معالم في التربية
أترضاه لنفسك ؟
سلطان بن حبيب الخلافي
كان محمد بن واسع يبيع حماراً له، فقال له رجل: أترضاه لي؟ قال: لو
رضيته لم أبعه [١] .
هذه الحادثة قمة في المعاملة التي تكون بين الإخوان وخاصة الدعاة إلى الله -
، وهذه إشارة من - محمد بن واسع - إلى أنه لا يرض لأخيه إلا
ما يرض لنفسه وكذا المعاملة، فبعض الناس يحب أن يعامله الناس بأحسن الأخلاق
وأجلها، وأن يتلطفوا معه في المعاملة وأن يضعوه في مكانه اللائق به، وفي
المقابل تجده لا يهتم في معاملته لإخوانه بالحسنى كما يهتم في أن تكون معاملة غيره
له على أحسن حال وأفضل مقال.
قال ابن عباس ﵄: (إني لأمر على الآية من كتاب الله فأود
أن الناس كلهم يعلمون ما أعلم) [٢] . ولقد جاء معنى ما أشرنا إليه من عنوان هذا
المقال في حديث عن النبي في أن المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، روى
البخاري ومسلم عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» [٣] .
فالمتأمل في هذا الحديث، يجده قاعدة عظيمة تنبع من خلالها كثير من
الأخلاق، ولذلك كان كلام النبي ﷺ من جوامع الكلم.
إن من يعامل لناس على أساس أن يحب لهم ما يحب لنفسه تماماً فإنه
سيعاملهم حتماً بكل خلق رفيع، لأن هذا هو ما يجب أن يعامله الناس به إذ يحبه
لنفسه. ومن هنا يجد نفسه مثلاً مدفوعاً إلى الصبر على أخيه المسلم كلما دعت
ظروف التعامل إلى الصبر، لأنه يحب من الناس أن يصبروا عليه، كلما بدر منه
ما لا يقبله الناس إلا بصبر.
ويجد المسلم نفسه مدفوعاً إلى العفو والصفح والمسامحة والإغضاء عن
الهفوات والسيئات، كلما وجد من إخوانه ما يسوءه من تصرفاتهم معه، لأنه يحب
من الناس أن يعاملوه بالصفح والعفو والمسامحة والإغضاء عن الهفوات والسيئات،
كلما بدر منه من تصرفات تسوء إخوانه [٤] . وكذلك أنواع المعاملة من ستر
العيوب والنصح سراً وكره الغيبة فهو يحب أن يعامل الناس بما يحب أن يعاملوه به.
ارتباط الحديث بالإيمان:
فالإيمان لا يبلغ حقيقته ونهايته وكماله إلا بعد أن يتحقق مثل هذا الحديث في
المسلم، فالإيمان قد ينتفي لانتفاء بعض أركانه وواجباته [٥] .
ففي رواية خرّجها الإمام أحمد ﵀: «لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان
حتى يحب للناس ما يحب لنفسه من الخير» [٦] . وهي تدل على أن العبد لا يبلغ
حقيقة الإيمان وحلاوته ولذته حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الأخلاق والمعاملة
الحسنة.
تطبيق هذا الحديث يدخل الجنة ويزحزح عن النار:
قال رسول الله ﷺ : «من أحب أن يزحزح عن النار
ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو مؤمن بالله ويأتي إلى الناس الذي يحب
أن يؤتى إليه» [٦] . فحري بالمسلم الداعية إلى الله أن يستنفره مثل هذا الحديث
لأن تكون معاملته حسنة مع إخوانه كما يحب ذلك منهم.
الأسباب التي تمنع من هذا الخلق:
أولاً: الحسد:
يقول ابن رجب ﵀: وهذا كله إنما يأتي من كمال سلامة الصدر
من الغش والغل والحسد [٧] . فإن الحسد يقتضي أن يكره الحاسد أن يفوقه أحد في
خير أو يساويه فيه لأنه يحب أن يمتاز على الناس بفضائله وينفرد عنهم، ورحم
الله ابن عباس ﵄ حيث يقول: إني لأمر على الآية من كتاب الله
فأود أن الناس كلهم يعلمون ما أعلم منها [٨] .
وقال الشافعي: وددت أن الناس تعلموا هذا الدين ولم ينسب إلي منه
شيء [٩] . فالحاسد تجده يحب أن يعامله الناس بأحسن المعاملات فيريد منهم خلقاً رفيعاً، وتذللاً، وانبساطاً وعدم تتبع لزلاته على الرغم من أنه قد أشهر سيف المعاملة السيئة، والتكبر، والأنانية، وأخذ بعد فترة يكتب ويدون زلات إخوانه.
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... ولكنَّ عين السخط تبدي المساويا.
والإيمان يقتضي خلاف ذلك وهو أن يشركه المؤمنون كلهم فيما أعطاه الله من
الخير من غير أن ينقص عليه منه شيء. والحاسد ليس يحسدك على عيب فيك،
ولا على خيانة ظهرت منك، ولكن يحسدك بما ركب فيه من ضد الرضا بالقضاء.
قال العتبي:
أفكر ما ذنبي إليك فلا أرى ... لنفسي جرماً، غير أنك حاسدُ [١٠]
فنعوذ بالله من شر حاسد إذا حسد.
ثانياً: الكبر:
قال تعالى:
[تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُواًّ فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً] [١١] .
فبطر الحق وغمط الناس واحتقارهم وازدراؤهم يجعل المسلم يعامل إخوانه
المعاملة السيئة مما يدعو إلى المعاملة بالمثل.
(فمن تواضع لله رفعه) وهذا من سنن الله في عباده، كما أن من استكبر
وتعالى على خلق الله أذله الله. فالمستكبر يرفع نفسه فوق مستوى جلسائه، فيعيش
وحده في جوه النفسي المتعاظم، ولا يحب أن يفوقه أحد، وربما يكون ترفعه إلى
مكانة ليس هو في الحقيقة أهلاً لها.
وأخيراً إن الناقد البصير قد يجد في واقع الدعاة إلى الله وما
يحدث بينهم من الهجران والقطيعة والمعاملة التي لا تليق بأمثالهم - ولعل مرجع
ذلك إلى عدم التدبر لمثل هذه الأحاديث النبوية التربوية التي تجعل القلوب صافية،
والمحبة وافرة، وتجد التعاون بين الدعاة إلى الله على أحسن حال.
стр. 1017
البيان الأدبي
خلا لك الجوُّ
شعر د. عبد الرحمن العشماوي
وسوف تُرفع القبابُ
وتهجر البلابلُ الغناءْ
ويُنشد الغرابْ
وسوف يعقد الذبابُ جلسة انتخابْ
وسوف يحدث انقلابْ
وعندها سيكثُرُ الضَّباب
ويدفن المزاهرَ الترابْ
ويبخل السحابْ
وتنتهي صَلابةُ الهضابْ
سمعتُ قائلاً يقول:
يا أيها النيامْ
عليكم السلامْ
فليلكم ما زال ينصب الخيامْ
ولم يزلْ يخيط جبَّةَ الظلامْ
يا أيها النيامْ
عليكم السلامْ
فليلكم ينظِّم المسيرة
ويخلط العجين بالخميرةْ
ويكتب الحكاية المثيرةْ
الرِّيح - وقت القيظِ - يا أحبتي سمومْ
وفي الشتاء زمهريرْ
والناس بين قاعد يريد أن يقومْ
وواقفٍ يريد أنْ يسيرْ
فهل رأيتم بلبلاً في لجةٍ يعومْ
وهل رأيتم سمكاً يطير؟ ؟ ؟
وهل رأيتم عاقلاً تُطربه الهمومْ
وهل رأيتم عاجزاً يُغير؟ !
سمعت قائلاً يقول:
القدسُ - عفوا يا أحبتي -
أقصد " أورشليم "
تشاهد القتيل والجريح واليتيمْ
تعيش تحت وطأة اللئيمْ
وتشتكي من جرحها القديمْ
يا ويلكم.. ما عاد يستثيركم صراخُها الأليم
القدسُ - يا أحبتي - حزينةٌ عليلَهْ
تَبيتُ تحت وطأةِ القنابل المُسيلةْ
واعجباً من حجرٍ يغار حينما يرى نظرتها الكليلَهْ
وأمتي غارقةٌ في لهوها ذليلَهْ! !
سمعت قائلاً يقول:
يا شفةٌ البركان لا تتمتمي
لا تنطقي بلهجة الدُّخَان والحممْ
فأمتي تُدير قهوة الولاءِ للأممْ
وتشرب الحُثالهْ
توزِّع الطحين للأممْ
وتأكل النخالهْ
وأمتي تعلن في وسائل الإعلامْ
رسالة يسمعها الأنامْ
تعلن أنّها تقوم بالرسالهْ
وأنها نموذج البَسالهْ
وأنها لا تقبل العمالهْ
سمعت قائلاً يقول:
يا شفة البركان لا تعبِّري
سيان عندي أن تكوني لوحةً للصمتِ
أن تزمجري
فإنني عرفت موردي ومصدري
وإنني..
تئنُّ تحت وطأة الجراح أسطري
وإنني..
سمعت أن تاجراً معلَّقاً بثوبه المعصفَرِ
يبيع تحت جُنح ليله..
وجه صباحٍ مُسفرِ
يبيع دون رهبةٍ ويشتري
سمعت قائلاً يقول:
يا قلمَ الحقيقةِ احذرِ
قُلْ ما يشاء القومُ أو فقفْ
أما سمعتَ أحرفي تصيح في دفاتري:
يا دولةَ اليهود زمجري
وز مجري
وقدمي وأخِّرِي
" يا لك من قُبَّرةٍ بمعمرِ
خلا لكِ الجوُّ فبيضي واصفُري
ونقّري ما شئتِ أن تنقرِّي "
يا قائلَ المقالةِ الجبانْ
نسيتا أن أمتي عظيمة الكيان
وأنها تلوذ بالرحمانْ
وعندها من دينها الأمانْ
يا قائل المقالةِ الجبانْ
مَنْ قال: إن نجمةً تطاول القمر؟ !
وإنَّ نملةً ستكسر الحجرْ؟ !
وإنَّ أجذمَ اليدين يعزف الوترَ؟ !
مَن قال أيها المكابر العنيدْ
إن غباراً يُنزل المطرْ
وإن ريحَ قيظٍ تنعش الشجَرْ
وإنَّ شِدّّةَ الحَذَرْ
تنجي من القدرْ
يا قائلَ المقالةِ الغريبْ
رجاؤنا في الله لن يخيبْ
رجاؤنا في الله لن يخيبْ
стр. 1018
الأدب مفهوماً ولغة
د. مصطفى بكري السيد
١ - القول والفعل:
(يحاول الشاعر أن يحاكي صوت الفعل، الذي يصوره، في صوت الألفاظ
التي ينظمها، فقد يكثر مثلاً من حروف الضاد والطاء ليدل على الضرب والطعن
وقد يكثر من حروف السين والصاد ليدل على صليل السيوف، أو من حروف الراء
ليدل على خرير الماء وهكذا) [١] .
هل تنتهي العلاقة بين القول والعمل عند حدود المحاكاة الصوتية؟
أكبر الظن أن الأمر أبعد من ذلك، إذ كثيراً ما شد سمعي وعقلي تَوَحُّدُ القول
بالفعل، فكم سمعت المتكلم من منطقة (نجد) من العامة كان أو من المثقفين يُعَبِّر
عن طلب أحدهما باستدعاء الآخر، فيقول لصاحبه إذا واجه مشكلة أو مشكلاً: قل
بها، أو قل به، كما سمعت مثل هذا الاستعمال من أحد زملائنا المدرسين من بادية
الأردن.
وإذا كنت عاجزاً عن تفسير هذا التوحيد بين القول والعمل، فلقد شدني
ورحت أبحث عن أصوله في تراثنا اللغوي، وكان ابتهاجي عظيماً عندما استوقفي
أثناء مطالعتي في صحيح البخاري هذان الحديثان:
عن عائشة ﵂ «أن النبي ﷺ أراد أن
يعتكف، فلما انصرف إلى المكان الذي أراد أن يعتكف، إذا أخْبِيةً: خِباء عائشةَ،
وخِباء حفصةَ، وخِباء زينبَ، فقال: آلبِرَّ تقولونَ بهنَّ؟ ثم انصرف فلم يعتكف
حتى اعتكف عشراَ من شوال» [٢] .
أما الحديث الثاني فهو:
«عن أبي ذر ﵁، قال كنت مع النبي -صلى الله عليه
وسلم-، فلما أبصر يعني أُحُداً - قال:
ما أحب أنه تحوّل لي ذهباً يمكث عندي منه دينارٌ فوق ثلاث إلا ديناراً
أرصده لِدَيْنٍ. ثم قال:
إن الأكثرين هم الأقلُّون، إلا من قال بالمال هكذا، وهكذا - وأشار أبو شهاب
بين يديه وعن يمينه وعن شماله - وقليل ما هم» [٣] الحديث.
فاستعمال الفعلين: (تقولون بهن) و (قال بالمال) واضح الدلالة على أن الفعل يُعَبَّر عنه بالقول.
كما عثرت على شواهد عربية وعالمية يفضي تأملها إلى ردم المسافة القائمة
في عقولنا وأعمالنا بين القول والعمل:
يقول الأخطل التغلبي (٢٠ - ٩٢ هـ) :
حتى تركتهُمُ مني على مَضَضٍ ... والقول ينفُذُ ما لا تنفذ الإبَرُ
فقد جعل القول فعلاً بل أفعل من الإبر.
وبقول ليوناردو دافنتشي الإيطالي (١٤٥٢ - ١٥١٩) :
(يقتل الفم أكثر من الخنجر!) .
ويقول شكسبير (١٥٦٥ - ١٦١٦) على لسان هاملت:
(سأكلمها خناجر، ولن أمس خنجراً) [٤] .
وربما ذهب بعضهم إلى جعل الفعل فرعاً عن الاسم يقول إمرسون:
(الأفعال هي نوع من الكلمات) [٥] .
٢ - تعريف الأدب:
لم ينجُ عالم الأدب، وبقية أشقائه من فروع العلوم الإنسانية من محاولة
الهيمنة لأكثر من طرف على مفهومه كي يولي وجهه شطر الوجهة التي يرضونها،
ولينسجم مع موقعهم الفكري وواقعهم السياسي، وربما نجد بعض متلقي الأدب يُقَدِّم
صورة معينة للأدب كيما يصاغ على مثالها، وبذلك يفقد الأديب حريته، ويغدو
إبداعه معلباً، وأمثال هؤلاء المتلقين يريدون أن تصبح تجربة الإبداع الرائع عملية
آلية، تخضع لما تخضع له أية عملية إنتاجية من مراعاة شروط العرض والطلب
وأذواق المستهلكين! ! !
إن تسليع الأدب باسترضاء كل الأطراف، يئد الأدب ويعزل الأدباء عن
دورهم المرجو، ويفقد الأدب ثمرتي المعرفة والمتعة المتمثلين بالصياغة الأدبية
الإبداعية. ولقد تحامى كثير من النقاد تعريف الأدب [*] خشية تحديده، أو مخافة
الحجر عليه، ولا جناح علينا أن نخالفهم فنقول:
الأدب فعل لغوي / راجح المقدمة: القول والفعل / لأن الأديب يصنع برؤاه
وألفاظه ما قد يصنعه الحداد والبناء بالحديد والحجر / [٦] يتجسد فيه شكل من
أشكال الوعي، وهو صدور عن موقع ثقافي، وإحساس جمالي، وموهبة لم تسقَ
بماء واحد، وفي كل الأعمال الأدبية تكون اللغة وسيطاً، بين طرفي الإبداع:
الباث والمستقبلين، واللغة في غير الأدب وسيلة وفي الأدب غاية، كما تحمل في
بقية العلوم رسالة إبلاغية، أما في الأدب فتحمل دلالة بلاغية، وإذا كنا نقول لكل
كاتب في كل علم: ماذا قلت؟ فإننا نضيف للأديب سؤالاً آخر ونقول له: كيف
قلت؟
واللغة في القول الأدبي ليست مجموعة ألفاظ بل مجموعة علاقات، لأن
المبدع لا يستعمل اللغة مجرد تركيب، أو إنشاء يحفظ أو يتوارث ويُلقَّن، أو رصفاً
قواعدياً للمفردات المعجمية [٧] بل هو إبداع يحقق فرادته ورسالته بالصياغة، إنه
(إنزال فكرة في مادة / اللغة / وتشكيله على مثالها) [٨] .
٣- كلمة أدب:
أين كان هذا اللفظ مُستكّناً قبل أن يطل علينا محمّلاً بدلالته اللغوية والفكرية؟
إن الإجابة أكبر من مساحة هذا المقال ولكن سأشير إلى بعض المفاهيم التي تناولت
المادة أ/د/ب/ وتطورها.
لابد من الإشارة إلى أن هناك معجمات عربية متخصصة رصدت
كلمة/أدب/جذراً لغوياً ومعنى اصطلاحياً مثل:
(كشاف اصطلاحات الفنون - إحصاء العلوم - ومفاتيح العلوم للجرجاني -
والكليات للكفوي، وهناك معجمان لمجدي وهبة ومعجم لإبراهيم فتحي) [٩] .
(كما عرض لكلمة /أدب/ عبد الله العلايلي في معجمه الذي لم يتمه وكتب فيهما خمسة أو ستة أعمدة) [١٠] .
وإذا كانت هذه الدراسة قد تأسست في مداخلها على حديثين رواهما البخاري فلا ضير عليها أن تعتمد الحديث الشريف أصلاً في تعريف وتطوُّر كلمة / الأدب /.
أخرج البخاري في صحيحه أن رسول الله ﷺ قال:
«أيما رجل كانت عنده وليدة فعلمها فأحسن تعليمها، وأدبها فأحسن تأديبها، ثم أعتقها وتزوجها فله أجران» .
يقول الدكتور عبد الملك مرتاض المدرس بجامعة وهران الجزائرية معلقاً على
هذا الحديث:
(قرن التأديب بالتعليم ليس يعني إلا شيوع ذلك المعنى للأدب بهذا المفهوم
في ذلك العهد المبكر، وقد استعمله بهذا المعنى أبو تمام في كتابه الحماسة) [١١] .
ولابد أن نشير ونشيد بجهود ابن خلدون الذي حاول لأول مرة منذ أرسطو أن
يضع المهاد لتأسيس علم الأدب، وأن يصوغ نظرية أدبية متكاملة كما يبدو لمتصفح
الأوراق الأخيرة من مقدمته.
٤ - الأدب واللغة:
ألمحت باختصار / في تعريف الأدب / إلى العلاقة بينه وبين اللغة، وأحاول
الآن بسط القول بعض البسط في هذا الأمر.
اللغة الأدبية تؤدي جملة من الوظائف المختلفة، غير أن الجمالية هي الوظيفة
السائدة، والتي تتحقق معها وبها (أدبية الأدب) .
ولا بد من الإشارة هنا بأن اللغة المستعملة في الأدب بحسبانها مقررات ليست
مناط الدراسة والتقويم، وإنما تبدأ (أدبية النص) أو (ما يجعل الأدب أدباً) أو ما
يميز الأدب أنه من / عندما تتمثل اللغة بالتراكيب والجمل، وهي لغة / معنى
المعنى حيث تتكفل الصياغة العلمية بالمعنى أما الصياغة الجمالية هي التي تنتج
معنى المعنى وهدفها (جمالي يتعلق بإثارة المتلقي وإشباعه) .
يقول أبو حيان التوحيدي:
(إن حد الإفهام، والتفهم معروف، وحد البلاغة والخطابة موصوف، وليس
ينبغي أن يُكْتَفَى بالإفهام كيف كان، وعلى أي مرجع وقع، والبلاغة زائدة على
الإفهام الجيد بالوزن والسجع والتقفية، والحلية الرائعة وتخير اللفظ، وهذا الفن
لخاصة الناس، لأن القصد فيه الإطراب بعد الإفهام) [١٢] .
نحن في حياتنا نستعمل في كثير من المناسبات صيغاً لفظية معينة، ولا
نستعمل / معناها / فلا نقول للشارب:
أقدم لك التهاني بشربك بل نقول / هنيئاً / ولا نقول للحاج:
أرجو أن تكون حججت حجاً مبروراً بل تكتفي بقولك / حجاً مبروراً / وفي
ذلك يقول سيبويه، ولعلها تكون أول لفتة لبلاغة النحو: (ألا ترى أنك لو قلت
طعاماً لك، وشراباً لك، ومالاً لك، تريد معنى: سقياً أو معنى المرفوع الذي فيه
معنى الدعاء لم يجز، لأنه لم يستعمل هذا الكلام كما استعمل من قبله، فهذا يدلك
ويبصرك أنه ينبغي لك أن تجري هذه الحروف كما أجرت العرب، وأن تعني ما
عنوا به) [١٣] .
وهذه اللفتة من سيبويه ﵀ فتحت الباب أمام ظهور مستويين للغة
الأدبية:
المستوى الأول: مستوى الصحة.
المستوى الثاني: مستوى الجمالية.
أما صحة النص فينظر فيها إلى اللغة وأسلوب الأداء، من حيث أن اللغة
مؤسسة اجتماعية لا سبيل للفرد المبدع أن يحترم قاعدة من قواعدها أو يخالف نظاماً
من أنظمتها الفرعية، بل إنه لا يمكن عدّه مبدعاً إلا إذا تمكن من تحقيق المعادلة
الصعبة بين صرامة قواعده وحرية إبداعه.
وأما جمالية النص فهي نتاج عبقرية المبدع وحريته في التعامل مع موضوعه
وأسلوبه، وبقدر ما لا يكون للأديب الشاعر أو الكاتب من الحرية أمام اللغة
كمؤسسة اجتماعية كاملة، بقدر ما يملك الحرية كلها تُجاه الصياغة الجمالية،
ومواجهة الإنشاء الفني بالطريقة التي يؤثرها أو تجود بها قريحته.
وقد استقر في ذهن روّاد النحو العربي أنفسهم مثل سيبويه أن للشعر
خصوصية في التعامل مع اللغة، فقد ميّز سيبويه في أحد فصول (الكتاب) بين لغة
الشعر ولغة الكلام مستعرضاً بعض الجوازات التي تسوغ للشاعر ولا تجوز لغيره،
وهو ما كان يتفق مع رأي أستاذه الخليل بن أحمد الفراهيدي (٩٦ - ١٠٧ هـ) الذي
ينسب إليه هذا القول: (الشعراء أمراء الكلام، يصرفونه أنى شاءوا، وجائز لهم
ما لا يجوز لغيرهم من إطلاق المعنى وتقييده، ومن تصريف اللفظ وتعقيده، ومد
مقصوره وقصر ممدوده، والجمع بين لغاته، والتفريق بين صفاته، واستخراج ما
كلّت الألسن عن وصفه ونعته، والأذهان عن فهمه وإيضاحه، فيقربون البعيد،
ويبعدون القرب، ويحتج بهم ولا يحتج عليهم) [١٤] . ولو تساءلنا عن أسباب
التفويض الذي منحه شيخا اللغة للشاعر لما أخطأنا الصواب إذا فلنا إن الإبداع الذي
يتحقق للغة على أيدي الشعراء (أدبية النص) يستحق بعض التنازلات لمصلحة
الإبداع.
وإذا تحققت للنص أدبيته تحرر من الآنية، وبات أحد معالم الحياة جميلة، فما
لا يصدق عليه وصف أدب في كل العصور والأزمان بصورة مطلقة فليس من
الأدب في شيء، لأن النص (الذي يحتفظ بكيانه ويثبت وجوده في كل الظروف،
هو الأدب القيَّم، أما الأعمال الفنية الموقوتة بزمن معين فإن قيمتها تزول بزوال
زمنها، وتموت بموت مقتضياتها، ومن ثم تكون الأسباب التي أكسبتها شعبية وقتية
هي نفسها التي تعمل ضد استمرار حياتها) [١٥] .
واللغة الأدبية كانت إحدى الثمار الطيبة لدراسات إعجاز القرآن، فالقرآن
الكريم كان خيراً في كل اتجاه، ونعمة في كل وجهة، إن محاولة تفسير إعجازه،
وتأويل جماليته أخرجت من الدرس الأدبي كنوزاً رائعة، كانت المادة الخصبة
للاتجاهات النقدية، والمقاييس الجمالية، وهكذا كان القرآن وسيظل خيراً عميماً
على العربية.
وهكذا لا يكون الأديب أديباً ولا (الشاعر شاعراً لما فكّر فيه وأحسه، ولكنه
شاعر لما يقوله من شعر، فعبقريته تكمن في إبداعه اللغوي، أما الحساسية المفرطة
فلا تكفي لتكوين شاعر) [١٦] .
ومرة قال الرسام الفرنسي ديجا (١٨٣٤ - ١٩١٧) للشاعر الفرنسي مالارميه
(١٨٤٢ - ١٨٩٨) : (إنني لا أستطيع أن أعبّر عما أريد التعبير عنه، مع أن عقلي يصطخب بالأفكار، فأجابه مالارميه - إن الشعر - يا عزيزي لا يصنع من الأفكار ولكنه يصنع من الألفاظ) [١٧] .
فاللغة الأدبية هي التي شدتنا إلى محفوظنا من الأدب الجميل وجذبتنا إلى تلكم
الرؤى التي تعج بالأفكار، وتضج بالحركة، وتموج باللون، هي التي صنعت
للأدب العربي سمعته، ومن إعادة توزيعها المتفرِّد نُسجت أثواب مجده، والشيء
نفسه حصل في الأدب الغربي (فاللغة هي التي صنعت / عُطَيْل / قدّم نفسه
لِـ (ديزر مونة) من خلال اللغة، وهي التي قوّضته في النهاية، وهذا في خاتمة المطاف سر عظمة شكسبير الذي لم يفعل شيئاً سوى أنه ترك اللغة تفجِّر طاقاتها، وتصنع الحدث) [١٨] .
ولكن أين يقف مضمون النص وموضوعه من أدبيته؟ إن النقد الحديث قد
تجاوز ثنائية الشكل / المضمون، وأصبح من المتعذر درس كل منهما بمعزل عن
الآخر، ما بينهما أكبر من وحدة، وأكثر من اتحاد.
إن الأديب الحق يجب أن يكون ملتزماً فطرياً وأخلاقياً بمصالح المجتمع
الكبرى، وبما يثري إنسانية الإنسان وما يرفع عنه من إصر وأغلال، وإذا كنا نجد
أدباء لا يرتقون إلى هذا المستوى، ففي كل صنعة مهما كانت نبيلة نجد فئاماً من
الناس يستأكلون بمبادئهم ويستطلقون العطايا بقيمهم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
стр. 1019
صورة
يحيى بشير حاج يحيى
بالخنا أمضى شبابَه ... وغدا الخمرُ شرابَهْ
لم يجد راحةْ قلب ... بين كأس، وربابَه
قد دعوناهُ مراراً ... والهدى يطرُقُ بابه
لم يجْبْ صوتاً لداعٍ ... صَمَمُ القلب أصابه
أنا لا أرجو عقابَهْ ... إنما أرجو مآبه
فلقد كان نَقياً ... مثلَ ماءٍ من سحابه
لا تَسلْني كيف أمسى ... ليس في هذا غرابه
صاحَبَ الأشرار جهلاً ... ولهم أعطى رِغابَه
فاحذرَنْ يا صاح منه ... إن في الخير اجتنابه
من يكن للجُرب خِلاًّ ... ليس يخلو من إصابه
стр. 1020
المسلمون في العالم
مقابلة مع رئيس اللجنة السياسية
لجبهة الإنقاذ الجزائرية
زار المنتدى الإسلامي في لندن الأخ الفاضل رابح كبير رئيس اللجنة السياسية بالمكتب التنفيذي المؤقت لجبهة الإنقاذ الإسلامية وكانت فرصة لعرض
أحوال الجبهة الإسلامية، آخر المستجدات على الساحة الجزائرية، ورؤية
المسلمين هناك لواقع الجزائر ومستقبلها. وبعد الاستفسار والاطمئنان عن صحة
الشيخين عباسي مدني وعلي بلحاج والإخوة الذين لا يزالون في السجون بدأنا هذا
الحوار:
* البيان: نريد منكم صورة للوضع الحالي في الجزائر وكيف تقومون هذا
الوضع؟
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله كما أمر والصلاة والسلام على نبيه خير
البشر وبعد:
في الحقيقة إن الذي حدث في الجزائر ليس بالأمر الهين، لا شك أن إخواننا
سمعوا عما حدث من ضرب للجبهة الإسلامية للإنقاذ، لقد ضربت في قيادتها من
مختلف المستويات فبين معتقل وبين من غير وبدّل، وكذلك كثير من أفراد الشعب
الجزائري الذين كانوا يعملون مع الجبهة، كانت هجمة شرسة، ولكن من فضل
الله ﵎ أن هذه الجبهة فيها أناس مخلصون تابعهم الشعب الجزائري بحب وإخلاص لأنها تمثل العمل في سبيل إقامة دولة الإسلام، فالتوفيق كان بيد الله، ففي الوقت الذي ضربت فيه الجبهة اجتمع ثلة من الشباب، من شباب الجبهة في مدة قياسية، في مدة يومين استطاعوا تجميع أكثر من (٤٥) ولاية من ولايات الوطن التي تعد (٤٨) ولاية، في الأوراس وفي مدينة (باتنة) حيث كان ... النظام يقول بأن مدينة باتنة ستكون مقبرة الجبهة، وخرجت الجبهة من ذلك اللقاء أقوى وأمتن، ثم حاول النظام إلهاء الناس من خلال دعوته لإقامة حوار بين الحكومة والأحزاب. ولكن الجبهة لم تشارك لأن النظام كان يريد مشاركتها وهي محطمة، وشاركت الأحزاب وقلنا لهم: إن مشاركتكم مجرد لعبة ليس لها أي فائدة، وقد تأكد الجميع من ذلك بعد صدور القوانين الأخيرة، حيث لم تأخذ الحكومة بعين الاعتبار كل ما جرى في ذلك اللقاء. بعد ذلك رفع الحصار. وقبل أن يرفع، لما رأى النظام أن الجبهة غدت قوية رغم كل ما حصل ورغم حالة الحصار، لما رأى ذلك اعتقل الأخ عبد القادر حشاني مسئول مكتب التنفيذ الوطني ظناً منهم أن هذا سيعيد الجبهة إلى نفس الحالة التي كانت عليها عندما اعتقل الشيخين عباسي مدني وعلي بلحاج فرّج الله عنهما، ولكن الأمر تجاوز تلك المرحلة وأصبحت الجبهة كمؤسسة هامة فيها هياكل مضبوطة ومستقرة، ثم إنها تصفَّت من الدرن الذي كان موجوداً وتم التمحيص والتصفية، وكانوا يظنون أن ندوة البلديات الإسلامية ستتوقف لأنهم يدركون أن تلك الندوة تمثل انطلاقة جديدة وقوية، عندما تجتمع كل بلديات الجبهة (٨٥٦) بلدية وتجتمع كل المكاتب البلدية والولائية فمعنى هذا أن كل حالة الحصار التي ضربت كانت صفراً، حاولوا منعنا من الندوة دون أي مبرر قانوني (من قوانينهم) ففضحنا ذلك بندوة صحفية، ثم تراجعوا وتمت الندوة وكانت بإذن الله دفعاً قوياً للعمل، وبمجرد رفع الحصار عادت الجبهة كقوة فاعلة في المجتمع، ثم توالت أنشطتها باستمرار وربما كان أكبر هذه الأنشطة تجمعات على مستوى المناطق (الغرب في وهران، والشرق في قسنطينة) وأخيراً جاءت المسيرة التاريخية التي كانت يوم الفاتح من نوفمبر كتعبير عن الوفاء لشهداء الجزائر الذين هم شهداء الإسلام، حيث إن البيان الذي رفعه المجاهدون المسلمون يومها (نوفمبر ١٩٥٤) كان ينص صراحة على أنهم رفعوا راية الإسلام حتى تقام دولة حرة مستقلة في إطار المبادئ الإسلامية، والذي حصل بعدئذ هو انحراف وتبديل. فالجبهة نظمت هذه المسيرة، وقد حاولت الصحافة الأجنبية وبعض الصحف الوطنية تقزيم هذا الحدث، ولكنها كانت مسيرة ضخمة. وفي الجمعة الماضية نظمنا ستة تجمعات على مستوى الوطن، والعبد الضعيف ذهبت إلى ولاية الشرق وأخي عبد القادر ذهب إلى ولاية الغرب وآخر ذهب إلى ولاية الوسط، وأحب أن أعلمكم أن الشعب الجزائري شعب جاد دوّخ كل أعدائه.
هذا وضع الجبهة الآن، وقد غيرت السلطة لهجتها ونظرتها، فحاولت
محاورتنا بعد أن اتضح لها أن الجبهة لا يمكن كسرها، وبحمد لله بدأت الأمور
بالتحسن، صحف الجبهة عادت للظهور (كانت ممنوعة) اتصلنا بهم وقلنا لهم لماذا
تمنعون (الفرقان) من الصدور، فقالوا لأن الفرقان فيها كلام قوي، فقلنا لهم هناك
جرائد أخرى فيها كلام قوي ولم تمنع، فرّد الوزير بأن الكلام إذا جاء من الجبهة
ليس مثل الذي يأتي من جهة أخرى. وعادت جريدة الفرقان وكذلك جريدة المنقذ في
طريقها للعودة بإذن الله وننتظر بأن تسير الأمور نحو الانفراج ولعله يطلق سراح
المشايخ إن شاء الله.
* البيان: ذكرتم في حديثكم أن من أهداف بيان الفاتح من نوفمبر قيام دولة
مستقلة والسؤال: هل حصل هذا وهل أكثر دول العالم الإسلامي مستقلة فعلاً خاصة
إذا ربطنا يبن الواقع الموجود وموقف ميتران عندما قال إنه سيعود لو استولت
الجبهة على الحكم؟
حقيقة - أخي الكريم - الجزائر استقلت عام ١٩٦٢ وكانت تسير نحو
الاستقلال في مراحل معينة رغم - الانحراف الذي حصل، ولكن الآن نحن نسير
نحو التبعية يوماً بعد آخر، فالجزائر ترضخ لشروط صندوق النقد الدولي، والنظام
أفلس في جميع الميادين، ونحن في ندوة صحفية تساءلنا: من يحكم الجزائر؟
أصبحت المشكلة مطروحة، هناك تراجع عن كل المكتسبات بما فيها الاستقلال
الوطني، فصندوق النقد الدولي يفرض شروطاً قبل رفع أسعار المواد الاستهلاكية
وشيئاً فشيئاً يتدخلون في قرارات البلاد، وربما يصل الأمر إلى أشياء لا تحمد
عقباها.
* البيان: ما هي العلاقة الآن بينكم وبين الأحزاب الإسلامية وهل هناك
تعاطف معكم وهل هناك تنسيق أو تعاون فيما بينكم؟
في الحقيقة إن المحنة التي جرت لم تكن محنة بقدر ما كانت منحة من الله
﵎ [مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ
الطَّيِّبِ..] [آل عمران: ١٧٩] هذا بالنسبة لوضعنا الداخلي وكذلك بالنسبة
لإخواننا فنحن نرى أن العمل مواقف، فعندما ترى أن أخاك مظلوم مقهور ثم تتشفى
به فلست أدري أي تعاون يمكن أن يحصل، فربما سمعتم أن بعض الإسلاميين قال
بأن الجبهة زجاجة وانكسرت وأمر هؤلاء الناس أصبح مع الشعب الجزائري وليس
مع الجبهة، لقد اتصلوا بنا بعد ذلك عندما رأوا أن الجبهة لم تنكسر بإذن الله، فقلنا
لهم: إن إشكالياتكم اليوم مع الشعب الجزائري، أقنعوه بمواقفكم، المسألة لا يمكن
أن تنسى بمجرد لقاء، يجب أن يكون هناك عمل قوي، الواقع يحمل الناس على
التصديق بأنها كانت خطأ وأن الموقف سيتغير إلى الأحسن؛ وهناك أحزاب كانت
مواقفها مشرفة مثل حركة الأمة، ولها صلات بالجبهة الإسلامية، وهناك غيرها.
* البيان: وحزب النهضة؟
النهضة كذلك وقفت مواقف لا بأس بها وتوجد لنا علاقات معهم، المسؤول
عن النهضة في لجنة للدفاع عن المعتقلين السياسيين مع الشيخ سحنون ومسؤول
حركة الأمة السيد يوسف بن خدة، هذا الأمر معروف.
* البيان: قضية تنقية الصفوف من الأمور التي تقوي الجبهة ولا شك، هل
هناك محاولة للرجوع من قبل الذين خرجوا من الجبهة أو انشقوا عنها؟
الذين لفظتهم الجبهة في وقت المحنة منهم صنف باع ضميره، وهؤلاء لا
كلام عنهم، لقد فصلوا من الجبهة، وهناك من وقف مواقف سلبية جداً واتخذ لقاء
(باتنة) فيهم قراراً عندئذ ينظر في شأنهم، وهناك أناس آخرون بقوا في المجلس.
* البيان: ننتقل إلى موضوع الانتخابات، هل ستدخل الجبهة الانتخابات
القادمة؟
موضوع الانتخابات يتعلق بالظروف السياسية، فرغم أن القوانين التي
صدرت أخيراً فيها من الظلم الشيء الكثير، ولكنها أقل ظلماً من السابق وهذا شيء
مؤكد، إنها فتحت مجالاً للرقابة على الانتخابات وهناك وضع ينبغي أن يسوى،
هناك إشكالات سياسية حصلت في البلد، هؤلاء المعتقلون من الشيوخ وغيرهم،
العمال المفصولون، الشهداء والجرحى في الأحداث، هذه مسائل ينبغي أن تسوّى،
لقد قلنا: إنه إذا رأينا توجهاً صادقاً في الأجواء السياسية ولو في مرحلة معينة (حتى
أصارحكم) وإذا لمسنا أن هناك استعداداً حقيقياً من خلال الممارسة السياسية لا من
خلال التصريحات السياسية، لقد قلنا لهم: نحن لا ينفع معنا الكلام، نريد الممارسة
الفعلية، وبدأت بعض الأمور تظهر وإن شاء الله يستمر الأمر كذلك فالأمر إذن
يتخذه مجلس الشورى في الجبهة الإسلامية، آخذين بعين الاعتبار تطورات الوضع
السياسي فإذا قدرنا أنها تؤدي إلى انتخابات حرة ونزيهة تعطى فيها الكلمة للشعب
الجزائري فنحن نقبل عندئذ لأننا واثقون أن شعبنا لن يختار غير الإسلام.
