← Тафсир

Тафсир · id 1535

حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي = عناية القاضي وكفاية الراضي

الشهاب الخفاجي

Полный текст (3 156 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

الله. قوله: (آمنا بالته وأشهد الخ (في عطف أشهد على آمنا مع أن بينهما اختلافا ما يقتضي جوازه فيما له محل من الإعراب ولا يلزم ذلك هنا لأنه قيل آمنا لإنشاء الإيمان أيضاً، وقيل: الكتابة كناية عن تثبيتهم على الإيمان في الخاتمة، والظاهر أن المراد اجعل ذلك وقدّره لنا في صحائف الأزل أو أدخلنا في عداد أتباعهم، وهذا على تفسيري الشاهدين وعلى الأخير فتعريفه للعهد وطلبهم أن يكونوا من أمة محمد ﷺ المعروفين بالشهادة على الناس فلا يرد تضعيفه بأنه لا قرينة على ذلك التخصيص على أنه كما نقلوه تفسير ابن عباس ﵄، وغيلة بكسر الغين المعجمة أن يتبع المرء مستترا حتى يقتله فجاة وهو لا يدري. قوله: (ومكر الله حين رفع الخ) أي المراد بمكر الله ما ذكر، وذكر أن المكر لا يطلق على الله إلا بطريق المشاكلة لأنه منزه عن معناه غير محتاج إلى حيلة، وهو المراد بالمقابلة والازدواح فلا يقالط: مكر الله ابتداء وكذا قاله العضد في شرح أصول ابن الحاجب وأورد السيف الأبهري عليه قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٩٩] فإنه أطلق عليه ابتداء من غير مشاكلة ونقل عن الإمام أنّ المكر إيصال المكروه إلى الغير على وجه يخفى فيه وأنه يجوز صدوره عنه تعالى حقيقة وقد ذهب إليه طائفة وقالوا: إنه عبارة عن التدبير المحكم فليس بممتنع عليه. (قلت) : يؤيده قوله والله خير الماكرين فإنه يبعد المشاكلة وأمّا جوابه عن الآية المذكورة بأنها من المشاكلة التقديرية كما في قوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٣٨] فلا يخفى ما فيه. قوله: (أتواهم مكراً الخ (قيل عليه إنه لا يستفاد من النظم والمفيد له أشذ الماكرين أو أقواهم، فينبغي أن يفسر بأنّ مكره أحسن وأوقع في محله لبعده عن الظلم، ولا يخفى أن الخيرية في معنى تقتضي زيادته، وهو المكر هنا فالخيرية فيه ما ذكر وتفسير المصنف أنسب بالمراد وهو التهديد. قوله: (ظرف لمكر الخ (قدمه لأنه أولى إذ لا يظهر وجه تقييد قوة مكر. تعالى بهذا الوقت، ولو قدر إذ كر كما في أمثاله لم يبعد. قوله: (أي مستوفي أجلك ومؤخرك الخ الما كان ظاهره مخالفاً للمشهور المصرح به في الآية الأخرى أوّله بوجوه الأوّل أنه كناية عن عصمته عن الإعداء وما هم فيه من الفتك به لأنه يلزم من استيفاء أجله وموته حتف لنفسه ذلك أو قابضك من الأرض من توفي المال بمعنى استوفاه وقبضه وقوله: مالي يحتمل ما أن تكون موصولة ولي صلته، ويحتمل أن تكون كلمة واحدة أو المراد بالوفاة هنا النوم لأنهما أخوان، ويطلق كل منهما على الآخر لأنه رفع كذلك رفقاً به، وأمّا أنه أريد بالموت والوفاة موت القوى الشهوانية العائقة عن إيصاله بالملكوت فبعيد لأنّ اسم الفاعل لا يناسبه، وقوله: إلى محل الخ إشارة إلى أنّ إليّ على تقدير مضاف أي إلى سمائي، وتطهيره من الكفرة إمّا تبعيده عنهم بالرفع أو أنحاؤه عن قصدهم بجعلهم أو بجعل معلمهم كأنه نجاسة وبما قرّرناه سقط ما قيل: إنه تبع فيه الزمخشري في أن المقتول لم يصت بأجله كما هو مذهب المعتزلة. قوله: (يعلونهم بالحجة أو السيف الخ) يريد أنّ الفوقية رتبية لا مكانية، وقوله: ومتبعوه من أقز بنبوّته من المسلمين والنصارى فمان أريد بالنصارى من آمن به قبل مجيء نبينا ﷺ ونسخ شريعته فهو ظاهر، وان أريد المطلق فلا ضير في غلبتهم على غيرهم من الكفرة مع غلبة المسلمين عليهم، وقوله: وإلى الآن الخ ظاهر في الثاني. قوله: (الضمير لعيسى الخ) ويحتمل أنه لمن تبع وكفر فقط، فهو التفات من الغيبة إلى الخطاب للدلالة على شدة إرادة إيصال الثواب والعقاب لدلالة الخطاب على الاعتناء. قوله: (تفسير للحكم وتفصيل له) قال الخرير: اعترض بأن الحكم مرتب على الرجوع إلى الله بالمعاد، وهو في القيامة فكيف يصح تفسيره بالعذاب في الدنيا، وأجيب أوّلاً بأنّ المقصود التأبيد، وعدم الانقطاع من غير نظر إلى خصوصهما كقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ [سورة هود، الآية: ١٠٧] وثانيا أن المراد بهما المعنى اللغوي أي أوّلاً وآخرا وهو بعيد جدا وثالثا أن المرجع أعم من الدنيوي والأخروي وكونه بعد جعل الفوقية الثابتة إلى يوم القيامة لا يوجب كونه بعد ابتداء يوم القيامة، وعلى هذا فتوفية الأجور أيضاً تتناول نعيم الدارين، وقوله: فيما كنتم فيه نبوة عنه، أو المعنى أحكم بينكم في الآخرة فيما كنتم تختلفون فيه في الدنيا، ورابعاً بأن عذاب الدنيا

стр. 807

هو الفوقية عليهم والمعنى أضم إلى عذاب الفوقية السابقة عذاب الآخرة وفيه بعد، إذ معنى أعذب في الدنيا والآخرة ليس إلا أني أفعل عذاب الدارين إلا أن يقال إيجاد الكل لا يلزم أن يكون بإيجاد كل جزء فيجوز أن يفعل في الآخرة تعذيب الدارين بأن يفعل عذاب الآخرة، وقد فعل في الدنيا عذاب الدنيا فيكون تمام العذابين في الآخرة، وقيل: لا يبعد أن يتعلق قوله في الدنيا والاخرة بشديد تشديد الأمر الشدة وهذا وان ارتضاه بعض الفضلاء واستظهره لا يخفى ما فيه، وقوله: تقرير لذلك أي للحكم المفصل بأنه جار على الحكمة والعدل، ثم إن تفصيل المجمل باعتبار وصفي الإيمان والكفر، واعطاء، كل ما يليق به بضمير الغائب العائد إلى الموصوف إشارة إلى علية الوصفين هل هو التفات من الخطاب إلى الغيبة فيه تردّد بناء على أن الثاني هل يكفي في عدة التفاتا تلوين الخطاب لما هو في ضمن أمر شامل له، أو لا بد أن يكون مقصوداً بالذات الظاهر الثاني. قوله: (إلى ما سبق (يشير إلى وجه إفراده وتذكيره، وقوله: على أن العامل معنى الإشارة لا الجار والمجرور لأنّ مثله لا يجوز تقدمه على عامله المعنوي، وقوله: وأن ينتصب يعني ذلك. قوله: (المشتمل على الحكم أو المحكم الخ) إن كان الحكيم بمعنى المحكم المتقن نظمه بناء على أنّ فعيلاً يكون بمعنى مفعل كما مرّ والذكر بمعنى القرآن فظاهر وإن كان بمعنى صاحب الحكم فاستعماله لما صدر عنه مما اشتمل على حكمته إمّا استعارة نبعية في لفظ حكيم، أو إسناد مجازي بأن أسند إليه ما هو لمسببه وصاحبه، وأمّا استعارة مكنية وتخييلية بأن شبه القرآن بناطق بالحكمة، وأثبت له الوصف بحكيم تخييلا، وقد صرح به في الكشاف هنا، وأفاد الطيبي ﵀ أن ما ذهب إليه السكاكي من رذ الإسناد المجازي إلى المكنية سبقه إليه غيره، فلا اعتراض عليه كما ظن وشبهة ذكر الطرفين حينئذ، واردة فتأمّل دفعها، وتفسير الذكر الحليم باللوج المحفوظ لاشتماله عليه. قوله: (أي شأنه الغريب الخ) يعني أنّ المثل هنا ليس هو المستعمل في التشبيه والكاف زائدة كما قيل بل بمعنى الحال والصفة العجيبة، كما مرّ تحقيقه في البقرة يعني صفة عيسى ﵊ كصفة آدم ﷺ في خلقه من غير أبوين. قوله: (جملة مفسرة للتمثيل الخ) في الكشاف فإن قلت كيف شبه به وقد وجد هو بغير أب، ووجد آدم بغير أب وأمّ قلت هو مثيله في أحد الطرفين فلا يمنع اختصاصه دونه بالطرف الآخر من تشبيهه به لأنّ المماثلة مشاركة في بعض الأوصاف ولأنه شبه به في أنه وجد وجودأ خارجاً عن العادة المستمرة وهما في ذلك نظيران ولأنّ الوجود من غير أب وأمّ أغرب وأخرق للعادة من الوجود بغير أب فشبه الغريب بالأغرب ليكون أقطع للخصم، وأحسم لمادّة شبهته إذا نظر فيما هو أغرب مما استغربه انتهى، جعل عيسى ﵊ مشبهاً لأنه المقصود في المقام والا فمثله ورد للتشابه يعني أنّ تجملة خلقه مفسرة للشبه فإمّا أن تكون مبينة لوجه الشبه، والمشترك بينهما الخروج عن العادة وعدم استكمال الطرفين أو هو لبيان أنّ المشبه به أغرب فيكون أثم وأكمل كما هو شأن التشبيه والمصنف ﵀ جعله بيانا لوجه الشبه ضمنا، وعدوله عن الاقتصار على المشترك بينهما لما ذكر لأنه أغرب وأقطع المادّة الشبهة ومن لم يدر معزاه ظنه خلط بين الوجوه وأنه كان عليه أن يقول لما فيه الشبه، والشبه جمع شبهة قطع مادة الشبهة أبلغ من قطع الشبهة مع ما في أقحامه من مناسبه المقام لأنّ الأبوين ماذة النسل. قوله: (والمعنى خلق قالبه من التراب) فسر الخلق بذلك، وقول: كن بإنشائه بشرا تصسحيحا لكلمة، ثم وحمل يكون على حكاية الحال لأن المقام يقتضي كن فكان، ويصح أنه مستقبل بالنظر لما قبله، وهو قوله كن، وقد تقدم تحقيقه وأنه تمثيل ومن حمله على ظاهره جعل التأخير، والتراخي في الإخبار، وما قيل إنّ المصنف ﵀ جعله في البقرة كناية عن الخلق دفعة بلا ماذة وسبب وما هنا يخالفه ليس بشيء لأنّ معناه كما قرره سرعة الإيجاد، وعدم الماذة إنما تستفاد ثمة من المقام والتعبير بالإبداع. قوله: (خبر محذوف اي هو الحق) ضمير هو راجع إلى البيان والقصص المذكور سابقاً، ومن ربك حال من الضمير في الحق وقدّمه لأنه أولى من جعله مبتدأ ومن ربك خبره، إذ المقصود الدلالة على كون عيسى بهق مخلوقاً كآدم صلى الله عليه وسلم

стр. 808

هو الحق لا ما يزعمه النصارى، وتطبيق كونهما مبتدأ وخبرا على هذا المعنى لا يصح إلا بتكلف أن الحق من الله كل حق أو جنسه، ومن جملته هذا الشأن أو المراد لالحق ما ذكر فتعريفه للعهد لكن قوله: ﴿مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ﴾ أوفق به كما أنّ فلا تكن من الممترين وفق بالأوّل، وحمل العلم على البينات الموجبة للعلم إمّا حقيقة لأنها نوع من العلم أيضا أو مجاز، والقرينة عليه ذكر المحاجة المقتضية للأدلة وحمل تعالوا بمعنى هلموا وأقبلوا على الإقبال بالرأي والعزم لا بالجسد لظهور أنه المراد. توله: (خطاب للنبي ﷺ الخ (التهييج الإثارة يقال هيجه وهاجه، وهو كقوله: ﴿وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١٤] وفائدته أنه إذا سمع ﷺ مثل هذا الخطاب حرّك أريحيته فكان يقينه نوراً على نور وغيره إذا سمعه ينزجر لأنه ع! ير مع جلالته إذا خوطب به فما ظنك بغيره، ومعنى كونه خطأ لالكل سامع أي لكل من يقف عليه، ويصلح للخطاب فلا جمع فيه بين الحقيقة والمجاز كما وس هم. قوله: (أي يدع كل منا ومنكم الخ (أعزه جمع عزيز، وألصقهم بقلبه بمعنى أحبهم، أقربهم إليه ويحمل عليها أولئك أيضا بأن يدعوا بغير إيصاء والأصل في البهلة اللعنة والدعاء لها، ثم شاع في مطلق الدعاء كما يقال فلان يبتهل إلى الله في قضاء حاجته وكشف كربته هذا ما قاله الزمخشري، وقال الراغب ﵀: بهل الشيء والبعير إهماله وتخليلته، ثم استعمل لي الاسترسال في الدعاء سواء كان لعناً أو لا وإنما فسر به هنا لأنه الواقع فيه فبينهما اختلاف بل والذي عليه أهل اللغة ما ذكره الراغب رحمه الله تعالى قال ابن دريد: لم أركالموت سوى مابهلا يحسبه مدعيه وهومستدك وقوله: (وإنما قدّمهم الخ (يعني أنهم أعز من نفسه ولذا يجعلها فداء لهم فلذأ قدم ركرهم اهتماما به وقوله: أي نتباهل إشارة إلى أن الافتعال هنا بمعنى التفاعل، وتفاعل وافتعل اخوان في مواضع كثيرة كاجتوروا وتجاوروا واشتوروا وتشاوروا وفوله: (والبهلة الخ (هو معنى ما مر عن الراغب وصرار مكسورا مهملاً خيط يشد على خلف الناقة لئلا يرضعها فصيلها وحديث المباهلة مخرّج في الدلائل عن ابن عباس ﵄، وقوله: عطف فيه بيان أي أنه عطف على نبتهل عطف المفصل على المجمل. قوله: (فلما ثخالوا) أي حون بعضهم ببعض، والعاقب من يخلف السيد والأمير، وقوله: بالفصل في أمر صاحبكم يعني القول الفاصل بين الحق والباطل في أمر عيسى ﵊ إذ لم يجعله لها ولا كاذباً بل عبد الفه ونبيه عتييرو، وقوله: فإن أبيتم إلا إلف دينكم استثناء مفرّغ لما في أبى من معنى النفي، والموادعة المصالحة والتاركة ومحتضنا بمعنى آخذ إله تحت حضنه، والأسقف يضم الهمز والقاف وتشديد الفاء حبر النصارى، وعالمهم معرّب على الصحيح، وقوله: فأذعنوا بمعنى أطاعوا وانقادوا وأمّا الإذعان بمعنى الإدراك فليس من كلام العرب. قوله: (وهو دليل على نبوّته ﷺ الخ) أي الحديث المذكور دليل لاعترافهم وامتناعهم عن مباهلته وعلمهم بنبوته، وما فضل آل الله والرسول فالنهار لا يحتاج إلى دليل. قوله: (بجملتها خبر أنّ الخ) الجملة إمّا المصطلح عليه أو بمعنى المجموع، وهو في قوله: أو هو مراد به لفظه والتقابل بين الفصل وكونه مبتدأ بناء على أنه لا محل له من الإعراب وقوله: (يفيد الخ) أي يفيد القصر الإضافي كم يفيده تعريف الطرفين، وذهب النحرير إلى أنه للقصر، والتأكيد لو لم يكن في الكلام ما يفيده، وان كان كما هنا فهو لمجرد التأكيد وما ذكره المصنف ﵀ أوجه ثم أفاد أنّ أصل اللام الدخول على المبتدأ، ولذا سميت لام الابتداء لكنها زحلقت لئلا يجتمع حرفا تأكيد وزيادة من للتأكيد كما هو شأن الصلات، وقد فهم أهل اللسان أنها لتأكيد الاستغراق المفهوم من النكرة المنفية لاختصاصها به في أكثر، وقد توقف بعضهم في وجه إفادة الكلمات المزيدة للتأكيد بأي طريق هي فإنها ليست وضعية وأجاب بأنها ذوقية يعرفها أهل اللسان وهو حوالة على مجهول وتوله: (دخلت فيه الخ) أي التزم ذلك مع أنه لا مانع من دخولها على الخبر لقربه منه لفظاً ومعنى قيل، وعلم من كلامه أن ما من رجل أقوى من لا رجل وفيه ما مر. قوله: (لا أحد سواء

стр. 809

الخ) القدرة التامة هي معنى العزة إذ هي بمعنى الغلبة المقتضية لها والتامة والبالغة بمعناها أي البالغة إلى النهاية من صيغة المبالغة، وفي الآلهية وقع بدله في نسخة الألوهية، وأقحم سواه للتأكيد إشارة إلى مدلول الفصل، فلا يقال إنه لا فائدة في ذكره، ولما كان المراد منه هذا ومما قبله حصر الألوهية فيه رذاً على النصارى قصر إفراد لأنه تذييل لما قبله علم أن ما قيل إنّ الفصل والتعريف ليس للحصر إذ الغالب على جميع الأغيار لا يكون إلا واحداً فيلغو القصر فيه إلا أن يجعل قصر قلب، والمقام يأباه خبط وخلط، واليه أشار بقوله ليشاركه الخ فافهم. قوله: (وعيد لهم الخ (في الكاف وعيد لهم بالعذاب المذكور في قوله: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ﴾ [سورة النحل، الآية: ٨٨] فاللام في المفسدين للعهد يعني فإن تولوا فإنّ الله يعذبهم العذاب الذي تعورف واشتهر في المفسدين، وهو العذاب المضاعف والمصنف ﵀ لم يره ظاهرا من النظم فجعل الوعيد باعتبار وصفهم بالفساد ووضعه موضع المضمر إذ علمه بذلك أن يجازي عليه كما مرّ، وفي تركيبه تسامح لأنّ قوله المؤذي لا يصح صناعة أن يكون صفة لإفساد النكرة ولا للدين والاعتقاد معنى إلا بتقدير المؤدّي فساده فحذف المضاف، وقام الضمير مقامه فارتفع واستتر ويقرّ به رجوعه له بعد تعلق الإفساد به وأمّا جعل إفساد للدين من قبيل لا أبا لك ونحوه فتكلف، وقوله: (بل والى الخ) حذف فيه المعطوف عليه بالواو، والتقدير بل إلى فساد النفس والى فساد العالم، وحذف لدخوله في العالم ولم يستغن به لأنه لا يلزم من فساده فساد جميع أجزائه، ومثله كثير في كلامهم. قوله: (يعثم أهل الكتابين) جزم به! لأنه الظاهر من غير حاجة إلى التخصيص، وقوله: لا يختلف الخ بيان لمعنى الاستواء وقوله: ويفسرها ما بعدها يعني أنه بدل من كلمة مبين للمبدل منه وموضح له لاشتماله على التصريح به لا إنّ أن تفسيرية لأنّ تعالوا متضمن معنى القول دون حروفه، إذ هي ناصبة والتفسيرية لا تعمل، وفسر قوله لا نشرك بنفي الاسنحقاق ليكون تأسيسا أكثر فائدة. قوله: (يريد به وفد نجران (هم نصارى قدم وفدهم ستون راكباً فنظرهم رسول الله ﷺ في مسجده وأنزلت فيه هذه الآيات فلما حجهم أمرهم أن يجيبوا، أو يباهلوا فطلبوا المباهلة، ثم تئاوروا فقال بعضهم: أنه نبيّ وما باهل نبيّ قوماً إلا نزل بهم العذاب فاطيعوه في الجزية فأعطوها وهم أوّل من أداها سنة تسع أو عشر وأشرأفهم أربعة عشر أعلمهم أبو حارثة، وقد اعترف بدين الإسلام وقال أعلم أنه نبيّ ولكن ملوك الروم شرّفونا وأمدونا بأموالهم فنحن على دينهم والقصة مفصلة في السير وأعلم أنّ المباهلة مشروعة ولها شروط تعزض لها بعض الفقهاء. قوله: (ولا نقول عرير ابن الله الخ) يعني لا نجعل بعض البشر ربا ومعبودا فضميرنا للناس لا للممكن وإن أمكن حتى يشمل الأصنام لأنّ أهل الكتاب لم يعبدوها، وفي التعبير بالبعض نكتة للإشارة إلى أنهم بعض من جنسنا فكيف يكون ربا، وفيه وجه آخر وهو أنّ المراد باتخاذهم أرباباً إطاعتهم فيما يحللون ويحرّمون كقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أسورة التوبة، الآية: ٣١] وإليه أشار بقوله: روي الخ، فإن قلت: هم جعلوهم شركاء لا آلهة دون الله قلت هو للتنبيه على أن الشرك لا يجامع الاعتراف بربوبيته تعالى عقلاً، وقوله: هو ذاك ضمير هو للأخذ بقولهم وذاك للإشارة لكونهم معبودين أو معناه إن اتخاذ الأحبار والرهبان أربابا ذاك أي إطاعتهم في التحليل والتحريم، وهذا الحديث أخرجه الترمذيّ وحسته، وقوله: لأن كلاَ منهم الخ كذا وقع في الكشاف فقالوا: بعضنا خبر أن وبشر مثلنا بدل منه أو خبر بعد خبر وفيه الإخبار بالمعرفة عن النكرة لتأويلها بالمعرفة إذ معناه المسيح بعضنا وعزير بعضنا أو بعضنا خبر مبتدأ محذوف والجملة خبر إنّ. قوله: (أي لزمتكم الحجة الخ) يعني فإن تولوا عن موافقتكم فيما ذكر مما اتفق عليه الكتب والرسل بعد عرضه عليهم فاعلموا أنهم لزمتهم الحجة وإنما أبو إعنادا فقولوا لهم أنصفوا واعترفوا وأقروا بأنا على الدين الحق، وهو تعجيز لهم أو هو تعريض لأنهم إذا شهدوا بالإسلام لهم فكأنهم قالوا إنا لسنا كذلك، والأطوار المنافية للإلهية كونه مولوداً متوفى الخ وما يحل عقدتهم أي ما عقدوه ورسخ في عقولهم القاصرة، بقوله: إنّ مثل عيسى الخ

стр. 810

وقوله: بنوع من الإعجاز أي إظهارة عجزهم عن المباهلة لعلمهم بإجابة دعائه ﵊، أو المراد بالإعجاز الإعلام بالمغيب وهو أنهم لا يفعلون ذلك، ولذلك دعاهم ﷺ ، وقوله: لم يجد يعني لم يفد من الجدوى بمعنى المعطية. قوله: (تنازعت اليهود والنصارى الخ) هكذا أخرجه ابن جرير ﵀ وليس فيه أنهم نازعوا رسول الله ﷺ والمؤمنين كما في الكشاف فلذا عدل عنه المصنف ﵀ فلا حاجة إلى التوفيق بأنهم نازعوا رسول الله ﷺ بعد أن أجابهم بما لم يرضوه. قوله: (والمعنى الخ) ضمير عليهما لليهودية والنصرانية والمراد على واحدة منهما، وما ذكر ٣ من التاريخ رواية وقعت في الثعلبي والتيسير، وما مرّ في قصة مريم من أن بين العمرانين ألف سنة وثمانمائة سنة المقتضى أن يكون إبراهيم ﵊ قبل عيسى ﷺ بثلاثة آلاف ويوافقه قول الزمخشريّ بين إبراهيم وموسى ﷺ ألف سنة، وبينه وبين عيسى ﷺ ألفان رواية أخرى، فلا يقال إنه غفل عما قدمه أو أنه سهو من الناسخ وانّ العبارة وعيسى بعده بألفين أو إفه ظن ضمير بينه في الكشاف لإبراهيم بمتيرو، والظاهر أنهم ادّعوا حقيقة أنه منهيم فلذا حمقوا وجهلوا فلا داعي إلى ما قيل أنّ مدعاهم أنّ دين إبراهيم يوافق دين موسى لا إن إبراهيم تبع موسى وعمل بما في التوراة فكيف يقال إنهم ادعوا المحال، وأغرب منه دفعه بأنه لو كان الأمر كذلك لما أوتي موسى ﵊ التوراة بل أمر بتبليغ صحف إبراهيم عليه الصلاة والسلام. قوله: (ما حرف تنبيه الخ) الظاهر أن بقول على حالهم بدل عن حالهم وحرف التنبيه يدخل على الضمير الواقع مبتدأ إذا كان خبره اسم إشارة قياسا مطردا نحو ها أناذا، وكرّر هنا للتأكيد وقوله حاججتم جملة الخ يعني مستأنفة مبينة وقيل إنها حالية بدليل أنه يقع الحال موقعها كثيراً نحو ها أناذا قائما وهذه الحال لازمة، وقوله: أنتم هؤلاء الحمقى فسره به لتظهر فائدة الحمل وأخذ ذلك من اسم الإشارة فإنه يستعمل للتحقير والتنقيص نحو: أبعلي هذا بالوحي المتقاعس قوله: (وبيان حماقتكم الخ) في الكشاف حاججتم جملة مستأنفة مبينة للجملة الأولى يعني أنتم هؤلاء الأشخاص الحمقى وبيان حماقتكم وقلة عقولكم أنكم جادلتم فيما لكم به علم مما نطق به التوراة والإنجيل فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم ولا ذكر له في كتابكم من دين إبرإهيم ﵊، وكتب عليه الشارح المحقق نظم الكلام ليس على ما ينبغي انتهى، وفيه تأمّل فإنه إمّ أن يريد بالنظم القرآني أو عبارة الكشاف وعلى كل حال فلم يلح لي وجه كونه كذلك اللهم إلا أن يريد إنه إذا كان بياناً فلا ينبغي عطفه وأن البيان المتعارف فيه أن يكون لا يفهم من اللفظ لا للنكات في التعبير، وبمكن أن يقال لا مانع منه ولكونه على النهج الغير المعتاد عطفه لخفاء البيان فيه. وقيل عليه ويحتمل أن يريد النظم القرآني على تفسيره كما عليه المصنف أيضاً إن فيه نظراً لأن ما لهم به علم إن كان خلاف ما جادلوا عليه كما هو الظاهر المفهوم من قوله عنادا يرد عليه أنّ قوله تعالى: فم تحاجون لا ينتظم مع السابق لأنّ إنكار غير المنصوص المعلوم دون إنكار المنصوص المعلوم ولا يلائم قوله أو تدعون وروده لأنّ دعوى ورود ما لم يرد في الكتاب مع المجادلة على الخلاف ليس بمقبول وإن كان ما جادلوا عليه فالجدال في المعلوم المنصوص ليس بسبب الحماقة، ولا يلائمه قوله: عنادا ويمكن اختيار الثاني بأنّ الجدال! مع النبيّ الثابتة نبوّته بالآيات الباهرات ولو على المنصوص في كتاب آخر حماقة لأنّ ذلك المنصوص يحتمل النسخ والتأويل على ما لا يخفى وقد يختار الأوّل فالحماقة والجمع بين الجدالين والتجاوز من واحد إلى اثنين ولا يخفى ما فيه وعدم ملاءمتة لقوله أو تدعون انتهى. (أقول) : لا وجه لهذا لأنّ الإتيان بالواو إشارة إمّا إلى أنه في معنى الحال أو لما مرّ، وكان المراد بما لهم به علم أمر عيسى وموسى أو نبينا ﷺ ، ولما لا علم لهم به أمر إبراهيم ﵊ لأنّ الأوّل نبيهم وكتابه بين أيديهم بخلاف الثاني بقرينة السياق والسباق ومجادلتهم مذمومة هنا فهي في الباطل الغير المطابق للواقع فلا يتعلق علم بما جادلوا فيه فالعلم هنا إمّا بحسب المدير أو بالنسبة للطرف الآخر

