← Тафсир

Тафсир · id 1537

تفسير العثيمين: النمل

ابن عثيمين

Полный текст (538 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ لا يستقيم أن يَكُونَ مِن كلامِ الدابَّة عن نفسها؛ إذ إنَّ الدابَّة لَيْسَ لها آيَات يَجِب الإيقان بها، وإنما الآياتُ الَّتي يَجِب الإيقانُ بها لله، ولهَذَا يَقُول المُفَسِّر ﵀: [عنّا ﴿إِنَّ النَّاسَ﴾ أي كفَّار مَكَّة، وَعَلَى قراءةِ فتحِ همزَةِ "أَنَّ" تُقَدَّر الباءُ بَعْد تكلمهم] (١)، أي تكلّمهم بهَذَا الكَلام ﴿كَانُوا بِآيَاتِنَا﴾. استفدنا من كلام المُفَسِّر (وَعَلَى قراءة فتح همزة أنَّ) أنَّ الأَصْلَ الَّذِي فسَّره بالكسر (تكلمهم إنَّ النَّاس) فيَكُون هَذَا مبتدأ الكَلام، وَعَلَى قراءة الفتحِ يَكُون عَلَى تقديرِ حرفِ الجرّ، أي: بأن النَّاس ﴿كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾. وقول المُفَسِّر ﵀: إنَّ المُرادَ بالنَّاسِ كفَّار مكَّة، هَذَا فِيهِ نظرٌ ظاهرٌ؛ بل إنَّ المُرادَ بالنَّاس الموجودون فِي ذلك الوقت الَّذِينَ وقعَ عليهم القَوْلُ فَأُخرجت لهم الدابَّة تُنْذِرُهم. وَأَمَّا كونه يقال: إن كفار مَكَّة لا يُوقِنُونَ فلا حاجةَ إِلَى إخبارها عنهم، فإخبار الْقُرْآن عنهم أوكَدُ من إخبارِ هَذِهِ الدابَّة عنهم، فكلام المُفَسِّر هنا فِيهِ نظرٌ ظاهرٌ، وَلَيْسَ بصوابٍ أبدًا، بل هُوَ خطأ، فهي تكلِّم النَّاس الَّذِينَ وَقَعَ عليهم القَوْلُ حين خُرُوجِها، تُحَذِّرُهُمْ أن النَّاس كانوا بآيَات اللهِ لا يوقنون، هَذَا ما مشى عليه المُفَسِّر وأكثرُ المفسِّرين عَلَى أن كلام هَذِهِ الدابة: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾، ولهَذَا احتاج إِلَى تقدير (عنّا). لكِنَّ ابن كثير استبعدَ هَذَا القَوْل، وقال (٢): إنَّهَا تكلمهم وتُحدِّثُهم بحديثٍ مُسْتَقِلٍّ ما بُيّنَ فِي الْقُرْآن، ويَكُون قوله: ﴿أَنَ النَّاسَ﴾ أو ﴿إِنَّ النَّاسَ﴾ هَذَا تعليلًا لِقَوْلِهِ:

стр. 457

﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً﴾ يَعْنِي: فليست الدابَّة هِيَ الَّتِي تقول للناس: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾؛ لِأَنَّ هَذَا القَوْل لا يمكن أن تَنْطِقَ به الدابَّة؛ إذ إنَّهُ لا يَصِحُّ أن يَكُون إِلَّا منَ اللهِ. لهَذَا أنكر هَذَا القَوْلَ، مَعَ أنَّ ابنَ جَرير ﵀ اختاره (١)، لَكِنَّهُ هُوَ عَلَى أنه مُخْتَصَر لابنِ جَريرٍ أنكرَ هَذَا، وقال: إنَّهَا تُكَلِّمُهُم بكلامٍ لم يُبَيَّن، وإن قوله: ﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ أو ﴿إِنَّ النَّاسَ﴾ بالفتحِ أو بالكسرِ، الجملة تعليل لِقَوْلِهِ: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ﴾. وقوله: ﴿بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾، معنى ﴿لَا يُوقِنُونَ﴾ يَقُول المُفَسِّر ﵀: [لا يُؤْمِنُون بالْقُرْآن المشتمِل عَلَى البعثِ والحسابِ والعقابِ]، وتفسير الإيقان بالإِيمانِ فِيهِ قُصُورٌ لَكِنَّهُ تقريبيٌّ؛ لِأَنَّ الإيقانَ أبلغُ منَ الإِيمانِ وأخصُّ منه، فَهُوَ درجةٌ عاليةٌ أعلى منَ الإِيمانِ، ولهَذَا قولُكَ: أيقنتُ بكذا، أبلغُ من قولكَ: آمنتُ به. وهَذِهِ الدابَّة أوَّلًا: نبحثُ فيها هل هِيَ الدابَّة الَّتِي تخرج فِي آخِرِ الزمانِ والَّتي ذكرها النَّبِيّ ﷺ من علاماتِ الساعةِ أو دابَّة أخرى؟ يرى بعض العُلَماء أَنَّهَا هِيَ الدابة الَّتِي تكون فِي آخِرِ الزمانِ، ويرى آخرونَ أَنَّهَا دابَّة أُخرى، ولهَذَا جاءت فِي الحديثِ مُعَرَّفَة وجاءت هنا منكَّرَةً، فيقال: دابة واللهُ أَعْلَمُ بها هل هِيَ الَّتِي تكون من أشراط الساعة أو أَنَّهَا دابة مستقلَّة؛ لأَنَّنا لو نَعلَمُ أن الحديث بَعْد هَذِهِ الآيَةِ لقُلْنَا: إن الدابَّة فِي الحديث للعهدِ الذِّهْنِيّ، يعني الدابَّة الَّتِي عَرَفْتُمُوهَا وتحَدَّث الله عنها، وحينَئذٍ تكون الدابَّة هنا هِيَ الدابة هناك، ولَكِنَّنَا لا نعلم، ولهَذَا التوقُّف أَولى؛ هل هِيَ هي أو غيرها.

стр. 458

ثانيًا: هَذِهِ الدابَّة مُبْهَمَةٌ من حَيْثُ المكانُ ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ﴾ لكِن من أيّ مكان تُخْرَج؟ وَرَدَتْ أحاديثُ لَكِنَّها ضعيفةٌ أَنَّهَا تَخْرُجُ من مكَّة من أَجيادٍ أو منَ الصَّفَا أو من مكان آخرَ (١)، المهم أَنَّهَا تخرج من مَكَّة، ولَكِنَّهَا أحاديث ضعيفة لا يُعتمَد عليها فِي العقيدة. ثم هل هِيَ تُخْرَج حقيقةً من الْأَرْض فتَنْشَقّ عنها الْأَرْض وتخرج، سواء من مكَّة أو غيرها، أو أن المُراد بالإخراج هنا إبرازها وإظهارها، وأنها دابة كغيرها من الدوابّ، ثُمَّ تَتبَيَّن بما يَحْصُلُ لها منَ النُّطق، وَيكُون هَذَا كقول الرَّسُول ﷺ : "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُكَلِّمَ السِّبَاعُ الْإِنْسَ" (٢)؛ لِأَنَّ السباع فِي آخرِ الزمانِ تكلِّم الإنس؟ هَذَا أيضًا مَحَلُّ تَوَقُّفٍ، ولذلك هَذِهِ الدابة بمِرة لفظًا ومعنى، فنحن لا نَعْرِفها تمامًا؛ لِأَنَّهَا ما وُصِفَتْ فِي الْقُرْآنِ أو فِي السنَّة أوصافًا بحيثُ يَجْزِمُ الْإِنْسَان بها. كذلك هَذِهِ الدابَّة هل هِيَ من جِنْسِ الدوابِّ أو أَنَّهَا دابَّة معيَّنة عَلَى شكل معيَّن؟ تكلَّموا فِي هَذَا كلامًا طويلًا، وكل ما ذَكَرُوا إِنَّمَا هُوَ مأخوذٌ عن بني إسرائيلَ، ولا يمكن أن يُصدَّق، غاية ما هنالك أَنَّهُ يحدَّثُ به ولا يُصَدَّق ولا يُكَذَّب ولا يُعْتَمَد عليه فِي العقيدةِ؛ فذكروا عن آذانِها وذكروا عن عَينها وعن رِجلها أَشْيَاءَ غريبةً جدًّا. المهم: أننا نُبْهِمُ ما أَبْهَمَهُ اللهُ، ولا نُعَيِّن ما لم يُعَيِّنْه الله ورسولُه، وحَسْبُنا أن نؤمنَ بأنه إذا وقعَ القَوْلُ عَلَى النَّاسِ فسوفَ يُخْرِجُ اللهُ لهم دابَّةً منَ الْأَرْض تُحَدِّثُهُم، وتكون

стр. 459

هَذِهِ الدابَّة آيَةً عَلَى أنّ العذاب قد قَرُبَ وُقُوعُه منهم، هَذَا غاية ما يُسْتَدَلُّ عليه من هَذِهِ الآيَةِ. فإِذَنْ: يَكُون قوله: ﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ أو ﴿إِنَّ النَّاسَ﴾ لَيْسَ من قول الدابّة عَلَى هَذَا التَّقْدير، بل هُوَ من قولِ اللهِ تعليلًا لِقَوْلِهِ: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً﴾ يعني يُخْرِجها؛ لِأَنَّ النَّاس كانوا، وعليه فيَكُون مطابقة هَذَا التعليلُ للشرطِ فِي قوله: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ يَكُون مطابقته مطابقة السَّبَب للمسبّب، إذا كانوا لا يوقنون حينئذٍ وقع عليهم القَوْلُ وحينئذٍ أُخرجتِ الدابَّة. قوله: ﴿بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ المُراد بالآيَاتِ هنا الكونيَّة والشَّرْعِيَّة، لكِن الكونيَّة ألم يوقن بها الكفار؟ بلى، لَكِنَّهُ إيقانٌ لم يَنْفَعْهُمْ، والشَّيْءُ الَّذِي لا يَنْفَعُ يَصِحُّ أنْ يُنْفَى لعدمِ الانتفاعِ به. قال: [وبِخُرُوجِها]، بخروج الدابَّة [يَنْقَطِع الأَمْرُ بالمعروفِ والنهيُ عن المنكَرِ ولا يؤمن كافرٌ]، لِأَنَّهُ قد وقعَ عليهم القَوْلُ؛ وإذا صحَّ هَذَا التفسير فإنَّ معنى ذلك أن هَذِهِ الدابَّة من أشراط الساعةِ؛ لِأَنَّهُ لا يَكُون الأَمْر كذلك إِلَّا فِي آخِرِ الزمانِ بعدَ أن يَنزِلَ عيسى ﷺ ويبقى فِي الْأَرْض سبعَ سنينَ، لا يَحْصُل بين اثنينِ عداوةٌ ولا شَحناءُ، ثُمَّ يُرْسِل الله رِيحًا باردةً من قِبَلِ الشامِ فتَقْبِض نفسَ كُلّ مُؤْمِنٍ (١) وَيبْقَى شِرارُ النَّاسِ، فِي خِفَّةِ الطيرِ وأحلامِ السِّبَاعِ (٢).

