← Тафсир

Тафсир · id 1537

تفسير العثيمين: النمل

ابن عثيمين

Полный текст (538 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ المَعاصِيَ من أَسْبابِ الفسادِ فِي الْأَرْض؛ لِقَوْلِهِ : ﴿يُفْسِدُونَ﴾، وهَؤُلَاءِ الجماعةُ ليسوا يَهْدِمُون البيوتَ ولا يُغْرِقُون الزُّرُوعَ ولا يُحْرِقون المتاجِرَ، لَكِنَّهم يفعلون ما يَكُون سببًا للفسادِ؛ الفساد المَعْنَوِيّ، وَهُوَ فساد الأخلاقِ والسلوكِ، والفساد الحِسِّي؛ لِأَنَّ الفساد الحِسِّيّ يَتْبَع الفسادَ العنويَّ. * * *

стр. 282

الآية (٤٩) * * * قَالَ اللهُ : ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [النمل: ٤٩]. * * * قوله: ﴿قَالُوا﴾ أي: هَؤُلَاءِ التسعة، قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿قَالُوا﴾ أي: قَالَ بَعْضُهم لبعضٍ ﴿تَقَاسَمُوا﴾ أي: احْلِفُوا ﴿بِاللَّهِ﴾]، يعني طَلَبَ بعضهم مِن بعضٍ أنْ يَتَعَاهَدوا عَلَى هَذَا الأَمْرِ ويتحالفوا عَلَى أنْ يُبَتِّتُوا صالحًا وأهلَه، ومعنى البياتِ إنزالُ العقوبةِ به ليلًا، فهنا حَلَفوا - والعياذُ باللهِ - وهَذَا الحلِف الفاجِر عَلَى أنْ يُبَتُوا صالحًا وأهلَه، ولهَذَا قَالَ: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ اللامُ فِي قولِهِ: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ واقعةٌ فِي جوابِ القَسَمِ، والنون للتَّوكيدِ، فهم أكَّدوا هَذَا الفِعْل باليمينِ واللامِ والنونِ. يَقُول المُفَسِّر ﵀: [﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ بالنونِ والتاءِ وضَمّ التاءِ الثَّانِيَةِ]، إذا جعلناها بالتاء لَزِمَ ضَمُّ الثَّانِيَة: "لَتُبَيِّتُنَّهُ"، وَأَمَّا ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ فإنَّ التاءَ تَبْقَى مفتوحةً (١). قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَأَهْلَهُ﴾ أي: مَن اَمنَ به أَيْ نَقْتُلُهُمْ لَيْلًا]، هَذَا تفسيرُ البياتِ، والمُرادُ بالأهلِ أتباعُهُ كما قَالَ المُفَسِّر، ولكِن قد يُنازَع فِي هَذَا ويُقال: إن المُرادَ به أهلُه الخاصُّون، يعني أهل بَيْتِه؛ لِأَنَّهُم هم الَّذِينَ يَكُونونَ فِي الغالب معه فِي الليلِ، فإنَّ الغالبَ أنَّ الْإِنْسَانَ فِي الليلِ لا يَكُونُ معه فِي بيتِهِ إِلَّا أهله الخاصَّون به.

стр. 283

ثُمَّ بَعْد ذلك، أي بَعْد أنْ نُبَيِّته ﴿لَنَقُولَنَّ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [بالنون والتاءِ وضَمّ اللامِ الثَّانِيَةِ]، أي: وضمِّ اللامِ الثَّانِيةِ إذا كانتْ بالتاءِ: (لتَقُولُنَّ)، أَمَّا عَلَى قراءةِ النونِ فهي بالفتح: ﴿لَنَقُولَنَّ﴾. يعني: ثُمَّ بعدَ أنْ نُبَيِّتَه ونقتله إذا قامَ وَلِيُّه بالأخذِ بِثَأْرِهِ نَقُول ﴿لِوَلِيِّهِ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [لِوَلِيّ دَمِه]. ووليُّ الدمِ عندنا فِي الشَّرِيعَة الإِسْلاميَّة هم الوَرَثَة بفرضٍ أو تعصيب، وَقِيلَ: بل همُ العصبةُ؛ لِأَنَّهُم الَّذِينَ يؤدُّون العقلَ عنه، وَأَمَّا ذَوُو الفَرْض فلَيْسُوا مِن أولياءِ الدمِ، والصَّوابُ العمومُ؛ أنَّ أولياءَ الدمِ همُ الورثةُ بفرضٍ أو تعصيبٍ، حَتَّى الزوجة والأمّ هما مِن أولياءِ الدمِ. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿مَا شَهِدْنَا﴾ حَضَرْنَا ﴿مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ بِضَمِّ الميمِ وفَتْحِها]: (مُهْلَك ومَهْلَك) ولم يَتَعَرَّضِ المُفَسِّر للقراءةِ الثَّالثةِ وهي (مَهْلِك)، فالقراءات فيها ثلاث: فتح الميم وكسر اللام (مَهْلِك)، فتح الميم واللام (مَهْلَك)، ضمّ الميم وفتح اللام (مُهْلَك)، وهاتانِ الأخيرتانِ هما اللتانِ ذكرهما المُفَسِّر: (مُهْلَك أهله ومَهْلَك أهله)، يَقُول ﵀: [أي: إهلاكهم أو هلاكهم]، عَلَى القراءتين: (مُهْلَك) أي إهلاك؛ لِأَنَّ (مُهْلَك) من (أَهْلَكَ) الرُّبَاعِيّ، و (مَهْلَك) من هَلَك الثلاثيّ، ولذلك نَقُول: إذا كَانَ الفِعْل ثلاثيًّا فإن المصدر الِميميّ منه عَلَى وزن مَفْعَل: هلك مَهْلَك، قام مَقَام. وإذا كَانَ رُباعيًّا فإن المصدرَ الميميّ منه عَلَى وزن اسْم المَفْعُول، فتقول: مُهْلَك من أَهْلَكَ، وتقول: مُقَام من أقام، وتقول: قام فينا مَقَامَ فلان، مثلما قَالَ أبو حيَّان فِي ذِكْر ابنِ تَيْمِيَّة (١):

стр. 284

قامَ ابْنُ تَيْمِيةَ في نَصْرِ شِرْعَتِنَا ... مَقَامَ سَيِّدِ تَيْمٍ إِذْ عَصَتْ مُضَرُ قامَ مَقامًا، لكِن عندما تقول: (أقامَ) تقول: أَقَامَ فِي هَذَا المكان مُقَامَ فُلانٍ بضمِّ الميمِ، لا تقل: مَقام، وهَذه قاعدة معروفةٌ فِي النحوِ؛ أنَّ المصدرَ الميميَّ إذا كَانَ من رُباعيٍّ فَهُوَ عَلَى وزنِ اسمِ المَفْعُول، وإذا كَانَ من ثلاثيٍّ فَهُوَ عَلَى وزنِ مَفْعَل أو مَفْعِل مثل مَهْلِك. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [فلا نَدْري مَن قَتَلَهم]، وهَذَا الإنكارُ كَذِبٌ وليس بصحيح، فما داموا هم الَّذِينَ قتلوه فقولهم: ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ هَذَا كَذِب، لكِن فِيهِ تَوْرِية؛ لِأَنَّهُم يَقُولُونَ: ما شهِدنا بل فَعَلنا، والشاهِد لم يَفْعَل، ولهَذَا قَالُوا: ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾. وجملةُ ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ هل هِيَ من جملة قولهم الَّذِي يدافعون به عن أنفسهم أو هِيَ تقريرٌ لقولهم: ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾، يعني أنهم لم يقولوه للدفاع عن أنفسهم؟ يعني هل قولهم: ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ من جملة ما يَقُولُونَه للوليّ ليؤكِّدوا النفيَ؟ ما شَهِدنا وإننا لم نَكْذِب عليكم، إننا لَصَادِقُون أننا ما شَهِدنا، هَذَا وجا، أو أن المَعْنى: ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ يَقُول بعضهم لبعض: واطمئنوا أيُّها الإخوة؛ فإنَّنا صادقون بأننا لم نَشْهَدْ؟ يَحْتَمِل هَذَا وهَذَا، إِنَّمَا المفسِّرون ذكروا احتمالينِ: أحدهما أن يقولوه فِي جملة دِفَاعِهِم عن أنفسهم لوليّ صالح، وعلى هذا فتكون جملة ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ تقريرًا لقولهم: ما شَهِدنا مَهْلِكَ أَهْله، والتَّقْدير: ما شهِدنا وإنا صادقونَ فلن نُخْبِرَكم بشيءٍ، أو أن المَعْنى: ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ ونحن إذا قُلْنَا هَذَا فإنَّنا صادقون لأنَّنا ما شَهِدنا المَهْلِك، ولَكِنَّنَا أَهْلَكْنَا بأنفسنا، لسنا شهودًا بل فاعلون؛

стр. 285

لِأَنَّ الفاعل غيرُ الشاهدِ، وهَذَا المسألةُ تَوْرِيَة كما تقدَّم، وإلَّا فمِنَ المعلومِ أنَّ مَن فعلَ فقد شَهِدَ، بل أبلغ، لكِن يُهَوِّن بعضهم الأَمْرَ عَلَى بعضهم حَتَّى لا يَكُون فِي أنفسِهِم شيءٌ، لكِن لتهوينِ الأَمْر عَلَى بعضهم يلقِّن بعضهم بعضًا. والحاصل: أن هَؤُلَاءِ - والعياذ بالله - أرادوا هَذَا الفِعْل المنكَرَ وَهُوَ مَكْر؛ لِأَنَّهُ إتيانٌ لصالحٍ وأهلِهِ من حَيْثُ لا يَشْعَرُونَ، فإن الليلَ مَوْضِع السكونِ والهدوء، وإذا أحد اعْتَدَى عَلَى أحدٍ صار ذلكَ غَدْرًا ومَكْرًا، ولهَذَا حَتَّى فِي حربِ الْكُفَّار اختلفَ العُلَماءُ هل يجوزُ تَبْيِيت الْكُفَّارِ أو لا يجوز؟ فمِنَ العُلَماءِ مَن مَنَعَ التبييتَ وقال: لا يمكِن أن نقتلَ الْكُفَّار وهم غارُّونَ نائمون، ومنهم مَن أجازَ ذلكَ، والمسألةُ تَحتاج إِلَى تحرير بَحْث فِي هَذَا. والحاصل: أن هَذَا منَ الغَدْر والمكْر أن يأتيَ هَؤُلَاءِ إِلَى صالحٍ وأهلِهِ فِي الليلِ فيُبَيِّتُوهم، ولهَذَا يقولُ اللهُ : ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا﴾ [النمل: ٥٠]. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى: أَنَّهُ مِنَ الحزْم - والحزمُ قد يَكُونُ فِي الخيرِ وَقد يَكُونُ فِي الشرِّ - أنْ تَجْتَمِعَ الطائفةُ وتَتَعَاقَد وتتعاهَد عَلَى مِنهاجها الَّذِي تَسير عليه وتَتَّفِق عَلَى عهدٍ يَرْبِط بَعْضَها ببعضٍ لِيَكُونَ التنفيذُ واحدًا، ولئلَّا تَتَفَرَّقَ وتَخْتَلِف، لِقَوْلِهِ: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ ما ذهب كُلّ واحدٍ مَذْهَبًا، فاجْتَمَعُوا فِي أوَّل الأَمْرِ عَلَى تدبير الخُطَّة ثُمَّ عَلَى تَنفيذِها، وهَذَا المَسْلَكُ لا زالَ يُسْلَك حَتَّى الآنَ. وتعرفون أنَّ الصحيفةَ الَّتِي اجتمعتْ قُرَيْشٌ فيها عَلَى مقاطعة بني هاشمٍ لم تُنْقَضْ برجلٍ واحدٍ، بل ذهب هَذَا الرجلُ الَّذِي أرادَ نَقْضَها إِلَى فلانٍ وفلانٍ وصارَ يُجَمِّعُ النَّاسَ حولَه حَتَّى اجتمعوا عَلَى نقضها وغلبوا فِي تنفيذ فِكرتهم.

