وأشار النَّبِيّ ﷺ إِلَى السَّمَاء حينما أشهدَ ربَّه عَلَى إقرار أُمَّتِهِ بإبلاغ رسالتِه، فقال وَهُوَ يخطب فِي عَرَفَةَ: "أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟ " قَالُوا: نَعَمْ. فَقَالَ مُشِيرًا إِلَى السَّمَاءِ: "اللَّهُمَّ اشْهَدْ" (١).
فهَذَا دليل عَلَى أن الله فِي السَّمَاء، ويَكُون الاستثناء في قولِه: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ متصلًا، وَيكُون ﴿اللَّهُ﴾ بدلًا من (مَنْ) كما إذا قلتَ: ما قام القوم إِلَّا زيدٌ، فإن الاتباعَ أَولى هنا، وإن كَانَ يجوز النصبُ، فعليه نَقُول: الاستثناء متصل وَلَيْسَ فِيهِ إشكال عَلَى عقيدةِ أهل السنَّة والجماعة، وهَذَا هُوَ الصَّحيحُ ولا إشكال فيه.
ومثل هَذَا قوله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ [الأنعام: ٣]، يعني فِي مجَموعها، وإن كَانَ هُوَ في السماءِ؛ لأنّ قوله: ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ ظرف لمجموع الاثنينِ، فَهُوَ يقين أَنَّهُ لا يخرج عنْ الِاثنينِ، لَكِنَّهُ ﵎ فِي واحدٍ منهما، بدليلِ العقلِ والنقلِ، كما تقول: فلان أميرٌ فِي مكَّةَ والمَدينَةِ، وإن كَانَ فِي واحدةٍ منهما، فالمَعْنى أن إمارتَه ثابتةٌ فِي مجموعِهما، وَلَيْسَ المَعْنى أَنَّهُ فِي كلا المكانينِ فِي هَذَا وَفي هَذَا، فلا يُمْكِن أن يَكُون فِي المَدينَةِ وَفي مكَّة، بالنِّسْبَةِ لهَذَا الأميرِ، فهنا الألوهية ثابتةٌ فِي السَّماوَات وَفِي الْأَرْض، وإن كَانَ جَلَّ وَعَلَا فِي السَّمَاءِ، بل فوق السَّمَاء، وَلَيْسَ اللهُ جَلَّ وَعَلَا فِي السَّمَاء السابعةِ، فهُوَ فوقَها عَلَى العَرْش، وبينَ العَرْش وبينَ السَّمَاءِ مسافات اللهُ أَعْلَمُ بها، فالمَعْنى (في السَّمَاء) أي فِي هَذِهِ الجهةِ، مثل قوله: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦]، أي فِي جهتينِ.
стр. 387
أمّا قول بعض العُلَماء: إن نور القمرِ يَنعكِس أيضًا عَلَى السَّماوَات ويَكُون له نور من جهةِ الْأَرْض ونور من جهة السَّمَاء فليس بصحيحٍ، بل المَعْنى (فيهنَّ) أي: فِي جهتينِ، وإن كَانَ القمر فِي الحقيقةِ ما تخللَ السَّمَاء الدُّنْيا حَتَّى كَانَ فِي جهة السًّماء الثَّانِيَة والثَّالثة والرَّابِعة، لكِن الجهة بينهن واحدة.
وقوله: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ يَعْنِي: من فِي السَّماوَات والْأَرْض لا يَعْلَمُون الغيبَ إِلَّا الله، وأين الله؟
في السَّماوَات، أي فِي جهتها، والسَّمَاء: العُلُوُّ، أو نَقُول: (في) بمعنى (عَلَى)، أي عَلَى السَّمَاء.
يَبقَى عندنا عَلَى رأيِ مَن يقولُ: إنَّهُ لا يجوز للمسلمِ أنْ يعتقدَ أنَّ الله فِي السَّمَاء، لِأَنَّ الله لَيْسَ له مكانٌ، عَلَى زعمهم، كيف نُخَرِّج الآيَة؟
نخرِّج الآيَة عَلَى ثلاثة أوجهٍ: إمَّا أن نجعل ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ متعلقًا بفعل مناسبٍ، ويَكُون التَّقْدير: (مَن يُذكَر فِي السَّماوَات والْأَرْض الغيبَ إِلا الله) وَعَلَى هَذَا يَكُون الاستثناء متَّصِلًا، وَهُوَ مرفوعٌ عَلَى البدليَّة، ولا إشكال فيه، يعني لا إشكال فِيهِ من حَيْثُ الإعرابُ، لكِن من حَيْثُ المَعْنى غير مُسَلَّمٍ، هَذَا وجهٌ.
الوجه الثاني: يَقُولُونَ: نجعل الاستثناء منقطعًا، وَيكُون الرفعُ هنا عَلَى لغةِ بني تَميمٍ الَّذِينَ يجوّزون الإبدالَ ولو كَانَ الاستثناء مُنقطِعًا.
الوجه الثَّالث: أن نجعل الاستثناءَ منقطعًا، ولكِنه لَيْسَ تابعًا لما سبق؛ بل هُوَ مبتدأ وخبره محذوفٌ، وَهُوَ الَّذِي مشَى عليه المُفَسِّر حَيْثُ قَالَ: [لَكِن الله يَعلَمه].
وهَذه التفسيراتُ والتَّقْديراتُ ممَّا حذَّر مِنْهَا النَّبِيّ ﵊ حَيْثُ قَالَ:
стр. 388
"مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ" (١)، وَفي روايةٍ: "فَقَدْ أَخْطَأَ وَإِنْ أَصَابَ" (٢)، فالذي يُفَسِّر الْقُرْآن عَلَى حَسَبِ عَقيدتِهِ، هَذَا الحقيقة أَنَّهُ جانٍ عَلَى اللهِ ، ومتقوِّل عَلَى اللهِ بلا علمٍ؛ لِأَنَّ الواجبَ أن تفسّر الْقُرْآن بما دلَّ عليه، ثُمَّ تجعل عقيدتك تابعةً له.
ولهَذَا يَقُول العُلَماء: استدلَّ ثُمَّ اعتقِدْ، ولا تَعْتَقِدْ ثُمَّ تَسْتَدِلّ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَان الَّذِي يَعتقِد أوَّلًا ثُمَّ يستدلّ الغالب عليه أَنَّهُ يُخضِع الأدلَّة إِلَى مُعْتَقَدِهِ، كما هُوَ معروفٌ الْآنَ تَجِدون هَذَا فيما يَتَكَلَّم النَّاس فِيهِ فِي العقائد، وتجدونه أيضًا حَتَّى فيما يتكلمون فِيهِ فِي الأحكام، فإن مَن يَنتمي إِلَى مَذْهَب إذا جاءت النصوصُ الدالَّة عَلَى خلاف مَذْهَبِه تجده يَسْلُك فيها أحدَ مسلكينِ: إمَّا إبطالها إن أمكنه، فيقول: هَذَا ضعيف ومردود وَلَيْسَ بمقبولٍ، وإن لم يمكنْه الإبطال سعَى بالتحريفِ لأجلِ أن تطابِقَ مذهبَه، وهَذه عِلَّةٌ قَلَّ مَن يَسْلَم مِنْهَا إِلَّا مَن شاء الله؛ وَهُوَ أن يجعل عقيدته وحُكْمه تابعًا للدليلِ، وهَذَا هُوَ الواجبُ عَلَى كُلّ مسلمٍ أن يُجْعَلَ تابعًا للدليل؛ لأجلِ أن يَكُونَ تابعًا، والنصوص تكون متبوعةً، أَمَّا أن يعتقد أولًا - سواء كَانَ هَذَا الاعتقاد فيما يتعلق بالعقائد والأُمُور الخبريَّة، أو مما يَتعلَّق بالأحكام العَمَليَّة - ثُمَّ بَعْد ذلك يحاول أن يحرِّفَ النصوص إليها فهَذَا غير مسلَّم ولا يجوز للمرء.
стр. 389
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: ماذا يُجاب عَمَّن قَالَ: إن الإِيمانَ أوَّلُ مَرَاتِبِه الحَيْرة والشكّ ثُمَّ الاستدلال، إِلَى آخره؟
نُجِيبُه بأن هَذَا لا دليلَ عليه؛ فإن النَّبِيّ ﷺ دعا النَّاس وهم لَيْسَ عندهم شكٌّ ولا حَيرة، بل جُحُود وإنكار، ثُمَّ انتقلوا منَ الجحود والإنكار إِلَى الإقرار والاعترافِ.