* البيان: ولكن باب الترشيح أقفل الآن؟
بالنسبة لهذا الأمر فالجبهة كما ورد في بيانها (لست بالخب ولكن الخب لا
يخدعني) نحن قلنا: إن الموقف بالدخول أو المقاطعة لم يتخذ بعد، ولكننا أمرنا
إخواننا في الولايات أن يستعدوا لهذا وكأننا داخلون الانتخابات، والجبهة هي
الحزب الوحيد الذي قدم مرشحيه في كل دوائر الوطن.
* البيان: بعض الإسلاميين خارج الجزائر يقولون: إن القوى التي تكره
الإسلام سواء من الداخل أو الخارج لن تسمح للمسلمين بالوصول إلى أهدافهم عن
طريق الديموقراطية فعندما يحسون بالخطر يلغون هذه الديموقراطية، فما جوابكم
على ذلك؟
نحن نرى العكس تماماً، لأنه لو وصل أي حزب إلى السلطة وخاصة
الإسلاميين عن غير طريق الاختيار الشعبي فإن الدول المحيطة بنا، الدول الغربية
ستتخذها ذريعة قوية لأجل التدخل المباشر، ولا شك أن الخارطة الجزائرية معروفة، فهذا المبرر ينبغي أن نقطعه أمام الأعداء، فيكون الاختيار هو اختيار الشعب،
لنقطع الطريق أولاً أمام النظام نفسه فلا يجد مبرراً، الشعب رفضك واختار غيرك
فينبغي أن ترحل، بالنسبة للدول الغربية لا تجد مبرراً للتدخل لأنه اختيار شعبي
تقطع أمامهم كل المبررات.
* البيان: الدول الغربية في نظرتها للمسلمين في بلادهم ليست منصفة، ولا
تريد أن يكون لهم نفس الحقوق التي يتمتع بها المواطن العادي عندهم، فمفهومها
للديموقراطية مفهوم مزدوج وغير صحيح، وهي تفهم الحرية والديموقراطية
لشعوبها، ولكن لا تفهم ما يسمونه الديموقراطية للمسلمين، وهذا واضح في كل
بلاد المسلمين. في كل هذه البلاد لو توفر جو من الحرية وقامت حركات لها شعبية، ونظم المسلمون صفوفهم لاكتسحوا الانتخابات، وهذا يعلم به الغربيون جيداً،
ولذلك نراهم يعلنون بكل وقاحة معارضتهم أن يكون المسلم في مركز قوي (وضع
الجزائر مثال واضح على ذلك) لقد وقفت كل القوى مشجعة لضرب الجبهة، لا
نقول وقفت متفرجة بل مشجعة على ضربها، والمسلم غير الجزائري يرى
بوضوح - ومعه الحق - أنه لن يُسمح للمسلمين بهذا الطريق للوصول إلى موضع
القوة، فهل هذا واضح بالنسبة للإخوة في الجبهة؟
هذا تحليل صادق، لأننا نعتقد نفس الاعتقاد، ولكننا نحن من خلال وسائل
الإعلام في مختلف الجهات حتى وسائل الإعلام الغربية التي تتصل بنا نبين هذا
المفهوم حتى يعرف الرأي العام لماذا المسلم فقط يحرم من الاختيار في ظل الإسلام، اليهودي يختار أن يعيش في ظل يهوديته فلا يمنعه أحد، والنصراني كذلك،
المسلم له حق، قلتم: إن الاختيار ينبغي أن يكون للشعب، نحن كذلك نقول هذا
الكلام، لا نخاف من شعبنا، نحن نقيم عليهم الحجة بهذه الطريقة، ولئن تدخلوا
بعد ذلك في شؤونا، فمن حق المسلمين أن يرفضوا ذلك التدخل بوسائلهم، والشعب
الجزائري تاريخه حافل عندما رفض تدخل المستعمر في بلاده وقاومه وانتصر
عليه.
* البيان: ولكن القضية هناك كانت تصدياً لإنسان خارجي يضع جنوده
وضباطه وجهاً لوجه مع الشعب الجزائري؛ أما الآن مواجهتك ليست صراحة مع
فرنسا أو غيرها وإنما مع الجيش الذي هو مؤلف من أبناء الشعب وليسوا فرنسيين
قطعاً، وان كان كثير من قياداتهم واقعين تحت تأثير الفكر الفرنسي، فكيف
الخروج من ذلك؟
لقد كان سعينا واضحاً من أجل أن يقتنع كل الجزائريين أو معظمهم على الأقل
بأن الجبهة الإسلامية ليست كما يدعون ليست غولاً يأكل الناس، ولا تخيف ولا
ترعب، لأن الجزائريين الذين قد يكونون وقفوا ضد الجبهة الإسلامية كانوا
مخدوعين، مغرراً بهم، الآن نريد أن نقطع جميع هذه الحجج أمام السلطة وأمام
الأعداء، لقد كلفنا موقفنا كثيراً، والحياة جهاد، ونحن لسنا نادمين بحال من
الأحوال، لأنه إذا رأينا منكراً ينبغي أن نقف ضده، الشعب ليس نادماً ومن خلال
التفافه القوي يتضح أنه يتحدى أكثر، إن دخول الناس السجون جعل كثيراً من
أفراد الجيش ومن قادته يؤمنون أن ما كان يقال لهم إنما كان محض افتراء وكذب،
عندما احتكوا بالإسلاميين قالوا: هؤلاء لا يخيفون، هؤلاء آمن على البلاد من
غيرهم، كانت الدعاية تكذب وتقول إن الجبهة ترفض ميراث التحرير، وقفة الفاتح
من نوفمبر كانت حاسمة في هذا الباب، نحن نريد بالإقناع، بالحجة أن نبطل حجج
المبطلين. بواسطة الضغط الشعبي استطاعت الجبهة تغيير ذلك القانون الجائر
بقانون أقل منه جوراً، ونقول من الآن: ليس بوسع النظام تزوير الانتخابات إلا
إذا استخدم العنف. وعندما يحصل هذا فلا يوجد استقرار في البلاد، ونحن في
الجبهة رفعنا القضية منذ البداية إلى الشعب الجزائري.
" يتبع "
стр. 1021
أحوال المسلمين في بلغاريا
عماد الدين بكري إسماعيل
ساءت حالة المسلمين في كثير من بلدانهم بعد الحرب العالمية الأولى وسقوط
الدولة العثمانية، واستُعْمِرَ الكثير منها إن لم نقل كلها، وازدادت الحالة سوءاً بعد
الحرب العالمية الثانية وبشدة في مناطق الأقليات، ومن البلدان التي تعرض فيها
المسلمون لأبشع أنواع الظلم والاضطهاد حيث منعوا من إقامة شعائر دينهم، دولة
(بلغاريا) .
لمحة موجزة عن بلغاريا:
تقع بلغاريا في الجزء الشمالي الشرقي من شبه جزيرة البلقان، وتبلغ مساحتها
١١١٠٠٠ كيلو متر مربع، وسكانها ٩ ملايين نسمة وعدد المسلمين في بلغاريا
حوالي ثلاثة ملايين مسلم، أي ثلث سكان بلغاريا تقريباً.
والمسلمون هناك يتكلمون لغتين: التركية، وهؤلاء من أصل تركي سكنوا
بلغاريا مع أوائل الفتح العثماني لبلغاريا ١٣٩٦ م، والذي دام حتى عام ١٨٧٨ م،
وهم يشكلون ثلث السكان هناك.
والبلغارية: وهؤلاء السكان الأصليون، ويعرفون بـ (البوماك) وهي كلمة
بلغارية تعني الأنصار، فهم الذين نصروا العثمانيين وآزروهم عند فتحهم لبلغاريا
وكانوا في ذلك الوقت على دين الإسلام، ولذلك نجدهم يقولون ويُصِرُّون على أنهم
أسلموا قبل دخول العثمانيين بلغاريا بقرون، إلا أنهم لم يستطيعوا أن يقيموا دولة
لضعفهم، والله أعلم.
حال المسلمين في فترة الحكم الشيوعي ١٩٤٥ - ١٩٨٩ م:
حكم العثمانيون بلغاريا ما يقرب من خمسة قرون (٤٨٢ سنة) كان الحكم
الإسلامي في بدايتها واضحاً قوياً، ثم تدنى الحكم فيها كما تدنى في كثير من
المناطق التي شملها الحكم العثماني، إلى أن وصل مرحلة التفكك والاضمحلال في
القرن التاسع عشر الميلادي. وبخروج العثمانيين من تركيا ١٨٧٨ م (وهو ما يعبر
عنه البلغار بالاستقلال عن الإمبراطورية التركية) واجه المسلمون عقبات كبرى،
وضغوطاً شديدة من البلغار الذين يرون الدولة العثمانية مستعمِرة، فأخذوا يلفظون
كل ما خلفه الأتراك في بلدهم وأول ما أرادوا لفظه الإسلام والمسلمين الموجودين
في بلغاريا، لأن كلمة الإسلام عندهم تعني الأتراك وهم المستعمرون في نظرهم.
فضيق على المسلمين كثيراً، وازداد الضغط وبلغت الحملة ضد الإسلام ذروتها إبان
الحكم الشيوعي إذ أجبروا المسلمين وفي مناطق البوماك بالذات على تغيير أسمائهم، وهدمت كثير من المساجد وحول بعضها إلى متاحف كما هو الحال في مسجد
صوفيا الجامع الكبير ومسجد بلوبدف الجامع كذلك فكلاهما حول إلى متحف
يعرضون فيها كل ما يمت إلى تاريخهم بصلة متجاهلين تاريخ المسلمين، إذ لم
نشاهد في أي من المتحفين (المسجدين) شيئاً عن الإسلام إلا روعة المسجدين الذين
بُنِيا على الطراز التركي القديم.
وازداد الضغط سوءاً في أوائل السبعينات على الإخوة البوماك بالذات. وفي
الثمانينات أذاق الحكم الشيوعي المسلمين من أصل تركي الويلات مما اضطر الكثير
منهم إلى الرجوع إلى تركيا - التي لم يرها الكثير منهم - مفضلاً الوضع فيها على
هذا الضغط الذي يعانيه في بلغاريا، فاراً بدينه إلى منطقة أكثر أمناً وأقل اضطهاداً.
وممن ساعد الحكومة الشيوعية في الآونة الأخيرة في حكمهم وللأسف الشديد
ما أسموه بالمفتي الذي وضعته الدولة الشيوعية رقيباً لها على المسلمين إذ يأتيهم
بأخبار المسلمين، وعمله الأصلي ضابط مخابرات، وهو يتسمى باسم المسلمين،
ومن أبوين مسلمين، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
فكانت حالة المسلمين إبان الحكم الشيوعي - يرثى لها، منعوا من تعليم
القرآن بل حتى من اقتناء المصحف إلا خفية، ومنعت النساء والفتيات من الحجاب، وصودرت المدارس الإسلامية التي حافظت على كيانها حتى بعد خروج الأتراك
وقبل الحكم الشيوعي، صودرت وحولت إلى نواد تجمع الشباب الشيوعي من
الجنسين، أو إلى أمكن للخياطة، أو إلى مرابط للخيول، إلى غير ذلك مما يسيء
إلى المسلمين.
وبعد مصادرة الدارين وتحويل بعض المساجد إلى متاحف وهدم بعضها،
تعطل التعليم وتعطلت الدعوة، فنتج عن ذلك جهل المسلمين الشديد بشعائر دينهم
وعقيدتهم والذي رآهم عن قرب يحس بذلك ويتألم له.
حال المسلمين اليوم:
بعد نهاية الحكم الشيوعي في ١٩٨٩ م، فرح المسلمون فرحاً شديداً بذلك
وتوجهوا إلى المساجد وعادت البشاشة إلى وجوههم، ورجعوا إلى مساجدهم القديمة
يرممونها ويصلحون من شأنها، ورجعوا إلى تعليم أطفالهم القرآن في المسجد في
الأمسيات وأيام عطلة نهاية الأسبوع، وأعادوا بعض المدارس وعاد الحجاب إلى
الشارع، وتقف أخي المسلم مدهوشاً كيف عاد المسلمون والحجاب بالذات بهذه القوة، إذ رأينا قرى في مناطق (مادان) وما حولها: كل نسائها وبناتها محجبات، في
الشوارع والأسواق والطرقات، وفي المدارس ... الخ. إنها عودة قوية صادقة
تحتاج إلى من يدعمها ويقف إلى جانبها.
أهم ما يحتاجه المسلمون بإلحاح:
إن هذه العودة الطيبة والإنابة الصادقة إن شاء الله تعالى تحتاج إلى ترشيد
وإنارة، فمما يؤدي إلى ذلك ويلبي رغبات المسلمين في بلغاريا أن يتولى المسلمون
المخلصون:
١ - إعادة بناء المدارس: مادياً، وذلك بإصلاح المدارس القديمة المتصدعة، أو إنشاء مدارس جديدة في مناطق يشكل المسلمون نسبة عددية كبيرة فيها.
وعلمياً: وذلك بإعداد منهج علمي وفق منهج أهل السنة والجماعة مترجماً
باللغتين التركية والبلغارية حتى يتسنى لهم الفهم السريع مع تزويدهم بالمعلمين
الأكفاء والتعهد بتغطية نفقاتهم، إذ إن عامة المسلمين هناك من الفقراء.
٢ - إنشاء داخليات (سكن داخلي) للطلاب الذين يأتون من خارج مدينة
المركز، مما يساعد على توطيد آصرة الأخوة والعمل الجماعي والذي به بعد توفيق
الله يكون إكمال البعض للبعض في جو إيماني أخوي.
٣ - إعادة ترميم المساجد القديمة وإنشاء الجديدة في مناطق التكتل مما يكون
له عظيم الأثر بإعادة دور المسجد للصدارة في بناء الشخصية المسلمة كما كان حاله
في صدر الإسلام، يخرج الدعاة والمجاهدين في آن واحد.
مناطق تكتل المسلمين واحتياجاتها:
١ - منطقة كيرجلي:
وهي في الجنوب الشرقي لبلغاريا وكل سكان المنطقة مسلمون، ويقدر عدد
المسلمين بها بحوالي ٢٠٠.٠٠٠ نسمة، يحتاجون إلى مدارس جديدة وترميم
القديم من المدارس والمساجد مع إنشاء مساجد جديدة في بعض المراكز والقرى
التابعة للمنطقة.
٢ - منطقة رازقراد:
تضم المسلمين في الشرق والشمال الشرقي لبلغاريا، وعدد المسلمين فيها يقدر
بحوالي ٢٥٠.٠٠٠ نسمة موزعين على مدن وقرى المنطقة وأهم مدن المنطقة
هي:
أ - مدينة (شومان) :
وتعداد المسلمين فيها حوالي ٥٠.٠٠٠ نسمة، وفي المدينة أضخم مسجد
وأجمله، بني قبل ثلاثمائة وخمسين سنة، وما زال يعمل، وبها مسجد آخر أقل
ضخامة من الأول.
وبها مدرسة النواب المشهورة وهي واحدة من ثلاث مدارس رُخِّص لها
بالعمل، عملت اثنتان منهن، والثالثة تحتاج إلى من يتكفل بها مادياً وعلمياً ومعنوياً، ومدرسة النواب هذه تحتاج إلى دعم كبير فهي مدرسة مهمة واقعة في منطقة زاخرة بالمسلمين وفي مدينة من أهم مدن بلغاريا.
ب - مدينة (روسى) :
وتقع في الشمال الشرقي مع حدود (رومانيا) وعدد المسلمين فيها حوالي
٤٠٠.٠٠٠ نسمة، تحتاج إلى مدرسين، مع العلم أن بها مدرسة ضخمة بحاجة
إلى إعادة تعمير وتأسيس، مساحتها (٢٥٠٠) متر مربع، فيها فصول الدراسة
وسكن الطلاب وتحتاج إلى جهد كبير حتى تقوم. وبالمدينة مسجدان يسدان حاجة
المسلمين الحالية.
ج - مدينة رازقراد (عاصمة الإقليم) :
عدد المسلمين بها ٢٥٠.٠٠٠ نسمة بها ثلاث مساجد، يعمل منها واحد فقط ...
والآخران بحاجة إلى صيانة وإعادة تعمير.
وتحتاج المدينة لمدرسة واحدة على الأقل لتغطية حاجة الطلاب بالمدينة
وضواحيها، ولابد من إنشائها إذ لا توجد بالمدينة مدرسة قديمة كغيرها من مدن
المسلمين.
٣ - منطقة (مادان) :
وهي من مناطق البوماك، وتقع جنوب بلغاريا قريباً من الحدود اليونانية،
وتعداد المسلمين بالمنطقة حوالي ٨٠.٠٠٠ نسمة، وتعدادهم بمدينة مادان نفسها ...
حوالي ١٥.٠٠٠ نسمة، وهي بحاجة ماسة إلى مركز يجمع مسلمي المنطقة
ومدرسة لتعليم أبنائها.
٤ - جوتس دلجف:
وهي من مناطق البوماك كذلك، وهي في الجنوب الغربي لبلغاريا وقريبة من
الحدود اليونانية كذلك. وسكان هذه المنطقة يقدرون بـ ٦٠.٠٠٠ مسلم وفي
المدينة نفسها حوالي ١٠.٠٠٠ مسلم بحاجة ماسة إلى مسجد كبير ومدرسة.
٥ - منطقة بلوبدف:
عاصمة بلغاريا الأولى، عدد المسلمين في هذه المنطقة أكثر من ٤٠ ألف
نسمة، بها مسجد ضخم بني عام ٨٧١ هـ الموافق ١٤٥٠ م تقريباً وما زال يعمل، وبها مسجد آخر جميل حوّله الشيوعيون إلى متحف، والمسلمون يحاولون
استعادته. ويحتاجون إلى مدرسة في الوقت الراهن لتحل ضائقة التعليم.
٦ - مدينة خاسكوفو:
تعداد المسلمين بها أكثر من ٢٥ ألف نسمة، فيها مسجد واحد يعمل، وثانٍ
أحرقه الشيوعيون وثالث هدم قبل عشر سنوات، وهم بحاجة إلى مدرسة حيث
يبلغ مرتادو المسجد يومي السبت والأحد من الأولاد أكثر من (٢٠٠) .
وهناك قرى تحتاج إلى مساجد صغيرة وأماكن لتحفيظ القرآن الكريم ترفق
بالمساجد أو منفصلة، في كثير من المناطق.
ولا يتسع المجال هنا لذكر كل هذه القرى بل بعض المدن التي تتبع المناطق
المذكورة آنفا.
هذه هو حال إخوانكم ببلغاريا فهلا مددنا يد العون لهم وأنقذناهم بتلبية
احتياجاتهم أو بعضها وأبرأنا ذمتنا أمام الله تعالى.
стр. 1022
أيُّ سلام هذا ؟ !
محمد بن حامد الأحمري
عشنا هذه الأشهر الأخيرة مأساة غريبة، كل ما فيها يوحي بالاستهجان
والسخرية من هذه الأمة المسلمة المسكينة التي يتفق اليهود والنصارى على تحديد
مصالحها، وتحديد حروبها وسلامها، وتحديد أعدائها وأصدقائها، وبالتالي اختيار
قادتها المعبرين عن مواقفها. فهذه حنان حنا عشراوي الناطقة باسم الشعب
الفلسطيني المسلم تعطي من بقي لديه ذرة عقل عنوانا لهذا الفصل الجديد من القضية
الإسلامية الفلسطينية.
وهذا الفصل الغريب من هذه الملحمة سبقته أمور كثيرة، مهدت لهذه الحال
وشارك في إنتاج هذه الفصول الانهزامية المتتابعة لاعبون كثيرون من فلسطين ومن
غيرها، وكان لبعض المشاركين أدوار خطيرة أوصلتنا إلى هذه المحطة
الاستسلامية التي نقف عندها اليوم.
والجديد في أيامنا هذه ليس المخطط الذي يُوّقع عليه العرب ويساندونه
ويسلمون به بل ويرغمون شعوبهم عليه؛ الجديد فيه هو الالتزام العملي، أما
المخطط اليهودي فقد قرأه العرب منذ زمن ولكنهم للأسف لم يعقلوه. إن الصلح
الأخير يلزم العرب بأن ينهوا حالة الصدام النفسي مع اليهود وأن يقبلوا بإسرائيل
دولة صديقة تتمتع بحقوق الجار وامتيازات لا يتمتع بها العرب تجاه بعضهم. ومن
ذلك حقها بإنهاء العداء الثقافي والإعلامي لها، ومنع العرب عن الحديث في أي أمر
من الدين قرآناً أو سنةً أو حدثاً من أحداث السيرة فيه إشارة إلى اليهود وأساليبهم
الخبيثة مع غيرهم وهو الشرط الذي اشترطه شامير للصلح والنقاش، وإنهاء
المقاطعة الإعلامية والثقافية والاقتصادية، وبالأخص حذف كلمة الجهاد ضد
إسرائيل من قاموس العرب والمسلمين أما إنهاء المقاطعة الاقتصادية فهي لا تقل
خطورة عن غيرها حيث يمتد النشاط الاقتصادي اليهودي في أعماق خمول العرب
وضياع المؤسسات الاقتصادية الناجحة وغياب الصناعة التي توفر للناس حاجاتهم
في بلدان المسلمين حيث يستولي اليهود - وهم من هم معرفة بأصول التجارة وكنز
الأموال وعباداتها - ويمتصون ما بقي في هذه البلاد من خيرات ومصادر،
ويستولون على الثروات الطبيعية ويصنعونها ثم يعيدونها لنا مرة أخرى، لتعيش
الأمة تحت رحمة تجار يهود الذين دمروا اقتصاد العالم الأكثر وعياً وحرية فكيف
إذا استولوا على الإقطاعات العربية المتخلفة فيزيدوننا تجويعاً ويسوموننا صنوفاً
جديدة من الذل والهوان.
ثم نعمل جميعاً عرباً وغير عرب عمالاً صغاراً مستضعفين أقل من درجة
الخدم في مصانع اليهود. إن الذي يؤسف له أشد الأسف أننا نعلم جميعاً ومنذ
زمن - من قرأ ومن لم يقرأ - ما يريد يهود منا ثم لا تنفع المعرفة ولا يجدي التحذير، فمنذ قرابة خمسين عاماً ونحن نعرف ونقرأ معالم هذه المأساة ثم لا يزيدنا ذلك إلا سكوتاً وصمتاً واستسلاماً مقيتاً.
وإذا استسلمت الحكومات فلا أقل من أن يبق لنا دين نعرف به الحق من
الباطل وأن نحافظ على كلمة الحق ننطق بها حين لا نستطيع أن نطبقها في الحياة،
وأن نحافظ على عقول المسلمين مدركة واعية لعدوها وشره المستطير، وأن نذكّر
الأمة بالتاريخ اليهودي الأسود. ومحاولة اغتيالهم للرسول ﷺ
مشهد حي في قلوب المسلمين، وقصة غدرهم بالمسلمين لم تغب عنا، وقتلهم
الأنبياء ثم سفك دماء المسلمين في عصرنا هذا والمذابح الوحشية التي مارسوها
ويمارسونها علينا كل يوم ليس لنا أن نغيِّبها عن ذاكرة الأمة وليس لنا أن نزور
التاريخ لصالح يهود كما يحاولون إلزام المسلمين هذه الأيام.
إن اليهود يحاربون الإسلام والمسلمين باليهودية والتاريخ اليهودي، والعرب
يغازلونهم بأسلوب المستسلم الواهن العلماني الهجين الذي يكذب منتحلاً ألقاب
القومية والوطنية والديموقراطية يغطي بها حكمه البوليسي الذي هو دعامة وجودهم. جاء شامير بحاخاماته يلبسون شعار الدين في دائرة الاجتماع ثم يشتم العرب
ويغادر القاعة قائلا لهم: إن غداً السبت وعندنا صلاة.
ويجيب أحد الصحفيين بصلف: (إذا أردت أن تصفني فقل: إنني رجل
يهودي تجري اليهودية في دمه) فمن من المسؤولين الذين اجتمعوا معه من يجرؤ
على مثل هذا الجواب: (إذا أردت أن تصفني فقل: إنني مسلم يجري الإسلام في
دمه) حتى لو كان كاذباً بهذا الادعاء؟ ! هل يجرؤ أحدهم أن يقول ذلك ولو من
باب الدعاية والاستعراض مثل شامير؟ !
نعم لقد تأكدت إسرائيل أنها تتعامل مع رجال البوليس في العالم العربي الذين
جاءوا إلى المؤتمر وقد تأكدوا من تكميم كل الأفواه، واعتقال كل الأشخاص الذين
يظن بهم معارضة هذه الخطوة المشينة، جاءوا بلا هوية وبلا قضية ولديهم استعداد
بقبول أي حل يريده شامير، أليس قبول الاشتراك في هذا المؤتمر كان مرهوناً
بعرض أسماء الوفد الفلسطيني عليه؟ ! ثم يعقِّب بعض الصحفيين العرب بصفاقة
لا نظير لها: لقد كانت إسرائيل مرغمة على كل شيء في المؤتمر! وأن العرب
كانوا منتصرين! ! نعم لكم أن تسموا كل هزائمكم نصراً، ولكننا لن نسميها إلا
باسمها الحقيقي. داعين الله أن يبدل هذه الحال وأن يلهم المسلمين الرشاد، ويقيض
لهم من ينتشلهم مما صاروا إليه.
стр. 1023
مقال
هل تدعم أمريكا دولة روسيا الكبرى ؟
د. أحمد عجاج
أخيراً تحررت شعوب الإمبراطورية السوفياتية - التي تستحق عن جدارة
لقب الرجل المريض - من قبضة الحكم الديكتاتوري وظاهرة الانغلاق والخوف
لتجد نفسها مرة أخرى تواجه مرحلة من عدم الاستقرار والضياع. فالديموقراطية
التي دغدغت أحلام الشعب المقهور وارتسمت صورتها الذهبية الواعدة بالخير
ومستقبل أفضل لم تكن إلا حلماً كاذباً ووهماً. والشعب السوفياتي بجميع فئاته يسير
ببطء نحو المجهول وفي ذاكرته شبح مجاعة عام ١٩٢٠ - ١٩٢٢ داعياً بحرارة أن
لا يقذف مرة أخرى نحو هذا المصير المؤلم.
فالاتحاد السوفياتي الذي كان يوماً ما دولة عظمى نافست أقوى قوى الأرض
قاطبةً، يجد نفسه في موقف المراقب العاجز ينظر بعينين عاجزتين إلى تفكك
أواصره وتفجر الخلافات والقوميات والعصبيات العرقية التي كانت في الماضي
وحدة متكاملة وجزءاً لا يتجزأ من إمبراطوريته الكبرى المترامية الأطراف.
هذا الواقع أجبر الاتحاد السوفياتي على التراجع من الساحة الدولية والانكفاء
والتقوقع. وغياب الاتحاد السوفياتي وتفككه يطرح تساؤلات عديدة لها تأثيرها
المباشر على الساحة السياسية الدولية والعلاقات الاقتصادية والعسكرية. والسؤال
الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو طبيعة الموقف الأمريكي من الظاهرة
السوفياتية. وبعبارة أخرى: هل تسعى الولايات المتحدة إلى مساعدته وإنقاذه من
الرمال المتحركة، أم أنها تؤثر التفرج على موت عدوها أو أنها ستعتمد خياراً آخر؟
الواقع هو أن الولايات المتحدة دائماُ، شأنها شأن بقية الدول، تتعامل ضمن
إطار المصلحة والمنفعة دون أي اعتبار للعامل الأخلاقي والمثل العليا. وعامل
المصلحة هذا ميز العلاقات الأمريكية - السوفياتية وطبّعها بطابعه حتى في أشد
الظروف حرجاً وخطورة.
والولايات المتحدة لم تتردد أبداً في استعمال سلاح الاعتراف، في الأعوام
التي سبقت عام ١٩٣٣، للضغط على الدولة الفتية الشيوعية التي تعتمد مبادئ
وأهدافاً تتعارض مع مصلحتها وأهدافها. إلا أن هذا الموقف سرعان ما تلاشى
عندما شعرت الولايات المتحدة أن وجودها مهدد من قبل الدولتين الألمانية واليابانية
وأنه لا سيبل إلى الحد من نفوذهما إلا بالتقارب مع العدو الشيوعي (الاتحاد
السوفياتي) .
وفعلاً اعترفت الولايات المتحدة بالدولة الشيوعية في عام ١٩٣٣ وتحالفاً معا
لدحر عدويهما الياباني والألماني. والملفت للنظر أن هذه ليست أول مرة يتم فيها
التعاون بين الدولتين - المتناحرتين - بل إن هناك حوادث كثيرة وشواهد تدل على
تعاونهما عندما تستدعي الحاجة سواء كان هذا محكوماً بالواقع الاقتصادي أو غيره.
وللتدليل على ذلك فإن وزير التجارة الأمريكي المشهور بعدائه - للشيوعية
(هاربرت هوفر) لم يتردد لحظة في تقديم المساعدات الغذائية والإنسانية للاتحاد
السوفياتي في عامي المجاعة والتي بلغت قيمتها خمسين مليون دولار أمريكي.
وبالطبع فإن هذه المساعدة تثير التساؤل والعجب إذ كيف يعقل لوزير يكن العداء
للشيوعية أن يقدم لها إكسير الحياة! إلا أن هذا ليس مستغرباً أبداً لأن الولايات
المتحدة حصلت نتيجة هذا على بعض ذهب الاتحاد السوفياتي وتخلصت في الوقت
نفسه من فائض في الإنتاج الذي يؤدي تكدُّسه إلى إبطاء نموها الاقتصادي. ولربما
كان العامل الإنساني والديني لهما دور، ولكن يبقى العامل الاقتصادي هو البارز
والمسيطر.
إذن من الممكن جداً أن لا تترك الولايات المتحدة عدوها وحيداً إذا كانت ترى
في ذلك مصلحة لها. فالاتحاد السوفياتي لم يعد أخيراً تلك القوة التي تُخشى بل
تضاءل حجمه ونفوذه كما تنبأ بذلك رئيس الولايات المتحدة الأمريكية السابق رونالد
ريغان حين قال إن (الغرب لن يحد من نفوذ الشيوعية بل سيتجاوزها ولن يشغل
نفسه بإدانتها بل سيطرحها جانباً كفصل شاذ في التاريخ الإنساني) [١] . والرئيس
ريغان لم ينطلق من فراغ بل كان يعتمد أصلاً على تعاليم الإنجيل عندما قال: إن
الاتحاد السوفياتي إمبراطورية الشر وإن (تعاليم الإنجيل وأقوال المسيح تتطلب منا
أن نقاوم الشر بكل ما أوتينا من قوة) [٢] .
وفعلاً كان له ما أراد فالاتحاد السوفياتي لم يعد بعد تفككه واستقلال جمهورياته
إمبراطورية الشر ولكن هل يؤدي هذا إلى تغيير السياسة الأمريكية؟
لا شك أن الولايات المتحدة لم تعد ترى في الاتحاد السوفياتي ذلك الشبح
المرعب. وهذا لا يعني أبداً زوال الخطر الناتج عن تفكك الاتحاد السوفياتي.
فالسلطة المركزية تلاشت والوضع الاقتصادي يزداد سوءاً، وهيبة غورباتشوف
أصبحت بلا معنى، مما دفع صحيفة برافدا السوفياتية بوصفه أخيرًا (بالرئيس
الذي ليس له دولة) . ومناشدة الزعماء السوفيات الغرب بتقديم المساعدات لم تلق
حتى الآن آذاناً صاغية.
والرئيس السوفياتي غورباتشوف في خطابه الذي ألقاه أمام مؤتمر (الأمن
والتعاون الأوروبي) الذي انعقد في الأشهر الماضية في موسكو، تساءل عن سبب
تأخر الدول الغربية بتقديم المساعدات الاقتصادية لبلاده قائلاً: (إن الظروف
الموجودة الآن صالحة لبدء عملية التعاون وبناء البلاد) . وأضاف مؤكداً (إن العالم
سيتعامل من الآن وصاعداً مع اتحاد من دول مستقلة تتعايش فيه دول وجمهوريات
وعشرات من القوميات والعصبيات بصورة اختيارية ومتساوية) .
وتصر الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون على أن وجود اتحاد كهذا داخل
الاتحاد السوفياتي ليس كافياً بحد ذاته وأنه يتوجب تكملة الثورة السياسية بثورة
اقتصادية كشرط أولي لتقديم المساعدات الغربية المنتظرة. بل ذهبت الولايات
المتحدة أخيراً أبعد من ذلك باشتراطها على الاتحاد السوفياتي تقديم خطة اقتصادية
يوافق عليها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، شأنه شأن أية دولة من العالم
الثالث، كشرط مسبق للمساعدات الأمريكية. وطالبت الولايات المتحدة أيضاً
الاتحاد السوفياتي والجمهوريات السوفياتية بضرورة الاتفاق أولاً على توزيع
المسؤوليات والسلطات التي بالإمكان منحها للسلطة المركزية في موسكو.
وهكذا يتضح أن الولايات المتحدة تستعمل السلاح الاقتصادي مرة أخرى
كوسيلة لضمان نفوذها وسيطرتها في الإمبراطورية المنهكة. فالولايات المتحدة لا
ترى أية فائدة في تقديم مساعدات مالية واقتصادية لبلد لم تتضح حتى الآن معالم
تركيبته المستقبلية.
وتبدو السياسة الأمريكية من خلال تصريحات المسؤولين الأمريكيين أنها تميل
إلى رؤية الإمبراطورية السوفياتية بنصف حجمها السابق. فدعوتها الدائمة للسماح
لدول البلطيق بالانفصال والاستقلال لا تتفق مع دعواتها الداعية إلى إيجاد نوع من
الوحدة السياسية والاقتصادية والعسكرية ضمن إطار ما. إلا أن هذا التناقض يمكن
أن يزول إذا نظر إلى الأمر من زاوية أخرى. فالولايات المتحدة لا تمانع في أن
تأخذ الجمهوريات السوفياتية نوعاً من الحريات الداخلية شريطة أن لا تشمل القضايا
الدفاعية. ووجود جمهوريات، داخل الاتحاد السوفياتي، تمارس حريات كاملة في
القضايا الاقتصادية والخارجية يوفر للولايات المتحدة فرصة ذهبية للعب على
التناقضات والاستفادة من استثمارات ومشاريع يمكن أن تقوم بها. وبالفعل فإن عدة
جمهوريات سوفياتية تتنافس في الحصول على الاستثمارات الأجنبية وتعرض
عروضاً مغرية في سبيل ذلك. إلا أن تصوراً كهذا يبدو غير ممكن في الوقت
الراهن. فوجود السلاح النووي الفتاك والخطر على أراضي الجمهوريات
السوفياتية خلق نوعاً من الارتباك والتوتر في السياسة الأمريكية. هذا الارتباك بدا
ظاهراً عندما أعلنت بعض الجمهوريات السوفياتية عن نيتها في الإبقاء على السلاح
النووي الموجود على أراضيها ومعارضتها إعادته إلى روسيا الفيدرالية. والارتباك
مرده إلى أن هذه الجمهوريات باستطاعتها أن تهدد المعسكر الغربي أي أوروبا
باستخدامها الصواريخ النووية الموجودة على أراضيها. والتهديد بدوره لا يمكن أن
يصدر عن جمهوريات تدين بالولاء للحضارة الغربية وتلتقي معها سواء في المعتقد
أو العادات بل من جمهوريات لا تتوفر فيها هذه المقومات. إذن فالخطر الحقيقي
يكمن في الجمهوريات الإسلامية التي لا تشارك المعسكر الغربي أفكاره وحضارته
وتاريخه وهنا بيت القصيد.
إن احتمال إبقاء الجمهوريات الإسلامية داخل الاتحاد السوفياتي على السلاح
النووي أو استخدامه أو نقله لطرف ثالث يرسل قشعريرة في الجسد الأمريكي
والغربي معاً. وقادة روسيا الفيدرالية يعون هذا تماماً ويعرفون مدى خطورته عليهم
وعلى العالم الغربي. فقد صرح نائب وزير دفاع روسيا الفيدرالية الجنرال فاتلي
شليكوف منذ فترة وجيزة أنه ليس لدينا أي شيء نخشاه من الغرب.. فالخطر يأتي
الآن من الجنوب بما فيه من الجمهوريات الإسلامية. ويجب علينا أن نأخذ العامل
الإسلامي في الحسبان [٣] .
وفي هذا السياق ذكرت صحيفة الاندبندنت البريطانية (بتاريخ ١٥ أكتوبر
١٩٩١) أنباء أفادت عن قيام تعاون بين المؤسستين العسكريتين الأمريكية والروسية
لإنشاء شبكة مضادة للصواريخ النووية. وهدف هذه الشبكة الدفاعية، استناداً إلى
الصحيفة المذكورة، هو التصدي للصواريخ النووية التي من الممكن أن تطلقها
جمهوريات سوفياتية أو دولة من دول العالم الثالث.
وأما احتمال كهذا فإن الولايات المتحدة تجد نفسها أمام خيار واحد لا غير هو
تدعيم روسيا الكبرى لتكون صمام أمان للخطر الكامن في الجمهوريات السوفياتية إذا
تعذر إقناعها بضرورة التخلي عن السلاح النووي والانضمام إلى اتحاد يجمع
الجمهوريات كلها ضمن إطار دستوري معين. وهذا التصور لمحت إليه صحيفة
الهيرالد تريبيون الأمريكية في مقال لها (بتاريخ ١٥ أكتوبر ١٩٩١) جاء فيه (أن
وجود روسيا القوية والمنيعة التي تحتكر السيطرة على السلاح النووي هو أمر لا
يبعث على السرور. ولكن هذا الاحتمال هو أقل خطورة من أن يكون موضوع
السيطرة على السلاح النووي داخل الاتحاد السوفياتي موضع شك) .
إذن فالولايات المتحدة الأمريكية أمام خيارين: العمل بطريقة ما على إبقاء
الاتحاد السوفياتي القديم ولكن بنصف حجمه وضمن إطار دستوري تعطى فيه
الجمهوريات كل ميزات الدول المستقلة باستثناء القضايا الدفاعية والسيطرة على
السلاح النووي. وفي حال تعذر هذا فإن الولايات المتحدة ليس لديها أي خيار سوى
تقوية روسيا الاتحادية لتشكل درعاً واقياً وسيفاً مصلتاً على الجمهوريات الأخرى
التي كانت يوماً ما جزءاً من إمبراطورية كبرى (الاتحاد السوفياتي) .