стр. 286

فالحاصل: أن هَذِهِ المسائلَ ينبغي للإِنْسَانِ إذا أرادَ أن يَهِمَّ بأمرٍ ويمشي عَلَى منهاجٍ أنَّهُ يجعل معه أقوامًا يساعدونه ويتعاقدُ معهم ويتعاهَد، فإن كَانَ فِي خيرٍ فخيرٌ، وإن كَانَ فِي شرٍّ فالله يَتَوَلَّاهُم، وهنا ﴿تَقَاسَمُوا﴾ عَلَى شرٍّ من أعظمِ الشرورِ. الْفَائِدَةُ الْثَّانِيَةُ: فيها دليلٌ عَلَى مبدأ الاغتيالاتِ؛ بمعنى أن الاغتيالَ موجودٌ حَتَّى فِي الزمنِ السابقِ، هَذَا المقصودُ، وَلَيْسَ معنى هَذَا أن هَذَا المبدأ مُباح، بل المُراد أن هَذَا موجودٌ ولا زالَ موجودًا، فغالبُ الأُمُورِ من خيرٍ أو شرٍّ تَجِدُ لها أصلًا فِي الأممِ السابقين؛ لِقَوْلِهِ: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾؛ لِأَنَّ التبييتَ اغتيالٌ، إذ إن الاغتيال معناه هُوَ القتل عَلَى غِرَّة. ولهَذَا كَانَ الصَّحيحُ من أقوالِ أهلِ العلمِ أن الغِيلَة لَيْسَ فيها خِيَار لأولياء الدمِ، وَأَنَّهُ يَجِب قتلُ المُغتالِ بكلِّ حالٍ، حَتَّى لو عَفَوْا، وهَذَا مَذْهَبُ مالِكٍ واختيار شيخِ الإِسْلامِ ابنِ تَيْمِيَّة (١)؛ لِأَنَّهُ لا يُمْكِن التحرُّز منه، وَهُوَ فسادٌ فِي الْأَرْض، ولا يُعارِض هَذَا قولَ الرَّسُولِ ﷺ : "مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ" (٢)؛ لِأَنَّ قوله: "مَنْ قُتِلَ لَهُ" هَذَا منَ الحقوقِ الخاصَّة، وَأَمَّا مسألة الاغتيال فإنها من الحقوقِ الْعَامَّةِ، حيث يأتي للإِنْسَانِ فِي مَأْمَنِهِ وَيقْتُلُه! ففِعل القاتل الَّذِي فِيهِ التخييرُ أَنَّهُ يأتيه ولو لم يوجدْ عندَه أحدٌ لكِن المهمّ أن المقتولَ يُمْكِن أنْ يَتَحَرَّز منه بالفرارِ أو بالمدافعةِ أو مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فيحصل القتل، أَمَّا أن يأتيَه وَهُوَ نائمٌ مثلًا أو يأتيه فِي بيته وَهُوَ غافلٌ، فهَذَا لا يُمكِن التحرُّز منه؛ لِأَنَّهُ إذا جاءه وَهُوَ يعلمُ به فيُمْكِنه أن يَتَحَرَّز

стр. 287

بالفرارِ، ويتحرَّز بالمُدافعةِ، وَيتَحَرَّز بالصِّياح لِمَن حَوْلَه، ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ قَوْلنا: إنَّهُ عَلَى خُفيَة أَنَّه لا يوجدُ عندَه أحدٌ؛ لأَنَّ الغالبَ أَنَّهُ لا يُقْتَل إِلَّا إذا كَانَ لا يوجد عنده أحد، لكِن الكَلام عَلَى غِرَّة منَ المقتولِ، هَذَا هُوَ قَتْل الغِيلة. فهَؤُلَاءِ الجماعة تَقَاسَمُوا عَلَى هَذِهِ الفِعْلة القَبِيحَة المُشِينة، ولكِنهم لم يحصُلْ لهم تنفيذُ ما أرادوا؛ لِأَنَّهُم مَكَرُوا، ومكرَ اللهُ، واللهُ خيرُ الماكرينَ. هل يجوزُ سلوكُ مبدإِ الاغتيالاتِ مَعَ الأعداءِ؟ إنْ كَانوا يَسْلُكُونه معنا سلكِناه معهم، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: وَفِي قوله: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ دليل عَلَى إنكارِ المدَّعي، وهَذَا شَيْء واضح، أَمَّا الفاعل للسيئة فلا يُهِمُّه أن يُنْكِر فِعْلَه، يَعْنِي: مَن قتلَ يهون عليه أن يُنْكِرَ القتلَ؛ لِأَنَّ القتلَ أعظمُ من إنكارِه، فلهَذَا قَالَ: ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ البَيِّنَة عَلَى المدَّعِي واليمينَ عَلَى مَن أنكرَ؛ لِأَنَّهُ لَوْلَا أن هَذَا القَوْل يُبَرِّئهم ما صحَّ أن يَتَّفِقُوا عَلَى اتِّخاذِهِ حُجَّةً؛ يَقْتُلُونه ويَقُولُونَ: ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾، فاتَّفَقُوا عَلَى هَذَا، دلَّ هَذَا عَلَى أنَّ الإنكار يُبَرَّأُ به المُدَّعَى عليه، ووَجْهه: أَنَّهُ لولا أن ذلك يُبَرِّئُهم لم يَنْفَعْهُم الاتفاقُ عليه؛ لِأَنَّهُ لو قَالُوا: ما شهدنا مَهْلِكَهُم سيقال: أنتم القاتلونَ، فهَذَا أيضًا دليلٌ عَلَى أنَّ البيِّنة عَلَى المدَّعي واليمين عَلَى مَن أنكرَ. فإذا ادَّعَى شخصٌ أن هَذَا الرجلَ قتلَ والدَه، نَقُول له: هاتِ بيِّنَةً، فإذا لم يأتِ

стр. 288

ببينةٍ فَإِنَّهُ لا يَثْبُتُ له الحقُّ؛ لِأَنَّ البيِّنة عَلَى المُدَّعِي واليمينَ عَلَى مَن أنكرَ. ولكِن هل هَذَا عَلَى إطلاقه؟ المشهورُ مِنَ المَذْهَبِ أَنَّهُ عَلَى إطلاقِه، وَأَنَّهُ لو كَانَ المُدَّعَى عليه القتلُ مِن أفجرِ النَّاسِ والمقتولُ من أطيبِ النَّاسِ، وكذلك المُدَّعِي فَإِنَّهُ لا يُؤْخَذ بقَوْلِهِ؛ لِعُمُومِ قولِ الرَّسُول ﵊: "الْبَيِّنةُ عَلَى المُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ" (١). واختارَ شيخُ الإِسْلامِ ابنُ تَيْمِيَّة ﵀ أنَّ هَذَا يُؤْخَذُ بِقَوْلِهِ، ولكِن تُجْرَى فِيهِ القَسامةُ إذا كَانَ هَذَا الرجلُ معروفًا بالفسوقِ، والمقتول معروفًا بالصدقِ والاستقامةِ، وكذلك أولياؤه، قَالَ: فإن هَذه قَرِينَة تُغَلِّبُ عَلَى الظنِّ صِدْقَ المُدَّعِي، وَعَلَى هَذَا فتُجْرَى فِيهِ القَسَامَةُ. وما قاله الشيخُ فليسَ ببعيدٍ. الأَمْر الثاني بالعكسِ؛ لو أنَّ شخصًا قتلَ إِنْسَانًا وقال: نعمْ أنا قتلتُ ولكِن الرجل صالَ عليَّ ولم يَنْدَفِعْ إِلَّا بالقتلِ، فماذا أصنع؟ المَذْهَب: لا يُقْبَل قَوْلُه ويُقْتَل؛ فلو أنَّ إِنْسَانًا أَدَّعِي عليه أَنَّهُ قاتلُ فلانٍ، قَالَ: نعمْ أنا الَّذِي قتلْتُه لكِنَّني قتلتُه دِفاعًا عن نفسي؛ لِأَنَّ الرجل يريد أن يَقْتُلَنِي. نَقُول له: هاتِ بيِّنةً أَنَّهُ صالَ عليك وإلا قتلناك. قَالَ: لا يُمكِن أن يَكُونَ عندي بيِّنَةٌ؛ لِأَنَّهُ ما صالَ عليَّ أمامَ النَّاسِ، لو يَدْرِي أن حوله أحدًا ما صالَ. نَقُول: إذن نَقْتُلك وبوم القيامةِ تَخْتَصِمُون عند الله. هَذَا هُوَ المذهَب، واختارَ الشيخُ هنا أَنَّهُ يُقْبَل قولُ المعروفِ بالصدقِ، فإذا كَانَ هَذَا القاتلُ الذي يَقُول: أنا قتلتُه دفاعًا مُسْتَقِيمًا، والمقتولُ معروفٌ بالفجورِ والاعتداءِ عَلَى الخلقِ، فَإِنَّهُ يُقْبَل قولُه ولكِن يَحْلِف تأكيدًا لقوله.

стр. 289

وما قاله الشيخ ﵀ هُوَ الصَّحيحُ، ولا يمكن العَمَلُ إِلَّا به، أم كوننا نَقُول: نقتلك وتجد حسابك عند الله! هَذَا فِيهِ نظرٌ، حَتَّى لو وُجدتْ قرينةٌ تدلُّ عَلَى صِدْقِ الرجلِ غير مسألة حال هَذَا وحال هَذَا. يعني مثلًا لو وُجِدَ فِي بيتِه، فلو وُجِد المقتولُ فِي بيتِ القاتلِ، وقال: أنا قتلتُه عمدًا بدونِ شُبهةٍ لَكِنَّهُ ادَّعى أَنَّهُ صالَ، وقال: جاء إليَّ ودخلَ البيتَ لِيَقْتُلَنِي أو سينتهك حُرْمَة أهلي، فوجدتُ أَنَّهُ لا يَندفِع إِلَّا بالقتلِ، نَقُول: ولو كان؛ لِأَنَّهُ يجوزُ أَنَّهُ استضافه ويتدرَّج به ويقول: تَفَضَّل عندنا؛ لأجلِ أن يقتلَه. والحاصلُ: أنَّ هَذِهِ مشكلةٌ، ولا يستقيمُ الحالُ إِلَّا عَلَى ما قالَه شيخُ الإِسْلامِ ابنُ تَيْمِيَّة ﵀. الحاصل: أن قوله: ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ يَدُلّ عَلَى أن المُنْكِر مقبولُ القَوْلِ ما لم يأتِ المُدَّعِي بِبَيِّنَةٍ. * * *

