← Тафсир

Тафсир · id 1537

تفسير العثيمين: النمل

ابن عثيمين

Полный текст (538 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

فهَكَذَا إذا يسَّر الله تَعَالَى للعبدِ ما به الهداية فإن الأَمْرَ يَكُونُ عليه يسيرًا، وإذا لم يَتيَسَّرْ له أصبحَ كُلّ مانعٍ يَمْنَعُه منْ الِاهتداء وإنْ لم يكنْ مانعًا قويًّا. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ المَرْأَةَ آمنتْ بسُلَيْمَان، لم تُسْلِمْ إسلامًا مُطْلَقًا، يعني ما قالتْ: إني أسلمتُ للهِ فقطْ، بل صَرَّحَتْ بأنها تابعةٌ لسُلَيْمَان، يعني ما آمنتْ بنبيٍّ آخرَ أو بشريعةٍ أُخرى، آمنتْ بشريعةِ سُلَيْمَان فكانت من قَوْمِه، مَعَ أَنَّهَا كانتْ فِي سبأ فِي اليمنِ وسُلَيْمَان فِي الشامِ؛ لِأَنَّهَا قالت: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ فدلَّ هَذَا عَلَى أَنَّهَا آمنتْ به؛ لِأَنَّ ﴿مَعَ﴾ للمصاحبةِ، فكانت من أصحابِهِ المُؤْمِنيِنَ به. الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: أن المَعاصِيَ ظلمٌ للنفسِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾، وسبقَ وجهُ ذلكَ وأنَّ الْإِنْسَان مؤتمَن عَلَى نفسِهِ؛ مؤتمن عَلَى نفسه من حَيْثُ السلوكُ والسيرُ، ومؤتمن عَلَى نفسه من حَيْثُ التصرفُ فِي مالِه، ومؤتمَنٌ عَلَى نفسِهِ من حَيْثُ التصرُّفُ فِي بدنِهِ، ولهَذَا نُهِيَ عن إضاعةِ المالِ (١)، ونُهِيَ عن قتلِ النفسِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وقال تَعَالَى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وَأُمِرَ بالدواءِ: "تَدَاوَوْا وَلَا تَدَاوَوْا بِالحَرَامِ" (٢)، وأُمِر بالأكل وبالشرب وباللباس وبالوقاية من الحرّ والوقاية من البرد، كُلّ هَذَا من أجل حِفْظ النفسِ الَّتِي هِيَ أمانة عندكَ، فالْإِنْسَان لَيْسَ حُرًّا يَتَصَرَّف كما يشاءُ فِي بدنه أو كما يشاء فِي سلوكه أو كما يشاء فِي مالِه، لا، هُوَ مُقَيَّد.

стр. 247

لَوْ قَالَ قَائِلٌ: فِي بعض الآياتِ يُنْسَب الظُّلْمُ للنفسِ، وهنا نُسِبَ إِلَى الفاعِلِ؟ فالإجابة: لأنَّ الْإِنْسَانَ فِيهِ نفسانِ، وَقِيلَ: ثلاثةُ أنفسٍ؛ أمَّارة ومُطْمَئِنَّة ولوَّامة، والصَّوابُ أنَّ اللوَّامة من صفاتِ الاثنتينِ، فالنفسُ إمَّا أمَّارة، وهي الَّتِي تأمرُ بالشرِّ وتَنْهَى عنِ الخيرِ، وَإمَّا مُطْمَئِنَّة، وهي الَّتِي تأمر بالخيرِ، وقولها: ﴿ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ الَّتِي تقوله النفسُ المطمئنَّة. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: إثباتُ عُمُومِ رُبُوبِيَّة اللهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ولا أحدَ له الرُّبُوبِيَّة الْعَامَّة الشاملة سِوَى الله ، فالْإِنْسَان قد يَكُونُ ربًّا لبيتِه وقد يَكُون ربًّا لدابَّتِه، وقد يَكُون ربًّا لمملوكِهِ كما فِي الحديث الصَّحيح: "أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّهَا، وَأَنْ ترى الحُفَاةَ الْعُرَاةَ" (١). وتقدَّم لنا فِي التفسيرِ أن ما ذكره المُفَسِّر من هَذِهِ الإسرائيلياتِ أَنَّهُ لا يَجِب التَّصْديقُ بها، بل ما كَانَ مِنْهَا مخالفًا للقرآنِ أو لا يليق بحالِ النَّبِيّ فَإِنَّهُ يجبُ تكذيبُه، وما كَانَ مِنْهَا لَيْسَ مخالفًا ولا منافيًا لما يليقُ بالنَّبِيّ فَإِنَّهُ لا يصدَّق ولا يكذَّب، ولا ينبغي أن يُحْكَى فِي التفسيرِ؛ فإنَّهُ إذا حُكِي فِي التفسيرِ معناه أَنَّهُ صُدِّقَ حَيْثُ جُعِلَ تفسيرًا لكلامِ اللهِ. فائدة: القطعُ باسمها الظَّاهر منَ الأَشْيَاء الَّتِي لا تُصَدَّق ولا تُكَذَّب، لكِن لاشتهارها فلا مانعَ. * * *

стр. 248

الآية (٤٥) * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥)﴾ [النمل: ٤٥]. * * * ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ هَذِهِ الجملةُ فيها ثلاثةُ مؤكِّدات: القَسَم واللام وقد، ﴿أَخَاهُمْ﴾ مَفْعُول ﴿أَرْسَلْنَا﴾، و ﴿صَالِحًا﴾ عطف بَيَان له وَلَيْسَ بدلًا؛ لِأَنَّ كونَه عَطْفُ بَيَان أوضحُ؛ إذ إنَّهُ يُبَيِّن المُبْهَم فِي قوله: ﴿أَخَاهُمْ﴾. يَقُول الله تَعَالَى: ﴿إِلَى ثَمُودَ﴾ ثمود هَذِهِ قبيلة موجودة فِي مكانٍ يُسمَّى الْآنَ مدائنَ صَالِح، ويسمَّى الحِجْر، ويُسمَّى ديارَ ثَمُود، هَذِهِ القبيلةُ يَسَّرَ اللهُ ﵎ لها من أَسْبابِ العمران فِي السهلِ والجبلِ ما بَرَزَتْ به عَلَى غيرِها، كما قَالَ لهم نبيُّهم مذكِّرًا لهم: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (١٤٩)﴾ [الشعراء: ١٤٩]، أرسلَ الله إليهم صالحًا وأتاهم بآيَةٍ عجيبةٍ، وهي ناقةٌ لها شِرْبٌ وللقومِ شِرب، يعني أن هَذِهِ البئر الَّتِي تشرب مِنْهَا الناقة وهي أوسع الآبار وأغزرها ماءَّ، أُذن لهم أن يشربوا مِنْهَا يومًا، وأُمِروا بأنْ يَدَعُوها يومًا للناقةِ تَشرب منها، وتذهب فِي اليوم الثاني للرعي، وَفِي اليومِ الَّذِي تشرب منه، قيل: إنَّهُم يأتون إليها، ومَن سقاها دلؤا أعطته دلوًا منَ اللَّبَن، وهَذَا من الأُمُور الإسرائيليَّة الَّتِي لا تُصدَّق ولا تكذَّب، لكِنَّهم مَعَ هَذِهِ النعمةِ العظيمةِ فِي هَذِهِ الناقةِ كَفَروها والعياذُ باللهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩)﴾ [القمر: ٢٩]، عَقَرَ هَذِهِ الناقة وكَفَروا بهَذه النعمةِ العظيمةِ.

стр. 249

يَقُول المُفَسِّر ﵀: [﴿أَخَاهُمْ﴾ من القبيلةِ]، لماذا قَالَ: من القبيلة؟ احترازًا من الدِّينِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أخا لهم إِلَّا نفرًا يسيرًا آمنوا معه. ثم قَالَ ﵀: [﴿أَنِ﴾ أي بأن ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾]، أفادنا المُفَسِّر أنَّ (أنْ) هنا مصدرَّية، ولكِن يجوز فيها وجهٌ آخرُ أن تكون تفسيرَّية؛ لِأَنَّ ﴿أَرْسَلْنَا﴾ يتضمن: أوحينا، والوحي فِيهِ معنى القَوْلِ دونَ حُرُوفِه، وهَذَا هُوَ دلالة (أنِ) التفسيرية، أن يَسْبِقَها فعلٌ فِيهِ معنى القَوْلِ دون حروفِه. إِذَا قُلْنَا: إنَّهَا تفسيرَّية ما صحّ أن نقدِّر الباء، أي: (بأن) بل نقدِّر (أن) بمعنى (أي) أي اعبدوا الله، يَعْنِي: أَوحينا إليه أي اعبدوا الله. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وَحِّدوه]، وهَذَا مأخوذ من تفسير ابن عبَّاس فيما أَظُنُّ فِي قوله تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]، قَالَ: لِيُوَحِّدُون. فجعل العِبادَةَ هِيَ التوحيدَ، ولكِن الصَّحيح أن العِبادَةَ التذلُّل لله بالطاعة؛ لِأَنَّ هَذِهِ المادة: العين والباء والدال تدل عَلَى الذلّ، ومنه قولهم: طريق معبَّد أي مذلَّل لسالكيه، فعبادة الله معناها الذلُّ له بالطاعةِ، ومنه، بل من أعظم ذلك تَوْحِيدُه، فالصَّوابُ أن المُراد بالعِبادَة التذلُّل لله بالطاعة. قال تَعَالَى ﴿فَإِذَا هُمْ﴾ الفاء حرف عطفٍ، و (إذا) فُجائيَّة، يعني فما الَّذِي حصل بَعْد إرسالِه، إذا المفاجأة بالتفرُّق. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ فِي الدين، فريق مؤمنون من حين إرسالِهِ إليهم، وفريق كافرون]. انقسم قومه إِلَى قسمينِ: قسم آمنوا به وقسم آخر كفروا به، والَّذِينَ آمنوا به هم

стр. 250

المستضعَفُونَ، كما قَالَ الله تَعَالَى فِي سورة الأعراف: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ﴾، ما قَالَ: أَتُؤْمِنُونَ به ﴿أَتَعْلَمُونَ﴾ فماذا قَالَ هَؤُلَاءِ: ﴿قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٧٥]، يعني لسنا نعلمُ فقط، بل نعلم ونؤمِن: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الأعراف: ٧٦]، ما قَالُوا: إنا به كافرون بالذي آمنتم به؛ لإظهار المضادَّة لهم والمعاندة، يعني ما دام آمنتم به وأنتم الضعفاء فنحن ضِدّكم دائمًا ﴿إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾، وهَذَا أبلغ ما يَكُون - والعياذُ بالله- من المضادَّة والمحادَّة والاستكبارِ أيضًا، كأنهم يَقُولُونَ: الَّذِي تؤمنون به نحن نكفرُ به، هَؤُلَاءِ الفريق آمنوا وفريق كفروا. قوله: ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ يعني يجري بينهم خِصام، وهَذَا الخصام الَّذِي جرى بين قومِ صالحٍ جرى أيضًا فِي قوم الرَّسُول ﷺ وكل النَّاس قاوموه ولا بد، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٣١]، فلَا بُدَّ من هَذَا، ولا يُمْكِن أنْ يَتَمَحَّصَ الحَقّ إِلَّا بظهورِ العدوِّ؛ لِأَنَّ العدوَّ يُورِدُ، والوحي يُجيب، حَتَّى يَتَمَحَّصَ الْحَقُّ بيِّنًا ظاهرًا، حَتَّى فِي الأُمُور الواقعية، وحَتَّى فِي الانتصارِ وَفِي الخِذلان يَحْصُل هَذَا أيضًا، فالله ﵎ ذكر من فوائدِ الخِذلان فِي أُحُد ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١)﴾ [آل عمران: ١٤١]، فلا يَتبَيَّن الْحَقّ تمامًا إِلَّا بظهورِ عدوٍّ له يناقضه ويعاديه حَتَّى يَظْهَرَ الْحَقّ عَلَى الباطل. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى: أَنَّهُ يَجِب أحيانًا تأكيدُ الأخبارِ المهمَّة ليَكُونَ المخاطَبُ عَلَى يقينٍ منها، ولا تَقُل: أنا لستُ ملزومًا ولا يُهِمُّنِي صَدَّق أم كذَّب، بل إنَّ مُقْتَضَى النُّصح أن