стр. 1024
صحة
تحصين الأطفال
د. محمد صايل أهليِّل
يعتبر الهدف الأول والأخير الذي يسعى له الطب دائماً هو الوصول بالمريض
إلى الحالة الطبيعية من سلامة الجسم، سواء بالعلاج الدوائي أو الجراحي عند
حدوث مرض ما أو دفع غائلة المرض عن الجسم السليم، ومنع حصولها بمختلف
الوسائل من نظافة عامة وحجر صحي، ومنع الاختلاط بالمصابين أو عن طريق
التحصين بإعطاء التلقيحات.
يكون - أحياناً - من الصعب علاج بعض الأمراض التي تصيب الأطفال،
لذا فإن المحافظة على سلامة الجسم السليم هي بنفس القدر من الأهمية - إن لم تكن
أكثر أهمية - من علاج الطفل المريض. نعم إن الطفل المريض يحتاج إلى
المعالجة، ولكن منع إصابة الطفل السليم بالمرض أهم، وذلك لأن المضاعفات التي
ربما تنجم قد تكون بسيطة أو شديدة، وقد تكون طارئة أو دائمة تلازمه طيلة حياته، وقد تشل بعض قدراته العقلية أو الحسية أو الحركية أو غيرها، لذا فإن المثل
القائل: درهم وقاية خير من قنطار علاج هو أصدق ما يمكن أن يقال في مثل هذا
الموضع من درء غائلة المرض بتحصين الطفل.
إن الطفل - بحكم صغر حجمه وعدم تعرضه مسبقاً للأمراض - وضعف
مناعته النسبي - أقل قدرة إذا ما قيس بالكبار، على مقاومة الأمراض التي قد تحل
به، لذا فإن بعض الأمراض أسرع انتشاراً وأشد خطراً على الأطفال منها على
الكبار.
إن أمراضاً كالتدرن الرئوي والخانوق (الدفتريا) والكزاز، والشاهوق (السعال
الديكي) وشلل الأطفال: من الأمراض التي قد تفعل الأعاجيب بالطفل إذا أصيب
بأحدها، لما تسببه من مضاعفات خطيرة قد تصل إلى الوفاة، إضافة إلى صعوبة
علاجها وارتفاع كلفته. وإن نتائج مثل هذا العلاج غير مضمونة أحياناً، فالعلاج لا
يقدر أن يمنع حدوث المضاعفات الناجمة. لذا كان تحصين الأطفال باللقاحات
الخاصة بهذه الأمراض أسلم وأنجح السبل.
إن بعضنا قد تعود أن يرى أمراضاً كثيرة تنتشر بين الأطفال وكأنها أمر
حتمي لابد للطفل أن يمر به خلال سني عمره، أو كأنه مرحلة من مراحل نموه،
فالحصبة، والنكاف والحصبة الألمانية - بشكل أقل شيوعاً - تنتشر بين الأطفال
بشكل سريع جداً كأنها النار تدب في الهشيم خصوصاً الأطفال في سني الدراسة
الأولى، أما خطورة هذه الأمراض فهي بما تسببه من مضاعفات تكون أحياناً غاية
في الخطورة، فشيوعها وانتشارها بين الأطفال لا يعني انتفاء أضرارها بتاتاً. لذا
فإن اللقاحات الخاصة بها تمنع أيضاً انتشارها بين الأطفال، وتقلل من المضاعفات
الناجمة عنها.
إن اللقاحات تُعطَى للأطفال حسب خطة زمنية معينة، ويعاد تكرارها لبناء
مناعة كافية في جسم الطفل طول عمره مما يقلل من احتمال إصابته بالمرض الذي
حُصِّنَ ضده حال حدوث تعرضه لطفل مصاب، وتعطى اللقاحات حسب الجدول
الزمني التالي:
١ - لقاح التدرن الرئوي - يعطى خلال الأشهر الأولى خصوصاً في المناطق
التي ينتشر فيها المرض بشكل واسع.
٢ - لقاح الخانوق - الشاهوق - الكزاز: يعطى بالعضل على الشهر الثاني
ثم يعاد في الشهر الرابع، وتعطى جرعة ثالثة في الشهر السادس من العمر. يسمى
هذا اللقاح باللقاح الثلاثي. يعطى الطفل جرعتان منشطتان من هذا اللقاح على
العمر سنة ونصف، وأخرى على العمر بين ٤ - ٦ سنوات.
٣ - لقاح شلل الأطفال وهو يعطى عادة بالفم ولكن بنفس مواعيد اللقاح
السالف.
٤ - لقاح الحصبة - النكاف - الحصبة الألمانية: يعطى على عمر ١٥
شهراً مرة واحدة فقط.
بهذا يكون الطفل قد أكمل تحصينه ضد الأمراض الخطرة التي يمكن منع
حصولها خلال سني الطفولة الأولى.
هل لهذه اللقاحات من آثار جانبية؟
هذا ما قد يسأله البعض، والجواب: نعم، ولكن غالباً ما تكون الآثار الجانية
بسيطة ومؤقتة تظهر عادة كحمى لا تتجاوز ٣٦ ساعة أو بشكل ألم موضعي في
مكان الحقنة العضلية، أو ظهور طفح جلدي خفيف لا يستلزم علاجاً، أما بالنسبة
للمضاعفات الرئيسية فهي نادرة الحدوث وأن الضرر الناجم عن اللقاح أقل بكثير
من المضاعفات الناجمة عن الإصابة بالمرض نفسه إذا ما أصيب الطفل به.
إن هذه اللقاحات فعَّالة جداً، فهي تحصن الطفل من المرض بنسبة عالية قد
تصل إلى مائة بالمائة في بعض اللقاحات، لذا فإن تحصين الطفل ضد الأمراض
المذكورة حق للطفل على والديه، فلا يقصران في تأدية هذا الواجب.
стр. 1025
منتدى القراء
أين التوازن معاشر الخطباء ؟
أبو سليمان الشافي
كثيراً ما نجد خطيباً في مسجد ما يثري أفكار جماعة مسجده بموضوع معين
ويبدئ ويعيد حول ذلك الموضوع، ويهمل ما سواه، وكأن المسلمين قد صلحت
جميع أحوالهم وفهموا كل شيء سوى هذا الموضوع الذي لا تكاد تصلي معه في
مسجده إلا ويحدثك عن أهميته وجهل المسلمين به وحاجتهم إليه. أحد الخطباء يتكلم
في كل جمعة عن التبرج والسفور والنساء وخروجهن إلى الأسواق الخ ... وخطيب
مسجد آخر لا تكاد تسمعه يخطب إلا في الموت والجنة والنار والقبر ومنكر ونكير.
وإمام ثالث لا يتكلم إلا عن أعداء الإسلام والغزو الفكري وخطط اليهود. وإمام
رابع يذكر الناس دائماً بشروط الصلاة ووجوب الزكاة وأحكام المسح على الخفين
ويغفل تماماً عن غيرها.
إن الخطبة ما شرعت ليركز من خلالها على موضوع أو موضوعين، بل
شرعت ليتم من خلالها التعليم والترغيب والترهيب والتذكير بجميع ما يهم المسلمين
كأحكام عباداتهم ومعاملاتهم ومشاكلهم الاجتماعية وعلاج بعض عاداتهم المخالفة
للشرع وتبصيرهم بواقعهم وتعريفهم سبل المجرمين وبيان خطر إهمال النهي عن
المنكر ووجوب الأمر بالمعروف إلى آخر القائمة الطويلة التي يحتاج للحديث عنها
أولئك المتجهون للمسجد الجامع أداءً لفريضة الله تعالى وأملاً في سماع المفيد الجديد.
стр. 1026
لماذا لا نقبل على المجلات الإسلامية ونساندها ؟
عثمان بن محمد الخنين
من الملاحظ أن بعض المثقفين من أهل الخير لا يقبلون على المجلات
الإسلامية في الوقت الذي نجدهم فيه يقبلون على غيرها من المجلات والصحف
بدعوى أنهم يأخذون من تلك الصحف ما يفيد ويدعون ما يضر ... وإذا ما ذكرت
عند أحدهم مجلة إسلامية - حيث الفائدة دون الضرر - فإنه يأخذ يعدد أخطاء تلك
المجلة وتقصيرها في أمور معينة. ونقول لهذا الأخ: ولنفرض أنك مصيب فيما
تقول، لكن ألا ترى يا أخي أن الإنسان لا يخلو من العيوب والأخطاء؟ فما بالك
بمجلة يقوم عليها ويساهم فيها مجموعة من الناس وأنا هنا لا أُقر الأخطاء ولكني
أريد أن أؤكد أنه إن كان للمجلات الإسلامية من عيوب فهي قليلة جداً إذا ما قورنت
بعيوب غيرها من الصحف بل لا وجه للمقارنة هنا. وقد يكون ما يُنظر إليها على
أنها أخطاء أو عيوب ما هي إلا الأخذ بأمر اجتهادي أو أمر يقبل اختلاف وجهات
النظر وقد تكون في أمور ثانوية كمسألة الإخراج أو قضية التوزيع..
وإنني هنا أدعو للإقبال على المجلات الإسلامية - أو على بعضها أو إحداها
على الأقل - قراءة وإن أمكن اشتركاً أو مساهمةً فإن في ذلك ثقافة صافية لعقولنا
حيث نجد الموقف الصادق والرؤية الأمينة والتحليل السليم والموضوع المهم ...
كما أن في ذلك أيضاً تشجيعاً ودعماً لتلك المجلات المفيدة وهي الأولى بذلك
من غيرها. ومن المعلوم أنه لا يمكن أن تنجح صحيفة جادة بدون أن يكون لها
قُراءٌ ومتابعون يقفون بجانبها يقدمون الاقتراح الجيد والتوجيه القويم والنقد البناء
والمساهمة التي تضيف إلى الخير خيراً.
وإذا علمنا حجم العقبات التي توضع في وجه المطبوعات الإسلامية،
والتسهيلات التي تمنح لغيرها -على الرغم من أخطاره وعواقبه- أصبح من
الواجب أن يتنادى المسلمون -جماعات وأفراداً- إلى تشجيع كل ما من شأنه
التعريف بالإسلام والدفاع عنه في وجه الإعلام الذي يثير الشبهات ويهدف إلى
تشويه صورة الإسلام بين أبنائه وأعدائه.
стр. 1027
بريد القراء
* الأخ أبو محمد يقترح على المجلة الإعلان في صفحاتها عن مشروع
للتبرع باشتراكات لقراء آخرين يعجزون عن توفير قيمة الاشتراك في كثير من بقاع
العالم. ذلك أن كثير من الراغبين العاجزين عن الاشتراك وذلك بسبب ضيق ذات
اليد وهذا هو الأغلب، أو يكون بسبب القيود التي تفرضها بعض الحكومات على
تحويل العملة الصعبة.
* البيان: نشكر الأخ أبا محمد على اهتمامه بأمور المسلمين وحرصه على
وصول الخير إليهم. ونحن نضم صوتنا إلى صوته ونعلن هذا في البيان لأن ما
ذكره الأخ صحيح وهناك قراء كثيرون يمنعهم من الاشتراك نظام تحويل العملات
في بلدهم وقد كان من أهداف ذكر الاشتراك الممتاز هو مساعدة مثل هؤلاء.
* الأخ عبد الحفيظ خالد جبريل
شكراً لك على ملاحظتك التي أبديتها حول زاوية طرائف في (البيان الصغير)
كما نشكرك على اهتمامك بالبيان.
* الأخ محمد عبد الله القحطاني
أرسل كلمة قصيرة ينعي فيها على طريقة التعليم في البلاد العربية التي يقضي
فيها الطالب وقتاً طويلاً لا يتناسب أبداً مع كمية المعلومات المقدمة إليه، ولا مع
الاستفادة من هذه المعلومات، خاصة إذا قارنا ذلك مع المدة التي كان يدرس فيها
الطالب في العصور الإسلامية الزاهرة وكيف يتخرج بعدئذ.
* الأخ محمد بوراس
أرسل إلينا مقالة بعنوان (رسالة إلى المسلمة المعاصرة، هؤلاء هم أعداؤك)
نقتطف منها ما يلي:
(إن المرأة المسلمة في ظل الإسلام لا تحتاج إلى شعارات زائفة، ولا إلى
دعوات باطلة، والأجدر أن تكون الحرية التي تنادي بها هي تحرير العقول من
هيمنة الفكر المسموم الذي تحمله التيارات التغريبية وتحرير السلوكيات من آفة
التقليد الأعمى، وإن دعاة تحرير المرأة ما هم إلا حفنة ممن تشربوا الفكر الغربي
وأعجبوا بوضعية المرأة هناك..) .
* الأخ عبد الوهاب محمد عبد الجبار
نرحب بك يا أخ عبد الوهاب والقصة التي أرسلتها بحاجة إلى صياغة أفضل
وننصحك بالإطلاع وكثرة المطالعة.
* الأخ إبراهيم زمل الشمري أرسل مقترحاً:
١ - لم لا تكون هناك زاوية بعنوان علماء المسلمين تُعْنَى بنشر تراجمهم
باختصار وأهم وأشهر إنتاجهم - حيث أن معظم القراء لا يعلمون الكثير عن تراجم
وسِيَر علمائهم.
٢ - زاوية أخرى بعنوان (اعرف إخوانك في العالم) تُعنى بنشر الوقائع
التاريخية للأقليات المسلمة في العالم وبعض ما تعرضوا له من ويلات ونكبات مثل
إخواننا في يوغوسلافيا وشرق أوروبا والاتحاد السوفييتي والصين.
ولكم جزيل الشكر.
* البيان: نشكر الأخ إبراهيم على اهتمامه وسيرى في هذا العدد بعض ما
اقترح وهي دراسة ميدانية لأحوال المسلمين في بلغاريا ونعده إن شاء الله بتحقيق
الاقتراح الأول.
стр. 1028
هموم الدعوة في الغرب
عبد الجبار الطعمة
عندما نلقي نظرة على تاريخنا الإسلامي، وكيف انتشر الإسلام في فترة
وجيزة ليغطي حوالي ثلاثة أرباع العالم القديم، فلا نملك إلا الدهشة والإعجاب
للدور الذي لعبه التجار وغيرهم من الدعاة المسلمين في انتشار الإسلام في البقاع
النائية من العالم القديم.
عندما نحلل بعناية الحقائق التاريخية، نجد أن أولئك التجار والحرفيين
بأسلوبهم التلقائي؛ وبتقواهم واستقامتهم في تعاملهم مع الناس، يختلفون اختلافاً
جذرياً عن أولئك المبشرين الذين يمثلون الأديان الأخرى، والذين يستخدمون
الوسائل الإغرائية والأموال الطائلة ودعم الحكومات والمؤسسات الرسمية وشبه
الرسمية.
إن سر نجاح المسلمين الأوائل في الدعوة، يكمن في كونهم مسلمين بحق، يطبقون الإسلام بصدق على أنفسهم، وينتهجون أسلوب الأمانة في التعامل اليومي
مع كل البشر، وكانت شخصياتهم انعكاساً حياً وصادقاً للإسلام الحقيقي.
هذه هي الوسائل التي كانوا يستخدمونها، والتي جعلت أولئك الذين يحتكون
بهم يحاولون التعرف على ما يؤمنون به، وبالتالي تتكون القناعة التامة لديهم
لاعتناق الإسلام، عن رغبة ملحة، فيأخذونه ديناً حياتياً.
إن على المسلمين الذين يعيشون في الغرب، مسؤولية كبيرة وواجباً صعباً.
إن مهمتهم لا تنحصر فقط في دحض افتراءات المستشرقين وما يقومون به من
تشويه للحقائق التاريخية، ولكن ليتصرفوا كمسلمين حقيقيين، ليكونوا مثالاً ناطقاً
للإسلام. كما كان الأوائل من السلف، وفوق كل ذلك، عليهم أن يحافظوا على
الأجيال الجديدة التي نشأت في الغرب، من عوامل الذوبان من ناحية الدين
والشخصية والهوية. ويجب عليهم أن يجاهدوا في عرض الإسلام الحقيقي على
الجيران والأصدقاء، ومن يحتكون به، عسى أن تمحى تلك الصورة التي خلفتها
العصور السالفة وافتراءات المؤرخين، التي صبغت الإسلام بصبغة ممقوتة لدى
الإنسان غير المسلم.
إن دائرة الضوء التي يجب أن نوجه أنظارنا إليها الآن في الغرب، هي
الأجيال المسلمة التي ولدت في هذه البلدان.
أحد القساوسة الهنغاريين، وجه كلامه في كنيسته، قائلاً للأقلية الهنغارية
التي تقطن أمريكا: (أنتم أيها الهنغاريون في البيئة الأمريكية، كأنكم في جزيرة
صغيرة وسط محيط هائل، وإن الأمواج تعصف بها من كل جانب، وما لم تعملوا
شيئاً لحماية هذه الجزيرة، فإنها ستصبح يوماً ما جزءاً من هذا المحيط الزاخر) .
إن نفس الشيء يمكن أن يقال عن المسلمين في الغرب. إنهم أقلية صغيرة في
بيئة غير مألوفة، وما لم يبادروا إلى المحافظة على قيمهم، فإنهم سيكونون هم
الخاسرين.
إن الصعاب التي يواجهونها الآن ليس مستحيلاً التغلب عليها، ولكنها تحتاج
إلى اهتمام وعناية بالغتين.
فالمشكلة تكمن في عدم الخبرة في فن إبراز الإسلام أو تمثيله التمثيل الصحيح، وأن الكثير من ذلك يعتمد على طريقتنا في تعليم أولادنا الطرق المثلى للقيم
والعادات والتقاليد، فالكثير منا يحاول فرض ذلك بالقوة وهذه طريقة غير مأمونة
العواقب بل لا بد من استعمال الحكمة.
إن طريقة الدعوة للإسلام في البلاد العربية مثلاً، تختلف في بعض جوانبها
عنها في إنكلترا، وإن طريقة الدعوة في إنكلترا، تختلف عنها في أفريقيا.. [ادْعُ
إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ] .
إننا إذا أردنا أن نعرّف أحدهم بالإسلام، فالحكمة هي الوسيلة لذلك. إن كلمة
الحكيم في اللغة العربية والتركية والفارسية والأردية، وبعض اللغات الأخرى،
تعني الطبيب. والطبيب الحاذق هو الذي يشخص الداء، ويعطي الدواء المناسب
لكل علة، ولو أنه أعطى لكل المرضى نفس الدواء، لشفي البعض، وبقي البعض
الآخر عليلاً، وربما مات بسبب الدواء. عندما يدعونا القرآن الكريم إلى استعمال
الحكمة في الدعوة إلى الله، فإن هذا يعني التمييز في وسائل الدعوة، حسب
الظروف والأحوال والأمكنة والأشخاص.
علينا أن نحلل الأشخاص أمامنا ثم بعدها نقرر طريقة الدعوة لكل واحد بما
يلائمه.
في البلاد الإسلامية، يقوم الخطيب أو الداعية، أحياناً، وبنية حسنة طبعاً،
بتقريع الناس، والنحو باللائمة عليهم، ولكنهم يتقبلون ذلك بصدر رحب وهم
مدركون أن هذا الانتفاد أو التقريع، إنما جاء لحرص الخطيب أو الداعية على
هداية الناس - إلى الطريق الأصوب، أما إذا ما استعملت الطريقة ذاتها في الغرب، فإن الداعية سوف يسمع كلمات تدل على أنه تعدى حدوده وأثار مشاعر الآخرين،
وحتى من أولئك الشباب اليافع الذي يرى أنه يعيش في مجتمع حر، وأن هذا
الخطيب أو الداعية قد جرح شعوره، وأثار حفيظته. من هنا تأتي ضرورة التفريق
بين هذا وذاك في انتهاج أسلوب الدعوة، لأن الناس ليسوا على نفس الشاكلة.
إن الداعية في الغرب، يواجه مهمة صعبة للغاية، أما في البلدان الإسلامية،
فإن الناس، على الأغلب، مشتركون في الانضباط الإسلامي والقيم الخلقية، وعلى
مستوى معين. وبعكس أولئك الذين يعيشون في الغرب، وفي إنكلترا بالذات، فإن
الداعية يتعامل مع خلفيات متشعبة جداً من حيث العادات والتقاليد والأعراف
واللغات والاتجاهات المذهبية والعرقية. إن كل هذه الاختلافات يجب أن توضع في
الحسبان وتحلل وتهضم ثم توجه الدعوة، وبوجود مثل هذه القاعدة العريضة
والمتشعبة، فإن الهداية إلى طريق الله تعالى، تأتي بعد ذلك من الله وحده، لمن
أراد هدايته.
إن على الآباء والأمهات في الغرب أن يكونوا حذرين في كيفية توجيه النصح
والتعامل مع أبنائهم إذ من الممكن أن يفقدوهم، حيث أن النظام الاجتماعي يسمح
لهم بالتمرد والعيش بمعزل عن الأهل حيث يتم إيواؤهم من قبل واجهات النظام
الاجتماعي، فيعيشون بعيدين عن جو العائلة الإسلامي، وتكمن الخطورة في
اندماجهم برفقاء السوء، وانصهارهم في محيط المجتمع الزاخر.
إن الإسلام كذلك يضمن للأبناء أن يحيوا حياة تحقق لهم العيش بكرامة وحرية، ضمن الأطر الإسلامية، داخل البيت وخارجه.
عندما يعطي القرآن الكريم ثلاثة طرق للدعوة وهي: استعمال الحكمة أولاً،
ثم الموعظة الحسنة، ثم المجادلة بالتي هي أحسن، فإننا على الأغلب نجادل أكثر
بكثير مما يجب، ونحاول التركيز في جدالنا على الاختلافات الطفيفة في المسائل
الفقهية، بينما الواقع يقول بأن هذه الاختلافات، لا تحمل تناقضات في الدين. إن
الجدال بشكل عام، لا يخلق إلا الفتنة والنزاع، ويضيع كثيراً من الجهود المخلصة
والهادفة، وكثيراً من العمل البناء الدؤوب، وإننا لنشهد الكثير من هذه الممارسات
الخاطئة يومياً.
إن البعض يتعامل في أمور الربا ويصرف الأموال الطائلة على أشياء كمالية، ولا يؤدي الفرائض المطلوبة كالزكاة، والحج، ولكنه يناقش إن كان اللحم الذي
يأكله قد ذبح على الطريقتة الإسلامية أم لا، إن مثل هذه التصرفات تقوى مزيفة،
ينعكس خطرها على الأجيال التي نقوم بتربيتها.
إن أكبر همنا أن لا يتزوج أولادنا من غير المسلمين، محاولين ضمان
مستقبلهم بإرسالهم عند نهاية عطلة الأسبوع، إلى المدارس الخاصة لتعليم العربية
أو الأوردية وتحفيظهم القرآن الكريم وتعريفهم بأمور دينهم، ثم نسرع الخطى بعدها
إلى الانغماس في الدنيا، ولا نطبق الإسلام على أنفسنا، سواء داخل البيت أم
خارجه. إن الأطفال لا يمكنهم تعلم الكثير بهذا الأسلوب بقدر ما يعلمهم التقليد
اليومي في البيت وأهلهم هم الأولى أن يعكسوا التصرف الإسلامي اليومي.
إن علينا إذا أردنا أن يكون أولادنا مسلمين بحق - أن نكون مسلمين بحق.
إذا كان لديك طفل يبلغ سنتين من العمر ورآك تصلي، صلى معك بتلقائية
وعفوية، وسوف يأتي بعدها الفهم التدريجي. إن التقليد دائماً يولد الفهم ... هذه
هي الطريقة المثلى، والتي تبدأ من أشياء صغيرة، قد نحقرها، إلا أنها الأساس
الذي تبنى الأجيال الإسلامية عليه.
إننا نحاول أحياناً أن نحمل الأطفال ما لا يطيقونه.. يجب أن نعلمهم القراءة
والكتابة بأناة وحكمة، ولو حاول الآباء صرف بعض الوقت، وباستمرارية وصبر، لآتت الثمار أكلها ومن ثم يأتي التعليم الأكثر عمقاً.
стр. 1029
كيف تبني نفسك تربوياً ؟
عبد الله بن مبارك آل السيف
أهمية الموضوع:
مر المسلمون في الفترة السابقة بمرحلة كانت الحاجة فيها إلى الدعوة والتربية
أكبر من تحصيل المادة أسوة بالمرحلة المكية التي ركز الرسول -صلى الله عليه
وسلم- جهده فيها على توسيع رقعة الدعوة وتربية الأفراد مع قلة التكاليف والأحكام
الشرعية، ولهذا كان بعض المربين قد أهمل نفسه في الجانب العلمي.
وبعد أن توسعت رقعة الدعوة وكثر سواد المهتمين بالإسلام وكسبت الدعوة
رصيداً كبيراً في الشارع الإسلامي وهي المرحلة التي يمكن أن تشبه بالمرحلة
المدنية - في بعض الجوانب - في هذه الرحلة ظهرت الحاجة إلى البناء التربوي
الجماعي - لا الخاص.
إن الحاجة إلى العلم الشرعي في بناء العمل الإسلامي تنبع من ضرورة السير
على منهج الكتاب والسنة، كما تنبع من تعطش الشباب المسلم إلى العلم الشرعي
الصحيح وتقويم مسيرتهم على أساسه ووزن الناس بميزان الشرع.
ولذا فإن الدعاة الأكثر تأثيراً في الجيل القادم هم أكثر الناس حصيلة شرعية
وتربوية، فلا يغني أحد الجانبين عن الآخر، ولذا كان هذا الموضوع في أساليب
البناء التربوي والعلمي.
الجانب التربوي:
هناك عدة أساليب لبناء شخصية الداعية التربوية وتنمية قدراته الدعوية
وزيادة خبراته وتجاربه منها:
١ - قراءة كتب التفسير وخاصة في مجال دعوات الأنبياء وصبرهم وتحملهم
وأساليبهم في الدعوة وتربية أتباعهم من المؤمنين، ودراسة أحوال الكافرين ومعرفة
صفاتهم وطبائعهم وعاداتهم في التعامل مع الدعوات الصادقة من خلال القرآن
وتفسيره.
٢ - قراءة سيرة النبي ﷺ والاسترشاد بحرصه على
تبليغ الدعوة ودراسة أساليبه في البلاغ وطريقته في تربية الأتباع واستغلاله لكل
المناسبات في التربية والدعوة من خلال القرآن والسنة.
٣- قراءة سيرة السلف الصالح في تربية النفوس وكيفية تزكيتها وحملها على
الخير والطاعة والمصابرة في ذلك، وطريقة الصحابة في تبليغ الإسلام إلى
الأمصار المفتوحة وكيف استطاعوا تربية الآلاف المؤلفة من الداخلين في الإسلام
بالقدوة الحسنة وكيف نقلوهم إلى هذه المرحلة الإيمانية العالية.
٤ - قراءة كتب الدعوة التي تعنى بالأساليب وتحديد الأهداف وبلورة المنهج
الدعوي وخاصة من الموثوقين أهل السنة والجماعة أصحاب المنهج السليم. كما أنه
يمكن الاستفادة من منهاج غيرهم - بحذر - في القضايا المشتركة التي أبدعوا فيها.
٥ - العمل في مجالات الدعوة العامة الخاصة له أثر كبير في بناء شخصية
الداعية، وكلما كانت دعوته أوسع كلما كانت شخصيته أقوى تربوياً، وبذلك تزيد
خبرته الدعوية، وكم من الناس قليل القراءة في مجال الدعوة والتربية ولكنه يثير
إعجابك به في هذا المجال وتتملكك الدهشة منه، والسر في ذلك كما قلت الحركة
المباشرة وكما يقال: (حَرِّكْ تَرَ) .
٦ - قراءة كتب الرقائق والوعظ وتهذيب السلوك والتذكير بالله والتخويف من
عذابه والتي تحث على مراقبته وخشيته ورجائه والاعتماد والتوكل عليه والإخلاص
له والتجرد في القول والعمل والاعتقاد له.
الجانب العلمي:
ويشمل تحصيل العلم الشرعي وبناء الحصيلة الثقافية العامة ومعرفة الواقع.
وهنا أمور ننبه إليها قبل ذكر أساليب القراءة منها:
* الفنون الصعبة تقرأ في أوقات الصفاء الذهني، والكتب السهلة تقرأ في
الأوقات الأخرى.
* لا تقف عند المسائل الصعبة إذا تعسرت - خلال القراءة - حتى لا تضجر
من القراءة، واعرضها على شيخ فيما بعد أو ابحثها.
أساليب القراءة:
١ - قراءة كتب معينة في العلم على الشيخ أو شرح الشيخ لها.
٢ - قراءة الكتاب كله مع الإشارة إلى ما يشكل ثم عرضه على شيخ بعد
الانتهاء.
٣ - طريقة بحث المسائل من أول باب في الفقه إلى آخره مع معرفة الراجح.
٤ - طريقة قراءة متن في العلم ثم قراءة شرحه والتوسع في الفن.
٥ - طريقة قراءة كتاب الطهارة من الفقه مثلاً ثم قراءة كتاب الطهارة من
الحديث ثم من القواعد الفقهية - عند من يرتبها على الأبواب الفقهية - ثم من
تخريج الفروع على الأصول وهكذا بالربط بين العلوم.
٦ - طريقة تلخيص ما قرأه في يومه ثم قراءة الملخص في الليل ومحاولة
حفظه ومراجعته في الصباح.
٧ - طريقة القراءة مع استنباط الفوائد وترتيبها وكتابتها في أوراق خاصة
لتكوين مشاريع تأليف طويلة المدى، أو بتعليق النكات العلمية المهمة في غلاف
الكتاب أو نقلها إلى حواشي كتب أخرى تناسبها.
٨ - طريقة القراءة مع الآخرين مع الحوار والنقاش.
٩ - طريقة تلخيص الكتاب كله ثم قراءة التلخيص عدة مرات.
١٠ - طريقة قراءة الكتاب كله مرة واحدة وعدم تجزئته أو الانشغال بغيره.
١١ - طريقة استصحاب الكتب الصغيرة الجيدة في كل مكان وزمان وقراءتها
للحفاظ على الوقت - خاصة مع سهولة حملها.
١٢ - طريقة ترتيب العلوم بحسب السنوات، فمثلاً: السنة الأولى للعقيدة
والسنة، التي بعدها للفقه، ثم التي بعدها للحديث، أو يجمع في السنة الواحدة بين
علمين مترابطين فأكثر، ثم ينتقل إلى علوم غيرها وهكذا.
стр. 1030
الورقة الأخيرة
قصة وعبرة
محمد الحسيني
في معهد تدريس اللغة الإنكليزية وفي مادة تقدم لتطوير القدرة على الكلام
تحلق الطلاب الأجانب من عرب وآسيويين ومن جنوب أمريكا حول المدرس الذي
بدأ حديثه بإعطاء وصف لطريقة تقديم الكلمة أو الخطبة، وضرورة البداية بكلمة
جامعة تلمح إلى الموضوع، ثم الدخول في تحديد واضح له ثم إعطاء فكرة عن
موقف المتكلم من القضية التي يريد نقاشها، ثم عناصر الموضوع وسرد الأفكار
وأدلتها. وكان موضوع الحديث: الكلام عن الخمر وأضرارها الشاملة للفرد
والمجتمع، ومع المدرس الكتاب المنهجي الذي يساعد على طريقة التدريس، وفيه
مثال كامل للكلمة المطلوبة، وفيه أدلة إقناع بأخطار الخمر حيث تسبب موت مئات
الآلاف من الناس، وتكاد تكون السبب الأول للموت في أمريكا من حيث الأسباب
المباشرة لحوادث السيارات أو الموت البطيء؛ لما تسببه من أمراض عصية تُميت
ببطء. وبدأ المدرس درسه أو كلمته في الموضوع وبحماسة ظاهرة لأخطار هذا
المرض، واتبع الأسلوب المطلوب في العرض وكان مقتنعاً بما يقول.
ثم أمر الطالب الأول بالحديث عن الخمر حيث تحدث طالب مسلم مؤكداً فكرة
المدرس وأن الخمر مفسدة للحياة مدمرة للخلق ولم يزد عما قاله المدرس لضعفه في
التعبير عن رأيه ولأنه مبتدئ في تعلمه الإنكليزية. ثم تحدث بعده طالب مسلم آخر
وقرر ما سبق أن قرره الأستاذ والطالب الأول، وكان هدفه مجرد الكلام ليتمرن
على الإنكليزية لا للإقناع..
وفجأة وقبل انتهائه من حديثه انفجر المدرس غضباً واحمر وجهه بما يشير
إلى سخط عظيم وقال: إنكم تتحدثون عن الخمر وفساده بعاطفة دينية ولا تناقشون
القضية بأسلوب علمي، إن الدافع الديني يحرككم لهذا الموقف الغريب الخاطئ تجاه
الخمر وشربها وموقفكم من الخمر خطأ فادح حيث الخمر مفيدة للصحة، وطبيبي
الخاص ينصحني بأن أشرب كأساً من الخمر على كل عشاء! فما كان من الطلاب
إلا أن التقت أبصارهم يتبادلون ألحاظ السخرية والاحتقار لهذا المدرس الغبي الحاقد
الذي كذّب العلم والعقل والكتاب الذي يقرؤونه، وكذب نفسه أخيراً في حديثه
الافتتاحي عن مصائب الخمر، وكذب تاريخ أمريكا وتاريخ البشرية كله بما سجل
عن هذا الشر العريق. والسبب الذي دفعه إلى هذا أن الطالبين كانا مسلمين يبدو
عليهما التدين الذي يدرك المدرس علائمه من سلوكهما المترفع من بين طلاب
المعهد، ويدرك أنهما يكرهان الخمر ويحتقران أهلها لأن الله حرمها. وأما العلم
والعقل فقد حرمها وحرمتها أمريكا سنة ١٩٣٠ فلم تستطع التنفيذ وتحولت البيوت
إلى مصانع للخمور وكثر القتلى والمسجونون والمطاردون بسببها.
لقد كان المدرس يريد من الجميع التأكيد على نقد الخمر ونقد السكارى، ولكن
حين أحس بالنقد الآتي من الدافع الديني فقد عقله وتحول إلى شخص متناقض من
شدة كراهيته للإسلام.
ليس الغريب أن يقف هؤلاء هذا الموقف مما يخالف آراءهم ويثير تعصبهم؛
ولكن الغريب أن يتأثر بهذه الروح كثير من المسلمين الذين يقبلون النقد من جميع
الجهات غير المسلمة ولا يقبلونه من إخوانهم في العقيدة، فتجد حرباً شعواء تعلن
على من يلفت نظرهم إلى أخطائهم وعيوبهم من المسلمين الذين يستشهدون بـ
(قال الله، وقال رسوله) .
стр. 1031
رجب - ١٤١٢هـ
يناير - ١٩٩٢م
(السنة: ٦)
стр. 1032
الافتتاحية
رهائنهم ورهائننا
ماذا يعنينا من موضوع الرهائن الذين يطلق سراحهم في بيروت، واحداً بعد
الآخر، وهل لنا في قضيتهم قول ما دمنا لم يكن لنا قول في ارتهانهم، ولا شأن في
إطلاقهم؟ !
نعم، إن لنا لشأناً في ذلك من جهة أن المنطقة التي جرت فيها فصول هذه
المسرحية هي بلادنا - بلاد المسلمين - بل ولأن هذه المسرحية قد تمت في جانب
منها باسم الإسلام. ثم لأن هذه القضية لها تعلُّق شديد في مظهرها وما تشير إليه:
بقضية الحرية حرية المسلم في بلده وأرضه التي ورثها عن آبائه وأجداده الذين
رووها بدمائهم وعرقهم، قضية الحرية التي تشغلنا ليل نهار، سراً وجهراً، ويجب
أن تشغل كل مسلم، وتصرفه عن كل شيء، إذ كل شيء يقصر عن مكانة الحرية، وكل ما يسعى له البعض لا قيمة له ولا ثمرة إذا كانت الحرية غائبة أو مفتقدة.
لقد راقبنا بداية ونهاية هذه المسرحية، من مكان يؤهلنا لتقويمها والحكم عليها
أكثر من غيرنا، فلسنا نحكم عليها حكماً منغلقاً ينتمي إلى أحد طرفيها، وحكمنا
عليها ليس أسيراً لمقتضيات المكان الذي جرت عليه - إذ نحن لا نعيش فيه - ولا
المكان الذي نعيش فيه - إذ نحن لا ننتمي إليه، ولا هو يقبل انتماءنا إليه - فنحن
ضحية المكانين والعقليتين اللتين تصرِّفان الأمور فيهما. وكل ما يُرتكب على
الأرض الإسلامية مما يسبِّب أدنى ألم لغير المسلمين يحمّل الإعلام الغربي وزْره
المسلمين جميعاً - اشتركوا فيه أو لم يشتركوا، رضوا به أو كرهوا، أو أُكرهوا
عليه، علموا به أو لم يعلموا. وكل ما يحمد من الأقوال والأفعال - من وجهة نظر
هذا الإعلام الذي يسميه الناس - خطأً - حراً يُبْحَث من مصادر له غير إسلامية،
أو يختلق له ذلك اختلاقاً، وإلا تُجُوهِل وأُخفي:
إن يسمعوا ريبةً طاروا بها فرحاً ... مني وما سمعوا من صالح دفنوا
صُمٌّ إذا سمعوا خيراً ذُكرت به ... وإن ذكرت بسوء عندهم أَذِنوا [١]
لم تحقق هذه المسرحية شيئاً يُذكر لمن نفذوها - اعتراف من لهم صلة بهم
على الأقل - ولسنا ندري: ماذا كان يرجو هؤلاء من ورائها؟
لكن، نعم، لقد حققت هذه المسرحية الكثير. فقد استفادت بعض الأطراف
المشاركة منها مادياً ومعنوياً، وأعادتها إلى (سوق البيع والشراء العالمي) بعد
عزلة، وجرت صفقات هنا وهناك لا يعلمها إلا الله ثم الراسخون في العلم! وحققت
شيئاً ثميناً للممثلين المشاركين فيها، فقد زاد سعار الإعلام الغربي تحامله وهجومه
على (السلوك المسلم) واتخذ منها مادة يبدئ في الحديث عنها ويعيد كلما أعوزه
موضوع. يبقي الصراع بين الإسلام من جهة والعالم المتحضر! ! من جهة أخرى
حياً في الذاكرة، وجرحاً نزَّازاً يذكّر رجل الشارع غير المسلم بوحشية المسلمين،
وأنهم لا عهد لهم ولا ذمة، ولا سبيل إلى إصلاحهم إلا بإبادتهم - أو على الأقل -
بإبقائهم عبيد العصا [٢] .