ونَقُول أيضًا: هَذَا الكَلامُ الَّذِي لا دليلَ عليه، هُوَ باطلٌ أيضًا؛ لِأَنَّ الْإِنْسَان إذا شكَّ فقد لا يَتَخَلَّص من هَذَا الشكِّ، والله تَعَالَى ما دعا عبادَهُ إِلَى الشكِّ والحَيرة؛ بل دعاهم إِلَى الإِيمانِ بعدَ الكفرِ مباشرةً.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إن أوَّل مراتبِ الإِيمانِ الحَيرة يَستدِلّون بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٧]، ففي أوَّل أمرِه قَالَ: هَذَا ربي، وهَذَا ربي؟
الجواب: قوله: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ قالَهُ لإقامةِ الحُجَّة، وتَقَدَّم هَذَا كثيرًا، وذكرنا هَذَا المثالَ؛ وهو إلزامُ الخَصْمِ بما يَعْتَرِف به، فالمَعْنى أنتم تَعْبُدُونَ هذه الكواكبَ والشَّمْسَ والقمرَ، فهَذَا ربِّي، فمثلًا: إذا جَلَسْتَ مَعَ أُناسٍ جِلْسَةَ المُقْنِعِ، وكلٌّ منهم يَقُول: هَذَا ربِّي، وهنا ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾، ثُمَّ تَنَقَّلَ بهم. ولهَذَا قَالَ: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣]، ولم يقل: وتلك أدِلَّتنا أَقْرَرْنا بها إبراهيمَ، فإبراهيمُ ﷺ ما كَانَ فِي قلبِه أدنَى شكٍّ فِي هَذَا الأَمْرِ وأنها آلهةٌ باطلةٌ، لكِن لأجلِ إقامةِ الحُجَّة عَلَى هَؤُلَاءِ.
وأمَّا قوله عن إبراهيمَ: ﴿قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]،
стр. 390
وحديث: "نَحْنُ أَوْلَى بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ" (١)، فنَقُول: هل إبراهيم ﷺ شكَّ؟ إبراهيم ﷺ ما شكَّ، ولو أَجرينا الحديثَ عَلَى فَهم البعض لكانَ يَقتضي أن إبراهيمَ قد شكَّ، ونحنُ أَولى بالشكِّ منه، ولكِن معنى هَذَا نَفْيُ شكِّ إبراهيمَ، والمَعْنى لو كَانَ إبراهيم مَحَلًّا للشكِّ لكِنَّا نحن أولى به، ونحن لم نشكَّ؛ لِأَنَّ الرَّسُول ﵊ يَعْلَم علمَ الْيَقينِ بأن الله قادرٌ عَلَى إحياء الموتى، وكذلك الصحابة، فلم يقل للصحابةِ: هل أنتم تَشُكُّون؟
إِذَنْ: لو كَانَ هناك شكّ لكِنَّا نحنُ أَولى به منه، فإبراهيم والنَّبِيّ ﵊ وأصحابه ما شَكُّوا، ولكِن المَعْنى أنكم الْآنَ تعلمون ما فِي أنفسكم من الْيَقينِ، فإن إبراهيم كذلك يعلمُ، ولو كَانَ فِي الأَمْرِ مكانٌ للشكِّ لكِنَّا نحن أولى به من إبراهيم، ولو أَجرينا الحديثَ عَلَى فهم السائلِ لكان يَقتضي أن إبراهيم قد شكَّ ونحن أَولى بالشكِّ منه.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أي كفار مَكَّة كغيرهم ﴿أَيَّانَ﴾ وَقْتَ ﴿يُبْعَثُونَ﴾]، يعني ما يشعرُ أحدٌ متى يُبعَث النَّاس؛ لِأَنَّ علم الساعة إِلَى اللهِ ، فلا أحدَ يشعر متى تكونُ الساعةُ، حَتَّى لو جاءتْ علاماتها وأشراطها فإنَّنا لا نستطيعُ أن نُحَدّدها بالتعيينِ ونَقُول: بقِي عليها كذا سنةً، كذا شهرًا، ولو مَعَ وجودِ الأشراطِ، ولهَذَا قَالَ: ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾.
وقول المُفَسِّر: [وقتَ ﴿يُبْعَثُونَ﴾]، فِيهِ إشكالٌ من جهةِ النحوِ، والإشكالُ
стр. 391
هُوَ أنَّ ﴿أَيَّانَ﴾ هَذِهِ ظرفٌ لَكِنَّها اسْتِفْهاميَّة، و (وقت) ظَرف مجرَّدة منْ الاسْتِفْهامِ، ولهَذَا تفسير (أيَّان) بـ (وقت) قُصورٌ، ولو قَالَ المُفَسِّر: (متى يُبعثون)، لكان هُوَ المناسِب؛ لِأَنَّ (أيَّان) ظرف وهي متضمِّنة للاسْتِفْهامِ معلِّقة للفعلِ عن العَمَلِ؛ الفِعْل: ﴿يَشْعُرُونَ﴾، فالجملة ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ فِي محل نصب لـ (يشعرون)، ولو كَانَ التَّقْدير: وقت يبعثون؛ لم يكن فِي الجملةِ تعليقٌ.
فإِذَنِ: المُفَسِّر بتقديرِهِ: [وقت] ضيَّع علينا مسألتينِ:
المسألة الأولى: ما تَضَمَّنَتْهُ ﴿أَيَّانَ﴾ منْ الِاسْتِفْهامِ.
والمسألة الثَّانِيَة: كون الجملة هنا فِي مَحَلّ نصبٍ؛ لِأَنَّهَا معلّقة بـ ﴿أَيَّانَ﴾، وَعَلَى تقديره تكون ﴿أَيَّانَ﴾ نفسها هِيَ المَفْعُول، هَذَا ما ينبغي التنبُّه له؛ لِأَنَّهُ ينبغي أن يَكُون التفسيرُ اللفظيُّ خاصَّةً مطابقًا للمفسَّر فِي كُلِّ الأحوالِ.
مسألة: مَنِ ادَّعى أَنَّهُ يعلم متى يُبعَث؛ فما الحكمُ؟
هو كافر، فالَّذِي يَقُول: إن القيامة ستكونُ فِي سنةِ ألفٍ وأربعِمائةٍ وأربعَ عَشْرَة، ونشرَ هَذَا فِي صحف لبنانَ عن كاهن، استنتج أَنَّهَا تكون فِي ألف وأربعمائة وأربعَ عَشْرَةَ، يعني ما بَقِيَ إِلَّا اثنتا عَشْرَة سَنَةً، فهَذَا الَّذِي يصدِّقه أو يشكّ فِي خبره، حَتَّى ولو لم يصدِّق بخبره بل يَكُون عنده تردُّد، يُعتبَر كافرًا؛ لِأَنَّهُ يَجِب الجزمُ بتكذيبِ هَؤُلَاءِ، فيجب أنْ نَجزِم بأن هَؤُلَاءِ كاذبونَ؛ لِأَنَّهُ لا يمكن أن يعلمَ أحدٌ متى تقوم الساعةُ إِلَّا الله.
والنَّبِيّ ﵊ أعلمُ البشرِ، وجِبريل أعلمُ الملائكةِ، لمَّا سألَهُ قَالَ: "مَا المَسْئُولُ بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ" (١)، فلا أحد يدري متى تقومُ الساعةُ إِلَّا اللهُ.
стр. 392
وهَذِهِ الأشراطُ أيضًا علامة عَلَى قُرْبها، لكِن القُرْب نِسبيّ، لا تظنَّ أن القربَ ثلاثونَ سنةً، أربعونَ سنةً، مائةُ سنةً، حَدَّثَ النَّبِيّ ﵊ أصحابَه يومًا منَ الأيامِ والشَّمْسُ عَلَى رؤوسِ النخل فقال: "إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا" (١).
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أن توجيهَ الخطابِ للرَّسُولِ ﵊ أن يَقُولَ قَولًا يَدُلّ عَلَى عنايةِ اللهِ بهَذَا القَوْلِ؛ لِأَنَّهُ عبارة عن رسالة خاصة.
والْقُرْآن كلُّه الرَّسُولُ مأمورٌ أن يقوله للناسِ، لكِن إذا خصَّ بعض الآيَاتِ بكلمةِ: (قُلْ) فهذا يَدُلّ عَلَى عنايةِ اللهِ تَعَالَى بهَذَا الأَمْرِ، حَيْثُ أوصاه بتبليغِهِ وَصِيَّةً خاصَّةً.
الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ لا يعلم أحدٌ الغيبَ إِلَّا اللهُ، فالَّذِي فِي المستقبَل لا يعلمه أحدٌ إِلَّا الله بكلِّ حالٍ، والحاضر أو الماضي قد يُعْلَم، ودعوَى عِلْمِه ليستْ من علمِ الغيبِ. وَعَلَى هَذَا فالَّذِينَ يُحَيِّرُونَ ويُخْبِرُونَ عمَّا جَرَى عَلَى العبدِ فهَؤُلَاءِ ليسوا ممن يَدَّعُون علمَ الغيبِ؛ لِأَنَّهُ إمَّا ماضٍ أو حاضرٌ وَهُوَ معلومٌ، لكِن قد يَكُون غائبًا عن البشرِ شاهدًا للجنِّ؛ لِأَنَّ الجن يعلمون الشَّيْء البعيدَ ويخبرون مَن يصحبهم من الإنسِ.