стр. 460

فإذا كَانَ هَذَا الَّذِي فَهِمَهُ المُفَسِّر من هَذِهِ الآيَةِ بهَذَا الأَمْرِ؛ فإنَّ هَذِهِ الدابَّة يَكُونُ خُرُوجها بَعْد عيسى بنِ مَرْيَمَ؛ لِأَنَّهُ بَعْد ذلك يَقُول المُفَسِّر: إنَّهُ لا يؤمن كافرٌ ولا يُؤمَر بالمعروفِ ولا يُنهَى عنِ المُنكَر. ولكِن موقفي فِي هَذَا أن أقولَ: اللهُ أَعْلَم؛ يعني أن هَذِهِ المسألةَ من مسائل الغيب الَّتِي يَتَوَقَّف الْإِنْسَان فيها إِلَّا عَلَى ما يفيده ظاهِرُ الْقُرْآن، فنَقُول: إيماننا بهَذَا أن نَقُولَ: إنَّهُ إذا وقعَ القَوْلُ عَلَى النَّاس باستحقاقِ العذابِ أخرجَ اللهُ لهم هَذِهِ الدابَّة الَّتِي تُكَلِّمهم ولا نزيد عَلَى هَذَا، ولا نَقُول: يَنقطِع الأَمْر بالمعروفِ والنهيُ عن المنكَر، ولا نَقُول: إنَّهُ لا يؤمن الكافر؛ لِأَنَّ ذلك أمرٌ يحتاجُ إِلَى توقيفٍ، كما أَوحَى الله إِلَى نوحٍ ﵊ ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦]. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: خُرُوج الدابَّةِ إذا وقعَ القَوْلُ عَلَى النَّاسِ، وذلكَ بأنْ كَفَروا وأَعْرَضوا عن دِينِ الله ، فأخرج الله لهم هَذِهِ الدابَّةَ. الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ: أنَّ هَذِهِ الدابَّة الَّتِي ذَكَرَ اللهُ مُبْهَمَة، فلا يُعْلَم صِفَتها ولا كيف تَخْرج ولا من أينَ تَخْرج، وما ذُكر من الآثارِ فِي ذلك فكلُّها ضعيفةٌ لا يُعَوَّل عليها، وحَسْبُنا أن نؤمنَ بما ذكرَ اللهُ تَعَالَى مُطلَقًا. الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ: بَيَان قُدرة الله ، حَيْثُ كانتْ هَذِهِ الدابَّةُ تكلِّم النَّاس بكلامٍ يفهمونه، مَعَ أن الحيواناتِ تَتكلَّم بكلامٍ لا يَفهمه الإنسُ إِلَّا مَن عَلَّمه الله تَعَالَى مَنْطِقَها، كما فِي قِصَّة سُلَيمان. الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ: بَيَان حِكمة الله ﵎ فِي الإنذار، وَأَنَّهُ يُنْذِر النَّاس بالآيَاتِ الكونيَّة إذا لم تُفِدْهُمُ الآيَاتُ الشَّرْعِيَّة، وهَذَا كثيرٌ، كالكسوفِ

стр. 461

والزلازلِ والفيضاناتِ والصواعِقِ والحاصِبِ منَ السَّمَاءِ بالبَرد أو غيرِه، كُلّ هَذَا إنذار بالآياتِ الكونيَّة إذا لم تُفِدِ الآيَات الشَّرْعِيَّة، وقد قيل (١): الْعَبْدُ يُقْرَعُ بِالْعَصَا ... وَالحُرُّ تَكْفِيهِ الْإِشَارَةُ فالمؤمنُ الواعي الحيُّ يَكْفِيه ما فِي الْقُرْآنِ مِنَ الآياتِ العظيمةِ، ولكِن المُعْرِض اللئيم لا يَنْفَع فِيهِ إِلَّا العَصَا، إِلَّا الآيَات الكونيَّة الَّتِي تُخْضِعُه بغيرِ إرادته، هَذَا إذا لم يَكُنْ أيضًا قلبُه ميِّتًا للغاية، فإنْ كان قلبُه ميِّتًا للغايةِ لم تَنتفِ حَتَّى الآيَاتُ الكونيَّة، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا﴾ قِطعًا من العذاب تَنزِل من السَّمَاءِ، ﴿يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور: ٤٤]، وعاد لما رَأَوهُ عَارضًا مستقبِلَ أوديتهم ﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤]، ، وَفي الوقتِ الحاضر إذا رَأَوْا هَذِهِ العقوباتِ يَقُولُونَ: هَذَا أمر طبيعيٌّ، من فَيَضَانات طبيعيَّة وبراكينَ، ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ منَ الكَلامِ الَّذِي يَدُلّ عَلَى موتِ القلوبِ. فإِذَنْ: نَستفيد من هَذِهِ الآيَةِ: إنذار اللهِ تَعَالَى بالآياتِ الكونيَّة كما هُوَ عادته . الْفَائِدَة الخَامِسَةُ: أَنَّهُ يُعْطِي العلمَ حَتَّى البهائم، هَذِهِ الدابَّة تقول ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ عَلَى أحدِ القَوْلينِ فيها، والقَوْل الثاني: أن هَذَا الكَلام من كلامِ اللهِ ، وأن الكَلام عَلَى الدابّة انتهى عند قوله: (تكلّمهم)، يعني كأنها مِنهم، ثُمَّ يُعَلِّلُ اللهُ هَذَا الإخراجَ بِقَوْلِهِ: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾. الْفَائِدَة السَّادِسَةُ: فِيهِ أنَّ عدمَ الْيَقينِ بآيَاتِ اللهِ سببٌ للهلاكِ، وَأَنَّهُ لا يَكفِي التردُّد أو الإِيمان الضعيفُ، بل لَا بُدَّ منْ إيقانٍ، فالمتردِّدُ بما يَجِب الإِيمانُ به

стр. 462

ليسَ بمؤمنٍ؛ لِأَنَّهُ لم يُوقِنْ، بل لَا بُدَّ منَ الإيقانِ، وَأَمَّا التردد والشكُّ حَتَّى مَعَ ترجُّحِ ما ذكرَ اللهُ فَإِنَّهُ لا يفيدُ الْإِنْسَانَ، يَعْنِي: لو آمن إِنْسَان لكِن عنده بعضُ الشكِّ فإن ذلك لَيْسَ بمؤمنٍ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ منَ الْيَقينِ بما يجبُ الإِيمان به. لَوْ قَالَ قَائِل: أصحاب الأَعْرَاف هلْ يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ عندهم نوعٌ مِنَ الشَّكِّ؟ فالجوابُ: لَيْسَ عندهم نوعٌ منَ الشَّكِّ، لكِن عندهم ضعفٌ فِي الانقيادِ وعدم عِلْم ما أنزلَ الله، وَأَمَّا لو كَانَ عندهم شكٌّ فما صاروا مُؤْمِنيِنَ إطلاقًا ولا مسلمينَ أيضًا، فهَذَا نفيُ كمالِ الإِيمانِ لا نفيُ أصلِ الإِيمانِ، وَأَمَّا مَعَ الشكِّ فإن أصلَ الإِيمانِ لم يوجدْ، وَأَمَّا الإِيمانُ الاعتقاديُّ إذا لم يوجدْ كاملًا فَإِنَّهُ لا ينفعُ الْإِنْسَان، فالإِيمان يَكُون مَفقودًا عند الشكِّ فيه، فلَا بُدَّ من الإِيمانِ الجازِمِ، ولهَذَا مَن شكَّ فيما وعدَ اللهُ به، ومَن لم يُؤْمِنْ بخبرِ اللهِ جَلَّ وَعَلَا فَهُوَ كافرٌ؛ لِأَنَّ خبر اللهِ جَلَّ وَعَلَا يَجِب التَّصْديقُ به، ومَن شكَّ فِي واحدٍ مِن أركانِ الإِيمانِ الستَّة فَهُوَ كافرٌ أيضًا، لَا بُدَّ أن يؤمنَ، وأيضًا لَا بُدَّ ألا يَكُونَ عنده تردّدٌ فِي هَذَا، ولو كَانَ عنده انحرافٌ وسوءُ تصرُّف فيما يَجِبُ عَمَلُه، مثلًا قوله ﷺ : "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكَونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ" (١)، فيؤمن الْإِنْسَان بالرَّسُول لكِن تَنْقُصُ محَبَّتُه للرَّسُولِ فيَكُون هنا انتفى عنه كمال الإِيمان، لكِن لو شكَّ أن الرَّسُول حقٌّ أو لَيْسَ بحقٍّ ما صارَ مؤمنًا، فلا بدّ أن يَجزِم جَزمًا بأنه رسولُ اللهِ، ثُمَّ هل يُقَدِّم محَبَّتُهُ عَلَى محبَّة نفسه وأهله؛ فهَذَا محلُّ الكمالِ والنقصِ. * * *

стр. 463

الآيتان (٨٣، ٨٤) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣) حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٨٣، ٨٤]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَ﴾ اذْكُرْ ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ جماعةً ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا﴾ وهم رؤساؤُهُمُ المتَّبَعُون ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ أي يُجْمَعُونَ بِرَدِّ آخِرِهِمْ إِلَى أَوَّلهِم ثُمَّ يُساقُونَ]. قال ﵀: [﴿وَ﴾ اذْكُرْ ﴿يَوْمَ﴾]، استفدنا من هَذَا التفسير أن (يوم) ظرف، وأنّ عاملَه محذوفٌ، التَّقْدير: (اذْكُرْ يَوْمَ). وهَذَا التركيبُ له نظائرُ فِي الْقُرْآنِ، وَيَكُون تقديره عَلَى هَذَا كما قَدَّرَهُ المُفَسِّر هنا. وقوله: ﴿نَحْشُرُ﴾ بمعنى نَجْمَع، وقوله: ﴿مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ الأمَّة هِيَ القبيلةُ أو الطائفة الكبيرةُ منَ النَّاسِ، والفوجُ أقلُّ منها، ولهَذَا يقولُ المُفَسِّر: [وَهُمْ رُؤَسَاؤُهُمُ المتَّبعون]. وقوله: ﴿فَوْجًا مِمَّن يُكَذِبُ﴾: (مِنْ) هَذِهِ لبَيَان الجنسِ؛ أي: فوجًا من المكذِّبين بآيَاتِ اللهِ الكونيَّة والشَّرْعِيَّة أو إحداهما. قال: [وهم]، أي: الفوج [رُؤَسَاؤُهُمُ المتَّبَعُونَ].

стр. 464

فهم يُحْشَرون فيُجْمَعُون ثُمَّ بعدَ ذلكَ يُوزَعُونَ، والوَزْعُ بمعنى المنعِ، أي: يُحْبَس أَوَّلهم حَتَّى يجتمعَ به آخِرُهم، ولهَذَا قَالَ المُفَسِّر ﵀: [بِرَدِّ آخِرِهم إِلَى أوَّلهم]، أي: يُجْمَع الأوَّلُ إِلَى الآخِرِ، فيَكُونون زُمرة واحدةً [ثُمَّ يُساقُونَ]، إِلَى اللهِ ﵎ [﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا﴾ مكانَ الحسابِ ﴿قَالَ﴾ تَعَالَى لهم: ﴿أَكَذَّبْتُمْ﴾ أَنبيائي ﴿بِآيَاتِي﴾]. المُفَسّر قَالَ: [أنبيائي]، يُشِير بذلك إِلَى أن مَفْعُول (كَذَّبْتُم) محذوفٌ، وأن ﴿بِآيَاتِي﴾ حَالٌ من أنبيائي، ولكِنَّ هَذَا التَّقْدير لا مَعنى له ولا داعيَ له؛ لِأَنَّ التكذيبَ دائما يقع معمولُه مُعَدًّى بالباء: كذب بآيَات الله، ما يقال: كذب أنبياء الله بآيَاتِ الله؛ بل: كذب بآيَاته، والتكذيب هنا مُضَمَّن معنَى الجَحْدِ، فعليه نَقُول: لا حاجةَ إِلَى تقديرِ المُفَسِّر: أَنبيائي، بل نَقُول: ﴿بِآيَاتِي﴾ جارّ ومجرور متعلِّق بِ (كَذَّبْتُم). قو له: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي﴾ يعني أَنْكَرْتمُوها وجَحَدْتمُوها. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلَمْ تُحِيطُوا﴾ من جِهَة تَكْذِيبِكُم ﴿بِهَا عِلْمًا﴾]، إِلَى آخِرِه، قوله: ﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا﴾ انظر إِلَى المُفَسِّر كيف حَلَّها: [مِن جِهَة تكذيبكم ﴿بِهَا عِلْمًا﴾]، والإحاطةُ بالشَّيْءِ بمعنى إدراكِه من جميعِ الجوانبِ، وأصله مشتَقّ منَ الحائطِ، لِأَنَّهُ يحيط بالمكانِ، فمعنى أحاطَ بالشَّيْءِ: أَدْرَكَهُ منْ جميعِ جوانبِهِ. المُفَسِّر فَسَّرَ هنا الإدراكَ بِقَوْلِهِ: [من جهة تكذيبكم]، أي: أَنَّكُم كذَّبتم من غيرِ أنْ يَكُونَ لديكم عِلْمٌ بالتكذيبِ، كَذَّبْتُم بلا علمٍ، ولكِن يَحتمِل معنًى آخرَ: أنكم كذَّبتم بالآيَاتِ قبلَ أنْ تُدْرِكُوها، فيَكُون هَذَا منَّ البدار بالشَّيْءِ قبل أن يُدْرِكَه، كما قَالَ ابن القيِّم (١): إنَّ البِدَارَ برد شيءٍ لم تُحِطْ ... عِلمَّا بَه سَبَبٌ إِلَى الحرْمَانِ