إن المراقب لهذه القضية يعجب لبعد المسافة التي تفصل بين المسلم العادي
وبين أبسط حقوقه بالمقارنة مع الفرد في هذه البلاد الغربية، ويطرح الإنسان
العادي أسئلة بسيطة على نفسه من مثل:
* ما الذي جعل هذه القيمة الكبيرة لإنسانهم، وهذه القيمة المهينة لإنساننا؟
آلدين؟ أم اختلاف الطبيعة؟ أم الجغرافيا والمناخ؟ .
* كيف الخروج مما نحن فيه من مهانة وضياع، وتحويل هذا الكثير من
الكلام إلى قليل من الفعل المثمر؟
* كيف السبيل إلى جعْل خطوات المسلمين في أوطانهم متوافقة مع ما يريده
حكامهم، ورغبات حكامهم مساندة لآمالهم وتطلعاتهم؟
وأسئلة كثيرة تتدافع كلما طرق سمع المرء شيء له صلة بمشكلة الرهائن،
وما أكثره!
لقد أقضّت هذه الأسئلة وأمثالها مضاجع الكثيرين ممن يهمهم أمر المسلمين منذ
احتكاكهم بالغرب ومحاولتهم كشف الأسرار الكامنة وراء هذه المفارقات، ولا نظن
أننا سنأتي بجديد إذا قلنا: إن حياة هذا الغربي قد توحدت بجملة قضايا وأهداف
يمثلها له وطنه. وانسجمت خُطاه مع خطا النظام - ولا أقول: الجماعة - الذي
يسيّر أمور هذا الوطن، لذلك تجد هذا الوطن يتجاوب معه إذا حصل له مكروه
خارج بلاده مهما كان عليه سلوكه وشخصيته، قد يكون لصاً محترفاً أو مخادعاً
كبيراً، أو تاجراً، أو مغامراً غريب الأطوار، أو أفاقاً وضيعاً لا قيمة اجتماعية له، أو جاسوساً ... ولكنه عندما يصيبه مكروه أو تتعرقل له مشاريع تجد الذين يهبّون
لنجدته من بلاده كثيرين، والذين يغضون الطرف عن حماقاته وسيئاته أكثر، فإن
انقطعت به السبل - حيث لا يستطيع أن يظفر بواحد من بني جلدته - فإن سفارات
الدول الصديقة - ولا نقول: الشقيقة، فهذه خاصة بالبلاد العربية! - مفتحة
الأبواب أمامه، يقابل من شاء فيها، ويتكلم بما يشاء دون خوف أو تردد، لا تلفظه
الأعتاب، ولا تحمرّ في مواجهته الحَدَق. وهبْه جرّب قسوة أو تعرض لإهانة في
نفسه وجسمه، فما هي إلا فترة وتمر، طالت أم قصرت، فالدولة وراءه، وكذلك
الجمعيات الخيرية، بل وجمعيات تنشأ خصيصاً له، تذكر الناس صباح مساء أن لا
ينسوا اسمه، بالصحف والأغاني وبطاقات العيد، والإعلانات والحفلات،
والصلوات في الكنائس، حتى (ينطبل) [٣] العالم بقصته، فيُفرج عنه، ويخرج
معززاً مكرماً محاطاً بالحراسة كأنه جوهرة فريدة أو درة يتيمة يخشى عليها من
الضياع ويخاف عليها من نسمات الهواء، يتزاحم المراسلون وآلات التصوير عليه، والسعيد منهم من يظفر منه بجملة أو بسمة يلتقطها ليسجل بها سبقاً صحفياً يشتهر
به ويكتسب منه ترقية ... أما في بلادنا فينال هذا الرهينة الأجنبي مكانة هي فوق
البشر وتحت (الفرعون) وما ينتظره في بلاده من تدليل واهتمام شيء يعز على
الوصف، وهكذا تتحول تجربته القاسية إلى مغامرة ممتعة، يتذكر فصولها
وتفاصيلها بشيء من الزهو والاعتزاز، ويكتب عنها كتاباً يدخل فيه التاريخ من
أوسع أبوابه، وتتزاحم دور النشر على الدفع له ما يريد حتى يأذن لها بنشره.
هذه حال رهائنهم، يسخَّر لهم كل شيء من أجل أن يظل العالم يتذكرهم،
ويحولهم الإعلام إلى مشكلة عالمية، لا مشكلة بين إرهابيين وجهة رسمية فقط،
يقف العالم كله على قرنه حتى تحل هذه المشكلة..
فماذا عسانا نقول لو أردنا أن نصف حال رهائننا القابعين في ألف سجن
وسجن، وألف دهليز ودهليز، هل يذكرهم أحد، وهل يجرؤ على التفكير بهم ذو
عقل؟ كم عددهم يا ترى؟ هل جرب مرة أحد أن يحصيهم؟ منظمة العفو الدولية؟
منظمات محلية مثلاً؟ ولو نوت ذلك؛ هل تستطيع؟ !
لنأخذ واحداً من هؤلاء الرهائن الأغفال المنسيين، هل نسميه؟ لا نقدر! ؛
لئلا يساق أهله أو من يحفظ اسمه -مجرد حفظ- إلى السجن ويلقوا المصير نفسه،
أو عندها نكون حمقى لأننا عالجنا المنكر الصغير بمنكر أكبر!
لا تسلْ عن جناية هذا الرهينة، ولا كيف حُقق معه؟ كيف حوكم؟ وأين؟
ومتى؟ وما الحكم؟ أستغفر الله لقد نسينا أنه رهينة! هل هناك (عنترة) أو (زير)
في طول العالم العربي وعرضه يفتخر ويجاهر بأن له قريباً يقبع في السجون ...
لرأي رآه؟ ! ، إن الرهينة في عالمنا المنكوب تتعداه النكبة إلى أقربائه من الدرجة
الأولى والثانية والثالثة؛ فيصبحون مشبوهين ولو تنصلوا من فَعلته بشتى الأساليب، ولو تنكروا له بالسب والقذف والتضييق والوشاية لتبييض صفحاتهم. لو خلّف
هذا الرهينة أطفالاً وزوجة أو أبوين كبيرين لا عائل لهما غيره، ومر بهؤلاء مَن
توجع لحالهم وحرّكته النخوة القومية (لا الإسلام!) للتفكير في إغاثتهم لا لأنهم بشر؛ بل لأنهم من ذوات الأكباد الرطبة..! هل تراه يسترسل في هذه التداعيات إلى
نهايتها؟ ! أي إلى مد يد العون لهم؟ لا شك أنه سيقطع هذا الاسترسال فور أن
ينتبه إلى حقيقة أنهم معتقلون بتهمة الرجعية أو التعصب، وهل في قوانين العرب
ما أصبح أكبر من هذه الخيانة؟ ! فيخاطب نفسه: (ابتعد عن الشر) تالياً قوله -
تعالى -: [لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إلاَّ وسْعَهَا] [البقرة: ٢٨٦] .
في بلادنا لا يفكر ذوو الرهينة أن يسألوا عنه مجرد سؤال: أحي هو أو ميت؟ أيبقى سنة أم عشرين؟ بل لا يحب هؤلاء أن يدري أحد بمشكلتهم، ولو أن
(مغفلاً) لا يقدر العواقب ذكر اسم صاحبهم لرمقته العيون برعب أن: اسكت ويلك!
وأردفت الألسنة بالتقريع واللوم لصاحب الاسم المذكور والتبرؤ منه لأنه جلب لهم
الشقاء والبؤس.
في بلادنا يخرج الرهينة - إن خرج - يتوارى من الناس، ولا يحب أحداً أن
يراه. هذا إن كان سوياً لم يُصَبْ بعاهة جسمية أو نفسية، أو بهما كليهما! يشك
في نفسه وفي أهله وفي أصدقائه، في كل مَن حوله، كم في بلادنا من مشوَّهي
النفوس؟ قد يقرأ كلامي هذا مَن يراه متشائماً يعكس حالة خاصة لفرد أو أفراد
قلائل، بينما الكثرة تعيش في بحبوحة، وتتقلب في أعطاف السعادة، وأقول: نعم، هناك آلاف تُنفق، وضحكات تعلو، ولكن الأكيد أن هؤلاء الضاحكين ضائعون
عن أنفسهم من كثرة معاناتهم من الازدواجية في حياتهم، ومن شدة وطأة (الباطنية)
التي طبعت كل شيء بطابعها؛ الناس والمجتمعات والماضي والحاضر والمستقبل.
ليس الرهائن الذين لا يُدرى عددهم في بلادنا هم الذين يهددون مجتمعاتنا
بجعل التشويه النفسي ظاهرة يصعب علاجها؛ بل إن المجتمع كله يعيش هذه الحالة: الطليق والأسير.
إن مشكلة (رهائننا) ليست مقصورة عليهم وحدهم ولا يعانون هم وحدهم من
نتائجها بل هي مشكلة مجتمع عريض بأسره يراد له أن يتفتت ويتحلل ويندثر.
إن مفهوم الوطنية طارئ علينا - نحن المسلمين - ويطلب منا أن ندين لهذا
المفهوم بالولاء، ونفرغ قلوبنا من أي ولاء يزاحمه. ولكن هل تراكمت تجارب
قرن من الزمان ضماناً للمسلم كي يعيش حراً آمناً في سربه؟ لقد قاسى آباؤنا المر
بحجة تأجيل حل المشاكل حتى يخرج الاستعمار الغاصب، وتجرعوا وتجرعنا
معهم العلقم على مدى جيل كامل بحجة الإعداد لمعركة تحرير فلسطين وطرد
الصهيونية، وانتهينا إلى هذه النهاية المحزنة.
هل سيمكن زرع الولاء في القلوب بالعصا، وكيف يبني العبيد أوطاناً؟ لا
وطن بدون حرية، وما أرخص الأرض التي يهان فيها المرء، ولا يجد فيها الأمن
والاستقرار.
стр. 1033
آية من كتاب الله
[مَن ذَا الَذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً
واللَّهُ يَقْبِضُ ويَبْصُطُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ] [*]
والتعبير عن الإنفاق - الذي يُشعر بحاجة المستقرض إلى المقرِض عادة -
جدير بان يملك قلب المؤمن، ويحيط بمشاعره، ويستغرق وجدانه؛ حتى يسهل
عليه الخروج من كل ما يملك ابتغاء مرضاة الله وحياءً منه، فكيف وقد وعد برده
مضاعفاً أضعافاً كثيرة ووعده الحق؟ هذا التعبير بمثابة الهز والزلزال لقلوب
المؤمنين، فقلب لا يلين له ويندفع به إلى البذل قلب لم يمسه الإيمان. ولم تصبه
نفحة من نفحات الرحمن. قلب حاوٍ من الخير، فائض بالخبث والشر، أي لطف
من عظيم يداني هذا اللطف من الله - تعالى - بعباده؟ جبار السماوات والأرض
رب كل شيء ومليكه، الغني عن العالمين، الفعال لما يريد، المقلب لقلوب العبيد، يرشد عباده الذين أنعم عليهم بفضل من المال واختصهم بشيء من النعمة - إلى
مواساة إخوانهم بما فيه سعادة لهم أنفسهم ولمن يعيش معهم، ويهديهم إلى بذل شيء
من فضول أموالهم في المصالح العامة التي فيها صلاح حالهم، وحفظ شرفهم
واستقلالهم، فيبرز هذا الهدي والإرشاد في صورة الاستفهام، دون صيغة الأمر
والإلزام، ويسمي نفسه مقترضاً ليشعر قلب الغني بمعنى الحاجة التي ربما تصيبه
يوماً من الأيام، ثم هو يعده بمضاعفة ذلك العطاء، أيكون هذا اللطف كله منه بعبده
الذي غمره بنعمته، وفضَّله على كثير من خلقه، ثم يجمد قلب هذا العبد وتنقبض
يده، لا يستحي من ربه، ولا يثق بوعده، ويقال مع هذا إنه مؤمن به، وبأن ما
أصابه من الخير فهو من عنده؟ ! كلا، مثّل في نفسك ملكاً من ملوك الدنيا يريد أن
يجمع إعانة للفقراء أو لمصلحة من مصالح الدولة، وقد خاطبك بمثل هذا الخطاب،
في التلطف والاستعطاف، ومثل في خيالك موقع قوله من قلبك وأثر كلامه في يديك.
أما كون القرض حسناً فالمراد به ما حل محله ووافق المصلحة، لا ما وضع
موضع الفخفخة وقصد به الرياء والسمعة. ومن الناس من ينفق في الصالح بنية
حسنة ولكن بغير بصيرة تريه مواطن المنفعة بنفقته، فيبني مسجداً حيث تكثر
المساجد فيكون سبباً في زيادة تفرق الجماعة وذلك مخالف لحكمة الشرع، أو يبني
مدرسة ولا يحسن اختيار المعلمين لها، أو يفرض لها من النفقة ما لا يكفي لدوامها
فيسرع إليها الخراب، أو يضع فيها معلمين فاسدي الاعتقاد أو الآداب، فيفسدون
ولا يصلحون، فمثل هذا لا يقال له قرض حسن، وإنما يكون الإنفاق قرضاً حسناً
مستحقاً للمضاعفة الكثيرة، إذا وضع موضعه مع البصيرة وحسن النية، ليكون
على الوجه المشروع من إقامة الدين، وحفظ مصالح المسلمين، أو منفعة جميع
الأنام، من الطريق الذي شرعه الإسلام.
تفسير المنار ٢/٤٦٦
стр. 1034
من صفات الطائفة الناجية
في الكتاب والسنة
د. سليمان العايد
خلق الله البشرية أول خلقها مؤمنة بربها، موحدة له. قال الله - تعالى -:
[كَانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنذِرِينَ وأَنزَلَ مَعَهُمُ
الكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ومَا اخْتَلَفَ فِيهِ إلاَّ الَذِينَ أُوتُوهُ مِنْ
بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ البَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ
بِإذْنِهِ واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ] [البقرة: ٢١٣] .
وقال الله في الحديث القدسي: «إني خلقت عبادي حنفاء كلهم،
فاجتالتهم الشياطين عن دينهم» رواه مسلم.
وآمن مع كل رسول أفضل أهل عصره، وخير أتباعه، وحملوا هذا الدين
ليبلغوه، وبذلوا ما استطاعوا لنصرته وتأييده. ثم حدث لكل أمة انحراف وضلال
عن نهج رسولهم. فاختلف الأتباع، وتعددت مذاهبهم. وزاغ أكثرهم عن طريق
الحق طريق الأنبياء والرسل. وكان من الصعب إعادة تلك الأمم وجمع تلك
الطوائف على كلمة الحق الواحدة، للتحريف الذي وقع في كتبهم، والتغيير الذي
أُحدث في أديانهم، فلم يبقَ لديهم أصل سالم من العبث يرجعون إليه، ولا قانون
محكم يتحاكمون إليه، فاتسعت الهوة، وعظمت الشقة، فلم يزدادوا إلا انحرافاً،
وأنَّى لمن فقد الأصل الصحيح أن يعود إلى الحق؟ !
وقد أخبر رسول الله ﷺ عن افتراق هذه الأمة، فقال:
«افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة» رواه الحاكم عن أبي هريرة، وصححه وقال رسول الله ﷺ : «ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة، وهي
الجماعة» أخرجه أبو داود والدارمي وأحمد والحاكم، وجاء في بعض طرق الحديث، عن عبد الله بن عمرو: «إن بني إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلها في النار إلا واحدة، فقيل له ما الواحدة؟ قال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي» .
فالصفة الجامعة لأوصاف هذه الطائفة أن يكونوا مثل الصحابة، أن يكونوا
على ما كانوا عليه من الاعتقاد والعمل، والأخلاق، وغير ذلك من صفاتهم..
وهذه هي الجماعة المنصورة التي أخبر عنها رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - بقوله: «لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم،
ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله، وهم ظاهرون على الناس» . رواه الشيخان
وأحمد وقوله: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم
حتى يأتي أمر الله، وهم كذلك» . رواه مسلم والترمذي وابن ماجه عن ثوبان.
وهذه الطائفة لها أوصاف وسمات، تنزَّل بها الكتاب، ونطقت بها السنة،
وأُسُّ هذه السمات، وركن هذه الصفات هو الاعتقاد الصحيح في الله، وما يجب له
وأسمائه وصفاته، وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان بملائكته، وكتبه، ورسله
واليوم الآخر، وما أعده لعباده المؤمنين من نعيم، وما توعد به الكافرين من عذاب
مقيم، والإيمان بما قضى الله وقدر، من خير أو شر، حلوه ومره من الله وحده
[إنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ] [القمر: ٤٩] .
وقال رسول الله ﷺ : «.. واعلم أن الأمة لو اجتمعوا
على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك. رفعت الأقلام،
وجفت الصحف» رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح وعند غيره:
«واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك» وهذه هي أولى صفات الأبرار؛ قال -تعالى-: [لَيْسَ البِرَّ أَن تُوَلُّوا وجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ والْمَغْرِبِ ولَكِنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ والْمَلائِكَةِ والْكِتَابِ والنَّبِيِّينَ] [البقرة: ١٧٧] .
وهذه الصفة لا تتحقق إلا بسلوك منهج الصحابة في الإيمان: إيمان بلا شك،
وقبول بلا تردد، وتسليم بلا كراهة، وإذعان للأمر، واجتناب للنهي.
هذه هي الصفة التي إذا استقامت وصحت استقامت بقية الصفات، وباقي
السمات والأوصاف فروع منها، ومبنية عليها.
والكتاب والسنة قد بينا صفات هذه الطائفة، وأوضحا سماتها في مواضع
كثيرة، منها قوله - تعالى -: [والْمُؤْمِنُونَ والْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ
يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ويُطِيعُونَ اللَّهَ
ورَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] [التوبة: ٧١] .
وقال الأوزاعي: (خمس كان عليها أصحاب النبي ﷺ : لزوم الجماعة، واتباع السنة وعمارة المسجد، وتلاوة القرآن، وجهاد في سبيل
الله) .
وإن من صفات هذه الطائفة:
١- طلب العلم والاشتغال به.
٢- لزوم السنة والعمل بها.
٣- الاجتهاد في الطاعات.
٤- الجهاد في سبيل الله.
٥- الدعوة إلى الخير.
٦- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
٧- النصح لكل مسلم.
٨- موالاة المؤمنين.
ونخص في الصفحات الآتية بعض الصفات بحديث مقتضب.
طلب العلم والاشتغال به:
لا عمل في الإسلام إلا بعد علم لقوله -تعالى-: [فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ
واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ] [محمد: ١٩] ، فبدأ بالعلم ثم أمر بالعمل.
والعلماء هم أصحاب القيادة والتوجيه في الأمة، والمسؤولون عن تركة
الأنبياء (العلم) ، والقائمون على تربية الأمة، وإصلاح شأنها، وقد عرف الإسلام
لأهل العلم فضلهم، قال رسول الله ﷺ فيما رواه أبو الدرداء: «من سلك طريق علم سهَّل الله له طريقاً من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع
أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن السماوات والأرض والحوت في الماء لتدعو له.
وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب ليلة البدر، العلماء هم
ورثة الأنبياء.. وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن
أخذ به فقد أخذ بحظ وافر» رواه أبو داوود والترمذي وأحمد وابن ماجه..
وأهل السنة هم حملة العلم، حملة الوحي، والأمناء عليه يبلغونه كما سمعوه،
ويؤمنون به كله، ويتناقلونه جيلاً عن جيل، وقرناً عن قرن، فيحمل العلم في كل
خلف أفاضلهم، وذوو العدل منهم، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، وزيف الوضاعين.
والعلامة التي تميز علم أهل السنة عن علم غيرهم هي كثرة استدلالاهم
واحتجاجهم بحديث رسول الله ﷺ وتعظيم شأن تلك الأحاديث، والبحث عن صحة أسانيدها والعمل بها ولو خالفت ما عندهم من آراء.
وعلامة أهل البدع اجتنابهم الحديث، وقلة استدلالهم به، فلا يكادون يذكرونه
إلا على سبيل النقد والرد، والتأويل والتحريف، والازدراء والاستهجان.
لزوم السنة والعمل:
من سمات المؤمنين، لا يكتفون بالنية الطيبة، ولا يصدهم الاشتغال بالعلم
عن العمل به، إذ هو ثمرة العلم، ويحذرون أشد الحذر من أن يحدثوا الناس أو
يأمروهم بأمر، ثم لا يقوموا به [أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وأَنتُمْ تَتْلُونَ
الكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ] [البقرة: ٤٤] .
والعمل بالعلم سبب لقبول الدعوة، وإجابة الداعي، كما قال الله عن صاحب
(يس) : [اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وهُم مُّهْتَدُونَ] [يس: ٢١] ، وقال شعيب
مخاطباً قومه: [ومَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إنْ أُرِيدُ إلاَّ الإصْلاحَ مَا
اسْتَطَعْتُ ومَا تَوْفِيقِي إلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ] [هود: ٨٨] .
وما يصد الناس عن الحق مثل أن يجدوا دعاته غير عاملين به، وأهله غير
قائمين به، وأن يُلْفوهم مُطَّرحين العمل به جانباً، نابذين كتاب الله وراءهم ظِهْرياً،
ألسنتهم لا تفتر، وحناجرهم لا تبحّ، وجوارحهم لا تعمل، كالسراج يضيء للناس، ويحرق نفسه.
وقد تحققت هذه السمة في أهل السنة والجماعة، وكانوا أحق بها وأهلها فكانوا
في طليعة العاملين بالسنن، القائمين على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر،
المجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم. وكان علماؤهم في أوائل صفوف
المجاهدين، كابن المبارك، والإمام البخاري، وابن تيمية، الذي حارب التتار حين
غزوا بلاد الإسلام.
فما كانوا يعرفون أن بعض المشايخ يتفرغ لجمع الأتباع، وحشد الأنصار
وتكثير الأشياع. أو ينصرف إلى كتابة الأبحاث العلمية، دون أن يكون لهم أثر
على الحياة، ودون أن يأمروا بمعروف، أو ينهوا عن منكر، ولا يعرفون أن هناك
علماء يختصون بأمر العلم، ويأمرون العوام بالجهاد والعمل والطاعة والسنة. ولا
يكونون سبَّاقين لما يأمرون به، بل كانوا علماء عاملين، يتعلمون العلم لا ليباهوا
به ويتصدروا به المجالس، بل تعلموا العلم ليعملوا به أولاً، ثم يدعوا الناس إليه.
فما كانوا يفهمون أن العلم يقصد لذاته، وأنه أمر مجرد، بل هو مسئولية، كلما
ازدادوا علماً زادت مسئوليتهم.
الجهاد في سبيل الله:
قال الله - تعالى -: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ
عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ
خَيْرٌ لَّكُمْ إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ] [الصف: ١٠-١١] .
وقال - تعالى -: [أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَذِينَ جَاهَدُوا
مِنكُمْ ويَعْلَمَ الصَّابِرِينَ] [آل عمران: ١٤٢] .
وقال رسول الله ﷺ : «من مات ولم يغزُ، ولم يحدث
نفسه بغزو، مات على شعبة من النفاق» ، وقال رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - في حديث معاذ ﵁: «إن رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد» .
ووجوب الجهاد والغزو في سبيل الله عقيدة عند أهل السنة، إذ يذهبون إلى
أن الجهاد ماضٍ مع ولاة الأمر من المسلمين - بَرّهم وفاجرهم - إلى قيام الساعة.
والجهاد ليس دفاعياً فقط - كما يزعمه المهزومون - بل الجهاد نوعان: جهاد
طلب، وجهاد دفاع، قال الله - تعالى -: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَذِينَ يَلُونَكُم
مِّنَ الكُفَّارِ ولْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً واعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ] [التوبة: ١٢٣] .
وترك الجهاد مهلكة، وهوان، وخسارة في الدنيا والآخرة: [وأَنفِقُوا فِي
سَبِيلِ اللَّهِ ولا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ وأَحْسِنُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ]
[البقرة: ١٩٥] .
وعن أسلم بن عمران قال: (حمل رجل من المهاجرين بالقسطنطينية على
صف العدو حتى خرقه،، ومعنا أبو أيوب الأنصاري، فقال ناس: ألقى بيده إلى
التهلكة، فقال أبو أيوب: نحن أعلم بهذه الآية، إنما نزلت فينا، صحبنا رسول
الله ﷺ وشهدنا معه المشاهد، ونصرناه، فلما فشا الإسلام وظهر، اجتمعنا - معشر الأنصار - نجياً؛ فقلنا: أكرمنا الله بصحبة نبيه ﷺ ونصره حتى فشا الإسلام، وكثر أهله، وقد آثرناه على الأهلين، والأموال والأولاد، وقد وضعت الحرب أوزارها، فنرجع إلى أهلنا وأولادنا فنقيم فيهما، فنزل فينا: [وأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ولا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ] ؛ فكانت التهلكة الإقامة في الأهل والمال، وترك الجهاد) رواه النسائي وأبو داود والترمذي وغيرهم.
الدعوة إلى الخير:
انتدب الله هذه الأمة لتخرج الناس من الظلمات إلى النور، فقال: [ولْتَكُن
مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وأُوْلَئِكَ هُمُ
المُفْلِحُونَ] [آل عمران: ١٠٤] .
وجعلهم شهداء في أرضه، والقائمين على سُنته؛ قال - تعالى -: [وكَذَلِكَ
جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً]
[البقرة: ١٤٣] .
وشرَّفهم بأن جعل عملهم وعمل نبيهم واحداً وهو الدعوة إلى الله، قال: [قُلْ
هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا ومَنِ اتَّبَعَنِي وسُبْحَانَ اللَّهِ ومَا أَنَا مِنَ
المُشْرِكِينَ] [يوسف: ١٠٨] .
وجعل الدعوة خير القول وأفضل العمل قال: [ومَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا
إلَى اللَّهِ وعَمِلَ صَالِحاً وقَالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ] [فصلت: ٣٣] وليس هذا موضع
التفصيل في هذا الموضوع.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
وصف الله عباده المؤمنين بهذه الصفة في مواضع عدة، فقال: [والْمُؤْمِنُونَ
والْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ ويُقِيمُونَ
الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ويُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ
حَكِيمٌ] [التوبة: ٧١] .
وقال عن عباده المؤمنين: [التَّائِبُونَ العَابِدُونَ الحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ
السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ والنَّاهُونَ عَنِ المُنكَرِ والْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وبَشِّرِ
المُؤْمِنِينَ] [التوبة: ١١٢] .
وقال: [الَذِينَ إن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا
بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ] [الحج: ٤١] .
ومن صفات الأمة الوسط، خير الأمم، وأتبعها للحق - الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر، قال تعالى: [ولْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الخَيْرِ ويَأْمُرُونَ
بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ] [آل عمران: ١٠٤] .
وقال: [كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ
وتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولَوْ آمَنَ أَهْلُ الكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ المُؤْمِنُونَ وأَكْثَرُهُمُ
الفَاسِقُونَ] [آل عمران: ١١٠] .
وقال في مدح طائفة من أهل الكتاب: [لَيْسُوا سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ أُمَّةٌ
قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ
ويَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ ويُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وأُوْلَئِكَ مِنَ
الصَّالِحِينَ] [آل عمران: ١١٣-١٤] .
ونعى على طائفة أخرى إقرارهم المنكر، ورضاهم به، وتركهم الأمر
بالمعروف، فقال: [لُعِنَ الَذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وعِيسَى
ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ
لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ] [المائدة: ٧٨-٧٩] .
وترك الأمر بالمعروف، والتناهي عن المنكر نذير شؤم على الأمة، ينذرها
مغبة ما تصنع، ويؤذن بزوالها، أو حلول عقوبة الله فيها، قال رسول الله - صلى
الله عليه وسلم -: «ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي، ثم يقدرون على أن يغيروا
إلا يوشك الله أن يعمهم بعقابه» أخرجه أبو داود. وعن عدي بن عمير قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله لا يعذب العامة بعمل
الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم، وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عذب الله العامة والخاصة» أخرجه أبو داود. والأحاديث بهذا
المعنى كثيرة وفيرة.
ويسلكون في تغيير المنكر الطرق الشرعية، من مثل قول الرسول - صلى
الله عليه وسلم-: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن
لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري.
وهم مع حرصهم على القيام بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر،
يتحاشون إثارة الفتنة بين المسلمين، فلا يخرجون على الأمراء بالسيف؛ لأنه
يؤدي إلى فتنة تسفك فيها دماء المسلمين، ولا يتركون إنكار المنكر عليهم، وتبيين
المعروف لهم، لقول الرسول ﷺ : «أفضل الجهاد كلمة حق
عند سلطان جائر» رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه عن أبي سعيد.
ولا ينابذونهم إلا أن يروا كفراً بُواحاً فيه من الله برهان.
ويقومون بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر بين عامة المسلمين حتى
يعذروا إلى ربهم، بإقامة الحجة، وتوضيح الحق، عن أبي ثعلبة الخشني - رضي
الله عنه - «أنه قيل له: كيف تقول في هذه الآية: [عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُم مَّن
ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ] [المائدة: ١٠٥] ، قال: سألت عنها خبيراً، أمَا والله فقد سألت
عنها رسول الله ﷺ فقال: بل ائتمروا بالمعروف، وانهوا عن
المنكر حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوى متبعاً، ودنيا مؤثرة. وإعجاب كل ذي
رأي برأيه، فعليك بنفسك، ودع عنك أمر العوام» أخرجه أبو داود والترمذي
وابن ماجه.
النصح لكل مسلم:
جعل رسول الله ﷺ النصيحة هي الدين بقوله الذي
رواه أبو رقية تميم بن أوس الداري: «الدين النصيحة (ثلاثاً) قلنا: لمن يا رسول
الله؟ قال: لله ولكتابه، ولرسوله ﷺ ولأئمة
المسلمين وعامتهم» رواه مسلم.
وحق على المسلم أن ينصح المسلمين، ويحب لهم من الخير ما يحب لنفسه
ولا يغشهم، أو يمنع خيره عنهم، بل يبذل لهم كل ما يستطيع من علم ومال ودلالة
على الخير وإرشاد إلى سبيل الحق، وما به صلاحهم في أمور الدنيا والآخرة. قال
رسول الله ﷺ : «حق المسلم على المسلم ست» فذكر منها
«وإذا استنصحك فانصح له» . وقال أبو عمرو بن الصلاح: النصيحة لعامة
المسلمين إرشادهم إلى مصالحهم، وتعليمهم أمور دينهم ودنياهم، وستر عوراتهم،
وسد خلاتهم، ونصرتهم على أعدائهم، والذب عنهم، ومجانبة الغش والحسد لهم،
وأن يحب لهم ما يحب لنفسه،. ويكره لهم ما يكره لنفسه. وما شابه ذلك.
ومن نصحهم دفع الأذى والمكروه عنهم، وإيثار فقيرهم، وتعليم جاهلهم ورد
من زاغ منهم عن الحق في قول أو عمل بالتلطف في ردهم إلى الحق، والرفق بهم
في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومحبة إزالة فسادهم ولو حصل له أذى
في سبيل ذلك.
وأعظم نصح للمسلمين بيان الحق لهم، وشرح حقائق الإسلام، وتعريفهم بما
يجب عليهم، ورد ما يعلق بالشرع من أهواء مضلة، تصرف الناس عن الكتاب
والسنة، وبيان مخالفة تلك الأهواء، ودعوة في شيء منها إلى الاحتكام إلى الكتاب
والسنة، والعودة إليهما.
والنصيحة للخلق لها منزلة عالية، ودرجة رفيعة، لا ينالها إلا من مَنَّ الله
عليه بالهداية والتوفيق، قال أبو بكر المُزَني: ما فاق أبو بكر ﵁
أصحاب محمد ﷺ بصوم ولا صلاة، ولكن بشيء كان في
قلبه قال: ما الذي كان في قلبه؟ قال: الذي كان في قلبه الحب لله
والنصيحة في خلقه.
ومن النصيحة للمسلمين حسن اختيار الطريقة في وعظهم، وإرشادهم، كأن
يعظه سراً، ويدعوه بحكمة، ويأمره وينهاه برفق.
ويدل على ما للنصح من قيمة حديث جرير بن عبد الله البجلي: «بايعت
رسول الله ﷺ على النصح لكل مسلم» رواه مسلم.
стр. 1035
وقفات مع حقوق المصطفى
ﷺ
عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف
إن الحديث عن نبينا وحبيبنا محمد رسول الله ﷺ
حديث تنشرح له صدور أهل الإيمان، وتتشوق له نفوس الصالحين، ويدفع
العاملين إلى الاستقامة على الصراط المستقيم، كيف لا وهو -صلى الله عليه
وسلم - سيد ولد آدم، وخاتم النبيين، وهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، قد خصه الله - تعالى - بخصال رفيعة كثيرة انفرد بها عن بقية الأنبياء السابقين ﵈ فهو أول من يعبر على الصراط يوم القيامة، وأول من يقرع باب الجنة ويدخلها، وله المقام المحمود ولواء الحمد، وهو أول شافع ومشفع. وفي هذه السطور أستعرض معك - أخي القارئ - شيئاً من الحقوق الواجبة علينا تجاه نبينا محمد ﷺ :
١- يمكن - ابتداءً - أن نجعل حقوق المصطفى ﷺ
بهذه العبارة الجامعة التي سطرها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ قائلاً: (ومعنى شهادة أن محمداً رسول الله: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر،
واجتناب ما نهى وزجر، وأن لا يُعبد الله إلا بما شرع) [١] .
٢- وإن من أهم ما يجب علينا تجاه حبيبنا محمد ﷺ
أن نحقق محبته اعتقاداً وقولاً وعملاً، ونقدمها على محبة النفس والولد والناس
أجمعين. قال - تعالى -: [قُلْ إن كَانَ آبَاؤُكُمْ وأَبْنَاؤُكُمْ وإخْوَانُكُمْ وأَزْوَاجُكُمْ
وَعَشِيرَتُكُمْ وأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا ومَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إلَيْكُم
مِّنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ
الفَاسِقِينَ] [التوبة: ٢٤] .
يقول القاضي عياض عن هذه الآية: (فكفى بهذا حضاً وتنبيهاً ودلالة وحجة
على إلزام محبته، ووجوب فرضها، وعظم خطرها، واستحقاقه لها - صلى الله
عليه وسلم - إذ قرَّع - سبحانه - من كان ماله وأهله وولده أحب إليه من الله
ورسوله، وأوعدهم بقوله - تعالى -: [فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ] ثم فسَّقهم
بتمام الآية، وأعلمهم أنهم ممن ضل ولم يهده الله) [٢] .
وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:
«لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» [٣] .
وعن أنس عن النبي ﷺ قال: «ثلاث من كن فيه
وجد حلاوة الإيمان - وذكر منها - أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما
سواهما» [٤] .
ولقد ضرب الصحابة ﵃ أروع الأمثلة في صدق وتمام
المحبة لرسول الله ﷺ فهذا عمر بن الخطاب -رضي الله
عنه- يقول للعباس: (أن تُسْلم أحب إليَّ من أن يسلم الخطاب؛ لأن ذلك أحب إلى
رسول الله ﷺ ) .
وسئل علي بن أبي طالب ﵁: كيف كان حبكم لرسول
الله ﷺ قال: كان - والله - أحب إلينا من أموالنا وآبائنا وأمهاتنا، ومن الماء البارد على الظمأ. وكان عمرو بن العاص ﵁ يقول: ما كان أحد أحب إليَّ من رسول الله ﷺ ولا أجلّ في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالاً له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت؛ لأني لم أكن أملأ عيني منه.
ولا شك أن لمحبة النبي ﷺ علامات، منها كثرة ذكره
له، فمن أحب شيئاً أكثر ذكره، ومنها كثرة شوقه إلى لقائه، فكل حبيب يحب لقاء
حبيبه. ومنها محبته لمن أحب النبي ﷺ من المهاجرين
والأنصار، وعداوة من عاداهم، وبغض من أبغضهم وسبهم، فمن أحب شيئاً أحب
من يحبه، وقد قال النبي ﷺ في الحسن والحسين: اللهم إني
أحبهما فأحبهما. ومن علامة حبه للنبي ﷺ شفقته على أمته،
ونصحه لهم، وسعيه في مصالحهم، ورفع المضارّ عنهم، كما كان الرسول -صلى
الله عليه وسلم - بالمؤمنين رءوفاً رحيماً [٥] .
٣- ومن أهم وأكثر علامات محبته ﷺ : متابعته والاقتداء
به، يقول القاضي عياض ﵀: اعلم أن من أحب شيئاً آثره وآثر
موافقته، وإلا لم يكن صادقاً في حبه، وكان مدّعياً، فالصادق في حب النبي -
ﷺ من تظهر علامة ذلك عليه، وأولها الاقتداء به، واستعمال
سنته، واتباع أقواله وأفعاله، والتأدب بآدابه في عسره ويسره، ومنشطه ومكرهه،
وشاهد هذا قوله تعالى: [إن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ]
[آل عمران: ٣١] [٦] .
كما أن من متابعته ﷺ التمسك بسنته والحذر من
الابتداع في دين الله، كما قال ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا
ما ليس منه فهو رد» [٧] يقول ابن رجب في شرح هذا الحديث: (فهذا الحديث
يدل على أن كل عمل ليس عليه أمر الشارع فهو مردود، ويدل بمفهومه على أن
كل عمل عليه أمره فهو غير مردود، والمراد بأمره ها هنا دينه وشرعه، فالمعنى
إذاً: أن مَن كان عمله خارجاً عن الشرع ليس متقيداً بالشرع فهو مردود) [٨] .
٤- ومن حقه ﷺ : أن الله أمر بتعزيره وتوقيره فقال:
[وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ] [الفتح: ٩] .
يقول ابن تيمية ﵀: (التعزير اسم جامع لنصره وتأييده ومنعه من
كل ما يؤذيه، والتوقير: اسم جامع لكل ما فيه سكينة وطمأنينة من الإجلال، وأن
يعامل من التشريف والتكريم والتعظيم بما يصونه عن كل ما يخرجه عن حد
الوقار) [٩] .
