← Тафсир

Тафсир · id 1537

تفسير العثيمين: النمل

ابن عثيمين

Полный текст (538 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الآية (١٧) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧)﴾ [النمل: ١٧]. * * * قوله: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ﴾ سُلَيْمَان ﵊ آتاه اللهُ ﵎ مُلْكا لا يَنبغي لأحدٍ من بعدِه، حَتَّى إنَّ الرَّسُولَ ﵊ لمَّا هَمَّ أنْ يَقبِضَ عَلَى الشيطانِ قَالَ: "ذَكرْتُ قَوْلَ أَخي سُلَيْمَان: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥] " (١). فمِن جُملة مُلْكِهِ هَذَا التنظيمُ العظيمُ. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَحُشِرَ﴾ جُمِعَ]، والجامِعُ: النُّقبَاء والعُرَفَاء الَّذِينَ جَعَلَهُم يَجْمَعُون هَؤُلَاءِ الجنودَ، فَهُوَ قد نَظَّمَ مُلْكَه غايةَ التنظيمِ وجعلَ لكلِّ أُناسٍ قادةً وعُرَفَاءَ يَجْمَعُونهم. وقوله: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ﴾ وهل يُحشَر معهم غيرهم؟ الجِنّ واضحٌ، والإنس مُكَلَّفون، والطيرُ غيرُ مُكَلَّفِينَ، وهي تطير.

стр. 107

بَقِينا فِي الحيواناتِ الأُخْرَى الماشية والزاحفةِ، هل تدخل فِي هَذَا من بابِ أَولى ونَقُول: إنَّهُ إذا حُشِرَتِ الطيورُ الَّتِي لا يمكن السيطرةُ عليها فغيرها من باب أولى، أو نَقُول: إن سُلَيْمَان ﵊ ما كَانَ يَستعمِل إِلَّا الطيور فقط؛ لِأَنَّهُ يستخدمها لمصالحه؟ هو مَحَلُّ إشكالٍ عندنا، فالآن نَقُول: سكتَ عن بقيَّة الحيوانات، فهل هِيَ داخلة فِي جُنُودِهِ أو لا؟ قد تقولُ: إنَّهَا داخلة من باب الأَولى، وقد نَقُول: ليست بداخلةٍ. ما وجه قولنا: من باب الأولى؟ وجه قولنا أن نَقُول: إذا كَانَ الطيرُ وَهُوَ لا يمكن السيطرةُ عليه لِطَيَرَانِهِ يُحْشَر ويُجْمَع فغيرُه من باب أولى، وقد تقول: إنَّهُ لَيْسَ بلازِمٍ؛ لِأَنَّهُ يمكن أن سُلَيْمَان ﷺ لا يستخدم من الحيوانات سِوَى الطيرِ، وإذا لم يَسْتَخْدِمْ سواها فلا حاجةَ له فِي أن يجمعَ الباقيَ. قوله: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ يَقُول المُفَسِّر ﵀: [يُجْمَعُونَ ثُمَّ يُساقونَ]، وهَذَا أيضًا منَ التنظيمِ ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ يُساقون يعني منظمينَ فِي جَمْعِهِمْ وسَيْرِهِمْ، فيُجمعونَ أولًا، وبعدَ أنْ يُجْمَعُوا يُوَزَّعُون فيُساقون عَلَى وجهٍ مُنَظَّمٍ. وهَذَا لَا شَكَّ أَنَّهُ منَ التنظيمِ الَّذِي يحفظ عَلَى النَّاس الوقتَ والعَمَلَ؛ لِأَنَّ أكثرَ ما يُضَيِّعُ وقتَ الْإِنْسَانِ وعَمَلَه هُوَ عَدَمُ التنظيمِ. ولهَذَا أقول: إِنَّهُ يَنبغي أنْ يَكُونَ عندَنا تنظيمٌ لأعمالِنا اليوميَّة بِقَدْرِ المُستطاع، ولكِن لَيْسَ معنى ذلكَ أنْ نُصِرَّ عَلَى هَذِهِ الأَعْمالِ وإنْ وُجِد ما هُوَ أفضل فلا نفعله،

стр. 108

إِنَّمَا فقط يَكُون الْإِنْسَان مُرَتَّبًا مُنَظَّمًا لا يَدَع وَقْتَه فَوْضى، فيقرأ الْآنَ فِي هَذَا الكتاب سطرًا ثُمَّ يَدَعه لِيقْرَأَ فِي الكتابِ الثاني ويدعه، أو يعمل هَذَا العَمَل ويبدأ به ثُمَّ يَتْرُكه، فيَنبغي أن يَكُونَ عِنْدَه تنظيمٌ، ومنَ المُسْتَحْسَنِ أَنَّهُ كلَّما كَانَ الشَّيْء أهمّ يبدأ به أوَّلًا. وكَانَ بعض النَّاس يَقُولُونَ: إِنَّهُ من جُملةِ تنظيمهم يجعل قراءة الجرائد والصحف إذا تغدَّى، ويَجعل قراءةَ الكتبِ الهامَّة الَّتِي تحتاج إِلَى تعبٍ بعدَ الغداءِ؛ لِأَنَّ قراءةَ الصحفِ قراءةٌ سَطحيَّةٌ مثل التحدُّث العادي، ولَيْسَ فيها تعبٌ. لكِن الكتب فيها تَعَمُّق فتحتاج إِلَى عملٍ، وهَذَا لا يناسبُ مَعَ وجودِ الشِّبَعِ. من فوائد الآية الكريمة: الفَائِدَة الْأُوْلَى: أن سُلَيْمَان ﵊ قد نَظَّمَ جُنُودَهُ ورَتَّبَهُم بحيث يُجمَعون عندَ الجمعِ ويُفَرَّقُون عند التفريقِ، لِقَوْلِهِ: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ﴾. الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ الجنود الَّذِينَ يَسْتَصْحِبُهُمْ سُلَيْمَان ثلاثةُ أصنافٍ، وهم: الجِنُّ والإنسُ والطيرُ، أَمَّا الإنس فاستصحابُه لهم ظاهرٌ؛ لِأَنَّهُ منهم، وَأَمَّا الجنُّ فلاستخدامِهِمْ فيما لا يَقْدِرُ عليه الْإِنْسَانُ، وَأَمَّا الطيورُ فقال بعضُ العُلَماءِ: إنَّهَا تَصْحَبُهُ لِتُظِلَّهُ، فتكون فوق رأسِهِ ظُلَّةً منَ الشَّمْسِ، وهَذَا قد يَكُون مقصودًا، وقد يَكُون أيضاً من مقصودِ استصحابِ الطيرِ أَنَّهَا تأتيه بالأخبارِ البعيدةِ كما فِي قِصَّة الهُدْهُد. الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: كمال التنظيم أيضًا، لِقَوْلِهِ: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾، لِأَنَّ الوَزْعَ معناه: الجمْعُ والسَّوْق، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [فصلت: ١٩]، يُجْمَعُون إليها وُيساقُون إليها. وهَذَا دليلٌ أيضًا عَلَى كمالِ تَنظيمِهم.

стр. 109

الفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: جوازُ استعمالِ الساقَةِ فِي الجُنْد والجيشِ، بأن يَكُون لهم سائقٌ كما أنَّ لهم قائدًا دليلًا، وقد كَانَ من هدي الرَّسُول ﷺ أَنَّهُ يَكُونُ فِي الساقَةِ فِي أُخريات القومِ (١)، مَعَ أَنَّهُ ﷺ رَئِيسهم وزعيمهم، لَكِنَّهُ يتأخَّر لأجلِ أنْ يُرْفِدَ من قَصَّر وُيعِين مَنِ احتاجَ، وللفوائد العظيمة الَّتِي تحصُل بهَذَا. * * *

стр. 110

الآية (١٨) * * * قَالَ اللهُ : ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٨)﴾ [النمل: ١٨]. * * * قوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا﴾ هَذِهِ غايةٌ لمِا سبقَ، وَهُوَ قوله: ﴿وَحُشِرَ﴾، وَعَلَى هَذَا فيَكُونُ فِي الكَلامِ حَذْفٌ تَقديرُه: وساروا ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا﴾. فبعدَ أنْ جُمِعَ الجنودُ وَوُزِّعُوا فَرُدَّ أولهم إِلَى آخرهم، ونُظِّموا، سَارُوا. قوله: ﴿عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾: ﴿أَتَوْا﴾ أي: سُلَيْمَان وجنوده، أي: مَرُّوا. وقوله: ﴿عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ ظاهر الكَلامِ أن هَذَا الوادي معروفٌ بهَذَا اللَّقَب، أي أَنَّهُ يُسَمَّى واديَ النملِ، ويَحْتَمِل، لَكِن خِلاف الظَّاهرِ أن يَكُونَ هَذَا الوادي واديًا فِيهِ نملٌ، يعني يَكُون التَّقْدير: حَتَّى إذا أتوا عَلَى وادٍ فِيهِ نملٌ، وَلَيْسَ معروفًا بهَذَا اللَّقَب، أي بأنه: وادي النملِ، ولكِن الأَولى الأخذُ بظاهرِ اللفظِ؛ وَهُوَ أن يَكُونَ هَذَا الوادي معروفًا بكثرةِ نَمْلِهِ وَأَنَّهُ يُلَقَّب بهَذَا اللقبِ لِكَثْرَتِهِ. والنَّمْلُ معروفٌ، وَهُوَ مِنَ الحيواناتِ الَّتِي نُهي عن قَتْلِها، كما فِي السُّنَن أن النَّبِيّ ﷺ نهى عن قتل أربعٍ منَ الدوابِّ، وذكرَ مِنْهَا النَّمْلةَ (١)، وَفِي الصَّحيحِ أيضًا

стр. 111

أن أحدَ الأَنْبِياء -عليهم الصَّلَاة والسلامُ- قَرَصَتْهُ نملةٌ، فأمر بقَرْيَةِ النملِ كُلِّها فأُحْرِقَتْ، فَعَاتبهُ اللهُ عَلَى ذلك وقال: هَلَّا نَمْلَةً وَاحِدَةً (١). وهَذَا النَّمْلُ من جملةِ المخلوقاتِ الَّتِي تَعْرِف ربَّها وتعرف ما يَنْفَعُها وما يَضُرُّها عَلَى حَسَب ما رُكِّبَ فيها من هدايةٍ، وقد قَالَ موسى ﷺ لِفِرْعَوْنَ: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]، ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ أي الخلقَ اللائقَ به، فكُلّ شيءٍ من الحيوان وغيرِه له خَلْق يَليق به أعطاهُ اللهُ، ثُمَّ هَدَى هَذَا الخلقَ أيضًا لما تَقُومُ به مصالحُه، فهَذَا النملُ من جُملةِ المخلوقاتِ الَّتِي أَعطاها اللهُ تَعَالَى خَلْقَهَا وهداها. قَالَ المُفَسِّر: [﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ وَهُوَ بالطائفِ أو بالشامِ]، خِلاف، ولا دليلَ لا عَلَى الطائفِ ولا عَلَى الشامِ، والأقرب أَنَّهُ بالشامِ -ومعَ ذَلِكَ لا نَجْزِمُ به- لِأَنَّ مَقَرّ سُلَيْمَان ﵊ كَانَ فِي الشامِ، وتعيين المكانِ ليس منَ الأُمُورِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا فِي القصة؛ لِأَنَّ المقصودَ الاعتبارُ بما جَرَى فِي أيِّ مكانٍ كَانَ من الْأَرْض، وقَالَ المُفَسِّر ﵀: [نمله صِغار أو كبار]، أيضًا ما لنا ولهَذَا، بعضهم يَقُول: نمله كبار، والنَّمْلة كالذئب، يعني صار النمل حميرًا! وهَذَا لَيْسَ بصحيحٍ، بلِ النملُ هُوَ المعروفُ فِي لغةِ العربِ، وكل مَنْ فَسّرَ شيئًا من الْقُرْآن بخلافِ ما تَقتضيه اللُّغةُ العربيّةُ فَإِنَّهُ لَابُدَّ له من دليلٍ، وإلا فَيرَدَّ عليه؛ لأنّ مَعَنا أصلًا أصيلًا فِي تفسيرِ الْقُرْآن وَهُوَ قوله تَعَالَى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥]، فمَن زَعَمَ أنَّ شيئًا من الْقُرْآن عَلَى خلافِ هَذَا اللسانِ العربيّ المبينِ فعليه الدَّلِيلُ.

