← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

ربيع الأول - ١٤١٢هـ أكتوبر - ١٩٩١م (السنة: ٦)

стр. 982

جمادى الأولى - ١٤١٢هـ نوفمبر - ١٩٩١م (السنة: ٦)

стр. 983

الافتتاحية في اللهب ولا نحترق ! إن الأمم والشعوب كالأفراد، يقلد بعضها بعضاً، ويتأثر ويؤثر بعضها في بعض، وهذا أمر طبيعي وسر من أسرار الصراع الذي تقوم عليه الحضارات. وهذا التأثر والتأثير: بعضه ما تسعى إليه الجهة الغالبة، على غير رغبة من المغلوبة، وبعضه ما تسعى إليه الجهة المغلوبة على غير رغبة من الغالبة.. ونحن - المسلمين - لا نشذ عن هذه القاعدة فقد أثَّرنا وتأثرنا، واقترضنا وأقرضنا، سواء عن رضا ووعي، أم عن كره وإذعان. غير أن كفة الاقتراض والاستدانة قد بدأت ترجح يوماً بعد يوم، حتى وصلنا إلى مرحلة الإفلاس والاعتماد على الاستدانة في جميع المجالات تقريباً. ومنذ أن دَهَمنا الغرب دَهْمَتُه الثانية بحضارته الوثنية المسيحية، قبل حوالي قرنين تقريباً، ونحن نتخبط كالعميان في ظلمة مطبقة، نحاول المخرج من هذا المصير الذي صرنا إليه، وكلما ظننا - أو ظن بعضنا - أننا كدنا ننجو، جَبَهَنا جدار جهم قاسٍ، فأصابنا دوار يشل الحركة زمناً، ثم ننهض نتلمّس المخارج من جديد. ولا ننفك - ونحن في هذه الحالة البائسة - عن التلاوم وتبادل التهم التي تؤدي كثيراً إلى أن يأخذ بعضنا برقاب بعض، وتشحن القلوب، وتنتفخ الأوداج، فمن ملقٍ سبب ارتطام رأسه بالجدار على زيد الذي لم يحذره، وآخر على عبيد الذي قاده إلى ذلك، وثالث على الجدار نفسه أنْ كان صلباً قاسياً، ولم يكن لينا كالعجين يجد الناطح في نطحه متعة! وننسى أننا عميان، أو كالعميان، وغفلنا عن السبب الأساسي لما نعانيه، وهو فقدان الحاسة التي بها نرى ونبصر. نقف اليوم على عتبة مرحلة يبدو أنها جديدة و (منعطف تاريخي حاسم) بلغة مفكرينا الذين يكتبون ويخطبون [١] . وكاتب هذه السطور ما زال - منذ نعومة أظفاره - يسمع ويقرأ عن (المنعطفات التاريخية الحاسمة) في تاريخنا الحديث، وبينما كانت هذه المصطلحات تعجبه بطنينها ورنينها وهو صغير؛ دون أن يفهم مدلولاتها ومراميها، إذا به يكتشف بعد برهة - وقد زالت الأغشية عن بصيرته - أن هذه الكلمات استنفدت أغراضها، وجفت عصارتها، وأن مكانها المناسب هو (سلة المهجور من الكلام) الذي تتجوزه الفِطَرُ البشرية لأنه لم يعد يعبر عما في نفوسها، ولم يعد مرآة صقيلة ناصعة تنعكس عليها نفس متحدثيها واضحة محددة صحيحة. وإذا استعملت هذه الكلمات، مع هذا الموقف منها؛ فلأنني متأثر بما حولي، ومنفق من (عملة) زمني، وهدفي أن أصل بالقارئ إلى هذه المرحلة التي نحن وأجيالنا الآتية مقبلون عليها. لقد وصلنا إلى هنا، حيث فقد الناس الثقة بكل ما نصب من الأصنام خلال تاريخ العرب الحديث. أخرجوا المستعمرين من الأبواب فجاؤوهم من النوافذ، آمن بعضهم بالشيوعية والاشتراكية فماتت وبالت عليها الثعالب، وضعوا ثقتهم في ما سمي بالثورات فاحرقت هذه الثورات الأخضر واليابس وأهلكت الحرث والنسل واستأصلت الزرع، وجففت الضرع. وقد تميزت هذه الفترة بأمرين متزامنين تقريباً، يحسن الوقوف عندهما لاستشراف نتائجهما وهما: ١- سقوط الشيوعية وتمرد الشعوب التي كانت محكومة بها عليها، قبل حرب الخليج وبعدها. ٢- حرب الخليج نفسها، وما تمخض عنها من نتائج مأساوية على العرب بشكل خاص، وعلى الأمة الإسلامية بشكل عام. وقد استبشرت شعوب كثيرة بسقوط الشيوعية، ورأت في ذلك مؤشراً وإرهاصاً لما تتمناه من تغيير هي بحاجة ماسة إليه، ولم يقتصر هذا الاستبشار على الشعوب التي اكتوت بنار هذا المبدأ الخبيث بشكل مباشر، بل إن شعوباً كثيرة اهتزت فرحة لهذا السقوط - وإن لم تطبق عليها الشيوعية بحذافيرها - بل لأن الأنظمة التي جُرّبت عليها كان فيها شبه ما بالأسلوب الذي طبق في روسيا وأوربا الشرقية والصين وغيرها ... نعني به أسلوب الكبت والقهر والعسف وتكميم الأفواه ومصادرة الحريات والاستهانة بالإنسان من حيث هو إنسان، وجعل السلطة والتنعم بخيراتها حكراً - في دائرة مغلقة من المقربين والمحاسيب، دائرة لا يدخلها إلا من رضي بالدون واستهان بالقيم، ورضي أن يقاد من أسوأ جانب يقاد منه الإنسان وهو جانب الشهوات والجري وراء حظوظ النفس الرخيصة. لكن على الرغم من هذه التغييرات العميقة هنا وهناك؛ فقد ظلت شعوب ترسف في واقعها المر الذي فرض عليها فرضاً، وينتقل بها من سيء إلى أسوأ، وإن العاقل الذي يحاول استخلاص جامع يجمع هذه الشعوب يكتشف بأدنى نظرة أن صفة مشتركة تجمعها وهي الإسلام الذي ما زال عبر القرون - ولن يزال - العدو الأول للغرب (الوثني المسيحي) . إن كثيراً من أبناء جلدتنا المخدوعين يظنون أن الحضارة الغربية اليوم لا صلة لها بوثنية ولا بمسيحية، بل هي قائمة على مصالح، وأن المجال مفتوح للعرب للتأثير في هذه المصالح. وهذا ظن مضلل لأنه في حقيقته دعوة للعرب وللمسلمين أن يتخلوا عن عقيدتهم وتاريخهم، وأن يبنوا خططهم على المصالح الآنية كالغرب. وسبب الضلال والتضليل كامن في هذه الدعوى، وهو الاعتقاد بأن الغرب الذي يعبد المادة قد تخلى عن عقائده وتجاهل عن تاريخه. إن التاريخ الذي يصوغ عقلية الغربيين والذائبين في حضارتهم هو مزيج من الوثنية ومن المسيحية المحرفة والخاضعة للمفاهيم الوثنية، فهو تاريخ وثني في منطلقاته وأهدافه مموه ببعض التمويه المسيحي، واليوم - ونحن نرى هذا الرجل الغربي وقد تمرد على الأديان كلها - ومنها النصرانية نفسها- فلأن المسيحية التي عهدها لم تعد قادرة على تمويه هيكل الحضارة الوثنية الذي كبر وتشعب وأصبح له كثير من الرؤوس المخيفة التي يعجز طلاء المسيحية الهش عن سترها وتجميلها وتغطية القبح البادي منها. ولكن مع كل هذا فلا زال هذا الغرب على الرغم مما صار إليه، يزعم ويظن أنه على شيء من المسيحية التي دان بها أجداده، وعملوا باسمها أعمالاً يرى هو أنها أعمال عظيمة، ويتصور أنه حامل هذه المفاهيم وأن هناك دوراً ينتظره، ومن يستعرض خطب (بوش) وأحاديثه أثناء وبعد أزمة الخليج يكتشف بسهولة أنه الناطق الرسمي المعاصر للتاريخ الغربي الوثني المسيحي، وأن لا شيء جديد في النظام العالمي الجديد الذي يبشر به هو وفريقه، بل هو (خمر عتيق في دنان جديدة) . ونريد أن نخلص من هذا الاستطراد الذي لا جديد فيه إلى التساؤل: * ألا يحق لنا نحن - المسلمين - أن تكون لنا مطامح كسائر البشر وأهداف عليا نعمل من أجلها ونتنافس مع غيرنا من البشر لتحقيقها؟ * هل عقيدتنا الإسلامية بمثل هذا السواد؛ وتاريخنا الإسلامي بمثل هذا العار حتى نتهرب من تبعاتهما ونتخلى عنهما - كما نفعل الآن - ونلهث وراء السراب فنضع ثقتنا كلها في الولايات المتحدة أو الأمم المتحدة؟ * هل صحيح أن منطقتنا قد وقعت وقوعاً لا رجعة فيه تحت الهيمنة المطلقة لواضعي (النظام العالمي الجديد!) وأن ذلك أصبح قدراً مقدوراً وكتاباً مسطوراً؟ هذه الأسئلة وغيرها نابعة من الواقع الذي نعيشه، كل الأمم تحاول أن تجدد في حياتها باستقلالية ودون وصاية إلا نحن، لا يسمح لنا أن ننظر إلى المستقبل بأعيننا بل بأعين غيرنا، ولا يؤذن لنا أن نقرأ تاريخنا بعقولنا بل بعقول من صنعهم التبشير وعبيد الغرب، ولا يراد لنا أن نعيش بشراً كالبشر بل بشراً منزوعةً عنهم مميزات البشر، أبناء المسلمين (لحم على وضم) [٢] ودم مستباح مطلول لا يستقاد له، وأموالهم نُهبى لكل طامع، وغيرهم يمشي مرفوع الرأس على أرضهم، مضمون الحقوق، سالماً من المحاسبة على كثرة المخالفة، بينما هم المتهمون في أرضهم حتى تثبت براءتهم، وحالهم اليوم ليست بعيدة من الحال التي وصف فيه الشيخ محمد عبده أهل مصر في عهد حكم محمد علي وأسرته حيث قال: (أخذ (أي محمد علي) يرفع الأسافل ويعليهم في البلاد والقرى، كأنه كان ... يحن لشَبَهٍ فيه ورثه عن أصله الكريم، حتى انحط الكرام وساد اللئام، ولم يبق في البلاد إلا آلات له يستعملها في جباية الأموال وجمع العساكر بأية طريقة، وعلى أية وجهة.. فمحق بذلك جميع عناصر الحياة الطيبة من رأي وعزيمة واستقلال نفسي لتصير البلاد المصرية جميعها إقطاعاً واحداً له ولأولاده على أثر إقطاعات كثيرة كانت لأمراء عدة. ماذا صنع بعد ذلك؟ .. اشرأبت نفسه لأن يكون ملكاً غير تابع للسلطان العثماني.. فجعل من العدة لذلك أن يستعين بالأجانب من الأوروبيين فأوسع لهم في المجاملة وزاد لهم في الامتياز خارجاً عن حدود المعاهدات المنعقدة بينهم وبين الدولة العثمانية، حتى صار كل صعلوك منهم - لم يكن يملك قوت يومه -ملكاً من الملوك في بلادنا، يفعل ما يشاء، ولا يسأل عما يفعل. وصغرت نفوس الأهالي بين أيدي الأجانب بقوة الحكم، وتمتع الأجنبي بحقوق الوطني التي حرم منها، وانقلب الوطني غريباً في داره، غير مطمئن في قراره، فاجتمع على سكان البلاد المصرية ذلان: ١- ذل ضربته الحكومة الاستبدادية المطلقة. ٢- وذل سامهم الأجنبي إياه ليصل إلى ما يريده منهم غير واقف عند حد أو مردود إلى شريعة) [٣] عجباً لهذه الأمة - الأمة الإسلامية! لقد مَرَنَتْ على الظلم حتى كدنا نقول: إنها تستحلي طعمه، وتجد في ممارسته عليها لذة وأي لذة! وقد شاء الله لها هذا الموقع لتستفيد العبر ممن يعبرها مُشرَقَّاً ومُغَرَّباً، وتقطف ثمار التجارب دون كبير عناء، ولكننا نكاد نقول: تحجرت وفقدت الحس، الأمم تمشي وهي واقفة، والأحداث تتوالى وهي تقابلها بهز الكتفين. وفي هذا الليل المدلهم، يبزغ نور حق هنا ويرتفع صوت مخلص هناك، سرعان ما يكبته الكابتون ليعود بعد ذلك صوت ونور آخر من حيث لا يحتسبون صارخاً في الأمة أن أفيقي فقد طال السبات ويكون مصداقاً واقعياً لقوله ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على ... الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك) [٤] . إن المسلمين ليتطلعون - في هذه الفترة العصيبة - إلى تغيير يمسُّ الأسس التي تقوم عليها حياتهم المعاصرة، ولن تجديهم بعض التعديلات السطحية التي تجري للدعاية والخداع، ولا يحل عُقَدَهم؛ ولا يطلق طاقاتهم إلا تجديد قائم على العقيدة الإسلامية، وليس تقليداً لأفكار الغرب وصنائع الغرب وعبيد الغرب المفروضين عليهم بشتى الوسائل غير الأخلاقية الظاهرة والمستترة. لقد آن الأوان للمسلمين - في كل بلد - أن ينظروا إلى أنفسهم ويوحدوا جهودهم ويكثفوها للخروج مما هو مضروب عليهم، وأن تكون لهم أهداف كبيرة، وأن لا تشغلهم الصغائر والمثبطات التي ينفذ منها الشياطين ويستغلونها لضربهم وتفريق جمعهم. ... (حتَّامَ نحن نساري النجمَ في الُّظلمِ) [٥] ؟ !

стр. 984

مقابلة حول الفقه والتفقه حوار مع الشيخ علي بن سعيد الغامدي زار المنتدى الإسلامي هذا الصيف الشيخ الدكتور علي بن سعيد بن علي الغامدي فكانت فرصة للحوار حول الفقه والتفقه. * البيان: نرحب بكم في المنتدى وشكراً لزيارتكم، وفي البداية نود إعطاء القارئ لمحة عن حياتكم العلمية: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. درست المرحلة الجامعية في كلية الشريعة بالرياض، أما الدراسات العليا الماجستير والدكتوراه ففي كلية الشريعة بالأزهر، والعمل الآن في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، بين كلية أصول الدين وكلية الشريعة ثم المعهد العالي للدعوة في المدينة المنورة، وإلى جانب ذلك فإني أدرس في المسجد النبوي الشريف. * البيان: ما هي المادة التي تدرسها في المسجد النبوي؟ مادة الفقه، أدّرس كتاب (منار السبيل) وقد أنهينا منه جزءاً طيباً ولله الحمد.. * البيان: ما دمنا بدأنا الحديث عن دروس الفقه، فما رأيكم بطلاب العلم الذين يحضرون دروسكم في المسجد؟ لا شك أن الناس في حاجة ماسة إلى الفقه لأن الفقه يمس حياتهم، فهم محتاجون إليه في كل شيء، والناس في وقتنا الحاضر والحمد لله يقبلون على الخير وعلى العلم، ولكن هم أنواع وأقسام، فمنهم من يود التفقه بأسرع وقت ممكن، وهذا صعب المنال، ومنهم الملتزم الذي يستطيع الإقبال بجد وعلى النفس الطويل، ويتواضع لله ثم لأهل العلم، ويلازم حلقة التدريس ويسأل عنها، عدد هؤلاء قليل ولكنه مبارك إن شاء الله، ويتميز هؤلاء بالحضور المبكر وحسن التواضع والاستماع والمناقشة سواء في أثناء الدرس أو بعد الانتهاء. وهناك آخرون من عامة الناس يحضرون في المناسبات وتشدهم بعض الدروس فيستمعون ويستفيدون. * البيان: بالنسبة لهؤلاء الطلبة الذين يداومون هل ترون أنهم إذا أنهوا كتاباً معيناً فإنهم يصبحون أهلاً لتمكن المعرفة والتعليم؟ ليس كل الطلاب، فالقليل الذي يدرك المسائل التي درسها واستفاد منها، وهذا نادر لأن مراجعاته مثلاً تكون جيدة ومستمر مع الكتاب وهؤلاء ظروفهم صعبة لانشغالهم بالدروس الأخرى. * البيان: بدأنا الحديث عن حلقات العلم ودروس المساجد، هل ترون تعميم هذا الأمر، أعني الرجوع إلى حلقات الدرس المعروفة في تاريخ المسلمين، لعلها تعطي فائدة أكثر من المدارس العادية؟ بدون شك إن الرجوع للحلقات العلمية في المساجد هو طريق صحيح، لأن الدراسة بالمسجد يحيط بها جو روحاني، والشيء الثاني أنه لا يأتي إلى الحلقة إلا طالب علم محب للعلم، أما الدراسة النظامية في الوقت الحاضر فقد أصبحت مفروضة على الناس، ومَنْ لا يتجاوز هذه المراحل فإنه لا يستطيع شق طريقه في الحياة، ويمكن الجمع بين الأمرين وهو إخلاص النية في الدراسة في الكليات ثم يضم إليها حلق العلم في المساجد. * البيان: ما هي الخطة التي اختطها لنفسك في درسك بالمسجد النبوي، فلعله يستفيد منها من يود إعادة هذه الحلقات إلى المساجد؟ الخطة كانت حسب الوقت المتاح. قراءة كتاب (منار السبيل) ، يقرأ الطالب جملة صغيرة وشرحها بما يسر الله من ذكر الحكم والأدلة، وأحياناً نشير إلى الخلاف. وعندما ينتهي الطالب من القراءة أبدأ في عرض المسألة وأبين الحكم الذي عرض وإذا كان هناك تعريف أشرحه، وإذا كان هناك تأصيل بذكر الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع أذكره. وكذلك أذكر أحياناً حكمة الشارع في مسألة من المسائل من غير تكلف، وأتعرض لما يثار حول هذه النقطة أحياناً من خلاف له ثمرة وخلاف له دليل، أما الخلاف البسيط أو الذي دليله ضعيف فأتركه لأن إثارة الخلاف في هذه المسائل ليس فيه مصلحة. ومع معرفة الحكم والدليل فإنه إذا عرض خلاف قوي ودليله أقوى مما ندرس وهو على مذهب الإمام نختار الأقوى وما هو أقرب إلى الدليل بعد بحث مستفيض قبل المجيء إلى الدرس، ثم هناك جانب آخر وهو التوجيه والدعوة من خلال النصوص التي تعرض المسألة، فإن جو المسجد النبوي أو أي مسجد هو جو تربوي. * البيان: إذا كان هناك مسألة في مذهب الإمام أحمد وهناك ما هو أرجح منها في المذاهب الأخرى أو عند العلماء المعتبرين هل تبينون للحضور أنها مسألة مرجوحة؟ لا شك في هذا لأن طبيعة دراستي كانت في الفقه المقارن، ولقد اطلعت بحمد الله على الأقل على أصول كل مذهب من المذاهب، وكما هو معلوم فإن هذه المذاهب أخذت من الكتاب والسنة، وكان لكل إمام أصوله التي أصل عليها وله رأيه المعتبر، فأحياناً نميل إلى قول غير قول المذهب الحنبلي، وإذا كان هناك مسألة من المسائل في فقه الخلاف نعرض لما اختاره الأئمة المحققون الذين جمعوا الأقوال وجمعوا الأدلة واختاروا، فنحن نستأنس بذلك أيضاً، ثم ننظر في حال المستفتي وحال الواقعة وحال الزمن الذي يعيش فيه، فلا شك أن هذه الأشياء مرجحات لمأخذ القول، والمهم أن يكون هذا القول مبنياً على الدليل الصحيح. * بعض الناس يرون أن هذه الكتب (كتب المذاهب) تعود الطالب على التعصب ويجب الرجوع إلى كتب فقه الحديث مباشرة مثل: نيل الأوطار، أو سبل السلام ... فما رأيكم؟ هذا في نظري غير صحيح، والسبب هو أن هؤلاء العلماء ما وصلوا إلى هذه الشروح إلا بعد أن درسوا كتب المذاهب ومروا بحلقات العلم، ولهذا نجد أنهم في كتبهم وشروحهم يذكرون الأقوال ويناقشون الأدلة، وهذا دليل على أنهم مروا بهذه المرحلة، وهذا في نظري هو الأفضل، فلا بد أن يصعد الطالب درجة درجة، طبعاً مع تزوده من الكتاب والسنة وشروحها، كأن يأخذ الطالب مختصراً من المختصرات ثم يقرؤه على شيخ ويطالب بالدليل، والمطالبة بالدليل ظاهرة صحيحة، ولا يبأ بالمقارنات وهو ما زال في أول الطلب، فإنه ليس أهلاً لهذه المقارنات، وفي هذه الحالة يستطيع أن يؤسس نفسه على الأقل. * البيان: ولكن كيف نستطيع التخلص من موضوع التعصب المذهبي وفي الوقت نفسه نستفيد من الفقه الإسلامي الذي هو ثروة عظيمة للأمة الإسلامية؟ لا شك أن هذا الكلام كلام صحيح، ولعلّ الشوكاني ﵀ ممن دعا إلى هذا في كتابه (طلب العلم) وغيره، لكن يجب أن ندرس الظروف التي ظهرت فيها مثل هذه الفتاوي، ولقد وقع التعصب المذهبي فعلاً إلى درجة أنه يتوقف عن أخذ الدليل الذي يعتبر مخالفاً لقول إمامه ولا يتراجع عن رأيه الخطأ، ويقول: لقد فرغ الإمام من دراسة الأحكام واستنباطها، فلم يبق لنا في الكتاب والسنة إلا القراءة للبركة! وهذا عين التعصب. ولكن كما ذكرت، الاستفادة من الفقه الإسلامي الموجود أمر ضروري جداً كمرحلة أولى، والأصل مع الدليل، ولكن يؤسس نفسه أولاً، وكل العلماء السابقين كانوا يقولون: إذا صح الحديث فهو مذهبي، ويقولون: خذوا مما أخذنا منه، لكن بشرط أن نصل إلى المرتبة التي تؤهلنا لذلك، والكتاب والسنة والحمد لله ميسران، ولكن النصوص فيها عام وخاص، ومطلق ومقيد، وفيها أيضاً محكم ومتشابه، وناسخ ومنسوخ، فليس لنا الحق في أن نأخذ مثلاً بالمنسوخ ونجلس وننتظر فترة من الزمن حتى نعرف الناسخ مع أننا نستطيع أن نصل إليه في وقت يسير بالعلم والتعلم. * البيان: سمعنا أن لكم جهوداً في دراسة كتاب (المغني) لابن قدامة، هل لكم أن تحدثونا عنها؟ الجهود هي دراستة اختيارات ابن قدامة ﵀، وهي موضوع رسالة الدكتوراه، كانت حول فقه الخلاف، وهذه المسألة أرجو أن أكون قد استفدت منها أولاً لنفسي وأنني أخرجت شيئاً من الفقه المحرر المجموع، وذلك بأنني أستعرض المسألة، وليس كل مسائل الخلاف، ولكن أهم مسائل الخلاف، مثلاً آخذ رأس المسألة ثم أذكر أقوال أهل العلم من كتبهم الخاصة المعتمدة عندهم وأشير في الهامش إلى المراجع، وأحاول أن أحرر المذهب نفسه لأنه أحياناً يكون في المذهب نفسه أقوال وروايات، وإذا قلت: قال الشافعي أو مذهب الشافعي فإنني أرجع إلى أصوله كالأم مثلاً، ثم بعد ذلك أستعرض الأدلة من كتب المذاهب الموجودة وأجمع أدلة هذا القول. ثم بعد ذلك أستعرض القول الثاني وأذكر أدلته، ثم أذكر اختيار ابن قدامة وما مال إليه من الأقوال، وقد يكون لي أحياناً موقف معين، لأنني لا أكتفي بهذا بل أدرس رأي المحققين: كالخطابي، وابن عبد البر، وابن تيمية، وابن دقيق العيد، وكذلك مثل ابن القيم، وابن حجر، ﵏ جميعاً، هؤلاء جمعوا الأقوال وأدلتها وناقشوها، فقد يكون لي أحياناً موقف يتناسب مع ظروف الوقت الحاضر، كما في إحياء الموات بالنسبة للكافر، والشفعة وما أشبه ذلك، فيكون لي رأي يخالف الشيخ أميل فيه لبعض آراء الآخرين لمصلحة تتحقق. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... (يتبع)

стр. 985

بيان من بعض علماء الأزهر عن حرمة معاملات البنوك د. محمد المختار المهدي هذا بيان أصدره بعض علماء الأزهر ممن يدّرسون في جامعة أم القرى في مكة المكرمة رداً على مفتي مصر في موقفه من بعض المعاملات الربوية. - البيان - الحمد لله الحكيم في شرعه، الحفيظ على دنياه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبلغ عن ربه، المبين لحكمه، وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه. أما بعد: فإن هناك حقيقة غائبة عن المجتمعات الإسلامية الآن، ولها خطورتها- في تعمية السبل أمام نهضتها من كبوتها، وكنا نظنها واضحة لدى النخبة المثقفة فيها، وخاصة من أبناء الأزهر، حتى فوجئنا وفوجئ الفكر الإسلامي الحديث كله بما صدر عن الشيخ محمد الطنطاوي مفتي مصر بشأن شهادات الاستثمار مرة، وفوائد البنوك ومعاملاتها مرة أخرى، ثم اختلاط الفتيات بالشبان في الجامعات والمعسكرات أخيراً.. هذه الحقيقة الغائبة تتلخص في أن الإسلام لا يمكن تطويعه لأوضاع نبتت في غير أرضه؛ إذ هو القيم المهين على ما سواه من أديان وأنظمة وقوانين. إنه قد جاء ليغير ما عليه المجتمعات من أنظمة وضعية فاسدة اعتماداً على بديهة إيمانية هي أن الله يعلم المصلح من المفسد، وأن كل ما يخالف تشريعه فهو هوى يفسد السموات والأرض، قال تعالى: [ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ والأَرْضُ ومَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ] . وأن الإيمان منفي عمن لا يكون هواه تبعاً لما جاء به الشرع الحنيف. وقد نتج عن غياب هذه الحقيقة ظاهرة غريبة تحاول أن تفرض الواقع المستجلب من بيئة لا تؤمن بضوابط الوحي الخاتم على ما جاء به الإسلام من تشريعات، هادفة لإخضاع الإسلام للواقع مهما كان هذا الواقع، مستخدمة أسلوب الادعاء بأن باب الاجتهاد مفتوح لمن هب ودب. وقد تعلمنا من وقائع التاريخ الحديث - منذ قدر للاستعمار أن يتحكم في بلاد المسلمين، وينحي عنهم تشريعهم - أن أعداء الدعوة الإسلامية يحاولون بشتى الطرق - وبإصرار غريب متواصل - أن يغيبوا عن المجتمع الإسلامي نموذج الحياة الفاضل العادل الذي تكفل سابقاً بتقدمه ومجده، وأن يعملوا على إبراز نموذج الحياة الغربية على أنه المثل الذي لا بد من السير خلفه مهما كان فيه من عورات، ولذا نراهم يثيرون بين الحين والآخر قضايا انتهى الفكر الإسلامي المستنير من قتلها بحثاً، ولكنهم يستغلون في ذلك بعض المثقفين على غير وعي منهم، وإننا لنشهد لهم بالمهارة في اختيار الضحايا. وهذه القضايا هي التي بثها الاستعمار الفكري في أوائل هذا القرن، إننا مازلنا على ذكر من إثارة الشكوك حول صلاحية التطبيق الإسلامي في العصر الحاضر، وما كتب فيها من المخدوعين المغرر بهم. وما أثير في الستينات من تطويع بعض تشريعات الإسلام للفكر الاشتراكي، حتى ظهر من يقول: إن الإسلام هو الاشتراكية، وما أثير من التشكيك في موضوع انطباق وصف الربا على فوائد البنوك وصناديق توفير البريد حتى يقال حينئذ: إن الإسلام هو الرأسمالية! والإسلام إسلام قبل ظهور هذه المذاهب الوضعية الفاسدة. والآن تطرح معظم هذه القضايا بنفس الحجج التي أثيرت بها من قبل ولكن بأسلوب آخر ... والذي يهمنا منها الآن ما خرج علينا به الشيخ المفتي بما لم يكن في الحسبان، وبما كنا ننأى به عن الوقوع في هذه الخطيئة.. إن الجديد في كلام الشيخ أن خياله قد سرح وجنح وتصور - أو صور له - إن البنوك قبل أن تنشأ في المجتمع الإسلامي جمع ولي الأمر علماء الأمة وخبراءها واستشارهم في أنظمتها ولما وجد أن ضمائر الناس قد فسدت قرر إلغاء شرط المضاربة، وفرض على البنوك أن تحدد الفائدة مقدماً لأن ذلك هو الذي يصلح للمجتمع! ! ونسأل الشيخ: هل نظام البنوك في مصر يختلف عن بقية بنوك العالم؟ ! وهل جرى لكل بنوك العالم مثل هذه المراجعة والتقويم من ولاة الأمر وهم كفار؟ ! ثم متى كان هذا اللقاء بين ولي الأمر وعلماء الإسلام حين استشارهم في ذلك كما تدعي؟ ومن كان ولي الأمر حين أنشئ بنك باركليز مثلاً في مصر؟ ! وهل كان المجتمع الإسلامي وقت إنشاء البنوك فيه يملك قراره؟ ! ألم يكن مذلاً مقهوراً منبهراً بالحضارة الغربية، والقوة الغازية الغالبة؟ ومع ذلك ففي كلام المفتي مغالطات لا تخفى على ذي بصيرة، فبالرغم من أن الشيخ يعيب على من يتوقع الخسارة في عملية المضاربة بأنه متشائم نجده هنا يفترض في المجتمع فساد الضمائر ويحسب نفسه بذلك متفائلاً! ثم إنه يحكم المصلحة في النصوص بما يؤدي إلى تعطيل جميع النصوص من وجهة نظر المصالح المعتمدة على الأهواء إن في الخمر مثلاً مصلحة ومنفعة، بل فيها منافع للناس كما صرح بذلك القرآن الكريم: فيها مصلحة للصانع وللبائع، بل وللمتعاطي من وجهة نظره، فهل نلغي نص تحريم الخمر من أجل هذه المنافع؟ ! ! ! وهكذا في الزنا وفي غيره مما فصل الشرع فيه بحكم يتعارض مع بعض الأهواء والمصالح! ! ولقد توقعنا أن تنشر جريدة الأهرام التي أعلن فيها المفتي في عدد ٢٩/٥/ ١٩٩١ حل المعاملات البنكية ما جاءها من ردود الغيورين على الدين من العلماء الأثبات؛ إذ هي التي أعلنت فتح المجال للمناقشة، ولكنها سكتت وأغلقت الباب الذي فتحته على مصراعيه للمفتي فقط ولم تسمح أجهزة الأعلام الرسمية الأخرى بنشر ما يخالف وجهة نظر المفتي لأنها ملتزمة برأيه فقط، ولو كان الرأي المخالف صادراً من الإمام الأكبر ومن مجمع البحوث الإسلامية ومن جامعة الأزهر لدرجة أن نائب رئيس تحرير الأهرام الأستاذ رجب البنا يعلن بعد كلام المفتي تأييده لرأيه ملقياً تهمة العمل لحساب البنوك الإسلامية وشركات توظيف الأموال الإسلامية على كل من يعارض المفتي! ! وهذا لون من ألوان الإرهاب الفكري الذي تمارسه أجهزة الإعلام ضد علماء الإسلام ودعاته. على كلٌ فالذي يهمنا هو المسلم الذي يريد أن يرضي ربه، ويريح ضميره، ويعرف الشرع على حقيقته، كما يهمنا أن نبلغ عن الله، ونحذر من التمادي في معاصيه، ومن التعرض لحربه المعلنة حتى ننجو من مساءلة الله وعذابه, فالساكت عن الحق شيطان أخرس والنصيحة واجبة على كل مسلم لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم. من هنا نقدم هذا البيان للأمة من أقدس بقعة من الأرض من جوار بيت الله العتيق، ومن علماء الأزهر الذين استنفرهم الله ليتفقهوا في دينه ولينذروا قومهم لعلهم يحذرون. إن شريعة الإسلام محكمة خالدة، لا يعتريها تحريف ولا تبديل؛ إذ أحاطها الله بحفظه وقدرته، ورد عنها كيد المحرفين الذين يريدون أن يخضعوها لأهوائهم، وسخر لها من العلماء في كل جيل من ينفي عنها مغالاة الغالين وانحراف المضلين، وكم من شبهة أثارها أعداء الله على مر الأجيال فوجدت من حراس الشريعة سهاماً نافذة قضت عليها، وكم من رأي شاذ خارج عن إجماع الأمة قد فنده الراسخون في العلم، وكم من تهمة ألقيت على تشريعات الإسلام فردها الله في نحور الكائدين. ومن البديهيات التي لا تقبل المناقشة أن فكرة البنوك مبنية أساساً على المعاملات الربوية وأن وظيفة البنك -كما يحددها أهل الاختصاص الأمناء - ما هي إلا التعامل في الديون أو القروض أو الائتمان، ويشمل هذا التعامل شقين: الأول: الاتجار في الديون والقروض والائتمان. والثاني: خلق الديون والقروض ... والائتمان. والدين والائتمان هما وجها القرض، فمن وجهة نظر المدين يسمى ديناً، ومن وجهة نظر الدائن يسمى ائتماناً، ولذا يمكننا القول أن البنوك تتاجر في النقود، ولا تتاجر في النقود، وأنها امتداد السلوك اليهودي الذي كان مشهوراً لدى العرب وغيرهم، حيث كان يضع اليهودي نقوده على المنضدة ليقرض المحتاج بفائدة تزداد بمضي المدة التي تبقى فيها النقود عند من يقترضها، وقد بقي اسم البنك دالاً على هذه الصورة المقيتة، ومن البدهيات كذلك أن البنوك التجارية وهي أكثر البنوك العاملة في مصر وغيرها ما هي إلا واسطة بين المودع والمقترض: فهي تأخذ الوديعة من صاحبها وتحدد له نسبة مئوية سنوية معلومة من قيمة هذه الوديعة، ثم تعطي هذه الوديعة لمن يريد استثمارها أو لمن هو محتاج إليها في ضروراته بنسبة مئوية سنوية أعلى والفرق بين النسبتين هو الذي يعيش عليه العاملون في البنوك، وإذا شارك البنك في تأسيس شركة أو مصنع فإنه يشتري أسهماً محددة بنسبة ضئيلة يحددها القانون ويفرض على البنك أن يكون الجزء الأكبر من أمواله قابلاً للسيولة السريعة. وعلى هذا يكون من الظلم والتعسف والافتراء افتراض أو تخيل أن البنك يعمل بنظام المضاربة الشرعي، فنظام البنوك في العالم متحد، والمضاربة الشرعية كما وضحتها كل أجيال الأمة المسلمة من العلماء والأئمة الأربعة، وكما اعترف بها فضيلة المفتي في مقالاته الأربع، وكما يعبر عنها ابن رشد في كتابه بداية المجتهد [١] : (أجمعوا على صفتها أن يعطي الرجل الرجل المال على أن يتجر فيه على جزء معلوم يأخذه العامل من ربح المال أيّ جزء كان مما يتفقان عليه: ثلثاً أو ربعاً أو نصفاً) وهذا الصورة المجمع عليها تشير إلى شرطين أساسيين في هذا العقد: أولهما: أن الذي يأخذ المال يأخذه للاستثمار في التجارة أو الصناعة أو أي عمل مشروع. ثانيهما: أن الجزء المعلوم المتفق عليه من الربح لا من رأس المال، وأن هذا الجزء شائع كالثلث والربع. وهذان الشرطان لم يخترعهما الفقهاء برأيهم أو اجتهادهم كما يدعي الشيخ المفتي، بل إن المعتمد الأساسي لهما هو النص، وهو نص عملي لا يحتاج إلى تأويل، والنص ممن أرسله الله ليبين للناس ما نزل إليهم. وليس صحيحاً ما قرره فضيلة المفتي بأن هذا الشرط - وهو شيوع نصيب كل من المتعاقدين في الربح - ليس في كتاب الله ولا في سنة رسول الله، وكان أولى بالشيخ وهو أستاذ سابق للكتاب والسنة في أعرق جامعة إسلامية أن يتريث ويحتاط ويبحث ولا يظهر عدم معرفته بالسنة، إذ هل يستطيع أحد أن ينكر أن رسول الله ﷺ قد تعاقد مع أهل خيبر على شطر ما يخرج منها من تمر وزرع؟ . بل هل ينكر أحد ما رواه البخاري ومسلم بأكثر من رواية من النهي النبوي عن استئجار الأرض بتحديد ناحية معينة منها يكون نتاجها لصاحب الأرض؟ لقد أخرجا في صحيحيهما عن رافع بن خديج قال: (كنا أكثر الأنصار حقلاً، فكنا نكري الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه، فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه فنهانا عن ذلك) [٢] وروى مثل ذلك أيضاً أبو داود والنسائي والإمام أحمد بألفاظ متقاربة.. وخضع الأئمة الأربعة والظاهرية لهذه النصوص النبوية المحكمة التي بينت الحكم والحكمة معاً حيث نهى الرسول ﷺ عن ذلك لما يترتب عليه من الظلم وعدم العدل بين الشريكين، وأكدوا هذا الشرط في المزارعة والمساقاة والمضاربة وسائر الشركات، واعتبروه شرطاً شرعياً لا تجوز مخالفته، وليس شرطاً جعلياً للمتعاقدين حرية فيه، وأجمعوا عليه، وما كان لهم أن يفعلوا سوى ذلك وهم القائلون: لا اجتهاد مع النص. يقول الدكتور الشيخ عبد الرحمن تاج ﵀ رداً على مثل هذه الفتوى وكأنه يرد الآن على المفتي الحالي: [٣] (وإذا كان اشتراط جزء معين من الخارج لصاحب الأرض في المزارعة قد حظرته الشريعة، ونهى عنه الرسول ﷺ لما فيه من الظلم والغبن بأحد الشريكين المتعاقدين على الاشتراك في الربح والخسارة، فلماذا يرد في وجه الأئمة الفقهاء قولهم بلزوم خلو العقد من ذلك الاشتراط الجائر الظالم، وهم لم يقولوه إلا تطبيقاً للسنة الصحيحة مدعماً بما تدل عليه نصوصها الصريحة؟ ! وكيف يسوغ لمطلع على نصوص الشريعة ومواردها أن يقول في اشتراط ربح محدد لرب المال في المضاربة أنه جائز وغير مخالف للكتاب والسنة وإن كان فيه مخالفة لأقوال الفقهاء؟ (يلاحظ أن هذا هو ما قاله المفتي حرفياً) أو لا يكفي النص على حظر ذلك الاشتراط ومنعه في المزارعة ونعلم أنه محظور وممنوع في المضاربة والمساقاة وغيرهما من فروع الشركات؟ وهل من حسن الظن بالشريعة العادلة أن يقال: إنها تمنع من الظلم والجور في شركة المزارعة وتبيح ذلك في شركة القراض؟ !) وقد ساق الشيخ عبد الرحمن تاج ﵀ مع هذه النصوص القاطعة إجماع علماء الأمة الذين لا يجتمعون على باطل فيما قاله ابن المنذر: (أجمع كل من نحفظ من أهل العلم على إبطال القراض (المضاربة) إذا اشترط أحدهما أو كلاهما لنفسه دراهم معلومة) [٤] . وعلل هذا الإجماع الإمام ابن رشد بأنه إذا اشترطت دراهم معلومة فمن المحتمل ألا يربح غيرها فيستضر العامل، ومن المحتمل كذلك ألا يربح مطلقاً فيأخذ من رأس المال ومن المحتمل كذلك أن يربح كثيراً فيستضر من شرطت له الدراهم. ثم إن حصة العامل لما تعذر كونها معلومة المقدار كان لا بد أن تكون معلومة الأجزاء، فإذا جهلت الأجزاء، فسدت. وإذا كان المفتي يعترض على البنوك الإسلامية الحالية في أنها لا تحدد للمودع نصيبه من الربح بنسبة النصف أو الربع ... فإننا نقول إن هذه البنوك ليست حجة على الشرع وإذا كانت تفعل ذلك فنحن أيضاً معه، فلسنا بحمد الله ممن يحابي في دين الله أحداً، وليست لنا مصالح خاصة تمنعنا من قول الحق والجهر به كما يدعي علينا الأهرام ... وهذا الإجماع من علماء الأمة كما يستند إلى السنة في نصوصها الصريحة السابقة فإنه يعتمد أيضاً على القواعد الفقهية الثابتة بالتواتر، ذلك أن جعل الربح في المضاربة محدداً كعشرة من مائة يتعارض مع القاعدة الفقهية: (الضرر يزال) تلك ... القاعدة المأخوذة من قول النبي ﷺ في حديثه الصحيح عن أبي سعيد الخدري: (لا ضرر ولا ضرار، من ضار ضره الله، ومن شاق شق الله عليه) وبذلك يتبين بما لا مجال للشك فيه أن شرط كون الربح في المضاربة جزءاً مشاعاً معلوماً من واحد صحيح لكل من المتعاقدين قد ثبتت بالسنة والإجماع والقياس والقواعد الفقهية، وإن القول بغير هذا افتيات على الشرع ومخالفة للسنة الصحيحة وإجماع الأمة ... أما الشبهة التي أثارها الشيخ المفتي في أنه لو سلم جدلاً بهذا الشرط فإن الفقهاء قرروا في المضاربة الفاسدة أن للعامل أجر مثله؛ وعلى هذا يكون ما أخذه البنك من الأرباح بعد خصم النسب المئوية التي يأخذها المودع هو أجرة المثل مهما بلغت.. فإننا هنا لا بد أن نتوقف لنقول للشيخ: إن فقدان هذا الشرط لا يجعل المضاربة فاسدة، ولكنها باطلة كما نص عليه العلماء الفاقهون فيما سبق. ثم لو سلمنا جدلاً - كما هو أسلوبك - بأنها فاسدة فهل يحل للمسلم أن يقدم على عقد فاسد؟ ! إن الإجماع أيها الشيخ منعقد على أن الإقدام على العقود الفاسدة حرام، وإذا وقع وجب فسخه وإلا كان هذا العقد بعد الوقوع باطلاً، يقول ابن رشد: (واتفقوا على أن القراض الفاسد يجب فسخه ورد المال لصاحبه) . هكذا هم يتفقون على ألا يستمر الفساد لأن استمراره إصرار على مخالفة النهي النبوي، ولكن فضيلة المفتي يريد أن يستمر الفساد في هذه المعاملة البنكية التي يدعي أنها مضاربة فاسدة! ! ثم أليس في هذا الادعاء ليّ لأعناق الواقع الملموس؟ ! فمن الذي يأخذ من الصورة التي عليها تعامل البنوك أجر المثل هل هو البنك أم المودع؟ إن الذي حدد له مبلغه هو المودع فهل نجعل صاحب المال أجيراً عند البنك وهذا أجر مثله أم العكس هو الصحيح على رأي فضيلته؟ . إنها معاملة ربوية واضحة مهما حاول الشيخ بخيالاته وأوهامه التي ساعده عليها المغرضون، وهي معاملة متحدة في كل بنوك الدنيا لم يؤخذ فيها رأي الإسلام. الشبهة الثانية التي أثارها المفتي مبنية على فساد الذمم والضمائر لدى العاملين في البنوك فلهم أن يدعوا أن المضاربة خسرت أو ربحت قليلاً فيضيع على المستثمر ربحه بل قد يضيع ماله كله، وبناء على ذلك كان لولي الأمر أن يعرض على البنوك تحديد الربح مقدماً وكان له أيضاً أن يحمل البنك ضمان ما عنده من مال إذا تلف. وقد أشرنا سابقاً إلى هذه التهمة التي لسنا معه في وصم جميع الناس بفساد الذمم والضمائر فما زال الخير في المسلمين بحمد الله وسيظل ولا أدل على ذلك من إقبالهم واندفاعهم نحو الحلال ونفرتهم من التعامل بالربا، والإسلام يفترض دائماً في أبنائه الصلاح إلى أن يثبت عكس ذلك، وبناءً على هذه الثقة يقول الفقهاء: (والعامل أمين فيما تحت يده، وإن تلف المال في يده من غير تفريط لم يضمن؛ لأنه ناب عن رب المال في التصرف فلم يضمن من غير تفريط كالمودع) [٥] . والأئمة الأربعة والظاهرية قد اتفقوا على ذلك، بل صرح صاحب المغني بأنه: (متى شرط على المضارب ضمان المال أو سهماً من الوضيعة فالشرط باطل ولا نعلم فيه خلافاً) [٦] ... واستدلال المفتي بمسألة تضمين الإمام علّي للصناع للمحافظة على أموال الناس قياس أقل ما يقال فيه أنه فاسد، لأنه: أولاً: لا قياس مع النص والإجماع الذي يقول عنه ابن قدامة إنه لا يعلم فيه خلافاً، ثانياً: لأن مسألة تضمين الصناع - وهي الأصل المقيس عليه - مختلف فيها عند الفقهاء، بل إن إسنادها إلى علّي فيه مقال، ومعلوم أنه لا يجوز القياس على حكم مختلف فيه. أما أنه حكم مختلف فيه فيقول الصنعاني في سبل السلام [٧] : (اختلف أهل العلم في تضمين الصناع فقالت طائفة هم ضامنون إلا أن يجيء شيء غالب وهذا قول مالك. ثم قال: وروى عن علي أنه ضمن الأجير وفي إسناده مقال، ثم قال: وقالت طائفة أخرى: لا ضمان على الصناع، وروي هذا القول عن ابن سيرين وطاووس، ثم قال: والصحيح من مذهب الشافعي أنه لا ضمان على الأجير إلا ما تجنيه يده) وما قيل في مسألة تضمين الصناع يقال في استدلاله بمسألة التسعير، ذلك أن فضيلته يقول: (إن الأصل في التسعير ألا يجوز لرفض رسول الله إياه، ومع ذلك أجاز كثير من الفقهاء لولي الأمر تسعير السلع إذا غالى التجار أو احتكروا) . ذلك أن الخلاف واضح من هذه المسألة بين الفقهاء، وقد وضحه الشوكاني والصنعاني، وما دام هنالك خلاف في مسألة فلا يجوز القياس عليها، كما هو مقرر في علم الأصول. ومما يستلفت النظر في مقال الشيخ المفتي أن في أسلوبه وأفكاره جنوحاً وتعمية: ١- يقول: ليست مسألة تحديد الربح وعدمه من العقائد والعبادات التي لا يجوز التغيير فيها، وإنما هي من المعاملات الاقتصادية التي تتوقف على تراضي الطرفين. ونحن نقول: إن التفرقة في تعاليم الإسلام بين العقيدة والعبادة والمعاملة مرفوضة من الأساس، فكل نص ورد في الكتاب والسنة وجب على كل مسلم أن يلتزم به مهما كان مجاله، وفي هذا الالتزام معنى العبودية لله تعالى، فإقامة الحد على السارق والزاني عبادة، واعطاء الذكر مثل حظ الأنثيين في الميراث عبادة، والتزام العدل في المعاملات عبادة، وما قسم الفقهاء أحكام الدين إلى عقائد وأخلاق وعبادات ومعاملات إلا ليسهل عل الدارس استيعابها، والا فهل لأي مسلم أن يغير في غير العقائد والعبادات؟ أليست هذه العبارة تحمل في طياتها تفريغ الشريعة من مضمونها في حكم حركة الحياة الاجتماعية والاقتصادية بحجة أنها ليست من العقائد ولا العبادات؟ ! ! ثم إن مسألة التراضي بين الطرفين ليست هي الأساس في أحكام الشرع، فهل إذا تراضى رجل وامرأة على الزنا يحول الزنا إلى مباح؟ ! إن رسول الله ﷺ نهى في الصحيح عن تلقي الركبان، ومعنى هذا أن أهل الحضر كانوا يتلقون أصحاب السلع قبل أن يصلوا إلى السوق؛ فيشترون منهم بالتراضي وبسعر يجهله صاحب السلعة، فهل كان التراضي هنا مبيحاً للمعاملة أم نهى رسول الله ﷺ عنه بالرغم من التراضي؟ ! ٢- يقول الشيخ: إن شريعة الإسلام تقوم على رعاية المصالح في كل زمان ومكان، وإن بدا أنها تصطدم ببعض النصوص. ونقول: نحن لا نشك في أن الشريعة تكفلت بمصالح الناس، ولكننا لا نشك أيضاً أن في شرع الله نفسه ما يفي بكل مصالح البشر دون تغيير أو تحريف أو تبديل، وما لم يرد في شرع الله فهو هوى ومصلحة فاسدة وهذا ما قرره الإمام الشافعي ﵁. ٣- يقول: معلوم أن البنك لم يحدد الربح إلا بعد دراسة مستفيضة لأحوال الأسواق العالمية والأوضاع الاقتصادية وهو يتم بتوجيهات من البنك المركزي. ونقول: هل يمكن للبشر أن يحيطوا بالغيب فيتوقعون الكوارث والنكبات بحجمها المقدر في علم الله؟ هل كان الاقتصاديون يتوقعون حرب الخليج وآثارها؟ . هل كانت الصين واليابان والفلبين وبنغلادش تتوقع البراكين والأعاصير التي اجتاحتها مؤخراً؟ ثم كيف تفلس البنوك العالمية مع دراستها لجدوى مشاريعها، إن قصة بنك الاعتماد والتجارة الدولي ما زالت قيد البحث حتى الآن. وقصة بنك جمال ترست ماثلة للأذهان ... ! ! ٤- يقول: بمقتضى معرفة صاحب المال لحقه معرفة خالية من الجهالة ينظم أمور حياته. ونقول: وهل يعتمد المسلم على ما سيأتيه من البنك ليعيش به ويترك العمل؟ وهل يستطيع المسلم عن طريق البنك أو غيره أن يحدد رزقه وينظم أمور حياته؟ هل هذا يتفق مع العقيدة؟ ٥- يقول: إن حدثت الخسارة لأسباب خارجة عن إرادة صاحب العمل سيتحمل صاحب المال عند الاقتضاء ما يجب عليه منها، والذي يقرر ذلك هم رجال القضاء. ونقول: إن العقود في الفقه الإسلامي بنيت على أسس متينة تحول دون حدوث شقاق بين المتعاقدين، لأن مهمة التشريعات أن لا تترك ثغرة للتقاضي. إن أسلوب الشيخ في مقالاته غير دقيق، وغير علمي، وموهم، ويمكن أن يستند على بعض منه ذوو الأغراض السيئة، والنوايا الخبيثة. وإننا لنعجب كثيراً ونشفق على فضيلة المفتي وعلى المسلمين، إذ هو يشككهم في أمور مجمع عليها، بل تعتبر مما علم من الدين بالضرورة، وإذا تطرق الشك إلى هذه الأمور وصل الأمر حتما إلى هدم الشريعة من الأساس، فهل يسمح لنا المفتي أن نسأله: إذا كانت معاملة البنوك ليست ربوية فما هو الربا المحرم شرعاً؟ فإذا قال: هو ما كان مبنياً على الاستغلال، قلنا له: إن الاستغلال حكمة وليست علة، والحكم لا يدور إلا مع العلة وجوداً وعدماً ... كما لنا أن نسأله: لقد سبق له أن أفتى بحرمة هذه المعاملات في الفتوى رقم ٥١٥/ ٩٩٨٩ فما الذي جعله يرجع عن تلك الفتوى وهي التي تساير المجمع عليه؟ إن أغلب الظن أن الشيخ مضلل من قبل جماعة درست الاقتصاد على الأسس الربوية، ولا ترى اقتصاداً يمكن أن يقوم على غيرها، وليس لها تصور للمعاملات الإسلامية الصحيحة.. وإنا لننصح الشيخ مخلصين أن يرجع إلى الله الذي لا تجدي عنده التبريرات ولا الاعتذارات من الأتباع بأنهم كانوا مخدوعين أو مضللين من قبل المتبوعين، فقد سمى القرآن الكريم التابع ظالماً فقال: [ويَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا ويْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جَاءَنِي وكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإنسَانِ خَذُولاً] ننصحه أن يعلن رجوعه عن فتواه الأخيرة فليس عيباً يذكر ولا سيئة تنكر أن يرجع الإنسان عن خطئه، فالكمال لله وحده والعصمة للأنبياء، وكل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون، ولنا في الصحابة قدوة وفي سلفنا الصالح أسوة، وقد رجع عمر بن الخطاب عن توريثه في المسألة المشتركة، ورجع ابن عباس في إباحة ربا الفضل حين تبين له الصواب، فالرجوع إلى الحق فضيلة والحق أحق أن يتبع. اللهم قد نصحنا لك ولدينك، وأبرأنا ذمتنا، اللهم فاشهد وأنت خير الشاهدين. عنهم د. محمد المختار المهدي

