شيءٍ]، الله أكبر! أيُّهما أسرع؟
الثاني أسرع؛ لِأَنَّهُ كلَمْح البَصَر، قال: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ﴾ أي: يَرْجِع ﴿إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ أي: نَظَرُك، فأنت مثلًا إذا نظرتَ أمامك ثُمَّ حَرَّكْتَ طَرْفَك فإن هذا يَكُون بسرعةٍ فائقةٍ، وتأمل -سبحان الله العظيم- سيأتي به من اليمن إِلَى الشام بهَذِهِ السرعةِ العظيمةِ؛ لِأَنَّهُ يأتي بأمرِ اللهِ ، والله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢].
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠]، فاللهُ ﵎ إذا أجاب الداعيَ لا يحتاج إِلَى مدَّةٍ ولا إِلَى مُهْلَةٍ، ولكِن مَعَ ذلك يُقَدِّرُ الله ﵎ الأُمُور بأَسْبابها، قد يدعو الْإِنْسَان لمريض أن يشفيَه الله تَعَالَى، ولكِن هل يُشْفَى كلمحٍ بالبصر؟
لا، له أَسْبابٌ تُقَدَّر، لكِن الأَسْبَاب تَنعقِد فورًا إذا أرادَ الله ﵎ أنْ يُجيبَ، مَعَ أن الله قادر عَلَى أن يُبْرِئ هَذَا المريضَ فِي لحظة، مثلما كَانَ الرَّسُول ﵊ يؤتَى أحيانا بالمريضِ فيدعو له فيشفى فِي لحظةٍ، وقد جيء إليه بعليِّ بنِ أبي طالب فِي خَيبَرَ وَهُوَ يشتكي عينه فبَصَقَ فيها ودعا فبرأتْ، كَأنْ لم يكنْ بها وجعٌ فِي الحالِ (١)، والله ﵎ على كلِّ شَيْء قدير، ولكِن تأخُّر الشَّيْء لا يدل على أنه الله لَيْسَ بقادرٍ عَلَى إبرائِه حالًا، ولكِنه يَدُلّ عَلَى أن الله حكيمٌ يُقَدِّرُ الأُمُورَ بأَسْبابها، حَتَّى خلق السَّماوَات والْأَرْض فِي ستةِ أيامٍ ذَكَرْنا فيما سبق أَنَّهُ لفائدتين:
стр. 212
أولًا: ما اشتهر عندَ أهلِ العلمِ من أنَّ الله جعلها فِي ستة أيامٍ ليُعَلِّمَ العبادَ التأنِّيَ فِي الأُمُورِ، وأن المهمَّ إحكام الأَمْر لا التعجيل فيه.
وشَيْء آخر: أن خلقَ هَذِهِ الأَشْيَاء يحتاج إِلَى أَسْبابٍ ومكوِّناتٍ تتفاعل وتنتهي إِلَى الكمال، فلهَذَا صارت فِي ستة أيام.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ فقال له: انظُرْ إِلَى السَّمَاء، فنظر إليها، ثُمَّ رَدَّ بِطَرْفِهِ فوجده موضوعًا بين يديه، ففي نظره إِلَى السَّمَاء دعا آصَفُ بالاسمِ الأعظمِ أن يأتيَ اللهُ به، فحصلَ بأن جَرَى تحت الْأَرْض حَتَّى نبعَ تحتَ كُرْسِيِّ سُلَيمَان]، الله أكبرُ! هَذِهِ القِصص غرائبُ! أولًا هل هَذَا الَّذِي عنده علم من الكتاب قَالَ لسُلَيمان: انظر إِلَى السَّمَاء؟ ! لا دليل عَلَى هَذَا، وَلَيْسَ هناك حاجة إِلَى أن يَقُول له: انظرْ إِلَى السَّمَاء، فقوله: ﴿قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ بأيّ نظرٍ أدرتَ طرْفك إليه.
ثانيًا: يَقُول ﵀: إنَّهُ جرى تحت الْأَرْض حَتَّى نبع تحت الكرسيّ، فيجوز أَنَّهُ جاء من تحت الْأَرْض، ويجوز أَنَّهُ جاء من فوق الْأَرْض، أو جاء من محلٍّ عالٍ جدًّا ونزل، كُلّ هَذَا لا ينبغي الجزمُ به، بل يقال: إن الله عَلَى كُلّ شيءٍ قدير، المهمّ أن العَرْش حَضَرَ فِي لحظةٍ قبلَ أنْ يَرْتَدَّ إليه طَرْفُه.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ أي: ساكنًا]، هَذهِ أشكلتْ عَلَى النحْويِّين؛ لِأَنَّهُم يَقُولُونَ: إنَّ من قواعدهم: إذا كَانَ الظرف أو الجارّ لمجرور مُتَعَلَّقُهُ عامًّا فَإِنَّهُ يَجِب حَذْفُه، مثلًا تقول: زيد فِي البيت، لا يجوز أن تقول: زيد كائنٌ فِي البيت، بل يَجِب حذف (كائن)؛ لِأَنَّهُ عام، أَمَّا إذا كَانَ خاصًّا مثل: زيد محبوس فِي البيت، فيجب ذِكْرُه؛ لِأَنَّ (محبوس) لو حُذفت ما دلَّ عليها دليل، بخلاف: زيد فِي البيت، فَإِنَّهُ بمجرد النطق به يتبين للمُخَاطَب أن المَعْنى كائن فِيهِ أو موجود فيه،
стр. 213
فهم يَقُولُونَ: إذا كَانَ الجارّ والمجرور أو الظرف متعلقه عامًّا وجب حذفه، وهنا (مستقرًّا) عامّ، فإذا قلت: (زيد فِي البيت) أي مُسْتَقِرّ فِي البيت، يعني كائنًا فيه، وابن مالك ﵀ يَقُول (١):
وَأَخْبَرُوا بِظَرْفٍ أَوْ بِحَرْفِ جَرّ ... نَاوِينَ مَعْنَى كَائِنٍ أَوِ اسْتَقَرّ
لكِن قَالُوا: إن الاستقرار هنا لَيْسَ الاستقرارَ العامَّ حَتَّى يَجِب حَذْفُه، بل هُوَ استقرارٌ خَاصّ غيرَ مُطلقِ الوجود، فلمَّا كَانَ استقرارًا خاصًّا غير مطلَقِ الوجود صار كالمَعْنى الخاصّ، ولذلك ذُكِرَ، قال: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا﴾، لاحِظْ لو قَالَ: "فلمَّا رآه عنده" لا تدلُّ عَلَى المَعْنى فِي كلمة (مُسْتَقِرًّا)، صحيح أن معنى: لما رآه عنده، أي: لما رآه كائنًا عنده، لكِن لا تدلّ عَلَى أن هَذِهِ الكَيْنُونة كانتْ باستقرارٍ وثباتٍ، وأيضًا ربما يُفْهَم من قوله: ﴿مُسْتَقِرًّا﴾ ما أشار إليه العِفريت فِي الأوَّل وَهُوَ الْقُوَّة والأمانة؛ لِأَنَّهُ بالْقُوَّة والأمانة يأتي العَرْش عَلَى ما هُوَ عليه لا يَتكَسَّر، فالْإِنْسَان الضعيف مثلًا ربما عند حَمْلِه وَهُوَ ضعيف يسقط من يده، أو مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فيتكسّر، أو إذا لم يكن أمينًا لا يُهِمّه أن يضربه جبل أو شجر أو مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، أو هُوَ نفسه يتسلّط عليه.
فالحاصل: أن هَذَا الاستقرارَ له معنًى خَاصّ غير الاستقرار العامّ، فلذلك ذُكر.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ أي: ساكنًا عندَهُ ﴿قَالَ هَذَا﴾ أي: الإتيان لي به ﴿مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾]، ﴿فَلَمَّا رَآهُ﴾ أي: سُلَيمَان رأى العَرْش مستقرًّا، والاستقرارُ هنا أمر زائدٌ عَلَى مجرَّد الكينونة، ولو كَانَ المُراد بالاستقرارِ هنا مجرَّد
стр. 214
الكينونةِ لكان ذِكْرُهُ غيرَ بليغٍ، ولهَذَا فسَّر المُفَسِّر الاستقرارَ هنا بالسكونِ، يعني كأنَّ له أزمانًا وَهُوَ فِي هَذَا المكانِ، كما إذا أتيتَ بشيءٍ ووضعتَه بمكانٍ وتريد أن تركّبه وتُعدِّله وتُزيِّنه، لا سيما العَرْش الَّذِي له قوائمُ فِي العادةِ، فهَذَا العَرْش ثابتٌ كَأن له سنينَ، وهَذَا من كمال القدرة أيضًا.
قوله: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾: ﴿مِنْ﴾ هَذهِ لبَيَان الجنسِ أو للتبعيضِ؛ لأنا إذا قَصَدْنا بالفضلِ الجنسَ فهي لبَيَان الجنسِ، وإذا قصدنا بالفضلِ هَذَا الشَّيْءَ المعيَّن فهي للتبعيضِ.
عَلَى كُلّ حالٍ: هِيَ صالحةٌ لهَذَا ولهَذَا.
وقوله: ﴿فَضْلِ رَبِّي﴾ الفضل هُوَ العطاءُ الزائدُ، وفضلُ اللهِ ﵎ عَلَى العبدِ لا يُعَدّ ولا يُحصى، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]، ومن فضل الله عَلَى عبدِهِ أن يُحْسِن إليه ثُمَّ يَعُدُّ إحسان العبدِ إحسانًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، نَقُول: ما جزاءُ المحسنينَ الَّذِينَ أحسنوا عملهم إِلَّا أن يحسنَ إليهم، وإحسانهم أو عملهم إحسانٌ منَ الله، ولكِن هَذَا من باب تمام الفضلِ منَ الله عَلَى عبابٍ أن يَعُدَّ إحسانَ عملِهِم -وَهُوَ منه- إحسانًا منهم، كأنهم هم المتفضِّلون به، قَالَ تَعَالَى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ اللهمَّ لك الحمد.
وقوله: ﴿رَبِّي﴾ الرُّبُوبِيَّة هنا خاصّة، ولهَذَا أضافها إِلَى نفسِه فقال: ﴿رَبِّي﴾ وقد مرّ علينا أن الرُّبُوبِيَّة عامّة وخاصّة، وأن العُبُودِيَّة كذلك عامّة وخاصّة، وأنّ الخاصّة فيها ما هُوَ أخصُّ، قَالَ : ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الشعراء: ٤٧، ٤٨]، فربوبيّة الله لموسى وهارون غير رُبُوبِيَّة الله
стр. 215
لعبادِهِ الصالحينَ الآخَرينَ.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿لِيَبْلُوَنِي﴾ لِيَخْتَبِرَنِي]، اللام للتعليل [﴿أَأَشْكُرُ﴾ بتحقيق الهمزتينِ وإبدالِ الثَّانِيَةِ ألفًا وتسهيلها، وإدخال ألف بين المسهَّلة والأُخْرَى وتركه]، بتحقيق الهمزتين: ﴿أَأَشْكُرُ﴾، إبدال الثَّانِيَة ألفًا (آشكر)، تسهيلها ﴿أَأَشْكُرُ﴾ اجعل الهمزة مسهلة بين الألف وبين الهمزة، وإدخال ألف بين المسهلة والأُخْرَى وتركها، يعني معناه: إذا قرأتَ بالتسهيلِ فلها صورتانِ:
الصورة الأولى: إدخال ألف (أااشكر) اجعل بَعْد الألف همزة مسهلة.
الصورة الثَّانِيَة: بدون ألف، يعني أن التسهيل يجوز فِيهِ المد قبل التسهيل وعدم المد.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿أَمْ أَكْفُر﴾ للنعمة]، فبماذا يَكُون الشكر؟
يَكُون الشكرُ بالثَّناء عَلَى اللهِ تَعَالَى عَلَى هَذِهِ النعمة بذاتها، وكذلك الاعتراف بالقلب بأنها مَحْضُ فضلٍ منَ اللهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لك بها مِنّة عَلَى ربِّك، والثَّالث القيام بما تَقْتَضِيه هَذِهِ النعمة من واجبٍ، وهَذَا الشكر الخاصّ لَيْسَ الشكرَ العامَّ؛ لِأَنَّ الشكرَ يَكُونُ عامًّا بحيثُ يُوصَف الْإِنْسَان بأنه من الشاكرينَ عَلَى الإطلاق، وَيكُون خاصًّا بحيث يُوصَف بأنه من الشاكرينَ عَلَى هَذِهِ النعمة فقطْ.