стр. 112

وعَلَى هَذَا نَقُولُ: النَّمْلُ هُوَ النملُ المعروفُ، وَأَمَّا القَوْلُ بِأَنَّهم كِبَارٌ وأنهم كالذِّئاب فِي الكِبَر فهَذَا لا دليلَ عليه. قولُه: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ هَذِهِ جواب ﴿إِذَا﴾: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا ... قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ هو قَالَ المُفَسِّر ﵀: [مَلِكَة النَّمْل وقدْ رَأَتْ جُنْدَ سُلَيْمَانَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ ... ]، إِلَى آخِرِهِ. قولُه ﵀: [وقد رأتْ جُنْدَ سُلَيْمَان]، فهَذَا واضحٌ، اللهُ أَعْلَمُ أَنَّهَا رأته أو أَحَسَّته، قد يَكُون إحساسًا بدون نظرٍ، وقد يَكُون نظرًا، إِنَّمَا عَلَى كُلّ حال هِيَ أدركتْ قُرْبَه ووصول سُلَيْمَان بجنوده إليهم. وقوله تَعَالَى: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾: ﴿نَمْلَةٌ﴾ مُنَكَّر، وظاهر كلام المفسِّر أَنَّهَا مُعَرَّفَة؛ لِأَنَّهُ قَالَ: [ملكة النمل]، وهَذَا يقتضي أن يَكُون التعبير: (قالت النَّمْلةُ) يعني النَّمْلة المعهودة وهي الملِكة، ولمَّا لم يكنِ التعبيرُ بِقَوْلِهِ: (قالت النَّمْلة) دلَّ عَلَى أن القائِلَ لا يَتَعَيَّنُ أن يَكُونَ مَلِكَة النملِ، وإنما هِيَ نملةٌ منَ النملِ، وهَذَا لَيْسَ بغريب فَإِنَّهُ كما لو أقبل جُنْدٌ عَلَى طائفةٍ منَ النَّاس ورآه واحدٌ منهم فيَصيح بهم، ولا يَلْزَمُ أن يَكُون هَذَا الصائحُ هُوَ الأميرَ أو الملِكَ، ولهَذَا الصَّحيح إبقاء الْقُرْآن عَلَى ظاهرِهِ، وأنها نملة من هَذَا النملِ، ولا يلزم أن تكونَ الملكةَ؛ لِأَنَّ في مثل هَذِهِ الأحوال أَيُّ واحدٍ يشعرُ من الطائفةِ الموجودةِ بالخوفِ يَصيح به ويُنْذِر، أنا النذيرُ العُريانُ. إِذَنِ: الصَّواب أن نَقُول: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ من النملِ، ولا نُعَيِّنُها بأنها الملكة. قوله ﵀: [وقد رأتْ جُنْد سُلَيْمَان]، هل يَتَعَيَّن الإدراك بالرؤيةِ أو يجوز أيضًا بالإحساسِ والسمعِ؟

стр. 113

يمكن هَذَا، وحينئذٍ نسأل: هل للنمل أعينٌ؟ هَذِهِ تحتاج إِلَى دراسة علمِ الأحياءِ، وقد قرأتُ كلامًا يَقُول: إن النمل -بإذن الله إذا مَشَى فَإِنَّهُ يُفْرِزُ أَشْيَاء تمشي النملات الأُخْرَى عَلَى رائحتها، وهَذَا شَيْء أنا شاهدتُه بعيني، حَيْثُ إِنَّهُ كَانَ يوجد بِسَاط كبيرٌ وَكَانَ النملُ يَمشي ويأتي عَلَى زاوية ثُمَّ يَرجِع، يعني يمشي مستطيلاً ويأتي عَلَى الزاوية ثُمَّ يرجع، كُلّ النمل عَلَى هَذَا، يعني لا يذهب فِي طريقٍ مستقيمٍ مخُتصَر، فأنا تَعَجَّبْتُ كيف يعرف الطريقَ؟ لو كَانَ عَلَى ترابٍ لكانَ يبين أثر النمل وَيمشي بعضهم مَعَ بعض، لكِن هَذَا لَيْسَ عَلَى ترابٍ، ولكِن بَعْد أن قرأتُ هَذَا عنه عرفتُ أَنَّهُ إذا مشَى يَكُون له رائحةٌ وتمشي بقيَّة النمل عَلَى هَذِهِ الرائحةِ، وهَذَا من آيَاتِ اللهِ ، هَذَا معنى قوله: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]. عَلَى كُلّ حالٍ: الَّذِي يَلْزَمُنا من هَذِهِ الآيَاتِ الكَريمَةِ أن النَّمْلةَ أدركتْ ذلك برؤيةٍ أو بغيرِها. قوله: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ انظُرْ هَذِهِ الجملة تضمنت نداءً وأمرًا وإرشادًا وتحذيرًا وتعذيرًا وغير ذلك مما يمكن أن نُدْرِكَهُ إن شاء الله بَعْد الكَلام بالتفصيلِ. وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ﴾ هَذَا نداءٌ، وقد تَقَدَّمَ أن تصديرَ الجملةِ بالنداءِ الغرضُ مِنه التنبيهُ، فإذا قلتُ: (افعل) أو (يا فلان افعلْ) الأخيرة أعظمُ وأبلغُ، فهَذَا لتنبيهِهِ، ثُمَّ إن قولها: ﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ﴾ نداءٌ بعيدٌ مُصَدَّر بِتنبيهٍ ﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ﴾؛ لِأَنَّهَا لو قالتْ: (يا نملُ) فقد يَخْفَى؛ لِأَنَّهُ كما هُوَ مشاهَد الْإِنْسَان أوَّلَ ما يُكَلِّمُك قد يَخْفَى عليك أوَّلُ جملةٍ، لكِن إذا جاء بشيءٍ يُنبِّه قبلَ الدخولِ فِي الموضوعِ المقصودِ

стр. 114

صار لا يفوت السامعَ منَ المقصودِ شيءٌ، هِيَ قالت: ﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ﴾ ولم تقلْ: يا نملُ. ثُمَّ إن نداءَ البعيدِ أيضًا يَدُلّ عَلَى أَنَّهَا صَوَّتَتْ بصوتٍ سمِعه الكلُّ ﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ﴾. وفي قولِها: ﴿ادْخُلُوا﴾ هَذَا أمرٌ، والمُرادُ به الإرشادُ، قالت: ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾، وَفِيهِ تعيينِ المساكِنِ وهي الملاجِئ، وهَذَا مثل صفَّارات الإنذارِ عندَ النَّاسِ، فإذا صفّرت صفَّارة الإنذارِ لا يَذْهَبون إِلَى السُّطُوح، ولكِن يذهبون إِلَى الملاجِئِ، وهِيَ أيضاً أَرْشَدَتْهُم إِلَى ملاجئهم: ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾، ثُمَّ فِيهِ أيضاً إشارةٌ إِلَى أن هَذِهِ المساكن كما أَنَّهَا أكنان يُكْتَنّ بها الْإِنْسَان فهي أيضاً حُصُون يَحْتَرِزُ بها الْإِنْسَان، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥ - ٢٦]. وفي قولها: ﴿مَسَاكِنَكُمْ﴾ هو الإضافةُ هنا عَلَى تقدير (اللام)، لا (من) ولا (في)؛ لِأَنَّ الإضافة تكونُ عَلَى تقدير (من) إذا كَانَ المضاف من جنس المضاف إليه كخاتَمِ حديدٍ، وبابِ خَشَبٍ. وتكون عَلَى تقدير (في) إذا كَانَ المضاف إليه ظرفًا للمضاف؛ كما فِي قوله تَعَالَى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣]، أي: مَكْرٌ فِي الليلِ. وتكون عَلَى تقديرِ اللَّام، وهي الغالبُ والأكثرُ، وهنا عَلَى تقديرِ اللامِ، واللامُ المُقَدَّرَة فِي الإضافةِ هنا هل هِيَ للاختصاصِ أو لِلْمِلْكِ؟ بالنِّسْبَة لنا للاختصاص، لكِن بالنِّسْبة لهنّ - أي: للنمل فيما بينهنّ - الظَّاهر أَنَّهَا للمِلك؛ لِأَنَّ كُلّ واحدةٍ منهنّ تَعْرِفُ بيتَها وَتَمْلِكُه. قوله: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾ هَذَا التحذير إرشادٌ وتحذيرٌ، قَالَ المُفَسِّر ﵀: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ [يَكْسِرَنَّكُمْ]، لَيْسَ المُرادُ بالكسرِ هنا أن يُكْسَر عضوٌ فقطْ،

стр. 115

المُراد بالكسر هنا الإهلاكُ عَلَى سبيل التحطيمِ، فالنَّمْلةُ إذا وَطئتها تَقَطَّعَتْ وتَمزَّقَتْ هَذَا هُوَ التكسُّر، وَلَيْسَ المَعْنى أن رِجلها تَنكسِر وتبقى معلَّقة بها، والجملة هَذِهِ كالتعليلِ للأمرِ فِي قولها: ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾، يعني كَأنَّ قائلًا يَقُول: لماذا؟ ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ﴾، فالجملةُ تعليلٌ وتحذيرٌ، وهَذَا مِن بَلاغَتِها أيضًا، ما قالت: ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ فقط، ولكِن عَيَّنَتِ المُحَذَّرَ منه وَهُوَ ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ﴾ ثُمَّ أتتْ بهَذِهِ الجملةِ الشديدةِ الوَقْعِ، لم تَقُلْ: لا يَطَأَنَّكُمْ، قالت: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾، فأيّهما أشدّ وقعًا؟ الأخيرةُ أشدُّ؛ لِأَنَّ الوطءَ قد يَلْزَمُ منه الكسرُ والإفلاتُ وقد لا يَلزَمُ، ثُمَّ الوطءُ هادئٌ بالنِّسْبَةِ لكلمةِ التحطيمِ. وأيضًا قوله: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ أشدّ فِي الحَذَرِ وأبلغُ ممَّا لو قَالَ: (لَيُهْلِكَنَّكُمْ)، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ﴾ [الهمزة: ٥]، فالتحطيمُ أبلغُ. وهل المقام يَقتضي أن تأتي بالعبارةِ الغليظةِ؟ نعم، لِأَنَّ المقامَ مَقامُ تحذيرٍ وسرعة، فإذا لم تفعل النملات هَذَا بسرعةٍ فإنها ستتحطم. وهنا قالت: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ وقالت: ﴿ادْخُلُوا﴾، والتعبير بـ ﴿ادْخُلُوا﴾ و ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ بالميم هَذَا لا يَكُون إِلَّا للعاقلِ؛ لِأَنَّ الميم هَذِهِ لجماعة العقلاء، والواو أيضًا لجماعة العقلاء؛ لِأَنَّ غير العاقل يؤنَّث: ادخلنَ مساكنكنَّ، ولا يحطمنكنّ، ولَكِنَّهَا قالت: ﴿ادْخُلُوا﴾ و ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ تنزيلًا لهنَّ مَنْزِلَةَ العاقلِ، فخُوطِبُوا خِطابَ العقلاءِ، ولهَذَا قَالَ المُفَسِّر ﵀: [نزَّلَ النملَ مَنْزِلَةَ العقلاءِ فِي الخطابِ بِخِطَابِهِم].