стр. 986

خواطر في الدعوة الحرص على الدعوة محمد العبدة هل نحن حريصون على الدعوة ونجاحها، وأن تكون هي الأقوى، وهي المهيمنة. إذا كان الأمر كذلك؛ فهل هناك حرص آخر يوازي هذا الحرص ويزاحمه ويدافعه، وهو الحرص على المستقبل! ! مستقبل العمل الوظيفي، مستقبل الأولاد، تأمين المسكن المريح، والمركب المريح، والوطن المريح. إن واقعنا يدل على هذه المزاحمة والمدافعة إلا في القليل النادر. فالدعوة لا تشغل البال ولا تقيم الداعية وتقعده، يفكر فيها ليل نهار، كيف تنجح، كيف تتقدم؟ وما هي أسباب الفشل، وما هي أسباب التأخر والضعف. إن الدعاة يعلمون أن وحدة الصف ووحدة المنهج من أهم أسباب قوة الدعوة، وأن تجميع الطاقات الفعالة المنتجة من أسباب قوة الدعوة، فلماذا لا يفعلون؟ وهم يعلمون أنه ليس للدعوة الآن كلمة نافذة وهيبة مرهوبة، وهيئة علماء يسمع ويستجاب لها، فلماذا لا يسعون لتحقيق هذا؟ إن أشد ما يتعجب له المرء حرص أصحاب البدع وأصحاب الباطل على نجاح دعوتهم، فنراهم يجوبون البلاد طولاً وعرضاً لنشر بدعهم ومبادئهم، يقول أحد دعاتهم: (وددت أن لو ظهر هذا الأمر يوماً واحداً من أول النهار إلى آخره فلا آسف على الحياة بعده) . وما زلت أذكر من قراءاتي أن زعيم المعتزلة واصل بن عطاء قرر إرسال أحد دعاته المقربين إلى بلدة بعيدة، وكان هذا الداعية تاجراً كبيراً فحاول مع واصل أن يرسل غيره ويدفع مقابل ذلك مبلغاً كبيراً من المال، ولكن واصل رفض وأصر على ذهابه، فما كان منه إلا أن استجاب! والآن نشاهد الطبيب المسلم لا يرضى - إلا من رحم ربك - أن يبدأ عمله في قرية من القرى: فيساعد أهلها ويدعوهم إلى الالتزام بالإسلام. فكيف إذا قيل له: اذهب إلى جبال أفغانستان أو إلى غابات آسيا وأفريقيا أو ارحل مع البدو حيث رحلوا؟ ! ونرى الشباب المتخرج من الجامعات الإسلامية يفضل العمل ولو وظيفة صغيرة في مدينة من المدن على أن يذهب إلى بلاد بعيدة هم بأشد الحاجة إلى أمثاله لتفشي الجهل أو البعد عن الإسلام كلية فالمشكلة إذن هي أن الكل يريد الاستقرار في المدن، بل وفي العاصمة، فمن للقبائل ومن للقرى ومن لمسلمي العالم؟ ونعود للسؤال الذي بدأنا به هذه الخاطرة: هل نحن - حقاً - حريصون على الدعوة ونجاحها؟

стр. 987

وقفات مع التحقيق والمحققين (٢) محمد عبد الله آل شاكر (يتابع الأستاذ محمد عبد الله آل شاكر وقفاته مع مدعي التحقيق، وينبه إلى الاستهانة التي يرتكبها كثير ممن امتهن في هذه المهنة بكتب العلم وبأصول التحقيق والنشر العلمي.) - البيان - - ٥ - أما إذا يممنا شطر كتب التفسير والحديث المحققة، فإننا نلاحظ جهداً مشكوراً، وعناية جاوزت الحد فانقلبت إلى الضد، مما أسميته (الكتابة على الهامش) ، حيث تطغى الهوامش والحواشي على المتن، دون ضبط النسبة بينهما، فتجد أحدهم يخرج حديثاً واحداً في أربع صفحات، وقد يكون من أحاديث الشيخين (البخاري ومسلم) مما قالوا عنه: إنه جاوز القنطرة، وهذا يريحنا من عناء البحث والتعب، فالثقة حاصلة بصحته. ولكن بعض المحققين يحلو له أن يستعرض عضلاته على القراء، فيضع كتب الرجال والجرح والتعديل في الحاشية، مترجماً لكل راوٍ في السند حتى ولو كان من مشاهير الصحابة أو الأئمة، ويتبع هذا مجموعة من المصادر للترجمة تتكرر في كل صفحة تقريباً! كي يصل بعد هذا إلى الحكم على الإسناد، وغالباً ما يكون مسبوقاً إلى هذا من الأئمة المحدثين والحفاظ. وكان من الأجدى والأيسر على القارئ أن يشير إلى من فيه كلام من الرواة، دون الكلام على سائر رجال الإسناد. وقد نعتذر لهم عن هذه الظاهرة، إذ قد يكون سببها أن الباحث بذل جهداً وأضاع وقتاً في مراجعة المصادر، فأراد أن يشرك القارئ معه، ولم يضن عليه بالعلم، فوضع كل ما قرأه في حاشية الكتاب، سواء كانت الحاجة تدعو إلى ذلك أو لا تدعو إليه. وهذا وإن كان يصلح في الأعمال العلمية بين جدران المعاهد والدراسات العليا (لإعداد رسائل الماجستير والدكتوراه) ، فما أظنه صالحاً عندما يعد الباحث رسالته للنشر في كتاب يطرح في الأسواق بين القراء. مع ما فيه من إضاعة للجهد، ومن تكاليف باهظة في الطباعة، وإعاقة عن إتمام التحقيق للكتب الكبيرة، فضلاً عن تفريغ جيوب القراء وطلبة العلم والإثقال عليهم. والأمثلة هنا كثيرة جداً، تعز على الحصر، ومن آخر ما اطلعت عليه مما يصدق عليه كلامنا هذا، كتاب (مختصر استدراك الحافظ الذهبي على مستدرك أبي عبد الله الحكم) لابن الملقن المتوفى سنة (٨٠٤ هـ) في ستة أجزاء، تحقيق ودراسة عبد الله بن حمد اللحيدان، دار العاصمة بالرياض، ١٤١١ هـ. تجد فيه المتن يقع في سطرين أو أكثر قليلاً، والتعليق والحواشي في (٤) صفحات تبدأ بذكر سند الحديث عند الحكم ثم تخريجه، يليه دراسة الإسناد ثم الحكم على الحديث، وغالباً تكون نسبة المتن إلى الحاشية ٤٠/١، فكل سطر يقابله أربعون سطراً في الحاشية. وإليك المثال الثاني؛ (تفسير ابن أبي حاتم الرازي) فتحت الكتاب، دون قصد صفحة معينة، فانفتح على الصفحتين (٤٦ و ٤٧) ، وفي أولاهما أثر ساقه المؤلف في تفسير قوله تعالى: [هو الذي أنزل عليك الكتاب] عن سعيد بن جبير قال: (هو القرآن) . وفي الحاشية دراسة لرجال الإسناد، ونتيجة لذلك تقع في (٥٢) سطراً بحرف دقيق، ويليها بيان درجة الأثر في (٧) أسطر. فأنت أمام تسعة وخمسين سطراً بحرف صغير، يعدل السطر منها ثلاثة في المتن، والمتن لا يتجاوز السطرين بحرف كبير. فهل يستطيع القارئ أن يستخرج النسبة دون آلة حاسبة! ترى ما هي حاجة القارئ إلى هذا الكلام كله عندما أصبح الكتاب متداولاً بين القراء وطلبة العلم، ولم يعد رسالة علمية جامعية؟ رغم الجهد الطيب المبذول لإخراج هذا الأثر النفيس، وجزى الله العاملين المخلصين كل خير. ولست أدري كم يستغرق إخراج هذا الكتاب كاملاً؟ وكذلك كتاب (شُعَب الإيمان) للبيهقي، الذي يطبع في الهند؟ وأمثالهما من الكتب والموسوعات! - ٦ - ولعل تقاعس الهمم وفتور العزائم، أو النفور من الأعمال الكبيرة التي تحتاج إلى وقت وصبر وجهد، جعلت بعض المحققين يصرفون عنايتهم إلى الأجزاء الحديثة الصغيرة، وهي غالباً لا تضيف جديداً إلى كتب الأصول والمصادر الأساسية المتداولة، تلك التي لم يخدم أكثرها خدمة طيبة تليق بها، إذا استثنينا ما قام به الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، ﵀، من جهد في إخراج عدد منها كصحيح مسلم، وموطأ مالك، وسنن ابن ماجه ﵏ جميعاً) ، والشيخ أحمد شاكر في (المسند) للإمام أحمد. والكتب الأصول أَوْلى بالعناية والاهتمام والإخراج المتقن الذي يليق بها وبمكانتها، وكم من هذه الكتب، مما لا يزال مخطوطاً، أو مطبوعاً طبعات قديمة رديئة! يحتاج إلى عناية! ومما يتصل بهذا: العناية بكتب (الزوائد) في الحديث، مع وجود الكتب الأصلية التي جُرَّدت زوائدها. فمع وجود (صحيح ابن حبان) مثلاً، لا ينبغي الاشتغال بزوائده، لئلا يكون ذلك على حساب عمل آخر أكثر أهمية، ومع وجود (معاجم الطبراني الثلاثة) تقل أهمية زوائدها، ما لم يكن في هذه الزوائد فوائد خاصة بها، وقد كان لهذه الكتب أهميتها عند عدم وجود كتب الأصول، ويصدق هذا أيضاً على (مختصر استدراك الذهبي على مستدرك الحكم) فهو تلخيص للملخص، وكان الأجدى العناية بالمستدرك نفسه. والطريف أن المستدرك يقع في أربع مجلدات، وتلخيص التلخيص يقع في سنة مجلدات! - ٧ - وفي غير كتب الحديث. نجد رسائل لا تتجاوز عشرين سطراً من المخطوط، أو لا تبلغ ورقة منه، فينفخ فيها المحقق ويحقنها بالدراسة والترجمة والتعليق ومنهج البحث، وما شئت من هذه الألفاظ التي يتشدق بها، فتفعل هذه الحقنة فعلها في تضخيم هذه الورقة أو الوريقات فتجعل منها كتاباً راشداً يستوي على قدميه. وقد نجد لمؤلف واحد مجموعة كبيرة من الرسائل، يخرج المحقق لها كل رسالة بغلاف مستقل، وكان أولى وأجدى وأكثر حفظاً لهذه الرسالة، لو أنه أخرج المجموعة كلها بكتاب واحد، مع دراسة موجزة وتحقيق وتوثيق، لئلا يتكرر هذا مع كل رسالة بمفردها. وتجد مثلاً على ذلك في: (ذوق الطلاب في علم الإعراب) تأليف الشيخ محمد أحمد عبد القادر الحفظي، تحقيق عبد الله محمد حسين أبو داهش. يقع الكتاب في صفحتين اثنتين مجرداً من الهوامش، ومع الهوامش والتعليقات يبلغ (٥) صفحات، فإذا جمعتها مع المقدمات والتعريف بالكاتب بلغت (٣٣) صفحة. قال المحقق: (وقد رأيت تحقيق هذا المخطوط سبيلاً للتعريف بأسرة آل ... الحفظي، برجال ألمع، ودعوة لتحقيق تراثهم النادر..) ودون أن نتساءل عن قيمة هذا التراث - الذي اطلعت على نماذج محققة منه - لأنه يحتاج إلى دراسة؛ ترى ما هي علاقة موضوع الكتاب بهذا الذي أراده المحقق؟ ثم أليس بإمكانه أن يكتب كتاباً عن أسرة آل الحفظي وتراثهم، ثم يجمع هذا التراث في ضميمة واحدة؟ وما يصدق هنا يصدق على رسائل السيوطي - التي كانت في طبعتها الأولى بمجلدين فأصبحت الآن مئات الكتب كل كتاب ورقتين أو ثلاثة وقد يزيد - وكذلك في رسائل الملا علي القاري التي ظهرت أخيراً موزعة مفتتة، وهي في أصلها مجموع واحد! ولعله لا يغيب عن ذهن القارئ: أن هذه الملاحظات لا تعني التقليل من أهمية الكتب التي سبقت الإشارة إليها، ولا تعني إهمالها، ولا أننا ننقص أصحاب الجهد ونبخسهم حقهم، وإنما قصدت إلى توجيه العناية بالأمهات والبدء بالأولويات وتقديم ما هو أكثر أهمية على ما هو أقل في الأهمية. كما قصدت المحافظة على هذا التراث من الضياع، وعلى الجهد من أن يتبدد أو يذهب سدى. - ٨ - وإذا كان من الأجدى أن يبدأ الباحثون من حيث انتهى غيرهم، كما يستفيدوا من جهود السابقين، ويتابعوا عملية إتمام البناء الذي سبقوا إليه، فإنه من العبث، ومن التجاهل لجهود الآخرين، أن نقوم بتكرار العمل وإضاعة الجهد في كتب قد خدمت خدمة طيبة. ويعرف الجميع ما قام به الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وما بذل من عناية في إخراج بعض كتب السنة، مما سبقت الإشارة إليه، فمثلاً: أخرج (سنن ابن ماجه) في جزئين، وحقق نصوصه، ورقم كتبه وأبوابه وأحاديثه، وضبط كلماته، وعلق عليه، واقتبس خلاصة مما كتبه البوصيري في (الزوائد) ، وصنع له الفهارس التي تعين على الاستفادة منه، مع عناية بالغة وإتقان في الإخراج. ومع هذا كله، فإن أول كتاب اتجهت إليه عناية الدكتور الأعظمي، من الكتب الستة، هو كتاب (سنن ابن ماجه) نفسه، فقد أخرجه في أربع مجلدات، اثنان منها للفهارس، مستعيناً بالحاسب الآلي. وما أظن أن هناك ما يسوغ هذا العمل رغم ما قد يكون فيه من استدراك على السابق، ولكنه أمر يسير. ولعل الله يهيء له العمل لإنجاز مشروعه وقد اتجهت الجهود لما ينبغي أن تتجه إليه. - ٩ - ومن صور العدوان على تراثنا العلمي والعبث به، ما قد يدعو إليه زعم التيسير والتسهيل، وكأننا أمة لم تخلق إلا لهذا السهل اليسير الذي استمرأناه، وليس من شأننا أن نرتفع بأنفسنا إلى مستوى الأمة القائدة الرائدة التي لا تعبأ بالصعاب، وتبذل كل جهد لتبقى متربعة على قمة المجد. وباسم التيسير والتسهيل، يعمد أحدهم، وقد يكون فرداً أو مؤسسة، إلى كتاب من كتب التراث فيغير ترتيبه، فلا هو الكتاب الذي وضعه مؤلفه، ولا هو كتاب أنشأه مرتبه، مع أن الكتاب الأول معروف منذ قرون متطاولة بشكله الأول، والعزو إليه وهو في صورته تلك ... ومن أقرب الأمثلة لهذا: (لسان العرب) لابن منظور الذي طبعته دار المعارف بمصر طبعة جديدة مرتباً على أوائل الكلمات كطريقة (أساس البلاغة) أو (المصباح المنير) . - ١٠ - وبعد: فقد سبقتنا الأمم الأخرى أشواطاً كثيرة في العلم المادي وفي الصناعة وغيرها، لو ركضنا ركضاً ما استطعنا - وهذا حالنا - أن نلحق بها، فضلاً عن أن نسبقها، ونحن في ذلك مقصرون ومفرطون تفريطاً معيباً، فلا أدري لماذا ينصرف إخواننا الكرام، أصحاب المؤهلات والتخصصات العلمية، عن تخصصاتهم ومجال إبداعهم رغم حاجتنا إلى جهودهم، ينصرفون عن هذا إلى مجالات أخرى، فيكتب الطبيب في الفقه والحديث، والمهندس في الجرح والتعديل، والكيميائي في التفسير، والشاعر الأديب يتحول إلى فقيه ... بحجة أنه ليس في الإسلام (هيئة أكليروس) أو بحجة الاجتهاد ومحاولة التقليد ... هكذا دون احترام للاختصاص - ونحن في عصر التخصص الدقيق كما يقولون - ولا احترام للعلم وأهله، وقد لا يملكون المؤهلات التي تؤهلهم لما يقومون به، أو إن تكوينهم العلمي والفكري الذي درجوا عليه، قد لا يساعدهم على إتقان ما توجهوا إليه أخيراً - عندما عزفوا عن القيام بفرض كفائي -، أو أنهم يفهمون عبارات العلماء وأقوالهم على غير وجهها ويضعونها في غير موضعها، فأصبحت تجد تعليقاً على حديث أخرجه مسلم، مثل هذه العبارة (حسن على رأي من يقبل عنعنات الصحيحين، وهما ابن صلاح والنووي) يعني أنه ضعيف عند غيرهما! وهو من ... أحاديث الصحيح ... وتجد أمثال هذه العبارة: (قال النووي - وليس كما زعم -) أي ليس كما زعم النووي ﵀، وزعم مطية الكذب كما ... يقولون. فأين الأدب واحترام العلماء الذين أرشدنا إليه النبي ﷺ ؟ أم أن المحققين يشغلون أنفسهم بالسند دون العمل بالحديث! وأسأل الله لي ولهم ولجميع المسلمين الهداية والتوفيق، و (أن يرزقنا فهماً في كتابه وسنة نبيه ﷺ ، وأن يرزقنا قولاً وعملاً يؤدي به عنا حقه، ويوجب لنا نافلة مزيده) . والحمد لله رب العالمين.