ويقول أيضاً: (أما انتهاك عِرض رسول الله ﷺ فإنه
منافٍ لدين الله بالكلية العرض متى انتُهك سقط الاحترام والتعظيم، فسقط ما جاء به
من الرسالة، فبطَل الدين، فقيام المدحة والثناء عليه والتعظيم والتوقير له قيام الدين
كله، وسقوط ذلك سقوط الدين كله، وإذا كان كذلك وجب علينا أن ننتصر له ممن
انتهك عرضه) [١٠] .
وقد قال الله - تعالى -: [إنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ] [الكوثر: ٣] ، فأخبر -
سبحانه - أن شانئه (مبغضه) هو الأبتر،، والبتر: القطع، فبيَّن - سبحانه - أنه
هو الأبتر بصيغة الحصر والتوكيد.. ومما قال ابن تيمية عن هذه الآية الكريمة
الجامعة: (إن الله - سبحانه - بتر شانئ رسوله من كل خير، فيبتر ذكره -
وأهله - وماله، ذلك في الآخرة، ويبتر حياته فلا ينتفع بها ولا يتزود فيها صالحاً
لمعاد، ويبتر قلبه فلا يعي الخير، ولا يؤهله لمعرفته ومحبته، والإيمان برسله،
ويبتر أعماله فلا يستعمله في طاعة، ويبتره من الأنصار فلا يجد له ناصراً ولا
عوناً، ويبتره من جميع القُرب والأعمال الصالحة، فلا يذوق لها طعماً، ولا يجد
لها حلاوة وإن باشرها بظاهره، فقلبه شارد عنها) .
وقال أبو بكر بن عياش: أهل السنة يموتون ويحيى ذكرهم، وأهل البدعة
يموتون ويموت ذكرهم لأن أهل السنة أحيوا ما جاء به الرسول - صلى الله عليه
وسلم - فكان لهم نصيب من قوله [ورَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ] [الشرح: ٤] . وأهل البدعة
شَنَأُوا ما جاء به الرسول ﷺ فكان لهم نصيب قوله: [إنَّ
شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ] [١١] ، [١٢] .
٥- ولقد تحققت العقوبات، ووقعت المثُلات في حق مَن أبغض الرسول -
ﷺ أو تنقصَّه بسب أو استهزاء، أو افتراء. وقد عرف من
ذلك حالات عديدة منها:
أ) من ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن أنس ﵁، قال: كان
رجل نصراني، فأسلم وقرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتب للنبي - صلى الله
عليه وسلم - فعاد نصرانياً، فكان يقول: لا يدري محمد إلا ما كتبتُ له، فأماته
الله، فدفنوه، فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه، نبشوا
عن صاحبنا فألقوه، فحفروا في الأرض ما استطاعوا، فأصبح قد لفظته الأرض،
فعلموا أنه ليس من الناس، فألقوه.
ب - ومن ذلك ما ذكره ابن تيمية (عن أعداد من المسلمين العدول في الفقه
والخبرة، عما جربوه مرات متعددة في حصر الحصون والمدائن التي بالسواحل
الشامية، لما حصر المسلمون فيها بني الأصفر في زماننا قالوا: كنا نحن نحصر
الحصن أو المدينة الشهر أو أكثر من الشهر وهو ممتنع علينا حتى نكاد نيأس، فإذا
تعرَّض أهله لسب رسول الله ﷺ والوقيعة في عرضه،
فعجلنا، وتيسر، ولم يكد يتأخر إلا يوماً أو يومين أو نحو ذلك، ثم يفتح المكان
عنوة، ويكون فيهم ملحمة عظيمة، حتى إن كنا لَنتباشر بتعجيل الفتح إذا سمعناهم
يقعون فيه، مع امتلاء القلوب غيظاً عليهم بما قالوا فيه) [١٣] .
ج - ومن العقوبات التي حلت بمن انتقص الرسول ﷺ
ولو تعريضاً - في هذا الزمان ما ذكره الشيخ أحمد شاكر ﵀ عن أحد
خطباء مصر، وكان فصيحاً متكلماً مقتدراً وأراد هذا الخطيب أن يمدح أحد أمراء
مصر عندما أكرم طه حسين، فقال في خطبته: جاءه الأعمى [١٤] . فما عبس
بوجهه وما تولى! ، فما كان من الشيخ محمد شاكر - والد الشيخ أحمد شاكر - إلا
أن قام بعد الصلاة، يعلن للناس أن صلاتهم باطلة، وعليهم إعادتها؛ لأن الخطيب
كفر بما شتم رسول الله ﷺ يقول أحمد شاكر: (ولكن الله لم
يدعْ لهذا المجرم جرمه في الدنيا، قبل أن يجزيه جزاءه في الأخرى، فأقسمُ بالله لقد
رأيته بعيني رأسي - بعد بضع سنين، وبعد أن كان عالياً منتفخاً، مستعزّاً بمَن لاذ
بهم من العظماء والكبراء - رأيته مهيناً ذليلاً، خادماً على باب مسجد من مساجد
القاهرة، يتلقى نعال المصلين يحفظها في ذلة وصغار، حتى لقد خجلت أن يراني،
وأنا أعرفه وهو يعرفني، لا شفقة عليه، فما كان موضعاً للشفقة، ولا شماتة فيه؛
فالرجل النبيل يسمو على الشماتة، ولكن لما رأيت من عبرة وعظة) [١٥] .
٦- وفي نهاية هذه المقالة أقول: إن مما حباً للرسول - صلى الله عليه
وسلم - والتصاقاً بهديه وسيرته، أن نسعى إلى محاسبة أنفسنا ومعرفة أخطائنا، فإذا اكتشفنا عيوباً، فسنجد في هديه ﷺ العلاج الناجع لهذه الأدواء التي حلت بنا، وإليك أمثلة على ذلك:
فإذا كان أحدنا مقصراً في جانب النوافل والعبادات - مثلاً - فليتذكر أن
رسول الله ﷺ كان يصلي حتى تتورم قدماه وقد غفر له ما
تقدم من ذنبه وما تأخر.
وقد يكون أحدنا متصفاً بالجبن والهلع، ألا فليعلم أن رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - كما أخبر أنس بن مالك ﵁ كان من أشجع الناس،
وقد قال علي ﵁: إنا كنا إذا حمي البأس اتقينا برسول الله -
ﷺ .
وربما كان البعض منا مشغوفاً بحب الدنيا والتكالب عليها، ومن ثم فلينظر إلى
رسول الله ﷺ الذي كان من أزهد الناس في الدنيا، حتى
قالت عائشة: ما شبع رسول الله ﷺ - ثلاثة أياما تباعاً - من
خبز حتى مضى لسبيله [١٦] .
وقد نلمس في أنفسنا وغيرنا جفاءً مع الناس وسوء معاملة، وقد قال أنس:
خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فما قال لي أُفٍّ قط، وما
قال لشيء صنعته لِمَ صنعته؟ ولا لشيء تركته لم تركته؟ وصدق الله - تعالى -
عندما قال - سبحانه في شأنه -: [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ولَوْ كُنتَ فَظاً
غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ] [آل عمران: ١٥٩] .
وأخيراً فقد يتلبس أحدنا بأَثَرَة وأنانية، فلا يهتم إلا بنفسه وشخصه مع أن
رسول الله ﷺ يقول: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما
يحب لنفسه» . هذا الحديث الذي يبين ما كان عليه الرسول - صلى الله عليه
وسلم - من الموالاة والرحمة والإشفاق لأهل الإيمان، عن جرير قال: كنا عند رسول الله ﷺ في صدر النهار، قال: فجاءه قوم حفاة عراة، متقلدي السيوف، عامتهم من مُضر، بل كلهم من مضر، فتمعَّر (تغير) وجه رسول الله ﷺ لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بلالاً فأذّن وأقام، ثم خطب فقال: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ واحِدَةٍ..] إلى آخر الآية [إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً] [النساء: ١] ، والآية التي في الحشر [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ولْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ] ... تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثويه، من صاع بُره، من صاع تمره حتى قال: «ولو بشق تمرة» ، قال: فجاء رجل من الأنصار كادت كفه تعجز عنها، بل لقد عجزت، قال: ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله ﷺ يتهلل (يستنير) كأنه مُذْهَبَة، فقال رسول الله ﷺ : «من سن في الإسلام سنة حسنة فله
أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينتقص من أجورهم شيء» [١٧] أسأل الله
أن يرزقنا تمام التأسي برسول الله ﷺ وأن يحشرنا مع
زمرته.
стр. 1036
فتاوى في بعض التعاملات المالية
الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز
* البيع إلى أجل.
* بيع التورُّق.
* العِينَة.
* القرض (بالفائدة) .
الحمد لله والصلاة والسلام على مَن لا نبي بعده وآله وصحبه. أما بعد:
فقد سئلت عن حكم بيع السلعة التي تساوي مائة ريال نقداً بمبلغ مائة وخمسين ريالاً إلى أجل:
والجواب عن ذلك: أن هذه المعاملة لا بأس بها، لأن بيع النقد غير بيع
التأجيل ولم يزل المسلمون يستعملون مثل هذه المعاملة، وهو كالإجماع منهم على
جوازها، وقد شذ بعض أهل العلم فمنع الزيادة لأجْل الأجَل، وظن ذلك من الربا -
وهو قول لا وجه له - وليس من الربا في شيء؛ لأن التاجر حين باع السلعة إلى
أجل إنما وافق على التأجيل من أجل انتفاعه بالزيادة والمشتري إنما رضي بالزيادة
من أجل المهلة وعجزه عن تسليم الثمن نقداً، فكلاهما منتفع بهذه المعاملة وقد ثبت
عن النبي ﷺ ما يدل على جواز ذلك، وذلك أنه - صلى الله
عليه وسلم - أمر عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن يجهز
جيشاً فكان يشتري البعير بالبعيرين إلى أجل، ثم هذه المعاملة تدخل في عموم قول
الله - سبحانه -: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ]
[البقرة: ٢٨٢] الآية. وهذه المعاملة من المداينات الجائزة الداخلة في الآية
المذكورة، وهي من جنس معاملة بيع السَّلَم، فإن البائع في السلم يبيع من ذمته
حبوباً أو غيرها - مما يصح السلم فيه - بثمن حاضر أقل من الثمن الذي يباع به
المسلم فيه وقت السلم، لكون المسلم فيه مؤجلاً، والثمن معجلاً، فهو عكس المسألة
المسئول عنها. وهو جائز بالإجماع وهو مثل البيع إلى أجل في المعنى، والحاجة
إليه ماسة كالحاجة إلى السلم، والزيادة في السلم مثل الزيادة في البيع إلى أجل،
لكن إذا كان مقصود المشتري - لكيس السكر ونحوه - بيعه والانتفاع بثمنه وليس
مقصوده الانتفاع بالسلعة نفسها فهذه المعاملة تسمى مسألة (التورُّق) ويسميها العامة
(الوعدة) وقد اختلف العلماء في جوازها على قولين:
أحدهما: أنها ممنوعة أو مكروهة، لأن المقصود منها شراء دراهم بدراهم
وإنما السلعة المبيعة واسطة غير مقصودة.
والقول الثاني للعلماء: جواز هذه المعاملة لمسيس الحاجة إليها، لأنه ليس كل
أحد اشتدت حاجته إلى النقد يجد من يقرضه بدون ربا، ولدخولها في عموم قوله -
سبحانه-: [وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ..] [البقرة: ٢٧٥] ، وقوله - تعالى -: [يَا أَيُّهَا
الَذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ] ؛ ولأن الأصل في الشرع حل
جميع المعاملات إلا ما قام الدليل على منعه، ولا نعلم حجة شرعية تمنع هذه
المعاملة، وأما تعليل من منعها أو كرهها بكون المقصود منها هو النقد فليس ذلك
موجباً لتحريمها ولا لكراهتها؛ لأن مقصود التجار غالباً في المعاملات وهو تحصيل
نقود أكثر بنقود أقل، والسلع المبيعة هي الواسطة في ذلك.
وإنما يمنع مثل هذا العقد إذا كان البيع والشراء من شخص واحد كمسألة
العِينة. فإن ذلك يتخذ حيلة على الربا، وصورة ذلك أن يشتري شخص سلعة من
آخر بثمن في الذمة، ثم يبيعها عليه بثمن أقل ينقده إياه، فهذا ممنوع شرعاً لما فيه
من الحيلة على الربا، وتسمى هذه المسألة مسألة العينة، وقد ورد فيها من حديث
عائشة وابن عمر ﵄ ما يدل على منعها. أما مسألة التورق -
التي يسميها بعض الناس الوعدة - فهي معاملة أخرى ليست من جنس مسألة العينة؛ لأن المشتري فيها اشترى السلعة من شخص إلى أجل وباعها من آخر نقداً من
أجل حاجته للنقد، وليس في ذلك حيلة على الربا، لأن المشتري غير البائع، ولكن
كثيرًا من الناس في هذه المعاملة لا يعملون بما يقتضيه الشرع في هذه المعاملة،
فبعضهم يبيع ما لا يملك ثم يشتري السلعة بعد ذلك ويسلمها للمشتري، وبعضهم إذا
اشتراها يبيعها وهي في محل البائع قبل أن يقبضها القبض الشرعي، وكلا الأمرين
غير جائز؛ لما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال لحكيم بن حزام:
«لا تَبِعْ ما ليس عندك» وقال ﵊: «لا يحل سلف وبيع
ولا بيع ما ليس عندك» وقال ﵊: «من اشترى طعاماً فلا
يَبِعْهُ حتى يستوفيه» وقال ابن عمر ﵄: (كنا نشتري الطعام
جزافاً فيبعث إلينا رسول الله ﷺ من ينهانا أن نبيعه حتى
ننقله إلى رحالنا) وثبت عنه ﵊ أيضاً أنه نهى أن تباع
السلع - حيث تبتاع - حتى يحوزها التجار إلى رحالهم.
ومن هذه الأحاديث وما جاء في معناها يتضح لطالب الحق أنه لا يجوز للمسلم
أن يبيع سلعة ليست في ملكه ثم يذهب فيشتريها، بل الواجب تأخير بيعها حتى
يشتريها ويحوزها إلى ملكه، ويتضح أيضاً أن ما يفعله كثير من الناس من بيع
السلع - وهي في محل البائع قبل نقلها إلى ملك المشتري أو إلى السوق - أمر لا
يجوز لما فيه من مخالفة سنة الرسول ﷺ ولما فيه من
التلاعب بالمعاملات وعدم التقيد فيها بالشرع المطهر، وفي ذلك من الفساد والشرور
والعواقب الوخيمة ما لا يحصيه إلا الله نسأل الله لنا ولجميع
المسلمين التوفيق للتمسك بشرعه والحذر مما يخالفه.
أما الزيادة التي تكون بها المعاملة من المعاملات الربوية فهي التي تُبذل لدائن
بعد حلول الأجل ليمهل المدين ويُنظره فهذه الزيادة هي التي كان يفعلها أهل
الجاهلية ويقولون للمدين قولهم المشهور: إما أن تقضي وإما أن تُرْبي، فمنع
الإسلام ذلك وأنزل الله فيه قوله - سبحانه -: [وإن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلَى
مَيْسَرَةٍ] [البقرة: ٢٨٠] وأجمع العلماء على تحريم هذه الزيادة وعلى تحريم كل
معاملة يتوسَّل بها إلى تحليل هذه الزيادة، مثل أن يقول الدائن للمدين: اشترِ مني
سلعة من سكر أو غيره إلى أجل، ثم بِعها بالنقد وأَوْفني حقي الأول، فإن هذه
المعاملة حيلة ظاهرة على استحلال الزيادة الربوية التي يتعاطاها أهل الجاهلية،
لكن بطريق آخر غير طريقهم.
فالواجب تركها والحذر منها، وإنظار المدين المعسر حتى يسهل الله له
القضاء، كما أن الواجب على المدين المعسر أن يتقي الله، ويعمل الأسباب الممكنة
المباحة لتحصيل ما يقضي به الدين، ويبرىء به ذمته من حق المدينين.
وإذا تساهل في ذلك ولم يجتهد في أسباب قضاء ما عليه من الحقوق فهو ظالم
لأهل الحق غير مؤدٍّ للأمانة، فهو في حكم الغني المماطل وقد صح عن رسول
الله ﷺ أنه قال: «مُطْل الغني ظلم» ، وقال ﵊: «لَيُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته» والله المستعان.
ومن المعاملات الربوية أيضاً ما يفعله بعض البنوك وبعض التجار من الزيادة
في القرض إما مطلقاً وإما في كل سنة شيئاً معلوماً، فالأول: مثل أن يقرضه ألفاً
على أن يرد إليه ألف ومائة أو يسكنه داره أو دكانه أو يعيره سيارته أو دابته مدة
معلومة أو ما أشبه ذلك من الزيادات.
وأما الثاني: فهو أن يجعل كل سنة أو كل شهر ربحاً معلوماً في مقابل
استعماله المال الذي دفعه إليه المقرض، سواء دفعه باسم القرض أم باسم الأمانة،
فإنه متى قبضه باسم الأمانة للتصرف فيه كان قرضاً مضموناً ولا يجوز أن يدفع
إلى صاحبه شيئاً من الربح إلا أن يتفق هو والبنك أو التاجر على استعمال ذلك
المال على وجه المضاربة بجزء مشاع معلوم من الربح لأحدهما والباقي للآخر،
وهذا العقد يسمى أيضاً: القِرَاض، وهو جائز بالإجماع، لأنهما قد اشتركا في
الربح والخسران، والمال الأساسي في هذا العقد في حكم الأمانة في يد العامل إذا
تلف من غير تعدٍّ ولا تفريط - لم يضمنه وليسر له من عمله إلا الجزء المشاع
المعلوم من الربح المتفق عليه في العقد.
وبهذا تتضح المعاملة الشرعية والمعاملة الربوية.
والله ولي التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
стр. 1037
خواطر في الدعوة
حتى لا نخادع أنفسنا
محمد العبدة
كانت القاعدة الأساسية التي سار عليها العلماء الربانيون من هذه الأمة في
تعليم الناس وتربيتهم هي حمْلهم على الطريق الوسط، فلا غلو ولا تقصير، ولا
تيئيس ولا طمع، ونريد تطبيق هذه القاعدة الآن في قضية ما يقال عن خوف
الغرب من المسلمين ومن الصحوة الإسلامية، وأنه يحسب لها ألف حساب؛ وأن
التحدي الكبير بعد سقوط الاتحاد السوفييتي هو الإسلام والمسلمون، ونعلن بهذا في
صحفنا وخطبنا، فهل يصح في التربية القويمة أن نميل بالناس إلى جانب
الاطمئنان والركون إلى قوة الصحوة وخوف الغرب منها، وهل نحن أقوياء حقيقة
أم أننا نخادع أنفسنا؟ ! .
إن واقع المسلمين الحالي من الضعف والتفرق والخراب الاقتصادي وتراجع
القوة العسكرية، وصراع القبائل والعشائر ما يدل على أنه غير مخيف، ولكن إذا
عرفنا كيف يفكر الغرب، وكيف يحتاط للمستقبل البعيد، ويستعد للأمور قبل أوانها، فالجواب: نعم، الغرب يخشى من الإسلام ومن المسلمين؛ لأنه يحذر أن تفاجئه
الأحداث بشيء لم يكن يتوقعه، بنهوض سريع لم يحسب له حساب، خاصة وأن
الإسلام يزحف بشكل مستمر، سواء في كسب أنصار جدد أم في عودة المسلمين
إلى دينهم.
ولا نستبعد أن يضخم الغرب هذا الموضوع كي نفرح ونعيش أحلاماً سعيدة،
وهو غير بعيد عن استعمال هذه الأساليب في مقارعة الخصوم، حتى يؤلب شعوبه، ويستنفر الطاقات وله في ذلك أحاييل شديدة الخبث، وما بالك بأقوام دأبوا منذ
ثلاثة قرون على استعمار الأرض ونهب خيراتها، وصدق من قال: إن الغرب
تعمق في مسائل علم النفس كي يستخدمه في أغراضه الاستعمارية.
هذا الكلام ليس لغرس اليأس والإحباط في النفوس، وإنما لنعرف مواقع
ضعفنا وقوتنا، وكيف نستكمل مواطن القوة، ومن أين يأتينا الخلل، وليس من
الأساليب الحكيمة أن نُفرح الشباب المسلم بأننا قوة يخشى بأسها ثم يتبين لهم بعدئذ
ما يؤيد عكس هذا، بل نعطي أنفسنا الحجم الحقيقي، ونكون متفائلين بأن الإسلام
هو الغالب بإذن الله، وسيبلغ أقطار الأرض، وهو التحدي الحضاري أمام الغرب
فعلاً، ولا يوجد أمة أو شعب يملك منهجاً متكاملاً - به يُعتز وبه يتميز - مثل
المسلمين، والغرب يكره أشد الكراهية من يتعالى عليه، ولكن هذا المنهج يحتاج
إلى تطبيق على أرض الواقع.
стр. 1038
المدارس الأهلية
الواقع المرير والأمل المنشود
محمد الناصر
تؤسَّس المدارس الأهلية عادة من أجل أهداف خاصة يحددها أصحاب هذه
المدارس، أو المؤسسات التي أقامتها، أو لسد حاجة تعليمية ملحة لم تغطها
المدارس الحكومية.
وقد كانت البعثات التبشيرية سباقة إلى هذا المجال في بلاد المسلمين،
لأغراض التبشير تحت مظلة الاستعمار الحديث، وما يزال تأثيرها قائماً حتى الآن.
ثم قامت مدارس وطنية في بلاد المسلمين، بعضها سار على نهج العلمانيين
متأثراً بالهجمة الفكرية الغربية، وبعضها الآخر أراد أصحابه إيقاف هذا الغزو
الصليبي، فأنشأ مدارس متناثرة في أنحاء العالم الإسلامي لنشر تعاليم هذا الدين
الحنيف، وهذا الذي يعنينا في هذا المقال.
المدارس التبشيرية الأجنبية:
ركز أعداؤنا على زرع المدارس والجامعات في بلادنا منذ مطلع هذا القرن،
من أجل تشكيك أبناء المسلمين في قيم الإسلام ومعتقداته باسم العلم والمعرفة،
وتمكنوا من تخريج كثير من أبناء المسلمين، قاد بعضهم دفة الحكم في أقطارهم
فترة من الزمن، فكانوا أسوأ خلف لشر سلف من أسيادهم. فقد اعتبر هؤلاء أن
(المدارس من أحسن الوسائل لترويج أغراض المبشرين) [١] .
حرص هؤلاء أن تؤسس هذه المدارس والجامعات على النمط العلماني الغربي
ظاهراً. يقول تاكلي: (يجب أن نشجع إنشاء المدارس على النمط الغربي العلماني؛ لأن كثيراً من المسلمين قد زعزع اعتقادهم بالإسلام والقرآن حينما درسوا الكتب
المدرسية الغربية وتعلموا اللغات الأجنبية) !
وكانت الأغراض الحقيقية إذن من إنشاء هذه المدارس والجامعات هو
التخريب العقائدي والفساد لمصلحة المستعمر، تحت مظلة العلم والمعرفة والتحديث
والعلمانية. وقد تنوعت وسائل المبشرين في أعمالهم هذه فأسسوا المدارس للأطفال، وللبنات، وأنشأوا قسماً للطب وآخر لنشر الإنجيل [٢] .
ومن وسائل المبشرين في كل من سورية وفلسطين:
١- توزيع نسخ من الإنجيل.
٢- التبشير عن طريق الطب..
٣- المدارس والكليات..
٤- الأعمال النسائية مثل: زيارة المبشرات لمنازل المسلمين وإلقائهن
المحاضرات الخاصة [٣] .
وكانوا يستغلون الفقر والحاجة في بعض بلاد المسلمين، فيختارون الأطفال
دون سن الخامسة لقاء مبلغ من المال، ويرسلون بعضهم - بعد تدريسهم في
مدارس التبشير - إلى فرنسا، كما حصل في السنغال، إذ يعود الصبي مسيحياً إلى
بلاده، ويُمنح حق المواطن الفرنسي في المستعمرات من حيث المستوى،
الاجتماعي والوظائف. ومن أمثلة هؤلاء: سنغور (سان جورج) رئيس جمهورية
السنغال السابق، فهو مسيحي، لكن أبويه وإخوته مسلمون [٣] .
لقد خرَّجت المدارس والجامعات التبشيرية كثيراً من قادة الفكر والسياسة في
بلاد المسلمين، ومعظمهم من النصارى والموتورين، ومن أبرزهم: ميشيل عفلق، وجورج حبش، وقسطنطين زريق وأنطون سعادة [٤] .
واهتمت هذه المدارس الأهلية بتعليم المرأة المسلمة لإخراجها من دينها عنوة؛
تقول الصليبية (آنَّا مليجان) : (ليس هناك طريق لهدم الإسلام أقصر مسافة من تعليم بنات المسلمين في مدارس التبشير الخاصة، إن القضاء على الإسلام يبدأ من هذه المدارس التى أنشئت خصيصاً لهذه الغاية، والتي تستهدف صياغة المرأة المسلمة على النمط الغربي، الذي تختفي فيه كلمة الحرام والحياء
والفضيلة) ! [٥] .
لقد نجحت هذه المدارس الأهلية في أداء مهمتها بالعمل الجاد وحسن التخطيط
واتباعها وسائل تربوية حديثة مستفيدة من دعم الأثرياء ورجال الكنيسة وحكومات
الاستعمار.
المدارس الأهلية الإسلامية:
شعر المسلمون بالخطر وقد أفسد عليهم أبناءهم، فحاول بعض أهل الخير
والغيرة أن يرمموا بعض هذا الخراب وأنشأوا عدداً من المدارس الأهلية المتناثرة
في أنحاء بلادهم، اعتباراً من الأقطار العربية في آسيا وإفريقية أو في بلاد
المسلمين في هاتين القارتين، ثم تبعتها محاولات لأبناء الجاليات الإسلامية في
أوربا وأمريكا.
كانت جهود هذه المدارس طيبة، ويكفي المخلصين من أصحابها الأجر
والمثوبة إن شاء الله ... إلا أنها ما تزال تتعثر في أساليبها ومناهجها، ويسود
معظمها الارتجال وأخطاء أخرى، أبعدتها عن تحقيق الأهداف المرجوة، ويمكن
الإشارة إلى أهم هذه الأخطاء والانحرافات:
أ- يسود معظمها الارتجال وعدم التخطيط؛ إذ سرعان ما تنشأ الفكرة ثم
يبحث عن المبنى وبعد ذلك تكون الصدمة في عدم وجود الكوادر الإدارية المناسبة
ولا هيئة التدريس المؤهلة، ولا حتى فكرة واضحة عن المناهج الإضافية والأنشطة
المختلفة.
ب - الإشراف والإدارة: بسبب السرعة قد لا يوضع الرجل المناسب في
المكان المناسب، فيضطر أهل الخير لاختيار مشرفين أو إداريين من غير ذوي
الاختصاص التربوي.
وإنه لأمر طبيعي أن يشرف المهندس على مباني المدارس وتهيئتها صحياً،
وأن يباشر الطبيب المسلم الإشراف على علاج أبناء المسلمين فيها، وأن يستلم
المدرس التربوي أمر التدريس أو الإشراف الإداري إن كانت خبرته كافية.
أما أن يسلم الإشراف والإدارة إلى المهندسين والأطباء أو التجار، فإنه لأمر
مفزع ومؤسف حقاً حيث لا يستفاد من الكفاءات والاختصاصات في مجالاتها
المناسبة ثم يقال بعد ذلك: ليس بالإمكان أحسن مما كان ... هاتوا البديل.
ج - الهاجس المادي: وهو من العوائق التي تقف أمام اختيار الكفاءات في
التدريس، وهو الشبح الذي يجعل أصحاب الحاجات يرتضون بالأجر الزهيد.. أو
هو الذي يقدم الخريجين الجدد؛ لأن رواتبهم أقل وطبيعي أن عطاء هؤلاء سيكون
ضعيفاً. وبذلك يتحول أطفال المسلمين إلى مراكز تجارب وتدريب.. حتى إذا
اكتسب المستجدون الخبرة، أو اكتفى صاحب الحاجة تحوَّل المدرسون إلى
الوظائف الأخرى ذات الحوافز الأفضل! . وهكذا يستمر التخبط. أين أموال
المسلمين الفائضة؟ أين التضحيات العقَدية؟ ! ابحث عنها في المحاضرات
والخطب والتنظير.
د- أما رياض الأطفال [٦] : فكثير منها أصبح أشبه بأماكن يتجمع فيها
الأطفال في ملعب آمن على سلامة أبدانهم. أما حالتهم النفسية، وحالتهم العقدية
والدينية، وقدراتهم العقلية فحدِّث عنها ولا حرج. إنها تُوأد بخشونة المعاملة أو
الجهل بنفسية الأطفال فيتخرج هؤلاء في المجتمع وقد امتلأوا بالعُقد النفسية،
والانحرافات الخلقية.
وبعض هذه المدارس لا يتفاعل مع خصائص الطفولة فيثقل على الأطفال
بتحميلهم فوق قدراتهم، فيكرهون المدرسة بدلاً من أن يرتاحوا إليها.
هـ - ومما يعرقل تقدم هذه المدارس - ويعيق العملية التربوية في بعض
المدارس الجادة - تدخُّل حكومات تلك البلاد، فإذا كانت علمانية فهي حاقدة تجهض
كل تحرُّك للمدارس الإسلامية.
وإذا كانت (بين بين) أربكت هذه المدارس بكثرة تدخل الموجهين أو
الإداريين، وقد يكون هؤلاء ممن لا خبرة لديهم، أو لا يؤمنون بعقيدة أو هدف هذه
المدارس، فيستغلون عصا السلطان بشراسة، ويذكّروننا بسلطة المندوب السامي
أيام الانتداب المشؤوم. وربما تحولت هذه المدارس بسبب هذا التدخل أو بسبب
الأخطاء السابقة - إلى مكان للمشاحنات والدسائس فتضيع الأهداف وتُنسى الغايات، ولا تكفي النية الطيبة في إنشاء هذه المدارس مادامت لم تحقق أهدافها.
هذه صورة مجملة أستخلصها من متابعتي لهذا الموضوع في عدد من ديار
المسلمين، ولعلّي لا أكون متشائماً واليأس ليس من شيم المؤمنين، ولكن الكلمة
الصريحة الصادقة واجبة ولو كانت مُرة لأنها أمانة تؤرق أصحابها.
فلابد من:
١- التخطيط في وضع المناهج الجادة المساعدة ذات الهدف العقدي والأخلاقي.
٢- ومن تقديم أصحاب الخبرة والكفاءة في الإدارة والتدريس.
٣- وألا يشغل الهاجس المادي أصحاب المدارس، فربح ضئيل مع الأجر
العظيم خير وأبقى.
٤- التعاون بين المدارس الإسلامية، والاستفادة من الخبرات فيما بينها، لأن
رسالتها رسالة عظيمة.
إننا نريد من هذه المدارس - ومدارس المسلمين عموماً - أن تخرّج الدعاة
والمصلحين؛ إذ ما بال مدارس التبشير قد تضافرت جهود القائمين عليها - رغم
باطلهم - والمسلمون تتفرق كلمتهم رغم الحق الذي يحملونه؟ !
وإنه لأمل يراودنا في نجاح هذه المؤسسات، وأن تقوم بدورها العظيم،
وتحقق الأمل المنشود.
стр. 1039
هجرة اليهود الفلاشا
مازن عبد الله
يتمتع غالبية يهود الولايات المتحدة بمداخيل مادية ضخمة ونفوذ كبير في
المؤسسات المالية والاجتماعية والسياسية، وبالإضافة إلى مناخ الحريات الشخصية
هناك؛ فضَّل هؤلاء البقاء على الهجرة ومناصرة إسرائيل من مواقعهم المؤثرة
داخل الولايات المتحدة الأمريكية.. ولما كانت هجرة يهود أمريكا محكومة بهذه
الظروف التي تجعل هذه الهجرة محدودة، كان أمل (إسرائيل) مركزاً على
هجرات كثيفة من دول الكتلة الشرقية عامة والاتحاد السوفييتي بشكل خاص ...
لقد ركزت الحركة الصهيونية على الضغط على الاتحاد السوفييتي للسماح
لليهود السوفيات بالهجرة، واستخدمت في سبيل ذلك كل وسائل الضغط السياسي
والإعلامي بربط موضوع الهجرة بحقوق الإنسان، كما تحرك اللوبي الصهيوني في
الولايات المتحدة ليجعل موضوع هجرة اليهود السوفييت على جدول أعمال أية
مباحثات تدور بينها وبين الاتحاد السوفييتي ... وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية،
كان اليهود وحقوقهم الثقافية والدينية وهجرتهم في صلب المواضيع التي دارت
حولها الحرب الباردة. وقليلة هي الاجتماعات التي عُقدت بين مسؤولين أوروبيين
أو أمريكيين ومسؤولين سوفيات بعد الحرب، ولم يكن موضوع الهجرة اليهودية
ضمن جدول اعمالهم، فبقي هذا الموضوع مشهراً في وجه الاتحاد السوفييتي مع
تعاقب قياداته ومسؤوليه.
وقبل الدخول في تفاصيل هجرة يهود الاتحاد السوفييتي نود الإشارة إلى
هجرتين سبقتا هذه الهجرة، ولو أنهما كانتا أقل أهمية وأصغر حجماً..
هجرة يهود إيران:
لقد كان الشاه متعاطفاً مع (إسرائيل) ، وكانت له علاقات وثيقة بها. ونتيجة
لهذه الصلة فقد كانت هجرة يهود إيران محكومة بالظروف الاقتصادية والعقائدية
لهؤلاء اليهود، شأنهم شأن يهود أمريكا، فقد آثر أثرياء اليهود الإيرانيين البقاء في
إيران وإمداد (إسرائيل) بالدعم المادي والمعنوي، ذلك أن الكثيرين منهم كانت لهم
السيطرة على بعض قطاعات الاقتصاد الإيراني، ولم يغادر إيران سوى القليل من
أصحاب الدخول المتدنّية والمتعصبين الدينيين.
عندما نجحت الثورة في إيران وأُسقط الشاه، بدأ اليهود هناك يخططون
للهجرة إلى إسرائيل بأعداد كبيرة.. وبقدر ما كانت (إسرائيل) منزعجة من
التوجهات المعلنة للثورة الإيرانية، فقد أسعدها أن تتدفق موجات المهاجرين من
اليهود الإيرانيين إليها. وهكذا، فعندما نشبت الحرب العراقية الإيرانية وصدرت
قرارات حظر توريد السلاح الأمريكي إلى إيران التي تعتمد قواتها المسلحة اعتماداً
أساسياً على السلاح الأمريكي جاءت (إسرائيل) لتنتهز الفرصة، وبعد اتصالات
سرية، قامت بشحن قطع غيار لطائرات الفانتوم والدبابات الأمريكية مع كميات من
الذخيرة، وذلك مقابل السماح بإقامة جسر جوي حمل الآلاف من اليهود الإيرانيين
إلى (إسرائيل) . ولكن هذه الرحلات توقفت بعد فترة قصيرة من بدئها وذلك
لأسباب عديدة ما لبثت أن حُلت، فأُكملت الصفقة التي كانت تحلم بها (إسرائيل) ،
وذلك في سبتمبر عام ١٩٨٧، حيث سمحت إيران بهجرة حوالي ٣٠٠٠٠ يهودي
إيراني بدأ عن طريق تركيا، ثم جواً أو بحراً من تركيا إلى (إسرائيل) .
هجرة يهود أثيوبيا (الفلاشا) :
الولايات المتحدة الأمريكية وبشخص رئيسها جورج بوش - تتدخل لدى
أطراف عديدة في منطقة البحر الأحمر لتنفيذ عملية مدنية عسكرية، قام خلالها
الجيش الإسرائيلي (بمهمة إنسانية) لإنقاذ مجموعة يهودية (معرضة للإبادة) . لقد
بدأت العملية ليل ٢٦ من أيار عام ١٩٩١ حيث تمكنت (إسرائيل) من نقل حوالي
١٤٥٠٠ يهودي أثيوبي من أديس أبابا إلى تل أبيب خلال ست وثلاثين ساعة على
متن أربعين طائرة عملاقة معظمها تابع للجيش من طراز هيركوليز -١٣٠سي،
وأخرى استؤجرت وأزيلت مقاعدها فحُشر فيها الفلاشا حشراً وهم جلوس على
أرضيتها؛ لتتسع لأكبر عدد منهم!
لقد بدأت عمليات تهجير الفلاشا إلى (إسرائيل) في بداية الثمانينات. ومع
ظهور الحاجة إلى مزيد من المهاجرين لزيادة الكثافة السكانية مهما كانت مهاراتهم
قليلة - بدأت الوكالة اليهودية بتنظيم حملة لجمع التبرعات خاصة في كندا
والولايات المتحدة لتمويل عملية تهجير يهود أثيوبيا.
في أواخر السبعينات، كانت الوكالة اليهودية قد بعثت ببعض عملائها
ووعاظها ليعيشوا بين يهود أثيوبيا. وهناك تمكن هؤلاء من نشر فكرة أن اليهود
الأثيوبيين سيتعرضون في المستقبل القريب إلى حملات الاضطهاد وإرهاب من قِبَل
عناصر معادية للسامية، بالإضافة إلى توزيع نشرات دعائية عن أرض الميعاد
والخير والنعيم الدائم الذي ينتظر كل يهودي يهاجر إليها.
على صعيد آخر، وخلال زيارته إلى أمريكا في محاولة لشراء السلاح،
اصطدم الرئيس الأثيوبي منغستو هيلا ميريام برفض أعضاء الكونغرس الموافقة
على بيع سلاح أمريكي لأثيوبيا. عندئذ نصح البعض منغستو بالاستعانة بنفوذ
(إسرائيل) في الكونغرس. وكان (بيغن) آنذاك في الولايات المتحدة يجري
مباحثاته الشهيرة مع أنور السادات في كامب دافيد.. وهكذا تم اتصال منغستو
ببيغن الذي رحب بشدة بهذه الفرصة الذهبية، فتم الاتفاق - وبعد مباحثات
قصيرة - على أن تقوم إسرائيل، بواسطة اللوبي الصهيوني بالضغط على الكونجرس ليوافق على تزويد أثيوبيا بالسلاح مقابل أن يوافق الرئيس الأثيوبي على إقامة جسر جوي بين أديس أبابا وتل أبيب لنقل اليهود الفلاشا.
