعنى رب إني نذرت لك ما في بطني فاجعله ذكرا على حدّ أعتق عبدك عني، وقيل: إنّ هذه الرواية تنافي ظاهر النص يعني قوله رب إني نذرت لك ما في بطني فلذا

стр. 797

مرّضه بقوله: روي وهو مدفوع بان المراد كنت نذرت أو نذرت ما سيكون في بطني. قوله: (محرّرا معتقاً الخ) التحرير من الحرّية وهي ضربان أن لا يجري عليه حكم السبي، وأن لا تتملكه الأخلاق الرديئة والرذإئل الدنيوية والى هذين المعنيين أشار المصنف، وهما! سيران مرولان عن السلف، وقد أشار إلى هذا الراغب ﵀، فما قيل إن الأوّل من التحرير بمعنى الإعتاق، والثاني من تحرير الكتاب لتقويمه لأنّ جعله مخلصاً للعبادة تقويم له تكلف لا حاجة إليه، والحالية إمّا من ما أو من الضمير في الطرف وهي حال مقدرة على الثاني قيل ويحتمل المصدرية. قوله: (الضمير لما في بطنها وتأنيثه الخ) في الكشاف لأنّ ما في بطنها كان أنثى في علم الله قال: الشارح المحقق يعني لما علم المتكلم أنّ مدلول ما مؤنث جاز له تأنيث الضمير العائد إليه وان كان اللفظ مذكراً هذا في قوله فلما وضعتها، وأمّا في قوله: حكاية رب إني وضعتها أنثى فقد يوجبه بأنّ تأنيث الضمير ههنا ليس باعتبار العلم بل باعتبار أن كل ضمير وقع بين مذكر ومؤنث هما عبارتان عن مدلول واحد جاز فيه التذكير والتأنيث نحو الكلام يسمى جملة وأنثى حال بمنزلة الخبر فأنث الضمير العائد إلى ما نظر إلى الحال من غير أن يعتبر فيه معنى الأنوثة ليلزم اللغو، وفيه نظر لأنها حال مؤكدة كم قال المعربون: وأيضاً فإنه إذا كان المقصود التحسر لا يتوجه ما ذكر أصلا فكأنه قيل وضعت ما في البطن أنثى كما أنّ فإن كانتا اثنتين لا لغو فيه لأنّ ضمير كانتا لمن يرث وإنما ثنى نظرا إلى الخبر ومن لم يفرق بين الموضعين زعم أن تأنيث الضمير بناء على العلم بكونه أنثى فلا يتوجه حينئذ أنه باعتبار الحال. وقوله: (أو على ثأويل مؤنث الخ) يعني يؤوّل بمؤنث لفظي يصلح للمذكر والمؤنث كالحبلة بفتحتين وهي النتاح فلا يشكل تأنيثه ولا يلغو ذكر أنثى. قوله: (وإنما قالته تحسر الخ (جواب سؤال تقديره إنّ الإخبار إمّا للفائدة أو لازمها وعلم الله محيط بهما فأيّ فائدة في هذا الإخبار فقيل إنما يلزم ما ذكر إذا كان الإخبار للمخاطب وهذا إخبار للمتكلم يعرض حاله ويحسره عليه تعالى فإن قلت كما أنه يلغو الخبر لاستغناء المخاطب عن الإفادة يلغو الكلام مع قصد التحسر لعلم المخاطب بكونه متحسراً قلت أجيب بأنّ الكلام لإنشاء التحسر وبالتلفظ به يصير المتكلم متحسراً وليس لإفادة التحسر، وفرق بين إحداث الشيء وإفادته، ويحتمل أنه لتحقير محررة استجلاباً للقبول لأنه من تواضع لله رفعه. وقد قال الإمام المرزوقي: إنه قد يرد الخبر صورة لأغراض سوى إخبار كما في قوله: قومي هم قتلوا أميم أخي فإن هذا الكلام تحزن، وتفجع وليس بإخبار فقوله: ليس! بإخبار هو الدافع للسؤال فلا حاجة إلمى شيء آخر لأنه ما لم يلتزم هذا يرد أن دلالته على التحسر لا بد أن تكون كناية أو مجازا، والكلام الخبريّ سواء كان حقيقة، أولاً لا بد فيه من أحد الأمرين الفائدة أو لازمها وهما مفقودان هنا فيعود السؤال فتأمّل، وقوله: وهو استئناف أي مقطوع عما قبله فليس معطوفاً فلا ينافي كونه اعتراضا كما سيأتي، وقوله: تعظيماً لموضوعها أي المولود الذي وضعته، يعني ليس المراد الردّ عليها في إخبمار الله بما هو أعلم به كما يتراءى من السياق، وما موصولة والعائد محذوف تقديره ما وضعته، وأمّا كون ما وضعت عبارة عن أم مريم أي هو أعلم بحالها من التحزن والتحسر فلا وجه له وجزالة النظم تأباه، وقوله: على أنه من كلامها فليس للتجهيل بل لنفي العلم لأنّ العبد ينظر إلى ظاهر الحال، ولا يقف على ما في خلافه من الإسرار. قوله: (بيان لقوله والله أعلم الخ) وذلك أنّ توله تعالى: ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ الخ وارد لتفخيم المولود وتفضيله على الذكر بمعنى أنه قد تعورف بين الناس فضل الذكر على الأنثى، وألله هو الذي اختص بعلمه لفضل هذه الأنثى على الذكر فكان قوله: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى﴾ بياناً لما اشتمل عليه الأوّل من التعظيم، وليس بيانا لمنطوقه حتى يلحق بعطف البيان الممتنع فيه العطف، واللام فيهما للعهد أمّا التي في الأنثى فلسبق ذكرها صريحا في قولها إني وضعتها أنثى والتي في الذكر فلقولها إني نذت الخ إذ هو الذي طلبته، والنحرير لا يكون إلا للذكر. قوله: (ويجوز أن يكون من قولها بمعنى وليس الذكر والآنثى سيان) وفي ليس ضمير الشان، ولذا رفع سيان وفي نسخة سيين وهو ظاهر وكون اللام على

стр. 798

هذا للجنس لأنه لم يقصد خصوص ذكر وأنثى بل المراد أنّ هذا الجنس خير من هذا كقولهم الرجل خير من المرأة ويؤيد كونه من كلامها عطف قولها: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ قال في الانتصاف أورد على هذا الوجه أن قياس كونه من قولها أن يقال وليس الأنثى كالذكر فإن مقصودها تنقيص الأنثى بالنسبة إلى الذكر، والعادة في مثله أن ينفي عن الناقص شبهه بالكامل لا العكس، وقد وجدت الأمر في ذلك! ختلفاً ولم يتبين لي تعين ما قالوه ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء﴾ [سورة الأحزاب، الآية: ٣٢] فنفي عن الكامل شبه الناقص لأنّ الكمال لأزواج النبي ﷺ ثابت بالنسبة إلى عموم النساء، وعلى ذلك جاءت عبارة امرأة عمران ومنه أيضاً أفمن يخلق كمن لا يخلق انتهى. (قلت) : إذا دخل نفي بلا أو غيرها أو ما في معناه على تشبيه مصرح بأركانه أو ببعضها أحتمل معنيين تفضيلى المشبه بأن يكون المعنى أنه لا يشبه بكذا لأن وجه الشبه فيه أولى وأقوى كقولك ليس زيد كحاتم في الجود، ويحتمل عكسه بأن يكون المعنى أنه لا يشبه به لبعد المسافة بينهما كقول العرب ماء ولا كصدى مرعى ولا كالسعدان فتى ولا كمالك وقوله: طرف الخيال ولا كليلة مدلج ووقع في شروح المقامات وغيرها أن العرب لم تستعمل النفي بلا على هذا الوجه إلا للمعنى الثاني وإن استعماله لتفضيل المشبه من كلام المولدين حتى اعترضوا على قول الحريري: في قوله في مقاماته غدوت ولا اغتداء الغراب، وما يشبهه كقوله في خطبة التلويح نال حظا من الاشتهار ولا اشتهار الشمس نصف النهار أي، ولا مثل ذلك فحذف مثل المنصوبة بلا وأقيم المضاف إليه مقامها وأراد أن اغتداءه كان قبل اغتداء الغراب الذي هو أكثر الطير بكورا، وهذا وأمثاله في هذا الكتاب معناه أن المشبه أقوى من المشبه به ولم يأت هذا عن العرب كما مر مثاله، وليس مذهبهم في ذكر لا بين المشبهين وإنما هو من كلام العامة، ووقع مثله في مقامات البديع، وما نقله المحشي مبنيّ على هذا فأشار إلى أنه ليس بلازم كما ورد في الآيات المذكورة، ومما أورده الثعالبي من خلافه في كتابه المنتخب فلأن حسن، ولا القمر وجواد ولا المطر على أنه لو سلم ما ذكروه فالمعاني لا حجر فيها على أنّ ما ورد في النفي بلا المعترضة بين الطرفين، لا في كلى نفي وهذا من نفائس المعاني التي ينبغي حفظها، ولم أر من صرح به حتى وقع في بعض حواشي التلويح فيه خبط لعدم الضبط وقيل قول المصنف ليس الذكر والأنثى سيان إشارة إلى أن التشبيه ليس لإلحاق الناقص بالكامل والا ينبغي أن يقال: وليس الأنثى كالذكر بل للتشابه، والمراد نفي المساواة واللام للجنس على هذا التوجيه لأنها تريد ليس جني الأنثى كالذكر في خدمة بيت المقدس، وعلى الوجه الأوّل هذه الجملة معترضة من متكلم آخر نحو قلت: ضربت زيدا ونعم ما فعلت وبكراً وخالدا بخلافه على هذا أو هما كلام متكلم واحد بالنظر إلى الحكاية لا المحكي فتأمّل. قوله: (وإنما ذكرت ذلك لربها تقرباً لخ (يفهم التقرب من كون مريم بمعنى عابدة، وفهم التغاير ظاهر لتغاير المفعولين، وقد مرّ لمريم معنى آخر وقد سبق أنها معرّبة مارية بمعنى جارية وهو أصح عندي. قوله: (أجيرها بحفظك الخ (أصل العوذ كما قاله الراغب ﵀: الالتجاء إلى الغير والتعلق به يقال عاذ فلان بفلان إذا استجار به، ومنه أخذت العوذة وهي التميمة والرقية والرجيم المرجوم استعمل في لازم معناه وهو المطرود وما ذكره من الحديث رواه الشيخان فقوله في الكشاف: الله أعلم بصحته فإن صح فمعناه أن كل مولود يطمع الشيطان في إغوائه إلا مريم وابنها فإنهما كانا معصومين، وكذلك كل من كان في صفتهما كقوله تعالى: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [سورة الحجر، الآية: ٤٠] واستهلاله صارخا من مسه تخييل وتصوير لطمعه فيه كأنه يمسه ويضرب بيده عليه، ويقول هذا ممن أغويه ونحوه من التخييل قول ابن الرومي: لماتؤذن الدنيا به من صروفها يكون بكاء الطفل ساعة يولد وأما حقيقة المس النخس كما يتوهم أهل الحشو فكلا، ولو سلط إبليس على الناس ينخسهم لامتلأت الدنيا صراخا وعياطاً مما يبلونا به من نخسه انتهى، يريد أنه من التخيلات الادّعائية وليست كذلك في الواقع، وقد استعمله ابن الرومي على نهج حسن التعليل فالاستهلال صارخا أي الابتداء به واقع عنده، والمس

