Полный текст (3 156 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
يخفى نبوّ المقام عنه وان روّجه بعضهم.
قوله: (إشارة إلى قوله قد خلت الخ) يعني ذكر الوقايع السالفة للأمم المكذبة بيان لكم وكونه زيادة بصيرة وموعظة لأنّ المؤمنين متعظون متبصرون، وكونه للقرآن بعيد عن السياق ولذا أخره. قوله: (تسلية لهم عما أصابهم يوم أحد الخ (وتهنوا من الوهن، وهو الضعف وفيه إشارة إلى تعلقه بما سبق من قصة أحد معنى وإن كان ظاهر لفظه العطف على سيروا في الأرض فحديث الربا وما معه استطراد، والا فطريقة النظم فيها صعبة، وقيل: إنه إشارة إلى نوع آخر من عداوة الدين ومحاربة المسلمين، وقيل في ربطها: إنّ المشركين كانوا يرابون ويتقوّون بذلك على مصالح الحرب فربما هتم المسلمون بذلك فنهوا عنه، فلما قال له: ليس لك من الأمر شيء قيل له إله عما ذكر ولا يهمك ما قدر، والظاهر في وجه الربط أنهم نهوا عن التقيد بنموّ المال المانع عن الاشتغال به لأنه أنفع لهم في الدنيا بالغنائم ثم والنصر وفي الآخر فتأمل. قوله: إ وحالكم أنكم أعلى متهم شأنا (يعني أن هذه الجملة حالية واشترإكهم في
العلؤ بناء على الظاهر وزعمهم أو العلو بمعنى الغلبة والحرب سجال لكن العاقبة للمتقين، اتوله: ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ ليس على ظاهره لأنّ إيمانهم مقرّر ثابت ولكنه تهييج لهم وتحريض، لذا قيل أنه تتميم كالتعليل لأنّ الخطاب مع الرسول عش! هـ وأصحابه ﵃ تسلية لهم عما أصابهم يوم أحد فلا يجري على ظاهره وكون الشرط للتعليل فائدة حسنة أشار إليها الرمخشريّ في قوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء﴾ إلى قوله: ﴿إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ﴾ اصورة الممتحنة، الآية: ا] وابن عياش بعين مهملة وياء مثناة تحتية، وشين معجمة من القراء، إدوله: قبل أن يخالفوا أمر الرسول ﷺ في اشتغال من خلفه بالغنائم الذي كان سبباً لما مز، االتداول التعاقب على أمر بأن يكون لهذا مرة وللآخر أخرى، ومنه أخذت الدولة. قوله: (أن! مسسكم قرح) قيل المضارع لحكاية الحال لأنّ المساس مضى، وأمّا استعمال إن فبتقدير كان افا إن كان مسكم قرح وأن لا تقلب كان لقوّته في المضيّ، أو على ما قيل إنها قد تعلق في أ) ! اضي من غير قلب. قوله: (فيوما الخ) بنصب يوما والذي ذكره النحاة رفعه وذكر ا) رمخشريّ في شرح أبيات الكتاب أنه من شعر للنمر بن تولب وهو ة
إن الناس قدأحدثواشيمة وفي كل حادثة مؤتمر
يهينون من حقرواشيه وان كان فيهم تقيا وبر ويعجبهم من رأوا عنده سواما وان كان فيه الغمر
فيالأبي الناس ولويعلمون للخيرخيروللشرشر
فيوم عليناويوم لنا ويوم نساء ويوم ئسز
قيل الأحسن أن يقدر فيوماً يكون الأمر علينا أي بالإضرار، ويوما لنا أي بالنفع ليكون
ط لم فاً ملائماً لقوله ويوما نساء من سيء فلان أصيب بحزن من ساءه أحزنه ويوما نسر من سره
جعله مسرورا وأنشده ابن مالك:
فثوب لبست وثوب أجر ويوم نساء ويوم نسر
على أنّ ثوب ويوم رفع بالابتداء بتقدير الوصف أي ثوب لي ويوم لنا والعائد من الخبر محذوف قال: والبيت لامرى القيس اهـ وفيه خلط في الرواية فإن المصراع الأوّل لامرى القيس من قصيدة معروفة وكان ابن مالك أشار إليه، والنحرير لم يتأمّل كلامه. قوله: (والمداولة كالمعاورة) النهاية يقال تعاور القوم فلانا إذا تعاونوا عليه بالضرب واحدا بعد واحد ثم عم للتعاقب مطلقاً كالتداول. قوله: (والأيام تحتمل الوصف والخبر) والبدل والبيان. وقوله: (ونداولها (يحتمل الخبر والحال لف ونثر مرتب، واليوم بمعنى الوقت لا اليوم العرفي وتعريفها للعهد، أي أوقات النصر تكون تارة لكم وتارة لغيركم واسم الإشارة مثار به إلى ما بعده كما في الضمائر المبهمة التي يفسرها ما بعدها نحو ربه رجلاً ومثله يفيد التفخيم والتعظيم كما في هذا فراق بيني وبينك، قال العلامة: في حواشيه قد تصوّر فراق بينهما
стр. 842
عند حلول ميعاده وأشار إليه، وهذا يوضح ما مز من قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [سورة البقرة، الآية: ٤٣ ا] فتنبه له. قوله: (عطف على علة محذوفة الما كان الظاهر ليعلم بدون واو على أنه تعليل لما قبله احتاج للتأويل كما مرّ بأن يقدر معطوف عليه حذف لقصد الإبهام، وتكثير الفائدة أي تلك الأيام نجعلها دولاً لحكم وفوائد جمة وليعلم الخ فحذف العلة لا المعلل وقوله: إيذانا أي من أوّل الأمر والا فلو ذكر كذلك لدل على ما ذكر لكن في الحذف إيهام أنه مما يطول لتعدده ويقصر عنه البيان ولا يحيط به علم البشر واليه أشار بقوله: ما لا يعلم ولا شك أنّ فيه ما ليس في الذكر، وقيل: إنه معطوف على ما قبله باعتبار المعنى لأنّ معناه لجري عادتنا بذلك وليعلم. قوله: (أو الفعل المعلل به محذوف الخ) بخلاف الأوّل فإنه مذكور والمحذوف العلة فالعلم كناية عما ذكر لأنّ علمه بهم يستلزم وجودهم كذلك لا إنه مجاز عن التمثيل بطريق إطلاق اسم المسبب على السبب، وجعله الزمخشريّ تمثيلاً بتشبيه الحالة بالحالة، ومعناه فعلنا فعل من يريد أن يتميز الثابت عنده من غيره، وإنما لم يحمل الكلام على حقيقته لدلالته على أنّ العلم يحصل بعد الفعل وعلمه تعالى أزلي لا يتصف بالحدوث، ولو سلم فالعلم بالمؤمن والكافر حاصل قبل ذلك الفعل وقوله: (على حرف) أي غير ثابت كما سيأتي. قوله. (والقصد في أمثاله ونقائضه) أي إثبات العلم ونفيه كقوله: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ﴾ الآتي يعني أنّ الغرض والحكمة في التعليل بحصول علمه المكنى به عن التمييز ليعلم الذين آمنوا وقوّة الثابتين على
الإيمان بطريق البرهان فإنّ علمه دليل على ثبوتهم، ولا يخفى أنه إمّا أن يكون المراد من إثبات
العلم إثباته في الخارج فيلزم أن يكون إثباته في الخارج أزليا وإلا لم يصح استدلاله من علمه
تعالى على ثبوته إذ صحة الاستدلال إنما هي بالاستلزام أو يكون المراد إثباته في علم الله، ولا
يخفى إنّ إثباته في علم الله وعلمه تعالى واحد فلا وجه للحكم بالقصد إلى الأوّل دون الثاني
وأجيب باختيار الأوّل ولا يلزم أزلية المعلوم في الخارج لأنّ المراد من العلم تعلقه الحادث
بالوجود الخارجي وبهذا سقط ما قيل: إنّ المثبت هنا هو التمييز لا المعلوم الذي هو
المؤمنون، ولا حاجة إلى أنّ المراد ليعلم الثابتون على الإيمان، والمقصود وليتحقق الثبات
على الإيمان بطريق البرهان والمراد بالتميز التميز في الخارج الذي هو كناية عن التحقق لا
التميز عند الله الذي هو لازم علمه وذلك في قوله: (فعلنا ذلك) إشارة إلى التداول المذكور في
قوله: وتلك الأيام الخ وقوله: (وقيل الخ) هو مختار الزمخشريّ وغيره أي المراد بالعلم تعلقه
التنجيزي المترتب عليه الجزاء قال الزجاح: المعنى ليقع ما علمناه غيبا مشاهدة للناس ويقع
منكم وإنما تقع المجازاة على ما علم الله من الخلق وقوعه لا على ما لم يقع وفي الانتصاف
التعبير عن نفي المعلوم بنفي العلم خاص بعلمه تعالى، وكلام الزمخشريّ يقتضي عدم
اختصاصه وهو الظاهر فتأمّل. قوله: (ويكرم ناساً منكم بالشهاد ٣ اسخ) فشهداء جمع شيد بمعنى
فتيل المعركة وعلى ما بعده بمعنى شاهد وكنى بالاتخاذ عن الإكرام لأنّ من اتخذ شيئأ لنفسه
فقد اختاره وارتضاه كقوله: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [سورة طه، الآية: ٤١] لأن الشهيد مقرّب في
حظيرة القدس، وعلى الثاني فهو كقوله: ﴿لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ﴾ [سررة البقرة، الآية:
١٤٣] المعلل به وكذلك ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٤٣] أي خياراً حتى تكونوا
اصحاب عزم وصبر كما هنا بما يبتلى به صبرهم من الشدائد. قوله: (الذين يضمرون الخ)
أخذه من مقابلة المؤمنين بمعنى الثابتين على الإيمان وظاهرهم يوافق باطنهم، والقرينة عليه
سبب النزول من قصة ابن أبيئ المنافق وكذا تفسيره بالكافرين ووجه التنبيه ظاهر لأنّ المحب
انمر من أحبه وإذا لم يرد ذلك كان لا محالة استدراجاً. قوله: (ليطهرهم ويصفيهم) المحص
في اللغة تخليص الشيء عما فيه عيب يقال محصت الذهب إذا أزلت خبثه قال الراغب
ظ لتمحيص هنا كالتزكية والتطهير وفي الأدعية المأثورة اللهمّ محص عنا ذنوبنا وقوله الدولة قال
الراغب: بالفتح والضم بمعنى واحد، وقيل: هي بالضم في المال وبالفتح في الحرب والجاه، وقيل: بالضم اسم الشيء المتداول وبالفتح مصدر، ولما كان المؤمنون قد تمحص ما فيهم وتطهر، والكافرون خبث كلهم انمحقوا والمحق تنقيص الشيء قليلاً قليلاً ومنه المحاق. قوله: (بل أحسبتم) يعني أن أم منقطعة مقدرة ببل وهمزة الاستفهام الإنكاري، وقيل إنها متصلة وعديلها مقدر، وهو تكلف ولذا تركه المصنف رحمه
стр. 843
الله وقوله: (ولما تجاهدوا) إشارة إلى ما مرّ أنّ نفي العلم عبارة عن نفي المعلوم وتجري فيه الوجوه الأخر قبله وفي رمز إلى ترك الرياء وأنّ المقصود من الفعل علم الله لا الناس، ووجه الدلالة على أنه فرض كفاية من من التبعيضة وفي بعض النسخ ولما يجاهد بعضكم. قوله: (والفرق بين لما ولم الخ) أي النافيتين الجازمتين قال الزجاح: إذا قيل قد فعل فلان فجوابه لما يفعل، وإذا قيل فعل فلان فجوابه لم يفعل، وإذا قيل: لقد فعل فجوابه ما فعل كأنه قال والله لقد فعل فقال المجيب: والله ما فعل، وإذا قيل هو يفعل يريد ما يستقبل فجوابه لا يفعل، وأذا قيل سيفعل فجوابه لن يفعل فلا عبرة لإنكار أبي حيان التوقع في لما ومن فتح الميم جعله مؤكداً بنون خفيفة محذوفة في الدرج كقوله:
إذا قال قدني قال بالله حلفة لتغني عني ذا أنائك أجمعا
على رواية فتح اللام وحذفها جائز قيل مطلقا، وقيل بشرط ملاقاة ساكن بعدها، وقيل:
إنّ فتح الميم اتباع للام في تحريك أحد الساكنين ليبقى تفخيم اسم الله ولم يرتكب هذا فيما بعده لبعده. قوله: (نصب بإضمار أن) نصب أمّا مصدر أو ماض مجهول والناصب له أن المصدرية على الصحيح، وقيل: الواو وتسمى واو الصرف وجوّز فيه الوجه السابق في ولما! يعلم وعلى قراءة الرفع قيل هو مستأنف، وقيل: حال بتقدير مبتدأ أي وهو يعلم الصابرين واليه أشار بتأويلها بالاسمية. قوله: (أي الحرب فإنها من أسباب الموت الخ (فالتمني للحرب لا للموت فإنه لا يطلب الدعاء به كما صرحوا به أو إنه جائز لا مطلقاً بل بتمني الشهادة، ولا يرد عليه أنّ في تمنيها تمني غلبة الكفرة لأنّ قصد متمني الشهادة الوصول إلى نيل كرامة الشهداء لا
غير، ولا يذهب إلى ذلك وهمه كما أن من يشرب دواء النصراني يقصد الشفاء لا نفعه ولا ترويج صناعته، لأنّ غلبة الكفرة لا يكون بموت واحد، وقد وقع هذا التمني من عبد الذ بن رواحة من كبار الصحابة رضوان الله عليهم ولم ينكر عليه، وأشار فيما سيأتي إلى جواب آخر وهو أن المقصود توبيخهم على ذلك، والمسنون فيه أن يقول اللهم أحيني ما علمت الحياة خيراً لي وأمتني ما علمت الممات خيراً لي كما صرح به الفقهاء. قوله: (أي فقد رأيتموه معاينين له الخ) قال الزجاج: رأيتموه وأنتم بصراء كما تقول رأيت كذا وليس في عيني علة أي رأيته رؤية حقيقية أي فهي حال مؤكدة مقترنة بالواو كما مرّ تحقيقه، والتعبير بالرؤية دون الفعل كناية عن انهزامهم وقد شاهدوا من قبل بين أيديهم ففيه توبيخ لهم على ذلك أو على تمني الشهادة وهم لم يثبتوا حتى يستشهدوا. قوله: (فسيخلو كما خلوا بالموت أو القتل) الذي توهموه، ولو تركه كما في الكشاف لكان أولى لكن هذا مناسب لقوله أو قتل. قوله: (إنكار لارتدادهم الخ (والارتداد مأخوذ من قوله: ﴿انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ لأن معناه رجعتم إلى ما كنتم عليه من الكفر وليس ارتداداً حقيقة وإنما هو تغليظ عليهم فيما كان منهم من الفرار والانكشاف عن رسول الله ﷺ واسلامه لهم ولذا فسر الانقلاب بالأدبار أو الإنكار هنا بمعنى أنه لم يكن ذلك ولا ينبغي لا إنكار لما وقع أو هو إخبار عما وقع لأهل الردة بعد موته وتعريض بما وقع من الهزيمة لشبهه به، والمنكر ترتيب الارتداد على خلوه بموت أو قتل والفاء استئنافية أو لمجزد التعقيب لا للسببية فإنه لا ينسب على خلوه وخلو الرسل ما ذكر بل عكسه وسيأتي ما يعلم منه جوابه. قوله:) وقيل الفاء للسببية الخ) هذا رد على الزمخشرقي حيث قال: الفاء معلقة للجملة الشرطية بالجملة التي قبلها على معنى التسبب والهمزة لإنكار أن يجعلوا خلو الرسل قبله سببا لانقلابهم على أعقابهم بعد هلاكه بموت، أو قتل مع علمهم إن خلو الرسل قبله وبقاء دينهم متمسكا به يجب أن يجعل سبباً للتمسك بدين محمد ﷺ لا الانقلاب عنه، قال النحرير؟ لا خفاء في أن الفاء تفيد تعليق الجملة الشرطية أعني مضمون الجزاء مع اعتبار التقييد بالشرط بالجملة قبلها، وهي وما محمد الخ تعليقا على وجه تسببها عن الجملة السابقة وترتبها عليها، وتوسيط الهمزة لإنكار ذلك أي لا ينبغي أن يجعلوا خلو الرسل قبله سببا
لانقلابهم على أعقابهم بعد هلاكه بل سبباً لتمسكهم بدينه، كما هو حكم سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ففي انقلابهم على أعقابهم تعكيس لموجب القضية المحققة التي هي كونه رسولاً يخلو كما خلت الرسل اهـ، فقد
стр. 844
حمل كلامه على إنكار التعقيب لأن كلامه صريح فيه ومنهم من حمله على تعقيب الإنكار، والأوّل أنسب بكلام العلامة، ثم اعلم أنّ صاحب المفتاح ﵀ صرح بأن هذه الآية من قبيل قصر الإفراد إخراجا للكلام على خلاف مقتضى الظاهر بتنزيل استعظام هلاكه منزلة استبعادهم إياه وانكارهم حتى كأنهم اعتقدوا فيه وصفين الرسالة والتبرّي عن الهلاك فقصر على الرسالة نفيا للتبري عن الهلاك قال النحرير: وفيه بعد من جهة عدم اعتبار الوصف أعني قد خلت من قبله الرسل حتى كأنه لم يجعل وصفاً بل ابتداء كلام لبيان أنه ليس متبرئاً عن الهلاك كسائر الرسل في أنه يخلو كما خلوا ويجب التمسك بدينه بعده كما يجب التمسك بدينهم بعدهم فرد عليهم بأنه ليس إلا رسولاً كسائر الرسل سيخلو كما خلوا، ويجب التمسك بدينه كما وجب بدينهم، وهو صريح كلام المصنف ﵀، ومن زعم أنه يلزم من حمله على قصر القلب أن يكون المخاطبون منكرين للرسالة فقد أخطأ خطأ بينا وذهل عن الوصف يعني جملة قد خلت فإنها صفة لرسول، وقيل حال من الضمير فيه والأصح الأوّل وهو تصحيح للمسلكين وأنّ من جعله قصر إفراد لم ينظر إلى الوصف ومن جعله قصر قلب نظر إليه وهو الظاهر وردّ لما قال العلامة من أن صاحب المفتاح لم ينظر إلى قوله قد خلت الخ فكأنهم ذهبوا إلى أنه ﷺ رسول، ولا يموت فقيل ما هو إلا رسول يموت كسائر الرسل، وحيحئذ لا يترتب عليه الانقلاب فتبطل فائدة الفاء، ولا يطابقه التعريض بهم في قوله فما وهنوا الخ كما سيجيء، ومن حمل التركيب على قصر القلب فقد أخطأ لأنه أثبت الرسالة لمحمد ﷺ والقوم لم ينكروها والا لزم ارتدادهم لكن المصنف صرح بأنه لم يرتد أحد منهم اهـ.
ووجه الرد عليه أنّ التقييد في محله وأن من قال: يقصر القلب لأخطأ في كلامه كما توهم، ثم إنّ في كلامه بحثا من وجهين الأوّل إن ردّه على العلامة تخطئة القائل بالقلب، إنما يتوجه لو علم كلامه حتى يقال إنه لاحظ معنى الصفة أو لم يلاحظها الثاني أنه ادّعى لزوم أنّ جملة قد خلت مستأنفة، وهو بعيد لمخالفته للقواعد في الجمل بعد النكرات، والداعي له أنها لو كانت صفة لكان القصر منصباً عليها، وهو مخالف لتقريرهم وليس بلازم لجواز أن يكون صفة مؤكدة لمعنى القصر متأخرة عنه في التقدير كقولك ما زيد إلا عالم يعلم الدقائق والحقائق فإنه لا ينافي القصر إلى معنى أنه عالم لا جاهل، وهذا تحقيق لطيف في التوابع الواردة في باب القصر وممن ذهب إلى القصر القلبي الطيبي وتبعه في الكشف لكنه لاحظ الصفة فإنه قال: التركيب من القصر القلبي لأنه جعل المخاطبين بسبب ما صدر عنهم من النكوص على أعقابهم عند الإرجاف بقتله ﷺ كأنهم اعتقدوا أنه ليس حكمه حكم سائر الرسل المتقدمة عليهم الصلاة
والسلام في وجوب اتباع دينهم بعد موتهم بل على خلافه فأنكر الله عليهم ذلك وبين أن حكمه حكمهم الخ، فإن قلت كيف جوّزوا قتله ﷺ مع قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ أسورة المائدة، الآية: ٦٧] قلت أجابوا عنه بأنه لا يعلم ذلك كل أحد والعالم به قد يذهب عنه لهول المقام مع أجوبة أخر. قوله: (روي أنه لما رمي الخ) عبد القه بن قميئة بقاف وميم وياء وهمزة وهاء بوزن سفينة علم من القماءة، وهي الصغر والحقارة وهذا مخالف لما سبق في قوله ليس لك من الأمر شيء من أنه عتبة بن أبي وقاص لكن ابن الجرزي والطيبي صححوا هذه الرواية، قوله: حتى قتله أي قتل مصعباً رضي الله تعالى عنه، والصارخ قيل إنه الشيطان وانكفا الناس استعارة بمعنى رجعوا والى عباد الله اسم فعل أي ارجعوا وعباد الله مفعوله، وانحاز بمعنى اجتمع وقوله: وشدّ بسيفه أي حمل وأصل معنى الشد العقد، قالوا شد في عدوه بمعنى أسرع قال: ويجوز أن يكون أصله شد حزامه للعدو. قوله: (بل يضر نفسه (أخذه من توجه النفي إلى المفعول فإنه يفيد أنه يضر غير الله وليس إلا نفسه، وقوله: بالثبات عليه إشارة إلى أنه مجاز وضعفيه الشاكرين موضع الثابتين على الإسلام لأنه ناشئ عن تيقن حقيته، وذلك شكر له وأنس هو ابن النضر لسابق. قوله: " لا بمشيئته تعالى أو بإذنه فملك الموت الخ) ههنا شيآن ما كان له أن يموت وبإذن الله، والأول: إنما يستعمل في الفعل الذي يقدم عليه اختياراً فجعله الزمخشريّ تمثيلاً بأن أخرح مخرح فعل اختياري لا يقدّم عليه إلا بإذن، والمراد عدم القدرة عليه والثاني: إذن الله وهو مستعار
стр. 845
للمشيثة والتيسير كما أن الأذن بيسير الدخول على
المحتجب، وبعض شراح الكشاف لم يفرق بينهما، وقوله: أو بإذنه لملك الموت فيكون الأذن على حقيقته، ومفعوله مقدر للعلم به وقوله: (بالإحجام عن القتال والإقدام الف ونشر مرتب ووجه التشجيع والوعد ظاهر. قوله: (مصدر مؤكد الخ) أي مؤكد لعامله المستفاد من الجملة السابقة والمعنى كتب ذلك الأجل المأذون فيه المعين بإرادته كتاباً مؤجلاً ولا يضرّه التوصيف لأنه معلوم مما سبق أيضاً فليس كل وصف يخرج عن التأكيد، فلا يرد عليه أنه ينافي كون مؤجلا صفة له فتأمّل وفسر المؤجل بما له أجل مضروب، أو بما لا يتقدم ويتأخر والفرق بينهما ظاهر والتعريض بذكر الدنيا وأن منهم من أرادها، والانتهاز من انتهاز الفرصة أي اغتنامها والمسارعة إليها، والمراد بالثاكرين المريدين للأخرة وفي إبهام جزائهم واسناده إلى الله ما لا يخفى من المبالغة. قوله: (أصله أيّ الخ) اختلف في هذه الكلمة هل هي بسيطة وضعت كذلك ابتداء والنون أصلية، واليه ذهب أبو حئان وغيره وعليه فالأمر ظاهر موافق للرسم.
وقيل: إنها كلمة مركبة من أي المنونة والكاف واختلف في أي هذه فقيل هي أفي التي في قولهم أيّ الرجال وقال ابن جني ﵀: إنها من قولهم أوى يأوي، أويا فأعلت بالإعلال المشهور وحدث فيها بعد التركيب معنى التكثير المفهوم من كم كما حدث، في كذا بعد التركيب معنى آخر فكم وكأين بمعنى واحد، وعلى هذا فإثبات تنوينها في الوقت والخط على خلاف القياس لأنه نسخ أصلها وفيها لغات.
إحداها: بالتشديد على الأصل.
والثانية: كائن بوزن كاعن كاسم الفاعل واختلف في توجيهها فعن المبرد ﵀ إنها
اسم فاعل من كان وهو بعيد إذ لا وجه لبنائها ولا لإفادتها التكثير، وقيل: أصلها المشددة فقدمت الياء المشددة على الهمزة، ثم حذفت الياء الأولى للتخفيف فقلبت الثانية ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها أو الثانية لثقلها بالحركة، وقلبت الياء الساكنة ألفا كما في آية ونظيره في حذف إحدى الياءين، وقلب الأخرى ألفاً دون انقلب المكاني طاني في النسبة إلى طيء اسم قبيلة فإنّ
أصله طيئيّ بياءين مشدودتين بينهما همزة فحذفت إحدى الياءين كما مرّ وقلبت الأخرى ألفاً فقيل طائي، وقيل إنّ إحدى الياءين حذفت قبل القلب، ثم قدّمت وقلبت.
والثالثة: كئين بياء بعد الهمزة وبها قرأ ابن محيصن ﵀.
الرابعة: كيئن بياء ساكنة بعدها همزة مكسورة.
