مكتبة البيان
١- تربية الأطفال في رحاب الإسلام:
كتاب جديد صدر عن مكتبة السوادي - جدة للمؤلفيْن: محمد حامد الناصر -
خولة درويش.
والكتاب يستعرض مراحل التربية.. يقع الكتاب في ٤١٧ صفحة من القطع
الكبير.
٢- جذور الانحراف في الفكر الإسلامي الحديث:
لمؤلفه: جمال سلطان - صدر عن مركز الدراسات الإسلامية في بيرمنجهام
- بريطانيا
يتحدث فيه المؤلف عن بعض الذين كتبوا حول النهضة في أوائل هذا القرن،
وأخطأوا طريق الفهم الإسلامي الصحيح مثل: رفاعة الطهطاوي والكواكبي،
ومدرسة الشيخ محمد عبده.
الكتاب في ١٨٨ صفحة من القطع الكبير.
٣- إخراج الأمة المسلمة وعوامل صحتها ومرضها:
وهو الكتاب رقم (٣٠) من سلسلة كتاب الأمة، للدكتور: ماجد عرسان
الكيلاني
ويتحدث المؤلف فيه عن مكونات الأمة المسلمة وهي: أفراد مؤمنون وهجرة
وجهاد ورسالة وإيواء ونصرة وولاية.
والكتاب في ١٦١ صفحة من القطع المتوسط.
٤-[الرحمن على العرش استوى] بين التنزيه والتشويه:
للدكتور: عوض منصور، وهو يبحث كثيراً من الأخطاء التي يقع فيها
الشباب المسلمون نتيجة تسرعهم وضعفهم في البحث والعلم الشرعي، ويحذر من
التعصب للآراء الخاطئة التي لا دليل عليها، ومن الانحراف وراء الأهواء والعقائد
الباطلة.
الكتاب في ١٦٥ صفحة من القطع الكبير.
стр. 1052
بريد القراء
* الأخ أحمد الجربوع أرسل إلينا حاثًّا على إجراء اللقاءات أو القيام بجولات
استطلاعية عن أحوال المسلمين في الجمهوريات ذات الأغلبية المسلمة والتي كانت
تشكل جزءاً كبيراً من الاتحاد السوفييتي.
* البيان: شكراً للأخ محمد ونرجو أن يتحقق ذلك.
* الأخ طه جبر أرسل رسالة أشاد فيها بالمجلة وببعض المقالات فيها كمقالات
الدكتور أحمد إبراهيم خضر عن علماء الاجتماع والعداء للصحوة الإسلامية ويشكو
عدم وصول المجلة لمدينته ويعد بالمشاركة.
* البيان: نرحب بالأخ طه جبر ومشاركته ونسأل الله أن نكون عند حسن
ظنه وظنون القراء الكرام، ونرجو أن يتهيأ للمجلة أن تصل إلى كل من يحب
قراءتها..
* الأخ ظافر الدوسري أرسل رسالة وذكر أنه أحد المعجبين والمتابعين لقراءة
المجلة شهرياً لما تنظمه من مقالات ومواعظ وشعر ممتاز ونقل لأخبار المسلمين
ويريد نشر موضوع عن أحوال المسلمين في يوغوسلافيا وسري لانكا.
* البيان: نشكرك على اهتمامك ونرجو أن يتيسر لنا تحقيق رغبتك.
стр. 1053
الصفحة الأخيرة
التخصص بدعة أم حاجة ؟ !
د. مالك إبراهيم الأحمد
يصف الكثير من الكُتاب المعاصرين عصرنا هذا بأنه عصر التخصص وذلك
في كثير من كتاباتهم في شؤون الحياة العلمية والعملية، فهذا مدير وهذا عالِم وهذا
خطيب وهذا كاتب ... الخ. وذلك بخلاف الأزمنة السابقة حيث نجد العلماء
الموسوعيين الذين يجمعون الكثير من الفنون.
وعند الحديث عن الدعوة الإسلامية، ينبغي استحضار هذه النظرية، وهي
أنه نظراً لتشعب العلوم الإسلامية، ومجالات الدعوة الإسلامية، وصعوبة الحياة
وتعقدها، وتقارب البلدان والثقافات، أصبح من اللازم تطبيق هذه النظرية على
العاملين في هذا المجال، أي أنه لابد من تخصص الداعية في فرع يجيده ينفع به
المسلمين، ويثري هذا الجانب.
فنحن نريد دعاة متخصصين في كل مجال من مجالات الدعوة الإسلامية في
الوقت الحاضر مثل: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التربية، الخطابة،
الوعظ، الإدارة والقيادة، الكتابة، التعليم الشرعي، وغيرها، حيث تكون
خطواتنا متزنة نظراً لأن العاملين في كل باب هم من المتخصصين فيه مما يتوقع
منه إثراء مجالات الدعوة، وإبراز المواهب الإسلامية، وإعطاء الدعوة دفعة قوية
للأمام.
ولا يعني هذا التخصص الجامد بحيث لا يجيد الداعية شيئاً غير تخصصه بل
لابد من إلمامه في كثير من جوانب الدعوة وأساليبها، لكنه على علم صحيح بجانب
يكون مرجعاً فيه، ومع هذا نحن لا نضيق بوجود علماء أفذاذ يتمتعون بمشاركة في
كثير من المجالات العلمية تؤهلهم للقيادة، لكن الحديث هنا على مجموع الدعاة
العاملين في الميدان الإسلامي الكبير.
стр. 1054
شعبان - ١٤١٢هـ
يناير - ١٩٩٢م
(السنة: ٦)
стр. 1055
الافتتاحية
أيها المسلم
إنك تعاني ما لا يعانيه غيرك من البشر، جهودك تضيَّع، وخططك تدمر،
وأحلامك تُغتال. وتتواتر عليك المصائب دون انقطاع. إن من يقرأ ما كتب عنك
ولا يعرفك يخرج بنتيجة حتمية - هذا إذا أنصف - وهي أنك أصبحت منبوذ هذا
العصر، يتحاماك الناس في كل مكان، وينفرون منك لا لشيء، إلا لأن عقولهم
امتلأت بالصور القبيحة التي يرسمها الإعلام لك، والإعلام في هذا العصر هو
السلاح الذي لا يوضع، والحرب المشنونة التي لا تهدأ، إنك تواجه ضربين من
الحروب:
أ- ضرب يجيء ويذهب بين الفينة والفينة، حينما تبلغ الكراهية الذروة،
ويصل الضجيج إلى منتهاه، ولا يسكت إلا حينما يشفي غليله السنان والحسام
والمدفع والدبابة والصاروخ.
ب- وضرب هو هذا (العرس الإعلامي) القائم الدائم بفحيحه وضجيجه،
والذي لا يهدأ عن الهجوم على الإسلام: أفكاراً وأشخاصاً.
والضرب الثاني هو الأقسى والأنكى لأنه الأبقى، ومع أن الأول آلامه أعم،
وبلاياه يحس بها الجميع، إلا أن الثاني لا يشعر به إلا العلماء وقادة الفكر وذوو
الحس الحي في الأمة، الذين يتألمون لمصائب غيرهم ويشفقون من الآتي قبل
حلوله.
إنك - أيها المسلم - غدوت ضحية هذه الحضارة المادية العاتية، تريد أن
تطحنك برحاها، فتجدك عسر الهضم صعب المكسر، وهذا من أكبر العزاء لك،
فلتكن ثقتك بالله قوية، ولا تحتقر نفسك وتشكو الضعف، وتجنب طريقة بني
إسرائيل حيث شكوا لموسى ﵇ الضعف والضراعة والاستكانة: [قَالُوا
أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا ومِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ ويَسْتَخْلِفَكُمْ
فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ] [الأعراف ١٢٩] .
أفلس أعداؤك جميعاً، مادياً ومعنوياً، أفلسوا من الخلق والدين والدنيا، باعوا
دينهم بعرض قليل منزوع البركة، ينطبق أكثره على نشر الفساد واستئصال
المعروف وإرساء المنكر وإشاعة التقاليد الفرعونية، كل ذلك خوفاً منك، وعلاجاً
لحضورك الذي يخيف سَدَنَة الفرعنة، ويهدد تقاليدها العفنة ورسومها المنخورة.
فاعرف نفسك - أيها المسلم - واعلم أنك - إن صدقت النية واستجمعت
العزم - كنت اليد التي تُنَفَّذُ بها إرادة الله في الأرض من سحق الباطل وإنعاش الحق.
إن أعداءك يسلكون في سبيل إضعافك وإلغائك سياسة النَفَس الطويل والبناء
الهادئ والمشاعر الباردة التي لا تستثار بسهولة، اطوِ قلبك على كراهية الكفر
ورموزه، واثنِ جوانحك على مقت الخيانة والمكر التي تجرّب عليك كل حين،
ولكن إياك أن تُستَدْرَجَ إلى عمل ينتظره شانئوك للإيقاع بك. أجِّل خلافاتك مع من
يشاركونك كلمة التوحيد، ويهدفون مثلك إلى إحياء عقيدة أهل السنة والجماعة،
واستخلاصها من براثن الماسخين والمستغلين، فأعداء هذه العقيدة أمرهم عَجَبٌ في
كثرتهم وتنوعهم واجتماعهم على هذا الهدف، رغم اختلافاتهم العميقة. وجِّه كل
جهدك إلى من يريدون حصرك في مفهوم للدين من صنعهم، فهؤلاء هم العدو
فاحذرهم، قاتلهم الله أنى يؤفكون. هؤلاء هم وكلاء الاستعمار بين ظهراني
المسلمين، وهم موضع ثقته، وعيبةُ أسراره، ورواد دهاليزه.
إياك أن تنخدع بدعوى أن بلادنا مستقلة، حرة في قراراتها وإراداتها، تلفَّت
يمنة تجد ألف دليل ودليل في كل صقع على أننا مكبلون، يُقرأ لنا، ويرسَمُ لنا،
ويزرَع لنا، ويصنَع لنا، ويحفرَ لنا.
إن صعوبة المرحلة الاستعمارية المكشوفة - مع شراستها ومرارتها - لا
تقارن بما يحدث في هذه المرحلة التي أعقبت تلك، التي يدبر أمرك فيها عدو من
جلدتك بقلب مجلوب وعقل مستعار. لقد بان الصبح لذي عينين، فأنت الذي يحمل
الشرعية، وأمامنا مثالان حاضران من أمثلة كثيرة، أحدهما في شرق الأرض،
والآخر في غربها.
أما الأول ففي أفغانستان، حيث أنت الذي قام في وجه الإلحاد الغازي،
وصليت بنار الشيوعية قبل أن تولِّيك الأدبار تحت شدة ضرباتك الموفَّقة واستوصت
على وليدها الخديج [١] كل من خَبُث من الأوصياء، قبل أن تندثر في مقبرة
التاريخ.
وأما الآخر ففي الجزائر، لما قام الشعب هناك، فصحَّحَ خطأ عمره ثلاثون
سنة سلماً لا حرباً، وأفصح عن إرادته تحت رقابة هؤلاء الذين يغتصبون هذه
الإرادة بكل صلافة وصفاقة وبعد عن المعقول حيث:
أجمعوا أمرهم عِشاءً فلما ... أصبحوا أصبحت لهم ضوضاءُ
وقالوا: هذا لا يكون، وما هكذا رجونا أن تكون النتيجة، (والشعب لم
يصوِّت على شيء) ! ! الديموقراطية في خطر. الوحى الوحى، أدركوها قبل أن
يعصف بها الإسلاميون! !
يا لله وهذا الافتراء! كيف يدان شخص قبل اقترافه الجريمة؟ ويدان ممن؟
ممن يداه ملطختان بدماء الأبرياء، وجيوبه منتفخة من حقوق المستضعفين!
أيها المسلم:
لا تستغرب ما ترى، فأنت تعيش في عصر الغرائب والأعاجيب، وحسبك
هذا ليدفعك إلى الصبر والعمل ليل نهار دون كلل ولا ملل، لا تسمح للإحباط أن
يتسرب إلى نفسك، فحق لك أن يتعب منك المرجفون ولا تتعب، وييأس من ثنيك
عن عزيمتك وأهدافك دهاقنة الباطل ولا تيأس. لا تبالِ بالأوصاف الكاذبة التي
تلصق بك، ولا بالأقلام المأجورة التي تنهشك، ولا تصرفْك الدعايات المسمومة
التي تلفَّق ضدك عما توجهت له.
يعيبون عليك الاشتغال بالسياسة؟ وهل شرط المشتغل بالسياسة أن يتخلى
عن دينه، ويدوس الأخلاق، ويترك هذا المجال لمحترفي الدجل يرسون دعائم
الفساد ويحوطونها بالشريعات الباطلة، ويحرسونها بالدساتير والقوانين المفصلة
على قدِّ نواياهم الخبيثة، وسلوكهم المنافق؟ لم هذا التردد والخوف البادي على
تعبيراتك وأعمالك كلما سمعت من يتهمك بحب السلطة والحكم مع أنك لم تمارسهما
يوماً، وكأنه عار وشنار تحب أن تتوارى منه، مع أن غيرك - وهو السفيه
الأرعن، والجاهل الرعديد - تراه واثقاً من نفسه، لا يفكر أن توجه له مثل هذه
التهمة مع أنه متلبس بهما تلبساً كأن أمه ولدته على رقاب الناس؟
إن الباطل لا يستبحر في دنيا الناس ولا يعرِّش إلا حينما يراهم يحبون الدعة
والراحة والرفاه الكاذب الذي يُمنِّيهم به، ويستحون مما لا يستحى منه، فيخجلون
من الرجولة، ويتفاخرون بالفرار من تسمية الأمور بأسمائها التي وضعها لها البشر
الأسوياء.
أيها المسلم:
إن الباطل ذا الرؤوس المخيفة الذي يخوفونك مغبة غضبته ليس كما يدعون،
نعم، له أساليب جهنمية، وأرواح كثيرة، سبعة أرواح! ولكنها أرواح قصيرة
كأرواح القطط والكلاب، فلا ترعك غضبته، ولا تصرفك عن طِيَّتِك أساليبه
وتجاربه، لا تتردد عن الإصرار على دمغه بحقك فيزهق ويضمحلّ، [وَيَوْمَئِذٍ
يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ الله يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ] [الروم ٤-٥] .
стр. 1056
القواعد الفقهية
عبد العزيز الحويطان
معنى القاعدة لغة واصطلاحاً:
القاعدة لغة: الأساس [١] وتجمع على قواعد وهي: أسس الشيء وأصوله
حسياً كان ذلك الشيء أو معنوياً.
قال تعالى: [وإذْ يَرْفَعُ إبْرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْمَاعِيلُ ... ]
وقال تعالى: [فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ القَوَاعِدِ ... ]
واصطلاحاً: عرفها الجرجاني بأنها (قضية كلية منطبقة على جميع
جزئياتها) [٢] .
وقال تاج الدين السبكي: (هي الأمر الكلي الذي ينطبق عليه جزئيات كثيرة
تفهم أحكامها منها) [٣] .
إذاً فقد عرفها السبكي بأنها أمر كلي، لكن الحموي له تعريف آخر فهو
يعتبرها أمر أكثري أو قضية أغلبية فهو يقول: (إن القاعدة هي عند الفقهاء غيرها
عند النحاة والأصوليين، إذ هي عند الفقهاء حكم أكثري لا كلي ينطبق على أكثر
جزئياته لتعرف أحكامها) [٤] .
لكن ما السبب في جعلها حكماً أغلبياً لا كلياً؟
سيأتي معنا بعد قليل أن القاعدة تنخرم في بعض الأمور أي تشذ بعض الفروع
فلا تنطبق على القاعدة، ولذا سميت قضية أو حكماً أغلبياً.
إذاً نستطيع أن نعرفها بأنها (حكم شرعي في قضية أغلبية يتعرف منها أحكام
ما داخل تحتها) [٥] .
الفرق بين القاعدة الفقهية والضابط الفقهي:
حتى نعرف الفرق بين القاعدة الفقهية والضابط الفقهي، يجدر بنا أن نعرف
الضابط الفقهي أولاً، ومنه يتضح الفرق إن شاء الله.
قال العلامة تاج الدين السبكي: (والغالب فيما اختص بباب وقصد به نظم
صور متشابهة أن يسمى ضابطاً) [٦] .
هذا هو المقصود بالضابط الفقهي، وهو أنه قاعدة تختص بباب واحد فقط.
أما الفرق بينهما، فقد قال ابن نجيم:
(الفرق بين الضابط والقاعدة: أن القاعدة تجمع فروعاً من أبواب شتى،
والضابط يجمعها من باب واحد، هذا هو الأصل) [٧] . وأكد ذلك السيوطي -
﵀ في كتابه الأشباه والنظائر حيث قال: (القاعدة تجمع فروعاً من أبواب
شتى والضابط يجمع فروع باب واحد) [٨] .
وحتى يتضح الأمر تماماً دعنا نضرب مثالاً للضابط الفقهي، وهو حديث ابن
عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ : (أيما إهاب
دبغ فقد طهر) [٩] . فهذا الحديث يعتبر ضابطاً لطهارة الجلود في باب الآنية، لذلك يقول الإمام إبراهيم النخعي ﵀: (كل شيء منع الجلد من الفساد فهو دباغ) [١٠] .
أما مثال القاعدة فهي قاعدة (الأمور بمقاصدها) نجد أنها تدخل في أغلب
أبواب الفقه إن لم يكن جميعها..
بهذا نكون قد وقفنا على الفرق بين الضابط والقاعدة في الفقه، وهذا لا يمنع
أن يكون بعض العلماء قد ساروا في كتبهم على عدم التفريق بينهما.
الفرق بين القاعدة الفقهية والقاعدة الأصولية:
أول من وجد له كلام عن التفريق بين القاعدة الفقهية والقاعدة الأصولية الإمام
القرافي ﵀، حيث يقول:
(فإن الشريعة العظيمة المحمدية اشتملت على أصول وفروع، وأصولها
قسمان:
١- المسمى بأصول الفقه وهو في غالب أمره ليس فيه إلا قواعد الأحكام
الناشئة عن الألفاظ العربية خاصة، وما يعرض لتلك الألفاظ من النسخ والترجيح
ونحو الأمر للوجوب والنهي للتحريم، والصيغة الخاصة للعموم ونحو ذلك ...
٢- قواعد فقهية كلية، كثيرة العدد عظيمة المدد، مشتملة على أسرار الشرع
وحكمه، لكل قاعدة من الفروع في الشريعة ما لا يحصى، ولم يذكر شيء منها في
أصول الفقه، وإن اتفقت الإشارة إليه هناك على سبيل الإجمال فبقي تفصيل لم
يتحصل) [١١] . إذا فالشريعة من أصولها أصول الفقه والقواعد الفقهية كما قال القرافي.
ولو أمعننا النظر في القواعد الأصولية والقواعد الفقهية، لوجدنا بينها فروق
نذكرها على سبيل الإيجاز:
١- أن أصول الفقه بالنسبة للفقه ميزان وضابط للاستنباط الصحيح، شأنه
في ذلك شأن علم النحو لضبط النطق والكتابة، فهي التي يستنبط بها الحكم من
الدليل التفصيلي وموضوعاتها دائماً الدليل والحكم، كقولك: الأمر للوجوب والنهي
للتحريم والواجب المخير يخرج المكلف من العهدة فيه بفعل واحد مما خير فيه. أما
القاعدة الفقهية فهي كلية تنطبق على جميع جزئياتها، وجزئياتها بعض مسائل الفقه، وموضوعاتها دائماً هو فعل المكلف.
٢- القواعد الأصولية كلية تنطبق على جميع جزئياتها، أما القواعد الفقهية
فإنها أغلبية وتكون لها المستثنيات.
٣- القواعد الأصولية ذريعة لاستنباط الأحكام الشرعية، أما القواعد الفقهية
فهي عبارة عن مجموعة الأحكام المتشابهة التي ترجع إلى علة واحدة تجمعها.
٤- القواعد الفقهية متأخرة في وجودها الذهني والواقعي عن الفروع، لأنها
جمع لأشتاتها وربط بينها، أما الأصول فالغرض الذهني يقتضي وجودها قبل
الفروع لأنها القيود التي أخذ الفقيه نفسه بها عند الاستنباط [١٢] .
هذه هي أهم الفروق بينهما، ولعلها اتضحت إن شاء الله. ويبقى أن نذكر أن
من أهم مميزات القواعد الفقهية أنها تخدم المقاصد الشرعية العامة والخاصة، وتمهد
الطريق للوصول إلى أسرار الأحكام وحكمها [١٣] .
معنى الأشباه والنظائر:
هذا المبحث لأول وهلة يظن المرء أن لا دخل له في القواعد الفقهية، لكن
كتب الأشباه والنظائر مليئة بالقواعد الفقهية وفنون أخرى، ولذلك ألحق بهذا البحث. فما تعريف الأشباه؟ ؟
- كلمة شِبْه أو شَبَه هي المثل في اللغة [١٤] ، والنظير: المثل المساوي [١٥] .
أما اصطلاحاً فقد عرف تاج الدين السبكي ﵀ الأشباه فقال: (إن
الأشباه: هو أن يجتذب الفرع أصلان ويتنازعه مأخذان فينظر إلى أولاهما
وأكثرهما شبهاً فيلحق به) [١٦] . مثال ذلك: (إلحاق العبد المقتول بالحر، فإن له ...
شبهاً بالفرس من حيث المالية وشبهاً بالحر لكن مشابهته بالحر في الأوصاف ...
والأحكام أكثر فألحق بالحر) [١٧] .
وقد عرف الحموي الأشباه فقال: (المراد بها المسائل التي يشبه بعضها بعضاً
مع اختلاف في الحكم لأمور خفية أدركها الفقهاء بدقة أنظارهم، وقد صنفوا لبيانها
كتباً كفروق المحبوبي والكرابيسي) [١٨] .
إذاً فالأشباه هي الفروع المتشابهة ظاهراً والمختلفة باطناً لعله معينة، وأصل
هذه الكلمة يرجع إلى كتاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى أبي موسى
الأشعري حيث جاء فيه: (الفهم الفهم فيما يختلج في صدرك مما لم يبلغك في
الكتاب والسنة، اعرف الأمثال والأشباه، ثم قس الأمور عند ذلك، فاعمد إلى
أحبها إلى الله وأشبهها بالحق فيما ترى) [١٩] .
هذا فيما جاء في أصل هذه الكلمة، أما كلمة النظائر فلم يرد فيها أثر، لكن
الفقهاء أضافوها إلى كلمة الأشباه مقابلة لها، وذلك أنهم ألفوا فنوناً فقهية عبارة عن
أحكام متشابهة مع وجود بعض الفروق بينها [٢٠] .
فالفروق أقاموا كلمة النظائر بدلها، وبعض المؤلفين ألف كتباً وسماها الفروق، بينما بعضهم ألف في نفس الفن وجاء بالأشباه والنظائر، ولذلك يقول السيوطي:
(والمناظرة تكفي في بعض الوجوه ولو وجهاً واحداً) [٢١] .
أما أول من ألف في الفروق فهو الإمام أحمد بن عمر بن سريج الشافعي
(٣٠٦ هـ) ثم توالت التأليفات بعده [٢٢] .
وقد عرف صاحب الفوائد الجنية الفروق فقال: (معرفة الجمع والفرق: أي
معرفة ما يجتمع مع آخر في الحكم، ويفترق معه في حكم آخر كالذمي والمسلم
يجتمعان في أحكام ويفترقان كذلك، ومن هذا الفن نوع يسمى الفروق: وهو معرفة
الأمور الفارقة بين مسألتين متشابهتين بحيث لا يسوى بينهما في الحكم) [٢٣] .
وقال أبو محمد الجويني: (فإن مسائل الشرع ربما تتشابه صورها، وتختلف
أحكامها لعلل أوجبت اختلاف الأحكام، ولا يستغني أهل التحقيق عن الإطلاع على
تلك العلل التي أوجبت افتراق ما افترق منها واجتماع ما اجتمع منها) [٢٤] .
ومن الأمثلة على ذلك: (إذا طرح في الماء تراب فتغير به طعمه أو لونه أو
ريحه، لم يسلبه التطهير، ولو مزج فيه طاهر غير التراب كالزعفران والعصفر
والصابون والملح الحجري فتغير بمخالطه بعض صفاته سلبه التطهير، والفرق
بينهما أن التراب يوافق الماء في صفتيه الطهارة والتطهير، فلا يسلبه بمخالطته
شيئاً منها ... ) [٢٥] .
ومما سبق يتبين أن علم الأشباه والنظائر هو نفسه الفروق، وهما يشملان
القواعد الفقهية، لأن علم الأشباه والنظائر يحوي الألغاز والحيل وفنوناً عديدة منها
القواعد الفقهية..
(يتبع)
стр. 1057
أثر الضعف الخلقي في سقوط الأندلس
د. حمد بن صالح السحيباني
حينما دخل المسلمون الفاتحون بلاد الأندلس، كانوا قد انصهروا في بوتقة
الإسلام، حيث تأدبوا بآدابه، فاتبعوا أوامره، واجتنبوا نواهيه، كما مثلوا أخلاقياته
وما يدعو إليه من قيم سامية واقعاً ملموساً، أدركها جميع أهل تلك الديار، فأعجبوا
بها. فقد قال أحد قادة لذريق في رسالة بعث بها إليه يصف بها جيش المسلمين
الأول الذي عبر إلى الأندلس بقيادة طارق بن زياد: (لقد نزل بأرضنا قوم لا ندري
أهبطوا من السماء أم نبعوا من الأرض) [١] .
وقد بقي المسلمون خلال القرون الثلاثة الأولى من وجودهم هناك، محافظين
على تلك القيم، معتزين بها. ولكن مع مضي الزمن بدأ البعض منهم بالتحلل منها
مما أفقدهم شيئاً من مقومات أصالتهم ووجودهم هناك وقد أدرك هذه الحقيقة ابن
خلدون حين قال: (إذا تأذن الله بانقراض الملك من أمة حملهم على ارتكاب
المذمومات وانتحال الرذائل وسلوك طريقها، وهذا ما حدث في الأندلس وأدى فيما
أدى الى ضياعه) [٢] .
كما أدركها كوندي - أحد الكتاب النصارى - حيث قال: (العرب هَوَوْا
عندما نسوا فضائلهم التي جاؤوا بها، وأصبحوا على قلب متقلب يميل الى الخفة
والمرح والاسترسال بالشهوات) [٣] .
وصدق الله العظيم إذ يقول [وإذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا
فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا القَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً] [الإسراء ١٦] .
ومنذ أن بدأ الضعف في الجانب الخلقي عند بعض مسلمي الأندلس بالظهور
كعرض من أعراض بعدهم عن منهج الله انتاب الوجود الإسلامي هناك نوع من
الضعف وذلك لأن كل تقدم حضاري وسياسي وسمو فكري وارتفاع معنوي وأية
عزة في السلطان كان مرده إلى التمسك بالإسلام، ومرتهنا بمقدار الالتزام
بشريعته [٤] .
ولما كان هذا العامل من أهم عوامل سقوط بلاد الأندلس رأيت أن أكتب حول
هذا الموضوع حيث سأقوم - بعون الله - برصد هذه الظاهرة منذ بدايتها كعامل أثر
على الواقع السياسي والعسكري للمسلمين هناك، منذ عصر ملوك الطوائف حتى
خروج المسلمين من تلك الديار.
ونظراً لتشعب الموضوع فإن دراستي هذه ستقصر على عصر ملوك الطوائف
وذلك لأن المرحلة الاولى من مراحل سقوط الأندلس بدأت فيه آملاً أن تتاح لي
الفرصة مستقبلاً لإكمال رصد تلك الظاهرة حتى نهايتها.
وفي البداية قد يكون من المناسب أن نبين قبل حديثنا عن عوامل سقوط بلاد
الأندلس حقيقة تاريخية هامة وهي:
أن سقوط الأندلس بيد العدو النصراني لا يعني سقوط مملكة غرناطة التي كان
يحكمها بنو الأحمر فحسب؛ بل إن الأمر أعم من ذلك وأشمل، فسقوط الأندلس بدأ
حقيقة في وقت مبكر من تاريخ المسلمين بتلك الديار، حيث يستطيع الراصد لذلك
التاريخ أن يقول: إن بداية الانحسار الإسلامي في الأندلس كان منذ أن سقطت
الدولة الأموية هناك، وبعد أن قام على أنقاضها العديد من الدويلات الإسلامية
المتناحرة المتنازعة التي صورها الشاعر بقوله [٥] :
مما يزهدني في أرض أندلسٍ ... أسماء معتمد فيها ومعتضد
ألقاب مملكة في غير موضعها ... كالهر يحكي انتفاخاً صورة الأسد
ولعل مما يؤكد هذه الحقيقة أن مسلمي بلاد الأندلس لم يتمكنوا من الدفاع عن
أنفسهم بعد سقوط الخلافة الأموية هناك بل بقوا متنازعين متناحرين فيما بينهم حتى
بدأ الضعف بهم واضحاً نتيجة لتزايد الخطر النصراني ضدهم، الأمر الذي دفعهم
إلى الدخول في سلطان دولة المرابطين ثم الموحدين، ثم الاعتماد بعد ذلك على
المساعدات المرينية بشكل قوي وملموس.
وتتأكد هذه الحقيقة إذا تذكرنا أن الخطر النصراني ازداد ضد المسلمين هناك
حينما ضعفت مساعدات مسلمي المغرب لإخوانهم مسلمي الأندلس.
وبعد هذه المقدمة السريعة - فإنه بوسعنا أن نقول أن سقوط مدينة طليطلة سنة
٤٧٨ هـ (١٠٨٥م) [٦] كان مقدمة لسقوط غرناطة سنة ٨٩٧ هـ (١٤٩١م) [٧]
وأن تراجع مسلمي الأندلس نحو الجنوب منذ القرن الخامس كان هو الخطوة الأولى
لعبورهم إلى الشمال الأفريقي في آخر القرن التاسع الهجري، كما أن غياب أمثال
طارق بن زياد وموسى بن نصير والسمح بن مالك وعبد الرحمن الغافقي وغيرهم
عن الساحة الإسلامية قد أتاح الفرصة لظهور مثل رذريق (القمبيطور) والفونسو
الثامن، والفونسو الحادي عشر، وفرانده الخامس وغيرهم من زعماء النصارى
الذين تولوا قيادة الجيوش النصرانية التي تولت مهمة حرب استرداد الأندلس كما
يسمونها.
وقد أدرك هذه الحقيقة الشاعر الأندلسي المسلم الذي هز وجدانه سقوط طليطلة
سنة ٤٧٨ هـ (١٠٨٥ م) فعرف أن ذلك له ما بعده حيث قال محذراً إخوانه
المسلمين هناك [٨] :
حثوا رواحلكم يا أهل اندلس ... فما المقام بها إلا من الغلط
السلك يُنثَر من أطرافه وأرى ... سلكَ الجزيرة منثوراً من الوَسَطِ
من جاور الشر لا يأمن عواقبه ... كيف الحياةُ مع الحيات في سَفَطِ
وهكذا نرى أن بداية الانحدار لمسلمي الأندلس كان في عهد ملوك الطوائف،
وأن الضعف الذي حل بهم كان ضربة موجعة لم يستطيعوا التخلص من آثارها بعد
ذلك بالرغم من التئام شملهم النسبي في عهدي المرابطين والموحدين.
ومما لا شك فيه أن هذا الضعف التدريجي الذي أدى في النهاية إلى خروج
المسلمين من تلك الديار، لم ينشأ من فراغ، كما لم يكن وليد يومه أو ليلته، بل إنه
كان نتيجة لعدة عوامل وأسباب نشأت في ظروف معينة، فلما نمت وترعرعت
تمخض عنها ضعفهم، وخروجهم من الأندلس، ويمكن إجمال تلك العوامل
والأسباب فيما يلي:
١- انحراف كثير من مسلمي الأندلس عن منهج الله.
٢- موالاة العدو النصراني والتخلي عن الجهاد.
٣- انعدام الوحدة السياسية بينهم.
٤ - تكالب القوى النصرانية ضدهم.
هذه أهم عوامل سقوط بلاد الأندلس، ويعتبر الضعف في الجانب الخلقي عند
المسلمين هناك أحد النتائج التي تمخضت عن العامل الأول وقد كان لهذا الضعف
أكثر من مظهر وصورة ولعل من أهمها:
* الأنانية وحب الذات.
* التشبه بالعدو وتقليده.
* انتشار المجون والخلاعة بين المسلمين.
ولهذا سيكون حديثي عن هذا الموضوع من خلال هذه المحاور الثلاثة، حيث
سأبدأ أولاً برصد هذه الظاهرة منذ بداية ظهورها، ثم انعكاسات ذلك على المجتمع
الإسلامي في الأندلس، وآثارها على القوتين السياسية العسكرية عندهم.
الأنانية وحب الذات:
مما لا شك فيه أن الإيثار والتعاون من أهم سمات المجتمع الإسلامي، فقد دعا
الإسلام إلى هذا الأمر وأصله في نفوس المسلمين، قال تعالى: [والَّذِينَ تَبَوَّءُوا
الدَّارَ والإيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إلَيْهِمْ ولا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا
أُوتُوا ويُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ ولَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ
المُفْلِحُونَ] [الحشر ٩] .
وقد دخل المسلمون الفاتحون الى بلاد الأندلس بهذه الأخلاق الطيبة، كما
تربي أفراد المجتمع الإسلامي هناك على هذا الخلق الإسلامي الأصيل عامتهم
وخاصتهم، ولهذا قال أحد الباحثين: (بقينا في الأندلس ما بقينا مع الله، وضاعت
الأندلس لما أضعنا طريق الله، بقينا في الأندلس بهمة عبد الرحمن الداخل الذي قال
لما نزل من البحر إلى بر الأندلس وقد قدم إليه خمر ليشرب فأبى وقال: إني
محتاج لما يزيد في عقلي لا لما ينقصه، فعرف الناس من ذلك قدره، ثم أهديت
إليه جارية جميلة فنظر إليها وقال: إن هذه لمن القلب والعين بمكان، وإن أنا
لهوت عنها بمهمتي فيما أطلبه ظلمتها، وإن لهوت بها عما أطلبه ظلمت مهمتي فلا
حاجة لي بها الآن) [٩] .
وقد سار المسلمون بالأندلس على هذا النهج حتى آخر عمر الدولة الأموية
حيث يذكر ابن عذاري أن المنصور بن أبي عامر كان يسهر على مصالح رعيته
وكانت متابعته لأمور رعيته تستنفد منه كل وقته لدرجة انه كان لا ينام إلا سويعات
قليلة متفرقة فلما قيل له: قد أفرطت في السهر وبدنك يحتاج إلى أكثر من هذا النوم، أجاب قائلاً: إن الملك لا ينام إلا إذا نامت الرعية، ولو استوفيت نومي لما كان
في دور هذا البلد العظيم عين نائمة [١٠] .
وفي آخر عمر الدولة الأموية ضعف تمسك الناس بكثير من الأخلاق
الإسلامية، فانعكست آثار ذلك على المجتمع الإسلامي فضلاً عن الدولة الأموية
التي بدأت تظهر عليها علامات الهرم والشيخوخة حينما خف اعتبارها عند الناس،
لأن قادتها فقدوا واحداً من أهم مقومات دولتهم حيث يذكر المؤرخون أنه حينما أعلن
سقوط الدولة الأموية في قرطبة سنة ٤٢٢ هـ مشى البريد في الأسواق والأرباض
بألا يبقى أحد من بني أمية بقرطبة ولا يكنفهم أحد من القرطبيين [١١] .
وبعد أن قامت دولة ملوك الطوائف على أنقاض الدولة الأموية ازداد الأمر
سوءاً حيث تنافس أولئك القوم على السلطة، وتناحروا من أجلها، فانتشر بينهم
العداء المستحكم والخصام الدائم، فالكثير منهم لا هم له إلا تحقيق مصلحته الذاتية
وإشباع أنانيته، وتثبيت أقدامه في السلطة ولو على حساب مصلحة المسلمين،
وكأن الأندلس إنما وجدت له ولمصلحته الذاتية مهما كان قصير العمر، ذليل المكانة
مهزوز القواعد [١٢] ، ولهذا جعل الله بين أولئك الملوك والأمراء من التحاسد
والتنافس والغيرة ما لم يجعله بين الضرائر المترفات، فلم يتعاونوا على بر أو
تقوى أو يسعوا لمصلحة إسلامية، بل انصبت كل جهودهم على توفير ما يخدم
مصالحهم الخاصة [١٣] . هكذا كان واقع أولئك القوم، ويجد الدارس لتاريخهم
العديد من الأمثلة والحوادث التي تدل على صحة ذلك وعلى أنهم انشغلوا بأمورهم
الخاصة وغفلوا عن الخطر النصراني الذي كان يتهدد هذه الجهة الشمالية من بلادهم، ومن الأمثلة على ذلك أنه حينما أغار فرناندو ملك ليون على بَطَلْيوس بلاد المظفر
ابن الأفطس فدمرها، واستباح حريمها، وانتهب أموالها ورد خبرها على المأمون
ابن ذي النون صاحب طليطلة، ولما دخل عليه وزيره أبو المطرف بن مثنى بعد
وصول الخبر إليه وجده شديد الإطراق والضيق. وأخذ يفرج عنه معتقداً أن ما
أصابه من ضيق كان بسبب ما سمعه مما أصاب المسلمين في بطليوس، فلما فهم
مقصد ابن مثنى منه أعرض عنه وقال له: ألا ترى هذا الصانع - يعني عريف
بنيانه - صبرت له وأغضيت له لكنه لا يمتثل لأمري وينغص علي لذتي ويستخف
بإمرتي [١٤] .
ولما تزايد الخطر النصراني ضد مسلمي الأندلس بعد حادثة بربشتر سنة
٤٥٦ هـ وجه أبو حفص عمر بن حسن الهوزني [١٥] رسالة إلى المعتضد ابن
عباد (٤٣٣ - ٤٦٢ هـ) دعاه فيها إلى الجهاد، كما بين فيها شدة معاناة المسلمين،
وسبب تزايد الخطر النصراني عليهم، وأنه لا خلاص للمسلمين من واقعهم المر إلا
بالرجوع إلى ميدان الجهاد ومما جاء في تلك الرسالة:
أعباد جل الرزء والقوم هجع ... على حالة من مثلها يُتَوَقَّع
فَلَقِّ كتابي من فراغك ساعه ... وإن طال فالموصوف للطول موضع
وكتابي عن حالة يشيب لشهودها مفرق الوليد، كما يغير لورودها وجه
الصعيد، بدؤها ينسف الطريف والتليد، ويستأصل الوالد والوليد، تذر النساء
أيامى والأطفال يتامى.. [١٦]
هكذا نبه أبو حفص الهوزني ابن عياد إلى الخطر المحدق بالمسلمين هناك،
كما بين له أن الخلاص من ذلك المأزق لا يتم إلا بالتخلي عن الذات، وجعل الجهاد
هو الهاجس الدائم للمسلمين هناك عامتهم وخاصتهم. ويذكر المؤرخون أن موقف
ابن عباد من تلك الرسالة كان سيئاً، فما إن تلقاها حتى أرسل إلى الهوزني يستدعيه
للقدوم إلى أشبيلية، فلما قدم إليه أخذ يسعى للقضاء عليه حتى تمكن من قتله سنة
٤٦٠ هـ[١٧] .
وبالإضافة إلى هذه الحادثة فقد ذكر المؤرخون العديد من الأمثلة التي قام بها
المعتضد بن عياد من أجل تثبيت قدميه في السلطة حينما يرى أن سلطانه أصبح في
خطر حيث تطاول على العديد من القادة والعلماء كما قتل ابنه من أجل هذا
الغرض [١٨] .
وكان ملوك الطوائف يسعون دائماً إلى إيجاد ما يدعمون به ملكهم ويثبت
أقدامهم في السلطة، ومن ذلك بذلهم العطاء الوافر للشعراء والأدباء الذين يقولون
قصائدهم في مدحهم، وقد أسرفوا في هذا الأمر إسرافاً لا مثيل له، وعلى سبيل
المثال فقد منح المعتمد بن عباد الشاعر عبد الجليل بن وهنون ألفين من الدنانير
على بيتين من الشعر، بينما منح المعتصم بن صمادح قرية بأكملها للشاعر أبي
الفضل جعفر بن أبي عبد الله بن مشرف حينما أنشده قصيدته التي مطلعها:
قامت تجر ذيول العَصْبِ والحِبَرِ ... ضعيفة الخصر والميثاق والنظر
ولما بلغ منها قوله:
لم يبق للجور في أيامهم أثر ... إلا الذي في عيون الغيد من حَوَرِ
قال المعتصم: (لقد أعطيتك هذه القرية نظير هذا البيت الواحد ووقع له بها
وعزل عنها نظر كل وال) [١٩] .
