← Тафсир

Тафсир · id 1537

تفسير العثيمين: النمل

ابن عثيمين

Полный текст (538 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

أَمْرِي﴾] , واحد الأُمُور وَلَيْسَ واحد الأوامر؛ لِأَنَّ المُراد بالأَمْر هنا الشأنُ. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا﴾ قَاضِيَتَهُ ﴿حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ تَحْضُرُون]. وهَذَا من كمالِ ذَكائها أَنَّهَا أشارتِ المَلَأَ حَتَّى إذا نتجَ عن تَصَرُّفِها شيءٌ لا يُرضى يَكُونُ اللومُ عَلَى هَؤُلَاءِ الملأِ الَّذِينَ أشاروا، ولا يجعلون اللومَ عليها؛ ولهَذَا قالت: إنَّهَا ما تَقْطَع أمرًا حَتَّى يشهدوها، وقولها: ﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا﴾ أي: قاضية له، ﴿أَمْرًا﴾ هَذِهِ نَكِرَة فِي سياقِ النفيِ، فتكون للعمومِ، لكِن المُراد بذلك الأَمْر المتعلّق بالدولةِ بلَا شَكّ، وَأَمَّا الأَمْرُ الخاصّ فإن لكلِّ إِنْسَانٍ التصرُّف فيه، وكذلك قول الله تَعَالَى للنبي ﷺ : ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر﴾ [آل عمران: ١٥٩]، هَذَا الأَمْر من الأُمُورِ الْعَامَّة الَّتِي هِيَ للجميعِ، وَلَيْسَ الرَّسُول ﵊ ولا غيره مأمورًا أن يشاورَ النَّاس فِي كُلّ أمورِهِ، حَتَّى لو أراد أن يتغدى أو يتعشى ذهب يَقُول للناس: ماذا تقولون؟ لا، ولكِن المقصود الأُمُور الْعَامَّة الَّتِي يَشْتَرِك فيها النَّاس، فيؤمَر فيها بالتشاور. وقولها: ﴿قَاطِعَةً أَمْرًا﴾ هَذَا أبلغ ممَّا فسَّر به المفسِّر بالقضاء؛ لِأَنَّ القطعَ يَدُلّ عَلَى الإِمرةِ والعزيمةِ والفِعْل، بخلافِ القضاءِ حيث يقضي الحُكْم فقطْ بدونِ أنْ يفعلَ. وقولها: ﴿حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ فيها إشكالٌ لُغَوِيّ، وهي ثبوتُ النونِ مَعَ أن ﴿حَتَّى﴾ ناصبة، فما هُوَ الجوابُ؟ النون هَذِهِ للوقايةِ؛ ولذلك تجدها مكسورةً ﴿حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾، لو كانت نون الرفعِ لقالَ: (تَشْهَدُونَ)، وما أظنُّ أَنَّهَا تُشْكِل عَلَى طالبِ العلمِ؛ لِأَنَّهَا مكسورةٌ، ومثل هَذَا قوله تَعَالَى فِي سورة الذاريات: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الذاريات: ٥٩]: فقوله: ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ إذا وقفتَ عليها تُسَكّن النونَ

стр. 177

فيظن السامع أن النون هنا ثَبَتَت مَعَ وجودِ النهيِ، وهي مَعَ النهيِ تُحْذَف، ولكِن النون هنا للوقايةِ؛ ولذلك إذا وصلتَ فقلْ: ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٦٠]. من فوائد الآية الكريمة: الفَائِدَة الْأُوْلَى: استحبابُ المشاور فِي الأُمُورِ الْعَامَّة؛ لِقَوْلِها: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾ فهي مَعَ أَنَّهَا مَلِكَة ولها تمامُ السُّلطة مَعَ ذلك لم تَسْتَغْنِ عن المشاورةِ. الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: حَزْم هَذِهِ المَرْأَةِ وأنها تريد أن تكونَ سياستها مبنيَّة عَلَى أن المسؤولية عَلَى الجميعِ؛ لقولها: ﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ وحينئذٍ لو حصلَ خلافُ المقصودِ لم يكنْ عليها لومٌ، ما دامتْ تُشْهِدُ هَؤُلَاءِ وتُبَيِّنُ لهم. * * *

стр. 178

الآية (٣٣) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ [النمل: ٣٣]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ أي: أصحاب شِدَّة فِي الحرب]. ﴿أُولُو﴾ بمعنى: أصحاب، وهي -كما تَقَدَّم- فِي النحوِ مُلْحَقَة بجمعِ المذكَّر السالمِ، وهي مرفوعةٌ بالواوِ نيابةً عن الضمَّة، أي: أصحاب قوَّة وبأس، والبأس بمعنى: الشدَّة والصبر، و ﴿بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ أي: أصحاب شِدَّة فِي الحربِ، فكأنهم يُعَرِّضُون بالمشور عليها بالقتالِ بأن تقاتلَ سُلَيْمَان وَيقُولُونَ: نحن مستعِدُّون للقتالِ لأنَّنا أصحاب قوة وأصحاب بأس شديدٍ، الْقُوَّة هنا هل المُرادُ بها الْقُوَّة الجسميَّة أو الْقُوَّة المادِّيَّة؟ كلاهما، فعندنا من قوةِ الجسمِ وعندنا من قوةِ العُدَّة ما نستطيع أن نقاتلَ به سُلَيْمَان. قوله: ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ﴾ هَذَا منَ التأدُّب معها، مَعَ أَنَّهَا هِيَ الَّتِي طلبت منهم المشورة، ومع ذلك ردُّوا الأَمْر إليها: ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ﴾، وهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهَا كانت أهلًا لِأَنَّ يُسْنَدَ إليها الأَمْر، ويدلّ أيضًا عَلَى أَنَّهُم كانوا يعظِّمونها تعظيمًا بالغًا. قَالَ المُفَسِّر ﵀: ﴿فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ نا نُطِعْكِ].

стр. 179

هل المُراد بالنظر هنا الانتظار أو المُرادُ التفكيرُ فِي الأَمْر؟ المُراد التفكير فِي الأَمْرِ، يَعْنِي: فَكِّري فِي أَمْرِكِ: ﴿مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ فتكون (ما) هنا اسْتِفْهاميَّة مُعَلِّقَةً عن عملِ الفِعْل؛ لِأَنَّهُ إذا كانت الجملةُ اسْتِفْهاميَّة فإن الفِعْل وإن كَانَ ينصب مَفْعُولًا أو مَفْعُولينِ يَكُون مُعَلَّقًا عن العَمَلِ، وتكون الجملة فِي محلّ نصبٍ. من فوائد الآية الكريمة: الفَائِدَة الْأُوْلَى: مكانة المَرْأَةِ من قومها؛ لِأَنَّهَا بَعْد أن استشارتهم وأَبْدَوْا رأيَهم تَأَدَّبُوا معها وقَالُوا: ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾. الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ إذا قَدَّمَ المستشارُ مَشُورَتَه لإِنْسَانٍ أكبرَ منه قَدْرًا أو فهمًا أو عِلمًا أنَّ له أن يَقُول مثل هَذَا تأدُّباً، وصاحبه بالخيارِ؛ إن شاء أخذَ بمشورتهِ وإنْ شاء لم يأخُذْ. * * *

стр. 180

الآية (٣٤) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤]. * * * أجابت: ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾، قَالَ المُفَسِّر ﵀: [بالتخريب ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾]، يَعْنِي: بالأسر، ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أي: مرسلو الكتاب]، كأنها لا تريدُ القتالَ، تقول: لو قَاتَلْنَاهُمْ فإنَّ الغَلَبَة عليهم بعيدة، وستكون الغلبةُ لهم، وحينئذٍ يدخلونَ قُرانَا، والملوك إذا دخلوا قريةً أَفسدوها؛ لِأَنَّ عندهم من العُلُوّ والغَلَبَة والاستكبار ما يُوجِب أن يَفْتِكُوا بأهلِ البلدِ الَّتِي يَدْخُلُونَها، وَلَيْسَ المُراد هنا بالإفساد الإفساد المعنويّ، يَعْنِي: بإفساد الأخلاقِ مثلًا، المُرادُ ما أشارَ إليه المُفَسِّر ﵀ الإفسادُ بالتخريبِ، وجاء دورُ الجُمْهُورِيِّينَ فإذا هُوَ أشدُّ وأعظمُ؛ لِأَنَّهُم أقلُّ حياءً مِنَ الملوكِ، ليسَ لهم أصل، فتجد الْإِنْسَانَ يُنْتَخَب وَهُوَ من الشارعِ، لَيْسَ من الملأ ولا من أشرافِ النَّاسِ، فغالبهم لَيْسَ عندهم دِين ولا مُرُوءَة، فيفسدون أكثرَ مِمَّا يُفْسِد هَؤُلَاءِ، كما هُوَ مشاهَد فِي تخريبِ الرُّوس وغيرهم فِي البلادِ الَّتِي يَدْخُلُونها. قوله: ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا﴾ بالأسرِ، يَأْسِرُونهم وَيسْتَرِقُّونَهم أو يَسْتَخْدِمُونَهم بدونِ أسرٍ ولا استرقاقٍ، وهَذَا من أبلغِ ما يَكُونُ مِنَ الذِّلَّة.

стр. 181

وقولها: ﴿أَعِزَّةَ أَهْلِهَا﴾ سواء كانت هَذِهِ العِزَّة تعودُ إِلَى المُلك، أو تعود إِلَى الجاهِ والشرفِ، أو إِلَى العلمِ أحياناً، فإنهم يُسَلَّطُونَ عَلَى الأَعِزَّة؛ لِأَنَّ لهم الكلمةَ فيما سبقَ، فهم الَّذِينَ دَبَّروا هَذِهِ الحروبَ ثُمَّ هُزِموا، فتكون رَحَى الحربِ عليهم. قوله: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ هل هَذَا من كلامِ اللهِ تصديقاً لقولِها، أو هُوَ من كلامِها تقريرًا له، وتكون فِي أوَّلِ الأَمْرِ ذكرتْ قاعدةً عامَّةً ثُمَّ أشارتْ إِلَى ما تَتَوَقَّعه من سُلَيْمَان فقالت: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ أي: كذلك يَفْعَلُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَرْسَلُوا بالكتابِ؟ المُفَسِّر ﵀ يَرَى أَنَّهُ مِن كلامها، وَيكُون ذلك تقريراً للقاعدةِ الَّتِي ذكرتها: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾؛ لِأَنَّ هَذَا عامٌّ، ثُمَّ قالت: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ تقريرًا لهَذِهِ القَاعِدةِ وتطبيقًا لها عَلَى حالِ سُلَيْمَان وجنودِهِ. أمَّا إذا قُلْنَا بأنها من كلام الله ، فتكون الجملة مستأنفةً، أي: أن الله يُقَرِّر ما قالتْه، بأن الملوك إذا دخلوا قريةً أفسدوها وجعلوا أعزَّةَ أهلها أذلَّةً. وقولها: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ كيف جاءت بصيغةِ الجمعِ، مَعَ أن الكتابَ ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾؛ لِأَنَّهَا عرفتْ أن سُلَيْمَان مَلِك، والملك لَا بُدَّ له من أتباعٍ وجنودٍ وأعوانٍ؛ ولهَذَا قالت: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، وإعراب: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ -وما أكثرَ ما تأتي فِي الْقُرْآن، نحو ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد: ١٧]، - يَقُولُونَ: إن الكاف هنا بمعنى مثل، وإنها تقعُ فِي محلّ نصب مَفْعُولًا مطلقًا مضافًا إِلَى اسْم الإشارةِ، أي: ومثلَ ذلك الفِعْل يفعلونَ. وقوله: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ أي: ومثلَ ذلك الضربِ يَضرِب الله الأمثالَ، فالكافُ هنا اسْم بمعنى مثل فِي محل نصب عَلَى أَنَّهَا مَفْعُول مطلق مضاف إِلَى اسمِ الإشارةِ، فيَكُون تقدير الآيَةِ: ومثل ذلك الفِعْل الَّذِي ذكرت