стр. 799

تخييل ليس بشيء أما تردده في الحديث فظاهر البطلان لما ذكرنا وأما تأويله بما ذكر فقد اتفق أهل الأثر على خلافه وان تابعه المصنف، وما ذكره من امتلاء الدنيا صراخا وهم فاسد لكن أشار إلى أنّ الحديث ليى على عمومه وأنّ أوّل بدليل الآية التي تلاها ولا ينافيه الحصر لأنه قد يكون باعتبار الأغلب أو يقدر له ما يخصصه فخرج النبيّ ﷺ منه أبضا حتى لا يلزم تفضيل عيسى ﷺ في هذا ال! عنى، ويؤيده خروج المتكلم من عموم كلامه كما روى الجلال في البهجة السنية عن عكرمة قال لما ولد النبيّ ﷺ أشرقت الأرض نوراً فقال إبليس: لقد ولد الليلة ولد يفسد علينا أمرنا فقالت له جنوده: لو ذهبت إليه فخبلته فلما دنا منه ركضه جبريل ﵊، فوقع بعدن فما قيل لا يبعد اختصاصهما بهذه الفضيلة دون الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا وجه له. وقال السهيلي ﵀: شق صدره في حال طفوليته وشق الملكين قلبه، واخراج علقة سوداء، وتولهما إنه مغمز الشيطان الحديث لا يدل على فضل عيسى ﵊ على نبينا ﷺ لأنه خلق مكملا في القوى البشرية ثم نزع منه ذلك وملئ حكمة وإيماناً بعد غسله بالثلج والبرد وللإمام السبكي فيه كلام نفيس تعرض له ابنه في طبقاته، وقوه: حين يولد أي حين تمت ولادته وقوله يولد للاستمرار مع قطع النظر عن المضيّ والاستقبال وقيل: إنه بمعنى ولد ليصح استثناء مريم وابنها فعبر عن الماضي بالمضارع لحكاية الحال فتأمل، ومعنى قوله: تخييل أنه استعارة تمثيلية شبه حال الشيطان في قصد الإغواء بحال من يمس الشيء باليد ويعينه لما يريد به كما سيأتي في نحو قوله: ﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [سورة الزمر، الآية: - ٦٧] . قوله: (فرضي بها الخ (فسر القبول للنذر بالرضا إشارة إلى تشبيه النذر بالهدية، ورضوان الله بالقبول، وقوله: أي بوجه حسن إشارة لتوجيه دخول الباء فإنه يرد عليه أنه مصدر ويجب نصبه بان يقال تقبلها قبولاً ولذا جعل بعضهم الباء زائدة فبين أن فعولاً يكون للآلة التي يفعل بها الفعل كالسعوط واللدود لما يسعط به ويلد فليس مصدرا هنا حتى يدعي زيادة الباء، والنذائر جمع نذيرة بمعنى منذورة، والتاء كتاء النطيحة، وهو ضمير عائد لوجه، وقوله: أو تسلمها مصدر معطوف على إقامتها وتفسير آخر للوجه، والسدانة مصدر بمعنى الخدمة، وقوله: روي الخ بيان للتسلم المذكور، وقوله: وصاحب قربانهم هو من تسلم له ليصفها وتنزل النار فتأكلها كما كان ذلك لهم ولذلك ورد في وصف أمة محمد ﷺ قربانهم دماؤهم أي الذبح لا أكل النار، وقوله: عندي خالتها مر ما فيه، وطفا بمعنى علا على الماء، وضده رسب. قوله: (ويجوز أن يكون مصدرا الخ) أي هو مصدر على تقدير مضاف أي رضي بها ملتبسة بأمر ذي قبول ووجه ذي رضا وهو ما يقيمها مقام الذكور لما اختصت به من الإكرام، وهو جواب آخر، ثم جوز أن يكون تفعل بمعنى استفعل كتعجل بمعنى استعجل أي واستقبلها وتلقاها وهذا جواب آخر، قال ابن المنير في تفسيره: فيكون القبول عبارة عن أوله واستقباله وتقبلها بمعنى استقبلها بأوّل وهلة من ولادتها وأظهر الكرامة فيها حينئذ، وفي المثل خل الأمر بقوابله أي بأوائله انتهى، وقوله: ويجوز أن يكون مصدراً جواب ثالث. قوله: (مجارّ عن تربيتها الخ (أي هو استعارة أو مجاز مرسل بعلاقة اللزوم فإنّ الزارع لا يزال يتعهد زرعه بسقيه وحمايته عن الآفات وقلع ما يخنقه من النباتات، وقوله: على أنّ الفاعل هو الله أي الضمير العائد على اسم الله وهو الرب، وليس مراده على لفظ الجلالة المفهوم من الكلام حتى يقال إنه لا حاجة إليه مع أنه خلاف الظاهر وزكريا فيه لغات المد والقصر وزكرى بترك الألف ومنعه من الصرف للعلمية والعجمة وقيل لألف التأنيث. قوله: (المحراب أي الغرفة (لم يعطف على ما قبله لأنه بيان لقبولها، وذكر للمحراب معاني المشهور منها الأخير، ولذا اقتصر عليه أخيراً في قوله: كأنها الخ، قال: في الدر المصون هذه معان للمحراب من حيث هو وأمّا في الآية فلا خلاف في أنه المحراب المتعارف وأصله مفعال صيغة مبالغة كمطعان فسمي به المكان لكثرته فيه، وقيل: إنه يكون اسم مكان واليه يميل كلام المصنف ﵀ وكونه من المحاربة لمحاربة الشيطان فيه أو لتنافس الناس عليه ولبعض المغاربة في المدج:

стр. 800

جمع الشجاعة والخشوع لربه ما أحسن المحراب في المحراب قوله: (جواب كلما وناصبه الخ (وجد بمعنى أصاب ولقي متعد لواحد وهو رزقا وكل منصوب على الظرفية لإضافته إلى ما الظرفية المصدرية وصلتها دخل والعامل فيها الجواب بالاتفاق لأنّ ما في حيز المضاف إليه لا يعمل في المضاف ولا يجري فيها الخلاف المذكور في أسماء الشروط ومن الناس من وهم فقال: إن ناصبه فعل الشرط، وادعى أنه الأنسب معنى فزاد في الطنبور نغمة. قوله: (من أين لك هذا الررّق الخ) تقدّم الكلام في أين وكونه كرامة ظاهر لأنّ مريم لا نبوة لها على المشهور، وأما كون هذه العبارة تقتضي الاشتباه وهو ينافي كونه معجزة فبناه على الظاهر، وفيه نظر لأنه يجوز أن يكون لإظهار ما فيها من العجب بتكلمها ونحوه وسيذكر هذه العبارة بعينها في الحديث الذي بعده، ولا اشتباه فيه. قوله: (قيل تكلمت صغيرة الخ) الذين تكلموا في المهد أحد عشر نظمهم الجلال السيوطي رحمه الله تعالى في قوله: تكلم في المهد النبيّ محمد ~ ويحيى وعيسى والهخليل ومريم ومبري جريج ثم شاهد يوسف ~ وطفل لدى الأخدود يرويه مسلم وطفل عليه مرّ بالأمة التي ~ يقال لها تزني ولا تتكلم وماشطة في عهد فرعون طفلها ~ وفي زمن الهادي المبارك ص يختم قوله: (بغير تقدير) هو إمّا بمعنى بيان المقدار أو التقييد فإنه يرد بمعناه، وقوله: أو بغير استحقاق هو مجاز لأنه لو كان بالاستحقاق لكان كل رزق في مقابلة عمل فيستلزم الحساب، حعنى التعداد وقوله: (روي الخ) أخرجه أبو يعلى في مسنده وبضعة بفتح وكسر بمعنى قطعة وقرله:) قرجع الخ) أي أرسلها إليها أو أخذها ورجع به مغطاة، وهلمي بمعنى أقبلي وفي الكلام تقدير أي فأكلوا حتى شبعوا وبقي الطعام الخ. قوله: (في ذلك المكان الخ) قدمه لأنه المعنى الحقيقي المعروف فيها، وقيل إنها وثمّ بالفتح والتشديد مع كونهما للإشارة إلى المكان " ردا للزمان مجازاً كحيث، وذهت الزجاج إلى أنها مستعارة للجهة والحالة كما تستعار حيث ا! ابتنزيلها منزلتها، وكون الفواكه في غير أوانها لأن فاكهة الصيف في الشتاء وعكسه كما مر،، ير تعدية انتبه بعلى تسمح، ووجه التنبه أنّ الولد كالثمرة والعقر كذهاب إبانه قيل وكذا تكلمها! غير أوانه وقوله: ﴿يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ وقوله: مجيبة فسر السميع بالمجيب لأنّ السمع ورد بمعنى القبول كثيرا. قوله: (أي من جنسهم الخ) يعني أنه أطلق الجمع المعرّف على الجنس الشامل للواحد كقولهم يركب الخيل لمن له فرس وكذا هنا المنادي واحد، وهو جبريل ﵊. قوله: (ويحيى اسم أعجمي) هذا هو الصحيح وأمّا كونه منقولاً من الفعل فقول ضعيف، واحتمال أنه منقول من فعل فيه فاعل مستتر حتى يكون جملة محكية تكلف مستغنى عنه، وقوله: على إرادة القول الخ هما مذهبان في النحو للبصريين والكوفيين مشهوران. قوله: (بعيسى ﵊ الخ (سمى عيسى كلمة لأنه وجد بأمركن من دون تناسل كما يسمى نحوه عالم الأمر والمراد بالكتاب الإنجيل فسمي كلمة كما تسمى القصيدة الطويلة كلمة، والحويدرة تصغير الحادرة بالمهملات وهو لقب شاعر جاهلي اسمه تطبة بن محصن بن خرول، وأصل معنى الحادرة الضخم المنكبين وهي قصيدة عينية معروفة عند الرواة مشهورة بالبلاغة. قوله: (يسود قومه ويفوقهم الخ) أصل معنى السيد من يسود قومه ويكون له أتباع ثم أطلق على كل فائق في دين أو دنيا، وورد في الحديث إطلاقه على الله. قوله: (مبالغاً (الحصور من الحصر وأصله المنع، ويطلق على كل من لا يدخل في الميسر فلذا استعمل فيما ذكره وقوله: ناشئاً منهم فمن للابتداء وان كان بمعنى من جملتهم ومعدوداً فيهم، فللتبعيض، ومعناه على الأوّل ذو نسب وعلى الثاني معصوم فلا يلغو ذكره بعد نبياً ومنهم من فسر الحصور بالذي لا يميل إلى النساء واستدل به على فضل العزوبة على التزوّج. قوله: (استبعاداً من حيث العادة الخ) ومع قوله: من حيث العادة لم يبق وجه لما قيل لا وجه للاستبعاد مع أنّ قدرة الله واضحة وكذا لا حاجة للتعجب، وقوله: بلغني الكبر أدركني إشارة إلى