стр. 290

الآية (٥٠) * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ٥٠]. * * * قَالَ المُفَسِّر: [﴿وَمَكَرُوا﴾ فِي ذَلِكَ ﴿مَكْرًا﴾]، و ﴿مَكْرًا﴾ مُنكر أحيانًا، يَكُون من فائدةِ التنكيرِ التعظيمُ، أي: مَكَرُوا مكرًا عظيمًا، والمكرُ فسَّره بعضهم بأنه التوصُّل بالأَسْبَاب الخفيَّة إِلَى الإيقاعِ بالخَصْمِ؛ لِأَنَّ الأَسْبَاب الظَّاهرة لا تُسمَّى مكرًا وإنما هِيَ أَسْباب خفيَّة. قَالَ اللهُ فِي مقابلةِ ذلك: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا﴾ أي: مكرًا أعظمَ من مكرِهم، قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أي جازَيْنَاهم بتعجيلِ عُقُوبَتِهِمْ]، ففسَّر المكر بالمجازاةِ، والصَّحيحُ أن المكرَ أخصُّ منَ المجازةِ؛ لِأَنَّهَا مجازاةٌ منْ حَيْثُ مأمنُ المُجَازَى، لكِن أراد المُفَسِّر أنْ يدفعَ بذلك صفةَ المكرِ عنِ اللهِ ، ففسَّره بالمجازاةِ، والصَّواب عند أهلِ السنَّة والجماعة أنَّ المكرَ لا يجوزُ أن يُحَرَّف إِلَى معنى المجازة المطلَقة، وَأنَّهُ لا يَمْتَنِع وصف الله ﵎ به فِي مَحَلِّه، فالمكرُ فِي مَحَلِّه يُعْتبَرُ مَدْحًا، وَفِي غيرِ مَحَلِّهِ يُعْتَبر ذَمًّا، والمكرُ بهَؤُلَاءِ الماكرينَ يُعْتَبر مَدْحًا عظيمًا، ولهَذَا الصَّحيحُ فِي هَذِهِ المسألةِ الَّذِي عليه أهلُ السنَّة والجماعة أنَّ اللهَ تَعَالَى يُوصَف بالمَكْرِ، لا عَلَى الإطلاقِ، فلا يقالُ: إن اللهَ ماكرٌ؛ لِأَنَّهُ عَلَى الإطلاق يَتَضَمَّن صِفة الذمّ، وإنما

стр. 291

يقال: ماكرٌ بمَن يَمْكُرُ به، أو بمَن يَسْتَحِقّ المكرَ، وحينَئذٍ يَكُونُ صفةَ مدحٍ. والصِّفَات تنقسمُ إِلَى ثلاثةِ أقسامٍ: أحدها: صفاتٌ حُسْنَى بكلِّ حالٍ، فهَذه ثابتةٌ للهِ عَلَى وجهِ الإطلاقِ، كالسمعِ والبصرِ والعلمِ والحياةِ والقُدْرة ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. والثَّانِيَة: صفاتُ نقصٍ عَلَى كُلّ حالٍ، أو صفاتُ سَوْءٍ عَلَى كُلّ حالٍ، فهَذه يُنَزَّهُ اللهُ عنها عَلَى كُلّ حالٍ، مثل الظُّلم واللُّغُوب والجَهْل والعَمَى والموت والمرض والولادة والوزير والشَّريك والجُوع والعَطَش، ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، هَذِهِ يُنزَّه الله عنها بكلّ حالٍ. والثَّالثة: صفات ذات وجهينِ، تكون مدحًا فِي حالٍ وتكونُ ذمًّا فِي حالٍ، فهَذِهِ لا يُوصَف الله بها عَلَى الإطلاقِ ولا تُنْفَى عنه عَلَى الإطلاقِ، مثل: المَكْر والخِداع والاستهزاء والسّخْرِيَة وأمثالها، هَذِهِ لا يُوصَف الله بها عَلَى كُلّ حالٍ، ولا تُنفَى عنه بكلِّ حالٍ، بل يُوصَف بها حَيْثُ تكون كمالًا، وتُنفَى عنه حَيْثُ تكون نقصًا، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩]، وقال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ﴾ [البقرة: ١٥]، وقال تَعَالَى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النِّسَاء: ١٤٢]، وقال تَعَالَى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٠]. قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ يعني هم لا يشعرون بعاقبةِ مكرِهم، وهل يَتِمُّ لهم ما أرادوا أم لا؟ ولا يشعرون كيف يمكر الله بهم، فهم لا يشعرون لا بهَذَا ولا بهَذَا، لا بنتيجةِ مَكْرِهِم ولا بمكرِ اللهِ بهم؛ لِأَنَّهُم - والعياذُ بالله - متمادُونَ فِي الضلالةِ، والغالبُ أن الَّذِي يتمادى فِي الضلالةِ يَعْمَى فلا يُبْصِر، ويُصَمّ فلا يسمع، فلهَذَا قَالَ: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، والجملةُ فِي قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ مَحَلُّها منَ

стр. 292

الإعرابِ حالٌ منَ الواوِ فِي ﴿وَمَكَرُوا﴾ أو منَ الضَّميرِ المحذوفِ فِي قوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا﴾ يعني بهم ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى: عَظَمَة اللهِ تَعَالَى وَأَنَّهُ أعظمُ مَكرًا ممَّن يَمكُرون به وبرسلِه، فهَؤُلَاءِ أرادوا المكرَ برسولِه ولكِن الله تَعَالَى مكرَ بهم بما هُوَ أعظمُ. الْفَائِدَةُ الْثَّانِيَةُ: وصفُ اللهِ تَعَالَى بالمكرِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ عَلَى سبيلِ الإطلاقِ، بل عَلَى سبيلِ التقييدِ، فيقال مثلًا: هُوَ ماكرٌ بأعدائِهِ أو بمَن يَستحِقّ المكرَ، أو مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ممَّا يجعل المكرَ صفةَ كمالٍ؛ لِأَنَّ المكرَ لَيْسَ بصفةِ كمالٍ عَلَى الإطلاقِ ولا بصفةِ نقصٍ عَلَى الإطلاقِ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن الله قد يَمْكُرُ بالعبدِ فلا يَشْعُر بمكرِه، ومن مكرِ اللهِ بالعبدِ وَهُوَ لا يَشْعُرُ: استدراجُه إيَّاه بالنِّعم، حَيْثُ يُسْدِي إليه النعمَ وَهُوَ يبارزُ الله تَعَالَى بالعصيانِ، ومن مكرِه به تلبيسُه عليه فِي الحُكم، فيُلَبِّس عليه الحكم حَتَّى يَظُنّ الباطلَ حقًّا فيتمادى فيه، ولهَذَا من الدعاء المأثور: "اللَّهُمَّ أَرِنِي الْحَقَّ حَقًّا وَارْزُقْنِي اتِّبَاعَهُ، وَأَرِنِي الْبَاطِلَ بَاطِلًا وَارْزُقْنِي اجْتِنَابَهُ" (١)، فالْإِنْسَانُ قد يَكُون لديه شُبْهَة أو شَهْوة؛ شبهة لا يَعْرِف الحقَّ، أو شهوة لا يريد الحَقّ ويريد غيرَه. * * *

стр. 293

الآية (٥١) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١)﴾ [النمل: ٥١]. * * * ﴿فَانْظُرْ﴾ الخِطَاب للنبيّ ﷺ أوَّلًا، أو لمَن يَصِحُّ خِطَابُه، يعني ﴿فَانْظُرْ﴾ أيُّها المخاطَب أو ﴿فَانْظُرْ﴾ يا مُحَمدُ، وَهُوَ رأسُ هَذِهِ الأُمَّة وقائدها وإمامها، فيَكُون خِطَابه خِطابًا للأمَّة أيضًا. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾: ﴿كَيْفَ﴾ هَذِهِ اسمُ اسْتِفْهامٍ مُعَلِّقَةٌ لـ (انْظُر) عن العَمَلِ، ولهَذَا نَقُولُ: إنَّ مَحَلَّها النصبُ خبر كَانَ مُقَدَّمًا، وجملة كَانَ واسمها وخبرها فِي محَلّ نصب مَفْعُول لـ (انْظُرْ). وقوله: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ العاقبة ما يَعْقُبُ الشَّيْءَ، يعني انْظُر ماذا يَعْقُبُ مكرَهم مِنَ الأَمْرِ ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أهلكِناهم]، وفيها قراءتانِ (١): فتحُ الهمزة ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾، وكسرها "إِنَّا دَمَّرْنَاهُم"، أَمَّا كسرها فهي كقولِهِ تَعَالَى: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [القمر: ٣٠ - ٣١]، فتكونُ عَلَى قراءةِ الكسرِ مستأنفةً لبَيَان هَذِهِ العاقبةِ ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ كَأن الذهنَ الْآنَ يَتَشَوَّف إِلَى هَذِهِ العاقبةِ، وجيء بالجملةِ

стр. 294

الاستئنافيَّةِ بَيَانا لها ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، أَمَّا عَلَى قراءةِ الفتحِ فهي بَيَان للعاقبةِ، بَدَل مِنْهَا: فانظُرْ كيف كَانَ عاقبة مَكْرِهم أَنَّنا دَمَّرْنَاهم، أو أَنَّهَا عَلَى خبر مبتدأ محذوف التَّقْدير: هِيَ ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. وقوله: ﴿دَمَّرْنَاهُمْ﴾ يَقُول المُفَسِّر ﵀: [أهلكِناهم]، و ﴿دَمَّرْنَاهُمْ﴾ منَ التدميرِ، وَهُوَ أبلغُ منَ الإهلاكِ؛ لِأَنَّ التدميرَ يُوحِي بغِلَظِ هَذَا الإهلاكِ وعَظَمَتِهِ، وَهُوَ كذلك، فإنَّ قومَ صالحٍ أُخِذُوا - والعياذُ بالله - بأمرينِ: بصيحةٍ ورجفةٍ، صِيحَ بهم وارْتجَفَتْ بهمُ الْأَرْضُ، حَتَّى انهدم عليهم بناؤُهم وتَقَطَّعَتْ قُلُوبُهم فِي أجوافِهِم، نسألُ اللهَ العافيةَ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١)﴾ [القمر: ٣١]، مثل هشيم الحظائرِ إذا جفَّ تهَشَّمَ والعياذُ باللهِ، فهَذا الهلاكُ العظيمُ نتيجة لهَذَا العصيانِ والتمرُّد والمَكْر الَّذِي أرادوه بالنَّبِيّ ﷺ . وقوله: ﴿دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ﴾ مَعَ أنَّ القومَ لم يُشارِكوا فِي هَذِهِ الجريمةِ، ولكِن هَذَا شُؤْمُ المَعاصِي أن الله إذا عاقبَ بها أحدًا شَمِلَ الجميعَ، مَعَ أنَّ قومَهم مُسْتَحِقُّونَ للعقوبةِ؛ لِأَنَّهُم كانوا كفَّارًا مكذِّبين، لكِن تعجيل العقوبةِ مقرونٌ بهَذَا السَّبَب، وَهُوَ مَكْرُ هَؤُلَاءِ بصالح، وقد لا يَكُونُ القومُ مُسْتَحِقِّين له، ولكِن شَمِلَهم - والعياذُ بالله - عُقُوبَة هَؤُلَاءِ، وقَّدَ ذكرَ اللهُ ﵎ فِي آيَاتٍ أُخْرَى مُفَصَّلَةً أنَّ نَبِيَّهم صالحًا قَالَ لهم: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: ٦٥]، فتَمَتَّعُوا وبَقُوا ثلاثةَ أيامٍ ثُمَّ بَعْد ذلك أَخَذَهُمُ اللهُ تَعَالَى بهَذه الصيحةِ والرَّجْفَة. وقوله: ﴿أَجْمَعِينَ﴾ مَحَلُّها من الإعراب توكيد لِقَوْلِهِ: ﴿وَقَوْمَهُمْ﴾ يعني ما بقي منهم أحدٌ إِلَّا من كَانَ مؤمنًا بصالحٍ ﵊.