стр. 116

أو يقال: هنَّ بالنِّسْبَةِ لبعضهنَّ عُقَلاءُ، يعني لما كَانَ هَذَا الخطابُ يُفهم ويُعمل به صارتْ كأنها تخاطبُ العقلاءَ، مثلما قُلْنَا: إن المساكنَ بالنِّسْبَةِ لهنّ مِلْك وبالنِّسْبَةِ لنا اختصاص. وقوله: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾ وهَذَا التعبيرُ يَدُلّ عَلَى أنَّ عَظَمَة سُلَيْمَان مُتَقَرِّرَةٌ عِنْدَهنَّ وَهُوَ كذلك. وقوله: ﴿سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾ ما قالتْ: وجُنْدُه؛ لِأَنَّ الَّذِي فَهِمنا منَ الْقُرْآن أن معَه ثلاثةُ أصنافٍ من الجنودِ: الإنس والجنّ والطير كما سبقَ. وقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ هَذَا اعتذار لسُلَيمان وجنودِه، أَنَّهُم لن يَتَقَصَّدوا أن يَحْطِمُوكم، ولكِن بغير شعورٍ منهم؛ لِأَنَّهُ كما هُوَ معروفٌ أن هذا جيشٌ عظيمٌ واسعٌ وهذه نملٌ صغارٌ يُمْكِن أن يحطمها الجيشُ بدونِ أنْ يَشْعُرَ، ثُمَّ إنَّ الغالبَ أنَّ مثلَ هَذَا الجندِ الكثيرِ لا يستطيع أن يَتَوَقَّفَ إذا وجد جُحْرَ نَمْلٍ مثلًا، فهَذَا معنى قولها: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: كيف ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ هل هم يمشون بِغَيْرِ هُدًى؟ قُلْنَا: لا، يمشون بهدى، لكِن من المعروفِ أَنَّنا إذا قارنَّا بينَ هَذَا الجُنْدِ العظيم الواسع وبين صِغَرِ هَذا النمل فإنَّ الغالبَ أَنَّهُم لا يَشعرون بها. فهَذهِ الجُمَل البليغة العظيمة من هَذَا المخلوقِ الَّذِي لَيْسَ فِي أَعْيُنِ النَّاس شيئًا، وَهُوَ من أصغرِ المخلوقاتِ، فيها ما يَدُلّ عَلَى عَظَمَةِ الخالِق، وأن ما هُوَ أعظمُ من هَذِهِ المخلوقات -النمل- هُوَ أعظمُ مِنْهَا أيضًا فِي هَذِهِ الأُمُور؛ لِأَنَّ مَن أعطى الصغيرَ هَذَا الإعطاءَ وهداه هَذِهِ الهدايةَ فالكبيرُ أحوجُ للهدايةِ من ذلكَ، وعنده منَ العلمِ ما عنده.

стр. 117

من فوائد الآية الكريمة: الفَائِدَة الْأُوْلَى: أن من البلاغةِ الإيجاز بالحَذْفِ؛ لِأَنَّ قوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا﴾ قبلَ الشَّيْءِ المحذوفِ، والتَّقْدير: (فساروا حَتَّى إذا أتوا عَلَى وادي النمل) لِأَنَّ (حَتَّى) للغاية فلابد أن يَكُون هناك شَيْء محذوف قبلها. الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: وفيه دليلٌ عَلَى إضافةِ المكانِ إِلَى ساكنِه؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَادِ النَّمْلِ﴾ كما يُقَال الْآنَ فِي الأحياءِ فِي البلد: هَذَا حيُّ بني فلانٍ، كما هُوَ معروف من قديم الزمان أن الأحياء تضاف إِلَى ساكنيها. الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: هل نَقُول: فِي هَذَا دليلٌ عَلَى أن النملَ إذا سكنَ أرضًا مَلَكَها بحيثُ لا يجوزُ إحياؤها ولا الاستمتاعُ بها، ففِي الآيَهِ يَقُول الله تَعَالَى: ﴿وَادِ النَّمْلِ﴾ فإذا قلت: (بيت فلان) هل لك حقٌّ أن تأتيَ إِلَى بيتِ فلانٍ وتسكنه؟ نَقُول: صحيح، فلو نظرنا إِلَى مطلَقِ اللفظِ لكان وادي النمل للنمل، ولكِن الله تَعَالَى يَقُول: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، فإذا كَانَ النمل يُؤْكَل أَكَلْنَاهُ، فكيف لا نأكل مساكنَهم، فبنو آدم هم أحقُّ بالْأَرْض من غيرهم، فإذا احتاج الْإِنْسَان مثلًا إِلَى عمارة هَذِهِ الْأَرْض، وكَانَ فيها نملٌ، فلا بأسَ أن يَعْمُرَها، ولو لزِم من ذلك أن يموت النمل؛ لِأَنَّ هَذَا الموت غير مقصود، وما كَانَ غير مقصود وإنما جاء ضرورة لتناول المباحِ فَإِنَّهُ لا يضرُّ، وهَذِهِ القاعدةُ معروفةٌ فِي الشرعِ، أن الشَّيْءَ الَّذِي يأتي ضرورةً لفعلٍ مباحٍ وَهُوَ غير مقصودٍ فَإِنَّهُ لا بأسَ به، وانظُرْ مثلًا إِلَى قتلِ النِّسَاء والذُّرِّيَّة فِي الحربِ فإنه لا يجوز، لكِن إذا لم نتوصلْ إِلَى قتل المقاتلينَ إِلَّا بالرمي بالمنجنيقِ والمدافعِ الْعَامَّة فَإِنَّهُ يجوز، ولو لزِم من ذلك قتل النِّسَاء والذرَّية؛ لِأَنَّ هَذَا غير مقصودٍ. كذلك أيضًا قطع نخيل العدوّ لا يجوزُ، ولكِن

стр. 118

إذا لم نتوصلْ إليهم إِلَّا بقطع نخيلهم جاز كما فعل النَّبِيّ ﷺ فِي بني النَّضِير. فائدة: بيوت النمل تكون عميقة فِي الْأَرْض، ثُمَّ من عادة النملِ أيضا أَنَّهُ لا يبني البيوت إِلَّا فِي مكانٍ مرتفعٍ، وغالبًا أن الجند لا يأتون الأماكن المرتفعة ما دام يجدون السهلَ. فالحاصل أن نَقُول: إذا لزِم من إحياء الْأَرْض قتل النمل فَإِنَّهُ لَيْسَ به بأسٌ؛ لِأَنَّهُ لم يكنْ مقصودًا، وإنما جاء ضرورةً لتناولِ أمرٍ مباحٍ لنا، بل كُلّ مؤذٍ، حَتَّى ابنُ آدمَ إذا آذاك وصالَ عليكَ ولم يَنْدَفِعْ إِلَّا بالقتلِ تَقْتُله، وَهُوَ أعظم حُرْمَةً من الحيواناتِ. الفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن للحشراتِ نُطقًا؛ لِقَوْلِهِ: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾. الفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: وفيه دليل عَلَى أن قولها أيضًا مسموعٌ يَسْمَعُه بنو جنسها؛ لِأَنَّهُ لو لم يَكُونوا يسمعونها لم يكن فِي قَوْلِها فائدةٌ، فهم يسمعون قولها، وقد يُسْمِعُهُ اللهُ ﵎ مَن يشاء. الفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: وفيه دليلٌ -استدلَّ الْعَامَّة بذلك- عَلَى أن كُلّ شيءٍ يَنطِق من قبلُ، وهَذَا لَيْسَ بصحيحٍ، ولكِنَّ الله تَعَالَى قد يُسْمِع الخلقَ نُطْقَ بعضِ الحيواناتِ؛ إمَّا آيَة أو كرامة، أو مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، أَمَّا العوامُّ فإنهم يَقُولُونَ: كُلّ شَيْء يتكلم، حَتَّى إن بعضهم يَقُول: الجصة تَتَكَلَّم، والجصة هِيَ مخَزنُ التَّمر، والظَّاهر أَنَّهُ سارقٌ كَانَ فِي الجصةِ وتكلَّم. الفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: ردُّ كلامِ المُفَسِّر فِي قولِه: إن النَّمْلةَ مَلِكة النمل؛ لِقَوْلِهِ: ﴿نَمْلَةٌ﴾ مُنكَّر، وَلَيْسَ بغريبٍ أن تكونَ نملةً من النملاتِ هِيَ الَّتِي قالت هَذَا.

стр. 119

الفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: فصاحة هَذِهِ النَّمْلة ونُصْحها وذكاؤها؛ لِأَنَّ الكَلامَ الَّذِي قالتْه يَتَضَمَّن هَذَا كله، فهي من بلاغتها استعملتْ فِي كُلّ مكانٍ ما يُناسِبُه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ﴾ أتت بالياء لمناداة البعيد؛ لِأَنَّ النمل لَيْسَ كله قريباً مِنْهَا، بل بعضه بعيد وبعضه قريبٌ، ومن كمالِ نُصْحها: إرشادها إِلَى المخابئِ والملاجِئِ؛ لِقَوْلهِا: ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾. ومن كمال ذكائها: أَنَّهَا استعملتِ العباراتِ المثيرةَ المزعِجة، فِي قولها: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾. وأيضًا من عَدلها أَنَّهَا قالت: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. فتضمَّن هَذَا الكَلام أنواعًا كثيرة من البلاغةِ والفصاحةِ والنصحِ والتحذيرِ والتعذيرِ وغير ذلك مما مرَّ فِي الشرحِ. الفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: فِي هَذَا أيضًا عَظَمَةُ مُلْكِ سُلَيْمَان وجنوده؛ لِأَنَّ النَّمْلة عَرَفَتْ ذلك وحذَّرتْ منه. * * *

стр. 120

الآية (١٩) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩)﴾ [النمل: ١٩]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَتَبَسَّمَ﴾ سُلَيْمَان ابتداءً ﴿ضَاحِكًا﴾ انتهاءً ﴿مِنْ قَوْلِهَا﴾]. يَقُولُونَ: إن الضحكَ ثلاثة أنواعٍ: ابتدائيٌّ ووَسَط وانتهائيّ، الابتدائي التبسُّم، والوسط الضَّحِك، والمنتهَى القَهْقَهَة، والقهقهة لا تليقُ بالْإِنْسَان العاقلِ الرَّزين، والتبسُّم هُوَ أكثرُ ضَحِكِ الأَنْبِياء عليهم الصَّلَاة والسلامُ، والضَّحِك يَكُونُ منَ الأَنْبِياء أحيانًا، فهنا تَبسَّم ضاحكًا، والمُفَسِّر ﵀ يَرى أنَّ سُلَيْمَان ﷺ كَانَ له مرحلتانِ فِي هَذَا الضحِك: الأولى: التبسُّم، والثَّانِيَة: الضحِك، فابتدأ بالتبسُّم وانتهى بالضحِك. ويَحتمل أن يَكُونَ معنى قوله: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا﴾ أَنَّهُ ضحك متبسمًا، يعني أَنَّهُ ما ظهر له صوتٌ ولكِنه تبسَّمَ تبَسُّمًا، واللهُ أَعْلَمُ. وَعَلَى هَذَا التَّقْدير تكون ﴿ضَاحِكًا﴾ حالًا مبيِّنة للنوعِ، يعني أن ضَحِكَه كَانَ تبسُّمًا. عَلَى كُلِّ حَالٍ: في هذه المسألة لا يضرُّ لو كَانَ ابتدأ بالتبسم وأنهى بالضحك، والفرق بين التبسُّم والضحِك: أن التبسم ينفتح فيه الفم بدونِ صوتٍ، والضحِكُ