стр. 811

عنادا واليه أشار المصنف ﵀ وهو معنى قول الإمام فيما لكم به علم لم يقصد بالعلم حقيقته وإنما أراد هب أنكم تستجيزون محاجته فيما تدعون فكيف تحاجون فميا لا علم لكم به البتة، وهذا من دقائق هذا الكتاب فافهمه وأمّا ما أجاب به فليس بشيء. قوله: (وقيل هؤلاء بمعنى الذين الخ (هذا مذهب الكوفيين إن كل اسم إشارة يكون موصولاً والمعنى عليه ظاهر، ومذهب غيرهم أنه مخصوص بذا في نحو ماذا صنعت وكون أصل هأنتم أأنتم مذهب الأخفش، وقيل عليه إنّ إبدال همزة الاستفهام هاء لم يسمع إلا في بيت نادر، ثم الفصل بالمدّان كان لتوالي الهمزتين فلا وجه له هنا وهو إنما يرد لو كان الفصل بعد الإبدال. قوله: (علم ما حاججتم فيه) في نسخة ما حاجهم فيه الأوّل هو المطابق لما في الكشاف قيل في وجه زيادة علم أنه هنا بمعنى حقيقته، وكنهه إذ ليس المقصود هنا التهديد حتى يذكر علم المحاجة بمعنى المجازاة والعقاب عليه كما هو الوارد في أمثاله، وقوله: وأنتم جاهلون به إشارة إلى المفعول المقدر وفيه رمز إلى أنّ محاجة رسول الله ﷺ محاجة لله، وهذا مبنيّ على أنّ المحاجة وقعت معه وقد مر الكلام فيه، وقوله، تصريح الخ إشارة إلى وجه الفصل، وحينئذ قد مرّ تحقيقه. قوله: (منقادا لله الما كان الإسلام يختص في العرف بالدين المحمدي وهو لا يصح هنا لأنه يرد عليه إنه كان قبل ذلك ت مان كثير فكيف يكون مسلما فيكون كادّعائهم تهوده وتنصره المردود بقوله تعالى: ﴿وَمَا أُنزِلَتِ التَّورَاةُ وَالإنجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ٦٥] فيرد عليه ما ورد عليهم ويشترك الإلزام بينهما فسروه هنا بالمعنى اللغوي وهو المستسلم المنقاد لطاعة الحق أو بالموحد لأن الإسلام يرد بمعنى التوحيد، وينصره قوله: وما كان من المشركين وهو بهذا المعنى يوصف به من كان قبلنا وقد ورد في القرآن بهذا المعنى كثيراً ولهذا قال الجصاص إنّ المسلم المؤمن ولو من غير هذه الأمة، وفي رسالة للسيوطي إن الإسلام مخصوص بهذه الأمة وفيه نظر فإن قيل قولكم إنّ إبراهيم ﵊ على دين الإسلام إن أردتم به الموافقة في الأصول فليس مختصا بدين الإسلام، وإن أردتم في الفروع لزم أن لا يكون محمد ﷺ صاحب شريعة بل مقرر الشرع من قبله قيل يختار الأول والاختصاص ثابت لأن اليهود والنصارى مخالفون للأصول في زماننا لقولهم بالتثليث واشراك عزير إلى غير ذلك، أو الثاني ولا يلزم ما ذكر لجواز أنه تعالى نسخ تلك الفروع بشرع موسى ﷺ ثم نسخ نبينا ﷺ شرع موسى بشريعته التي هي موافقة لشريعة إبراهيم ﵊ فيكون صاحب شريعة مع موافقته لإبراهيم كذا قال النيسابوري ﵀ وهو يقتضي أنّ المراد بكون إبراهيم مسلما إنه على ملة الإسلام والمصنف ﵀ لم يرتض هذين الوجهين لبعدهما فذهب إلى ما ذكر لأن سالم من القدح. قوله:) تعريض بأنهم الخ) هذان وجهان الأوّل أنّ المراد بالمشركين معناه المطلق ففيه تعريض لهم على طريق الكناية، الثاني أنّ المراد بالمشركين أهل الكتاب وأصله منكم فوضع الظاهر موضع المضمر للتصريح بأنهم مشركون لما ذكر فالظاهر أن يقول أو رذ أو هو وجه واحد وهو الأوّل وترك الثاني لأنه تكرار مع قوله: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا﴾ وفيه نظر. قوله:) أي أخصهم الخ (أولى أفعل تفضيل وأصل معناه أقرب من وليه يليه وليا، ومنه ما في الحديث لأولى رجل ذكر ويكون بمعنى أحق كما تقول العالم أولى بالتقديم والمراد هنا الأوّل فقوله: وأقر بهم عطف تفسير. قوله: (من أمّته الخ) عدل عن تفسيره بمطلق من اتبعه فيكون ما بعده من ذكر الخاص بعد العام لأنه أشرف لكونه خلاف الظاهر، وقوله: لموافقتهم له علة لكونهم أولى وقوله على الأصالة إشارة إلى أنّ اتحاد الشريعتين لا يقتضي أن يكون الشرع هو الأوّل لأن هذا شرع جديد وان وافق شرع إبراهيم ﵊ كما يوافق قول المجتهد قول آخر حتى لا يلزم أنه مقلد له، وشرع مبني للمجهول، وقال: في أكثر إذ يجب علينا الإيمان بالقرآن الذي لم يجب عليهم وكذا في شرعهم ما لا يجب علينا. قوله: (وقرئ والنبتي بالنصب الخ) في عبارته تسمح أي وهذا النبيّ كما في الكشاف، وعلى قراءة الرفع هو معطوف على الموصول قبله الذي

стр. 812

هو خبر إنّ وعلى قراءة النصب معطوف على الضمير المفعول والتقدير للذين اتبعوا إبراهيم واتبعوا هذا النبيّ، ويكون قوله: والذين آمنوا عطفا على قوله للذين اتبعو. وليس بلغو لشموله لمؤمني أمّة موسى وعيسى وغيرهما، وعلى الجر هو عطف على إبراهيم أي إن أولى الناس بإبراهيم وهذا النبيّ للذين اتبعوه وفيه أنه كان ينبغي أن يثني ضمير اتبعوه ويقال: اتبعوهما إلا أن يقال هو من باب والله ورسوله أحق أن يرضوه وأيضآ فيه الفصل بين العامل والععمول بأجنبي، وقوله: والذين آمنوا إن كان عطفا على الذين اتبعوه يكون فيه ذلك أيضا وان كان عطفاً على النبيّ فلا فائدة فيه إلا أن يقال إنه من عطف الصفات بعضها على بعض فتأمل، وقوله: ينصرهم الخ لأنه شأن الوليّ فأريد به لازمه وتوله: لإيمانهم إشارة إلى انّ عنوان المشتق يقتضي عليه مبدأ الاشتقاق كما مرّ. قوله: (ولو بمعنى أن) أي المفتوحة الهمزة المصدرية وقد مرّ الكلام فيه وكونها للتمني وهو مذهب للنحاة، وقوله: وما يتخطاهم الخ الإضلال الإيقاع في الضلال، وهم ضالون فيؤدّي ذلك إلى جعل الضال ضالاً فلذلك أوّل الإضلال بما يعود من وباله أي فهو مجاز مرسل أو استعارة أو المراد بأنفسهم أمثالهم المجانسون لهم كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ قيل: وهو من الإخبار لالغيب الذي هو أحد وجوه الإعجاز فهو استعارة أو تشبيه بتقدير أمثال أنفسهم إذ لم يتهوّد مسلم قط، وقوله: وزره الخ لف على غير الترتيب راجع إلى هذين الوجهين. قوله:) أو بالقرآن الخ) يعني المراد بآيات الله إمّا التوراة والإنجيل ويشهدون من الشهادة مجازاً عن الاعتراف بحقيتها، وأمّا القرآن ومعنى تشهدون تشاهدون نعت الرسول ﷺ المذكور في التوراة والإنجيل، وأمّا آيات الله جميعا ومعنى تشهدون تعلمون حقيتها بلا شبها بمنزلة علم المشاهدة،، ضمير نعته لمحمد ع! ير أو للقرآن. قوله: (بالتحريف وإبراز الباطل في صورته) أي صورة الحق قال الراغب: أصل اللبس ستر الشيء، ويقال في المعاني كلبست عليه أمره قال تعالى: ﴿وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ ويقال في الأمر لبسة أي التباس ولابست الأمر زاولته ولابست " لإنأ خالطته فتلبسون بالفتح من لبست الثوب والباء بمعنى مع، وبالكسر من لبست الشيء االئيء سترته به وقيل: خلطته والياء صلته وكذا في قراءة التشديد، واستشهدوا لاستعمال االمبس، وما في معناه للاتصاف بالشيء والتلبس به بما وقع في الحديث الصحيح الذي رواه ااحخاري. وغيره عن عائثة ﵂ أنّ امرأة قالت: يا رسول الله إنّ زوجي أعطاني ما لم بعطني فقال: المتليس بما لم يعط كلابس ثوبي زور والمتشبع الذي يرى أنه شبعان وليس به والمراد المتصلف، ولابس ثوبي زور هو الذي استعار ثوباً يتجمل به أو يتنسك متقبل شهادته فهو يشهد به زورا ويظهر أنه له وليس له فيتلبس بجهتي زور ويصير كأنه لابس ثوبين من الزور، وفي الفائق المتشبع على معنيين أحدهما المتكلف إسرافا في اكل وزيادة في الشبع ليمتلئئ والثاني المتشبه بالشبعان وليس به وبهذا المعنى استعير للمتحلي بفضيلة ليست له وشبه بلابس ثوبي زور أي ذي زور وهو الذي يزوّر على الناس ويتزيا بزفي أهل الزهد رياء واضافة الثوبين إلى الزور على معنى اختصاصهما به من جهة كونهما ملبوسين لأجله أو أراد أنّ المتحلي بما ليس فيه كمن لبس ثوبين من الزور ارتدى بأحدهما واتزر بالاخر، وقيل: كانت النسوة تتظاهرن في اللباس يظهرن السمن، وقوله: تكتسون هو الصححيح، ووقع في نسخة تلبسون، وقوله: عالمين إشارة إلى أنّ الجملة خالية، وقوله: أوّل النهار إشارة إلى أن الوجه استعير للأوّل وهو استعارة معروفة كما ذكره الثعالبي. قوله: العلهم يشكون الخ) إنما قال يشكون لأنه أقل المراتب المتيقنة والا فالرجوع يكون عن اعتقاد البطلان، وكعب بن الأشرف ومالك بن الصيف بفتح الصاد المهملة من اليهود، وقوله: (اثنا عشر الخ) رواه ابن جرير عن السدي وتقاولوا تفاعل من القول والمراد المشاورة. قوله:) ولا تقرّوا عن تصديق فلب الخ) إنما أوّل تؤمنوا بتقرّوا أو تظهروا أو تفشوا على طريق التضمين ليتعدى باللام وليست هنا للتقوية، وقيل: إنها زائدة وقيل: إنه يتعذى باللام أيضا أي لا تصدقوا عن قلب إلا لهؤلاء، وعلى هذا فليس قل إنّ الهدى الخ اعتراضاً أي قل لهم إن الهدى هدى الله أو قل

стр. 813

لنفسك أو للمؤمنين فهو يهدي لأصل الإيمان وللثبات عليه من يشاء فلا يضرّ كيدهم. قوله: (أي دبرتم ذلك وقلتم لأن يؤتى الخ) تحقيق ذلك وتفصيله ما أفاده المدقق في الكشف أنّ فيها أوجهآ. أحدها: أنّ التقدير ولا تؤمنوا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم وهم المسلمون أوتوا كتابا سماويا كالتوراة، ونبياً مرسلاً كموسى ﷺ وبأن يحاجوكم ويغلبوكم بالحجة يوم القيامة! لأ لأتباعكم، نهوهم عن الإظهار للمسلمين فيزدادون تصلبا ولمشركي العرب فيبعثهم على الإسلام، وأتي بأو على وزان ولا تطع منهم آثماً الخ وهو أبلغ والحمل على معنى حتى صحيح مرجوح، وفائدة الاعتراض أنّ كيدهم غير ضحارّ لمن لطف الله به بالدخول في الإسلام أو زيادة التصلب فيه، ويفيد أيضا أن الهدى هداه فهو الذي يتولى ظهوره فلا يطفا نوره فالمراد بالإيمان إظهره كما ذكره الزمخشرفي أو الإقرار اللساني كما ذكره الواحدفي، والمراد التصلب من التابعين لإلا وقع ما فرّوا منه. وثانيها: ولا تؤمنوا هذا الإيمان الظاهر الذي أتيتم به وجه النهار إلا لمن كان تابعا لدينكم أؤلاً وهم الذين أسلموا منهم أي لأجل رجوعهم لأنه كان عندهم أهتم وأوقع، وهم فيه أرغب وأطمع، ثم قيل: إنّ الهدى هدى الله من يهده الله فلا مضل له، وقوله: أن يؤتى أحد على هذا معللة لمحذوف أي لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، وما يتصل به من الغلبة بالحجة يوم القيامة دبرتم ما دبرتم، والمعنى أنّ داعيكم إليه ليس إلا الحسد، وإنما أتي بأو تنبيهاً على استقلال كل منهما في غيظهم وحملهم على الحسد حتى دبروا ما دبروا، ولو أتي بالواو لم تقع هذا الموقع للعلم بلزوم الثاني للأوّل لأنه إذا كان ما أوتوا حقاً غلبوا يوم القيامة مخالفهم فلا لاندة فيه، وأما أو فتشعر بأنّ كلا مستقل في بعثهم على الحسد والتدبير، وحملها على معنى حتى وإن كان ظاهراً لا يروع السامع ويؤيد هذا قراءة آن يؤتى بالاستفهام للدلالة على انقطاعه، الاستقلال بالإنكار، وفيه تقييد الإيمان بالصادر أوّل النهار بقرينة أنّ الكلام فيه وتخصيص من سع بمسلميهم بقرينة المعنى ولأنّ غيرهم متبع دينهم الآن، وعن المصنف إنه من جملة المقول ثانه قيل قل لهم هذين القولين، ومعناه أكد عليهم أنّ الهدى ما فعل الله من إيتاء اليهاب غيركم، أنكر عليهم أن يمتغصوا من أن يؤتى أحد مثله كأنه قيل قل إنّ الهدى هدى الله، وقل لأن لؤتى أحد مثل ما أوتيتم قلتم ما قلتم وكذبتم ما كذبتم، وثالثها أن يقرّر ولا تؤمنوا على ما قرّر علبه الثاني وبجعل أن يؤتى خبر ان وهدى الله بدل من اسمها وأو بمعنى حتى على أنها غاية سبية وحينئذ لا يخص عند ربكم بيوم القيامة بل بالمحاجة المحقة كما مرّ في البقرة، ولو حملت على العطف لم يلتئم الكلام، ورابعها: أنّ قوله ولا تؤمنوا إلا لمن الخ على إطلاقه أي ، أثفروا آخره واستمروا على اليهودية ولا تقرّوا لأحد إلا لمن هو على دينكم وهو من جملة ٤ـ فرل الطائفة فقيل قل إنّ الهدى هدى الله فلا تنكروا أن يؤتى حتى تحاجوا وقرينة الإضمار أنّ مر له ولا تؤمنوا تقرير على اليهودية وأنه لا دين يساويها فماذا أمر النبيّ ﷺ أن يجيبهم علم أنّ ااجراب أنّ ما أنكروه غير منكر وأنه كائن، وحمل أو على معناها الأصلي حسن لأنه تأييد الإبتاء وتعريض بأنّ من أوتي مثل ما أوتوا هم الغالبون لا هم، وأمّا على قراءة إن بالكسر فهو من مقول الطائفة وقدره بقولوا لهم توضيحاً وبيانا لأنه ليس استئنافا تعليلا بل خطابا لمن أسلم منهم رجاء العود، والمعنى لا إيتاء فلا محاجة وذكر عقيب الثالث لتساويهما في أنّ أو بمعنى حتى، وقوله: إنّ الهدى هدى الله اعتراض ذكر قبل تمام كلامهم للاهتمام ببيان فساد ما ذهبوا إليه، وأرجح الوجوه الثاني انتهى محصله. (وههنا بحث) ذكره صاحب الانتصاف على قطع آن يؤتى أحد عن لا تؤمنوا وهو أنه يلزمه وقوع أحد في الإثبات لأنّ الاستفهام هنا إنكار وهو في مثله إثبات إذ حاصله أنه وبخهم على ما وقع منهم، وهو إخفاء الإيمان بأن النبوّة لا تخص بني إسرائيل، وأجاب عنه بأنه روعي فيه صيغة الاستفهام وان لم يرد حقيقته فحسن دخول أحد في سياقه، وترك التعرّض له الناظرون فيه لأنهم لم يروه واردا لأن التوبيخ لا ينبغي، ولا يليق فهو نفي معنى بلا ارتياب واحتياج إلى جوابه الساقط، وقوله: من كلام الطائفة أي المذكور في الآية واحتمال أن يكون خطاباً من الله للمسلمين أي لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أيها المسلمون حتى يحاجوكم لأنه

стр. 814

لا ينسخ دينكم دين بعيد. قوله: (عطف الخ) قد مرّ ما يشرحه وقوله: (رذوا إبطال الخ الأنه تعالى كريم متفضل مختار فيما يريد فيعطي مثل ما أوتيتم وأفضل منه غيركم. قوله: (ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار الخ) من أمنته بمعنى ائتمنته، والأوقية بالضم سبعة مثاقيل كالوقية، وقال الجوهري: إنها أربعون درهماً، ثم استعملت في العرف في عشرة دراهم وخمسة أسباع درهم، وفنحاص بكسر الفاء وسكون النون والحاء المهملة بعدها ألف ثم صاد مهملة، وكون الغالب في اليهود الخيانة لأنّ نهم من لا يخون كعبد الله بن سلام رضي الله عته، وقوله مدة دوامك إشارة إلى أنّ ما مصدرية ظرفية والتقاضي طلب القضاء ولا عبرة بقول بعض الفقهاء أنه لم يرد في اللغة إلا بمعنى الأخذ والترافع هو صد الأمر وانهاؤه إلى الحكام فالقيام مجاز عما ذكر. قوله: (إشارة إلى ترك الآداء الخ) بقوله: لا يؤدّه هذا هو الصحيح من النسخ وسقط لا رنرذه من بعضها اكتفاء بالإضافة العهدية، وقيل: إنه من سهو الناسخ، وتوله: عتاب وذم لما ثان السبيل بمعنى الطريق والمعنى ليس لأحد منهم علينا طريق فلا يصل إلينا حتى نسمع كلامه إذمه، وعتابه فهو كناية كقوله: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ أفاد ما ذكر. قوله: (تقاضوهم الخ (يعني رجال قريش طلبوا من اليهود حقهم، وقوله: تحت قدمي أي ساقط لا يؤاخذ به فهو لمثيل لأنّ ما سقط يوطأ ويداس. قوله: (استئناف الخ (المراد بكونها سذت مسدها أنها دلت طليها فلا يمتنع التصريح بها، ووجه التقرير أنها تفيد ذم من لم يف بالحقوق مطلقا فيدخلون! يه دخولاً أوليا، وقوله: باب عن الراجح في نسخة نائب عن الراجع، وسقوط في بعض النسخ من سهو الكاتب، ومن إما موصولة أو شرطية ولا بدّ من ضمير يعود إليها من الجملة ال! انية فإما أن يقام الظاهر مقام الضمير في الربط إن كان المتقين من أوفى، وما أن يجعل لحمومه وشموله له رابطا، وقال ابن هشام: الظاهر أنه لا عموم وأنّ المتقين مساو لمن تقدم دكره والجواب لفظا أو معنى محذوف تقديره يحبه الله ويدل عليه قوله: فإنّ الله يحب المتقين لال الحلبي: وهو تكلف لا حاجة إليه وقوله: الظاهر أنه لا عموم ليس بمسلم فإنّ ضمير بعهده إذا كان لله فالالتفات عن الضمير إلى الظاهر لإفادة لعموم كما هو المعهود في أمثاله واضافة لحهده إما للفاعل أو للمفعول، وقوله: يعم الوفاء وغيره توجيه لأنه لم يقل فإنّ الله يحب أأءس فين بالعهد والمتقين. قوله: (بما عاهدوا الله عليه (إشارة إلى أنه مضاف للمفعول وقوله:) بما يسرهم الخ (توجيه لنفي الكلام بأنّ المنفيّ الكلام السارّ فلا ينافي كلامه بغيره، أو المراد أاحطلق لسؤالهم في القيامة بواسطة الملائكة تحقيراً لهم، أو المراد بنفي الكلام نفي فائدته وثمرته فينزل منزلة المعدوم. قوله: (والظاهر أنه كناية عن غضبه عليهم) هذا جواب آخر عن نفي الكلام لكن ظاهره أيضا أنّ قوله ولا ينظر إليهم كناية فإن أراد أنه كناية لاقترانه بكناية أخرى، وان أراد أنه أريد به السخط كما أنّ المراد بما بعده ذلك، ولو مجازاً صح وإنما كان كناية لأنه يمكن أن يراد من عدم التكليم معناه الحقيقي فلا وجه للحكم بالمجازية فيه فإن لوحظ فيه قرينة مانعة عن إرادته صحت المجازية لكنها خلاف الظاهر، وفي الكشاف أصله فيمن يجوز عليه النظر الكناية لأنّ من اعتذ بالإنسان التفت إليه وأعاره عينيه، ثم كثر حتى صار عبارة عن الاعتداد والإحسان وان لم يكن، ثئم نظر ثم جاء فيمن لا يجوز عليه النظر مجرّداً لمعنى الإحسان مجازاً عما وقع كناية عنه فيمن يجوز عليه النظر، قال النحرير: يريد أن ترك النظر عند قرينة مانعة عن إرادة معناه الحقيقي يكون مجازاً عن الاستهانة والسخط كما أن النظر يكون مجازاً عن الإكرام والإحسان لكون النظر من لوازم الإحسان وتركه من لوازم الإهانة، ثم فرق بين استعمال النظر نفيا واثباتا في حق من يجوز عليه النظر أي تقليب الحدقة كالإنسان وبين من لا يجوز عليه كالباري وان كان بصيراً بمعنى أنّ له صفة البصر بأنه إذا استعمل فيمن يجوز عليه النظر وأريد الإحسان والإكرام فهو كناية حيث جاز إرادة المعنى الحقيقي بل ربما أريد لكن لا ليكون مناط الإثبات والنفي والصدق والكذب والأمر والنهي، ونحوه بل لينتقل عنه إلى معنى آخر وإذا استعمل فيمن لا يجوز عليه النظر فهو

стр. 815

مجاز لا غير لأن إرادة المعنى الحقيقي أو جواز إرادته شرط للكناية، وههنا العلم بامتناع النظر قرينة مانعة عن إرادته، وفي كلامه إشارة إلى أنه عند الكناية قد يتحقق المعنى الحقيقي ويراد لا قصداً إليه وقد لا يتحقق أصلا، وان جاز وما ذكره هنا يشكل بما ذكره في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ الرحمن على العرش استوى ونحو ذلك أنها كلها كنايات مع امتناع المعنى الحقيقيّ قطعاً فإن أجيب بأنّ إرادة المعنى الحقيقي لا تستلزم تحققه وهو ظاهر ولا يلزم منه الكذب لأنّ إرادته لا تكون على وجه القصد إليه إثباتاً ونفيا وصدقاً وكذبا بل لينتقل منه إلى المقصود، قلنا: وكذلك النظر في حق من يجوز عليه النظر يراد، ولا يتحقق فيكون كناية. وأمّا ما يقال: من أنه إذا أريد المعنى الحقيقي لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز بمعنى إرادة المعنى الحقيقي والمجازيّ، وهو ممتنع فمدفوع بأنّ ذلك إنما هو حيث يكون كل منهما مناط الحكم ومرجع الصدق والكذب ٠ وأمّا إذا أريد الأوّل لينتقل إلى الثاني فلا وصرّح في المفتاح بأنه في الكناية يراد معناها ومعنى معناها جميعاً، وفي الحقيقة معناها فقط وفي المجاز معنى معناها يعني الحقيقة الصريحة إلا فقد صرّح هو بأنّ الكناية حقيقة حيث قال: الحقيقة والكناية يشتركان في كونهما حقيقتين، ويفترقان في الصريح وعدمه، وبهذا يظهر أنّ الكناية ليست واسطة بين الحقيقة والمجاز بل نسما من الحقيقة وحيث يجعل واسطة يراد بالحقيقة الصريح منها، وأمّا عند الأصوليين فكل من الحقيقة والمجاز إن استتر المراد به فكناية والا فصريح وليست الكناية واسطة ولا داخلة في المجاز بناء على الاستعمال في غير الموضوع له على ما توهم. (أقول) ما ذكره من التناقض سبقه إليه غيره من الشراح، وأشار المحقق في الكشف إلى أنه لا تناقض فيه حيث قال: بعد سوق كلامه إنه تصريح بأنّ الكناية يعتبر فيها صلوح إرادة الحقيقة وان لم ترد وأن الكنايات قد تشتهر حتى لا تبقى تلك الجهة ملحوظة وحينئذ يلحقن بالمجاز، ولا تجعل مجازاً إلا بعد الشهرة لأنّ جهة الانتقال إلى المعنى المجازي أوّلاً غير واضحة بخلاف المعنى المكنى عنه، وقد سبق أن هذا الكلام منه يرفع ما توهم من المخالفة بين قوليه في جعل بسط اليد كناية عن الجود تارة، ومجازاً أخرى فتذكر يعني أنه إن تطع النظر عن المانع الخارجي كان كناية ثم ألحق بالمجاز فيطلق عليه أنه كناية باعتبار أصله قبل الإلحاق ومجاز بعده فلا تناقض بينهما كما توهموه، والعجب من الشارح في متابعة المعترض مع علمه بدفعه فتأمّل فقول المصنف إنه كناية عن غضبه عليهم لقوله الخ إن حمل على أنه فيهما كناية لا يخالف ما في الكشاف. قوله: (قيل إنها نزلت الخ) فالمراد بعهد الله ما عهده إليهم في التوراة من أمر النبيّ ﷺ وغيره، والثمن الرشوة وهذا أخرجه البخاري في صحيحه وغيره من حديث عبد الله بن أبي أوفى أنّ رجلاً أقام سلعة له في السوق فحلف بالله لقد أعطى بها ما لم يعطه ليوقع فيها رجلاً من المسلمين فنزلت هذه الآية وقوله: (في ترافع كان بين أشعث بن قيس ويهوديّ في بئر أو أرض وتوجه الحلف على اليهوديّ) أخرجه الستة عن ابن مسعود ﵁ وتعدد سبب النزول لا مانع منه كما مرّ. قوله: (يعني المحرّفين الخ) تفسير فريقاً لا. الضمير وحنى بالتصغير وأخطب بالخاء المعجمة أفعل من الخطب، وقوله: يقتلونها الفتل بالفاء والتاء الفوقية بمعنى الليّ، والصرف أي يفتلون الألسنة في القراءة بالتحريف في الحركات ونحوها تغييرا يتغير به المعنى ليحسب المسلمون أن المحرّف هو التوراة فيلتبس عليهم الأمر أو المراد يميلون ألسنتهم بشبه الكتاب أي مشابهه ولا فرق بين الوجهين في المعنى إذ ليس في الوجه الأوّل إلا إظهار المحرف وهو شبه الكتاب لكن المضاف المقدّر في الوجه الأوّل هو القراءة والباء للظرفية أو الاستعانة أو للملابسة والجار والمجرور حال من الألسنة أي ملتبسة بالكتاب، وضمير تحسبوه لما دل على الليّ من المحرّف، وفي الثاني شبه وضمير تحسبوه للشبه المقدر والباء صلة، وقيل للآلة وقوله: (وقرئ بلون الخ (هي قراءة مجاهد ﵀ بفتح الياء وضم اللام، وبعدها واو مفردة ساكنة بقلب الواو المضمومة همزة كما في وجوه وأجوه، ثم نقلت حركة الهمزة إلى اللام فحذفت لالتقاء الساكنين وقيل عليه لو نقلت ضمة الواو لما قبلها فحذفت لالتقاء الساكنين كفى في التوجيه فأقي حاجة إلى قلب الواو

