← Тафсир

Тафсир · id 1537

تفسير العثيمين: النمل

ابن عثيمين

Полный текст (538 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

لَوْ قَالَ قَائِلٌ: ذكرتم أن هَذِهِ الشهوة تَصْدُر عَن جهلٍ، لا بِمُقْتَضَى الطبيعةِ، أَلا يُشْكِل عَلَى هَذَا ما رُوي من حَذَرِ بعضِ الأئمَّة من مقاربةِ الصبَيَان أو المُردان خوفًا من أن يقعَ فِي أنفسهم شيءٌ؟ فالجواب: كما أنَّ الزّنَا قبيحٌ فِي الفِعْل، ومعَ ذلك قد تَدْعو النفسُ إليه، فلا يَمْنَع أن النفس الأمّارة بالسُّوء تدعو إِلَى ما يخالِف مقتضَى الطبيعة، ولهَذَا قَالَ بعض العُلَماء: إن اللُّواط لَيْسَ فِيهِ حدٌّ ولا عقوبة؛ لِأَنَّ النفسَ تَنْفِرُ منه بِمُقْتَضَى الطبيعةِ، فَهُوَ كشُرْب البولِ وأكلِ الغائطِ، ولكِن هَذَا لَيْسَ بصحيحٍ، الصَّحيحُ أن بعضَ النفوسِ السافلة قد تدعو إليه، فالزِّنَا محرَّم لِوَصْفِهِ، لا بِمُقْتَضَى الطبيعةِ؛ لِأَنَّهُ زنا، ولذلك لو تَزَوَّجها حلَّ له ذلك، أَمَّا هَذَا فَهُوَ محرَّم بمقتضى الشَّرِيعَة والطبيعةِ، حَتَّى النفس تَنْفِر منه، إِلَّا نفسًا مقلوبًا عليها أَمْرُها. ولهَذَا قَالَ لهم: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ فهَذِهِ ليستْ شهوةً طبيعيّةً، وحقيقةً كيف أن الْإِنْسَان يذهب يَسْتَعْمِل هَذَا المَحَلّ الَّذِي هُوَ محَلّ الخبث والأنتان والأقذار، وربما يَعْلَق به شَيْء من ذلك، ويَدَع المَحَلَّ الطاهِرَ الَّذِي أباحَهُ الله له. الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ: بَيَان ما عليه هَؤُلَاءِ القوم منَ المَظْهَر الاجتماعيّ الفاسِدِ؛ لِأَنَّهُم إذا كانوا يأتون الرِّجال ما بَقِيَ منهم رجلٌ فِي الحقيقةِ، صاروا كلُّهم بمنزلة النِّسَاءِ، إِلَّا أَنَّهُ إذا كَبِرَ الْإِنْسَان ارتفعَ عنْ أن يُفْعلَ له وصار فاعلًا، فهم فِي حالِ الشبابِ مَفْعُول بهم، وَفي حالِ الكِبَر فاعلونَ، ولهَذَا يُعْتَبر هَذَا الانحطاطُ الاجتماعيّ فِي البشرِ من أخسّ الانحطاطاتِ. الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ: أن هَذِهِ الفِعْلة مِنَ السَّفَه العظيمِ؛ لِقَوْلِهِ : ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ فأتى بالجملةِ الاسميَّة الدالَّة عَلَى الثُّبُوت والاستمرارِ.

стр. 317

الآية (٥٦) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦]. * * * قوله: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾: ﴿جَوَابَ﴾ خبرُ ﴿كَانَ﴾ مُقَدَّم، و ﴿أَنْ قَالُوا﴾ اسمها مؤخر، وهَذِهِ الجملة للحَصْرِ، يعني ما كَانَ جواب قومه أنْ يَنْقَادُوا، ولا أن يَقِفُوا مَوْقِفا سَلْبيًّا من دعوتِه، بحيث يَتَوَقَّفُونَ عن القبولِ وعن المعارضةِ، بل كَانَ جواب قومه - والعياذ بالله - اللجوء إِلَى الْقُوَّة وإلى العنف. وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ أي: قَالَ بعضهم لبعض: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾، وقوله: ﴿أَخْرِجُوا﴾ الفاعل يعود إِلَى أهل الحِلّ والعَقْدِ فِي القرية. وقوله: ﴿آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُم﴾ أتوْا بهَذَا التعبيرِ إشارةً إِلَى أنّ لوطًا لَيْسَ منكم، وإنما هُوَ جُرْثُومَة طارئة حادثة عَلَى مَحَل، فيجب أنْ يُنَزَّه منها، لِأَنَّ لوطًا كما هُوَ معروف أُرْسِل إِلَى أهلِ سَدُوم وَلَيْسَ منهم، ولهَذَا قَالَ: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ يعني الَّذِينَ جاءوا ووَفَدُوا إليكم وليسوا منكم، ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ لم يقولوا: منَ القريةِ، بل قَالُوا: ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ للإغراءِ بإِخراجِهِ، يعني كأنهم يَقُولُونَ: هَذِهِ قريتكم وهَذَا الرجل جاء جديدًا عليها ويريد أن يُناقِضَكُمْ وأن يقفَ ضِدَّكُم، فأَخْرِجُوه، فالقريةُ لكم ولَيْسَ له.

стр. 318

وسيأتي - إن شاء الله - بَيَان الفائدةِ فِي هَذَا أن بعض النَّاس إذا ضاق ذَرعًا بالدُّعاة المصلِحين يَقُول لهم: اخْرُجُوا، هَذِهِ لَيْسَت بِلادكم، أو لا تتكلَّمْ فِي هَذَا المَسْجِدِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مسجدكَ، أو مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. قوله: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ هَذِهِ الجملةُ تعليل لمِا سَبَقَها مِن حُكْمٍ وَهُوَ الأَمْرُ بالإخراجِ، (أخرجوهم) لماذا؟ (لأنهم أناس يَتَطَهَّرُون)، قَالَ المُفَسِّر ﵀: [من أدبار الرِّجال]، فجعلوا عِلَّة العقوبة ما هُوَ من أَسْبابِ رفعِ العقوبةِ؛ فإن التطهُّرَ عن هَذَا حَسَنٌ يَقتضي المدحَ والثَّناء الجميلَ عَلَى مَن تطهَّر منه، وهَؤُلَاءِ جعلوه بالعكس، لِأَنَّهُم - والعياذ بالله - إمَّا زائغونَ يَعرِفون الحَقّ ولم يَعْمَلُوا به، وَإمَّا ضالُّون أُضِلُّوا عن الحقّ وعَمِيَ عليهم، نسأل الله العافية. والغالبُ أَنَّهُم زائغونَ؛ لِأَنَّ هَذَا معروفٌ لدى البشرِ أنَّ الطبيعةَ تَنْفِر منه ولا أحدَ يَقْبَلُه. وقوله: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ هل هم أرادوا الحقيقةَ وأن هَذَا الفِعْل خبيثٌ وهَؤُلَاءِ يريدون التطهُّر منه، أو أرادوا: يتطهّرون بِزَعْمِهِم، وأن هَذَا الفِعْل لَيْسَ نَجَسًا لكِن هَؤُلَاءِ يريدون أن يتطهروا منه؟ الأقرب الأخير؛ لِأَنَّهُ هُوَ مُقْتَضَى حالهِم، فمقُتضَى حالهم أَنَّهُم رأوا هَذَا المنكرَ معروفًا وهَذِهِ الفاحشةَ يسيرةً فتمسكوا بها. وقوله: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾: ﴿أُنَاسٌ﴾ نكِرة، والمنكّر غيرُ معروفٍ، وكل هَذَا لقصدِ التباعُدِ منه، والإغراء بإخراجِهم. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: بَيَان عُتُوِّ المكذِّبين لِلُوطٍ ﵊ وأنهم لم يَقتصِروا عَلَى ردِّ دعوتِهِ، بل اتَّفقوا عَلَى أن يخرجوه من البلد.

стр. 319

الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ: أنَّهُ ينبغي عند الدَّعْوَةِ إِلَى الشَّيْءِ أن يَقْرِن الداعي دعوته بما يُغْرِي المدعوّين ويُؤَلِّبهم ويقوِّيهم؛ لِقَوْلِهِ: ﴿آلَ لُوطٍ﴾، ومن قوله: ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ ولم يقولوا: من القريةِ؛ لِأَنَّ قولهم: ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾، فهَذِهِ تُوجِب الحَمِيَّةَ والعَصَبِيّة حَتَّى يخرجوهم، كأنهم قَالُوا: هَذِهِ القريةُ لكم، أَخرِجوا هَذَا الرجل، وكذلك ففي قوله: ﴿آلَ لُوطٍ﴾ يعني هَؤُلَاءِ ليسوا منكم؛ فلا وجهَ لِكَوْنِكم تسكتونَ عنهم. الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ: قَرْنُ الحُكْم بالسَّبَب؛ لقولهم: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾؛ هَذَا سبب قولهِم ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾. الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ: أن قول البعضِ إذا رَضِيَهُ الباقونَ فَهُوَ للجميعِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾، ومنَ المعلومِ أن هَذَا القَوْلَ لَيْسَ للجميعِ؛ لِأَنَّهُم عندما يَقُولُونَ: (أخرجوا) فبعضهم يخاطب بعضًا، ولكِن الكلمة إذا جاءت من بعضِ القومِ ورَضِيَها الآخرونَ فإنها تُنْسَبُ إليهم. ولهَذَا يخاطب الله اليهود فِي عهد النَّبِيّ ﷺ بما فعله أسلافهم، وفِي سورة البقرةِ كثير من ذلك؛ كما قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٥٣]، فموسى الَّذِي أُوتِيَ الكتابَ والفُرقان جاء لأسلافهم وليس لهم. وكذلك قَالَ: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ [البقرة: ٩٢]، والَّذِينَ اتخذوا العجلَ ليسوا هَؤُلَاءِ، لكِنَّ هَؤُلَاءِ راضونَ. ففِعل القوم أو فِعل بعضِ القومِ أو القبيلة إذا رَضِيَه الآخرونَ فَهُوَ للجميعِ، والعِبرة بالأشرافِ ومَن لهم الكَلِمَة، وإلَّا بعض النَّاس قد يَكْرَه هَذَا الشَّيْءَ ولا يريده.