стр. 182

يَفعلونَ، ومعلوم إذا قُلْنَا: إنَّهَا مَفْعُول مطلَقٌ فإن المُشَارَ إليه يَكُون مصدرًا مناسبًا لسياقِ الآيَةِ، ففي قوله تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ [الصافات: ٣٤]، نَقُول: أي مثل ذلك الفِعْل نَفْعَل بالمجرمينَ، ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ أي: مثل ذلك الضربِ يضرب الله الأمثال، وَعَلَى هَذَا فقِسْ. من فوائد الآية الكريمة: الفَائِدَة الْأُوْلَى: أَنَّهُ يجوز لِلْمُسْتَشِيرِ أنْ يخالفَ المستشارَ إذا لم يرَ أَنَّهُ مُصِيبٌ فِي مشورته؛ لِأَنَّهُم لمَّا ذَكَرُوا ما يَدُلّ عَلَى أَنَّهُم يُريدونَ قِتالَه وهي لا تراه خالَفَتْهُمْ، فإنها ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾. الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: حَزْم هَذِهِ المَرْأَةِ أيضًا من جهةِ أَنَّهَا نظرتْ فِي العواقبِ؛ لِقَوْلِها: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾، وهَكَذَا يَنبغي للعاقلِ ألا يحكُمَ عَلَى الأُمُورِ بِبَوَادِرها وظواهرها، وإنما يُحْكَم عَلَى الأُمُورِ بعواقبها، فإنَّ الشَّيْءَ قد تكُون بوادره وظواهره مفيدةً فِي نظرِ الْإِنْسَان، ولكِن عندَ التأمُّل يَكُون الأَمْر بالعكسِ، لكِن هل الأَولي المبادرة أو التأني؟ فِي الأَصْل التأنِّي أَولى؛ لِأَنَّ الْإِنْسَان إذا تأنَّى لا يَنْدَم، ما فعل شيئًا، لكِنْ إذا تَسَرَّعَ فَهُوَ الَّذِي يَكُونُ عُرْضَةً لِلنَّدَمِ، وكم من كلمةٍ قَالَ الْإِنْسَان: لَيْتَنِي لم أَقُلْهَا، وكم من فعلٍ قَالَ: ليتني لم أفعلْه، ولكِن مَعَ هَذَا ينبغي استعمالُ الحزمِ فِي الأُمُورِ، لا يتأنى تأنيًا يفيدُ المقصودَ ولا يتسرَّع تسرُّعًا يَحْصُلُ به الندمُ، وقد أنشدَ الشاعرُ بيتينِ فِي هَذَا المَعْنى فِي أَنَّهُ قد يَكُون التسرُّع أَولى وقد يَكُون التأنِّي أولى (١):

стр. 183

قَدْ يُدْرِكُ المُتَأنِّي بَعْضَ حَاجَتِهِ ... وَقَدْ يَكُونُ مَعَ المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ وَرُبمَا فَاتَ قَوْمًا جُلُّ أمْرِهِمُ ... مَعَ التَّأَنِّي وَكَانَ الرَّأْيُ لَوْ عَجِلُوا وهَذَا صحيح وواقعٌ، المهمُّ أننا نَقُول: إذا دار الأَمْرُ بين الإسراعِ والتأنِّي ولم يَتَرَجَّحِ الإسراعُ عليه فالأَولى التأنِّي؛ لِأَنَّ الْإِنْسَان يَكُون الأَمْرُ بيدِهِ ما دامَ لم يُحْدِثْ شيئًا، لكِن إذا أحدثَ شيئًا فاتَهُ الأَمْرُ ولم يَتَمَكَّنْ مِنَ التخلُّصِ منه، وهَذَا يُؤخَذ منَ الآيَةِ؛ لِأَنَّهَا قالت: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾، فهي نظرتْ فِي العواقبِ. والنظرُ فِي العواقبِ يَسْتَدْعِي إمَّا التسرُّعَ وَإمَّا التأنِّيَ، قد يَكُون مثلًا يرى الْإِنْسَان أن الرأيَ أَنَّهُ إذا لم يُسْرِعْ فاتَ المقصودُ فيُسْرِع، أو إذا أسرعَ حصلَ الخَلَلُ فيتأنَّى؛ فَهُوَ مأخوذٌ مِن قَوْلهِا: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾. * * *

стр. 184

الآية (٣٥) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥]. * * * ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ هَذِهِ المَرْأَةُ ذَكِيَّة,، لمَّا جاءها الكتابُ قالت: أريدُ أن أَمتحنَ هَذَا الرجلَ، سأرْسِل إليه هَدِيَّة، فإنْ كَانَ رجلًا يريدُ الدُّنْيا كَفَتْهُ الهَدِيَّة وتركَ الحروبَ والقتالَ، وإنْ كَانَ رجلًا يريدُ أمرًا آخرَ فَإِنَّهُ سَيَرُدّ الهَدِيَّة، وهَذَا بلَا شَكّ اختبار ذكيّ، فقالت: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ وطبعاً هِيَ -كما قُلْنَا قبل قليل- ما رَضِيَت ما أشار به الملأ؛ لِأَنَّ الملأَ أشاروا عليها بالحربِ والقتالِ، وذلك بإبداءِ ما عندهم منَ الْقُوَّة والبأسِ الشَّديدِ، ولَكِنَّهَا لم تُرِدْ ذلك، فأرادتْ أنْ تمتحنَ سُلَيْمَان. قوله: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ﴾ ولم تقل: (إليه)؛ لِأَنَّهُ كما قُلْنَا ملك له جنودٌ وأعوانٌ وحواشٍ. قوله: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ (ناظرة) ليستْ منْ الِانتظارِ، وإن كانت محتملةً أن تكون من الانتظارِ، أي: فمُنْتَظِرَة، ولَكِنَّهَا منَ النظرِ، يَعْنِي: أَنْظُرُ بَعْد إرسال الهديَّة: بم يرجع المُرسَلُون؟ والمرسَلون هم رُسُلها بالهَدِيَّة، وَفِي هَذَا إشارة إِلَى أن هَذِهِ الهَدِيَّة كبيرة وعظيمة؛ لِأَنَّهَا لم ترسلْ بها واحدًا وإنما أرسلتْ بها جماعةً، وأقلُّ الجمعِ ثلاثةٌ.

стр. 185

قوله: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ أي: بأيِّ شيءٍ يَرجعون به، و ﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ هل هِيَ متعلقة بـ (ناظرة) أو متعلقة بـ (يرجع)؟ (ما) هنا اسْتِفْهاميةٌ وليستْ موصولةً؛ لِأَنَّ الموصولةَ تَبقى ألفها مَعَ حرف الجرِّ، والاسْتِفْهامية تُحْذَف؛ كقوله: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ: ١]، لكِن في نحو قولكَ: (هُوَ مسؤولٌ عمَّا قَالَ) تُثْبِت الألفَ، وكذا في قوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٥]، فتبقى الألف، وفي قوله: ﴿بِمَ يَرْجِعُ﴾ تحذف الألف، فـ (ما) الاسْتِفْهامية إذا سَبَقَها حرف جرٍّ تُحذف ألفها؛ ولهَذَا نَقُول: ﴿بِمَ يَرْجِعُ﴾ الجارّ والمجرور متعلق بـ (يرجع) ولا يصلح أن يَكُونَ متعلقًا بـ (ناظرة) بناءً عَلَى القَاعِدةِ المشهورر عند النحْويين أن اسْم الاسْتِفْهام له الصَّدارَة، بل الاسْتِفْهام كله سواء كَانَ اسمًا أو حرفًا، له الصَّدارَةُ، وإذا كَانَ له الصَّدارَة لم يَعْمَلْ قبله فيه؛ لِأَنَّهُ لو عمِل ما قبله فِيهِ ما كَانَ له الصَّدارَة، ولكانت الصَّدارَة للعاملِ الَّذِي قبله؛ وعليه فنَقُول: ﴿بِمَ يَرْجِعُ﴾ الجارُّ والمجرورُ متعلِّق بـ (يرجع)، وتكون الجملة إذن مُعلِّقة لـ (ناظرة) عن العَمَل فهي فِي محل نصب. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ من قَبُول الهديَّة أو ردِّها، إن كَانَ ملكًا قَبِلَها، أو نبيًّا لم يَقْبَلْها]. كون المُفَسِّر يُحيل قبولَ الهديَّة وعدمه عَلَى أَنَّهُ إن كَانَ ملكاً قَبِل، وإن كَانَ نبيًّا لم يقبلْ، هَذَا لا دليلَ عليه، ولكِن نَقُولُ: إنَّهُ إذا كَانَ يريد القتالَ فَإِنَّهُ يقبل الهَدِيَّة، يَعْنِي: إذا كَانَ هَذَا الرجل عنده طمعٌ ماديّ فقط، فَإِنَّهُ يقبل الهَديَّةَ؛ لِأَنَّ القتال لا يعلم هل تكون عاقبته له أمْ لا، والهَدِيَّة غَنيمة حاضرة، فيقبلها ويدع المشكوك فيه، وإذا كَانَ لا يريد الدُّنْيا، وإنما يريد أمرًا آخرَ، وَهُوَ الدَّعْوَة إِلَى الإِسْلام وكونهم يسلمون،