стр. 816

همزة ورذ بأنه فعل ذلك ليكون على القاعدة التصريفية بخلاف نقل حركة الواو، وثم حذفها على ما عرف في التصريف، وفيه نظر لأنّ الواو المضمومة إنما تبدل همزة إذا كانت ضمتها أصلية فهو مخالف للقياس أيضاً نعم أنه قرئ يلؤن بالهمز في الشواذ، وهو يؤيده وعلى كل ففيه اجتماع إعلالين ومثله كثير، وأما جعله من الولي بمعنى يقرّبون ألسنتهم بميلها إلى المحرّف فقريب من المحرّف، وقوله: أو يعطفونها بشبه الكتاب من عطف الناقة بأن جذب زمامها ليميل رأسها والمراد الإبهام في الكلام أي كانوا يوهمون المسلمين أن ذلك من نفس الكتاب، والفرق بينهما أنهم على الأوّل يتركون النص ويقرؤون ما بذل، وعلى الثاني لا يتركونه بل يصحفونه بما يوهم خلاف المراد، وعلى هذا يكون كناية عن الخلط. قوله: (تثيد لقوله وما هو من الكتاب ا! خ (لأنّ إسناد كونه من عند الله إلى زعمهم يشعر أيضاً بأنه ما هو من الكتاب فمجموعه مؤكد له فلا وجه لما قيل إن التأكيد هو قوله: ﴿وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ﴾ وسوقه يقتضي أنّ مجموعه مؤكد فكأنه جعلهما خبرين وجعل وصف المجموع بوصف جزئه وقوله:) وتشنيع الخ) إشارة إلى أنه ليس المقصود به التأكيد فقط إذ لو كان كذلك لم يتوجه العطف لأنه لما كان الأوّل تعريضا، ، هذا تصريحا حصل بينهما مغايرة اقتضت العطف. قوله:) أي ليس هو نازلاً من عنده) يعني المقصود بالنفي نزوله من عند الله وهو أخص من كونه من فعله، وخلقه ونفي الخاص لا قتضي نفي العام فلا يدل على مذهب المعتزلة القائلين بأن أفعال العباد مخلوقة لهم لا لله وفعل العبد هنا هو التحريف ونحوه وقوله:) ويقولون الخ) تسجيل عليهم بأنّ ما اقترفوه عن عمد لا خطأ. قوله: (تكذيب الخ (أي لا ينبغي لبشر أن يأمر بغير عبادة الله فكيف بالنبيّء! الذي أوتي الحكم والنبوّة فما فعلتموه من عند أنفسكم، والحكم بمعنى الحكمة وفسرها الزمخشرقي لالسنة لأنها تالي الكتاب والسيد علم شخص من نصارى نجران. قوله: (معاذ الله أن يعبد) وقع ير الكشاف: " أن نعبد غير الله أو أن نأمر بعبادة غير الله " وهو أحسن طباقا لما سبقه لأن الكلام في نفي عبادة غير الله لا في نفي غير العبادة، وأجيب بأنّ المراد بغير عبادة الله عبادة غير كلبادة الله، أو غير عبادة الله عام، ونفيه جعل كناية عن نفي الخاص على طريق المبالغة وبهما وردت الرواية والأمر فيه سهل. قوله:) ولكن يقول الخ (لكن لإثبات ما نفي سابقا وهو القول المنصوب بأن فيقول هنا منصوب أيضاً عطفا عليه، ويصح رفعه عطفا على المعنى لأنه في معحى لا يقول، وقيل: يصح عدم تقدير القول على معنى لا تكونوا قائلين لذلك ولكن كونوا ربانيين أي مبلغين ما أتى من الرب وضمير يقول هنا لبشر والرباني منسوب إلى الرب كالهيئ والألف والنون تزاد في النسبة للمبالغة كثيرا كلحياني بكسر اللام عظيم اللحية ورقباني بمعنى عليظ الرقبة، وفسره بالكامل في العمل والعمل وقيل إنه سرياني، وقيل: إنّ ربان صفة لأ! طشان بمعنى مرب نسب إليه. قوله: (كونوا ربانيين الخ) أي كونوا منسوبين إلى الرب بالطاعة والعبادة بسبب علمكم أو تعليمكم ودراستكم لئلا تدخلوا تحت قوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ فالباء متعلقة بكونوا والمطلوب أن لا ينفك العلم عن العمل إذ لا يعتدّ بأحدهما بدون الآخر. قوله:) عطفاً على ثم يقول الخ) أي على يقول في، ثم يقول ففيه تسمح وجعله بعضهم عطفاً على يؤتيه ولا مزيدة وعلى عطفه على يقول والزيادة المعنى ما كان لبشر أن يؤتيه الله ذلك ويرسله للدعوة إلى اختصاصه بالعبادة وترك الأنداد ثم يأمر الناس بأن يكونوا عباداً له ويأمركم أن تتخذوا الملائكة النبيين أربابا كقولك ما كان لزيد أن أكرمه ثم يهينني ولا يستخف بي أو غير مزيدة لأنه ﷺ كان ينهي عن عبادة الملائكة والمسيح وعزير عليهم الصلاة والسلام فلما قيل له أنتخذك رباً قيل لهم ما كان لبشر أن ينبئه الله ثم يأمر الناس بمبادنه وينهاكم عن عبادة الأنبياء والملانكة وقوله: بل ينهي إشارة إلى أن المقصود من عدم الأمر النهي وان كان أعمّ منه لكونه أمس بالمقصود وأوفق للواقع. قوله: (وهو أدنى من العبادة) ضمير هو للاتخاذ أو للأمر بالاتخاذ، وأدنى بمعنى أقرب أفعل تفضيل من الدنو فإن من يريد أن يستعبد شخصاً يقول له: ينبغي أن تعبد أمثالي وأكفائي، وقيل: أدنى بمعنى أنزل وأقل من العبادة

стр. 817

لأنّ الاتخاذ رباً لا يستلزم العبادة بالفعل، وفي بعض النسخ وهو نهي عن العبادة أي النهي عن الاتخاذ ربا او عدم الأمر نهي عن العبادة فتأمل. قوله:) ورفعه الباقون الخ) في الكشاف الرفع على ابتداء الكلام أظهر وتنصرها قراءة عبد الذ " ولن يأمركم " ووجهت الأظهرية بأنها خالية عن تكلف جعل عدم الأمر بمعنى النهي وبأن العطف يستدعي تقديمه على لكن وكذا الحالية أيضاً، والمراد بالبشر بشر النكرة السابق، فالإنكار عامّ وإنما عرّفه لسبق ذكره. قوله: (دليل على أنّ الخطاب للمسلمين) يعني هذه الفاصلة ترجح القول بأنها نزلت في المسلمين القائلين أفلا نسجد لك لا في أبي رافع والسيد بناء على الظاهر، وان جاز أن يقال للنصارى أنأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون أي منقادون مستعدّون لقبول الدين الحق إرخاء للعنان واستدراجا، ولبعض أرباب الحواشي هنا كلام لا علانل تحته رأينا تركه خيرأ من تكثير السواد برذه. قوله:) قيل إنه على ظاهره الخ الما كان الله لحهد إلى جميع خلقه بالإيمان سواء الأنبياء وغيرهم احتاج التخصيص إلى التوجيه فوجه بوجوه. حها ما ذكره المصنف وهو أنّ غيرهم معلوم بالطريق الأول أو أنه من الاكتفاء وهو قريب من هدا، أو أنه مصدر مضاف إلى الفاعل أي الميثاق الذي وثقه النبيون على أممهم، أو هو على حذف مضاف أي أمم النبيين أو أولاد النبيين، والمراد بهم بنو إسرائيل لكثرة أولاد الأنبياء فيهم! ، نّ السياق في شأنهم، وأمّا إنّ المراد بأولاد الأنبياء أولاد آدم والأنبياء عليهم الصلاة والسلام ءكأ تسلمه ليعم فخلاف الظاهر، فلذا لم يذكروه مع أنّ قراءة ابن مسعود ﵁ ميثاق الذين أوتوا الكتاب تدل على تعينه كما أشار إليه في الكشاف، وأمّا أنه سمى بني إسرائيل نبيين لهكماً بهم فلا قرينة عليه، ولذا أخره المصنف ﵀ لبعده، أو المراد واذ أخذ الله ميثاقا مثل ميثاق النبيين أي ميثاقا غليظا ثم جعل ميثاقهم نفس ميثاقهم بحذف أداة التشبيه مبالغة، ومن الغريب ما قيل: إق الإضافة للتعليل لأدنى ملابسة كأنه قيل واذ أخذ الله الميثاق على الناس لأجل النبيين، ثم بينه بقوله: لما آتيتكم الخ، ولم نر من ذكر أنّ الإضافة تفيد التعليل في غير ثلامه. قوله: (واللام في لما موطئة الخ) اللام الموطئة وتسمى اللام المقرونة هي من قولهم وطؤ الموضع يوطأ وطأ صار وطيئاً أي سهل المشي فيه، ووطأته أنا توطئة فهذه اللام كأنها وطأت طريق القسم أي سهلت تفهم الجواب على السامع، وعرّفها النحاة بأنها اللام التي تدخل على الشرط سواء إن وغيرها لكنها غلبت في إن بعد تقدم القسم لفظا أو تقديراً لتوذن أن الجواب له لا للشرط، كقوله: لئن أكرمتني لأكرمنك، ولو قلت: أكرمك أو فإني أكرمك أو ما أشبهه مما يجاب به الشرط لم يجز صرح به ابن الحاجب وليس هذا متفقا عليه فإنّ الفراء خالف فيه فجوّز أن يجاب الشرط مع تقدم القسم عليه لكن الأوّل هو الصحيح، وكونها يجب دخولها على الشرط هو المشهور وخالف فيه بعض النحاة، وقال الزمخشري: إنه لا يجب دخولها على كلمة المجازاة صرح به في سورة هود في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كُلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ ! يمن قرأ بالتخفيف ونقله الأزهري عن الأخفش وانّ ثعلباً غلطه فيه فهذا يدل على أن ما أشترطوا فيها غير متفق عليه. قوله: (ساد مسد جواب القسم والثرط الخ (فيه تسمح لأنه جواب القسم لكنه لما دل على جواب الشرط جعله سادّاً مسده لدلالته عليه وايجاد معناهما وإلا فجواب القسم لا محل له وجواب الشرط له محل فيتنافيان، ولا حاجة إلى أن يقال أنّ الجملة الواحدة قد يحكم عليها بالمحلية وعدمها باعتبارين وعلى جعلها موصولة فقد دخلت اللام الموطئة على غير الشرط ولا إشكال فيه كما مرّ فإنّ من النحاة من جوّزه كما أن منهم من أطلق على لام الجواب موطئة تسمحاً والأمر فيه سهل لكن على القول بأنها تدخل على غير الشرط هل يشترط مشابهته له كما الموصولة أو لا كما الزائدة في إنّ كلا لما ليوفينهم ظاهر كلام المغني وبعض الثراج هنا يشعر بالأوّل، وقوله: وتحتمل الخبرية المراد ما يقابل الجزائية أو الموصولية الاسمية أو الحرفية، وورد في كلامهم بهذا المعنى فلا يقال إنه لم يسمع ما الخبرية، وعلى الموصولية فهي مبتدأ والخبر إمّا مقدر أو جملة لتؤمنن، وأورد عليه أنّ الضمير

стр. 818

في به إن عاد إلى المبتدأ على ما هو الظاهر كان الميثاق هو إيمانهم بما آتاهم والمقصود من الآية أخذ الميثاق بالإيمان بالرسول عش! هـ ونصرته وان عاد إلى الرسول لمجب خلت الجملة التي هي خبر عن العائد إلا أن يقدر، ويدفع بما قاله الإمام السهيلي: في الروض الأنف إن ما مبتدأ بمعنى الذي والخبر لتؤمنن به ولتنصرنه وان كان الضميران عائدين على رسول ولكن لما كان الرسول مصدقا لما معكم ارتبط الكلام بعضه ببعض واستغنى بالضمير العائد على الرسول عن ضمير يعود على المبتدأ، وله نظائر في التنزيل وهذا بناء على مذهب الأخفش كما مرّ تحقيقه في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٣٤] ) وجاءكم الخ) معطوف على الصلة والرابط ما معكم أو مقدّر أيضاً. قوله: (أي لأجل إيتاتي إياكم بعض الكتاب الخ) إشارة إلى أن من تبعيضية وهي على الموصولية والشرطية بيانية، وظاهره أنّ اللام متعلقة بقوله: لتؤمنن مع أنّ لام القسم لا يعمل ما بعدها فيما قبلها فقيل إنّ الزمخشريّ يرى جوازه، وقيل: هو بيان للمعنى: وأما بحسب اللفظ متعلق بأقسم المحذوف، وقوله: مصدق له إشارة إلى أنّ ما معكم بمعنى الكتاب أو بعضه وأنه هو القائم مقام العائد في الموصولية. قوله: (وقرئ لما بمعنى حين الخ) هذه قراءة سعيد فلا وجه لما قيل إن صحت ولما إمّا ظرفية وجوابها مقدر من جنس جواب القسم كما ذهب إليه الزمخشرقي أي لما آتيتكم بعض الكتاب والحكمة ثم جاءكم رسول مصدق، وجب عليكم الإيمان به ونصرته وقدره ابن عطية ﵀ من جن! ما قبلها أي لما كنتم بهذه الحال رؤساء الناس وأماثلهم أخذ عليكم الميثاق وكذا وقع في تفسير الزجاج ومآل معناها للتعليل أيضاً أو أصله لمن ما فأدغمت النون في الميم بعد قلبها ميماً فحص ثلاث ميمات فخفف بحذف إحداها، والمحذوف أما الأولى أو الثانية لأنّ بها الثقل ولذا رجحه أبو حيان، ومن مزيدة في الإيجاب على رأي الأخفش عند ابن جني وتعليلية وهو الأصح لاتضاح المعنى عليه وموافقته لقراءة التخفيف، واللام إمّا زائدة أو موطئة إن لم يشترط دخولها على أداة الشرط، وقوله: استثقالاً مفعول لأجله لأنه الباعث على ذلك أو التقدير لإزالة الاستثقال. قوله تعالى: ﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ﴾ الآية) هو بيان لأخذ الميثاق دماذ متعلقة به أو بمقدر أي اذكر، وقيل العامل فيه اصطفى فيكون معطوفا على إذ المتقدمة، والإصر بالكسر العهد وأصله من الإصار وهو ما يعقد به ويشد، وبالضم لغة فيه كناقة عبر أسفار بالضم والكسر بمعنى أنه لا يزال يسافر عليها وهو يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، أو هو بالضم جمع إصار، وهو ما يشد به استعير للعهد وقوله: فليشهد بعضكم أي المقر بعضهم والشاهد بعض آخر لئلا يتحد المشهود عليه والشاهد. قوله:) وأنا أيضاً على إقراركم الخ) هذا بيان لمحصل المعنى لأنه لا بد في الشهادة من مشهود عليه وهو الإقرار هنا فلا وجه لما قيل إنّ الصواب، وأنا معكم من الشاهدين وأق هذا تفسير لما في سورة اقترب ﴿وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [سورة الأنبياء، الآية: ٥٦] وتفسر الفاسقين بالمتمردين لأنّ أصل معنى الفسق الخروج وهو قريب من التمرد. قوله: (عطف على الجملة المتقدّمة الخ) المراد بالجملة مجموع الشرط والجزاء، وقي! قوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ قال ابن هشام: الأوّل هو مذهب سيبويه ﵀ وهو الأصح وحذف الجملة لا داعي إليه والهمزة مقدمة من تأخير للدلالة على أصالتها في الصدارة. قوله: (وتقديم المفعول لأنه المقصود الخ) أي لا للحصر كما توهم لأنّ المنكر اتخاذ غير الله ربا ولو معه، ودعوى إنه إشارة إلى أن دين الله لا يجامع دين غيره في الطلب تكلف فالمقام يقتضي إنكار اتخاذ المعبود من دون الله ليكون الدين كله لله بدليل قوله: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ فوجب لذلك التقديم، وما قيل عليه إنّ الإنكار لا يتوجه إلى الذوات وإنما يتوجه إلى الأفعال وهو الابتغاء هنا وإنما قدم للفاصلة ليس بشيء وقوله: على تقدير، وقل لهم أي قل لهم أتتولون أو أتفسقون وتكفرون فتبغون غير دين الله ومن جعله التفاتا لم يقدره، وقوله: لأنه المقصود الخ لا ينافي التقدير لا! الإنكار منسحب عليه فتأمل. قوله:) طائعين بالنظر الخ (إشارة إلى أنه حال وقيل. إنه منصوب على المصدرية من غير لفظه لأن أسلم بمعنى انقاد وأطاع

стр. 819

وفيه نظر لأنه ظاهر في طوعا لموافقة معناه ما قبله لا في كرها، والقول بأنه يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل غير نافع، وقد يدفع بأنّ الكره فيه انقياد أيضاً يقال طاع يطوع وأطاع يطيع بمعنى، وقيل؟ طاعه يطوعه انقاد له وأطاعه بمعنى مضى لأمره، وطاوعه بمعنى وافقه، وقرأ الأعمش كرها بالضم وجملة وله من في السموات جملة حالية أيضا أي كيف تبغون غير دينه والحالة هذه، وعلى هذا التفسير المراد بمن في السموات والأرض الناس فلا يرد عليه أنه لا وجه لحصر سبب الإسلام طوعا في النظر، واتباع الحجة لأنه يكون بسبب هدايته ومشاهداته عندهم كما في الملائكة أو المراد أولو العلم مطلقاً وليس المراد بالنظر الاستدلال بل العلم مطلقا فيشمل ما يحصل بالمشاهدة فتأمل. قوله: (كنتق الجبل) أي رفعه فوقهم من نتق الشيء جذبه ونزعه حتى يسترخي كنتق عري الحمل، ومنه استعير امرأة ناتق أي ولدها كثير، وزند ناتق أي وار. قوله: (أو مختاربن الخ) هذا تفسير آخر فالمراد بالطوع الاختيار وبالكره التسخير فهم مسخرون لحكم القضاء، وما أراد الله بهم فالكفرة مسخرون لإرادة كفرهم إذ لا يقع ما لا يريده، وهذا لا ينافي الجزء الاختياري حتى لا يكون لهم اختيار في الجملة فلا يرد أنّ الكفرة لو لم يكونوا مختارين لم يتوجه تعذيبهم على الكفر، والمؤمنون والملائكة لا يفعلون أيضا إلا ما قضى عليهم فلا فرق وأنه ذهب إلى مذهب الجبرية، والحاصل أنّ الانقياد هنا إمّا لأمره وهو إمّا بالطوع مطلقا أو النظر والحجة بناء على الأغلب أو لإرادته وكونه على وفقها والمؤمن ينقاد لإرادة الله إيمانه باختياره لأنّ الله أمره به فاتبعه راشداً مهدياً تابعاً للأرجح والكافر منقاد لإرادته كفره لما خلقه عليه من حيث جبلته الذي هو كالقاسر له على مخالفة الأمر واتباع المرجوح فتأمل. قوله: (وإليه ترجعون) جوز فيه أن يكون جملة مستأنفة للأخبار بما تضمنته من التهديد أو معطوفة على وله أسلم فهي حالية أيضاً وقرأ عاصم بياء الغيبة والضمير لمن أو لمن عاد عليه ضمير يبغون، فإن قرئ بالخطاب فهو التفات وقراءة الباقين بالخطاب، وهو عائد لمن عاد إليه ضمير يبغون فعلى الغيبة فيه التفات أيضاً. قوله: (أمر للرسول ﷺ الخ) يعني ضمير آمنا للرسول والأمة والقرآن نازل عليهم لا على الرسول فقط أو على الرسول كما هو الظاهر، وهو نازل عليه وحده ولكن نسب إلى الجمع ما هو منسوب لواحد منه مجازاً كما في بنو فلان قتلوا قتيلا لكون بين أظهرهم، ونفعه وأصل إليهم أو النون نون العظمة لا ضمير الجماعة. قوله: (والنزول كما يعدى بإلى الخ) فلا فرق بينهما إلا بالاعتبار وفرق الراغب ﵀ بأنّ ما كان واصلاً من الملأ الأعلى بلا واسطة كان لفظ على المختص بالعلو أولى به وما لم يكن كذلك كان لفظ إلى المختص بالإيصال أولى به، وهذا كلام في الأولوية فلا يرد عليه قول الزمخشري إنه تعسف وقيل أنزل عليه يحمل على ما أمر المنزل عليه أن يبلغه غيره، وأنزل إليه يحمل على ما خص به نفسه لأنه إليه انتهى الإنزال وعليه قوله تعالى: ﴿أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [سورة العنكبوت، الآية: ٥١] ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ [صورة النحل، الآية: ٤٤] وفيه نظر فالتحقيق عدم الفرق كما ذهب إليه العلامة وقوله: (وإنما قدم الخ) أي لما كان معرّفا له ومصدقاً لما فيه ومعرفة المعرف تتقدم على معرفة المعرف قدم عليه أو لتعظيمه والاعتناء به، وقوله: (بالتصديق الخ) إشارة إلى جواز التفريق بغيره كالتفضيل، وقوله: منقادون الخ تفسير للإسلام المعدى باللام والأوّل مبني على إن نحن عبارة عما يعمّ المسلم والكافر، والثاني بناء على تخصيصه بالمسلمين. قوله:) الواقعين في الخسران الخ) إشارة إلى أنه نزل منزلة اللازم فترك مفعوله وقوله: بإبطال الفطرة أي الجبلة إشارة إلى أنّ الخسران وزوال الربح باعتبار ما جبل عليه فكأنه ضيع رأس ماله لأنّ كل مولود يولد على الفطرة فهو قريب من المكنية. قوله: (واستدل به الخ) قيل عليه إن الإسلام هو التوحيد والانقياد كما سبق، وهذا مشتمل على الإيمان بالله وكتبه ورسله مقيداً بالاستسلام فينبغي أن يحمل عليه ودينا تمييز للإسلام ومبين له كما حمل عليه في قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ١٩] فلا حاجة إلى ما ذكره من الجواب فتأمل. توله: (استبعاد لأن يهديهم) أي يدلهم دلالة موصلة لا مطلق الدلالة ولذا فسره في الكشاف بيلطف بهم

стр. 820

والحائد بالحاء والدال المهملتين بمعنى المائل المعرض عنه والمقصرد من الإنكار التقريع والتوبيخ فلا يدل على عدم التوبة. قوله:) وشهدوا عطف على ما في للمانهم من معنى الفعل الأن إيمانهم بمعنى آمنوا، والظاهر أنه عطف على المعنى كما في قوله: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ﴾ لا على التوهم كما ذكره المصنف ﵀ ثبعا للزمخشريّ كما في قوله فأصدق وأكن بالجزم على توهم سقوط الفاء لأنها لو سقطت انجزم في جواب شرط، مفهوم مما قبله أي إن أخرتني كما سيأتي في سورة المنافقين لا لأن التوهم لا يليق به تعالى لأنه صار كالعلم على هذا النوع من العطف بل لأنه هو الموافق للواقع والتأويل، ويجوز أن يؤوّل الثاني بالاسم بأن يجعل شهدوا بمعنى الشهادة بتقدير أن كما قاله الراغب: وأما عطفه على كفروا وان كان هو الظاهر فلم يلتفتوا إليه لفساد المعنى إذ يكون صفة قوما ويكون هو المنصرف إليه الإنكار وهو غير صحيح فإن قلت العطف بالواو لا يقتضي الترتيب فليكن المنكر الشهادة المقارنة بالكفر أو المتقدمة عليه قلت هذا هو معنى العطف على الإيمان والحالية وهي هنا أولى وأظهر فيقدر فيه قد، وقيل لأن الظاهر تقييد المعطوف بما قيد به المعطوف عليه وشهادتهم هذه لم تكن بعد إيمانهم بل معه أو قبله، وهو غير مسلم لأنه لا يلزم تقييد المعطوف بما قيد به المعطوف عليه، ولو قصد ذلك لآخر وقيل لأنهم ليسوا جامعين بين الكفر والشهادة وردّ بالمنع بل هم جامعون وان لم يكن ذلك معا ألا ترى أنه صح جعله حالاً وأما جعله معطوفاً عليه وإنه في المنافقين فخلاف المنقول والمعقول. قوله: (وهو على الوجهين دليل الخ (أي على العطف المذكور والحالية ووجه الدلالة ما يقتضيه الظاهر من تغاير المعطوف والمعطوف عليه، وعلى الثاني خلو ذكره عن الفائدة وفيه نظر ظاهر ولذا قيل يجوز أن يراد بالإيمان الإيمان بالله تعالى بقرينة ما بعده مع أنّ الإقرار باللسان خارج عن حقيقة الإيمان المصطلح عند أهل الشرع، وليس هذا مما يقبل النزاع. قوله: (الذين ظلموا أنفسهم الخ (يعني المراد بالظلم الكفر، ويحتمل أن يراد مطلق الظلم فيدخل فيه الكفر دخولاً أوّليا واسم الإشارة المشار به للذوات مع الصفات المشعر بكونها علة للعن ينتفي بانتفائها وما ذكر من الأوصاف يقتضي بعدهم عن الرحمة والفرق بينهم وبين غيرهم حتى خص اللعن بهم، والناس حينئذ أمّا المؤمنون لأنهم هم الذين يلعنون الكفرة أو المطلق لأن كل أحد يلعن من لم يتبع الحق وإن لم يكن غير متبع بناء على زعمه وضمير فيها لما ذكر، ولا يأباه قوله: ولا يخفف عنهم العذاب كما توهم، ومعنى لا ينظرون لا يمهلون أو لا ينظر إليهم ويعتذ بهم. قوله:) وأصلحوا ما أفسدوا الخ) يعني أنه متعد مفعوله ما ذكر أو لازم بمعنى دخلوا في الصلاح، قيل وهو أبلغ قال النحرير: يعني أن مجرّد الندم على ما مضى من الرذة والعزم على تركه في الاستقبال غير كاف فلا تدارك لما أخلوا به من الحقوق، وقيل عليه إن مجزد التوبة يوجب تخفيف العذاب ونظر الحق إليهم فالظاهر أنه ليس تقييدا بل بيانا لأن يصلح ما فسد، وليس بوارد لأن مجرد الندم والعزم على ترك الكفر في المستقبل لا يخرجه منه فهو بيان للتوبة المعتد بها فالمآل واحد عند التحقيق. قوله: (قيل إنها نزلت في الحرث الخ) فأرسل إلى قومه أن يسألوا وفي نسخة إن اسألوا وجلاس كغراب بالضم واللام والسين المهملة صحابي، وفي شروح الكشاف إنه نقل تشديد لأمه أيضا وهو مخرج من النسائي عن ابن عباس ﵄ وريب المنون حوادث الدهر والموت وقوله: (بإظهاره (أي بإظهار الإيمان أو بإظهار إتباعه. قوله: الأنهم لا يتوبون الخ (لما كان هذا ينافي قبول توبته المقرر في الشرع وقوله: قبيلة إلا الذين تابوا أوله بأنه من قبيل: ولا ترى الضب بها ينجحر أي لا توبة لهم حتى تقبل لأنهم لم يوفقوا لها أو هو من قبيل الكناية دون المجاز حيث أريد باللازم معناه لينتقل منه إلى الملزوم، أو المراد لهم توبة غير مقبولة في الإشراف على الهلاك ومثلها عرف عدم قبوله وما مرّ خلافه، أو لكونها ليست مطابقة لما في قلوبهم بل نفاقا لما مرّ عنهم من قولهم ننافقه، وقوله: أشرفوا وفي نسخة أشفوا والأشفاء الإشراف، وحقيقته من أشفى صار ذا شفى لأن من كان على حالة ثم أشرف على ما ينافيها فقد بلغ شفى

