﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ يخاطب سُلَيْمَان، وَفِي الحقيقة أن هَذَا الهدهد قويّ، له ضُلُوع قويَّة جدًّا كما يَقُولُونَ، كيف يخاطب سُلَيْمَان وله هَذَا المُلْك العظيم ويقول: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ وأيضًا ما قَالَ: بما لم تُحِيطوا به، ما جاء بصيغةِ التعظيمِ.
ونحن الْآنَ بَشَر ونخاطب بعض الأحيان المديرَ أو مَن فوقَه ونَقُول مثلًا: أنتم أو سيادتكم أو سعادتكم أو حضرتكم، ونضع مِيماً أكبر من اللازم، مَعَ أننا مِثْلُهم بَشَرٌ، وكلُّ هَذِهِ فِي الحقيقة من الأُمُور الشَّكْلِيَّة الَّتِي لا تُنْبِئ عن شيءٍ ولا تَنبغي أيضًا، والصحابةُ لا يُخاطِبون الرَّسُول ﵊ بهَذَا الخطابِ، وَهُوَ أشرفُ عِندَهم من كُلّ بَشَرٍ، وكذلك الخلفاءُ الراشدونَ ما كانوا يُخَاطَبُون بمثلِ هَذَا.
ومن عجبٍ أن بعضَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُخاطِبون بمثلِ هَذِهِ الألقابِ تجد قلوبهم تَغِلي عَلَى هَؤُلَاءِ المخاطَبينَ، فيَكُون هَذَا الخطابُ كأنه تهَكُّمٌ بهم، وكان الأَولى أنْ يَتَخَاطَبَ النَّاسُ فيما بينهم خطابًا عاديًّا، فهَذَا الهدهد ما مقامُه مَعَ سُلَيْمَان! جُنْدٌ من جُنْدِهِ الأضعفينَ، ومع ذلك يَقُول بهَذِهِ الصراحة: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ وأيضًا هُوَ الَّذِي بدأَ بكلامِه، وبسرعةٍ، لكِن فِي الحقيقة أَنَّهُ فِيهِ نوعٌ من الأدبِ، ما قَالَ مثلًا: أنت جاهلٌ ولا تعرِف وأنا عرفتُ وبحثتُ ووجدتُ شيئًا لا تدري عنه، بل قَالَ: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾، يعني لأجلِ أن يعرفَ سُلَيْمَان قَدْرَه، وَأَنَّهُ لَيْسَ محيطًا بكلِّ شيءٍ، فهَذَا الهدهدُ صار أشدَّ إحاطةً منه، والْإِنْسَان البشر ضعيفٌ فِي كُلّ شيءٍ، حَتَّى ما علِمنا كيف نَقْبُرُ مَوْتَانا إِلَّا مِنَ الغُراب، وهَذَا ممَّا يَدُلّ عَلَى أننا لَسْنَا بشيءٍ فِي الواقعِ.
قوله: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ يُشْبِهُها قولُ إبراهيمَ لِأَبِيهِ: ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ [مريم: ٤٣]، ما قَالَ: يا أبتِ إنك جاهلٌ، وهَذَا من اللَّطَافَة فِي الأسلوبِ.
стр. 142
قَالَ: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ والكلمة شديدةٌ، قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أيِ اطَّلَعْتُ عَلَى ما لم تَطَّلِعْ عليه]، ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ [النمل: ٢٢ - ٢٣]، إِلَى أن قَالَ: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل: ٢٧]، سُلَيْمَان قَبِلَ بعض الشَّيْء، والهدهد أَكَّدَ الخبرَ: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ ومعَ ذلك قَالَ: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ هَذِهِ أيضًا صَدْمَةٌ عَلَى الهدهدِ؛ لِأَنَّ الهدهدَ كَانَ مُتَتقِّنًا ومعَ ذلك قيلَ له: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.
لماذا قَالَ سُلَيْمَان هَذَا مَعَ أَنَّهُ يقولُ له: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾؟
لأن حقيقة الأَمْر أن كلامَ الهدهدِ فِي مَقامِ الدفاعِ عن نفسِه؛ لِأَنَّهُ مُتَوَعَّدٌ بالعذابِ الشَّديدِ أو بالذبحِ أو بخبر، أي: بسلطانٍ مبينٍ، فَهُوَ لمَّا كَانَ فِي مقامِ الدفاعِ احتاجَ أنْ يَتَثَّبت هَذَا بِبَيِّنَةٍ، وقد وقعَ مثلُ ذلك لعمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁، استأذنَ عليه أبو موسى ثلاثَ مرَّاتٍ ثُمَّ انصرفَ، فلما عاتَبَهُ فِي ذلك قَالَ: "هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ " (١)، قَالَ: لَتَأْتِيَنِّي بِبَيِّنَةٍ عَلَى ما تقولُ، مَعَ أنَّ أبا مُوسَى صَحَابِيٌّ ثِقَةٌ لا يمكن أن يَتَقَوَّلَ عَلَى الرَّسُول ﵊، لكِن المَقام يَقتضي زيادةَ التثَبُّتِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَان قد يَفْهَم منَ النصِّ ما لَيْسَ مرادًا، فلذلك طَلَبَ عمرُ من أبي موسى أنْ يأتيَ بشاهِدٍ.
هنا سُلَيْمَان ﵊ مَعَ أن هَذَا الهدهدَ قد يَقَّنَ له الخبرَ يقولُ: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ثُمَّ أعطاهُ آيَةً وقَرينةً: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا
стр. 143
فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ [النمل: ٢٨]، والقصَّة فِي الحقيقة عظيمةٌ جدًّا فيها فوائدُ كثيرةٌ.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ﴾ بالصرفِ وتَرْكِهِ (١)]، بالصرف (من سَبإٍ)، وتركه (مِن سَبَأَ) جُرَّ بالفتحةِ لِأَنَّهُ اسْم لا يَنْصَرِف، و ﴿مِنْ سَبَإٍ﴾ جُرَّ بالكسرةِ لِأَنَّهُ اسْم يَنصرفُ، فعَلَى أيِّ اعتبارٍ جَعَلْنَاهُ إمَّا مصروفًا أو عدمه؟ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [قبيلة باليمنِ سُمِّيَتْ باسمِ جَدٍّ لهم باعتبارِهِ صُرِفَ].
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدَة الْأُوْلَى: سُرعة رجوعِ الهدهدِ إِلَى سُلَيْمَان، مِمَّا يَدُلّ عَلَى أنَّ جنودَ سُلَيْمَان يَهْتَمُّونَ بِشُؤونهم ولا يَتَأَخَّرون عن أعمالهِم؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾.
الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن سُلَيْمَان وإنْ كَانَ قد أُعْطِيَ مُلكًا عظيمًا لم يُعْطَهُ أحدٌ فَإِنَّهُ لا يُحيطُ بكلِّ شيءٍ، فَهُوَ عَلَى سَعَةِ مُلْكِهِ وقوَّته لا يحيط بكلِّ شيءٍ، فغيرُه من باب أَولى.
الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: ضعفُ إدراكِ الْإِنْسَان مَهْمَا بلغَ مِنَ المُلْكِ ومن الْقُوَّة، ويدلُّ لهَذَا قولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النِّسَاء: ٢٨]، فإن هَذَا يُبَيِّن ضعفَ الْإِنْسَان، فَهُوَ ضعيف فِي كُلّ شيءٍ؛ فِي القُوَى العقليَّة والقوى الجِسْمِيَّة وكلِّ ما يمكن أن يُوصَف بالْقُوَّة والضعفِ، فإنَّ حال الْإِنْسَان فِيهِ الضعفُ.
الفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ يجوزُ أنْ يُخَاطَب الرئيس بمثلِ هَذَا الخطابِ، فيقال مثلًا: عَلِمْتُ ما لم تعلمْ، أو فعلتُ ما لم تفعلْ، ومثله قول إبراهيم ﵊ لأبيه: ﴿إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ [مريم: ٤٣].
стр. 144
الفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أَنَّهُ يَنبغي للمتكلِّم أنْ يُؤَكِّدَ الخبرَ للمخاطَب عندَ الحاجةِ إليه؛ لِقَوْلِهِ: ﴿بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾.
فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: ما فائدةُ تأكيدِه له وَهُوَ مَصْدَرُ الخبر؛ لِأَنَّ التأكيد إِنَّمَا يُفيد إذا جاءَ من طرفٍ آخرَ يَكُون شاهدًا للمخبِر، فأمَّا نفسُ المخبِر فكيف يقالُ: إن فِي تأكيدِه للخبرِ فائدة؟
فالجواب: أنَّ المقصودَ من ذلك زيادة طُمأنينة المُخْبَر؛ وله فائدةٌ، فإذا أخبركَ المخبِرُ بخبرٍ قد تقولُ له: هل أنتَ متأكِّدٌ؟ فيقول: نعم أو لا، فإذن تأكيد المُخْبِرِ لخبرِهِ لا يقال: إنَّهُ لا فائدةَ منه؛ لِأَنَّهُ هُوَ مصدرُ الخبرِ، بل نَقُول: فِيهِ فائدةٌ، وهي رفعُ توهُّم المُخْبِر فِي خَبَرِه، فَيَرْفَع هَذَا التوهُّم وَيطْمَئِنّ المخاطَب.
الفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن استعمالَ ضَميرِ الجمعِ للمخاطَبِ المعظَّم لَيْسَ بلازمٍ، وَلَيْسَ من شأنِ خِطاب الأَنْبِياء والسَّلَف أَنَّهُ عندما يَكُون الْإِنْسَان معظَّمًا يَقُول: أتيتكم، جئتكم، ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ كما هُوَ المعتاد الْآنَ عندنا.