стр. 186

كما قَالَ فِي الأول: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣١]، فَإِنَّهُ حينئذٍ لن يقبلَ الهَدِيَّةَ؛ لِأَنَّ الَّذِي يدعو إِلَى الله وإلى الإِسْلام لا يمكن أن يَقْبَل هديَّةً عَلَى حسابِ ما دعا إليه أبداً. وَأَمَّا مسألة النبوَّة وعدمها فاللهُ أَعْلَمُ بهَذَا، فلا نجزِم بما قَالَ المُفَسِّر ﵀، بل نَقُول: إنَّهَا تريد أن تَخْتَبِرَهُ، فإذا كَانَ يريد دنيا فالهديَّة تمنعه من قِتالها، وإذا كَانَ لا يريد دنيا وإنما يريد أن يسلِموا فالهَدِيَّة لا تمنعه. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [فأرسلتْ خَدَمًا ذكورًا وإناثًا]، الآن يبين المُفَسِّر الهديَّة، ثم قَالَ: [ألفًا بالسويَّةِ، وخمسمائة لَبِنَة من الذهب، وتاجًا مُكَلَّلًا بالجواهر، ومِسكًا وعنبرًا وغير ذلك مَعَ رسولٍ بكتاب]. التعيين هَذَا لا دليلَ عليه؛ ولهَذَا نَقُول: إنَّهَا هديةٌ كبيرةٌ بلَا شَكّ، ويدل عَلَى كِبَرِها أن الَّذِينَ أُرسلوا جماعة، أَمَّا تعيينها بهَذَا الأَمْرِ فهَذَا لا نَجْزِم به، فإن كَانَ واردًا عن بني إسرائيل فَإِنَّهُ منَ الأخبارِ الَّتِي لا تُصَدَّق ولا تُكَذَّب. وقد أسرعَ الهدهد إِلَى سُلَيْمَان يخبره الخبر؛ لِأَنَّ سُلَيْمَان قَالَ له: ﴿فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل: ٢٨]، والظَّاهر أن الهدهد بَقِيَ حَتَّى استقرَّ أمرُهم عَلَى شيءٍ، وقد استقر عَلَى إرسالِ الهَدِيَّةِ، يَقُول المُفَسِّر ﵀: [فأسرع الهدهدُ إِلَى سُلَيْمَان يُخْبِرُه الخبرَ، فأمر]، أي: سُلَيْمَان، [أن تُضْرَب لَبِنات الذهب والفضة وأنْ تُبْسَط من مَوْضِعِه إِلَى تسعة فَرَاسِخ مَيدانًا، وأن يَبْنُوا حولَه حائطًا مُشْرِفًا مِنَ الذهَبِ والفِضَّة، وأنْ يُؤْتَى بأحسنِ دوابِّ البرِّ والبحرِ مَعَ أولادِ الجنِّ عن يمينِ الميدانِ وشمالِهِ]. كل هَذِهِ الأَشْيَاء الَّتِي ذكرها المُفَسِّر لَيْسَ عليها دليلٌ، وهي منَ الغرائبِ أنْ

стр. 187

يطوفَ عَلَى المُفَسِّر وأنْ يأتيَ بها، عَلَى أَنَّهُ مُخْلِص، مَعَ العلمِ بأنه لَيْسَ فِي الآيةِ دليلٌ عَلَى هَذِهِ المسألةِ إطلاقًا؛ أَنَّهُم يجعلون الذهبَ والفضةَ تُبسط من مكانِه إِلَى تسعةِ فراسخَ، أي سبعة وعشرون ميلًا؛ ثلاثة فِي تسعة، والميل كيلو ونصف. من فوائد الآية الكريمة: الفَائِدَة الْأُوْلَى: ذَكاء هَذِهِ المَرْأَةِ وحِنْكَتها. الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: جواز الاختبارِ والامتحانِ وأن ذلك لا يُعَدّ خديعةً إذا أراد الْإِنْسَان أن يمتحنَ غيرَه بشيءٍ منَ الأَشْيَاء؛ لِأَنَّهُ يريد أن يَستظهرَ به حاله، وهَذَا لا مانعَ منه. الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: العَمَل بالقرائنِ؛ لِأَنَّهَا أرادتْ أن توصل هَذِهِ الهَدِيَّةَ لتختبرَ مرادَ سُلَيْمَان هل يريد المالَ فقطْ فتكفيه هَذِهِ الهَدِيَّة، أو يريدهم أَنْ يُسلموا فلا تنفع فِيهِ هَذِهِ الهَدِيَّة، ولا يكفّ عن طلبه الأوَّل، وَهُوَ قوله: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣١]، ففيها إذن ثلاث فوائد. وهل ورد مثل ذلك؟ نعم، فِي قِصَّة سُلَيْمَان فِي المرأتينِ اللتينِ احتكمتا إليه فِي ابنِ إحداهما، خرجت امرأتان إِلَى خارج البلد ومع كُلّ واحدة ابن لها، فأكل الذئب ابن الكبرَى، فاحتكمتا إِلَى داود ﵊ فقضى بالابن الموجود للكبرى بناءً عَلَى أن الصغرى يمكنها أن تلدَ فيما بعدُ، ولكِن لما تحاكمتا إِلَى سُلَيْمَان ﵊ قَالَ: لَيْسَ هَذَا الحكم، إنما الحكم أن نأتيَ بالسكِّين ونشقّ الولد نصفينِ فيَكُون للكبير نصفه وللصغيرةِ نصفه، فالكبيرة وافقت عَلَى أَنَّهُ يشقّ نصفينِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ ولدًا لها، وتقول: مثلما تلِف ابني يتلَف ابنها، وَأَمَّا الصغيرة فقالت: لا يا نبيَّ الله. فعلم بذلك أن الولد للصغرى

стр. 188

فحكمَ به لها (١). فهَذَا من باب استظهارِ الْحَقّ بالقرائنِ، ولا مانعَ من ذلك، وقد كَانَ القضاةُ يفعلونه، فهَذِهِ المسألةُ -وهي إرسالُ الهَدِيَّةِ إِلَى سُلَيْمَان ﵊ من هَذَا النوعِ لِيُسْتَظْهَرَ به حالُه فيعمل بالقرينة. الفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: عِظَم هَذِهِ الهَدِيَّة كميَّةً وكيفيَّة، ولذلك احتاجت إِلَى أن تُرسل بها جماعة، فالهَدِيَّة كانت كبيرةً لِقَوْلِهِ: ﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ فقال: ﴿الْمُرْسَلُونَ﴾ ولا يُرْسَل جماعة بهديةٍ إِلَّا وهي كبيرةٌ. وأيضًا ربما نَقُول: مَعَ كِبَرِها ثمينة" لأجل أن يدافع هَؤُلَاءِ المُرْسَلُون عنها لو حاولَ أحدٌ أن يعتديَ عليها. * * *

стр. 189

الآية (٣٦) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ [النمل: ٣٦]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَلَمَّا جَاءَ﴾ الرَّسُول بالهَدِيَّةِ ومعه أتباعُه ﴿سُلَيْمَانَ﴾]، بالنصب وجاء بمعنى: أتى [﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾]. المُفَسِّر ﵀ قَالَ: [ومعَه أتباعُه] وكلام المَرْأَةِ يَدُلّ عَلَى أَنَّهَا أرسلتْ جماعة؛ لِقَوْلِهِ: ﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥]. وقوله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ﴾ يَدُلّ عَلَى أن الجائيَ واحدٌ، ولأنه لم يذكرِ الفاعل، وإذا لم يذكر الفاعل فَهُوَ مستتِر، ومعلوم أن (جاء) مفرد، ولو كَانَ المُراد الجماعة لقالَ: (فلما جاؤوا سُلَيْمَان). وقول سُلَيْمَان: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ يَدُلّ عَلَى أن المخاطَب جماعةٌ، فكيف نجمع بينَ هَذِهِ الأَشْيَاء؟ الجمع بين هَذِهِ الأَشْيَاء بسيطٌ جِدًّا، يَكُون هَؤُلَاءِ الجماعة لهم رئيس، وَالَّذِي خاطب سُلَيْمَان وقدَّم الهديَّة هُوَ الرئيس، ومعه جماعتُه، فصار الَّذِي تقدَّم إِلَى سُلَيْمَان بالهَدِيَّة واحدًا مَعَ جماعتهِ؛ ولهَذَا قَالَ المُفَسِّر: [ومعه أتباعه]. قوله: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ الياء هنا حُذفت للتخفيفِ، كما أَنَّهَا أيضًا حذفت

стр. 190

للتخفيف فِي قوله تَعَالَى فيما سبق: ﴿حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ [النمل: ٣٢]، والاسْتِفْهام فِي قوله: ﴿أَتُمِدُّونَنِ﴾ للإنكار والتعجيبِ، يَعْنِي: كيف تمدونني بمال وأنا عندي من المال ما لَيْسَ عندكم؛ ولهَذَا قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ﴾ من النبوَّة والملك ﴿خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾ من الدُّنْيا]، وكذلك من المالِ؛ لِأَنَّ عند سُلَيْمَان المال ما لَيْسَ عند هَذِهِ المَرْأَةِ؛ لِأَنَّ اللهَ أعطاه ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، فالاسْتِفْهام فِي قوله: ﴿أَتُمِدُّونَنِ﴾ للتوبيخِ والتعجيبِ، يَعْنِي: كيف تمدونني بمال -وهي هَذِهِ الهَدِيَّة- فما آتاني اللهُ منَ المالِ والمُلك والنبوَّة وغير ذلك من كُلّ ما آتاه الله خير مما آتاكم؟ ! قوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ يَعْنِي أنني لا أفرح بهدية ولا تُهمّني الهَدِيَّة، ولكِنكم أنتم الَّذِينَ تفرحون بها وتفخرون بها، فهل المَعْنى: تَفرحون إذا أُهدي إليكم، أو تفرحون إذا أهديتم وترَوْنَ لكم فضلًا عَلَى المهدَى إليه؟ كله محتمِل، لكِن الظَّاهر -واللهُ أَعْلَمُ- أَنَّهُ يريد الأول، بمعنى: أنكم أنتم الَّذِينَ تفرحون بالهَدِيَّة، وتقع منكم موقعًا بحيث تَفْتُرُ عَزِيمَتكم وتوجب أن تَعدِلوا عما أنتم عليه، أَمَّا أنا فلا تهمني الهَدِيَّة، والاحتمال الثاني أن يَكُون بإهدائكم إليَّ تفرحون، أي: تفخرون بها، ولكِن المَعْنى الأول أليق بالسياق. وقوله: ﴿بِهَدِيَّتِكُمْ﴾ أي: بالإهداء إليكم؛ لِأَنَّ هدية مصدر، فيجوز أن يُضاف إِلَى الفاعل، ويجوز أن يضاف إِلَى المَفْعُول. من فوائد الآية الكريمة: الفَائِدَة الْأُوْلَى: أنّ مِن المُسْتَحْسَنِ أنْ يتقدَّم الرئيس -رئيس الوفد أو القوم- بالكَلام أو الفِعْل إذا كَانَ مكلَّفًا بالفِعْل، المهم أن يَكُون المتقدم الرئيس؛ لِأَنَّ تقدم