стр. 251

تؤكِّد ما يَنْبَغِي تأكيده للمخاطَبِ، وجه ذلك: أن اللهَ ذكرَ أَنَّهُ أرسلَ إِلَى ثمودَ أخاهم صالحًا وأكَّد هَذَا الخبرَ. الْفَائِدَةُ الْثَّانِيَةُ: أن الرسُل السابقينَ رِسالتهم خاصَّة وليستْ عامَّةً؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ﴾ ما قَالَ: إِلَى النَّاس جميعًا، بل قَالَ: ﴿إِلَى ثَمُودَ﴾ وهَذَا ثبتَ به الحديثُ عن النَّبِيّ ﷺ فِي قولِهِ: "وَكانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً" (١). الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ يَصِحّ إطلاق الأُخُوَّة النَّسَبِيَّة بين المسلمِ والكافرِ، فلا يقال: إذا انتفتِ الأخوَّة الإِيمانية انتفت الأخوَّة النَّسَبِيَّة، بل إذا انتفى أحدهما يبقى الآخرُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن الَّذِي أُرسلتْ به الرّسُلُ هُوَ ما خُلِقَ له البشرُ، بل الجنّ والإنس، وَهُوَ عبادةُ اللهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ والعِبادَةُ سَبَقَ مَعناها. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: انقسام النَّاس إِلَى فريقينِ فِي مواجهةِ الرُّسُلِ: مؤمن وكافر، وهَذَا لتحقيقِ الحِكْمَة الابتدائيَّة والغائيَّة فِي خلق الله، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢]، لو كانوا كلهم مُؤْمِنيِنَ لم يكنْ منهم كافرٌ ومنهم مؤمنٌ، هَذِهِ حِكْمَة ابتدائيَّة بالخلقِ منذُ خُلِقوا، أيضًا لتتمَّ الحِكْمَة الغائيَّة، فالحِكْمَة الغائية أن الله تَعَالَى خلقَ جنَّةً ونارًا، وخلق لكلًّ منهما أهلًا، فلو كَانَ النَّاس كلُّهم مُؤْمنيِنَ لم يكنْ لخلقِ النَّار فائدة، ولهَذَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ

стр. 252

رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩]، هَدا ابتداءً، ثانيًا ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩]، هَذَا الغاية؛ إذ لو لم يكنْ مؤمنٌ وكافرٌ فلا تتمُّ كلمةُ الله بملءِ جَهنَّم. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: وقوعُ الخِصام بين المُؤْمِنِينَ والكَافِرِينَ، وَأَنَّهُ أمر لَا بُدَّ منه (١)، حَتَّى إنَّهُ ربما يصل هَذَا الخصام إِلَى الصدامِ المسلَّح، وهَذَا واضح؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾، وقال تَعَالَى فِي هَذِهِ الأُمَّة: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩]، فالخصامُ لَا بُدَّ منه مَعَ أعداءِ الرُّسُلِ وأولياءِ الرُّسُلِ، وربما يصل ذلك إِلَى اصطدامِ مسلَّح والقتال وهَذَا أمرٌ مُشاهَدٌ. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن كُلّ متصدٍّ للدعوةِ إِلَى اللهِ فلا بد أن يجدَ خُصُومًا؛ لِأَنَّهُ إذا كانت الدَّعْوَة فِي ابتدائها مَعَ مَن جاء بها وَهُوَ الرَّسُول ﷺ تُلاقِي ذلكَ، فما بالُك بانتهائها، وقوله تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٣١]، قد نتوسع فِي معناه ونَقُول: لكل نبيٍّ لا لشخص النبي، ولكِن لدعوة النبي، بدليل أن النَّبِيّ قبل أن يُبْعَث لم يكن له عدوٌّ، والرَّسُول ﷺ كَانَ يُسمَّى الأمينَ عند قريشٍ قبلَ أن يُبعَث، وكانوا يقدِّرونه ويعظِّمونه ويحبونه، وبعد أن بُعث وصار نبيًّا قامت الحرب بينهم وبينه. إِذَنْ: يمكن أن نَقُول: إن قول الله تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ﴾ [الفرقان: ٣١]، أي: من حَيْثُ الدَّعْوَةُ، وَعَلَى هَذَا فما بَقِيَتْ هَذِهِ الدَّعْوَة سوف يَكُون لها عدوٌّ من المجرمينَ.

стр. 253

الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: أن فِي هَذِهِ الآيَة أعظمَ تأييد للداعي إِلَى الله، حَيْثُ وصف الله خصومَه بالإجرامِ، فما دام الداعي معتقدًا وواثقًا من نفسِه أَنَّهُ عَلَى بصيرة فَلْيَبْشِر بالتأييد ولو بالعاقبة، والله ﵎ لا يُصْلِح عمل المجرمين. * * *

стр. 254

الآية (٤٦) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦)﴾ [النمل: ٤٦]. * * * قَالَ المُفَسِّر: [﴿قَالَ﴾ للمكذبين: ﴿يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ أي: بالعذابِ قبلَ الرَّحْمَةِ؛ حَيْثُ قلتم: إن كَانَ ما أتيتنا به حقًّا فأْتِنا بالعذابِ]. قوله: ﴿لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ الاسْتِفْهام هنا للإنكارِ والتوبيخِ والتعجُّب، يعني أَنَّهُ يُوَبِّخُهم وينكر عليهم هَذَا الأَمْرَ ويتعجب من حالهِم؛ لِأَنَّ حال العاقلِ أن يستعجلَ بالحسنةِ قبلَ السيئةِ، لا أن يستعجلَ بالسيئةِ قبلَ الحسنةِ، لكِن السفيه -والعياذ بالله- سفيهٌ، مثلما قالت قريشٌ: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢)﴾ [الأنفال: ٣٢]، ما قَالُوا: إن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقّ فاهْدِنا إليه، قَالُوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢)﴾ [الأنفال: ٣٢]، ما قَالُوا: إن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقّ فاهدنا إليه، قَالُوا: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا﴾، وهَذَا - نسأل الله العافية - فِي غايةِ ما يَكُونُ مِنْ الاستكبار والاستهتارِ، هَؤُلَاءِ يستعجلون بالسيئةِ قبلَ الحسنةِ وَيقُولُونَ: ﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٩]، وهَذَا التحدِّي من أعداء الرُّسُلِ للرسلِ يَدُلّ عَلَى تماديهم فِي العنادِ وأنهم غيرُ مُؤْمِنيِنَ،

стр. 255

"وَاللهِ لَيُتِمَّنَّ اللهُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى تَقُومَ الظَّعِينَةُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ" (١). فهل معنى ذلك أَنَّهُ يجوز للمرأةِ أن تسافرَ بدونِ مَحْرَمٍ؟ لا. فما أخبر به النَّبِيّ ﷺ مما يقع لا يَلْزَم منه الجواز. * * *

стр. 256

من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى: الإنكار عَلَى مَنِ استعجلَ بالسيئةِ قبلَ الحسنةِ، والاستعجال عَلَى نوعينِ: أحدهما: استعجالٌ بالقَوْلِ، بأَنْ يَقُوُلوا: ﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٩]، ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢]، واستعجال بالفِعْل والحال؛ بأن يسلكوا مسلكًا يَكُون به العذابُ، وذلك بالمَعاصِي؛ فإن المعصيةَ استعجالٌ بالعذابِ بلَا شَكّ. فالَّذِينَ يَعصون الله معناه أَنَّهُم استعجلوا عذابهم، حَيْثُ إِنَّهُ ﷺ أخبر بأن المَعاصِيَ سببٌ للعقوبةِ والعذابِ، فإذا صار الْإِنْسَان يمارس هَذِهِ المَعاصِيَ فَإِنَّهُ يَقُول بلسانِ حالِه: أين العذابُ، لِأَنَّ الله تَعَالَى رتَّب العذاب عليها، ففاعلها يَقُول: هاتِ؛ لِأَنَّ فاعل السَّبَب يُريد وقوع المسبَّب. وَعَلَى هَذَا فإذا رأيت الأمَّةَ عَلَى معصيةِ الله وإن لم تقلْ: أين عذاب الله وأين ما وعدتم به؟ فإنها فِي الحقيقة تَستعجلُ عذابَ اللهِ ، فالاستعجال يَكُون بقال الْإِنْسَانِ وحالِه. الْفَائِدَةُ الْثَّانِيَةُ: نُصْح الرُّسُلِ لِأُمَمِهم؛ لِأَنَّ إنكار صالحٍ عَلَى قومِه لأنه يريد منهم أن يَستقيموا عَلَى أمرِ اللهِ، ولهَذَا قَالَ: ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن الاستغفارَ سببٌ لرفع العقوبةِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾ وَهُوَ كذلك، فإن الاستغفار سببٌ لرفعِ العقوبةِ. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن الاستغفار سببٌ لِجَلْبِ الرَّحْمَةِ، وَهُوَ أمر فوقَ دَفْعِ العقوبة؛ لِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، وقد قَالَ نوحٌ لِقَوْمِهِ: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ

стр. 257

غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢]، وهَذِهِ رحمةٌ منَ اللهِ نتيجة الاستغفار. إِذَنْ: فالاستغفارُ سببٌ لاندفاعِ النِّقَمَ وجلبِ النعمِ، والاستغفار هُوَ طلب المغفرة. والمغفرة سَتْر للذنبِ مَعَ التجاوزِ، وطبعًا طالب المغفرةِ يَستلزم طَلَبُه للمغفرةِ إذا كَانَ حقيقة أنْ يُقْلِعَ عنِ الذنبِ؛ لِأَنَّهُ كيف يَقُول: أستغفرُ اللهَ من الربا وَهُوَ يقع فِي الربا، لا يَصلُح هَذَا، فطالب الشَّيْء لَا بُدَّ أن يسعى بأَسْبابِهِ، إذا قلت: اللهمَّ ارْزُقْنِي ولذا صالحًا وقلت: لن أتزوجَ، إذا كَانَ الله مقدِّرًا لي ولدًا صالحًا سيأتي، فهذا لا يصلح، فلا ينفع أن تستغفرَ اللهَ وأنتْ لم تفعلْ أَسْبابَ المغفرةِ، فلا بدَّ من فعل أَسْبابِ المغفرةِ بالإقلاع عن المعصيةِ ثُمَّ طلب أن يغفر الله لك. وإذا كَانَ الاستغفارُ سببًا لجلبِ الرَّحْمَةِ فَإِنَّهُ من أَسْبابِ الفتحِ عَلَى المرء بالعلمِ؛ أن اللهَ يَفْتَح عليه عِلمًا لم يكنْ يَعْلَمُه من قبلُ، يَقُول الله : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النِّسَاء: ١٠٥ - ١٠٦]، وَكَانَ بعضُ أهلِ العلمِ إذا سئل عن مسألةٍ قدَّم بين يديْ إجابتِه الاستغفارَ، فقال: أستغفرُ اللهَ، أستغفرُ الله، حَتَّى يُفْتَحَ له، وهَذَا ظاهر؛ لِأَنَّ الذنوبَ تَحُولُ بين المرء وبين العلمِ، وبين المرءِ وبين الفَهْمِ، فإذا غُفِرَت زال هَذَا الحجابُ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: ١٣]، الأوَّل باختيارهم وَهُوَ التحريف، والثاني بغير اختيارِهِم، وَهُوَ النِّسيانُ. فالمَعاصِي سببٌ للحِرمانِ من العلمِ والفهمِ، والاستغفار رفع للمعاصي

