← Тафсир

Тафсир · id 1535

حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي = عناية القاضي وكفاية الراضي

الشهاب الخفاجي

Полный текст (3 156 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

من غير توسط المادة، وعلى القول الآخر هو استعارة تشبيهاً للمحى بالروح التي بها الحياة، وحاج بعض النصارى الواقدي بهذه الآية فقال إنها تدل على أن عيسى ﵊ جزء من الله فعارضه بقوله تعالى: ﴿وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه﴾ [سورة الجاثية، الآية: ١٣] فلو كان كذلك لاقتضى إنّ جميع الموجودات جزء منه فحجه، ومعنى كونه كلمة أنه حصل بكلمة كن من غير مادّة، وقال الغزالي رحمه الله تعالى لكل شيء سبب قريب، وبعيد فالأوّل المني والثاني قول كن، ولما دل الدليل على عدم القريب في حق عيسى ﷺ إضافة إلى البعيد، وهو كلمة كن إشارة إلى انتفاء القريب، وأوضحه بقوله ألقاها بجعله كالمني الذي يلقى في الرحم فهو استعارة كما أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى. قوله: (أي الآلهة ثلاثة الخ) يعني أن الظاهر أنهم يقولون بآلهة ثلاثة الله، وعيسى ﵊ ومريم كما صرّح به في الآيات الأخر، وان نقل عنهم القول بالأقانيم فحكاية الله عنهم أوثق لكن قال الطيبي رحمه الله تعالى أن الحكيم الفاضل يحيى بن عيسى صاحب المنهاج في الطب كان نصرانياً فلما أسلم وحسن إسلامه صنف رسالة في الردّ على النصارى قال فيها زعموا أنه تعالى جوهر واحد ثلاثة أتانيم أقنوم الأب، وأقنوم الابن وأقنوم روح القدس فهو واحد بالجوهر مختلف بالأقانيم، وقال بعضهم أنها أشخاص وذوات وقال بعضهم أنها خواص، وصفات فأقنوم الأب الذات، وأقنوم الابن الكلمة، وهي العلم وأنها لم تزل مولدة من الأب لا على سبيل التناسل بل كتوليد ضياء الشمس، وأقنوم روح القدس هو الحياة، وأنها لم تزل فائضة من الأب والابن، واختلفوا في الاتحاد فقالت اليعقوبية أنها بمعنى الممازجة كممازجة النار للفحم فالجمرة ليست ناراً خالصة، ولا فحمة، وهذا موافق لقولهم أنّ الله نزل من السماء ماء وتجسد من روح القدس، وصار إنساناً، ولذلك قالوا المسيح جوهر من جوهرين، وأقنوم من أقنومين وهذا هو القول باللاهوت، والناسوت، وظاهر قول نسطوراً أنّ الاتحاد على معنى الحلول، وأنّ الكلمة جعلته محلاَ، ولذا قالوا جوهران، وأقنومان إلى غير ذلك، وإذا تقرّر اختلافهم كذلك صح حينثذ أن يراد من قوله، ولا تقولوا ثلاثة، ولا تقولوا هو جوهر واحد ثلاثة أقانيم، وأن يحمل بقية الآيات على ما قالوه قال، وقولهم ثلاثة أي مستوون في الألوهية كما يقال في العرف عند إلحاق اثنين بواحد في وصف هم ثلاثة أي أنهما شبيهان به، والأقنوم بضم الهمزة بمعنى الأصل، وهي لغة يونانية، وجمعها أقانيم، وقوله: الهين من دون الله أي الهين غير الله فيكونون معه ثلاثة. فلا يقال إنه لا دليل فيها على التثليث المدعي. قوله: (لا تعدد فيه بوجه ما) ذاتا وغيره كالقول بالأقانيم وقوله: (تسبيحاً) إشارة إلى أنه منصوب على المصدر كما مر تحقيقه وقوله: (من أن يكون) إشارة إلى أنّ في الكلام حرف جر مقدر، وهو من أوعن كأنه قيل نزهوه من أن يكون أوعن أن يكون له ولد، وفي محل أن، والفعل حينئذ وجهان النصب، والجر يعني أنّ الولد يشابه الأب، ويكون مثله، والله منزه عن النظير والمثيل، وأيضا الولد إنما يطلب يكون قائما بعده مقامه إذا عدم، ولذا كان التناسل، والله تعالى باق لا يطرق ساحته الفناء فلا يحتاج إلى ولد وقوله: ﴿له ما في السموات﴾ الخ دليل آخر على نفي الولد لأنه مالك لجميع الموجودات، ولو كان له ولد لكان مثله في المالكية فلا يكون مالكا لجميعها، وكذا كفايته في الحفظ لأنّ الوكيل بمعنى الحافظ لأنّ من وكل إليه شيء يحفظه كما مرّ فإذا استقل في ذلك لم يحتج إلى الولد فإنّ الولد يعين أباه في حياته، ويقوم مقامه بعد وفاته، والله تعالى منزه عن كل هذا فلا يتصور له ولد عقلا، ويكون افتراؤه جهلاً وحمقا. قوله: (لن يأنف من نكفت الدمع الخ) الأنفة الترفع والتكبر والاستنكاف استفعال من النكف، وأصله كما قال الراغب: من نكفت الشيء نحيته وأصله تنحية الدمع عن الخد بالأصبع، وبحر لا ينكف لا ينزح انتهى، ومنه قوله فلم ينكف لعينيك مد مع وقيل النكف قول السوء يقال ما عليه في هذا الأمر نكف، ولا وكف واستفعل فيه للسلب قاله المبرد: وفي الأساس استنكف منه، ونكف امتغ، وانقبض أنفاً وحمية، وقال الزجاج: الاستنكاف تكبر في تركه أنفة، وليس في الاستكبار ذلك. قوله: (من أن يكون الخ) إشارة إلى تقدير الجار لأنه يقال استنكف

стр. 982

منه وعنه والعبودية لله شرف وأيّ شرف كما قال الشاعر: ومما زادني شرفا وتيها وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك ياعبادي وجعلك خيرخلقك لي نبيا قوله: (وروي أنّ وفد نجران الخ) هذا نقله الواحديّ رحمه الله تعالى في أسباب النزول عن الكلبيّ رحمه الله تعالى. قوله: (عطف على المسيح) هذا هو الظاهر، وفيه وجوه أخر، وهو أن يكون عطفاً على الضمير المستتر في يكون أو عبداً لأنه صفة، ولذا يقال هو عبد أبوه، ويكون وصفهم بكونهم عبداً لأنّ المراد، ولا كل واحد منهم أن يكون عبدا لفه لا هو له وصف مقدر بقرينة الملفوظ أي، ولا الملائكة أن يكونوا عبيداً لذ أو هو من عطف جملة على جملة، وعلى الوجوه السابقة من عطف مفرد على مفرد فهو فاعل فعل مقدر هو ومعموله كما صرح به، وقول المصنف رحمه الله تعالى أي ولا يستنكف الخ تقرير لمحصل المعنى، واشارة إلى تقدير متعلق الفعل معه نلا يرد عليه أنه يقتضي تقدير الفعل ومتعلقه فلا يكون معطوفا على المسيح بل من عطف الجمل كما مرّ وترك المصنف رحمه الله تعالى هذه الاحتمالات لأنّ المعنى على عطفه على المسيح بل إعادة لا تعين عطفه، ولذا قال صاحب التقريب أن غيره ليس بصحيح فتدبر. قوله: (واحتج به من زعم فضل الملافكة الخ) هذه المسألة مفصلة في الكلام، ووجه الاستدلال ظاهر لأنّ الذي تقتضيه قواعد المعاني وكلام العرب الترقي من الفاضل إلى الأفضل فيكون المعنى لا يستنكف المسيح، ولا من هو فوقه كما يقال لن يستنكف من هذا الأمر الوزير، ولا السلطان دون العكس لكته قيل إنه لا يفيد إلا الفوقية في المعنى الذي هو مظنة الاستنكاف، والترفع عن العبودية، وهو هنا بزعم النصارى الروحانية التي فيه من جهة أنه لا أب له، وكمال القدرة، والتأييد الذي به يحيي الموتى، ونحوه، وهذا في الملائكة أقوى لأنهم لا أب لهم، ولا أمّ ولهم بإذن الله من قوة قلع الجبال، ومزاولة مضاعف الأعمال، والتصرف في الأهوال، والأحوال ما يقل في جنبه الأحياء، والإبراء وهم مع ذلك لا يستنكفون عن العبودية فكيف بعيسى ﷺ ولا دلالة لهذا على الأفضلية المختلف فيها كما يشهد به الذوق إذ هي كثرة الثواب كما قرروه، وقد وجهوا كل ما ورد فيه ما يقتضي الأفضلية بنحوه، وأجروه على هذا النمط. قوله: (وجوابه أن الآية للرد على عبدة المسيح والملافكة الخ) يعني سوق الآية، وان كان للرد على النصارى لكنه أدمج فيه الرد على عبدة الملائكة المشاركين في رفع بعض المخلوقين عن مرتبة العبودية إلى درجة المعبودية، وادعاء انتسابهم إلى الله بما هو من شوائب الألوهية، وخص المقربون لأنهم كانوا يعبدونهم دون غيرهم وردّ هذا الجواب بأنّ هذا لا ينفي فوقية الثاني كما هو مقتضى علم المعاني، ولا ورود له لأنه يعلم من التقرير دفعه لأن المقصود بالذات أمر المسيح فلذا قدم، ولو سلم أنه لا ينفي الفوقية فهو لا يثبتها كما إذا قلت ما فعل هذا زيد ولا عمرو وهو يكفي لدفع حجة الخصم، وأما كون السياق، والسباق يخالفه فليس بشيء لأنّ المجيب قال إنه إدماج واستطراد. قوله: (وإن سلم اختصاصها بالنصارى فلعله أراد الخ) يعني أنّ مجموع الملائكة أفضل من عيسى، واخوانه من الأنبياء، والمرسلين، والكلام إنما هو في تفضيل الآحاد على الآحاد، وفي الانتصاف فيه نظر لأنّ مورده إذا بني على أنّ المسيح أفضل من كل واحد من آحاد الملائكة فقد يقال يلزمه القول بأنه أفضل من الكل كما أنّ نبينا محمداًءلمجحر لما كان أفضل من كل واحد من آحاد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كان أفضل من كلهم كما مر، ولم يفرق بين التفضيل على التفصيلى، والتفضيل على الجملة أحد ممن صنف في هذا المعنى، وقد كان طار عن بعض المعاصرين فضله بين التفضيلين، ودعوى أنه لا يلزم منه على التفصيل تفضيل على الجملة، ولم يثبت عنه هذا القول، ولو قاله أحد فهو مردود بوجه لطيف، وهو أنّ التفضيل المراد جل أماراته رفع درجة الأفضل في الجنة، والأحاديث متظافرة بذلك وحينئذ لا يخلو إمّا أن ترتفع درجة واحد من المفضولين على من اتفق أنه أفضل من كل واحد منهم أولاً ترفع درجة أحد منهم عليه لا سبيل إلى الأول لأنه يلزم منه رفع المفضول على الأفضل فيتعين الثاني، وهو

стр. 983

ارتفاع درجة الأفضل على درجات المجموع ضرورة فيلزم ثبوت أفضليته على المجموع من ثبوت أفضليته على كل واحد منهم قطعاً انتهى فقد علمت الفرق بين هذا، وبين ما مثل به، وكذا ما قيل في الجواب الآخر ونحوه من أنّ هذه الدلالة إنما تكون بعد سبق العلم بالأفضلية كما في حديث السلطان، والوزير دون مجرد النظر في التركيب كما في لا يفعله زبد ولا عمرو، وفي إثبات الأفضلية بهذا شبه دور، ولو سلم نفي أفضلية المجموع دون كل واحد من المقربين لا جنس الملك على جن! البشر المتنازع فيه، ورد بأنّ المدعي أنّ في مثل هذا الكلام مقتضى قواعد المعاني الترقي من الأدنى إلى الأعلى دون العكس أو التسوية، وقد عرفت أن الحكم في الجمع المعرف باللام على الآحاد سيما قبل الحكم بعدم الاستنكاف ومدعاه ليس إلا دلالة الكلام على أنّ الملك المقرب أفضل من عيسى ﷺ ، وهذا كاف في إبطال القول بأنّ خواص البشر أفضل من خواص الملك فالجواب الحق ما سبقت الإشارة إليه في صدر الكلام فاحفظه. قوله: (وهم الكروبيون الخ) في " كتاب الحبائك " قيل: ملائكة الحرمة هم الروحانيون بفتح الراء من الروح، وقيل الروحانيون بالضم والفتح مطلق الملائكة، والكروبيون ملائكة العذاب من الكرب قاله البيهقيّ وغيره وفي الفائق الكروبيون سادة الملائكة منهم جبرائيل، وميكائيل، واسرافيل، وهم المقربون من كرب إذا قرب وهو المراد هنا، وفي تذكرة التاج ابن مكتوم سئل أبو الخطاب بن دحية عن الكروبيين هل يعرف في اللغة أم لا فقال الكروبيون بفتح الكاف، وتخفيف الراء سادة الملائكة، وهم المقربون من كرب إذا قرب، وأنشد أبو عليّ البغدادي: كروبية منهم ركوع وسجد وقال الطيبي رحمه الله تعالى: فيه ثلاث مبالغات إحداها أنّ كرب أبلغ من قرب الثانية أنه على وزن فعول من صيغ المبالغة الثالثة زيادة الياء فيه للمبالغة كأحمريّ، وقوله: باعتبار التكثير دون التكبير الأوّل بالمثلثة، والثاني بالموحدة، ومعناهما ظاهر وقوله، والنزاع فيه المشهور أنّ خواص البشر أفضل من خواص الملك فتأمل. قوله: (والاستكبار الخ) قد مر الفرق بينهما المنقول عن الراغب، ولكون التكبر يكون بالاستحقاق وصف الله به. قوله: (فيجازيهم الخ) إشارة إلى أنّ المقصود من الحشر المجازاة، ولذا قال في تفصيله أنه تفصيل للمجازاة العامة وهذا دفع لما يتوهم من عدم مطابقة المفصل للمجمل إذ المجمل لم يذكر فيه إلا المستنكفون فأشار إلى الجواب بوجهين الأول أنه تفصيل لما علم صريحاً وضمناً لأن المقصود سيحشرهم وجميع العباد فيكون لفاً ونشرا تقديريا، والثاني أنه تفصيل للجزاء، وأنه بتعديهم، وتحسرهم بما يشاهدونه من نعيم غيرهم. وفي الكشاف فإن قلت التفصيل غير مطابق للمفصل لأنه اشتمل على الفريقين، والمفصل على فريق واحد قلت: هو مثل قولك جمع الإمام الخوارج فمن لم يخرج عليه كسا.، وحمله ومن خرج عليه نكل به، وصحة ذلك لوجهين أحدهما أن يحذف ذكر أحد الفريقين لدلالة التفصيل عليه ولأنّ ذكر أحدهما يدل على ذكر الثاني كما حذف أحدهما في التفصيل في قوله عقيب هذا فأمّا الذين آمنوا بالله واعتصموا به، والثاني، وهو أنّ الإحسان إليهم مما يغمهم فكان داخلاً في جملة التنكيل بهم فكأنه قيل، ومن يستنكف عن عبادته، ويستكبر فسيعذب بالحسرة إذا رأى أجور العاملين وبما يصيبه من عذاب الله، وقال النحرير الجواب هو الأوّل، والثاني غير مستقيم لأنّ دخول أما على الفريقين لا على قسمي الجزاء. قوله: (عني بالبرهان المعجزات الخ) لأنّ البرهان الحجة، وهي حجة قاطعة، والقرآن مبين طرق الهداية فهو نور على الاستعارة، ودلائل العقل الخ لف، ونشر مرتب. قوله:) ثواب قدّره الخ) إنما فسره بالثواب المقدر لعطف فضل عليه، والرحمة حقيقة والتجوّز في كلمة في لتشبيه عموم الثواب وشموله بعموم الظرف، ولو فسر بالجنة كما فسر. به بعضهم كان التجوّز في المجرور دون الجار، وأشار إلى أنّ تسمية الثواب رحمة لأنه بمقتضى الإحسان لا الوجوب عليه كما هو مذهبنا. قوله: (ويهديهم إليه الخ) هذا الضمير إمّا عائد على الله، ومعنى الهداية إليه الهداية إلى عبادته أو على جميع ما قبله باعتبار أنه موعود أو على الفضل، وصراطا مستقيما مفعول ثان بناء على تعدي هدى إلى

стр. 984

مفعولين حقيقة أو بتضمين بعرفهم أو مفعول فعل مقدّر أو منصوب على الحال واليه متعلق بمقدر أي مقرّبين إلنه أو مقرّبا إياهم إليه على أنه حال من الفاعل أو المفعول، وقيل هو حال من صراطا، وليس لقولنا يهديهم إلى طريق الإسلام إلى عبادتا. كبير معنى فالأوجه أن يجعل صراطا بدلاً من إليه، وقيل عليه أنّ قولنا يهديهم طريق الإسلام موصلا إلى عبادته معناه واضح، ولا وجه لكونه بدلاً من الجار والمجرور فتأمل. قوله: (حذف لدلالة الجواب الخ) وجهه ظاهر، وهو من التنازع، وأعمل الثاني، وفيه نظر وما روا ٥ مروقي في السنة وقوله: وهي آخر ما نزل في الأحكام أي هذه الآية آخر آية نزلت متعلقة بالأحكام كما أنّ آخر ما نزل سورة براءة كما ذكره المحذثون. قوله: (وليس له ولد صفة له أو حال الخ) منع الزمخشريّ الحالية مطلقاً ولم يبين وجهه، ووجهه أنه إمّا حال من امرؤ، وهو نكرة مجيء الحال منها خلاف الظاهر إذ المتبادر في الجمل الواقعة بعد النكرات أنها صفات، وأمّا جملة هلك فمفسره لا محل لها من الإعراب على ما اشتهر في النحو وان جوّز بعضهم فيها أن تكون صفة والزمخشريّ لم يلتفت إليه لما بين جعله صفة، ومفسراً من التنافي لأنّ المفسر غير مقصود من الكلام، والصفة، وقيود المسند إليه محط الفائدة مع أن المفسر إذا كان مضارعاً ورد جزمه، وهو يعين كونه غير صفة، وأما جعله حالاً من الضمير المستتر كما قاله المصنف: وسبقه إليه أبو البقاء فقيل عليه أنّ المفسر غير مقصود حتى ادعى بعضهم أنه لا ضمير فيه لأنه تفسير لمجرد الفعل بلا ضمير وان ردّ بقوله تعالى: ﴿قل لو أنتم تملكون﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٠٥ ا] وفي البحر أنه ممتنع لأنّ المسند إليه في الحقيقة الاسم الظاهر الذي هو فاعل الفعل المحذوف فالذي ينبغي أن يكون التقييد له وإذا دار الاتباع والتقييد بين مؤكد، ومؤكد فالوجه أنه للمؤكد بالفتح إذ هو معتمد الإسناد، وقال السفاقسي أنّ هذا مرجح لا موجب، وأما إذا كان ليس له ولد صفة فلا يضر الفصل بينها وبين موصوفها بالمفسر لأنها تأكيد له، والفاء في فلها واقعة في جواب الشرط، وقوله: وابن الأمّ لا يكون عصبة لأنّ ذكورهم، واناثهم في القسمة، والاستحقاق سواء لإدلائهم بالام كما تقرّر في الفرائض وعلم بدليل آخر. قوله: (والولد على ظاهره) أي مخصوص بالذكر لا ما يشملهما فانه مشترك بينهما اشتراكا معنويا، وقد وقع في سياق النفي لأنّ الذكر هو المتبادر منه، وقد عضده الدليل، وفيه نظر لما قيل إنه تخصيص من غير مخصص والتعليل بأنّ الابن يسقط الأخت دون البنت ليس بسديد لأنّ الحكم تعيين النصف، وهذا ثابت عند عدم الابن والبنت غير ثابت عند وجود أحدهما أما الابن فلأنه يسقط، وأما البنت فلأنها حينئذ تصير عصبة لا يتعين لها فرض نعم يكون نصيبها مع بنت واحدة النصف بحكم العصوبة لا الفرضية فلا حاجة إلى تفسير الولد بالابن لا منطوقا، ولا مفهوما، وأيضاً الكلام في الكلالة، وهو من لا يكون له ولد أصلاً ولا والد والولد مشترك معنويّ في سياق النفي فيعم فلا بد للتخصيص من مخصص، وكذا فيما بعده فتأمّل فالولد عند ابن عباس ﵄ عامّ لهما إذ لا ترث البنت مع الأخت عنده، وعند الجمهور ترث لكن ذلك بالعصوية بالغير، وقوله: (لا ترث النصف) أي بطريق الفرضية لا بد من هذا القيد، وهو مراد. إذ قد ترث البنت النصف كما إذا ترك بنتاً وأختاً كما نبه عليه بعض أهل الفرائض، وقوله: إن كان الأمر بالعكس أي إن ماتت وتركته. قوله: (ذكرا كان أو أنثى الخ) فإن قيل هما شرطان ذكر كل واحد منهما في حادثة فإن قام الدليل على أنّ المراد باحدهما الذكر لم يتبين أنّ المراد بالثاني الذكر قيل لش كذلك بل الكل شرط واحد لأنه ذكر أوّلاً إذا كان الأخ هو الميت فجعل للأخت النصف ثم قلب المسألة فجعل الأخت ميتاً والأخ هو الوارث فجعل له جميع المال فهذا يبين أنّ الشرط واحد وهو عدم الولد ثم المراد في أحد الموضعين الذكر دون الأنثى فكذلك في الاخر وفيه نظر. قوله: (والآية كما لم تدل على سقوط الأخوة بغير الولد الخ) عدم دلالتها على السقوط بغير الولد ظاهر للسكوت عنه، وكذا دلالتها على عدم السقوط به أي بغير الولد كالأب فإنّ الكلالة فسرت بمن لا ولد له ولا والد كما مرّ، وأمّا ما قيل إنه فيه بحث ظاهر لأنّ الإطلاق في جعله وارثا على تقدير عدم الولد دليلى ظاهر على عدم السقوط بالغير فمدفوع بأنه مسكوت

стр. 985

عنه والسنة دلت على خلافه فقوله: وقد دلت السنة الخ جملة حالية مبينة لدفع هذا التوهم. قوله: (وكذا مفهوم قوله الله يفتيكم في الكلالة إن فسرت بالميث) إشارة إلى ما مرّ من الاختلاف في تفسيرها إذ حينئذ تكون الكلالة من لم يخلف ولداً ولا والداً، وأورد عليه أنّ التعرض لعدم الولد مع اشتمال مفهوم الكلالة على الوالد أيضاً يشير إلى أنّ المانع عن الإرث الولد لا الوالد، والا فتخصيصه بالنفي ليس بظاهر، وجوابه يعلم من الفرائض فإنه وقع الاتفاق عليه لكنه لا بد من نكتة لتخصيص! الولد بالنفي وما قيل إنه ذكر أحد الجزأين لينتقل الذهن منه إلى الجزء الآخر غير ظاهر فانظره. قوله: (الضمير لمن يرث بالأخوّة الخ) جواب سؤال مشهور، وهو أنّ الخبر لا بد أن يفيد غير ما يفيده المبتدأ، ولهذا لا يصح سيد الجارية مالكها، وضمير التثنية دال على الاثنينية فلا فائدة في الأخبار باثنتين، وقد دفع بوجوه منها ما ذكره الأخفش من أنّ الأثنينية تدل على مجرّد التعدد من غير تقييد بكبر وصغر أو غير ذلك من الأوصاف فكأنه قيل إنهما يستحقان ما ذكر بمجرّد التعدد من غير اعتبار أمر آخر وهذا مفيد وردّ بأنّ ضمير التثنية يدل على ذلك أيضا فعاد السؤال. وروى مكيّ عنه أيضا، وهو الذي ارتضاه الزمخشريّ، وتبعه المصنف ﵀ بأنه حمل على معنى من يرث وأنّ أصله، وتقديره إن كان من يرث بالأخوّة اثنتين، وان كان من يرث ذكوراً واناثا، وإنما قيل كانتا وكانوا المطابقة الخبر كما قيل من كانت أمك فأنت ضمير من لتأنيث الخبر كما ثني وجمع هنا وردّ بأنه غير صحيح، وليس نظير من كانت أمك لأنه صرح فيه بمن، وله لفظ، ومعنى فمن أنت راعي المعنى لأنه أم ومدلول الخبر فيه مخالف لمدلول الاسم بخلاف ما نحن فيه فإنّ مدلوليهما واحد ولم يؤنث في من كانت أمك لمرعاة الخبر إنما أنث لمعنى من إذ أريد بها مؤنث كما تقول من قامت، ولا خبر فيه، ولا يخفى وروده، وان قيل إنه تحامل عليه كما هو عادته، وقيل إنّ الخبر له صفة مقدرة بها تتم الفائدة أي فإن كانتا اثنتين من الأخوات ومثل ذلك جائز، وقيل اثنتين حال مؤكدة، والخبر محذوف أي له بدلالة قوله وله أخت عليه. قوله: (فنلب المذكر) بقرينة قوله رجالاً ونساء، وقيل هو اكتفاء. قوله: ( ﴿يبين الله لكم ضلالكم﴾ الخ) هذه الوجوه الثلاثة ذكرها قدماء المفسرين، وهي إبقاؤه على ظاهره، وتبيين الضلال والشر إرشاد إلى الهدى، والخير أو حذف مضاف أي كراهة أن تضلوا أو حذف الجارّ، ولا النافية ورجح الأوّل بأنه من حسن الختام، والالتفات إلى أوّل السورة وهو ﴿يا أيها الناس اثقوا ربكم﴾ فإنه أمرهم بالتقوى، وبين لهم ما كانوا عليه في الجاهلية، ولما تم تفصيله قال لهم إني بينت لكم ضلالكم فاتقوني كما أمرتكم فإنّ الشر إذا عرف اجتنب، والخير إذا عرف ارتكب، وقوله: (فهو عالم بمصالح العباد في المحيا والممات) إشارة إلى أنه عائد على ما مرّ من أمر الميراث، وما يتعلق بالأحياء، والأموات. قوله: (من قرأ سورة النساء الخ) هذا حديث موضوع مفترى على أني بن كعب ﵁ كما ذكره المحدثون ووجه تصدقه على كل وارث لأنه تلي ما يبنن الانصباء فكان له أجر ذلك وقوله: (وأعطى من الأجر كمن اشترى محرّرا) أي كأجر من اشترى عبداً ليحرّره فسماه محرّراً باعتبار المآل، وقوله: وبرئ من الشرك ليس معطوفاً على مدخول كإنما بل على مفهوم ما قبله أو على مقدر أي أعطاه الله هذا الثواب، وجعله بريئأ من الشرك، وآمناً من سوء الخاتمة وقوله: (وكان في مشيئة الله الخ) أي في تقديره وارادته معفوّا عنه مغفوراً له اللهم إنا نسألك حسن الخاتمة، والعفو والمغفرة، وأن توفقنا لفهم كلامك، وتشرح صدورنا بعوائد إحسانك وانعامك. سورة المائدة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ السورة مدنية إلا قوله: ﴿كملت لكم دينكم﴾ الخ فإنها نزلت في مكة، وفي عددها اختلاف فقيل مائة واثنان، وقيل ثلاث وعشرون. قوله: (الوفاء هو القيام بالعهد الخ) أي حفظ ما يقتضيه العهد، وهو يستعمل ثلاثياً، ومضاعفا، ومزيدا يقال وفى ووفي وأوفى بمعنى لكن في المزيد مبالغة ليست