стр. 320

الآية (٥٧) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [النمل: ٥٧]. * * * لمَّا عَزَمُوا عَلَى إخراجِهِ أَمَرَهُ الله تَعَالَى أن يخرجَ بأمرِ اللهِ، فإن الملائكةَ أتتْ إليه وأمرتْه أن يسريَ بأهلِهِ إِلَّا امرأتَه كانت من الغابرينَ، فسرى بأمرِ اللهِ، ولما بعُد عن القريةِ أهلكَ الله تَعَالَى أهلَ القريةِ صَباحًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١]، فأرسلَ اللهُ عليهم حجارةً من سِجِّيل، فجعل عاليَها سافِلَها، ولهَذَا قَالَ: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ والاستثناءُ مُتَّصِل. ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ وَفِي هَذَا دليلٌ عَلَى أن المَرْأَة من الأهل؛ لِأَنَّ الْإِنْسَان يَأهلُها وَيأوِي إليها، وكذلك هِيَ بالنِّسْبَة إليه، فالزوجةُ من أهلِ الْإِنْسَانِ كما أن أقاربَه من أولادِهِ وآبائِهِ هم أيضًا منَ الأهلِ. قوله: ﴿قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ أي: كَتَبْنَا عليها وقدَّرنا عليها، ولهَذَا قَالَ المُفَسِّر ﵀: [جعلناها بتقديرنا ﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ الباقين فِي العذاب]، و (الغابر) بمعنى: الباقي، فالمَعْنى أَنَّهَا بَقِيَتْ ولم يَسْرِ بها فكانت - والعياذ بالله - من الهالكين. وقوله: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ هَذَا هُوَ معنى قولِهِ ﵎: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ

стр. 321

عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم: ١٠]، فإن هَذِهِ الخيانة ليستْ خيانةَ فَرْج وعِرْض، وإنما هِيَ خيانة كُفْر؛ لأنهما أظهرتا أنهما مؤمنتانِ وهما ليستا كذلك، فبهَذَا صارتا خائنتينِ. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: بَيَان أن الله تَعَالَى كاملُ العدلِ، حَيْثُ أنْجى لوطًا وأهلَه. الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ: أَنَّ مَن أتَى بأَسْبابِ الهلاكِ هَلَكَ، وإنْ كَانَ بين قوم صالحينَ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا﴾. الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ: بَيَان سَبْقِ التَّقْدير للحوادثِ، وأن تقدير الله تَعَالَى سابق عَلَى أفعالِه، لِقَوْلِهِ: ﴿قَدَّرْنَاهَا﴾، لِأَنَّ معنى ﴿قَدَّرْنَاهَا﴾ أي: جعلناها بتقديرنا السابق. الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ: أن المرءَ يُعْذَر بما لا يَعلم، فإنّ لُوطًا كَانَ لا يعلمُ عنِ امرأتِهِ شيئًا أَنَّهَا كافرة، والدَّلِيل عَلَى أدهُ لا يعلمُ قولُه تَعَالَى فِي سورة التحريم: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم: ١٠]، وإلّا ما كَانَ لنبيٍّ أنْ يَبقَى تحته امرأة كافرة، إِلَّا أَنَّهُ إذا كَانَ لا يعلم فَهُوَ معذور. الْفَائِدَة الخَامِسَةُ: أَنَّهُ لا يُنَجِّي من عذاب الله الاتصالُ بأهلِ الصلاحِ، فلا يَقُول الْإِنْسَان مثلًا: أنا أخي صالح أو وليٌّ أو مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَهُوَ يَعصِمني من عذابِ اللهِ، فهَذِهِ امرأةُ لُوطٍ لم يَنْفَعْهَا أَنَّهَا امرأة نبيّ، ولهَذَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [التحريم: ١٠]. ونوح ﵊ له ابن كافر قَالَ: إنَّهُ من أهلي، فقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ

стр. 322

مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦]، والنَّبِيّ ﵊ قَالَ لابنته فاطمةَ: "يَا فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، لَا أُغْني عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا" (١). فالمهم في هَذِهِ الفائدة ألّا يَغْتَرَّ الْإِنْسَان بِقُربه من أهلِ الخيرِ والصلاحِ فيقول: إنني سأنجو بهَذَا القُرب، لِأَنَّ الله ﵎ لا يُحابي أحدًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦]. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: ما الفرق بين هَذِهِ الفائدة والْفَائِدَة السابقة: أن مَن أتى بأَسْباب الهلاك هَلَكَ ولو كَانَ مَعَ قوم صالحين؟ فالجواب: الفرق أن الفائدة هنا من كان له قُرْبٌ خاصّ، والسابقة يُقصد بها من كَانَ معهم يعني بمجرد الاجتماع والمصاحبة، وامرأة لوط جامعة بين الأَمْرينِ.

стр. 323

الآية (٥٨) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [النمل: ٥٨]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ وَهُوَ حجارةُ السِّجِّيل أَهْلَكَتْهُمْ، ﴿فَسَاءَ﴾ بِئْسَ ﴿مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ بالعذابِ مَطَرُهُم]. قوله: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ فِي هَذَا دليل عَلَى أن المطرَ لَيْسَ خاصًّا بالماء، بل كُلّ ما حُصِبَ به الْإِنْسَان من فوق يُسَمَّى مطرًا، ولهَذَا قَالَ: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ والمطر الَّذِي أصابهم هُوَ ما قَالَهُ المُفَسِّر [حِجَارة السِّجِّيل]، كما قَالَ الله تَعَالَى فِي آيَة أخرى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢]، وَفِي أولة ثانية: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤]، هَذِهِ الحجارة أهلكتهم وجعلتْ عاليَ القريةِ سافِلَها؛ بمعنى أَنَّهَا تهدَّمتْ عليهم حَتَّى صار عالِيهَا سافلَها، يعني لِأنَّهُ إذا انهدمَ البناء صار أعلاه أسفله، هَذَا هُوَ الظَّاهر. وَأَمَّا ما رُوِيَ من أن جِبريلَ حَمَلَهم من تُخُوم الْأَرْض السُّفْلَى وَأَنَّهُ صَعِدَ بهم حَتَّى سَمِعَ أهل السَّمَاء نُبَاح كلابهم ونَهيق حَمِيرهم ثُمَّ قَلَبَها، فإن هَذَا لا دليلَ عليه، لا من كتاب اللهِ ولا من سنّة رسول الله ﷺ . فالأقربُ أن هَذِهِ الحجارة لمّا أصابتْ قريتَهم صار عاليها سافلَها، وانهدمَ البناءُ فصار أعلاه أسفله. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَسَاءَ﴾ بئس]، إذن ساء فِعْلٌ ماضٍ مجرَّد عن الزمنِ،

стр. 324

وإنما هُوَ لإنشاءِ الذمِّ، مثل: (حَسُنَ) فِي بعضِ الأحيانِ: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]، فهَذَا فعل لإنشاء المدح، و (ساء مطر المنذَرين) هَذَا أيضًا فعل لإنشاءِ الذمِّ. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ بالعذابِ مَطَرُهُم]، وقَالَ: [مَطَرُهُم]، لِأَنَّ (ساء) مثل (بِئس) تريدُ فاعلًا، وتريد مبتدأً ومخصوصًا بالذمِّ، وَهُوَ المبتدأ المحذوف؛ فإذن نَقُول فِي إعرابها: (ساء): فعل ماضٍ، ومَطَر: فاعل، وَهُوَ مضاف إِلَى المنذرينِ، والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ تقديرُه (مَطَرُهم): (فساءَ مطرُ المنذَرين مَطَرُهُم)، وهَذَا المخصوص أحيانًا يتقدم وأحيانًا يأتي بدله اسم منصوب يُجعَل تمييزًا يَكُونُ بدلَ هَذَا المخصوصِ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: كيف الجمع بين قوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ [الحجر: ٧٣]، وقوله فِي سورة هود: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١]، وقوله: ﴿دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٦٦]، مَعَ أن الصُّبح طلوعُ الفجرِ كما ذكر ابنُ القَيِّم، والإشراق بَعْد طلوع الشَّمْسِ؟ فالجواب: الصبحُ يشملُ من طلوعِ الفجرِ إِلَى الزوالِ، فيُسمَّى ضحًى ويسمى صُبْحًا، وقوله: ﴿مُصْبِحِينَ﴾ أي: العذاب بدأ فِي زمن الإصباح، واستمرَّ العذاب إِلَى الإشراقِ. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: أن الله يُعَذِّب كُلّ إِنْسَانٍ بذنبِه، كما قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠]، فمنهم مَن فعلنا به كذا ومنهم مَن فعلنا به كذا، فهنا يَقُول: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾، ووجه مناسبة العقوبة للجريمةِ أن هَذَا المطرَ

стр. 325

جعل عَالِيَ بلادهم سافلَها، كما أن أولئك سَفُلُوا بأخلاقهم حَتَّى كانوا يستعملون هَذِهِ الفاحشةَ وَيذَرُون ما خلق لهم ربُّهم من أزواجهم، وهَذَا بلَا شَكّ انقلابٌ فِي فِطَرِهِم، ولذلك عُوقِبُوا بهَذهِ الجريمة والعياذ باللهِ. الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ: الثَّناء عَلَى الفِعْل بما يسْتَحِقّه من الثَّناء، حَيْثُ قَالَ: ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ وهنا نُورِدُ إشكالاً، وَهُوَ أن هَذَا المطرَ منَ اللهِ ، والثَّناء عليه بالقُبْح وبالشرّ ألا يُنافي قولَ الرَّسُولِ ﷺ : "وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ" (١)؟ نَقُول: لا ينافيه، والجمع أن هَذَا السوءَ لَيْسَ فِي فعلِ اللهِ ولكِنه فِي مَفْعُولهِ، فهَذَا المطرُ هُوَ الَّذِي أثنى عليه بالسُّوء ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾، وَأَمَّا فعل الله فَإِنَّهُ لَيْسَ بشر، بل هُوَ من كمالِ العدلِ والْقُوَّة والسلطانِ، حَيْثُ عاقب المجرمينَ بما يَسْتَحِقّون، وعقوبةُ المجرِمِ بما يَسْتَحِقّ لَا شَكَّ أَنَّهَا ليستْ بظلمٍ وليستْ بسيِّئة ولا يُثنَى عَلَى فاعلها بالسوء. فتبَيَّنَ بهَذَا أَنَّهُ لا ينافي قولَ الرَّسُول ﷺ : "الشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ". الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ: أن هَؤُلَاءِ الَّذِين أَهْلَكَهُمُ اللهُ قد قامتْ عليهم الحُجَّة، لقولِهِ: ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾، فهؤلاء أُنذروا بالعذابِ، فقامت عليهم الحجَّة، والله يَقُول فِي الْقُرْآن: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، ما عذَّب اللهُ أُمَّة من الأممِ إِلَّا بعدَ قيامِ الحجَّة عليها، ولولا ذلك لكانتِ الحجَّةُ عَلَى اللهِ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، فلا أحدَ له حُجَّة عَلَى ربِّه؛ لِأَنَّ الحجّة قد قامت بما رَكَّب الله ﵎ فِي فِطَر النَّاس من محبَّة الخير وعبادةِ اللهِ ، وأيَّد ذلك الأنْبِياء والرسُلُ الَّذِينَ أتوا بالبيِّناتِ

стр. 326

الظَّاهراتِ، فلم يبقَ للإِنْسَانِ حجَّة، لِأَنَّ الدَّلِيلَ الباطنيّ والدَّليل الظَّاهريّ موجودٌ فيه: الدَّلِيل الباطنيُّ: الفِطْرَة، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]. والدَّلِيل الخارجِيُّ: الرُّسُلُ الَّذِينَ جاءوا بالكتابِ وبالآياتِ البيِّنات، فقد قَالَ رسول الله ﷺ : "مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أُوتِيَ مَا عَلَى مِثْلِهِ يُؤْمِنُ الْبَشَرُ" (١)، فلهَذَا نَقُول: إن هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَهْلَكَهُمُ اللهُ، وهم قومُ لُوط، كانوا قد أُنْذِرُوا بالعذاب، ولهَذَا قَالَ: ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾. ما الفرق بين المُنْذِرِين فِي قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ [الدخان: ٣]، وبين ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾ فِي هَذِهِ الآيَة؟ المُنْذِر: مَن أتَى بالانذارِ، أو مَن أَنْذَرَ، والمُنْذَر: مَن أُقِيمَتْ عليه الحُجَّة.

