مراجعات في عالم الكتب
نظرية الضرورة الشرعية
جدواها وضوابطها
تأليف: د. جميل بن محمد مبارك
عرض: هيثم الحداد
إن موضوع الضرورة من الموضوعات الهامة التي ينبغي على الدعاة وطلبة
العلم الإلمام بها، ومعرفة حدودها وضوابطها، ذلك إن الساحة الإسلامية على وجه
العموم والعمل الإسلامي على وجه الخصوص قد جدت فيه أمور غير مألوفة
وأحوال قد تضطر المسلم إلى الوقع فيما أصله المنع، وقد بلغت هذه الأحوال من
الكثرة حتى أصبح المسلم يواجهها في عدة صور وربما في كل يوم.
خذ أخي القارئ مثالاً على ذلك وهو السفر إلى بلاد الكفار، لقد أصبح المسلم
عرضة لهذا السفر كثيراً، فقد يطرد المسلم من بعض بلاد المسلمين لا يجد له
المأوى إلا في بلاد غير إسلامية، وقد يضيق عليهم في الرزق ولا يجد سعة فيه إلا
عند الكفار، بل قد يضيق عليه في دينه ودعوته ويجد فسحة في ذلك -وللأسف -
في البلاد التي يحكمها يهود أو نصارى.
وقد تضطره متابعة التعليم إلى الذهاب إلى هناك والإقامة بين أظهرهم ردحاً
من الزمن؟ أليست هذه أحوالاً استثنائية لم تكن معهودة من قبل؟ إذا كيف يواجه
المسلم - وخصوصاً الداعي - مثل هذه الأحوال وهل هي أحوال ضرورة تبيح له
ما كان محظوراً؟ إذا ما هي حدود الضرورة وما هي ضوابطها.
جواب هذه الأسئلة وغيرها تجدها في كتابنا هذا الذي نقدم تعريفاً موجزاً له.
وموضوع الضرورة قد تناوله الفقهاء في كتب الفقه على صورة أحكام فرعية متفرقة
في عدة مواطن، ولم يتحدثوا عن ضوابطها وحدودها، وتعرض لها الأصوليون في
كتب القواعد الفقهية - على وجه التخصيص - وغيرها ولكن بصورة غير مستقلة. فكانت هناك حاجة لمن يجمع شتات هذا الموضوع، ويجلي ضوابط الضرورة
وحدودها، حتى يسهل تفريع الأحكام عليها.
ومن الكتب المهمة التي جمعت شتات هذا الموضوع في بحث مستقل كتاب
(نظرية الضرورة الشرعية حدودها وضوابطها) .
وقد جاء هذا البحث منسقاً متناسقاً، أتى فيه مؤلفه على جميع ما يتعلق
بالضرورة من ضوابط وحدود بصورة واضحة، فاستطاع من خلاله أن يثبت، أن
الإسلام جاء بنظرية متكاملة شاملة للضرورة، جعلته أيسر الشرائع وأكثرها ملائمة
للحياة.
وقد قسم البحث هذا إلى أربعة أبواب بالإضافة إلى المقدمة والخاتمة:
* فقد ذكر في الباب الأول تعريف الضرورة وأدلة مراعاتها، وعلاقاتها
بالمشقة، والأسباب المؤدية إلى الضرورة، ومدى أثرها في إباحة المحظورات.
* أما الباب الثاني فقد خصصه لبعض المصطلحات الأصولية التي لها علاقة
بالضرورة مثل الاستحسان وسد الذرائع.
* ومن أهم أبواب الكتاب الباب الثالث، حيث تناول المؤلف فيه ضوابط
الضرورة.
* ولربط الموضوع ببعض الفروع الفقهية المعاصرة أفرد الباب الرابع لحديثه
عن بعض الأحكام المترتبة على الضرورة.
ومن أهم ما يتميز به هذا الكتاب:
- أنه يبدأ بتأصيل القاعدة وتوضيح حدودها وضوابطها ثم يذكر جملة من
الفروع الفقهية التي تبنى على هذه القاعدة.
لم يكن المؤلف جامداً في نقله عمن سبقه من العلماء أو الباحثين، بل كان
ينقل أقوالهم ويعمل نظره فيها بقوة، فيناقشها مناقشة هادئة مبنية على الأدلة
والقواعد العامة للشريعة، ثم على الواقع، انظر إليه -مثلاً- وهو يناقش تعريفات
الفقهاء للضرورة وما على هذه التعريفات من مآخذ، ثم تجده يخرج بتعريف مستقل
يقول فيه (خوف الهلاك أو الضرر الشديد على أحد الضروريات للنفس أو الغير
يقيناً أو ظناً إن لم يفعل ما يدفع به الهلاك أو الضرر الشديد) [١] .
- مما ينبغي على الباحثين الآن عدم الجمود على الأمثلة التي ذكرها الفقهاء
السابقون، بل لا بد من ضرب أمثلة حية لها صلة وثيقة بواقع المجتمعات الآن،
وفي هذا من الفوائد جعل العلم أقرب مأخذاً من قبل الناس، فينمو شعورهم بأن هذه
الشريعة قادرة على معالجة مشكلاتهم، ثم إنه يجعل الفقيه أكثر تفتحاً ومعرفة
بمشكلات العصر، وقد أجاد كاتبنا هنا أيما إجادة.
فمن ذلك أنه أفرد باباً مستقلاً في تطبيق نظرية الضرورة الشرعية على بعض
القضايا المعاصرة، ومما أورد فيه: أحكام السفر إلى بلاد الكفار وبعض الأحكام
التي تتعلق بالمسلمين الذين يعيشون في هذه البلاد، وأورد أيضاً مسألة التداوي
بالمحرمات عند الضرورة، ثم اقرأ ما كتب عن محاولات تبرير الفوائد الربوية
بالضرورة.
ومن أجمل ما في الكتاب أنك تقرأه فتشعر كأنه يتكلم عن واقعك وما يعانيه
المسلمون من مشكلات، وهذه نتيجة تلقائية لضرب الأمثلة الحية من واقع الناس.
يقول تحت عنوان العوامل التي تؤدي ببعض المفتين إلى الإفتاء بالضرورة
في غير محلها [٢] :
( ... ، ٣- سيطرة روح التيسير ورفع الحرج عن عقول كثير من الذين
يفتون بالضرورة في غير مكانها، ولعل طغيان هذه الفكرة ينبع أحياناً من الرغبة
في تحبيب الدين للناس، بعد أن أصبح الدين في أنفسهم مهلهلاً، وكادوا يعبدون الله
على حرف..) .
(٤- تعرض المفتي لبعض الضغوط من جهات معينة ترغب في استصدار
فتوى توافق ما تميل إليه، فيخضع المفتي لهذه الضغوط، ويلجأ إلى مثل هذه
العمومات إسناداً لفتواه، كرفع الحرج عن الأمة والتيسير والأخذ بقاعدة
الضرورات) .
(٥- تورط بعض المفتين في مثل تلك القضايا التي يسألون عنها في حياتهم
الشخصية فيحملهم ذلك على البحث عن مخرج في الشريعة لما يعيشون من تلك
القضايا، حتى لا يتهموا بالخروج عن النصوص الشرعية، وحتى لا تتعارض
فتاواهم للناس مع ما يمارسونه في شئونهم، فإذا لم يجدوا موئلاً في النصوص لجأوا
إلى آيات التيسير ورفع الحرج) .
(٦- عدم العلم الدقيق بتلك القضايا وعلم إحاطتهم بملآتها..)
بقي أن نقول إن الكتاب من طبع دار الوفاء للطباعة والنشر بالمنصورة وقد
جاء في ٤٩٤ صفحة مع المراجع وفهرس الموضوعات.
стр. 1087
شعر
هجوم السلام
عبد الرحمن بارود
يا حمامَ السلام.. عُدْ يا حمامُ ... لا يَفُلُّ الُحسامَ إلا الُحسامُ!
في زمانِ الصقور.. صِرْتُم حَماماً ... كيف يحيا مع الصقور الحمامُ؟
أيُّ عُرسٍ هذا؟ تزُفّونَ ماذا؟ ... ولماذا يُطبَّلُ الإعلامُ؟
ثَكِلَتْ أُمُّكمْ.. أليسَ لديكمْ ... غيُر: (عاش السلام) (يحيا السلامُ) ؟
والخواجا (شَيْلوك) [١] في الذَّبحِ ماضٍ ... منذ أن غَلّنا (أللِنْبِيْ) [٢] الهمامَ
أوَ غَيْرَ السَّاطوِر يُنصِرُ شيئاً ... تاجرْ البندقيِّة اللحَّامُ؟
* * *
في مَهَبِّ الرَّدى ... أمامي رصاصٌ ... وورائيْ خَناجرٌ وسهامُ
قُلْتُ إذْ غرَّدتْ صواريخُ [٣] قومي ... وقد احْمَّر باللَّهيب الظلامُ:
أعلينا.. وأنتِ غرْسُ يدينا؟ ... أيها العاشقون فاض الغرامُ
ليسَ بَعْدَ اليقين - يا عينُ - شكٌ ... أثْبَتَ الفعلُ ما نفاهُ الكلامُ
مع مَنْ أنتمو؟ وهلاّ رَفَعْتُمْ ... مِنْ ركوعٍ تصطكُّ منه العظامَ؟
مُسِخَ الُحبُّ.. فالحبيبُ غوريلا [٤] ... مُسِخَ الطب ... فالطبيبُ الُجذامُ
* * *
أينَ مليارُ (لا) ؟ ومليارُ (كلا) ؟ ... أينَ تلك المُحرَّمات الجِسامُ؟
ما لتلك اللاءات تهويْ تِباعاً؟ ... أَوَ هَلْ صار ربَّنا (العمُّ سامُ)
قُتِلتْ (لا) حبيبةُ العُمر غدراً ... و (نَعَمْ) .. رفرفتْ لها الأعلامُ
آَتَزُفُّ القيانُ (إِسِتْيرَ) [٥] أُخرى! ! ... أم (سَلوميْ) [٦] لها تُدارُ الُمدامُ
عادتِ النارُ في البراكِين ثلجاً ... وتخلى عن الرُعودِ الغمامُ
قد قَلَبتُم كلَّ الموازينِ قَلْباً ... وغداْ أوَّل الحلالِ الحرامُ
* * *
تابعوا الَكشفَ يا زَعاماتِ قَومي ... فبِكم تَفْخَرُ الكشوفُ العِظامُ
أيهوديةٌ فلسطيُن أيضاً؟ ... وأخونا ذو الغِبْطةِ الحاخامُ؟
أَوَ هذا وَعْدٌ لبلفورَ ثانِ؟ ... فامضِ بِلْفورُ.. ما عليكَ مَلامُ
أيها البائعونَ حيفا ويافا ... أهجومٌ هذا أمِ استسلامُ؟
قد جَلَبْتُمْ عارَ الزمان.. ولكنْ ... عَضَّ فَكَّ المعارضينَ اللِّجامُ
ومن الناسِ - يا جميلُ -.. قرودٌ ... ومِنَ الناسِ - إي وربي - نَعامُ
* * *
وَقَعَ السقْفُ يا صناديدَ قوميْ ... أوَ صاحونَ أنتمو أمْ نيامُ؟
أين فتحٌ؟ ؟ وأين: (إنَّا فَتَحْنا) ؟ ... شَدَّ ما غَيَّرَتْكُمُ الأيامُ! !
سُورةُ الفتح أُنزِلتْ في رعيلٍ ... أَلعماليقُ عندَهم أَقْزامُ
نَفَروا خَلْفَ قائدٌ من قُريشٌ ... عَقِمتْ عن نظيرهِ الأرحامُ
لا دُمىً.. لا تآمرٌ ... لا ذِئابٌ ... لا قطيعٌ يساقُ.. لا أصْنامُ
قَتَلَتْكُمْ أَزِقَّةٌ تَتَلوَّى! ... وجحورٌ فيها أَفاعٍ عِظائمُ
* * *
стр. 1088
مقال
في موسم الجفاف: يُجْتَثُ نخلنا
وينمو غَرْقَدُهُم ! !
خالد بن صالح السيف
التعامل مع النصوص وفق فهم سلفي منهجية يتجاوز بها ما يعتور الفهوم
الفاسدة من الخطل وانعدام الرؤية الشرعية تجاه قضايا الأمة بعامة.
وحسبي أنه مخاض لمسخ دلالة النصوص، واعتساف لتأول ذات الدلالة التي
يقتضيها.. ويلتزمها ظاهر النص [ولا تَرْكَنُوا إلَى الَذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ومَا
لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ] وبعد:
فثمة مسلمة بدهية تستجيب تلقائياً لمعطى المنهجية السالفة تستوعب الموقف -
العقدي - الممتد في وضح النهار من (مدريد) إلى (واشنطن) الحافل بإضاءة
الإدارة الصليبية ومباركتها! !
[ولَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ ولا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ]
[ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وبَاءُوا
بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ..] .
إن محض الحقيقة في صراعنا مع اليهود كفانا القرآن مؤنة استكناهها حيث
راحت سياقاته تكرس المفاصلة العقدية ليس غير، وتمنحنا آياته بُعداً في فهم العقلية
اليهودية ضمن رؤى مستقبلية: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصَارَى
أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ومَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإنَّهُ مِنْهُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ
الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا
دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ
نَادِمِينَ * ويَقُولُ الَذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إنَّهُمْ لَمَعَكُمْ
حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ * يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ
فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ
يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ واللَّهُ
واسِعٌ عَلِيمٌ] [١] .
فهل ثمة أرض.؟ وشعب؟ ! وحلٌ سلمى! ؟ ودماء فلسطينية يسأل عنها
الفلسطينيون وحدهم للبتِّ في تقرير مصيرهم؟ ! أم إنها القيادات واستجاباتها
لمرحلة النظام العالمي الجديد باستخذاء، وهي تتمتم مسبحة بحمد نزع الفتيل!
تبلغها الخشية فتسجد (سلاماً) على المذهبية الأمريكية بصلاة ثلاثية؛ يهودية! !
مسيحية! ! إسلامية! !
على رسلكم أيها - المدريديون - فالصراع العقدي لا تستطيع أن تغتاله أيدي
المأتمرين على الموائد المستديرة رغبة في إجهاض الجهاد الحل الصائب لأبعاد
القضية. ومهما (حاول أعداء المؤمنين أن يرفعوا للمعركة راية غير راية العقيدة،
راية اقتصادية أو سياسية أو عنصرية كي يموهوا على المؤمنين حقيقة المعركة،
ويطفئوا في أرواحهم شعلة العقيدة) [٢] لأن (الذي يغير راية المعركة، إنما يريد
أن يخدعهم عن سلاح النصر الحقيقي فيها) [٣] .
وما سلاح النصر الحقيقي إلا فريضة الجهاد.. ذروة سنام الإسلام، ليس غير. (إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم بأذناب البقر وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى تراجعوا دينكم) [٤] وما المراجعة إلا العودة إلى الجهاد.
ما سلف ارتأيته تقدمةً فحسب، لنقف وإياك على بُعْدٍ دلالي يتضمن ذات
المفاصلة بين المسلم، واليهودي يمتنع معها الالتقاء ويتعذر التفاوض ابتداءً، لتباين
الطباع وما جبلا عليه ومن قبل ما ألمحنا عليه في الجانب العقدي:
عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: (إن من
الشجر شجرة لا يسقط ورقها وهي مثل المسلم حدثوني ما هي؟ فوقع الناس في
شجر البادية، ووقع في نفسي أنها النخلة قال عبد الله: فاستحييت، فقالوا: يا
رسول الله، أخبرنا بها، فقال رسول الله ﷺ : هي النخلة.
قال عبد الله: فحدثت أبي بما وقع في نفسي فقال: لأن تكون قلتها أحب إلي من أن
يكون لي كذا وكذا) [٤] قال ابن حجر ﵀ في الفتح: (ووقع عند
المصنف في الأطعمة من طريق الأعمش قال: حدثني مجاهد عن ابن عمر قال:
(بينا نحن عند النبي ﷺ إذ أتي بجمار، فقال: إن من الشجر
لما بركته كبركة المسلم) وهذا أعمُّ من الذي قبله، وبركة النخلة موجودة في جميع
أجزائها، مستمرة في جميع أحوالها، فمن حين تطلع إلى أن تيبس تؤكل أنواعاً،
ثم بعد ذلك ينتفع بجميع أجزائها حتى النوى في علف الدواب والليف في الحبال
وغير ذلك مما لا يخفى، وكذلك بركة المسلم عامة في جميع الأحوال، ونفعه
مستمر له ولغيره حتى بعد موته) [٥] . ويبدو أن العلامة ابن حجر لم يشأ أن
يُفيض في تعداد أوجه الشبه وإلا فأوجه الشبه ربما تتجاوز ما ذكره ولم يكن ثمة
حصر يبتغيه فالمسلم والنخلة وجهان لحقيقة الوفاء والصدق والبر والنفع
المطلق و.. و..
