إِلَى ذلك سبيلًا، فالذي جعلَ هَذِهِ الأنهارَ رحمةً بالعبادِ هُوَ اللهُ .
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ﴾ جبالًا أثبتَ بها الْأَرْض]، ﴿وَجَعَلَ لَهَا﴾ أي: صَيَّر لها رواسيَ، يَقُول المُفَسِّر: [جبالًا أثبت بها الْأَرْض] فواعل جمع فاعل، أي: راسٍ، وَكَأن المُفَسِّر هنا يشير إِلَى أن راسيًا بمعنى مُرْسِي، وفرقٌ بين الراسي والمُرْسِي، الراسي يعني بنفسِه والمُرْسِي لِغَيْرِهِ، هَذِهِ الجبالُ يعبِّر الله عنها في آيَاتٍ عديدة بأَنَّهَا رواسٍ، وقال فِي سورة النازعات: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ [النازعات: ٣٢].
وهل المُراد أرسى الْأَرْضَ بها أو أَرْسَى الجبالَ أي أثبَتَهَا؟
كِلا المعنيينِ، فإذن هِيَ رواسٍ بِنَفْسِها، وهي أيضًا مُرْسِيَة، ولهَذَا سمّاها الله أوتادًا: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ [النبأ: ٧]، بمنزلة أوتاد الخيمة تُمْسِكها وتَضْبِطها، وهَذِهِ الجبال راسية بنفسها، ولذلك عَلَى كثرة العواصفِ والقواصِفِ تجدها ثابتةً لا تتغيّر، فهي راسيةٌ وكذلك أيضًا مُرْسِية لِلْأَرْض، كما قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥]، فهي راسية مُرْسِيَة.
والَّذِي جعل هَذِهِ الرواسيَ هو الله ، فلوِ اجتمعتِ الخلائقُ كلها عَلَى أن تُثْبِت جبلًا من مثل هَذِهِ الجبالِ الكبيرةِ ما استطاعوا إِلَى ذلك سبيلًا، فدلَّ هَذَا عَلَى أنَهُ لا إلهَ مَعَ اللهِ؛ كما يأتي تقريره فِي آخر الآيَةِ.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾ بينَ العَذْبِ والمِلْحِ، لا يَخْتَلِط أحدهما بالآخَرِ]، ﴿حَاجِزًا﴾ أي: مانعًا، والمُراد بالبحرينِ العذبُ والمِلح.
ثُمَّ كيف يَكُون هَذَا الحاجز؟
بعضهم قَالَ: إنَّ الحاجزَ هُوَ اليابسُ مِنَ الْأَرْضِ الَّذِي يَحُولُ بينَ البحرِ وبين
стр. 352
النهرِ؛ لِأَنَّ النهر له مَجْرى خَاصّ والبحر له مجرى خاصّ، ولو شاءَ الله تَعَالَى لَمَزَجَهُمَا، ولكِن جعل لهَذَا مجاريَهُ وجعل لهَذَا مجارَيهُ.
وبعضهم يَقُول: إنَّهُ حاجزٌ غير مرئيٍّ، وَلَيْسَ هُوَ اليابسَ، وَإنَّهُ يوجد فِي نفس البحارِ أنهارٌ عَذْبَةٌ حُلْوَةٌ، ومع ذلك لا تَخْتَلِط فتفسد بالمِلح ويفسد المِلح بها؛ لِأَنَّهُ لوِ اختلطَ الحلوُ بالمالحِ لفسدَ الهواء وأنتنَ وأوجد احمِرارًا كما نشاهِد الْآنَ فِي المستنقَعَات الَّتِي تأتي من السيولِ إذا مرَّ عليها وقتٌ يتغير بها الجو والهواء ويتولد مِنْهَا أَشْيَاء كثيرة مؤذِيَة ضارَّة، بينما البحار العظيمة لا يؤثِّر فيها هَذَا، بما أودعَ الله تَعَالَى من هَذَا المِلح الَّذِي يقتُل الجراثيمَ ويمنع فسادَ الهواءِ، فلوِ اختلطتْ هَذِهِ بهَذِهِ أفسدَ كُلٌّ منهما الآخَرَ، لَكِنَّهُ جعل بينهما حاجزًا.
فالمهمّ هل هَذَا الحاجزُ أمرٌ محسوسٌ وَهُوَ اليابسُ منَ الْأَرْض الَّذِي يَكُون بين هَذَا وهَذَا، أو هُوَ حاجزٌ غيرُ محسوسٍ، كما يشاهَد فِي الأنهارِ الَّتِي فِي وسط البحارِ؟
لنا أن نَقُولَ بالأَمْرينِ؛ حاجز محسوس وحاجز غير محسوس، وقد أخبرني الشبابُ أَنَّهُم دائمًا إذا جَزَرَ البحر بَعْد امتدادِه يَجِدُون فِي الْأَرْض الَّتِي يدخل مِنْهَا الماء عُيُونًا حُلوة جدًّا، وأخبروني أيضًا أَنَّهُم يَسْتَسْقُون من هَذِهِ العيونِ فِي وسطِ البحرِ، فيُنْزِلون أفواهَ القِرَب ويجعلونها عَلَى العينِ حَتَّى تَمْلَأَهَا، وهَذَا لَا شَكَّ أَنَّهُ من تمامِ قدرةِ اللهِ ، حَيْثُ جعل بين هذينِ البحرينِ - وكلٌّ منهما ماء - حاجزًا ومنعَ اختلاطَ أحدهما بالآخَر.
وبعض النَّاس يَقُولُونَ: إن الحاجز هُوَ ما يوجد فِي مَصَبِّ النهرِ، وهَذَا عندي فِيهِ نظرٌ؛ لِأَنَّ مَصَبّ النهر إذا اندفعَ يفرِّق الماء المالِحَ فتجده مثلًا قد صَبَّه إِلَى مسافةٍ حَسَب اندفاع النهرِ، لكِن هَذَا لَيْسَ بصحيحٍ؛ لِأَنَّ هَذَا أمر محسوس، أَمَّا الشَّيْء
стр. 353
الَّذِي من آيَاتِ اللهِ وَهُوَ غير محسوس فَهُوَ هَذِهِ الأنهار الَّتِي توجد فِي البحار.
قوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ الجواب: لا، لا إلهَ مَعَ اللهِ، والاسْتِفْهام هنا للإنكارِ والتوبيخِ.
قوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يعني الأَمْر واضح وبَيِّن لكِن أكثر هَؤُلَاءِ لا يعلمون، وقول المُفَسِّر رَحَمَهُ أللَّهُ: [توحيده]، هُوَ قصورٌ، والصَّواب أَنَّهُ نقص فِي العلمِ مطلقًا، بما تدلُّ عليه هَذِهِ الآيَات العظيمة من الرَّحْمَة والحِكْمَة والقُدرة والسُّلطان، فتخصيص ذلك بالتَّوحيدِ فِيهِ نظرٌ.
وقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يُفهَم منه أن بعضهم يَعْلَم ولكِنه معاند وكابر، ومَن عَلِمَ وجَحَدَ فَهُوَ أشدُّ لومًا وتوبيخًا.
ثُمَّ اعلمْ أن نفيَ العلمِ قد يُراد به نفيُ حقيقةِ العلمِ، بحيث لا يَكُون الْإِنْسَان عالمًا، وقد يُرادُ به نفيُ الانتفاعِ به؛ فإن مَن لا يَنْتَفِع بعِلْمِهِ فَهُوَ كالجاهِلِ، بل هُوَ شرٌّ منه، وِفي الْقُرْآن أمثلة كثيرة حيثُ يُراد بنفيِ الشَّيْء نفيُ فائدته، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢١]، وقال تَعَالَى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٨]، مَعَ أنَّ نُورَهم قويّ وآذانهم قويَّة السمع، ولكِنهم من أجلِ عدمِ الانتفاعِ بهَذِهِ الأَشْيَاءِ صاروا كالفاقدينَ لها، فهنا نفيُ العلمِ إنْ كَانَ المُرادُ به نفيَ وجودِ العلمِ فالأَمْرُ ظاهرٌ؛ لِأَنَّ بعض النَّاس جاهلٌ لا يفكِّر بهَذِهِ الآيَات ولا يَستدِلّ بها عَلَى حالته أو عَلَى مَن هُوَ آيَة له، وإن كَانَ المُراد بذلك نفي فائدة العلمِ فَهُوَ أيضًا واقع، ودائمًا يُنفَى الشَّيْء بانتفاء فائدته وثمراته.
стр. 354
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: بَيَان نعمة الله تَعَالَى بجعل الْأَرْض قَرارًا لأهلها، واستدلَّ بها بعضهم عَلَى أن الْأَرْض تدورُ؛ لِأَنَّ كونها قرارًا مَعَ عدمِ الدَّورانِ لا يَتَبَيَّنُ فِيهِ تمامُ القُدرةِ والنعمةِ، وإنما يَتَبَيَّن ذلك فيما إذا كانت دائرةً، وهَذهِ الفائدةُ يُناقَش فيها وغيرُ مُسَلَّمَة؛ لأنَّنا نَقُول: لا يَلْزَم من المَيَدَان الدَّوران، وحقيقة أَنَّهَا لولا أن الله جعلها قرارًا لكانت تَمِيد بأهلها، وَأَمَّا أَنَّهُ يَلْزَم أن تكون تدور فهَذَا لَيْسَ بلازم.
الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ: ما أنعمَ الله به عَلَى العبادِ مِن هَذِهِ الأنهارِ المُتَخَلِّلة للأرض ظاهرًا وباطنًا؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا﴾.
الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ: ما أنعمَ الله به فِي هَذِهِ الرواسي الَّتِي هِيَ الجبالُ الَّتِي هِيَ راسيةٌ بنفسها مُرْسِيَة للأرضِ أيضًا ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا﴾ [الرعد: ٣]، وَفِي سورة فُصِّلَتْ قَالَ: ﴿رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا﴾ [فصلت: ١٠].
قَالَ أهل العلم البَيولوجِيُّون: إن كون هَذِهِ الرواسي - أي كون الجبال المُرْسِيَة للأرضِ - من فوقها دون أن تكونَ من أسفل - أي: فِي باطن الْأَرْض - فِيهِ فوائدُ كثيرةٌ وعظيمة؛ فوائد للطقسِ وفوائد للنباتِ وفوائد للمعادِنِ، إِلَى غيرِ ذلكَ ممَّا هُوَ معلومٌ عند أهلِ العلمِ بذلك، يَقُولُونَ: وأنت إذا نظرتَ إِلَى سلاسلِ الجبالِ الَّتِي عَلَى البحارِ عَرَفْتَ بها قَدْرَ هَذِهِ النعمةِ العظيمةِ، لا سيما ما يأتي من الجهاتِ الباردةِ، حَيْثُ هَذِهِ الرواسي تَصُدُّ تلك الرياحَ الباردةَ الَّتِي تضرُّ.
فالمهمُّ أن فيها فوائدَ عظيمةً؛ لِكونها من فوق الْأَرْض، ولكِن هَذَا لم يُذْكَرْ هنا وإنما ذُكِرَ فِي سورة فُصِّلَتْ.
стр. 355
الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ: بَيَان قُدرة الله ﵎، حيث جعل بين البحرينِ حاجزًا، والبحرانِ هما العذبُ والمالِحُ. وهَذَا الحاجزُ هل هُوَ مشهود أو مذكور؟
فِيهِ احتمال، بل إننا نَقُول: عامٌّ، يشمل المشهودَ والمذكورَ، وإن لم يُشهدْ، فإنَّ الأنهارَ هَذِهِ جعل الله بينها وبين البحار حواجزَ طبيعيةً؛ كالْأَرْض، وحواجز غير معلومة لَكِنَّها مذكورة، فإن فِي جوف البحارِ المالحة أنهارًا عذبة وعيونًا عذبة.
الْفَائِدَة الخَامِسَةُ: بَيَان قُدرة الله ومِنَّتِه أيضًا بجعلِ الحاجزِ بين هذين البحرينِ؛ لِأَنَّهُ لوِ اختلطَ ماء بعضهما ببعض لأفسدَ أحدُهما الآخرَ وضاعتْ منافعهما.