стр. 988

علماء الاجتماع والعداء للدين وللصحوة الإسلامية (٥) هل تحتاج بلادنا إلى علماء اجتماع؟ د. أحمد إبراهيم خضر كشفنا في الحلقة الماضية كيف أن رجال الاجتماع في بلادنا قد أخذوا على عاتقهم مهمة تفكيك الدين سعياً وراء (وهم استقلالية العلم) ، وبينا كيف رأى رجال الاجتماع أن انتقاد الدين جزء لا يتجزأ من تكوين العلم، وأن صدام علم الاجتماع مع الدين لا يتجزأ من تكوين العلم، وأن صدام علم الاجتماع مع الدين أمر لا مفر منه، وأنهما إذا التقيا فإن التقاءهما لا يكون إلا عبر صراعات. وشرحنا كيف أن رجال الاجتماع في بلادنا أرادوا أن يخضعوا الدين لتحليلاتهم وتفسيراتهم وتصوراتهم وفي أذهانهم اعتقاد خاطئ بتصادم الدين والعلم في الإسلام كالحال في بلاد الغرب. وكشفنا أيضاً عن ربط رجال الاجتماع شرعية ممارستهم للعلم باستمرار صدامهم مع الدين، وعن أملهم في الانفلات من قبضة علماء الدين مثلما انفلت علماء الغرب من الكنيسة. وأخيراً أوضحنا بأن عداء رجال الاجتماع للدين مرتبط بعداء الدولة له وعددنا الخطوات التي قامت بها الدولة لتمهد الطريق لرجال الاجتماع في أداء مهماتهم في تفكيك الدين. هل تحتاج بلادنا إلى علماء اجتماع؟ الإجابة بلا قطعاً. لكن هذه (اللا) ليست من عندنا. إنها من أفواه وأقلام علماء الاجتماع أنفسهم. كان رجال الاجتماع في بلادنا ولا زالوا يتصورون أنهم طليعة هذه الأمة وضميرها وأنهم القدوة والنموذج وأنهم الطلائع والضمائر. كانوا ولا زالوا يعتقدون أنهم لا يبالغون إذا تصوروا أنهم يملكون في أيديهم (عناصر الترشيد الضرورية) للمجتمع وأنهم يستطيعون توصيف المراحل التي يمر بها هذا المجتمع وتحليل قواه الاجتماعية الفاعلة، وأنه بإمكانهم تقديم البدائل المتاحة أمامه [١] . لقد وصل الأمر برجال الاجتماع في بلادنا إلى الاعتقاد بأن الخبير منهم يجب التبارك به [٢] . نبع هذا التصور الذاتي الوهمي المبالغ فيه عند رجال الاجتماع من نظراتهم إلى المجتمع الذي لا يخرج عندهم عن مجتمع من الجهلة والأميين والمرضى والجائعين والمتأخرين الذين على رجال الاجتماع تنميتهم وعلاجهم وعصرنتهم أو تغريبهم، والإنسان العربي عندهم إنسان تقليدي متأخر متخلف [٣] . ما هي عناصر الترشيد الضرورية هذه التي يعتقد رجال الاجتماع أنهم يملكون مفاتيحها؟ إنها أي شيء يمكن أن يكون إلا (الإسلام) . إن من أبرز صفات هذا الإسلام أن الدين والعلم فيه متساندان ولا يتصادمان كالحال في بلاد الغرب. ومع ذلك فإن من مسلماته الجوهرية (الإيمان بالغيب) . الله تعالى نفسه (غيب) ، والملائكة والجن والشياطين والجنة والنار والبعث والحساب واليوم الآخر، كل ذلك (غيب) ولن يستقيم الإيمان إلا بالاعتقاد في هذا (الغيب) . وإذا كان علم (الغرب) قاصراً عن إثبات هذا الغيب فإن هذا ليس لعيب في الدين وإنما لعيب وقصور في العلم ذاته. سار رجال الاجتماع في بلادنا وراء الغرب (حذو القذَّة بالقذَّة) ودخلوا وراءه (جحر الضب) الذي تحدث عنه الرسول ﷺ ، ففصلوا بين الدين والعلم، ورفضوا الإيمان بالغيب بحجة أنه لا يستقيم مع العلم. الدكتور (أحمد الخشاب) هو أحد رواد علم الاجتماع في بلادنا. تتلمذ على يديه معظم من يشغلون الآن كراسي علم الاجتماع في جامعاتنا العربية. لقد علمهم أحمد الخشاب عناصر الترشيد الضرورية هذه التي يتحدثون عنها الآن. علمهم فصل الدين عن العلم ورفض الإيمان بالغيب الذي يعده أيديولوجية تمثل إطاراً مرجعياً لتفسير تبريري تحكمه عقلية تسلطية رجعية. يقول أحمد الخشاب في كتابه الذي خصصه لهذا الترشيد: (على أنه يجب أن نؤكد أننا نرفض النظرة التقليدية للقيم الروحية التي تتمثل في مجموعة التصورات الطقوسية التي تحويها الساحة الدينية وتغذيها الأيديولوجية الغيبية.. ذلك لأننا نعلم عن يقين أن الأيديولوجية الغيبية كانت ولا تزال تمثل الإطار المرجعي للتفسيرات التبريرية للعقلية التسلطية الرجعية) [٤] . ويعتبر أحمد الخشاب من أوائل الذين حاولوا صياغة نظرية اجتماعية عربية وكان ذلك في عام ١٩٧٠. وأول مسلمات هذه النظرية هو الإطاحة بما أسماه (بالأطر العقائدية التقليدية) التي رأى أنها تعبر عن (طبيعة غير علمية) . اعتبر الخشاب أن هذه العقيدة من أهم العثرات التي تقف في وجه هذه النظرية المنشودة [٥] . ولنعد قليلاً إلى مرحلة ما قبل الخشاب. كان عام ١٩٠٨ هو عام تأسيس أول جامعة أهلية علمانية في مصر ألقيت فيها أول محاضرات في علم الاجتماع (القانوني) . وكانت الفترة من عام (١٩٢٤ إلى عام ١٩٣٦) هي فترة التحول التدريجي لما يسمونه (بعلم الاجتماع العلمي) . وبفعل تأثير الأفكار التي حملها (رفاعة الطهطاوي) والاحتكاك بالغرب في الحرب العالمية الأولى تدفق إلى مصر كمٌّ من الأفكار الجديدة التي قال عنها رجال الاجتماع في بلادنا إنها: (تحدت الأفكار القديمة وأعدت لمرحلة الانقطاع عن الماضي) أي (الإسلام) . شهد عام (١٩٢٤) تأسيس الجامعة المصرية (جامعة القاهرة حالياً) وهي جامعة حكومية حلت محل الجامعة الأهلية. ألقيت في هذه الجامعة أول محاضرات منظمة في علم الاجتماع. وكان من المنطقي مع تأسيس الجامعة الأمريكية في القاهرة في منتصف العشرينيات تقديم برنامج منظم في علم الاجتماع، وبذلك أحكم الأمريكيون مع العلمانيين في مصر ضبط خيوط تحقيق هذا الانقطاع عن الإسلام. أما أول كراسي للأستاذية في علم الاجتماع فقد شغلها بالطبع أساتذة أجانب بارزون وعلى رأسهم إيفانز برتشارد (١٩٣٢ -١٩٣٤) ، وآرثر موريس هوكارت (١٩٣٤-١٩٣٨) أما في جامعة الاسكندرية فقد شغل كراسي الأستاذية في علم الاجتماع اساتذة غربيون بارزون على رأسهم (راد كليف براون) و (ردنك أورلخ) . لقد شهدت هذه الفترة انتشار الأفكار (الإلحادية) للفلسفة الوضعية (لأوجست كنت) وللمدرسة الفرنسية في علم الاجتماع وأفكار المدرسة الأنتربولوجية البريطانية والأفكار التحررية السائدة في الغرب [٦] . وعن موقف هؤلاء الأساتذة الأجانب من الدين يكفي هنا أن نستشهد بمقولة هامة قالها قطب الأنتربولوجيا الشهير (ايفانز برتشارد) الذي كان أول من شغل كرسي الأستاذية في جامعة القاهرة والذي أشرنا إليه في الفقرة السابقة، يقول برتشارد في عام ١٩٥٩: (إن الأنتربولوجيين بصفة عامة ذووا اتجاهات سلبية عدائية كئيبة ضد الدين. إن العلماء الأوائل الذين أثروا في الفكر الأنتربولوجي لأكثر من قرن كامل يوقنون تماماً بعدم مصداقية الدين المنزل وأن كل العقائد نسبية. ورأى علماء القرن التاسع عشر أن الدين غير حقيقي وعديم الفائدة ويجب استئصاله والتقليل من آثاره وإنقاص هيبته بالتقدم العلمي، وحينما تحققوا من الوجود العام للدين عبر التاريخ الإنساني حاولوا أن يشرحوا ما اعتبروه وهماً برده إلى عوامل نفسية ... إن معظم البارزين من علماء الأنتربولوجيا لم يكن لهم اعتقاد ديني لأن العقائد كلها عندهم مضللة) [٧] . نما علم الاجتماع في بلادنا بصورة سريعة لتحقيق هذا الانقطاع عن الدين وعن الإسلام. عرّف علم الاجتماع موضوعاته وأهدافه وإمكانياته. وإذا قيست الفترة الزمنية التي رسخ فيها هذا العلم في الجامعات العربية فإن نموه ولو مقيساً فقط بعدد خريجيه ليشكل تقدماً ملحوظاً لم يصل إليه نظيره في الجامعات الغربية والشرقية قي الفترة نفسها [٨] . شهد علم الاجتماع في تطوره الأكاديمي التنظيمي مراحل توسع ضخمة تركز أكثرها خلال السبعينيات حيث أنشئ عدد كبير من أقسام الاجتماع في الجامعات العربية سواء في مصر على امتداد رقعتها من القاهرة حتى أسوان، أو على امتداد الوطن العربي من الكويت وبغداد والدوحة والإمارات شرقاً حتى فاس والرباط غرباً، مروراً بكل الجامعات الكبيرة والصغيرة حتى تلك الجامعات التي يطلق عليها (محمود الجوهري) أستاذ الاجتماع بجامعة القاهرة (بالجامعات الدينية) كجامعة الأزهر وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية [٩] . وهنا تكمن الكارثة الكبرى وهي غزو علم الاجتماع لما يسمونه بالجامعات الدينية. وسنستشهد هنا بنموذج واحد لبيان ضخامة حجم هذه الكارثة. هذا زيدان عبد الباقي أستاذ علم الاجتماع بكلية البنات بجامعة الأزهر يقول لطالباته: ... (هذا وتواجه البلاد الإسلامية مشكلة مختلفة تماماً تدور حول جمود التقاليد الدينية الأمر الذي يتعارض مع التغييرات التكنولوجية ... ذلك أن الإسلام قد فرض كثيراً من الأوامر والنواهي على معتنقيه الأمر الذي يتعارض مع أي تغيير يستهدفه التقدم العلمي والتكنولوجي.. وإذا كان من المتفق عليه أن العقيدة الدينية ... تتطابق مع كل نموذج معقول من الفكر فإن غاية واحدة لطيف أنوار العقيدة الدينية تجعل السحر بمثابة العنصر السائد للدين) [١٠] .. لم يكن باستطاعة علم الاجتماع في بلادنا أن ينمو دون أن يقدم مزاعم عريضة عن فائدته المجتمعية العامة وأهلية ممارسيه، واحترافهم فلم يتردد مؤسسوه ودارسوه أن يعلنوا منذ البداية بأن علمهم يعد (وصفة طبية ناجحة) لعلاج جميع أمراض مجتمعهم [١١] . ولهذا فإنه في خلال نصف القرن الأخير دخل علم الاجتماع ضمن مناهج الدراسات الجامعية في أقسام وشعب متخصصة يصل عددها إلى حوالي ثلاثين شعبة، وبعد أن كان يدرس في البداية على أيدي هواة من المتخصصين في فروع معرفة أخرى سرعان ما أصبح تدريسه على أيدي متخصصين في علم الاجتماع ذاته يصل عددهم بمعيار الحصول على الدكتوراه إلى حوالي المائتين. ويصل عدد الطلاب المتخصصين في علم الاجتماع في الجامعات والكليات العربية حتى الآن إلى حوالي عشرة آلاف طالب يتخرج منهم سنوياً حوالي ألفي طالب. كما يوجد في الوطن العربي ما لا لم يقل عن خمسة عشر مركزاً بحثياً في علم الاجتماع أو بعض فروعه. ويظهر في المتوسط حوالي مائة كتاب سنوياً يؤلفها أساتذة الاجتماع العرب بالإضافة إلى مئات من الأوراق المقالات والتقارير البحثية والاستشارية، علاوة على عشر مجلات أكاديمية متخصصة في علم الاجتماع [١٢] . وبعد سبعة وسبعين عاماً من هذا النمو والازدهار والتضخم الكمي والمؤسسي في علم الاجتماع (المنقطع عن الإسلام) اجتمع رجال الاجتماع العرب في تونس وبالتحديد في يناير١٩٨٥ لمناقشة محصلة هذا الانقطاع وهل أثمر التخريب المتعمد للنسيج الاجتماعي في بلادنا وذلك في ندوة بعنوان (نحو علم اجتماع عربي) . كان أهم نتائج هذه الندوة الاعتراف الصريح بالفشل الذريع الذي تجسد في إجاباتهم على سؤال طرحوه بأنفسهم هو: (هل يستطيع الوطن العربي أن يعيش ويزدهر بدون علماء اجتماع؟) اعترف رجال الاجتماع ويعتصرهم الألم الشديد اعترافاً جلياً بأن بلادنا ليست في حاجة إليهم، وأنها ليست في حاجة إليهم الآن كما لم تكن في حاجة إليهم في الماضي. وهذا هو نص اعترافات سعد الدين إبراهيم الأستاذ بالجامعة الأمريكية بالقاهرة يقول فيها مجيباً على السؤال السابق: (راودني هذا السؤال منذ سنوات وأنا أفكر في كتابة هذه الدراسة التي أشارك بها زملائي المشتغلين بعلم الاجتماع في الوطن العربي. وكنت قد قررت أن تكون مساهمتي المتواضعة في هذه الندوة جولة صريحة في أعماق الضمير السوسيولوجي، إن كان ثمة ضمير سوسيولوجي ... وحتى لا أطيل في المقدمات فإن إجابتي الشخصية عن السؤال بكل الصدق المؤلم هي أنه (نعم) . نعم يستطيع مجتمعنا أن يعيش وبتقدم بلا علماء الاجتماع العرب، ولكي أخفف على نفسي ألم هذه الإجابة حاولت توجيه هذا السؤال نفسه بالنسبة إلى فئات أخرى في المجتمع، وخلصت إلى أن هناك فئات عديدة لا يستطيع المجتمع أن يعيش بدونها أهمها: الفلاحون والعمال ورجال الإدارة والجيش، وأن هناك فئات أخرى لا يستطيع المجتمع أن يتقدم بدونها أهمها: المهندسون والأطباء والعلماء وخبراء التكنولوجيا والاقتصاد.. أما علماء الاجتماع والأنتروبولوجيا والنفس والسياسة والإعلام والآثار وفئات أخرى عديدة فيمكن للمجتمع أن يعيش ويتقدم بغيرهم. وبشكل آخر لو وضعنا السؤال: ماذا يحدث للوطن العربي إذا اختفى كل علماء الاجتماع فجأة؟ والإجابة هي: لا شيء سيحدث للمجتمع سلباً أو إيجاباً، وينطبق ذلك على فئات مهنية أخرى كما ينطبق على مجتمعات أخرى عديدة. وبالمقابل هناك مجتمعات تقدمت في العصر الحديث دون أن يوجد فيها فئة مهنية تسمى علماء الاجتماع مثل اليابان إلى ثلاثينيات هذا القرن، والصين إلى عقود متأخرة من هذا القرن. كذلك ليس هناك ما يثبت قطعياً أن بريطانيا وألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة ما كان لها أن تتقدم خلال القرنين الأخيرين لولا وجود علماء الاجتماع فيها. وما أريد أن أخلص إليه هو أن علماء الاجتماع كفئة مهنية متخصصة ليست ضرورية في المجتمع الحديث وبالطبع، لم تكن ضرورية في المجتمع التقليدي) [١٣] . لم يكن هذا الاعتراف الصريح والمؤلم هو الاعتراف الوحيد لمحصلة (الثورة على الدين والانقطاع عن الإسلام) إنما كانت هناك لرجال الاجتماع اعترافات أخرى لا تقل شدة في إيلامها وقسوتها عن هذا الاعتراف نترك الحديث عنها للعدد القادم إن شاء الله. (يتبع)

стр. 989

لماذا نرفض العلمانية؟ محمد محمد بدري ظهر مصداق قول رسول الله ﷺ : (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء) رواه مسلم، وأصبح واقع الأمة الإسلامية يقرر أن غربة النبي ﷺ ، وأسرة ياسر، وبلال وغيرهم، قد عادت للذين يقولون: ربنا الله، لا قيصر، والحاكمية لله، لا للبشر، ... وغابت راية الإسلام عن أرض الإسلام وحكمتها نظم علمانية لا دينية، حتى أصبحت الدعوة إلى أن يكون الإسلام بكتابه الكريم، وسنة رسوله الأمين - صلى الله عليه وسلم - أساس الحكم، جريمة في أكثر دول العالم (الإسلامي) تحاكم عليها قوانين تلك البلاد بالإعدام بتهمة تغيير شكل النظام؟ ! . ولقد كان مما ساعد على استقرار تلك الأوضاع غياب الكثير من حقائق الإسلام وبديهياته، ومن أظهرها أن وجوب الحكم بما أنزل الله عقيدة لا يكون المسلم مسلماً إذا تخلى عنها، وأن التشريع بغير ما أنزل الله، والرضى بشرع غير شرع الله هو شرك مخرج من الملة. ولما كان بيان الحق وإبلاغه للخلق أمانة في عنق كل من علم شيئاً من حقيقة هذا الدين، فقد كتبت هذه المقالة: بياناً لحقيقة العلمانية، بكشف المخبوء من حقيقتها، وتعرية المستتر من أسرارها، وإضاءة المناطق المعتمة في حركة العلمانيين ودعوة للنجاة في الدنيا والآخرة، بقبول شرع الله، ونبذ كل شريعة يقوم عليها علمانيون يقفون في طريق الإسلام والتوحيد الخالص، وكأنهم أرباب زائفون. وليكون ذلك ميلاداً جديداً للفرد المسلم والأمة المسلمة، الأمة التي تحمل رسالتها إلى كل البشرية بالنجاة من الشرك ... تلك الرسالة التي عبر عنها في بساطة ربعي بن عامر رسول قائد المسلمين إلى رستم قائد الفرس، هذا يسأله ما الذي جاء بكم؟ فيجيب للتو واللحظة: ... الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده. أولاً: العلمانية ... وحكم الجاهلية: حاول اعداء الإسلام القضاء على الإسلام عن طريق نشر الإلحاد ... وفشلوا.. وحاولوا صرف الناس عن الإسلام عن طريق الشيوعية.. وفشلوا.. وأحس الأعداء اليأس من هذا الدين.. ولكنهم، بعد التفكر والتدبير، لجأوا إلى طريقة أخبث (لجأوا إلى إقامة أنظمة وأوضاع تتزيا بزي الإسلام، وتتمسح في العقيدة، ولا تنكر الدين جملة، بل تعلن إيمانها به إيماناً نظرياً واحترامها له كعقيدة في الحنايا، وشعائر تؤدى في المساجد،.. أما ما وراء ذلك من شؤون الحياة فمرده - بزعمهم - إلى إرادة الأمة الحرة الطليقة التي لا تقبل سلطاناً عليها من أحد! ! ! ولما كانت حقيقة العلمانية قد تخفى على كثير من المسلمين، فإنه من واجبنا أن نفضح هذه العلمانية عبر نظرة نلقيها عليها لنتبين من خلالها ما هي العلمانية؟ وكيف نشأت؟ لمن حق التشريع المطلق في نظمها؟ وما هي الشريعة التي تحمل الأمة على التحاكم إليها؟ ١- العلمانية.. التعريف والنشأة: لفظ العلمانية ترجمة خاطئة لكلمة secularism في الإنجليزية، أو secularite بالفرنسية، وهي كلمة لا صلة لها بلفظ العلم ومشتقاته على الإطلاق ... والترجمة الصحيحة للكلمة هي اللادينية أو الدنيوية، لا بمعنى ما يقابل الأخروية فحسب بل بمعنى أخص هو ما لا صلة له بالدين، أو ما كانت صلته بالدين علاقة تضاد.. وفي دائرة المعارف البريطانية مادة secularism: هي حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس وتوجيههم من الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بهذه الدنيا وحدها [١] . ولذلك فإن المدلول الصحيح لكلمة (العلمانية) هو: فصل الدين عن الدولة أو هو: إقامة الحياة على غير الدين، سواء بالنسبة للأمة أو الفرد، ثم تختلف الدول أو الأفراد في موقفها من الدين بمفهومه الضيق المحدود، فبعضها تسمح به، ... وتسمى العلمانية المعتدلة، فهي - بزعمهم - لا دينية ولكنها غير معادية للدين، وذلك في مقابل المجتمعات الأخرى المضادة للدين ... وبدهيّ أنه لا فرق في الإسلام بين المسمين، فكل ما ليس دينياً من المبادئ والتطبيقات فهو في حقيقته مضاد للدين، فالإسلام واللادينية نقيضان لا يجتمعان ولا واسطة بينهما [٢] . وإذن فالعلمانية دولة لا تقوم على الدين، بل هي دولة لا دينية، تعزل الدين عن التأثير في الدنيا، وتحمل الأمة على قيادتها للدنيا في جميع النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية والقانونية وغيرها بعيداً عن أوامر الدين ونواهيه. والعلمانية دولة لا تقبل الدين إلا إذا كان علاقة خاصة بين الإنسان وخالقه، بحيث لا يكون لهذه العلاقة أي تأثير في أقواله وأفعاله وشؤون حياته. (ولا شك أن هذا المفهوم الغربي العلماني للدين على أنه علاقة خاصة بين العبد والرب، محلها القلب، ولا علاقة لها بواقع الحياة ... جاء من مفهوم كنسي محرّف شعاره (أدّ ما لقيصر لقيصر، وما لله لله) ، من واقع عانته النصرانية ... خلال قرونها الثلاثة الأولى، حين كانت مضطهدة مطاردة من قبل الامبراطورية الرومانية الوثنية فلم تتمكن من تطبيق شريعتها، واكتفت بالعقيدة والشعائر التعبدية اضطراراً واعتبرت ذلك هو الدين، وإن كانت لم تتجه إلى استكمال الدين حين صار للبابوية سلطان قاهر على الأباطرة والملوك، فظل دينها محرفاً لا يمثل الدين السماوي المنزل، فلما جاءت العلمانية في العصر الحديث وجدت الطريق ممهداً، ولم تجد كبير عناء في فصل الدين عن الدولة) [٣] ، وتثبيت الدين على صورته الهزيلة التي آل إليها في الغرب. وإذن فالعلمانية: رد فعل خاطئ لدين محرّف وأوضاع خاطئة كذلك، ونبات خرج من تربة خبيثة ونتاج سيئ لظروف غير طبيعية، فلا شك أنه لم يكن حتماً على مجتمع ابتلي بدين محرف أن يخرج عنه ليكون مجتمعاً لا دينياً، بل الافتراض الصحيح هو أن يبحث عن الدين الصحيح.. فإذا وجدنا مجتمعاً آخر يختلف في ظروفه عن المجتمع الذي تحدثنا عنه، ومع ذلك يصر على أن ينتج اللادينية ويتصور أنها حتم وضرورة فماذا نحكم عليه؟ [٤] فقط نثبت السؤال، ونترك - لا نقول لكل مسلم - بل لكل عاقل الإجابة عليه! أما نحن فنكرر هنا أنه لا يوجد دين جاء من عند الله هو عقيدة فقط، والدين الذي هو عقيدة فقط (أو عقيدة وشعائر تعبدية، دون شريعة تحكم تصرفات الناس في هذه الأرض، هو دين جاهلي مزيف لم ينزل من عند الله) [٥] . ٢- العلمانية.. وحق التشريع المطلق: في مسلسل نبذ الشريعة الإسلامية، وفصل الدين عن الحياة في دار الإسلام، كانت الحلقة الأخيرة هي النص في دساتير الدول في العالم الإسلامي على تقرير حق التشريع المطلق للأمة من دون، الله، ونصت بعض الدساتير على اعتبار رئيس الدولة جزءاً أصيلاً من السلطة التشريعية. واكتفى البعض الآخر بالنص على الحقوق التي يمارسها رئيس الدولة في مجال التشريع وهي حق الاقتراح، وحق الاعتراض أو التصديق. فالأنظمة العلمانية تقر بالسيادة المطلقة للأمة، وتنص في دساتيرها على أن القانون هو التعبير عن إرادتها المطلقة ... فالأمة - بزعمهم - هي التي تقرر الشرائع التي تحكم بها، وحقها في ذلك بلا حدود! ! ولا شك في أن هذا في حقيقته هو الإقرار بحق التشريع المطلق للأمة لا ينازعها فيه منازع ولا يشاركها فيه شريك.. فما تحله هو الحلال وإن اجتمعت على حرمته كافة الشرائع السماوية، وما تحرمه هو الحرام وإن اتفق على حله كل دين جاء من عند الله. ذلك أن الأمة في الأنظمة العلمانية هي مصدر التشريع، وما يصدر عنها هو القانون. (والقانون ليس بنصيحة ولكنه أمر، وهو ليس أمراً من أي أحد، ولكنه أمر صادر ممن يدان له بالطاعة، وموجه إلى من تجب عليه تلك الطاعة) [٦] . وإذا كان سلطان الأمة يتجسد في السلطة التشريعية، والتنفيذية، والقضائية فإنه (لا يوجد قانون بالمعنى الصحيح إلا إذا صدر عن السلطة التشريعية في الحدود التي رسمها له الدستور، وكلتا السلطتين التشريعية والقضائية بهذا الاعتبار مشتركتان في الخضوع لسيد الكل.. ألا وهو الدستور.. الذي يجب أن يحني الجميع أمامه رؤوسهم صاغرين..) [٧] . وتأمل معنى هذه الكلمات، وقل معي: رحم الله ابن تيمية ... القائل: (إن الإنسان أمام طريقين لا ثالث لهما، فإما أن يختار العبودية لله.. وإما أن يرفض هذه العبودية فيقع لا محالة في عبودية لغير الله) . [٨] ٣- العلمانية.. والمصدر الرئيسي للتشريع: هناك شبهة قد يشوش بها العلمانيون، وهي أن بعض الدساتير العلمانية تنص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع.. مثل دستور مصر الذي جاء في مادته الثانية: أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع ... ونحن نقول في الرد على هذه الشبهة: - إننا لا نحكم إلا بما نعلم، ولا نجزم إلا بما نرى المحاكم الوضعية تمارسه صباح مساء،.. فهذه المحاكم لا تزال ملزمة قانوناً بتطبيق القوانين الوضعية، ولا يزال القضاة في هذه المحاكم غير قادرين بأي حال من الأحوال على تطبيق الشريعة الإسلامية. ففي قضية اغتيال السادات أسس الدفاع عمله على الدفع بعدم الدستورية لأن نصوص القوانين مخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية التي تعتبر المصدر الرئيسي للتشريع وفقاً لأحكام المادة الثانية من الدستور الصادر عام ١٩٧١، والمعدلة عام ١٩٨٠.. فماذا قالت المحاكمة في ردها على ذلك؟ جاء في رد المحاكمة: (.. رداً على هذا الدفع، فإن المحكمة تشير بادئ ذي ... ... بدء إلى ما هو مستقر من أن قواعد التفسير للنصوص تأبى تأويل النص أو تحميله أكثر مما يحتمل إذا كان واضحاً لغوياً فعبارة (المصدر الرئيسي للتشريع) لا تمنع لغوياً وجود مصادر أخرى للتشريع، وهو نفس مفاد النص قبل تعديله) [٩] . أرأيتم.. إن المحكمة تؤكد أن العبارة شركية، وأنها تنص على وجود مصادر أخرى غير الشريعة الإسلامية. ولماذا نذهب بعيداً؟ لقد حدث بالفعل أن حكم قاضٍ بالجلد في جريمة سكر، متأولاً هذه المادة من الدستور ... فماذا كانت النتيجة؟ لقد أُبِطل حكمه، وأقصي عن القضاء. وكان مما ذكره رئيس محكمة الاستئناف في أسباب بطلان هذا الحكم ما يلي: ١- إن من قضى بذلك فقد حنث في يمينه القضائي الذي أقسم فيه على الحكم بالعدل واحترام القوانين، ... والعدل كما يقول رئيس محكمة الاستئناف: يعني أن يقضي القاضي في الواقع المعروض بالعقوبة الملائمة في حدود القانون المطبق.. ثم يضيف قائلاً: فقضاء المحكمة بقانون آخر غير القوانين المطبقة في ذلك حنث باليمين، فما بالك بمن طبق أو يخترع قانوناً يعلم أنه غير معمول به! ! ٢- ... وجنائياً لا يجوز، ولا يقبل من القاضي أن يجرم فعلاً لا ينص القانون على اعتباره جريمة، ولا يجوز له ولا يقبل منه أن يقضي بعقوبة لم ينص القانون عليها. ٣-إن مصدر هذا القانون لم يعرف شيئاً عن علم العقاب، فقد (شدد) المشرّع الوضعي في العقوبة وجعلها ستة أشهر حماية للمجتمع، وهذا أحفظ من مجرد الجلد ثمانين جلدة. [١٠] أرأيت - أخي المسلم - إن هذه العلمانية ترى أن التشريع الوضعي أحفظ لأمن المجتمع من الشريعة الإسلامية.. وأن القاضي الذي حكم بالجلد لم يعرف شيئاً عن علم العقاب.. وهكذا.. وكأن القوم يقولون إن الله - تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً -لا يعرف شيئاً من علم العقاب عندما أكتفى بمجرد الجلد على السكر ... سبحانك هذا بهتان عظيم. ومن الذي يجرؤ على ادعاء أنه يشرع للناس، ويحكم فيهم خيراً مما يشرع لهم ويحكم فيهم ربهم سبحانه؟ وأية حجة يملك أن يسوقها بين يدي هذا الادعاء العريض؟ .. أيستطيع أن يقول إنه أعلم بالناس من خالق الناس؟ أيستطيع أن يقول: إنه أرحم بالناس من رب الناس؟ أيستطيع أن يقول: إنه أعرف بالناس ومصالح الناس من إله الناس؟ ... أيستطيع أن يقول: إن الله سبحانه وهو يشرع شريعته الأخيرة، ويرسل رسوله الأخير، ويجعل رسوله خاتم النبيين، ويجعل رسالته خاتمة الرسالات ويجعل شريعته شريعة الأبد، كأنه سبحانه يجهل أن أحوالاً ستطرأ، وأن حاجات ستجد وأن ملابسات ستقع، فلم يحسب حسابها في شريعته لأنها كانت خافية عليه، حتى انكشفت للناس في آخر الزمان! ! ! ما الذي يستطيع أن يقوله ... وبخاصة إذا كان يدعي الإسلام؟ إنه مفرق الطريق، الذي لا معدي عنه من الاختيار.. إما إسلام، وإما جاهلية ... إما حكم الله، وإما حكم الجاهلية.. وهذه العلمانية التي وصفنا حالها، ورأينا واقعها ليست يقيناً حكم الله القائم على الكتاب والسنة ... فماذا تكون إلا حكم الجاهلية؟ قال تعالى: [أَفَحُكْمَ الجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ومَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ] فجعل الله الحكم حكمين لا ثالث لهما: حكم الله ... وهو الحكم القائم على الكتاب والسنة،.. وحكم الجاهلية.. وهو ما خالف ذلك [١١] إذن فالعلمانية هي ... حكم الجاهلية. (يتبع)

стр. 990

شذرات وقطوف إعداد: أبو خالد التميمي ضرورة التربية على معاني الإسلام: (.. إن حفظ معاني الإسلام فقط دون أن تمس هذه المعاني القلب، ودون أن يصبغ بها السلوك، لا يفيد في التقويم ولا في صلاح المسلم، إن من يحفظ مناهج الرياضة في تقوية الجسد، ويذكرها إذا سئل عنها، أو يرددها بنفسه دون أن يطبقها فعلاً على نفسه لا يكتسب صحة جيدة ولا جسماً قوياً، وكذا من يعرف الإسلام ويحفظ معانيه دون أن يربي نفسه عليه) . عبد الكريم زيدان - أصول الدعوة - الأمم لا تعيش بالماضي فقط ! (.. والأمم لا تعيش بالتاريخ ولا بما مثلته من دور في الزمن الماضي، وما حققته من نجاح وانتصار في عهد سابق، إنما تعيش الأمم بالجهاد المتواصل، والنشاط الدائم، والشعور بالمسئولية المستمر، والمخاطرة بالنفس والنفيس في كل زمان، والجدة والابتكار، وإنتاج المفيد الجديد والصالح المزيد.) أبو الحسن الندوي نحن والأعداء: (.. وليقل الأعداء ما يقولون، وليطلقوا على المؤمنين من الألقاب ما شاؤوا، وليصفونا بالمتطرفين أو الأصوليين أو غير ذلك، فو الله لم نعبأ بهم، ولم نكترث لما يقولون. فلقد عرفنا طريقنا من كتاب ربنا وسنة نبينا -عليه الصلاة والسلام-. ولم ننتظر من أعداء الله أن يقوّمونا، إن الذي يحزننا هو أن يمدحونا ويثنوا علينا، لأن هذا يدل على أن فينا ما يعجبهم وهم أعداء الله لا يرضيهم إلا ما يسخطه. أما أن يرمونا ويصمونا بالألقاب المختلفة، فهذا هو الذي يسرنا، وهذا هو المنتظر منهم) . سلمان بن فهد العودة - جزيرة الإسلام - أقوال: * قال رجل لأبي هريرة ﵁: أريد أن أتعلم العلم وأخاف أن أضيعه فقال له أبو هريرة: كفى بترك العلم إضاعة. * قال بكر بن عبد الله: (إذا رأيت من هو أكبر منك، فقل: سبقني بالإسلام والعمل الصالح فهو خير مني. واذا رأيت من هو أصغر منك، فقل: سبقته بالذنوب والمعاصي، فهو خير مني. واذا رأيت إخوانك يكرمونك فقل نعمة أحدثوها، واذا رأيت منهم تقصيراً فقل: بذنب أحدثته. * قيل لابن سيرين: ما أشد الورع! فقال ما أيسره! إذا شككت في شيء فدعه. * كان أحمد بن حنبل ﵁ يمشي في الوحل ويستوقي غاصت رجله، فقال لأصحابه: هكذا العبد لا يزال يتوقى الذنوب فإذا واقعها خاضها.

стр. 991

ضوابط في تلقي النصوص الشرعية وفهمها عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف لا شك أن لنصوص الوحيين (الكتاب والسنة) المنزلة العظيمة اللائقة بهما، كما أن لفهم تلك النصوص الأسلوب الملائم لحصول المقصود منها، وسأورد لك أخي القارئ بعضاً من الضوابط التي يتعين تذكيرها إزاء النصوص الشرعية عند تلقيها وفهمها. ١- التسليم والتعظيم: لا بد من التسليم التام والخضوع الكامل للنصوص الشرعية، كما أنه يتعين التحاكم إليها وتقديمها على غيرها، كما يجب تعظيم نصوص الوحيين وإجلالها وتوقيرها. إن التسليم يعني خضوع القلب وانقياده لربه المتضمن لأعمال الجوارح، كما أن التسليم (هو الخلاص من شبهة تعارض الخبر، أو شهوة تعارض الأمر، أو إرادة تعارض الإخلاص، أو اعتراض يعارض القدر والشرع، وصاحب هذا التوجه هو صاحب القلب السليم الذي لا ينجو يوم القيامة إلا من أتى الله به، فإن التسليم ضد المنازعة) . [١] إن صفة التسليم للنصوص الشرعية من أهم صفات أهل الإيمان، فلا أحد أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله تعالى، كما أنه ممن نال التمسك بالعروة الوثقى. [ومَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِّمَّنْ أَسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهُوَ مُحْسِنٌ] [النساء ١٢٥] ، وقال تعالى: [ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلَى اللَّهِ وهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الوُثْقَى] [لقمان ٢٢] وكما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - أثناء حديثه عن السلف الصالح - (وكان من أعظم ما أنعم الله به عليهم اعتصامهم بالكتاب والسنة، فكان من الأصول المتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان أنه لا يقبل من أحد قط أن يعارض القرآن، لا برأيه، ولا ذوقه، ولا معقولة، ولا قياسه، ولا وجده. فإنهم ثبت عنهم بالبراهين القطعيات والآيات البينات أن الرسول جاء بالهدى ودين الحق، وأن القرآن يهدي للتي هي أقوم) [٢] . ويوضح ﵀ أهمية هذا الأمر فيقول: (جماع الفرقان بين الحق والباطل، والهدى والضلال والرشاد والغي، وطريق السعادة والنجاة، وطريق الشقاوة والهلاك؛ أن يجعل ما بعث الله به رسله وأنزل به كتبه هو الحق الذي يجب اتباعه، وبه يحصل الفرقان والهدى والعلم والإيمان، فيصدق بأنه حق وصدق، وما سواه من كلام سائر الناس يعرض عليه، فإن وافقه فهو حق، وإن خالفه فهو باطل) [٣] . واعلم - أخي القارئ - أن مبنى العبودية والإيمان بالله وكتبه ورسله على التسليم، وعدم الأسئلة عن تفاصيل الحكمة في الأوامر والنواهي والشرائع، ولهذا لم يحك الله سبحانه عن أمة نبي صدقت نبيها، وآمنت بما جاء به أنها سألته عن تفاصيل الحكمة فما أمرها به، أو نهاها عنه، أو بلّغها عن ربها، بل انقادت، وسلمت، وأذعنت. وما عرفت من الحكمة عرفته، وما خفي عنها لم تتوقف في انقيادها وإيمانها واستسلامها على معرفته، وقد كانت هذه الأمة التي هي أكمل الأمم عقولاً ومعارفاً وعلوماً لا تسأل نبيها لمَ أمر الله بذلك؟ ولمَ نهى عن ذلك؟ ولَم فعل ذلك؟ لعلمهم أن ذلك مضاد للإيمان والاستسلام) . [٤] ولقد كان نبينا وحبيبنا محمد ﷺ يربي أصحابه -رضي الله عنهم- على التسليم لله تعالى وآياته وإجلال النصوص الشرعية وتعظيمها، ولقد خرج ﷺ على أصحابه وهم يقولون: ألم يقل الله كذا وكذا، يرد بعضهم على بعض، فكأنما فقىء في وجهه حب الرمان من الغضب، ثم قال: (ما لكم تضربون كتاب الله بعضه ببعض؟ بهذا هلك من كان قبلكم) . رواه أحمد والترمذي. وقد ضرب الصحابة ﵃ أروع الأمثلة في التسليم والإجلال للنصوص الشرعية، فهذه امرأة تقدم على أم المؤمنين عائشة ﵂ وتسألها، فتقول: (ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت عائشة: أحرورية أنت؟ فقالت المرأة: لست حرورية، ولكني أسأل. قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة) . رواه مسلم. ويحدث عمران بن حصين ﵁ فيقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (الحياء كله خير. فيقول أحدهم: إنا لنجد في بعض الكتب أن منه سكينة ووقاراً لله، ومنه ضعف. قال فغضب عمران حتى احمرت عيناه، وقال: ألا أراني أحدثك عن رسول الله ﷺ وتعارض فيه. قال فأعاد عمران الحديث، وأعاد الرجل مقالته، فغضب عمران، حتى قال الحاضرون له: إنه منا يا أبا نجيد، إنه لا بأس به) . أي ليس ممن يتهم بنفاق أو زندقة. رواه مسلم. وقد التزم سلف هذه الأمة هذا المنهج، واعتنوا أيما عناية بتحقيقه، فها هو الأوزاعي ﵀ يقول: (من الله تعالى التنزيل، وعلى رسوله التبليغ، وعلينا التسليم) [٥] وقال رجل للزهري: يا أبا بكر حديث رسول الله ﷺ (ليس منا من لطم الخدود وليس منا من لم يوقر كبيرنا) وما أشبه هذا الحديث؟ فأطرق الزهري ساعة ثم رفع رأسه فقال: من الله العلم، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم) . [٦] ولما ذكر ابن المبارك حديث (لا يزني الزاني وهو مؤمن..) فقال فيه قائل: ... ما هذا؟ على معنى الإنكار. فغضب ابن مبارك وقال: يمنعنا هؤلاء الأنان (كثير الكلام والشكوى) أن نحدث بحديث رسول الله ﷺ ، كلما جهلنا معنى حديث تركناه! لا بل نرويه كما سمعنا، ونلزم الجهل أنفسنا. [٧] وكان أبو معاوية الضرير يحدث هارون الرشيد بحديث أبي هريرة: (احتج آدم وموسى) فقال أحد الحاضرين: كيف هذا وبين آدم وموسى ما بينهما؟ قال: فوثب هارون، وقال: يحدثك عن الرسول ﷺ وتعارض بكيف؟ ! فما زال يقول حتى سكت عنه. يقول شيخ الإسلام أبو إسماعيل الصابوني ﵀ معلقاً على هذه القصة: (هكذا ينبغي للمرء أن يعظم أخبار رسول الله ﷺ ويقابلها بالقبول والتسليم والتصديق، وينكر أشد الإنكار على من يسلك فيها غير هذا الطريق الذي سلكه هارون الرشيد ﵀ مع من اعترض على الخبر الصحيح الذي سمعه بـ (كيف) على طريق الإنكار له والابتعاد عنه، ولم يتلقه بالقبول كما يجب أن يتلقى جميع ما يرد عن الرسول ﷺ . [٨] ... إن الناظر إلى واقع المسلمين الآن، يرى ما يدمي القلب، ويورث الحزن، وذلك بسبب ما قد يقع فيه الكثير من المسلمين تجاه النصوص الشرعية، من جفاء للنص، وهجران للسنة، بل ومعارضة النص الشرعي المعصوم بمعقول أو ذوق أو قياس أو سياسة ... ألا فليتق الله أولئك القوم، فإنه والله يخشى على هؤلاء أن يكون لهم نصيب من هذا الوعيد الشديد في الآية الكريمة: [فَلْيَحْذَرِ الَذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] [النور ٦٣] يقول الإمام أحمد بن حنبل ﵀: (عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته ويذهبون إلى رأي سفيان - أي الثوري - والله تعالى يقول: [فَلْيَحْذَرِ الَذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ] أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا ردّ بعض قوله، أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك. ٢- الإيمان بجميع ما جاء عن الله تعالى وما صح عن رسوله ﷺ : من سمات أهل السنة الإيمان بجميع ما جاء في الكتاب والسنة، فلا يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض كحال أهل الكتاب، ومن شابههم من أهل الأهواء، فأهل الحق يؤمنون بالله وبما جاء عن الله على مراد الله كما يؤمنون بالرسول -صلى الله عليه وسلم- على مراد الرسول ﷺ . يقول تعالى: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً] [البقرة ٢٠٨] أي فإن الله تعالى يأمر عباده والمؤمنين به أن يأخذوا بجميع شرائع الإسلام جملة وتفصيلاً، وقال سبحانه: [والرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا] [آل عمران: ٧] إن إيمان أهل السنة بجميع النصوص الثابتة في مسألة ما قد أورثهم الخيرية الوسطية بين الفرق، كما كانت هذه الوسطية سبباً في هداية الله لهم فيما اختلف فيه من الحق بإذنه، فإيمانهم - مثلاً - بنصوص الإثبات مع التنزيه في باب صفات الله تعالى جعلهم وسطاً عدلاً بين المعطلة والمشبهة، كما أن إيمانهم بنصوص الوعد والوعيد جعلهم وسطاً بين الوعيدية والمرجئة، وإيمانهم بالنصوص التي تضمنت إثبات قدرة الله وخلقه ومشيئته مع النصوص التي تثبت للعبد فعلاً ومشيئة.. أورثهم المسلك الوسط الخيَّر بين القدرية النفاة والجبرية، وكذا إيمانهم بجميع النصوص الصحيحة في فضائل الصحابة جعلهم وسطاً بين الروافض والخوارج. وقد حرص سلف الأمة على تطبيق هذا الأصل، فكانوا أهل الوسطية والاعتدال، ومثال ذلك أن الزهري ﵀ حدّث بحديث الرجل المسرف على نفسه، والذي أوصى بنيه بأن يحرقوه بالنار - جهلاً منه بقدرة الله - فبعثه الله وسأله عن سبب صنيعه فقال هذا الرجل: خشيتك يا رب، فغفر له بذلك. ثم حدّث الزهري بحديث المرأة التي دخلت النار في هرة، لا هي أطعمتها ولا أرسلتها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت هزلاً. رواه مسلم. ثم قال الزهري: لئلا يتكل رجل ولا ييأس رجل. قال النووي: (معناه لما ذكر الحديث الأول خاف أن سامعه يتكل على ما فيه من سعة الرحمة وعظم الرجاء، فضم إليه حديث الهرة الذي فيه من التخويف ضد ذلك ليجتمع الخوف والرجاء، وهذا معنى قوله (لئلا يتكل ولا ييأس) وهكذا معظم آيات القرآن العزيز يجتمع فيها الخوف والرجاء لئلا يقنط أحد ولا يتكل.) [٩] وجاء رجل إلى الحسن البصري ﵀ يسأله عن فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - وكان ذلك في أيام فتن - فذكر الحسن حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا يمنعن أحدكم رهبة الناس أن يقول بحق إذا رآه، أو شهده، فإنه لا يقرب من أجل، ولا يباعد من رزق أن يقال بحق) . [١٠] ثم أتبعه الحسن بحديث آخر فقال: قال النبي ﷺ : (ليس لمؤمن أن يذل نفسه، قيل: يا رسول الله، وما إذلاله لنفسه؟ قال: يتعرض من البلاء ما لا يطيق) . [١١] واعلم - يا أخي - أن الإيمان بجميع النصوص يقتضي تحقيق البلاغ المبين لها، فدين الله تعالى لجميع المكلفين، يقول الشاطبي: (الشريعة بحسب المكلفين كلية عامة، بمعنى أنه لا يختص بالخطاب بحكم من أحكامها الطلبية بعض دون بعض، ولا يحاشى من الدخول تحت أحكامها مكلف البتة. كما في النصوص المتضافرة كقوله تعالى: [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًاً] وقوله: [قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ جَمِيعاً] وقوله ﵊: (بعثت إلى الأحمر والأسود ... ) [١٢] ... ولكن لا يعني هذا الإخبار بكل نص ولكل مكلف بإطلاق ... بل لا بد من التنبيه إلى أمر مهم يبينه الضابط التالي: ٣- مراعاة أحوال المخاطبين: فمن المعلوم أن لكل مقام مقالاً، وربما صح مقصد المكلف، وحسنت نيته، لكن قصر فهمه عن إدراك المقصود من النص، فساء إدراكه والتبس عليه الأمر، ولقد كان الصحابة ﵃ ممن جمعوا بين حسن القصد مع حسن الفهم، وقد يحرم البعض أحد الأمرين أو كلاهما. يقول شيخ الإسلام: (إن المسائل الخبرية العلمية قد تكون واجبة الاعتقاد، وقد تجب في حال دون حال، وعلى قوم دون قوم، وقد تكون مستحبة غير واجبة، وقد تستحب لطائفة أو في حال كالأعمال سواء.. وقد تكون معرفتها مضرة لبعض الناس فلا يجوز تعريفه بها، كما قال ابن عباس لما سأله أحدهم عن قوله تعالى: [اللَّهُ الَذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ ... ] الآية. فقال: ما يؤمنك أني لو أخبرتك بتفسيرها لكفرت، وكفرك تكذيبك بها) . [١٣] ... ويوضح الشاطبي هذا الأمر فيقول: (ومن هذا يعلم أنه ليس كل ما يعلم مما هو حق يطلب نشره، وإن كان من علم الشريعة ومما يفيد علماً بالأحكام، بل ذلك ينقسم، فمنه ما هو مطلوب النشر، وهو غالب علم الشريعة، ومنه ما لا يطلب نشره بإطلاق، أو لا يطلب نشره بالنسبة إلى حال أو وقت أو شخص) . [١٤] ثم يقول: (وضابطه أنك تعرض مسألتك على الشريعة، فإن صحت في ميزانها فانظر في مآلها بالنسبة إلى حال الزمان وأهله، فإن لم يؤد ذكرها إلى مفسدة فاعرضها في ذهنك على العقول [*] فإن قبلتها فلك أن تتكلم فيها إما على العموم إن كانت مما تقبلها العقول على العموم وإما على الخصوص إن كانت غير لائقة بالعموم، وإن لم يكن لمسألتك هذا المساغ فالسكوت عنها هو الجاري على وفق المصلحة الشرعية والعقلية) . [١٥] وقد طبق الصحابة ﵃ هذا الضابط، فكانوا في دعوتهم وتبليغهم مراعين لأفهام الناس وأحوالهم، فها هو عبادة بن الصامت -رضي الله عنه - وهو يعالج مرض الموت - يقول: ما من حديث سمعته من رسول الله - ﷺ لكم فيه من الخير إلا حدثتكموه إلا حديثاً واحداً، وسوف أحدثكموه اليوم وقد أحيط بنفسي، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله حرَّم الله عليه النار) رواه مسلم. يقول القاضي عياض في شرح هذا الحديث: (فيه دليل على أنه كتم ما خشي الضرر فيه والفتنة مما لا يحتمله عقل كل واحد، وذلك فيما ليس تحته عمل ولا فيه حد من حدود الشريعة، ومثل هذا عن الصحابة ﵃ كثير في ترك الحديث بما ليس تحته عمل، ولا تدعو إليه ضرورة، أو لا تحمله عقول العامة، أو خشيت مضرته على قائله أو سامعه لا سيما ما يتعلق بأخبار المنافقين والإمارة وتعيين قوم وصفوا بأوصاف غير مستحسنة وذم آخرين ولعنهم، والله أعلم) . [١٦] وجاء في حديث معاذ قوله ﷺ (ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله إلا حرم عليه النار. فقال معاذ: يا رسول الله أفلا أخبر الناس فيستبشروا؟ قال: إذاً يتكلوا) فأخبر بها معاذ عند موته تأثماً. قال ابن الصلاح: (منعه من التبشير العام خوفاً من أن يسمع ذلك من لا خبرة له ولا علم فيغتر ويتكل، وأخبر به ﷺ على الخصوص من أمن عليه الاغترار والاتكال من أهل المعرفة، فإنه أخبر به معاذاً، فسلك معاذ هذا المسلك فأخبر به من الخاصة من رآه أهلاً لذلك) . [١٧] وقال ابن رجب في شرحه لأوائل صحيح البخاري: (قال العلماء يؤخذ من منع معاذ من تبشير الناس لئلا يتكلوا أن أحاديث الرخص لا تشاع في عموم الناس لئلا يقصر فهمهم عن المراد بها، وقد سمعها معاذ فلم يزدد إلا اجتهاداً في العمل وخشية الله ، فأما من لم يبلغ منزلته فلا يؤمن أن يقصر اتكالاً على ظاهر هذا الخبر) . [١٨] ولما أخبر أبو هريرة عمر ﵄ بحديث: (من شهد أن لا إله إلا الله مستيقناً به قلبه دخل الجنة، فقام عمر وضرب بيده بين ثديي أبى هريرة حتى أسقطه، وقال ارجع يا أبا هريرة، فرجع أبو هريرة إلى رسول الله، وأخبره بما فعل عمر، فقال الرسول ﷺ : ما حملك على ما فعلت؟ قال عمر: فلا تفعل فإني أخشى أن يتكل الناس عليها، فخلهم يعملون. قال الرسول ﷺ : خلهم) . رواه مسلم. قال النووي: (وفيه جواز إمساك بعض العلوم التي لا حاجة إليها للمصلحة أو خوف المفسدة) . [١٩] وقد عقد الإمام البخاري باباً فقال: (باب من خص بالعلم قوماً دون قوم كراهية أن لا يفهموا، وأورد قول علي ﵁: حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟ وللحافظ ابن حجر كلام نفيس في هذا المقام حيث يقول: (وفيه دليل على أن المتشابه لا ينبغي أن يذكر عند العامة، ومثله قول ابن مسعود (ما أنت محدثاً قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة) رواه مسلم. وعن الحسن البصري أنه أنكر تحديث أنس بن مالك للحجاج بن يوسف بقصة العُرَنييَّن، لأنه اتخذها وسيلة إلى ما كان يعتمده من المبالغة في سفك الدماء بتأويله الواهي، وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة وظاهره في الأصل غير مراد، فالإمساك عنه عند من يخش عليه الأخذ بظاهره مطلوب [**] ) [٢٠] وساق مسلم بسنده إلى منصور بن عبد الرحمن الأشل البصري عن الشعبي عن جرير أنه سمعه يقول: أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم. قال منصور: قد والله روي عن النبي ﷺ ولكني أكره أن يروى عني ههنا بالبصرة. [٢١] والسبب في ذلك كما ذكر النووي - أن البصرة كانت مملوءة من المعتزلة والخوارج الذين يقولون بتخليد العصاه في النار، ويسلبون عنهم جميع الإيمان، فخشي منصور أن يتأول هؤلاء المبتدعة هذا الحديث على حسب أهوائهم. نسأل الله تعالى لجميع المسلمين الفقه في الدين وبالله التوفيق.