стр. 121

يَكُون بصوتٍ، لكِن بدونِ قهقهةٍ، والقهقهة هِيَ تكرار الصوتِ، (كَرْكَرَ) كما يَقُول الْعَامَّة. قوله: ﴿ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾: (مِن) بَيَانيَّة، والبَيَانية للتعليلِ، يعني بسببِ قولهِا تبسَّمَ، هَذَا التبسُّمُ ما مصدرُه؟ هل تبسم من قولها، أمْ من تحذيرها، أم من اعتذارها، أم من إرشادها، أم من فصاحتها؟ من كُلّ ما يتضمنه هَذَا القَوْل؛ لِأَنَّهُ فِي الحقيقة محلّ عَجَب، أَنَّهَا تتكلم بهَذَا الكَلام البليغِ، وبهَذِهِ السرعةِ، فما ذهبت تُرتِّب وتأتي بالعناصر وتزيِّن، فهَذَا لَا شَكَّ أَنَّهُ محلّ ضحِك، ثُمَّ هُوَ أيضًا محل ضحِك لَيْسَ من القَوْلِ فقطْ، بل من مغزى هَذَا القَوْل، ولهَذَا جعله من نعمة الله: ﴿وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾، مغزى هَذَا القَوْل أن سُلَيْمَان ﵊ تَعْتَرِف حَتَّى الحشرات بعظمته وعظمة جنودِهِ، وهَذَا لَا شَكَّ أَنَّهُ من نعمة الله عليه. فهَذَا التبسُّمُ إذن مِنَ القَوْلِ من مضمونِهِ ودلالتِه وكذلك من مغزاه، وما يتضمنه من نعمة الله ﵎ عَلَى سُلَيْمَان. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ وقد سمِعه من ثلاثة أميالٍ حملته إليه الريحُ، فحَبَسَ جُنْدَه حين أشرفَ عَلَى واديهم، حَتَّى دخلوا - أي: النمل - بيوتهم، وَكَانَ جُنْدَه ركبانًا ومشاةً فِي هَذَا السير]. يَقُول ﵀: [وقد سمعه من ثلاثة أميال] من أين جاء بهَذَا؟ أخبار إسرائيليَّة بل إن الْقُرْآن ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ [النمل: ١٨]، يَدُلّ عَلَى أَنَّهُم وصلوا إليه، غاية ما هنالك أَنَّهُم لما حُذِّر النمل بهَذَا التحذير دخل فِي المساكن، يعني لَيْسَ بينهم

стр. 122

وبين أن يطئوا هَذَا النمل إِلَّا دخول النمل مساكنهم، وهَذَا لا يقتضي أن يَكُون بينه وبينهم ثلاثة أميال، ولا دليل عَلَى ذلك، وإنما يقال: إنَّهُ سمعه من قُرْب، وهل سمعه غيره من جنوده؟ الظَّاهر أَنَّهُم ما سمِعوه ولا عرفوه؛ لِأَنَّ قوله: ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ [النمل: ١٦]، يَدُلّ عَلَى أن تعليم نطق الحيوانات خَاصّ بسُلَيْمَان ﵊، وَلَيْسَ كما يزعم بعض الْعَامَّة، فبعض الْعَامَّة يَقُولُونَ: فِي أول الأَمْر كَانَ كُلّ شَيْء يتكلم، ويأتون بقصصٍ عَلَى هَذَا، وهَذَا لَيْسَ بصحيح، لَيْسَ هناك كلام معلوم إِلَّا فِي الأممِ فيما بينها، وَأَمَّا أن الإنس يَعلَمون كلام الجنّ أو مثلًا يعلمون كلام الحشراتِ فلا، إِلَّا بدليلٍ، إذا وجد دليل عن المعصومِ فهَذَا صحيحٌ، مثلما أَخبرَ النَّبِيّ ﵊ عن الذئبِ الَّذِي تَكَلَّم (١)، وأخبرَ أيضًا عن البقرةِ الَّتِي رَكِبَها صاحبها وقالت له: إنَّا لم نُخْلَقْ لهَذَا (٢)، المهمُّ ما دلَّ عليه الدَّلِيل وجبَ علينا أن نَقْبَلَهُ، وإلَّا فالأَصْلُ أن المخلوقَ يَتكلَّم بلغتِه، وأن كُلّ جنس لا يَفهَم لغةَ جِنْسِه. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ أَلهمْنِي ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ﴾ بها ﴿عَلَيَّ﴾]. قوله: ﴿وَقَالَ رَبِّ﴾: (ربِّ) منادى حُذِفَت منه ياء النداءِ، وأصله: يا ربِّ، وحُذفت الياء المضاف إليها للتخفيف، وإلا فأصلها: (ربي) بالياءِ. ودائمًا يأتي الدعاءُ بحذفِ ياءِ النداءِ؛ ابتداءً بذكرِ اسمِ اللهِ وعنايةً بالمقصودِ، وَهُوَ الله ،

стр. 123

﴿رَبِّ﴾ يبتدئ به قبل كُلّ شَيْء، وَكَأنَّ الْإِنْسَان لشدَّة شَوْقه لربِّه أثناء دعائه ما يَبْدُرُ منه إِلَّا اسْم الله . قوله: ﴿وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾: ﴿أَوْزِعْنِي﴾ من حَيْثُ الإعرابُ يقال: فعلْ أمرٍ، لكِن النحْويُّون ﵏ تأدُّبًا مَعَ الله ما يَقُولُونَ: فعل أمرٍ؛ لأنك لا تأمر الله، فيُسمُّونه فعلَ دعاءٍ، فعندما نُعْرِب ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ نَقُول: (أَوْزعْ) فعلُ دعاءٍ، لا نَقُول: فعل أمرٍ يُقصَد به الدعاء، هُوَ حقيقة فعل أمرٍ والمقصود به الدعاء، لكِن تأدْباً مَعَ اللهِ نَقُول: فعل دعاءٍ. يَقُول المُفَسِّر ﵀: [﴿أَوْزِعْنِي﴾ أَلْهِمْنِي ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ﴾ بها ﴿عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾]، قَالَ: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ الحامِلُ لسُلَيُمان ﵊ أن يَقُول هَذَا الاعترافُ بنعمةِ اللهِ ، وخوف الغرورِ بالنفسِ؛ لِأنَّهُ إذا كانت النَّمْلة تقول هَكَذَا خوفًا منه وجنوده وتَعْتَذِر لهم وَيفْهَم كلامها، فهَذَا قد يؤدِّي بالْإِنْسَان إِلَى الغرور وأن هَذَا الشَّيْء لذاته أو من ذاته، مثلما قَالَ قارون: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨]، فلهَذَا سأل اللهَ فِي هَذَا المقامِ الَّذِي ربما يَحْصُل به الغرور للمرءِ، والْإِنْسَان بشرٌ، فسألَ اللهَ أن يُلْهِمَه شُكْرَ نِعْمَتهِ الَّتِي أنعمَ عليه وَعَلَى والديْه وأن يعملَ صالحًا يرضاه. وهَكَذَا ينبغي للإِنْسَان إذا حصلَ له نعمةٌ أن يسألَ الله تَعَالَى أنْ يُلْهِمَه شُكْرَها؛ حَتَّى لا يَلْحَقَه الغرورُ بهَذهِ النعمةِ الَّتِي أنعمَ اللهُ بها عليه، سواء كانت النعمةُ ماليَّةً أو جَسَدِيَّةً، مَعْنَوِيَّةً أمْ حِسِّيَّةً. قوله: ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾: ﴿أَنْ﴾ هَذِهِ مصدرَّية مَحَلَّها منَ الإعرابِ مَفْعُول ثانٍ لـ ﴿أَوْزِعْنِي﴾؛ لِأَنَّ المَفْعُول الأوَّل الياء، والمَفْعُول الثاني ﴿أَنْ أَشْكُرَ﴾، يعني:

стр. 124

أَلْهِمْنِي شُكْرَ نِعْمَتِك الَّتِي أنعمتَ عليَّ وَعَلَى والديَّ. قوله: ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ النعمة: الإحسانُ الَّذِي يَنْعَمُ به المُحْسَنُ إليه، والنعمةُ كما هُوَ معروف تنقسمُ إِلَى قسمينِ: إمَّا حصول مَطْلُوب وَإمَّا نجاة من مَرْهُوب، والله ﵎ دائما نِعَمه عَلَى عبدِه، والعبدُ دائرٌ بين هذينِ الصنفينِ منَ النعمةِ، فدائماً يحصل له مطلوبه وينجو من مرهوبِه. وقول المفسر ﵀: [﴿أَنْعَمْتَ﴾ بها ﴿عَلَيَّ﴾]، قَدَّر (بها) لِأَنَّهُ من المعروفِ أن الجملة الَّتِي تكون صلةً للموصولِ لَا بُدَّ فيها من رابطٍ يعودُ عَلَى الموصولِ، أي: لَابُدَّ فيها من عائدٍ يعود عَلَى الموصولِ، هنا ﴿الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ فتحتاج جملة ﴿أَنْعَمْتَ﴾ أن يَكُون فيها ضَميرٌ يعود عَلَى ﴿الَّتِي﴾ قدَّره المُفَسِّر بِقَوْلِهِ: [بها]، ولنا معه مناقشة فِي هَذَا التَّقْدير، فتقدير الضَّمير لأجلِ أنْ يَكُونَ عائدًا عَلَى الموصولِ هَذَا واضحٌ ومُسلَّم، فهَذهِ القاعدةُ النحْويَّة، قَالَ تَعَالَى: ﴿مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣]، أي: (منه)، فهَذَا واضحٌ، وهَذَا كثير الكَلام فِي اللُّغة العربيَّة فِي الْقُرْآن والسنَّة وكلام النَّاس، أَنَّهُ لَابُدَّ من عائدٍ يعود عَلَى الموصولِ ليَرْبُط الجملة الصلة بموصولها. ولكِن لنا مناقشة مَعَ المُفَسِّر فِي تقدير العائدِ عَلَى هَذَا الوجهِ: يَقُولُونَ: إن العائد ما يُحْذَف إذا كَانَ مجرورًا إِلَّا إذا جرّ الموصول بحرفٍ مشابهٍ للمحذوفِ لفظًا ومعنًى وتقديرًا، وهَذَا تَقَدَّمَ ونحن نقرأ فِي النحو فِي القَطْرِ (١)، وَأَنَّهُ إذا كَانَ مجرورًا يُشْتَرَط أن يَكُون مجرورًا بالحرفِ الَّذِي جَرَّ الموصول، وَأَنَّهُ يَكُون متعلّقه واحدًا موافقًا فِي اللفظِ والتَّقْدير والمَعْنى، فالمُفَسِّر ﵀ قدر: [بها] مَعَ أَنَّهَا