الخامسة: كئن بكاف مفتوحة وهمزة مكسورة ونون قال:
كئن من صديق خلته صادق الإخا أبان اختياري أنه لي مداهن
وتفصيله في الدرّ المصون، والكاف لا متعلق لها لخروجها عن معناها ومن قال به فقد تعسف وموضعها رفع بالابتداء والخبر قتل، وضميرها يجمع ويفرد نظر اللفظ والمعنى، فمعه ربيون جملة حالية من ضمير قتل أو من نبيّ لتخصيصه بالصفة، أو معه حال وربيون فاعله أو جملة قتل صفة نبيّ ومعه ربيون خبر أو معه ربيون فاعله، أو الخبر محذوف تقديره مض ونحوه، وان كان ربيون تائب فاعل قتل فالجملة خبر أو صفة نبيّ والخبر محذوف ففي خبرها أربعة أوجه وإذا أسند القتل إلى النبيّ ورد عليه أنه ينافي قوله: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا﴾ أسورة غافر، الآية: ٥١] فإمّا أن يكون المقتول من الأنبياء والمومحود بنصرهم الرسل أو هو عام كما صرح به في بعض الروايات، وا! مراد بنصرهم نصرهم في الحروب فلا ينافي قتلهم في غيرها واليه ذهب الحسن وابن جبير وجماعة فقالوا: لا نعلم نبياً قتل في حرب وإليه حال الزمخشرقي أو المراد نصرهم لإعلاء كلمتهم ونحوه لا على الأعداء مطلقاً، وقوله: ككاءن جريا على معتادهم في إبدال الهمزة في الموازن بالعين لتخفيفها لفظا، وخطاً كما بينوه في الصرف وتولهم زغقلي بتقديم الراء في لعمري لغة فيه نادرة كضم العين، وهو قسم والتنظير به لتصرّفهم في المركب كالمفرد وقوله: (فصار كبئن) بكاف وياء مفتوحتين وهمزة مكسورة ونون، والتنظير بطائي مرّ وجهه. قوله: (بيان له) يعني أنه تمييز لكأين كتمييزكم والأكثر فيه الجرّ بمن وزعم بعضهم أنها لازمة ويرذه أنه ورد منصوبا في قوله:
اطرد اليأس بالرجاء فكائن أملا جمّ يسره بعد عسر
стр. 846
وأما جرّه بالإضافة فممتنع للتنوين أو صورته، ولا تجر بحرف خلافاً لابن قتيبة وابن عصفور ومعناها التكثير في الأكثر، وترد للاستفهام نادراً. قوله: (ربانيون نالخ) يعني أنه منسوب إلى الرب كرباني والمراد به عالم زاهد، والضم والكسر على هذا مخالف للقياس والفتح موافق له وبها قرئ، وقيل الضمّ والكسر منسوب إلى الربة بالضم والكسر لغتان فيه
بمعنى الجماعة وياء النسبة للمبالغة كاحمري ومن قال: معناه الكثير العلم من ربا يربو فقد أخطأ لاختلاف الماذتين، وقوله: (منسوب إلى الربة) أي بالكسر بناء على أنّ الضم ليس لغة فيها، ومنهم من قال إنه لغة كما مرّ وقوله: (ويؤيد الأوّل الخ) لأنّ التضعيف للتكثير وهو ينافي إسناده إلى نبيّ واعتبار المعنى فيه أو رجوعه إلى كأين خلاف الظاهر، وأيد أيضاً بما مرّ من أنه لم يقتل نبيّ في حرب قط. قوله: (فما فتروا الخ) جدهم بكسر الجيم بمعنى اجتهادهم ولو قرئ بالحاء المهملة على أنه كناية عن عدم الضعف لم يبعد، وقوله:) من قتل النبئ (بناء على الوجه الثاني لأنه أبلغ وأظهر في الضعف، وقيل: إنه على الوجهين لأنّ قتل الربيين معه يفيد قتله أيضا نحو ضرب زيد مع عمرو وقوله: أو بعضهم إشارة إلى أنّ إسناد القتل إليهم بمعنى قتل بعضهم أو أكثرهم كما يقال: قتل بنو فلان إذا وقع القتل فيهم، وفسر الوهن بمعنى الفتور ليكون ضعفوا تأسيساً والا فأصل معناه الضعف، وفسر الضعف بالضعف عن العدوّ وهو عدم المقاومة أو في الدين بأن يتغير اعتقادهم لعدم النصر كما مرّ من قولهم لو كان نبيا لما غلب، وهذا ناظر لم مرّ. قوله: (وما خضعوا للعدوّ وأصله الخ) استكان بمعنى تضرّع أو خضع، واختلف فيه هل هو من السكون فوزنه افتعل لأنّ الخاضع يسكن لمن خضع له فألفه ل! شباع وهو كثير ولا يختص! بالضرورة، كما قيل أو من الكون فوزنه استفعل وألفه منقلبة عن واو والسين مزيدة للتأكيد كأنه طلب من نفسه أن يكون لمن قهره وقيل: لأنه كالعدم فهو يطلب من نفسه الوجود فقوله أن يكون بالفوقية والتحتية، ووجه التعريض ظاهر، وقيل: إنه من قول العرب بأنّ فلان مكينة سوء أي بحالة سيئة أو من كأنه يكينه إذا أذله قاله الأزهريّ: وأبو عليّ فألفه منقلبة عن ياء وقوله: (فينصرهما الخ) لأنّ محبة الله للعبد إنما هي بفعل ما يريده، وهذا هو المناسب هنا. قوله:) وما كان قولهم مع ثباتهم وقوّتهم الخ) الثبات والقوّة يستفادان من عدم الفترة والضعف والربانيون من قوله: ربيون على التفسير الأوّل والإسراف تجاوز في فعل
ما يجب الذنب عامّ فيه، وفي التقصير وقيل إنه يقابل الإسراف وكلاهما مذموم وقوله: ليكون عن خضوع بجعلهم أنفسهم مذنبة مسرفة، وطهارة يعني من الذنوب بالمغفرة وهو أقرب الإجابة وقوله: ليكون تعليل لتأخير طلب التثبيت من ثم. قوله: (وإنما جعل قولهم خبرا الخ (الجمهور على نصب قولهم خبراً وأن وما معها اسم وعن عاصم عكسه، ورجحت الأولى بأنه إذا اجتمع معرفتان فالإعراب أن يجعل الأعرف محكوما عليه والمصدر المؤوّل أعرف لأنه بمنزلة المضمر إذ لا يوصف ولا ينكر، والثاني ليس بمسلم لأنه قد ينكر كما في وما كان هذا القرآن أن يفتري أي افتراء، وقد صرح به شرح التسهيل ووجهه المصنف بدلالته على جهة النسبة وزمان الحدث، وجهة النسبة هي الفاعلية والمفعولية والحدث مستفاد من الفعل فهو يدل على زيادة معنى، وهو كونه صادراً عنهم في الماضي فيكون أكثر تعينا وهو يقتضي زيادة التعريف بخلاف إضافة المصدر الصريح فإنها لا تدل على ذلك صريحا، ومعنى ما كان ما صح ما استقام، وفي الانتصاف أن فائدة دخول كان المبالغة في نفي الفعل الداخل عليه باعتبار الكون. قوله: (فآتاهم الله بسبب الاستنفار الخ) اللجأ بوزن الحذر بمعنى الالتجاء، وهو مأخوذ من الدعاء والتضرّع والنصر والغنيمة الخ ما فيه من أمور الدنيا تفسير لثوابها، وما تعلق بالآخرة من ثواب الآخرة، والاعتداد به من وصفه بالحسن حتى كأنّ ما عداه ليس بحسن عنده، والسببية تستفاد من الفاء. قوله: (نزلت في قول المنافقين الخ) فالمراد بالكافرين المنافقون، وقولهم: ما قيل إرجاف منهم والألم يقع قتله، وعلى القول الآخر الطاعة الخضوع والانقياد لما مرّ، ويستجر بمعنى يقتضي جرّهم، وقوله
стр. 847
بالنصب أي نصب الجلالة، وقيل: هو عامّ الخ فالمخاطب هم المؤمنون جميعا، والمخاطب على الأوّل الصحابة والكافرون للعهد والمعهود إمّا المنافقون وامّا اليهود والنصارى والمشركون، وتوله (عن ولاية غيره) هو أبو سفيان وما
عداه من الكفرة.
قوله: (يريد ما قذف الخ) فالرعب رعب المؤمنين بأحد قيل وينافيه السين إلا أن يحمل
على التأكيد، ولقابل يعني للعام القابل، وليستأصلوهم يعني ليقتلوهم جميعاً ويقلعوهم من أصلهم وعلى هذا فالرعب رعب المشركين وقوله: (بالضم (أي ضم عين الرعب وهي الأصل والسكون للتخفيف وقيل هما لغتان، وقيل: الأصل السكون والضم للاتباع. قوله:) بسبب إشراكهم به الخ) فالباء سببية وما مصدرية وآلهة تفسير لما، وحجة تفسير لسلطانا لأنه بها يتقوّى على الخصم فالنون زائدة والسليط الزيت أو دهن السمسم، وقيل: النون أصلية، وقوله: ولا ترى الضب بها ينحهجر أي يدخلى حجرا وهو شاهد لما فيه انتفاء المقيد لانتفاء قيده اللازم، وهذا كقولهم السالبة لا تقتضي وجود الموضوع غحاصله أنه سلب لا يقتضي وجود الموضوع، وهو في وصف مغارة وأوّله:
لا يفزع الأرنب أهوالها
أي لا ضب بها حتى ينحجر ولا حجة حتى ينزلها فالمراد نفيهما جميعاً. قوله: (أي مثواهم فوضع الظاهر الخ) فالتغليظ من جعلهم ظالمين والتعليل من التعبير بالمشتق فإنه يقتضي أن مأخذه علة الحكم كما مرّ. قوله: (أي وعده إياهم بالنصر الخ) يعني أن المصدر مضاف لفاعله، وصدق يتعدى لمفعولين وقد يتعدى لواحد وهذا إشارة إلى ما مر في قوله:) إن تصبروا ولتقوا الخ) ومعنى يرشقونهم يرمونهم بالسهام، والرماة جمع رام فالمراد بالوعد النصر
المشروط بما ذكر وقوله: تقتلونهم أصل معنى حسه أصاب حاسته بآفة فأبطلها مثل كبده ولذا عبر به عن القتل، وقيل للقتل حسيس ومنه جراد محسوس إذا طبخ كله عن الراغب ﵀ ومن لم يقف عليه استبعده وأصل معنى الفشل الضعف وضعف القلب بالجبن والحرص من ضعف العقل واليقين وكذا ضعف الرأي من ضعف العقل فلذلك فسرها بها وقوله: فثبت مكانه أي في مكانه ولزمه، والمعنيّ كالمرضيّ بمعنى المقصود ومن الظفر والغنيمة بيان لما، وفاعل أراكم الله. قوله: (وجواب إدّا محذوف وهو امتحنكم الخ (في حتى هذه قولان قيل حرف جر بمعنى إلى ومتعلقها تحسونهم أو صدقكم أو محذوف تقديره دام لكم ذلك، وقيل حرف ابتداء دخلت على الجملة الشرطية من إذا وما بعدها وجوابها قيل تنازعتم والواو زائدة، وقيل صرفكم، وثم زائدة وهو ضعيف جدا والصحيح أنه محذوف وقدره ابن عطية، انهزمتم والزمخشريّ منعكم نصره وأبو البقاء بأن لكم أمركم بدليل ما بعده وقدره المصنف ﵀ امتحنكم، وقدره أبو حيان انقسمتم قسمين ولكل وجهة والمركز مكانهم الذي أمرهم النبيّ ﷺ بلزومه. قوله: (كفكم عنهم الخ) أي بترك القتال، وتحول الحال من الغلبة إلى ضدها، والمراد بالابتلاء الامتحان وهو استعارة تمثيلية أي يعاملكم معاملة من يمتحن ليبين أمركم والا فالامتحان على الله محال وقوله: (ولما علم من ندمهم) أي فإنه سبب للعفو بمقتضى الفضل والكرم فالمراد بالتفضل محض التفضل ليقابل ما بعده، وأديل بمعنى جعل الدولة إمّا لهم وإمّا عليهم. قوله:) أو بمقدر كاذكر الخ) هذا على قراءة الياء التحتية المذكورة في الكشاف ظاهر وأمّا على قراءة الخطاب فقيل إنه مشكل إذ يصير المعنى اذكر يا محمد إذ تصعدون يعني لما فيه من خطأ بين بدون عطف فالصواب اذكروا وأجيب بأنّ المراد باذكر جنس هذا الفعل فيقدر
اذكروا لا أذكر ويحتمل أن يكون من قبيل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء﴾ [سورة الطلاق، الآية: ا] ولا يخفى أنه خلاف الظاهر قد سنح لنا أنّ أذكر متضمن لمعنى القول والمعنى قل لهم حين تصعدون الخ، ومثله لا منع فيه كما تقول قل لزيد أتقول كذا فإنّ الخطاب المحكي مقصود لفظه فلا ينافي القاعدة المذكورة وهم غفلوا عنه فتأمّل، وأشار إلى أنّ الصعود هنا بمعنى الذهاب في الأرض مطلقأ وأصله الذهاب إلى جهة العلو، ويقابله الانحدار، وظاهر كلامهم الفرق بين الصعود والتصعد فإنه الذهاب في العلوّ، وهو الذهاب مطلقا وفيه نظر وقبل إنه إشارة إلى غلوهم فيما تخيروه كقولهم: أبعدت في كذا، وارتقيت فيه مرتقي فكأنه قال: إذا بعدتم في استشعار الخوف، والاستمرار على
стр. 848
الهزيمة، وقوله: الإصعاد إشارة إلى أنّ القراءة المشهورة بضم حرف المضارعة، وقرئ بفتحة والهمزة فيه للدخول نحو أصبح إذا دخل في الصباح. قوله: (لا يقف أحد لأحد الخ) يعني أنه من لوى بمعنى عطف فالمراد به وتف وانتظر لأنّ من شأن المنتظر أن يلوى عنقه، وفسر أيضاً بلا ترجعون وهو قريب منه، وقرئ تلون وتقدم توجيهها، ومعنى من بكر من يرجع وأخرى مقابل أولى والمراد الساقة من العسكر أو جماعة أخرى مطلقاً، وقوله: (عطف على صرفكم) قيل عليه أنّ فيه طول الفصل بين المتعاطفين فالظاهر عطفه على تصعدون، وهو دمان كان مضارعاً لفظاً فهو ماض معنى لإضافة إذ إليه وفاعل إثابكم ضمير الله وقيل الرسول ﷺ كما سيأتي وجازاكم تفسير لأثابكم ومتعلقه محذوف تقديره ما ذكر. قوله: (غماً متصلاَ بغم (يعني أنّ الباء للمصاحبة والظرف مستقرّ والغئم، والأوّل القتل والجرح والثاني الإرجاف بقتل النبيّ عت! هـ، والأولى أن يقول وغلبة المشركين لأنّ الظفر كان للمؤمنين والارجاف هو الإخبار بما يورث الاضطراب من الأخبار الكاذبة، ويقال: ل! اذيب أراجيف حقيقته الاضطراب فقط وقوله: (أو فجازاكم الخ) فالباء فيه سببية متعلقة بأثابكم والغنم الأوّل للصحابة ﵃ بالقتل ونحوه، والثاني للرسول ﷺ بمخالفة أمره. قوله: (لتتمرّنوا الخ) التمرّن مزاولة الأمر واعتياده ولما كان الغثم المضاعف سبباً للحزن لا لعدمه أوّله بما ذكر لأنّ من اعتاد شيئا صار طبيعة له لا يؤلمه ويحزنه، وعلى الزيادة ظاهر ولا يخفى أنّ تأكيدها وتكريرها يبعد الزيادة. قوله: (وقيل الضمير في فأثابكم للرسول ﷺ هذا
خلاف الظاهر ولذا أخره، ومرضه والمراد بأبا بكم آساكم بالهمز والمد أي جعلكم أسوة له متساوين في الحزن واللغة الفصيحة فيه آسى وأمّا واسي فقيل مولدة وقيل: رديئة وعليه فالتعليل ظاهر، وعلى الأوّل الإثاية بحاز عن المجازاة أو تهكم على حد:
تحية بينهم ضرب وجيع
والتثريب التعيير والاستقصاء في اللوم وقوله:) عليم الخ) تفسير لخبير وفي نسخة عالم. توله: (أنزل الله عليكم الأمن حتى أخذكم النعاس الخ) هذا بيان لمحصل المعنى، وقوله وعن أبي طلحة الخ حديث صحيح رواه البخاري، واختلف في الأمنة فقيل مصدر كالمنعة بدليل قراءة السكون، وقيل: جمع آمن كبررة وقوله كأنها المرّة إنما أفحم كأنها لأنها لم يقصد بها مرة من الأمن وإنما المقصود إلا من مطلقاً لكن لوقوعها في زمان يسير شبهت بالمرّة، والبدل هنا يدل اشتمال وعلى الحالية لا يضر كونها من النكرة لتقدمها وعلى أنه مفعول له فالأمن بمعنى كونهم آمنين ليتحد فاعلهما فلا يرد ما اعترض به عليه لكن يلزمه تقديم معمول المصدر عليه، وهذه عادة الله مع المؤمنين جعل النعاس في الحرب علامة للظفر، وقد وقع كذلك لعليّ رضي الله تعالى عنه في صفين وهو من الواردات الرحمانية والسكينة. قوله: (أوقعتهم أنفسهم في الهموم الخ) يعني أن أهمه إمّا بمعنى جعله ذا هم وحزن أو جعله مهما له ومقصودا وهذا من الأوّل لأنّ ما يعتني به يحصل الهمّ لعدمه وكلاهما منقول عن الأزهري، فإن كان من الأوّل فالمعنى أنّ أنفسهم أوقعتهم في الحزن وان كان من الثاني فالمعنى ما يهمهم إلا أنفسهم لا النبيّ -حرو وغيره، والحصر مستقاد من المقام. توله: (صفة أخرى الخ) الحالية من ضمير أهمتهم لا
من المبتدأ، وقوله: غير بالنصب على المصدرية المؤكدة لأنه بحسب ما يضاف إليه فلذا قدر غير الظن، وقوله: الذي يحق أن يظن به تفسير للحق وضمير يظن للظن فالإسناد مجازي كجذ جذه فلا يتوهم أنه يقتضي أنّ الظن بمعنى المظنون فيكون مفعولاً به لا مفعولاً مطلقاً. قوله:
(الظن المختص الخ) إضافته إمّا من إضافة الموصوف إلى مصدر صفته ومعناها الاختصاص بالجاهلية كرجل صدق وحاتم الجود فهي على معنى اللام أي المختص بالصدق والجود فالياء مصدرية، والتاء للتأنيث اللازم له أو من إضافة المصدر لفاعله أي ظن أهل الجاهلية أي الشرك والجهل بالله وهي اختصاصية حقيقية أيضاً، وإلى هذا أشار المصنف ﵀. قوله: (يقولون أي لرسول الله ﷺ وهو بدل من يظنون الخ) فالقائل من كان حاضراً من المنافقين للنبيّ صلى
стр. 849
الله عليه وسلم، وعلى الثاني القائل بعض المنافقين لبعض، وعن العلامة أن قوله يقولون هل لنا الخ تفسير ليظنون وترجمة له، والاستفهام لا يكون ترجمة للخبر كما لا يصح أن تقول أخبرني زيد قال لي: لا تذهب وكذلك كل ما لا طباق فيه كنحو نهاني قال لي اضرب وأمرني قال لي: لا تضرب ومن هذا المثال يظهران ما يتوهم من أن البدل يقولون، وهو خبر ليس بشيء وتحقيقه أن المطابقة بين الحكاية والمحكي واجبة وحاصل السؤال أن متعلق الظن النسبة التصديقية فكيف يقع الاستفهام ترجمة له، والجواب أن الاستفهام طلب علم فيما يشك أو يظن فجاز أن يكون متعلق الظن وتحقيقه أن الظن أو العلم متعلق بما يقال في جواب ذلك الاستفهام، وهذا كما قال لك صديقك هل تسعفني في كذا فتقول ظننت بنا سوءاً إشارة إلى أنه كان يجب عليه القطع بالإسعاف ولا يجعله مورد الاستفهام الناشئ عن الظن الفاسد وفي الآية وجه آخر وهو أن الاستفهام إنكارفي لا حقيقيّ فهو خبر وأوثر الأوّل لأنّ هذا يدفعه أنهم أخفوا قولهم لو كان لنا من الأمر شيء وهذا السؤال على القول الأوّل، وأمّا على الثاني وهو أن معنى هل لنا لم نملك من التدبير فلا ورود له، وإنما ظن السوء تصويبهم رأي عبد الفه ومن تبعه، وقوله: إنا منعنا إشارة إلى أنّ الاستفهام غير حقيقيّ وما بعده إشارة إلى أنه على ظاهر.. قوله:) أي الغلبة الحقيقية الخ (فالأمر بمعنى البال والشأن والمراد ما ذكر، وقوله: وأوليائه إشارة إلى أنّ كون الغلبة لله كناية عن غلبة أوليائه وحزبه لكونهم من الله بمكان فعلهم فعله، أو الأمر بمعنى
القضاء أي القضاء مخصوص به لا يشاركه فيه غيره فيفعل ما يريد. قوله:) حال من ضمير يقولون الخ (وأتم جعله حالاً من فاعل قل والرابط لك فلا يخفى حاله وفسر يقولون بالقول النفسي، أو بقول بعضهم لبعض لأنه لو كان جهاراً لم يكونوا منافقين، وأمّا الاستئناف ففي جواب سؤال كأنه قيل ما الذي أخفوه تيل، وهو أجود لكثرة فوائده وقلة الاعتراض بين الحال وذيها ولأنّ بدل الحال حال ولا مقارنة بينهما لترتبه على ما قبله لا لأنه لا يجتمع قولان من متكلم واحد لأنّ زمان الحال المقارن ليس مبنياً على التضييق مع أنّ القول إذا كان نفسيا لا يتأتى هذا التوجيه، وقوله: كما وعد الخ إشارة إلى تفسير الأمر السابق بالنصر والظفر، وقوله: أو لو كان لنا اختيار مبني على تفسير هل لنا بأنا منعنا من التدبير وهو رأي ابن أبيّ بعدم الخروج من المدينة فقوله: لم نبرح أي لم نبرح بالمدينة. قوله: (لما غلبنا ولما قتل من قتل الخ) القائلون ليسوا ممن قتل لاستحالته فلذا أوّله بغلبنا وقتل منا على أنّ القتل بمعنى المغلوبية أو الإسناد مجازي بإسناد ما للبعض للكل. قوله: (أي لخرج الذين قدّر الله عليهم الخ (المضاجع إن كان بمعنى المراقد فهو استعارة للمضارع، وان كان بمعنى محل امتداد البدن مطلقا للحيّ والميت فهو حقيقة، وقوله: لا معقب لحكمه أي لا يأتي بعده ما يغيره فإن قلت كيف يكونون جميعا في بيوت المدينة مع بروز المقتولين إلى أحد قلت المراد بكونهم في بيوتهم! ولم يخرجوا للقتال بجملتهم، وهو لا ينافي خروج بعضهم لأمر آخر، وأما أنّ المراد بمن كتب عليهم القتل الكفار الذين قتلوهم بأن يخرجوا من عسكرهم ويدخلوا عليهم المدينة فيقتلوهم في بيوتهم بحيث لا يفيدهم التحصن، كما قيل: فبعيد لأنّ الظاهر من عليهم أنهم مقتولون لا قاتلون. قوله: (وليمتحن الله ما في صدوركم الخ (تقدم أنّ الامتحان مجاز عن
الإظهار وأنّ مثل هذا التركيب متعلق بمعلل معطوف على ما قبله من مجموع الشرطية أو جوابها والظاهر أنه معطوف على أنزل عليكم، ولا فصل بينهما لأنّ ما بعده إلى هنا من متعلقات المعطوف عليه أو على علة أخرى محذوفة، وأمّا عطفه على لكيلا فبعيد وتوسط تلك الأمور محتاج إلى نكتة، وقوله: من الإخلاص والنفاق يدل على أنه عنده معطوف على أنزل وأنه عاتم للطائفتين والزمخشريّ جعله للمؤمنين فقط لأنهم المعتد بهم ولأنّ إظهار حالهم مظهر لغيرهم، فما قيل: إنه يدل على أنّ الخطاب في هذه الآية للمؤمنين والمنافقين معاً فإنّ إظهار الإخلاص يناسب المؤمنين واظهار النفاق يناسب المنافقين وسوق الآية على أنه للمنافقين لأنهم القائلون لو كان لنا الخ، وصاحب الكشاف جعله للمؤمنين والاعترأض عليه أقوى ليس له وجه مع كون السياق على أنّ الخطاب للمنافقين لا وجه له مع قوله وليمحص، وقد
стр. 850
اعترف به القائل كما سيأتي وهو الذي حمل الزمخشريّ على تخصيصمه بالمؤمنين فلله دره. قوله: (وليكشفه ويميزه الخ) قد مرّ معنى التمحيص، واسناده في النظم سابقاً للمؤمنين يقتضي ترجيح الوجه الثاني الذي اقتصر عليه الزمخشرفي، وعلى التعميم يفسر بالتمييز والمراد بما في قلوبهم الاعتقاد ولذا قال ما في قلوبكم ولم يقل قلوبكم ولا يرد عليه أنّ الخطاب للمنافقين وهو لا يناسب التخليص من الوسواس كما مر، وذات الصدور ما في القلوب التي فيها جعلها لتمكنها منها كأنها مالكة لها وقيده بقوله: قبل إظهارها لدلالة صيغة المبالغة عليه إذ بعد إبدائها لا تكون كذلك وجعله وعداً ووعيداً بناء على العموم الذي ارتضاه والعالم بالخفيات لا يحتاج إلى الامتحان والتجربة فهذا دليل على أنه تمثيل كما مرّ قوله:) يعني أن الذين انهزموا يوم أحد الخ (في الكشاف اسنزلهم طلب منهم الزال ودعاهم إليه ببعض ما كسبوا من ذنوبهم أي إن المنهزمين بأحد كان السبب في توليهم أنهم كانوا أطاعوا الشيطان فاقترفوا ذنوبا فلذلك منعهم التأييد وتقوية القلوب حتى تولوا يعني أن التولي غير الاستزلال، وقيل استزلال الشيطان إياهم هو التولي وإنما دعاهم إليه بذنوب تقدّمت لهم لأنّ الذنب يجرّ الذنب كما أنّ الطاعة تجرّ الطاعة.