مثال ذلك: رجل آتاه الله مالًا، فالشكر الخاصّ عَلَى هَذَا المال أن يتحدث بهَذَا المال عَلَى أَنَّهُ من فضلِ الله ونعمته، وأن يعترفَ بقلبه أَنَّهُ فضلٌ من الله، لا يَقُول: أُوتيتُهُ عَلَى علم عندي.
والثَّالث أن يقوم بواجب هَذَا المال من دفع زكاتِه وما يترتَّب عليه بسبب
стр. 216
هَذَا المال، لكِن قد يَكُون الْإِنْسَان مثلًا من جهة أخرى يَعصي اللهَ وفَرَّط فِي الصَّلَاة أو مُفَرّط فِي الصِّيَام، فهَذَا لا نَصِفُه بأنه شاكر عَلَى الإطلاق، لَكِنَّهُ قائمٌ بِشُكْرِ النعمةِ المعيَّنة.
إِذَنِ: الشكرُ نوعانِ: شُكْرٌ مُطْلَقٌ وشكر خاصٌّ، فالشكر الخاصّ أن يقومَ بشكرِ النعمةِ المعيَّنة بما تَقْتَضِيهِ، والشكر العامّ أن يَكُون قائمًا بطاعة المُنْعِمِ مُطْلَقًا فِي جميع الأحوال، وأنت لو تأمَّلتَ هَذَا وجدته موجودًا فِي عامَّة الأوصاف المحمودة والمذمومة أيضًا، فالتوبة قد يُوصَف الْإِنْسَان بأنه تائبٌ توبةً خاصَّةً مقيَّدة من ذنب معيَّن، وقد يُوصَف بأنه منَ التائبين عَلَى سبيل الإطلاق.
قول سُلَيمان ﷺ : ﴿أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ عَلَى أيِّ وجهٍ نَحْمِله؟
إِذَا قُلْنَا: إنَّهُ عَلَى العموم، فمعناه أَنَّنا رَمَيْنا سُلَيمان ﷺ بأنه لَيْسَ بشاكرٍ لنعمةِ اللهِ فِي غير هَذَا، وإذا قُلْنَا: إنَّهُ عَلَى الخصوص، يعني عَلَى هَذِهِ النعمة المعيَّنة، فَهُوَ أَولى، ولهَذَا قَالَ: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي﴾ يَخْتَبِرني به ﴿أَأَشْكُر﴾ الله عليه ﴿أَمْ أَكْفُرُ﴾ فالظَّاهر أَنَّهَا هنا عَلَى سبيل الخصوصِ، يعني: عَلَى هَذِهِ النعمة، أَمَّا النِّعم الأُخْرَى فنحن نؤمنُ بأن سُلَيمان قد قام بشكرها؛ لِأَنَّهُ ﷺ كما تقدَّم فِي قِصَّة النَّمْلة قَالَ مثل هَذَا الكَلام: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ [النمل: ١٩]، فالذي نَعتقد، وَهُوَ أقربُ من حالِ سُلَيمان، أَنَّهُ قد شكرَ نعمةَ اللهِ عَلَى النعمِ الأُخْرَى، فقال: ﴿أَأَشْكُرُ﴾ عَلَى هَذِهِ النعمةِ ولم يقلْ: أَأُتِمّ الشكرَ. وقوله: ﴿أَأَشْكُرُ﴾ فعل مطلَق.
فالحاصل: أن الَّذِي يظهر لنا أَنَّهَا عَلَى هَذِهِ النعمةِ، ليبلوني هل أشكرها أم
стр. 217
أكفرها؛ لِأَنَّ كُلّ نعمةٍ تحتاج إِلَى شكر خاصّ، والشكر العامُّ معروفٌ؛ يَقُول الْإِنْسَان: أشكرُ اللهَ.
ويُضْمِر فِي قلبه أَنَّهُ شاكرٌ لله عَلَى جميع النعمِ، لكِن عند نعمة معيَّنة تحتاج هِيَ أيضًا إِلَى شكر خاصّ، فالشكر عَلَى المالِ لَيْسَ كالشكرِ عَلَى غيره، مثلًا إِنْسَان عنده قوَّة وقُدْرة عَلَى الرميِ والجهادِ فشكرُ هَذِهِ النعمةَ أنْ يَسْتَعْمِلَها فِي الجهاد، يعني يجاهد.
عنده قدرة عَلَى بَيَان الحَقّ بما أعطاه الله تَعَالَى من العلمِ والفهمِ شُكْرُ اللهِ عَلَى هَذِهِ النعمةِ أنْ يُبَيِّن هَذَا الأَمْرَ.
فتجد أن الشكر يَختلف إذا اعتبرنا كُلّ نعمةٍ بِحَسَبِها؛ لِأَنَّ الأَمْر يختلف، نَقُول: شكر هَذَا غير شكر هَذَا، لكِن الشكر المطلَق أنْ نَعْتَقِدَ بأن جميعَ الفضائلِ والإنعاماتِ كلّها منَ اللهِ ، فهَذا يَشترك فيه جميعُ النَّاسِ.
والمُراد بالكفرِ هنا كفرُ النعمةِ، وقد تقدَّم أن الشكرَ والتوبةَ والكفرَ والإِيمانَ كُلّ هَذِهِ تَتبَعَّض وتكمل: مُطْلَق شَيْء وشَيْء مُطْلَق.
إِذَا قَالَ قَائِلٌ: كيف يَقُول سُلَيمَان: أم أكفر. والكفر كلمة نابيةٌ تَنْفُرُ مِنْهَا النفس، فلماذا لم يقل: (أأشكر أم لا أشكر) مَعَ أن المَعْنى واحد، لكِن هَذِهِ أهونُ؟
قُلْنَا: لأجلِ رَدْعِ نفسِه عن المخالفةِ وعدم القيام بالشكر، حَتى يُبين لنفسه أَنَّهُ إذا لم يشكرْ فمعناه هُوَ الكفر، فلكلِّ مَقامٍ مقال، فقد تخاطب إِنْسَانًا ترى أَنَّهُ لم يشكرْ نعمة الله عليه فتَخْشَى إذا قلتَ: أنت كافر بالنعمة أن ينفرَ منك ويزداد نفورًا حَتَّى من النعمة.
стр. 218
وإذا قلت: أنت لم تشكرْ تمامَ الشكرِ أو حقَّ الشكرِ أو مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وجدت أَنَّهُ أهون، والأساليب تؤثِّر.
يقال: إن مَلِكًا منَ الملوكِ رأى رؤيا فأَفْزَعَتْهُ؛ فقال: عليَّ بالعابرينَ. فأحضروا له العابرينَ، فقال لهم: إني رأيتُ أنَّ أسناني قد سَقَطَتْ، فما ترونَ؟ فقام كَبيرُهم فقال: أرى أنَّ أَهْلَكَ سَيَمُوتون. فانزعجَ الملِكُ؛ فقال: أَوْجِعُوه ضربًا. فأوجعوه ضربًا، فقال: اتركوه، ثُمَّ دعا بمعبِّرين آخرينَ وقال لهم: إني رأيتُ أنَّ أسناني قد سقطتْ. فقام كبيرهم وقال: الملِكُ أطول أهلِهِ عُمُرًا. ففَرِح. مَعَ أن المَعْنى واحد؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ إذا ماتوا صار هُوَ أطولهَم عمرًا.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: قول سُلَيمان ﷺ : ﴿أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ هل يجوز للإِنْسَان العاديّ أن يَقُول ذلك؟
فالجواب: يجوز للإِنْسَان العادي أن يَقُول: إن الله ما أعطاني هَذَا الشَّيْء إِلَّا لأجلِ أنْ أشكرَ أو أكفرَ، فالْإِنْسَان العادي يجوز أن يَقُول هَذَا؛ لأنَّنا لو قُلْنَا بغير هَذَا صار هَذَا خاصًّا بمثل مقامِ سُلَيمان وَلَيْسَ كذلكَ.
وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: فضل الله عَلَى العِبَادِ مِن أَجْلِ ظُهُورِ أثَرِ نعمتِه عَلَى العبادِ، فما وجه قولهم: "وهو الخالق وإن لم يوجدِ المخلوقُ"؟
فالجواب: قَصْدُهم أن الله جَلَّ وَعَلَا خالقٌ بمعنى أن هَذِهِ الصِّفة صفة له قبل أن يوجدَ المخلوقُ، كما أن الله تَعَالَى متَّصِف بالكَلام مَعَ أَنَّهُ يتكلم بمشيئته، فَهُوَ متَّصف بالخلق مَعَ أَنَّهُ يخلق بمشيئته.
فالحاصل: أن التعبير له دخل فِي قبول الحَقّ والنفور منه، وقد تقدمت قِصَّة
стр. 219
إبراهيم ﷺ حَيْثُ قَالَ لأبيه: ﴿إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ [مريم: ٤٣]، ما قَالَ: أنت جاهل ولا تدري ولا تعرِف ﴿إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ٤٣]، وهَذَا فضل الله يُؤْتِيهِ مَن يشاء، وبعضُ النَّاسِ يَهَبُه الله قُدْرَةً عَلَى التعبيرِ حَتَّى إن العبارات تكون بيدِه كالعجينِ، يُلان له القَوْل فِي كُلّ ما يريد، فتجده يستطيع حَتَّى لو أراد أن يُخْرِجَ لسانه كلمة لا يريدها بسرعة يجد بدلها، وبعض النَّاس لا يستطيع، فالله يَهَبُ فَضْلَهُ مَن يشاءُ.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ﴾ عن شُكْرِهِ ﴿كَرِيمٌ﴾ بالإفضالِ عَلَى مَن يَكْفُرُها]، يعني مَن كفر ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ﴾: غنيٌّ عن شُكْرِه صَحِيح، أو غني مُطلقًا، ومن جملة ما هُوَ غنيٌّ عنه شُكْرُ هَذَا الْإِنْسَانِ عَلَى نعمةِ اللهِ، فإن الله تَعَالَى ما أنعمَ عَلَى العبادِ لحاجتِهِ إِلَى أن يَشْكُرُوهُ، بل لِفَضْلِهِ عليهم وظهورِ آثارِ أوصافه، وظهور صفاته العظيمة ما يَكُون إِلَّا بأفعالِه الَّتِي من جُمْلتها النعم أو النِّقم أيضًا، لِتَظْهَرَ بذلكَ صفاتُ الانتقامِ والغضبِ.
وقوله: ﴿كَرِيمٌ﴾ أي: أَنَّهُ قد يُبْقِي النعمةَ عَلَى مَن كَفَرَها تَكرُّمًا منه أحيانًا، وأحيانًا استدراجًا، والله ﵎ حَكيمٌ يَهَبُ فضلَه مَن يشاء، قد يُبْقِي اللهُ النعمةَ عَلَى الكافرِ بها استدراجًا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢].
وقد يُبْقِي الله تَعَالَى النعمَ مَعَ الكفرِ تَرْبِيَةً، بحَيْثُ إِنَّ الْإِنْسَان يفتحُ الله عليه التأمُّل فيخجل من الله أن يَكُون هُوَ يبادرُ الله تَعَالَى بالمَعاصِي، والله ﵎ يُدِرُّ عليه النعمَ، فيَرْتَدِع، وهَذَا هُوَ ظاهر قوله: ﴿كَرِيمٌ﴾، لِأَنَّ الكرم فِي مقابل الكفر
стр. 220
لا يَكُون إِلَّا حَيْثُ يَكُون ذلك الكرمُ من مصلحةِ الكافرِ بها، وإلَّا ما ظهر آثار الكرمِ، بل ظهر آثار الحِكْمَةِ، لو قَالَ: حكيم صار هَذَا يشمل من تدرّج الله به حَتَّى أهلكه، لكِن كريم: ما يَتمّ الكرم للكافر بالنعمة إِلَّا حَيْثُ كَانَ إبقاء النعمة عليه مصلحةً له لأجلِ أن يعودَ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى: أنَّ جنودَ اللهِ تَعَالَى وهم الملائكةُ، أَقْوَى من الجنّ؛ لِأَنَّ ذاك قَالَ: ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾، وهَذَا قَالَ: ﴿قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ فأيُّهما أسرعُ؟
الأخير بلَا شَكّ، ولا سواء؛ لِأَنَّ الَّذِي عنده علم منَ الكتابِ عالمٌ ولا وسيلة له إِلَّا بالدعاءِ، والظَّاهر أَنَّهُ رجل وَلَيْسَ من الجنّ؛ لِأَنَّ قوله: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ مفصولة عن قوله: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾، والأَصْل أن الكَلام مَعَ الإنس، ولأن كُلّ قائل لَيْسَ من البشرِ لَا بُدَّ أن ينوّه عنه؛ لِأَنَّ الأَصْل أن البشرَ هم الَّذِينَ يتخاطبون، وهم الَّذِينَ يتفاهمون، فإذا كَانَ من غيرهم نوّه عنه مثلما نوّه عن الجنِّ.