وأما اليهودي فنقيض المسلم جملة وتفصيلاً، ولست في هذه المقالة أرصد
الفروق وأستجلي نعوت اليهودي وهي من الاشتهار بمكان لا مشاحة فيه حيث
النصوص المستفيضة من صريح القرآن وصحيح السنة.
غير أني سأوظف حديث أبي هريرة بالإسقاط على اليهودي حيث (الغرقد) ...
ومبدأ الخيانة في مرحلة (تدجين) النخل والغرقد بين سباخ (مدريد) وقيعان
(واشنطن) استلهاماً لتأبير جديد - جنس ثالث - يصنعه نظام عالمي.
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ
قال: (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود) [٦] .
بهذا الحديث الصحيح نمزق غشاوة التشاؤم. ونُحَرِّق أسبال الهزيمة.. ونُتْلِف
أعمة (؟) الجبن والهوان. كل ذلك نستدعيه بأسباب التمكين وأدوات النصر على
امتداد أجيال هذه الأمة، مع تعاطي (جيل مدريد) الأسباب المشروعة في الإعذار
إلى ربكم، وعلَّ أضعفه بث الوعي في (الجيل المدريدي) تجاه المفاصلة العقدية
بين المسلمين ويهود مع استقرار حيثيات الموائد المستديرة إبانها نعي لُعبة
(العسكري والحرامي) ونَكْبُر بوعينا العقدي على تطبيل التطبيع وزمّارة السلام! !
ولنعد مرة ثانية إلى حديث أبي هريرة ﵁ حيث الاستثناء (إلا الغرقد
فإنه من شجر اليهود) استنثناء خيانة وغدر وليس منقطعاً أو متصلاً! !
استجابة ربانية ليوم النصر يتضافر فيها المسلم والجماد - الحجر والشجر -
لتحقيق الوعد القاطع (يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله) منتهى الاحتفاء بالمسلم ويوم نصره ومشاركة فاعلة للقضاء على المفسدين في الأرض [وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ الله يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ الله لا يُخْلِفُ الله وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ] [الروم ٤-٧] .
الغرقد وحده يحالف اليهود استجابة بدهية للطباع المشتركة فيما بينهم وحينها
يلوذ بالصمت خيانة وغدراً (إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود) . فأي (سلام) مع
أقوام هذه (طباع) شجرهم؟ ! يبدو سؤالاً ساذجاً ... يبد أنه يتضمن إجابة تقريرية
تستخلص بداهة من حديث أبي هريرة والله المستعان.
بقي أن نقف على شيء من إرهاصات قرب ذلك التحقق، حيث تسخير الله -
لليهود بزراعة هذه الشجرة (الغرقد) حول المستوطنات التي
أقاموها على أرض فلسطين على هيئة أسوار نباتية مانعة لأن له أشواكاً قوية حادة
خطافية، كما أن له وجوداً في الأصل في فلسطين والأردن وذلك على السفوح
الصخرية ويعرف فيها بهذا الاسم: (الغرقد) . وجاء في علوم الطبيعة أن (أشهر
أنواعها خشب الأنبياء وخشب القديسين) [٧] .
تجاوزت الخلاف بين المعنيين في (علم النبات) حول حقيقة (الغرقد) وأثبت
ما جاء في (الموسوعة في علوم الطبيعة) السالف، لكونه يحمل دلالة لا أحسبها
تغيب عن حس كل مسلم يمت بسبب الشبه إلى وجه الشبه بينه وبين النخل..
стр. 1089
أثر الضعف الخلقي
في سقوط الأندلس
(٢)
د. حمد السحيباني
ذكر الكاتب في المقال السابق أن مما تمخض عن انحراف المسلمين في
الأندلس عن منهج الله ثلاث نتائج: الأنانية وحب الذات، والتشبه بالعدو وتقليده،
وانتشار المجون والخلاعة، وقد تحدث في المقال السابق عن الأنانية وحب الذات،
ويتابع هنا الحديث عن النتيجتين الأخريين.
٢- التشبه بالعدو وتقليده:
حينما دخل المسلمون بلاد الأندلس كانت لهم شخصيتهم الإسلامية المستقلة،
التي تميزوا بها عن غيرهم من الشعوب والأمم، وقد ظلوا خلال القرون الثلاثة
الأولى للوجود الإسلامي هناك محافظين على تلك الشخصية التي تأصلت فيها
الأخلاق والقيم النبيلة، ولكن حينما اعترى وجودهم الضعف، وعصفت بهم الفتن،
وخف الوازع الديني عند بعضهم بدأوا بالتخلي عن بعض تلك الأخلاق والتأثر
بأخلاق وعادات غريبة عليهم وعلى مجتمعهم، الأمر الذي جعل شخصيتهم
الإسلامية تأخذ بالاضمحلال ويسري فيها الضعف.
وقد أدرك هذا الأمر ابن خلدون حيث قال: (.. إذا كانت أمة تجاور أخرى
ولها الغلب عليها فيسري إليهم من هذا التشبه والاقتداء حظ كبير كما هو في
الأندلس لهذا العهد مع أمم الجلالقة فإنك تجدهم يتشبهون بهم في ملابسهم وشاراتهم
والكثير من عوائدهم وأحوالهم حتى رسم التماثيل في الجدران والمصانع والبيوت،
حتى لقد يستشعر من ذلك الناظر بعين الحكمة أنه من علامات الاستيلاء والأمر
لله) [١] .
كما ذكر ابن الخطيب أن جند مسلمي الأندلس تشبهوا بالنصارى في زيهم
وأسلحتهم [٢] ، ولم يقتصر الأمر على هذا، بل إن بعض مسلمي الأندلس قلد
النصارى في الاحتفال بأعيادهم ومناسباتهم الدينية [٣] .
وهناك فئة أخرى من المسلمين كانت تحضر مجالس النصارى وتشاركهم
أفراحهم، ومن هؤلاء منذر بن يحيى - صاحب سرقسطة - فقد بالغ في التشبه
بالنصارى وموالاتهم حيث كان يحضر عقود المصاهرة التي كانت تتم بين
أبنائهم [٤] .
كما أن حسام الدولة يحيى بن عبد الملك - صاحب مدينة شنتمرية - كان يقلد
النصارى في اقتناء القرود حيث أهدى إليه ألفونسو السادس ملك قشتالة قرداً كان
يفتخر به على ملوك الأندلس [٥] .
وقد أدى التشبه بالعدو وتقليده عند أولئك القوم أن (ذل الرئيس والمرؤوس
وافتقرت الرعية وفسدت أحوال الجميع بالكلية وزالت من النفوس الأنفة
الإسلامية) [٥] .
ومما لا شك فيه أن هذا الانهزام الذي مني به المسلمون في ذلك الوقت حينما
تأثروا بالنصارى قد تمخض عنه كسر الحاجز النفسي الذي كان موجوداً عند
المسلمين إزاء العدو النصراني الأمر الذي جعل مخالطتهم أو التأسي بهم أمراً مألوفاً
عند بعض المسلمين هناك، ولهذا خرجوا إلى ميادين الجهاد وهم غير آبهين بالعدو
ولا مستعدين لحربه، وقد ترك لنا الشاعر ابن الجدّ وصفاً لأهل بلنسية وهم
خارجون لملاقاة العدو النصراني غير مبالين بالعدو ولا آخذين بالعدة حيث قال:
لبسوا الحديد إلى الوغى ولبستم ... حلل الحرير عليكم ألواناً
ما كان أقبحهم وأحسنكم بها ... لو لم يكن ببطرنة [٦] ما كانا [٧]
هكذا زالت مهابة المسلمين عند النصارى حينما تخلوا عن أصالتهم وقيمهم
الإسلامية حيث أصبحوا حقيرين في عين العدو وأقل من أن يهتم بهم، وقد بين هذا
الأمر الفونسو السادس - ملك قشتالة - حيث قال لرسول المعتمد بن عباد لما قدم
إليه: (.. كيف أترك قوماً مجانين تسمى كل واحد منهم باسم خلفائهم وملوكهم وكل
واحد منهم لا يسل في الذب عن نفسه سيفاً.. وكيف يحل لبشر أن يقر منهم على
رعيته أحد وأن يدعها بين أيديهم سدى) [٨] .
٣- الخلاعة والمجون:
كان من مظاهر الضعف الخلقي عند مسلمي الأندلس في عصر ملوك
الطوائف انتشار كثير من الأوجاع الخلقية بينهم، كالمجون والخلاعة وشرب الخمر
والاستغراق في الملذات الجسدية والإكثار من الجواري والنساء حيث كان هذا الأمر
قاسماً مشتركاً بين كثير من ملوك الطوائف [٩] .
وقد أسهب المؤرخون في الحديث عن هذا الأمر، فقد ذكر ابن حيان أن
قرطبة حاضرة المسلمين هناك أصبحت مرتعاً خصباً لمزاولة تلك الرذائل، حيث
كان ملوك الطوائف إذا احتاجوا إلى شيء من الملهيات يرسلون رسلهم إلى قرطبة
للبحث والتنقيب عن الأوصاف التي يريدونها من الجواري، وأنه في شوال سنة
٤٢٢هـ ورد على أبي الوليد بن جهور في قرطبة رسول المظفر بن الأفطس
يلتمس شراء وصائف ملهيات يأنس بهن فوجد له صبيتين ملهيتين عند بعض التجار
واشتراهما له [١٠] .
كما ورد على أبي الوليد بن جهور بقرطبة من الكتب في يوم واحد كتاب من
ابن صمادح صاحب المرية يطلب فيها جارية عوادة، وكتاب من ابن عباد يطلب
جارية زامرة [١١] .
وقد اشتهر المعتضد بن عباد بأنه كان (له كلف بالنساء وخلط في احباسهن
فانتهى في ذلك إلى مدى لم يبلغه أحد نظرائه) كما أن المعتمد بن عباد كان مولعاً
بالنساء حيث خلع ثمانمائة امرأة من أمهات الأولاد وجواري المتعة وإماء
الخدمة [١٢] .
وكان مجاهد العامري صاحب دانية والجزر الشرقية ذا شخصية مزدوجة
(فطوراً كان ناسكاً، وتارة يعود خليعاً فاتكاً لا يساتر بلهو ولا لذة، ولا يستفيق من
شراب وبطالة، ولا يأنس بشيء من الحقيقة، له ولغيره من سائر ملوك الطوائف
في ذلك أخبار مأثورة [١٣] ، أما هذيل بن خلف بن رزين صاحب شنتمرية فقد
كان من أرفع ملوك الطوائف همة في اقتناء القينات حيث اشترى جارية بثلاثة
آلاف دينار [١٤] .
هكذا غرق أولئك القوم في مستنقع الفحش والرذيلة، وقد استغل هذا الأمر بعض الوزراء والموظفين الذين رغبوا أن يستبدوا بالحكم والسلطان، فأشغلوا
حكامهم بإغراقهم في الملذات، وإشغالهم بالنساء اللائي كثرن وأخذ الكثيرات منهن
تطمح في ولاية من تربِّيه من أبناء السلطان حتى يكون لها الحظوة والغلبة [١٥] .
ويذكر الأمير عبد الله بن بلقين أن إشغال الحكام بالنساء كان أمراً مألوفاً عند وزراء
دولة بني بلقين في غرناطة [١٦] .
أما شرب الخمر في قرطبة وغيرها من بلدان ملوك الطوائف فيبدو أنه أصبح
أمراً لا غرابة فيه في ذلك العصر، ولهذا لما حاول ابن جهور منعها مدحه الشعراء
ومنهم ابن زيدون وعبد الرحمن بن سعيد المصغر [١٧] ، كما ذكر المقري أن وادي
اشبيلية لا يخلو من جميع أدوات الطرب وأن شرب الخمر فيه غير منكر [١٨] .
ولعل القارئ لدواوين الشعر في ذلك الوقت يدرك كيف أن وصف الخمرة
والتغني بها كان أمراً مألوفاً عند كثير من شعراء ذلك العصر حتى قال أحدهم [١٩] :
فجل حياتي من سكرها ... جرت مني الخمرة مجرى دمي
ولم يكن هذا الأمر قاصراً على فئة معينة من الناس، بل كان كثير من الناس
يقضون لياليهم أيقاظاً يجتمعون على الكؤوس حتى الصباح [٢٠] .
وكان للطرب والغناء نصيب عند أولئك القوم حيث كانوا يتفاخرون بكثرة
آلاتها ومجيديها حيث يقولون: عند فلان عودان وثلاثة وأربعة وأكثر من ذلك [٢١] .
ولو حاولنا استقصاء ما ذكره المؤرخون حول الطرب والغناء في عهد ملوك
الطوائف لطال بنا المقام ولكن قد يكون من المناسب أن نكتفي بذكر ما قاله أحد
الباحثين المحدثين حول هذا الموضوع حيث قال: (فانتشرت مجالس الغناء وأصبح
هذا الفن بجملته جزءاً من ثقافة الشعب) حتى لنجد الفلاح في حقله والعامل في مصنعه والفقير في كوخه لا يقل ولع أحدهم بالغناء عن الأمراء والعظماء [٢٢] .
وقد بدأت أعراض تلك الأوجاع التي حلت بالمجتمع الإسلامي في الأندلس في
تلك الفترة تظهر عياناً، فقد استخف بعض الناس بالدين، وتجردوا من الأخلاق
والقيم الإسلامية، ولم يعد هناك وازع من دين أو ضمير، فقد ذكر ابن حزم أن
إبراهيم بن سيار النظام رأس المعتزلة في الأندلس عشق غلاماً نصرانياً فوضع له
كتاباً في تفضيل التثليث على التوحيد تقرباً إليه [٢٣] ، كما يذكر - أيضاً - أنه في
ذلك العصر قد عظم البلاء فهان القبيح ورق الدين حتى رضي الإنسان بالفضائح
والقبائح مقابل وصوله إلى مراده وشهوته، وقد حكى لنا كثيراً من القصص حول
هذا الموضوع منها ما ذكره حول (عبيد الله بن يحيى الأزدي المعروف بابن الحريري فإنه رضي بإهمال داره وإباحة حريمه والتعريض بأهله طمعاً في الحصول على بغيته من فتى كان علقه..) [٢٤] .
وكان ممن غرق في مستنقع الرذيلة ولادة بنت المستكفي الأموي أعلنت
وقوعها في هذا الأمر حيث كتبت بالذهب على طرازها الأيمن [٢٥] :
أنا والله أصلح للمعالي ... وأمشي مشيتي وأتيه فيها
وكتبت على الطراز الأيسر:
وأمكن عاشقي من صحن خدي ... وأعطي قبلتي من يشتهيها
هذه أهم مظاهر الضعف في الجانب الخلقي التي حلت بالمجتمع الإسلامي في
عهد ملوك الطوائف، وقد انعكست آثار ذلك على قوة المسلمين فأضعفتها.
ومما لا شك فيه أن هذا الضعف الذي مني به ملوك الطوائف قد جعل مسلمي
الأندلس يصابون بخيبة أمل لأنهم أدركوا أن زمام الموقف أصبح بيد النصارى
المتربصين، وقد عبر عن هذا الشعور الشاعر الأندلسي ابن العسال حينما
قال [٢٦] :
حثوا رواحلكم يا أهل أندلس ... فما المقام بها إلا من الغلط
السلك ينثر من أطرافه وأرى ... سلك الجزيرة منثوراً من الوسط
من جاور الشر لا يأمن عواقبه ... كيف الحياةُ مع الحيّاتِ في سفط
ولم يكن هذا الشعور قاصراً على المسلمين بل تعداهم إلى العدو النصراني
الذي أدرك أن حصون المسلمين الداخلية قد ضعفت وأن الفرصة أصبحت مهيأة له
لدخول الثغور والحصون الخارجية ولهذا وضع خطة حربية تتناسب مع ذلك الواقع
وقد أبان هذه الاستراتيجية الحربية فرناندو بن شانجه ملك جليقية أثناء حصار
النصارى لمدينة طليطلة سنة ٤٧٨ هـ حيث قال لأهلها الذين خرجوا يطلبون
الصلح معه لما أعيتهم المقاومة: ( ... ما أجيبكم إلى سلم، ولا أعفيكم من حرب..
فإنما نطلب بلادنا التي غلبتمونا عليها قديماً في أول أمركم فقد سكنتموها ما قضي
لكم، وقد نصرنا الآن عليكم برداءتكم، فارحلوا إلى عدوتكم - يعني بلاد
المغرب - واتركوا لنا بلادنا، فلا خير في سكناكم معنا بعد اليوم [٢٧] ...
(كما أبانها الفونسو السادس - ملك قشتالة - حيث قال لرسول المعتمد بن عباد حينما قدم إليه كيف أترك قوماً مجانين [٢٨] .