стр. 393
وَعَلَى هَذَا فما نُحَدَّث به عن بعضِ النَّاسِ أَنَّهُ إذا جاءهم المريضُ قَالُوا: أنت أصابك كذا وأصابك كذا وأصابك كذا، ويَكُون الأَمْر كما أخبرَ؛ هَذَا لَيْسَ من دعوى الغيبِ، فتصديقه لَيْسَ كفرًا باللهِ. لكِن يَبْقَى النظرُ فِي حالِ هَذَا الرجلِ؛ هل هُوَ مستقيمٌ فإنَّنا حينئذٍ نَرْكَن إليه ولا حرجَ علينا إذا ذهبنا إليه، أَمَّا إذا كَانَ غير مستقيمٍ بحيث إن الجنَّ لا تَخْدُمُهُ إِلَّا بشركٍ وكفرٍ فَإِنَّهُ لا يجوز لنا أن نذهبَ إليه؛ لما فِي ذلك من الإعانةِ عَلَى الكفرِ.
وقد ذكر شيخ الإِسْلام أنّ الجنّ يخدمون الإنسَ لمصالحهم؛ لمصالح الجنّ، فإذا كانوا كفارًا فإنهم قد يخدمونهم إذا أشركَ الإنسيُّ بالله، وقد تَعْشَقُ امرأةٌ من الجنِّ رجلًا من الإنس وتقول له: أنا أَخْدُمك بشرطِ أنْ يَفْعَلَ بها، أو كذلك رجلٌ من الجنّ يَعشَق امرأةً من الإنس، فيحصل الأَمْر كذلك، فيَكُون الأول شركًا؛ الَّذِي أشرك بالله، والثاني فسوقٌ وزِنا، وقد يخدمه لمجرَّد مَحَبَّته له بدون أيّ سبب؛ فهَذَا لا بأسَ به، وقد يخدمه لله؛ يرى أَنَّهُ عابدٌ وتقيٌّ أو عالم ينفَع النَّاس بعلمه فيخدمه لهَذَا السَّبَب، فما دام أن خِدمة الجنّ للإنس تَتَنَوَّع فإن حكم استخدامِ الإنسِ للجنّ يَكُون بحسَب هَذَا التنوّع، ولا يُقَال: إنَّهُ حرام مطلقًا ولا يُقَال: إنَّهُ جائز مطلقًا، بل عَلَى حَسَبِ الحالِ (١).
وقد بَلَغَنَا أن أحد أهلِ العلمِ كَانَ يُسمَع فِي حَلْقته حركاتٌ بغير مشاهَدةٍ، وَيقُولُونَ: إن الجنّ يحضُرون العلمَ عنده وَإِنَّهُ أحيانًا يَسمعون كلامَا وسؤالًا بدون أن يعلموا بقائِلِهِ، فهَذَا متواتِرٌ عندنا.
وهَذَا لَيْسَ ببعيدٍ إذا كَانَ الرَّسُول ﷺ حَضَرَه ناس من الجنّ وحضروا الْقُرْآن
стр. 394
وتأدَّبوا، فلمَّا حَضَروه قَالُوا: أَنصِتوا ﴿فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩]، وأيضًا لمّا سمِعوا الْقُرْآن قَالُوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [الجن: ١ - ٢]، فوَرَثَة الأَنْبِياء مِن أهلِ العلمِ يمكن أنْ يحضُرَهُمْ أناسٌ من الجنّ يَنتفعون بعلمهم، وَلَيْسَ هَذَا ببعيدٍ، والغالب أن الجنّ لا يُرَى، فالجنّ مثل الملائكةِ، الأَصْل أَنَّهُم عالم غيبيّ، لكِن قد يُرَوْنَ.
فإِذَنْ نَقُول: ما كَانَ قد حدثَ من قبلُ أو هُوَ الْآنَ موجودٌ فليسَ من علم الغيبِ، فمَنِ ادَّعى معرفتَه لم يكنْ مكذِّبًا لله ورسولِه.
الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ: وَفِي قوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ إشارة إِلَى أن الله تَعَالَى فِي السَّماوَات، فيفيد أن الله فِي العُلُوّ، وقد خرَّج العُلَماء ذلك عَلَى أن ﴿فِي﴾ بمعنى (على) أو أن المُراد بالسَّماوَات الجهاتُ العليا؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى فوقَ العَرْش وَلَيْسَ عَلَى نفسِ السَّمَاء.
* * *
стр. 395
الآية (٦٦)
* * *
قَالَ اللهُ : ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل: ٦٦].
* * *
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أن هَؤُلَاءِ المكذِّبين بيوم القيامةِ عَلَى مراتبَ.
وقد رأيتُ كلامًا للزَّمَخْشَرِيِّ جَيِّدًا فِي هَذِهِ الآيَاتِ (١)، ففي قوله: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ ذكر أن المَعْنى أَنَّهُ بلغ عِلمهم بالآخِرَةِ غايتَه وأُعلموا بها ولم يَنتفعوا، وذكر أن ﴿ادَّارَكَ﴾ من (الدَّرَك) وَهُوَ الهلاك، يعني أَنَّهُ ضَعُفَ عِلْمُهم فِي الآخِرَةِ، ثُمَّ انتقل فقال: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾، ثُمَّ انتقل فقال: ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾.
فيَكُون بالإضافة إِلَى قوله: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ المراتب أربعة: أولًا: نفي الشعور، ثُمَّ ضعف العلم، ثُمَّ الشك، ثُمَّ العمى.
فتكون هَذِهِ الآيَة فيها إضرابات؛ انتقال من الأدنى إِلَى الأعلى، فَإِنَّهُ يَقُول: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٥]، ثُمَّ قَالَ: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ انتقالات، فالأوَّل: نَفْيُ الشعورِ، والثاني: ضعف
стр. 396
العلمِ، والثَّالثُ: الشكُّ، والرَّابع: العَمَى، يعني عَمَى القلب، والرَّابع أعلاها، يعني لَيْسَ عِنده عِلْم أبدًا، وأيضًا قد يَكُونُ عِنده علمٌ لَكِنَّهُ تَرَكَهُ وتَغَافَلَ عنه.
الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ: أنَّ الْإنْسَان الَّذِي لا يريد الحَقّ يَكُون له باعتبارِ قبولِه مَرَاتِب بعضها أشدُّ من بعضٍ، أي أَنَّهُ ينتقل من الأدنى إِلَى الأعلى، ولهَذَا قَالَ أهل العلم: إن المَعاصِيَ بَريد الكفرِ، ومعنى بريد الكفر أَنَّهُ يَنتقل بها الْإِنْسَان من مرحلةٍ إِلَى مرحلةٍ كما ينتقل البَريد، والبريد هو الساعي بالمكاتِيبِ إِلَى بلادٍ أُخرى، وكانوا فِي الزمن الأول يجعلون الرُّسُلَ بالكتبِ عَلَى مراحلَ، كُلّ بريدٍ فِيهِ مَنْطِقَة، إذا وصل إليها وقفَ وأعطاه الثانيَ، ثُمَّ يسعى الثاني من هَذَا البريدِ رقْم واحد إِلَى البريد رقْم اثنينِ ثُمَّ يقف، ثُمَّ يأخذها من رقم اثنينِ إِلَى رقمِ ثلاثةٍ حَتَّى يُنتهَى إِلَى البلدِ. يفعلون ذلك لِئَلَّا يَشُقَّ عليهم متابعة السير من البلد إِلَى البلد، وهَذَا يَكُون أسرع، ولذلك سُمِّي البريد بريدًا لهَذَا السَّبَب؛ لِأَنَّهُم يجعلون فِي كُلّ مساحةٍ بريدًا منَ الْأَرْض، والبريد كما هُوَ معروف أربعةُ فَراسخَ، والفرسخُ ثلاثةُ أميالٍ، اضْرِب ثلاثةً فِي أربعةٍ باثني عَشَرَ، إذن البريد اثنا عشر ميلًا.
ولذلك كانوا قديمًا يستعملون فِي إيصال الخطاباتِ بسرعةٍ إمَّا البريد كما ذكرنا وَإمَّا الحمَام، فيُربَّى حمامٌ يطير من مَحَلّ إِلَى محل ويعلَّق فِي عُنُقه أو فِي أرجلِه الرسائل، وطبعًا الرسائل ليست كبيرةً، لكِن قد تكون مثلًا رموزًا وإشاراتٍ ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ يعرِفها المكتوب إليه.
الشَّاهد: إن الْإِنْسَان إذا فعل معصيةً سواء اعتقاديَّة أو عملية فإن الشيطان يتدرَّج به من الأدنى إِلَى الأعلى حَتَّى يصل - والعياذُ بالله - إِلَى الكفرِ.
الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ: أن أهل الإِيمان باليومِ الآخرِ يزدادون بها بصيرة؛ لِأَنَّ عندهم
стр. 397
يقينًا وعلمًا وطمأنينةً بما أخبر الله به فِي كتابه وَعَلَى لسان رسوله، لكِن هَؤُلَاءِ بالعكس ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ و (مِن) هَذِهِ للابتداء، يَعْنِي: من أجلها صاروا عَمِين، أي: عَمِيَت بصائرهم. وسبب ذلك أَنَّهُم إذا كذَّبوا بها - والعياذ بالله - ازدادوا ضلالًا وظلمًا: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٤ - ١٢٥]، ولهَذَا قَالَ: ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا﴾ ما قَالَ: عنها عَمُون، قال: ﴿مِنْهَا﴾ أي: من هَذِهِ الآخِرَة، فبسببِ أَنَّهُم أنكروها ازدادوا عمًى وضلالًا والعياذ بالله.