стр. 465

الآن لدينا تفسيرانِ: أحدهما أنَّ قولَه: ﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾ أي مِن جِهَةِ تَكذيبكم، والمَعْنى عَلَى هَذَا أنَّكم كذَّبتم بدونِ عِلمٍ، وَهُوَ الَّذِي مَشَى عليه المُفَسِّر، قَالَ؟ [﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا﴾ من جِهَة تَكذِيبِكم]. الآن إذا أتاكَ رجلٌ بخبرٍ فقلتَ: كَذَبْتَ، يعني مثلًا قَالَ لك: إنَّ فلانًا رأيته فِي بُرَيْدَةً - مثلًا - أمسِ. فقلتَ له: كذبتَ؛ لِأَنَّ فلانًا الَّذِي أخبرتَ به هُوَ موجود عندي فِي تلكَ الساعةِ، فهنا أنتَ قدْ كَذَّبْتَ بعلمٍ وليسَ بغيرِ علمٍ، فإذا قَالَ: رأيتُ فلانًا فِي بريدة أمسِ. فقلتَ له: كذبتَ وأنا لا أَدري، فقد كَذَّبْتَ بلا علمٍ. الآن المُفَسِّر يَقُول: [من جِهة تكذيبكم بها]، يعني أنكم كَذَّبْتُم بغيرِ علمٍ. ويوجد رأيٌ آخرُ يَقُول: ﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾ يعني أنكم كَذَّبْتُم بها من غيرِ رؤيةٍ ومن غيرِ تأمُّلٍ، يعني أَنَّكم رَددتُمُوها من أوَّلِ وهلةٍ، فيَكُون كقولِهِ تَعَالَى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠]. والفرق بين المعنيينِ ظاهر، والأقربُ المَعْنى الثاني؛ لِأَنَّ قولَه: كَذَّبْتُم بآيَاتي والحالُ أنكم لم تُحِيطوا بها عِلمًا أبلغُ مِن كونهم كَذَّبُوا بعدَ أنْ ترَوَّوْا ولكِن لم يَجِدوا لِتكذيبهم دليلًا، فهم كذَّبوا من غيرِ ترَوٍّ، بل إنَّهُم فِي الحقيقةِ وخُصوصًا الرؤساء منهم يَعْلَمُون أن ما جاءت به الرُّسُل فَهُوَ الحقّ، ولكِن كذَّبوا بشيءٍ لم يُحيطوا بعلمِه، مِثلما قَالَ الله: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ [يونس: ٣٩]، بل من أوَّل وهلةٍ، وهَذَا أشدُّ فِي اللَّوم عليهم. فعليه: الاسْتِفْهامُ فِي قوله: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي﴾ يَكُون للتوبيخِ واللَّوم؛ لِأَنَّ من كذَّب بالشَّيْء بَعْد دراسته والإحاطة به ثُمَّ يتبين له الكذِب هَذَا لا يُلام عليه، لكِن

стр. 466

مَن كَذَّب لأوَّل مرَّة بدون أن يحيطَ بالشَّيْءِ عِلمًا فَهُوَ دليلٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بقابلٍ إطلاقًا للحقِّ. قال تَعَالَى: ﴿أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يَقُول المُفَسِّر ﵀: [﴿أَمَّا﴾ فِيهِ إدغامُ (ما) الاسْتِفْهاميَّة]، إدغام (أم) الَّتِي للإضراب - وأصلها حرف عطف بمعنى (بل) - و (ما) الاسْتِفْهاميَّة، أُدغمتْ إحداهما فِي الأُخْرَى. و (ذا) اسْم موصولٌ، أي: ما الَّذِي كنتم، ويجوز أن نجعلَ (ذا) مركبة مَعَ (ما)، وتكون (ماذا) كلها اسْم اسْتِفْهام، ولكِن لَيْسَ فِي كُلّ مكانٍ يجوز هَذَا وهَذَا، إِنَّمَا فِي مثلِ هَذَا التركيبِ يجوز أن نجعلَ (ماذا) اسمَ اسْتِفْهامٍ، ويجوز أن نجعل (ما) اسمَ اسْتِفْهامٍ و (ذا) اسمًا موصولًا؛ أي: ما الَّذِي كنتم تعملون، وَعَلَى هَذَا التَّقْدير الأخيرِ يَجِب أن نقدِّر ضَميرًا فِي قولِهِ: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ ليَكُونَ عائدًا إِلَى الاسم الموصولِ، ويَكُون التَّقْدير: (أماذا كنتم تعملونه)، وَعَلَى الأول لا حاجةَ لذلك ونجعل (ماذا) مَفْعُولا مقدَّمًا لـ (تعملون). نظيرها فِي الْقُرْآن: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]، فيها قراءتانِ (١): "قلِ العفوُ" و ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾. ونُعْرِب (ماذا) عَلَى قراءةِ الرفعِ: (ماذا): ما: اسمُ اسْتِفْهامٍ، وذا: اسمٌ موصولٌ، يَعْنِي: ما الَّذِي ينفقون؟ فيَكُون التَّقْدير: الَّذِي ينفقونه العفوُ، وتكون مرفوعةً والعائد محذوفٌ؛ لأني إذا قلتُ: (ما) اسْم اسْتِفْهام، و (ذا) اسْم موصول؛ صارت (ما) مبتدأً و (الذي) خبره، وكلّ منهما مرفوع. ثم يأتي: (قُلِ العفوُ) لِأَنَّ الجوابَ مطابِق للسؤالِ؛ أي: العفوُ الَّذِي يُنفِقون.

стр. 467

أمّا عَلَى قراءةِ النصبِ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]، فنَقُول: عَلَى هَذِهِ القراءةِ يَجِب أن نُعرِبَ (ماذا) اسمَ اسْتِفْهامٍ مَفْعُولا مقدَّمًا لـ (يُنفِقون) لأَنَّنَا نَعرِف أن الجواب يَكُونُ مطابقًا للسؤالِ، فإذا كَانَ السؤال منصوبًا كَانَ الجواب منصوبًا، وهَذَا هُوَ الَّذِي يبيِّن لك الفرقَ بين الإعرابينِ. وقوله: ﴿أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يعني فِي الدُّنْيا، فيَكُون الله تَعَالَى وَبَّخَهُم عَلَى أمرينِ: أمر يَتَعَلَّق بالعقيدةِ، وَهُوَ قوله: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي﴾، وأمر يتعلق بالعَمَل وَهُوَ قوله: ﴿أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾؛ لِأَنَّ (ماذا كنتم تعملون) هَذِهِ اسْتِفْهامٌ لإنكارِ ما يعملونه، فيَكُون فِي هَذَا توبيخ عَلَى العقيدةِ والعَمَلِ، وستأتي - إن شاء الله - فِي هَذَا فائدة مُهِمَّة لمسألةٍ اختلف فيها الأصوليُّون نَبْحَثُها إنْ شاء اللهُ. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: إثباتُ الحشرِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ﴾ لِأَنَّ هَذَا عَلَى تقديرِ محذوف (اذْكُرْ يوم) لكِن اذْكُرْهُ لمجرَّد العلمِ والعقيدة، وكُلّ شيءٍ فِي الْقُرْآن لَيْسَ يُذْكَر لمجرَّد النظرِ أو لمجرَّدِ أن نَعْلَم به، بل هُوَ يُذكَر للاعتقادِ إنْ كَانَ عقيدةً، وللعملِ إن كَانَ عملًا. الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ: أن الله يَحْشُر مِنَ الأُمم أفواجًا معيَّنة يَكُونون أُمَّة لباقيهم؛ لِقَوْلِهِ: ﴿نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ لَيْسَ كُلّ الأمم، بل فَوْج، وهَؤُلَاءِ الفوجُ هم أَشَدُّهم عَلَى الرحمنِ عِتِيًّا، قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٦٩]، لأجلِ - والعِيَاذُ باللهِ - أن يُخْزَوْا خِزيًا أعظمَ، لِأَنَّهُم قادةٌ فِي الدُّنْيا فيَكُونون قادةً إِلَى النَّارِ فِي الآخِرَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود: ٩٨].

стр. 468

الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ: عِظَم الإمامةِ فِي السوءِ كما أَنَّهَا أيضًا عظيمةٌ فِي الخيرِ، فالإمامة فِي الخيرِ له أجرُ مَنِ اتَّبَعَهُ، والإمامةُ فِي الشَّرّ عليه وِزْر مَنِ اتَّبعه، فالإمامة فِي الخير أو فِي الشَّرّ هِيَ أمرٌ عظيمٌ، وخيرُ النَّاسِ مَن دَلَّهم إِلَى الخيرِ، وشرُّ النَّاس مَن دَلَّهم عَلَى الشرّ. الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ: أن التكذيب بالآيَاتِ كفرٌ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿مِمَّن يُكَذِبُ﴾، لِأَنَّ هَؤُلَاءِ الفوجَ يُحشَرون إِلَى النَّار لِأَنَّهُم يكذِّبون بآيَاتِ اللهِ، والتكذيبُ بآيَاتِ اللهِ سَبَقَ أَنَّهُ يَنقسم إِلَى قسمينِ: تكذيب بالآيَات الشَّرْعِيَّة وبالآيَات الكونيّة، والتكذيبُ بالآيَاتِ الكونيَّة أقلُّ مِنَ التكذيب بالآيَاتِ الشَّرْعِيَّة. الْفَائِدَة الخَامِسَةُ: أَنَّهُ يُجْمَعُ أوَّلهم إِلَى آخِرِهم، وآخرُهم إِلَى أوَّلهِم، لِقَوْلِهِ: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾؛ لِأَنَّ ذلك زيادة فِي خِزْيِهِم وعارِهِم، والعياذُ بالله، حَيْثُ يَعرفون أنفسهم ويُعرفون عندَ الخَلق. الْفَائِدَة السَّادِسَةُ: إثباتُ الكَلام لله ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿قَالَ أَكَذَّبْتُمْ﴾، وَأَنَّهُ بحرف وصوت، لِأَنَّ الجملَ الَّتِي هِيَ مَقول القَوْلِ حُروف، وَأَنَّهُ بصوت؛ لِأَنَّهُم لولا أَنَّهُم يَسمعون لم يكن لهَذَا فائدة، ولا سماع إِلَّا بصوت. الْفَائِدَة السَّابِعَةُ: توبيخ هَؤُلَاءِ عَلَى تكذيبهم بآيَات الله، وكما هُوَ معروف أن التوبيخَ لا سِيَّما فِي ذلك المقامِ أشدّ مِن وَقع السِّهام، لِأَنَّهُ توبيخ فِي مكانٍ يقع فِيهِ من الندمِ والحسرةِ؛ لِأَنَّهُ لا يمكن التخلُّص ولا التكذيب ولا الرجوع عمَّا كان، وَهَذَا التوبيخُ مِن أعظمِ ما يَكُون منَ العذابِ والعياذُ باللهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي﴾. الْفَائِدَة الثَّامِنَةُ: أَنَّهُ يَزداد قُبْح التكذيبِ إذا لم يُحِطِ الْإِنْسَانُ عِلمًا بما كَذَّبَ به؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا﴾ وهَذِهِ الجملة مَحَلّها من الإعراب حاليَّة، يَعْنِي: والحال

стр. 469

أنكم لم تحيطوا بها علمًا، والجملة إذا صار يَصِحّ قَبْلَها تقديرُ: والحال كذا فهي جملةٌ حاليَّة، ففيها زيادة توبيخٍ لكونهم يكذِّبون من غير أن يُحيطوا عِلمًا بما كذّبوا به ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس: ٣٩]. والمُفَسِّر فسَّر: ﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾ عَلَى وجهٍ آخرَ، يعني: كذَّبتم بلا علم عن وجهِ هَذَا التكذيبِ. الْفَائِدَة التَّاسِعَةُ: توبيخُ هَؤُلَاءِ عَلَى عَمَلِهِم، فكما وُبِّخوا عَلَى التكذيبِ وُبِّخوا أيضًا عَلَى العَمَل فِي قوله: ﴿أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. * * *

стр. 470

الآية (٨٥) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾ [النمل: ٨٥]. * * * قَالَ المُفَسِّر: [﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ﴾ حقَّ العذابُ ﴿عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا﴾ أي أَشْرَكُوا ﴿فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾ إذ لا حُجَّةَ لهم، . ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ﴾ يعني قولَ اللهِ بالعذابِ، فإنَّ الله ﵎ يأمرُ بِتَعْذِيبِهِمْ إذا لم يُجِيبُوا، وهَذَا السؤال كما تقدَّم لَيْسَ سؤال استخبار واستعلام، ولكِنه سؤال توبيخٍ وتقريعٍ، فحينئذٍ يقعُ عليهم القَوْلُ، وهَذَا القَوْل الَّذِي وقعَ عليهم لم يُظْلَموا به ولكِنْ همُ الَّذِينَ ظَلَموا، ولهَذَا قَالَ: ﴿بِمَا ظَلَمُواْ﴾ أي: بسبب، و (ما) هنا مصدريَّة يَعْنِي أنَّ الفِعْل بعدها يحول إِلَى مصدرٍ، فيَكُون التَّقْدير: بِظُلْمِهِم؛ أي وقع القَوْل عليهم بظلمهم. وقول المُفَسِّر: [أي أشركوا]، ينبغي أنْ نفسِّر الظلمَ بما هُوَ أعمُّ مِنَ الشركِ؛ لِأَنَّ الله وَبَّخَهُمْ عَلَى التكذيبِ وعلى العَمَلِ المنحرِفِ، فيَكُون الظلمُ الَّذِي حصلَ منهم: التكذيب والجحْد الَّذِي يَتَضَمَّن الإشراكَ، وكذلك الفُسُوق والعِصيان الَّذِي حصلَ منهم كإيذاءِ الرُّسُلِ وغير ذلك، فالأصحُّ أنْ نجعلَ ﴿بِمَا ظَلَمُواْ﴾ أي: بسببِ ظُلْمِهِم، ومنه الشركُ. قوله: ﴿فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾: (الفاء) مُفَرّعة عَلَى قولِه: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أي:

стр. 471

بَعْد أن وقعَ عليهم القَوْلُ استحقُّوا العذابَ فلا يستطيعون النُّطْقَ، يَقُول المُفَسِّر: [إذ لا حُجَّة لهم]، وهَذَا فِي آخِرِ الأَمْرِ؛ لِأَنَّهُم كانوا فِي أوَّلِ الأَمْرِ يَنطِقون ويُدافِعون. ولكِنهم إذا رأوْا أنَّ جَوَارِحَهم شَهِدَتْ عليهم حينئذٍ أَمسكوا، فلا يستطيعون الآن، وإلّا فإن الله تَعَالَى يَقُول: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، فهم يَقُولُونَ: ما أَشركنا، ويَقُولُونَ أيضًا: ﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٧، ٢٨]، فهم يتكلَّمون وُيدافِعون عن أنفسهم، ولكِنَّ ذلك لا يَنفعهم، قَالَ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢]، فالمهمُّ أَنَّهُم يتكلَّمون، فقوله هنا: ﴿فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾ [النمل: ٨٥]، هَذَا يَكُون الجمع بينه وبين الآيَات الدالّة عَلَى نطقهم أن للقيامة أحوالًا؛ لِأَنَّ يوم القيامة مِقداره خَمسونَ ألفَ سنةٍ، فالأحوالُ تَتَغَيَّر، فيَكُون الناطق فِيهِ ساكتًا وَيكُون الساكت فِيهِ ناطقًا، وتَتَقَلَّب الأحوال، قَالَ : ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٧]، لِمَا ترَى، فهم فِي حالٍ لا يَنطِقون، وَفي حالِ يَنطِقون ويدافعون. ولكِنهم مهما قالوا ومهما فعلوا فإن لديهم شهودًا من أنفسهم ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤]، فاللِّسان يَنطِق بما قال، واليدُ تَنطِق بما فعلتْ، والرِّجل تَنطِق بما فعلتْ، وأبلغ من ذلك الجلودُ تَشهَد بما لمستْ، فجميعُ ما فِيهِ الإدراكُ والحاسَّةُ يَشهد عَلَى هَؤُلَاءِ بما فَعَلُوا، وحينَئذٍ لا يَستطيعونَ أنْ يُدافِعوا، ما دام أنَّ هَذِهِ الأَشْيَاء تَشهد عليهم؛ إذن مَن يشهد لهم؟ ! الحاصل: أن الأحوال تتغيَّر، فالمتكبِّرون يُحشَرون يومَ القيامةِ أمثالَ الذَّرِّ

стр. 472

يَطَؤُهُمُ النَّاسُ بأقدامهم (١)، ولكِنَّهم إذا دَخلوا النَّار يَكُون ضِرْسُ الواحدِ منهم مثلَ أُحُدٍ (٢)، والعياذُ باللهِ. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ﴾ أنَّ العذابَ قد حَقَّ عَلَى هَؤُلَاءِ، أو أن المَعْنى ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا﴾ أَنَّهُ صَدَقَ القَوْلُ عليهم فلم يَستطيعوا الجوابَ، يعني لمَّا وُبِّخُوا بالتكذيبِ والعَمَلِ فقال: وقعَ القَوْلُ عليهم؛ أي: ما قيل لهم من هَذَا التوبيخِ صَدَقَ عليهم فلم يستطيعوا الدفاعَ، بَقِينا فِي قوله: ﴿فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾ وهَذَا الوجهُ لم نَذْكُرْهُ لَكِنَّهُ فتحَ اللهُ به علينا، إنْ كَانَ حقًّا فالحمدُ للهِ وإلَّا فَنَسْتَغْفِر اللهَ. ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا﴾ أي: أن هَذَا القَوْل الَّذِي وُبِّخوا به صَدَقَ عليهم، ولهَذَا قَالَ: ﴿فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾؛ لِأَنَّ مَن وُبِّخ عَلَى أمرٍ لم يقعْ عليه يَستطيع أنْ يَنْطِق فيُدَافِع، لكِن هَؤُلَاءِ ما استطاعوا. الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ: إثبات السَّبَب؛ لِقَوْلِهِ: ﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾؛ لِأَنَّ الباء هنا للسببيَّة، وإثبات الأَسْبَاب هُوَ مَذهَب أهل السنَّة والجماعة، وأن الأُمُور مَقرونة بأَسْبابها. يقولُ العَوَامّ: وقد قَالَ الله تَعَالَى: (وجعلنا لكلِّ شيءٍ سببًا)، وهَذَا لَيْسَ فِي الْقُرْآن، ولكِنه كقراءة بعضهم لما ذُكِرَ له الأعراب، قَالَ: ألم تَسْمَعْ قولَ اللهِ تَعَالَى فِي الأعراب: (سُود الوُجُوه إذا لم يُظْلَموا ظَلَمُوا) وهَذَا لَيْسَ من قولِ الله، لكِن أحيانًا

стр. 473

الْعَامَّة يَقُولُونَ أَشْيَاءَ يَعتقدونها من الْقُرْآن، فنحنُ نُثْبِت الأَسْبَابَ ولكِن ما نَقُول: إن الله فِي الْقُرْآن ذكرَ أن لكلِّ شَيْء سببًا، إِنَّمَا الْقُرْآن مملوء من إثباتِ الأَسْبَاب. فهِمنا من هَذَا أن إثبات الأَسْبَاب هُوَ مَذْهَب أهل السنَّة والجماعة، فهل أحد من أهل البِدع يخالفهم فِي ذلك؟ نَقُول: الجَبْرِيَّة والأشاعرةُ لا يُثْبِتُون الأَسْبَاب، وَيقُولُونَ: إن فعلَ اللهِ تَعَالَى لمُجَرَّدِ المشيئةِ، والمُعْتَزِلة عَلَى العكسِ مِن هَؤُلَاءِ يَرَوْنَ أن الأَسْبَاب مُوجبة، ولهَذَا يَقُولُونَ: إن الله يَجِب عليه فِعْل الأَصْلح والصلاح. والصَّوابُ أن نَقُولَ: إن المعقول والمنَقُولَ يَدُلّ عَلَى أنَّ الأَسْبَاب مؤثِّرة، ولكِن بأمرِ اللهِ، وكم من سببٍ كَانَ مؤثِّرًا ثُمَّ لم يَنْفَعْ إذا لم يرد الله تَعَالَى أن يمثل هَذَا الشَّيْء. الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ: أن الله تَعَالَى لا يَظْلِم النَّاس شيئًا، ولكِن النَّاس أنفسهم يظلمون؛ لِقَوْلِهِ: ﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾، يَعْنِي: فهَذَا الأَمْر الَّذِي نزل بهم سببُ ظُلْمِهِم، ولم يَظْلِمْهُمُ اللهُ . الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ: أن للناسِ فِي يومِ القيامةِ أحوالًا، فهم أحوال مختلِفة؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾ لِأَنَّ الله ذكر فِي بعض الآياتِ أَنَّهُم يَنطِقون ويدافعون، يَقُولُونَ: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، ويقول تَعَالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]، فأنت الْآنَ لا يمكن أن تجمعَ بين هَذِهِ الآيَاتِ إِلَّا إذا قلتَ: إن النَّاس لهم أحوال، حال يمكنه الكَلام، وحال لا يمكنه فِيهِ الكَلام، وبهَذَا يتآلَفُ الْقُرْآن وَهُوَ مُؤْتَلِف. * * *

стр. 474

الآية (٨٦) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦)﴾ [النمل: ٨٦]. * * * قال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ الرؤيةُ هنا عِلمية وبَصَرِيَّة أيضًا، لكِنَّ كَوْنَها عِلْمِية أعمّ؛ لِأَنَّ مَن أبصرَ الشَّيْءَ عَلِمه، وَلَيْسَ كُلّ مَن عَلِمَ الشَّيْءَ أَبصره، فالأعمى يَرَى الليل يعني يَعْلَمه، والمُبْصِر يراه بعينِهِ وبَصيرتهِ. والهمزةُ فِي قوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ للتقرير؛ تقرير هَذه الرؤية الَّتِي لا يُنْكِرها أحدٌ. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ﴾ خَلقنا، ، فسَّر المُفَسِّر ﵀ الجَعْلَ هنا بالخلق، فيَكُون متعدِّيًا بمَفْعُول واحم، ويجوز أن يَكُونَ الجَعل هنا بمعنى التصييرِ، يَعْنِي أَنَّا جَعَلْنا الليلَ مُظْلِمًا لِيَسْكُنُوا فيه، ويدلُّ عَلَى هَذَا قولُه تَعَالَى الَّذِي بعده. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ ليَتَصَرَّفوا فيه]، وَيكُون حُذِفَ من كُلّ جملة ما دَلَّ علي المذكورُ فِي الجملةِ الأُخْرَى، وُيسمَّى هَذَا فِي علمِ البديعِ بالاحتباكِ، والاحتباكُ أنْ يذكر فِي كُلّ جملةٍ ما حُذِفَ من الأُخْرَى مَعَ التقابُلِ. هنا نَقُول: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ﴾ مُظْلِمًا ﴿لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ الَّذِي حُذِفَ من هَذَا (مُظْلِمًا)، ذكر مقابله: ﴿مُبْصِرًا﴾، وحذف من قوله: ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾: ليَتَصَرَّفُوا فِيهِ، وذكر فِي مقابله: ﴿لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾، فيَكُون فِي الجملةِ احتباكٌ، وبهَذَا نكون قد

стр. 475

استفدنا المَعْنى مَعَ الاختصارِ، وعَلَى هَذَا التقريرِ الَّذِي ذكرنا يَكُون ﴿جَعَلْنَا﴾ ليس بمعنى (خَلَقْنَا)، بل بمعنى (صَيَّرنا) تَنصِب مَفْعُولينِ، المَفْعُول الأوَّل (الليل) والمَفْعُول الثاني محذوف تقديرُه: مظلمًا. قوله: ﴿لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ اللام هنا للتعليلِ، والسكونُ معناه القرارُ وعدم الحركةِ، ولذلك كَانَ الليلُ مَحَلَّ السكونِ للخلقِ، ولكِنه بإذنِ اللهِ مَحَلّ عَمَل لخلقٍ آخرينَ؛ فالهوامّ والسباع لا تعمل إِلَّا فِي الليل؛ لِأَنَّهَا تَختفي فِي النَّهارِ؛ إمَّا خوفًا من النَّاسِ وَإمَّا رحمةً من الله بالخلقِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ السباع أو هَذِهِ الهوامّ لو كانت تخرج فِي النَّهار لأتعبت النَّاسَ، ولَكِنَّهَا - والحمد للهِ - لا تظهرُ إِلَّا بالليلِ، فإذا سكنَ النَّاسُ بدأ عَمَلَها بالتناوُب. وهَذَا من رحمةِ اللهِ ﵎ بالخلق أن يَكُون هَذَا التبادلُ ليعيشَ النَّاس بسلامٍ، حَتَّى هَذِهِ الحيوانات آمَنُ لها إذا كانت لا تعيش إِلَّا بالليل حَتَّى لا تُعارَض. فهنا المُراد بالسكونِ الآدميُّون ومَن أشبههم ممَّن سُكُونُهم بالليل، ولهَذَا الْإِنْسَان إذا أرادَ الصحَّة فليكنِ الليلُ سَكَنًا له، ولا سِيَّما أوَّل الليل، فإن النَّبِيّ ﷺ كَانَ يَكْرَهُ الحديثَ بَعْدَ العِشَاءِ (١)، وقد ذَكَرُوا أنّ نومَ الليلِ الساعةُ منه تقابلُ ساعاتٍ من النَّهارِ. وهَذِهِ الثروة السكونيَّة أضعناها الْآنَ بما لا نفعَ فِيهِ، بل بما فِيهِ ضررٌ، فالْآنَ النَّاس يَعكُفون عَلَى مشاهدةِ التلفزيون إِلَى نصفِ الليلِ تقريبًا، بينما فِي الدول الغربيّة

