عليهم، فإن ﴿الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وغيرهم، لكِنَّ بني إسرائيلَ اعتنَى بهم هنا؛ لِأَنَّ الموضوع فيما يَتَعَلَّق بهم.
الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ يَنبغي أن يُعتنى بما هُوَ أهمّ أو بما هُوَ مُهِمّ، وُيترك ما لا فائدةَ منه؛ لِقَوْلِهِ: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ولم يقصّ عليهم جميع ما يَختلفون فيه؛ لِأَنَّ ممّا اختلفوا فِيهِ ما لا فائدةَ من ذِكره، أو ما لا داعيَ لِذِكره. وهَذِهِ مسألةٌ يَنبغي للإِنْسَان أن يَعتني بها، بأن يَقتصرَ عَلَى المهمّ أو الأهمّ، وأن يدعَ ما لا فائدةَ منه؛ لِأَنَّهُ إضاعةٌ للوقتِ وتطويلٌ للكلامِ بلا فائدةٍ، ومن ذلك ما يوجد فِي كثيرٍ من التفاسيرِ؛ يذكرون الخلاف فِي أمور هِيَ فِي الحقيقة واحدة، فتجده مثلًا يذكر الخلافَ عن مُجَاهِدٍ ومُقاتِلٍ وعَلْقَمَةَ وابنِ مَسْعُودٍ وابنِ عَبَّاس، والاختلاف بينهم إِنَّما هُوَ فِي التعبير فقطْ، فمثلًا: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا﴾ [الإسراء: ٢٣]، يَقُول: قَالَ بعضُ العُلَماء: ﴿قَضَى﴾ بمعنى وصَّى، وبعضهم يَقُول: بمعنى عَهِد، وبعضهم يَقُول: بمعنى أوجدَ، وبعضهم يَقُول: بمعنى ألزمَ، فهَذَا لا داعيَ له؛ لِأَنَّ كُلّ هَذِهِ الكلمات الأربع تدلّ عَلَى معنًى واحدٍ.
كذلك أيضًا يذكرون الخلافَ فِي ما لا طائلَ تحته، كما ذكروا اختلافهم فِي كلبِ أصحابِ الكهفِ؛ هُوَ أسود أو أحمر أو أبيض ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وكذلك أيضًا اختلافهم فِي عِدَّة أصحاب الكهف، فإن الله تَعَالَى ذكر الخلافَ وأبطلَ قولينِ وأقرّ الثَّالثَ.
والمهمّ أن الله يَقُول - بعدما ذكر القَوْلين وأبطل الثَّالث -: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ [الكهف: ٢٢]، يَعْنِي: لا تتعمَّق إذا جاء أحد يجادلك فِي هَذَا الأَمْر؛ لِأَنَّهُ لا فائدةَ منه، فالشَّيْء الَّذِي لا فائدةَ منه أو فائدته
стр. 422
قليلةٌ ويُضيِّع عليك ما هُوَ أهمّ يَنبغي لك تجَنُّبُهُ، وهَذَا لَيْتَنَا نَسيرُ عليه فِي حياتنا كلِّها حَتَّى نستوعبَ الوقتَ بما فِيهِ الفائدةُ، لكِن ما أكثرَ الأوقاتَ الَّتِي تَضيعُ علينا، وما أكثرَ الأقوالَ الَّتِي تُقال ونُضِيعُ الوقتَ فيها.
الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ: الإشارة إِلَى الخلاف بينَ بني إسرائيلَ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ والاختلاف شرٌّ وليس رحمةً، وَأَمَّا (اختلافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ) فموضوعٌ لا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الله يَقُول: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١١٨، ١١٩]، لكِن لو صحَّ هَذَا الحديثُ مثلًا، أو قاله بعض أهل العلمِ من قولِه، فالمَعْنى: أن هَذَا الاختلافَ داخل فِي رحمة الله وَفي سَعَتِهِ بالنِّسْبَة للمختلِفينَ، أي أَنَّهُم لا يُعَذَّبُون.
وَلَيْسَ المَعْنى أن إيقاعَ الخلافِ بينهم من رحمةِ اللهِ، بل هُوَ من حكمةِ اللهِ، ولكِن رحمة الله وسِعَتْهُم، فلا يُقَال مثلًا: إنَّهُم معذَّبون بهَذَا الخلافِ، أو إن الواحدَ المصيب منهم له أجرٌ، والباقينَ مَحْرُومُونَ، أو مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: ما حكم من يَقُول: إذا كَانَ اختلاف العُلَماء رحمةً فلي أن آخذَ ما يناسبني من هَذِهِ الأقوالِ؟
فالجواب: بعض النَّاس يتَّخذ من هَذَا المَعْنى وسيلةً إِلَى جواز الترخُّص، هُوَ يَقُول: اختلافهم رحمةٌ بمعنى أنّ لي أنْ آخذَ بأحدِ الأقوالِ الَّتِي تناسبني، ولكِن لَيْسَ هَكَذَا، فإذا صدرَ من قولِ أهلِ العلمِ فَإِنَّهُ لا يَصِحّ إِلَّا عَلَى الوجهِ الَّذِي قلتُ، إنَّ المَعْنى أن هَذَا الاختلاف داخل تحتَ رحمةِ اللهِ، فلا يُعَذَّبُ أحدٌ عليه.
الْفَائِدَة الخَامِسَةُ: أن الاختلاف لَيْسَ بمحمودٍ.
لَوْ قَالَ قَائِل: منذ ظهور الإِسْلامِ إِلَى الْآنَ وظاهرةُ الاختلافِ موجودةٌ،
стр. 423
هل يمكِن أن يَكُون وجودها عَلَى خلافِ المصلحةِ؟
فالجواب: الحِكْمَةُ اقتضتْه؛ لِأَنَّ الصراع بين هَذِهِ الأقوالِ يَتبَيَّن به الْحَقَّ أكثر، ولذلك تجد الْإِنْسَان عندما يمرّ به قول لا خلافَ فِيهِ لا يتكلَّف الأدلَّة ولا يمرِّن نفسه عليها، فالصراعُ بين المختلفين فِيهِ حكمةٌ، وإلّا لو كانوا عَلَى قولٍ واحدٍ لكانَ أسلمَ بلَا شَكّ، والآية صريحةٌ فِي هَذَا.
* * *
стр. 424
الآية (٧٧)
* * *
* قَالَ اللهُ : قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧)﴾ [النمل: ٧٧].
* * *
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: الْقُرْآن [﴿لَهُدًى﴾ من الضلالة ﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ من العذاب].
قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى﴾ هَذِهِ الجملةُ مؤكَّدة بـ (إن) و (اللام). والهدى معناه الدلالةُ، فإن الْقُرْآن هدًى، يعني دلالةً، ولكِنه لا يَنتفعُ به إِلَّا المؤمنونَ؛ كما قيَّده به فِي قوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ أي: سببٌ للرحمةِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَان إذا اهتدى به نالَ رحمةَ اللهِ ، فيَكُون رحمة لكِن للمُؤْمِنيِنَ، والتقييد بالمُؤْمِنيِنَ لِأَنَّهُم المنتفِعون به. وقد ذكرَ اللهُ فِي الْقُرْآنِ أَنَّهُ هدًى للعالمَينَ، وَأَنَّهُ هدى للمُؤْمِنيِنَ وللمتَّقين، والجمعُ بينهما أَنَّهُ فِي حالةِ العمومِ معناه: دالٌّ وموضعُ دلالةٍ، وِفي حالة التقييدِ: أَنَّهُ ما انتفعَ به وَوُفِّقَ للاهتداءِ به إِلَّا مَن قُيِّدَ به.
وله هَذِهِ الآيَة من المطلَقِ أو مِن المقيّد؟ من المقيّد بالمُؤْمِنيِنَ.
إذًا (هُدًى) هَذَا العلم و (الرَّحْمَة) العَمَل والتَّوفيق؛ لِأَنَّهُ سبب الرَّحْمَة.
стр. 425
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: بَيَان مَرتبة الْقُرْآن وفضله، وَأَنَّهُ هدًى ورحمةٌ، هُدًى بالدلالةِ ورحمةٌ بالعَمَلِ به.
الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ لا ينال هَذَا الهدى وتلك الرَّحْمَةَ إِلَّا المؤمنونَ، لِقَوْلِهِ: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ لا معارضةَ بينَ هَذِهِ الآيَة وبينَ قولِهِ تَعَالَى فِي وصفِ الْقُرْآنِ ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥]، والجمعُ بينهما: أنَّ الإثباتَ هنا والإثباتَ هناك مُخْتَلِفِ الجهةِ"؛ فهناك ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ بمعنى: دليل لهم، فَهُوَ دليل لكلّ النَّاسِ، لكِن هل مَنِ استدلَّ به انتفع به؟ لا، قد يَهتدي به وقد لا يَهتدي، إِنَّمَا هُوَ نفسه صالحٌ للهدايةِ لجميعِ البشرِ.
الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ: فائدة الإِيمانِ، فلو لم يكنْ من فوائدِ الإِيمانِ إِلَّا هَذَا لَكَفَى؛ وَهُوَ الاهتداء بالْقُرْآن، ونَيل الرَّحْمَةِ به.
الْفَائِدَة الخَامِسَةُ: أَنَّهُ كلَّما كَانَ الْإِنْسَان أقوى إيمانًا؛ كَانَ أقوى اهتداءً بالْقُرْآن. وهَذَا مأخوذٌ من قاعدةٍ سَبَقَتْ، وَهِيَ أنَّ الحُكْمَ إذا عُلِّقَ بوصفٍ قَوِيَ ذلكَ الحكمُ بقوَّة ذلك الوصفِ، وضعُف بضعفِ ذلك الوصفِ، فما دامتِ الهدايةُ والرَّحْمَةُ معلَّقة بوصفِ الإِيمانِ فكلما ازداد هَذَا الوصفُ ازداد الهدى وازدادتِ الرَّحْمَةُ.
* * *
стр. 426
الآية (٧٨)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٧٨)﴾ [النمل: ٧٨].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ كَغَيْرِهِم يومَ القيامةِ ﴿بِحُكْمِهِ﴾ أي: عَدْلِه ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالِب ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما يَحْكُم به؛ فلا يمكِّن أحدًا مخالَفَتَه كما خالفَ الْكُفَّارُ فِي الدُّنْيا أنبياءَهُ].
قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ أي: بين بني إسرائيل؛ لِأَنَّ السياقَ فيهم، ولهَذَا قَالَ: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ والمختلِفون يحتاجون إِلَى مَن يَحْكُمُ بينهم أيّهم عَلَى الصَّوابِ، فحُكْمُ اللهِ بينهم فِي الدُّنْيا ويَحْكُمُ بينهم يومَ القيامةِ، حَكَمَ بينهم فِي الدُّنْيا بما أنزله فِي الْقُرْآن المستفاد من قولِه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. ويحكمُ بينهم يومَ القيامةِ بالحكم العدلِ.