فعندنا إذا كَانَ المخاطَب مُعَظَّمًا يقال: كما تريدون مثلًا سعادتكم أو سماحتكم أو سيادتكم أو فضيلتكم أو مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وهَذَا لَيْسَ معتادًا بمَن سَبَقَ، وإنما يخاطب الْإِنْسَان بما تَقتضيه حالُه، حَتَّى إن النَّبِيّ ﵊ يردُّ السلامَ عَلَى المُسَلِّم بِقَوْلِهِ: "عَلَيْكَ السَّلَامُ" (١)، فإذا سلم عليه أحد يَقُول: وعليك السلامُ، وإذا كانوا جماعة يقال: عليكم السلام، فمن عادة السلفِ أَنَّهُم يخاطبون أو يتكلمون مَعَ المخاطَب بما تَقْضِيهِ حالُه.
стр. 145
الآية (٢٣)
* * *
قَالَ اللهُ : ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣].
* * *
قوله: ﴿امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ الضَّميرُ فِي قوله: ﴿تَمْلِكُهُمْ﴾: ﴿هُمْ﴾ ضَميرُ جمعٍ، ومرجع الضَّميرِ مُفرَدٌ، لكِن لمَّا كَانَ المُراد به القبيلة صَحَّ أن يعودَ الضميرُ إليه جمعاً، وقد سبقَ فِي الشرحِ قُلْنَا: إن فيها (سبأٍ وسبأَ) باعتبار الجدِّ والقبيلةِ.
قوله: ﴿تَمْلِكُهُمْ﴾ المفسِّر ﵀ يَقُول: أي [هي مَلِكَة]، والغَرَضُ من تفسير ﴿تَمْلِكُهُمْ﴾ بمَلِكَة خوفًا من أن يقالَ: إنَّهَا تملكهم ملك استرقاقٍ لا ملك تَصَرُّف.
والمَرْأَة هل يَصِحُّ أن تكون ملكةً؟
لا، ففي شَرْعِنا لا يجوزُ أن تُوَلَّى المَرْأَةُ عَلَى الرِّجال، فلا يمكن أن تكونَ ملكة، ولا يمكن أن تكون أميرةً ولا يمكن أن تكون وزيرةً، ولا يمكن أن تكون قاضيةً، كل هَذا لا يجوزُ، لِأنَّ النَّبِيّ ﷺ يقولُ: "لنْ يُفلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً" (١).
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل يجوز أن تُسَمَّى المَرْأَة أميرةً أو سيدةً؟
стр. 146
أميرة اسمٌ فقط، أي أَنَّهَا من عائلةِ الأُمراءِ فقط، وَأَمَّا إطلاق كلمة (سيدة) فكلمة سيدة صارتْ رخيصةً، فكل امرأةٍ تُسمَّى سيدةً، وهَذَا قد نَبَّهْنَا عليه فيما سبقَ وقُلْنَا: إن هَذَا مُتَلَقًّى من الغربِ الَّذِينَ يقدسون المَرْأَةَ وإن هَذَا ما يَنبغي، ولهَذَا حَتَّى بعض الكتَّاب تجدهم يَقُولُونَ: السيِّدة عائشة، السيدة خديجة، وهَذَا لا يَنبغي، بل يقال: المَرْأَةُ والأُنثى، وَأَمَّا السيدة فلا يَصِحُّ هَذَا الإطلاق، لاسيما وَأَنَّهُ متلقًّى من غير المُسلِمينَ.
قوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: مِنَ المُقَوِّمات، كما قَالَ المفسِّر ﵀.
قوله: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ أَمَّا وَصْفُ العَرْش الَّذِي ذَكَرَهُ المُفَسِّر فلا دليلَ عليه (١).
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدَة الْأُوْلَى: أن المَرْأَةَ لا تَصْلُحُ لِلْمُلْكِ؛ لِأَنَّهُ ما قَالَ: مَلِكة، بل قَالَ: ﴿تَمْلِكُهُمْ﴾.
الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: سَعَة مُلْكِ هَذِهِ المَرْأَةِ، بل عَظَمَة ملك هَذِهِ المَرْأَة، لِقَوْلِهِ: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾.
الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّهَا ذاتُ أُبَّهَة؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾.
* * *
стр. 147
الآية (٢٤)
* * *
قَالَ اللهُ : ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: ٢٤].
* * *
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدَة الْأُوْلَى: أن هَؤُلَاءِ القومَ مُشْرِكُونَ باللهِ ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ﴾.
الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن الشَّمْسَ مَعبودةٌ من قديمِ الزمانِ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ فِي زمنِ سُلَيْمَان، وما زالَ إِلَى الْآنَ يوجدُ مَن يَعْبُدُ الشَّمْسَ ومَن يعبد النَّارَ، ومن يعبد القمرَ، بل ومَن يعبدُ البقرَ.
الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن الخلقَ مَفْطُورون عَلَى إنكارِ الشركِ؛ لِأَنَّ الهدهدَ أنكرَ عليهم شِرْكَهم، مَعَ أن الهدهد لَيْسَ من العُقلاءِ، لكِن جميع الحيواناتِ بل والمخلوقات غير الحيوانات مَفْطُورة عَلَى توحيدِ اللهِ ، قَالَ تَعَالَى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤].
الفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن المشركينَ شَرُّ البِرَّية كما قَالَ اللهُ ؛ لِأَنَّهُ إذا كانت البهائم والجماداتُ تسبِّح اللهَ وتَعْرِف حقَّه، وبنو آدم هَؤُلَاءِ يشركون به، صاروا شرَّ الخَليقةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ
стр. 148
﴿هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٦].
الفَائِدَةُ الخَامِسَةُ والسَّادِسَةُ: أن الْإِنْسَان يُذَمُّ عَلَى فِعْلِه أو يُمدَح عَلَى فعله؛ لِأَنَّ الهدهد ساقَ ذلك عَلَى سبيلِ الذمِّ، والغرضُ من ذِكر هَذِهِ الفائدة: الوصول إِلَى أنَّ فعل الْإِنْسَان باختيارِهِ؛ إذ لو كَانَ مُجْبَرًا عليه لم يصِحّ أن يَكُون مَحَلًّا للذمِّ أو للمدحِ؛ لِأَنَّ الَّذِي يُجْبَر عَلَى العَمَلِ لا يُمْدَحُ عليه إن كَانَ خيرًا، ولا يُذَمّ عليه إن كَانَ سوءًا، ولكِنه هُوَ فِعْلُهُ.
ويتفرع عَلَى هَذهِ الفائدة: إبطال قول الجبرية الذين يقولون: إن الْإِنْسَان مُجْبَر عَلَى عَمَلِه؛ لأَنَّهُ إذا كَانَ مجبرًا لم يكن أهلاً للثناءِ فِي الخير أو فِي الشرّ.
الفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن الأَعْمالَ السيِّئة من تزيينِ الشيطانِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ فكيفَ يُجمَع بين هَذِهِ الآيَةِ وبين قولِهِ تَعَالَى: ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ [النمل: ٤]، فأضافَ اللهُ التزيينَ إليه، وهنا أضافَهُ إِلَى الشيطانِ، وَفي آيَةٍ ثالثةٍ: ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾ [التوبة: ٣٧]، مبنيٌّ للمجهولِ؟
نَقُول: هَذِهِ لا تعارضُ الآيَاتِ الأُخْرَى، فيُضاف إِلَى الله تقديراً، وإلى الشيطان مباشرةً.
إِذَا قَالَ قَائِلٌ: إنَّ الأَعْمالَ السيِّئة تُزَيَّنُ للنَّاس فِي رمضان، وقد ثبتَ فِي الحديث: "أَنَّ الشَّيَاطِينَ تُصَفَّدُ فِيهِ وتُغَلُّ" (١)، ومع ذلك نرى أن كثيرًا من الخلقِ يُزَيَّن لهم سوءُ الأَعْمالِ فِي رمضانَ، فكيف الجمعُ؟
قُلْنَا: يَكُون هَذَا من تزيينِ النفسِ، فهي تُزَيِّنُ أيضًا سُوءَ الأَعْمالِ.
стр. 149
الفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن سبيلَ اللهِ واحدٌ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [النمل: ٢٤]، وسُبُل الشرعِ مُتَعَدِّدَةٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، ولهَذَا قَالَ العُلَماءُ: الإِسْلامُ مِلَّة والكفرُ مِلَل، الكفر: يهودية، نَصرانيَّة، وَثَنِيَّة، مَجُوسِيَّة ... إِلَى آخِرِهِ، مِلَل لِأَنَّهَا سُبُل مُتَعَدِّدة، وَأَمَّا الْحَقّ فسَبِيلُه واحدٌ.
فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: كيفَ تقولونَ ذلكَ وقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٦]، فكيف الجمع؟
قُلْنَا: إذا قَيَّدْتَ فهي عَلَى حسَب ما قيّدت به، يعني يصحّ أن تقول: (سُبُل الخير)، وَيكُون المُراد بذلك الفروع الموصلة إِلَى الخير، فالإِسْلام كما أَنَّهُ كله سبيلٌ واحدةٌ فَهُوَ كذلك -أيضًا- ذو شُعَب، وقد ثبتَ عن النَّبِيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً" (١)، فَهُوَ ذو شُعَب، فهَذَا معنى قوله: ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٦].
ثُمَّ إنَّهُ مما يُزيل الإشكالَ أَنَّهَا أُضيفت إِلَى السلامِ، ولم يقل: (السبل)، فعُلِمَ أن المُرادَ بذلك فُروعُ الخيرِ.
الفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: إذا زُيِّنَ للإِنْسَانِ سُوءُ عَمَلِه فصدَّ بذلك عنِ السبيلِ -والعياذ بالله فَإِنَّهُ لا يَهتدِي؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: ٢٤].
وهَذَا هُوَ البلاءُ أنَّ الْإِنْسَان يرى القبيحَ حَسَنًا، فهَذَا لا يكادُ يُقْلِع، لكِن مَن كَانَ يرى القبيحَ قَبيحاً فَإِنَّهُ يمكنه أن يُقْلِع، ولذلك تجدون الْآنَ مثلَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَتعاملون بالحِيَل: الحيل الربويَّة وغير الربويَّة ومن المحرَّمات، لا يكادون يُقْلِعُونَ
стр. 150
عنها؛ لِأَنَّهُم يَرَوْنَ أَنَّهُم عَلَى حقٍّ، ولذلك لا يُقْلِعُون، لكِنْ مَن فَعَلَ القبيحَ وَهُوَ يَعْتَقِدُهُ قَبيحًا، فَإِنَّهُ يُوشِكُ أن يُقْلِعَ عنه، ولهَذَا قَالَ: ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: ٢٤]، عَلَى تفسير المُفَسِّر ﵀ يَجِب أن يوصل قوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ [النمل: ٢٥]، بِقَوْلِهِ: ﴿لَا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: ٢٤]؛ لِأَنَّهُ متعلّق به، والتَّقْدير: فهم لا يهتدون إِلَى أن يسجدوا.