стр. 992

بين التقصير والتآمر د. نعمان عبد الرزاق السامرائي المتأمل في أحوال الأمة الإسلامية يجدها تعاني معاناة شديدة كما يجد التفسيرات متباينة لذلك. بعض المفكرين يركز على قصور الأفراد والمجتمعات، بينما يركز آخرون على (تآمر) الأعداء. والذي لا يجادل فيه أحد أن التاريخ يتحرك ولكن إلى أين؟ هناك من يعتقد بأن الحركة مندفعة للأمام، وقد قال بهذا بعض مفكري اليونان، ثم جاء (هيغل) ليقول بأن كل فترة في الحضارة تكون أفضل من سابقتها، ومعنى ذلك أن الحضارة في تقدم مستمر، وقد تلقفت الماركسية الفكرة فطبقتها في الصراع الطبقي، ونادت بمثل ما نادى به هيغل، والذي نعلمه ونعرفه عن الحضارة أنها مجموعة أشياء مادية مثل المباني والطرق وأخرى معنوية كالآداب والفنون والأنظمة والأفكار والعقائد، وهذا الخليط المجتمع يمكن أن يتقدم بعضه ويتوقف آخر ويتأخر قسم ثالث، فالحضارة ليست كائناً (عضوياً) إما أن يتقدم أو يتأخر فإن كان هذا يصدق على الجسم الواحد فلا يصدق على الحضارة. على أن هناك من يرى بأن حركة التاريخ تتم حسب دورات وأشهر ومن نادى بذلك ابن خلدون وفيكو واشبنجلر وتوينبي - على اختلاف بينهم في طبيعة الدورة - بل هناك من يقول بالنكوص والتقهقر. المهم أن التاريخ يتحرك وفيه تتلاقى قوى وإرادات عدة، كما يساهم في تلك الحركة نشطون وكسالى، يتدافعون ويتصارعون، يقول تعالى: [ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ ولَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ] [البقرة: ٢٥١] ويقول: [وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً] [الحج: ٤٠] ففي هذا التدافع والصراع تجديد وتنشيط، يشبه إلى حد جريان الماء الذي ما أن يقف حتى يفسد.. فالتدافع بين البشر واقع مشهود، وحقيقته محسوسة. ونعود للسؤال: هل ما نعانيه سببه تقصير أم تامر؟ ؟ لقد ألفا الكثير من المفكرين والمفسرين للتاريخ يعتمدون التفسير (التآمري) فهناك اليهود والصليبية - والشيوعية حتى الأمس -، وهؤلاء يحشرون الكثير من الحجج، فكل قضية يكون فيها المسلمون طرفاً تجد التحيز وذوبان الموضوعية، فإذا ابتعدت هذه القضية عن هذه الدائرة وجدنا الموضوعية والتزام الحياد. وفي كل يوم نسمع هذا المسلم قتل هنا أو عذب هناك أو قام الجيش الفلاني بحصده، والعالم يلتزم الصمت فإن كان المعتدي عليه يهودياً فإن الدنيا كلها تبكي وتصرخ وتحتج. ويتسائل البعض: ترى لو أن روسيا مثلاً قتلت كل يوم يهودياً أو أكثر كما تعمل إسرائيل بالشعب الفلسطيني فماذا سيحدث؟ لا شك أن حرباً عالمية ثالثة ستقوم، وسيقتل الملايين وتهدم مدن وتباد جيوش. الغرب يبكي ويلطم الخدود على بضعة (مختطفين) في لبنان، ولكن لا أحد يبكي على الفلسطيني الذي يموت تحت التعذيب الإسرائيلي، ولم نسمع أحداً بكى أو تباكى على الشباب الفلسطيني الذي دفن حياً على يد الصهاينة، تغير إسرائيل على لبنان وتستعمل كافة الأسلحة ولا من يحتج، تضرب في تونس وتقتل ولا من يحتج، تفاوض إسرائيل الهند للتعاون في ضرب المنشآت الباكستانية النووية ولا من يحتج. أليس هذا تآمراً مكشوفاً؟ يقول المؤرخ البريطاني توينبي: إن الغرب اضطهد اليهود وأساء إليهم، وكان المفروض أن يعوضهم، لكن الذي حصل أن الثمن دفعه أهل فلسطين فنزل بهم على أيدي الصهاينة بمساندة من الغرب أكثر مما نزل باليهود. ومع ذلك قام الغرب والشرق مسارعاً للاعتراف بإسرائيل ودعمها بالمال والرجال والعتاد لتعتدي كل يوم على جيرانها. دول كبرى احتجت بشدة لدى الصين لأنها تنوي بيع صواريخ لسوريا والباكستان وهذه الدول نفسها تسلم في نفس الوقت طائرات حربية لإسرائيل وتقدم لها ألوف الملايين حتى تعتدي يومياً وتطرد أهل البلاد لتُحل مكانهم مهاجرين من الحبشة أو روسيا. هل هناك دولة في العالم تطرد المواطن لتحل مكانه مهاجراً؟ ولعل مما يدخل في سلسلة التآمر ما يصرح به أمثال (كيسينجر) علناً بأن من الواجب (تفتيت المقدرة الإسلامية قبل أن يقدر لها الاكتمال) . وقد قدر الدكتور حامد ربيع أن الرب سيعمل لإجهاض الصحوة الإسلامية عن طريق (التلويث والتطويع والإذابة) . أما حملة التلويث فقائمة على قدم وساق، تساهم فيها الصحافة العربية بعلم أو بدونه، نيابة عن الآخرين، وأما التطويع فتلك مهمة الحكومات المحلية، فهي تشد يوماً وترخي آخر، حتى قال وزير داخلية في قطر عربي كبير: إن أحكام الطوارئ تطبق على (الإسلاميين فقط) وحقوق الإنسان تشمل كل البشر سوى المسلم فهو حلال الدم. أما الإذابة فقد تكفل بها أشخاص من بينهم مدراء جامعات في جيوبهم (شيكات) توزع هنا وهناك والهدف ضرب الصحوة الإسلامية وإذابتها، ومن يريد الاستزادة فدونه كتاب (موقف إسرائيل من الحركة الإسلامية) لزياد علي. أما التقصير فهو أظهر من أن يخفى. فهذه اليابان والمانيا خرجتا من الحرب العالمية مهزومتين، وقد دمرت مدنهما وخلعت حتى قضبان سكة الحديد، ونهبت المصانع وخلال سنوات سبقت حتى الدول التي انتصرت عليها وقد لحقت بها أخيراً كوريا الجنوبية. أما نحن فقد صرنا - بحمد الله - من مستهلكي الحضارة، كما تحولت بلادنا إلى معارض بضائع الآخرين ومنتجاتهم وأفكارهم وأمراضهم البدنية والحضارية. إن التقصير من الصعب إنكاره، وهذه جامعاتنا ومعاهدنا الثقافية ما زالت (عالة) على الآخرين، ومع كثرة ما ينفق عليها فهي لم (تد) سوى جيش من الموظفين الذين ينتظرون الترقيات والعلاوات، ولا تسل عن الإيفادات وهذه طامة كبرى. أما الموظفون فكما قال الشاعر (يعدد أياماً ويقبض راتباً) أما الإنتاج فيخل الإنسان أن يذكره. الكل يريد ويطالب بالحقوق و (الحوافز) ولا أحد يذكر الواجبات. إن ما يحدث لنا هو مزيج كريه من تقصير وتآمر ولكن جرت العادة أن يذكر أحد العاملين ويغفل الآخر هذه مدرسة في تفسير التاريخ تكتفي بعامل واحد ولا تبحث عن سواه. وإذا كنا نعجز عن إقناع الأعداء في وقف تآمرهم فهل نعجز عن تلافي التقصير؟ يقول الشاعر: ولم أر في عيوب الناس عيباً ... كنقص القادرين على التمام

стр. 993

البيان الأدبي حول التجديد في الأدب ومفهوم الحداثة د. عبد الله الخلف التطور والتغيير في الأدب سمة لازمة له لا تنفك عنه. فالأدب من ناحية مرتبط بالحياة، والحياة لا بد أن تتغير بشكل أو بآخر. ومن ناحية أخرى هناك تطلع دائم من: قبل كثير من متلقي الأدب ومبدعيه إلى التغيير والتجديد، وإلى اعتبار المجدد ذا شخصية إبداعية متميزة، وليس نسخة مكررة عمن سبقه. ومنذ العصر الجاهلي أحس الشاعر بوطأة التقليد وثقله، فهذا عنترة يبدأ معلقته بالشكوى بأن من سبقه من الشعراء لم يتركوا له مجالاً واسعاً في بكاء الأطلال: (هل غادر الشعراء من مُتَرَدَّمِ؟) . لذلك حاول العديد من الشعراء ولا سيما في العصر العباسي أن يجددوا في فنهم، فظهر ما سمي آنذاك بمذهب المحدثين، وتطور هذا الأمر حتى وصل إلى غايته، ثم بدأ بالانحدار وتحول إلى صناعة لفظية ركيكة. ومع ذلك فقد كانت محاولة التجديد همّاً دائماً يحمله الشعراء حتى في عصور الضعف، فكانوا يتسابقون إلى اختراع أنواع جديدة من الصناعة اللفظية على الرغم من ركاكة ما كانوا يأتون وفي الأندلس ظهر التجديد في أوزان الشعر وقوافيه حيث ظهرت الموشحات التي سرعان ما انتقلت إلى الشرق. أما في أوائل العصر الحديث فقد كانت بداية التجديد بالدعوة إلى العودة إلى أساليب الشعراء في عصور الازدهار، وأخذ هذا التيار بالنمو حتى وصل إلى ذروته على يدي أحمد شوقي الذي قال فيه بعض النقاد إنه وصل بالشعر المحافظ إلى ذروته، ووضع الشعراء أمام طريق مسدود، فلم يكن أمامهم من سبيل إلا أن يقنعوا بمكانة دون مكانته، أو أن ينهجوا منهجاً مختلفاً، وكما قال أحدهم فيه وفي أمثاله: (لقد أوصلوا الطريقة القديمة إلى نقطة لا يمكن تجاوزها إلا بالتخلي عنها) . وهذا ما حدث فعلاً حيث ظهرت مذاهب أدبية جديدة، وجرت عجلة التجديد بسرعة كبيرة تجاوزت كل ما حدث في العصور السابقة. وإذا وضعنا ما حدث في هذا العصر في سياقه التاريخي، فسوف ندرك أنه لا غرابة فيه، فالتجديد سمة لازمة للأدب كما ذكرنا، أما ما نراه من سرعة هذا التغيير، وتعدد المذاهب فإنه انعكاس لما نعيشه من تغير مستمر ومتسارع ومتشعب في أساليب الحياة المادية، ومن تطور العلوم والمخترعات ووسائل الاتصال والإعلان والنشر، وانفتاح أمم العالم على بعضها، ولما يشهده هذا العصر من اضطراب فكري وعقدي، فمن المحال والحالة هذه ألا يستجيب الأدب لهذا التغيير، أو أن تكون حركة التجديد بطيئة متأنية. وقد أطلق على موجة من أواخر موجات التجديد، والتي شهد الأدب من خلالها نقلة واسعة اسم الحداثة، وهذا المصطلح وإن كان مترجماً من مصطلح غربي فإنه قريب من التسمية التي أطلقها النقاد العباسيون على أصحاب المذهب الجديد إذ سموهم المحدثين. غير أن هناك فئة من العلمانيين، وأصحاب الاتجاهات المنحرفة برعوا في ركوب موجات التغيير واستغلالها. وكما تلقفوا لفظ التقدمية وتسموا به واحتكروه قفزوا على لفظ الحداثة واستغلوه وألبسوه لباسهم الفكري، وحاولوا أن يجتازوا به ساحة الأدب إلى ساحة الفكر والعقيدة، على الرغم من أن هذا المصطلح منذ ظهوره في الغرب لم يكن يعبر عن اتجاه فكري محدد، ولم يكن دعاة الحداثة متفقين على الثورة على المعتقدات والأفكار السائدة. فهذا واحد من أكبر رواد هذا الاتجاه وهو الشاعر ت. س. إليوت يقول: (أنا كاثوليكي في العقيدة، ملكي في السياسة، كلاسيكي في الأدب) . فالمصطلح في أصله دعوة إلى التجديد في الأدب، ولا يتضمن بالضرورة الثورة على المعتقدات السائدة، ولهذا فإن الحداثيين في الغرب ينتمون إلى اتجاهات فكرية مختلفة. وحتى أصحاب الاتجاه الحداثي من العرب لم يتفقوا على تعريف محدد للحداثة، ولا على موقف فكري معين، لذلك يرى الكثير منهم أنه ليست هناك حداثة واحدة بل حداثات، كما أن بعضهم يعترف بالعجز عن إيجاد مفهوم نظري للحداثة، ويرون أنه لا سبيل إلى ذلك. ويدعو البعض إلى محاولة استنباط مفهوم هذا المصطلح ودلالته من خلال استقراء النصوص التي يرى النقاد أنها تحمل من سمات التجديد ما يميزها عن الاتجاهات التقليدية. [١] ولكن أولئك الذين حاولوا أن يستغلوا هذا المصطلح ويحتكروه يصرون على أن يحملوه ما يريدون من معان فكرية، بل إنهم حاولوا ان يوجدوا رباطاً وثيقاً بين التجديد في الأدب والثورة على المعتقدات، مؤكدن على أنه لا يمكن للأديب أن يطمع في أن يكون مجدداً إلا إذا تخلص من دينه وعاداته وتقاليده، رابطين بمكر بين ما هو مسلم بوقوعه وهو التجديد في الأدب، وبين ما لا يمكن لمسلم أن يرض به وهو التغيير في العقيدة. وكأنهم يريدون بذلك أن يحتكروا لأنفسهم ولمذاهبهم كل شعار جذاب كالتقدمية والحداثة والاستنارة والوعي، وأن ينعتوا مخالفيهم بكل نعت رديء كالتخلف والجمود والرجعية. وبهذا يتبين أن أصحاب الأفكار المنحرفة من الذين تلقفوا مصطلح الحداثة لم يقتصروا على احتكار الاسم بل حاولوا أن يحتكروا المسمى. وقد نجحوا في ذلك إلى حد كبير حتى أصبح الكثيرون من المؤمنين ينفرون من التجديد في الأدب نفوراً إيمانياً عقدياً، لا نفوراً فنياً ذوقياً. وكان مما ساعد على ذلك سيطرة هؤلاء المنحرفين على الساحة الأدبية وتمكتنهم متن أن يصهروا في بوتقتهم الكثير من الأدباء، حتى أصبح الكثير من الأدب الذي يحمل السمات الفنية للحداثة يتضمن أموراً منكرة تصل إلى حد الكفر الصريح بالله . إن الربط بين التجديد في الأدب والانحراف في الفكر، وإيهام الناشئة أن لا يمكن لهم تحقيق التحديث إلا بنبذ العقيدة، واعتبار الموروث الأدبي والموروث الديني سواء في وجوب تجاوزهما والتخلي عنهما أمر مرفوض جملة وتفصيلاً. لذلك يجب أن يحرر لفظ الحداثة مما ربطه به المارقون من أفكار، وأن يبقى ذا دلالة أدبية خالصة. وإذا كانت ظاهرة الاستهتار بالدين قد فشت في الأشكال الأدبية الجديدة فإن هذا لا يعود إلى ارتباط حتمي بين الأمرين. إذ أن لذلك سبباً آخر هو انتشار الفكر المنحرف في هذا العصر بشكل لم يسبق له مثيل بين المسلمين، وكان من الطبيعي أن تظهر هذه الأفكار في الأدب أيا كان شكله واتجاهه، ولو أن الأشكال الأدبية الحديثة لم تظهر وبقي الأدب على شكله القديم لحمل من تلك الأفكار مثلما حمل الأدب الحداثي. آية ذلك أننا نجد الانحرافات العقدية في إنتاج كثير من الأدباء الذين عاشوا قبل ظهور الحداثة، والذين يعدون في ميزان النقاد من المحافظين حيث التزموا بالشعر العمودي، وبطرائق شعراء العصور الأولى، ومن شواهد ذلك قول أحمد شوقي مخاطباً النيل: دين الأوائل فيك دين مروءة ... لمَ لا يُؤلَّه من يقوت ويرزق وقوله في الوطن: ولو أني دُعيتُ لكنتَ ديني ... عليه أقابلُ الحتْمَ المجابا أُديرُ إليك قبلَ البيتِ وجهي ... إذا فُهْتُ الشهادةَ والمتابا وقوله مخاطباً شباب مصر: وجهَ الكنانة ليس يغضب ربَّكم ... أن تجعلوه كوجهِهِ معبودا ولُّوا إليه في الدروس وجوهكم ... وإذا فزعتم فاعبدوه هجودا وقول بدوي الجبل: فكان لله حكمٌ ... لشقوتي بل لسعدي واختار بعدي عنه ... وراح يبكي لبعدي ويقول ايضاً: نشارك الله - جل الله - قدرته ... ولا نضيق بها خلقاً وإتقاناً وأين إنسانه المصنوع من حمأ ... ممن خلقناه أطياباً وألحانا ولو جلا حسنَهُ إنسانُ قدرتنا ... لود جبريل لو صغناه إنسانا ويقول النجفي: لم أشارك غيري لأني كربيَّ ... واحد لا شريك لي في القوافي هذه أمثلة لكثير مما تضمنه الشعر التقليدي الحديث من زيغ وضلال. بل إن كثيراً منالأدب القديم يحمل في طياته انحرافات خطيرة في مجال الأخلاق والعقائد، فهناك كثيرون من الأدباء الفساق والزنادقة، وهناك أدباء للمعتزلة والخوارج والرافضة سخروا أدبهم لخدمة معتقداتهم الباطلة، وهناك الشعراء الذين عاصروا الرسول ﷺ وسخروا شعرهم لهجائه والاستهزاء به وبأصحابه. وإذا فإن ما زعمه بعض المنحرفين من الربط بين تحديث الأدب والانسلاخ من العقيدة ومجاراة بعض المخلصين لهم بسبب ما تضمنه الأدب الحداثي من انحرافات عقدية أمر غير صحيح. فتحديث الأدب والتخلي عن طرائق السابقين ومفاهيمهم النقدية أمر لا علاقة له بالعقيدة، فكما أن سير الأديب على منهاج الأقدمين لا يبرر قبول أدبه المنحرف؟ كذلك فإن اتباع الأساليب الجديدة، وتبني المفاهيم النقدية الحديثة ليس مبرراً سليماً لرفض ذلك الأدب إذا كان سليماً من الناحية العقدية. فالمعيار العقدي الفكري لا مجال لاستخدامه إلا فيما يتعلق بالمضمون الفكري للنص. أما بالنسبة للمعايير النقدية فالأمر فيها واسع، ومن حق الناقد أن يرفض ما لا يوافق ذوقه ومفاهيمه النقدية. وإذا كان بعض المنحرفين فكرياً قد حاولوا تبني مصطلح الحداثة واحتكاره، وهو مصطلح براق، فإن هذا لا يعني التسليم لهم بذلك، بل ينبغي تسمية المنحرف بالاسم الذي يليق به كما كان السلف يسمون أمثال هؤلاء بالزنادقة والمارقين. ويلاحظ أن السلف لم يتلقوا الأسماء التي سمت بها بعض الفرق نفسها بالقبول ولا سيما إذا كانت أسماء براقة تتضمن التزكة والثناء، فقد رفضوا تسمية المعتزلة لأنفسهم أهل العدل والتوحيد وسموهم المعتزلة، وسموا الشيعة بالرافضة بدلاً من وصفهم لأنفسهم بأنهم شيعة علي ﵁. وهناك مسألة مهمة مرتبطة بقضية تحديث الأدب، وهي مسألة الدعوة إلى كسر قواعد اللغة العربية، وهذا أمر مرفوض. والفرق واضح بين التجديد في الأدب، وبين العبث باللغة، إذ أن هذا الأمر يمكن أن ينتج عنه نتائج خطيرة تتصل بفهم النصوص الشرعية وتفسيرها، ويؤدي إلى الاضطراب والخلخلة في فهم العقيدة والشريعة.

стр. 994

شعر قراءة في زمن المحنة عبد العزيز بن محمد السالم الحق في الدنيا يقال ويُسمعُ ... والناسُ نحو ضيائه تتطلع وعلى فؤادي ألفُ ظلِ من أسى ... تجتاحني في النائبات وتُفزعُ يا أمتي جل المصابُ فما أرى ... للخرق مَنْ يرفو ولا مَنْ يرقعُ ماذا أقول وفي فمي ماءٌ ولا ... أدري من الآلام ماذا أصنعُ يا إخوةً ركبوا سفينَ نجاتهم ... والناس في لُجج الغواية ترتعُ إني أقول لكم مقالةَ مشفقٍ ... رامَ النصيحةَ قلبه يتقطعُ لا تحزنوا مما يقال ولا تخا ... فوا فالدنى لكم تذلُّ وتخضعُ وإذا ادلَّهم الخَطب فاجتمعوا إلى ... علمائكم إلى رؤاهم فارجعوا يا أيها العلماءُ يا تاجاً على ... هاماتنا بالصالحات مُرَصعُ يا غرةً في وجه أمتنا به ... صرنا نتيه على الورى، نترفعُ يا شعلةً في الليل، يا علَماً له ... في كل نازلةٍ نهبُّ ونفزعُ يا أيها العلماء أنتم غصَّةٌ ... في حلق مَنْ بالشائعات تذرعوا ولسانُ مَنْ ظلموا يلوكُ فعالكم ... وعقاربُ الفساقِ أضحتْ تلسعُ والبغي باتَ مفكَّرا وجنودُه ... هذا يخاصمكم وهذا يخدعُ خسئت جنودٌ صارعتْ شرفَ الفضي ... لةِ إنَّ منْ رامَ الفضيلةَ يُضرعُ إنْ كان في الدنيا حبال قُطَّعَتْ ... جهراً فحبلُ عقيدتي لا يُقْطَعُ

стр. 995

شعر الدينُ دينُك فانتصرِ مروان كجك الدينُ دينُك فانتَصرْ ... واعصِفْ بجبَّار أشرْ واجعلْ جموعَ المعتدي ... أعجازَ نخلٍ منقعرْ وكتبْ لنا نصراً على ... حشدٍ تواطأ وأتمرْ لم نبغِهم ظلماً وما ... كنا نُقاسهم ثمرْ أبداً ولم ندفعْ بهم ... للجوعِ أو قضْمِ الشجرْ كنا لهم نوراً يشِعٌّ ... ودوحة من كلِّ حرْ كنا لهم نبراسَ عل ... مٍ خالصٍ من كل شرْ فَلكَم أتى من رِاهبٍ ... أرضَ الجزيرةِ واستقرْ وأقامَ فينا دارساً ... مُسْتلْهماً منا الصُّورْ متمتعاً بالعدلِ لا ... يخشى الأذية من بشرْ حتى إذا ما قاربَ الميعا ... دِ واكتمل الظفرْ عادت به أشواقُهُ ... لذويه وانبثقَ الزَّهرْ فأتى دواوينَ الفِرَ ... نجةِ حاملاً شتى العبرْ مترفِّعاً عن جهلهم ... صُلبَ العزيمةِ والخطرْ مترنماً بالمسلمي ... ن ذوي الهدايةِ والفِكر مستبشراً بغدً يُصا ... غُ على الدرايةِ لا الغَرَرْ فلقد تقلَّد في ديار محم ... د أبهى الدررْ ألقى الغوايةَ جاِنباً ... وأصاخ سمعاً ونظرْ وأبلَّ من إعيائهِ ... وزها وأشرفَ وافتخرْ: أنا في معاهد أمةٍ ... محمودةٍ نلت الوطرْ وعَبَبْتُ من نَهر الفحو ... لةِ لا شذوذً ولاكدرْ وعلمتُ في تلك المدا ... ئنِ ما الحقيقةُ، ما الخبرْ أمطُّت عن جهلي اللْثا ... مَ ورُحت أنشُدُ المدخرْ أكرمْ بهم من قاصدي ... ن الله في برٍّ وبحرْ أشهى الديارِ ديارُهمُ ... وأعزُّها في كل دهرْ أهلُ المروآتِ الحسا ... ن وخيرُ أبناءِ البشرْ لا يظلمونَ الناس لا، ... أو يستبد بهم نفرْ فالأمر شورى بينهم ... والعدلُ إحسان وبرْ لا تعجبنَّ فجدُّهم ... من خير يعربَ قد ظهرْ أزكى النفوسَ طهارةً ... وبذاك ربُّك قد أمرْ وعلا بهم حتى عَلَوْا ... قمماً شوامخَ لا حفرْ فاحزِم متاعَك راغباً ... وأئتِِ السبيلَ المعتَبرْ وارشِفْ زُلالَ نميرِهم ... ودعِ العِمايةَ والخدرْ فالحقْ مفتاحُ العلو ... م وأسُّها الدينُ الأغرْ

стр. 996

المسلمون في العالم تفكك الاتحاد السوفييتي ونظرية الصراع عندما وقع الانقلاب الأخير في موسكو فرح بعض البائسين واليائسين من العرب لأن هذا بظنهم سيعيد التوازن بين الشرق والغرب، وقالوا: إن بقاء الاتحاد السوفييتي يتيح لنا المناورة، بينما نحن الآن تحت رحمة دولة واحدة تتحكم في العالم، والحقيقة أن من يفكر هذا التفكير إنما ينطلق من فقره الروحي والفكري ومن الفراغ الذي في نفسه، فحسب منطقه هذا لا بد أن نعيش تحت حماية هذه الدولة أو تلك وأمريكا الآن هي الكل في الكل! وأمثال هؤلاء لا يدركون سنن الله في حوادث التاريخ، وأن هذه الأرض لا تخلو من صراع ليميز الله الخبيث من الطيب، وأن هذا السقوط المريع للشيوعية ولدولة تبلغ مساحتها (٢٢ مليون كم ٢) إنما هو نتيجة ظلمها وقهرها لشعوب كثيرة منها جزء كبير من العالم الإسلامي ابتلعه القياصرة ثم الشيوعيون الروس. إن هذا السقوط يفتح آفاقاً لعودة المسلمين في تلك الديار إلى إسلامهم، ولعودة الصلة بيننا وبينهم، ومهما كان ابتعاد هؤلاء المسلمين عن دينهم نتيجة الضغوط والتربية الإلحادية لعشرات السنين، فلا شك أن ابتعادهم عن الهيمنة الروسية الاستعمارية فيه خير، وهم على كل حال فيهم أمراض العالم الإسلامي الذي يظهر لبادي الرأي أنه قد استقل من زمن عن الهيمنة الغربية. فالعشائرية والقومية الضيقة موجودة عند هذه الشعوب، ولكن اتصال المسلمين بهم سيمكن من نشر الثقافة الإسلامية وعودة الروح إليهم، إن الجمهوريات التي تسكنها غالبية مسلمة وكانت سابقاً غير تابعة لروسيا تمر الآن بمرحلة عدم التوازن فيختلط التأثير الديني مع القومي، والمحاربون القدماء من الشيوعيين لن يتنازلوا بسهولة مستغلين العرقية والقبلية، فهم يمرون بمرحلة تشبه من بعض النواحي الفترة التي خرجت فيها الشعوب الإسلامية من تحت الهيمنة الاستعمارية المباشرة. إن سقوط الاتحاد السوفييتي لا يعني أن الطرف الآخر سينفرد بالعالم، لأنه ستبرز دول كثيرة - بأمر من الله - تكون عبئاً على أوربا والغرب بشكل عام وسيعود الصراع على الحدود وستستمر القوميات تفكك غير الاتحاد السوفيتي أيضاً (كما يقع الآن في يوغوسلافيا) وإذا كانت أمريكا سابقاً تخوف أوربا من الاتحاد السوفييتي فهل ستبقى أوربا تحت أسر هذا الخوف وتقبل بالزعامة الأمريكية بعد تلاشي الإمبراطورية الروسية. لقد قاست اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية من الضغوط والتقسيم، والشروط القاسية، ولكنهما خرجتا بإنتاج علمي اقتصادي جعلهما تعودان لمركز الصدارة في عالم السياسة، ونبقى نحن بحاجة إلى مظلة دولة كبرى حتى نستطيع العيش مع أن موقف الاتحاد السوفييتي من قضايانا كان موقفاً سلبياً مصلحياً كأية دولة كبرى، وقد تولى هو وأمريكا كبر تغذية إسرائيل بالمال والرجال.

стр. 997

فلسطين لم يكن متوقعاً من المجلس الوطني الفلسطيني أن يتخذ قرارات أفضل مما اتخذه في مؤتمره الأخير في الجزائر. لأن كل الحوادث السابقة وكل المخططات التي هيئت ونفذت خلال العقود الأخيرة كانت تعد لمثل هذا العمل ولمثل هذا الهوان، بداء من ممارسات منظمة التحرير التي كانت تقدم كل يوم تنازلات جديدة وانتهاء بحرب الخليج التي أوصلت الأمة إلى أضعف حالاتها. وقد عبر هاني الحسن أحد مستشاري عرفات عن هذا حين قال: (أستطيع أن أقول لكم بدون خوف من المنصب بأن هؤلاء الذين يشكلون قيادة التيار الرئيسي في منظمة التحرير كانوا منهمكين في الجزء الأكبر من السنوات العشرين الماضية في صراع حياة أو موت لتحضير الأرضية من جانبنا للوصول إلى حل سياسي عن طريق التفاوض مع إسرائيل) [١] لقد فوض المجلس منظمة التحرير (العمل للمشاركة في التسوية على أن يتم إقرار الخطوات بشكل نهائي من قبل المجلس المركزي) وكأنه لم يبق للمجلس ولا للمنظمة شيء فكان هذا القرار، وكانت رحلة العذاب والمعاناة التي صبت فوق رؤوس الشعب الفلسطيني مقدمة لوصوله إلى حالة من العجز أو اليأس ومن ثم الرضوخ لأي مطلب، والحصول على أقل ما يمكن. ونحن عندما نكتب عن قرارات المجلس الفلسطيني فإننا نتفهم معاناة الفلسطينيين والواقع الأليم الذي وصلوا إليه، ونتفهم المرارة التي يذوقها الشعب في الداخل، والوضع الاقتصادي المنهار، ونتفهم قضية الترحيل ووثائق السفر، كل هذا في الحسبان مما يسمونه الواقعية السياسية. ومع ذلك فكلمة (لا) في وجه الإذلال والطغيان الإسرائيلي أفضل من كلمة (نعم) . قد يقال: يجب أن نكون واقعيين ونلحق بالقطار قبل فوات الأوان. وقد يقال: إن الذين يقولون (لا) لا يملكون البديل المطلوب، ولكن هل الذين يرضخون في كل يوم رضوخاً أكبر من سابقه؛ سيأخذون شيئاً يستحق هذا الرضوخ، وهل سيعطون الحد الأدنى من المطالب؟ وبماذا سيرجعون من هذا المؤتمر؟ ! إن المشروع الأمريكي يقول: (الجلسة الافتتاحية تستغرق يومين فقط، ثم تجتمع اللجان الثنائية) (المؤتمر يعود للانعقاد باتفاق الجميع) فإذا رفضت إسرائيل العودة فلها الحق في ذلك، وتكون في هذه الأثناء قد قضمت أكثر الضفة الغربية وزرعت العمارات فيها هنا وهناك للقادمين من روسيا. وعبارة الأرض مقابل السلام تفهمها إسرائيل أنه يتعين على العرب أن يعطوها الأرض مقابل السلام. فهي تمتلك قنابل نووية كما ذكر تقرير مؤسسة (كارنجي للسلام الدولي) : (وينتج مفاعل ديمونا كميات كافية لتصنيع قنبلة ذات قوة تدميرية مثل التي ألقيت على هيروشيما ومن المرجح أن يكون الأمريكيون قد بنوا مفاعلاً آخر إلى جانب المفاعل الفرنسي ينتج خمسة أضعاف الكمية الأولى) . [٢] ونحن لسنا من الذين يحبون المعارضة للمعارضة، أو من الذين يجارون ويداهنون التيار الشعبي ولو كان ضد قناعاتهم، فهذه قضية المسلم الأولى، ويجب أن نتعامل معها من موقف مبدئي عقائدي.