стр. 295

وقول المُفَسِّر ﵀: [بصيحةِ جِبريلَ أو بِرَمْيِ الملائكةِ بحجارةٍ يَرَوْنَها ولا يَرَوْنَهم]. أما قوله: [بصيحةِ جبريل]، فهَذَا قد يَكُون مقبولًا؛ لِأَنَّ الله تَعَالَى يَقُول: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ وهَذه الصيحةُ إمَّا منَ اللهِ أو من جبريلَ أو من غير من الملائكةِ، المهمُّ أَنَّهُم أُهلكوا بصيحةٍ. وأمَّا قوله: [أي برمي الملائكة بحجارة]، فهَذَا لا أعلمُ له وجهًا، ولكِنه قيل: إنَّهُم لما جاءوا إِلَى صالحٍ بالليلِ أمرَ الله تَعَالَى الملائكةَ أنْ تَحْرُسَه، فلمَّا جاءوا فإذا الملائكة تحرسه، فجعلت الملائكة ترميهم بالحجارةِ، وهَذَا لا أصلَ له، وإذا لم يكن هَذَا عن معصومٍ فَإِنَّهُ غير مقبولٍ، وَهُوَ أيضًا غيرُ لائقٍ أن تكون الملائكةُ يرمونَ بالحجارةِ كأنهم من البَشَرِ، ولكنَّنا نَقُول: الَّذِي دمَّر الله به هَؤُلَاءِ وقومَهم هُوَ الصَّيْحَة والرَّجْفَة، كما جاء ذلك فِي الْقُرْآنِ، ولا نَتَعَدَّى الْقُرْآن فِي هَذَا الأَمْرِ؛ لِأَنَّ الله تَعَالَى يَقُول فِي سورةِ إبراهيمَ: ﴿لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم: ٩]، فما دامَت هَذِهِ الأُمُورُ مِن معلوماتِ اللهِ فإنَّنا لا نتجاوزُ ما قَالَ اللهُ فيها إِلَّا ما وَرَدَ عن النَّبِيِّ ﷺ بسندٍ مقبولٍ. ذكر بعضُ العُلَماءِ أَنَّهُم لما خَرَجوا أُصيبوا بمطرٍ وأنهم قَالُوا: لِنَلْجَأْ إِلَى غارٍ من هَذَا المطر، فلمَّا لجأوا إليه انطبقَ عليهم هَذَا الغارُ وهَلَكوا، وَأَمَّا قومهم فجعلوا يطلبونهم ويبحثونَ عنهم فلم يَجِدُوهُم، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى بيوتهم، فخرج عليهم صالحٌ فقال لهم: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: ٦٥]، وقَالُوا: إن هَذَا هُوَ الَّذِي مَكَرُوا به المَكْر؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ القوم دخلوا إِلَى الغارِ يريدون الأمنَ، ولكِن كَانَ فِي هَذَا الغار حَتْفُهم، وقد يَكُون الَّذِي حالَ بينهم وبين هَذَا إمَّا أَنَّهُم قُذف فِي قلوبهم الرعبُ

стр. 296

أو أَنَّهُم جاءوا فلم يَتَوَصَّلوا إِلَى بيتِه بأن كَانَ مُغْلَقًا محُكَمًا أو غير ذلك منَ الأَسْبَاب. المهمُّ أن هَذَا مطويٌّ ذِكْرُه وأنهم ما نَفَّذُوا ما أرادوا، وهَذه القصةُ أيضًا عَلَى هَذَا الوجهِ ما رأيتُها ثابتةً بالإسنادِ عن النَّبِيّ ﵊، فلهَذَا الأَولى أن يقال: إن الله تَعَالَى مكرَ بهم فدَمَّرَهُم وقومَهم، وَلَيْسَ منَ المهمِّ أنْ نعرِف كيف دُمِّروا، المهمُّ أنْ نعرِفَ أَنَّهُم دُمروا عن آخِرِهِمْ بسبب ما أرادوه بالنَّبِيّ ﷺ ، وبسبب تكذيبِهِمْ. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى: الحثُّ عَلَى الاعتبارِ، لِقَوْلِهِ: ﴿فَانْظُرْ﴾ والنظرُ يَكُونُ بالقلبِ ويُسَمَّى نظرَ البَصِيرةِ، وَيكُونُ بالعينِ ويُسَمَّى نظرَ البصرِ، وكلاهما أمر مطلوبٌ إذا أدَّى إِلَى مطلوبٍ، وَأَمَّا إذا لم يؤدِّ إِلَى مطلوبٍ بل أدى إِلَى العكسِ مثل أن يعتبرَ ويتبصر ثُمَّ يتخذ من هَذَا النظرِ وسيلةً إِلَى الطعنِ فِي حكمةِ اللهِ ، أو إِلَى وصف الله تَعَالَى بالظلمِ أو مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مما يقع من بعض الملحدينَ، فإن هَذَا ضرره كبيرٌ والعياذُ باللهِ، لكِن الصَّواب مَن نَظَرَ ليَعْتَبِرَ، ومَن نظرَ بعينِ العقلِ والعدلِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ من الأَمْرينِ: عقلٌ وعدلٌ، فبانتفاءِ العقلِ لا تحصل للإِنْسَان المعرِفةُ، وبانتفاءِ العدلِ يَظْلِم. فعَلَى كُلِّ حَالٍ: فِي هَذِهِ الآية دليلٌ عَلَى أَنَّهُ ينبغي للإِنْسَانِ أن ينظرَ ويتأمَّل فِي الأُمُورِ، لا سيما فِي أمور المكذِّبين. الْفَائِدَةُ الْثَّانِيَةُ: أَنَّهُ ينبغي فِي مَقامِ التحذيرِ استعمالُ أغلظِ الألفاظِ وأشدّها تأثيرًا، لِقَوْلِهِ: ﴿دَمَّرْنَاهُمْ﴾، ولم يقل: أهلكِناهم، فإنَّ التدمير أعظمُ وَقعًا فِي النفسِ، والنفس تَنْفِر منه أكثرَ، ولهَذَا قَالَ: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾.

стр. 297

الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن العقوباتِ إِنَّمَا تأتي بأَسْبابِ المرءِ، حَيْثُ جعل هَذَا التدمير عاقبةَ مَكرِهم، وهَذَا يَدُلّ عليه أيضًا قوُل اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦]، وقال فِي خصوصِ أهلِ الكتابِ: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٥ - ٦٦]، من فوقهم منَ الثّمارِ الطويلةِ، ومن تحت أَرْجُلِهِم منَ الزُّرُوعِ الَّتِي تحتَ الْأَرْض. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن العقوبةَ تَعُمّ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ولكِن كما قَالَ رسول الله ﷺ : "يُبْعَثُ النَّاسُ عَلَى أَعْمَالهِمْ" (١)، فالعقوبةُ قد تعمُّ ولكِن يُبعَث النَّاس عَلَى أعمالهم، وهَذَا مشاهَدٌ، سواء كانت العقوبةُ منَ اللهِ، يعني من فعلِ اللهِ، أو من فعلِ العبادِ، فيُسَلِّط الله تَعَالَى بعضَ عبادِه عَلَى بعضٍ، فيدمّر هَذَا المتسلِّط عَلَى الصالحِ والطالحِ، ولكِن يُبعث النَّاس يومَ القيامةِ عَلَى أعمالهِم ونيّاتهم، أو ينزل الله تَعَالَى كارثةً من عنده كالفيضاناتِ والرياحِ وغيرها فتدمِّر الصالحَ والطالحَ، ويوم القيامة يُبعَثون عَلَى نيّاتهم. وإنما كَانَ كذلك - والحِكْمَة عندَ اللهِ لأجلِ أنْ يَستقيمَ النَّاسُ عَلَى أمرِ اللهِ؛ لأنّي أنا إذا علِمت أن المصيبةَ ستعمّ سأسعى فِي إزالةِ السيِّئة الموجِبة للعقوبةِ،

стр. 298

لكِن لو أنَّنا علِمنا أن العقوبةَ تخصّ العاملَ ما استقامَ الأَمْرُ بالمعروفِ ولا النهيُ عن المنكَرِ، ولذلك يَجِب أن يَكُونَ خوفُ الْإِنْسَانِ من معاصي غيرِه كخوفِهِ من معاصي نفسِهِ؛ لِأَنَّ العقوبةَ واحدةٌ إذا نزلتْ عمَّتْ، بل إن المَعاصِي -سبحان الله- كالدُّخَان يُصْرَعُ مَن شَمَّهُ وإنْ لم يكنْ فِي بيتِهِ، ولذلك معاصي النَّاس اليومَ أثَّرت حَتَّى في أهلِ الخيرِ البعيدينَ منهم، يعني أهل الخير لو سألتهم وقلت: هل تجدون فِي قلوبكم ما كنتم تجدونه قبلَ سنواتٍ من الإنابةِ إِلَى اللهِ والخشوعِ والخضوعِ ومحبّة الخير؛ لو سألتهم لأجابوا: لا. دعنا من النَّاس الَّذِينَ ماتوا قبل ثلاثينَ سنةً أو أكثر، فهَؤُلَاءِ معلوم أَنَّهُم سلِموا من هَذِهِ الفتنةِ، لكِن حَتَّى الموجودون الْآنَ قلوبهم قبلَ نحو ثلاثين سنة أصلح بكثيرٍ منَ اليومِ، مَعَ أنّ حالَهم هِيَ هي، فتجد الْإِنْسَان مثلًا فِي مَسْجِدِهِ إمامًا ولم يَلْتَفِتْ للدُّنيا ولم يَشْتَغِلْ بها، وتجد الْإِنْسَان مثلًا فِي أهله لا يَلْتَفِت إِلَى أحد غيرهم، ومع ذلك تأثَّرت القلوب؛ لِأَنَّ المَعاصِيَ مفاسدُ مهما كانتْ، ولكِن مَعَ هَذَا قد يأتي الله تَعَالَى ببركانٍ عظيمٍ يُفَتِّت هَذِهِ الأَشْيَاء، ويُقَيِّض الله تَعَالَى للأُمَّة الإِسْلاميَّة طائفة منصورةً ظاهرةً، فتبدّل كُلّ هَذَا الأَمْر، ولهَذَا لَا بُدَّ من عملٍ، فالركودُ لا يَنْفَع، والركود لَيْسَ فِيهِ سلامة أبدًا، فلَا بُدَّ من العَمَلِ، ولكِن عَلَى هدى مستقيم وبحكمة بالغةٍ؛ لِأَنَّ الَّذِي يضرُّ الدعاةَ إِلَى اللهِ الْآنَ واحدٌ من أمرينِ: إمَّا جهلٌ أو سَفَه، يعني إمَّا أَنَّهُم لَيْسَ عندهم علمٌ بَيِّن راسخٌ، فتجدهم يحرِّمون ما أحلَّ الله، ويُوجِبون ما لم يُوجِبْه اللهُ، مثلما يَصْدُر من بعض الإخوانِ الَّذِينَ يَتَشَدَّدُونَ فِي الأُمُورِ، ويحرِّمون ما أحلَّ الله أو يُوجِبُون ما لم يُوجِبْه اللهُ، وهَذِهِ مفسدةٌ عظيمةٌ، أو يَكُون عندهم سَفَهٌ، يعني لَيْسَ عندهم حِكمة فِي الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ، فيَكُون عندهم تَسَرُّع وعُنْفٌ أو تباطؤٌ فِي غيرِ مَوْضِعِه، ففي الأوَّل يَحْصُل ردُّ فعلٍ عنيف من

стр. 299

المدعوّين، وَفِي الثاني يحصل تمادٍ من المدعوين يفوِّت الفُرصةَ عَلَى الداعينَ، فلا بد منَ العلمِ والحِكْمَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥].