стр. 801

إنهما بمعنى في الاستعمال وهما في المجاز من باب واحد، وعاقر كحائض وطامث على النسب فلذا لم يؤنث وأشار إليه بقوله: ذات عقر أي قطع. قوله: (أي يفعل ما يشاء من العجائب الخ) أي إنّ كذلك معمول يفعل مقدم عليه والتقدير كهذا الفعل العجيب يفعل الخ كما مز تحقيقه في وكذلك جعلناكم، وقوله: (كما أنت الخ) هو راجع إلى كونه استفهاما عن كيفية حدوثه أهو بردّهما شابين أم بغير ذلك، وكذلك الله على الابتداء والخبر بمعنى الدوام! الاستمرار كما مز، وقوله: وتزيح بالرفع عطف على أعرف وبالنصب عطف على استقبله. ترله: (أن لا تقدر الخ) إنما فسره به لأنه الظاهر من كونه آية، وأمّا امتناعه مع الغدرة وان قبل له فبعيد هنا، وقيل إنه حبس عقوبة له على السؤال، وقوله: وأحسن الجواب ما اشتق من السؤال أي أخذ منه وانتزع بأن يكون يناسبه لفظا ومعنى لأنه لما سأل آية لأجل الشكر أجيب لانه أن لا يقدر إلا على الشكر كما قيل لأبي تمام لم تقول ما لا يفهم، فقال: لم لا تفهم ما لقال. قوله: (والاستثناء منقطع الخ) الأوّل هو الظاهر لأنّ الرمز ليس من جنس الكلام أئا لو أؤل الكلام بكل ما يفهم فإنه يكون متصلاً لكنه خلاف الظاهر، ويلزم أن لا يكون استثناء منقطع أصلاً إذ ما من استثناء إلا، ويمكن تأويله بمثله، ورمزا بفتحتين جمع رامز هو من نادر الجمع، وقد حصر في ألفاظ مخصوصة. قوله: (متى ما تلقني الخ) في أمالي ابن الشجري كان عمارة بن زياد العبسي يحسد عنترة على شجاعته، ويظهر تحقيره ويقول لقومه ليتني لقيته خالياً لاريحكم منه وأعلمكم أنه عبد فبلغ عنترة ذلك فقال: أحولي تنفض استك مذرويها لتقتلني فها أناذا عمارا متى ما تلقني فردين ترجف روانف أليتيك وتستطارا وسيفي صارم قبضت عليه أصابع لاترى فيها انتشارا في أبيات أخر، قال: والمد وان جانبا الأليتين، ومن كلامهم ما ينفض مذ رويه إذا جاء يتهدد، وفردس ويروى خلوين حال من المفاعل والمفعول، ويروى برزين أو بارزين، وترجف بمعنى تضطرب، والرانفة طرف الألية التي تلي الأرض من القائم، وأراد بالروانف التثنية لأنه ليس له إلا رانفتان ولذا ثني ضمير تستطار أو تستطارا بمعنى تستخفا وهو مجزوم معطوف على جواب الشرط، وأصله تستطاران وضمير النثنية للروانف لأنه بمعنى الرانفتين كما مرّ، ويحتمل أن يكون منصوباً بعد الشرط، والتاء للخطاب أو لتأنيث الروانف والألف للإطلاق، وقيل: إنها بدل من نون التأكيد الخفيفة. قوله: (وهومؤكد لما قبله الخ (لأنّ المنع عن كلامهم للاشتغال بالذكر والشكر، فإن قلت الإنشاء لا يعطف على الخبر وكذا المبين لا يعطف على المؤكد، قلت قيل: إنه معطوف حينئذ على مقدر أي أشكر وأذكر أو الأمر مؤوّل بالخبر أي أن لا تكلم وتذكر الخ وفيه نظر وقوله: (وتقييد الخ) فيه نظر لأنّ العشيّ والإبكار قيد له ولأنّ الكثرة أخص من التكرار. قوله: (والإبكار (بكسر الهمزة مصدر، وعلى الفتح جمع بكسر كسحر لفظا ومعنى وهو نادر الاستعمال. قوله: (كلموها شفاها الخ) الإرهاص التأسيس من الرهص وهو الساق الأسفل من الجدار والإرهاصات أن يتقدم على دعوى النبوّة ما يشبه المعجزة كإظلال الغمام لرسول الله ﷺ ، وتكلم الحجر معه وفي كونه معجزة زكريا ﷺ بعد، إذ لم يقع الكلام معه، ولم تقترن بالتحذي، ودعوى الإجماع على عدم استنباء امرأة ليس بصحيح لأنه ذهب إليه كثير من السلف، ومال السبكي ﵀ وابن السيد إلى ترجيحه واستدلاله بالآية لا يصح أيضاً لأنّ المذكور فيها الإرسال وهو أخص من الاستنباء فإن فسر القول بالإلهام فإسناده إلى الملائكة عليهم الصلاة والسلام خلاف الظاهر وان كان لا منع من أنه يكون بواسطتهم أيضا، ولما تكرّر الاصطفاء في الآية تغاير الاصطفا آين ليظهر له فائدة، وما يستقذر هو الحيض، وقذفها أنهم رموها بيوسف النجار وكان عابداً في بني إسرائيل وفي نسخة قرفته بالقاف والراء المهملة والفاء يقال: فرقت الرجل بكذا، إذا اتهمته. قوله: (أمرت بالصلاة الخ (لما كان الظاهر أن يقال صلى أو فصلى أركان الصلاة وهي القيام المعبر عنه بالقنوت والركوع والسجود، ويؤخر