стр. 986

في المجرد وإليه أشار المصنف ﵀، وأصل معنى العقد الربط محكماً ثم تجوّز به عن العهود، وعقود المعاملات، وقوله: الموثق بالتشديد، والتخفيف. قوله: (قال الحطيئة الخ) هو شاعر معروف، والبيت من قصيدة له في مدح بني أنف الناقة قوم من العرب كانوا يعيرون بهذا اللقب فلما قال فيها: قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ومن يسوّي بأنف الناقة الذنبا صاروا يفتخرون به قال شراح الكشاف وفي البيت إشارة إلى كون العقد بمعنى العهد مستعاراً من عقد الحبل على الدلو حيث رشح بذكر الحبل والدلو، وما يتعلق بهما، والعناج بوزن كرام حبل يشدّ في أسفل الدلو ثم يمتد إلى العراقي بفتح العين، والراء والقاف ليكون عونا لها وللوذم فإذا انقطعت الأوذام أمسكها العناج، والعرقوتان خشبتان معترضتان على الدلو الجمع عراقي، والأوذام السيور التي بين أذناب الدلو وأطراف العراقي، والكرب بفتحتين الحبل الذي يثد في وسط العراقي، ثم يثنى ويثلث ليكون هو الذي يلي الماء فلا يعفن الحبل الكبير، ويقال لمن يحكم أمراً وببالغ فيه يملأ الدلو إلى عقد الكرب وخص العقد بالجار لأنه هو المعروف بينهم في العقد لمن نزل بجوارهم وبه يتمذحون، والقصيدة كان سببها ذلك فلا وجه لما قيل لو قال لغيرهم لكان أبلغ، والمستعار في البيت عقد الحبل على الدلو، والمستعار له العهد والميثاق، وما بعده ترشيح، وإنما جعلوا المستعار ذلك، وان كان العقد فيه مطلقا لتبادره ولأنه لولا ذلك لم يترتب جواب إذا على الشرط، ومن غفل عنه قال لا وجه لتقييده بما ذكر. قوله: (وأصله الجمع بين الشيئين الخ) قال الراغب: العقد الجمع بين أطراف الشيء، ويستعمل في الأجسام الصلبة كعقد الحبل وعقد البناء. قوله: (ولعل المراد بالعقود الخ) أي المراد بها ما يلزم الوفاء به أو يستحب مما عقده الله أو العباد كالمعاملات، والنذور لأنه جمع محلى باللام فيعم، والأمر في قوله أوفوا لمطلق الطلب ندبا أو وجوبا ويدخل فيه اجتناب المحرمات، والمكروهات، واختاره لأنه أوفق بعموم اللفظ، وأوفى بعموم الفائدة وقيل الحمل على تحليل الحلال أي اعتقاد حله، والعمل على وفقه وتحريم الحرام كذلك أظهر نظرا إلى ما يشعر به سوق الكلام من الإجمال، والتفصيل لا يقال السورة مشتملة على أمّهات التكاليف في الأصول، والفروع لا تختص بالتحليل، والتحريم، وكفى بقوله: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى واعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ فلا يلزم حصر المجمل على التحليل، والتحريم، ولو سلم فليكن من التفريع على الأصل لا التفصيل للمجمل كما تقول امتثلوا أوامر الله أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وصوموا رمضان لأنا نقول ما وقع في معرض! التفصيل هو التحليل، والتحريم وظاهر أن ليس جميع السورة كذلك، وأنّ المذكور بالتفصيل أوقع منه بالتفريع. قوله: (تفصيل للعقود الخ الما مرّ من عمومه، وشموله لها وإنه المتبادر لا التفريع والبهيمة من ذوات الأرواح ما لا عقل له مطلقاً أو ذوات الأربع، وقال الراغب أنه خص في المتعارف بما عدا السباع، والطير وفي العقود خمسة أقوال للمفسرين فقيل العهود، وقيل: حلف الجاهلية، وقيل ما عقد. الله وبعضهم مع بعض، وقيل النكاح، والشركة واليمين والعهد، والحلف والبغ، وقيل الفرائض، وقيل جميع ما ذكر ورجحه بعضهم واليه ذهب المصنف ﵀. قوله: (وإضافتها إلى الأنعام للبيان الخ) قيل البهيمة اسم جنس والأنعام نوع منه فإضافتها إليه كإضافة حيوان إنسان، وهي مستقبحة، وأجيب بوجهين أنّ المراد من البهيمة، والأنعام شيء واحد، وإضافتها إليها على معنى من البيانية أي البهيمة التي هي الأنعام كقوله: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان﴾ [سورة الحجر، الآية: ٣٠، أي الرجس الذي هو الأوثان، ولا استدراك في ذكر عامّ وتخصيصه أو المراد بالبهيمة الظباء وبقر الوحش، ونحوهما، واضافتها إلى الأنعام لملابسة المشابهة بينهما، وجوّز النحرير في إضافة المشبه للمشبه به كونها بمعنى اللام على جعل ملابسة الشبه اختصاصاً بينهما أو بمعنى من البيانية على جعل المشبه نفس المشبه به، وفيه بحث لأنّ ذكر النوع أو الفرد بعد الجنس لا فائدة فيه، واضافته إليه لغو ومستهجنه كحيوان إنسان أو إنسان زيد، وقوله المراد من البهيمة والأنعام شيء واحد إن أراد قبل الإضافة فليس كذلك، وإن أراد بعدها فكذا إنسان زيد مع أنه بالآخرة يكون

стр. 987

من إضافة الشيء لنفسه فالحق في الجواب أن يقال إضافة العام للخاص إذا صدرت من بليغ، وقصد بذكره فائدة فحسنة كمدينة بغداد فإنّ لفظ بغداد لما كان غير عربي لم يعهد معناه أضيف إليه مدينة لبيان مسماه وتوضيحه، وكشجر الأراك لما كان الأراك يطلق على قضبانه أضيف لبيان المراد، وهكذا وإلا فلغو زائد مستهجن ولذا ترى النحرير يستحسنها تارة فيمثلها بشجر الأراك ويستقبحها أخرى فيمثلها بإنسان زيد وهنا لما كان الأنعام قد يختص بالإبل إذ هو أصل معناه، ولذا لا يقال النعم إلا لها أضميف إليه بهيمة إشارة إلى ما قصد به من العموم، وللنحاة في مثل هذه الإضافة اختلاف فمن اشترط العموم، والخصوص من وجه في الإضافة البيانية قال إنها لامية، ومن لم يشترطه قال إنها بيانية كما ذكره في شرح الهادي فلا يرد ما قيل اشترط في الإضافة بمعنى من كون المضاف إليه جن! المضاف كالفضة للخاتم، وههنا الأمر بالعكس، ومن في البهيمة من الأنعام لا تكون إلا بيانية، وفي خاتم من فضة بيانية أو تبعيضية أو ابتدائية وإذا كان من إضافة المشبه للمشبه به فالأمر ظاهر، وبهذا اندفع قول الإمام ﵀ أنه لو قال أحلت لكن الأنعام لكان الكلام تاماً بدليل وروده في آية أخرى فأيّ فائدة في زبادة لفظ البهيمة، وكذا قوله إن لفظ البهيمة مفرد، والأنعام جمع فما الفائدة في ذكره لأنه قصد به بيان الجنس فلذا أفرد، وجمع الأنعام ليشمل أنواعها، وللعلامة جواب عنه تركناه لما فيه، وقوله: كل حيّ لا يميز أي ليس من شانه التمييز فلا يرد الصبيّ كما توهم، والاجترار افتعال من الجرّة بالكسرة، وهي ما يخرجه البعير من كرشه، وبعض الحيوانات من جوفه يتعلل به إلى وقت العلف وقوله: (وعدم الآنياب) جمع ناب، وهو سن يختص بسباع الحيوان ولذا يكنى عنها بماله ظفر وناب، وأخر قوله ونحوهما عن قوله المراد كما في الكشاف لأنه المحتاج للبيان فتأمّل. قوله ة) ١ لا محرم ما يتلى لخ) اختلف في هذا الاستثناء فقيل منقطع لأنّ المتلوّ لفظ، والمستثنى منه ليس من جنسه، والمصنف ﵀ تبعاً للعلامة على أنه متصل مستثنى من بهيمة الأنعام بتقدير مضاف محذوف من ما يتلى عليكم، وهو محرم ليكون عبارة عن البهائم المحرّمة بقوله: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ الخ ونحوه أو من فاعل يتلى أي يتلي آية تحريمه لتكون ما عبارة عن البهيمة المحرّمة لا اللفظ المتلو قال النحرير، ولا يبعد اعتبار التجوّز في الإسناد من غير تقدير، وأمّا جعله مفرّغا من الموجب في موقع الحال أي إلا كائنة على الحالات المتلوّة فبعيد جداً، والمستثنى منصوب، ويجوز رفعه كما تقرّر في النحو. قوله: (حال من الضمير في لكم الخ) في الكشاف نصب على الحال من الضمير في لكم أي أحلت لكم هذه الأشياء لا محلين الصيد وعن الأخفش أن انتصابه عن قوله أوفوا بالعقود وقوله: ﴿وأنتم حرم حال عن محلى الصيد﴾ كأنه قيل أحللنا لكم بعض الأنعام في حال امتناعكم من الصيد وأنتم حرم لئلا نخرّج عليكم، والوجه هو الأؤل وإليه ذهب الجمهور، ولا يرد عليه ما قيل إنه يلزم تقييد إحلال بهيمة الأنعام بحال انتفاء حل الصيد، وهم حرم، وهي قد أحلت لهم مطلقا، ولا يظهر له فائدة إلا إذا عنى بها الظباء وحمر الوحش، وبقره لأنه مع عدم اطراد اعتبار المفهوم يعلم منه غيره بالطريق الأولى لأنها إذا أحلت في عدم الإحلال لغيرها، وهم محرمون لدفع الحرج عنهم فكيف في غير هذه الحال فيكون بيانا لأنعام الله عليهم بما رخص لهم من ذلك، وبياناً لأنهم في غنية عن الصيد، وانتهاك حرمة الحرم، والعجب أنّ عبارة الكشاف صريحة فيه، ولم يعرّح عليه أحد من شراحه، وقد تنبه له في الكشف لكنه لم ينقحه. قوله: (وقيل من واو أوفوا) هذا قول الأخفش إنه حال من فاعل أوفوا، ولا يخفى ضعفه لما فيه من الفصل بين الحال وصاحبها بجملة ليست اعتراضية إذ هي مبينة، وتخلل بعض أجزاء المبين بين أجزاء المبين، ولا وجه للتقييد به مع أنهم مأمورون بالوفاء مطلقا، والتوجيه السابق لا يجري فيه كما لا يخفى ان قيل إنه أقرب معنى، وان كان أبعد لفظاً لأنّ جعله حالاً من ضمير لكم إنما يصح إذا أريد ببهيمة الأنعام الظباء، وأما إذا أريد الأنعام المستثنى منها البعض على ما صرح به ففيه تقييد الإحلال بهذه الحال وليس كذلك لما علمت من أنه على طرف الثمام، ثم تكلف له ما عبارته منادية على خلافه فقال: ويمكن دفعه

стр. 988

بأن المراد بالأنعام أعم من الإنسي، والوحشيّ مجازاً أو تغليبا أو دلالة أو كيف شئت واحلالها على عمومها مختص بحال كونكم غير محلين للصيد في الإحرام إذ معه يحرم البعض، وهو الوحشيّ، وأما جعله حالاً من فاعل أحللنا المدلول عليه بقوله أحلت لكم، وششلزم جعل، وأنتم حرم أيضا حالاً من مقدر أي حال كونكم غير محلين الصيد في حال إحرامكم فليس ببعيد إلا من جهة انتصاب حالين متداخلين من غير ظهور ذي الحال في اللفظ، وترجيحه بأنّ التحليل، والتحريم شأن الثارع دون المكلفين ليس بشيء لأنّ معناه تقرير الحل، والحرمة عملاً، واعتقاداً، وهو سائغ في الكتاب، والسنة. (أقول الا يخفى ما في هذا الوجه الذي رجحه من الضعف من جهة العربية فمانّ الفاعل الذي ناب عنه مفعوله ترك نسيا منسياً، وقد نص النحاة على أنك لو قلت أنزل الغيث مجيباً لدعائهم على أنه حال من فاعل الفعل المجهول المتروك إذ تقديره أنزل الله الغيث حال إجابته لدعائهم لم يجز لا سيما على مذهب القائلين بأنّ المبنيّ للمفعول صيغة أصلية ليست محوّلة عن المعلوم، وأيضا لا وجه للتقييد كما أورده على الوجه الذي قبله مع أنّ محلى صيغة جمع كما هو في الرسم العثماني بالياء فكيف يكون حالاً من الله فكأنّ قائلة زعم أنه محل من غيرياء أو أنه رسم بالياء على خلاف القياس كما في البحر ولا يخفى حاله، ولأبي حيان هنا كلام طويل الذيل فيه تكلف وتعسف تركه خير منه. قوله: (وقيل استثناء وفيه تعسف أليس وجه التعسف فيه أن استعمال غير في الاستثناء غير ظاهر، ولا من تكرير ألاشثناء سواء ترادف أو تداخل بل لفساد المعنى فيه إلا أن يتكلف له ما لا يليق بالنظم القرآني لأنّ المحلين لا يستثنون من البهيمة إن رجع الاستثناء من الأول بل من لكم فيصير المعنى أحلت البهيمة إلا المحلين وهو غير صحيح، وكذا استثناؤه مما قبله فتدبر. قوله: (يعني مناسك الحج جمع شعيرة وهو اسم ما أشعر الخ) قيل أقحم اسم لئلا يتوهم أنه وصف لاشتقاقه، وكونه على وزن الصفات لأنه لم يجر على موصوف، والشعار الإمارة، والعلامة، والأعلام جمع علم بمعناه، وقوله: (التي حدها) إشارة إلى أن تسميتها شعائر كتسميتها حدودا لأنّ الحدود تسمى شعائر أيضاً لما لها من العلامات، وقوله: ولا الشهر الحرام المراد به جنسه، وفسره الزمخشريّ بأشهر الحج لأنه المناسب للمقام، وّجذية بجيم مفتوحة، ودال مهملة ساكنة جمعه تجذيات بالتحريك وتجلإئة بوزن رمية، وجمنة تجدّايا ما يحشى تحت السرح، والرحل وخص الهدي بالذكر، وان كان داخلا في الشعائر لأنّ فيه نفعاً للناس، ولأنه مالي قد يتساهل فيه، وتعظيما له لأنه من أعظمها. قوله: (أي ذوات القلاند) وهي الإبل التي كان يجعل لها شعارا، وهي بعض الهدي خصت بالذكر تشريفا لها أو لا تقدير فيه، والنهي عن التعرض لها مبالغة في النهي عن التعرض له كما في قوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن﴾ فإنهن إذا نهين عن إظهار الزينة كالخلخال، والسوار علم النهي عن إبداء محلها بالطريق الأولى، ومن الغريب ما روي عن السدي في شرح أبي داود من أنّ المراد بالقلائد أصحاب الهدي قال: كان العرب يقلدون من لحاء شجر مكة فيقيم الرجل بمكة حتى إذا انقضت الأشهر الحرم، وأراد أن يرجع إلى أهله قلد نفسه، وناقته من لحاء الشجر فيأمن حتى يأتي أهله انتهى، ولحاء ككساء بلام وحاء مهملة قشر الشجر كلحيته. قوله: (ولا ٧مين البيت الحرام قاصدين الخ) أي، ولا تحلوا أقواما آمّين، وبجوز أن يكون على حذف مضاف أي نعال قوم آمّين أو أذى قوم آمّين، وقرىء شاذاً، ولا آمّي البيت بالإضافة والبيت مفعول به لا ظرف، وأي يثيبهم تفسير لفضلاً ويرضى تفسير ورضواناً، وهو بناء على ظنهم إن كان في حق المشركين كما سيأتي. قوله: (والجملة في موضع الحال من المستكن الخ (هذا رد على الزمخشرفي في جعله جملة يبتغون صفة لآمّين حيث قال في تفسيره أي لا تتعرضوا لقوم هذه صفتهم تعظيماً لهم، واستنكاراً لأن يتعرض لمثلهم، وتبعه أبو البقاء إذ اختار أنّ اسم الفاعل الموصوف لا يعمل لضعف شبهه بالفعل الذي عمل بالحمل عليه لا! الموصوفية تبعد الشبه لأنها من خواص الأسماء، وقد رد بوجهين الأول أنّ الوصف إنما منع من العمل إذا تقدم المعمول كقولك زيدا ضارب قومي فلو تأخر لم يمنع لمجيئه بعد الفراغ من مقتضاه كما صرح به صاحب اللب، وغيره. الثاني: أنّ الزمخشري لم يرد ما فهمه المعترض من

стр. 989

أنّ جملة يبتغون صفة آمّين حتى يرد عليه ما ذكر إذ مراده أنّ آفين، ويبتغون صفتان لموصوف مقدر، وهو قوم دفعا لما يرد عليه من أنّ آمّين إذا كان مفعول لا تحلوا عمل غير معتمد إلا أنه يرد عليه أنه إذا جاز الاعتماد على الموصوف المقدر كان اشتراط الاعتماد لغواً فلا يمتنع العمل في شيء من الصور لأنه ما من اسم فاعل إلا ويصح أن يقدر له موصوف كما قيل. (أقول) هذا زبدة ما هنا من القيل والقال، وليس بمتجه من وجوه الأوّل إن ما ادعاه الفاضل المحقق غير متعين لجواز أن يريد بيان حاصل معنى النظم، وأن لا تحلوا مؤوّل بلا تتعرضوا لأن الحل والحرمة لا تتعلق بالذوات، ولذا قدر في نحو أحل لكم النساء نكاح النساء ويجوز أن يريد ما فهمه المعرب بناء على أن الوصف المتأخر لا يمنع كما مر، وإن كان مثله يمنع مطلقاً كما توهمه صاحب الدرّ المصون حتى ذهب إلى عدم منعه قياساً على المصدر إلا أنه لا وجه له فقد قال في كتاب المواطن لا خلاف في جواز عمله إذا تأخر ولذا جزم به بعضهم هنا فهذا خطأ من المعترض، وغفلة ممن قبله وحاول دفعه بدليل آخر وأما اعتراضه على الزمخشريّ فيما نسبه إليه من الاعتماد على المقدّر بحديث اللغوية الذي سمعته فليس بشيء لأنّ النحاة صرحوا به كما قال في الألفية: وقد يكون نعت محذوف عرف فيستحق العمل الذي وصف وهو، وان توهمه وارداً غير مندفع ليس بشيء لأنه ليس كل اسم فاعل يصح أن يقدر له موصوف إذ يمنع منه موانع معنوية كعدم القرائن، وصناعية كما في نحو قولك ما ذاهب أخو! لأنه لا يصح أن يقدر له موصوف كرجل وشخص لعدم الرابط، وقد صرّحوا في باب النعت بأنّ الموصوف لا يحذف في كل موضع، وأنّ له مواطن يطرد فيها كان يكون الموصوف بعض اسم مجرور بمن أوفى قبله ولذا مثلوا له هنا بقوله تعالى: ﴿ومن الناس والدواب الأنعام مختلف ألوانه﴾ [سورة فاطر، الآية: ٢٨] أي صنف مختلف ألوانه الخ. وإذا كانت الصفة جملة أو ظرفا لا يصح في غير هذا إلا ندوراً أو شذوذاً، وأما قول السهيلي رحمه الله تعالى طريقة حذفه هنا أن يكون الموصوف مندرجا في معنى اسم قبله نحو كم ضارب زيداً لدخوله في معنى كم، وفي غيره لا يجوز فقد قال أبو حيان رحمه الله تعالى: إنه مردود فقوله: إنّ جملة - اه: ٨١١ـ ءا. / -- / - لم،، يبتغون صفة لمقدر فرار من السحاب للوقوف تحت الميزاب فإن قلت: كيف قال: إنه لو لم يقدر الموصوف كان عاملاَ بلا اعتماد مع دخول النفي عليه، وهو لا يختص بما كما صرحوا به قلت هو بناء على ما فهمه من أنّ معنى الاعتماد على النفي أن يسلط عليه، وينفي معناه لا أن يلي لفظه نحو ما قائم أبوك، وهذا ليس كذلك لأنّ تقديره لا تحلوا أمّين البيت فالمنفي الإحلال نعم هذا لا اعتماد عليه فإنه يكفي وقوعه في حيز النفي خصوصاً، والنفي منصب على القيد، وقد صرّحوا بأنّ اعتماده على معنى النفي مطلقاً صريحا كان أو مؤوّلاً، ولم يتعرّضوا هنا للاعتماد لظهوره، وهذا مما يتعجب منه فلا تكن من الغافلين. قوله: (وفائدته استنكار تعرّض من هذا شأنه) أي مطلقاً أو من المسلمين، والمانع له أنه طالب فضل الله، ورضوانه، وقوله: وقيل الخ. فيكون على هذا مخصوصا بالكفرة فالفضل التجارة، والرضوان بزعمهم ولو أبقى الفضل على ظاهره لأنه بزعمهم ضح لكنه لما أمكن حمله على ما هو في نفس الأمر كان حمله عليه أولى، وأورد على هذا التوجيه السابق أنه إذا كان آمّين البيت الحرام المسلمين فالتعرّض لهم حرام مطلقاً سواء كانوا آمّين أو لا فلا وجه لتخصيصهم بالنهي عن الإحلال، وفي المصباح ما تعرّضت له بسوء، وعرضت له بمعنى، وقيل ما صرت له عرضة بالوقيعة فيه، ولا تعرض له بسوء أي لا تعترض له فتمنعه باعتراضك أن يبلغ مراده بمعنى التعرّض للشيء أعم من أخذه، وقتله، وطرده فالإحلال بمعنى جعله حلالاً أو اعتقاد حله كناية أو مجاز عن التعرّض! له لأنّ المؤمن لا يتعرّض لما لا يحل له فلذا فسروه به هنا، وقول الزمخشري السباق قوم هذه صفتهم إشارة إلى أنّ التعليق بالمشتق يفيد علية مبدأ الاشتقاق فالظاهر أنّ العلامة، ومن تبعه أشاروا لهذا لا كما فهمه الفاضل المحقق فافهم. قوله: (إذ روي الخ) حطيم بن ضبيعة أتى من اليمامة إلى المدينة، ولم يسلم بعد عرض الإسلام عليه فلما خرح مرّ بسرح المدينة أي الإبل المسرحة للرعي فاستاقها، وتبعوه فلم يدركوه فلما

стр. 990

خرج رسول الله ﷺ عام قضاء العمرة التي أحصر عنها سمع تلبية حجاح اليمامة فقال هذا الحطيم، وأصحابه فدونكموه، وكان قد قلد ما نهب من السرح، وجعله هديا فلما توجهوا لذلك نزلت هذه الآية وهذا الحديث أخرجه ابن جرير عن عكرمة وسمي الرجل الحطيم بن هند البكري فليحرّر. قوله: (وعلى هذا فالآية منسوخة الخ) إن كان هذا مخصوصاً بالمشركين والمنع عن قتالهم، ودخولهم المسجد الحرام فإنهما نسخا فماذا كان للمسلمين، والمشركين، وخصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ فالنسخ في حق المشركين خاصة، وهو في الحقيقة تخصيص لكن لما كان المخصص متراخياً لا مقارنا سمي ناسخاً كما هو مذهب الحنفية فينبغي أن يحمل كلام المصنف رحمه الله تعالى على الأوّل لأنه شافعي لا يسمى مثله نسخاً فتدبر. قوله: (وقرئ تبتغون على خطاب المؤمنين) هذه قراءة حميد بن قيس الأعرج في الشواذ قيل، وهي قلقة لقوله من ربهم، ولو أريد خطاب المؤمنين لكان المناسب من ربكم، وربهم وقيل ترك التعبير بما ذكر للتخويف بأنه ربهم يحميهم، ولا يرضى بما فعلتموه، وفيه بلاغة لا تخفى، واشارة إلى ما مرّ من أنه الله رب العالمين لا المسلمين فقط فافهم. قوله: (إذن في الاصطياد بعد زوال الإحرام ولا يلزم من إرادة الإباحة الخ) قال الزجاح، ومثله لا تدخلن هذه الدار حتى تؤذي ثمنها فإذا أذيت ثمنها فأدخلها أي إذا أذيت أبيح لك دخولها، وهذه مسألة أصولية فقيل الأمر بعد الحظر يقتضي الإباحة واستدلّ بهذه الآية والمصنف رحمه الله تعالى لا يراه فلذا قال إنّ الأمر هنا للتوسعة، ورفع المنع، والصيد ليس مأموراً به فلا وجه للإيجاب فيه، ولا تكون الآية دليلاً على ما ذكر فإن كان ما يقتضي الإيجاب أو الاستحباب عمل به، ومن قال حقيقته الإيجاب قال إنه مبالغة في صحة المباح حتى كأنه واجب، وقيل إنّ الأمر في مثله لوجوب اعتقاد الحل، وفيه نظر، وتحقيقه في أصول الفقه. قوله: (وقدئ بكسر الفاء الخ) هذه قراءة شاذة منسوبة للحسن، وضعيفة من جهة العربية لأنّ النقل إلى المتحرّك مخالف للقياس وقيل إنه لم يقرأ بكسرة محضة بل أمال لإمالة الطاء، وأن كانت من اهـ عستعلية، وقرئ أحللتم بالهمزة لأنه يقال حل من إحرامه، وأحل بمعنى فقوله: وأحللتم معطوف على بكسر الفاء أي، وقرئ أحللتم. قوله: (لا يحملنكم أو لا يكسبنكم (يعني أن معنى جرم حمل كما نقل عن ثعلب، والكسائي يقال جرمه على كذا أي حمله عليه فعلى هذا يتعذى لواحد بنفسه، وهو الضمير هنا، إلى الآخر بعلى، وهو أن تعتدوا فتقديره على أن تعتدوا، ومحله بعد حذف الجار إما جر أو نصف على المذهبين أي لا يحملنكم بغض قوم على الاعتداء عليهم، وقال أبو عبيد والفراء: معناه كسب يقال جرم وأجرم بمعنى كسب، ومنه الجريمة وكسب يتعدى لواحد أيضاً، وقد يتعدّى لاثنين فكذا جرم يقال ك! سب ذنبا، وأكسبه ذنباً فعلى هذا أن تعتدوا مفعول ثان له، وأصل مادّته موضوعة لمعنى القطع لأنّ الكاسب ينقطع لكسبه، ومنه لا جرم وسيأتي تحقيقه. قوله: (شدّة بغضهم وعداوتهم الخ) الشنآن البغض أو شدته، وسمع في نونه الفتح والتسكين، وفيهما احتمالان أن يكونا مصدرين شذوذا لأن فعلانا بالفتح مصدر ما يدل على الحركة كجولان، ولا يكون لفعل متعذ كما قاله سيبويه: وهذا متعد لأنه يقال شنأته، ولا دلالة له على الحركة، وقيل: إنّ في الغضب غليان القلب، واضطرابه فلذا ورد مصدره كذلك، وفعلان بالسكون في المصادر تليل نحو لويته ليانا بمعنى مطلته أو صفة لأنّ فعلان بالسكون في الصفات كثير كسكران، وبالفتح ورد فيها قليلاَ كحمار قطوان وتي! عدوان فإن كان مصدراً فإضافته إما على الفاعل أو المفعول أي أن يبغضكم قوم أو تبغضوهم، وجوّز المصنف رحمه الله تعالى الوصفية في السكران دون الفتح لندوره فيه كما أشار إليه وإذا كان وصفا فهو بمعنى بغيض أي مبغض بالكسر اسم فاعل كقدير بمعنى قادر واضافته بيانية أي البغيض من بينهم، وليس مضافا إلى فاعله أو مفعوله كالمصدر. قوله: (لأن صدوركم الخ) هذا على قراءة الفتح بتقدير اللام على أنه علة للشنان، وعلى قراءة الكسر إن شرطية، وما قبله دليل الجواب أو الجواب أو الجواب على القول بجواز تقدمه، والصحيح الأوّل، وأورد على قراءة الكسر أنه إن كان الصد المذكور