стр. 998

رسالة تركيا عبد المنان جولحة قبرص التركية والضغوط الأوروبية: ذكرت صحيفة (مللي غازيت) التركية التابعة لحزب الرفاه الإسلامي (أن اللجنة السياسية الأوروبية اقترحت إعادة منطقة (ماراش) إلى القبارصة اليونانيين وتجهيزها على حساب دول السوق المشتركة، وقد قام عضو البرلمان الهولندي (ماتهيلد) بزيارة رسمية لقبرص وأجرى مباحثات حول المشكلة القبرصية) وأكدت الصحيفة أن (تصرف تركيا وسياستها الخارجية غير الصريحة زاد من الضغوط الغربية للمساومة على قبرص التركية، وإن سياسة إرضاء حكومات السوق الأوروبية المشتركة مما يزيد تعنت الأعداء وتراكم طلباتهم) . ومن الجدير بالذكر أن عدد مسلمي قبرص التركية يقارب (١٧٠) ألفاً وعاصمتها (لفكوشا) وقد تأسست جمهورية قبرص التركية عام ١٩٧٣ وتعتبر اللغة التركية هي اللغة الرسمية وتبلغ مساحتها ٣٥ % من المساحة الكلية للجزيرة والمسلمون في هذه الجزيرة بحاجة ماسة إلى العلم وأن تفتح أمام شبابهم أبواب المعاهد والجامعات الإسلامية. من أخبار المسلمين في تركيا: مع قرب الانتخابات التركية صرح رئيس حزب الرفاه الإسلامي البروفسور نجم الدين أربكان بأنه في حال فوز حزبه فإنه سيلغي الربا بكل أنواعه وسيدعو لإنشاء سوق إسلامية مشتركة، ولن يسمح للنفوذ الأجنبي بالتدخل في شؤون تركيا. وبمناسبة الحديث عن الانتخابات العامة القادمة فإن بعض المسلمين في تركيا -كما هو حالهم في كثير من بلدان العالم الإسلامي - ليس لديهم الوعي الكافي لمعرفة المصلح من المفسد، فبعض المسلمين يؤيدون حزب (الطريق السوي) الذي يرأسه سليمان ديميريل، والبعض يؤيد حزب الوطن الأم (الحزب الحاكم) بزعامة مسعود يلماظ وجماعة الشيخ النورسي أيدوا في السابق حزب ديميريل والآن يصرون على مهاجمة حزب الرفاه الإسلامي وتأييد الأحزاب العلمانية.

стр. 999

امرأة وموقف المجاهدة المؤمنة " أم عمارة " مؤمنة الشلبي نسبها: هي نسيبة بنت كعب، بن عمرو، بن عوف، بن مبذول. أنصارية خزرجية، نجارية مازنية مدنية، وفاضلة مجاهدة من شهيرات الصحابيات، ومن أسرة كان لكل فرد من أفرادها مواقف عظيمة لا يتسع المجال لذكرها. فأخوها عبد الله من البدريين، وأخوها عبد الرحمن من البكائين، أما ابنها حبيب بن زيد الذي أرضعته حب الله ورسوله مع اللبن، وأنشأته على يديها، فهو الذي أسره مسيلمة الكذاب وصار يقول له: - أتشهد أني رسول الله؟ ، فيقول حبيب: لا أسمع. فيقول مسيلمة: - أتشهد أن محمداً رسول الله؟ فيقول حبيب: نعم، فيقطع عدو الله منه عضواً وما زال يسأله ويجيبه بما قال له حتى قطعه إرباً إرباً، وأبت عليه بطولته وأبى عليه حبه وولاؤه لله ولرسوله أن يداهن في موطن تجوز له التقية فيه ما دام قلبه مطمئناً بالإيمان، ولكن المؤمنين الأبطال يأبى عليهم إيمانهم إلا العزائم. أما نسيبة ﵂ فقد كانت في أسرتها الفاضلة قطب الرحى بمواقفها العظيمة، فقد شهدت ليلة العقبة، وشهدت أحداً، والحديبية ويوم حنين، ويوم اليمامة، وفقدت في حروب الردة يداً وابناً في سبيل الله حتى استحقت أن تنال شرف مقولة رسول الله ﷺ : (لمقام نسيبة بنت كعب اليوم - أي يوم أحد- خير من مقام فلان وفلان) . الموقف: روى ابن سعد في طبقاته عن محمد بن عمر قال: حدثي أبو بكر بن عبد الله ابن أبي سبرة عن عمرو بن يحيى عن أمه عن عبد الله بن زيد قال: شهدت أحداً مع رسول الله ﷺ ، فلما تفرق الناس عنه دنوت منه أنا وأمي نذب عنه فجرحت جرحاً في عضدي، وجعل الدم لا يرقأ، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: اعصب جرحك، فتقبل أمي ومعها عصائب في حقوها قد أعدتها للجراح، فربطت جرحي والنبي ﷺ واقف ينظر إليها، ثم قالت: انهض يا بني فضارب القوم، فجعل النبي ﷺ يقول: ومن يطيق ما تطيقين يا أم عمارة! ! تقول أم عمارة: رآني رسول الله ﵇ ولا ترس معي، ورأى رجلاً مولياً يحمل ترساً، فقال رسول الله: ألق ترسك لمن يقاتل، فألقى ترسه فأخذته وجعلت أتَرَّس فيه عن رسول الله حتى جرحت ثلاثة عشر جرحاً. ولما نظر رسول الله ﷺ إلى جرح على عاتقي غائر قال لابني: أمك، أمك. اعصب جرحها، بارك الله عليكم من أهل البيت، لمقام أمك خير من مقام فلان وفلان، رحمكم الله أهل البيت، لمقام ربيبك يعني (زوج أمه) خير من مقام فلان وفلان، رحمكم الله أهل البيت. فقالت أمي: ادع الله أن نرافقك في الجنة، فقال رسول الله: اللهم اجعلهم رفقائي في الجنة، فقالت: ما أبالي ما أصابني في الدنيا. تحليل الموقف: حقاً إنها لبطولة تستحق التسجيل والوقوف عندها، فكم تقر العين، ويثلج الصدر حين يطالع المسلم تلك المواقف المشرفة، والسيرة العطرة لهذه المجاهدة الغازية، والجندية المقاتلة التي نذرت نفسها منذ أن بايعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم العقبة للدفاع عن عقيدتها ضاربة أروع الأمثلة لما ينبغي أن تكون عليه المرأة المسلمة في المجتمع الإسلامي إيماناً بالعقيدة، وثباتاً عليها، وتضحية في سبيلها، وتربية لناشئتها. فلقد أيقنت أم عمارة ﵂ يقيناً جازماً أن هذه العقيدة التي آمنت بها تقتضي ألا يظل الإيمان بها مستقراً في القلب كحقيقة مجردة راكدة وإنما حقيقة حية وعمل يبرهن على صدق الاعتقاد. ومن هذا المنطلق انطلقت نسيبة ﵂ كاللبوة في ساحات الوغى بكل بسالة ورباطة جأش، ودون أن يعرف الجبن والوهن سبيلاً إلى قلبها العامر بالإيمان، فحجزت ثوبها علي وسطها، واندفعت تذود عن رسول الله حتى جرحت ثلاثة عشر جرحاً، ولم تمنعها جراحها وآلامها من مواصلة طريق التضحية والفداء مقابل الدفاع عن قائد هذه الأمة وهاديها إلى الإسلام حتى لو كانت هذه التضحية في أغلى وأعز الناس إليها ... فها هي تقول لابنها وفلذة كبدها بعد أن ضمدت له جراحه: انهض يا بني فضارب القوم، ويشهد لها رسول الله بحسن البلاء والدفاع عنه فيقول: (ما التفت يميناً ولا شمالاً إلا وأنا أراها تقاتل دوني) . أجل يا اختاه: إنه الحب الفياض الصادق لله ولرسوله ليصنع الأفاعيل العجيبة من الثبات والتضحية والإقدام. فهذه أم عمارة تعرض نفسها لخطر الموت مقابل أن يبقى من أحبته أكثر من مالها وولدها ونفسها التي بين جنبيها سالماً لا تصيبه شوكة ولا تناله يد مشرك. وها هي أيضاً تعطينا أروع النماذج الطيبة المباركة في حب الله ورسوله حيث كان منها: أن أول ما نطقت به بعد أن أفاقت مما غشاها من شدة ألم الجراح أين رسول الله؟ ما صنع المشركون برسول الله؟ فلما قالوا لها بخير اطمأنت نفسها ولم تبال بما كان من جراحها. فيا لها من قلوب علت فوق القلوب، ويا له من حب وفداء، لو أن المسلمين على كثرتهم في يومنا هذا تذوقوا حلاوته لما غلبهم غالب ولا كان في الدنيا من يتبوأ الصدارة سواهم ...

стр. 1000

صحة استنشاق الأجسام الغريبة د. محمد صايل أهليل يقصد باستنشاق الأجسام الغريبة دخول جسم غريب بطريق الخطأ إلى الحنجرة أو المجاري التنفسية السفلى أو ما يصاحبه من أعراض أو مضاعفات. واستنشاق الأجسام الغريبة مهم من الناحية الطبية وذلك أن حياة الطفل تنتهي خلال دقائق لا تتجاوز الخمس على الأكثر. يتعرض الأطفال أكثر من غيرهم لاستنشاق الأجسام الغريبة، وذلك لأنهم يميلون إلى التعرف على مختلف الأجسام المحيطة بهم عن طريق حسها بالفم والتعرف عليها بوضعها في أفواههم، ويبدأ احتمال تعرض الطفل لمثل هذه الحوادث حالما يبدأ بالإمساك بالأشياء المحيطة به ووضعها في فمه. وهذا يبدأ بالشهر الرابع من العمر فكل ما تصل إليه يده، يضعه في فمه دون تمييز. إن الأعراض الناجمة عن استنشاق جسم غريب تتفاوت في شدتها من درجة الاختناق الناجم عن انسداد مجاري التنفس بالجسم الغريب. فقد تصل إلى الوفاة، وأحياناً تمر دون أن تلاحظ إلا بعد حدوث مضاعفات مستقبلية. وأكثر ما يميز استنشاق الأجسام الغريبة موجة الاختناق التي تظهر على الطفل بشكل عاصف من سعال شديد وغصة، وشرقة (Choking) وصعوبة في التنفس، وازرقاق الوجه والجسم أحياناً. ولمعرفة كيفية تجنب الأطفال استنشاق الأجسام الغريبة، لا بد وأن نعرف مصادرها وهي تتلخص فيما يلي: ١- أرض البيت: إن أي جسم صغير ملق في أرض البيت يشكل خطراً على صحة الطفل الذي يبدأ الحبو أو المشي. وإن الازرار، والسبحات، والخرز وحب الحمص وحب الفستق والمكسرات والقطع المعدنية والأدوية ... الخ هي من الأجسام الغريبة السهلة ليد الطفل أن تتناولها بخفة خلال ثوان بعيداً عن عيون الأهل. وقد يحدث تناول الجسم خلال ثوان وأثناء وجود الأبوين ولكن دون رؤية أحدهما للطفل، لذا فإن رفع هذه الأجسام أفضل بكثير من تركها بين يدي الطفل مع الاعتماد على أن الأب أو الأم يجلس أمام الطفل يراقبه، وحسن الظن أن الطفل الصغير لا يمكن أن يفعل هذا. ٢- ألعاب الأطفال: إن خشخيشة الطفل الكسورة التي تحوي بداخلها عدة خرزات، وإن عيون لعب الأطفال التي يمكن انتزاعها، وإن أزرار ملابس بعض اللعب أو الأجزاء الصغيرة الآيلة إلى السقوط منها كالعيون أو الأنف أو البراغي أو الأسلاك أو الزنبركات هي مصادر خطر على الطفل الذي يلعب بها، إذ أن سقوطها بفمه أثناء لعبه بها أو تناوله لها بعد سقوطها على الأرض قد يتسبب في اختناقه. ٣- ملابس الطفل: تشكل بعض الأزرار السهلة الانتزاع أو الدبابيس التي يسهل فكها من قبل الطفل، جسماً غريباً يمكن أن يختنق به. ٤- طعام الطفل: يجب أن يتناسب طعام الطفل مع عمره ونمو أسنانه، فقد يختنق الطفل بطعام يحوي بذوراً كالبطيخ أو العنب، أو لا يستطيع طحنها كالمكسرات والبندق والفستق أو حشو فم الطفل بالطعام والشراب رغم رفضه لها وبكائه الشديد، كما أنه يجب عدم ملء فم الطفل بالدواء بنفس الكيفية مع رفضه وبكائه الشديد.. هناك أمر آخر لا بد من شرحه للأطفال الذين تتجاوز أعمارهم سن الخامسة، وهو عدم تقليدهم ما يرونه أحياناً في التلفزيون مثلاً - أعمال وحركات بعض ممتهني خفة اليد من وضع أجسام غريبة كالمعادن والكرات الصغيرة في أفواههم ومحاولة ابتلاعها.

стр. 1001

مع الكتّاب مع تقديرنا وشكرنا لكل من شارك أو يود المشاركة في الكتابة لمجلة البيان، فنحن نعلم أن ما دفعهم لهذا إلا ثقتهم بمنهج المجلة وتشجيعهم لها، ولكن لا بد من ملاحظات توضيحية توفر الوقت والجهد علينا وعليهم: ١- بعض المقالات أو المشاركات لا بد أن تبدأ بالحديث عن فساد الزمان وضعف المسلمين وتآمر الأعداء ... الخ، ونحن نرى أنه لا داعي لهذه المقدمات الطويلة المكررة، ونرى أن الدخول في صلب الموضوع مباشرة هو الأفضل، وإذا كان لا بد من مدخل فليكن في الموضوع نفسه. ٢-كثير من المشاركات فيها نغمة حزن وبكاء على الأطلال، والتحسر على الماضي. والحقيقة أن هذا لا يفيدنا في شيء، وإذا كنا جادين فنحن نقتدي بأسلافنا في جهادهم وأخلاقهم وحبهم للعلم، ولا داعي للتحسر الكثير. ٣- بعض المشاركين يكتب مقالاً طويلاً، ليس لنا مأخذ عليه، فالمضمون صحيح ولكنه كلام عام عن الإسلام قد قيل كثيراً، فلا داعي لتكراره، والذي يريد الكتابة لا بد أن يسد نقصاً أو يوضح غامضاً أو يركز على قضية قد غفل الناس عنها، أو مناقشة أمر مهم من قضايانا المعاصرة ... ٤- قد يعاني بعض الإخوة من مشكلات إقليمية ضيقة، في قريته أو مدينته ويظن أن هذه المشكلة مما يهم العالم الإسلامي كله، فيرسلها للنشر وهي لا تصلح لأن مصطلحاتها وطريقة عرضها تدل على أنها مشكلة خاصة جداً.

стр. 1002

منتدى القراء ما هذا السبيل ؟ نايف بن محمد العتيبي إن مثل من يريد أن يعيش في هدوء وسبات عميقين والكروب تكرب وتقرب والشدائد تشد حصارها بمحيطه القريب تكاد تجعل النهار ليلاً حزيناً، وتجعل الشاطئ الدافئ أمواجاً متلاطمة وتجعل الهدوء اكتئاباً ... إن مثله كمثل من جلس على سكة الحديد واغمض عينيه وأصم أذنيه ويظن بذلك أنه.. زال الخطر! والحقيقة معلومة.. والنتيجة محتومة ... إلا أن يشاء الله غير ذلك. ما هذا السبيل الذي به يتخلص المرء من ما ادلهم من خطوب وما يطرأ من حوادث جسيمة - أن يغمض عينيه ويصم أذنيه ... تلك الخطوب والحوادث التي يريدها الأعداء ويكونوا هم سببها المباشر، بل ويعملون بكل ما أوتوا من وقت وقوة لتحقيق مثلها وأضر ... إنما السبيل متمثل في أمور من أهمها: - التقوى والصبر [وإن تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً..] [آل عمران: ١٢٠] - متابعة الأحداث وتحري الأخبار الصادقة وعرضها على ميزان الشريعة السمحاء - معرفة الرؤوس الظاهرة [١] والفروع الباطنة [٢] ، ومعرفة مواطن الضعف والتراخي. - إعلان الحق كاملاً وإظهاره من أول الطريق والتخلي عن الشوائب. - عدم الرضا بالدون وموقف الذاب المدافع بل الطموح إلى المقام السامي السائد. وكل أمر من هذه الأمور له أهميته وفاعليته والإحاطة به مهمة ولا أذكر هذه الأمور على سبيل الحصر وإنما ما رأيته مهماً. وإن من تمعن في السبيل وأحاط به، لا يتخلص من الخطوب فحسب، بل يستطيع أن يعقدها على من أراعه بها، ويحلها مكاناً من عدوه مصيب. وأعجب لمن لا يعرف ما يدور حوله.. ولا يريد! ! محتجاً بأن ذلك: لا يزيد في الإيمان.. ويميت القلوب..! ! ويا للأسف ... أن يتوقف أولئك الثلة عند هذا الحد.. بل يتجاوز الأمر.. وتعدوا إلى الكوكب المضيئة ... إلى الشهب المحرقة التي تنقض على المردة ... على الشياطين فتدمغهم.. إن تلك الثلة قد تتنحى عن الجادة شيئاً فشيئاً. وهيهات لمن يسير على الظنون ويريد الوصول! !

стр. 1003

توجيه إلى الشباب والشابات سعود بن محمد آل عوشن لقد لاحظنا في الفترة الأخيرة أن بعضاً من الشباب والشابات قليلي الخبرة بالحياة يتخذون تصرفات مغايرة لرغبات المجتمعات التي يعيشون فيها وقد يكون منه ما هو منافٍ للتوجيهات والمقاصد الشرعية، ويحاولون فرض تلك التصرفات على غيرهم وقد يتحمسون لهذا التصرف أو ينفعلون غير مبالين بشعور الآخرين، ويعتبرون مثل هذا التصرف شجاعة أو قوة أو أي صفة ينتحلونها لأفسهم، وهم بهذا لا يعلمون أنهم بالإضافة إلى ما يحدثونه في مجتمعهم من تفرقة أو أضرار أو أحقاد فهم ينزلون بأنفسهم وسمعتهم إلى الحضيض بعد أن كسبوا ماكسبوا من رقي أو تقدير لا يعرفون هذا لما يحيط بهم من بعض المشجعين لهم أو الدافعين لهذا العمل السيئ. والمشجعين أو الدافعين لهم لا يعدون أن يكونوا أحد صنفين من الناس: إما مثلهم قليلي الخبرة بالحياة وما يرفع مستوى الفرد اجتماعياً؛ أو حاسدين لهم ويدفعونهم لهذا العمل ليحبطوا قيمتهم الاجتماعية حتى لا ينافسوهم أو يتشفوا بإحباطهم. ولذا نلفت أنظار هذا الصنف من الشباب والشابات الذين يرغبون في السمعة والإقدام وبناء الشخصية إلى أن ذلك لا يكون بمخالفة المجتمع وعاداته وأعرافه أو الخروج على الآداب الإسلامية، وإنما يتم بالإسهام الفعال في بناء المجتمع وتنميته على الخط المستقيم، أما من لا يبالي بسمعته ويتحدى شعور الآخرين وآداب الإسلام فليعلم علم اليقين أن أهم هدف في الحياة هو عبادة الله وفقاً لمنهجه القويم واتباع سنة نبيه ﷺ ، ولا تتم هذه إلا بالقيمة الاجتماعية وبغير ذلك يكون حيواناً ناطقاً في صورة إنسان. فليحذر الذين يخالفون أوامر الإسلام وآداب وأعراف وعادات المجتمع أن يقعوا في ذلك من حيث لا يشعرون وأنه بتصرف صغير يهدم ما بناه في عدة سنوات ولكن لا يعلمون هذا. وأسأل الله العلي العظيم أن يلهمنا الصواب ويدلنا على طريق السعادة والرشاد، وأن يكتب لنا سعادة الدارين الدنيا والآخرة إنه سميع مجيب وبالإجابة جدير.

стр. 1004

اقتراح لأرباب المال عثمان بن محمد الخنين من المعلوم أن الاختلاط أمر يرفضه الشرع المطهر وحتى الطبع السليم، لهذا فهناك حلم كان ولازال يراود الغيورين المخلصين من أبناء المسلمين يأملون تحقيقه في أقرب وقت ممكن، ألا وهو إنشاء مستشفيات متكاملة (بكل التخصصات) غير مختلطة بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى. ذلك أنه منذ بدأ في إنشاء المستشفيات في العصر الحديث في العالم الإسلامي وهي تسير -في الغالب- على النظام الأجنبي حيث الاختلاط والخلوة. ونحن نعلم أنه قد بذلت جهود خيرة لإصلاح الوضع في بعض المستشفيات أو المستوصفات (أهلية كانت أم حكومية) على مستوى العالم الإسلامي لكنها جهود ضئيلة لا تلبي الحاجة المطلوبة ولا تحقق الرغبة الملحة. وفي الفترة الأخيرة بدأت تتكاثر المستشفيات والمستوصفات الأهلية وتتنافس فيما بينها لجذب المرضى. وهذه فرصة أمام أرباب المال الذين يريدون أن يخلصوا المسلمين من هذا التقليد الغربي المخالف لديننا. هذه فرصتهم خاصة وقد توفر الأطباء والمساعدون من كلا الجنسين ومن كل الجنسيات حيث كان هذا أكبر العوائق التي تعيق إنشاء المستشفيات غير المختلطة.

стр. 1005

بريد القراء الأخ عبد الله بن محمد القزلان جاءتنا هذه الرسالة: (إخواني في الله، لا أخفي عليكم عظيم فرحتي بهذه المجلة وهذا المنتدى، الذي أدعو الله أن يستمر ويزداد نشاطاً، ولا أخفيكم القول، فأنا أخاف على هذا الصرح الإسلامي وأخشى عليه، فالحق في هذا الزمن غير مرغوب فيه، والمجلة تعبر عن رغبات وأفكار الكثير من المسلمين الغيورين. هذه كلمات أحببت بثها في ثنايا هذه السطور تعبيراً عما أكنه في نفسي تجاه ما تقومون به، وأخيراً أنصح إخوتي بالاعتدال والسير على النهج السليم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته) . الأخ أبو خالد أرسل إلينا مقترحاً الكتابة في المواضع التالية أو مناقشتها من قبل بعض الدعاة: ١- الشخصية المسلمة في العمل، المنزل، الشارع. ٢- الحجاب الحقيقي للمرأة الملتزمة بدينها. ٣- أخطاء من داخل البيت المسلم. ٤- كيف نتعامل مع غير المسلمين (نصارى، بوذيين، هندوس ... ) البيان: نشكر الأخ أبا خالد على اهتمامه ونحن بدورنا نطلب من الدعاة الكتاب المشاركة في هذه المواضيع وأمثالها. الأخ عبد الرحمن العيد أرسل إلينا متأسفاً لحالة البعد بين الدعاة ويقترح على المنتدى إقامة مؤتمر للدعاة في كل سنة حتى تتقارب المفاهيم ويعرف كل منهم حالة أخيه ويقفوا صفاً واحداً أمام مؤامرات الأعداء. الأخ بندر بن فارس المسعود أرسل لنا رسالة قصيرة يدعو فيها المسلمين إلى الاعتصام بكتاب الله والابتعاد عن التفرق والتشرذم. الأخ خالد بن ابراهيم بن عبد الله أرسل مهنئاً ومقدراً للجهود التي تبذل لإبراز إعلام إسلامي بصورة طيبة.

стр. 1006

قديم جديد مبادئ العالم الحر! [*] للأستاذ سيد قطب ﵀ (العالم الحر) اسم يطلقه الاستعماريون في انجلترا وفي فرنسا وفي أمريكا على تلك الكتل الاستعمارية التي تكافح ضد الزمن، وتقاتل ضد الإنسانية، وتقاوم ضد الحرية. ثم تطلق على نفسها في النهاية اسم (العالم الحر) ! و (العالم الحر) مشغول هذه الأيام بتمزيق إهاب (الحرية) في تونس ومراكش وفي كينيا وفيتنام.. وفي كتم أنفاس (الأحرار) في كل مكان؟ لأن رسالة العالم الحر هي أن يكون حراً في قتل الحرية حسبما يشاء. و (العالم الحر) يرتكب من الجرائم ما يقشعر له ضمير البشرية. وذلك رغبة في نقل مبادئ الحضارة الغربية إلى القارة المظلمة. وإذا كانت هذه القارة لا تريد أن تتحضر على يد البعثات التبشيرية فلتتحضر إذن بالسيف والمدفع والطيارة والدبابة؛ وهي أقدر ولا شك على نقل مبادئ الحضارة إلى الشعوب المتخلفة! و (العالم الحر) يشرد الشعوب من ديارها - على نحو ما فعل في فلسطين - وذلك رغبة منه في إيجاد (لاجئين) يتولى رعايتهم، والعطف عليهم، وإقامة الخيام لهم في العراء. فمبادئ العالم الحر تقتضي العطف على المشردين، الذين لا وطن لهم في هذه الأرض المعذبة! و (العالم الحر) يتساند ويتكاتف في هذه المهام الضخام. أليس الدولار هو الذي يشد من أزر فرنسا في تونس ومراكش وفيتنام، ويشد من أزر إنجلترا في كينيا ومصر وفي كل مكان، ويشتري الصحف والأقلام والجماعات والجمعيات والرجال والنساء في هذه الأيام؟ ! وأنا لا أعيب على (العالم الحر) أن يمزق إهاب الحرية ويمثل بجثث الضحايا من الأحرار، ويقتل الأطفال والنساء والشيوخ في القرى الآمنة، ويرتكب الجرائم الوحشية التي يرتكبها بلا تحرج.. فإن هدفه السامي من وراء ذلك كله واضح كما قلت وهو نقل مبادئ الحضارة الغربية بطريقة عملية إلى الشعوب المتأخرة والتي لا يجوز أن تظل متأخرة! إني لا أعيب على هذا (العالم الحر) حريته هذه. حرية وحوش الغابة في أن تصنع في الغابة ما يؤهلها له الظفر والناب فمبادئ الحضارة الغربية هي هذه كما كانت وكما هي كائنة، وكما ستكون حتى يأذن لله لها بالفناء. كلا! إنما أتلفت إلى شعوبنا وحكوماتنا ومفكرينا وكتابنا وشعرائنا وجماعاتنا وجمعياتنا ... أتلفت إليهم لأرى هل سكتت الأبواق التي تهتف بحمد الحضارة الغربية؟ هل خرست الألسنة التي تتحدث عن الصداقة الأمريكية والصداقة الإنجليزية والصداقة الفرنسية؟ هل انزوت الجماعات والجمعيات التي تحمل ألوية الصداقة مع (العالم الحر) وتشيد بجهوده في الخدمات الاجتماعية والتعليم الأساسي واليونسكو والنقطة الرابعة [١] وسائر الوسائل الاستعمارية الحديثة التي تنخر في صخرة المقاومة الشعبية؟ أتلفت لأرى هذه الأبواق لا تزال مفتوحة، ولأرى هذه الألسنة ما تزال طليقة، ولأرى هذه الجمعيات والجماعات ما تزال تتبجح وتعلن عن نفسها بلا حساب، وتنفق الأموال الضخمة في هذا الإعلان، والدولار من خلفها يمكن لها من العمل ويمكن لها من الإعلان! إن (العالم الحر) لا يحاربنا بالمدفع والدبابة إلا في فترات محدودة، ولكنه يحاربنا بالألسنة والأقلام، ويحاربنا بالمنشآت البريئة في مركز التعليم الأساسي، وفي هيئة اليونسكو، وفي النقطة الرابعة، ويحاربنا بتلك الجمعيات والجماعات التي ينشئها وينفخ فيها ويسندها ويمكن لها في المراكز الحساسة في بلادنا ... وأخيراً فإنه يحاربنا بأموال أقلام المخابرات التي تشتري الصحف والأقلام، وتشتري الهيئات والجماعات. (....) لقد قام بيننا في وقت من الأوقات رجل يسمى (أمين عثمان) يحمل لواء الصداقة الإنجليزية في فجور وتبجح، ويؤسس جمعية نادي العلمين. كما قامت في ظله (جماعة إخوان الحرية) [٢] . ولقد هرعت الشخصيات الكبيرة يومها إلى أمين عثمان وجمعيته. الشخصيات المستوزرة التي تشم رائحة الحكم من عشرات الأميال.. ولكن حاسة الشعب السليمة ظلت تنفر من الرجل وجماعته على الرغم من انضمام (الشخصيات الكبيرة) لأن الشعب يعرف قيمة هذه الشخصيات ودوافعها! (....) إن الحرب المقدسة مع الاستعمار اليومتقتضي تخليص ضمائر الشعوب أولاً من الاستعمار الروحي والفكري، وتحطيم الأجهزة التي تقوم بعملية التخدير، والحذر من كل لسان ومن كل قلم، ومن كل جمعية أو جماعة تهادن معسكراً من معسكرات الاستعمار، التي ترتبط جميعها بمصلحة واحدة، ومبادئ واحدة. مبادئ العالم الحر ومصالح العالم الحر! (....) والمهم أن نتجمع اليوم ونتساند كما يتساند العالم الحر ضدنا. فكل بلد صغير لا يستطيع وحده أن يكافح عالماً. والسياسة القصيرة النظر التي تريد أن تحصرنا في حدودنا الجغرافية المصطنعة هي سياسة حمقاء فالعالم يسير نحو التكتل في الشرق والغرب سواء. ومن واجبنا أن نتكتل على الأقل تمشياً مع منطق العصر؛ إن لم يكن تمشياً مع منطق الإسلام. والمجموعة الآسيوية الافريقية تحاول أن تكون كتلة محايدة. ولا ضير من السير معها، وإن كنت أنا شخصياً لا أرى أن هنالك مقومات حقيقية ودائمة لقيامها. فهناك تيارات مختلفة تتجاذبها. والمصالح التي تربط بينها اليوم مصالح مؤقتة. أما الكتلة التي يمكن أن تقوم على أسس حقيقية وعميقة ودائمة فهي الكتلة الإسلامية، وهي آتية لا ريب فيها على الرغم من جهود (العالم الحر) وجهود (الديموقراطيات الشعبية) فلنعجل بقيامها، فهي سندنا الحقيقي الوحيد.

стр. 1007

الورقة الأخيرة المتربصون عبد القادر حامد يواجهُ الدعاة إلى الله في هذا العصر - وفي هذه المرحلة بالذات - بطائفة يحضرون الدروس واللقاءات والمحاضرات ويكثرون عدد الحريصين على العلم والداعين إلى الخير، وقد وقف أفراد هذه الطائفة أنفسهم على تتبع العورات، والتفتيش عن المآخذ والسقطات. وقد حولوا حال الدعاة إلى قلق وحذر وخوف بتنطعهم وتنقيرهم، ولا يكاد يسلم منهم أحد؛ فمن سلم من العيب في منطقه يعاب في لباسه، ومن سلم في لباسه عيب في سمعته وحركاته، ومن أجاد في التفسير رموه بالضعف في الحديث والجهل بالتوحيد، ومن صرف جهده للحديث قالوا عنه: لا يفهم في الفقه، ومن ترك التعرض للموضوعات الشرعية وتفرغ لبيان الواقع السياسي رمي بوصف العامية وقلة البضاعة في العلم الشرعي، ومن خاطب الناس بما يعرفون رموه بالسطحية والضحالة: لماذا لم يرم الناس بما في موافقات الشاطبي ويفحمهم بما في: اقتضاء الصراط المستقيم ... الخ، وقد أصبحت هذه الطائفة ظاهرة لا يحسن تجاهلها والتهوين من أمرها، وهي تتجول بين الأمكنة التي هي مظنة لقاء المسلمين فيها وتدارسهم، وقد يخيب أملها أحياناً عندما تحضر لمن لا يمكنها تفجير مشكلة معه إما لعلم عنده وإما لشوكة يستظهر بها من مريديه؛ وإما لحكمة وهبها الله له تجعله يتجنب الوقوع في براثن هذه الطائفة المتربصة! والمتأمل في حال هذه الطائفة يمكن أن يصنفها في صنفين: ١- صنف مدخول النية سيء القصد. ٢- وصنف ليس كذلك، ولكنه حبس نفسه في بطون الكتب، لا يغادرها، بل يقرأ هنا وهناك ويضع حلواً على حامض وحاراً على بارد! أليس كل ذلك وصفات موجودة في كتب فلان وفلان من علماء المسلمين؟ ! فلماذا نتأخر عن الأخذ بها ورمي المتطفلين على العلم بها؟ ! وهكذا فإن هذا الصنف بفهمه المبتور للعلم، وبعدم تنزيه ما يعلمه على ما يمكن عمله - يصيبه الغرور والكبر، ويقع ضحية العناد والإعجاب بالنفس، ويؤول أمره إلى أن يصبح كالصنف الأول لا أمل في إقناعه، فضلاً عن تقويمه وإصلاحه، ولا حيلة للعاقل معه إلا بتجاهله ونبذه، وهكذا تضيع جهود من حقها أن توفر لما هو أولى وأجدر أن تثار حوله المناقشات وتعلو من أجله الأصوات. وهذا الفريق يؤمن بالمطلقات، ولا يفرق بين عصر وعصر، فعنده: العصر المكي يساوي العصر المدني، وما قبل الفتح يساوي ما بعده، والحال قبل نزول سورة التوبة هو الحال بعدها، والحلال عنده درجة واحدة، وثواب الأعمال الصالحة واحد، كما أن الحرام عنده درجة واحدة، ولا تفاوت بين حرام وحرام. متسرع في الجواب، جرئ على الفتيا وإن لم يملك بعض أدواتها، ولا يغرنك اصطناعه التفكير في السؤال والتريث، أما الزمان والمكان والعلم بحال المستفتي فهذا أبعد ما يكون عن تفكيره حين يلقي بأحكامه المطلقة من عقالها حاسمة وجازمة. إنه مرض نفسي يضرب فريقاً من الناس، وهذا المرض يستشري نتيجة لظروف معينة حتى يصبح وباءً معدياً، ومن هذه الظروف: قلة العلماء، ونظرة الأنظمة إلى العلم الشرعي، وتعمدها بث الفوضى في أركان هذا العلم، مع حاجة الناس المآسة إليه، وكذلك زيادة عدد الذين يفكون الحرف، وهو ما يسمى بالأمية الثقافية ... وهكذا تكثر في هذه الأجواء الدعوى، وتستبحر الفوضى، ويرتفع لواء الجهل، ويختلط العلم الصحيح بالباطل المبهرج والعياذ بالله. لقد بات الأمر بحاجة إلى أن يتداعى المسلمون الغيارى إلى تأيس هيئة علمية غير رسمية، تقيم في ركن من الأرض وليس لسلطة أرضية عليها سبيل، ترقب أمر الله فقط، وتصدر آراءها وفتاويها في ما دق وجل من أمر المسلمين ولا تخشى في الله لومة لائم، ويومئذٍ يفرح المسلمون بتوفيق الله لهم في هذا المجال الذي طال خوض الخائضين فيه دون أهلية.