وقد ذكر عن علي بن مجاهد صاحب دانية أنه (طلب السِّلم وأغمد السيف
وكانت همته في خراج يَجْبٍيه ومتجرٍ يُنَميِّه) [٢٠] .
وهكذا يتبين لنا من خلال هذه الأمثلة التي ذكرناها أن الأنانية وحب الذات قد
تأصلت عند ملوك الطوائف حتى أصبحت خلقاً مألوفاً لدى الكثير منهم يصعب
عليهم التخلص منها أو السعي لغيرها. وهذا بلا شك كان من أكبر معاول الهدم التي
أصابت قوة المسلمين في تلك الفترة، وقد أدرك هذه الحقيقة عدد من مؤرخي تلك
الفترة، فقال ابن حيان شيخ مؤرخي الأندلس: (دهرنا هذا قد غربل أهليه أشد
غربلة فسفسف أخلاقهم، وسفه أحلامهم، وخبث ضمائرهم ... فاحتوى عليهم
الجهل، يعللون نفوسهم بالباطل..) [٢١] .
كما عد ابن حزم هذا الانحراف الذي مني به ملوك الطوائف بأنه منزلق
خطير، وظاهرة لها ما بعدها من الآثار السلبية حيث قال: (اللهم إننا نشكو إليك
تشاغل أهل الممالك من أهل ملتنا بدنياهم عن إقامة دينهم، وبعمارة قصور
يتركونها عما قريب، عن عمارة شريعتهم اللازمة لهم في معادهم ودار قرارهم،
وبجمع أموال ربما كانت سبباً في انقراض أعمارهم وعوناً لأعدائنا عليهم عن حاجة
ملتهم حتى استشرف لذلك أهل القلة والذمة، وانطقت ألسنة أهل الكفر
والشرك) [٢٢] .
وبالإضافة إلى هذا فقد ذكر ابن حزم في موضع آخر أن الأنانية وحب الذات
قد تأصلت في نفوس أولئك الحكام حتى كأن الأندلس إنما خلقت لهم ولتحقيق
رغباتهم، وأنهم يقدمون في هذا السبيل ومن أجل هذا الغرض تنازلات كبيرة حيث
قال في ذلك: (والله لو علموا أن في عبادة الصلبان تمشية أمورهم بادروا إليها،
فنحن نراهم يستمدون النصارى فيمكنوهم من حُرَم المسلمين وأبنائهم ... وربما
أعطوهم المدن والقلاع طوعاً فأخلوها من الإسلام وعمروها بالنواقيس) [٢٣] .
وهكذا نرى كيف أن الأنانية وحب الذات عند ملوك الطوائف قد جعلتهم
يقدمون التنازلات الكثيرة للنصارى من أجل البقاء في السلطة حتى ولو كان ذلك
على حساب مصلحة المسلمين العامة.
(يتبع)
стр. 1058
مبادرة كارتر
أسلوب جديد للتنصير
د. حسن علي أحمد
يبدو أن مشاغل جيمي كارتر هذه الأيام أكثر بمرات عديدة منها أيام فترته
الرئاسية لأمريكا. هذه حقيقة مع فارق بسيط. فمع كثرة المشاغل والمتاعب إلا أنه
وزوجته روزالين يجدان متعة عظيمة فيما يقومان به، لأنهما - كما يقول - يؤديان
ما يؤمنان به وقد نذر بقية عمره لأجله، فالتنصير أو ما يسمى تدليساً التبشير هو
الهدف الرئيس الذي أنشأ من أجله مركز كارتر في أتلانتا بولاية جورجيا. هذا
المركز والذي لاقت أعماله نجاحاً ودعماً كبيراً من جمعيات التنصير العالمية، تكون
ابتداءً من قسم واحد يعمل من أجل السلام في العالم! ، يتفرع اليوم إلى أقسام عديدة؛ أهمها مركز كارتر للديموقراطية (CCD) ، وشبكة كارتر الدولية للتفاوض
(CINN) .
لقد استفاد المنصرون من تجاربهم والتي عانت من الفشل مرات كثيرة خاصة
في بلاد المسلمين فتغيرت بعض أساليبهم وبشكل ملحوظ خلال العقد الماضي. فلم
يعد التنصير اليوم حكراً على القسس والرهبان بل أصبح المنصر مهندساً أو طبيباً
أو قائداً لثوار ورئيساً سابقاً لدولة عظمى داعية للديموقراطية والسلام! ؟ ويدعي
كارتر أن شبكة التفاوض الدولية التابعة لمركزه تتابع أكثر من ١٠٤ نزاعات في
العالم، صنفت اثنتان وثلاثون منها على أنها حروب كبيرة بعد أن سقط فيها أكثر
من ١٠٠٠ قتيل. تقع ثمانية من هذه الحروب الكبيرة في أفريقيا؛ القارة الأقرب
إلى قلب كارتر والتي سعى ويسعى فيها لدعم المسيحيين في القرن الافريقي،
والذين يشكلون أقليات في كل دول المنطقة حتى في أثيوبيا خلافاً لما يعتقده كثيرون. ويعرف من يتابع مجريات الأحداث في شرق أفريقيا والاجتماعات التي عقدت
خلال الأعوام الماضية في أتلانتا ونيروبي وأديس أبابا، أن تبني كارتر لجورج
قرنق في جنوب السودان وجبهة أسياس أفورقي النصراني في أرتيريا إنما كان
لينفصل الأول عن السودان وتندمج الثانية بشكل نهائي في أثيوبيا كخطوة نحو إيجاد
دولة أو كيان يضم كل المسيحيين في القرن الأفريقي، تحقيقاً لحلم يراود النصارى
منذ زمن بعيد، حيث لم يفتأوا يصرون على أن المنطقة كانت ويجب أن تظل
مسيحية.
وضمن جهود كارتر المتواصلة للتغلغل في المنطقة، زار خلال شهر تشرين
الثاني الماضي زامبيا للإشراف على سير الانتخابات الرئاسية الأخيرة فيها وذلك في
إطار برنامج مركزه للديموقراطية المذكور سالفاً. هناك أطلق كارتر - وفي بعض
الدول الأخرى التي زارها - مجموعة من النداءات أراد لها أن تكون مبادرة
تستهدف إنهاء النزاعات في القارة وتساهم في حل مشاكلها الصحية والاقتصادية.
ونستعرض فيما يلي طرفاً مما قام به في رحلته هذه إضافة إلى مراقبة الانتخابات
في زامبيا:
* قضى عطلة نهاية الاسبوع السابقة للانتخابات في محادثات مع طرفي
النزاع في ليبيريا؛ الرئيس الانتقالي آموس سوير، وقائد المتمردين تشارلس تايلر؛ في لاغوس، العاصمة النيجيرية، حيث التقى بالرئيس إبراهيم بابنجيدا من أجل
الجلسة القادمة في سلسلة لقاءات سوير وتايلور والتي تعقد في باموس سكرو تحت
إشراف الحكومة النيجيرية من أجل حل سلمي للنزاع الدامي الذي شغل ليبيريا
لأكثر من ٢٢ شهراً. وبدا كارتر متعاطفاً مع زعيم المتمردين في تصريحاته التي
ذكر فيها أن تايلر أصبح أكثر استعداداً للسلام والديموقراطية [١] . كما تعهد كارتر
بمساعدات سيقدمها مركزه لإقامة انتخابات خلال العام المقبل في حالة حصول اتفاق
بين الطرفين وإنهاء تقسيم ليبيريا. وجدير بالذكر أن الجبهة الوطنية الليبيرية قد
أثارت فتنة عظيمة في البلاد بقيادة تشارلس تايلر النصراني المتعصب، راح
ضحيتها آلاف المسلمين وتعرضت فيها ممتلكاتهم وأراضيهم للنهب والتخريب.
* بالإضافة إلى الإشراف على الانتخابات، يقدم المركز خدمات أخرى. فقد
أعلن ممثل المركز أنه قد تم تنظيم مجموعات محلية هدفها حماية الأطفال وتعليمهم، وأعلن أن الجهود الأولى ستصرف في حملة تطعيم - ضد أمراض الحصبة
والدفتيريا والتيفود والسعال الديكي.
* حرص كارتر على تنظيم لقاءات مع القيادات السياسية والفكرية لتلك الدول، كان أهمها اللقاء الأكاديمي الذي تم في المعهد النيجيري للشؤون الدولية وذلك ...
ضمن حلقة علمية عن (دور ومشاركة الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي في نشوء النزاعات الأفريقية) . وقد حرص كارتر في ذلك اللقاء على دعوة مجموعة من الأساتذة الأفارقة لزيارة مركزه في أتلانتا لإلقاء المحاضرات فيه عن العلاقات الدولية كما كان حريصاً على طرح بعض النقاط التي تمس الواقع المتخلف لأفريقيا جنوب الصحراء والتي يمكن تلخيصها بالتالي:
١- إن أفريقيا لم تحصل على نصيب مكافئ من الثروة العالمية وأنها لا تزال
تعاني من آثار النظم الاستعمارية التي اغتصبت شعوبها وثرواتها. وهذا بالتالي -
كما يقول - أدى إلى وقوع أفريقيا في الديون التي ترزح تحتها اليوم.
٢- إن أمريكا لا بد أن تفعل كما فعلت أوروبا واليابان في إعفاء أفريقيا من
بعض الديون وتخفيض معدلات الربا عليها. كما أن عليها أن تشتري المنتجات
الأفريقية - طبيعية وصناعية - بأسعار جيدة يكون من شأنها رفع مقدرة أفريقيا
على دفع ديونها.
٣- إن سقوط الشيوعية وانتهاء الحرب الباردة يتيحان لنا فرصة عظيمة
للاهتمام بالعالم النامي وقال: إن النظام العالمي الجديد ليس حقيقة قائمة. وقد يكون فرصة جيدة لكنها لم توجد بعد؟ ! وقال: إنه يتمنى أن يتجاوز النظام العالمي الجديد كونه مجرد تغيير في التركيز من أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط وأن يستطيع الوصول إلى أفريقيا المحرومة من حقها الطبيعي تحت الشمس السياسية! وأضاف أن الرؤساء والمسؤولين الأفارقة يقع عليهم عبء الانتاج
بمستوى الاقتصاد للقارة وعدم الاعتماد على المساعدات العالمية.
ولا نشك في أن كارتر قد استطاع لمس وجدان سامعيه بمثل هذه الطروحات.
لكننا لا نشك أيضاً أن هدفه من وراء ذلك إنما هو محاولة إقناع الأفارقة بأنه مهتم
وساع في حل مشاكل القارة على اختلافها ليحتل مكاناً في قلوبهم يمكنه من تنفيذ
برامجه في التغلغل في القارة دونما شكوك أو معارضة.
ولا يخفى على كل من عرف كارتر ومراكزه أن التنصير هو غايته الأولى،
وليراجع من شاء تصريحاته وكتبه ومنشورات مركزه.
وحق لنا أن نتساءل، وقد تباكى كارتر على حرمان أفريقيا من حقها ووقوعها
ضحية الاستغلال الغربي: لماذا لم يقدم لها كارتر شيئاً يذكر عندما كان رئيساً
لأمريكا وكان بإمكانه أن يفعل الكثير؟ ففي فترة حكمه لم يزد مجموع المساعدات
للقارة - جنوب الصحراء - على ٢٥٠ مليوناً من الدولارات كانت تضيع في أحسن
أحوالها - وكارتر يعلم ذلك - بين قلة من الذين يسيطرون على مقاليد الأمور هناك.
لا أحسب أن تاريخ العالم يحفظ أسوأ من صورة مدنية الغرب في معاملة
الآخرين وإنكار مصالحهم وتجاهل حقوقهم. وهذه السخائم الوبيلة ليست في طبيعة
الغرب سجية محدثة، بل كانت المدنية الغربية ولا تزال تفرض إثمها على أنه
شرف ورفعة وتنشر نزواتها وأهواءها على أنها قوانين عادلة.
وفي بداية الحملات الاستعمارية الحديثة على القارة الأفريقية، شكلت بعثات
التنصير الكنسية طلائع هذا الغزو، وكانت أداة فعالة في ترسيخ الاستغلال الذي
تحدث عنه - مستنكراً - كارتر! . لكن اليوم وقد اختلفت العوامل التي تربط
الغرب بمصالحه في أفريقيا فقد تغيرت وسائله وانقلبت أولوياته، وأصبح الاستعمار
الجديد والاستغلال الاقتصادي أدوات طيعة موجهة لخدمة أهداف الكنيسة. هذا ما
كتبه النصارى أنفسهم وناقشوه في مؤتمر من أهم مؤتمراتهم في هذا القرن اجتمعت
له أعداد كبيرة من الهيئات والمنظمات المسيحية التي تستهدف المسلمين في ولاية
كولورادو في ١٥/١٠/١٩٧٨م أم واشتهر بعدها بمؤتمر المنصرين. ثم جمعت مادة
هذا المؤتمر في كتاب حرره القس دونالد ماكوري تحت عنوان (الإنجيل
والإسلام) ..
ليس أقصد من وراء هذا السرد إثارة الحسرة والأسى ولا التباكي على واقعنا
الذي اعتراه ضعف وعجز في نواح كثيرة لكنها ذكرى لعل الدعاة إلى الله يستفيدون
من مثل هذه التجارب والأساليب. فمثل هذه الأساليب قدمت خدمات تنصيرية فاقت
إلى حد بعيد كل جهود القسس والرهبان والدعوة التقليدية.
إن المسلمين اليوم وإن كانوا في أعقاب فترة كلية، ولا زالوا ينفضون غبار
الذل الذي أصابهم بعد أن طُويَ لواءهم، إلا أنهم يتهيأون - كما يرى كل ذي
عينين - لانتفاضة مرموقة بإذن الله، وهم يستعدون لحمل رسالة الحق من جديد. ولا بد لهم في ذلك من وسائل ناجعة وصالحة، فإن دعائم الدعوة الموفقة الناجحة تلتقي كلها في الأخذ بكتاب الله -سبحانه- وسنة نبيه ﷺ . نعم إن مستقبلنا في هذه الدنيا ثم مصيرنا يوم المعاد، كلاهما لا يضمنه إلا هذا المنهج الوثيق.
стр. 1059
خواطر في الدعوة
في الهدم والبناء
محمد العبدة
إن المتتبع لكل الجهود التي بذلها المسلمون خلال القرن الماضي فيما سمي بـ
(النهضة) سيلاحظ شيئاً عجيباً، فهذه الجهود لم تكن تراكمية يستفيد فيها اللاحق من
السابق، وينظر في أمرها فيأخذ ما صح منها ويبني عليه، ثم يأتي من بعده ويتم
البناء، ولكنها في الغالب كانت تبدأ من الصفر فتخطىء وتصيب وتجرب مرات
ومرات، وفي العادة تكون البدايات شاقة وتحتاج الى طاقات كثيرة.
وسبب هذه الطريقة في التفكير والعمل - والله أعلم - أننا لم نتعود بعد على
العمل المؤسسي الذي يقوم بالدراسات الدقيقة لكل عمل سبق وتقويمه تقويماً منصفاً
حيادياً، ودراسة كل فكر تقدم، وكل تجربة لداعية أو عالم أو هيئة، وما هي
الانجازات التي تحققت أو الفشل الذي وقع. كما أننا لم نتعود على الإنصاف في
تقدير جهود الآخرين، خاصة إذا كان يخالفنا ولو في شيء يسير، وثالث الأسباب
أننا نحمل في داخلنا موروثات مذمومة من الحسد والشنآن فلا نذكر محامد أحد، بل
إننا أقرب إلى حب التحطيم كما يفعل الأطفال بألعابهم.
كتب خير الدين التونسي قبل أكثر من قرن محذراً من الطوفان القادم (الغرب)
إن لم يتدارك الأمر بالمؤسسات والبعد عن الاستبداد في الأمة وما يجر من ويلات،
وعلى الرغم مما عندنا من ملاحظات على التونسي والكواكبي، وما في فكرهما من
ثغرات وتشوش، فإن ما طرحاه في هذا الموضوع كان صحيحاً.
ولا يزال بين المسلمين من يقول بعدم إلزامية الشورى. ثم جاء الشيخ رشيد
رضا وكتب في (المنار) مقالات قوية عن شؤون العمران والسنن الربانية في قوة
الأمم ورقيها وأسباب ضعفها. واقترح تأسيس الجمعيات والمدارس التي تساهم في
هذا الرقي وأظن أننا لم نستفد كثيراً مما كتب، وهكذا تكررت هذه الظاهرة، فقد
قام الشيخ ابن باديس بتجربة قوية ناجحة في جمع علماء الجزائر في جمعية واحدة،
وكان أثرها قوياً واضحاً في نهضة الجزائر، والآن نرى أكثر العلماء والدعاة
متفرقين مع الأسف، وكتب مالك بن نبي عن المشكلة الحضارية وأن البدء يكون
بتغيير ما بالأنفس، وكتب عن مشكلة الأشخاص والشيئية القادمة من عصور
الانحطاط، ولكن المشكلة لا تزال قائمة وجاء سيد قطب فكتب فصولاً جيدة عن
القاعدة الصلبة وكيف تتكون.
وليست المشكلة فقط أننا لا نستفيد من صواب كل واحد منهم بل إن بعضنا
ينقض ما عندهم من إيجابيات ويقلل من شأنها، ويستهين بها. وهم في ذلك
[كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً] [النحل ٩٢] .
ولا ندري إلى متى نستمر في البناء والهدم والحزبية وقلة الإنصاف، والنزعة
الأنانية الضيقة. والله وحده المستعان على هذه الحال، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 1060
قراءة في مجلة المنار
عبد القادر حامد
كان الهم الشاغل لرشيد رضا حين أخرج مجلته هو الفجوة العلمية الضخمة
بين الغرب من جهة وبين العالم الإسلامي من جهة أخرى، لهذا فإنه حض أولاً
على نبذ الكسل والتهاون والضعف والاتكالية، واعتبر التربية والتعليم الوسيلة
المثلى التي يمكن أن تردم هذه الفجوة أو تقلل منها على الأقل.
وهو مدرك صعوبة ما هو مقبل عليه، ويضع في حسابه أن يصطدم
مشروعه الإصلاحي برغبات كثيرة من أصحاب النفوذ، ولهذا فهو يحاول أن
يقتصر على الممكن، ويتجنب التورط في ما يثير هؤلاء عليه، ويحدد في عبارات
تطمينية أهدافه حتى لا تذهب الظنون في تفسير خطته كل مذهب، فيقول:
(وغرضها الأول - أي المنار - الحث على تربية البنات والبنين، لا الحط في الأمراء والسلاطين، والترغيب في تحصيل العلوم والفنون، لا الاعتراض على القضاة والقانون، وإصلاح كتب العلم وطريقة التعليم، والتنشيط على مجاراة الأمم المتمدنة في الأعمال النافعة، وطرق أبواب الكسب والاقتصاد، وشرح الدخائل التي مازجت عقائد الأمة، والأخلاق الرديئة التي أفسدت الكثير من عوائدها، والتعاليم الخادعة التي لبَّست الغي بالرشاد، والتأويلات الباطلة التي شبهت الحق بالباطل، حتى صار الجبر توحيداً، وإنكار الأسباب إيماناً، وترك الأعمال المفيدة توكلاً، ومعرفة الحقائق كفراً وإلحاداً، وإيذاء المخالف في المذهب ديناً، والجهل بالفنون والتسليم بالخرافات صلاحاً، واختبال العقل وسفاهة الرأي ولاية وعرفاناً، والذلة والمهانة تواضعاً، والخنوع للذل والاستبسال للضيم رضى وتسليماً، والتقليد الأعمى لكل متقدم علماً وإيقاناً) [١] .
لكن على الرغم من هذه الاحتراسات الكثيرة التي أراد رشيد رضا أن تكون
سوراً يدفع عن أفكاره المخاطر؛ فإنه اصطدم بما كان متوقعاً، وسيبدو لنا في
المستقبل أمثلة من هذه الوقائع.
وقد يكون ظن في أول الأمر أنه سيترك وشأنه - وقد اختار الطريق الذي
يبدو الأبعد، وهو طريق التربية والتعليم - ولعله رأى أن اختياره هذا الطريق
سوف يقيه عواقب الاصطدام بالرغبات القريبة التي ترى في كل دعوة تجديدية
تهديداً لمصالحها ونذير شؤم عليها، ولأن هذا الطريق هو الذي يبقى أثره بعده
ضاربة جذوره في الأرض، لا يستطيع أحد أن يقضي عليه قضاء كاملاً. وهذا
صحيح، فأي دعوة تهمل هذا الجانب مهددة بالانقراض بل والارتداد عليها. وأمامنا
مثالان لذلك:
الفتح الإسلامي الأول بعد عصر الرسول ﷺ .
والفتوحات التي قام بها العثمانيون في أوربا وغيرها.
ففي الفتح الإسلامي الأول كان تجييش الجيوش وتوجيهها في حركة الفتح
ليس هدفاً بنفسه، بل وسيلة إلى غاية أسمى وهي نشر الإسلام والدعوة إليه عن
طريق تشجيع العلم والعلماء، وبيان أن الإسلام جاء إنقاذاً للبشرية من الظلم
الاجتماعي وجور السلطات المهيمنة، فدخل الناس في دين الله أفواجاً، ونشر
الصحابة وتلاميذهم العلم بين طبقات هذه الشعوب، وتحولت أعداد هائلة من أبناء
هذه الشعوب الداخلة في الإسلام إلى دعاة ومدافعين عن الدعوة الجديدة وقرآنها
ولغتها، وبرزت أسماء يصعب حصرها ممن تلقوا هذا العلم الأصيل، وحملوه في
الآفاق، ونفعوا به شعوبهم وغير شعوبهم، وكانوا يتحركون من مكان إلى مكان لا
يقف في وجههم عائق، ولا تحجزهم حواجز، بل إن من تقاليدهم التي رسخت أنهم
كانوا يجعلون الرحلة في طلب العلم وسيلة للتقويم والمكانة، فبقدر عدد البلاد التي
يطوف فيها الشخص تكون قيمته العلمية، وبقدر اختلاطه بعلماء الأمصار تزداد
الثقة به والحاجة إليه. وهذا حق.
أما الفتوحات التي قام بها العثمانيون، فقد اكتفوا بالإخضاع، وجباية الجزية، وتركوا أهل البلاد يديرون شؤونهم بأنفسهم، وكانت الهوة سحيقة بين السلاطين
وبين رعاياهم، ولم يلتفت إلى أهمية أن تُعَدّ لهم جيوش من الدعاة والعلماء يكملون
ما قامت به الجيوش، وتركت هذه الشعوب على ما هي عليه من أفكار وأحوال،
واقتصر أمر الدعوة ونشر العلم على المبادرات الفردية، وما كان أضعفها في تلك
الفترة، وأقل كفايتها وغناءها! حيث تأذنت حكمة الله أن لا ينبغ من بين سلاطين
آل عثمان رجل يتبنى اللغة العربية لغة رسمية للسلطنة على كافة المستويات،
فتركت هذه الميزة للغة التركية - وهي من أشد اللغات فقراً وأظهرها ضعفاً - حتى
إذا ضعفت قبضة الدولة على هذه المقاطعات المفتوحة، برزت الكراهية العرقية
والدينية التي لم يهذبها علم ولم يقاومها فكر، تغذيها وتمدها دول أوربا الطامعة
المتربصة. ولم ينفع العثمانيين آنذاك تسامحهم ولا إبقاؤهم على عقيدة البلاد
المفتوحة، والسماح لأولئك بإدارة شؤونهم الدينية دون تدخل أو معارضة؛ بل
انقلب هذا التسامح وهذه السياسة التي اتبعت أداة بيد هذه الشعوب للتخلص من
الحكم العثماني؛ بل لتقويض بناء هذه الدولة، ولم يبق في ذاكرة هذه الشعوب إلا
صورة الكرباج التركي وظل التركي القاسي الغليظ الذي عمموه - في فترة من
الفترات على الأقل - على كل معتنق للإسلام [٢] .
إصلاح العقائد والعوائد:
إذا كان رشيد رضا قد اعتقد أنه بإعلانه تحاشى أولي السطوة وعدم استثارتهم
قد ضمن سكوتهم عنه؛ فإنه لم يكن متحرزاً من فتح حلبة صراع لا تقل عن الأولى
التي يحاول بحكمته تجنبها، وهي حلبة إصلاح عقيدة الأمة والعادات التي تراكمت
عبر القرون واختلط صحيحها بفاسدها، وهذا ما يشير إليه قوله:
(الدخائل التي مازجت عقائد الأمة، والأخلاق الرديئة التي أفسدت الكثير
من عوائدها) . فَمَن هي الجهة التي ستقف في وجه التجديد؟ ! إنها بلا شك خليط
من صنفين من الناس:
أ- صنف ذكي يستثمر الجهل والغفلة، ويحب أن يبقي كل أمر على ما هو
عليه، لأنه يشك في كل حركة وكل دعوة، ويرى في ذلك تهديداً لمصلحته الآنية،
فيحارب كل ما يشك فيه، ويستنفر العامة بنفاقه وكذبه ويدخل في عداد هذا الصنف
الخبيث القصد أصحاب النظر القصير - ممن لا يقدرون على النظر إلا في مواطن
أقدامهم، ويستغلهم ذلك الصنف الذكي بوسائله الجهنمية الترهيب والترغيب، وقد
يكون من هؤلاء أسماء طنانة وأصحاب ألقاب سيّارة.
ب - والصنف الثاني: العامة والدهماء، ممن يصدق بسرعة ودون روية
وتفكير دعاوى الصنف الأول المتنوعة، وتهاويلهم البرّاقة، فيكونون ردءاً لهم
وعوناً على تعطيل كل نية تهدف إلى تخليصهم من براثن الطغاة والمشعوذين.
وهكذا يستمرون ضحية الجهل وعدم القدرة على التفكير من جهة؛ والاستغلال
والتلاعب من جهة أخرى.
لقد ورث المسلمون - زيادة على ضعفهم السياسي والاقتصادي - ضعفاً
اجتماعياً مخيفاً، لا يجاوز الحقيقة من ادعى أنه أدهى وأمر من الضعفين الأولين،
بل هو السبب الرئيسي والمباشر لذينك الضعفين اللذين هما عرض ظاهر لذلك
الجوهر الذي لا يبدو إلا للقليل من الناس، وإن بدا؛ فلا يقدر على تحليل عناصره
وإرجاعها إلى مفرداتها البسيطة إلا القلة من هذا القليل.
وأشد مظاهر هذا الضعف الاجتماعي خطراً ما ارتبط منه بالعقائد، والتصق
(بالوجدان الجمعي) للأمة، حيث تصبح معالجة هذا الضعف تصدياً لا إلى حالة
فردية؛ بل إلى قوة اجتماعية انصهرت فيها ألوان من القوى والمقاوِمات.
وبسبب ما توالى على المسلمين من أحداث ضخام، وما تعاورهم من ظروف
تحمل إليهم كل يوم جديداً من التسلط والطغيان، وتسقط فوق رؤوسهم كل ساعة ما
لا يتوقعون من حيل شيطانية يمهر بتزيينها المتغلبون وأعوانهم؛ ... كل ذلك
وغيره أثر في حيويتهم، وترك في تقويمهم للأمور خرماً يصعب رتْقُه، حيث
سحبوا على هذه الإرادات الطاغوتية ظلاً من إرادة الله، والتبست عليهم أقدار
الخالق بأقدار المخلوق، وصار بهم الأمر إلى حالة سكونية ترضى بالقليل،
وتستنيم إلى اللحظة الحاضرة وأصبح لسان حالهم يقول:
وما في سَطوة الأرباب عيبٌ ... ولا في ذِلَّةِ العُبدان عار!
لقد رأى رشيد رضا أن العقائد عندما تفسد يفسد المجتمع، وعندما تتحول
العادات المرذولة إلى ما يشبه العقائد فإنها تهدم الكيان البشري للفرد، كما تهدم
المجتمع. وهنا يظهر لنا أن رشيد رضا لا يبتعد عن الحديث عن السلطة إلا يجد
نفسه وجهاً لوجه معها، وهو - واعياً أو مضطراً - (يرد الصدر على العَجُز)
ويفر من جبروت السلطة والتعرض لها لعله يضمن حيادها وسكوتها عن مشروعه
الإصلاحي؛ ليؤلب عليه طبقات اجتماعية لا تتورع عن الاستظهار بالسلطة للقضاء
على خصومها وإسكاتهم وتعطيل ما يرمون إليه، فتجتمع عليه قوتان، ويواجه ما
فر منه وما فرَّ إليه! وهذه هي مأساة المصلحين في كل عصر، وهذا هو التحدي
الذي ينتظرهم.
إن بقاء شعب أو شعوب تحت نير الاستبداد الدائم يقلل فيه من عناصر الخير
والفضيلة، ويعدم الثقة المتبادلة بين أفراده، ويجعله يعبد القوة ليعوض عن ضعفه
المتأصل بالنفاق والتملق للأقوياء، ويصبح اتكالياً يطلب من الحكومة أن تعمل له
كل شيء، مع أنه لا يحبها ولا يثق بها، ويتهرب من رقابتها ما استطاع،
وباختصار: إن الاستبداد نوع من السرطان فريد، قد لا يميت الإنسان، بل يبقيه
حياً يتنفس، ولكن بإنسانية مفقودة، وشخصية مشوهة، وأخلاق مرذولة.
стр. 1061
البيان الأدبي
مختارات
وصية أبي حازم للزهري
تمهيد:
سبب اختيارنا لهذه الوصية أنها أثر ثمين في الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، ومثال للأدب العالي الذي يتجاهله دارسو الأدب العربي في هذه الأيام،
ونموذج فريد من (أدب الرسائل) بين العلماء يصلنا من وقت مبكر، من أوائل
القرن الثاني الهجري، وكذلك فإن القوة في الألفاظ والمعاني مع السهولة والصدق
الذي يميز هذه الوصية يجعلها بحق (أثراً ثمينا) يسرنا تقديمه لقرائنا الكرام.
ولا يخطرنّ على البال أننا نريد أن نحطب بحبل الذين يتحاملون على الأئمة
بمجرد عثورهم على مثل هذا النص، فهذا من نقد الأقران الذي لا يسقط العدالة.
ولا يحط من قدر العالم أن ينتقد، كما لا يعتبر مجرد قرب العالم من السلطان جرحاً
فيه، بل إن ابتعاد أو إبعاد طبقة العلماء عن الحكام فيه ضرر كبير وشر مستطير
يلحق بالمجتمع، ويخلي الساحة للجهلة والمفسدين أن يتصرفوا بشؤون الناس كيفما
يشاؤون، ومن راجع كتب الفقه في باب القضاء وحكم توليه وجد تفصيلاً شافياً
يتعلق بهذه المسألة [١] ، وإن مما تدل عليه هذه الرسالة الحرية الفكرية بين علماء
السلف، فهذه الحرية هي التي تجعل واحداً مثل أبي حازم - وهو أصغر من
الزهري ومن تلاميذه - ينصحه بهذه النصيحة القوية، ويبين له وجهة نظره بجلاء
لا غموض فيه، وبعيداً عن المجاملات التي لا تنفع الأخوة الصادقة، وتكون
الدعوة بعد ذلك من ضحاياها.
لا نريد الإكثار من الكلام حول هذا النص، بل إن هذا القليل اضطررنا إليه
اضطراراً، وكم وددنا لو أخلينا بين القارئ وبين هذه الرسالة دون توسُّط.
أبو حازم:
سلمة بن دينار، الأعرج، مولى لقوم من بني ليث بن بكر، روى عن ابن
عمر، وسهل بن سعد، وأنس بن مالك، وقيل إنه رأى أبا هريرة، وسمع من كبار
التابعين كسعيد بن المسيب، وأبي سلمة، وعروة بن الزبير وغيرهم. وهو ثقة
عند عامة المحدثين. توفي سنة ١٤٤ في خلافة المنصور.
الزهري:
أبو بكر، محمد بن مسلم بن عبيد بن عبد الله بن شهاب الزهري، تابعي
سمع من أنس وسهل بن سعد والسائب بن يزيد وغيرهم من الصحابة. ورأى ابن
عمر وسمع من كبار التابعين وأئمتهم، قال فيه عمرو بن دينار: (ما رأيت أنصَّ
للحديث من الزهري، وما رأيت أحداً الدينار والدرهم أهون عنده منه) . وقال فيه
الليث بن سعد: (ما رأيت عالماً قط أجمع من ابن شهاب، ولا أكثر علماً منه) .
وقال أحمد بن حنبل وإسحق بن راهويه: (أصح الأسانيد مطلقاً: الزهري عن
سالم عن أبيه) . وقال الشافعي: (لولا الزهري لذهبت السنن من المدينة) . قال
النووي: (ومناقبه والثناء عليه أكثر من أن تحصر)
وتوفي في شهر رمضان سنة ١٢٤ هـ وهو ابن اثنتين وسبعين سنة.
النص
عافانا الله وإياك - أبا بكر - من الفتن، ورحمك من النار، فقد أصبحت
بحال ينبغي لمن عرفك بها أن يرحمك منها، أصبحت شيخاً كبيراً قد أثقلتك نعم الله
عليك، بما أصح من بدنك، وأطال من عمرك، وعلمت حُجج الله تعالى مما حملك
من كتابه، وفقَّهك فيه من دينه، وفهمك من سنة نبيه ﷺ
فرمى بك في كل نعمة أنعمها عليك، وكل حجة يحتج بها عليك. وقد قال تعالى:
[لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ ولَئِن كَفَرْتُمْ إنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ] .
انظر ... أي رجل تكون إذا وقفت بين يدي الله ، فسألك عن نعمة
الله عليك؛ كيف رعيتها، وعن حججه عليك: كيف قضيتها، ولا تحسبَّن الله
راضياً منك بالتعذير، ولا قابلاً منك التقصير، هيهات ليس كذلك!
أخذ على العلماء في كتابه إذ قال: [لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ ورَاءَ
ظُهُورِهِمْ] .
إنك تقول إنك جدل، ماهر، عالم، قد جادلت الناس فجدلتهم [٢] ،
وخاصمتهم فخصمتهم [٣] ، إدلالاً منك بفهمك، واقتداراً منك برأيك؛ فأين تذهب
عن قول الله : [هَا أَنتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ
اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ] ؟ !
اعلم أن أدنى ما ارتكبت، وأعظم ما احتقبت [٤] ؛ أن آنست الظالم،
وسهلت له طريق الغي بدنوك حين أدنيت، وإجابتك حين دعيت، فما أخلقك أن
ينوه باسمك غداً مع الجرمة [٥] ، وأن تسأل عما أردت بإغضائك عن ظلم الظلمة.
إنك أخذت ما ليس لمن أعطاك، ودنوت ممن لا يرد على أحد حقاً، ولا ترك باطلاً
حين أدناك، وأجبت من أراد التدليس بدعائه إياك حين دعاك.
جعلوك قطباً تدور رحى باطلهم عليك، وجسراً يعبرون بك إلى بلائهم،
وسلماً إلى ضلالتهم، وداعياً إلى غيهم، سالكاً سبيلهم، يدخلون بك الشك على
العلماء، ويقتادون بك قلوب الجهال إليهم، فلم يبلغ أخص وزرائهم؛ ولا أقوى
أعوانهم لهم إلا دون ما بلغت من إصلاح فسادهم. واختلاف الخاصة والعامة إليهم،
فما أيسر ما عمروا لك في جنب ما خربوا عليك! وما أقل ما أعطوك بكثير ما
أخذوا منك! فانظر لنفسك؛ فإنه لا ينظر لها غيرك، وحاسبها حساب رجل
مسؤول.
وانظر كيف شكرك لمن غذاك بنعمه صغيراً وكبيراً، وانظر كيف إعظامك.
أمر من جعلك بدينه في الناس مبجلاً، وكيف صيانتك لكسوة من جعلك بكسوته
مستتراً، وكيف قربك وبعدك ممن أمرك أن تكون منه قريباً.
ما لك لا تَتنَبَّهُ من نعستك، وتستقيلُ من عثرتك، فتقول: والله ما قمت لله
مقاماً واحداً أحي له فيه ديناً، ولا أميت له فيه باطلاً [٦] ! أين شكرك
لمن استحملك كتابه، واستودعك علمه؟ !
ما يؤمنك أن تكون من الذين قال الله تعالى فيهم: [فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ
ورِثُوا الكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى ... ] ؟ !
إنك لست في دار مقام، قد أوذنت بالرحيل، ما بقاء المرء بعد أقرانه؟
طوبى لمن كان مع الدنيا على وجل، ويا بؤس من يموت وتبقى ذنوبه من بعده!
إنك لم تؤمر بالنظر لوارثك على نفسك، وليس أحد أهلاً أن تردفه على
ظهرك. ذهبت اللذة وبقيت التبعة، ما أشقى من سعد بكسبه غيره، احذر فقد أتيت، وتخلص فقد أدهيت! ! إنك تعامل من لا يجهل، والذي يحفظ عليك لا يغفل.
تجهز؛ فقد دنا منك سفر بعيد، وداو دينك فقد دخله سقم شديد، ولا تحسبن
أني أردت توبيخك وتعييرك وتعنيفك، ولكني أردت أن تنعش [٧] ما فات من رأيك، وترد عليك ما عزب عنك من حلمك، وذكرت قوله تعالى: [وذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرَى
تَنفَعُ المُؤْمِنِينَ] .
أغفلت ذكر من مضى من أسلافك وأقرانك، وبقيت بعدهم كقرن أعضب [٨] ، فانظر هل ابتلوا بمثل ما ابتليت به، أو دخلوا في مثل ما دخلت فيه؟ ! وهل
تراه ادخر لك خيراً منعوه، أو علمك علما جهلوه، بل جهلت ما ابتليت به من حالك
في صدور العامة، وكلفهم بك أن صاروا يقتدون برأيك ويعملون بأمرك، إن أحللت
أحلوا. وإن حزمت حرموا. وليس ذلك عندك، ولكن إكبابهم عليك، ورغبتهم فيما
في يديك، ذهاب عملهم، وغلبة الجهل عليك وعليهم، وطلب حب الرياسة،
وطلب الدنيا منك ومنهم.
أما ترى ما أنت فيه من الجهل والغرة، وما الناس فيه من البلاء والفتنة؟ !
وابتليتهم بالشغل عن مكاسبهم، وفتنتهم بما رأوا من أثر العلم عليك، وتاقت أنفسهم
إلى أن يدركوا بالعلم ما أدركت، ويبلغوا منه مثل الذي بلغت، فوقعوا بك في بحر
لا يدرك قعره، وفي بلاء لا يقدر قدره، فالله لنا ولك ولهم المستعان.
واعلم أن الجاه جاهان: جاه يجريه الله تعالى على يدي أوليائه لأوليائه،
الخامل ذكرهم، الخافية شخوصهم، ولقد جاء نعتهم على لسان رسول الله صلى الله
عليه وسلم: (إن الله يحب الأخفياء الأتقياء الأبرياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا، وإذا شهدوا لم يعرفوا، قلوبهم مصابيح الهدى، يخرجون من كل فتنة سوداء مظلمة) [٩] .
فهؤلاء أولياء الله الذين قال تعالى فيهم: [أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إنَّ حِزْبَ اللَّهِ
هُمُ المُفْلِحُونَ] .
وجاه يجريه الله تعالى على يدي أعدائه لأوليائه، وَمِقة [١٠] يقذفها الله في
قلوبهم لهم، فيعظمهم الناس بتعظيم أوشك لهم، ويرغب الناس فيما في أيديهم
لرغبة أولئك فيه إليهم: [أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ
الخَاسِرُونَ] .
وما أخوفني أن تكون ممن ينظر لمن عاش مستوراً عليه في دينه، مقتوراً
عليه في رزقه، معزولة عنه البلايا، مصروفةً عنه الفتن في عنفوان شبابه وظهور
جلده، وكمال شهوته. فعني بذلك دهره، حتى إذا كبر سنه، ورق عظمه،
وضعفت قوته، وانقطعت شهوته ولذته؛ فتحت عليه الدنيا شر فتوح؛ فلزمته
تبعتها وعلقته فتنتها، وأعشت عينيه زهرتها، وصفت لغيره منفعتها.