وقد صرح بتلك النوايا والخطط الفونسو السادس ششنندو (مسنندو) حيث يذكر
الأمير عبد الله بن بلقين - أحد ملوك الطوائف - في مذكراته أن هذا الوزير
النصراني قال لمسلمي غرناطة قبيل سقوط مدينة طليطلة بأيدي النصارى سنة
٤٧٨ هـ (١٠٨٥ م) (إنما كانت الأندلس للروم في أول الأمر حتى غلبهم العرب
وألحقوهم بأنخس البقاع جليقية فهم الآن عند التمكن طامعين بأخذ ظلاماتهم فلا
يصح ذلك إلا بضعف الحال والمطاولة حتى إذا لم يبق مال ولا رجال أخذناها بلا
تكلف) [٢٩] .
هكذا كشر النصارى عن أنيابهم العدائية فأبانوا خططهم. ونواياهم ضد
الإسلام والمسلمين هناك، كما بدأوا بعملياتهم الحربية والتي اسموها بحرب
الاسترداد، حيث تمكنوا خلالها من اجتياح العديد من المدن والثغور الإسلامية ومن
أهمها مدينة قلمرية وبربشتر سنة ٤٥٦ هـ (١٠٤٦ هـ) وطليطلة سنة
٤٧٨ هـ (١٠٨٥ م) ثم بلنسية سنة ٤٨٧ هـ (١٠٩٤ م) [٣٠] .
وبعد هذا العرض السريع فإنه بوسعنا أن نقول: إن العد التنازلي للوجود
الإسلامي بالأندلس قد بدأ منذ عهد ملوك الطوائف الذين حادوا في كثير من
تصرفاتهم عن الخط الإسلامي، وإن هذا الضعف الذي مني به المسلمون هناك هو
المرحلة المبكرة من مراحل سقوط بلاد الأندلس لأن المراحل التالية تعتبر امتداداً لها
من حيث المسببات والنتائج.
стр. 1090
المسلمون والعالم
المسلمون في يوغسلافيا
محمد آل الشيخ
يشهد الحج كل عام ١٥٠٠ حاج تقريباً من يوغسلافيا. ترى ما هو حال
إخواننا هؤلاء؟ وكيف وصلهم الإسلام؟ وما مشاكلهم؟ هذا ما سنحاول أن نعرفه
في هذا المقال.
لقد قام الرئيس الهالك تيتو قبل أن يقعده المرض الذي أصاب رجله بحوالي
شهر بزيارة إلى جمهورية محلية هي البوسنة والهرسك، وألقى خطاباً هناك كان
أبرز ما فيه هجومه العنيف على النشاطات الهدمية لبعض الدوائر الدينية، ومع أنه
لم يسمّ هذه الدوائر إلا أن الجميع كان يعلم أنه يعني القيادات الإسلامية في البوسنة
والهرسك.
لم يكن هذا الرجل يجهل أن عدد المسلمين في يوغسلافيا يصل إلى ٣٣% من
مجموع السكان البالغين أكثر من ٢٣ مليون نسمة، وأن جمهورية البوسنة والهرسك
هي أهم معاقل المسلمين هناك، ولكن لم تكن هذه إلا حلقة في سلسلة معاناة
المسلمين اليوغسلاف الطويلة.
إحصائيات:
تتكون يوغسلافيا اليوم رسمياً من ست جمهوريات:
١- جمهورية صربيا
٢- جمهورية كرواتيا
٣- جمهورية البوسنة والهرسك
٤- جمهورية مقدونيا
٥- جمهورية الجبل الأسود
٦- جمهورية سلوفينيا
وبعض الأقاليم التي لم تحصل على استقلال وبقيت تحت حكم الصرب،
الذين فعلياً يتحكمون في الاتحاد اليوغسلافي كله وعلى رأسه الحكومة المركزية
والجيش الاتحادي.
ويتركز وجود المسلمين في البوسنة والهرسك، فهم يشكلون ٥٦% من
مجموع السكان البالغ خمسة ملايين ونصف، وفي جمهورية مقدونيا بنسبة ٢٤%
من مجموع السكان البالغ مليونين ونصف وجمهورية الجبل الأسود بنسبة ٢٣% من
مجموع السكان البالغ ٨٠٠ ألف، وإقليم كوسوفو بنسبة ٩٣% من مجموع السكان
البالغ مليونين و ٦٠٠ ألف، وأعداد قليلة متوزعون في باقي البلاد ولا تتجاوز
نسبهم ٢%-٣%.
وترجع أصولهم في الغالب إلى أحد ثلاثة أعراق هي: أصول سلافية وهم
سكان البلاد الأصليين ويسكنون غالباً في جمهورية البوسنة والهرسك، وأقليات
قليلة في باقي المناطق، وأصول تركية ويشكلون ٩٣% من مسلمي مقدونيا وهم في
يوغسلافيا كلها اليوم لا يتجاوزون ٤٠٠ ألف مسلم، وأصول ألبانية وهم حوالي
مليونان ونصف، ويتركزون في كوسوفو والجبل الأسود.
ويبلغ عدد المسلمين في يوغسلافيا كلها ما يزيد عن سبعة ملايين ويشكلون مع
الصرب أكبر (قوميتين) في يوغسلافيا اليوم.
دخول الإسلام إلى يوغسلافيا:
يرجع دخول الإسلام وتمكنه في البلاد إلى عاملين مهمين: الأول هو الفتح
العثماني عام ١٤٦٣ م حيث لم يكن فيها مسلمون قبل ذلك. والعامل الثاني هو
الترحيب الذي لقيه العثمانيون من شعب البوسنة فقد كانوا يعانون من اضطهاد
الكنيسة الكاثوليكية لهم بسبب اختلاف المذهب. فوجدوا في حكم الإسلام متنفساً
لعقائدهم، ثم وجدوا فيه بعد فترة عقيدة أكثر ملائمة لفطرتهم، فاعتنقوه عن رغبة
واقتناع، ثم تجاوز الأمر ذلك فأخذوا يدخلون في الإسلام بشكل جماعي.
ثم أصبحت البوسنة بعد ذلك ولاية عثمانية، فهاجر إليها مجموعة من
المسلمين الأتراك، وأولتها دولة الخلافة عناية خاصة في المنطقة، فساعد ذلك على
إنشاء المدارس والمساجد والمكتبات العامة. فعرفت البلاد لغات أخرى مثل التركية
والعربية إضافة إلى لغة القوم الأساسية وهي الصرب - الكرواتية، فساعد هذا كله
على ظهور حضارة وثقافة جديدة خاصة بالبلاد ميزتها عن جيرانها. حيث شهدت
تطوراً ثقافياً حقيقياً سبقت به غيرها من الشعوب المجاورة بفضل الإسلام، مع أن
أصل سكان البوسنة هم خليط من الصرب والكرواتيين إلا أنهم شهدوا بدخولهم
الإسلام ما لم يشهده جيرانهم.
ظهور قومية جديدة:
لم يعد خافياً على أحد هذا التطور المهم الذي حصل لشعب البوسنة، فكل من
زار المنطقة في تلك الفترة شهد بذلك، ولا يصعب عليه التعرف على العادات
والأخلاق الجديدة التي اكتسبوها من الإسلام، فكان لها أثر هام في نشوء رابطة
قوية بين أبناء الدين الجديد (الإسلام) متجاوزين بذلك أصولهم العرقية، وما لبثت
هذه الرابطة أن تمكنت منهم وأخذت بعداً ثالثاً هو الإقليم، فكانت بذرة لنشوء قومية
جديدة في المنطقة اسمها القومية الإسلامية، وهي ليست كما يفهمها المسلمون اليوم
رباطاً يربط المسلم بأخيه المسلم مهما كان عرقه أو لونه، وإنما هي قومية خاصة
تربط سكان تلك المنطقة المسلمين فيما بينهم ولا تتعداهم إلى غيرهم أو هي - كما
وصفها بعض الكتاب - أقرب إلى تفاعل كيماوي استمر ٥٠٠ سنة لشعوب متباينة. ولدت شعباً واحداً لا يمكن إعادته إلى أصوله القديمة، وظلت هذه الرابطة
الإسلامية طابعاً مميزاً لهم إلى اليوم.
بداية مرحلة المعاناة:
لقد تعرض، هؤلاء المسلمون لاضطهاد وتنكيل قل أن يتعرض له شعب آخر
خاصة في طول المدة التي طال فيها التنكيل.
لقد اضطهد الصربيون المعروفون بشدة تعصبهم الديني وقسوتهم مع خصومهم
أبناءهم وإخوانهم الذين أسلموا اضطهاداً شديداً، وكذلك فعل المقدونيون والكرواتيون
والمجريون.
ولكن هذا الاضطهاد أدى إلى نتيجة عكسية حيث ازداد تلاحم المسلمين فيما
بينهم وأدى ذلك إلى مفارقة أكثر لأقوامهم، وبكلمات أخرى أدى ذلك إلى تبلور
أوضح للرابطة الإسلامية.
وساعد على هذا الاضطهاد اضطهاد خارجي مارسته دولة النمسا-المجر (التي
قامت على اتحاد هاتين الدولتين والتي كانت من أقوى دول المنطقة في ذلك العصر) ، وكانت ولاية البوسنة خط الدفاع المتقدم للدولة العثمانية، التي كانت في صراع
مستمر مع دولة النمسا-المجر. فاضطروا إلى استقبال أعداد من الجيوش العثمانية، فدارت على أرضهم حروب كثيرة بين دول عظمى في ذلك الوقت.
الانفصال عن الدولة العثمانية:
استمر أمر هؤلاء البوسنيين على هويتهم الإسلامية، وغدا رجوعهم عنها
أمراً مستحيلاً، وظلت تحت حكم العثمانيين دهراً من الزمان.
ولكنهم سخطوا على الانحرافات السلبية في أواخر عهد الحكم العثماني سواء
على مستوى الدولة في المركز أو على مستوى الولايات والحكم في المقاطعات،
والفساد الذي انتشر، والظلم الذي عم جميع الرعايا والشعوب مسلمين وغير
مسلمين، وهذه سنة من سنن الله في الدول إذا كتب لها الزوال ظهر الظلم وقلّ
العدل وعميت البصائر فسخط الناس، فأدى ذلك إلى زوالها.
وبعض مفارقات هذه القومية المحلية أنهم لم يجدوا غضاضة في طلب
الانفصال عن دولة الخلافة، فكانوا مثل بقية دول البلقان التي عمها السخط على
الخلافة العثمانية فساعد ذلك على سرعة سقوط الخلافة.
وقد كان رد فعل الدولة العثمانية قوياً على هذه المحاولات فأرسلت لهم جيشاً
قوياً لقمع هذه المحاولات الانفصالية. ولكن حدثت حادثة أهم من تلك، ففي مطلع
هذا القرن حين أدت الصراعات الدولية في البلقان وتقاسم تركة الدولة العثمانية إلى
إعلان دولة النمسا-المجر ضم البوسنة الهرسك إليها فأصبحت تحت احتلال ألد
خصومهم من النصارى الذين ساموهم أشد أنواع العذاب، وسعوا لتدمير هويتهم
الدينية المتميزة في المنطقة، فحلوا جميع الجمعيات والمنظمات والأحزاب السياسية
والثقافية والدينية، وحظروا عليهم ممارسة أي نشاط وسلبوهم كل حقوقهم، فرد
المواطنون المسلمون على ذلك بمقاومة عسكرية ومدنية ضارية، وأنشأوا أحزاباً
ومنظمات سرية (وهو رد فعل طبيعي لأي شعب يقع عليه ظلم أو كبت) فنظموا
مجابهة قوية للاحتلال، وطلبوا الاستقلال عن النمسا والدولة العثمانية معاً، وهذا
الخلط بين الدولة العثمانية والنمسا جرّ عليهم ويلات كثيرة فيما بعد.
ولقد شاء الله في تلك الأثناء أن يزور ولي عهد النمسا مدينة سراييفو عاصمة
البوسنة فيقتل هناك فأرسلت النمسا جيشا لذلك، فطلبت البوسنة النجدة من روسيا،
فكانت هذه هي الشرارة التي كانت تنتظرها الدول الاستعمارية في ذلك الوقت
لتنشب الحرب العالمية الأولى.
البوسنة والهرسك تحت حكم الصرب:
لقد أفرزت هذه الصراعات الدولية ظهور دول في البلقان مثل ألبانيا وبلغاريا
واليونان وصربيا ورومانيا والجبل الأسود. ولكن الحال كان مختلفاً بالنسبة
للبوسنيين، حيث رأت الدول المنتصرة في الحرب مكافأة الصرب على تضحياتهم
في حروبهم ضد العثمانيين بأن تضم لها بعض المناطق وعلى رأسها البوسنة
والهرسك. (وليس خافياً على أحد ما تخفيه هذه الخطوة من أحقاد صليبية دفينة)
فشهد المسلمون أصعب فترات تاريخهم (١٩١٨ م - ١٩٤١ م) فالصرب مصرون
على أن البوسنة والهرسك من أراضيهم وأن شعبها جزء من أمة الصرب، لذلك
وضع الصرب سياسة قمعية تقوم على:
١- إلغاء أي كيان مستقل اسمه البوسنة، وتقسيم أراضيها بين صربيا
وكرواتيا.
٢- رفض وجود شعب بوسني متميز، وقسم السكان حسب السلالات
والأعراق السابقة عن إسلامهم.
٣- سلب جميع أملاك المسلمين البوسنيين حتى الأوقاف وتحويلهم جميعا إلى
أقنان وعبيد عند الإقطاعيين والملاك الصرب والكرواتيين.
٤- بدأ محاولات بالقوة لإرجاعهم إلى المسيحية.
٥- أُغلقت جميع المدارس والمؤسسات التي تعلم باللغة العربية أو التركية أو
تعلم الدين الإسلامي.
٦- تدمير جمع الرموز التاريخية التي تظهر الطابع الإسلامي للمنطقة
وسكانها، وإحراق الكتب وسلب المنازل وتدمير محتوياتها.
وطبقت هذه السياسات بأقسى صورها على المسلمين فاضطر كثير من
المسلمين إلى التظاهر بترك دينهم. وظلت المنطقة بين عامي ١٨٩٢ م - ١٩٤١ م
معزولة عن العالم تعاني كل أنواع الاضطهاد والتنكيل دون أن يعلم بها أحد، بل إن
تاريخها في تلك الفترة ظل مجهولاً، وكأنها ليست من العالم، أو أن أهلها ليسوا من
البشر.
ثم زاد الأمر قسوة - فيما بعد - وجود حكم علماني في تركيا بقيادة مصطفى
كمال الذي تنكر لكل الأقليات الإسلامية التي كانت دولة الخلافة ترعاها في الماضي، فقد كان معادياً لكل ما يمتّ للخلافة العثمانية بصلة فتُرِك المسلمون في البوسنة
لوحشية الصرب وحدهم.
المسلمون تحت حكم الشيوعيين:
خلال الحرب العالمية الثانية ونشوب الحرب الأهلية بين الصرب والكروات
اشترك هؤلاء في محاولة لتصفية مسلمي البوسنة، على حد زعمهم، فارتكبت
مذابح جماعية ضدهم، ونهبت أراضيهم وقسمت على غيرهم، وقد قتل في هذه
الحرب من الجميع مليونا شخص خلال ثلاث سنوات. عند ذلك برزت (جبهة
الأنصار) الشيوعية تنادي بوحدة يوغسلافيا، وإعادة بنائها على أساس المساواة بين
جميع الشعوب الناطقة باللغة الصربية والكرواتية، فبادر المسلمون إلى تأييد ذلك،
ومما يجهله كثير من الناس أن المسلمين كانوا في مقدمة الثوار الذين قاتلوا في سبيل
استقلال يوغسلافيا وتحريرها من الحكم النازي.
ومع ذلك تنكر الشيوعيون لمسلمي البوسنة حين وصلوا للسلطة، وشكلوا
حكومة فدرالية في البلاد ومنعوا قيام كيان مستقل للمسلمين في يوغسلافيا الجديدة،
بل إن الأمر كان أخطر من ذلك فقد استمر اضطهادهم على أيدي الصرب أيضاً
(الذين استولوا على الحكومة المركزية) ، فخيرهم تيتو الهالك بين أن يكونوا صرباً
أو كرواتا، وإذا رفضوا ذلك عاشوا مشتتين في البلاد! وهكذا قامت خمس
جمهوريات ومنعت السادسة، ومنع المسلمون الذين كانوا ربع السكان في ذلك
الوقت من الوصول إلى مناصب عليا في الدولة أو أي منصب حساس داخل البوسنة
نفسها.
ومع أن الحكم كان شيوعياً إلا أنه سمح للأعراق والمذاهب والأقليات بتنمية
خصائصها وإبراز تقاليدها الاجتماعية والروحية باستثناء المسلمين كما وعد تيتو،
ثم صدرت قوانين لحماية حقوق اليهود والمسيحيين، وصدرت قوانين أخرى
تصادر وتمنع حقوق المسلمين. وهكذا اضطر كثير من المسلمين إلى التظاهر بعدم
الإسلام للنجاة من كثير من الاضطهادات.