* * *
стр. 151
الآية (٢٥)
قَالَ اللهُ : ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٢٥].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ أي: أن يسجدوا له، فزِيدَتْ (لا) وأدغم فيها نون (أن)؛ كما فِي قوله تَعَالَى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [الحديد: ٢٩]، والجملة فِي محل مَفْعُول ﴿يَهْتَدُونَ﴾ بإسقاط إلى]، لِأَنَّ معنى قوله: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [الحديد: ٢٩]؛ لِأَن يعلم أهل الكتاب، فزيدتِ اللامُ توكيداً، فالمُفَسِّر ﵀ يرى أن قوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ مثل الآيَة الَّتِي ذكرها شاهداً لها من حيثُ زيادة (لا)، وَيرَى آخرونَ من المفسرين خلاف ما رآه المُفَسِّر وَيقُولُونَ: إن الجملة انتهت بِقَوْلِهِ: ﴿فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: ٢٤]، وإن قوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ بمعنى: هلا يسجدوا، وَأَنَّهُ للتحضيضِ، ولكِن هَذَا التَّقْدير فِيهِ إشكال أيضاً، وَهُوَ حذف النون من الأفعال الخمسة بدون ناصب ولا جازم؛ لِأَنَّ ﴿أَلَّا﴾ لا تنصب ولا تجزم، وإذا قُلْنَا: إن ﴿أَلَّا﴾ للتحضيض وهي لا تنصب ولا تَجْزِم، ونظرنا إِلَى ﴿يَسْجُدُوا﴾ وجدنا أن فيها حذف النون نصبًا أو جزماً، وهنا لَيْسَ ناصبٌ ولا جازمٌ، فَهُوَ محل إشكال.
ولكِنَّ الجوابَ عن هَذَا قد يَكُون سهلًا؛ لِأَنَّ حذف نون الأفعال الخمسة
стр. 152
لغيرِ ناصبٍ ولا جازمٍ جائزٌ ووارد فِي اللُّغة العَربِيَّة، ومنه قول النَّبِيّ ﷺ : "وَاللهِ لَا تَدْخُلوا الجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا" (١) لا تدخلوا (لا) نافية، لا تنصبُ ولا تَجزِم، ومع ذلك حُذِفَتِ النونُ، ولم يقل: (لا تدخلونَ الجَنَّة)، فالجواب عَن هَذَا أن يقال: إن نون الأفعال الخمسة قد تحذف بدون ناصب ولا جازم، لا سيما فِي مثل هَذَا التعبير ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ الدالّ عَلَى التحضيضِ، فإنَّ حَذْفَ النونِ هنا يُسَهِّلُه وجودُ هَذَا الحرفِ السابقِ للفعلِ.
وعَلَى كُلِّ حَالٍ: إذا كانت عَلَى تقديرِ المُفَسِّر، فإن هَذِهِ الجملة بالنِّسْبَة لما قبلها كالمؤكِّدة؛ لأَنَّهُ لما قَالَ: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [النمل: ٢٤]، هَذَا يَقتضِي أن لا يهتدوا إِلَى الْحَقّ وإلى أنْ يسجدوا لله . وَأَمَّا عَلَى القَوْلِ الثاني أن ﴿أَلَّا﴾ للتحضيضِ بمعنى (هلا) فَإِنَّهُ يَدُلّ عَلَى أنَّ الهُدْهُد انتقدهم بهَذَا الفِعْل، وبَيَّن أن الأَولى، بل الأوجب أن يَكُون السجود لله ، وتكون الجملة منفصِلة عما قبلها.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: قوله : ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [النمل: ٢٤]، مَعَ قوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ ألا يقتضي أن مَناط الذمِّ كونهم لا يسجدون لله، وَلَيْسَ كونهم يشركون فِي السجودِ.
الجواب: لا؛ لِأَنَّ معنى قوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ يَجِب أن يُفرِدوا الله تَعَالَى بالسجودِ، فيَكُون مَناط الذمّ كونهم يخصصون الشَّمْس بالسجودِ، وكذلك أيضاً لو أشركوا بها مَعَ الله؛ لِأَنَّهُ لا يمكن أن يزولَ الذنبُ إِلَّا إذا خُصِّصَ السجودُ لله وحدَه.
стр. 153
وفي الآيَة قراءة ثانية: (أَلا يا اسجدوا لله) وتكون (ألا) استفتاحية و (يا) حرف نداء، والنداء محذوف، والتَّقْدير: ألا يا قوم اسجدوا لله، أو تكون (يا) للتنبيه، نظيره قوله تَعَالَى: ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٢٦]، وقوله تَعَالَى: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ [النِّسَاء: ٧٣]، فإن (يا) هَذهِ إمَّا أن تكون للتنبيهِ؛ لِأَنَّهَا لا تدخلُ عَلَى الأفعالِ ولا عَلَى الحروفِ، وَإمَّا أن تكون للنداء والمنادى محذوف.
قوله: ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [مَصْدر بمعنى المخبوء مِنَ المطرِ والنباتِ ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ﴾ فِي قُلُوبِهِم ﴿وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ بِألسِنَتِهِم]، قوله: ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ الخَبْء بمعنى المخبوءِ؛ كما قَالَ المُفَسِّر، فَهُوَ مصدر بمعنى اسمِ المَفْعُول، والمصدرُ بمعنى اسمِ المَفْعُول واردٌ فِي اللُّغة العربيَّة كثيرًا، ومنه قوله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ﴾ [الطلاق: ٦]، أي: محمولٍ؛ لِأَنَّ الحملَ فِعل المَرْأَةِ، وَأَمَّا المحمولُ فَهُوَ الجنينُ، وكذلك قوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].
ومنه قولُ النَّبِيّ ﷺ : "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ" (١) أي: مردود، ومنه أيضًا قول الله ﵎: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١]، ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ أي: مخلوقه وَلَيْسَ فِعْلَه.
قوله ﵀: [مِنَ المطرِ]، هَذَا باعتبارِ المخبوءِ فِي السَّمَاء، [والنبات]، هَذَا المخبوء فِي الْأَرْض، فاللهُ هُوَ الَّذِي يُخْرِجُ ما فِي هَذَا وما فِي هَذَا، ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ﴾ فِي قلوبهم ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ بألسنتهم].
ولم يُشِرِ المُفَسِّر ﵀ إِلَى القراءةِ الثَّانِيَةِ وهي سبعيَّة فِي قوله: "يخفون"
стр. 154
و"يعلنون" (١)؛ فإن الذِي فِي المصحف قراءة عاصم: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ يُخاطِب بذلك سُلَيْمَان، وقوله ﵀: [﴿مَا يُخْفُونَ﴾ فِي قلوبهم ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ بألسنتهم]، تقييده بالألسنةِ فِيهِ نَظَرٌ، لو قَالَ: بِأَلْسِنَتِكُمْ وجَوَارِحكم؛ لِأَنَّ ما يُفْعَل بالجوارح معلَن كما أن ما يُنْطَق به باللسانِ مُعْلَن أيضًا ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾.
وهَذَان الوصفانِ -إخراجُ الخبءِ والعلمُ بما يُبْطِنُ العبدُ وما يعلنه- لا يَكُونان لأحدٍ من المخلوقينَ، لا للشمسِ ولا لغيرِ الشَّمْسِ، وإنما ذلك خَاصّ بالله ﵎، ولهَذَا جَعَلَه الهدهدُ منَ الأَسْبَاب الَّتِي تَستلزِم أن تكونَ العِبادَةُ للهِ وحدَه؛ لِأَنَّهُ العَالِم بها.
ولا يمكن أن يُؤْتَى بوصفٍ يَستلزِم العِبادَةَ إِلَّا إذا كَانَ خاصًّا بالله؛ لِأَنَّهُ يؤتى بهَذَا الوصفِ استدلالًا عَلَى بُطلانِ عبادةِ ما سواه، ولو كَانَ مما يُمْكِن أن يَكُون للهِ لم يكنْ ذلكَ دليلاً عَلَى اختصاصِ اللهِ تَعَالَى بالعُبُودِيَّة، إذ قد يقولُ العابدُ للشيء: وهَذَا وصف أيضًا موجود فِي معبودي فأنا أعبده.
فالمهمّ أَنَّهُ لا يمكن أن تُقامَ الحُجَّة إِلَّا بدليلٍ خَاصّ بالمحتجِّ له، يعني أَنَّهُ لا يُمْكِن أن تُقِيمَ الحجَّةَ بأن العِبادَةَ للهِ وحدَه إِلَّا بوصفٍ خَاصٍّ بالله؛ لأنك لو احتججتَ بوصفٍ يَكُون لله ولغيرِه لكان العابدُ لغيرِ اللهِ يَقُول: وهَذَا الوصف أيضًا ممكن فِي معبودي فلا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ مما يختص به اللهُ .
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدَة الْأُوْلَى: أن الله هُوَ المستحِقّ للعبادةِ وَحْدَهُ لِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [النمل: ٢٥]؛ لِأَنَّهُ لا أحدَ يَستطيعُ ذلك إِلَّا الله، لا أحد يستطيعُ
стр. 155
أنْ يُخرِج المخبوءَ فِي السَّماوَات وَفِي الْأَرْض إِلَّا الله ﵎، فإذا كَانَ كذلك فيجب أن تكون العِبادَة له وحدَه؛ لِأَنَّهُ الربُّ وحدَه، فيَكُون المعبود وحدَه كذلك.