فسبحان الله ما أبين هذا الغبن، وأخسر هذا الأمر، فهلا إذا عرضت لك
فتنتها ذكرت أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه في كتابه إلى سعد ... حين
خاف عليه مثل الذي وقعت فيه عندما فتح الله على سعد:
(أما بعد، فأعرض عن زهرة ما أنت فيه حتى تلقى الماضين الذين دفنوا
في أسمالهم، لاصقة بطونهم بظهورهم، ليس بينهم وبين الله حجاب، لم تفتنهم
الدنيا ولم يفتنوا بها، رغبوا فطلبوا، فما لبثوا أن لحقوا) .
فإذا كانت الدنيا تبلغ من مثلك هذا في كبر سنك، ورسوخ علمك، وحضور
أجلك؛ فمن يلوم الحدث في سنه، الجاهل في علمه، المأفون في رأيه، المدخول
في عقله؟ [إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ] ! على من المعول، وعند من المستعتب؟ !
نحتسب عند الله مصيبتنا، وما نرى منك. ونحمد الله الذي عافانا مما ابتلاك
به.
والسلام عليك ورحمة الله وبركاته..
стр. 1062
شعر
أننسى؟ أننسى ..؟
شعر: محمود مفلح
إذا كانت جراحُ الناس تغفو ... فإنَّ جراحَنا أبداً تفور
وإن كانت همومهمُ رَماداً ... فإن همومَنا الصغرى سَعير
أيحكم في قضيتنا عدوٌّ ... ويُرشدنا لغايتنا ضرير! ؟
ونبقى في الحياة بلا لسانٍ ... وقد نطقتْ بحاجتها الحمير! !
ندور كما يقول القوم دوروا ... وإن رغبوا الثباتَ فلا ندور
ومِنّا من يرى في الخيش خزاً ... ومنّا مَن يضايقهُ الحرير! !
ويبحث بعضُنا عن كأس ماءٍ ... وتُغرق بعضَ سادتنا الخمورُ؟
كأن النائبات لنا فراشٌ ... وأنَّ العادياتِ لنا دُثور
وما زالت تُؤرّقنا سفوحٌ ... لها في كل جارحةٍ حُضور
أننسى فى دروب القدس ليلى ... وليلى تستغيثُ وتستجير؟
أننسى أعين الليمون ترنو ... وأعشاشاً تحن لها الطيور
أننسى مسجداً ونداءَ فجرٍ ... ومحراباً وهل تُنسى الجذورُ؟
لئن مِتنا فإنَّ لنا قبوراً ... ستحكي كلَّ قصتنا القبور
رجالاً أصبح الاطفال فينا ... وفي أرض الصدام لهم زئير
كأنهم من الصّوان قدّوا ... ومن بُركانه هذا الزفيرُ
فلا تعجبْ وليس لهم رصاص ... إذا وقعت على الموتِ الصدور
نعم ثاروا وعدتهم حجارٌ ... ونحن القاعدون متى نثور! ؟
نعم ثاروا وكلهمُ جياعٌ ... ونحن المتخمين متى نثور! ؟
دماؤهم على الطرقات مسكٌ ... ويمضي للعبير بك العبيرُ
قبلنا بالحلول وأنكروها ... وقالوا: إنه العار الكبير
وقبلّنا الأكفَّ لقاء سلمٍ ... حقيرٌ ساقه الزمنُ الحقير
وضيّعنا الأمانة والأماني ... فلا زحفٌ هناك ولا عبور
وماذا يحكم الشهداء فينا ... غداة غدٍ إذا انتفضت قبورُ؟ !
دماءٌ قد نسيناها ليبقى ... لنا شاةٌ همام أو وزير
ولكنَّ الرجال هناك قالوا ... ألا كُفّوا فقد فُطم الصغير
فَنبتُ القدس ليس له نظيرٌ ... وحاشا أن يكون له نظير
بماء الذكر يُسقى كل يوم ... وفي أحضانه تنمو البذور
стр. 1063
شعر
من كابل.. إلى القدس
د. محمد بن ظافر الشهري
دهى الوسواسُ بالُملكِ الكلابا ... وأوهَمَهَا بأنَّ لها جَنَابا
وقيل له فَلَمْ تسمع لقولٌ ... يُحَذِّرها ولم تَقْْبل عتابا
فأسْلَمَها الغرورُ لِبطشِ ليثٍ ... يُحَكِّم مخْلبا فيها ونابا
رويدا يا عُلُوجَ الروسِ حتى ... نُوَفِّيكم من القتل النَّصابا
لَئِنْ سُمنا جَحَافِلكُم عذاباً ... فإتّ إلهَنَا أقسى عِقابا
سَلَلْتُم سَيْفَ هَيبتِكُم علينا ... فَصَيَّرْنَا لَهُ الَحدْبا جِرَابا
بنو الإسلام لا يَخْشَون خَلْقاً ... فَربُّ الخلقِ أولى أنْ يُهَابا
وإن قُلْتُم تَقَاتَلْنا سِجَالاً ... فكيفَ تَكُونُ دَعْواُكم صوابا
أيستويانِ من بالموتِ يحيا ... ومن يَصْلَى لدى الموتِ العَذَابا
أيستويان مَن في الأرضِ يَسْعى ... بإصلاحِ ومن يسعى خرابا
وأَشْعَلْتُم فَتِلَ الحربِ كَيْما ... تُخِيُفونا فَزِدنَاهُ التهَابا
ألا إنّا نَشُمُّ إذا غُزِيْنا ... لنارِ الحرْب عَرْفاً مستطابا
هي الإكْسِرُ إنْ دارت رَحَاها ... يعودُ كُهُولُنا فيها شبابا
أأنْسَتْكُمْ كؤوسُ الخمرِ أنّا ... بنو من وَحَّد الدّنيا غِلابا
ومن لم يسألِ التاريخَ عنّا ... فنحنُ نُريِه في الهَيْجا جوابا
نُسِلُ دَماءه وَعْداً علينا ... ونجعلُها لأفرُسِنا خِضَابا
ألا مهلاً بني الِخنْزيرِ مَهْلاً ... فإنَّ لنا بذمَّتكُمْ حسابا
وما مِن ذِمةٍ فيكمْ فأنتمْ ... قُرودٌ أُلبِسَتْ زوراً ثيابا
تطاولتمْ على الأطفالِ حتى ... تموت الأمُّ قهراً وانتحابا
وكم بطنٍ بَقَرْتُمْ للحبالى ... فاخجلتمْ بذا الفعلِ الذئابا
ألا هبُّوا للُقْيَانا فإنّا ... تُجاه القدسِ أطلقنا الرِّكابا
نُذكِّركمْ بأيامٍ خوالٍ ... إذا ذُكِرَت تموتونَ ارتعابا
بها سُقنا إناثكمُ إماءاُ ... وأَلْحْفنا ذُكوركمُ الترابا
خُذُوا من نكبةِ الروسيِّ دَرساً ... شَكَى ضيقاً فَزدْناهُ اكتئابا
أتى دُبّاً يُزمجرُ فَانبَرَيْنَا ... لهُ حتى طَرَدْناهً ذُبَابا
ألا لا تَهربُوا مِنُا فإِنّا ... سَنُدْرِكُكُم وإنْ تَعْلوا السحابا
فإنّ سُيُوفَنَا ظمأى جياعٌ ... تْحبُّ الهامَ منكمْ والرقابا
سَيُؤْْتي اللهُ أَنْفُسَنا يَقِيناً ... وأَنْفُسَكُمْ شُكُوكاً واضطرابا
فُرُبُّ الناسِ غَضْبَانٌ عليكمْ ... ونُحنُ لرَبِّنا جِئْنا غِضَابا
стр. 1064
المسلمون والعالم
باسم الحرية
ينحرون الحرية
يوماً بعد يوم تكتشف البشرية أن تقدمها المادي في جميع العلوم النظرية
والتطبيقية: في الطب والهندسة، في الكمبيوتر والالكترونيات، في علم الذرة
والمفاعلات النووية، كل هذا لم يقدم لها السعادة المطلوبة، ولم يشفها من شقائها
وأمراضها، لقد أنتج ما كان يسمى الاتحاد السوفييتي أكبر عدد من العلماء ...
والمهندسين في علم الفضاء والعلوم النووية، ولكنه سجل أكبر إخفاق سياسي -
إنساني في هذا العصر، وفي مقابل هذا التقدم العلمي الهائل في الطب الوراثي وفي
علم (الجينات) الذي وصل إلى أن (تدر الأبقار حليباً يحتوي على عقاقير صالحة
لشفاء الأمراض البشرية) ومع هذا نرى الفقر والتمزق يلفان معظم ما يسمونه العالم
الثالث أو الرابع ... كما نرى التسلط الذي تمارسه الدول الصناعية الكبرى نحو
بقية دول العالم ومحاولة احتكار واحتجان الأموال بأيدي طبقة معينة وشعوب معينة، حتى تبقى على حالة من الرفاهية والازدهار لا تريد التنازل عنها.
إن الانفصام بين الدين والحياة بلغ مدى ربما لم يتوقعه أو يريده الذين دعوا
إليه في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، هذا الانقطاع والقطيعة بين العقل
والقلب لم يؤد إلا للدمار النفسي والاجتماعي. ولذلك بدأت قطاعات كبيرة من
البشرية في العودة إلى الدين - أي دين - إلى الإيمان بقوة غيبية، يعودون إلى
الدين ولو كان ديناً ملفقاً غير صحيح، ففي الغرب وفي أمريكا بالذات نجد عودة
إلى البروتستانتية، وفي أمريكا الجنوبية عودة إلى الكاثوليكية، وفي الصين والهند
عودة إلى البوذية، وهذا مؤشر على أن التدين والإيمان بالغيب نظرة أصيلة في
الإنسان، وأن ما حاوله الملحدون والمستهزئون بالأديان من الابتعاد عن قوة مؤثرة
في حياة الإنسان، وأن الإنسان يقوم وحده؛ كل هذا لم يمنع من بحث الإنسان عن
شيء يفقده..
لقد رجع الملايين من المسلمين إلى دينهم في مناطق المسلمين التي احتلها
الروس زمناً طويلاً، وذاق أهلها المر والعلقم من هذا الاحتلال، وتنفس المسلمون
في أوربا الشرقية الصعداء، وبدأت رحلة العودة. وهناك مناطق في البلاد العربية
لم يصلها دعاة ولا علماء وتفاجأ الدولة بالشباب المتدين بالمئات والألوف. كيف
وقع هذا؟
إنها العودة إلى الدين بعد هذا الجفاء والجفاف، بعد رحلة الضنك والعذاب في
مسيرة القومية والاشتراكية والعلمانية، إلى آخر الشعارات الفارغة من أي مضمون
حقيقي، بعد رحلة العذاب مع الأنظمة التي احتقرت الشعوب واحتقرت حقوق
الإنسان، وأقامت نفسها آلهة لشعوبها، وعبيداً أذلاء لأعداء الإسلام.
إن الإسلام قادم رغم مظاهر الضعف هنا وهناك، والعجيب أن الذين يعادون
الإسلام يضعون رؤوسهم في الرمال ولا يحبون مواجهة الحقيقة، وهي حقيقة ما في
ذلك ريب، وأكبر دليل على ذلك شعب الجزائر الذي أعطى صوته للإسلام قبل أن
يعطيه لشخص أو لهيئة، لقد عبر عن مشاعره الداخلية، ووجد أمامه شباباً لم
يتلوثوا بالسرقات ونهب الخيرات، ولم يتلوثوا بالرشاوى والكذب والنفاق السياسي. لقد اتضحت الصورة وانكشف الغطاء، ومع أن هذا كان معروفاً من قبل ولكنها لم
تكن واضحة كما هي في هذه الأيام، إن هؤلاء المتسلطين لا يريدون الإسلام من
حيث هو، كانوا يتهمونه بـ (الإرهاب) و (الأصولية) فهل رحبوا به عندما جاءهم
عن طريق صندوق الاقتراع؟ الجواب ماثل وواضح في هذه الدعاوى الكاذبة التي
لا ينقصها شيء من الوقاحة وقلة الحياء، وهذه التعليقات التي قيلت حول انتخابات
الجزائر.
إذن فالمقصود إبعاد الإسلام بأي شكل من الأشكال، وليست القضية قضية
عنف أو سلام، ولقد قالوها دون حياء أو خجل ومحاولاتهم هذه إنما تعرقل المسيرة
وتؤخر اليوم المحتوم، ولكن تبقى الحقيقة قائمة هي أن الإسلام قادم ولو كره
المشركون، والحمد لله أولا وأخيراً.
стр. 1065
أطراف القضية الجزائرية
محمد حامد الأحمري
مدخل:
كلمة الحق في القضية الجزائرية تذكرنا بموقف فخر الدين الرازي تجاه
الحشاشين، فقد كان فخر الدين الرازي يعلم الناس في حلقته في المسجد ما يراه حقاً، ولم يكن لدى المسلمين آنذاك شبهة فصل الدين عن الحياة، وفي ذلك الزمان كانت
فتنة الحشاشين قد ذرّت، وبدأت تنشر الإرهاب واغتيال قادة المسلمين، فاغتالوا
نظام الملك، وحاولوا اغتيال صلاح الدين أكثر من مرة، وكل ذلك إرضاءً
للصليبيين، ووصولاً إلى أهدافهم الباطنية، وكان أحد هؤلاء الحشاشين قد انتظم
في حلقة الفخر الرازي لمدة طويلة، ليراقب الشيخ ثم يسكته عن النقد أو يغتاله،
وسئل ذات يوم عنهم فشرح رأيه في الحشاشين وبين خطورتهم على الإسلام وأهله، ثم خرج الشيخ إلى داره، وفي ناحية من الطريق انفرد الحشاش بالشيخ - وكان
الحشاش ضخماً قوياً - وعدا على الفخر وصرعه أرضاً، ثم جلس على صدره،
وسل خنجره وقال: عدني ألا تعود إلى نقد الحشاشين مرة أخرى وإلا قتلتك الآن،
فتخلص منه الشيخ بالوعد الذي أراده، وفي يوم آخر سأل أحد الحاضرين الشيخ
عن الحشاشين فقال له: يا بني هؤلاء القوم لا أقول فيهم شيئاً، لأن لهم حججاً ثقيلة؛ وأخرى حادة [١] .
هذه هي قصة كلمة الحق في بعض الأزمان الماضية، وهي في زماننا لا تكاد
تذهب بعيداً عن هذا، والناس بالخيار إما أن يقولوا الباطل وتلك هي الفتنة، أو أن
يأخذوا بالعزيمة وهنا قد يتعرضون للسجون والاغتيال والحياة الصعبة، ولا خير
في الترخص في هذا الزمن فقد غلب على الناس.
وقضية المسلمين في الجزائر مما لا يسع المرء السكوت عنه، كيف وهي
مواجهة بين الحق والباطل وبين دين الله وقوى الشر والطغيان.
هوية الحركة في الجزائر:
لقد كان الاتجاه السلفي في الجزائر والعودة إلى الكتاب والسنة هو السلاح
الذي سله الجزائريون في وجه فرنسا، حيث قبلت الطرق الصوفية في الجزائر
بالمعايشة مع المستعمر وموالاة أعداء الله، أعداء المسلمين بل قام كثير منهم
بإصدار الفتاوى ضد حركة الاستقلال. وثلاثون عاماً مرت بعد الاستقلال لم يبد
أنها غيرت من قناعة هذه الطرق قديمها وجديدها، فقد كان لها نفس الموقف من
الجبهة، فهذه الطرق الآن في صف أعداء التوجه الإسلامي في الجزائر، وقد
اجتمع مؤخراً مائة من رؤساء الزوايا والطرق الصوفية وأعربوا عن تأييدهم
للمجلس الأعلى للدولة ورئيسه بوضياف [٢] نكاية بالجبهة الإسلامية للإنقاذ،
وانقياداً للمصلحة الفرنسية العليا، التي لم يزل الصوفية يفكرون بها منذ أيام
الاستعمار، حيث وقفوا معها ضد جمعية العلماء وضد الثورة على المستعمر، ولا
يظهر أنها قادرة على تجاوز عقدها الماضية، فلم يلهمهم الله فهماً في دينه بنصرة
الإسلام أو المظلومين، كما لم يوفقوا في مكسب دنيوي محض بمشاركة سياسية
كريمة. ولم يزل هؤلاء الطرقية تياراً يؤمن بالمهادنة والميوعة والتزلف، وقد وجد
في السنوات الأخيرة تيار سياسي صوفي حارس للمصالح الأجنبية، ليس في
الجزائر وحدها حيث يلوي شيخ الطريقة عنق الأمة تحت تلك الأقدام القذرة وإن
كانت أقدام النصارى:
إذا كان الغراب دليل قوم ... يمر بهم على جيف الكلاب
وجبهة الإنقاذ الإسلامي حركة سلفية فيها بساطة الإسلام، ووضوح شعارات
القرآن والسنة، وفيها عزة الوضوح، وجماهيرية الاستجابة، وظاهرة الالتزام
بالسنة، والأمة المسلمة عندما تصمم على امتلاك حقوقها فإنها لا تؤمن بالشيخ
الوصي والوكيل عنها، المخدر لعقلها، الذي بيده كل الخيوط والأسرار وطرق
السماء والأرض! ليس الأمر كذلك، فكلام الله وهدي رسوله مبسوط ميسور،
والسبق للعامل الملتزم المتقدم إلى ساحة العمل والوعي، وبذل النفس والمال والجهد، وليس في هذا أحاجٍ وألغاز يفهمها الغازي المستعمر وحده، ويفسرها للناس شيخ
الطريقة حسب مصالح الأول.
والأمة لها عقل، قد تخطئ مرة، وقد تُضلل مرة، ولكن ليس دائماً.
والجبهة الآن تمثل قضية المسلمين في الجزائر ووعيهم بأنفسهم وبمصلحة أمتهم،
وتحديداً (العودة إلى الله) بعد غربة طويلة صنعها الاستعمار ثم زادها بعداً
الحكومات المتتالية؛ التي كانت وجهاً عربياً للفرنسيين.
فرنسا والغرب:
دار حديث في الأوساط السياسية في أعقاب أزمة الخليج عن ترتيب أوروبي
أمريكي يلتزم بإبقاء نفوذ فرنسا قوياً للمرحلة القادمة في شمال أفريقيا، وزار
ميتران تونس وأبدى عدم رضاه عن وجود نفوذ للثقاقة الأنجلوسكسونية في تونس،
ثم التزم لتونس بإرسال ثمانمائة مدرس للغة الفرنسية تدفع نفقاتهم فرنسا. وفي
الجزائر ذكر سيد أحمد غزالي أن فرنسا تعامل الجزائر وكأنها لم تستقل بعد، أو أن
الفرنسيين لم يقبلوا باستقلال الجزائر [٣] .
وقد كان توقع فوز الجبهة مثار هلع كبير في الصحافة الغربية والفرنسية
بوجه خاص، تعكس ذلك بعض عناوين الصحف الفرنسية: (فرنسا: الدولة في
حالة تأهب [٤] ) وفي لندن (الأخبار المفجعة بفوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ) [٥]
وبعد الانتخابات رأى الفرنسيون في نجاح الجبهة خطراً لا يهدد فقط الجزائر
والعلاقات مع فرنسا لكن أيضاً يهدد الأمن الفرنسي [٦] . ولم تخف وسائل الإعلام
الغربية خوفها الشديد مما حدث، وقالوا: هذا الخطر ليس تهديداً لعلاقاتهم السياسية
فقط، بل تهديداً للثقافة الغربية في الجزائر، وتساءلوا عن مصير المسرح وبرامج
التلفزيون والجرائد والمدارس التي تعتمد اللغة الفرنسية وهي الواجهة الفرنسية في
الجزائر، وتساءلوا أيضاً عن مصير شمال أفريقيا كله هل يعني هذا عودة الإسلام
قوة في الساحل الجنوبي للبحر الأبيض المتوسط؟ وهل يعني هذا تغييراً شاملاً في
المنطقة، وبالتالي بداية لتاريخ مختلف عن الذي سجلته أوربا في عصور سيطرتها
على العالم.
وفي واشنطن ذكر المتحدث باسم البيت الأبيض خطورة وصول الإسلاميين
إلى الحكم في الجزائر وأن ذلك سيكون مهدداً لعلاقة الجزائر مع الغرب، ولما تولى
الجيش أعلنت أمريكا أن هذه مسألة جزائرية داخلية، وذكرت بعض المصادر ما
يوحي بعلاقة ما بين الجيش في الجزائر والسلطات الأمريكية [٧] . وأشار نفس
المصدر إلى أن (المؤسسة العسكرية) ستجهض المناورة الأصولية [٨] . ومن
المعروف أن أمريكا وفرنسا ومن يدور في فلكهما يريدون بقاء مصالحهم في الجزائر
والتي على رأسها:
١- إبعاد الإسلام عن السياسة تماماً، وذلك بإصدار قانون يمنع استغلال الدين
في السياسة.
٢- فتح الأسواق للبضائع الأوروبية والأمريكية.
٣- تدفق الثروات الجزائرية رخيصة إلى الخارج.
٤- فتح المجتمع الجزائري للتغريب والإبقاء على الثقافة الفرنسية بكل
أشكالها.
الديموقراطية:
كانت الصادرات الأوروبية إلى العالم الإسلامي عديدة ومختلفة، بدءاً من
وسائل الحياة الحديثة، إلى الأسلحة والأفكار والمبادئ، ومرت بنا مرحلة كنا نظن
فيها هؤلاء الغربيين حريصين على أخذ كل شيء عنهم، وكتب من قومنا من كتب
مرحباً بالزمن الغربي والحياة الغربية، وانقسمنا وما زلنا ننقسم تجاه ماذا نريد وماذا
يريدون لنا. اختصاراً للقول تبين أنهم مع فرحهم بتقليدنا لهم لكنهم لا يرضون بأن
نكون مثلهم أحراراً! مهما حرصنا على ذلك.
وقد كان هؤلاء الغربيون العنصريون دائماً لا يرون غيرهم في مستواهم
الإنساني والعقلي، وبالتالي فنحن لا نستحق من الكرامة والحرية والإنسانية ما
يستحق الإنسان الغربي، وقديماً وصف شاعرهم كيبلنغ الإنسان في العالم الثالث
بأنه مركب من نصفين (نصفه طفل ونصفه شيطان) ، وحين كان غاندي يلاين
ويلاطف الإنجليز وهو ابنهم المخلص الذي تربى وعاش على ثقافتهم كان يصفه
أحد كبار الساسة البريطانيين بـ (القرد العاري) . واستضاف أحد الأفارقة فرنسياً
وفرش له في داره خير ما عنده وأكرمه فكتب عنه الفرنسي: (لقد كان يزحف على
طرف الفراش كما يزحف الكلب) .
لهذا فإن هذه الشياطين والقرود والكلاب - في منظور الغرب - لا تستحق
الديموقراطية مهما سعت إليها، فهي ميزة وتكريم للإنسان الغربي فقط، ومهما
تبجح الغرب أنه يساندها في العالم الثالث فإنه حقاً يحاربها إذا كانت ستحمل الكرامة
والحرية أو شيئاً من هذا للإنسان في العالم الإسلامي، وذلك ليس لأنه لم يبلغ درجة
عالية في إنسانيته - كما تقول الفلسفة السياسية لداروين - ولكن لأن الغرب الآن
يقف معنا على أرض واحدة وميدان حرب جديدة منذ بدأنا نعي أنفسنا أخيراً.
ونطالب بحريتنا وكرامتنا بين سكان هذا العالم.
ويخطئ بعض الكتاب والدعاة عندما يرون أن الغرب يمكن أن يصدر لنا هذه البضاعة (الديموقراطية) . ولكن أحداث الجزائر اليوم شاهد يفقأ عين المخالف، فها نحن لما حاولنا تقليدهم أو الاستفادة من بعض ما عندهم حاربونا وحرمونا حتى حق تقليدهم، وهكذا في الصناعات سيقفلون أسواقهم عنا لو حاولنا تصدير بعض البضائع اليسيرة، وأيضاً يمنعوننا حتى أن ندفع لهم الملايين لشراء أسلحة من مصانعهم مهما التزمنا بمواثيقهم، وإن كان عائدها المالي خيالياً بالنسبة لهم، ويبقى شبح كرامتنا وحريتنا واستقلالنا يرهقهم ويفكرون فيه كثيراً. ويبقى السؤال: هل يعامل العالم الغربي الناس في خارجه كبشر حقاً؟
الحق الذي لا مرية فيه أنهم لن يرضوا لنا خيراً أبداً [مَا يَوَدُّ الَذِينَ كَفَرُوا مِنْ
أَهْلِ الكِتَابِ ولا المُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ واللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ
مَن يَشَاءُ] . [البقرة ١٠٥] ، أي خير! حتى الذي يمكن أن يحمله إلينا بعض
أفكارهم التي لا نشك في انحرافها والتي لا تقوم على أساس نعتقد شرعيته، ويمكن
أن يعطونا بعض أفكارهم ومذاهبهم ولكن بشرط أن نترك الإسلام، وقد تساءل
أحدهم: هل ستستمر الديموقراطية في الجزائر؟ ثم قال: (نعم ولكن بدون
إسلام) [٩] وقد تبنى بوضياف هذا القول وترجمه إلى العربية على أنه من كلامه وهدد به الجزائريين. وأنه لا يسمح باستخدام الدين في السياسة (لأن الإسلام مقدس) ؟ ؟ نعم ولأن السياسة بمفهومه معاكسة للمقدس.
الإسلاميون هم سبب الديكتاتورية:
كان من الممكن في العالم العربي أن تتوفر فيه ديموقراطية كالتي في الهند،
وقد كان في مرحلة ما بعد الاستعمار بوادر شيء من ذلك، ولكن حين بدأ الصوت
الإسلامي في الظهور من بلد إلى آخر كان الجواب الغربي: تسليط استبداد العساكر
عليهم، من المعلوم في قصة الجزائر أن الغرب والشرق كان سيرضى عن نتائج
الديموقراطية في الجزائر، لو خرجت النتائج لغير الجبهة الإسلامية وكانت الجزائر
ستجد من التحية والإشادة بها وبإيمانها بالحرية والديموقراطية ما تجده الآن من
الإشادة بهذه الديكتاتورية المكشوفة التي لا يحجبها إلا ألاعيب زائفة يدركها أنصار
الحرية وأعداؤها على السواء. إن العالم يقرأ أو يسمع هذه المواقف العالمية
ويستغرب تماماً هذه الجريمة التي يمارسها العالم ضد ما يدعي من مبادئ الحرية
والديموقراطية وحق الشعوب في اختيار حكامها وتقرير مصائرها، وفجأة إذا هذه
الدول وهذه المنظمات تمد يدها لاغتيال كرامة شعب مسلم وحريته، وتؤيد الاستبداد
والسجون والتعذيب للقيادات الجزائرية لأن هذه القيادات مسلمة داعية إلى الحق من
خيرة المجتمع الجزائري: وقالت هذه القوى بصراحة لا تحسد عليها: مرحباً بكل
فساد يقف ضد المد الإسلامي. وكنا نتوقع المراوغة في المواقف والنفاق، ولكن
صراحة أعداء الإسلام في مواجهة المسلمين كانت فوق كل تقدير.
الجيش:
مع بداية تصاعد مطالبة المسلمين في الجزائر بأن يحكموا بالكتاب والسنة وأن
يتخلصوا من الاستبداد أصبحت القوى المخالفة لرغبة مصلحة الشعب تراهن على
لعب البطاقة الأخيرة ضد رغبة الناس وحريتهم وقد نشرت إحدى المجلات
الفرنسية [١٠] خبراً يقول أنه في يوم ٢٩ كانون الأول بعد ثلاثة أيام من الدورة الانتخابية الأولى غادرت ثلاث طائرات من طراز هركليز مطار وهران إلى الجزائر العاصمة محملة برجال الاستخبارات العسكرية يلبسون لباساً شبيهاً بلباس الإسلاميين وموفرين للحاهم وذكرت المجلة أن السيناريو الذي يتوقعه كثير من الديبلوماسيين الغربيين [١١] وكثير من الجزائريين أن تجري حوادث استفزازات دامية خلال الأسبوعين الأولين من السنة الجديدة، تعطي فرصة للقضاء على الجبهة الإسلامية في الجزائر وتترك الجزائر تعيش في جو من عدم الاستقرار وقد تقع تحت سيطرة الجيش.
وقال المعلقون: (المعروف أن تصميم هذه المؤسسة (الجيش) على قطع
الطريق أمام الإسلاميين للوصول إلى السلطة ليس جديداً) [١٢] . وكان معروفاً منذ
ما قبل انتهاء الانتخابات أن الجيش سيتدخل في حال فوز الجبهة الإسلامية بالنتائج
واستعد بقواته وحاصر بها المدن حتى تم الانقلاب العسكري الذي جاء بهذه
الشخصية الغائبة عن الجزائر لمدة تزيد عن ٢٧ عاماً إلى الحكم، والذي يشير له
المراقبون أنها شخصية يرضى عنها أعداء الجبهة الإسلامية وصفها حشاني بالقيادة
المستوردة. وهي شخصية عارضة في هذه المرحلة، حيث القرارات والسلطة
الفعلية بأيد أخرى وهو ستار مدني لحكم عسكري.
وقد بدا شأن الجزائر في هذه الأيام يوحي بأن المتحكمين في المجلس الأعلى
أقرب إلى حال مجموعة من السفراء لمصالح خارجية. فقد علقت وسائل الإعلام
على هؤلاء الأشخاص بأن فلان رجل فرنسا والآخر رجل الجيران والثالث ...
والرابع ... ولم تحمل هذه الأسماء من يمثل واقع الشعب وحاجته، وهكذا واقع
السياسة في العالم الثالث السياسة القادمة من الخارج أهم من الشعب ومصالحه،
وهذا ما جعل غزالي يشك في أن الفرنسيين لم يقبلوا بعد استقلال الجزائر كما سبق. وهذه الحقيقة هي التي تفسر عدوان الجيش على مصلحة الشعب ومصادرة حقوقه
إذ أن فيه من يعمل لمصالح أخرى كما سبق في فقرة (فرنسا والغرب) . على
الرغم من أن قطاعاً كبيراً من الجيش لا يبدو أنه ذو قناعة تامة في الخروج على
الدستور وأنه لا يريد المواجهة العسكرية مع الشعب. وهذا ما جعل الانقلابيون
يفرقون من خطابات عبد القادر حشاني زعيم الجبهة الإسلامية للجيش ومناشدته
للجيش بتقوى الله وعدم قتل الناس وجر البلاد إلى حرب أهلية، ونادى الجيش
بترك دعمه للاستبداد.
وأصبح الجيش في الجزائر وللأسف تلك العصا التي يُجلد بها الشعب بإدارة
خارجية وتلك مأساة الجيوش في العالم العربي ذات قدره فعالة في التدمير وإذلال
وقمع الشعوب في الداخل، ومقدرة نادرة في الهزيمة أمام كل عدو خارجي.
ولا يصعب تفسير هذه الظاهرة إذ الجيوش في عالمنا غالباً متخلفة عن الوعي
الديني العام، وتدين بالولاء لعقليات قمعية ومستبدة، ربت جيوشها على الاستبداد
وفردية القرار والطاعة العمياء في الحق والباطل، ويحال بينها وبين وسائل
المعرفة والوعي عن قصد، لهذا كانت سلاحاً خطيراً يضرب بلا وعي. وواجب
الأمة تدارك هذا الفساد وإيجاد هدنة ما بين الشعوب وجيوشها ومصلحة الأمة لا
تختلف بحال عن مصلحة الجيش أخيراً.
المسألة الاقتصادية:
تناول بعض أعداء التوجه الإسلامي في الجزائر القضية الاقتصادية وذكر أنها
هي السبب في إقبال الشعب على الحل الإسلامي وعلى كل ما حدث، وهؤلاء
الكتاب فيما يبدو ليسوا شيوعيين، وهم يعرفون كذب هذا الذي زعموه، وأيضاً فهم
لا يملكون الشجاعة في قول الحق، ولا الخروج من عقدة الحقد على التوجهات
الإسلامية في العالم الإسلامي، لهذا يخرجون بتحليلات ساذجة وبعيدة عن الصدق،
وتؤكد ثقافة التزوير التي يشهدها عالمنا الإسلامي لمصلحة أعدائه. نعم في الجزائر
حالة اقتصادية سيئة، كما يقول أحد الصحافيين [١٣] : - وليس إسلامياً حتى لا
نُتهم - (إن الشعب الجزائري ذاق طعم الحرية بعد سنوات طويلة من حكم الاستبداد
والديكتاتورية والرأي الواحد والحزب الأوحد. فبعد عقود متصلة من القهر
والنصب والفشل والخداع باسم الاشتراكية مرة وباسم الحفاظ على حقوق الشعب
العامل مرة أخرى، اقتنع الشعب الجزائري بهول الجريمة التي ارتكبت في حقه فلا
الأحلام التي عاش عليها بعد الاستقلال تحققت ولا الثروات الطبيعية الهائلة التي
وهبها الله له فوق وتحت الأرض الجزائرية صرفت على تحسين مستوى المواطنين، ولا المتاعب والأعباء المعيشية الصعبة نجح الحكام في التخفيف من حملها
وضغطها) [١٤] . ليس هذا فحسب بل إن السرقات التي سرقها الحكام والمتنفذون
السابقون والتي ذكرت وسائل الإعلام إمكان عودتها من الحسابات السرية في أوربا
بلغت ٢٠ مليار دولار [١٥] وتزيد بعض التقديرات هذا المبلغ إلى ثلاثين مليار
دولار فالذين لا يؤمنون بيوم الحساب، ولا يؤتمنون على مصلحة الأمة سواءاً
جاءوا من شبهة التحرير أو من العساكر هم الذين سرقوا ثروات الأمة، ورجال
الإسلام هم موضع الثقة حقاً في هدا العصر وفي كل عصر، ثم لماذا لا يتوجه
الجزائريون إلى حزب آخر إذا كان الأمر هو الضائقة الاقتصادية، بل لو كان
الأمر هكذا لدعم الشعب الجزائري جبهة التحرير وسيد غزالي، كيف وقد تدفقت
القروض على الجزائر بمجرد وصوله لأنه رجل الغرب، وقد تكفل لهم بحرب
الجبهة الإسلامية للإنقاذ، ولو كان هدف الشعب فقط أن يملأ بطنه لوجد غير
الجبهة ممن رفع هذا الشعار. لكنها الدوافع الإيمانية أولاً وقبل كل شيء ثم فساد
الحكومات العلمانية المتوالية أكد للناس حاجتهم إلى دين الله وعدل الإسلام. والجبهة
كما يعلم أى عاقل لن تحمل لهم ثروات العالم. والمسألة الاقتصادية تحدٍ مهم ولا
شك لكنهم يثقون على الأقل أنها لن تنهب وتسرق ثرواتهم وستعمل الجبهة الإسلامية
على تخفيف الديون الباهظة التي أصبحت الحكومة غير قادرة على تسديد أرباحها
الربوية.
أطراف أخرى للقضية:
يندرج كثير من القوى الفاعلة في الساحة الجزائرية تحت بعض الأطراف
السابقة، فجبهة التحرير ذات الاسم والشهرة التاريخية أصبحت ميراثاً عاماً للشعب
بمالها وما عليها، وبقية رجالها إما واقعون تحت نفوذ الجيش ومنهم طائفة أخرى
لها صوت معارضة لسلطة الجيش ولا يظهر أنهم جادون في اتخاذ موقف يخرج
عن دائرة مصالح الأطراف المعارضة للجبهة الإسلامية.
البربر:
يشكل البربر، قرابة ٤ ملايين [١٦] من ٢٦ مليون عدد سكان الجزائر،
منهم طائفة كبيرة تتبنى منهج وأسلوب الجبهة الإسلامية، بالمطالبة بعودة البلاد إلى
الحياة الإسلامية، وبرز منهم قيادات إسلامية من أمثال الشيخ محمد سعيد في
الجزائر العاصمة، أما في مناطق القبائل (تيزي أوزو) فقد اتضح مناصرة عدد
منهم لآيت أحمد (القوى الاشتراكية) وهم منطقة نفوذه واستغل قضية البربر
مواجهاً بها الجبهة الإسلامية وعندما أسس آيت أحمد حزبه البربري في فرنسا بدعم
من فرنسا أكد على قضايا عديدة منها إبعاد البربر عن الإسلام واللغة العربية
ومحاولة كتابة اللغة الأمازيغية البربرية وإحلالها محل اللغة العربية، وبالتالي
يستطيع تشكيل أقلية وحقوق أقلية ومسمار فتنة في الجزائر عسى أن يتلافى
الإسلاميون تقصيرهم في حقوق إخوانهم وأن يوقفوا الفتنة قبل تعاظمها.
الليبراليون التحرريون:
وهناك ما يسمى بالقوى الليبرالية (التحررية) وهي القوى التي تراعي
مصالح الغرب وتؤمن بأفكارهم وأسلوب حياتهم، وقد درج هذا القطاع من الناس
على التحريض على الإسلام ودعاته ووصهم بتلك الألقاب التي كانت ترددها فرنسا
زمن حرب التحرير وكانت تصف المجاهدين في الجزائر بأوصاف التعصب
والرجعية. والآن تردد بقايا جيوب الظلام العلماني نفس المقولة بكل ببغائية
وسذاجة فتصف الجبهة بالتعصب والرجعية والتطرف والخوف على الانحلال
والدمار الاقتصادي الذي جلبته مرحلة الضياع في الجزائر. وهذه الطائفة تمثل
الطابور الخامس في كل بلدان العالم الإسلامي وهم دعاة الفساد وجلاوزة الاستبداد
ويحلو لهم أن يلبسوا لباس الثقافة الليبرالية، وهم بعكس هذا.
وليست لهم قوة مهمة في الجزائر غير أنهم يتمتعون برعاية عناصر
الديكتاتورية في الجزائر والدعم الغربي المحارب للتوجه الإسلامي ويتوزعون على
الأحزاب المعارضة للجبهة ويقيم بعضهم في فرنسا. وهذه الطائفة مع أمثالها خارج
الجزائر تقوم بدور الدعاية المضادة للإسلام ولمصلحة الجزائر ورغبة شعبها.
إن سير الأحداث لا يدل على أن أعداء الإسلام يمكن أن يسمحوا له بالوجود
ولا للمسلمين بممارسة حقهم في حكم أنفسهم بما يريدون [١٧] فالمسلمون أسرى في
بلدانهم لقوانين عبودية غربية جائرة؛ وأمام أعيننا هذا المشهد الذي يثير عجب كل
عاقل، ويثير حمية كل مسلم، ينتهك حقه وحريته وكرامته، فعندما نستخدم قوانين
الغرب وأعرافه لننال بها حقاً لنا يتنكر هؤلاء للقوانين التي سنوها ويحطمون ما
أسموه مبادئ وحريات وديموقراطيات، ويواجهون المسلمين بالسجون والمطاردة
والتعذيب والتخويف وهم الذين شهد قانونهم ومحاكماتهم بما أوصلوا له العباد من
فساد وفقر وخوف، ثم يستمرون ويعدون بأنهم سوف يسمحون بالديموقراطية بعد
إصدار قانون يحرم استخدام الإسلام في السلطة، وهم اليوم يمنعون المساجد أن
تذكر فيها قضايا المسلمين ويحاولون إغلاقها وجعلها منابر حكومية، [ومَنْ أَظْلَمُ
مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن
يَدْخُلُوهَا إلاَّ خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ ولَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ]
[البقرة ١١٤] .
ختاماً:
لقد تبين من الانتخابات التي كانت نتائجها صحيحة ولم يثبت لدى اللجنة
القضائية [١٨] خلاف ذلك وبطلت الطعون التي قدمها أعداء الجبهة الإسلامية أن
الشعب يرى قيادته الفعلية التي تحقق مصلحته وتخرجه من الفساد هي الجبهة
الإسلامية، وأي قوة غيرها تهيمن عليه إنما هي سلطة يرفضها الشعب ابتداءاً،
ويعلم أنها ستسوقه في طريق أشد ظلمة مما حاولت الخروج منه، وسيمارس
المغامرون من عساكر الانقلاب الجديد أسلوبهم في نهب الثروة وإذلال الشعب،
حتى ترضى فرنسا ويرضى غيرها من القوى التي أيدت مجيئهم ويسرها كل شر
يقع للمسلمين. وربما حدث ما لا يتمناه مسلم من حرب أهلية قد لا يستطيع مثيروها
إيقافها وقد تتسع دائرتها وتترك كل شيء بعدها خراباً.