الْفَائِدَةُ الْثَّانِيَةُ: كمالُ قُدرة الله ؛ لِأَنَّ كون هَذَا العَرْش العظيم يأتي من اليَمَنِ إِلَى الشامِ فِي لحظة، لَا شَكَّ أَنَّهُ من تمامِ قُدرة الله الَّتِي لا يتصوّر الْإنْسَان كيف تكون، الْآنَ هل يمكن أن نتصوّر كيف يجيء بهَذَا العَرْش مِنَ اليمن إِلَى الشام قبل أن يرتدّ للإِنْسَان طرْفه، لو كَانَ يطير طيرانًا أشدّ من الدُّخَان ما يتصور أَنَّهُ يأتي بهَذِهِ السرعةِ، ولا نتصور أن الْأَرْض طويت طيًّا حَتَّى التقى هَذَا بهَذَا أيضًا، فقُدْرَةُ اللهِ لا يُمْكِن للإِنْسَانِ أنْ يَتَصَوَّرَهَا، فتأتي فوق التصوّر، وهَكَذَا جميعُ صفاتِ اللهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ﴾ [الصافات: ١٩]، بقوله: (كُنْ) فيصير جميع الخلائق كلهم عَلَى ظهر الْأَرْض، مَن يتصور هَذَا؟ ! لا تستطيع أن
стр. 221
تتصوره، يعني أن الْإِنْسَان لا يتصور أن الْأَرْض تتفتح وتتشقق بـ (كن)، فالمهمّ أن هَذَا نموذج من صفات الله فِي عجز العقل مهما بلغ عن إدراكِ كُنْهِ قُدرةِ الله، وكذلك بقية صفاتِه، فأنتَ أيّها الْإِنْسَان عِلْمُكَ محَدودٌ، وطاقتك محدودةٌ، ولا يمكنُ أن تتجاوزَ أكثرَ ممَّا تشاهِد أو ممَّا أَطْلَعَكَ اللهُ عليه.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: فضلُ اللهِ عَلَى سُلَيمَان، حَيْثُ سَخَّر له أهلَ العلمِ والجنّ؛ الجنّ فِي أوَّل الأَمْر وصاحب العلم بَعْد ذلك.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: هل قوله: ﴿قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ مبالغة أو حقيقةٌ؟
نَقُول: حقيقةٌ، وإلا لقُلْنَا: إنَّهُ يجوز المبالغةُ فِي الأُمُورِ، ولكِن عَلَى كُلّ حالٍ المبالغةُ فِي الأُمُورِ قد وردتْ فِي غير هَذَا النصّ؛ أنَّ الْإِنْسَان يبالغُ وإنْ كَانَ لَيْسَ مقصودًا عَلَى سبيلِ الحقيقةِ، وقد جاء ذلك فِي الْقُرْآن وَفي السنَّة أيضًا؛ المبالغة فِي الأُمُور.
* * *
стр. 222
الآية (٤١)
* قَالَ اللهُ : ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: ٤١].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ أي: غَيِّروه إِلَى حالٍ تُنْكِره إذا رأتْه]، والتنكيرُ يحصُل بتغييرِ أَدْنَى صفةٍ من صفاتِه، فإذا كانتْ قوائمُه طويلةً يمكن أن يقصر القوائم فيَكُون تنكيرًا، إذا كَانَ لون إحدى عواضده مثلًا أحمر فيمكن أن نجعله أخضرَ، يعني سواء هَذَا التنكير بالأجزاءِ أو باللونِ أو بالفرشِ الظَّاهرُ أن هَذَا داخلٌ فِي التنكيرِ. وقوله: ﴿نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾، ﴿نَكِّرُوا﴾ فعلُ أمرٍ، ﴿نَنْظُرْ﴾ مجزوم عَلَى أَنَّهُ جواب الأَمْر.
قوله: ﴿نَكِّرُوا﴾ انظر العظمةَ، قَالَ ﵇: ﴿نَكِّرُوا﴾ ولم يوجِّهِ الخطابَ إِلَى شخصٍ معيَّن، وهو ما يَدُلّ عَلَى أن كُلّ جنوده فِي طاعتِه؛ لِأَنَّهُ لو كَانَ يَخشَى أن أحدًا من الجنودِ يَتَمَرَّد لكان يوجِّه الخطاب إِلَى شخصٍ معيَّن لأجل أن يُحْرِجَه فلا يستطيع أن يقولَ: لا، وهَكَذَا عظمةُ السلطانِ تكون بمثل هَذَا، فعندما يَقُول السلطان أو الأمير: القهوة يا ولد، فكُلّ الحاضرين يَفْزَعُون: قهوة قهوة، وتأتيه بسرعة. ففي قوله: ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ نَقُول: هَذَا خطابُ عَظَمَةٍ، ولهذَا قَالَ: ﴿نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي﴾ إمَّا أَنَّهُ يقصد نفسه وَيكُون تعظيمًا، أو مَعَ جنوده وحاشيته ينظرون جميعًا ﴿أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾.
стр. 223
وهَذَا كله أيضًا من أساليبِ الاختبارِ الَّذِي يَخْتَبِرُ به سُلَيْمَان هَذِهِ المَرْأَةَ كما اخْتبَرَهَا أيضًا فيما يأتي فِي مسألةِ الصَّرْح.
وأمّا قول المُفَسِّر وغيره: إن رِجلها رِجل حِمار، فهَذَا من الإسرائيليات المكذوبةِ، فَقَدَمُها كَقَدَمِ غَيْرِها.
قَالَ المُفَسِّر: [﴿نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي﴾ إِلَى مَعْرِفَتِهِ ﴿أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾ إِلَى مَعْرِفَةِ ما يُغَيّر عليهم، قصدَ بذلكَ اختبارَ عَقْلِها لمّا قيل له: إن فِيهِ شيئًا، فَغَيِّرُوهُ بزيادةٍ أو نقصٍ أو غير ذلك].
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل تَزَوَّجها سُلَيْمَان؟
عَلَى كُلِّ حَالٍ: هِيَ جَديرة بأن تُزَوَّج؛ لِأَنَّهَا أسلمتْ وكانتْ ذكيَّة.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى: التحدُّث بنعمةِ اللهِ تَعَالَى بإضافة النعمة إليه، لِقَوْلِهِ: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ وهَذَا هُوَ الواجب شرعًا والمقتضَى عَقلًا؛ لِأَنَّ إضافة النعمِ إِنَّمَا تكون إِلَى مُسْدِيها ومُولِيها.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ والثَّالثةُ: إثبات التعليل لأحكام اللهِ الكونيَّة كما ثبت ذلك فِي الأحكامِ الشَّرْعِيَّة، يُؤْخَذ من اللامِ لِأَنَّهَا للتعليلِ، ففيه دليلٌ عَلَى تعليلِ أحكامِ اللهِ الكونيَّة، كما أنَّ أحكامَه الشَّرْعِيَّة كذلك مُعَلَّلَة، ويَتَفَرَّع عَلَى هَذِهِ الفائدة: الردّ عَلَى الجهْمِيَّة الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ فعلَ اللهِ تَعَالَى لَيْسَ مُعَلَّلًا، إِنَّمَا يَفْعَلُ لمجرَّدِ المشيئةِ؛ إذا شاء فعلَ لحكمةٍ ولغيرِ حكمةٍ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: اختبار المرءِ بما يُظْهِرُ حقيقةَ أمرِه؛ لقوله : ﴿لِيَبْلُوَنِي
стр. 224
أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أَنَّهُ يجوزُ اختبارُه وإنْ كَانَ المُخْتَبِرُ يَعْلَمُ مآلَهُ، هل يمكن أن نأخذَ هَذهِ الفائدةَ أو نَقُول: إن هَذَا خَاصّ بما يتعلق باللهِ؟
نَقُول: أَمَّا بالنِّسْبَةِ للهِ فهَذَا أمر واقع، لكِن بالنِّسْبَة للإِنْسَانِ فقد تختبر الْإِنْسَان وأنت تعرِف مآلَه، هَذَا يُنظر فِيهِ إِلَى المصلحةِ، قد يَكُون محرَّمًا كما لو أردتَ أن تُظْهِرَ ضعفَه أمامَ النَّاسِ وتُخْجِلَه، وقد يَكُون واجبًا كما لو كَانَ إِنْسَانًا داعيةً إِلَى ضلالةٍ وأردتَ أنْ تَخْتَبِرَهُ لِيَتبَيَّنَ أمرُه للناسِ، وأنت تعرف أَنَّهُ لَيْسَ عنده جواب لما اختبرتَهُ به، لكِن تريد أن تُظْهِرَ للناسِ أمرَه، فَهُوَ بالنِّسْبَةِ لله ممدوحٌ كلُّه؛ لِأَنَّ الله يعلم المآلَ، لكِن بالنِّسْبَةِ للإِنْسَانِ فاختباره عمّا يعلم مآله عَلَى حسَب المصلحة والفائدة.
وفي هَذَا إشكال أَنَّهُ حَيْثُ قد يقال: أليس الله تَعَالَى يعلم بما يَؤُول إليه الأَمْرُ؟
فالجواب: بلى.
إِذَنْ: ما فائدةُ الاختبارِ وَهُوَ يعلم؟
لِيَترَتَّبَ الجزاءُ عَلَى ظاهرِ الحالِ؛ لِأَنَّ الله لو جازى الْإِنْسَان عَلَى ما يعلم من حالِهِ قبل أن يَبْلُوَهُ لكانَ ذلك ظُلمًا فِي ظاهرِ الحالِ، فإذا ابتلاه فأطاع أو عصاه تَبَيَّنَ الأَمْرُ، فيَكُون هنا الفائدة عظيمة؛ وهي ظهور أثر هَذَا الشَّيْء للناس، وَأَنَّهُ لَيْسَ بظُلْمٍ منَ اللهِ تَعَالَى إذا خالف، وظهور أيضًا نعمة الله عَلَى العبد العاملِ إذا أطاع حَيْثُ يشكر الله سعيَه.
فالحاصل: أن الابتلاءَ بمثل هَذِهِ الأُمُور نَقُول: فائدته أن يجريَ الجزاء عَلَى ظاهرِ الحالِ، لا عَلَى علمِ اللهِ.
стр. 225
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: وقد يُؤْخَذ منه أَنَّهُ لا يجوز للقاضي أن يحكم بعلمه؛ لِأَنَّهُ إذا كَانَ الله وَهُوَ أحكمُ الحاكمينَ لا يحكم بمجرَّد العلمِ حَتَّى تظهر الآثار، فالقاضي من باب أولى.
ولهَذَا ذكر أهل العلم أَنَّهُ لا يجوز للقاضي أن يحكم بعلمه؛ لقول النَّبِيّ ﷺ : "إِنَّمَا أَقْضِي بِنَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ" (١).