стр. 802

السجود بين وجهه بأنها أمرت بكل ركن على حدة مبالغة في المحافظة، وقدم السجود لأنه كان كذلك في صلاتهم، وأمّا كونه للتنبيه على أنّ الواو لا تفيد الترتيب فلا يخفى ضعفه لأن الكلام مع من يعلم لا مع من يتعلمه من هذا النظم، وكذا كونه قدم لشرفه، نه أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد لأنه إنما يتم على القول بأن القيام ليس أفضل منه كما نقل عن الشافعيّ، وكذا الوجه الأخير غير تام إذ لو قيل واسجدي مع الساجدين أو مع المصلين لم يتأت ما ذكره، وفي الكشاف أمرت بالصلاة بذكر القنوت والسجود لكونهما من هيئات الصلاة وأركانها ثم قيل لها واركعي مع الراكعين بمعنى، ولتكن صلاتك مع المصلين أي في الجماعة أو انظمي نفسك في جملة المصلين، وكوني معهم في عدادهم، ولا تكوني في عداد غيرهم، ويحتمل أن يكون في زمانها من كان يقوم وشمجد في صلاته ولا يركع وفيه من يركع فأمرت بأن تركع مع الراكعين، يعني بعد الأمر بالصلاة أمرت بقيد في الصلاة، وهو الجماعة أو بالمواظبة على ذلك بحيث تعد من جملة المصلين وتنسب إليهم أو بحقيقة الركوع والكون مع الذين يركعون لا مع الذين يصلون بلا ركوع، وقوله عليها أي على الصلاة أو الأركان. قوله: (وقيل المراد بالقنوت الخ (قال الراغب ﵀: القنوت لزوم الطاعة فلا بقال إنّ الآية لا تدلّ على الإدامة لأنها مفهومة من قوله: آناء الليل والتعبير عن الصلاة بالسجود من التعبير بالجزء عن الكل، والإخبات التواضع. قوله:) أي ما ذكرنا الخ) من القصص بيان لما هو إفا بفتحتين أو جمع قصة وقوله: من الغيوب تفسير لقوله من أنباء الغيب وقوله:) التي لم تعرنها الخ) الحصر مأخوذ من المقام، والأقداح جمع قدح بكسر فسكون وهو سهم يوضع للميسر والقرعة سميت أقلاما من القلم، وهو القطع وهو بيان لإفراد اسم الإشارة بأنه باعتبار حاضية الثهأب / ج ٣ / م ٤ تأويله بما ذكر. قوله: (والمراد تقرير كونه وحيا الخ) يعني أنه يخبر بما لا سبيل إلى معرفته بالعقل مع اعترافكم بأنه لم يسمعه، وتنكرون إنه وحي فلم يبق مع هذا ما يحتاج إلى النفي سوى المشاهدة التي هي أظهر الأمور انتفاء. قوله: (متعلق بمحذوف الخ الما لم يصلح تعلق يلقون باسم الاستفهام لفظا ومعنى لزم أن يقدر ما يرتبط به النظام، وذكر له الزمخشري ثلاثة أوجه أحدها: جملة هي حال مما قبلها أي ينظرون لأنّ النظر يؤدّي إلى الإدراك فيتعلق باسم الاسنفهام كالأفعال القلبية كما صزح به ابن الحاجب وابن مالك في التسهيل فمن ظن أنه مخصوص بها حتى ارتكب تأويل النظر بنظر البصيرة وقال: إنّ المصنف تركه لهذا لم يصب. الثاني: ليعلموا أنّ الإلقاء سبب العلم لكنه سبب بعيد والقريب هو النظر إلى ما ارتفع من الأقلام وقدره السكاكي ينظرون ليعلموا نظراً إلى المعنى واللفظ. والثالث: يقولون قالوا: وهو ضعيف لأنه ليس فيه فائدة يعتد بها وإنما هو إصلاج لفظي، وقيل: إنه مفيد إذ المراد بالقول المقدر القول للبيان أي ليبينوا ويعينوا الكافل ووقع في عبارة القاضي ﵀ أو يقولون فهو مثل ما قدره الزمخشريّ والجملة حالية وفي بعض النسخ أو يقولوا بالنصب عطفا على يعلموا، ووجه التعليل فيه خفاء إلا أن يؤوّل بما مرّ فلا يرد عليه ما قيل إنه سهو من الناسخ إلا أن يقالط إنه أراد بيقولوا ليحكموا إلا ليستفهموا فتأمل. قوله: (وما بينهما اعتراض الخ) دفع به الاعتراض! بالفصل كما دفع بما بعده أن الوقتين مختلفان فكيف يصح البدل وبدل الغلط لا يقع في فصيح الكلام، وعلى تقدير الإبدال من إذ قالت الملائكة جاز اتحاد الوقتين فهو ظاهر أنه بدل كل وتيل: بدل اشتمال وأما وقت الاختصام فظاهر أنه قبل وقت البشارة بمدّة فاحتيج في جواز الإبدال إلى أن يعتبر زمان ممتذ يقع الاختصام في بعضه والبشارة في بعض آخر ليصح بالنظر إلى ذلك أنهما في زمان واحد كما يقال: وقع القتال والصلح في سنة واحدة، مع أنّ القتال في أوّلها والصلح في آخرها، وتحقيقه أنّ كلا من الزمان والمكان قد يؤخذ حقيقيا، وهو القدر الذي ينطبق على الشيء ولا يفضل عنه، وقد يؤخذ غير حقيقيّ وهو خلافه والأصوليون يسمونه معياراً وغير معيار فيكون بدل كل من كلى لا بدل اشتمال أو جزء من كل باعتبار أنّ أحدهما لجميع الوقت والآخر لمعياره لأنه وإن كان في صحته نظر تحكم لا داعي إليه. قوله: (المسيح لقبه وهو من الآلقاب المشرّفة) ركسر الراء أي المفيدة للمدح ويصح

стр. 803

فتحها والاشتقاق لا يجري في الأعجمية فادعاؤه تسمح لكن قيل دخول اللام في المسيح ربما يشعر بأنه عربي كالخليل، إلا أن يقال لما عرّبت أجريت. ـ جرى الأوصاف لأنه في لغتهم بمعنى المبارك، وقد مرّ أنها لا تنافي العجمة في التوراة والإنجيل والإسكندر فإنه لم يسمع إلا معرّفا مع أنه لا شبهة في عجمته وعيسى أصله ايشوع ومعناه السيد. قوله: (وابن مريم لط كان صفة تميز الخ) دفع لما يقال إن قوله المسيح الخ خبر كلن اسمه والاسم إنما هو عيسى والمس! يح لقب وابن صفة فكيف جعلت الثلاثة خبراً عنه فأشار لقوله: وابن مريم الخ إلى أنّ اسمه بمعناه المصطلح وهو العلم مطلقاً وهو ليس بمعنى مقابل اللقب كما أشار إليه بجعل المسيح لقبا بل ما يعمه، وغيره وأنّ إضافته تفيد العموم لأنّ إضافة اسم الجنس قد يقصد بها الاستغراق وأن إطلاقه على ابن مريم على طريق التغليب لأنه مثله في التمييز، أو الاسم بمعناه اللغوي وهو السمة والعلامة المميزة لا العلم وتميزه بهذه الثلاثة أشد من تميزه بكل واحد منها، ولبعضهم هنا خبط لا طائل تحته فإن قيل ابن مريم لا يصح حمله على اسمه أصلاً لأن الابن هو المسمى لا الاسم قلنا نعم إذا أريد المفهوم لا اللفظ، وكذلك المسيح وعيسى فإن قيل كيف قدم اللقب على الاسم ولم يضف الاسم إلى اللقب مع تعين الإضافة فيه كسعيد كرز كما في المفصل، قيل: الجواب ما قاله ابن الحاجب في شرحه من أن المراد باللقب: وان أطلق ما لم يكن غير صفة وليس بشيء لاً نه ليس صفة في العربية فالظاهر أن يقيد بما لم يقارن أل وضعه لمنعها من الإضافة وبعضهم قدر عيسى خبر مبتدأ محذوف وابن صفة فلا يرد شيء من الأوهام، ثم ذكر أنّ فائدة قوله ابن مريم مع عدم الحاجة إليه ظاهرا الإشارة إلى أنه خلق من غير أب إذ لو كان له أب نسب إليه وقد يقال إنه ردّ على النصارى. توله: (حال مقدّرة الخ) جعلها مقدرة لأنّ وجاهته كانت بعد البشارة والوجاهة ليست بمعنى الهيئة والبزة بل بمعنى الرفعة كالجاه. قوله: (أي يكلمهم حال كونه طفلاَ وكهلاَ الخ) إنما جعل في المهد حالاً مع صحة كونه ظرفا لغو العطف، وكهلاً عليه ولما كان الكلام في حال الكهولة ليس مما خص به أشار إلى أنه ذكر للتسوية بينهما من غير تفاوت كما مرّ في نحو ﴿يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ وهذا وجه ونكتة تجري في مواضع شتى فالمجموع لأكل على الاستقلال، وقيل: إن كلا منهما حال وإنه تبثير لها ببلوغ سن الكهولة وتحديد لعمره. والقول الثاني: مبنيّ على أنه لم يبلغ الكهولة وأحواله المختلفة تبدلات السق الطارئة عليه وغيره من الأحوال المستلزمة للحدوث المنافي للألوهية. قوله: (حال ثالث الخ) قيل عليه أنّ الوجه أن يقال حال رابع من كلمة أو ثالث من ضميرها فإنها أربعة وجيهاً ومن المقرّبين ويكلم، ومن الصالحين مع ما في جعل المعطوف على الحال حالاً من التسامح إلا أن يقال: إنه جعل جملة اسمه المسيح حالية ولم يعد المعطوفين حالاً فتأمّل. قوله: (تعجب الخ) يعني الاستفهام إمّا مجازيّ أو حقيقي وقوله: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ تقوية ولا ينافيه كما توهم وقوله: يخلق ما يشاء ولو بغير مادّة وسبب كعيسى ﷺ بلا أب وكون القائل جبريل ﵊ القرينة عليه ذكر الملائكة عليهم الصلاة والسلام قبله، وكون القائل هو الله وقد حكاه جبريل ﵊ فيه التفات إن حكى بلفظه ويكون الله حكى ما حكى عنه والداعي إليه أنه تعالى لم يكلم غير الأنبياء بل غير خاصتهم عليهم الصلاة والسلام. قوله: (إشارة إلى أنه تعالى الخ) يعني أنّ قوله تعالى: ﴿كُن فَيَكُونُ﴾ تمثيل لسرعة تكوينه من غير توقف على شيء آخر كما سنحققه في سورة يس، ولما كان الخلق التدريجي والناشئ عن الأسباب أمرا ظاهراً لم يذكره في النظم والحصر في النظم باعتبار أنّ الأمر بمعنى الشأن البديع العجيب والمصنف ذكره بيانا لأنهما منه وعنده سواء فلا يرد أنه ليس في النظم ما يدل عليه، ولا يتوهم أنه مغاير لما ذكره في سورة يس فأفهم. قوله: (كلام مبتدأ الخ) يعني أنه كلام مستأنف ليس داخلاً في حيز قول الملائكة عليهم الصلاة والسلام والواو تكون للاستئناف وتقع في ابتداء الكلام كما صرّح به النحاة فلا حاجة إلى تأويله بأنه معطوف على جملة مستأنفة سابقة، وهي واذ قالت الخ أو مقدرة ولا إشكال في العطف، كما ذكره النحرير: وكذا لا يدعي أن الواو زائدة كما قاله أبو حيان، وقوله: لما وهمها أي