стр. 191

الجميع دَفْعَة واحدة غيرُ لائق؛ لضياع المسؤولية، فلا بد أن يتقدم واحد، وكلما حُصِرَ الأَمْر كَانَ أقربَ إِلَى الفهمِ وإلى حصولِ المقصودِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿قَالَ﴾. الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: توجيه الخطاب للجماعةِ، وإنْ كَانَ المتقدِّمُ رئيسهم؛ لِقَوْلِهِ: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾. الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: وفيه دليل عَلَى جوازِ الغِلظةِ فِي القَوْلِ إذا كانت المصلحة فيه؛ لِأَنَّ هَذَا الأسلوب من سُلَيْمَان ﷺ أسلوبٌ قويٌّ؛ إذ إننا قُلْنَا: إن الاسْتِفْهام فِي قوله: ﴿أَتُمِدُّونَنِ﴾ للتوبيخِ والتعجيبِ، يَعْنِي أَنَّهُ يوبخهم عَلَى فِعْلِهِم ويتعجَّب مِن فعلهم كيف يمدُّونه بمال وَهُوَ ملك ومعروف ومشهور. الفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: وفيه دليل عَلَى أَنَّهُ يجوز للإِنْسَان أن يتحدث بنعمةِ اللهِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : ﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾، ولكِن هل يتحدث بهَذِهِ النعمة عَلَى سبيل الافتخارِ أو عَلَى سبيلِ الافتقارِ والاستصغارِ؟ نرى أَنَّهُ عَلى حَسَب الحالِ، فمع العدوّ يجوز أن يتحدّث بها افتخارًا، ولذلك تجوز الخُيَلَاء فِي الحربِ (١)، مَعَ أنَّ الخيلاء محرَّمة ومنَ الكَبائِرِ (٢)، لكِن فِي الحرب لإغاظةِ العدوّ لا بأس بها. فسُلَيْمَان ﵊ تحدث هنا بنعمة اللهِ افتخارًا -فيما يظهر لي- عَلَى

стр. 192

هَؤُلَاءِ القوم، وهَذَا لا بأس به إذا كَانَ أمام العدوّ، فأمَّا إذا كَانَ لإظهارِ النعمةِ فَإِنَّهُ لا يجوز إِلَّا عَلَى سبيلِ الاستصغارِ والافتقارِ إِلَى اللهِ ، لا عَلَى سبيل الافتخارِ والعلوِّ عَلَى الخلقِ. الفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أَنَّهُ يجوز للإِنْسَانِ أن يصف غيرَه بما يبدو من حالِه؛ لِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾؛ إذ إن الفرحَ كما هُوَ معروف أمر باطنيٌّ؛ لِأَنَّ الَّذِي يفرح ما يُسمع لفرحه صوتٌ ولا يُرى له حركةٌ، ولكِن تظهر علاماته عَلَى ظاهرِ البدنِ، فلا بأسَ أنْ يَحْكُمَ الْإِنْسَانُ عَلَى غيرِهِ بالقرائنِ بما يَظْهَرُ من حالِهِ، وقد مرَّ كثيرٌ مثل هَذَا الأَمْرِ، فقد قَالَ الرجلُ الَّذِي جامعَ زوجتَهُ فِي نهارِ رمضانَ: "وَاللهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنِّي" (١)، ومعَ هَذَا فإن هَذَا الرجل لم يَطُفْ بأبياتِ أهل المَدينَةِ ويُفَتِّشها حَتَّى يعرف أَنَّهُ لا يوجد أحد أفقر منه. * * *

стр. 193

الآية (٣٧) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [النمل: ٣٧]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾ بما أتيتَ من الهديَّة]. الخطاب الْآنَ للرَّسُولِ، وهَذَا من تعديدِ الأساليبِ لفائدةٍ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ حملوا الهديَّة هم الجماعةُ جميعًا، فناسبَ أنْ يُخَاطِبَهم جميعًا؛ لِأَنَّهُم حَمَلُوا هَذِهِ الهَدِيَّةَ، وهنا لمَّا أرادَ أنْ يحملهم الإبلاغَ فإن تحميل الإبلاغِ للجماعةِ تَضِيع فِيهِ المسؤوليةُ، فحَمَّلَ الإبلاغ رَئيسَهم فقطْ؛ لأنك إذا وَصَّيْتَ جماعةً مثلًا لشخصٍ من النَّاسِ ضاعتِ المسؤوليةُ وصارَ كُلّ واحدٍ منهم يَتَّكِل عَلَى الآخَرِ فلا يحسن الإبلاغُ، لكِن إذا حَمَّلْتَها واحدًا فحينئذٍ يَتَحَمَّل ويؤدي؛ ولهَذَا حَمَّل الرئيسَ فقال: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾ [النمل: ٣٧]، أي: إِلَى جماعتِكَ الَّذِينَ أرسلوكَ. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [بما أتيتَ مِنَ الهديَّة ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ﴾ لا طاقةَ لهمْ بها ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا﴾ من بَلَدِهِمْ سبأ، وسُمِّيَتْ باسمِ أبي قَبيلتهم، ﴿أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ أي: إنْ لم يأتوني مسلمينَ]. هَكَذَا الْقُوَّة؛ لِأَنَّهُ لا يريدُ المالَ ولا يريد الدُّنْيا وإلا لَخَضَعَ وخَنَعَ لهَذِهِ الهَدِيَّة الكبيرةِ الَّتِي أُرسل بها جماعةٌ، ولكِنَّه لا يريد ذلك، فخاطبهم بهَذِهِ العباراتِ القويَّة.

стр. 194

قوله: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ﴾ اللام مُوَطِّئَة لِلْقَسَمِ، والنون للتوكيد، فعلى هَذَا فالجملة مؤكَّدة بثلاثةِ مؤكِّداتٍ: القسم، واللام، والنون، ثُمَّ فيها منَ التعظيمِ ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ﴾، ولم يقل: (فلآتينهم)؛ لِأَنَّ هَذَا أبلغُ فِي الهَيبةِ، سواء أراد تعظيم نفسه، أو أراد بذلك آتيهم بجنودي. وقوله: ﴿لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ فِيهِ استصغارُ هَؤُلَاءِ الجماعةِ الَّذِينَ أَرسَلُوا بهَذِهِ الهديَّة، فاستصغرهم منَ الناحيةِ الماليَّة فِي قولِه: (ما آتاني اللهُ خيرٌ مما آتاكم)، ومن الناحيةِ العسكريَّة فِي قولِهِ: ﴿لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ لا طاقة لهم بها؛ لِأَنَّ عنده من الجنودِ الجنّ والإنس، بل والطير أيضًا، فما لهم طاقة بهَذَا الشَّيْء. قوله: ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً﴾ فنَحْتَلّ بلادهم ونُخْرِجهم مِنْهَا أذلَّة ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ الفرق بين الأذِلَّة والصَّغار: الأذلة: الذُّلّ فِي النفسِ، والصَّغار: فِي البَدَنِ، يَعْنِي يَكُون مُسْتَسْلِمًا ظاهرًا وباطنًا، مستسلمًا ظاهرًا بالصغارِ، ومستسلمًا باطنًا بالذلِّ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥]، فالخشوعُ بمعنى الصَّغار، والذلُّ هُوَ ذلُّ النفسِ والعياذ باللهِ، وهَذَا دليلٌ عَلَى أن سُلَيْمَان ﵊ عنده من قوَّة العزيمةِ، وقوة السلطانِ ما استطاعَ أن يُعَبِّر بهَذَا التعبيِر لهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَهْدَوْا له بهَذِهِ الهديَّة. فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: كيفَ يَلِيق بسُلَيمان ﵊ أن يقابلَ جماعةً أَهْدَوْا إليه هديةً بهَذَا الأسلوبِ العنيفِ، لماذا لم يُجِبْ بأسلوبٍ لطيف؟ الجواب عن هذا: أَنَّهُ ﵊ أرادَ أنْ يُظْهِرَ لهم قوَّتَه، وَأَنَّهُ لا يَهْتَمّ بشأنِهِم، ثُمَّ إن اختبارهم له مَعَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣١]، يَدُلُّ عَلَى شكٍّ فِي دعوتِه، هُوَ دعاهم إِلَى الإِسْلامِ، وهم شَكُّوا فِي ذلك بإرسالِ الهديَّة،

стр. 195

وظنّوا أَنَّهُ يريد دنيا، فيَكُون هم الَّذِينَ بدأوا بالإساءةِ إليه، حَيْثُ أرسلوا إليه هدية يختبرونه بها فَكَانَ ردُّه بهَذَا مناسبًا. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [فلما رجعَ إليها الرَّسُولُ بالهَدِيَّةِ، جعلتْ سَرِيرَها داخلَ سبعةِ أبوابٍ، داخل قصرها، وقصرها داخل سبعة قصورٍ، وأغلقتِ الأبوابَ، وجعلت عليها حَرَسًا، وتجَهَّزَتْ لِلْمَسيرِ إِلَى سُلَيْمَان لِتَنْظُرَ ما يأمرها به، فارتحلتْ باثني عشر ألف فيلٍ، مَعَ كُلّ فيلٍ ألوف كثيرةٌ، إِلَى أنْ قربتْ منه عَلَى قِيدِ فَرْسَخٍ شَعَرَ بها، قَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾]. هذا غريبٌ، ما أدري من أين يأتي المُفَسِّر ﵀ بهَذِهِ الحكاياتِ! وَأَمَّا الأفيالُ فلَعَلَّها كثيرة باليمنِ، ولهَذَا صاحبُ الفيلِ الَّذِي أرادَ أنْ يَهْدِمَ الكعبةَ جاء بالفيلِ. فالاقتصارُ عَلَى القَصَصِ الَّتِي فِي الْقُرْآن هُوَ اللائِقُ بالمسلمِ، إِلَّا ما صحَّ عن النَّبِيِّ ﷺ ؛ وذلك لِأَنَّ الله تَعَالَى يَقُول: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم: ٩]، فعِلْمُ هَذِهِ الأُمَمِ إِلَى اللهِ ، فاللائِقُ بنا ألَّا نَتَجَاوَزَ ما جاء به الْقُرْآن. من فوائد الآية الكريمة: الفَائِدَة الْأُوْلَى: إِظهارُ الْقُوَّة للأعداءِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾، فنفيُ الكَلامِ قوَّة، فهَذَا التهديدُ والوعيدُ لَا شَكَّ أَنَّهُ مَظْهَرُ قوَّةٍ، فيَكُون داخلًا فِي قولِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]، فإن قوله: ﴿مِنْ قُوَّةٍ﴾ نِكِرَة تَشمَل كُلّ ما يُمْكِن من القوى، سواء كانت الْقُوَّة قوليَّة أو مادِّيَّة أو معنويَّة، المهمّ أن جميعَ القوى فِي معاملة الأعداء ينبغي للمرءِ أن يَسْتَعْمِلَها، حَتَّى