стр. 125

غير موجودةٍ فِي الْقُرْآن: [﴿نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ﴾ بها]، وَعَلَى هَذَا فالتَّقْدير السليمُ أن يقولَ: (أنعمتها عليَّ وَعَلَى والديّ)؛ لِأَنَّهُ لا يمكن أن يُحذَف العائد المجرور إِلَّا إذا كَانَ الموصول مجروراً بحرفِ الجرِّ الَّذِي جُرَّ به ذلك العائدُ. وقوله: ﴿عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ أَمَّا ﴿عَلَيَّ﴾ فظاهرٌ أنَّ نعمةَ اللهِ عليك تحتاجُ إِلَى شكرٍ منك، لكِن نعمة الله عَلَى والديك ما وجهُ كَونها تحتاج إِلَى شكرٍ منك؟ لِأَنَّ نعمةَ الله عَلَى الوالدينِ نعمةٌ عَلَى الولدِ، لا سيَّما فِي مثل هَذِهِ القصةِ حَيْثُ إِنَّهُ ورِث من داودَ النبوَّة وخَلَفَهُ فيها، فنعمة الله عَلَى والديك هِيَ فِي الحقيقة نعمةٌ عليك، ولهَذَا قَالَ: ﴿عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾. وقوله: ﴿وَالِدَيَّ﴾ هل هُوَ جمعٌ أو مُثَنًّى؟ مُثَنًّى مضاف، ولذلك حُذِفَتِ النونُ منه، وأصله: (والدينِ لي) لكِن حُذِفَتِ النونُ من أجلِ الإضافةِ. وقوله: ﴿وَالِدَيَّ﴾ مَنْ المُراد بالوالد؟ هُوَ الوالدُ الَّذِي أنتَ وَلَدُه لِصُلْبِه أو حَتَّى الجدّ ومَنْ عَلَا؟ نَقُول: الحقيقةُ أنَّ كَلِمة (والد) أحيانًا يدخلُ فيها الجدُّ وإنْ علا، وأحيانًا تَتَعَيَّن للوالِدِ الأَدْنَى، وَالَّذِي يُعَيِّنُ ذلك هُوَ القرائنُ: القرائن اللفظيَّة أو القرائن الحالِيَّة، فمثلًا: " لَا يَجُوزُ لِوَاهِبٍ أَنْ يَرْجعَ فِيمَا وَهَبَهُ إِلَّا الْوَالِد فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ" (١). مَنِ المُرادُ

стр. 126

بالوالدِ؟ المباشِر، أي الوالد الأدنى، فالجَدُّ لا يَلْحَق به. والوالِدُ فِي تحريمِ النكاحِ يَشمَل الأدنى والأعلى. والوالد فِي الميراثِ يَشمَل الأدنى والأعلى إنْ فُقِدَ الأدنى، والمُراد الذكورُ والإناثُ، وَلَيْسَ المُراد الجَدّ الوالد الَّذِي هُوَ الذكَر عَلَى القَوْلِ الصَّحيحِ، بل حَتَّى الأنثى، مثلاً الأم: الوالدة فِي الميراث تَشْمَل الأعلى إن فُقِدَ الأدنى، فصارتْ كلمة (والد) تارَةً يُرادُ بها الأدنى، وتارَةً يُراد بها الأدنى والأعلى مجتمعينِ أو منفردينِ، وتارةً يُراد بها الأدنى والأعلى لا مجتمعين، وَالَّذِي يُعَيِّن ذلك هُوَ القرائنُ اللفظيَّة أو الحاليَّة. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل هناكَ فرقٌ بين قولنا: والِدَيَّ ووالِدِيَّ؟ إِذَا قُلْنَا: (والِدَيَّ) يعني الوالد والوالدة، وأما: (والِدِيَّ) فلا يُعَبَّر به ولو عبر الْإِنْسَان به: نَقُول: هَذَا تعبيره غير سليم، لكِن قولنا: (والِدِينَا) إذا كنا جماعة فواضح؛ لأنك إذا قلتَ: (والِدِينَا) ونحن اثنان يَكُون الوالِدِين أربعة، وإذا كنا ثلاثة يَكُونوا ستة وهَكَذَا، ولذلك بعض الإخوان الَّذِينَ يقرؤون فِي رمضان [اللهمَّ اغْفِرْ لنا ولوالِدَيْنَا]. نَقُول: هَذَا لَيْسَ بصحيحٍ إِلَّا عَلَى سبيل التجوُّز؛ لأنَّنا لسنا عيالَ رجلٍ واحدٍ، نعم لو كنا عيالَ رجلٍ واحدٍ ونحنُ ستَّة فنَقُول: والِدَيْنَا؛ لِأَنَّ أبانا واحدٌ وأُمَّنا واحدةٌ، لكِن إذا صار بالمسجدِ ألفُ نَفَرٍ هل والدُ كُلِّ واحدٍ مِنَّا والد للثاني؟ ! فنحن لسنا بإخوةٍ، ولهَذَا لا تَصِحُّ (والِدَيْنَا) إِلَّا عَلَى سبيلِ التجوُّزِ، أي: والِدَيْ كُلّ واحدٍ مِنَّا. ولهَذَا التعبيرُ السليمُ فِي مثل هَذَا أن تقول: اغْفِرْ لنا ولوالِدِينَا. ونحن

стр. 127

الْآنَ نحللها من وجهةِ اللُّغةِ العربيَّة، فالصَّواب فِي هَذَا إذا كنا جماعة (والِدِينَا)؛ لِأَنَّ (والِدَيْنَا) ما تكون إِلَّا عَلَى سبيل التجوُّز كما تَقَدَّمَ. قال: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا﴾: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ﴾ معطوفة عَلَى قوله: ﴿أَنْ أَشْكُرَ﴾، يعني: وأَلْهِمْني أنْ أعملَ صالحًا ترضاهُ، وهنا قوله: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا﴾ أي: أَعْمَل عَمَلًا صالحًا، والعَمَلُ الصالحُ لا يَكُون إِلَّا إذا تَضَمَّنَ شرطينِ أساسيينِ هما: الإخلاصُ والمتابَعة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥]، والإخلاصُ واضحٌ فِي الأَنْبِياء وغيرِهم، والمتابعةُ فِي غيرِ الأَنْبِياء واضحةٌ أيضًا، وَفِي الأَنْبِياء قد تكونُ غيرَ واضحةٍ عندَ البعضِ، لَكِنَّها واضحةٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيّ ﷺ يَتبع شريعةً تُوحَى إليه، وهُوَ قد لا يَتبع هَذِهِ الشَّرِيعَة لكِن كما تقدَّم أَنَّ الأَنْبِياء - عليهم الصَّلَاة والسلام - معصومونَ مِن الإقرارِ عَلَى المَعاصِي مُطْلَقًا، فإذنِ المتابَعَةُ موجودةٌ فِي الأَنْبِياء أيضًا؛ لِأَنَّهَا متابَعة للشرعِ الَّذِي أُوحِيَ إليهم. هَذَا العَمَلُ الصالحُ ما جمعَ بينَ أمرينِ: الإخلاص والمتابعة، ففي فَقْدِ الإخلاصِ يَكُونُ الشِّرْكُ، وَفِي فَقْدِ المتابعةِ يَكُونُ الابتداعُ، فالعَمَلُ الَّذِي فِيهِ شِرك مردودٌ، قَالَ الله تَعَالَى فِي الحديث القُدُسِي: "أَنا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي ترَكْته وَشِرْكَهُ" (١). حَتَّى الرياءُ نَوْعٌ منَ الشركِ، فإذا عمِل الْإِنْسَان العِبادَةَ وَهُوَ مُرَاءٍ فيها فَهُوَ مَعَ الإثمِ مردودٌ عليه عَمَلُه. كذلك أيضًا فِي الابتداع؛ قَالَ النَّبِيّ ﷺ : "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ

стр. 128

رَدٌّ" (١)، وهَذَا أعمُّ مِنَ اللفظِ الثاني: "مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ" (٢) إِلَّا إذا قُلْنَا: مَن أحدثَ فِي ذاتِه وصفاتِه، إذا قُلْنَا: من أحدث فِي أمرنا ما لَيْسَ منه سواء فِي نفسِ العَمَلِ أو فِي وصفِ العَمَلِ صار موافقًا للفظِ الآخَرِ. عَلَى كُلِّ حَالٍ: العَمَلُ إذا لم يكنْ خالِصًا فليسَ مقبولًا، وإذا لم يكنْ صوابًا، يعني عَلَى السنَّة، فليس مقبولًا وَلَيْسَ بصالحٍ أيضًا، بل هُوَ فاسدٌ. قوله: ﴿تَرْضَاهُ﴾ الرضا بمعنى القبولِ وكلمة ﴿تَرْضَاهُ﴾ بَعْد قولِه: ﴿صَالِحًا﴾ هل لها معنًى؛ لِأَنَّ كُلّ صالحٍ فَهُوَ مَرْضِيّ، فهل تكون الجملةُ حينئذٍ صفةً كاشفةً مبيِّنةً أو صفةً مقيِّدة؟ الظَّاهرُ أَنَّهَا مُبَيِّنَة، يعني أَنَّ العَمَلَ الصالحَ مرضيٌّ. قَدْ يَقُوُل قَائِلٌ: إن العَمَلَ قد يَكُونُ صالحاً بظاهرِهِ، ولكِنَّه غير مرضيٍّ فِي مآلِهِ أو فيما صَحِبَهُ، فقد يَعْمَل الْإِنْسَان مخلصًا لله مُتَّبِعًا لرسولِ الله ﷺ لكِن يحصل منه إعجابٌ فِي عملِه، فهَذَا الإعجابُ يَمْنَع مِن رضا اللهِ به، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١٧]، قد يَكُونُ عَمَلًا صالحًا فِي أوَّله وَفِي نهايتِه لا يرضاه اللهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤]، فالرجلُ يَتَصَدَّقُ بالصدقةِ مُخْلِصًا للهِ تَعَالَى مُتَّبِعًا لرسولِ اللهِ ﷺ فيها لَكِنَّهُ يُتْبِعُها بِمَنٍّ وأذى، فحينَئذٍ تَبْطُلُ

стр. 129

الصدقةُ، عَلَى هَذَا التَّقْدير يَكُون قوله: ﴿تَرْضَاهُ﴾ صفةً مُقَيِّدةً. فأيُّ الأَمْرينِ يَحْسُنُ بنا أنْ نَسْلُكَ فِي هَذَا وغيرِه، فيما إذا جاءت صفة، هل الأَولى أن نجعلَ الصِّفةَ مبيِّنة، يعني مفسِّرة فقط، أو أن نجعلها مقيِّدة؟ الأَولى أن تكون مقيِّدةً، لِأَنَّ بالتقييدِ زيادةَ معنًى، والتفسير ما يعدو شيئًا خارجًا عمَّا سبق، فكلُّ صفةٍ تأتي فِي كلام نحو هَذَا فالأَصْل أن تكون مقيِّدة، ولا يمكنُ أن نلجأَ إِلَى كونها مفسِّرة لمجرَّدِ بَيَان الأَمْرِ إِلَّا عندَ الضَّرورَةِ، وإذا تَعَذَّر أن تكون مُقَيِّدة، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١]، ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ هَذِهِ مبيِّنة ومفسِّرة وليستْ مقيّدةً. من فوائد الآية الكريمة: الفَائِدَة الْأُوْلَى: جوازُ التبسُّمِ عندَ وجودِ سببِه وجواز الضحِك أيضًا؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا﴾، وهَذَا من فِعل نبيٍّ، وفِعْلُ الأنْبِياء حُجَّة، حَتَّى وإن كَانَ غير نبينا ﷺ ، إِلَّا ما وَرَدَ شَرْعُنا بِنَسْخِهِ، فهَذَا لا يُعْتبَر، والدَّلِيل عَلَى أَنَّ فعل الأَنْبِياء حُجَّة قوله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١]. الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: ما كَانَ عليه سُلَيْمَان ﵊ منَ التواضُعِ لله تَعَالَى، حَيْثُ لم يَأْخُذْهُ الغرورُ بهَذَا المُلْكِ العظيمِ، حَتَّى قَالَ: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾. الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: وفيه دليلٌ عَلَى الاعترافِ بنعمةِ اللهِ وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الِافتخارِ؛ لِأَنَّ سُلَيْمَان ذَكَرَ نعمةَ اللهِ عليه، لَكِنَّهُ لا يَقصد بذلك الافتخارَ والعلوَّ عَلَى غيره، وقد قَالَ الله تَعَالَى للرَّسُولِ ﷺ : ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]، لكِن لا عَلَى سبيلِ الافتخارِ والعلوِّ؛ لِأَنَّهَا حينئذٍ تَنْقَلِب إِلَى نِقمةٍ.