وقد حرصت الجبهة على تجنب الاضطرابات وضبط النفس والتعامل بأسلوب
إسلامي راق ومتزن ولم يتوفر هذا الانضباط والهدوء في مواجهة الموقف وتقدير
المسؤولية من غيرهم، في حين يقع الظلم والتزوير عليهم، فهل الاسلاميون
قادرون على تحمل المزيد من الأذى وضبط النفس أم سيواجهون من الآن وتكون
العاصفة، أم هل سيقبلون بالتأجيل إلى جولة أخرى والصبر على مرارة الموقف
حتى يعدوا أنفسهم لجولة أخرى يقابلون بها هذه الانتهازية والتسلطية التي تصر
على إبعاد الشعب عن دينه وهويته ومصالحه، والعمل على قطع جذور الفساد
والتبعية، وإحلال السلم والأمن والعدل محل النهب والسطو والجور الذي يصفق له
العالم المنحاز بكل صفاته؟ ليس طريق الحق سهل الورود، فدونه فتن وابتلاءات
قص الله في كتابه منها ما يجعل المؤمن يثق بالحق ويدافع عنه ويصبر عليه مهما
لقي في طريقه بقطع النظر عما حقق. [الم* أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا
آمَنَّا وهُمْ لا يُفْتَنُونَ * ولَقَدْ فَتَنَّا الَذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ
الكَاذِبِينَ] والذي أصبح معروفاً لدى عدونا ويعاملنا وفقه هو أن يمارس علينا
أسلوب القتل والسجن والإرهاب ثم يستمر في طغيانه بلا رادع بواسطة وكلائه
عندنا ويحقق بهذه الممارسة كل رغبات الصليبيين واليهود الذين يسمون علماء الأمة
ودعاتها وقادتها ورجال إنقاذها بالمتطرفين والأصوليين وقد وصف رسول الله -
ﷺ والأنبياء بأكثر من هذا، وما أسعد اليهود والنصارى حين
يرون الدبابات والأسلحة والجيوش - وكل هذا يقال أنها جيوشنا وسلاحنا - تسدد
ضربات للأمة وتقتل وتسجن وتشرد خيار رجالها وقادة العلم والفكر والسياسة فيها،
إلا إنه لم يقدم لعدونا من النصرة علينا وهزيمتنا مثلما قدمته جيوشنا التي تخصصت
في قتلنا وتعويق أي سبيل لنا في النهوض أو أنها على أحسن الظنون استخدمت بلا
وعي. اللهم إنا نسألك لإخواننا الثبات على الحق وألا تعرضهم لفتنة أكبر وأنت
القادر على ذلك.
стр. 1066
رسالة إلى
جبهة الإنقاذ الإسلامية
ببالغ الفرحة والسرور تلقينا خبر نجاحكم في الدورة الأولى للانتخابات
الجزائرية والتي خرجت بنتائج باهرة أفرحت كل مسلم يحمل هم الإسلام في قلبه.
وأغاظت كل عدو وحاقد ومنافق لايريد لكلمة الحق أن ترتفع، ولا لأصحابها أن
يعلو شأنهم تماماً كما وصفهم الله : [إن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وإن
تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا] [آل عمران ١٢٠] .
ونحن - علم الله - فرحنا بفوزكم الذي إن دل على شيء فإنما يدل على أن
الشعوب المسلمة التي ذاقت الذل تحت نير المناهج الأرضية تشتاق إلى التحرر من
نير العبودية للمناهج والأنظمة الوضعية الدخيلة، إنه الظمأ إلى جرعة من النبع
السلسبيل بعد أن أفسد الملح الأجاج حياتنا.
إن انتصاركم - أيها الأحبة - عزاءٌ لنا في هذا الزمن.. زمن الهزائم
المتكررة والاستسلامات المتتابعة.
لا يغرٌنكم ما صنعوه وما سيصنعوه ليفسدوا عليكم هذا الانتصار الرائع فأنتم
الأعلون إن كنتم مؤمنين.
أيها الإخوة: لقد ساءنا هذا النفاق العالمي الذي يكيل الأمور بمكيالين، فمن
حق شعوب العالم قاطبة أن تختار المنهج الذي تريد والقائد الذي تريد. أما الشعوب
المسلمة فهي شعوب فسدت أذواقها. فلم تبلغ بعد سن الرشد لتختار من تريد.
أيها الإخوة: لقد ساءنا هذا التضامن الإقليمي الذي لم يفلح قط إلا في محاربة
الحركات الإسلامية الأصيلة التي تريد العودة بالأمة إلى عزتها واستقلالها.
إن هؤلاء العملاء المحليين يرفضونكم ويرفضون أمثالكم. وهم في المقابل
يدخلون اليهود في نسيجنا السياسي والثقافي. فقبح الله قوماً جعلوا اليهود أصدقاء
وجعلوا الدعاة والمخلصين أعداء يحرصون على إيذائهم وإخفات صوتهم بكل سبيل. مرة أخرى أيها الأحبة: لا يغرنكم ما صنعوه وما سيصنعونه ليفسدوا عليكم هذا
الانتصار الكبير فأنتم الأعلون إن شاء الله.
أيها الإخوة: نحمد الله أن عاد للجماهير وعيها فاختارت الإسلام ليكون هو
الحل والمنهج، لقد قدمتم للدعاة نموذجاً متقدماً من نماذج العمل الإسلامي
الجماهيري، ولكن الجماهير وحدها لا تصنع نصراً، إننا نطمح بعد نجاحكم في
العمل الجماهيري، أن تقدموا لنا نجاحاً آخر في مجال بناء القاعدة الصلبة وإعداد
الكوادر المؤهلة.
إن العمل الإسلامي على مستوى الأمة - والجزائر جزء منه - بحاجة إلى قلة
تنقذ الموقف. بحاجة إلى رجال متجردين ينبرون لعملية الإصلاح السياسي
والاقتصادي والإعلامي وقبل ذلك الإصلاح الديني العقدي.
هؤلاء هم الذين سيقومون بتربية الجماهير ونشر العلم الشرعي بينها، حتى
يصبح الإسلام مطلباً شعبياً ملحاً تغضب من أجله الجماهير أكثر من غضبها
لمطالبها اليومية.
إن هذه الجموع المباركة التي تربت على يد القاعدة الصلبة لن تقف في وجهها
ألاعيب الساسة العلمانيين، ولن يرهبها سيف الجيش المسلط، كما لن تغريها
الوعود بالرخاء والرفاهية.
أيها الإخوة: إن حجماً هائلاً من الكيد العالمي والمحلي يكيد لكم ولأمثالكم من
الدعاة المخلصين، وأحياناً ينسينا التأييد الشعبي المكثف حجم هذا الكيد فيظن الظان
أننا قاب قوسين من قطف الثمار.
أيها الإخوة: نطالبكم بألا تدعوا أعداءنا وأعداءكم يستجرونكم إلى معركة لم
تحددوا مكانها ولا حجمها ولا أدواتها. وكما أن البذرة لا تصبح ثمرة يانعة بين
عشية وضحاها - وأنتم أدرى بذلك - في أرض الزيتون والعنب، فكذلك الدعوات
بحاجة إلى التعهد والرعاية والبناء حتى يصلب العود ويخرج شطأه ويستغلظ.
أيها الإخوة: لا تظنوا أنكم تقفون في أرض الجزائر بمفردكم، فهناك الألوف
والألوف من إخوانكم في شتى بقاع العالم يرقبونكم ويعيشون معكم بقلوبهم، إن
الروح الإسلامية باقية وإن ظنوا أنها قد أخمدت عندما هدمت الخلافة، ومزق
الاستعمار أراضينا إلى دويلات صغيرة هزيلة.
هذه الروح الإسلامية هي التي تجعل الهندي المسلم يفرح بفوز الجزائري
المسلم، وهي الروح التي جمعت المسلمين على شتى لغاتهم وأعراقهم في أرض
أفغانستان المسلمة. لذلك - أيها الأحبة - حافظوا على هذه التجربة الناجحة وخذوا
بأسباب النصر الشرعية التي ذكرها الله في كتابه، فنجاحكم سيكون نموذجاً لغيركم، وبداية لحقبة جديدة في تاريخ المسلمين المعاصر.
واختم رسالتي هذه بدعوة إلى الدعاة إلى الإسلام في الجزائر من خارج الجبهة
فأقول لهم:
- إن العدو لا يفرق بين معتدل ومتطرف، فالجميع أصوليون تجب محاربتهم
والقضاء عليهم.
أيها الإخوة: ما أحوجكم إلى الاتحاد والتعاون ونبذ الفرقة والاختلاف كما قاله
تعالى: [ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءهُمُ البَيِّنَاتُ وأُوْلَئِكَ لَهُمْ
عَذَابٌ عَظِيمٌ] [آل عمران ١٠٥] .
[ولا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ واصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ]
[الأنفال ١٤٦] .
إن الخلاف شر وخصوصاً في مثل هذه الظروف العصيبة من تاريخ المسلمين، وتاريخ الجزائر على وجه الخصوص. وهذه الظروف تحتم التعاون مع إخوانكم
في الجبهة ومساعدتهم، وأن لا تكونوا سهماً في كنانة العلمانيين الذين بدت البغضاء
من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر؛ يستخدمونه ضد كل من يلتف المسلمون
الصادقون حوله، وأختم رسالتي بآية عطرة من كتاب الله الكريم: [لَتُبْلَوُنَّ فِي
أَمْوَالِكُمْ وأَنفُسِكُمْ ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ ومِنَ الَذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى
كَثِيراً وإن تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ] [آل عمران ١٨٦] .
стр. 1067
ماذا يريدون ؟
من الملفت للنظر هذا الدوي الإعلامي والسياسي الهائل الذي أعقب الدورة
الأولى من الانتخابات في الجزائر، وتداعيات الأحداث التالية لهذا الحدث المزلزل. ومع هذا الكم الهائل من التحليلات والتوقعات والإشارات فإن الحدث الجزائري
يظل هائلاً، مدوياً، بل زلزالاً بكل المقاييس والمعطيات، ولا أظن أن هذا الحدث
قد أخذ أبعاده وآثاره وبصماته المستقبلية بعد، وإن كان قد رسم لنا معالم حاضرة
ومستقبلية هامة، لعل من المناسب الحديث عن أبرزها..
إن الحدث قد كشف عن هشاشة الطروحات العلمانية واليسارية والقومية
والانتهازية، فهي أول انتخابات يشارك فيها أكثر من خمسين حزباً طرحت كل
المناهج والرؤى المعاصرة فلا مكان للحجج القائلة بأن التيار الإسلامي قد مارس
إرهاباً فكرياً أو حمل الناخبين قسراً على تبني الحل الإسلامي. ففي المثال الجزائري كان الشيوعيون المحنطون يعرضون بضاعتهم المزجاة جنباً إلى جنب مع
(حزب فرنسا) الذي يصيح بكل ما أوتي من صوت منادياً باستعمار الجزائر من
جديد على يديه وفي حضور كل التيارات السياسية المعاصرة ... والحق أن
الإسلاميين كانوا القوة الوحيدة التي لم تكن تتكئ على قوة خارجية أو دعم من خارج
الحدود - كما كان وضع بقية صفوف الأحزاب السياسية - التي اكتشفت أنها ظل
ثقيل (للآخر) الذي يضخمها بدعمه الخارجي.
إن الحدث بأطواره الأخيرة لا يمكن أن يفصل عن إطاره التاريخي
والموضوعي والمنهجي.. فأحداث الجزائر ليست وليدة اللحظة، ولم تنبت من
فراغ، فهي إفراز متوقع لحالة المواجهة الضارية التي خاضها المسلمون في هذا
الصقع، منذ نزول الصليبيين الفرنسيين قبل أكثر من قرنين ومحاولة هؤلاء سلب
هذا الشعب العريق هويته العقدية والحضارية. وفي خضم هذا الصراع ظل الإسلام
وحملته هم ضمير الأمة، وقادة الصفوف في ساعة الزلزلة، منذ عبد القادر
الجزائري ومروراً بزعماء جمعية العلماء (ابن باديس والإبراهيمي) وحتى امتدادهم
المتمثل بجبهة الإنقاذ.. وقضية الإسلام كهوية وثقافة ومنهج تفرض نفسها من جديد
بالرغم من محاولة العسكر (بعد الاستقلال) طمس هذه القضية أو تحجيمها من خلال
تبني الطروحات السياسية والاشتراكية، وإن كانت، ظروف بومدين وعصابته
بالأمس قد أوهمتهم بالتغلب على هذه الإشكالية، فإن الواقع اليوم يؤكد أن قضايا
الأمة الكبرى لا يحلها الإرهاب والتسلط، وأن المعضلات المتعلقة بالكيان
الحضاري والصيرورة العقدية ترفض أن تخضع لفوهة المدفع أو تسلط الحذاء
العسكري الثقيل، إنها في جوهرها بالنسبة للمسلم اليوم الوجود أو الذوبان.. ومن
هنا فإن التدخل العسكري الثالث للجيش بعد تدخل عام ١٩٨٨م ويونيو ١٩٩١م
يواجه الإخفاق الذي واجهه في المحاولات السابقة، ويقابل بنفس الكراهية والاحتقار
من قبل جماهير الجزائريين الذين أثبتوا في السابق أن الحلول المبترة لا تؤدي إلا
إلى نتائج عكسية.
إن أحداث الجزائر الأخيرة نزعت ورقة التوت الأخيرة عن الأصوات
والتيارات والأحزاب والشخصيات المطلة عبر أجهزة التثقيف والإعلام في العالم
العربي، والتي تمسك بخطام التوجيه وزمام القيادة.. لقد كان رد فعلها غاية في
التشنج وإيغالاً في ممارسة الإرهاب الفكري، كما كان الطرح في مجمله يفضح
إشكالية ما يسمى بالتيار التحديثي والتوفيقي (حل وسط ومدهش يرمي إلى دمج
الإسلام بالثقافة الغربية) وبعد هذا التيار عن أرضية المجتمع والأمة التي هي من
المفترض أن يعبر عن تطلعها وآمالها. إن ما يكتب خلال هذه الفترة أبعد ما يكون
عن الموضوعية وأقرب إلى شكل (الإسقاط) النفسي حيناً ومزج الخيال المحطم
بالواقع الصارخ في وجوههم ... حيناً آخر.
والسؤال الحائر لا يزال يطرح بقوة: هل كان الغرب ومؤسساته الإعلامية
أكثر اتزاناً من ظله العربي العلماني؟ ولعل استعراضاً لعناوين الصحف والتحليلات
العربية يؤكد هذه النظرية مضيفاً إلى هذا المنحى الخطر غثاثة وسطحية واختزالاً
ونقلاً (كربونياً) يدعو القارئ إلى الغثيان! (وهي لازمة لعصر الإفلاس الثقافي ...
والإعلامي في العالم العربي اليوم) .
إن أحداث الجزائر كشفت عن (نسبية) جديدة لم تكن مكشوفة إلى هذه الدرجة
وعارية إلى هذا الحد..، فخلال أزمة الصيف التي كانت محاولة أخرى من
محاولات العقلية البوليسية لمصادرة الحل الإسلامي اتهمت جبهة الإنقاذ بأنها ضد
الديموقراطية والاختيار الحر، وأصبحت طروحات الجبهة تمثل لهؤلاء المرتجفين
التسلط، أما انتشار الجيش ومطاردته للمدنيين المسالمين فيمثل (قمة الحكمة
والضبط) .. فالأمور هنا نسبية.. فالدكتاتورية النزقة والتسلط المفزع تغدو (حكمة)
و (حماية للديموقراطية) و (حراسة للدستور) ! ! ثم أتت الانتخابات، ولأول
مرة في التاريخ المعاصر تتهم الحكومة حزباً معارضاً بأنه زوَّر الانتخابات.
وبالرغم من عدم قدرة المجلس الدستوري على إثبات هذا الادعاء فإن الخيار
الديموقراطي الذي دافعوا عنه قبل أيام يتحول بين عشية وضحاها إلى (كابوس) ؛
ومن خلال نسبية الثقافة هذه يطالب ابن فرنسا سعد سعدي أو مطايا الماركسيين
المفلسين باستخدام القوة لمنع (الخيار الديموقراطي) .. أو لم تقل اللوموند بالأمس:
(الديموقراطية جميلة لكن الأصولية غير مرغوب فيها) ! ! إذن الإشكالية ... تكمن لدى الغربيين في أن الديموقراطية تستحق البكاء والعويل إذا دفعت إلى السلطة دماها المتعددة يساراً أو يميناً، وتصبح كابوساً وديكتاتورية حين يكون المكون العقدي المخيف - الإسلام - قاب قوسين من استلام مقاليد الأمور. وهنا تكون الديكتاتورية العسكرية والتسلطية البوليسية قمة الحكمة والحرية. فالمسألة نسبية لدى صليبِّيي اليوم وحزب النفاق المحلي! !
تردد أقلام النفاق المستتر والإعلام الوصولي مقولة يسارية صدئة خلاصتها
أن انتخابات الجزائر أظهرت أن القضية الاقتصادية في أساسها وأن الجماهير تريد
الخبز والكساء والحياة الرغيدة.. فقط لا غير..! ! ولكن السطحية والتناقض لا
حد لها في خطاب (مترجمي الفكر) و (مجتري الطروحات الغربية) ، وهم يلمزون الجبهة بأنها لا تملك برنامجاً اقتصادياً واضحاً، وأنها لا تقدم البديل للجماهير.. ولذا فهي تلجأ لشعارات فضفاضة..
هذه (النظرية) التي اكتشفها بعض (المفكرين) و (المترجمين) تنقصها
الحبكة المسرحية اللازمة لتمرير مثل هذه النكتة الثقيلة الظل.. فالجميع يعرف أن
الجبهة لا تستند لأي مجموعة اقتصادية أو دعم مالي خارجي مؤثر.. وأنها خاضت
الانتخابات في مواجهة أحزاب تعد الناخب الجزائري بمساعدات خارجية وتطرح
برامج اقتصادية تلائم طبع الدول العربية والشركات المتعددة الجنسيات كما تكرس
ربط الجزائر بالسوق الدولي ودورته الاقتصادية؛ إضافة إلى أن الغرب قد هب
لمساعدة الحكم القائم بمئات الملايين من الدولارات لمواجهة خطر (الأصوليين) في
الوقت الذي لم تعد الجبهة بمساعدات دولية أو تعرض أرض الجزائر في مزاد
(النخاسة) النفطي وهنا نجد أن من حقنا أن نطرح السؤال المنطقي التالي:
إذا كانت القضية تدور حول جوع الجماهير وتلبية رغبتها الاستهلاكية الملحة، فلمن ستصوت الجموع؟ ؟ لمجموعة سياسية لا تدعمها دول وقوى اقتصادية
عظمى وتتهم بأنها لا تملك برنامجاً اقتصادياً أو خبرة إدارية كافية. أم لأحزاب
ومؤسسات وهيئات تلح في حملتها الانتخابية على أهمية التعاون والاندماج بالقوى
الدولية المؤثرة، وتعد الجماهير برفاهية اقتصادية وملء البطون وسد الحاجات
الاستهلاكية؟ !
والجواب المنطقي والواقعي هو أن الذين ينثرون الوعود والذين تتسابق القوى
الإقليمية والدولية لدعمهم اقتصادياً هم الأحرى بتوجه الجماهير الجائعة المتطلعة إلى
إشباع الغرائز إليهم! لكن، ماذا نرى؟ نرى الجماهير المتحدث عنها هي التي
لفظت هؤلاء المرتزقة والمرتشين والأذناب بعد أن عرفت أنهم سرقوا في فترة لا
تزيد عن خمس سنوات أكثر من ثلاثين بليون دولار. كما أن هذه الجماهير المتعبة
ترى أن المعضلة الاقتصادية التي صنعها النموذج العلماني / الاشتراكي هي في
حقيقتها مرتبطة بإطار أكبر وواقع أشمل حكم البلاد من خلال فلسفة مستوردة لا
تصلح أرض الجزائر لاستنباتها، بل حولت هذه الفلسفة أرض الجزائر - وهي
الأرض المعطاء - إلى أرض بلقع بوار.
أثبتت أحداث الجزائر أن الخائفين من الحل الإسلامي، المطاردين لدعاته
يصابون بحالة من (الحول الحاد) تجعلهم يرون الشيء شيئين واللون ألواناً متداخلة
والحقيقة زيفاً..! ! فما إن يفوز التيار الإسلامي في أي عملية انتخابية مثلاً حتى
يخرجوا للجماهير مبررين هذا الفوز بأسباب أصبحت ممجوجة من سطحيتها
وتكرارها
مثل: إن أعدادا كبيرة من الناخبين لم تصوت في الانتخابات..! فمن أدراكم
أن الذين لم يصوتوا سيصوتون في قناة التيار اللاديني..؟ ! والقاعدة الفقهية تقول: لا ينسب إلى ساكت قول! ويقولون بأن الإسلاميين يستغلون كل قواهم وقواعدهم
في الانتخابات وهل في هذا الأمر حرج وهذا من قواعد اللعبة الديموقراطية
المجلوبة والتي يكون فيها إجحاف بحق الناخب لا سيما في العالم المتخلف حيث إن ...
المناوئين للحل الاسلامي اليوم يستنفرون فئات لا تتعاطف معهم مستخدمين سيف
المعز وذهبه.. وهذان كفيلان بترغيب وترهيب أعداد كبيرة لا تصوت عن
قناعة؟ ؟
ثم أخبرونا أيها المتباكون على كل نصر للأصالة والعودة إلى الجذور.. كم
يصوت في انتخابات أمريكا (النموذج الديموقراطي) ..؟ أليسوا في حدود النصف
إن لم يكن الرقم أقل من لك.. ثم يحكم الرئيس الأمريكي ويفوز بنصف أصوات
الناخبين أي أنه يحكم بأصوات المؤيدين له وهم لا يتجاوزون الربع.. ثم تُدعى هذه
الانتخابات بأنها أكثر الانتخابات الديموقراطية نزاهة وأرقى نماذج الحكم الذي
توصلت له البشرية اليوم؟ !
إن حالة (الحول المفاجيء) تصيب مرضاها بمضاعفات خطيرة أبرزها
(الانفصام النفسي) والتناقض المحجوج الذي لا شفاء منه إلا بالصدق والأمانة وهذا
دواء يستعصي على من مرد على النفاق قبوله.
تصور أن ...
تصور أيها القارئ الكريم لو أن تسلسل الأحداث في الجزائر قد سار بطريقة
مختلفة عما آل إليه الأمر.. وتصور لو أن المسار التصاعدي للتحولات الجزائرية
قد انحرف إلى زاوية ترضي أهواء الغرب - لا سيما فرنسا وأمريكا - والنظام
السياسي العربي القائم، بقيادة أي اتجاه محارب للإسلام معاد لأصول الأمة
ومعتقدها..، قد تقول إن الشعب الجزائري قد أثبت بالدليل القاطع رفضه لكل
(الجراثيم الفكرية) ووقف في وجهها وقفة الرجل الواحد مرة بعد أخرى! ! لكن دعنا
نفترض مساراً آخر للحدث، يرضي ولو آنياً خيال المنافقين والعملاء.
تصور أن (حسين آيت أحمد) في الجزائر قرر عقب السماح بتكوين
الأحزاب أن يرشح نفسه للانتخابات البلدية في الجزائر.. وأنه - ويا للهول - قد
حصد أكثر من ثمانين بالمئة من البلديات وأكثر من ستين بالمئة من أصوات
الناخبين..! ! ماذا ستكون افتتاحيات اللوموند والفيجارو والنيويورك تايمز
وصحافة العرب المترجمة والمرتجفة من خصوم آيت أحمد وليكن علي بلحاج أو
عباسي مدني، وكأني بها وقد حملت عناوين ضخمة أحدها بالخط العريض
(الجزائريون يلفظون الظلام ويختارون الرجل المتحضر) ..!
تصور أن الرجل المتحضر الذي يحقد على الإسلام ويرفض التحدث
بالعربية - لأنه متحضر فهو يتحدث بالفرنسية - قد أصبح الزعيم المرتقب للجزائر، وعندها قرر الحزب الحاكم أن يقلم أظافره ويغير من قانون الانتخابات بحيث يحول دون انتصار كاسح للرجل (المتحضر) و (خياره العلماني) ... سيكون ملخص التعليقات والتحليلات شرقاً وغرباً: (مجزرة الديموقراطية في الجزائر) ! وتصور أن الرجل (المتحضر) قد قام بمقاومة هذا الظلم والحيف بأسلوب متحضر هو الآخر ونادى بالجزائريين المتعاطفين معه أن يقاوموا القانون الجائر بالتظاهرات السلمية في الساحات العامة منبهاً لضرورة البعد عن استخدام العنف.. أخال أن الوكالات الدولية ستحمل الخبر الآتي (غاندي الجزائر.. ينادي بالثورة السلمية ضد الظلم) ! !
تصور أن العسكر قد قرروا أن ينهوا ربيع الديموقراطية وذلك بافتعال مواجهة
مصطنعة مع الزعيم المتحضر وجماهيره المنضبطة وخلال هذه المواجهة تفصل
السلطات جميع الرافضين للتسلط والقهر، كما تزعم أن آيت أحمد (وزبانيته)
يخططون للانقلاب على السلطة وتعرض على وسائل الإعلام الدولية الأدلة الدامغة
على ذلك.. (كما فعلت بعد مواجهتها مع جبهة الإنقاذ في الصيف الماضي) مقلمة
أظافر.. وسكيناً لتقشير التفاح.. وحبلاً.. وزجاجة كوكاكولا فارغة! ! !
ولم تجد السلطات العسكرية بداً للحد من تزايد التعاطف مع الزعيم المتحضر
حسين آيت أحمد سوى أن تعتقله ونائبه دون توجيه تهمة أو جناية وتأمر الجيش
بالنزول للشوارع وتلغي الانتخابات لأجل غير مسمى! ! وهنا قد تتسارع الأحداث
وتعلن فرنسا سحب سفيرها من الجزائر وتوقف تعاملها مع الجزائر.. أما بوش
زعيم النظام الدولي الجديد فيعلن أن نظامه الجديد لن يسمح للدكتاتورية بالعيش..
أو أن يتحول بن جديد إلى صدام آخر يغتال الديموقراطية، ويئد الأحرار بلا سبب
دستوري! ! وهنا تجتمع الأمم المتحدة ليلقي مندوبو الدول المؤيدة للحرية خطباً
عصماء تنادي بانتهاء عصر الظلم.. ويرسل عرفات برقية إلى بن جديد يناشده
فيها باسم الكفاح المسلح أن ينهي مسلسل الإحباط ويفرج عن المناضلين الأبرار
وفي مقدمتهم الأخ الفاضل.. حسين آيت أحمد! ! تصور أيها الأخ العزيز أن
قضية حسين آيت أحمد ستشغل الصحف الصفراء والخضراء والسوداء لأسابيع..
ويصبح هذا الرجل المناضل (مانديلا الجزائر) - لاحظ الرموز المقتبسة -.. وفي
ظل الحملة الدولية والإقليمية يعلن الرئيس الجزائري بأن الزعيم المتحضر سيحاكم
بعدالة وأنه قرر إجراء انتخابات عامة للخروج من المأزق، لكنه يعين أحد
المتواطئين معه لتفصيل القانون الانتخابي على مقاس جبهة التحرير الحاكمة..،
هنا ستوجه الأمم المتحدة (الأمريكية) تحذيراً أخيراً وتحرك القوى الخفية في داخل
الجزائر تشتري الذمم وتزرع العملاء.. ويعلن بن جديد احترامه للدستور وأن
حزب القوى الاشتراكية مدعو للاشتراك في الانتخابات القادمة.
يحجم الحزب البربري وزعيمه المؤقت عن الاشتراك في الانتخابات التي
ستحرمه من فوز مؤكد وساحق.. وتتدخل الأصابع الفرنسية والأمريكية والمحلية
لإقناع الزعيم المتحضر ومناصريه بالاشتراك في هذه الحملة لإحراج السلطة ليس
إلا..
تصور أن هذا الحزب المظلوم، المقهور، المطارد قد فاز بـ ١٨٩ مقعداً
مقابل ٢٠ مقعداً لجبهة الإنقاذ و ١٥ مقعداً لجبهة التحرير هنا سأكتفي بعنوان واحد
لصحيفة عربية أفردت ملحقاً خاصاً من عشرين صفحة للحدث /القنبلة، عنونت له
في صفحتها الأولى بعناوين مثيرة منها:
(انتصار خيار المستقبل على المتاجرين بالدين)
(الجزائريون يختارون التحضر ويلفظون الأصوليين البرابرة! ! !)
(الأصوليون يندحرون في وجه الفوز الساحق للزعيم المتحضر) .
стр. 1068
المستقبل لمن ؟
في يوم السبت السابع من رجب ١٤١٢ هـ الموافق ٢١٢/١/١٩٩٢ ظهر
الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد على شاشة التلفزيون وألقى كلمة قصيرة أعلن
فيها استقالته قائلاً: إنه قرر الاستقالة لكي لا يصبح عقبة تعرقل التفكير في حل
يحفظ الوحدة الوطنية. وقال أيضاً: إن انسحابه ليس تهرباً من المسؤولية، بل
وطلب من الجزائريين أن يعتبروا ذلك تضحية. إن أخطر ما قاله هو أنه قرر
الاستقالة لكي لا يصبح عقبة تعرقل التفكير في حل يحفظ الوحدة الوطنية! ! ..
فمن الذي يهدد الوحدة الوطنية؟ ومن الذي يفكر في حل يصرح الرئيس المستقيل
أنه عقبة تعرقل هذا الحل؟ لا أظن أن الإجابة على هذه التساؤلات تحتاج إلى عناء
كبير، فإن الأمر الذي أشغل الساحة الجزائرية بل والعربية والعالمية هو فوز جبهة
الإنقاذ الإسلامية في الانتخابات الجزائرية فوزاً ساحقاً يعبر بوضوح عن حالة جديدة
تمر بها هذه الأمة للخروج من حالة الضياع والتشرذم الذي تعيشه، وعلى الرغم
من أن الأحداث في الجزائر تمر بمرحلة انتقالية يصعب التكهن بنتائجها، فإنه يجب
على كل مسلم أن يعيش مع إخوانه في آمالهم وآلامهم وتجاربهم، وألا يبخل عليهم
بما يستطيع من دعوة صالحة في ظهر الغيب، ونصيحة مشفقة خالصة مع دعمهم
بكل ما يستطيع. ومساهمة في هذا السبيل نقدم هذه القراءة المتواضعة في أحداث
الجزائر لعلها تكون عوناً على فهم الحاضر والتعامل مع المستقبل.
وجيز الأحداث:
في الأول من نوفمبر ١٩٥٤ أعلن حزب جبهة التحرير الوطنية ميثاقه ومما
جاء في ذلك الإعلان:
استعادة دولة جزائرية ذات سيادة ديموقراطية واجتماعية في نطاق المبادئ
الإسلامية. وقامت حرب التحرير على أساس إسلامي شديد الوضوح، وقدم
الجزائريون التضحيات العظيمة من أجل استعادة إسلامهم وعروبتهم، حتى سميت
الجزائر بلد المليون شهيد، ولكن ما إن تم التحرير، وخرج المستعمر؛ حتى تربع
على السلطة من سرق ثمرة الجهاد، فكافأ رجاله بفتح المعتقلات والسجون لمن؟
لعملاء الاستعمار؟ لا، بل للدعاة المخلصين الذين لهم الدور الأكبر في مجاهدة
المستعمر، وقام (بن بلا) ومن بعده (بومدين) بفرض النهج الاشتراكي، وأقاموا
دولة بوليسية قائمة على الكبت والاضطهاد، مع ما صاحب ذلك من عمليات سلب
لثروات الأمة.
وفي عهد (بن جديد) الذي خلف (بومدين) لم يتغير شيء سوى ازدياد عمليات
النهب المنظمة للثروة، أو عجز الحكومة، أو قل: عدم اهتمامها بتقديم الخدمات
الأساسية للشعب المطحون، فحصلت أحداث شغب في يونيو (حزيران) ١٩٨٨ م
مما أوقع مئات القتلى، واتضح فشل النظام وترهله مما أرغمه على اللعب بورقة
التعددية الحزبية، وسياسة الانفتاح والحرية، وفتح المجال لتكوين الأحزاب، ولم
تعد جبهة التحرير متفردة بالساحة السياسية، فقد تم تسجيل حوالي ٥٨حزباً
تراوحت بين إسلامية من طرف وإلحادية من طرف آخر وكثير من اللافتات
المتنوعة في الوسط، مما يدل على شراسة الهجوم الفكري الذي تعرض له هذا
الشعب المسلم، ومن هذه الأحزاب:
١- جبهة الإنقاذ الإسلامية تم إعلانها رسمياً في مطلع ١٩٨٩ م وذلك بمبادرة
من عدد من الدعاة من بينهم رئيس الجبهة الشيخ عباسي مدني، ونائبه الشيخ علي
بلحاج وللجبهة مجلس شورى يتكون من ٦٠ عضواً.
٢- حركة المجتمع الإسلامي (حماس) وتم إعلانها في ديسمبر ١٩٩٠ م على
يد الشيخ محفوظ النحناح.
٣- حركة النهضة الإسلامية: قام بإعلانها الشيخ عبد الله جاب الله.
٤- حزب الأمة: أسسه يوسف بن خده رئيس الوزراء سابقاً، وهو يؤكد
على الأهداف الإسلامية والعربية.
٥- حزب القوى الاشتراكية: (FFS) قام بتأسيسه حسين آيت أحمد عام
١٩٨٩م. ويدعو إلى ضرورة فصل الدين عن الدولة، وتبني التعددية اللغوية
والثقافية بين عربية وبربرية وفرنسية (علماني بربري فرانكفوني) .
٦- التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية: أسسه الدكتور سعيد سعدي وهو
حزب بربري شبيه بالحزب السابق.
٧- الحركة من أجل الديموقراطية: أسسه أحمد بن بلا الرئيس السابق.
٨- حزب العدالة والإصلاح: أسسه قاصدي مرباح رئيس الحكومة السابق
بعد خروجه من جبهة التحرير.
٩- حزب الطليعة الجزائري (الحزب الشيوعي) .
١٠- حزب التجديد الجزائري.
١١- الحزب الوطني للتضامن الإسلامي.
١٢- حزب التجمع الجزائري البومديني الإسلامي.
١٣- الحركة الجزائرية من أجل العدالة والتنمية.
وغيرها بالإضافة إلى جبهة التحرير الوطني التي حكمت الجزائر لمدة ثلاثين
سنة متوالية.
انتخابات الجزائر، حقائق وأرقام:
جرت الانتخابات يوم الخميس ٢٦/١٢/١٩٩١ وقد بلغت نسبة التصويت
٥٨ % من أصل ١٢. ٢ مليون ناخب. وبلغت الأصوات الباطلة حوالي ١٠% وأعلن وزر الداخلية عن عدم وصول ما يقارب من مليون بطاقة انتخابية إلى أصحابها، وقد بلغ عدد الذين أدلوا بأصواتهم حوالى ٧ مليون و٧٠٠ ألف وهي نسبة كبيرة إذا ما قورنت بنسبة المشاركة في الدول الغربية، أما نتائج الانتخابات فقد كانت صدمة لمن أجروها ولمن أعلنوها، وتباينت ردود الفعل فقد كانت الصدمة بادية على محيا وزير الداخلية وهو يعلن الفوز الكاسح لجبهة الإنقاذ، كان متعباً وهو يقرأ النتائج بصوت متهدج، أما رئيس الوزراء فقد حلّ ضيفاً على القناة الثانية في التلفزيون الفرنسي، وقد كان شاحباً وحزيناً متلعثماً وكان يبدو تحت وقع الصدمة [١] .
وخلافاً للتوقعات التي كانت تنتظر أن تكون النسب على الشكل التالي:
* ١٥٠ مقعداً للجبهة الإسلامية.
* ١٢٠ مقعداً لجبهة التحرير.
* ٧٠ مقعداً لجبهة القوى الاشتراكية.
* ٤٠- ٥٠ مقعداً للتجمع من أجل الثقافة والديموقراطية.
* ٤٠ مقعداً للأحزاب الأخرى والمستقلين.
فقد جاءت النتائج على النحو التالي:
لقد شارك ٤٩ حزباً من أصل ٥٨ فازت جبهة الإنقاذ بـ ١٨٨ مقعداً من
أصل ٢٢٨ وحلت جبهة القوى الاشتراكية في المركز الثاني بحصولها على ٢٧
مقعداً، أما جبهة التحرير الوطني فقد جاءت في المرتبة الأخيرة وحصلت على ١٦
مقعداً فقط، والمستقلون حصلوا على ٣ مقاعد.
كانت ردود الفعل متباينة، ويمكن معرفة ردود الفعل الرسمية غير المعلنة عن
طريق متابعة وسائل الإعلام، وهذه أهم ملامح التوجهات الإعلامية في تلك الفترة:
* في اليوم الأول الذي أعلن فيه الفوز الساحق لجبهة الإنقاذ بأكثرية
الأصوات لم تشر جل الصحف إلى ذلك، مع أن وكالات الأنباء نقلت هذا الفوز
الكبير. وبعد أن أفاقوا من الصدمة بدأت مرحلة التهوين من الانتصار وتحليل
أسباب انتصار الجبهة، وحيث أن حكم الإسلام غير مطروح فقد كثرت التحليلات
لكيفية الخروج من هذا المأزق وإليك بعضها:
١- التركيز على أن التصويت للجبهة كان بسبب كراهية الناس لجبهة
التحرير، وليس حباً في جبهة الإنقاذ أو كما يتولون: (ليس حباً في زيد لكن
كراهية في عمرو) وكأن الجبهة الإسلامية هي الحزب الوحيد بجانب جبهة التحرير.
٢ - تبنوا طروحات الأحزاب العلمانية الجزائرية الخاسرة وادعوا أن
الانتخابات فيها الكثير من التجاوزات من جانب جبهة الإنقاذ، بل وقدمت طعون
كثيرة بصورة مبالغ فيها حيث بلغت ٣٤١ طعناً قدمت فيها جبهة التحرير ١٧٤
طعناً، وهولوا من خطورة هذه الطعون على مستقبل الجبهة حيث ستفقد أغلبية
المقاعد التي حصلت عليها، ولكن المجلس الدستوري رفض هذه الطعون وكان
على وشك إعلان ذلك ومنعه من ذلك الأحداث اللاحقة.
٣- أكثروا من الكلام حول امتناع حوالي نصف الناخبين عن المشاركة وأنهم
ضد الجبهة، وأن الفرصة سانحة لتعديل النتيجة في الدور الثاني، ولكن هذا
التحليل تهافت سريعاً، حيث بدأت الأحزاب العلمانية تحذر من الخطر على
الديموقراطية عندما تحكم جبهة الإنقاذ، وطالب بعض الديموقراطيين بالغاء
الانتخابات.
٤- وفي النهاية تعلقوا بالأمل الأخير لحماية الديموقراطية والحفاظ على
الدستور وهو الجيش الذي تتجاذبه النزعات الفرنسية والأمريكية.
٥- ولقوة هذا الخيار فقد بدأوا بالكلام عن السيناريو والإخراج لهذا الترتيب،
حيث تحدثوا عن خلاف بين بن جديد والجيش واحتمال استقالة بن جديد، وذلك بعد
فشل الأحزاب العلمانية في محاولة جر الجبهة للاصطدام بها، ليكون ذلك ذريعة
لتدخل الجيش بدعوى حفظ النظام.
أما مراسل هيئة الإذاعة البريطانية فقد قال في سلسلة أحاديثه (الجزائر عشية
أول انتخابات حرة) إن رئيس الوزراء هو مرشح الجيش لتشكيل حكومة ائتلاف
ديموقراطي بعد الانتخابات، وفي الحلقة الثانية شكك بقبول جبهة الإنقاذ لقواعد
اللعبة الديموقراطية، وفي الحلقة الرابعة تحدث عن الجماعات الإسلامية وأشاع
دعاوى كاذبة حول إهدار الإنقاذ لدم محفوظ النحناح. وفي الحلقة الخامسة تحدث
عن آيت أحمد المتفرنس البربري وعن تكتيكه الجديد وكيف أن مرشحيه صاروا
يستعملون العربية الفصحى.