стр. 1008

جمادى الآخرة - ١٤١٢هـ ديسمبر - ١٩٩١م (السنة: ٦)

стр. 1009

الافتتاحية هل هذا من السياسة؟ (٢) من سنن الله في التغيير وانتقال الأمة من الضعف إلى القوة أن يملك المسلمون معرفة تفصيلية واستبانة واضحة لسبيل المجرمين، ليأخذوا حذرهم وليفرقوا بين المنافقين والمتاجرين بالشعارات والمبادئ وبين من هم أهل إيمان ورسوخ، وأصحاب أخلاق زكية ومعدن أصيل، ولكن لأن المسلمين لم يمارسوا القرار السياسي بالشكل الصحيح، ولم يشارك الدعاة والعلماء خاصة بهذا القرار فقد ضعف فيهم هذا الجانب، مما جعلهم يتحركون خبط عشواء ويظنون أنهم يمارسون (السياسة) . وقديماً قالت العرب (قتلت أرض جاهلها) وكأننا لا زلنا نعيش حالة الضعف التي مرت بها الأمة الإسلامية في فترات من تاريخها حين ظهرت كتابات سياسية تفصل بين الدين والسياسة فيقول أحدهم: (والسياسة سياستان، سياسة الدين وسياسة الدنيا، فسياسة الدين ما أدى إلى قضاء الفرض، وسياسة الدنيا ما أدى إلى عمارة الأرض) [١] . والآن يقال: هذا من المصلحة السياسية ولو عارضت المبادئ الإسلامية، بينما نجد أنه في حالات القوة ظهرت كتابات تقول: إن السياسة يجب أن تتبع الشرع وأن أي تنظيم لأمور الدنيا إنما هو لرعاية الدين، وقد كتب إمام الحرمين [٢] مهاجماً من يريد فصل السياسة عن الشريعة وأطال النَفَس فيه وقال معتذراً عن هذه الإطالة: (وإنما أرخيت في هذا الفصل فضل زمامي وجاوزت حد الاقتصاد في كلامي لأني تخيلت انبثاث هذا الداء العضال في صدور الرجال) [٣] . وقال أيضاً: (وإنما ينسلُّ عن ضبط الشرع من لم يحط بمحاسنه ولم يطَّلع على خفاياه ومكامنه، فلا يسبق إلى مكرمة سابق إلا ولو بحث عن الشريعة لألفاها أو خيراً منها في وضع الشرع) [٤] . والحقيقة أننا ما زلنا نعيش في مرحلة ما بعد الحضارة الإسلامية ولم ندخل بقوة مرة ثانية لصنع هذه الحضارة. هذه المرحلة يصفها مالك بن نبي بقوله: (ولو أردنا أن نسمي هذه المرحلة الخالية من الروح والعقل لكل حضارة لأطلقنا عليها بلا تردد اسم المرحلة (السياسية) بالمعنى السطحي لكلمة سياسة) [٥] ويبدو أننا نفهم السياسة كما يصفها أحد الغربيين (بارتيلمي سانتهيلر) : (إن السياسة وهي مستغرقة في مشاكل الساعة لا يسعها أن تسمو إلى المبادئ) [٦] . فإذا جئنا إلى قضايانا الكبرى لنطبق عليها مفهومنا للسياسة الشرعية، وكيف نتعامل في كل مرحلة فماذا نحن فاعلون؟ إن القضية السياسية الأهم خلال هذا القرن كله هي قضية فلسطين، التي جعلها الله مركز الصراع بيننا - وبين اليهود والنصارى من أمم الغرب. وإذا كان المسلمون على وعي بأن يرفضوا ما يسمى (مؤتمر السلام) والذي هو في حقيقته مؤتمر لإذلال المسلمين ولإزالة العداوة والبغضاء من قلوب المسلمين لليهود واعتراف بوجودهم وحقهم في أرض فلسطين..؛ إذا كانوا على وعي بهذا فلماذا يخدعون للمرة الألف بالمتاجرين بهذه القضية، لقد تاجر بها القوميون والاشتراكيون والانتهازيون وكلهم سقط وانكشف في أتون المعركة الحقيقية، ولم يبق إلا الشاب المسلم والطفل المسلم والمرأة المسلمة الذين يقفون ببطولة أمام صلف اليهود. ومن الذين تاجروا ويتاجرون بهذه القضية الإيرانيون ومنذ بداية ثورتهم، ولكننا وجدناهم بعد فترة قصيرة يشترون الأسلحة من إسرائيل؛ أو تكون إسرائيل وعملاؤها وسطاء لشراء الأسلحة الأمريكية، وأثناء انعقاد مؤتمر طهران هلك اليهودي البريطاني (ماكسويل) صاحب الشركات ودور النشر والصحافة، وانكشف أمره في صفقات الأسلحة لإيران وعمالته للموساد. والعجيب أن الذين ذهبوا إلى طهران كانوا يهاجمونها لأنها وقفت موقفاً رديئاً من المجاهدين الأفغان، ويهاجمونها لأنها وقفت موقفاً متخاذلاً أيام حرب الخليج ووقفت موقفاً سلبياً من القضية الفلسطينية، فكيف أصبحت الآن هي القابضة على ناصية تحرير فلسطين. وإذا كنا لا نقبل بمؤتمر مدريد فهل المزايدات والشعارات ستساعد في تحرير فلسطين ونحن نعلم أن الصراع طويل وطويل بيننا وبين اليهود ومَنْ وراءهم فلماذا لا يكون هناك خطوات قوية على الطريق، وما يقوم به إخواننا المجاهدون في فلسطين هو خطوة كبيرة، ولكن لابد من تكتل للمسلمين يقابل هذا الحشد من أمم الغرب علينا، لابد من تكتل القوى الصادقة من أصحاب العقائد الصافية، لابد من إعداد أجيال قوية، وتوعية الشعوب وتقوية الاقتصاد، وإن جورج ووديع لا يملكون حلاً، وهم الذين شجعوا على ضرب الفلسطينيين عام ١٩٧٠ وهم الذين أساؤوا إلى سمعة الفلسطينيين بأعمالهم الاستعراضية. إن تاريخ المسلمين في هذا العصر مليء بالتجارب الغنية في مجال التحالفات والحوار،. وفشلا ونجاحها، وقد كتب الكثير حول أمور كانت مجهولة في السابق عن العقائد والفرق، وعن أشخاص بارزين، فلماذا لا يستفاد من هذا كله، وكم كنا نتمنى أن ننتهي من عصر الشعارات الفارغة والمزايدات والمؤتمرات الكلامية.

стр. 1010

قراءة في مجلة المنار عبد القادر حامد كنت أتصفح بعض مجلدات (مجلة المنار) التي أنشأها الشيخ محمد رشيد رضا، فخطرت خاطرة على ذهني، وهي: أن تُستَعرض هذه المجلة من أول عدد صدر فيها إلى يوم توقفت، ليكون ذلك استرجاعاً لجانب من تاريخ هذه الفترة، وهو جانب الدعوة الإسلامية، وموقف الناس والدول والقوى الفاعلة حينذاك من ذلك. والدعوة الإسلامية جهد بشري، يعتريه ما يعتري الجهود البشرية الأخرى من آثار ومؤثرات، فينجح حيناً، ويخفق حيناً، وتختلط فيه الإرادة والعاطفة، فتؤثر فيه قوة الإرادة وضعفها، وحرارة العاطفة والشعور وبرودتهما، ويتلون بما للسجايا من محاسن ومساوئ، وما للأخلاق من شمائل وغوائل، ولهذا فعندما نستعرضها من خلال مرآة (المنار) لا يعني أننا نتعصب لما عرض أو لطريقة عرضه؛ ونقول: هذا هو الطريق، وليس ثمة غيره، وهو ما ينبغي أن نستجمع جهودنا ونوجهه من أجله، وإنما هي خطرة خطرت، أردنا من ورائها عرض القضايا التي اهتمت لها (المنار) ، واعتبارها بالمشكلات التي نواجهها اليوم: هل هي المشكلات نفسها؛ أم تغير منها شيء؟ ما الذي تغير، وما الذي لا زال حيث هو؟ ما الحلول التي اقترحت؟ وما مدى نجاحها؟ وهل اختلاف العصر يقتضينا البحث عن حلول أخرى.... الخ. لقد بدأ إصدار مجلة (المنار) في العَشر الأخير من شهر شوال عام ١٣١٥ هـ (١٨٩٨ م) أي قبل حوالي سبعة وتسعين عاماً من اليوم. وهي فترة عصيبة من تاريخ الشعوب الإسلامية، إذ كان أكثرها واقعاً تحت السيطرة الغربية المباشرة، والباقي كان آيلاً إلى أن يسقط تحت تلك السيطرة، وهو الأجزاء التي كانت لا زالت تحت الإدارة العثمانية، التي كانت في حكم المنهارة، ولم تُجْدِ جهود السلطان عبد الحميد إلا في تأجيل الإعلان عن وقت الانهيار. وحال المسلمين العامة كانت في درجة من الضعف لا تحسد عليها، يقابلون ما يجري حولهم وعليهم بأعين مفتوحة، وأيد مغلولة، وعقول مشلولة. يدبر أمرهم أجنبي شرس طامع، أو وكيل له مدخول العقيدة دنيء النفس. وكان عبد الحميد يبدو وكأنه يريد إيقاف العجلة التي بدأ دورانها في زمن جده (محمود الثاني) الذي بدأ الإصلاحات على النمط الأوربي، واستقدم المستشارين الأجانب من أجل ذلك. واشتد دورانها في عهد أبيه (عبد المجيد) بصدور: (التنظيمات) فانفتح على الدولة العثمانية بسبب ذلك وبسبب الضغوط الخارجية من الأوربيين أبواب لم يعد بإمكان عبد الحميد ولا غيره سدها أو التحكم فيما يدخل منها. ونتيجة لطغيان الحضارة الأوربية الكاسح، فقد قوي نفوذ الأقليات التي استخدمتها أداة لبسط نفوذها، للتَّدخُل باسم حمايتها وإنصافها. وهكذا انقلبت الموازين، وبدأ عهد صعود هذه الأقليات - بتعليمها وتسليحها بأسباب القوة - على حساب الأكثرية المهملة التي وجدت نفسها بعد عهود طويلة من الجهل والتجهيل في عالم غير عالمها. أصبح الطريق ممهداً للإجهاز على كيان المسلمين السياسي، ففساد داخلي يرافقه ضغط خارجي وأقاليم تسقط؛ واحداً بعد الآخر تحت وطأة الغربيين، وحكام فسقة فجرة سفهاء من طراز الخديوي (إسماعيل) يمهدون الطريق لسيطرة الأجانب المطلقة على البلاد والعباد. هذا هو الجو الذي بدأ فيه صدور (المنار) . أهداف المجلة: يلخص محمد رشيد رضا أهداف مجلته بقوله: ( ... أما بعد: فقد أنشأنا هذا (المنار) في العشر الأخير من شهر شوال سنة ١٣١٥، وبينا غرضنا منه في الصحيفة الأولى من صحفه وهو مسائل كثيرة يجمعها: الإصلاح الديني والاجتماعي لأمتنا الإسلامية، هي ومن يعيش معها، وتتصل مصالحه بمصالحها، وبيان اتفاق الإسلام مع العلم والعقل، وموافقته لمصالح البشر في كل قطر وعصر، وإبطال ما يُورَد من الشبهات عليه، وتفنيد ما يعزى من الخرافات إليه.) هكذا يحدد أهدافه، ومن ذلك يتبين أن المشكلة - كما يراها رشيد رضا - هي فهم الناس للدين؛ وأحوالهم الاجتماعية. وقد انصبت جهوده - فيما بعد - في هذين المجالين: ١ - تصحيح نظرة المسلمين في عصره إلى الإسلام: سواء الملتزمون أو غيرهم. أما الصنف الأول: فقد كانت تعكر على عواطفه وإخلاصه كثير من الأعمال التي كان يُظَنُّ أنها من الورع والدين وهي ليست كذلك، وإنما هي عادات وأعراف وتأثيرات تراكمت عبر القرون بسبب الجهل وتهاون أهل العلم، ولها أسبابها الكثيرة كالتأثر بالعادات والأعراف غير الإسلامية، وشيوع التصوف الأعجمي، وجهل الحكام أو إهمالهم بث العلم الصحيح وتشجيع العلماء الاحرار الذين يصنعون ثقافة الأمة ويكونون لسانها الناطق وضميرها الحي. وأما الصنف الثاني: فهو الصنف الذي تأثر بالدعاية الأوربية والتبشيرية - نتيجة نيله قسطاً من التعليم، واحتكاكه بمدارس البعثات التبشيرية التي غزت بلاد الشام ومصر، أو كان من الذين ابتعثوا إلى أوربا لإكمال تعليمهم في عصر محمد علي ومن بعده، فقد كان لهؤلاء أثر في انحلال الثقة في دين الأمة (وهو الإسلام) إذ كان الكثير منهم معجباً بلا حدود بالثقافة الغربية، لا يعصمه من المبالغة في ذلك عقيدة في القلب متينة، ولا علم شرعي صحيح، وهكذا رجعوا إلى بلادهم وفيهم جرأة تغذيها السطحية، واحتقار للذات يغطونه بكبرياء زرعتها في نفوسهم امتيازاتهم وما نالوه من معرفة ظنوا أنها إكسير الحياة لأمتهم. ٢ - محاولة إخراج المسلمين من العجز الاجتماعي الذي حل بهم، وتبصيرهم بعيوبهم وأمراضهم التي تفتك بهم وتمنعهم من النهوض، وذلك بحضه على التربية والتعليم. مقدار المطبوع: بدأ رشيد رضا بطبع [١٥٠٠] نسخة من كل عدد، ووزعها على من يعرف في مصر وبلاد الشام، والقليل في غيرهما من البلاد الأخرى، ثم عاد إليه أكثر ما أرسل إلى المصريين - ولا يذكر السبب لذلك - وبعد ذلك بقليل منعت رقابة الدولة العثمانية ما كان يرسل إلى السوريين وسائر العثمانيين، فاقتصر على طباعة [١٠٠٠] نسخة، ويقول: (مرت السنة وسنتان بعدها وما كاد المشتركون يزيدون على ثلث الألف إلا قليلاً) ! ومع شعوره بقلة عدد المطبوع إلا أن ذلك لم يدعه إلى اليأس ونفض اليد من هذا الجهد الذي لا يكاد ُيحسُّ، بل استمر في آماله العريضة ويقينه أن الناس سوف تلتفت إلى (المنار) وتقدره حق قدره طال الزمن أو قصر، وهاهو ذا يقول: (ما كان انتقاص عملي منتقصاً من أملي، ولا زهد الأمة في (المنار) باعثاً على جعله طعاماً للنار، ولا لفائف لبضائع التجار - كما هي سنة أصحاب الصحف في هذه الديار - بل كنت أحرص عليه، حاسباً أن الناس سيعودون إليه) . قد يبدو الرقم [١٠٠٠] لأعداد مجة توزع بين الناطقين بالعربية رقما صغيراً، وهو كذلك، رقم صغير، فماذا عساه يفعل فيما بين مشرق بلاد العرب ومغربها، وحق لأكثر الناس تفاؤلاً أن يصاب بخيبة الأمل إذا ووجِه بهذا الرقم. لكن إذا علمنا حال العرب في ذلك العصر؛ ومبلغ الأمية الفاشية بينهم أدركنا أنه رقم لا بأس به. وسيزداد تقديرنا لهذا الرقم إذا قارناه بأرقام المطبوع من أعداد المجلات الجادة في عصرنا هذا. إن ما يماثل مجلة (المنار) من المجلات اليوم إذا وزع بين ١٥ إلى ٢٠ ألف نسخة اعتبر توزيعه لا بأس به، ولكن إذا قارنا الحال اليوم بالحال التي كان عليها الناس زمن رشيد رضا عندما أصدر مجلته؛ فستجيء نتيجة المقارنة لمصلحة ذلك العصر، وذلك لأن ما كان رشيد رضا يشير إليه بشيء من الأسف على أنه سبب قلة المطبوع - وهو الرقابة - لم تتراخَ قبضته، بل اشتدت واشتد بأسها، بل إن هذه القبضة أشرس ما تكون حين تواجه المطبوعات الداعية إلى فهم الإسلام الصحيح الذي يكون مخدوماً لا خادماً ولا مسخراً، ومقصوداً لذاته لا مطلوباً لغيره. ومع أن نسبة التعليم قد تضاعفت أضعافاً كثيرة عما كانت في مطلع هذا القرن؛ فإن نسبة القراءة وتوزيع المجلات لا تتناسب مع هذه الزيادة في نسبة المتعلمين، ومردُّ ذلك إلى عوامل كثيرة منها: الحيلولة القاسية دون وصول المفيد من الثقافة إلى أيدي الناس لتوهم أن في ذلك تهديداً لمصالح الطبقات المتنفذة. وشيوع وسائل زاحمت القراءة كالراديو والتلفاز وغيرهما، ومنها أيضاً هبوط المستوى التعليمي والالتفات إلى العناية بتمدد التعليم أفقياً وإهماله عمودياً. ثم انشغال الناس بضروريات الحياة التي أصبحوا يعانون المصاعب الكثيرة للحصول عليها في كثير من البلاد العربية. إن الحقيقة المرة للواقع الثقافي في البلاد العربية منذ بداية ما يسمونه بعصر النهضة إلى اليوم تتكشف من خلال أرقام توزيع المجلات الجادة، فهذه المجلات - وأخصها المجلات الإسلامية - واقعة بين مطرقة الرقابة وسندان العجز المالي. وأي مجلة لا تدركها رحمة الدولة فمصيرها إما أن تُوقَف، وإما أن تتوقف، وإما أن تستمر من جيب الدولة، والتجربة الماثلة تشير إلى أنه قد يمكن لمجلة علمية مجردة أن تعيش على تمويل الدولة وتنجح؛ أما المجلة التي لها مساس بحياة الناس اليومية - كالمجلات الإسلامية - فإن دعم الدولة لها يفقدها ثقة الناس بها تدريجياً، حتى إذا اكتشفت الدولة أنها أصبحت عبئاً بلا مردود تعالت الأصوات بإغلاقها (نزولاً عند رغبة الجمهور!) وقد تبقيها حفاظاً على الفكر الإسلامي الأصيل! وتشجيعاً للإسلام الحضاري! ! ونظراً منها بعين العطف للمؤسسات الإسلامية.

стр. 1011

مقابلة حول الفقه والتفقه (٢) حوار مع الشيخ علي بن سعيد الغامدي هذه هي الحلقة الثانية من الحوار الذي أجرته البيان مع الشيخ على بن سعيد الغامدي أستاذ الفقه في المعهد العالي للدعوة في المدينة المنورة. * البيان: تيسرت الطباعة والمطابع وسهل تداول الكتاب، وهذا شيء طيب بحد ذاته ولكن بعض الناس أخذوا من كتب الفقه مباشرة وتجرءوا عل الفتوى، فما هو الحل. هل تحصر الفتوى بعلماء معينين أم تترك لكل من يجد نفسه قادراً على ذلك؟ لا شك أن الفتوى عظيمة، وقد يبلغ الإنسان عمراً طويلاً ويستجمع علماً كثيراً من الكتاب والسنة ولكنه مع هذا يتهيب التصدر للفتوى، وهذا الذي كان عليه علماء السلف. فالصحابة -رضوان الله عليهم- مع أنهم يعيشون مع النبي -صلى الله عليه وسلم- جواً علمياً عملياً ويرون بأعينهم الأحكام الشرعية ومع هذا إذا جاءهم أحد بسؤال أو استفتاء كانوا يتدافعون الفتوى، وربما لا يجيب أحدهم حتى يرى أنه قد تتعين الإجابة عليه، وكان أشياخ من أصحاب الرسول -صلى الله عليه وسلم- يفتون ولكن إذ اختلفوا يأتون إلى معاذ بن جبل فيصدرون عن رأيه، وهذا دليل على أنه لا يجوز للإنسان أن يتصدر للفتوى حتى يكون طالب علم متفقة مؤهل، ومع ذلك عليه أن يدفع الفتوى عن نفسه ما استطاع إذا وجد من يفتي غيره. ولكن إذا لزمه الأمر ووقف هو على حكم المسألة ويعرف ذلك فلا بأس أن يبين الحكم ويذكر الدليل للمستفتي إذا كان يفقه ذلك، أما إذا كان عامياً فإنه يكفيه أن يخبره بحكم الشرع في هذا، والأصل أن طالب العلم يقرأ الكتاب والسنة وفقه الأوائل ويستفيد ويذهب إلى أي جهة من الجهات ليعلم الناس، والأصل عدم تحديد الفتوى بشخص معين ولكن في زماننا هذا أصبح بعض الناس إذا حفظ حديثاً عن رسول الله ﷺ فإنه يخول لنفسه أن يفتي بما يشاء، فينبغي للإنسان أن لا يتصدر إلا وهو أهل لذلك، وقد يكون من المصلحة أن تقصر الفتوى في بلد من البلدان أو إقليم من الأقاليم على عالم أو مجموعة من العلماء الذين اشتهروا بالتقوى والورع وجمع أقوال أهل العلم والأدلة في المسألة الواحدة، ومعرفة الواقع الذي يعيش الناس فيه، وكذلك ربما تحدد مسائل يقع الناس فيها بأغلاط كثيرة ويفتون بأقوال مرجوحة، لا بأس أن تحدد جهة إذا كان هذا يحقق مصلحة من المصالح لكن بشرط أن يكون المفتي ممن تنطبق عليه الشروط والضوابط التي ذكرها أهل العلم في كتب الاجتهاد ولو جزئياً، وقد كانت عائشة - ﵂ تُسأل عن مدة التوقيت في المسح على الخفين فقالت: عليك بابن أبي طالب فإنه كان يرافق النبي ﷺ في أسفاره فهذا دليل على الإحالة، وكذلك لما أحالوا عليها فيما تعرفه في مسألة الغُسل، فذكرت لهم الحديث لأبي موسى وصدروا كلهم عن قولها، وهذا لا ينقص من قدر الإنسان إذا عرضت عليه مسألة ثم ردها إلى عالم أو طالب علم. * البيان: في أوربا أو الغرب بشكل عام أمور ومشاكل قد لا توجد في المجتمعات الإسلامية فإما أن يُسأل أحد العلماء وهو بعيد عن أجواء المشكلة، ويفتي دون الاطلاع على الظروف هنا أو يسأل من يعيش في هذه البلاد وهو ليس أهلاً للفتوى فكيف ترون الحل؟ وهذه قضية مهمة تحتاج إلى دراسة جماعية، للخروج بالحلول التي قد تحد من هذه المشكلة، وقد يكون من الحلول الآنية أن تحصر أهم هذه المشكلات من قبل أناس يعيشون في هذه المجتمعات وتقدم لهيئات علمية لدراستها من كافة الجوانب واقتراح الحلول لها. وهذا العبء يجب أن تقوم به المركز الفقهية والجامعات الإسلامية وكذلك هناك عبء يقع على المراكز الإسلامية في هذه البلاد ويتمثل في إعداد أشخاص يعيشون في هذه البيئات ويدرسون المشكلات التي يواجهها المسلمون ويكونون مرجعاً للفتوى، وينشروا بحوثاً دورية توزع على الجاليات الإسلامية بلغة مبسطة خالية من التفصيلات التي لا يحتاجها المسلم العادي. * بعض الشباب الذين درسوا علوماً غير شرعية يحبون الازدياد من العلم الشرعي وخاصة في الفقه والملاحظ أنهم يقرأون من الكتب الكبيرة مباشرة وليس عندهم عالم، فبماذا تنصحون؟ طالب العلم هذا يعتبر مبتدئاً والأصل أن يدرس مختصراً من المختصرات، وكل مذهب من المذاهب الأربع المشهورة عنده مختصرات، فيختار واحداً منها وليستخر الله في دراسة واحد منها. فكتاب (الهداية في مذهب أبي حنيفة) ميسر ومقرون بالدليل ويليه في السهولة واليسر كتاب (العمدة في الفقه) لابن قدامة على مذهب الإمام أحمد وبالنسبة لمالك يمكن أن يتفقه على (الموطأ) فقد جمع بين الحديث والفقه وله الشروح أو (الرسالة) لابن أبي زيد القيرواني، ومن أيسر كتب الشافعية (المهذب) للشيرازي وهناك (المنهاج) أيضاً وله شروح متيسرة، ولا شك أن حاجة المسلمين اليوم إلى وضع كتاب يجمع القول المترجح قد يحل المشكلة، ويجب أن يدرس أيضاً كتاب في أصول الفقه، ومن أفضل المختصرات وهو يجمع أكثر أقوال أهل العلم كتاب الشيخ ابن عثيمين (الأصول من علم الأصول) . * ولكن هناك أقوال ضعيفة ومرجوحة في كتب المذاهب وأقوال ليس عليها دليل فكيف نتخلص من هذا إذا قرئت كتب في المذاهب؟ نحن متفقون على أنه لا يقرأ لوحده. لأن الذي يقرأ لوحده سيكون له أخطاء كثيرة والأصل أن يقرأ على شيخ، والأصل أيضاً أن يكون هذا الشيخ على علم بالأقوال والأدلة، وعندئذ يبين له أن هذا القول مرجوح بالدليل أو أن هذا القول اعتمد على دليل ضعيف. هذا شيء لا بد منه، ولهذا ذكروا في كتاب (الفقيه والمتفقه) وكتاب (جامع بيان العلم وفضله) ، و (تذكرة السامع) على أنه لا بد أن يكون التفقه على شيخ. والطالب هذا ليس عنده شيء الآن، فلابد له من موجه، وبعد ذلك إذا كان عنده القدرة على البحث والمقارنة والوصول إلى ما هو أقوى وأقرب إلى الدليل، فهذا له وليس محجوراً عليه. وليس ملزماً بأن يأخذ المذهب كله بما فيه من ضعيف وصحيح. * ما رأيكم بمن يعتمد الآن كتاب (فقه السنة) للشيخ سيد سابق؟ هذه طريقة غير صحيحة بالنسبة للشباب المبتدئ، لأن الحاصل أنه لم يخرج عن المذاهب، كل ما في الأمر أن الشيخ سيد سابق يقارن أحياناً ويختار. وما دمت ستتابع سيد سابق فمتابعة الشافعي أو أحمد أو أبو حنيفة أو مالك أولى، إذ هؤلاء علماء الحديث والسنة الأولون، فدراسة مختصر من المختصرات على شيخ وحصر الأحكام فيه، هذه مرحلة تأسيسية، ومثل (فقه السنة) يكون في مرحلة ثانية. * ولكن لو فرضنا أنه قرأ (فقه السنة) أو كتاب (سبل السلام) مثلاً على عالم ما المانع من ذلك؟ لا أقول هناك مانع ولكن أتصور أنها خطوة ثانية، فكأنه مثل الذي يبدأ من السلم من الدرجة الثانية أو الثالثة قبل أن يبدأ بالأولى، والأولى لطالب العلم المتفقه أن يبدأ بصغار العلوم قبل المقارنات، فإذا انتهى من المرحلة الأولى يأتي إلى المرحلة الثانية. ولكن ذكرت قبل قليل أن من أسباب دراسة بعض الناس الفقه المقارن محاولة الخروج من الانحصار في دائرة المذهب والخروج من أسر التقليد، وهذا فيه نظر، لأن الاتباع شيء والتقليد شيء آخر. * مناسبة الحديث عن التقليد والإتباع ما الفرق بينهما؟ التقليد يصل بالإنسان إلى درجة التعصب، مثل الذي يقول: إمامنا فرغ من بيان الأحكام، وليس للقرآن والسنة حظ من القراءة إلا للتبرك وهذا الذي نهى عنه أهل العلم، ولكن الاتباع بمعنى أن تتبع مذهباً وتسأل عن الدليل وبعد ذلك إذا انتهيت من مسألة تعود وتنظر في أقوال أهل العلم، ومناقشات المسألة وتختار قولاً من الأقوال إذا كنت مؤهلاً لذلك، ومن التأهيل: ١ - حفظ النصوص من القرآن والسنة وفهم شروحها ومعرفة طرق التعارض وعلم الخلاف. ٢ - أن يكون على علم بعلم أصول الفقه واستنباط الأحكام من أدلتها. البيان: وفي آخر هذا اللقاء أكد الشيخ -حفظه الله- على أهمية العناية بالدليل وتربية طلاب العلم على روح البحث والبعد عن التعصب فجزاه الله خيراً، ونسأل الله أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

стр. 1012

علماء الاجتماع والعداء للدين وللصحوة الإسلامية (٦) هل تحتاج بلادنا إلى علماء اجتماع؟ د. أحمد إبراهيم خضر نتابع استعراض شهادات علماء الاجتماع على أنفسهم، وإعلانهم فشل بحوثهم وجهودهم، وتصويرهم غربتهم عن المجتمعات التي يتناولون شؤونها، ويستوردون الحلول لمشكلاتها، مما يصف غرورهم وعنجهيتهم وانفصام شخصياتهم. فمن ذلك. أولاً: الاعتراف بأن علم الاجتماع يوجه إلى مستهلكين عاجزين عن رفضه، وأنه نما وترعرع على هامش المجتمعات العربية دون أن يحس به سوى أتباعه ومريديه وأصحاب المصالح الحيوية فيه، أما رجل الشارع فلا يدري عنه شيئاً. يقول محمد عزت حجازي أستاذ الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بالقاهرة: (لن نقف طويلاً عند الحقيقة المحزنة التي تتلخص في أن جانباً - يبدو لنا كبيراً - من البحث والدراسة والكتابة في علم الاجتماع يوجه إلى مستهلكين عاجزين عن رفضه هم طلبة الجامعات والمعاهد العليا) [١] . ويضيف (سالم ساري) أستاذ الاجتماع بجامعة الإمارات العربية المتحدة: (ولكن المتتبع لتاريخ علم الاجتماع في الوطن العربي يلاحظ بدائل شتى. إنه نما على هامش المجتمعات العربية ... نما وترعرع طيلة نصف قرن من الزمان أو يزيد دون أن يرعاه أو يحس به سوى أتباعه ومريديه وذوي المصالح الحيوية فيه) [٢] . ويقول (ساري) في موقع آخر: (وأود أن أضيف تحدياً يتمثل في الهوة التي تفصل بين علماء الاجتماع وأفراد المجتمع العاديين وكذلك القضايا الاجتماعية المعاصرة) [٣] . ثانياً: الاعتراف بأن علم الاجتماع نشأ وتطور وما زال هزيلاً غير قادر على توفير نظرية خصبة ومناهج تقود إلى نتائج صلبة الأساس، وأنه كان ولا زال مغترباً عن الواقع الاجتماعي، وأن المتخصصين لم يساهموا إلا في صياغة مشكلات المجتمع العربي وتفسيرها وليس في اقتراح الحلول لها. يصوغ محمد عزت حجازي هذا الاعتراف بقوله: (إن نظرة تحليلية نقدية لواقع العلم تنتهي بنا إلى أنه يمر بأزمة، فقد نشأ وتطور وما زال هزيلاً لا يوفر مقولات نظرية خصبة قادرة على الإيحاء بأفكار تعين على النماء والتجدد ومناهج يمكن أن تقود إلى نتائج صلبة الأساس نافذة الدلالة، وكان منعزلاً أو مغترباً عن الواقع الاجتماعي الحي) [٤] . أما سعد الدين إبراهيم فقد عبر عن ذلك في موضعين قال في أولهما: (وبالنسبة للوطن العربي فمنذ الحرب العالمية الأولى واستقلال البلاد العربية لم تظهر مساهمة علمية نظرية يعتد بها الوطن العربي) . وقال في الموضع الآخر: (إن المتخصصين لم يساهموا بالقدر الكافي أو بالدرجة المطلوبة في صياغة مشكلات المجتمع العربي المعاصر وتفسيرها أو في اقتراح الحلول المطلوبة لهذه المشكلات) [٥] ثالثاً: الاعتراف بأن المعرفة التي أنتجها رجال الاجتماع معرفة هزيلة، وأن وجودهم هامشي وتأثيرهم على المجتمع محدود، وأنهم غير ذوي مصداقية أو فاعلية، وأن طالب المعرفة عن الواقع الاجتماعي يمكن أن يجدها في كتابات غير كتابات علم الاجتماع. يشرح سعد الدين إبراهيم قضية نجاح علم الاجتماع في إثبات وجوده على مستوى الجامعات والمجتمع فيقول: (إلا أن هزال ما أنتجوه من معرفة قد جعل هذا الوجود هامشياً وجعل فاعليتهم في التأثير على المجتمع محدودة إن لم تكن معدومة. وطالب المعرفة عن الواقع الاجتماعي العربي المعاصر قد لا يجدها إلا في الكتابات الأدبية والصحفية أو في أعمال بعض المشتغلين بالتاريخ والجغرافيا أو الفلسفة والدين، وقد لا تكون هذه المعرفة بالضرورة دقيقة أو عميقة ولكنها على الأقل متوفرة ومفهومة) [٦] . ويتحدث سعد الدين إبراهيم أيضاً عن هامشية علماء الاجتماع فيقول: (ليس صدفة أن هامشية علماء الاجتماع تواكب هامشية الفرد والمجتمع المدني في أقطار العالم العربي) [٧] . أما عن عدم مصداقية وفاعلية رجال الاجتماع فيقول عبد الوهاب بو حديبة في ندوة أقيمت في أبو ظبي في أبريل عام ١٩٨٣ تحمل نفس العنوان: (نحو علم اجتماع عربي) : (حتى الآن في البلاد العربية ليس لنا مصداقية وبما أنه ليس لنا مصداقية فليس لنا فاعلية. أما قضية المصداقية يمكن أن نقول أننا نتقدم إلى الأوساط العلمية (مؤتمرات وندوات) ونتكلم، أما الأيدي فهي فارغة أو اليد اليمنى لا تدري ما في اليد اليسرى) [٨] . رابعاً: الاعتراف بأن المتخصص في علم الاجتماع نادراً ما يأتي إلى دراسته بمحض رغبته وإرادته، وأن المناهج وأساليب التدريس وهزال الكم من المعرفة في علم الاجتماع لا يساعد على تنشئة المتخصص فيه تنشئة سليمة. يقول سعد الدين إبراهيم: (يندر أن يأتي التخصص في هذا الميدان طالب بمحض رغبته وإرادته، وإنما غالباً مما يأتي الطلاب إلى علم الاجتماع إما بمحض الصدفة أو لعدم وجود بديل أفضل متاح أمامهم. والقلة التي تأتي بمحض إرادتها غالباً ما يختلط في عقلها مفهوم علم الاجتماع بمفهوم الخدمة الاجتماعية أو النزعات الخيرية والإصلاحية والإنسانية، ولا تساعد المناهج وأساليب التدريس وهزال الكم من المعرفة السوسيولوجية في الجامعات العربية على تنشئة سوية للغالبية العظمى من الطلاب الذين يقضون أربع سنوات في دراسة علم الاجتماع، ويتخرجون بمفاهيم غير ناضجة عن العلم ومناهجه ومفاهيمه ونظرياته) [٩] . أما عزت حجازي فيشير إلى نفس هذه النقطة قائلاً: (إن التعليم في مرحلة الليسانس والبكالوريوس والدراسات العليا لا يهتم بنوعية الطلبة ولا ما يقدم لهم من برامج وما يوفر لهم من فرص الإعداد والتنشئة، لهذا بسبب التركيز على التلقين من (كتاب مدرسي) ونتيجة للعمل من موقف التعالي على الواقع أو الانفصال عنه على الأقل ينهي الدارسون تعليمهم وهم ناقصوا الإعداد غير فاهمين للواقع وعاجزين عن التعامل معه) [١٠] . خامساً: الاعتراف بأن المؤلفات العربية في علم الاجتماع سيئة ومتخلفة وسطحية ومترجمة ومستعارة من واقع آخر ومن فكر مؤلفين آخرين تنم عن اضطراب وخلط شديدين، بالإضافة إلى أنها سريعة الإنتاج ومؤلفة أساساً لتحقيق الكسب المادي السريع. يتحدث أصحاب المؤلفات العربية في علم الاجتماع عن مؤلفاتهم ويصفونها وصفاً دقيقاً. هذا (محمد الجوهري) يقول: (ولم تلتفت - أي الدولة - إلى أن الأستاذ الجامعي صاحب الخبرة الميدانية الناقصة في فرع لعلم الاجتماع سيكون بالضرورة والقطع مؤلفاً لكتب سيئة ومتخلفة ومستعارة من واقع آخرين ومن فكر مؤلفين آخرين) [١١] . ونقلاً عن (إياد القزاز) يقول (محمد الجوهري) عن كتابات رجال الاجتماع: (إن تلك الكتابات ... علاوة على طابعها النظري فإنها ليست منهجية دقيقة في طريقة العرض؛ بل إن بعضها ينم عن اضطراب وخلط شديدين، وهي تقدم للقارئ معالجة سطحية للموضوع. ويلاحظ فضلاً عن هذا أنه على الرغم من أن تلك الكتابات ليست ترجمات مباشرة للكتب الدراسية الإنجليزية إلا أن التأمل الدقيق لها يكشف لنا أن الجانب الأعظم منها عبارة عن ترجمات غير مباشرة مع إدخال بعض التعديلات عليها والملاءمة مع ظروف القارئ والإيجاز هنا وهناك نقلاً عن بعض الكتب الدراسية الإنجليزية خاصة الكتب المعتمدة منها) [١٢] . هذا ويدلي عبد الباسط عبد المعطي أستاذ علم الاجتماع بجامعتي القاهرة وقطر وأحد قادة حزب التجمع الشيوعي المصري وأحد الماركسيين البارزين في علم الاجتماع ورئيس الجمعية العربية لعلم الاجتماع.. يدلي بدلوه في القضية معترفاً: (إن معظمنا يعيد إنتاج الفكر الغربي استسهالاً للاستهلاك وهذه مسألة حجمت العمل المنتج على مستوى أداء علم الاجتماع. هناك تشابه بين إنتاج (السفن آب) أو ترجمة الأفلام الأجنبية والاقتباس منها وبين تصنيع (الجينز) وبين ترجمة كتاب مدرسي مأخوذ عن المكتبة الأمريكية أو الإنجليزية. التشابه يأتي من قيم الاستسهال وبذل الجهد ومتطلبات السوق - سوق التدريس والتوزيع - الذي يلهث البعض خلفه كسباً للكسب المادي في وقت قصير نسبيا ... الجماهير التي يتعامل معها المشتغلون بعلم الاجتماع هي جمهور الطلاب والباحثين الشباب والمبحوثين. بالنسبة لطلاب مراحل الليسانس هم المستهلك للمؤلفات المدرسية التي ينتجها المشتغلون بالعلم وهم بالتالي مصدر دخل أساسي للقائمين بالتدريس في الجامعات العربية. لقد بينت الدراسات التي اهتمت بتحليل ممارسات التدريس وتقويمها في الجامعات العربية أن من بينها زيادة الاتجاه إلى الأعمال المترجمة التي هي في جوهرها إعادة إنتاج لأعمال آخرين وأياً كان جهد الترجمة فهو أقل عناء من التأليف ... كما يلاحظ أن المؤلف الواحد يكتب في معظم إن لم يكن جميع أبعاد التخصص وفروعه ... معنى هذا بالتأكيد - خاصة إذا ما وضعنا في الاعتبار التسلسل الزمني للأعمال المنشورة - تأليف سريع يستجيب لمتطلبات السوق، سوق التدريس وملاحقته، وتبدو الغاية هنا الكم الذي يلاحق الطلب والعائد من كل طلب، وإذا أضفنا إلى هذا أن المؤلف هو صاحب القرار في إلزام الطلاب بشراء مؤلفه فهو الذي يقرر وضع الامتحان وأنه يترتب على هذا فرض رسائل الدكتوراه المنشورة على طلاب الفرقة الأولى وفرض مؤلفات في بعض الفرق لا علاقة لها بمواصفات المقرر ومقرراته وتغيير الكتاب المقرر كل عام أكاديمي..) [١٣] . أما سعد الدين إبراهيم فيقول في قضية المؤلفات العربية في علم الاجتماع: ( ... نادراً ما يجد طالب المعرفة إنتاجاً سوسيولوجياً عربياً يطفىء ظمأه لفهم الواقع العربي المعاصر بصورة منضبطة أو موضوعية أو شاملة أو حتى جزئية، فأكثر من ثمانين بالمائة من إنتاج أساتذة الاجتماع يكاد ينصرف كلية إلى الكتب المدرسية التي تحاول أن تعلم الطلاب مبادئ العلم وفروعه وتاريخه ونظرياته ورغم أهمية هذا الجانب من إنتاج أساتذة الاجتماع العرب للعملية التعليمية والتربوية إلا أن الشاهد هو أن معظم هذه الكتب المدرسية تتسم بما يأتي: ١ - تضخم الوعود بقدرات علم الاجتماع على فهم الواقع والتعامل الفعال مع المشكلات الاجتماعية. ٢ - الاعتماد شبه الكامل على مصادر المعرفة الأجنبية والترجمة المباشرة أو من خلال آخرين. ٣ - التعقيد اللغوي والمعنوي في طرح مفاهيم ومقولات علم الاجتماع إما للإيحاء بجهبذة فكرية أو في الأغلب لعدم الفهم والاستيعاب لما يتم نقله من مصادر أجنبية. ٤ - ندرة ما يرد في هذه الكتب عن الواقع العربي (قطرياً أو قومياً) . ٥ - سطحية وتجزيئية القليل النادر الذي يرد في هذه الكتب عن الواقع العربي وعدم استناده إلى قاعدة صلبة من المعلومات التقريرية أو الأمبيريقية) [١٤] . سادساً: الاعتراف بأن مجتمع المشتغلين بعلم الاجتماع في بلادنا لا يشكل مجتمعاً مهنياً حقيقياً وإنما هم جماعات مصالح وشلل تتصارع مع بعضها ويسيطر أحدها على الآخر وأن تنشئتهم المعيبة أدت بهم إلى اللامبالاة والسلبية، وعوّدتهم على الوصولية والانتهازية. يقول محمد عزت حجازي: (أما بالنسبة للمشتغلين بعلم الاجتماع في الوطن العربي - من الصعب أن نقبل فكرة أنهم يكونون مجتمعاً مهنياً، فهم في الحقيقة ينتظمون في جماعات مصالح متغيرة أو شلل ... ويزيد الوضع سوءاً التنشئة المهنية المعيبة المشوهة التي تكف في الإنسان إمكاناته وقدراته الحقيقية واستعداده للمبادرة والانتماء، وتربي فيه اللامبالاة والسلبية وتعوده على الوصولية والانتهازية، وتركز أهم القيم والتوجهات وتدور معظم أنماط السلوك والتصرفات حول الذات والأسرة والشلة وفي نظم تسيطر عليها وتستغلها عناصر طبقية طفيلية وتشجع فيها الكسب المادي بأي ثمن وشكل والاستهلاك في سفه ... ولهذا لا تعرف حركة الفكر الاجتماعي في المنطقة العربية الموضوعية والحوار التي تساعد في إنضاج الأفكار وتصحيح الأخطاء وكف تأثير الطرف المتحيز) [١٥] . وهذا سعد الدين إبراهيم يتحدث عما أسماه الحرب الأهلية بين قبائل وعشائر وبطون رجال عالم الاجتماع في بلادنا فيقول: (في المرحلة الأولى التي حاول فيها علم الاجتماع أن يشق مكاناً له في الجامعات (١٩٤٠ - ١٩٦٠ تقريباً) كان جزء كبير من طاقة المشتغلين به ينصرف إلى محاورات لإثبات علميته وموضوعيته وأهميته للمجتمع. وقد تجاوز المشتغلون العرب بعلم الاجتماع هذه المعارك الخارجية مع الذين عارضوا أو شككوا في أحقية هذا العلم الجديد بمكان تحت الشمس الجامعية. لقد انتصروا في تلك المعارك إما لأنهم نجحوا في إقناع الآخرين أو لأن الآخرين سئموا استمرار تلك المعارك. ولكن أساتذة الاجتماع سرعان ما دخلوا مع بعضهم البعض في معارك أهلية في المرحلة الثانية (١٩٦٠ - ١٩٨٥) إما بالأصالة عن أنفسهم أو نيابة عن أطراف سوسيولوجية متعاركة مع مجتمعات أخرى، وساد تلك المعركة ما يمكن تسميته بمرض البداوة السوسيولوجية. فقد قسم المشتغلون العرب بعالم الاجتماع أنفسهم إلى قبائل اتخذت، أسماء ومسميات مختلفة (فهناك النظريون والتطبيقيون، وهناك الماركسيون والوظيفيون، وهناك أتباع المدرسة الفرنسية وأتباع المدرسة الإنجليزية أو الأمريكية أو السوفياتية.. الخ) وكل قبيلة سوسيولوجية جرى تقسيمها إلى عشائر (وظيفيون، ووظيفيون جدد، وماركسيون جدد.. الخ) وجرى تقسيم كل عشيرة إلى بطون وحتى أفخاذ. لقد أصبحت البداوة أفيون علماء الاجتماع العرب) [١٦] . ويتحدث عبد الباسط عبد المعطي عن مجتمع رجال الاجتماع من الداخل من زاوية أخرى فيقول: (هناك جماعات مصلحة وجماعات ضغط على مستوى مؤسسة عالم الاجتماع، هي جماعات تكاد تقوم بالممارسات والضغوط التي تأتيها الطبقات المسيطرة داخل البنى الاجتماعية لكنها تأتيها على مستوى العمل الرسمي. هناك باحثون جمعوا في أيديهم خيوطاً كثيرة مؤثرة في مسيرة العلم: التدريس، الإشراف على الرسائل الجامعية، الترقيات، السلطات الإدارية والتنفيذية، اللجان الحكومية، العمل في البحوث الأجنبية ... الخ وبالتالي ركزوا كثيراً على مزيد من الكسب أعلى من غيرهم فأسهموا في خلل التوزيع على مستوى المجتمع وعلى مستوى مؤسسة العلم) [١٧] . هذا هو واقع علم الاجتماع وواقع المشتغلين به بعد ما يقارب من ثلاث وثمانين سنة من دخوله إلى بلادنا وإعلانه انقطاعه عن الإسلام. علم هامشي هزيل لا يرعاه ولا يحس به إلا أتباعه ومريدوه وأصحاب المصالح الحيوية فيه، لم يساهم في صياغة مشكلة واحدة ولا تفسيرها ولا في اقتراح حل لها. طالب المعرفة عن واقع المجتمع يجدها في أي كتابات أخرى إلا كتابات علم الاجتماع التي تتميز بالتخلف والسوء والخلط والاضطراب والنقل عن مجتمعات أخرى. رجال بلا مصداقية وبلا فاعلية وما هم إلا جماعات مصالح وشلل متصارعة متحاربة. نحن ما تجنينا عليهم، وإنما هذا هو نص عباراتهم كتبوها بأيديهم وصاغوها بأنفسهم، وهم الذين قالوا واعترفوا (بأن بلادنا ليست في حاجة إلى علماء اجتماع) . (يتبع)