стр. 991

ما وقع عام الحديبية فهو محقق متقدّم فكيف يقال إن صدّوكم، وهو يقتضي استقباله، وعدم تحققه وإن أريد ما بعد الفتح فلم يقع صد بعده فذهب قوم إلى أنّ الآية لم تنزل بعد الحديبية فإنه غير متفق عليه ولئن سلم فهو للتوبيخ على الصذ الواقع يوم الحديبية، والدلالة على أنه كان ينبغي أن لا يكون وقوعه إلا على سبيل الفرض، والتقدير لقو! هـ تعالى: ﴿إن كنتأ قوماً مسرفين﴾ وجوّز أن يكون بتقديران كانوا قد صدوكم وقوله، ومن قرأ يجرمنكم الخ. وقع في نسخة مقدماً والصحيح هذه، وما ذكره نظرأ إلى أنّ الأصل أن تكون الهمزة للتعدية، والا فيجوز أن يكون من جرمته ذنبا للمبالغة، ولم يجعل جرمت، وأجرمت من المتعدي إلى واحد، وأن تعتدوا على حذف الجار لأنه الواقع موقع المفعول الذي يكون بلا واسطة البتة. قوله: (على العفو والإغضاء الخ (الإغضاء عدم النظر إلى ما يكره، وفسر البرّ، والتقوى بهذا ليقابله بقوله، ولا تعاونوا الخ فإنه يدل على ذلك أو هو عام فالمراد بالبر متابعة الأمر مطلقا، وبالتقوى اجتناب الهوى، ولو عطف الثاني بأو لكان أظهر قال الطيبي، والثاني أظهر، وأولى لتصير الآية من جوامع الكلم، ويكون تذييلاً للكلام فيدخل في البر، والتقوى جميع مناسك الحج قال تعالى: ﴿فإنها من تقوى القلوب﴾ ، والعفو والإغضاء أيضا، وفي النهي عن الإثم والعدوان عدم التعرّض لقاصدي البيت الحرام دخولاً أوّلياً وعلى الوجه الأوّل يكون عطفا على، ولا يجرمنكم من حيث المعنى لأنه من باب لا أرينك ههنا كأنه قيل لا تعتدوا على قاصدي المسجد الحرام لأجل أن صدكم قريش عن البيت الحرام، وتعاونوا على العفو والإغضاء، ومن ثمّ قيل الوقف على أن تعتدوا لازم لأن الاعتداء منهيّ عنه، والتعاون على البرّ، والتقوى مأمور به، والتشفي طلب شفاء الصدر بالانتقام. قوله: (ما فارقه الروح من غير تذكية الخ) والمراد حتف أنفه من غير سبب خارج عنه، والدم المسفوح الذي أسالوه، وأخرجوه بآلة والأمعاء جمع معى، وهي المصارين والإهلال رفع الصوت، والمراد به هنا ذكر ما يدّبح له، وقوله: ﴿من وقذته﴾ إذا ضربته أصله أن تضربه حتى يسترخي، ومنه وقذه النعاس أي غلب عليه، وإنما قال في تاء النطيحة أنها للنقل لأنها المنطوح مطلقا مذكراً كان أو مؤنثا ولأن فعيلاً بمعنى مفعول لا تدخله التاء، وفسر ما أكل السبع بما أكل منه أي أكل بعضه لأن ما أكل كله لا يتعلق به حكم، ولا يصح أن يستثنى منه ما أدركه وذكى. قوله: (وهو يدل على أن جوارح الصيد الخ) جوارج الصيد أعم من كلابه، وطيوره كالبازي، وهي في حكم السباع والحياة المستقرّة هي التي لا تكون على شرف الزوال قيل، وعلامتها أن تضطرب بعد الذبح لا وقت الذبح فإنه لا يحسب، وقوله: (من ذلك) أي ما ذكر قبله من المنخنقة إلى هنا إذ لا يحتمل رجوعه إلى ما قبله، وعلى هذا لا تقيد المذكورات بقوله فماتت، والا لم يصح الاستثناء منها، وقوله: (في الشرع لقطع الحلقوم) أي موضوعة له، وفي نسخة بقطع الحلقوم بالباء متعلق بالذكاة، والمريء مجرى الطعام، وتفصيل التذكية في الفقه. قوله: (النصب واحد الأنصاب) معطوف على الميتة، واختلف فيها فقيل هي حجارة كانوا يذبحون عليها فعلى على أصلها، ولعل ذبحهم عليها كان علامة على كونها لغير إدلّه، وقيل هي الأصنام لأنها نصبت لتعبد. وعلى على أصلها أو بمعنى اللام، والنصب بضمتين جمع نصاب، وقيل هو مفرد وقرئ بضم النون وتسكين الصاد تخفيفأ، وقرى بفتحتين وفتح فسكون. قوله: (الاستقسام بالأزلام الخ) جمع زلم وهو القدح المضروب به لطلب ما قدر وقسم له، ولذلك سمي استقساماً، وقد بينه المصنف والغفل بضم الغين المعجمة، وسكون الفاء الذي لا سمت عليه لأنه أغفلت علامته، والمراد هنا أنه لم يكتب عليه قيل هذا من جملة الفأل، وقد كان النبيّ ﷺ يحب الفأل فلم صار فسقا، وحراما وأجيب بأنه كان استشارة مع الأصنام واستعانة منهم فلهذا صار حراما وأما أنه دخول في علم الغيب فلا نسلم أنّ الدخول في علم الغيب حرام، ومعنى استئثار الله بعلم الغيب أنه لا يعلم إلا منه، ولهذا صار استعلام الخير، والشرّ من المنجمين، والكهنة ممنوعا حراما بخلاف الاستخارة من القرآن فإنه استعلام من الله تعالى، ومن ينظر في ترتيب المقدمات أو يرتاض فهو لا يطلب إلا علم الغيب منه فلو كان طلب علم الغيب

стр. 992

حراما لا نسد طريق الفكر والرياضة ولا قائل به، وقال الإمام رحمه الله تعالى لو لم يجز طلب علم الغيب لزم أن يكون علم التعبير كفراً لأنه طلب للغيب، وأن يكون أصحاب الكرامات المدعون للإلهامات كفاراً، ومعلوم أنّ كل ذلك باطل، وفيه أنّ ما ذكره من الاستخارة بالقرآن، وتبعه النحرير فقال إنهم أطبقوا عليه محل نظر فإنه لم ينقل فعله عن السلف، وقد قيل إن الإمام مالكا كرهه، ولم أر فيه نقلاً إلا أنه قال في فتاوى الصوفية نقلاً عن الزندوستي أنه لا بأس به، وأنه فعله معاذ، وعليّ رضي الله تعالى عنهما وروي عن عليّ كرم الله وجهه أنه قال: من أراد أن يتفاءل بكتاب الله فليقرأ قل هو الله أحد سبع مرّات وليقل ثلاث مرّات اللهم بكتابك تفاءلت، وعليك توكلت اللهم أرني في كتابك ما هو المكتوم من سرّك المكنون في غيبك ثم يتفاءل بأوّل الصحيفة اهـ، وفي النفس منه شيء. وفي كتاب الأحكام للجصاص أنّ الآية تدلّ على بطلان القرعة في عتق العبيد لأنها في معنى ذلك بعينه إذ كان فيه إثبات ما أخرجته القرعة من غير استحقاق لأن من أعتق أحد عبيده عند موته، ولم يخرجوا من الثلث، وقد علمنا أنهم متساوون في استحقاق الحرّية ففي استعمال القرعة إثبات حرّية غير مستحقة، وحرمانها من هو مساو له فيها كما يفعله صاحب الأزلام فإن قيل قد جاءت القرعة في قسمة الغنائم، وغيرها وفي إخراج النساء قيل له إنما القرعة فيها التطييب نفوسهم، والبراءة من التهمة في إيثار البعض، ولو اصطلحوا على ذلك جاز من غير قرعة وأما الحرّية الواقعة على واحد منهم فغير جائز نقلها عنه إلى غيره، وفي استعمال القرعة نقل للحرّية عمن وقعت عليه، واخراجه منها مع مساواة غيره فيها اهـ. (أقول) هذا مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى وأصحابه، والشافعيّ خالفهم فيه وروي فيه أحاديث صحيحة، وله فيه تصنيف مستقل قرأناه رواية عن مثايخنا، ويؤيده وقوعها في القرآن من غير دليل ناسخ وأما القرعة في غير العتق فمتفق عليها. قوله: (وقيل هو استقسام الجزور الخ) هذا هو الميسر، وسيأتي بيانه، ورجح هذا بعض المفسرين، ولأنه يناسب ذكره مع محرمات الطعام فمعناه طلب قسم من الجزور أو ما قسمه الله له، وقوله: لأنه دخول في علم الغيب مرّ ما فيه، وقوله: أو إلى تناول ما حرّم أي إشارة إلى تناول المحرمات من المآكل المعلوم من سياق ما قبله فرجع إلى جميع ما قبله، وشمل الاستقسام. قوله: (أراد به الحاضر وما يتصل به من الآرّمنة الآتية) وأسقط قوله في الكشاف الماضية إذ لا معنى له هنا، وهو منصوب على الظرفية بيئس، وليست اللام فيه للعهد كما يقال: كنت بالأمس شابا، وأنت اليوم أشيب أو هي للعهد، المراد يوم نزول الآية الذي ذكره المصنف رحمه الله تعالى ورواه الشيخان عن عمر رضي الله تعالى عنه، واليأس عدم الرجاء، وأشار إلى تقدير مضاف فيه لأنّ اليأص ليس من نفس الدين بل من إبطاله أو غلبته بأن يغلبوكم عليه، وقوله: أن يظهروا عليكم راجع إلى الوجهين، وان كان على الثاني أظهر، وقوله: فلا تخشوهم متفرّع على اليأس، وإظهار الخشية فيه يفهم من نهيهم عن خثية غيره. قوله: (بالنصر والإطهار على الأديان كلها الخ (لأنهم بالنصر، والقوّة يجرون أحكام الدين من غير مانع، وبه تمامه أو المراد إتمام الدين في نفسه لبيان ما يلزم بيانه، ويستنبط منه غيره، وهذا رد على من قال إنّ الآية تبطل القياس، وإليه أشار بقوله، وقوانين الاجتهاد. قوله: (بالهداية والتوفيق الخ) أي بإتمام الهداية، والتوفيق بإتمام سببهما، والا فهما حاصلان قبل ذلك ومنار الجاهلية استعارة لأمورها من مناسكهم، وغيرها. قوله: (اخترته لكم الخ) يعني أنه نظر فيه إلى معنى الاختيار، ولذا عدى باللام، ومنهم من جعله صفة لدين قدم عليه فانتصب حالاً، والإسلام وديناً مفعولاً رضيت إن ضمن معنى صير أو دينا منصوب على الحالية من الإسلام أو تمييز من لكم فإن قيل ما وجه تقييد رضا الإسلام بقوله اليوم لأنه معطوف على أكملت، وهو مرضيّ قبل ذلك وبعد. قيل المراد برضاه حكمه باختياره حكما أبديا لا ينسخ، وهو كان في ذلك اليوم وقوله: ﴿وهو الدين عند الله لا غير﴾ جملة حالية مقيدة للدلالة على ما ذكر فافهم. قوله: (متصل بذكر المحرّمات الخ) الاضطرار الوقوع في الضرورة، وقوله: وحرمتها من جملة الدين الخ إشارة إلى أنّ الاعتراض بذكر أمر الدين يؤكد

стр. 993

حرمتها لأنها من جملته، والمخمصة المجاعة أي الجوع سمي بها لأنه يخمص له البطون أي تضمر والجنف معناه الميل كما مرّ والمراد بميله للإثم تجاوز محل الضرورة، والرخصة بالزيادة أو قصد أمر غير دفعها، وظاهره أنّ معنى قوله غير باغ، ولا عاد ذلك، وقد فسر الباغي في سورة البقرة بالمستأثر على غيره فكأنه أشار هنا إلى تفسير آخر له وقوله: ﴿لا يؤاخذ بكله﴾ أوّله به ليصح جعله جوابا لمن الشرطية مترتبا عليه، واشارة إلى أنه أقيم فيه سبب الجزاء مقامه لا أنه مقدر في الكلام، وإن كان لا مانع منه. قوله: (لما تضمن السؤال معنى القول الخ) يعني أنّ السؤال ليس مما يعمل في الجمل، ويتعدى بحرف الجرّ يقال سأل عن كذا فقيل إنه بتقدير مضاف أي جواب ماذا، واختار المصنف ﵀ أنه ضمن معنى القول فحكيت به الجملة كما يحكي بالقول، وهو معلق لأنه وان لم يكن من أفعال القلوب لكنه طريق العلم فعلق كما يعلق، وقال لهم دون لنا الذي وقع في سؤالهم فمقتضى الحكاية ذلك حكاية بالمعنى لمناسبة غيبة يسألونك كما تقول أقسم زيد ليضربن ولو قلت لأضربن جاز وقوله والمسؤول الخ أي ليس عن مطلق ما أحل بل عن المطاعم لأنّ الكلام فيها، وقوله: ساً لوا عما أحل لهم أي هل هو جميع ما عدا المذكور أم فيه تفصيل فأجيبوا بأن له تفصيلا. قوله: (ما لم تستخبثه الطباع السليمة الخ) فالمراد بالطيب ما لم يستخبث لقوله، وبحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، والمراد بمستخبثات العرب ما كانوا يأكلونه من الحشرات، وقوله: أو ما لا يدل الخ تفسير آخر للطيب، وهو بمعنى الحلال لأنّ الطيب يكون بمعنى الحلال، والحل إما بنص! أو قياس، ويدخل فيه الإجماع، ولا بد من استناده لنص، وإن لم نقف عليه، وقال السليمة لأنّ الطباع جمع طبع، وهو ما طبع عليه الإنسان كما ذكره الأزهري فلا عبرة بمن أنكر كونه جمعا، وقال إنه واحد مذكر، ومن أنثه ذهب إلى الطبيعة، وقال ابن السيد: يجوز أن يكون جمع طبع ككلب وكلاب اهـ، وكأنه لم يقف على ما قاله الأزهري. قوله: (عطف على الطيبات إن جعل ما موصولة الخ) يصح على هذا أيضاً كونها مبتدأ، وجملة فكلوا خبره لكنه خلاف الظاهر. قوله: (وصيد ما علمتم الخ) أي مصيده لأنه الذي أحل فعطفه على الطيبات من عطف الخاص على العام وعلى تقدير الشرطية لا يكون عطفاً على الطيبات بل مبتدأ خبره الشرط، والجزاء على المختار، والجملة عطف على جملة أحل لكم، ولا يحتاج إلى تقدير مضاف، ونقل عن الزمخشري أنه قال بالتقدير فيه وقال تقدير. لا يبطل كون ما شرطية لأن المضاف إلى اسم الشرط في حكم المضاف إليه كما تقول غلام من يضرب أضمرب كما تقول من يضرب أضرب كذا قال النحرير، والظاهر أنه لا حاجة إلى جعل الصيد بمعنى المصيد لاًن الحل والحرمة يتعلقان بالفعل، وأنه لا حاجة إلى تقدير المضاف على جعلها شرطية كما أشار إليه المصنف ﵀ بترك التقدير فيه لأنه على ذلك التقدير يصير الخبر خاليا عن ضمير المبتدأ إلا أن يتكلف بجعل ما أمسكن من وضع الظاهر موضع المضمر فليتأمل وقوله: (والجوارح كواسب الخ) من قولهم جرح فلان أهله خيرا إذا أكسبهم، وفلان جارحة أهله أي كاسبهم. قوله: (معلمين! ياة الصيد الخ) مؤدب الجوارج شامل للكلاب، وخص به الاشتقاق لأنه أكثر فيه، وقوله: ومضريها أصل معنى التضرية الإغراء، والحث وقد ضري بالصيد وأضراه عليه مرنه عليه ثم قيل لكل من اعتاد شيئا وقوله لأن كل سبع يسمى كلبا في شموله للطير نظر، ولا دلالة في تسميته الأسد كلباً عليه، وقوله من الكلب بسكون اللام أصالة أو مخففة كلب بفتحتين، وفيه على هذا استخدام في قوله فيه. قوله: (لقوله ﵊: " اللهتم سلط عليه كلبا من كلابك ") قال في الكشاف فأكله الأسد وسيأتي هذا في سورة النجم قاله ﷺ في حق عتبة بن أبي لهب أو لهب بن أبي لهب وقد أذاه وسبه قال الطيبي ﵀: هذا حديث موضوع، وليس كما قال بل هو حديث صحيح أخرجه الحاكم في المستدرك من حديث أبي نوفل [بن أبي عقرب عن أبيه] قال كان لهب بن أبي لهب يسب النبيّ ﷺ فقال ﷺ اللهمّ سلط عليه كلبأ من كلابك أو كلبك فخرج في قافلة يريد الشام فنزلوا منزلاً فيه سباع فقال إني أخاف دعوة محمد ﷺ فجعلوا متاعه حوله

стр. 994

وقعدوا يحرسونه فجاء أسد فانتزعه وذهب به قال الحاكم، وهو صحيح الإسناد، وقوله: وانتصابه أي مكلبين، وقوله: وفائدتها المبالغة الخ. إشارة إلى أنها حال مؤكدة لعاملها، وهو علمتم. قوله: (حال ثانية (مؤكدة أيضاً أو استئنافية إن لم تكن ما شرطية والا فهي معترضة. توله:) من الحيل وطرق التأديب الخ) أي المراد بما علمهم الله ما ذكر وهو أعمّ من الوجه الثاني ولذا قدّمه لأنه أعمّ فائدة إذ التأديب شامل لما في إرساله وما معه، وقيل الأوّل يتعلق بكيفية التعليم، والحيل، وهي من الله أي بإلهام منه أو بالعقل الذي خلقه فيهم، والثاني بما في الاصطياد من الجزئيات التي يحل بها الصيد، وذلك بالشرع الذي علمه الله فعلى الأوّل الحال الثاني أعني تعلمونهن بمنزلة التفسير، والتفصيل للحال الأولى أي مكلبين وعلى الثاني قيد زائد، وقوله: بدعائه أي بنداء الصائد للكلب ونحوه. قوله: (لقوله ﵊ الخ) رواه أصحاب السنن، وأوّله قال سألت رسول الله ﷺ عن صيد الكلب المعلم فقال إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله عليه فكل مما أمسك عليك فإن أكل منه فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه قال أبو حنيفة، وأصحابه إذا أكل الكلب من الصيد فهو غير معلم لا يؤكل صيده، ويؤكل صيد البازي ونحوه، وان أكل وعليه إمام الحرمين من الشافعية، وقال مالك والليث يؤكل، وان أكل الكلب منه، وقال الشافعي ﵀: لا يؤكل إذا أكلا منه، والى المذاهب أشار المصنف ﵀، وقوله في الحديث: (إنما أمسك الخ) علة للنهي، وقوله: (والضمير لما علمتم الخ) هذا هو الأصح كما صرح به الحديث السابق، وقيل هو للأكل، وهو بعيد، وقوله: فيؤاخذكم الخ إشارة إلى أنّ سرعة الحساب مجاز عن المؤاخذة على جميع الأفعال حقيرها، وجليلها لأنّ من سرع عليه الحساب، وسهل يحاسب على كل شيء ومن صعب عليه قد يحاسب على ما يهمه، ويترك غيره. قوله: (يتناول الذبائح وغيرها ويعم الخ) في البخاري عن ابن عباس ﵄ أنّ المراد بها الذبائح لأنّ غيرها لم يختلف في حله، وقوله والنصارى قيل فيه شيء فإنّ النصارى مثلثة، وأخرج عبد الرزاق عن النخعي عن عليّ كرم الله وجهه ورضي عنه أنه كان يكره ذبائح بني تغلب ونسائهم، وبقول هم من العرب، ورواه الشافعي عنه بإسناد صحيح، ولم يلحق بهم المجوس لأنهم ليسوا بأهل كتاب. قوله: (سنوا بهم سنة أهل الكتاب الخ) قال ابن حجر ﵀ لم أجده بهذا اللفظ، وقد رواه مالك في الموطأ عن عمر ﵁ أنه قال ما أدري ما أصنع في أمر المجوس فقال له عبد الرحمن بن عوف ﵁ أشهد لسمعت من رسول الله ﷺ يقول: " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " قال مالك ﵀ يعني في الجزية، وعلم من تخصيص مالك الجزية أنه لا تؤكل ذبائحهم، ولا تنكح نساؤهم ورواه البيهقي عن الحسن بمعنى ما ذكره المصنف، وعبد الرزاق، وقال إجماع أكثر المسلمين عليه يؤكده فلا وجه لما قاله ابن حجر واعادة أحل لكم الطيبات للتأكيد، والتوطئة لما بعده وذكر اليوم لما مرّ. قوله: ( ﴿وطعامكم حل لهم﴾ الخ) فلا عليكم أصله لا بأس عليكم فحذف اسم لا، وهو مسموع من العرب كما ذكره النحاة، وفي الانتصاف لما كان الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة أولوا الآية بصرف الخطاب إلى المؤمنين أي لا جناج عليكم أيها المسلمون أن تطعموا أهل الكتاب وفي أمالي الإمام السهيلي رحمه الله تعالى قيل ما الحكمة في هذه الجملة، وهم كفار لا يحتاجون إلى بياننا فعنه جوابان أحدهما أنّ المعنى انظروا إلى ما أحل لكم في شريعتكم فإن أطعموكموه فكلوه، ولا تنظروا إلى ما كان محرّماً عليهم فإنّ لحوم الإبل، ونحوها كانت محرّمة عليهم ثم نسخ ذلك في شرعنا، والآية بيان لنا لا لهم أي اعلموا أنّ ما كان محرّما عليهم مما هو حلال لكم قد أحل لهم أيضا، ولذلك لو أي أطعمونا خنزيراً أو نحوه وقالوا هو حلال في شريعتنا، وقد أباح الله لكم طعامنا كذبناهم، وقلنا إنّ الطعام الذي يحل لكم هو الذي يحل لنا لا غيره فالمعنى طعامهم حل لكم إذا كان الطعام الذي أحللته لكم، وهذا التفسير معنى قول السدي وغيره الثاني للنحاس، والزجاج والنقاش، وكثير من المتأخرين أنّ المعنى جائز لكم أن تطعموهم من طعامكم لا أن يبين لهم ما يحل لهم في دينهم لأنّ دينهم باطل لأنه لم يقل، واطعامكم بل طعامكم

стр. 995

والطعام المأكول، وأمّا الفعل فهو الإطعام فإن زعموا أنّ الطعام يقوم مقام الإطعام توسعاً قلنا بقي اعتراض آخر، وهو الفصل بين المصدر وصلتة بخبر المبتدأ، وهو ممتنع بالإجماع لا يجيزون إطعام زيد حسن للمساكين، ولا ضربك شديد زيداً فكيف جاز وطعامكم حل لهم اهـ، وقوله وتبيعوه منهم يفيد أنه يجوز البيع لهم مطلقا، ولو كانوا من دار الحرب، وبه صرح الفقهاء لكن قالوا الأولى أن لا يباع لهم بخلاف السلاح، وما يعين على الحرب، وبعضهم يخطئ في الأوّل فاعرفه. قوله: ( ﴿والمحصنات﴾ الخ) جعله بعثا على جواز الأولى بناء على نكاح الأمة الكافرة، وأما المحصنات من الذين أوتوا الكتاب ففسره ابن عمر رضي الله تعالى عنهما بمن أسلم منهن، وقالوا إنه يأباه النظم ولم يرضوه، وهو بظاهره يتناول الحربيات وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لا يجوز نكاج الحربيات، وخص الآية بالذميات، واحتج له بقوله: ﴿لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يواذون ما حاذ الله ورسوله﴾ [سورة المجادلة، الآية: ٢٢] والنكاج مقتض للمودة لقوله تعالى: ﴿خليئ لكم من أنفسكم أرّواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودّة ورحمة﴾ [سورة الروم، الآية: ٢١] قال الجصاص، وهذا عندنا إنما يدلّ على الكراهة، وأصحابنا يكرهون مناكحة أهل الحرب. قوله: (وتقييد الحل بإيتائها) أي الأجور، والمهور لا يجب تعجيلها فهذا القيد لا مفهوم له لأنه لتأكيد الوجوب لا للاحتراز أو المراد بالإيتاء التعهد والالتزام مجازاً، وهذا أقرب وإن كان المآل واحداً، وحمل المسافحة على إظهار الزنا لظهور مقابله في الإسرار لتبادره من الخدن وهو الصديى، وقيل الأوّل نهى عن الزنا، والثاني نهى عن مخالطتهن. قوله: (يريد بالإيمان شرائع الإسلام) على أنه مصدر أربد به المؤمن به كدرهم ضرب الأمير لأنّ الإيمان نفسه لا يكفر به، والكفر الإباء عنه، وجحوده والآية تذييل لقوله: ﴿اليوم أحل لكم الطيبات﴾ تعظيما لشأن ما أحله الله وما حرّمه، وتغليظا على من خالف ذلك فيقتضي أن يراد بالإيمان أمور الدين. قوله: (أي إذا أردتم القيام الخ الما كان النظم إذا حمل على ظاهره يقتضي تأخير الوضوء عن الصلاة أو كونها قبلها أو متصلا بها بعد القيام، وكله غير مراد أوّلوه بتأويلين أن يكون القيام إلى الصلاة بمعنى إرادته فعبر عن السبب بالمسبب أو قصدها فعبر عن أحد لازمي الشيء يلازمه الآخر لا أنه من إطلاق اسم الملزوم على لازمه، والمسبب على سببه بناء على أن إرادة الشيء لازم، وسبب على أنه لو سلم فيكفي في تغاير الوجهين اعتبار العلاقتين، واختار الأوّل لما في الثاني من التكلف كذا قيل، وهو رذ لكلام العلامة حيث قال المراد بالقيام إلى الصلاة قصدها وعلى الأوّل قصد القيام إلى الصلاة والمصنف رحمه الله تعالى جعل الأوّل من باب إطلاق المسبب على السبب، والثاني من إطلاق الملزوم على اللازم، وقصد الشيء كما أنه لازم للقيام إليه سبب له فلا فرق في ذلك بينهما، وهذا إشارة إلى سؤال على الزمخشري، وهو وارد على المصنف أيضا، وهو أنه لا فرق بين الوجهين معنى إذ القصد، والإرادة متقاربان، والعلاقة وإن اعتبر فيها التغاير كما ذكروا يجوز فيها الاتحاد فترجيح أحد الوجهين، وجعله غير الآخر ليس تحته كبير معنى والنحرير حاول الجواب عنه، ولا طائل تحته، وقيل في الفرق بينهما أن الأوّل هو القصد إلى الانتصاب إلى الصلاة والثاني القصد إلى الصلاة ولا نظر إلى الانتصاب وبعد كل كلام لم يتضح كل الاتضاح. قوله: (والتنبيه على أن من أراد العبادة الخ) وجهه يؤخذ من التعليق على الإرادة فإن جوابها مقارن أو متصل، وما ذكره في الوجه الثاني من أن التوجه الخ. قيل عليه أنه يكفي في التعبير عن القصد بالقيام أنّ القيام يستلزم القصد، ولا دخل لكون التوجه مستلزماً له في التعبير بالقيام عن القصد إلا أن يقال أراد تأكيد استلزام القيام للقصد بأنّ القيام لا ينفك عن التوجه المستلزم للقصد وفيه تأقل. قوله: (وظاهر الآية يوجب الوضوء على كل قائم الخ (نظرا إلى عموم الذين آمنوا من غير اختصاص بالمحدثين، وان لم يكن في الكلام دلالة على تكرار الفعل لأنها لا تقتضيه على الصحيح، وإنما ذلك من خارج لكن الإجماع صرفها عن ظاهرها فإما أن تكون مقيدة أي، وأنتم محدثون بقرينة دلالة الحال، ولأنه اشترط الحدث في البدل، وهو التيمم فلو لم يكن له مدخل في الوضوء مع المدخلية