أما موقف الإعلام في شمال أفريقيا فهو كما يلي:
* بعد ظهور نتائج الانتخابات بدأت الصحافة الجزائرية الناطقة بالفرنسية
وأجهزة الإعلام الأخرى التي يسيطر عليها الشيوعيون؛ بدأوا بحملة ضارية ضد
الجبهة وتخويف الناس من مستقبلهم إذا اختاروا الجبهة، أما في المغرب فقد
التزمت الصحف الرسمية الصمت في البداية، مما يوحي بأنها لا تريد تحديد موقف
متسرع وأن الأمر متعلق بأمور داخلية، ثم تحول الأمر إلى هجوم على الأصولية.
* وفي تونس كانت الانتخابات محل اهتمام كبير لدى الأوساط السياسية
والرسمية حيث جاءت النتائج مخالفة لما توقعته من فوز جبهة التحرير، وأبدت تلك
الأوساط قلقاً صريحاً من فوز الإسلاميين في الجزائر.
* وفي مصر عكست الصحافة القلق من هذه التطورات وأهمية اتخاذ المثال
المصري للديموقراطية القائم على خنق الأفكار الإسلامية والسماح بأحزاب تحددها
السلطة سلفاً.
أما وسائل الإعلام الغربية فإنها منذ بدء الانتخابات وهي تهول وتحذر من المد
الأصولي القادم الذي سيخرب البناء الجزائري، وسيعيد البلاد إلى عصور التأخر،
ولمحت بعض الصحف من جانب آخر إلى أن وصول الإسلاميين ربما يجعلهم
يهتمون بالسلاح النووي، وفي برنامج أسبوعيات الصحافة البريطانية، الذي أذيع
في يوم الجمعة ٢٨/٦/١٤١٢ هـ (٣/١/١٩٩٢م) نقل البرنامج العديد من وجهات
النظر البريطانية المتشنجة وفيها صحيفة (اليوربيان) التي أسسها اليهودي
(ماكسويل) ، التي نشرت تحليلاً يثير الخوف والهلع من استلام الإسلاميين، وقالت
بأن الجيش سيتولى الحكم وسيحكم مجلس مكون من جنرالين ورائد وهم وزير
الدفاع ووزير الداخلية ورئيس الشرطة السرية حتى لا يتمكن الإسلاميون من الحكم.
أما (الايكونومست) فقالت بأن الجزائريين لن يصمتوا حيال حكم مستبد جديد
بدل حكم مستبد سابق.
أما فرنسا فقد تعاملت في البداية بحذر يعكسه ما نسب إلى الأمين العام لوزارة
الخارجية حين قال: (إن بلاده تعتبر ما تشهده الجزائر قضية داخلية فرنسية نظراً
لامتداداتها داخل فرنسا، وأضاف بأن علاقاتنا بالجزائر ثابتة لا تتأثر بعوامل
ظرفية مؤقتة) . ويوضح الخلاف الحاصل في الوقت الحاضر بين فرنسا والحكومة
الانقلابية تحسس فرنسا من عدم ثبات النظام الجديد، وبالتالي لا تريد التورط معه
في علاقة تؤثر على مستقبل العلاقات، وقد يكون الانقلاب أمريكياً يقصد منه إبعاد
الإسلاميين وأيضاً النفوذ الفرنسي، ولا ننسى انقلاب عبد الناصر الأمريكي على
النفوذ البريطاني في مصر.
الموقف الإيراني:
كانت السياسة الخارجية الإيرانية ناجحة كعادتها في محاولة توظيف الأحداث
التي تحدث في العالم الإسلامي لصالحها، وقد استفادت إيران كثيراً من قضية
سلمان رشدي رغم أنها ركبت هذه الموجة متأخرة، وكانت الرابح الأكبر من حرب
الخليج وتحطيم العراق، وها هي تستفيد مما يعانيه السودان من ضيق اقتصادى،
وهي الآن تحاول الاستفادة من أحداث الجزائر وتوظيفها لصالح النفوذ المتزايد
لشيعة إيران، حيث تظهر بمظهر الحكومة الوحيدة التي تتبنى التحولات الحاصلة
نحو الإسلام. مع أنهم في الحقيقة لا يحبذون قيام حكومة سنية في الجزائر كشأنهم
مع أفغانستان، ولكنه موقف سياسي، وقد وقع ١٧٠ نائباً إيرانياً رسالة أوضحوا
فيها دعمهم الكامل للشعب الجزائري، ولذلك وصلت الأمور بين البلدين إلى سحب
الجزائر سفيرها في طهران، ولا يسعنا هنا إلا أن نقول للإخوة في جبهة الإنقاذ:
حذار من إيران.
جبهة الإنقاذ بعد الانقلاب:
من المؤكد أن ما جرى كان احتمالاً وارداً، ولكن الجبهة استفادت من الخيار
المطروح لتثبت للعالم أن الشعوب تريد الإسلام، وأيضاً تريد إحراج أدعياء
الديموقراطية في كل مكان وبالتالي كان تعاملها مع النظام الجديد بحكمة، فقد
حرصوا على أن لا يُجَرُّوا بالاستفزاز حين بدأ النظام بحملة اعتقالات القصد منها
استفزاز الجبهة لردة فعل تكون مبرراً لضربة عنيفة، وقد توجت هذه الحملة
باعتقال الشيخ عبد القادر حشاني الرئيس المؤقت للجبهة يوم الأربعاء ١٨ رجب
١٤١٢ هـ (٢٢/١/١٩٩٢م) بتهمة تحريض الجيش على التمرد، وكانت هيئة
الإذاعة البريطانية قد أجرت مقابلة معه قبل اعتقاله بقليل أوضح فيها أن الجبهة لن
تتخلى عن اختيار الشعب لها.
وإننا نرجو الله أن ينصر عباده المخلصين وأن تصمد
الجبهة أمام هذه الهجمة، وأن تستمر متماسكة وتعود أقوى مما كانت، وإننا على
ثقة بنصر الله، والله غالب على أمره، ولا ننسى قوله تعالى:
[يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ولَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ..] .
стр. 1069
كتب
أقوال العلماء في كتاب
إحياء علوم الدين
اختيار: أم قتيبة
إن كتاب إحياء علوم الدين للشيخ أبي حامد الغزالي المتوفى سنة (٥٠٥ هـ)
﵀ وعفا عنه، وهو كتاب عرفه العامة والمثقفون والعلماء والجاهلون، وقد
كثرت فيه أقوال العلماء سلباً وإيجاباً، وقيل عنه بأنه يحتوي على أحاديث وآثار
ضعيفة بل موضوعة كثيرة، وفيه أشياء من أغاليط الصوفية وترهاتهم، وقد رأيت
أن أورد أقوال بعض العلماء في هذا، الكتاب:
١- الذهبي:
قال في (سير أعلام النبلاء) [١] :
(أما (الإحياء) ففيه من الأحاديث الباطلة جملة، وفيه خير كثير، لولا ما
فيه من آداب ورسوم وزهد من طرائق الحكماء ومنحرفي الصوفية، نسأل الله علماً
نافعاً، تدري ما العلم النافع؟ هو ما نزل به القرآن، وفسره الرسول -صلى الله
عليه وسلم- قولاً وفعلاً ... )
إلى أن قال معرضاً:
(وإياك وآراء عباد الفلاسفة، ووظائف أهل الرياضيات، وجوع الرهبان،
وخطاب طيش أصحاب الخلوات، فكل الخير في متابعة الحنيفية السمحة، فواغوثاه
بالله، اللهم اهدنا إلى صراطك المستقيم) .
٢- ابن كثير:
قال في (البداية والنهاية) [٢] عن الغزالي:
(وصنف في هذه المدة كتابه (إحياء علوم الدين) وهو كتاب عجيب،
يشتمل على علوم كثيرة من الشرعيات، وممزوج بأشياء لطيفة من التصوّف
وأعمال القلوب، لكن فيه أحاديث كثيرة غرائب، ومنكرات، وموضوعات، كما
يوجد في غيره من كتب الفروع التي يستدل بها على الحلال والحرام، فالكتاب
الموضوع للرقائق والترغيب والترهيب أسهل أمراً من غيره.
وقد شنَّع عليه أبو الفرج ابن الجوزي، ثم ابن الصلاح، في ذلك تشنيعاً
كثيراً، وأراد المازري أن يحرق كتابه (إحياء علوم الدين) وكذلك غيره من
المغاربة، وقالوا،: هذا كتاب إحياء علوم دينه، وأما ديننا، فإحياء علومه كتاب
الله وسنة رسوله، كما قد حكيت ذلك في ترجمة من (الطبقات) ولقد زيَّف ابن
شكر مواضع (إحياء علوم الدين) . وبيّن زيفها في مصنَّف مفيد، وقد كان الغزالي
يقول: أنا مُزْجى البضاعة في الحديث..) .
٣- ابن تيمية:
قال في (درء تعارض العقل والنقل) [٣]
(ذكر أبو حامد في كتاب الإحياء كلاماً طويلاً في علم الظاهر والباطن، قال: (وذهبت طائفة إلى التأويل فيما يتعلق بصفات الله تعالى، وتركوا ما يتعلق
بالآخرة على ظواهره، ومنعوا التأويل، وهم الأشعرية - أي متأخروهم الموافقون
لصاحب (الإرشاد) - قال: وزاد المعتزلة عليهم حتى أولوا كونه سميعاً بصيراً
والرؤية والمعراج وأنه لم يكن بالجسد، وأولوا عذاب القبر والميزان والصراط،
وجملة من أحكام الآخرة، ولكن أقروا بحشر الأجساد والجنة، واشتمالها على
المأكولات) .
قلت -أي ابن تيمية -،: تأويل الميزان والصراط، وعذاب بالقبر، والسمع
والبصر، إنما هو قول البغداديين من المعتزلة دون البصرية.
قال أبو حامد: وبترقّيهم إلى هذا الحدّ زاد الفلاسفة، فأولوا كل ما ورد في
الآخرة إلى أمور عقلية روحانية ولذات عقلية.
إلى أن قال: (وهؤلاء هم المسرفون في التأويل، وَحَدُّ الاقتصاد بين هذا
وهذا دقيق غامض لا يطَّلع - عليه - إلا الموفقون، الذين يدركون الأمور بنور
إلهي لا بالسماع، ثم إذا انكشفت لهم أسرار الأمور على ما هم عليه، ونظروا إلى
السمع والألفاظ الواردة فيه، فما وافق ما شاهدوه بنور اليقين قرروه، وما خالف
أوَّلوه، فأما من يأخذ هذه الأمور كلها من السمع، فلا يستقر له قدم) .
قلت - أي ابن تيمية -: هذا الكلام مضمونه أنه لا يستفاد من خبر ...
الرسول ﷺ شيء من الأمور العلمية، بل إنما يدرك ذلك كل إنسان بما حصل له من المشاهدة والنور والمكاشفة. وهذان أصلان للإلحاد فإنَّ كل ذي مكاشفة إن لم يزنها بالكتاب والسنة وإلا دخل في الضلالات.
وقال ﵀ في (مجموع الفتاوي) [٤] في معرض كلامه في الصفات
والأسماء ونقضه كلام الفلاسفة:
(وأبو حامد في (الإحياء) ذكر قول هؤلاء المتأولين من الفلاسفة وقال:
إنهم أسرفوا في التأويل، وأسرفت الحنابلة في الجمود، وذكر عن أحمد بن حنبل
كلاماً لم يقله أحمد، فإنه لم يكن يعرف ما قاله أحمد، ولا ما قاله غيره من السلف
في هذا الباب، ولا ما جاء به القرآن والحديث، وقد سمع مضافاً إلى الحنابلة ما
يقوله طائفة منهم، ومن غيرهم من المالكية والشافعية، وغيرهم من الحرف
والصوت. وبعض الصفات مثل قولهم: إن الأصوات المسموعة من القراء قديمة
أزلية، وإن الحروف المتعاقبة قديمة الأعيان، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا ويخلو
منه العرش، حتى يبقى بعض المخلوقات فوقه، وبعضها تحته، إلى غير ذلك من
المنكرات. فإنه ما من طائفة إلا وفي بعضهم من يقول أقوالاً ظاهرها الفساد، وهي
التي يحفظها من ينفر عنهم، ويشنع بها عليهم، وإن كان أكثرهم ينكرها ويدفعها،
كما في هذه المسائل المنكرة التي يقولها بعض أصحاب أحمد ومالك والشافعي، فإن
جماهير هذه الطوائف ينكرها، وأحمد وجمهور أصحابه منكرون لها.
٤- ابن الجوزي:
قال في (تلبيس إبليس) : [٥]
وجاء حامد الغزالي فصنف لهم كتاب (الإحياء) على طريقة القوم، وملأه
بالأحاديث الباطلة وهو لا يعلم بطلانها، وتكلم في علم المكاشفة، وخرج عن قانون
الفقه، قال: إن المراد بالكوكب والشمس والقمر اللواتي رآهن إبراهيم -صلوات
الله عليه- أنوار هي حُجُبُ ، ولم يرد هذه المعروفات! وهذا من جنس
كلام الباطنية!
وقال في (منهاج القاصدين) [٦]
واعلم أن في كتاب (الإحياء) آفات لا يعلمها إلا العلماء، وأقلها الأحاديث
الباطلة الموضوعة، والموقوفة وقد جعلها مرفوعة، وإنما نقلها كما اقتراها لا أنه
افتراها، ولا ينبغي التعبد بحديث موضوع، والاغترار بلفظ مصنوع.
٥- محمد ناصر الدين الألباني:
قال في (سلسلة الأحاديث الضعيفة) [٧] :
(وكم في كتاب (الإحياء) من أحاديث جزم بنسبتها إلى النبي - صلى الله
عليه وسلم - وهي مما يقول الحافظ العراقي وغيره فيها: لا أصل له) .
стр. 1070
الانصهار في حمأة التهلكة
د. عبد الله عمر سلطان
ما من يوم تطلع فيه الشمس، إلا يزداد اليقين بأن هذه الأمة أُتيت من مقتل،
وجوبهت من جهة ضعف، وتخاذلت عن صيحات التحذير، وآيات النذير ... ،
فالقرآن الكريم، منهجها الذي يجب أن تتحاكم إليه، مليء بأخبار المهالك، والفتن
وأسبابها، والسنة الكريمة أتت محذرة من الوهن وأسبابه، والضمور ومقدماته..
والإخلاد للدنيا والانغماس في حمأتها كان في معظم الأطوار البشرية نتيجة لتمكن
أمة وعلو كعبها وشأنها.. حتى إذا فرحت بما نالت وظفرت، كان ذلك سبب زوالها
وحقها ...
أما أمتنا اليوم، التي تفجر من تحت أقدامها خزائن الأرض فإنها حرقت كل
مراحل النصر والتمكين واكتفت بالنعم، كما ينقلب السفيه الأحمق في مال موروث
لم يبذل فيه عرقاً ولا أنفق فيه جهدا أو كدحاً.
نحن أمة عالة على ثروتها، وثروتها - ويا للبشاعة - خنجر يوجه إلى
صدرها لإغراقها في التافه والسطحي والهامشي حتى فقدت كل أسباب المنعة والقوة، وبدلاً من أن تكون هذه النعمة الموهوبة أداة بناء، كانت أداة هدم، وبدلاً من أن
ترقى إلى وسيلة تمكين، صارت قنطرة انكسار متتال.
نحن أمة حتى قرن مضى، كانت تعيش التكافل وتشعر بأحاسيس الجسد
الواحد..، وما إن انقلبت أعضاؤها في عصر الانحطاط إلى قبائل تسمى دولاً،
وعشائر تملك مقعداً في الأمم المتحدة، حتى غُذي لدى الأغنياء شعور العزة والأنفة
انطلاقاً من الثروة الزائلة، وغرس في يقين الضعفاء هذا الحقد المريع على إخوانهم
الميسورين لكونهم ميسورين ... أصبح الغني لا يعرف قيمة سوى للدرهم
والدينار ... والفقير لا يلهث سوى من أجل ذلك البريق ... بل وفي غفلة وجهل ... رضينا أن صارت دنانيرنا ودراهمنا أوراقاً خضراً نقش عليها الطاغوت الأمريكي عبارته الكاذبة (بالله نحن نثق In God We Trust) وأصبحنا لا نثق إلا بهذه الورقة القادمة عبر البحار ... أليست التهلكة ... كما رواها لنا أبو أيوب ... حينما حمل رجل من المسلمين على الروم فقال الناس: مه مه، لا إ له إلا الله، يلقي بأيديه إلى التهلكة! فقال أبو أيوب الأنصاري: إنما تأولون هذه الآية هكذا أن حمل رجل يقاتل يلتمس الشهادة، أو يبلى من نفسه! ؟ إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، فلما نصر الله نبيه وأظهر الإسلام قلنا: هلم نقيم في أحوالنا ونصلحها، فأنزل الله تعالى: [وأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ولا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ] فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا ونصلحها دون الجهاد، قال أبو عمران: - راوي الحديث - فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية.
التهلكة الإقامة والتركيز على مظاهر الزينة المنتفشة، وترك رسالة الله في
الأرض وحملتها يلاقون أبشع عصور السحق والاضطهاد.
التهلكة أن ترسم لنا جامعة ستانفورد (خطط التنمية) كما حصل في بعض
الدول العربية، ومن ثم تضع وزارات التخطيط زوراً اسمها على هذه الخطط ...
التهلكة أن تهجم الأمة بلا ضابط ولا رادع نحو بيع العينة والأخذ بأذناب البقر، والرضى بالزرع، وترك الجهاد.
التهلكة أن تصبح أمتنا نهباً للأعداء وعملائهم من البيادق المحلية الذين سقوا
أمتنا المر والعلقم، حتى أصبحنا كالقصعة تماماً والتي يحيط بها الواهنون من غثاء
الأمم.
التهلكة أن تتحول آلاء الله ونعمه إلى وسيلة انتحار بطيء نتجرعه بحبور
وننتظر مزيداً منه في مرحلة الغيبوبة التي لا بد أن تنجلي! !
стр. 1071
منتدى القراء
محمد خير البشر
عبد الجبار الطعمة
محمد خير البشر ... حمد نور ظهر
به استنارت أرضنا ... والظلم قد ولى وفر
هو النبي المرتجى ... يشفع من هول سقر
ميلاده نبراسنا ... سيرته خير السير
طاعته واجبةٌ ... ومن أطاع قد ظفر
جبريل قد لقَّنه ... بالله آيات السور
أنزل دستورٌ لنا ... فيه النواهي والنذر
فيه أحاديث الألى ... مروا ولم يبق أثر
معجزة ظاهرة ... على المدى لا تندثر
هزت قريشا آيُهُ ... فأيقنت صدق الخبر
لانت وكانت قبله ... قلوبها مثل الحجر
سبحان من غيرها ... من بعد غي وبطر
به استعادت عزها ... وفاخرت كل البشر
وجاهدت بسيفها ... لم تخش في الله خطر
حولها الله من ال ... ضعف ومن عيش كدر
إلى ليوث حرة ... أبت معاناة الضرر
فازت بجنت العلا ... عند مليك مقتدر
مقعد صدق لم يَدُرْ ... بِخَلَدٍ ولا عَبَر
قد نبذوا فانية ... حُفَّت بهول وخطر
إبليس قد زيَّنها ... وهي عجوز ذات شر
تبرز للطالب في ... أبلغ زي معتبر
كم أهلكت من بشر ... أردتهم وسط سقر
لكن عباد الله لم ... يصبهمُ منها شرر
فضل من الله لمن ... حباه لطفاً فغفر
فليغفر الله لنا ... فهو العفو المقتدر
стр. 1072
استثمار المواقف
خالد السبيعي
أورد ابن حجر في (لسان الميزان) قصة عجيبة، ذكرها أبو محمد بن حزم لعبد الله بن محمد بن العربي، والد القاضي أبي بكر، (أنه - أي ابن حزم - شهد جنازة، فدخل المسجد فجلس، قبل أن يصلي، فقيل له، قم فصلِّ تحية المسجد، ففعل، ثم حضر أخرى فبدأ الصلاة، فقيل له: اجلس ليس هذا وقت صلاة، وكان بعد العصر: فحصل له خزي، فقال للذي رباه: دلني على دار الفقيه، فقصده وقرأ عليه الموطأ، ثم جد في طلب العلم بعد ذلك) .
لقد أجاد أبو محمد كما رأينا في التعامل مع هذا الموقف، وحوله من خسارة
إلى مكسب، إن هذه القضية نموذج ساطع لفن التعامل مع المواقف واسثمارها.
ولا نستطيع في - الواقع - الاستمرار في الحديث عن الموقف واستثماره
دون وضع تعريف محدد للمقصود به هنا، فالموقف إذاً: (هو كل ما يتعرض له
الفرد من أحداث، ويتطلب منه اتخاذ قرار، إيجابي أو سلبي، تجاه هذه الأحداث،
ويكون له القدرة على اتخاذه) وبعبارة اخرى، فالحياة: مجموعة مواقف.
إن استثمار المواقف يحتاج إلى منهج واضح، لعلنا في هذه العجالة نلقي
ضوءاً على بعض أسسه، إن المبادئ (العقائد) التي يحملها الفرد، والقيم التي تحكم
تصرفاته، والطباع الشخصية المحركة لدوافعه، تمثل الأسس الداخلية التي يقوم
عليها منهج الاستثمار المتوازن للمواقف، فضعف الإيمان بالمبدأ - مثلاً - أو قوته
ومدى سلبيته أو إيجابيته، ونتائج التخلي عنه تحدد مدى قوة تأثير العامل.
كما أن هناك مؤثرات أخرى (خارجية) ، كالبيئة التي يعيش فيها الفرد
والأصدقاء المقربين له، والضغوط التي يتعرض لها سواء كانت اجتماعية أو
اقتصادية أو فكرية وغيرها كثير، وسيكون استعراضنا هنا لأثر الأسس أو العوامل
الداخلية (الفردية) وذلك لأنها المحدد النهائي لمدى الاستجابة (الاستثمار) وكيفيته.
فالأنَفَة - على سبيل المثال - طبع شخصي عند ابن حزم، دفعته إلى
تصحيح وضع خاطئ (جهل المرء بدينه) بإيجابية ملهمة - كما رأينا سابقاً، وجعلته
فيما بعد ممن يشار إليهم بالبنان.
والتعصب الأعمى للقبيلة. وكل تعصب أعمى - من القيم الجاهلية المعروفة
إلا أن أثرها كما سيظهر في القصة التالية خطير وأي خير.
فقد أورد ابن كثير في (البداية والنهاية) رواية للبيهقي جاء فيها أن أبا جهل
وأبا سفيان والأخنس ابن شريق خرجوا ليلة ليسمعوا من رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- وهو يصلي بالليل في بيته، فأخذ كل رجل منهم مجلساً ليستمع منه، وكل
لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له حتى إذا أصبحوا وطلع الفجر تفرقوا
فجمعهم الطريق فتلاوموا، وقال لبعضهم لبعض: لا تعودوا فلو رآكم بعض
سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئاً، ثم أنصرفوا، وتكرر هذا الأمر ثلاث ليال، حتى
قالوا: (لا نبرح حتى نتعاهد أن لا نعود، فتعاهدوا على ذلك ثم تفرقوا، فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته وسأله عن رأيه فيما سمع قال أبو جهل:) ماذا سمعت؟ ! تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب، وكنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه؟ والله لا نسمع به أبداً ولا نصدقه!) .
انظر إلى هذه القيم وماذا تفعل بالبشر!
أما عن أثر المبادئ - وهو الأهم - على استثمار المواقف فالشواهد عليه لا
تحصى، وسنعرض لموقف فريد منها، لم يتكرر في القرآن الكريم، ولم يذكر
صاحبه إلا في هذه السورة التي حملت اسمه، إنه النبي يوسف -عليه الصلاة
والسلام-.
وسنتوقف قليلاً عند هذا الموقف ونتأمله! كما وصفة الله في
محكم تنزيله. رزق الله يوسف ﵇ بجمال أخاذ في الخلقة، وعقل
راجح، وفصاحة في البيان و ... مما جعله محط أنظار الناس. وسكن في بيت
العزيز - حاكم مصر - بعد أن اشتراه بثمن بخس! ! ، وأعجبت به امرأة العزيز:
[ورَاوَدَتْهُ الَتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ
اللَّهِ إنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن
رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والْفَحْشَاءَ إنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُخْلَصِينَ *
واسْتَبَقَا البَابَ وقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا البَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ
بِأَهْلِكَ سُوءاً إلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] [يوسف ٢٣-٢٥] .
كانت الظروف كلها - مهيأة تقريباً لحدوث ما لا تحمد عقباه، إن حب
الشهوات طبع بشري عالجه يوسف ﵊ وأزاله بالمبدأ السامي
(طاعة الله) ، والذي هو عقيدة كل مسلم.
وختاماً فإن الفرد - منا - بحاجة إلى مبادئ صحيحة يعتقدها وتنير دربه،
وقيم صالحة ينتقيها، وطباع بشرية يهذبها، ليكون الاستثمار الأمثل للحياة.
стр. 1073
نحو وعي إسلامي سياسي
عبد الرحمن البشير
إلى الأمة المسلمة، إلى الأمة العربية: أي إسلام تريدون؟ أتريدون الإسلام
المستأنس، أم إسلام الخوارج، أم إسلام الكتاب والسنة؟
لأن الإسلام من عند الله الذي لا يحابي أحداً، ولا تكريم عنده إلا للتقي،
ولأن التقوى منزلة عزيزة المطلب ولأن حب التسلط من طبع البشر ولا يتخلص إلا
القليل منهم من نوازع نفسه وحب ذاته؛ ولأن الآية والحديث سيف في يد قائلهما؛
لكل ذلك لا بد للسلطان الذي يحكم الهوى أن يستأنس إسلاماً يسانده في سلطانه
ويحقق منافعه ويستخدمه سلاحاً ضد أعدائه. وعملية استئناس الإسلام عملية قديمة
قدم الانحراف عن منهج الكتاب والسنة، وستستمر ما بقي سلطان في الأرض يحكم
بالإسلام اسماً، وبالقرآن رسماً وبالمصالح والأهواء عملاً وواقعاً.
والمستفيدون من ذلك يرون لزاماً عليهم أن يقربوا رجالاً يتزينون بزي الدين
فينطقونهم حيث يردون ويسكتونهم حيث يشاؤون، ويضع هؤلاء لهم من الفتاوى ما
يناسب أذواقهم وأهواءهم، ويفصلون لهم من الدين أثواباً على قياسهم، ولذلك
فالاسلام المستأنس إسلام عجيب، إذا كان السلطان يطبق النظام الشيوعي كان
الإسلام المستأنس شيوعياً وكذلك إذا كان اشتراكياً لا ترى ولا تسمع إلا الأحاديث
التي تشيد بالمساواة وآيات الإنفاق، وإذا كان السلطان يطبق النظام الرأسمالي بكل
احتكاراته وظلمه وغشمه لا تسمع إلا: (إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام) .
واليوم حيث تتشابك السبل وتشتبه النصوص وتقل المعرفة ويستأنس علماء
الإسلام بالترغيب تارة وبالترهيب أخرى، ويصنع لكل سلطان في كل بلد جبة
إسلامية تناسبه في الشكل والموضوع يخرج فكر الخوارج من معاقله فنسمع عن
جماعات التكفير والهجرة وعلى شاكلتها.
وإسلام الكتاب والسنة ليس هذا ولا ذاك، إنه إسلام مهتد ينطق بالحق ولا
يبرر الواقع، ويصدع بالنص كما يريده الله ورسوله، ولا يلوي عنقه ليوافق أهواء
الناس. إسلام الكتاب والسنة هو الإسلام الكامل الذي أنزله الله لا يجامل أحداً، ولا
يستغله أحد، يقوم عليه علماء نذروا أنفسهم لله وتواضعوا له فرفعهم وأخلصوا
نياتهم فأشرقت قلوبهم بنور الوحي فعرفوا طريقهم وعظموا الله فذل كل جبار في
أعينهم، وتواصوا بالمرحمة فعلموا الجاهل وأرشدوا الحائر وصبروا على إساءة
الظالم طمعاً في هداية الخلق ورغبة في ثواب الخالق، فأي إسلام تريدون يا أمتنا.
стр. 1074
من نشاطات المنتدى
أقام المنتدى الإسلامي بلندن يومي السبت والأحد ٢١- ٢٢ جمادى الآخرة
الملتقى الثقافي الحادي عشر. وقد استضاف فيه الشيخ الدكتور محمد بن سعيد
القحطاني أستاذ العقيدة بجامعة أم القرى، والشيخ الدكتور يوسف عبد الله الوابل
أستاذ العقيدة بالمعهد العلمي بمكة المكرمة. وقد اشتمل الملتقى على المحاضرات:
* الخلاف في العقيدة: جذوره - أسبابه - علاجه
* علاقة المسلمين بغيرهم.
كما شارك الشيخان الفاضلان في ندوة عن (قضايا التكفير وضوابطه)
بالإضافة إلى فقرات أخرى. واختتم الملتقى بلقاء مفتوح مع أسئلة المشاركين.
هذا وقد توافد إلى الملتقى أعداد كبيرة من الرجال والنساء من جميع أنحاء
بريطانيا.
كما زار الشيخ محمد سعيد القحطاني مدينة شيفيلد في وسط بريطانيا، وألقى
فيها محاضرة عن (ثوابتنا ضد المتغيرات الجديدة) ولنفس الغرض زار الشيخ
يوسف الوابل مدينة بورتسموث في جنوب بريطانيا.
والمنتدى الإسلامي يشكر الشيخين الفاضلين على هذه الزيارة المفيدة، وعلى
المحاضرات القيمة، ويشكر جميع الإخوة الذين شاركوا في الملتقى.
كما نعلن للإخوة أن أشرطة المحاضرات السابقة متوفرة، ويمكن طلبها من
مكتبة المنتدى.
стр. 1075
بريد القراء
* الأخت نجوى دمياطي:
شكراً لك على مشاركتك الجيدة والمستمرة للمجلة، ونعتذر عن نشر مقالك
الأخير (قرأت لك) لأن المقال خرج طويلاً جداً ولأنه لم يراع الأسلوب المناسب
لعرض الكتب حيث خرج بشكل مختارات من الكتاب وليس عرضاً له ونرحب
بمشاركتك مستقبلاً.
* الأخ محمد محمد بدري:
نشكرك على مشاركتك الجيدة في المجلة ونعتذر عن نشر مقاليك الأخيرين،
لأن الكتاب الذي عرضته (رؤية إسلامية في أحوال العالم الإسلامي المعاصر) لم
يعد جديداً الآن. والمقال الآخر عن الشرك قد كثر الحديث عنه على صفحات
المجلة كما تعلم، ونرحب بمشاركاتك مستقبلاً، شاكرين لك اهتمامك بالمجلة.
* الأخ أبو عبد الرحمن الحمروي:
كتب مقالاً يحذر فيه من تقصير كثير من الشباب في أمر العبادة وبخاصة
الخشوع في الصلاة معتذرين بقصة عمر ﵁ أنه كان يجند الأجناد،
وهذا إذا كان حدث لعمر ﵁ مرة واحدة فكيف تجعلون منه قاعدة في
تشاغلكم عن الروحانية في الصلاة بما ترونه إهتماماً بالدعوة فالذي يهتم بالدعوة
أولى به تمام الاهتمام بالصلاة والخشوع فيها.
* الأخ محمد سعود الطيار:
نشكرك على ثقتك ونسأل الله أن نكون عند حسن ظن كل مسلم، أما عن
المنتدى فليس له معهد لدراسة اللغة الإنجليزية وبه مدرسة إسلامية باللغة الإنجليزية
والعربية، أما اللقاءات الإسلامية فهي في أوقات متعددة خلال كل عام والدورة
الشرعية خلال شهر أغسطس.
стр. 1076
الصفحة الأخيرة
قَدَرُنا وقَدَرُهم
عبد الله القحطاني
حملت وكالات الأنباء الغربية في نفس اليوم الذي اعتقل فيه زعيم جبهة
الإنقاذ المؤقت خبراً مفاده أن نحو مائة من رؤساء الزوايا الصوفية في الجزائر
أعربوا عن تأييدهم للمجلس الأعلى للدولة ورئيسه بوضياف، وأصدر هؤلاء بياناً
بعد اجتماع عقد في (ادرار) ، في الصحراء الجزائرية.. وأضاف الخبر مُعرِّفاً
بهذه الزعامات: (والزاوية مركز لتعليم القرآن تقام عادة في جوار ضريح أحد
الأئمة، وتحمل اسمه، وكانت رابطة العلماء بقيادة ابن باديس قد نددت في الماضي
بالزوايا وعلمائها بعد الاشتباه بتعاونها مع السلطات الفرنسية (١٨٣٠ - ١٨٦٢) .
هذا الخبر والتعريف بالطرق الصوفية الخرافية يقدم مستنداً جديداً على تخاذل
هؤلاء المشعوذين الراقصين على جراح وآلام المسلمين كلما ضرب دف المستعمر،
وأذناب الاستعمار السمر! ! وكأن قرنين من العمالة والارتماء في أحضان
القراصنة الصليبيين لا تكفي لتأتي حركات وجماعات الخرافيين بدليل آخر على
خيانتها وتآمرها وطعنها في ظهور الأحرار والصادقين، ولتؤكد على أن هذه
العقليات لا تزال تحكم شيوخ الرقص والموشحات الآكلين من موائد أعداء الأمة
الذين يرون فيهم عوناً لهم على تحقيق أغراضهم. أما أهل السنة والجماعة في
جزائر الأحرار فهم لا يعرفون تحت هذه الظروف للنوم طعماً، أو للقمة شهية، أو
لمتاع الدنيا الرخيص متعة، لقد رأوا في سلف هذه الأمة نماذج لا تنطفئ:
الصحابة والتابعون والأئمة والعلماء الأعلام الذين لم يخضعوا لظالم، ولم تكن
تأخذهم في الله لومة لائم. وكلمات ابن تيمية لا زالت حية تنطق: (ماذا يفعل
أعدائي بي أنا جنتي في صدري.. إن سجني خلوة، ونفيي سياحة وقتلي شهادة) !
قدر هذا الفريق أن يبقى رافعاً لواء السنة والجماعة على مر العصور،
ومدافعاً عن هذا الدين، مجاهداً في سبيله، ولهم الفضل، بعد الله، بأنهم يحفظون
هذا الدين غضاً كما أنزل على محمد ﷺ وأتباعه إلى يوم الدين، لا يصدهم عن دين الله من خالفهم أو من خذلهم.. أما قدر الخرافيين والراقصين
في الموالد والمآدب فهو العمالة والذل والاندحار عند كل نازلة تنزل بأهل
الإسلام ...
стр. 1077
رمضان - ١٤١٢هـ
مارس - ١٩٩٢م
(السنة: ٦)
стр. 1078
الافتتاحية
وا إسلاماه
إن ما يجري في المنطقة العربية من إبعاد للإسلام وأهله خاصة عندما يكون
له التأثير والفاعلية، وبشكل صفيق ومكشوف، وبتحد واضح لمشاعر المسلمين،
هذا الإبعاد قد لا يحتمله إنسان إلا أن يكون قلبه مطمئناً بالإيمان، عامراً بالثقة بالله
ونصره، ينظر إلى الأمور دائماً نظرة التفاؤل ويعتبر أن هذه الأحداث إنما هي
إرهاصات وابتلاءات حتى يقوى عود المسلمين ويشتد ساعدهم ويزدادوا خبرة
وحكمة.
ليست هذه صرخة عاطفية، فالتكالب الذي يدور على المسلمين من البعداء
والأقرباء لا بد أن يقابله استثارة الهمم والعزائم وفتح الأعين والآذان، وإصغاء
القلوب والعقول، والتفكير جدياً بما يجري، فالرئيس الفرنسي (ميتران) يناقش
موضوع تصاعد الموجة الأصولية الإسلامية في المنطقة وخطورتها على استقرار
دول المنطقة عموماً فهل هناك تدخل في شؤون الآخرين أشد من هذا، وهل هناك
أسوأ من تصوير المسلمين بأنهم (برابرة متوحشين) خطرين على استقرار
المنطقة! ؟ وهل المنطقة مستقرة بالأحزاب العلمانية والدكتاتورية العسكرية؟ !
ألا يحق لنا أن نصرخ بها والمنطقة العربية تعيش من عشرات السنين في
دوامة القهر والتخلف والحروب الأهلية الطاحنة: لماذا هذه المنطقة بالذات يجب أن
تعيش الاستبداد والفقر والتفرقة، ويتسلط عليها العساكر إرضاء لأعداء الله وتمسكاً
بالسلطة، وتحطيماً لقدرات الشعب ونفسياته، كيف يُسخَّر هؤلاء لهذه المهمة القذرة، وكيف تربوا على هذه النفسية اللا إنسانية، ألا تستحق ظاهرة الجيوش هذه أن
تدرس، ولماذا يخالفون أوامر الله ولا يشعرون بالمسؤولية قبل أن يضربوا إخوانهم
المسلمين، أم أنهم كما صرحت مندوبة الولايات المتحدة في هيئة الأمم المتحدة
عندما سئلت عن سبب دعم بلادها لأنظمة قمعية، فأجابت: (صحيح إنهم
دكتاتوريون ولكنهم ديكتاتوريونا) [١] .
ألا يحق لنا أن نقولها ونحن نسمع أن أقصى أماني الوفد الفلسطيني إلى ما
يسمى مؤتمر السلام هو أن يعترف به الوفد اليهودي ويجلس معه على طاولة واحدة، ويهاجر إلى إسرائيل ٢٥ ألف طبيب و ١١٢ ألف مهندس و ١٢ ألف عالم
وباحث و ١٧٠ ألف أكاديمي، ونحن في البلاد العربية نهجّر العلماء والباحثين إلى
أوربا وأمريكا، أو يقبعون في زوايا النسيان في أوطانهم، كل هذا بسبب مخالفة في
الرأي.
لماذا يسمح في الغرب لأحزاب تتسمى باسم (النصرانية) أن تحكم وفي البلاد
العربية (لا) ، وإسرائيل تقوم على أسس دينية وغيرها ممنوع، ولماذا يسمح
(للكرواتيين) بالاستقلال عن الصرب والمسلمون في (البوسنة والهرسك) غير
مسموح لهم، بل أن أوربا تساعد الصرب على ضربهم؟ !
ونحن في هذه الحالة المؤسفة نرى أن بعض المشايخ والدعاة يتباكون على
موضوع تغطية المرأة وجهها أو موضوع عدم (الاختلاط) ويعتبرون هذا من
التزمت، وكأن هذه مشكلة المسلمين الكبرى ولا يتكلمون عن الحريات التي تخنق،
والإسلام الذي يبعد، ولا على الشباب المسلم الذي يضيق عليه، لماذا يسكت هؤلاء
(الكبار) عندما يظلم إخوانهم، ويخرجون على الناس بأحاديث ومقالات يمدحون فيها
من ساعد على ظلمهم، أما الكتاب (الصحفيين) الذين يملأون الدنيا جعجعة حول
(فهمهم للإسلام) وأنهم مفكرون، هؤلاء لم نحس لهم صوتاً عندما يضرب الإسلام
في بلد من بلاد المسلمين.
إن حقوق المسلم أكبر بكثير مما نتصور، يقول علماء الفقه الإسلامي: لو
أنفقت الدولة خزينتها على فداء أسرى المسلمين من الكفار ما كان هذا كثيراً،
وعندما رجع المنصور بن أبي عامر من إحدى غزواته في شمال الأندلس قابلته
امرأة مسلمة على أبواب قرطبة وقالت له: إن ابني أسير عند النصارى ويجب
عليك أن تفديه أو تأتي به، فما دخل المنصور قرطبة ورجع بجيشه حتى فك هذا
الأسير، وليست كرامة المسلم فقط هي المحفوظة في الدول الإسلامية بل يتعداها
إلى حفظ كرامة كل مواطن، يقول ابن حزم في حق المواطنين من غير المسلمين
(أهل الذمة) : (إن من كان في الذمة وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه وجب
علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح ونموت دون ذلك صوناً لما هو في ذمة الله
تعالى وذمة رسوله ﷺ ، فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعقد
الذمة) [٢] .