فمن جُملةِ ما قصَّ الله علينا فِي الْقُرْآن القضاءُ بين بني إسرائيلَ، فبنو إسرائيلَ اختلفوا فِي أَشْيَاءَ؛ كاختلافِهِمْ فِي المَسيحِ ﵊ وغيرِهِ، فحكمَ اللهُ بينهم بالْقُرْآن بأن هَؤُلَاءِ مُصيبونَ وهَؤُلَاءِ مخطِئون، فبيَّن أن اليهودَ أخطأوا والنصارى أخطأوا أيضًا، والمعتدِلون مِنَ النصارى أصابوا، لكِن الحكم الَّذِي يترتَّب عليه الثوابُ والجزاءُ يَكُون يومَ القيامةِ، فهنا الحكمُ فِي الدُّنْيا ما يَتبين به الْحَقَّ منَ الباطلِ،
стр. 427
وَأَمَّا فِي الآخِرَةِ فَهُوَ ما يَتَرَتَّب عليه الثوابُ والعقابُ.
وقول المُفَسِّر ﵀: [﴿يَقْضِى بَيْنَهُمْ﴾ كغيرِهِم يومَ القيامةِ]، لا يَتعيَّن أن يَكُون هَذَا القضاءُ يومَ القيامةِ، بل قد يَكُون فِي الدُّنْيا أيضًا، فإن القضاءَ كما يَكُون يومَ القيامةِ يَكُون أيضًا فِي الدُّنْيا.
وقد قَضَى بينهم فِي الدُّنْيا بما أنزلهُ فِي كتابِهِ، وبَيَّنَ الَّذِينَ عَلَى حقٍّ والَّذِينَ عَلَى باطلٍ من بني إسرائيلَ، وهَذَا نوعٌ منَ القضاءِ، ويومَ القيامةِ يَقضي بينهم قضاءً يَتَرَتَّب عليه الثوابُ؛ إمَّا بالعقوبةِ وَإمَّا بالإحسانِ.
فالحاصل: أن قول الله : ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ لا يَتعيَّن أن يَكُون يوم القيامة كما قيَّده به المُفَسِّر؛ لِأَنَّ القضاءَ كما يَكُون فِي الآخِرَةِ يَكُونُ فِي الدُّنْيا.
وقول المُفَسِّر: [كَغَيْرهِم] يفيد أن القضاءَ يومَ القيامةِ لَيْسَ بينَ بني إسرائيلَ فقطْ، بل بينهم وبين غيرهم، وهَذَا أمرٌ لَا شَكَّ فِيهِ ولا حاجةَ إِلَى تقديره؛ لِأَنَّهُ ما دام السياق فِي بني إسرائيلَ فإن كلمةَ (كغيرهم) لا يَنبغي أنْ تُقْحَم فِي هَذِهِ الآيَة؛ لأنك إذا أقحمتَ كلمة (كغيرهم) يَكُون كالاعتراضِ عَلَى الْقُرْآن؛ لِأَنَّ معناه أن المَقامَ يَقتضيه ولكِنه لم يبينْ. فنَقُول هنا: لا حاجة إِلَى تقديرِ: (كغيرهم) بل هُوَ يَقضي بينهم. والآيَة هنا لم تَتَعَرَّض للقضاءِ العامّ، وَأَمَّا القضاء العامّ فَهُوَ مستفادٌ من آيَاتٍ أُخرى.
قوله: ﴿بِحُكْمِهِ﴾ أي: بعدلِه، وهنا أضاف الحكمَ إِلَى اللهِ لأمرينِ:
الأَمْرُ الأوّل: أنَّهُ حكمٌ مُتَضَمِّن للعدلِ.
والأَمْرُ الثاني: أَنَّهُ حكمٌ لا يُعَقَّب، بل لَا بُدَّ أن يُنَفَّذ، بخلافِ حُكم غيرِه فَإِنَّهُ
стр. 428
عُرْضَة للخللِ من الناحيتينِ؛ من ناحية أَنَّهُ قد يَكُون غيرَ عدلٍ، ومن ناحية أَنَّهُ قد يَكُون غير مُنَفَّذ.
قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ﴾ أي: عدله، وهَذَا طرفٌ أو جزءٌ مِمَّا يَدُلّ عليه قوله ﴿بِحُكْمِهِ﴾؛ إذ إنَّهُ يَدُلّ عَلَى الأَمْرينِ اللذينِ ذكرنا.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالب]، وقد تقدَّم فِي شرح الأسماء الحسنى أن العزيز له ثلاثةُ معانٍ، وهي: عِزّة القهر، وعزة القَدْر، وعزة الامتناع؛ لِأَنَّ ﴿الْعَزِيزُ﴾ معناه المُمْتَنِع عن كُلّ نقصٍ الَّذِي لا يَلْحَقه نقصٌ، وَأَنَّهُ غالب وَأَنَّهُ ذو قَدْرٍ عظيمٍ.
وغالبًا ما يفسِّر المُفَسِّر وغيره ﴿الْعَزِيزُ﴾ بالغالبِ؛ لِأَنَّهُ أظهر معانيه، ولأنه يَكُون أحيانًا فِي سياقٍ يَقتضي أن تكون الغَلَبَة أخَصَّ به من غيرها.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ بما يَحْكُمُ به]، وهَذَان الأَمْران من شروطِ الحُكم؛ لِأَنَّ مَن حَكَمَ بغيرِ علمٍ أصاب حُكْمَه الخللُ، ومن حَكَمَ بغير عزّة أصاب حكمه الخللُ أيضًا:
فالأوّل الَّذِي هُوَ فواتُ العلمِ: يَحصُل به خللُ الحكمِ فِي إصابةِ الصَّوابِ؛ لِأَنَّ مَنْ حَكَمَ بغيرِ علمٍ فإصابته للصوابِ من باب المصادفةِ.
الثاني: إذا فاتت العزّة حَصَلَ الخَلَلُ بالحكمِ، لا من ناحية الصَّوابِ ولكِن من ناحيةِ التنفيذِ، فَإِنَّهُ إذا كَانَ لَيْسَ له عِزّة وحَكَمَ بامرٍ فقد يخالَف فِي هَذَا الأَمْر؛ لِأَنَّ الضعيف الَّذِي لَيْسَ عنده عِزَّة لا ينفّذ، فلهَذَا قَالَ: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ليتبينَ الأَمْرانِ، فالحكم يَفتقر إِلَى الوصفينِ جميعًا؛ وهما العزّة والعِلم.
стр. 429
فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: كيف يُقَدِّمُ العزيزَ عَلَى العليمِ، والعلمُ سابقٌ من حَيْثُ الترتيبُ الحكميُّ؛ إذ إنَّهُ يَعْلَم ثُمَّ يَحْكُم ثُمَّ يُنَفِّذ؛ لِأَنَّ العزة تتعلَّق بالتنفيذِ، والتنفيذ بعدَ الحكمِ، والعلم يتعلّق بالحكمِ، والحكمُ سابقٌ عَلَى التنفيذِ، فما هِيَ الحِكْمَةُ فِي أن يقدِّم العزَّة هنا عَلَى العلمِ؟
قُلْنَا: لِأَنَّ المقامَ هنا يَقتضي بَيَان قوّة حُكم اللهِ ، وأن هَذَا الحكم لَا بُدَّ أن يَنْفُذ؛ لِكونِه صادرًا عن عزيزٍ، فَكَانَ من المناسِبِ تقديم العزّة عَلَى العلم.
ونظير هَذَا قوله تَعَالَى عن الملائكة لما قالت امرأةُ إبراهيمَ حينما صكّت وَجْهَها وقالت: ﴿عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذاريات: ٢٩]، قالوا: ﴿قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الذاريات: ٣٠]، فقدّموا الحِكمةَ عَلَى العِلمِ، مَعَ أن العلم سابق؛ إذْ لا حكمةَ إِلَّا بعلمٍ، لَكِنَّهُ لمّا كَانَ هَذَا أمرًا خارجًا عنِ العادةِ ومُسْتَغْرَبًا قدَّموا الحِكْمَةَ لِيَتبَيَّنَ لها أَنَّهُ ما خَرَجَ ذلك عنِ العادةِ إِلَّا لحكمةٍ.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ فلا يُمَكِّن أحدًا مخالفتَه كما خالفَ الكفّار فِي الدُّنْيا أنبياءَه]، الحكم فِي الدُّنْيا -كما قَالَ المُفَسِّر- يخالَفُ، والمُراد الحكمُ الشرعيّ، أَمَّا الحكمُ الكونيّ فلا يمكن أن يُخَالَف؛ لا فِي الدُّنْيا ولا فِي الآخِرَة، فلا أحدَ يَقدِر أن يخالفَ اللهَ، والحكمُ الشَّرْعِيّ يمكِن مخالفتُه فِي الدُّنْيا كما هُوَ كثير، بل أكثرُ النَّاسِ يُخالِفون الحكمَ الشَّرْعِيّ فِي الدُّنْيا؛ لِأَنَّ بني آدمَ مِنهم تسعمائة وتسعة وتسعون من الألفِ كلهم مخالِفون للحكمِ الشَّرْعِيّ، وواحد فِي الألفِ موافِقٌ للحُكم الشَّرْعِيّ، والدَّليل حديث آدمَ أن الله يناديه يوم القيامةِ فيقول: "يَا آدَمُ. فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ. فَيَقُولُ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ. فَيَقُولُ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ
стр. 430
تِسْعَمِائَةٍ وَتسْعَةً وَتِسْعِينَ، وَاحِدٌ فِي الجَنَّةِ وهَؤُلَاءِ فِي النَّارِ" (١). هَذَا النصّ.
يقولُ ابنُ القَيِّمِ فِي النونيَّة (٢):
يَا سِلْعَةَ الرَّحْمَنِ لَيْسَ يَنَالهُا ... فِي الْألفِ إِلَّا وَاحِدٌ لَا اثْنَانِ
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أن القَضاء موكولٌ إِلَى اللهِ وحدَه؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ﴾.
الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ: أن كُلّ قضاءٍ لا يَستنِد إِلَى قضاءِ اللهِ فَهُوَ باطلٌ.
الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ: إثباتُ العدلِ للهِ ، لِقَوْلِهِ: ﴿بِحُكْمِهِ﴾ فإن إضافةَ الحكمِ إِلَى اللهِ دليلٌ عَلَى أَنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى العدلِ.
الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ: أن هَذَا الحُكْمَ يَتَضَمَّن الحُكم الشَّرْعِيّ والحكمَ الجزائيّ، فيقضي بينهم بحُكمه شرعًا فِي الدُّنْيا، وبجزائه عدلًا فِي الآخِرَةِ، لِقَوْلِهِ: ﴿يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ﴾ وهَذِهِ مستفادة من التفسيرِ.
وتقدّم أن إضافةَ الحكمِ إِلَى اللهِ تقتضي أمرينِ: أحدهما: العدل، والثاني: الإصلاح.
يعني ما دامَ حكمًا مضافًا إِلَى الله وقد عُلِم أَنَّهُ حكيمٌ
стр. 431
فإن هَذَا الحكمَ لَا بُدَّ أن يَكُون مناسبًا وموافقًا لمَحَلّه. وكلُّ حُكم وافقَ مَحَلّه فَهُوَ إصلاح؛ لِأَنَّ هَذَا يتضمَّن العدل والإصلاح.
الْفَائِدَة الخَامِسَةُ: وصف الله تَعَالَى بالعزّة والعلمِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾.