стр. 804

وقع في وهمها وفي نسخة همها. قرله: (أو عطف على يبشرك الخ) ولا يرد عليه طول الفصل لأنه اعتراض لا يضر مثله قيل: إنما يحسن هذا بعض الحسن على قراءة الياء وأمّا على قراءة النون فلا يحسن إلا بتقدير القول أي إنّ الله يبشرك بعيسى ﷺ ويقول: نعلمه أو وجيها ومقولاً فيه تعلمه. قوله: (والكتاب الكتبة) بالفتح أي بالمعنى المصدريّ، وقدمه على تفسيره بجنس الكتب السماوية لأنه فيه خفاء لتقديم الحكمة، وان كان المراد ما اشتملت عليه من الشرائع وفي نسخة وقرأ عاصم ونافع ويعلمه بالياء. قوله: (منصوب بمضمر الخ الما كانت المنصوبات قبله واقعة في كلام الملائكة عليهم الصلاة والسلام وتبشيرها وهذا محكيّ عن عيسى ﷺ ، وأيضا هي في حكم الغيبة وهذا في حكم التكلم لتعلق قوله: ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم﴾ ولما بين يدفي به احتاج العطف إلى التوجيه بأنه إقا منصوب بمضمر على إرادة القول والتقدير، ويقوله: أرسلت رسولاً الخ وهو معطوف على نعلمه بناء على أنه مستأنف، وأمّا على تقدير عطفه على يبشرك، أو يخلق يكون التقدير إنّ الله يبشرك، أو إنّ الله يخلق ما يشاء، ويقول عيسى: كذا عطفا على الخبر ولا رابطة بينهما إلا بتكلف عظيم، وقال أبو حيان: إنّ هذا الوجه ضعيف لإضمار القول ومعموله والاستغناء بالحال المؤكدة فالأولى أن يقدر ويجعله رسولاً. قوله: (أو بالعطف على الآحوال المتقدّمة الخ (هذا توجيه آخر لما مرّ قيل ولا يخفى أنه خروج عن قانون التضمين وأنه إن جعل ونعلمه عطفا على وجيها فهذا هو الوجه لقلة الحذف وعلى الثلاثة الأخر فالأوّل لئلا يلزم الفصل الممتنع، ولا يخفى أنّ قوله وناطقا يحتمل تقديره معطوفا على رسولاً وهو أحد طرق التضمين في الأسماء كما قدروا ﴿الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٨٧] بالرفث والإفضاء، ويحتمل أن يكون صفة رسولاً والحال فيه غير ظاهرة، ووجها التخصيص متقاربان. قوله: (نصب بدل الخ (بناء على أن محل أنّ وأن بعد حذف الجار نصب لا غير، وعلى تقدير هي الجملة صفة آية أو مستأنفة في جواب ما هي، وقوله: أقدر بيان لمعنى أخلق ومعنى أقدر أصوّره وأبرزه على مقدار معين قيل: وفي هذه المعجزة مناسبة لخلقه من غير أب. قوله: (الضمير للكاف الم يجعله للهيئة لأنّ الهيئة لا ينفخ فيها وإنما ينفخ في الجسم المماثل والكاف على هذا اسم وهي صفة لمقدر أي شيئا مثل هذا الطير، ومرجع الضمير في الحقيقة الموصوف بها، وقد ضعف كونها تكون اسما وعود الضمير عل! ! اغير معهود، والمراد بإذن الله كما مرّ إرادته وتقديره، والممسوح العين هو الذي لم يشق بصره ولم يخلق له حدقة، وقوله: لوهم الإلوهية وفي نسخة اللاهوتية يعني التي توهمتها النصارى، ولذا ذكرها أيضاً في خلق الطير، وهذا بناء على تعلقه بأحيى، وتيل: إنه متعلق بجميع ما قبله قبل وكون إبراء اكمه من جنس أفعال البشر فيه نظر وليس بشيء، وقوله: التي لا تشكون فيها إشارة إلى وجه تخصيص الأنباء بأحوالهم لتيقنهم بها، فلا يبقى لهم شبهة وفسر المؤمنين بما ذكره على أنه من مجاز المشارفة لأنهم المحتاجون للآية أو بمعنى المصدق أي الذي لا يعاند ويكذب، وقوله: على الوجهين أي اللذين سبق ذكرهما في تفسير ورسولاً. قوله: (مقدّر بإضماره) أي الجار والمجرور مقدر بإضمار وجئتكم لأحل فهو من عطف الجملة على الجملة، وقوله: أو مردود أي معطوف على بآية من قوله: ﴿جِئْتُكُم بِآيَةٍ﴾ لأنه في معنى لا ظهر لكم آية ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُم﴾ الخ فلا يرد أنه لا يصح عطف المفعول له على المفعول به وعطفه على مصدقا لتأويله بما يجعلهما من باب واحد وان كان الأوّل حالاً والثاني مفعول له، وقيل: لا بد فيها كلها من تقدير جئتكم إذ لا يعطف نوع من المعمولات على نوع آخر وما ذكروه بناء على الظاهر المتبادر. قوله: (أي في شريعة موسى الخ) قيل أو ما حرّمه علماؤهم تشهياً أو خطأ في الاجتهاد، والثرب شحم رقيق يغشي الكرس والأمعاء، وقوله: والسمك المراد به بعض أنواعه فإنهم لم يحرموه مطلقاً، ولما كان عيسى ﷺ مأمورا بالعمل بالتوراة وشريعة موسى ﵊ أشار إلى أنّ نسخ بعضها لا ينافي ذلك إذ لم تبطل شريعته كما أنّ نسخ بعض القرآن لا يبطله، وقوله: فإنّ النسخ الخ أي هو بيان لانتهاء زمان الحكم الأوّل لا رفع وابطال له كما مرّ وتقرر في الأصول. قوله: (أي جئتكم بآية أخرى الخ) أي فالمراد بالآية على هذا العلامة، لا المعجزة

стр. 805

ليرد أن مثل هذا القول قد يصدر عن بعض العوامّ، بل المراد أنه بعدما ثبتت نبوّته بالمعجزة كان ذلك القول الصادر عن غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام علامة لنبوته تطمئن به النفوس، وقيل حصول المعرفة والتوحيد. والاهتداء للطريق المستقيم في الاعتقادات والعبادات عمن نشأ في قوم بدلوا وحزفوا من خوارق العادة. قوله: ( ﴿قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ﴾ على أن الخ) قيل مذا ظاهر على القراءة بفتح إنّ فكان ينبغي ذكرها كما في الكشاف وان كانت شاذة وليس بوارد لأنه على الكسر قبلها قول محذوف بدلأ من آية أي قولي إنّ الله، وبه صرّج المصنف ﵀ فقال: وهي قولي فالاعتراض غفلة عما أراده وعلى الفتح فهي بدل من آية. قوله: (والظاهر أنه ثكرير لقوله الخ) أي أنه معطوف على جئتكم الأول وكرر ليعلق به معنى زائد وهو قوله: إن الله ربي الخ أو للاستيعاب كقوله: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [سورة الملك، الآية: ٤] ويؤيده قوله جئتكم باية بعد أخرى فيقدر ما يناسب الايات السابقة من كونه مولودا بغير أب وتكلم في المهد، واليه الإشارة بقوله: (مما ذكرت لكم) والحكم هو قوله: (فاتقوا الخ) وقوله: لما جئتكم بكسر اللام وتخفيف الميم ويجوز الفتح والتشديد، والتوحيد من الحصر المستفاد من تعريف الطرفين، والجمع بين الأمرين لأن الصراط المستقيم الاعتقاد الحق والعمل الصالح كما مرّ. قوله: (قل آمنت بالله الخ) هو من حديث أخرجه مسلم والترمذي وغيرهما عن سفيان الثقفي أنّ رجلا قال: يا رسول الله مرني بأمر في الإسلام لا أسأل عنه أحدا بعدك قال: " مقل آمنت بالله ثم استقم " والتنظير به لأنه قدم الإيمان، كما قدم قوله: ﴿إِنَّ اللهَ رَبِّي﴾ هنا ثم عقبه بما يشمل الاعتقاد والعمل. قوله:) تحقق كفرهم عنده الخ) يعني أنّ الإحساس استعير استعاوة تبعية للعلم بلا شبهة إذ الكفر لا يحس، وأما تأويله بأحس آثار الكفر فليس بذاك. قوله: (ملتجئاً إلى الله الخ) لما كان النصر لا يتعدى بإلى جعله حالاً من الياء، والمعنى من ينصرني حال كوني ذاهبا إلى الله أو ملتجئاً إلى الله فالمقصود طلب النصرة لرسوله ﷺ في دينه فلذا فسر نحن أنصار الله بأنصار ديته وقوله: أو ضامّا إليه أي ضامّا نفي إليه أو هي متعلقة به بتضمين الإضافة، وكونها بمعنى مع أو في أو اللام مذكور في بعض كتب النحو لكن قيل عليه إنّ المصرح به فيها لام الاختصاص نحو الأمر إليك لا التعليل وفي تفسير الفراء أن إلى إنما تكون بمعنى مع إذا ضم شيء إلى آخر نحو الذود إلى الذود ابل أي إذا ضممته إليه صار ابلا ألا تراك تقول قدم ومعه مال، ولا تقول: وإليه وكذا نظائره وهو كلام من ذاق طعم البلاغة، ولذا ضعفه المصنف. وفي الكشاف في سورة الصف إن إضافة أنصاري للملابسة أي من حربي ومشاركي في توجهي لنصرة الله تعالى ليطابق جوابهم نحن أنصار الله، ولا يصح أن يكون معناه من ينصرني مع الله لعدم المطابقة، وتابعه المصنف ﵀ هناك وقد صرح هنا بخلافه وعدم المطابقة غير مسلم إذ نصرة الله ليست على ظاهرها فلا بد من تأويل أو إضمار لما تظهر به المطابقة، وهو ظاهر لمن تدبر. قوله: (حواريّ الرجل الخ) قال الكرماني: في قوله ﷺ : " الزبير حواريي " الحواريي الناصر وهو لفظ مفرد منصرف. وقال الزجاج: حواريّ منصرف لأنه منسوب إلى حوار وليس كبخاتيّ وكراسي لأن واحدها بختيّ وكرسيّ، وقد وقع مصروفا في غير موضع ومثله الحواليّ، وهو الكثير الحيلة فمن قال: معنى قول المصنف خالصته، أي جماعته الخالصة الاختصاص به نسب إلى الحور وهو البياض فأطلق الحوريّ على الخالص، وجمع على حواريّ ككرسي وكراسيّ، وجعله التفتازانيّ مفرداً وألفه من تغييرات الشب، وكأنه دعاء إليه إطلاقه على الواحد، ويصح أن يكون منقولاً من الجمع إلى الجنس بتنزيل الواحد الكامل في الخلوص منزلة جماعة فقد خبط خبط عشواء إلا أن ما ذكره النحريمر فيه نظر لأنّ الألف إذا زيدت في النسبة وغيرت بها تخفف الياء في الأفصح في أمثاله والحواريّ بخلافه، والحور البياض! مطلقا ومنه الحور العين، وأئا إذا وصفت به العين فمعنى آخر.، والحضريات نساء لمحضر يعني المدن والقرى ويغلب فيهن البياض لعدم البروز للشمس والريح، وقوله: يلبسون البيض أي الثياب البيض وكون الحوارقي القصار صرح به أهل اللغة، وهو بلغة النبط هواري، وقيل: معناه المجاهد وقيل إنه من حار بمعنى رجع لرجوعهم إلى