الْفَائِدَة السَّادِسَةُ: أن أكثر الخلقِ لا يعلمون ما فِي هَذِهِ الآيَاتِ مِنَ العِبَر، ثُمَّ إنَّ نفيَ العلمِ كما تقدَّم قد يَكُون نفيًا لأصلِهِ وقد يَكُونُ نفيًا لثمرتِهِ وفائدتِهِ، والأَمْرُ كلُّه واقعٌ، فمِنَ النَّاس مَن لَيْسَ عنده علمٌ أصلًا ولا يفكر فِي هَذِهِ الآيَاتِ، ويرى أَنَّهَا ظواهرُ طبيعيةٌ، وَلَيْسَ للهِ تَعَالَى فيها أيّ شأنٍ، ومنهم مَن يعلم ولكِن لا يَنتفِع.
* * *
стр. 356
الآية (٦٢)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ﴾ المَكْرُوب الَّذِي مَسَّهُ الضُّرُّ ﴿إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾]، عندنا ﴿أَمَّنْ﴾: (أم) متصلة بـ (من)، وهَذَا عَلَى خلافِ القَاعِدةِ المعروفةِ، فالقاعدة المعروفة: أنَّك تَفصِل (أم) وحدَها و (مَنْ) وحدها، لكِن كما هُوَ معروف أن الرسمَ فِي الْقُرْآنِ عَلَى الرسم العُثمانيّ، اصطلاح قديم، وفيه فائدة: عَلَى قراءة (أَمَنْ خلقَ السَّماوَات)، لو كانت (أمْ مَن) عَلَى الرسم المعهودِ لم تتناسب القراءتانِ:
فَكُلُّ مَا وَافَقَ وَجْهَ نَحْوِ ... وَكَانَ لِلرَّسْمِ احْتِمَالًا يَحْوِي
وَصَحَّ إِسْنَادًا هُوَ الْقُرْآنُ ... فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ الْأَرْكَان (١)
فالقراءاتُ السبعُ كلُّها مُتَّفِقَة بما دلَّ عليه هَذَا البيتُ، فلو كانت (أمْ مَنْ) فلا تتناسب فِي الرسم مَعَ (أَمَنْ)، ولذلك صارت (أَمَّنْ).
قوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾: (مُضْطَر) هل هِيَ اسْم فاعلٍ أو اسْم مَفْعُول؟
стр. 357
اسم مَفْعُول بلَا شَكّ؛ لِأَنَّ معنى مضطر أي ألجأتْه الضَّرورَةُ، وَلَيْسَ المَعْنى أَنَّهُ اضطرَّ غيرَه، فإذا جعلنا (مضطر) اسْم فاعل صارَ بمعنى مضطرّ لغيرِه، والأَمْرُ ليس كذلك، بل المُراد مَن أصابته الضَّرورَةُ، ولهَذَا تجد فِي الْقُرْآن: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]، اضْطُرِرْت مبنيّ للمَفْعُول، ما قَالَ: إِلَّا ما اضْطَرَرتم.
وعلى هَذَا يُقَال أيضًا: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، يَعْنِي: ألجأتْه الضَّرورَةُ، وهنا ﴿الْمُضْطَرَّ﴾ اسْم مَفْعُول، ولا تصحُّ أن تكون اسْم فاعلٍ؛ لِأَنَّ المُراد به من ألجأته الضَّرورَة إِلَى دعاءِ اللهِ .
وهناك أمثلة كثيرة مِنْهَا (مختار) هل معناه اختارَه غيرُه أو اختار غيرَه؟ من حَيْثُ الوضعِ البنائيّ يَصِحّ ويمكن، لكِن السياق يعيِّن، وذلك أن أصل مختار اسْم الفاعلِ منه مُخْتَيِرٌ، واسم المَفْعُول مُخْتَيِرٌ وكلاهما لَا بُدَّ أن نقلبَ الياء ألفًا؛ لِأَنَّهَا متحرِّكة مفتوحٌ ما قبلها، والياء المتحركة المفتوح ما قبلها يَجِب قلبها ألفًا، وأيضًا (محتاج) لا ندري هل هُوَ محتيج أو النَّاس يَحتاجون إليه، وأيضًا مضطرّ لا ندري هل هُوَ نفسه ألجأته الضَّرورَة أو أَنَّهُ هُوَ يضطرُّ النَّاس.
عَلَى كُلّ حالٍ: الَّذِي يعيِّن هَذِهِ المعانيَ هُوَ السياق.
وقوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ﴾ ما قيَّد بالمُسْلِم، والله ﵎ يجيب دعوةَ المضطرّ ولو كَانَ كافرًا؛ لِأَنَّ رحمتَه سبقتْ غَضَبَهُ (١)، وهاهنا داعيان لَا بُدَّ أن يُحَابا: المضطر والمظلومُ؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ
стр. 358
حِجَابٌ" (١) لِأَنَّ هَذَا هُوَ مقتضى عدل الله؛ إجابة المظلومِ فِي دعائِه عَلَى الظالمِ، لَيْسَ من أجل محبَّة المظلوم، ولكِن من أجلِ إقامةِ العدلِ.
فاللهُ حَكَمٌ عَدْلٌ، ولهَذَا المظلومُ والمضطرُّ تُجابُ دعوتهما، والله تَعَالَى يَقُول: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]، فيجيب دعوتهم، مَعَ أَنَّه يعلم أَنَّهُم سيكفرون إذا نزلوا، لكِن الضَّرورَة يجيب الله تَعَالَى بها الدَّعْوَة.
وقوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ الجواب: اللهُ، وهَذِهِ الأصنام لا تجيب دعوة المضطرّ، ولكِن قد يجعل الله ﵎ سببًا مقارِنًا فيَفْتِن بها العابدَ، ربما يدعو الْإِنْسَان رسول الله ﷺ أن يكشفَ ضُرَّه، ويقدِّر الله تَعَالَى سببًا مقارنًا لهَذَا فيشفى المريضُ فيُفْتَتَن الداعي بأن الَّذِي أجابَ دعوتَه وشفَى مريضَه هُوَ الرَّسُول ﷺ ، وهَذَا شَيْء مشاهَدٌ، فمِن المشاهَد أن الله تَعَالَى قد يَفتِن العبدَ، وإلا فنحن نعلمُ أن دعاء الرَّسُول لَيْسَ بنافعٍ، ونعلم عِلْم الْيَقينِ ويجب علينا أن نؤمِنَ بذلك؛ أن دعاء الرَّسُول لَيْسَ بنافعٍ، يَعْنِي: كونك تدعو الرَّسُول لِيَكْشِفَ عنك الضرَّ لا ينفع قطعًا، فإن قُدِّرَ أن أحدًا ابتُلِيَ بمثل هَذَا فنعلم أَنَّهُ بسببٍ آخرَ مقارِنٍ.
والَّذِينَ يُحَدِّثوننا أصحاب الخُرافات بمثل هَذَا، يَقُول القائل: ونحن متجهون إِلَى المَدينَة فِي السنة الماضية أقبلنا عَلَى الرَّسُولِ الحبيب ﷺ ... نوافق عَلَى هَذَا، قَالَ: كاشف الغَمّ ومُبْرئ المرضى، قُلْنَا: لا نُوافِقُك عَلَى هَذَا، قَالَ: لماذا؟
стр. 359
قُلْنَا: هَذَا لا يفعله إِلَّا الله، قَالَ: لا، يوجد واحد أُصيب بِبَطْنِه مَرَضَ بطنٍ -مُبْطُون- وَإنَّهُ ذهب إِلَى جميعِ الأطبّاء فلم يُفَدْ، فقال: ما لي إِلَّا أن أتوجَّه إِلَى الحبيب، فتوجه إِلَى الحبيب، فلما بلغَ مشارفَ المَدينَة دعا: يا رسولَ اللهِ أنقِذني. يَقُول: فما دخلَ المَدينَةَ إِلَّا وقدْ بَرِئَ بطنه تمامًا.
هَذِهِ القصة أنا ما أقول: إنَّهَا كذِب، قد تكون صِدقًا، وقد تكون مما تناقله النَّاس وهي لا أصلَ لها، لكِن أقول: إن هَذَا منَ الفِتَنِ العظيمةِ الَّتِي قد يُبْتَلَى بها المَرْءُ، وقد تَقَدَّمَ الَّذِينَ اطَّيَّروا بصالحٍ، وقُلْنَا: إن اللهَ قد يُقَدِّر أَشْيَاءَ بأَسْبابٍ مقارنةٍ لشيءٍ فتُنْسَب إِلَى هَذَا الشَّيْءِ ظاهرًا وليستْ منه لَكِنَّها ابتلاءٌ، فهَذه منْ الِابتلاء الَّذِي يَبتلي اللهُ به مَن يشاء من عِبادِهِ.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: الَّذِينَ يدعون الرَّسُولَ قد يَستدِلّون بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ [النِّسَاء: ٦٤]، كيف الجواب عن هَذِهِ الآيَة؟
الجواب: الله تَعَالَى يَقُول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ ولم يقلْ: (إذا) ظَلَمُوا، فـ (إذ) هَذِهِ لما مَضَى، وهي تشير إِلَى قضيَّة معيَّنة، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾، ولهَذَا قَالَ: ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾.
والنَّبِيّ ﵊ بَعْد مَوْتِهِ لا يُمْكِن أنْ يَستغفرَ لأحدٍ، والحمد لله الآيَةُ لَيْسَ فيها دليلٌ، وهَذه القصَّة لو فُرِضَ أن السند صحيح إِلَى هَذَا الرجلِ؛ فمَنْ هَذَا الرجلُ وما مدى أمانته وعدالته، فكلها كذِب موضوع، المهمّ أَنَّهُ لا أحدَ يجيب المضطرَّ إذا دعاه إِلَّا الله .
стр. 360
وفي قوله تَعَالَى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ هل نَقُول: هَذَا مقيَّد بما إذا دعاه، يَعْنِي: أنَّ الله جَلَّ وَعَلَا لا يزيل الضَّرورَةَ إِلَّا عند الدعاءِ؟
الجواب: لا، لكِن لِأَنَّ الكَلامَ فِي الإجابةِ، ولا إجابة إِلَّا بعدَ دعاءٍ، ولهَذَا إزالةً للتوهُّم قَالَ: ﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ وهَذَا عامٌّ، أي: كشف السوء عامٌّ فيمَن دعا الله أنْ يكشِفَه ومَن لم يَدْعُهْ، فالله تَعَالَى يجيبُ المضطرَّ إذا دعاه، وَهُوَ يَكشِف السوءَ، ولهَذَا قَالَ المُفَسِّر ﵀: [عنه وعن غيرِهِ]، عنه: أي عنِ المضطرّ الَّذِي دعا، وعن غيرِه. ومعنى يَكشِف السُّوءَ: يُزِيله، مِن كَشَفَ الغطاءَ إذا أزال الحاجبَ.
وقوله: ﴿السُّوءَ﴾ يَشمل السوءَ الحِسِّيَّ والمعنويَّ، السوء الحسي ظاهر كالمرض والفقرِ وما أشبههما، والسوء المعنويّ كالجهلِ والخبثِ ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وهَذَا السوءُ أعظمُ منَ النوعِ الأوَّلِ أيضًا، وَهُوَ شاملٌ للأمرِ، والدَّلِيل عَلَى أن السوء المعنوي داخل فِيهِ قولُ الله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾، فالتكذيبُ مِن السوءِ، بل هُوَ أسوأُ السوءِ والعياذُ بالله، وكشفُ السوءِ شاملٌ لهَذَا وهَذَا، وإن كَانَ بعضُ النَّاس قد يتبادرُ إِلَى ذِهنه أن المُرادَ به السوء الحسيّ، ولكِن الأَمْر أعمّ من ذلك.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ الإضافة بمعنى (فِي)، أي يَخْلُفُ كُلّ قرنٍ القرنَ الَّذِي قَبْلَه]، أي: خلفاء فِي الْأَرْض. وتقدير المُفَسِّر ﵀ الإضافةَ بمعنى (في) صحيحٌ، يَدُلّ عليه قولُه تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الأنعام: ١٦٥]، فقوله: ﴿خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ يَعْنِي: يخلف بعضكم بعضًا، أو أن المَعْنى: ميراث الْأَرْض بفتحها بالإِسْلام؛ لِأَنَّهُ لا أحدَ يفعلُ ذلك إِلَّا الله، لكِن لمّا كَانَ هَذَا الخطاب عامًّا لجميعِ النَّاسِ لا يَستقيم
стр. 361
الوجهُ الثاني، أي: الَّذِينَ يَخْلُفُونها من بَعْد أهلها بفتحها بالإِسْلامِ، وهَذَا وإنْ كَانَ يدخل فِي ذلك كما قَالَ موسى لقومِه، ولكِن فِي هَذَا المقام لا يستقيمُ؛ لِأَنَّ الخطاب لعمومِ النَّاسِ، فخلفاء الْأَرْض يعني يخلُف بعضهم بعضًا، وهَذَا يتضمَّن أمرينِ؛ إحياء وإماتة، إحياء الخالقينَ وإماتة المخلوقينَ، والَّذِي يجعل هَذَا هو الله ، وهَذِهِ الأفعال لا نستطيع أن نفعلها لا بالإحياءِ ولا بالإماتةِ.