стр. 300

الآية (٥٢) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٥٢]. * * * قوله: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ لما قَالَ: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ [النمل: ٥١]، فهَذَا عامٌّ مُبْهَمٌ، وهنا نَصَّ عَلَى شيءٍ معيَّن؛ وهو أنَّ بيوتَهم خاويةٌ، ومعنى خاوية إمَّا خالية وَإمَّا مُتَهَدِّمة مدمَّرة. قَالَ المُفَسِّر: [﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ أي: خالية، ونَصْبُهُ عَلَى الحالِ، والعاملُ فيها معنى الإشارةِ]. قوله: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ﴾ المشار إليه معلومٌ ومحسوسٌ؛ لِأَنَّ بيوتَ ثمودَ موجودةٌ الْآنَ ومشاهَدة، لَكِنَّها كما قَالَ الله تَعَالَى: ﴿خَاوِيَةً﴾، بمعنى أَنَّهَا خالية عَلَى رأيِ المُفَسِّر، وَقِيلَ: ﴿خَاوِيَةً﴾ متهدِّمة كما قَالَ الله تَعَالَى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]، أي: مُتَهَدِّمة، وهَذَا المَعْنى أبلغ، يعني تفسير الخاوي بالمتهدِّم الَّذِي لَيْسَ بقائمٍ أَوْلَى وأشدّ؛ لِأَنَّ البيوتَ قد تخلو مَعَ العمار، ولكِن إذا خَوِيَتْ بمعنى دُمِّرَتْ وانهدمتْ فهي خالية، فإذن يَلْزَم من دَمارها خُلُوّها، ولا يَلْزَم من خُلُوّها دَمَارها، والواقع أَنَّهَا دُمِّرَتْ لِأَنَّ هَذِهِ الرَّجفة العظيمةَ لَا بُدَّ أنْ تُدَمِّرَهُمْ.

стр. 301

ثمَّ إنَّ المُفَسِّر ﵀ قَالَ: [نَصْبُهُ عَلَى الحال] نصب (خاوية) عَلَى الحال، حال من البيوت: بيوتهم حال كونها خاويةً. لكِن أين العامل فِي الحال؛ لِأَنَّ العامل لَا بُدَّ من أن يَكُون إمَّا فعلًا أو اسمًا بمعنى الفِعْل؟ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [والعامل فيها معنى الإشارة]، لِأَنَّ (تلك) بمعنى أسير، فاسم الإشارة متضمِّن لحرفٍ معنويّ وفعل، أي: أسير إذا بيوت خاوية. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾ بظلمهم]، الباء للسببيَّة و (ما) مصدريّة، والمُفَسِّر ﵀ حَوَّلَ الفِعْل إِلَى مصدر، إشارة إِلَى أن (ما) مَصْدَرِيَّة، أي: تحول ما بعدها إِلَى مصدر، أي: بسبب ظُلْمِهِم، لا أننا ظالمون لهم، بل هم الَّذِينَ ظَلَمُوا أنفسهم. ثم فسَّر المُفَسِّر هَذَا الظلمَ بالكفرِ، فقال: [أي كفرهم]؛ لِأَنَّ كُلّ كفرٍ ظلم وَلَيْسَ كُلّ ظلمٍ كفرًا، ولهَذَا قَالَ العُلَماء: إِنَّمَا نحمدُ اللهَ تَعَالَى أن قَالَ: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، ولم يقلِ: والظالمونَ هم الكافرونَ، لو قَالَ: والظالمون هم الكافرون كَانَ كُلُّ ظالمٍ فَهُوَ كافرٌ، ولكِن قَالَ: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ فإن كُلّ كافرٍ فَهُوَ ظالمٌ, قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. وتفسير المُفَسّر ﵀ للظُّلم بالكفر هَل عليه دليل؟ نعم عليه دليل؛ لِأَنَّ فِعْلَهم وتكذيبهم لرسولهِم كفرٌ، فهنا تفسيرُ الظلمِ بما هُوَ أخفّ له دليلٌ. قولُه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المشار إليه كُلّ القصة عَلَى الصَّحيحِ، وَلَيْسَ المشار إليه مجرَّد الإهلاك.

стр. 302

قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿لَآيَةً﴾ لَعِبْرَة ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ قُدْرَتَنَا ويَتَّعِظُونَ]، تخصيصُ هَذَا بالقُدرة غيرُ مُسَلَّمٍ، بل المُراد ما هُوَ أعمُّ من عِلم قُدرة الله ، بل يعلمون قدرة الله وحكمته وما جرَى للأممِ، كُلّ هَذَا جائزٌ؛ لِأَنَّ الَّذِي لا يَدري بماذا يَعتبِر، لكِن الَّذِي يدري هُوَ الَّذِي يعتبر، وِفي هَذَا مِنَ الحَثّ عَلَى معرفةِ أخبارِ الأممِ والعلمِ بها ما هُوَ ظاهرٌ؛ لِأَنَّ بها يتَّعظ النَّاس، وكذلك أيضًا الأخبارُ الواقعة فِي زمنِ الْإِنْسَان يَنبغي أن يتخذَ من حوادثها عِظَةً وعِبرةً، وسيأتي - إن شاء الله - ذِكرُها فِي قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ التبيينَ بعدَ الإجمالِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿خَاوِيَةً﴾ لِأَنَّ التبيينَ بعدَ الإجمالِ أوقعُ فِي النفسِ، فالشَّيْء إذا جاءَ مُجْمَلًا تَتَشَوَّف النفسُ إِلَى بَيَانهِ ومَعْرِفَتِهِ، فإذا جاء إليها مُبَيَّنًا بَعْد الإبهامِ صادفَ أرضًا يابسةً تَشْرَب الماءَ، لكِن إذا بُيِّن من الأولِ مَرَّ مرَّ الكرامِ، وهَذا دائمًا تَجِدُونه فِي الْقُرْآن، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ [الحجر: ٦٦]، ما هُوَ ذلك الأَمْر؟ ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٦٦]. عندما تقف عند قوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ تجد قوله: (الأَمْر) بـ (أل) ما هَذَا الأَمْر؟ ثُمَّ يأتي قوله: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ فيتبين لك وقعُ هَذَا البَيَان بعدَ الإبهامِ. الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ: أنّ التدميرَ والإتلافَ من أَسْبابِ الظُّلم؛ لِقَوْلِهِ: ﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾ لِأَنَّ الباء هنا للسببيَّة. الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ: أن الجزاء من جِنس العَمَلِ.

стр. 303

الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ: أن الله لَيْسَ بظالمٍ، ما دام أَنَّهُ لا يُعاقِب إِلَّا بسببِ فعلِ العبدِ، فمعنى ذلك أَنَّهُ مُنتفٍ عنه الظُّلم. الْفَائِدَة الخَامِسَةُ: التحذير منَ الظُّلم؛ لأنَّنا إذا تَبَيّنَا أنَّ التدميرَ من أَسْبابِ الظلمِ فمعناه أننا نَنْفِر منه ونهرُب منه، ففيه التحذيرُ من ممارسةِ الظلمِ، سواء كَانَ متعديًا أو لازمًا، أي: سواء كنت تظلمُ نفسَكَ وحدَها بالتقصيرِ بواجبِ اللهِ أو بالظلمِ لغيرِكَ. الْفَائِدَة السَّادِسَةُ: أن هَذِهِ الحوادثَ الَّتِي يُحْدِثها الله آيَاتٍ من آيَاتِهِ تدلُّ عَلَى كمالِ قُدرتهِ وسُلطانه، وَعَلَى كمالِ عدلِهِ أيضًا، ولهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ أي: علامة عَلَى قدرةِ اللهِ وسلطانِهِ، وَعَلَى حِكْمَتِهِ وَأنَّهُ تَعَالَى لا يفعلُ إِلَّا بمُقتضى للفعلِ. الْفَائِدَة السَّابِعَةُ: الردُّ عَلَى مَن ينكِرون الحِكْمَةَ، مثل الجَهْمِيّة، فإنّ الجهمية يَقُولُونَ: إنَّهُ لا حكمةَ للهِ فِي أفعاله، وخالفتهم المعتزِلَة تمامًا، وقالت: أفعاله مقرونةٌ بالحِكْمَةِ، والحِكْمَةُ مُوجبة، ولهَذَا قَالُوا: يجبُ عليه فِعل الصلاحُ، وبعضهم قَالَ: يَجِب عليه فعل الأَصْلحِ، وَأَمَّا الجهميّة فبالعكس، وهَذَا من المواضعِ الَّتِي اختلفتْ فِيها الجهميّة والمعتزِلة، وإن كانوا يشتركون فِي كثير من الأَشْيَاءِ لكِنهم يختلفون أيضًا فِي أَشْيَاء أخرى، مِنْهَا هَذِهِ المسألة: هل فعل الله لحكمة أو لمجرّد مشيئةٍ؟ فالجهمية يَقُولُونَ: لمجرّد مشيئةٍ، والمعتزِلة يَقُولُونَ: لحكمةٍ، لكِن غَلَوا فِي إثباتِ الحِكْمَةِ، حَيْثُ أَوجبوا عَلَى اللهِ فعلَ الأَصْلحِ، وقد تقدّم هَذَا فِي العقيدةِ" وبَيَّنّا أن الصَّوابَ أَنَّهُ يَجِب عَلَى اللهِ فعل الأَصْلحِ لكِن لا بإيجابنا نحن، ولكِن بمقتضى حكمتِه؛ لِأَنَّ الحِكْمَة تَقتضي هَكَذَا، وَأَمَّا الأشاعرةُ فمثل الجهميّة.