الْفَائِدَة السَّادِسَةُ: قَرْن العزّة مَعَ العلمِ فِي هَذَا الموضعِ يُستفاد منه فائدة مستقلّة غير فائدة العزّة عَلَى حدةٍ والعلم عَلَى حدةٍ، يعني يُستفاد من جمعهما فائدة مكوَّنة منهما، وهي: أن حكمَ اللهِ لَا بُدَّ أن ينفذَ، لِقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾، ولا بد أن يَكُون مطابِقًا وصحيحًا، لِقَوْلِهِ: ﴿الْعَزِيزُ﴾ لأَنّنا قُلْنَا فيما سبق: إن من تمامِ الحكمِ العلمُ والعزّة، فالعِلم ليحكمَ بالصَّوابِ، والعزّةُ لينفذَ ما حكمَ به، وإن خلل الحكم يأتي إمَّا منَ الجهلِ وإمَّا من الضعفِ؛ إمَّا لجهلِ الحاكمِ فيحكم بغير الصَّواب، وَإمَّا لضعفِه فلا يستطيع أن ينفذَ.
إِذَنْ: يُؤخَذ من جمع هذين الوصفينِ لله عَقِبَ ذِكْرِ الحكم: تمام حكمِ اللهِ، حَيْثُ كَانَ مبنيًّا عَلَى العزّة والعلمِ، فبالعزّة يَكُون التنفيذُ، وبالعلم يَكُون الصَّواب.
الْفَائِدَة السَّابِعَةُ: تقديم الأخصّ مِنَ الأوصافِ عَلَى الأعمِّ، فالأخصُّ معناه الأنسبُ للقضيّة، فهنا قدَّم العزَّة عَلَى العلمِ مَعَ أن العلمَ سابقٌ عليها فِي الترتيبِ الحكميّ؛ ففِي الترتيب الحكميّ العلم أسبقُ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَان يعلم ثُمَّ يحكم ثُمَّ ينفِّذ. لكِن هنا قدَّم العزَّةَ على العلمِ فِي الذِّكر، وقد تقدّم فِي التفسيرِ.
* * *
стр. 432
الآية (٧٩)
* * *
قَالَ اللهُ : ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩]
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ثِقْ بِه ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ أي: الدِّين البَيِّن، فالعاقبةُ لكَ بالنصرِ عَلَى الكفَّار].
قوله: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ الخطاب للنبيِّ ﷺ ، والأَمْر هنا للوجوبِ، والتوكُّل نصفُ الدينِ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]، وقال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، ولا استعانةَ إِلَّا باعتمادٍ، ولهَذَا يَقُولُونَ: إنَّ الدِّين عِبَادةٌ وتَوَكُّل؛ عبادةٌ يَفعلُها الْإِنْسَان، وتَوَكُّل يَعتمِد به عَلَى اللهِ .
هنا قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ثِقْ بِه]، وفسَّره غيرُه بأنَّ التوكُّلَ هُوَ الاعتمادُ عَلَى اللهِ مَعَ الثِّقَة، فلا بدَّ مِنِ اعتمادٍ وثقةٍ، وبهما يَكُون التوكُّل، فقد تَعْتَمِدُ عَلَى غيرِ اللهِ مثلًا لكِن لا تَثِق به، وقد تَعْتَمِد عَلَى إِنْسَانٍ فِي أنْ يشتريَ لك شيئًا، ولكِنَّك مَعَ هَذَا لا تَثِقُ به، وقد تَثِق بالْإِنْسَان فِي أمانتِهِ ولكِنَّك لا تَعْتَمِد عليه لِضَعْفِه، والأوَّل إمَّا لضعفه أو خيانته، أَمَّا اللهُ فيَجِب عليكَ أنْ تَعْتَمِد عليه واثقًا به، ولا يُمْكِن تحقيقُ التوكُّل إِلَّا بهَذَا.
إِذَنِ: التوكُّل عَلَى اللهِ: الاعتمادُ عليه مَعَ الثِّقة به، فلا بدَّ منَ الأَمْرينِ؛ من اعتمادٍ وثقةٍ. والأَمْرُ بالتوكّل لا ينافي فِعْلَ الأَسْبَابِ الصَّحيحةِ الَّتِي تؤثِّر فِي المُسبَّبَات؛ فإن
стр. 433
الرَّسُول ﷺ بلَا شَكّ كَانَ سيّدَ المتوكِّلين، ومع ذلك كَانَ يفعل الأَسْبَاب الَّتِي تحصُلُ بها المنافعُ وتَندَفِع بها المضارُّ؛ كَانَ يأكل ويشرب ويلبس. وَكَانَ أيضًا يتّخذ ما يَقِي مِنَ الضَّرَرِ، حَتَّى إنَّهُ فِي أُحُدٍ ظَاهَرَ بينَ دِرْعَيْهِ (١)، يَعْنِي: لَبِسَ دِرْعَيْهِ، كُلّ ذلكَ تقويةً للأَسْبابِ الَّتِي تندفِعُ بها الأضرارُ.
فإِذَنِ: التوكُّل عَلَى اللهِ لا يَعني ألَّا تأخذَ بأَسْبابِ النجاحِ، بل خُذْ بالأَسْبَابِ مَعَ الاعتمادِ عَلَى اللهِ تَعَالَى والثِّقة به أنْ يَنْفَعَ بهَذَا السَّبَب.
ولمّا حَجَّ قومٌ من أهل اليمنِ وَلَيْسَ معهم زادٌ قَالُوا: نحن نحجّ ونحن المتوكّلون؛ فماذا قيل لهم؟ قيل لهم: أنتمُ المتواكِلون (٢)، ففرقٌ بين التواكُلِ والتوكّل، فالْإنْسَان الَّذِي يريد أنْ تأتيَه الأُمُورُ بدونِ فِعْلِ أَسْبابها هَذَا متواكِل وَلَيْسَ عنده عقلٌ، والبهائم والحشرات وغيرها تفعل الأَسْبَاب، مَعَ أنّ الَّذِي قامَ بِرِزْقِها وتكفّل به هُوَ اللهُ : ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، ومع ذلك تجدها تفعل الأَسْبَاب، بل قَالَ الرَّسُول ﵊: "لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكلِهِ لَرَزَقَكُمْ كمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ؛ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا" (٣)، لم يقلْ: تبقى فِي أوكارها ويأتيها رِزْقُها، قَالَ: تغدو، أي: تَذْهَب فِي الصباحِ فِي الغدوِّ خِماصًا،
стр. 434
يَعْنِي: جائعةً، وتَرُوحُ فِي آخرِ النَّهار بِطانًا: مَلآنة بُطُونُها.
فالْإِنْسَان المتوكِّل هُوَ الَّذِي يأخذُ بالأَسْبَاب النافعةِ، أَمَّا الأَسْبَاب الَّتِي لا تنفعُ فإن الأخذَ بها نوعٌ من الشِّرْك، فكُلّ مَن أخذ بسببٍ لَيْسَ بنافعٍ - يعني ما دلَّ عَلَى نفعه الحِسّ ولا الشَّرع - فَإِنَّهُ قد فَعَلَ نوعًا منَ الشِّركِ. ولهَذَا التمائمُ والتعوُّذات والتِّوَلَة ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ من الأُمُورِ الَّتِي يَزْعُمُون أَنَّهَا تفعل وهي لا تفعل، جَعَلَها النَّبِيّ ﷺ منَ الشِّرْكِ؛ لأننا نَقُولُ فِي تقريرِ هَذَا: كُلّ مَنِ اتَّخذ سببًا غيرَ نافعٍ، يعني لا يَدُلّ عَلَى نفعِه شرعٌ ولا حِسٌّ، وإن شئتَ قُلْ: شرع ولا قَدَر، فَإِنَّهُ مُشْرِك.
ووجه كونه مشركًا أنه أثبتَ سببًا لم يجعلْه اللهُ سببًا، فكَانَ مُشَارِكًا لله تَعَالَى هنا فِي تقديرِهِ؛ لِأَنَّ مقدِّر الأَسْبَاب وجاعلَ الأَسْبَابِ سببًا هُوَ اللهُ، فهَذَا إِلَى اللهِ، فأنت إذا قلتَ: هَذا سببٌ، وَهُوَ لَيْسَ بسببٍ، فقد أشركتَ مَعَ الله، وجعلتَ نفسَكَ شَريكًا مَعَ اللهِ .
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: مَنِ اتخذ سببًا مُحَرَّمًا مثل الرِّبا، هل يُعَدُّ مِنَ الشِّركِ؟
فالجواب: هَذَا لا يُعدّ مِنَ الشرك؛ لِأَنَّ هَذَا السَّبَب حِسِّيٌّ، فكونه سببًا للرزقِ سببٌ حِسّيّ، لَكِنَّهُ مُحَرَّم شرعًا، فالذي يُرابي اتَّخذ وسيلةً تُحَقِّق له الرِّبْحَ قَدَرًا؛ لِأَنَّهُ إذا قَالَ: أُعطيك عشرةً وتردّها اثني عَشَرَ، فهَذَا سببٌ للربحِ، لَكِنَّهُ سببٌ قدريٌّ، لِأَنَّ اللهَ ما أذِن فِيهِ شرعًا، لكِن إذا وقعَ عَلِمنا أَنَّهُ أذِن فِيهِ قَدَرًا، وهَذَا لَيْسَ بشِركٍ؛ لِأَنَّهُ سببٌ قَدَرِيٌّ، إِنَّمَا هُوَ محرَّم لِأَنَّهُ منهيٌّ عنه شرعًا.
إِذَنِ: التوكُّل عَلَى الله هُوَ الاعتماد عَلَى الله مَعَ الثقةِ به، لَيْسَ مجرّد الاعتماد، بل مَعَ الثقة، ولا ثِقة إِلَّا برجاءٍ. ثُمَّ إن التوكّل قُلْنَا: لا ينافي فعلَ الأَسْبَاب الَّتِي جعلها الله تَعَالَى سببًا شرعًا أو قَدَرًا.
стр. 435
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل يَصِحُّ أن تقول لفلانٍ منَ النَّاس: أَعتمِد عليك فِي إنجاز هَذَا الأَمْر؟
فالجواب: ليس فيها شيءٌ، بشرطِ أن يَكُونَ حقيقةً ممَّا يُمْكِنُ الاعتمادُ عليه فيه؛ لِأَنَّ الاعتماد على الأَسْبَاب الحقيقيَّة جائزٌ، لكِن مَعَ اعتقادِ أَنَّهُ سببٌ لا أَنَّهُ مستقلّ.
وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: ما حُكْمُ قول العوامّ عِندنا: (وَكِّلِ اللهَ)؟
فالجواب: الظَّاهرُ أن معنى (وَكّلِ الله) عندهم: اعتَمِدْ عَلَى اللهِ، وَلَيْسَ المَعْنى: اجْعَلِ اللهَ وَكِيلًا لكَ، أو معناه أن الله تَعَالَى يَكُون شاهدًا عليك، فليس المقصود أنِّي أنا فِي قِيامي بأمركَ مثل قيام الله تَعَالَى بأمرِكَ، فهم قصدُهم: اعتمد عليَّ الله ووكِّلْه عليَّ شهيدًا؛ لأَنَّنا لو نَظَرْنا إِلَى ظاهرِ اللفظِ فالمَعْنى أني أنا لكَ بمنزلةِ اللهِ، وهم لا يريدون هذا، أو المَعْنى (وَكِّل الله) أيِ: اعتمِدْ عَلَى الله، وكذلك قولهم: (اتكل عليَّ) لَيْسَ فِيهِ شَيْء، وقولهم: (الله وكلك) لَيْسَ فِيهِ شيءٌ، أي جَعَلَكَ وكيلًا لي بالصيغةِ الَّتِي نطقت بها؛ لِأَنَّهُ الله وكَّله بلَا شَكّ؛ لِأَنَّهُ إذا وقع الأَمْر فَهُوَ بقضاءِ اللهِ، وكذلك قولهم: (اتَّكِلْ عَلَى اللهِ) فهَذهِ صحيحةٌ وطيِّبَةٌ.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [قوله: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ الدِّين البَيِّن]، فسَّر المُفَسِّر الْحَقَّ بالدينِ، والمبينَ بالبَيِّن، وَلَيْسَ هَذَا بجيدٍ؛ لِأَنَّ الدينَ منه حقٌّ ومنه باطلٌ، ولهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [الفتح: ٢٨]، وهَذَا هُوَ الدين الباطِلُ، فالدينُ الْحَقّ يَظْهَر عَلَى الدّين كلِّه، أي: عَلَى الدينِ الباطلِ. فتفسيرُ المُفَسِّر الحَقَّ بالدينِ قُصُورٌ بلَا شَكّ، بلِ الْحَقَّ هنا الثابتُ بِصِدْقِ أخباره وعدل أحكامِهِ.