الفَائِدَتان الثَّانِيَة والثَّالثة: سَعَةُ عِلْمِ اللهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٢٥]، واستدلَّ به الشَّافِعيُّ عَلَى ثُبُوتِ القَدَرِ، فثبوت علمِ اللهِ لأفعالِ العبدِ دليلٌ عَلَى تقديرِهِ لها.
ولهَذَا قَالَ الشَّافِعيّ فِي الْقَدَرِّية: "نَاظِرُوهُمْ بِالْعِلْمِ، فإنْ أقرُّوا به خُصِمُوا، وإنْ أَنْكَرُوه كَفَروا" (١). وهَذَا صحيح، لأنَّنا نَقُول: إذا كنتم تُقِرُّونَ بأن الله عالمٌ بأفعالِ الخلقِ، فهل وَقَعَتْ هَذِهِ الأفعالُ عَلَى حَسَبِ عِلْمِهِ، أو عَلَى خلاف عِلمه؟
عَلَى حسَبِ عِلمه؛ لأنكم تُقِرُّونَ أَنَّهُ يعلمها، إذن فقد وَقَعَتْ عَلَى حَسَبِ عِلْمِهِ، فإذا كانت واقعة عَلَى حسبِ عِلْمِه، لَزِمَ أنْ تكونَ بتقديرِه، وإلَّا لكان يمكن أن تقعَ عَلَى خلافِ علمه، إذا كانت من تقديرِ العبدِ واستقلالِ العبدِ، فَإِنَّهُ لا يَلْزَمُ أنْ تقعَ عَلَى حَسَبِ عِلْمِه، وَأَمَّا إذا أنكروا العلمَ فإنهم يكفرون، لِأَنَّ إنكارَ علمِ اللهِ كُفرٌ، وعندنا أيضًا حَتَّى إنكار تقدير الله كفرٌ؛ لِأَنَّ الآيَاتِ والأحاديثَ صريحة بأن الله تَعَالَى مُقَدِّر لأفعالِ العبدِ، فإنكارها تكذيبٌ للقرآنِ والسنَّةِ، وهَذَا هُوَ الكفرُ.
ولكِن الشَّافِعيّ ﵀ أراد أن يُلْزِمَهم بأمرٍ مُتَّفَقٍ عليه، وَهُوَ أن إنكار علم الله كفرٌ، فقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٢٥]، نَستفيد مِنْه بناءً عَلَى تقدير الشَّافِعيّ ﵀ إثبات تقديرِ اللهِ لأفعال العبدِ.
стр. 156
الفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: تَحذيرُ العَبْدِ مِنَ المُخالفةِ عَلَنًا أو سِرًّا، كيف ذلك؟ لأنك إذا عَلِمتَ بهَذَا الأَمْرِ، بأن الله يعلمُ ما تُخْفِي وما تُعْلِن، يَلْزَمُ مِن ذلكَ أن لا تُخَالِفَه، لا تقلْ: سأفعلُ هَذَا المحرَّم لِأَنَّ الله لا يَدْرِي، أو سأترك هَذَا الواجبَ لِأَنَّ الله لا يدري، بل الله يَعلمُ، والْإِنْسَان لو عَلِمَ أن المعظَّم عندَه يعلم بأفعالِه، لَتَرَكَ ما لا يُرْضِيه، لو عَلِمْتَ مثلاً أن أباك أو الرجلَ الَّذِي تحترمه يعلم بما تفعل، فهل تفعل ما يخالف رضاه؟ لا تفعل، لا سيما إذا كَانَ محبوبًا لديك ومُعَظَّمًا، فإذا كَانَ كذلك فالربُّ من باب أَولى.
ولهَذَا ينبغي لكَ كلَّما دَعَتْكَ نفسُك إِلَى معصية، بل إِلَى مخالفةٍ بتركِ أمرٍ أو فعلِ نهىٍ، يَجِب عليك أن تتذكرَ هَذَا الأَمْرَ، أن الله يَعْلَم مخالفتَكَ، فيَلْزَم من هَذَا أن تَرْتَدِع، ولهَذَا جاء فِي الحديث وإن كَانَ فِيهِ نظرٌ: "أَفْضَلُ الْإِيمَانِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللهَ مَعَكَ حَيْثُما كُنْتَ" (١)؛ لأنك إذا عَلِمْتَ هَذَا العلمَ أوجبَ لك الاستقامةَ والثباتَ عَلَى الأَمْرِ.
قوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٢٥]، فيها قِراءتان (٢): ﴿مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ و"ما يخفون وما يعلنون"، أَمَّا عَلَى قراءة: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ [النمل: ٢٥]، عَلَى حَسَبِ تفسيرِ المُفَسِّر فالمناسبُ: ما يخفون وما يعلنون، وَأَمَّا إن كَانَ عَلَى قراءة الكِسائي: "أَلَا يا اسجدوا"، وهي قراءة سَبْعِيَّة (٣)، فتناسب: ﴿مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٢٥]؛ لِأَنَّ اسجدوا فعلُ أمرٍ، وفعل الأَمْر للمُخَاطَب، فيَقْتَضي أن الأفعال الَّتِي
стр. 157
بعده تكون للمخاطَب أيضًا، يَعْنِي: ألا يا قوم اسجدوا، وَهُوَ هنا لا يخاطب سُلَيْمَان؛ لِأَنَّ سُلَيْمَان يسجد لله، ولكِنه لقوَّةِ استحضارِهِ ما كانت عليه ملكة سبأ خاطبهم بِقَوْلِهِ: (أَلا يا اسجدوا).
* * *
والتعبير ظاهر جدًّا فِي الفرقِ بينهما؛ لِأَنَّ (عرش) نَكِرة و ﴿الْعَرْشِ﴾ معرفة، فدلَّ ذلك عَلَى أن هَذَا العَرْش عرشٌ عظيمٌ معلومٌ مفهومٌ فِي الأذهانِ، بخِلاف الأوَّل.
وَيقُول المُفَسِّر ﵀: إنه قاله فِي مقابلةِ عَرْش بلقيس، نعم هَذَا صحيحٌ، فواضحٌ أَنَّهُ قَالَه لأجلِ أنْ يُبَيِّن أن صاحبَ العَرْش العظيم هُوَ المستحِقّ لِأَنْ يَكُونَ مالكًا، وَأَمَّا هَذِهِ المَلِكَة فإنَّ لها عرشًا وَلَيْسَ لها العَرْش.
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدَة الْأُوْلَى: إثبات عرشِ اللهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩]، والعَرْش هُوَ أعلى المخلوقاتِ، وَهُوَ غير الكرسيّ، وَلَيْسَ هُوَ المُلك كما قاله مُنْكِرو العلوّ، الَّذِينَ يَقُولُونَ: المُراد بالعَرْش المُلك، فتقُولُونَ: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، أي: استولَى عَلَى الملك، وهَذَا لَا شَكَّ أَنَّهُ لَيْسَ بصحيحٍ، والعَرْش معروفٌ عند العربِ، وَفِي اللُّغة العَربِيَّة: بأنه سَرير المَلِك الخاص به.
الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثباتُ انفرادِ اللهِ تَعَالَى بالأُلوهيَّة، لِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [النمل: ٢٦].
فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: هَذَا النفيُ أو الحصرُ حقيقيّ أو إضافيّ؟
إِذَا قُلْنَا: حقيقيّ، فهَذَا يَلْزَمُ منه أن يَكُون الإله لَيْسَ بمعنى معبود، لزِم أن يَكُون الحصر إضافيًّا، إذ هناك معبود سِوَى الله وهي الأصنامُ، فيَصِير معنى: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أي: لا مَعْبُودَ بحقٍّ إِلَّا اللهُ، وحينَئذٍ يَكُونُ الحَصْرُ إضافيًّا، وإنْ جَعَلْنَاهُ حَقِيقِيًّا فإنَّنا يُمْكِنُ أن نَقُولَ: إن المُرادَ بالإلهِ فِي قولِهِ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [الصافات: ٣٥]، الإلهُ المستحِقُّ، يَعْنِي: لا إلهَ مُسْتَحِقّ إِلَّا الله، ولكِن هَذَا التَّقْدير يعودُ عَلَى الأوَّل.
стр. 160
واعلَمْ أن الله سمَّى الأصنام آلهةً؛ سَمَّاها آلهة فِي قوله تَعَالَى: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [هود: ١٠١]، فأثبتَ أَنَّهَا آلهة، وَفِي آيَاتٍ أُخْرَى نفى أن تكون آلهةً فقال تَعَالَى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [يوسف: ٤٠]، والجمعُ بينهما ظاهرٌ؛ أنَّ إثباتَ كونها آلهةً باعتبار هَؤُلَاءِ العابدينَ؛ لِأَنَّهُم يَعتقِدون أَنَّهَا آلهة، ونفي أن تكون آلهة وإنما هِيَ أسماء باعتبار حقيقة الأَمْرِ أَنَّهَا ليستْ بآلهةٍ تَسْتَحِقّ أن تُعْبَد؛ ولهَذَا نُفي أن تكون آلهةً؛ لِأَنَّهَا لَيْسَ لها الْحَقّ فِي أن تُعْبَد.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: ما الفرق بين الحصر الحقيقيّ والإضافيّ؟
قُلْنَا: مثال الحصر الحقيقيِّ والإضافيِّ إذا قُلْنَا: إن ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [الصافات: ٣٥]، أي لا معبود بحق إِلَّا الله صار حصرًا إضافيًّا، باعتبار أن يَكُون بحق، أمَّا بحق وباطل فيوجد آلهة سِوَى الله، وحينَئذٍ يَكُون الحصرُ إضافيًّا، يَعْنِي بالإضافةِ إِلَى الإلهِ الحقّ، فإذا قُلْنَا: حقيقيٌّ فَهُوَ باعتبارِ الواقعِ أَنَّهُ لا يوجد إله إِلَّا الله، وأنّ هَذِهِ الآلهة هِيَ مجرد أسماء، فيَكُون الحصر حقيقيًّا، أي: باعتبار الحقيقة والواقع، ومؤداهما واحد؛ ولهَذَا أثبت الله الآلهةَ مرة ونفاها مرة أخرى.
الفَائِدَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: إثبات الرُّبُوبِيَّة؛ لِقَوْلِهِ: ﴿رَبُّ﴾، ورب بمعنى: خالق أو بمعنى صاحب؟
بمعنى خالق، وَهُوَ أيضًا مختصٌّ به، إذ إن العَرْش لله وحدَه.
* * *
стр. 161
الآية (٢٧)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧)﴾ [النمل: ٢٧].
* * *
قوله: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ﴾ يقوله سُلَيْمَان، والسينُ -كما تقدَّم- تَدُلّ عَلَى التحقيقِ مَعَ التراخِي، ﴿سَنَنْظُرُ﴾ معناه أنَّ نَظَرَنا هَذَا محقّق لَكِنَّهُ سيَكُونُ له مُقَدِّمات، فهي تدلُّ عَلَى التأكيدِ.
قوله: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ﴾ ولم يَقْبَلْ كلامَه من أوَّل الأَمْرِ؛ لِأَنَّهُ خَشِيَ أن يَكُونَ أتى بذلكَ دفاعًا عن نفسِهِ، ونظيرُ هَذَا ما سَلَكَهُ عمرُ بنُ الخطَّاب ﵁ مَعَ أبي مُوسَى الأشعريِّ حينَ استأذنَ ثلاثًا وانصرفَ ثُمَّ حَدَّثَه أن النَّبِيّ ﷺ أمر بذلكَ، فطلبَ منهم أنْ يَشْهَدُوا له، فالتُّهَم أو عَدَم الثِّقَة بالقَوْل لها أَسْباب، مِن جُمْلَتِها أنْ يَكُونَ المُخْبِر عَلَى هَذَا الوصفِ، يَتَضَمَّن إخْبَارُه دفاعًا عن نفسِه، فهنا مهما كَانَ منَ الثقةِ تجدُ أنَّكَ تَتَرَدَّد فِي قَبُولِ هَذَا الخَبَرِ.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ﴾ فيما أَخْبَرْتَنَا به ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ هو أي: منْ هَذَا النوعِ، فَهُوَ أبلغُ مِن: أمْ كَذَبْتَ فيه].
قوله: ﴿أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ الأوَّل صَريحٌ أَنَّهُ فِعل، وهنا قَالَ ﵀: [﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ أي من هَذَا النوعِ، فَهُوَ أبلغُ مِن: أمْ كذبتَ)؛ لِأَنَّ قوله: ﴿مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ يَدُلّ عَلَى الوصفِ الدائمِ، فَهُوَ أبلغ من قوله: [أم كذبتَ]؛ لِأَنَّ
стр. 162
[أمْ كَذَبْتَ] فِعلٌ، والفِعْل قد يَكُونُ مرَّة لكِن ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ هَذَا وصفٌ يَدُلّ عَلَى استمرارِ الكذِبِ فيه، هَذَا ما قَرَّرَهُ المُفَسِّر ﵀.
وعندي: أن فِي تعبير سُلَيمان للهدهد لَبَاقَة؛ لِأَنَّ مُصارَحَتَه ومقابلته بِقَوْلِهِ: [أمْ كَذَبْتَ] أَشَدُّ وقعًا من قوله: ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، يعني أن قوله: ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ أهونُ مِمَّا لو قَالَ: أم كذبت، فهي فِي الحقيقة من جِهَةٍ أشدّ، وهَذَا بالنظر إِلَى أن قوله: ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ وصفٌ لازِمٌ، ومن جهة المخاطبةِ أهونُ من قولِه: أمْ كَذَبْتَ، فهَذَا وجهُ الاختلافِ بين قولِه: ﴿أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، وقول المُفَسِّر: [أم كذبتَ]، وكلُّ قولٍ له وجهٌ، لا تعارضَ بينهما.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل يَحِقُّ لسُلَيْمَان أنْ يَصِفَ الهدهدَ بمجرَّدِ هَذَا الفِعْل وصفًا مُطْلَقًا بالكذِبِ؟
فالجواب: المُرادُ بالكاذبينَ الَّذِينَ مِن دَأْبِهِمُ الكذِبُ، فكون هَذَا من الكاذبينَ إمَّا أَنَّه من دأبِهِ الكذِب أو فِي جُمْلتِهم، وقد يكذِب مرَّةً واحدةً، وسُلَيْمَان أيضًا ما وَصَفَهُ؛ لِأَنَّهُ قال: ﴿أَصَدَقْتَ﴾ مقابل قوله: ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فلا يُعلم هل يَكُونُ مُتَّصِفًا بِقَوْلِهِ: ﴿أَصَدَقْتَ﴾ أو بِقَوْلِهِ: ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، فما وَصَفَهُ، بل هُوَ مُتَرَدِّدٌ، يُنْظَر، لكِنْ لو ثَبَتَ الكذبُ فهل يَحِقُّ أنْ يُوصَف بأنه من الكاذبينَ؟
الجواب: لا يَحِقّ أنْ يُوصَف بأنه من الكاذبينَ المتَّصِفين بها دائمًا، ولكِن -كما تَقَدَّمَ- هَذَا من بابِ التلطُّف فِي الخِطاب، فكونه من الكاذبينَ هَذَا أشدُّ إذا كَانَ وَصْفه الكَذِب، وكونه لم يُخاطِبْه وقال: أمْ كذبتَ يَكُون أهونَ، مثل قول إبراهيم ﷺ للضيوف: ﴿سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥]، لم يقل: أُنْكِرُكُم، لا أَعْرِفكم، بل قَالَ: ﴿سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ وهَذَا من بابِ التلطُّفِ فِي التعبيرِ.
стр. 163
ثم قَالَ المُفَسِّر ﵀: [ثم دَلَّهُمْ عَلَى الماءِ فَاسْتُخْرِجَ وَارْتَوَوْا وَتَوَضَّئُوا وَصَلَّوْا، ثُمَّ كَتَبَ سُلَيمانُ كِتابًا صُورَتُه: مِن عَبْدِ اللهِ سُلَيمان بنِ داودَ إِلَى بِلْقِيس مَلِكَةِ سَبَأ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، السلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهدَى، أَمَّا بعدُ؛ فلا ﴿تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣١]. ثُمَّ طَبَعَه بالمِسْكِ وخَتَمَهُ بخاتمِه، ثُمَّ قَالَ للهُدْهُد: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا﴾].
كُلّ هَذَا مِنَ الحِكايات الَّتِي لا دليلَ عليها فِي الْقُرْآنِ، فكونه دَلَّهم عَلَى الماء فاستخرجوه وارْتَوَوْا وتوضئوا وصَلَّوْا أيضًا أين هَذَا فِي الْقُرْآن؟ ! لَكِنَّنَا نَقُول: هَذَا لا دليلَ عليه، ولا يجوزُ لنا أنْ نَعْتَقِدَهُ، ولا أن نُكَذِّبَه، هَذَا إذا صحَّ عن بني إسرائيلَ؛ لأنه تُوجَد آفةٌ أيضًا وهي أَنَّهُ يوجد بيننا وبينَ بني إسرائيلَ طَريق مِمَّن رَوَاهُ عن بني إسرائيل، فإذا صحَّ عن بني إسرائيلَ وأنهم ممَّا حَدَّثُوا به هَذِهِ الأُمَّة نَقُول فيه: إنَّهُ لا يُصَدَّق ولا يُكَذَّب، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَيْء يُعارِضُ كِتَابَنا، ولا فِي كتابنا ما يُؤَيِّده، وإلَّا لو كَانَ فِي كتابنا ما يؤيده قَبِلْنَاه، ولو كَانَ فِي كتابنا ما يُعارِضه رَدَدْنَاهُ.
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدَة الْأُوْلَى: أَنَّهُ يَنبغي التثبُّت فِي الخبر، لا سيما عند قيام الشُّبُهات، وما هِيَ الشبهةُ القائمةُ هنا؟ أنَّ الهدهدَ قَالَ ذلكَ مُدافعةً، وإن كَانَ بعيدًا؛ لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: ٢٢]، لكِن لمَّا كَانَ هَذَا مَقامَ دفاعٍ، فَإِنَّهُ يَنبغي أن يَتَثَّبتَ الْإِنْسَانُ أكثرَ؛ ولهَذَا قَالَ: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل: ٢٧]، مَعَ أَنَّهُ قال: ﴿بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: ٢٢].
وهَذَا نظيرُ ما وقع لأميرِ المُؤْمِنيِنَ عمرَ بنِ الخطَّابِ مَعَ أبي مُوسَى الأشعريِّ، حَيْثُ استأذن عليه ثلاثًا وانصرفَ، فلمَّا عاتبَهُ بَعْد ذلكَ قَالَ: هَكَذَا أَمَرَنَا رسولُ اللهِ
стр. 164
- ﷺ . فقال: هاتِ مَن يَشْهَدُ لكَ. فشَهِد له مُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ (١)، فمِثل هَذِهِ الحالِ وإنْ كَانَ الخبرُ مُتيقَّنًا لكِن لا مانعَ أنْ يَتَثَبَّتَ الْإِنْسَان فِي ذلكَ.
الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ يَنبغي للإِنْسَانِ أنْ يَكُونَ لَبِقًا فِي تعبيرِه، حَتَّى لغيرِ الآدَمِيّ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿أَصَدَقْتَ﴾ [النمل: ٢٧]، فصارحَهُ هنا بلفظِ الصدقِ؛ لِأَنَّ الصدقَ صفةٌ محبوبةٌ محمودةٌ، وِفي الكذِب ما قَالَ: (أنْ كذبتَ) بل قَالَ: ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل: ٢٧]، فتحاشَى أنْ يُصارِحَه بوصفِ الكذبِ، مَعَ ما فِي ذلكَ بالنِّسْبَةِ للقرآنِ الكريمِ، فِي مراعاةِ الفواصلِ فِي قولِهِ: ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل: ٢٧]، لِأَنَّ فِيهِ مراعاةً للفواصلِ.