стр. 304

الْفَائِدَة الثَّامِنَةُ: أَنَّهُ لا يَنتفِع بالآيَاتِ إِلَّا أُولوا العلمِ؛ لِقَوْلِهِ : ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أَمَّا مَن لَيسوا من ذوي العِلم فَإِنَّهُ يَفُوتهم شيءٌ كثير، لا يَعتبرون به ولا يَتَّعِظون به؛ ولهَذَا قَالَ اللهُ : ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]، ﴿الْأَمْثَالُ﴾ تَشمَل الأمثال المعقولةَ والأمثالَ المحسوسةَ المشاهَدة، فالله تَعَالَى يَضرِب الأمثال المعقولة ويضرب الأمثال المحسوسة، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ ... ﴾ [يس: ١٣]. هَذِهِ من الأَشْيَاء المشهودة المحسوسة، وقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت: ٤١]، هَذَا من الأمثال المعقولة. والحاصل: أن أهل العلمِ هم الَّذِينَ يعقِلون هَذِهِ الآيَاتِ ويَعتبِرون بها وَينتفِعون بها. الْفَائِدَة التَّاسِعَةُ: فضيلة العلم. الْفَائِدَة الْعَاشِرَةُ: الحثُّ عَلَى العلمِ؛ لِأَنَّهُ إذا ثبتَ فَضلُه فمعنى ذلك أن الله ذَكَرَه لنا لِتَتَعَلَّم، ولَا شَكَّ أن العلم من أفضل ما أنعمَ الله به عَلَى العبدِ، يعني ما بَعْد الإِسْلامِ نعمة مثل العلمِ، هِيَ أفضل من نعمةِ المالِ وأفضلُ من نعمة قوّة البَدَن، وأفضل من نعمة البنينَ، وما يعادِلها إِلَّا نعمة الإِسْلام فقطْ. والمقصود العُلَماء الَّذِينَ مَثَّلوا العلمَ، بأن كانوا دعاةً إِلَى الله، وكانوا علماء مِلّة، لا علماء دولة؛ لِأَنَّ العُلَماء منهم علماء مِلة يدعون إِلَى الملة والشَّرِيعَة، ويَهدون بأمرِ اللهِ، ومنهم علماء دولةٍ يدعون إِلَى ما تريده الدولة، وكما هُوَ معروف أوّل ما ظهرتْ بِدعة الاشتراكيّة أو أول ما ظهر فِسق الاشتراكيّة -والاشتراكية ظهرت من زمنٍ-

стр. 305

صار أناس من أهل العلمِ فِي البلادِ الَّتِي ظهرتْ فيها هَذِهِ البدعة، صاروا يدعون إليها ويزعمون أن الْقُرْآن والسنّة دلّا عليها، ويأتون بآيَات تدلّ عَلَى هَذَا، مثل: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [الروم: ٢٨]، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ أنتم سواء فِي الرِّزق، والنَّاسُ شركاء فِي ثلاثٍ (١)، وهَكَذَا، وبدؤوا يحرّفون فِي الكِتاب والسنّة؛ لِأَنَّهُم علماء دولة، لا علماء مِلة، وهَذَا كثير أيضًا. وفيه أيضًا مُحَدِّثُون دولة، كغِيَاثِ بنِ إبراهيمَ الذي زاد في الحديث لِأجلِ المَهْدِيّ في حديث: "لَا سَبَقَ إِلَّا فِي نَصْلٍ أَوْ خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ" (٢) وماذا تريد يا مهدي؟ (أو جَنَاح) (٣). فالحاصل: أن هَذَا بلاء، لكِن المُراد بالعلم الممدوح هُوَ العلم المؤثِّر للعمل والدَّعْوَة، والحقيقة أن مَقام طلبة العلم لَيْسَ مَقام علم فقطْ وَيكُون العلمُ قابعًا فِي صُدُورهم ولم يكنْ هناك دعوة، أنت الْآنَ وارث للأنبياء، "الْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الأنبِياء" (٤)، فادع إِلَى الله، ادعُ مثلما دعا الأَنْبِياء إِلَى اللهِ ، اعْلَمْ ثُمَّ ادْعُ، لا نَقُول: ادعُ

стр. 306

بجهلٍ، فالدعاءُ بالجهلِ ضررٌ عليكَ وَعَلَى الإِسْلامِ أيضًا، لكِنِ اعلَمْ وادعُ، ولا تُدَاهِنْ، واعلمْ أنك ما قلتَ كلمةً تبتغي بها وجهَ اللهِ إِلَّا كَانَ لها تأثيرٌ لا بدَّ. ونحن نَضْرِبُ دائمًا لكمْ مثلًا بقولِ موسى أمامَ السحرةِ وأمامَ فِرعونَ وجُنُودِهِ وعامّة أتباعِهِ، قَالَ للسحرة: ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ [طه: ٦١]، فهذه كلمة مثل القنبلة ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ [طه: ٦٢]، ذَهَبَتْ مَعْنَوِيَاتهم واجتماعهم، وأخيرًا آمنوا بالله، واعْلنوا إعلانًا كاملًا بتصميمٍ وعزمٍ، سبحانَ الَّذِي أعطاهم إيّاه فِي هَذِهِ اللحظةِ ﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الشعراء: ٤٧ - ٤٨]، فتَوَعَّدَهُم ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ [الشعراء: ٤٩]، فماذا قَالُوا: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه: ٧٢]، افْعَلْ ما تريدُ ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه: ٧٢].

стр. 307

الآية (٥٣) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [النمل: ٥٣]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بصالحٍ وهُم أربعةُ آلافٍ ﴿وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ الشِّرْكَ]. ﴿أَنْجَيْنَا﴾ أي: عَصَمْنَا، فالإنجاءُ بمعنى العِصْمَة، أي أنجَيْنَاهم من هَذِهِ العقوبةِ، ومن هَذَا التدميرِ الَّذِي ذَكَر اللهُ جَلَّ وَعَلَا. وقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قول المُفَسِّر [بصالحٍ]، فِيهِ نظرٌ، والصَّواب: آمنوا باللهِ؛ لأجلِ أن يشملَ صالحًا ومَن معه، كما قَالَ الله تَعَالَى فِي سورة هودٍ: ﴿نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [هود: ٦٦]، بل نَقُول: إن صالحًا ﵊ يَجِب عليه أن يؤمن بنفسه أَنَّهُ رسول، ولهَذَا كَانَ الرَّسُول ﵊ يؤمنُ وَيشهد لنفسِهِ بالرسالةِ، يَقُول فِي صلاتِه: "أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورسُولُهُ (١)، وهو يعني نفسَه، وأحيانًا يقول إذا وقعَ الأمْرُ عَلى وَفقِ ما قال: أشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ (٢).

стр. 308

المهم أن الرَّسُول نفسَه مُلْزَمٌ بأنْ يشهدَ لنفسِهِ بالرسالةِ وبأنه رسول الله يُؤْمِن بما أُوحي إليه، وكذلك غيرُه مِن باب أَوْلَى. وقول المُفَسِّر: [وهم أربعةُ آلافٍ]، نَقُول: أين الدِّيوان الَّذِي حَصَرَهُمْ، لا دليلَ عليه، والغالبُ أنَّ المُؤْمِنيِنَ أقلُّ من ذلكَ، فالنَّبِيّ ﵊ يقولُ: "رَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيُّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ" (١)، إذ رُفِعَ له سَوَادٌ فظنَّ أَنَّهُ أُمَّتُه، فقَالُوا: هَذَا موسى وقومه. فالمهمّ أَنَّ تَقديرَهم بأربعةِ آلافٍ، أو بأربعينَ نفرًا، أو بأربعة ملايينَ، أو بأقلَّ أو أكثرَ، هَذَا يحتاجُ إِلَى دليلٍ، وَهُوَ أيضًا من فُضُولِ العلمِ الَّذِي لا يَنبغي للإِنْسَانِ أنْ يُتْعِبَ نفسَه فِيه، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ فائدةٌ، الَّذِي فِيهِ فائدةٌ لَا بُدَّ أنْ يَقُصَّه الله علينا. ونظيرُ هَذَا البحثِ مثلًا فِي كلبِ أصحابِ الكهفِ: ما لونُه وما اسمُه وما حَجْمُه؟ والغارُ الَّذِي هم فِيهِ أينَ هُوَ، فِي أيّ مكانٍ؟ كُلّ هَذِهِ مسائلُ جانبيَّة، كذلك أيضًا ما وقع فِي الحديثِ فِي السنَّة (قالَ رجلٌ للنبيِّ ﷺ )، فتجدُ بعضَ الشرَّاح يُعنَى عنايةً تامّةً: مَن الَّذِي قَالَ هَذَا؟ هَذَا فِي الحقيقةِ لَيْسَ له داعٍ، وإنْ كنّا قد نستفيدُ إذا كَانَ فِي ذلك مَنْقَبَةٌ لهَذَا الرجلِ إذا عُرف به، لكِن هل هَذَا ليس ملزومًا لا بالحُكْم ولا بالدلالة، ولكِنه من فضول العلم. وهَذِهِ المسألة أيضًا مثلها: كم الَّذِينَ مَعَ صالحٍ، أربعة آلاف أو أربعة مَلايين؟ لا يَهُمُّ، المهمُّ أن كُلَّ

стр. 309

مَنِ اتَّصَفَ بالإِيمانِ فإن الله تَعَالَى أنجاهُ من هَذَا العذابِ العامِّ. قوله: ﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ يَقُول المُفَسِّر ﵀: [﴿يَتَّقُونَ﴾ الشِّركَ]، ولو أَنَّهُ قَالَ: يَتّقونَ المَعاصِيَ أو يَتَّقون اللهَ؛ لكان هَذَا أَولى؛ لِأَنَّ الإِيمانَ والتقوى بمعنى الإِيمانِ والعَمَلِ الصالحِ؛ لِأَنَّ العَمَل الصالح عند الإطلاقِ من التقوى، بخلافِ إذا ما قُرِنَ بالتقوى البِرّ، فيَكُون التقوى للمعاصي والبِرّ للطاعات. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: أنّ الإِيمانَ والتقوَى من أَسْبابِ النجاةِ؛ لِأَنَّ قولَه: ﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ حُكْمٌ مُعَلَّق بوصفٍ، والحكمُ إذا عُلِّق بوصفٍ دلَّ ذلك عَلَى عِلّيَّة هَذَا الوصف وتأثيره فِي الحكمِ. الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ: الحَثُّ عَلَى الإِيمانِ والتقوَى؛ لِأَنَّ كُلّ إِنْسَانٍ عاقل يَنْبَغِي له أنْ يَسْلُكَ أَسْبابَ النجاةِ، فيَكُون فِي الإخبار عن نَجَاتِهم الحثّ عَلَى السَّبَب الَّذِي به نَجَوْا. الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ: بَيَان عَدْلِ اللهِ ، حَيْثُ أهلكَ مَن يَسْتَحِقّ الإهلاكَ، وانجَى مَن يَسْتَحِقّ الإنجاءَ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾. الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ: أنّ صالحًا ومن معَه كانوا مُؤْمِنيِنَ متَّصفين بهَذَا الوصف - بالإِيمان والتقوى - لِأَنَّهُم هم الَّذِينَ أُنْجُوا من هَذِهِ العقوبةِ. * * *

стр. 310

الآية (٥٤) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [النمل: ٥٤]. * * * قَالَ المُفَسِّر: [﴿وَلُوطًا﴾ منصوب بـ (اذْكُرْ) مُقَدّرًا قبلَه]، يعني: واذكرْ يا مُحَمَّد لُوطًا، وإنما ذُكِرَ بَعْد صالحٍ وَهُوَ دائمًا يُذْكَر بعدَ صالحٍ، لِأَنَّ مدائنَ صالحٍ وقُرَى قومِ لُوطٍ لَيْسَ بَعْضُها بعيدًا من بعضٍ، وليستْ مجهولةً للناسِ فِي عهد النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلُوطًا﴾ منصوبٌ بـ (اذْكُرْ) مقدَّرًا قبله ويبدل منه ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾]، لِأَنَّ (إذ قال) بدل من لُوطٍ، فكَأنَّ التَّقْدير: (واذكر إذ قَالَ لوطٌ لقومِه). قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ أي: اللُّوَاط]، الهمزة هنا للاسْتِفْهامِ الاستنكاريِّ أو الاستعلاميِّ؟ للتوبيخِ والإنكارِ؛ لِأَنَّهُ يَعْلَم، وإنْ شئتَ زِدْ عَلَى ذلك التعجُّب أو التعجيب، يعني كيف أنكم تأتون الفاحشةَ، فهي للتوبيخِ والإنكارِ والتعجُّبِ. وقوله: ﴿الفَاحِشَةَ﴾: (أل) لاستغراقِ الجنسِ من حيْثُ المَعْنى، لا من حَيْثُ الأفرادِ، لكِن المَعْنى: أن هَذِهِ أعظمُ فاحشةً من نوعها، وهي أعظم من الزنا، لِأَنَّ الله قَالَ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء: ٣٢]، فاحشة من الفواحش،