стр. 806

الله. قوله: (آمنا بالته وأشهد الخ (في عطف أشهد على آمنا مع أن بينهما اختلافا ما يقتضي جوازه فيما له محل من الإعراب ولا يلزم ذلك هنا لأنه قيل آمنا لإنشاء الإيمان أيضاً، وقيل: الكتابة كناية عن تثبيتهم على الإيمان في الخاتمة، والظاهر أن المراد اجعل ذلك وقدّره لنا في صحائف الأزل أو أدخلنا في عداد أتباعهم، وهذا على تفسيري الشاهدين وعلى الأخير فتعريفه للعهد وطلبهم أن يكونوا من أمة محمد ﷺ المعروفين بالشهادة على الناس فلا يرد تضعيفه بأنه لا قرينة على ذلك التخصيص على أنه كما نقلوه تفسير ابن عباس ﵄، وغيلة بكسر الغين المعجمة أن يتبع المرء مستترا حتى يقتله فجاة وهو لا يدري. قوله: (ومكر الله حين رفع الخ) أي المراد بمكر الله ما ذكر، وذكر أن المكر لا يطلق على الله إلا بطريق المشاكلة لأنه منزه عن معناه غير محتاج إلى حيلة، وهو المراد بالمقابلة والازدواح فلا يقالط: مكر الله ابتداء وكذا قاله العضد في شرح أصول ابن الحاجب وأورد السيف الأبهري عليه قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٩٩] فإنه أطلق عليه ابتداء من غير مشاكلة ونقل عن الإمام أنّ المكر إيصال المكروه إلى الغير على وجه يخفى فيه وأنه يجوز صدوره عنه تعالى حقيقة وقد ذهب إليه طائفة وقالوا: إنه عبارة عن التدبير المحكم فليس بممتنع عليه. (قلت) : يؤيده قوله والله خير الماكرين فإنه يبعد المشاكلة وأمّا جوابه عن الآية المذكورة بأنها من المشاكلة التقديرية كما في قوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٣٨] فلا يخفى ما فيه. قوله: (أتواهم مكراً الخ (قيل عليه إنه لا يستفاد من النظم والمفيد له أشذ الماكرين أو أقواهم، فينبغي أن يفسر بأنّ مكره أحسن وأوقع في محله لبعده عن الظلم، ولا يخفى أن الخيرية في معنى تقتضي زيادته، وهو المكر هنا فالخيرية فيه ما ذكر وتفسير المصنف أنسب بالمراد وهو التهديد. قوله: (ظرف لمكر الخ (قدمه لأنه أولى إذ لا يظهر وجه تقييد قوة مكر. تعالى بهذا الوقت، ولو قدر إذ كر كما في أمثاله لم يبعد. قوله: (أي مستوفي أجلك ومؤخرك الخ الما كان ظاهره مخالفاً للمشهور المصرح به في الآية الأخرى أوّله بوجوه الأوّل أنه كناية عن عصمته عن الإعداء وما هم فيه من الفتك به لأنه يلزم من استيفاء أجله وموته حتف لنفسه ذلك أو قابضك من الأرض من توفي المال بمعنى استوفاه وقبضه وقوله: مالي يحتمل ما أن تكون موصولة ولي صلته، ويحتمل أن تكون كلمة واحدة أو المراد بالوفاة هنا النوم لأنهما أخوان، ويطلق كل منهما على الآخر لأنه رفع كذلك رفقاً به، وأمّا أنه أريد بالموت والوفاة موت القوى الشهوانية العائقة عن إيصاله بالملكوت فبعيد لأنّ اسم الفاعل لا يناسبه، وقوله: إلى محل الخ إشارة إلى أنّ إليّ على تقدير مضاف أي إلى سمائي، وتطهيره من الكفرة إمّا تبعيده عنهم بالرفع أو أنحاؤه عن قصدهم بجعلهم أو بجعل معلمهم كأنه نجاسة وبما قرّرناه سقط ما قيل: إنه تبع فيه الزمخشري في أن المقتول لم يصت بأجله كما هو مذهب المعتزلة. قوله: (يعلونهم بالحجة أو السيف الخ) يريد أنّ الفوقية رتبية لا مكانية، وقوله: ومتبعوه من أقز بنبوّته من المسلمين والنصارى فمان أريد بالنصارى من آمن به قبل مجيء نبينا ﷺ ونسخ شريعته فهو ظاهر، وان أريد المطلق فلا ضير في غلبتهم على غيرهم من الكفرة مع غلبة المسلمين عليهم، وقوله: وإلى الآن الخ ظاهر في الثاني. قوله: (الضمير لعيسى الخ) ويحتمل أنه لمن تبع وكفر فقط، فهو التفات من الغيبة إلى الخطاب للدلالة على شدة إرادة إيصال الثواب والعقاب لدلالة الخطاب على الاعتناء. قوله: (تفسير للحكم وتفصيل له) قال الخرير: اعترض بأن الحكم مرتب على الرجوع إلى الله بالمعاد، وهو في القيامة فكيف يصح تفسيره بالعذاب في الدنيا، وأجيب أوّلاً بأنّ المقصود التأبيد، وعدم الانقطاع من غير نظر إلى خصوصهما كقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ [سورة هود، الآية: ١٠٧] وثانيا أن المراد بهما المعنى اللغوي أي أوّلاً وآخرا وهو بعيد جدا وثالثا أن المرجع أعم من الدنيوي والأخروي وكونه بعد جعل الفوقية الثابتة إلى يوم القيامة لا يوجب كونه بعد ابتداء يوم القيامة، وعلى هذا فتوفية الأجور أيضاً تتناول نعيم الدارين، وقوله: فيما كنتم فيه نبوة عنه، أو المعنى أحكم بينكم في الآخرة فيما كنتم تختلفون فيه في الدنيا، ورابعاً بأن عذاب الدنيا