стр. 476

مَعَ الأسفِ الشَّديدِ الكافرة المُلْحِدَة لا يتجاوز التلفزيون الساعة التَّاسعة منَ الليلِ، ففي الساعة التَّاسعة يُغلَق التلفزيون؛ لِأَنَّهُم يَعرفون أن هَذَا ضررٌ عَلَى عمالهم وَعَلَى مُثَقَّفِيهم، فهم لا يريدون الضررَ للأُمّة، يَقُولُونَ: إذا أَبقيناه إِلَى ما بَعْد التَّاسعةِ سَهِرَ النَّاس عليه وَكَانَ فِي ذلك إنهاك للعمال وكان فِي ذلك إهمال للطلبة، فلذلك نحن نُغْلِقُه من الساعة التَّاسعة حَتَّى ينام النَّاس وحتى لا نكون قد تَسَبَّبْنَا فِي إرهاقِ النَّاسِ، وحدثني بذلك عدَّة أُناسٍ مِنَ الَّذِينَ جاءوا من أُورُبَّا يَقُولُونَ: أبدًا، لا يمكن أن يتجاوزَ الساعةَ التَّاسعةَ، لكِن لا أَدري إنْ كَانَ فِي الأَشْيَاء النادرة، لكِن هَذَا هُوَ برنامجهم. نحن الْآنَ مَعَ الأسفِ الشَّديدِ يَقُولُونَ: إنَّهُ يبقى إِلَى ما بَعْد الساعة الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ نصفَ الليلِ، هَذَا مَعَ ما يَتَطَلَّب من الناحية الاقتصاديَّة: فكم يَستهلك النَّاس من الكهرباء فِي هَذِهِ الساعةِ على تلفزيوناتهم وكذلك أيضًا أنوارهم؛ لِأَنَّ المكان لَا بُدَّ له من نور، فيُستهلك نور، وتُستهلَك كهرباء للتلفزيون، فكم يكلّف العالم؟ ! وكم تُرهق المُعدات أيضًا؟ هَذَا بقطعِ النظرِ عن المفاسدِ الأُخْرَى البدنيّة، ولكِن العبرة بمن بصَّره الله ﵎. فمثل هَذَا المسئول راعي البيت إذا كانت مثلًا الساعة التَّاسعة يأمر أهله بالنوم ويُغلِقه، أَمَّا الكسرُ فلا، والنَّبِيّ ﵊ كَرِهَ الحديثَ بعدَ العشاءِ (١)، فكَوْننا نسهر إِلَى نصفِ الليلِ أحيانًا أو إِلَى أكثر وَلَيْسَ ليلة طارئة حَتَّى نَقُول: العوارض عوارض، بل هِيَ دائمًا فِي الغالب، هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يسهرون إِلَى ما بَعْد نصف الليل أولًا ربَّما لا يقومون لصلاة الفجر، وإذا قاموا نِصْفُهم نُوَّم، يُؤَدُّونَها بكلِّ كُلفةٍ ومَشَقَّة،

стр. 477

أو ينامون فِي نفس المَسْجِد أو فِي نفسِ الصَّلَاة، ثُمَّ إذا رَجعوا إِلَى بيوتهم ينامون إِلَى الظهرِ. يعني أول النَّهار الَّذِي هُوَ مَحَلّ البركة ومَحَلّ العَمَلِ يُضَيَّع، والليل الَّذِي مَحَلّ السكون يُضَيَّعُ السكونُ فيه، وهَذَا فِي الحقيقةِ يُعتبَر نقصَ وَعْيٍ فِي المُسلِمين. يَقُولُونَ عن الكفار؛ حَدَّثني رجل يَقُول: عندهم عطلة السبت والأحد، السبت لأجل اليهودِ والأحدُ لأجلِ النَّصارَى، لكِن يَقُول: إذا صار ليلة الإثنين من غروب الشَّمْس كلٌّ فِي مَحَلِّه، من أجل أَنَّهُ بمجرد أن يقومَ فِي الصباحِ فإذا هُوَ مباشِر لعملِهِ، فلا يمكن أنْ يتأخَّروا. يَقُول: من الغريب أن العوائل يخرجون يتنزهون فِي هذين اليومينِ في المتنزَّهات لكِن إذا غابت شمس ليلة الإثنين إذا كُلّ إِنْسَان فِي مَحَلّه يَكُون متهيِّئًا للعمل. فإذا قَارَنْتَ حال هَؤُلَاءِ بحالِ المُسلِمينَ اليوم مَعَ أنَّ أحوالهم هَذِهِ هِيَ الَّتِي يَجِب أن تكون للمسلمينَ، وجدتَ هَذَا السَّبَب الَّذِي جَعَلَنا نتأخَّر وجعلنا فِي هَذَا الذلّ، وجعل كثيرًا من شبابنا لَيسوا مقتنعينَ بأحوالهم، فبعض الشبابِ الْآنَ المنحرِف قد يَكُونُ له عُذر، يَقُول: أنتم تقولونَ: الإِسْلامُ والإِسْلام، أين الإِسْلام! لم نرَ شيئًا! ولكِن نَقُول: الذنبُ ذنبُ مَن يَنتسبون للإسلامِ، لَيْسَ ذنب الإِسْلام، ذنب مَن يَقُولُونَ: نحن أهلُ الإِسْلامِ، وَفِي أهلِ الإِسْلامِ مَن لا يَعرف أركانَ الإِسْلامِ. والعَجَبُ أن بعض النَّاس المُسلِمين الْآنَ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّهُم مسلمون ومكتوب عَلَى هُوِيَّة الواحد منهم أَنَّهُ مُسْلِم، لا يَعرف كيف يتوضأ ولا كيف يُصلي، فهَذَا موجودٌ. إِذَنْ: معنى هَذَا أن البيئة لا تَتَوَضَّأ ولا تصلي، فأين الإِسْلام من قومٍ

стр. 478

لا يتوضؤون ولا يصلون! فهَذَا هُوَ الَّذِي أخَّرنا. ولذلك أنا - والله - أُحِبُّ دائمًا أنْ يَكُونَ لَدَى أهلِ العلمِ تَطَوُّر فِي الحركة والعَمَل والنهوض بالأمة. قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ آيَات جمع آيَةٍ، وهي تدلُّ عَلَى أن ما ذُكِرَ فِيهِ عِدَّة آيَات، منها: إظلام الليل والسكون فيه، وإبصار النَّهار والتصرُّف فيه، فهي أربع آيَات، مَعَ ما تَتَضَمَّنَهُ أيضًا من آيَاتٍ أُخرى تَسْتَلْزِمُها، ولهَذَا جمع فقال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾. فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: أين الآيَات فِي كون الليل لِيسكنوا فِيهِ والنَّهار مُبصِرًا؟ نَقُول: السكون فِي الليلِ والتصرُّف فِي النَّهار؛ لأَنَّنا قُلْنَا: حذفَ مِن النَّهارِ ما ذكرَ فِي الليلِ، وحذفَ فِي الليلِ ما ذكرَ فِي النَّهارِ، يعني فِي المقابلةِ. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: تقرير هَذِهِ القُدْرَةِ الإلهيَّة، وهي جَعْل الليلِ مُظلِمًا للسكنِ، والنَّهارِ مُبْصِرًا للمعيشةِ، وهَذِهِ النعمة كلهم يُقِرُّون بها، ولهَذَا قَالَ: ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾. الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ: الاستدلال بالشاهدِ عَلَى الغائبِ، فإن هَذَا الليل والنَّهار ما أحد من الخلقِ يستطيع أنْ يُغيِّر فيهما أقلَّ تغييرٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ﴾ [القصص: ٧١]، ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ [القصص: ٧٢]، فالقادر عَلَى هَذَا التغييرِ قادرٌ عَلَى البعثِ، فالْإِنْسَان فِي الليلِ يُتَوَفَّى ثُمَّ يُبْعَثُ فِي النَّهارِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [الأنعام: ٦٠]، فالقادرُ عَلَى هَذَا قادرٌ عَلَى إعادةِ النَّاسِ بعدَ مَوتِهم.

стр. 479

الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ: بَيَان فضلِ اللهِ تَعَالَى فِي جعل الليل والنَّهار عَلَى هَذَا الوصفِ، ظَلَام للسُّكْنَى وإبصار للعملِ، لو كَانَ الدهرُ كلّه ظَلامًا ما عمِل النَّاس، ولو قُدِّر أَنَّهُم رتّبوا أعمالهم لاختلفوا، وكذلك لو كَانَ نهازا ما سَكَنَ النَّاس، ولو قُدِّرَ أَنَّهُم رَتَّبوا أوقاتهم وجعلوا مثلًا نصفَ الوقتِ سكنًا ونصف الوقت عملًا لم يَتَّفِقُوا فيه، ولكِن من رحمةِ اللهِ انه جعل الليل والنّهارَ لِيَسْكُنَ النّاسُ جميعًا وَيرْتَعُوا من فضله جميعًا. الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ ينبغي للعاقلِ أن يَعتبرَ بهَذِهِ الآيَاتِ وأن الاعتبار بها من الإِيمان، لِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. الْفَائِدَة الخَامِسَةُ: أن الانتفاعَ بالآيَاتِ بِقَدْرِ ما مَعَ الْإِنْسَان من الإِيمَانِ؛ لِأَنَّهَا رُتِّبَتْ عَلَى وصفٍ، والمرتَّبُ عَلَى وصفٍ يَزيد بزيادته ويَنْقُص بنقصانه. * * *

стр. 480

الآية (٨٧) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ القرن]، هَذِهِ معطوفةٌ عَلَى قولِهِ: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ﴾ [النمل: ٨٣]، فيَكُون من جملةِ المأمورِ بذِكْرِه، يَعْنِي: واذْكُرْ يومَ يُنْفَخُ فِي الصُّور. والصُّور يَقُول المُفَسِّر ﵀: [القَرْن] وَقِيلَ: إنَّهُ البُوقُ، ولا تنافيَ بينَ القَوْلينِ؛ لِأَنَّ القرنَ المُعْوَجّ يَكُون مثل البُوق، ولكِن هَذَا القَرْنُ يُوافِقُ القرنَ المعروف بالاسم دون الحقيقةِ، وقد وردَ فِي بعضِ الآثارِ أنَّ سَعَتَهُ كما بينَ السَّمَاء والْأَرْض (١)، وَهُوَ لَا بُدَّ أن يَكُونَ بهَذ السَّعة والعَظَمَة؛ لِأَنَّ النفخَ فِيهِ يَستلزِم الفَزَع والموتَ، ومثل هَذَا لو كَانَ صَغيرًا لا يُفْزع النَّاس ولا يموتون منه كلهم. وأيضًا يُنْفَخ فِيهِ فتَخْرُج منه الأرواحُ كلُّها وتعود إِلَى أَجْسَامها. إِذَنْ: فَهُوَ قَرْنٌ عَظيمٌ ما يَعْلَم قَدْرَه إِلَّا اللهُ . وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ قَالَ المُفَسِّر: [النَّفْخَة الأُولَى من إسرافيلَ]، وتوجد نفخةٌ ثانيةٌ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨].