стр. 311

(فاحشة) في هذه الآيَة نكِرة، وهنا قَالَ: ﴿الْفَاحِشَةَ﴾، وهي أيضًا أعظمُ من نكاحِ ذواتِ المحارِمِ؛ لِأَنَّ الله قَالَ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٢٢]، ونِكاحُ ذواتِ المحارِمِ أعظمُ مِنَ الزِّنا؛ لِأَنَّ اللهَ وَصَفَهُ بثلاثِ صفاتٍ: فاحشة ومَقْت وسُوء سَبيل، والزنا وَصَفَه بوصفينِ؛ فاحشة وسوء السبيل: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾. ولهَذَا فالصَّحيح أن مَن زَنَا بِمَحَارِمهِ يُقتل، وإنْ لم يكنْ مُحْصَنًا، لِأَنَّ هَذَا أعظمُ - والعياذُ باللهِ - مِنَ الزنا، كذلك اللّوَاط الصَّحيحُ أنَّ فاعِلَه يُقتَل ما دام بالغًا عاقلًا وإنْ لم يكنْ مُحْصَنًا. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ أي: اللواط ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ أي: يُبْصر بعضُكم بعضًا انهِماكًا فِي المعصية]، يَعْنِي: أخبث من الحَمِير والعياذُ باللهِ، فيرى بعضُهم بعضًا وهم يفعلون ذلك، ولذلك قَالَ: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩]، إذا اجتمعوا - والعياذُ بالله - صارَ يَرْكَب بعضُهم بعضًا كالحمِير، نسألُ اللهَ السلامةَ. قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ مِنَ البصرِ ما يُبْصَر بالعينِ، وَقِيلَ: إن الإبصارَ بالقلبِ، يعني وأنتم تبصرون خُبْثَها وتَعقِلونه، وكل إِنْسَان له فِطرة سليمة يكره هَذَا الشَّيْء؛ لِأنَّهُ سوف يركب مثله نفس هَذَا المركوب، سيركب غدًا واحدًا، ثُمَّ إن المكانَ هَذَا أيضًا لَيْسَ محلًّا لهَذِهِ الشَّهْوةِ؛ لِا. لهُ مكان متلوِّث بالأنجاس، وَلَيْسَ محلًّا للشهوة، فَهُوَ خبيثٌ بالفطرةِ وبالحِسّ أيضًا. ولَكِنَّنَا نَقُول: لو أننا فسَّرنا الإبصارَ هنا بالإبصارِ الحِسّيّ بالعين والإبصار المعنويّ بالقلب لكان ذلك جائزًا، وَفِي الحقيقةِ أنّ بَشاعةَ هَذَا الشَّيْء بالقلبِ أمرٌ

стр. 312

معلومٌ بالفِطرة، وكونهم يفعلونه وهم يشاهد بعضهم بعضا هَذَا أشدُّ وأعظمُ. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: أَنَّهُ يَنبغي إبرازُ الغرضِ الَّذِي من أجلِهِ أُرْسِلَ الرَّسُولُ؛ لِأَنَّ الرُّسُلَ كلَّهم كافَّة أُرسلوا لتوحيدِ اللهِ، لكِنَّ بعضَهم يبيِّن مَعَ الأَمْر بعبادةِ اللهِ أَنَّهُ أُرسِل لهَذَا الغرضِ، ولوطٌ هنا بَيَّن اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ أرسله لغرضِ انتشالِ قومِه من هَذِهِ الفاحشةِ العظيمةِ، لِقَوْلِهِ: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ مَعَ أَنَّهُ ﵇ لَا بُدَّ أَنَّهُ قَالَ لهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، لكِن لمّا كانت هَذِهِ الفاحشةُ ظاهرة فيهم بيَّنها الله ﵎، فَهُم مؤمنونَ، والرُّسُل طالبوهم أولاً بالإِيمان، وهم إمَّا أَنَّهُم أخطؤوا فِي هَذِهِ العَمَلية مَعَ تحقيق العِبادَة، وليَكُون الأَمْر بعبادة الله من باب الأَمْر بالاستمرار عليها، أو أَنَّهُم يأمرونهم ثُمَّ بَعْد ذلك إذا استقرّ الإِيمان فِي نفوسهم نَهَوْهُم عمّا هم عليه. الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ: أن الرُّسُل يُرسَلون إِلَى قومهم؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ ولم يُبْعَثْ أحد إِلَى عمومِ النَّاسِ إِلَّا رسول الله ﷺ . الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ: بَيَان عِظَم اللُّواط وقُبْحه وَأنَّهُ فِي قِمَمِ الفواحشِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾. الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ: بَيَان وجوبِ الإنكارِ عَلَى مَن أتى بهَذهِ الفاحشةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَتَأْتُونَ﴾ لِأَنَّ الهمزةَ هنا للاسْتِفْهامِ والتوبيخِ، ولَا شَكَّ أَنَّهُ يُنْكَرُ عليه، لكِن بماذا يعاقَب؟ فِي شريعتنا يعاقَب بالقتلِ مُطلَقًا، سواء كَانَ مُحْصَنًا أم غيرَ محصَنٍ، وهَذَا هُوَ

стр. 313

ما دلّ عليه الحديثُ الَّذِي فِي السُّنَنِ وصَحَّحَهُ الحاكِمُ وغيرُه من قولِ الرَّسُول ﷺ : "مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالمَفْعُول بهِ" (١)، وَهُوَ الَّذِي أجمعَ عليه الصحابةُ كما حكاه عنهم شيخُ الإِسْلامِ ابنُ تَيْمِيَّة ﵀ (٢). لكِنهمُ اخْتَلَفُوا كيفَ يُقتل؛ هل يُقتل بالرجمِ أو بإلقائِهِ من شاهقٍ وإتباعِهِ بالحجارةِ، أو يُقتل بالسيفِ أو يقتل بالإحراقِ بالنَّار، وقد فعلَه أبو بكرٍ وفعله عبد الله بنُ الزُّبَيْر، وفَعَلَه هِشامُ بنُ عبدِ المَلِكِ، واختلفوا فِي هَذَا، فالمهمُّ أَنَّهُم اتفقوا عَلَى قتلِهِ، وتكون الكيفيّة هنا راجعةً إِلَى الإمامِ، إذا رأى أقوى كيفية تردع عن هَذَا العَمَل الخبيثِ فَإِنَّهُ يَسْلُكُهُ. الْفَائِدَة الخَامِسَةُ: أنّ الفواحشَ تُقَبَّح بِحَسَبِ ما يُقْتَرَن بها؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ فإن هَذِهِ الفاحشةَ مُنكرَة، ولَكِنَّهَا إذا كانت عَلَنًا وجَهْرًا يَظْهَرُ النَّاسُ بعضهم أمامَ بعضٍ فيها صارتْ أقبحَ وأعظمَ، ولهَذَا أتى بالجملةِ الحاليّة فِي قولِه: ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾. * * *

стр. 314

الآية (٥٥) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿أَئِنَّكُمْ﴾ بتحقيقِ الهمزتينِ وتسهيلِ الثَّانِيَةِ وإدخالِ ألفٍ بينهما عَلَى الوجهينِ]، ففيها أربع قراءات. قوله: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً﴾ هَذَا تفسير لِقَوْلِهِ: ﴿الْفَاحِشَةَ﴾، وهنا يُلاحَظ أن الاسْتِفْهامَ هنا لتقريرٍ، لَكِن اُكِّدَ هَذَا الحكم بالجملةِ الَّتِي قُرِئَتْ بالاسْتِفْهامِ؛ أكد بـ (إن) و (اللام): ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ﴾ وهَذَا كقولِ إخوة يُوسُف ليوسف: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ [يوسف: ٩٠]، أي: أتُقَرِّر أنك يوسف وتؤكِّد ذلك؟ فقال: ﴿أَنَا يُوسُفُ﴾ [يوسف: ٩٠]، ففي جوابِهِ لهم إهانة لهم؛ لِأَنَّهُم طلبوا منه أن يؤكِّد لهم أَنَّهُ يوسفُ فقالوا: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾؟ فما قَالَ: (إني لأنا يوسف)، بل ﴿قَالَ أَنَا يُوسُفُ﴾ فحذف التأكيدات استهانةً بهم. فالحاصل: أن الاسْتِفْهام إذا تلاه التأكيد لا يُخرِجه عن معنى الاسْتِفْهامِ، بل كأنَّ المُسْتَفْهِم يطلب من المُسْتَفْهَم منه تأكيد الجملة، لكِن في هَذِهِ المسألة الاسْتِفْهام للتقرير، يقرر مَعَ التأكيدِ، ولهَذَا قَالَ لهم: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ [الأعراف: ٨١].

стр. 315

وقوله: ﴿شَهْوَةً﴾ يَحتمِل أن تكون مصدرًا فِي موضع الحالِ، ويَحتمِل أن تكون مَفْعُولا لأجلِهِ؛ أي لأجلِ الشَّهْوةِ. وعَلَى كُلِّ حَالٍ: ففيها إنكار من جهةِ أَنَّهُم يأتون الرِّجال شهوةً وليسوا أهلًا لها، ومن جهة أخرى أَنَّهُم يدَعون النِّسَاء، ولهَذَا قَالَ: ﴿مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾، وهنّ مَحلُّ الشَّهْوةِ، فيَكُونون قد أساءوا فيما فَعَلُوا وفيما ترَكُوا، ولهَذَا قَالَ لهم فِي آيَة أخرى: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء: ١٦٦]، وهَذَا أبلغُ، يعني لو أن المسألة ضُيّقَتْ وما بَقِيَ إِلَّا هَذَا الطريق لكان أهونَ، لكِن هناك طُرُق محلَّلة مُباحة موافِقة للفِطْرة تَدَعُونها وتذهبون إِلَى هَذَا، كالذي يَدَعُ المذكَّاة ويأكل المَيْتَة، وكالذي يَدَعُ البيعَ الصَّحيحَ ويذهب إِلَى الربا، ويقول: إِنَّمَا البيعُ مثلُ الربا. فالحاصل: أن القبائح تَزداد قبحًا إذا كَانَ لها بدائلُ مِنَ الحسناتِ، ولهَذَا قَالَ: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ لو أنَّهُ اقتصرَ عَلَى هَذَا وقال: أئنكم لتَأتُون الرِّجال شهوةً بل أنتم قوم تجهلون، حصل التوبيخ واللوم. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: قُبْح فعل هَؤُلَاءِ، وهَذَا مَعَ الوجه الأول ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ يَكُون قَبُحَ من وجهٍ آخرَ، هُوَ أَنَّهُم يأتون الرّجال الَّذِينَ لَيْسَ لهم حقّ فِي إتيانهم وَيدَعُون النِّسَاءَ اللاتي خَلَقَهُنَّ اللهُ لذلك؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾. الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ: أنَّ هَذِهِ الشهوة إِنَّمَا تَصْدُرُ عن جهلٍ، لا بِمُقْتَضَى الطبيعةِ، وإنما هِيَ عن سَفَهٍ فِي الْإِنْسَان؛ لِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ كأنه قَالَ: إتيانكم إياهم شهوة لَيْسَ له محل، ولكِنَّ الَّذِي أوجب ذلك لكم أنكم قوم ذوو جهل، أي: سفه.