وهنا تنبيهٌ؛ وَهُوَ أنَّنا إذا قُلْنَا للحاكمِ: إنَّهُ خليفةُ اللهِ فغير هَذِهِ الآيَة وغير هَذِهِ المسألةِ، فالخليفةُ هنا يعني يَخْلُفُ بعضُهم بعضًا، لكِنْ إذا قُلْنَا: الإمام خَلِيفة الله فِي الْأَرْضِ فمعناه أَنَّهُ يُنَفِّذ أمرَ اللهِ تَعَالَى فِي أرضِهِ، فلكلِّ مَقامٍ مقالٌ، فيَصِحُّ أنْ نَقُولَ للإمامِ: خليفةُ اللهِ فِي الْأَرْضِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ [ص: ٢٦]، يعني: عَنَّا.
وقوله: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ الإضافة بمعنى (في). والإضافة تأتي بمعنى (في) وتأتي بمعنى (اللام) وبمعنى (مِن) وأكثر ما تكون الإضافة بمعنى اللامِ، وتأتي الإضافةُ بمعنى (مِن) إذا كَانَ الأوَّل نوعًا منَ الثاني، مثل: (خاتَمُ حَديدٍ)، الحديدُ جِنسٌ وخاتَم نَوْعٌ، (ثوبُ خَزٍّ) يعني ثوبًا مِن خَزٍّ، وتأتي بمعنى (في) إذا كَانَ الثاني طرفًا للأوَّل؛ كما قَالَ الله تَعَالَى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣]، بل مكرٌ في الليلِ ومكرٌ فِي النَّهارِ، وهنا ﴿خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ فالْأَرْض ظرف مكان أي: خلفاء فِي الْأَرْض، ومكر الليل ظرف زمان، وكل التَّقْديرات الَّتِي لا يَصِحُّ فيها تقدير (من) ولا (في) فهي بمعنى اللامِ، مثل: ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٠٧].
قوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾؟ الجواب: لا.
قوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾: ﴿قَلِيلًا﴾ مَفْعُول مُطْلَق لـ (تَذَكَّرون)
стр. 362
المحذوفة، أي: تذكرون تذكرًا قليلًا. و (ما) مصدريّة، وإذا كانت مصدريَّة فما بعدها يُؤَوَّل بمصدرٍ، وَيكُون التَّقْدير: قليلًا تَذَكُّرُكُم، ولا يَصِحُّ أن تكونَ (ما) نافيةً؛ لِأَنَّهُ من المعروفِ أنَّ (ما) النافية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، وربما يفسد المَعْنى؛ لِأَنَّهُ لو كَانَ المَعْنى: ما تذكرون قليلًا يَكُون تذكرهم كثيرًا، فلا يَصْلُحُ، وإن كَانَ قد يقال: إذا نُفِيَ تَذَكُّرُهُمُ القليلُ فالكثيرُ من باب أَولى، لكِن الأَصْل فِي الإعرابِ أن نجعلَ (تذكرون) فاعلًا لـ (قليلًا).
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿تَذَكَّرُونَ﴾ تَتَّعِظون، بالفوقانية والتحتانية]، الفوقانية: ﴿تَذَكَّرُونَ﴾، والتحتانية: "يَذَّكَّرُونَ" [وفيه إدغام التاء فِي الذال]، فيَكُون فِي الآيَةِ ثلاث قِراءاتٍ: "تَذَكَّرُونَ * تَذَّكَّرُونَ * يَذَّكَّرُونَ" (١)، والمُفَسِّر ما ذكر (تَذَكَّرُونَ) بالتخفيف.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [و (ما) زائدة لتقليل القليل]، يعني كأن المُفَسِّر يَقُول: (ما) زائدة، وَيكُون التَّقْدير: وقليلًا تذكرون، وهَذَا وجهٌ أيضًا فِي الإعرابِ، فالْوُجُوهُ ثلاثةٌ: الأَصْل أن تجعل (ما) نافيةً، وما ذكره المُفَسِّر وما ذكرناه متقاربانِ، أنْ تجعلَ: قليلًا تَذَكُّرُكُمْ أو قليلًا تذكرونَ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أن الله ﵎ يجيبُ دَعْوَةَ المضطرّ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾، وهَذَا دليلٌ عَلَى أن رحمة اللهِ سبقتْ غَضَبَهُ، وَأَنَّهُ من كمالِ رحمتِهِ إذا عَلِمَ بهَذَا المضطرّ أزالَ ضَرُورَتَهُ عَلَى أيِّ حالٍ.
стр. 363
الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ لا فرقَ بين أن يَكُون المضطرُّ مؤمنًا أو كافرًا، يُؤْخَذ من العمومِ وعدمِ التقييدِ؛ لِأَنَّهُ ما قُيِّدَ بأنه مسلم، بل أُطْلِقَ وعُمِّمَ.
الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ ينبغي إقامة الحُجَّة عَلَى الخَصْمِ بما يَعْتَرِف به؛ لِأَنَّ إجابةَ المضطرّ يُقِرّ بها هَؤُلَاءِ المكذِّبون؛ هم إذا رَكِبُوا فِي الفُلْكِ وأصابتهم الضرَّاءُ والأمواجُ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ له الدينَ، فأجاب دعاءَهم، مَعَ أَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُم سَيُشْرِكُون إذا خَرَجُوا، وأنَّ إيمانهم هَذَا إيمانُ ضرورةٍ فقطْ، فهم عندَ الضَّرورَةِ ما يَدْعُونَ إِلَّا الله، فإذا كنتم تَعرِفون أنكم لا تدعون إِلَّا اللهَ عند الضَّرورَةِ فكيف تعبدون غيرَه عند السَّعَة.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: إجابة الله دعاءهم فِي هَذِهِ الضَّرورَةِ قد تجعل بعض النَّاس يُسْلِمون؟
فالجواب: قد يُسْلِمون وقد يكْفُرون، فالنعمة فِي الحقيقةِ امتحان، إمَّا بالخير أو بالشرّ، ولهَذَا بعض النَّاس إذا مَسَّهُمُ الضرُّ دَعَوُا الله، فإذا أُجيبوا بالرَّحْمَةِ إذا فريقٌ منهم بربهم يشركون.
الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ: شمول رحمة اللهِ بكشفِ السوءِ، سواء دعا لذلك أمْ لم يَدْعُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ وكم من سوءٍ كَشَفَهُ الله ﵎ عن خلقِه بدعاءٍ وبغيرِ دعاءٍ، وبضرورةٍ وبغيرِ ضرورةٍ، ولا يكشفه إِلَّا الله.
وقد أوردنا فيما سبق أَنَّهُ قَدْ يَقُولُ قَائِلٌ: هَذَا الطبيبُ يعالِجُ المريضَ فَيَبْرَأ فيَكُون كاشفًا للسوءِ؟
وأجبنا عن هَذَا: بأن هَذَا فعلٌ للسببِ، وَلَيْسَ كشفًا للسوءِ، بدليل أَنَّهُ قد
стр. 364
يُعالِجُه بما بَرَأ به غيرُه فِي نفسِ المرضِ ولا يَبْرَأ، فالكاشفُ للسُّوء هُوَ الله، وما للعبادِ إِلَّا فِعْل الأَسْبَاب فقطْ.
الْفَائِدَة الخَامِسَةُ: بَيَان قُدْرَةِ الله ونعمته أيضًا بجعلِ هَذِهِ الخَليقةِ خَليفة يَخْلُفُ بعضها بعضًا، وإلا لانقطعتِ الخليقةُ وانقطعَ النسلُ، أو بَقِيَتِ الخليقةُ أزمنةً متطاوِلَةً وتعاقبتْ عليها الأحداثُ وتوالتْ عليها الأُمُور، وحينئذٍ يَكُون فيها سَأَمٌ ومَلَل، فلولا هَذِهِ الخلافةُ وأن بعضهم يَخْلُف بعضًا لَلَزِمَ أحدُ أمرينِ: إمَّا انقطاع الخليقة؛ لِأَنَّهَا لا تَسْتَمِرّ بدون أن يَخْلُفَ بعضُها بعضًا، وَإمَّا أن تبقى الخليقة دائمًا وحينئذٍ يَكُونُ التعَبُ والسَّأَمُ والمَلَل، وقد جاء فِي ذلك قول الشاعر (١):
سَئِمْتُ تَكَالِيفَ الحَيَاةِ وَمَنْ يَعِشْ ... ثَمَانِينَ حَوْلًا لَا أَبَا لَكَ يَسْأَمِ
وقال الشاعر الآخر (٢):
إِنَّ الثَّمَانِينَ وَبُلِّغْتُهَا ... قَدْ أَحْوَجَتْ سَمْعِي إِلَى تَرْجُمَانِ
ففي الحقيقةِ أن أطولَ الزمنِ فِي الْإِنْسَان يُضْعِفُه ويُلْحِقه السَّأَم والمَلَل، ثُمَّ هُوَ لا يزال يتذكر الأحداث الَّتِي تَتَعَاقَبُ وحينئذٍ يَضْجَر ولا يَكُون عنده قرارٌ نفسيّ ولا فكريّ، لذلك كَانَ من قدرة الله ومن رحمته أيضًا أن جَعَلَنا خلفاءَ يَخْلُف بعضنا بعضًا، والجنُّ أيضًا يَخْلُفُ بعضُهم بعضًا؛ لِأَنَّ الجنَّ والإنسَ يموتون، فالآيَة عامَّة فِي هَؤُلَاءِ وهَؤُلَاءِ.
الْفَائِدَة السَّادِسَةُ: أنَّ كثيرًا منَ النَّاسِ لا يتذكَّر مَعَ وجود ما به التذكُّر؛ لِقَوْلِهِ:
стр. 365
﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ والتذكر بمعنى الاتِّعاظ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَان يَذْكُر فينتفع بِذِكرِه فيقال: اذْكُر.
الْفَائِدَة السَّابِعَةُ: أن الدعاء من أَسْبابِ رفعِ البلاءِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إِذَا دَعَاهُ﴾، وهَذَا أمرٌ مجرَّب ومشاهَد، ولا سيما الأدعية الَّتِي جاءتْ بها السنَّة؛ فإنها خيرٌ وبركة ولها ثَمَرَةٌ ظاهرةٌ.
الْفَائِدَة الأُولَى: قُدْرَةُ الله ؛ لِأَنَّ قوله: ﴿يُجِيبُ﴾ يَشْمَل كُلَّ ما تَتَطَلَّبَهُ الضَّرورَةُ مِن قليلٍ أو كثيرٍ، فيَكُون فِي ذلك دليلٌ عَلَى قُدْرَةِ اللهِ .
الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ: بَيَان أنَّ رَحْمَةَ اللهِ تَعَالَى سَبَقَتْ غَضَبَهُ؛ لِأَنَّ قولَه: ﴿الْمُضْطَرَّ﴾ يشمل الكافرَ والمؤمنَ.
الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ: أن المضطرَّ مجُابُ الدَّعْوَةِ مُطلَقًا؛ لِقَوْلِهِ: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ﴾ ولم يقيِّده بالمؤمنِ.
الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ: أن إجابة المضطرّ المتحتِّمة مشروطة بما إذا دعاه؛ لِقَوْلِهِ: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾، وَأَمَّا إذا لم يَدْعُهُ فقد يزيلُ ضَرورته وقد لا يُزيلها؛ لِأَنَّ المضطرَّ قد لا يَدْعُو الله تَعَالَى استغناءً بما عندَه من الأُمُور المادِّيَّة عن دعاءِ اللهِ تَعَالَى، فيَسْتَنْكف عن دعائه، وحينئذٍ لا تُكْشَف ضَرُورَتُه. فالمهمُّ أنَّ إجابةَ المضطرِّ هنا اشترطَ اللهُ تَعَالَى لها أنْ يَكُونَ المضطرُّ دَاعيًا، فقال: ﴿إِذَا دَعَاهُ﴾.
الْفَائِدَة الخَامِسَةُ: مِنَّةُ الله ﵎ عَلَى عبادِهِ بِكَشْفِ السوءِ، أي: إزالته عن المُضْطَرِّ وغير المضطرِّ عن الجميعِ، ولهَذَا ما قَالَ: عن المضطرِّ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ فحذف المتعلّق، والقاعدةُ عند أهل العلمِ: أنّ حذفَ المتعلّق يفيد العمومَ،
стр. 366
فمعنى ﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ عن كُلّ أحد.
الْفَائِدَة السَّادِسَةُ: أَنَّهُ يَجِب عَلَى المرءِ أنْ لا يلتفتَ فِي كَشْفِ السوءِ إِلَّا إِلَى اللهِ؛ لِأَنَّهُ لا يَكْشِفُ السوءَ إِلَّا اللهُ ، فعلى هَذَا يَجِبُ عليكَ أنْ لا تُعَلِّقَ هَذَا الأَمْرَ إِلَّا بربِّك الَّذِي هُوَ قادرٌ عَلَى كشفِه، وتعلُّقُك بغيره خِذلانٌ لك، فـ "مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ" (١).
ولكِن هَذَا الكَلام لا ينافي فعلَ الأَسْبَابِ؛ لِأَنَّ فاعلَ الأَسْبَاب إن كَانَ يَعتقد أنَّ السَّبَب وحدَهُ هُوَ الفاعل بذاتِه فَإِنَّهُ ينافي ما ذَكَرْنَا، وإن كَانَ يعتقد أن السَّبَب هُوَ الفاعل ولكِن بتقديرِ اللهِ فهَذَا من التعلُّقِ باللهِ ؛ لِأَنَّهُ لا ينافي إذا توكَّلتَ عليه واعتمدتَ عليه أن تفعلَ منَ الأَسْبَاب ما جعله الله سببًا، فالْإِنْسَان يرجو منَ الله تَعَالَى دخولَ الجَنَّة والنجاةَ منَ النَّار، ومع هَذَا يفعلُ أَسْبابَه؛ يرجو من الله تَعَالَى الأولادَ ومع ذلك يَسعى بالأَسْبَاب.
فالمهمّ أنّ فعل السَّبَب إذا لم يَعْتَقِدِ الفاعلُ - فاعل السَّبَب - أن السَّبَب فاعلٌ بذاتِه فَإِنَّهُ لا ينافي التوكُّلَ ولا التعلُّقَ باللهِ ، ولا ينافي كمال التوكُّل أيضًا، ولهَذَا كَانَ الرَّسُول ﵊ وهُوَ سيِّد المتوكِّلين - يَفْعَلُ من الأَسْبَاب ما يُدْفَع به السُّوءُ.
الْفَائِدَة السَّابِعَةُ: بَيَان مِنَّة الله تَعَالَى بجعلِ النَّاسِ عَلَى هَذِهِ الْأَرْضِ خلفاءَ، يَخْلُفُ بعضُهم بعضًا. وقد ذكرنا فيما سبقَ الحِكْمَةَ من ذلك؛ وهي: أَنَّهُ إن لم يَخْلُفْ
стр. 367
بعضهم بعضًا لَزِمَ أحدُ أمرينِ: إمَّا استمرار الخَلِيقة الأُولى، وحينئذٍ يَلْحَقُها المللُ والسآمةُ وعدم التجديد، وَإمَّا انقطاع الخَلِيقَة؛ لِأَنَّهُ لا يوجد أحدٌ يَخْلُفُها، فاللهُ تَعَالَى مِن مِنَّتِه أنْ جعلَ النَّاسَ خُلَفَاء.
الآن تجدون الرجلَ إذا طالتْ به الحياةُ لا يُمِلُّه أهلُ سُوقِهِ فقطْ، بل يُمِلُّه أقربُ النَّاسِ إليه، تجدهم يَقُولُونَ: الله يُريحنا بالعافيةِ، ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، يدعون الله تَعَالَى بالراحةِ؛ لِأَنَّهُ يُقْلِقُهُمْ ويُؤْذِيهم. فهَذِهِ من نعمةِ اللهِ .
الْفَائِدَة الثَّامِنَةُ: كمال قدرة الله بجعلِ الخلفاءِ، فَهُوَ من رحمةِ اللهِ، وَهُوَ أيضًا من قُدرته؛ لِأَنَّ فِيهِ إحياء وإماتة، إماتة للأوَّلين وإحياء للآخِرين، وهَذَا من آيَات الله وقدرته. ولهَذَا احتجَّ إبراهيم عَلَى النمرود بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، فدلَّ هَذَا عَلَى أن الإحياءَ والإماتةَ من آيَاتِ اللهِ الدالَّة عَلَى قُدْرَتِه.
الْفَائِدَة التَّاسِعَةُ: أَنَّهُ مَهْمَا كَثُرَتِ القرائنُ والبراهينُ فإنَّ مِنَ النَّاسِ مَن لا يَتَّعِظ بها؛ لِقَوْلِهِ: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾، وإنَّ منَ المتَّعِظِين أيضًا مَن قد يَكُون اتِّعاظه قليلًا؛ لِأَنَّ قوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ يَتَضَمَّن التذكُّر من واحد والتذكُّر من جماعة، فـ ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ يعني أن الواحدَ مِنَّا قد يتذكَّر لكِن قليلا إِلَّا مَن عَصَمَ اللهُ ، وكذلك أيضًا الفئاتُ منَ النَّاسِ لا يتذكَّر منهم إِلَّا القليل.
стр. 368
الآية (٦٣)
* * *
قَالَ اللهُ : ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٦٣].
* * *
يَقُول المُفَسِّر ﵀: [﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ﴾ يُرْشِدُكُم إِلَى مَقَاصِدِكُم]، فالهداية هنا هداية دلالةٍ وتوفيقٍ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَان قد يَكُون عارفًا وفاهمًا ولا يَهتدِي ولا يُوَفَّق، وَهُوَ كما يقولُ العوامُّ: (جِنّيّ)، وإذا كَانَ جِنِّيًّا صار لا يهتدي أبدًا، وَفِي الأسفارِ القديمةِ قبل أن تظهرَ الخطوطُ السودُ كَانَ النَّاس يَتِيهون، فإذا ساروا دارتْ رؤوسهم ولا يَستطيعون الوصولَ إِلَى مَقْصِدِهِمْ.
فبنو إسرائيل تاهوا فِي أَرْضِهِم أربعينَ سنةً، مَعَ أنَّ المسافةَ نِصف شهرٍ فأقلّ، وهم بَقُوا أربعينَ سنةً تائهينَ ما اهتدوا إِلَى السبيل.
فإِذَنْ: قَوْلُه: ﴿يَهْدِيكُمْ﴾ أي: يُرْشِدكم هدايةَ دلالةٍ وتوفيقٍ.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ بالنُّجُوم ليلًا وبعلاماتِ الْأَرْض نهارًا]، ولو قَالَ المُفَسِّر: وبالشَّمْسِ نهارًا لكانَ أيضًا أَولى؛ لِأَنَّ علامات الْأَرْض إذا كَانَ البحرُ واسعًا وطويلًا تختفي ولا تظهر ولا تُرى إِلَّا ماء.
فإِذَنْ: أستدِلُّ فِي النَّهار بالشَّمْس، وبعضهم أيضًا يَستدِلّ بالرياحِ، حَتَّى الفقهاء ذكروا أَنَّهُم استدلوا للقبلةِ بالرياحِ؛ لِأَنَّهُم قَالُوا: إن كُلّ ريح بإذن اللهِ لها خاصِّيَّة
стр. 369
معيَّنة، لكِن لا نعرفها نحن، يَعرفها الخُبَرَاءُ.
ثم نحن نعرفها بالبرودة والحرارة، فالشمال باردة، والجنوب حارّة، هَذِهِ مَعْرِفة لَكِنَّها معرفة سطحيَّة، إِنَّمَا هم يَعْرِفونها بدِقَّة؛ بحَيْثُ إِنَّهُ إذا هَبَّتِ الريحُ قَالُوا: هَذِهِ شماليَّة أو جنوبيَّة أو شرقيَّة أو دَبُور، لكِن نَقُول: العلامات الظَّاهرة هِيَ الشَّمْسُ بكلِّ حالٍ، والقمرُ والنجومُ فِي الليلِ.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ قُدَّام المَطَر]، هَذَا تفسير لِقَوْلِهِ: ﴿بَيْنَ يَدَيْ﴾ والمطرُ تفسيرٌ للرحمةِ؛ لِأَنَّهُ من آثارِ رحمةِ اللهِ، فسُمِّيَ رَحمةً؛ لِأَنَّهُ من آثارها، وبه تَحْصُلُ الرَّحْمَةُ، فلا أحدَ يستطيعُ أن يرسلَ الرياحَ -سواء كانت رِيحًا عقيمةً أم رِيحَ بُشْرَى بين يدي رحمتِه- إِلَّا اللهُ .
وقوله: ﴿وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾ بالجمعِ، والأكثرُ أنَّ الجمعَ يَكُون فِي رياحِ الرَّحْمَةِ، والإفرادَ فِي ريحِ العذابِ، إِلَّا إذا وُصِفَت الريحُ المُفْرَدَةُ بما يَدُلّ عَلَى أَنَّهَا ريحُ خَيرٍ؛ كما فِي قوله تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢].
ثم إن الرياحَ بالنِّسْبَة للفُلْك ليست من مصلحةِ أهله؛ لِأَنَّ الرياح إذا اختلفتْ عَلَى الفُلْك لا يمشي، لا سيما الفلك الأوّل؛ فإن الفُلك الأول يَمْشِي بالهواءِ؛ السُّفُن الشراعيَّة، فإذا اختلفتْ عليه الأهويةُ تَعَوَّق، ولكِن إذا كانت رِيحًا واحدةً صار ذلك أحسنَ، ولهَذَا قَالَ: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ [يونس: ٢٢].
المهمُّ أن الرياحَ إِنَّمَا تقالُ فِي الغالبِ فِي رِياحِ الرَّحْمَةِ، وَفِي الإفراد فِي ريحِ العذابِ، فهَذَا الغالِبُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١]، وقال تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦]، وأمثال ذلك.
стр. 370
وقال العُلَماءُ: ومِنَ الحِكمة فِي هَذَا أنَّ الريحَ إذا كَانَ مَهَبُّها واحدًا صارتْ أصلبَ؛ إذ لا شَيْء يُقابِلُها منَ الرياح حَتَّى يَكْسِرَ حِدَّتَها، فلهَذَا كانتْ تأتي دائمًا فِي مَقامِ العذابِ.
قال تَعَالَى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ ما الجوابُ؟ لا إلهَ معَه. وكلُّ هَذَا تقرير لأُلوهيَّة الله الَّتِي يُنْكِرُها هَؤُلَاءِ المشرِكون.
قوله: ﴿تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: ﴿تَعَالَى﴾ بمعنى: عَلَا بِتَنَزُّهٍ؛ لِأَنَّ ﴿تَعَالَى﴾ مُشَرَّبَةٌ معنى: تَرَفَّعَ عن هَذَا الشَّيْءِ مَعَ عُلُوِّهِ، فَهُوَ عالٍ بِتَنَزُّهٍ عمَّا يشركون مِن هَذِهِ الأصنامِ الَّتِي يجعلونها مَع اللهِ شَريكًا فِي العِبادَةِ، أَمَّا فِي الرُّبُوبِيَّة فإنهم يُقِرُّون بأنَّ هَذِهِ الأصنامَ لَيْسَ لها أبدًا شأنٌ فِي الرُّبُوبِيَّة، ولكِنهم - والعياذ بالله - يعبدونها مَعَ اللهِ، ومنهم مَن يصرِّح بأنه يعبدها لِتُقَرِّبَهُ إِلَى اللهِ؛ كما قَالَ الله عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، فهم مُعْتَرِفون بأنَّ عبادتها ليستْ عبادة مقصودةً لذاتِها؛ بل هِيَ مقصودةٌ لغيرِها لِتُوصِلَهُمْ إِلَى اللهِ .