هَذهِ الفائدة قد يقال: إنَّهَا تُؤْخَذ، وقد يقال: إن هَذَا توسُّع فِي الاستدلالِ وإن هَذِهِ الفائدة لا تُؤْخَذ من هَذِهِ الآيَة.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أَنَّهُ يَنبغي للإِنْسَانِ أنْ يُخاطِبَ نفسَه بما تَقْتَضِيهِ الحالُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ فإنَّنا ذكرنا أن قوله: ﴿أَمْ أَكْفُرُ﴾ هَذِهِ العبارة شديدةٌ من أجلِ أنْ يَرْدَعَ نفسَه عن ممارسةِ كفرِ النعمةِ.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: أن الْإِنْسَان الَّذِي يشكرُ اللهَ لَيْسَ يُسْدِي إِلَى اللهِ نفعًا، أو يَدْفَع عنه ضررًا، وإنما هُوَ إذا شكر فَإِنَّمَا يشكر لنفسِهِ، فالمصلحةُ لنفسِه وليستْ لله.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أن الشاكرَ يُثاب؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ ولم يقلْ: (عن نفسه)، فدلَّ ذلك عَلَى أن للشاكرِ ثوابًا يُجازَى به، وَهُوَ كذلك.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أن العاملَ عَمَلُه له، وَلَيْسَ لغيرِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّمَا يَشْكُرُ
стр. 226
لِنَفْسِهِ﴾، إِلَّا أَنَّهُ قد يُؤْخَذُ منه مُقَاصَّةً، كما جاء فِي الحديث الصَّحيح (١) فِي المفلِسِ الَّذِي يأتي يوم القيامة بحسناتٍ أمثالِ الجبالِ وقد ظَلَمَ هَذَا وأخذَ مالَ هَذَا، فيأخذ هَذَا من حسناتِهِ، وهَذَا من حسناتِه، وإلَّا فثوابك لك، ما يُمْكِن أن أحدًا يعتدي عليه أبدًا أو يأخذه، فَهُوَ مدَّخَر عند الله .
والصدقةُ عن الميِّت من عملك؛ لأنك أنت الَّذِي اخترتَ أنْ يتحوَّلَ إِلَى هَذَا الميت ولكِن لا يؤخَذ منك، وَأَمَّا إذا أردتَه أنت فهَذَا من عملِكَ؛ لِأَنَّ عَمَلَكَ قد تريده لنفسك أو لغيرِكَ، وهَذَا أيضًا مقيَّد بما جاءتْ به السنَّة.
وقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ ما قَالَ: ومَن كفرَ فَإِنَّمَا يَكْفُرُ عَلَى نفسِهِ كما قَالَ: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾؛ لِأَنَّ رحمة الله تَعَالَى سبقتْ غَضَبَه، وإلَّا فالحقيقة أنَّ مَن كفرَ فعلى نفسِه، مثلما قَالَ الله تَعَالَى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦]، لكِن أحيانًا يَكُونُ السياقُ يَقتضِي خلافَ ذلك، فهنا يَقُول: ﴿مَنْ كَفَرَ﴾ فَإِنَّهُ لا يضرُّ اللهَ شيئًا؛ لِأَنَّ الله تَعَالَى غنيٌّ عنه وعن شُكْرِهِ، وَهُوَ مَعَ ذلك كريم، قد يجود عَلَى الكافرِ بالإمهالِ لعلَّه يشكر، ولهَذَا قَالَ: ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: الردُّ عَلَى الجَبْرَّية؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ لِأَنَّهُ أضاف الشكرَ إِلَى نفسِه، وَلَيْسَ فِي الآيَة ردٌّ عَلَى الْقَدَرِّية؛ لِأَنَّ قوله: ﴿لِيَبْلُوَنِي﴾ هَذَا من فعل اللهِ، فالعطاءُ من فضلِ اللهِ ، وَهُوَ لا يتحدَّث عن عَمَلِهِ، لم يَقُلْ: إنَّ عملي منَ اللهِ، بل قَالَ: هَذَا العطاءُ مِنَ اللهِ .
* * *
стр. 227
ولكِن هَذَا الأَمْر لا يُجابُون إليه، وإن كَانَ فِي ذلك نصرٌ للرَّسُول لكِنهم لا يجابون إِلَى ذلك؛ لِأَنَّهُم إذا أُجِيبوا إليه صار معناه أَنَّهُم يجابون عَلَى اقتراحاتهم، مثلما قالوا لما قيلَ لهم عن البعث؛ قَالُوا: ﴿فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٦)﴾ [الدخان: ٣٦]، فيقال لهم: الرُّسُلُ ما قالوا لكم: إنكم تُبْعَثُون الآنَ، تُبْعَثُون يومَ القيامةِ، لو قَالُوا: تُبْعَثُونَ الآن، كنا نَقُول: نعم ائْتُوا بآبائهم، لكِنهم قَالُوا: تُبْعَثون يوم القيامة وانتظروا يوم القيامة وستجدون آباءكم.
يَقُول الله حكايةً عن صالحٍ: ﴿لَوْلَا﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [هَلَّا ﴿تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾ مِنَ الشركِ]، ﴿لَوْلَا﴾ بمعنى (هلا) وهَذَا من معاني ﴿لَوْلَا﴾ أن تكون للتحضيضِ، ولها معانٍ أخرى أيضًا، ويقال فيها: حرف امتناع لوجودٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ﴾ [الحج: ٤٠]، امتنع تهديم الصوامع لدفعِ اللهِ النَّاسَ بعضَهم ببعضٍ.
ما الَّذِي يُعَيِّنُ هَذَا المَعْنى من هَذَا المَعْنى؟
يُعَيِّنُه السياقُ، وبهَذَا وبكثير من أمثالِهِ يَتبَيَّنُ أن الكلمات لَيْسَ لها معنى ذاتيّ، بمعنى أَنَّهَا خُلِقَتْ له، وإنما هِيَ قوالبُ وثيابٌ للمعنى الَّذِي يَدُلّ عليه السياقُ، فأيّ ثوبٍ تُرَكِّبه لمعنًى يَدُلّ عليه السياقُ فَهُوَ هو، وبهَذَا التقرير أيضًا يتبين أنَّ ما ذهبَ إليه شيخُ الإسْلام ابنُ تَيْمِيَّة ﵀ من أنه لا مجاز في اللُّغة العَربيَّة أَنَّهُ أمر صحيحٌ (١)، وأن كُلّ كلمة اسَتُعملت فِي مَقامها فهي حقيقة فيه، وكون أَنَّهُ مثلًا ما تعرف بهَذَا اللفظ إِلَّا لذاك المَعْنى الَّذِي لم تُسْتَعْمَل فِيهِ ما يَدُلّ عَلَى أن ذاك هُوَ معناها الذاتيّ؛ لأنَّنا نَقُول: لَيْسَ للكلمات معنى ذاتيّ، واللهُ أَعْلَمُ.
стр. 228
لَا شَكَّ أنَّ مَعْرِفَتها بأنَّ الله تَعَالَى هُوَ المستحِقّ للعبادة من باب أَولى، فهَذَا وجهٌ من أوجهِ الاختبارِ فِي هَذِهِ القصّةِ.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل تصرُّف سُلَيْمَان فِي عرش ملكةِ سبأ جائز؟
فالجواب: يجوز للمصلحةِ، أي لمصلحةِ الغيرِ؛ لِأَنَّ هَذَا التصرُّف لمصلحتها هي، وقد يقال: إن سُلَيْمَان ﷺ تَصَرَّفَ فِيهِ بناءً عَلَى أَنَّهَا لم تُظْهِرْ إسلامَها بعدُ، وأنها إِلَى الْآنَ وهي فِي حربٍ، فلم يَسْتَقِرَّ الأَمْر بَعْد وإِلَى الْآنَ ما عَلِمَ ولا تحقّق، مَعَ أَنَّهُ يقولُ: ﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾، لكِن قد يَكُونون مسلمينَ لله أو مستسلمينَ له.
وَعَلَى كُلّ حالٍ: لا يُحْكَم عليها إِلَّا بَعْد أن تُظهِر إسلامها.
* * *
стр. 229
الآية (٤٢)
* قَالَ اللهُ : ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٤٢].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ﴾ لها ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ أي: أمِثلُ هَذَا عرشك؟ ﴿قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ فعَرَفَتْه].
قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ﴾ يَعْنِي: إِلَى سُلَيْمَان ونظرتْ إِلَى العَرْش قيل لها: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾؟ والقائل إمَّا سُلَيْمَان أو أحدُ جُنُودِهِ، ولم يُبَيَّنْ؛ لِأَنَّ المقصودَ معنى هَذَا القَوْل دون قائله.
وقوله: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ الاسْتِفْهام هنا عَلَى حقيقتِه، والمُراد به الاستخبار، والهاء للتنبيه، والكاف حرف جرٍّ، حالتْ بين هاء التنبيه واسم الإشارةِ، مَعَ أن هاء التنبيهِ تَقْتَرِنُ باسمِ الإشارةِ، لكِن الكاف تَحُول بينها وبينَ اسمِ الإشارةِ لمباشرةِ حرفِ الجرِّ للمجرور، ولكِن أيضًا هُوَ خَاصّ بالكافِ، لو أَنَّك أتيتَ بحرفِ جرٍّ سِوَى كافٍ ما جازَ أنْ تَفْصِلَ بينه وبينَ اسمِ الإشارةِ، لو قلت مثلًا: (أهلذا) حضرتَ؟ لا يصحُّ، يعني ما يُفصَل بين اسمِ الإشارةِ وبينَ هاءِ التنبيهِ بأيِّ حرفٍ من حروفِ الجرِّ إِلَّا بالكاف فقط.
إِذَنْ نَقُول: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ الجارُّ والمجرورُ خبرٌ مقدَّمٌ، وعرشك مبتدأ مؤخَّر،
стр. 230
وتقديم الخبر هنا جائز وليس بواجبٍ؛ لأجل الاسْتِفْهامِ؛ لِأَنَّ له الصَّدارَةَ.
وهنا ما قَالُوا: أهَذَا عرشك؟ بلْ قَالُوا: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ يعني هل عَرْشُكِ مثل هَذَا؟ هِيَ أجابت بمثل ما سُئِلَتْ عنه، فقالت: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ و (كأنَّ) للتشبيهِ، ولم تقل: إنَّهُ هُوَ، ولم تنفِ السَّبَب لأَنَّهُ مشابِهٌ لعرشها من حَيْثُ الأَصْلُ، ومخالِف له من حَيْثُ الصِّفةُ؛ لِأَنَّهُ غُيِّر، وهَذَا أيضًا من ذكائها أَنَّهَا لمّا وقع فِي نفسها أَنَّهُ عرشها لكِن تغيَّرتْ صِفته قالت: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ والجوابُ مطابِقٌ للسؤالِ، والمُفَسِّر سَلَكَ فِي هَذَا مَسْلَكًا غريبًا؛ قَالَ ﵀: [فَعَرَفَتْه وشَبَّهَتْ عليهم كما شَبَّهُوا عليها، إذْ لم يَقُلْ: أهَذَا عَرْشُكِ؟ ولو قيل: هَذَا لقالتْ: نعمْ]، قوله: شَبَّهَتْ عليهم، أي: لَبَّسَت عليهم، وَلَيْسَ المُرادُ التشبيه، وجوابها مطابِق للسؤالِ ومطابِقٌ لِمُقْتَضَى الحالِ، أَمَّا مطابقته للسؤالِ فلأنه قيل لها: ﴿أَهَكَذَا﴾ يعني أهو مثل هَذَا؟ فَكَانَ الجواب: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾، وَأَمَّا مطابقته لمقتضى الحال فلأن المَرْأَةَ رأتْ أنَّ العَرْش قد غُيِّر، فلم تَجْزِمْ بِنَفْيِهِ ولم تَجْزِمْ بإثباتِه، فإن نُظِر إِلَى أصلِ العَرْش فَهُوَ هو، وإن نُظِرَ إِلَى صِفَتِهِ فليسَ إيَّاه، لذلك كَانَ جوابها جيدًا جدًّا، وَلَيْسَ فِيهِ تشبيه كما قَالَ المُفَسِّر ﵀، ولو قَالُوا: أهَذَا عَرْشُكِ، لا ندري هل تقول: نعم أو تقول: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾؟
وجَزْمُ المُفَسِّر بأنها تقول: نعم، لَيْسَ بصحيحٍ؛ لِأَنَّ المَرْأَة ذكيَّة جدًّا، والْإِنْسَان إذا حصلَ له مثل هَذِهِ الحالِ فإنه لا يَجْزِم بأن ما شاهده هُوَ ما كَانَ يعرفه من قبل، بل إنَّ مُقْتَضَى الحزمِ والتحرُّز أن يقولَ: ﴿كَأَنَّهُ هُو﴾، هَذَا مُقْتَضَى الحزمِ، لا سيما مَعَ القرائنِ الَّتِي تُبْعِدُ أنْ يَكُونَ إيَّاه كما فِي هَذِهِ القصةِ، فَإِنَّهُ عرش مَحُوط مَحْرُوس من مكانٍ بعيدٍ، فيَبْعُد أن يَمْثُلَ أمامها فِي هَذهِ الحالِ.