وقول المُفَسِّر: إن هَذَا أبلغ من [أن كذبت] هَذَا له وجهٌ؛ لِأَنَّ قوله: ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل: ٢٧]، أي: من المتَّصفينَ بالكذِبِ دائماً، يَعْنِي: ممَّن وَصْفُه الكذِبُ، وَلَيْسَ مَن كَذَبَ مرةً واحدةً كمَن كَانَ الكذِبُ وَصفًا له، فيَكُون العدولُ هنا عن: [أنْ كذبتَ] له ناحيتانِ:
الناحية الْأُوْلَى: أَنَّهُ ألطفُ منَ التصريحِ بالمخاطَبَةِ بالكذِبِ.
الناحية الأُخْرَى: هِيَ أشدُّ؛ حَيْثُ إِنَّهَا تدلُّ عَلَى اتِّصافِ المخاطَبِ بالكذبِ، لا أَنَّهُ وقع منه مرَّةً واحدةً، فالمُفَسِّر راعَى وجهًا وتركَ وجهًا آخرَ، والصَّوابُ أَنَّهُ مراعى فيها الوجهانِ جميعاً.
الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: في قوله: ﴿سَنَنْظُر﴾ جواز تعظيم الْإِنْسَانِ إذا كَانَ أهلًا لذلك، عَلَى أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ سُلَيْمَانُ أرادَ أَنَّهُ يَنْظُرُ ذلك بمَن يستعين به من جنوده،
стр. 165
لا أَنَّهُ يريد أن يباشر هُوَ بنفسِهِ ذلك، فقوله: ﴿سَنَنْظُر﴾ هَذَا لَا شَكَّ أَنَّهُ للجماعةِ، فهل هِيَ جماعةٌ حقيقةً أومن باب التعظيمِ؟
نَقُول: هَذَا فِيهِ احتمال: فإن كَانَ سُلَيْمَان ﵊ أراد تعظيمَ نفسِهِ، فَهُوَ أهلٌ لذلك؛ لِأَنَّهُ ملك ورسول، وإلا فَإِنَّهُ: يريد سننظر بجنودنا وأعواننا أصدقتَ أمْ كنتَ من الكاذبينَ، وإنْ كَانَ لا يريد أن يباشره بنفسه، فالملك والوزير والأمير ومن أشبههم إذا قَالُوا: سنفعل كذا، فإما أن يَكُون ذلك بأنفسهم وَيكُون ذلك تعظيمًا لأنفسهم، أو بواسطة الجنودِ والأعوانِ وَيكُون هَذَا مراعاةً للجميعِ.
* * *
стр. 166
الآية (٢٨)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل: ٢٨].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [ثمَّ قَالَ لِلْهُدْهُدِ: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾].
إِذَا قَالَ قَائِلٌ: قوله: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا﴾ يَقتضي أَنَّهُ صَدَّقَه، لِأَنَّ قوله: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾ يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ صَدَّقَهُ فِي ذلك، ولهَذَا كتب لهم، أو يقال: هَذَا من جملةِ الاختبارِ، يعني أَنَّهُ إذا كَانَ كاذبًا فسيقول: ما وجدتُ أحدًا، مثلًا، فيَكُون هَذَا من جملةِ وسيلةِ الاختبارِ العائدةِ عَلَى قوله: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ﴾؟ وقد يقال: إن فِي قوله: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ﴾ تقديرًا: فنظرَ وتحَقَّقَ صِدْقَه فأعطاه الكتابَ، واللهُ أَعْلَمُ بما جَرَى؛ فإمَّا أنْ يَكُونَ هَذَا الكتابُ من جملة اختبارِهِ، مثلما لو أخبركَ إِنْسَانٌ بخبرٍ تقولُ له مثلًا: اذهَبْ وائتِ لي مِنه ذِكرًا، أيضًا لو قَالَ مثلًا: تباع السلعةُ الفلانيَّة الْآنَ فِي السوقِ قلتَ له: خذِ اذهَبْ وائتِ لي مِنْهَا شيئًا، من أجلِ أنْ أختبرَ هل هُوَ صحيحٌ أو لا، وإن كَانَ ظاهرُ فِعلي لمَّا أَعْطَيْتُه الفلوسَ لِيَشْتَرِيَ أنَّني صَدَّقْتُه، لكِنْ قد يَكُونُ هَذَا من وسائلِ الاختبارِ.
فالحاصل: إذا كَانَ سُلَيْمَان ﵊ حَقَّقَ هَذَا الأَمْرَ ثُمَّ أرسلَ بالكتابِ
стр. 167
فالأَمْرُ ظاهرٌ، ولكِن لَيْسَ فِي الْقُرْآن ما يَدُلّ عَلَى ذلكَ، فنَقُول: إن إعطاءَهُ الكتابَ من جملةِ الوسائلِ الَّتِي تُبَيِّن صِدْقَهُ.
وقوله: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا﴾ أشارَ إليه بالتعيينِ؛ لِأَنَّ سُلَيْمَان يكتب لهم ولغيرهم، ولكِنه عَيَّنَ الكتابَ الَّذِي كَتبَهُ لهم.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾ أي بِلْقِيس وقَوْمِها ﴿ثُمَّ تَوَلَّ﴾ انْصَرَفَ ﴿عَنْهُمْ﴾ وَقَفَ قريبًا ﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ يَرُدُّون مِنَ الجوابِ، فأَخَذَهُ وأتاها وحولها جُنْدُها وألقاهُ فِي حَجْرِها، فلَمّا رَأَتْهُ ارْتَعَدَتْ وخَضَعَتْ خَوْفًا، ثُمَّ وَقَفَتْ عَلَى ما فِيهِ، ثُمَّ ﴿قَالَتْ﴾ لأشرافِ قَوْمِها: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ﴾].
ذهب به الهدهدُ فألقاهُ إليهم، أي: طَرَحَه بين أيديهم، وتولَّى عنهم كما أرشدَهُ سُلَيْمَان، ولكِنَّ هَذَا التولِّيَ لَيْسَ بعيدًا، بدليل قوله: ﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾؛ فإن قوله: ﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ يَدُلّ عَلَى أنَّ هَذَا التولِّيَ يَكُون قريبًا منهم، وفيه من الفوائد ما يأتي إنْ شاء اللهُ. ثُمَّ أخذتِ الكتابَ وقَرَأَتْهُ.
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدة الْأُوْلَى: أن الحيوانات تَعْقِلُ ما يُوَجَّهُ إليها منَ الأَمْرِ والنهيِ والاختبارِ والفحصِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿اذْهَبْ﴾ [النمل: ٢٨]، وقوله: ﴿فَأَلْقِهْ﴾ [النمل: ٢٨]، وقو له: ﴿تَوَلَّ﴾ [النمل: ٢٨]، وقوله: ﴿فَانْظُرْ﴾، كُلّ هَذِهِ أوامر للهدهد؛ ممَّا يَدُلّ عَلَى أن هَذِهِ الحيوانات تَعقِل، ولكِن لَيْسَ معنى قولنا: إنَّهَا تعقل أن تكون عاقلةً لكل أحدٍ، صحيح أَنَّهَا تعقل عقلًا محدودًا بالنِّسْبَة لعامَّة النَّاس، ولهَذَا تُزجَر البهيمة فتنزجر وتدعوها فتُقْبِل، ولكِن لَيْسَ هَذَا كمثلِ تسخيرها لسُلَيْمَان ﵊؛ فإن تسخيرها لسُلَيْمَان أَنَّهَا تَنزِل منه مَنْزِلَةَ الْإِنْسَانِ العاقلِ الفاهِمِ، من كُلّ وجهٍ.
стр. 168
الفَائِدةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ يَنبغي تحَسُّس الأخبارِ عندَ الحاجةِ لذلكَ، وهَذَا ما يُسَمَّى بالمتابعةِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل: ٢٨]، فَإِنَّهُ إذا تولى وجعل يَنْظُرُ لَا بُدَّ أن تُبَيِّنَ له الأخبارُ؛ فلو أَنَّهُ ما تولى عنهم فألقاه وبقِيَ فقد لا يتكلمون بالأَشْيَاء الَّتِي يتكلمون بها إذا كَانَ حاضرًا لديهم، لكِن إذا تولَّى عنهم فحينئذٍ وجدوا لأنفسهم مجالًا للكلام حَسَب ما يريدون، وهَذَا من السياق.
فعندما تعمل عملًا فلا بد أن تَتَحَسَّس الأخبارَ، فلا تباشر هَذَا العَمَل مباشرةً لِأَنَّهُ لا يأتي عَلَى المطلوب، ولا تُعْرِض عنه إعراضًا كامِلاً لأنَّ معنى ذلك أنك ما تابعتَ ولا اهتممتَ بالأَمْرِ، فينبغي على الْإِنْسَان أنه كلَّما عَمِلَ عملًا أن يَكُون متابعاً له وأن يتحسَّس.
مثلًا افرض أنك أمرت أهلك بأمر، وأنت راعٍ عليهم، فلاحظه ولا تتركه، ولكِن لا تلاحظه وأنت حاضر مَعَ المباشرة؛ لِأَنَّهُم فِي هَذِهِ الحال سوف ينفذونه، لكِن تلاحظه وأنت بعيد حَتَّى يتبين لك هل نفذوا أم لم ينفذوا، فهَذِهِ من السَّياسَة الَّتِي ينبغي سُلُوكُها؛ لأجل أن يعرف الْإِنْسَان مدى تَقَبُّل الموجَّه إليه الأَمْر من عَدَمِه، ولهَذَا قَالَ: ﴿فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل: ٢٨]، وهَذَا هُوَ الَّذِي حَصَلَ.
* * *
стр. 169
الآية (٢٩)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [ثمَّ ﴿قَالَتْ﴾ لِأَشْرَافِ قَوْمِها: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ﴾] ,و ﴿الْمَلَأُ﴾ كما بَيَّن المُفَسِّر همُ الأشراف، وهنا نادتهم: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ إشارة إِلَى عُلُوّ مَرْتَبَتِهِمْ فِي دَوْلَتِهِم؛ لِأَنَّ ﴿يَاأَيُّهَا﴾ ما تكون إِلَّا للبعيدِ، ما قالتْ: يا مَلأُ، بل قالت: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ﴾.