قَالَ المُفَسِّر: [﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ به غيرَه]، عامٌّ فِي كُلّ شِرك، وعامٌّ فِي كُلّ مُشْرَكٍ به، فالله تَعَالَى متعالٍ عن كُلّ شركٍ وعن كُلّ مشرِك به مهما عَظُم قَدْرُه.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: بَيَان نِعمة اللهِ عَلَى الخَلْقِ بالهدايةِ فِي ظُلُماتِ البَرِّ والبحرِ والجوِّ؛ لِأَنَّهُ عَلَى قاعدة الفقهاءِ الهواء تابع لِلقَرارِ، إن كنت عَلَى البحرِ فَهُوَ منَ البحرِ، وإن كنت عَلَى البرّ فَهُوَ من ظُلُمات البرِّ، ففيه منة الله عَلَى عباده بالهداية فِي ظلمات البرّ والبحر، وهَذه الهداية بعلاماتٍ وبإلهام؛ بكلا الأَمْرينِ، فقد تكون بالعلاماتِ وَهُوَ الأكثرُ، وقد تكون بالإلهامِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ
стр. 371
قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢]. وَكَانَ ﵊ لا يَعْرِفُ شيئًا، فهداه اللهُ ، ولهَذَا بعضُ العُلَماء يستعمل هَذِهِ الآيَةَ إذا ضاعَ فِي البرِّ أو فِي البلد إذا كَانَ يبحثُ عن بيتِ شخصٍ ولم يهتدِ إليه، فيتلو هَذِهِ الآيَة: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢]، وَهُوَ دعاءٌ مناسبٌ.
إِذَنْ: مِنَّة الله عَلَى الهداية فِي ظُلمات البرّ والبحر، سواءً كَانَ ذلك بالأَسْبَاب المشاهَدة، أو كَانَ ذلك بالإلهامِ، فإنَّ الله تَعَالَى يَمُنُّ عَلَى العبادِ بهَذَا وبهَذَا.
الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ يَجِب عَلَى الْإِنْسَان أن يَعتمدَ عَلَى اللهِ فِي الهدايةِ إِلَى الطريقِ الحِسِّيِّ، كما يعتمد عليه فِي الهداية إِلَى الطريقِ المعنويِّ، فكما أنك تقول: (ربِّ اغفِرْ لي وارحمني واهدني) تريد الهداية المعنوَّية، كذلك أيضًا اعتمدْ عَلَى ربِّك فِي الهدايةِ الحِسِّيَّة. ولا تعتمد أيضًا عَلَى الأَسْبَابِ؛ لِأَنَّهُ كم من أُناسٍ أهل معرفةٍ وَجُودٍ بالدلائلِ ومع ذلك لا يَهتدونَ.
وقد حدَّثني رجلٌ أثِق به يَقُول: إنَّهُ ذهب من عنيزة إِلَى بريدة فِي حاجةٍ قبل أن تظهرَ السيَّارات، حَيْثُ إن أحد التجار فِي عنيزة أعطاهُ كتابًا إِلَى أحدِ التجّار فِي بريدة، وقال له: احرِص عَلَى أن توصِلَه سريعًا، يَقُول: فصليتُ المغربَ خارجَ البلدِ بعنيزة، وذهبت من طريقٍ يسمى طريق الخلا مختَصَر، يَقُول: وصلتُ مَعَ أذانِ الأخيرِ، يعني ساعةً ورُبُعًا تقريبًا، وَهُوَ يسيرُ عَلَى رِجليه؛ لِأَنَّ بعض النَّاس جيِّد وَيرْكُض. يَقُول: وصليتُ فِي المَسْجِد؛ مسجد الساقية الَّذِي فِي بريدة، وانتظرتُه حَتَّى خرج وتبِعته، وقلتُ له: هَذَا خطٌّ من فلان. قَالَ: ادخلْ نَشْرَب القهوة، فقلت له: أريد أن أمشيَ. قَالَ: لا. فلزَّم عليَّ فدخلتُ، فجَعَلوا يصنعون القهوة، فقال: متى خرجتَ من عنيزة؟ قلتُ: خرجت مِنْهَا المغربَ. فقال أخوه: واللهِ أخي هَذَا أجودُ
стр. 372
من ناقتنا الفلانيّة. يَقُول الرجل: لم أجعلْ هَذِهِ الكلمة عَلَى بالي إطلاقًا. يَقُول: شرِبتُ القهوةَ وخرجتُ، وبمجرّد أن خرجتُ لم أهتدِ للطريقِ، وبدأت أبحث ولم أدرِ إِلَّا وقد رجعتُ إِلَى الخلا إِلَى آخِرِ الليلِ، ولما تعِبتُ ومَلَلْتُ وجدتُ خِبَاءً وأهله عنده، فقلت لهم: أين الطريق؟ قَالُوا: بجوارِكَ، لَيْسَ بينك وبينه إِلَّا شَيْء يسير. المهم أَنَّهُ بقِيَ إِلَى طلوعِ الشَّمْسِ، ثُمَّ لما كَانَ النَّهارُ عاد بالليلِ، ولما جاء سقط مَريضًا. والكَلام عَلَى أن هَذَا الرجل يهتدي، ومع ذلك ضلَّ الطريق، فلا تقلْ: إني والله عارِفٌ، فهداية اللهِ للطريقِ هَذِهِ من نعمةِ اللهِ عَلَى العبادِ، سواء فِي البرّ أو فِي البحر.
الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ: بَيَان آيَةِ اللهِ فِي هَذِهِ الرياحِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾.
الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ: أن هَذِهِ الرياح مُسَخَّرةٌ مدبَّرة، وليست هِيَ الَّتِي تَهُبُّ بطبيعتها؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾.
الْفَائِدَة الخَامِسَةُ: أن الشَّيْء الواحد قد يَكُون خيرًا وقد يَكُون شرًّا، بِحَسَبِ آثارِه ونتائجه، فالرياحُ هنا يَقُول: ﴿بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ وَعَلَى عادٍ ونحوِهِم عذابٌ ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١]، والكلُّ مِن فِعْلِه ﵎، هنا ﴿يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾ [النمل: ٦٣]، وهناك ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ﴾ [الذاريات: ٤١]، فالكلُّ من فِعْلِه.
وحينئذٍ يَرِدُ علينا إشكالٌ: هل الله تَعَالَى يفعل السُّوءَ؟
السوءُ فِي المَفْعُول، وَأَمَّا بالنِّسْبَة لفعلِ اللهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بسوءٍ؛ لِأَنَّهُ صادرٌ عن حكمةٍ، وقد تقدَّم فِي أوَّل الآيَات أن انتقامَ اللهِ تَعَالَى من المجرمينَ هُوَ نعمةٌ وكمالٌ يُحْمَد عليه، لمّا ذكر عقوبةَ قوم لوطٍ، قال: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النمل: ٥٩].
стр. 373
الْفَائِدَة السَّادِسَةُ: أن المطر من رحمة اللهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾.
الْفَائِدَة السَّابِعَةُ: إطلاق الصِّفة عَلَى آثارها؛ لِقَوْلِهِ: ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾، فالمطر لَيْسَ رحمة الله ولكِنّه آثارٌ من آثارِ الرَّحْمَةِ، والله يُطْلِق الرَّحْمَةَ عَلَى ما كَانَ من آثارها، قَالَ الله تَعَالَى للجنة: "أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ" (١).
الْفَائِدَة الثَّامِنَةُ: أن الرياحَ سببٌ لنزولِ الأمطارِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾، وقال تَعَالَى فِي آيَةٍ أخرى صريحة: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ [الروم: ٤٨]، هَذَا دليل واضح عَلَى أن الرياحَ هِيَ الَّتِي تُثير السحابَ بإذنِ اللهِ تَعَالَى.
الْفَائِدَة التَّاسِعَةُ: بَيَان تَنزُّهِ اللهِ تَعَالَى عن كُلّ ما يُشْرَك به، وَأَنَّهُ أعلى وأعظمُ من كُلِّ ما يُشرَك به؛ لِقَوْلِهِ: ﴿تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
الْفَائِدَة الْعَاشِرَةُ: أَنَّهُ لا أحدَ يستطيع أن يفعلَ هَذِهِ الأفعالَ، وهي الهدايةُ ﴿فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ وإرسال ﴿الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ ولهَذَا قَالَ: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ يفعل ذلك؟ الجواب: لا.
وهل تَشمَل الهداية ﴿فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ الهدايةَ بالأَسْبَاب الَّتِي تَوَصَّلَ النَّاسُ إليها اليومَ؟
نعم تشمل؛ لِأَنَّ الله أطلق الهدايةَ، فبأيّ سببٍ كانت فهي من الله.
стр. 374
الآية (٦٤)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤)﴾ [النمل: ٦٤].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ فِي الأرحامِ مِن نُطفةٍ ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ بَعْد الموتِ، وإنْ لم تَعْتَرِفُوا بالإعادة؛ لقيامِ البراهينِ عليها].
قوله: ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ﴾ مثلما قُلْنَا فيما سبق: إن أصلها: (أم من)، لَكِنَّها أُدغمت اتِّباعًا للرسمِ العُثمانيّ، ومن فوائد قَرْنِها ألَّا تتصادمَ مَعَ القراءةِ الأُخْرَى وهي (أَمَنْ يَبْدَؤُا).
وقوله: ﴿يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ المُفَسِّر ﵀ قَصَّرَ فِي التفسيرِ حَيْثُ قَالَ: [في الأرحامِ مِن نُطفة]، والصَّواب أَنَّهُ أعمُّ من ذلك، فيبدأ الخلقَ فِي الأرحامِ مِن نُطفة هَذَا فردٌ من أفرادِه، وإلّا فقد بدأ خلق الْإِنْسَان من طِين، ثُمَّ جعل نسلَه من سُلالة من ماءٍ مَهِين. أيضًا فإن بعض الأَشْيَاء تَتَوَلَّد ولا تَتَوَالَد ولَيْسَ لها أرحامٌ تكون فيها، وإنما تتولد مما تتولد منة بدون أن يوجدَ لها أرحامٌ، فالصَّواب فِي هَذَا أن يُقَال بالعموم: ﴿يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ أي: يُوجِده ابتداءً فِي الأرحامِ وغيرِ الأرحامِ، لا أحد يستطيع أن يفعلَ ذلك، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣]، فلو يجتمعون كلهم - الَّذِينَ
стр. 375
يدعون من دونِ اللهِ - لِيَخْلُقُوا ذُبابًا ما استطاعوا. وأبلغُ من هَذَا ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ هذا الذبابُ الضعيف إذا سلبهم شيئًا فلا يستطيعون أنْ يَرُدُّوه ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣].
إِذَنِ: الَّذِي ﴿يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ هُوَ الله، وَالَّذِي يعيده هُوَ الله ، وقول المُفَسِّر ﵀: [وإن لم تَعترِفوا بالإعادةِ؛ لقِيام البراهين عليها]، لا حاجة لتقديره؛ لِأَنَّ الله لمّا ذكر بدء الخلقِ فإن إعادة الخلق بالفطرة والعقل أهونُ من ابتدائِهِ، فهُوَ إذا تقرَّر أَنَّه يبدأ الخلق فَإِنَّهُ من المعلومِ أنه يُعيده؛ بل إعادته أهون، فعلى هَذَا يَكُون الله تَعَالَى قد قَرَّرَ أُلوهِيَّته بهَذَا الفِعْل العظيمِ؛ وَهُوَ بَدْءُ الخَلْقِ وإعادته.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾ - أي من جهةِ السَّمَاءِ - بالمطرِ ﴿وَالْأَرْضِ﴾ بالنباتِ]، فالرزقُ الَّذِي يأتي من السماءِ هو المطرُ، والذي يأتي منَ الْأَرْض هُوَ النبات؛ هَذَا ما قَالَهُ المُفَسِّر.