* * *
стр. 398
<رمز> الآية (٦٧) </رمز>
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧)﴾ [النمل: ٦٧].
* * *
<رمز> من فوائد الآية الكريمة </رمز>:
<رمز> الْفَائِدَة الأُولَى </رمز>: تَلبيس أهلِ الضَّلال للحقِّ بالباطلِ؛ لِأَنَّهُم أَنكروا البعث واحتجُّوا بشُبهةٍ لا تُغْنِيهم منَ الحَقِّ شَيئًا، حيث يَقُولُونَ: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا﴾ نُخْرَج، فهَذهِ الشبهة إِنَّمَا تَنطلي عَلَى الجهّال، أَمَّا عَلَى أهل العلمِ والبصيرة فلا تَنْطَلي. المهمّ أن نأخذَ من هَذِهِ الآيةِ أو من هَذَا السلوكِ بَيَان أن أهل الباطل يُلَبِّسُون باطلهم بالشُّبُهات الَّتِي يُورِدُونها.
<رمز> الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ </رمز>: إنكارُ هَؤُلَاءِ للبَعث؛ لِأَنَّ الهمزةَ فِي قوله: ﴿أَإِذَا كُنَّا﴾ للإنكار.
<رمز> الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ </رمز>: أَنَّهُمُ احتجُّوا عَلَى تشبيههم هَذَا بأنهم وُعدوا هم وآباؤهم من قبلُ ولم يَرَوْا شيئًا. وهَذَا من التمويهِ وإلا فَهُمْ لم يُوعَدُوا أن يُبعثَ النَّاس اليومَ، بل وُعِدوا أنْ يُبعَثوا يوم القيامةِ؛ كما قَالَ الله تَعَالَى فِي آية أخرى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية: ٢٥]، فنَقُول لهم فِي ردّ هَذِهِ الشبهة: ما قُلْنَا لكم: إنكم تُبعَثون اليومَ حَتَّى تقولوا: ائتوا بآبائنا، قُلْنَا:
стр. 399
إنكم تُبعَثون يومَ القيامةِ وستُبعَثون، لكِن أهل الباطل يلبِّسون ويشبِّهون عَلَى النَّاس بالشبهات لإقرار باطلهمْ.
الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ: تأكيدُ إنكارِهِم؛ لِقَوْلهِم: ﴿أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾. يَعْنِي: أَتؤكِّدون لنا ذلك والأَمْر بعيدٌ لا يمكِن.
* * *
стр. 400
الآية (٦٨)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)﴾ [النمل: ٦٨].
* * *
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ مَن لا يريد الحَقّ فَإِنَّهُ لا يَتَبَيَّن له، فالْإِنْسَان الَّذِي لا يريد الْحَقَّ يُحْرَم منه فلا يَتَبَيَّن له، لِقَوْلِهِم: ﴿إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [النمل: ٦٨]، فجَعَلُوا أبينَ الأُمُورِ وأصحَّ الأُمُورِ وأوكدَ الأُمُورِ جعلوه أساطيرَ، والأساطيرُ كما هُوَ معروفٌ هِيَ عبارةٌ عن كلامٍ لا أصلَ له غالِبُها أكاذيبُ، فهَذَا القَوْلُ تقدَّم لنا فِي التفسيرِ أَنَّهُ إنْ كَانَ عن عقيدةٍ فقد لُبِّسَ عليهم الحقُّ، وإن كَانَ عن إنكارٍ فقد جَمَعوا بين التكذيبِ بالحق وبين عيبِ الحقّ، يعني جمعوا بين أمرينِ: أَنَّهُم كذبوا وعابوه، وَأَمَّا إذا كَانَ هَذَا عن عقيدةٍ بمعنى أَنَّهُم لا يرون أن هَذَا حقيقة وَأَنَّهُ أساطير فيَكُون هنا قد لُبِّس عليهم الْحَقَّ بسبب أَنَّهُم لا يريدونه، ولَا شَكَّ أن من لا يريد الْحَقَّ فَإِنَّهُ لا يوفَّق له ولا يُيَسَّر له.
وبهَذَا نعرِف أَنَّهُ ينبغي لطالب العِلْم عندما يبحث عن مسألةٍ أَنْ يَبحثَ عنها؛ لأجلِ أن يصلَ إِلَى الْحَقَّ، لا لأجلِ أنْ ينصرَ قولَه - ونسألُ الله العافية - بمعنى: افرِضْ أنك اختلفتَ أنت وزميلُك فِي مسألةٍ، وأردتَ أن تحقِّق ما قلتَ، فأنت عندما تُراجِع وتبحث لا تجعل رائدك أن تنتصرَ لنفسِكَ، فإنك ربما تُحرَم الوصولَ إِلَى الحقِّ، لكِنِ
стр. 401
اجْعَلْ رائدك الوصول إِلَى الحقّ، عسى أن يَكُون معك فتَحْمَد الله تَعَالَى أن يَسَّرَ لك الوصول إليه، وأن جعل بَيَان الْحَقَّ عَلَى يَدِكَ، أو يَكُون مَعَ خَصْمِكَ فتَحْمَد الله تَعَالَى أنَّ الله تَعَالَى يسَّر لكَ الرجوعَ عن الباطلِ، وهيَّأ لك الوصولَ إِلَى الحقِّ، فأنت عَلَى كُلِّ تقديرٍ فِي نعمةٍ ولكِن لِيَكُنْ رائدك الحقِّ. وهَذِهِ مسألة صعبةٌ جِدًّا عَلَى النفوسِ؛ أن يُراجعَ الْإِنْسَان فِي مثلِ هَذِهِ الأُمُور لأجل الوصولِ إلى الحقّ، فإن كثيرًا من النَّاس يُراجِع لأجلِ أن ينصرَ قولَه.
افرِضْ أنك تعتقد أن قولك هُوَ الصَّوابُ مائةً فِي المِئَةِ وأنت تراجع لتنصرَ قولَك، فهل هَذَا ينافي النيَّة الصَّحيحة؟
نعم، نَقُولُ: إن كنت تريدُ أن تراجعَ لِتَنْصُرَ قولَكَ لِأَنَّهُ الْحَقَّ فهَذَا لا ينافيه، لأنك إِنَّمَا تقصِد تقويةَ الْحَقَّ وإلزام الخَصْم به، وإن كنت تُرَاجع بنيّة أن تنصرَ قولَكَ ولو كَانَ هُوَ الْحَقَّ فالنيَّة فيها مدخولة.
فالحاصل: أن هَذِهِ مسألةٌ ينبغي للإِنْسَانِ أن يلاحظها، وَهُوَ أن مَن لا يريد الْحَقَّ لا يوفَّق له، بل يَلْتَبِس عليه الأَمْرُ، لِأَنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَه فِي أبينِ الأُمُورِ وأحقِّها، يَقُولُونَ: إنَّهَا أساطير الأوَّلين. وانظر إِلَى بَيَان السَّبَب فِي قوله تَعَالَى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]، يَعْنِي: كلَّا لَيْسَ الْقُرْآن أساطيرَ الأوَّلينَ، لكِن السَّبَب أَنَّهُم جعلوه أساطيرَ الأوَّلينَ أَنَّهُ ﴿رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ فعَمُوا عنِ الْحَقَّ أو تعامَوْا عنه.
فَإِنْ قَالَ قَائِل: إذا كَانَ قصدُه طلبَ الْحَقَّ وأحبَّ أن يَكُون هُوَ الْحَقَّ، هل فِي هَذَا شَيْء؟
стр. 402
فالجواب: لَيْسَ فِيهِ شَيْء؛ لِأَنَّ الَّذِي يُحِبّ أن يصيرَ قوله هُوَ الْحَقَّ يحبّ ذلك لأجلِ أن يَكُونَ إظهار الْحَقَّ عَلَى يدِه، وإن كَانَ قصدُه أن يَكُون قولُه هُوَ الْحَقَّ لأجلِ المغالبةِ فالمسألة فيها دَخَل، ولهَذَا مسائلُ النياتِ صَعْب جدًّا عَلَى الْإِنْسَان تَحقيقها، حَتَّى قَالَ بعض السلف: إني ما جاهدتُ نفسي عَلَى شيءٍ مجُاهدتها عَلَى الإخلاص، وهَذَا صحيحٌ.