وأمَّا قوله: ﴿الْمُبِينِ﴾ ففسَّره بالبيِّن، وَعَلَى هَذَا جعل (أبان) من اللازِمِ؛ لأنَّ بان يَبِينُ فَهُوَ بَيِّن، وأبان يُبِينُ فَهُوَ مُبِين. وهل تَصِحّ أن تكونَ بمعنى (مُظْهِر)؟
стр. 436
الجواب: لا، بَيِّن هنا أنسبُ مِن مُظْهِر، فهَذَا الْحَقّ بَيِّنٌ ظاهرٌ.
وفي قوله: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ تثبيتٌ للرَّسُولِ ﷺ عَلَى أنْ يَبقى عَلَى ما هُوَ عليه مُعتمِدًا عَلَى اللهِ ﵎؛ لِأَنَّ الْإِنْسَان إذا عَلِم أَنَّهُ عَلَى حقٍّ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ وتَرْسُخُ قدماهُ، وإذا كَانَ شاكًّا أو مُتَرَدِّدًا فَإِنَّهُ لا يثبتُ، فَأَمَرَه أن يعتمدَ عليه، وَبَيَّنَ له أن ما كَانَ عليه مِنْ هَذَا الدِّينِ فَهُوَ حقٌّ بَيِّنٌ ظاهِرٌ.
وإعراض هَؤُلَاءِ المُعْرِضِينَ عنه لا يَقْدَحُ فِي كونِه بَيِّنًا؛ لِأَنَّ البلاءَ لَيْسَ منَ الْقُرْآن؛ فالبلاءُ مِنهم، ولهَذَا أعقبهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل: ٨٠].
فالحاصل الْآنَ: أن اللهَ أمرَ نبيَّه أنْ يَعتمِدَ عَلَى اللهِ، وبَيَّنَ له الحالَ الَّتِي كَانَ عليها، وأن هَذَا الدينَ حقٌّ بَيِّنٌ، ثُمَّ بَيَّنَ أن إعراضَ مَن أعرضَ عنه لَيْسَ لِقُصُورٍ فِي بَيَان هَذَا الدينِ وظهورهِ، ولكِن لِقُصُورٍ فِي هَؤُلَاءِ المُعْرِضينَ؛ لِأَنَّ الدِّينَ هنا بالنِّسْبَةِ إليهم لم يصادِفْ مَحَلًّا، وكما هُوَ معروفٌ أن الأَمْرَ إذا لم يُصادِفْ مَحَلًّا قابِلًا لم يَثبتْ، حَتَّى إنَّ الْإِنْسَان لَيَقْرَأُ آيَةً عَلَى مريضٍ فيَشْفَى، ويَقْرَؤها عَلَى مريضٍ آخرَ بنفسِ المرضِ فلا يَشفَى؛ لِأَنَّ المريض الأوّل قابِلٌ مؤمنٌ بتأثيرِهَا والثانيَ لَيْسَ مؤمنًا بتأثيرها فلا تَنْفَعه، فلا بدَّ فِي الأُمُورِ من قابليّةٍ، يعني مَحَلًّا يَقْبَلُ هَذَا الشَّيْء، وإذا لم يَقْبَلْ فلا يُمْكِن أن يُلائِمَه.
وهَذَا كما أَنَّهُ فِي الأُمُورِ الشَّرْعِيَّة، كذلك أيضًا فِي الأُمُورِ الْقَدَرِيَّة، فلو أَنَّنَا زَرَعْنَا قلبًا فِي إِنْسَانٍ، ونفرَ منه الجسمُ فلا يبقَى، بل يموتُ، أو زَرَعْنَا كُلْيَة فِي إِنْسَانٍ ونفرَ مِنْهَا الجسمُ، فإنها لا تَبْقَى، فتَتَعَفّن ويموت، فكل شَيْء لَا بُدَّ أن يَكُون المحلُّ قابلًا له، فإنْ لم يقبلْه فلا مكان له.
الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ والخامِسَةُ: شَهادة الله تَعَالَى لمِا جاء به الرَّسُول بأَنَّهُ حقّ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ هو ومن هَذِهِ الفائدةِ نَستفيد فائدةً أُخرى، وهي: الترغيبُ فِي سلوكِ طريقِ النَّبِيّ ﷺ ما دامَ حقًّا؛ لِأَنَّ كُلّ إِنْسَانٍ عاقلٍ يَختار الحَقَّ عَلَى الباطلِ.
الْفَائِدَة السَّادِسَةُ: فضيلة النَّبِيّ ﷺ حَيْثُ كَانَ مَسْلَكه الحقّ المُبِين؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ فهَذَا فِيهِ شَهادة منَ الله وتزكيةٌ للرَّسُولِ ﵊، وَهُوَ يَتَضَمَّن فضيلةَ الرَّسُولِ ﷺ ؛ لِأَنَّ الشهادةَ مِنَ اللهِ أَنَّهُ عَلَى الْحَقَّ المُبين.
الْفَائِدَة السَّابِعَةُ: أن كُلّ ما خالفَ ما كَانَ عليه الرَّسُول ﵊ فَهُوَ باطلٌ؛ لأَنَّنا لو قُلْنَا: إنَّهُ حقٌّ لَلَزِمَ الجمعُ بين النقيضينِ، فلا يمكن أن يَكُونَ ما كَانَ عليه الرَّسُول حقًّا وهَذَا حقّ، فلا يُمْكِن وَهُوَ يخالفه؛ إذ هَذَا جمْع بين النقيضينِ، فلا يُمْكِن أن يَكُون الشيئانِ المتناقضانِ كُلّ منهما حقّ، فلَا بُدَّ أن أحدهما هُوَ الحق، ولهَذَا يَقُول الله : ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢]؛ ويقول تَعَالَى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ﴾ [سبأ: ٢٤]، إحداها ﴿لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]، وبهَذَا نعرف أن جميع ما خالف ما كَانَ عليه الرَّسُول ﵊ فَهُوَ باطل، وَهُوَ فِي النَّار كما قَالَ الرَّسُول ﷺ : "كُلّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً" (١).
فإن كانت المخالَفَةُ تامَّةً فَهُوَ باطل كلّه، وإن كانت المخالفة جُزْئِيَّة كَانَ فِيهِ منَ الباطلِ بِقَدْرِ ما خالفَ ما كَانَ عليه الرَّسُول ﷺ .
الْفَائِدَة الثَّامِنَةُ: ظهور أحقيَّة ما كَانَ عليه الرَّسُول ﵊ أَنَّهُ حقّ لَيْسَ به خَفَاء؛ لِقَوْلِهِ: ﴿الْمُبِينِ﴾.
стр. 439
الْفَائِدَة التَّاسِعَةُ: أَنَّ بَيَان الْحَقَّ لا يَلْزَم منه أن يَكُونَ بَيِّنًا لكلِّ أحدٍ، فإن الخفافيشَ تَعْمَى بِضِيَاء النَّهارِ، فلا يَلْزَم من كونِ الرَّسُول ﵊ عَلَى الْحَقَّ المُبِين أن لا يُعْرِض عنه أحدٌ، ولهَذَا أعقبه بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ يعني لا تظنَّ أن هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَعْرَضوا أَعْرَضوا لأنك عَلَى باطلٍ، بل لعدمِ قابليّة المَحَلِّ، وكما هو معروف أن الشَّيْءَ وإنْ كان تامًّا إذا لم يَجِدْ مَحَلًّا قابلًا لم يَكُنْ له تأثيرٌ، فرجلٌ معه سيفٌ مُصْلَتٌ، وحادّ للغايةِ، وأمامه عمودٌ من حديدٍ صُلْب، وَهُوَ يَنْتَخِي (١) ويَقُولُ (٢):
أنا ابنُ جَلَا وَطَلَّاعُ الثَّنَايَا ... ...............
ويَضْرِب هَذَا الصُّلب بالسيف يريد أن يقطعَه، فهل ينقطع هَذَا؟
نَقُول: لا، لِعَدَمِ قابليَّة المَحَلّ، فالْآنَ السَّبَب موجودٌ: سيف صارِم، ورجل شجاعٌ، ورجل يعزِّز نفسه وَيتَشَجَّع وَيصِيح بهَذَا العمودِ منَ الحديدِ، وطبعًا إذا صار بهَذهِ الحالةِ سيَضْرِب بقوّة، ومع ذلك لم يؤثِّر؛ لِأَنَّ المَحَلّ غير قابل.
فما كَانَ عليه الرَّسُول ﵊ منَ الحَقِّ المُبِين، وَهُوَ حقّ مُبين بلَا شَكّ بَيِّن ظاهِر، وعدمُ سماعِ هَؤُلَاءِ له لَيْسَ لِخَلَلٍ فيه، فالسَّبَب تامّ، لكِن الخَلَل فِي المَحَل، فهو غير قابل لهَذَا الحقّ، ولهَذَا ما أحسنَ هَذِهِ الآيَةَ بعدَ الآيَةِ الَّتِي قبلها: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ فلا تظنَّ أَنَّك لستَ عَلَى حقٍّ، لكِنَّ هَؤُلَاءِ مَوْتَى.
* * *
стр. 440
الآية (٨٠)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل: ٨٠].
* * *
قَالَ المُفَسِّر: [﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ الدِّين البيِّن، فالعاقبةُ لكَ بالنصرِ عَلَى الْكُفَّار، ثُمَّ ضَرَبَ أمثالًا لهم بالموتَى وبالصُّمِّ وبالعَمَى فقال: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾.
وهَذَا مَثَل كما قَالَ المُفَسِّر؛ لِأَنَّ الرَّسُول ﷺ ما خرجَ إِلَى المقابرِ يَدعو أهلَ القبورِ حَتَّى يُقَال له: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ وإنما دعا الأحياءَ.
وبالنِّسْبَةِ لدعاءِ الأحياءِ فإنَّ النَّاسَ انْقَسَمُوا فِي هَذِهِ الدَّعْوَةِ إِلَى قِسمينِ: قِسمٌ قَبِلَها واطمأنَّ إليها فَهُوَ حيٌّ، ولهَذَا قَالَ الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠)﴾ [يس: ٧٠]، لِيَتَبَيَّنَ أن المُراد بالحياةِ هنا حياة القلبِ وحياة الإِيمان، لا الحياة الجسديَّة، لِأَنَّ مقابلة الشَّيْء بالشَّيْءِ تفيدُ، معناه ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ لَيْسَ حياةَ جسمٍ، لو كانت حياة جسمٍ لقال: ويحقّ القَوْل عَلَى الموتى، ولكِن قَالَ: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ وبهَذَا عرفنا أن كُلّ حياةٍ فِي مثل هَذَا السياق فالمُراد بها حياةُ القلب، لا حياة الجِسْم.
قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾: ﴿الْمَوْتَى﴾ جمع ميِّت، والمُراد به هنا ميِّت القلب، أو نَقُول: إن المُراد به ميِّت الجسدِ، ويَكُون هنا تشبيهًا؛ أي: أن هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تدعوهم
стр. 441
ولم يؤمنوا كالموتى، لو أتيتَ إِلَى ميتٍ وقلت: يا فلان، اعبدِ الله وآمِن بالرَّسُول ﷺ واتقِ الله، فإنه لا يَنتفِعُ، كالحجَر لا ينتفع، ولَا شَكَّ أنَّ الرَّسُول ﵊ قرَّر الحَقِّ عَلَى الَّذِينَ أُلقوا في قَليب بدرٍ وقال لهم: "هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبُّكُمْ حَقًّا، فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا" (١)، وقال: "لسْتُمْ بِأسْمَعَ لمِا أَقُولُ مِنْهُمْ" (٢) لكِن هَذا عَلَى سبيلِ التوبيخِ، لا عَلَى سبيل الدَّعْوَةِ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ مهما كَانَ لا يمكن أنْ يُجيبوا فِي هَذِهِ الحالِ إجابةَ دعوةٍ.
ولهَذَا فالكافرُ لا يَنتفع انتفاعَ ثوابٍ بما يسمع عند قبرِهِ من تلاوةٍ أو ذِكر، وبه نَعرِف بدعة هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ابتدعوا القراءة عَلَى القبورِ، يَظُنُّون أن الميِّت يَنتفع، فنَقُول: لا يمكن أن ينتفعَ انتفاعَ الثوابِ، أَمَّا انتفاع تَخْفِيف عِقاب فهَذَا ربما يَنْفَع، لكِن لما لم يَرِدْ؛ فصار منَ البِدَع، وإلّا فهم يزعمون أن ذلك يخفِّف العذاب؛ لِأَنَّ الرَّسُول ﷺ قَالَ فِي الجريدتين: "لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُما مَا لَمْ يَيْبَسَا" (٣)، وقَالُوا: إن العِلَّة فِي ذلك أَنَّهَا قبل اليُبْسِ تُسَبِّح الله، فيُخَفَّف عنه لكونِهِ يُسَبَّحُ عندَ قَبْرِهِ، ولكِن هَذَا لَيْسَ بصحيح.
إِذَنْ: قوله: ﴿لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ يَحتمِل أن يُراد بالموتَى هنا مَوْتَى القلوب، وحينئذٍ فالآيَةُ لَيْسَ فيها تشبيهٌ، أو أَنَّهُم مَوتَى الأجسامِ، فيَكُون هَؤُلَاءِ مُشَبَّهِين بالموتَى.
стр. 442
قوله: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾: ﴿الصُّمَّ﴾ مَفْعُول أوَّل، ﴿الدُّعَاءَ﴾ مَفْعُول ثانٍ، وفاعل ﴿تُسْمِعُ﴾ مُسْتَتِر وُجُوبًا، قال: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ يَعْنِي: لا تجعل الصُّمّ الَّذِينَ لا يَسمعون لا تَجْعَلهم يَسْمَعُون دعاءَكَ، والمُرادُ بالدعاءِ الطَّلَب، لَيْسَ دعاء الله، يعني لو دَعَوْتَ أصمّ وقلتَ: يا فلانُ يا فلانُ؛ فإنه لا يسمع.
وقوله: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ هل هُوَ دعاء الله تَعَالَى، يعني أنك إذا دعوتَهم لا يسمعون، أو الدعاء طَلَبهم؟
نَقُول: المُراد طلبهم، فالمُراد: لو دَعَوْتَهم ما سَمِعوك، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]، يعني دعوتكم إيَّاه، ودعوته إيَّاكم، فيشمل الأَمْرينِ عَلَى القَوْلِ الصَّحيحِ.
أيضًا إذا كانوا صُمًّا ووَلَّوْا مُدْبِرِينَ يَكُون هَذَا أبلغَ؛ لِأَنَّ الأصمَّ إذا كَانَ مُقابلًا لكَ ربَّما يَفْهَمُ الخِطَابَ بحركاتِ الشفتينِ، لكِن إذا وَلَّى مُدْبِرًا لو تَرْمِي المدافِعَ خَلْفَه لا يَسْمَعُ، ولهَذَا قَالَ: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾، وهَذَا غاية ما يَكُون مِن بُعْدِ السمع؛ والحقيقةُ أنَّ هَؤُلَاءِ حالهُم كحالِ هَؤُلَاءِ الصُّمِّ المُدْبِرِين؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ مُعْرِضون عنِ الْحَقَّ غير قابلينَ له، فلذلك صار هَذَا التشبيهُ بهم من أبلغِ ما يَكُونُ، فهُم صُمٌّ غيرُ سامعينَ، ومع ذلك غيرُ مُقْبِلِينَ؛ لِأَنَّ الأصمَّ إذا أقبلَ عليك كما قلتُ رُبَّما يَفْهَم منك بعضَ الشَّيْءِ، لكِن إذا كَانَ مُدْبِرًا فليسَ فِيهِ رجاءٌ ولا أَمَل، فقوله: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ أقربُ ما يَكُونُ للتمثيلِ والتشبيهِ، يعني شَبَّهَهُم برجلٍ أصمَّ وَلَّى مُدْبِرًا، فكونها تَشبيهًا أقربُ، وإلَّا هنا يجوزُ أنْ نَقُولَ: إنَّهُم صُمٌّ وإنَّ السمعَ انتفَى عنهم لانتفاءِ فائدتِهِ، والشَّيْء قد يُنْفَى لانتفاءِ فائدتِهِ كما فِي قولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٢١)﴾ [الأنفال: ٢١].
ولكِنَّه لَيْسَ بصحيحٍ، بل ﴿عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ مُتَعَلِّق ب (هادي)، وَيكُون (هادي) بمعنى صارفٍ؛ لِأَنَّ الهدايةَ تَتَضَمَّنُ أمرينِ: الصَّرْف عنِ الضلالِ، والدلالة عَلَى الحقِّ، فيقول: ما أنتَ بصارفٍ هَؤُلَاءِ عن ضلالتهم إِلَى الحقِّ.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنْ﴾ ما ﴿تُسْمِعُ﴾ سماعَ إفهامٍ وقَبُولٍ ﴿إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ مُخْلِصُون للهِ تَعَالَى بِتَوْحِيدهِ].
قوله: [﴿إِنْ﴾ ما]، أي (إنْ) بمعنى: (ما)، ونحن ذكرنا قَبْلُ أن ﴿إِنْ﴾ تأتي لعدةِ أمورٍ: فتأتي شرطيَّة، وتأتي نافيةً، وللتَّوكيدِ، وهي المخفَّفَةُ مِنَ الثقيلةِ، وتكون زائدةً، فالزائدة فِي قوله (١):
بَنِي غُدَانَةَ مَا إنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ... وَلَا صرِيفٌ وَلَكِنْ أنتُمُ الخَزَفُ
فقوله: (ما إنْ أَنْتُمُ) أي: ما أنتم، ولهَذَا قَالَ ابن مالِكٍ (٢):
إِعمالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ (مَا) دُونَ (إِنْ) ... مَعَ بَقَا النَّفْيِ وَتَرْتِيبٍ زُكِنْ
إعمال (ما) دون (إنْ) يَقْصِد ب (إنِ) الزائدة، ومَثَّلُوا لها بالبيتِ السابقِ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ الميِّتَ لا يَسْمَع، والمُراد بالميِّت هنا مَيِّت القلب، أو الموتى مَوْتَى الأجسامِ عَلَى سبيلِ التمثيلِ. فإذا كَانَ ميِّتَ القلبِ فالأَمْرُ ظاهرٌ أَنَّهُ لا يَسْمَعُ سماعًا يَنتفِع به، وإلَّا فَهُوَ يَسْمَعُ سماعَ إدراكٍ لَكِنَّهُ لا يَنْتَفِعُ به.
الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ: استدلَّ بهَذ الآيَةِ مَن قَالَ: إنَّ الموتى فِي قُبُورِهِم لا يَسْمَعُون.
стр. 446
وهَذه المسألةُ اختلفَ فيها أهلُ العلمِ، مِنهم مَن قَالَ: إنَّ الموتى يَسمعون ولكِن لا يُجيبونَ، ومنهم مَن قَالَ: إنَّهُم لا يَسمعون، وَيَقْبَلُ ما وردتْ به السنَّة من سماعهم لكِنّه يَقْصُرُهُ عَلَى ذلك، فيقول: فيما عَدَا ذلك لا يَسْمَعُ الميتُ، والسنَّة وردتْ بأنَّ الميِّتَ إذا دُفِنَ وتولَّى عنه أصحابُه فَإِنَّهُ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالهِمْ (١)، والسنَّة وردتْ بما ثبتَ عنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ وقف عَلَى أصحابِ قَلِيبِ بَدْرٍ من المشركينَ وجعلَ يُؤَنّبهُم: "يَا فُلَانَ ابْنَ فُلَانٍ، يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ، بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ: هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا، فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا؟ ". فقَالُوا: يا رسولَ اللهِ، كيفَ يَسْمَعُون وأَنَّى يُجِيبُوا وقد جَيَّفُوا؟ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لمِا أَقُولُ مِنْهُمْ" (٢)، فهَذَا الكَلامُ الْآنَ والمناداةُ كان عندَ الدفنِ أو عند إلقاءِ الميِّت أو تسليمِهِ للآخرةِ، فلا يَقتضي أن يسمعَ كُلّ وقتٍ.
ومن العُلَماءِ مَن قَالَ: إنَّهُ يَسْمَعُ كُلَّ وقتٍ، كشيخِ الإِسْلامِ ابنِ تَيْمِيَّة (٣)، ويَستدِلُّون بالحديثِ الَّذِي رواه ابنُ عبدِ البَرِّ وصَحَّحَهُ، وهو: "مَا مِنْ أَحَدٍ يَمُرُّ بِقَبْرٍ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِلَّا رَدَّ اللهُ عَلَيْهِ رُوحَهُ فَرَدَّ السَّلامَ" (٤)، فيُصَحِّحُونَ هَذَا الحديثَ، لكِن بعضهم يُضَعِّفه ويقول: إنَّهُ لا يَصِحّ (٥)، ولكِنَّ هَذَا الحديثَ لا يَنبغي
стр. 447
أنْ يَكُونَ هُوَ رَكيزةَ مَن يَقُول: إن الموتى يَسمعونَ، بل إنَّنا إذا قُلنا: الموتَى يَسمعونَ، قد نستدلّ بحديثٍ أصحّ مِن هَذَا، وَهُوَ ما ثبتَ عن النَّبِيِّ ﵊ أَنَّهُ يزورُ المقبرةَ ويقول: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ المُؤْمِنيِنَ" (١)، وتوجيه السلام إليهم فِي الخطابِ يَدُلّ عَلَى أَنَّهُم يسمعونَ، وإلَّا لكانَ يَقُول: السلامُ عَلَى أهلِ الديارِ مِنَ المُؤْمِنيِنَ، ولا يَقُول: عليكم.
وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: إن هَذَا من بابِ قوَّة الاستحضار؟
قُلْنَا: قوَّةُ الاستحضارِ لا تَحتاج إِلَى الدُّنُوِّ، ولهَذَا نحن نَقُول: "السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيِّ" وإن كنَّا بَعيدينَ، ولا يُسَنُّ أن نَقُولَ الْآنَ هنا: السلامُ عليكم أهلَ الديارِ منَ المُؤْمِنيِنَ حَتَّى نَحْضُرَ إليهم، فدلَّ هَذَا عَلَى أَنَّهُم يسمعونَ.
يَبقى عندنا: إذا كانوا يَسمعون، فما هُوَ الجوابُ عن هَذِهِ الآيَة ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾؟
نَقُول: المُراد بالسماعِ سماعُ القبولِ إذا كَانَ المقصودُ بالموتى موتى القبورِ، أو السماع الَّذِي تَحْصُلُ به الإجابةُ، وسماعُ الإدراكِ الدنيويِّ هَذَا لا يُمْكِن، يعني لَيْسَ سماعُ الميِّتِ لمِا يَتكلَّم به الْإِنْسَان كإدراكِ الحيِّ؛ بل هُوَ سماعٌ لا نعرف كيفيَّته، إِنَّمَا هُوَ سماع لا يمكِن أنْ يُجِيب معه، إِلَّا إذا أرادَ اللهُ ﵎ إحياءَهُ وتكلَّم ونطقَ فهَذَا يُمْكِن، مثل صاحب البقرةِ فإنَّ صاحبَ البقرةِ ضَرَبُوه ببعضها فأحياه اللهُ وتكلَّم ومات، ولكِنَّه لم يَتكَلَّمْ ولم يُجِبْ إِلَّا بعدَ أنْ حَيِيَ حَياةً دنيويَّةً ثُمَّ أماته الله.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: ما وجه الدلالة من حديثِ: "مَا مِنْ أَحَدٍ يَمُرُّ بِقَبْرٍ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا
стр. 448
إِلَّا رَدَّ اللهُ عَلَيْهِ رُوحَهُ فَرَدَّ السَّلَامَ"؟
فالجواب: وجهُ الدلالةِ من الحديثِ قوله: "إِلَّا رَدَّ عَلَيْهِ رُوحَهُ" فكلَّما سلَّم عليه أحدٌ ردَّ الله عليه رُوحه وعرَفه، إذن هُوَ يسمع.
على كُلّ حالٍ: الموتى لا يَسمعونَ كُلّ كلامٍ، فمثلًا لو مررتَ أنتَ وصاحبٌ لكَ بجوارِ قبرٍ وأنتما تتكلمانِ لا يَلْزَم من هَذَا أَنَّهُم يسمعونَ، لا يسمعون إِلَّا الخطابَ الموجَّه إليهم، وإن كَانَ ظاهرُ كلامِ الفقهاءِ أَنَّهُم يَسمعون حَتَّى ما لا يُخاطَبون به.
فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: هم يسمعون سلامنا فقطْ، وإذا كلّمناهم مرةً أخرى لا يسمعون؟
فالجواب: يَسمعون مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ إذا كَانَ السَّبَب فِي هَذَا السماعِ - الخطاب - خاطبناهم، وما دام الخطابُ إذا سَمِعُوه مرةً سمعوه مرةً أخرى فما المانِع.
وَلَوْ قِيلَ: إن الرُّوح تُنْزَع بَعْد السلام؟
نَقُول: الظَّاهرُ أَنَّهَا إذا رُدَّت فإنها إذا انتهى السلام لم تَسْمَعْ، فنحن نَقُول: كلَّما خُوطِبوا ردَّ اللهُ عليهم أرواحَهم فسمِعوا.
بَقيَ أن يُقالَ: هل يَسمعون بدونِ مخاطبةٍ؟
ظاهر كلام الفقهاءِ أيضًا أَنَّهُم يَسمعون، ولهَذَا قَالُوا: إن الميّتَ يتأذَّى بفعل المنكَرِ عندَه من قولٍ أو فعلٍ، وَعَلَى رأيِ الفقهاء - ولا أدري ما مُسْتَنَدُه - يَسمعون حَتَّى ما لم يُخاطَبُوا به، وعليه أيضًا يَكُون الْإِنْسَان إذا شَرَّفَ القبرَ بالأحجارِ الَّتي تُلْقَى عليه أو بالكتاباتِ أو بغير ذلك فإن الميتَ يتأذَّى به؛ لِأَنَّ هَذَا مِنَ المنكَر، فتشريف القبرِ وتمييزه عَلَى غير من القبورِ هَذَا منكَر ولا يجوزُ، فعلى كلامِ الفقهاءِ يتأذَّى الميِّت
стр. 449
بذلكَ، وَيكُون هَذَا الَّذِي أرادَ تشريفَ ميتِه هو فِي الحقيقةِ آذاهُ، وَأَمَّا سَماع الميّتِ صَبَاحَ الجُمُعة فغيرُ صحيحٍ.
الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ: أنَّ مَن لم يَقْبَلِ الحَقّ فَهُوَ بمنزلةِ الأصمِّ الَّذِي لا يَسْمَعُه؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾.
الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ: أنَّ الجوارحَ والحواسَّ الَّتِي لا يُنْتَفَعُ بها كالمعدومةِ، ووجهُ ذلك: أن هَؤُلَاءِ لهم آذانٌ ولهم سمع، لكِن لمَّا لم يَنتفِعوا به صَاروا صُمًّا.
الْفَائِدَة الخَامِسَةُ: بَيَان شِدَّة إعراض هَؤُلَاءِ عنِ الحقِّ؛ لِأَنَّهُم صُمٌّ مُوَلُّون مُدْبِرون، وهَذَا أبعدُ ما يَكُونُ عنِ السماعِ، فالأصمُّ إذا كَانَ مُقْبِلًا إليكَ قد يَفْهَم منك ما يَفْهَمُه منَ الإشاراتِ والحركاتِ فيَنتفِع بذلكَ، ولو كَانَ أصمَّ لكِن إذا ولّى مَعَ الإدبارِ -ولى ببدنه وأدبر بقلبِه أو بالعكسِ- فإن ذلك يَكُونُ أشدَّ استحالة فِي سماعِهِ ممَّا إذا كَانَ أصمَّ مَعَ الإقبالِ.
الْفَائِدَة السَّادِسَةُ: أن الْإِنْسَانَ -والعياذُ باللهِ- إذا ولَّى مُدْبِرًا عنِ الشرعِ فَإِنَّهُ قد يُعاقَبُ بالصممِ عن سماعِ الْحَقَّ، بِحَيْثُ إِنَّهُ لا يَنتفعُ بموعظةٍ ولا نصيحةٍ، وهَذَا هُوَ الغالبُ، فالغالبُ أن الْإِنْسَان إذا كَانَ لَيْسَ عنده إقبالٌ عَلَى الْحَقَّ أن يُحْرَم الحقَّ، حَتَّى لو تكلَّم النَّاس وفعلوا وأقاموا الأدلَّة ما انتفع بذلك.
ونضربُ لكم مثلًا الْآنَ بالمُرابين والمُتَحَيِّلِين عَلَى الرِّبا، هم يَسمعون المواعظَ لكِنَّهم مُوَلُّون، وَيرَوْنَ أن ما هم عليه لَا بُدَّ أن يفعلوه، ولذلك ما وُفِّقوا للانتفاع بها، بل بَقُوا عَلَى ضلالهم، والسَّبَب فِي هَذَا أَنَّهُم لَيْسَ عندهم أيُّ إقبالٍ من الإقبال الَّذِي يَنْفَعُهم.
стр. 450
فلهَذَا نَقُول: إن هَذِهِ الآيَةَ تدلُّ عَلَى أنَّ الْإِنْسَانَ إذا ولَّى مدبِرًا عنِ الحْقِّ فَإِنَّهُ لا يُوَفَّق لِسَمَاعٍ.
الْفَائِدَة السَّابِعَةُ: أنَّ المُعْرِضَ عنِ الْحَقَّ بِمَنْزِلَةِ الأعمَى؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾.
الْفَائِدَة الثَّامِنَةُ: أن الرَّسُول ﵊ لا يَملِك هدايةَ الخلقِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ ولا يعارِض هَذَا قول اللهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، لِأَنَّ الهدايةَ المثبَتة غيرُ الهدايةِ المَنْفِيَّة، الهداية المثبتة هداية الدلالةِ والعلمِ والبَيَان، فالرَّسُول ﵊ معلِّم ومُبَيِّن ودالّ للخلقِ عَلَى الحقِّ، وَأَمَّا التَّوفيق لذلك فَهُوَ بيدِ الله.
فالجمع بين الهدايةِ المثبَتة للرَّسُول ﷺ والمنفيَّة عنه أن نَقُولَ: ما أثبِت للرَّسُول فَهُوَ هدايةُ العلمِ والبَيَان، وما نُفِيَ عنه فَهُوَ هدايةُ التَّوفيقِ والعَمَلِ، فلا يستطيع هَذَا أبدًا.
الْفَائِدَة التَّاسِعَةُ: أنَّ هَؤُلَاءِ الجماعة الَّذِينَ أَعرضوا عنِ الحَقّ قد أُقفلتْ عليهم طرقُ الخيرِ، فهم موتى القلوبِ، لم يَنتفعوا بقلوبهم، صُمُّ الآذانِ لم ينتفعوا بآذَانِهِم، عُمي العيونِ لم يَنتفعوا بعيونهم، والآياتُ إِمَّا عقليَّة أو مسموعة أو مرئيَّة، فالعقلية مَحَلّها القلبُ، وقد انتفى عنهم الانتفاعُ بها فِي قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، والمشهودةُ بالعينِ وقد انتفى عنهم الانتفاعُ بها فِي قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ﴾، والمسموعةُ بالآذانِ انتفى عنهم الانتفاعُ بها فِي قوله: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾، فجميعُ الطرقِ الَّتِي تَحْصُلُ بها الهدايةُ فِي هَؤُلَاءِ كلها - والعياذُ باللهِ - مسدودةٌ مُغْلَقة.
стр. 451
الْفَائِدَة العَاشِرَة: أنَّ الَّذِي يَنتفِع بالآياتِ الَّتِي جاء بها الرَّسُول هم المؤمنون بها؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾.
الْفَائِدَة الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّهُ كلَّما قوِيَ إيمان الْإِنْسَانِ بآيَاتِ الله قوِي انتفاعه بها؛ لِأَنَّهُ عُلِّقَ عَلَى وصفِ الإِيمانِ بهَذ الآيات فكلَّما قَوِيَ هَذَا الوصفُ قوي الانتفاعُ.
الْفَائِدَة الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أن الإِيمان يَسْتَلْزِمُ الإِسْلامَ؛ لقولِهِ: ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾، وهل الإِسْلام يَستلزم الإِيمانَ؟
لا يَسْتَلْزِمه، قد يَكُون الْإِنْسَان مُسلِمًا وَلَيْسَ بمؤمنٍ، ولهَذَا قيل عند الرَّسُول ﵊ عن رجلٍ: إنَّهُ مُؤْمِنٌ. فقال: "أَوْ مُسْلِمٌ" (١). فدلَّ ذلك عَلَى الفرقِ بين الإِيمانِ وبين الإِسْلامِ.