стр. 821

الحالة الأولى أي حدها وطرفها وتعديته بعلى لما فيه من معنى الاطلاع، وقوله: فكنى الخ بيان للأوّل. قوله: (ولذلك لم تدخل الفاء فيه) في الكشاف فإن قلت: لم قيل في إحدى الآيتين لن تقبل بغير فاء، وفي الأخرى فلن يقبل قلت قد أوذن بالفاء أنّ الكلام بني على الشرط والجزاء، وأنّ سبب امتناع قبول الفدية هو الموت على الكفر وبترك الفاء أنّ الكلام مبتدأ وخبر ولا دليل فيه على التسبيب كما تقول الذي جاءني له درهم لم تجعل المجيء سبباً في استحقاق الدرهم بخلاف قولك فله درهم انتهى، وحاصله ما ذكره المصنف ﵀ وهو أنّ الصلة في الأوّل الكفر، وازدياده وهو لا يترتب عليه عدم قبول التوبة بل على الموت عليه إذ لو وقعت لقبلت أو على عدم مصادفة زمانها أو عدم إخلاصه فلذلك أوّل كما مرّ بخلاف الموت على الكفر فإنه يترتب عليه ذلك، ولذلك لو قال من جاءني له درهم كان إقراراً بخلاف ما لو قرنه بالفاء وهي مسألة معروفة، فمان قيل: أليس ترتب الحكم على الوصف دليلا على السببية قيل ليى هذا بلازم فإنّ التعبير بالموصول قد يكون لإغراض! كالإيماء إلى تحقق الخبر كما فصل في المعاني، وقوله الثابتون على الضلال أخذ الثبوت من التعبير بالاسمية ومنهم من فسره بالكاملين في الضلال، وبهما يتضح الحصر لأن الضلال يوجد في غيرهم أيضا وملء بالفتح مصدر ملأه ملأ وبالكسر مقدار يملأ به، وقراءة رفع ذهب إنا على البدلية منه أو عطف بيان وعبر عنه بالردّ الزمخشرفي، وهو معروف في التبعية عنده قيل ولا بد من تقدير وصف ليحسن البدل ولا دلالة عليه ولم يعهد بيان المعرفة بالنكرة، وجعله خبر مبتدأ محذوف إنما يحسن إذا جعلت الجملة صفة أو حالاً ولا يخلو عن ضعف يعني، وصف المعرفة بالجملة على حد قوله: ولقد أمرّ على اللئيم يسبني واذا جعلت حالاً بدون الواو ففيه أيضا ما مرّ. قوله: (محمول على المعنى كأنه قيل الخ ( لما كانت الواو المصاحبة للشرط تستدعي شرطا آخر يعطف عليه معنى والاستعمال فيه على أن يكون المذكور منبهاً به على المحذوف لكونه يعلمه بالطريق الأولى كما في أحسن إلى زيد ولو أساء، وهنا بحسب الظاهر ليست كذلك لأن هذه الحالة أجدر بقبول التفدية من سائر الحالات إذ ليس الفدية وراءها حالة أخرى أولى منها بالقبول وحاصله أنّ الواو الوصلية تقتضي كون نقيضى الشرط أولى بالجزاء، أجيب عنه بوجوه الأوّل أنّ عدم قبول ملء الأرض كناية عن عدم قبول فدية ما لأنه غاية الفدية فجعل عبارة عن جميعها فلا يرد عليه ما قيل إنه لا دلالة للكلام عليه، وضمير به لحقيقة ملء الأرض فيصير المعنى لا يقبل منه فد. ية ولو افتدى بملء الأرض ذهبا، والثاني أنّ المراد ولو افتدى بمثله معه كما صرّح به في تلك الآية فالمعنى لا يقبل ملء الأرض! فدية ولو زيد عليه مثله، قيل: والمراد أنّ الباء بمعنى مع ومثل يقدر بعده أي مع مثله ولا يخفى بعده، وبهذا التقرير علمت أنه لا وجه لما قاله أبو حيان ومن تبعه من أنه لا حاجة إلى تقدير مثل وأنّ الزمخشريّ تخيل أن ما نفى أن يقبل لا يمكن أن! ط ي ب فاحتاج إلى إضمار مثل حتى يتغايرا وليس كذلك، والثالث أن لا يحمل ملء الأرض أوّلاً على الافتداء بل على التصدق ولا يكون الشرط المذكور من قبيل ما يقصد به تأك! د الحكم السابق بل يكون شرطا محذوف الجواب ويكون المعنى لا يقبل منه ملء الأرض ذصبا تصدق به ولو افتدى به أيضا لم يقبل منه وضمير به للمال من غير اعتبار وصف التصدق، وقيل: إنّ المراد من افتدى به بذله أي لو أقرّ به ولو بذله وإذا لم ينفع البذل علم عدم نفع كيره بالأولى وتبل إنّ الواو زائدة كما قرئ به في الشواذ، ولو قيل: إنّ لو ليست وصلية بل للشرط وجوابه فوله: أولئك الخ أو هو ساد مسد الجواب لكان قريباً قيل وقوله: والمثل يحذف ويراد ا! خ يراد من الإرادة أي أنه لكون مثل الشيء وهو في حكم شيء واحد صح حذفه واقامته مقامه وحمله عليه، وأما جعله مقحما على أنّ يزاد من الزيادة فبعيد وكون من المزيدة النفي ل! لاستغراق سواء دخلت على مفرد نحو ما جاءني من أحد أو جمع كما هنا مقرر في العربية فلا وجه للاعتراض على المصنف بأنه مخصوص بالمفرد كما قيل. قوله: (أي لن تبلنوا حق! قة البرّ الخ) البرّ بكسر الباء الإحسان وكمال الخبر وبالفتح صفة منه، وتبلغوا تفسير لتنالوا وحقيقة البر إشارة إلى أنّ التعريف

стр. 822

للجنس فيكون التركيب كناية عن كون فاعله باراً، ولذا فسره الزمخشرفي بلن تكونوا أبرارا فنيله البر يدل على البلوغ إليه والبلوغ إليه يدل على كونه باراً كقول الخنساء: وما بلغت كف امرئ متناولاً من المجد إلا والذي نال أطول أي أنه ماجد فاق كل ماجد أو تعريفه للعهد والمراد بر الله لهم كالرحمة ونحوها، وهو تفسير ابن عباس ﵄. قوله:) أي من المال الخ) قدّمه لأنه الظاهر من الإنفاق وعلى الثاني يتجوّز فيه، وقوله:) روي الخ) رواه الشيخان والنسائيّ وبيرحا روى بكسر الباء وفتحها وفتح الراء وضمها والمد والقصر، وهو اسم بستان وحديمته بالمدينة المنوّرة وكانوا يسمون الحدائق آباراً، وفي الفائق إنها فيعلى من البراج وهو الأرض الظاهرة، وقيل أضيفت إلى حا وهو قبيلة من مذحج أو اسم رجل، واعلم أنّ لبعض علماء اليمن في هذه اللفظة رسالة مستقلة حاصلها أنهما اسمان جعلا اسما واحداً مبنيا مفتوج الراء فيه همزة بعد حاء وهو اسم مكان، وروي بكسر الباء وفتحها، وقال المنذري: إنه اسم موضع بقرب المسجد، وقيل حا اسم ينسب إليه البير وروي مثلث الراء معربا، والأقرب أنه كحضرموت فيضات ويعرب بالوجوه الثلاثة أو يبنى ويجوز صرفه وعدمه ومده وهمزه، وحا اسم حيّ أو رجل، وقيل اسم صوت تزجر به الإبل إلى آخر ما فصله وقوله: بخ بخ كلمة استحسان ومدح وكررت للتأكيد وهما مسكنان ومكسوران منونان مع التخفيف والتشديد، ويقال: عند الرضا والإعجاب والفخر وقوله: ذلك مال رائح من الرواج مقابل الغدو ويشهد له قولهم، والمال غاد ورائح وهو حث على الإنفاق وفعل الخير إذ لكل ممسك تلف وقيل معناه تروح إليه وتغدو لقربه من البلد، وروي رابح بال! اء الموحدة أي إنفاقه ربح له لبقاء ثوابه وتضاعفه عند الله وقوله: رائح أو رابح إشارة! إلى الوجهين وأو للشك من الراوي ومن جوّز فيه أن يكون بالجيم من الرواج فقد خالف الرواية وقوله: (وجاء زيد الخ) رواه ابن المنذر وابن جرير مرسلاً، وقوله: وذلك أي الحديث وأقرب الأقارب الولد لأن أسامة بن زيد ودلالة الحديث على المستحب ظاهرة فيعلم منه الواجب بالضرورة، وقوله: ويحتمل التبيين والتقدير حينئذ شيئاً مما تحبون، وذلك الشيء بعض ما تحبون فلا يخالف تلك القراءة معنى فلا يرد ما قيل إنّ من البيانية ظرف مستقز صفة نكرة أو حال عن معرفة، ولا يظهر هنا إلا بحذف مفعول تنفقوا على أحد الوجهين وهو تكلف ظاهر. قوله:) من أيّ شيء (التعميم مستفاد من النكرة بعد الشرط ولذا بين اسم الشرط ولم يطلق لئلا يصرف إلى ما يحبونه وقوله: ﴿فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ فيه إشارة إلى الحث على إخفاء الصدقة. قوله: (أي المطعومات والمراد كلها) جعله بمعنى الجمع لأنّ كل المضافة للمفرد المعرفة لعموم الأجزاء وهو أيضا مصدر منعوت به معنى فيستوي فيه الواحد المذكر وغيره، كما في قوله: حلا وإنما ذكره ثمة لأنه وقع موصوفا به صريحا لكونه خبرا ومنه يعلم حال هذا، والاستواء المذكور هو الأصل المطرد فلا ينافيه قول الرضى: إنه يقال رجل عدل ورجلان عدلان رعاية لجانب المعنى، وقيل: إنه إذا جعل الطعام بمعنى المطعومات أفاد الاستغراق كما هو شأن الجمع المعرّف باللام فكل للتأكيد وإنما قال أكلها لفهمه من الطعام بمعنى المطعوم ولئلا يتوهم أن المراد إنفاقه بقرينة ما قبله، ومناسته لما قبله لأنّ الأكل إنفاق مما يحب لكنه على نفسه. قوله: (كان به عرق النسا الخ) هذا حديث أخرجه الحاكم وغيره عن ابن عباس ﵄ (بسند صحيح، والئسا يوزن العصا عرق في باطن الفخذ إلى القدم مقصور واويّ أو يائي وأنكر قوم من أهل اللغة إضافة العرق إليه وجوّزه آخرون لأنه من إضافة العام إلى الخاص مع اختلاف لفظيهما، وقيل النسا الفخذ وأنشدوا: لما رأيت ملوك كندة أصبحت كالرجل خان الرجل عرق نسائها وروي في الحديث أنّ يعقوب ﵊ كان به عرق النسا وجمعه أنساء ثم أنه صار في العرف عبارة عن وجع يمتد من الورك من خلف وينزل إلى الركبة، وربما بلغ إلى الكعب وهو المراد هنا فهو اسم مرض! معروف، وذلك إشارة إلى ما ذكر من لحوم الإبل وألبانها، وقوله: وقيل فعل ذلك للتداوي

стр. 823

بإشارة الأطباء أي رأيهم والمراد بالتحريم الامتناع. قوله: (واحتج به الخ) هذه مسألة معروفة في الأصول وقوله: (وللمانع الخ الا يخفى أنه مخالف لظاهر لفظ النظم. قوله: (مشتملة على تحريم الخ) إشارة إلى أنه متعلق بحرم وفائدته بيان أنه مقدم عليها وأنّ التوراة مشتملة على محرّمات أخر حدثت عليهم حرجا وتضييقا فلا يرد ما قيل إنه لا تظهر فائدة في التقييد فإنّ تحريم إسرائيل لا يتصوّر بعد نزول التوراة وإنه قيد للحل فحيسئذ يلزم قصر الصفة قبل تمامها إلا أن يقال هو متعلق بمحذوف. قوله: (نعى عليهم الخ) أصل النعي رفع الصوت بذكر الموت ونعى عليه هفواته شهره بها. قال الأزهريّ: فلان ينعي على نفسه بالفواحش أي يشهرها بتعاطيها ونعى فلان على فلان أمراً إذا أظهره. وقال ابن الأعرابي: الناعي المشنع يقال نعى عليه أمره إذا قبحه وهو المراد هنا وفيه نكتة بليغة، وهو الإشارة إلى أنهم أهلكوا أنفسهم بما فعلوا، وقوله: وفي منع النسخ معطوف على قوله في دعوى البراءة، ووجه ظاهر إذ تحريم ما كان حلالاً لا يكون إلا بالنسخ والطعن معطوف على النسخ وقوله بهتوا مجهول أي سكنوا ولم يجسروا أو يجترؤوا من الجراءة أو الجسارة، ووجه الدليل علمه ﷺ بما في التوراة وهو لم يقرأها ومثله لا يكون إلا بوحي. قوله: (ابتدعه) أي اخترع الكذب والافترأء المذكور، فمن عبارة عنهم، وبحتمل التعميم فيدخلون فيه دخولاً أولياً وقوله: صدق الله بعد تكذيبهم تأكيد له ويفهم منه الحصر الإضافي لأنه لما قال صدق الله بعد تكذيبهم صار المعنى صدق الله لا أنتم. قوله:) أي ملة الإسلام الخ) أي هي في الأصل موافقة لملة إبراهيم ﵊ ومشابهة لها فعبر عن الإسلام بملة إبراهيم لذلك فلا يلزم كون نبينا ﷺ عاملا بشريعته كأنبياء بني إسرائيل وقوله:) واجب في التوحيد الصرف) الذي لا يشوبه ما ينافيه كما فعل اليهود والاستقامة في الدين مأخوذة من قوله: حنيفاً لأنّ الحنف كما قال الراغب: الميل عن الضلال إلى الاستقامة والجنف بالجيم الميل عن الاستقامة، والتجنب عن الإفراط أي المبالغة في الإيجاد والتفريط أي الإهمال تفسير للاستقامة وهو ظاهر ومن لم يفهمه قال دلالته: على التجنب المذكور غير ظاهرة إلا أن يقال الشرك إفراط أو الأمر باتباع إبراهيم ﵊ وتخصيصه بالذكر دون سائر الأديان يدلّ على ما ذكر، وهو خبط وخلط بما لا يفيد. قوله: (وضع للعبادة) فمعنى وضعه للناس لعبادتهم وليس المراد أن يعبد البيت نفسه بل أن يجعل موضعا لعبادة الله فلذا فسره بقوله: وجعل متعبداً لهم وقوله:) ويدل عليه أنه قرئ الخ) لأنّ الظاهر أن الضمير راجع إلى الله إن لم نعتبر الذكر السابق في قوله صدق الله لكون الآية مستأنفة، والا فهو المتبادر أيضاً فلا يرد عليه أنه يحتمل رجوعه لإبراهيم ﵊ فلا دلالة للقراءة عليه فتأمّل، ومناسبة الآية لما قبلها ظاهرة. قوله: (كالنبيط والنميط) الميم والباء تعقب إحداهما الأخرى كثيراً في كلام العرب والنبيط والنميط مصغراً علم موضع بالدهناء، وهما بمعنى أو متغايران كما أشار إليه بقوله: وقيل الخ، وبكة من إليك بمعتى الازدحام لازدحام الحجيج قيها أو بمعنى الدق لدق أعناق الجبابرة أي إهلاكهم إذا أرادوها بسوء واذلالهم فيها، ولذا تراهم في الطواف كآحاد الناس ولو أمكنهم الله من تخليته لفعلوا. قوله: (روي أئه محثنبرو سئل الخ) أخرجه الشيخان عن أبي ذرّ ﵁ وهو حديث صحيح إلا أن فيه إشكالاً أجاب عنه الطحاوفي في الآثار قال فيه فإن قلت لا شك أنّ باني المسجد الحرام إبراهيم ﵊ وباني الأقصى داود وابنه سليمان بعده وبينهما مدة طويلة تزيد على الأربعين بأمثالها، قلت الوضع غير البناء والسؤال عن مدة ما بين وضعيهما لا عن مدة ما بين بناءيهما فيحتمل أن يكون واضعالأقصى بعض الأنبياء قبل داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام ثم بنياه بعد ذلك ولا بد من تأويله بهذا انتهى، وجرهم بضم الجيم وسكون الراء والهاء المضمومة حيّ من اليمن كانوا أصهار إسماعيل، والعمالقة قوم من ولد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح ﵊ وهم قوم تفرّقوا في البلاد، والضراح بوزن غراب بضاد معجمة وراء وحاء مهملتين قال الطيبي ﵀: من رواه بصاد مهملة

стр. 824

فقد صحفه وهو من المضارحة وهي المقابلة أو البعد، وكونه في السماء الرابعة أورد عليه الطيبي أن الصحيح المروي في البخاري أنه في السابقة. قوله:) وقيل هو أوّل بيت بناه آدم فانطمس الخ) رواه الأزرقي في " تاريخ مكة " وقيل: إنه نزل مع آدم ﵊ من الجنة ثم رفع بعد موته إلى السماء وبنى شيث مكانه بيتاً من طين أو نزل قبله أو بناه آدم ﵊ كما ذكره المصنف ﵀ من طين على نحو ما رأى في السماء، وقوله: وهو لا يلائم ظاهر الآية لأنه لا يكون أوّل بيت لسبق الضراح عليه أن اعتبر تغايرهما والا لكونهما تعبداً في مكان واحد فلأنه لم يكن موضوعاً للناس فقط لطواف الملائكة به، وإنما قال: ظاهر الآية لأنه لا يخالفها عند التأمّل بالنظر الدقيق، ومن جعل الأوّلية أولية شرف لا يرد عليه شيء إلا أنه خلاف المتبادر، وقوله: كثير الخير أي البركة والزيادة وهي في خيراته ومنافعه لا في بنائه وهو حال من الضمير المستتر في الظرف الواقع صلة، وقوله: لأنه قبلتهم فهو هاد للجهة التي أرادها الله أو هاد لهم بما فيه من الآيات التي ستأتي وقوله: لأنه قبلتهم إن أراد به وضع لأن يكون قبلة فالعالمين على عمومه، وان أراد يستقبلونه فالمراد بالعالمين المسلمون وما بعده عام للجميع. قوله: ( ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ الخ (انحراف الطير باق إلى الآن ولا يعلوه إلا ما به علة للاستشفاء كما صرحوا به وفيه كلام للمحدّثين لأن الجاحظ قال إنها تعلو للاستشفاء، واعترض! عليه ابن عطية بأنه بائن خلافه وعلته العقاب لأخذ الحية، وقيل: إنّ الطيور المهدر دمها تعلوه والحمام مع كثرته لا يعلوه وبه يجمع بين الكلامين فتدبر وفي شرح الكشاف إنّ منها أن أي ركن من أركان البيت وقع الغيث في مقابلته كان الخصب فيما يليه من البلاد، وقوله: قهره أي قهره الله، وقيل قهره البيت على الإسناد المجازي وجعله الجملة حالاً بدون الواو مرّ تفصيله وقدر خبر مقام إبراهيم منها، وقدره غيره أحدها. قوله:) وقيل عطف بيان الخ (قيل عليه إنّ آيات نكرة ومقام إبراهيم معرفة ولا يجوز التخالف بينهما بإجماع البصريين والكوفيين حتى قال ابن هشام ﵀ في المغني وغيره إنه أراد بعطف البيان البدل تسامحا كما أنّ سيبويه قد يسمى التوكيد وعطف البيان صفة، وهذا التأويل يتأتى في عبارة الزمخشريّ دون كلام المصنف ﵀، وقوله على أنّ المراد الخ جواب عن أن المبين جمع والمبين مفرد فقوله: المراد بالآيات يعني التي دل عليها المقام فهو وان كان مفردا لكنه جمع في المعنى لاشتماله على آيات كثيرة والا لأنه أفعال من اللين، والصخار جمع صخرة وقوله: (ويؤيده) أي يؤيد هذا القول مطابقتهما في هذه القراءة فعبر عن الآيات بالآية وقوله: (وسبب هذا الأثر الخ) كذا وقع في الأثر مرويا عن سعيد بن جبير ﵁. توله: أجملة ابتدائية) المراد بالابتدائية المركبة من المبتدأ والخبر على أنها ليست بشرطية، وتوله: لأنه في معنى الخ إشارة إلى الوجهين السابقين في إعراب مقام إبراهيم وتوله:) اقتصر الخ (من تتمة الوجه الثاني وهو جعله بيانا كما في الكشاف إما لأن الاثنين جمع أو أنه ذكر من الجمع المبين بعض إفراده وترك الآخر لنكتة، ومثله واقع في الأحاديث النبوية والأشعار العربية وفي الكشاف ويجوز أن يراد فيه آيات بينات مقام إبراهيم وأمن من دخله لأنّ الاثنين نوع من الجمع كالثلاثة والأربعة ويجوز أن تذكر هاتان الآيتان ويطوى ذكر غيرهما دلالة على تكاثر الآيات كأنه قيل فيه آيات بينات مقام إبراهيم وأمن من دخله وكثير سواهما ونحوه في طيّ الذكر قول جرير: كانت حنيفة أثلاثافثلثهم من العبيدوثلث من مواليها ومنه قوله لمج! رو: " حبب إلتي من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وقرّة عيني ني الصلاة " انتهى، وفصل البيت بقوله: ونحوه لأنه مثله في طيّ لذكر وان لم يكن لغرض الاشتهار وقصد الكثرة كما في الآية بل القصد السكوت عما ليس بذم وهو الثلث الصميم ولأنه هو الأصل المعلوم فلا حاجة لذكره، وأمّا الحديث فقوله " وقرّة عيني " كلام مبتدأ قصد به الإعراض عن ذكر الدنيا وما يحبب منها وليست عطفا على الطيب والنساء لأنها ليست من الدنيا وهذا بناء على ذكر " ثلاث " فيه، وقد تال الطيبي: وغيره

стр. 825

أنه لي! في كتب الحديث، فلا شاهد فيه على هذه الرواية لكن إثباتها كما وقع للزمخشريّ وقع للراغب أيضاً، وحسن الظن بهم يقتضي أنهم ظفروا به في رواية، وليس هذا محلاً للرّواية بالمعنى ولا للسهو ولا مانع من جعل الصلاة الواقعة في الدنيا منها لأنه ليس المراد بها ما يكون صرف أمور دنيوية بل ما يقع فيها وإن كان له تعلق بالآخرة وتغيير التعبير إشارة إلى مغايرته لما قبله وفي قوله ثلاث تغليب للمؤنث على المذكر والا لقال ثلاثة، وقوله: " حبب " مجهول أي حببه الله، وقوله: " دنياكم " إشارة إلى أنه لا علاقة له بالدنيا وأن تحبيبها من الله، ولذا أبيح له الزيادة على الأربع لفوائد جمة كمعاملتهن باللطف تشريعاً وكأطلاعهن على أموره الخفية حتى يتعلمها منهن النساء، وليس محبتهن لمجرد الوطء والتلذذ معاذ الله حتى أن بعض القصاص قال: ما سلم أحد من هوى حتى محمد ﷺ وذكر الحديث لجهله فأنكره عليه بعض العارفين وكفره، ووقع في هئم لذلك فرأى النبيّ ﷺ في المنام يقول له لا تهتم فقد قتلناه فخرج عليه بعض قطاع الطريق وقتله عقيب ذلك، وقدم الطيب لأنه حظ الروح المقدم على البدن، وفي قوله: ومن دخله تغليب للعقلاء لأنه يأمن فيه الوحوش والطيور بل النبات، وإنما يلزم الحذف في الحديث لو لم يكن من بدل البعض من الكل وعلى ما ذكروه فيه حذف بعض البدل أو البيان وفسر الأمن بالأمن من عذاب الآخرة، وأشار بما نقل عن أبي حنيفة إلى جواز إرادة العموم بأن يفسر بالأمن في الدنيا والآخرة وقوله: (بقاء الأثر والآمن) بالجرّ بدل من ضمير غيرهما. قوله: (من مات في أحد الحرمين الخ) أخرجه أبو داود والطيالسيّ والبيهقيّ والطبراني، بأسانيد مختلفة وقوله: ولكن ألجئ إلى الخروج أي بمنع إطعامه ومبايعته والمسألة وخلاف الثافعي فيها في الفروع قال الجصاص لما كانت الآيات المذكورة في الحرم ثم قال: ومن دخله كان آمناً وجب أن يكون مراده جميع الحرم. قوله: (قصده للزيارة (يعني أنّ الحج في اللغة مطلق القصد والمراد به هنا قصد مخصوص غلب فيه حتى صار حقيقة فيه شرعاً وحج بالكسر كعلم لغة فيه. قوله:) بدل من الناس مخصص له) يعني من بدل من الناس العامّ بدل بعض من كل مخصص له لأنه المقصود بالنسبة، واحتمال أن يراد بالناس من استطاع وهذا مبين له فهو بدل كل من كل خلاف الظاهر. قوله: (الاستطاعة الخ (أصل معنى الاستطاعة استدعاء طواعية الفعل وتأتيه، والمراد بالاستدعاء الإرادة وهي تقتضي القدرة فأطلقت على القدرة مطلقا أو بسهولة فهي أخص منها، وهو المراد هنا والقدرة إمّا بالبدن أو بالمال أو بهما وفسر النبئ ﷺ الاستطاعة وقد سئل عنها كما رواه ابن ماجه وغيره بسند حسن بالزاد والراحلة وهو بحسب الظاهر مع الشافعي ﵁ حيث قصر الاستطاعة على المالية دون البدنية وهو مخالف لمالك ﵀ مخالفة ظاهرة، وأما أبو حنيفة ﵀ فيؤوّل ما وقع في الحديث بأنه بيان لبعض شروط الاستطاعة بدليل أنه لو فقد أمن الطريق أو لم تجد المرأة محرماً لم يجب، وقوله: وكل مأتي أي ما يتأتى به الوصول من الطريق وما يلزم اسم مكان تجوّز به، وقيل: إنه آلة. قوله: (وضع كفر الخ) يعني أن المراد بمن كفر من لم يحج، وتاركه ليس بكافر إلا إذا استحله فأشار إلى أنه للتغليظ على تاركه كما وقع في الحديث فليس المقصود ظاهره، وقوله: ولذلك أي للتغليظ. قوله: (من مات ولم يحج الحديث) قال ابن الجوزي: هو موضوع وردّه في اللآلي بأنه أخرجه الترمذيّ وضعفه من حديث عليّ ﵁ ولفظه من ملك زادا وراحلة تبغله إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا وأخرجه الدارمي في مسنده من حديث أبي أمامة ﵁: " من لم يمنعه من الحج حاجة ظاهرة أو سلطان جائر أو مرض حابس فمات ولم يحج فليمت إن شاء يهودياً أو نصرانياً " وتعدد طرقه إن لم يحسنه خفف ضعفه، وموافقة معناه للآية تقوّيه أيضاً. قوله: (وقد كد أمر الحج في هذه الآية من وجوه الخ) أي شأنه وما يتعلق بإبرازه في صورة الخبر قد تقدم وجه أبلغيته والاسمية تفيد الثبات والدوام وكونه حقاً واجبا يفهم من اللام ومن على والتعميم من الناس والتخصيص من قوله: من استطاع الداخل فيهم، وقوله: من حيث إنه فعل الكفرة إشارة إلى أنه مجاز للمشابهة في تركه، والعدول عن المضمر للمظهر