ويجوز أن نَقُولَ: إنَّ قوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي من العُلُوّ، ﴿وَالْأَرْضِ﴾ أي مِنَ النزولِ، وَيكُون هَذَا كقولِهِ تَعَالَى: ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦]، ويَكُون المُراد بالسَّمَاء ما كَانَ من الأشجارِ الرفيعةِ العاليةِ، وبالْأَرْضِ مثل: الزروع والأشجار الممتدَّة عَلَى الْأَرْض الَّتِي لَيْسَ لها ساقٌ. أو نَقُول: إن الآيَة أعمُّ من هَذَا فتشمل المطر؛ لِأَنَّهُ من السَّمَاء، وتشمل ما أَشَرْنَا إليه مِنَ الثَّمَرات منَ الأشجارِ العاليةِ الَّتِي يَتَوَصَّلُ إليها هَؤُلَاءِ، فتكون فِي السَّمَاء وتكون فِي الْأَرْض.
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ الجوابُ: لا يَفعل شيئًا مما ذُكِرَ إِلَّا اللهُ، ولا إله معه.
وهَذِهِ الآيَة جمعَ اللهُ فيها بين بدء الخلق والرزق؛ لِأَنَّ المخلوقات تَحتاجُ إِلَى
стр. 376
إمدادٍ وتحتاج إِلَى إعدادٍ، فالإعداد بابتداءِ الخلقِ؛ لأن الله إذا ابتدأ الخلقَ أعدَّ الْإِنْسَان بكلِّ ما هُوَ لازِمٌ له، والإمداد بالرزقِ مِنَ السَّمَاء والْأَرْض.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿قُلْ﴾ يا مُحَمَّدُ ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ حُجُّتكُم ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾]
﴿هَاتُوا﴾ هَذِهِ هل هِيَ فعلُ أمرٍ أو اسمُ فِعل أمر؟
هي فِعْلُ أمرٍ؛ والنَّحْوِيُّون مخُتلِفون، لكِن الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّهَا فِعلُ أمرٍ؛ لِأَنَّ الَّذِي تَلْحَقُه العلامةُ يَكُون فعلَ أمرٍ، وَالَّذِي يبقى عَلَى حالٍ واحدةٍ يَكُون اسمَ فعلِ أمرٍ. فأنت تخاطب واحدا فتقول: صَهْ، وتخاطب اثنينِ فتقول: صَهْ، وتخاطب جماعة فتقول: صَهْ.
إِذَنْ: هِيَ اسمُ فعلِ أمرٍ، لكِن (هات) تُخاطِب واحدًا فتقول: هاتِ، وتخاطب أُنثى فتقول: هاتي، وتخاطب جماعةً فتقول: هاتوا، وتخاطب نساءً فتقول: هاتِينَ. إذن فهي فِعْلُ أمرٍ.
ومعنى ﴿هَاتُوا﴾ يعني أَحْضِروا، و (البُرهانُ) هُوَ الدَّلِيلُ، وخَصَّه بعضهم بالدَّلِيل القاطعِ، وقَالُوا: إن الدَّلِيل إن كَانَ قطعيًّا فِي دلالته فَهُوَ برهانٌ، وإن كَانَ ظَنِّيًّا فَهُوَ دليل وَلَيْسَ ببرهانٍ، ولكِن الظَّاهر من الآيَاتِ الكَريمَةِ أن البرهانَ فِي الْقُرْآنِ دليلٌ؛ سواء كَانَ قطعيًّا كما قَالَ أهل المنطِق أم غيرَ قطعيٍّ، فعلى هَذَا يَكُون قوله : ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ شاملًا للقطعيّ والظّنِّيِّ؛ لِأَنَّهُم لَيْسَ عندهم لا دليل قطعيّ ولا ظنّيّ.
قوله: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ الأَمْر فِي قوله: ﴿هَاتُوا﴾ المُراد به التحدِّي.
стр. 377
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ حُجَّتَكُم ﴿نْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنَّ مَعِيَ إلهًا فعلَ شيئًا مِمَّا ذُكِرَ].
والجواب: أَنَّهُ لا يمكِن أنْ يأتوا ببرهانٍ، وجواب (إنِ) الشرطيَّة محذوفٌ، دلَّ عليه ما قبله عَلَى رأيِ كثيرٍ من النحْويين، والصَّحيحُ أَنَّهُ فِي مثلِ هَذَا لا يُحتاج إِلَى جواب.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [وسَأَلُوه عن وقتِ قيامِ الساعةِ فنَزَلَ ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ﴾]، ما ادَّعاه المُفَسِّر من أنَّ الآيَةَ لها سببٌ لا صِحَّة له، ولكِنَّ الله انتقلَ من ذِكر الخلق إِلَى ذكر ما يَلْزَمُ للخلقِ وَهُوَ العلمُ، فإن الخلقَ لَا بُدَّ أنْ يَتَقَدَّمَهُ علمٌ؛ إذ لا يتمُّ الخلقُ إِلَّا بعلمٍ وقُدرةٍ، فمَن لا عِلْمَ له لا يَخْلُق، ومن لا قُدْرَة له لا يَخْلُق، فالآيَة فيها انتقال من معنًى إِلَى معنًى، وَلَيْسَ لها سببٌ كما قَالَ المُفَسِّر ﵀.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: بَيَان قُدْرَةِ الله ﵎ فِي بَدْءِ الخلقِ وإعادتِهِ، ولا أحدَ يستطيعُ بَدْءَ الخلق وإعادته أبدًا إِلَّا الله، وَالَّذِي قَالَ لإبراهيمَ ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، جوابهُ أنَّ هَذَا يفعلُ السَّبَب، وَأَمَّا أن يُحْيِيَ فيجعل الحياة فِي ميّت فلا يستطيع، أو يميت فيُخرِج النفس من البدنِ فلا يستطيع، ومع ذلك ما اقتنع؛ فعَدَلَ إبراهيمُ إِلَى أمرٍ لا يمكن أن يجادلَ فيه، ومن المعروفِ أن فِي باب المناظراتِ يُلجأ إِلَى الأظهرِ فالأظهر.
إِذَنْ: قوله تَعَالَى: ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ واضح أنَّهَا مختصّة باللهِ وَأَنَّهُ لا أحد يستطيعه.
стр. 378
الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ: بَيَان أن الرزقَ منَ اللهِ ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾.
فإن قيل: أليس الله تَعَالَى يَقُول: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النِّسَاء: ٨]، ويقول تَعَالَى: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾ [النِّسَاء: ٥].
إِذَنْ نَقُول: كيف أنَّ الرزقَ منَ اللهِ ولا أحد يرزق إِلَّا الله؟ !
قلنا: ربَّما نَقُول: إنَّ الرزقَ العامّ غير الخاصّ، لكِن حَتَّى الخاص لَيْسَ رزقًا مستقِلًّا، إِنَّمَا هُوَ بالسَّبَب، ولهَذَا الجواب الذي لا يَخْرُجُ عنه شيءٌ أنْ نَقُولَ: إن إضافةَ الرِّزق إلى المخلوقِ من بابِ إضافةِ الشَّيْء إلى سببِهِ، ولهذا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ [الحجر: ٢٠]، فيَكُون هنا إضافة الرزقِ إِلَى العبدِ من بابِ إضافةِ السَّبَب إِلَى مُسَبِّبه.
فهَذه المخلوقات نحن لا نرزقها، والَّذِي يرزقها الله ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠)﴾ [العنكبوت: ٦٠]، فهل أنتَ الَّذِي يرزقُ الذرَّ والطيرَ والوحوشَ والسِّباع؟ ! أبدًا، ما يَرْزُقُها إِلَّا خالِقُها.
كذلك أيضا أنتَ لا ترزق نفسَكَ، حَتَّى نفسك لا ترزقها، ولهَذَا تجد أَشطرَ النَّاس وأجودهم فِي البيعِ والشراءِ وأذكاهم وأشدَّهم مكرًا وحيلةً تجده أحيانًا من أفقرِ النَّاسِ، وتجد الْإِنْسَان الأبلَهَ الَّذِي لا يُحْسِن أيَّ شيءٍ يَكُون عنده أموالٌ عظيمةٌ، والله ﵎ يُعطِي فضلَه مَن يشاء.
الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ: أن الرزق منَ السَّمَاء بالمطرِ ومنَ الْأَرْضِ بالنباتِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، أو السَّمَاء ما عَلَا من الأشجار، والْأَرْض ما نزل
стр. 379
من الزروعِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦].
الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ لا يقدِر عَلَى ذلك إِلَّا اللهُ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾.
الْفَائِدَة الخَامِسَةُ: تحدِّي المُناظِرِ؛ لِقَوْلِهِ : ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
الْفَائِدَة السَّادِسَةُ: أَنَّهُ لا بأسَ للإِنْسَانِ أنْ يَتَدَرَّجَ مَعَ خَصْمِهِ، وأنْ يَتَحَدَّاهُ بما يُقِرّ به، وهَذَا غاية الإنصافِ أن تقولَ لِخَصْمِك: هاتِ الدَّليلَ؛ لِأَنَّ هناك حالًا أُخرى ليست إنصافًا؛ وهي أن تقولَ لخصمك: لا أقبلُ منك أبدًا، فأنت إذا قلتَ للخصمِ: هاتِ الدَّلِيلَ إن كنت صادقًا فقد أنصفتَه وتحدَّيْتَه أيضًا، وحينئذٍ يَظهَر عَجْزُه، لكِن لو قلتَ: لو أتيتَ بأيِّ دليلٍ ما قَبِلْتُ؛ فمعناه أنك جعلتَ العلوَّ له، والْآنَ هُوَ ينتصر عليك وأنت تَنْخَذِل أمامَه، مَعَ أنك الْآنَ فِي هَذَا الوصفِ تكون مستكبِرًا.
لكِن لو فُرض أَنَّهُ ظهر عنادُ هَذَا الرجلِ وَأَنَّهُ إِنْسَانٌ يماري ولا يقصد الحقَّ، هل لك أن تقولَ: أنا لا أقبلُ منك، يعني مثلًا افرِض أنك استدللتَ عليه بآيَةٍ من الْقُرْآنِ أو بنصٍّ صريحٍ من السنَّة وصحيح، ثُمَّ جعل يُجادِلُك فِي هَذَا الأَمْرِ، لو قَالَ مثلًا: الربا حلال ومصلحة عظيمة يَنتعِش به الاقتصاد والنَّاس يتحرَّكون، فما الَّذِي يُحَرِّمه؟ تقول له: حَرَّمَهُ قوله تَعَالَى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥].
قال: هَذَا الربا الَّذِي فِي الجاهليَّة؛ إذا حلَّ الأجلُ عَلَى الدَّين عَلَى الفقير وَهُوَ فقير قَالَ: نَزيد فِي الأَجَل ونزيد فِي الرِّبا، وَأَمَّا ربا البنوك ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فهَذَا برضا من الطرفينِ وَلَيْسَ فِيهِ ظُلمٌ، وَهُوَ انتعاش للاقتصادِ ومصلحةٌ للبلادِ وتنميةٌ للمال، ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
стр. 380
فهَذَا يَصْلُحُ أن أقول له: لا أقبلُ منك مهما جئتَ به؛ لِأَنَّهُ مجادِلٌ لا يريد الحقَّ، فالشَّيْء الذي فِيهِ نصٌّ صريح واضح المجادلةُ فِيهِ غيرُ مقبولةٍ.
ولهَذَا لما قَالَ أبو سفيان فِي أُحُد: هل فيكم مُحَمَّدٌ، وفيكم ابنُ أبي قُحَافَة، هل فيكم ابنُ الخَطَّاب؟ قَالَ الرَّسُول ﷺ : "لَا تُجِيبُوهُ"؛ إهانةَّ لَه، لكِن لمَّا قَالَ: اعْلُ هُبَل، وصار يُجادِل بالباطلِ لِيُعْلِيَه عَلَى الحَقّ وصار هَذَا فِيهِ تشبيهٌ - لِأَنَّ الشُّبْهَة قائمة فِي هَذَا المكان، فوجه قيام الشبهة أن الانتصارَ كَانَ لهم، فمَن سمِع هَذَا الكَلام قَالَ: صحيح هُبَل الْآنَ اعتلى - فَكَانَ من المناسِبِ هنا أن تُزال هَذِهِ الشبهة فيقال: "اللهُ أَعْلَى وَأَجَلّ" (١).