стр. 196

إنَّهُ جاء فِي الحديث: "الحَرْبُ خُدْعَةٌ" (١) لكِن الخيانة -خيانة العدو- لا تَجوز، فلا يجوز للإِنْسَانِ أنْ يخونَ عَدُوَّه، ولهَذَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨]، يَعْنِي: ولا تَخُنهم، وكذلك إذا خانوا فقد نَقَضُوا العهدَ. وهَذِهِ المسألة لها ثلاث حالات -أي أنَّ المعاهَدين لهم ثلاثُ حالاتٍ -: إمَّا أن يَسْتَقِيموا لنا، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧]، وَإمَّا أن يَنْكُثوا العهد وحينئذٍ لا عهدَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢]، وَإمَّا ألَّا يَنْقُضوا العهد وظاهِرُهُم الاستقامةُ، لكِن نخاف منهم الخيانةَ، فهنا نَنْبِذ العهدَ إليهم، ونُخْبِرهم بأننا قد أبطلنا العهدَ، حَتَّى لو قَالُوا: سَنبقَى عَلَى العهد نَقُول: لا، نحن الْآنَ كلٌّ مِنَّا حرٌّ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: ما الفرق بين الخيانة والخَديعة؟ الخيانة معناها: أنك تَخْدَعه فِي مَقامِ الأمانِ، والخديعة تَخْدَعُه فِي غيرِ مقامِ الأمانِ، كَأن تكونَ الحربُ قائمةً ثُمَّ تَضَح كَمينًا ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، أو تُظْهِر مثلًا أن عندك كثرةَ عددٍ، كَأن تجعل النَّاس مثلًا يتردَّدون مثلما فعل القَعْقَاع بنُ عَمْرٍو فِي حُرُوبِهِ مَعَ الفُرْسِ وغير ذلك، فأنت الْآنَ ما خُنتهم؛ لِأَنَّهُ ما بينك وبينهم عهدٌ، أَمَّا المحارِب فقَتْلُه لا يُعتبَر خيانةً؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بيننا وبينهم عهد، ولهَذَا فِي قِصَّة كَعْب بنِ

стр. 197

الأَشْرَف قَالَ الرَّسُول ﷺ : "مَنْ لِي بِكَعْبٍ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللهَ وَرَسُولَهُ" (١). لَوْ قَالَ قَائِل: قول الرَّسُول ﷺ : "أَلا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ" (٢)، هل يفيد حصرَ الْقُوَّة فِي الرميِ؟ الجواب: ما يَرِد عن الرَّسُول ﷺ وكذلك أيضًا ما يَرِد عن الصحابةِ فِي تفسيرِ بعضِ الآيَاتِ يَذْكُرُون الشَّيْءَ أحيانًا عَلَى سَبيلِ التمثيلِ، والْقُوَّة فِي ذلك الوقتِ هِيَ الرميُ، ولا تزالُ أيضًا، فإن الرميَ الْآنَ من أشدِّ ما يَكُونُ منَ الْقُوَّة، يعني هُوَ أعلى أنواعِ الْقُوَّة، سواء كَانَ الرميُ بالقوسِ فيما سبق، أو بالبُنْدُقِيَّة أو بالصَّوَارِيخِ، المهمُّ أنَّ الرميَ فِي كُلّ وقت تجد أَنَّهُ هُوَ ذِروةٌ فِي الْقُوَّة، وهَذَا لَيْسَ بحصرٍ، ولكِن الرَّسُول أراد أن يُبَيِّن غايةَ الْقُوَّة، فالْقُوَّة هِيَ الغايةُ فِي كُلّ وقتٍ. الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: كَثرة جنود سُلَيْمَان؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ لِأَنَّ هَذِهِ المَلِكَة لها العَرْش العظيمُ وعندها القوم المُطيعون الذليلون لأوامرها، يَقُول: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ﴾، ولم يُبَيِّن هذه الجنود، لَكِنَّهُ مَرَّ فِي أوَّل القصة أن جنوده ثلاثةُ أصنافٍ: الجنّ والإنسُ والطيرُ، هذه كلُّها يمكن أن يُسَلِّطها عليهم، إذا سلَّط الجنَّ فلا قِبل لهم بالجنّ، وإنْ سلَّط الطيورَ تَنْقُب عيونهم أيضًا فلا قِبل لهم بها. فالحاصلُ: أنَّ الجنودَ الَّتِي لسُلَيْمَان لا يُمْكِن لهَؤُلَاءِ أن يُقابِلوها لا كميَّة ولا كيفيَّة.

стр. 198

الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ الكافرَ لا حقَّ له فِي أرض الله، ولا فِي مال الله، حَتَّى المال لا حقَّ له فيه، وجه ذلك لو لم يكنِ الأَمْرُ هَكَذَا لكانَ تهديده بهَذَا الأَمْر محرَّمًا، إذ لو كَانَ لهم حقّ ما جاز له أن يفعلَ هَذَا ويُخْرِجهم منَ الْأَرْض. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: الردُّ عَلَى الجَبرَّية وأن الْإِنْسَان يفعل باختيارِه، لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ﴾. * * *

стр. 199

الآية (٣٨) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣٨]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ﴾ فِي الهمزتينِ ما تَقَدَّم]، وتَقَدَّمَ تحقيقُ الهمزتينِ ﴿أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ﴾ وتسهيل الثَّانِيَة بقلبها واوًا: (يا أيها الملأُ ويكم). ثم قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ منقادينَ طائعينَ، فلي أَخْذُه قبل ذلكَ لا بعدَه]، قوله: ﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ من أين عَرَفَ أَنَّهُم سيأتون مسلمينَ إليه؟ عرف ذلك من أَنَّهُم إذا سَمِعوا بما قَالَ الرَّسُول، وَهُوَ قوله: ارْجِعْ إليهم، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أن يَستسلموا وينقادوا، فَهُوَ أيضًا حَكَمَ بالقرائنِ، ويجوز أن الله أَوْحَى إليه بذلك لِأَنَّهُ نبيّ، فالمسألة دائرة بين أن يَكُون حكمَ بكونهم يأتون مسلمين بناءً عَلَى القرينة، ويحتمل أن يَكُون ذلك بوحيٍ من الله ، ولكِنَّ قوله: ﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ نبَّه المفسِّر عَلَى أنَّهُ إذا كَانَ العَرْش أُخِذَ قبل أن يأتوا مسلمينَ إليه فَهُوَ جائز، وإذا كَانَ بَعْد ذلك فليس بجائزٍ، وِفي هَذَا نظر؛ لِأَنَّهَا بمجرَّد ما تُفَارِقه مُسْلِمَةً تكون قد أحرزتْ مالَها، وقد حَمَتْهُ، فمالُهَا محترَم قبل أن تصلَ إِلَى سُلَيْمَان بمجرَّد إسلامها، وهي إذا غادرتْ ستأتي بلَا شَكّ مُسْتَسْلِمَةً، فَإِنَّهُ قَالَ لهم فِي أوَّل الأَمْرِ: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ وَلَيْسَ غَرَضه

стр. 200

- واللهُ أَعْلَمُ- أنَّهُ إذا كَانَ قبلَ إسلامِهِم جاز له أَخْذُه، وإذا كَانَ بعدَه لم يجزْ. ثم إنّ الظَّاهر أيضًا أن سُلَيْمَان لا يريد تَمَلُّكَ هَذَا العَرْش، وإنما يريد إظهار قوَّته أمامها، وَأَنَّهُ استطاع أن يأتيَ بِعَرْشِها قبل أن يَصِلُوا إليه، ولا يريد أن يَتَمَلَّكَه حَتَّى يَرد ما قَالَهُ المُفَسِّر ﵀، وذلك لمَّا قَالَ: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ ... ﴾ [النمل: ٣٨، ٣٩]. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى: جوازُ الخِطاب إِلَى المبهَم إذا كَانَ يَتَعَيَّن بَعْد ذلك، يعني يجوز الخطاب إِلَى المبهم حُكمًا أو خبرًا قبل أن يَتعيَّن الحكم، لِقَوْلِهِ: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ ما قَالَ: ائتني يا فلان. وهَذَا النوعُ مِنَ الخِطاب تترتب عليه فوائدُ كثيرةٌ لا حُكميَّة وخَبِرَّية. فمنها مثلًا يجوز أَنَّهُ يَقُول: زوَّجتك إحدى ابنتيّ هاتين، ثُمَّ يختار إحداهما، مثلما فعل صاحب مَدْيَن مَعَ موسى. الْفَائِدَةُ الْثَّانِيَةُ: أَنَّهُ يجوز أن يَقُول: بِعْتُكَ إحدى هاتينِ السِّلعتينِ بكذا فيختار إحداهما. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: بعتك هَذَا بعشَرة نقدًا أو بعشرين نسيئةً، فيَختار أحد الثمنينِ، وليستْ هَذِهِ المسألةُ الأخيرةُ من بابِ بيعتينِ فِي بيعةٍ، خِلافًا لمَن زَعَمَ ذلك، فإن هَذِهِ بيعة واحدة؛ لأنهما لم يَتَفَرَّقا إِلَّا عَلَى إحدى البيعتينِ، وأيضًا بيعتانِ فِي بيعةٍ سبق أَنَّهُ جاء فيها نصٌّ صحيحٌ صريحٌ فِي سنن أبي دَاود يَقتضي أن بيعتينِ فِي بيعةٍ هِيَ مسألةُ العِينَة؛ لقولِ النَّبِيّ ﷺ : "مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكسُهُمَا أَوِ الرِّبَا" (١)، وهَذَا صريحٌ أن

стр. 201

ذلك فِي مسألةِ العِينة، والعِينة أن يبيعَ الشَّيْءَ عليه بثمنٍ مؤجَّل ثُمَّ يَشتريه نفس البائع منه بأقلّ منه نقدًا، فهَذِهِ مسألة العِينة. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: ألا يَرِد عَلَى هَذَا اشتراط التعيين بالنِّسْبَةِ للنِّكاح؟ قُلْنَا: العقد لا يَنتهي إِلَّا بالتعيينِ، فإذا قَالَ: قَبِلْتُ نِكاحَ فلانةَ حَصَلَ التعيينُ، ولا يَصِحُّ أن يَقُول: قَبِلْتُ نِكاحَ إحداهما، كما أن البيع أيضًا: بِعتك بعشرة نقدًا وبعشرين نسيئةً، يَقُول: قبلت بعشرين النسيئة أو قبلت بعشرة نقدًا، لَا بُدَّ من هَذَا؛ لِأَنَّ القبولَ يُعَيِّن، المهمّ الكَلام عَلَى الإيجابِ. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ يجوز للإِنْسَان أمامَ عدوِّه أن يُظْهِرَ العظمةَ؛ لِأَنَّ سُلَيمَان أراد بإحضار هَذا العَرْش إظهارَ عَظمَتِهِ وقُدْرَتهِ، وَأنَّهُ استطاع أن يأتيَ بعرشها المحصَّن بلَا شَكّ؛ لِأَنَّهُ كما جرتِ العادةُ قُصُور الملوك لَا بُدَّ أن تكون محصَّنة وعليها حَرَس، لا سيما مثل العَرْش، وَأَمَّا زَعْمُ المُفَسِّر ﵀ أَنَّهُ إِنَّمَا أَتَى به ليَتَمَلَّكَهُ فلا دليلَ فِي الآيَة عَلَى ذلك. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن سُلَيمَان ﵊ إمَّا أنَّهُ تَفَرَّسَ أو أُوحِيَ إليه بأن هَؤُلَاءِ القوم سوف يأتونه؛ لِأَنَّهُ لمَّا ردَّ الرَّسُول بالهَدِيَّة وقال: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [النمل: ٣٧]، ما جاءه الجوابُ، فطَلَبَ أن يُحْضرَ عَرْشُها، ممَّا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ علِم بأنها ستأتي وقومها، ولكِن من أين علم ذلك؟ قُلْنَا: إنَّهُ أَمَّا مِنْ وحي، وَإمَّا من فراسة؛ لِأَنَّ مثل هَذهِ العبارات الَّتِي تُرسَل: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ بهَذهِ الْقُوَّة تَقتضي أن العدوَّ يَخْنَعَ ويَخْضَعَ، إن كَانَ بفراسةٍ فَهُوَ دليل عَلَى جواز الحكم بالفراسة، وقد ذكرنا