وكثير منَ المُسلِمين الْآنَ مسلمونَ، ولكِن ليسوا بمُؤْمِنيِنَ، وكثير من المُسلِمينَ مُسْتَسْلِمُونَ وليسوا بمسلمينَ، فالمسلمونَ اليومَ إمَّا مُسْتَسْلِم أو مُسْلِم أو مؤمِن، أقلُّهُمُ المؤمنُ بلَا شَكّ، والمسلمُ المستسلِم كثيرٌ فِي البلادِ الَّتِي هي غير بلادنا، فأكثرهم مسلم بمعنى مستسلِم هُوِيَّةً فقطْ، ولهَذَا يأتي ناس من البلاد الأُخْرَى ويَقُولُونَ: لا نعرف أن نَتَوَضَّأ ولا نعرف أنْ نُصَلِّيَ، ولا نعرِف أوقات الصَّلَاة، ومع ذلك مكتوبٌ فِي الهُوِيَّة: مسلمٌ.
القسم الثَّالث: المسلمُ غير المؤمن، وهَذَا كثيرٌ فِي بلادنا، فهم مسلمون لكِن ليسوا بمُؤْمِنيِنَ؛ والدَّليل عَلَى هَذَا أن الأَعْمالَ أو الأخلاق الَّتِي عُلِّقت بالإِيمانِ تَجِدُها
стр. 452
مفقودة فِي كثيرٍ من هَؤُلَاءِ "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ" (١) موجود هَذَا بقِلَّة، "مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا" (٢) انتفاء الغِشّ موجود بقلَّة، "لَا يُؤْمِنُ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَار بَوَائِقَهُ" (٣) بقِلَّة، وامشِ عَلَى هَذَا.
المهمّ أنّ الإِيمان بالنِّسْبَةِ للمسلمينَ اليومَ قليلٌ، والإِسْلام كثيرٌ، والاستسلام أكثرُ.
فَلَوْ قَالَ قَائِل: هل المسلمُ المُسْتَسْلِم يدخل الجنَّة؟
قُلْنَا: المستسلمُ يدخلُ الجنَّة لِأَنَّهُ مسلمٌ شَرعًا، لكِن لم يَدْخُلِ الإِيمانُ قلبَه، فمآله إِلَى الجنَّة، لكِن له معاصٍ، إمَّا يُعَذَّب عليها أو يُعْفَى عنها.
وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: ما الفرق بين المسلمِ المستسلِم والمنافِق؟
قُلْنَا: المستسلمُ عنده إيمانٌ، وَأَمَّا المنافِقُ فليسَ عنده إيمانٌ إطلاقا، فالمنافق قلبه خالٍ من الإِيمانِ والعياذُ بالله، فالمستسلم أرفعُ مِنَ المنافقِ، لِأَنَّ المستسلم عنده اتجاهٌ للإسلامِ حقيقةً، لكِن لَيْسَ عنده الشَّيْءُ الَّذِي عند المسلمِ الَّذِي يُنَفِّذُ الشرائع، وغالبًا يَكُونُ جاهلًا.
стр. 453
الْفَائِدَة الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أنَّ الآيات كثيرةٌ ليستْ واحدةً؛ لِقَوْلِهِ: ﴿بِآيَاتِنَا﴾، وهي تنقسم إِلَى قسمينِ: آيات كونيَّة وآيات شرعيَّة. فما جاءت به الرُّسُلُ ونزلتْ به الكتب فَهُوَ آيات شرعيَّة، وما كَانَ منَ الحوادثِ فَهُوَ من الآياتِ الكونيّة، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [فصلت: ٣٧]، هَذِهِ الآياتُ الكونيَّة، وقال تَعَالَى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأحقاف: ٧]، هَذِهِ الآيات الشَّرْعِيَّة.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: ما وجهُ كونِ الآيات آياتٍ؟
قُلْنَا: لِأَنَّهَا دالَّةٌ عَلَى الله، فالآياتُ الكونيَّة دالَّة عَلَى الخالقِ مِن حَيْثُ القدرةُ والحِكْمَةُ والسلطانُ إِلَى غيرِ ذلكَ من معاني الرُّبُوبِيَّة.
والآيات الشَّرْعِيَّة دالَّة عَلَى مُنَزِّلِهَا من حَيْثُ العدلُ والإصلاحُ؛ لِأَنَّ جميعَ الشرائعِ، ولَيْسَ شريعة الإِسْلام فقطْ الَّتِي جاء بها مُحَمَّدٌ ﷺ ، كلّها تحاربُ الفسادَ وكلها تقرِّر الصلاحَ، لكِن شريعتنا تمتاز عَلَى غيرها بأنَّها تراعي المصالحَ الْعَامَّة.
* * *
стр. 454
الآية (٨٢)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢)﴾ [النمل: ٨٢].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ حقَّ العذابُ أنْ يَنْزِلَ بهم فِي جملةِ الكفّار، ، وهَذَا تفسير منه عَلَى أنّ الضَّميرَ فِي قولِه: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ يعودُ إِلَى كفارِ مكَّة، ولهَذَا احتاج أن يقولَ: [فِي جملة الكفّار]، لأجل التوطِئة لمَا بعدَه ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾، ويجوز أن يَكُون الضَّمير عائدًا إِلَى جميعِ النَّاسِ، أي ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ﴾ عَلَى النَّاسِ، ولا يَكُون المُرادُ بالقَوْلِ هنا القَوْل بالعذابِ، بل يجوز أن يَكُون المُراد به القَوْل بانتهاء الدُّنْيا، وتُحمَل الإلة عَلَى الدابّة الَّتِي تخرج فِي آخِرِ الزمانِ، وهي من أشراط الساعة.
قوله: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ﴾ نكَّرَهَا لِأَنَّهَا غير معروفةٍ، فكأنها دابَّة منفرِدة فِي نوعها.
قوله: ﴿دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ﴾: ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾: هل هِيَ متعلِّقة ب ﴿دَابَّةً﴾ أو ب ﴿أَخْرَجْنَا﴾؟
الظَّاهرُ أَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ ب ﴿دَابَّةً﴾، يَعْنِي: أخرجنا لهم دابَّةً مِنَ الْأَرْض، لا من السَّمَاء.
стр. 455
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: إذا قُلْنَا: إنَهَا متعلِّقة بـ ﴿أَخْرَجْنَا﴾ أو بـ ﴿دَابَّةً﴾ هل يَخْتَلِف المَعْنى؟
نعم، يختلف المَعْنى، إذا قَالَ: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً﴾ يمكن أن ينزل مَلَكٌ فِي الْأَرْض، ثُمَّ يخرج مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ ما عُيِّن من أين تكون هَذِهِ الدابَّة، وَأَمَّا إذا قُلْنَا: ﴿دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ﴾ فتَتَعَيَّن أن تكون من دوابّ الْأَرْض.
وقوله: ﴿تُكلَّمُهُم﴾ يعني تكلِّم النَّاس، والكَلام هنا بمعنى الحديثِ، قَالَ المُفَسِّر: [أي: تكلِّم الموجودين حينَ خُروجها بالعربيَّة، ، يجوز أن تكون بالعربيّة أو بغيرها.
عَلَى كُلِّ حالٍ: هِي تُكَلِّمُ النَّاسَ بكلامٍ يَعرِفُونَهُ، فهَذَا هُوَ المتبادر من الكَلامِ، ويمكن أن يقال: إنَّهُم إذا لم يُوقِنوا بآياتِ اللهِ يُسَلِّط اللهُ عَليهم السِّباع تأكلهم وتجرحهم، لكِن هَذَا بعيدٌ، وما رأيتُ هَذَا من كلامِ السلفِ، كلُّه من كلام المتأخِّرين.
ويرى بعض المفسِّرين أن المُراد بالكَلامِ هنا الجَرْح، تُكَلِّمُهُمْ يعني تُجَرِّحُهُم، أي: تَخْمِشُهم بأظفارها، قَالُوا: لِأَنَّ الكَلْمَ يأتي بمعنى الجرْحِ؛ كقولِهِ ﷺ : "مَا مِنْ مَكْلُومٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللهِ إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَكَلْمُهُ يَثْعَبُ دَمًا" (١).
ولكِنَّ هَذَا القَوْل لَيْسَ بصحيحٍ؛ لِأَنَّ الأَصْل فِي الكَلامِ هُوَ النُّطْقُ، ولا معنى لكونها تُجَرِّح النَّاسَ. لكِن بماذا تكلمهم؟
قَالَ: [مِن جملةِ كلامها عنَّا ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا﴾]، إِلَى آخرِه، قوله ﵀: [من جملة كلامها عَنَّا] أي أَنَّهَا تقول عن اللهِ، عَلَى لِسانِ الدابَّة؛ لِأَنَّ قوله: ﴿إِنَّ النَّاسَ
стр. 456
كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ لا يستقيم أن يَكُونَ مِن كلامِ الدابَّة عن نفسها؛ إذ إنَّ الدابَّة لَيْسَ لها آيَات يَجِب الإيقان بها، وإنما الآياتُ الَّتي يَجِب الإيقانُ بها لله، ولهَذَا يَقُول المُفَسِّر ﵀: [عنّا ﴿إِنَّ النَّاسَ﴾ أي كفَّار مَكَّة، وَعَلَى قراءةِ فتحِ همزَةِ "أَنَّ" تُقَدَّر الباءُ بَعْد تكلمهم] (١)، أي تكلّمهم بهَذَا الكَلام ﴿كَانُوا بِآيَاتِنَا﴾.
استفدنا من كلام المُفَسِّر (وَعَلَى قراءة فتح همزة أنَّ) أنَّ الأَصْلَ الَّذِي فسَّره بالكسر (تكلمهم إنَّ النَّاس) فيَكُون هَذَا مبتدأ الكَلام، وَعَلَى قراءة الفتحِ يَكُون عَلَى تقديرِ حرفِ الجرّ، أي: بأن النَّاس ﴿كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾.
وقول المُفَسِّر ﵀: إنَّ المُرادَ بالنَّاسِ كفَّار مكَّة، هَذَا فِيهِ نظرٌ ظاهرٌ؛ بل إنَّ المُرادَ بالنَّاس الموجودون فِي ذلك الوقت الَّذِينَ وقعَ عليهم القَوْلُ فَأُخرجت لهم الدابَّة تُنْذِرُهم.
وَأَمَّا كونه يقال: إن كفار مَكَّة لا يُوقِنُونَ فلا حاجةَ إِلَى إخبارها عنهم، فإخبار الْقُرْآن عنهم أوكَدُ من إخبارِ هَذِهِ الدابَّة عنهم، فكلام المُفَسِّر هنا فِيهِ نظرٌ ظاهرٌ، وَلَيْسَ بصوابٍ أبدًا، بل هُوَ خطأ، فهي تكلِّم النَّاس الَّذِينَ وَقَعَ عليهم القَوْلُ حين خُرُوجِها، تُحَذِّرُهُمْ أن النَّاس كانوا بآيَات اللهِ لا يوقنون، هَذَا ما مشى عليه المُفَسِّر وأكثرُ المفسِّرين عَلَى أن كلام هَذِهِ الدابة: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾، ولهَذَا احتاج إِلَى تقدير (عنّا).