стр. 327

الآية (٥٩) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿قُلِ﴾ يا مُحَمَّد ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عَلَى هلاك كفَّار الأمم الخاليَةِ]. ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ الأَمْرُ للنبيِّ ﷺ أو لكلِّ مَن يمكِن أنْ يُوَجَّه إليه مِن العقلاء. قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أطلقَ هنا ما يُحْمَد عليه، فَهُوَ أعمُّ مِمَّا قَالَهُ المُفَسِّر، وإنْ كَانَ السياقُ يَقتضي ما قَالَهُ المُفَسِّر لَكِنَّهُ يجبُ أنْ يُؤْخَذ بالعمومِ، وَيكُون من جملةِ ما يُحْمَد عليه إهلاكُ الكفارِ؛ لِأَلهُ دالّ عَلَى عدلِهِ بأخذِ هَؤُلَاءِ، وَعَلَى فَضْلِهِ بالأَنْبِياء والمُؤْمِنيِنَ، حَيْثُ أخذ أعداءهم. ولَكِننا نَقُول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ هَذَا عامٌّ، يُحْمَد عَلَى كامل أوصافِه وَعَلَى أحاسنِ أفعالِه، فأفعاله كلُّها حُسْنَى، وصفاته كلها كاملة، فيُحمَد عَلَى هَذَا وَعَلَى هَذَا، وَيكُونُ إهلاكُ كفارِ الأُمَمِ من جملةِ ما يُحمَد عليه، وهَذَا هُوَ السرُّ فِي أنَّ الله تَعَالَى لم يَقُلْ: قُلِ الحمدُ للهِ عَلَى هَذَا، بل قَالَ: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾؛ ليَكُونَ اللهُ ﵎ مَحمودًا عَلَى كُلّ حالٍ، ومن جملةِ ما يُحمَد عليه إهلاكُ المكذِّبين للرسل.

стр. 328

قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ هم]، هَذَا المَفْعُول قَدَّره المُفَسِّر. وقوله: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ هل هُوَ داخل فِي ضمن المَقُول، يَعْنِي: قلِ: الحمدُ للهِ وقلْ: سلامٌ عَلَى عِبَادِه الَّذِينَ اصطفَى، فيَكُون الْإِنْسَان مأمورًا بالثَّناء بحمدِ اللهِ وبالدعاءِ عَلَى عبادِ اللهِ الَّذِينَ اصطفاهم بالدعاء لهم، لِقَوْلِهِ: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾، أو هِيَ جملةٌ مُسْتَقِلَّة خبرٌ منَ الله بأنه سَلَّمَ مَنِ اصطفاهُ وأنجاه؟ فِيهِ احتمالٌ للأمرينِ، لكِن أيُّهما أقربُ إِلَى السياق؟ لا يترجح عندي أحدُ الاحتمالينِ؛ لِأَنَّ لكل منهما وَجْهًا، فالْإِنْسَان مأمور أن يحمدَ اللهَ ومأمورٌ بأن يُسَلِّمَ عَلَى عبادِ اللهِ. وكذلك أيضًا الله ﵎ محمودٌ عَلَى كمالِ صِفاتِه. ثُمَّ إخباره بأنه سَلَّمَ هَؤُلَاءِ هَذَا أيضًا مما يُحْمَد عليه؛ لِأَنَّ زوالَ النَقّمَ كجَلْبِ النِّعَمِ، وَيكُون فِي هَذَا فائدةٌ، وَهي أن العبادَ الَّذِينَ اصطفاهم الله قد أحلَّ ﵇، فلا ينالهم ما ينالُ هَؤُلَاءِ الْكُفَّار، ويَكُون الله تَعَالَى محمودًا عَلَى الأَمْرينِ: عَلَى إهلاك الْكُفَّارِ وَعَلَى تسليمِ عباده الَّذِينَ اصطفى. وقوله: ﴿الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ أي: اختارهم، والله ﵎ يَخْلُقُ ما يشاء ويختار؛ يختار ما يَخْلُق ويَصْطَفِيه، فمن جملة ما اختارَ من بني آدمَ اختارَ الأَنْبِياء، كما قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ﴾ [ص: ٤٧]، واختار أيضًا المُؤْمِنيِنَ، فإن المُؤْمِنيِنَ بالنِّسْبَةِ للكفار مُصْطَفَون، والأَنْبِياء صفوة الصفوة، والاصطفاءُ كغيرهِ من الصِّفَاتِ

стр. 329

الَّتِي تكون متفاوتةً بحسَب ما قام به العبدُ من أَسْبابِ الاصطفاءِ، فكلَّما كَانَ الْإِنْسَان أقومَ بعبادةِ اللهِ وأشدَّ تعظيمًا لله كَانَ أشدّ اصطفاءً. قَالَ المُفَسِّر: [﴿آللَّهُ﴾ بتحقيق الهمزتين]، (أألله) [وإبدال الثَّانِيَة ألفًا]، (آلله) [وتسهيلها وإدخال ألف بين المسهَّلَة والأُخْرَى وتركها]، التسهيل فِيهِ صفتان؛ يدخل بينهما ألف، أي بين الهمزة والمسهَّلة، أو بدون ألف؛ فتكون القراءات أربعًا. ثم قَالَ: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿خَيْرٌ﴾ لمَن يَعْبُدُهُ ﴿أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ بالتاء والياءِ، أي أهل مكَّة به الآلهة خير لِعَابِدِيها]. قوله: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ خَصَّه المُفَسِّر ﵀ بخيريتِهِ لمَن يعبده، والصَّواب أَنَّهَا خَيْرِيَّة مُطْلَقَة لمَن يعبده، وهَذَا يَقتضي الإحسان، ولكماله وهَذَا يقتضي الجلالَ والعظمةَ، فهنا لا نَقُول: (آلله) خير من يعبده فقط، بل (آلله) خيرٌ فِي كُلّ صفاتِه وَفِي إحسانِه وعطائِه؛ لِأَنَّ الآيَةَ مُطْلَقة، فيجب إطلاقها، وإطلاقها أكملُ مِن تقييدها؛ لِأَنَّهُ مثلًا قد يَكُون هذا خيِّرًا لمن يتعامل معه لَكِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ خيرية مطلقة، يَكُون هَذَا الرجل يتعامل مَعَ شخص وإذا عامله أعطاه فوق ما يستحقّ، لَكِنَّهُ فِي صفاتِهِ الأُخْرَى رَدَيء، ويأتي آخرُ جيِّد وخَيِّرٌ فِي صفاته الأُخْرَى لكِن إذا تعامل معه هَذَا الرجل ربما لا يعطيه ما يستحقّ، فيَكُون الأوَّل خيرًا له من الثاني، ومع ذلك فَهُوَ ناقصٌ. فقول المُفَسِّر ﵀: خير لمَن يعبده، هَذَا فِيهِ نظر؛ أولًا: أَنَّهُ تقييد للمطلَق بلا دليلٍ. ثانيًا: أن هَذَا التقييدَ لا يَقتضي الأفضليَّةَ، ولذلك يَجِب أن يُقال: (آلله خير) فِي كُلّ شيءٍ؛ فِي صفاتِه وَفِي ثوابِه وجزائِه لمَن يَعْبُدُهُ.

стр. 330

قوله: ﴿أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ يعني أم الَّذِي يشركونه مَعَ الله من الأصنام وغيرها، والجواب: "بل اللهُ خير"، ولهَذَا يَنبغي لك إذا قرأتَ مثل هَذَا أن تقولَ: بل الله، وهَذِهِ المعادلةُ لا تَقتضي المقاربةَ أو المماثلةَ، فَإِنَّهُ قد يُفَاضَلُ بين الشيئينِ مَعَ خلوِّ الطرفِ الثاني منهما، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]. مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي مُسْتَقَرّ النَّار خيرٌ وَلَيْسَ فيها حُسْن مَقيل، بل إنَّهُم يُفَضِّلُون بين أمرين متعاكسين، فيقال مثلًا: الشتاء أشدُّ مِنَ القَيْظِ، وأبلغُ من هَذَا: الشتاءُ أبردُ منَ القَيْظِ، مَعَ أنّ القَيْظَ لَيْسَ فِيهِ بُرُودَة. فالحاصل: أن هَذَا ما يَقتضي المماثَلَةَ أو المساواةَ. ولكِن هل يَقتضي النقصَ؟ نعم يَقتضي النقصَ؛ لِأَنَّهُ يُوهِم المشاركةَ إِلَّا فِي مَقامِ التنزُّلِ فلا يَقتضي النقصَ، يَقُول الشاعر (١): أَلمْ تَرَ أَنَّ السَّيْفَ يَنْقُصُ قَدْرهُ إِذَا ... قِيلَ إِنَّ السَّيْفَ أَمْضَى مِنَ الْعَصَا لكِن عند التنزُّل لا يَدُلّ عَلَى النقص، فهَذِهِ الأصنام الَّتِي يُشْرَكُ بها مَعَ الله يريد مِنْهَا عابدوها أنْ تَنْفَعَهُم بجلبِ النفعِ أو دفعِ الضررِ، فنَقُول لهم: أيَّما خير؛ أصنامكم أم اللهُ؟ من بابِ التنزُّل مَعَ الخَصْمِ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ يَدَّعُون أن في آلهتهم خيرًا، فيقال لهم: آلله خيرٌ أم ما يشركون، يعني عَلَى زَعْمِكُم، وإن كَانَ لَيْسَ فِيهِ خيرٌ إطلاقًا. وقوله: ﴿أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: (أم) هَذِهِ متَّصلة أو مُنْقَطِعة؟ وما الفرق بين المتصلة والمنقطعة لكي نَحْكُمَ عليها؟

стр. 331

المتصلة معناها: أن تكون بينَ متعادلينِ، وَأَمَّا المنقطِعة فتكون بين متباينينِ، هَذَا الفرق؛ فالمنقطعة يَكُون الثاني منقطعًا عن الأولِ، فإذا صارتْ بينَ المتعادلينِ فإنها تُسَمَّى مُتَّصِلَةً، وأيضًا فرق آخرُ لفظيٌّ: أنَّ المتصِلة يَسْبِقُها همزةُ الاسْتِفْهامِ: أَزيدٌ قائم أمْ عمرٌو، فيذكر فيها المعادل، وتَسْبِقها الهمزةُ تحقيقًا أو تقديرًا. وَأَمَّا المنقطعة فلا تُذْكَر بين متعادلينِ، ولا يَكُون قبلها همزةٌ، فقوله: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ هَذِهِ قبلها الهمزة وهي أيضًا بين متعادلين ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. ثم قَالَ المُفَسِّر ﵀: ["أَمَّا تُشْرِكُونَ" بالتاءِ والياءِ]، يعني (أمَّا تشركون) أو ﴿أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١) [أي أهل مكَّة به الآلهة خَيْر لِعَابِدِيها ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ﴾، قدَّر المُفَسِّر: الآلهة خير لِعَابِدِيها. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: وجوب حَمْدِ اللهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلِ﴾ والأَصْلُ فِي الأَمْرِ الوجوبُ، والله تَعَالَى يُحْمَد عَلَى كمال صفاتهِ وأفعالهِ، وهنا الحمدُ ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عَلَى الأَمْرين جميعًا، لَيْسَ عَلَى أفعالِهِ فقطْ، ومن جملة ما يُحمد عليه أنَّهُ أهلك هَؤُلَاءِ المنذَرين الَّذِينَ كذَّبوا الرَّسُول، ولهَذَا تخصيص المُفَسّر بِقَوْلِهِ: [على هلاكِ الكفار]، تقدَّم التنبيه عليه وأن هَذَا تخصيصٌ للآيَةِ، والله تَعَالَى يَقُول: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، فيُحمَد الله تَعَالَى عَلَى كمال صفاته وأفعاله، وحمده واجبٌ شَرعًا وعقلًا، لِأَنَّ العقلَ يَقتضي أن يُوصَفَ الله بالكمال. والحمد هل هُوَ الثَّناء أو غيرُ الثَّناء؟