ثم قَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَؤُا إِنِّي﴾ بتحقيقِ الهمزتينِ]، (الملأُ إِني) [وتسهيل الثَّانِيَةِ بِقَلْبِها واوًا مكسورةً]، (يَا أَيُّها المَلَأُ وِنِّي)؛ لِأَنَّهُ إذا جاءتِ الهمزةُ بعدَ الضمِّ جازَ أنْ تُقْلَبَ واوًا فِي اللُّغةِ العَربِيَّةِ، ومنه قولُ كَثيرٍ مِنَ المؤذِّنينَ: اللهُ وَكبر؛ لِأَنَّهُ يجوز: اللهُ أكبرُ ويجوزُ: اللهُ وَكْبر، فالهمزة إذا وقعتْ بَعْد ضمٍّ يجوزُ أن تُسَهَّل إِلَى واوٍ عَلَى حسَب الحال إن كَانَ يَقْتَضِي الكسرَ كُسِرَتْ أو يَقتضي الضمَّ ضُمَّت أو الفتح.
قال ﵀: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ مَخْتُوم]، يعني فَسَّرَ الكريمَ بالمختومِ؛ لأنَّ خَتْمَه دليلٌ عَلَى أَهَمِّيَّتِه، فالكتبُ والرسائلُ المختومةُ يُعْتَنَى بها، وحتى الْآنَ إذا كَانَ الشَّيْء مهمًّا تَجِده يُخْتَم بالشَّمْع ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ لِئَلَّا يُزَوَّر، ولكِنَّ تفسيرَ الكريمِ بالمختومِ لَيْسَ بصحيحٍ؛ لِأَنَّ الختمَ دليلٌ عَلَى كَرَمِه، وَلَيْسَ هُوَ معنى كَرَمه، فالكريمُ معناه: المتضمِّن للمعاني العظيمةِ المُؤثِّرة.
وفي قولها: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ﴾ ما قالتْ: أَلقَى الهدهدُ؛ لِأَنَّ الظَّاهرَ أَنَّهُ مَرَّ ثُمَّ حَذَفَه
стр. 170
عليها، وَلَيْسَ معناهُ أَنَّهُ جاءَ ووقفَ بين يَدَيْها وأعطاها الكتابَ. ولربما يَكُون أبلغ فِي الهَيبة أَنَّهُ يعطيها الكتابَ وَهُوَ مارٌّ، بخلافِ ما لو وَقَعَ بين يَدَيها، فَإِنَّهُ لا يَكُون هَيْبة، عَلَى أَنَّهُ لو وَقَعَ بين يديها فمُقتضى كونه هدهداً أن تُمْسِكَه، ولكِنه ألقاه إلقاءً.
من فوائد الآية الكريمة:
أنَّ كرمَ كُلّ شيءٍ بِحَسَبِه، فالكرمُ بالمالِ معناه: بَذْلُه بِسَخَاءٍ، والكرمُ أيضًا بالمالِ يُطْلَق عَلَى الجيِّد منه، كما قَالَ النَّبِيّ ﷺ : "وَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالهِمْ" (١)، وكذلك أيضًا يُوصف بالكرمِ ما يَتَضَمَّن الشَّيْء المهم؛ لمَا فِي هَذَا الوصف فِي كتابِ سُلَيْمَان ﷺ .
* * *
стр. 171
الآيتان (٣٠، ٣١)
* قَالَ اللهُ : ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣٠ - ٣١].
* * *
قوله: ﴿إِنَّهُ﴾ أي: الكتاب ﴿مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ ولم تَنْسُبه إِلَى أبيه؛ لِأَنَّهُ كَانَ معروفًا ومعلوماً عندهم أَنَّهُ ﷺ رسول أعطاه الله تَعَالَى منَ المُلك ما لم يُعْطِهِ غيرَه، قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: مَضْمُونه ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾، لَيْسَ فيه: (السلام عَلَى مَنِ اتبعَ الهدى)، ولا: (أَمَّا بعدُ) كما قَالَ المُفَسِّر ﵀، ويمكن أن يَكُون من أخبار بني إسرائيلَ أو عَلَى العادةِ فِي الكتبِ، إِنَّمَا سُلَيْمَان أتى بأدنَى ما يمكن فهمُه والمقصود منه ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾.
قوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ هل سُلَيْمَان ﷺ قَالَ: مِن سُلَيْمَان إِلَى بِلْقِيسَ؟
لا، ما قَالَ ذلكَ، هَذَا خبرٌ مِنْهَا، هِيَ ليست تقرأ الكتاب حَتَّى تقول: من سُلَيْمَان بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ولهَذَا قالت: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾، ولكِن لعلها فَهِمَته إمَّا بالتوقيعِ أو بكتابةٍ عَلَى الظرفِ إنْ كَانَ هناك ظرف، وإلا صُلْب الكتاب ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ
стр. 172
وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ وهَذَا هُوَ الظَّاهرُ؛ لِأَنَّهُ لا يمكن أن يبدأ سُلَيْمَان ﵊ بِقَوْلِهِ: من سُلَيْمَان بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، بل سَيَبْدَأُ بالبسملةِ قبلُ، فلمَّا لم يَذْكُرِ اللهُ إِلَّا البسملةَ دلَّ هَذَا عَلَى أَنَّهُ لم يأتِ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾، ولكِنه لَا بُدَّ أن يَكُون فِي الكتابِ ما يُشيرُ إِلَى ذلك، وإلَّا لمَا فَهِمَتْهُ.
وقوله: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ المقصودُ الخُضُوعُ لي، يَعْنِي: معناه: ذِلُّوا لي؛ لِأَنَّهُم ما كانوا يَعْلُون عليه حَتَّى يَقُول: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾.
وهل أرادَ أن يأتوا إليه أَذِلَّةً مسلمينَ لله أو مسلمين له، أي: مستسلمينَ؟
فيه احتمالٌ أَنَّهُ أراد أن يأتوا مسلمينَ لله أو مستسلمينَ له.
ولكِن هل يَلْزَمُ من إتيانهم مستسلمينَ له أن يَكُونوا مسلمينَ للهِ؟
لا يَلْزَم، لكِن يلزم مِن كَوْنِهِم مسلمينَ للهِ أنْ يَسْتَسْلِمُوا له وأن يَأْتُوا مُطِيعينَ غيرَ مخالفينَ.
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدَة الْأُوْلَى: أنَّ الأَولى أن يبدأ الكَاتِبُ باسمِهِ فيقول: من فلانٍ قبل أن يبدأ باسمِ المرسَلِ إليه أو المكتوب إليه.
وهل هَذَا من بابِ التعبُّد أو من باب العادةِ؟
الظَّاهرُ أَنَّهُ من بابِ العادةِ، ولكِن مَعَ ذلك العادة الَّتِي كَانَ عليها السلفُ أَولى منَ العادةِ الَّتِي اعتادها النَّاسُ اليومَ، فاعتادَ النَّاسُ اليومَ أَنَّهُم يَبْدَؤُونَ بالمكتوبِ إليه: إِلَى فلان بن فلان، ولكِن العادة الأُولى أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْإِنْسَان إذا قرأ الكتاب يَقْرَؤُه مِن أَوَّله، فإذا قرأ: من فلانٍ؛ عرف الْآنَ ما هَذَا الكتاب وما قيمة الكتاب قبل أن
стр. 173
يَقْرَأَهُ كُلَّه. ثُمَّ إن الترتيبَ الطبيعيَّ يَقتضي هَذَا؛ لِأَنَّ الكتابَ واردٌ (من) (إلى) فيَقْتَضِي أن يبدأَ بالواردِ منه قبلَ الواردِ إليه.
فإذَنْ نَقُول: الأَولى أن يبدأَ الْإِنْسَانُ باسمِهِ إذا أرسلَ كتاباً إِلَى أحدٍ؛ لِأَنَّ هَذِهِ السنَّة المُتَّبَعَة.
وهل يُؤخَذ من هَذَا الكتابِ أَنَّهُ لا يُحتاج إِلَى ذِكْر المكتوبِ إليه؛ لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ ولم يقلْ: إِلَى مَلِكَةِ سبَأٍ؟
نَقُول: إِنَّهُ إذا دلَّ الدَّلِيل عَلَى المكتوبِ إليه فلا حاجةَ إِلَى ذِكْرِه، كما في قِصَّة سُلَيْمَان، فهنا احتمالُ أنْ يصلَ الكتابُ إِلَى غيرِ المكتوبِ إليه بعيدٌ، والمقصود ببَيَان المكتوبِ إليه أن يَتَعَيَّنَ ويصل إليه، وهنا إذا جاء الكتاب عَلَى هَذَا الوجهِ فَإِنَّهُ يحصُل به أكبر تعيينٍ، فنَقُول: إنَّهُ لا حاجة إِلَى ذِكره إذا كَانَ الأَمْر يحصُل بدونه، ولكِن مَعَ هَذَا ذِكره أَولى، لا سيما إذا كَانَ يَتَرَتَّب عليه شيءٌ فِي المستقبَلِ، فَإِنَّهُ إذا فَرَضْنَا أنَّ صَاحِبَه الَّذِي أُرْسِلَ إليه عُلِمَ وأَخَذَه، لكِن فِي المستقبَلِ لا نَدري مَنِ الَّذِي وُجِّه له هَذَا الخطاب، فذِكْرُه بلَا شَكّ أَولى.
الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: استحباب البَداءةِ ببِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أولِ الرسائلِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: استعمالُ الإيجازِ إذا لم يكنْ فِيهِ تقصيرٌ؛ لِأَنَّ هَذَا الكتاب الَّذِي كَتبَه سُلَيْمَان فِي غايةِ ما يَكُون من الإيجازِ، جملتانِ فقط: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣١]، ولكِن بشرطِ ألَّا يَكُونَ الإيجازُ مُخِلًّا بالمقصودِ، فإنْ كَانَ مخلًّا بالمقصودِ صارَ تقصيرًا.