стр. 1013

خواطر في الدعوة مَنْ لهذه المنابر؟ (٢) محمد العبدة مرة ثانية نعود للحديث عن خطبة الجمعة، هذا المنبر الأسبوعي ذو الأهمية البالغة في توجيه جماهير الأمة ورفع مستواها الإيماني والعلمي. لقد أهمل غالب الخطباء الإعداد الجيد وأهملوا معرفة ما يقال وما لا يقال، وما هي أوجه النقص عند من يصلي عنده، هل عندهم نقص فهم العبودية التامة لله أو نقص في التعاطف مع أمور المسلمين في العالم، أو غير ذلك ويحاول سد هذا النقص. قلما رأيت خطيباً في البلاد التي فشا فيها الجهل بتوحيد العبودية يتكلم وبقوة ويقرع أسماع المصلين بالآيات القرآنية وبالأحاديث النبوية؛ ويفصل لهم أقوال العلماء الكبار في هذا الموضوع. استمعت في الآونة الأخيرة إلى أحد الخطباء وكان يدعو الناس إلى الالتزام بالإسلام سلوكاً وأخلاقاً، وقال لهم في غمرة الحماسة: نحن ليس لنا دنيا، يئسنا من الحصول على شيء من الدنيا، أفلا يكون ديننا صحيحاً ...! ؟ تعجبت من هذا الفهم السقيم وكيف يلق الكلام على عواهنه، وكأن الإسلام يفصل بين الدين والدنيا ولم يدر الأخ الخطيب أننا لا نستطيع الاحتفاظ بديننا على الوجه الأكمل إلا بإتقان بعض دنيانا، وهل يقبل الإنسان منك وعظاً وهو جائع، وهل يكون دين المسلم قوياً وهو يعاني القهر أمام الأعداء. لا يستشير الأخ الخطيب إخوانه في موضوع الخطبة، ولا يستشير أهل الرأي والحصافة من جمهور المصلين عنده، ولا يقرأ كثيراً في الموضوع الذي سيتكلم عنه؛ فكيف يؤثر في السامعين؟ إن بعض الموضوعات لابد أن تطرح وترسخ في قلوب وعقول المصلين على اختلاف طبقاتهم، وذلك بالحديث عنها لعدة خطب متوالية؛ مثل مفهوم العبودية لله، والاستسلام لنصوص الوحيين: القرآن والسنة، وتعظيم السنة، وتعظيم الصحابة واحترام الأجيال المفضلة، وبيان محاسن الإسلام وفضائله، وذكر سيرة الرسول - ﷺ في سلمه وحربه، وإبداء الرأي الشرعي فيما يجدُّ من أحداث، وبث روح الأخوة والتعاون ونبذ الفرقة والخلاف ... إلى غير ذلك من الموضوعات التي ليس مجال تفصيلها في هذا الخاطرة، وإنما قصدنا الذي نريد الوصول إليه هو استشعار المسؤولية الملقاة على عاتق العالم والداعية الذي يرقى المنابر ليتكلم باسم الإسلام وفي بيت من بيوت الله.

стр. 1014

لماذا نرفض العلمانية؟ د. محمد محمد بدري لا شك أن العلمانية - كما عرضنا - لا تستدعي في حقيقة الأمر كبير جهد لبيان تناقضها مع دين الله (الإسلام) .. فهي من ذلك النوع من الاتجاهات والأفكار التي قال عنها علماؤنا قديماً: إن تصوره وحده كاف في الرد عليه.. [١] . والإسلام والعلمانية طريقان متباينان، ومنهجان متغايران.. طريقان لا يلتقيان ولا تقام بينهم قنطرة اتصال.. واختيار أحدهما هو رفض للآخر.. ومن اختار طريق الإسلام.. فلابد له من رفض العلمانية.. هذه بديهية من البديهيات التي يعد إدراكها - فيما نحسب - نقطة الانطلاق الصحيحة لتغيير واقع الأمة الإسلامية،.. ويعد غيابها السبب الأول لبقاء هذه الأمة ألعوبة في يد العلمانيين يجرُّونها إلى الهلاك بكل مهلكة من القول والعمل، ويزيدونها غياً كلما اتبعتهم في طريق الغيّ.. طريق العلمانية.. ولأن إدراك هذه البديهة على هذا القدر من الأهمية، فل بد من التفصيل فنقول: نحن نرفض العلمانية لأنها: ١ - تحِل ما حرّم الله: (إذا كانت الشريعة مُلْزِمة من حيث المبدأ، فإن داخلها أحكاماً ثابتة لا تقبل التغيير، وأحكام عامة ثابتة في ذاتها، ولكنها تقبل أن تدخل تحتها متغيرات ومن بين الثوابت التي لا تقبل التغيير ولا يدخل تحتها متغيرات.. أحكام العبادات كلها، والحدود وعلاقات الجنسين..) [٢] . فماذا فعلت العلمانية بهذه الثوابت؟ إن الأنظمة العلمانية تبيح الزنا برضا الطرفين، والمتشدد منها يشترط موافقة الزوج أو الزوجة.. والكثير منها يبيح اللواط للبالغين.. وكلها يبيح الخمر والخنزير. فأما الزنا برضا الطرفين فنجد مثلاً أن قانون العقوبات في مصر والعراق يؤكد على أن الزنا إذا وقع برضا الطرفين وهما غير متزوجين وسنهما فوق الثامنة عشرة فلا شيء عليهما، وإن كانا متزوجين فلا عقوبة عليهما ما لم يرفع أحد الزوجين دعوى ضد الزوج الخائن.. [٣] . والأفعال التي يحرّمها قانون العلمانية في جرائم العرض، إنما يحرمها لكونها تشكل اعتداء على الحرية الجنسية فحسب، وليس باعتبارها أمراً يغضب الله ويحرّمه الدين،.. ولذلك فإن الدعوى الجنائية في جريمة الزنا مثلاً لا تتحرك إلا بناء على شكوى الزوج، وللزوج الحق في التنازل عن الشكوى بعد تقديمها، وبالتالي تنقضي الدعوى الجنائية، وتوقف إجراءات التحقيق.. بل للزوج حق وقف تنفيذ العقوبة! ! وهكذا تبيح العلمانية الزنا، وتهيئ له الفرص، وتعد له المؤسسات، وتقيم له الحفلات في الملاهي والمسارح.. .. وأما الربا فهو عماد الاقتصاد العلماني، تؤسس عليه البنوك، وتقدم به القروض بل ويدخل الناس فيه كرهاً.. ومن شاء فليراجع المواد ٢٢٦ - ٢٣٣ من القانون المدني المصري، والتي تنص على الفوائد والقواعد المتعلقة بها، تلك المواد التي تحِل بها العلمانية ما حرّمه الله سبحانه بقوله : [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ، فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ورسوله..] [البقرة: ٢٧٨-٢٧٩] وهذه الآيات نزلت في أهل الطائف لما دخلوا الإسلام والتزموا الصلاة والصيام، وكانوا لا يمتنعون عن الربا فبين الله أنهم محاربون له ولرسوله إذا لم ينتهوا عن الربا.. فإذا كان هؤلاء محاربين لله ولرسوله فكيف بمن يقيمون للربا بنوكاً، ويعطون للتعامل به الشرعية الكاملة..؟ ... وأما الخمر فإن النظم العلمانية تبيح شربها، وتفتح المحلات لبيعها والتجارة بها، وتجعلها مالاً متقوماً يحرم إهداره، بل تنشئ لإنتاج الخمور المصانع وتعطي على الاجتهاد في إنتاجها جوائز للإنتاج! ! وهكذا فإن العلمانية تحل شرب الخمر وبيعها وعصرها.. فتحل ما حرم الله.. وتحرّم إهدارها والإنكار على شاربها.. فتحرم ما أحل الله.. فالعلمانية تحل ما حرّم الله، وتحرّم ما أحل الله.. وليس هذا في الزنا والربا والخمر فقط، أو في الحدود والتعزيرات فقط، أو في مادة أو أكثر من مواد القانون الوضعي العلماني.. بل إن قضية تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله هي قضية النظام العلماني بأكمله، وبجميع جوانبه المختلفة.. ولما كان تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله.. كفراً لمن فعله، ومَنَ قَبِله؛ فلا بد لنا لنبقَى مسلمين من رفض هذا الكفر.. ورفض العلمانية التي تقوم عليه. ونحن نرفض العلمانية لأنها: ٢ - كفر بَواح: العلمانية كما قلنا هي قيام الحياة على غير الدين، أو فصل الدين عن الحياة، وهذا يعني بداهة الحكم بغير ما أنزل الله، وتحكيم غير شريعته سبحانه، وقبول الحكم والتشريع من غير الله.. ولذلك فإن العلمانية (هجر لأحكام الله بلا استثناء، وإيثار أحكام غير حكمه في كتابه وسنة نبيه، وتعطيل لكل ما في الشريعة. بل لقد بلغ الأمر مبلغ الاحتجاج على تعطيل حكم الله وتفضيل أحكام القانون الوضعي على أحكام الله المنزلة.. وادعاء المحتجين لذلك بأن أحكام الشريعة إنما نزلت لزمان وعلل وأسباب انقطعت فسقطت الأحكام كلها بانقضائها) [٤] . وكان من نتيجة ذلك أن أصبحت القوانين والأحكام التي تعلو أغلب ديار الإسلام هي قوانين (تخالف الإسلام مخالفة جوهرية في كثير من أصولها وفروعها، بل إن في بعضها ما ينقض الإسلام ويهدمه،.. حتى لو كان في بعضها ما لا يخالف الإسلام فإن من وضعها حين وضعها لم ينظر إلى موافقتها للإسلام أو ... مخالفتها، إنما نظر إلى موافقتها لقوانين أوروبا ولمبادئها وقواعدها وجعلها هي الأصل الذي يرجع إليه) [٥] .. ... وقد وضع الإمام الشافعي قاعدة جليلة دقيقة في نحو هذا، ولكنه لم يضعها في الذين يشرعون القوانين من مصادر غير إسلامية، فقد كانت بلاد المسلمين إذ ذاك بريئة من هذا العار، ولكنه وضعها في المجتهدين العلماء من المسلمين الذين يستنبطون الأحكام قبل أن يتثبتوا مما ورد في الكتاب والسنة، ويقيسون ويجتهدون برأيهم على غير أساس صحيح، حتى لو وافق الصواب حيث قال: (ومن تكلف ما جهل، وما لم تثبت له معرفته، كانت موافقته للصواب - إن وافقه من حيث لا يعرفه - غير محمودة والله أعلم وكان بخطئه غير معذور إذا نطق فيما لا يحيط علمه بالفرق بين الخطأ والصواب فيه) [٦] . وإذا كان هذا هو حكم المجتهد في الفقه الإسلامي على غير أساس من معرفة، وعن غير تثبت من أدلة الكتاب والسنة حتى ولو وافق الصواب.. فلا شك أن هؤلاء الذين يشرّعون من دون الله، مخطئون إذا أصابوا، مجرمون إذا أخطأوا، لأنهم أصابوا من غير طريق الصواب، إذ لم يضعوا الكتاب والسنة نصب أعينهم، بل أعرضوا عنها ابتغاء مرضاة غير الله ... بل إن هؤلاء الذين يشرعون من دون الله قد وقعوا في نوع من أنواع الكفر الأكبر وهو كفر التشريع من دون الله، قال تعالى: [أَفَحُكْمَ الجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ] [المائدة: ٥٠] يقول ابن كثير ﵀ عند تفسير هذه الآية: (ينكر تعالى على من خرج عن حكمه المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعَدَلَ إلى ما سواه من الآراء والأهواء التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيز خان الذي وضع لهم الياسق، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى، من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعاً متبعاً يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ومن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يحكِّم سواه في قليل ولا كثير) [٧] . أرأيت - أخي المسلم - هذا الوصف القوي من الحافظ ابن كثير في القرن الثامن لذلك القانون الوضعي الذي وضعه عدو الإسلام جنكيز خان؟ ألا ترى أن هذا الوصف ينطبق على القانون الوضعي الذي يضعه العلمانيون الذين يشرعون للناس من دون الله؟ إلا في وصف واحد، وهو أن الشريعة الإسلامية كانت عند جنكيز خان مصدراً مهماً لقانونه؛ بينما هي عند العلمانيين مصدراً احتياطياً من الدرجة الثالثة. وإذا تبين هذا فإننا نقول بما قاله الشيخ محمد بن إبراهيم - مفتي الديار السعودية ﵀: إن من الكفر الأكبر المستبين تنزيل القانون اللعين منزلة ما نزل به الروح الأمين على قلب محمد ﷺ ليكون من المنذرين بلسان عربي مبين في الحكم به بين العالمين والرد إليه عند تنازع المتنازعين مناقضة ومعاندة لقول الله : [فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ؛ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً] [النساء ٥٩] . فإنه لا يجتمع التحاكم إلى غير ما جاء به النبي ﷺ مع الإيمان في قلب عبد أصلاً، بل أحدهما ينافي الآخر ... فهذه المحاكم الآن في كثير من أمصار المسلمين مهيأة مكملة، مفتوحة الأبواب، والناس إليها أسراب، يحكم حكامها بينهم بما يخالف السنة والكتاب من أحكام ذلك القانون، وتلزمهم به وتقرهم عليه وتحتمه عليهم. فأي كفر فوق هذا الكفر، وأي مناقضة للشهادة بأن محمداً رسول الله بعد هذه المناقضة [٨] . .. إن ما جد في حياة المسلمين من تنحية شريعة الله واستبدالها بالقوانين الوضعية البشرية القاصرة، ورمي شريعة الله بالرجعية والتخلف وعدم مواكبة التقدم الحضاري والعصر المتطور.. إن هذا في حقيقته ردة جديدة على حياة المسلمين.. [٩] . وهذا ما قاله الشيخ عبد العزيز بن باز في معرض رده على القوميين حيث قال:.. الوجه الرابع من الوجوه الدالة على بطلان الدعوة إلى القومية العربية أن يقال: إن الدعوة إليها والتكتل حول رايتها يفضي بالمجتمع ولابد إلى رفض حكم القرآن، لأن القوميين غير المسلمين لن يرضوا تحكيم القرآن فيوجب ذلك لزعماء القومية أن يتخذوا أحكاماً وضعية تخالف حكم القرآن حتى يستوي مجتمع القومية في تلك الأحكام، وقد صرح الكثير منهم بذلك كما سلف وهذا هو الفساد العظيم، والكفر المستبين والردة السافرة [١٠] . وكيف لا وهذه الأحكام الوضعية تحل ما حرم الله، وتحرم ما أحل الله، وتبيح انتهاك الأعراض وإفساد العقول، وتهلك الحرث والنسل حتى أصبحت المادة القانونية (إذا زنت البكر برضاها فلا شيء عليها) أحْفَظ لأمن المجتمع عند هؤلاء العلمانيين من قول الله : [الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ..] [النور ٢] وأصبحت تصاريح الخمارات والملاهي والبنوك الربوية أصلح للمجتمع - عند العلمانيين - من الأخذ بقول الله : [إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] [المائدة ٩٠] . وقوله : [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ، فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ورسوله..] [البقرة ٢٧٨ - ٢٧٩] إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس (هي كفر بواح لا خفاء فيه ولا مداورة..) [١١] ، وليس هذه رأياً لنا لنبديه، أو رأياً لعالم أو مفسر أو مجتهد من الفقهاء ننقل عنه، إنما هو النص الذي لا مجال فيه للتأويل، والحكم المعلوم من الدين بالضرورة.. قال تعالى: [وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ..] [المائدة ١٤٤] فالعلمانية التي تحكم بغير ما أنزل الله ليست معصية، بل هي كفر بواح ... وقبول الكفر والرضا به كفر ... ولذلك فلا بد من رفض العلمانية لنبقى في دين الله، ونحقق لأنفسنا صفة الإسلام.... ونحن نرفض العلمانية لأنها: ٣ - تفتقد الشرعية: إن أكثر البلاد الإسلامية لا تحكم بشريعة الله.. ولكن يحكمها أناس يحملون أسماء إسلامية، ويستعرضون أنفسهم بين الحين والحين في صلاة أو عمرة أو حج، فتتوهم الجماهير أن لهم (شرعية) ، وهم لا يحكمون بما أنزل الله [١٢] .. فهل الحاكم إذا أبطل شريعة الله كاملة، واستعاض عنها بالشرائع الجاهلية.. هل تكون له شرعية؟ وهل يكون له على الرعية حق السمع والطاعة؟ .. بادئ ذي بدء نقول أنه من المتفق عليه بين العلماء (أن الإمام ما دام قائماً بواجباته الملقاة على عاتقه، مالكاً القدرة على الاستمرار في تدبير شئون رعيته عادلاً بينهم، فإن له على الرعية حق السمع والطاعة..) [١٣] . ولكن هذا الحق في السمع والطاعة يكون في حدود طاعته هو لله ورسوله، فإن عطّل شرع الله، فقد خرج عن طاعة الله والرسول ولم تصبح له طاعة على الرعية.. قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً] [النساء ٥٨ - ٥٩] (وظاهر من البناء اللغوي للآية أن الطاعة لله مطلقة، وكذلك الطاعة للرسول ﷺ .. ولكن ليست كذلك الطاعة لأولي الأمر.. ولو أن الله تعالى قال: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأطيعوا أولي الأمر منكم لوجبت طاعته مطلقاً كطاعة الله والرسول، ولكن الله -جل شأنه- لم يقل ذلك، وإنما عطف طاعة أولي الأمر على طاعة الله والرسول بدون تكرار الأمر (أطيعوا) ، لتظل طاعتهم مقرونة دائماً بحدود ما أنزل الله) [١٤] . فشرط الطاعة أن يكون ولي الأمر (منكم) أي من الذين امنوا، ولكي يكونوا كذلك فلابد أن يرد الأمر عند التنازع إلى الله (أي كتاب الله) ، وإلى الرسول (أي سنة الرسول -صلى الله عليه وسلم-..) [١٥] وقد أكد رسول الله ﷺ هذا المعنى فقال: «اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ما أقام فيكم كتاب الله» رواه البخاري. وقال ﷺ : «إن أمر عليكم عبد مجدع - أو قال أسود - يقودكم بكتاب الله، فاسمعوا وأطيعوا» رواه مسلم. فهذه الأحاديث واضحة الدلالة على أنه يشترط للسمع والطاعة أن يقود الإمام الرعية بكتاب الله، أما إذا لم يُحكّم فيهم شرع الله، فهذا لا سمع له ولا طاعة، وهذا يقتضي عزله، وهذا في صور الحكم بغير ما أنزل الله المفسقة، أما المكفرة فهي توجب عزله ولو بالمقاتلة. [١٦] ( ... فمن أجاز اتباع شريعة غير شريعة الإسلام وجب عزله، وانحلت بيعته، وحرمت طاعته، لأنه في هذه الحال يستحق وصف الكفر) [١٧] . والكفر هو أعظم الأسباب الموجبة للعزل، وبه يخلع الإمام عن تدبير أمور المسلمين وقد انعقد إجماع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر، وعلى أنه إذا طرأ عليه كفر وتغيير للشرع أو بدعة خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته [١٨] . وبناء على ذلك فإن وليّ الأمر الذي يتصرف في شريعة الله بالإبطال أو التعديل أو الاستبدال ... لا تكون له شرعية، لأنه فقد شرط توليته الذي يعطيه شرعية تولي الأمر وهو تطبيق شريعة الله، أي سياسة الدنيا بالدين. وإذن فالحكام الذين يسوسون الدنيا بغير الدين، ويقيمون منهاج الحكم على المبدأ العلماني - فصل الدين عن الدولة -.. هؤلاء الحكام ليس لهم شرعية، ولا تجب على الرعية طاعتهم، بل الواجب على المسلم معاداتهم وعدم مناصرتهم بقول أو فعل ... هذا من ناحية شرعية الحاكم.. أما من ناحية شرعية الوضع، أو ما يمكن أن نطلق عليه شرعية النظام فنقول: (.. يعتقد كثير من الناس أن الأوضاع القائمة في معظم أرجاء العالم (الإسلامي) هي أوضاع إسلامية، ولكنها ينقصها تكملة هي تحكيم شريعة الله.. وفي الحقيقة إن هذا الفهم غير صحيح، فتحكيم الشريعة ليس تكملة لأصل إسلامي موجود بالفعل، ولكنه تأسيس لذلك الأصل - بمعنى أن الأوضاع لا تكون إسلامية إلا إذا قامت على شريعة الله،.. قال تعالى: [فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاًّ مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً..] [النساء٦٥] [١٩] . فأول صفات الدولة الإسلامية التي تجب طاعتها وتحرم معاداتها هو أن يكون الحكم الحقيقي فيها من حيث التشريع والتكوين لله وحده.. وأن لا يكون فيها قانون خاص أو عام يخالف الكتاب والسنة، وأن لا يصدر أي أمر إداري فيها يخالف التشريع الإلهي.. وأن لا ترتكز الدولة في قيامها على أساس إقليمي أو عرقي.. [٢٠] ذلك أن الدولة الإسلامية تقوم على الاجتماع على الإسلام والانتساب للشرع، بمعنى أنها ترجع إلى أصول الإسلام وليس إلى أصول الكفر مثل فصل الدين عن الدولة، أو نعرات القومية.. فإذا قام نظام دولة على مبدأ إلغاء الشريعة الإسلامية والإقرار بحق التشريع المطلق لبشر من دون الله، والتحاكم في الدماء والأموال والأعراض إلى غير ما أنزل الله، كان هذا النظام باطلاً، ولا تجب طاعته.. وهذا هو شأن العلمانية التي تقوم على مبدأ فصل الدين عن الدولة، ولذلك (فأنظمة الحكم القائمة الآن في العالم الإسلامي، أنظمة علمانية مقتبسة من النظم الغربية القائمة على مبدأ فصل الدين عن الدولة.. وهذا المبدأ يعتبر خروجاً صريحاً على مبدأ معلوم من الدين بالضرورة، وبالنصوص القطعية في الكتاب والسنة وإجماع العلماء كافة، وهو عموم رسالة الإسلام لأمور الدين وشؤون الحياة، وأن الإسلام منهاج حياة كامل ينظم سائر شؤون المسلمين في دنياهم..) [٢١] ... إن انعدام شرعية الأنظمة العلمانية التي تقوم على فصل الدين عن الدولة، والتحاكم إلى إرادة الأمة بدلاً من الكتاب والسنة ... إن انعدام شرعية هذه الأنظمة هو بديهية من البديهيات.. وموقف المسلم منها يتحدد في عبارة واحدة ... إنه يرفض هذه الأنظمة ... ويرفض الاعتراف لها بأي شرعية. (يتبع)

стр. 1015

الارتباط الوثيق بين العبادة والأخلاق محمد الناصر أبرز السمات الأخلاقية للمجتمع المسلم ذلك الارتباط الوثيق بين العبادة والأخلاق، إذ أن العبادة تزكي نفس صاحبها وتوجه سلوكه توجيهاً شفافاً متورعاً عن الحرمات، وتهذب أخلاقه وتقومها باستمرار فالصلاة مثلاً، تنهى عن الفحشاء والمنكر، أو هكذا ينبغي أن تكون، قال تعالى: [وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ] [العنكبوت ٤٥] ويقول جل من قال: [فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ، الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ، وَيَمْنَعُونَ المَاعُونَ] [الماعون: ٤-٧] . إن هؤلاء لو كانوا يقيمون الصلاة حقاً لله تعالى، ما منعوا العون عن عباده، وهذا هو المحك الحقيقي للعبادة الصادقة المقبولة عند الله، وهذا هو الرياء الذي يترك الأعمال خواء ويصيرها هباء [١] . والصيام جنة يمتنع فيها المسلم عن الطعام والشراب إلى جانب تقوى المشاعر وانطلاقة الروح. قال ﵊: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» رواه البخاري. فهذه النصوص توضح لنا مدى اهتمام الإسلام بتهذيب النفس المؤمنة وتخليصها من أدرانها، خلال قيامها بالشعائر التعبدية، ومن ثم توجيه السلوك ضمن هذه القيم. والزكاة ليست دفعاً للمال فقط وإنما هي تطهير المال والنفس. قال تعالى: [خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا] [التوبة ١٠٢] ومن أجل ذلك وسع النبي ﷺ في دلالة كلمة الصدقة التي ينبغي أن يبذلها المسلم فقال: «تبسمك في وجه أخيك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة، وإماطتك الأذى والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة..» رواه البخاري. وقل مثل هذا في سائر الشعائر والعبادات، إذ أن علاقة الأخلاق بالعبادة علاقة وطيدة، فقد لا تنفع المرء صلاة ولا زكاة أو صيام يوم القيامة، إن كان من المفسدين المعتدين على الناس. سأل الرسول ﷺ يوماً أصحابه فقال: «أتدرون من المفلس، قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام، ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا، وأكل مال هذا وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار» رواه مسلم. ومن هنا جاء الحديث الشريف: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هاجر ما حرم الله» في رواية: «والمهاجر من هاجر ما نهى الله عنه» [٢] . فهذه العبادات تلتقي كلها عند الغاية التي رسمها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في قوله: «وإنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» [٣] . فإذا لم يستفد المرء من عبادته ما يزكي قلبه وينقي لبه، ويهذب بالله وبالناس صلته فقد هوى [٤] . ويؤكد ما نقول حول الصلة الوثيقة بين العبادة والسلوك ما جاء في الحديث النبوي الشريف، إذ روي عن أبي هريرة -رضي الله- عنه أن رجلاً قال: «يا رسول الله إن فلانة تكثر من صلاتها وصدقتها وصيامها، غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها، قال ﷺ : هي في النار. قالوا يا رسول الله: إن فلانة تذكر من قلة صيامها وصلاتها، وأنها تتصدق بالأثوار من الأقط ولا تؤذي جيرانها، قال: هي في الجنة» [٥] . تؤكد هذه الأحاديث على عدم جدوى العبادة إذا فقدت روحها وفاعليتها في تهذيب نفس صاحبها. والأخلاق في الإسلام تكليف رباني قبل كل شيء، قال تعالى: [قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ] فإذا كان الصدق تكليفاً ربانياً، والأمانة تكليفاً ربانياً، والوفاء بالوعد تكليفاً ربانياً ... فهل تدخل هذه التكاليف في العبادة أم تعتبر خارجة عنها زائدة عليها؟ ! . وكيف تكون خارجة عنها أو زائدة عليها، والله يقرر أنه لم يكلف البشر إلا أن يعبدوه: [وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] [الذاريات ٥٦] . ويؤكد هذا الحديث النبوي الشريف: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له» [٦] . فإذا خرجت هذه الأخلاق من دائرة العبادة لن تصبح في حس الناس لازمة، وإنما تصبح شيئاً جميلاً إن وجد، فإن لم يوجد فلا بأس. ومن هنا صار لدى الناس إسلام بلا أخلاق.. إسلام لم ينزله الله تعالى، ولم يأمر به، وإنما هو أمر مضاد تماماً.. ومع ذلك يمارسه الناس على أنه: (غاية المراد من رب العباد) . إلا أن الفساد الذي طرأ على مفهوم العبادة وحصرها في الشعائر التعبدية فحسب، وأخرج منها ألواناً كثيرة من المعاملات، كانت في حس الأجيال الأولى داخلة في مفهوم العبادة الواسع الشامل، باعتبارها سلوكاً إسلامياً مرتبطا بلا إله إلا الله.. هذا المفهوم الشامل للعبادة انحرف عما كان عليه بسبب الفكر الإرجائي الذي أعطى لهذا الانحراف شرعيته، حين أخرج العمل من مسمى الإيمان ومقتضياته.. وبسبب الفكر الصوفي المنحرف عن التوازن الإسلامي مما زاد في فساد مفهوم العبادة.. كل هذا وذاك قد دمر الجوهر الحضاري المتضمن في هذا الدين، والذي كان قوامه السلوك الأخلاقي المرتبط بالعقيدة والمترجم لها في دنيا الواقع. وبعبارة أخرى، حين صار المسلم لا يجد حرجاً في قلبه أن يكذب وأن يغش أو أن يخون الأمانة، وأن يتهاون في العمل ويخلف العهود ... يكون قد تجرد من أخلاقيات لا إله إلا الله، وتجرد من قيمها الإسلامية والإنسانية. هذا التخلف في مفهوم العبادة والأخلاق نشأ عنه تخلف حضاري هائل، أخرج هذه الأمة من زمرة المتحضرين، كما أخرجها من ريادة العالم الذي أصبح تائهاً عن منهج الله [٧] . وإن هذه الأمة لا تمكَّن إلا بقدر التزامها بمقتضيات الإيمان والسلوك النظيف الطاهر، والعبادة المؤثرة الخالصة في مجتمع الفضيلة والعفاف، ذلك المجتمع المعافى من الجهر بالسوء والشرور والذنوب كما أشار إلى ذلك الحديث الصحيح، قال ﷺ : «كل أمتي معافى إلا المجاهرون، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً ثم يصبح وقد ستره الله فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه» [٨] . وإنها لخدمة عظيمة نسديها للأمة، بأن نزيل هذا الغبش عن أعينها، ونضع بين أيديها نماذج الصفاء الإيماني، وتمثل مقتضياته في النفوس، مع تحوله إلى أخلاق قويمة وسلوك أصيل.

стр. 1016

معالم في التربية أترضاه لنفسك ؟ سلطان بن حبيب الخلافي كان محمد بن واسع يبيع حماراً له، فقال له رجل: أترضاه لي؟ قال: لو رضيته لم أبعه [١] . هذه الحادثة قمة في المعاملة التي تكون بين الإخوان وخاصة الدعاة إلى الله - ، وهذه إشارة من - محمد بن واسع - إلى أنه لا يرض لأخيه إلا ما يرض لنفسه وكذا المعاملة، فبعض الناس يحب أن يعامله الناس بأحسن الأخلاق وأجلها، وأن يتلطفوا معه في المعاملة وأن يضعوه في مكانه اللائق به، وفي المقابل تجده لا يهتم في معاملته لإخوانه بالحسنى كما يهتم في أن تكون معاملة غيره له على أحسن حال وأفضل مقال. قال ابن عباس ﵄: (إني لأمر على الآية من كتاب الله فأود أن الناس كلهم يعلمون ما أعلم) [٢] . ولقد جاء معنى ما أشرنا إليه من عنوان هذا المقال في حديث عن النبي في أن المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، روى البخاري ومسلم عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» [٣] . فالمتأمل في هذا الحديث، يجده قاعدة عظيمة تنبع من خلالها كثير من الأخلاق، ولذلك كان كلام النبي ﷺ من جوامع الكلم. إن من يعامل لناس على أساس أن يحب لهم ما يحب لنفسه تماماً فإنه سيعاملهم حتماً بكل خلق رفيع، لأن هذا هو ما يجب أن يعامله الناس به إذ يحبه لنفسه. ومن هنا يجد نفسه مثلاً مدفوعاً إلى الصبر على أخيه المسلم كلما دعت ظروف التعامل إلى الصبر، لأنه يحب من الناس أن يصبروا عليه، كلما بدر منه ما لا يقبله الناس إلا بصبر. ويجد المسلم نفسه مدفوعاً إلى العفو والصفح والمسامحة والإغضاء عن الهفوات والسيئات، كلما وجد من إخوانه ما يسوءه من تصرفاتهم معه، لأنه يحب من الناس أن يعاملوه بالصفح والعفو والمسامحة والإغضاء عن الهفوات والسيئات، كلما بدر منه من تصرفات تسوء إخوانه [٤] . وكذلك أنواع المعاملة من ستر العيوب والنصح سراً وكره الغيبة فهو يحب أن يعامل الناس بما يحب أن يعاملوه به. ارتباط الحديث بالإيمان: فالإيمان لا يبلغ حقيقته ونهايته وكماله إلا بعد أن يتحقق مثل هذا الحديث في المسلم، فالإيمان قد ينتفي لانتفاء بعض أركانه وواجباته [٥] . ففي رواية خرّجها الإمام أحمد ﵀: «لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يحب للناس ما يحب لنفسه من الخير» [٦] . وهي تدل على أن العبد لا يبلغ حقيقة الإيمان وحلاوته ولذته حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الأخلاق والمعاملة الحسنة. تطبيق هذا الحديث يدخل الجنة ويزحزح عن النار: قال رسول الله ﷺ : «من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو مؤمن بالله ويأتي إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه» [٦] . فحري بالمسلم الداعية إلى الله أن يستنفره مثل هذا الحديث لأن تكون معاملته حسنة مع إخوانه كما يحب ذلك منهم. الأسباب التي تمنع من هذا الخلق: أولاً: الحسد: يقول ابن رجب ﵀: وهذا كله إنما يأتي من كمال سلامة الصدر من الغش والغل والحسد [٧] . فإن الحسد يقتضي أن يكره الحاسد أن يفوقه أحد في خير أو يساويه فيه لأنه يحب أن يمتاز على الناس بفضائله وينفرد عنهم، ورحم الله ابن عباس ﵄ حيث يقول: إني لأمر على الآية من كتاب الله فأود أن الناس كلهم يعلمون ما أعلم منها [٨] . وقال الشافعي: وددت أن الناس تعلموا هذا الدين ولم ينسب إلي منه شيء [٩] . فالحاسد تجده يحب أن يعامله الناس بأحسن المعاملات فيريد منهم خلقاً رفيعاً، وتذللاً، وانبساطاً وعدم تتبع لزلاته على الرغم من أنه قد أشهر سيف المعاملة السيئة، والتكبر، والأنانية، وأخذ بعد فترة يكتب ويدون زلات إخوانه. وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... ولكنَّ عين السخط تبدي المساويا. والإيمان يقتضي خلاف ذلك وهو أن يشركه المؤمنون كلهم فيما أعطاه الله من الخير من غير أن ينقص عليه منه شيء. والحاسد ليس يحسدك على عيب فيك، ولا على خيانة ظهرت منك، ولكن يحسدك بما ركب فيه من ضد الرضا بالقضاء. قال العتبي: أفكر ما ذنبي إليك فلا أرى ... لنفسي جرماً، غير أنك حاسدُ [١٠] فنعوذ بالله من شر حاسد إذا حسد. ثانياً: الكبر: قال تعالى: [تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُواًّ فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً] [١١] . فبطر الحق وغمط الناس واحتقارهم وازدراؤهم يجعل المسلم يعامل إخوانه المعاملة السيئة مما يدعو إلى المعاملة بالمثل. (فمن تواضع لله رفعه) وهذا من سنن الله في عباده، كما أن من استكبر وتعالى على خلق الله أذله الله. فالمستكبر يرفع نفسه فوق مستوى جلسائه، فيعيش وحده في جوه النفسي المتعاظم، ولا يحب أن يفوقه أحد، وربما يكون ترفعه إلى مكانة ليس هو في الحقيقة أهلاً لها. وأخيراً إن الناقد البصير قد يجد في واقع الدعاة إلى الله وما يحدث بينهم من الهجران والقطيعة والمعاملة التي لا تليق بأمثالهم - ولعل مرجع ذلك إلى عدم التدبر لمثل هذه الأحاديث النبوية التربوية التي تجعل القلوب صافية، والمحبة وافرة، وتجد التعاون بين الدعاة إلى الله على أحسن حال.