стр. 258

وآثارِها، فيقتضي العلم والفهم، ومناسبته منَ الآيَةِ الَّتِي سُقناها من آيَة النِّسَاءِ واضحةٌ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النِّسَاء: ١٠٥ - ١٠٦]، فتعقيب الحكمِ بين النَّاس بالاستغفارِ دليلٌ عَلَى أن الاستغفارَ من أدوات الحكم بالحق، وَكَانَ رسول الله ﷺ يُكْثِر الاستغفارَ حَتَّى إنَّهُ لَيَسْتَغْفِرُ الله ويتوب إليه فِي اليوم أكثرَ من سبعينَ مرَّةً (١)، ويُحفَظ له فِي المجلسِ الواحدِ أكثر من مائةِ مرةٍ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْه؛ لِأَنَّهُ ﵊ قد غفرَ اللهُ له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر (٢) فكانت أَسْباب المغفرة فِي حقِّه أكثر من غيره. ومن أَسْباب المغفرة أن يستغفرَ بلسانه، وَهُوَ ﵊ يعلم أن الأَشْيَاء بأَسْبابها، عَلِمَ أن اللهَ غفر له ما تقدمَ من ذنبه وما تأخَّر، فجعل يُكْثِر من أَسْباب المغفرةِ بالاستغفارِ بلسانِه، وكذلك أيضًا بفعل أَسْبابِ المغفرةِ بأفعالِه، وهَكَذَا ينبغي للإِنْسَانِ إذا منّ اللهُ عليه بشيءٍ أن يحقِّق ذلك الشَّيْء بفعلِ الأَسْبَاب ولا يتَّكل. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثبات الحِكْمَة لله تَعَالَى؛ لِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ فالرَّحْمَة لها سبب، وكون الله ﵎ يَقْرِنُ أفعالَه بأَسْبابها يَدُلّ عَلَى كمالِ الحِكْمَةِ؛ لِأَنَّ من يفعل أفعالًا عَنْجَهِيَّة لَيْسَ لها أَسْباب فهَذَا سفيه، لكِن عليه أن يربط الأفعال بأَسْبابها. * * *

стр. 259

الآية (٤٧) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧)﴾ [النمل: ٤٧]. * * * لمَّا حَثَّهم عَلَى الاستغفارِ وبيَّن لهم نتائجَه الطيِّبة كَانَ جوابهم: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ -أعوذ بالله- فهَذَا الجوابُ يعني أنك ما أتيتَ لنا بفائدةٍ، بل صِرت شؤمًا علينا، أنت وأتباعك، وهَذَا حال الَّذِينَ يتطيرون بأهل الخيرِ، والله ﵎ قد يَفْتِنُ النَّاسَ، فقد يقع مثلًا فِي مجيء الخيرِ أو معه بعضُ الآفاتِ أو بعضُ الأَشْيَاء المكروهةِ لدى النَّاس؛ ليَكُونَ ذلك فتنة وابتلاءً، ربما مثلًا يَحُلّ رجلٌ من أهل العلمِ والعِبادَةِ فِي بيتٍ ثُمَّ يَحترق هَذَا البيت؛ ابتلاء من الله وامتحانًا، فأهل الشَّرّ يَفرَحون وَيفْرَهُونَ، يَقُولُونَ: انظُرْ أَسْباب الطَّوْع، احترقَ البيتُ لما جاء هَذَا الرَّجل. والله تَعَالَى قد يَفتِن النَّاسَ، قَالَ : ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأَنْبِياء: ٣٥]. هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إنَّهُ بمجيء صالحٍ ومعصيةِ قومِه عاقبهم الله تَعَالَى بالقَحْطِ والجَدْبِ وغَورِ المياهِ، فقَالُوا: أنت يا صالح ومن معَك ما جئتمونا بخير، ما جئتمونا إِلَّا بالقحطِ والجدبِ وغور المياهِ، فتطيروا به، وقَالُوا: ﴿اطَّيَّرْنَا بِكَ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀:

стр. 260

[أصله: (تَطَيَّرْنَا) أُدْغِمَتِ التاءُ فِي الطاءِ]، وهَذَا الإدغام عَلَى غير خلافِ القَاعِدةِ، إذ إن الإدغام بين الساكنِ والمتحرِّك، وهَذَا بين متحركينِ، فَأُدْغِمَت التاء فِي الطاء، ولمَّا أُدغمت التاء فِي الطاء صار الحرف الأول منهما ساكنًا، ويلاحظ أيضًا أَنَّهُ بَعْد الإدغام قُلِبَتِ التاءُ طاءً، والساكن لا يمكن الابتداء به فاجتُلبتِ الهمزةُ لتسهيلِ النطقِ به، ولهَذَا قَالَ المُفَسِّر ﵀: [واجتلبت همزة الوصلِ]، لتسهيل النطقِ بالساكنِ. ومعنى ﴿اطَّيَّرْنَا﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أي: تَشَاءَ مْنَا]، من الشؤمِ، والشؤم معناه: توقُّع الشَّرّ من مُشَاهَدٍ أو مسموعٍ أو زمن أو حال، ولهَذَا قَالُوا: إن التطيُّر مأخوذٌ من الطيرِ، وكانوا فِي الجاهلية يَتشاءمون بالطيورِ، وعندهم قواعد لهَذَا التشاؤمِ، فيَبعثونها؛ فإذا ذهبت يمينًا يتفاءلون أو يسارًا يتشاءمون، أو أمامًا أظن يعيدونها مرة ثانية، وخلفًا يتشاءمون أكثر، فلذلك سُمِّي هَذَا التشاؤم تطيّرًا، مأخوذ من الطير؛ لِأَنَّ غالب تشاؤم العرب بها، فهم يَقُولُونَ: ﴿اطَّيَّرْنَا بِكَ﴾ أي: تشاءمنا، وَكَانَ مجيئك شُؤمًا علينا أنت وأتباعك. إِذَنْ: ما هُوَ التطيُّر؟ هُوَ التشاؤم بمرئيٍّ أو مسموعٍ أو زمان أو مكان أو حال التشاؤم، بمرئيٍّ: كَأَنْ يرى الْإِنْسَان شيئًا فيتشاءم، افرض أَنَّهُ مثلًا أرادَ أن يسافرَ فقابله إِنْسَانٌ هو يَكْرَهه، قَالَ: إذن رَجَعنا. أو هَمَّ أن يسافر فلما خرج سمِع رجلًا يَقُول: مات فلان بن فلان، قَالَ: إذن رجعنا. فهَذَا تشاؤُمٌ بمسموعٍ. أو زمان: يتشاءم بيومٍ من الأيام؛ بيوم الأربعاءِ، يوم الخميس، أو شهر من الشهور؛ كشهر شوال، وكان العرب يتشاءمون بشهر شوال فِي الزواجات، يَقُولُونَ: الَّذِي يتزوَّج فِي شهر شوال ما يوفَّق، لكِن

стр. 261

عائشة أبطلتْ ذلك بالواقعِ، قالت: "إِنَّ الرَّسُولَ. ﵊ تَزَوَّجَهَا فِي شَوَّالٍ، وَبَنَى بِهَا فِي شَوَّالٍ، فَأَيُّكُنَّ كَانْتَ أَحْظَى عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ " (١). إِذَنْ: ينبغي إن أردنا أن نعملَ بالتشاؤمِ أو التفاؤلِ أن نتفاءل بشهر شوال، ولكِن مَعَ ذلك لا نتفاءل بالزمانِ ولا نتطير به، فالخيرُ والشرُّ بيدِ اللهِ . ومنهم من يتشاءم بالمكانِ؛ فتجده مثلًا يريد أن يجلسَ فِي هَذَا المكان ثُمَّ تَبُطُّه شوكةٌ، يَقُول: إذن قُمنا، هَذَا لا يمكن أن نجلسَ فيه. أو يتشاءم بالحالِ؛ حال الشخصِ مثلًا، فالتشاؤم بالحالِ أيضًا هَذَا تطيُّر، ولا يجوز، فقد يعمل مثلًا الْإِنْسَان عملًا فيعاكسه فِي أوَّل أمرِهِ، أو مثلًا يَهُمُّ أن يفعلَ شيئًا غدًا وإذا كَانَ الغد إذا هُوَ معه بعضُ التعبِ والعجز، فيتشاءم وَيعْدِل بسببِ هَذِهِ الأحوالِ الَّتِي تعرِض له، فنَقُول: كُلّ هَذَا لا يجوزُ، أنت إذا عزمتَ فتوكَّل عَلَى اللهِ، "اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ، ولا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ" (٢)، فالْإِنْسَانُ مِثْلَمَا قَالَ القُرْطُبِيُّ - وكذلك غيرُه من أهل العلمِ-: الَّذِي يُعَلِّق تصرفاته بمثلِ هَذِهِ الأُمُورِ فَهُوَ من أجهلِ النَّاسِ حقيقة، ثُمَّ إنَّهُ ما يمكِن أن يمشيَ له حال إذا كَانَ ينظر إِلَى هَذِهِ الأَشْيَاء. ولكِن يلاحظ أن الفألَ الَّذِي يُعين عَلَى فعلِ الخيرِ لا يدخل فِي هَذَا الأَمْرِ، فكَانَ الرَّسُول ﵊ يُعْجِبُه الفأل ولكِنه يَكْرَهُ الطِّيَرَةَ (٣)؛ لِأَنَّ الطيرةَ فيها

стр. 262

تعلُّق الْإِنْسَان بغير اللهِ بمثلِ هَذِهِ الأُمُور، وفيها أيضًا مَنعٌ للإِنْسَانِ عما يريده من الخيرِ، لكِن التفاؤل فِيهِ التشجيعُ عَلَى الخيرِ. لمّا جاء سُهَيْلُ بنُ عَمْرٍو فِي صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ قَالَ النَّبِيّ ﵊: "قَدْ سَهُلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ" (١)، لكِن لَا بُدَّ أن يَكُون التفاؤل يتعلق بشيءٍ يتعلق به، وَأَمَّا مجرَّد أن يرى واحدًا فِي السوقِ اسمه يزيد أو اسمه صالح أو اسمه راشد، فلا، لَيْسَ هَذَا، لكِن الشَّيْء الَّذِي لي معَه معاملة فأنا قد أتفاءل، وسُهيل بن عمرو له معاملةٌ مَعَ الرَّسُول ﷺ فتفاءل، وهَذَا يَكُون من بابِ فتحِ الأُمُورِ باليسرِ. فالحاصل: أن التفاؤلَ غيرُ التشاؤمِ، والفرق بينهما أن التشاؤمَ من فِعلك، والشؤم من فعل غَيْرِك، وهَذَا واضح أن الله جَلَّ وَعَلَا قد يجعل فِي هَذَا الشَّيْء خيرًا وبركةً للإِنْسَانِ، وَفِي هَذَا الشَّيْء شُؤمًا وبلاءً. واعلمْ أن التشاؤم غير الشؤم، فإن الشؤم قد يَكُون فِي بعضِ الأَشْيَاء مثلما أخبر النَّبِيّ ﵊ أَنَّهُ يَكُون فِي المَرْأَةِ وَيكُون فِي الدارِ وَيكُون فِي الدابّة، وهَذَا شَيْء مشاهَد، أن الْإِنْسَان قد ينزِل بعض الدُّور وَهُوَ لا يتشاءم لكِن يَكُون فيها شؤم، تكون دائمًا خرابًا مثلًا، ودائمًا تحتاج إِلَى أعمالٍ وتتعبه، فإذا ارتحل عنها ارتاح ووجد ما يريد، كذلك بعض السيارات - وإن كَانَ أغلب النَّاس لَيْسَ عندهم دوابّ - في بعض الأحيان الْإِنْسَان يشتري سيارة ويكدها وتتعبه كُلّ يوم يخرب مِنْهَا شَيْء ثُمَّ يبيعها ويشتري سيارةً ثانيةً ويرتاح لها، ومثلها أيضًا في بعض الأحيان يشتري الْإِنْسَان قلمًا - حتى فِي الأَشْيَاء الصغيرة - فيبدأ كُلّ يوم يتعبه؛ بَحِفّ المِدَاد، وتَجِد