لقد بدأت عمليات تهجير اليهود الفلاشا مع مطلع عام ١٩٨١، عندما قامت المخابرات الإسرائيلية، وبالتنسيق مع المخابرات الأمريكية ال CIA بعملية تهريب ١٤٠ يهودي أثيوبي على متن طائرة تجارية كانت تقوم برحلات إلى أديس أبابا لنقل البضائع. قام بتنفيذ العملية والإشراف عليها وقتئذ منظمة تدعى.. المنظمة الأمريكية، وهي منظمة تعمل كغطاء لوكالة المخابرات الأمريكية في المنطقة.. بعد فترة قصيرة، استطاعت المخابرات الإسرائيلية نقل حوالي ألف يهودي أثيويى سرا إلى إسرائيل. وهكذا توالت عملية تهجير الفلاشا إلى إسرائيل وبأعداد قليلة حتى سنة ١٩٨٢ حين تم اكتشاف إحدى العمليات في مطار أديس أبابا فتوقفت العمليات.. وعندما كانت إسرائيل بأمس الحاجة إلى هجرة كثيفة تساعدها في إنشاء مستوطنات جديدة تغطي الأراضي العربية التي احتلتها وأخرى تخطط، ومن هنا بدأ التفكير الجدي في البحث عن طرق أخرى لتهجير يهود أثيوبيا وبكثافة كبيرة.
عملية موسى:
بدأت العملية عندما استطاعت المخابرات الإسرائيلية، وعن طريق
المخابرات الأمريكية، الاتصال بالملياردير عدنان الخاشقجي والاتفاق معه على أن
يتوسط لدى الرئيس السوداني جعفر النميري من أجل إتمام صفقة ليحصل فيها
النميري على مبلغ ٥٦ مليون دولار، توضع في حساب سري باسمه في أحد فروع
بنك أوروبي بروما، كما يدفع فيها مبالغ إضافية لبعض مساعديه وفي مقدمتهم
اللواء عمر الطيب ومساعده لشؤون القصر الدكتور بهاء الدين إدريس في مقابل
مساهمة ومساعدة هؤلاء في عملية تهجير اليهود الأثيوبيين عن طريق السودان إلى
إسرائيل.
وفي منتصف عام ١٩٨٤، وفي قصر عدنان خاشقجي في نيروبي عاصمة
كينيا، تم الاجتماع المنتظر والذي ضم جعفر النميري وآرييل شارون وعدنان
خاشقجي بالإضافة إلى الدكتور بهاء الدين إدريس وبعض مسؤولي الموساد. وعلى
أثر هذا الاجتماع تم الاتفاق على عقد الصفقة وتنفيذ العملية.
بعد اجتماع نيروبي، بدأ الإعداد لتنفيذ العملية بإنشاء معسكر خاص في منطقة
القضارف ومعسكر آخر في منطقة (تبواوا) ، وكلاهما منطقة نائية تقع على
الحدود السودانية الأثيوبية، وأعدا بشكل يظهران فيه بأنهما مجرد معسكرين
للاجئين يأوي إليهما اللاجئون الأثيوبيون.. وعلى صعيد آخر اتصلت المخابرات
الإسرائيلية برجل أعمال يهودي بلجيكي اسمه جولتمان وهو صهيوني متعصب
يملك أسطولا من الطائرات متعددة الأحجام والطرز، وطلبت مساعدته. فوافق على
الفور وجهز أسطولا من الطائرات المناسبة لتنفيذ العملية، ووضع عليها اسم ...
(شركة ترانس يوروبيان اير لاينز) باعتبارها شركة نقل بلجيكية تعمل على نقل مواد الإغاثة إلى السودان.
بعد الاطمئنان إلى دقة الترتيبات صدر قرار البدء بتنفيذ العملية. وكان ذلك
يوم ٢٠/١١/١٩٨٤ وفعلا، وصلت الأوتوبيسات التي تحمل الدفع الأولى من
المهاجرين اليهود الأثيوبيون إلى مطار الخرطوم قادمة من منطقة القضارف ودخلت المطار تحت حراسة وإجراءات أمنية مشتددة، حيث كان بانتظارها السفير الأمريكي شخصيا والذي جاء ليطمئن بنفسه على صعود المهاجرين الفلاشا إلى الطائرة. ... وهكذا بدأت رحلات الهجرة وحسب الخطة المرسومة بحيث تقلع الطائرات من الخرطوم وتتجه إلى العاصمة البلجيكية بروكسيل، فتهبط هناك للتزود بالوقود
على أنها طائرات ترانزيت عابرة، ومن ثم تقلع مباشرة إلى (إسرائيل) ... لقد
استمرت تلك العملية فترة على هذا المنوال، قامت خلالها الطائرات البلجيكية بثمانٍ
وعشرين رحلة نقلت فيها حوالي عشرة آلاف يهودي أثيوبي إلى (إسرائيل) ، حتى
توقفت بعد حادثة تسرب الغاز في أحد مخازن البضائع التي كان يُخبَّأ فيها اليهود
الفلاشا وانكشاف العملية.. فلقد اعترف متحدث رسمي إسرائيلي في مؤتمر صحفي
يوم ١٦/١/١٩٨٥ بأن (إسرائيل) قد رتبت فعلاً تلك العملية السرية التي تحدث
عنها بزهو وفخر واعتبرها من أهم العمليات التي نفذتها مخابرات بلاده بنجاح.
عملية سبأ:
بعد انكشاف أمر العملية الأولى أي (عملية موسى) ، أخذت المخابرات
الأمريكية على عاتقها أمر تنفيذ العملية التالية والتي أطلق عليها اسم عملية (سبأ) .
وفي ٦/٣/١٩٨٥ قام الرئيس الأمريكي الحالي جورج بوش -والذي كان يشغل في
تلك الأثناء منصب نائب الرئيس - بزيارة خاصة للسودان فاجتمع بالرئيس النميري
وأقنعه بالعملية الجديدة التي وعده بأن المخابرات الأمريكية بكل ثقلها هي التي
ستتولى تنفيذها. لقد وافق النميري على العملية شرط أن لا تتوجه الطائرات
الأمريكية التي ستقل الفلاشا إلى (إسرائيل) مباشرة وإنما تتوجه إلى إحدى القواعد
الأمريكية في أوروبا أولاً ومن ثم تتابع رحلتها إلى (إسرائيل) ، ولكن عند بدء
تنفيذ العملية في ١٨/٣/١٩٨٥ تجاهلت المخابرات الأمريكية هذا الشرط؛ فكانت
طائرات الشحن العسكرية تقلع من إحدى القواعد العسكرية الأمريكية في أوروبا
لتصل إلى مطار العزازا بشرق السودان ثم تقلع بحمولتها من يهود الفلاشا مباشرة
إلى أحد المطارات العسكرية الإسرائيلية في النقب.
لقد اختارت المخابرات الأمريكية مطار العزازا المهجور كبديل عن مطار
الخرطوم؛ وذلك لقربه من منطقة (القضارف) ولسهولة إحكام السيطرة الأمنية
عليه، فهيأت ممراته بحيث يصبح جاهزاً لاستقبال طائرات النقل العسكرية
الضخمة من طراز سي ١٣٥ والتي استخدمتها في تلك العملية ... لقد شارك في
تنفيذ العملية - وزيادة في التمويه - موظفو هيئة الإغاثة الدولية الذين تم تجنيدهم
لصالح المخابرات الأمريكية. ولكن بالرغم من كل تلك الاحتياطات والتدابير
الأمنية المشددة، فقد تسربت أنباء تلك العملية وخاصة بعد حادثة مراسل صحيفة
(لوس أنجلس تايمز) ، وذاع السر، فبدأت تتناقله في ٢٢/٣/١٩٨٥ - الدوائر
الصحفية والسياسية، وهكذا توقفت العملية الثانية بعد فترة قصيرة من بدئها، قامت
الطائرات الأمريكية العسكرية خلالها بست رحلات فقط نقلت فيها آلاف اليهود
الفلاشا إلى (إسرائيل) .
التغييرات الدولية والعملية الجديدة:
في عام ١٩٨٩، وعندما بدأت ملامح تغير موازين القوى الدولية والإقليمية
تظهر - خاصة بين أمريكا والاتحاد السوفييتي ومن ثم بين (إسرائيل) والدول
العربية - أعلنت أثيوبيا عن إعادة علاقاتها الديبلوماسية مع (إسرائيل) ، بعد
قطيعة دامت ٢٢ سنة. عندئذ بدأت (إسرائيل) تخطط لعقد صفقة مع أثيوبيا تكون
عملية تهجير اليهود الفلاشا من أهم عناصرها. وهكذا لم تستغرق المسألة وقتاً
طويلاً حتى تمكنت (إسرائيل) من عقد صفقة مهمة مع أثيوبيا، وإن لم تستطع أن
تحقق كل ما كنت تطمح له وبالسرعة التي تريدها ... فلقد وافقت (إسرائيل) على
إمداد أثيوبيا بالسلاح والعتاد والمستشارين العسكريين ومستشارين في مجال الري
والزراعة ومجالات أخرى، مقابل موافقة أثيوبيا على السماح لإسرائيل بإقامة قاعدة
تنصت واستشعار عن بُعد في إحدى الجزر الأثيوبية بالبحر الأحمر، بحيث يمكِّنها
هذا الموقع من التجسس الالكتروني على السعودية واليمن، وموافقتها على تهجير
اليهود الفلاشا من أثيوبيا إلى (إسرائيل) . وفعلاً، فلقد تأكد لدى دوائر المخابرات
أن تهجير يهود أثيوبيا إلى (إسرائيل) بدأ مباشرة بعد وصول أول دفعة من الأسلحة ...
الإسرائيلية إلى أثيوبيا.
عملية جسر سليمان:
وكما ذكرنا في مطلع حديثنا عن اليهود الفلاشا، فلقد تابع رئيس الولايات
المتحدة الحالي وعرَّاب عملية سبأ (جورج بوش) وبصورة شخصية - الجهود
الرامية إلى ترحيل حوالي ١٦ ألفاً من الفلاشا إلى (إسرائيل) ، خوفاً عليهم من
مغبة انفجار الوضع في أديس أبابا وخاصة بعد انهيار حكومتها.
فبعد انتهاء حرب الخليج وانقلاب موازين القوى السياسية والعسكرية، الدولية
والإقليمية، وتفرد أمريكا شبه التام بالساحة الدولية - أوعزت إلى بعض عملائها
في بعض الجبهات الثورية في جنوب وغرب أثيوبيا وأعطتهم الضوء الأخضر من
أجل تفجير الأوضاع في البلاد. وعندما انفجر الوضع في أثيوبيا، سارع جورج
بوش ليتصل بادئ الأمر، وحسب مراسل صحيفة (نيو يورك تايمز) - بالرئيس
الأثيوبي منغستو هيلا ميريام وناشده الإسراع بترحيل ما تبقَّى من اليهود الفلاشا من
أثيوبيا إلى (إسرائيل) و (لأسباب إنسانية) . لِلمّ شملهم مع أسرهم وأقربائهم الذين
تم ترحيلهم من قبل في عمليتي موسى وسبأ. ولكن عندما ربط منغستو موافقته على
هذا الطلب مقابل موافقة أمريكا على إمداد حكومته بالسلاح وإعطائه مئة مليون
دولار نقداً؛ تخلى عنه بوش.
بدأت الأحداث تتسارع في أثيوبيا، وبدأ الثوار الذين تمثلهم (جبهة الشعب
الأثيوبي الديموقراطية الثورية) و (جبهة ثوار أورومو) و (الجبهة الشعبية
لتحرير أرتيريا) يحرزون نجاحات سريعة في زحفهم نحو العاصمة وميناء عصب
(الميناء الوحيد الذي يربط أثيوبيا بالعالم الخارجي) ، فشعر منغستو بدنو أجل ...
حكومته فتنازل عن الحكم لنائبه تيسفاي كيدان الذي شكَّل حكومة جديدة بعد هروب
منغستو إلى زيمبابوي حيث طلب حق اللجوء السياسي؛ عندئذ عادت أمريكا لتدخل
على خط الأحداث ثانية. والغريب أن المفاوضات حول ترحيل اليهود الفلاشا لم
تكن تتم بين الحكومة الإسرائيلية والحكومة الأثيوبية. ولكن عبر وسيط أمريكي،
هو اليهودي هيرمان كوهين، مساعد وزير الخارجية الأمريكية للشؤون الإفريقية.
وكان المبرر الذي تجري بموجبه هذه المفاوضات هو محاولة عقد مؤتمر لحل
النزاع بين الثوار والحكومة الأثيوبية والذي اتخذت لندن مقراً له. في تلك الأثناء
كانت الأحداث تتسارع في أثيوبيا وبدأت كفة الميزان تترجح لصالح الثوار الذين
سيطروا على ميناء عصب وعلى غالبية المواقع الاستراتيجية في البلاد وبدأوا
زحفهم الأخير نحو العاصمة. عندئذ طلبت الحكومة الأمريكية - ممثلة بكوهين -
تأجيل المفاوضات في لندن وتأجيل اقتحام الثوار العاصمة، وكان هدف كوهين من
هذا التأجيل هو الحصول على مهلة تسمح بنقل الفلاشا عبر جسر جوي يربط بين
أديس أبابا و (إسرائيل) قبل تدمير العاصمة عند اقتحامها.. وهكذا كان، فلم
يستغرق الأمر أكثر من خمسة أيام و٣٥ مليون دولار، كانت من نصيب الحكومة
الأثيوبية، تم خلالها نقل جميع اليهود من الفلاشا - الذين جُمعوا في مخيمات قرب
السفارة الإسرائيلية في العاصمة - عبر مطار أديس أبابا إلى (إسرائيل) .
بعد انتهاء هذه العملية التي أطلق عليها اسم عملية (جسر سليمان) مباشرة،
استؤنفت في ٢٧ من أيار عام ١٩٩١ المفاوضات التي أعلن فيها كوهين القرار
الأمريكي بإعطاء الضوء الأخضر للثوار باقتحام العاصمة. وهكذا سقطت العاصمة
وسقطت معها الحكومة، وأسدل الستار على ما عُرف بقصة اليهود الفلاشا في
أثيوبيا.
стр. 1040
كتب
التطبيع
استراتيجية الاختراق الصهيوني
تأليف: غسان حمدان
عرض: د. يوسف الصغيِّر
يعتبر هذا الكتاب من الكتب المهمة في هذا الموضوع؛ حيث إنه يجمع بين
صغر الحجم نسبياً (٢٥٦ صفحة من القطع المتوسط) وغزارة المعلومات
والإحصاءات الموثقة المعروضة عرضاً جيداً من وجهة نظر إسلامية في عمومها
ويتكون هذا الكتاب من مقدمة وسبعة فصول.
ففي المقدمة ألقى الضوء على كارثتين ابتليت بهما الأمة في هذا العصر وهما
إلغاء الخلافة الإسلامية ودور التآمر اليهودي والصليبي فيها، والثانية اغتصاب
فلسطين وإقامة دولة اليهود فيها وما تبع ذلك من استغلال العشرات من الحركات
والأحزاب المنحرفة لهذه الأحداث وإعلانها الوصاية على الشارع الإسلامي بادعائها
العداوة مع اليهود ومقاومة الوجود اليهودي في فلسطين على الرغم من مدهم الأيدي
لهم في الخفاء. ولبيان منحنى العلاقات الظاهرة بين العرب ودولة اليهود عقد
الكاتب الفصل الأول حيث بيَّن أن الإجماع العربي الرسمي على رفض الاعتراف
بالعدو كان شاملاً منذ العام ١٩٤٨ وحتى هزيمة ١٩٦٧م باستثناء موقف الرئيس
التونسي بو رقيبة، وكانت المقاطعة من أبرز ملامح هذه الحقبة؛ حيث اتخذ مجلس
الجامعة العربية في أيار ١٩٥١م قراراً بإنشاء مكتب المقاطعة العربية لإسرائيل وقد
أُنفقت أموال هائلة على جهاز المقاطعة، ولكنها لم تمنع تسرب البضائع الإسرائيلية
إلى الدول العربية، وبالعكس وقد ازداد التسرب كثيراً بعد حرب ١٩٦٧ م، فقد
كان البترول العربي يستورد عن طريق طرف ثالث أو يفرغ مباشرة من الناقلات
في عرض البحر، وكانت المنتجات الإسرائيلية تتسرب عن طريق دول مجاورة
مثل إيران واليونان وقبرص، أو عن طريق مراكز تصديرية عالمية مثل تايوان
وهونغ كونغ.
وبدأت مرحلة جديدة بعد زيارة السادات للقدس، حيث برز اصطلاح جديد
وهو التطبيع، وقد استعمله اليهود كثيراً على الرغم من المغالطة في المفهوم؛ حيث
إن التطبيع هو عودة العلاقات إلى سابق عهدها، بينما الأصل في العلاقة مع اليهود
هو العداوة كما قال تعالى: [لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ والَّذِينَ
أَشْرَكُوا] [المائدة: ٨٢] ولا ينكر الساسة اليهود أن التصور الإسرائيلي للسلام مع
العرب يدور حول فكرة أساسية هي تطبيع العلاقات العربية الإسرائيلية التي هي
مرحلة من مراحل السيطرة اليهودية، ولا يمكن تصور أن زيارة السادات للقدس
كانت وليدة خاطرة في ذهن الرئيس، بل إن الاتصالات الإسرائيلية كانت مستمرة
بلا انقطاع مع أكثر من طرف عربي. وما نشر وينشر من كتب موثقة حول
لقاءات شخصيات وزعماء عرب مع زعماء اليهود يغني عن ذكر الأسماء، فالأمر
أصبح واضحاً لكل ذي لب.
وهناك صلات ودية حميمة بين بعض الزعماء وزعماء (إسرائيل) وقد ...
سمحت بعض السلطات لليهود والذين يهاجرون إلى (إسرائيل) - بالاحتفاظ
بجنسية البلد الذي غادروه، وكثير من مسؤولي (إسرائيل) الآن هم من ذاك البلد
وقد طالب زعيم هذا البلد - في مقابلة مع صحيفة (السياسة) الكويتية - بالاعتراف
بإسرائيل واعتبارها (حارة) لليهود في الدول العربية! .
وإذا كانت الاتصالات الإسرائيلية المارونية ليست محل استغراب فإن ...
الاتصالات الفلسطينية الإسرائيلية توضح إلى أي مدى وصلت إليه القيادة
الفلسطينية؛ حيث اشتمل الكتاب على حقائق وإحصاءات كثيرة، ويجدر
الاطلاع عليها فهي تحتوي على معلومات عن مفاوضات ولقاءات كثيرة سواء بين أفراد أو بين وفود، منها ما هو سري ومنها ما هو علني. أما الاتصالات المصرية الإسرائيلية فقد جرت بشكل سري في عهد عبد الناصر تحت إشراف أمريكي، وجاء السادات ليكمل المسيرة فبدأ بعملية إعداد إعلامي لترويض الشعب المصري وتصوير كل المصاعب بسبب الصراع، وأن السلام سيجلب الثراء، وبدأت العملية العلنية بمبادرة السادات في مجلس الشعب يوم ٩/١١/١٩٧٧م؛ حيث أعلن فيها رغبته في زيارة القدس (وغزو العدو في عقر داره) ! وبعد جولات من ... المباحثات تم التوقيع على معاهدة كامب ديفيد التي تعتبر مثالاً يُحتذى لأي معاهدة قد تجري بين العرب و (إسرائيل) ، فهي تتعدى كونها معاهدة سلام إلى معاهدة يتم بموجبها فتح المنطقة أمام النفوذ والسيطرة اليهودية، ويمكن تلخيص مظاهر التطبيع بالآتي:
١- التطبيع السياسي؛ حيث أرسيت علاقات دبلوماسية كاملة ولقاءات قمة
متبادلة.
٢- التطبيع الاقتصادي؛ حيث تمت إزالة جميع الحواجز بل أصبحت
(إسرائيل) الدولة الأولى بالرعاية.
٣- التطبيع الثقافي؛ حيث ينظر اليهود إليه على أنه الدعامة الرئيسة لبقاء
السلام حيث يتم نزع العداء لليهود من العقل العربي.
ومن مظاهر التطبيع يتبين لنا أهمية التطبيع الكبيرة بالنسبة للكيان اليهودي،
حيث يتم كسر الحاجز النفسي بين المسلمين واليهود، وتنتهي المقاطعة العربية مما
يفتح المجال لتوسع اقتصادي كبير في (إسرائيل) نتيجة فتح الأسواق العربية،
وهناك أمر آخر هو أهمها وهو أن الاستقرار الأمني في المنطقة سيؤدي إلى سيل
كثيف من هجرة اليهود إلى (إسرائيل) ، مما يقرب اليهود من تحقيق حلم
(إسرائيل) الكبرى؛ حيث إن قلة عدد السكان هو أكبر عامل يعرقل المشاريع
اليهودية في المنطقة. ويتبين من حرص اليهود على التطبيع بين مصر
و (إسرائيل) عدة مظاهر خطيرة:
منها استغلال الدين وتطبيعه حيث تم تصوير زيارة السادات للقدس بأنها
إحياء لسنة الرسول ﷺ في صلحه مع قريش، وسنة صلاح
الدين في دخوله القدس وقد أصر اليهود على منع بث السور التي تتحدث عن اليهود
وحذف الآيات التي تفضح اليهود من الكتب الدراسية، وكذلك منع البرامج الدينية
التي تتناول قصص اليهود والواردة في القرآن، وأخيراً تأليب النظام على الحركة
الإسلامية.
وبعد أن تم توقيع الاتفاقية الثقافية الملحقة بكامب ديفيد في ٨/٥/١٩٨٠م
أسرعت الحكومة المصرية وقامت بمراجعة شاملة لمناهج التعليم في مصر وتعديلها
لتلائم المرحلة الجديدة، وبالطبع لم يتم شيء من هذا في الجانب اليهودي. إن
اليهود مصرون على تحقيق هدفهم مستعينين على ذلك بتواطؤ الحكومات العربية
إضافة إلى جدهم وجَلدهم، فمنذ الأيام الأولى لتأسيس (إسرائيل) صرح بن
غوريون في كلمة موجهة إلى الطلاب اليهود بقوله: (إن هذه الخارطة ليست
خارطة شعبنا، إن لنا خارطة أخرى عليكم - أنتم طلاب المدارس اليهودية
وشبابها - أن تحولوها إلى واقع ... يجب أن يتسع شعب (إسرائيل) من النيل إلى الفرات) ! .
إن حلقات هذا المسلسل لن تنتهي إلا بتحقيق موعود الله - تعالى - لهذه الأمة
على لسان نبيها بأن تحصل المجابهة النهائية بين اليهود وبين جند الإسلام؛ حيث
قال رسول الله ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون
اليهود؛ فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر والشجر فيقول الحجر
والشجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعالَ فاقتلْه..) رواه مسلم
والترمذي. فما يحصل الآن هو بشارة لهذه الأمة بعودة دولة الإسلام وإن الله جامع اليهود ليوم الملحمة.
стр. 1041
البيان الأدبي
مناهج لا كلمات
د. عبد الله عمر سلطان
(التجرد) ادعاء أم ممارسة؟ :
سؤال مطروح في أوساط المفكرين والمصلحين منذ القديم، والسؤال نفسه
يجد طريقه إلينا بصورة شاخصة قوية اليوم لا سمما ونحن نعيش عصر الانبعاث
الإسلامي اللحظة بصورة متجددة ...
وبقدم السؤال ... بأهمية الإجابة.. بحجم القضية.. وباتفاق الأطراف على
إجابة واحدة لا تدع مجالاً للمراوغة ولا مساحة للتدليس!
التجرد ممارسة وتطبيق وواقع ينطلق من قناعة ونظرية ومسلَّمة.. والتجرد
في عُرف الأمة الوسط ظل هكذا، وعاش كذلك دون أي بهرجة أو فلسفة مخلة.
التجرد يعبر عنه رجال خير القرون، ورواد أهل السنة بتلك العبارة الشهيرة: (قد أحسن من انتهى إلى ما قد سمع) ... وتأملوا قصة هذا الحديث وتوقفوا لحظات قسرية أمام هذا النموذج البسيط المدهش! «عن حصين بن عبد الرحمن قال كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ فقلت أنا: ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة ولكني لُدغت. قال: فما صنعت، قلت ارتقيت، قال فما حملك على ذلك؟ قلت حديث حدثناه الشعبي ج قال: وما حدثكم؟ قلت حدثنا عن بريدة بن الحصيب أنه قال: لا رُقية إلا من عين أو حُمَة قال: قد أحسن من انتهى إلى ما قد سمع..، ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: عُرضت عليَّ الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي معه الرجل والرجلان، والني ليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه فنظرت إلى سواد عظيم فقيل لي: هذه أمتك ومنهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، ثم نهض فدخل منزله فخاض الناس في أولئك فقال بعضهم فلعلهم الذين صحبوا رسول
الله ﷺ وقال بعضهم لعلهم الذين وُلدوا في الإسلام ولم يشركوا بالله شيئاً.. وذكروا أشياء فخرج عليهم رسول الله ﷺ فأخبروه فقال: هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون، فقام عُكاشة بن محصن فقال: ادعُ الله أن يجعلني منهم، فقال أنت منهم. ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن أكون منهم ... قال سبقك بها عكاشة» متفق عليه واللفظ لمسلم.
والحديث على ما فيه من العبر والدروس والتي لا تنقضي فإنه يمر على
أكثرنا اليوم دون توقف أمام النص المعجز.. والنبراس المضيء ... وقفة تأمل
وتتلمذ واجبة، هل نقف أمام الخوف الشديد من الرياء والتابعي الجليل يقول لمن
توهم بأنه شاهد النجم حيث كان يقوم الليل بعبارة (ولكني لدغت..، أم أمام الحوار
الدائر بين جمهرة الصحابة في القضايا المهمة وحرصهم على الخير..، أم أمام
مفهوم التوكل والأسباب؟ أم أمام ظاهرة التطير؟ كلها وقفات مهمة لكننا سنختار
موضعاً واحداً للوقوف والاعتبار.
هذا هو المنهج. التابعي الأول مجتهد محسن في عُرف أخيه، لأنه اتبع أصح
الأدلة وسار على أوضح المسالك التي كانت بين يديه.. وهذا دأبهم، في ظل مفهوم
التجرد المكرس واقعاً، لا يتخذ من الموقف السابق والدليل المرجوح إلا سلماً في
الطريق إلى الحق المطلق الثابت بصورة أوكد.
هكذا بكل تجرد.. وتواضع.. وتنازل يؤخذ بزمام الحق.. ويُتولى شطر
اليقين. مَن كان هذا دليله وذلك منهجه يفرح حقاً بالوصول إلى الأسلم ويحلق بقوة واندفاع في اتجاه جديد عليه لكنه مؤمن به كل الإيمان.. دأب صاحب هذا التوجه، التجرد مما آمن به في لحظة ثبوت الحق القاسي على النفوس التي تظن أن تبنّيها مواقف سابقة تجعلها مرتبطة آلياً بها، هكذا دون نقاش، وإن إعلان الخطأ طقس من طقوس الضلال.. الذي يجب ألا يُقترف.
خط صاحبنا التابعي يقول: اسمعوا لا شيء يقف في طريق الحقيقة سوى
النفوس المريضة والخيالات الهشة..، الحق في الثابت الصحيح وما كان طريقاً
إليه وموصلاً بحبله طريق ليس إلا ... فإذا تمسكت بمرحلة معينة وأضفت حولها
قداسة وهالة فإن هذا لا يعني أنها هي الغاية من السفر المرهق، ... الغاية هناك
حينما تصل إلى نهاية الرحلة ... لا يمكن لأعرابي مجتهد أن يزعم أن عسفان -
وهي الطريق المؤدي إلى حرم الله الآمن - هي البيت الحرام.. عسفان مع ما فيها
من رجال خير.. ومساجد عامرة مرحلة قريبة من الوصول إلى البيت العتيق ... ،
والأعرابي هذا إما أن يتنازل عن وهمه حينما يواجَه مباشرة بأنه صحيح الظن في
مساره لكنه لم يبلغ ما نذر نفسه له أو يظل مصراً على التمسك بموقفه ... ، إن
عليه في تلك اللحظة أن يتنازل عن عسفان ووهمه الجميل الذي بناه حولها ... ،
ويشار إليه إلى جبال سود يجد مكة بعدها ... فإذا قبل الأعرابي فإنه انتهى إلى ما
قد سمع ... وإذا أصر على أنه لم ير في حياته مكاناً يشبه ما تخيله أنه البلد الحرام
فإنه سيبقى في عسفان ... وتبقى مكة هي بيت الله الحرام ... بالرغم من كل
الأساطير والأحلام والرؤى التي قلبت في ذهنه عسفان حتى غدت في حسه الفطري
ما قصده حاجاً.
(قد أحسن من انتهى إلى ما قد سمع) :
عبارة بسيطة، وجملة مستقطعة من الحديث ... ولكن كم هي عظيمة وعميقة
تُعلن للمسلمين على مر العصور أن القاعدة العظيمة [لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إلاَّ
وسْعَهَا] [البقرة: ٢٨٦]- تسري على طالب الحق كما تسري على مجتنب
الخبث ... ، ولا يسأل الله عبداً إلا ما كان في استطاعته وعلمه وتحت يده ... ، وتجعل من منهج (المجتهد المخطئ) مدخلاً عظيماً نقف نحن اليوم أمامه في مرحلة من عصور التقدم المادي وتظل الحضارة المعاصرة قاصرة عن
بلوغه..، هذه البدهيات في المنهج تحث على التجرد في حدود الممكن والمستطاع ولا تثقل كاهل الإنسان وتلقي به في دائرة المستحيل ... لكنها تصوغ في نفس الوقت الطريق الموصل من خلال التجرد المطلق للحق بلا تردد.
(قد أحسن من انتهى إلى ما قد سمع) :
أمر الدين لا يؤخذ إلا هكذا في مسائل الشرع والمعتقد والتعامل اليومي! وأمام صحوة وانبعاث المسلمين اليوم تبرز ظاهرة تفرض نفسها فرضاً وتجبرنا على طرحها دون خيار.. متمثلة في تشرذم العاملين لإعادة هذا الدين حينما يغفلون عن إدراك مثل هذه القاعدة!
وحالة الانبعاث في كل عصر يصاحبها شيء من الحيرة والقلق والمحاولة
حتى تستقيم الصحوة وتصلب وتتجذر! لكن من الظلم بل من العبث أن يُضفَى على
حالات الحيرة والقلق الموصلة إلى الحق شيء من القداسة وأن يُرَشَّ من حولها
بخور الكرامة لكونها محاولة وكفى، إن حالنا اليوم يشبه عسفان وأعرابيها ... ، أن
نطلق على هذه المحاولات المجتهدة صفة الثبات والأصلية يجعلها قوالب مرعبة
ورموزاً عسفانية! وكلما تخيلنا وأطنبنا في خيرية المحاولة واجتهادها الطيب، فإنها
مرحلة ليس إلا ومحطة في الطريق إلى الهدف المنشود، ومن ادعى غير ذلك حينما
يواجَه بالنص القاطع والدليل الساطع - فإنما هو يتقوقع في دثور الاعرابي الذي
ظل يصرخ: وهذه المساجد، وتلك النفوس المؤمنة أليست هي بكة أم القرى؟ ؟
نعم أيها المجتهد إنها محاولة جادة وصادقة صدرت عنك ... لكن تأمل أمامك أدلة
تصرخ، ونصوص توضح، وأصول تجذر ... هل تتركها وتضرب بها عرض
الحائط؟ أم أنها جديرة بالبحث والنظر.. تأمل أيها الحبيب منهج سلفك ... تعرض
عليك القضية من هذا المنظار وتلك الزاوية فلا يكون موقفه سوى التسليم والانصياع
متمتماً: قد أحسن من انتهى إلى ما قد سمع ...
لم يقل.. دليلي أخذته من الشعبي.. أتشك في الشعبي وعلمه؟ ؟ ولم يجادل
قائلاً: دليلي ثابت عن النبي ﷺ كدليلك! ولم يقل ... كلٌّ
يأخذ بما يرتاح إليه.. أنا آخذ برأي إمام معتبر. وأنت بآخر ... ولم يتمادَ بشعار
الجهلة (اختلاف أمتي رحمة) . تجرد واقعاً ممارَساً وتحركا يدب ... ويندفع،
واليوم ... كم من الدعاة العاملين يطبق هذه القاعدة ويستسلم لهذا الشعار! ! حقاً!
تأملوا مَن حولكم لتروا كم منا يرى في الطرق المجتهدة، مقدسات ورايات
يقاتل وينتهك من أجلها كل شيء ... حتى النصوص والقواطع؟ تأملوا كم منا يفكر
في أن كل الجماعات العاملة والأفراد المخلصين ما هم إلا أسباب خير ومحاولات
رشاد قابلة للخطأ والصواب؟
تأملوا كم الذين يتجردون للحق والثابت حى ولو عارض من يثقون بهم
وينخرطون في صفوفهم؟ تأملوا موقفنا اليوم من هذا المنهج والهدى المشع..
وموقفنا غداً بين يد البارئ ... ليس بيننا وبينه ترجمان.. أفراداً لا جماعات؟ !
تأملوا ثم اعرفوا بعد ذلك كم منا يقوده حصين بن عمران ... وكم من مئات العاملين
يعيشون منطق أعرابي عسفان! ثم بعد ذلك ثقوا بأن التاريخ بعد أمد سيقول عن كل
هذه المحاولات أنها محاولات ليس إلا..، قد تنتج شجرة مباركة في ظل التجرد
وقد.. تآكلت كما تآكلت أندلس بالأمس..، وتتآكل بعض قوانا واقعاً نراه على
مرأى البصر.
انظروا للمتجرد من أمثال ابن تيمية حينما واجه (المتوجسين) من المقلدة
الهامشيين، وأدركوا بعدها كم ينجح المتجرد المتصل بالحق على أهل السلطان
والفتوى والعلم الزائف.. ولو بعد حين ... كما حصل لأحمد بن عبد الحليم معظم
معاصريه وهم أعداؤه في ذات الوقت لم نكن لنعرف عنهم شيئاً لولا وجود ذلك
الرجل الذي خالف المذهب، وأفزع المقلدة من أهل عصره حينما التزم شعار
الالتزام بالحق والانتهاء إلى ما قد سمع من الثابت ... ، وانظروا إلى الشيخ
القاسمي في بداية هذا القرن وهو يواجه المتعصبة من المذهبيين فلا يملكون أمام
المتجرد / الرمز سوى اتهامه بالاجتهاد! !
وهي تهمة - في نظر ضيِّقي الأفق وأسرى الاتباع الأبله - لا توازيها تهمة!
(قد أحسن من انتهى إلى ما قد سمع) :
منهج لا تحسن الألسنة لوكه دون أن يدب.
وكلمات متأصلة ليمت طارئة.
ونداء مدوٍّ له في سمع المتجردين.. والمتجردون القلة أذن واعية! وعلى مر
العصور والبقاع المتناثرة، لكنه يظل مشعاً كأنه كوكب دري في شعاب الحقب
والزمان.
стр. 1042
شعر
وقفة على أعتاب مستوطنة يهودية
شعر: د. عبد الرحمن صالح العشماوي
يا أبي.
هذي روابينا تغشَّاها سكونُ الموت..
أدماها الضجرْ
هذه قريتُنا تشكو..
وهذا غصنُ أحلامي انكسرْ
يا أبي..
وجهُك معروق ...
وهذا دمع عينيك انهمرْ..
هذه قريتنا كاسفة الخدينِ
صفراء الشجرْ
ما الذي يجري هنا يا أبتِ..
هل نفضَ الموتَ التترْ؟ !
يا أبي..
هذا هو الفجر تدلَّى فوقنا من جانب الأُفُقْ
وفي طلعته لونُ الأسى
ها هو المركب في شاطئنا الغالي رسَا
غيرَ أنَّا ما سمعنا يا أبي
صوتَ الأذانْ
عجباً
صوتُ الأذانْ؟ ؟
منذ أن صاحبني الوعيُ بما يحدث في هذا المكانْ
منذ أن أصغيتُ للجدَّةِ..
تروي من حكاياتِ الزمانْ:
(كان في الماضي وكانْ)
منذ أن أدركتُ معنى ما يُقالْ
وأنا أسمع تكبيرَ أذان الفجرِ ...
ينساب على هذي التِّلالْ
فلماذا سكت اليومَ..
فلم أسمع سوى رجْعِ السؤالْ؟ ؟ !
يا أبي..
هذا هو الفجر ترامى في الأفقْ
هذه الشمس تمادت في عروقِ الكونِ
ساحت في الطرقْ
فلماذا يا أبي لم نسمع اليومَ الأذانْ؟ !
ولماذا اشتدت الوحشة في هذا المكانْ؟ ؟
يا أبي..
كنا على التكبيرِ نستقبل أفواج الصباحْ
وعلى التكبير نستقبل أفواج المساءْ
وعلى التكبير نغدو ونروحُ
وبه تنتعش الأنفس تلتام الجروحُ
وبه عطر أمانينا يفوحُ
فلماذا يا أبي لم نسمع اليوم الأذانْ؟ !
ولماذا اشتدت الوحشة في هذا المكان؟ !
يا بُنّيَّ اسكتْ فقد أحرقني هذا السؤالْ
أنت لم تسأل ولكنك أطلقت النِّبَالْ
أَوَ تدري لِمَ لمْ نسمع هنا صوتَ الأذانْ؟ !
ولماذا اشتدت الوحشة في هذا المكانْ؟ !
هذه القرية ما عادتْ لنا
هذه القرية كانت آمنهْ
هي بالأمس لنا
وهي اليوم لهم مستوطنَهْ!