ومُورست سياسة الإهمال لكثير من مناطق المسلمين مثل البوسنة والهرسك
وكوسوفو بل ومناطق سكن المسلمين أنفسهم داخل صربيا وكرواتيا وتدل إحصائيات
الحكومة نفسها أن مناطق المسلمين أفقر المناطق في يوغسلافيا وأقلها دخلاً وأعلاها
بطالة. في حين أن صربيا وكرواتيا لا تقل عن مستوى بعض الدول الأوربية
الغربية بينما نجد مناطق البوسنة وكوسوفو في مستوى بعض دول أفريقيا أو ولايات
الهند.
الاعتراف بالبوسنة والهرسك:
قاوم البوسنيون بطبيعة الحال هذه السياسة بتصميم على انتزاع حقوقهم، من
داخل المؤسسات اليوغسلافية وبطريقة إيجابية، حتى باتت تهدد بانفجار الصيغة
التي وضعها تيتو للدولة، فاضطر للاستجابة لحقوقهم، ففي عام ١٩٦٨ م فرضت
مطالبهم نفسها على المجتمع والدولة.
وفي يناير عام ١٩٧٤ م صدر دستور ينص على قيام جمهورية البوسنة
والهرسك كجزء من دولة يوغسلافيا فانزاح بذلك هم كبير عن كثير من المسلمين،
وأظهر كثير من المستخفين إسلامهم، وأدلّ شيء على ذلك أن نسبة المسلمين في
البوسنة كنت ٢٥% عام ١٩٦١ م وبعد أن خفّ اضطهادهم عام ١٩٧١ م أصبح
٣٩% ثم في عام ١٩٨٨ م أصبحت ٥٦%، وما زال كثير منهم يتخفى بدينه خوفاً
على وظيفته أو طمعاً في منصب يطمح إليه. غير أن الصرب والكرواتيين لم
يكونوا مسلّمين ولا راضين بهذا التطور وكانوا يتربصون للاستيلاء عليها وتقسيمها
من جديد.
حرب أهلية جديدة:
في صيف العام الماضي ١٩٩١ م أعلن الكرواتيون الانفصال عن الحكومة
الفدرالية التي كان يسيطر عليها الصرب فعلياً، فثارت الأقلية الصربية داخل
كرواتيا والتي يبلغ عددها ٦٠٠ ألف نسمة وطلبت تدخل الجيش الاتحادي، فكانت
بداية لحرب أهلية جديدة، ثم تبعتها جمهوريات أخرى فسحب الجيش الاتحادي
قواته منها إلى سراييفو، وفي نهاية شهر ديسمبر من العام الماضي أعلنت البوسنة
والهرسك الاستقلال، وكما هو متوقع ثارت الأقلية الصربية والتي يبلغ عددها
حوالي مليون شخص وطالبت في شهر يناير من هذا العام بالبقاء ضمن الاتحاد الذي
لم يعد يضمّ إلا صربيا والجبل الأسود وبعض الأقاليم مثل أقليم كوسوفو وغيره، ثم
في خطوة جريئة طالب المسلمون في كوسوفو وهم الأكثرية ويحكمها الصرب
والمسلمون في الجبل الأسود وفي مقدونيا طالبوا جميعاً بالاستقلال لتشكيل حكومة
جديدة مستقلة والملفت أنهم لم يطلبوا الانضمام إلى المسلمين في البوسنة والهرسك
وهذا من أهم تأثيرات اعتبار الإسلام قومية محلية عند هؤلاء المسلمين، وستحظى
هذه الخطوة بردة فعل قاسية من بعض دول المنطقة فهم بالتعاون مع ألبانيا سيكون
لهم وجود قوي في المنطقة، وكذلك ستظهر إلى السطح مشاكل حدودية قديمة، وقد
حظيت كرواتيا وسلفينيا بترحيب واعتراف من أوربا والفاتيكان، أما المسلمون فمن
المتوقع أن يواجهوا صعوبات أكثر مما واجهها الكروات بحكم تمركز الجيش
الاتحادي على أراضيها، ووجود جالية صربية كبيرة ممتزجة مع السكان،
ووقوعها في البلقان وهو مركز مهم للتعصب الكنسي منذ القدم.
واجباتنا تجاه إخواننا هناك:
إن مشكلة بهذا الحجم والتعقيد، وفي مواجهة خصم بمثل هذه القسوة والهمجية
تّحتّم وجود حل قوي تتبناه الدول الإسلامية الغيورة على أحوال المسلمين، وذلك
لتأمين وضع يحفظ للمسلمين حقوقهم ويحافظ على بقائهم في تلك المنطقة الملتهبة
من البلقان، وليكن في تخاذل تركيا العلمانية درس لنا اليوم فلا يُتركوا كما تركوا
بالأمس، وهذه الأمانة تحتاج إلى رجال إن كان في القوم رجال.
على أن هذا لا يعفي المؤسسات الإسلامية مثل الجامعات والمراكز الإسلامية، وغيرها من مسؤولياتها تجاههم، فيجب أن يتولوا القضية الإسلامية في يوغسلافيا
بقوة، وأفضل ما يقدمونه لهم هو بث الوعي الإسلامي بينهم، وتعميق الشعور
بالوحدة الإسلامية مهما كانت الأصول، فهو أكثر ما يحتاجونه اليوم، وتُخصص
لهم منح في الجامعات في العالم الإسلامي، وتعقد عندهم الندوات العلمية، ويساعد
على نشر الكتاب الإسلامي بينهم بلغتهم ويُيسر لهم بعثات للحج والعمرة ويُعطون
أولوية في الدورات العلمية المتنقلة.
وللأفراد المسلمين دور يقومون به نابع من الاهتمام بأمور المسلمين. نذكر
منه: متابعة أحوالهم وتطور قضيتهم خاصة هذه الأيام، والسؤال عنهم ومعرفة
حاجاتهم، وبث الوعي الإسلامي بينهم وتبني قضيتهم في كل صعيد والدفاع عنها
والدعاء لهم.
إن تكاتف جهود المسلمين لحل مشاكلهم هو النموذج الأمثل لإعادة مجد الإسلام
ورفع الظلم عن المسلمين في باقي الأماكن، وخطوة مهمة في الطريق الصحيح
الذي بدت معالمه تلوح في كل مكان.
стр. 1091
مأساة أراكان
يرويها شاهد عيان
مندوب المجلة إلى بنجلادش
أراكان ... !
أراكان ... ليست اسماً لشركة من شركات العطور الفرنسية!
أراكان ... ليست اسماً لمجلة من مجلات الأزياء الإيطالية!
أراكان ... ليست اسماً لشركة من شركات التصدير الأمريكية!
أراكان ... أرض من أراضي المسلمين التي انتزعت منهم وأصبحت نسياً
منسياً.. هل سمعتم بها؟ !
تقع أراكان جنوب غربي بورما ويحدها من الشمال بورما والهند، ومن
الغرب بنجلادش، ومن الشرق بورما. دخلها الإسلام في العصر العباسي الأول.
وقد كانت أراكان خاضعة تحت الاحتلال البريطاني مع مجموعة الدول المجاورة لها. ولما حصلت بورما على الاستقلال في عام ١٩٤٨ م ضمت بريطانيا أراكان إلى
بورما، ومنذ دلك اليوم وأراكان تقع تحت سيطرت بورما الاشتراكية.
يبلغ عدد سكان أراكان ٤ ملايين نسمة تصل نسبة المسلمين إلى ٧٥%.
وبورما دولة بوذية متعصبة جردت مسلمي أراكان من جميع حقوقهم المدنية
ومنعتهم من ممارسة شعائرهم الإسلامية. وفي عام ١٩٦٢ م قام بعض العسكريين
الاشتراكيين بانقلاب عسكري وتولوا السلطة بقيادة الجنرال نيوين، وحكموا بالحكم
الاشتراكي فازداد الاضطهاد والضغط على المسلمين، فهدمت مساجدهم ومدارسهم
الدينية، ومنعوا من الحج من عام ١٩٦٨ م حتى عام ١٩٨٢ م بل منعوا من التنقل
داخل البلاد، وتعرضوا لحملات إبادة واسعة النطاق، وصودرت أموالهم وأراضيهم
ومزارعهم، فاضطر قسم كثير منهم إلى الهجرة إلى الدول المجاورة.
وفي الأيام الاخيرة ازداد القمع والإرهاب، وارتكب البوذيين جرائم وحشية
بشعة، حيث قتل الرجال واعتدي على النساء، وشرد العزل عن ديارهم مهاجرين
إلى بنجلادش أكثر الدول فقراً في العالم. ولا توجد إحصاءات دقيقة لعدد المهاجرين
في الأشهر الأخيرة، لكن يقدر عددهم بحوالي ٧٥ ألف مسلم وهم بازدياد مستمر.
وقد زرت مدينة كوكس بازار في بنجلادش على الحدود البورمية، حيث
توجد نسبة كبيرة من المهاجرين، فوجدت المأساة تطل من وجوه الناس بصورة
يهتز لها القلب وتتفطر منها النفس، فكل واحد من مسلمي أراكان يحمل على عاتقيه
جراحات وآلام تنهد لها الجبال، إذ أنهم يعيشون بصورة محزنة جداً، فقد فروا
بأنفسهم وهم لا يملكون شيئاً من حطام الدنيا.. فصنعوا لأنفسهم بيوتاً من أغصان
الأشجار لا تسلم من الأمطار أو الرياح، ولا تحميهم من البرد والأعاصير، ومعظم
عششهم التي يسكنون فيها لا يزيد ارتفاعها عن الأرض مقدار متر واحد فقط،
يجتمع فيها جميع أفراد الأسرة بلا غذاء أو دواء، وهم شبه عراة لأنهم لا يجدون
لباساً، وخاصة أطفالهم الذين ألفوا العري!
ومن المآسي المحزنة التي رأيتها أثناء تجولي في مخيماتهم: فتاة شابة ومعها
طفل صغير يعاني من المرض، أسر والدها وقتلت أمها، واعتدى الجنود البوذيون
على الفتاة، وألقيت محطمة، ففرت مع الفارين بهذا الطفل الصغير الذي ينتظر
الموت على يديها.
وامرأة أخرى أنهكها الجوع، فلما وضعنا بين يديها كيساً صغيراً من الأرز
ضمته إلى صدرها بشدة كما تضم الأم ولدها المفقود.
ولما قام بعض المحسنين بتوزيع بعض المواد الغذائية على الناس، أتى إليّ
رجل كبير في السن من المهاجرين، وتكلم معي بكلام لم أفهمه، فقلت له: أشهد أن
لا إله إلا الله ... فقال لي وقد أشرق وجهه بالفرح: مسلم! فقلت له: مسلم. فسلم
علي بحرارة ووضع يدي على صدره وضمها بشدة وبكى وهو يقول: مسلم.. مسلم! ثم أخبرني المترجم أنه كان يقول: لقد مات هذا الصباح أربعة أطفال صغار من
شدة الجوع والبرد.. وهكذا في كل يوم.
وفي إحدى العشش فوجئت بثلاثة من الأمريكيين، قيل لي: إنهم صحفيون
من مجلة النيويورك تايمز والواشنطن بوست، ومعهم مترجم من مجلة بنجلادش
غارديان. ولما ذهبنا إليهم وجدنا امرأة ملقاة على الأرض مع ولدها المصاب بنزلة
حمى شديدة، وبجوارها شيخ هرم تجاوز الستين عاماً يرتجف من البرد، ومعهم
طفلان صغيران ليس عليهما لباس ينظران إليهم بصورة محزنة، ويذكر ذلك الشيخ
أنه لم يذق الطعام منذ سبع ليال.
والعجيب أن النصارى أحسوا بهذه المشكلة، وأرادوا استغلال هذه المحنة
لممارسة أعمالهم التنصيرية، إذ أني رأيت عند حاكم المقاطعة طبيبتين فرنسيتين.
جاءتا إلى الحاكم لكي يسمح لهما بافتتاح عيادة طبية بين مخيمات اللاجئين
المسلمين ... ! !
هؤلاء هم مسلمو أراكان.. مشردين، جياعاً، عراة، انتشرت بينهم
الأمراض، يصارعون البقاء، أذلهم أعداء الإسلام، وساموهم سوء العذاب.. ومع
ذلك فلا يعرف بحالهم كثير من المسلمين..! !
وتساءل أحد الإخوة قائلاً: أين مواثيق هيئة الأمم المتحدة.. وأين دعاة السلام
والديموقراطية.. وأين منظمات حقوق الإنسان التي يتشدق بها الغرب.. وأين ...
وأين؟ ! !
فقلت له: لا تتوقع يا أخي شيئاً من هذه الشعارات التي يتلبس بها الكفرة..
ولكن قل لي أين المسلمون، وإلى متى هذه الغفلة؟ ! ثم أين الصحفيون العرب عن
مآسي إخوانهم؟ ! أو أنهم مشغولون بالتزمير والتطبيل.. والهجوم على الحركات
الأصولية التي أصبحت مادة يتسلق عليها أصحاب الأهواء للوصول إلى المال
والشهرة! !
стр. 1092
الجزائر
هل استقر الأمر للعسكر في: الجزائر
علقت صحيفة The SundayTimes الصادرة بتاريخ ٢/٦/ ١٩٩٢ على ...
الوضع في الجزائر بقولها: (مادام الجيش في الشوارع والحالة غير مستقرة
فالغرب لن يقدم الدعم المالي للمغامرة في الاستثمار، وإذا انسحب الجيش فلن
تستطيع الحكومة الاستمرار) وهذا الرأي تؤيده صحف غربية أخرى وبعض الصحف العربية، فهي معادلة صعبة بالنسبة للحكم في الجزائر، والحل العسكري لن يأتي بالطمأنينة والاستقرار، فالقضية ليست قضية (جبهة الإنقاذ) وإنما هي شعب يريد غالبيته الإسلام، فهي حالة مستعصية على العسكر، فالدين متجذر في قلوب الناس وهم يحاولون سلخ حياة الناس عن هذا الدين، ويخدعون أنفسهم بقولهم: إن المشكلة هي مشكلة اقتصادية، والناس أرادوا الإسلام بسبب الفقر والبطالة، وهذا ما تروجه الأحزاب العلمانية والعسكر الذين لا يفقهون طبائع الشعوب ولا التحولات التي جرت في السنوات الأخيرة.
نعم هناك مشكلة اقتصادية في الجزائر وفي أكثر بلدان ما يسمونه (العالم
الثالث) ولكن لو أن الشعوب تريد حل مشكلاتها الاقتصادية بأي ثمن وبسرعة
لاختارت الانحياز للغرب أو الدول الغنية والعيش على القروض والإعانات. ولكن
شعباً مثل شعب الجزائر عنده الاستعداد لأن يهلك جوعاً ولا يذل نفسه لأجنبي.
ومن ناحية أخرى هل تستطيع حكومة (غزالي) أن تحل هذه المشكلة، والغرب لا
يثق بهذا الوضع المضطرب وهل يحل الاستجداء مشاكل الشعوب؟ وهل كتب على
الجيوش العربية أن تكون أداة قهر وتسلط على الشعوب المسلمة التي دفعت من
جيبها ومن تعبها لبناء هذه الجيوش، هل كتب عليها أن تكون أداة رخيصة بيد
أعداء الإسلام؟ أليس فيهم رجل رشيد يرفض هذه المهمات القذرة مهمة إذلال الأمة
وضرب خيرة شبابها وصفوة علمائها حتى تعيش منهكة محطمة.
إن ما قام به الجيش هناك جعل بعض الفرنسيين الذين كانوا يخجلون من
أعمالهم الوحشية ضد الشعب الجزائري، يتراجعون الآن عن أقوالهم ويقولون:
هاهم يضرب بعضهم بعضاً بوحشية لا تقل عما فعلناه فليهنأ العسكر هذه الشماتة،
وهذا الانتصار على شعب أعزل، وهذا الانتصار على الشيوخ والأطفال والنساء
وعلى أهله وأقربائه، وإذا كان قد انتصر -بزعمه - فنحن نعتقد أنه انتصار مؤقت، وهو عملية عرقلة وتأخير فقط لقدوم الإسلام وتعبير الأمة عما تريده وتكنه من
حب لهذا الدين، وما تكنه من كره عميق لهؤلاء المسخرين لخدمة فرنسا وغير
فرنسا. وإذا كانت جبهة التحرير بتنظيمها السياسي ومن ورائها الجيش لم تستطع
حل مشكلة الجزائر وانفرط عقدها لأنها قامت على مذهبية مغايرة لعقيدة الأمة،
قامت على السلب والنهب لخيرات الجزائر؛ فهل يستطيع أفراد قليلون من الجيش
وغيره أن يستمروا في حكم الجزائر؟ ! لا أعتقد ذلك، وسيعلم الذين ظلموا أي
منقلب ينقلبون.