стр. 263

الريشةَ أيضًا لا تستقيم معه، ومرة يضيع منه فيُتعبه، ويشتري قلمًا آخرَ ويبقى عنده مدَّة، لكِن هَذَا لَيْسَ تشاؤمًا ولكِنه شؤم. كذلك في بعض النِّسَاء، فيتزوج الْإِنْسَان امرأة وتتعبه ليلًا ونهارًا، فِي حوائجه الْعَامَّة والخاصَّة ومع أهله وأقاربه، ويتزوج أخرى فتكون راحةً نفسية وقُرَّة عَيْن. فالحاصل: أن هَذِهِ الأَشْيَاء أمرها واقع، ولكِن الرَّسُول ما قَالَ: (التشاؤم) قَالَ: (الشؤم)، وفرق بين هَذَا وبين هَذَا، فمعنى ذلك أن هَذِهِ الأَشْيَاء يجد النَّاس فيها أحيانًا بركةً وراحةً، وأحيانًا يجدون فيها قَلَقًا وتَعَبًا. لَوْ قَالَ قَائِل: الرَّسُول ﷺ قَالَ: "الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثٍ ... " وذَكَرَها (١)، وقال: "الخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" (٢)، فامتدحَ حالها مَعَ الشخصِ، فهل معقود فِي نواصيها الخير مُطْلَقًا أو فِي حال الجهاد؟ فالإجابة: في حالِ الجهادِ؛ لِأَنَّ الخيلَ قد تكون وِزرًا، والرَّسُول ﵊ ذَكَرَ بعدها مثالًا فِي الَّذِي يربطها بالجهادِ فِي سبيل اللهِ أَنَّهَا لا تستبين ولا تعلو شَرَفًا ولا تأتي رَوْضَةً ولا تشرب ماءً إِلَّا كان له أَجْرٌ (٣)، فالسَّبَب يَقتضي ذلكَ، وإن كانتِ العبرةُ بعمومِ اللفظِ، لكِن ما دام أن السَّبَب صالحٌ لإحالةِ الحكمِ عليه فيجب أن

стр. 264

يُقَيَّد به، مثل قول الرَّسُول ﷺ : "لَيْسَ مِنَ الْحَقِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ" (١)، وهَذَا اللفظ عامٌّ، مَعَ أَنَّهُ هُوَ نفسه يصوم فِي السفرِ، إذن يُخصَّص بالسَّبَب الَّدِي وَرَدَ فِيهِ؛ وَهُوَ أَنَّهُ إذا كَانَ الصِّيَام يؤدِّي إِلَى مثل هَذِهِ الحال فليس من البرِّ، وأيضًا الخيل قد تكون وِزْرًا. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل للأسماء تأثيرٌ في مُسَمَّيَاتِها؟ فالإجابة: ليس لها تأثيرٌ إِلَّا إن كَانَ ذلك من طريقِ الوحيِ، والواقعُ يَشْهَدُ بأنه لا حقيقة لذلك، فتجد هَذَا اسمه عبد الله وَهُوَ عبدٌ للشيطان، وتجد هَذَا اسمه شرورة وتجده من أخيرِ النَّاسِ، إِلَّا شيئًا يَكُونُ بطريقِ الوحيِ؛ كابن أبي طَلْحة سمَّاه الرَّسُول ﷺ عبد الله (٢)، ولما دعا له بالبركة باركَ اللهُ له حَتَّى كَانَ من أولادِهِ تسعة أو سبعة يَحْفَظُونَ الْقُرْآن، لكِن يَنبغي أن يُراعَى فِي الأسماءِ ما أرشدَ إليه الرَّسُول ﵊، فأحبُّ الأسماءِ إِلَى اللهِ عبدُ اللهِ وعبدُ الرحمنِ (٣)، فعبدُ اللهِ وعبدُ الرحمنِ أفضلُ من صالحٍ ومن راشدٍ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل يجوز أن يسميَ الْإِنْسَانُ اسمًا ليتفاءلَ به؟

стр. 265

فالإجابة: لا أدري كون الْإنْسَان يُسمِّي اسمًا ليتفاءلَ به، والرَّسُول ﷺ قَالَ: "لَا تُسَمِّ غُلَامَكَ يَسَارًا وَلَا نَجَاحًا" (١)، وأيضًا كونك إذا سَمَّيْتَ بأسماء رجالٍ صالحينَ يَكُون مثلهم هَذَا أبعد وأبعد إِلَّا إذا كَانَ عَلَى سبيل المحبَّة لهم، مثلما يفعل بعض النَّاس الْآنَ فيُسمّون بأسماء الزعماء الَّذِينَ يحبّون، وأيضًا لا يَكُونون مثلهم. قوله: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ هَذَا جوابُ الرُّسُلِ، وهَذَا الجواب تجدونه أيضًا قد أجابَ به بنو إسرائيلَ مُوسَى، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [لأعراف: ١٣١]، وكذلك أصحابُ القريةِ الثلاثة تَطَيَّروا بالرسُلِ الَّذِينَ أُرسلوا إليهم. عَلَى كُلِّ حَالٍ: هَذَا جوابُ أهلِ الشرِّ، أَنَّهُم يجعلون الأَسْبَاب الَّتِي هِيَ من أفعالهِم ونتيجةً لأفعالهم يجعلونها بأَسْبابِ هَؤُلَاءِ المصلِحين. والحقيقة أَنَّهَا وقعتْ جزاءً عَلَى أفعالِ الكفَّار. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ أي: تَشاءمنا ﴿بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ أي: المُؤْمِنيِنَ حَيْثُ قُحِطوا المطرَ وجَاعوا]، قُحِطوا بمعنى مُنِعوا المطرَ وجاعوا، ثُمَّ قَالَ ﵀: [﴿قَالَ طَائِرُكُمْ﴾ شُؤْمُكم ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أتاكم به ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾]. قوله: ﴿قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ يعني: وَلَيْسَ منا، ﴿طَائِرُكُمْ﴾ بمعنى شُؤْمِكم، والمُرادُ ما أصابكم مما تَشَاءَمْتُم به - وَهُوَ القَحْطُ والجوع - عند الله وَلَيْسَ منِّي أنا، وإذا كَانَ عند الله فهَذَا من أبلغِ الجوابِ، إذا كَانَ عند الله فإن اللهَ تَعَالَى

стр. 266

حكيمٌ، ما يُنْزِلُ هَذَا الشَّيْءَ إِلَّا فِي مَنْزِلَتِهِ وبأَسْبابِهِ الَّتِي يُسْتَحَقُّ بها، فكأنه يَقُول: ما دام عند الله فالله تَعَالَى حكيمٌ، ما أنزل هَذَا الشؤمَ إِلَّا فِي مَوْطِنِهِ ومَوْضِعِهِ. قوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ هَذَا الإضرابُ لَيْسَ لإبطالِ الأوَّل، ولكِنه للانتقالِ، فهو إضرابٌ انتقاليٌّ، وكما هُوَ معروفٌ أن الإضرابَ يَكُون عَلَى نوعينِ: إضراب إبطاليّ يَكُونُ الحكمُ لمَا بعدَ (بل) ويُبْطِل ما قبلَها، والثاني: إضرابٌ انتقاليّ، مثل هَذا الآيَةِ، ومثل قوله تَعَالَى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل: ٦٦]، انتقالٌ من شيءٍ إِلَى شيءٍ. هنا الإضرابُ انتقاليٌّ؛ لِأَنَّهُ عند الله يَفْتِنُهُم بما حصل ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾. ووجه الفتنة: أولًا: أَنَّهُم نَسبوا هَذَا إِلَى صالح ومن معه، وهَذه فتنة عظيمة ضلَّ بها هَؤُلَاءِ. ثانيًا: أَنَّهُ أصابَهم مَعَ مجيءِ صالحٍ إليهم، فظَنُّوا أو ادَّعوا أن أَسْباب ذلك صالحٌ ومن معَه، ففُتِنُوا بذلكَ فابتعدوا عنِ الحقِّ. ومثلما تقدَّم قبل قليلٍ بالتمثيلِ بأن يحدثَ مكروهٌ عندَ وجودِ رجلٍ صالحٍ فيُنْسَب هَذَا المكروهُ إِلَى هَذَا الرجلِ الصالحِ، ومجيءِ هَذَا الرجلِ الصالحِ، فيَكُون فِي ذلك فتنة، والله حَكيمٌ يَفْتِن الْإِنْسَانَ ويَخْتبره بأنواعِ المفاتنِ، تارَةً بالمصائبِ، وتارَةً بالنِّعَمِ، وتارَةً بالأُمُور الَّتِي تُوجِب الاشتباهَ لِيَمْتَحِنَهُ بذلك، ولهَذَا الدُّنْيا كلها محِنَةٌ، ما دام الْإِنْسَان دائرًا بينَ أمرينِ: إمَّا شرّ وَإمَّا خير، وكُلّ حياتِكَ هَكَذَا شرّ أو خير، وكلاهما يَقُول الله فيه: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأَنْبِياء: ٣٥]. إِذَنْ: معناه انْتَبِهْ يا أيها الْإِنْسَان، انتَبِهْ فالفضلُ: لِيَبْلُوَنِي أأشكر أم أكفر، والمصائب: لِيَبْلُوَنِي أأصبر أم أَجْزَع، والشُّبُهات العلمية الَّتِي تَرِد عَلَى قلب الْإِنْسَان لِيَبْلُوَه هل يَثْبُتُ أو يَزيغ، والمسائل كلها فِي الحقيقةِ فتنةٌ واختبارٌ منَ الله ،

стр. 267

ولهَذَا يَجِب عَلَى العاقلِ أن يَكُون حَذِرًا دائما، ولستُ أدعو فِي قولي هَذَا إِلَى سوء الظن باللهِ ، ولكِني أدعو إِلَى النظرِ فِي الأُمُورِ ليَكُونَ تَصَرُّفنا عَلَى وجهٍ سليمٍ. ولكِن مَعَ ذلك أقول: إنَّهُ إذا تجاوز الْإِنْسَان هَذِهِ الفتنةَ حصلَ له الثباتُ والاستقرارُ؛ لِأَنَّهُ يطمئنّ قلبُه ويرسُخ فِي هَذِهِ الأُمُورِ ولا يَزيغ بإذن الله بَعْد ذلك، لكِن قد يُفْتَن المرء، فلْينظُرْ، ولهَذَا قَالَ: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ تُفتنون بالخيرِ والشرّ، ووجهُ الفتنةِ فِي هَؤُلَاءِ: البلاء الَّذِي أصابهم بسببِ دعوةِ صالحٍ إِلَى عبادةِ اللهِ فَكَفَرُوا فعُوقِبُوا، فهَذه من الفتنِ؛ لِأَنَّهُم قالوا: أنت سَبَبُها، وَفِي الحقيقة أن أَسْبابها هم أنفسهم، ففُتِنُوا بذلك. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى: بَيَان مَسْلَكِ المكذِّبين للرسلِ؛ أَنَّهُم يسلكون مسالِكَ التشبيهِ والتمويهِ؛ لِقَوْلهِم حين أُصيبوا بالجدبِ والقَحْط: ﴿اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾، مَعَ أن هَذَا الأَمْر من الله ، وَلَيْسَ بأَسْبابِ النبيِّ، وهكَذَا أهلُ الباطلِ يُشَبِّهون ويُلبِّسون عَلَى النَّاس بمثل هَذِهِ الأُمُور. الْفَائِدَةُ الْثَّانِيَةُ: أنّ المصائب الَّتِي تُصيب الْإِنْسَان إِنَّمَا هِيَ من اللهِ تَعَالَى؛ لِقَوْلِهِ: ﴿طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾، ولا ينافي هَذَا قولَه تَعَالَى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]، ولا قولَه: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الروم: ٤١]؛ لِأَنَّ نِسبة هَذِهِ الأُمُورِ إِلَى اللهِ نسبة خَلْقٍ وإيجادٍ، ونسبتها إِلَى المخلوق نسبةُ تسبُّبٍ، فهي تُضافُ إِلَى النَّاس إضافةَ الشَّيْءِ إِلَى سببِهِ، وتُضاف إِلَى الله إضافة المخلوق إِلَى خالقِه، وَعَلَى هَذَا يزول إشكالُ كثيرٍ منَ الآيَاتِ الَّتِي ظاهرها التعارُض فِي هَذَا البابِ.