стр. 826

تأكيد للأمر سيما بلفظ العالمين المشعر بأنه غيئ عن العالمين فضلا عمن كفر، وان دخلوا فيهم دخولاً أوّليا وذكر الاستغناء في هذا المقام كناية عن السخط بل عن كماله، وقوله: كإيضاح في الكشاف إنه إيضاح والمصنف زاد الكاف لأنه لم يتحد معناهما حتى يوضحح أحدهما الآخر لكنه تخصيص والتخصيص شبه الإيضاح فمن قال لو حذف الكاف لكان أولى لم يتنبه لقصده، وقوله: بالبرهان لأنّ من استغنى عن جميع العالمين فهو غنيّ عمن لم يحج، وعظم السخط من التعميم كما مرّ، وقوله: لأنه تكليف شاق علة للتأكيد لأنه لما كان كذلك اقتضى الاهتمام به أو لأنه ربما ترك لمشقته فأكد تنبيهاً على أنه لا ينبغي أن يترك والتجرد عن الشهوات كاللباس والطيب والجماع. قوله:) روي الخ) إشارة إلى وجه يبقى فيه من كفر على ظاهره والملل الست ما ذكر في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ وهو يقتضي أنه يطلق على الشرك ملة وقد تردّد فيه النحرير، وقال في الكشف: إنه من النحل لا الملل فإن قيل بعدمه فهو تغليب، وهذا الحديث أخرجه سعيد بن منصور وابن جرير عن الضحاك وفيه أنّ تلك الملل كانت موجودة في جزيرة العرب فلينظر. (تنبيه مهم) : اعلم أنّ في إعراب الآية وجوها نقلها الزركشيّ في تذكرته عن شيخه ابن هشام لأنّ الظرفين أعني لله وعلى الناس إمّا خبران أو الأول خبر والثاني حال أو العكس، أو الأوّل خبر والثاني متعلق به أو العكس، وفي تقديم الحال في مثله خلاف نقله ثم إنّ السبكي في كتاب الانتصار قال: إنّ هنا فرض عين على المستطيع الذي لم يحج وفرض كفاية وهو ما يجب على كل مستطيع من إحياء شعائر الحج في كل سنة حج أو لم يحج وعلى الأوّل من بدل من الناس وهو مذهب سيبويه، وعلى الثاني هو فاعل المصدر أي حج البيت من والتقدير لئه على الناس مطلقا حج المستطيع منهم فمن حبئ أدّى الفرضين بالثوابين، وفيه بحث من وجهين: الأول: أن رفع المصدر المضاف للمفعول فاعلاً ضرورة. الثاني: أنّ إحياء البيت يحصل بالعمرة، ورذ بأنه ليس بضرورة والمراد بالحج معناه اللغوي وفيه نظر. توله: (أي بآياته السمعية والعقلية الخ) حمل الآيات على مطلق الدلائل اأررالة على نبوّة محمد مجشح! وصدق مذعاه الذي من جملته الحج وأمره، وبه تظهر المناسبة تما لله وكون كفرهم أقبح! قراءتهم الكتب المصدقة بخلاف المشركين وكفرهم بالتورأة والإشجيل أورخولهما في آيات الله الشاملة لجميع السمعيات والعقليات، وقياى: إنه مبني على أن يراد لآيات الله الكتابان وليس في الكلام ما يدل عليه. قوله: (والحالى أنه شهيد الخ) إشارة إلى أنّ ال! خلة حالية وأنّ الشهيد بمعنى اأ! البم ااصمطلع وأما جعله بمعنى الشاهد فتكلف من غير*! فه ٠ ة وأ،:) كرر الخطاب والاستفهام الخأ الخطاب الم! ش ر في اأسنداء وء! المحتبعه رالاستف! اا في قوأط لم، وكان الظاهر لم تكفرون بآيات الله وتصذون عن سبيل الله مبالغة في التفريع والتوبيخ لهم على قبائحهم وتفصيلها، ولو قيل: كما ذكر لربما توهم أنّ التوبيخ على مجموع الأمرين والتحريش التحريك بما يوقع بينهم الفتن وضمير عنه للإسلام. قوله: (حال من الواو الخ) أي جملة تبغونها حال من فاعل تصدون، وجوّز فيها الاستئناف، وقوله: طالبين لها اعوجاجا إشارة إلى أنّ عوجاً مفعول وضميرها من ايحذف والإيصال لأنّ بغي يتعدّى لمفعولين أحدهما بنفسه والآخر باللام كما صرّح به أهل اللغة، وقيل: لا حاجة إليه بل هنا مفعول وعوجا حال، ورذ بأنه لا يستقيم المعنى عليه وليس كذلك وقيل: عوجا حال من فاعل تبغون، وضمير تبغونها للسبيل لأنها تذكر وتؤنث والمراد بها ملة الإسلام ومعنى ادّعاء العوج فيها أنها مائلة عن الحق لأنّ ديننا لم ينسخ، أو أنّ النبيّ ﷺ المذكور في كتابهم ليس هو هذا، فلا يصح هذ وقوله: (أو بأن تحرشوا) الخ مبنيّ على التفسير الثاني الذي قدمه وقوله: وأنتم شهداء جمع شهيد بمعنى عالم مشاهد أو شاهد والجملة حالية أي كيف تفعلون هذا وأنتم علماء أو وأنتم عدول وصفتكم هذه تقتضي خلاف ما أنتم عليه والفرق بين العوج والعوج سيأتي. قوله: (ولما كان المنكر الخ) يعني أنّ الشهادة تكون لما يظهر ويعلم، فلما كان كفرهم ظاهرا ناسب ذكر الشهادة معه لأنها علم ما شاهد أو ما هو بمنزلته، وصدّهم عن سبيل الله وما معه لما كان بالمكر والحيلة الخفية التي تروج على

стр. 827

الغافل ناسب ذكر الغفلة معه فكان مقتضى حالهم إن الله العالم بالخفيات والسرائر غافل عما يعملون وهذا لا ينافي قوله: فيما سبق لا ينفعكم التحريف والاستسرار أي الإخفاء لأنّ المراد منه إخفاء الحق لعلمهم بخلافه لا الكفر فلا يرد عليه كما لا يرد أن علم الله لا يقتضي الجهر كما قيل. قوله: (نزلت في نفر من الأوس والخزرج الخ) الأوممى! والخزرج جدا الأنصار وكانا أخوين كما سيأتي، وشاس بمعجمة في أوّله ومهملة في آخره علم ويوم بعاث حرب كان بينهم وبعاث بضم الباء الموحدة وفتح العين المهملة وألف وثاء مثلثة يصرف، ولا يصرف اسم حصن أو بستان كما سيأتي وقعت الحرب عنده ورواه أبو عبيد بغاث بافين المعجمة، وقال ابن الأثير: أعجمها الخليل أيضا لكن جزم أبو موسى في ذيل الغريب وتجعه صاحب النهاية بأنه تصحيف وإنما البغاث ضعاف الطير كما في المثل، إنّ البغاث بأرضحنا يستنسر وخبر. كما في كامل ابن الأثير أنّ قريظة والنضير جددوا العهود مع الأوس على ا! وازرة والتناصر واستحكم أمرهم فلما سمعت بذلك الخزرج جمعت واحتشدت وارسلت لحلفمائها من أشجع وجهينة وأرسلت الأوس لحلفائها من مزينة والتقوا ببعاث هي من اموال بني قريظة وعلى الأوس حضير والد أسيد الصحابيّ ﵁ وعلى الخزرج عمرو ابن النعمان! االتقوا اقتتلوا قتالاً شديدا وصبروا جميعا، ثم إنّ الأوس وجدت مس السلاح فولوا منهزميز فلما رأى حضير ذلك نزل وطعن قدمه وصاح واعقراه والله لا أعود حتى أقتل فإن شئتم يا ص! ضر الأوس أن تسلموني فافعلوا فعطفوا عليه، وأصاب عمرو بن النعمان البياضي رنيس الخزرج سهم فقتله وانهزمت الخزرج فوضمعت فيهم الأوس السلاح فصاح صائح يا معشر الأوس أحسنوا ولا تهلكوا إخوانكم فجوارهم خير من جوار الثعالب فانتهوا عنهم، وكان يوم بعاث آخر الحروب المشهورة بين الأوس والخزرج في الجاهلية، ثم جاء الإسلام واتفقت الكلمة واجتمس اعلى نصر الإسلام وأهله، وقيل: في ذلك أشدا! وهي التي أشار إليها بقوله:) وينشدهم الخ) وقوله: (السلاح السلاح) بالنصب على الإغراء أي خذوا السلاح. قوله:) أتدعون الجاصلية) كذا في الكشاف وهو بالتخفيف لا بالتشديد من الدعوى كما توهم أي لدعون دعوى الجاهلية وهي قولهم يا لكذا يا لثارات كذا وليس هذا اللفظ تحريفا كما قيل إنّ الواتع في الحط يث: " أتديمون الجاهلية " فحرّفه الزمخشريّ وتبعه المصنف فهو إمّا رواية أخرى أو نقل بالمعنى ومثله سهل، وقوله: خاطبهم الله بنفسه فلا حاجة إلى أن يقال المخاطب الرسول ﷺ بوفدير قل لهم. قوله: (إنكار ونعجيب لكفرهم الخ) تقدّم الكلام في مثله من الجمع بين الانكار والتعجيب ومعنى الإنكار هنا أنه كيف يقع أو المراد بكفرهم فعل أفعال الكفرة كدعوى الجاهلية والأوّل أولى وهو تأييس لليهود مما راموه، وحال منوّنة وجملة اجتمع صفة والعائد مقرّر. قوله:) ومن يتمسك بدينه أو يلتجئ إليه في مجامع أموره (أي إئا أن يقدر مضاف ويعتصم بمعنى يتمسك استعارة تبعية كما سيأتي أو لا يقدر، ويجعل الاعتصام بالله استعارة للالتجاء إليه قيل وعلى الأوّل ومن يعتصم الخ معطوف على وأنتم تتلى أي كيف تكفرون والحال أن القرآن يتلى عليكم وأنتم عالمون بأن المتمسك بدين الله على هدى لا يضل متبعه، وعلى الثاني تذييل لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا﴾ الآية لأن مضمونه إنكم إن تطيعوهم لخوف شرورهم ومكايدهم فلا تخافوهم والتجؤوا إلى الله في دفع ذلك لأن من التجأ إليه كفاه فعلى الأوّل ومن يعتصم لإنكار الكفر مع هذا الصارف القويّ وعلى الثاني للحث على الالتجاء، ويحتمل على الأوّل التذييل وعلى الثاني الحال أيضا وفيه أنّ هذا التعيين لا داعي إليه ولا قرينة عليه. قوله: (فقد اهتدى لا محالة) أي فقد تحقق له حصول الهدي وهذا مستفاد من جعل الجزاء فعلاً ماضيا مع قد فإنه لا ينقلب إلى المستقبل مثل أن تكرمني فقد كرمتك. قوله: (حق تقواه وما يجب منها) يعني أن التقاة بمعنى التقوى وحق من حق بمعنى وجب وثبت ومنها بيان لما، واستفراغ الوسع بمعنى بدل الطاقة والمقدر واستعارة من استفرغت الماء والبئر نزحتهما فإذا كان حق التقاة هذا المعنى فهو بمعنى الاستطاعة فلا تكون تلك الآية ناسخة لها، وقال الزجاج ﵀ هذه الآية منسوخة بقوله:

стр. 828

﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وقوله: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٣٣] قال الكواشي: لما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله من يقوي لهذا فنزل: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ والمصنف ﵀ رأى أن الثانية مبينة للأولى إذ لا مخالفة بينهما فلا تكون ناسخة، ومن قال به جنح إلى أن المراد من حق تقاته ما يحق له ويليق وتقوي الله حق تقواه أي كما هو حقه غير ممكنة فتكون الآية الأخرى ناسخة لها فإن صح الحديث السابق وتعين أن المراد ما ذكر فلا كلام وان فسرت بما يجب مما أوجبه الله علينا وهو لا يكلفنا بما لا يطاق لا تكون منسوخة، وقوله: وعن ابن مسعود ﵁ هكذا هو مروقي في التفاسير وكتب الحديث وصححه أبو نعيم في الحلية ووقع في نسخة بل ابن مسعود ابن عباس ﵄ وهو مخالف للمنقول، والمراد بالالتفات إلى الطاعة الاغترار بها ووجه التأكيد ظاهر. قوله: (وأصل تقاة وقبة الخ (أي هو مصدر على فعلة كتؤدة بمعنى التثبت من اتأد في مشيه وأمره والتخمة امتلاء المعدة قيل ولا حاجة إلى جعل قلب الواو تاء لضمها لأنها قلبت في اتقى يتقي ولا ضمة ولتوهم أصالتها لكثرة استعمالها ثبتت هنا. قوله: (ولا تكونن على حال الخ) يعني أن المقصود بالمنهي عنه عدم الإسلام وهو الكفر عند الموت والإسلام حال الموت يقتضي وجوده قبله فالمعنى استمرّوا ودوموا عليه، والموت ليس بمقدور لهم حتى ينهوا عنه وقد مرّ تحقيقه في البقرة، وما ذكر. من القاعدة في النفي والنهي أمر مقرّر كما مر. قوله: (بديته ال! ! م الخ) جوّز في الكشاف أن لكون استعارة تمثيلية على تشبيه الحالة بالحالة من غير اعتبار مجاز في المفردات أو الحبل استعارة للعهد الدّي يتمسك به الاعتصام اسنعارة للوثوق بالعهد أو ترشيحاً لاستعارة الحبل، والمعنى اجتمعوا على استعانتكم بالله أو على التمسك بعهده، وجوّز فيه المكنية أيضاً والمصنف ﵀ ذهب إلى الثاني، وجعل المستعار له الدين أو القرآن لما وقع في الحديث من تسميته حبل الله المتين وخالف الزمخشريّ في جعل الترشيح مقابلا للاستعارة بناء على انه لا تنافي بينهما إذ يكفي في الترشيح أن يكون اللفظ مناسباً له وان كان المراد به معنى لا يرشحه ولكل وجهة، والتردّي تفعل من تردّى إذا وقع في هوّة كالبئر وقوله: (مجتمعين) إشارة إلى أنه حال من الفاعل كما هو الظاهر المتبادر فيكون قوله: ﴿وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾ تأكيد وقوله: (عن الحق) أي دين الإسلام السابق أو لا يقع بينكم شقاق وحروب، كما هو مراد المذكرين لكم لايام الجاهلية الماكرين بكم. قوله: (التي من جملتها الخ) ويحتمل أن المراد بها ما بينه بقوله: ﴿إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء﴾ أي ﴿وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ﴾ التي هي تبديل عداوتكم بالمحبة والأخوّة ونجاتكم عن نار جهنم بالعدوان وقطع الرحم فلا تضيعوها. قوله: (متحابين الخ) يشير إلى أن الأخ إذا جمع على إخوان كان بمعنى المحب الصديق وقد يكون جمعاً لأخي النسب وكان قوله: إشارة إليه قال في الإتقان الأخ في النسب جمعه إخوة وفي الصداقة إخوان قاله ابن فارس: وخالفه غيره وأورد في الصداقة إنما المؤمنون أخوة وفي النسب أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بيوت إخوانكم انتهى، فهو الأكثر وقوله: مشفين أي مشرفين وقد تقدم تحقيقه وحمل النار على نار جهنم وحملها على نار الحرب بعيد، وقوله: على تلك الحالة أي الكفر وفي نسخة في تلك الحالة. قوله: (والضمير للحفرة أو للنار الخ) اقتصر الزمخشريّ على الأخير فقال الضمير للشفا وهو مذكر وإنما أنث للإضافة إلى الحفرة وهو منها كما قال: كما شرقت صدر القناة من الدم يعني أن المضاف اكتسب التأنيث من المضاف إليه كما في شعر الأعشى المذكور وهو يكتسبه منه لا مطلقاً بل كما قال العلامة: إذا كان بعضاً منه كصدر الفتاة أو فعلا له أو صفة وما نحن فيه من الأوّل والمصحنف ﵀ ترك تقييده وزاد تأويله بالمؤنث لكونه بمعنى الشفة وجوّز وجهين آخرين، والداير للزمخشرفي على ما صنعه أن الضمير يعود على المضاف لا المضاف إليه إذ هو غير مقصود لذاته حتى يرجع عليه الضمير وغيره لا يسلمه، وفي الانتصاف المعنى على عوده إلى الحفرة لأنها التي يمتن بالإنقاذ منها حقيقة، وأما الامتنان بالإنقاذ، من الشفا فلما يستلزمه غالباً من الهوي إلى الحفرة فيكون الإنقاذ منه إنقاذا منها لكن الأوّل أبلغ وأوقع مع إنّ اكتساب التأنيث من المضاف إليه عذه أبو عليّ ﵀ في التعليق من

стр. 829

الضرورة وأن خالفه في الإيضاح، والذي أوقع الزمخشري فيه إنه هو الذي كانوا عليه ولم يكونوا في الحفرة حتى يمتن عليهم بالإنقاذ منها وقد مرّ أنهم كانوا صائرين إليها لولا الإنقاذ الربانيّ فبولغ في الامتنان بذلك كما قيل من رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه، وبهذا اندفع قول أبي حيان ﵀؟ لا يحسن عوده إلا إلى الشفا لأنه المحذث عنه والشفا الطرف ويضاف إلى الأعلى كشفا جرف هار والأسفل كما هنا واعلم أنّ الأصل أن يعود الضمير على المضاف إذا صلح لكل منهما ولو بتأويل، ويجوز عوده على المضاف إليه مطلقا عند صاحب الانتصاف، وقال الواحديّ: إنه يعود عليه بشرط كونه بعضه أو كبعضه كقول جرير: أرى مرّ السنين أخذن منيّ وقول العجاج: طول الليالي أسرعت في نقضي فان مرّ السنين وطول الليالي من جنسها وكذا ما نحن فيه. قوله: (مثل ذلك التبيين) يعني أن الجارّ والمجرور نعت لمصدر محذوف أو حال مضمرة أي يبين لكم تبييناً مثل تبيينه لكم الآيات الواضحة، وقد مرّ تفصيله في البقرة وإنما أوّل الهداية بالنبات أو الزيادة لأنّ الخطاب للمؤمنين، ومرّ الكلام فيه في الفاتحة، وقيل الثبات من المضارع المفيد للاستمرار والزيادة من صيغة الافتعال وقوله: (١ رادة الخ) إشارة إلى أنه للتعليل وليس للترجي لاستحالته عليه تعالى، ومز تحقيقه في أوّل البقرة والكلام فيه. قوله: (من للتبعيض الخ) يعني أنّ فرض الكفاية يقع لي الخارج من البعض فلذا أتى بمن التبعيضية لا أنه يجب على البعض من غير تعيين فإنّ المختار أنه يجب على الكل كما سيصرح به ويسقط بفعل البعض فلو ترك أثم الجميع ولا معنى للرجوب عليهم سوى هذا، إذ لو وجب على البعض لكان الآثم بعضاً مبهمأ وهو غير معقول لخلاف الإثم لواحد مبهم كما في الواجب المخير، وأمّا أنّ له شرائط فلا تنافي الوجوب لأنّ عليهم تحصيلها، ولهذا ذهب بعضهم إلى أنّ من للبيان على هذا القول، والاحتساب النظر في أمور الناس العامّة كالحسبة وهي معروفة. قوله: (خاطب الجمع وطلب فعل جضهم الخ) خاطب الكل لأنه واجب عليهم كما مرّ، وطلب فعل بعضهم لقوله منكم فلا يتوهم مما مضى انه واجب على البعض غير معين كما ظنه بعض شراح الكشاف وتبعه هنا بعض أرباب الحواشي " ن قلت إنّ هذا الخطاب لا يفيد الوجوب على الكل لأنّ معناه أنه يجب على بعضكم الأمر ! النهيئ، وهدّا صريح في أنه يجب على البعض قلت قد مرّ ما يدفعه لأنّ الوجوب على بعض محير معين لا يعقل فتعين الوجوب على الكل والتبعيض إنما هو يالنسبة للقيام به، فتأمّل وقوله: ر أساً أي جميعاً مجاز. قوله:) أو للتبيين الخ (قال العلامة: في شرح الكشاف اختلف ا، صوليون في أنّ الواجب على الكفاية هل هو واجب على جميع المكلفين ويسقط عنهم بفعل سضهم أو على بعض غير معين، ولما كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفايات فمن ذهب إلى أنها على بعض غير معين قال: من هنا للتبعيض ومن ذهب إلى أنها على الجميع قال من للتبيين وهي تجريدية أخرج من الكل كما يقال لفلان من أولاده جند وللأمير من غلمانه عسكر يراد بذلك جميع الأولاد والغلمان، ومما يدل على أنّ من للتبيين أنّ الله تعالى أثبت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لبهل الأمّة في قوله: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ١٠ ا] الخ ومنه تعلم وجه جعلها بيانية واختيار ذكر منكم على تركه الأخصر، وأمّا التبعيض السابق فبالنسبة إلى فعله فإنه من البعض لا إلى الوجوب، ومن لم يفهم معزاه قال إنه خطأ إذ غير عبارة الكشاف وانّ أوّل كلامه لا يناسب آخره فتأمّل. قوله: (وعطف الأمر بالمعروف الخ) يعني أنه من عطف الخاص على العامّ للنكتة المعروفة فيه، وفي النهي أيضا دعوة إلى الخير، وهو الكف عن المنكر، وقيل عليه ليس الآية منه لأنه ذكر بعد العام جميع ما تناوله إذ الخير المدعو إليه إمّا فعل مأمور أو ترك نهي لا يعدو واحدأ من هذين حتى يكون تخصيصهما بتمييزهما عن بقية المتناولات فالأولى أن يقال إنه ذكر الدعاء إلى الخير عاما ثم مفصلاَ لمزيد العناية به إلا أن يثبت ما يخص الأمر بالمعروف والضهي عن المنكر ببعض أنواع الخير، ولا أرا. ثابتاً وعلى ما فسر به المصنف ﵀ مما يشمل أمور الدنيا وإن لم يتعلق بها أمر ونهي لا يرد عليه ما ذكر، وفيه نظر لأنه يكون حينئذ أعمّ من فرض الكفاية. قوله: (المخصوصون بكمال الفلاح) إشارة إلى الحصر المستفاد من الفصل

стр. 830

وتعريف الطرفين أو أنه باعتبار الكمال إذ قد يوجد الفلاح في غيرهم، وقوله: (روي الخ) أخرجه أحمد وأبو يعلى والخير والفلاح متقاربان، فإن قلت الحديث لا يدلّ على أنه الآمر بالمعروت والناهي عن المنكر بل مع التقوي ووصل الرحم قلت أجيب بأنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يستدعي ذلك أو هو داخل في الدعاء إلى الخير وفيه نظر. قوله: (والنهي عن المنكر الخ) قيل: عليه أن المكروه منكر شرعا والنهي عنه مندوب فلا وجه لما قاله، وقيل: لو فسر المنكر بما يعاقب عليه كما أنّ المعروف ما يثاب عليه لتم الكلام ولا يخفى أنهما ليسا على طرفي نقيض. قوله: (والآظهر أنّ العاصي يجب أن ينهي المخ) وإن كان ظاهر قوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [سورة الصف، الآية: ٢] يدل على خلافه لأنه صؤوّل بأنّ المراد نهيه عن عدم الفعل لا عن القول لأنّ الواجب عليه نهى كل فاعل وترك نهي بعض وهو نفسه لا يسقط عنه وجوب نهي الباقي ولأنه نهى عن الكذب لا عن النهي مع عدم الفعل المتبادر منه. قوله:) والأظهر أنّ النهي فيه مخصوص الخ) التخصيص المذكور مأخوذ من التشبيه وقيل إنه شامل للأصول والفروع لما نرى من اختلاف أهل السنة فيهما كالماتريديّ والأشعري، وإنما النهي عن الاختلاف فيما ورد فيه نص من الشارع أو أجمع عليه. قوله: (اختلاف أمتي رحمة) قال السيوطيّ ﵀: عزاه الزركشيّ في الأحاديث المشتهرة إلى كتاب الحجة لنصر المقدسي لدون سند، ورواه الطبراني والبيهقي في المدخل بسند ضعيف عن ابن عباس ﵄ لال قال رسول الله ﷺ : " مهما أوتيتم من كتاب الله فالعمل به لا عذر لأحد في تركه فإن لم بكن ني كتاب الله فسنة مني ماضية فإن لم يكن سنة مني فما قاله أصحابي إن أصحابي بمنزلة النجوم في السماء فأيما أخذتم به اهتديتم واختلاف أصحابي لكم رحمة) وأخرجه ابن سعد لي طبقاته بلفظ كان اختلاف أصحاب محمد! ي! رحمة للناس ولفظ البيهقيّ لعباد الله، وروي عن عمر بن عبد العزيز ﵁ ما سرّني لو أنّ أصحاب محمد ﷺ لم يختلفوا لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة ومنه تعلم أنّ المراد الاختلاف في الدين مطلقا لكن المراد اختلاف الصحابة، والمجتهدين المعتدّ بهم وعلماء الدين الذين ليسوا بمبتدعين هذا هو الحق الذي لا محيد عنه، فما قيل: إنه لا يعرف له سند صحيح ولا ضعيف ولا موضوع وإنما وقع في كلام بعضهم فظن حديثا وفسر باختلاف الهمم والحرف! الا فهو مخالف لنصوص الآيات والأحاديث كقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ﴾ [سورة هود، الآية: ١١٨] ونحوه قوله ﵊: " لا تختلفوا فتختلف قلوبكم " وغيره من الأحاديث الكثيرة والذي يقطع به أنّ الاتفاق خير من الخلاف لا وجه له، ولو كان المراد اختلاف الصنائع ونحوها لم يكن لقوله ﷺ امتي وجه. قوله: (من اجتهد الخ) الأجران أجر الاجتهاد وأجر إصابة الحق وي الثاني أجر الاجتهاد فقط، وهو حديث صحيح أخرجه الشيخان وغيرهما، وهذا يقتضي أن المصيب واحد وهو الصحيح وليس كل مجتهد مصيبا كما ذهب إليه بعض أهل الأصول وقوله: وعيد ظاهر، والتهديد لأن التشبه بالمغضوب يستدعي الغضب وأولئك إشارة للذين تفرّقوا لا للمتشبهين بهم ولا للجميع كما قيل. قوله: (نصب بما في لهم من معنى الفعل الخ) أي الاستقرار أو اذكر مقدراً، وفيه وجوه أخر ذكرها السمين وغيره فقيل العامل فيه عذاب وضعف بأن المصدر الموصوف لا يعمل وقيل عظيم، وأورد عليه أنه يلزم تقييد عظمته بهذا اليوم، وردّ بأنه إذا عظم فيه وفيه كل عظيم ففي غيره أولى وبأنه ليس المراد التقييد، والكآبة بالمد الحزن وقوله: يوسم من الوسم وهو العلامة. قوله: (على إرادة القول الخ (جواب عما يقال إن جواب أمّا لا يترك فيه الفاء إلا في ضرورة الشعر فكيف حذفت هنا فأجابوا عنه بأن الممنوع حذفها وحدها، وأمّا مع القول بطريق التبعية فشائع سائغ حتى قيل إنه البحر حدث عنه ولا حرج لأنه لما كثر حذف القول استتبعها ولا يرد عليه أنه لا يلزمه استتباعها كما في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ لأن المراد أنه يقال لهم ذلك لأن هذه الفاء ليست الجوابية بل مما في حيزها إذ التقدير فيقال لهم أفلم تكن آياني تتلى