стр. 1093
شتاء باب الواد !
د. عبد الله عمر سلطان
حينما اندلعت أحداث براغ، ثورة شعبية في وجه المتسلطين من رفاق الحزب
الشيوعي؛ خلّد دعاة الديموقراطية الغربية أحداث تلك الانتفاضة الجماهيرية
الخاطفة من خلال القصيدة والمقال والشريط السينمائي.. ووصلنا نحن العرب
المسلمين ترجمة بعض تلك الآثار مثل (ربيع براغ) أو احتفالات طابور العمالة
البلهاء بالذكرى السنوية لما أسموه بمذبحة الحرية والكرامة والإنسانية! .. حتى
ثورة الخميني الرافضية شهدت تعاطفاً غربياً وزخماً إعلامياً هائلاً رافق تحركات
صاحب (الولاية العظمى) من النجف إلى القرى الفرنسية النائية ومن ثم إلى
شوارع طهران عبر مقعد الطائرة الفرنسية ... وكأنه شريط سينمائي أخرج
ببراعة..
أما صيف بكين ومجزرة الديموقراطية فيها فقد ولدت في عصر القرية الكونية
وبث محطة CNN (سي إن إن) ... فنقلت وكالات الأنباء والإذاعات ومحطات
التلفاز ذلك الحديث لحظة بلحظة.. ودقيقة بدقيقة.. وأخرج الإعلام الأمريكي لنا
(ثوار حرية) لم يتجاوزوا السابعة عشرة ... وفجأة.. طار (دان راذر) المذيع
الأمريكي الشهير إلى بكين وأشهد العالم (أعظم ثورة معاصرة) بل إن إقدامه
وهيامه بالديموقراطية دفعاه إلى التصدي للسلطات الصينية التي حاولت منعه من
نقل المشاعر المتفجرة والثورة العارمة ضد التسلط والظلم والقهر.. لقد برر الإعلام
الأمريكي موقفه بالقول: إن من حق الإعلام أن يعلم تفاصيل المذبحة الجماعية التي
تسحق فيها المجنزرة أجساد الأحرار الذين يدافعون عن خيارهم الحر الأوحد!
هذا الخيار الحر الأوحد تكرر مرات أخرى في باب الواد بدلاً من ساحة
(تيانمي) في بكين.. وفي عصر القرى الكونية وثورة الاتصالات الهائلة مُني
الإعلام العالمي (والعربي بالضرورة) بشلل كامل وجلطة دماغية قاتلة جعلته ينقل
للمشاهد بيانات العسكر الركيكة ويكتفي بنقل وجهة نظر الجزارين العصريين
المتدثرين ببزات عسكرية قاتمة وعقول لا تقل غلظة عن أحذيتهم الباطشة لكل فكر
طليق! !
شتاء باب الواد مرَّ بعد أن فضحت صناديق الاقتراع كل المهرجين من الساسة
والمتربصين من الثوار.. ودول الإعلام الغربي التي تشهر الديموقراطية متى
شاءت، وتتباكى على حقوق الإنسان لتتدخل هنا وهناك تزرع الدمار وتستنبت
العملاء والمشبوهين الذين أتقنوا دور الدمية المتحركة في الإطار المرسوم..
.. شتاء باب الواد.. كان حدثاً يحمل كل عناصر السبق الإعلامي وإثارة
التداعيات السياسية وتسمر المشاهد المتلهف للخبر الذي ينصف الخلية الآدمية في
وجه طلقات الرصاص وزخات المدافع الرابضة في الأزقة الضيقة بدلاً من ساحات
الوغى المفتوحة.. لكن الجزائر وثورتها لا تحمل (دان راذر) على المتابعة.. ولا
(تيدكبل) على الملاحقة الإعلامية.. فهؤلاء.. يتحركون بزاوية معينة وخطوات
محسوبة.. وإن لم يتحرك الأساتذة.. فتلاميذهم من العرب سيتفننون في الركض
من خلفهم وهم يزرعون الشائعات، ينثرون الكذب ويدافعون عن القهر والتسلط..
ويلمعون طغمة المرتشين والمتفرنسين والخارجين من توابيت الموت النضالي جثثاً
لا تحمل من الحياة قطرة ولا من المؤهلات سوى صناعة الطوب الرديء! !
ولأن الحقائق الكاملة مجهولة، فإن نصف الحقيقة، وإن جاءت متأخرة
تستحق الذكر في عصر الكذب والنفاق.. نصف الحقيقة التي نشرتها اللوس
انجلوس تايمز بقلم روبين رايت ننقلها لكم هنا، بعد أن صمت إعلامنا عن الحديث
إلا بالزور.. والاستشهاد إلا بأقوال الجناة.. والنقل إلا تدليساً.. يقول المقال:
(كانوا يشقون طريقهم عبر الطرق المتعرجة الموصلة إلى حي القصبة بهدوء،
وصلوا مترجلين إلى مبنى المسجد الذي لم يكتمل بناؤه بعد، في مجموعات من
اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، والنساء محجبات، جاءوا مشاة لأن جميع الطرق
مسدودة، يواجهون رجال الشرطة المدججين بالسلاح، لقد أصبحت صلاة الجمعة
حدثاً هاماً في الحياة الجزائرية لأن الأصوليين يستثمرونها لإبراز قوتهم، وأصبح
المسجد بصلاة الجمعة رمز النضال في وجه بطش العسكر والاختلاف معهم حول
المستقبل الحر لهذا البلد المنكوب. لقد شهدت صلاة الجمعة الفائتة والتي قدمت
دليلاً على حجم التأييد لهذه الجبهة حين تدفقت الجموع الهائلة والهادئة في نفس
الوقت حيث حرص أنصار الجبهة على الهدوء وعدم استفزاز العسكر.. لقد امتلأ
المسجد مبكراً وبدا أن ضباط ارتباط الجبهة قد انتشروا حول المسجد يوجهون
المصلين مطالبين بالسكينة التي عمت حي باب الواد.. لقد كانوا غاية في الانضباط
وقمة في التنظيم.. وحينما اقتربت الساعة من الواحدة والنصف منع البوليس
الصحفيين من الدخول إلى المنطقة وقال المسؤول بنزق: إن الصحفيين ممنوعون
من الدخول إلى الحي حتى أولئك الحاصلين على تصاريح من قبل حكومته! ! لكن
بعض الصحافيين استطاعوا التسلل لمراقبة الأحداث عن قرب.. وكنت أحدهم
حيث استضافتني أسرة في عمارة من ثمانية طوابق.. لقد كان المشهد باهراً..
حيث الناس من القصبة حتى البحر الأبيض يتابعون المنظر من سقوف منازلهم
وشرفات بيوتهم وهم يقدمون الدليل على تعاطفهم مع جبهة الإنقاذ في تجمعها هذا
اليوم.. وحينما بدأت الصلاة كان الرجال يركعون في الشوارع فيما الأمهات يحملن
أطفالهن لرؤية هذا المشهد الأخاذ لهذه الجموع الهائلة.. ولم تتردد العائلات في
إزالة أقفاص الحمام لتمكين الصحفيين من متابعة الأحداث حيث كان البعض يصور
المنظر وهو مختف تحت بطانية عتيقة، وكأن الشعب الجزائري يريد أن يؤكد بهذه
الأعمال تضامنه العميق مع الجبهة، وبمجرد أن أذن المؤذن تحول المشهد إلى ما
يشبه الاحتفال.. وصرخت امرأة في منتصف العمر (F.I.S) الحروف
الأولى الدالة بالفرنسية على جبهة الإنقاذ وأشارت إلي قائلة: (انظري إلى شعارات
الجبهة ومؤيديها.. إن الحال في كل أصقاع القطر هكذا..) وبالطبع فإن باب الواد
الحي المكتظ والممتلئ بالعاطلين عن العمل والأسر المحشورة لا يمثل استثناء..
ذلك أن التعاطف مع الجبهة يمتد إلى قطاع واسع من المجتمع الجزائري.. لا سيما
المساجد لا التي يتجاوز عددها تسعة آلاف مسجد.. وهكذا ومع شعائر الصلاة كان
تعاطف الناس ومشاعرهم يتصاعد وهم يعرضون مساعدتهم للصحفيين المتابعين..
كما فعلت فتاة في سن المراهقة حينما دافعت عنا أمام حاجز بوليس قائلة: (إنهم
جاءوا لزيارتي) .
لقد شعرنا خلال تجوالنا من بيت لبيت وسقف لسقف بشعور عميق من
التضامن.. عميق جداً بين أفراد هذا المجتمع ... كما كان شعور المسؤولية ...
والانضباط واضحاً على كافة المستويات من القاعدة حتى القيادة حيث كان عبد
القادر حشاني يخاطب المجتمعين قائلاً: (إنني أطلب منكم الهدوء وعدم مقابلة
الاستفزاز بالعنف) .. وهكذا مرت شعائر الصلاة دون عنف بل على العكس لقد
طلب الإمام من الشرطة الانضمام لأداء شعائر الصلاة طارحاً إشكالية مدى انقسام
الجيش الجزائري وإمكانية رفضه لمهاجمة أبناء شعبه! ! لقد أقدم المجلس الخماسي
بعيد الصلاة على اعتقال حشاني ومنع جميع مظاهر التعبير السلمي مهما كان السبب
أو الوقت.. لكن يبدو أن النظام الحاكم قد غفل عن حقيقة الضجر والتململ التي
بدت واضحة فوق أسطح المنازل! !) .
стр. 1094
الركن الاعلامي
أخبار قصيرة
- قمة الفرنكوفونية:
استضافت باريس القمة الرابعة للدول الناطقة كلياً وجزئياً باللغة الفرنسية
والمعروفة بالدول الفرنكفونية لمدة ثلاثة أيام لدراسة سبل تعزيز التعاون والتضامن
فيما بينها، وقد اشترك في القمة أكثر من ٤٥ دولة ضمنها لبنان وتونس والجزائر
وموريتانيا وغيرها من الدول.
الدولية٢٥ نوفمبر عدد ٧٨
- بريطانيا ترفض ترشيح سفير سوداني (أصولي) :
ذكرت مصادر سودانية أن بريطانيا أبلغت الخرطوم رفضها قبول ترشيح
أحمد سليمان سفيراً للسودان في لندن وأوضحت المصادر أن هذا المرشح يعتبر أحد
الوجوه البارزة في الجبهة الإسلامية القومية التي تساند النظام العسكري الحاكم في
الخرطوم.
البيان الإماراتية ٣ رجب عدد ٤٢٢٠
- حاخام إسرائيلي يجيز إجراء التجارب الطبية على الفلسطينيين:
جاء ذلك في رسالة بعث بها الحاخام دون ئيسور إلى طبيب إسرائيلى خدم في
الجيش ومما جاء فيها إذا كانت لدينا الفرصة في أن يجري التجارب على معتقلين
مخربين لا يرجى منهم خيراً فإن الواجب يدعونا إلى ذلك لأن هؤلاء حكمهم في
دولة يسودها القانون هو الموت.
الحياة ٨ جمادى الآخرة ١٤ ديسمبر
- تهاني:
سيد طنطاوي يبارك اختيار بطرس غالي أميناً عاماً للأمم المتحدة ويصفه
بالكفاءة والعقل الراجح ويصف اختياره بحسن الاختيار وإنه صادق وقال إني كواحد
من رجال الدين الإسلامي في مصر أؤكد على أن الدكتور بطرس غالي كفاءة
تنتسب إلى مصر ... أزجي تهنئتي وتحياتي إلى بطرس غالي متمنياً له التوفيق
والسداد في مهمته السامية وفي منصبه الرفيع وأؤكد لأهل الشرق ولأهل الغرب أن
مصر ووحدتها الوطنية بإذن الله ستسير في طريق الأمان.
стр. 1095
كتب - وثائق - مذكرات - إصدارات
- فلسطين بالإنكليزية:
(إلقاء اللوم على الضحايا) عنوان كتاب جديد صدر عن لندن ونيويورك،
أصدره إدوارد سعيد وكريستوفر هيتشينن، وقد ترجمه د. ممدوح البلتاجي، وفكرة
الكتاب تقوم على دور إسرائيل في إقناع الرأي الغربي بأن المشاكل التي تقع بين
العرب وإسرائيل لا تتحملها إسرائيل بل يتحمله العرب فقط وهم ضحايا إسرائيل.
- مدير عام اليونسكو ينتقد هيمنة الإعلام الأمريكي بعنوان (نظرة في مستقبل
البشرية)
أصدر فيديريكو مارسوثارجوتا مدير عام اليونسكو كتابه الجديد وينطلق في
هذا الكتاب إلى طرح تنظير العالم الجديد ينحو فيه إلى الابتعاد عن الأفكار الجامدة
والمصالح الإنسانية، وقد انتقد فيه بشدة الهيمنة الإعلامية الغربية وخصوصاً
الأمريكية على العالم.
الناشر: الجمعية المصرية لنشر المعرفة والثقافة العامة
ترجمة محمود علي مكي
الحياة ٢٤ محرم - ٤ أغسطس
- أكثر من ٧٥ ألف وثيقة للحزب الشيوعي على أبواب الظهور:
رغم أن قادة الانقلاب وقادة الحزب أحرقوا كثير من الوثائق ونقلوا كثيراً منها
ومع ذلك فقد بقيت هذه النسبة الضخمة التي يعاد ترتيبها بالتعاون مع مكتبة
الكونجرس الأمريكي لإخراج ما يمكن نشره من أسرار الحزب الشيوعي.
المجلة عدد ٦١٥ ٢٠/٢٢/٩١
- هكذا رغبوها.. وهكذا فككوها:
أصدر واصف عبوشي كتاباً بعنوان تفكيك فلسطين انتقد فيه مواقف الدول
الكبرى بنقد لاذع مع ربط تاريخي بين الماضي والحاضر مدعماً بالوثائق،
وواصف عبوشي أستاذ للعلوم السياسية في جامعة سنستامي أوهايو وهو فلسطيني
الجنسية وكان والده أحد مؤسسي حزب الاستقلال وأحد رؤساء البلديات الأوائل
الذين طردهم البريطانيون، يقول المؤرخ مونتي بالمر (من جامعة ولاية فلوريدا)
إنه أفضل كتاب صدر حتى اليوم عن دور بريطانيا في فلسطين بالاستناد إلى وثائق
بريطانية ... والكتاب إلى الآن باللغة الإنكليزية.
الحياة ٢٣ محرم - ١٣ أغسطس
- خيبة أمل:
رسالة إلى الغرب، كتاب جديد للدكتورة رانية قباني وترجمه إلى الإنكليزية
والدها د. صباح قباني وجهت فيه رسالة إلى العرب تحذرهم من الانسلاخ من
الجذور من منطلق تراثي عربي، ورسالة إلى الغرب تصحح لهم مفاهيم مغلوطة
عن العرب وتحاول تقريب وجهات النظر، والكاتبة تعبر عن خيبة أمل التيار
التحديثي وتقر بفشل إسقاط هذا المشروع على الواقع المعاصر.
الحياة ٢١ جمادى الآخرة - ٢٦ نوفمبر
- وثائق من محاكم التفتيش:
أوضحت دراسة بعنوان وثائق من محاكم التفتيش تظهر تمسك الموريسكيين
بمعتقداتهم الدينية على رغم عمليات القمع وكلمة موريسكي تعني (مسلمي الأندلس)
والدراسة تحاول فتح الصفحات المنسية في هذه الحقبة الزمنية من التاريخ، ذكرت
فيه مقتطفات من كتاب (حياة الموريسكيين الدينية) والذي يعد أهم كتاب صدر في
الموضوع.
الحياة ٢٧ محرم - ٧ أغسطس
- ألف مجاهد الجندي كتابه عن تاريخ الجامع الأحمدي في طنطا والذي
يحوي قبر (أحمد البدوي) والذي أصبح بؤرة للشرك والطواف حوله، وقد دافع
المؤلف بحماس عن البدوي وأشادت صحيفة (اللواء الإسلامي) بالكاتب والكتاب
وقدمت عرضاً له ولقاءاً مع مؤلفه في العدد (٥٢٠) ونحن نتعجب من صحيفة
إسلامية تطبل لمثل ذلك الموضوع، وكيف لا يعلم المحرر ما في جامع الأحمدي
من الخرافات والبدع، ولمن يريد معرفة حقيقة (البدوي) نحيله إلى كتاب (السيد
البدوي بين الحقيقة والخرافة) د. أحمد صبحي منصور.