стр. 807

هو الفوقية عليهم والمعنى أضم إلى عذاب الفوقية السابقة عذاب الآخرة وفيه بعد، إذ معنى أعذب في الدنيا والآخرة ليس إلا أني أفعل عذاب الدارين إلا أن يقال إيجاد الكل لا يلزم أن يكون بإيجاد كل جزء فيجوز أن يفعل في الآخرة تعذيب الدارين بأن يفعل عذاب الآخرة، وقد فعل في الدنيا عذاب الدنيا فيكون تمام العذابين في الآخرة، وقيل: لا يبعد أن يتعلق قوله في الدنيا والاخرة بشديد تشديد الأمر الشدة وهذا وان ارتضاه بعض الفضلاء واستظهره لا يخفى ما فيه، وقوله: تقرير لذلك أي للحكم المفصل بأنه جار على الحكمة والعدل، ثم إن تفصيل المجمل باعتبار وصفي الإيمان والكفر، واعطاء، كل ما يليق به بضمير الغائب العائد إلى الموصوف إشارة إلى علية الوصفين هل هو التفات من الخطاب إلى الغيبة فيه تردّد بناء على أن الثاني هل يكفي في عدة التفاتا تلوين الخطاب لما هو في ضمن أمر شامل له، أو لا بد أن يكون مقصوداً بالذات الظاهر الثاني. قوله: (إلى ما سبق (يشير إلى وجه إفراده وتذكيره، وقوله: على أن العامل معنى الإشارة لا الجار والمجرور لأنّ مثله لا يجوز تقدمه على عامله المعنوي، وقوله: وأن ينتصب يعني ذلك. قوله: (المشتمل على الحكم أو المحكم الخ) إن كان الحكيم بمعنى المحكم المتقن نظمه بناء على أنّ فعيلاً يكون بمعنى مفعل كما مرّ والذكر بمعنى القرآن فظاهر وإن كان بمعنى صاحب الحكم فاستعماله لما صدر عنه مما اشتمل على حكمته إمّا استعارة نبعية في لفظ حكيم، أو إسناد مجازي بأن أسند إليه ما هو لمسببه وصاحبه، وأمّا استعارة مكنية وتخييلية بأن شبه القرآن بناطق بالحكمة، وأثبت له الوصف بحكيم تخييلا، وقد صرح به في الكشاف هنا، وأفاد الطيبي ﵀ أن ما ذهب إليه السكاكي من رذ الإسناد المجازي إلى المكنية سبقه إليه غيره، فلا اعتراض عليه كما ظن وشبهة ذكر الطرفين حينئذ، واردة فتأمّل دفعها، وتفسير الذكر الحليم باللوج المحفوظ لاشتماله عليه. قوله: (أي شأنه الغريب الخ) يعني أنّ المثل هنا ليس هو المستعمل في التشبيه والكاف زائدة كما قيل بل بمعنى الحال والصفة العجيبة، كما مرّ تحقيقه في البقرة يعني صفة عيسى ﵊ كصفة آدم ﷺ في خلقه من غير أبوين. قوله: (جملة مفسرة للتمثيل الخ) في الكشاف فإن قلت كيف شبه به وقد وجد هو بغير أب، ووجد آدم بغير أب وأمّ قلت هو مثيله في أحد الطرفين فلا يمنع اختصاصه دونه بالطرف الآخر من تشبيهه به لأنّ المماثلة مشاركة في بعض الأوصاف ولأنه شبه به في أنه وجد وجودأ خارجاً عن العادة المستمرة وهما في ذلك نظيران ولأنّ الوجود من غير أب وأمّ أغرب وأخرق للعادة من الوجود بغير أب فشبه الغريب بالأغرب ليكون أقطع للخصم، وأحسم لمادّة شبهته إذا نظر فيما هو أغرب مما استغربه انتهى، جعل عيسى ﵊ مشبهاً لأنه المقصود في المقام والا فمثله ورد للتشابه يعني أنّ تجملة خلقه مفسرة للشبه فإمّا أن تكون مبينة لوجه الشبه، والمشترك بينهما الخروج عن العادة وعدم استكمال الطرفين أو هو لبيان أنّ المشبه به أغرب فيكون أثم وأكمل كما هو شأن التشبيه والمصنف ﵀ جعله بيانا لوجه الشبه ضمنا، وعدوله عن الاقتصار على المشترك بينهما لما ذكر لأنه أغرب وأقطع المادّة الشبهة ومن لم يدر معزاه ظنه خلط بين الوجوه وأنه كان عليه أن يقول لما فيه الشبه، والشبه جمع شبهة قطع مادة الشبهة أبلغ من قطع الشبهة مع ما في أقحامه من مناسبه المقام لأنّ الأبوين ماذة النسل. قوله: (والمعنى خلق قالبه من التراب) فسر الخلق بذلك، وقول: كن بإنشائه بشرا تصسحيحا لكلمة، ثم وحمل يكون على حكاية الحال لأن المقام يقتضي كن فكان، ويصح أنه مستقبل بالنظر لما قبله، وهو قوله كن، وقد تقدم تحقيقه وأنه تمثيل ومن حمله على ظاهره جعل التأخير، والتراخي في الإخبار، وما قيل إنّ المصنف ﵀ جعله في البقرة كناية عن الخلق دفعة بلا ماذة وسبب وما هنا يخالفه ليس بشيء لأنّ معناه كما قرره سرعة الإيجاد، وعدم الماذة إنما تستفاد ثمة من المقام والتعبير بالإبداع. قوله: (خبر محذوف اي هو الحق) ضمير هو راجع إلى البيان والقصص المذكور سابقاً، ومن ربك حال من الضمير في الحق وقدّمه لأنه أولى من جعله مبتدأ ومن ربك خبره، إذ المقصود الدلالة على كون عيسى بهق مخلوقاً كآدم صلى الله عليه وسلم

стр. 808

هو الحق لا ما يزعمه النصارى، وتطبيق كونهما مبتدأ وخبرا على هذا المعنى لا يصح إلا بتكلف أن الحق من الله كل حق أو جنسه، ومن جملته هذا الشأن أو المراد لالحق ما ذكر فتعريفه للعهد لكن قوله: ﴿مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ﴾ أوفق به كما أنّ فلا تكن من الممترين وفق بالأوّل، وحمل العلم على البينات الموجبة للعلم إمّا حقيقة لأنها نوع من العلم أيضا أو مجاز، والقرينة عليه ذكر المحاجة المقتضية للأدلة وحمل تعالوا بمعنى هلموا وأقبلوا على الإقبال بالرأي والعزم لا بالجسد لظهور أنه المراد. توله: (خطاب للنبي ﷺ الخ (التهييج الإثارة يقال هيجه وهاجه، وهو كقوله: ﴿وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١٤] وفائدته أنه إذا سمع ﷺ مثل هذا الخطاب حرّك أريحيته فكان يقينه نوراً على نور وغيره إذا سمعه ينزجر لأنه ع! ير مع جلالته إذا خوطب به فما ظنك بغيره، ومعنى كونه خطأ لالكل سامع أي لكل من يقف عليه، ويصلح للخطاب فلا جمع فيه بين الحقيقة والمجاز كما وس هم. قوله: (أي يدع كل منا ومنكم الخ (أعزه جمع عزيز، وألصقهم بقلبه بمعنى أحبهم، أقربهم إليه ويحمل عليها أولئك أيضا بأن يدعوا بغير إيصاء والأصل في البهلة اللعنة والدعاء لها، ثم شاع في مطلق الدعاء كما يقال فلان يبتهل إلى الله في قضاء حاجته وكشف كربته هذا ما قاله الزمخشري، وقال الراغب ﵀: بهل الشيء والبعير إهماله وتخليلته، ثم استعمل لي الاسترسال في الدعاء سواء كان لعناً أو لا وإنما فسر به هنا لأنه الواقع فيه فبينهما اختلاف بل والذي عليه أهل اللغة ما ذكره الراغب رحمه الله تعالى قال ابن دريد: لم أركالموت سوى مابهلا يحسبه مدعيه وهومستدك وقوله: (وإنما قدّمهم الخ (يعني أنهم أعز من نفسه ولذا يجعلها فداء لهم فلذأ قدم ركرهم اهتماما به وقوله: أي نتباهل إشارة إلى أن الافتعال هنا بمعنى التفاعل، وتفاعل وافتعل اخوان في مواضع كثيرة كاجتوروا وتجاوروا واشتوروا وتشاوروا وفوله: (والبهلة الخ (هو معنى ما مر عن الراغب وصرار مكسورا مهملاً خيط يشد على خلف الناقة لئلا يرضعها فصيلها وحديث المباهلة مخرّج في الدلائل عن ابن عباس ﵄، وقوله: عطف فيه بيان أي أنه عطف على نبتهل عطف المفصل على المجمل. قوله: (فلما ثخالوا) أي حون بعضهم ببعض، والعاقب من يخلف السيد والأمير، وقوله: بالفصل في أمر صاحبكم يعني القول الفاصل بين الحق والباطل في أمر عيسى ﵊ إذ لم يجعله لها ولا كاذباً بل عبد الفه ونبيه عتييرو، وقوله: فإن أبيتم إلا إلف دينكم استثناء مفرّغ لما في أبى من معنى النفي، والموادعة المصالحة والتاركة ومحتضنا بمعنى آخذ إله تحت حضنه، والأسقف يضم الهمز والقاف وتشديد الفاء حبر النصارى، وعالمهم معرّب على الصحيح، وقوله: فأذعنوا بمعنى أطاعوا وانقادوا وأمّا الإذعان بمعنى الإدراك فليس من كلام العرب. قوله: (وهو دليل على نبوّته ﷺ الخ) أي الحديث المذكور دليل لاعترافهم وامتناعهم عن مباهلته وعلمهم بنبوته، وما فضل آل الله والرسول فالنهار لا يحتاج إلى دليل. قوله: (بجملتها خبر أنّ الخ) الجملة إمّا المصطلح عليه أو بمعنى المجموع، وهو في قوله: أو هو مراد به لفظه والتقابل بين الفصل وكونه مبتدأ بناء على أنه لا محل له من الإعراب وقوله: (يفيد الخ) أي يفيد القصر الإضافي كم يفيده تعريف الطرفين، وذهب النحرير إلى أنه للقصر، والتأكيد لو لم يكن في الكلام ما يفيده، وان كان كما هنا فهو لمجرد التأكيد وما ذكره المصنف ﵀ أوجه ثم أفاد أنّ أصل اللام الدخول على المبتدأ، ولذا سميت لام الابتداء لكنها زحلقت لئلا يجتمع حرفا تأكيد وزيادة من للتأكيد كما هو شأن الصلات، وقد فهم أهل اللسان أنها لتأكيد الاستغراق المفهوم من النكرة المنفية لاختصاصها به في أكثر، وقد توقف بعضهم في وجه إفادة الكلمات المزيدة للتأكيد بأي طريق هي فإنها ليست وضعية وأجاب بأنها ذوقية يعرفها أهل اللسان وهو حوالة على مجهول وتوله: (دخلت فيه الخ) أي التزم ذلك مع أنه لا مانع من دخولها على الخبر لقربه منه لفظاً ومعنى قيل، وعلم من كلامه أن ما من رجل أقوى من لا رجل وفيه ما مر. قوله: (لا أحد سواء