стр. 831

عليكم وإنما أورده صاحب أسرار التنزيل لأنه أديب لا يعرف النحو كما قاله أبو حيان: وأطال فيه والاستفهام للتوبيخ وهو حكاية لما يقال لهم فلا التفات فيه كما قيل وقوله: (أقرّوا به) أي بالإيمان بالله في عالم الذرّ أو المراد بالإيمان الإيمان بالقوّة والفطرة، وحمل الأمر على الإهانة لتقرّره وتحققه. قوله: (بسبب كفركم الخ (التأويلان بناء على أنّ الأعمال سبب له أو أنه يقع في مقابلتها من غير نظر إلى التسبب فعلى الأوّل الباء سببية وعلى الثاني للمقابلة نحو بعته بكذا وليست بمعنى اللام كما توهم. قوله (يعني الجنة الخ) جعل الرحمة بمعنى الجنة من التعبير لالحال عن المحل والظرفية حقيقية، أو بمعنى الثواب فالظرفية مجازية كما هي في نعيم وعيش رغد إشارة إيى كثرته وشموله له شمول الظرف، وأمّا الرحمة التي هي صفة ذاتية فلا يصح فيها الظرفية، ويدل على هذا التفسير مقابلتها بالعذاب ومقارنتها للخلود، وهذا مجاز نكتته ما ذكره وكان حقه التقديم لشرفه ولكن أخر لما ذكر ومطلعه يأيها الذين آمنوا ومقطعه آخره ومحل انقطاعه فالكلام فيه لف ونشر غير مرتب لهذه النكتة الجليلة، وإنما قال أخرجه مخرج الاستئناف لأنه للتأكيد معنى وإن كان استثنافا ظاهراً. قوله: (إذ يستحيل الظلم منه الخ) الاستحالة مأخوذة من نفي إرادته دونه، أو المراد أنه ثابت بالدليل المذكور وهو إشارة إلى دفع ما يتوهم من أن نفي الشيء يقتضي إمكانه في الجملة بأنه نفي وان كان مستحيلاكما في نحو لم يلد ولم يولد وقوله لا يحق أي لا يجب عليه شيء حتى يكون تركه كله أو بعضه ظلمآ ولا يحول بينه وبين ما يريد شيء حتى يظلمه بالأخذ منه لأنه المالك المطلق، وقيل: المراد لا لريد ما هو ظلم من العباد لأنّ المقام مقام ٠ أنه لا يضيع أجر المحسنين ولا يمهل الكافرين وأنه المجازيّ ولا يخفى أنّ سوق الكلام يخالفه كما صرح به النحرير وقوله: (فيجازي الخ (بيان لارتباط الكلام بعضه ببعض. قوله: (دل على خيريتهم فيما مضى الخ) يعني أنها كان الناقصة ولا دلالة لها على غير الوجود في الماضي سواء انقطع أو دام فقوله: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ لا يشعر لانهم الآن ليسوا كذلك، وهذا بحسب الوضع وقد يستعمل للأزلية في صفاته تعالى وقد يستعمل للزوم الشيء وعدم انفكاكه نحو وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً ولا فرق فيها بين ما مضى بزمان كثير أو قليل ولو آنا وقيل إنها تدل على الانقطاع كغيرها من الأفعال الماضية وهو قول لبعض النحاة، والمراد بما بين الأمم أنه في علمه معروف بينهم. قوله: (اسئناف الخ) بيان لترك العطف كأنه قيل لم كنا خير أمّة فقال: تأمرون الخ وقيل إنه صفة ثانية لأمّة ووجه تضمن الإيمان ما عداه أنه التصديق به في ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه فيلزمه الإيمان بجميع ما جاء منه وثبت أنه حكمه والدليل عليه، قوله تعالى: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ اسورة آل عمران، الآية: ١١٠] مع إيمانهم بالله كما في الكشاف، ولما ذكره المصنف. قوله: (وإنما أخره الخ) كان حقه أن يقدم لشرفه فلما أخر على خلاف المتبادر حرك الذهن إلى أن ينظر لوجهه فهو حينئذ تلويح إلى مكان التعليل لأنه من الإخبار عن حصول الجملتين وتفويض الترتيب إلى الذهن ولو قدّم لم يتنبه لهذه النكتة كذا فسره الطيبي فتأمّله. قوله: (واستدل بهذه الآية على أن الإجماع الخ) أي إجماع هذه الأمّة لأنها لا تجتمع على الضلالة كما نطق به الحديث، ودلت عليه هذه الآية بالالتزام لأنهم إذا أمروا بكل معروف ونهوا عن كل منكر لم يمكن اجتماعهم على منكر، والا لم ينهوا عنه لاتفاقهم عليه، وإنما كان للاستغراق إذ لا يصح إرادة معروف ومنكر معين ولا ترجيح لبعضه على بعض فليس الحديث دليلاً آخر كما توهم، ولو قيل قدّم الأمر بالمعروف وأخا. اهتماما وليرتبط الإيمان بما بعده صح، وهو وجه آخر وقوله: فلو اجتمعوا في نسخة أجمعوا وهما بمعنى. قوله: (إيماناً كما ينبغي الأنهم مؤمنون بزعمهم والخيرية فيما هم عليه خيرية دنيوية كالرياسة أو فرضية وقوله: (وهذه الجملة الخ) يعني منهم المؤمنون وما عطف عليه، ولن يضروكم وما عطف عليه للاستطراد وهو أن يذكر في أثناء الكلام ما يناسبه وليس السياق له، والفرق بينه وبين الاعتراض مرّ الكلام فيه ولذا لم يعطفا على الجملة الشرطية قبلهما أعني ولو آمن لأنها معطوفة على كنتم خير أمّة مرتبطة بها على معنى، ولو آمن أهل الكتاب كما آمنوا وأمروا بالمعروف كما أمروا لكان خيرا لكم، وإنما لم يعطف الاستطراد الثاني

стр. 832

على الأوّل لتباعدهما وكون كل منهما نوعا من الكلام، والأذى إنما لستعمل في الضرر اليسير كما يشهد به الاستعمال، وتولية الإدبار جمع دبر كناية عن الانهزام معروفة. قوله: (ثم لا يكون أحد ينصرهم الخ) العموم مأخوذ من ترك الفاعل، وقوله: ما يكون بقول هو الأذى بتفسيره السابق، والدبرة بسكون الباء الانهزام، وعاقبتهم مأخوذ من ثم والعجز مأخوذ من النصرة لأنّ المحتاج إليها عاجز وعلى هذه القراءة الجملة معطوفة على جملة الشرط والجزاء، وثم فيه للترتيب والتراخي الإخباري ولو حملت على الحقيقي لأنّ النصرة ممتدة فهي باعتبار ما بعد الأوّل متراخية صح وكذا في القراءة الأخرى. قوله: (على أنّ ثم للتراخي في الرتبة الا في الزمان لمقارنته لا في الوجه الأوّل كما مرّ والزمخشرقي، وإن نص على أنها كذلك في الوجه الأوّل لكن تفاوت الرتبة ثمة بين الإخبارين وهنا بين الخبرين وهو المتبادر عند الإطلاق فلا فرق بين كلاميهما كما توهم وتقييده بقتالهم لترتبه عليه ترتب الجزاء على الشرط وكونها من المغيبات مشاهد. قوله:) هدر النفس والمال الخ) فسره به لأنه لا ذل فوقه وقدمه لأنّ قوله: ﴿إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ﴾ يقتضيه بحسب الظاهر، وضرب الذلة على تشبيهها بالقبة استعارة بالكناية واثبات الضرب تخييل أو تشبيه إحاطتها واشتمالها عليهم به استعارة تبعية وجعل النحرير: هنا كونه كناية كما في: في قبة ضربت على ابن الحشرج وهم فاسد ومرّ تحقيقه في البقرة وستأتي أشارة المصنف إليه في ضرب المسكنة. قوله:) استثناء من أعئم عامّ الأحوال (قالوا: إنّ هذه الإضافة من قبيل حب رمان زيد حيث لا رمان فإن المقصود إضافة الحب المختص بكونه للرمان إلى زيد وكون القصد إلى إضافة أعمّ العامّ الذي لا أعم منه في الجنس الذي منه الاستثناء من الفاعلية أو المفعولية أو الحالية أو نحوها لا إضافة العام، ومثاله ابن قيس الرقيات فإن الملتبس بالرقيات ابن قيس لا قيس وفي مثل هذا لا بد من ذكر المضاف والمضاف إليه ثم الإضافة، وتحقيقه أن مطلق الحب مضاف إلى الرمان والحب المقيد بالإضافة إلى الرمان مضاف إلى زيد ولا يصح جعل عام الأحوال! من قبيل جرد قطيفة لإفراده، ثم لما كان الاستثناء مفرّغا وهو لا يكون من غير الموجب إلا عند استقامة المعنى بالعموم أشار إلى توجيهه بما ذكر وهو يرجع إلى التأويل بالنفي أي لا يسلمون من الذلة إلا في هذه الحالة، وقوله: بذمّة إشارة إلى أن الحبل مجاز عن الذمّة المتمسك بها والتفسير الأوّل راجع إلى تفسير الذلة الأوّل والثاني إلى الثاني، وأشار بقوله: في عامّة الأحوال إلى الأعم المقدر المستثنى منه حالة الاعتصام. قوله: (رجعوا به الخ) إشارة إلى أن أصل معنى باء رجع وأن الرجوع به كناية عن استحقاقه واستيجابه من قولهم باء فلان بفلان إذا كان حقيقاً أن يقتل به أي صاروا أحقاء بغضبه وهو إرادة الانتقام منهم، وأمّا تفسيره في الحديث بالإقرار فمجاز. قوله: (ذلك إشارة إلى ما ذكر) إشارة إلى توجيه إفراده، وكون قتل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ليس حقا في اعتقادهم مرّ تحقيقه وجعل ذلك الثاني إشارة للكفر والقتل لقربه فلا يتكرّر، وقوله: وقيل إشارة إلى مرجوحية هذا بسبب تكرير ذلك وقوله: (معلل ومسبب) تفنن في العبرة وقوله: (في المساوي) متعلق بسواء، وأورد عليه أن الظاهر ترك كما في الكشاف لإيهامه أن يكون لكل منهم مساو لكن بعضهم أكثر من بعض فيها، والفائمة من قام اللازم بمعنى استقام والآناء الساعات مفردها قيل إني بوزن عصا وقيل إني كمعي، وقيل: إني بفتح فسكون أو كسر فسكون وقيل أنو فالهمزة منقلبة عن واو أو ياء وهو منصوب على الظرفية متعلق بيتلون أو بقائمة. قوله: (عبر عنه الخ (ضمير عنه للتهجد أي عبر عن صلاة الليل بالتلاوة والسجود، لأنه أبين أركانها المميزة لها عن العادة إذ صلاتها جهرية وأبلغ في المدح مما لو عبر بالتهجد لاحتمال معناه اللغوي لأنه تصوير لها بأحسن هيئة. قوله: (لما روي الخ) أخرجه ابن حبان والنساتي ولعل المحدثين فهموا منه ذلك لقرينة أو رواية فيه، والا فقد قيل إنه لحتمل أنّ أهل الكتاب يصلونها ولكن لا يؤخرونها لذلك الوقت وقوله: " غيركم منصوب خبر ليس ومن أهل الآديان حال من أحد مقدّم عليه وجملة يذكر الله صفتة ومنحرفون الخ " مأخوذ من قائمة وغير متعبدين مأخوذ من جملة يتلون، وملحدون في صفاته من يؤمنون بالله واليوم

стр. 833

الآخر، والمداهنة المداراة مجازاً من الدهن من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهكذا وقوله: الموصوفون بتلك الصفات مرّ تحقيقه في أولئك هم المفلحون، وقوله: رضاه وثناءه إشارة إلى أنّ المقصود المدح، ودلّ على الرضا واستحقاق الثواب الاتصاف بتلك الصفات السابقة. قوله: (فلن يضيع ولا يتقص الخ) يعني أنّ الكفران والشكر عبارة عما ذكر إذ لا نعمة لأحد عليه حتى تكفر أو تشكر وهو مجاز لا مشاكلة كما قيل، وقوله: البتة مأخوذ من لن فإنها لتأكيد النفي كما مرّ لكن الشكر ونقيضه يتعدى باللام على المشهور وهنا عدى لمفعولين نائب الفاعل والهاء لتضمينه معنى الحرمان ولو قصرت المسافة وجعل أوّلاً بمعنى الحرمان كان أولى، والقراءة بالغيبة بالنظر إلى أمّة وبالخطاب بالنظر إلى كنتم أو التفات. قوله: (بثارة لهم الخ) يعني في ذكر العلم بعد الصفات المذكورة إشارة إلى أنه علم حالهم ومجاهدتهم فيوفيهم أحسن ما عملوه، وفي وضع المتقين موضع الضمير إيذان بالعلة وأنه لا يفوز عنده إلا أهل التقوى فقوله: ( ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ الخ) مؤكد له ولذا فصل. قوله: (من العذاب الخ) الغناء لالفتح مصدر أغني أي أجزاه كما في الصحاح فشيئاً مصحدر لأنه لازم ومن للبدل أو الابتداء أو هو مضمر معنى الدفع والمنع وشيئاً مفعول به، والصاحب ليس هنا بمعناه اللغوي بل العرفي وهو الملازم. قوله: (ما ينفق الكفرة الخ (خص السمعة والمفاخرة بالكفرة لأنهما شأنهم وهم مجاهرون الكفر فلا يراؤون، وأمّا المنافقون فلا ينفقون على الكفرة وإنما ينفقون على المسلمين وذلك إما رياء أو خوف فلا معنى لما قيل لا وجه للتخصيص المذكور. قوله: (برد شديد الخ (أصل الصر كالصرصر الريح الباردة فيكون معنى النظم ريح قيها ريح باردة، وهو كما ترى يحتاج إلى التوجيه فقال في الكشاف فيه أوجه. أحدها: أنّ الصزفي صفته الريح بمعنى الباردة فوصف بها القرّة بمعنى فيها قزة صرّ كما تقول برد بارد على المبالغة. والثاني: أن يكون الصرّ مصدراً في الأصل بمعنى البرد فجيء به على أصله. والثالث: أن يكون من قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [سورة الأحزاب، الآية: ٢١] يعني أن الصرّ صفة بمعنى بادر موصوفه محذوف أي برد بارد فهو من الإسناد المجازي كظل ظليل وفيه يعد لأن المعروف في مثله ذكر الموصوف، وأمّا حذفه وتقديره فلم يعهد أو هو مصدر حقيقة بمعنى البرد، واستعماله بمعنى البارد مجاز وهنا جاء على الأصل وهو أظهر الأجوبة أو هو صفة واردة على التجريد كقوله: وفي الرحمن كاف أي هو كاف وجعله بعضهم أحسن الوجوه، والمصنف ﵀ تركه واقتصره على الأوّلين هـ قوله: (والمراد تشبيه الخ) يعني خص الحرث بحرث من ذكر، والا فكان يكفي في التشبيه كمثل حرث لأنه يقتضي أنّ إهلاكه عن غضب من الله وهو أشذ ولأنّ المراد عدم الفائدة في الدنيا والآخرة وإنما هو في هلاك ما للكافر، وأما غيره فمثاب على ما هلك له لصبره عليه فلا يضيع ذلك بالكلية كما صرّح به في الكشاف، وبحرث كفار إشارة إلى أن المراد بالظلم الكفر، واستأصلته بمعنى قلعته بأصله وأفنته وجعله من التشبيه المركب ولا يلزم فيه أن يكون ما يلي الأداة هو المشبه به كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ﴾ [سورة يونس، الآية: ٢٤] وقد مرّ في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء﴾ أسورة البقرة، الآية: ٩ ا] وأن تقدير ذوي إنما هو لضرورة مرجع الضمير وأنه إذا صرّح بتشبيه المثل بالمثل لزم أن يراعي فيما يضاف إليه المثل من الجانبين المماثلة ولذا قدر في هذه الآية المهلك أو الإهلاك على أنه من المركب الحسيئ أو العقليّ، والوجه قلة الجدوى والضياع، ويجوز أن يكون من التشبيه المفرد فيشبه إهلاك الله بإهلاك الريح والمنفق بالحرث وجعل الله أعمالهم هباء بما في الريح الباردة من جعله حطاما ومهلك على صيغة المفعول. قوله: (وقرئ ولكق الخ) وتقديم أنفسهم على القراءتين للفاصلة لا للحصر والا لا يتطابق الكلام لأنّ مقتضاه ما ظلمهم الله ولكن هم يظلمون أنفسهم لا أنهم يظلمون أنفسهم لا غيرهم، وعلى قراءة التشديد أنفسهم اسمها وجملة يظلمون خبرها والعائد محذوف تقديره يظلمونها وليس مفعولاً مقدماً واسمها ضمير الشأن لما ذكر وقوله: (ولكن الخ) من قصيد للمتنبي يمدح بها سيف الدولة أوّلها: لعينيك مايلقي الفؤادومالقي وللحبّ مالم يبق مني ومابقي

стр. 834

ومنها: وماكنت ممن يدخل العشق قلبه ولكن من يبصرجفونك يعشق ومن شرطية لجزمها الفعل، ولا تدخل عليها النواسخ لصدارتها ولأنها تبقى بلا خبر. قوله: (وليجة وهو الذي الخ) الوليجة من الولوج فهي ما كان داخل الشيء كالبطانة التي تلي الجسد فاستعيرت لمن اختص بك بدلالة قولهم ليست فلانا إذا اختصصته، والشعار بالكسر اللباس الذي يلي الجسد لأنه يلي شعره والدثار هو اللباس الذي يكون فوقه، وسمي شعاراً لأنه علامة لصاحبه وقوله: ﵊ الخ) رواه الشيخان قاله ﷺ حين فتح حنينا في حديث طويل أي أنهم الخاصة والبطانة وغيرهم العامة والدثار. قوله: (من دون المسلمين الخ (يعني الضمير للمسلمين ومن دونكم إمّ بمعنى غيركم لأنّ دون بمعنى غير كقوله تعالى: ﴿أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ﴾ [سورة المائدة، الآية: ١٦ ا] أي غير الله أو بمعنى إلا دون والدني أي ممن لم تبلغ منزلته منزلتكم في الشرف والديانة. قوله: الا يقصرون الخ (يعني إلا لو التقصير والخيال الفساد مطلقا، وأصله الفساد الذي يلحق الحيوان فيورثه اضطرابا كالمرض والجنون، يقال: ألى في الأمر بقصر الهمزة بوزن غزا قالوا: وأصله أن يتعدّى بحرف الجر فهو لازم فلدا قدره بتقدير اللام وفى فيكونان منصوبين على نزع الخافض، واليه ذهب ابن عطية أو متعد إلى مفعولين كما قالوا: لا آلوك نصحا وجهداً بمعنى لا أمنعكه ولا أنقصكه على التضمين لأنّ من قصر في حقك فقد منعك قال السمين ﵀ والتضمين قياسيّ على الصحيح، وان كان فيه خلاف واه أو هو متعد إلى واحد وهو الضمير وخبالاً منصوب بنزع الخافض أي لا يألونكم في الخبال أو تمييز أو مصدر في موضع الحال ففيه ثلاث وجوه. قوله: (تمنوا عشكم وهو شدّة الضرر) . قال الراغب في مفرداته: الودّ محبة الشيء وتمني كونه، ويستعمل في كل وأحد من المعنيين، والعنت من المعانتة كالمعاندة لكن المعانتة أبلغ لأنها معاندة فيها خوف هلاك، وعنت فلان إذا وقع في أمر يخاف منه الهلاك ويقال للعظم المجبور إذا أصابه ألم فهاضه قد أعنته، فمن قال الود أعثم من التمني لأنه في المحال أو المستبعد، ولذا اختير هنا عليه لأنه لا يناسب مقام التحذير لأنه إذا تصوّر بعدما يودّه من الوقوع هان عليه أن يعده غير معلوم فتفسيره به بعد عن التأمل لم يصب، وقوله: لا يتمالكون أنفسهم أي يملكون منعها مما جبلوا فإبداؤها للمسلمين على هذا، وهو أحسن من تفسير قتادة بإبداء بعضهم لبعض لأنه لا يناسب ما بعده وقوله: (ليس عن رؤية واختيار) بل فلتة ومثله يكون قليلا. قوله: (والجمل الآربع الخ) في الكشاف فإن قلت كيف موقع هذه الجمل، قلت: يجوز أن يكون لا يألونكم صفة للبطانة، وكذلك قد بدت البغضاء كأنه قيل بطانة غير آليكم خبالاً بادية بغضاؤهم، وأمّا قد بينا فكلام مبتدأ، وأحسن منه وأبلغ أن تكون مستاً نفات كلها على وجه التعليل للنهي عن اتخاذهم بطانة قيل يعني لا يألونكم، وقد بدت البغضاء، وقد بينا الآيات لظهور أن وما تخفى صدورهم حال وأن ودوا ما عنتم بيان وتأكيد لقوله: الا يألونكم خبالا (فحكمه حكمه ولذا لم يذكره عند تفصيل المواقع، وقيل: لأنه لما وقع بين الصفتين تعين أنه صفة وإنما كان أحسن ما في الاستئناف من الفوائد وفي الصفات من الدلالة على خلاف المقصود أو إيهامه لا أقل وهو تقييد النهي، وليس المعنى عليه، وأمّا على كلام المصنف فهي لا يألونكم ودّوا ما عنتم قد بدت البغضاء قد بينا لكم الآيات لا وما تخفى صدورهم لما مرّ فلا حاجة له إلى ما سبق من التوجيه والحدس الظاهر عند التأمّل، وقوله: للتعليل أي لبيان وجه النهي كانه قيل لم نهيتم عنه، وليس المراد أنها كلها علة مستقلة ترك عطفها للاستقلال وقيل الأحسن أن يجعل كل مستأنفا عما قبله على الترتيب كأنه قيل لم لا نتخذهم بطانة فأجيب لأنهم لا يقصرون في إفساد أمركم فقيل: ولم يفعلون ذلك فقيل لأنهم يبغضونكم ولما ترتب كل على الآخر صح جعلها كلها علة للنهي عن اتخاذهم بطانة، وأورد عليه أنه لا يحسن في قد بينا إذ لا يصح تعليلاَ لبدوّ البغضاء ويصلح تعليلاً للنهي، وان كان الأحسن أن يكون ابتداء كلام فتأمل. قوله:) أي أنتم أولاء الخاطئون الخ) الخاطى بمعنى المخطئ هنا وإن قيل بينهما فرق وليس هذا محله وفي إعرابه مذاهب

стр. 835

للنحاة أظهرها أن أنتم مبتدأ واسم الإشارة خبره والجملة بعده حال والعامل فيها ما في الإشارة أو التنبيه من معنى الفعل كما حقق في العربية لأنّ العرب قالوا ها أنت ذا قائما فصرّحوا بالحالية، وان كان المعنى على الإخبار بالحال لأنه المقصود بالاستبعاد ومدلول الضمير اسم الإشارة متحد، وقيل أنتم مبتدأ والجملة خبره نقله المعرب عن ابن كيسان وغيره، وأولاء منصوب على النداء أو الاختصاص وضعفوه بأنه خلاف الظاهر والاختصاص لا يكون باسم الإشارة، وقيل: هو مبتدأ وخبر وا) جملة مستأنفة للبيان وقال الرضي: ليس المراد من ها أنا وها أنت ذا تعريف نفسك أو المخاطب إذ لا فائدة فيه بل استغراب وقوع الفعل المذكور بعده منك أو من مخاطبك وأنه كان غير متوقع فالجملة لازمة لبيان الحال المستغربة ولا محل لها إذ هي مستأنفة. وقال البصريون: هي حالية في محل نصب، وهي لازمة إذ هي المقصود الذي تتم به الفائدة وردّه بما بيناه في حواشيه قيل: فقد فات المصنف أرجح التوجيهات وهو كون يحبونهم جملة مستأنفة. ولو قال أو خبر ثان لم يفته فلعله سبق قلم وما سوى الحال ابتداع منه منشؤه عدم الاطلاع ومتابعة العقل مع أنه لا يخفى حال الحال، ولا يخفى أنه مجازفة منه فإنّ المتقدّمين جوزوا في هذه الجملة الخبرية كما مرّ نقله. ووجوه التركيب لا حجر فيها، وما ردّه الرضيّ هو الظاهر من كلام المعرب وما قاله بحث يظهر جوابه بالتأمل فلا تغترّ بالتجويز العقلي، وعلى أنّ المعنى تحبون هؤلاء يكون المشار إليه الكفار ويتغاير مدلوله ومدلول الضمير وقوله: (أوصلته) بناء على أن أسماء الإشارات تكون موصولة كما مرّ، وإذا عمل فيه معنى الإشارة فعاملهما بحسب التحقيق واحد لأنه في معنى أشير إليكم في هذه الحالة، وسيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى فلا يرد أن اسم الإشارة خبر وعامله المبتدأ أو الابتداء وعامل الحال معنى الفعل فيه والإشارة للتحقير فاستعملت هنا للتوبيخ كأنه ازدرى بهم لظهور خطئهم، فافهمه. قوله: (بجنس الكتاب الخ) كله تأكيد للجنس لا للكتاب وكونه من قبيل الرجل أي الكامل كما قيل تعسف وكونهم لا يؤمنون بكتابكم مأخوذ من فحوى الكلام ومما بعده، وأشار بقوله: وأنكم تؤمنون إلى أنّ الجملة مؤوّلة بالاسمية ولذا قرنت بالواو، والمعروف فيه تقدير أنتم ولم يجعل معطوفا على ولا يحبونكم أو تحبونهم كما ارتضاه أبو حيان لأنه في معرض التخطئة، ولا كذلك الإيمان بالكتاب فإنه محض الصواب وان أعتذر له بأنّ المعنى يجمعون بين محبة الكفار والإيمان وهما لا يجتمعان لبعده والحالية مقرّرة للخطأ فتأمل. قوله: (وفيه توبيخ (أي في قوله: ها أنتم الخ لا في هذه الجملة فقط، كما توهم وقوله: لم يجدوا إلى التشفي سبيلاً المراد بالتشفي شفاء الصدر بنيل المراد، وعض الأنامل عادة النادم العاجز، فلذا فسره بما ذكر. قوله: (دعاء عليهم بدوام الغيظ الخ) هذا من الكناية لأنّ الموت على الغيظ يلزمه استمراره عرفا، ويلزم من ذلك قوّة الإسلام وتزايده عصراً بعد عصر قال النحرير ﵀: يشير إلى أنه من كناية الكناية غير مدعي موتهم بالغيظ بل ملزومه الذي هو دعاء ازدياد غيظهم إلى حد الهلاك وبه عن ملزومه الذي هو قوّة الإسلام وأهله وذلك لأنّ مجرّد الموت بالغيظ أو ازدياده ليس مما يحسن أن يطلب ويدعي. (قلت) المجاز على المجاز مذكور، وأمّا الكناية على الكناية فنادرة وقد صرح بها السبكي في قواعده الأصولية ونقل فيها خلافا إلا أنه ما الفرق بين الكناية بوسايط والكناية على الكناية فإنه محتاج إلى التأمل الصادق ومن العجب ما قيل كونه دعاء عليهم مما اتفقت عليه كلمتهم وفيه خفاء إذ في الدعاء لا يخاطب المدعوّ عليه بل الله تعالى ويسأل منه ابتلاؤه، وهو غفلة عن قولهم قاتلك الله وقولهم دم بعز وبت قرير عين وغيره مما لا يحصى. قوله: (بمعنى قل لهم ذلك ولا تتعجب الخ (إن كان المخاطب بقل كل من يقف على الكلام فلا كلام في كون التعجب على حقيقته وظاهره وان كان النبيّ يكتي! فهو خارج مخرح العادة مجازا والمراد منه تعظيم الله والنظر فيما تكل العقول عنه من دقائق علمه على ما حققه الزمخشرفي وغيره في قوله: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [سورة مريم، الآية: ٣٨] كما سيأتي، ومن لم يتنبه لهذا قال النهي عن التعجب المذكور يفيد أنّ النبيّ ﷺ لم يعلم اطلاعه على ما في الصدور فالوجه الأوّل وهو من قلة التدبر. قوله:

стр. 836

(والمس مستعار للإصابة) أي فإنّ المس اللمس الخفيف فتجوّز به عما ذكر يعني أنهما بمعنى، وأنّ المغايرة بينهما للتفنن فلا يسأل لم عبر في أحدهما بالمس وفي الآخر بالإصابة، وقد سوّى بينهما في غير هذا الموضع كقوله: ﴿إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾ [سورة التوبة، الآية: ٥٠] وقوله: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [سورة المعارج، الآية: ٢٠] والأحسن ما قيل إنه للدلالة على إفرإطهم في السرور، والحزن لأنّ المس أقل من الإصابة كما هو الظاهر فإذا ساءهم أقل خير نالهم فغيره أولى منه وإذا فرحوا بأعظم المصائب مما يرثي له الشامت والحاسد فهم لا يرجى موالاتهم أصلا فكيف تتخذونهم بطانة فهذا أنسب بالمقام. قوله: (بفضل الله وحفظه الخ (على الأوّل نفي الضرّ على ظاهره وعلى الثاني نفي عدم المبالاة به، وفي الكشاف هذا تعليم من الله، وارشاد إلى أن يستعان على كيد العدوّ بالصبر والتقوى، وقد قال الحكماء إذا أردت أن تكبت من يحسدك فازدد فضلا في نفسك، ومنه أخذ الشافعي ﵁ توله: إذا ما شئت إرغام الأعادي بلا سيف يسل ولا سنان فزد في مكرماتك فهي أعدى على الأعداء من ثوب الزمان وقد قيل عليه إنّ ما ذكر الحكماء معناه إنك كلما ازددت فضلاً في نفسك ازداد الحسود احتراقا بناء الحسد فكان هذا مقابلة له بالإيذاء والإضرار الأشد، وما في الآية أنك ببركة الصبر والتقوى لكونهما من محاسن الطاعات ومكارم الأخلاق تكون في كنف الله وحمايته من أن يضرك كيد عدوّ وتكلف الجواب بأن فضلا مطلق ينصرف إلى الكامل وهو التقوى وكذا الكبت محمول على ما هو من جهة الله لأنه أكمل من غيره والظاهر أنه تنظير له لاشتراكهما في المفع عن الاشتغال بالعدوّ بالاشتغال بالطاعة أو تكميل النفس كما أن في الأوّل كفاية الله وفي الثاني كفاية بهلاك العدوّ. قوله: (وضمة الراء الخ) أي لاتباع ضمة الضاد كما تقرّر في المجزوم والأمر المضاعف المضموم العين والجزم مقدر، ويجوز الفتح للخفة والكسر لأجل تحريك الساكن فلا حاجة إلى ما قيل إنه مرفوع بتقدير الفاء. قوله: (واذكر الخ) إشارة إلى ما مز في أمثاله وقوله: من حجرة عائشة ﵂ إشارة إلى أنه على تقدير مضاف إذ المعنى من عند أهلك، وقراءة اللام شاهدة لأنه بمعنى تهيئ وتسوى المعدى بها إذ ليس محل التقوية والزيادة غير فصيحة في مثله، والمقعد والمقام محل القعود والقيام، ثم توسع فأطلقا بطريق المجاز على المكان مطلقاً وان لم يكن فيه قيام وقعود وقد يطلق على من به كقولهم المجلس السامي والمقام الكريم. قوله:) سميع لأقوالكم عليم بنياثكم) إن كان سميع وعليم كرحيم من صيغ المبالغة الملحقة باس الفاعل كما ذكره سيبويه فهذا بيان لتقدير معموله واللام للتقوية كما صرح به قوله: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء﴾ أسورة إبراهيم، الآية: ٣٩] دمان كانا صفة مشبهة فلا عمل لهما في المفعول، فهذا بيان لمحصل المعنى والحديث المذكور رواه ابن جرير والبيهقيّ من طريق ابن إسحق، وقوله: شرّ محبس أي أخبث مكان يقيمون به إذ لا ماء فيه ولا طعام والإشارة إلى الخروج رأيه والقول به والأصل فيه التعدي بعلى والبقر الجماعة المقاتلة لأنها معدة للعمل وقوله: (أوّلتها خيراً (لم يذكره لأن المراد كثرة الشهداء، وجعله خيوا لما فيه من الأجر العظيم، وذباب السيف طرنه والثلم بالمثلثة الكسر وقوله: (فأوّلته هزيمة) في النهاية فأوّلته أن يصاب رجل من أهلي فقتل حمزة وادخال يده في الدرع تحصين أصحابه بها دونه لأنه معصوم، ولهذا لم يقل لبستها. قوله:) فلما رأوا ذلك) أي ما صنعه النبيّ ﷺ ، ولأمته بالهمزة وتبدل ألفاً بمعنى الدرع وقيل السلاح، والشعب بالكسر الطريق في الجبل وتشعبت الشيء بمعنى فرقته وجمعته ضد وعدوة الوادي بضتم فسكون جانبه وقوله عبد القه بن جبير هو ابن نعمان الأنصاري وهو الصحيح، ووقع في البخاري وفي الكشاف بجير وهو علم آخر وأمر بالتشديد أي جعله أميراً والنضح بالنبل الرمي مستعار من نضح الماء وقوله: (متعلق بسميع عليم) يعني على التنازع لا بهما معافان كانا صفتين فظاهر أيضا لأنها تعمل في الظرف والا فأظهر وليس المراد تقييد كونه سميعا عليما

стр. 837

بذلك الوقت، وجناح العسكر جانبه وله جناحان وقلب وساقة ومقدمة، ولذا سمي خميسا، وقوله: في زهاء ألف بالمذ والضم أي مقداره، وهو مروفي عن السدفي، وقوله: لا ينبغي لنبيّ إذا لبس لأمته أي عزم أن يرجع، والشوط بشين معجمة وواو ساكنة وطاء حائط عند جبل أحد ومكانه القريب منه وأصل معناه المرّة من الجري فمن قال السوط: بالمهملات الخلط أي لما بلغوا مقام الخلط أي المحاربة ومخالطة العدوّ فقد خلط وقوله: انخزل ابن أبيّ أي انقطع ورجع لنفاقه وقوله:) أنثدكم الله) تسم أي أسألكم بالله والله منصوب والحيان المراد بهما الطائفتان السابقتان. قوله: (والظاهر أنه ما كانت عزيمة (أي أنّ الهمّ المذكور وتأنيث ضميره لمراعاة الخبر أي لم يكن ذلك عن عزم وتصميم على مفارقة النبيّ ﷺ ، ومخالفته لأنه لا يصدر مثله من مؤمن بل مجرّد حديث نفس ووسوسة كما في قوله: أقول لها إذا جشأت وجاشت مكانك تحمدي أو تستريحي لأنّ من نصره الله وعصمه لا يثبت على مثل هذا العزم بل هو مخذول منافق، ولذلك قال: منكم إشارة إلى أنهما من المسلمين، وقوله: ولا يتوكلوا على غيره الحصر من تقديم المعمول، وبدر اسم رجل من الجاهلية سمي باسمه بئر حفرها ثم سمي ذلك المكان جميعه به، وأذلة جمع قلة ولكونه مضاعفاً لم يجمع على ذلل ولا على ذلائل لأنه جمع كثرة وتفسيره الذلة بعدم العدة لأنه ليس بمعنى الذل المعروف، وبتقواكم باؤه سببية متعلق بأنعم، ومن نصره بيان لما، وقوله: أو لعلكم ينعم الله عليكم فهو كناية أو مجاز عن نيل نعمة أخرى توجب الشكر وقوله: وقيل بدل ثان والأوّل إذا همت، وعلى هذا فالقول المذكور بأحد، ولما كان النصر بالملائكة ببدر أشار إلى أنّ قوله هذا كان مشروطاً فيه الصبر والتقوى عن المخالفة فلذا لم يقع لتخلف شرطه. قوله: (وإنما جيء بلن الخ (لأنها لتأكيد النفي كما مرّ وهذا مذهب لبعض النحاة، وقوله: (بألف الخ) إشارة إلى التوفيق بين ما وقع في الآيات. وقوله: (للتكثير أو للتدريج) إشارة إلى الفرق بينهما كما مرّ. وقوله: (الزيادة) أي على الثلاثة آلاف بأن جعلها خمسة. قوله: (وهو في الأصل الخ) أي من فارت القدر إذا غلت، ثم استعمل للسرعة من غير ريث أي بطء من قولهم ريثما، والفوّارة القدر، وفوّارة الماء على التشبيه وتوصف به النار والغضب مجازاً وقوله: بلا تراخ مأخوذ من الشرط ومسوّمين على الفتح بمعنى معلمين من السمة، وهي العلامة نقل أنهم كانوا بعمائم صفر وقيل على خيل بلق، وقيل: على خيل محزوزة الأذناب وعلى قراءة الكسر فالمعنى أنهم مسوّمين أنفسهم ومعلميها بعلامات، أو هما من الأسامة والمراد الإرسال لهم أو لخيلهم وقوله: إلا بشارة هذا يقتضي أنهم عرفوهم بإعلام النبيّ ﷺ لهم بقوله: " تسوّموا " الحديث وهو حديث مرسل رواه ابن إسحق وغيره، وفيه أنه أوّل يوم وضعت فيه الصفوف، وأتا اطمئنان القلب فلا يقتضيه لأنه بكثرة الجند مطلقا وهو المراد من الأسباب، والحث على عدم المبالاة بالمتأخرين لتأييدهم بالملائكة بدلهم، وأقضية جمع قضاء بمعنى مقضيّ به وحمل الحكمة على فعله النصر على مقتضاها لأنه المناسب للمقام. قوله:) متعلق بنصركم الخ) فيكون في شأن بدر لما قتل فيه من المشركين فقطع طرف منهم وفز منهم قوم فكبتوا وهذا على تقدير أن يجعل إذ تقول ظرفاً لنصركم لا بدلاً من إذ غدوت لئلا يفصل بأجنبيّ ولأنه كان يوم واحد، وأما تعلقها بالنصر فهل العامل فيه النفي المنقوض بإلا أو النصر الواقع

стр. 838

مبتدأ ظاهر كلام المصنف ﵀ الثاني، وكلام الكشاف الأوّل والألف واللام للعهد أي النصر الواقع في يوم بدو وسكت عنه الزمخشريّ، ولو حمل على الجنس لصح أي وما نصر الله إلا لإعزاز دينه وخذل أعدائه، وصناديد جمع صنديد وهو الرئيس، قال الطيبي: جعلهم أشرافا لأنه كان في الواقع كذا، وتنكير طرفاً يدل عليه وفي الأساس وهو من أطراف العرب أي أشرافها، وقيل: تخصيص الطرف لأنّ أطراف الشيء يتوصل بها إلى توهينه وازالته. (قلت) كون الأطراف بمعنى الإشراف لتقدمهم في السير، ونحوه الأطراف منازل الأشراف، والناس تستعمله الآن لعكسه والكبت الغيظ والغنم المؤثر وقيل: إنّ كبته يكون بمعنى كبد. أي أصاب كبده كرآه بمعنى أصاب رئته وإنه مراد المتنبي بقوله: لا كبت حاسداً وأرى عدوّاً كأنهما وداعك والرحيل أي لا وجع كبده ورئته، وشبه الحاسد بالوداع لما فيه من زوال نعمة الوصال التي يتمناها الحاسد والعدوّ بالرحيل لأنه قاتل مبغوض، وهو معنى حسن، وإنما حمل أو على التنويع دون الترديد لأنهما وقعا. قوله: (عطف على قوله أو يكبتهم الخ (في الكشاف عطف على ما قبله منقوله ليقطع أو ليكبت ويحتمل عطفه على ينقلبوا وله وجه قال النحرير: وجه سببية النصر على تقدير تعلق اللام بقوله: وما النصر إلا من عند الله ظاهر، وأما على تعلقها بقوله: ولقد نصركم الله فلأن النصر الواقع من أظهر الآيات فيصلح سبباً للتوبة على تقدير الإسلام أو لتعذيبهم على تقدير البقاء على الكفر لجحودهم بالآيات وان أريد تعذيب الدنيا بالإسر فظاهر فإن قيل هو يصلح سبباً لتوبتهم، والكلام في التوبة عليهم قلنا يصلح سببا للإسلام الذي هو سبب التوبة عليهم فهو سبب لها بالواسطة. قوله: (ويحتمل أن يكون معطوفاً الخ) قال قدس سره: لما كان في وجه سببية النصر للتوبة والتعذيب خفاء وفي الفصل مع الاعتراض بعد ذهب بعضهم إلى أنه ليى معطوفا على يقطع بل بإضمار أن من عطف الفعل المضارع المنصوب على الأمر أو شيء وهو من عطف الخاص على العام، وفي كونه بأو نظر وذهب بعضهم إلى أنها بمعنى إلا أن وهو معروف في النحو، وقيل في الفرق بين العطف على الأمر وشيء أنّ الأوّل سلب توابع التوبة من القبول والردّ، توابع التعذيب من الخلاص والمنع من النجاة. والثاني سلب نفس التوبة والتعذيب يعني أنك لا تريد بالتوبة ما هو سبب التوبة عليهم أعني الإسلام إذ لم يذكر توبتهم وقيل هذا إذا كان الأمر بمعنى الشأن، ولك أن تجعله بمعنى التكليف والإيجاب أي ليس ما تأمرهم به من عندك، ولا يخفى ما في حمله على التكليف من التكلف. قوله: (روي أنّ عتبة بن أبي وقاص الخ) أخرجه عبد الرزاق وابن سعد وابن جرير عن قتادة وهو في الصحيح من حديث سهل بن سعد وليس فيه ذكر عتبة، وقوله: وكسر رباعيته بتخفيف الياء هي من مقدم الأسنان، وفيه تصريح بأنها لم تقلع من أصلها بل كسر طرفها وهو المصرّح به في السير، وإنما أوّل الظلم باستحقاق التعذيب لأنه المتفرّع على التعذيب، ولولاه لكان الظاهر العكس. وقال النحرير ﵀: أنّ قوله:) شجه الخ) يشبه أن يكون وجها آخر في معنى (ليس لك من الأمر) الخ وهو أنه نوع معاتبة على إنكاره فلاح القوم، وكذا القيل الآخر فإنه نهى له عسير أن يدعو عليهم، وقيل: هما لمجرّد بيان سبب النزول، وقوله: (قله الأمر كله الا لك فهو بيان لما قبله. قوله: (صريح في نفي وجوب التعذيب الخ) هذا ردّ على الزمخشرفي إذ قيده بما ذكر بقرينة ما قبله واستدل به على مذهبه من وجوب تعذيب العاصي واثابة المطيع، ولا يخفى أن التقييد خلاف الظاهر، وان تعليقه بمشيثته ناطق بالإطلاق، مع أنّ الآية في الكفار فكيف يستدل بها على إغراضه الفاسدة لكن العصبية تعمي وتصمّ، وقوله: فلا تبادر إلى الدعاء الخ مبنيّ على القيل الأخير. قوله: الأ تزيدوا زيادت مكرّرة) إشارة إلى أن التضعيف بمعنى التكرير مطلقا وعنب الخيل رحمه الله تعالى التضعيف أن يجعل الشيء مثلين أو أكثر وضعف الشيء مثله وضعفاه مثلاه وأضعافه أمثاله، وفي الكشف الضعف اسم ما يضعف الشيء كالثني، اسم ما يثنيه من ضعفت الشيء بالتخفيف فهو مضعوف على ما نقله الراغب بمعنى ضعفته

стр. 839

وهو اسم يقع على العدد بشرط أن يكون معه عدد آخر فأكثر، والنظر فيه إلى ما فوق بخلاف الزوج فإنّ النظر فيه إلى ما دون فإذا قيل ضعف العشرة لزم أن تجعلها عشرين بلا خلاف لأنه أوّل مراتب تضعيفها ولو قال له عندي ضعف درهم لزمه درهمان ضرورة الشرط المذكور كما إذا قيل هو أخو زيد اقتضى أن يكون زيد أخاه، وإذا لزم المزاوجة دخل في الإقرار، وعلى هذا له ضعفا درهم منزل على ثلاثة دراهم وليس ذلك بناء، على ما يتوهم أنّ ضعف الشيء موضوعه مثلاه، وضعفيه موضوعه ثلاثة أمثاله بل ذلك لأن موضوعه المثل بالشرط المذكور، وهذا مغزي الفقهاء في الأقارير والوصايا، ومن البين في ذلك أنهم ألزموا في ضعفي الشيء ثلاثة أمثاله ولو كان موضوع الضعف المثلين لكان الضعفان أربعة أمثاله ومنه يظهر أنه لا حاجة إلى اعتذار الأزهري ﵀ عنهم بأنه على المتعارف العامي لأنه المعتبر في الأقارير ونحوها لا على الموضوع اللغوي، وكذلك ظهر أنه لو قال له على الضعفان درهم ودرهم أو الضعفان من الدراهم لم يلزم إلا درهمان كما لو قال هما الأخوان وكذلك لو قال: أعطه الضعفين كان أمراً بإعطاء زوجين وهذا معنى قول الراغب هو كالزوجين لأنّ كلا منهما يزاوج الآخر ويضاعفه، وظهر أنّ تفسير أبي عبيدة في قوله تعالى: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ أي ثلاثة أعذبة كما ذكره الأزهري وأيده بأنها تؤتي الأجر مرتين فكيف يزاد في عذابها، وأن قوله: أولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا صحيح لتنزيله على عشرة الأمثال كما ذكره أيضا لأنه ليس مقصورا على مثل واحد كما مرّ، وحاصله أنّ تضعيف الشيء ضمّ عدد آخر إليه، وقد يزاد وقد ينظر إلى أوّل مرأتبه لأنه المتيقن ئم إنه قد يكون الشيء المضاعف مأخوذا معه فيكون ضعفاه ثلاثة وقد لا يكون فيكون اثنين وكل هذا موضوع له في اللغة لا عرف كما توهموه فاحفظه فإنه مما اضطرب فيه كلامهم. قوله: (ولعل التخصيص الخ) دفع لما يتوهم من أنه لم ينه عن الربا مطلقا بل إذا كان مضاعفا فأجاب بأنه وقع منهم كذلك فلذا خص ومثله لا مفهوم له، والطفيف بالطاء المهملة وفاءين القليل، وقيل: إن حرمته علمت من دليل آخر كاية وأحل الله البيع، وحزم الزبوا وقوله: راجين الفلاح إشارة إلى أنّ الرجاء منهم لا من الله وأنّ الجملة في موقع الحال، وقوله: بالتحرز متعلق باتقوا واشارة إلى أنّ التقوى بمعناها اللغوي وأنّ الكافرين وضع موضع المرابين للتغليظ والتهديد وأنّ إطلاقه عليهم لمشابهتهم لهم في تعاطي ما تعاطوه، وجعلها مخلوقة معدة لهم إشارة لما ذكره، وترهيبا وترغيبا لف ونشر مرتب وعزة التوصل تستفاد من الترجي، ولما كانت المبادرة إلى ما يفعله المبادر أوّل المغفرة بما ذكر.. قوله: (وذكر العرض للميالغة الأنه أقصر الامتدادين، وزاد في المبالغة بحذف أداة التشبيه وتقدير المضاف فليس المقصود تحديد عرضها حتى يمتنع كونها في السماء بل هو كناية عن غاية السعة بما هو في تصوّر السامعين كذلك قال النحرير: وهو مناف لقول المصنف إنها خارجة عن هذا العالم، وما نقله عن ابن عباس ﵄ رواه ابن جرير. قوله: (وفيه دليل على أنّ الجنة مخلوقة) أي كما يدل عليه الفعل الماضي وكونها خارجة عنه لأنها أعظم منه فلا يمكن أن يكون محيطاً بها، وفيه نظر لأنه مبالغة ولم يقصد ظاهره كما مرّ والسرّاء الحالة التي تسرّ، وهي الرخاء والضراء التي تضرّ ضدّها فالمراد بهما ظاهرهما أو التعميم كما عهد في أمثاله، ويخلون بتشديد اللام من الإخلال. قوله: (الممسكين الخ (بين معناه وحقيقته، ولما كان الإمساك فعلا اختيارياً اقتضى أنه عن قدرة لا عن عجز لاً نه هو الممدوح، والحديث أخرجه أحمد وعبد الرزاق عن أبي هريرة ﵁، وفي ملء قلبه بما ذكره جزاء من جنس العمل. قوله: (التاركين الخ) المؤاخذة مفاعلة من أخذ والمراد المعاقبة المسببة عنه، والحديث في الفردوس، وقوله: لا من عصم الله اسنثناء منقطع إن كانت القلة على ظاهرها ومتصل إن كانت بمعنى العدم، وكون بعض الخصائص في الأمم السالفة لا يقتضي تفضيلهم على هذه الأمة من كل الوجوه حتى يتكلف لتأويله بما لا طائل تحته وقوله: فعلة بالغة في القبح كالزنا جعل التاء أو التنوين للمبالغة، وخص الزنا بالتمثيل لأنّ سبب النزول كان ذلك كما ذكر. الواحدي ﵀. قوله: (بأن أذنبوا أيّ ذنب كان) فهو من ذكر العام بعد الخاص

стр. 840

وعلى ما بعده هما متغايران وأو للتنويع على الوجوه، وأشار بقوله: تذكروا إلى أنه ليس المراد مجرّد ذكر اسمه كما أنه ليس المراد من الاستغفار مجرّد طلب المغفرة بل الندم والتوبة. قوله: (والمراد به وصفه بسعة الرحمة (سعتها تؤخذ من أنه لا يغفر جميع الذنوب إلا هو إذ يلزمه شمول المغفرة والرحمة وهو عين سعتها، فإن قلت: هذا ترديد بين الخاص والعام، وقد تقدم أنّ أولاً تعطف مثله فما وجهه، قلت: وجه بأنه ترديد بين فرقتين من يستغفر للفاحشة ومن يستغفر لأقي ذنب صدر عنه، وكم بينهما وكأنّ من خصصه احترز عن هذا، وكون الاستفهام نفياً يصحح الاستثناء المفرغ ظاهر، وأما احتمال أنّ الجملة حالية بتقدير قائلين فتعسف بارد. قوله: (ولم يقيموا على ذنويهم غير مستغفرين الخ) غير مستغفرين حال من الضمير في يقيموا والمجموع تفسير لقوله: ولم يصرّوا لأن الإصرار الإقامة على القبيح من غير استغفار ورجوع بالتوبة، وأمّا توهم أن عدم الاستغفار قيد في عدم الإصرار والمعنى لم يكونوا مصرين غير مستغفرين فلا طائل تحته كذا قال النحرير ﵀ وقوله:) ما أصرّ من استغفر (الحديث أخرجه الترمذفي وأبو داود عن الصذيق ﵁. قوله: (وهم يعلمون حال الخ) قيل الحال بعد الفعل المنفيئ، وكذا جميع القيود قد تكون راجعة إلى النفي قيداً له دون المنفيّ مثل ما جئتك لاشتغالي بأمورك أو مشتغلا بها بمعنى تركت المجيء لذلك، وقد تكون إلى ما دخله النفي مثل ما جئتك راكبا وما ضربت تأديبا، وهم يعلمون ليس قيداً للنفي لعدم الفائدة لأنّ ترك الإصرار موجب للأجر والجزاء سواء كان مع العلم بالقبح أو مع الجهل بل مع الجهل أولى وإذا قيد الفعل المنفيّ فله معنيان. أحدهما: وهو الأكثر أن يكون النفي راجعا إلى القيد فقط ويثبت أصل الفعل، مثل ما جئت راكبا بمعنى جئت غير راكب وقد ذكر في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [سورة الفرقان، الآية: ٧٣] أنه نفي للصمم والعمي وأثبات للخرور وأنّ النفي إذا ورد على ذات مقيدة بالحال يكون إثباتا للذات ونفياً للحال، وهذا أيضا ليس بمراد إذ ليس المعنى على إثبات الإصرار ونفي العلم. وثانيهما: أن يقصد نفي الفعل والقيد معاً بمعنى انتفاء كل من الأمرين مثل ما جئتك راكبا بمعنى لا مجيء ولا ركوب وهذا أيضاً ليس بمناسب إذ ليس المعنى على نفي العلم والإصرار أو بمعنى انتفاء الفعل من غير اعتبار لنفي القيد واثباته، وهذا هو المناسب في الآية أي لم يصرّوا عالمين بمعنى أنّ عدم الإصرار متحقق البتة، وعلى هذا ينبغي أن يحمل وحرف النفي منصت عليهما معا والحاصل أنّ النفي في الكلام قد يكودط لنفي القيد والمقيد بمعنى انتفاء كل من الفعل والقيد أو القيد فقط، وردّ بأنّ المعنى أنهم عالمون بقبحه وجزائه حتى لو ترك الإصرار لكل أو تنفر طبع لم يكن له جزاء لأنّ الجزاء على الكف لا على العدم والا لكان لكل أحد أجزية لا تتناهى لعدم قبائح لا تتناهى مما لا يخطر بباله وقد صرحوا به في الأصول فقوله: (وهم يعلمون) تقييد للمنفيّ والنفي راجع إلى الفيد يعني لم يكن لهم الإصرار مع العلم بالقبح لأنّ المصرّ مع عدم العلم بالقبح لا يحرم الجزاء وغير المصرّ للكسالة أو لعدم ميل الطبع لم يبلغه، وفيه بحث. قوله: (خبر للذين إن ابتدأت به) يعني أنّ في هذه الجملة إعرابين وفي كل منهما ما يعين ترك العاطف وقوله: (ولا يلزم الخ) ردّ على الزمخشريّ في زعمه أنها دالة على خلود العاصين ولا دلالة فيها كما ذكره المصنف ﵀، وهو الحق واستدل عليه بما مرّ في النار وقوله: (على الآوّل) أعني جعله خبرا وكلاما آخر، وأمّا إذا جعل بيانا لما قبله فلا يدل عليه لأنه بالغ في الأول في وصف مقرّهم بما ليس في هذه وقوله: (فصل آيتهم (بالتخفيف أي أتى بفاصلتها وآخرها وقوله: (مستوجبون لمحبة الله) أي مستحقون لها بالتفضل والتكرّم منه فليس مخالفاً لمذهبنا والتخطي إلى التخصيص من كثرة التصدق، وكظم الغيظ، وتدارك التقصير بالتوبة والاستغفار وقدر المحذوف ذلك أي ما ذكر لأنه أشمل من تلك، والجزاء للمحسنين يكون زيلدة واضعافا بخلاف الأجر فإنه على قدر العمل. قوله: (وقايع الخ) السنن جمع سنة بمعنى طريقة وعادة، ومنه سنة النبيّ ﷺ والمراد بها هنا الوقايع السالفة لأنها جارية على عادة الله. وقال: في المفصل السنة بمعنى الأمّة من الناس وأنثد " البيت المذكور، وقد قالوا: إنه لا دليل فيه لاحتماله المعنى المشهور وهو ظاهر، وقيل: السنن هنا بمعنى الأديان ولا