فإذا كان هذا في الذمي فكيف بعلماء المسلمين الذين يهانون ويضربون والأمة
الإسلامية لا تفزع لهم ولا تنادي بأعلى صوتها للمفسدين والطغاة أن كفوا أيديكم عن
الدعاة والعلماء، ولكن الحقيقة أن المسلمين بمضيعة فلا دولة تهابهم ولا أحد يحسب
حسابهم، وذلك لما تفرقوا وتحزبوا وأكثروا من الكلام وأقلوا من الأفعال ولاذ كثير
ممن يشار إليهم بالبنان في ظل مؤسسات لا تريد للإسلام عزاً، ضعفاً منهم وإيثاراً
للدنيا، ولما لم يفقهوا سنن التغيير وكيف يصلون إلى درجة من المهابة في صدور
أعداء الله.
إن وقوف الغرب بقضه وقضيضه في وجه اختيار المسلمين لدينهم، وأن
يكون حاكماً لحياتهم لهي حرب ثانية خلال أقل من سنتين، وقد علق أحد ...
الدبلوماسيين العرب على ما وقع أخيراً قائلاً: (الغرب نفسه لا يقبل بذلك ...
(الديموقراطية بالمفهوم الغربي) لأنها تعني في الحد الأدنى شيئاً من السيادة سياسياً
واقتصادياً على الأقل وليس مسموحاً أن يكون - حتى اليوم - أي موقف عربي سيد
نفسه) [٣] إذن القضية ليست مع نفر قليل من العبيد الذين باعوا أوطانهم في سبيل
الجاه والمال والشهوات وأهم شيء عندهم هو إمتاع أسيادهم بكثرة المذلة، ولكن
القضية هي أننا في صراع مع الغرب، وهذا بحاجة إلى إعداد طويل وبحاجة إلى
حشد وتكتُّل والتفاف حول قيادات إسلامية راشدة عندها علم بالمصالح والمفاسد
وترجيحها، ومعرفة بسنن الله في الكون، وعلم بواقع المسلمين والعالم، والسير
ضمن هذه المتغيرات الدولية السريعة. إن كل القيادات المخلصة مدعوة للالتقاء
والتحاور حتى يصل المسلمون إلى مرحلة يسمع لهم ويهاب جانبهم. فالغرب شديد
المكر ويملك قوة مادية هائلة. وما يسمى النظام العالمي الجديد إنما يطبق على
المنطقة العربية لا سواها، وليس صحيح أن العالم سيحكم من قطب واحد،
فالمتغيرات سريعة، والصراع الاقتصادي بين أمريكا واليابان أو بين أمريكا والكتلة
الأوربية بات واضحاً، ووصل الأمر برئيس وزراء اليابان أن يصرح بأن:
(الولايات المتحدة الأمريكية بحاجة إلى الصداقة والعطف في هذا الظرف الاقتصادي ...
السياسي العصيب) [٤] . وقد أغاظ هذا التصريح الأمريكيين واعتبروه تعالياً عليهم
وقد هدد أحد مستشاري البيت الأبيض سابقاً بأنه (إذا قام تكتل شرقي (اليابان ومن
حولها) فسنطلق النار على رجليه) [٥] ولا يزال المسلمون - ضمن هذه
المتغيرات - يملكون أوراقاً رابحة إذا أحسنوا التصرف.
وإننا لنتسائل أخيراً، هل الذين يقفزون إلى السلطة على ظهر دبابة أو عربة
مجنزرة، هل هم وطنيون فعلاً أم إنهم أداة رخيصة بيد غيرهم، والجواب يعرفه
أقل الناس دراية بالسياسة، فهذا الهدم للأوطان وهذا التخريب الثقافي والاقتصادي
والاجتماعي لا يمكن أن يقوم به وطني فضلاً عن أن يقوم به مسلم يؤمن بالإسلام
ديناً مهيمناً. وإن إبعادهم للإسلام بحد ذاته دليل على الخيانة، لأن الإسلام هو
هوية هذه الأمة وهو مصدر عطائها وهو كل شيء.
стр. 1079
آية من كتاب الله
[ولا تَجَسَّسُوا ..]
الشيخ: عبد الله بن حسن القعود
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
فلقد أنزل الله القرآن الكريم هداية ورحمة وبياناً وحجة وذكراً وموعظة.
أنزله ليعرف الناس به ربهم، وليعبدوه تعالى العبادة الحقة التي خلقوا لها والتي
أرسل بها رسله وأنزل بها كتبه. أنزله ليؤخذ كلاً لا بعضاً، ليؤخذ مُعتقداً وسلوكاً
وعبادة ومعاملة وتحاكماً بل خلقاً وآداباً. ولقد أنزل الله تعالى في هذا القرآن سورة
عظيمة المعنى كبيرة القدر تضمنت حقائق كبيرة من حقائق العقيدة والشريعة
المترابطة المتشادة فيما بينها [أَلا لَهُ الخَلْقُ والأَمْرُ..] .
تلكم سورة الحجرات المسماة بسورة الآداب والتي رغم قصرها النسبي نودي
المؤمنون فيها بخمس نداءات، نودوا فيها بأطيب الأسماء والأوصاف وأحبها إلى
مسامعهم وأقواها لمساً لمشاعرهم واستجابة لقلوبهم، نداءات تستحق أن تصيخ لها
الآذان وأن تعقلها القلوب وأن تتحرك بمقتضاها الجوارح حسبة لله سبحانه وسيراً
على منهاج رسول الله ﷺ ، يقول الله [يَا
أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِه] [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا
كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ ولا تَجَسَّسُوا..] .
ولنأخذ في هذه العجالة التذكير بثلاث موضوعات أو ثلاثة آداب. آداب
عظمى تلزم للمسلمين جميعاً جماعات وأفراداً مسئولين أو غير مسئولين ولا سيما
في مثل هذا العصر الذي اختلط حابله بنابله، ثلاثة مما تلا هذه النداءات الخمسة
من أوامر أو نواهٍ، فما من نداء مثل هذا إلا ويتلوه أمر بخير أو نهي عن شر كما
قال عبد الله بن مسعود ﵁.
أول هذه الأمور ما تضمنه قوله سبحانه: [إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا..]
أي تثبتوا في خبره، محصوه تمحيصاً بحق وعدل لئلا يكون كاذباً أو مخطئاً
فيجركم ذلك إلى أن تصيبوا قوماً بجهالة. قوماً هنا نكرة تعم الذكر والأنثى والصالح
والطالح عدلاً بين الناس وإحساناً إليهم وإحتراماً لدمائهم وأموالهم وأعراضهم،
فتصبحوا على ما فعلتم من اعتماد على قبول خبر الفاسق فيهم نادمين معرضين
للوعيد في قول الله سبحانه: [والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا
فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وإثْماً مُّبِيناً] . فليتق الله المسلم ولا سيما المسئول وليأخذ بهذه
الآداب (فتبينوا) ليتق الله من مطيته في النَّيل من الأبرار روايات وأخبار الفجار
وليتذكر أن الإنسان كما يدين يدان - أي يجازى بمثل عمله.
ثاني هذه الأمور وثالثها ما تضمنه قوله سبحانه: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا
كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ ولا تَجَسَّسُوا..] والظن الذي أمرنا هنا
باجتنابه هو بمعنى التهمة التي لا يعرف لها أمارات صحيحة ولا أسباب ظاهرة ولا
سيما إن كان المظنون به من أهل الأمانة ظاهراً والستر والصلاح وهو أي الظن
بهذا الاعتبار حرام لقول سبحانه: [اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ]
وقول رسول الله ﷺ : (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث) .
ويشتد تحريمه ويعظم إثمة إذا جرّ الظان للتجسس على المظنون به التجسس
الذي نهينا عنه بقول الله سبحانه: [ولا تَجَسَّسُوا] وقول رسوله - صلى الله عليه
وسلم - (لا تجسسوا ولا تحسسوا) أي لا يبحث أحدكم عن عيوب وعورات أخيه.
يروى عن أبي برزة الأسلمي ﵁ قال: قال رسول الله - صلى
الله عليه وسلم -: (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا
المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإن من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته ومن يتبع الله
عورته يفضحه في بيته) . وفي كتاب أبي داود عن معاوية ﵁
قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنك إن اتبعت
عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم) .
وكفى هذه الفعلة قبحاً أن صاحبها كالذباب لا يكاد يقع إلا على المستقذرات
والمنتنات والمستقبحات ذوقاً وعرفاً بل وشرعاً.
وكما يشتد تحريم الظن السيء ويعظم إثمه إذا جر الظان للتجسس على
المظنون به فإنه يشتد ويعظم ويقبح أكثر وأكثر إذا أدى إلى نقل الظان عن المظنون
للغير قولاً أو فعلاً أو أمر يشينه ولا سيما عند من بيده حول أو طول من الناس
لارتكاب جريمة عظمى وداهية كبرى، جريمة وداهية النميمة المعرّفة من العلماء
أنها نقل كلام شخص لآخر على وجه التحريش والإفساد وأنها محرمة بإجماع أهل
العلم لما جاء فيها من نصوص ولما فيها من إفساد وفساد.
ولا جرم، فلكم جرت من ويلات وأفسدت من صلات وكشفت من عورات.
كم بذرت وتبذر من بذور للشحناء وأرست من قواعد للعداوة والبغضاء. كم خربت
من بيوت عامرة وفرقت بين أسر مجتمعة وأزهقت من أرواح بريئة، ودرءاً
لفسادها عن الأمة وحماية للأسرة المسلمة من آثارها جاءت نصوص الكتاب والسنة
بتهديد ووعيد مرتكبيها ومستقبليها بقوله سبحانه [ولا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ *
هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ] ويقول رسول الله ﷺ : (لا يدخل الجنة
نمام) [متفق عليه] . وعن ابن عباس ﵁ قال (مر رسول الله ﷺ بقبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير بل إنه كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله) [متفق عليه] . فاتقوا الله إخوة الإسلام واحذروا داء النميمة والوشاية الداء العضال المفرق
بين الأحبة الباغي للبرآء العيب. احذروه فإن إثمه كما سمعتم آنفاً مركب من عدة
آثام. إثم الظن السيء أولاً ثم إثم التجسس ثانياً ثم إثم النقل ثالثاً. وإن تلاها الرابع
وهو أخذ الأجر على ذلك كانت طامته، لأخذه الأجر على إفساد ذات البين التي أمر
الله أن تصلح يقول سبحانه: [وأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ..] والذي لا يقل حرمة عن
حلوان الكاهن ومهر البغي وثمن الكلب، رحماك اللهم يا رب! ولا حول ولا قوة
إلا بك نستغفرك اللهم ونتوب إليك.
стр. 1080
الحركة الإسلامية
بين العاطفة والمنهج
أحمد بن عبد الرحمن الصويان
شهدت العقود الأخيرة انتشاراً واسعاً للإسلام خاصة بعد سقوط الأقنعة،
وإفلاس منطق الزيف، وتهافت الشعارات النفعية التي جرّت الأمة من نكسة إلى
أخرى. وانخرط في صفوف الحركة الإسلامية عدد كبير من الناس على شتى
المستويات العلمية والثقافية، وظهرت آثار الصحوة المباركة في كل مكان بحمد الله
وفضله.
وبدأ هذا المد يتنامى بصورة مذهلة ونجحت الحركة الإسلامية في كسب
الشعوب وتحريكها لتبني الراية الإسلامية.. ولكن ماذا بعد ذلك..؟ ! هل
استطاعت الحركة الإسلامية احتواء هذه الألوف من المنتمين إليها؟ ! هل
استطاعت أن تنتقل بهم من المرحلة العاطفية إلى مرحلة أكثر نضوجاً وعمقاً؟ !
هل قدمت المناهج الشرعية، والبرامج العلمية لتربية هذه الأجيال؟ !
للأسف الشديد استطاعت الحركة الإسلامية في العالم الإسلامي أن تنتج رجالاً صالحين في أنفسهم ... لكنها لم تنجح النجاح الذي نتطلع إليه في إنتاج رجال ناضجين عاملين، يسعون بكل عزة لإنقاذ الأمة من كبوتها.
ولا شك في أن الشعوب في منطقتنا الإسلامية محبة للإسلام بفطرتها، وتستجيب استجابة عاطفية سريعة للنداءات المخلصة من رجالات الدعوة. لكن العاطفة وحدها لا يمكن أن تبني الأمم أو تحرر الشعوب. وإن اعتماد الحركة الإسلامية على عاطفة الجماهير وحدها سوف يؤدي مع مرور الوقت إلى ضمور هذه العاطفة وتآكلها، حتى إذا أردناها لم نجدها ... ! ! ولعل في تاريخ الحركة
الإسلامية المعاصرة ما يؤكد ذلك.
إذا فالعاطفة هي بداية الطريق وليست نهايته.. العاطفة الإسلامية هي
المنطلق الذي تنطلق منه الدعوات ... ثم يتبع ذلك عملية أكثر تعقيداً وصعوبة،
وأكثر أهمية وخطورة. وهي مرحلة التربية والإعداد.. مرحلة بلورة الفكر
المنهجي لأبناء المسلمين بعيداً عن العشوائية والارتجال، وبعيداً عن التقليد لشيخ أو
العبودية لحزب ... مرحلة ترشيد هذه النفوس المؤمنة بخطط علمية مدروسة،
ومناهج شرعيه مؤصلة، تقودهم إلى فهم واع موضوعي بأصول الإسلام ومنابعه
الكريمة، مبرأة من الآراء والتصورات البشرية، وخالية من الفلسفات والنحل
المادية، وتقدم لها أيضاً رؤية واضحة ناضجة لواقع الأمة الإسلامية بخلفياته
السياسية والاقتصادية والاجتماعية وسبيل النهوض بها.
من مشكلة الصحوة الإسلامية أنها لا تتحرك وفق استراتيجيات ثابتة ومحكمة، تستشرف فيها آفاق المستقبل. بل لا زالت تنطلق بوحي من الخطب الحماسية
والأطروحات الوعظية ... ولا تتجاوزها إلى غيرها. وأنا لا أنكر أهمية ذلك..
لكن لا يجوز الاقتصار عليها، لأنها سوف تولد مع مرور الوقت أجيالاً هشة، ليس
لها القدرة على الوقوف أمام الشبهات والفتن التي تحيط بها من كل جانب، خاصة
في العصر الذي اختلطت فيه الثقافات، وكشر الأعداء فيه عن أنيابهم.
ليس ضعف أمتنا بسبب قلة عددنا، ولكن بسبب الغثائية التي أنهكتها
وأصبحت تخدعنا عند الأزمات. وصدق في حقنا رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - (الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة) . وكما قال الشاعر:
يُثقلون الأرض من كثرتهم ... ثمَّ لا يُغنون في أمر جلل
إن ضعفنا بسبب التمزق الفكري والعبث المنهجي الذي نتخبط فيه، حتى
أصبحت معالم هويتنا هلامية باهتة في كثير من جوانبها لا نكاد نميزها على
الإطلاق.
وإن غياب المنهج الشرعي الأصيل، وفقدان الضوابط العلمية، واضطراب
المقاييس الشرعية؛ تؤدي حتماً إلى خلل فكري يحول طاقاتنا إلى طاقات مبعثرة
هزيلة، تنتهي بالأمة إلى الحيرة والقلق. والنجاح الحقيقي - الذي تشرئب له
الأعناق، وتتطلع له الأفئدة - مستحيل بدون بذل غاية الجهد لتأصيل العقلية
المسلمة تأصيلاً علمياً متكاملاً، لترتفع بهمومها وتطلعاتها إلى مستوى المرحلة التي
تعيشها الأمة. والحركة الإسلامية بشتى فصائلها مطالبة بأن تجعل ذلك من أولويات
البناء الذي تقوم به. ومعلوم أن هذا لن يتم في يوم وليلة، كما أن رجلاً واحداً لن
يستطيع القيام به وحده. بل يحتاج الأمر إلى جهود علمية كبيرة، ودراسات تربوية
مستفيضة.
والمسؤولون عن الصحوة الإسلامية ليسوا أفراداً مهما بلغت منازلهم، فدين
الله ليس حكراً على أحد، ولكنه بعث عام يساهم فيه جميع المؤمنين، وكل واحد
منا له قيمته في دفع عجلة المسيرة الإسلامية، لكنه يكتسب قيمته الحقيقية حينما
يسخر كل ملكاته وقدراته في خدمة مبدئه، ويفجر كل الإمكانات الكامنة في نفسه
ليطوعها في مجالات الإبداع والعطاء لخدمة هذا الدين الحنيف.
علينا أن نفكر في أنفسنا جيداً، وسوف نجد أننا بقليل من الحزم، وقليل من
الطموح، وكثير من الإخلاص، نستطيع أن ننجز أعمالاً عظيمة ما كنا نتوقعها.
والمهم أن نبدأ.. أن نبدأ بروح واثقة وعزيمة صادقة، وسوف نكتشف في أنفسنا
أشياء كثيرة لم نكن نعرفها. وسنخطيء كثيراً، لكننا سنستفيد من أخطائنا، وعندها
نجد أن الأبواب بدت مشرعة أمامنا تدعونا لمزيد من البذل والتضحية..
[وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ] .
стр. 1081
التوسط في مسالك الدعوة والإصلاح
الشيخ: إسماعيل بن سعد بن عتيق
إن مما يدور على الألسن، ويتكرر على الأسماع قضية التجديد والإصلاح؛
فمن قائل بشموليته من القاعدة إلى الذروة، ومن قائل بتخصص جانب من جوانب
الإصلاح، ومن مقتصر فلا هذا ولا ذلك وهذا قد أنسانا نفسه إذ نسي.
أما الأولون فقد راموا الكمال فعجزوا، فكانت وصمة الإحباط إذ عجزوا عن
المنال، وتقاصروا دون الكمال. وأما الآخرون فقد كرسوا جهدهم بما يمتلكون.
وآزروا الدعوة بما يستطيعون، مستنيرين بقوله تعالى: [فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ]
وقوله تعالى: [لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إلاَّ وسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا
لا تُؤَاخِذْنَا إن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ... ] .
بقي أن نتسائل عن المنطلقات والقواعد وأسس العمل الإسلامي فمتى اتفقت
الجهات وتنوعت الأساليب لتحقيق الغاية وهي العبودية لله فهذا منطلق
التوحيد وقاعدة الإسلام. أما إذا حصل اختلاف في المنطلقات والقواعد والأسس
فمن هنا يكون التشاجر والنزاع والخلاف كما حصل بين الأنبياء وأممهم، فإن قاعدة
الأنبياء ومنطلقاتهم هي إفراد الله بأنواع العبادة مما دل عليه صريح القرآن والسنة
لقوله تعالى: [قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيَايَ ومَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ * لا
شَرِيكَ لَهُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ] .
وبحكم تقارب المسافات وتلاحم الشعوب على مصالحها المادية والاجتماعية
فقد تقاربت الأفكار أو كادت، مما جعل ظاهرة الحوار والجدل والمناقشات في أمور
الدعوة أمراً يتطلبه توحيد الاتجاه والعبودية لله رب العالمين، ولا يزال هذا الحوار
في طور التكوين وذلك بوسائل الإعلام من نشرات ومجلات وكتب واتصالات وبعقد
المؤتمرات والندوات واللقاءات الرسمية والشعبية، وهذا يبشر بخير متى صفت
النية وحسن القصد. وإن الفأل المعقود بوجود فئة مؤمنة تناست الألقاب والرتب
المركزية متمثلة بقوله تعالى: [قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى]
ولكن هل هذه الفئة محل ثقة وأمانة وصدق وإخلاص لدى الكثير من الناس مما
يجعل تولهم محل عناية وقبول. هذا ما يجب أن يكون.
وقد يستوضح سائل عن إجمال ما ذكرته من مخالف لقاعدة الإسلام ومنطلقه
شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فنقول: قد ذهب فئة من الناس إلى أن
إصلاح القمة هو سبيل تحقيق الغاية والعبودية لله ، فكانت صناعتهم
السياسية وإرادة الحكم من غير تحقيق لمعنى العبودية لله . ومن قائل
بأن الإسلام يقوم على القواعد الشعبية ولا بد من إصلاح الفرد في سلوكياته وأخلاقه
ومعاملاته فكان الجهد بدل الجهاد وكان التنسك الفردي هو غاية ما يستطيعونه وكلا
الفئتين على طرفين يتوسطهما منهج السلف الصالح في تحقيق العبودية لله بإصلاح
المعتقد ونبذ كل خرافة وبدعة، بجانب التنسك والعبادة ومحاولة إقامة حكم الله
وتنفيذ شرعه بالطرق المشروعة، وبهذا تكون شمولية الإسلام وتحقيق قاعدة: لا
إله إلا الله محمد رسول الله.
стр. 1082
تربية
أسس تقويم المنهج
عبد العزيز صادق
أهمية التقويم:
يعتبر التقويم جزءاً أساسياً بالنسبة للمنهج حيث أن المنهج بمفهومه الشامل
يتضمن ثلاثة جوانب رئيسية:
أولاً: تحديد الأهداف التربوية.
ثانياً: وضع الخطط والبرامج اللازمة لتحقيق هذه الأهداف عن طريق اختيار
الطرق والأساليب المختلفة.
ثالثاً: عملية تقويم نتائج العملية التربوية بكافة أبعادها.
ومن ذلك يتبين كيف أن التقويم يعتبر جزءاً أساسياً في العملية التربوية. فهو
يتأثر بالمنهج ويؤثر فيه.
فهو يتأثر بالمنهج على النحو التالي:
إذا كان المنهج يركز على البيئة أو المجتمع فإن عملية التقويم تنصب على
دراسة التلاميذ للبيئة ومصادرها وطرق استغلالها. هل أتيحت الفرصة لهم للقيام
بالرحلات التعليمية والزيارات الميدانية؟ هل تكونت لدى التلاميذ بعض المفاهيم
التي تسخر لخدمة المجتمع؟ هل أحس التلاميذ بالمشاكل العامة للمجتمع؟ وهل
قاموا بالدراسات اللازمة للتغلب على هذه المشاكل؟
ومن هذا يتضح لنا أن عمليه التقويم تتأثر بمفهوم المنهج.
ومن ناحية أخرى فإن التقويم بدوره لا بد وأن يؤثر في المنهج وفي العملية
التربوية:
* فالتقويم الناجح هو الذي يؤدي إلى تغيير بعض الأهداف التربوية وتعديل
بعض الأهداف الأخرى.
* وهو الذي يؤدي أيضاً إلى تغيير في الطرق والوسائل والأساليب التي تتبع.
* والتقويم الناجح هو الذي يلقي الضوء على الصعاب والمشكلات التي تواجه ... عند القيام بعملية التربية، كما يلقي الضوء على جوانب القوة والضعف فيها ... بحيث يؤدي ذلك في النهاية إلى تدعيم جوانب القوة ومعالجة جوانب الضعف، ... وبذلك يكون التقويم أداة هامة من أدوات تطوير المنهج. وهذا الجانب بالذات يغفل ... عنه الكثيرون. ...
مفهوم التقويم:
التقويم هو العملية التي يقوم بها الفرد أو الجماعة لمعرفة مدى النجاح أو
الفشل في تحقيق الأهداف العامة التي يتضمنها المنهج وكذلك نقاط القوة أو الضعف
في المنهج حتى يمكن تحقيق الأهداف المرجوة بأحسن صورة ممكنة.
فالتقويم ليس فقط تشخيصاً للواقع بل هو أيضاً علاج لما به من عيوب. إذ لا
يكفي أن نحدد أوجه القصور في المنهج وإنما يجب العمل على تلافيها والتغلب
عليها حتى لا تتكرر الأخطاء. وبذلك يكون الأداء في كل مرة أفضل من المرات
السابقة.
مجالات التقويم:
المفهوم القاصر للتقويم هو الذي ينصب على نقطة واحدة وهي مدى استيعاب
التلميذ للمعلومات. ووسيلة هذا التقويم هي مجموعة من الاختبارات المتنوعة التي
تقيس تحصيل التلميذ في هذه المعلومات.
أما المفهوم الصحيح للتقويم فهو ذلك الذي يركز على جميع جوانب النمو لدى
التلميذ. كما يتعرض لجميع جوانب العملية التربوية والعوامل المؤثرة فيها. فهو
بذلك يمتد إلى الأهداف التربوية، المنهج (المقررات، الكتب، الطرق، الوسائل،
الأنشطة، الامتحانات) ، التلميذ، المعلم، التوجيه الإداري، أماكن الدراسة.. الخ.
أسس التقويم:
لا بد أن يقوم التقويم على الأسس التالية:
١-الشمول.
٢- الاستمرارية.
٣- التعاون.
٤- التناسق مع الأهداف.
٥- أن يبنى على أساس علمي.
أولاً - الشمول:
يعتبر التقويم شاملاً إذا انصب على جميع الجوانب. فإذا أردنا أن نقوم أثر
المنهج على التلميذ فلا بد أن نقوم مدى نمو التلميذ في كافة الجوانب وهي:
- الجانب العقلي ويتضمن القدرة على الاستيعاب وتفتح مداركه.
- الجانب الشرعي.
- الجانب الثقافي العام ومعرفة الواقع.
- الجانب الاجتماعي وعلاقاته المختلفة مع الآخرين.
-الجانب القيادي.
- الجانب الانفعالي.
-الانضباط.
- الاهتمام بالآخرين.
- الحماس والغيرة.
- الجانب البدني.
إلى غير ذلك من الجوانب المختلفة.
والتقويم الشامل للمنهج يجب أن ينصب على النقاط التالية:
-أهداف المنهج.
-البرامج الدراسية.
- المقررات الدراسية.
- طرق التدريس.
- الكتب الدراسية.
- الوسائل التعليمية.
- الأنشطة التربوية.
- أساليب ووسائل التقويم نفسها.
والتقويم الشامل لا بد أن يتعرض للمعلم أيضاً. فلا بد من التعرض للنقاط
التالية:
- إعداده.
- تدريبه.
- شخصيته.
- مادته العلمية.
- طريقة تدريسه.
- طريقة تقويمه للتلميذ.
- علاقته بالإدارة.
- علاقته بزملائه المدرسين.
- علاقته بالتلاميذ.
فسواء انصب التقويم على المعلم أو التلميذ أو على المنهج فلا بد أن ينصب
على جميع الجوانب في كل مجال من هذه المجالات.
وتطبيق هذا المبدأ لا شك أنه أمر صعب يتطلب قدرة عالية من الشخص الذي
يقوم بالتقويم.
ثانياً - الاستمرارية:
لا بد أن تستمر عملية التقويم مع مدة الدراسة وذلك يعني أن التقويم يجب أن
يسير جنباً إلى جنب مع التربية. وبالتالي فإن عملية التقويم التي تجري في صورة
امتحانات في آخر العام الدراسي فقط هي عملية غير سليمة فيها إخلال بهذا الأساس.
وحيث إن عملية التقويم تهدف إلى التشخيص والعلاج فمن الواجب إذا أن تبدأ
عملية التقويم مع بداية العام الدراسي حتى يمكن تحديد نواحي الضعف ونواحي
القوة في جميع الجوانب وحتى يمكن ملاحظة وتتبع عمليات النمو على مدار العام
وبالتالي يكون هناك متسع من الوقت للعمل على تلافي نواحي الضعف والتغلب
على الصعوبات. وملاحظة التلميذ لمعرفة سلوكه ومشكلاته واتجاهاته لا تتم من
مرة واحدة وإنما يجب أن تستمر الملاحظة لفترة طويلة حتى تكون النتائج صادقة.
أما التقويم الذي يتم في فترات محدودة في آخر العام أو في خلال العام ولكن
على مرات قليلة جداً فلا يمكن أن تؤدي إلى عملية تشخيص سليمة.
وحتى لو توصلنا إلى تشخيص صحيح فإن الوقت قد يكون متأخراً لتحسين
الوضع وتفادي الأخطاء.
أما إذا كانت عملية التقويم مستمرة مع فترة الدراسة فإن ذلك يساعد على
التالي:
- تغطية جميع الجوانب المراد تقويمها.
- تحديد نقاط القوة أو الضعف (عملية تشخيص) .
- الكشف عن المعوقات والمصاعب.
- علاج نقاط الضعف وتدعيم نقاط القوة (عملية علاج) أولاً بأول.
- إتاحة الفرصة لاستعمال الوسيلة أكثر من مرة لكي يتم التوصل إلى نتائج
ثابتة (صدق النتائج) .
- إتاحة الفرص لإشراك عدد كبير من الأفراد في عملية التقويم.
وهكذا تتيح استمرارية التقويم الفرصة لتدعيم الأسس الأخرى التي تبنى عليها
عملية التقويم مثل الشمول، التنوع، الثبات، التعاون.
ثالثاً- التعاون:
يجب أن يكون التقويم تعاونياً أي يقوم به مجموعة من الأفراد. فمفهوم المنهج
هو مجموعة الخبرات المربية التي تهيأ للتلميذ بقصد مساعدته على النمو الشامل
وبالتالي فإن لقويم التلميذ في ظل هذا المفهوم يتطلب استخدام مجموعة من الوسائل
المتنوعة كما يتطلب مجموعة من الأفراد كل في مجال تخصصه وذلك لمعرفة مدى
نمو التلميذ في جميع الجوانب. ومن هنا أخذ التقويم طابعه الجماعي والتعاوني.
إذا أردنا أن نقوّم تلميذاً بهذا المفهوم فلا بد أن يشترك في تقويمه:
-المعلم.
- الإدارة.
- بقية التلاميذ.
- التلميذ نفسه.
وإذا أردنا أن نقوم المعلم فلا بد أن يشترك في ذلك:
- المدير.
- بقية المعلمين.
- التلاميذ.
وإذا أردنا أن نقوم الكتاب المدرسي بهذا المفهوم فلا بد أن يشترك كل من:
- المعلمين.
- الموجهين.
- رجال التربية.
- التلاميذ.
وهكذا نجد أن عملية التقويم تأخذ طابعاً جماعياً يقوم بها العديد من الأفراد فلا
ينبغي أن يعتمد على تقويم فرد واحد مهما بلغ من العلم والكفاءة.
رابعاً - التناسق مع الأهداف:
لا بد أن يكون التقويم متمشياً مع المنهج وأهدافه فلا ينبغي الخروج عن
الأهداف أو التناقض معها.
فإذا كان المنهج يهدف إلى تكوين الشخصية التي تعمل على تطوير نفسها
وتساهم مساهمة فعالة في تطوير المجتمع الذي تعيش فيه فإن عملية التقويم في هذه
الحالة عليها ان تكشف لنا عن الجوانب التالية:
- هل تكوّن لدى الشخص اتجاه سليم يقود إلى التغيير؟
- هل اكتسب الشخص القدرة على الربط بين الأحداث ومن ثم الحكم عليها؟
- هل اهتم المنهج بتنمية القدرة على الابتكار والإبداع؟
- هل أتيحت للشخص الفرصة لممارسة النقد الهادف البناء؟
- هل اتيحت له الفرص لحل المشكلات بأسلوب علمي؟
- هل هناك اهتمام فعلي للتحصيل والرغبة في الاستزادة؟
- هل تكونت لديه عادة القراءة وحب الاطلاع المستمر الذي يعتبر نواة للتعلم
الذاتي والتعلم المستمر؟
فاذا انصبت عملية التقويم على كل هذه الجوانب الموضوعة في صورة أسئلة، كل سؤال يفتح مجالاً معيناً، فمعنى ذلك أن عملية التقويم تتمشى مع مفهوم المنهج
وأهدافه. ولا ينبغي أن نركز على جانب معين في التقويم ونغفل باقي الأهداف.
خامساً - أن يبنى التقويم على أساس علمي:
الأسلوب العلمي في التقويم أساس من الأسس الهامة جداً وأهم خصائص
الاسلوب العلمي هي:
- الصدق.
- الثبات.
- الموضوعية.
- التنوع.
- التمييز.
-التخطيط.
- مراعاة الفروق الفردية بين التلاميذ.
وهذه العناصر ترتكز على الوسائل التي يتبعها التقويم، ومن ثم فإنها تنعكس
على التقويم ذاته. وسنتكلم في العدد القادم عن هذه العناصر ببعض التفصيل.
(يتبع)
стр. 1083
القواعد الفقهية
(٢)
عبد العزيز الحويطان
لمحة تاريخية عن نشأة القواعد الفقهية:
يمكن أن نقسم تاريخ نشأة وتدوين القواعد الفقهية إلى ثلاثة أقسام هي: نشأة
القواعد، وتدوينها، وتنسيقها.
طور النشأة
النبي ﷺ أصدق من نطق بالضاد، وقد أوتي جوامع
الكلم، ولذا كان كلامه ﷺ في كثير من الأحاديث عبارة عن
قواعد فقهية باقية إلى قيام الساعة، انظر مثلاً قوله ﷺ : (العجماء جرحها جبار) [١] أو قوله (لا ضرر ولا ضرار) [٢] أو قوله: (البينة ...
على المدعي واليمين على من أنكر) [٣] أو قوله (المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى
بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم) [٤] أو قوله: (ما أسكر كثيره فقليله
حرام) [٥] وكثير كثير من الأحاديث التي هي قواعد ثابتة تجمع فروعاً شتى في أبواب الفقه.
كما أن لبعض الصحابة كلاماً منظوماً بمثابة قواعد فقهية، مثل قول عمر -
﵁: (مقاطع الحقوق عند الشروط) [٦] وقول ابن عباس: (كل
شيء في القرآن أو، أو فهو مخير، وكل شيء) فإن لم تجدوا (فهو الأوَّل
فالأول) [٧] .
كذلك أثر كلام عن التابعين بمثابة قواعد في أبواب الفقه، انظر مثلاً إلى قول
شريح (٧٦ هـ) : (من شرط على نفسه طائعاً غير مكره فهو عليه) [٨] أو قوله:
(من ضمن مالاً فله ربحه) [٩] وهو يماثل القاعدة (الخراج بالضمان) .
ومن التابعين أيضاً خير بن نعيم فقد روي عنه الليث بن سعد المقولة التي
كانت قاعدة فقهية فيما بعد: (من أقر عندنا بشيء ألزمناه إياه) [١٠] .
وإذا نظرنا إلى كتب التابعين وجدناها مليئة بالأقوال العامة التي تأتي على
نسق القواعد الفقهية، ولعل أقدم مصدر فقهي يسترعي انتباه الباحث هو (كتاب
الخراج) لأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم (١٨٢ هـ) . ففيه عبارات تتسم بسمات
وشارات تتسق بموضوع القواعد منها:
١- التعزير إلى الإمام على قدر عظم الجرم وصغره [١١] .
٢- كل من مات من المسلمين لا وارث له، فماله لبيت المال [١٢] .
٣- ليس للإمام أن يخرج شيئاً من يد أحد إلا بحق ثابت معروف [١٣] وهذا
نظير القاعدة المشهورة (القديم يترك على قدمه) .
٤- ليس لأحد أن يحدث مرجأ في ملك غيره، ولا يتخذ فيه نهراً ولا بئراً ولا
مزرعة، إلا بإذن صاحبه، ولصاحبه أن يحدث ذلك كله [١٤] . وهذا نظير القاعدة
(لا يجوز لأحد أن يتصرف في ملك الغير بلا إذنه) .
٥- لا ينبغي لأحد أن يحدث شيئاً في طريق المسلمين مما يضرهم، ولا
يجوز للإمام أن يقطع شيئاً مما فيه الضرر عليهم، ولا يسعه ذلك [١٥] والشطر
الأول يتعلق بقواعد رفع الضرر كما سيأتي والثاني يتعلق بالقاعد: (التصرف على
الرعية منوط بالمصلحة) .
إذاً نستطيع أن نقول أن القواعد كانت موجودة آنذاك ولكنها كانت متناثرة لا
تعرف بأنها قواعد، تأتي عفوية من العلماء، ولا شك أن هذا أدى إلى أن تكون هذه
المقولات مصدر إنطلاق للمتأخرين في هذا المجال.
طور التدوين:
لم تظهر القواعد الفقهية كعلم مستقل إلا في القرن الرابع الهجري. وذلك أنه
لما اضمحل الاجتهاد وظهر التقليد بدأ كل أناس بدراسة مذهبهم، واستخراج الفنون
من أمثال: الفروق والحيل والألغاز والقواعد الفقهية.
وما يشهد له التاريخ أن فقهاء المذهب الحنفي كانوا أسبق من غيرهم في هذا
المضمار ولعل ذلك يرجع لتوسعهم في الفروع [١٦] .
أما أقدم نص وصل إلينا في تدوين القواعد الفقهية كعلم، ما ذكره العلائي
الشافعي والسيوطي وابن نجيم في كتبهم عن القواعد: (أن الإمام أبا طاهر الدباس
من فقهاء القرن الرابع الهجري، قد جمع أهم قواعد مذهب الإمام أبي حنيفة في
تسع عشرة قاعدة كلية، وكان أبو طاهر ﵀ ضريراً يكرر كل ليلة تلك
القواعد بمسجده بعد انصراف الناس، وذكروا أن أبا سعد الهروي (٤٨٨ هـ) -
شافعي - قد رحل إلى أبي طاهر، ونقل عنه بعض هذه القواعد، ومن جملتها
القواعد الأساسية المشهورة وهي:
١- الأمور بمقاصدها
٢- اليقين لا يزول بالشك
٣- المشقة تجلب التيسير
٤- الضرر يزال
٥- العادة محكمة [١٧] ، [١٨] .
ولعل الإمام الكرخي (٣٤٠ هـ) قد اقتبس بعض القواعد من الإمام الدباس
وضمها إلى رسالته المشهورة التي تحتوي على سبع وثلاثين قاعدة، ولعلها أول
نواة للتأليف في هذا الفن [١٩] .
وجاء بعدهم الإمام أبو زيد الدبوسي (٤٣٠ هـ) حيث ألف أول كتاباً في هذا
الفن وهو يمثل بداية هذا العلم من ناحية التدوين، واسم كتابه (تأسيس
النظر) [٢٠] . وفي القرن السادس عشر لم يحفل بمؤلفات في هذا الفن ما عدا كتاب السمرقندي (٥٤٠ هـ) وهو (أيضاً في القواعد) ، أما القرن السابع فقد برز فيه هذا العلم بشكل واضح وخرج فيه كم من المؤلفات منها كتاب (قواعد الأحكام في مصالح الأنام) للعز بن عبد السلام (٦٦٠ هـ) .
أما القرن الثامن فيعتبر العصر الذهبي لتدوين القواعد الفقهية، ومن المؤلفات
التي خرجت في هذا القرن: الأشباه والنظائر لتاج الدين السبكي كذلك القواعد في
الفقه لابن رجب الحنبلي، والقواعد للمقري وغيرها كثير.
وفي القرن التاسع جدّت المؤلفات على المنهاج السابق مثل كتاب ابن عبد
الهادي (٨٨٠ هـ) (القواعد والضوابط) .
وفي القرن العاشر رقي فيه التدوين بخروج مؤلفات العلامة السيوطي
(٩١٠ هـ) مثل الأشباه والنظائر، كذلك كتاب ابن نجيم (٩٧٠ هـ) (الأشباه والنظائر الذي ألفه بعد انقطاع للحنفية عن التأليف دام قروناً [٢١] .
هذه لمحة عابرة عن مسار التأليف في هذا الفن منذ القرن الرابع إلى القرن
العاشر الهجري. لكن السؤال الحري بالإجابة: من قعد في هذه الفترة هل قلد من
سبقه؟ أم أنه أتى بجديد في هذا العلم؟
والإجابة على هذا السؤال أن نقول أن الاحتمالين واردان، فهناك بعض
العلماء نقح في هذه القواعد وزاد في دقتها وقلل من مستثنياتها، مثل الإمام النووي
(٦٧٦ هـ) . وفي نظرة عاجلة على كتابه المجموع نجد أنه ذكر قواعد منها:
١- أصَّل الفروع الكثيرة بناء على القاعدة المشهورة (اليقين لا يزول
بالشك) [٢٢] .
٢- من القواعد الشهيرة (الأصل في الأبضاع التحريم) ذكر في فروع منها:
(إذا اختلطت زوجته بنساء واشتبهت لم يجز له وطء واحدة منهن بالاجتهاد بلا
خلاف، سواء كن محصورات أو غير محصورات لأن الأصل التحريم، والأبضاع
يحتاط لها، والاجتهاد خلاف الاحتياط) [٢٣] .