وقال الحسن استزلهم بقبول ما زين لهم من الهزيمة، وقيل: بعض ما كسبوا ترك المركز
الذي أمرهم به ﷺ فجرّهم ذلك إلى الهزيمة وقيل: ذكرهم خطايا لهم تركوا لقاء الله معها فأخروا الجهاد حتى يصلحوا أمرهم ويجاهدوا على حال مرضية وقوله: ﴿بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ﴾ كقوله: ﴿وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ [سورة المائدة، الآية: ٥ ا] يعني أنّ في الآية وجهين مبني الثاني على أنّ الزلل الذي أوقعهم فيه ودعاهم إليه هو التولي، وبعض ما كسبوا أمّا الذنوب السابقة ومعنى السببية انجرارها إليه كما في الطاعات تجرّ البعض إلى البعض، وأما قبول ما زين لهم الشيطان من الهزيمة وأمّا مخالفة أمره ﷺ بالثبات في المركز وأمّا الذنوب السابقة لا بطريق الانجرار بل لكراهة الجهاد معها فاستزلال الشيطان إيقاعهم في التولي بتذكيره إياهم تلك الذنوب حالة القتال فالوجه الثاني أربعة أوجه لا خفاء فيها، وإنما الخفاء في الأوّل المبنيّ على أنّ الزلل ليس هو التولي والانهزام بل الذنوب المفضية إليه من جهة منعها التأييد وتقوية القلب، والمعنى إنّ الذين تولوا إنما سبب توليهم استزلال الشيطان إياهم ببعض الذنوب أي إيقاعهم في الزلل، ودعاؤهم إليه بأن اقترفوا ذنوبا لم يستحقوا معها التأييد الإلهيّ، وقوّة القلب فلذا تولوا والجار والمجرور أي ببعض الخ في موقع البيان والتقرير للزلل وايقاعهم فيه بأن أطاعوه، واقترفوا الذنوب كما يقال استزله الشيطان بقتل المسلم فقوله: استزلال الشيطان توليهم وذلك لكونه زللا عن موقف الحق والمركز المأمور به وإذا أريد به الذنوب فبالمعنى الأخير، والمصنف ﵀ أشار إلى زبدته على أخصر وجه وصرح بترك المركز وغيره وأومأ إلى تزيين الشيطان بالحرص على الغنيمة والحياة لم يتركهما كما توهم، وقوله: ببعض ما كسبوا ليس بعض زائدة ولا حاجة إليه بل إشارة إلى أن في كسبهم ما هو طاعة لا يوجب الاستزلال أو يقال: هذه العقوبة ليست بكل ما كسبوا فإنه يستحق به عقوبة أزيد منها لكنه تعالى من بالعفو عن كثير ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ﴾ [سورة فاطر، الآية: ٤٥] ولذلك ذيله بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ . قوله: (يعني المنافقين الخ) فسر الكفرة بهم لأنهم هم القائلون كابن أبيئ وهم كفرة في نفس الأمر وقولهم لأجلهم الخ جعل اللام تعليلية لأنهم غائبون لقوله إذا ضربوا فلا حاجة لتأويله وأمّا شمول الإخوان للغائبين والحاضرين والقول لبضهم وهم الحاضرون والضرب لبعض آخر كما قيل فتكلف لا حاجة إليه سوى كثرة الفضول، وعمم الأخوة للحقيقية والمجازية كالصداقة وموافقة الاعتقاد وتقدّم أنه يجمع فيهما على إخوان لكنه غلب في الثاني. قوله: (إذا سافروا الخ (أصل الضرب إيقاع شيء على شيء واستعمل في السير لما فيه من ضرب الأرض بالرجل، ثم صار حقيقة فيه، وإنما قابل الغزو به
لأنه قد يكون بدونه كما في أحد. قوله: (وكان حقه إذا لقوله قالوا الخ) يعني أن متعلقه ماض! فحقه إذ لأنها للمضيّ وجعله لحكاية الحال الماضية تبع فيه الزمخشري، وقد اعترض! بوجهين الأوّل أن حكاية الحال إنما
стр. 851
تكون حيث يؤتى بصيغة الحال وهذه صيغة استقبال، الثاني إن قولهم لو كانوا عندنا إنما هو بعد موتهم فكيف يتقيد بالضرب في الأرضى، وأجيب بأنّ إذا للاستمرار كما صرح به الزجاج من أنها تكون لمجرّد الوقت وقصد الاستمرار، وبأنّ قالوا لإخوانهم في موضع الجزاء معنى فيكون المعنى إذا ضربوا الخ قالوا لو كانوا عندنا الخ فيقيد القول به باعتبار آخره لأنّ المعتبر في مثله المقارنة العرفية كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٩٨، وهذا لا يصحح ما ذكره الزمخشريّ والمصنف ولا يدفع الاعتراض لأنها إذا كانت للاستمرار شمل الماضحي فلا تكون لحكاية الحال، وكذا إذا كان قالوا جواب إذا يصير مستقبلا فلا تتأتى فيه حكاية الحال المذكورة، وأجيب أيضا بأنّ النظر الصائب يقتضي أن تجعل إذا ظرفا لما يحصل للإخوان حتى يقال لأجلهم وفي حقهم ذلك كأنه قيل قالوا: الآجل الأحر ال العارضة للأخوان إذا ضربوا بمعنى حين كانوا يضربون وهذا لا يصحح بحسب العربية فكأنه نحا نحوا مما قاله أبو حيان ﵀: من أنه يمكن إقرار إذا على الاستقبال بأن يقدر العامل فيها مضافا مستقبلا على أنّ ضمير لو كانوا عائد على إخوانهم لفظا لا معنى على حد عندي درهم ونصفه والتقدير قالوا؟ لمخافة هلاك إخوانهم إذا ضربوا أو كانوا غزاً لو كان إخواننا الآخرون الذين تقدم موتهم وقتلهم عندنا ما ماتوا، وما قتلوا فتكون هذه المقالة تثبيطاً لإخوانهم الباقين عن الضرب، والغزو لئلا يصيبهم ما أصاب الأوّلين، ونقل في المغني أنها تكون للحال بعد القسم فلو حمل عليه هذا لصفا عن الكدر لكنهم تركوه لأنه غير مسلم عندهم. قوله: (جمع غاز كعاف وعفا الخ) يعني جمع فيه فاعل على فعل بالتشديد كشاهد وشهد وهو من نوادر الجمع قي المعتل ولهذا استشهد عليه بعفا في قول امرئ القيس:
ومغبرّة الآفاق خاشعة الصوى لها قلب عفا الحياض أجون
يصف مفازة بأنها لم تسلك قبله، والصوى جمع صوة وهي الحجارة تنصب علما للمفازة والقلب جمع قليب وهي البئر القديمة، وعفا بمهملة وفاء آخره بمعنى دارسات وأجون جمع أجنة بمعنى متغيرة والمصنف ﵀ أشار إلى محل الشاهد منه، وقرئ بالتخفيف بحذف إحدى الزايين أو التاء فاصله غزة ويجمع أيضا على غزاة وغزاه ككرام وغزيّ كغنيّ وغازين، وقوله: يدل على أن إخوانهم لم يكونوا مخاطبين لأنه تصريح بأنهم ليسوا عندهم فاللام للتعليل كما مرّ. قوله: (متعلق بقالوا الخ) هذا ما داخل في التشبيه أو خارج عنه فعلى الأوّل يتعلق
بقالوا وليس هذا علة لقولهم فيجعل مجازاً بأن يشبه الأمر المترتب على الفعل بالعلة الباعثة عليه وششعار له حرفه وهو المسمى بلام العاقبة وعلى الثاني متعلق بلا تكونوا أي نهاكم عنه ليجعل اعتقادكم الظاهر لهم حسرة فذلك إشارة إلى الاعتقاد الذي تضمنه القول أو للنفي المدلول عليه بالنهي قيل وجعل الحسرة في قلوبهم عبارة عن تمكنها ولزومها لهم، وقولهم: مما يغمهم أي يورثهم الغم والحزن. قوله: (أي هو المؤثر في الحياة والممات الخ) صرف المحيي عن معناه الظاهر وهو موجد الحياة لأن الكلام ليس فيه ولا يحصل به الردّ وإنما الكلام في إحداث ما يؤثرهما، وجعله تهديدأ لهم لأنّ علم الله ورؤيته يستعمل في القرآن للمجازاة على المعلوم والمرئيّ والمؤمنون لم يماثلوهم فيما ذكر لكن ندمهم على الخروج من المدينة يقتضيه، وقرئ متم بالضم من مات يموت مثل كنتم من كان يكون، وبالكسر من مات يمات مثل خفتم من خاف يخاف كما هو مقرّر في التصمريف، ولام لئن موطئة للقسم ولام لمغفرة في جواب القسم، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه ووفائه بمعناه وهو معنى قوله ساذ مسده، وقدم القتل على الموت أوّلاً لأنه أكثر ثوابا وأعظم عند الله فترتب المغفرة والرحمة عليه أقوى، وقدم الموت في الثانية لأنه أكثروهما مستويان في الحشر، وقوله: وان وقع ذلك أي الموت لا التقديم. قوله: (لإلى معبودكم الخ) في الكشاف اسم الله لما كان اسما للذ ات الجامع لصفات الكمال على وجه الكمال كان ذكره في معرض! الوعد منبئا عن تمام الرضا والكرم والرحمة، وفي معرض الوعيد عن غاية السخط والانتقام وتقديمه يدل على الحصر أي
إليه تحشرون لا إلى غيره فلا
стр. 852
رجاء ولا ثواب إلا منه وادخال لام القسم على المعمول المقدم مشعر بتأكيد الحصر والاختصاص، وبأنّ ألوهيته هي التي تقتضي ذلك، وقوله: الذي توجهتم إليه يقتضي أن في هذه الجملة مقدّرا بقرينة ما قبله أي ولئن متم أو قتلتم في سبيل الله ولو حمل على العموم لكان أولى، وقوله: لا محالة مأخوذ من التأكيد بالقسم ولما كان المقصود من ذكر الحشر ذكر ما فيه من الجزاء قال فيوفي الخ. قوله: (والدلالة على أنّ لينه لهم ما كان إلا برحمة) وفي نسخة والتنبيه وقد تبع فيه الكشاف، ولما كان مخالفاً لما تقرر من أن الحصر إنما يستفاد من التقديم لا من التأكيد الزائدة ونحوه ذهب شراحه إلى أنّ الحصر إنما استفيد من تقديم الجار والمجرور وزيادة ما إنما تفيد تأكيد ذلك قالوا ففي كلامه حذف أي ما مزيدة والظرف مقدم للتأكيد، والدلالة على اللف والنشر التقديري، ولا يخفى ما فيه من العناية التي هي بسلامة الأمير وقد وقع من الزمخشري هذا في مواضع من كشافه ولا قرينة على ما ذكروه، ولو قيل: إن الحصر إنما استفيد من التقديم لدلالته على الاهتمام به والتأكيد أيضا يدل على ذلك فلا مانع من دلالته على الحصر أيضاً لأنّ تأكيد سببيته يفيد أنه لا سبب غيرها ولعل هذا مراده لكن الشراح لم يعوّلوا عليه لأنه لم يذكره أحد من أهل المعاني وكم في كتابه من أمثاله، وقد صرح به في بعض كتبه وربط الله على جأشه أي تقوية قلبه من قولهم فلأن رابط الجأس بالهمزة أي شديد القلب كأنه يربط نفسه عن الفرار لشجاعته، وإنما جعل اللين مسبباً عن ربط الجأس لأنّ من ملك نفسه عند الغضب كان كامل الشجاعة والفظاظة سوء الخلق وترك حسن العشرة وغلظ القلب القساوة وعدم التأثر والمراد برحمة الله ما يرحمه به مما ذكر أو الرحمة التي خلقها في فطرته. قوله:) وشاورهم الخ (كان ﵊ مأموراً بالمشاورة مع الأصحاب، واختلف هل أمر بها في أمور الدنيا والدين أو في أمور الدنيا فمن أبى الاجتهاد له ع! ي! م ذهب إلى الثاني، ومن جوّزه وهو الأصح ذهب إلى الأوّل وهذا فيما لم يكن فيه وحي بالاتفاق فقوله في أمر الحرب بناء على الثاني أو لأنه المناسب للمقام، والاستظهار التقوّي، وقوله: (وتطييباً لنفوسهم) هذا منقول عن السلف لكن قال الجصاص في الأحكام غير جائز أن يكون الأمر بالمشاورة إلى جهة تطييب نفوسهم ورفع أقدارهم ولتقتدي الأمة به في مثله لأنه
لو كان معلوما عندهم أنهم إذا استفرغوا مجهودهم في استنباط الصواب عما سئلوا عنه ثم لم يكن معمولاً به لم يكن في ذلك تطييب نفوسهم، ولا رفع أقدارهم بل فيه إيحاشهم لأن آراءهم غير مقبولة ولا معوّل عليها فهذا تأويل ساقط لا معنى له فانّ المشاورة حينئذ لم تفد شيئا واذ قد بطل هذا فلا بد أن يكون لمشاورته إياهم فائدة وأن يكون للنبيّ ﷺ معهم ضرب من الاجتهاد فما وافق رأيه عمل به وما خالفه ترك من غير لوم وفيه إرشاد للاجتهاد وجوازه بحضرته ﷺ واشعار بمنزلة الصحابة وأنهم كلهم أهل اجتهاد وأنّ باطنهم مرضيّ عند الله وفيه تأمل، وقوله: بعد الشورى مأخوذ من الفاء. قوله: (في إمضاء أمرك على ما هو أصلح لك الخ) أي ليس التوكل إهمال التدبير بالكلية بل مراعاة الأسباب مع تفويض الأمر إليه تعالى كذا في شروح الكشاف، وفي كلام الصوفية ما يخالفه وهو راجع إلى التوفيق، وقراءة عزمت على التكلم تفيد صحة إسناد العزم إلى الله تعالى وقد صرّح به أهل اللغة وأنه بمعنى القطع والإيجاب ومنه قالوا عزمات الله كما حكاه الأزهري ووقع في أوّل مسلم وشرحه، وكلام المصنف ظاهر فيه وفي أنّ المشاورة فيما لا نص فيه وقوله: فينصرهم وبهديهم لأنّ من أحب أعان محبوبه وأنجح مطلوبه. قوله: (من بعد خذلانه الخ) بعد ظرف زمان وشستعمل للمكان كقبل نقيضه على الاستعارة كما في الكشاف فقوله: بعد خذلانه وارد على الزمان بحذف مضاف، وقوله: إذا جاوزتموه وارد على المكان كما تقول جئت بعد فلان ومن بعده بمعنى واحد لكن من تدل على ابتداء المجيء، وفي المغرب في قول محمد وإنه كان بالذي لا بعد له يعني ليس له نهاية في الجودة أخذه من قولهم هذا مما ليس بعده غاية في الجودة والرداءة فاختصره وأدخل عليه لا النافية للجنس كذا في شروح الكشاف، ويعلم من التوكل عليه كفايتة لمهماتهم وأهمها النصرة ومن
стр. 853
تقديم المتعلق أنه لا ناصر سواه.
قوله: (وما صح لنبئ أن يخون الخ) يعني المراد الإخبار بأنه يمتنع عليه امتناعا ظاهراً
قويا لما في الانتصاف من أنّ هذه الصيغة ترد للامتناع العقلي كثيراً نحو ما كان دئه أن يتخذ من ولد ما كان لكم أن تنبتوا شجرها، وأمّا إذا كان مبالغة في النهي فهو خبر أجرى مجرى الطلب مبالغة وفي الانتصاف أن هذه الصيغة وردت نهياً في مواضع من التنزيل نحو: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ [سورة الأنفال، الآية: ٦٧، ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة التوبة، الآية: ١٣ ا] وهي واردة فيهما لا تختص بأحدهما كما قيل ومنافاة النبوّة للخيانة ظاهرة، وأصل الغل والإغلال! الأخذ في خفية، ولذا استعمل في السرقة، ثم خص في اللغة بالسرقة من المغنم. قوله: (والمراد منه إمّ براءة الرسولى ﷺ ! ااتهم ب الخ) وحديث القطيفة أخرجه أبو داود والترمذي عن ابن عباس ﵄ وحسته وظن معطوف على اتهم وفي الكشاف فيه زيادة وهي كما لم يقسم يوم بدر فقال لهم النبئ ﷺ ألم أعهد إلبكم أن لا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري فقالوا: تركنا بقية إخواننا وقوفاً فقال ﷺ : بل ظننتم أنا ننل ولا نقسم لكم فنزلت وكذا هو في تفسير الواحدي وغيره عن مقاتل وتركه المصنف لما فيه من مخالفة ما سيأتي في الأنفال من قسم غنائم بدر ٠ قوله: (وأمّا المبالغة في النص للرسول ﷺ الخ) والطلائع الجواسيس على العدوّ واحدهم طليعة وقد يطلق على الجماعة أيضاً، والمراد من التغليظ المبالغة في المنع حيث جعله سرقة وهو للتهييج والإلهاب على الترك كما في لئن أشركت، وفي شرح الكشاف أن لفظة التغليظ قبيحة لأنّ عادة الله مع حبيبه ﷺ التلطيف لا التغليظ، وكذا أنكر على النحرير في قوله عد أدنى زلة منه غلولاً إطلاق الزلة عليه ﷺ وإنه مخالف للأدب وقوله: (ولم يقسم للطلائع) أي لم يعين لهم قسما، وقوله: ثانية يعني كما بالغ في النهي بصيغة الخبر المستعمل في الممتنعات كما مرّ بالغ في تسمية الحرمان غلولاً، وقيل النهي عن الحرمان الذي هو أدنى صفة من الغلول نهى عن الغلول بطريق المبالغة والتسمية
الأخرى مبالغة في ذلك فتأمّل. قوله: (والمعنى وما صح له أن يوجد كالاً الخ (في هذه القرأءة توجيهات منها أنه من أغله بمعنى وجده غالأ كقولهم أحمده وأبخله وأجبنه بمعنى وجده كذلك ومنها أنه من أغله بمعنى نسبه للغلول كأكذبه إذأ نسبه للكذب، والمعنى النهي عن نسبة ذلك إليه. قوله: (يأت بالذي غله الخ) والحديث الذي أشار إليه ما رواه الشيخان: " والذي نفس محمد ﷺ بيده لا يغلى أحدكم شيئاً إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه " وفي معناه أحاديث أخر فالإتيان على ظاهره وعلى ما بعده الإتيان به مجاز عن الإتيان بإثمه تعبيرا بما غل عما لزمه من الإثم مجازا، وكذا قوله ما كسبت فإنه عبارة عن جزائه، ويحتمل تقدير المضاف، وقوله: كالبرهان لأنه يلزم من توفية كل كاسب جزاءه أن يبوء بإثمه. قوله:) فلا يخقص! ثواب مطيعهم) تفسير لعدم الظلم وليس فيه أن ذلك بطريق الوجوب على الله تعالى فهو بمقتضى الحكمة والعدل، فلا يرد عليه أنه ليس مدّهب أهل السنة كما قيل وقد تقدّم الكلا! على قوله أفمن الخ وقوله: وبئى المصير إمّا تذييل واعتراض أو معطوف على الصلة بتقدير ويقال في حقهم وبئس المصير، ولم يذكر في مقابله الجنة لأنّ رضوان الله أكبر وهو مستلزم لكل نعيم عندهم فافهم وفرق بين المصير والمرجع بأنّ الأوّل يقتضي مخالفة ما صار إليه من جهنم إلى ما كان عليه في الدنيا لأنّ الصيرورة تقتضي الانتقال من حال إلى حال أخرى كصار الطين خزفاً، والمصير اسم مكان ويحتمل المصدرية. قوله: (شبهوا بالدرجات الخ) أي هو تشبيه بليغ بحذف الأداة والضمير لمن اتبع رضوان الله ومن باء بسخط من الله جميعاً شبههم بالدرج في تفاوتهم علواً وسفلاً وعلى تقدير ذو ولا تشبيه، والمراد أنهم ذوو درجات أي منازل! أو أحوال متفاوتة وفيه نظر. قوله: (عالم بأعمالهم الخ) تبع فيه الزمخشري، والحق خلافه قال:
في شرح المواقف اتفق المسلمون على أنه سميع بصير لكن اختلفوا في معنافما فقالت الفلاسفة والكعبي وأبو الحسن البصري: إنهما عبارة عن علمه تعالى بالمبصرات والمسموعات وقال الجمهور: منا ومن المعتزلة والكرامية إنهما صفتان زائدتان على العلم فإنا إذا علمنا شيئا علماً جلياً ثم
стр. 854
أبصرناه نجد فرقاً بين الحالتين بالبديهة وأنّ في الحالة الثانية حالة زائدة في الإبصار. قوله: (أنعم على من آمن الخ) يعني أن المنة على مؤمني قومه، وهم العرب المستفاد من قولهم من أنفسهم لزيادة انتفاعهم بها في الدنيا بالغنائم والعز السرمدي ككون الإمامة فيهم وعلمهم ما لم يكونوا يعلمون لفهم لسانه، وفي الآخرة بما لا عين رأت ولا أذن سمعت، والقراءة الأخرى بمن الجارة لمن المشذد النون واعرابها ما ذكره المصنف ﵀ وترك احتمال كون إذ مبتدأ المذكور في الكشاف لما فيه من مخالفة جمهور النحاة مع تكلفه. قوله: (من نسبهم أو من جنسهم الخ) يعني كونه منهم إمّا نسبا فيخص قريشا أو جنسأ فيعم العرب، وكونه ﷺ من أشرف القبائل غنيّ عن البيان، والبطن ما دون القبيلة كالفخذ وتفصيله في اللغة والمراد من دنس الطباع ما كان فيهم من الجاهلية، وفسر الحكمة بالسنة والمراد بها الشريعة مطلقاً المعروفة بغير وحي متلو لمقابلة الكتاب. قوله: (وإن هي المخففة واللام هي الفارقة) أي المزيدة للتأكيد والفرق بين أن المخففة والنافية، وأن هذه إن دخلت على جملة اسمية جاز إعمالها في الاسم الظاهر خلافا للكوفيين والسماع يبطل مذهبهم، وأمّا عملها في ضمير شأن أو غيره مقدراً فذكره مكي والزمخشرفي، وتبعه المصنف ﵀ وردّه أبو حيان بأنه لم يقل به، أحد من النحاة وانها إذا دخلت على الفعلية كما هنا وجب إهمالها والأكثر كون مدخولها ماضياً ناسخا ككان ودونه أن يكون مضارعا ناسخاً نحو وان يكاد الذين كفروا وهو قياسيّ، ودونه أن يكون ماضيا غير ناسخ نحو:
شلت يمينك إن قتلت لمسلما
أو مضارعا غير ناسخ نحو:
أن يزينك لنفسك
وأمّا قول الحلبيّ إنّ كلام الزمخشرفي، وهو معنى كلام المصنف بعينه تفسير معنى لا إعراب فخلاف الظاهر، وأن وضحه بعضهم بأنهما لم يريدا بقولهما وأنّ الشأن تقدير ضمير الشأن بل جعل الجملة حالاً بتأويل الشأن، والقصة لئلا يختلف زمان الحال والعامل فإنّ زمان الكون في ضلال قبل زمان التعليم لكن كون القصة ذلك مستمرّ، وادّعى إنه تأويل شائع في الحال الذي يتقدم زمان تحققه زمان تحقق العامل، وفيه تأمل. قوله: (الهمزة للتقريع والتقرير الخ) جملة قد أصبتم أي نلتم ووجدتم صفة مصيبة وقلتم جواب لما فإنه ظرف بمعنى حين لا حرف وجود لوجود على الصحيح يستعمل للشرط يليه ماض لفظا أو معنى، والجملة بعده مجرورة بالإضافة وناصبه الجزاء وأنى هذا جملة اسمية مقدمة الخبر وهي مقول القول ومجموع الجملة معطوف على قوله: ﴿لَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ﴾ إلى هنا، وللتعلق بقصة واحدة لم يتخلل بينهما أجنبيّ، والهمزة متخللة بين المتعاطفين للتقرير بمعنى التثبيت أو الحمل على الإقرار، والتقريع على مضمون المعطوف كذا قال النحرير وفيه دفع لما قيل إنّ العطف على ما مضى فيه بعد، ويبعد أن يقع مثله في القرآن لكن فيه نظر لأنه عطف القصة على القصة كما ذكر لكن هذا من جملة تلك القصة فلا يعد قصة أخرى. قوله: (أو على محذوف الخ (ففي مثله ثلاثة طرق العطف على ما تقدم وجعل الإنكار للجمع متعقبا أو غير متعقب والهمزة مقدمة من تأخير، والعطف على مقدر وصاحب المغني لم يحقق مسلك الزمخشريّ فيه فخلط الطريقين، والعطف على مقدر بعد الهمزة، وقوله: ولما ظرفه أي ظرف قلتم كما مرّ بيانه وجعل المثلين ضعفاً وقد مز تحقيقه وقوله والحال بيان للمعنى المراد لا إعراب للجملة حالاً لأنه يحتاج إلى تكلف، وجعل الضعف قتل سبعين وأسر سبعين بجعل الأسر كالقتل أو لأنهم كانوا تادرين على القتل، وهو كان مرضيّ الله فعدم القتل كان لتركه مع القدرة لا ينافي الإصابة، وقوله: من أين هذا مقول القول، وفسر أن بمعنى من أين أصابنا هذا لا بمعنى كيف كما مز تحقيقه لأنّ قوله من عند أنفسكم يدلّ عليه ولو كانت بمعنى كيف لم يطابق الجواب، ومعنى كونه من عند أنفسهم إنهم السبب له لا الفاعل والخالق. قوله:) وعن علئ الخ الأنهم اختاروا الفداء لصناديد العرب
ولو قتلوهم لم يقدروا على غزو أحد كما سيأتي تفصيله، وهذا رواه الترمذفي والنسائيّ وحسنه وقوله: (أن يصيب بكم ويصيب منكم (قال النحرير: أصاب منه هزمه ونال منه ما أراد وأصاب به جعله واحداً من العدوّ وما أراد، ويوم أحد بمعنى الحرب لأنّ أيام العرب وردت بهذا المعنى كثيراً.
стр. 855
قوله: (فهو كائن بقضائه الخ) قيل: إنه إشارة إلى أنّ الظرف خبر مبتدأ ودخول الفاء لتضمن معنى الشرط ووجه السببية ليس بظاهر، إذ ليست الإصابة سبب التخلية بل العكس فهو من قبيل: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾ [سورة النحل، الآية: ٥٣] أي ذلك سبب للإخبار بكونه من الله لأن قيد الأوامر قد يكون للمطلوب، وقد يكون للطالب وكذا الإخبار، وتقدير هو كائن بيان للمعنى والا فالتقدير ب! ذن الله يكون ويحصل وجعل الإذن مجازاً عن التخلية اللازمة للإذن لأنّ حقيقته إنما يكون عند الأمر والرضا، وليعلم عطف على بإذن الله والمراد التميز لحصول العلم قبل الإصابة، وفيه بحث لأنه ما المانع من جعل القضاء والتخلية سببا لإصابتهم ولولا ذلك لم يغلبوهم، ثم إن جعله بمعنى التخلية تبع فيه الزمخشريّ، وقد أورد عليه أنه غفلة فإنه مذهب المعتزلة لأن غلبة الكفار ليست بإرادة الله عندهم لقبحها وأمّا عند أهل السنة فالإذن بمعنى الإرادة وكأنه غفلة عن قوله بقضائه، وفي كلام النحرير دفع آخر له. قوله: (وليتميز المؤمنون والمنافقون الخ) قد قرّر سابقا أنّ إثبات علمه كناية عن إثبات معلومة على وجه برهاني والمعلوم هنا وهو الإيمان والكفر ثابت قبل إصابة ما أصابهم فأوّله بظهورهما، ولو أوّله بالثبات لصح، وليعلم مرّ أنه عطف على باذن لسبب على سبب آخر، ويصح عطفه على علة محذوفة للإبهام كما مرّ فسقط ما قيل إن أراد التميز عند الله ورد أن الطائفتين ممتازتان في علمه دائماً وان أراد عند الناس ورد أنه لا وجه لتفسير علم الله به ولا حاجة إلى أنّ المراد لتميزهم فيتميزوا عند الخلق فاكتفى بلازمه وقوله: (أو كلام مبتد " أي معطوف على مجموع ما قبله أو هو اعتراض!. قوله: (تقسيم للأمر عليهم الخ) الظاهر أن المراد بالأمر ظاهره وجوّز فيه أن يكون بمعنى البيان، وقوله عن الأنفس والأموال أي أنفسهم وأموالهم بيان لمتعلقه، ويحتمل الدفع بأن لا يظهروا الكفر فيكون ذلك هذا فالمعنى حينئذ ادفعوا المسلمين، وهو بعيد وقوله: فإنّ كثرة السواد أي الناس يعلم من مقابلته للقتال والتخلف وقوله: يروع بالتشديد والتخفيف،
ويكسر منه على حد قوله:
تجرح في عراقيبها نصلي
قوله: (لو نعلم ما يصح أن يسمى قتالاً) يعني نفي علم القتال كناية عن أن ما هم فيه
ليس قتالاً بناء على نفي العلم بنفي المعلوم لأنّ القتال يستدعي التكافؤ من الجانبين مع رجاء مدافعة أو مغالبة فهذا إلقاء للتهلكة لا قتال، أو المراد أنا لا نحسن القتال ولا نقدر عليه لأن علم الله بفعله الاختياري من لوازم القدرة عليه فعبر بنفيه عن نفيها، والدغل أصل معناه الاختفاء، ثم استعمل للفساد وهو المراد. قوله تعالى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ﴾ لانخزالهم الخ الانخزال بمعنى الانقطاع، ويومئدّ أصله يوم إذ قالوا لو نعلم قتالاً أي وقت قولهم هذا كانوا أقرب منهم للكفر قبل ذلك لظهور أماراته، قيل الظروف كلها متعلقة باً قرب لما فيها من الاتساع لكن تعلق الكفر باعتبار الزيادة وتعلق الإيمان من حيث المفضولية كأنه قيل قربهم من الكفر يزيد على قربهم من الإيمان وصلة القرب تكون من والى تقول قرب منه وإليه ولا تقول له فقيل اللام بمعنى إلى.
(أقول (يعني أنه لا يتعلق حر فاجر أو ظرفان بمعنى متعلق واحد إلا في ثلاث صور أن
يتعلق أحدهما به مطلقا، ثم يتعلق به الآخر بعد تقييده بالأوّل كما مر تحقيقه في كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا وأن يكون الثاني تابعا للأوّل ببدلية ونحوها أو يكون المتعلق أفعل تفضيل لتضمنه الفاضل والمفضول الذي يجعله بمنزلة تعدد المتعلق كما في المقيد والمطلق فاحفظه وقول أبي البقاء: وغيره جاز أن يعمل أقرب فيهما لأنهما يشبهان الظرف في هذا بسرا أطيب منه رطبا إشارة إلى أنه كثر في الظرف التغاير الاعتباري فحمل هذا عليه، فلا يرد عليه أن ظاهره أنّ المسوغ لتعلقهما بعامل واحد شبههما بالظروف وليس كذلك وفي الدر المصون إنّ القرب الذي هو ضد البعد يتعدى بثلاثة حروف اللام والى ومن فإذا قلت زيد أقرب من العلم من عمرو فمن الأولى للتعدية الأصلية والثانية الجارة للمفضول فلا حاجة إلى أن اللام بمعنى إلى اص.