المهمُّ الْآنَ أننا نأخذ من جوابها هَذَا ذكاءها من وجهينِ:
стр. 231
أولًا: أَنَّهَا أجابتْ بجوابٍ مطابِقٍ للسؤال.
وثانيًا: أَنَّهَا أجابتْ بجوابٍ مطابِقٍ لمقتضَى الحالِ؛ إذ الجزمُ بهَذَا تسرُّع، ونفيه تباطُؤٌ أيضًا لاحتمالِ أنْ يَكُونَ إيَّاه.
ثم قَالَ المُفَسِّر ﵀: [قال سُلَيْمَان لمَّا رأى لها معرفةً وعِلمًا: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾]، ووجهُ ارتباطِ هَذِهِ الجملةِ بما سبقَ أن سُلَيْمَان أرادَ أنْ يَتَحَدَّثَ بما أنعمَ اللهُ به عليه منَ العلمِ، والعلمُ يشملُ العلمَ الشَّرْعِيَّ ويشملُ العلمَ بقواعدِ المُلْكِ ومُثبِّتاته، ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، يَعْنِي: كَأنَّ الملأ من قومه لمّا رأَوْا ما رأوا من ذكائها ومعرفتها وتحرُّزها وتثبُّتها رأوا أمرًا عظيمًا، فأراد سُلَيْمَان ﷺ أن يُذَكِّرَهُمْ بما هُوَ أعظمُ من ذلك، وَهُوَ ما آتاهم الله تَعَالَى منَ العلمِ السابقِ والإِسْلامِ ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾.
ويرى بعضُ المفسِّرين أن قوله: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا﴾ من قول المَرْأَة وأن المسألةَ متَّصِلة، وَيكُون قوله: ﴿مِنْ قَبْلِهَا﴾ أي: من قبل هَذِهِ القضية، أي أننا عندنا علم من قبلِ هذه القضيةِ، فلا تعجبوا من عِلْمِنَا بهَذَا فإنَّ لنا عِلمًا سابقًا، ولكِن هَذَا الاحتمال وإن ذُكِرَ بعيدٌ، والصَّوابُ أنَّ هَذَا من قول سُلَيْمان ﵊ يتحدث فِيهِ بنعمةِ اللهِ عليه وَعَلَى قومه السابقة لمعرفة هَذِهِ المَرْأَة.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: إن قوله: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا﴾ يَدُلّ عَلَى أن قائل: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ هُوَ سُلَيْمَان ﷺ لا أحد جنوده؟
فالجواب: محُتْمَل، لكِن لا يَتَعَيَّن من قوله: ﴿وَأُوتِينَا﴾؛ لِأَنَّهُ قد يقوله أحد جنوده، ثُمَّ يتكلم سُلَيْمَان بَعْد ذلك بعدَما تَحْصُل هَذِهِ المشاهدةُ، فيقول: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا﴾.
стр. 232
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى: التَّوْرِيَة فِي الكَلامِ، وَهُوَ أنْ يُظْهِرَ الْإِنْسَانُ شيئًا غيرَ ما يريدُ، فإن قولهم: ﴿أَهَكَذَا﴾ تَوْرِيَة؛ لِأَنَّ حقيقةَ الأَمْرِ أن العَرْش الَّذِي بين أيديهم هُوَ عرشها، فكَانَ مُقتضى الاسْتِفْهام أَنْ يَقُولُوا: (أهَذَا عرشُكِ؟ ) لكِن أتَوْا بصيغة التورية لإبعاد الأَمْرِ؛ لِأَنَّهُ كونها عرشها قد تتسرَّع وتقول: لا؛ لِأَنَّهَا تَسْتَبْعِد أن يَكُونَ العَرْش قد حَضَرَ فِي هَذِهِ المدَّة وعليه الحرسُ وعليه المغاليقُ، فقيل لها: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾.
الْفَائِدَةُ الْثَّانِيَةُ: أنَّ الجوابَ يَنبغي أنْ يَكُونَ مطابِقًا للسؤالِ؛ لِأَنَّهَا قالت: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ بالتشبيه ولم تقلْ: هو.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: ذكاءُ هَذِهِ المَرْأَةِ باحترازِها ممَّا يُخْشَى أنْ يَكُونَ خَطَأً؛ لِأَنَّهَا لو قالتْ: لا، فقد يَكُون هو، ولو قالتْ: نعم، فقد يَكُون غيره، فقالت: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ فاختارتْ هَذَا للسببينِ اللَّذَيْنِ ذكرناهما فِي التفسير.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ ينبغي للإِنْسَانِ أن يَتَحَدَّثَ بنعمةِ اللهِ تَعَالَى عليه؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ لِأَنَّ الصَّحيحَ أنَّ هَذِهِ الجملةَ من كلامِ سُلَيْمَان، وإن كَانَ بَعْضُهُم ذكرَ احتمالًا أَنَّهُ من كلامها، لكِن الصَّحيح أنَّهُ من كلامِ سُلَيْمَان، ولا يمكن أن يقالَ: إنَّ القائل هُوَ الله جَلَّ وَعَلَا، فاللهُ جَلَّ وَعَلَا لا يَصِفُ نفسَه بأنه مسلمٌ، ثُمَّ إِنَّهُ قَالَ: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ﴾ ولم يقل: وآتَيْنَا.
* * *
стр. 233
الآية (٤٣)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ [النمل: ٤٣].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَصَدَّهَا﴾ عن عبادةِ اللهِ ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾]، إذن ﴿مَا﴾ فِي قوله: ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إعرابها فاعل، يَعْنِي: صَدَّها الَّذِي كانت تعبد من دون اللهِ، ويَحتمِلُ أن تكونَ ما مصدرَّيةً، أي: وصَدَّها كونها تَعْبُدُ من دون اللهِ، لَكِنَّهُ وإن كَانَ سائغًا لغةً لَكِنَّهُ لَيْسَ له مَحَلّ هنا، فـ ﴿مَا﴾ هَذِهِ اسْم موصول.
وَقِيلَ: إن ﴿وَصَدَّهَا﴾ الفاعل يعود عَلَى سُلَيْمَان، أي أن سُلَيْمَان مَنَعها ما كانت تعبدُ من دونِ اللهِ، أي: منعها عمَّا كانتْ تعبدُ من دونِ اللهِ بسببِ ما رأتْ من المُلك العظيم الَّذِي لِسُلَيْمَان ﵊، ولكِن الأوَّل أَوْلَى بالسياق أنَّ (ما) فِي قوله: ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ﴾ فاعل، لكِن نحن لا بأسَ أن نذكرَ الاحتمالَ؛ لِأَنَّهُ ربما عند التأمُّل يَظهَر أن هَذِهِ الاحتمال صحيحٌ.
وقوله: ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ﴾ الَّذِي كانتْ تعبدُ من دونِ اللهِ هو الشَّمْسُ، والعائدُ عَلَى ﴿مَا﴾ الموصولةِ محذوفٌ، والتَّقْدير: (ما كانت تعبدُهُ من دونِ اللهِ)، و (صَدَّ) بمعنى صَرَفَ، ومناسبةُ قولِه: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ لمِا سَبَقَ أَنَّهُ يُقال: إنَّهُ كالجوابِ عن سؤالٍ مقدَّر وَهُوَ إذا كانت هَذِهِ المَرْأَة بهَذِا الذكاء وهَذِهِ المعرفة فلماذا لم تَعْبُدِ اللهَ، مَعَ ظهور أنَّ العِبادَة لله وحدَه؟
стр. 234
فبَيَّنَ أن الَّذِي صدَّها عن عبادةِ اللهِ أَنَّهَا اشتغلتْ من أوَّل أمرها بعبادة غيرِ اللهِ؛ لِأَنَّهَا كانت من قومٍ كَافِرِينَ، فنشأتْ فِي بيئةٍ كافرةٍ واشتغلتْ بعبادةِ المخلوقِ عن عبادةِ الخالقِ، وقد أخبرَ النَّبِيّ ﷺ : "إِنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ" (١).
فَكَأن هَذِه المَرْأَةَ مَعَ كونها ذكيَّةً وفاهمةً وعندها احترازٌ وتحفُّظٌ، كأنها مَعَ ذلك إِنَّمَا عَدَلَتْ عن عبادةِ اللهِ مَعَ ظُهُورِها ووُضُوحِها لسببِ انشغالها بالباطلِ، والنفس لَا بُدَّ أن تكونَ مشغولةً إمَّا بالحقِّ وَإمَّا بالباطلِ، ولا بد أن تكون كاسبةً، إمَّا كاسبة حرامًا أو حلالًا، إن أخذتْ ما لا حقَّ لها فِيهِ فهي كاسبةٌ حرامًا، وإنْ أخذتْ ما لها حقٌّ فهي كاسبةٌ حلالًا.
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ يعني بيئتها منذُ نَشَأَتْ وهم كافرونَ باللهِ ، يعبدون الشَّمْسَ، فلهَذَا اشتغلتْ بعبادةِ غيرِ الله عن عبادة الله.
وسيأتي إن شاء الله ما فِي هَذِهِ الجملةِ من الفوائدِ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى: أن الْإِنْسَان لَا بُدَّ أن يشغلَ نفسَه، أو لَا بُدَّ أن تكون النفس مشغولة إمَّا بحقٍّ وَإمَّا بباطلٍ، فهَذِهِ المَرْأَة انشغلتْ بالباطلِ عن الحقِّ، وقد قيل من الحِكَم: (إنْ لم تَشْغَلْ نفسَكَ بالحقِّ شَغَلَتْكَ بالباطِلِ). وَقِيلَ أيضًا: (الوقت كالسيفِ، إنْ لم تَقْطَعْهُ قَطَعَكَ)، وهَذَا صحيح. وَفي الحديث الصَّحيح أن النَّبِيّ ﷺ قَالَ: "كُلُّكُمْ
стр. 235
حَارِثٌ وَكلُّكُمْ هَمَّامٌ" (١). فلا بدَّ للإِنْسَانِ أنْ يهمّ وَيعْمَل، لكِن إمَّا بخيرٍ أو بغيرِه.
الْفَائِدَةُ الْثَّانِيَةُ: أن البيئة لها تأثيرٌ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾، فهَؤُلَاءِ القوم أثَّرُوا عليها فصارتْ كافرةً تعبد مَعَ الله غيرَه.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: التحذير من مُصاحبةِ الأشرارِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ حَتَّى لو كانوا من أقاربِك فلا ينبغي أن تصاحبَهم، وإذا كَانَ لهم حقٌّ عليك بالقرابةِ فأعطِهِمْ حقَّهم الَّذِي لهم، ولكِن لا تكن مخالِطًا لهم ومصاحِبًا لهم؛ لِأَنَّ النَّبِيّ ﷺ قَالَ فيما يُرْوَى عنه، وَهُوَ حديث حسنٌ: "المَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكمْ مَنْ يُخَالِل" (٢). وهَذَا شيءٌ واقعٌ، يَشْهَدُ له التاريخُ السابقُ والحديثُ.
مسألة: هل البيئة تُعتبَر عُذرًا للإِنْسَانِ؟
البيئة لا تعتبر عذرًا؛ لِأَنَّ الواجبَ عَلَى الْإِنْسَان أن يفارقَ هَذِهِ البيئةَ، ولهَذَا وجبتِ الهجرةُ عَلَى مَنِ استطاع أن يهاجرَ، ولكِنَّ الرَّسُولَ لمّا يَقُول: "فَأبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ" (٣) فإنه يُخْبِرُ، والخبرُ لا يَلْزَم منه الجوازُ، فقد قَالَ ﷺ : "لتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ" (٤) وهَذَا خبرٌ، فهل معناه أَنَّهُ يجوز أن نفعلَ؟ ! وقَالَ:
стр. 236
"وَاللهِ لَيُتِمَّنَّ اللهُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى تَقُومَ الظَّعِينَهُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ" (١). فهل معنى ذلك أَنَّهُ يجوز للمرأةِ أن تسافرَ بدونِ مَحْرَمٍ؟ لا. فما أخبر به النَّبِيّ ﷺ مما يقع لا يَلْزَم منه الجواز.