стр. 1043
إبحار في زمن السقوط
عبد العزيز بن محمد السالم
رجلٌ سار على درب الرمادْ ... وتمادى في أمانيه وزادْ
وعلى كل الشعارات ارتقي ... خفقتْ راياته في كل نادْ
وتنادت بسمةُ النصر على ... كل ثغرٍ عشق الرِّقَ ومادْ
و (رفاق) النصر قد باتوا على ... لَغَطٍ يعلو وأقداحٍ تُعادْ
رجلٌ ماتت حياة الناس في ... صوته الأحمر يستهوي الجمادْ
يدَّعي حب المساكين ولا ... يستحي مَن قطع أعناق العبادْ
يتباكى حين يلقى أمةً ... تشتكي الضعف وتستجدي النفادْ
وينادي بانتصار الحق من ... كل مَن يدعو إلى درب الفسادْ
ويبُزُّ الناس في مظهره ... أنه المنقذ من كل الشِّدادْ
أنه بذرة خيرٍ للدُّنَى ... يملأ الأرض جلالاً واجتهادْ
يمحقُ الباطلَ في معقله ... وينادي بمساواة العبادْ
وإذا الشرُّ تنامى زرعُه ... في الورى فهو له شرٌّ حصادْ
هكذا ظن وهذا ما ادعى ... هكذا قال وهذا ما أرادْ
خدع الدنيا بفكرٍ أحمرٍ ... غيُّه خافٍ وقد أبدى رشادْ
بعبارات على مبسمها ... ألفُ آهٍ تتمطى في انقيادْ
* * *
كان جباراً وفي أفيائه ... مصنعٌ يعلو وبنيانٌ يُشادْ
والورى يهتف في موكبه ... فهو يستهوي ملايين الجرادْ
في حمى (منجله) رعبٌ سرى ... يحصد الأمنَ وأحلامَ الرقادْ
في حمى (منجله) شرعٌ به ... أمةٌ تُسبَى وآلافٌ تبادْ
لا تسلْ (مطرقة) الغدر كما ... لا تسلْ (منجله) عما يُرادْ
فلقد بان لنا الحق وما ... عاد يلهينا عن الحق سوادْ
سقطتْ كل الشعارات التي ... رُفعتْ فوق منار (الاتحادْ)
* * *
رجل أسقطه طغيانُه ... رجلٌ أنهكه أهلُ الجهادْ
طالما دامتْ ليالي عُرسه ... فليذُقْ من أهلنا طعم الحِدادْ
قَدُّكَ الممشوقُ يا هذا ذوى ... فاطَّرح فكراً هزيلاً وعنادْ
عُد إلى كهف الضلالات ومُتْ ... في نواحيه وخذْ ماءً وزادْ
لا تُجربْ حظك العاثر في ... دعوة أخرى وأثوابٍ جِدادْ
كفرَ الناس بما قلتَ وهل ... يحصد المرءُ وروداً من قتادْ!
* * *
قد تعجَّبتُ ولكن ليس من ... سقطة الفكر الذي امتدَّ وسادْ
إنما من بعض قومي حينما ... جعلوا فكرته فيهم عمادْ
أنا أقسمتُ وهذا الكون لي ... شاهدٌ قولاً وفعلاً واعتقادْ
أنه لا حظَّ في النصر لنا ... حينما نُسْلِمُ للكفر القيادْ
إنما النصرُ حليفٌ صادقٌ ... لصلاحٍ وكفاحٍ وجِلادْ
стр. 1044
المسلمون والعالم
مقابلة مع رئيس اللجنة السياسية
لجبهة الإنقاذ الجزائرية
(٢)
(وصلنا في الحوار مع الأخ رابح كبير رئيس اللجنة السياسية بالمكتب
التنفيذي المؤقت لجبهة الإنقاذ الإسلامية في العدد السابق إلى موضوع الانتخابات
وما يتعلق بها ونكمل في هذا العدد بقية المقابلة) .
- البيان -
* البيان: لقد كانت جماهير المجاهدين في الثورة الجزائرية تطالب باستقلال
الجزائر المسلمة وكانت الشعارات إسلامية ثم سُرقت الثورة من بعد، ألا ترون أن
التعويل على الجماهير وأنها هي التي ستحسم الموقف لصالح الإسلام سيعيد التجربة
السابقة في الجزائر وفي بلدان مشرقية أخرى؟ .
لا بد من التنبه إلى خصائص الشعب الجزائري وواقعه الحالي، فالشعب
الجزائري الآن ليس هو بأي حال الشعب في عام ١٩٦٢؛ فمستوى الوعي الآن
تغير تماماً، أصبحت شعارات الجبهة (لا إله إلا الله محمد رسول الله.. عليها نحيا
وعليها نموت وفي سبيلها نجاهد) يحفظها كل طفل وتُردد في كل دار، مستوى
الوعي ارتفع كثيراً، ثم بالنسبة للقيادة التي تحمي هذا المسار ليست محددة في
شخص. في بداية الاستقلال كان هناك قيادة مخضرمة وتمت تصفية هذه العناصر
الإسلامية أما اليوم فالجبهة الإسلامية تسيِّر عناصر لا تؤمن بغير الإسلام، فكيف
يمكن لهم أن يسرقوا النصر، وهذا في حسابنا على كل حال؛ لأن الذين يسيرون
الجبهة من مكاتبها الولائية إلى أعلى هيئة فيها وهي مجلس الشورى، غالب هؤلاء
من الإخوة المتشبعين بالحل الإسلامي، فهذا الوضع لعل الله
يبارك فيه وتستأنف الحياة الإسلامية من جديد.
* البيان: قلتم إن الجبهة صارت أقوى وخاصة بعد المحنة، وكان الأعداء
يتوقعون تفكك الجبهة، وذكرتم أن بقاء الصف موحداً كان أحد الأسباب، هل هناك
أسباب أخرى؟
الذي نقوله الآن في الجبهة الإسلامية سواء مع بعضنا أو في لقاءاتنا مع
الشعب الجزائري أن من أعظم الأسباب التي حمت الجبهة الإسلامية إنما هي عناية
الله حقيقة، نحن نؤمن أنه كلما أخلصنا العمل لله، وكلما تمسكنا بكتاب الله وسنة
نبيه ﷺ كلما أعاننا الله ﵎ بعض المحللين
السياسيين قالوا: إنه مستحيل، الجبهة لا يمكن أن تقوم الآن، الضربة كانت
شرسة، أكثر من مئتين من رؤساء البلديات سُجنوا، قُتل شباب داخل المساجد
ولكن الشعب عرف أن هذا الطريق هو طريق الإسلام، الشعب الجزائري شعب
متميز في تحدِّيه، إذا عرف الحق واستمسك به يصعب على أعدائه أن يخيفوه.
* البيان: من أسباب قوة الجبهة أنها بدأت بداية غير حزبية، فهل هذا
مستمر، أعني أن لا يعامَل الذي من الجبهة معاملة خاصة عمن هو خارجها ولو
كان رجلاً طيباً فاضلاً؟ وشيء آخر أن البعض يعتبر أن الجبهة ليس لها إطار
محدد، ولكن هل من الناحية الفكرية تتبنى أشياء محددة حتى تكون متماسكة ومن
جهة، ومن جهة الإطار غير حزبية؟
الجبهة كانت كذلك، وستبقى كذلك بإذن الله، فالإطار الذي يجمع العمل في
الجبهة إنما هو الكتاب والسنة، قال الله، قال رسوله، أي الدليل، نحن لا نخضع
إلا للدليل، ونحن لا نقبل من إخوتنا الذين جاءوا من تنظيمات معينة أن يأتوا ككتلة، بحيث يكون هناك تكتل داخل الجبهة، إنما الجبهة تبقى حركة أمة، حركة شعب، في إطار الكتاب والسنة.
* البيان: هل تتبنى الجبهة بالنسبة للعقيدة والمفاهيم عقيدة أهل السنة وفهمهم
للإسلام؟
أنا قلت الإطار العام هو الكتاب والسنة والجبهة منذ البداية تعتقد ما ورد في
الكتاب والسنة وفق فهم سلفنا الصالح، هذا الأمر واضح دون تغيير بإذن الله.
* البيان: إن أي عمل - سواء كان عملاً إسلامياً أو غير ذلك يحتاج
للمراجعة والنقد الذاتي والمسلمون بحاجة شديدة إلى مثل هذا فهل حصل مثل هذا
في إطار الجبهة، هل صححت الأخطاء وروجعت الحسابات؟ .
نحن نعتقد أننا كمسلمين ينبغي علينا أن نراجع أنفسنا بين الحين والآخر،
وكلما وجدنا أن هناك أمراً فيه أخطاء نستبعده، هذا لا شك فيه، الجبهة الإسلامية
تقوِّم أعمالها بين الفينة والأخرى وهي ليست معصومة عن الخطأ، وهي مستعدة
للتراجع عن الخطأ إذا تأكدت أنه خطأ.
* البيان: في الآونة الأخيرة، هل تحدِّيها للسلطة مثل الدعوة للإضراب وأنه
إذا لم يُستجب للمطالب فسنعلن الجهاد، هل كان هذا خطأً؟ .
أولاً ينبغي أن نصحح، أنا في علمي وفي اعتقادي أن الجبهة لم تقل بأنه إذا
لم تقع الاستجابة سنجاهد؛ لأنها لم تعد الإعداد للجهاد.
* البيان: ألم تُذكر كلمة التهديد بالجهاد في تصريحات قادة الجبهة؟ .
على كل حال في التصريحات الرسمية للجبهة في اعتقادي أنها لم تَرِدْ، وإذا
وردت على لسان بعض القادة فهي تعبر عن رأي أما الجبهة فهي لم تتبنَّ الجهاد في
هذه المرحلة، أما قضية الإضراب هل هو موقف حق؟ في تقديرنا أنه لم يكن
موقفاً خاطئاً؛ لأننا كنا بين خيارين، إما أن نترك الانتخابات تمر بالتزوير،
وسوف يأخذ النظام المصداقية وإما أننا نوقف ذلك التزوير مع علمنا أنه قد يسقط
شهداء وقتلى: [ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ] [البقرة:
٢٥١] ؛ فالإضراب كان لابد منه، وقد ورد عن بعض إخواننا أن الاستجابة لم تكن
واسعة فهذا غير صحيح، فالاستجابة كانت واسعة، لا أقول: الانقطاع عن العمل، بل لأنها كانت حركة شعبية شارك فيها الشعب، المسيرات وصلت إلى القرى
والمداثر وليس فقط المدن ولكن كان هناك تعتيم إعلامي شديد، في مدينة عنابة
كانت المسيرة طولها (١٤) كم، لا يتمالك الإنسان عندما يراها إلا أن يبكي من
الفرح، كانت مواقف مهيبة، فالإضراب كان ناجحاً رغم ما حدث.
* البيان: هل كنتم تتوقعون اعتقال الشيخ عباسي مدني والشيخ علي بلحاج؟ .
بكل تأكيد، الشيخان كانا يتوقعان ذلك وكانا على علم وقد أخبرا إخوانهما بذلك، نحن ندرك المخاطر التي تحيط بنا، وكنا ندرك أن الأمر جد لا لعب فيه.
* البيان: هل الحكم الفعلي في الجزائر هو للجيش أم لرئيس الجمهورية؟ .
في الحقيقة النظام في الجزائر هو نظام واحد، فالرئاسة والجيش شيء واحد
بالنسبة لنا.
* البيان: هل الأحزاب غير الإسلامية تمثل خطراً كبيراً؟ ، فإذا كان هناك
قوة للجيش، للجبهة، أين تضع الأحزاب العلمانية، وهل هناك ترتيب لأخطرها؟ .
تأثير الأحزاب على الشعب الجزائري تأثير ضعيف، لا يوجد هناك حزب
يستطيع أن يجند الشعب، هناك أحزاب تستطيع أن تجند فئة معينة من الشعب،
كل الأحزاب (تدير) تجمعات ولكن لا يجرؤ حزب من الأحزاب أن يعقد تجمعاً
كبيراً، القضية لم تعد قضية الجبهة الإسلامية، أصبحت قضية شعب.
* البيان: الذين اتخذوا موقفاً مشرفاً هل كانوا من الإسلاميين؟ .
هناك بعض الإسلاميين وهناك - للأسف الشديد - غير الإسلاميين مثل بعض
اليساريين مع أن هناك إسلاميين اتخذوا مواقف سيئة وكان هذا على مرأى من
الشعب الجزائري.
* البيان: هل كان موقف هؤلاء اليساريين يتماشى مع ضعفهم، وموقفهم
عبارة عن تكتيك حزبي من أجل كسب ورقة في المستقبل أم موقفاً مجرداً؟ .
في السياسة لا توجد مواقف مجردة ولكن أقول إن هذه الأحزاب إنما أحسنت
الحسابات وهذا أفضل من حسابات بعض إخواننا.
* البيان: في الدوائر العربية والصحفية بشكل خاص يثار سؤال عما يسمونه
(اللعبة الديموقراطية) وأن الجبهة ضمناً ترى عدم شرعية الانتخابات والبرلمانات
بشكلها الحالى وأنه إذا فازت فستمنع كل الأحزاب من حرية التحرك أو حرية الكلمة، كيف يجاب عن مثل هذا الإشكال؟ .
هذا الكلام أجبنا عنه في لقاءات عدة مع الشعب الجزائري ومع الصحافة فقلنا: النظام اليوم يستكثر على الشعب الجزائري والجبهة الإسلامية أن تقول: (لا
ميثاق، لا دستور، قال الله، قال الرسول) ، بينما هم الذين في السلطة ويزعمون
أنهم يحترمون الدستور هم أول مَن يدوس الدستور؛ فمثلاً قضية (جريدة الفرقان)
منعوها أيام الحصار فلما انتهى الحصار جاءت مراسم من وزارة الدفاع تقول إن
مبرر المنع انتهى، فلما كلمناهم في الموضوع، قالوا جاء هاتف من الوزارة بالمنع، فقلنا: هل نحن في دولة القانون أم في دولة التلفون؟ ! ، الجبهة الإسلامية منذ
انطلاقها تعمل في هذه المرحلة الانتقالية، وأعلنت منذ البداية أنها إن وصلت إلى
السلطة فإنها ستغير القوانين التي تنافي شريعة الله ﵎ هذه لم نخفها
وكنا صرحاء مع الشعب.
* البيان: إذا طُلب منكم المشاركة، هل ستشاركون في حكومة؛ الأغلبية
فيها لغيركم، والدستور غير إسلامي؟ !
نعتقد أنه إذا شاركنا قي الانتخابات وكانت نظيفة فإن الجبهة الإسلامية ستفوز
بإذن الله.
* البيان: إن مما يحرج الحكومة - فضلاً عن قوة الجبهة - هو المشكلة
الاقتصادية، مشكلة الديون والبطالة، هل عند الجبهة برامج لهذا الأمر؟ .
بكل تأكيد، إن الأزمة الاقتصادية ليست مفصولة عن الأزمة السياسية، فالذي
أفسد الاقتصاد إنما هو السياسة، وعلى رأسها انعدام الثقة بين الحاكم والمحكوم، إن
الجزائر دولة غنية (ومَن قال إن الجزائر دولة فقيرة؟ !) ، غنية بثرواتها الطبيعية، غنية بتربتها، بشبابها المستعد للعمل، ففي إمكاننا في وقت قياسي تأمين الغذاء،
النظام الحالي أفلس اقتصادياً فهو ينتظر القمح من الخارج، أسعار المواد ترتفع
والديون إلى أين تذهب؟ !
في النظام الإسلامي توزع الثروة توزيعاً عادلاً، وعندما يرى الشعب مسؤوليه
يقفون معه في نفس الخندق فسيحقق الاكتفاء الذاتي إن شاء الله.
* البيان: سؤال أخير: هل تضم الجبهة جميع شرائح الشعب، أغنياء،
فقراء، مثقفين، علماء، البدو، الريف.
كان النظام في البداية يقول: إن الجبهة فيها الأغنياء! ، لماذا لأن الجبهة
رفضت أموال النظام، لأن النظام يعطي دعماً للأحزاب قالت الجبهة: هذا غير
معقول، هذه الأموال من حق الأمة، والأحزاب التي لها امتداد شعبي الشعب هو
الذي يمولها. فلما رفضنا قالوا: معكم الأغنياء ومرة اتهموا بأن هناك دولاً أخرى
تعين الجبهة، وكل مرة يخرجون بدعايات لا أساس لها.
إخواني: والله أقول لكم، هذا واقع الجزائر، جميع الشرائح مع الجبهة
الإسلامية، في المدن، في الأرياف، في بلاد القبائل، وهؤلاء تمسكهم بالإسلام
شيء عظيم، والوعي يزداد والالتفاف حول الجبهة يقوى والحمد لله.
* البيان: شكراً لكم على هذه الفرصة ونرجو أن تتكرر فرص اللقاء لمعرفة
أحوال المسلمين في الجزائر.
стр. 1045
المسلمون والعالم
المخطط الصليبي في البرنامج التعليمي
للجبهة الشعبية في إرتريا
موسى عبد الله
تؤكد السياسات التعليمية المطروحة من حكومة الجبهة الشعبية الإرترية وجود
نوايا صليبية تسعى إلى قمع الإسلام وإضعاف عقيدته في نفوس معتنقيه. ويحسب
كثير من المسلمين أنهم حققوا كسباً ثقافياً عظيماً بتجويز تعريب المواد الدراسية في
مرحلتهم الابتدائية من سلمهم التعليمي.
إلا أني لا أرى فيما يبث الآن عبر صوت الجماهير في أسمرا من سياسات
تعليمية سوى تكرير للمفاهيم الصليبية التي قد تنطلي على بعض من مثقفينا، وليس
فيها من جديد سوى أنها اتسمت بمزيد من المكر والدهاء في صراعها مع الإسلام
حين قررت:
أولاً: خلافاً لتصريحات أسياس أفورقي وفي لقائه مع وفد الماريا أقر الإعلان
التعليمي الجديد إمكانية تأسيس مدارس أهلية وأجنبية تنفذ برنامجها الخاص ولا
تتقيد ببرنامج الحكومة التعليمي، ولا تمنع من تدريس الدين إذا رغبت، شريطة أن
لا يكون مرسباً للطالب وأن تكون المادة الدينية الملقاة عليه وحظها من الحصص
الأسبوعية واليومية خاضعة للنقاش، أما المدارس الحكومية فالدين سيبقى مفصولاً
عنها ومبعداً.
ثانياً: المعاهد الإسلامية تنحصر مهمتها في تعليم المواد الدينية فحسب ولا
يحق لها مزج العلم التجريبي في برنامجها التعليمي حسبما هو منطوق في الإعلان.
ثالثاً: أكد الإعلان تطوير بعض لهجات القبائل الإرترية بالحرف اللاتيني
والتدريس بها في المرحلة الابتدائية لمن أراد.
إن البحث عن جذور هذه السياسة التعليمية يوصلها إلى أصول صليبية
وسياسات استعمارية وفي الوقت ذاته يبرهن على التشوش والاضطراب الذي تعيشه
الجبهة الشعبية في التعامل مع الواقع الإرتري المسلم الذي بدأ يهمس تضجراً من
مثل هذه الأطروحات، ويبدو أن شيئاً من الغمز واللمز بدأ يطرق أسماع قيادة
الشعبية، الأمر الذي يجعلها تبيح تدريس الدين في المدارس الأهلية والأجنبية على
حذر ووجل.
ولكن الجبهة الشعبية مهما حاولت تخدير الشعب المسلم ببعض الإصلاحات
السطحية فإنها لن تستطيع إخفاء حقيقتها ومكائدها الصليبية فبرنامجها التعليمي ما
زال يفيض حقداً على الإسلام لدرجة أنه ضاق من إتاحة المجال للمعاهد الإسلامية
لتزويد أبنائها بسائر المعارف العلمية، وهو بنهجه هذا يهدف إلى إعاقة تقدمها
وترقيها وتزهيد الطلاب في الالتحاق بها، وجعل خريجيها مجرد أناس ينحصر
مجال نشاطهم في ساحة المسجد، ويقتصر دورهم في تنظيم حفلات المولد النبوي
والإصغاء إلى كلمة أسياس التي ستُلقَى بهذه المناسبة في كل عام.
والتعامل مع المعاهد الإسلامية بهذه السياسة إنما ينطلق من نظرة صليبية
تجعلها في مصاف الأديرة النصرانية التي لا تطمح إلى أكثر من تخريج واعظ ديني
بصليبه النحاسي وجلبابه الأسود.
وليس في تطوير لغات القبائل الإرترية بالحرف اللاتيني إلا جلب لسياسات
الآباء اليسوعيين وتلامذتهم الذين نادوا باستخدام الحرف اللاتيني في تطوير لهجات
بعض البلدان العربية.
وأما فيما يتعلق بالمرامي الصليبية من اعتماد الإنجليزية لغة التعليم من
المرحلة الإعدادية فحسبي أن أورد نص كلام المبشر تكلي في كتابه (الإسلام
والتبشير) ، حيث قال: (يجب أن نشجع إنشاء المدارس، وأن نشجع على الأخص التعليم الغربي، إن كثيراً من المسلمين قد زعزع اعتقادهم حينما تعلموا اللغة الإنجليزية، إن الكتب المدرسية الغربية تجعل الاعتقاد بكتاب شرقي مقدس أمراً صعباً جداً) !
يظهر لي أن هذا يكفي لإلقاء الضوء على الطرح التعليمي الصليبي الذي
مازالت تصر الجبهة الشعبية على تطبيقه في واقعنا الإرتري طمساً للهوية الإسلامية وخصائصها المميزة.
стр. 1046
المسلمون والعالم
تقرير عن مسلمي جنوب الفلبين
الجانب التاريخي بإيجاز:
يجهل كثير من المسلمين أن الإسلام هو أول دين سماوي وصل إلى الفلبين
واعتنقه كل سكان هذه المنطقة، كما أن الحضارة الإسلامية هي أول حضارة
عرفتها جزر الفلبين.
وقد وصل الإسلام إلى هذه الجزر في عام ١٣١٠م (٦٦٢هـ) ، وقيل قبل ذلك، كما يعتبر أن أول دولة منظمة قامت في هذه البلاد هي دولة إسلامية، حيث تأسست في منتصف القرن الخامس عشر الميلادي أول دولة إسلامية، واستمرت
لمدة ١٠٠ سنة تقريباً.
ولكن لم تنعم تلك الجزر طويلاً، فقد تعرضت للتحدي الصليبي البرتغالي
الذي انتقل من البحر المتوسط إلى المحيط الهندي والهادي، وذلك ابتداءً من عام
٩١٧هـ -١٥١١م.
بعد ذلك تعرضت هذه الجزر للغزو الاستعماري (الأسباني) سنة ٩٢٣ هـ -
١٥٢١م بقيادة ماجلاّن؛ حيث قتله المسلمون، وخلال عشرات السنين سيطر
الأسبان على شمال جزر الفلبين، مما دفع بعض المسلمين إلى الهجرة جنوباً هرباً
من بطش المستعمر، وفي تلك الفترة سُميت هذه الجزر بالفلبين نسبة إلى فيليب
الملك الأسباني في ذلك الحين، بعد ذلك اتجه المستعمر الأسباني جنوباً لإتمام
سيطرته على هذه الجزر، إلا أنه وُوجِهَ - هذه المرة - بمقاومة عنيفة من المسلمين، واستمرت الحرب بينهم مدة (٣٧٧ سنة) ، ٩٢٣-١٣٠٠هـ / ١٥٢١-١٨٩٨م.
وفي القرن التاسع عشر الميلادي ١٨٩٨م (١٣٠٠هـ) تمت اتفاقية بين أمريكا وأسبانيا انسحبت على إثرها أسبانيا مقابل (٢٥٥ مليون دولار أمريكي) ؛ حيث حل محلها المستعمر الأمريكي الجديد، كما أُدخلت الجزر الجنوبية (جزر المسلمين) ضمن هذه الصفقة! .
عند استلام الأمريكان هذه الجزر وقف المسلمون ضدهم، وقد استفاد
الأمريكيون من تجربة الأسبان القمعية ضد الجزر الجنوبية؛ مما دفعهم إلى تغيير
هذه السياسة والتحول إلى سياسة (السكَّر) ، حيث أقنعوا المسلمين بأنهم جاءوا
لإصلاح أخطاء الأسبان، وإنشاء المدارس لهم، وحمايتهم! ! ! ، وحدث على أثر
ذلك اتفاقيات مثل اتفاقية (فرانك كاربنتر) المحافظ الأمريكي.
أنشأ الأمريكيون بعد ذلك المدارس وأصبحوا يشرفون على تربية أبناء
المسلمين، وبدأوا ينصّرونهم.
أدرك الأمراء - بعد ذلك - هذه الخدعة، وقاموا بثورات، ولكن ماذا حدث؟ .
حدث أن كثيرًا من أبناء الأمراء كانوا قد تدربوا في تلك المدارس وأخذوا
عنها الثقافة الغربية، مما دفع بهؤلاء (العلمانيين) الأبناء إلى الوقوف مع هذا
المستعمر! .
وفي تلك الفترة تم الاتفاق بين الأمريكيين ونصارى الفلبين على إعطائهم
حكماً ذاتياً في الجزء الشمالي، وكان هذا أول حكم ذاتي وذلك سنة ١٣٥٣هـ/ ١٩٣٥م. وخلال الحرب العالمية الثانية تمكن اليابانيون من طرد الأمريكيين من تلك الجزر، لكن لم يلبثوا أن عادوا بعد عامين أو ثلاثة.
وفي عام ١٣٦٦هـ/١٩٤٦م حصلت الفلبين على الاستقلال ككل، وضُمت بلاد المسلمين إلى هذه الحكومة النصرانية ظلماً وعدواناً.. ومن ذلك التاريخ ومسلمو الفلبين يتعرضون لمخططات طمس الهوية الإسلامية لهذا الشعب المسلم. وتتلخص هذه المخططات فما يلي:
١- تهجير النصارى من الشمال إلى الجنوب ومنحهم الأراضي الزراعية.
٢- إعطاء النصارى بعض المناصب المهمة في أرض المسلمين.
٣- الاتجاه إلى تنصير أبناء المسلمين.
٤- محاولة طمس الدين من النفوس عن طريق إنشاء المدارس الغربية
والكنائس ونشر الفساد.
إلا أن جميع هذه المخططات - ولله الحمد والمنة والفضل - لم تفلح في
طمس هوية هذا الشعب المسلم، وإن كان لها دور كبير في إبعاد بعض المسلمين
عن منهج الإسلام الصحيح.
بعد ذلك لجأت هذه الحكومة النصرانية إلى أسلوب الإرهاب، وذلك عن
طريق تكوين عصابات (منظمة إيلاجا) التي قامت بقتل المسلمين والفتك بأسر كاملة، وقاموا بإحراق المدارس الخاصة بالمسلمين، وكان ذلك في السبعينات. أدرك
بعض زعماء المسلمين - وبعد أن أفلست المنظمات الوطنية والعلمانية في تحقيق
أهداف مسلمي الفلبين بسبب الولاءات والارتباطات المشبوهة - ضرورة إنشاء
منظمة إسلامية تجتمع تحتها كلمتهم، وتقف ضد هذه المخططات الإرهابية. وتم
ذلك بتأسيس (جبهة مورو الإسلامية) والتي يرأسها الشيخ (سلامات هاشم) ؛ حيث
قاموا بوضع خطة تستغرق خمس سنوات لتنظيم أنفسهم، لكن تلك العصابات
فرضت عليهم المعركة، حيث قاموا بإحراق المسلمين وقتلهم، وكان ذلك عام
١٣٩٠هـ/١٩٧٠م، حيث نشبت حرب بين جبهة مورو الإسلامية وبين هذه
العصابات الإرهابية، وتمكن المسلمون من طردهم من بعض المواقع، وتدخلت
الحكومة للتوسط بين الطرفين؛ حيث إن الحكومة كانت تدّعي عدم علاقتها بهذه
العصابات الإرهابية، إلا أن الأمر اتضح بعد ذلك بدعم الحكومة لهم.
وفي عام ١٣٩٢هـ/١٩٧٢م انتصر المسلمون نوعاً ما، وتمكنوا من طرد
(عصابات منظمة إيلاجا) عن بعض القرى، إلا أن تدخل الحكومة استمر - مع
عدم تدخل المسلمين في شؤون إخوانهم! ! - وأعلنت الحكومة فرض الحكم
العسكري وذلك في عهد (ماركوس) ، وبعدها مباشرة تعرضت بلاد المسلمين لهجوم
شامل من الجيش الفلبيني جواً وبحراً وبراً؛ مما أدى إلى نشوب قتال شديد جداً،
ونظراً للهجوم الحكومي على المسلمين تحولت الحرب إلى حرب عصابات وذلك
أواخر عام ١٣٩٢-١٣٩٤هـ/١٩٧٢-١٩٧٤م.
وقد قدمت الفلبين المسلمة زمن ماركوس الصليبي وفي فترة اثنتي عشرة سنة
فقط: ١٣٩٢-١٤٠٤هـ/١٩٧٢-١٩٨٤م:
- ٣٠ ألف قتيل معظمهم من النساء والأطفال وكبار السن من المسلمين.
- استرقاق ستة آلاف مسلمة على أيدي الجنود الصليبيين الفلبينيين.
- تشريد أكثر من مليوني مسلم.
- فرار حوالي ٣٠٠ ألف نسمة، واضطرارهم إلى الهجرة إلى البلاد
المجاورة (ولاية صباح التابعة لماليزيا) .
- إحراق ٣٠٠ ألف منزل من بيوت المسلمين.
- تدمير مائة قرية ومدينة إسلامية.
- اغتصاب معظم أراضي المسلمين الخصبة.
-تدمير أكثر من ٥٠٠ مسجد للمسلمين.
وفي عام ١٣٩٥هـ/١٩٧٥م تدخلت منظمة المؤتمر الإسلامي في إجراء
مفاوضات بين الطرفين، إلا أنها فشلت في ذلك. وفي عام ١٤٠٦هـ/١٩٨٦م سقط
ماركوس، ووصلت أَكِينُو إلى الحكم، وسارت على خُطى من سبقها يتولى توجيهها
مجلس الكنائس الفلبيني، حيث عينت كبار القساوسة مستشارين لها.
ولا زالت المخططات الصليبية العالمية تخطط وتنفذ وتتابع، ومن خطط
الصليبية الأخيرة لخنق المسلمين في جنوب الفلبين: ترشيح رجل صليبي في ولاية
صباح شمال دولة ماليزيا المسلمة والتي تحد (مندناو) من الجنوب.
ولا يزال المسلمون في الفلبين يعانون من تسلط النصارى على دينهم
وأعراضهم وأراضيهم وأرواحهم، ونسأل الله أن يعز المسلمين ويحفظ دماءهم
وأعراضهم، وأن يقيم دولتهم على التوحيد، وأن يمكّن لهم، إنه على ذلك قدير،
وبالإجابة قدير.
المشكلات التي تواجه مسلمي الفلبين:
لو أردنا تتبع جميع المشكلات التي تواجه المسلمين في هذه البلاد لاحتاج ذلك
إلى دراسة أكثر عمقاً وتوسعاً للوقوف على هذه المشكلات وأسبابها.. إلا أننا هنا
سوف نركز على جانبين اثنين من جوانب هذه المشكلة والتي قد تكون من أهم
العقبات التي تواجه مسلمي جبهة تحرير مورو للنهوض بالمسلمين - هنا - تربوياً
واقتصادياً وللدفاع عنهم، والمحافظة على شخصيتهم الإسلامية وهي كالتالي:
١- مشكلات تعوق الدعوة والتربية:
تدير جبهة تحرير مورو الإسلامية حوالي ٤٠٠ مدرسة (ابتدائية -
متوسطة - ثانوية) وتتعاون مع ٢٠٠ داعية متنقلين بين مناطق المسلمين، كما يوجد بعض الإخوة الدعاة الذين تتبناهم بعض الجهات (وهم قليل) وتبرز المشكلة هنا وهي: أن معظم الإخوة الدعاة والمربين هم من الفقراء الذين يضطرهم الفقر إلى ترك عمل الدعوة والاتجاه إلى كسب الرزق لإطعام أسرهم؛ حيث إن الكثير منهم لا يجد مَن يكفل أسرته في حال تفرغه لأعمال الدعوة، كما تعاني هذه المدارس من نقص الكتب العلمية والشرعية في جميع التخصصات بالإضافة إلى المكتبات التي يحتاج إليها الدعاة لتعليم المسلمين أمور دينهم. يضاف إلى ذلك صعوبة التنقل بين مناطق المسلمين، وافتقار المسلمين إلى وسائل النقل التي يحتاجون إليها.
٢- مشكلات تعوق الأعمال الجهادية:
حيث إن الفقر صفة ملازمة للمسلمين - في تلك البلاد - نجد أن المجاهدين
يعانون من الفقر الذي يدفعهم إلى ترك خنادقهم والاتجاه إلى طلب الرزق، وهذا مما
لا شك فيه يؤدي إلى إضعاف القوة العسكرية للمسلمين، كما أن هناك مشكلة تعوق
العمل الجهادي وتعتبر من المشكلات الأساسية التي يعاني منها المجاهدون ألا وهي
قلة الأسلحة والذخائر، ونقصها عند المجاهدين ليس بسبب ندرتها - فهي متوفرة -
ولكن ضيق ذات يدهم يحُول بينهم وبينها.
مشاريع جبهة مورو الإسلامية:
مسلمو الفلبين كغيرهم من المسلمين لهم آمال وطموحات وتطلعات لمستقبل
أفضل، وتتمثل طموحاتهم هذه - بالالتفاف حول قيادتهم التي تسعى لتنفيذ خطط
طموحة من شأنها - إن شاء الله - المضي قدماً بمسلمي الفلبين لتبؤ المكانة اللائقة
بهم - من خلال العمل على أربعة محاور هي:
١- العمل على توجيه المجتمع إلى الإسلام الصحيح:
وذلك عن طريق إنشاء المدارس والمعاهد بمختلف مراحلها، وقد أشرنا إلى
جانب من ذلك عند الحديث عن المشكلات التي تواجه الدعوة. كما تطمح الجبهة
إلى تكثيف العمل لتبصير المسلمين بأمور دينهم وشرح العقيدة الإسلامية الصحيحة
لهم وكيفية العمل بها، وذلك عن طريق زيادة عدد الدعاة وتفريغهم لهذا العمل،
وترجمة وطباعة الكتب الشرعية، بالإضافة إلى إنشاء المزيد من المدارس
والمساجد التي من خلالها يتخرج نشء مسلم يعلم أمور دينه، ويتقن أمور دنياه
ليساهم في بناء مجتمع إسلامي قوي ومتين.
٢- العمل على الاكتفاء الذاتي:
ويُقصد به هنا الجانب الغذائي، وذلك عن طريق تبني سياسة العمل على
توفير الغذاء الأساسي عن طريق زراعة الأراضي الخاصة بالمسلمين وتوفير
غذائهم منها، وعدم الاعتماد على مصدر خارجي، حيث يزرع الأرز والذرة
وأشجار الموز، وبعض المحاصيل الأخرى. وتجدر الإشارة إلى أن الجبهة قد
اقتربت من الاكتفاء الذاتي في إنتاج الأرز والذي يشكل الغذاء الرئيس الذي يعتمد
عليه السكان هناك، إلا أن تطور هذا العمل يحتاج إلى الكثير من المعدَّات الزراعية
والخبرات الفنية، حيث تعتمد الزراعة على الطرق البُدائية، وكل ذلك بسبب عدم
توفر القدرات المادية اللازمة لتطوير هذا القطاع.
٣- تطوير الجهاز الإداري للجبهة:
ويتم ذلك عن طريق توفير دورات لتعليم بعض المجاهدين الشؤون الإدارية،
وهذا الاتجاه لا شك سيكون له مردود إيجابي على جميع قطاعات الجبهة عندما تدار
بأيدٍ مؤهلة، حيث تكون قادرة على تطوير العمل والسير به إلى الأفضل.
٤- بناء قوة عسكرية إسلامية:
يطمح المسلمون إلى بناء قوة عسكرية تمكِّنهم من مواجهة عدوهم وإحكام
سيطرتهم على كامل أراضيهم، ويعتمد هذه البناء كل جوانب منها: عمل دورات
تدريبية للمجاهدين لرفع الكفاءة القتالية، وتتفاوت مدة الدورة بناءً على ظروف
المجاهد حيث إن هناك دورات لمدد قصيرة، ودورات لمدة ٣ أشهر، ودورات لمدة
ستة أشهر. كما يوجد كلية عسكرية تستوعب ٢٠٠ طالب، ومدة الدراسة بهذه
الكلية ثلاث سنوات، وتشتمل الدراسة بها على تربية شرعية، وعسكرية،
وتدريبات عملية.
ويطمح قادة الجبهة إلى إيجاد مصدر ذاتي للتزود بالسلاح حتى يتمكنوا من
مواجهة عدوهم والله غالب على أمره.
стр. 1047
وانتهت إمبراطورية
الرعب والتجسس
محمد حامد الأحمري
سنوات قلائل شهد العالم فيها نهاية الإمبراطورية الشيوعية التي لم يخطر
على بال دارس للحضارات أن يرى نهاية إمبراطورية بهذه السرعة وبلا غزو
خارجي ولا ثورة مضادة، كهنة المعبد أنفسهم حطموه على رؤوسهم.، وأنهوا
أسطورة غريبة وفصلاً نشازاً في تاريخ العالم (دولة الإلحاد) !
الذين قرأوا ملحمة البداية الشيوعية وعنف رجالها وشدتهم لا يكادون يصدقون
هذه النهاية الهزيلة وضعف الحكومة وتهاوي قدرتها ونهاية مركزيتها ونهاية الجيش
والجاسوسية بل نهاية الحزب إلى غير رجعة. ذلك أن العالم قرأ عن روسيا كتب البطولات الأسطورية ككتاب (عشرة أيام هزت العالم) [١] وغيره من الكتب التي مجدت الزعماء الشيوعيين وكما سموهم زوراً (أنبياء الثورة) [٢] ، وكانت هذه الكتب تمجد البطولات الزعامات، وما كان يدرك القارئ في بلدان العالم الإسلامي وبلدان العالم الثالث أن هذه الكتابات والمبالغات في تمجيد الزعامات تعني وجود طبقة جديدة مستغلة ومحطِّمة لإنسانية الفرد واحترامه وحقوقه في
روسيا، لقد كان الشيوعيون يمجدون أفراداً منهم إلى حد العبادة، يرتفع هؤلاء الناس فوق كل نقد وفوق كل شخص وفوق كل مبدأ حتى كانوا هم المبادئ وهم
الدولة وهم الشعب وهم كل شيء، وكان ذلك يعني دون شك تحطيم الشعب وإذلاله، ذلك أن الأمة كانت محرومة من السلطة تماماً في روسيا، فإذا كانت السلطة عبارة عن وحدة مكونة من مائة درجة فقد كانت في روسيا مائة كاملة بيد الرئيس والحزب، وهذا يعني فقدان الشعب لأي حق ولهذا كان الشعب يترصد نهاية الحزب حتى يسلب منه كل شيء، وهذا ما حدث اليوم حتى أصبحت روسيا تهدم وتبيع تلك الأصنام التي نُحتت لزعمائها، الذين كانوا متفردين بكل شيء.