فما ذكره النحرير مردود، وقيل: إن أقرب هنا من القرب بفتح الراء وهو طلب الماء،
ومنه القارب لسفينته وليلة القرب أي الورود، والمعنى هم أطلب للكفر وهو يتعدى باللام. قوله:) وقيل هم لأهل الكفر الخ) يعني أنه على تقدير
стр. 856
مضاف وهو أهل واللام متعلقة بالتمييز
المقدّر أعني نصرة كما تقول أنا لزيد أشد ضربا لعمرو ولا يبعد ذلك عند عدم اعتبار حذف المضاف أيضاً، وقوله: تخذيلا من الخذلان وهو عدم النصرة. قوله: (يظهرون خلاف ما يضمرون الخ) هذه الجملة إمّا مستأنفة أو حال من ضمير أقرب وقوله: (بأفواههم) قيل: إنه تأكيد على حذ ولا طائر يطير بجناحيه وقيل: إنه بيان لأنه كلام لفظيّ لا نفسيّ، وأثا تفسير المصنف ﵀ له كقول الزمخشريّ: إنه تصوير لنفاقهم وانّ إيمانهم موجود في أفواههم فقط فينبغي كونه تأكيداً لهذه الفائدة فكان على المصنف ﵀ أن يقول أو تصوير ولا يتبعه وفسر بعضهم التصوير بالتحقير لأنه بمجرّد اللسان كأنه وقع في نسخته تصغير، وكأنه غلط من الناسخ. قوله: (من النفاق وما بخلو به إلى قوله بعلم واجب) أي يقينيّ قطعي بدليل مقابله. قوله: (بدلاً من واو يكتمون الخ) فهو كقوله: ﴿وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ أسورة الأنبياء، الآية: ٣] وعلى الجرّ في الوجهين فهو من باب التجريد كقوله:
ياخيرمن ركب المطي ولا شرب الكؤس بكف من بخلا
واستشهد لإبدال المظهر من ضمير الغيبة بما ذكره وهو من شعر للفرزدق ومنه:
فلما تصافينا الإداوة أجهشت إليئ غضون العنبري الجراضم
فجاء بجلمودله مثل رأسه ليشرب ماء القوم بين الصرائم
على حالة لوا! في القوم حاتماً على جوده لضن بالماءحاتم
بجرّ حاتم بدلاً من ضمير جوده لأن القوافي مكسورة، والتصافي اقتسام الماء بالحصص
عند ضيق الماء ويكون بحجر صغير يسمى مقلة بوزن وفعة يشرب قدر ما يغمره فحاول العنبريّ أي رجل من بني العنبر كان رفيقاً له الزيادة لشرهه وشدة عطشه ولسعة بطنه، وهو معنى الجراضم بضم الجيم والراء المهملة وألف وضاد معجمة فميم، والصرائم جمع صريمة وهي منقطع الرمل ويقل فيه الماء، والإجهاش التفزع إلى الغير تهيؤ للبكاء، وغضون الجلد مكاسره، وأسند لها الإجهاش لأنّ مخايله تظهر فيها وأعرب قعدوا حالاً لأنه أقعد من العطف. قوله:
(أي إن كنتم صادقين) أي ما اذعيتموه سبب النجاة ليس بمستقيم ولو فرض استقمامت فليى بمفيد أمّا الأوّل فلأن أسباب النجاة كثيرة غايته إنّ القعود والنجاة وجدا معاً وهو لا! ل ل! لى السببية، وأمّا الثاني فلأن المهروب عنه بالذات هو الموت الذي القتل أحد طرقه وأ! ابه فإن صح ما ذكرتم أرفعوا سائر أسبابه وأنتم معترفون بعدم ذلك هذا إذا كان متعلق الصدق هو! اتضمنه قولهم من أن سبب نجاتهم القعود عن القتال، أمّا لو كان ما صرح به مش أنهم لو أطاعونا ما قتلوا فظاهر إنه غير معلوم لجواز قتلهم في مضاجعهم، وفي الكشاف وروي أر٤ مات يوم تالوا هذه المقالة سبعون منافقا بعدد من قتل بأحد. قوله: (والخطاب لرصول الله ﷺ أو لكل أحد الخ) كون الآية في شهداء أحد هو المروي في أسباب النزول حتى تيل إن كونها في شهداء بدر غلط لم يرو عن السلف، ولذا مرضمه المصنف ﵀ و! لى قراءة الخطاب المخاطب الرسول ﷺ أوكل من يقف على الخطاب مطلقاً، وقيل: (من المنافقين الذين قالوا لو قعدوا ما ماتوا) وإنما عبر عن اعتقادهم بالظن لعدم الاعتدادب. تو! ٤: (والمفعول الأوّل محذوف الخ) قدره الزمخشريّ ولا يحسبنهم الذين قتلوا أمواتا أي لا! حسبن الذين قتلوا أنفسهم أمواتا، واعترض بأن فيه تقديم المضمر على مفسره وهو مخصوص دأ! اكن ليس هذا منها وردّ بأنهم وان لم يذكروه لكن عود الضمير على الفاعل المتأخر لفظاً جائز! ر! ، رتبة ومعنى وتعدى أفعال القلوب إلى ضمير الفاعل جائز، وقد صرّح في شرح الك! اف! جواز ظنه زيد منطلقا فهذا غريب منه، وأمّا حذف أحد مفعولي باب علم وظن فلا يمتنع ا! صار إلا اقتصارا وما هنا من الأوّل فيجوز مع أنه جوّز الاقتصار بعضهم ويكفي للتخريج مثه فإن قيل كيف جاز نهي المقتولين قيل: لأنهم أحياء ونفوسهم بالله مدركة، وقيل: إنهم تيقنوا كونهم أحياء فكيف ينهوا عن الظن بكونهم أمواتا إلا أن يجعل نفيا لأنه ورد تأكيد النفي وإن! ل، أو هو نهي عن حسبانهم أنفسهم أمواتا في وقت مّا
стр. 857
ويناسبه تقدير بلى هم أحياء للاست! رار. قول: (بل أحسبهم أحياء) هذا تخريج الزجاج، وأورد عليه الفارسيّ إنّ الأمر يقين فلا يؤمر فيه
بحس! بان ولا يضمر إلا الحسبان لا اعتقدهم أو اجعلهم إذ لا دلالة للمذكور عليه، وردّ بأنه يكفي مثله قرينة على أفي حال وهذا تحامل وتعصب وأمّ الأمر بالحسبان والظن فلا مانع منه بلى التكليف بالظن واقع نحو قوله: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ أسورة الحشر، الآية: ٢] أمراً بالقياس وتحصيل الظن وأمّا أنّ المراد اليقين وتقدير احسبوا للمشاكلة فتعسف لأن الحذف في المشاكلة لم يعهد. قوله:) ذوو زلفى منه) يعني أنّ عند هنا ليس للقرب المكاني لاستحالته، ولا بمعنى في علمه وحكمه كما يستعمل له عند في نحو عند أبي حنيفة كذا لعدم مناسبة المقام وعدم مناسبته ظاهرة، وان قيل إنه مناسب بلا شبهة لأنه يدل على التحقق لأنّ المقام مقام مدح، وهذا التفسير أنسب به، وفي الكلام دلالة على التحقق من وجوه أخر بل هي بمعنى القرب شرفاً ورتبة، واختلف في رسع! ذوو ونحوه فرسمه بعضهم بدودط ألف لأنّ الألف إنما تزاد بعد واو ضمير الجمع الاسمية نحو قالوا وهذه ليست ضميراً، ومنهم من رسمها في واو مثله تشبيها لها بواو الضمير في الفعل، والحياة الأبدية من كونهم أحياء، والقرب من عند الله والتمتع من قوله يرزقون. قوله: (يسرّون بالبشارة الخ (البشارة الخبر السارّ والاستبشار طلبها، والمعنى هنا على السرور بما علموا من حالهم فاستعمل في لازم معناه، وهو استئناف أو معطوف على فرحين لتأويله بيفرحون والمراد بالخلفية التأخر في زمان شهادتهم، أو في رتبة فضيلتهم وأن لا خوف بدل من الذين بدل اشتمال وجوّز فيه النصب بنزع الخافض أي لأن لا أو بأن لا، والخوف وقوع المكروه والحزن ضد الفرج وخصه بفوات المحبو! لأن أكثر استعماله فيه وبه تتم مقابلة الخوف، وخوف مضاف ولا وجه لما قيل إنّ خوف بلا تنوين لتقدير الإضافة كما في بين ذراعي وجبهة الأسد. قوله: (والآية تدل على أنّ الإنسان غير الهيكل المحسوس الخ) الهيكل بمعنى البدن، وهو يطلق عليه كثيراً يعني ليس الإنسان مجزد البدن بدون النفس المجرّدة بل هو في الحقيقة النفسى المجرّدة، واطلاقه على البدن لشدة التعلق
بها وهي جوهر مدول لذاته أي من غير احتياج إلى هذا البدن لوصفه بعد مفارقته بالتنعم ونحوه، وأمّا جواز أن يتوقف إدراكه على بدن آخر كما في حديث الطير الخضر فلا دليل عليه مع عمومه لأهل العذاب وكونه مدرك لذاته بإضافة مدرك لجمع اللذة بعيد. قوله: (في أجواف طير خضر الخ) قيل هو على ظاهره وإنّ أرواح الشهداء أعني نفوسهم التي بها الإدراك، والتمييز تحل أبدان الطيور المتنعمة في الجنة فتلتذ بذلك أو تتمثل طيورأ خضراً، أو تتعلق بها فيمن جعلها مجرّدة، وقيل المراد أنها تتعلق بالأفلاك والكواكب فتلتذ بذلك أو تكتسب زيادة كمال، وهذا يلائم القناديل المعلقة تحت العرس، ومن أوّل الحديث قصد سد باب التناسخ، ومن هذا الحديث أخذ المثل المشهور النفس خضراء بمعنى أنها تميل لكل شيء وتشتهيه، ومن أنكر تجرّدها وجعلها عرضاً أو الأنفاس أوّل الحياة المذكورة بحياة أخرى أو بالحياة المعنوية وهي بقاء الذكر الحسن وحكم الإيمان وثوابه، والإحماد من أحمدته وجدته محموداً، وذلك أنهم مدحوا بأنهم يستبشرون بحصول النعمة والفضل وعدم الحزن واللحوق لمن خلفهم، والبيان لقوله ألا خوف لأنه بنعمة الله وفضله أو الاستبشار الأوّل بدفع المضار ولذا قدم، والثاني لوجود المسارّ، وقوله: عطف على فضل هو قول للنحاة أو على نعمة على الآخر. قوله: (على أنه استئناف الخ (والاعتراض على القول بأنه يكون تذييلأ وفي آخر الكلام، ولا يشترط أن يكون في وسطه، ولا حاجة إلى تكلف توجيه له أصلا. قوله:) دال على أت ذلك أجر لهم على إيمانهم) هو مأخوذ من التعليق بالمشتق كما مرّ مراراً واحباط العمل أن لا يعتذ به
ولا يثمر، وهو من المسائل المبينة في الأصول ووجه دلالة النظم عليه ظاهر. قوله: (خبره للذين الخ) يعني أجر مبتدأ مؤخر والجار والمجرور خبره والجملة خبر المبتدأ الأوّل، أو الجار والمجرور خبر وأجر فاعله ومن بيانية وفيه تجريد ومبالغة كما تقول لي منك عالم وإنما حمل عليه لأنهم كلهم محسنون متقون، والروحاء براء مفتوحة وواو ساكنة وحاء ومد موضع بين مكة والمدينة وقوله: فندب أي دعا وقوله: يومنا أي وقعتنا
стр. 858
وأيام العرب وقائعهم، وحمراء بالمد مضاف إلى الأسد اسم موضمع على ثمانية أميال من المدينة وليست بدرا الصغرى لأنّ هذه في وقعة أحد وبدر الصغرى بعد بسنة، وقوله: وكان بأصحابه القرح يعني جراحات من حرب أحد، ومعنى تحاملوا على أنفسهم تكلفوا حمل المشقة عليها وكان المشركون هموا بالرجوع إلى المدينة فلما نهض المسلمون خلفهم خافوا وذهبوا. قوله: (يعني أي بالناس الركب الخ) فالناس الثاني غير الأوّل وأل فيهما للعهد لكن الناس الأول إن كان الركب فظاهر لأنهم جمع وإن كان نعيما فأطلق عليه ذلك كما يطلق الجمع واسم الجمع المحلى بالألف واللام الجنسية على الواحد منه مجازاً كما صرحوا به أو باعتبار أنّ المذيعين لكلامه كالقائلين لهم. قوله: (روي الخ) رواه ابن جرير أو غيره وضمير إنه لأبي سفيان ﵁ ومرّ الظهران محل
معروف بقرب مكة، والميرة بكسر الميم شراء الطعام أو الطعام نفسه، وثبطوا بمعنى عاقوهم عن الخروج وغرضه أن يقال خرج أبو سفيان ولم يخرجوا أو أن لا يقع القتال لخوفه، وقوله: اتوكم في دياركم يعني أحداً، والشريد الفارّ. قوله: (الضمير المستكن للمقول الخ) قيل في رجوعه إلى الفاعل ضعف لأنّ الجمع أطلق على واحداً مجازاً فلا يجوز إفراد ضميره إذ لا يقال مفارقه شاب باعتبار أنّ المراد مفرقه، وردّ بأنه يكون كرجوع الضمير للفظ والمعنى ولا مانع منه ويحتمل أنّ الضمير لله أي فزادهم إيمانا بسبب ذلك.
تنبيه: قوله: إنّ المراد بالناس نعيم هذا ما ذهب إليه المفسرون والسهيلي.
وقال ابن عبد البرّ وابن حجر في أماليه هذا لم أره مسندأ وان نقله الثعلبي عن مجاهد وعكرمة، وقال الواقدي: وابن إسحق إنهم ناس من عبد قيس ورووه بسند فيه انقطاع واتهام وانحصر تسميته نعيما في مقاتل، وهو متروك ووقعت لي التسمية بسند قوي فيهم متهم وساقه. قوله: (وهو دليل على ان الإيمان يزيد ويتقص الخ (واركلام فيه معروف في الأصول والحديث والمصنف ﵀ بني كلامه أوّلاً على أنّ الأعمال داخلة في الإيمان فزيادته ظاهرة، وثانيا على أنّ نفس التصديق والاعتقاد يقبل ذلك، وأما من لم يجعل الأعمال منه ولم يجعل التصديق قابلا للزيادة والنقصان فيؤوّل ما ورد فيه بأنه باعتبار المتعلق وما يؤمن به وقوله: وينقص حتى يدخل صاحبه النار معناه يضعف حتى يوقع صاحبه في أمور توجب دخول النار، والا فالإيمان لا يوجب النار بل الجنة ولو بمقدار خردلة. قوله: (محسبنا وكافينا الخ) يعني أنه بمعنى اسم الفاعل ولذا وصف به النكرة، وهو مضاف لأن إضافة اسم الفاعل لفظية لا
تفيده تعريفاً ويعلم منه أنّ المصدر المؤوّل باسم الفاعل له حكمه في الإضافة، وفي عطف جملة نعم الوكيل الإنشائية على حسبنا الله الخبرية كلام فمن جوّزه مطلقا أو فيما له محل من الإعراب لتأويله بالمفرد فالأمر عنده ظاهر، وتفصيله في حواشي المطول، وقوله: الموكول إليه إشارة إلى أن فعيل بمعنى مفعول، وقوله: فرجعوا من بدر المراد بدر الصغرى وهي بعد أحد بسنة. قوله: (قد تفضل عليهم بالتثبيت الخ) التثبيت، وما بعده معلوم مما مرّ وقوله: تحسير بالحاء المهملة بمعنى إيقاعهم في حسرة وندم على ما فاتهم ويحتمل الإعجام أن نسبة إلى الخسران والضلال، وحرم مبني للفاعل ونفسه مفعوله أو مبني للمفعول ونفسه تأكيد للضمير المستتر وما فازوا به مفعوله الثاني. قوله: (يريد به المثبط نعيماً الخ) يعني ذلكم إشارة إلى المثبط والمعوّق بقوله: إنّ الناس قد جمعوا لكم بالذات وهو نعيم أو بالواسطة كأبي سفيان والشيطان بمعنى إبليس خبره على التشبيه البليغ أو الشيطان صفة على التشبيه أيضا، ويحتمل أن يكون مجازا حيث جعله هو فإن كان الإشارة إلى القول فلا بد من تقدير مضاف، أي قول الشيطان ويكون الشيطان بمعنى إبليس لأنه علم له بالغلبة وأمّا على تقدير المضاف وان احتمل أن يكون الشيطان مستعاراً له لكن فيه تكلف معنى مع التقدير والتجوز فلذا تركه المصنف ﵀ كغيره والتجوّز في الإضافة إلى
стр. 859
إبليس لأنه بوسوسته وسبه فجعل كأنه قوله.
قوله: (أولياءه القاعدين عن الخروج الخ) يعني أولياءه يحتمل أن يكون ثاني مفعولي يخوّف والأوّل محذوف أي يخوّفكم من أوليائه أي أبي سفيان وذويه لقوله فلا تخافوهم فإن الظاهر عود ضميرهم إلى الأولياء فيكون هم المخوّف بهم ليلائم النهي عن المخوّف منهم، ويحتمل أن يكون المذكور هو المفعول الأوّل على أنّ المراد بهم القاعدون عن الخروج معه ﷺ ، والثاني متروك أو محذوف للعلم به أي يوقعهم في الخوف أو يخوفهم من أبي سفيان وأصحابه فلا يصح عود ضمير تخافوهم على أوليائه، بل هو راجع إلى الناس في قوله: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ١٧٣] كضمير اخشوهم فهو رذ له، وبقي
الخطاب في ذلك إلى قوله إن كنتم مؤمنين للقاعدين أو للخارجين معه ﷺ أو للجميع قال النحرير: الظاهر الأوّل لأن الخارجين لم يخافوهم بل خافوا الله وقالوا: حسبنا الله، ويجوز أن يكون للجميع والقصد التعريض بالقاعدين وإذا كان الخطاب للقاعدين فأولياؤه على أحد الوجهين من وضع الظاهر موضع المضمر نعياً عليهم بأنهم أولياء الشيطان. قوله: (الضمير للناس الخ) الناس الثاني هو الذي في قوله: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ﴾ وقوله: على الأوّل أي على التفسير الأوّل لقوله أولياء. إذ المراد به القاعدون عن الخروج معه من المنافقين، والمخوّف ليس هم بل أبو سفيان، والمشركون وهم المراد من الناس الثاني كما مرّ، وعلى تفسير الأولياء الثاني هم عين الناس الثاني فيعود إليهم الضمير، ولذا رجحه الزمخشريّ لقربه وتبادره والمصنف عكسه. قوله: (من مخالفة أمري الخ) فالمخاطب بقوله فلا تخافوهم كما مرّ المؤمنون وقوله: إن كنتم مؤمنين مع تحقق إيمانهم إلهاب وتهييج لهم، فإن كان المخاطب الجميع ففيه تغليب وأمّ جعل الخطاب للمنافقين على الالتفات وان كان لا تكلف فيه فخلاف الظاهر، ولذا ترك الالتفات إليه. قوله: (يقعون فيه سريعاً) يعني أنّ المسارعة ضمنت معنى الوقوع فعديت بفي والا فتعديتها بإلى. قوله: (والمعنى لا يحزنك خوف أن يضروك الخ) يعني المنهي عنه الحزن لخوف ضررهم بدليل ما بعده لا الوقوع في الكفر، لأنه أمر قبيح يحزنه فليست الصلة علة لعدم الحزن كما هو المعهود في مثله، وفي المائدة أنّ المعنى يسارعون في إظهاره بما يلوح منهم من آثار الكيد للإسلام ومن موالاة المشركين وهو راجع إلى هذا التفسير لأن كيدهم وموالاتهم هو عين الضرر فلا يرد عليه ما قيل إنه أيضاً قبيح يفتقر إلى تأويل. قوله: (أي لن يضروا أولياء الله الخ) قدر المضاف للقرينة العقلية عليه، وكونهم إنما يضرون أنفسهم مأخوذ من أنّ الله لم يجعل لهم حظاً في الآخرة لمسارعتهم للكفر وقوله: (شيئاً " يحتمل) المفعول أي بواسطة حرف الجرّ أي بشيء واليه أشار بقوله: يضرون بها ولا حاجة إلى تأويله بما يتعدى بنفسه إلى مفعولين، والمعنى على المصدرية ضرر أمّا. قوله: (وهو يدل على
تمادي الخ الأنه إن لم يستمرّ كفرهم لم يقطع نصيبهم من الآخرة قيل، وما ذكره من وجه ذكر الإرادة تبع فيه الزمخشريّ وهو مبني على مذهبه في أنّ إرادة الله تعالى لا تتعلق بالشر فالصواب، تركه وإنّ وجه ذكرها لأنه لا يخرج عن إرادته شيء من خير أو شر وليس بشيء لأنه لم يقل إنه لم يرد كفرهم ولم يرمز إليه فليس فيه مخالفة لأهل السنة لا منه ولا من العلامة وهذه نكتة سرية لا داعي لتركها وقوله: (مع الحرمان عن الثواب) مستفاد مما قبله. قوله: (تكرير للتكيد الخ الما كان هذا وما قبله واحداً بحسب المآل والظاهر بين وجهه بأنه تأكيد له أو المسارعون للكفر المنافقون أو من ارتد، وهذا عامّ لكل كافر فأردفعه به تتميما وتنبيها على أنه لا يختص بهم وجوز الزمخشرفي العكس بأن يكون الأوّل عاما للكفار، وهذا خاص بالمنافقين أفردوا بالذكر لأنهم أشد منهم في الضرر والكيد وقوله: (أو ارثد من العرب) في نسخة الإعراب.