стр. 996

في التيمم لم يكن البدل بدلاً، وقوله فلم تجدوا ماء صريح في البدلية، وأما ما قيل إنه اشترط الحدث في البدل فيدل على هذا فغير ظاهر فإنه للضرورة، ولا ضرورة بدون الحدث وفقد الماء، وقيل إنه لا دلالة في الكلام على عموم الأحوال فيخص بالبعض أو أنه لا دلالة له على تخصيص الأفراد، ويجب على كل مؤمن الوضوء عند القيام، ولو مرّة وأوود عليه أنه لولا دلالة العبارة على عموم الأحوال لم يرد الإشكال، وفيه نظر وقيل الأمر للندب، ويعلم الوجوب للمحدث من السنة، وهو بعيد لإجماعهم على أنّ وجوب الوضوء مستفاد من هذ ٠ الآية مع الاحتياج إلى التخصيص بغير المحدثين من غير دليل مع أنه لا ندب بالنسبة إلى المحدثين وأبعد منه أنه ندب بالنسبة إلى البعض ووجوب بالنسبة لآخرين وكون النبي غترو الخمس بوضوء وأحد أخرجه مسلم وغيره، وقوله عمدا فعلته أي بياناً للجواز، ويعلم منه أن تجديد الوضوء سنة، وقيل في الكلام شرط مقدر أي إذا قمتم إلى الصلاة الخ. إن كنتم محدثين وان كنتم جنبا، وهو قريب جدّاً. قوله: (وقيل كان ذلك أوّل الآمر ثم نسخ الخ) فيه أنّ أحمد وأبا داود وابن خزيمة، وابن حبان والحاكم، والبيهقي رووا عن عبد الذ بن الغسيل أنّ رسول الله ﷺ أمر بالوضوء لكل صلاة طاهراً كان أو غير طاهر فلما شق ذلك عليه ﷺ أمر بالسواك عند كل صلاة، ووضع عنه الوضوء إلا من حدث وحديث المائدة لا يعارضه لأنّ العراقي قال لم أجده مرفوعاً، وقد مرّ أنّ آخر ما نزل براءة. قوله: (ولا حاجة إلى الدلك الخ) الدلك عند الحنفية من الآداب، والواجب عند مالك رحمه الله تعالى لدّاته، وقيل لتحقق وصول الماء فلو تحقق لم يجب كما قاله ابن الحاج في شرح المنية. قوله: (الجمهور على دخول المرفقين الخ) وخالف في ذلك بعضهم كزفر، وأما أنها إذا كانت بمعنى مع أو متعلقة بمحذوف لم يبق معنى التحديد، ولم يبق لذكره مزيد فائدة لاشتمال اليد عليها فذكرها زائد ففيه نظر لأنه يدل على دخول المرافق صريحأ لأنّ اليد وان كانت إلى المنكب فليس ذلك مرادا هنا بل المراد بعضها لخروج ما فوق المرفق، وادخاله، ويعلم منه التحديد أيضاً، وما جنح إليه المصنف رحمه الله تعالى أنّ التنصيص على الشيء لا يقتضي عدم غيره فتأمل. قوله: (وقيل إلى تفيد الغاية مطلقا الخ) اختلف أهل النحو والأصول في هذه المسائل فمن قائل بالدخول مطلقا، ومن قائل بالخروج مطلقاً، ومفصل بين أنّ صدر الكلام إن لم يتناول الغاية فذكرها لمد الحكم إليها فلا يدخل مثل أتموا الصيام إلى الليل، وان تناولها كما هنا فذكرها لإسقاط ما وراءها فيبقى داخلا تحت الحكم، وهذأ أيضاً ليس على إطلاقه إذ يدخل في مثل قرأت القرآن الخ بخلاف قرأته إلى سورة كذأ، والغاية ما ينتهي به الشيء فتطلق على الجزء الأخير وما يلاتيه، والمرفق بفتح الميم وكسر الفاء على الأفصح معروف. قوله: (الباء مزيدة وقيل للتبيعض الخ الما كان المسح متعدّيا بنفسه جعلها زائدة، ولظهوره قدمه أو هي دخلت في المفعول لتضمين معنى الإلصاق وهو شامل لمسح البعض والكل، ولا دلالة على أحدهما فحمل على التبعيض لتيقنه، وقيل إنّ الباء تفيد التبعيض سواء دخلت في الآلة نحو مسحت بالمنديل أو المحل نحو مسحت برأس اليتيم، ونقل عن أبي عليئ، وبه أخذ أبو حنيفة لكن ذهب إلى أنّ الأقل ليس بمراد لحصوله في ضمن غسل الوجه مع عدم تأدي الفرض به بالاتفاق فصار مجملاً بين بمسح النبي ﷺ على الناصية فقدر بمقدارها، وهو الربع ومبناه على اشتراط الترتيب، والا فيجوز أن يكون عدم الاعتداد به لذلك. قوله: (نصبه نافع وابن عامر الخ) قرئ أرجلكم بالنصب والجرّ والرفع فالأوّل إما بالعطف على وجوهكم، وقيل على أيديكم بناء على أنّ العطف على الأوّل أو الثاني إذا تعدد المعطوف عليه لكته أورد عليه أنّ فيه الفصل بين المعطوف، والمعطوف عليه بجملة ليست اعتراضية، وقد التزمه أبو البقاء رحمه الله تعالى، وقال إنه لا بأس به، وأما احتمال العطف على محل الجار، والمجرور فبعيد لفظا ومعنى. قوله: (وجرّه الباقون على الجوار الخ) حمل قراءة الجرّ على الجرّ الجواري، وأشار إلى الرذ على من تال إنه شاذ بابه الشعر مع أنه إنما ورد كثيراً في النعت وقليلا في التأكيد لا في العطف، وحرف العطف مانع من الجوار بأنه كثير في كلام

стр. 997

العرب نظما ونثرا، ولا يختص بالنعت، والتأكيد إذ قد ورد في العطف كما أثبته النحاة حتى عقدوا له بابا على حدته لكثرته ولما فيه من المشاكلة، وقد كثر حتى تعدّوا عن اعتباره في الإعراب إلى التثنية والتأنيث، وغير ذلك لكن شرط حسنه عدم الإلباس مع تضمن نكتة، وهو هنا ليس كذلك لأن الغاية دلت على أنه ليس بممسوح إذ المسح لا يغني، والنكتة فيه الإشارة إلى تخفيفه حتى كأنه مسح، ومنهم من حمل النصب على حالة ظهور الرجل، والجرّ على حال استتارها بالخف حملا للقراءتين على الحالتين قيل وفيه نظر لأنّ الماسح على الخف ليس ماسحا على الرجل حقيقة، ولا حكما لأن الخف اعتبر مانعاً سراية الحدث إلى القدم فهي ظاهرة، وما حل بالخف أزيل بالمسح فهو على الخف حقيقة، وحكماً، ولأنّ المسح على الخف لا يجب إلى الكعبين اتفاقا كذا قيل- (وفيه بحث الأنه يجوز أن يكون لبيان المحل الذي يجزي عليه المسح لأنه لا يجزي على ساقه ثم إنه نقل هذا عن الكشاف وقد قال النحرير أنه لا دلالة في كلامه عليه. قوله: (وفائدته التنبيه الخ) في نسخة يقصد، وفي أخرى يقتصد، وهما بمعنى أي يخفف، وهذا يستفاد من صورة العطف لا من جعله معطوفا على الممسوح ليفيد ما ذكره كما قيل فإن قيل العطف على الممسوح لا للمسح يكون جمعا بين الحقيقة، والمجاز حيث أريد بالمسح بالنسبة إلى المعطوف عليه حقيقته وبالنسبة إلى المعطوف الغسل الشبيه بالمسح في قلة استعمال الماء قيل إنه إشكال قوي لا محيص عنه سوى الحمل على تقدير إعادة العامل في المعطوف مراداً به المعنى المجازي فتكون الأرجل معطوفة على الرأس في الظاهر، وهو من عطف الجمل في التحقيق أي ﴿وامسحوا بأرجلكم﴾ ولا يخفى أنه لا دلالة في الكلام على التجوّز في المحذوف مع ما في إضمار الجار من الضعف، وقيل إنه من قبيل علفتها تبناً وماء بارداً، وهو من المشاكلة ومن أهل البدع من جوّز المسح على الرجل بدون الخف مستدلاً بظاهر الآية، وللشريف المرتضى كلام في تأييده تركناه لإجماع أهل السنة على خلافه، وتمثيله بعذاب يوم أليم بجر أليم، وهو صفة العذاب لا اليوم، وحور عين في قراءة الجرّ معطوف على ولدان لا على ما قبله مما طافوا به، وتغ في التمثيل بهاتين الآيتين أبا البقاء، وغيره وسيأتي فيهما كلام آخر. قوله: (وفي الفصل الخ (هذا مذهبه، وضمن الإيماء معنى التنبيه، والدلالة فلذا عداه بعلى، والقائل بعدمه لا يسلمه، ويقول بل هو لبيان الأولى، ويكفي مثله نكتة وقراءة الرفع على أنه مبتداً خبره محذوف كما ذكره المصنف رحمه الله تعالى، وقوله: فاغتسدوا أخذه من التطهر الدال على المبالغة في الطهارة. قوله: اليتصل الكلام الخ (قيل، ولئلا يتوهم نسخه لأن هذه السورة من آخر ما نزل. قوله:) أي ما يريد الأمر بالطهارة الخ (يريد أن! فعوله محذوف، واللام للتعليل لا زائدة لأنّ أن المصدرية لا تضمر بعد اللام الزائدة، وقوله: تضييقا مفعول له مبين للمعنى، والحرج الضيق. قوله: (لينظفكم الخ) يعني الطهارة هنا لغوية بمعنى التنظف أو معنوية بمعنى تكفير الذنوب لا بمعنى إزالة النجاسة فإنّ الحدث ليس بنجاسة، وهذا رذ على الحنفية على ما قيل فإنهم يقولون إنّ الحدث نجاسة وليس كذلك لأنه عندهم نجاسة حكمية بمعنى كونه مانعاً من الصلاة لا بمعنى كونه بحيث يتنجس الطعام أو الثوب الرطب بملاقاته أو تفسد الصلاة بحمل محدث أو جنب غسل موضع خروج النجاسة منه، وأثا تنجس الماء عند أبي حنيفة فلانتقال المانعية، والآثام إليه، وقيل معناه تطهير القلب عن دن! التمرد عن طاعة الله تعالى. قوله: (أو ليطهركم بالتراب إذا أعوزكم التطهير بالماء الخ) يقال أعوزني كذا بمعنى أعجزني والعوز بالفتح العدم، والمراد بالتطهير رفع الحدث، والمانع الحكمي، وأمّا ما نقل عن بعض الشافعية كإمام الحرمين من أنّ القول بأنّ التراب مطهر قول ركيك فمراده به منع الطهارة الحسية فلا يرد عليه أنه مخالف للحديث الصحيح: " جعلت لي الأرض! مسجداً وطهورا ". قوله: (لأنّ أن لا تقدر بعد المزبدة) هذا مخالف لكلام النحاة قال الرضي الظاهر أن تقدر أن بعد اللام الزائدة التي بعد فعل الأمر، والإرادة، وكذا في المغني، وغيره فلا سلف له في هذا القول، ووقوع هذه اللام بعد الإرادة، والأمر في القرآن، وكلام العرب شائع مقيس، وهو من مسائل الكتاب تال فيه سألته أي الخليل عن معنى أربد لأن يفعل فقال إنما تريد

стр. 998

أن تقول إرادتي لهذا كما قال تعالى: ﴿وأمرت لأن كون أوّل المسلمين﴾ [سورة الزمر، الآية: ٢ ا] اهـ، واختلف فيه النحاة فقال السيرافي ﵀ فيه وجهان أحدهما ما اختاره البصريون أنّ مفعوله مقدر أي أريد ما أريد لأن تفعل فاللام تعليلية غير زائدة الثاني أنها زائدة لتأكيد المفعول اهـ، وقال أبو عليّ في التعليقة عن المبرد أنّ الفعل دال على المصدر فهو مقدر أي أردت، وارادتي لكذا فحذف إرادتي، واللام زائدة اهـ وهو تكلف بعيد ففيه ثلاثة مذاهب أقربها الأوّل، وأسهلها الثاني، وهو من بليغ الكلام القديم كقوله: أريد لأنسى ذكره كل ساعة ووجه البلاغة فيه أن الجارّ دال على تعميم المراد، والمأمور به وأن لا يتخلف مراده، وامتثال أمره، وهذا مما يعرفه الذوق السليم، ولك أن تقول إن مراده أنها لا تزاد في غير الأمر، والإرادة. قوله: اليتم بشرعه الخ) يعني أن المراد بالنعمة نعمة الطهارة بقرينة المقام ومطهرة ومكفرة الظاهر فيه الفتح كقولهم الولد مجبنة ومبخلة أي سبب للبخل والجبن ويصح أن يكون على وزن اسم الفاعل مشدداً، والعزائم جمع العزيمة، وهي ضد الرخصة أي المعنى جعل الله نعمة الرخصة تتميماً لنعمة العزيمة. قوله: (والآية مشتملة على سبعة أمور الخ) والأصل الماء، والبدل التراب، والمستوعب الغسل، وغيره الوضوء، والمحدود بقوله: إلى المرافق والى الكعبين، وغيره ما سواه، وهذا ظاهر وقوله: بالإسلام يحتمل التعميم وهذا أولى. قوله: (يعني الميثاق الذي أخذه الخ) هو بهذا اللفظ أخرجه البخاري ومسلم في النهاية المنشط بالفتح مفعل من النشاط وهو ضد الكسل والمكره ما يكره فلا ينشط لعمله، وهذه المبايعة كانت بالعقبة الثانية سنة ثلاث عشرة من النبوة، والأولى في سنة إحدى عشرة فقوله أو ميثاق ليلة العقبة أي الأولى، وقصتها معروفة، وبيعة الرضوان بالحديبية سميت بها لقوله تعالى: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة﴾ [سورة الفتح، الآية: ١٨] وقوله: في إنساء نعمه بمعنى نسيانها، وهو مصدر أنسى المزيد فكأنّ من نسي أنسى نفسه، وذات الصدور أصل معناه صاحبه الصدور فتجوّز به عما فيها كما في قوله: ذا إنائك وأشار إلى أنّ المراد بعلمه مجازاته على ما علمه، وفضلا لا يكون في مثل هذا الموقع فيؤول هنا أو يدرج في مسامحات المصنفين لأنّ لها استعمالاً خاصاً بعد النفي ويمكن تأويل كلامه بما يوافقه، وهو واضح. قوله: (عداه بعلى الخ) قد سبق ما نقلنا من أنّ جرم يكون بمعنى حمل فيتعدّى للمفعول الأوّل بنفسه وللثاني بعلى أو بمعنى كسب فيتعدى لواحد ولاثنين وفسره المصنف ﵀ بهما هناك، وهنا لما صرح بعلى تعين الأوّل فإن كان معنى حقيقياً فلا كلام، والا نعتبر التضمين والمصنف أشار إلى أنّ المختار عنده أنه غير حقيقي فتقديمه هناك لموافقته لما صرح به في النظم فما قيل جرم يجيء متعدياً إلى مفعول مثل جرم ذنباً، وليس هذا منه لأنّ مفعوله لا يكون إلا مكسوبا كالذنب لا الشخص، والى مفعولين، وظاهر أنّ هذا ليس منه لوجود حرف الجر فيما هو في موقع المفعول الثاني فاعتبر تضمين معنى الحمل ليصح كون معنى الأوّل هو الشخص، والثاني مع حرف الاستعلاء لا يخفى ما فيه من القصور بل الخلل كما يعلم مما مر ولما فتحت مكة أمر الله المسلمين أن لا يكافئوا كفار مكة بما سلف منهم وأن يعدلوا في القول، والفعل والحكم، وهو مراد المصنف بما ذكره. قوله: (أي العدل الخ) يعني أنّ الضمير راجع إلى المصدر الذي تضمنه الفعل، وهو إمّا مطلق العدل فيندرج فيه العدل مع الكفار، وهو المقصود بالآية لما مر في سبب النزول وان كان للعدل مع الكفار فظاهر وعلى الوجهين يتمّ قوله وإذا كان هذا العدل الخ فلا يرد قول النحير أنّ مبناه على أنّ ضمبر هو أقرب لخصوص مصدر اعدلوا المراد به العدل مع المشركين، وترك الاعتداء عليهم، وأمّا إذا كان لمطلقه فلا. قوله: (صرح لهم بالأمر بالعدل الخ) في الكشاف فصرح لهم بالأمر بالعدل تأكيداً، وتشديداً ثم استأنف فذكر لهم وجه الأمر بالعدل، وهو قوله: ﴿هو أترب للتقوى﴾ أي العدل أقرب إلى التقوى، وأدخل في مناسبتها أو أقرب إلى التقوى لكونه لطفاً فيها يعني أنّ أقربيته إلى للتقوى مناسبة الطاعة للطاعة فالتقوى نهاية الطاعة، وهو أنسب بها من غيره منها أو مناسبة إفضاء السبب إلى المسبب فهو بمنزلة الجزء الأخير من العلة فليس المراد أنه

стр. 999

أقرب من غير العدل حتى يكون من قبيل الخل أحلى من العسل كما قاله الراغب: فتدبر. قوله: (فيجارّيكم الخ) يعني كون خبير كناية عن المجازاة كما مر. وقوله: (وتكرير هذا الحكم الخ) يعني قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّامين بالقسط﴾ إلى هاهنا مع تقدمه في سورة النساء بعينه لما ذكره أي لاختلاف المحكوم عليه بقرينة سبب النزول، والسياق والسباق كذا في حواشي القطب، وليس المراد بالحكم النهي عن الجور والأسر بالعدل وءافراد ا! كم لأنهما كحكم واحد كما قيل وثائرة فاعلة من ثارت ثائرة أي هاجت هائجة. قوله: (إنما حذف ثاني مفعولي وعد الخ الما كان الظاهر نصب مغفرة، وأجراً على أنه مفعول وعد كما وقع في سورة الفتح أشاروا إلى نكتة العدول عن الظاهر بأنّ مفعوله محذوف يفسره ما بعده أو متروك، ومعناه قدم لهم وعدا وهو ما بين بالجملة المذكورة بعده، وهي جواب سؤال مقدر أي أفي شيء وعده لهم أو القول مقدر أي وعدهم قائلا لهم مغفرة أو هو مفعول وعد باعتبار كونه بمعنى قال أو المراد حكايته لأنه يحكي بما هو في معنى القول عند الكوفيين، وفائدة الوعد بهذا القول إنه وعد من لا يخلف الميعاد بمضمونه فلا خلف فيه البتة فقد قال ذلك لهم، وفي حقهم فكان إخباراً بثبوته لهم، وهو أبلغ وقيل إنّ هذا القول يقال لهم عند الموت تيسير الهم وتهوينا لسكرات الموت عليهم. قوله:) هذا من عادته تعالى الخ (أن يتبع بدل من هذا وتطييب قلوبهم لجعل أصحاب النار هم الكفرة لا هؤلاء. قوله:) روي أنّ المشركين رأوا رسول الله ﷺ هكذا أخرجه مسلم عن جابر ﵁، وغيره من طرف أخر وعسفان كعثمان اسم مكان معروف على مرحلتين من مكة، وكان ذلك في السنة الخامسة من الهجرة وقد التقى المسلمون، والكفار، وافترقوا من غير حرب، ورأى هنا بصرية، وقاموا في موضع الحال بتقدير قد أو بدل من النبيّ، وأصحابه بتأويله بالمصدر مثل سمعته قال كذا، وقوله: ألا كانوا بفتح الهمزة وتشديد اللام وهي كلمة تنديم كهلاً وما قيل معناه على أن لا كانوا ليس بسديد لأنّ لا لا تدخل على الماضحي من غير تكرير وهذا كان في غزوة ذات الرقاع وذي أنمار، ومعنى أكبوا عليهم هجموا عليهم، وهم في الصلاة بدون سلاح. قوله: (وقيل إشارة إلى ما روي الخ) هذا أخرجه أبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس ﵄، وابن إسحق والبيهقيّ لكن الذي في روايتهم أنّ القتيلين كانوا معاهدين لا مسلمين، وا! الخروج إلى بني النضير لا إلى قريظة والضمري بفتح فسكون نسبة إلى بني ضمرة حيّ من العرب وجحاس بكسر الجيم علم يهوديّ. قوله: (وقيل نزل رسول الله ﷺ الخ (هذا الحديث أخرجه الشيخان من حديث جابر ولا ينافي كون هذا سبب النزول مع أنّ سبب النزول يجوز تعدده قوله قوم فإنّ الجمع قد يطلق على الواحد كما في قوله: ﴿الذين قال لهم الناس﴾ [سورة آل عمران، الآية: ١٧٣] ولا حاجة إلى تكلف تقدير بعض أو أنه همّ بأمرهم فكأنهم هموا. قوله (بالقتل والإهلاك الخ) الإهلاك أعم من المباشرة التي بالقتل، والبسط مطلق المد فبسط اليد للبطش، وبسط اللسان للشتم فإذا استعمل فيهما فهو كناية عنهما فلا يكون يبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم جمعاً بين معنيين مختلفين للفظ واحد، وقوله: إن تمد إشارة إلى المعنى الذي به قابل البسط، وقوله: فإنه الكافي إشارة إلى وجه انتظامه مع ما بعده. قوله: (شاهدا من كل سبط الخ) تقدم أنّ السبط في بني إسرائيل كالقبيلة في العرب والنقيب، والعريف الذي يجعل رأسا لقوم من الجيش لاً نه ينقب عن أحوالهم، ويفتشها ويعرفها من النقب في الحائط ونحوه أو هو بمعنى الكفيل لوفائهم بما أمروا به وأريحاء بالمد كرليخاء وكربلاء بلدة بالشأم، والكنعانيون أولاد كنعان بن سام بن نوح ﵊ وهم أمة من الجبابرة ولغتهم تقرب من العربية وكالب بفتح اللام، ويوفنا بفتح الفاء وتشديد النون ويهوذا بذال معجمة بعدها ألف كلها أعلام غير عربية، وحمل المعية على النصرة بقرينة المقام

стр. 1000

وقيل الظاهر تفسيره بأنى أوفقكم للخير. قوله: (اي نصرثموهم وقويتموهم الخ (أصل معنى التعزير المنع والذب بالذال المعجمة بمعناه أيضا، وقيل أصله التقوية من العزر وهو والأرز من واد واحد وفي التقوية منع لمن قويته على غيره فهما متقاربان، ثم تجوز به عن النصرة لما فيها من ذلك وعن التأديب، وهو في الشرع ما كان دون الحد لأنه راح ومانع عن ارتكاب القبيح، ولذا سمي في الحديث نصرة في قوله ﷺ انصر أخاك ظالما أو مظلوما، ونصرة الظالم تأديبه كما بيته النبيّ ﷺ ، وقد سئل عنه قال الطيبي رحمه الله تعالى: فإن قلت الإيمان بالرسل مقدم على إقامة الصلاة وايتاء الزكاة فلم أخر ذكره في قوله: ﴿لئن أقمتم الصلاة﴾ الآية قلت هذه الجملة أعني قوله: ﴿وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضاً حسنا﴾ كناية إيمائية عن المجاهدة ونصرة دين الله ورسله والإنفاق في سبيله كأنه قيل لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وجاهدتم في سبيلي يدل عليه قوله تعالى: ﴿ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين﴾ [سورة المائدة، الآية: ٢١] قال: أي لا ترتدوا على أدباركم في دينكم لمخالفتكم أمرر بكم، وعصيانكم نبيكم ﷺ وإنما وقع الاهتمام بثأن هذه القرينة دون الأولين وأبرزت في معرض الكناية لأنّ القوم كانوا يتقاعدون عن القتال، ويقولون لموسىءلجز: ﴿اذهب انت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون﴾ [سورة المائدة، الآية: ٢٤] وقيل إنما قدمت لأنها هي الظاهر من أحواله الدالة على إيمانه، وفسر القرض بالإنفاق في سبيل الخير فهو استعارة لأنه لما وعد بجزائه والثواب عليه شبه بالقرض الذي يقضي بمثله، وفي كلام العرب قديماً الصالحات قروض. قوله: (ساذ مسد جواب الشرط) كذا في الكشاف أيضا، وقيل عليه إذا اجتمع شرط وقسم أجيب السابق منهما إلا أن يتقدمه وخبر فهو جواب القسم فقط وجواب الشرط محذوف واللام الأولى موطئه، والثانية جوابية وليس بشيء لأنّ مراده أنّ جواب الشرط محذوف، وهذا دال عليه فهو ساد مسده معنى لا أنه جواب له ويجوز أن يكون! فرنّ جوابا لما تضمنه قوله: ﴿ولقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل﴾ [سورة المائدة، الآية: ١٢] من القسم وقيل إنّ جوابه لئن أقمتم فلا تكون اللام موطئة أو تكون ذات وجهين، وهو غريب وجملة القسم المشروط وجوابه مفسرة لذلك الميثاق المتقدم. قوله: (بعد ذلك الشرط المؤكد المعلق به الوعد العظيم (أي الشرط المؤكد بالقسم الذي علق به ما وقع في جوابه من الوعد العظيم، وهو قوله: ﴿كفرق﴾ الخ وعظمه ظاهر، وعدل عن قول الزمخشري بعد ذلك الشرط المؤكد المعلق بالوعد العظيم لأنه أورد عليه أنّ الوعد بتكفير السيئات وادخال الجنات جزاء للشرط والجزاء هو المعلق بالشرط لا الشرط بالجزاء فعبارة الكتاب على القلب، ولذا غيرها المصنف إشارة إلى أنها مقلوبة، وأجيب بأنه لم يرد بالتعليق المصطلح أي جعل أمر على خطر الوجود مرتبا ومقيدا حصوله بحصول شرط ومسببا عنه بل معناه اللغوي، وهو الارتباط به وقد جعل الشرط مرتبطا لوعد حيث أخبر بحصول الموعود بعد حصول مضمون الشرط، وقد وقع التعليق بهذا المعنى في كلام السيرافي وغيره، أو أنّ التعليق في الحقيقة من الجانبين لأنّ كلا منهما سبب للآخر من وجه فالشرط من جهة الوجود العيني، والجزاء من جهة الوجود العقلي أو بأن الوعد العظيم، وهو قوله إني معكم بالإعانة والنصرة والشرط متعلق به من حيث المعنى نحو أنا معتن بشأنك إن خدمتني رفعت محلك، وهو يرجع إلى جعل التعليق لغويا أيضا فلا حاجة إلى العدول عن الظاهر لهذا، وقيل ليس معنى كلامه ما فهموه من الشرط النحوي لظهور أن ليس المعنى من فكر بعد إقامة الصلاة وايتاء الزكاة والإيمان بالرسل بل بعدما شرطت هذا الشرط ووعدت هذا الوعد وأنعمت هذا الإنعام ولإخفاء في أنّ الضلال بعد هذا أقبح، وأظهر ولا حاجة إلى حمل الكفر على الارتداد خاصة بل يتناول البقاء على الكفر بعد هذا الإخبار والإعلام بمضمون الشرطية، ويدل على هذا أنه وصف الشرط بالمؤكد ومعلوم أنّ القسم ليس لتأكيد مضمون الشرط بل مضمون الجملة بل التحقيق أنه مؤكد للإخبار الذي تضمنه الجزاء كما صرح به السيرافي وهذا مع بعده، وتكلفه محصله أنّ المراد بالشرط الجملة الشرطية أو جزاؤها ومعنى المعلق بالوعد المعلق مع الوعد، وفيه نظر آخر، وأما ما قيل إنّ