стр. 316

لَوْ قَالَ قَائِلٌ: ذكرتم أن هَذِهِ الشهوة تَصْدُر عَن جهلٍ، لا بِمُقْتَضَى الطبيعةِ، أَلا يُشْكِل عَلَى هَذَا ما رُوي من حَذَرِ بعضِ الأئمَّة من مقاربةِ الصبَيَان أو المُردان خوفًا من أن يقعَ فِي أنفسهم شيءٌ؟ فالجواب: كما أنَّ الزّنَا قبيحٌ فِي الفِعْل، ومعَ ذلك قد تَدْعو النفسُ إليه، فلا يَمْنَع أن النفس الأمّارة بالسُّوء تدعو إِلَى ما يخالِف مقتضَى الطبيعة، ولهَذَا قَالَ بعض العُلَماء: إن اللُّواط لَيْسَ فِيهِ حدٌّ ولا عقوبة؛ لِأَنَّ النفسَ تَنْفِرُ منه بِمُقْتَضَى الطبيعةِ، فَهُوَ كشُرْب البولِ وأكلِ الغائطِ، ولكِن هَذَا لَيْسَ بصحيحٍ، الصَّحيحُ أن بعضَ النفوسِ السافلة قد تدعو إليه، فالزِّنَا محرَّم لِوَصْفِهِ، لا بِمُقْتَضَى الطبيعةِ؛ لِأَنَّهُ زنا، ولذلك لو تَزَوَّجها حلَّ له ذلك، أَمَّا هَذَا فَهُوَ محرَّم بمقتضى الشَّرِيعَة والطبيعةِ، حَتَّى النفس تَنْفِر منه، إِلَّا نفسًا مقلوبًا عليها أَمْرُها. ولهَذَا قَالَ لهم: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ فهَذِهِ ليستْ شهوةً طبيعيّةً، وحقيقةً كيف أن الْإِنْسَان يذهب يَسْتَعْمِل هَذَا المَحَلّ الَّذِي هُوَ محَلّ الخبث والأنتان والأقذار، وربما يَعْلَق به شَيْء من ذلك، ويَدَع المَحَلَّ الطاهِرَ الَّذِي أباحَهُ الله له. الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ: بَيَان ما عليه هَؤُلَاءِ القوم منَ المَظْهَر الاجتماعيّ الفاسِدِ؛ لِأَنَّهُم إذا كانوا يأتون الرِّجال ما بَقِيَ منهم رجلٌ فِي الحقيقةِ، صاروا كلُّهم بمنزلة النِّسَاءِ، إِلَّا أَنَّهُ إذا كَبِرَ الْإِنْسَان ارتفعَ عنْ أن يُفْعلَ له وصار فاعلًا، فهم فِي حالِ الشبابِ مَفْعُول بهم، وَفي حالِ الكِبَر فاعلونَ، ولهَذَا يُعْتَبر هَذَا الانحطاطُ الاجتماعيّ فِي البشرِ من أخسّ الانحطاطاتِ. الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ: أن هَذِهِ الفِعْلة مِنَ السَّفَه العظيمِ؛ لِقَوْلِهِ : ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ فأتى بالجملةِ الاسميَّة الدالَّة عَلَى الثُّبُوت والاستمرارِ.

стр. 317

الآية (٥٦) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦]. * * * قوله: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾: ﴿جَوَابَ﴾ خبرُ ﴿كَانَ﴾ مُقَدَّم، و ﴿أَنْ قَالُوا﴾ اسمها مؤخر، وهَذِهِ الجملة للحَصْرِ، يعني ما كَانَ جواب قومه أنْ يَنْقَادُوا، ولا أن يَقِفُوا مَوْقِفا سَلْبيًّا من دعوتِه، بحيث يَتَوَقَّفُونَ عن القبولِ وعن المعارضةِ، بل كَانَ جواب قومه - والعياذ بالله - اللجوء إِلَى الْقُوَّة وإلى العنف. وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ أي: قَالَ بعضهم لبعض: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾، وقوله: ﴿أَخْرِجُوا﴾ الفاعل يعود إِلَى أهل الحِلّ والعَقْدِ فِي القرية. وقوله: ﴿آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُم﴾ أتوْا بهَذَا التعبيرِ إشارةً إِلَى أنّ لوطًا لَيْسَ منكم، وإنما هُوَ جُرْثُومَة طارئة حادثة عَلَى مَحَل، فيجب أنْ يُنَزَّه منها، لِأَنَّ لوطًا كما هُوَ معروف أُرْسِل إِلَى أهلِ سَدُوم وَلَيْسَ منهم، ولهَذَا قَالَ: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ يعني الَّذِينَ جاءوا ووَفَدُوا إليكم وليسوا منكم، ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ لم يقولوا: منَ القريةِ، بل قَالُوا: ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ للإغراءِ بإِخراجِهِ، يعني كأنهم يَقُولُونَ: هَذِهِ قريتكم وهَذَا الرجل جاء جديدًا عليها ويريد أن يُناقِضَكُمْ وأن يقفَ ضِدَّكُم، فأَخْرِجُوه، فالقريةُ لكم ولَيْسَ له.

стр. 318

وسيأتي - إن شاء الله - بَيَان الفائدةِ فِي هَذَا أن بعض النَّاس إذا ضاق ذَرعًا بالدُّعاة المصلِحين يَقُول لهم: اخْرُجُوا، هَذِهِ لَيْسَت بِلادكم، أو لا تتكلَّمْ فِي هَذَا المَسْجِدِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مسجدكَ، أو مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. قوله: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ هَذِهِ الجملةُ تعليل لمِا سَبَقَها مِن حُكْمٍ وَهُوَ الأَمْرُ بالإخراجِ، (أخرجوهم) لماذا؟ (لأنهم أناس يَتَطَهَّرُون)، قَالَ المُفَسِّر ﵀: [من أدبار الرِّجال]، فجعلوا عِلَّة العقوبة ما هُوَ من أَسْبابِ رفعِ العقوبةِ؛ فإن التطهُّرَ عن هَذَا حَسَنٌ يَقتضي المدحَ والثَّناء الجميلَ عَلَى مَن تطهَّر منه، وهَؤُلَاءِ جعلوه بالعكس، لِأَنَّهُم - والعياذ بالله - إمَّا زائغونَ يَعرِفون الحَقّ ولم يَعْمَلُوا به، وَإمَّا ضالُّون أُضِلُّوا عن الحقّ وعَمِيَ عليهم، نسأل الله العافية. والغالبُ أَنَّهُم زائغونَ؛ لِأَنَّ هَذَا معروفٌ لدى البشرِ أنَّ الطبيعةَ تَنْفِر منه ولا أحدَ يَقْبَلُه. وقوله: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ هل هم أرادوا الحقيقةَ وأن هَذَا الفِعْل خبيثٌ وهَؤُلَاءِ يريدون التطهُّر منه، أو أرادوا: يتطهّرون بِزَعْمِهِم، وأن هَذَا الفِعْل لَيْسَ نَجَسًا لكِن هَؤُلَاءِ يريدون أن يتطهروا منه؟ الأقرب الأخير؛ لِأَنَّهُ هُوَ مُقْتَضَى حالهِم، فمقُتضَى حالهم أَنَّهُم رأوا هَذَا المنكرَ معروفًا وهَذِهِ الفاحشةَ يسيرةً فتمسكوا بها. وقوله: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾: ﴿أُنَاسٌ﴾ نكِرة، والمنكّر غيرُ معروفٍ، وكل هَذَا لقصدِ التباعُدِ منه، والإغراء بإخراجِهم. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: بَيَان عُتُوِّ المكذِّبين لِلُوطٍ ﵊ وأنهم لم يَقتصِروا عَلَى ردِّ دعوتِهِ، بل اتَّفقوا عَلَى أن يخرجوه من البلد.

стр. 319

الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ: أنَّهُ ينبغي عند الدَّعْوَةِ إِلَى الشَّيْءِ أن يَقْرِن الداعي دعوته بما يُغْرِي المدعوّين ويُؤَلِّبهم ويقوِّيهم؛ لِقَوْلِهِ: ﴿آلَ لُوطٍ﴾، ومن قوله: ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ ولم يقولوا: من القريةِ؛ لِأَنَّ قولهم: ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾، فهَذِهِ تُوجِب الحَمِيَّةَ والعَصَبِيّة حَتَّى يخرجوهم، كأنهم قَالُوا: هَذِهِ القريةُ لكم، أَخرِجوا هَذَا الرجل، وكذلك ففي قوله: ﴿آلَ لُوطٍ﴾ يعني هَؤُلَاءِ ليسوا منكم؛ فلا وجهَ لِكَوْنِكم تسكتونَ عنهم. الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ: قَرْنُ الحُكْم بالسَّبَب؛ لقولهم: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾؛ هَذَا سبب قولهِم ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾. الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ: أن قول البعضِ إذا رَضِيَهُ الباقونَ فَهُوَ للجميعِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾، ومنَ المعلومِ أن هَذَا القَوْلَ لَيْسَ للجميعِ؛ لِأَنَّهُم عندما يَقُولُونَ: (أخرجوا) فبعضهم يخاطب بعضًا، ولكِن الكلمة إذا جاءت من بعضِ القومِ ورَضِيَها الآخرونَ فإنها تُنْسَبُ إليهم. ولهَذَا يخاطب الله اليهود فِي عهد النَّبِيّ ﷺ بما فعله أسلافهم، وفِي سورة البقرةِ كثير من ذلك؛ كما قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٥٣]، فموسى الَّذِي أُوتِيَ الكتابَ والفُرقان جاء لأسلافهم وليس لهم. وكذلك قَالَ: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ [البقرة: ٩٢]، والَّذِينَ اتخذوا العجلَ ليسوا هَؤُلَاءِ، لكِنَّ هَؤُلَاءِ راضونَ. ففِعل القوم أو فِعل بعضِ القومِ أو القبيلة إذا رَضِيَه الآخرونَ فَهُوَ للجميعِ، والعِبرة بالأشرافِ ومَن لهم الكَلِمَة، وإلَّا بعض النَّاس قد يَكْرَه هَذَا الشَّيْءَ ولا يريده.

стр. 320

الآية (٥٧) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [النمل: ٥٧]. * * * لمَّا عَزَمُوا عَلَى إخراجِهِ أَمَرَهُ الله تَعَالَى أن يخرجَ بأمرِ اللهِ، فإن الملائكةَ أتتْ إليه وأمرتْه أن يسريَ بأهلِهِ إِلَّا امرأتَه كانت من الغابرينَ، فسرى بأمرِ اللهِ، ولما بعُد عن القريةِ أهلكَ الله تَعَالَى أهلَ القريةِ صَباحًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١]، فأرسلَ اللهُ عليهم حجارةً من سِجِّيل، فجعل عاليَها سافِلَها، ولهَذَا قَالَ: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ والاستثناءُ مُتَّصِل. ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ وَفِي هَذَا دليلٌ عَلَى أن المَرْأَة من الأهل؛ لِأَنَّ الْإِنْسَان يَأهلُها وَيأوِي إليها، وكذلك هِيَ بالنِّسْبَة إليه، فالزوجةُ من أهلِ الْإِنْسَانِ كما أن أقاربَه من أولادِهِ وآبائِهِ هم أيضًا منَ الأهلِ. قوله: ﴿قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ أي: كَتَبْنَا عليها وقدَّرنا عليها، ولهَذَا قَالَ المُفَسِّر ﵀: [جعلناها بتقديرنا ﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ الباقين فِي العذاب]، و (الغابر) بمعنى: الباقي، فالمَعْنى أَنَّهَا بَقِيَتْ ولم يَسْرِ بها فكانت - والعياذ بالله - من الهالكين. وقوله: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ هَذَا هُوَ معنى قولِهِ ﵎: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ
следующие страницы →