وقيل إنّ المراد بالأوّل المنافقون أو من ارتد وهؤلاء اليهود. قوله: (والذين مفعول وإنما نملي لهم بدل الخ) إذا كان الخطاب للنبيّ ﷺ فالمقصود التعريض بهم إذ حسبوا ما ذكروا الذين أحد المفعولين ولا يجوز الاقتصار في هذا الباب على الصحيح وإنما الخ لتأويله بالمصدر لا يصح حمله على الذوات فلا يقع ثانيا في باب علم إلا بتقدير في الأوّل أي حال الذين
стр. 860
وشأنهم أو في الثاني أي أصحاب إنما الخ، أو هو بدل مقصود بالذات وأنّ المفتوحة مع اسمها وخبرها تسد مسد المفعولين لحصول المقصود من تعلق أفعال القلوب بالنسبة الإسنادية لا باعتبار الحذف اختصاراً أي لا تحسبن خيرية الإملاء ثابتة لهم وان كان رأيا لأنه ليس مرادهم هنا، ثم مثل بالآية الأخرى لوقوعه فيها بدون بدلية، وقوله: أو المفعول الثاني معطوف على
قوله بدل وهو إشارة إلى وجهي التقديرين السابقين وإنما قيدهم بقوله: لأنفسهم لأنه خير للمؤمنين لنيل الشهادة، وفضيلة الجهاد وغيره وما مصدرية فكان حقها الفصل لكنها كتبت في المصحف العثماني موصولة وهو المراد بالإمام في اصطلاح القراءة والمفسرين فاتبع واتباعه لازم ووجهه مشاكلة ما بعده والحمل على الأكثر فيها، والإملاء بمعنى الطول ليس خيراً لهم لازدياد آثامهم، وتفسيره بالتخلية هو الذي في الكشاف وتفسيره به مبني على مذهبهم لأنّ شأنهم الكفر وقد خلى بينه وبينهم لا إنه إرادة وخلقه فيهم وشأنهم مفعول معه وطول بكسر الطاء وفتح الواو الحبل الذي يطول للدابة لترعى فعلى هذا هو استعارة. قوله: (استئناف بما هو العلة للحكم قبلها) بين نهيهم عن حسبان خيريته بأنه لازدياد إثمهم والقائلون بأن الخير والشرّ بإرادته تعالى يجوّزون التعليلى بمثل هذا إمّا لأنه غرض وامّا لأنه مراد مع الفعل فيشبه العلة عند من لم يجوّز تعليل أفعاله بالأغراض، وأمّا المعتزلة وإن قالوا بتعليلها لكن القبيح ليس مراداً له عندهم، ومطلوبا وغرضاً فلذا جعلوا ازدياد الإثم هنا باعثا نحو قعدت عن الحرب جبناً لا غرضا يطلب حصوله ولما لم يكن الازدياد متقدما على الإملاء هنا والباعث متقدم جعلوه استعارة بناء على أن سبقه في علم الله شبهه بتقدم الباعث في الخارج قيل ولم يذهب إلى أنها لام العاقبة مع قلة تكلفه لأنّ هذه الجملة تعليل لما قبلها فلو كان الإملاء لغرض صحيح يترتب عليه هذا الأمر الفاسد القبيح لم يصح ذلك ولم يصلح هذا تعلياذ لنهيهم عن حسبان إملائهم خيراً لهم فليتأمّل، فقول المصنف ﵀ وعند المعتزلة لام العاقبة مخالف لمذهبهم كما سمعته فلذا تكلف بعضهم له أنّ المراد بقوله: لام العاقبة أنها ليست للإرادة. توله: (على معنى ولا يحسبن الخ (على هذه القراءة الإملاء لإرادة التوبة لأنّ الإملاء للازدياد منفيّ، وعلى القراءة الأخرى هو مثبت والآخر منفي ضمناً، ولا تعارض بين القراءتين لأنه عند أهل السنة يجوز إرادة كل منهما ولا يلزم تخلف المراد عن الإرادة لأنه مشروط بشروط كما اشار إليه المصنف ﵀ بقوله: (١ ن انتبهوا الخ) وإنما على اعتراض ولا وجه لجعلها حالية. قوله: (على هذا يجوز أن يكون حالاً الخ) يعني أن- ما في هذه القراءة مصدرية، وليزدادوا خبران، ولما لم يكن الإملاء الذي للتوبة والدخول في الإيمان ملائماً لمقارنة العذاب المهين بل الثواب جعل الواو حالية داخلة في حيز النهي عن الحسبان بمنزلة أن يقول ليزدادوا وليكون لهم عذاب، وهذا المعنى لا يحصل بالعطف نعم للاعتراض وجه، ولذا قال المصنف
﵀ يجوز، وأن المصدرية سابكة للجملة وما المصدرية سابكة لصلتها فلا يتوهم أنه كيف يتوالي حرفا مصدر، وأمّا تصحيح العطف ويكون لهم عذاب معطوفا على ليزدادوا فغنيّ عن الردّ وعلى القراءة الأخرى يجوز العطف وألاعتراض أيضاً وقراءة الفتح في الثانية شاذة. قوله: (الخطاب لعامّة المخلصين الخ) أي خطاب أنتم وهذا هو الذي يقتضيه الذوق والا كان الظاهر على ما هم عليه أو ليلأركم، فما قيل: إنه يحتمل أن يكون للمؤمنين وعداً لهم بتصفيه حوزتهم عن الكفار وتمحيص أمرهم أو للمنافقين تهديدا لهم لم يتركوه إلا لعدم مناسبته للنظم ولا داعي لتلوين الخطاب، ثم ذكر القراآت وهي ما مازه أي ميزه مشدداً وأمتا أمازه مزيداً فلا يوجد في اللغة كذا قال النحرير: وأثبته في القاموس وهو حجة عليه. قوله: (وما كان الله ليؤتي أحدكم الخ) فسره بهذا المناسبة سبب النزول وإن احتمل أنه لا يطلع جميعكم بل يختص به من أراد ونصب ما يدل على الغيب من العلامات التي تدرك بالفراسة الصائبة والإلهام الرباني لبعض أهل الكشف من الأنفس القدسية، وإنما أوّل آمنوا بما ذكر لأنّ الخطاب عام للمنافقين وهم مؤمنون ظاهرا ومجتبين كمصطفين لفظاً ومعنى، وقوله: ولا يقولون إلا ما أوحي إليهم أي في أمر الشرائع، وهذا لا ينافي
стр. 861
اجتهاده ﷺ لأنه مأمور به فهو مستند إلى الوحي أيضا وقوله.) روي الخ) رواه ابن جرير عن السدفي، وأمّا المذكور بعده فقال السيوطي ﵀: لم أقف عليه والمراد بالأمة في قوله: " أمتي " أمّة الدعوة ولا يجوز أن يراد الإجابة وهو عام لمن في عصره وغيره ويحتمل أنّ المراد من في عصره فقط، وقوله حق الإيمان لما مرّ، وفسر التقوى بالمعنى اللغوي وخصه بما ذكر لأنه أنسب بالمهفام ولا ب! دهـ بمعنى لا يقدر ويحذ. قوله: إ قدر مضافاً
الخ (مرّ وجهه وقوله: (محذوفاً لدلالة يبخلون الخ) تكرر في هذا الكتاب والكشاف جواز حذف أحد مفعولي هذا الباب، وظاهر كلامه في سورة النور أنه إذا اتحد الفاعل والمفعولان كما في قوله: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا﴾ [سورة آل عمران، الآية: ٦٩ ا] ففهم منه بعضهم أنه يشترط في حذفه ذلك وأجيب بأنّ المراد منه الجواز إذا قويت الدلالة وظهرت القرينة، وهنا كذلك على أنّ الذين يبخلون الفاعل لما اشتمل على البخل كان في حكم اتحاد الفاعل والمفدول، وهو تكلف لم يذهب إليه أحد من النحاة، وأمّا جعل هو ضمير رفع استعير في مكان المنصوب وهو راجع للبخل أو الإيتاء على أنه مفعول أوّل فتعسف لا يليق بالنظم وان جوّزه بعضهم تبعا لأبي البقاء حتى قال في الدر المصون: إنه غلط وهو ضمير فصل بين مفعولي حسب وهو مراد أبي البقاء بقوله: إنه تأكيد فلا وجه لردّه بأنّ الضمير لا يؤكد المظهر. قوله: (والمعنى سيلزمون الخ) بالبناء للفاعل والمفعول، قيل: إنه إشارة إلى أنّ ما في الآية والحديث تمثيل ولا طوق حقيقة وفي قوله: زكاة ما له إشارة في أنّ الوعيد على ترك الإنفاق الواجب والحديث المذكور أخرجه البخاريّ والترمذيّ والنسائيّ والشجاع هنا الحية العظيمة وفي شروح الكشاف، إنّ من أمثالهم تقلدها طوق الحمامة والضمير للخصلة والصفة وشبهه بطوق الحمامة في اللزوم قيل ولا يستعمل إلا في الشر فإن أرادوا في هذا المثل فصحيح والا فلا لقول المتنبي:
أقامت في الرقاب له أياد هي الأطواق والناس الحمام
وبه صرّح في الأساس. قوله: (وله ما فيهما مما يتوارث الخ) يعني أن الميراث مصدر
كالميعاد والمراد به ما يتوارث فهو حقيقة، أو أن المراد أنه يرثه يعني أنه ينتقل إليه ويخرج عن أيديهم ظاهراً والا فهو له حقيقة، وعلى هذا فهو مجاز قال الزجاج ﵀: أي إنّ الله تعالى يفني أهلهما فيفنيان بما فيهما فليس لأحد فيهما ملك فخوطبوا بما يعلمون لأنهم يجعلون ما يرجع إلى الإنسان ميراثأ ملكاً له وقوله: فيجازيكم قيل الأظهر فيجازيهم لأنه في صدد قراءة الغيبة بدليل ما بعده، ومر بيان كون العلم عبارة عن الجزاء في القرآن وكونه أبلغ لأنّ تهديد العظيم بالمواجهة أشد. قوله: (قالتة اليهود لما سمعوا الخ) وفي نسخة قاله اليهود والحديث المذكور (٢! مخرج عن ابن عباس ﵄ رواه ابن إسحق وابن جرير ومثله سواء كان عن اعتقاد أو استهزاء بالقرآن، وهو الظاهر لا يصدر إلا عن تمرّد عظيم، وفسر سماع الله بعدم خفائه عليه واعداد العقاب عليه وتبع فيه الزمخشرفي وهو مناسب لمذهبه في إنكار الصفات ولكنه ليس مراده ذلك كما بينه شراحه بل مراده أنه تعالى سميع لجميع المسموعات فتخصيص هذا كناية عن أنه أعد له عقاباً يناسبه فليس سماع قبول ورضا كما في سمع الله لمن حمده بل سماع ظهور وتهديد لأنه سمع ما قالوه من غير تبليغ فهو أشد للغضب عليهم وأيضا أنهم أنكروه ولا مجال لإنكاره لأنه سمعه ولهذا أكده لأنّ إنكارهم للقول بمنزلة إنكار السمع. قوله: (سنكتبه في صحائف الكتبة الخ) يعني أنّ الكتابة حقيقية والإسناد مجازيّ أو استعارة والإسناد على حقيقته، وقوله: لا نهمله مأخوذ من الكتابة لأنّ من لم يهمل شيئاً يكتبه وكذا من السين المفيدة للتأكيد، وقوله: ليس أوّل جريمة ارتكبوها مأخوذ من عطف ما سبق من جرائم
أسلافهم. قوله: (ون! قم منهم الخ) الباء في بأن نقول كباء كتبت بالقلم أي ننتقم منهم بواسطة هذا القول الذي لا يقال إلا وقد وجد العذاب، قال الزجاح ﵀: ذق كلمة تقال لمن أي! من العفو أي ذق ما أنت فيه فلست بمتخلص مته، وقوله: العذاب المحرق إشارة إلى أنه من الإضافة البيانية أي العذاب الذي هو المحرق لأن المعذب الله لا الحريق أو الإضافة للسبب لتنزيله منزلة الفاعل.
стр. 862
قوله: (وفيه مبالغات في الوعيد) أي في نقول ذوقوا عذإب الحريق بذكر العذاب والحريق والذوق المنبئ عن اليأس كما مرّ، والقول للتشفي المنبئ عن كمال الغيظ والغضب، وقيل في قوله: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللهُ﴾ إلى هنا لأنّ السماع كناية عن العقاب ال! ظيم وجعل ما قالوه عديلا لقتل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وحفظه بالكتابة واسناده لذاته وتأكيده بالسين. قوله: (والذوق إدراك الطعوم الخ) قال الراغب: الذوق وجود الطعم بالفم وأصله فيما يقل تناوله دون ما يكثر فإنه يقال له أكل يقال فلان ذاق كذا وأنا أكلته أي خبرته أكثر مما خبره اهـ ثم اتسع فيه لإدراك سائر المحسوسات والحالات واستعمل في العذاب الشديد لأنّ الذوق يكون لأجل اكل فهو المبالغة فيه أن معناه إن ما أنتم فيه من العذاب والهوان يعقبه ما هو أشد وأدهى، ثم ذكر المصنف ﵀ مناسبة ذكره هنا بأنه نشا من حب المال الذي أعظم مصارفه وأدومها المأكل مع تناسب التوسع في الذوق والأيدي. قوله: (إشارة إلى العذاب الخ (أي ذلك العقاب والعذاب المحقق حتى كأنه محسوس بسبب أعمالكم التي قدّمتموها وبسبب عدله المقتضي له، والإتيان بصيغة المبالغة سيأتي تحقيقه في موضع آخر وتقديم الأيدي عملها لأنّ من يعمل شيئا يقدّمه، فجعله في الكشاف عبارة عن جميع الأعمال التي أكثرها أو كثير منها يزاول باليد على طريق التغليب فيما قدمت بلا تجوّز في اليد، والمصنف ﵀ جعل التجوز فيها من قبيل التعبير عن الكل بالجزء الذي مد ارجل العمل عليه، وبعض الناس لم يعرفه ففسر بما رأينا تركه خيراً من ذكره قيل، ولقوله: ظلام للعبيد توجيه آخر غير ما ذكره المصنف ﵀ يدرك بحدة بصر البلاغة، وهو الإشارة إلى أنهم استحقوا العذاب بحيث لو لم يعذبهم كان كالمانع لحقهم وأورد عليه أنه مخالف للمذهب الحق من أنه المالك الحقيقي،
وتصرّف المالك في ملكه كيف يشاء فله أن يعاقب المطيع ويثيب العاصي، ولا ظلم في أفعاله كيفما كانت إذ هو الفعال لما يرد، وقد فسروا العدل بأنه لا يقبح له فعل فجعلوه صفة سلبية، والجواب أن ما ذكروه من أنّ إثابة العاصي وعقاب المطيع لا تنافي ما ذكر يعني عقلاً وأمّا كونها تنافي الحكمة والعدل سمعاً فلا خلاف فيه قال في المسايرة وقد نص تعالى على قبحه حيث فال: ﴿أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ﴾ [سورة الجاثية، الآية: ٢١] فجعله تعالى سيئا وكلامهم في التجويز وعدمه أمّا الوقوع فمقطوع بعدمه اتفاقاً غير أنه عند الأشاعرة للوعد بخلافه وعند غيرهم لذلك وقبح خلافه عقلا فتأمّل. قوله: (بأنّ لا تؤمن لرسول الخ) الباء في قوله أن يقرّب بقربان أي يذبح ذبيحة إمّا زائدة أو لتضمنه معنى يأتي والا فهو متعد بنفسه، وقوله: أي تحيله بيان لأنّ كل النار مجاز عن إحالته إلى طبعها إمّا استعارة على التشبيه أو مجاز مرسل لأنّ المأكول يستحيل أخلاطاً تناسب أخلاط اكل وكذا المحرق بالنار ينقلب دخاناً ونارا إمّا جميعه أو بعضه، وقوله شرع بشين معجمة وراء وعين مهملتين بوزن حسن معناه سواء، ص قال في شرح الفصيح قال ابن وستوربه كأنه جمع شارع كخادم وخدم أي كلكم يشرع فيه شروعا واحداً، ويستوي فيه المذكر والمفرد وغيره وأجاز كراع والقزار تسكين رائه وأنكره يعقوب في الإصلاح وقال: إنما شرع بمعنى حسب. قوله: (تكذيب وإلزام الخ) التكذيب من قوله بالبينات أي المعجزات فإن الرسل السابقة عليهم الصلاة والسلام لم تقتصر معجزتهم على ما ذكرتم كما ادّعيتم ومنه يعلم الإلزام أيضاً أو الإلزام بأنه لو كان التصديق بتلك المعجزة دون غيرها لما جاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ببينات أخر ونقل عن السدّي ﵀ أن هذا الشرط جاء في التوراة هكذا من جاء يزعم أنه رسول الله فلا تصدقوه حتى يأتيكم بقربان تأكله النار إلا المسيح ومحمدا عليهما الصلاة والسلام، وكانت هذه العادة جاربة إلى مبعث المسيح ع! هـ وقوله: في
معجزات أخر أي معها والظرفية إشارة لكثرتها. قوله: (ثسلية للرسول يكني! الخ) إشارة إلى أنّ قوله فقد كذب الخ جواب للشرط مؤوّل بلازمه أي فلا تحزن وتسل، وتيل: إنه لا حاجة إلى تأويله إذ المعنى أن يكذبوك فتكذيبك تكذيب للرسل قبلك لأنهم أخبروا
стр. 863
ببعثتك ففيه توضيح لصدقه وتوبيخ لمن كذبه وقوله: (مغايرة للبينات بالذات) بأن يراد بالبينات المعجزات غير الكتب لأنّ إعادة العامل تقتضي المغايرة ولولاها لجاز أن يكون من عطف الخاص على العام. قوله: (وعد ووعيد للمصدّق الخ الف ونشر، ووجهه أنّ بعد الموت يجزى كل بما عمل والبيت شاهد للنصب مع عدم التنوين لأنه المحتاج للإثبات والشعر لأبي الأسود الدؤلي وهو: رأيت امرأ كنت لم أبله أتاني فقال اتخذني خليلا فخاللته ثم أكرمته ولم أستفدمن لدنه فتيلا
فوافيته حين جرّبته كذوب اللسان شؤمابخيلا
فذكرته ثم عاتبته عتاباً رفيقاوقولاً جميلا
فألفيته غيرمستعتب ولا ذاكر الله إلا قليلا
بعاتب من صادقه فطلب حلة له هبة أو شراء فلم يعطها له وتعلل بعلل، وذاكر بالجرّ
عطفاً على مستعتب ويجوز نصبه عطفا على غير وترك تنوينه وكان الأصل فيه أن ينون ويكسر لالتقاء الساكنين لكنه حذف لالتقاء الساكنين في بعضه من غير تحريك والله منصوب به لاعتماده أي ذكرته ما كان بيننا من العهود وعاتبته، أو في عتاب فما وجدته طالب رضاي، يقال: استعتبته فاعتبي أي استرضيته فأرضاني. قوله: (تعطون جزاء أعمالكم خيرا كان أو شرا تاما وافيا) حالان من المفعول والتمام يشعر بأن من الجزاء ما يكون قبله فيدل على عذاب القبر وبه صرح الزمخشريّ مع مخالفة المعتزلة فيه فلم ير رأيهم في هذه المسألة كما نبه عليه الشراح، وفسر القيامة بالقيام من القبور فهي مصدر فيه الوحدة لقيامهم دفعة واحدة، وقيل: في نكتته
أيضاً إنه قد يقع الجزاء ببعضها في الدنيا وقوله: (القبر روضة الخ) أخرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري وقال إنه غريب لا يعرف إلا عنه ورده العراقي ﵀ بأنّ الطبراني أخرجه في الأوسط عن أبي هريرة رضي أدلّه عنه أيضا. قوله: (والزحزة الخ الما كان الزح الجذب استعمل في لازمه وهو البعد وكرّر لأنّ بتكراره يحصل البعد ويتحقق، وقوله: بالنجاة إشارة إلى متعلقه ويحتمل أنه حذف للعموم أي بكل ما يريد، وذكر دخول الجنة بعده لأنه لا يلزم من البعد عن النار دخول الجنة وهو ظاهر والحديث المذكور أخرجه مسلم وضمير يأتي راجع لمن، وفي الأساس أتى إليه إحساناً إذا فعله أي يحسن إلى الناس بما يحب أن يحسن به إليه. قوله: إ شبهها بالمتاع إلى آخره (المتاع ما يتمتع وينتفع به مما يباع ويشترى والمستام بمعنى المشتري، والتدليس قريب من التلبيس مأخوذ من الغرور لأنه ما يفرّ به، وبلاغ بمعنى تبليغ وإيصال إلى الآخرة. قوله ة (أي والله لتختبرنّ الخ) يعني اللام جواب القسم والابتلاء الاختبار والامتحان، وهو تمثيل كما مرّ، وقوله: لا يرهقهم أي لا يسوءهم. قوله: (من معزومات الأمور (قال النحرير: إن العزم مصدر بمعنى المعزوم أي المعزوم عليه يقال عزمت على الأمر وأعزمت ولم
يسمع عزمت الأمر والفاعل هو العبد بمعنى أنه يجب عليه أن يعزم على ذلك أو الله تعالى ومعنى عزم الله أي أراد وقصد وقطع وفرض أن يكون ذلك ويحصل، وذكر الإمام المرزوقي أن حقيقة العزم توطين النفس وعقد القلب على ما يرى فعله ولذلك لم يجز إطلاقه على الله تعالى، وفيه أن قوله: لم يسمع عزمت الأمر فيكون معزوم من الحذف والإيصال لا وجه له لأنّ الراغب قال: في مفرداته يقال عزمت الأمر وعزمت عليه واعتزمت قال تعالى: ﴿وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٣٥] وما نقله عن المرزوقي من أنّ العزم لا يطلق على الله لإيهامه ما لا يليق بجنابه غير صحيح أيضاً لأنه ورد إطلاق عليه تعالى بمعنى الإرادة والإيجاب، وقرئ به فإذا عزمت كما مر ونقله أئمة اللغة كالأزهري وغيره وورد إطلاقه في الحديث كما مرّ، واليه أشار المصنف ﵀ بقوله: أي أمر الخ وقوله: نحو إمضائه أي تنفيذه وفي نسخة لإمضائه. قوله: (أي اذكر وقت أخذه الخ) يعني إذ مفعول أو ظرف بتقدير الحادث كما مرّ، وقوله: حكاية الخ الميثاق والعهد والقسم يعامل معاملة اليمين ويجاب بما يجاب به فقوله لتبيننه جواب ميثاق لتضمنه معنى القسم، وقرئ بالياء والتاء لما قزر
стр. 864
علماء العربية من أنك إذا أخبرت عن يمين حلف بها فلك فيه ثلاثة أوجه.
أحدها: أن يكون بلفظ الغائب كأنك تخبر عن شيء، كأن تقول استحلفته ليقومن.
الثاني: أن يأتي بلفظ الحاضر يريد اللفظ الذي قيل له فيقول استحلفته لتقومن كأنك قلت
له لتقومن.
الثالث: أن تأتي بلفظ المتكلم فتقول استحلفته لأقومن ومنه قوله تعالى: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ بالنون والتاء والياء ولو كان تقاسموا أمراً لم يجىء فيه الياء لأنه ليس بغائب، وقوله: ولا تكتمونه يحتمل العطف والحال. قوله: (والنبذ وراء الظهر (أي الطرح تمثيل واستعارة لعدم الالتفات وعكسه جعله نصب العين ومقابلها، وقوله: وأخذوا بدله أوّله به لئلا يكون الثمن مشترى وقد تقدم تحقيقه، وقوله: واغراضها بالمعجمة جمع غرض بمعنى متاع لا مقابل الجوهر وقوله: (من كتم علماً) الحديث من أهله وعن أهله وقعا في النسخ قال
العراقي إنه لم يرد بهذا اللفظ وإنما المروفي في السنن " من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار " وما روي عن عليّ ﵁ رفعه صاحب الفردوس وغيره، ومعنى ألجمه جعله في فمه كاللجام وجعل فمه محل العذاب جزاء له بجنس عمله ومن نار ترشيح. قوله: (والمفعول الأوّل الذين يفرحون الخ) الفاء للإشعار بأنّ أفعالهم السابقة سبب لعدم الحسبان، والذين على هذه القراءة مفعول أوّل وفلا تحسبنهم تأكيداً وبدل وبمفازة المفعول الثاني أي فائزين بالنجاة من العذاب، وبمفازة إمّا مصدر ميمي بمعنى الفوز والتاء ليست للوحدة لبناء المصدر عليه فمن العذاب متعلق به، وهو ظاهر كلام المصنف ﵀، أو اسم مكان أي محل فوز ونجاة ويجوز أن يستعار من المفازة للقفر فمن العذاب صفة له لأنّ اسم المكان لا يعمل، ولا بد من تقديره خاصا أي منجية من العذاب، وقوله: من الوفاء بيان لما وخص ما فعلوا بما ذكر للقرينة السابقة وبجوز تعميمه وفسر أتوا بفعلوا لأنه يكون بهذا المعنى، كقوله: ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ ويدل عليه قراءة أبيئ وضي الله عنه يفرحون بما فعلوا. قوله:) ومفعولاً لا يحسبن محذوفان الخ) قيل هذا إذا جعل التأكيد هو مجموع لا تحسبنهم أعني الفعل والفاعل والمفعول وأمّا إذا جعل التأكيد هو الفعل والفاعل على ما هو الأنسب إذ ليس المذكور سابقاً إلا الفعل والفاعل فالضمير المنصوب المتصل بالتأكيد هو المفعول الأوّل ولا حذف ألا ترى أنه لم يحمل القراءتين السابقتين على حذف المفعول الثاني من أحد الفعلين أعني التأكيد، والمؤكد انتهى ورد بأنّ فيه اتصال ضمير المفعول بغير عامله أو فاعله المتصل بعامله كضربته ولم يقل به
أحد من النجاة وان كان فيه تحاس عن الحذف في هذا الباب، أقول ليت شعري من النحاة الذين ذكرهم والمسألة في شروح الكتاب مفصلة، وفي الكتاب إشارة إليها في قوله:
وجيران لنا كانوا كرام
وفصلها ابن خروف، والشلويين ولولا خوف الإطالة كنا أوردنا لك كلامهم قي اتصال الضمير بغير عامله وما ذكره بعينه في غيره من الكتب وقد أفردت هذه المسألة برسالة مستقلة.
(قلت أليس هو بغافل عنه لكن وقع في كلام الزمخشري، والنحاة أن الفعل المزيد للتأكيد وكذا المؤكد يتصل به الضمير وان لم يكن عاملاً فيه كما صرّح به في تفسير وإن كانت لكبيرة في قراءة الرفع ووقع مثله في التسهيل فقال شارحه الدماميني القاعدة المقررة أن الضمير لا يتصل بغير عامله والاعتلال بإصلاح اللفظ نشأ منه إفساد هذه القاعدة، ثم وقوع الضمير المنفصل إلى جانب الفعل لا يضرّ إذا كان لفرض! نحو إنما قام أنت فلو فعل به هنا كذا لكان مستقيماً وفيه نظر يعلم مما تقدم، وقوله: أو المفعول الأوّل محذوف أي والثاني مذكور وهو بمفازة كما مرّ. قوله: (روي أنه الخ) هذا أخرجه الشيخان عن ابن عباس رضي الله عتهما ووجه فرحهم تكذيبهم للنبيّ ﷺ أنه لو كان نبياً لعلم كذبهم فلما نزل الوحي تبين خلات ما ظنوه وانقلب فرحهم غما وكذا قوله: (وقيل نزلت الخ) رواه الشيخان أيضاً وقوله: (واستحمدوا) أي طلبوا أن يحمدوا. قوله: (فهو يملك أمرهم الخ) لأنّ ملك السموات والأرض عبارة عن ملكهما وما فيهما وضعف كونه رذاً لقولهم إن الله تعالى فقير لبعده، ولو قيل وفيه ردّ لهان الأمر، وقوله: إنّ في خلق السموات والأرض! تأكيد لما قبله ولهذا لم يعطف عليه وإنما خص هذه الثلاثة هنا بعد ما زاده في البقرة
стр. 865
لأنّ الآيات على كثرتها منحصرة في السماوية والأرضية، والمركبة منهما فأشار إلى الأوّلين بخلق السموات والأرض والى الحالثة باختلاف الليل والنهار لأنهما من دوران الشمس على الأرض ولما فرغ من آيات الربوبية بين العبودية، ولما كان العبد مركبا من النفس والبدن أشار إلى عبودية البدن بقوله:
﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾ الخ والى عبودية القلب والروح بقوله: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ وخصص التفكر بالخلق للنهي عن التفكر في الخالق لعدم الوصول إلى كنه ذاته وصفاته، ثمّ ذكر الدعاء بعده تعليما لأنّ الدعاء إنما يجدي بعد تقديم وسيلة وهي إقامة وظائف العبودية من الذكر والتفكر فانظر إلى هذا الترتيب ما أعجبه وهذا وجه آخرغير الذي ذكره المصنف ﵀ ولعله أقرب منه فإن ذكره مبني على مذهب الحكماء في إثبات الصورة والهيولى والأوضاعه الفلكية المبينة في الهيئة.
قوله: (لدلائل واضحة الخ) ووجه الدلالة على وجود الصانع تغيرها المستلزم لحدوثها واستنادها إلى مؤثر قديم وإذا دلت على ذلك لزم منه الوحدة، ووجه الدلالة على ما بعده اتقان هذه المصنوعات المقتضى له ولكماللأ القدرة أيضاً ويكفي هذا القدر لمن كان على بصيرة من ربه، وقوله: العقول المجلوّة أخذه من التعبير باللب لأنّ معناه الخالص عن الشوائب وشوائب الحس والوهم وإغلاطه، وقوله: بتبدل صورها علمت ما فيه وقوله: (ويل لمن قرأها الخ) أخرجه أبن حبان عن عائشة رضي الله تعالى عنها. قوله: (يذكرونه دائماً على الحالات الخ) أخذ الدوام من ذكر هذه الأحوال لأنه يفهم منها الدوام عرفا كما لا يخفى، وقي أخذه من المضارع الدال على الاستمرار، وأشار بقوله على الحالات إلى أنّ الدوام ليس حقيقيا، ولذا قال الزمخشريّ في أغلب أحوالهم وقوله: قائمين يحتمل أنه إشارة إلى أنّ قياما جمع قائم وقعوداً جمع قاعد فإنهما ورد أجمعين كما صرحوا به ويجتمل أنها مصدران مؤوّلان بما ذكر وقوله: (ومضطجعين) تفسير لمعنى الجارّ والمجرور أو لمتعلقه الخاص وقوله:) من أحب الخ) حديث مخرّج صحيح. قوله: (وقيل معناه يصلون على الهيئات الثلاث الخ) وقوله: (فهو حجة) إن رجع الضمير إلى الحديث فظاهر وان رجع إلى القول به في الآية فكونه لا ينهض
حجة غني عن البيان وبسط المسألة في الفروع وعند أبي حنيفة ﵀ يستلقي على ظهره ولك أن تقول إنه لما حصر أمر الذاكر في الثلاثة دل على أنّ غيرها ليس من هيئته والصلاة مشتملة على الذكر فلا ينبغي أن تكون على غيره فتأمل، ومقاديم جمع مقدم على خلاف القياس كما صرح به أهل اللغة، والحديث المذكور أخرجه البخاري وأصحاب السنن الأربعة وليس فيه ذكر الإيماء. قوله: (استدلالاً واعتبارا الخ (أي يكون تفكرهم فيها للاستدلال على الصانع وإنما كان التفكر أفضل العبادات لأنّ أجله معرفة الله ولأنه لا يدخله رياء وتصنع وقوله: الا عبادة كالتفكر الخ) أخرجه ابن حبان والبيهقي وضعفاه، وقوله: لأنه المخصوص بالقلب يعني أنه يقتضي الخلوص وهذا بيان لفضله في نفسه، وفضله باعتبار المتعلق ما مر وقوله:) بينما رجل الخ) أخرجه ابن حبان، ووجه دلالته على شرف أصول الدين أنّ غايته معرفته تعالى، وموضوعه نحو ذلك وشرف العلم بشرفه، وجملة ربنا مقول قول مقدر هو حال كما ذكره أو بتقدير يقولون على أنّ الذين مبتدأ وهذا خبره. قوله: (وهذا إشارة الخ) إشارة إلى تفسير اسم الإشارة وبيان لوجه إفراده وتذكيره فإذا كان إشارة إلى المتفكر فيه شمل اختلاف الليل والنهار وإذا كان إلى المخلوق من السموات والأرض استتبع ذلك أيضاً لأنه بطلوع الشمس وغروبها والعدول عن الضمير إلى اسم الإشارة للدلالة على أنها مخلوقات عجيبة يجب أن يعتني بكمال تمييزها استعظاماً لها كما ذكره في الكشاف، وفسر الباطل بالعبث وهو ما لا
فائدة فيه مطلقا، أو ما لا فائدة فيه يعتد بها أو ما لا يقصد به فائدة كما بين في أوّل شرح ابن الحاجب العضدي. قوله: (سبحانك) مصدر منصوب بفعل محذوف والجملة المعترضة يؤتى بها لتقوية الكلام وتأكيده كما صرّح به النحاة والمفسرون فلا وجه لما قيل فيه بحث لأنه مؤكد لنفي البعث عن خلقه. قوله: (وفائدة الفاء الخ الما دل قوله:
стр. 866
﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً﴾ على وجوب الطاعة واجتناب المعصية رتب عليه الدعاء بالاستعاذة من النار بالفاء كأنه قيل فنحن نطيعك فقنا عذاب النار التي هي جزاء من عصاك، والمقصود منه فوفقنا للعمل بما فهمنا من الدلالة وقيل: إنه مترتب على قوله سبحانك أي نزهناك فقنا، وقيل: إنه جواب شرط مقدر. قوله: (فقد أخزيته غاية الإخزاء الخ) في الكشاف فقد أبلغت في إخزائه وهو نظير قوله: فقد فاز ونحوه في كلامهم من أدرك مرعى الصمان فقد أدرك ومن سبق فلاناً فقد سبق، يعني أنه أذا جعل الجزاء أمرا ظاهر اللزوم للشرط سواء كان اللزوم بالعموم والخصوص كما في المثل أو بالاسنلزام مع التغاير كما في الآيتين يكون الكلام خالياً عن الفائدة إن حمل على ظاهره فيحمل على أعظم أفراده وأخصها لترتيب الفائدة كفاز فوزاً عظيماً، وأخزى غاية الإخزاء، ونحوه: فلا يرد أن الآية ليست كالمثلى المذكور لأن فيه جعل العامّ جوابا وفي الآية هما متغايران لأنّ الشرط عذاب جسمانيّ، والجواب عذاب روحاني كما صرّح به فأوّل كلامه لا يلائم آخره، وبهذا عرفت وجه قوله غاية الإخزاء وجعل المثل نظيراً له، والصمان اسم جبل والخزي الافتضاح، وتهويله بجعله غاية ذلك وفيه إشارة إلى أنه لا يقتضي تخليد كل من دخلها كما توهم، وهذا من كلام رجل يسمى حنيف الحناتم ضربت العرب به المثل فقالوا آبل من حنيف الحناتم وهو رجل من تيم اللات كان أعرف الناس بأحوال الإبل في الجاهلية قال القالي: وهو القائل من قاظ الشرف وتربع الحزن وشتى الصمان فقد أصاب المرعى اص. قوله: (وقيه إشعار بأنّ العذاب الروحاني أفظع) هو مأخوذ من التفسير الكبير قال فيه: احتج حكماء الإسلام بهذه الآية على أنّ العذاب الروحاني أقوى قالوا: الآن الآية تدل على تهديد من عذب بالنار بالخزي، وهو عبارة عن التخجيل والإهانة، وهو عذاب روحاني فلولا أنّ العذاب الروحاني أقوى لما حسن تهديد من عذب بالنار بعذاب الخزي والخجالة، اهـ يعني أنه رتب فيه العذاب الروحاني وهو الإخزاء على الجسماني الذي هو إدخال النار، وجعل الثاني شرطاً والأوّل جزاء، والمراد من الجملة الشرطية الجزاء والشرط قيد له فيشعر بأنه أقوى وأفظع والا عكس.