стр. 268

الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنهُ من الحِكْمَةِ أن يُرَدَّ الباطلُ بالحقِّ بدون سكوتٍ؛ لِقَوْلِهِ فِي جوابهم: ﴿قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ ينبغي أن يَكُونَ الردُّ من جنسِ الإيرادِ، فهنا تَطَيَّروا بصالحٍ ومن معَه، فبيَّن أن طِيَرَتهم وشُؤْمَهم بسببِ أعمالهم، ولذا قَالَ: ﴿طَائِرُكُمْ﴾ فاللفظُ مثل اللفظ، فينبغي أن يَكُون الجوابُ مثلَ الإيرادِ، وَيتَحَرّى المجيب حَتَّى اللفظ. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أَنَّهُ ينبغي لمن ردَّ عَلَى غيره أو أبطلَ قولَه أن يأتيَ بأمرٍ لا جدالَ فيه؛ لِأَنَّ صالحًا ﵊ لو قَالَ: هَذَا الجَدْب لَيْسَ منِّي وأنا ما أتيتُ بسببِه ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ لكان هَذَا فِيهِ مجال للأخذِ والردّ، ولكِن يَنبغي أن يختارَ المجيبُ الجوابَ الَّذِي لا كلامَ بعدَه. ونظيرُ هَذَا محُاجَّة إبراهيمَ للذي حاجَّه فِي الله ﴿قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، لم يقلْ: لا، أنت لستَ تُحْيِي وتميت، ولكِنك تقتُل مَن لا يَستحِقّ القتلَ وترفَع القتلَ عمَّنِ استحقَّه، وهَذَا لَيْسَ بإحياءٍ ولا إماتةٍ، مَعَ أنَّ هَذَا هُوَ الحقيقة، لكِن هَذَا يَكُون فِيهِ جَدَلٌ؛ إِنَّمَا أتى بأمرٍ لا جدالَ فِيهِ ولا يُمْكِنُه أنْ يجادِلَ، ولهَذَا بُهِتَ الَّذِي كفر. وهَكَذَا يَنبغي للإِنْسَان فِي محُاجّة مَن حاجّه أن يختار الأجوبةَ الَّتِي لا تؤدِّي إِلَى النزاعِ والجدالِ؛ لِأَنَّهُ إذا أدَّت إِلَى النزاع والجدال فقد يَتَغَلَّب الباطلُ عَلَى الْحَقّ بسبب طولِ الجدال واللفّ والدَّورانِ، لكِن يُؤتَى بشيءٍ لا جدالَ فيه، وهَذَا من آدابِ المناظرةِ حَتَّى عند الَّذِينَ يَتكلَّمُونَ بهَذه الأُمُورِ، فيَرونَ أن من آدابِ المناظرةِ الأخذ بما لا يُمْكِن الجدلُ فيه.

стр. 269

الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن الله تَعَالَى قد يُحْدِث منَ الأُمُورِ ما يَكُون سببًا لافتتان بعض النَّاس؛ لِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾، لِأَنَّهُ لمّا جاء صالح جاء الجَدْب، وهَذَا فِي الحقيقة فتنةٌ لبعضِ النَّاسِ؛ إذ يَقُول بعض النَّاس مثلًا: إن هَذَا من أَسْباب هَذِهِ الرسالةِ، فيَكُون سببًا للفتنةِ، لولا عصمة الله ﵎، وهَذَا دائمًا يَكُون فِي أفعالِ اللهِ تَعَالَى الْقَدَرِّية والشَّرْعِيَّة، فِي الشَّرْعِيَّة: قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة: ٩٤]، حرَّم الله الصيد عَلَى المحرِمين، فبعث الله إِلَى الصحابةِ ﵁ صَيدًا تناله أيديهم ورِماحهم يُمْسِكه بيده بدون تعبٍ وبرُمْحِه بدون أن يحتاج إِلَى قوسٍ ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ فخافوه بالغيب. وافتتن الله تَعَالَى قومَ موسى بالحيتانِ تأتيهم يومَ سَبْتِهِم شُرَّعًا مَعَ تحريم الصيد عليهم، ويوم لا يَسْبِتُون لا تأتيهم، ولكِنهم لم يَصْبِروا وخادعوا فتحايَلُوا، وصاروا يَضَعُون الشباكَ للحيتانِ فِي يوم الجُمُعة فتأتي الحيتان فتقع فِيها يوم السبتِ، فإذا كَانَ يوم الأحدِ جاءوا وأخذوها، وقَالُوا: نحن ما صِدنا يوم السبتِ، فقلبهم الله تَعَالَى قِرَدَةً، قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٦]. فالحاصل أقول: إن الله تَعَالَى قد يَفتِنُ الْإِنْسَان بالفتنِ الشَّرْعِيَّة والْقَدَرَّية لأجلِ أن يعلمَ مَن يخافه بالغيب، ومن يصبر ومن لا يصبر. أحيانًا أيضًا يُبْتلى المرءُ بالمصائبِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج: ١١]، ومنَ النَّاس مَن يعبد الله تَعَالَى عَلَى أساسٍ لَيْسَ عَلَى حرفٍ، فإن أصابَهُ خيرٌ اطمأنَّ به، وشكرَ عليه، وإن أصابَتْهُ فِتنة صَبَرَ حَتَّى يَجْتَازَهَا.

стр. 270

لَوْ قَالَ قَائِلٌ: إن الجدبَ والقحطَ هُوَ آيَة وَلَيْسَ فتنةً؟ فالجواب: هَذِهِ فتنة؛ لِأَنَّ النَّبِيّ ﵊ بَيَّن أن السَّبَب ليسَ الرسالة، وَهُوَ ما جاء بها لتشهد عَلَى رسالته، أُجيبوا بها لِأَنَّهُم كذَّبوا، مثلما أُجيبتْ قريشٌ بدعاء النَّبِيّ ﷺ بسنين كسنين يُوسُف (١). وهو ما قَالَ لهم: إن آيتي أن يَبْتَلِيَكُمُ اللهُ بالقَحْطِ، وحتى لو قَالَ: إنَّ آيتي أن يَبْتَلِيَكُمُ اللهُ بالقحطِ وحَصَلَ فَهُوَ آيَة. * * *

стр. 271

الآية (٤٨) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (٤٨)﴾ [النمل: ٤٨]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ مَدِينة ثَمُود ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ أي: رِجال]، المُفَسِّر قَالَ: أيْ رجال، والرهطُ صحيحٌ هم الرِّجال، لكِنهم قَالُوا: إن الرهطَ ما بينَ الثلاثةِ إِلَى العشَرةِ، وبعضهم قَالَ: ما بينَ السبعةِ إِلَى العشَرةِ، فعلى هَذَا ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ يَكُون تسعة فِي تسعة؛ بواحد وثمانين، والمُفَسِّر فَسَّر ﵀ الرهطَ بالرِّجال لا بمعناها الخاصّ؛ لأجل أن تستقيمَ الإضافةُ؛ إذِ الشَّيْء لا يُضاف إِلَى نفسه إِلَا عَلَى تأويلٍ. وقال بعضهم: إنَّهُ لا حاجة إِلَى هَذَا التأويل؛ لِأَنَّ الإضافةَ هنا بَيَانيَّة، أي أنَّ ﴿رَهْطٍ﴾ تفسير لـ (تسعة)، كأنه قَالَ: (تِسعةٌ رَهْطٌ). والمَعْنى عَلَى كُلّ حال: هُوَ أن هَذِهِ المَدينَة - مدينة صالح أو مدينة ثمود - كَانَ فيها رجال تسعة، والتسعة هَذِهِ كانت مجالًا للتفاؤلِ والتشاؤم، فالبعض يتشاءم من العددِ تسعة، يَقُول: لِأَنَّ تسعة جاءت بالإفسادِ فِي الْأَرْض ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾، والبعض يتفاءل بها، والرافضة يتشاءمون بالعشرةِ ويتفاءلون بالتسعةِ، معَ أنَّ المُبَشَّرِينَ بالجنَّة عَشَرة، لكِن هم يُخْرِجُون عليَّ بنَ أبي طالبٍ منهم، فهم

стр. 272

يتشاءمون بالعشرة، وعَدُوُّهم من العددِ العشرة، وصديقهم التسعة؛ لِأَنَّهُم يَقُولُونَ: هم آل البيت الَّذِين وضع عليهم الرَّسُول الكساء، فقال لهم شيخ الإِسْلام: يَجِب إذا كنتم تتفاءلون أو تتشاءمون بالعدد أنكم تتشاءمون بالتسعة؛ لِأَنَّها هِيَ الَّتِي قَالَ الله فيها: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾، أَمَّا العشرة فإن الغالبَ أَنَّهَا خير: عشر ذي الحجَّة، وعشر رَمَضَان، والعشرة المبشرون بالجنَّة، وأمثلة كثيرة لا تَحْضُرني الآن (١). وأنا أقول: إن كلام شيخ الإِسْلام هَذَا للتنزُّل مَعَ الخصمِ، وإلَّا هُوَ ﵀ لا يتفاءل لا بهَذَا ولا بهَذَا، فالعدد عدد، لَيْسَ فِيهِ أثرٌ لشيءٍ. قوله: ﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: بالمَعاصِي، وكلما ذكر الله ﵎ الفساد فِي الْأَرْض فالمُراد به المعصية: الشرك فما دونه؛ لِأَنَّهُ لَا شَكَّ أن عمل المَعاصِي نفسه فساد، ثُمَّ هُوَ سببٌ للفسادِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٠]، وقال تَعَالَى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: ٤١]، وقال تَعَالَى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠]، فالمَعاصِي هِيَ نفسها فسادٌ، وهي سببٌ للفسادِ أيضًا، فلذلك كلَّما ذكر اللهُ الفسادَ فِي الْأَرْض فالمُرادُ به المَعاصِي. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بالمَعاصِي، مِنْهَا قَرْضُهُمُ الدَّنانيرَ والدَّراهِمَ]، أي يُقَطِّعونها ويخرِّبونها وَيقُصُّون من الدراهمِ والدنانيرِ، لكِن هَذِهِ إسرائيليات لا دليلَ عليها، وَلَيْسَ هَذَا هُوَ أكبر المَعاصِي، صحيح أَنَّهُ غِشّ، لَكِنَّهُ