٣- أشار إلى قاعدة ترجيح المحرم على المبيح عند اجتماعهما في قوله: (إن
الأصول مقررة على أن كثرة الحرام واستواء الحلال والحرام يوجب تغليب حكمه
في المنع كأخت أو زوجة اختلطت بأجنبية) [٢٤] .
٤- ما نقله عن الإمام الجويني: (أنه إذا سقط الأصل مع إمكانه فالتابع أولى) كما جاء في النص التالي: (من فاته صلاة في زمن الجنون والحيض فإنه لا
يقضي النوافل الراتبة التابعة للفرائض كما لا يقضي الفرائض ... لأن سقوط
القضاء عن المجنون رخصة مع إمكانه، فإذا سقط الأصل مع إمكانه فالتابع
أولى...) [٢٥] .
كذلك الإمام ابن القيم، له جهد وباع في تنقيح ودقة بعض القواعد الفقهية،
وفي نظرة عاجلة على كتابيه (إعلام الموقعين) و (بدائع الفوائد) يلمس المرء
جهده الطيب في هذا المجال، من ذلك:
١- (إذا زال الُموجِب زال الُموجَب) ذكرها في فصل عنوانه (طهارة الخمر
باستحالتها توافق القياس) [٢٦] .
٢- (لا واجب مع عجز ولا حرام مع ضرورة) قال: (إن الرجل إذا لم يجد
خلف الصف من يقوم معه تعذر عليه الدخول في الصف، ووقف معه فذاً، صحت
صلاته للحاجة) [٢٧] .
٣- (إن الأعيان التي تحدث شيئاً فشيئاً مع بقاء أصلها، حكمها حكم المنافع،
كالثمر في الشجر واللبن في الحيوان والماء في البئر) ذكرها تحت فصل عنوانه:
إجارة الظئر توافق القياس [٢٨] .
٤- (المستثنى بالشرط أقوى من المستثنى بالعرف) [٢٩] بناء على ذلك اتفقوا
على جواز تأخير التسليم إذا كان العرف يقتضيه، كما إذا باع مخزناً له فيه متاع
كثير لا ينتقل في يوم ولا أيام، فلا يجب عليه جمع دواب البلد، ونقله في ساعة
واحدة [٣٠] .
٥- (إن الفروع والأبدال لا يصار إليها إلا عند تعذر الأصول، مثل التراب
في الطهارة والصوم في كفارة اليمين) [٣١] .
٦- (ما حرّم سداً للذريعة، أبيح للمصلحة الراجحة) كما أبيح النظر للخاطب
والشاهد والطبيب من جملة النظر المحرم [٣٢] .
بهذا يتضح أن عصر التدوين كان تنسيقاً لما سبق وكان فيه استنتاج لبعض
القواعد الفقهية بناء على دراسة الفروع المتشابهة.
مواد التنسيق:
علمنا فيما مضى أن القواعد الفقهية دارت في أول نشأتها على ألسنة المتقدمين
إلى أن جرى تدوينها واتضحت معالمها. لكن القواعد على الرغم من تلك الجهود
ظلت متفرقة ومبددة في مدونات مختلفة تضمنت تلك المدونات بعض الفنون الفقهية
الأخرى مثل الفروق والألغاز وأحياناً بعض القواعد الأصولية.
(ولم يستقر أمرها تمام الاستقرار إلى أن وضعت مجلة الأحكام العدلية على
أيدي لجنة من فحول الفقهاء في عهد السلطان عبد العزيز خان العثماني في أواخر
القرن الثالث عشر الهجري ليعمل به في المحاكم التي كانت تعمل آنذاك [٣٣] .
(وقد وضعت القواعد في صدر المجلة، وهي قرابة مائة قاعدة، أخذت من
كتاب الأشباه والنظائر لابن نجيم ومجامع الحقايق للخادمي) [٣٤] .
هذه لمحة سريعة عن تطور علم القواعد الفقهية عبر القرون الماضية.
ويلمس الإنسان عدة أمور أثناء تأمله في تاريخ القواعد الفقهية منها:
١- أن القواعد التي جاءت في كتب القواعد ليست كلها قواعد مذهبية.
٢- أن بعضها اكتسب صياغة أدق وامتاز بالرصانة بعد المزاولة والمداولة.
ولنأخذ على ذلك مثالاً: القاعدة المشهورة في كون الإقرار إنما يلزم صاحبه المقر
ولا يسري حكمه على غيره، ترى نصها المتداول في كتب المتأخرين وفي المجلة
بعنوان (الإقرار حجة قاصرة) في حين أننا نجد هذه القاعدة عند الإمام الكرخي
بالنص التالي: (الأصل: أن المرء يعامل في حق نفسه كما أقر به، ولا يصدق على إبطال حق الغير، ولا بإلزام الغير حقاً) [٣٥] .
ومثال آخر: القاعدة المشهورة (التصرف على الرعية منوط
بالمصلحة) [٣٦] يوجد أصلها في كلام الشافعي ﵀ بأن (منزلة الوالي من الرعية منزلة الولي من اليتيم) [٣٧] ، ثم اشتهر هذا القول عند كثير من الفقهاء باعتباره قاعدة تحت عنوان: (تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة) [٣٨] .
هل يجوز أن نجعل القاعدة الفقهية دليلاً يستنبط منه الحكم الشرعي؟
هذه المسألة حساسة ومهمة وعليها تنبني كثير من الأحكام، والراجح فيها -
والله أعلم- أنه لا يجوز أن تجعل القاعدة الفقهية دليلاً يستنبط منه الحكم الشرعي.
يقول الإمام الجويني في كتابه الغياثي بمناسبة إيراد قاعدتي الإباحة وبراءة الذمة:
(وغرضي بإيرادهما تنبيه القرائح.. ولست أقصد الاستدلال بهما) [٣٩] .
ويقول ابن نجيم في هذه القضية: (إنه لا يجوز الفتوى بما تقتضيه القواعد
أو الضوابط، لأنها ليست كلية بل أغلبية) [٤٠] .
أما العلامة على حيدر فيقول في شرح المجلة (فحكام الشرع ما لم يقفوا على
نقل صريح لا يحكمون بمجرد الاستناد إلى واحدة من هذه القواعد) [٤١] .
إذاً وضع القاعدة كدليل شرعي الراجح أنه لا يصح وذلك أن القاعدة مستثناة
وصفتها عدم الشمول، ونحن مطالبون بأن نستدل بدليل ثابت صفته الشمول والدقة.
نعم لبعض القواعد صفة أخرى كأن تكون معبرة عن دليل أصولي أو كونها
حديثاً ثابتاً مستقلاً فهنا نستند إلى صفتها كأن تكون دليلاً قرآنياً أو سنة نبوية أو
قاعدة أصولية، والله أعلم.
стр. 1084
خواطر في الدعوة
أزمتنا الأخلاقية
محمد العبدة
خلل كبير نعاني منه في حياتنا الإسلامية المعاصرة أيما معاناة، ذلك هو
النقص في الأخلاق الأساسية التي يجب أن تتوفر في كال مسلم، لأنها إن ضعفت
أو نقصت فلن تقوم للأمة قائمة. هذه الأخلاق كانت موجودة أو كثير منها عند
العرب عندما جاءهم رسول الله ﷺ بالنبوة والهداية. كان
خلق الوفاء والصدق والشجاعة والتذمم للصديق والجار شائعاً، وكان العربي يجد
غضاضة في أن يوصم بالكذب أو الغدر، ولذلك لم يتعب الرسول - صلى الله عليه
وسلم - نفسه في تأديب هؤلاء وتربيتهم على هذه الأخلاق والدعوة إلى ممارستها،
فالإشارة منه لهذه الأخلاق كانت تكفي لأنها ارتبطت بالتوحيد الذي جاءهم به، وهو
الذي كان ينقصهم فلما تمثلوا به وأصبحت العبودية تامة لله سبحانه؛ كملت هداية
الفطرة وهداية الوحي فكانوا كما قال تعالى: [نُّورٌ عَلَى نُورٍ] .
وفي هذه الأيام ابتلى المسلمون وابتليت الدعوة بمن تجرد من هذه الأخلاق،
فالكذب - وهو من أسوأ الأخلاق الرديّة - يقع فيه هؤلاء سواء في أحاديثهم العادية
أم في تجريح إخوانهم من الدعاة، ولا أدري بم يعللون هذه الفعلة الشنيعة، هل
بمصلحة الدعوة! ؟ أما الحقيقة فهي أن معادنهم رخيصة، وليس عندهم أخلاق
الفطرة لأنها فسدت بسبب البيئة التي عاشوا فيها، ولا أخلاق الإسلام لأنهم تربوا
على الأنانية والحزبية الضيقة، ويتبع هذه الخصلة السيئة قلة الإنصاف في الحكم
على الآخرين، فالتهم تكال كيلاً دون أدنى تحرٍ للعدل والإنصاف، ويتناقل هذه
التهم المغفلون والسذج دون أي تحرج أو تأثم، فكيف تستقيم حياتنا الإسلامية وفينا
هذه الأخلاق، انظر إلى هذا الذي يقول عن إخوانه الذين يتصدون للظلم والقهر
والإرهاب السافر، يقول عنهم في لقائه مع رئيس مجلس الدولة: (جئنا لتهدئة
الأوضاع والخروج من الأزمة التي سالت فيها الدماء، فأصبح المقتول لا يعرف
لماذا قتل، والقاتل لا يعرف لماذا قتل) [١] .
أهكذا أيها الداعية؟ ! المقتول لا يعرف لماذا قتل؟ الذين يجاهدون الظلم
ويدفعون عن أنفسهم العدوان لا يعرفون لماذا يجاهدون؟ هل هذه أخلاق رجال،
هل الذي يشمت بما يفعل بإخوانه يملك الأخلاق الأساسية التي هي من مقومات
نهضة الأمة، وكان قد أظهر شماتته في أحداث سبقت وأيد نزول الجيش لإنهاء ما
سماه (الفتنة) .
إنها مصيبة والله أن يكون بعض من لا يتبنى الإسلام عنده من الجرأة
والرجولة أكثر من هذا الذي يملك نفساً أنانية ولا يريد إلا التسلق على حساب
مصائب إخوانه ولذلك نقول: إن أزمتنا في بعض جوانبها أزمة أخلاقية.
стр. 1085
عالم وكتاب
إمام الكلام فيما يتعلق بالقراءة خلف الإمام
للعلامة أبي الحسنات اللكنوي
عرض وتقديم: محمد عبد الله آل شاكر
- ١ -
لعلماء الهند المسلمين جهود رائعة وعناية مخلصة بعلوم الشريعة الإسلامية
بعامة وفي الحديث بخاصة. ومنذ أكثر من نصف قرن، قال السيد محمد رشيد
رضا، ﵀: ( ... ولولا عناية إخواننا علماء الهند بعلوم الحديث في هذا العصر، لقضي عليها بالزوال من أمصار الشرق. فقد ضعفت في مصر والشام والعراق والحجاز، منذ القرن العاشر للهجرة، حتى بلغت منتهى الضعف في أوائل هذا القرن الرابع عشر) .
ولئن بدأت علوم الحديث الشريف تأخذ مكانتها اللائقة في جامعاتنا اليوم:
دراسة وفهماً والتزاماً فإن الوفاء يقتضي أن نشير إلى جهود الرواد والسابقين الذين
كان لهم فضل في توجيه المسلمين إلى هذا الجانب، من خلال التعريف بعالم من
هؤلاء العلماء، ودراسة واحد من كتبه التي يجمع فيها بين الدراسة الحديثية
والفقهية، على طريقة كثير من علمائنا ﵏ وهذا العالم هو العلامة أبو
الحسنات اللكنوي (١٢٦٤ - ١٣٠٤ هـ) ، وكتابه هو (إمام الكلام فيما يتعلق بالقراءة خلف الإمام) .
-٢-
مما بين أفغانستان والهند، تنقلت أسرة اشتهرت بالعلم والعلماء والصلحاء،
واستقرت في مدينة (دهلي) . وكان منها: محمد بن عبد الحليم بن محمد أكبر بن
المفتي أحمد أبي الرّحم، الذي ينتهي نسبه إلى الصحابي أبي أيوب الأنصاري -
﵁. وفي عام ١٢٦٤ هـ، رزقه الله تعالى بولده (عبد الحي)
وكنيته (أبو الحسنات) واشتهر بلقب (اللكنوي) ، نسبة إلى مدينة (لَكْنَوْ) أو (لكهنو) .
ومنحه الله تعالى -منذ نشأته- قوة الحفظ، فحفظ القرآن الكريم وله من العمر
خمس سنوات، وكان يحفظ - كما يقول عن نفسه - جميع الوقائع التي تقع له
كالعيان. وتنقل بين عدد من البلاد في الهند مع أبيه الذي كان مدرساً في (باندا)
ثم انتقل إلى (جونفور) ، وفيها شرع في تحصيل العلم وعمره إحدى عشرة سنة
حتى فرغ من قراءة الكتب المدرسية في علوم كثيرة. وتابع تعليمه بعد وفاة والده،
ونال إجازات علمية كثيرة، وتصدر للتدريس ولازمه في (حيدر آباد) مدة من
الزمن. وكان شغوفاً بذلك منذ عنفوان الشباب، بل من زمن الصبا، فلم يقرأ كتاباً
إلا درسه فيما بعد، وجمع بين العلم والتعليم والتربية، وكتب له في تدريسه القبول
والرضى.
وقد بلغ أبو الحسنات مكانة في العلم والخلق ألهجت الألسنة عليه بالثناء،
يشير إلى ذلك ما قاله العلامة الكبير عبد الحي اللكنوي في كتابه (نزهة الخواطر) :
( ... تبحر في العلوم، وتحرى في نقل الأحكام، وحرر المسائل، وانفرد في الهند بعلم الفتوى، فسارت بذكراه الركبان، بحيث أن، علماء كل إقليم يشيرون إلى جلالته.
وله في الأصول والفروع قوة كاملة، وقدرة شاملة، وفضيلة تامة، وإحاطة
عامة. وفي حسن التعليم صناعة لا يقدر عليها غيره. وكان إذا اجتمع بأهل العلم،
وجرت المباحثة في فن من فنون العلم لا يتكلم قط، بل ينظر إليهم ساكتاً،
فيرجعون إليه بعد ذلك. فيتكلم بكلام يقبله الجميع، ويقنع به كل سامع. وكان هذا
دأبه على مرور الأيام، لا يعتريه طيش ولا خفة في شيء كائناً ما كان. فقد كان
من عجائب الزمن، ومن محاسن الهند، وكان الثناء عليه كلمة إجماع، والاعتراف
بفضله ليس فيه نزاع) .
والرجل الذي يبلغ هذه المنزلة يأنف من العصبية المقيتة والتبعية الذليلة، فلا
يرضى أن يقوده غيره - تقليداً أعمى - من حيث لا يبصر طريقه. فقد تفقه على
مذهب أبي حنيفة في الفروع والأصول - وهو المذهب المنتشر في تلك الأصقاع -
ولكنه كان غير متعصب في المذهب، ويتبع الدليل، ويترك التقليد إذا وجد في
المسألة نصاً صريحاً مخالفاً للمذهب. وكتبه وتحقيقاته لكثير من المسائل، شاهد
صادق على ذلك، رحمه الله تعالى. قال في كتابه (النافع الكبير لمن يطالع الجامع
الصغير ص ٤٨) :
ومن مِنَحِه تعالى أنه رزقني التوجه إلى فن الحديث وفقهه، ولا أعتمد على
مسألة ما لم يوجد لها أصل من آية أو حديث. وما كان خلاف الحديث الصحيح
أتركه، وأظن المجتهد فيه معذوراً، بل مأجوراً. ولكنني لست ممن يشوش العوام
الذين هم كالأنعام، بل أتكلم بالناس على قدر عقولهم) .
وكان سالكاً طريقاً وسطاً بين الإفراط والتفريط في مسائل الخلاف، فهو ليس
ممن يختار التقليد البحت بحيث لا يترك قول الفقهاء، وإن خالفته الأدلة الشرعية.
ولا ممن يطعن عليهم ويهجر الفقه بالكلية! وهو شديد الاعتداد بالحديث وأهله -
يرحمهم الله أجمعين- فيقول في كتابه الذي سنعرض له بعد قليل، ص ٢٢٨:
(ومن نظر بعين الإنصاف وغاص في بحار الفقه والأصول، متجنباً عن الاعتساف، يعلم علماً يقيناً: أن أكثر المسائل الفرعية والأصلية التي اختلف فيها العلماء، فمذهب المحدثين فيها أقوى من مذاهب غيرهم. وإني كلما أسير في شعب الاختلاف أجد قول المحدثين فيه قريباً من الإنصاف. فلله درّهم، وعليه شكرهم! كيف لا، وهم ورثة النبي ﷺ ، حقاً، ونواب شرعه صدقاً. حشرنا الله في زمرتهم، وأماتنا على حبهم وسيرتهم.
وأمثال هذه الكلمات كثيرة تجدها مبثوثة في تضاعيف كتبه، مما يدل على
اعتداده القوي بالدليل، وعدم تعصبه للمذهب، مع سعة اطلاعه وكثرة تنقيبه،
وإنصافه لمن يخالفه في الرأي والمسألة.
- ٣ -
تلكم لمحات سريعة موجزة عن اللكنوي، أما كتابه (إمام الكلام..) فهو
واسطة العقد بين مؤلفات كثيرة في القراءة في الصلاة، قبل اللكنوي وبعده.
وقد تعددت مناهج المؤلفين واختلفت طريقة بحثهم في المسألة، تحريراً
وتأصيلاً ورداً مما لا مجال للإفاضة فيه الآن. ولكن يحتاج القارئ المتبصر إلى
بحث فقهي حديثي لهذه المسألة يستقصي فيه الأدلة بأنواعها، وينزل كل دليل
منزلته، دون أن يأخذ ببعض الأدلة ويهمل بعضها الآخر، فيجمع أطراف المسألة
كلها، ويخرج بنتيجة وحكم يؤيده الدليل الصحيح. ولعل هذا الكتاب، الذي نعرض
في هذه الصفحات، يحقق ذلك فيما أحسب:
رتب المؤلف كتابه على مقدمة، وثلاثة أبواب، وخاتمة.
الباب الأول:
وعقده المؤلف لاختلاف علماء الأمة عن الصحابة، التابعين الأئمة المجتهدين، ومن بعدهم من فقهاء الملة. وجعله في فصلين:
الفصل الأول:
الآثار الواردة عن الصحابة -رضوان الله عليهم-، وساق فيه الروايات الكثيرة عنهم، والمروية في كتب الصحاح والسنن والآثار والمصنفات، وأيد ذلك بنقول كثيرة تبين أن المسألة خلافية، عن الإمام أحمد بن حنبل والترمذي والحازمي وغيرهم ...
والفصل الثاني:
أقام المؤلف بحثه على (تنقيح المذاهب) على ثلاثة أصول أو مسالك:
أ- الأول: أنه لا يقرأ خلف الإمام بحالٍ، لا في السرية ولا في الجهرية،
وهو مسلك فقهاء الحنفية ومن وافقهم.
ب- الثاني: يقرأ الفاتحة في السرية والجهرية كلتيهما. وهو مسلك الشافعية.
ج- الثالث: يقرأ في السرية دون الجهرية. وهو مسلك المالكية والحنابلة.
وتحت كل مسلك من هذه المسالك مذاهب ومسائل متفرقة، عرض لها المؤلف وناقشها مع الأدلة. كما ناقش ما كتبه الشوكاني في (نيل الأوطار) بدليل قوي وحجة ناصعة وعبارة عفيفة.
الباب الثاني:
وفيه عرض المؤلف أدله أصحاب المساك الثلاثة السابقة من المذاهب الأربعة، ووجه الاستدلال بكل دليل. مع ذكر ما يقوي هذه الأدلة أو يرد عليها ويضعفها. ومن البحث في ذلك تعلم وجه استدلال كل مذهب بالدليل من النصوص الشرعية والإجماع والمعقول. وقد اشتمل هذا الباب على ثلاثة فصول:
الفصل الأول:
في دلائل الحنفية، ومن وافقهم على مذهبهم، وهي بأنواعها خمسة أصول وهي الاستدلال بالكتاب والسنه والآثار عن الصحابة والاجماع والمعقول.
وعقّب ذلك برأي الإمام البخاري ﵀، وأجاب عن اعتراضاته، بما
يلتقي مع ما فعله شيخ الإسلام ابن تيمية كذلك، مما هو في ملحق الكتاب. وفي هذا
البحث كلام طويل عن السكتات في الصلاة، من حيث عددها ومكانها وما الذي
يشرع منها.
الفصل الثاني:
وعقده لعرض أدلة أصحاب المسلك الثاني، وفيه بحث ثلاثة أصول أو أدلة:
الأول: دليل الكتاب الكريم [فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ..] وقوله تعالى: [واذْكُر
رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ ... ]
والثاني: استدلوا فيه بآثار عن الصحابة في تجويز القراءة، مما روي عن
عمر، وابن عمر، وأبي بن كعب، وأبي هريرة، وحذيفة، وعلي، وعائشة،
وغيرهم، ﵃ أجمعين.
وفي الأصل الثالث: استدل بالمعقول من وجوه، أولها: أن القراءة ركن
يشترك فيه الإمام والمأموم، والثاني: أن الإمام لا يتحمل عن المأموم شيئاً من
الفرائض غير القراءة فلا يتحمل القراءة كذلك. وفي الأصل الرابع: استدلوا
بحديثي: (من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج) و (.. لا تفعلوا إلا
بأم الكتاب) .
وقد أطال النفس في هذا الأصل وما وجه إليه من اعتراضات، ورد ذلك كله
بوجوه كثيرة، تخللها مبحث طويل في رواية محمد بن إسحاق وتوثيق العلماء
لروايته. ثم حرر النزاع حول مسألتين هما: ركنية الفاتحة في الصلاة، وقراءة
المقتدي لها.
الفصل الثالث:
وهو فصل موجز لأدلة أصحاب المسلك الثالث، فلا حاجة للإطالة، فهم قد أخذوا من كل مسلك بطرف، وردّوا بأدلة هذا على ذاك. ...
الباب الثالث:
وفيه ضبط المذاهب السابقة إجمالاً والإشارة إلى دليل كل منها تفصيلاً مع ترجيح يقبله أصحاب النظر الصحيح، استهله بما ورد في ركنية الفاتحة، مبينّاً أصل ومبنى الخلاف في المسألة.
ترجيح:
ثم يخلص إلى القول بعدم افتراض القراءة على المؤتم مطلقاً، واستحباب قراءة الفاتحة أو سنيّتها في السرية، ولما لم يثبت استحباب سكتات الإمام، لم يقولوا بالقراءة في السكتة، كما ذهب إليه جمع من المحدثين.
الخاتمة والملاحق:
وختم الكتاب بحكم قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة مرجحاً دليل من قال باستحباب القراءة فيها.
وزاد من قيمة الكتاب ملحقان اثنان: أحدهما لشيخ الإسلام ابن تيمية حول
القراءة، والثاني لحافظ المغرب ابن عبد البر، رحمهما الله، وقد بلغ الملحقان أكثر
من خمسين صفحة.
- ٤ -
وبعد، فهذا الكتاب حديث وفقه، يتصل بأعظم ركن من أركان الإسلام بعد
الشهادتين، يدرب القارئ على الاستدلال والمناقشة، ويأخذ بيده في دراسة الفقه
على بصيرة، وفي تضاعيفه تجد كثيراً من المسائل الحديثية والأصولية وغيرها.
وقد صدر هذا الكتاب بطبعة جديدة، فيها عمق الموضوع مع جمال الإخراج، وزوده المحقق بمقدمة عن الموضوع والمؤلفات ثم ترجمة المؤلف. وأضاف إليه
تعليقات ونصوصاً، وخرج أحاديثه وترجم لبعض أعلامه، وصنع لها فهارس تعين
على الإفادة منه.
وهذا لا يمنع من إبداء ملاحظة هامة؛ فالكتاب عليه حاشية للمؤلف نفسه،
التقط منها المحقق بعض الفوائد وأثبتها في الكتاب، ولو طبع الكتاب كاملاً لكان
أكثر فائدة، وإن كان سيؤدي إلى زيادة حجم الكتاب إلا إن كان القصد مصروفاً إلى
الكتاب نفسه دون حاشيته.
ووفق الله العاملين والمخلصين والحمد لله رب العالمين.
стр. 1086
مراجعات في عالم الكتب
نظرية الضرورة الشرعية
جدواها وضوابطها
تأليف: د. جميل بن محمد مبارك
عرض: هيثم الحداد
إن موضوع الضرورة من الموضوعات الهامة التي ينبغي على الدعاة وطلبة
العلم الإلمام بها، ومعرفة حدودها وضوابطها، ذلك إن الساحة الإسلامية على وجه
العموم والعمل الإسلامي على وجه الخصوص قد جدت فيه أمور غير مألوفة
وأحوال قد تضطر المسلم إلى الوقع فيما أصله المنع، وقد بلغت هذه الأحوال من
الكثرة حتى أصبح المسلم يواجهها في عدة صور وربما في كل يوم.
خذ أخي القارئ مثالاً على ذلك وهو السفر إلى بلاد الكفار، لقد أصبح المسلم
عرضة لهذا السفر كثيراً، فقد يطرد المسلم من بعض بلاد المسلمين لا يجد له
المأوى إلا في بلاد غير إسلامية، وقد يضيق عليهم في الرزق ولا يجد سعة فيه إلا
عند الكفار، بل قد يضيق عليه في دينه ودعوته ويجد فسحة في ذلك -وللأسف -
في البلاد التي يحكمها يهود أو نصارى.
وقد تضطره متابعة التعليم إلى الذهاب إلى هناك والإقامة بين أظهرهم ردحاً
من الزمن؟ أليست هذه أحوالاً استثنائية لم تكن معهودة من قبل؟ إذا كيف يواجه
المسلم - وخصوصاً الداعي - مثل هذه الأحوال وهل هي أحوال ضرورة تبيح له
ما كان محظوراً؟ إذا ما هي حدود الضرورة وما هي ضوابطها.
جواب هذه الأسئلة وغيرها تجدها في كتابنا هذا الذي نقدم تعريفاً موجزاً له.
وموضوع الضرورة قد تناوله الفقهاء في كتب الفقه على صورة أحكام فرعية متفرقة
في عدة مواطن، ولم يتحدثوا عن ضوابطها وحدودها، وتعرض لها الأصوليون في
كتب القواعد الفقهية - على وجه التخصيص - وغيرها ولكن بصورة غير مستقلة. فكانت هناك حاجة لمن يجمع شتات هذا الموضوع، ويجلي ضوابط الضرورة
وحدودها، حتى يسهل تفريع الأحكام عليها.
ومن الكتب المهمة التي جمعت شتات هذا الموضوع في بحث مستقل كتاب
(نظرية الضرورة الشرعية حدودها وضوابطها) .
وقد جاء هذا البحث منسقاً متناسقاً، أتى فيه مؤلفه على جميع ما يتعلق
بالضرورة من ضوابط وحدود بصورة واضحة، فاستطاع من خلاله أن يثبت، أن
الإسلام جاء بنظرية متكاملة شاملة للضرورة، جعلته أيسر الشرائع وأكثرها ملائمة
للحياة.
وقد قسم البحث هذا إلى أربعة أبواب بالإضافة إلى المقدمة والخاتمة:
* فقد ذكر في الباب الأول تعريف الضرورة وأدلة مراعاتها، وعلاقاتها
بالمشقة، والأسباب المؤدية إلى الضرورة، ومدى أثرها في إباحة المحظورات.
* أما الباب الثاني فقد خصصه لبعض المصطلحات الأصولية التي لها علاقة
بالضرورة مثل الاستحسان وسد الذرائع.
* ومن أهم أبواب الكتاب الباب الثالث، حيث تناول المؤلف فيه ضوابط
الضرورة.
* ولربط الموضوع ببعض الفروع الفقهية المعاصرة أفرد الباب الرابع لحديثه
عن بعض الأحكام المترتبة على الضرورة.
ومن أهم ما يتميز به هذا الكتاب:
- أنه يبدأ بتأصيل القاعدة وتوضيح حدودها وضوابطها ثم يذكر جملة من
الفروع الفقهية التي تبنى على هذه القاعدة.
لم يكن المؤلف جامداً في نقله عمن سبقه من العلماء أو الباحثين، بل كان
ينقل أقوالهم ويعمل نظره فيها بقوة، فيناقشها مناقشة هادئة مبنية على الأدلة
والقواعد العامة للشريعة، ثم على الواقع، انظر إليه -مثلاً- وهو يناقش تعريفات
الفقهاء للضرورة وما على هذه التعريفات من مآخذ، ثم تجده يخرج بتعريف مستقل
يقول فيه (خوف الهلاك أو الضرر الشديد على أحد الضروريات للنفس أو الغير
يقيناً أو ظناً إن لم يفعل ما يدفع به الهلاك أو الضرر الشديد) [١] .
- مما ينبغي على الباحثين الآن عدم الجمود على الأمثلة التي ذكرها الفقهاء
السابقون، بل لا بد من ضرب أمثلة حية لها صلة وثيقة بواقع المجتمعات الآن،
وفي هذا من الفوائد جعل العلم أقرب مأخذاً من قبل الناس، فينمو شعورهم بأن هذه
الشريعة قادرة على معالجة مشكلاتهم، ثم إنه يجعل الفقيه أكثر تفتحاً ومعرفة
بمشكلات العصر، وقد أجاد كاتبنا هنا أيما إجادة.
فمن ذلك أنه أفرد باباً مستقلاً في تطبيق نظرية الضرورة الشرعية على بعض
القضايا المعاصرة، ومما أورد فيه: أحكام السفر إلى بلاد الكفار وبعض الأحكام
التي تتعلق بالمسلمين الذين يعيشون في هذه البلاد، وأورد أيضاً مسألة التداوي
بالمحرمات عند الضرورة، ثم اقرأ ما كتب عن محاولات تبرير الفوائد الربوية
بالضرورة.
ومن أجمل ما في الكتاب أنك تقرأه فتشعر كأنه يتكلم عن واقعك وما يعانيه
المسلمون من مشكلات، وهذه نتيجة تلقائية لضرب الأمثلة الحية من واقع الناس.
يقول تحت عنوان العوامل التي تؤدي ببعض المفتين إلى الإفتاء بالضرورة
في غير محلها [٢] :
( ... ، ٣- سيطرة روح التيسير ورفع الحرج عن عقول كثير من الذين
يفتون بالضرورة في غير مكانها، ولعل طغيان هذه الفكرة ينبع أحياناً من الرغبة
في تحبيب الدين للناس، بعد أن أصبح الدين في أنفسهم مهلهلاً، وكادوا يعبدون الله
على حرف..) .
(٤- تعرض المفتي لبعض الضغوط من جهات معينة ترغب في استصدار
فتوى توافق ما تميل إليه، فيخضع المفتي لهذه الضغوط، ويلجأ إلى مثل هذه
العمومات إسناداً لفتواه، كرفع الحرج عن الأمة والتيسير والأخذ بقاعدة
الضرورات) .
(٥- تورط بعض المفتين في مثل تلك القضايا التي يسألون عنها في حياتهم
الشخصية فيحملهم ذلك على البحث عن مخرج في الشريعة لما يعيشون من تلك
القضايا، حتى لا يتهموا بالخروج عن النصوص الشرعية، وحتى لا تتعارض
فتاواهم للناس مع ما يمارسونه في شئونهم، فإذا لم يجدوا موئلاً في النصوص لجأوا
إلى آيات التيسير ورفع الحرج) .
(٦- عدم العلم الدقيق بتلك القضايا وعلم إحاطتهم بملآتها..)
بقي أن نقول إن الكتاب من طبع دار الوفاء للطباعة والنشر بالمنصورة وقد
جاء في ٤٩٤ صفحة مع المراجع وفهرس الموضوعات.
стр. 1087
شعر
هجوم السلام
عبد الرحمن بارود
يا حمامَ السلام.. عُدْ يا حمامُ ... لا يَفُلُّ الُحسامَ إلا الُحسامُ!
في زمانِ الصقور.. صِرْتُم حَماماً ... كيف يحيا مع الصقور الحمامُ؟
أيُّ عُرسٍ هذا؟ تزُفّونَ ماذا؟ ... ولماذا يُطبَّلُ الإعلامُ؟
ثَكِلَتْ أُمُّكمْ.. أليسَ لديكمْ ... غيُر: (عاش السلام) (يحيا السلامُ) ؟
والخواجا (شَيْلوك) [١] في الذَّبحِ ماضٍ ... منذ أن غَلّنا (أللِنْبِيْ) [٢] الهمامَ
أوَ غَيْرَ السَّاطوِر يُنصِرُ شيئاً ... تاجرْ البندقيِّة اللحَّامُ؟
* * *
في مَهَبِّ الرَّدى ... أمامي رصاصٌ ... وورائيْ خَناجرٌ وسهامُ
قُلْتُ إذْ غرَّدتْ صواريخُ [٣] قومي ... وقد احْمَّر باللَّهيب الظلامُ:
أعلينا.. وأنتِ غرْسُ يدينا؟ ... أيها العاشقون فاض الغرامُ
ليسَ بَعْدَ اليقين - يا عينُ - شكٌ ... أثْبَتَ الفعلُ ما نفاهُ الكلامُ
مع مَنْ أنتمو؟ وهلاّ رَفَعْتُمْ ... مِنْ ركوعٍ تصطكُّ منه العظامَ؟
مُسِخَ الُحبُّ.. فالحبيبُ غوريلا [٤] ... مُسِخَ الطب ... فالطبيبُ الُجذامُ
* * *
أينَ مليارُ (لا) ؟ ومليارُ (كلا) ؟ ... أينَ تلك المُحرَّمات الجِسامُ؟
ما لتلك اللاءات تهويْ تِباعاً؟ ... أَوَ هَلْ صار ربَّنا (العمُّ سامُ)
قُتِلتْ (لا) حبيبةُ العُمر غدراً ... و (نَعَمْ) .. رفرفتْ لها الأعلامُ
آَتَزُفُّ القيانُ (إِسِتْيرَ) [٥] أُخرى! ! ... أم (سَلوميْ) [٦] لها تُدارُ الُمدامُ
عادتِ النارُ في البراكِين ثلجاً ... وتخلى عن الرُعودِ الغمامُ
قد قَلَبتُم كلَّ الموازينِ قَلْباً ... وغداْ أوَّل الحلالِ الحرامُ
* * *
تابعوا الَكشفَ يا زَعاماتِ قَومي ... فبِكم تَفْخَرُ الكشوفُ العِظامُ
أيهوديةٌ فلسطيُن أيضاً؟ ... وأخونا ذو الغِبْطةِ الحاخامُ؟
أَوَ هذا وَعْدٌ لبلفورَ ثانِ؟ ... فامضِ بِلْفورُ.. ما عليكَ مَلامُ
أيها البائعونَ حيفا ويافا ... أهجومٌ هذا أمِ استسلامُ؟
قد جَلَبْتُمْ عارَ الزمان.. ولكنْ ... عَضَّ فَكَّ المعارضينَ اللِّجامُ
ومن الناسِ - يا جميلُ -.. قرودٌ ... ومِنَ الناسِ - إي وربي - نَعامُ
* * *
وَقَعَ السقْفُ يا صناديدَ قوميْ ... أوَ صاحونَ أنتمو أمْ نيامُ؟
أين فتحٌ؟ ؟ وأين: (إنَّا فَتَحْنا) ؟ ... شَدَّ ما غَيَّرَتْكُمُ الأيامُ! !
سُورةُ الفتح أُنزِلتْ في رعيلٍ ... أَلعماليقُ عندَهم أَقْزامُ
نَفَروا خَلْفَ قائدٌ من قُريشٌ ... عَقِمتْ عن نظيرهِ الأرحامُ
لا دُمىً.. لا تآمرٌ ... لا ذِئابٌ ... لا قطيعٌ يساقُ.. لا أصْنامُ
قَتَلَتْكُمْ أَزِقَّةٌ تَتَلوَّى! ... وجحورٌ فيها أَفاعٍ عِظائمُ
* * *
стр. 1088
مقال
في موسم الجفاف: يُجْتَثُ نخلنا
وينمو غَرْقَدُهُم ! !
خالد بن صالح السيف
التعامل مع النصوص وفق فهم سلفي منهجية يتجاوز بها ما يعتور الفهوم
الفاسدة من الخطل وانعدام الرؤية الشرعية تجاه قضايا الأمة بعامة.
وحسبي أنه مخاض لمسخ دلالة النصوص، واعتساف لتأول ذات الدلالة التي
يقتضيها.. ويلتزمها ظاهر النص [ولا تَرْكَنُوا إلَى الَذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ومَا
لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ] وبعد:
فثمة مسلمة بدهية تستجيب تلقائياً لمعطى المنهجية السالفة تستوعب الموقف -
العقدي - الممتد في وضح النهار من (مدريد) إلى (واشنطن) الحافل بإضاءة
الإدارة الصليبية ومباركتها! !
[ولَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ ولا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ]
[ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وبَاءُوا
بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ..] .
إن محض الحقيقة في صراعنا مع اليهود كفانا القرآن مؤنة استكناهها حيث
راحت سياقاته تكرس المفاصلة العقدية ليس غير، وتمنحنا آياته بُعداً في فهم العقلية
اليهودية ضمن رؤى مستقبلية: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصَارَى
أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ومَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإنَّهُ مِنْهُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ
الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا
دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ
نَادِمِينَ * ويَقُولُ الَذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إنَّهُمْ لَمَعَكُمْ
حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ * يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ
فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ
يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ واللَّهُ
واسِعٌ عَلِيمٌ] [١] .
فهل ثمة أرض.؟ وشعب؟ ! وحلٌ سلمى! ؟ ودماء فلسطينية يسأل عنها
الفلسطينيون وحدهم للبتِّ في تقرير مصيرهم؟ ! أم إنها القيادات واستجاباتها
لمرحلة النظام العالمي الجديد باستخذاء، وهي تتمتم مسبحة بحمد نزع الفتيل!
تبلغها الخشية فتسجد (سلاماً) على المذهبية الأمريكية بصلاة ثلاثية؛ يهودية! !
مسيحية! ! إسلامية! !
على رسلكم أيها - المدريديون - فالصراع العقدي لا تستطيع أن تغتاله أيدي
المأتمرين على الموائد المستديرة رغبة في إجهاض الجهاد الحل الصائب لأبعاد
القضية. ومهما (حاول أعداء المؤمنين أن يرفعوا للمعركة راية غير راية العقيدة،
راية اقتصادية أو سياسية أو عنصرية كي يموهوا على المؤمنين حقيقة المعركة،
ويطفئوا في أرواحهم شعلة العقيدة) [٢] لأن (الذي يغير راية المعركة، إنما يريد
أن يخدعهم عن سلاح النصر الحقيقي فيها) [٣] .
وما سلاح النصر الحقيقي إلا فريضة الجهاد.. ذروة سنام الإسلام، ليس غير. (إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم بأذناب البقر وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى تراجعوا دينكم) [٤] وما المراجعة إلا العودة إلى الجهاد.
ما سلف ارتأيته تقدمةً فحسب، لنقف وإياك على بُعْدٍ دلالي يتضمن ذات
المفاصلة بين المسلم، واليهودي يمتنع معها الالتقاء ويتعذر التفاوض ابتداءً، لتباين
الطباع وما جبلا عليه ومن قبل ما ألمحنا عليه في الجانب العقدي:
عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: (إن من
الشجر شجرة لا يسقط ورقها وهي مثل المسلم حدثوني ما هي؟ فوقع الناس في
شجر البادية، ووقع في نفسي أنها النخلة قال عبد الله: فاستحييت، فقالوا: يا
رسول الله، أخبرنا بها، فقال رسول الله ﷺ : هي النخلة.