стр. 1096
إحصاء
- ٢٠% من شباب إسرائيل يتعاطون المخدرات:
ذكر راديو العدو الإسرائيلي أن ٢٠% من بين طلبة المدارس الثانوية في
إسرائيل يتعاطون المخدرات بمختلف أنواعها، وأشار إن هذا يعني إن أكثر من
عشرين ألف طالب ثانوي يتعاطون المخدرات في إسرائيل، وأوضح التقرير
الصادر عن مكافحة المخدرات الذي نقل عنه راديو العدو إن أكثر من ٢٠% من
الشبيبة الإسرائيلية يتعاطون المخدرات من بينهم عشرة آلاف مدمن مخدرات وأكثر
من أربعين ألف متعاط لها.
البيان الإماراتية ٢٧ ديسمبر عدد ٤٢٠٩
- ٣٨ ألف عضو لجمعية (كيف تنتحر) :
أسس ديريك همفري جمعية هيملوك (وتعني السم) عام ١٩٨٠ م التي تضم
الآن ثمانية وثلاثين ألف عضو، وتنادي إنه من حق المريض بداء مميت أن يصمم
أفضل أسلوب للموت ويتعاون مع طبيب خاص لإجراء عملية الموت، والجديد في
الخبر هو الكتاب الذي نشره مؤسس الجمعية بعنوان (الحق في الموت) ويتضمن
دليلاً تفصيلياً لطريقة الموت، وقد نفدت العشرين ألف نسخة في الأيام الأولى كما
نفدت ١٢١ ألف نسخة أخرى في أيام قليلة أيضاً.
الحياة ١٤ أغسطس
- تجارة:
صحيفة البيان الإماراتية - في معرض حديثها عن دمج اقتصاديات المنطقة
بالاقتصاد العالمي - ذكرت أن ٩٠% من تجارة العالم الإسلامي تتجه للدول
الصناعية، وإن هذا الرقم مرشح للزيادة في ظل ازدياد الاقتصاد المتعدد والجنسيات
المختلفة.
البيان الإماراتية ٢٧ ديسمبر عدد ٤٢٠٩
стр. 1097
في دائرة الضوء
التزييف: رؤية ونموذج
رؤية:
ليس أضرّ على أمة من الأمم من أن تُبتلى بمن يزيف وعيها بحقيقة ألدّ
أعدائها؛ وأكثرهم مكراً وكيداً، خاصة حين يكون العداء له جذور في أعماق ثقافتها
عندها وعند عدوها على السواء؛ ضمن سياق طويل من معركة عقائدية عنيفة،
غائصة جذورها في أحقاب قرون طويلة مضت، وممتدة أغصانها في اعتقاد
الأمتين لتغطي الأزمان المستقبلية القادمة. ثم كم هي الخيانة عظيمة حين تمارس
فئة من الأمة التبشير بمشروع عدوها التقليدي، بوصفه حلاً واقعياً لا يمكن إيجاد
بديل يفضله أو يوازيه، مع أن أهون لوازمه -لو كتب له النجاح - فرض إعادة
تشكيل لجغرافية عقول الأمة عن طريق الحذف والاضافة من أجل بناء عقل
(معتدل -واقعي..) يتقن ممارسة الاستسلام الذليل والتخلي عن كل مقوماته الحضارية في مقابل توهمه استعادة جزء من أرضه المغتصبة، بينما هو يقدم أراضيه كلها -بكل ما فيها ومن فيها- لتكون سوقاً كبيراً يستهلك منتجات العدو الفكرية والمادية، ويحقق له تنفيذ اختراق أكبر للبنى الاجتماعية والسياسية لا يقارن بكل ما حدث في السابق.
هذه الصورة القبيحة من الزيف هي المحصلة الوحيدة التي يخرج بها من تابع
ويتابع الإعلام العربي منذ بدأ الحديث بما يسمى بـ (مؤتمر السلام) ، بل كثر
حديث الصحافة العربية عن مرحلة التفكير الواقعي المنتج الذي ارتقى إليها العقل
السياسي العربي، مع مهاجمة لا هدنة فيها لمن أسموهم: المتاجرين بالشعارات ...
القاطنين في رومانسياتهم الحالمة، في الوقت الذي تسوَّد فيه الصفحات بالحديث عن
الشرعية الدولية وما تعد به من خير عميم على القضية الفلسطينية.
وسوف نعتني هنا بتسليط الضوء على بعد واحد من أبعاد الصورة المعتمة،
ليكون نموذجاً بسيطاً للتزييف الذي تمارسه أقلام كثيرة تطالعنا تحليلاتها وآراؤها
التي ترسم بالسواد بياضاً وتجعل من الليل المعتم فجراً واعداً بجنة الحياة الدنيا، بل
والآخرة!
نموذج للتزييف
منذ بدأت مهزلة السلام غرقت الصحف العربية إلى أذنيها في الحديث عن
تغير النظرة الأمريكية إلى الصراع العربي الإسرائيلي، وعما سيقوم به الحكم
الأمريكي (راعي المفاوضات) من كسر لحاجز التعنت الإسرائيلي، ولما ظهرت
لاءات إسرائيل الأربع، وبدأت المفاوضات، وجاء الموقف الإسرائيلي ملتزماً
بالرؤية التوراتية التلمودية طالعتنا الصحف العربية بتحليلاتها: ما بين مؤكد
لحدوث تدخل قريب من الوفد الأمريكي للخروج من عنق الزجاجة، ومقدم عرائض
المطالبة بهذا التدخل، ومستنكر لتأخره الطويل.
وعلى الرغم من قيام مئات الشواهد التاريخية والواقعية قديماً وحديثاً تؤكد
وحدة المشروع الاستعماري الأمريكي والإسرائيلي، والتقاء المبادئ والمصالح في
مجرى واحد بحيث لا يمكن للحياد أن يجد ثغرة في درب متخم بالحواجز العقدية
والمصلحية، إلا أننا سنغفل كل ذلك وننطق من داخل أروقة المؤتمر نفسه ونتساءل: هل يمكن أن يكون للوفد الأمريكي موقف محايد في المفاوضات الجارية؟ بل:
هل تم تشكيل الوفد بصورة تنبئ عن الرؤية الأمريكية الجديدة التي توهمنا بها
الصحف العربية، والتي لا تنتمي إلى المشروع الإسرائيلي ولا تؤمن به؟ أم إن
راسمي القرار في الوفد الأمريكي مختارون بشكل يجعل منهم وفداً إسرائيلياً آخر في
لباس أمريكي؟
لقد نشرت الصحف العربية -على استحياء! - مواصفات أعضاء الوفد،
فكانت كالتالي [١] :
* دينيس روس رئيس الوفد هو رئيس مجموعة تخطيط السياسة في وزارة
الخارجية الأمريكية، وهو بذلك أعلى مستشاري السياسة الخارجية لبيكر، أمضى
عشر سنوات في التعامل مع القضايا المتعلقة بالشرق الأوسط وتحديد السياسات
الأمريكية تجاهها، وهو ربيب ريتشارد بيرل الصهيوني النشط داخل دوائر
الحكومة الأمريكية وخارجها على مدى السنوات العشرين الماضية، وسأله وفد زاره
في مكتبه عن الرسومات المختلفة لنجمة داود على طاولة المكتب فأجاب أنها من
رسم ابنه.. وصفته جريدة واشنطن بوست (٢٨/١٠/٩١) بأن له (معتقدات قوية
مؤيدة لإسرائيل) وأنه (كان لفترة طويلة من مؤيدي إسرائيل الراسخين) .
* دانيال كورتسر نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون التخطيط
السياسي وأحد مساعدي روس الكبار، كان موضوع رسالته للدكتوراة عن (العنف)
الفلسطيني والانتفاضة الإسرائيلية المعتادة، وفيها يعارض استخدام القوة لأنه يعتقد
أن هناك أساليب مضادة للانتفاضة الفلسطينية أنجع مما تقوم به إسرائيل لوقفها،
ويفضل الحوار مع المنظمة لأنه خطوة تسمح للإسرائيليين بإعادة تجميع صفوفهم
والانطلاق بعد ذلك في استخدام الوسائل الأنجع، وهو يهودي ملتزم بالتعاليم
اليهودية كان أثناء خدمته في سفارتي الولايات المتحدة في كل من (تل أبيب)
و (القاهرة) يتلقى الطعام اليهودي الحلال (كوشير) من إسرائيل، وهو يتحدث
العبرية بطلاقة، وله أقرباء في إسرائيل.
* آرون ميلر مساعد آخر لروس ضمن مجموعة تخطيط السياسة في وزارة
الخارجية، وهو يحمل شهادة الدكتوراة في تاريخ الشرق الأوسط، وله كتاباته عن
الفلسطينيين ومنظمة التحرير، ويركز في شكل خاص على الخلافات ضمن
صفوف الفلسطينيين ويؤكد أنها يمكن أن تفضي إلى تداعي التضامن الفلسطيني،
ويعرف عن أسرته في (أوهايو) أنها من أكبر دعاه التبرع للمنظمات الصهيونية،
وسبق أن عاش في إسرائيل وله فيها أقارب ويتقن العبرية.
* ريتشارد هاس، ويشغل منصب مساعد خاص للرئيس الأمريكي لشؤون
الأمن القومي، وكبير مديري شؤون الشرق الأدنى وجنوب آسيا في مجلس الأمن
القومي الأمريكي، وغالباً ما يطلق عليه لقب (المحافظ الجديد) وهي كلمة مرموزة
تشير إلى مؤيدي إسرائيل من الداخلين الجدد إلى المسرح المحافظ، والذين برزوا
فجأة في عهد ريجان، وقد درس وعاش في إسرائيل، ويعتبر أن الشرق الأوسط
غير ناضج بعد لحل الصراع فيه.
* ويليام بيرنر: هو العنصر الوحيد في فريق متابعة المفاوضات الأمريكي
الذي ليس يهودياً، ويشغل منصب النائب الرئيسي لمدير مكتب تخطيط السياسة
التابع لوزارة الخارجية الأمريكية.
هذا هو بعض ما نشر من مواصفات الوفد الأمريكي لمفاوضات السلام، وهو
يحل محل بوش وبيكر في حال غيابهما، ويرسم لهما سياستهما في حال حضورها. وسندع الإجابة عن تساؤلاتنا السابقة لأمين سر مجلس الوزراء الإسرائيلي
روبنشتاين فهو يقول [٢] : (إن الفريق الأمريكي إلى مفاوضات سلام الشرق
الأوسط المؤلف من خمسة أشخاص، حيث يلتقي وفداً إسرائيلياً من خمسة أشخاص
أيضاً ينقصهم (مينيمام) أي النصاب الكامل (عشرة اشخاص) لإقامة صلاة
يهودية، فتسعة من المجتمعين العشرة يهود) .
ترى أين يعيش هؤلاء الذين يتحدثون عن رؤية أمريكية. جديدة، وحل
سلمي عادل؟ ! أم أنهم قد [جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ واسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وأَصَرُّوا
واسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً] .
стр. 1098
مصطلحات
العالم الثالث
كيف كان وماذا سيكون
سقط الاستعمار القديم بعد الحرب العالمية الثانية وظهرت القوتان الكبريان:
أمريكا والاتحاد السوفييتي بعد اجتماع (يالطا) عام ١٩٤٥، ومنذ ذلك الوقت نشأ
بينهما ما سمي بالحرب الباردة، وفي الستينات من هذا القرن ظهرت المعارضة
الفرنسية (الديغولية) لأن تكون أوربا الغربية دائرة في فلك واشنطن، وعلى الجانب
الآخر ظهرت المعارضة الصينية للهيمنة السوفييتية. وفي غضون ذلك ظهر ما بين
عامي ١٩٥٩- ١٩٦٠ مصطلح (العالم الثالث) الذي يشمل دولاً مختلفة في آسيا
وأفريقيا وأمريكا الجنوبية.
هذا العالم يرتبط بعدة معايير متداخلة إلى حد ما وفيها:
١- المعيار التاريخي الذي يربط دول هذا العالم بالدول المستقلة حديثاً من
الاستعمار الذي ساهم في تخلفها بشرياً واجتماعياً.
٢- معيار اقتصادي ترتبط به هذه الدول بسمة التخلف الاقتصادي الذي
انعكس بصورة رئيسية على مستوى التقدم السياسي وجعل غالبها معرضاً للقلق
السياسي واضطراب الأمن.
٣- معيار سياسي حاولت فيه هذه الدول أن تنشأ كتلة (عدم الانحياز) إلى أي
من القطبين وإن كان هذا الشعار لم يكن دقيقاً لأن كثيراً من دوله كانت منحازة فعلاً.
هذه المعايير ليست بقادرة وحدها ولا مع غيرها على تحديد حقيقة العالم
الثالث لأن تمتع هذا العالم بالوجود السياسي في النسق الدولي الراهن مفيد في
ممارسته بعالمية تواجد القطبين وسيظل العالم الثالث مسرحاً وهدفاً للقطبين الدوليين
ما دام لم ينتج الأسلحة الاستراتيجية. فهذا التجمع القائم على فكرة توفيقية هو
شريك في النسق الدولي لا أهمية له لأنه لم تتوفر له القوة المادية التي تمكنه من
المشاركة، زيادة على ما في هذا التجمع من التناقضات الكثيرة واختلاف المصالح
وأنه فعلاً منحاز لأحد القطبين.
وبعد سقوط القطب السوفييتي وتشرذم دوله ونشوء (دول الكومنولث المستقلة)
انتهى النسق الدولي القديم ونشأ الواقع الحالي القائم على القطب الواحد وتحت ما
تروج له أمريكا (النظام العالمي الجديد) . ومع ذلك فقد تظهر عوالم أخرى تحاول
أن تكون قطباً مناقضاً لامريكا كدول أوربا الغربية، ودول الكومنولث المستقلة،
واليابان وبلاد النمور السبعة ويبقى العالم الثالث في حالة لا يحسد عليها، وستطمع
فيه تلك الدول وبوادر ذلك نلمسها في استغلال خيرات دول هذا العالم واستغلال
المواقع الاستراتيجية بدعوى حمايتها من الإرهاب، وربما يتحول ذلك المصطلح
(العالم الثالث) إلى مصطلح أكثر دقة كأن يكون (الصراع بين الشمال والجنوب) أو
حتى (بين الصحارى والمدن) كما ألمح إلى ذلك الصحفي (محمد حسنين هيكل) في
مقاله الذي نشره في التايمز اللندنية بتاريخ ١٢/٩/٩٠ أبان حرب الخليج.
ولكن هل تتفطن دول هذا العالم (وأغلبها إسلامية) أن تعود لسر قوتها
ونهضتها وهو الإسلام بعد أن فشلت كل الطروحات التي حكمت بها بعد الاستقلال؟
هل تتخلص من رموز الاستعمار الذين رباهم على عينيه وجعلهم يفضلون التعايش
مع اليهود في سلمهم الجديد ويكرهون التعايش مع الإسلام ولو حتى بالشكل
الديموقراطي الذي طالما رددوه ودعوا إليه، وما أصدق قول عمر -رضي الله
عنه-:
(نحن أمة أعزنا الله بالإسلام وإن ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله) .
стр. 1099
منتدى القراء
إلى من يهمه
تبليغ رسالة الإسلام
سعود بن محمد آل عوشن
لا شك أن هناك تقصيراً في تبليغ الإسلام في هذا العصر الذي تيسرت فيه
وسائل التبليغ بما لم يتيسر في أي عصر مضى، ومع هذا فإن هناك أمماً كثيرة
محجوبة عن هذه الرسالة تماماً، وكثير من أفرادها لا يعرف أن هناك ديناً اسمه
الإسلام أو رسالة جاء بها محمد ﷺ ، وطبعاً هذه مسئولية
أبناء الإسلام حسب قدراتهم ومسؤولياتهم.
ولو أننا بذلنا جزءاً مما نبذله على النواحي السياسية أو الرياضية أو التجارية
لاستطعنا إبلاغ الإسلام لكل الأمم وبكل سهولة ويسر. لكننا أعرضنا عن ذلك
وتركناه وكأننا غير مسئولين عنه، وعندما يكون هناك منهج رياضي أو سياسي أو
أسلوب تجاري نترجمه إلى مئات اللغات ونبلغه لجميع الدول وبوسائل التبليغ
والإعلام المختلفة، ولا يصعب علينا ذلك أو نتوانى دونه، لكن أن نترجم معاني
القرآن أو الأحاديث النبوية الشريفة أو كتب العقيدة أو الفقه أو ما يلزم للمسلم من
عبادات ضرورية، أو إبلاغ غير المسلمين بالإسلام فهذا لم يكن، وما كان في
الساحة فجزء قليل مما يجب وهذا نقص كبير في الإبلاغ والتفهيم.