стр. 332

بعض النَّاس يَقُول: الحمدُ هُوَ الثَّناء عَلَى اللهِ بالجميلِ، وَلَيْسَ بصحيح، بل الحمد هُوَ وصفُ المحمودِ بالكمالِ، ثُمَّ إن كُرِّرَ صار ثناءً، ودليلنا عَلَى هَذَا قولُ الله تَعَالَى فِي الحديث القُدُسي: "قَسَمْت الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قَالَ اللهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قَالَ: أثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي" (١) فدلَّ هَذَا عَلَى أن الحمد لَيْسَ الثَّناء. الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ: أن إهلاكَ اللهِ للأممِ المستحقِّين صفة كمال يَنبغي أنْ يُحْمَدَ عليها، ولا يعذِّب اللهُ إِلَّا مستحِقًّا، فعلى هَذَا إذا أصيبَ هَؤُلَاءِ الْكُفَّار بالكوارثِ منَ الزَّلازِلِ والفيضاناتِ والأوبئةِ فما مَوْقِفُنا نحنُ مِن ذلك، هل نترحَّم لهم ونَأوِيْ لهم؟ لا، لكِن بعض النَّاس الجهّال فِي وقتنا هَذَا تَجِدُهم يَتَأَوَّهُون لهم وَيتَوَجَّعُون لهم ويعطِفون عليهم ويرحمونهم، وهَذَا خلافُ العقلِ وخلافُ النقلِ، بل إننا إذا أوقعَ اللهُ بهم ما يُوقِع من عُقُوباته فإنَّنا نَقُول: الحمد لله، نَحْمَد الله عَلَى ذلك؛ لِأَنَّ إهلاكهم مَصْلَحَة للإسلامِ والمُسلِمينَ، ما من فردٍ يَزيدُ فِي الْكُفَّار إِلَّا ويزدادون به قوَّة عَلَى المُسلِمين. فإِذَنْ: إهلاكهم نِعْمَة منَ اللهِ ، علينا أنْ نَحْمَدَ اللهَ عليها، ولا ينافي هَذَا أن نَعْطِفَ مثلًا عَلَى الصغار منهم؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لا ذنبَ لهم. مثلًا لو فرضنا أن قرية أُهلِكَت وبقي أَيْتَامُها وهم كفار فَإِنَّهُ لا مانعَ مِن أن نَتَصَدَّقَ عليهم؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لا ذنبَ لهم ولا جريمة لهم، وربما يَعِيشون فِي الإِسْلامِ فيما بَعْد، إِنَّمَا هَؤُلَاءِ المكذِّبون المجرمون إذا أَهْلَكَهُمُ اللهُ فإن الواجبَ علينا أن

стр. 333

نحمدَ اللهَ، لا أنْ نَتَرَحَّمَ لهم ونَرِقّ لهم، هَذَا خلافُ ما عليه بعضُ النَّاسِ اليوم الَّذِينَ فَقَدُوا الغَيْرَة الدينية ولم يكن فِي قلوبهم الولاءُ والبَرَاء؛ لأن كثيرًا من النَّاس فَقَدُوا الولاء والبراءَ، وبعض النَّاس فقد البراءَ فقطْ، ومعه الولاءُ لَكِنَّهُ وليٌّ لكلِّ أحدٍ، وبعض النَّاس بريء من كُلّ أحدٍ أيضًا، لا يحب المُسلِمينَ ولا الكفارَ، ولكِن هَذَا نادرٌ، إِنَّمَا الكثير فِي وقتنا هَذَا هُوَ الولاء للجميعِ، وَأَنَّهُ لا يُبْغِضُ أحدًا، فالمسألة عنده إِنْسَانيَّة وليستْ دِينيَّة، وهَذَا خطأٌ وخطرٌ، أيضًا مَعَ كونه خَطَأ فَهُوَ خطرٌ؛ لِأَنَّ أوثقَ عُرَى الإِيمانِ الحبُّ فِي اللهِ والبُغْضُ الله. مسألة: لو حَصَلَ لكافرٍ حادثٌ هل يَلْزَمُنا إنقاذه؟ لا يلزمنا أن نُنْقِذَهُ، نعم إن كَانَ مُعاهَدًا فَإِنَّهُ معصومٌ نُنْقِذُه، وإن كَانَ غيرَ معاهَدٍ وَلَيْسَ بيننا وبينه عهدٌ فلا ننقذه، بل إننا نُجْهِز عليه. لَوْ قَالَ قَائِل: إذا كَانَ لا يعلمُ هل هُوَ معاهَد أو غير معاهد؟ فالجواب: إذا كَانَ لا يَعْلَمُ فاللهُ أَعْلَمُ، والَّذِينَ فِي بلادنا مَن لَيْسَ بمعاهَدٍ فَهُوَ مستأمَنٌ، لِأَنَّ كونَه يأتي بعقدٍ سواء حكوميّ أو غير حكوميّ فَهُوَ مستأمَنٌ، فله حُكْمُ المعاهَدِ، يَقُول الله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]. أما المعصوم فالعُلَماء يَقُولُونَ: يَجِب أنْ يُنْقَذَ مِنَ الهَلَكَةِ مُطْلَقًا، ولم يَفْصِلوا بينَ المسلمِ وغيرِ المسلمِ، ولذلك لا يجوزُ الاعتداءُ عليه، وهَذَا ثابتٌ بالنصِّ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧]، وقال تَعَالَى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨].

стр. 334

وكما جاء فِي الحديث عن النَّبِيّ ﵊: "إنَّكُمْ إنْ تُخْفِرُوا ذِمَمكمْ وَذِمَمَ أَصْحَابِكُمْ أَهْوَنُ مِنَ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللهِ وَذِمَّةَ رَسُولهِ" (١)، فهَذَا كلام أهلِ العلمِ في هَذِهِ المسألةِ، والمسألةُ تحتاجُ إِلَى بحثٍ، وعندما نحقِّقها يُنْظَر إنْ كَانَ فِي هَذِهِ المسألةِ خِلافٌ، ويُنْظَر - إن شاء الله - أيّهما أَرْجح. الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ: أن الله له أنْ يَتَمَدَّحَ بنفسِه ويدعو النَّاس إِلَى ذلك؛ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، أَمَّا غيره فليسَ مِنَ اللائقِ أنَّ الْإِنْسَان يَقُول للناس: احْمَدُوني وأَثْنُوا عَليَّ. ومعلوم أن الله أهل لِذَلِكَ، ولأن المصلحة لنا، والله تَعَالَى لا يَنتفِعُ بطاعةِ الطائعينَ، ولا يَتَضَرَّر بمعصيةِ العاصِينَ. الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ: أن الَّذِينَ اصطفاهمُ اللهُ قد بَرِئُوا مِمَّا يُلْصَق بهم؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ فإن هَذَا السلام يَتَضَمَّنُ سلامتهم مما وُصِفوا به وقُدِح فيهم به، ويتضمّن أيضًا سلامتهم من عقوبةِ اللهِ، فالسلامةُ هنا شاملة للسلامة ممَّا يَتَعَلَّق بفعل الله كالعقوبة، أو بفعل الخَلْق كالقَدْح. الْفَائِدَة الخَامِسَةُ: أن الله تَعَالَى يَصْطَفِي مِن عِبَادِهِ ما شاء، يَخْتَارُهم لعبادتِه؛ لِقَوْلِهِ: ﴿عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ أي: اختارَ، ومَن يختارُهُم هم الَّذِينَ قاموا بطاعتِه، فمن قام بطاعةِ اللهِ اصطفاه الله، ومَن عمى اللهَ فَهُوَ بعيدٌ منْ الِاصطفاء. الْفَائِدَة السَّادِسَةُ: قيام الأفعالِ الاختيارّية باللهِ ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ فإن الاصطفاءَ مِنَ الأفعالِ، والله ﵎ قائمٌ به الأفعال الاختيارية. الْفَائِدَة السَّابِعَةُ: حِكمة الله تَعَالَى فِي تعليق الأحكام بأَسْبابها، فإن السلامةَ هنا

стр. 335

معلَّقة عَلَى الاصطفاءِ، وهَكَذَا أحكام الله الكونيَّة والْقَدَرَّية كلّها مربوطة بأَسْبابها، وذلك لثبوتِ الحِكْمَةِ فِي أحكامِ اللهِ؛ إذ إنَّ الله لا يفعل شيئًا إِلَّا لحكمة. الْفَائِدَة الثَّامِنَةُ: الثَّناء عَلَى المُصْطَفين لسلامتهمْ. الْفَائِدَة التَّاسِعَةُ: أنّ ما جاءت به الرُّسُلُ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ نقصٌ، سواء كَانَ ذلك فِي الأحكام الشَّرْعِيَّة أو فِي الأخبارِ، فما أخبرتْ به الرُّسُلُ فَهُوَ حقّ، لَيْسَ فِيهِ كذِب، وما أمرتْ به أو نهتْ عنه فَهُوَ عدلٌ، لَيْسَ فِيهِ جَوْر ولا ظُلم؛ لِأَنَّ قوله: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ أول من يدخل فِيهِ الرُّسُلُ؛ ولهَذَا يَقُول الله فِي سورة الصافَّات: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠]، فسلَّم عَلَى الرُّسُلِ لسلامةِ ما قالوه منَ النقصِ والعيبِ، وهَكَذَا هنا ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾. الْفَائِدَة الْعَاشِرَةُ: أن من قام بما يجبُ عليه منْ الِاجتهاد فأخطأ فلا إثمَ عليه؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ فإذا اجتهد الْإِنْسَانُ فِي طَلَب الحَقِّ وتحرِّي الحَقّ وأخطأ فلا إثمَ عليه فِي هَذَا الخطإِ؛ لِأَنَّهُ ما دام مُتحرِّيًا للحقِّ وطالبًا له وفاعلًا لأَسْبابِهِ فَهُوَ منَ العبادِ المصطَفَيْن، فإذا حَصَل عليه خَلَل فَهُوَ سالمٌ مما يَكُون بهَذَا الخطأ، وهَذَا يَشهَدُ له قول الرَّسُولِ ﷺ : "إِذَا اجْتَهَدَ الحَاكِمُ فَأَخْطأَ فَلَهُ أَجْرٌ، وَإِذَا حَكَمَ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ" (١). الفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: جواز المقارنةِ بينَ ما هُوَ خيرٌ مَحض وما لا خيرَ فيه؛

стр. 336

مراعاةً للخَصْمِ وإقامة للحجَّة عليه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، فإن من المعلوم أن الله خيرٌ مما يُشرِكون، ولا مقارنةَ بينه وبينهم، لَكِنَّهُ يُخاطِب قومًا مشركينَ، إن كانتِ القراءةُ بالتاءِ، لِأَنَّ فيها قراءتينِ (أمَّا تشركون) و (أمَّا يُشْرِكون)، أو يتحدث عن قوبم مشركينَ، فلهَذَا راعَى أحوالهم فقال: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. <مز>الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّ من أساليبِ المناظَرة إلزامَ الخَصْم بما يُقِرّ به، لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لا يمكن أَنْ يَقُولُوا: إن آلهتهم خيرٌ أبدًا، ولهَذَا أعقبها بِقَوْلِهِ: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [النمل: ٦٠]، ممَّا هُوَ من أفعال الرُّبُوبِيَّة الَّتِي لا يمكِن لهم أن يَدَّعُوا أن آلهتهم تفعلها. <مز>الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: عَدْلُ اللهِ فِي إقامةِ الحُجَّة عَلَى المعانِدِين؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾؛ لأنَّهُ إذا وصلتِ الحالُ إِلَى هَذَا الأَمْرِ إِلَى أن يَقُول لهم: آللهُ خيرٌ أم أصنامكم، فيَكُون هَذَا من جملةِ ما يُقَال لهم، يَعْنِي: قل: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ وقل أيضًا لهَؤُلَاءِ: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. فيَكُون من جملة المقول، وهَذَا فِي غاية ما يَكُون منَ العدلِ وإقامة الحجَّة، وإلَّا فالله قادر عَلَى أن يدعَ هَؤُلَاءِ ويبين الحَقّ ولا حاجة إِلَى مناظرةٍ، ولكِن لإقامة الحجَّةِ عَلَى هَؤُلَاءِ ولكمالِ العدلِ فيما لو عُوقِبوا أن تكون عقوبتهم بَعْد إقامةِ الحجَّة فصار مثل هَذَا الكَلام. <مز>الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أن لله الجيرَّية المطلَقة فِي كُلّ شيءٍ، خِلافًا لمَا مشَى عليه المُفَسِّر حَيْثُ قَالَ: [﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ من يَعْبُدُه]، فالصَّواب: آلله خيرٌ فِي كُلّ شَيْء، خيرية مطلقة فِي صفاته وَفي أفعاله المتعلقة بعابديه.