وأيضاً المفهوم من قوله: ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ وطلب الوقاية منه، وقوله: ربنا الخ دليل
عليه فكأنه طلب الوقاية من المذكور لترتب الخزي عليه فيدلّ على أنه غاية ما يخاف منه فما قيل إن أراد العذاب بالأعمال الروحية فالأمر ظاهر وان أراد المعنى المشهور فوجه الإشعار أنّ السوق قرينة على أنّ المراد بإدخال النار التعذيب الروحاني وفيه ما فيه مما لا وجه له بعد التأمّل فيما ذكرناه. قوله: (أواد بهم المدخلين الخ) يعني بمقتضى السياق ومالهم أي لمن دخلها من أنصار وهو ردّ على الزمخشرفي في قوله فلا ناصر لهم بشفاعة ولا غيرها إيماء إلى مذهبه وفي الكشف الظاهر من الآية من دخل النار فلا ناصر له من دخولها إمّا أنه لا ناصر له من الخروج بعد الدخول، وذلك لأنه عامّ في نفي الإفراد مهمل بحسب الأوقات والظاهر التقييد بما يطلب النصر أولاً لأجله كمن أخذ يعاقب فقلت ماله من ناصر لم يفهم منه أنّ العقاب لا ينتهي بتغييبه وإنه بعد العقاب لا يشفع له بل يفهم منه أنه لا مانع يمنعه عما حل به، ثم إن سلم التساوي لم يدل على النفي، وما قاله القاضي من أن نفي الناصر لا يمنع الخ ظاهر، والقول بأنّ العرف لا يساعده غير متجه. قوله: (أوقع الفعل على المسمع الخ (اختلف النحاة في سمع المعلقة بعين فذهب الأخفش وكثير من النحاة إلى تعديه إلى مفعولين وذهب الجمهور إلى أنه لا يتعدى إلا إلى واحد واختاره ابن الحاجب قال: وقد يتوهم أنه متعد إلى مفعولين من جهة المعنى والاستعمال أمّا المعنى فلتوقفه على مسموع وأمّا الاستعمال فلقولهم سمعت زيداً يقول ذلك وسمعته قائلا وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾ [سررة الشعراء، الآية: ٧٢] ولا وجه له لأنه يكفي في تعلقه المسموع دون المسموع منه وإنما المسموع منه كالمشموم منه فكما أنّ الشم لا يتعدّى إلا إلى واحد كذلك السماع فهو مما حذف فيه المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه للعلم به ويذكر بعد. حال تبينه ويقدر في يسمعونكم إذ تدعون يسمعون أصواتكم، وهو أبلغ من تقدير دعاءكم هذا ملخص كلامه في الأمالي، والزمخشري جعل المسموع
стр. 867
صفة بعد النكرة، وحالاً بعد المعرفة فقيل لا يخفى أنه لا يصح إيقاع فعل السماع على الذات إلا بإضمار أي سمعت كلامه وأن الأوفق بالمعنى فيما جعله حالاً أو وصفاً، أن يجعل بدلاً بتأويل الفعل بالمصدر على ما يراه بعض النحاة لكنه قليل في الاستعمال فلذا آثر الوصفية أو الحالية وإنما جعل البدلية أوفق لاًن توقف صحة المعنى عليه في بدل الاشتمال كسلب زيد ثوبه معروف في اللسان مطرد بخلاف الحال، وما قيل إنه لا يجوز بعده إلا المضارع غير صحيح لوقوع الظرف واسم الفاعل كما سمعته، وقول النحرير: لا يصح الخ مبني على مذهب الجمهور والا فعلى مذهب الأخفش لا يحتاج إلى تقدير وقول المصنف ﵀ لدلالة وصفه بيان لما في الآية وإلا فهو يكون حالاً وظرفا، ووجه المبالغة جعل
الذات كأنها مسموعة فلذا لا يستعمل إلا فيما كان بدون واسطة. قوله: (وفي تنكير المنادى وإطلاقه الخ) يعني أنه قال أولاً منادياً فلم يذكر ما دعا له، ثم قال: ينادي للإيمان تعظيماً لشأن المنادي والمنادى له ولو قال: أولاً مناديا للإيمان لم يكن بهذه المثابة ولما كان النداء مخصوصاً بما نودي له ومنتهيا إليه تعدى، بالاعتبارين بهذين الحرفين وقوله: بأن آمنوا إشارة إلى أن أن مصدرية والفعل متعد إليه بالباء أي ينادي بأن آمنوا وقيل إنها تفسيرية، وقوله: فآمنا عطف على سمعنا والعطف بالفاء مؤذن بتعجيل القبول، وتسبب الإيمان عن السماع من غير مهلة والمعنى فآمنا بربنا قال النحرير: أن المصدرية وان دخلت على الماضي والمضارع والأمر لكن لا ينبغي، أن يجعل الكل بمعنى المصدر بل بمعنى حصحول الإيمان في الماضي أو المستقبل أو المطلوب وهو جواب عما قيل إنه إذا أوّل بالمصدر فات معنى الطلب وأخويه وهو المقصود، وهو حجة من ذهب إلى أنها تفسيرية وعلى التفسير فآمنوا تفسير لقوله: ينادي لأنّ نداءه عين قوله: آمنوا والتقدير ينادي للإيمان أي يقول آمنوا وليس تفسيراً للإيمان كما توهم وعلى ما اختاره المصنف من تقدير الجارّ هو متعلق بينادي لأنه المنادى به وليس بدلاً من الإيمان كما توهمه بعضهم، ولما أبى كثير من النحاة أن التفسيرية لما فيها من التكلف كما فصله في المغني تركه المصنف ﵀.
ووقع في نسخة حكاها بعض الحواشي أي آمنوا أو بأن آمنوا فيكون موافقا للزمخشري
في ذكر الوجهين. قوله: (ذنوبنا كبائرنا الخ (خولف بين معنييهما لأنه أفيد ولأنه تتميم للاستيعاب وأشار المصنف رحمه الله تعالى إلى أنه المناسب للغة لأنّ الذنب مأخوذ من الذنب بمعنى الذيل فاستعمل فيما يستوخم عاقبته لما يعقبه من الإثم العظيم، وكذلك سمي تبعة اعتباراً بما يتبعه من العقاب كما صرّح به الراغب، وأمّا السيثة فمن السوء وهو المستقبح ولذا تقابل بالحسنة فتكون أخف قال الطيبي: ولأنّ الغفران مختص! بفعل الله والتكفير قد يستعمل في العبد كما يقال كفر عن يمينه وهو يقتضي أنّ الثاني أخص من الأوّل وفي كلام المصنف ما يوضحه. قوله: (مخصوصين بصحبتهم معدودين الخ (الاختصاص من المعية لأنه لا مجال لكونها معية زمانية إذ منهم من مات قبل، ومن يموت بعد فهو كناية عن الانخراط في سلكهم والعدّ في زمرتهم ويلزمه أن لا يكونوا مع غيرهم، والأبرار جمع بر وأما كونه جمع باز فضعف
بأنّ فاعلا لا يجمع على أفعال حتى قيل إنّ أصحاب ليس جمع صاحب بل صحب أو صحب بالكسر مخفف من صاحب بحذف الألف وبعض أهل العربية أثبته وجعله نادرا ووجه الدلالة على محبة لقاء الله طلبه التوفي، واسناده إلى الله وقيل إن نكتة قوله: مع الأبرار دون أبرار التذلل وأنّ المراد لسنا بإبرار فأسلكنا معهم واجعلنا من أتباعهم، قال: في الكشف وفيه هضم للنفس وحسن أدب مع إدماج مبالغة لأنه من باب هو من العلماء، بدل عالم ولا يخلو من لطف وقوله: " من أحب لقاء الله " الحديث أخرجه الشيخان عن عبادة بن الصامت ﵁. قوله: (أي ما وعدتنا على تصديق رسلك الخ) قدر التصديق للرّسل عليهم الصلاة والسلام لأنّ المراد بالمنادى الرّسول على الأرجح والإيمان التصديق لتعديته بالباء، فكأنه قيل إنا سمعنا رسولاً يدعو إلى التصديق فصدقناه فإذا كان ذلك فاتنا ما وعدتنا من الأجر على ذلك التصديق، وقوله: لا خوفا إشارة إلى أنّ ما وعده الله، واجب الوقوع لاستحالة الخلف في وعده تعالى فكيف طلبوا ما هو واقع لا محالة، وأجاب بأنّ وعد الله لهم ليس بحسب ذواتهم بل يحسب
стр. 868
أعمالهم فالمقصود من الدعاء التوفيق للأعمال التي يصيرون بها أهلا لحصول الموعود أو الدعاء تعبدي لقوله ادعوني أو المقصود الاستكانة والتذلل لله بدليل قولهم: إنك لا تخلف الميعاد، وبهذا يلتئم التذييل أتم التئام وبهذا سقط ما قيل: إنه كيف يخافون أن لا يكونوا من الموعودين مع طلب ما وعدهم الله فإن لم يكونوا، موعودين لم يصح قولهم ما وعدتنا فالأولى الاقتصار على الأمرين الأخيرين. قوله: (ويجورّ أن يعلق على بمحذوف الخ الم يقل يتعلق بمحذوف للتصريح بعلى أي به منزلاً على رسلك أو محمولاً على رسلك، أي حالة كونه مكلفاً به رسلك ومبلغا منهم لأنّ الرسل عليهم الصلاة والسلام محمولون قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ٩٤ ا] ومتعلق الظرف يكون خاصا إذا قامت عليه قرينة فلا عبرة بإنكار أبي حيان له، أو التقدير على ألسنة رسلك فهو متعلق بوعد وهو الثواب وقيل النصرة على الأعداء. قوله: (ولا تخزنا يوم القيامة) قال الإمام إشارة إلى
قوله وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون فإنه ربما ظن الإنسان أنه على الاعتقاد الحق والعمل الصالح، ثم يظهر له في القيامة أنّ اعتقاده كان ضلالاً وعمله كان ذنبا فهنالك تحصل له الخجلة العظيمة، والحسرة الكاملة والأسف الشديد وذلك هو العذاب الروحاني فأوّل مطالبهم دفع العذاب الجسماني وآخره دفع العذاب الروحاني والمصنف رحمه الله تعالى أوّله بأنه طلب العصمة عما يقتضيه أي يقتضي الإخزاء، والميعاد مصدر بمعنى الوعد وتفسيره بالإثابة والإجابة هو الظاهر لما مرّ، وأمّا تفسيره بالبعث فصحيح لأنه ميعاد الناس للجزاء فقد يرجع إلى الأؤل والتكرير وجهه ما ذكروه والاستقلال يؤخذ من الإعادة وعدم العطف، وما ذكر. من قوله من حزبه بالحاء المهملة والزاي المعجمة والباء الموحدة أي أهمه وبجوز أن يكون بالنون أيضاً لأنه يقال حزنه وأحزبه كما ضبط بهما في حديث آخر، وأمّا هذا فقال السيوطي ﵀: لم أقف عليه. قوله: " لى طلبتهم وهو أخص من أجاب الخ (طلبة بوزن تركة اسم بمعنى المطلوب إشارة إلى مفعوله المقدر واستجاب أخص من أجاب كما نقل عن الفراء أنّ الإجابة تطلق على الجواب ولو بالردّ والاستجابة الجواب بحصول المراد لأنّ زيادة السين تدل عليه، إذ هو طلب الجواب والمطلوب ما يوافق مراده لا ما يخالفه وهو يتعدى باللام وهو الشائع وقد يتعذى بنفسه كما في قول الغنوي:
وداع دعا يا من يجيب إلى الندا فلم يستجبه عند ذاك مجيب
وهذا في التعدية إلى الداعي وأئا إلى الدعاء فسائغ بدون اللام مثل استجاب الله دعاءه
كما سيأتي ولهذا قيل إن هذا البيت على حذف مضاف أي لم يستجب دعاءه كما سيأتي في سورة القصص، وأني لا أضيع متعلق باستجاب لأنّ فيه معنى القول وهو مذهب الكوفيين وقول المصنف على إرادة القول يحتملهما، وقوله: بيان عامل على أي بمعنى شخص عامل أو على التغليب. قوله: (لأنّ الذكر من الأنثى والأنثى من الذكر الخ) فمن ابتدائية، وعلى أنّ المعنى أنهما من أصل واحد من ابتدائية بتقدير مضاف أي من أصل ب! أو هي اتصالية أيضا بحسب اتحاد الأصل وكلام المصنف ﵀ يناسب الأوّل أو المراد الإيصال في الاختلاط والتعاون أو الاتحاد في الدين حتى كأن كل واحد من الآخر لما بينهما من أخوة الإسلام، وما روي عن أمّ سلمة ﵂ رواه الترمذي، والاتصال بين الاثنين لأن الهجرة من الأعمال فهي لا.
تضيع للذكر والأنثى وقوله فنزلت أي هذه الآية كلها أو قوله: (فالذين الخ) وقوله: (وهي جملة معترضة) أي قوله بعضكم من بعض اعترضت بين ما قبلها وتفصيله بقوله: فالذين الخ. قوله: (ت! فصيل لأعمال العمال الخ) أي فيه تفصيل كما يدل عليه الفاء بعد الإجمال وتخصيص بعد تعميم يشير إلى تعظيم العامل وعمله والإجار على سبيل القسم بتكفير السيئات وادخال الجنات وعظيم الثواب من الله الجامع لصفات الكمال، وأصل المهاجرة من الههجر، وهو الترك فإن كان المتروك الشرك كان قوله: ﴿وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ﴾ تأسيساً أو الأوطان والعشائر فقوله: ﴿وَأُخْرِجُواْ﴾ الخ عطف تفسيريّ، وقوله: بسبب إيمانهم بالله ومن جملة قا! ل افنحرير: التعارف على أنه يقال بعث في سبيل الله
стр. 869
أي لأجله وسببه، واليه يشير المصنف رحمه " الله. قوله: (لأنّ الواو+ لا كوجب ترتيباً) يعني على هذه القراءة كيف تكون المقاتلة بعد القتل- فإن كان القتل والمقاتلة من شيء واحد قالوا ولا توجب الترتيب وقدم القتل لفضله بالشهادة وان كان قتل بعض وقاتل بعض آخر فما انهزموا ولم يضعفوا بقتل إخوانهم إمّا على أنّ التقدير والذين قتلوا، والذين قاتلوا أو على التوزيع أي منهم الذين قتلو! ، ومنهم الذين قاتلوا، والى التوجيهين أشار المصنف ﵀، وفسر التكفير بالمحولان أصل معناه الستر المقتضي للبقاء، فأشار إلى أنه غير مراد هنا. قوله: (أي أثيبهم بذلك إثابة) ذكر في نصبه أوجه أحدها أنه مصدر مؤكد لأنّ معنى الجملة قبله لا ثيبنهم بذلك فوضمع ثوابا موضع الإثابة وإن كان في الأصل اسما لما يثاب به كالعطاء لما يعطي، وقيل: إنه حال من جنات لوصفها أو من الضمير المفعول أي مثابين، وقيل: إنه بدل من جنات، وقيل منصوب على القطع ومن عند الله صفة له، والثواب لا يكون إلا من الله فالوصف المؤكد لا ينافي كون المصدر مؤكدا، فلا يرد عليه أنه إذا وصف كيف يكون مصدراً مؤكداً كما قيل وفي قوله: " من عند الله " التفات وقيل إن المعنى ثوابا فوق الجنات.
واعلم أن قوله: " لأكفرنّ " الخ جواب قسم محذوف تقديره والله وانقسم رجوابه خبر الممبتدأ وهو ألذين، وزعم ثعلب أنّ الجملة ايق! سمية لا تقعخبرآ ووجهه أنّ الخب! أحه محل
وجواب القسم لا محل له وهو إنشائي فإما أن يقال إنه له محل من جهة الخبرية ولا محل له من جهة الجوابية أو الذي لا محل له الجواب والخبر مجموع القسم وجوابه ولا يضرّ كون الجملة إنشائية لتأويلها بالخبر، أو يقدر قول كما هو معروف في أمثاله. قوله: (والله عنده حسن الثواب على الطاعات قادر عليه) في الكشاف وعنده مثل أي يختص به وبقدرته وفضله لا يثيبه غيره، ولا يقدر عليه كما يقول الرجل عندي ما تريد يريد اختصاصه به وبملكه وان لم يكن بحضرته يعني ليس معناه أنّ الثواب بحضرته وبالقرب منه على ما هو حقيقة لفظ عنده بل مثل لكونه بقدرته، وفضله بحيث لا يقدر عليه غيره بحال الشيء يكون بحضرة أحد لا يد عليه لغيره والاختصاص مستفاد من هذا التمثيل حتى لو لم يجعل حسن الثواب مبتدأ مؤخراً عنه كان الاختصاص بحاله. قوله: (الخطاب للنبئ ﷺ والمراد منه أمّتة) لأنّ سيد القوم يخاطب بشيء ويراد أتباعه فيقوم خطابه مقام خطابهم ولو ترك الوجه الثاني لكان أولى لأنه لا يكون منه تزلزل حتى يؤمر بالثبات فليس بقوقي في دفع المحذور أو الخطاب عامّ شامل للنبيّ ﷺ وغيره بطريق التغليب تطييباً لقلوب المخاطبين فلا يلزم نسبة الغرور والاغترار له ﷺ ، فلا يرد ما قيل ينبغي أن يراد كل أحد سوى النبي تخت لئلا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز إذ خطاب غيره بمعنى النهي عن الغرور وخطابه ﷺ بمعنى الثبات على الانتهاء، فما وقع في الكشاف من أنه خطاب لرسول الله ﷺ أو لكل أخد مختل اهـ بل لا وجه له إذ الخلل إنما جاء منه وعاد إليه ومن هنا تعلم نكتة سرية في إسناده إلى التقلب تفادياً عن أن ينسب إليه. قوله: (والنهي في المعنى للمخاطب الخ) السبب عين التقلب والمسبب الاغترار به، والنهي ورد على الأوّل والمراد النهي عن الثاني أي الاغترار مجازأ أو كناية فما قيل السبب تقلبهم والمسبب الغرور به فنهى التقلب لينتهي غروره ليس على ما ينبغي كذا قيل يعني إنه من قبيل لا أرينك ههنا إذ هو نهي له عن الحضور لا عن الرؤية التي هي فعل الغير الذي لا يتصوّر منه فكيف ينهي عنها فأريد لازمه ونهى عنه، وأورد عليه أنّ الغارية والمغرورية متضايفان، وقد صرّحوا بأن القطع والانقطاع ونحوه مثلا متضايفان، وحقق في العلوم العقلية إن المتضايفين لا يصح أن يكون أحدهما سبباً للآخر بل هما معاً في درجة واحدة، فالأولى أن يقال علق النهي بكون التقلب غاراً ليفيد نهي المخاطب عن الاغترار لأنّ نفي أحد المتضايفين يستلزم نفي الآخر، وما ذكره مبني على إن الأثر والتأثير أمر واحد لا أمران متغايران أحدهما مترتب على الآخر وهو وان ذهب إليه كثير
لكن النظر الصائب يقتضي خلافه، فلا تكن من المقلدين والجهد العناء. قوله: (خبر مبتدأ محذوف الخ) معنى في جنب
стр. 870
ما أعد الله أي بالقياس والإضافة إليه وتسمى في قياسية وأصله أنه إذأ قيس شيء بشيء وضع بجنبه ومثله قوله في الحديثأ ا (في جنب الآخرة وفي نسخة " وفي جنب " بالعطف على مقدر أي في نفسه وفي الخ أو بالنسبة لما فاتهم من الآخرة أو لانقضائه وعدم بقائه، وهذا الحديث في صحيح مسلم وقوله: (ما مهدوا) إشارة إلى تقدير المخصوص بالذم والمهاد كالفراس لفظا ومعنى، وقوله: (ما الدنيا في الآخرة) أي ما تقدير الدنيا واعتبارها وهو العامل في الجار والمجرور أو هو حال عاملها معنى النفي. قوله: (النزد والنزل الخ) يعني بضمتين أو ضم فسكون أصل معناه الفضل، والريع في الطعام ويستعار للحاصل عن الشيء كما سيأتي في قوله تعالى: ﴿خَيْرٌ نُّزُلًا﴾ [سورة الصافات، الآية: ٦٢] والنزل ما يعد للنازل، ثم استعمل بمعنى الزاد مطلقاً ويكون جمعا بمعنى النازلين وقد جوّز هنا، وقوله: أبو الشعر لقب شاعر لكثرة شعره الضبيّ أي المنسوب لبني ضبة قبيلة معروفة، والمراد بالجبار الملك المسلط، وبالجيش بمعنى مع الجيش أو للتعدية وضافنا بمعنى نزل بنا وجعل مجيئه لحربهم كمجيء المسافر للضيافة لعدم مبالاتهم بذلك، وهي استعارة لطيفة رشحها بجعل القنا أي الرماح والمرهفات أي السيوف المرفقة، نزله وزاده وهو تهكم على حد:
تحية بينهم ضرب وجيع
وعلى الحالية فجعل الجنة نفسها نزلاً تجوّز أو بتقدير مضاف أي ذات نزل، وعلى المصدرية فهو بمعنى النزول أي نزلوها نزلاً وفي نسخة أنزلوها ووجه الاستدراك في الآية أنه ردّ على الكفار فيما يتوهمون من أنهم ينعمون والمؤمنون في عناء فقال ليس الأمر كما توهمتم فانهم لا عناء لهم إذا نظر إلى ما أعد لهم عند الله أو أنه لما ذكر تنعمهم أوهم أنّ الله لا ينعم المؤمنين فاستدرك عليه بأنّ ما هم فيه عين النعيم لأنه سبب لما بعده من النعم الجسام فتأمّل، ولا يخفى ما في جعلهم ضيوف الله من اللطف بهم، وقوله والعامل فيها الظرف يعني إذا كان جنات فاعله لاعتماده فإذا كان مبتدأ فهو حال من الضمير المستتر في الخبر والعامل الظرف أيضاً، وقوله للأبرار من وضع الظاهر وضحع الضمير لما مرّ، وعبد الفه بن سلام بتخفيف اللام وأصحمة بفتح الهمزة وسكون الصاد المهملة وحاء مهملة وميم وهاء ملك الحبشة ومعناه بلسانهم عطية الصنم والنجاشي بفتح النون ونقل ابن السيد كسرها وفتح الجيم مخففة وتشديدها غلط وآخره ياء ساكنة، وهو الأكثر رواية لأنه ليسى لملنسبة، ونقل ابن الأثير في النهاية تشديدها ومنهم من جعله غلطا وهو لقب كل من ملك الحبشة، واسم هذا مكحول بن صصه، وتوفي في رجب سنة تسع من الهجرة، وقوله: نعاه جبريل أي أخبره بموته وهذا رواه الواحدي وغيره، وفي الصلاة عليه دليل للشافعيّ ﵀ في الصلاة على الغائب، وفي الكشاف أنه مثل له لمجبي! سريره فرآ. وحاول به الردّ على الشافعي ولا يخفى ضعفه، والعلج في الأصل القويّ الغليظ من الكفار، واللام لا تدخل على اسم إن إذا لم يفصل بينهما لئلا يتوالى حرفا تأكيد فإن فصل جاز كما جاز دخولها على الخبر. قوله: (حال من فاعل يؤمن) وجمع حملا على المعنى بعدما حمل على اللفظ أوّلاً، وقيل: إنه حال من ضمير إليهم وهو أقرب لفظاً فقط وجيء بالحال تعريضاً بالمنافقين الذين يؤمنون خوفا من القتل. فوله: (ما خص بهم من الأجر الخ) إشارة إلى أن الإضافة للعهد وقوله: (لعلمه الخ) عني أنّ الإخبار بكونه سريع الحساب كناية عن كمال علمه بمقادير الأجور ومراتب الاستحقاق وأنه يوفيها كل عامل على ما ينبغي وقدر ما ينبغي، ويجوز أن يكون كناية عن قرب إنجاز ما وعد من الأجر لكونه من لوازمها ولكونه من لوازمها أشبه التأكيد فلذا لم يعطف عليه وسرعة الحساب للمؤمنين وهو لا ينافي تطويل حساب غيرهم تعذيباً لهم. قوله: (وغالبوا أعداء الله) يعني أن المصابرة مفاعلة فهي
المجاهدة للعدوّ أو لاعدى الأعداء يعني النفس لأنه الجهاد اكبر، وذكر. بعد الصبر العام لأنه أشد فيكون أفضل فهو كعطف جبريل على الملائكة والصلاة الوسطى على الصلوات. قوله: (أبدانكم وخيولكم الخ) المرابطة نوع من الصبر فهو كالعطف السابق، وروي عن ابن عمر ﵄ أن الرباط أفضل من الجهاد لآنه حقن دماء المسلمين والجهاد سفك دماء المشركين ولذا ورد أنه لا يسئل في قبره وانتظار الصلاة عد من الرباط والثغور وأطراف ممالك الإسلام التي يخاف فيها من العدوّ وقوله: (من
стр. 871
رابط الخ) رواه مسلم وغيره والرباط مصدر ربطت الدابة ومصدر رابط المرابطة، والمرابطة ضربان مرابطة الثغور ومرابطة النفوس، والعدل بالفتح المثل من غير جنس، وبالكسر منه فهو بالفتح هنا، وقال: الراغب العدل والعدل متقاربان لكن العدل يستعمل فيما يدرك بالبصيرة كالأحكام، والعدل فيما يدرك بالحس كالموزونات، وقوله: إلا لحاجة متعلق بالفعلين، وقوله: ولا ينفتل عن صلاته أي لا ينصرف عنها والمراد أنه معادل لصوم رمضان وتيامه. قوله: (قانقوه بالتبري عما سواه الخ) المضض الألم، والمعبر عنها صفة المقامات فالصبر على الطاعات المرتبة الأولى التي هي الشريعة ورفض العادات التي هي الطريقة الثانية والمرابطة على جنات الحق التي هي الحقيقة الثالثة، وأوّل تفسيره ناظر إلى هذه. قوله: (من قرأ سورة آل عمران الخ) تجب الشمس بمعنى
تغرب وأصل معنى الوجوب السقوط، وقوله: التي يذكر فيها آل عمران مر الكلام عليه والحديث الثاني أخرجه الطبراني عن ابن عباس ﵄ والأوّل موضوع وهو من الحديث الطويل المذكور فيه فضائل جميع السور، وهو مما اتفقوا على أنه موضوع مختلق وقد خطؤوا من أورده من المفسرين وشنعوا عليه، وقوله: بكل آية منها أماناً اعتبر في الأمان تعدداً بحسب أجزاء الزمان والمسافة، تمت سورة آل عمران اللهمّ وفقنا لإتمام باقيه، وألهمنا لفهم معانيه.