* * *
стр. 237
الآية (٤٤)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿قِيلَ لَهَا﴾ أيضًا ﴿ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾]، والقائل كما قُلْنَا: مُبهَم؛ إمَّا سُلَيْمَان أو غيره، وهَذَا الصرح يَقُول المُفَسِّر: [هو سطحٌ من زُجاج أبيض شفَّاف، تحته ماء عَذْبٌ جارٍ، فِيهِ سمك اصْطَنَعَهُ سُلَيْمَان لمّا قيل له: إن ساقَيْها وقَدَمَيْها كقَدَمَيِ الِحَمارِ]، أَمَّا قوله ﵀: إنه سطح من زجاج أبيض؛ فهَذَا صحيحٌ أنه سطح من زجاج أبيض، والأَصْل فِي الصرحِ أَنَّهُ البناء العالي كما قَالَ فرعون لهامان: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ [غافر: ٣٦]، لَكِنَّهُ يطلق عَلَى السطح وإن لم يكنْ عاليًا، وهَذَا عبارة عن سطح من زجاج وتحته ماء، يَقول المفسِّر ﵀: إنه جارٍ، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الآيَّةِ ما يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ جارٍ، لكِن أخذ كونه جاريًا من قوله: ﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ لأنَّ اللُّجَّة هِيَ أمواجُ البحرِ المتردِّدة؛ لِأَنَّ كُلّ شَيْء متردد يُسمَّى لجَّة، ومنه: اللَّجَّة: تردد الأصوات وارتفاعها.
وقوله ﵀: [فيه سمك]، لَيْسَ بشرطٍ أن يَكُون فِيهِ سمك؛ لِأَنَّ اللجة قد يَكُون فيها سمك وقد لا يَكُون، وقد يَكُون فيها سمك بعيدٌ لا يُرى.
стр. 238
وكذلك أيضًا قوله ﵀: إنه ماء عَذْبٌ، لا يوجد دليل عَلَى أَنَّهُ عذب ولا أَنَّهُ مالِح، فلا ندري. المهمُّ أَنَّهُ ماء، بدليل ما يأتي، والماء العَذْبُ يَبقَى فِيهِ السمكُ ما شاء الله، اللهمَّ إِلَّا إذا كانت هناك أسماك خاصَّة بالماء المالحِ، لا ندري.
المهم عَلَى كُلّ حالٍ: كُلّ هَذَا لا داعيَ له، حَتَّى لَوْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّهُ لَيْسَ تحته ماء، وإن هَذَا الزجاج يعطي كأنه ماء بسبب مثلًا أضلاع فِيهِ أو شَيْء آخر، لو قيل بهَذَا لم يكنْ بعيدًا؛ لِأَنَّهُ ما يَتَعَيَّن أن يَكُون تحته ماء، لكِن نحن إن تنازلنا وقُلْنَا: إن قوله: ﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ أي: زجاجًا شفّافًا، وكانت تظنه بحرًا.
وأما قوله: [لمَّا قيل له: إن ساقيها وقدميها كقَدَمَيِ الحِمار]، يَقُولُونَ: إن الجنّ لمّا أنَّ سُلَيْمَان أَعْجَبَتْه هَذِهِ المَرْأَةُ همّ أنْ يَتَزَوَّجها فحَسَدُوها عَلَى ذلك، فقالوا له: إن قدميها وساقيها قدما دابَّة وساقا دابة، وجعلوها أيضًا حِمارًا لِأَنَّهُ أقبح، وهَذَا لَيْسَ بصحيحٍ، وإنما المقصود من هَذَا الصرح اختبارُ المَرْأَةِ أيضًا؛ لِأَنَّهُ لما قيل: ﴿ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ هِيَ فِي الحقيقة إذا كانت تَحْسَبُه لُجَّةَ، فإذا كانتْ جبانةً لا تدخل أصلًا، وإذا كانت مُغَفَّلَةً دخلتْ وثيابها نازِلة، وإذا كانت حازِمة وشجاعة دخلت ورفعتْ عن ساقيها. ثُمَّ هِيَ أيضًا من ذكائها أَنَّهَا تعلمُ أَنَّهَا ما أُكرمت وَقِيلَ لها: ﴿ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ وهي سَتُدْخَل فِي بحرٍ لجيٍّ يُغْرِقها، فعَلِمَتْ أن هَذَا البحرَ أن غايةَ ما فِيهِ أن يصل إِلَى رُكْبَتِها أو نحو ذلك، وَأَنَّهُ لا يمكن أن يَكُونَ بحرًا لُجِّيًّا عَميقًا؛ لِأَنَّهَا قيل لها عَلَى سبيلِ الإكرامِ: ﴿ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾، فالمهمُّ أن هَذَا أيضًا اختبارٌ ثانٍ لذكائها وحَزْمها وشجاعتها. وَأَمَّا أن رجلها رِجل حمارٍ فهَذَا كذِب بلَا شَكّ، والأَصْل فيها أَنَّهَا امرأةٌ مثل بنات آدمَ لَيْسَ فيها شيءٌ من هَذَا.
قَالَ المُفَسِّر: [﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ منَ الماء ﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾]، وهَذَا
стр. 239
لَا شَكَّ أَنَّهُ يَدُلّ عَلَى حَزمها وقوَّتها وشجاعتها؛ لِأَنَّ الْإِنْسَان الغريب إذا حصل له مثل هَذَا الأَمْر قد يتوقف ويقول: ما أدري، أَخْشَى أنْ يَخْدَعُوني فأقع فِي هَذَا وأموت، لَكِنَّها قويَّة وحازمة أيضًا، أقدمتْ عَلَى الدخولِ لكِن مَعَ الاحترازِ عن الأذيَّة؛ حَيْثُ رفعت عن ساقيها.
والرفع عن الساقين قَدْ يَقُولُ قَائِلٌ: يُؤخَذ منه جواز إظهار المَرْأَة لساقيها؟
فَنَحْنُ نَقُول: أولًا لا يؤخذ منه ذلك؛ لِأنَّهُ هنا فعلته للحاجة، وكشف المَرْأَة ساقيها للحاجة لا بأس به، حَتَّى فِي شريعتنا إذا احتاجت المَرْأَة إِلَى كشف ساقيها فِي مثل هَذِهِ الحال فلا حرج فيه؛ لِأَنَّ ما حُرِّم تَحْرِيمَ الوسائل تبيحه الحاجات، كما هُوَ مُقَرَّر فِي علمِ الأصولِ.
ولهَذَا يجوز النظرُ إِلَى العورة لأدنى حاجة، حَتَّى إنَّهُم قَالُوا: يجوز أن يحلق عانة مَن لا يُحْسِن حلق عانتِه، وهَذَا بالضَّرورَة سوف يَكشِف العانة لتحلقَ.
فالحاصل: إن كانت شريعة سُلَيْمَان تُبيح مثل ذلك فلا دلالة فيه، وإذا كانت لا تُبيحه فَإِنَّهُ أيضًا لا يخالف شريعتنا؛ لِأَنَّ الحاجة هنا تدعو إليه.
قَالَ المُفَسِّر: [﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ لتخوضه، وَكَانَ سُلَيْمَان عَلَى سريره فِي صدر الصرح فرَأَى ساقيها وقَدَميها حِسانًا]، اطمأنَّ الْآنَ الرجلُ! ولَكِنَّهَا لَيْسَ كما قَالَ المُفَسِّر، لَيْسَ الغرض من هَذَا أن يَتبَيَّنَ لسُلَيْمَان هل رجلها رجل حمار أو رجل آدميَّة، لا، الغرضُ أن يَعْرِف بهَذَا ذكاءَها وفِطْنتها وشجاعتها، وكلّ ما تدلُّ عليه هَذِهِ الصورةُ من معنى يعود إِلَى المَرْأَة فَإِنَّهُ يريده سُلَيْمَان ﵊.
قَالَ المُفَسِّر: [﴿قَالَ﴾ لها ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ﴾ مُمَلَّس ﴿مِنْ قَوَارِيرَ﴾ من زُجاج]،
стр. 240
هَذِهِ الجملة أيضًا تفيد أَنَّهُ قُصِدَ به مَعَ اختبارها وامتحانها إظهارُ عظمةِ مُلك سُلَيْمَان، مثلما قُصِدَ بإحضارِ العَرْش هَذَا المقصد ﴿قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾ فتبين بذلك أمران:
أحدهما: عظمة مُلك سُلَيْمَان، حَيْثُ إن الزجاج يُصنَع له حَتَّى يَكُون كالبحرِ اللُّجِّيِّ.
وثانيًا: الإشارة إِلَى أن هَذِهِ المَرْأَة وإن كانت ذكيَّة وعاقلةً وحازمةً فإنها يَخْفَى عليها الأَمْرُ؛ لِأَنَّهَا حَسِبَتْ أن هَذَا الزجاجَ لُجَّة منَ الماءِ، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ كذلك، ففيه نوعٌ من إظهارِ ضَعْفِها أيضًا، حَيْثُ إِنَّها ظَنَّت الأَمْر عَلَى خلافِ ما هُوَ عليه، وسيأتي إن شاء الله تَعَالَى فِي فوائد الآيَات.
﴿قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾ حينئذٍ عرفتْ مكانَتَها وعرفتْ مكانةَ سُلَيْمَان، وقوله ﵀: [ودعاها إِلَى الإِسْلام]، لَيْسَ فِي الآيَةِ ما يَدُلّ عليه، بل إن الظَّاهر أَنَّهَا بما شاهدتْ ألجأها ما شاهدته إِلَى أنْ تُسلِمَ؛ لِأَنَّهَا شاهدتْ أمورًا منها: إتيان عرشها، ومنها: هَذَا الصرحُ العظيمُ الممرَّد مِنَ القواريرِ، ومنها أيضًا: أن سُلَيْمَان ﵊ أَخْبَرَهَا بعظمتِه وقُوَّتِه، حَيْثُ إنَّ هَذَا الصرح الممرَّد من القوارير وَلَيْسَ ماءً.
حينئذٍ اعترفتْ فقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾، قَالَ المُفَسِّر ﵀: [بعبادة غيرك]، وعبادة غيرِ اللهِ من أعظمِ الظلمِ، قَالَ الله تَعَالَى عن لقمان حين قَالَ لابنه: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] لِأَنَّ أعظم الظلم أن تَتَسَلَّط عَلَى مَن حقّه أبين وأوضح، ولا أبين وأوضح من حق الله عَلَى العبادِ، لهَذَا كَانَ الشرك أظلم الظلمِ.
стр. 241
فعندما تخاصم إِنْسَانًا وأنت تعرف أن الْحَقّ له لا لك تُعَدُّ ظالمًا، وعندما يشتبه عليك الأَمْر بحيث ترجح ثمانين فِي المِئَة أنَّهُ له، وعشرين فِي المِئَة أَنَّهُ لك، يَكُون هَذَا الظلم أخف من الأول، وعندما يَكُون خمسين فِي المِئَة لك وخمسين فِي المِئَة له يَكُون أخف من الثاني، وعندما ترجح ثلاثين فِي المِئَة له وسبعين لك يَكُون أخف وهَكَذَا.
فالمهم: أن الظلم يَكُون أقبح وأشنع بحسب ظهور الْحَقّ وبَيَانه، وأظهر الحقوق وأبينها عبادة الله ، فيَكُون أظلم الظلم الإشراك مَعَ الله؛ أن تشركَ مَعَ اللهِ أحدًا، ولهَذَا تقول: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾.
إِذَنِ: النفس عندك أمانة، يَجِب عليك أن تسعى لها بما فِيهِ خيرُها، فأنت يَجِب أن تسعى لنفسك بما هُوَ خيرٌ لها، فإن تجرَّأتَ عَلَى ما لَيْسَ لك فقد ظلمتَ نفسَكَ، أو فرَّطت فيما يَجِب عليك، فقد ظلمتَ نفسَك، وإذا كنت لا تستطيع أن تَتَصَرَّفَ فِي بَدَنِكَ بما تريد فكيف تستطيعُ أن تتصرَّف فِي فِعلك بما تريد.