لا شك أن كثيراً من علمائنا ودعاتنا يجهلون هذه الحقيقة لعدم إحاطتهم
بأوضاع العالم المعاصر ويكتفون بما يرد من أن الرسول ﷺ
بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة فأطاح أصحابه ﵃ وأرضاهم
بأكبر دول في الوجود آنذاك في الشرق والغرب، ونشروا الإسلام في بقاع العالم،
لكن نحن المقصرون في أداء الأمانة وإبلاغ الرسالة من بعدهم، حيث نشاهد أمماً
كثيرة لا تعرف عن الإسلام حتى اسمه، ولم نفعل شيئاً يجدي في ذلك، وكل
جهودنا قليلة وفي حدود ضيقة ومجالات قصيرة لا يعلمها إلا القليل وبصورة مشوهة
أو هزيلة لا تعطي المعنى والمظهر الإسلامي الحسن والأداء الشرعي المطلوب،
إن المسئولية في نظري تقع على كل فرد مهما يكن مستواه أو علمه أو قدرته، بقدر
ما منحه الله من قيم مادية أو معنوية علمية أو عملية، فعليه أن يستغل ذلك في أداء
هذا الواجب وغيره من الواجبات الأخرى فلو فعل ذلك كل فرد ما بقي في الأرض
فرد إلا تبلغ الإسلام فهل شعرنا بذلك وأشعرنا إخواننا بمسئولياتهم، إن هذا من أهم
الأمور التي يجب البدء بها للسير في الطريق المستقيم.
ومن الوسائل المهمة في تبليغ الإسلام أن نستقدم عدداً كبيراً من الأبناء تلك
المسلمين من تلك الدول وندرسهم لغة القرآن والعلوم الإسلامية، ويعودون إلى
بلادهم لينشروا الإسلام في أوطانهم، ويبلغوه لبني قومهم وأن نبعث إليهم من
المتشبعين بالعلوم الشرعية المحصنين بها من يدرس لغاتهم باتقان ليتولى ترجمة
معاني القرآن والعلوم الإسلامية إلى تلك اللغات، ومن ثم يعمل على نشر هذه
الترجمات في أوطانهم وبواسطة مؤسساتهم وبصورة أوسع وبصورة مستمرة
ليحصل كل فرد عليها، هذا مع الاهتمام بالإسلام إعلامياً ونشره بكل الوسائل
الممكنة الأخرى حتى نؤدي الأمانة ونبلغ الرسالة ونأمن المسؤولية في يوم الحساب
الأكبر فهل نحن فاعلون؟
стр. 1100
مجرد تساؤلات
عثمان بن محمد الخنين
لماذا يُصر بعض كبار الكتاب في كتاباته على نهج أسلوب غامض أو شبه
غامض ذي التواءات.. مما يجعل فهم ما يكتبه صعب المنال (فربما احتاج الأمر
لأكثر من متخصص في العربية ليوضحوا ما يقصد الكاتب) ، ألا يجدر بمثل هذا
الكاتب أن يسأل نفسه ... نحن في أي عصر؟ ! عصر كثرت فيه (الكتابات)
وكثرت فيه الكتب والصحف ...
وكثير من القراء إذا قرأ في بداية موضوع ولم يفهم منه شيئاً تركه إلى غيره
وهناك البديل أوضح وأيسر متناولاً؟ وباختصار نقول لمثل هذا الكاتب وأمثاله
(يسروا ولا تعسروا) .
أحد الناس متخصص في أحد فروع العلوم الطبيعية ثم أدخل نفسه في الأدب
والشعر فقُبل منه ثم بدأ يدخل نفسه في العلوم الشرعية مع أنه لم يلُم بالأحكام
الشرعية وأصبح يرد على بعض الدعاة والفقهاء! !
نقول لهذا: لماذا تُدخل نفسك في أمرٍ لست متخصصاً فيه ولا تُجيده وخاصة
إذا كان هذا الأمر هو الشريعة وأحكامها والدعاة والفقهاء؟ الا تخشى الله؟ !
و (رحم الله امرءاً عرف قدر نفسه) .
стр. 1101
في طريق
محو الإسلام من القدس
في خطوة لا سابق لها؛ أدانت المحكمة العليا في القدس مؤذن مسجد الشيخ
جراح الواقع قرب فندق المستعمرة الأمريكية في القدس الشرقية بحكم فحواه أنه
(يحدث ضجة غير معقولة) ويزعج السكان اليهود على بعد بضعة مئات من الأمتار
في النصف الثاني من المدينة، وغرمته ما يعادل (٥٥) جنيهاً، و (٥٠٠) جنيهاً
آخر إذا أعاد مثل هذه (الجريمة) خلال الثلاث سنوات القادمة.
وهذا الحكم جاء نتيجة لتحقيق قام به البوليس حول هذه التهمة. وهي أن إمام
هذا المسجد الصغير، الذي يلتصق بمئذنته مكبر صوت ضخم، يرفع صوت
المكبر إلى أقصى درجة ويوجهه باتجاه الأحياء اليهودية، حتى في الليل وفي أيام
السبت!
ويدعي متطرفون يهود أن قوة المكبر ازدادت بشكل ملحوظ منذ بدء
الانتفاضة، وقد تحققت الشرطة من ذلك بمقياس صوت قاست به نسبة الضجيج وادعت أن صوت المؤذن يتجاوز ما هو مسموح به. وقال أمير شيشن رئيس قسم القضايا العربية في بلدية القدس: (لقد تلقينا شكاوى حول ضجيج المكبر
والأذان - بالإضافة إلى اليهود - من مسلمين ومسيحيين وهؤلاء يخافون من التصريح بأسمائهم) .
وقد عبر المسلمون غضبهم من قرار المحكمة، ولم يقتنعوا من تعليق هذا
المسؤول في المجلس البلدي، خاصة وأن هذا الحكم صدر في الوقت الذي يجتمع
فيه زعماء مسلمون من شتى أنحاء العالم في مراكش لمقابلة الملك الحسن لمناقشة
الطرق التي يحافظ بها على (التراث لإسلامي) في القدس.
وقد أعلن محامي الدفاع أنه سوف يستأنف ضد هذا الحكم، ويطلب التدخل
من (هيئة الوقف الإسلامي) . وقد قال موشي عميراف عضو المجلس البلدي:
(المدينة حساسة جداً تجاه تناول المحكمة لقضية مثل هذه القضية، لأن مثل هذه
الخلافات يجب أن تحل بالوفاق، وإلا فإن حلها بهذه الطريقة سوف يسوق المدينة
إلى الانفجار) .
جريدة التايمز: ٢٤/٢/١٩٩٢
стр. 1102
المرأة المسلمة والدعوة إلى الله
خولة درويش
تحملت المرأة المسلمة أعباء هذه الدعوة منذ فجر الإسلام، وضربت أروع
الأمثلة في الصبر والتفاني والثبات ...
(وإن أول قلب خفق بالإسلام وتألق بنوره قلب امرأة وقد هيء لها من جلال
الحكمة وبعد الرأي وزكاء الحسب ما عز على الأكثرين من الرجال.
لقد تأثرت أم المؤمنين خديجة بنت خويلد ﵂ بهذا الدين تأثراً
نفذ إلى قلبه ﷺ ، فكان مبعث الغبطة والسكينة عند تدافع
النُّوَب واشتداد الخطوب) [١] . فقال ﷺ مبيناً فضلها
وسابقتها: (آمنت بي إذ كذبني الناس، وآوتني إذ رفضني الناس، ورزقت منها
الولد، وحرمتموه مني) [٢] . ثم تحملت المرأة العذاب في سبيل دينها، متحدية
سطوة قريش وجبروت طغيانها آنذاك.
كانت سمية بنت خبَّاط أم عمار بن ياسر، سابعة سبعة في الإسلام، وكان بنو
مخزوم اذا اشتدت الظهيرة خرجوا بها وبابنها وزوجها إلى الصحراء وأهالوا عليها
الرمال المتقدة وأخذوا يرضخونهم بالحجارة، وتوفيت سمية تحت التعذيب -رضي
الله عنها-.
وعن مجاهد قال: أول شهيد في الإسلام سمية بنت خبَّاط، والدة عمار بن
ياسر، كانت عجوزاً كبيرة ضعيفة، ولما قتل أبو جهل يوم بدر، قال النبي -
ﷺ لعمار (قتل الله قاتل أمك) [٣] .
لقد هانت النفس والمال والولد عند الرعيل الأول من الرجال والنساء في
سبيل عقيدتهم ودينهم وحب الله ورسوله.
(عن ابن اسحق عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: مر رسول
الله ﷺ بامرأة من بني دينار وقت أصيب زوجها وأخوها
وأبوها مع رسول الله ﷺ في أحد، فلما نُعوا لها قالت: ما
فعل رسول الله ﷺ ؟ قالوا: خيراً يا أم فلان، هو بحمد الله
كما تحبين. قالت: أرونيه حتى أنظر إليه. قال: فأشير لها حتى إذا رأته قالت:
(كل مصيبة بعدك جلل) [٤] .
وخلال الهجرة ساهمت المرأة في التخذيل عن رسول الله وصاحبه وتحملت
الأرزاء والمشاق في سبيل دينها.
فكانت رقية بنت رسول الله ﷺ ، من أوائل من هاجر
إلى الحبشة، وكان معها جملة من نساء المؤمنين [٥] .
وكانت أم سلمة ﵂، قد منعها قومها بنو المغيرة من الهجرة
مع زوجها، ثم جذبوا ابنها سلمة منها حتى خلعوا يده، ففرقوا بينها وبين زوجها.
تقول ﵂: كنت أخرج كل غداة، وأجلس بالأبطح، فما أزال
أبكي حتى أمسي سبعاً.. حتى مر بها رجل من بني عمها فرقّ لها. وقال لبني
المغيرة: ألا تخرجون هذه المسكينة؟ فرقتم بينها وبين زوجها، وبين ابنها، فقالوا: الحقي بزوجك إن شئت، وردوا عليها ابنها ثم لحقت بزوجها، ﵄ [٦] .
ويستمر شأن الجاهلية هذه حتى أيامنا هذه، فيشرد المؤمنون في أصقاع
الأرض، ويمنع ذووهم من النساء والأطفال من تأشيرات الخروج للحاق بهم،
وتبقى سلعة الله غالية، تستحق التضحيات الجسام.
وكانت أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄، ذات مواقف
عظيمة خلال الهجرة، تمثل لباقة الداعية وحصافتها وثباتها.
قال ابن اسحق: حدثت عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: (لما خرج
رسول الله ﷺ ، وأبو بكر ﵁، أتانا نفر من
قريش فيهم أبو جهل، فوقفوا على باب أبي بكر فخرجت إليهم فقالوا: اين أبوك يا
بنت أبي بكر؟ قلت: لا أدري والله أين؟ قالت: فرفع أبو جهل يده -وكان فاحشاً
خبيثاً - فلطم خدي لطمة طرح منها قرطي [٧] .
وعندما احتمل أبو بكر ماله كله، خمسة آلاف أو ستة آلاف درهم خلال
هجرته، سكّنتْ أسماء جدها أبا قحافة بأن وضعت حجارة في كوة البيت الذي كان
يضع أبو بكر ماله فيها، وغطتها بثوب ووضعت يد أبي حقافة على ما ظنه مالاً..
تقول: ولا والله ما ترك لنا شيئاً، ولكني أردت أن أسكن الشيخ بذلك.. [٨]
ولم تكتف المرأة المسلمة بذلك، بل ساهمت في الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر على قدر طاقتها.
(دخل قريب لأم المؤمنين ميمونة ﵂، فوجدت من ريح
شراب. فقالت: لئن لم تخرج إلى المسلمين فيجلدوك؛ لا تدخل علي أبداً) [٩] .
وها هي أُم سليم تدفع ولدها ليكون جندياً يخدم صاحب الدعوة. عن أنس قال: (جاءت بي أم سليم (والدته) إلى رسول الله ﷺ وقد
أزّرتني بنصف خمارها، وردَّتني ببعضه فقالت: يا رسول الله! هذا أُنيًس ابني
أتيك به يخدمك فادع الله له. فقال: (اللهم أكثر ماله وولده) فوالله إن مالي كثير،
وإن ولدي وولد ولدي يتعادّون على نحو من مئة اليوم) [١٠] .
وعندما خطب أبو طلحة أم سُليم (قبل أن يسلم) قالت: يا أبا طلحة! ألست
تعلم أن إلهك الذي تعبد نبتُ من الأرض قال: بلى. قلت: أفلا تستحي؟ تعبد
شجرة؟ إن أسلمت فإني لا أريد منك صداقاً غيره. قال: حتى أنظر في أمري.
فذهب ثم جاء فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فقالت: يا أنس
زوج أبا طلحة. فزوجها فكان صداقها الإسلام) [١١] .
فأين من ذلك فتيات اليوم؟ ممن يتغالى أهلهن بالمهور، وقد يكون الخاطب ذا
دين وخلق، ولكن لا يستطيع دفع الأموال الطائلة، وكذلك الفتيات يتباهين بكثرة ما
يدفع إليهن من مهر وذهب ومجوهرات، أو يبقين عوانس مدى حياتهن وما أكثر
هذه الظاهرة في عصرنا الحاضر.
стр. 1103
الصفحة الأخيرة
دعوة مؤسسات لا دعوة أفراد
د. مالك إبراهيم الأحمد
ما زال الكثير من التجمعات الإسلامية يعيش عقلية سنوات خلت، حيث كانت
الصحوة الإسلامية في مراحل نمرها الأولى تمشي متعثرة وتحاول النهوض بعد كل
كبوة. أما الآن، وقد أصبحت ملء العالم وأصبحت الخطر الأوحد أمام الأنظمة
الغربية بعد سقوط الشيوعية في المعسكر الشرقي فإنه لا بد من مواجهة أساليب
العمل الدعوي في وقتنا الراهن.
إن مما يؤسف له أن الكثير من التجمعات الإسلامية ما زالت محكومة بعقلية
الفرد، وما زالت تعيش مركزية وفردية القرار في حين أن العقبات أمامها تكبر،
والتحديات تزداد، والمحن تتوالى والأزمات تتفاعل.
إن أسلوب العمل من خلال أفراد في مواقع العمل المختلفة ما زال يجر عليها
الكثير من المصاعب والمصائب، وإن الأسلوب الأمثل - في نظري - لمنهج
التصدي للأزمات من جهة، وتطوير وسائل الدعوة بين الناس واستثمار معطياتها
للمستقبل؛ يكمن في أسلوب المؤسسات. أي أن يكون لدى كل تجمع إسلامي
مؤسساته الخاصة به لتطوير العمل وتنظيمه. وتكون هذه المؤسسات واضحة
المعالم والصلاحية والاختصاص، فهذه مؤسسة متخصصة بالدعوة العامة ووسائلها
وأساليبها، وهذه مخصصة للصحف والمجلات والكتب والنشرات، وتلك
متخصصة برصد ما ينشر عن الإسلام ويسبر أغوار الإعلام العالمي المناهض
للدعوة الإسلامية، وهذه مؤسسة مهمتها البحوث الشرعية التي تدعو حاجة المسلمين
إليها، ومؤسسات أخرى تربوية وإدارية وغير ذلك مما لا مكان لاستقصائه هنا.
وبذلك نحقق غايات أساسية كثيرة مثل: تحريك كثير من الطاقات المعطلة
وتوجيهها في الاتجاه الصحيح، وضمان استمرار هذه الجهود وعدم وأدها بوفاة
شخص، وانتفاع المسلمين الدائم منها باعتبارها جهات تعمل على خير الجميع
وليست مشروعات فردية مرتبطة بشخصية من أسسها.
стр. 1104
شوال - ١٤١٢هـ
أبريل - ١٩٩٢م
(السنة: ٦)
стр. 1105
الافتتاحية
الداء.. والدواء
لم تكن الدعوة الإسلامية بحاجة إلى الوحدة والتعاون والالتقاء على أهداف
واضحة كحاجتها في هذه الأيام، فالتحديات كبيرة وماكرة وخاصة بعد قيام ما سمي
بالنظام العالمي الجديد، فالغرب بعد انهيار الشيوعية كان لا بد له من عدو مشترك
يكتل حوله شعوبه ويشعرهم بالتحدي، ولم يجد أمامه سوى الإسلام الذي جعلوه
(فزاعة) يخوفون به الشعوب الأوربية الساذجة، ويكتلون حولهم من يستطيعون من
الدول والأمم.
أمام هذه التحديات نجد التفرق والتشرذم يفتك بالعمل الإسلامي وبالمسلمين
بشكل عام، وما يصاحب هذا التفرق عادة من حسد وبغضاء وعصبية، والأمثلة
واضحة أمامنا في كل أنحاء العالم الإسلامي، ولا نحتاج إلى عناء كبير لاكتشاف
هذه الظاهرة وما أدت إليه من الضعف.
إن عدم وحدة العمل الإسلامي في الجهاد الأفغاني كان من أكبر العوامل في
تأخير النصر، وهذا لا يخفى على الأخوة المخلصين هناك، ولكن عوامل التفرقة
راسخة وتحتاج إلى عمل كبير وتضحيات وتنازلات، وقد سمعنا أخيراً تصريح أحد
زعماء الجهاد بدعوته للاندماج الفوري في المؤسسات العاملة وخاصة الجبهة
العسكرية.