стр. 1017

البيان الأدبي خلا لك الجوُّ شعر د. عبد الرحمن العشماوي وسوف تُرفع القبابُ وتهجر البلابلُ الغناءْ ويُنشد الغرابْ وسوف يعقد الذبابُ جلسة انتخابْ وسوف يحدث انقلابْ وعندها سيكثُرُ الضَّباب ويدفن المزاهرَ الترابْ ويبخل السحابْ وتنتهي صَلابةُ الهضابْ سمعتُ قائلاً يقول: يا أيها النيامْ عليكم السلامْ فليلكم ما زال ينصب الخيامْ ولم يزلْ يخيط جبَّةَ الظلامْ يا أيها النيامْ عليكم السلامْ فليلكم ينظِّم المسيرة ويخلط العجين بالخميرةْ ويكتب الحكاية المثيرةْ الرِّيح - وقت القيظِ - يا أحبتي سمومْ وفي الشتاء زمهريرْ والناس بين قاعد يريد أن يقومْ وواقفٍ يريد أنْ يسيرْ فهل رأيتم بلبلاً في لجةٍ يعومْ وهل رأيتم سمكاً يطير؟ ؟ ؟ وهل رأيتم عاقلاً تُطربه الهمومْ وهل رأيتم عاجزاً يُغير؟ ! سمعت قائلاً يقول: القدسُ - عفوا يا أحبتي - أقصد " أورشليم " تشاهد القتيل والجريح واليتيمْ تعيش تحت وطأة اللئيمْ وتشتكي من جرحها القديمْ يا ويلكم.. ما عاد يستثيركم صراخُها الأليم القدسُ - يا أحبتي - حزينةٌ عليلَهْ تَبيتُ تحت وطأةِ القنابل المُسيلةْ واعجباً من حجرٍ يغار حينما يرى نظرتها الكليلَهْ وأمتي غارقةٌ في لهوها ذليلَهْ! ! سمعت قائلاً يقول: يا شفةٌ البركان لا تتمتمي لا تنطقي بلهجة الدُّخَان والحممْ فأمتي تُدير قهوة الولاءِ للأممْ وتشرب الحُثالهْ توزِّع الطحين للأممْ وتأكل النخالهْ وأمتي تعلن في وسائل الإعلامْ رسالة يسمعها الأنامْ تعلن أنّها تقوم بالرسالهْ وأنها نموذج البَسالهْ وأنها لا تقبل العمالهْ سمعت قائلاً يقول: يا شفة البركان لا تعبِّري سيان عندي أن تكوني لوحةً للصمتِ أن تزمجري فإنني عرفت موردي ومصدري وإنني.. تئنُّ تحت وطأة الجراح أسطري وإنني.. سمعت أن تاجراً معلَّقاً بثوبه المعصفَرِ يبيع تحت جُنح ليله.. وجه صباحٍ مُسفرِ يبيع دون رهبةٍ ويشتري سمعت قائلاً يقول: يا قلمَ الحقيقةِ احذرِ قُلْ ما يشاء القومُ أو فقفْ أما سمعتَ أحرفي تصيح في دفاتري: يا دولةَ اليهود زمجري وز مجري وقدمي وأخِّرِي " يا لك من قُبَّرةٍ بمعمرِ خلا لكِ الجوُّ فبيضي واصفُري ونقّري ما شئتِ أن تنقرِّي " يا قائلَ المقالةِ الجبانْ نسيتا أن أمتي عظيمة الكيان وأنها تلوذ بالرحمانْ وعندها من دينها الأمانْ يا قائل المقالةِ الجبانْ مَنْ قال: إن نجمةً تطاول القمر؟ ! وإنَّ نملةً ستكسر الحجرْ؟ ! وإنَّ أجذمَ اليدين يعزف الوترَ؟ ! مَن قال أيها المكابر العنيدْ إن غباراً يُنزل المطرْ وإن ريحَ قيظٍ تنعش الشجَرْ وإنَّ شِدّّةَ الحَذَرْ تنجي من القدرْ يا قائلَ المقالةِ الغريبْ رجاؤنا في الله لن يخيبْ رجاؤنا في الله لن يخيبْ

стр. 1018

الأدب مفهوماً ولغة د. مصطفى بكري السيد ١ - القول والفعل: (يحاول الشاعر أن يحاكي صوت الفعل، الذي يصوره، في صوت الألفاظ التي ينظمها، فقد يكثر مثلاً من حروف الضاد والطاء ليدل على الضرب والطعن وقد يكثر من حروف السين والصاد ليدل على صليل السيوف، أو من حروف الراء ليدل على خرير الماء وهكذا) [١] . هل تنتهي العلاقة بين القول والعمل عند حدود المحاكاة الصوتية؟ أكبر الظن أن الأمر أبعد من ذلك، إذ كثيراً ما شد سمعي وعقلي تَوَحُّدُ القول بالفعل، فكم سمعت المتكلم من منطقة (نجد) من العامة كان أو من المثقفين يُعَبِّر عن طلب أحدهما باستدعاء الآخر، فيقول لصاحبه إذا واجه مشكلة أو مشكلاً: قل بها، أو قل به، كما سمعت مثل هذا الاستعمال من أحد زملائنا المدرسين من بادية الأردن. وإذا كنت عاجزاً عن تفسير هذا التوحيد بين القول والعمل، فلقد شدني ورحت أبحث عن أصوله في تراثنا اللغوي، وكان ابتهاجي عظيماً عندما استوقفي أثناء مطالعتي في صحيح البخاري هذان الحديثان: عن عائشة ﵂ «أن النبي ﷺ أراد أن يعتكف، فلما انصرف إلى المكان الذي أراد أن يعتكف، إذا أخْبِيةً: خِباء عائشةَ، وخِباء حفصةَ، وخِباء زينبَ، فقال: آلبِرَّ تقولونَ بهنَّ؟ ثم انصرف فلم يعتكف حتى اعتكف عشراَ من شوال» [٢] . أما الحديث الثاني فهو: «عن أبي ذر ﵁، قال كنت مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلما أبصر يعني أُحُداً - قال: ما أحب أنه تحوّل لي ذهباً يمكث عندي منه دينارٌ فوق ثلاث إلا ديناراً أرصده لِدَيْنٍ. ثم قال: إن الأكثرين هم الأقلُّون، إلا من قال بالمال هكذا، وهكذا - وأشار أبو شهاب بين يديه وعن يمينه وعن شماله - وقليل ما هم» [٣] الحديث. فاستعمال الفعلين: (تقولون بهن) و (قال بالمال) واضح الدلالة على أن الفعل يُعَبَّر عنه بالقول. كما عثرت على شواهد عربية وعالمية يفضي تأملها إلى ردم المسافة القائمة في عقولنا وأعمالنا بين القول والعمل: يقول الأخطل التغلبي (٢٠ - ٩٢ هـ) : حتى تركتهُمُ مني على مَضَضٍ ... والقول ينفُذُ ما لا تنفذ الإبَرُ فقد جعل القول فعلاً بل أفعل من الإبر. وبقول ليوناردو دافنتشي الإيطالي (١٤٥٢ - ١٥١٩) : (يقتل الفم أكثر من الخنجر!) . ويقول شكسبير (١٥٦٥ - ١٦١٦) على لسان هاملت: (سأكلمها خناجر، ولن أمس خنجراً) [٤] . وربما ذهب بعضهم إلى جعل الفعل فرعاً عن الاسم يقول إمرسون: (الأفعال هي نوع من الكلمات) [٥] . ٢ - تعريف الأدب: لم ينجُ عالم الأدب، وبقية أشقائه من فروع العلوم الإنسانية من محاولة الهيمنة لأكثر من طرف على مفهومه كي يولي وجهه شطر الوجهة التي يرضونها، ولينسجم مع موقعهم الفكري وواقعهم السياسي، وربما نجد بعض متلقي الأدب يُقَدِّم صورة معينة للأدب كيما يصاغ على مثالها، وبذلك يفقد الأديب حريته، ويغدو إبداعه معلباً، وأمثال هؤلاء المتلقين يريدون أن تصبح تجربة الإبداع الرائع عملية آلية، تخضع لما تخضع له أية عملية إنتاجية من مراعاة شروط العرض والطلب وأذواق المستهلكين! ! ! إن تسليع الأدب باسترضاء كل الأطراف، يئد الأدب ويعزل الأدباء عن دورهم المرجو، ويفقد الأدب ثمرتي المعرفة والمتعة المتمثلين بالصياغة الأدبية الإبداعية. ولقد تحامى كثير من النقاد تعريف الأدب [*] خشية تحديده، أو مخافة الحجر عليه، ولا جناح علينا أن نخالفهم فنقول: الأدب فعل لغوي / راجح المقدمة: القول والفعل / لأن الأديب يصنع برؤاه وألفاظه ما قد يصنعه الحداد والبناء بالحديد والحجر / [٦] يتجسد فيه شكل من أشكال الوعي، وهو صدور عن موقع ثقافي، وإحساس جمالي، وموهبة لم تسقَ بماء واحد، وفي كل الأعمال الأدبية تكون اللغة وسيطاً، بين طرفي الإبداع: الباث والمستقبلين، واللغة في غير الأدب وسيلة وفي الأدب غاية، كما تحمل في بقية العلوم رسالة إبلاغية، أما في الأدب فتحمل دلالة بلاغية، وإذا كنا نقول لكل كاتب في كل علم: ماذا قلت؟ فإننا نضيف للأديب سؤالاً آخر ونقول له: كيف قلت؟ واللغة في القول الأدبي ليست مجموعة ألفاظ بل مجموعة علاقات، لأن المبدع لا يستعمل اللغة مجرد تركيب، أو إنشاء يحفظ أو يتوارث ويُلقَّن، أو رصفاً قواعدياً للمفردات المعجمية [٧] بل هو إبداع يحقق فرادته ورسالته بالصياغة، إنه (إنزال فكرة في مادة / اللغة / وتشكيله على مثالها) [٨] . ٣- كلمة أدب: أين كان هذا اللفظ مُستكّناً قبل أن يطل علينا محمّلاً بدلالته اللغوية والفكرية؟ إن الإجابة أكبر من مساحة هذا المقال ولكن سأشير إلى بعض المفاهيم التي تناولت المادة أ/د/ب/ وتطورها. لابد من الإشارة إلى أن هناك معجمات عربية متخصصة رصدت كلمة/أدب/جذراً لغوياً ومعنى اصطلاحياً مثل: (كشاف اصطلاحات الفنون - إحصاء العلوم - ومفاتيح العلوم للجرجاني - والكليات للكفوي، وهناك معجمان لمجدي وهبة ومعجم لإبراهيم فتحي) [٩] . (كما عرض لكلمة /أدب/ عبد الله العلايلي في معجمه الذي لم يتمه وكتب فيهما خمسة أو ستة أعمدة) [١٠] . وإذا كانت هذه الدراسة قد تأسست في مداخلها على حديثين رواهما البخاري فلا ضير عليها أن تعتمد الحديث الشريف أصلاً في تعريف وتطوُّر كلمة / الأدب /. أخرج البخاري في صحيحه أن رسول الله ﷺ قال: «أيما رجل كانت عنده وليدة فعلمها فأحسن تعليمها، وأدبها فأحسن تأديبها، ثم أعتقها وتزوجها فله أجران» . يقول الدكتور عبد الملك مرتاض المدرس بجامعة وهران الجزائرية معلقاً على هذا الحديث: (قرن التأديب بالتعليم ليس يعني إلا شيوع ذلك المعنى للأدب بهذا المفهوم في ذلك العهد المبكر، وقد استعمله بهذا المعنى أبو تمام في كتابه الحماسة) [١١] . ولابد أن نشير ونشيد بجهود ابن خلدون الذي حاول لأول مرة منذ أرسطو أن يضع المهاد لتأسيس علم الأدب، وأن يصوغ نظرية أدبية متكاملة كما يبدو لمتصفح الأوراق الأخيرة من مقدمته. ٤ - الأدب واللغة: ألمحت باختصار / في تعريف الأدب / إلى العلاقة بينه وبين اللغة، وأحاول الآن بسط القول بعض البسط في هذا الأمر. اللغة الأدبية تؤدي جملة من الوظائف المختلفة، غير أن الجمالية هي الوظيفة السائدة، والتي تتحقق معها وبها (أدبية الأدب) . ولا بد من الإشارة هنا بأن اللغة المستعملة في الأدب بحسبانها مقررات ليست مناط الدراسة والتقويم، وإنما تبدأ (أدبية النص) أو (ما يجعل الأدب أدباً) أو ما يميز الأدب أنه من / عندما تتمثل اللغة بالتراكيب والجمل، وهي لغة / معنى المعنى حيث تتكفل الصياغة العلمية بالمعنى أما الصياغة الجمالية هي التي تنتج معنى المعنى وهدفها (جمالي يتعلق بإثارة المتلقي وإشباعه) . يقول أبو حيان التوحيدي: (إن حد الإفهام، والتفهم معروف، وحد البلاغة والخطابة موصوف، وليس ينبغي أن يُكْتَفَى بالإفهام كيف كان، وعلى أي مرجع وقع، والبلاغة زائدة على الإفهام الجيد بالوزن والسجع والتقفية، والحلية الرائعة وتخير اللفظ، وهذا الفن لخاصة الناس، لأن القصد فيه الإطراب بعد الإفهام) [١٢] . نحن في حياتنا نستعمل في كثير من المناسبات صيغاً لفظية معينة، ولا نستعمل / معناها / فلا نقول للشارب: أقدم لك التهاني بشربك بل نقول / هنيئاً / ولا نقول للحاج: أرجو أن تكون حججت حجاً مبروراً بل تكتفي بقولك / حجاً مبروراً / وفي ذلك يقول سيبويه، ولعلها تكون أول لفتة لبلاغة النحو: (ألا ترى أنك لو قلت طعاماً لك، وشراباً لك، ومالاً لك، تريد معنى: سقياً أو معنى المرفوع الذي فيه معنى الدعاء لم يجز، لأنه لم يستعمل هذا الكلام كما استعمل من قبله، فهذا يدلك ويبصرك أنه ينبغي لك أن تجري هذه الحروف كما أجرت العرب، وأن تعني ما عنوا به) [١٣] . وهذه اللفتة من سيبويه ﵀ فتحت الباب أمام ظهور مستويين للغة الأدبية: المستوى الأول: مستوى الصحة. المستوى الثاني: مستوى الجمالية. أما صحة النص فينظر فيها إلى اللغة وأسلوب الأداء، من حيث أن اللغة مؤسسة اجتماعية لا سبيل للفرد المبدع أن يحترم قاعدة من قواعدها أو يخالف نظاماً من أنظمتها الفرعية، بل إنه لا يمكن عدّه مبدعاً إلا إذا تمكن من تحقيق المعادلة الصعبة بين صرامة قواعده وحرية إبداعه. وأما جمالية النص فهي نتاج عبقرية المبدع وحريته في التعامل مع موضوعه وأسلوبه، وبقدر ما لا يكون للأديب الشاعر أو الكاتب من الحرية أمام اللغة كمؤسسة اجتماعية كاملة، بقدر ما يملك الحرية كلها تُجاه الصياغة الجمالية، ومواجهة الإنشاء الفني بالطريقة التي يؤثرها أو تجود بها قريحته. وقد استقر في ذهن روّاد النحو العربي أنفسهم مثل سيبويه أن للشعر خصوصية في التعامل مع اللغة، فقد ميّز سيبويه في أحد فصول (الكتاب) بين لغة الشعر ولغة الكلام مستعرضاً بعض الجوازات التي تسوغ للشاعر ولا تجوز لغيره، وهو ما كان يتفق مع رأي أستاذه الخليل بن أحمد الفراهيدي (٩٦ - ١٠٧ هـ) الذي ينسب إليه هذا القول: (الشعراء أمراء الكلام، يصرفونه أنى شاءوا، وجائز لهم ما لا يجوز لغيرهم من إطلاق المعنى وتقييده، ومن تصريف اللفظ وتعقيده، ومد مقصوره وقصر ممدوده، والجمع بين لغاته، والتفريق بين صفاته، واستخراج ما كلّت الألسن عن وصفه ونعته، والأذهان عن فهمه وإيضاحه، فيقربون البعيد، ويبعدون القرب، ويحتج بهم ولا يحتج عليهم) [١٤] . ولو تساءلنا عن أسباب التفويض الذي منحه شيخا اللغة للشاعر لما أخطأنا الصواب إذا فلنا إن الإبداع الذي يتحقق للغة على أيدي الشعراء (أدبية النص) يستحق بعض التنازلات لمصلحة الإبداع. وإذا تحققت للنص أدبيته تحرر من الآنية، وبات أحد معالم الحياة جميلة، فما لا يصدق عليه وصف أدب في كل العصور والأزمان بصورة مطلقة فليس من الأدب في شيء، لأن النص (الذي يحتفظ بكيانه ويثبت وجوده في كل الظروف، هو الأدب القيَّم، أما الأعمال الفنية الموقوتة بزمن معين فإن قيمتها تزول بزوال زمنها، وتموت بموت مقتضياتها، ومن ثم تكون الأسباب التي أكسبتها شعبية وقتية هي نفسها التي تعمل ضد استمرار حياتها) [١٥] . واللغة الأدبية كانت إحدى الثمار الطيبة لدراسات إعجاز القرآن، فالقرآن الكريم كان خيراً في كل اتجاه، ونعمة في كل وجهة، إن محاولة تفسير إعجازه، وتأويل جماليته أخرجت من الدرس الأدبي كنوزاً رائعة، كانت المادة الخصبة للاتجاهات النقدية، والمقاييس الجمالية، وهكذا كان القرآن وسيظل خيراً عميماً على العربية. وهكذا لا يكون الأديب أديباً ولا (الشاعر شاعراً لما فكّر فيه وأحسه، ولكنه شاعر لما يقوله من شعر، فعبقريته تكمن في إبداعه اللغوي، أما الحساسية المفرطة فلا تكفي لتكوين شاعر) [١٦] . ومرة قال الرسام الفرنسي ديجا (١٨٣٤ - ١٩١٧) للشاعر الفرنسي مالارميه (١٨٤٢ - ١٨٩٨) : (إنني لا أستطيع أن أعبّر عما أريد التعبير عنه، مع أن عقلي يصطخب بالأفكار، فأجابه مالارميه - إن الشعر - يا عزيزي لا يصنع من الأفكار ولكنه يصنع من الألفاظ) [١٧] . فاللغة الأدبية هي التي شدتنا إلى محفوظنا من الأدب الجميل وجذبتنا إلى تلكم الرؤى التي تعج بالأفكار، وتضج بالحركة، وتموج باللون، هي التي صنعت للأدب العربي سمعته، ومن إعادة توزيعها المتفرِّد نُسجت أثواب مجده، والشيء نفسه حصل في الأدب الغربي (فاللغة هي التي صنعت / عُطَيْل / قدّم نفسه لِـ (ديزر مونة) من خلال اللغة، وهي التي قوّضته في النهاية، وهذا في خاتمة المطاف سر عظمة شكسبير الذي لم يفعل شيئاً سوى أنه ترك اللغة تفجِّر طاقاتها، وتصنع الحدث) [١٨] . ولكن أين يقف مضمون النص وموضوعه من أدبيته؟ إن النقد الحديث قد تجاوز ثنائية الشكل / المضمون، وأصبح من المتعذر درس كل منهما بمعزل عن الآخر، ما بينهما أكبر من وحدة، وأكثر من اتحاد. إن الأديب الحق يجب أن يكون ملتزماً فطرياً وأخلاقياً بمصالح المجتمع الكبرى، وبما يثري إنسانية الإنسان وما يرفع عنه من إصر وأغلال، وإذا كنا نجد أدباء لا يرتقون إلى هذا المستوى، ففي كل صنعة مهما كانت نبيلة نجد فئاماً من الناس يستأكلون بمبادئهم ويستطلقون العطايا بقيمهم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

стр. 1019

صورة يحيى بشير حاج يحيى بالخنا أمضى شبابَه ... وغدا الخمرُ شرابَهْ لم يجد راحةْ قلب ... بين كأس، وربابَه قد دعوناهُ مراراً ... والهدى يطرُقُ بابه لم يجْبْ صوتاً لداعٍ ... صَمَمُ القلب أصابه أنا لا أرجو عقابَهْ ... إنما أرجو مآبه فلقد كان نَقياً ... مثلَ ماءٍ من سحابه لا تَسلْني كيف أمسى ... ليس في هذا غرابه صاحَبَ الأشرار جهلاً ... ولهم أعطى رِغابَه فاحذرَنْ يا صاح منه ... إن في الخير اجتنابه من يكن للجُرب خِلاًّ ... ليس يخلو من إصابه

стр. 1020

المسلمون في العالم مقابلة مع رئيس اللجنة السياسية لجبهة الإنقاذ الجزائرية زار المنتدى الإسلامي في لندن الأخ الفاضل رابح كبير رئيس اللجنة السياسية بالمكتب التنفيذي المؤقت لجبهة الإنقاذ الإسلامية وكانت فرصة لعرض أحوال الجبهة الإسلامية، آخر المستجدات على الساحة الجزائرية، ورؤية المسلمين هناك لواقع الجزائر ومستقبلها. وبعد الاستفسار والاطمئنان عن صحة الشيخين عباسي مدني وعلي بلحاج والإخوة الذين لا يزالون في السجون بدأنا هذا الحوار: * البيان: نريد منكم صورة للوضع الحالي في الجزائر وكيف تقومون هذا الوضع؟ بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله كما أمر والصلاة والسلام على نبيه خير البشر وبعد: في الحقيقة إن الذي حدث في الجزائر ليس بالأمر الهين، لا شك أن إخواننا سمعوا عما حدث من ضرب للجبهة الإسلامية للإنقاذ، لقد ضربت في قيادتها من مختلف المستويات فبين معتقل وبين من غير وبدّل، وكذلك كثير من أفراد الشعب الجزائري الذين كانوا يعملون مع الجبهة، كانت هجمة شرسة، ولكن من فضل الله ﵎ أن هذه الجبهة فيها أناس مخلصون تابعهم الشعب الجزائري بحب وإخلاص لأنها تمثل العمل في سبيل إقامة دولة الإسلام، فالتوفيق كان بيد الله، ففي الوقت الذي ضربت فيه الجبهة اجتمع ثلة من الشباب، من شباب الجبهة في مدة قياسية، في مدة يومين استطاعوا تجميع أكثر من (٤٥) ولاية من ولايات الوطن التي تعد (٤٨) ولاية، في الأوراس وفي مدينة (باتنة) حيث كان ... النظام يقول بأن مدينة باتنة ستكون مقبرة الجبهة، وخرجت الجبهة من ذلك اللقاء أقوى وأمتن، ثم حاول النظام إلهاء الناس من خلال دعوته لإقامة حوار بين الحكومة والأحزاب. ولكن الجبهة لم تشارك لأن النظام كان يريد مشاركتها وهي محطمة، وشاركت الأحزاب وقلنا لهم: إن مشاركتكم مجرد لعبة ليس لها أي فائدة، وقد تأكد الجميع من ذلك بعد صدور القوانين الأخيرة، حيث لم تأخذ الحكومة بعين الاعتبار كل ما جرى في ذلك اللقاء. بعد ذلك رفع الحصار. وقبل أن يرفع، لما رأى النظام أن الجبهة غدت قوية رغم كل ما حصل ورغم حالة الحصار، لما رأى ذلك اعتقل الأخ عبد القادر حشاني مسئول مكتب التنفيذ الوطني ظناً منهم أن هذا سيعيد الجبهة إلى نفس الحالة التي كانت عليها عندما اعتقل الشيخين عباسي مدني وعلي بلحاج فرّج الله عنهما، ولكن الأمر تجاوز تلك المرحلة وأصبحت الجبهة كمؤسسة هامة فيها هياكل مضبوطة ومستقرة، ثم إنها تصفَّت من الدرن الذي كان موجوداً وتم التمحيص والتصفية، وكانوا يظنون أن ندوة البلديات الإسلامية ستتوقف لأنهم يدركون أن تلك الندوة تمثل انطلاقة جديدة وقوية، عندما تجتمع كل بلديات الجبهة (٨٥٦) بلدية وتجتمع كل المكاتب البلدية والولائية فمعنى هذا أن كل حالة الحصار التي ضربت كانت صفراً، حاولوا منعنا من الندوة دون أي مبرر قانوني (من قوانينهم) ففضحنا ذلك بندوة صحفية، ثم تراجعوا وتمت الندوة وكانت بإذن الله دفعاً قوياً للعمل، وبمجرد رفع الحصار عادت الجبهة كقوة فاعلة في المجتمع، ثم توالت أنشطتها باستمرار وربما كان أكبر هذه الأنشطة تجمعات على مستوى المناطق (الغرب في وهران، والشرق في قسنطينة) وأخيراً جاءت المسيرة التاريخية التي كانت يوم الفاتح من نوفمبر كتعبير عن الوفاء لشهداء الجزائر الذين هم شهداء الإسلام، حيث إن البيان الذي رفعه المجاهدون المسلمون يومها (نوفمبر ١٩٥٤) كان ينص صراحة على أنهم رفعوا راية الإسلام حتى تقام دولة حرة مستقلة في إطار المبادئ الإسلامية، والذي حصل بعدئذ هو انحراف وتبديل. فالجبهة نظمت هذه المسيرة، وقد حاولت الصحافة الأجنبية وبعض الصحف الوطنية تقزيم هذا الحدث، ولكنها كانت مسيرة ضخمة. وفي الجمعة الماضية نظمنا ستة تجمعات على مستوى الوطن، والعبد الضعيف ذهبت إلى ولاية الشرق وأخي عبد القادر ذهب إلى ولاية الغرب وآخر ذهب إلى ولاية الوسط، وأحب أن أعلمكم أن الشعب الجزائري شعب جاد دوّخ كل أعدائه. هذا وضع الجبهة الآن، وقد غيرت السلطة لهجتها ونظرتها، فحاولت محاورتنا بعد أن اتضح لها أن الجبهة لا يمكن كسرها، وبحمد لله بدأت الأمور بالتحسن، صحف الجبهة عادت للظهور (كانت ممنوعة) اتصلنا بهم وقلنا لهم لماذا تمنعون (الفرقان) من الصدور، فقالوا لأن الفرقان فيها كلام قوي، فقلنا لهم هناك جرائد أخرى فيها كلام قوي ولم تمنع، فرّد الوزير بأن الكلام إذا جاء من الجبهة ليس مثل الذي يأتي من جهة أخرى. وعادت جريدة الفرقان وكذلك جريدة المنقذ في طريقها للعودة بإذن الله وننتظر بأن تسير الأمور نحو الانفراج ولعله يطلق سراح المشايخ إن شاء الله. * البيان: ذكرتم في حديثكم أن من أهداف بيان الفاتح من نوفمبر قيام دولة مستقلة والسؤال: هل حصل هذا وهل أكثر دول العالم الإسلامي مستقلة فعلاً خاصة إذا ربطنا يبن الواقع الموجود وموقف ميتران عندما قال إنه سيعود لو استولت الجبهة على الحكم؟ حقيقة - أخي الكريم - الجزائر استقلت عام ١٩٦٢ وكانت تسير نحو الاستقلال في مراحل معينة رغم - الانحراف الذي حصل، ولكن الآن نحن نسير نحو التبعية يوماً بعد آخر، فالجزائر ترضخ لشروط صندوق النقد الدولي، والنظام أفلس في جميع الميادين، ونحن في ندوة صحفية تساءلنا: من يحكم الجزائر؟ أصبحت المشكلة مطروحة، هناك تراجع عن كل المكتسبات بما فيها الاستقلال الوطني، فصندوق النقد الدولي يفرض شروطاً قبل رفع أسعار المواد الاستهلاكية وشيئاً فشيئاً يتدخلون في قرارات البلاد، وربما يصل الأمر إلى أشياء لا تحمد عقباها. * البيان: ما هي العلاقة الآن بينكم وبين الأحزاب الإسلامية وهل هناك تعاطف معكم وهل هناك تنسيق أو تعاون فيما بينكم؟ في الحقيقة إن المحنة التي جرت لم تكن محنة بقدر ما كانت منحة من الله ﵎ [مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ..] [آل عمران: ١٧٩] هذا بالنسبة لوضعنا الداخلي وكذلك بالنسبة لإخواننا فنحن نرى أن العمل مواقف، فعندما ترى أن أخاك مظلوم مقهور ثم تتشفى به فلست أدري أي تعاون يمكن أن يحصل، فربما سمعتم أن بعض الإسلاميين قال بأن الجبهة زجاجة وانكسرت وأمر هؤلاء الناس أصبح مع الشعب الجزائري وليس مع الجبهة، لقد اتصلوا بنا بعد ذلك عندما رأوا أن الجبهة لم تنكسر بإذن الله، فقلنا لهم: إن إشكالياتكم اليوم مع الشعب الجزائري، أقنعوه بمواقفكم، المسألة لا يمكن أن تنسى بمجرد لقاء، يجب أن يكون هناك عمل قوي، الواقع يحمل الناس على التصديق بأنها كانت خطأ وأن الموقف سيتغير إلى الأحسن؛ وهناك أحزاب كانت مواقفها مشرفة مثل حركة الأمة، ولها صلات بالجبهة الإسلامية، وهناك غيرها. * البيان: وحزب النهضة؟ النهضة كذلك وقفت مواقف لا بأس بها وتوجد لنا علاقات معهم، المسؤول عن النهضة في لجنة للدفاع عن المعتقلين السياسيين مع الشيخ سحنون ومسؤول حركة الأمة السيد يوسف بن خدة، هذا الأمر معروف. * البيان: قضية تنقية الصفوف من الأمور التي تقوي الجبهة ولا شك، هل هناك محاولة للرجوع من قبل الذين خرجوا من الجبهة أو انشقوا عنها؟ الذين لفظتهم الجبهة في وقت المحنة منهم صنف باع ضميره، وهؤلاء لا كلام عنهم، لقد فصلوا من الجبهة، وهناك من وقف مواقف سلبية جداً واتخذ لقاء (باتنة) فيهم قراراً عندئذ ينظر في شأنهم، وهناك أناس آخرون بقوا في المجلس. * البيان: ننتقل إلى موضوع الانتخابات، هل ستدخل الجبهة الانتخابات القادمة؟ موضوع الانتخابات يتعلق بالظروف السياسية، فرغم أن القوانين التي صدرت أخيراً فيها من الظلم الشيء الكثير، ولكنها أقل ظلماً من السابق وهذا شيء مؤكد، إنها فتحت مجالاً للرقابة على الانتخابات وهناك وضع ينبغي أن يسوى، هناك إشكالات سياسية حصلت في البلد، هؤلاء المعتقلون من الشيوخ وغيرهم، العمال المفصولون، الشهداء والجرحى في الأحداث، هذه مسائل ينبغي أن تسوّى، لقد قلنا: إنه إذا رأينا توجهاً صادقاً في الأجواء السياسية ولو في مرحلة معينة (حتى أصارحكم) وإذا لمسنا أن هناك استعداداً حقيقياً من خلال الممارسة السياسية لا من خلال التصريحات السياسية، لقد قلنا لهم: نحن لا ينفع معنا الكلام، نريد الممارسة الفعلية، وبدأت بعض الأمور تظهر وإن شاء الله يستمر الأمر كذلك فالأمر إذن يتخذه مجلس الشورى في الجبهة الإسلامية، آخذين بعين الاعتبار تطورات الوضع السياسي فإذا قدرنا أنها تؤدي إلى انتخابات حرة ونزيهة تعطى فيها الكلمة للشعب الجزائري فنحن نقبل عندئذ لأننا واثقون أن شعبنا لن يختار غير الإسلام. * البيان: ولكن باب الترشيح أقفل الآن؟ بالنسبة لهذا الأمر فالجبهة كما ورد في بيانها (لست بالخب ولكن الخب لا يخدعني) نحن قلنا: إن الموقف بالدخول أو المقاطعة لم يتخذ بعد، ولكننا أمرنا إخواننا في الولايات أن يستعدوا لهذا وكأننا داخلون الانتخابات، والجبهة هي الحزب الوحيد الذي قدم مرشحيه في كل دوائر الوطن. * البيان: بعض الإسلاميين خارج الجزائر يقولون: إن القوى التي تكره الإسلام سواء من الداخل أو الخارج لن تسمح للمسلمين بالوصول إلى أهدافهم عن طريق الديموقراطية فعندما يحسون بالخطر يلغون هذه الديموقراطية، فما جوابكم على ذلك؟ نحن نرى العكس تماماً، لأنه لو وصل أي حزب إلى السلطة وخاصة الإسلاميين عن غير طريق الاختيار الشعبي فإن الدول المحيطة بنا، الدول الغربية ستتخذها ذريعة قوية لأجل التدخل المباشر، ولا شك أن الخارطة الجزائرية معروفة، فهذا المبرر ينبغي أن نقطعه أمام الأعداء، فيكون الاختيار هو اختيار الشعب، لنقطع الطريق أولاً أمام النظام نفسه فلا يجد مبرراً، الشعب رفضك واختار غيرك فينبغي أن ترحل، بالنسبة للدول الغربية لا تجد مبرراً للتدخل لأنه اختيار شعبي تقطع أمامهم كل المبررات. * البيان: الدول الغربية في نظرتها للمسلمين في بلادهم ليست منصفة، ولا تريد أن يكون لهم نفس الحقوق التي يتمتع بها المواطن العادي عندهم، فمفهومها للديموقراطية مفهوم مزدوج وغير صحيح، وهي تفهم الحرية والديموقراطية لشعوبها، ولكن لا تفهم ما يسمونه الديموقراطية للمسلمين، وهذا واضح في كل بلاد المسلمين. في كل هذه البلاد لو توفر جو من الحرية وقامت حركات لها شعبية، ونظم المسلمون صفوفهم لاكتسحوا الانتخابات، وهذا يعلم به الغربيون جيداً، ولذلك نراهم يعلنون بكل وقاحة معارضتهم أن يكون المسلم في مركز قوي (وضع الجزائر مثال واضح على ذلك) لقد وقفت كل القوى مشجعة لضرب الجبهة، لا نقول وقفت متفرجة بل مشجعة على ضربها، والمسلم غير الجزائري يرى بوضوح - ومعه الحق - أنه لن يُسمح للمسلمين بهذا الطريق للوصول إلى موضع القوة، فهل هذا واضح بالنسبة للإخوة في الجبهة؟ هذا تحليل صادق، لأننا نعتقد نفس الاعتقاد، ولكننا نحن من خلال وسائل الإعلام في مختلف الجهات حتى وسائل الإعلام الغربية التي تتصل بنا نبين هذا المفهوم حتى يعرف الرأي العام لماذا المسلم فقط يحرم من الاختيار في ظل الإسلام، اليهودي يختار أن يعيش في ظل يهوديته فلا يمنعه أحد، والنصراني كذلك، المسلم له حق، قلتم: إن الاختيار ينبغي أن يكون للشعب، نحن كذلك نقول هذا الكلام، لا نخاف من شعبنا، نحن نقيم عليهم الحجة بهذه الطريقة، ولئن تدخلوا بعد ذلك في شؤونا، فمن حق المسلمين أن يرفضوا ذلك التدخل بوسائلهم، والشعب الجزائري تاريخه حافل عندما رفض تدخل المستعمر في بلاده وقاومه وانتصر عليه. * البيان: ولكن القضية هناك كانت تصدياً لإنسان خارجي يضع جنوده وضباطه وجهاً لوجه مع الشعب الجزائري؛ أما الآن مواجهتك ليست صراحة مع فرنسا أو غيرها وإنما مع الجيش الذي هو مؤلف من أبناء الشعب وليسوا فرنسيين قطعاً، وان كان كثير من قياداتهم واقعين تحت تأثير الفكر الفرنسي، فكيف الخروج من ذلك؟ لقد كان سعينا واضحاً من أجل أن يقتنع كل الجزائريين أو معظمهم على الأقل بأن الجبهة الإسلامية ليست كما يدعون ليست غولاً يأكل الناس، ولا تخيف ولا ترعب، لأن الجزائريين الذين قد يكونون وقفوا ضد الجبهة الإسلامية كانوا مخدوعين، مغرراً بهم، الآن نريد أن نقطع جميع هذه الحجج أمام السلطة وأمام الأعداء، لقد كلفنا موقفنا كثيراً، والحياة جهاد، ونحن لسنا نادمين بحال من الأحوال، لأنه إذا رأينا منكراً ينبغي أن نقف ضده، الشعب ليس نادماً ومن خلال التفافه القوي يتضح أنه يتحدى أكثر، إن دخول الناس السجون جعل كثيراً من أفراد الجيش ومن قادته يؤمنون أن ما كان يقال لهم إنما كان محض افتراء وكذب، عندما احتكوا بالإسلاميين قالوا: هؤلاء لا يخيفون، هؤلاء آمن على البلاد من غيرهم، كانت الدعاية تكذب وتقول إن الجبهة ترفض ميراث التحرير، وقفة الفاتح من نوفمبر كانت حاسمة في هذا الباب، نحن نريد بالإقناع، بالحجة أن نبطل حجج المبطلين. بواسطة الضغط الشعبي استطاعت الجبهة تغيير ذلك القانون الجائر بقانون أقل منه جوراً، ونقول من الآن: ليس بوسع النظام تزوير الانتخابات إلا إذا استخدم العنف. وعندما يحصل هذا فلا يوجد استقرار في البلاد، ونحن في الجبهة رفعنا القضية منذ البداية إلى الشعب الجزائري. " يتبع "
следующие страницы →