لكِنَّ ابن كثير استبعدَ هَذَا القَوْل، وقال (٢): إنَّهَا تكلمهم وتُحدِّثُهم بحديثٍ مُسْتَقِلٍّ ما بُيّنَ فِي الْقُرْآن، ويَكُون قوله: ﴿أَنَ النَّاسَ﴾ أو ﴿إِنَّ النَّاسَ﴾ هَذَا تعليلًا لِقَوْلِهِ:
стр. 457
﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً﴾ يَعْنِي: فليست الدابَّة هِيَ الَّتِي تقول للناس: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾؛ لِأَنَّ هَذَا القَوْل لا يمكن أن تَنْطِقَ به الدابَّة؛ إذ إنَّهُ لا يَصِحُّ أن يَكُون إِلَّا منَ اللهِ. لهَذَا أنكر هَذَا القَوْلَ، مَعَ أنَّ ابنَ جَرير ﵀ اختاره (١)، لَكِنَّهُ هُوَ عَلَى أنه مُخْتَصَر لابنِ جَريرٍ أنكرَ هَذَا، وقال: إنَّهَا تُكَلِّمُهُم بكلامٍ لم يُبَيَّن، وإن قوله: ﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ أو ﴿إِنَّ النَّاسَ﴾ بالفتحِ أو بالكسرِ، الجملة تعليل لِقَوْلِهِ: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ﴾.
وقوله: ﴿بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾، معنى ﴿لَا يُوقِنُونَ﴾ يَقُول المُفَسِّر ﵀: [لا يُؤْمِنُون بالْقُرْآن المشتمِل عَلَى البعثِ والحسابِ والعقابِ]، وتفسير الإيقان بالإِيمانِ فِيهِ قُصُورٌ لَكِنَّهُ تقريبيٌّ؛ لِأَنَّ الإيقانَ أبلغُ منَ الإِيمانِ وأخصُّ منه، فَهُوَ درجةٌ عاليةٌ أعلى منَ الإِيمانِ، ولهَذَا قولُكَ: أيقنتُ بكذا، أبلغُ من قولكَ: آمنتُ به.
وهَذِهِ الدابَّة أوَّلًا: نبحثُ فيها هل هِيَ الدابَّة الَّتِي تخرج فِي آخِرِ الزمانِ والَّتي ذكرها النَّبِيّ ﷺ من علاماتِ الساعةِ أو دابَّة أخرى؟
يرى بعض العُلَماء أَنَّهَا هِيَ الدابة الَّتِي تكون فِي آخِرِ الزمانِ، ويرى آخرونَ أَنَّهَا دابَّة أُخرى، ولهَذَا جاءت فِي الحديثِ مُعَرَّفَة وجاءت هنا منكَّرَةً، فيقال: دابة واللهُ أَعْلَمُ بها هل هِيَ الَّتِي تكون من أشراط الساعة أو أَنَّهَا دابة مستقلَّة؛ لأَنَّنا لو نَعلَمُ أن الحديث بَعْد هَذِهِ الآيَةِ لقُلْنَا: إن الدابَّة فِي الحديث للعهدِ الذِّهْنِيّ، يعني الدابَّة الَّتِي عَرَفْتُمُوهَا وتحَدَّث الله عنها، وحينَئذٍ تكون الدابَّة هنا هِيَ الدابة هناك، ولَكِنَّنَا لا نعلم، ولهَذَا التوقُّف أَولى؛ هل هِيَ هي أو غيرها.
стр. 458
ثانيًا: هَذِهِ الدابَّة مُبْهَمَةٌ من حَيْثُ المكانُ ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ﴾ لكِن من أيّ مكان تُخْرَج؟
وَرَدَتْ أحاديثُ لَكِنَّها ضعيفةٌ أَنَّهَا تَخْرُجُ من مكَّة من أَجيادٍ أو منَ الصَّفَا أو من مكان آخرَ (١)، المهم أَنَّهَا تخرج من مَكَّة، ولَكِنَّهَا أحاديث ضعيفة لا يُعتمَد عليها فِي العقيدة.
ثم هل هِيَ تُخْرَج حقيقةً من الْأَرْض فتَنْشَقّ عنها الْأَرْض وتخرج، سواء من مكَّة أو غيرها، أو أن المُراد بالإخراج هنا إبرازها وإظهارها، وأنها دابة كغيرها من الدوابّ، ثُمَّ تَتبَيَّن بما يَحْصُلُ لها منَ النُّطق، وَيكُون هَذَا كقول الرَّسُول ﷺ : "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُكَلِّمَ السِّبَاعُ الْإِنْسَ" (٢)؛ لِأَنَّ السباع فِي آخرِ الزمانِ تكلِّم الإنس؟
هَذَا أيضًا مَحَلُّ تَوَقُّفٍ، ولذلك هَذِهِ الدابة بمِرة لفظًا ومعنى، فنحن لا نَعْرِفها تمامًا؛ لِأَنَّهَا ما وُصِفَتْ فِي الْقُرْآنِ أو فِي السنَّة أوصافًا بحيثُ يَجْزِمُ الْإِنْسَان بها.
كذلك هَذِهِ الدابَّة هل هِيَ من جِنْسِ الدوابِّ أو أَنَّهَا دابَّة معيَّنة عَلَى شكل معيَّن؟
تكلَّموا فِي هَذَا كلامًا طويلًا، وكل ما ذَكَرُوا إِنَّمَا هُوَ مأخوذٌ عن بني إسرائيلَ، ولا يمكن أن يُصدَّق، غاية ما هنالك أَنَّهُ يحدَّثُ به ولا يُصَدَّق ولا يُكَذَّب ولا يُعْتَمَد عليه فِي العقيدةِ؛ فذكروا عن آذانِها وذكروا عن عَينها وعن رِجلها أَشْيَاءَ غريبةً جدًّا.
المهم: أننا نُبْهِمُ ما أَبْهَمَهُ اللهُ، ولا نُعَيِّن ما لم يُعَيِّنْه الله ورسولُه، وحَسْبُنا أن نؤمنَ بأنه إذا وقعَ القَوْلُ عَلَى النَّاسِ فسوفَ يُخْرِجُ اللهُ لهم دابَّةً منَ الْأَرْض تُحَدِّثُهُم، وتكون
стр. 459
هَذِهِ الدابَّة آيَةً عَلَى أنّ العذاب قد قَرُبَ وُقُوعُه منهم، هَذَا غاية ما يُسْتَدَلُّ عليه من هَذِهِ الآيَةِ.
فإِذَنْ: يَكُون قوله: ﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ أو ﴿إِنَّ النَّاسَ﴾ لَيْسَ من قول الدابّة عَلَى هَذَا التَّقْدير، بل هُوَ من قولِ اللهِ تعليلًا لِقَوْلِهِ: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً﴾ يعني يُخْرِجها؛ لِأَنَّ النَّاس كانوا، وعليه فيَكُون مطابقة هَذَا التعليلُ للشرطِ فِي قوله: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ يَكُون مطابقته مطابقة السَّبَب للمسبّب، إذا كانوا لا يوقنون حينئذٍ وقع عليهم القَوْلُ وحينئذٍ أُخرجتِ الدابَّة.
قوله: ﴿بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ المُراد بالآيَاتِ هنا الكونيَّة والشَّرْعِيَّة، لكِن الكونيَّة ألم يوقن بها الكفار؟ بلى، لَكِنَّهُ إيقانٌ لم يَنْفَعْهُمْ، والشَّيْءُ الَّذِي لا يَنْفَعُ يَصِحُّ أنْ يُنْفَى لعدمِ الانتفاعِ به.
قال: [وبِخُرُوجِها]، بخروج الدابَّة [يَنْقَطِع الأَمْرُ بالمعروفِ والنهيُ عن المنكَرِ ولا يؤمن كافرٌ]، لِأَنَّهُ قد وقعَ عليهم القَوْلُ؛ وإذا صحَّ هَذَا التفسير فإنَّ معنى ذلك أن هَذِهِ الدابَّة من أشراط الساعةِ؛ لِأَنَّهُ لا يَكُون الأَمْر كذلك إِلَّا فِي آخِرِ الزمانِ بعدَ أن يَنزِلَ عيسى ﷺ ويبقى فِي الْأَرْض سبعَ سنينَ، لا يَحْصُل بين اثنينِ عداوةٌ ولا شَحناءُ، ثُمَّ يُرْسِل الله رِيحًا باردةً من قِبَلِ الشامِ فتَقْبِض نفسَ كُلّ مُؤْمِنٍ (١) وَيبْقَى شِرارُ النَّاسِ، فِي خِفَّةِ الطيرِ وأحلامِ السِّبَاعِ (٢).
стр. 460
فإذا كَانَ هَذَا الَّذِي فَهِمَهُ المُفَسِّر من هَذِهِ الآيَةِ بهَذَا الأَمْرِ؛ فإنَّ هَذِهِ الدابَّة يَكُونُ خُرُوجها بَعْد عيسى بنِ مَرْيَمَ؛ لِأَنَّهُ بَعْد ذلك يَقُول المُفَسِّر: إنَّهُ لا يؤمن كافرٌ ولا يُؤمَر بالمعروفِ ولا يُنهَى عنِ المُنكَر.
ولكِن موقفي فِي هَذَا أن أقولَ: اللهُ أَعْلَم؛ يعني أن هَذِهِ المسألةَ من مسائل الغيب الَّتِي يَتَوَقَّف الْإِنْسَان فيها إِلَّا عَلَى ما يفيده ظاهِرُ الْقُرْآن، فنَقُول: إيماننا بهَذَا أن نَقُولَ: إنَّهُ إذا وقعَ القَوْلُ عَلَى النَّاس باستحقاقِ العذابِ أخرجَ اللهُ لهم هَذِهِ الدابَّة الَّتِي تُكَلِّمهم ولا نزيد عَلَى هَذَا، ولا نَقُول: يَنقطِع الأَمْر بالمعروفِ والنهيُ عن المنكَر، ولا نَقُول: إنَّهُ لا يؤمن الكافر؛ لِأَنَّ ذلك أمرٌ يحتاجُ إِلَى توقيفٍ، كما أَوحَى الله إِلَى نوحٍ ﵊ ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦].
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: خُرُوج الدابَّةِ إذا وقعَ القَوْلُ عَلَى النَّاسِ، وذلكَ بأنْ كَفَروا وأَعْرَضوا عن دِينِ الله ، فأخرج الله لهم هَذِهِ الدابَّةَ.
الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ: أنَّ هَذِهِ الدابَّة الَّتِي ذَكَرَ اللهُ مُبْهَمَة، فلا يُعْلَم صِفَتها ولا كيف تَخْرج ولا من أينَ تَخْرج، وما ذُكر من الآثارِ فِي ذلك فكلُّها ضعيفةٌ لا يُعَوَّل عليها، وحَسْبُنا أن نؤمنَ بما ذكرَ اللهُ تَعَالَى مُطلَقًا.
الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ: بَيَان قُدرة الله ، حَيْثُ كانتْ هَذِهِ الدابَّةُ تكلِّم النَّاس بكلامٍ يفهمونه، مَعَ أن الحيواناتِ تَتكلَّم بكلامٍ لا يَفهمه الإنسُ إِلَّا مَن عَلَّمه الله تَعَالَى مَنْطِقَها، كما فِي قِصَّة سُلَيمان.
الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ: بَيَان حِكمة الله ﵎ فِي الإنذار، وَأَنَّهُ يُنْذِر النَّاس بالآيَاتِ الكونيَّة إذا لم تُفِدْهُمُ الآيَاتُ الشَّرْعِيَّة، وهَذَا كثيرٌ، كالكسوفِ