стр. 130

الفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ نعمةَ الله عَلَى الوالدينِ نعمةٌ عَلَى الولدِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾، ولا سِيَّما نعمة الإِسْلام فإنَّها من أكبرِ النِّعَم عَلَى الولد، فلو مات طفلٌ وأبواهُ كافرانِ لكانَ هَذَا الطفلُ فِي الدُّنْيا فِي حُكْمِ الكَافِرِينَ، وَفِي الآخِرَةِ اللهُ أَعْلَمُ بحالِهِ، ولو مات طفلٌ بينَ أبوينِ مسلمينِ لكانَ هَذَا الطفلُ مُسْلِماً فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ، وَعَلَى هَذَا فنعمةُ اللهِ عَلَى الوالدينِ ولا سيما فِي الدينِ نعمةٌ عَلَى الولدِ، وهَذَا هُوَ وجهُ قولِه: ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾. الفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أَنَّ من العقلِ والعدلِ والشرعِ إضافة المِنَّة إِلَى المانِّ بها؛ لِقَوْلِهِ: ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾، وهَذَا اعتراف، وأبلغ من أن يَقُول الْإِنْسَان: أَوْزِعْنِي أن أشكر النعمة فقط؛ لِأَنَّ قوله: ﴿نِعْمَتَكَ﴾ واضحٌ جِدًّا فِي خضوعِ هَذَا الْإِنْسَان بهَذِهِ النعمة العظيمة الَّتِي أنعمَ اللهُ بها عليه، فهَذِهِ فيها دليلٌ أَنَّهُ مِن العقلِ والعدلِ والشرع إضافة المِنَّة إِلَى المانِّ بها، حَتَّى ولو كَانَ آدميًّا، ومن الأشعار المعروفةِ عندهم (١): إِنَّمَا يَعْرِفُ الْفَضْـ ... ـلَ مِنَ النَّاسِ ذَوُوهُ معنى ذَوُوه: أصحابُ الفضلِ، لا يَعرِف الفضلَ إِلَّا أصحابُ الفضلِ، أَمَّا مَن لَيْسَ بأهلِ فضلٍ فإنهم يُنْكِرون الفضلَ، بل إنك لو تَفَضَّلْتَ عليهم لَرَأَوْا أن هَذَا حقٌّ واجبٌ عليك وليس لك مِنَّة، وأعظمُ شَيْء فِي هَذَا مَن يَمُنُّ عَلَى اللهِ بما أنعمَ اللهُ به عليه كما فِي قِصَّة الأعرابِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١٧]. تنبيه: إنَّ للهِ تَعَالَى عَلَى الكافرِ نعمةً، لكِن النعمة المطلقة لا تكون إِلَّا بالإِسْلامِ. الفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أَنَّ الأَنْبِياء - عليهم الصَّلَاة والسلام - كغَيْرِهِم مُفْتَقِرُونَ إِلَى

стр. 131

توفيقِ اللهِ، وأنهم بدون توفيقِ اللهِ ما يسيرون سيراً يرضي الله، لِقَوْلِهِ: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾. الفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أَنَّ الْإِنْسَانَ لا يَصِلُ إِلَى غايتِهِ ومقصوده إِلَّا برحمةِ اللهِ فِي كُلّ شيءٍ؛ الجنَّة وغير الجنَّة؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩]، يَعْنِي: إذا لم يَرْحَمْكَ اللهُ لنْ تنالَ شيئا أبدًا. الفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: أَنَّ العَمَلَ غيرَ الصالحِ لَيْسَ فِيهِ فائدةٌ، بل هُوَ دائرٌ بين أمرينِ: إمَّا الإثم، وَإمَّا السلامة فقطْ، فإن صدرَ عن علمٍ فَهُوَ إثمٌ، وإنْ صدرَ عن جهلٍ فالْإِنْسَانُ سالمٌ، ولكِن لا فائدةَ له فيه، كما لو صلَّى الْإِنْسَان مثلاً صلاةً باطلةً بِحَدَثٍ، فَإِنَّهُ إنْ تَعَمَّدَ ذلكَ كَانَ آثمًا، وإن كَانَ جاهلًا لم تُفِدْهُ فِي إبراءِ الذمَّة، ويُطالَب بإعادتها، أَمَّا الأجرُ فقد يُؤْجَر عليها من أجلِ النيَّةِ والعَمَلِ الَّذِي حَصَلَ والمشقَّة، ولكِن من حيث الفائدة لا يستفيد مِنْهَا فِي إبراءِ ذِمَّته ولا تَسْقُط عنه. الفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أَنَّ الغايةَ الَّتِي يَسير إليها الأَنْبِياء ومَن تَبِعَهم هُوَ رضا الله؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾؛ لِأَنَّ المقصودَ من عملِ الْإِنْسَانِ الوصولُ إِلَى رضا اللهِ ، بل إن رضا اللهِ غايةٌ فوقَ كُلّ شيءٍ، قَالَ الله فِي امتداحِ المُؤْمِنيِنَ: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧١ - ٧٢]، يعني أكبر من كُلّ شَيْء، وإذا حل عَلَى الْإِنْسَان رضا الله فهَذَا غاية ما يريدُ.

стр. 132

الفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أَنَّ الَأنْبِياء - عليهم الصَّلَاة والسلامُ - يَتَوَسَّلُونَ إِلَى اللهِ، يعني يَسألون اللهَ تَعَالَى بالوسيلةِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ يعني أولئك الَّذِينَ يدعوهم هَؤُلَاءِ المشركون ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧]، وكل الخلق يسألون الله تَعَالَى ويتوسلون إليه بما هُوَ جائزٌ. الفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: جواز التوسُّل بصفات الله؛ لِقَوْلِهِ: ﴿بِرَحْمَتِكَ﴾. الفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: قوله: ﴿فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ فِيهِ إشكال. إِذَا قَالَ قَائِلٌ: مَقامُ النبوَّة أعلى من مقامِ الصلاحِ، قَالَ : ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النِّسَاء: ٦٩]، فكيف سأل الله أنْ يُدْخِلَه فِي عبادِهِ الصالحينَ مَعَ أَنَّهُ نبيٌّ أعلى مرتبةً من مرتبةِ الصلاحِ؟ قُلْنَا: الأقربُ أَنَّ المُراد بالصلاحِ هنا الصلاحُ المطلَقُ، والصلاح المطلَق هَذَا أعلى مرتبةً، وقد قَالَ يوسف ﵊: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]، وقَالَ اللهُ تَعَالَى عن إبراهيمَ: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧]، فالمُراد هنا الصلاحُ المطلَقُ، لا الصلاحُ الَّذِي يُذكَر مَعَ المراتبِ، فإن مقام الصلاحِ مَعَ المراتبِ دونَ مَقام النبوَّة. الفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أن العِبادَة مَرْتبَةٌ شَريفة عظيمة يَسْأَلهُا حَتَّى الأَنْبِياء؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فِي عِبَادِكَ﴾ ولهَذَا يذكر الله تَعَالَى نبيه مُحَمَّدًا ﷺ بوصف العُبُودِيَّة فِي أعلى مقاماته؛ عند إنزال الْقُرْآن، وعند الدفاع عنه .. ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.

стр. 133

وقد قَالَ الشاعر يُخَاطِب (١): لَا تَدْعُنِي إِلَّا بِيَا عَبْدَهَا ... فَإِنَّهُ أَشْرَفُ أَسْمَائي هَذَا - أعوذ بالله - عاشِقٌ، لِنَفْرِض أنَّ اسمَه مثلًا بكرٌ يَقُول: لا تَقُلْ: يا بكرُ، قُلْ: يا عبدَ لَيلى فَإِنَّهُ أشرف أسمائي. فالعُبُودِيَّة للهِ لَا شَكَّ أَنَّهَا أشرفُ أوصافِ الْإِنْسَانِ أن يَكُون عبدًا لله، والْإِنْسَان لَا بُدَّ أن يَكُونَ عبدًا، ولا بد أن يَتَّخِذَ إلهاً، حَتَّى الشيوعيون والملحدون لَا بُدَّ أن يَكُونوا عبيدًا ولهم آلهة، لو لم يكنْ لهم آلهةٌ إِلَّا أهواؤهم، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ﴾ [الجاثية: ٢٣]، وقال رسول الله ﷺ : "تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ" (٢)، وهَؤُلَاءِ بِلَا شَكّ يعبدون الدينارَ والدرهم، بل إنَ هَؤُلَاءِ الملحدين لا يسعون إِلَّا لذلك. إِذَنْ: لَا بُدَّ لكلّ إِنْسَانٍ أن يَكُونَ عبدًا، فإن كَانَ عبدًا للهِ فقد تحرَّر من العُبُودِيَّة حقيقةً؛ لِأَنَّ عبدَ اللهِ حرٌّ، ما يَرَى أنه عبد لشيء فِي الدُّنْيا أو فِي المخلوقاتِ، لكِن يرى خالقه هُوَ سيِّده وإلهه وَأَنَّهُ عبد لهَذَا الخالق. الفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أن شُكْرَ النعمِ مِنَ النعمِ، وهَذِهِ فائدةٌ، وقد قَالَ الشاعر (٣): إذا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ الله نعمةً ... عليَّ له فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْرُ فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ ... وَإِنْ طَالَتِ الْأيَّامُ وَاتَّصَلَ الْعُمرُ

стр. 134

وهَذَا صحيح إذا وَفَّقَكَ الله للشكرِ فَهُوَ نعمةٌ يَجِب عليك أنك تشكر الله عَلَى هَذِهِ النعمةِ، فإذا شكرته صارتْ نعمةً ثانيةً توجب الشكرَ؛ لِأَنَّ الله يَقُول: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]. الفَائِدَةُ الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: الردُّ عَلَى الْقَدَرِيَّة؛ لِأَنَّ الْقَدَرِيَّة يَرَوْنَ أنَّ الْإِنْسَان مُسْتَقِلٌّ بِعَمَلِهِ، لا يَحتاجُ إِلَى مَعُونَةٍ منَ اللهِ ولا شَيْء، ولَا شَكَّ أن هَذَا قول باطلٌ؛ لِأَنَّ نِعَم هَذِهِ الآيَة تَرُدّ عليهم. الفَائِدَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: الردُّ عَلَى الجبْرِيَّة؛ لِأَنَّهُ أضاف العَمَل إليه، فقال: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾، وقوله: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا﴾ معناه أنه يُمْكِن يعملَ غيرَ صالحٍ، فَهُوَ مختارٌ، ففيه ردٌّ عَلَى الطائفتينِ جميعًا؛ الْقَدَرِّية والجبرَّية. * * *

стр. 135

الآية (٢٠) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ [النمل: ٢٠]. * * * قوله: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾: ﴿الطَّيْرَ﴾ (أل) هَذِهِ للعهدِ أو لعمومِ الجنسِ؟ أقول: إنَّهَا للعهدِ؛ لِأَنَّهَا تعودُ عَلَى الطيرِ الذكورِ فِي قوله: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ﴾ [النمل: ١٧]، وَعَلَى هَذَا فيَكُونُ تَفَقُّدُهُ للطيرِ فِي نفسِ هَذِهِ المسيرةِ. قَالَ المُفَسّر ﵀: [﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾ ليَرَى ﴿الْهُدْهُدَ﴾ الَّذِي يرى الماءَ تحتَ الْأَرْضِ، وَيدُلُّ عليه بِنَقْرِهِ فيها، فتَسْتَخْرِجُه الشياطينُ لاحتياجِ سُلَيْمَان إليه للصلاةِ فلم يَرَهْ]، هَذَا مِن كِيسِ المُفَسِّر ﵀، يَقُول: تَفَقَّدَ الطيرَ لأجلِ أن يرى الهدهد ليَرى المَاء تحت الْأَرْض، وإذا رأى الأَنْهار تجري تحتَ الْأَرْض نقرَ بمنقارِه، يعني قَالَ: احفِروا هنا، ثُمَّ يأمر الشَّياطِين فتحفر هنا وكأنَّه جُيُولجيّ! من يَقُول هَذَا؟ ! بل إنَّ تَفَقُّدَه الطيرَ لِأَنَّهُ كما سلفَ كَانَ ﵊ منظِّمًا لجنودِه، فيَتَفَقَّد أين ذهب، ولهَذَا ما قَالَ: تفقد الهدهدَ أو الهدَاهِد، بل قَالَ: تَفَقَّدَ الطيرَ كلَّه؛ لِأَنَّهُ كما هُوَ معروف أن الطيور تَسْبَحُ فِي الهواءِ، فقد يَشِذُّ مِنْهَا شيءٌ، فَهُوَ ﵊ تفقدها لأجلِ تكميلِ التنظيمِ.