стр. 1001

المراد بتأكيد الشرط التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي، وتعليق الوعد العظيم به وأنه خفي على النحرير فليس بشيء لأنّ كل ماض يقلبه الشرط مستقبلا ومثله لم يعدوه تأكيدا فتدبر. قوله: (ضلالاً لا شبهة فيه ولا عذر معه الخ) كونه لا شبهة فيه مأخوذ من سواء السبيل أي وسط الطريق وحاقه وهو ما يظهر غاية الظهور، وما كان كذلك لا عذر معه لا من قد والتعبير بالماضي كما قيل، وهذا جواب عما يقال إن الكفر قبل ذلك وبعده ضلال فما وجه التقييد، ومعذرة مصدر ميمي بمعنى عذر. قوله: (طردناهم) حقيقة اللعن في اللغة الطرد والإبعاد فاستعماله بالمعنيين الآخرين مجاز باستعماله في لازم معناه، وهو الحقارة بما ذكر لكنه لا قرينة في الكلام عليه. قوله: (لا تنفعل عن الآيات والنذر) النذر جمع نذير وتنفعل بمعنى تتأثر، وكون قسية مبالغة لكونه على وزن فعيل، وقوله: إنّ الدرهم القسي بمعنى الرديء من القسوة هو الظاهر، وقيل: إنه غير عربيّ بل معرّب وقوله: نصيبا وافيا يؤخذ من التنوين فإنه يفيد التكثير والتعظيم. قوله: (اس! شاف لبيان قسوة قلوبهم الخ) والحالية إما من مفعول لعناهم أو من المضاف إليه قلوبهم، وأما جعله حالاً من القلوب أو من ضميرها في قاسية كما قاله أبو البقاء فلا يصح لعدم العائد منه وجعل القلوب بمعنى أصحابها مما لا يلتفت إليه، والتعبير بالمضارع فيه للحكاية واستحضار الصورة، وقوله: وتركوا إشارة إلى أنّ النسيان بمعنى الترك وهو يستعمل بهذا المعنى كثيرا وقوله فزلت أي سقطت وضمير شؤمه للتحريف، وفي معنى ما روي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قول الإمام الشافعيّ ﵁ ورحمه: شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصى وأخبرني بأن العلم نور ونور الله لا يهدى لعاصتي وهذا رواه أحمد ﵀ في مسنده. قوله: (خيانة الخ) يعني خائنة إما مصدر على وزن فاعلة كالكاذبة أو اسم فاعل موصوفه المقدر فرقة فلذا أنث أو المراد به خائن والتاء للمبالغة وان كانت في فاعل قليلة ولذا أخره، وكون الخيانة دأب أسلافهم يعلم من وصفهم بالتحريف وما معه ودأبهم لأنه لا يزال يشاهده منهم فلا يرد ما قيل إنه لا دلالة في النظم على إسلافهم وقيل إنه مستفاد من جعل ضمير منهم لهم ولإسلافهم وجعل الاطلاع أعم من الاطلاع بالمشاهدة والأخبار وهو تكلف لا حاً جة إليه وكذا ما قيل إن ما يشاهد منهم علم أنهم ورثوه من أسلافهم، وقوله نسخ بآية السيف بناء على في أن هذه السورة منسوخاً وأنها نزلت قبل براءة وهو قول مشهور، وقوله فصلا عن العفو عن غيره مر الكلام في لفظه ومعناه فتذكره. قوله: (أي وأخذنا من النصارى ميثاقهم كما أخذنا ممن قبلهم الخ) في هذا التركيب وجوه ذكرها المعربون فقيل من متعلقة بأخذنا وتقديره، وأخذنا من الذين قالوا إنا نصارى ميثاقهم فيقدر مقدما ليعود الضمير إليه فهو راجع إلى الموصول أو هو عائد على بني إسرائيل الذين عادت إليهم الضمائر السابقة كقولك أخذت من زيد ميثاق عمرو أي مثل ميثاقه، وبهذا الوجه بدأ الزمخشريّ وعبارة المصنف ﵀ ظاهرة في الأوّل وتحتمل الثاني، أو الضمير عائد على مبتدأ محذوف أخذنا صفته ومن الذين خبره أي من الذين قالوا إنا نصارى قوم أخذنا منهم ميثاقهم، أو المبتدأ من مقدرة موصولة أو موصوفة أي من أخذنا ميثاقهم بناء على جواز حذف الموصول وإبقاء صلته وهو مذهب الكوفيين، وتقدير قوم هو الذي أشار إليه المصنف ﵀ بقوله وقيل الخ وما قيل إنّ قرينة هذا التقدير قوله تعالى: ﴿ميثاقهم﴾ إذ! ولاه لقيل الميثاق ووجهه على عدم التقدير تأكيد نسبة الميثاق إليهم من عدم الوقوف على المراد. قوله:) وإنما قال قالوا إنا نصارى الخ) أي كان الظاهر أن يقال ومن النصارى بدون إطناب، ولم يرد هذا التعبير عنهم به في غير هذا الموضع، وفي الكشاف إنما سموا أنفسهم بذلك اذعاء لنصرة الله وهم الذين قالوا لعيسى ﴿نحن أنصار الله﴾ ثم اختلفوا بعد نسطورية ويعقوبية وملكانية أنصارأ للشيطان لكن الذي في اللغة والتواريخ أن عيسى ﷺ ، ولد في سنة أربع وثلثمائة لغلبة

стр. 1002

الإسكندر في بيت لحم من القدس، ثم سارت به أمه إلى مصر ولما بلغ ثنتي عشرة سنة عادت به إلى الثأم فأقام ببلدة تسمى الناصرة أو نصورية، وبها سميت النصارى ونسبوا إليها وقيل إنهم جمع نصران كندامي وندمان أو جمع نصريّ كمهريّ ومهاري والنصرانية والنصرانة واحدة النصارى، والنصرانية أيضا دينهم، ويقال لهم نصارى وأنصار، وتنصر دخل في دينهم وهذا وجه آخر في تسميتهم نصارى بدليل أنه يقال لهم أنصار أيضاً فلم يسمهم الله نصارى بل ذكر أنهم لقبوا بذلك أنفسهم وأفعالهم تقتضي نصرة الشيطان لا نصرة الله فعدل عن الظاهر ليصوّر تلك الحال في ذهن السامع ويقرّر عندهم أنهم ادّعوا نصرة دين الله نحو قوله تعالى ﴿وراودته التي هو في بيتها﴾ عدل عن اسمها لزيادة المراودة، وفي الانتصاف لما كان المقصود من هذه الآية ذمهم بنقض الميثاق المأخوذ عليهم بنصرة الله، وبما يدل على أنهم لم يوفوا بما عاهدوا عليه من النصرة عدل عن قوله النصارى إلى هذا فحاصل ما صدر عنهم قول بلا فعل. (وعندي) أنه لو قيل في وجهه إنهم على دين النصرانية، وليسوا عليها لعدم علمهم بموجبها ومخالفتهم لما في الإنجيل من التثير بنبينا ﷺ لكان أقرب من بيان وجه التسمية الذي ذكره. قوله: (فألزمنا الخ (أي أصل معنى الإغراء الإلصاق، ومنه الغراء المعروف فاستعمل في لازم معناه وهو الإلزام للعداوة بأن صاروا فرقا يكفر بعضهم بعضاً، والتسطورية هم الذين قالوا بأن أقنوم العلم اتحد بجسد المسيح ﷺ بطريق الإشراق كاشراق الشمس من كوّة على بلور واليعقوبية قالوا: إنّ هذا الأقنوم اتحد بجسد المسيح ﷺ وصار لحماً ودما، والملكانية قالوا انتقل أقنوم العلم إلى جسد المسيح ﷺ وامتزج امتزاج الخمر بالماء وتفصيل هذا في الملل والنحل، وقوله: بالجزاء والعقاب إشارة إلى أنّ الأنباء مجاز عن وقوع ذلك وانكشافه لهم لا أنّ ثمة إخباراً حقيقة. قوله:) ووحد الكتاب لأنه للجنس) فيطلق على الوأحد والاثنين وما فوقهما وجملة يبين لكم حالية من رسولنا، وقوله: في التوراة متعلق بنعت محمد ﷺ وآية الرجم وهذا معنى اسم الجنس، وهو اسم جامد يطلق على الواحد وما فوقه كالماء والتراب. قوله: (أو عن كثير منكم فلا يؤاخذه الخ) هذا مرويّ عن الحسن لكن قال النحرير: إنه مخالف للظاهر لفظا ومعنى ووجهه أنّ الظاهر أنه كالكثير السابق، وفيه نظر لأنّ النكرة إذا أعيدت نكرة فهي متغايرة. قوله: (يعني القرآن الخ) فعلى هذا النور والكتاب واحد وتسميته نور الكشفة وإظهاره طرق الهدى واليقين، وقوله الواضح الإعجاز إشارة إلى أنّ المبين من أبان اللازم بمعنى ظهر وترك تفسيره بالمتعدي وابانته لما خفي لأنه يتكرّر حينئذ مع النور، وقد أشار إليه في الكشاف، وعلى تفسير النور بالنبيّ-ش! ر لظهوره بالمعجزات واظهاره للحق فالمبين حينئذ يحتمل وجهين الظاهر والمظهر ولا تكرار فيه وقوله: لأنّ المراد بهما واحد على التفسير الأوّل للنور وكونهما كالواحد لاتحاد ما بيناه على التفسير الثاني فهو لف ونشر مرتب. قوله:) طرق السلامة الخ) يعني أنّ السلام مصدر بمعنى السلامة أو اسمه تعالى وضع موضع المضمر ردا على اليهود والنصارى الواصفين له تعالى بالنقائص واستعارة الظلمة للكفر والنور للإسلام ظاهرة، وقوله: أنواع الكفر إشارة إلى وجه جمع الظلمات وتوحيد النور والمراد بالإذن الإرادة أو التوفيق كما مرّ وجهه. قوله: (طريق هو أقرب الطرق إلى الله الخ (كونه كذلك ظاهر وفيه نكتة وهو أنه إذا كان لمقصد طريقان أحدهما مستقيم والآخر غير مستقيم فلا بد أن يكون المستقيم أقرب واعتبر ذلك بالقوس والوتر وهذا يسمى بالشكل الحماري في الهندسة والمستقيم يتصل به، وغيره قد لا يتصل به فإنه قد يعوج تقعيراً وتحديباً وهو وجه دلالة الاستقامة على القرب. قوله: (هم الذين قالوا بالاتحاد منهم الخ) قال الزمخشرقي: معناه بت القول على أنّ حقيقة الله هو المسيح لا غير قيل كان في النصارى قوم يقولون ذلك وقيل ما صرحوا به، ولكن مذهبهم يؤدّي إليه حيث اعتقدوا أنه يخلق ويحيي ويميت ويدبر أمر العالم اهـ يعني لما حمل الشخصي على الشخصي مع ضمير الفصل والتأكيد اقتضى الاتحاد والفصل هنا لمجرّد التأكيد لحصول! القصر، بدونه ولأنّ القصر هنا

стр. 1003

للمسند إليه على المسند أي لا غير المسيح كقولهم الكرم هو التقوى، وأنّ الله هو الدهر أي الجالب للحوادث لا غير الجالب بخلاف زيد هو المنطلق فإنّ معناه لا غير زيد وقال الراغب: إن قيل إنّ أحدا منهم لم يقل الله هو المسيح وإن قالوا المسيح هو الله، وذلك أنّ عندهم أنّ المسيح من لاهوت وناسوت فيصح أن يقال المسيح هو اللاهوت، وهو ناسوت كما صح أن يقال الإنسان هو حيوان مع تركبه من العناصر ولا يصح أن يقال اللاهوت هو المسيح كما لا يصح أن يقال الحيوان هو الإنسان قيل إنهم قالوا هو المسيح على وجه آخر غير ما ذكرت، وهو ما روي أنه لما رفع عيسى ﷺ اجتمع علماء بني إسرائيل فقالوا: ما تقولون في عيسى ﷺ فقال أحدهم أو تعلمون أحداً يحعي الموتى إلا الله قالوا: لا قال: أتعلمون أنّ أحداً يعلم الغيب إلا الله، قالوا: لا قال: أتعلمون أنّ أحداً يبرئ الأبرص والأكمه إلا الله قالوا: لا قال: فما الله إلا من هذه صفته أي حقيقة الإلهية فيه، وهذا كقولك الكريم زيد أي حقيقة الكرم في زيد وعلى هذا قولهم إنّ الله هو المسيح ابن مريم والمصنف رحمه الله تعالى أشار إلى أنّ القائلين بالاتحاد يقولون بانحصار المعبود في المسيح كما هو ظاهر النظم فلا يرد عليه شيء وتقريره ما سبق. قوله:) وقيل لم يصرح به أحد الخ) يعني أنهم كما زعموا أنّ فيه لاهوتا مع التصريح بالوحدة لزمهم أنّ الله هو المسيح والا فمجرد اتصافه بصفات الله إنما يناسب الحكم بأن المسيح هو الله أو إله وقرّر بعضهم كلام المصنف هنا بما لا مساس له به، وقوله وتفضيحاً لمعتقدهم أي لهم في معتقدهم ونسبة التفضيح إلى الاعتقاد فيه مبالغة حسنة. قوله: (قل فمن يملك من الله الخ) هذه الفاء عاطفة على مقدر أو جواب شرط مقدر أي ليس الأمر كذلك، أو إن كان كذلك (فمن يملك) الخ وقوله: (فمن يمنع الخ) إشارة إلى أن يملك مجاز عن يمنع أو يضمن معناه، ومن الله متعلق به على حذف مضاف لكن ذكر في الأحقاف في قوله: ﴿فلا تملكون من الله شيئاً﴾ [سورة الأحقاف، الآية: ٨] أنّ معناه لا تقدرون على كفه من معاجلتي وتطيقون دفع شيء من عقابه وحقيقته من يستطيع إمساك شيء من قدرة الله تعالى إن أراد تعالى أن يهلكه فإذا لم يستطع إمساكه، ودفعه عنهم فلا يمكن منعهم منه فلذا فسر بالمنع أخذا بالحاصل وحقيقة الملك الضبط والحفظ ولذا يقال في تول الشاعر: أصبحت لا أحمل السلاج ولا أملك رأس البعير أن يفرا إن معناه لا أستطيع فهو بمعنى المنع أو القدرة مجازاً. قوله: (احتج بذلك على فساد قولهم وتقريره الخ (أي تقرير الدليل أن المسيح مقدور أي حادث تعلقت به القدرة بلا شبهة لأنه تولد من أم ولذا ذكرع الأمّ للتنبيه على هذا، وهو على فرض حياتها فلا يرد عليه أنها هلكت، ومقهور بالفناء من هذه صفته كيف يكون الها. قوله: (إزاحة لما عرض لهم من الشبهة الخ) وهي أنه لا أب له وابراء ا! مه والأبرص وإحياء الموتى فالظاهر أن يقول، كما قال الزمخشري يخلق ما يشاء، أي يخلق من ذكر وأنثى ويخلق من أنثى من غير ذكر كما خلق عيسى ويخلق من غير ذكر وأنثى كما خلق آدم أو يخلق ما يشاء كخلق الطير على يد عيسى ﷺ معجزة له وكإحياء الموتى وإبراء اكمه والأبرص وغير ذلك، فيجب أن ينسب إليه ولا ينسب إلى البشر المجرى على يده. قوله:) أشياع ابنيه الخ) يعني أنهم لم يدعوا أنهم أبناء ألله، وإنما قالوا عزير والمسيح ابنا الله فالمراد أشياع الابن وأتباعه أطلق عليهم أبناء تجوّزا إما تغليباً أو تشبيها لهم بالإبناء في قرب المنزلة كما يقول أتباع الملك نحن الملوك، وكما أطلق على أشياع أبي خبيب ﵁ الخبيبون في قوله: قدني من نصر الخبيبين قدي على من رواه بالجمع قال ابن السكيت يريد أبا خبيب ومن كان على رأيه وهو لقب عبد الذ بن الزبير ﵄ تصغير خب أي خداع أو خبب نوع من المشي وروي مثنى فقيل عبد الفه وابنه، وقيل وأخوه مصعب وبالجملة فالتمثيل لأنه لما جاز جمع خبيب وأشياع أبيه فأولى أن يجوز جمع ابن الله للابن وأشياع الابن بزعم الفريقين فاندفع أنهم لا يقولون ببنوة أنفسهم، ولم تحمل على التوزيع بمعنى أنفسنا الأحباء وأبناؤنا الأبناء بجمع الابنين لمشاكلة الأحباء لأن خطاب بل أنتم بشر يأباه ويدلّ على ادعائهم البنوة بأقي معنى كان والتمثيل بالخبيبين

стр. 1004

على المشهور، وقيل أصله الخبيبيون بالنسبة فخفف كما قيل الأعجمون في جمع أعجمي، فلا يكون شاهداً لما نحن فيه وعلى القول الثاني المراد بالأبناء المقربون فعطف الأحباء عليه كالتفسير. قوله: (فإن صح ما زعمتم الخ) يعني أنّ الفاء جواب شرط مقدر ويصح أن تكون عاطفة على مقدر كما مر، وقوله: بهذا المنصب أي المرتبة واستعمال القرب للمنصب بهذا المعنى وبمعنى الأصل لا بالمعنى المتعارف الآن فإنه مولد، وقوله: لا يفعل ما يوجب تعذيبه يعني الذنوب المصرج بها في النظم، وجعل في جملة عذاب الدنيا المسخ الوافع في أسلافهم واقتصر عليه الزمخشرقي، وقيل إنه الأولى إذ المسخ تعذيب البتة بخلاف البلايا والمحن فإنها كثرت في الصلحاء كما قال المعرّي: ولكنهم أهل الحفائظ والعلا فهم لملمات الزمان خصوم وجعل عذاب الآخرة مس النار أياما معدودة تطهيرا لذنوبهم كما ادعوه ليتم الإلزام فلا يقال إنه كان يكفي أن يقال إن كنتم أبناء الله وأحباءه فلم يعذبكم فإنهم معترفون بهذا العذاب بخلاف العذاب المخلد الذي أخبر به النيّ ﷺ وشهد به الكتاب والحاصل أنه إذا قيل لو كنتم أبناءه وأحباءه لما عذبكم لكن اللازم منتف فربما منعوا انتفاء اللازم، وطالبوا بالحجة، وإذا قيل لم عذبكم في الدنيا بالمسخ وفي الآخرة بما تزعمون تم الإلزام على النهج المعتاد المشهور قال النحرير ﵀ بقي هنا إشكال قويّ وهو أنه. إذا كان بمعنى نحن أبناء الله أشياع ابنيه فغاية الأمر أن يكونوا على طريقة الابن تحقيقاً للتبعية لكن من أين يلزم أن يكونوا من جنس الأب في انتفاء فعل القبائح، وانتفاء البشرية، والمخلوقية ليحسن الرد عليهم بأنهم بشر من جملة من خلق نعم ما ذكر من استلزام المحبة عدم العصيان، والعقاب ربما يتمشى لأنّ من شأن المحب أن لا يعصي الحبيب، ولا يستحق منه المعاقبة، وفيه مناقشة لأنه شأن المحبين والأحباء هم المحبوبون، وسيأتي الجواب عنها، وأجاب عن إشكال إثبات البشرية بأنه ليس إثباتا لمطلق البشرية ليجب أن يكون رد الدعوى بانتفائه بل هو إثبات أنهم بشر مثل سائر البشر، ومن جنس سائر المخلوقين منهم العاصي والمطيع، والمستحق للمغفرة، والعذاب لا كما ادعوا من أنهم الأشياع المخصوصون بمزيد قرب، واختصاص لا يوجد في سائر البشر، ولذا وصف بشر بقوله: ممن خلق حتى لا يبعد أن يكون يغفر لمن يشاء أيضاً في موقع الصفة على حذف العائد أي لمن يشاء منهم، وأما إشكال الجنسية فقيل في جوابه المراد أنكم لو كنتم أشياع ابني الله لكنتم على صفة ابنيه في ترك القبائح، وعدم استحقاق العذاب لأنّ من شأن الأشياع، والاتباع أن يكونوا على صفة المتبوعين الذين هم الأبناء، ومن شأن الأبناء أن يكونوا على صفة الأب فمن شأن الأشياع أن يكونوا على صفة الأب بالواسطة، وقيل هو على حذف مضاف أي لو كنتم أشياع ابن الله لكنتم من جنس أشياع الأب أعني أهل الله الذين لا يفعلون القبائح ولا يستوجبون العقاب، وقيل إنّ قولهم نحن أبناء الله يتضمن دعوتين إثبات الابن، وكونهم أشياعه وأحباء أبيه فرد عليهم الأمر أن جميعا بأنّ من ادعيتم بنوته لو كان ابناً لما جاز عليه القبيح، ولا صدر منه ولو على سبيل الزلة، ولم يؤاخذ، ولو بالمعاتبة، والأنبياء ليسوا كذلك، وما ادعيتم من كونكم الأشياع والأحباء لو صح لما عذبتم بل إذا بطلت البنوّة بطل كونكم أشياع الابن، وأحباء الأب بواسطة ذلك، وأنت خبير بأن قوله فلم تذنبون وتعذبون بالمسخ، وم! النار بيان لانتفاء اللازم مقدم على الشرطية فلا معنى لاختصاص جزاء البنوة بالمتبوعين الذين لا قطع بذنبهم، وعقابهم بل يقطت بخلافه، وكيف يصح هذا مع عموم خطاب الشرط، وارتكاب الجمع بين الحقيقة، والمجاز، وقيل المراد إبطال أن يكونوا أبناء حقيقة كما يفهم من ظاهر اللفظ أو مجازاً كما فسره فيكون أوكد في إفادة المطلوب، وهذا مع بعده إنما يصح لو كان مع التعرض لإبطال ما ادعوا من كونهم أشياعاً، وبعد كل كلام فالمقام محتاج إلى تحرير، وتهذيب، والذي يظهر أنّ هذا كله تكلف، وضيق عطن، وأنّ اللائق أن يقال إنّ مرادهم بكونهم أبناء الله أنه لما أرسل إليهم الابن على زعمهم، وأرسل لغيرهم رسلا من عباده دل ذلك على امتيازهم عن سائر الخلق، وأنّ لهم مع الله

стр. 1005

مناسبة تامة، وزلفى تقتضي كرامة لا كرامة فوقها كما أنّ الملك إذا أرسل لدعوة قوم أحد جنده، ولآخرين ابنه علموا أنه مريد لتقريبهم، وأنهم آمنون من كل سوء يطرق غيرهم، ووجه الرد أنكم لا فرق بينكم، وبين غيركم عند الله فإنه لو كان كما زعمتم لما عدّبكم، وجعل المسخ فيكم، وكدّا على كونهم بمعنى المقربين المراد قرب خاص فيطابقه الرد، ويتعانق الجوابان فافهمه، وقول المصنف ﵀ لنحو ذلك لأنّ ما سبق ليس هذا الكلام بعينه، وقيل على قوله فإن من كان بهذا المنصب الخ. وفي نسخة بهذه الصفة أن الأحباء هنا بمعنى المحبوبين فالأنسب أن يقال إنّ المحب لا يعذب المحبوب بهذه الأنواع المذكورة، وهذا مأخوذ من كلام النحرير، وقد يقال في دفعه إنّ من أحب الله محبة صادقة أحبه الله كما قيل ما جزاء من يحب إلا أن يحب. قوله: (ممن خلقه الله تعالى) إشارة إلى تقدير العائد، وقوله، وهم من آمن الخ لأنهم كفرة لا يغفر لهم بدون الإيمان كما علم من قوله: ﴿إنّ الله لا يغفر أن يشرك به﴾ إن قلنا بعمومه كما هو المعروف الىخهور ومن الغريب ما في شرح مسلم للنووي أنه يحتمل أنه مخصوص بهذه الأمة، وفيه نظر، وقوله: لا مزية لكم إشارة إلى أنه رد لما إدعوه. قوله: (كلها سواء في كونها خلقاً وملكاً له (فلا يتميز بعضهم بالبنوّة وغيرها وهذا بيان لأنه من تتمة الرد عليهم، وفسر الرجوع إليه بالمجازاة لما مر. قوله: (أي الدين وحذف لظهوره الخ) أي قدر مفعوله هذا لظهوره لأنه من المعلوم أن ما بينه الرسول ﷺ هو الشريعة أو مفعوله ما كتمتم بقرينة قوله قبل هذا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون أو هو منزل منزلة اللازم أي يفعل البيان، ويبذله، ويعلم من عدم ذكر متعلقه عمومه لكل ما يلزم بيانه. قوله: (متعلق بجاءكم الخ) أشار بذكر حين إلى أنه ظرف أي بعد فترة أو في حين فترة، والمراد بتعلقه يبين التعلق المعنوي لأنه حال فمتعلقه مقدر، والوجه هو الأوّل، وجوز أن يكون حالاً من ضمير لكم ومن الرسل صفة فترة، ومن ابتدائية أي فترة صادرة من إرسال الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأن تقولوا مفعول لأجله بتقدير كراهة أن تقولوا، ونحوه وقيل إنه بتقدير اللام لعدم اتحاد الفاعل فيهما، والجواب أن المراد بجاءكم رسول علمتم ببعثة الرسل وفيه نظر، وقوله: تترى أي متتابعة متواترة. قوله:) متعلق بمحذوف أي لا تعتذروا بما جاءنا فقد جاءكم الخ (هذا المحذوف قال النحرير: إنه تفصح عنه الفاء وتفيد بيان سببه كالتي تذكر بعد الأوامر، والنواهي بياناً لسبب الطلب لكن كمال حسنها، وفصاحتها أن تكون مبنية على مقدر منبئة عنه بخلاف قولك اعبد ربك فالعبادة حق له، ومبني الفصيحة على الحذف اللازم بحيث لو ذكر لم يكن بذاك، وتختلف عبارة المقدر فتارة يكون أمرأ أو نهيأ كما في هذه، وتارة شرطا كما في قوله: ﴿فهذا يوم البعث﴾ وقوله: فقد جئنا خراسانا وتارة معطوفا عليه كما في قوله فانفجرت، وقد يصار إلى تقدير القول كما في الفرقان في قوله تعالى ﴿فقد كذبوكم بما تقولون﴾ قال فيها الزمخشري: هذه المفاجأة بالاحتجاج، والإلزام حسنة رائعة وخاصة إذا انضم إليها الالتفات، وحذف القول، وجعل هذه الآية، والبيت من هذا القبيل يعني التقدير فقلنا إن صح ما ذكرتم فقد جئنا خراساناً، وكذا ما نحن فيه أي فقلنا لا تعتذروا فقد جاءكم قال في الكشف ثم إنه في المعنى جواب شرط مقدر سواء صرح بتقديره أولاً كما في لا تعتذروا الخ لا! الكلام إذا اشتمل على مرتبين ترتب أحدهما على الآخر ترتب العلية كان في معنى الشرط، والجزاء فلا تنافي بين التقادير المختلفة هذا، ولو سلم أنهما مختلفان فهما وجهان يجريان في الموضعين ذكر أحدهما هنا، والآخر هناك وكم من ذلك في هذا الكتاب، وهذا تحقيق بديع فاحفظه. قوله:) كان بينهما ستمائة الخ (وقيل أربعمائة، وبضع وستون سنة عن الضحاك، وقيل غير ذلك، والثلاثة من بني إسرائيل هم المذكورون في قوله تعالى: ﴿فعززنا بئالث﴾ كما سيأتي، وأما خالد بن سنان العبسي بالباء الموحدة فقد تردد فيه الراغب في محاضراته، وبعضهم لم يثبته وبعضهم قال إنه كان قبل عيسى ءش! هـ لأنه ورد في حديث: " لا نبي بيني وبين عيسىءشييهإ لكن في الكامل تاريخ ابن الأثير، وغيره أن خالد بن سنان العبسي كان ثيباً من معجزاته أن ناراً ظهرت بأرض العرب فافتتنوا بها، وكادوا يتمجسون فأخذ خالد عصاه، ودخلها حتى توسطها