стр. 273

لَيْسَ أكبر المَعاصِي. عَلَى كُلِّ حَالٍ: أهمُّ شيءٍ أَنَّهُم أنكروا الرسالةَ وكفَروا بالخالِق، فهَذِهِ من أعظمِ المَعاصِي الَّتِي يُفْسِدُونَ بها فِي الْأَرْض. قوله: ﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ يُفْسِدون ولا يُصْلِحون، معناه أنَّ فَسَادَهم هَذَا - والعياذُ باللهِ - شاملٌ، لَيْسَ فِيهِ صلاحٌ أبدًا، وهَذه هِيَ الحِكْمَةُ من قولِهِ: ﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾، وفيه فائدة عظيمة، وَهُوَ أَنَّهُ قد يَجتمِع الصلاحُ والفسادُ فِي آنٍ واحدٍ، كما أن الْإِنْسَان يَكُون مؤمنًا وَيكُون فاسقًا، وَيكُون فِيهِ إيمانٌ وفيه كفرٌ، وفِيهِ فسوقٌ وطاعةٌ، وفِيهِ فسادٌ وصلاحٌ، فالأُمُورُ إمَّا خيرٌ مَحضٌ وصلاحٌ مَحضٌ، وَإمَّا شرٌّ محض وفساد محض، وَإمَّا خليطٌ من الأَمْرينِ. وهَؤُلَاءِ القومُ يُفسِدون ولا يُصلِحون، والعياذُ باللهِ، فما يصلحون بالطاعة أبدًا، وهَذَا دليل عَلَى أَنَّهُم لَيْسَ فيهم خير محض، ولَيْسَ فيهم خير أبدًا، لا قليل ولا كثير، لكِن فيهم أُناس خيِّرون، وهم الَّذِينَ آمنوا بصالحٍ واتبعوه، لكِن هَؤُلَاءِ الرهط التسعة يفسدون ولا يصلحون، دائمًا لَيْسَ لهم هَمّ إِلَّا الفساد فِي الْأَرْض بالمَعاصِي، وإلقاء الفِتَن بين النَّاسِ، ومحاولة قتل المُصْلِحِين، ولهَذَا قَالُوا: ﴿تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [النمل: ٤٩]، إِلَى آخرِهِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: التشاؤُمُ هل يُعْتَبرُ شِركًا أصغرَ أو أكبرَ؟ فالإجابة: التشاؤمُ شِركٌ أصغرُ، ما لم يعتقد أَنَّهُ مؤثِّر بنفسِهِ فيَكُون أكبرَ، وأظننا ذكرنا هَذِهِ القاعدة: كُلّ مَن أثبتَ سببًا غيرَ شرعي أو قَدَرِيّ - يعني لا يقتضيه الشرعُ ولا القدرُ - فَهُوَ مُشرِكٌ، لَكِنَّهُ شرك أصغر، لا يؤدِّي إِلَى الأكبرِ، فأمَّا ما اقتضاه الشرع أو اقتضاه القدرُ: فما اقتضاه الشرع بأن يعلم من طريقِ الشرعِ أن هَذَا سبب لهَذَا، كقراءةِ الفاتحةِ عَلَى المريضِ سبب للشفاءِ شَرعًا، يعني جاء بها الشرعُ، والتجارب

стр. 274

الَّتِي تُجرَى عَلَى بعضِ النباتاتِ وبعض الأدوية فيُعرَف تأثيرها، فهَذَا سَبَبٌ قَدَرِيّ جاء به القدرُ، لكِن لَا بُدَّ أنْ يعتقدَ أن النافعَ هُوَ اللهُ وأن هَذَا من أَسْبابِ النفعِ، لكِن لوِ اعتقدَ أَنَّهُ ينفع بنفسِهِ وَلَيْسَ سببًا محضًا صارَ متَّخِذًا مَعَ اللهِ إلهًا. المهمُّ أن الأَشْيَاء الَّتِي لم يَدُلّ عليها الشرعُ ولا القدرُ هَذِهِ لا يجوزُ أنْ نُثْبِتَ أَنَّهَا أَسْباب، مثل: إِنْسَان علَّق خيطًا برقبتِه، قَالَ: هَذَا لدفعِ العينِ، فالذي يعلق هَذَا الخيطَ لا يصابُ بالعينِ، فهَذَا لَيْسَ بسببٍ، ولَيْسَ بصحيحٍ، فأين الشرع الَّذِي دلَّ عليه وأين القدرُ الَّذِي دلَّ عليه؟ ! وكم من إِنْسَانٍ يُصاب بالعينِ وعليه هَذَا الخيطُ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: تقنين القوانين الوضعيَّة يُعتبَرُ شِركًا أصغرَ أو أكبرَ، وهل يدخل فِي مسألة الأَسْبَاب؟ فالإجابة: التقنين لا يدخل فِي هَذِهِ المسألةِ، وهي مسألة الأَسْبَاب الَّتِي أَشرنا إليها، نحن نتكلمُ عنِ الأَسْبَاب، فمن جعل سببًا لمسببات معينة بدون شرع ولا قدر فَهُوَ مشركٌ. وأمّا مسألة التشريعِ فليستْ داخلةً فِي مسألةِ الأَسْبَاب الَّتِي أشرنا إليها، هَذِهِ من جهةٍ أخرى، فالتشريعُ حُكْم بغير ما أنزلَ اللهُ، أي: إِنْسَان يَشْرَع ما لم يَشْرَعْهُ الله، ويعتقد أن الله لم يشرعْه وَأَنَّهُ أصلح ممَّا شرعَ اللهُ، فَهُوَ كافرٌ كفرًا مُخْرِجًا منَ المِلَّة، سواء حكم به أم لم يحكمْ أم تركَ النَّاس يحكمون به، ولهَذَا يَجِب أن نفرِّق بين مَن لم يحكمْ بما أنزلَ اللهُ تشريعًا، وبين مَن لم يحكمْ بما أنزلَ اللهُ فِعلًا، فالَّذِي يحكمُ بغيرِ ما أنزلَ اللهُ فِعلًا لا تَشريعًا هَذَا قد يكفر وقد يفسق وقد يظلم، وَالَّذِي يحكم بغيرِ ما أنزلَ اللهُ تَشريعًا، بمعنى أَنَّهُ يجعله هُوَ الشرعَ؛ شرع مُبَدَّل بدل شرع مُنْزَل، هُوَ يرى أن هَذَا الشرع المبدل أصلح للعالمِ من الشرعِ المنزلِ، فهَذَا كافر، ولا ينقسم فعله

стр. 275

إِلَى ظلمٍ وفسقٍ وكفرٍ، بل هُوَ كفرٌ محض. فالحكَّام الْآنَ الَّذِينَ يُقَنِّنُونَ للناس قوانينَ وَيقُولُونَ: يَجِب أن تمشوا عليها لِأَنَّهَا أصلحُ لكم مما سبقَ، فهَؤُلَاءِ كفارٌ، حَتَّى وإن لم تَنْزِلْ بهم نازلةٌ واحدةٌ فيحكموا بهَذِهِ القوانين، فهم كفار، مثال ذلك إِنْسَان رئيس دولة شَرَع نظامًا وَيعْرِفُ أن هَذَا النظامَ مخالِف للشرعِ، لكِن يعتقد أَنَّهُ أفضلُ منَ الشرعِ وأصلحُ للخلقِ، وهُوَ ما حَكَمَ به لكِن سَنَّه وتركَ النَّاس يحكمون به، نَقُول: هَذَا كافرٌ كفرًا مخرِجًا عنِ المِلَّة، ويجب الخروجُ عليه، إِلَّا إذا كَانَ متأوِّلًا، فقد يَكُون متأولًا، قد يَقُول: لا، هَذَا لا يخالف الشرعَ؛ وذلك لِأَنَّ عندنا بعض العُلَماء - الله يهدينا وإياهم - يفتحون للحكامِ أبوابًا، حَتَّى إنَّهُم يموِّهون عليهم وَيقُولُونَ: مسائل الدُّنْيا ما للشرع فيها دخل، لِأَنَّ الرَّسُول ﷺ يَقُول: "أنتُمْ أَعْلَمُ بِشُؤُونِ دُنْيَاكُمْ" (١) فِي مسألة التلقيح، فيموِّهون عَلَى الحكامِ، يَقُولُونَ مثلًا: تجوز البنوكُ، لِأَنَّ هَذِهِ من النظام الاقتصاديّ الحديث، لَيْسَ للشرع فِيهِ دخل، وتجوز صناديق التنميات وَلَيْسَ فيها شَيْء؛ لِأَنَّ هَذِهِ من الأُمُور الاقتصادية الَّتِي يُرجَع فيها إِلَى ما يقتضيه العصر، لَيْسَ للشرع فيها نظر، وغالب الحكام قد يجهلونَ هَذَا الأَمْر فيظنون أنَّ هَذَا صحيح، فيلتبس عليهم. لكِنْ إذا علمنا وفَهَّمْناهم وبَيَّنَّا لهم الْحَقّ وقُلْنَا: إن معنى قوله: "أَعْلَمُ بِشُؤُونِ دُنْيَاكمْ" أي: فيما يتعلق بالعَمَل والصناعة، فالصانع يعرف كيف يصنع القِدْرَ، لكِن قد لا يعرفه الرَّسُول ﷺ ، والحَرَّاث يعرف كيف يَبْذُرُ، لكِن الرَّسُول قد لا يعلم ذلك، لكِن أحكام شؤون دنيانا الأعلم بها الشرعُ، ففرق بين الأفعالِ وبينَ الأحكامِ،

стр. 276

أنا الْآنَ مثلًا أعرف أن هَذَا الشَّيْء محرَّم من الصناعة أو من الزراعة أو مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، لكِن هل أعرف كيف أصنعه؟ وأعرِف أن صناعةَ السياراتِ من الأُمُورِ الطيِّبة المطلوبة؛ لمِا فيها من المصلحةِ، لكِن هل أعرِف كيف أصنعُ السيَّارة؟ أقول للكافر المشرك الملحِد الشيوعيّ الخبيث: أنت أعلم بشؤون دنياك، لَكِنَّهُ لَيْسَ أعلم منِّي بحكم هَذَا الشَّيْءِ، وهَذَا واضحٌ، فقول الرَّسُول: "أنتُمْ أَعْلَمُ بِشُؤُونِ دُنْيَاكُمْ" يعني أنتم أعرفُ هل هَذَا التلقيحُ يَنْفَع أو لا يَنْفَع؛ لأنَّكم مجرِّبون وفاهِمون، لكِن أنا أُعطيكم حُكْمًا شرعيًّا بأنَّ كُلّ ما كَانَ صالحًا للخلقِ ولأجلِ مَصْلَحَة الخلقِ فَهُوَ منَ الأُمُورِ المطلوبةِ شرعًا؛ لِأَنَّ أصل الشرائعِ ما نَزَلَتْ إِلَّا لإصلاحِ الخَلْقِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: ما وردَ عن النَّبِيّ ﵊ فِي وسائل الطب يُشْكِل عَلَى هَذَا؛ لِأَنَّ النَّبِيّ ﵊ لَيْسَ طبيبًا؟ فالجواب: نعم لَكِنَّهُ بالوحي يُدْرِك هَذَا الشَّيْء؛ لِأَنَّهُ هُوَ إمَّا أن يَكُون أدركه بالتجاربِ، فإذا أدركه بالتجارب وأخبرَ به عُلِمَ، وَإمَّا أن يَكُونَ قد أدركه بالوحيِ، فمثلًا ذِكره أنَّ الشفاء فِي ثلاثٍ (١)، والعَسَل معروف بالوحي: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩]، وهناك الكَيّ والحِجَامة، فيَحْتَمِل عندي أنا وعند غيري أَنَّهُ تلقَّى ذلك من الوحيِ، ونحن لا نعلم بهَذَا، ويَحتمِل أَنَّهُ عَلِمَه من التجاربِ وثبَت عندَه، ومع ذلك أيضًا نَقُولُ: ما دامَ الرَّسُول ﷺ أَثبَتَهُ فإنَّنا نُثبته؛ لِأَنَّهُ ثبت بقولِ الرَّسُول وكذلك التجارِب تَشْهَد له. فالتَّلْقِيح وغيرُه مثل صناعة الأبوابِ والبناياتِ، وهَذه الأَشْيَاء قد لا يَعْلَمُها