стр. 841

يخفى نبوّ المقام عنه وان روّجه بعضهم. قوله: (إشارة إلى قوله قد خلت الخ) يعني ذكر الوقايع السالفة للأمم المكذبة بيان لكم وكونه زيادة بصيرة وموعظة لأنّ المؤمنين متعظون متبصرون، وكونه للقرآن بعيد عن السياق ولذا أخره. قوله: (تسلية لهم عما أصابهم يوم أحد الخ (وتهنوا من الوهن، وهو الضعف وفيه إشارة إلى تعلقه بما سبق من قصة أحد معنى وإن كان ظاهر لفظه العطف على سيروا في الأرض فحديث الربا وما معه استطراد، والا فطريقة النظم فيها صعبة، وقيل: إنه إشارة إلى نوع آخر من عداوة الدين ومحاربة المسلمين، وقيل في ربطها: إنّ المشركين كانوا يرابون ويتقوّون بذلك على مصالح الحرب فربما هتم المسلمون بذلك فنهوا عنه، فلما قال له: ليس لك من الأمر شيء قيل له إله عما ذكر ولا يهمك ما قدر، والظاهر في وجه الربط أنهم نهوا عن التقيد بنموّ المال المانع عن الاشتغال به لأنه أنفع لهم في الدنيا بالغنائم ثم والنصر وفي الآخر فتأمل. قوله: إ وحالكم أنكم أعلى متهم شأنا (يعني أن هذه الجملة حالية واشترإكهم في العلؤ بناء على الظاهر وزعمهم أو العلو بمعنى الغلبة والحرب سجال لكن العاقبة للمتقين، اتوله: ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ ليس على ظاهره لأنّ إيمانهم مقرّر ثابت ولكنه تهييج لهم وتحريض، لذا قيل أنه تتميم كالتعليل لأنّ الخطاب مع الرسول عش! هـ وأصحابه ﵃ تسلية لهم عما أصابهم يوم أحد فلا يجري على ظاهره وكون الشرط للتعليل فائدة حسنة أشار إليها الرمخشريّ في قوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء﴾ إلى قوله: ﴿إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ﴾ اصورة الممتحنة، الآية: ا] وابن عياش بعين مهملة وياء مثناة تحتية، وشين معجمة من القراء، إدوله: قبل أن يخالفوا أمر الرسول ﷺ في اشتغال من خلفه بالغنائم الذي كان سبباً لما مز، االتداول التعاقب على أمر بأن يكون لهذا مرة وللآخر أخرى، ومنه أخذت الدولة. قوله: (أن! مسسكم قرح) قيل المضارع لحكاية الحال لأنّ المساس مضى، وأمّا استعمال إن فبتقدير كان افا إن كان مسكم قرح وأن لا تقلب كان لقوّته في المضيّ، أو على ما قيل إنها قد تعلق في أ) ! اضي من غير قلب. قوله: (فيوما الخ) بنصب يوما والذي ذكره النحاة رفعه وذكر ا) رمخشريّ في شرح أبيات الكتاب أنه من شعر للنمر بن تولب وهو ة إن الناس قدأحدثواشيمة وفي كل حادثة مؤتمر يهينون من حقرواشيه وان كان فيهم تقيا وبر ويعجبهم من رأوا عنده سواما وان كان فيه الغمر فيالأبي الناس ولويعلمون للخيرخيروللشرشر فيوم عليناويوم لنا ويوم نساء ويوم ئسز قيل الأحسن أن يقدر فيوماً يكون الأمر علينا أي بالإضرار، ويوما لنا أي بالنفع ليكون ط لم فاً ملائماً لقوله ويوما نساء من سيء فلان أصيب بحزن من ساءه أحزنه ويوما نسر من سره جعله مسرورا وأنشده ابن مالك: فثوب لبست وثوب أجر ويوم نساء ويوم نسر على أنّ ثوب ويوم رفع بالابتداء بتقدير الوصف أي ثوب لي ويوم لنا والعائد من الخبر محذوف قال: والبيت لامرى القيس اهـ وفيه خلط في الرواية فإن المصراع الأوّل لامرى القيس من قصيدة معروفة وكان ابن مالك أشار إليه، والنحرير لم يتأمّل كلامه. قوله: (والمداولة كالمعاورة) النهاية يقال تعاور القوم فلانا إذا تعاونوا عليه بالضرب واحدا بعد واحد ثم عم للتعاقب مطلقاً كالتداول. قوله: (والأيام تحتمل الوصف والخبر) والبدل والبيان. وقوله: (ونداولها (يحتمل الخبر والحال لف ونثر مرتب، واليوم بمعنى الوقت لا اليوم العرفي وتعريفها للعهد، أي أوقات النصر تكون تارة لكم وتارة لغيركم واسم الإشارة مثار به إلى ما بعده كما في الضمائر المبهمة التي يفسرها ما بعدها نحو ربه رجلاً ومثله يفيد التفخيم والتعظيم كما في هذا فراق بيني وبينك، قال العلامة: في حواشيه قد تصوّر فراق بينهما

стр. 842

عند حلول ميعاده وأشار إليه، وهذا يوضح ما مز من قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [سورة البقرة، الآية: ٤٣ ا] فتنبه له. قوله: (عطف على علة محذوفة الما كان الظاهر ليعلم بدون واو على أنه تعليل لما قبله احتاج للتأويل كما مرّ بأن يقدر معطوف عليه حذف لقصد الإبهام، وتكثير الفائدة أي تلك الأيام نجعلها دولاً لحكم وفوائد جمة وليعلم الخ فحذف العلة لا المعلل وقوله: إيذانا أي من أوّل الأمر والا فلو ذكر كذلك لدل على ما ذكر لكن في الحذف إيهام أنه مما يطول لتعدده ويقصر عنه البيان ولا يحيط به علم البشر واليه أشار بقوله: ما لا يعلم ولا شك أنّ فيه ما ليس في الذكر، وقيل: إنه معطوف على ما قبله باعتبار المعنى لأنّ معناه لجري عادتنا بذلك وليعلم. قوله: (أو الفعل المعلل به محذوف الخ) بخلاف الأوّل فإنه مذكور والمحذوف العلة فالعلم كناية عما ذكر لأنّ علمه بهم يستلزم وجودهم كذلك لا إنه مجاز عن التمثيل بطريق إطلاق اسم المسبب على السبب، وجعله الزمخشريّ تمثيلاً بتشبيه الحالة بالحالة، ومعناه فعلنا فعل من يريد أن يتميز الثابت عنده من غيره، وإنما لم يحمل الكلام على حقيقته لدلالته على أنّ العلم يحصل بعد الفعل وعلمه تعالى أزلي لا يتصف بالحدوث، ولو سلم فالعلم بالمؤمن والكافر حاصل قبل ذلك الفعل وقوله: (على حرف) أي غير ثابت كما سيأتي. قوله. (والقصد في أمثاله ونقائضه) أي إثبات العلم ونفيه كقوله: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ﴾ الآتي يعني أنّ الغرض والحكمة في التعليل بحصول علمه المكنى به عن التمييز ليعلم الذين آمنوا وقوّة الثابتين على الإيمان بطريق البرهان فإنّ علمه دليل على ثبوتهم، ولا يخفى أنه إمّا أن يكون المراد من إثبات العلم إثباته في الخارج فيلزم أن يكون إثباته في الخارج أزليا وإلا لم يصح استدلاله من علمه تعالى على ثبوته إذ صحة الاستدلال إنما هي بالاستلزام أو يكون المراد إثباته في علم الله، ولا يخفى إنّ إثباته في علم الله وعلمه تعالى واحد فلا وجه للحكم بالقصد إلى الأوّل دون الثاني وأجيب باختيار الأوّل ولا يلزم أزلية المعلوم في الخارج لأنّ المراد من العلم تعلقه الحادث بالوجود الخارجي وبهذا سقط ما قيل: إنّ المثبت هنا هو التمييز لا المعلوم الذي هو المؤمنون، ولا حاجة إلى أنّ المراد ليعلم الثابتون على الإيمان، والمقصود وليتحقق الثبات على الإيمان بطريق البرهان والمراد بالتميز التميز في الخارج الذي هو كناية عن التحقق لا التميز عند الله الذي هو لازم علمه وذلك في قوله: (فعلنا ذلك) إشارة إلى التداول المذكور في قوله: وتلك الأيام الخ وقوله: (وقيل الخ) هو مختار الزمخشريّ وغيره أي المراد بالعلم تعلقه التنجيزي المترتب عليه الجزاء قال الزجاح: المعنى ليقع ما علمناه غيبا مشاهدة للناس ويقع منكم وإنما تقع المجازاة على ما علم الله من الخلق وقوعه لا على ما لم يقع وفي الانتصاف التعبير عن نفي المعلوم بنفي العلم خاص بعلمه تعالى، وكلام الزمخشريّ يقتضي عدم اختصاصه وهو الظاهر فتأمّل. قوله: (ويكرم ناساً منكم بالشهاد ٣ اسخ) فشهداء جمع شيد بمعنى فتيل المعركة وعلى ما بعده بمعنى شاهد وكنى بالاتخاذ عن الإكرام لأنّ من اتخذ شيئأ لنفسه فقد اختاره وارتضاه كقوله: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [سورة طه، الآية: ٤١] لأن الشهيد مقرّب في حظيرة القدس، وعلى الثاني فهو كقوله: ﴿لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ﴾ [سررة البقرة، الآية: ١٤٣] المعلل به وكذلك ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٤٣] أي خياراً حتى تكونوا اصحاب عزم وصبر كما هنا بما يبتلى به صبرهم من الشدائد. قوله: (الذين يضمرون الخ) أخذه من مقابلة المؤمنين بمعنى الثابتين على الإيمان وظاهرهم يوافق باطنهم، والقرينة عليه سبب النزول من قصة ابن أبيئ المنافق وكذا تفسيره بالكافرين ووجه التنبيه ظاهر لأنّ المحب انمر من أحبه وإذا لم يرد ذلك كان لا محالة استدراجاً. قوله: (ليطهرهم ويصفيهم) المحص في اللغة تخليص الشيء عما فيه عيب يقال محصت الذهب إذا أزلت خبثه قال الراغب ظ لتمحيص هنا كالتزكية والتطهير وفي الأدعية المأثورة اللهمّ محص عنا ذنوبنا وقوله الدولة قال الراغب: بالفتح والضم بمعنى واحد، وقيل: هي بالضم في المال وبالفتح في الحرب والجاه، وقيل: بالضم اسم الشيء المتداول وبالفتح مصدر، ولما كان المؤمنون قد تمحص ما فيهم وتطهر، والكافرون خبث كلهم انمحقوا والمحق تنقيص الشيء قليلاً قليلاً ومنه المحاق. قوله: (بل أحسبتم) يعني أن أم منقطعة مقدرة ببل وهمزة الاستفهام الإنكاري، وقيل إنها متصلة وعديلها مقدر، وهو تكلف ولذا تركه المصنف رحمه

стр. 843

الله وقوله: (ولما تجاهدوا) إشارة إلى ما مرّ أنّ نفي العلم عبارة عن نفي المعلوم وتجري فيه الوجوه الأخر قبله وفي رمز إلى ترك الرياء وأنّ المقصود من الفعل علم الله لا الناس، ووجه الدلالة على أنه فرض كفاية من من التبعيضة وفي بعض النسخ ولما يجاهد بعضكم. قوله: (والفرق بين لما ولم الخ) أي النافيتين الجازمتين قال الزجاح: إذا قيل قد فعل فلان فجوابه لما يفعل، وإذا قيل فعل فلان فجوابه لم يفعل، وإذا قيل: لقد فعل فجوابه ما فعل كأنه قال والله لقد فعل فقال المجيب: والله ما فعل، وإذا قيل هو يفعل يريد ما يستقبل فجوابه لا يفعل، وأذا قيل سيفعل فجوابه لن يفعل فلا عبرة لإنكار أبي حيان التوقع في لما ومن فتح الميم جعله مؤكداً بنون خفيفة محذوفة في الدرج كقوله: إذا قال قدني قال بالله حلفة لتغني عني ذا أنائك أجمعا على رواية فتح اللام وحذفها جائز قيل مطلقا، وقيل بشرط ملاقاة ساكن بعدها، وقيل: إنّ فتح الميم اتباع للام في تحريك أحد الساكنين ليبقى تفخيم اسم الله ولم يرتكب هذا فيما بعده لبعده. قوله: (نصب بإضمار أن) نصب أمّا مصدر أو ماض مجهول والناصب له أن المصدرية على الصحيح، وقيل: الواو وتسمى واو الصرف وجوّز فيه الوجه السابق في ولما! يعلم وعلى قراءة الرفع قيل هو مستأنف، وقيل: حال بتقدير مبتدأ أي وهو يعلم الصابرين واليه أشار بتأويلها بالاسمية. قوله: (أي الحرب فإنها من أسباب الموت الخ (فالتمني للحرب لا للموت فإنه لا يطلب الدعاء به كما صرحوا به أو إنه جائز لا مطلقاً بل بتمني الشهادة، ولا يرد عليه أنّ في تمنيها تمني غلبة الكفرة لأنّ قصد متمني الشهادة الوصول إلى نيل كرامة الشهداء لا غير، ولا يذهب إلى ذلك وهمه كما أن من يشرب دواء النصراني يقصد الشفاء لا نفعه ولا ترويج صناعته، لأنّ غلبة الكفرة لا يكون بموت واحد، وقد وقع هذا التمني من عبد الذ بن رواحة من كبار الصحابة رضوان الله عليهم ولم ينكر عليه، وأشار فيما سيأتي إلى جواب آخر وهو أن المقصود توبيخهم على ذلك، والمسنون فيه أن يقول اللهم أحيني ما علمت الحياة خيراً لي وأمتني ما علمت الممات خيراً لي كما صرح به الفقهاء. قوله: (أي فقد رأيتموه معاينين له الخ) قال الزجاج: رأيتموه وأنتم بصراء كما تقول رأيت كذا وليس في عيني علة أي رأيته رؤية حقيقية أي فهي حال مؤكدة مقترنة بالواو كما مرّ تحقيقه، والتعبير بالرؤية دون الفعل كناية عن انهزامهم وقد شاهدوا من قبل بين أيديهم ففيه توبيخ لهم على ذلك أو على تمني الشهادة وهم لم يثبتوا حتى يستشهدوا. قوله: (فسيخلو كما خلوا بالموت أو القتل) الذي توهموه، ولو تركه كما في الكشاف لكان أولى لكن هذا مناسب لقوله أو قتل. قوله: (إنكار لارتدادهم الخ (والارتداد مأخوذ من قوله: ﴿انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ لأن معناه رجعتم إلى ما كنتم عليه من الكفر وليس ارتداداً حقيقة وإنما هو تغليظ عليهم فيما كان منهم من الفرار والانكشاف عن رسول الله ﷺ واسلامه لهم ولذا فسر الانقلاب بالأدبار أو الإنكار هنا بمعنى أنه لم يكن ذلك ولا ينبغي لا إنكار لما وقع أو هو إخبار عما وقع لأهل الردة بعد موته وتعريض بما وقع من الهزيمة لشبهه به، والمنكر ترتيب الارتداد على خلوه بموت أو قتل والفاء استئنافية أو لمجزد التعقيب لا للسببية فإنه لا ينسب على خلوه وخلو الرسل ما ذكر بل عكسه وسيأتي ما يعلم منه جوابه. قوله:) وقيل الفاء للسببية الخ) هذا رد على الزمخشرقي حيث قال: الفاء معلقة للجملة الشرطية بالجملة التي قبلها على معنى التسبب والهمزة لإنكار أن يجعلوا خلو الرسل قبله سببا لانقلابهم على أعقابهم بعد هلاكه بموت، أو قتل مع علمهم إن خلو الرسل قبله وبقاء دينهم متمسكا به يجب أن يجعل سبباً للتمسك بدين محمد ﷺ لا الانقلاب عنه، قال النحرير؟ لا خفاء في أن الفاء تفيد تعليق الجملة الشرطية أعني مضمون الجزاء مع اعتبار التقييد بالشرط بالجملة قبلها، وهي وما محمد الخ تعليقا على وجه تسببها عن الجملة السابقة وترتبها عليها، وتوسيط الهمزة لإنكار ذلك أي لا ينبغي أن يجعلوا خلو الرسل قبله سببا لانقلابهم على أعقابهم بعد هلاكه بل سبباً لتمسكهم بدينه، كما هو حكم سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ففي انقلابهم على أعقابهم تعكيس لموجب القضية المحققة التي هي كونه رسولاً يخلو كما خلت الرسل اهـ، فقد

стр. 844

حمل كلامه على إنكار التعقيب لأن كلامه صريح فيه ومنهم من حمله على تعقيب الإنكار، والأوّل أنسب بكلام العلامة، ثم اعلم أنّ صاحب المفتاح ﵀ صرح بأن هذه الآية من قبيل قصر الإفراد إخراجا للكلام على خلاف مقتضى الظاهر بتنزيل استعظام هلاكه منزلة استبعادهم إياه وانكارهم حتى كأنهم اعتقدوا فيه وصفين الرسالة والتبرّي عن الهلاك فقصر على الرسالة نفيا للتبري عن الهلاك قال النحرير: وفيه بعد من جهة عدم اعتبار الوصف أعني قد خلت من قبله الرسل حتى كأنه لم يجعل وصفاً بل ابتداء كلام لبيان أنه ليس متبرئاً عن الهلاك كسائر الرسل في أنه يخلو كما خلوا ويجب التمسك بدينه بعده كما يجب التمسك بدينهم بعدهم فرد عليهم بأنه ليس إلا رسولاً كسائر الرسل سيخلو كما خلوا، ويجب التمسك بدينه كما وجب بدينهم، وهو صريح كلام المصنف ﵀، ومن زعم أنه يلزم من حمله على قصر القلب أن يكون المخاطبون منكرين للرسالة فقد أخطأ خطأ بينا وذهل عن الوصف يعني جملة قد خلت فإنها صفة لرسول، وقيل حال من الضمير فيه والأصح الأوّل وهو تصحيح للمسلكين وأنّ من جعله قصر إفراد لم ينظر إلى الوصف ومن جعله قصر قلب نظر إليه وهو الظاهر وردّ لما قال العلامة من أن صاحب المفتاح لم ينظر إلى قوله قد خلت الخ فكأنهم ذهبوا إلى أنه ﷺ رسول، ولا يموت فقيل ما هو إلا رسول يموت كسائر الرسل، وحيحئذ لا يترتب عليه الانقلاب فتبطل فائدة الفاء، ولا يطابقه التعريض بهم في قوله فما وهنوا الخ كما سيجيء، ومن حمل التركيب على قصر القلب فقد أخطأ لأنه أثبت الرسالة لمحمد ﷺ والقوم لم ينكروها والا لزم ارتدادهم لكن المصنف صرح بأنه لم يرتد أحد منهم اهـ. ووجه الرد عليه أنّ التقييد في محله وأن من قال: يقصر القلب لأخطأ في كلامه كما توهم، ثم إنّ في كلامه بحثا من وجهين الأوّل إن ردّه على العلامة تخطئة القائل بالقلب، إنما يتوجه لو علم كلامه حتى يقال إنه لاحظ معنى الصفة أو لم يلاحظها الثاني أنه ادّعى لزوم أنّ جملة قد خلت مستأنفة، وهو بعيد لمخالفته للقواعد في الجمل بعد النكرات، والداعي له أنها لو كانت صفة لكان القصر منصباً عليها، وهو مخالف لتقريرهم وليس بلازم لجواز أن يكون صفة مؤكدة لمعنى القصر متأخرة عنه في التقدير كقولك ما زيد إلا عالم يعلم الدقائق والحقائق فإنه لا ينافي القصر إلى معنى أنه عالم لا جاهل، وهذا تحقيق لطيف في التوابع الواردة في باب القصر وممن ذهب إلى القصر القلبي الطيبي وتبعه في الكشف لكنه لاحظ الصفة فإنه قال: التركيب من القصر القلبي لأنه جعل المخاطبين بسبب ما صدر عنهم من النكوص على أعقابهم عند الإرجاف بقتله ﷺ كأنهم اعتقدوا أنه ليس حكمه حكم سائر الرسل المتقدمة عليهم الصلاة والسلام في وجوب اتباع دينهم بعد موتهم بل على خلافه فأنكر الله عليهم ذلك وبين أن حكمه حكمهم الخ، فإن قلت كيف جوّزوا قتله ﷺ مع قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ أسورة المائدة، الآية: ٦٧] قلت أجابوا عنه بأنه لا يعلم ذلك كل أحد والعالم به قد يذهب عنه لهول المقام مع أجوبة أخر. قوله: (روي أنه لما رمي الخ) عبد القه بن قميئة بقاف وميم وياء وهمزة وهاء بوزن سفينة علم من القماءة، وهي الصغر والحقارة وهذا مخالف لما سبق في قوله ليس لك من الأمر شيء من أنه عتبة بن أبي وقاص لكن ابن الجرزي والطيبي صححوا هذه الرواية، قوله: حتى قتله أي قتل مصعباً رضي الله تعالى عنه، والصارخ قيل إنه الشيطان وانكفا الناس استعارة بمعنى رجعوا والى عباد الله اسم فعل أي ارجعوا وعباد الله مفعوله، وانحاز بمعنى اجتمع وقوله: وشدّ بسيفه أي حمل وأصل معنى الشد العقد، قالوا شد في عدوه بمعنى أسرع قال: ويجوز أن يكون أصله شد حزامه للعدو. قوله: (بل يضر نفسه (أخذه من توجه النفي إلى المفعول فإنه يفيد أنه يضر غير الله وليس إلا نفسه، وقوله: بالثبات عليه إشارة إلى أنه مجاز وضعفيه الشاكرين موضع الثابتين على الإسلام لأنه ناشئ عن تيقن حقيته، وذلك شكر له وأنس هو ابن النضر لسابق. قوله: " لا بمشيئته تعالى أو بإذنه فملك الموت الخ) ههنا شيآن ما كان له أن يموت وبإذن الله، والأول: إنما يستعمل في الفعل الذي يقدم عليه اختياراً فجعله الزمخشريّ تمثيلاً بأن أخرح مخرح فعل اختياري لا يقدّم عليه إلا بإذن، والمراد عدم القدرة عليه والثاني: إذن الله وهو مستعار

стр. 845

للمشيثة والتيسير كما أن الأذن بيسير الدخول على المحتجب، وبعض شراح الكشاف لم يفرق بينهما، وقوله: أو بإذنه لملك الموت فيكون الأذن على حقيقته، ومفعوله مقدر للعلم به وقوله: (بالإحجام عن القتال والإقدام الف ونشر مرتب ووجه التشجيع والوعد ظاهر. قوله: (مصدر مؤكد الخ) أي مؤكد لعامله المستفاد من الجملة السابقة والمعنى كتب ذلك الأجل المأذون فيه المعين بإرادته كتاباً مؤجلاً ولا يضرّه التوصيف لأنه معلوم مما سبق أيضاً فليس كل وصف يخرج عن التأكيد، فلا يرد عليه أنه ينافي كون مؤجلا صفة له فتأمّل وفسر المؤجل بما له أجل مضروب، أو بما لا يتقدم ويتأخر والفرق بينهما ظاهر والتعريض بذكر الدنيا وأن منهم من أرادها، والانتهاز من انتهاز الفرصة أي اغتنامها والمسارعة إليها، والمراد بالثاكرين المريدين للأخرة وفي إبهام جزائهم واسناده إلى الله ما لا يخفى من المبالغة. قوله: (أصله أيّ الخ) اختلف في هذه الكلمة هل هي بسيطة وضعت كذلك ابتداء والنون أصلية، واليه ذهب أبو حئان وغيره وعليه فالأمر ظاهر موافق للرسم. وقيل: إنها كلمة مركبة من أي المنونة والكاف واختلف في أي هذه فقيل هي أفي التي في قولهم أيّ الرجال وقال ابن جني ﵀: إنها من قولهم أوى يأوي، أويا فأعلت بالإعلال المشهور وحدث فيها بعد التركيب معنى التكثير المفهوم من كم كما حدث، في كذا بعد التركيب معنى آخر فكم وكأين بمعنى واحد، وعلى هذا فإثبات تنوينها في الوقت والخط على خلاف القياس لأنه نسخ أصلها وفيها لغات. إحداها: بالتشديد على الأصل. والثانية: كائن بوزن كاعن كاسم الفاعل واختلف في توجيهها فعن المبرد ﵀ إنها اسم فاعل من كان وهو بعيد إذ لا وجه لبنائها ولا لإفادتها التكثير، وقيل: أصلها المشددة فقدمت الياء المشددة على الهمزة، ثم حذفت الياء الأولى للتخفيف فقلبت الثانية ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها أو الثانية لثقلها بالحركة، وقلبت الياء الساكنة ألفا كما في آية ونظيره في حذف إحدى الياءين، وقلب الأخرى ألفاً دون انقلب المكاني طاني في النسبة إلى طيء اسم قبيلة فإنّ أصله طيئيّ بياءين مشدودتين بينهما همزة فحذفت إحدى الياءين كما مرّ وقلبت الأخرى ألفاً فقيل طائي، وقيل إنّ إحدى الياءين حذفت قبل القلب، ثم قدّمت وقلبت. والثالثة: كئين بياء بعد الهمزة وبها قرأ ابن محيصن ﵀. الرابعة: كيئن بياء ساكنة بعدها همزة مكسورة. الخامسة: كئن بكاف مفتوحة وهمزة مكسورة ونون قال: كئن من صديق خلته صادق الإخا أبان اختياري أنه لي مداهن وتفصيله في الدرّ المصون، والكاف لا متعلق لها لخروجها عن معناها ومن قال به فقد تعسف وموضعها رفع بالابتداء والخبر قتل، وضميرها يجمع ويفرد نظر اللفظ والمعنى، فمعه ربيون جملة حالية من ضمير قتل أو من نبيّ لتخصيصه بالصفة، أو معه حال وربيون فاعله أو جملة قتل صفة نبيّ ومعه ربيون خبر أو معه ربيون فاعله، أو الخبر محذوف تقديره مض ونحوه، وان كان ربيون تائب فاعل قتل فالجملة خبر أو صفة نبيّ والخبر محذوف ففي خبرها أربعة أوجه وإذا أسند القتل إلى النبيّ ورد عليه أنه ينافي قوله: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا﴾ أسورة غافر، الآية: ٥١] فإمّا أن يكون المقتول من الأنبياء والمومحود بنصرهم الرسل أو هو عام كما صرح به في بعض الروايات، وا! مراد بنصرهم نصرهم في الحروب فلا ينافي قتلهم في غيرها واليه ذهب الحسن وابن جبير وجماعة فقالوا: لا نعلم نبياً قتل في حرب وإليه حال الزمخشرقي أو المراد نصرهم لإعلاء كلمتهم ونحوه لا على الأعداء مطلقاً، وقوله: ككاءن جريا على معتادهم في إبدال الهمزة في الموازن بالعين لتخفيفها لفظا، وخطاً كما بينوه في الصرف وتولهم زغقلي بتقديم الراء في لعمري لغة فيه نادرة كضم العين، وهو قسم والتنظير به لتصرّفهم في المركب كالمفرد وقوله: (فصار كبئن) بكاف وياء مفتوحتين وهمزة مكسورة ونون، والتنظير بطائي مرّ وجهه. قوله: (بيان له) يعني أنه تمييز لكأين كتمييزكم والأكثر فيه الجرّ بمن وزعم بعضهم أنها لازمة ويرذه أنه ورد منصوبا في قوله: اطرد اليأس بالرجاء فكائن أملا جمّ يسره بعد عسر
следующие страницы →