стр. 1006

وفرق! فطفئت وهو في وسطها، وقيل إنّ النبي ﷺ قال فيه: اذاك نبتي ضيعه قومه " لا! (وأتت ابنته النبيّ ك! هه، وآمت به وله قصة مفصلة في كتب الآثار، والصحيح أنه من الأنبياء، وأنه قبل عيسى تيخحيه. قوله:) حين انطمست آثار الوحي الخ (أحوج ما يكون إليه أي في حين هو أحوج أوقات كينونتهم إلى الرسول على طريقة أخطب ما يكون الأمير قائما. قوله: (ولم يبعث في أقة الخ (إشارة إلى الكثرة التي يفيدها جمع الكثرة المنكر، وليس هذا هو كلام موسى ﷺ ، ولذا غير أسلوب الخطاب إلى الغيبة. قوله:) وجعلكم ملوكاً (غير الأسلوب فيه لأنهم لكثرة الملوك فيهم، ومنهم صاروا كلهم كأنهم ملوك لسلوكهم مسلك الملوك في السعة والترفه فلذا تجؤز في إسناد الملك إلى الجميع بخلاف النبؤة فإنها، وان كثرت لا يسلك أحد مسلك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لأنها أمر إلهي يختص الله به من يشاء فلذا لم يتجوّز في إسنادها، وهذا هو الوجه اللائق ببلاغة الكتاب العزيز فقول المصنف منكم أو فيكم بيان لحاصل المعنى لا أنه مقدر فيه ذلك وعلى الوجه الثاني جعل إنقاذهم من القبطة، وتملكهم عليهم ملكأ فالتجؤز في لفظ الملوك، وعلى الأوّل في الإثبات للكل ما هو للبعض. قوله: (وقد تكاثر فيهم الملوك الخ (هذا أيضأ من كلام المصنف بيانأ للواقع لا من كلام موسى ﷺ أو ما أدرج فيه لأنه لا يناسب ذكر عيسى لمجبم والمعنى أن موسى بم! ذكر لهم إنعام الله عليهم بجعلهم ملوكاً وأن تلك النعمة التي ذكرها استمزت فيهم زمانا طويلأ، وقوله:) حتى فعلوا الخ (إشارة إلى أنهم لكثرة اأسملوذ فيهم طغوا، وتجبروا حتى فعلوا مثل ذلك، وقيل معناه أنه تكاثر الملوك فيهم بعد قت!! يخحيى كما تكاثر الأنبياء بعد فرعون، وحين قتلوا يحى انقطعت كثرة الأنبياء بشؤم فعلهم، وفي أكثر النسخ حتى قتلوا، وعلئ هذا فيكون المعنى تكاثرت الأنبياء، والملوك فيهم قبل قتل يحيى فلما قتلوا يحيى انقطع عنهم كثرة ما ذكر انتهى. قوله:) من فلق البحر الخ (هذا دفع لما يتوهم من تفض جلهم على أمّة محمد بأنّ اصمراد بما آتاهم أمر مخصوص بهم كفلق البحر، وتظليل الغمام لهم في التيه أو كثرة الأنبياء، والملوك، وهذا لم يؤته أحد غيرهم، ولا يلزم من تفضيلهم بوجه تفضيلهم من جميع الوجوه فإنه قد يكون للمفضول ما ليس للفاضل أو الألف، واللام في العالمين للعهد فالمراد عالمو زمانهم فلا يلزم المحذور أيضاً، وايتاء ما لم يؤت أحد وان لم يلزم منه التفضيل لكن المتبادر من استعماله ذلك فلذا أوّلوه بما ذكر قوله: (كأرض بيت المقدس الخ (في معناه أربعة أقوال كما ذكره المصنف، وسميت مقدسة أي مطهرة لتطهيرها من الشرك فإنها مقر الأنبياء، ومهبط الوحي والأردن بضم الهمزة وسكون الراء المهملة، وضم الدال المهملة، وتشديد النون، وما وقع في القاموس من أنها بتشديد الدال سهو منه، وهي كورة بالشأم. قوله: (قسمها لكم أو كتب في اللوح الخ (القسمة بمعنى التقدير فمعنى كتبها قدرها مجازاً أو المراد الكتابة في اللوج فهي حقيقة روي أن الله تعالى أمر الخليل ﵊ أن يصعد جبل لبنان فما انتهى بصره إليه فهو له ولأولاده فكانت تلك الأرض مدى بصره، وقوله إن آمنتم الجمع بينه، وبين الآية الآتية بناء على أن التحريم فيها مؤبد، وهو أحد الوجهين كما سيأتي. قوله: (ولا ترجعوا مدبرين الخ (يعني أنّ على أدباركم حال من فاعل ترتذوا أي منقلبين ومدبرين، والأدبار جمع دبر، وهو ما خلفهم من الأماكن من مصر وغيرها، وقوله قيل الخ. إشارة إلى حمل الرجوع على الرجوع إلى مصر فالمراد بالارتداد الرجوع عن مقصدهم إلى غيره، وعلى القول الأخير المراد به صرف قلوبهم عما كانوا عليه من الاعتقاد صرفا غير محسوس وقوله ئواب الدارين إشارة إلى مفعوله المقدر، وجوّز في فتنقلبوا الجزم بالعطف، وهو أظهر والنصب في جواب النهي على أنه من قبيل لا تكفر تدخل النار وهو ممتنع خلافا للكسائي. قوله:) متغلبين لا تتأتى مقاومتهم الخ (معنى تتأتى تمكن بسهولة تفعل من التأتي. قوله:) والجبار الخ (يعني أنه فعال صيغة مبالغة من جبر الثلاثي على القياس لا من أجبره على خلافه كالحساس من الإحساس، ومعناه القهر مع التعالي

стр. 1007

ولذا يقال للنخلة جبارة وإليه أشار المصنف رحمه الله تعالى بقوله، وهو الذي يجبر الناس على ما يريده أي يكرههم عليه، وقوله كالب، ويوشع بناء على ما ارتضاه من أنهما من قوم موسى ىيخيه لا من الجبابرة، وقوله: يخافون الله بناء على هذا أيضا، ويؤيده قراءة ابن مسعود يخافون الله، وقد يخافون العدوّ أيضاً، وتجوله: إذ لا طاقة لنا بهم تعليل لتعليق الدخول بخروجهم فإنه يقتضي أنهم لا يدخلونها ما داموا فيها فلا يرد عليه ما قيل إنه ليس علة للشرطية بل لعدم الدخول حتى يخرجوا منها فينبغي تعليقه عليه. قوله: (وقيل كانا رجلين من الجبابرة الخ (فعلى هذا الذين عبارة عز! الجبابرة، والواو ضمير بني إسرائيل وعائد الموصول محذوف أي يخافونهم، وعلى الأؤر كان الضمير، وهو الواو لبني إسرائيل أيضا إلا لأنه لا يحتاج إلى تقدير عائد لأنه هو العائد، ولذا قدروا المفعول فيه اسما ظاهرآ فالفارق بين الوجهين إنما هو قوله: (والراجع الخ لا وبحتمل على الأوّل إنّ الذين يخافون الله المؤمنون مطلقا فلا يكون الضمير لبني إسرائيل، وعلى هذا جؤز أيضا أن يكون التقدير من الذين يخافون الله أو يخافون العدوّ كما في الدر المصون. قوله: (ويشهد له أنه قر! الذين يخافون بالضم الخ (أيد الزمخشري هذا التأويل بقراءة يخافون مجهولأ وبقوله: أنعم الله عليهما كأنه قيل من المخوّفين، وهذه القراءة مروية عن ابن عباس ﵄ وعن مجاهد، وفي هذه القراءة احتمال آخر وهو أن يكون من الإخافة ومعناه من الذين يخوّفون من الله بالتذكرة والموعظة أو يخوّفهم، وعيد الله بالعقاب، ويحتمل وجهأ آخر، وهو أن يكون معنى يخافون أي يهابون، ويوقرون، ويرجع إليهم لفضلهم، وخيرهم ومع هذين الاحتمالين لا ترجيح في هذه القراءة لكونهما من الجبارين وأمّا قوله: ﴿أنعم الله تعالى﴾ الخ فكونه مرجحاً غير ظاهر لأنها صفة مشتركة بين يوشع وكالب، وغيرهما، ولذا تركه المصنف مشتركة بين يوشع وكالب، وغيرهما، ولذا تركه المصنف ﵀. قوله:) بالإيمان والتثبيت الخ (المراد بالتثبيت التثبيت على الإيمان، وإنما زاده ليشمل كون الرجلين من بني إسرائيل، وقد جوّز في هذه الحالية أيضا بتقدير قد، وباغته بمعنى فاجأه والأصحار بالصاد، والحاء المهملتين البروز إلى الصحراء. قوله: (لتعسر الكر الخ (الكر التوجه إلى العدوّ في المقاتلة، ويقابله الفر كما قال امرؤ القيس: مكر مفر مقبل مدبر معا وقوله: أجسام لا قلوب فيها أي ليس لهم قلوب قوية وشجاعة بتنزيل قلب من لا يكون كذلك منزلة العدم، وقوله: من صنعه وفي نسخة صنيعه بمعنى إحسانه وإنعامه، وقوله: مؤمنين به، ومصذقين بوعده يعني المراد بالإيمان التصديق بالله، وما يتبعه من التصديق بما وعده، وإلا فإيمانهم محقق، ويصح أن يكون المراد به التهييج، والإلهاب. قوله:) نفوا دخولهم على التاكيد والتأبيد (التأبيد مستفاد من أبدا والتأكيد منه، ومن لن فإنها تفيد تأكيد النفي لكونها في مقابلة سوف يفعل كما مرّ مراراً، وقوله: بدل البعض لأن الأبد يعم الزمان المستقبل كله ودوام الجبابرة فيها بعضه، وقول الزمخشرقي ما داموا بيان للأبد يحتمل بدل الكل، وعطف البيان لوقوعه بين النكرتين وهذا بناء على تفسير الأبد بالظاهر منه أو بالزمن المتطاول. قوله:) قالوا ذلك استهانة بالله ورسوله (يعني ليس المراد أنه يذهب مع الله حقيقة كما ذكره الزمخشري، واستظهره بمقابلته بأنا هاهنا قاعدون فإن التقييد بهاهنا يقتضي أن المراد حقيقته فكذا ما يقابله، وقوله، وقيل الخ أي هو مبتدأ خبره محذوف، وهو خلاف الظاهر، ولذا مرضه، وقيل إنه يحتمل أن يكون من قبيل كل رجل، وضيعته. قوله:) قاله شكوى بثه وحزنه (أي مقال شكوى أو لأجل الشكوى فليس القصد إلى الأخبار، وكذا كل خبر يخاطب به علام الغيوب يقصد به معنى مناسب سوى إفادة الحكم أو لازمه فليس رذاً لما أمره الله به ولا اعتذاراً عن عدم الدخول. قوله: (والرجلان المذكوران الخ) جواب عن هذا القصر مع أنهما معه أيضاً، وقوله: لم يثق عليهما ضممنه معنى يعتمد فلذا عداه بعلى، وتلون القوم مجاز عن تقلب آرائهم، وكون المراد بالأخ ما يشملهما بعيد لفظاً، ومعنى لأنّ إفراده محتاج إلى التأويل بكل مؤاخ لي في الدين أو بجنس الأخ، وأجيب بأنه ليس القصد بل بيان قلة من يوافقه تشبيهاً لحاله بحال من لا يملك إلا نفسه، وأخاه. قوله: (ويحتمل نصبه عطفاً على نفسي الخ) ذكروا في إعرابه وجوها شتى منها ما ذكره المصنف رحمه

стр. 1008

الله فنصبه إما عطف على اسم أن أو نفسي أو مرفوع بالعطف على فاعل أملك أو مبتدأ خبره محذوف أو مجرور بالعطف على الضمير المجرور المضاف إليه نفس، وكلها ظاهرة حتى العطف على الضمير المرفوع المتصل بلا تأكيد لوجود الفصل بالمفعول، ثم هذا لا يوجب الاتحاد في المفعول بل يقدر للمعطوف مفعول آخر أي وأخي إلا نفسه كما تقول ضربت زيداً وعمرا فلا يرد ما قيل إنه يلزم من ذلك أنّ موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام لا يملكان إلا نفس موسى ﷺ فقط، وليس المعنى على ذلك بل على أنّ موسى ﵊ يملك أمر نفسه، وأمر أخيه، وليس من عطف الجمل بتقدير، ولا يملك أخي إلا نفسه كما توهم، وتحقيقه أنّ العطف على معمول الفعل لا يقتضي إلا المشاركة في مدلول ذلك ومفهومه الكلي لا الشخص! المعين بمتعلقاته المخصوصة فإنّ ذلك إلى القرائن، وكذا إذا عطف على اسم أنّ معناه أنّ أخي لا يملك إلا نفسه، وكذا العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار، وقد تقدم الكلام فيه، وهو ضعيف على قواعد البصريين، وأجازه الكوفيون كما ذكره المصنف ﵀. قوله: (بأن تحكم لنا بما نستحقه الخ) هذا مبني على الاختلاف في أنّ موسى ﷺ هل كان معهم في التيه ولكن ما كان ينالهم من المشقة لا يناله كما كانت النار على إبراهيم برداً وسلاما أو لم يكن معهم، وهو مجاب الدعوة كسائر الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهذه الجملة دعائية فعلى الأوّل المراد التفريق والتبعيد بينهما فهو بمعناه الحقيقي. قوله: (عامل الظرف إمّا محرّمة الخ) الظرف هنا أربعين سنة فعلى تعلقه بمحرّمة التحريم مؤقت فلا ينافي أنها كتبت لهم، وقوله: احتضر أي حضره الموت، وهو مجهول. قوله:) وإمّا يتيهون الخ) أفي عامله يتيهون وتاه يتيه ويتوه، وهو أتوه وأتيه مما تداخل فيه الواو، والياء من التيه ومعناه الحيرة، ولذا أطلق على المفازة تيه، وتيهاء لأنه متحير فيها فمعناه يسيرون متحيرين، وحيرتهم عدم اهتدائهم للطريق، وكون التحريم مطلقا أي يحتمل التأبيد وعدمه، وتوله، وقد قيل الخ بناء على أن المراد منه التأبيد، وقوله: فإذا هم للمفاجأة أي يسيرون، وبعد سيرهم يرون أنفسهم في المحل الذي ارتحلوا عنه كسير السواني لا ينقطع، وتظليل الغمام لهم مع عصيانهم، ومعاقبتهم بالحيرة من كرمه تعالى، واشارة إلى أنّ تهذيبهم إنما هو للتأديب كما يضرب الرجل ولده مع محبته له، ولا يقطع عنه معروفه، ولذا أنزل عليهم المن، والسلوى لئلا يهلكوا جوعا، وجعل حجر موسى ﷺ معهم يتفجر منه الماء كما مرّ دفعاً لعطشهم، وجعل معهم عمود نور ولباسهم من شيء كالظفر لا يبلي وشعورهم لا تزيد إلى غير ذلك من الأنعام، وروحا بفتح الراء أي كان التيه وأموره راحة لهما، وعلى هذا فإظلال الغمام وما معه لأجلهما وقوله فيه أي في التيه وتأس مجزوم بلا الناهية بمعنى لا تحزن لموتهم أو لما أصابهم فيه من الأسى، وهو الحزن. قوله: (أوحى الله الخ) كان في شريعته تزوّج الأخ بالأخت التي لم تولد معه في بطن واحد جعل افتراق البطون بمنزلة افتراق النسب للضرورة، ولذا حرّم بعده إذ زال المقتضي، وكثر الناس، وإذا كان ذلك غير جائز فإنما أمره بتقريب قربان لعلمه أنه لا يقبل لا أنه لو قبل جاز والتوأمان الولدان في بطن واحد الذكر توأم، والأنثى توأمة، والمصنف ﵀ استعمل توأم للتوأمة بتأويل الشخص، وتوأمة قابيل إقليماً وتوأمة هابيل كبودا قال والد شيخي، واعلم أنّ التوم بلا همز اسم لمجموع الولدين فأكثر في بطن واحد من جميع الحيوان وبهمز كرجل توأم، وامرأة توأمة مفرد تثنيته توأمان فالاعتراض! بأنه لا تثنية له، وهم لما علصت من الفرق بين التوم بلا همز، والتوأم بالهمز وأنّ التثنية إنما هي للمهموز لا غير، وظاهر القاموس بل صريحه أنه اسم لمجموعهما، وأنّ التثنية إنما هي لتوأم، وتوأمة لا لتوم، وعبارته التوأم من جميع الحيوان المولود مع غيره في بطن من الاثنين فصاعداً ذكرا أو أنثى أو ذكرا وأنثى جمعه توائيم، وتؤام كرخال، وقوله بأن نزلت نار الخ. هذا كان علامة القبول، وكان أكل القربان غير جائز في الشرع القديم، وقوله، وفعل ما فعل هو قصته الآتية. قوله: (وقيل الخ) زيف هذا بقوله فبعث الله غرابا الخ. إذ كان الدفن معلوما إذ ذاك فتأمل. قوله: (ولذلك قال كتبنا الخ) وتوجيهه على الأخر أي من أجل أنّ الحسد صار سببا لهذا الفساد، وهو غالب على

стр. 1009

بني إسرائيل، وعن بعض المفسرين، إنما ذكر بني إسرائل دون الناس لأنّ التوراة أوّل كتاب نزل فيه تعظيم القتل، ومع ذلك كانوا أشد طغيانا، وتماديا فيه حتى قتلوا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والمعنى بسبب هذه الفعلة كتبنا في التوراة تعظيم القتل وشددنا عليهم وهم بعد ذلك لا يبالون وسيذكر هذا المصنف رحمه الله تعالى بعد قوله، ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض! لمسرفون فلا حاجة إلى التبرّع به هاهنا. قوله: (اي ثلاوة ملتبسة بالحق الخ (ذكر في إعرابه ثلاثة أوجه أنه صفة مصدر اتل أو حال من المفعول، وهو نبأ ابني آدم وقدره الزمخشري نبأ ملتبسا بالحق ليتعين ذو الحال أو حال من فاعل اتل المستتر، وهو ضمير المخاطب، ثم الحق يطلق على معان أحدها المثبت الصحيح، وثانيها المطابق للواقع بمعنى الصادق، وثالثها المتضمن للغرص الصحيح لقوله تعالى في الأحقاف: ﴿ما خلقنا السموات والآرض! وما بينهما إلا بالحق﴾ [سورة الحجر، الآية: ٨٥] أي خلقا ملتبسا بالغرض الصحيح، والحكمة وضده الباطل بمعنى العبث كما في قوله: ﴿ما خلقت هذا باطلا،، ويكون صفة لما اشتمل على هذه المعاني، ومصدراً بمعنى الثبوت، والمطابقة وصحة الغرض، وهو هنا بالمعنى المصدري أو الوصفي، والباء فيه للملابسة كما أشار إليه بقوله ملتبسا، وعمل نبأ في الظرف لأنه مصدر في الأصل، والظرف يكفي فيه رائحة الفعل. قوله:) أو حال منه) فيتعلق بمحذوف سبقه إليه أبو البقاء ورده في الدرّ المصون بأنه يكون قيدا في عامله، وهو اتل المستقبل واذ لما مضى، ولذا لم يتعلق به مع ظهوره، وفيه تأمّل. قوله: (أو بدل على حذف مضاف) قال النحرير: ليصح كونه متلواً والا فمجرّد الظرف كاف في الإبدال لحصول الملابسة، وقيل عليه إنه غير صحيح لأنّ إذ لا يضاف إليها إلا الزمان نحو يومئذ ونبأ ليس بزمان، وهو بدل بعض من كل أو كل من كل، وما ذكرء المصنف من الكشاف إلا أنه ترك قوله يقال قرّب صدقة، وتقرّب بها لأنّ تقرّب مطاوع قرب قال الأصمعي تقربوا قرف القمع فيعتدي بالباء حتى يكون بمعنى قرب انتهى. قال السمين قال الشيخ كذا قرّره الزمخشري وفيه نظر لأنّ إذ لا يضاف إليها إلا الزمان قال الأصمعي: الخ. أي يكون قربا يطلب مطاوعا التقدير إذ قرباه فتقربا به وفيه بعد قال وليس تقرب فيه مطاوع قرب لتفرّقه ولاتحاد فاعل الفعلين والمطاوعة مختلف فيها الفاعل يكون من أحدهما فعل ومن الآخر انفعال نحو كرته فانكسر فليس قرب وتقرب من هذا الباب فهو غلط فاحش ولا نسلم ما ذكره من القاعدة انتهى. (أقول) فيما قاله أمور الأوّلأنّ قوله إذ لا يضاف إليها إلا اسم زمان غير مسلم ألا ترى قول العلامة نبأ ذلك الوقت فإنه بمعنى نبأ إذ، ولا شبهة في صحته معنى، واعراباً، ولا فرق بينهما فإن منعه سماعاً فدونه خرط القتاد، ودعوى لزوم اختلاف فاعلهما غير مسلمة فإن حجتهم أنّ أحدهما فاعل، والآخر قابل، وهو مبني على قاعدة أصولية، وهو أنّ القابل لا يكون فاعلاً، وقد ردّها بعض الفضلاء ألا ترى أنّ الإنسان قد يقتل نفسه فيتحد القابل، والفاعل، ويؤيده قوله تعالى فيقتلون، ويقتلون فان كان الأصمعي أراد هذا لم يرد عليه ما قاله الشيخ، وقد يقال مراده بيان معناه لغة فاعرفه. قوله: (والقربان اسم ما يتقرّب به الخ) الحلوان بالضم أجرة الدلال، والكاهن، ومهر المرأة وما يعطي من رشوة، ونحو ذلك من الحلاوة لأنه يؤخذ بسهولة، وأراد " فعل تفضيل من الرداءة ضد الجودة وصاحب ضرع أي ماشية، والضرع يطلق عليها مجازاً من إطلاق الجزء على الكل. قوله: (لأنه سخط حكم الله الخ (حكم الله هو عدم جواز نكاح التوأمة، وقوله: لفرط الحسد أي على قبول القربان، وقوله قال: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾ يدل على أنه المراد لا أنه حسده على إرادة أخذ أخته الحسناء. قوله: (أتيت) إتيانه من قبله عبارة عن إصابة ما أصابه، وازالة حظه أي نصيب المحسود، ونعمته لأنّ شأن الحاسد ذلك وقوله فإنّ ذلك أي اجتهاده فيما ذكرء قوله: (وأنّ الطاعة لا تقبل إلا من مؤمن متق (في الكشاف قال له: إنما أتيت من قبل نفسك لانسلاخها من لباس التقوى لا من قبلي فلم تقتلني، ومالك لا تعاتب نفسك، ولا تحملها على تقوى الله التي هي إلسبب في القبول فأجابه بكلام حكيم مختصر جامع لم! ن، وفيه دليل على أنّ الله تعالى لا يقبل الطاعة إلا من . ة من متق الخ يريد أن هذا الجواب وارد على الأسلوب

стр. 1010

الحكيم لأنه تلقاه بغير ما يتطلب، وبما ٥، اهمّ منه من القتل، والإشارة بقوله، ولا تحملها على تقوى الله التي هي السبب في القبول) اكا أنه ينبغي للحاسد أن يرى ذلك، ويعتقده فيقول فيما لم يتقبل منه أنّ سبب عدم قبوله من، صور فاعل ذلك الفعل فيه لكونه غير واقع على نهج التقوى الصادرة من المؤمنين كعدم نيته! ا، لك، وقصده وجه الله بل حظ نفسه فالمراد بكون متقيا أنه متق في تلك الطاعة فلا يرد عليه ءا قيل كل متق أو عاص إذا فعل طاعة، وأخلص النية فيها قبلت منه كما قال الإمام القرطبي ط: أصحابنا المخلطون يعملون الحسنات، والسيئات إذا ثقلت حسناتهم دخلوا الجنة، ولا، صح الجواب بأن المراد من التقوى التقوى من الشرك التي هي أوّل المراتب، وقابيل آل أمره إ) ما الشرك إذ روي أنه هرب إلى عدن بعد قتل أخيه فأتاه إبليس لعنه الله، وقال له إنما أكلت ١١-، ر قربان هابيل لأنه خدمها وعبدها فبنى له بيت نار وهو أوّل من عبد النار. قوله: (قيل كان هابيل أقوى منه ولكن تحرج عن قتله) أي تجنب الحرج والإثم فالتفعل للسلب هنا، االاستسلام الانقياد، والمراد به هنا عدم الممانعة والمدافعة وقوله: (لآنّ الدفع الخ) يعني أنّ ااقتل للانتصار، والمدافعة لم يكن مباحا في ذلك الوقت، وفي تلك الشريعة كما روي عن. حاهد رحمه الله تعالى، وإنّ الله أمر بالصبر عليه ليكون هو المتولي للانتصاف وقوله: (أو تحريا لما هو الآفضل الخ) الأفضل أكثر ثوابا وهو كونه مقتولاً لا قاتلا بالدفع عن نفسه بناء لحلى جوازه إذ ذاك، وهذا الحديث أخرجه ابن سعد في طبقاته. واعلم أنه اختلف في هذا على ما بسطه الإمام الجصاص فالصحيح من المذهب أنه يلزم ددع الفساد عن نفسه، وغيره وان أدى إلى القتل، ولذا قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنّ معنى ما أنا بباسط الخ. إن بدأتني بقتل فأنا لم أبدأك فالمعنى لم يثبت لي بسط اليد ووجه المعبير بالاسمية ظاهر حيحئذ وأما على قول مجاهد رحمه الله تعالى إنه لم يبح لهم الدفع فالآية. صسوخة، وهل نسخت قبل شرعنا أم لا فيه كلام، والدليل عليه قوله: ﴿فقاتلوا التي تبغي﴾ اصورة الحجرات، الآية: ٩١] وغيره من الآيات والأحاديث وقيل إنه لا يلزم ذلك بل يجوز،، استدل بهذا الحديث، ونحوه وأوّلوه بترك القتال في الفتنة، واجتنابها وأوّل الحديث يدل عليه، وأما من مغ ذلك الآن مستدلاً بحديث: " إذا التقى المسلمان بسفيهما فالقاتل والمقتول في النار " فقد ردّ بأنّ المراد به أن يكون كل منهما عزم على قتل أخيه، وان لم يقاتله ويتقابلا بهذا القصد. قوله: (وإنما قال ما أنا بباسط يدي الخ) يعني أن هذه جواب القسم الموطأ له باللام لأنّ الجواب للسابق من القسم، والشرط كما مرّ لكنها لدلالتها على جواب الشرط كانت في المعنى جوابا له، ولو كانت جواب الشرط حقيقة لزمتها الفاء، وقد عدل فيها عن الفعلية إلى الاسمية وعبارة المصنف أحسن من قول الكشاف فإن قلت لم جاء الشرط بلفظ الفعل، والجزاء بلفظ اسم الفاعل، وهو قوله: لئن بسطت ما أنا بباسط قلت ليفيد أنه لا يفعل ما يكتسب به هذا الوصف الشنيع، ولذلك أكده بالباء لما فيه من المسامحة أو جعله جواب الشرط بخلاف قول المصنف رحمه الله تعالى جواب لئن فإنه صادق بجواب القسم، ثم بين أنّ العدول إلى الاسمية للمبالغة في أنه ليس من شأنه ذلك، ولا ممن يتصف به، ولم يقل وما أنا بقاتل بل بباسط للتبرّي عن مقدمات القتل فضلا عنه، ولذا قال المصنف رحمه الله تعالى رأسا أي تبريا عنه من أصله، وفي الانتصاف إنما امتاز اسم الفاعل عن الفعل بهذه الخصوصية من حيث إنّ صيغة الفعل لا تعطي سوى حدوث معناه من الفاعل لا غير، وأما اتصاف الذات به فذاك أمر يعطيه أسم الفاعل، ومن ثمة يقولون قام زيد فهو قائم فيجعلون اتصافه بالقيام ناشئا عن صدوره مته، ولهذا المعنى قيل لأجعلنك من المسجونين لتكونن من المرجومين عدولاً عن الفعل الذي هو لأسجننك لأرجمنك إلى الاسم تغليظاً يعنون أنهم يجعلون هذه لوقوعها، وثبوتها كالسمة، والعلامة الثابتة، ولا يقتصرون على مجرّد اتصافه بها، ولا فرق بين النفي، والإثبات لأنه لتأكيد النفي لا لمنفي تحى يرد أن نفي الحدوث أبلغ من نفي الثبوت كما قيل. قوله: (تعليل ثان للامتناع عن المعارضة والمقاومة الخ (المقاومة مفاعلة من القيام كني بها عن المدافعة لأنّ المتدافعين يقوم كل واحد منهما مقابلة الآخر، ولما كان كل