стр. 809

الخ) القدرة التامة هي معنى العزة إذ هي بمعنى الغلبة المقتضية لها والتامة والبالغة بمعناها أي البالغة إلى النهاية من صيغة المبالغة، وفي الآلهية وقع بدله في نسخة الألوهية، وأقحم سواه للتأكيد إشارة إلى مدلول الفصل، فلا يقال إنه لا فائدة في ذكره، ولما كان المراد منه هذا ومما قبله حصر الألوهية فيه رذاً على النصارى قصر إفراد لأنه تذييل لما قبله علم أن ما قيل إنّ الفصل والتعريف ليس للحصر إذ الغالب على جميع الأغيار لا يكون إلا واحداً فيلغو القصر فيه إلا أن يجعل قصر قلب، والمقام يأباه خبط وخلط، واليه أشار بقوله ليشاركه الخ فافهم. قوله: (وعيد لهم الخ (في الكاف وعيد لهم بالعذاب المذكور في قوله: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ﴾ [سورة النحل، الآية: ٨٨] فاللام في المفسدين للعهد يعني فإن تولوا فإنّ الله يعذبهم العذاب الذي تعورف واشتهر في المفسدين، وهو العذاب المضاعف والمصنف ﵀ لم يره ظاهرا من النظم فجعل الوعيد باعتبار وصفهم بالفساد ووضعه موضع المضمر إذ علمه بذلك أن يجازي عليه كما مرّ، وفي تركيبه تسامح لأنّ قوله المؤذي لا يصح صناعة أن يكون صفة لإفساد النكرة ولا للدين والاعتقاد معنى إلا بتقدير المؤدّي فساده فحذف المضاف، وقام الضمير مقامه فارتفع واستتر ويقرّ به رجوعه له بعد تعلق الإفساد به وأمّا جعل إفساد للدين من قبيل لا أبا لك ونحوه فتكلف، وقوله: (بل والى الخ) حذف فيه المعطوف عليه بالواو، والتقدير بل إلى فساد النفس والى فساد العالم، وحذف لدخوله في العالم ولم يستغن به لأنه لا يلزم من فساده فساد جميع أجزائه، ومثله كثير في كلامهم. قوله: (يعثم أهل الكتابين) جزم به! لأنه الظاهر من غير حاجة إلى التخصيص، وقوله: لا يختلف الخ بيان لمعنى الاستواء وقوله: ويفسرها ما بعدها يعني أنه بدل من كلمة مبين للمبدل منه وموضح له لاشتماله على التصريح به لا إنّ أن تفسيرية لأنّ تعالوا متضمن معنى القول دون حروفه، إذ هي ناصبة والتفسيرية لا تعمل، وفسر قوله لا نشرك بنفي الاسنحقاق ليكون تأسيسا أكثر فائدة. قوله: (يريد به وفد نجران (هم نصارى قدم وفدهم ستون راكباً فنظرهم رسول الله ﷺ في مسجده وأنزلت فيه هذه الآيات فلما حجهم أمرهم أن يجيبوا، أو يباهلوا فطلبوا المباهلة، ثم تئاوروا فقال بعضهم: أنه نبيّ وما باهل نبيّ قوماً إلا نزل بهم العذاب فاطيعوه في الجزية فأعطوها وهم أوّل من أداها سنة تسع أو عشر وأشرأفهم أربعة عشر أعلمهم أبو حارثة، وقد اعترف بدين الإسلام وقال أعلم أنه نبيّ ولكن ملوك الروم شرّفونا وأمدونا بأموالهم فنحن على دينهم والقصة مفصلة في السير وأعلم أنّ المباهلة مشروعة ولها شروط تعزض لها بعض الفقهاء. قوله: (ولا نقول عرير ابن الله الخ) يعني لا نجعل بعض البشر ربا ومعبودا فضميرنا للناس لا للممكن وإن أمكن حتى يشمل الأصنام لأنّ أهل الكتاب لم يعبدوها، وفي التعبير بالبعض نكتة للإشارة إلى أنهم بعض من جنسنا فكيف يكون ربا، وفيه وجه آخر وهو أنّ المراد باتخاذهم أرباباً إطاعتهم فيما يحللون ويحرّمون كقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أسورة التوبة، الآية: ٣١] وإليه أشار بقوله: روي الخ، فإن قلت: هم جعلوهم شركاء لا آلهة دون الله قلت هو للتنبيه على أن الشرك لا يجامع الاعتراف بربوبيته تعالى عقلاً، وقوله: هو ذاك ضمير هو للأخذ بقولهم وذاك للإشارة لكونهم معبودين أو معناه إن اتخاذ الأحبار والرهبان أربابا ذاك أي إطاعتهم في التحليل والتحريم، وهذا الحديث أخرجه الترمذيّ وحسته، وقوله: لأن كلاَ منهم الخ كذا وقع في الكشاف فقالوا: بعضنا خبر أن وبشر مثلنا بدل منه أو خبر بعد خبر وفيه الإخبار بالمعرفة عن النكرة لتأويلها بالمعرفة إذ معناه المسيح بعضنا وعزير بعضنا أو بعضنا خبر مبتدأ محذوف والجملة خبر إنّ. قوله: (أي لزمتكم الحجة الخ) يعني فإن تولوا عن موافقتكم فيما ذكر مما اتفق عليه الكتب والرسل بعد عرضه عليهم فاعلموا أنهم لزمتهم الحجة وإنما أبو إعنادا فقولوا لهم أنصفوا واعترفوا وأقروا بأنا على الدين الحق، وهو تعجيز لهم أو هو تعريض لأنهم إذا شهدوا بالإسلام لهم فكأنهم قالوا إنا لسنا كذلك، والأطوار المنافية للإلهية كونه مولوداً متوفى الخ وما يحل عقدتهم أي ما عقدوه ورسخ في عقولهم القاصرة، بقوله: إنّ مثل عيسى الخ

стр. 810

وقوله: بنوع من الإعجاز أي إظهارة عجزهم عن المباهلة لعلمهم بإجابة دعائه ﵊، أو المراد بالإعجاز الإعلام بالمغيب وهو أنهم لا يفعلون ذلك، ولذلك دعاهم ﷺ ، وقوله: لم يجد يعني لم يفد من الجدوى بمعنى المعطية. قوله: (تنازعت اليهود والنصارى الخ) هكذا أخرجه ابن جرير ﵀ وليس فيه أنهم نازعوا رسول الله ﷺ والمؤمنين كما في الكشاف فلذا عدل عنه المصنف ﵀ فلا حاجة إلى التوفيق بأنهم نازعوا رسول الله ﷺ بعد أن أجابهم بما لم يرضوه. قوله: (والمعنى الخ) ضمير عليهما لليهودية والنصرانية والمراد على واحدة منهما، وما ذكر ٣ من التاريخ رواية وقعت في الثعلبي والتيسير، وما مرّ في قصة مريم من أن بين العمرانين ألف سنة وثمانمائة سنة المقتضى أن يكون إبراهيم ﵊ قبل عيسى ﷺ بثلاثة آلاف ويوافقه قول الزمخشريّ بين إبراهيم وموسى ﷺ ألف سنة، وبينه وبين عيسى ﷺ ألفان رواية أخرى، فلا يقال إنه غفل عما قدمه أو أنه سهو من الناسخ وانّ العبارة وعيسى بعده بألفين أو إفه ظن ضمير بينه في الكشاف لإبراهيم بمتيرو، والظاهر أنهم ادّعوا حقيقة أنه منهيم فلذا حمقوا وجهلوا فلا داعي إلى ما قيل أنّ مدعاهم أنّ دين إبراهيم يوافق دين موسى لا إن إبراهيم تبع موسى وعمل بما في التوراة فكيف يقال إنهم ادعوا المحال، وأغرب منه دفعه بأنه لو كان الأمر كذلك لما أوتي موسى ﵊ التوراة بل أمر بتبليغ صحف إبراهيم عليه الصلاة والسلام. قوله: (ما حرف تنبيه الخ) الظاهر أن بقول على حالهم بدل عن حالهم وحرف التنبيه يدخل على الضمير الواقع مبتدأ إذا كان خبره اسم إشارة قياسا مطردا نحو ها أناذا، وكرّر هنا للتأكيد وقوله حاججتم جملة الخ يعني مستأنفة مبينة وقيل إنها حالية بدليل أنه يقع الحال موقعها كثيراً نحو ها أناذا قائما وهذه الحال لازمة، وقوله: أنتم هؤلاء الحمقى فسره به لتظهر فائدة الحمل وأخذ ذلك من اسم الإشارة فإنه يستعمل للتحقير والتنقيص نحو: أبعلي هذا بالوحي المتقاعس قوله: (وبيان حماقتكم الخ) في الكشاف حاججتم جملة مستأنفة مبينة للجملة الأولى يعني أنتم هؤلاء الأشخاص الحمقى وبيان حماقتكم وقلة عقولكم أنكم جادلتم فيما لكم به علم مما نطق به التوراة والإنجيل فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم ولا ذكر له في كتابكم من دين إبرإهيم ﵊، وكتب عليه الشارح المحقق نظم الكلام ليس على ما ينبغي انتهى، وفيه تأمّل فإنه إمّ أن يريد بالنظم القرآني أو عبارة الكشاف وعلى كل حال فلم يلح لي وجه كونه كذلك اللهم إلا أن يريد إنه إذا كان بياناً فلا ينبغي عطفه وأن البيان المتعارف فيه أن يكون لا يفهم من اللفظ لا للنكات في التعبير، وبمكن أن يقال لا مانع منه ولكونه على النهج الغير المعتاد عطفه لخفاء البيان فيه. وقيل عليه ويحتمل أن يريد النظم القرآني على تفسيره كما عليه المصنف أيضاً إن فيه نظراً لأن ما لهم به علم إن كان خلاف ما جادلوا عليه كما هو الظاهر المفهوم من قوله عنادا يرد عليه أنّ قوله تعالى: فم تحاجون لا ينتظم مع السابق لأنّ إنكار غير المنصوص المعلوم دون إنكار المنصوص المعلوم ولا يلائم قوله أو تدعون وروده لأنّ دعوى ورود ما لم يرد في الكتاب مع المجادلة على الخلاف ليس بمقبول وإن كان ما جادلوا عليه فالجدال في المعلوم المنصوص ليس بسبب الحماقة، ولا يلائمه قوله: عنادا ويمكن اختيار الثاني بأنّ الجدال! مع النبيّ الثابتة نبوّته بالآيات الباهرات ولو على المنصوص في كتاب آخر حماقة لأنّ ذلك المنصوص يحتمل النسخ والتأويل على ما لا يخفى وقد يختار الأوّل فالحماقة والجمع بين الجدالين والتجاوز من واحد إلى اثنين ولا يخفى ما فيه وعدم ملاءمتة لقوله أو تدعون انتهى. (أقول) : لا وجه لهذا لأنّ الإتيان بالواو إشارة إمّا إلى أنه في معنى الحال أو لما مرّ، وكان المراد بما لهم به علم أمر عيسى وموسى أو نبينا ﷺ ، ولما لا علم لهم به أمر إبراهيم ﵊ لأنّ الأوّل نبيهم وكتابه بين أيديهم بخلاف الثاني بقرينة السياق والسباق ومجادلتهم مذمومة هنا فهي في الباطل الغير المطابق للواقع فلا يتعلق علم بما جادلوا فيه فالعلم هنا إمّا بحسب المدير أو بالنسبة للطرف الآخر
следующие страницы →