стр. 174
الفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن سُلَيْمَان ﵊ دَعَاهُمْ إِلَى اللهِ ، ولا يريد التملُّك والسيطرةَ، وإنما يريدُ بذلك الدخولَ فِي الإِسْلامِ؛ لِأَنَّ الهدهدَ لمَّا أخبرهُ أَنَّهَا وقومها يسجدون للشمسِ من دون اللهِ فهَذَا كفرٌ، فلا بد أن يخرجوا منه إِلَى الإِسْلامِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾.
الفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: وفيه أيضًا دليلٌ عَلَى قوة سُلَيْمَان ﵊؛ لِأَنَّهُ لم يقلْ: وأَسْلِمُوا، بل قَالَ: (ائتوني مسلمين) فطلبَ منهم أنْ يأتوا إليه وهم عَلَى الإِسْلامِ.
وهل المُرادُ أنْ يأتوا جميعًا؟
لا، المُرادُ أعيانهم وأشرافهم؛ لِأَنَّ الأعيانَ والأشرافَ يقومون مَقامَ الْعَامَّةِ.
* * *
أَمْرِي﴾] , واحد الأُمُور وَلَيْسَ واحد الأوامر؛ لِأَنَّ المُراد بالأَمْر هنا الشأنُ.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا﴾ قَاضِيَتَهُ ﴿حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ تَحْضُرُون].
وهَذَا من كمالِ ذَكائها أَنَّهَا أشارتِ المَلَأَ حَتَّى إذا نتجَ عن تَصَرُّفِها شيءٌ لا يُرضى يَكُونُ اللومُ عَلَى هَؤُلَاءِ الملأِ الَّذِينَ أشاروا، ولا يجعلون اللومَ عليها؛ ولهَذَا قالت: إنَّهَا ما تَقْطَع أمرًا حَتَّى يشهدوها، وقولها: ﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا﴾ أي: قاضية له، ﴿أَمْرًا﴾ هَذِهِ نَكِرَة فِي سياقِ النفيِ، فتكون للعمومِ، لكِن المُراد بذلك الأَمْر المتعلّق بالدولةِ بلَا شَكّ، وَأَمَّا الأَمْرُ الخاصّ فإن لكلِّ إِنْسَانٍ التصرُّف فيه، وكذلك قول الله تَعَالَى للنبي ﷺ : ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر﴾ [آل عمران: ١٥٩]، هَذَا الأَمْر من الأُمُورِ الْعَامَّة الَّتِي هِيَ للجميعِ، وَلَيْسَ الرَّسُول ﵊ ولا غيره مأمورًا أن يشاورَ النَّاس فِي كُلّ أمورِهِ، حَتَّى لو أراد أن يتغدى أو يتعشى ذهب يَقُول للناس: ماذا تقولون؟ لا، ولكِن المقصود الأُمُور الْعَامَّة الَّتِي يَشْتَرِك فيها النَّاس، فيؤمَر فيها بالتشاور.
وقولها: ﴿قَاطِعَةً أَمْرًا﴾ هَذَا أبلغ ممَّا فسَّر به المفسِّر بالقضاء؛ لِأَنَّ القطعَ يَدُلّ عَلَى الإِمرةِ والعزيمةِ والفِعْل، بخلافِ القضاءِ حيث يقضي الحُكْم فقطْ بدونِ أنْ يفعلَ.
وقولها: ﴿حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ فيها إشكالٌ لُغَوِيّ، وهي ثبوتُ النونِ مَعَ أن ﴿حَتَّى﴾ ناصبة، فما هُوَ الجوابُ؟
النون هَذِهِ للوقايةِ؛ ولذلك تجدها مكسورةً ﴿حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾، لو كانت نون الرفعِ لقالَ: (تَشْهَدُونَ)، وما أظنُّ أَنَّهَا تُشْكِل عَلَى طالبِ العلمِ؛ لِأَنَّهَا مكسورةٌ، ومثل هَذَا قوله تَعَالَى فِي سورة الذاريات: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الذاريات: ٥٩]: فقوله: ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ إذا وقفتَ عليها تُسَكّن النونَ
стр. 177
فيظن السامع أن النون هنا ثَبَتَت مَعَ وجودِ النهيِ، وهي مَعَ النهيِ تُحْذَف، ولكِن النون هنا للوقايةِ؛ ولذلك إذا وصلتَ فقلْ: ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٦٠].
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدَة الْأُوْلَى: استحبابُ المشاور فِي الأُمُورِ الْعَامَّة؛ لِقَوْلِها: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾ فهي مَعَ أَنَّهَا مَلِكَة ولها تمامُ السُّلطة مَعَ ذلك لم تَسْتَغْنِ عن المشاورةِ.
الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: حَزْم هَذِهِ المَرْأَةِ وأنها تريد أن تكونَ سياستها مبنيَّة عَلَى أن المسؤولية عَلَى الجميعِ؛ لقولها: ﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ وحينئذٍ لو حصلَ خلافُ المقصودِ لم يكنْ عليها لومٌ، ما دامتْ تُشْهِدُ هَؤُلَاءِ وتُبَيِّنُ لهم.
* * *
стр. 178
الآية (٣٣)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ [النمل: ٣٣].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ أي: أصحاب شِدَّة فِي الحرب].
﴿أُولُو﴾ بمعنى: أصحاب، وهي -كما تَقَدَّم- فِي النحوِ مُلْحَقَة بجمعِ المذكَّر السالمِ، وهي مرفوعةٌ بالواوِ نيابةً عن الضمَّة، أي: أصحاب قوَّة وبأس، والبأس بمعنى: الشدَّة والصبر، و ﴿بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ أي: أصحاب شِدَّة فِي الحربِ، فكأنهم يُعَرِّضُون بالمشور عليها بالقتالِ بأن تقاتلَ سُلَيْمَان وَيقُولُونَ: نحن مستعِدُّون للقتالِ لأنَّنا أصحاب قوة وأصحاب بأس شديدٍ، الْقُوَّة هنا هل المُرادُ بها الْقُوَّة الجسميَّة أو الْقُوَّة المادِّيَّة؟ كلاهما، فعندنا من قوةِ الجسمِ وعندنا من قوةِ العُدَّة ما نستطيع أن نقاتلَ به سُلَيْمَان.
قوله: ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ﴾ هَذَا منَ التأدُّب معها، مَعَ أَنَّهَا هِيَ الَّتِي طلبت منهم المشورة، ومع ذلك ردُّوا الأَمْر إليها: ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ﴾، وهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهَا كانت أهلًا لِأَنَّ يُسْنَدَ إليها الأَمْر، ويدلّ أيضًا عَلَى أَنَّهُم كانوا يعظِّمونها تعظيمًا بالغًا.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: ﴿فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ نا نُطِعْكِ].
стр. 179
هل المُراد بالنظر هنا الانتظار أو المُرادُ التفكيرُ فِي الأَمْر؟
المُراد التفكير فِي الأَمْرِ، يَعْنِي: فَكِّري فِي أَمْرِكِ: ﴿مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ فتكون (ما) هنا اسْتِفْهاميَّة مُعَلِّقَةً عن عملِ الفِعْل؛ لِأَنَّهُ إذا كانت الجملةُ اسْتِفْهاميَّة فإن الفِعْل وإن كَانَ ينصب مَفْعُولًا أو مَفْعُولينِ يَكُون مُعَلَّقًا عن العَمَلِ، وتكون الجملة فِي محلّ نصبٍ.
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدَة الْأُوْلَى: مكانة المَرْأَةِ من قومها؛ لِأَنَّهَا بَعْد أن استشارتهم وأَبْدَوْا رأيَهم تَأَدَّبُوا معها وقَالُوا: ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾.
الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ إذا قَدَّمَ المستشارُ مَشُورَتَه لإِنْسَانٍ أكبرَ منه قَدْرًا أو فهمًا أو عِلمًا أنَّ له أن يَقُول مثل هَذَا تأدُّباً، وصاحبه بالخيارِ؛ إن شاء أخذَ بمشورتهِ وإنْ شاء لم يأخُذْ.
* * *
стр. 180
الآية (٣٤)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤].
* * *
أجابت: ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾، قَالَ المُفَسِّر ﵀: [بالتخريب ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾]، يَعْنِي: بالأسر، ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أي: مرسلو الكتاب]، كأنها لا تريدُ القتالَ، تقول: لو قَاتَلْنَاهُمْ فإنَّ الغَلَبَة عليهم بعيدة، وستكون الغلبةُ لهم، وحينئذٍ يدخلونَ قُرانَا، والملوك إذا دخلوا قريةً أَفسدوها؛ لِأَنَّ عندهم من العُلُوّ والغَلَبَة والاستكبار ما يُوجِب أن يَفْتِكُوا بأهلِ البلدِ الَّتِي يَدْخُلُونَها، وَلَيْسَ المُراد هنا بالإفساد الإفساد المعنويّ، يَعْنِي: بإفساد الأخلاقِ مثلًا، المُرادُ ما أشارَ إليه المُفَسِّر ﵀ الإفسادُ بالتخريبِ، وجاء دورُ الجُمْهُورِيِّينَ فإذا هُوَ أشدُّ وأعظمُ؛ لِأَنَّهُم أقلُّ حياءً مِنَ الملوكِ، ليسَ لهم أصل، فتجد الْإِنْسَانَ يُنْتَخَب وَهُوَ من الشارعِ، لَيْسَ من الملأ ولا من أشرافِ النَّاسِ، فغالبهم لَيْسَ عندهم دِين ولا مُرُوءَة، فيفسدون أكثرَ مِمَّا يُفْسِد هَؤُلَاءِ، كما هُوَ مشاهَد فِي تخريبِ الرُّوس وغيرهم فِي البلادِ الَّتِي يَدْخُلُونها.
قوله: ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا﴾ بالأسرِ، يَأْسِرُونهم وَيسْتَرِقُّونَهم أو يَسْتَخْدِمُونَهم بدونِ أسرٍ ولا استرقاقٍ، وهَذَا من أبلغِ ما يَكُونُ مِنَ الذِّلَّة.