فمِن أصعبِ الأُمُورِ الإخلاصُ للهِ ، ولهّذَا قَالَ الرَّسُول ﵊ لمَّا سأله أبو هريرة ﵁: مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ؟ قَالَ: "مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" لكِن شرط "خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ" (١) فهَذَا الشرطُ صعبٌ عَلَى كثيرٍ منَ النَّاسِ، وَلَيْسَ كُلّ مَن قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ فقد سَعِدَ بشفاعةِ الرَّسُولِ ﷺ ، أو كَانَ أسعدَ النَّاس بها، بل لَا بُدَّ أن يَكُون خالصًا من قلبِه، وإذا كَانَ خالصًا فثِقْ أَنَّهُ سيَكُونُ مُطيعًا لله، ولهَذَا الَّذِينَ يجادلون أحيانًا يَقُولُونَ: كيف تكفِّرون من ترك الصَّلَاة وَهُوَ يَقُول. لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ويؤمن بالله؟ ! نَقُول: نعم، لو قالها حقًّا ما تركَ الصَّلَاة، ونَجْزِم جزمًا أَنَّهُ لو كَانَ يعتقد ذلك حقًّا لطلبَ هَذَا الإلهَ؛ لِأَنَّ معنى: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أي: لا معبودَ بحقٍّ إِلَّا الله، فأين لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ من رجلٍ لا يعبدُ اللهَ بأعظم العباداتِ، ثُمَّ أيضًا لَيْسَ الإِيمان أنك تؤمنُ بأنَّ اللهَ موجودٌ، وأن هَذَا الكون مخلوقٌ، فهَذَا إيمان حَتَّى الْكُفَّار يؤمنون بهَذَا، فأيّ عاقل لو هُوَ أكفر النَّاس سيؤمن بأن الحوادثَ لَا بُدَّ لها من محدِثٍ، وَلَيْسَ هَذَا هُوَ الإِيمانَ، فالإِيمان أن تؤمنَ باللهِ ، بكلِّ ما تَضَمَّنَهُ معنى هَذِهِ الكلمةِ، وقد سبقَ لنا شرحُ الإِيمانِ أَنَّهُ يتضمَّن أربعة أمور.
الحاصل: أنَّ فِي هَذَا دليلًا عَلَى أنَّ الْإِنْسَان الَّذِي لا يريدُ الْحَقَّ لا يُوَفَّق له،
стр. 403
وَأَنَّهُ يُلبّسُ عليه فيظنّ أن ما جاءت به الرُّسُل من الحقائقِ أساطيرُ.
لَوْ قَالَ قَائِل: الَّذِي يطلب الْحَقَّ هل يصل إليه؟
فالجواب: نعم، إذا سَلَكَ طُرُقَه.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إذا وجدنا شخصًا ضالًّا هل نَجْزِم أَنَّهُ ما طلب الحق؟
فالجواب: لا، لَيْسَ عَلَى كُلّ حالٍ، قد يَكُون هناك أَشْيَاء مَنَعَتْ من هَذَا، عَلَى كُلّ حالٍ نحن نَقُول: إن هَذَا سببٌ، مَن عَمِل صالحًا دخل الجنَّة، وقد لا يَكُون له ذلك.
فالمهم: أن هَذِهِ الأَشْيَاء تُذكَر عَلَى أَنَّهَا أَسْبابٌ، والله يَقُول: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ﴾ [القمر: ١٧]، ويقول: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٦٨]، ، لمّا كَذَّبُوا بالرَّسُول ﵊ قَالَ الله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٨، ٦٩]، لكِن الْإِنْسَان قد يُحْرَم بأَسْبابٍ تكون خفيَّة عَلَى النَّاس، إِنَّمَا مَن طَلَبَ الحَقِّ بنيَّة وإخلاص فلا بدَّ أن يصل إليه، أَمَّا كون هَذَا الرجل ما وصل إِلَى الْحَقَّ ثُمَّ نَقُول: ما طلبه، فلا ندري.
فلَوْ قَالَ قَائِلٌ: ألا يُشْكِل عَلَى هَذَا قوله ﷺ : "إِذَا اجْتَهَدَ الحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطأَ فَلَهُ أَجْر وَاحِدٌ" (١)، فَهُوَ اجتهدَ وطلبَ الْحَقَّ ولم يَصِلْ إِلَى الحقِّ؟
فالجواب: أصل الاجتهادِ أنَّ المجتهِدَ لَا بُدَّ أنْ يَصِلَ إِلَى الحقِّ، ولا بد أن يَتبَيَّن
стр. 404
له الحقّ، إِلَّا أَنَّهُ قد يَكُون فِي هَذَا الاجتهادِ سببٌ منَ الأَسْبَابِ منعَ مِنَ الوصولِ إِلَى الحقِّ. وكلُّ مجتهدٍ معه آلةُ الاجتهادِ عَلَى ما يَنبغي.
ونعلم أن الْإِنْسَان المُجتهد إذا سلَك طُرُق الاجْتِهاد فلَا بُدَّ أن يصلَ، وإلا لبقيَ الْحَقَّ أعمى، لكِن هَذَا المجتهد إذا بذل جهدَه فإنه يصل، وجهده قد لا يَكُون هُوَ السَّبَب الوحيدَ الَّذِي يُوصِل إِلَى الحقّ، يَقُول: هَذَا جَهدي وهَذِهِ طاقتي، لكِن قد يَكُون عنده نقصٌ فِي العلمِ أو نقصٌ فِي الفهمِ، وَأَمَّا نقص السبل فقد يراجع المسألة فِي كتاب أو كتابينِ بينما أن هناك كتبًا أخرى تفيده أكثر مما راجع، فيَكُون هَذَا نقصًا فِيهِ، فحينئذٍ يخالفه الصَّوابُ من أجل ذلك، فليس معنى أَنَّهُ اجتهد أَنَّهُ أراد الْحَقَّ فقطْ، بل معناه أَنَّهُ بذلَ ما يستطيعُ مِن جهدٍ.
ولكِن هل بَذْلُ ما يستطيعه من جهدٍ هُوَ الطريقُ المؤدِّي إِلَى الحقِّ؟
الجواب: لا، ثُمَّ إنَّهُ إنْ طلبَ الْحَقَّ ومُنِعَ منه فَإِنَّهُ لا يعاقَب عليه، فالشَّيْء الَّذِي يغير اختياره لا يعاقب عليه، قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
* * *
стр. 405
الآية (٦٩)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩)﴾ [النمل: ٦٩].
* * *
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: بَيَان أهميَّة السير فِي الْأَرْض؛ ويُؤْخَذ من أمرِ اللهِ رسولَه أن يُبَلِّغَهُ إِلَى النَّاس.
وَقَدْ قُلْنَا: إن كُلّ حُكْم أو خَبَر يُصَدَّر بـ ﴿قُلْ﴾ فَهُوَ دليل عَلَى الاهتمامِ به، كَأنَّ الله تَعَالَى جعل له عناية خاصّة بالوَصِيَّة بإبلاغِه، وإلّا فجميع الكتاب الرَّسُول ﷺ مأمور بِتَبْلِيغِهِ ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٦٧]، لكِن كون هَذَا الأَمْر يُصَدَّرُ بـ ﴿قُلْ﴾ إذن ففيه عناية خاصَّة بتبليغه.
الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ: أن السير فِي الْأَرْض ذو فائدة عظيمةٍ، ولهَذَا أُمِرَ بإبلاغه عَلَى سبيل الخصوص.
الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ: أن السائرَ فِي الْأَرْض يَجِب عليه أن يَكُونَ سيره عَلَى سبيلِ التفكُّر والاتِّعاظ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ﴾ والأَمْرُ للوجوبِ، لا سِيّما إذا كَانَ هَذَا المُخاطَب مُعَانِدًا؛ لِأَنَّ الآيةَ هنا ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ يخاطب المعاندين الجاحدينَ، فَإِنَّهُ يَجِب عليه أن يسيرَ وينظرَ؛ لِأَنَّ هَذَا طريقٌ إِلَى هدايتِهِ.
стр. 406
الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ: أن عاقبةَ المجرمينَ وَخيمة؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ﴾، ﴿كَيْفَ﴾ هَذِهِ للتعظيمِ، أي أن عاقبتهم عظيمةُ الوخامةِ.
الْفَائِدَة الخَامِسَةُ: أن العِبرة بالعاقبةِ لا بالمبتدَإِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ﴾ فإذا رأيتَ هَذَا المجرِمَ قد نُعِّمَ فلا تظنَّ أَنَّهُ عَلَى حقٍّ، بل المعتبَر العاقبة، وستكون عاقبتُه وخيمةً.
الْفَائِدَة السَّادِسَةُ: أَنَّهُ أيضًا لا تَعْتَبِر الفرد فقط، فإنَّ مِنَ المجرمينَ مَن يبقى فِي تنعيمِه حَتَّى يموتَ، لكِن العِبرة بالكلِّ؛ ولهَذَا قَالَ: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ فإن المجرمينَ مهما كانوا لا يمكِن أن يستقرَّ لهم قَرارٌ.
فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: فِي الوقت الحاضرِ الْآنَ لا نرَى أن المجرمين عُوقِبوا، بل إنَّهُم مُنَعَّمُونَ غاية التنعُّم؟
فيقال: إن هَذِهِ الأُمَّة قد عهِد الله إِلَى نبيها ﷺ ألا يُعَذِّبَهُم بسَنَةٍ عامَّة (١)، ولَكِنَّنَا
نرَى فِي هَؤُلَاءِ المجرمين مِنْ جَعْلِ البأسِ بينهم وتفرُّقهم، وكذلك أيضًا عدم استقرارهم ما هُوَ عُقُوبة، فإن الَّذِي يَخْرُجُ إِلَى تلك الأُمَمِ يجد أَنَّهُم ليسوا مستقرِّين، حَتَّى إننا نَسمع أنَّ الْإِنْسَان ما يأمَنُ أن يجعلَ فِي جيبه دراهمَ، وَأَنَّهُ لو وُجِدَ فِي جيبه دراهم قُتِل، ولذلكَ لا يَتعامَلون هناكَ إِلَّا بالأوراقِ؛ أَوْرَاق التحويلِ الَّتِي يُسَمُّونَهَا بِاسمٍ خَاصٍّ نَسِيتُه؛ أوراقٌ يُكْتَب فيها أن هَذِهِ تُمَثِّل كذا دولار، لِأَنَّهُم لا يمكن أن يَتَعَامَلوا بالدراهمِ حتى لا يُقتل الْإِنْسَان.
الآية (٧٢)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النمل: ٧٢].
* * *
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ البلاءَ موكلٌ بالمَنْطِق، وأن الْإِنْسَان إذا استعجلَ الشَّرَّ وقعَ فِيهِ؟ ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ﴾، وعسى - كما قَالَ ابن عباس - إذا جاءتْ فِي كلامِ اللهِ فهي للوجوبِ (١)؛ لِأَنَّ معناها التوقُّع، وأن هَذَا أمرٌ قد حانَ وَقْتُه؛ إذ إنَّ الترجِّيَ بالنِّسْبَةِ إِلَى اللهِ غيرُ مُمْكِن؛ لِأَنَ الترجِّيَ طلبُ ما فِيهِ عُسْرٌ، ولا شَيْء عسير عَلَى الله .
الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ: سَعَة حِلْمِ اللهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي﴾ (بعض) دون الجميع، وهَذَا من حِلْم اللهِ تَعَالَى عَلَى عِبَاده، فإنّ هَؤُلَاءِ المكذِّبين لِرُسُلِهِ المنابِذِينَ لهم المتحدِّينَ لهم يُقَال لهم: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ وَلَيْسَ هَذَا بأوَّل دليلٍ عَلَى حِلْمِ اللهِ؟ بل له أمثلة كثير فِي الْقُرْآنِ؛ مِنْهَا قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ [البروج: ١٠]، يُحْرِقون أولياءَهُ بالنَّار وَيعْرِض عليهم التوبةَ، فهَذَا من أعظمِ الحِلْمِ؛ لِأَنَّهُ لو رُدَّ الأَمْرُ إِلَى
стр. 413
مراعاةِ العدلِ لأحرقَ اللهُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أحرقوا أولياءَهُ، ولا يَعْرِض عليهم التوبةَ، ولكِنَّ حِلْمَ اللهِ واسعٌ، ورَحْمَته سَبَقَتْ غَضَبَهُ.
فهنا قَالَ: ﴿رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي﴾ لا كُلّ الَّذِي تَسْتَعْجِلون، ونَقُول: هَذَا فضلٌ، وباب الفضل أبلغُ فِي الكمالِ، فهَذَا فضلٌ لِأَنَّ العدلَ أن يُعَاجِلَهُمْ بالعقوبةِ؛ لِأَنَّهُم فعلوا الذنبَ، وفاعلُ الذنبِ يُعاقَبُ عليه، بل هَذَا فضلٌ، والفضل أعلى من العدلِ، والله ﵎ مُعَامَلته لعبادِهِ دائرةٌ بينَ الفضلِ والعدلِ، وهناك أمرٌ ثالثٌ وَهُوَ الجَوْر؛ فإن المعاملة قد تكونُ جَوْرًا أو عدلًا أو فضلَّا. والجورُ مُمْتَنِعٌ فِي حقِّ اللهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]، والعدلُ والفضلُ حُكْمه بين عِبادِهِ دائرٌ بينهما، ولهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
* * *
стр. 414
الآية (٧٣)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٣].
* * *
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: بَيَان فَضْلِ اللهِ عَلَى عِباده.
الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ: أَنَّ العِبادَ وإنْ تَفَضَّلَ اللهُ عليهم فأكثرُهم لا يَشْكُرُ.
الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ: ذَمُّ غير الشاكرينَ؛ لِأَنَّ الآيَاتِ سِيقتْ لهم.
الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ: الثَّناء عَلَى الشاكرينَ، وهَذَا يُؤخَذ منه بالتضمُّن، وقد سبقَ لنا مِرارًا معنى الشكرِ وَأَنَّهُ لَيْسَ مجرَّد قول اللسان: أَشْكُرُ اللهَ.
* * *
стр. 415
الآية (٧٤)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٧٤].
* * *
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: بَيَان سَعَةِ عِلْم الله؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ وهَذَا دليلٌ عَلَى سَعَة علم الله ، وَأَنَّهُ لا يَخفَى عليه شَيْء.
الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ: تحذير هَؤُلَاءِ - وغيرهم أيضًا - من أن يُكِنُّوا فِي صدورهم ما لا يرضاه الله؛ لِأَنَّ إخبارَ الله بأنه يَعْلَم ذلك معناه التحذيرُ؟ أن نحذرَ من أنْ نُكِنَّ فِي صُدُورنا ما لا يَرضاه الله .
الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ: أن علم الله تَعَالَى بما بَطَنَ كعِلْمِهِ بما ظهرَ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿مَا تُكِنُّ﴾ و ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ فلا فرقَ بين هَذَا وهَذَا عند اللهِ، وإن كَانَ المخلوقُ يَختلِف عنده حُكْمُ الغائبِ والظَّاهرِ، فالغائب لا يعلمه المخلوقُ، والظَّاهرُ يعلمه، وحتى لو علِم الغائبَ بطريقٍ من الطرقِ فَإِنَّهُ لا يَستوي مَعَ علمِ الظَّاهرِ أَمَّا اللهُ فإنهما عنده سواءٌ.
* * *
стр. 416
الآية (٧٥)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٧٥].
* * *
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: كتابةُ اللهِ تَعَالَى كُلّ شيءٍ فِي اللوحِ المحفوظِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ وَيلْزَم منَ الكتابةِ العِلْم؛ لِأَنَّهُ لا يُكتب المجهولُ.
فإِذَنْ نَقُول: زيادة عَلَى أن الله عَلِمَ ذلك قد كَتَبَهُ فِي اللوحِ المحفوظِ.
الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ: إثبات مرتبتينِ من مراتبِ القضاءِ والقدرِ، وهما: العلم والكتابة.
الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ: الردُّ عَلَى الْقَدَرِيَّة، والْقَدَرِيَّة هم الَّذِينَ يُنْكِرون القَدَر، والْقَدَرِيَّة انقسموا إِلَى قسمينِ: غُلَاة ومُقْتَصِدينَ، فالغُلاة أنكروا حَتَّى العلم والتَّقْدير، وقَالُوا: إن الله لا يَعْلَم ما يعمله العبادُ إِلَّا بعدَ وقوعِه منهم، وَأَمَّا الشَّيْء الباطنُ أو المستقبَل فلا يعلمه، وبالضَّرورَة لم يكتبْه أيضًا، والثَّانِيَة: المقتصدون منهم، قَالُوا: إنَّ اللهَ عَلِمَ ما الخَلْقُ عاملونَ وكَتَبَهُ، لَكِنَّهُ لَيْسَ بمشيئتِهِ وخَلْقِهِ، بل المَرْءُ مُسْتَقِلٌّ به.
* * *
стр. 417
الآية (٧٦)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل: ٧٦].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الموجودينَ فِي زَمَنِ نَبِيّنا ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي: ببَيَان ما ذُكِرَ عَلَى وجهِه الرافعِ للاختلافِ بينَهم لو أَخَذُوا به وأَسْلَمُوا].
قوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ﴾ هَذَا الْقُرْآن يعني المنزَل عَلَى النَّبِيّ ﷺ ، وقرآنٌ إمَّا مَصْدَر بمعنى اسمِ المَفْعُول، وَإمَّا بمعنى اسْم فاعلٍ، أَمَّا عَلَى الأوّل (قرآن) مصدر بمعنى المَفْعُول؛ لِأَنَّهُ مَقْرُوء، أي: يُقْرَأ، وَهُوَ أيضًا مقروء من القَرْء بِمَعْنَى الجَمْع، فَهُوَ مجموعٌ وَهُوَ مَتْلُوٌّ، بمعنى الجمع والتلاوة، وَأَمَّا عَلَى أَنَّهُ مصدرٌ فإن (فُعْلان) تأتي مصدرًا، مثل الغُفْران والشُّكْران.
فَهُوَ فِي الحقيقةِ مصدرٌ بمعنى اسْم المَفْعُول، وَإمَّا مصدر مُطْلَق كالغفران والشكران، وَيصِحُّ أيضًا أن نجعله بمعنى اسْم الفاعلِ، بمعنى أَنَّهُ جامعٌ لأحكامِ الكتبِ السابقةِ، وهَذَا أيضًا وجهٌ ثالثٌ أن يَكُون الْقُرْآن بمعنى جامِع، وقد ذكرَ اللهُ تَعَالَى أن الْقُرْآن مُهَيْمِن عَلَى الكتبِ السابقةِ.