أَمَّا قوله الأوّل فرأى النَّبِيّ ﷺ أن مِنَ المصلحةِ أنْ يُهْجَرَ وأن لا يجابَ، وأيضًا أجابه عمر لما قَالَ: "أمَّا هَؤُلَاءِ فقد كُفِيتُمُوهُمْ" (٢)؛ لِأَنَّهُ الْآنَ صارتِ الشُّبهة لِأَنَّهُم إذا لم يتكلموا وقد قَالَ: "أما هَؤُلَاءِ فقد كُفيتموهم"، فتقوم الشبهة أمامَ النَّاسِ وَيقُولُونَ: صحيحٌ، لو هم أحياء لأجابوا، فحينئذٍ صار الجوابُ له مَحَلّ، وَفِي الحقيقة ليست هَذِهِ المسألة شَبيهةَّ بَمسألتنا، وكنتُ أظنُّ أَنَّهَا شَبيهة بها.
إِذَنْ: في الآيَة دليلٌ عَلَى أَنَّهُ فِي مقامِ المناظرةِ يَنبغي للإِنْسَانِ أنْ يُطالِبَ الخَصْمَ بالدَّلِيل؛ لِأَنَّ فِي ذلك فائدتينِ:
الْفَائِدَة الأُولَى: إظهار العدلِ والإنصافِ: هاتِ دليلًا نَتَّبِعك، فهَذَا عدلٌ وإنصاف.
стр. 381
الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ: مَنعْ استنصار الخصمِ؛ لِأَنَّ الخصمَ إذا ما طُلب منه الدَّلِيل وقلتَ: أبدًا لا نَقْبَل منك سواءً أتيتَ بدليلٍ أو لا لم تأتِ بدليلٍ، فحينئذٍ يَستنصِر ويقول: الْآنَ غلبتُه.
وأما المعانِد ففيه تفصيلٌ؛ فإذا كَانَ ذلك من إهانتِه وعدمِ تأثيرِ شُبهته، فالأَولى تركُ الردّ، وَأَمَّا إذا كَانَ ذلك سببًا لاستنصارِهِ أو سببًا لقوّة تشبيهه فيجب أن يُرَدَّ عليه، فلكلِّ مقام مقالٌ، وإذا عاند فإذا كَانَ لك قوَّة فأَمْسَكْتَه بالحديد والنَّار، وإن لم يكنْ لك قوة فلِلْبَيْتِ رَبٌّ يَحْمِيهِ.
ولْيُعْلَمْ أن المِراءَ الَّذِي هُوَ لمجرَّد المغالبة مَنْهِيٌّ عنه، وَأَمَّا الجدالُ فقد أمر الله به؛ فالجدالُ لإثباتِ الحَقّ وإبطال الباطلِ مأمورٌ به وجوبًا أو استحبابًا حسَب الحالِ، فالمُرادُ المِراء الَّذِي هُوَ لمجرَّد المعاندةِ؛ لِأَنَّ بعض النَّاس الآنَ تجده فِي المجلِسِ يختلف مَعَ آخرَ فِي مسألةٍ من المسائلِ ليست مسألة دينيَّة يَجِب تحقيقها، بل مسألة عامَّة، وتجدهم يتعاندون: أنا أقول كذا وأنت تقول كذا، أنا عليَّ حق وأنت عليك حق، فهَذَا لَيْسَ له داعٍ؛ لِأَنَّ هَذَا لا يزيد الأَمْر إِلَّا شدَّةً، وربما يتحزَّب الحاضرون إِلَى حزبينِ، وربما يحدث فِي قلبِ أحدهما عَلَى الآخرِ حِقد وعداوة، فلهَذَا كَانَ من الأحسنِ تركُه.
وأما قوله فِي الحديث: "أَنا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي الجَنَّة لمَنْ تَرَكَ المِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا" (١)، فليس المُرادُ حقًّا شرعيًّا، مثلًا: أنا أقول لك: فلان وصل إِلَى هَذا البلدِ، وأنت تقول: ما وصل، فالحَقّ مَعَ الصادقِ، هَذَا هُوَ المحِقّ، وَلَيْسَ المَعْنى الحَقّ الَّذِي هُوَ ضدّ الباطلِ الَّذِي هُوَ الشرعُ.
стр. 382
الْفَائِدَة السَّابِعَةُ: أَنَّهُ لَيْسَ عندهم بُرهان؛ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾؛ لِأَنَّهُ لو كَانَ ثمّة برهان لم يكن للتحدي فائدة إِطلاقًا، وبهَذَا نَنتقِل إِلَى آيَةٍ أخرى؛ وهي قوله تَعَالَى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣]، فقد أعلى بعضُ النَّاس صوتَه بهَذهِ الآيَة حينما قَالُوا: إن الْكُفَّار وصلوا إِلَى القمرِ، وقال: هَذِهِ الآيَة دليلٌ صريح صحيحٌ واضحٌ ظاهر عَلَى أَنَّهُ يمكن الوصول إِلَى القمر؛ لِقَوْلِهِ: ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ والسلطانُ: العلمُ، هَكَذَا قال.
فيقال له: يا غبيُّ، مَن قَالَ لكَ: إن السلطانَ العلمُ، فالسلطان ما به السُّلْطَة، وَهُوَ فِي كُلّ موضعٍ بحِسَبِهِ، فإذا كنتَ تجادل فِي مسألةٍ علميةٍ فالسلطان العلم، وإذا كنت تريد أن تقطع يد لِصٍّ فالسلطان القدرة عَلَى تنفيذِ قطعِ يدِه وَلَيْسَ العلم، وإذا كنتَ تريد أن تصعدَ مكانًا مرتفعًا فالسلطان الْقُوَّة، فالسلطان فِي كُلّ مكان هُوَ عبارة عن السلطة عَلَى الشَّيْءِ. فالآن قوله تَعَالَى: ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣]، ما معنى السلطان؟ الْقُوَّة والقدرة، ولهَذَا قَالَ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾ [الرحمن: ٣٥]، فهل هَؤُلَاءِ أُرسل عليهم شُواظٌ من نار ونُحاس؟ ! والآيَة ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ جميعًا، فهل هَؤُلَاءِ نفذوا من أقطار السَّماوَات والْأَرْض؟ ! هَبْ أَنَّهُم نفذوا من أقطار الْأَرْض لكِن ما نفذوا من أقطار السَّماوَات.
ثُمَّ إنَّ الآيَة لو كانتْ دالَّة عَلَى ذلك لكان هَذَا التحدي لا معنى له إذا كانوا يستطيعون، لماذا يقال: ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾، فالشَّيْءُ المستطاعُ ما يُعْرَض بِمَعْرِض التحدِّي.
стр. 383
ثُمَّ إن الآيَةَ مَسُوقةٌ بين ابتداءِ الخلقِ ثُمَّ الموت ثُمَّ المَوْقِف ثُمَّ الجزاء، وهَذَا يقال لهم فِي الموقف، ذَكَرَ الله ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن: ١٤]، ثُمَّ قَالَ: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦]، ثُمَّ قَالَ: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ [الرحمن: ٣٣]، ثُمَّ قَالَ: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ [الرحمن: ٣٧]، إِلَى آخره، فذكر جزاء الظالمين وجزاء المُؤْمِنيِنَ.
فالحاصل: إنَّ التحديَ فِي مَقام الإمكانِ غير مقبولٍ، ولا يمكن أن يقعَ فِي كلامِ الله ولا فِي كلامِ أيِّ واحدٍ مِنَ البَشَرِ، كيف تتحدى بما يُستطاع؟ !
стр. 384
الآية (٦٥)
* * *
قَالَ اللهُ : ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٥].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ من الملائكة]، الَّتِي فِي السَّماوَات [والنَّاسِ]، الَّذِينَ فِي الْأَرْض، وكذلك الجن ﴿الْغَيْبَ﴾ مَفْعُول (يَعْلَم)، و (مَن) فاعل (يَعْلَم)، و (الغيبَ) مَفْعُول، [أي: ما غاب عنهم]، فيَكُون الغيب عَلَى تقدير المُفَسِّر مصدرًا بمعنى اسْم الفاعلِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: [أي ما غاب]، و (غابَ) فِعل ماضٍ له فاعلٌ. والمصدر يأتي بمعنى اسمِ الفاعلِ كما تقول: رجلٌ عَدْلٌ بمعنى عادل، وله أمثلة، كما أن المصدر يأتي بمعنى اسمِ المَفْعُول كثيرًا.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿إِلَّا﴾ لكِن ﴿اللَّهُ﴾ يَعْلَمُه]، جعل (إلا) بمعنى (لكِن) فيَكُون الاستثناءُ منقطِعًا عَلَى رأيِهِ.
ثُمَّ قدَّر المُفَسِّر (يَعْلَمُه) ليَكُونَ إعرابُ ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأً و (يعلمه) خبره، وهَذِهِ الآيَة تحتاج إِلَى مناقشةٍ:
أولًا: لماذا عَدَلَ المُفَسِّر ﵀ عن الاستثناءِ المتَّصل إِلَى الاستثناء المنقطِع؟
لِأَنَّهُ يَرَى أن الله تَعَالَى لا مكانَ له، فقوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾، ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ هَذِهِ متعلقة بمحذوف تقديره: (استقرّ)، كما هُوَ معروف أن صلة الموصول تُقَدَّر
стр. 385
بـ (استقرّ) أو (كَانَ) أو مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. فيقول المُفَسِّر: إذا قلتَ: مَنِ استقرَّ فِي السَّماوَات أو مَن كَانَ فِي السَّماوَات والْأَرْض الغيبَ إِلَّا الله؛ لَزِمَ أن يَكُون الله تَعَالَى فِي السَّماوَات، فيَكُون له مكان، وهَذَا عِنْدَهم مُمْتَنِع، أي: عند المُفَسِّر ومن كَانَ عَلَى عَقِيدَتِهِ، هَذِهِ واحدةٌ.
ثانيًا: نَقُول له: إذا كَانَ الاستثناءُ مُنْقَطِعًا، فالمعروف أن الاستثناءَ المنقطِع إذا سُبِقَ بتامٍّ منفيٍّ يَجِب فِيهِ النصبُ، كما قَالَ ابن مالك فِي الألفيَّةِ (١):
... وَانْصِبْ مَا انْقَطَعْ ... وَعَنْ تَمِيمٍ فِيهِ إِبْدَالٌ وَقَعْ
فالمشهورُ عندَ العرب أَنَّهُ إذا كَانَ الاستثناءُ منقطعًا وجبَ فِيهِ النصبُ، وهنا لَيْسَ منصوبًا، فقال: نحن نجعلُ الجملةَ لا دخلَ لها بالاستثناءِ، ونجعل ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ والخبر محذوف؛ لأجل أن لا نخالفَ المشهورَ من كلامِ العربِ؛ لِأَنَّ الْقُرْآن بلسانِ قريشٍ وَلَيْسَ بلسانِ بني تميمٍ.
بعض العُلَماء يَقُول: نحن نتخلَّص ممّا فرّ منه المُفَسِّر ﵀ مَعَ عدمِ إثباتنا المكان لله بأن نَقُول: لا يعلم مَن يُذْكَر فِي السَّماوَات والْأَرْض الغيبَ إِلَّا الله، لا نَقُول: ما استقرّ؛ لِأَنَّ الله تَعَالَى مذكور فِي السَّماوَات وَفِي الْأَرْضِ، وحينئذٍ يزول الإشكال الَّذِي من أجلِه قَطَعَ المُفَسِّر الاستثناءَ.
والخلاصة: أن الاستثناء هنا متَّصل، وأن الله تَعَالَى له مكان، وأن مكانه فِي السَّمَاء، وقد سأل النَّبِيّ ﷺ الجاريةَ فقال لها: "أَيْنَ اللهُ؟ " فَقَالَتْ: فِي السَّمَاءِ (٢)،
стр. 386
وأشار النَّبِيّ ﷺ إِلَى السَّمَاء حينما أشهدَ ربَّه عَلَى إقرار أُمَّتِهِ بإبلاغ رسالتِه، فقال وَهُوَ يخطب فِي عَرَفَةَ: "أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟ " قَالُوا: نَعَمْ. فَقَالَ مُشِيرًا إِلَى السَّمَاءِ: "اللَّهُمَّ اشْهَدْ" (١).