سورة النساء
مدنية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (مائة الخ) في كتاب العدد للداني ﵀ أنّ هذا عدد المدني والمكي والبصري
وفي الكوفي ست وفي الشامي سبع. قوله: (عطف على خلقكم الخ) بني آدم له استعمالات الأوّل يطلق على جنس البشر فيشمل آدم وحوّاء وسائر الذكور والإناث والناس مثله في العموم، والثاني يطلق على نسله ذكورا وإناثا تغليبا فيشمل ما عدا آدم وحوّاء، والثلث أن يراد ما تفرع عنه فيشمل ما سواه بناء على أن حواء خلقت من ضلع من أضلاعه، كما ورد في الحديث الصحيح وهو القول المرضي، وقيل إنها خلقت من فضل طينته، والرابع أن يراد ذكور بني آدم وهو معناه الحقيقي، وله معنى خامس شاع في غير لغة العرب وهو أن يستعمل بمعنى إنسان فيقال آدم فعل كذا وهو منصرف كما قلت:
على رياض الحسن من خده طائرقلبي لم يزل حائما
حبات خيلان بجناتها كم أخرجت من جنة آدما
فالظاهر على عموم الناس أنّ المراد ببني آدم في تفسيره المعنى الثالث، فالزمخشري
جعل توله: (وخلق الخ) على هذا معطوفا على محذوف هو صفة نفس أي أنشأها من تراب وخلق الخ، وهو بيان وتفصيل لكيفية خلقهم منها فإن عطف على ما تبله فالمراد به من بعث إليهم النبي ﷺ من أمّة الدعوة والمعنى خلقكم من نفس آدم لأنهم من جملة الجنس المفرّع منه، وخلق منها أمكم حوّاء وبث منهما رجالاً كثيرا ونساء غيركم من الأمم الفائتة للحصر، والداعي له إلى ذلك على الأوّل إن خلق الزوج، وبث الرجال والنساء داخل في خلقكم من نفس واحدة فيكون تكرارا، ولأنه يوهم أن الرجال والنساء غير المخلوقين من نفس واحدة وأنهم منفردون بالخلق منها ومن زوجها، والناس أعني بني آدم إنما خلقوا من النفس الواحدة من غير مدخل للزوج فلذا عطف على محذوف صفة للنفس يدلّ عليه المعنى المقصود وهو أنه فرّعكم من أصل واحد فلا بد من وضمع الأصل وإنشائه أولاً، ثم ابتناء الفروع عليه، وهي كون
الأصل مثل الفرع في المخلوقية، ولذا عبر بالزوح للإشعار بالوحدة الجنسية والأصل أوّل الإفراد، والمبدئية ليست بطريق المادّية والمقصود تفصيل الناس أي جميع بني آدم الماضين منهم والحاضرين والآتين على التغليب في أمر الاتقاء، إذ لا يتصوّر أمر الماضين بذلك بل الآتين أيضاً
стр. 872
على الحقيقة كما حقق في الأصول في خطاب المشانهة، وما قيل: إنه لا يبعد! أن يكون الأمر بالتقوى عامّا لجميع الأمم بالنسبة إلى الكلام القديم القائم بذاته تعالى وان كان كونه عربياً عارضا بالنسبة إلى هذه الأمة لا وجه له لأن المنظور إليه أحكامه بعد النزول والا لكان النداء وجميع ما فيه من خطاب المشافهة مجازات ولا قائل به، وقيل المراد بالمخاطب من بعث إليهم النبي ﷺ لأنهم المأمورون بالاتقاء حقيقة أو العرب كما روي عن ابن عباس ﵄ لأنّ دأبهم التناشد بالأرحام وان دئع بأنه تغليب أو الخطاب الأول عام والثاني خاص، وإذا كان المراد بالرجال والنساء ما سوى هؤلاء المخاطبين تغايرت المتعاطفات، وسيأتي في سورة الزمر أنه يجوز عطفه على واحدة، والمصنف ﵀ خالفه فذهب في الناس إلى العموم، وجعل ما بعده معطوفا عليه من غير تقدير، وذكر ما سلكه مؤخراً إشارة إلى مرجوحيتة، ولم يلتفت إلى ما جنح إليه على ما قرّرناه لك، وهو زبدة ما في شروحه بناء على أن العموم هو المتبادر منه وأنّ التقدير خلاف الظاهر وما رآه محذورا لا توجه له عند. لأنّ اللازم في العطف تغاير المعطوقات لا ما صدقت عليه، كما قال في التقريب فلا تكرار في هذا إذ لا يفهم من خلق بني آدم من نفس خلق زوجها منه ولا خلق الرجال والنساء من الأصلين جميعاً، واليه يشير قوله بيان لكيفية تولدهم منهما أو أنّ العطف بيان خلقهم، وتفصيله بأنه خلق حوّاء منه ثم بث منهما الذكور والإناث، ولما كان في البيان زيادة خلق حوّاء وتنويعهم وذكر توالدهم كان أوفى من معنى الأوّل وأزيد، فجاز عطفه وان كان بياناً لمغايرته له من وجه، كما قالوه في قوله تعالى: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٤٩] مع أنه بيان على ما حقق في المعاني، فلكل وجهة هو موليها.
واعلم أن المراد بالتقوى شكر الله على ما ألبسهم من حلل الوجود، وكذا ذكره بعنوان الربوبية وما بعده بالألوهية لا أن المراد بالتقوى الخوف فاعرفه فإنه من النفائس. قوله:) من ضلع من أضلاعه) هذا هو الصحيح كما مز، وهو من حديث رواه الشيخان، وهو: " استوصوا بالنساء خيرا فإنهق خلقن من ضلع وإن أعوج شيء من الضلع اعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج " وجعله تقريرا وتأكيداً لوحدة الأصل لأنّ خلق حوّاء منه يقتضي
ذلك، وقوله: ونشر بيان لمعنى بث، وقوله: بنين وبنات إشارة إلى أنه ليس المراد بالرجال والنساء البالغين والبالغات، بل الذكور والإناث مطلقا تجوزا، وقيل إنه في معرض! المكلفين بالتقوى، فلذا ذكر الكبار منهم، ولو قيل: إنه وجه العدول عن الحقيقة كان وجها حسنا. قوله: (واكتفى بوصف الرجال بالكثرة الخ) الاكتفاء يشعر بأن النساء موصوفة بها أيضا لكن حذف اكتفاء ونكتة الاكتفاء بكثرتهم عن كثرتهن أنه على مقتضى الحكمة لأنهم خير منهن جنسا وزيادة الخير خير، لكن لما كان لكل زوح زوجة فأكثر استدعى ذلك ال! ص ة فيهن خارجا فلا يرد عليه ما قيل بل الحكمة تقتضي أن يكون النساء أكثر، كما سيجيء في قوله: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ﴾ [سورة الورى، الآية: ٤٩] أن تقديم الإناث لكونهت لتكثير النسل، وفي الحديث من أشراط الساعة أن تقل الرجال وتكثر النساء حتى يكون الخمسون امرأة فيهم قياً واحد. وهذا يشهد لما ذكره المصنف ﵀، وأيضا للرجل أن يزيد على واحدة، وهو زهرة لا تحتمل الفرك وتذكيره إما رعاية لصيغة فعيل أو لتأويل موصوفه بالجمع، أو لأنه صفة مصدر محذوف أي بثا كثيرا، وأما جعله صفة حين، كما قيل فتكلف سمج. قوله: (وترتيب الأمر بالتقوى الخ) يعني أنّ الاستعمال جار على أن الوصف الذي علق به الحكم علة موجبة له، أو باعثة عليه داعية إليه، وهو هنا كذلك لا! ما ذكر يدلّ على القدرة العظيمة والنعمة الجسيمة، والأوّل يوجب التقوى حذرا عن العقاب العظيم، والثاني يدعو إليها وفاء بالشكر الواجب، هذا إذا أريد بالاتقاء ما يعم المتعلق بحقوق الله والعباد، ويجوز أن يراد ما يتعلق بحفظ ما بينهم من الحقوق، وحينئذ يكون خلقهم من أصل واحد علة موجبة لاتقاء الله في الإخلال بما يجب حفظه من الحقوق التي بينهم، وهذا المعنى مطابق لمعاني السورة من رعاية حال الأيتام، وصلة الأرحام، والعدل في النكاح، والإرث ونحو ذلك، بالخصوص بخلاف الأوّل
стр. 873
فإنه إنما يطابقها من حيث العموم فإنّ اتقاء الله باجتناب الكفر والمعاصي وسائر القبائح يتناول رعاية حقوق الناس ويؤيده ما رواه مسلم عن جرير وضي الله عنه قال كنا صدر النهار عند رسول الله ﷺ فجاءه قوم مجتابي النمار أو العباءة متقلدي السيوف من مضر فتمعر وجهه لما رأينا بهم من الفاقة فدخل ثم خرج فأمر بلالاً فأذن فقام ثم خطب فقال: " يا أيها الناس اتقوا ربكم " إلى قوله: " إنّ الله كان عليكم وقيبا " أي عالما بأحوالكم فاحذروه ولا يخفى موقع الخاتمة مما قبلها. وقوله:) أو لآن المراد الخ (فالتقوى خاصة وعلى ما قبله عامة ة
والأوّل أولى لعدم التكرار، ولذا قدّمه. وقوله على حذف مبتدا لأنه صلة لعطفه على الصلة فلا يكون إلا جملة، بخلاف نحو زبد ركب وذاهب. قوله: (أي يسأل بعضكم بعضاً الخ) اتقوا الله من وضع الظاهر موضع الضمير إشارة إلى جميع صفات الكمال ترقيا بعد وصف الربوبية فكأنه قيل اتقوه لربوبيته، وخلقه إياكم خلقاً بديعاً، ولكونه مستجمعا لصفات الكمال كلها، وتساءلون إما بمعنى يسأل بعضكم بعضا فالمفاعلة على ظاهرها، أو بمعنى تسألون كما قرئ به، وتفاعل يرد بمعنى فعل إذا تعدّد فاعله كما أشار إليه الزمخشريّ، وعلى حذف إحدى التاءين فالمحذوف الثانية لأنها التي حصل بها الثقل ويجوز أن يكون الأولى. قوله: (بالنصب عطف على محل الجار والمجروو الخ) المحل للجار والمجرور، وقيل التحقيق أنه للمجرو فقط، وقوله: (فصلوها الخ) إما بيان لمعنى اتقائها أو إشارة إلى تقدير مضاف أي قطع الأرحام. قوله: (وهو ضعيف لأنه كبعض الكلمة) يعني الضمير المجرور لشدة اتصاله كجزء الكلمة، فكما لا يجوز العطف على جزء الكلمة لا يجوز العطف عليه وهذا مذهب البصريين وقد تبع في هذا الزمخشرئ وهو تبع المبرّد، فإنه شنع على حمزة ﵀ في هذه القراءة حتى قال: لا تحل القراءة بها، وقد تبعهم ابن عطية وزاد أنّ المعنى لا ينتظم فيها لأنّ التساؤل بالأرحام لا دخل له في الحض على تقوى الله فلا فائدة في عطفها وهو مما يغض من الفصاحة، وردّ بأنّ العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار صحيح عند الكوفيين فصيح مشهور في كلام العرب، وهذه القراءة من السبعة المتصلة بالنبي ﷺ ، متواترة فمثل هذا جسارة لا تليق بأحد، وحمزة ﵀ أجل قدراً مما توهموه، وقد ذهب ابن جني في الخصائص إلى تخريجها على حذف الجارّ، وأن الأصل وبالأرحام بعطف الجاز والمجرور على الجار والمجرور لأنّ هذا المكان لما اشتهر فيه ذكر الجارّ قامت شهرته مقام ذكره، وأنشدوا له شواهد كثيرة ونعم ما قال وارتضاه في الكشف، إلا أنه قال: يؤخذ من القراءة صحة العطف أو الإضمار، والثاني أقرب عند أكثر البصرية لثبوته في نحو إلله لأفعلن وقول رؤبة خير، وفي نحو ما مثل عبد الله ولا أخيه يقولان ذل ومطرد في نحو:
الإعلالة أو بدا هة سابح نهدالجزاره
وقال بعضهم: إنّ الواو للقسم على نحو اتق الله فوالله إنه مطلع عليك، وترك الفاء لأنّ الاستئناف أقوى الوصلين وهو حسن، وقد نسب إلى الوهم في قوله الإعلالة البيت فإنه مما حذف فيه المجرور لا الجار، اللهم إلا أن يقال إنه مثال للإضمار مطلقا، وبيان لأنه قد يكون في الجار وقد يكون في المجرور ولا يخفى بعده، وأما انتظام المعنى فلأن التقوى إن أريد بها تقوى خاصة وهي التي في حقوق العباد التي من جملتها صلة الرحم، فالتساؤل بالأرحام مما تقتضيه، وان أريد الأعم فلدخوله فيها، فيصير المعنى إما اتقوا الله في حقوق العباد، فإنكم تعظمون الله وتعظمونها أو تساءلون بها فلم لا تتقونها، أو اتقوا الله وراعوا حقوقه وحقوق عباده، فإنكم تساءلون الخ، فاذكروه توهم ساقط فافهم. وأما قراءة الرفع فتوجيهها ما ذكر لكن في العطف خفاء، فلعلها معترضة، وتقدير مما يتقي لقرينة اتقوا ومما يتساءل به لقرينة تساءلون، وقدره ابن عطية أهل لأن توصف وقدره ابن جني مما يجب أن تصلوه وتحتاطوا فيه، وهي قراءة ابن يزيد. قوله: (وعنه ﵊ رواه الشيخان والأحاديث في معناها كثيرة كقوله: " إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فأخذت بحقو الرحمن فقال منه فقالت هذا مقام العائذ بك من القطيعة قال: نعم أما ترضين أنّ أصل من وصلك وأقطع من قطعك فقالت بلى " قال الراغب معناه أنه تعالى جعل بين نفسه وعباده سببا، كما كتب
стр. 874
على نفسه الرحمة لعباده، وأوجب عليهم في مقابلتها الشكر لما أفاضه عليهم من نعم الخلق والقوى والقدر وغير ذلك، كذلك جعل بين ذوي اللحمة سب أأوجب به على الأعلى رعاية الأدنى، وعلى الأدنى توقير الأعلى، فصار بين الرحم والرحمة مناسبة معنوية ولفظية، ولذا عظم شكر الوالدين وقرنه بشكره، فقال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [سورة لقمان، الآية: ١٤] تنبيها على أنهما السبب الأخير في الوجود. قال الطيبيئ: والتحقيق فيه أنّ العرش منصة لتجلي صفة الرحمانية قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سورة طه، الآية: ٥] ولما كان للرحم تعلق باسم الرحمة جعلها عند العرس الذي هو منصة الرحمة. قوله: (حافظاً مطلعاً (لأنه من رقبه بمعنى حفظه كما قاله الراغب، أو اطلع ومنه المرقب للمكان العالي الذي يشرف عليه ليطلع على ما دونه. قوله: (أي إذا بلغوا الخ) قيده به لما سيأتي في قوله:
﴿فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [سورة النساء، الآية: ٦] وقوله: الذي مات أبوه هذا أصل معناه لغة لانفراده، وجمع على يتامى وان لم يكن فعيل يجمع على فعالى بل على فعال وفعلاء وفعل وفعلى، نحو كرام وكرماء ونذر ومرضي، فهو إمّا جمع يتمي جمع يتيم إلحاقا له بباب الآفات والأوجاع فإنّ فعيلا فيها يجمع على فعلى ووجه الشبه ما فيه من الذل والانكسار المؤلم، وقيل لما فهي من سوء الأدب المشبه بالآفات كما جمع أسير على أسرى ثم على أسارى بفتح الهمزة أو هو مقلوب يتائم فإن فعيلا الاسمي يجمع على فعائل كأقيل وأقائل، وقل ذلك في الصفات لكن ييم جرى مجرى الأسماء كصاحب وفارس، ولذا قلما يجري على موصوف ثم قلب، فقيل يتامى بالكسر ثم خفف بقلب الكسرة فتحة فقلبت الياء ألفا وقد جاء على الأصل في قوله:
" طلال حسن في البراق اليتائم
قوله: (والاشتقاق يقتضي وقوعه الخ (لانفراده عن أبيه، وعرف اللغة خصه بمن لم يبلغ،
وفي الكشاف من استغنى عن الكافل، ومراده البلوغ أيضا لكته خرج مخرج الغالب، والا يلزم أن يسمى من كبر مجنونا " يتيما، وقد تردد فيه بعضهم لكن جزم النحرير بعدمه، وأما قوله ﷺ " لا يتم بعد البلوغ " فليس لتعليم اللغة بل الشريعة فلا يدل على عدم الإطلاق لغة أما عدم الإطلاق شرعا وعرفا فمما لا نزاع فيه، والآية بظاهرها تقتضي إما إطلاق اليتامى على الكبار أو إثبات الأحكام للصغار، فاحتاجت إلى التوجيه، فذهب صاحب الكشاف إلى التجوّز في الإيتاء باستعماله في لازم معناه وهو تركها سالمة لأنها لا تؤتي إلا إذا كانت كذلك، أو أن اليتامى بمعناه اللغوي الأصلي فهو حقيقة، وارد على أصل اللغة، فما قيل اللفظ إذا نقل في العرف يكون في أصله مجازاً وهو هنا كذلك، فلا مقابلة بينه وبين الاتساع إلا أنّ العلاقة في الاتساع الكون، وفي هذا الإطلاق والتقييد غفلة عما تقرّر في المعاني، أو مجاز باعتبار ما كان أوثر لقرب العهد بالصغر والإشارة إلى وجوب المسارعة إلى دفع أموالهم إليهم حتى كان اسم اليتيم باق بعد غير زائل، وهذا المعنى يسمى في الأصول بإشارة النص، وهو إن يساق الكلام بمعنى وبضمن معنى آخر وهذا في الكون نظير المشارفة في الأول، ومنه علم انقسامهما إلى قسمين، وفي قوله: قبل أن يزول عنهم هذا الاسم أي قبل أن يتحفق زواله، والا فقبل زواله لا يؤتى.
قوله: (أو لغير البلغ والحكم مقيد فكأنه الخ) رد هذا بأنه قال في التلويح أنّ المراد من قوله تعالى: ﴿وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ وقت البلوغ فهو مجاز باعتبار ما كان فإن العبرة بحال النسبة لا مجال التكلم، فالورود للبلغ على كل حال، ومثله قول الآخر تقديرا لقيد لا يغني عن التجوّز إذ الحكم على ما عبر عنه بالصفة يوجب اتصافه بالوصف حين تعلق الحكم به وحين تعلق الإيتاء له لا يكون يتيما فلا بد من تأويله بما مرّ.
(قلت) هذه المسألة وان كانت مذكورة في التلويح لكنها ليست مسلمة وقد تردّد فيها الشريف في حواشيه، والتحقيق أنّ في مثله نسبتين، نسبة بين الشرط والجزاء وهي التعليقية وهي واقعة الآن ولا تتوقف على وجودهما في الخارج، ونسبة إسنادية في كل من الطرفين وهي غير واقعة في الحال بل مستقبلة، والمقصود الأولى وفي زمان تلك النسبة كانوا يتامى حقيقة ألا تراهم قالوا في نحو عصرت هذا الخل في السنة الماضية أنه حقيقة مع أنه في حال العصر عصير لا خل لأنّ المقصود النسبة التي هي تبعية فيما بين اسم الإشارة وتابعه لا النسبة الإيقاعية بينه وبين العصير، كما حققه بعض الفضلاء، وقد مر تحقيقه في أوائل البقرة فتأمله فإنه من معارك الإفهام
стр. 875
ومزالق الإقدام، وقد ترك المصنف ﵀ تأويل الإيتاء بالحفظ، وقال في الإنصاف إنه أقوى لقوله بعد آيات: ﴿وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ﴾ الخ فإنه يدل على أنّ الآية الأولى في الحض على حفظها لهم ليؤتوها عند بلوغهم ورشدهم، والثانية في الحض على الإيتاء الحقيقي عند حصول البلوغ والرشد، ويقويه أيضا قوله عقب الأولى: ﴿وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ الخ فهذا كله تأديب للوصي ما دام المال في يده، وأما على التأويل الآخر فمؤدي الآيتين واحد، لكن الأولى مجملة والثانية مبينة لشرط. قوله: (ما روي أنّ رجلاَ من غطفان الخ) تتمته كما في الكشاف فدفع ماله إليه فقال ﷺ : " ومن يوق شح نفسه ويطع ربه هكذا فإنه يحل داره " يعني ج! هـ فلما قبض الفتى ماله أنفقته في سبيل الله فقال ﵊: " ثبت الآجر وبقي الوزر " قالوا: يا رسول الله قد عرفنا أنه ثبت الآجر فكيف بقي الوزر وهو ينفق في سبيل الله فقال: " ثبت أجر النلام وبقي الوزر على والده " وهذا رواه الثعلبي عن مقاتل والكلبي ووزر. بأنّ كسبه من غير حله أو منع حقوق الله: أو المراد بالوزر حسابه والأجر إنما يكون إذا لم يكن مغصوباً علم صاحبه، ووجه التأييد أنها نزلت في البلغ كما ترى ومو الوجه الأول. قوله: (ولا تستبدلوا الحرام من أموالها بالحلال من أموالكم الخ) يعني المراد بالخبيث
الحرام وبالطيب الحلال، لكن المراد على الأوّل لا تأكلوا ذلك الحرام الذي هو مال اليتيم مكان الحلال من أموالكم، فليس المراد في هذا الوجه أخذ مال اليتيم واعطاء ماله، بل أكل مال اليتيم، وترك ماله على حاله فالطيب حينئذ هو أكل ماله الذي تركه بحاله وفي الوجه الثاني هو حفظ مال اليتيم فاختلف الطيب والخبيث في الوجهين، فالتفعل بمعنى الاستفعال كالتعجل والاستعجال، قال الزمخشريّ: وهو غير عزيز والاختزال بإعجام الخاء والزاي الاقتطاع. قوله: (وقيل لا تأخذوا الرفبع من أموالهم وتعطوا الخسيس مكانها) وهذا تبديل، وليس بتبدل وفي الكشاف وقيل: هو أن يعطي رديئا ويأخذ جيداً وعن السدي أن يجعل شاة مهزولة مكان سمينة، وليس هذا بتبدل وإنما هو تبديل إلا أن يكارم صديقا له فيأخذ منه عجفاء مكان سمينة من مال الصبي، اص. وهذا المقام مما كثر فيه الكلام فهل الإبدال والتبدل والتبديل والاستبدال بينها فوق في المعنى، والاستعمال أم لا فقيل التبديل تغيير الشيء مع بقاء عينه، والإبدال رفع الشيء ووضمع غيره مكانه، فإذا استعملت بالباء دخلت على المتروك، وقيل: الباء تدخل على المأخوذ في التبديل، وحكي في الاستبدال خلاف، وقال المحلي إنها في الإبدال تدخل على المأخوذ في الاستعمال العرفي، وقال الدميري: في التبديل الباء تدخل على المتروك، لكن حكى الواحدي أنها تدخل على المأخوذ ويشهد له قوله الطفيل لما أسلم:
وبدل طالعي نحسي بسعدي
قال النحرير: وللتبديل استعمال آخر يتعذى إلى المفعولين بنفسه كقوله: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [سورة الفرقان، الآية: ٧٠] والى المذهوب به المبدل منه بالباء كقوله: ﴿وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ [سورة سبأ، الآية: ٦ ا] وآخر يتعدى إلى مفعول واحد، نحو بدلت الشيء أي غيرته ومنه: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٨١] وقال المدقق في الكشف أنّ حاصل الفرق أنه إذا قيل تبدل الكفر بالإيمان، أريد اتخذ الكفر بدله، فالمأخوذ هو ما عدى إليه الفعل بلا واسطة، وإذا قيل بدله به أريد غيره به، فالحاصل ما أفضى إليه الفعل بالباء، كما قال في تفسير قوله تعالى: ﴿لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١٥ ا] لا أحد يبدّل شيئا من ذلك بما هو أصدق، ونقل الأزهري عن ثعلب بدلت الخاتم بالحلقة إذا أذبته وجعلته حلقة، وبدلت الحلقة بالخاتم إذا أذبتها وجعلتها خاتماً، وأبدلت الخاتم بالحلقة إذا نحيت هذا وجعلت هذا مكانه، وحقيقته أنّ التبديل تغيير صورة إلى أخرى، والإبدال تنحيته فاتفقا على دخول الباء على الحاصل، عكس التبدل والاستبدال وعن المبرّد أنه استحسنه لما نقله إليه الزاهد وزاد عليه أنه يستعمل بمعنى الإبدال أيضا، ومنه يظهر أنّ من زعم أنّ التبديل أعم من التبدل لأن الثاني تغيير خاص، فقد وهم، فإن قلت فقد أعضل عليك قوله تعالى: ﴿وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ [سورة سبأ، الآية: ٦ ا] قلت الكلام فيما إذا كانت الباء صلة ثانية للفعل أما إذا تعدى بنفسه إلى العوضين كما في قوله تعالى:
﴿فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [سورة الفرقان، الآية: ٧٠] أو إلى العوض وصاحبه كما في قوله: ﴿أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا﴾ [سورة الكهف، الآية: ٨١] فليس مما تحل فيه لا قضاء الفعل إلى الماخوذ بلا واسطة، وخروج الباء
стр. 876
عن التكميل، فإن ذكوت لبيان المعوّض عنه فباء المقابلة تصلح للمأخوذ والمتروك، واعتبر بقولك بعت هذا بدرهم، وجواب مخاطبك اشتريت به، فالدرهم مأخوذك ومتروك مخاطبك، وظهر من هذا أنّ بدل له ثلاث استعمالات، بدلت الخاتم بالحلقة وهو المبحث، وبدلت الخاتم حلقة إذا جعلت الحلقة بدله، وبدلت زيداً خاتماً بثوب إن أعطيته الخاتم بدلاً عن الثوب، فاعتبره واستبصره، ثم إنّ كلامه اعتراض على قول السدي، وما قبله لأن المتروك عنده الخبيث وهو المهزول، أو الرديء وتركه على المكارمة مع الصديق بأن يكون للصبي دين على صديق الولي فيأخذ الوليّ منه رديئا مكان جيد مكافأة له على سابق صنع له أو إثابة تصحيحا لهما، والأشبه أنّ الكلام على إطلاقه، وإذا أعطى رديئاً وأخذ جيدا من مال الصبيّ يصدق أنه تبدل الجيد بالرديء للصبي وبدل لنفسه، وظاهر الآية أنه أريد البدل للصبي، لأنّ الأولياء هم المتصرفون في أموالهم فنهوا عن بغ بوكس من أنفسهم ومن غيرهم وما ضاها ولا يضر أنه تبدل لنفسه أيضا باعتبار آخر، لأن المتبادر إلى الفهم النهي عن تصرف لأجل الصبي ضارّ سواء عامل الولي نفسه أو غيره، واشتبه على المصنف للغفول عن اختلاف الاعتبار، فأوّله بما لا إشعار للفظ به، فإن ذهب إلى التأويل لا محالة، فالأولى أن يقال المهزول هو الطيب والسمين هو الخبيث ضربه مثلاً للحرام والحلال اهـ، وهذا زبدة الكلام في هذا المقام فاختر لنفسك ما يحلو، والرفغ بمعنى النفيس، وأصل معناه العالي المرتفع وإنما ضعفه كما مرّ وأشار إليه لدخول الباء على المأخوذ وهو شأن التبديل لا التبدّل وقد عرفت ما فيه. قوله: (ولا تثلواها مضمومة إلى أموالكم الخ (يعني أنّ إلى التقدير متعلقه مضمومة وهو يتعذى بإلى، أو لتضمين اكل معنى الضم، وقيل: إلى بمعنى مع وفي الكشف لو حمل الانتهاء في إلى على أصله على أن النهي عن أكلها مع بقاء مالهم كأنّ أموالهم جعلت غاية لحصلت المبالغة، والتخلص عن الاعتذار وهذا ما ارتضاه الفراء في تفسيره، وقال: لا تكون إلى بمعنى مع إلا إذا ضم شيء إلى آخر كقوله: لذود إلى الذو ابل، وقد مرّ وفسر ا! ل بالإنفاق إشارة إلى أن المراد به الانتفاع والتصرف فعبر عنه بأغلب أحواله، وقوله: ﴿ولا تسووا بينهما﴾ إشارة إلى أن المراد بالمعية مجرد التسوية بينهما في الانتفاع أعم من أن يكون على الانفراد، أو مع ماله فهو جواب عن السؤال الواقع في الكشاف المجاب عنه ثمة بأن المعية تدل على غاية قبح فعلهم حيث أكلوا أموالهم مع الغني عنها تقبيحاً لما كانوا عليه فلا يلزم القائل بمفهوم المخالفة جواز أكل أموالهم وحدها، والسؤال لا يرد إذا فسر تبدل الخبيث بالطيب
باستبدال أموال اليتامى بماله وأكلها مكانه فإنه يكون نهبا عن أكلها وحدها وهذا عن ضمها، وليس الأوّل مطلقاً حتى يرد سؤال بأنه أي فائدة في هذا بعد ورود النهي المطلق. قوله: (الضمير لدل الخ) وقيل للتبدل وقيل لهما، وقوله: ذنبا عظيماً فسر الكبير بالعظيم، وهذا لا ينافي ما قيل إن العظيم فوق الكبير إما لأن الكبير بمعناه عنده أو أن تنكيره للتعظيم والحوب الذنب العظيم، وقيل: هو مطلق الذنب، ويكون بمعنى الوحشة والصعب. قوله: (أي ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ﴾ الخ) تفسيره بما ذكر لبيان الربط بين الشرط والجزاء، وقدم هذا الوجه لأنه أرجح مما بعده لمناسبة ما قبله وما بعده، وارتباط الشرط بالجزاء أتم إرتباط، والقرينة على أن المراد من لا تقسطوا في اليتامى المتزوّج بهن، الجواب فإنه صريح فيه والربط يقتضيه، وتفسير النساء بغير اليتامى لدلالة المعنى واشارة لفظ النساء وقوله: (طاب لكم طاب) يكون بمعنى مالت له النفس واستطابته، وبمعنى حل وبالثاني فسره الزمخشريّ وظاهر تصريح المصنف به في الثالث أنه فيما قبله بالمعنى الأوّل، وفسره الزمخشري فيها بالحل، واعترض عليه الإمام بأنه في قوّة أبيح المباح، وأيضا يلزم الإجمال حيث لا يعلم المباج من الآية، وآثر الحمل على المستطاب، ويلزم التخصيص وجعله أولى من الإجمال، وأجاب في الكشف بأن المبين تحريمه في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [سورة النساء، الآية: ٢٣] الخ إن كان مقدم النزول فلا إجمال لأن المعنى فانكحوا ما بين لكم حله ولكنه مقيد بالعدّة المخصوصة فليس في قوّة أبيح المباح لإفادة الزيادة ولا إجمال ولا تخصيص، وتعريف الموصول للعهد وألا فالإجمال المؤخر بيانه أولى من التخصيص بغير المقارن لأنّ تأخير بيان المجمل
стр. 877
جائز دون بيان التخصيص عتد أكثر الحنفية، والأمر لو كان للإباحة لا يلغو معه طاب إذا كان بمعنى حل لأنه يصير المعنى أبيح لكم ما أبيح هنا لأنّ مناط الفائدة القيد وهو العدد المذكور، وقيل: إنه للوجوب أي وجوب الاقتصار على هذا العدد، وقوله: أن يتحرّج من الذنوب أي يبعد ويخرج
منها يقال تحرّج إذا فعل ما يخرج به من الإثم والحرج وقوله: ﴿فخافوا﴾ الخ لم يقل لقبحها كما في الكشاف لإيهامه الاعتزال والقول بالحسن والقبح العقليين وان احتمل الشرعي، والوجه الثالث أبعدها، ولذا أخره ولكن قرينة الحال توضح ربطه كما أشار إليه، وفظيره ما إذا داوم على الصلاة من لا يزكي يقول له إن خفت الإثم من ترك الصلاة فخف ترك الزكاة، ويتامى جمع يتيمة، وأصله يتائم، ولا كلام فيه وتركه المصنف ﵀ هنا اكتفاء بما مرّ.