стр. 277

الرَّسُولُ ﵊ إنْ كَانَ قدْ مَارَسَها، ولهَذَا الرَّسُول ﵊ لو كَانَ عنده فِي مكَّة نَخْلٌ ومارسَ هَذَا الشَّيْءَ أو مارسه أهل مكَّة وعَلِموا به لَدَرَى عنه الرَّسُولُ، لَكِنَّهُ أتَى للمدينةِ أوَّل ما أتى وقال: واللهِ أنا ما أظنُّ أنَّ هَذَا التلقيحَ يَنْفَعُ شيئًا (١)، ولم يقلْ: لا تُلَقِّحوا، لكِن الصحابة لِتَعَبِهِم مِنَ التلقيحِ لمَّا سمِعوا هَذَا الكَلامَ فرِحوا وقَالُوا: إذنْ لا نُلَقِّح وتركوا التلقيحَ. فما أخبر به الرَّسُولُ قد يَكُونُ بالممارسةِ وقد يَكُونُ بغيرِ الممارسةِ، مثلًا: "الْكَمْأَةُ مِنَ المَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ" (٢) هل هَذَا وحيٌ أو لا؟ هَذِهِ بالذات قد تكون وحيًا؛ لِأَنَّهَا خَفِيَّة، لكِن مسألة الحِجامة ومسألة الكَيّ هَذَا أمرٌ معلومٌ ومعروفٌ عندَ النَّاسِ، فقد يُغَلِّبُ الْإِنْسَان أن الرَّسُول ﷺ عَلِمَ ذلكَ بالتجارِب، وقد يقولُ الْإِنْسَان: هَذَا وحي مِنَ الله أوحاه إليه. والمعلوم بالتجارب قطعيّ إذا حَكَمَ به الرَّسُولُ، مَعَ أن الرَّسُول يَقُول: "إِنْ كَانَ الشِّفَاءُ فِي شَيْءٍ فَفِي ثَلَاثٍ" فما جَزَمَ؛ لِأَنَّهُ قد لا يَشفَى الْإِنْسَان بهَذهِ الثلاث. وكلامه الأوَّل فِي التلقيحِ لَيْسَ عن تجَارِبَ، ولهَذَا أخلفَ الأَمْر؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عنده وَحْيٌ ولا تجَارِبُ ﵊. إِذَنِ: الرَّسُول قالها رأيًا، هُوَ قَالَ: أَرَى أنَّ ذلك لا يَنْفَع شيئًا، لكِن مِثْلَما تقدَّم: أنَّ الصحابة لمَّا سمِعوا هَذَا الكَلام فرِحوا به، قَالُوا: إذن كُفِينا المُؤْنَةَ؛ ما دام هَذَا ظنّ النَّبِيّ ﷺ ، وترَكُوه وفَسَدَ النخلُ.

стр. 278

لَوْ قَالَ قَائِلٌ: قد يُشْكِل عَلَى بعض النَّاس فيقولونَ: كما أَنَّهُ لَيْسَ مُؤَبِّرًا فَهُوَ لَيْسَ أيضًا طبيبًا؟ فالإجابة: ليس بصحيحٍ، نَقُولُ: الرَّسُول ﷺ ما جَزَمَ بأنه يفيدُ، وهَذَا أمرٌ معلولم لكلِّ مؤمنٍ، ويستطيع أنْ يُدَافِعَ لمن أوردَ شُبهة فِي هَذَا الأَمْر فيقول: النَّبِيّ ﷺ ما جَزَمَ، ولو جزمَ النَّبِيّ ﷺ بهَذَا الأَمْرِ فَإِنَّمَا جزمَ به عَلَى سبيلِ الظنّ، والْإِنْسَان قد يَجْزِم بالشَّيْءِ عَلَى سبيلِ الظنِّ، وقد أقرَّ النَّبِيّ ﷺ مَن جَزَمَ .. بل قد أقسمَ عَلَى سبيلِ الظنّ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: الأطبّاء العَصْرِيُّون يعملون بالكيِّ، فهل يُرَدّ الحديثُ بِسَبَبِ ما ظَهَرَ من أنواعِ التقدُّم فِي الطبِّ أو لا؟ نَقُول: هَذَا لَيْسَ بصحيحٍ، أولًا: هم الْآنَ يؤمنون بالكيّ، لكِن تَخْتَلِف الوسيلة الآن، فالكيُّ بالكهرباء ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ هَذَا معروف لهم، ومُسْتَعْمَل ويؤمنون به. وكما قَالَ الرَّسُول ﷺ : "أَلا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ" لَيْسَ المُرادُ بالرمي بالقوس الآن، الرمي بالآلة الموجودة، والكي أيضًا بالآلة الموجودة. وهم أيضًا الْآنَ فِي بعض الأَشْيَاء يَلْجَئُون إِلَى الطبِّ العربيّ، وأذكر أنهم دائمًا يَنْصَحُون المريضَ بذاتِ الجَنْبِ ويَقُولُونَ: اذهَبْ تَطَبَّب طِبًّا عربيًّا، ويُكْوَى ويُشْفَى بإذن الله. وهم فِي الحقيقة قد يُنْكِرون الوسيلةَ أو الآلةَ الَّتِي حَصَلَ بها الكَيّ، أو فِعْل بعض الَّذِينَ يكوون بالحديدِ، ففِعل بعض الَّذِينَ يكوون فظيع والعياذُ باللهِ، أنا أذكُرُ أنّ بعضَ النِّسَاءِ يُؤتَى إليها بالطفلِ وتَعْمَل له فِي رأسه ثمانين كَيَّة، وكذا فِي ظَهْره كُلّ خرزة مِنَ الظَّهر عليها خَمْس. فالأطباء يَقُولُونَ بهَذَا الشَّيْءِ ويُنْكِرونه لِئَلَّا يَحْصُل مثل هَذِهِ الحالاتِ.

стр. 279

والرَّسُول ﷺ لما ذكر هَذِهِ الأَشْيَاء فلَيْسَ معناه أن هَذِهِ حتمًا هِيَ الَّتِي تَنْفَع، بل قد يقوم مَقامها ما هُوَ أَولى منها، ونَهْيُ النَّبِيّ ﷺ عن الكَيِّ لَيْسَ للتحريمِ (١)، والنَّبِيّ ﷺ نَفْسُه فَعَلَ وكَوَى سَعْدَ بنَ مُعَاذٍ ﵁ (٢). من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى: فِيهِ مَبْدَأ العَصَابات، ولا يزالُ مَوْجودًا إِلَى الآنَ، فإن هَؤُلَاءِ ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ وما زالَ الأَمْر إِلَى يومنا هَذَا وإلى ما بَعْد واللهُ أَعْلَمُ وَأَنَّهُ سَيَبْقَى؛ لِأَنَّ أهل الشَّرّ لهم طُرُق يَتَفَنَّنُون بها فِي فرضِ شَرِّهِم عَلَى غيرهم. الْفَائِدَةُ الْثَّانِيَةُ: أَنَّهُ يمكن أنْ يَجْتَمِعَ الفساد والصلاح، يعني أن الفساد والصلاح قد يجتمعانِ فِي شخصٍ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿يُفْسِدُونَ﴾ ﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾، ولولا أَنَّهُ يمكن اجْتِمَاعُهما لم يكنْ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ فائدة؛ لِأَنَّهُ يَكُون عدم الصلاح مفهومًا من إثباتِ الفسادِ، لو لم يُمْكِنِ اجْتِمَاعُهما. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن الكفر والإِيمان قد يجتمعانِ فِي شخصٍ؛ لِأَنَّ الإِيمان صلاحٌ والكفرَ فسادٌ، وكذلك أيضًا الفُسُوق والطاعة يمكن أن يَجْتَمِعَا، وخالف فِي ذلك طوائفُ منَ النَّاسِ: المُعْتَزِلَة والخوارِجُ والمُرْجِئَة، فالمرجئة قَالُوا: لا يمكن، فالْإِنْسَان إذا كَانَ مؤمنًا كُلّ أحوالِهِ صالحةٌ ولا يُعَذَّب بذنبٍ ولا يُلام عليه، والخوارج والمُعْتَزِلَة

стр. 280

بالعكسِ قَالُوا: لا يمكن أنْ يَجْتَمِعَ كفرٌ وإيمانٌ، وفُسُوق وطاعة، بل مَن أتى ما يُوجِب الفِسْق صار كافرًا، ومَن أتى ما يُوجِب الكفرَ صارَ كافرًا عَلَى رأيِ الخوارِجِ، أو خارجًا من الإِيمان بين منزلةِ الإِيمانِ والكفرِ عَلَى رأي المعتزلة، ولَا شَكَّ أن النصوصَ والواقعَ والعقلَ يَدُلّ عَلَى خلافِ ما قالوا؛ لِأَنَّ اجتماعَ هَذَا وهَذَا أمرٌ موجودٌ مَعْلُوم، فالعاصي نَقُول: إنَّهُ مؤمنٌ ناقصُ الإِيمانِ، فلا نُطْلِق عليه الإِيمان المُطْلَق، حَتَّى لو كَانَ عنده إيمانٌ عشرة فِي المِئَة، لَا بُدَّ أن يَكُونَ ناقصَ الإِيمانِ، أو نَقُول: مؤمن بإيمانِهِ فاسِقٌ بكبيرتهِ، مثلًا لوِ اغتابَ الْإِنْسَان رجلًا من النَّاسِ، فهَذِهِ كبيرةٌ منَ الكَبائِرِ تَنْقُصُ الإِيمانَ، وَهُوَ يُصَلِّي ويصوم ويزكِّي ويَحُجّ ويتطوع بسائر التطوُّعاتِ، لا نعطيه وصفَ الإِيمانِ المطلَق، بل نَقُول: مؤمن بإيمانِهِ فاسِق بِكَبيرتِهِ أو مؤمن ناقصُ الإِيمانِ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: أليس قوله تَعَالَى: ﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ مثل قول الصحابيّ: فأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ ونُهِينَا عَنِ الكَلَامِ (١)، بمعنى أنَّ الوَصْفَ يَتَحَقَّق بواحدٍ منهما؟ فالجواب: لا؛ لِأَنَّ السكوتَ والكَلامَ متناقِضانِ، أَمَّا الصلاحُ والفسادُ فمُتَضَادَّانِ يُمْكِن أنْ يَجْتَمِعَا، فيَكُونُ فِي الشَّيْءِ مَصْلَحة ومَفْسَدة، قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩]، أمَّا هَذا فإمَّا سكوتٌ أو كلام، فهما متناقضان، يعني لا يمكن أن يوجدَ أَحَدُهما إِلَّا بِفَقْدِ الآخَرِ.