قال عبد الله: فحدثت أبي بما وقع في نفسي فقال: لأن تكون قلتها أحب إلي من أن
يكون لي كذا وكذا) [٤] قال ابن حجر ﵀ في الفتح: (ووقع عند
المصنف في الأطعمة من طريق الأعمش قال: حدثني مجاهد عن ابن عمر قال:
(بينا نحن عند النبي ﷺ إذ أتي بجمار، فقال: إن من الشجر
لما بركته كبركة المسلم) وهذا أعمُّ من الذي قبله، وبركة النخلة موجودة في جميع
أجزائها، مستمرة في جميع أحوالها، فمن حين تطلع إلى أن تيبس تؤكل أنواعاً،
ثم بعد ذلك ينتفع بجميع أجزائها حتى النوى في علف الدواب والليف في الحبال
وغير ذلك مما لا يخفى، وكذلك بركة المسلم عامة في جميع الأحوال، ونفعه
مستمر له ولغيره حتى بعد موته) [٥] . ويبدو أن العلامة ابن حجر لم يشأ أن
يُفيض في تعداد أوجه الشبه وإلا فأوجه الشبه ربما تتجاوز ما ذكره ولم يكن ثمة
حصر يبتغيه فالمسلم والنخلة وجهان لحقيقة الوفاء والصدق والبر والنفع
المطلق و.. و..
وأما اليهودي فنقيض المسلم جملة وتفصيلاً، ولست في هذه المقالة أرصد
الفروق وأستجلي نعوت اليهودي وهي من الاشتهار بمكان لا مشاحة فيه حيث
النصوص المستفيضة من صريح القرآن وصحيح السنة.
غير أني سأوظف حديث أبي هريرة بالإسقاط على اليهودي حيث (الغرقد) ...
ومبدأ الخيانة في مرحلة (تدجين) النخل والغرقد بين سباخ (مدريد) وقيعان
(واشنطن) استلهاماً لتأبير جديد - جنس ثالث - يصنعه نظام عالمي.
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ
قال: (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود) [٦] .
بهذا الحديث الصحيح نمزق غشاوة التشاؤم. ونُحَرِّق أسبال الهزيمة.. ونُتْلِف
أعمة (؟) الجبن والهوان. كل ذلك نستدعيه بأسباب التمكين وأدوات النصر على
امتداد أجيال هذه الأمة، مع تعاطي (جيل مدريد) الأسباب المشروعة في الإعذار
إلى ربكم، وعلَّ أضعفه بث الوعي في (الجيل المدريدي) تجاه المفاصلة العقدية
بين المسلمين ويهود مع استقرار حيثيات الموائد المستديرة إبانها نعي لُعبة
(العسكري والحرامي) ونَكْبُر بوعينا العقدي على تطبيل التطبيع وزمّارة السلام! !
ولنعد مرة ثانية إلى حديث أبي هريرة ﵁ حيث الاستثناء (إلا الغرقد
فإنه من شجر اليهود) استنثناء خيانة وغدر وليس منقطعاً أو متصلاً! !
استجابة ربانية ليوم النصر يتضافر فيها المسلم والجماد - الحجر والشجر -
لتحقيق الوعد القاطع (يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله) منتهى الاحتفاء بالمسلم ويوم نصره ومشاركة فاعلة للقضاء على المفسدين في الأرض [وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ الله يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ الله لا يُخْلِفُ الله وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ] [الروم ٤-٧] .
الغرقد وحده يحالف اليهود استجابة بدهية للطباع المشتركة فيما بينهم وحينها
يلوذ بالصمت خيانة وغدراً (إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود) . فأي (سلام) مع
أقوام هذه (طباع) شجرهم؟ ! يبدو سؤالاً ساذجاً ... يبد أنه يتضمن إجابة تقريرية
تستخلص بداهة من حديث أبي هريرة والله المستعان.
بقي أن نقف على شيء من إرهاصات قرب ذلك التحقق، حيث تسخير الله -
لليهود بزراعة هذه الشجرة (الغرقد) حول المستوطنات التي
أقاموها على أرض فلسطين على هيئة أسوار نباتية مانعة لأن له أشواكاً قوية حادة
خطافية، كما أن له وجوداً في الأصل في فلسطين والأردن وذلك على السفوح
الصخرية ويعرف فيها بهذا الاسم: (الغرقد) . وجاء في علوم الطبيعة أن (أشهر
أنواعها خشب الأنبياء وخشب القديسين) [٧] .
تجاوزت الخلاف بين المعنيين في (علم النبات) حول حقيقة (الغرقد) وأثبت
ما جاء في (الموسوعة في علوم الطبيعة) السالف، لكونه يحمل دلالة لا أحسبها
تغيب عن حس كل مسلم يمت بسبب الشبه إلى وجه الشبه بينه وبين النخل..
стр. 1089
أثر الضعف الخلقي
في سقوط الأندلس
(٢)
د. حمد السحيباني
ذكر الكاتب في المقال السابق أن مما تمخض عن انحراف المسلمين في
الأندلس عن منهج الله ثلاث نتائج: الأنانية وحب الذات، والتشبه بالعدو وتقليده،
وانتشار المجون والخلاعة، وقد تحدث في المقال السابق عن الأنانية وحب الذات،
ويتابع هنا الحديث عن النتيجتين الأخريين.
٢- التشبه بالعدو وتقليده:
حينما دخل المسلمون بلاد الأندلس كانت لهم شخصيتهم الإسلامية المستقلة،
التي تميزوا بها عن غيرهم من الشعوب والأمم، وقد ظلوا خلال القرون الثلاثة
الأولى للوجود الإسلامي هناك محافظين على تلك الشخصية التي تأصلت فيها
الأخلاق والقيم النبيلة، ولكن حينما اعترى وجودهم الضعف، وعصفت بهم الفتن،
وخف الوازع الديني عند بعضهم بدأوا بالتخلي عن بعض تلك الأخلاق والتأثر
بأخلاق وعادات غريبة عليهم وعلى مجتمعهم، الأمر الذي جعل شخصيتهم
الإسلامية تأخذ بالاضمحلال ويسري فيها الضعف.
وقد أدرك هذا الأمر ابن خلدون حيث قال: (.. إذا كانت أمة تجاور أخرى
ولها الغلب عليها فيسري إليهم من هذا التشبه والاقتداء حظ كبير كما هو في
الأندلس لهذا العهد مع أمم الجلالقة فإنك تجدهم يتشبهون بهم في ملابسهم وشاراتهم
والكثير من عوائدهم وأحوالهم حتى رسم التماثيل في الجدران والمصانع والبيوت،
حتى لقد يستشعر من ذلك الناظر بعين الحكمة أنه من علامات الاستيلاء والأمر
لله) [١] .
كما ذكر ابن الخطيب أن جند مسلمي الأندلس تشبهوا بالنصارى في زيهم
وأسلحتهم [٢] ، ولم يقتصر الأمر على هذا، بل إن بعض مسلمي الأندلس قلد
النصارى في الاحتفال بأعيادهم ومناسباتهم الدينية [٣] .
وهناك فئة أخرى من المسلمين كانت تحضر مجالس النصارى وتشاركهم
أفراحهم، ومن هؤلاء منذر بن يحيى - صاحب سرقسطة - فقد بالغ في التشبه
بالنصارى وموالاتهم حيث كان يحضر عقود المصاهرة التي كانت تتم بين
أبنائهم [٤] .
كما أن حسام الدولة يحيى بن عبد الملك - صاحب مدينة شنتمرية - كان يقلد
النصارى في اقتناء القرود حيث أهدى إليه ألفونسو السادس ملك قشتالة قرداً كان
يفتخر به على ملوك الأندلس [٥] .
وقد أدى التشبه بالعدو وتقليده عند أولئك القوم أن (ذل الرئيس والمرؤوس
وافتقرت الرعية وفسدت أحوال الجميع بالكلية وزالت من النفوس الأنفة
الإسلامية) [٥] .
ومما لا شك فيه أن هذا الانهزام الذي مني به المسلمون في ذلك الوقت حينما
تأثروا بالنصارى قد تمخض عنه كسر الحاجز النفسي الذي كان موجوداً عند
المسلمين إزاء العدو النصراني الأمر الذي جعل مخالطتهم أو التأسي بهم أمراً مألوفاً
عند بعض المسلمين هناك، ولهذا خرجوا إلى ميادين الجهاد وهم غير آبهين بالعدو
ولا مستعدين لحربه، وقد ترك لنا الشاعر ابن الجدّ وصفاً لأهل بلنسية وهم
خارجون لملاقاة العدو النصراني غير مبالين بالعدو ولا آخذين بالعدة حيث قال:
لبسوا الحديد إلى الوغى ولبستم ... حلل الحرير عليكم ألواناً
ما كان أقبحهم وأحسنكم بها ... لو لم يكن ببطرنة [٦] ما كانا [٧]
هكذا زالت مهابة المسلمين عند النصارى حينما تخلوا عن أصالتهم وقيمهم
الإسلامية حيث أصبحوا حقيرين في عين العدو وأقل من أن يهتم بهم، وقد بين هذا
الأمر الفونسو السادس - ملك قشتالة - حيث قال لرسول المعتمد بن عباد لما قدم
إليه: (.. كيف أترك قوماً مجانين تسمى كل واحد منهم باسم خلفائهم وملوكهم وكل
واحد منهم لا يسل في الذب عن نفسه سيفاً.. وكيف يحل لبشر أن يقر منهم على
رعيته أحد وأن يدعها بين أيديهم سدى) [٨] .
٣- الخلاعة والمجون:
كان من مظاهر الضعف الخلقي عند مسلمي الأندلس في عصر ملوك
الطوائف انتشار كثير من الأوجاع الخلقية بينهم، كالمجون والخلاعة وشرب الخمر
والاستغراق في الملذات الجسدية والإكثار من الجواري والنساء حيث كان هذا الأمر
قاسماً مشتركاً بين كثير من ملوك الطوائف [٩] .
وقد أسهب المؤرخون في الحديث عن هذا الأمر، فقد ذكر ابن حيان أن
قرطبة حاضرة المسلمين هناك أصبحت مرتعاً خصباً لمزاولة تلك الرذائل، حيث
كان ملوك الطوائف إذا احتاجوا إلى شيء من الملهيات يرسلون رسلهم إلى قرطبة
للبحث والتنقيب عن الأوصاف التي يريدونها من الجواري، وأنه في شوال سنة
٤٢٢هـ ورد على أبي الوليد بن جهور في قرطبة رسول المظفر بن الأفطس
يلتمس شراء وصائف ملهيات يأنس بهن فوجد له صبيتين ملهيتين عند بعض التجار
واشتراهما له [١٠] .
كما ورد على أبي الوليد بن جهور بقرطبة من الكتب في يوم واحد كتاب من
ابن صمادح صاحب المرية يطلب فيها جارية عوادة، وكتاب من ابن عباد يطلب
جارية زامرة [١١] .
وقد اشتهر المعتضد بن عباد بأنه كان (له كلف بالنساء وخلط في احباسهن
فانتهى في ذلك إلى مدى لم يبلغه أحد نظرائه) كما أن المعتمد بن عباد كان مولعاً
بالنساء حيث خلع ثمانمائة امرأة من أمهات الأولاد وجواري المتعة وإماء
الخدمة [١٢] .
وكان مجاهد العامري صاحب دانية والجزر الشرقية ذا شخصية مزدوجة
(فطوراً كان ناسكاً، وتارة يعود خليعاً فاتكاً لا يساتر بلهو ولا لذة، ولا يستفيق من
شراب وبطالة، ولا يأنس بشيء من الحقيقة، له ولغيره من سائر ملوك الطوائف
في ذلك أخبار مأثورة [١٣] ، أما هذيل بن خلف بن رزين صاحب شنتمرية فقد
كان من أرفع ملوك الطوائف همة في اقتناء القينات حيث اشترى جارية بثلاثة
آلاف دينار [١٤] .
هكذا غرق أولئك القوم في مستنقع الفحش والرذيلة، وقد استغل هذا الأمر بعض الوزراء والموظفين الذين رغبوا أن يستبدوا بالحكم والسلطان، فأشغلوا
حكامهم بإغراقهم في الملذات، وإشغالهم بالنساء اللائي كثرن وأخذ الكثيرات منهن
تطمح في ولاية من تربِّيه من أبناء السلطان حتى يكون لها الحظوة والغلبة [١٥] .
ويذكر الأمير عبد الله بن بلقين أن إشغال الحكام بالنساء كان أمراً مألوفاً عند وزراء
دولة بني بلقين في غرناطة [١٦] .
أما شرب الخمر في قرطبة وغيرها من بلدان ملوك الطوائف فيبدو أنه أصبح
أمراً لا غرابة فيه في ذلك العصر، ولهذا لما حاول ابن جهور منعها مدحه الشعراء
ومنهم ابن زيدون وعبد الرحمن بن سعيد المصغر [١٧] ، كما ذكر المقري أن وادي
اشبيلية لا يخلو من جميع أدوات الطرب وأن شرب الخمر فيه غير منكر [١٨] .
ولعل القارئ لدواوين الشعر في ذلك الوقت يدرك كيف أن وصف الخمرة
والتغني بها كان أمراً مألوفاً عند كثير من شعراء ذلك العصر حتى قال أحدهم [١٩] :
فجل حياتي من سكرها ... جرت مني الخمرة مجرى دمي
ولم يكن هذا الأمر قاصراً على فئة معينة من الناس، بل كان كثير من الناس
يقضون لياليهم أيقاظاً يجتمعون على الكؤوس حتى الصباح [٢٠] .
وكان للطرب والغناء نصيب عند أولئك القوم حيث كانوا يتفاخرون بكثرة
آلاتها ومجيديها حيث يقولون: عند فلان عودان وثلاثة وأربعة وأكثر من ذلك [٢١] .
ولو حاولنا استقصاء ما ذكره المؤرخون حول الطرب والغناء في عهد ملوك
الطوائف لطال بنا المقام ولكن قد يكون من المناسب أن نكتفي بذكر ما قاله أحد
الباحثين المحدثين حول هذا الموضوع حيث قال: (فانتشرت مجالس الغناء وأصبح
هذا الفن بجملته جزءاً من ثقافة الشعب) حتى لنجد الفلاح في حقله والعامل في مصنعه والفقير في كوخه لا يقل ولع أحدهم بالغناء عن الأمراء والعظماء [٢٢] .
وقد بدأت أعراض تلك الأوجاع التي حلت بالمجتمع الإسلامي في الأندلس في
تلك الفترة تظهر عياناً، فقد استخف بعض الناس بالدين، وتجردوا من الأخلاق
والقيم الإسلامية، ولم يعد هناك وازع من دين أو ضمير، فقد ذكر ابن حزم أن
إبراهيم بن سيار النظام رأس المعتزلة في الأندلس عشق غلاماً نصرانياً فوضع له
كتاباً في تفضيل التثليث على التوحيد تقرباً إليه [٢٣] ، كما يذكر - أيضاً - أنه في
ذلك العصر قد عظم البلاء فهان القبيح ورق الدين حتى رضي الإنسان بالفضائح
والقبائح مقابل وصوله إلى مراده وشهوته، وقد حكى لنا كثيراً من القصص حول
هذا الموضوع منها ما ذكره حول (عبيد الله بن يحيى الأزدي المعروف بابن الحريري فإنه رضي بإهمال داره وإباحة حريمه والتعريض بأهله طمعاً في الحصول على بغيته من فتى كان علقه..) [٢٤] .
وكان ممن غرق في مستنقع الرذيلة ولادة بنت المستكفي الأموي أعلنت
وقوعها في هذا الأمر حيث كتبت بالذهب على طرازها الأيمن [٢٥] :
أنا والله أصلح للمعالي ... وأمشي مشيتي وأتيه فيها
وكتبت على الطراز الأيسر:
وأمكن عاشقي من صحن خدي ... وأعطي قبلتي من يشتهيها
هذه أهم مظاهر الضعف في الجانب الخلقي التي حلت بالمجتمع الإسلامي في
عهد ملوك الطوائف، وقد انعكست آثار ذلك على قوة المسلمين فأضعفتها.
ومما لا شك فيه أن هذا الضعف الذي مني به ملوك الطوائف قد جعل مسلمي
الأندلس يصابون بخيبة أمل لأنهم أدركوا أن زمام الموقف أصبح بيد النصارى
المتربصين، وقد عبر عن هذا الشعور الشاعر الأندلسي ابن العسال حينما
قال [٢٦] :
حثوا رواحلكم يا أهل أندلس ... فما المقام بها إلا من الغلط
السلك ينثر من أطرافه وأرى ... سلك الجزيرة منثوراً من الوسط
من جاور الشر لا يأمن عواقبه ... كيف الحياةُ مع الحيّاتِ في سفط
ولم يكن هذا الشعور قاصراً على المسلمين بل تعداهم إلى العدو النصراني
الذي أدرك أن حصون المسلمين الداخلية قد ضعفت وأن الفرصة أصبحت مهيأة له
لدخول الثغور والحصون الخارجية ولهذا وضع خطة حربية تتناسب مع ذلك الواقع
وقد أبان هذه الاستراتيجية الحربية فرناندو بن شانجه ملك جليقية أثناء حصار
النصارى لمدينة طليطلة سنة ٤٧٨ هـ حيث قال لأهلها الذين خرجوا يطلبون
الصلح معه لما أعيتهم المقاومة: ( ... ما أجيبكم إلى سلم، ولا أعفيكم من حرب..
فإنما نطلب بلادنا التي غلبتمونا عليها قديماً في أول أمركم فقد سكنتموها ما قضي
لكم، وقد نصرنا الآن عليكم برداءتكم، فارحلوا إلى عدوتكم - يعني بلاد
المغرب - واتركوا لنا بلادنا، فلا خير في سكناكم معنا بعد اليوم [٢٧] ...
(كما أبانها الفونسو السادس - ملك قشتالة - حيث قال لرسول المعتمد بن عباد حينما قدم إليه كيف أترك قوماً مجانين [٢٨] .
وقد صرح بتلك النوايا والخطط الفونسو السادس ششنندو (مسنندو) حيث يذكر
الأمير عبد الله بن بلقين - أحد ملوك الطوائف - في مذكراته أن هذا الوزير
النصراني قال لمسلمي غرناطة قبيل سقوط مدينة طليطلة بأيدي النصارى سنة
٤٧٨ هـ (١٠٨٥ م) (إنما كانت الأندلس للروم في أول الأمر حتى غلبهم العرب
وألحقوهم بأنخس البقاع جليقية فهم الآن عند التمكن طامعين بأخذ ظلاماتهم فلا
يصح ذلك إلا بضعف الحال والمطاولة حتى إذا لم يبق مال ولا رجال أخذناها بلا
تكلف) [٢٩] .
هكذا كشر النصارى عن أنيابهم العدائية فأبانوا خططهم. ونواياهم ضد
الإسلام والمسلمين هناك، كما بدأوا بعملياتهم الحربية والتي اسموها بحرب
الاسترداد، حيث تمكنوا خلالها من اجتياح العديد من المدن والثغور الإسلامية ومن
أهمها مدينة قلمرية وبربشتر سنة ٤٥٦ هـ (١٠٤٦ هـ) وطليطلة سنة
٤٧٨ هـ (١٠٨٥ م) ثم بلنسية سنة ٤٨٧ هـ (١٠٩٤ م) [٣٠] .
وبعد هذا العرض السريع فإنه بوسعنا أن نقول: إن العد التنازلي للوجود
الإسلامي بالأندلس قد بدأ منذ عهد ملوك الطوائف الذين حادوا في كثير من
تصرفاتهم عن الخط الإسلامي، وإن هذا الضعف الذي مني به المسلمون هناك هو
المرحلة المبكرة من مراحل سقوط بلاد الأندلس لأن المراحل التالية تعتبر امتداداً لها
من حيث المسببات والنتائج.
стр. 1090
المسلمون والعالم
المسلمون في يوغسلافيا
محمد آل الشيخ
يشهد الحج كل عام ١٥٠٠ حاج تقريباً من يوغسلافيا. ترى ما هو حال
إخواننا هؤلاء؟ وكيف وصلهم الإسلام؟ وما مشاكلهم؟ هذا ما سنحاول أن نعرفه
في هذا المقال.
لقد قام الرئيس الهالك تيتو قبل أن يقعده المرض الذي أصاب رجله بحوالي
شهر بزيارة إلى جمهورية محلية هي البوسنة والهرسك، وألقى خطاباً هناك كان
أبرز ما فيه هجومه العنيف على النشاطات الهدمية لبعض الدوائر الدينية، ومع أنه
لم يسمّ هذه الدوائر إلا أن الجميع كان يعلم أنه يعني القيادات الإسلامية في البوسنة
والهرسك.
لم يكن هذا الرجل يجهل أن عدد المسلمين في يوغسلافيا يصل إلى ٣٣% من
مجموع السكان البالغين أكثر من ٢٣ مليون نسمة، وأن جمهورية البوسنة والهرسك
هي أهم معاقل المسلمين هناك، ولكن لم تكن هذه إلا حلقة في سلسلة معاناة
المسلمين اليوغسلاف الطويلة.
إحصائيات:
تتكون يوغسلافيا اليوم رسمياً من ست جمهوريات:
١- جمهورية صربيا
٢- جمهورية كرواتيا
٣- جمهورية البوسنة والهرسك
٤- جمهورية مقدونيا
٥- جمهورية الجبل الأسود
٦- جمهورية سلوفينيا
وبعض الأقاليم التي لم تحصل على استقلال وبقيت تحت حكم الصرب،
الذين فعلياً يتحكمون في الاتحاد اليوغسلافي كله وعلى رأسه الحكومة المركزية
والجيش الاتحادي.
ويتركز وجود المسلمين في البوسنة والهرسك، فهم يشكلون ٥٦% من
مجموع السكان البالغ خمسة ملايين ونصف، وفي جمهورية مقدونيا بنسبة ٢٤%
من مجموع السكان البالغ مليونين ونصف وجمهورية الجبل الأسود بنسبة ٢٣% من
مجموع السكان البالغ ٨٠٠ ألف، وإقليم كوسوفو بنسبة ٩٣% من مجموع السكان
البالغ مليونين و ٦٠٠ ألف، وأعداد قليلة متوزعون في باقي البلاد ولا تتجاوز
نسبهم ٢%-٣%.
وترجع أصولهم في الغالب إلى أحد ثلاثة أعراق هي: أصول سلافية وهم
سكان البلاد الأصليين ويسكنون غالباً في جمهورية البوسنة والهرسك، وأقليات
قليلة في باقي المناطق، وأصول تركية ويشكلون ٩٣% من مسلمي مقدونيا وهم في
يوغسلافيا كلها اليوم لا يتجاوزون ٤٠٠ ألف مسلم، وأصول ألبانية وهم حوالي
مليونان ونصف، ويتركزون في كوسوفو والجبل الأسود.
ويبلغ عدد المسلمين في يوغسلافيا كلها ما يزيد عن سبعة ملايين ويشكلون مع
الصرب أكبر (قوميتين) في يوغسلافيا اليوم.
دخول الإسلام إلى يوغسلافيا:
يرجع دخول الإسلام وتمكنه في البلاد إلى عاملين مهمين: الأول هو الفتح
العثماني عام ١٤٦٣ م حيث لم يكن فيها مسلمون قبل ذلك. والعامل الثاني هو
الترحيب الذي لقيه العثمانيون من شعب البوسنة فقد كانوا يعانون من اضطهاد
الكنيسة الكاثوليكية لهم بسبب اختلاف المذهب. فوجدوا في حكم الإسلام متنفساً
لعقائدهم، ثم وجدوا فيه بعد فترة عقيدة أكثر ملائمة لفطرتهم، فاعتنقوه عن رغبة
واقتناع، ثم تجاوز الأمر ذلك فأخذوا يدخلون في الإسلام بشكل جماعي.
ثم أصبحت البوسنة بعد ذلك ولاية عثمانية، فهاجر إليها مجموعة من
المسلمين الأتراك، وأولتها دولة الخلافة عناية خاصة في المنطقة، فساعد ذلك على
إنشاء المدارس والمساجد والمكتبات العامة. فعرفت البلاد لغات أخرى مثل التركية
والعربية إضافة إلى لغة القوم الأساسية وهي الصرب - الكرواتية، فساعد هذا كله
على ظهور حضارة وثقافة جديدة خاصة بالبلاد ميزتها عن جيرانها. حيث شهدت
تطوراً ثقافياً حقيقياً سبقت به غيرها من الشعوب المجاورة بفضل الإسلام، مع أن
أصل سكان البوسنة هم خليط من الصرب والكرواتيين إلا أنهم شهدوا بدخولهم
الإسلام ما لم يشهده جيرانهم.
ظهور قومية جديدة:
لم يعد خافياً على أحد هذا التطور المهم الذي حصل لشعب البوسنة، فكل من
زار المنطقة في تلك الفترة شهد بذلك، ولا يصعب عليه التعرف على العادات
والأخلاق الجديدة التي اكتسبوها من الإسلام، فكان لها أثر هام في نشوء رابطة
قوية بين أبناء الدين الجديد (الإسلام) متجاوزين بذلك أصولهم العرقية، وما لبثت
هذه الرابطة أن تمكنت منهم وأخذت بعداً ثالثاً هو الإقليم، فكانت بذرة لنشوء قومية
جديدة في المنطقة اسمها القومية الإسلامية، وهي ليست كما يفهمها المسلمون اليوم
رباطاً يربط المسلم بأخيه المسلم مهما كان عرقه أو لونه، وإنما هي قومية خاصة
تربط سكان تلك المنطقة المسلمين فيما بينهم ولا تتعداهم إلى غيرهم أو هي - كما
وصفها بعض الكتاب - أقرب إلى تفاعل كيماوي استمر ٥٠٠ سنة لشعوب متباينة. ولدت شعباً واحداً لا يمكن إعادته إلى أصوله القديمة، وظلت هذه الرابطة
الإسلامية طابعاً مميزاً لهم إلى اليوم.
بداية مرحلة المعاناة:
لقد تعرض، هؤلاء المسلمون لاضطهاد وتنكيل قل أن يتعرض له شعب آخر
خاصة في طول المدة التي طال فيها التنكيل.
لقد اضطهد الصربيون المعروفون بشدة تعصبهم الديني وقسوتهم مع خصومهم
أبناءهم وإخوانهم الذين أسلموا اضطهاداً شديداً، وكذلك فعل المقدونيون والكرواتيون
والمجريون.
ولكن هذا الاضطهاد أدى إلى نتيجة عكسية حيث ازداد تلاحم المسلمين فيما
بينهم وأدى ذلك إلى مفارقة أكثر لأقوامهم، وبكلمات أخرى أدى ذلك إلى تبلور
أوضح للرابطة الإسلامية.
وساعد على هذا الاضطهاد اضطهاد خارجي مارسته دولة النمسا-المجر (التي
قامت على اتحاد هاتين الدولتين والتي كانت من أقوى دول المنطقة في ذلك العصر) ، وكانت ولاية البوسنة خط الدفاع المتقدم للدولة العثمانية، التي كانت في صراع
مستمر مع دولة النمسا-المجر. فاضطروا إلى استقبال أعداد من الجيوش العثمانية، فدارت على أرضهم حروب كثيرة بين دول عظمى في ذلك الوقت.
الانفصال عن الدولة العثمانية:
استمر أمر هؤلاء البوسنيين على هويتهم الإسلامية، وغدا رجوعهم عنها
أمراً مستحيلاً، وظلت تحت حكم العثمانيين دهراً من الزمان.
ولكنهم سخطوا على الانحرافات السلبية في أواخر عهد الحكم العثماني سواء
على مستوى الدولة في المركز أو على مستوى الولايات والحكم في المقاطعات،
والفساد الذي انتشر، والظلم الذي عم جميع الرعايا والشعوب مسلمين وغير
مسلمين، وهذه سنة من سنن الله في الدول إذا كتب لها الزوال ظهر الظلم وقلّ
العدل وعميت البصائر فسخط الناس، فأدى ذلك إلى زوالها.
وبعض مفارقات هذه القومية المحلية أنهم لم يجدوا غضاضة في طلب
الانفصال عن دولة الخلافة، فكانوا مثل بقية دول البلقان التي عمها السخط على
الخلافة العثمانية فساعد ذلك على سرعة سقوط الخلافة.
وقد كان رد فعل الدولة العثمانية قوياً على هذه المحاولات فأرسلت لهم جيشاً
قوياً لقمع هذه المحاولات الانفصالية. ولكن حدثت حادثة أهم من تلك، ففي مطلع
هذا القرن حين أدت الصراعات الدولية في البلقان وتقاسم تركة الدولة العثمانية إلى
إعلان دولة النمسا-المجر ضم البوسنة الهرسك إليها فأصبحت تحت احتلال ألد
خصومهم من النصارى الذين ساموهم أشد أنواع العذاب، وسعوا لتدمير هويتهم
الدينية المتميزة في المنطقة، فحلوا جميع الجمعيات والمنظمات والأحزاب السياسية
والثقافية والدينية، وحظروا عليهم ممارسة أي نشاط وسلبوهم كل حقوقهم، فرد
المواطنون المسلمون على ذلك بمقاومة عسكرية ومدنية ضارية، وأنشأوا أحزاباً
ومنظمات سرية (وهو رد فعل طبيعي لأي شعب يقع عليه ظلم أو كبت) فنظموا
مجابهة قوية للاحتلال، وطلبوا الاستقلال عن النمسا والدولة العثمانية معاً، وهذا
الخلط بين الدولة العثمانية والنمسا جرّ عليهم ويلات كثيرة فيما بعد.
ولقد شاء الله في تلك الأثناء أن يزور ولي عهد النمسا مدينة سراييفو عاصمة
البوسنة فيقتل هناك فأرسلت النمسا جيشا لذلك، فطلبت البوسنة النجدة من روسيا،
فكانت هذه هي الشرارة التي كانت تنتظرها الدول الاستعمارية في ذلك الوقت
لتنشب الحرب العالمية الأولى.
البوسنة والهرسك تحت حكم الصرب:
لقد أفرزت هذه الصراعات الدولية ظهور دول في البلقان مثل ألبانيا وبلغاريا
واليونان وصربيا ورومانيا والجبل الأسود. ولكن الحال كان مختلفاً بالنسبة
للبوسنيين، حيث رأت الدول المنتصرة في الحرب مكافأة الصرب على تضحياتهم
في حروبهم ضد العثمانيين بأن تضم لها بعض المناطق وعلى رأسها البوسنة
والهرسك. (وليس خافياً على أحد ما تخفيه هذه الخطوة من أحقاد صليبية دفينة)
فشهد المسلمون أصعب فترات تاريخهم (١٩١٨ م - ١٩٤١ م) فالصرب مصرون
على أن البوسنة والهرسك من أراضيهم وأن شعبها جزء من أمة الصرب، لذلك
وضع الصرب سياسة قمعية تقوم على:
١- إلغاء أي كيان مستقل اسمه البوسنة، وتقسيم أراضيها بين صربيا
وكرواتيا.
٢- رفض وجود شعب بوسني متميز، وقسم السكان حسب السلالات
والأعراق السابقة عن إسلامهم.
٣- سلب جميع أملاك المسلمين البوسنيين حتى الأوقاف وتحويلهم جميعا إلى
أقنان وعبيد عند الإقطاعيين والملاك الصرب والكرواتيين.
٤- بدأ محاولات بالقوة لإرجاعهم إلى المسيحية.
٥- أُغلقت جميع المدارس والمؤسسات التي تعلم باللغة العربية أو التركية أو
تعلم الدين الإسلامي.
٦- تدمير جمع الرموز التاريخية التي تظهر الطابع الإسلامي للمنطقة
وسكانها، وإحراق الكتب وسلب المنازل وتدمير محتوياتها.
وطبقت هذه السياسات بأقسى صورها على المسلمين فاضطر كثير من
المسلمين إلى التظاهر بترك دينهم. وظلت المنطقة بين عامي ١٨٩٢ م - ١٩٤١ م
معزولة عن العالم تعاني كل أنواع الاضطهاد والتنكيل دون أن يعلم بها أحد، بل إن
تاريخها في تلك الفترة ظل مجهولاً، وكأنها ليست من العالم، أو أن أهلها ليسوا من
البشر.
ثم زاد الأمر قسوة - فيما بعد - وجود حكم علماني في تركيا بقيادة مصطفى
كمال الذي تنكر لكل الأقليات الإسلامية التي كانت دولة الخلافة ترعاها في الماضي، فقد كان معادياً لكل ما يمتّ للخلافة العثمانية بصلة فتُرِك المسلمون في البوسنة
لوحشية الصرب وحدهم.
المسلمون تحت حكم الشيوعيين:
خلال الحرب العالمية الثانية ونشوب الحرب الأهلية بين الصرب والكروات
اشترك هؤلاء في محاولة لتصفية مسلمي البوسنة، على حد زعمهم، فارتكبت
مذابح جماعية ضدهم، ونهبت أراضيهم وقسمت على غيرهم، وقد قتل في هذه
الحرب من الجميع مليونا شخص خلال ثلاث سنوات. عند ذلك برزت (جبهة
الأنصار) الشيوعية تنادي بوحدة يوغسلافيا، وإعادة بنائها على أساس المساواة بين
جميع الشعوب الناطقة باللغة الصربية والكرواتية، فبادر المسلمون إلى تأييد ذلك،
ومما يجهله كثير من الناس أن المسلمين كانوا في مقدمة الثوار الذين قاتلوا في سبيل
استقلال يوغسلافيا وتحريرها من الحكم النازي.
ومع ذلك تنكر الشيوعيون لمسلمي البوسنة حين وصلوا للسلطة، وشكلوا
حكومة فدرالية في البلاد ومنعوا قيام كيان مستقل للمسلمين في يوغسلافيا الجديدة،
بل إن الأمر كان أخطر من ذلك فقد استمر اضطهادهم على أيدي الصرب أيضاً
(الذين استولوا على الحكومة المركزية) ، فخيرهم تيتو الهالك بين أن يكونوا صرباً
أو كرواتا، وإذا رفضوا ذلك عاشوا مشتتين في البلاد! وهكذا قامت خمس
جمهوريات ومنعت السادسة، ومنع المسلمون الذين كانوا ربع السكان في ذلك
الوقت من الوصول إلى مناصب عليا في الدولة أو أي منصب حساس داخل البوسنة
نفسها.
ومع أن الحكم كان شيوعياً إلا أنه سمح للأعراق والمذاهب والأقليات بتنمية
خصائصها وإبراز تقاليدها الاجتماعية والروحية باستثناء المسلمين كما وعد تيتو،
ثم صدرت قوانين لحماية حقوق اليهود والمسيحيين، وصدرت قوانين أخرى
تصادر وتمنع حقوق المسلمين. وهكذا اضطر كثير من المسلمين إلى التظاهر بعدم
الإسلام للنجاة من كثير من الاضطهادات.
ومُورست سياسة الإهمال لكثير من مناطق المسلمين مثل البوسنة والهرسك
وكوسوفو بل ومناطق سكن المسلمين أنفسهم داخل صربيا وكرواتيا وتدل إحصائيات
الحكومة نفسها أن مناطق المسلمين أفقر المناطق في يوغسلافيا وأقلها دخلاً وأعلاها
بطالة. في حين أن صربيا وكرواتيا لا تقل عن مستوى بعض الدول الأوربية
الغربية بينما نجد مناطق البوسنة وكوسوفو في مستوى بعض دول أفريقيا أو ولايات
الهند.
الاعتراف بالبوسنة والهرسك:
قاوم البوسنيون بطبيعة الحال هذه السياسة بتصميم على انتزاع حقوقهم، من
داخل المؤسسات اليوغسلافية وبطريقة إيجابية، حتى باتت تهدد بانفجار الصيغة
التي وضعها تيتو للدولة، فاضطر للاستجابة لحقوقهم، ففي عام ١٩٦٨ م فرضت
مطالبهم نفسها على المجتمع والدولة.
وفي يناير عام ١٩٧٤ م صدر دستور ينص على قيام جمهورية البوسنة
والهرسك كجزء من دولة يوغسلافيا فانزاح بذلك هم كبير عن كثير من المسلمين،
وأظهر كثير من المستخفين إسلامهم، وأدلّ شيء على ذلك أن نسبة المسلمين في
البوسنة كنت ٢٥% عام ١٩٦١ م وبعد أن خفّ اضطهادهم عام ١٩٧١ م أصبح
٣٩% ثم في عام ١٩٨٨ م أصبحت ٥٦%، وما زال كثير منهم يتخفى بدينه خوفاً
على وظيفته أو طمعاً في منصب يطمح إليه. غير أن الصرب والكرواتيين لم
يكونوا مسلّمين ولا راضين بهذا التطور وكانوا يتربصون للاستيلاء عليها وتقسيمها
من جديد.
حرب أهلية جديدة:
في صيف العام الماضي ١٩٩١ م أعلن الكرواتيون الانفصال عن الحكومة
الفدرالية التي كان يسيطر عليها الصرب فعلياً، فثارت الأقلية الصربية داخل
كرواتيا والتي يبلغ عددها ٦٠٠ ألف نسمة وطلبت تدخل الجيش الاتحادي، فكانت
بداية لحرب أهلية جديدة، ثم تبعتها جمهوريات أخرى فسحب الجيش الاتحادي
قواته منها إلى سراييفو، وفي نهاية شهر ديسمبر من العام الماضي أعلنت البوسنة
والهرسك الاستقلال، وكما هو متوقع ثارت الأقلية الصربية والتي يبلغ عددها
حوالي مليون شخص وطالبت في شهر يناير من هذا العام بالبقاء ضمن الاتحاد الذي
لم يعد يضمّ إلا صربيا والجبل الأسود وبعض الأقاليم مثل أقليم كوسوفو وغيره، ثم
في خطوة جريئة طالب المسلمون في كوسوفو وهم الأكثرية ويحكمها الصرب
والمسلمون في الجبل الأسود وفي مقدونيا طالبوا جميعاً بالاستقلال لتشكيل حكومة
جديدة مستقلة والملفت أنهم لم يطلبوا الانضمام إلى المسلمين في البوسنة والهرسك
وهذا من أهم تأثيرات اعتبار الإسلام قومية محلية عند هؤلاء المسلمين، وستحظى
هذه الخطوة بردة فعل قاسية من بعض دول المنطقة فهم بالتعاون مع ألبانيا سيكون
لهم وجود قوي في المنطقة، وكذلك ستظهر إلى السطح مشاكل حدودية قديمة، وقد
حظيت كرواتيا وسلفينيا بترحيب واعتراف من أوربا والفاتيكان، أما المسلمون فمن
المتوقع أن يواجهوا صعوبات أكثر مما واجهها الكروات بحكم تمركز الجيش
الاتحادي على أراضيها، ووجود جالية صربية كبيرة ممتزجة مع السكان،
ووقوعها في البلقان وهو مركز مهم للتعصب الكنسي منذ القدم.
واجباتنا تجاه إخواننا هناك:
إن مشكلة بهذا الحجم والتعقيد، وفي مواجهة خصم بمثل هذه القسوة والهمجية
تّحتّم وجود حل قوي تتبناه الدول الإسلامية الغيورة على أحوال المسلمين، وذلك
لتأمين وضع يحفظ للمسلمين حقوقهم ويحافظ على بقائهم في تلك المنطقة الملتهبة
من البلقان، وليكن في تخاذل تركيا العلمانية درس لنا اليوم فلا يُتركوا كما تركوا
بالأمس، وهذه الأمانة تحتاج إلى رجال إن كان في القوم رجال.
على أن هذا لا يعفي المؤسسات الإسلامية مثل الجامعات والمراكز الإسلامية، وغيرها من مسؤولياتها تجاههم، فيجب أن يتولوا القضية الإسلامية في يوغسلافيا
بقوة، وأفضل ما يقدمونه لهم هو بث الوعي الإسلامي بينهم، وتعميق الشعور
بالوحدة الإسلامية مهما كانت الأصول، فهو أكثر ما يحتاجونه اليوم، وتُخصص
لهم منح في الجامعات في العالم الإسلامي، وتعقد عندهم الندوات العلمية، ويساعد
على نشر الكتاب الإسلامي بينهم بلغتهم ويُيسر لهم بعثات للحج والعمرة ويُعطون
أولوية في الدورات العلمية المتنقلة.
وللأفراد المسلمين دور يقومون به نابع من الاهتمام بأمور المسلمين. نذكر
منه: متابعة أحوالهم وتطور قضيتهم خاصة هذه الأيام، والسؤال عنهم ومعرفة
حاجاتهم، وبث الوعي الإسلامي بينهم وتبني قضيتهم في كل صعيد والدفاع عنها
والدعاء لهم.
إن تكاتف جهود المسلمين لحل مشاكلهم هو النموذج الأمثل لإعادة مجد الإسلام
ورفع الظلم عن المسلمين في باقي الأماكن، وخطوة مهمة في الطريق الصحيح
الذي بدت معالمه تلوح في كل مكان.