стр. 337

<مز>الْفَائِدَةُ الخامِسَة عَشْرَةَ: بَيَان جواز إلزام الخَصْمِ بما لا يُمْكِنه إنكارُه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. <مز>الْفَائِدَةُ السَّادِسَة عَشْرَةَ: جوازُ المقارنةِ بينَ شَيئينِ لا يَختلِفانِ فِي المَعْنى من أجلِ إقامةِ الحُجَّة، لِقَوْلِهِ: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وذلك بأن ما يشركون به مَعَ الله لَيْسَ فِيهِ خيرٌ إطلاقًا، كما قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ [غافر: ٢٠]، ما قَالَ: لا يَقضون بالحقّ، قَالَ: ﴿لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ يعني لَيْسَ لهم أيّ حُكْم وَلَيْسَ لهم أيّ سُلْطَة، إطلاقًا لَيْسَ فيها خير، فهي أحجار وأشجار لا يُنتفَع بها. * * *

стр. 338

الآية (٦٠) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: ٦٠]. * * * قوله: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [الآلهة خيرٌ لعابديها ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾]. الجواب: بل من خلق السَّماوَات والْأَرْض، فَهُوَ خبر، وقوله: [الآلهة خيرٌ لعابديها]، نَقُول فيه مثل ما تقدَّم فِي قوله: [﴿خَيْر﴾ لمِن يَعْبُدُهُ]، فالمُفَسِّر ﵀ قدَّر مرَّةً ثانية، وهَذَا واضحٌ، وَعَلَى هَذَا فتكون (أم) مُتَّصِلَةً، والخيرَّية هنا مُطْلَقَة إذا صحَّ تقدير المُفَسِّر؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَقُولُ قَائِلٌ: إن قوله: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ﴾ للإضرابِ وليستْ للمقارنةِ، ويَكُون السؤال اسْتِفْهامًا مُطْلَقًا، يعني يَقُول: من الَّذِي خلق السَّماوَات والْأَرْض أإله مَعَ الله؟ فيَكُون قوله: ﴿أَمَّنْ﴾: (أم) هَذِهِ للإضرابِ وليستْ متعلِّقةً بما سبقَ، فيَكُون تقدير الآيَة: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ فيَكُون الاسْتِفْهام هنا لَيْسَ للمعادلة، أَمَّا عَلَى رأي المُفَسِّر فجعل الاسْتِفْهام للمعادلة.

стр. 339

قوله: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾: (خلق) بمعنى أَوْجَدَ بتقديرٍ؛ لِأَنَّ الخَلْقَ لَا بُدَّ أن يسبقه تقدير، والإيجاد أعمُّ منه، فقد يوجد الشَّيْء بلا تقديرٍ، ولكِن الخلق لَا بُدَّ فِيهِ من تقديرٍ. قوله: ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، بعضهم يَقُول: السَّماوَات ليست مَفْعُولا بها؛ لِأَنَّهُ ما وقع عليها فعل الفاعلِ، إذ هِيَ لم توجد إِلَّا بفعلِ الفاعلِ، وإنما يقالُ: مَفْعُول مطلق وليست مَفْعُولا بها؛ لِأَنَّ المَفْعُول به يَقتضي أن يَكُون ما وقع عليه الفِعْل سابقًا عَلَى الفِعْل، وهنا السَّماوَات ليست سابقةً عَلَى خلقه، وَعَلَى هَذَا فقلْ: إنَّهَا مَفْعُول ولا تقلْ: به، فقُلْ: مَفْعُول فقط، لا به ولا فِيهِ ولا معه ولا له؛ لِأَنَّ المفاعيل خمسةٌ كما هُوَ معروفٌ؛ مَفْعُول غير معدّى بحرفٍ، ومَفْعُول معدى بحرف (الباء) أو بـ (في) أو بـ (اللام) أو بـ (مع). أَمَّا المَفْعُول المطلَق فيَكُون بمعنى الفِعْل، مثل ضربتُ ضَربًا، ولا يعدَّى بالباء أو بـ (فِي)، فهَذِهِ المفاعيل. لكِن هَذَا فِي الحقيقةِ منَ الفلسفةِ الَّتِي لَيْسَ لها معنى؛ لِأَنَّ ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ﴾ معناها أوجدَ السَّماوَات، فالمَفْعُول به أو الفِعْل واقع عَلَى الإيجادِ، وإن كانتِ السَّماوَات قبلَ الإيجادِ ليستْ موجودة، فالإيجادُ سابقٌ عَلَى الموجودِ؛ لِأَنَّ به يَحْصُلُ الوجودُ، فلا حاجةَ إِلَى هَذَا التمحُّل، ونَقُول: وأيضًا ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ مَفْعُول به، هم يَقُولُونَ: المَفْعُول به لَا بُدَّ أنْ يَكُونَ سابقًا عَلَى الفِعْل: (ضربتُ زيدًا)، فزيدٌ سابِقٌ عَلَى الضربِ، (أكلتُ الطعامَ)، فالطعامُ سابقٌ عَلَى الأكلِ، (صنعتُ الطعامَ) حوّلته من حال إِلَى حال، أيضًا سابق عَلَى الطعام. قوله: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾: ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ تُذْكَرُ بلفظ الإفرادِ والجمعِ

стр. 340

كثيرًا فِي الْقُرْآن، والأرض ما ذُكرتْ إِلَّا بلفظِ الإفرادِ، إِلَّا أن الله قَالَ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، وإلَّا فبقيَّة الآيَات بل حَتَّى فِي هَذِهِ الآيَة ما ذُكرت إِلَّا مفردةً، ولم يقل: (ومنَ الْأَرَضين مثلهنّ)، لَكِنَّها وردتْ فِي السنّة مجموعةً ومبيَّن أَنَّهَا سبع. قوله: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾: (ماء) هل هِيَ مَفْعُول أو مَفْعُول به؟ مَفْعُول به، لِأَنَّ الماء موجود. قوله: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ﴾ اللام للتعليل أو للإباحة، ولَكِنَّهَا للتعليل أبلغ؛ لِأَنَّهَا إذا كانت للتعليل شَمِلَتِ الإباحةَ وشَمِلَتْ ما يَكُونُ به النفعُ من هَذَا الماء وإنْ لم يلامِسْها. قوله: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾ المُراد بالسَّمَاء هنا العُلُوّ، والدَّلِيل عَلَى ذلك أنَّ الماءَ هَذَا ينزل منَ السَّحابِ، وقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤]، فدلَّ هَذَا عَلَى أن المُرادَ بالسَّمَاءِ هنا العلوُّ. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا﴾ فِيهِ التفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إِلَى التكلُّمِ]، الغَيبة فِي قوله: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ﴾ وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ﴾، وهنا قَالَ: ﴿فَأَنْبَتْنَا﴾، والالتفاتُ فِيهِ فوائدُ الانتباهِ لِئَلَّا يَنساب معه المخاطَب وَيغْفُلُ عنه، وهو من المحسّنات البديعيَّة. قوله: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ قَالَ المُفَسِّر: [﴿حَدَائِقَ﴾ جمع حَدِيقة، وَهُوَ البُستان المَحُوط]، يعني الَّذِي عليه حائطٌ [﴿ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ حُسْن]، فالبهجة بمعنى الحُسن؛ لِأَنَّ القلب يَبْتَهِجُ بها وَينْشَرِح

стр. 341

بها الصدرُ، وهَذَا أمرٌ معلومٌ، لا سيما لِعُشَّاق الحدائقِ، وإلّا فبعض النَّاس لا يُهِمُّه سواء كَانَ فِي الحديقة ما يُبْهِج أو لا، لكِن عشّاق الحدائق يجدون لذَّة عظيمة فِي مثل هَذِهِ الحدائقِ الَّتِي بها هَذَا النبات العظيم. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾: ﴿مَا كَانَ﴾ بمعنى: مُمتنِع غاية الامتناع، وهي نظيرُ قولِه تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ [مريم: ٣٥]، أي: مُمتنِع عليه، فـ ﴿مَا كَانَ لَكُمْ﴾ أي: ما صحَّ لكم، وما أمكن لكم أن تُنْبِتُوا شجرها؛ لِعَدَمِ قُدْرَتِكُم عَلَى ذلك، لَيْسَ فِي مَقْدُورِكُم أنْ تُنْبِتُوا هَذَا الشجرَ. فَإِذَا قَالَ مُجادِلٌ: بل فِي مقدوري، فآتي بنوى التمر وآتي بحبّ وأَحْرُث الْأَرْض وأضعه فيها. قُلْنَا: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣ - ٦٤]، نعم أنت فعلتَ السَّبَب، لكِن هل خلقتَ هَذَا، هل فَلَقْتَ الحبَّ والنوى؟ أبدًا. وإذا جادل مجادِلٌ بمثلِ ذلكَ قُلْنَا له مثل ما قَالَ إبراهيمُ ﷺ للذي ﴿قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، فنَقُول له: إذا كنتَ أنت فعلت هَذَا فهَذِهِ الشَّمْسُ تأتي منَ المَشْرِقِ فأتِ بها من المغربِ. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿أَإِلَهٌ﴾ بتحقيقِ الهمزتينِ وتسهيلِ الثَّانِيَةِ وإدخالِ ألفٍ بينهما عَلَى الوجهينِ فِي مواضعِهِ السبعةِ]، وأين مواضعه السبعة؟ فِي الآيَات الآتية، هَذَا واحد، وننظر هل كلام المُفَسِّر صحيح أم لا. قَالَ المُفَسّر: [﴿مَعَ اللَّهِ﴾ أعانه عَلَى ذلك]، يعني أو انفردَ بشيءٍ منه، فالمعية هنا