стр. 481

وقوله ﵀: [من إسرافيلَ] بَيَان للنافِخِ، يعني الَّذِي يَنْفُخ هُوَ إسرافيل، ولكِنَّه لا يَنْفُخ بإرادتِهِ هُوَ، بل بإرادةِ اللهِ، وإسرافيلُ هُوَ أحَدُ حَمَلَة العَرْش، وَهُوَ أحدُ الملائكةِ الثلاثة الَّذِينَ يَسْتَفْتِح بهم النَّبِيُّ ﷺ صلاةَ الليلِ، والثاني جَبرائيلُ، والثَّالث مِيكَائيل (١)، والحِكْمَةُ من ذلكَ أن هَؤُلَاءِ الثلاثة كُلّ مِنهم مُوكَّل بحياةٍ، فجبرائيل موكَّل بالوحيِ الَّذِي به حياةُ القلوبِ، وميكائيلُ بالقَطْر والنباتِ الَّذِي به حَياة الْأَرْض، وإسرافيلُ بالصُّور الَّذِي به حياةُ الأجسادِ، ومناسبةُ الافتتاحِ فِي صلاةِ الليلِ ظاهرةٌ جِدًّا؛ لِأَنَّهُ قد بُعِثَ الْإِنْسَانُ بعدَ مَوته أو بعدَ وَفاتِه بالنومِ، فهَذ حياةٌ تُناسِب أنْ يَبْتَدِئَ هَذِهِ الصَّلَاة الَّتِي هِيَ بعدَ الحياةِ بِمَن وُكِّلوا بالحياةِ، وطبعًا هَذَا من بابِ التوسُّل، لأنك تقول: "اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ ... إلخ". قوله: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ مَن فِي السَّماوَات ومَن فِي الْأَرْض مِن عُقَلاء وغَيْرِهم، وجاءت (مَن) تَغليبًا؛ لأنَّ العاقلَ أشدُّ فَزَعًا من غيرِ العاقلِ؛ لِأَنَّ العاقلَ يَفْزَع للحاضرِ والمستقبَل، وغير العاقل للحاضرِ فقطْ ولا يُهِمُّه المستقبَل، ولهَذَا لو سَمِعْتَ صَدمةَ لِصّ فِي البابِ قويَّة وعندك صَبِيّ، كلكم يَفْزَع من هَذِهِ الصدمةِ القويَّة، لكِن الصبي إذا انتهتِ الصدمةُ وَقَفَ ولم يكن فِي قلبه أيّ شَيْء أبدًا، وأنت تفكِّر فِي المستقبل وتخاف، فلهَذَا غلبَ العقلاءُ فِي قولِه: (مَن) فِي جانبِ الفَزَعِ؛ لِأَنَّ فزعَهم أعظمُ، يَكُون للحاضرِ والمستقبلِ. وهنا قَالَ: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ وَفِي آيَةِ الزُّمَر: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨]،

стр. 482

فهل هما نفختانِ، فإذا جمعتَ إِلَى الثَّالثةِ ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ صارت ثلاثَ نَفَخَاتٍ، أو أن نفخة الفَزَع والصَّعْق واحدة، وأن النَّاس يَفْزَعون أوَّلًا ثُمَّ يموتون؛ أي: فزَع يليه الموت؛ لِأَنَّ الظَّاهرَ - واللهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ إذا نُفِخَ يَكُونُ صوتٌ عظيم مُمْتَدّ، فيَفزعون ثُمَّ يَموتون، مثل الصَّيْحَات الَّتِي يُصاح بالمجرمينَ كالتي أَخَذَتْ ثمودَ؟ هَذِهِ المسألةُ اختلفَ فيها أهلُ العلمِ، فمنهم مَن يَرَى أنَّ النَّفَخَات ثلاثٌ: نفخةٌ يَفزع النَّاسُ وَيتَأَهَّبُون وَيكُونون عَلَى حَذَر، ثُمَّ أُخرى للصَّعْق فيموتون، ثُمَّ ثالثة للبَعْث. وَقِيلَ: إنّ نَفْخة الفَزَع بعدَ نَفْخَةِ الصَّعْق والبَعْث، وإنهم يَصْعَقُون، قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨]، ثُمَّ يُنفخ ثالثة فيَفْزَعون إِلَى الداعي، لكِن هَذَا القَوْل ضعيفٌ، فالمشهورُ القَوْلانِ السابقانِ. وهل هِيَ ثلاثٌ: فَزَع ثُمَّ نفخةٌ أُخْرَى فيها الصَّعْق ثُمَّ نفخةٌ ثالثةٌ فيها البعثُ، أو هما نفختانِ: نفخةٌ فيها فَزَع وصَعْقٌ، ونفخةٌ فيها البَعْث؟ الأخيرُ هُوَ الأقربُ؛ لِأَنَّ حديثَ أبي هُرَيْرَة ﵁ يَدُلّ عَلَى هَذَا، فَإِنَّهُ ذكر النفختينِ وذكرَ أن بينهما أربعينَ، قيلَ له: يوم أو شهر أو سَنة؟ قَالَ: أَبَيْتُ (١). ولم يُبَيِّنْ؛ لِأَنَّهُ لا يَعْلَم؛ لِأَنَّهُ ﵁ سَمِعَ منَ الرَّسُولِ ﷺ أربعينَ، ولا يعلمُ هل هِيَ أربعونَ يومًا أو سنة أو شهرًا. وبعد هَذِهِ النفخةِ الَّتِي هِيَ الفَزَع والصَّعْق يُرْسِل اللهُ ﵎ مَطَرًا كأَنَّه الطَّلّ، والطَّلُّ معروفٌ، وهُوَ النَّدَى الَّذِي يَنْزِل منَ السَّمَاءِ عندَ الصَّحْو فِي الليلِ،

стр. 483

أو أَنَّهُ الرذاذ الخفيفُ جدًّا، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، ثُمَّ تنبُت الأجسامُ بإذنِ اللهِ من هَذَا الماء، تنبت وهي فِي القبورِ، فإذا تكاملَ نَباتها نُفِخَ فِي الصُّور النفخة الثَّانِيَة، وحِينَئذٍ تَخرُجُ الأرواحُ وتعودُ إِلَى أجسامها، فيخرجُ النَّاسُ مِنَ القُبُور، وَلَيْسَ كما يَتَوَهَّم بعضُ النَّاس أَنَّهُم يَنْبُتُون عَلَى قُبُورهم، بل هم يَنْبُتُون فِي القبورِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا﴾ [ق: ٤٤]. فمعنى ذلك أَنَّهُم يُخْرَجُون منَ القبورِ وهم مُسْرِعون، فهم أحياء، وهَذَا بعدَ تكامُلِ أجسادهمْ فِي القبورِ، ثُمَّ إن هَذَا أيضًا مُقْتَضَى القِيَاس فِي بَدْءِ الخَلْق؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَتكامَل خَلْقُه فِي بَطْنِ أُمِّهِ ويَخْرُج حيًّا، والْأَرْض للإِنْسَانِ مثل بَطْن الأُمّ له، واللهُ حَكِيم، قَالَ تَعَالَى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الفتح: ٢٣]، أفعاله دائمًا تكونُ متناسبةً، لَيْسَ فيها تناقُضٌ ولا تنافُرٌ. قوله: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ حَتَّى الملائكة يَفْزَعون، وكذلك يَصْعَقُون: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٦٨]. قوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ يَقُول المُفَسِّر: أخافُوا الخوفَ المُفْضِيَ إِلَى الموتِ؛ كما فِي آيَةٍ أُخْرَى ﴿فَصَعِقَ﴾]، فعلى هَذَا يَكُون رأيُ المُفَسِّر أنهما نَفختانِ؛ الأُولَى تَتَضَمَّن الفزعَ والصَّعْق. ثم قَالَ المُفَسِّر ﵀: [والتعبيرُ فِيهِ بالماضي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ]، ف (فَزِعَ) فِعلٌ ماضٍ، و (يُنْفَخ) مضارعٌ، وَلَيْسَ الكَلام فِي (يُنْفَخ)؛ لِأَنَّ المضارعَ للمستقبلِ، لكِن قوله: ﴿فَفَزِعَ﴾ ولم يقلْ: (فيَفْزَع). يَقُول المُفَسِّر: [لِتَحَقُّق وقوعه]، والشَّيْء المتحقّق الوقوعِ كالماضي، ولهَذَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]، فكيف أَتَى واللهُ تَعَالَى يَقُول:

стр. 484

فلا تَستعجلوه؛ إذنْ ما أَتَى ما دام أَنَّهُ فلا تَسْتَعْجِلُوه، فمعناه أَنَّهُ لم يأتِ، فعبَّر ب (أتى) لِتَحَقُّقِ الوقوعِ ولقُرْبِهِ أيضًا، كَأنه لِقُرْبِهِ شَيْء حَصَل، فهنا ذكر ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ﴾ بلفظِ المضارعِ لِأَنَّهُ لم يكنْ، وذكر الفزعَ الَّذِي يَتَّصِف به النَّاس بلفظِ الماضي كأنه شيءٌ قد وَقَع بهم. قوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ عَيَّن المُفَسِّر هَذَا المُبْهَم فقال: [أي جِبريل وميكائيل وإسرافيل ومَلَك المَوْت]، هَؤُلَاءِ أربعةٌ، [وعنِ ابنِ عبَّاس: هُمُ الشُّهَدَاء (١)؛ إذ هم ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]]، فيَكُون المستثنَى خمسة، هَكَذَا قَالَ المُفَسِّر، وهَذَا يَحتاجُ إِلَى توقيفٍ وَنَصٍّ، إذا كَانَ النَّبِيّ ﵊ لا يَدْرِي، فمَنِ الَّذِي يَدْرِي! أخبرَ النَّبِيُّ ﷺ أنه: "أَوَّلُ مَنْ يُفِيقُ، فَيَجِدُ مُوسَى ﵊ آخِذًا بِقَوَائِمِ العَرْش أَوْ بقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِهِ، يَقُولُ: فَلَا أَدْرِي أَجُوزِيَ بصَعْقَةِ الصُّورِ أَمْ هُوَ أَفَاقَ قَبْلِي" (٢). إِذَنِ: الرَّسُول لا يَدْرِي مَنِ المُسْتَثْنَى؛ لِأَنَّهُ لم يعلم أنْ يَكُونَ موسى مِمَّنِ استثنى اللهُ، ولو كَانَ عنده علمٌ بهم لعَلِمَ مثلًا أن موسى لَيْسَ منهم أو أنَّهُ مِنهم، فإذا كَانَ النَّبِيّ ﷺ لم يعلمْ فغيرُه من باب أَوْلَى. ولهَذَا الصَّوابُ أَنَّهُ يجبُ علينا أنْ نُبْهِمَ ما أبهمهُ اللهُ، إِلَّا إذا جَاءنا عنِ الرَّسُولِ ﷺ فإنَّ الله يقولُ: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦، ٢٧].

стр. 485

وَأَمَّا إذا ما جاءنا عن المعصومِ شيءٌ مِن هَذَا فالواجبُ علينا أنْ نُبْهِمَ ما أَبْهَمَهُ اللهُ، والأَمْرُ فِي هَذِهِ المسائلِ مِنَ الخُطُورة بمكانٍ، حَتَّى آدم، فلا نَستثني أحدًا أبدًا، إِلَّا مَن شاء الله. فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: مَن الَّذِي شاء الله؟ نَقُول: اللهُ أَعْلَمُ. فنَفْهَم أنَّ الله استثنى أحدًا قد يَكُونُ واحدًا وقد يَكُون ألفًا وقد يَكُون ألفينِ وقد يَكُون عَشَرَةَ آلافٍ، فلا ندري، إِلَّا مَن شاء الله. وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: إسرافيل ألا يَتَعَيَّن آنهُ مِمَّنِ استُثْنِيَ لِأَنَّهُ هُوَ النافِخُ؟ فالجواب: لا، رُبَّما يَنْفُخُ وَيصْعَقُ بمجرَّد النفخ، فلا نَدري، المهمُّ أَنَّهُ لا يوجد شَيْء يمكن أنْ نُعَيِّنَه إِلَّا بدليلٍ عن معصومٍ، وهَذَا يَجِب علينا فِي كُلّ شيءٍ أَبْهَمَهُ الله، فكلُّ شيءٍ أبهمه الله لا يُمْكِن أنْ نُعَيِّنَهُ إِلَّا بدليلٍ عن الرَّسُول ﵊. وخبرُ ابنِ عَبَّاس - اللهُ أَعْلَمُ - إنْ صَحَّ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ؛ فَقَدْ يَقُوُل قَائِلٌ: ابنُ عبّاسٍ مِمَّن عُرِفَ بالأخذِ عن الإسرائيلياتِ، فيُخْشَى هَذَا أن يَكُونَ مِمَّا أخذه عن بني إسرائيلَ؟ فنَقُول: يَبْعُدُ أنْ يُفَسِّر الْقُرْآن بما أَخَذَهُ عن بني إِسرائيلَ؛ لِأَنَّ الصحابةَ عندهم مِنَ الوَرَعِ ما يَمْنَعُهم من ذلكَ، فإذا جَاءنا - وهَذِهِ نُكْتَة يَجِب أنْ نَتَفَطَّن لها - إذا جاءنا عن ابنِ عبَّاس ونحوه مِمَّن عُرِفَ بالأخذِ عن الإسرائيليَّات تفسيرٌ للقرآنِ بهَذَا فَإِنَّهُ قد يُمَانع فِي كونه مردودًا؛ لِأَنَّ ابن عباس لا يمكن أن يفسر كلام الله بما أخذه عن بني إسرائيلَ، وقد قَالَ النَّبِيّ ﵊: "إِذَا حَدَّثَكُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ

стр. 486

وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ" (١)؛ لِأَنَّ هَذَا يَقتضي أَنَّنَا إذا فَسَّرنا الْقُرْآن بما قالوا فقد صَدَّقْنَاهم، وهَذَا بعيدٌ مِنَ الصحابةِ أن يفعلوه، فالْإِنْسَان يَتَوَقَّف فيما إذا جاء تفسيرُ الآيَةِ عنِ ابنِ عبَّاس وغيره من الصحابةِ الَّذِينَ أخذوا عن بني إسرائيلَ وَيتَوَقَّف فِي رَدِّه، وذلك لهَذَا الوجهِ الَّذِي ذَكَرنا، وإنْ ذَكَروا شيئًا لا يتعلَّق بالتفسير كالقَصَص الَّتِي ما أشار إليها الْقُرْآن فهَذَا يُمْكِن أن نأخذَه، لكِن قِصَّة مُسْتَقِلَّة ما أشار إليها الْقُرْآن، هَذَا يَكُون عَلَى بابِه، لكِن إذا فَسَّر شيئًا فِي قِصَّة فِي الْقُرْآن فهَذَا نأخذه، أَمَّا إذا جَعَلُوه تفسيرًا لشيءٍ معيَّن منَ الْقُرْآن كما فِي هَذِهِ الآيَةِ فالْإِنْسَان يَتَوَقَّف. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَكُلٌّ﴾ تَنْوِينه عِوَض عن المضافِ إليه؛ أي: وكلهم بعدَ إحيائهم يومَ القيامةِ ﴿أَتَوْهُ﴾]، أي: أتوا الله ﴿دَاخِرِينَ﴾. و(كلٌّ) تنوينُه عِوَض عنِ المضافِ إليه، والتَّقْدير: (وكُلُّهم) إذن التنوين عِوَض عنِ اسمٍ؛ عن كَلِمَةٍ، وتنوينُ العِوَض يَقُولُونَ: إنَّهُ ثلاثةُ أقسامٍ: عِوَض عن جملةٍ، وعِوَض عن كلمةٍ، وعِوَض عن حَرْفٍ، مثل قوله تَعَالَى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٣، ٨٤]، نَقُول هنا: التنوين عِوَض عن جملةٍ؛ يَعْنِي: حينَ إذْ بَلَغَتْ، وأيضًا قوله تَعَالَى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الروم: ٢ - ٤]، (ويومئذٍ) عِوَض عن جملةٍ، وهي: ويوم إذ يُغْلَب الرومُ. والعِوَض عن اسمٍ مثل هَذِهِ الآيَة، فتنوين (كل) و (بعض) عِوَض عن اسمٍ،

стр. 487

مثل قوله: ﴿وَكُلٌّ﴾ أي: (وكلهم)، وكما فِي قوله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٣٢]؛ أي: وإنَّ كلهم، وقوله: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [هود: ١١١]؛ أي: وإنَّ كلهم. والعِوَض عن الحرفِ هُوَ الَّذِي يَلْحَق مثل: جَوَارٍ وغَوَاشٍ، فأصلها: جواري وغواشي، فحُذِفَتِ الياءُ وعوّض عنها التنوين. وفي الحقيقة مسألة التعويض عن الحرفِ لَيْسَ لها قيمةٌ، لكِن الَّذِي يمكن أن يَتَرَتَّب عليه المَعْنى أو فَهْم المَعْنى هُوَ العوض عن جملةٍ أو اسمٍ. قوله: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ﴾؛ أي: أَتَوُا اللهَ جَلَّ وَعَلَا، قَالَ المُفَسِّر ﵀: [بصيغةِ الفِعْل واسمِ الفاعلِ]، اسمُ الفاعلِ عَلَى وزنِ فاعلٍ (آتٍ)، وإذا لحَقَتْه الواوُ تقول: "وَكُلُّ آتُوهُ"، والفِعْل: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ﴾ (١). قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿دَاخِرِينَ﴾ صَاغِرِينَ]، إعرابها حالٌ، وهي حالٌ مِن مَفْعُول (أَتَوْهُ)، يعني من الهاءِ، فإذا كَانَ فعلًا فواضحٌ أَنَّهَا حال، لكِن (كل آتُوهُ دَاخِرينَ) كيف تكون حالًا؟ وأين العاملُ فيها؟ اسمُ الفاعلِ؛ لِأَنَّ اسمَ الفاعلِ يعملُ عملَ فعلِهِ. وقوله: ﴿دَاخِرِينَ﴾ قال المُفَسِّر: [صَاغِرِينَ]، الله أكبرُ! فِي ذلكَ الوقتِ حَتَّى الرُّؤَسَاء وحتَّى الملوكُ وحتَّى الأُمَرَاء وحتى الأسياد كلُّهم واحدٌ، كلُّهم يَأْتُونَ فِي حالِ الصَّغار، فَأَعْظَمُ مَلِكٍ فِي الدُّنيا وأعظمُ رئيسٍ فِي الدُّنْيا الَّذِي يَمشي وبين يديه وخلفه وعن يمينه وعن شِماله خَلائِق البَشَرِ؛ يأتي يومَ القيامةِ صاغرًا، ولكِن هَذَا

стр. 488

الصَّغار بالنِّسْبَةِ لعظمةِ الخالقِ، قَالَ ﵎: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]، ثُمَّ قد يَكُون بالنِّسْبَةِ للشخصِ أيضا، وقد يَكُون بالنِّسْبَةِ لعظمةِ الخالِق فقطْ، فهم جميعًا بالنِّسْبَةِ لعظمةِ اللهِ صَاغِرُونَ. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: إثباتُ النفخِ فِي الصّورِ، ولم يُعَيِّنِ اللهُ ﵎ النافخَ ولكِن جاءتْ به السُّنَّة أَنَّهُ إسرافيلُ أحدُ حَمَلَة العَرْش. الْفَائِدَة الثَّانِيَةُ: أن هَذَا النفخ عَظِيمٌ، لِأَنَّهُ يُنْتِجُ الفَزَع، ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾، فلو أنَّ قنابلَ قُدِّرَت فِي مكان مَهْما بلغتْ قُوَّتُها تُفْزع مَن حولها ولَكِنَّهَا لا تُفْزِعُ أهل الْأَرْض كلّهم، ولا أهل الْأَرْض وأهل السَّماوَات، وهَذَا النفخُ يُفْرغُ أهلَ السَّماوَات وأهلَ الْأَرْض؛ لِقَوْلِهِ: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ فيدلّ ذلك عَلَى عَظَمَةِ هَذِهِ النفخةِ؛ ولذلك قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الحاقة: ١٣]، أكَّدها بواحدةٍ لِيَتبَيَّنَ أَنَّهَا عظيمةٌ لا تَحتاج إِلَى إعادةٍ وتكرارٍ. الْفَائِدَة الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ لا يَفْزَعُ جميعُ مَن فِي الْأَرْض ومن فِي السَّماوَات، بل يبقى مَن لا يَفْزَع بمشيئةِ اللهِ، لِقَوْلِهِ: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ وهَذَا المُبْهَم فِي الآيَةِ الصَّحيحُ أنه ليسَ معلومًا لنا، ولذلك أشكلَ عَلَى رسولِ الله ﷺ هل كَانَ موسى ممَّن صَعِقَ أو ممَّنِ استثنى اللهُ، فدلَّ هَذَا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ معلومًا للناسِ مَن هم المُسْتَثْنَوْنَ، وهَذَا يَرْجع إِلَى كمالِ رُبُوبِيَّة اللهِ . الْفَائِدَة الرَّابِعَةُ: كمالُ الرّبُوبِيَّة والسلطانِ للهِ فِي قوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ ووجهُ ذلك أن العظيمَ إذا أَبْهَمَ ما يَتَصَرَّفُ به دلَّ هَذَا عَلَى أَنَّهُ لا مُعارِضَ له، وأنَّ

стр. 489

سُلطانه تامٌّ، يَعْنِي كأَنَّهُ لا أحدَ يَسْأَلُه مَن هَذَا الَّذِي لا يَفْزَع ومن هَذَا الَّذِي يَفْزَع، وذلك دليل عَلَى كمالِ السلطانِ والعظمةِ، قَالَ اللهُ : ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء: ٢٣]، وذلك لكمالِ سُلطانِهِ وحِكْمَتِه. فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: النَّبِيّ ﷺ رأى موسَى مُتَعَلِّقًا بالعَرْش، فهل هَذِهِ النفخةُ متعلقةٌ بأهلِ الْأَرْض فقطْ؟ فالجواب: النفخةُ مُتَعَلِّقة بمَن فِي السَّماوَات وبمن فِي الْأَرْض، والمتعلِّق بالعَرْش هُوَ فِي السَّماوَات، وهَذِهِ النفخة نَفْخَة الفَزَع هِيَ المقدَّمة لنفخةِ الصَّعْقِ، يَفْزَعون ثُمَّ يَصْعَقون، والرَّسُول ﷺ يَقُول: لا أدري أَجُوزِيَ بنفخةِ الصُّور أم أَنَّهُ مِمَّنِ استثنى اللهُ، وموسى ﷺ مات فِي الْأَرْضِ ودُفِنَ فِي الْأَرْضِ، ولا نَدْرِي هل أَنَّهُ يُرْفَع أو يَتَعَلَّق بقوائم العَرْش، وإنْ لم يَكُنْ مباشرًا له، وقد يُدَلَّى إليه شَيْء، لا نَدْرِي، فالمهمُّ أن هَذِهِ أمورٌ غَيْبِيَّة لا نُحِيط بها. الْفَائِدَة الخَامِسَةُ: أن كُلّ أحدٍ يأتي يومَ القيامةِ صَاغرًا ذليلًا للهِ ، لا فرقَ بينَ الملكِ والمملوكِ، والرئيسِ والمرءوسِ، لِقَوْلِهِ: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ كلٌّ؛ لِأَنَّ هَذَا التنوين عِوَض عن كلمةٍ، والتَّقْدير: (وكُلّهم)، أي: من فِي السَّماوَات ومن فِي الْأَرْض أتوُا اللهَ تَعَالَى داخرينَ. الْفَائِدَة السَّادِسَةُ: إثباتُ البَعْثِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ أو (وَكُلٌّ آتُوهُ دَاخِرِينَ). * * *

стр. 490

الآية (٨٨) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٨]. * * * قوله: (ترَى) أيُّها الْإِنْسَان، فالخطابُ لَيْسَ خَاصًّا بالنَّبِيِّ ﷺ لِأَنَّ هَذِهِ الرؤيةَ له ولِغَيْرِهِ. والجبالُ: مَعروفةٌ، والرؤيةُ هنا بَصَرِيَّة، قَالَ المُفَسِّر ﵀: [تُبْصِرها وقتَ النفخةِ]. وقول المُفَسِّر: [وقت النفخة] فِيهِ نظرٌ؛ لِأَنَّ وقتَ النفخةِ لم يكن النَّاس قد قاموا من قُبُورهم، ولَكِنَّهم يَرَوْنَها يومَ القيامةِ بعدَ أن يأتيَ النَّاس إِلَى اللهِ تَعَالَى داخِرينَ. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿تَحْسَبُهَا﴾ تَظُنُّها]، والجملةُ فِي قولِهِ: ﴿تَحْسَبُهَا﴾ فِي مَوْضِع نصبٍ عَلَى الحالِ؛ لأننا قُلْنَا: إنَّ الرؤيةَ هنا بَصَرِيَّة، والرؤيةُ البصريَّةُ لا تَنْصِب إِلَّا مَفْعُولا واحدًا، ومعنى تَحْسَبُها؛ أي: تَظُنُّها. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿جَامِدَةً﴾ واقفةً مكانها لِعِظَمِها]، وقوله: ﴿وجَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّ﴾ استعملَ الجمودَ للوقوفِ بجامعِ الثبوتِ فِي كُلّ منهما؛ لِأَنَّ الجامدَ ثابتٌ، والواقف كذلك ثابت، ولكِن قول المُفَسِّر: [واقفة مكانها] فِيهِ نظرٌ، إِنَّمَا ﴿تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ أي: واقفة وإنْ كانتْ هِيَ تدورُ، ولهَذَا قَالَ: ﴿وَهَيَ تَمُرُّ مَرَّ الْسَّحَابِ﴾ فَتَبَيَّن بهَذَا