قوله: (وإنما عبر عنهن بما ذهاباً إلى الصفة الخ) ما تختص أو تغلب في غير العقلاء،
وهو فيما إذا أريد الذات أما إذا أريد الوصف فلا كما تقول ما زيد في الاستفهام، أي أفاضل أم كريم وكرم ما شئت من الرجال، يعني الكريم أو اللثيم ونحو.، كما ذهب إليه العلامة والسكاكي وغيرهما وان أنكره بعضهم والمراد بالوصف هنا ما أريد ثمّ من البكر والثيب، أو ما لا حرج ولا تضييق في تزوجها، وقد خفي معنى الذهاب إلى معنى الصفة هنا على من قال: المراد الوصف المأخوذ من المذكور بعدما إذ معنى ما طاب الطيب، وهو صادق على العاقل وغيره، والسؤال لا يسقط به وقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ذهاباً للوصف ولكون المملوك لبيعه وشرائه، والمبيع كثره ما لا يعقل كان التعبير بما فيه أظهر، وقوله: وقرئ ﴿تُقْسِطُواْ﴾ الخ قسط يقسط قسوطا جار ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [سورة الجن، الآية: ٥ ا] وأقسط يقسط ضدّه بمعنى عدل ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [سورة المائدة، الآية: ٤٢] فإن قرئ من الثلاثيّ فلا مزيدة وهو ظاهر. قوله: (معدولة عن أعداد مكرّرة الخ) هذه الصيغ ممنوعة من الصرف على الصحيح وجوز الفراء صرفها وفي سبب منعها أقوال. أحدها: مذهب سيبويه والخليل أنه العدل والوصف، وأورد عليه أنّ أسماء العدد الوصفية فيها عارضة وهي لا تمنع الصرف، وأجيب بأنها وان عرضت في أصلها فهي نقلت عنها بعد ملاحظة الوصف العارض! فكان أصليا في هذه دون أصلها وفيه نظر.
الثاني: قول الفراء إنها منعت للعدل والتعريف بنية الألف واللام ولذا لم تجز إضافتها
ولا دخول أل عليها.
الثالث: أنها معدولة عن اثنين اثنين وثلاثة ثلاثة فعدلت عن ألفاظ العدد وعن المؤنث
إلى المذكر ففيها عدلان: وهما سببان، والرإبع أنه مكرّر العدل لأنه عدل عن لفظ اثنين، ومعنا. لأنها لا تستعمل في موضح يستعمل فيه إذ لا تلي العوامل وإنما تقع بعد جمع معنى إما
خبراً أو حالاً أو وصفاً، وشذ أن تلي العوامل، وأن تضاف وقوله وقيل لتكرير العدل هو مذهب الزمخشريّ، وردّه أبو حيان بأنه لم يقل به أحد من النحاة، وليس من المذاهب الأربعة في شيء، وأجيب بأنه المذهب الرابع، وهو منقول عن ابن السراج، فلا وجه لقول أبي حيان لم يقل به أحد، ولو قال لا نظير له صح، وأشار المصنف ﵀ لضعفه من غير بيان لوجهه وتكراره بخروجه عن وزنه وافراده بوزن آخر مكرّر معناه، وعبر عن العدل في المعنى بعدلها عن تكرارها، وقريب منه ما ذكره النحرير. قوله: (منصوبة على الحال من فاعل طاب) وهو ضمير ما، ويعلم منه جواز الحالية منها، وقد مرّ أنه لا يباشر العوامل ولا يضاف، ولم يسمع من العرب إدخال الألف واللام عليه، كما صرح به أبو حيان ﵀ وخطأ الزمخشري في قوله: تنكح المثنى والثلاث والرباع، ولذا قال النحرير إنه لا بد للزمخشريّ من إثباته والاستشهاد عليه، والقول بأنه غفلة غفلة، ولهذا ذهب بعض النحاة إلى أنه معرفة، فلا يكون عنده حالاً، وقوله: بين هذه الأعداد أي بعضها لا مجموعها، والمراد المعدودات وذروا الجمع أي اتركوا الجمع بين النعحماءالحرائر، والمقنع ما يقنع، ويكتفي به وهو بفتح الميم مصدر، وبمعنى الرضا أريد به المرضي، ويستوي فيه الواحد وغيره، فيقال شاهد مقنع وشهود مقنع، وقدم تقدير اختاروا على انكحوا مع أنه المتبادر مما قبله لدلالته على جواز العزوبة فتأمّل، وقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ إشارة إلى أنّ الخطاب للأحرار لأنّ العبد لا يحل له أكثر من اثنتين. قوله: (ومعناها الإذن لكل ناكح الخ) قال الزمخشريّ فإن
стр. 878
قلت الذي أطلق للناكح في الجمع أن يجمع بين ثنتين أو ثلاث أو أربع فما معنى التكرير في مثنى وثلاث ورباع قلت الخطاب للجميع فوجب التكرير ليصيب كل ناكح يريد الجمع ما أراد من العدد الذي أطلق له كما تقول للجماعة اقتسموا هذا المال وهو ألف درهم درهمين درهمين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة ولو أفردت لم يكن له معنى فإن قلت فلم جاء العطف بالواو دون، أو قلت كما جاء بالواو في المثال الذي حذوته لك ولو ذهبت تقول اقتسموا هذا المال درهمين درهمين أو ثلاثة ثلاثة أو أربعة أربعة أعلمت أنه لا يسوغ لهم أن يقتسموه إلا على أحد أنواع هذه القسمة، وليس لهم أن يجمعوا بينها فيجعلوا بعض القسم على تثنية وبعضه على تثليث، وبعضه على تربيع وذهب معنى تجويز الجمع بين أنواع القسمة التي دلت عليه الواو وتحريره أنّ الواو دلت على إطلاق أن يأخذ الناكحون من أراد وانكاحها من النساء على طريق الجمع إن شاؤوا مختلفين في تلك الأعداد وان شاؤوا متفقين فيها محظوراً عليهم ما وراء ذلك ا!.
وحاصله أن أبيح لكل واحد أن يأخذ ما أراد من هذه العدة، ولا يتجاوزها لمانما تفيد هذا المعنى صيغة العدل والعطف بالواو لأنه حال فلو أفرد وقيل اقتسموا هذا المال درهما وثلاثة وأربعة لم يصح جعله حالاً من المال الذي هو ألف درهم بخلاف، ما إذا كرّر فإن المقصود فيه
الوصف، والتفصيل في حكم الانقسام أي مفصلاً ومنقسما إلى درهم درهم، وأو لأحد الأمرين أو الأمور والإباحة إنما تكون من دليل خارجي والحال بيان لكيفية الفعل، والقيد في الكلام نفي لما يقابله فمعنى أو أن يكون الاقتسام على أحد هذه الأنواع غير مجموع بين اثنين منها، ومعنى الواو أن يكون على هذه الأنواع غير متجاوز إياها إلى ما فوقها، وهذا معنى قوله محظورا عليهم ما وراء ذلك دفع لما ذهب إليه البعض من جواز التع تمسكا بأنّ الواو للجمع فيجوز الثنتان والثلاث والأربع وهي تسع، وذلك لأنّ من نكح الخمس أو ما فوقها لم يحافظ على القيد أعني كيفية النكاح، وهي كونه على مذا التقدير والتفصيل بل جاوزه إلى خماس وسداد، والسنة بينت أنّ هذا هو المراد كقوله ﷺ : " اختر أربعاً وفارق سائرهن " وغيره من الأحاديث الصمحيحة ولا مخالفة بينه وبين كلام المصنف في المآل كما توهم، وإنما وقعت في بعض العبارة كقوله: لم يكن له معنى، وقول المصنف كان المعنى تجويز الجمع فلو قيل معنى لم يكن له معنى يعني يصح قصده لأنه يفيد جواز الجمع، وجواز التسعة وهو غير صحيح كان المال واحداً، والبدرة بفتح الموحدة وسكون الدال والراء المهملتين عشرة آلاف درهم، وقوله: لذهب تجويز الاختلاف فكان يجب الاجتماع على هذه الإعداد وما قيل إنه لا يلتفت إليه الذهن لأنه لم يذهب إليه أحد لا عبرة به لأنّ الكلام في الظاهر الذي هو نكتة العدول، وفي بعض الحواشي هنا خبط وخلط تركناه لأنه تطويل بغير طائل، وحسبك من القلادة ما أحاط بالعنق. قوله:) ولو ذكرت بأو) رد لما قيل إنّ الواو بمعنى أو قال ابن هشام: نقلاَ عن الأصفهاني القول بأنها بمعنى، أو خطأ لأنّ الإعداد على قسمين قسم يقصد ضم بعضه إلى بعض كقوله: ﴿ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٩٦ ا] وقسم لا يقصد به ذلك بل هو للتقسيم كما هنا وفيه نظر. قوله: (سوّى بين الواحدة الخ (إشارة إلى أن أو للتسوية والعدد في السراري يؤخذ من السياق ومقابلة الواحدة ومؤن جمع مؤنة، والقسم بفتح فسكون معروف وقوله: أي التقليل الخ هو مستفاد من واحدة والعدد المذكور، ويجوز أن تكون الإشارة إلى الجميع، وقوله: أقرب إشارة إلى أن أدنى من الدنوّ بمعنى القرب، ومن صلة القرب لا تفضيلية. قوله: (يقال عال الميزان إذا مال الخ) يعني أصل معناه الميل المحسوس، ثم نقل إلى الميل المعنوي، وهو الجور وقوله وعول الفريضة أي نصيب الورثة، وهو العول المعروف في
علم الفرائض مأخوذ من الجور لتقليل أنصبة الورثة، ولذا يقال فريضة عائلة وفريضة عادلة والسهام انصباء الورثة المقدّرة لهم. قوله: (وفسر بأن لا تكثر عيالكم الخ) تفسيره بأن لا تجوروا منقول عن عائشة ﵂، وهو المشهور وهذا التفسير منقول عن الإمام الثافعي ﵁، وقد خطأه فيه كثير من المتقدمين لأنه إنما يقال من كثرة العيال أعال يعيل إعالة ولم يقولوا عال يعول
стр. 879
ولأن الأحسن المطابق لقوله قبله: لا تعدلوا أن يكون بمعنى لا تجوروا، وردّ. في الكشاف بأنه من قولك عال الرجل عياله يعولهم كقولهم مانهم يمونهم إذا أنفق عليهم لأن من كثرت عيأله لزمه أن يعولهم وفي ذلك ما تصعب عليه المحافظة على حدود الشرع وكسب الحلال، ومثله أعلى كعباً وأطول باعا في كلام العرب أن يخفى عليه مثل هذا فسلك في تفسيره طريق الكناية فاستعمل الإنفاق وأراد لازم معناه، وهو كثرة العيال، وذكر في الكشف أنه لا حاجة إلى هذا فإنّ الكساتي ﵀ نقل عن فصحاء العرب عال يعول إذا كثر عياله وممن نقله الأصمعي والأزهري، وهذا التفسير منقول عن زبد بن أسلم وهو من أجلة التابعين وقراءة طاوس مؤيدة له! لا وجه لتشنيع من شنع عليه جاهلا باللغات والآثار، وقد نقل الدوري إمام القراء أنها لغة حمير وأنشد:
وأنّ الموت يأخذكل حي بلا شك وان أمشي وعالا
أي وان كثرت ماشيته وعياله، وأمّا ما قيل إن عال بمعنى كثرت عياله يائيّ وبمعنى جار
واوي فليست التخطئة في استعمال عال بمعنى كثرة العيال بل في عدم الفرق بين الماذتين فرد أيضاً بحكاية ابن الأعرابي وغير. عال يعول بهذا المعنى، وعال يعيل بمعنى افتقر فعال له معان مال وجار وافتقر وكثرت عياله ومان وأنفق وأعجز يقال عالني الأمر أي أعجزني ومضارعه يعيل فهو من ذوات الواو والياء على اختلاف المعاني فان قلت عال بمعنى مان لا دلالة له على كثرة المؤنة حتى يكنى به عن كثرة العيال قلت قال الراغب: أصل معنى العول الثقل يقال عاله أي تحمل ثقل مؤنته، والثقل إنما يكون في كثيره لا في قليله فالمراد بلا تعولوا وبقوله ما نهم كثرة ذلك بقرينة المقام والسياق لأنه ليس المراد نفي المؤنة والعيال من أصله لأنه لو تزوّج واحدة كان عائلاَ، وعليه مؤنة فالكلام كالصريح فيه واستعمال أصل الفعل في الزيادة فيه غير عزيز فلا غبار عليه كما توهم. قوله: (ولعل المراد بالعيال الأرّواج الخ) أي على تفسيره تعولوا بتكثر عيالكم وعيال جمع عيل بتشديد الياء فإن كان ذلك إشارة إلى التقليل واختيار الواحدة فعدم كثرة الأزواج فيه ظاهر، وان كان للتسري فعدم كثرة الأزواح صادق على عدمهن بأن لا يكون لكم أزواج، ولا كثرة وان كان العيال بمعنى الأولاد فعلى الأول ظاهر فلذا أخره المصنف
﵀ وجعله مشبهاً به وعلى الثاني فلأنه مظنة قلة الأولاد إذ العادة على أن لا يتقيد المرء بمضاجعتهن ولا يأبى العزل عنهن، وهذا معنى قوله لجواز العزل الخ أي عادة فلا يرد عليه أنّ مذهب الشافعي جواز العزل عن الحرائر والإماء مع أنّ في بعض شروح الكشاف ما يدل على أنّ فيه خلافا عنده فلعل المصنف رحمه الله تعالى مال إلى المنع كما هو مذهب أبي حنيفة ﵀. قوله: (مهورهق الخ) يعني الصدقة كالصداق بمعنى المهر والقراءة بفتح الصاد وسكون الدال أصلها ضم الدال، فخفضت بالتسكين وضمهما باتباع الثاني لضم الأول كما يقال ظلمة وظلمة وهو المراد بالتثقيل وقوله: على التوحيد أي قرئ صدقتهن بضمتين مع الإفراد. قوله: (عطية الخ) أي النحلة حقيقتها في اللغة العطية بغير عوض! ، فإن قلت كيف يكون بلا عوض، وهو في مقابلة البضع والتمتع به، قلت قالوا لما كان لها في الجماع مثل ما للزوج في اللذة أو أزيد وتزيد عليه بوجوب النفقة والكسوة كان المهر مجانا لمقابلة التمتع بتمتع أكثر منه، وقيل: إنّ الصداق كان في شرع من قبلنا للأولياء بدليل قوله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ﴾ [سورة القصص، الآية: ٢٧] الخ ثم نسخ فصار ذلك عطية اقتطعت لهت فسمي نحلة، ومن فسره بالفريضة نظر إلى أنّ هذه العطية فريضة، ونصبه على المصدر لملاقاته الفعل معنى كقعدت جلوساً، وقوله: أو منحولة أي معطاة منكم ومن فسره بالديانة أخذه من النحلة بمعنى الملة، ومولياتهم بفتح الميم وتشديد الياء أي من كن في ولايتهم.
ثنبيه: قال العلائي: في قواعده في الصداق عوضية عن البضع من وجه وهبة من وجه لحرمتها لكن المغلب أيهما فقيل المغلب الأوّل، وقيل الثاني ومأخذه الآية لأنّ النحلة العطية بلا عوض وحجة الثاني أنه يردّ بالعيب ولها حبس نفسها حتى تقبضه وأنه يثبت فيه الشفعة ويضمن لو تلف ورجح المصنف ﵀ الأوّل لاقتضاء الوضع له فقدّمه، وفي قوله نظر إلى مفهوم الآية بحث لأنه قد يقال
стр. 880
إنه منطوق على الوجه الأخير لأنّ معنى كونه ديانة مشروع اللهمّ
إلا أن يريد ما يقتضيه قوله فإن طين لكم المؤيد بالأمر. قوله: (الضمير للصداق الخ الما كان الظاهر منها لرجوعه إلى الصدقات أوّله بأنّ الصدقات بمعنى الصداق لصدقه على القليل، والكثير أو أنه عائد على الصداق الدّي في ضمن الجمع لأنّ المعنى آتوا كل واحدة منهن صداقاً أو أنّ الضمير راجع لما قبله باعتبار أنه وضحع موضع اسم الإشارة أي ذلك فلذا أفرد وذكر وهو في اسم الإشارة كثير لأنّ الإشارة إلى أمور متعددة دفعة واحدة كثيرة فلذا نزل الضمير منزلته فلا يقال إنه تطويل للمسافة فليجعل الضمير مؤوّلاً بما ذكر ابتداء، ولذا قال: رؤبة ذلك وهو من أهل اللسان فلا وجه لما قيل إنّ قول رؤبة لا يدل على ما ذكر لجواز أن يريد أنّ الضمير مؤوّل كما يؤوّل اسم الإشارة مع أنه لا يعلم من كلامهم وجهه والنكتة فيه فلا بدّ من بيانه والبيت:
فيها خطوط من سواد دويلق كأنه في الجلد توليع البهق
وهو من أرجوزة له والتوليع تلميع البلق على اسنطالة وذكر قول رؤبة في جواب السائل
له هلا قلت كأنها أو كأنهما، وإنما ذكره ليتعين التوجيه إذ لولاه احتمل أن يكون ذلك لرعاية الخبر، وقوله: ولذلك وحد يعني أنّ التمييز كما قاله النحاة: حقه مطابقة المميز وهو هنا جمع وتوضيحه إنّ التمييز إن اتحد معناه بالمميز وجبت المطابقة نحو كرم الزيدون رجالاً كالصفة والخبر والحال دمالا فإن كان مفرداً غير متعدد وجب إفراده نحو كرم بنو فلان أبا إذ المراد أن أصلهم واحد متصف بالكرم فإن تعدد، وألبس وجب خلفه بظاهر نحو كرم الزيدون آباء إذا أريد أن لكل منهم أبا كريما إذ لو أفرد توهم أنهم من أب واحد والغرض خلافه وإن لم يلبس جاز الأمران، ومصححه عدم الإلباس كما هنا فإنه لا يتوهم أن لهن نفساً واحدة ومرجحه أنه الأصل مع خفته ومطابقته لضمير منه، وهو اسم جنس والغرض هنا بيانه والواحد يدل عليه كقولك عشرون درهما، وما قيل إنه مخالف لقول ابن الحاجب إنّ التمييز إن لم يكن اسم جنس ويراد نفس المنتصب عنه يطابقه لا محالة فيجب تقييد كلامه بأنه إذا لم يقصد به بيان الجنس، وهو وهم منه فإنّ النفس ليس المراد بها الذات حتى يكون عين ما قبله، والذي أوقعته في الغلط لفظ نفس المشتركة وقيل إنّ فائدة التمييز الإشارة إلى أنه لا اعتداد بهبة الأولياء. قوله: (والمعنى فإن وهبن لكم الخ) يعني لما كان لا بد من طيب النفس جعل مبتدأ وركنا من
الكلام للدلالة على ذلك ولو قيل عن طيب لوقع فضله وقوله: وعداه بعن يعني أصله أن يتعدى بالباء كقوله:
وما كان نفسا بالفراق تطيب
لأنه ضممن معنى التجافي، والتباعد فوصل بصلته فإن قلت الصواب أن يقتصر على التجافي متعد بنفسه ولا يتعدى بعن إلا إذا كان بمعنى المغفرة نحو تجاوز الله عن سيئاته قلت إمّا أن يكون مقصوده أنه ضمن معنى التجافي فقط، والتجاوز بيان لمعناه أو كون التجاوز لا يتعدّى بعن مطلقا غير مسلم عنده، ولذا استعمله كثير من الفضلاء متعديا بها مطلقا، وقد صرح به الإمام التبريزي في شرح ديوان أبي تمام، وقوله: بعثا لهن على تقليل الموهوب هو يفهم من شيء، ومن كونه من الصداق لا كله حتى نقل عن الليث ﵀ أنه لا يجوز تبرعها إلا باليسير ولا فرق بين المقبوض وما في الذمة إلا أن الأوّل هبة والثاني إبراء، ولذلك تعامل الناس على التعويض فيه ليرتفع الخلاف. قوله: (فخذوه وأنفقوه) يعني أنّ الأكل عبارة عن التملك كما مرّ، وفي نصب هنيئا مريئا وجوه أحدها أنه صفة مصدر محذوف أي أكلا هنيئا، الثاني أنه منصوب على الحال من فاعل كلوه أي مهنا سهلاً، الثالث أنه حال منصوب بفعل مقدر محذوف وجوبا كقولك أقائماً، وقد قعد الناس وقال الزمخشريّ: قد يوقف على فكلوه، ويبتدأ هنيئا مريئا على الدعاء، وعلى أنهما صفتان أقيمتا مقام مصدرين أي هنأ مرأ ورد بأنه تحريف لكلام النحاة فإنّ المصادر الدعائية كسفياً ورعيا لا ترفع الظاهر، وهذا قد رفعه في قول كثير:
هنيئا مريئا غيرداء مخامر
فإن غير فاعله ورد بأن سيبويه، قال: هنيئا مريئا صفتان نصبهما نصب المصادر المدعوّ
بها بالفعل غير المستعمل
следующие страницы →