فلو أن إِنْسَانًا قَالَ لشخصٍ: أنا سأعطيك إصبعي اقْطَعْه وضَعْهُ فِي يدِكَ الَّتِي نَقَصَ مِنْهَا إصبعٌ، فلا يجوز، فهَذَا حرام، ولو قَالَ: سَأَقْلَعُ عيني لك وضعها فِي عينك الَّتِي لا ترَى فلا يجوز، ولو كَانَ لضرورةٍ، أَمَّا الدم فَإِنَّهُ يجوزُ التبرُّع به لِأَنَّهُ مَنفعة، أَمَّا الكُلَى فلا يجوز؛ لِأَنَّهُ ضررٌ عليك، ولا تفكِّر أن الله جَلَّ وَعَلَا يخلُق شيئًا عَبَثًا، وثانيًا لا يمكن أن يَكُون عمل كُلْيَةٍ واحدةٍ كعمل كُليتينِ، وثالثًا: لا يُؤْمَن أنْ يَلْحَقَ الكُلْيةَ الَّتِي بَقِيَتْ عَطَبٌ، المهمُّ أَنَّهُ إذا كَانَ هَذَا لا يمكن فِي جِسْم مَآلُهُ إِلَى الفناءِ، فكيف يَكُون ذلك فِي الأفعالِ الَّتِي عليها مَدارُ سعادةِ العبدِ، فلا يجوزُ أن تتصرفَ فِي أفعالِكَ بما يعود عَلَى نفسِكَ بالضررِ، فإنْ فعلتَ فأنتَ ظالمٌ.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَأَسْلَمْتُ﴾ كائنة ﴿مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾]، أفاد
стр. 242
المُفَسِّر بتقدير كائنة أنَّ الظرفَ فِي قوله: ﴿مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ فِي موضع الحالِ، يعني أسلمتُ حالةَ كوني ﴿مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ للهِ ربِّ العالمينَ، وهنا تعتبر مسلمة، فإذا قَالَ الرجل: أسلمتُ، ولو لم يَقُلْ: أشهدُ أنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رسولُ اللهِ فقدْ أسلمَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]، فإذا عَّبر الْإِنْسَان عن العَمَلِ بما يَدُلّ عليه من فعل حُكِمَ عليه به، ولهَذَا لَوْ قَالَ قَائِلٌ لإِنْسَانٍ: حلفتُ عليك أن تفعل كذا، صار يمينًا، لو لم يقلْ: واللهِ ، أو قال: حلفتُ لا أفعل كذا، صار يمينًا، وإن لم يقل: بالله؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ الفِعْل، فإذا قَالَ: أسلمتُ، صار إسلامًا، وإنْ لم يقلْ: أشهد أن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وأن مُحَمَّدًا رسول الله.
إِذَنْ: قوله: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فِيهِ أَنَّهَا أسلمتْ إسلامًا كاملًا، حَيْثُ أقرَّت بألوهيَّة الله فِي قولها: ﴿لِلَّهِ﴾ وبربوبِيَّتِهِ الْعَامَّة فِي قولها: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
قَالَ المُفَسِّر: [وأراد تَزَوُّجَهَا فكَرِهَ شعرَ ساقيها، فعَمِلَتْ له الشياطينُ النُّورَةَ فأزالتْه]، الحقيقة أن هَذِهِ مشكلة! بقِينا فِي الشعر وجاءتنا هَذِهِ البليَّة! يَقُول: [فعَمِلَت له الشياطين النُّورة]، والنورة تزيل الشعرَ، ويقال: إن أوَّل مَن عُمِلت له النُّورة ساقُ بِلْقِيس بأمرِ سُلَيْمَان حَيْثُ إن الشياطين عمِلتها له. وكل هَذَا كذِب ويجب أن يُنَزَّه كلام الله عن مثلِ هَذِهِ الأَشْيَاء.
وموقفنا مَعَ مثل هَؤُلَاءِ العُلَماءِ أن نسألَ اللهَ لهم العفوَ وأن اللهَ يسامحهم؛ لِأَنَّ كونهم يَضَعون فِي كلام الله مثل هَذِهِ الأُمُور، فهَذَا من الأَشْيَاء الَّتِي يَتَنَقَّصُ بها الْإِنْسَان كلامَ اللهِ ، وأكثرُ ما وردتْ هَذِهِ كما قَالَ ابنُ كثيرٍ فِي هَذَا الموضع عن رجلينِ، وهما كَعْبُ الأحبارِ ووَهْبُ بنُ مُنبَّهٍ، فإنهما أدخلا كثيرًا من الإسرائيليات
стр. 243
فِي كلامِ اللهِ وغيره مما ينقُلونه؛ فنسأل الله أن يعفو عنهما.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [فأزالتْه فتزوجها وأحبَّها وأقرَّها عَلَى مُلْكِها، وَكَانَ يزورها فِي كُلّ شهرٍ مرَّةً ويقيم عندها ثلاثةَ أيامٍ]، فَكَانَ كالمتزوِّج بالثيِّب [وانقضى مُلْكُها بانقضاء مُلْك سُلَيْمَان، رُوِيَ أَنَّهُ مَلَكَ وَهُوَ ابن ثلاثَ عشْرةَ سنة، وماتَ وَهُوَ ابن ثلاثٍ وخمسينَ سنةً، فسبحانَ مَن لا انقضاءَ لِدَوَامِ مُلْكِهِ].
والمُفَسِّر ﵀ يُنْتَقَد بأن الأَشْيَاء المهمَّة يختصرها، حَتَّى فِي بعض الأحيان يَكُون تفسيره كالرُّمُوز، ثُمَّ يأتي بهَذه الأَشْيَاء الَّتِي لَيْسَ لها أصل.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى: عَظَمَة مُلْك سُلَيْمَان، وتَسخيرُ اللهِ له، ففي ذلك الوقتِ حَسَب عِلْمنا لَيْسَ هناك أفرانٌ تصهر الزجاج ليفعل به الْإِنْسَان كما يشاء، ولكِن لَا شَكَّ أن الزجاج موجود، قد يَكُون مستخرَجًا من البحرِ؛ تَستخرجه الشياطين، وقد يَكُون هناك أيضًا مصاهر وأفران حسب حالهم، ولهَذَا قَالَ الله عن الشياطين: إنهم ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: ١٣]، ﴿وَجِفَانٍ﴾ هِيَ جمع جَفْنَةٍ، وهي الصَّحْفَة، والجوابي جمعُ جابيَةٍ، وهي البِرْكَةُ الكبيرة، ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ يعني لا تُنْقَل لِكِبَرِها وعِظَمِها.
فالحاصل أننا نَقُول: إن هَذَا فِيهِ دليلٌ عَلَى عظمةِ مُلْك سُلَيْمَان، حَيْثُ سُخِّرَ له الجنُّ والإنسُ يَعْمَلُون له ما يشاء.
الْفَائِدَةُ الْثَّانِيَةُ: جواز اختبارِ المرءِ كما سبقَ، وهَذِهِ القصةُ فيها عدةُ اختباراتٍ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ ليَرَى هل تهابُ فلا تدخُل، أو تغامر فتدخل بدون تحرُّز،
стр. 244
أم ماذا تصنع، فالمَرْأَة بذكائها دخلتْ ولكِن مَعَ التحفُّظ والاحتراز، ﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ أي: رفعتْ ثوبها حَتَّى بان الساقانِ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن المَرْأَة من قديم الزمانِ شِيمَتها التستُّر؛ لِأَنَّ قوله: ﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ دليل عَلَى أن الأَصْلَ أَنَّهَا مستورةٌ، وَهُوَ كذلك، بخلاف الرجلِ فإنَّ "أُزْرَة المُسْلِمِ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ" (١). الْآنَ أصبح الأَمْرُ بالعكسِ عندَ كثيرٍ من المُسلِمينَ مَعَ الأسفِ، فأصبحَ الرِّجال ثِيَابهم مُسْبَلَةً، والنِّسَاء ثيابهنّ قَصيرةً، وهَذَا خلافُ الفِطرةِ الَّتِي فَطَرَ الله عليها الخلقَ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن الرؤيةَ قد تُكَذّب، وأن ما يدرك بالحواسّ لَيْسَ عَلَى الأَمْر الواقعِ مائةً بالمِئَةِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾؛ فإنَّ هَذَا كما هُوَ الواقع صَرْحٌ مُمَرَّد من قواريرَ، وتنظر إليه نظر العين ومع ذلك تَحْسَبُه لُجَّة، فدلَّ هَذَا عَلَى أن ما يُدْرَك بالحواسّ قد يقعُ فِيهِ الخطأُ، قد يَرَى الْإِنْسَان الشَّيْءَ المتحرِّكَ ساكنًا، والساكنَ متحرِّكًا، والأبيضَ أسودَ، والرجلَ امرأةً، بل قد يَتَخَيَّل له فِي بَصَرِه شيئًا وَلَيْسَ له حقيقةٌ.
وكذلك بالنِّسْبَةِ للسمع، وبهَذَا نَعْلَمُ أنَّ الشهاداتِ ورواياتِ الأخبارِ وغيرها كلها يُمْكِن أنْ يقعَ فيها الخطأ، وليستْ معصومةً مائةً بالمِئَةِ، ولكِن لَا شَكَّ أَنَّهُ كلَّما تَوَارَدَتِ الأخبارُ وتكاثَرَتْ فَإِنَّهُ يَدُلّ عَلَى أنَّ الأَمْرَ متأكَّد، ولكِن نفي احتمال الخطأ مهما بلغَ الرائي أو السامع من الْقُوَّة والأمانة فإن الخطأ عُرْضَة فيما رأَى أو فيما سَمِعَ، بل فِي المَلْمَسِ، فقد تَلْمَس الشَّيْءَ فتَظُنّه لَيِّنًا أو أملسَ وبالعكسِ، فالرجل الفلّاح يَلْمَس الشَّيْء الخشِن فيظنّه أملسَ، والناعمُ يَلْمَس الخشِنَ البسيط جدًّا
стр. 245
فيجده كالشوكِ.
فالحاصل: أن المسألةَ حَتَّى فِي الأُمُورِ الحِسِّيَّة الخطأ يمكن أن يقع، فما بالُكَ بالأُمُورِ العقليَّة؟ من باب أَولى وأعظم، وبه نعرِف ضعف الْإِنْسَان وَأَنَّهُ بحاجةٍ ماسَّة إِلَى عِلْمِ الشرعِ والوحيِ، فمهما بلغ فإنه بحاجةٍ إِلَى هَذَا الأَمْرِ.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: جعل الحواسّ من القَطْعِيَّات كما هُوَ عند المناطِقَةِ يَكُون عَلَى هَذَا خطأً؟
فالجواب: لا شكَّ فِي هَذَا، لكِن باعتبارِ الفكرِ وباعتبارِ العقلِ صحيح، إِنَّمَا الوهم قد يقع فيها.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أَنَّهُ يَنبغي تأكيد الكَلام فِي موضعِهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾، ما قَالَ: هَذَا صَرْحٌ، قَالَ: ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ﴾ و (إنَّ) للتوكيد، والتَّوْكيد هنا فِي مَحَلِّه؛ لِأَنَّهَا وإنْ لم تَكُنْ منكِرةً لكِنَّ حالَها حالُ المُنْكِرِ، حَيْثُ ظنَّته لُجَّة وكشفتْ عن ساقيها.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن الله ﵎ قد يَهَبُ المرءَ ما يُوجِب له أن يُسْلِمَ، بل قد يُيَسِّر له الأَسْبَاب الَّتِي تُوجِب إسلامَه بكلِّ سهولةٍ؛ لِقَوْلِها: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ هَذِهِ المَرْأَةُ حَسَب القصة ما وجدنا أَنَّهَا دُعِيَت وأُكِّد عليها وبُيِّنَ لها الخطأ إِلَّا فِي قوله فِي أول القصة: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣١]، لكِن لما شاهدتْ ما شاهدتْ من عظمةِ مُلك سُلَيْمَان وقوّته، عرفتْ أَنَّهُ لَا بُدَّ أن تُسْلِم، وهي تتذكر كتابَه الَّذِي قَالَ فيه: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ فإمَّا أن تسلم وَإمَّا أن يقضي عليها، ولَكِنَّهَا أسلمتْ.