стр. 342

تَقتضي -كما قَالَ المُفَسِّر - المُعَاوَنَة إذا كَانَ مصاحبًا له، أو الانفراد ببعض الخلق إذا كَانَ غيرَ مصاحب له، هَذِهِ الحديقة مثلًا فيها نخل ورُمّان وعِنَب، هل مَعَ الله إلهٌ شاركه فِي إيجاد النَّخل والرُّمَّان والعِنَب، أو أوجد النَّخلَ واللهُ أوجدَ الرمانَ والعنبَ أو مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؟ إِذَنْ: قول المُفَسِّر: [أعانه]، ينبغي أن يُقال: أوِ انفردَ بشيءٍ منها. وقلت ذلك لِأَنَّ الله يَقُول: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ هَذَا الانفراد، ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ هَذِهِ المشاركة عَلَى وجه الشيوع، ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢]، هَذِهِ المعاونة، وإن لم يكن شريكًا، ما عاوَنُوا الله جَلَّ وَعَلَا. ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ﴾ [سبأ: ٢٣]، هَذَا التوسُّط للعابدين إِلَى الله، إذن بأي شَيْء يتعلقون؟ فإذا قَالُوا: إن آلهتهم لا تفعل. قُلْنَا إِذَنْ: لماذا تعبُدُونها، فكل ما يمكن أن يتعلَّق به المُشْرِكُون بالنِّسبة لأصنامهم نُفِيَ فِي هَذِهِ الآيَة ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ انظر بلاغة الْقُرْآن. فالحاصل: أن قوله: [﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّه﴾ أعانه]، نَقُول أيضًا: أوِ انفردَ بشيءٍ أو شاركَ فِي مُلْكِه، فلا أعان اللهَ ولا شاركَهُ ولا انفردَ بشيءٍ مِن مُلْكِهِ، أي: لَيْسَ مَعَه إله. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل المَعُونَةُ تدخلُ فِي المشاركة؟ فالجواب: لا؛ لأنك قد تُعينني مثلًا عَلَى إصلاح شيءٍ فِي بيتي وَلَيْسَ لك فِيهِ شركة، بل كلُّه لي. وقَالَ المُفَسِّر ﵀ أيضًا فِي قوله تَعَالَى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّه﴾: [أي لَيْسَ معه إله]،

стр. 343

فالاسْتِفْهامُ إذن إنكاريٌّ للنفي، يعني لَيْسَ مَعَ الله إلهٌ فَعَلَ ذلك، فالمعبودات الَّتِي تعبدونها مَعَ اللهِ لم تفعلْ ذلك. إِذَنِ: الواجب إفراد اللهِ تَعَالَى بالألوهيَّة، فعليه تكون الحُجَّة قد قامتْ عَلَى هَؤُلَاءِ بما أقرُّوا به من الرُّبُوبِيَّة، وكثيرًا ما يَسْتَدِلّ الله تَعَالَى بتوحيد الرُّبُوبِيَّة عَلَى وجودِ توحيد الألوهيّة: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١]، ﴿اعْبُدُوا﴾ توحيد أُلوهيَّة ﴿رَبَّكُمُ﴾ هَذَا رُبُوبِيَّة. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ يُشْرِكون باللهِ غيرَه]، ﴿بَلْ﴾ هَذِهِ للإضرابِ الانتقاليّ، لا الإبطاليّ، يعني بل هم مُقِرُّونَ بذلك، وَأَنَّهُ لا إله مَعَ الله، ولكِنّهم يَعْدِلون به غيرَه فيشركون، فصار فعلهم هَذَا لَيْسَ عن دليل ولكِن لمجرَّد هوى، وإن كانوا يُقِرُّون بأن الله تَعَالَى لا شريكَ له فِي خلق السَّماوَات والْأَرْضِ وإنزال المطرِ وإنباتِ النباتِ به، وإنما يعدِلون بالله غيرَه فيشركونه مَعَ اللهِ لمجرَّد أهوائهم، أَمَّا أنَّهُ عن دليلٍ عقليّ أو فِطريّ أو نقليّ فليسَ كذلك. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: قوله: ﴿يَعْدِلُونَ﴾ ألا تَحتمِل أَنَّهُم يَعدِلون عن عبادةِ اللهِ؟ الجواب: تَحتملُ، لكِن ما قَرَّرَهُ المُفَسِّر أحسنُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]، ولم يقلْ: عن ربِّهِم يعدِلون، فدلَّ هَذَا عَلَى أنَّ المُراد بالمعادلةِ هنا المساواةُ، أي: يساوون به غيرَه. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: بَيَان انفرادِ اللهِ تَعَالَى فِي خلق السَّماوَات والْأَرْض؛ لِقَوْلِهِ: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ خلق السَّماوَات والْأَرْض، يَتَضَمَّن إيجادهما وإيجاد ما فيهما منَ المنافع،

стр. 344

فلا أحدَ يستطيع أن يغيِّر شيئًا من خلق السَّماوَات والْأَرْض، لا من الشَّمْسِ ولا من القمرِ ولا من النجومِ ولا من غيرها. الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ: ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ المخلوقات من منافعِ الخلقِ. الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ: بَيَان حكمة الله تَعَالَى فِي إنزالِ المطرِ من فوقُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾ لِأَنَّ نزولَه منَ السَّمَاء أعمُّ وأقلُّ ضررًا؛ إذ لو كَانَ يخرج من الْأَرْض ما وَصَلَ إِلَى قِمَم الجبالِ إِلَّا وقد أغرقَ ما تحته، فلهَذَا صار ينزِل من فوق ليَكُونَ أكمل وأعمَّ وأقلَّ ضررًا. الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ: بَيَان رحمةِ الله فِي قولِه: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾؛ لِأَنَّ اللام هنا للتعليلِ، أي: لأجلكم، وهَذَا من رحمتِهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ غنيٌّ عنَّا ولَكِنَّنَا نحنُ مُفْتَقِرُون إليه. الْفَائِدَة الخَامِسَةُ: أن الأَشْيَاء ينبغي أن تُضافَ إِلَى المسبِّب لا إِلَى السَّبَب؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ فأضاف الإنبات إِلَى الله، مَعَ أن النبات يحصُل بالمطرِ، ولكِن المنزِل هُوَ الله، ولهَذَا ينبغي للإِنْسَانِ أن يضيفَ الشَّيْء إِلَى المسبِّب الخالقِ مُشيرًا إِلَى السَّبَب، كما يَقُول العُلَماء عن الرَّسُول ﵊: هَدَى اللهُ به منَ الضلالةِ، وأنقذَ به مِنَ الهَلَاكِ، وبصَّر به مِنَ العَمَى، ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فإضافةُ الشَّيْءِ إِلَى المسبِّب للإشارةِ إِلَى بَيَان السَّبَب. الْفَائِدَة السَّادِسَةُ: إثبات الأَسْبَاب؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ﴾ لِأَنَّ الباء للسببيَّة. الْفَائِدَة السَّابِعَةُ: إثبات الحِكْمَة؛ لِأَنَّ الله رَبَطَ الأَسْبَاب بِمُسَبّبَاتها، وهَذَا من الحِكْمَة ألا تأتيَ الأُمُور عَلَى وجهِ المصادفاتِ أو بدونِ أَسْبابٍ تَقتضيها، فإثباتُ الأَسْبَاب يَتضمَّن إثبات الحِكْمَةِ.

стр. 345

الْفَائِدَة الثَّامِنَةُ: وفيه أيضًا التنزُّه فِي الحدائقِ والابتهاجُ بها؛ لِقَوْلِهِ: ﴿حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ وأن الْإِنْسَان ما يُلام إذا قَالَ: نريد أن نتفرَّج عَلَى ما أخرجَ الله منَ المَطَرِ من هَذِهِ الحدائقِ والبساتين؛ فَإِنَّهُ لا يُلامُ عَلَى ذلك، لا يُقَال: هَذَا من فضول الأفعالِ؛ فإن النفس إذا لم تُمَّرنْ عَلَى هَذَا وهَذَا فإنها تَمَلُّ وتَكِلُّ ولا تأتي بالأُمُور عَلَى وجهها، والنَّاس أيضًا يختلفون فِي هَذَا؛ فمنهم من يَكُون من ضرورَّيات الحياة له أن يَتَنزَّه أحيانًا، ومنهم من لا يَهتمُّ بذلك، ومنهم من يجعل دَيْدَنَهُ دائمًا هُوَ التنزُّه واللَّهو واللَّعِب ويُعْرِض عمَّا خُلِقَ له بما خُلِقَ له. فالحاصل أن نَقُول: إن قوله تَعَالَى: ﴿ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ فِي سياق الامتنانِ، يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لا مانعَ أن الْإِنْسَان يرتاد هَذِهِ الحدائقَ لأجل أن يَبْتَهِجَ بها، لكِن بشرطِ ألا تشغلَه عن ذكر الله وطاعتِه وعمَّا هُوَ أهمُّ من ذلك. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: إذا كَانَ إِنْسَان لَيْسَ ممَّن يَهْوَى النظرَ إِلَى هَذِهِ النعمِ فهل يُعتبَر منَ الفضولِ اشتغاله بها؟ نعم، منَ الفضول، لكِن لا بأس أن يَشتغل بها، ولو ضيَّع الوقت فِي غير هَذَا قُلْنَا له: لا يَنبغي، لكِن لو أنني أُحبُّ هَذَا الشَّيْء وأبتهِجُ به وأُسَرّ وأُسَلِّي نفسي به؛ لا نَقُول: هَذَا من إضاعة الوقت ما لم يَشْغَلْ عن ذِكْرِ الله، وإذا أراد التفكُّر فِي آيَاتِ الله صار عبادةً. الْفَائِدَة التَّاسِعَةُ: أن الخلق لا يمكنهم أن يَخْلُقُوا ولا شجرة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ لِأَنَّ (ما كان) بمعنى لا يمكن ولا يَصِحّ، فَهُوَ منَ المستحيل، ونظيرُهُ قوله تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ [مريم: ٣٥]، فتجد الخلق مَعَ قُدْرَتِهم الصناعيَّة لا يمكن أن يَخْلُقُوا شجرةً، ولا شجرة صغيرة، وإلى الْآنَ وإلى

стр. 346

ما بَعْد الْآنَ لا يُمْكِنُهم ذلك، كما أَنَّهُم لا يمكنهم أنْ يُحْيُوا إِنْسَانًا ولا يمكنهم أن يمنعوا خروجَ نفسِهِ عندَ خُرُوجِها. فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: نجدهم الْآنَ يُعالجِون المرضى المُزمِنِينَ ثُمَّ يَشْفُونَ، فما الجواب؟ الجواب: نَقُولُ: مثل هَذَا لا يَعْدُو أن يَكُون سببًا، قد يَنْفَع وقد لا ينفع، قد يعارضه مانع حضور الأَجَل، وإذا حضرَ الأجلُ بَطَلَ مَفْعُوله فلا ينفع، نحن لا نُنْكر الأَسْبَاب ولَكِنَّنَا نُنْكِر أن تكون هَذِهِ الأَسْبَاب موجِبَةً لِمُسَبَّباتها، فلا تُوجِبها؛ لِأَنَّهَا قد تُفيدُ وقد يوجد مانعٌ، وَلَيْسَ هَذَا خاصًّا بهَذِهِ المسألةِ، فكُلّ الأَسْبَاب قد يوجدُ فيها مانعٌ أَقوى مِنْهَا فيمنع من نُفُوذِها. الْفَائِدَة الْعَاشِرَةُ: تحدِّي هَؤُلَاءِ المتَّخِذِين آلهةً مَعَ اللهِ أن يَكُون لآلهتهم شيءٌ من هَذَا؛ لِقَوْلِهِ: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ فإن هَذَا تحدٍّ عظيمٌ ولا يستطيعون أن يُثْبِتُوا ذلك. الفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: إقامة الحُجَّة عَلَى سَفَهِ هَؤُلَاءِ المشركينَ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ أي: يَعْدِلُون باللهِ غيرَه، وَلَيْسَ المُراد العَدْل الَّذِي هُوَ ضدُّ الظُّلم، إذا كَانَ هَذَا هُوَ المُراد لكان هَؤُلَاءِ مَمْدُوحِينَ بما هم عليه، ولكِن المُراد يَعْدِلون بالله غيرَه، ويجعلونه عديلًا للهِ ومُساويًا له. <مز>الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: ما أشرنا إليه كثيرًا من أنَّ الكلِمات لَيْسَ لها معنًى داخليٌّ، بل معناها يحدِّده السياق؛ لِأَنَّ كلمة ﴿يَعْدِلُونَ﴾ لو كَانَ لها معنى ذاتيّ لكانت هنا بمعنى: لا يَجُورُونَ؛ لِأَنَّ المفهوم من هَذَا الفِعْل أَنَّهُ العدلَ بمعنى إعطاءِ كُلّ ذي حقٍّ حقَّه، والأَمْر هنا لَيْسَ كذلكَ، بل هَذَا ظُلم أن يعدِلوا باللهِ غيرَه، وبهَذَا التقرير الَّذِي حَرَّرْنَاهُ يَتبَيَّن رُجحانُ كلامِ شيخِ الإِسْلامِ ابنِ تَيْمِيَّة حَيْثُ قَالَ: إنَّهُ لَيْسَ فِي اللُّغَةِ