لقد كان التطرف في الاستبداد يعني الهدم والخلاص من الشبح الذي كان
مخيماً بتطرف مقابل، إن المستبد مهما رأى أنه يملك أزمَّة الأمور فإنه سرعان ما
يفقد كل شيء، يفقد كل سلطة وكل احترام، ويكون نقطة سوداء قاتمة في تاريخ
الأمة أي أمة؛ وبمقدار ما يرى نفسه محترماً معصوماً صائب الموقف والقرار،
يكون الرد عليه يوم سقوطه غاية في احتقاره واحتقار شخصه وأعماله، وكل أتباعه
وحواشيه. وهذه نهاية كل حكم فردي. وهكذا كانت روسيا ما بين فردية الحاكم
واستبداد الحزب.
تأخذ الدول زمناً طويلاً حتى تسقط، وكما يقولون لم تسقط روما في يوم واحد، ولكن روسيا سقطت في يوم واحد، وكأنها تنكر تلك القواعد التي يروق للمؤرخين
أن يقفوا عندها ويقيسوا عليها، وروسيا تعطي الدارس مزيد وعي بأن الدول
الكبيرة تبقى جثتها الهامدة تخيف الناظرين وقتاً طويلاً بعد موتها حتى إذا تهاوت
وخرت بعد سنين تبين الناس أن لو كانوا يعلمون الحق ما لبثوا في رعب مهين،
ومشكلة المراقبين لأحوال هذه الدول أنهم لا يستطيعون تجاوز الماضي بسهولة،
ولا معرفة حقيقة ما يجري؛ لأن السمعة الهائلة وضخامة الأمجاد واتساع الرقعة
وقوة الجيش والـ (ك. ج. ب) (الاستخبارات الروسية) ، كل ذلك يصنع
حاجزاً بين الأعين. وبين حقيقة ما كان يحدث من روح منهارة وفساد مقيم.
عقاقير لإحياء الموات:
١- الإرهاب:
حين اشتد هرم بو رقيبة وخرفه طالب بإعدام رجالات الاتجاه الإسلامي في
تونس، وهكذا الأنظمة إذا أوشكت على الموت قاومته بالإرهاب والتعذيب
والتظاهر بالحياة والقوة، وهكذا يقاوم الحكم المشرف على الموت بالإرهاب خارجياً
إذا عدم المخالف في الداخل وسكت الجميع توقّياً لغضب شيخوخته ورعونة قراراته
التي تميته أخيراً.
وعندما كانت روسيا تشيخ وتذبل ويهترئ جسمها كما كانت أجسام زعمائها
المسنّين كبريجنيف، وتشيرننكو، وأندروبوف الذين تلاحق هلاكهم في زمن
قياسي - كانوا يحاربون هذه الشيخوخة والنهاية بمساحيق إرهابية في أفغانستان ويحاولون استعادة أنفسهم وإشعار العالم بأنه لم يزل في عظامهم مخ وقوة.
وكانت أفغانستان المسمار الأخير في نعش إمبراطورية الاستبداد، وقد كانوا
يأملون أن تكون أفغانستان وجهاً جديداً معبراً عن قوتهم وشدة نفوذهم ولكن هذه
المساحيق الإرهابية التي يتظاهر أهلها بالقوة لم تزد أصحاب الحق إلا إصراراً على
حقهم ولم تزد على أن حطمت بقية الشيخوخة وتحرك المقاومون في بولندا،
وشرقي أوربا ورومانيا وألمانيا الشرقية.
٢- التجسس:
وتلجأ الحكومات المنهارة في زمن شيخوختها إلى التجسس وترى أنه هو الذي
يحفظ كيانها ويرصد أعداءها، فتضخم من هذا الجهاز وتعلي من شأن رجاله وتفتح
أمامهم الأبواب الواسعة، فقد تولى رجال الـ (ك. ج. ب) زعامة روسيا وجاء
أندروبوف من الـ (ك. ج. ب) ثم جاء بعده غورباتشوف من نفس المبنى
ومن نفس المنصب بل ونفس لم البلدة، جاء الجواسيس الروس إلى الحكم ليقولوا
للناس: نحن أقوى وأقدر وأعلم بأمور العالم، والجواسيس يعلمون الكثير؛ فمنهم
الجندي الغبي الذي يحل مشكلات الدولة بالسوط والإرهاب ونشر الخوف في
المجتمع فيتولى أشباح وأشباه رجال وخيال دولة وما فيها من الدولة شيء؛ إذ يجعل
المجتمع كله عبارة عن مكتب للتحقيق، فالكل متهم، والكل خائف، وراية الخوف
والجوع والذل والعبودية مرفوعة.
وقد يوجد من الجواسيس عقلاء يعترفون بالانهيار ويحاولون إيقافه وقد لا
يوفقون، وتكون الأزمة أكبر من جهودهم كما حصل قديماً زمن هتلر، والآن مع
غورباتشوف. وهناك حقيقة تاريخية تغفل عنها الحكومات ولا يجرؤ أحد على
ذكرها في غمرة الزهو بجهد الجواسيس، ألا وهي التناسب العكسي بين زيادة
ونفوذ الجاسوسية وقوة الدولة، فكلما زاد عدد الجواسيس وقوي شأنهم ودورهم في
المجتمع كلما كان زمن انهيار الدولة قريباً؛ ذلك لأنهم يكونون سلطة داعمة للدولة
في البداية تحت هيمنتها في بادئ الأمر، ثم مشاركة مؤثرة في قراراتها في المرحلة
الثانية، ثم تستبد بالأمر في المرحلة الثالثة، ويصل زعماء هذه الطائفة الجاسوسية
إلى مقاعد السلطة وقد مَرَنَ سلوكهم وعقولهم على الإرهاب واحتقار الإنسان،
فتكون النهاية التي حذر منها الحديث: «إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس
أفسدهم» ، فتنعدم الثقة بين الناس وترتفع شريعة الغاب ويسود الرعب مع الأجهزة
الخفية وانتشار المراقبين، ويكره الناس العمل لأنفسهم وبلدانهم، وتهون القضايا
لديهم ويكرهون أوطانهم وتقل نزعة الحمية عندهم؛ لأنهم يشعرون بأنهم مطارَدون
ومسحوقون فيها، مستباحة أعراضهم وأموالهم، ويقل الإنتاج وتنهار الزراعة
والصناعة وتسود الرشوة والفردية واقتناص الغنائم العارضة عن طريق الجواسيس
أو ثقافة الجواسيس التي يصبغون بها البلاد.
ولقد حمل التاريخ لنا شواهد على هذه القضايا تحتاج إلى وعي وتدبُّر؛ ذلك
أن الدول حين قيامها تعتمد على القوة المؤسسة وعلى صدق الدعوة وحرارة الإقناع
وتوجه الجموع إلى العمل على ترسيخ الوضع الجديد الذي تراه بديلاً جيداً، فإذا
تولى هذا الجيل وقل اهتمامه بسبب وجوده وعلة سيادته ذهب يبحث عن بدائل
لترسيخ وجوده ويوهمه ضعفه وفقدانه للفكرة أو للمبدأ الذي قام من أجله أن
الجاسوسية هي التي تضمن له البقاء وتحافظ على السلطة، وفي النهاية حيث ينتهي
المبدأ أو الفكرة ويطفو الأشخاص فيسخِّرون الأمم لذواتهم فقط وبلا شريك والوسيلة
الجاسوسية هي التي تسلبه سلطته. وتنهي قوته وتجعله يعيش في زنازين الوهم
والخوف. ذلك لأن أجهزة الجاسوسية لا تبني مكانتها لدى الحكم إلا بعد إخافته
وإذلاله وإشعاره بالحاجة الدائمة لهذا الجهاز الذي يبعده يوماً بعد يوم عن الواقع
ليغرق في وهم أن العالم كله ضده، وهي مشكلة تبدأ من إيجاد المكانة للجواسيس
حيث تسعى لإقناع الحكم بأهمية دورها ثم يصبح هذا اللعب والترويع عملها ليس
للشعب وحده بل للحكم، تخيفه وترهبه حتى يأتي الزمن الذي تسلبه الحكم نهائياً أو
تحتفظ به رمزاً فارغاً وتكمل مشوارها في ممارسة السلطة الفعلية التي تتهدم على
رأسها ورأس الرمز أخيراً.
شاهد من الماضي:
وقد استعان المأمون العباسي بالجواسيس، وعمل في خدمته جهاز مخابرات
قوي من الرجال والنساء حتى قالوا: إنه بلغ عدد النساء اللاتي يتجسسن في بغداد
ألفي امرأة ولكن قد كانت هذه الخطوة من الأسباب التي أفقدته النفوذ في بغداد
وتسلط الغرباء على البلاد حتى تسلّم الأتراك السلطة وتحول الخليفة العباسي من بعد
المعتصم إلى مجرد كلمة تقال يوم الجمعة؛ حتى قال أحد الخلفاء العباسيين واصفاً
حاله:
أليس من العجائب أن مثلي ... يرى ما قل ممتنعاً عليه
إليه تُحمل الأموال طراً ... وما من ذاك شيء في يديه
وشواهد من الحاضر:
وفي ألمانيا كانت سيادة الغستابو وهيمنتها على الحياة الألمانية والجيش
والمدنيين تمثل النهاية الداخلية للألمان، حتى إذا أراد القادة الألمان خلاص ألمانيا
من القيادة الاستبدادية لهتلر التي ورطتها في الحرب كان العائق هو الغستابو.
وكانوا هم المتنفذين وعلى أيديهم وتحت مشورتهم ودعمهم لهتلر هلك ملايين الألمان
وقُتل قادة الجيش حتى لقد سقوا روميل السم واتهموه وغيره بالخيانة وتوالت
الهزيمة والرعب في الداخل وقسّم البلد وانهارت الأمور حتى توفر العقلاء وأبعدوا
الغستابو وحكمه، وعاشت ألمانيا الغربية حياة جديدة وعدلاً جديداً، وكانت السلامة
من سرطان الجاسوسية. ولكنه بقي قريناً للإرهاب في ألمانيا الشرقية حتى تخلت
ألمانيا عن هونيكر وزبانيته.
وكان أبشع الأمثلة تشاوشيسكو في رومانيا التى حكمها بالجاسوسية والرعب،
حتى لقد شق ممرات تحت الأرض له ولجواسيسه إلى كل المناطق المهمة في مدينته
بحثاً عن الأمن، واستسلاماً لمشورة الجواسيس، وكانت عاقبته شر عاقبة، وقُتل
مع زوجته شر قتلة.
والفرق بين هذه الأجهزة السابقة وغيرها من الأجهزة التي لم تزل تمارس لم
دورها إلى الآن في (البُعد عن التدخل في السياسة الداخلية) وتعمل على إخضاع
الأعداء في الخارج كالـ (سي. آي. إيه) والموساد هو أن هذين الجهازين
الأخيرين لم تزل الدائرة الداخلية محظورة أمامهما إلا في إطار ضيق [٣] . وإن
كانت بداية الانكفاء الأمريكي إلى الداخل والسلم الذي تخطط له (إسرائيل) قد
ينهيان المواجهة الخارجية ويتولى هذان الجهازان عملهما التدميري في الداخل.
وهناك مؤشرات على تدخل هذين الجهازين في إحداث الفوضى السياسية، فهذه
(إيران غيت) و (أوليفر نورث) ، وبوش يأتي للرئاسة من رئاسة الـ (سي. آي. إيه) وأيضاً بدأت المؤشرات المزعجة في علاقات الموساد بالحكومة الإسرائيلية
وحجب الموساد لبعض المعلومات المهمة عن الحكومة [٤] .
والمقصود بالتجسس المدمر للشعوب هو التجسس الداخلي الذي عاناه الشعب
الروسي وتعانيه بعض الشعوب التي اقتبست هذا النظام من روسيا وهتلر، ولكن
شعوب العالم المتخلف لا طاقة لها باستيعاب العبر الكبرى! .
стр. 1048
مع القراء
وصلتنا رسائل أكثرها شفهية، يظهر القراء فيها تعاطفهم مع المجلة ومنهجها
ولكنهم يأخذون عليها أن في بعض المقالات شدة على المخالف ويعتبرون هذا مخالفاً
لمنهج الحكمة مثل ما كتبه الأستاذ عبد القادر حامد في نقده لكتاب البوطي (السلفية) ، أو ما كتبه الأستاذ محمد عبد الله آل شاكر حول بعض دور النشر وطريقة
إخراجها لكتب التراث، أو حول منهج التحقيق لهذه الكتب. ولهؤلاء الإخوة نورد
مقتطفات مما كتبه الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم الوزير من علماء القرن التاسع
الهجري حول مناهج اللين والشدة في المراسلات والمحاورات، يقول في كتابه
(العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم) في معرض حديثه عن الطريقة
الوعظية مع الناس:
(وهي نوعان التأليف والترغيب، والتخويف والترهيب، ولكل منهما مكان يليق به، وحال يصلح له، ومن ثَم اختلف السمع في ذلك، ففي موضع يقول:
[فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً] [طه: ٤٤] ، [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ] [آل عمران: ١٥٩] ، وفي موضع: [وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً] [التوبة: ١٢٣] ، [وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً] [النساء: ٦٣] ، [قَالَ لَهُ مَوَسَى إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ] [القصص: ١٨] ، ومن ثم مدح المؤمنين بالذلة في موضع، وبالعزة في موضع.
أما النوع الأول: وهو نوع التأليف والترغيب، فهو الدعاء إلى الحق
بالملاطفة، وضرب الأمثال، وحسن الخلق، ولين القول وحسن التصرف في
جذب القلوب، وتمييل النفوس. وهذا النوع أشهر من أن يبين بمثال.
وأما النوع الثاني: وهو نوع التخويف والترهيب وهو الدعاء إلى الحق بذكر
الزواجر، وكشف غطاء المداهنة مع المخاطَب. وقد ورد ذلك وروداً كثيراً، في
السنة النبوية، والآثار الصحابية ... بل ورد في كتاب الله - تعالى - قال الله -
سبحانه - حاكياً عن كليمه موسى ﵇: [فَأَصْبَحَ فِي المَدِينَةِ خَائِفاً
يَتَرَقَّبُ فَإذَا الَذِي اسْتَنصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مَوَسَى إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ]
[القصص: ١٨] ، ومن ذلك قول يوسف لإخوته: [أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً] [يوسف:
٧٧] لما نسبوه إلى السرقة.
ومن الأحاديث الواردة في ذلك قول رسول الله ﷺ لأبي
ذر ﵁: «إنك امرؤٌ فيك جاهلية» رواه البخاري. ومن ذلك
الحديث: «من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد، فليقل: لا ردها الله عليك،
فإن المساجد لم تُبنَ لهذا» رواه مسلم عن أبي هريرة. وروى مسلم أيضاً عن
بريدة: أن رجلاً نشد في المسجد، فقال له النبي ﷺ : «لا
وجدت» رواه مسلم. ومنه الحديث: «إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك» رواه الترمذي عن أبي هريرة، وقال: حديث
حسن. وهذه الأخبار عامة في ناشد الضالة، والبائع، والمبتاع كائناً من كان.
وقد ذكر النووي فصلاً في كتاب (الأذكار) ، في أنه يجوز للآمر بالمعروف
والناهي عن المنكر، وكل مؤدِّب - أن يقول لمن يخاطبه في ذلك: ويلك، ويا
ضعيف الحال، ويا قليل النظر لنفسه، أو يا ظالم نفسه، وأورد في ذلك أحاديث.
منها: حديث عدي بن حاتم، الثابت في صحيح مسلم: أن رجلاً خطب عند
رسول الله ﷺ فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن
يعصهما فقد غوى. فقال رسول الله ﷺ : «بئس الخطيب
أنت، قل: ومن يعصِ الله ورسوله» .
وروى فيه حديث جابر بن عبد الله: أن عبداً لحاطب جاء يشكو حاطباً، فقال: يا رسول الله ليدخلنَّ حاطب النار. فقال رسول الله ﷺ :
«كذبت، لا يدخلها فإنه شهد بدراً والحديبية» رواه مسلم في الصحيح.
وذكر فيه قوله ﵇ لصاحب البدنة: «ويلك اركبها» رواه
البخاري. وقوله ﵇ لذي الخويصرة: «ويلك فمَن يعدل إن لم
أعدل؟ !» رواه البخاري من حديث أبي سعيد الخدري.
وما رُوي من قول علي لابن عباس ﵄: إنك امرؤ تائه -
حين راجعه في المتعة.
ومن الآثار في ذلك: أثر عبد الرحمن بن أبي بكر. وفيه أن أباه ضيَّف
جماعة، وأجلسهم في منزله، وانصرف إلى رسول الله ﷺ
فتأخر رجوعه. فقال: أعشيتموهم؟ قالوا: لا. فأقبل على ابنه عبد الرحمن،
فقال: يا غُنْثَرُ، فجدَّع وسبَّ. وفي هذا المعنى أخبار كثيرة، وآثار واسعة لا
سبيل إلى استقصائها.
وهذا النوع أقسام: منه ما يقع مع أهل المعاصي، ويتضمن الذم لهم،
والدعاء عليهم. وهذا القسم لا يكون في هذا الجواب منه شيء - إن شاء الله
تعالى - لأن هذا الجواب خطاب لأهل العلم والمراتب الشريفة.
ومنه ما يكون مع أهل العلم والفضل، ولكن على سبيل التأديب، مثل قوله -
ﷺ -لأبي ذر: «إنك امرؤ فيك جاهلية» . وقول علي لابن
عباس: (إنك امرؤ تائه) رواه النسائي.
ومنه ما يكون على جهة التنبيه - لأهل الفضل والعلم - بقوارع الكلام
الموقظة - على سبيل الحدة في الموجدة والموعظة.
واعلم أن للزجر والتخويف بالألفاظ الغليظة شروطاً أربعة:
شرطين في الإباحة، وهما: أن لا يكون المزجور محقاً في قوله أو فعله،
وأن لا يكون الزاجر كاذباً في قوله، فلا يقول لمن ارتكب مكروهاً: يا عاصي،
ولا لمن ارتكب ذنباً لا يعلم كِبَرَهُ: يا فاسق، ولا لصاحب الفسق - من المسلمين -
يا كافر، ونحو ذلك.
وشرطين في الندب، وهما: أن يظن المتكلم أن الشدة أقرب إلى قبول
الخصم للحق، أو إلى وضوح الدليل عليه، وأن يفعل ذلك بنية صحيحة، ولا
يفعله لمجرد داعية الطبيعة.
стр. 1049
منتدى القراء
معاول.. معاول
عبد الحليم الصالح البَرَّاك
إن المعاول التي تريد هدم شباب الأمة كثيرة، منها إعلامي، وآخر أخلاقي،
وآخر كذلك ثقافي ... ، وهلم جرا، ولكن - ومن باب نقد الذات - هناك زمرة منا؛ هم في الحقيقة معول هدم، بل ومن أشدها قوة وتأثيراً، هذا المعول هو سلسلة
تحطيم قدرات الشباب وازدرائها والحط منها تارة باسم (النضوج المبكر) وتارة
باسم (قلة العلم والإدراك) .
ولا شك أن التقويم مطلوب ومعالجة الأخطاء ضرورة ملحة يفرضها الواقع
وقبله الشرع الحنيف، ولكن ما مدى صحة طريقة عرض أخطاء شبابنا، إن
عرضها بطريقة الحط والنيل والتشفي هي من أسباب سقام الأمة وقلة وعي شبابها،
وإلا فما بال طفل عمره أحد عشر عاماً تحس منه فرط ذكاء ونبوغ، وبعد بضع
سنين تظهر وتفوح منه الدونية والنظرة السطحية والآمال الأرضية؟ السبب - لا
شك - هو وَأْده قبل الولادة بهذا المعول ومعه عدة معاول أُخَر. وأنا هنا لا أدعو
إلى المدح المفرط والتأثير المزدوج وتحميل شبابنا أكثر وأكبر مما ينبغي بل
(القصدَ القصدَ تبلغوا) و (الحسنة بين السيئتين) .
إن شباب الأمة هم روضها الناضر وزهورها التي ستثمر - إن شاء الله -
فهلاّ رعيناها رعاية الأب المشفق المتجاوز عن السقطات العفوية، التي لابد منها
لكل عمل وبعيداً عن التهشيم الحاد. لا شك أننا سنكسب الكثير لمصلحة الدعوة وإلا
سيجني أعداؤنا ثمرات سقطاتنا، وأخاف أن:
تمضي بنا سُفن الأيام ماخرةً ... بحر الوجود ولا نُلقي مَراسينا
стр. 1050
مَن هي المرأة المسلمة ؟
مريم السالم
مَن هي المرأة المسلمة؟ سؤال يجب أن نطرحه دوماً لنعي معناه، من هي
المرأة المسلمة حقاً وما هو دورها وما أهميته وكيف تشارك في مجال الدعوة إلى
الله .
المرأة المسلمة أم تنجب الأبناء الصالحين وتربيهم على المنهج القويم وتصنع
منهم رجالاً أَكْفَاء يحملون هَم الإسلام وعبء الدعوة ويبذلون في سبيله كل غالٍ
ونفيس، وهي زوجة صالحة تقف بجانب زوجها وتثبته وتشد من أزره وتحثه على
البذل والعطاء، إنها ليست أي زوجة فحسب وما ينبغي لها أن تكون كذلك.. إنها
امرأة تدرك واجب الدعوة إلى الله - تعالى - وأنه يتطلب وقتاً طويلاً وجهداً ليس
بالقليل، فيه تضحية بالراحة وبالأوقات مع الأبناء، وفيه تضحية بالمال والدنيا
بأسْرها وما عليها إن كان ذلك كله في سبيل مرضاة الله - تعالى - ثم إنها تدرك
قبل ذلك أن هذه الأمة لم تقم ولن تقوم إلا بالتضحيات الغالية.
المرأة المسلمة زوجة داعية وأم راعية، إنها تعرف للصبر معنًى وللأذى
والاضطهاد حكمة وللحياة قيمة.
إن هذا الدور فقهته نساء الصحابة - رضوان الله عليهن - فَرُحن يُسطرْنَ في
ذلك صفحات خالدة ترسم القدوة والمنهج وتبعث الأمل وتنهض بالجيل، وعندما
أغفلنا نحن هذا الدور وتهاونا فيه كان حالنا ما كان وأصبحت المرأة عاملاً في
الانحطاط والفساد الذي أصاب الأمة وتغاضت عن صوت الحق الذي يناديها: أما
آن للمرأة المسلمة أن تفيق وتكون خير زاد في الطريق! .
إنه لا أحد ينكر حاجة الدعوات إلى النساء، خاصة وأنهن أرق عاطفة وأكثر
اندفاعاً وأسمح نفساً وأطيب قلباً وهي إذا آمنت بشيء لم تبالي في نشره والدعوة
إليه، وإذا صدقت بشيء عملت على إقناع زوجها وإخوتها وأبنائها به، ولجهاد
المرأة المسلمة في سبيل الإسلام في عهد الرسول ﷺ
صفحات بيضاء مشرفة تؤكد لنا اليوم أن حركة الإصلاح الإسلامي ستظل وئيدة
الخطى، قليلة الأثر في المجتمع حتى تشترك فيها المرأة فتنشئ جيلاً من الفتيات
على الإيمان والخلق والعفة والطهارة، هؤلاء أقدر على نشر هذه القيم التي يحتاج
إليها مجتمعنا اليوم في أوساط النساء من الرجال، فضلاً عن أنهن سيكُنَّ زوجات
وأمهات، وأن الفضل الكبير في تربية صغار الصحابة ثم التابعين من بعدهم يعود
إلى نساء الإسلام اللاتي نشَّأن هذه الأجيال على أخلاق الإسلام وآدابه وحب الإسلام
ورسوله، فكانت أكرم الأجيال التي عرفها التاريخ من علو الهمة واستقامة السيرة.
فدعوة إلى الاستفادة من طاقات المرأة لتربية الأجيال، ودعوة إلى المرأة
لتشمر السواعد للعمل لهذا الدين ونصرة الدعوة؛ ليعود للمسلمين عزهم وقوتهم
ويعود للكفر خذلانه وسقوطه.
стр. 1051
مكتبة البيان
١- تربية الأطفال في رحاب الإسلام:
كتاب جديد صدر عن مكتبة السوادي - جدة للمؤلفيْن: محمد حامد الناصر -
خولة درويش.
والكتاب يستعرض مراحل التربية.. يقع الكتاب في ٤١٧ صفحة من القطع
الكبير.
٢- جذور الانحراف في الفكر الإسلامي الحديث:
لمؤلفه: جمال سلطان - صدر عن مركز الدراسات الإسلامية في بيرمنجهام
- بريطانيا
يتحدث فيه المؤلف عن بعض الذين كتبوا حول النهضة في أوائل هذا القرن،
وأخطأوا طريق الفهم الإسلامي الصحيح مثل: رفاعة الطهطاوي والكواكبي،
ومدرسة الشيخ محمد عبده.
الكتاب في ١٨٨ صفحة من القطع الكبير.
٣- إخراج الأمة المسلمة وعوامل صحتها ومرضها:
وهو الكتاب رقم (٣٠) من سلسلة كتاب الأمة، للدكتور: ماجد عرسان
الكيلاني
ويتحدث المؤلف فيه عن مكونات الأمة المسلمة وهي: أفراد مؤمنون وهجرة
وجهاد ورسالة وإيواء ونصرة وولاية.
والكتاب في ١٦١ صفحة من القطع المتوسط.
٤-[الرحمن على العرش استوى] بين التنزيه والتشويه:
للدكتور: عوض منصور، وهو يبحث كثيراً من الأخطاء التي يقع فيها
الشباب المسلمون نتيجة تسرعهم وضعفهم في البحث والعلم الشرعي، ويحذر من
التعصب للآراء الخاطئة التي لا دليل عليها، ومن الانحراف وراء الأهواء والعقائد
الباطلة.
الكتاب في ١٦٥ صفحة من القطع الكبير.
стр. 1052
بريد القراء
* الأخ أحمد الجربوع أرسل إلينا حاثًّا على إجراء اللقاءات أو القيام بجولات
استطلاعية عن أحوال المسلمين في الجمهوريات ذات الأغلبية المسلمة والتي كانت
تشكل جزءاً كبيراً من الاتحاد السوفييتي.
* البيان: شكراً للأخ محمد ونرجو أن يتحقق ذلك.
* الأخ طه جبر أرسل رسالة أشاد فيها بالمجلة وببعض المقالات فيها كمقالات
الدكتور أحمد إبراهيم خضر عن علماء الاجتماع والعداء للصحوة الإسلامية ويشكو
عدم وصول المجلة لمدينته ويعد بالمشاركة.
* البيان: نرحب بالأخ طه جبر ومشاركته ونسأل الله أن نكون عند حسن
ظنه وظنون القراء الكرام، ونرجو أن يتهيأ للمجلة أن تصل إلى كل من يحب
قراءتها..
* الأخ ظافر الدوسري أرسل رسالة وذكر أنه أحد المعجبين والمتابعين لقراءة
المجلة شهرياً لما تنظمه من مقالات ومواعظ وشعر ممتاز ونقل لأخبار المسلمين
ويريد نشر موضوع عن أحوال المسلمين في يوغوسلافيا وسري لانكا.
* البيان: نشكرك على اهتمامك ونرجو أن يتيسر لنا تحقيق رغبتك.
стр. 1053
الصفحة الأخيرة
التخصص بدعة أم حاجة ؟ !
د. مالك إبراهيم الأحمد
يصف الكثير من الكُتاب المعاصرين عصرنا هذا بأنه عصر التخصص وذلك
في كثير من كتاباتهم في شؤون الحياة العلمية والعملية، فهذا مدير وهذا عالِم وهذا
خطيب وهذا كاتب ... الخ. وذلك بخلاف الأزمنة السابقة حيث نجد العلماء
الموسوعيين الذين يجمعون الكثير من الفنون.
وعند الحديث عن الدعوة الإسلامية، ينبغي استحضار هذه النظرية، وهي
أنه نظراً لتشعب العلوم الإسلامية، ومجالات الدعوة الإسلامية، وصعوبة الحياة
وتعقدها، وتقارب البلدان والثقافات، أصبح من اللازم تطبيق هذه النظرية على
العاملين في هذا المجال، أي أنه لابد من تخصص الداعية في فرع يجيده ينفع به
المسلمين، ويثري هذا الجانب.
فنحن نريد دعاة متخصصين في كل مجال من مجالات الدعوة الإسلامية في
الوقت الحاضر مثل: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التربية، الخطابة،
الوعظ، الإدارة والقيادة، الكتابة، التعليم الشرعي، وغيرها، حيث تكون
خطواتنا متزنة نظراً لأن العاملين في كل باب هم من المتخصصين فيه مما يتوقع
منه إثراء مجالات الدعوة، وإبراز المواهب الإسلامية، وإعطاء الدعوة دفعة قوية
للأمام.
ولا يعني هذا التخصص الجامد بحيث لا يجيد الداعية شيئاً غير تخصصه بل
لابد من إلمامه في كثير من جوانب الدعوة وأساليبها، لكنه على علم صحيح بجانب
يكون مرجعاً فيه، ومع هذا نحن لا نضيق بوجود علماء أفذاذ يتمتعون بمشاركة في
كثير من المجالات العلمية تؤهلهم للقيادة، لكن الحديث هنا على مجموع الدعاة
العاملين في الميدان الإسلامي الكبير.
стр. 1054
شعبان - ١٤١٢هـ
يناير - ١٩٩٢م
(السنة: ٦)
стр. 1055
الافتتاحية
أيها المسلم
إنك تعاني ما لا يعانيه غيرك من البشر، جهودك تضيَّع، وخططك تدمر،
وأحلامك تُغتال. وتتواتر عليك المصائب دون انقطاع. إن من يقرأ ما كتب عنك
ولا يعرفك يخرج بنتيجة حتمية - هذا إذا أنصف - وهي أنك أصبحت منبوذ هذا
العصر، يتحاماك الناس في كل مكان، وينفرون منك لا لشيء، إلا لأن عقولهم
امتلأت بالصور القبيحة التي يرسمها الإعلام لك، والإعلام في هذا العصر هو
السلاح الذي لا يوضع، والحرب المشنونة التي لا تهدأ، إنك تواجه ضربين من
الحروب:
أ- ضرب يجيء ويذهب بين الفينة والفينة، حينما تبلغ الكراهية الذروة،
ويصل الضجيج إلى منتهاه، ولا يسكت إلا حينما يشفي غليله السنان والحسام
والمدفع والدبابة والصاروخ.
ب- وضرب هو هذا (العرس الإعلامي) القائم الدائم بفحيحه وضجيجه،
والذي لا يهدأ عن الهجوم على الإسلام: أفكاراً وأشخاصاً.
والضرب الثاني هو الأقسى والأنكى لأنه الأبقى، ومع أن الأول آلامه أعم،
وبلاياه يحس بها الجميع، إلا أن الثاني لا يشعر به إلا العلماء وقادة الفكر وذوو
الحس الحي في الأمة، الذين يتألمون لمصائب غيرهم ويشفقون من الآتي قبل
حلوله.
إنك - أيها المسلم - غدوت ضحية هذه الحضارة المادية العاتية، تريد أن
تطحنك برحاها، فتجدك عسر الهضم صعب المكسر، وهذا من أكبر العزاء لك،
فلتكن ثقتك بالله قوية، ولا تحتقر نفسك وتشكو الضعف، وتجنب طريقة بني
إسرائيل حيث شكوا لموسى ﵇ الضعف والضراعة والاستكانة: [قَالُوا
أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا ومِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ ويَسْتَخْلِفَكُمْ
فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ] [الأعراف ١٢٩] .
أفلس أعداؤك جميعاً، مادياً ومعنوياً، أفلسوا من الخلق والدين والدنيا، باعوا
دينهم بعرض قليل منزوع البركة، ينطبق أكثره على نشر الفساد واستئصال
المعروف وإرساء المنكر وإشاعة التقاليد الفرعونية، كل ذلك خوفاً منك، وعلاجاً
لحضورك الذي يخيف سَدَنَة الفرعنة، ويهدد تقاليدها العفنة ورسومها المنخورة.
فاعرف نفسك - أيها المسلم - واعلم أنك - إن صدقت النية واستجمعت
العزم - كنت اليد التي تُنَفَّذُ بها إرادة الله في الأرض من سحق الباطل وإنعاش الحق.
إن أعداءك يسلكون في سبيل إضعافك وإلغائك سياسة النَفَس الطويل والبناء
الهادئ والمشاعر الباردة التي لا تستثار بسهولة، اطوِ قلبك على كراهية الكفر
ورموزه، واثنِ جوانحك على مقت الخيانة والمكر التي تجرّب عليك كل حين،
ولكن إياك أن تُستَدْرَجَ إلى عمل ينتظره شانئوك للإيقاع بك. أجِّل خلافاتك مع من
يشاركونك كلمة التوحيد، ويهدفون مثلك إلى إحياء عقيدة أهل السنة والجماعة،
واستخلاصها من براثن الماسخين والمستغلين، فأعداء هذه العقيدة أمرهم عَجَبٌ في
كثرتهم وتنوعهم واجتماعهم على هذا الهدف، رغم اختلافاتهم العميقة. وجِّه كل
جهدك إلى من يريدون حصرك في مفهوم للدين من صنعهم، فهؤلاء هم العدو
فاحذرهم، قاتلهم الله أنى يؤفكون. هؤلاء هم وكلاء الاستعمار بين ظهراني
المسلمين، وهم موضع ثقته، وعيبةُ أسراره، ورواد دهاليزه.
إياك أن تنخدع بدعوى أن بلادنا مستقلة، حرة في قراراتها وإراداتها، تلفَّت
يمنة تجد ألف دليل ودليل في كل صقع على أننا مكبلون، يُقرأ لنا، ويرسَمُ لنا،
ويزرَع لنا، ويصنَع لنا، ويحفرَ لنا.
إن صعوبة المرحلة الاستعمارية المكشوفة - مع شراستها ومرارتها - لا
تقارن بما يحدث في هذه المرحلة التي أعقبت تلك، التي يدبر أمرك فيها عدو من
جلدتك بقلب مجلوب وعقل مستعار. لقد بان الصبح لذي عينين، فأنت الذي يحمل
الشرعية، وأمامنا مثالان حاضران من أمثلة كثيرة، أحدهما في شرق الأرض،
والآخر في غربها.
أما الأول ففي أفغانستان، حيث أنت الذي قام في وجه الإلحاد الغازي،
وصليت بنار الشيوعية قبل أن تولِّيك الأدبار تحت شدة ضرباتك الموفَّقة واستوصت
على وليدها الخديج [١] كل من خَبُث من الأوصياء، قبل أن تندثر في مقبرة
التاريخ.
وأما الآخر ففي الجزائر، لما قام الشعب هناك، فصحَّحَ خطأ عمره ثلاثون
سنة سلماً لا حرباً، وأفصح عن إرادته تحت رقابة هؤلاء الذين يغتصبون هذه
الإرادة بكل صلافة وصفاقة وبعد عن المعقول حيث:
أجمعوا أمرهم عِشاءً فلما ... أصبحوا أصبحت لهم ضوضاءُ
وقالوا: هذا لا يكون، وما هكذا رجونا أن تكون النتيجة، (والشعب لم
يصوِّت على شيء) ! ! الديموقراطية في خطر. الوحى الوحى، أدركوها قبل أن
يعصف بها الإسلاميون! !
يا لله وهذا الافتراء! كيف يدان شخص قبل اقترافه الجريمة؟ ويدان ممن؟
ممن يداه ملطختان بدماء الأبرياء، وجيوبه منتفخة من حقوق المستضعفين!
أيها المسلم:
لا تستغرب ما ترى، فأنت تعيش في عصر الغرائب والأعاجيب، وحسبك
هذا ليدفعك إلى الصبر والعمل ليل نهار دون كلل ولا ملل، لا تسمح للإحباط أن
يتسرب إلى نفسك، فحق لك أن يتعب منك المرجفون ولا تتعب، وييأس من ثنيك
عن عزيمتك وأهدافك دهاقنة الباطل ولا تيأس. لا تبالِ بالأوصاف الكاذبة التي
تلصق بك، ولا بالأقلام المأجورة التي تنهشك، ولا تصرفْك الدعايات المسمومة
التي تلفَّق ضدك عما توجهت له.
يعيبون عليك الاشتغال بالسياسة؟ وهل شرط المشتغل بالسياسة أن يتخلى
عن دينه، ويدوس الأخلاق، ويترك هذا المجال لمحترفي الدجل يرسون دعائم
الفساد ويحوطونها بالشريعات الباطلة، ويحرسونها بالدساتير والقوانين المفصلة
على قدِّ نواياهم الخبيثة، وسلوكهم المنافق؟ لم هذا التردد والخوف البادي على
تعبيراتك وأعمالك كلما سمعت من يتهمك بحب السلطة والحكم مع أنك لم تمارسهما
يوماً، وكأنه عار وشنار تحب أن تتوارى منه، مع أن غيرك - وهو السفيه
الأرعن، والجاهل الرعديد - تراه واثقاً من نفسه، لا يفكر أن توجه له مثل هذه
التهمة مع أنه متلبس بهما تلبساً كأن أمه ولدته على رقاب الناس؟
إن الباطل لا يستبحر في دنيا الناس ولا يعرِّش إلا حينما يراهم يحبون الدعة
والراحة والرفاه الكاذب الذي يُمنِّيهم به، ويستحون مما لا يستحى منه، فيخجلون
من الرجولة، ويتفاخرون بالفرار من تسمية الأمور بأسمائها التي وضعها لها البشر
الأسوياء.
أيها المسلم:
إن الباطل ذا الرؤوس المخيفة الذي يخوفونك مغبة غضبته ليس كما يدعون،
نعم، له أساليب جهنمية، وأرواح كثيرة، سبعة أرواح! ولكنها أرواح قصيرة
كأرواح القطط والكلاب، فلا ترعك غضبته، ولا تصرفك عن طِيَّتِك أساليبه
وتجاربه، لا تتردد عن الإصرار على دمغه بحقك فيزهق ويضمحلّ، [وَيَوْمَئِذٍ
يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ الله يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ] [الروم ٤-٥] .