стр. 281

الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ المَعاصِيَ من أَسْبابِ الفسادِ فِي الْأَرْض؛ لِقَوْلِهِ : ﴿يُفْسِدُونَ﴾، وهَؤُلَاءِ الجماعةُ ليسوا يَهْدِمُون البيوتَ ولا يُغْرِقُون الزُّرُوعَ ولا يُحْرِقون المتاجِرَ، لَكِنَّهم يفعلون ما يَكُون سببًا للفسادِ؛ الفساد المَعْنَوِيّ، وَهُوَ فساد الأخلاقِ والسلوكِ، والفساد الحِسِّي؛ لِأَنَّ الفساد الحِسِّيّ يَتْبَع الفسادَ العنويَّ. * * *

стр. 282

الآية (٤٩) * * * قَالَ اللهُ : ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [النمل: ٤٩]. * * * قوله: ﴿قَالُوا﴾ أي: هَؤُلَاءِ التسعة، قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿قَالُوا﴾ أي: قَالَ بَعْضُهم لبعضٍ ﴿تَقَاسَمُوا﴾ أي: احْلِفُوا ﴿بِاللَّهِ﴾]، يعني طَلَبَ بعضهم مِن بعضٍ أنْ يَتَعَاهَدوا عَلَى هَذَا الأَمْرِ ويتحالفوا عَلَى أنْ يُبَتِّتُوا صالحًا وأهلَه، ومعنى البياتِ إنزالُ العقوبةِ به ليلًا، فهنا حَلَفوا - والعياذُ باللهِ - وهَذَا الحلِف الفاجِر عَلَى أنْ يُبَتُوا صالحًا وأهلَه، ولهَذَا قَالَ: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ اللامُ فِي قولِهِ: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ واقعةٌ فِي جوابِ القَسَمِ، والنون للتَّوكيدِ، فهم أكَّدوا هَذَا الفِعْل باليمينِ واللامِ والنونِ. يَقُول المُفَسِّر ﵀: [﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ بالنونِ والتاءِ وضَمّ التاءِ الثَّانِيَةِ]، إذا جعلناها بالتاء لَزِمَ ضَمُّ الثَّانِيَة: "لَتُبَيِّتُنَّهُ"، وَأَمَّا ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ فإنَّ التاءَ تَبْقَى مفتوحةً (١). قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَأَهْلَهُ﴾ أي: مَن اَمنَ به أَيْ نَقْتُلُهُمْ لَيْلًا]، هَذَا تفسيرُ البياتِ، والمُرادُ بالأهلِ أتباعُهُ كما قَالَ المُفَسِّر، ولكِن قد يُنازَع فِي هَذَا ويُقال: إن المُرادَ به أهلُه الخاصُّون، يعني أهل بَيْتِه؛ لِأَنَّهُم هم الَّذِينَ يَكُونونَ فِي الغالب معه فِي الليلِ، فإنَّ الغالبَ أنَّ الْإِنْسَانَ فِي الليلِ لا يَكُونُ معه فِي بيتِهِ إِلَّا أهله الخاصَّون به.

стр. 283

ثُمَّ بَعْد ذلك، أي بَعْد أنْ نُبَيِّته ﴿لَنَقُولَنَّ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [بالنون والتاءِ وضَمّ اللامِ الثَّانِيَةِ]، أي: وضمِّ اللامِ الثَّانِيةِ إذا كانتْ بالتاءِ: (لتَقُولُنَّ)، أَمَّا عَلَى قراءةِ النونِ فهي بالفتح: ﴿لَنَقُولَنَّ﴾. يعني: ثُمَّ بعدَ أنْ نُبَيِّتَه ونقتله إذا قامَ وَلِيُّه بالأخذِ بِثَأْرِهِ نَقُول ﴿لِوَلِيِّهِ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [لِوَلِيّ دَمِه]. ووليُّ الدمِ عندنا فِي الشَّرِيعَة الإِسْلاميَّة هم الوَرَثَة بفرضٍ أو تعصيب، وَقِيلَ: بل همُ العصبةُ؛ لِأَنَّهُم الَّذِينَ يؤدُّون العقلَ عنه، وَأَمَّا ذَوُو الفَرْض فلَيْسُوا مِن أولياءِ الدمِ، والصَّوابُ العمومُ؛ أنَّ أولياءَ الدمِ همُ الورثةُ بفرضٍ أو تعصيبٍ، حَتَّى الزوجة والأمّ هما مِن أولياءِ الدمِ. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿مَا شَهِدْنَا﴾ حَضَرْنَا ﴿مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ بِضَمِّ الميمِ وفَتْحِها]: (مُهْلَك ومَهْلَك) ولم يَتَعَرَّضِ المُفَسِّر للقراءةِ الثَّالثةِ وهي (مَهْلِك)، فالقراءات فيها ثلاث: فتح الميم وكسر اللام (مَهْلِك)، فتح الميم واللام (مَهْلَك)، ضمّ الميم وفتح اللام (مُهْلَك)، وهاتانِ الأخيرتانِ هما اللتانِ ذكرهما المُفَسِّر: (مُهْلَك أهله ومَهْلَك أهله)، يَقُول ﵀: [أي: إهلاكهم أو هلاكهم]، عَلَى القراءتين: (مُهْلَك) أي إهلاك؛ لِأَنَّ (مُهْلَك) من (أَهْلَكَ) الرُّبَاعِيّ، و (مَهْلَك) من هَلَك الثلاثيّ، ولذلك نَقُول: إذا كَانَ الفِعْل ثلاثيًّا فإن المصدر الِميميّ منه عَلَى وزن مَفْعَل: هلك مَهْلَك، قام مَقَام. وإذا كَانَ رُباعيًّا فإن المصدرَ الميميّ منه عَلَى وزن اسْم المَفْعُول، فتقول: مُهْلَك من أَهْلَكَ، وتقول: مُقَام من أقام، وتقول: قام فينا مَقَامَ فلان، مثلما قَالَ أبو حيَّان فِي ذِكْر ابنِ تَيْمِيَّة (١):

стр. 284

قامَ ابْنُ تَيْمِيةَ في نَصْرِ شِرْعَتِنَا ... مَقَامَ سَيِّدِ تَيْمٍ إِذْ عَصَتْ مُضَرُ قامَ مَقامًا، لكِن عندما تقول: (أقامَ) تقول: أَقَامَ فِي هَذَا المكان مُقَامَ فُلانٍ بضمِّ الميمِ، لا تقل: مَقام، وهَذه قاعدة معروفةٌ فِي النحوِ؛ أنَّ المصدرَ الميميَّ إذا كَانَ من رُباعيٍّ فَهُوَ عَلَى وزنِ اسمِ المَفْعُول، وإذا كَانَ من ثلاثيٍّ فَهُوَ عَلَى وزنِ مَفْعَل أو مَفْعِل مثل مَهْلِك. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [فلا نَدْري مَن قَتَلَهم]، وهَذَا الإنكارُ كَذِبٌ وليس بصحيح، فما داموا هم الَّذِينَ قتلوه فقولهم: ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ هَذَا كَذِب، لكِن فِيهِ تَوْرِية؛ لِأَنَّهُم يَقُولُونَ: ما شهِدنا بل فَعَلنا، والشاهِد لم يَفْعَل، ولهَذَا قَالُوا: ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾. وجملةُ ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ هل هِيَ من جملة قولهم الَّذِي يدافعون به عن أنفسهم أو هِيَ تقريرٌ لقولهم: ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾، يعني أنهم لم يقولوه للدفاع عن أنفسهم؟ يعني هل قولهم: ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ من جملة ما يَقُولُونَه للوليّ ليؤكِّدوا النفيَ؟ ما شَهِدنا وإننا لم نَكْذِب عليكم، إننا لَصَادِقُون أننا ما شَهِدنا، هَذَا وجا، أو أن المَعْنى: ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ يَقُول بعضهم لبعض: واطمئنوا أيُّها الإخوة؛ فإنَّنا صادقون بأننا لم نَشْهَدْ؟ يَحْتَمِل هَذَا وهَذَا، إِنَّمَا المفسِّرون ذكروا احتمالينِ: أحدهما أن يقولوه فِي جملة دِفَاعِهِم عن أنفسهم لوليّ صالح، وعلى هذا فتكون جملة ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ تقريرًا لقولهم: ما شَهِدنا مَهْلِكَ أَهْله، والتَّقْدير: ما شهِدنا وإنا صادقونَ فلن نُخْبِرَكم بشيءٍ، أو أن المَعْنى: ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ ونحن إذا قُلْنَا هَذَا فإنَّنا صادقون لأنَّنا ما شَهِدنا المَهْلِك، ولَكِنَّنَا أَهْلَكْنَا بأنفسنا، لسنا شهودًا بل فاعلون؛

стр. 285

لِأَنَّ الفاعل غيرُ الشاهدِ، وهَذَا المسألةُ تَوْرِيَة كما تقدَّم، وإلَّا فمِنَ المعلومِ أنَّ مَن فعلَ فقد شَهِدَ، بل أبلغ، لكِن يُهَوِّن بعضهم الأَمْرَ عَلَى بعضهم حَتَّى لا يَكُون فِي أنفسِهِم شيءٌ، لكِن لتهوينِ الأَمْر عَلَى بعضهم يلقِّن بعضهم بعضًا. والحاصل: أن هَؤُلَاءِ - والعياذ بالله - أرادوا هَذَا الفِعْل المنكَرَ وَهُوَ مَكْر؛ لِأَنَّهُ إتيانٌ لصالحٍ وأهلِهِ من حَيْثُ لا يَشْعَرُونَ، فإن الليلَ مَوْضِع السكونِ والهدوء، وإذا أحد اعْتَدَى عَلَى أحدٍ صار ذلكَ غَدْرًا ومَكْرًا، ولهَذَا حَتَّى فِي حربِ الْكُفَّار اختلفَ العُلَماءُ هل يجوزُ تَبْيِيت الْكُفَّارِ أو لا يجوز؟ فمِنَ العُلَماءِ مَن مَنَعَ التبييتَ وقال: لا يمكِن أن نقتلَ الْكُفَّار وهم غارُّونَ نائمون، ومنهم مَن أجازَ ذلكَ، والمسألةُ تَحتاج إِلَى تحرير بَحْث فِي هَذَا. والحاصل: أن هَذَا منَ الغَدْر والمكْر أن يأتيَ هَؤُلَاءِ إِلَى صالحٍ وأهلِهِ فِي الليلِ فيُبَيِّتُوهم، ولهَذَا يقولُ اللهُ : ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا﴾ [النمل: ٥٠]. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى: أَنَّهُ مِنَ الحزْم - والحزمُ قد يَكُونُ فِي الخيرِ وَقد يَكُونُ فِي الشرِّ - أنْ تَجْتَمِعَ الطائفةُ وتَتَعَاقَد وتتعاهَد عَلَى مِنهاجها الَّذِي تَسير عليه وتَتَّفِق عَلَى عهدٍ يَرْبِط بَعْضَها ببعضٍ لِيَكُونَ التنفيذُ واحدًا، ولئلَّا تَتَفَرَّقَ وتَخْتَلِف، لِقَوْلِهِ: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ ما ذهب كُلّ واحدٍ مَذْهَبًا، فاجْتَمَعُوا فِي أوَّل الأَمْرِ عَلَى تدبير الخُطَّة ثُمَّ عَلَى تَنفيذِها، وهَذَا المَسْلَكُ لا زالَ يُسْلَك حَتَّى الآنَ. وتعرفون أنَّ الصحيفةَ الَّتِي اجتمعتْ قُرَيْشٌ فيها عَلَى مقاطعة بني هاشمٍ لم تُنْقَضْ برجلٍ واحدٍ، بل ذهب هَذَا الرجلُ الَّذِي أرادَ نَقْضَها إِلَى فلانٍ وفلانٍ وصارَ يُجَمِّعُ النَّاسَ حولَه حَتَّى اجتمعوا عَلَى نقضها وغلبوا فِي تنفيذ فِكرتهم.
следующие страницы →