стр. 1011

منهما علة مستقلة لم يعطف أحدهما على الآخر إيذانا بالاستقلال، ودفعا لتوهم أن يكون جزء علة لا علة تائة، وقد أورد عليه بعض فضلاء العصر أنّ ذلك يقتضي بسط يده، والمذكور بقوله أني أريد تعليل لعدم البسط فكيف يشبه أمر المستبين فإنه يصدر من كل منهما هناك سب فتكون تبعة السبين على البادي وقد يقال أن قوله: ﴿ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك﴾ النفي فيه للقيد يعني إن بسطتها فللدفع لا للقتل دمان احتمل ترتبه عليه وعلى هذا يكون له أثمان إثم قتله، واثم ما صدر من الدافع لتسببه له، وكونه إثماً على حرمة الدفع عندهم ظاهر، وعلى غيره فلأنه فعل ما يأثم فاعله لو لم يكن دافعاً، وهذا أمر تقديري لقوله إن بسطت، وكذا في الحديث لأنّ ما شرطية أو موصولة فيها معنى الشرط، والى هذا أشار صاحب الكشف بقوله ليس هذا من قبيل ما ورد في الحديث لأنه لم يصدر الفعل إلا من طرف واحد فمن أين وجوب تحمل الظالم إثم فعله، ومثل إثم صاحبه على فرض المقابلة بالإثم وليس بشيء لأنه لم يدّع وجوب التحمل ولا أنّ الحديث دال على هذا القسم بل إنما أراده هابيل وكأنه قال إني أريد أن يضاعف عذابك والإرادة لا تستدعي وجوب الوقوع انتهى ولما لم يفهمه بعضهم قال إنه ناشئ من عدم فهم المراد فتدبر. توله: (إرادة أن تحمل اثمي لو بسطت الخ) الداعي إلى هذا التأويل أنه يرجع القاتل بإثمه، وأما رجوعه بإثم المقتول إن أريد به إثم قتله فلا إثم له فيه، وان أريد إثمه مطلقا فقد علم أنه لا تزر وازرة وزر أخرى، وقد مرّ أنّ في الآية تأويلين للسلف فعلى ما تدمه المصنف رحمه الله تعالى يكون الدفع بالقتل، وغيره إثما ومعنى الآية إني لا أدفع لخوف ربي، ولو دفعت لكان إثمي، واثمك عليك أما إثمك فظاهر، وأما إثمي فلأنك كنت السبب له، وأنت الذي علمتني الضرب، والقتل لأنه أوّل فاعل له، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من يعمل بها إلى يوم القيامة، وهذا على فرض وقوعه وتنزيله منزلة الواقع فيصح تنظيره بالحديث. قوله: (المستبان ما قالا فعلى البادئ) الحديث أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه والمستبان مبتدأ وما في ما قالا شرطية، والشرط، وجوابه خبر المبتدأ، وبجوز أن تكون موصوفة بدلاً من المستبان بدل اشتمال أو مبتدأ، وعلى البادي خبره أو خبر مبتدأ محذوف أي فهو على البادي، وما في ما لم يعتد مصدرية فيها معنى المدة، وهي ظرف لمتعلق على، والمعنى المستبان الذي قالاه من السب استقرّ ضرره على الذي بدأ بالسب مدة عدم اعتداء المظلوم ما لم يجاوز المظلوم حد ما سبه البادئ فإذا جاوزه استقرّ ضرر ما قال كل عليه لأن البادي كان سببا في سب صاحبه، وسب المجيب فيه إثم إلا أنه محطوط عنه ما لم يزب في المكافأة كذا قال الزمخشري: وقال النحرير: فإن قيل أيّ حاجة إلى هذا التكلف، وقد دل الحديث على اختصاص الجميع بالبادي عند عدم الاعتداء فلا يكون للمجيب شيء منه قلنا قد حمل الجميع على إثم البادي، ومثل إثم الصاحب فلا يدل على أنّ إثم الصاحب لا يقع عليه. (بقي هاهنا بحث) ، وهو أن تقدير المثل محتمل في الآية كما ذكروا ما في الحديث فقد ذكر الجميع بلفظ واحد، وهو ما قالا أي إثم ما قالا فلا مجال لحمله على ما تال البادي، ومثل إثم ما قال الآخر إلا بالتزام الجمع بين الحقيقة، والمجاز فالأقرب أن يحمل على ظاهره، ويجعل إثم غير البادي ذا جهتين جهة نفس السب، وهو من هذه الجهة ساقط عنه بالدليل وجهة الحمل عليه، وهو على البادئ لكون هذه الجهة من قبله على طريقة من سن سنة سيئة الخ. فلا يكون من حمل وزر نفس على أخرى، وأما أنّ غير البادي ليس له المعارضة بالمثل بل الرفع إلى الحاكم ليجري على البادي ما هو الحكم من الحد أو التعزير فذلك بحث آخر انته، وهذا ردّ على صاحب الكشف إذ قال حط الإثم عن المظلوم لأنه مكافئ غير صحيح لأنه إذا سب شخص لم يستوف الجزاء إلا الحاكم. والجواب أنّ صريح الحديث يدل على ما ذكره جار الله، والجمع بين الحكم الفقهي، والحديث أنّ السب إما أن يكون بلفظ يترتب عليه الحد شرعا فذلك سبيله الرفع إلى الحاكم أو بغير ذلك، وحينئذ لا يخلو إما أن يكون بما يتضمن إسناداً أو تفاخراً بنسب، ونحوه مما يتضمن إزراء بصاحبه دون شتم كنحو الرمي بالكفر، والفسق فله أن يعارضه بالمثل، ويدل عليه حديث زينب، وعائشة رضي الله تعالى عنهما، وقوله

стр. 1012

صلى الله عليه وسلم: " دونك فانتصري " أو يتضمن شتما وذلك أيضاً يرفع إلى الحاكم ليعزر والحديث محمول على القسم الذي يجري فيه الانتصار وقوله: ما لم يعتد المظلوم يدلّ عليه لأنّ اشتغاله بما حقه الرفع إلى الحاكم اعتداء وهذا تفصيل حسن وقول النحرير: إنه بحث آخر لا وجه له لأنه أيّ بحث آخر في الحديث سوى أخذ الأحكام الشرعية منه. قوله: (وقيل معنى بإثمي بإثم قتلي الخ) وهذا ظاهر فإضافة الإثم إلى المتكلم لأنه نشأ من قبله أو هو على تقدير مضاف ولا حاجة إلى تقدير مثل ونحوه، واثم القاتل الذي لم يتقبل له قربانه عدم رضاه بحكم الله كما مرّ، ولا خفاء أنه لا يحسن المقابلة بين التكلم، والخطاب على هذا لأنّ كليهما اسم المخاطب، وقوله: وكلاهما في موضع الحال أي مجموعهما! ل واحد، وفيه تسمح. قوله: (بل قصده بهذا الكلام الخ الما كان إرادة الإثم من آخر غير جائزة كأن يريد زناه، ونحوه أوله بأنّ المراد أن لا يكون له نفسه إثم وهو لازم لإثم أخيه فأريد لازمه أو المراد بالإثم ما يلزمه، ويترتب عليه من العقوبة، ولا يخفى أنه لا يتضح حينئذ تفريع قوله فتكون الخ. قوله: (فسهلته الخ) قال الراغب معناه فسمحت له فزينته، وانقادت وسوّلت، وطوعت أبلع من أطاعت، وهو في مقابلة فأبت نفسه، وفسره المصنف ﵀ تبعاً للزمخشريّ بسهلته، وذكر أنّ معناه التوسعة فتجوز به عما ذكر، وقراءة المفاعلة فيها وجهان أن يكون فاعل بمعنى فعل كما ذكره سيبويه ﵀، وهو أوفق بالقراءة المتواترة أو أنّ المفاعلة مجازية بجعل القتل يدعو إلى نفسه لأجل الحسد الذي لحق قابيل وجعلت النفس تأباه فكل من القتل، والنفس كأنه يريد من صاحبه أن يطيعه إلى أن غلب القتل النفس فطاوعته. قوله: (وله لزيادة الربط الخ) أي كان يكفي طوعت نفسه قتل أخيه، وحفظت مال زيد ولكنها زيدت للتاً كيد، والتبيين كما في ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ ، وقيل إنه للاحتراز عن أن يكون طوعه لغيره ليقتله له أو حفظ المال لنفسه، وفيه نظر، وحراء بكسر الحاء، والمد يصرف، ولا يصرف جبل معروف، وقوله: ديناً ودنيا أخذ العموم من حذف المفعول. قوله: (حال من الضمير في يواري الخ) ، وقدم عليه لأنّ له الصدر وجملة كيف يواري في محل نصب مفعول ثان ليرى البصرية المتعدية بالهمزة لاثنين، وهي معلقة عن الثاني وقيل إنها علمية أي ليعلمه، ولو كان بمعنى ليبصره لم يكن لقوله كيف يواري موقع حسن، وأما على تقدير ليعلمه فهو في موقع المفعول أي فإنه يجاب عن السؤال بكيف يواري، وفيه نظر، والسوأة ما يسوءك نظر، ولذا يطلق على العورة، ويبحث بمعنى يحفر وأصل معناه يفتش، وليريه إمّا متعلق ببعث أو يبحث، والغرابان هما طائران معروفان، وقيل إنهما ملكان بصورة غرابين، ودفن المسلم، والكافر المعصوم فرض! كفاية وقوله: (ويستقبح الخ (بيان لوجه كونها سوأة، وفسر السوأة بجسد الميت وهو المراد، والزمخشرقي فسرها بالعورة، وما فعله المصنف ﵀ أولى، وسميت سوأة لأنها تسوء ناظرها. واعلم أنه قال في كتاب الأحكام إنّ في العورة أقوالاً فقيل هي الجسد كله وقيل ما بين السرة والركبة وقيل إنها مثقلة، وهما القبل والدبر، ومخففة، وهي ما بين السرة، والركبة فلعل العلامة فسرها بالعورة حتى تشمل الأقوال نعم ما فعله المصنف أظهر. قوله: (كلمة جزع وتحسر) أصل النداء لمن يطلب إقباله من العقلاء وهو مجاز هنا عن الجزع، والتحسر كأنه ينادي موته، ويطلب حضوره بعد تنزيله منزلة من ينادي، ولا يطلب الموت إلا من كان في حال أشد من الموت فكني به ذلك وقوله: (والمعنى الخ) بيان لأصله والهلكة بفتحتين الهلاك، والاستفهام في أعجزت للتعجب، وأن أكون بتقدير عن أن أكون، وتعجبه عن عجزه عن كونه مثله لأنه لم يهتد إلى ما اهتدى إليه. قوله: (وليس جواب الاستفهام الخ) هذا ردّ على الزمخشريّ حيث جعله منصوبا في جواب الاستفهام، وقد سبقه إليه كثير من المعرين، وقالوا إنه خطأ لأنّ شرطه أن ينعقد من الجملة الاسمية، والجواب جملة شرطية نحو أتزورني فأكرمك تقديره إن تزرني أكرمك، ولو قيل هنا إن أعجز عن أن أكون مثل الراغب أوار سوأة أخي لم يصح المعنى لأنّ المواراة تترتب على عدم العجز لا عليه، وقيل في توجيهه أنّ الاستفهام للإنكار بمعنى النفي، وهو سبب أي إن لم

стр. 1013

أعجز واريت، وقيل هو من قبيل أتعصي ربك فيعفو عنك بالنصب لينسحب الإنكار التوبيخي على الأمرين، ويشعر بأنه في العصيان، وتوقع العفو مرتكب لما يحالف العقل حيث جعل سبب العقوبة سبب العفو، ويكون التوبيخ على هذا الجعل فكذا هنا نزل نفسه منزلة من جعل العجز سبب المواراة دلالة على التعكيس المؤكد للعجز عما اهتدى إليه غراب، ومن يكن الغراب له دليلا كفى به خائبا خاسراً، والثاني مسلك المدقق في الكشف وزاد فيه فإن قلت الإنكار التوبيخي إنما يكون على واقع أو متوقع فالتوبيخ على العصيان، والعجز له وجه إما على العفو، والمواراة فلا قلت التوبيخ على جعل كل واحد سبباً أو تنزيله منزلة من جعله سبباً لا على العفو، والمواراة فافهم، وقد أشار إليه في سورة الزمر، و! ل عليه أنّ الثاني في نجاية البعد والأوّل غير صحيح لأنه لا يكفي في النصب سببية النفي بل لا بد من سببية المنفي ألا ترى أنّ ما تأتينا فتحدثنا مفسر عندهم بأنه لا يكون منك إتيان فتحدث لا بأن لم تأتنا فتحدثنا، والجواب عنه أنه فرق بين ما نصب في جواب النفي، وما نصب في جواب الاستفهام، والكلام في الثاني فكيف يرد الأوّل نقضاً، ولو جعل في جواب النفي لم يرد ما ذكره أيضا لأنه لا حاجة إلى أخذ النفي من الاستفهام الإنكاري مع وضوح تأويل عجزت بلم أهتد، وقد قال في التسهيل أنه ينتصب في جواب النفي الصريح، والمؤوّل، وما نحن فيه من الثاني فتأمّل، وقال ابن عرفة في تفسيره ما في سياق شيء له حكمه وتقدير شرط مأخوذ منه فالتقدير إن كنت مثل هذا الغراب أوار الخ، وهو كلام دقيق. قوله: (وقرئ بالسكون على فأنا أواري الخ (أي أنه مستأنف، وهم يقدرون المبتدا لإيضاح القطع عن العطف وأمّا تسكين المنصوب فكثير، ولا عبرة بقول أبي حيان أنه ضرورة. قوله: (نأصبح من النادمين على قتله الخ) أصبح هنا بمعنى صار، وكابد بمعنى قاسى، ولقي ما يؤلم كبده، وقوله: ما كنت عليه وكيلا أي أنا لم أكن مأموراً بحفظه، وقد مز أنّ الوكيل بمعنى الحافظ، وقوله: ومكث سني آدم ﵊، وعدم الظفر الخ بالجرّ عطف على ما كابد وهو تزوجه بتوأمته. تنبيه: في الكشاف بعد هذا وروي أنه رثاه بشعر، وهو كذب بحت، وما الشعر إلا منحول ملحون، وقد صح عن ابن عباس ﵄ أنّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كلهم معصومون من الشعر، والشعر المذكور هو قوله: تغيرت البلادومن عليها فوجه الأرض مغبر قبيح تغير كل ذي لون وشكل وقل بشاشة الوجه المليح وقال الشراح المليح إن رفع فخطأ لأنه صفة الوجه المجرور، وان خفض فأقواء، وهو عيب قبيح، وان كثر وقول من قال الوجه فاعل قل، وبشاشة منصوب على التمييز بحذف التنوين إجراء للوصل مجرى الوقف ألحن، وقيل إنّ آدم ﵊ رثاه بكلام منثور بالسرياني فلم يزل ينقل إلى أن وصل إلى يعرب بن قحطان، وهو أوّل من خط بالعربية فنظر فيه فقدم، وأخر وجعله شعرا عربيا. (قلت الا شك أن لوائح الوضع عليه لائحة لركاكته لكن ما استصعبوه من الأقواء، وترك التنوين ليس بصعب لما في أشعار الجاهلية، والشعراء من أمثاله مع أنه قد يخرج بأنه نعت جرى على المحل لأنّ الوجه فاعل المصدر، وهو بشاشة، وقيل إنه مرفوع، وقد سمع كالجر. قوله: (بسببه قضينا عليهم) سبب هو معنى أجل كما سيذكره والضمير راجع للقتل أو لما ذكر من القصة، وقضينا تفسير لكتبا ومن ابتدائية متعلقة بكتبنا، وقيل بالنادمين، وكتبنا استئناف، واستبعده أبو البقاء، والأجل بفتح الهمزة، وقد تكسر أصل معناه الجناية ولذا يقال بمعناه من جراك أي من جريرتك فلا يخفى حسن موقعه هنا، ثم اتسع فيه فاستعمل لكل سبب هكذا حققه أكثر اللغويين وجراً يمد وقصر وراؤه مشددة، وقد تخفف، وضمير أنه للشأن، ومن شرطية والباء في بغير للمقابلة متعلقة بقتل أو حال بمعنى متعدياً ظالما، وفساد بالجر معطوف على المضاف المحذوف أو على المذكور إن لم يقدر ٠ قوله: (من حيث إنه هتك حرمة الدماء الخ (يعني أنّ جميع الناس مشتركون في الكرامة على الله، والاحترام عند الله فمن قتل واحداً منهم فقد نفى كراهة الله وهتك حرمته

стр. 1014

وكذلك من قتل الجميع فيكون قتل واحد كقتل الجميع، وكذا إحياؤها بترك القتل كإحياء الجميع لإبقاء كرامة الله، وتوفير حرمته، والفائدة في هذأ التشبيه الترهيب، والرح عن قتل نفس واحدة لتصويره بصورة قتل جميع الناس، والترغيب، والتحضيض على إحيائها لتصويره بصورة إحياء جميع الناس ولأنه جرأ الناس فكان فعلهم متسببآ على فعله فكأنه صدر منه لما سنه من السنة السيئة، ولأنه يشبهه في استجلاب أصل غضب الله، وأدخل بعضهم في هذا التزوج لأنه يشبه الأحياء بالتناسب قال، وبه تتصل هذه الآية بقصة ابني آدم وهو تكلف من غير داع. قوله: (بعدما كتبنا عليهم هذا الشديد الخ (التشديد العظيم يؤخذ من قتل جميع الناس، وقوله: وبهذا اتصلت الآية، وفي أكثر النسخ القصة أي قصة ابني آدم بما قبلها من قصص بني إسرائيل، وعلى النسخة الأخرى المراد بالآية قوله: (من أجل ذلك الخ) اتصل بقصة ابني آدم، ويحتمل أن يريد بالآية قصة ابني آدم لأنها في حكم آية واحدة وفسر الإسراف بما ذكره ليشمل الفعل، ويعم ما لا يتعلق بالمال كما هو المتبادل منه. قوله: (أي يحاربون أولياءهما الخ) يدخل في أولياء الله، والمسلمين الرسول دخولاً أولياً، ولا ينافيه جعل محاربتهم بمنزلة محاربتهما لأنّ منهم من حارب الرسول حقيقة فلا حاجة إلى التنزيل في شأنه لأنه إشارة إلى تقدير مضاف أو إن ذكر الله للتمهيد، وجعل محاربة المسلمين حكم محاربة الرسول للتنبيه على أن ما ذكر في الآية في حكم قطاع الطريق شامل للقطاع على المسلمين بعد الرسول ﷺ ، ولو بإعصار لأنهم يحاربون الرسول حيث يحاربون من هو على طريقته، وأهل شريعته فلا يتوهم أنّ الحكم فيهم بطريق الدلالة أو القياس، وما يقال إنه إشارة إلى أنّ ذكر الرسول تمهيد على تمهيد كلام خال عن التحصيل كيف ولا ذكر للمسلمين بعده، وأيضا قطاع الطريق لو قتلوا، وفعلوا بأهل الذمة فحكمهم حكم غيرهم، وكان مرادهم أن ذكر الله تمهيد لذكر رسوله، وذكر الرسول تمهيد لقوله يسعون في الأرض فساداً لأنه هو المقصود، ولو اقتصر عليه لكفى وبهذا التقرير علم سقوط ما قيل على المصنف رحمه الله تعالى أنه خرج من كرمه الرسول نفسه فيقتضي أنّ بيان شأنه بطريق المفهوم، وليس كذلك، وقال الجصاص: يريد الذين يحاربون أولياء الله، ورسوله كقوله تعالى: ﴿إن الذين يؤذون الله ورسوله﴾ ويدلّ على ذلك أنهم لو حاربوا رسول الله لكانوا مرتدين باظهار محاربة النبيّ ﷺ ، ومخالفته انتهى، وعليه فلا حاجة إلى التأويل، ولا يرد عليه شيء، وهو ظاهر، وأصلى معنى الحرب لغة السلب أي الأخذ، وقد يستعمل بمعناه يقال حربه إذا سلبه كما قاله الراغب: والمكابرة الهجوم جهرة واللصوصية بضم اللام مصدر بمعنى السرقة والمكابرة بهذا المعنى استعملها الفقهاء، وذكرها الجاحظ في كتاب اللصوص، وأهملها كثير من أهل اللغة فكأنها مولدة لم تثبت عندهم إلا أنّ الجاحظ ثقة، ولم يقل أنها مولدة. قوله: (اي مفسدين الخ (يعني أنه حال بتأويل المصدر باسم الفاعل أو مفعول له أو مصدر لسعي من معناه كقعدت جلوساً وفساد اسم مصدر بمعنى الإفساد حينئذ، وفي كلام المصنف رحمه الله تعالى إشارة إليه. تنبيه: في الكشاف في قوله ليريه كيف يواري سوأة أخيه ليعلمه لأنه لما كان سبب تعلمه فكأنه قصد تعليمه على سبيل المجاز قيل فهو استعارة تبعية في اللام حيث شبه ترتب التعلم على بحثه، وتسببه عنه بترتب ما يقصد بالفعل عليه، وكلامه صريح فيه، وان توهم أنّ مراده أنّ إسناد التعليم إلى الغراب مجازي لكونه سبباً، ولو أراد هدّا قال فكأنه علمه ثم بعد التجوّز في اللام هل الإسناد مجازي فيه تأمّل انتهى. (أقول) يعني على استعارة اللام معناه أنه ببحثه تبين له مواراة أخيه حقيقة، وهذا في التأويل ظاهر أما إسناده إلى الغراب فلا يمكن أن يكون على الحقيقة، ثم إنه على إرجاع الضمير لله، وتعلقه ببعث لا بد فيه من التجوز في اللام لأنها للعاقبة، وكلامه مشعر بخلافه فتأمّل. قوله: (أن يقتلوا الخ) الإتيان بالتفعيل لما فيه من الزيادة على القصاص من أنه لا يسقط بعفو الولي، وكذا التصليب لما فيه من القتل، وإنما ضم إليه القتل لأنه لا يكون جزاء القتل وأخذ المال أقل من القتل وحده، وقوله: حتى يموت تنازع فيه يترك ويطعن، وقوله: تقطع الخ. هذا في أول

стр. 1015

مرّة فان عاد قطع الأخريان. قوله: (ينفوا من بلد الخ) اختلف في النفي فقال الحجازيون ينفي من موضحع إلى موضع. وقال العراقيون: يسجن، ويحبس، والعرب تستعمل النفي بمعنى السجن لأنه يفارق بيته وأهله، وقال ابن عربي: فيه أقوال فقيل: ينفي لبلاد، وقيل: لبلد أبعد، وقيل: يطالبونه بالحد، والى الأول ذهب صاحب المحرر من الثافعية أيضاً كما قال الشاعر: - اه- ٥١١ خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها فلسنا من الأموات فيها ولا الإحيا إذا جاءنا ال! سجان يوماً لحاجة عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا واستدل له بأنّ المراد زجره، ودفع شره فإذا نفي إلى بلد آخر لم يؤمن ذلك منه، واخراجه من الدنيا غير ممكن ومن دار الإسلام غير جائز فإن حبس في آخر فلا فائدة فيه إذ بحبسه في بلده يحصل المقصود، وهو أشد عليه، وقوله: بحيث لا يمكنون من القرار في موضع المراد أنهم يشردون، ويفرقون بحيث لا يجتمعون في مكان كسرا لشوكتهم بالتفريق. قوله: (وأو في الآية الخ) أي هي للتقسيم، واللف والنشر المقدر على الصحيح، ومن قال بتخيير الإمام جعلها تخييرية، والأوّل علم بالوحي والا فليس في اللفظ ما يدلّ عليه دون التخيير ولأنّ فيها أجزية مختلفة غلظاً وخفة فيجب أن تقع في مقابلة جنايات مختلفة ليكون جزاء كل سيئة سيئة مثلها، ولأنه ليس للتخيير بين الأغلظ، والأهون في جناية واحدة كبير معنى، والظاهر أنه أوحى إليه هذا التنويع والتفصيل، وما قيل إنّ التخيير بالنسبة إلى الإمام، والحاكم فإنه يفعل ما يريد منها مع ملاحظة الجنايات، واستحقاقها صلح من غير تراض للخصمين مع بعده. قوله: (لهم خزي في الدنيا الخ) قال النووفي رحمه الله تعالى إذا اقتص منه، وعوقب كيف يكون مستحقا لذلك وقد قال النبيّ ﷺ في الحديث الصحيح: " من ارتكب شيئاً فعوقب به كان كفارة له " فيقتضي سقوط الإثم عنه، وأن لا يعاقب في الآخرة، وأجاب بأنه يكفر عنه حق الله، وأما حقوق العباد فلا، وهنا حقان لله والعباد، وفيه نظر، وقوله: مخصوص الخ لأنّ القصاص لا يسقط بالتوبة، ثم إنهم لهم في الدنيا عذاب وخزي، وكذا في الآخرة فاقتصر في الدنيا على الخزي لأنه أعظم من عذابها، واقتصر في الآخرة على عذابها لأنه أشدّ من الخزي، وقوله: ﴿لعظم ذنوبهم﴾ راجع إلى عذاب الدنيا، والآخرة ووجه دلالة أنّ الله غفور رحيم عليه أنه لا يعفو عن حقوق العباد بل عن حقوقه، وقوله: يسقط بالنوبة الخ إشارة إلى مخالفته لغيره من القصاص. تنبيه: قال شيخ والدي ابن حجر الهيثمي قول المصنف رحمه الله تعالى يسقط بالتوبة الخ كلام ظاهر الفساد لأنّ التوبة لا دخل لها في القصاص أصلاً إذ لا يتصور له بقيد كونه قصاصاً حالتا وجوب، وجوإز لأنا إن نظرنا إلى الولي فطلبه جائز لا واجب مطلقاً أو للإمام فان طلبه منه الولي وجب والا لم يجز من حيث كونه قصاصا والا جاز أو وجب من حيث كونه حدا، وأوله بعضهم بما لا يوافق المذهب فتأمّل. وقال شيخنا ابن قاسم ادعاؤه الفساد ظاهر الفساد فإنه لم يدع ما ذكر، وإنما ادعى أنّ لها دخلا في صفة القتل قصاصا وهي وجوبه، وقوله: (إذ لا يتصور الخ) قلنا لم ياع أنّ له حالتي وجوب وجواز بهذا القيد بل ادعى أن له حالتين في نفسه، وهو صحيح على أنه يمكن أنّ له حالتين بدّلك القيد لكن باعتبارين اعتبار الولي، واعتبار الإمام إذا طلب منه، وقوله: (إن نظرنا الخ) كلام ساقط ولا شك أنّ النظر إليهما يقتضي ثبوت الحالتين قصاصا، وقوله: فتأمّل تامّلنا فوجدنا كلامه نشأ من قلة التأمّ أنتهى. قوله: (وإنّ الآية في قطاع المسلمين الخ) قيل عليه المراد بالتوبة عن قطع الطريق، ولا تأثير لها في سقوط الحد بعد القدرة سواء كانت من الكافر أو المسلم، وأما إن توبة الكافر مسقطة لجميع ما كان قبل التوبة فمعلوم من غير هذا الموضع. واعلم أن مراد المصنف رحمه الله تعالى ما فصله في كتاب الأحكام أنّ محاربة الله ذهب قوم من السلف إلى أنها إنما تستعمل في الكفار فمن قال به حمل هذه الآية على أهل الردة ورده بأنه ورد في الأحاديث إطلاقها على أهل المعاصي أيضا وأنه لا خلاف بين السلف، والخلف في أن هذا الحكم غير مخصوص بأهل الردة، وإنه فيمن قطع