стр. 246
فهَكَذَا إذا يسَّر الله تَعَالَى للعبدِ ما به الهداية فإن الأَمْرَ يَكُونُ عليه يسيرًا، وإذا لم يَتيَسَّرْ له أصبحَ كُلّ مانعٍ يَمْنَعُه منْ الِاهتداء وإنْ لم يكنْ مانعًا قويًّا.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ المَرْأَةَ آمنتْ بسُلَيْمَان، لم تُسْلِمْ إسلامًا مُطْلَقًا، يعني ما قالتْ: إني أسلمتُ للهِ فقطْ، بل صَرَّحَتْ بأنها تابعةٌ لسُلَيْمَان، يعني ما آمنتْ بنبيٍّ آخرَ أو بشريعةٍ أُخرى، آمنتْ بشريعةِ سُلَيْمَان فكانت من قَوْمِه، مَعَ أَنَّهَا كانتْ فِي سبأ فِي اليمنِ وسُلَيْمَان فِي الشامِ؛ لِأَنَّهَا قالت: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ فدلَّ هَذَا عَلَى أَنَّهَا آمنتْ به؛ لِأَنَّ ﴿مَعَ﴾ للمصاحبةِ، فكانت من أصحابِهِ المُؤْمِنيِنَ به.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: أن المَعاصِيَ ظلمٌ للنفسِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾، وسبقَ وجهُ ذلكَ وأنَّ الْإِنْسَان مؤتمَن عَلَى نفسِهِ؛ مؤتمن عَلَى نفسه من حَيْثُ السلوكُ والسيرُ، ومؤتمن عَلَى نفسه من حَيْثُ التصرفُ فِي مالِه، ومؤتمَنٌ عَلَى نفسِهِ من حَيْثُ التصرُّفُ فِي بدنِهِ، ولهَذَا نُهِيَ عن إضاعةِ المالِ (١)، ونُهِيَ عن قتلِ النفسِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وقال تَعَالَى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وَأُمِرَ بالدواءِ: "تَدَاوَوْا وَلَا تَدَاوَوْا بِالحَرَامِ" (٢)، وأُمِر بالأكل وبالشرب وباللباس وبالوقاية من الحرّ والوقاية من البرد، كُلّ هَذَا من أجل حِفْظ النفسِ الَّتِي هِيَ أمانة عندكَ، فالْإِنْسَان لَيْسَ حُرًّا يَتَصَرَّف كما يشاءُ فِي بدنه أو كما يشاء فِي سلوكه أو كما يشاء فِي مالِه، لا، هُوَ مُقَيَّد.
стр. 247
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: فِي بعض الآياتِ يُنْسَب الظُّلْمُ للنفسِ، وهنا نُسِبَ إِلَى الفاعِلِ؟ فالإجابة: لأنَّ الْإِنْسَانَ فِيهِ نفسانِ، وَقِيلَ: ثلاثةُ أنفسٍ؛ أمَّارة ومُطْمَئِنَّة ولوَّامة، والصَّوابُ أنَّ اللوَّامة من صفاتِ الاثنتينِ، فالنفسُ إمَّا أمَّارة، وهي الَّتِي تأمرُ بالشرِّ وتَنْهَى عنِ الخيرِ، وَإمَّا مُطْمَئِنَّة، وهي الَّتِي تأمر بالخيرِ، وقولها: ﴿ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ الَّتِي تقوله النفسُ المطمئنَّة.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: إثباتُ عُمُومِ رُبُوبِيَّة اللهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ولا أحدَ له الرُّبُوبِيَّة الْعَامَّة الشاملة سِوَى الله ، فالْإِنْسَان قد يَكُونُ ربًّا لبيتِه وقد يَكُون ربًّا لدابَّتِه، وقد يَكُون ربًّا لمملوكِهِ كما فِي الحديث الصَّحيح: "أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّهَا، وَأَنْ ترى الحُفَاةَ الْعُرَاةَ" (١).
وتقدَّم لنا فِي التفسيرِ أن ما ذكره المُفَسِّر من هَذِهِ الإسرائيلياتِ أَنَّهُ لا يَجِب التَّصْديقُ بها، بل ما كَانَ مِنْهَا مخالفًا للقرآنِ أو لا يليق بحالِ النَّبِيّ فَإِنَّهُ يجبُ تكذيبُه، وما كَانَ مِنْهَا لَيْسَ مخالفًا ولا منافيًا لما يليقُ بالنَّبِيّ فَإِنَّهُ لا يصدَّق ولا يكذَّب، ولا ينبغي أن يُحْكَى فِي التفسيرِ؛ فإنَّهُ إذا حُكِي فِي التفسيرِ معناه أَنَّهُ صُدِّقَ حَيْثُ جُعِلَ تفسيرًا لكلامِ اللهِ.
فائدة: القطعُ باسمها الظَّاهر منَ الأَشْيَاء الَّتِي لا تُصَدَّق ولا تُكَذَّب، لكِن لاشتهارها فلا مانعَ.
* * *
стр. 248
الآية (٤٥)
* * *
قَالَ اللهُ : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥)﴾ [النمل: ٤٥].
* * *
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ هَذِهِ الجملةُ فيها ثلاثةُ مؤكِّدات: القَسَم واللام وقد، ﴿أَخَاهُمْ﴾ مَفْعُول ﴿أَرْسَلْنَا﴾، و ﴿صَالِحًا﴾ عطف بَيَان له وَلَيْسَ بدلًا؛ لِأَنَّ كونَه عَطْفُ بَيَان أوضحُ؛ إذ إنَّهُ يُبَيِّن المُبْهَم فِي قوله: ﴿أَخَاهُمْ﴾.
يَقُول الله تَعَالَى: ﴿إِلَى ثَمُودَ﴾ ثمود هَذِهِ قبيلة موجودة فِي مكانٍ يُسمَّى الْآنَ مدائنَ صَالِح، ويسمَّى الحِجْر، ويُسمَّى ديارَ ثَمُود، هَذِهِ القبيلةُ يَسَّرَ اللهُ ﵎ لها من أَسْبابِ العمران فِي السهلِ والجبلِ ما بَرَزَتْ به عَلَى غيرِها، كما قَالَ لهم نبيُّهم مذكِّرًا لهم: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (١٤٩)﴾ [الشعراء: ١٤٩]، أرسلَ الله إليهم صالحًا وأتاهم بآيَةٍ عجيبةٍ، وهي ناقةٌ لها شِرْبٌ وللقومِ شِرب، يعني أن هَذِهِ البئر الَّتِي تشرب مِنْهَا الناقة وهي أوسع الآبار وأغزرها ماءَّ، أُذن لهم أن يشربوا مِنْهَا يومًا، وأُمِروا بأنْ يَدَعُوها يومًا للناقةِ تَشرب منها، وتذهب فِي اليوم الثاني للرعي، وَفِي اليومِ الَّذِي تشرب منه، قيل: إنَّهُم يأتون إليها، ومَن سقاها دلؤا أعطته دلوًا منَ اللَّبَن، وهَذَا من الأُمُور الإسرائيليَّة الَّتِي لا تُصدَّق ولا تكذَّب، لكِنَّهم مَعَ هَذِهِ النعمةِ العظيمةِ فِي هَذِهِ الناقةِ كَفَروها والعياذُ باللهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩)﴾ [القمر: ٢٩]، عَقَرَ هَذِهِ الناقة وكَفَروا بهَذه النعمةِ العظيمةِ.
стр. 249
يَقُول المُفَسِّر ﵀: [﴿أَخَاهُمْ﴾ من القبيلةِ]، لماذا قَالَ: من القبيلة؟ احترازًا من الدِّينِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أخا لهم إِلَّا نفرًا يسيرًا آمنوا معه.
ثم قَالَ ﵀: [﴿أَنِ﴾ أي بأن ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾]، أفادنا المُفَسِّر أنَّ (أنْ) هنا مصدرَّية، ولكِن يجوز فيها وجهٌ آخرُ أن تكون تفسيرَّية؛ لِأَنَّ ﴿أَرْسَلْنَا﴾ يتضمن: أوحينا، والوحي فِيهِ معنى القَوْلِ دونَ حُرُوفِه، وهَذَا هُوَ دلالة (أنِ) التفسيرية، أن يَسْبِقَها فعلٌ فِيهِ معنى القَوْلِ دون حروفِه.
إِذَا قُلْنَا: إنَّهَا تفسيرَّية ما صحّ أن نقدِّر الباء، أي: (بأن) بل نقدِّر (أن) بمعنى (أي) أي اعبدوا الله، يَعْنِي: أَوحينا إليه أي اعبدوا الله.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وَحِّدوه]، وهَذَا مأخوذ من تفسير ابن عبَّاس فيما أَظُنُّ فِي قوله تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]، قَالَ: لِيُوَحِّدُون.
فجعل العِبادَةَ هِيَ التوحيدَ، ولكِن الصَّحيح أن العِبادَةَ التذلُّل لله بالطاعة؛ لِأَنَّ هَذِهِ المادة: العين والباء والدال تدل عَلَى الذلّ، ومنه قولهم: طريق معبَّد أي مذلَّل لسالكيه، فعبادة الله معناها الذلُّ له بالطاعةِ، ومنه، بل من أعظم ذلك تَوْحِيدُه، فالصَّوابُ أن المُراد بالعِبادَة التذلُّل لله بالطاعة.
قال تَعَالَى ﴿فَإِذَا هُمْ﴾ الفاء حرف عطفٍ، و (إذا) فُجائيَّة، يعني فما الَّذِي حصل بَعْد إرسالِه، إذا المفاجأة بالتفرُّق.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ فِي الدين، فريق مؤمنون من حين إرسالِهِ إليهم، وفريق كافرون].
انقسم قومه إِلَى قسمينِ: قسم آمنوا به وقسم آخر كفروا به، والَّذِينَ آمنوا به هم
стр. 250
المستضعَفُونَ، كما قَالَ الله تَعَالَى فِي سورة الأعراف: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ﴾، ما قَالَ: أَتُؤْمِنُونَ به ﴿أَتَعْلَمُونَ﴾ فماذا قَالَ هَؤُلَاءِ: ﴿قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٧٥]، يعني لسنا نعلمُ فقط، بل نعلم ونؤمِن: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الأعراف: ٧٦]، ما قَالُوا: إنا به كافرون بالذي آمنتم به؛ لإظهار المضادَّة لهم والمعاندة، يعني ما دام آمنتم به وأنتم الضعفاء فنحن ضِدّكم دائمًا ﴿إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾، وهَذَا أبلغ ما يَكُون - والعياذُ بالله- من المضادَّة والمحادَّة والاستكبارِ أيضًا، كأنهم يَقُولُونَ: الَّذِي تؤمنون به نحن نكفرُ به، هَؤُلَاءِ الفريق آمنوا وفريق كفروا.
قوله: ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ يعني يجري بينهم خِصام، وهَذَا الخصام الَّذِي جرى بين قومِ صالحٍ جرى أيضًا فِي قوم الرَّسُول ﷺ وكل النَّاس قاوموه ولا بد، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٣١]، فلَا بُدَّ من هَذَا، ولا يُمْكِن أنْ يَتَمَحَّصَ الحَقّ إِلَّا بظهورِ العدوِّ؛ لِأَنَّ العدوَّ يُورِدُ، والوحي يُجيب، حَتَّى يَتَمَحَّصَ الْحَقُّ بيِّنًا ظاهرًا، حَتَّى فِي الأُمُور الواقعية، وحَتَّى فِي الانتصارِ وَفِي الخِذلان يَحْصُل هَذَا أيضًا، فالله ﵎ ذكر من فوائدِ الخِذلان فِي أُحُد ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١)﴾ [آل عمران: ١٤١]، فلا يَتبَيَّن الْحَقّ تمامًا إِلَّا بظهورِ عدوٍّ له يناقضه ويعاديه حَتَّى يَظْهَرَ الْحَقّ عَلَى الباطل.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى: أَنَّهُ يَجِب أحيانًا تأكيدُ الأخبارِ المهمَّة ليَكُونَ المخاطَبُ عَلَى يقينٍ منها، ولا تَقُل: أنا لستُ ملزومًا ولا يُهِمُّنِي صَدَّق أم كذَّب، بل إنَّ مُقْتَضَى النُّصح أن