стр. 347

مَجَاز (١)، وهَذا من المعلومِ. ومن المعلوم أيضًا أن فِي المسألة ثلاثة أقوال: إثبات المجاز فِي اللُّغة والْقُرْآن، ونفيه فيهما، وإثباته فِي اللُّغة دون الْقُرْآن، والصَّواب: أَنَّهُ لا مجاز لا فِي اللُّغة ولا فِي الْقُرْآن، وأن كُلّ ما ادُّعِيَ أَنَّهُ مجاز فَإِنَّهُ حقيقة فِي موضعِهِ.

стр. 348

الآية (٦١) * قَالَ اللهُ : ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٦١]. * * * على تقدير المُفَسِّر ﵀ نَقُول: (آلآلهة خيرٌ أمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قرارًا). ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾: ﴿جَعَلَ﴾ فعلٌ ماضٍ يَنْصِب مَفْعُولينِ: الأول: الْأَرْض، والثاني: قرارًا، قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿قَرَارًا﴾ لا تمَيِدُ بأهلها]، لا أحدَ يستطيع أن يجعلَ الْأَرْضَ قرارًا، لا سِيَّما وأنها مُرَكَّبَةٌ عَلَى الماءِ، فالماء محيطٌ بها من كُلّ جانبٍ، ولو أنك وضعتَ كُرَةً فِي ماء فإنها لا تَسْتَقِرّ، بل تَتَقَلَّب وتَتَمَوَّج. ولكِن الله تَعَالَى جعلَ هَذِهِ الْأَرْض كرةً فِي وسط ماء؛ لِأَنَّ البحار تمثِّل تقريبًا ثلاثة أرباع اليابسةِ، ومع هَذَا فإنها مُنْضَبِطَةٌ تمامًا لا تمَيد ولا تَتَقَدَّم إِلَى ناحيةٍ ولا تتأخّر عنها ولا تَتَدَحْرَج فِي هَذَا الماء، فجعلها الله تَعَالَى قرارًا، والقرارُ مَوْضِع الاستقرارِ. فقوله ﵀: [لا تميد بأهلها]، والمَيَدَان معناه الاضطرابُ، ما أحد جعلَ الْأَرْضَ قرارًا إِلَّا اللهُ ، ولا يستطيعُ أحدٌ أنْ يقومَ بذلكَ، ولهَذَا إذا جاءتِ الزلازلُ لا يستطيع هَؤُلَاءِ بجميعِ قواهم أنْ يَمْنَعُوا رَجَّة الْأَرْض، بل ولا يَعْلَمُون متى تكون هَذِهِ إِلَّا إذا ظهرتْ بَوَادِرها ولو خَفِيَّة وتُعْلَم حينئذٍ بالآلاتِ الدقيقةِ.

стр. 349

فإِذَنْ: لا أحدَ يستطيع أن يجعلَ الْأَرْض قرارًا بأهلها إِلَّا خالق الْأَرْض، وَهُوَ الله . وقوله: ﴿قَرَارًا﴾ استدلّ به مَن يَقُول: إن الْأَرْض تدور ومن يَقُول: إن الْأَرْض لا تدور؛ الَّذِي يَقُول: إن الْأَرْض لا تدورُ يَقُول: لِأَنَّهَا مَعَ الدَّوَرَان ليست بِقَرَارٍ، لو كانت تدورُ لاستدارتْ رُؤُوسُنا. وَالَّذِي يَقُول: إنَّهَا تدور يَقُول: لولا أن هناك حركة ما نُفِيَ الميَدَان، فنفيُ الأخصُّ يَقتضي وجودَ الأعمّ، مثلما أنكم استدللتم بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، استدللتم بها عَلَى أنَّ الله يُرى؛ لِأَنَّهُ لو كَانَ لا يُرى ما صحَّ أن يقولَ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ﴾ لقالَ: لا تراه. قال تَعَالَى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [لقمان: ١٠]، فلولا وجود حركة ما صحَّ نفي المَيَدَان؛ لِأَنَّ ما لا يَتَحَرَّك لا يُتَوَقَّع منه المَيَدَان، وإنما توقّع الميدان لما يَتحرَّك، وَعَلَى هَذَا فنَقُول: إن فِي الآيَاتِ دليلًا عَلَى أن الْأَرْض تدور. والَّذِينَ يَقُولُونَ: لا تدور، يَقُولُونَ: إن نفيَ المَيَدَان صحيحٌ يَدُلّ عَلَى حركةٍ، لكِن هل هُوَ يَدُلّ عَلَى حركةٍ موجودةٍ بالفِعْل أو يدلّ على حركةٍ متوقَّعة، بمعنى أَنَّهُ لولا هَذِهِ الجبالِ لكانتْ تَضْطَرب؛ حَيْثُ إِنَّهَا فِي الماء، ولكِن لمّا وُجِدَتْ هَذِهِ الجبالُ أَمْسَكَتْها وكانت لها رواسيَ بمنزلةِ أطنابِ الخيمةِ. وفي الحقيقةِ أن هَذَا الأخيرَ ردٌّ واضحٌ عَلَى الأوَّل، وَأَنَّهُ لا يلزم من مجرَّد الحركةِ الدَّورانُ، فنحن نَقُول: نعم الْأَرْض يمكن أن تتحرَّك، ولولا هَذِهِ الجبال لمادَتْ؛ لِأَنَّهَا فِي ماءٍ، فَكُرةٌ فِي ماءٍ لَا بُدَّ أنْ تَتَحَرَّك، والماء كما ترونَ تَضْرِبه الرِّيَاح فلَا بُدَّ أن يَكُون فِيهِ أمواجٌ عظيمةٌ مثل الجبالِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ [النور: ٤٠]، هَذِهِ الأمواج العظيمة إذا ضَرَبَتِ الْأَرْضَ لولا وجود الجبالِ المُرْسِيَة لمادتْ

стр. 350

عَلَى كُلّ حالٍ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الأمواج ليستْ هيِّنة. فالحاصل: أن الآيَة لَيْسَ فيها ما يُقَرِّرُ أن الْأَرْض تدورُ، وفيها ما يقرِّر أن الْأَرْض لَا شَكَّ أَنَّهَا تَضْطَرِب لولا وجود هَذِهِ الجبال. ثم تبقى مسألة الدَّوران، ولا دليل عليها من الْقُرْآن، يَعْنِي: لا دليل يُثْبِتها ولا دليل يَنفيها، فإذا ثبتَ ذلك بالأدلَّة البيِّنة فإنَّنا نُؤْمِن به؛ لِأَنَّ الْإِنْسَان المؤمن لا ينكر المحسوسَ أبدًا، بل إذا أنكرَ المحسوسَ كَانَ ذلكَ طعنًا فِي فَهْمِه وَفي تصوُّره، وما دام أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقُرْآن ما يَنفي ذلك ولا ما يُثْبِتُه فموقفنا نحنُ الوقوفُ حَتَّى يَتبَيَّنَ لنا الأَمْرُ، فمَن زعمَ أن الأَمْرَ قد تَبَيَّن له وَهُوَ منَ المُسلِمينَ وقال: أنا أعتقد ذلك لا ننكر عليه؛ لأنَّنا لَيْسَ عندنا دليل حَتَّى ننكر عليه، وكذلك مَن قَالَ: أنا لا يَتَبَيَّن لي. والحمدُ للهِ حَسْبُنا أن نَقُولَ: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢]، وكونها تدور أو لا تدور هَذَا أمرٌ ما يعنينا، فما يعنينا أنَّ المصالحَ الْآنَ - وللهِ الحمدِ - مُرَتَّبَة عَلَى تعاقُبِ الليلِ والنَّهارِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧٣]. قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا﴾، ومعنى ﴿خِلَالَهَا﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [فيما بَيْنَها ﴿أَنْهَارًا﴾]، أنهارًا ظاهرةً عَلَى ظهرِ الْأَرْضِ وأنهارًا داكنة فِي جوفِ الْأَرْض؛ فإن الله تَعَالَى أخبر بأن هَذَا المطرَ يَسْلُكُه الله تَعَالَى ينابيعَ فِي الْأَرْض، وهَذَا شَيْء مشاهَد، فالَّذِينَ يَحْفِرون الْأَرْض يجدون أن فيها أنهارًا تجري، وَيرَوْنَهَا عيونًا تجري فِي باطنِ الْأَرْضِ وتَصُبّ حَيْثُ أراد الله أنْ تَصُبَّ. فالله هو الَّذِي جَعَلَ خِلالَ الْأَرْضِ هَذِهِ الأنهارَ، ولوِ اجتمعتِ الأمَّة كلها بجميع قواها وقُدَرِها عَلَى أن تُجريَ نهرًا واحدًا من هَذِهِ الأنهار ما استطاعوا

стр. 351

إِلَى ذلك سبيلًا، فالذي جعلَ هَذِهِ الأنهارَ رحمةً بالعبادِ هُوَ اللهُ . قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ﴾ جبالًا أثبتَ بها الْأَرْض]، ﴿وَجَعَلَ لَهَا﴾ أي: صَيَّر لها رواسيَ، يَقُول المُفَسِّر: [جبالًا أثبت بها الْأَرْض] فواعل جمع فاعل، أي: راسٍ، وَكَأن المُفَسِّر هنا يشير إِلَى أن راسيًا بمعنى مُرْسِي، وفرقٌ بين الراسي والمُرْسِي، الراسي يعني بنفسِه والمُرْسِي لِغَيْرِهِ، هَذِهِ الجبالُ يعبِّر الله عنها في آيَاتٍ عديدة بأَنَّهَا رواسٍ، وقال فِي سورة النازعات: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ [النازعات: ٣٢]. وهل المُراد أرسى الْأَرْضَ بها أو أَرْسَى الجبالَ أي أثبَتَهَا؟ كِلا المعنيينِ، فإذن هِيَ رواسٍ بِنَفْسِها، وهي أيضًا مُرْسِيَة، ولهَذَا سمّاها الله أوتادًا: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ [النبأ: ٧]، بمنزلة أوتاد الخيمة تُمْسِكها وتَضْبِطها، وهَذِهِ الجبال راسية بنفسها، ولذلك عَلَى كثرة العواصفِ والقواصِفِ تجدها ثابتةً لا تتغيّر، فهي راسيةٌ وكذلك أيضًا مُرْسِية لِلْأَرْض، كما قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥]، فهي راسية مُرْسِيَة. والَّذِي جعل هَذِهِ الرواسيَ هو الله ، فلوِ اجتمعتِ الخلائقُ كلها عَلَى أن تُثْبِت جبلًا من مثل هَذِهِ الجبالِ الكبيرةِ ما استطاعوا إِلَى ذلك سبيلًا، فدلَّ هَذَا عَلَى أنَهُ لا إلهَ مَعَ اللهِ؛ كما يأتي تقريره فِي آخر الآيَةِ. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾ بينَ العَذْبِ والمِلْحِ، لا يَخْتَلِط أحدهما بالآخَرِ]، ﴿حَاجِزًا﴾ أي: مانعًا، والمُراد بالبحرينِ العذبُ والمِلح. ثُمَّ كيف يَكُون هَذَا الحاجز؟ بعضهم قَالَ: إنَّ الحاجزَ هُوَ اليابسُ مِنَ الْأَرْضِ الَّذِي يَحُولُ بينَ البحرِ وبين