стр. 136

ثم إنَّ دعواهم أنَّ الهدهدَ يرى الَّذِي تحت الْأَرْض؛ هَذَا لَيْسَ بصحيحٍ، ادفِنْ حبًّا فِي الْأَرْض واجعلِ الهداهدَ تأتي إليه هل تراه أو لا تراه؟ لا تراه بالتأكيد، إذا لم ترَ الحبَّ القَريبَ كيف ترى المياهَ البعيدةَ. المهم أن الهدهدَ مثلُ غيرِه يَنْحَجِبُ نورُ عينيه بالكثافةِ فلا يرى شيئًا. ثم إن سُلَيْمَان ﵊ لَيْسَ بحاجةٍ إِلَى هَذَا، بل إن سُلَيْمَان من هَذِهِ الناحيةِ كغيرِه منَ البشرِ، إن وجدَ ماءً انتفعَ به، وإن لم يجِدْ فإن الله تَعَالَى يُيَسِّر له الماء بأيِّ وسيلةٍ. قوله: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾: ﴿مَا﴾ اسمُ اسْتِفْهامٍ، وهل الغَرَضُ منه الاستخبارُ أوْ الِاستنكارُ؟ قيل: الغرضُ الاستخبارُ، أي يسأل سؤالًا حقيقيًّا، يَقُول: أين الهدهد؟ وَقِيلَ: إنَّهُ استنكارٌ. والظَّاهر أَنَّهُ لا يَجْهَلُه؛ لِأَنَّ الأَصْلَ فِي الاسْتِفْهامِ الاستخبارُ. قَالَ بعضهم: وَفِي الآيةِ قلبٌ، وإن التَّقْدير: (ما للهدهد لا أَرَاهُ) ولكِن هَذَا لَيْسَ بصحيحٍ، بل الآيَة عَلَى ترتيبها، فَهُوَ يسأل ويقول: لماذا لا أَرَى الهدهدَ؟ هل هناك مانعٌ مَنَعَنِي من رُؤْيَتِه، أو أَنَّهُ كَانَ غير موجودٍ؟ ولذلك أَضْرَبَ عنِ الأوَّلِ وقال: ﴿أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾، و ﴿أَمْ﴾ هو هَذِهِ منقطعة و ﴿أَمْ﴾ المنقطعة - كما تَقَدَّمَ - تكونُ بمعنى (بل) والهمزة، يَعْنِي: (بل أكانَ من الغائبينَ) وحينئذٍ أضربَ عن الكَلامِ الأوَّلِ وعرف أَنَّه لا عِلَّة فِي بَصَرِه، وإنما العِلَّة غَيبة هَذَا الهدهدِ. قَالَ المُفَسِّر: [﴿أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ فلم أَرَهُ لِغَيْبَتِه، فلَمَّا تحَقَّقَهَا قَالَ: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾].

стр. 137

الآية (٢١) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٢١]. * * * قوله: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ هَذِهِ الجملةُ مُؤَكَّدَة بثلاثةِ مُؤَكِّدَاتٍ: وهي: اللامُ المُوَطئة لِلْقَسَمِ، والقَسَم قبلها مُقَدَّر، هَذَانِ اثنانِ، والثَّالثُ: النونُ. قوله: ﴿عَذَابًا﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [تعذيبًا]، إشارة إِلَى أن (عذابًا) اسْم مَصْدَر؛ لِأَنَّ عَذَّبَ مصدرها (تعذيب)، واسم المصدر منها: (عذاب). نظيرها: (كَلَّم) مَصْدَرُها (تكليم)، واسم المصدر مِنْهَا (كَلام)، و (سلَّم تسليمًا)، واسم المصدر (سلام). قوله: [﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا﴾ تعذيبًا ﴿شَدِيدًا﴾]، ما هُوَ الشديد عَلَى رأيِ المُفَسِّر؟ قال ﵀: [بِنَتْفِ رِيشِهِ وذَنبِهِ ورَمَيْهِ فِي الشَّمْسِ فلا يَمْتَنِع مِنَ الهوَامِّ]، هَذَا شيءٌ عجيبٌ، فتقدير هَذَا التعذيب بهَذَا الشَّيْء عَلَى أيِّ دليل؟ ! وبعضهم يَقُول: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ أَحْبِسُه مَعَ شيءٍ لَيْسَ من جِنْسِهِ، فأضع الهدهدَ مَعَ العَصَافيرِ، وَيقُوُلونَ: من أشدِّ العذابِ عَلَى الحيوانِ أنْ يُحْشَرَ فِي غيرِ جِنْسِهِ، فلو وُضِعَ الآدميُّ مَعَ الجنِّ يتعذَّب، أو الجنّ مَعَ الآدميِّ يتعذبون. ولكِن هَذَا أيضًا لَيْسَ

стр. 138

بصحيحٍ؛ لأنَّنا نشاهد الْآنَ أن أَشْيَاء تُجْعَل مَعَ غير أجناسها ولا تتعذب، كأن يَكُون عند أحدهم مَوَاشٍ؛ بقر وغنم وإبل ومَعْز وَيكُونون دائمًا فِي حوش واحدٍ ولا يتعذبون. فالصَّواب أن هَذَا التعذيبَ الَّذِي قاله سُلَيْمَان غيرُ معلومٍ لنا، إِنَّمَا هُوَ عذاب شديد، والله ﵎ لم يُبَيِّنْهُ ولكِن يكفي أن نعرفَ أَنَّهُ شديد، هَذِهِ واحدة. الثَّانِيَة: ﴿أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾: (أو) فِي قوله: ﴿لَأَذْبَحَنَّهُ﴾ هَذِهِ للتنويعِ، يعني إمَّا هَذَا أو هَذَا، وقوله: ﴿أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾ يَقُول المُفَسِّر ﵀: [بِقَطْعِ حُلْقُومِهِ]، هَذَا صحيحٌ؛ لِأَنَّ الذبحَ بقطعِ الحلقومِ والمَرِيء من عند الرقبةِ. والثَّالثة: قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي﴾ بنونٍ مُشَدَّدَةٍ مكسورةٍ أو مفتوحة، يليها نونٌ مكسورةٌ (١)]، ﴿لَيَأْتِيَنِّي﴾ هَذِهِ واحدة أو "لَيَأْتِيَنَّنِى" والفرق بينهما أن نون الوِقاية إمَّا أن تُحْذَف وَإمَّا أن توجد، وَأَمَّا نون التَّوْكيد فموجودة، ونون التَّوْكيد هِيَ المشدَّدة، لكِنْ إنْ حذفتَ نونَ الوقايةِ كسرتَ نونَ التَّوْكيدِ: (يَأْتِيَنِّي)، وإن لم تحذف فإنها تبقى مفتوحةً: "يَأْتِيَنَّنِى". وهَذَا أمر ثالثٌ، فتَوَعَّدَهُ سُلَيْمَان بواحد من أمرينِ إِلَّا إذا أتى بشيءٍ، أي: ﴿بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [ببرهانٍ بَيّن ظاهرٍ عَلَى عُذْرِهِ]، وكلمة (سلطان) تَرِدُ كثيرًا فِي الْقُرْآن، ومعناها العامُّ: هِيَ السُّلطة الَّتِي يَتَمَكَّنُ بها الْإِنْسَان من الوصولِ إِلَى غَرَضِه، فهَذَا معناها العامُّ، والسلطان تارَةً يَكُونُ المُرادُ به الدَّلِيل؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١٥٦]، وتارَةً يُرادُ به القُدْرَة؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣]، وتارَةً يُرادُ به البيِّنة، مثل هَذِهِ الآيَة؟ قَالَ: ﴿لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ

стр. 139

مُبِينٍ﴾، يعني بيِّنة عَلَى عُذْره، والمَعْنى العامُّ للسلطانِ: السُّلْطةُ الَّتِي يَتَمَكَّنُ بها صاحِبُها مِنَ الوُصُولِ إِلَى غَرَضِهِ، سواء كَانَ ذلكَ دفاعًا عن نفسِه أو إثباتاً لأمرٍ. وقوله: ﴿مُبِينٍ﴾ فَسَّرَهَا المُفَسِّر بِبَيِّن، وَعَلَى قولِ المُفَسِّر لا تَصِحُّ بمعنى مُظْهِر، يعني لا تصح مُتَعَدِّيَة عَلَى رأيِ المُفَسِّر؛ لِأَنَّهُ ﵀ فَسَّرَهَا بأنها لازِمة، والصَّواب أَنَّهَا تَصِحُّ أيضًا مُتَعَدِّيَة، يَعْنِي: بسلطانٍ مُظْهِرٍ لِعُذْرِهِ، ونحن إذا فَسَّرْنَاها بهَذَا نكون أخذنا بالتفسير الَّذِي فَسَّرَهَا به المُفَسِّر وزيادة. * * *

стр. 140

الآية (٢٢) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: ٢٢]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَمَكَثَ﴾ بِضَمِّ الكافِ وفَتْحِها (١)]، مَكَث ومَكُث، والفاعل: الهدهدُ، ويَحتمِل أنْ يَكُونَ الفاعلُ سُلَيْمَان، يعني: بَقِي [﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ يَسِيرًا مِنَ الزمانِ وحَضَرَ لسُلَيمان]، قوله: [وحضر لسُلَيمان] ما الدَّلِيل عليه؟ لِأنَّهُ قَالَ: إنَّهُ غائبٌ فِي الأوَّل: ﴿أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾، والغائبُ ما يخاطَب إِلَّا إذا حَضَرَ، ولكِنَّ قولَ المُفَسِّر ﵀: [مُتَوَاضِعًا برفعِ رأسِه وإرخاءِ ذَنَبِه وجَنَاحَيْهِ]، هَذَا من الأُمُور الَّتِي لا نَدري عنها، كَأنَّ المُفَسِّر كَانَ معه! ولا يمكن أن نَقُولَ هَذَا أبدًا، فلا يمكن أن نصفَ كيف جاء، إِنَّمَا يَكفينا أن نَقُولَ ما قَالَ الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن، ونحن ذكرنا قاعدةً أنَّ كُلّ ما سبقَ فَإِنَّهُ لا طريقَ لنا بالعلمِ به إِلَّا مِن طريقِ الوحيِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم: ٩]، فما لنا طريق إِلَّا الوحي؛ إمَّا فِي الْقُرْآن أو فِي السنَّة الصَّحيحةِ. قوله: ﴿فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾: ﴿أَحَطْتُ﴾ يعني يَتكلَّم عن نفسِهِ