стр. 491

أَنَّهَا ليستْ واقفةً فِي مكانها، ولَكِنَّهَا تُحْسَبُ واقفةً وهي فِي الحقيقةِ سائرةٌ، ولهَذَا قَالَ المُفَسِّر ﵀: ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ المطر إِذَا ضَرَبَتْه الريحُ؛ أي: تسير سَيْرَهُ حَتَّى تقعَ عَلَى الْأَرْضِ فتَسْتَوِي بها مبثوثة ثُمَّ تَصِير كالعِهْنِ ثُمَّ تصير هَبَاء منثورًا]. قوله: ﴿مَرَّ السَّحَابِ﴾ يَقُول: [المَطَر]، وفيه نظر أيضًا، والصَّوابُ أن المُرادَ بالسحابِ هَذَا السحابُ المعروفُ، والمَعْنى أَنَّهَا تسيرُ كما يسيرُ السحابُ فِي السُّرعةِ، وهو أبلغُ مِنَ المطرِ الَّذِي فَسَّرَهُ به المُفَسِّر حَيْثُ قَالَ: إنه مثل المطر إذا ضربتْه الريحُ، فالمطرُ إذا ضَرَبَتْهُ الريحُ تَجِده يزولُ عن مكانِهِ، ولكِنَّه فِي الحقيقةِ لَيْسَ كما يَتَصَوَّرُهُ الْإِنْسَانُ من الآيَةِ، بل إن الآيَة عَلَى ظاهرها، والمُراد بالسحابِ هُوَ السحابُ المعروفُ، فَإِنَّهُ يَمُرُّ بسرعةٍ، ثُمَّ إنَّ مشابهةَ الجبالِ للسحابِ أقربُ من مشابهةِ الجبالِ للمطرِ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣)﴾ [النور: ٤٣]، فالصَّوابُ إبقاءُ الآيةِ عَلَى ظَاهِرِهَا بدونِ تأويلٍ. وقوله: ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ السحابُ معروفٌ أَنَّهُ يمرُّ بسرعةٍ، فهي إذن تُقْتَلَع من مكانها وتكون مثلَ السحابِ هَبَاءً يَطير. والحاصلُ: أنَّ الْإِنْسَانَ لا يَشْعُرُ بمرورها لَكِنَّها تمرّ. ثم يَقُول المُفَسِّر: إنَّهُ بعدَ ذلك تَقَع عَلَى الْأَرْض فتَستوي بها مبثوثةً، وما قَالَهُ المُفَسِّر محُتمَل، أَنَّهَا بَعْد صعودها ومرورها مرّ السحابِ تقعُ عَلَى الْأَرْض ثُمَّ تَستوي بها الْأَرْض، ويَحتمِل أَنَّهَا تَبقى طائرةً ثُمَّ تكون هباء منثورًا، بمعنى أَنَّهَا أولًا تَضْعُفُ حَتَّى تكونَ كالعِهنِ المنفوشِ ثُمَّ بَعْد ذلك تَطيرُ مِنَ الْأَرْض حَتَّى تمرّ مرّ السحابِ مُشَاهَد، لها جِسْم متماثِل، ثُمَّ بَعْد ذلك تكون هباءً منثورًا تتبدد وتتفرَّق، فتكون لها أحوال وتتطوَّر، وذلك من عِظَم الأهوالِ يومئذٍ، فتبقى الْأَرْض بعدما كانت

стр. 492

مرتفعةً ونازلة تَبقَى قاعًا صَفْصَفًا؛ كما قَالَ تَعَالَى: ﴿فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٦، ١٠٧]. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿صُنْعَ اللهِ﴾ مَصْدَرٌ مؤكِّد لمضمونِ الجملةِ قبله أُضيف إِلَى فاعلِهِ بَعْد حذفِ عاملِهِ؛ أي: صنع الله ذلك صنعًا]. قوله: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ المُفَسِّر يَقُول: [مَصْدَر مُؤَكِّد لمضمونِ الجملةِ قبله]، الجملةُ هِيَ قولُه: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ وهَذَا الفِعْل من اللهِ هُوَ الَّذِي جَعَلَها تكونُ عَلَى هَذَا الحالِ، ولهَذَا قَالَ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾، فأكَّد هَذِهِ الجملة بهَذَا المصدر. إِذَنْ: إذا كَانَ المصدرُ مُؤَكِّدًا لجملةٍ قبله فَإِنَّهُ عند النحْويين يجبُ حذفُ عامِلِهِ. يَقُول ابن مالك ﵀ (١): وَحَذْفُ عَامِلِ المُؤَكِّدِ امْتَنَعْ ................................. يعن أن المصدرَ إذا كَانَ مؤكِّدًا لجملةٍ قبله فَإِنَّهُ يجبُ حذفُ عاملِه؛ وذلك لِأَنَّ الجملةَ الَّتِي قبلَه ما دامَ هُوَ مؤكِّدًا لها صارتْ كأنها فِعله، فلا يُجمَع بينَ البدلِ والمبدَلِ، وقوله ﵀: [أُضيف إِلَى فاعِلِه] يعني المَصْدر (صنع) أُضيف إِلَى اللهِ، واللهُ هُوَ الفاعلُ، والمصدرُ يُضاف تارَة إِلَى فاعلِهِ، ويضاف تارَةً إِلَى مَفْعُوله، تقول مثلًا: (عَجِبتُ مِن أكلِكَ الطعامَ)، أَكْل مصدر؛ لِأَنَّ الفِعْل أكلَ يأكُل أَكْلًا، فأكل مصدرٌ مُضافٌ إِلَى الكافِ، والكافُ فاعلٌ وليستْ مَفْعُولا، فأنت آكِل ولستَ مأكولًا. إِذَنْ: فالكافُ فاعل، فَهُوَ مضافٌ إِلَى فاعلٍ، والطعام مَفْعُول به.

стр. 493

وإضافته إِلَى المَفْعُول تقول مثلًا: عَجِبتُ من أكلِ الطعامِ مِن زيدٍ، وكذا: عَجِبْتُ من طَحْنِ الدقيقِ من زيدٍ، فالدقيقُ مطحونٌ، والطعامُ مأكولٌ، فَهُوَ مضافٌ إِلَى مَفْعُولهِ. في هَذِهِ الآية: ﴿صُنْعَ اللهِ﴾ فاللهُ تَعَالَى صانِع، فيَكُون هنا مُضافًا إِلَى فاعله. وقوله: [بَعْد حذف عامله] وُجوبًا وليس جوازًا، فيجبُ حذفُ العاملِ وجوبًا، وإنما وَجَبَ حذفُه لِأَنَّهُ مؤكد للجملةِ قبله، فتكون هَذِهِ الجملة بمنزلةِ العاملِ؛ أي: بمنزلةِ الفِعْل، ولا يُجْمَع بين البدلِ والمُبدَلِ منه، [أي: صنع الله ذلك صنعًا]، وَفِي إضافةِ الصنعِ إِلَى اللهِ هنا تعظيم] لهَذَا الأَمْرِ وَأَنَّهُ من الأُمُورِ العظيمةِ الَّتِي هِيَ من صُنع الله ﵎. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿الَّذِي أَتْقَنَ﴾] أحكمَ ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ صَنَعَهُ]، فالله ﵎ أتقنَ كُلّ شيءٍ صَنَعَهُ، ومن جملةِ إتقانِهِ أَنَّهُ حينما كانتِ الْأَرْضُ محتاجةً إِلَى هَذِهِ الجبالِ صارتِ الجبالُ راسيةً ورواسيَ تَرْسُو بها الْأَرْضُ، وهي أيضًا فِي نفسها ثابتة، ويوم القيامة تزولُ الحاجةُ إليها، بل تَقتضي الضَّرورَةُ زَوَالها، فتُزال هَذِهِ الجبالُ العظيمةُ، وبهَذَا نعلمُ أن اللهَ تَعَالَى صنعَ الجبالَ حينَ احتاجَ النَّاسُ إليها باقيةً، ولمَّا زالتِ الضَّرورَةُ إليها أزالها الله ﵎، وبهَذَا نعرِف الحِكْمَةَ فِي قوله: ﴿الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، فصار وجودُ الجبالِ إتقانا وزوالها يومَ القيامةِ إتقانًا أيضًا. وقوله ﵀: ﴿أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قَالَ المُفَسِّر: [صَنَعَه]، وينبغي ألا يقيّد بقولنا: صنعه؛ لِأَنَّ اللهَ أتقنَ كُلّ شَيْء صنعه وشَرَعَهُ، وَالَّذِي أوجبَ للمؤلِّف أنْ يقيِّد ذلك بِقَوْلِهِ: صنعه؛ لِأَنَّ السياقَ فِي مَقامِ الصنعِ، فلهَذَا قَالَ: الَّذِي أتقنَ كُلّ شيءٍ صَنَعَهُ، ولَكِننا نَقُول: إن الله تَعَالَى لم يَقُلِ: الَّذِي أتقنَ صُنْعَهُ، ولو كَانَ الله تَعَالَى - واللهُ أَعْلَمُ -

стр. 494

يريدُ أنْ يقيِّدَ الإتقانَ بما صَنَعَ لكانَ كما قَالَ: ﴿صُنْعَ اللهِ﴾ قال: الَّذِي أتقنَ صُنع، ولكِنه تَعَالَى يبيِّن أَنَّهُ أتقنَ كُلّ شيءٍ صَنَعَهُ أو شَرَعَه، فما صنعه الله من المخلوقاتِ فَهُوَ متقَنٌ، وما شرعهُ اللهُ تَعَالَى منَ الأحكامِ فَهُوَ أيضا مُتْقَن، لَيْسَ فِيهِ خَلَل، قَالَ الله ﵎ فِي سورة تَبارَكَ: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٣، ٤]، وقال تَعَالَى فِي الآيَات الشَّرْعِيَّة: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢]، فبيَّن الله فِي آيَةِ تَبَارَك وَفِي آيَة النِّسَاءِ أَنَّهُ مُتقِن لكلِّ ما صنع ومتقِن لكلِّ ما شَرَعَ. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ بالياءِ والتاءِ (١)]، بما يَفعلون وبما تَفعلون، أَمَّا عَلَى قراءةِ الياءِ فيقول المُفَسِّر: بما يَفعلون، [أي: أعداؤه منَ المعصيةِ وأولياؤه مِنَ الطاعةِ]، ولكِن عَلَى قراءة التاءِ: ﴿بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ فالخطابُ لجميعِ النَّاسِ. (والخبير) بمعنى ذي الخِبرة، والخبرةُ هِيَ العلمُ ببواطنِ الأُمُورِ، وَعَلَى هَذَا فهي أخصُّ مِنَ العلمِ المطلَقِ، وإذا كَانَ عالمًا بالبواطِنِ فَهُوَ عالمٌ بالظواهرِ أيضًا، فاللهُ ﵎ عَليم بالظواهرِ وبالبواطنِ. وما مناسبة قوله: ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ لمَّا تحدَّث اللهُ عنه من صُنعه؟ يعني كَانَ مُقتفَى السياقِ ألّا تُخْتَم الآيَة بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ بل تُخْتَم بِقَوْلِهِ: (إنه عليم حكيم) أو (إنه عَلَى كُلّ شيءٍ قديرٌ) ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ وهَذَا يَقتضي أن تختم الآيَةُ بما يَدُلّ عَلَى القُدرة والحِكْمَةِ، ولَكِنَّهَا

стр. 495

خُتِمَتْ بما يَدُلّ عَلَى العلمِ والخبرةِ؛ العلمُ بما يفعلُ العبادُ، فما هُوَ الجوابُ عن هَذَا؛ أي: عن العُدُول عن الأول إِلَى الثاني؟ الجواب: - واللهُ أَعْلَمُ - أن الحِكْمَةَ من ذلك هي أن قوله: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ جملة مُعْتَرِضة بالنِّسْبَةِ للمعنى، لا بالنِّسْبَة للإعرابِ، وأنَّ المقام يَقتضي الإخبارَ بأن الله يعلم بما يفعلونَ؛ لِأَنَّ يومَ القيامةِ هُوَ يومُ الجزاءِ، والجزاء مرتَّب عَلَى العِلم، فلهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾، نظيره قوله تَعَالَى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧]، فيَكُون هنا ذِكْرُ العلمِ بما يَفْعَل النَّاسُ فِي سياقِ يومِ القيامةِ للإشارةِ إِلَى أنَّ هَذَا اليومَ هُوَ يومُ الجزاءِ الَّذِي يَجِب عَلَى المرءِ أن يعملَ له ويَحتاط له. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: ذكرتم فِي قوله تَعَالَى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أَنَّهَا جملةٌ مُعْتَرِضة، ألَا يُشْكِل عَلَى هَذَا أنَّ الْقُرْآن معانيه كلها متناسِقة؟ المُرادُ بِقَوْلنا: جملةٌ مُعْتَرِضة؛ أي: من حَيْثُ المَعْنى، بمعنى أنَّ اللهَ لمَّا ذكرَ حالَ الجبالِ يومَ القيامةِ بعدَ النفخِ فِي الصُّور ثُمَّ ذكر أن هَذَا من صنعه ﵎، وأن ذلك غاية الإتقانِ حَيْثُ كانت ثابتةً، ثُمَّ لمّا زالتِ الحاجةُ إليها أُزيلت؛ خَتَمَ الآيَة يما يَكُون تحذيرًا للناسِ مَن أن يعملوا ما يخالفُ أمرَ اللهِ ، ومعلومٌ أن التناسُقَ فِي الْقُرْآن منه ما هُوَ ظاهرٌ ومنه ما لا يَظْهَر إِلَّا بالتأمُّل، مثلًا قوله تَعَالَى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]، مُقتضى السياقِ: فإنك أنتَ الغفورُ الرحيمُ، ومع ذلك ما كانت بل قَالَ: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ وعدّة آيَاتٍ من هَذَا النوعِ، يَتَوَقَّع الْإِنْسَان أن تُختَم الآيَة بكذا ثُمَّ تختم بكذا،
следующие страницы →