стр. 202

عدة مراتٍ أَنَّهُ يجوز الحكم عَلَى الشَّيْء بمقتضى غَلَبَةِ الظنّ، بل يجوز أن يحلف عليه بمقتضى غلبة الظنِّ، والفِرَاسة تؤدي إِلَى غلبة الظنّ، ولكِن لَيْسَ مجرَّد الوهم يُجَوِّز أن تحكمَ بالظنِّ، بل لَا بُدَّ للفراسةِ من قرائنَ تدل عليها؛ إمَّا قرائن سابقة وَإمَّا قرائن مقارِنة، وَأَمَّا أن تحكمَ بشيءٍ لَيْسَ فِيهِ قرينةٌ فهَذَا حكمٌ بالظنِّ. * * *

стр. 203

الآية (٣٩) * * * قَالَ اللهُ : ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل: ٣٩]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ هُوَ القويُّ الشديدُ]، العِفريت القويُّ الشديد، ولا زال هَذَا المَعْنى إِلَى الْآنَ موجودًا، إذا قُلْنَا: فلان عِفريت، يعني قويًّا شديدًا أو نَقُول أيضًا أبلغ من هَذَا. قوله: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾: (آتي) اسم فاعل من (أَتى) فهو (آتٍ)، ومنه قولهم: (كل آتٍ قريبٌ)، وهنا يَصِحُّ أن يَكُون التَّقْدير: أنا آتٍ إليك به قبل أن تقومَ من مقامِك، لكِنِ الأقرب أَنَّهَا فعل، يُقَرِّبُهُ أن الأَصْلَ فِي العَمَلِ الأفعال والكاف معمول ضَمير مَفْعُول به. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ الَّذِي تَجلِس فِيهِ للقَضاء، وَهُوَ منَ الغَداةِ إِلَى نِصفِ النَّهارِ]، هَذَا من الأُمُورِ الَّتِي لا دليلَ عليها، ولكِنّ قوله: ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ المُراد ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾ بسرعةٍ، وهَذَا أسلوبٌ معروفٌ: أنا آتي به قبلَ أن تقومَ، إِلَى الْآنَ موجود هَذَا الأسلوب، فالمَعْنى: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾ بسرعة، ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ﴾ أي: عَلَى هَذَا العَرْش ﴿لَقَوِيٌّ﴾، قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أي عَلَى حَمْلِهِ ﴿أَمِينٌ﴾ أي: عَلَى ما فِيهِ من الجواهر وغيرها]، انظر لما قَالَ: ﴿آتِيكَ بِهِ﴾

стр. 204

هَذَا إحضارُه، ولكِن يحتاج إِلَى تأكيدٍ لهَذَا الأَمْر، أي تأكيد كونه يُحْضِره قبل أن يقوم من مقامه، فقال: ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ﴾، ولستُ بضعيفٍ، بل سوف أُحْضِره بهَذه السرعة، وأيضًا ﴿أَمِينٌ﴾ أي: لا أَخُون فِيهِ شيئًا، لا عَلَى نفس العَرْش ولا عَلَى نفس ما فِيهِ من الجواهرِ وغيرها. وهَذَان الوصفان يَحتاجُ إليهما كُلّ عاملٍ، كما قَالَ الله تَعَالَى عن بنتِ صاحبِ مَدين: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦]، وهَذَانِ الوصفانِ مطلوبانِ فِي كُلّ عملٍ، لِأَنَّهُ إذا فاتتِ الْقُوَّة لم يَحْصُلِ العَمَلُ، من أجلِ العجزِ، وإذا وُجدت الْقُوَّة ولكِن فاتت الأمانة فَإِنَّهُ أيضًا يتخلفُ العَمَلُ بسبب الخيانةِ. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [قال سُلَيمَان: أُريد أسرع من ذلك]، قَالَ هَذَا سُلَيمَان، لكِن هَذَا لا دليلَ عليه. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى: تسخير الجنّ لسُلَيمَان؛ لِقَوْلِهِ: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾ هُوَ أوَّل مَن تكلَّم. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ والثَّالثةُ: قوَّة الجنّ؛ لِأنَّهُ سوف يأتي بهَذَا العَرْش العظيم يحمله من سبأ من اليمنِ إِلَى الشامِ، وأيضًا فِيه دليل عَلَى سُرعتهم، وهي من أوصاف الْقُوَّة؛ لِقَوْلِهِ: ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ وهَذِهِ سرعة فائقة وعَظيمة، ومعلومٌ أَنَّهُم عندهم سرعة عظيمة؛ بدليلِ أَنَّهُم يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ منَ السَّمَاءِ، ولا يصل إِلَى السَّمَاء إِلَّا كَانَ مَن عنده سرعةٌ هائلةٌ عظيمةٌ. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ يجوزُ للإِنْسَانِ أنْ يَصِفَ نفسَه بما اتَّصف به من صفات

стр. 205

الكمالِ ترغيبًا أو ترهيبًا، بشرطِ أنْ يَكُونَ ذلك حقيقةً، فوَصْفُ الْإِنْسَان نفسَه بما يتَّصف به نَقُول: إنَّهُ مباح، هَذَا الأَصْلُ، والمباح كما هُوَ معروف تَعْتَرِيه الأحكام الخمسة؛ فقد يَكُون واجبًا أحيانًا، وقد يَكُون محرَّمًا، ولا يمكن أن يَكُون مطلوبًا بكلِّ حالٍ؛ لِأَنَّهُ قد يَكُون لغرضٍ سيِّئٍ، ولا أَنَّهُ مذموم بكل حال؛ لِأَنَّهُ قد يَكُون لغرضٍ حسنٍ أو عَلَى سبيلِ الجوازِ، لكِن إذا اقتضتِ الحالُ البَيَان فقد يَكُون مطلوبًا إمَّا وجوبًا وَإمَّا استحبابًا، فقد يَكُون من باب التحدُّث بنعمة الله فيَكُون مطلوبًا، وقد يَكُون من أجلِ أن يمنع من لَيْسَ بأهلٍ من مباشرةِ هَذَا العَمَلِ، فحينئذٍ يَجِب أن يبيِّن نفسه؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾، وهَذَا ترغيبٌ، وقوله: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ ترهيب، فيجوزُ هَذَا وهَذَا، لكِن بشرطِ أن يَكُون متَّصِفًا به حقيقةً، أَمَّا دَعْوى فلا، ومثل هَذَا ما جاء فِي الحديثِ: "مَنْ تَشَبَّعَ بِمَا لَمْ يُعْطَ فَهُوَ كَلَابِسِ ثَوْبَي زُورٍ" (١). فالْإِنْسَانُ الَّذِي يَمْدَحُ نَفْسَه بما لَيْسَ فيها هَذَا لَا شَكَّ أَنَّهُ مزوِّر، مزور بالخبر ومزور بالصِّفة، هُوَ أخبرَ عن نفسِهِ بما لَيْسَ فيها، فالخبر كذب وثُبُوت هَذَا الوصف للنفسِ مثلًا كذبٌ، فلذلك قَالَ: "كَلَابِسِ ثَوْبَي زُورٍ"، ومثل هَذَا أيضًا قولُ ابنِ مسعودٍ ﵁: لو أعلمُ أنَّ أحدًا أعلمُ منِّي بكتابِ اللهِ تَبْلُغُهُ الإبلُ لَرَحَلْتُ إليه، أو كما قال (٢).

стр. 206

الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن مدارَ العَمَلِ عَلَى هذينِ الوصفينِ، وهما: الْقُوَّة والأمانة؛ لِقَوْلِهِ: ﴿لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ لِأَنَّ مَن لَيْسَ بقويٍّ لا يُتْقِن العَمَل؛ لضعفِهِ، ومن لَيْسَ بأمينٍ لا يُتْقِن العَمَلَ أيضًا لخيانتِه، فقد يَكُون الْإِنْسَان قويًّا ويستطيعُ أن يعمل هَذَا العَمَل بكلِّ سهولةٍ ولكِنه لَيْسَ بأمينٍ، فلا يثق الْإِنْسَان به، ثُمَّ إن العَمَلَ لو أَنَّهُ أتقنَهُ يبقى الْإِنْسَان شاكًّا يَقُول: يمكن أَنَّهُ يقدِر أن يفعلَ أحسنَ من هَذَا لَكِنَّهُ ما فعلَ لِأَنَّهُ خائنٌ. وكذلك أيضًا لو كَانَ الْإِنْسَان أمينًا لَكِنَّهُ عاجز فَإِنَّهُ لن يُتْقِن العَمَلَ لعَجْزِهِ، لكِن أيُّهم أشدُّ لومًا؟ الخائنُ أشدُّ، ومَن لَيْسَ بقويٍّ أيضًا عندَه نوعُ خيانٍة؛ لِأَنَّ كونه يدخل فِي العَمَلِ وَهُوَ لَيْسَ بقادرٍ عليه أو لَيْسَ بقويٍّ عليه فهَذَا لَا شَكَّ أيضًا أَنَّهُ خطأ وخيانةٌ، ولهذَا قَالَ النَّبِيّ ﷺ لأبي ذَرٍّ: "إِنَّكَ رَجُل ضَعِيفٌ؛ فَلَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَين، وَلَا تَتَوَلَّيَنَّ مَالَ يتيمٍ" (١). فالْإِنْسَانُ الضعيفُ لا يجوز أنْ يتدخَّل فِي شيءٍ يَعْرِف أَنَّهُ لا يستطعُ إتقانَه، لا سِيَّما إذا كَانَ يوجد فِي النَّاس مَن يُحْسِنُه، فهَذه تُعْتَبرُ خيانةً لنفسِه ولغيرِه؛ خيانة لنفسه؛ لِأَنَّهُ فِي الحقيقةِ جَشَّمَهَا مرقًى صَعْبًا يريد أن يظهرَ ضَعفهُ أمامَ النَّاسِ، وخيانة لغيره حَيْثُ تَقَبَّلَ أعمالهم وَهُوَ لا يُحْسِنُها ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦]. إِذَا قَالَ قَائِلٌ: إذا اجتمع عندنا أربعةُ أشخاصٍ أحدهم: قويّ أمين، والثاني: قويّ غير أمين، والثَّالث: أمين غير قويّ، والرَّابع: ضعيف خائِنٌ؟