стр. 352

النهرِ؛ لِأَنَّ النهر له مَجْرى خَاصّ والبحر له مجرى خاصّ، ولو شاءَ الله تَعَالَى لَمَزَجَهُمَا، ولكِن جعل لهَذَا مجاريَهُ وجعل لهَذَا مجارَيهُ. وبعضهم يَقُول: إنَّهُ حاجزٌ غير مرئيٍّ، وَلَيْسَ هُوَ اليابسَ، وَإنَّهُ يوجد فِي نفس البحارِ أنهارٌ عَذْبَةٌ حُلْوَةٌ، ومع ذلك لا تَخْتَلِط فتفسد بالمِلح ويفسد المِلح بها؛ لِأَنَّهُ لوِ اختلطَ الحلوُ بالمالحِ لفسدَ الهواء وأنتنَ وأوجد احمِرارًا كما نشاهِد الْآنَ فِي المستنقَعَات الَّتِي تأتي من السيولِ إذا مرَّ عليها وقتٌ يتغير بها الجو والهواء ويتولد مِنْهَا أَشْيَاء كثيرة مؤذِيَة ضارَّة، بينما البحار العظيمة لا يؤثِّر فيها هَذَا، بما أودعَ الله تَعَالَى من هَذَا المِلح الَّذِي يقتُل الجراثيمَ ويمنع فسادَ الهواءِ، فلوِ اختلطتْ هَذِهِ بهَذِهِ أفسدَ كُلٌّ منهما الآخَرَ، لَكِنَّهُ جعل بينهما حاجزًا. فالمهمّ هل هَذَا الحاجزُ أمرٌ محسوسٌ وَهُوَ اليابسُ منَ الْأَرْض الَّذِي يَكُون بين هَذَا وهَذَا، أو هُوَ حاجزٌ غيرُ محسوسٍ، كما يشاهَد فِي الأنهارِ الَّتِي فِي وسط البحارِ؟ لنا أن نَقُولَ بالأَمْرينِ؛ حاجز محسوس وحاجز غير محسوس، وقد أخبرني الشبابُ أَنَّهُم دائمًا إذا جَزَرَ البحر بَعْد امتدادِه يَجِدُون فِي الْأَرْض الَّتِي يدخل مِنْهَا الماء عُيُونًا حُلوة جدًّا، وأخبروني أيضًا أَنَّهُم يَسْتَسْقُون من هَذِهِ العيونِ فِي وسطِ البحرِ، فيُنْزِلون أفواهَ القِرَب ويجعلونها عَلَى العينِ حَتَّى تَمْلَأَهَا، وهَذَا لَا شَكَّ أَنَّهُ من تمامِ قدرةِ اللهِ ، حَيْثُ جعل بين هذينِ البحرينِ - وكلٌّ منهما ماء - حاجزًا ومنعَ اختلاطَ أحدهما بالآخَر. وبعض النَّاس يَقُولُونَ: إن الحاجز هُوَ ما يوجد فِي مَصَبِّ النهرِ، وهَذَا عندي فِيهِ نظرٌ؛ لِأَنَّ مَصَبّ النهر إذا اندفعَ يفرِّق الماء المالِحَ فتجده مثلًا قد صَبَّه إِلَى مسافةٍ حَسَب اندفاع النهرِ، لكِن هَذَا لَيْسَ بصحيحٍ؛ لِأَنَّ هَذَا أمر محسوس، أَمَّا الشَّيْء

стр. 353

الَّذِي من آيَاتِ اللهِ وَهُوَ غير محسوس فَهُوَ هَذِهِ الأنهار الَّتِي توجد فِي البحار. قوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ الجواب: لا، لا إلهَ مَعَ اللهِ، والاسْتِفْهام هنا للإنكارِ والتوبيخِ. قوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يعني الأَمْر واضح وبَيِّن لكِن أكثر هَؤُلَاءِ لا يعلمون، وقول المُفَسِّر رَحَمَهُ أللَّهُ: [توحيده]، هُوَ قصورٌ، والصَّواب أَنَّهُ نقص فِي العلمِ مطلقًا، بما تدلُّ عليه هَذِهِ الآيَات العظيمة من الرَّحْمَة والحِكْمَة والقُدرة والسُّلطان، فتخصيص ذلك بالتَّوحيدِ فِيهِ نظرٌ. وقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يُفهَم منه أن بعضهم يَعْلَم ولكِنه معاند وكابر، ومَن عَلِمَ وجَحَدَ فَهُوَ أشدُّ لومًا وتوبيخًا. ثُمَّ اعلمْ أن نفيَ العلمِ قد يُراد به نفيُ حقيقةِ العلمِ، بحيث لا يَكُون الْإِنْسَان عالمًا، وقد يُرادُ به نفيُ الانتفاعِ به؛ فإن مَن لا يَنْتَفِع بعِلْمِهِ فَهُوَ كالجاهِلِ، بل هُوَ شرٌّ منه، وِفي الْقُرْآن أمثلة كثيرة حيثُ يُراد بنفيِ الشَّيْء نفيُ فائدته، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢١]، وقال تَعَالَى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٨]، مَعَ أنَّ نُورَهم قويّ وآذانهم قويَّة السمع، ولكِنهم من أجلِ عدمِ الانتفاعِ بهَذِهِ الأَشْيَاءِ صاروا كالفاقدينَ لها، فهنا نفيُ العلمِ إنْ كَانَ المُرادُ به نفيَ وجودِ العلمِ فالأَمْرُ ظاهرٌ؛ لِأَنَّ بعض النَّاس جاهلٌ لا يفكِّر بهَذِهِ الآيَات ولا يَستدِلّ بها عَلَى حالته أو عَلَى مَن هُوَ آيَة له، وإن كَانَ المُراد بذلك نفي فائدة العلمِ فَهُوَ أيضًا واقع، ودائمًا يُنفَى الشَّيْء بانتفاء فائدته وثمراته.

стр. 354

من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: بَيَان نعمة الله تَعَالَى بجعل الْأَرْض قَرارًا لأهلها، واستدلَّ بها بعضهم عَلَى أن الْأَرْض تدورُ؛ لِأَنَّ كونها قرارًا مَعَ عدمِ الدَّورانِ لا يَتَبَيَّنُ فِيهِ تمامُ القُدرةِ والنعمةِ، وإنما يَتَبَيَّن ذلك فيما إذا كانت دائرةً، وهَذهِ الفائدةُ يُناقَش فيها وغيرُ مُسَلَّمَة؛ لأنَّنا نَقُول: لا يَلْزَم من المَيَدَان الدَّوران، وحقيقة أَنَّهَا لولا أن الله جعلها قرارًا لكانت تَمِيد بأهلها، وَأَمَّا أَنَّهُ يَلْزَم أن تكون تدور فهَذَا لَيْسَ بلازم. الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ: ما أنعمَ الله به عَلَى العبادِ مِن هَذِهِ الأنهارِ المُتَخَلِّلة للأرض ظاهرًا وباطنًا؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا﴾. الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ: ما أنعمَ الله به فِي هَذِهِ الرواسي الَّتِي هِيَ الجبالُ الَّتِي هِيَ راسيةٌ بنفسها مُرْسِيَة للأرضِ أيضًا ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا﴾ [الرعد: ٣]، وَفِي سورة فُصِّلَتْ قَالَ: ﴿رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا﴾ [فصلت: ١٠]. قَالَ أهل العلم البَيولوجِيُّون: إن كون هَذِهِ الرواسي - أي كون الجبال المُرْسِيَة للأرضِ - من فوقها دون أن تكونَ من أسفل - أي: فِي باطن الْأَرْض - فِيهِ فوائدُ كثيرةٌ وعظيمة؛ فوائد للطقسِ وفوائد للنباتِ وفوائد للمعادِنِ، إِلَى غيرِ ذلكَ ممَّا هُوَ معلومٌ عند أهلِ العلمِ بذلك، يَقُولُونَ: وأنت إذا نظرتَ إِلَى سلاسلِ الجبالِ الَّتِي عَلَى البحارِ عَرَفْتَ بها قَدْرَ هَذِهِ النعمةِ العظيمةِ، لا سيما ما يأتي من الجهاتِ الباردةِ، حَيْثُ هَذِهِ الرواسي تَصُدُّ تلك الرياحَ الباردةَ الَّتِي تضرُّ. فالمهمُّ أن فيها فوائدَ عظيمةً؛ لِكونها من فوق الْأَرْض، ولكِن هَذَا لم يُذْكَرْ هنا وإنما ذُكِرَ فِي سورة فُصِّلَتْ.

стр. 355

الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ: بَيَان قُدرة الله ﵎، حيث جعل بين البحرينِ حاجزًا، والبحرانِ هما العذبُ والمالِحُ. وهَذَا الحاجزُ هل هُوَ مشهود أو مذكور؟ فِيهِ احتمال، بل إننا نَقُول: عامٌّ، يشمل المشهودَ والمذكورَ، وإن لم يُشهدْ، فإنَّ الأنهارَ هَذِهِ جعل الله بينها وبين البحار حواجزَ طبيعيةً؛ كالْأَرْض، وحواجز غير معلومة لَكِنَّها مذكورة، فإن فِي جوف البحارِ المالحة أنهارًا عذبة وعيونًا عذبة. الْفَائِدَة الخَامِسَةُ: بَيَان قُدرة الله ومِنَّتِه أيضًا بجعلِ الحاجزِ بين هذين البحرينِ؛ لِأَنَّهُ لوِ اختلطَ ماء بعضهما ببعض لأفسدَ أحدُهما الآخرَ وضاعتْ منافعهما. الْفَائِدَة السَّادِسَةُ: أن أكثر الخلقِ لا يعلمون ما فِي هَذِهِ الآيَاتِ مِنَ العِبَر، ثُمَّ إنَّ نفيَ العلمِ كما تقدَّم قد يَكُون نفيًا لأصلِهِ وقد يَكُونُ نفيًا لثمرتِهِ وفائدتِهِ، والأَمْرُ كلُّه واقعٌ، فمِنَ النَّاس مَن لَيْسَ عنده علمٌ أصلًا ولا يفكر فِي هَذِهِ الآيَاتِ، ويرى أَنَّهَا ظواهرُ طبيعيةٌ، وَلَيْسَ للهِ تَعَالَى فيها أيّ شأنٍ، ومنهم مَن يعلم ولكِن لا يَنتفِع. * * *
следующие страницы →