стр. 141

﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ يخاطب سُلَيْمَان، وَفِي الحقيقة أن هَذَا الهدهد قويّ، له ضُلُوع قويَّة جدًّا كما يَقُولُونَ، كيف يخاطب سُلَيْمَان وله هَذَا المُلْك العظيم ويقول: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ وأيضًا ما قَالَ: بما لم تُحِيطوا به، ما جاء بصيغةِ التعظيمِ. ونحن الْآنَ بَشَر ونخاطب بعض الأحيان المديرَ أو مَن فوقَه ونَقُول مثلًا: أنتم أو سيادتكم أو سعادتكم أو حضرتكم، ونضع مِيماً أكبر من اللازم، مَعَ أننا مِثْلُهم بَشَرٌ، وكلُّ هَذِهِ فِي الحقيقة من الأُمُور الشَّكْلِيَّة الَّتِي لا تُنْبِئ عن شيءٍ ولا تَنبغي أيضًا، والصحابةُ لا يُخاطِبون الرَّسُول ﵊ بهَذَا الخطابِ، وَهُوَ أشرفُ عِندَهم من كُلّ بَشَرٍ، وكذلك الخلفاءُ الراشدونَ ما كانوا يُخَاطَبُون بمثلِ هَذَا. ومن عجبٍ أن بعضَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُخاطِبون بمثلِ هَذِهِ الألقابِ تجد قلوبهم تَغِلي عَلَى هَؤُلَاءِ المخاطَبينَ، فيَكُون هَذَا الخطابُ كأنه تهَكُّمٌ بهم، وكان الأَولى أنْ يَتَخَاطَبَ النَّاسُ فيما بينهم خطابًا عاديًّا، فهَذَا الهدهد ما مقامُه مَعَ سُلَيْمَان! جُنْدٌ من جُنْدِهِ الأضعفينَ، ومع ذلك يَقُول بهَذِهِ الصراحة: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ وأيضًا هُوَ الَّذِي بدأَ بكلامِه، وبسرعةٍ، لكِن فِي الحقيقة أَنَّهُ فِيهِ نوعٌ من الأدبِ، ما قَالَ مثلًا: أنت جاهلٌ ولا تعرِف وأنا عرفتُ وبحثتُ ووجدتُ شيئًا لا تدري عنه، بل قَالَ: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾، يعني لأجلِ أن يعرفَ سُلَيْمَان قَدْرَه، وَأَنَّهُ لَيْسَ محيطًا بكلِّ شيءٍ، فهَذَا الهدهدُ صار أشدَّ إحاطةً منه، والْإِنْسَان البشر ضعيفٌ فِي كُلّ شيءٍ، حَتَّى ما علِمنا كيف نَقْبُرُ مَوْتَانا إِلَّا مِنَ الغُراب، وهَذَا ممَّا يَدُلّ عَلَى أننا لَسْنَا بشيءٍ فِي الواقعِ. قوله: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ يُشْبِهُها قولُ إبراهيمَ لِأَبِيهِ: ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ [مريم: ٤٣]، ما قَالَ: يا أبتِ إنك جاهلٌ، وهَذَا من اللَّطَافَة فِي الأسلوبِ.

стр. 142

قَالَ: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ والكلمة شديدةٌ، قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أيِ اطَّلَعْتُ عَلَى ما لم تَطَّلِعْ عليه]، ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ [النمل: ٢٢ - ٢٣]، إِلَى أن قَالَ: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل: ٢٧]، سُلَيْمَان قَبِلَ بعض الشَّيْء، والهدهد أَكَّدَ الخبرَ: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ ومعَ ذلك قَالَ: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ هَذِهِ أيضًا صَدْمَةٌ عَلَى الهدهدِ؛ لِأَنَّ الهدهدَ كَانَ مُتَتقِّنًا ومعَ ذلك قيلَ له: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾. لماذا قَالَ سُلَيْمَان هَذَا مَعَ أَنَّهُ يقولُ له: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾؟ لأن حقيقة الأَمْر أن كلامَ الهدهدِ فِي مَقامِ الدفاعِ عن نفسِه؛ لِأَنَّهُ مُتَوَعَّدٌ بالعذابِ الشَّديدِ أو بالذبحِ أو بخبر، أي: بسلطانٍ مبينٍ، فَهُوَ لمَّا كَانَ فِي مقامِ الدفاعِ احتاجَ أنْ يَتَثَّبت هَذَا بِبَيِّنَةٍ، وقد وقعَ مثلُ ذلك لعمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁، استأذنَ عليه أبو موسى ثلاثَ مرَّاتٍ ثُمَّ انصرفَ، فلما عاتَبَهُ فِي ذلك قَالَ: "هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ " (١)، قَالَ: لَتَأْتِيَنِّي بِبَيِّنَةٍ عَلَى ما تقولُ، مَعَ أنَّ أبا مُوسَى صَحَابِيٌّ ثِقَةٌ لا يمكن أن يَتَقَوَّلَ عَلَى الرَّسُول ﵊، لكِن المَقام يَقتضي زيادةَ التثَبُّتِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَان قد يَفْهَم منَ النصِّ ما لَيْسَ مرادًا، فلذلك طَلَبَ عمرُ من أبي موسى أنْ يأتيَ بشاهِدٍ. هنا سُلَيْمَان ﵊ مَعَ أن هَذَا الهدهدَ قد يَقَّنَ له الخبرَ يقولُ: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ثُمَّ أعطاهُ آيَةً وقَرينةً: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا

стр. 143

فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ [النمل: ٢٨]، والقصَّة فِي الحقيقة عظيمةٌ جدًّا فيها فوائدُ كثيرةٌ. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ﴾ بالصرفِ وتَرْكِهِ (١)]، بالصرف (من سَبإٍ)، وتركه (مِن سَبَأَ) جُرَّ بالفتحةِ لِأَنَّهُ اسْم لا يَنْصَرِف، و ﴿مِنْ سَبَإٍ﴾ جُرَّ بالكسرةِ لِأَنَّهُ اسْم يَنصرفُ، فعَلَى أيِّ اعتبارٍ جَعَلْنَاهُ إمَّا مصروفًا أو عدمه؟ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [قبيلة باليمنِ سُمِّيَتْ باسمِ جَدٍّ لهم باعتبارِهِ صُرِفَ]. من فوائد الآية الكريمة: الفَائِدَة الْأُوْلَى: سُرعة رجوعِ الهدهدِ إِلَى سُلَيْمَان، مِمَّا يَدُلّ عَلَى أنَّ جنودَ سُلَيْمَان يَهْتَمُّونَ بِشُؤونهم ولا يَتَأَخَّرون عن أعمالهِم؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾. الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن سُلَيْمَان وإنْ كَانَ قد أُعْطِيَ مُلكًا عظيمًا لم يُعْطَهُ أحدٌ فَإِنَّهُ لا يُحيطُ بكلِّ شيءٍ، فَهُوَ عَلَى سَعَةِ مُلْكِهِ وقوَّته لا يحيط بكلِّ شيءٍ، فغيرُه من باب أَولى. الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: ضعفُ إدراكِ الْإِنْسَان مَهْمَا بلغَ مِنَ المُلْكِ ومن الْقُوَّة، ويدلُّ لهَذَا قولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النِّسَاء: ٢٨]، فإن هَذَا يُبَيِّن ضعفَ الْإِنْسَان، فَهُوَ ضعيف فِي كُلّ شيءٍ؛ فِي القُوَى العقليَّة والقوى الجِسْمِيَّة وكلِّ ما يمكن أن يُوصَف بالْقُوَّة والضعفِ، فإنَّ حال الْإِنْسَان فِيهِ الضعفُ. الفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ يجوزُ أنْ يُخَاطَب الرئيس بمثلِ هَذَا الخطابِ، فيقال مثلًا: عَلِمْتُ ما لم تعلمْ، أو فعلتُ ما لم تفعلْ، ومثله قول إبراهيم ﵊ لأبيه: ﴿إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ [مريم: ٤٣].

стр. 144

الفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أَنَّهُ يَنبغي للمتكلِّم أنْ يُؤَكِّدَ الخبرَ للمخاطَب عندَ الحاجةِ إليه؛ لِقَوْلِهِ: ﴿بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾. فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: ما فائدةُ تأكيدِه له وَهُوَ مَصْدَرُ الخبر؛ لِأَنَّ التأكيد إِنَّمَا يُفيد إذا جاءَ من طرفٍ آخرَ يَكُون شاهدًا للمخبِر، فأمَّا نفسُ المخبِر فكيف يقالُ: إن فِي تأكيدِه للخبرِ فائدة؟ فالجواب: أنَّ المقصودَ من ذلك زيادة طُمأنينة المُخْبَر؛ وله فائدةٌ، فإذا أخبركَ المخبِرُ بخبرٍ قد تقولُ له: هل أنتَ متأكِّدٌ؟ فيقول: نعم أو لا، فإذن تأكيد المُخْبِرِ لخبرِهِ لا يقال: إنَّهُ لا فائدةَ منه؛ لِأَنَّهُ هُوَ مصدرُ الخبرِ، بل نَقُول: فِيهِ فائدةٌ، وهي رفعُ توهُّم المُخْبِر فِي خَبَرِه، فَيَرْفَع هَذَا التوهُّم وَيطْمَئِنّ المخاطَب. الفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن استعمالَ ضَميرِ الجمعِ للمخاطَبِ المعظَّم لَيْسَ بلازمٍ، وَلَيْسَ من شأنِ خِطاب الأَنْبِياء والسَّلَف أَنَّهُ عندما يَكُون الْإِنْسَان معظَّمًا يَقُول: أتيتكم، جئتكم، ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ كما هُوَ المعتاد الْآنَ عندنا. فعندنا إذا كَانَ المخاطَب مُعَظَّمًا يقال: كما تريدون مثلًا سعادتكم أو سماحتكم أو سيادتكم أو فضيلتكم أو مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وهَذَا لَيْسَ معتادًا بمَن سَبَقَ، وإنما يخاطب الْإِنْسَان بما تَقتضيه حالُه، حَتَّى إن النَّبِيّ ﵊ يردُّ السلامَ عَلَى المُسَلِّم بِقَوْلِهِ: "عَلَيْكَ السَّلَامُ" (١)، فإذا سلم عليه أحد يَقُول: وعليك السلامُ، وإذا كانوا جماعة يقال: عليكم السلام، فمن عادة السلفِ أَنَّهُم يخاطبون أو يتكلمون مَعَ المخاطَب بما تَقْضِيهِ حالُه.

стр. 145

الآية (٢٣) * * * قَالَ اللهُ : ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣]. * * * قوله: ﴿امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ الضَّميرُ فِي قوله: ﴿تَمْلِكُهُمْ﴾: ﴿هُمْ﴾ ضَميرُ جمعٍ، ومرجع الضَّميرِ مُفرَدٌ، لكِن لمَّا كَانَ المُراد به القبيلة صَحَّ أن يعودَ الضميرُ إليه جمعاً، وقد سبقَ فِي الشرحِ قُلْنَا: إن فيها (سبأٍ وسبأَ) باعتبار الجدِّ والقبيلةِ. قوله: ﴿تَمْلِكُهُمْ﴾ المفسِّر ﵀ يَقُول: أي [هي مَلِكَة]، والغَرَضُ من تفسير ﴿تَمْلِكُهُمْ﴾ بمَلِكَة خوفًا من أن يقالَ: إنَّهَا تملكهم ملك استرقاقٍ لا ملك تَصَرُّف. والمَرْأَة هل يَصِحُّ أن تكون ملكةً؟ لا، ففي شَرْعِنا لا يجوزُ أن تُوَلَّى المَرْأَةُ عَلَى الرِّجال، فلا يمكن أن تكونَ ملكة، ولا يمكن أن تكون أميرةً ولا يمكن أن تكون وزيرةً، ولا يمكن أن تكون قاضيةً، كل هَذا لا يجوزُ، لِأنَّ النَّبِيّ ﷺ يقولُ: "لنْ يُفلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً" (١). لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل يجوز أن تُسَمَّى المَرْأَة أميرةً أو سيدةً؟
следующие страницы →