وقوله: ﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ القَصّ بمعنى التحدُّث بالشَّيْءِ، فهَذَا الْقرْآنُ
стр. 418
يَقُصُّ عَلَى بني إسرائيلَ الموجودينَ فِي عهدِ الرَّسُولِ ﵊ أكثرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَختلِفون، وسيأتي إنْ شاءَ اللهُ أمثلة لهَذَا.
قوله: ﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الذكور مِنهم والإناث؛ لِأَنَّ الابنَ إذا كَانَ المُرادُ به القَبيلة فَهُوَ شامل للذَّكَر والأنثى، وإذا لم يُرَدْ به القبيلةُ فَهُوَ خَاصّ بالذكورِ.
فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ مثلًا: هَذَا وقفٌ عَلَى بني مُحَمَّد (مُحَمَّد) شخص، فيَختصّ به الذكورُ، فإذا كَانَ القبيلة كلها تُسمَّى بني مُحَمَّد فَهُوَ للذكورِ والإناثِ.
وذلك مثل بني تَمِيم؛ إذا كَانَ الْإِنْسَان مُوقفًا عَلَى بني تميمٍ قبل أن يَكُونوا قبيلةً حين وجودِ الجدّ الَّذِي هُوَ تميم فَهُوَ خَاصّ بالذكورِ، وبعد أن كانوا قبيلةً يَكُون عامًّا للذكورِ وللإناثِ.
إِذَنْ: بنو إسرائيلَ هنا المُرادُ بهم القبيلةُ فيعمّ الذَّكَر والأنثى، وإسرائيل هُوَ يعقوبُ بنُ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ، فهم أبناء عمٍّ للعربِ؛ لِأَنَّ العرب أبوهم إسماعيلُ ابنُ إبراهيمَ، وهَؤُلَاءِ أبوهم يعقوبُ بنُ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ، يعني جَدّهم إِسْحاق الَّذِي هُوَ أخو إسماعيلَ، فهَؤُلَاءِ القوم يُنسبون إِلَى أبيهم، وإسرائيل بمعنى: عبد الله.
وبعض النَّاس اليومَ يَقُولُونَ: كيف نُسمِّي الدولة اليهودية إسرائيلَ، لماذا نسميها بهَذَا، فما الجواب؟
الجواب: أن هَذَا نسبة إِلَى أبيهم، ألسنا نسمِّي العربَ قُرَيْشًا نسبةً إِلَى جدهم قريش، فما نَقُول: بنو قريش، بل نَقُول: قُريش، فهنا تُسَمَّى القبيلة باسم أبيها. وإن كَانَ بلَا شَكّ أنَّ الأنسبَ أنْ تُسَمَّى بما سماها الله به؛ وهو: بنو إسرائيل، عَلَى أننا
стр. 419
أيضًا نشكّ فِي أن هَؤُلَاءِ اليهود الموجودين من بني إسرائيلَ، لا ندري لعلَّهم من أوربَّا أو من غيرها من البلاد الَّتِي ليستْ من بني إسرائيل، لكِن عَلَى كُلّ حالٍ فمثلما العرب الْآنَ يعتبرون العروبةَ بالعربيَّة، فيَقُولُونَ: مَن نطق بالعَربِيَّة فَهُوَ عربيّ، وإن كَانَ أصله أعجميًّا، فأولئك أيضًا يَقُولُونَ: مَن نطقَ بالعِبْرِيَّة فَهُوَ إسرائيليّ، وإنْ لم يكن من بني إسرائيلَ، ولهَذَا نحن نَجْزِم أن الطائفةَ الْآنَ الَّتِي تُسمَّى اليهود ليستْ كلها من بني إسرائيلَ، بل إِنَّمَا يَنتمون إِلَى هَؤُلَاءِ القومِ باعتبار الجامعِ بينهم وهو اللُّغة.
قوله: ﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي﴾: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي﴾ لم يقلْ: كُلّ الذي، بل قَالَ: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ فما الَّذِي يَخْرُج من الأكثرِ؟
يخرجُ الأقلّ، وذلك أن الْقُرْآن إِنَّمَا قصَّ عليهم ما فِيهِ مصلحة، أَمَّا ما لا مصلحةَ فِيهِ فَإِنَّهُ لا يَقُصُّه؛ لِأَنَّ الْقُرْآن كما تَعْلَمون هُدًى، وكل ما فِيهِ فَإِنَّهُ له معنًى ومقصود، فالشَّيْء الَّذي اختلفوا فيه وَالَّذِي لا فائدةَ منه لا يُقَصُّ عليهم، مثلًا اختلفوا فِي لونِ الكلبِ لأصحابِ الكهفِ، فهَذَا لا فائدة فِيهِ فائدة. كذلك اختلفوا فِي أَشْيَاءَ كثيرةٍ من هَذَا النوعِ ما قَصَّها الْقُرْآنُ، مثل البقرة الَّتِي أُمروا بذبحها، فقد اختلفوا مَن هِيَ له، فقيل: إنَّهَا لإِنْسَانٍ بارّ بابنِه، وَقيلَ: إنَّهَا لشيخ كبير، وَقيلَ أَشْيَاء كثيرة، لكِن هَذَا لا فائدة منه، فأكثر ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ مما فِي ذِكره فائدة لهم ولغيرهم يَقُصُّه هَذَا الْقُرْآن ليحكمَ بينهم.
ومن ذلك ما قصَّ عليهم فِي شأنِ عِيسى، فإنَّ عِيسَى كما هُوَ معروفٌ اختلفَ فِيهِ بنو إسرائيلَ، فمِنهم مَن كَذَّبه وأنكرهُ وزَعَمَ أنَّ أُمَّه بَغِيٌّ، ومنهم مَن غَلَا فِيهِ
стр. 420
وقال: إنَّهُ ابنُ اللهِ أو إنَّهُ إِلهٌ.
وكذلك أيضًا اختلافهم فِي السَّبْت وغير ذلك مِمَّا قصَّ اللهُ علينا فِي الْقُرْآن، فالْقُرْآن قصَّ أكثر الَّذِي هم فِيهِ يختلفونَ، وَأَمَّا ما لا فائدة من قَصِّهِ فتركه.
قوله: ﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ يَقُصُّ لأجلِ أنْ يُصَدِّقُوا بالْقُرْآن؛ لِأَنَّهُ إذا جاء هَذَا الْقُرْآن قاصًّا عليهم ما سبقَ ممّا فعلوه، والنَّبِيّ ﷺ قد عُلِم بأنه ما درسَ التوراةَ ولا درسَ عَلَى اليهودِ؛ عُلِمَ أن ما جاء به فَهُوَ حقّ، وهَذهِ هِيَ الحِكْمَةُ من كونه يَقُول: ﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ مَعَ أن هَذَا القَصَصَ لبني إسرائيل ولغيرهم، لكِنَّ بني إسرائيلَ عندهم من علمِ الكتابِ ما لَيْسَ عند العربِ، فإذا نزل هَذَا الْقُرْآن حاكمًا بينهم ويقصّ عليهم ما كانوا يختلفون فيه، دلَّ هَذَا عَلَى أَنَّهُ حقّ، فلهَذَا بُيِّنَ لهم لإقامة الحجّة عليهم، واللهُ أَعْلَمُ.
مسألة: القَصص مَصْدَر، والقِصَص جمعُ قِصَّة، ويَصِحّ القَصص بالفتحِ بمعنى قَصّ، قَالَ تَعَالَى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣].
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أن الْقُرْآن كلام؛ لِقَوْلِهِ: ﴿يَقُصُّ﴾ والقصص قولٌ، فالْقُرْآن إذن قولٌ.
ومعلوم أن الْقُرْآن نزلَ منَ الله، فيَكُون قولًا للهِ ، كما يَدُلّ عَلَى ذلكَ سياقُ الآياتِ ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ﴾ [النمل: ٧٨]، بهَذَا القَوْلِ الَّذِي قَصَّ عليهم.
الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ يجوز أن يُخَصَّ طائفةٌ ممن يُخَاطَبون من أجل إقامةِ الحجّة
стр. 421
عليهم، فإن ﴿الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وغيرهم، لكِنَّ بني إسرائيلَ اعتنَى بهم هنا؛ لِأَنَّ الموضوع فيما يَتَعَلَّق بهم.
الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ يَنبغي أن يُعتنى بما هُوَ أهمّ أو بما هُوَ مُهِمّ، وُيترك ما لا فائدةَ منه؛ لِقَوْلِهِ: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ولم يقصّ عليهم جميع ما يَختلفون فيه؛ لِأَنَّ ممّا اختلفوا فِيهِ ما لا فائدةَ من ذِكره، أو ما لا داعيَ لِذِكره. وهَذِهِ مسألةٌ يَنبغي للإِنْسَان أن يَعتني بها، بأن يَقتصرَ عَلَى المهمّ أو الأهمّ، وأن يدعَ ما لا فائدةَ منه؛ لِأَنَّهُ إضاعةٌ للوقتِ وتطويلٌ للكلامِ بلا فائدةٍ، ومن ذلك ما يوجد فِي كثيرٍ من التفاسيرِ؛ يذكرون الخلاف فِي أمور هِيَ فِي الحقيقة واحدة، فتجده مثلًا يذكر الخلافَ عن مُجَاهِدٍ ومُقاتِلٍ وعَلْقَمَةَ وابنِ مَسْعُودٍ وابنِ عَبَّاس، والاختلاف بينهم إِنَّما هُوَ فِي التعبير فقطْ، فمثلًا: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا﴾ [الإسراء: ٢٣]، يَقُول: قَالَ بعضُ العُلَماء: ﴿قَضَى﴾ بمعنى وصَّى، وبعضهم يَقُول: بمعنى عَهِد، وبعضهم يَقُول: بمعنى أوجدَ، وبعضهم يَقُول: بمعنى ألزمَ، فهَذَا لا داعيَ له؛ لِأَنَّ كُلّ هَذِهِ الكلمات الأربع تدلّ عَلَى معنًى واحدٍ.
كذلك أيضًا يذكرون الخلافَ فِي ما لا طائلَ تحته، كما ذكروا اختلافهم فِي كلبِ أصحابِ الكهفِ؛ هُوَ أسود أو أحمر أو أبيض ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وكذلك أيضًا اختلافهم فِي عِدَّة أصحاب الكهف، فإن الله تَعَالَى ذكر الخلافَ وأبطلَ قولينِ وأقرّ الثَّالثَ.
والمهمّ أن الله يَقُول - بعدما ذكر القَوْلين وأبطل الثَّالث -: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ [الكهف: ٢٢]، يَعْنِي: لا تتعمَّق إذا جاء أحد يجادلك فِي هَذَا الأَمْر؛ لِأَنَّهُ لا فائدةَ منه، فالشَّيْء الَّذِي لا فائدةَ منه أو فائدته
стр. 422
قليلةٌ ويُضيِّع عليك ما هُوَ أهمّ يَنبغي لك تجَنُّبُهُ، وهَذَا لَيْتَنَا نَسيرُ عليه فِي حياتنا كلِّها حَتَّى نستوعبَ الوقتَ بما فِيهِ الفائدةُ، لكِن ما أكثرَ الأوقاتَ الَّتِي تَضيعُ علينا، وما أكثرَ الأقوالَ الَّتِي تُقال ونُضِيعُ الوقتَ فيها.
الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ: الإشارة إِلَى الخلاف بينَ بني إسرائيلَ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ والاختلاف شرٌّ وليس رحمةً، وَأَمَّا (اختلافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ) فموضوعٌ لا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الله يَقُول: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١١٨، ١١٩]، لكِن لو صحَّ هَذَا الحديثُ مثلًا، أو قاله بعض أهل العلمِ من قولِه، فالمَعْنى: أن هَذَا الاختلافَ داخل فِي رحمة الله وَفي سَعَتِهِ بالنِّسْبَة للمختلِفينَ، أي أَنَّهُم لا يُعَذَّبُون.
وَلَيْسَ المَعْنى أن إيقاعَ الخلافِ بينهم من رحمةِ اللهِ، بل هُوَ من حكمةِ اللهِ، ولكِن رحمة الله وسِعَتْهُم، فلا يُقَال مثلًا: إنَّهُم معذَّبون بهَذَا الخلافِ، أو إن الواحدَ المصيب منهم له أجرٌ، والباقينَ مَحْرُومُونَ، أو مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: ما حكم من يَقُول: إذا كَانَ اختلاف العُلَماء رحمةً فلي أن آخذَ ما يناسبني من هَذِهِ الأقوالِ؟
فالجواب: بعض النَّاس يتَّخذ من هَذَا المَعْنى وسيلةً إِلَى جواز الترخُّص، هُوَ يَقُول: اختلافهم رحمةٌ بمعنى أنّ لي أنْ آخذَ بأحدِ الأقوالِ الَّتِي تناسبني، ولكِن لَيْسَ هَكَذَا، فإذا صدرَ من قولِ أهلِ العلمِ فَإِنَّهُ لا يَصِحّ إِلَّا عَلَى الوجهِ الَّذِي قلتُ، إنَّ المَعْنى أن هَذَا الاختلاف داخل تحتَ رحمةِ اللهِ، فلا يُعَذَّبُ أحدٌ عليه.
الْفَائِدَة الخَامِسَةُ: أن الاختلاف لَيْسَ بمحمودٍ.
لَوْ قَالَ قَائِل: منذ ظهور الإِسْلامِ إِلَى الْآنَ وظاهرةُ الاختلافِ موجودةٌ،
стр. 423
هل يمكِن أن يَكُون وجودها عَلَى خلافِ المصلحةِ؟
فالجواب: الحِكْمَةُ اقتضتْه؛ لِأَنَّ الصراع بين هَذِهِ الأقوالِ يَتبَيَّن به الْحَقَّ أكثر، ولذلك تجد الْإِنْسَان عندما يمرّ به قول لا خلافَ فِيهِ لا يتكلَّف الأدلَّة ولا يمرِّن نفسه عليها، فالصراعُ بين المختلفين فِيهِ حكمةٌ، وإلّا لو كانوا عَلَى قولٍ واحدٍ لكانَ أسلمَ بلَا شَكّ، والآية صريحةٌ فِي هَذَا.
* * *
стр. 424
الآية (٧٧)
* * *
* قَالَ اللهُ : قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧)﴾ [النمل: ٧٧].
* * *
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: الْقُرْآن [﴿لَهُدًى﴾ من الضلالة ﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ من العذاب].
قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى﴾ هَذِهِ الجملةُ مؤكَّدة بـ (إن) و (اللام). والهدى معناه الدلالةُ، فإن الْقُرْآن هدًى، يعني دلالةً، ولكِنه لا يَنتفعُ به إِلَّا المؤمنونَ؛ كما قيَّده به فِي قوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ أي: سببٌ للرحمةِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَان إذا اهتدى به نالَ رحمةَ اللهِ ، فيَكُون رحمة لكِن للمُؤْمِنيِنَ، والتقييد بالمُؤْمِنيِنَ لِأَنَّهُم المنتفِعون به. وقد ذكرَ اللهُ فِي الْقُرْآنِ أَنَّهُ هدًى للعالمَينَ، وَأَنَّهُ هدى للمُؤْمِنيِنَ وللمتَّقين، والجمعُ بينهما أَنَّهُ فِي حالةِ العمومِ معناه: دالٌّ وموضعُ دلالةٍ، وِفي حالة التقييدِ: أَنَّهُ ما انتفعَ به وَوُفِّقَ للاهتداءِ به إِلَّا مَن قُيِّدَ به.
وله هَذِهِ الآيَة من المطلَقِ أو مِن المقيّد؟ من المقيّد بالمُؤْمِنيِنَ.
إذًا (هُدًى) هَذَا العلم و (الرَّحْمَة) العَمَل والتَّوفيق؛ لِأَنَّهُ سبب الرَّحْمَة.
стр. 425
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: بَيَان مَرتبة الْقُرْآن وفضله، وَأَنَّهُ هدًى ورحمةٌ، هُدًى بالدلالةِ ورحمةٌ بالعَمَلِ به.
الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ لا ينال هَذَا الهدى وتلك الرَّحْمَةَ إِلَّا المؤمنونَ، لِقَوْلِهِ: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ لا معارضةَ بينَ هَذِهِ الآيَة وبينَ قولِهِ تَعَالَى فِي وصفِ الْقُرْآنِ ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥]، والجمعُ بينهما: أنَّ الإثباتَ هنا والإثباتَ هناك مُخْتَلِفِ الجهةِ"؛ فهناك ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ بمعنى: دليل لهم، فَهُوَ دليل لكلّ النَّاسِ، لكِن هل مَنِ استدلَّ به انتفع به؟ لا، قد يَهتدي به وقد لا يَهتدي، إِنَّمَا هُوَ نفسه صالحٌ للهدايةِ لجميعِ البشرِ.
الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ: فائدة الإِيمانِ، فلو لم يكنْ من فوائدِ الإِيمانِ إِلَّا هَذَا لَكَفَى؛ وَهُوَ الاهتداء بالْقُرْآن، ونَيل الرَّحْمَةِ به.
الْفَائِدَة الخَامِسَةُ: أَنَّهُ كلَّما كَانَ الْإِنْسَان أقوى إيمانًا؛ كَانَ أقوى اهتداءً بالْقُرْآن. وهَذَا مأخوذٌ من قاعدةٍ سَبَقَتْ، وَهِيَ أنَّ الحُكْمَ إذا عُلِّقَ بوصفٍ قَوِيَ ذلكَ الحكمُ بقوَّة ذلك الوصفِ، وضعُف بضعفِ ذلك الوصفِ، فما دامتِ الهدايةُ والرَّحْمَةُ معلَّقة بوصفِ الإِيمانِ فكلما ازداد هَذَا الوصفُ ازداد الهدى وازدادتِ الرَّحْمَةُ.
* * *