стр. 207

قُلْنَا: القويُّ الأمين مقدَّم، لَيْسَ فِيهِ إشكال، والخائن الضعيف مؤخَّر بلَا شَكّ، هَذَان طرفانِ معلومانِ. أما القوي الخائن والضعيف الأمين فالصَّحيح أنه يَجِب أن ننظرَ أيُّهما أولَى مراعاةً، فإذا كَانَ فِي عملٍ الْقُوَّة فِيهِ أظهرُ فهنا يُقدَّم القويُّ؛ لِأَنَّ القوي وإن كَانَ عنده خيانة فربما تَحْمِله قوته عَلَى إتقانِ العَمَلِ؛ لأجل أن يَشْتَهِرَ بهَذهِ الْقُوَّة مثلًا، أَمَّا إذا كانت المسألة لا تحتاج إِلَى عملٍ وقوة لَكِنَّها تَتَطَلَّبُ الأمانة فهنا يُقدَّم الأمين، وهَذَا واضح إذا كَانَ فِي عملينِ: أحدهما: يظهر فِيهِ قصد الأمانة. والثاني: يظهر فِيهِ قصد الْقُوَّة. كالأمير مثلًا، الأمير يظهر فِيهِ قَصْد الْقُوَّة، يعني قوة الأمير، وإنْ كَانَ غيرَ أمينٍ، فهو أنفعُ للمجتمعِ من أميرٍ ضعيفٍ أمين، والقاضي بالعكسِ؛ فالأمانةُ فِي حقِّه أظهر؛ لِأَنَّهُ إذا كَانَ أمينًا -وإن كَانَ ضعيفًا؛ لِأَنَّ الَّذِي سَيُنَفِّذ لَيْسَ القاضي، خصوصًا فِي عصرنا، فالْآنَ التنفيذ لجهة الإِمارة، فالقاضي يَحْكُمُ فقط- فإذا كَانَ أمينًا فهنا قصد الأمانة فِي القضاءِ أظهرُ من قصد الْقُوَّة، وَعَلَى هَذَا فَقِسْ. ولكِن إذا كَانَ العَمَلُ تَتَعَارَضُ فِيهِ الْقُوَّة والأمانةُ فهَذَا مَحَلُّ نظرٍ، ولا يمكن أن نَحْكُمَ بِحُكْمٍ عامٍّ، بل إننا نَنْظُرُ فِي القضيةِ المعيَّنة، وإذا تشاحَّ اثنانِ فِي عملٍ يَتَطَلَّب الْقُوَّة والأمانة معًا ولا يظهر فِيهِ فضل أحدهما عَلَى الآخر، فحينئذٍ لا أستطيعُ أن أحكمَ هنا حكمًا عامًّا، بل إِنَّمَا يُنْظَر فِي كُلّ مسألةٍ بخصوصها، ويُنظَر للقرائنِ وينظر أيضًا للأشخاصِ، ومَن تَظهَر فِيهِ الْقُوَّة أكثر من ظهور الأمانة فِي الثاني، أو الأمانة فِي هَذَا أكثر من ظهور الْقُوَّة فِي الثاني.

стр. 208

وعَلَى كُلِّ حالٍ: هَذِهِ المسألة لا نَحْكُمُ فيها بحُكْمٍ عامٍّ، بل نحكم فيها بالقضيَّة المعيَّنة، ونَقُول: يُقدَّم هَذَا عَلَى هَذَا عندما تحصل القضية المعيَّنة. فالحاصل إِذَنْ: أقسام النَّاس باعتبارِ العَمَلِ أو باعتبارِ القيامِ بالعَمَلِ أربعةٌ: قويّ أمين، وضعيف خائن، وقوي خائن، وضعيف أمين. ومعلوم -كما تقدَّم- أنَّ الأوَّل يُقدَّم عَلَى كُلّ حالٍ، والثاني يؤخَّر عَلَى كُلّ حال، والثَّالث والرَّابع بينهما تزاحُم، فيُنظَر إِلَى ما كَانَ يَستدعي الْقُوَّة أكثر فيُقدَّم فِيهِ القوي، وما كَانَ يستدعي الأمانة أكثر يُقدَّم فِيهِ الأمين، وما احتمل أمرينِ يُنظَر فِيهِ إِلَى القضية المعينة حَتَّى نستطيع أن نقدِّم هَذَا عَلَى هَذَا ... إِلَى آخره. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن سُلَيْمَان ﵊ قد رتَّب شؤون حياته، وأن له مجلسًا خاصًّا معروفًا معيَّنًا؛ لِقَوْلِهِ: ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾؛ لِأَنَّ قوله: ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ لَا شَكَّ أَنَّهُ مُقدَّرٌ بمدَّة معلومة، وإلَّا لم يكن لذلك فائدة؛ لِأَنَّ قيامه من مقامِه إذا لم يكن معلومًا فهلْ يُدْرَى متى ينتهي؟ ! قد يبقى يومًا كاملًا فِي مكانِهِ وقد لا يبقى إِلَّا دقيقةً واحدةً، فلولا أَنَّهُ ﵊ قد رتَّب أوقاته حَتَّى أصبحتْ معلومةً للناس ما قَالَ مثل هَذَا الكَلام. وأمَّا تقديره بما قاله المفسِّر: من الغداة إِلَى نصفِ النَّهارِ، فهَذَا لا نَدري، اللهُ أَعْلَمُ. عَلَى كُلِّ حَالٍ: يؤخَذ منه أن سُلَيمَان ﵊ كَانَ قد رتَّب أوقاته حَتَّى صارتْ معلومةً، وهَذَا لا سيما بالنِّسْبَةِ للإِنْسَانِ المُرادِ -الَّذِي يريده النَّاسُ- أَمْرٌ مِنْ أهمِّ الأُمُور، أَنَّهُ يرتِّب أموره حَتَّى إن الْإِنْسَان الَّذِي يريده فِي حاجة يعلم أَنَّهُ فِي هَذِهِ الساعةِ يجده، وَفي الساعة الأُخْرَى لا يجده فيستريح، مثلًا يرتِّب لنفسِه جلسةً فِي بيتِه

стр. 209

أو فِي مكانٍ للناس عَلَى سبيل العمومِ، إمَّا بين العشاءين أو بَعْد العصر أو الضحى، المهم شَيْء يعرفه النَّاس، فيرتب لنفسِهِ مثلًا عملًا معينًا يعرفه النَّاس، حَتَّى يأتي إليه من أراده فِي هَذَا العَمَل. المهمُّ يُستفاد من ذلك أن سُلَيْمَانَ قد رتَّب أعمالَه فِي وقتِه، والثاني أَنَّهُ ينبغي للإِنْسَانِ خُصوصًا المُرَادَ من أمير وقاضٍ وعالمٍ ووجيهٍ وغيره؛ أَنْ يَجْعَلَ له أوقاتًا محدَّدة حَتَّى إن النَّاس يشعرون بأن هذا الرجل رجل منظَّم، ويشعرون بأن الْإِنْسَان الفوضويّ إن شاء جلس وإن شاء قام أَنَّهُ لَيْسَ بمنظَّم فلا يعتبرونه شيئًا. * * *

стр. 210

الآية (٤٠) * * * قَالَ اللهُ : ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ المُنْزَل، وَهُوَ آصَفُ بنُ برخيا، كَانَ صِدِّيقًا يعلَم اسمَ اللهِ الأعظم الَّذِي إذا دعا به أُجِيبَ]، قولُ المُفَسِّر: [إذا دعا به]، المعروف أن اسْم الله الأعظم: الَّذِي إذا دُعي به أجاب، لكِن يَحتمِل أَنَّهُ قول المُفَسِّر: [إذا دعا به]، أي: هَذَا الرجل الَّذِي عنده علم من الكتابِ، يعني أن هَذا الرجل قد جرّب وعرف أَنَّهُ إذا دعا الله تَعَالى بهَذا الاسم أجابه، فيَكُون هنا أنسب أن يقالَ: إذا دعا به أجاب؛ لِأَنَّ هَذَا الرجلَ الَّذِي عنده علم من الكتابِ يعلم أو قد جرَّب أَنَّهُ إذا دعا بهَذَا الاسم أجاب. وهَذَا أيضًا لَيْسَ بلازمٍ أن يَكُون هَذَا الْإِنْسَان الَّذِي عنده علم من الكتاب يريد أن يدعو الله ﵎ باسمِهِ الأعظمِ، وإنما نَقُول: هَذَا الرجل أعطاه الله تَعَالَى علمًا من الكتاب المنزل، ولَا شَكَّ أن الْإِنْسَان العالمَ يعرف الأدوات والصيغ الَّتِي تكون أقربَ إِلَى الإجابةِ سواء باسمِ اللهِ الأعظمِ أمْ بغيره. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ إذا نظرتَ به إِلَى

стр. 211

شيءٍ]، الله أكبر! أيُّهما أسرع؟ الثاني أسرع؛ لِأَنَّهُ كلَمْح البَصَر، قال: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ﴾ أي: يَرْجِع ﴿إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ أي: نَظَرُك، فأنت مثلًا إذا نظرتَ أمامك ثُمَّ حَرَّكْتَ طَرْفَك فإن هذا يَكُون بسرعةٍ فائقةٍ، وتأمل -سبحان الله العظيم- سيأتي به من اليمن إِلَى الشام بهَذِهِ السرعةِ العظيمةِ؛ لِأَنَّهُ يأتي بأمرِ اللهِ ، والله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠]، فاللهُ ﵎ إذا أجاب الداعيَ لا يحتاج إِلَى مدَّةٍ ولا إِلَى مُهْلَةٍ، ولكِن مَعَ ذلك يُقَدِّرُ الله ﵎ الأُمُور بأَسْبابها، قد يدعو الْإِنْسَان لمريض أن يشفيَه الله تَعَالَى، ولكِن هل يُشْفَى كلمحٍ بالبصر؟ لا، له أَسْبابٌ تُقَدَّر، لكِن الأَسْبَاب تَنعقِد فورًا إذا أرادَ الله ﵎ أنْ يُجيبَ، مَعَ أن الله قادر عَلَى أن يُبْرِئ هَذَا المريضَ فِي لحظة، مثلما كَانَ الرَّسُول ﵊ يؤتَى أحيانا بالمريضِ فيدعو له فيشفى فِي لحظةٍ، وقد جيء إليه بعليِّ بنِ أبي طالب فِي خَيبَرَ وَهُوَ يشتكي عينه فبَصَقَ فيها ودعا فبرأتْ، كَأنْ لم يكنْ بها وجعٌ فِي الحالِ (١)، والله ﵎ على كلِّ شَيْء قدير، ولكِن تأخُّر الشَّيْء لا يدل على أنه الله لَيْسَ بقادرٍ عَلَى إبرائِه حالًا، ولكِنه يَدُلّ عَلَى أن الله حكيمٌ يُقَدِّرُ الأُمُورَ بأَسْبابها، حَتَّى خلق السَّماوَات والْأَرْض فِي ستةِ أيامٍ ذَكَرْنا فيما سبق أَنَّهُ لفائدتين:

стр. 212

أولًا: ما اشتهر عندَ أهلِ العلمِ من أنَّ الله جعلها فِي ستة أيامٍ ليُعَلِّمَ العبادَ التأنِّيَ فِي الأُمُورِ، وأن المهمَّ إحكام الأَمْر لا التعجيل فيه. وشَيْء آخر: أن خلقَ هَذِهِ الأَشْيَاء يحتاج إِلَى أَسْبابٍ ومكوِّناتٍ تتفاعل وتنتهي إِلَى الكمال، فلهَذَا صارت فِي ستة أيام. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ فقال له: انظُرْ إِلَى السَّمَاء، فنظر إليها، ثُمَّ رَدَّ بِطَرْفِهِ فوجده موضوعًا بين يديه، ففي نظره إِلَى السَّمَاء دعا آصَفُ بالاسمِ الأعظمِ أن يأتيَ اللهُ به، فحصلَ بأن جَرَى تحت الْأَرْض حَتَّى نبعَ تحتَ كُرْسِيِّ سُلَيمَان]، الله أكبرُ! هَذِهِ القِصص غرائبُ! أولًا هل هَذَا الَّذِي عنده علم من الكتاب قَالَ لسُلَيمان: انظر إِلَى السَّمَاء؟ ! لا دليل عَلَى هَذَا، وَلَيْسَ هناك حاجة إِلَى أن يَقُول له: انظرْ إِلَى السَّمَاء، فقوله: ﴿قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ بأيّ نظرٍ أدرتَ طرْفك إليه. ثانيًا: يَقُول ﵀: إنَّهُ جرى تحت الْأَرْض حَتَّى نبع تحت الكرسيّ، فيجوز أَنَّهُ جاء من تحت الْأَرْض، ويجوز أَنَّهُ جاء من فوق الْأَرْض، أو جاء من محلٍّ عالٍ جدًّا ونزل، كُلّ هَذَا لا ينبغي الجزمُ به، بل يقال: إن الله عَلَى كُلّ شيءٍ قدير، المهمّ أن العَرْش حَضَرَ فِي لحظةٍ قبلَ أنْ يَرْتَدَّ إليه طَرْفُه. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ أي: ساكنًا]، هَذهِ أشكلتْ عَلَى النحْويِّين؛ لِأَنَّهُم يَقُولُونَ: إنَّ من قواعدهم: إذا كَانَ الظرف أو الجارّ لمجرور مُتَعَلَّقُهُ عامًّا فَإِنَّهُ يَجِب حَذْفُه، مثلًا تقول: زيد فِي البيت، لا يجوز أن تقول: زيد كائنٌ فِي البيت، بل يَجِب حذف (كائن)؛ لِأَنَّهُ عام، أَمَّا إذا كَانَ خاصًّا مثل: زيد محبوس فِي البيت، فيجب ذِكْرُه؛ لِأَنَّ (محبوس) لو حُذفت ما دلَّ عليها دليل، بخلاف: زيد فِي البيت، فَإِنَّهُ بمجرد النطق به يتبين للمُخَاطَب أن المَعْنى كائن فِيهِ أو موجود فيه،

стр. 213

فهم يَقُولُونَ: إذا كَانَ الجارّ والمجرور أو الظرف متعلقه عامًّا وجب حذفه، وهنا (مستقرًّا) عامّ، فإذا قلت: (زيد فِي البيت) أي مُسْتَقِرّ فِي البيت، يعني كائنًا فيه، وابن مالك ﵀ يَقُول (١): وَأَخْبَرُوا بِظَرْفٍ أَوْ بِحَرْفِ جَرّ ... نَاوِينَ مَعْنَى كَائِنٍ أَوِ اسْتَقَرّ لكِن قَالُوا: إن الاستقرار هنا لَيْسَ الاستقرارَ العامَّ حَتَّى يَجِب حَذْفُه، بل هُوَ استقرارٌ خَاصّ غيرَ مُطلقِ الوجود، فلمَّا كَانَ استقرارًا خاصًّا غير مطلَقِ الوجود صار كالمَعْنى الخاصّ، ولذلك ذُكِرَ، قال: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا﴾، لاحِظْ لو قَالَ: "فلمَّا رآه عنده" لا تدلُّ عَلَى المَعْنى فِي كلمة (مُسْتَقِرًّا)، صحيح أن معنى: لما رآه عنده، أي: لما رآه كائنًا عنده، لكِن لا تدلّ عَلَى أن هَذِهِ الكَيْنُونة كانتْ باستقرارٍ وثباتٍ، وأيضًا ربما يُفْهَم من قوله: ﴿مُسْتَقِرًّا﴾ ما أشار إليه العِفريت فِي الأوَّل وَهُوَ الْقُوَّة والأمانة؛ لِأَنَّهُ بالْقُوَّة والأمانة يأتي العَرْش عَلَى ما هُوَ عليه لا يَتكَسَّر، فالْإِنْسَان الضعيف مثلًا ربما عند حَمْلِه وَهُوَ ضعيف يسقط من يده، أو مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فيتكسّر، أو إذا لم يكن أمينًا لا يُهِمّه أن يضربه جبل أو شجر أو مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، أو هُوَ نفسه يتسلّط عليه. فالحاصل: أن هَذَا الاستقرارَ له معنًى خَاصّ غير الاستقرار العامّ، فلذلك ذُكر. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ أي: ساكنًا عندَهُ ﴿قَالَ هَذَا﴾ أي: الإتيان لي به ﴿مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾]، ﴿فَلَمَّا رَآهُ﴾ أي: سُلَيمَان رأى العَرْش مستقرًّا، والاستقرارُ هنا أمر زائدٌ عَلَى مجرَّد الكينونة، ولو كَانَ المُراد بالاستقرارِ هنا مجرَّد

стр. 214

الكينونةِ لكان ذِكْرُهُ غيرَ بليغٍ، ولهَذَا فسَّر المُفَسِّر الاستقرارَ هنا بالسكونِ، يعني كأنَّ له أزمانًا وَهُوَ فِي هَذَا المكانِ، كما إذا أتيتَ بشيءٍ ووضعتَه بمكانٍ وتريد أن تركّبه وتُعدِّله وتُزيِّنه، لا سيما العَرْش الَّذِي له قوائمُ فِي العادةِ، فهَذَا العَرْش ثابتٌ كَأن له سنينَ، وهَذَا من كمال القدرة أيضًا. قوله: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾: ﴿مِنْ﴾ هَذهِ لبَيَان الجنسِ أو للتبعيضِ؛ لأنا إذا قَصَدْنا بالفضلِ الجنسَ فهي لبَيَان الجنسِ، وإذا قصدنا بالفضلِ هَذَا الشَّيْءَ المعيَّن فهي للتبعيضِ. عَلَى كُلّ حالٍ: هِيَ صالحةٌ لهَذَا ولهَذَا. وقوله: ﴿فَضْلِ رَبِّي﴾ الفضل هُوَ العطاءُ الزائدُ، وفضلُ اللهِ ﵎ عَلَى العبدِ لا يُعَدّ ولا يُحصى، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]، ومن فضل الله عَلَى عبدِهِ أن يُحْسِن إليه ثُمَّ يَعُدُّ إحسان العبدِ إحسانًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، نَقُول: ما جزاءُ المحسنينَ الَّذِينَ أحسنوا عملهم إِلَّا أن يحسنَ إليهم، وإحسانهم أو عملهم إحسانٌ منَ الله، ولكِن هَذَا من باب تمام الفضلِ منَ الله عَلَى عبابٍ أن يَعُدَّ إحسانَ عملِهِم -وَهُوَ منه- إحسانًا منهم، كأنهم هم المتفضِّلون به، قَالَ تَعَالَى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ اللهمَّ لك الحمد. وقوله: ﴿رَبِّي﴾ الرُّبُوبِيَّة هنا خاصّة، ولهَذَا أضافها إِلَى نفسِه فقال: ﴿رَبِّي﴾ وقد مرّ علينا أن الرُّبُوبِيَّة عامّة وخاصّة، وأن العُبُودِيَّة كذلك عامّة وخاصّة، وأنّ الخاصّة فيها ما هُوَ أخصُّ، قَالَ : ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الشعراء: ٤٧، ٤٨]، فربوبيّة الله لموسى وهارون غير رُبُوبِيَّة الله

стр. 215

لعبادِهِ الصالحينَ الآخَرينَ. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿لِيَبْلُوَنِي﴾ لِيَخْتَبِرَنِي]، اللام للتعليل [﴿أَأَشْكُرُ﴾ بتحقيق الهمزتينِ وإبدالِ الثَّانِيَةِ ألفًا وتسهيلها، وإدخال ألف بين المسهَّلة والأُخْرَى وتركه]، بتحقيق الهمزتين: ﴿أَأَشْكُرُ﴾، إبدال الثَّانِيَة ألفًا (آشكر)، تسهيلها ﴿أَأَشْكُرُ﴾ اجعل الهمزة مسهلة بين الألف وبين الهمزة، وإدخال ألف بين المسهلة والأُخْرَى وتركها، يعني معناه: إذا قرأتَ بالتسهيلِ فلها صورتانِ: الصورة الأولى: إدخال ألف (أااشكر) اجعل بَعْد الألف همزة مسهلة. الصورة الثَّانِيَة: بدون ألف، يعني أن التسهيل يجوز فِيهِ المد قبل التسهيل وعدم المد. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿أَمْ أَكْفُر﴾ للنعمة]، فبماذا يَكُون الشكر؟ يَكُون الشكرُ بالثَّناء عَلَى اللهِ تَعَالَى عَلَى هَذِهِ النعمة بذاتها، وكذلك الاعتراف بالقلب بأنها مَحْضُ فضلٍ منَ اللهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لك بها مِنّة عَلَى ربِّك، والثَّالث القيام بما تَقْتَضِيه هَذِهِ النعمة من واجبٍ، وهَذَا الشكر الخاصّ لَيْسَ الشكرَ العامَّ؛ لِأَنَّ الشكرَ يَكُونُ عامًّا بحيثُ يُوصَف الْإِنْسَان بأنه من الشاكرينَ عَلَى الإطلاق، وَيكُون خاصًّا بحيث يُوصَف بأنه من الشاكرينَ عَلَى هَذِهِ النعمة فقطْ. مثال ذلك: رجل آتاه الله مالًا، فالشكر الخاصّ عَلَى هَذَا المال أن يتحدث بهَذَا المال عَلَى أَنَّهُ من فضلِ الله ونعمته، وأن يعترفَ بقلبه أَنَّهُ فضلٌ من الله، لا يَقُول: أُوتيتُهُ عَلَى علم عندي. والثَّالث أن يقوم بواجب هَذَا المال من دفع زكاتِه وما يترتَّب عليه بسبب
следующие страницы →