فهَذَا دليل عَلَى أن الله فِي السَّمَاء، ويَكُون الاستثناء في قولِه: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ متصلًا، وَيكُون ﴿اللَّهُ﴾ بدلًا من (مَنْ) كما إذا قلتَ: ما قام القوم إِلَّا زيدٌ، فإن الاتباعَ أَولى هنا، وإن كَانَ يجوز النصبُ، فعليه نَقُول: الاستثناء متصل وَلَيْسَ فِيهِ إشكال عَلَى عقيدةِ أهل السنَّة والجماعة، وهَذَا هُوَ الصَّحيحُ ولا إشكال فيه.
ومثل هَذَا قوله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ [الأنعام: ٣]، يعني فِي مجَموعها، وإن كَانَ هُوَ في السماءِ؛ لأنّ قوله: ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ ظرف لمجموع الاثنينِ، فَهُوَ يقين أَنَّهُ لا يخرج عنْ الِاثنينِ، لَكِنَّهُ ﵎ فِي واحدٍ منهما، بدليلِ العقلِ والنقلِ، كما تقول: فلان أميرٌ فِي مكَّةَ والمَدينَةِ، وإن كَانَ فِي واحدةٍ منهما، فالمَعْنى أن إمارتَه ثابتةٌ فِي مجموعِهما، وَلَيْسَ المَعْنى أَنَّهُ فِي كلا المكانينِ فِي هَذَا وَفي هَذَا، فلا يُمْكِن أن يَكُون فِي المَدينَةِ وَفي مكَّة، بالنِّسْبَةِ لهَذَا الأميرِ، فهنا الألوهية ثابتةٌ فِي السَّماوَات وَفِي الْأَرْض، وإن كَانَ جَلَّ وَعَلَا فِي السَّمَاءِ، بل فوق السَّمَاء، وَلَيْسَ اللهُ جَلَّ وَعَلَا فِي السَّمَاء السابعةِ، فهُوَ فوقَها عَلَى العَرْش، وبينَ العَرْش وبينَ السَّمَاءِ مسافات اللهُ أَعْلَمُ بها، فالمَعْنى (في السَّمَاء) أي فِي هَذِهِ الجهةِ، مثل قوله: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦]، أي فِي جهتينِ.
стр. 387
أمّا قول بعض العُلَماء: إن نور القمرِ يَنعكِس أيضًا عَلَى السَّماوَات ويَكُون له نور من جهةِ الْأَرْض ونور من جهة السَّمَاء فليس بصحيحٍ، بل المَعْنى (فيهنَّ) أي: فِي جهتينِ، وإن كَانَ القمر فِي الحقيقةِ ما تخللَ السَّمَاء الدُّنْيا حَتَّى كَانَ فِي جهة السًّماء الثَّانِيَة والثَّالثة والرَّابِعة، لكِن الجهة بينهن واحدة.
وقوله: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ يَعْنِي: من فِي السَّماوَات والْأَرْض لا يَعْلَمُون الغيبَ إِلَّا الله، وأين الله؟
في السَّماوَات، أي فِي جهتها، والسَّمَاء: العُلُوُّ، أو نَقُول: (في) بمعنى (عَلَى)، أي عَلَى السَّمَاء.
يَبقَى عندنا عَلَى رأيِ مَن يقولُ: إنَّهُ لا يجوز للمسلمِ أنْ يعتقدَ أنَّ الله فِي السَّمَاء، لِأَنَّ الله لَيْسَ له مكانٌ، عَلَى زعمهم، كيف نُخَرِّج الآيَة؟
نخرِّج الآيَة عَلَى ثلاثة أوجهٍ: إمَّا أن نجعل ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ متعلقًا بفعل مناسبٍ، ويَكُون التَّقْدير: (مَن يُذكَر فِي السَّماوَات والْأَرْض الغيبَ إِلا الله) وَعَلَى هَذَا يَكُون الاستثناء متَّصِلًا، وَهُوَ مرفوعٌ عَلَى البدليَّة، ولا إشكال فيه، يعني لا إشكال فِيهِ من حَيْثُ الإعرابُ، لكِن من حَيْثُ المَعْنى غير مُسَلَّمٍ، هَذَا وجهٌ.
الوجه الثاني: يَقُولُونَ: نجعل الاستثناء منقطعًا، وَيكُون الرفعُ هنا عَلَى لغةِ بني تَميمٍ الَّذِينَ يجوّزون الإبدالَ ولو كَانَ الاستثناء مُنقطِعًا.
الوجه الثَّالث: أن نجعل الاستثناءَ منقطعًا، ولكِنه لَيْسَ تابعًا لما سبق؛ بل هُوَ مبتدأ وخبره محذوفٌ، وَهُوَ الَّذِي مشَى عليه المُفَسِّر حَيْثُ قَالَ: [لَكِن الله يَعلَمه].
وهَذه التفسيراتُ والتَّقْديراتُ ممَّا حذَّر مِنْهَا النَّبِيّ ﵊ حَيْثُ قَالَ:
стр. 388
"مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ" (١)، وَفي روايةٍ: "فَقَدْ أَخْطَأَ وَإِنْ أَصَابَ" (٢)، فالذي يُفَسِّر الْقُرْآن عَلَى حَسَبِ عَقيدتِهِ، هَذَا الحقيقة أَنَّهُ جانٍ عَلَى اللهِ ، ومتقوِّل عَلَى اللهِ بلا علمٍ؛ لِأَنَّ الواجبَ أن تفسّر الْقُرْآن بما دلَّ عليه، ثُمَّ تجعل عقيدتك تابعةً له.
ولهَذَا يَقُول العُلَماء: استدلَّ ثُمَّ اعتقِدْ، ولا تَعْتَقِدْ ثُمَّ تَسْتَدِلّ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَان الَّذِي يَعتقِد أوَّلًا ثُمَّ يستدلّ الغالب عليه أَنَّهُ يُخضِع الأدلَّة إِلَى مُعْتَقَدِهِ، كما هُوَ معروفٌ الْآنَ تَجِدون هَذَا فيما يَتَكَلَّم النَّاس فِيهِ فِي العقائد، وتجدونه أيضًا حَتَّى فيما يتكلمون فِيهِ فِي الأحكام، فإن مَن يَنتمي إِلَى مَذْهَب إذا جاءت النصوصُ الدالَّة عَلَى خلاف مَذْهَبِه تجده يَسْلُك فيها أحدَ مسلكينِ: إمَّا إبطالها إن أمكنه، فيقول: هَذَا ضعيف ومردود وَلَيْسَ بمقبولٍ، وإن لم يمكنْه الإبطال سعَى بالتحريفِ لأجلِ أن تطابِقَ مذهبَه، وهَذه عِلَّةٌ قَلَّ مَن يَسْلَم مِنْهَا إِلَّا مَن شاء الله؛ وَهُوَ أن يجعل عقيدته وحُكْمه تابعًا للدليلِ، وهَذَا هُوَ الواجبُ عَلَى كُلّ مسلمٍ أن يُجْعَلَ تابعًا للدليل؛ لأجلِ أن يَكُونَ تابعًا، والنصوص تكون متبوعةً، أَمَّا أن يعتقد أولًا - سواء كَانَ هَذَا الاعتقاد فيما يتعلق بالعقائد والأُمُور الخبريَّة، أو مما يَتعلَّق بالأحكام العَمَليَّة - ثُمَّ بَعْد ذلك يحاول أن يحرِّفَ النصوص إليها فهَذَا غير مسلَّم ولا يجوز للمرء.
стр. 389
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: ماذا يُجاب عَمَّن قَالَ: إن الإِيمانَ أوَّلُ مَرَاتِبِه الحَيْرة والشكّ ثُمَّ الاستدلال، إِلَى آخره؟
نُجِيبُه بأن هَذَا لا دليلَ عليه؛ فإن النَّبِيّ ﷺ دعا النَّاس وهم لَيْسَ عندهم شكٌّ ولا حَيرة، بل جُحُود وإنكار، ثُمَّ انتقلوا منَ الجحود والإنكار إِلَى الإقرار والاعترافِ.
ونَقُول أيضًا: هَذَا الكَلامُ الَّذِي لا دليلَ عليه، هُوَ باطلٌ أيضًا؛ لِأَنَّ الْإِنْسَان إذا شكَّ فقد لا يَتَخَلَّص من هَذَا الشكِّ، والله تَعَالَى ما دعا عبادَهُ إِلَى الشكِّ والحَيرة؛ بل دعاهم إِلَى الإِيمانِ بعدَ الكفرِ مباشرةً.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إن أوَّل مراتبِ الإِيمانِ الحَيرة يَستدِلّون بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٧]، ففي أوَّل أمرِه قَالَ: هَذَا ربي، وهَذَا ربي؟
الجواب: قوله: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ قالَهُ لإقامةِ الحُجَّة، وتَقَدَّم هَذَا كثيرًا، وذكرنا هَذَا المثالَ؛ وهو إلزامُ الخَصْمِ بما يَعْتَرِف به، فالمَعْنى أنتم تَعْبُدُونَ هذه الكواكبَ والشَّمْسَ والقمرَ، فهَذَا ربِّي، فمثلًا: إذا جَلَسْتَ مَعَ أُناسٍ جِلْسَةَ المُقْنِعِ، وكلٌّ منهم يَقُول: هَذَا ربِّي، وهنا ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾، ثُمَّ تَنَقَّلَ بهم. ولهَذَا قَالَ: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣]، ولم يقل: وتلك أدِلَّتنا أَقْرَرْنا بها إبراهيمَ، فإبراهيمُ ﷺ ما كَانَ فِي قلبِه أدنَى شكٍّ فِي هَذَا الأَمْرِ وأنها آلهةٌ باطلةٌ، لكِن لأجلِ إقامةِ الحُجَّة عَلَى هَؤُلَاءِ.
وأمَّا قوله عن إبراهيمَ: ﴿قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]،
стр. 390
وحديث: "نَحْنُ أَوْلَى بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ" (١)، فنَقُول: هل إبراهيم ﷺ شكَّ؟ إبراهيم ﷺ ما شكَّ، ولو أَجرينا الحديثَ عَلَى فَهم البعض لكانَ يَقتضي أن إبراهيمَ قد شكَّ، ونحنُ أَولى بالشكِّ منه، ولكِن معنى هَذَا نَفْيُ شكِّ إبراهيمَ، والمَعْنى لو كَانَ إبراهيم مَحَلًّا للشكِّ لكِنَّا نحن أولى به، ونحن لم نشكَّ؛ لِأَنَّ الرَّسُول ﵊ يَعْلَم علمَ الْيَقينِ بأن الله قادرٌ عَلَى إحياء الموتى، وكذلك الصحابة، فلم يقل للصحابةِ: هل أنتم تَشُكُّون؟
إِذَنْ: لو كَانَ هناك شكّ لكِنَّا نحنُ أَولى به منه، فإبراهيم والنَّبِيّ ﵊ وأصحابه ما شَكُّوا، ولكِن المَعْنى أنكم الْآنَ تعلمون ما فِي أنفسكم من الْيَقينِ، فإن إبراهيم كذلك يعلمُ، ولو كَانَ فِي الأَمْرِ مكانٌ للشكِّ لكِنَّا نحن أولى به من إبراهيم، ولو أَجرينا الحديثَ عَلَى فهم السائلِ لكان يَقتضي أن إبراهيم قد شكَّ ونحن أَولى بالشكِّ منه.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أي كفار مَكَّة كغيرهم ﴿أَيَّانَ﴾ وَقْتَ ﴿يُبْعَثُونَ﴾]، يعني ما يشعرُ أحدٌ متى يُبعَث النَّاس؛ لِأَنَّ علم الساعة إِلَى اللهِ ، فلا أحدَ يشعر متى تكونُ الساعةُ، حَتَّى لو جاءتْ علاماتها وأشراطها فإنَّنا لا نستطيعُ أن نُحَدّدها بالتعيينِ ونَقُول: بقِي عليها كذا سنةً، كذا شهرًا، ولو مَعَ وجودِ الأشراطِ، ولهَذَا قَالَ: ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾.
وقول المُفَسِّر: [وقتَ ﴿يُبْعَثُونَ﴾]، فِيهِ إشكالٌ من جهةِ النحوِ، والإشكالُ