стр. 1016

الطريق، وان كان من أهل الملة وحكي عن بعض المتأخرين، ومن لا يعتد به أنّ ذلك مخصوص بالمرتدين وهو قول ساقط مردود مخالف للأمة، واجماع السلف، والخلف ويدل على أنّ المراد به قطاع الطريق من أهل الملة قوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا﴾ الخ ومعلوم أنّ المرتدين لا يختلف حكمهم في زوال العقوبة عنهم بالتوبة بعد القدرة كما يسقطها عنهم قبل القدرة، وقد فرق الله بين توبتهم قبل القدرة، وبعدها، وأيضا فإن الإسلام لا يسقط الحد عمن وجب عليه، وأيضا ليست عقوبة المرتدين كذلك، والآية وان نزلت في الكفار من العرينين أو غيرهم فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ومراد المصنف رحمه الله تعالى رد هذا القول الذي ذهب إليه بعض المفسرين لكن في عبارته إجمال، ومسامحة فلا يرد عليه ما أورده هذا المعترض. قوله: (أي ما تتوسلون به إلى ثوابه الخ) يشير إلى أن إلى متعلقة بالوسيلة، وهي صفة لا مصدر حتى يمنع تقدم معموله عليه وقيل إنه متعلق بالفعل، وقوله: (وفي الحديث الخ) إن أراد به أنه هنا بهذا المعنى فغير ظاهر لتعلق الجارية ولأنه ورد في الحديث كما رواه مسلم وغيره: " منزلة في الجنة جعلها الله لعبد من عباده وأرجو أن كون أنا فأسألوا لي الوسيلة " فهو يقتضي أنها غير المذكورة هنا لاختصاصها بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والجواب أنه بيان لبعض أفرادها بطريق التنظير لا التمثيل والأعداء الظاهرة ظاهرة، وأما الباطنة فالقوى الشهوية ونحوها. قوله: (واللام متعلقة بمحذوف الخ) أي لام ليفتدوا لا لهم لأنه خبر أن، وفي أنّ بعدلو مذهبان أحدهما ما اختاره المصنف رحمه الله تعالى أنها فاعل فعل مقدر، وضمير به لما في الأرض! ، ومثله وحد لما ذكره، واجراء الضمير مجرى اسم الإشارة مرّ تحقيقه في سورة البقرة. قوله: (أو لأن الواو في مثله بمعنى مع) فيتوحد حينئذ مرجع الضمير وهو ما في الأرض! المصاحب لمثله كما تقول جاء زيد، وهنداً ضاحكا ومعه يكون تأكيدا وهو حال كذا في الكشاف وجعل الناصب له ثبت المقدر بعد لو وهكذا حكم الضمير بعد المفعول معه إلا فراد وأجاز الأخفش أن يعطي حكم المتعاطفين فيثني ضميره، وقال بعض النحاة الصحيح جوازه على قلة ورد بأنه لا فائدة في قوله معه حينئذ إن كان الضمير لما، وان كان لمثل بأن يكون له مثلان فيفيد، وأما كون العامل فيه ثبت فليس بصحيح لأنّ العامل في المفعول معه وهو العامل في المصاحب له كما صرحوا به، وهو ما أو ضميرها وشيء منهما ليس عاملا فيه ثبت المقدر، وأما صحته على تقدير جعله لهم أو متعلقه على ما قيل وكلام المصنف رحمه الله تعالى محتمل له، ولذا أسقط ذكر العامل المذكور في الكشاف فممنوع أيضاً كما نقل عن سيبويه ﵀ أنه قال، وأما هذا لك، وأباك فقبيح لأنه لم يذكر فعل، ولا حرف فيه معنى فعل حتى يصير كأنه قد تكلم بالفعل فصرح بأنّ اسم الإشارة، وحرف الجر والظرف لا يعمل في المفعول معه ومن العجائب ما قيل إن المصنف رحمه الله تعالى أعرض عن كونه مفعولأ معه، وقال إنّ الواو بمعنى مع يريد أنه من قبيل كل رجل وضيعته ردّاً على ما قاله الزمخشريّ، وهو فاسد من وجوه لأنّ مثله يلزم فيه المطابقة، ولا يذكر الخبر ولم يقل، ولو افتدوا مع أنه أخصر لأنّ هذا أبلغ إذ معناه لو أنهم حصلوا ما في الأرض، وملكوه بقصد الفدية لم يقبل منهم ذلك فتأمل. قوله: (تمثيل للزوم العذاب الخ) قال القطب أي كناية عن لزوم العذاب فإن لزوم العذاب من لوازمه أن ما في الأرض! جميعاً، ومثله معه لو افتدوا به منه لم يتقبل منهم فلما كانت هذه الجملة بل هذه الملازمة لازمة للزوم العذاب عبر عنها بها فيكون كناية ولعل التمثيل يطلق على الكناية إذا كانت بالتمثيل، وقال النحرير لا يريد به الاستعارة التمثيلية بل إيراد مثال وحكم يفهم منه لزوم العذاب لهم أي لم يقصد بهذا الكلام إثبات هذه الشرطية بل انتقال الذهن منه إلى هذا المعنى، وبهذا الاعتبار يقال له كناية، ويمكن تنزيله على التمثيل الاصطلاحي بأن يقال حالهم في حال التقصي عن العذاب بمنزلة حال من يكون له أمثال ما في الأرض! ، ويحاول بها التخلص من العذاب فلا يتقبل منه، ولا يتخلص فقد علصت أن التمثيل هنا محتمل ثلاثة معان. قوله: (وقرئ يخرجوا (يعني مجهولاً ووجه المبالغة إفادة الاسمية الثبوت مع زيادة الباء للتأكيد، وقد مر له

стр. 1017

زيادة توضيح في ما أنا بباسط يدي إليك. قوله:) جملتان عند سيبوبه الخ) في الكشاف رفعهما على الابتداء والخبر محذوف عند سيبويه رحمه الله تعالى كأنه قيل، وفيما فرض عليكم السارق، والسارقة أي حكمهما ووجه آخر، وهو أن يرتفعا بالابتداء والخبر فاقطعوا أيديهما، ودخول الفاء لتضمنهما معنى الشرط لأنّ المعنى والذي سرق، والتي سرقت فاقطعوا أيدهما والاسم الموصول يضمن معنى الشرط، وقرأ عيسى بن عمر بالنصب وفضلها سيبويه على قراءة العامة لأجل الأمر لأن زبداً فاضربه أحسن من زيد فاضربه وهذا مما وقع فيه خبط في الكشاف هنا وفي سورة النور، وفي التفسير الكبير فيه كلام لا مساس له بهذا المقام مع طوله، والذي يبين لك مغزاه وان لم يفهموا كلام سيبويه ﵀ ما في الانتصاف قال ﵀ المستقري من وجوه القراآت أنّ العامّة لا تتفق فيها أبداً عن العدول عن الأفصح وجدير بالقرآن أن يحرز أفصح الوجوه وأن لا يخلو من الأفصح، ويشتمل عليه كلام العرب الذي لم يصل أحد منهم إلى ذروة فصاحته، ولم يتعلق بإهدابها، وسيبويه ﵀ تحاشى عن اعتقاد عرائه عن الأفصح، واشتمال الشاذ الذي لا يعد من القرآن عليه، ونحن نورد كلام سيبويه لتتضح براءة سيبويه رحمه الله تعالى من عهدته قال بعد أن ذكر المواضع التي يختار فيها النصب أنه متى بني الاسم على فعل الأمر فذلك موضع اختيار النصب، ثم قال موضحا لامتياز هذه الآية عما اختار فيه النصب، وأما قوله تعالى: ﴿والسارق والسارفة﴾ الآية ﴿والزانية والزاني﴾ [سورة النور، الآية: ٢] الخ فإنّ هذا لم يبن على الفعل، ولكنه جاء على مثال قوله تعالى ﴿مثل الجنة التي وعد المتقون﴾ ، ثم قال فيها أنهار منها كذا يريد سيبويه رحمه الله تعالى تمييز هذه الآي عن المواضع التي بين اختيار النصب فيها، ووجه التمييز أنّ الكلام حيث يختار النصب يكون الاسم فيه مبنياً على الفعل وأما في هذه الآي فليس بمبني عليه فلا يلزم فيه اختيار النصب، ثم قال، وإنما وضمع المثل للحديث الذي ذكر بعده فذكر إخباراً، وفصصا فكأنه قال! ، ومن القصص مثل الجنة فهو محمول على هذا الإضمار، والله أعلم فكذلك الزانية، والزاني لما قال جل ثناؤه سورة أنزلناها وفرضناها قال في جملة الفرائض الزانية والزاني، ثم جاء فاجلدوا بعد مضيئ الرفع فيهما يريد لم يكن الاسم مبنياً على الفعل المذكور بعد بل بني على محذوف متقدم وجاء الفعل طارئا، ثم قال كما جاء: وقائلة خولان فانكح فتاتهم فجاء بالفعل بعد أن عمل فيه المضمر وكذلك: ﴿والسارق والسارقة﴾ أي، وفيما فرض! عليكم السارق، والسارقة، وإنما دخلت هذه الأسماء بعد قصص وأحاديث، وقد قرأ ناس والسارق والسارقة بالنصب، وهو في العربية على ما ذكرت لك من القوّة، ولكن أبت العامة إلا الرفع يريد أنّ قراءة النصب جاء الاسم فيها مبنياً على الفعل غير معتمد على ما قبله فكان النصب قويا بالنسبة إلى الرفع حيث يبنى الاسم على الفعل لا على متقدم، وليس يعني أنه قوي بالنسبة إلى الرفع حيث يعتمد الاسم على المحذوف المتقدم فإنه قد بين أنه يخرجه عن الباب الذي يختار فيه النصب فكيف يفهم منه ترجيحه عليه، والباب مع القراءتين مختلف، وإنما يقع الترجيح بعد التساوي في الباب، والنصب أرجح من الرفع حيث يبنى الاسم على الفعل، والرفع متعين لا أقول أرجح حيث يبنى الاسم على كلام متقدم، وإنما التب! على الزمخشري كلام سيبويه من حيث اعتقد أنه باب واحد عنده ألا ترى إلى قوله لأنّ زيداً فاضربه أحسن من زيد فاضربه حيث رجح النصب على الرفع حيث يبنى الكلام في الوجهين على الفعل، وقد صرح سيبويه بأن الكلام في الآية مع الرفع مبني على كلام متقدم، ثم حقق سيبويه هذا المقدر بأنّ الكلام واقع بعد قصص، واخبار، ولو كان كما ظنه الزمخشري لم يحتج إلى تقدير بل كان يرفعه على الابتداء، ويجعل الأمر خبره كما أعربه الزمخشري فالنصب على وجه واحد وهو بناء الاسم على فعل الأمر، والرفع على وجهين أحدهما ضعيف، وهو الابتداء، وبناء الكلام على الفعل، والآخر قوي بالغ كوجه النصب، وقد رفعه على خبر ابتداء محذوف دل عليه السياق وإذا تعارض! وجهان في الرفع أحدهما قوي، والآخر ضعيف تعين القراءة على القوي كما أعربه سيبويه ﵀ ورضي عنه، وإنما نقلت كلامه برمتة لأنه كله كما قيل: وما محاسن شيءكله حسن

стр. 1018

ولا عطر بعد عروس، وناهيك بمقام لم بفهمه مثل الزمخشري، والإمام ولنا فيه زيادة تحقيق في سورة النور. قوله: (وجملة عند المبرد الخ) هذا كلام ابن الحاجب بعينه، وكونه جملتين عند سيبويه لأنّ تقديره مما يتلى عليكم حكم السارق، والسارقة، وهذه جملة اسمية، وقوله: فاقطعوا جملة فعلية مفسرة لذلك الحكم، وأما المبرد فذهب إلى أنّ الفاء ليست هي التي يعمل ما بعدها فيما قبلها كما في وربك فكبر ليصح النصب بالتسليط لما بعدها، وإنما هي الفاء الجزائية الداخلة على الخبر لتضمن المبتدأ معنى الشرط بناء على أن اللام موصولة لا حرف تعريف كما في المؤمن، والكافر مما لم يقصد به معنى الحدوث، والمعنى الذي سرق، والتي سرقت فاقطعوا الخ. ومثل هذه الفاء يمنع العمل بالاتفاق، والأمر في هذا الموقع يقع خبراً للمبتدأ بلا تأويل، وليس من قبيل زيد فاضربه لكونه في الحقيقة شرطاً، وجزاء مثل أن سرط فاقطعوه كذا قال النحرير: نقلا عن المبرد وفيه نظر لأنّ هذه الفاء زائدة، وكونها تمنع العمل بالاتفاق لا يظهر وجهه، وأيضاً أنّ أل الموصولة قال الحلبي لا تقع في خبرها الفاء فليحرر هذا النقل فإنّ في النفس منه شيئاً وقوله لتضمنهما أي السارق والسارقة، وفي نسخة لتضمنها أي الجملة، والأولى أولى. قوله: (وقرئ بالنصب وهو المختار الخ) فيه بحث لأنه إن أراد أنه مختار عند القراء فليس كذلك لأنّ القراءة المتواترة على خلافه، وان أراد عند النحاة فقد عرفت أن سيبويه يقول إنّ الرفع أقوى، وإنه عنده ليس من باب الاشتغال، وان أراد عند المبرد فمذهب المبرد أن المبتدأ المتضمن معنى الشرط لا يحتاج خبره الأمرفي إلى تأويل، ولم يدخل السارقة في السارق تغليباً كما هو المعروف في أمثاله لأنه لبيان الحد الذي يحافظ فيه على ترك ما يدرأ الشبهة، وما ذكره في السرقة، وشروطها مما تكفلت به الفروع، وقوله) ﷺ القطع الخ (أخرجه الشيخان عن عائشة ولفظه: " تقطع اليد قي ربع دينار فصاعداً ". قوله: (والمراد بالأيدي الإيمان، ويؤيده قراءة ابن مسعود ﵁ الخ) وضع الجمع موضع المثنى إشارة إلى قاعدة ذكرها النحاة، وهي أنّ كل جزأين أضيفا إلى الكل لفظاً أو تقديرا، وكانا مفردين من صاحبهما جاز فيهما ثلاثة وجوه الجمع، وهو الأفصح ثم الإفراد، ثم التثنية، واختلفوا أقي إلا آخرين أفصح فقيل الأوّل، وقيل الثاني، واحترزوا بالجزأين عما ليس بجزء نحو داريهما فإنه لا بد من تثنيته لا من اللبس، وكذا إن أفردا عن الإضافة كاليدين لذلك واحترزوا بالمفردين من نحو فقأت عينيهما فإنه لا بد من التثنية لإلباسه في الإفراد، وما نحن فيه من هذا القبيل فكان اللازم تثنيته على الأفصح فأشار إلى جوابه بأنّ اليد هنا بمعنى اليمين كما قرئ به فهي مفردة فلذا جمعت كالقلوب مع أنه لا لبس به فيجوز الجمع والإفراد كما ذكرنا، وما قيل إنّ اليمين من كل شخص! واحدة بخلاف اليد غير وارد لأنّ الدليل دل على أنّ المراد من اليد يد مخصوصة، وهي اليمين، وقد دل الشرع على ذلك أيضاً، والرسغ بضمتين وضم فسكون المفصل الذي بين الكف والساعد، والحديث دليل على معنى اليد، وانها اليد اليمين أيضا. قوله: (منصوبان على المفعول له) قال النحرير: وترك العطف إشعاراً بأنّ القطع للجزاء والجزاء للنكال والمنع عن المعاودة اهـ، وإنما ذكر هذا بناء على أنه لا يجوز تعدد المفعول له بدون عطف، واتباع لأنه على معنى اللام فيكون كتعلق حر في جر بمعنى بعامل واحد، وهو ممنوع، وقد صرّح به أبو حيان، واعترض على هذا الإعراب به فأشار المحقق إلى دفعه وقد سبقه إليه الحلبي ونقل عن بعض النحاة أنه أجاز تعدد المفعول له فلا يرد السؤال رأساً، وقد دفع أيضاً بأنّ النكال نوع من الجزاء فهو بدل منه، وعلى ما ذكره النحرير يكون مفعولاً له متداخلاً كالحال المتداخلة وهو حسن وإذا نصبا على المصدرية فهما إمّا مصدران لأقطعوا من معناه أو لفعل مقدر من لفظه، وقد جوّز فيه الحالية أيضاً. قوله: (من السراق) بتشديد الراء جمع سارق، ومن الغريب أنه نقل عن أبيّ ﵁ أنه قرأ والسرق والسرقة بترك الألف وتشديد الراء فقال ابن عطية رحمه الله تعالى أنّ هذه القراءة تصحيف لأنّ السارق والسارقة كتبا بدون ألف في المصحف، وقيل في توجيهها إنهما جمع سارق، وسارقة لكن فاعلة لم ينقل فيه في جمع المؤنث السالم

стр. 1019

فعلة، ولم يسمع فعلة في الجمع أصلاً فلو قيل إنها صيغة مبالغة لكان أقرب فانظره، وقوله: إمّا القطع فلا يسقط بها ضمير بها للآخرة أي إذا لم يقطع في الدنيا لا يسقط حق العبد في الآخرة، وأن جاز سقوط حق الله، والتبعات حقوق العباد والمظالم، وقوله والعزم إشارة إلى أنّ الإصلاح هنا إصلاح النفس بالتوبة، وهي الندم، والعزم على عدم العود كما مر وأنه إذا تاب تاب الله عليه أي قبل توبته، وعموم الخطاب لكل واقف عليه مرّ تحقيقه، وفي الأحكام لابن العربي أنه في شرع من قبلنا كان جزاء السارق استرقاقه وقيل كان ذلك إلى زمن موسى ﷺ فعلى الأوّل شرعنا ناسخ لما قبله وعلى الثاني مؤكد للنسخ كما سيأتي في سورة يوسف. قوله: (قدم التعذيب على المغفرة الخ) يعني كان الظاهر عكسه لأنّ الرحمة سابقة على الغضب كما في حديث " سبقت رحمتي غضبي " وهنا عكس لأنّ التعذيب للمصرّ على السرقة، والمغفرة للتائب منها، وقد قدمت السرقة في الآية أولاً ثم ذكرت التوبة بعدها فجاء هذا اللاحق على ترتيب السابق أو المراد بالتعذيب القطع، وبالمغفرة التجاوز عن حق الله، والأوّل في الدنيا، والثاني في الآخرة فجيء به على ترتيب الوجود أو لأنّ المقام مقام الوعيد قالوا، وهذا أقرب. قوله: (أي صنع الذين يقعون الخ الما كانت ذواتهم لا تحزنه، وأنما يحزنه فعلهم أوّله بما ذكر، وهو إما بتقدير مضاف أو على أنّ الإسناد مجازي، وأنه أسند ما للفاعل إلى سببه أو أنه لا فاعل له حقيقي. قوله: (أكلط في إظهاره إذا وجدوا الخ) إنما قال ذلك لأنّ المنافقين كفرة، وذلك الإظهار بالأخبار والا كانوا مجاهرين لا تبال بهم كما فسره الزمخشرقي، وحزنه ليس لخوفهم بل شفقة عليهم حيث لم يهوفقوا للهداية. قوله: (خبر محذوف الخ (رجح عطف، ومن الذين هادوا على من الذين قالوا لأنه قرئ سماعين على الذم فهذا بيدل على أنها ليست بخير فسماعون حينئذ خبر مبتدأ محذوف، ولام للكذب للتقوية كما في قوله تعالى: ﴿فعال لما يريد﴾ [سورة البروج، الآية: ١٦، وأما تضمينه معنى القبول ففيه نظر فإنه يقتضي أنه إنما فسر بالقبول لتعديه باللام، وقد قال الزجاج يقال لا تسمع من فلان أي لا تقبل، ومنه سمع الله لمن حمده أي تقبل منه حمده، وكلام الجوهرقي يخالفه أيضا، ويقتضي أنه ليس مبنيا على التضمين، وعلى الوجه الأخير مفعوله محذوف، واللام للتعليل وضميرهم المقدر جوز فيه المصنف رحمه الله تعالى وجهين، وهما بمعنى لأن الذين يسارعون الفريقان وفي الكشاف أو للذين هادوا، وأورد على التضمين أيضا أن القبول متعد بنفسه كما في كتب اللغة يقال قبله كعلمه وتقبله، واللام بعد السماع بمعنى القبول بمعنى من كما في سمع الله لمن حمده، وتدخل على المسموع منه لا اأصمسموع. قوله:) والمعنى على الوجهين ( أي الوجهين السابقين في سماعون للكذب من كون اللام متعلقة به لتضمنه القبول دىاليه أشار بقوله مصغون لهم قابلون كلامهم، وكونها للتعليل، ومفعوله محذوف واليه أشار بما بعده، وزاد وجهاً آخر، وهو كون سماعون الثاني تأكيداً للأول، واللام متعلقة بالكذب ولا مغايرة بين الوجه الثاني هنا، وهناك كما توهم لأنّ المراد سماعون منك الكلام الصادر منك. قوله: (من بعد مواضعه الخ) في الكشاف يحرّفون الكلم يميلونه، ويزيلونه عن مواضعه التي وضعه الله فيها فيهملونه بغير مواضع بعد أن كان ذا مواضع فقيل معناه ما تال في سورة النساء، وأما من بعد مواضعه، ومقاره يعني أنه تنبيه على الفرق بين عن مواضعه، ومن بعد مواضعه فمانّ معنى الأول مجرّد الإمالة، والثاني الإزالة عن مواضعه، وهذا مراد المصنف رحمه الله تعالى بقوله أي يميلونه الخ فنزله عليه، ووجوه إعراب الجملة غنية عن البيان. قوله: (روي أن شريفاً من خيبر الخ) سماه شريفاً على زعمهم، وهدّا الحديث أخرجه البيهقي في الدلائل عن أبي هريرة ﵁، وليس فيه أنهما من خيبر، وزاد فيه في الكشاف أنّ ابن صوريا أسلم في هذه القصة، وتركه المصنف رحمه الله تعالى لأنه لم يصح إسلامه بل خلافه، والتحميم تسويد الوجه من الحممة، وهي الفحمة، ويقال له تسخيم أيضاً، وقوله إن أوتيتم هذا المحرف أي المزال عن موضعه قال

стр. 1020

الطيبي رحمه الله تعالى إنه ليس بمقول لهم بل وضع موضع مقولهم كما مرّ في قوله: ﴿إنا تقلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله﴾ هو ظاهر، ولا وجه لما قيل ما المانع من أن يكون مقولهم فإنهم كانوا عالمين بالتحريف ومعترفين به فتأمّل، وقوله أنشدك الله قسم، وأقسم عليه بما هو من حال بني إسرائيل، وموسى ﷺ مما يعرفه تأكيداً، وتحريضاً على عدم مخالفته، وقوله على من أحصن أي تزوّج لأنّ في جريان الإحصان الشرعي في الكافر ما هو مذكور في الفروع، وهو حجة على أبي حنيفة في اشتراط الإسلام إلا أن يقال كان ذلك قبل نزول الجزية أو كان على اعتبار شريعة موسى ﷺ . قوله: (من الله (أي شيثا آخر يخالفه من الله أو من بدلية، وقوله، وهو كما ترى نص على فساد قول المعتزلة يعني في أنّ أفعال العباد خيرها، وشرها بإرادة الله، وهو رد على الزمخشريّ حيث وأى الآية صريحة في خلاف مذهبه فقال معنى من يرد الله فتنته من يرد تركه مفتونا، وخذلانه فلن تملك له من الله شيئا فلن تستطيع له من لطف الله، وتوفيقه شيئاً، ومعنى لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لم يرد أن يمنحهم من ألطافه ما يطهر به قلوبهم لأنهم ليسوا من أهلها لعلمه أنها لا تنفع فيهم، ولا تنجع، ولا يخفى تعسفه فيه كما قال: في الانتصاف كم يتلجج، والحق أبلج هذه الآية كما تراها منطبقة على عقيدة أهل السنة في أنه تعالى أراد الفتنة من المفتونين، ولم يرد أن يطهر قلوبهم من دنس الفتنة ووضر الكفر لا كما تزعم المعتزلة من أنه تعالى ما أراد الفتنة من أحد، وأراد من كل الإيمان، وطهارة القلب، وأنّ الواقع من الفتن على خلاف إرادته، وأنّ غير الواقع من طهارة قلوب الكفار مراد أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها إلى آخر ما شنع به. قوله: (والضمير للذين هادوا الخ) قيل: الأوجه أن يجعل الضمير لأولئك على التقديرين وسماعون للكذب تأكيد لما مر قيل إق الظاهر أنه تعليل لقوله لهم في الدنيا خزى الخ. أو توطئة لما بعده أو المراد بالكذب هنا الدعوى الباطلة، وفيما مز ما يفتربه الأحبار، ويؤيده الفصل بينهما، وأصل معنى السحت المحو، والمحق أطلق على الحرام لأنه ممحوق البركة يقال! سحته وأسحته أي أهلكه وأذهبه والسحت بضمتين وضم فسكون تخفيفاً وفتحتين اسم منه وأما بفتح فسكون فمصدر أريد به المسحوت كالصيد بمعنى المصيد. قوله: (لو تحاكم كتابيان إلى القاضي الخ) تحقيق المقام كما في كتاب الأحكام للجصاص رحمه الله تعالى أنّ هذه الآية ظاهرها التخيير، وهي معارضة لقوله تعالى: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ [سورة المائدة، الآية: ٤٩] فذهب قوم إلى أنّ التخيير منسوخ بالآية الأخرى وأنه كان أوّلاً مخيراً ثم أمر بإجراء الأحكام عليهم، واليه ذهب كثير من السلف، ومثله لا يقال من قبل الرأي وقيل إنّ هذه الآية فيمن لم يعقد له ذمة، والأخرى في أهل الذمة فلا نسخ إلا أن يراد به التخصيص فتأمل لأنّ من أخذت منه الجزية تجري عليه أحكام الإسلام، وقد روي هذا عن ابن عباس ﵄ قال أصحابنا أهل الذمة محمولون على أحكام الإسلام في البيوع والمواريث، وسائر العقود إلا في بيع الخمر والخنزير فإنهم يقرون عليه، ويمنعون من الزنا كالمسلمين فإنهم نهوا عنه، ولا يرجمون لأنهم غير محصنين واختلف في مناكحاتهم فقال أبو حنيفة يقرّون عليها، وخالفه في بعض ذلك محمد وزفر وليس لنا اعتراض! عليهم قبل التراضي بأحكامنا فمتى تراضوا بها، وترافعوا إلينا وجب إجراء الأحكام عليهم، واعتبر أبو حنيفة تراضيهما بأحكامنا فلم يجز الحكم عليهما بمجيء الآخر، وخالفه محمد رحمه الله تعالى في هذا فلو أسلم أحدهما لزم الآخر حكم الإسلام، وهذا مما تحقيقه في الفروع فإن أردت تفضيله فراجع كتاب الأحكام للجصاص، والذب بالذال المعجمة الدفع. قوله: (بأن يعادوك لأعراضك عنهم الخ) يعني أنّ تعليق عدم الضرر بالأعراض باعتبار ما يترتب على عدم الحكم بما يوافق هواهم من العداوة المقتضية للتصدي لضرره فيصير مآل المعنى أن تعرض عنهم فعادوك، وقصدوا ضررك فالله يعصمك منهم، وقيل عليه إنّ المصنف ﵀ فسر العصمة في قوله تعالى: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ [سورة المائدة، الآية: ٦٧] بعصمة الروج، وهي لا تنافي المضرة، وأجيب بأن مراده هنا بإيراد هذه العبارة عدم الضرّ مطلقاً، ولم يقصد حكاية ما في الآية، وقوله فيحفظهم، ويعظم شأنهم إشارة إلى أن المراد بالمحبة ما يلزمها من حفظه هنا، وتعظيمه كما هو شأن المحبوب، وبه يرتبط بما
следующие страницы →