ومثال ثان من مصر حيث تكثر التجمعات الإسلامية ويكثر الجدل النظري
حول مسألة أو مسألتين، وتذهب السنوات ولم يتفق عليها.
ومثال ثالث موقف بعض الإسلاميين من أحداث الجزائر الأخيرة، فالذي
حدث في هذا البلد كان كارثة بكل معنى الكلمة، حدث لا يمكن أن يهمل أو ينسى،
فقد ضربت الدعوة هناك جهاراً نهاراً دون أن تقوم بأي عمل استفزازي للسلطة،
وليست القضية فقط قضية جبهة الإنقاذ، فقد ضرب الإسلام في مصر في
الخمسينات والستينات ثم عاد والحمد لله، وضرب في مناطق أخرى وعاد أقوى مما
كان، فنحن لا نخشى على الشباب المسلم هناك، ولكن المأساة هي أنه لا يزال
يعيش بين ظهرانينا أناس يتكلمون بلغتنا وعندهم الاستعداد لأن يخربوا البلاد
ويشردوا العباد، ويحطموا مستقبل الأمة في شبابها المتعلم المتدين ذي الأخلاق
العالية.
ما هو موقف بعض الإسلاميين تجاه حدث كبير كهذا، لقد تكلموا في الصحف
والمؤتمرات بكلام أقل ما يقال فيه أنه جهل بمرامي الإسلام الكبرى في وحدة
المسلمين وخاصة عندما يكون الصراع مع أعدائهم، ففي مقابلة مع جريدة الحياة
(٦ /٣/١٩٩٢) قال أحدهم:
(الذي حصل هو نوع من التقهقر لجبهة الإنقاذ، أجريت الانتخابات بطريقة
لا يمكن أن يتحقق من ورائها الاستقرار، لا بد أن نفتح حواراً مع السلطة التي
جاءت وفرضت الأمر الواقع، ممكن للدولة أن تقلم أظافر أما كم الأفواه فلا) .
هذا رأي من لا يعرف حقوق الأخوة ولا يفقه في سياسة الناس شيئاً، وصنف
آخر انتقد الجبهة لأنها تعمل في السياسة، وتدافع عن نفسها، وأن الذي في الجزائر
الآن هو مجرد عاطفة وليس هناك أي تربية. ونقول لهؤلاء الإخوة: أهذا وقت
اللوم والنقد وإخوانكم في السجون والمعتقلات في الصحراء، أم وقت النصرة
والتأييد، وللنقد البناء والمناصحة والمشورة وقت آخر، ألم يخرج ابن تيمية مع كل
مشايخ دمشق - وفيهم الكثير من خصومه وحساده الذين أساؤوا إليه وكادوا له -
لمقابلة ملك التتر (قازان) وحتى يكون الموقف موجزاً، ألم ينضم علماء السنة
لحركة أبي يزيد الخارجي في قتاله للعبيديين الباطنيين وقالوا: نكون مع أهل القبلة
ضد أهل الكفر، وإذا كنا ننعى على التعصب المذهبي فلماذا لا ننعى على التعصب
الحزبي والإقليمي. أو ما شئت من أصناف التفرق الذي جاءت النصوص بالنهي
عنه والتحذير منه والعقلاء من الأمم يدركون أخطاره.
وفي ندوة أحد المؤتمرات الإسلامية انتقدت الجبهة الإسلامية من قبل أحد
المتباكين على الديمقراطية ولا ينتقد النظام الذي يزج بالآلاف في السجون..
إن ما ينقصنا هو فقه السياسة الشرعية في الوحدة ووسائل الوصول إليها،
والقرآن والسنة طافحان بالدعوة إليها ونبذ التفرق، أم ننتظر ليأتينا كاتب
غربي [١] ليقول: (إن سبب صعوبة حسم الخلاف بين المسلمين عدم وجود مؤسسة مركزية تصدر توجيهات لكل المسلمين..) .
стр. 1106
قراءة في مجلة المنار
سر تقدم الأمم
عبد القادر حامد
هناك قسمان من العلماء: قسم يعني بالأمور الكلية الأساسية التي تتفرع عنها
القضايا الجزئية، وآخر يشغل نفسه بالقضايا الجزئية التي تأكل عمره وجهده.
فبينما يرى الفريق الأول أنه من العبث إصلاح الفرع بينما الأصل فاسد لا سبيل
إلى معالجته؛ يرى الفريق الثاني أنه إذا صلحت الجزئيات فإنها ستشكل بمجموعها
مجموعاً صالحاً يضغط لإصلاح الأصل، لأنه من الصعب تجاهل هذا الضغط الذي
يتحول إلى قوة جبارة لا سبيل إلى مقاومتها. وقد يغرق هذا الفريق في الجزئيات
ولا يعنِّي نفسه بهذا النقاش أصلاً، لأنه يكون غير قادر إلا على هذا، ولا يملك ما
يؤهله على الاستشراف والنظرة الكلية الشمولية.
وقد كان رشيد رضا ممن تشغله الأمور الجوهرية في بناء الأمم، وتعنيه
الأسباب التي بوجودها يتقدم المجتمع، وبفقدانها يتخلف ويطويه الجهل ويضربه
الذل. وقد حرص على أن يقدم روئيته في ذلك منذ أنشأ مجلته. ولذلك فإننا نعثر
في فاتحة العدد الثاني الصادر في ٢٩ من شوال سنة١٣٥١ هـ (٢٢/٣/١٨٩٨ م)
على مقال مكثف يضمنه هذه الرؤية عن طريق حوار بينه وبين جمع من الناس.
وأول ما يلاحظ في هذا المقال شعوره بأهمية الكشف عن أسباب سعادة الأمم
وتقدمها، وعوامل تخلفها وانحطاطها، وقد بين بادئ ذي بدء أن التقدم والتخلف
ليست أقداراً ثابتة ولا أوصافاً موروثة لا سبيل إلى تجاوزها، (فالاستعداد الفطري
والقوى الطبيعية في تلك الأمم واحدة، وأن اختلاف الحالات لم يأت من اختلاف
المدارك، والتفاوت في الاستعداد.. وإنما جاء من أمور عارضة، وظروف
خارجية..) . وبذلك يعطي بحثه وتحليله نتيجة إيجابية فما دام مرجع سعادة الأمم
وشقائها (أموراً عارضة وظروفاً خارجية) فسيكون من الممكن البحث عن هذه
الأمور العارضة؛ والتحكم في الظروف الخارجية.
وأول ما يراه رشيد رضا حوله هو هذه السلبية والتواكل وفساد الاعتقاد التي
ألبسها المسلمون ثوب الدين، وهي ليست إلا بدعاً وأمراضاً قاتلة قضت على
الإسلام بالتشويه، وعملت على قتل عناصر الحيوية والطموح عند المسلمين. فقد
أصبحت نظرة المسلم إلى الكون والعالم خليطاً من أفكار القدرية والجبرية والمرجئة. فبينما ينظر المسلم إلى المسائل العامة والمصالح الوطنية بجبرية وتسليم يتجلى
في جواب المصري حين يناقش في تلك القضايا: (هو بيدنا إيه) ! وجواب الشامي: (شو طالع باليد) . ويحيل نتائج العجز على الله، وربما استشهد على هذا السلوك
الباطل بقوله تعالى: [لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ..] بينما حاله في المسائل
العامة على هذه الصورة السلبية؛ تراه تحول إيجابياً وفاعلاً فيما يخص شؤونه
الخاصة وما يتعلق بمعيشته وهواه، ويعمل على جلب النفع لنفسه ودفع الضر عنها
بشتى الوسائل والأسباب بم ما كان مشروعاً، وما لم يكن، ولو أن يلجأ إلى عالم
الجن والشياطين، ويستعين بالأموات، ويطلب مشورة السحرة والعرافين
والمشعوذين.
وهكذا جمع المسلمون في عصورهم المتأخرة بين أطراف رؤوس البدع،
فأصبحوا جبرية فيما يخص المصالح العامة، وقَدَرية لا يؤمنون بالقدر عند
مصالحهم الخاصة.
وقد طرح أسئلة يبرز من خلالها فكرته عن السر الذي يحوّل الأمة من حال
الشقاء الى حال السعادة، وعرض من خلال هذه الأسئلة تصوره للمشكلات التي
يعيشها المسلمون في عصره، ثم حدد جواباً واحداً لمجموع هذه الأسئلة، وهذه
الأسئلة هي:
١- كيف يحصل التجاذب والالتحام بين العناصر المتفرقة في الأمة لتكون
منها أمة واحدة؟
٢- ما الذي يمحو الأثرة والفردية من نفوس أفراد الأمة، حتى يرى كل فرد
مصلحته في مصلحتها، ومضرته في مضرتها؟ وهذه الأثرة والفردية قد أصبحت
مرضاً في المجتمع الإسلامي، فانفرط عقده، وأصبح الناس فيه: (بأسهم بينهم
شديد تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى) .
٣- كيف تعاد الثقة إلى الفرد والجماعة بأن الله لم يحرم جماعة من الجماعات
من المواهب الفطرية والعقلية، بل إن هذه المواهب والقدرات مودعة وكامنة فيها
كمون النار في الزِّناد، ولا ينقصها حتى تظهر إلا أن تستعمل فيما خلقت له؟
٤- ما السبيل إلى انتزاع اليأس والقنوط من نفوس الذين يستبعدون الشقة
بينهم وبين الأمم المتقدمة؟ ويشملهم ذلك اليأس عن الحركة؟
٥- كيف يمكن إقناع أهل التقليد الأعمى بخطأ ما هم عليه من التقليد
بالمظاهر وثمرات الحضارة فقط؛ من تشييد القصور، وتزيينها وفرشها بالغالي من
الأثاث الذي أنتجته الشعوب المتقدمة، مما يعود بزيادة الفقر والإفلاس على الأمم
المتخلفة؟
٦- ما سبيل النجاة من سطوة العادات التي يحملها المتغلّب؛ وسبيل الإبقاء
على الدين واللغة والعادات النافعة التي يسلِّط هذا المتغلب قواه ضدها، وكيف لا
نأخذ العبرة في مجال حفظ لغتنا العربية من اليهود، الذين احتفظوا بلغتهم مع ما
ابتلوا فيه من الذل والمسكنة والضعف وفقدان السلطة، والتشتت في الأرض، ومع
ذلك ظلوا يتكلمون ويقرؤون كتابهم بالعبرية، ولم يمنعهم من ذلك معرفتهم لغات
الشعوب التي عاشوا بينها.
وكيف لا نجد هذه الغيرة على لغة القرآن من المسلمين وبخاصة من أكثر
شيوخ العلم في بقاع العالم الإسلامي الذين إن ناشدتهم بذل الجهد ومضاعفة الوسع
والتحرك في الحفاظ على اللغة العربية، تملصوا بالاحتجاج بأن الله حافظ دينه
وكتابه حيث قال: [إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ] .
٧- كيف نتخلص من عاداتنا الرديئة التي تمكنت منا حتى صار يحسبها
الكثيرون أنها من الدين وهي ليست من الدين في شيء؟
٨- ما السر الذي يجعل اختلاف رجال العلم والسياسة في أمم أوربا مثمراً،
والمحن التي تمر بهم يستخلصون منها النتائج الإيجابية والدروس النافعة؛ على
حين نرى اختلاف أمثالهم من رجال العلم والسياسة المسلمين اختلافاً عقيماً وتنازعاً
مهلكاً، ولا يكادون يجنون مما يمر بهم من الفتن إلا فتناً جديدة وخلافات تعصف
بالجهود ويعاني من ثمراتها الصغير والكبير، والغني والفقير، والجاهل والعالم؟
٩- ما الذي يغسل النفوس من الوهم الذي يجعلها تخاف مما لا يخيف،
وتتطلع إلى ما لا فائدة منه من الأفكار والأشخاص؟
١٠- ما القياس الذي يقاس به النفع والضرر، ويميز به بين المجد الصحيح
والمجد الكاذب، وبذلك يمكن أن توجه النفقات الطائلة التي تنفق على المظاهر
الفارغة، كالولائم والمآتم وما يتعلق بها من تشييد القبور.. إلى التربية والتعليم
والأمور التي تعود بالنفع العام؟
١١- ما هو الدواء الشافي لأمراض الفساد والمآثم والموبقات؟
١٢- متى يمكن القضاء على الأمراض الجسدية والأوبئة أو التقتيل منها على
الأقل؟
١٣- كيف نعمل على رفع نسبة الدخل القومي للأفراد في أمة يوجد فيها قلة
من الأغنياء - وأكثرهم حصل على ثروته من طرق غير مشروعة - وكثير من
الفقراء فقراً مدقعاً؟
١٤- كيف تتحسن الزراعة، ولماذا كان أهالي فرنسا ونيوزلندة أكثر ثروة
زراعية من أهل مصر، مع أن أرض مصر أخصب.، ورجالها أكثر صبراً
وجلداً على العمل، وعندهم النيل الذي ليس له في العالم نظير؟
١٥- كيف يمكننا إتقان الصناعة والتفنن في تنويعها حسب حاجات الأمة
لتحفظ ثرواتها من استغلال الأجانب لها، وجعلها دائماً عالة عليهم؟
١٦- ما هي الطريقة للنهوض بالتجارة التي هي بمثابة إدارة لثمار الزراعة
والصناعة؟
١٧- كيف لنا أن نتحرر من سيطرة الأجانب على أبسط المرافق العامة كالماء
(احتكار شركات أجنبية في ذلك الوقت لتوريد ماء النيل ونهر الكلب في بيروت،
مما يدل على انحطاط أمة تسمح بهذا، ومما لو وجد خبره في كتب التاريخ القديم
لكان من الخرافات والأساطير وهذيان القصاص الذي لا يصدق!)
١٨- كيف حصلت دول مثل انكلترا وفرنسا وغيرها من الدول المسيحية على
القوة التي مكنتها من احتلال وإخضاع تلك الممالك الشاسعة في جنبات الأرض؟
١٩- كيف يتسنى لنفر قليل الاستيلاء على شعب كبير يصرفونه في
مصالحهم ويستخدمون أفراده كما تستخدم الدواب، ويديرونه كما تدار الآلة الصماء، وهو لا يعرف سبب هذه السلطة وقد لا يفكر في ذلك أصلاً كأنما فقد العقل
والشعور؟
٢٠- كيف تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية أن تتحرر من حكم الإنكليز،
وأن تتحد تحت لواء واحد، وتصبح قوة تخشاها أوربا؟ [١]
٢١- وباختصار: ما الآلة الرافعة للمتطوحين في مهاوي التعاسة والشقاء
للخروج مما هم فيه وتحسين أحوالهم حسياً ومعنوياً، ديناً ودنيا؟
كانت هذه جملة الأسئلة المنتزعة من الواقع المعاش في ذلك الزمان وقد
عرضناها جميعاً ليدرك قارئ اليوم بالمقارنة كم من تلك الاسئلة ما زال يبحث عن
جواب؟ وقد حاول رشيد رضا الرد على ما اعتقد أنه مزاعم قد يظن أنها تمثل
إجابات أو حلولاً للمشكلات التي تعكسها هذه التساؤلات ومن ذلك:
الزعم أن سر التقدم والخروج من مأزق التخلف يكمن في الأمراء والحكام.
فلو افترض أن الحكومة غنية، ورعاياها فقراء فقراً مادياً وأدبياً وأمكن هذه
الحكومة أن تجري الإصلاحات المادية جميعها، فهل تستطيع أن تقتلع من نفوس
الأمة الأخلاق السيئة والعادات الرديئة وتزرع فيها ضدها من الأخلاق الفاضلة؟
كلا. وهو ينعى على ما صار إليه أمر المسلمين من هذا الاعتماد الكامل الشامل
على الحاكم، حتى أصبحوا لا يرون لأنفسهم وجوداً إلا بالحكام، ويرون أن صلاح
الأمة وفسادها، وغيها ورشادها وصحتها ومرضها، وغناها وفقرها، بل محياها
ومماتها كل ذلك بيد الحاكم، كأن بيده ملكوت كل شيء، وهو يجير ولا يجار عليه، وكأن هذا الوهم متسلسل فيهم بالإرث من عهد من قال: (أنا أحيي وأميت) وعهد
من قال: (أنا ربكم الأعلى) [٢] وجهلوا أن الحاكم ليس إلا رجلاً من الأمة، وأن
الحاكمية ما زادت في فضائله، ولا منحته قوة فوق القوى البشرية، بل ربما
أفسدت أخلاقه وأسقمت مداركه.. (نعم، إن الحاكم إذا ساعد الشعب يكون
الإصلاح أسرع وأقرب إلى النجاح.
زعم طائفة أن الطريق لنهضة الأمة هو تسليم أمرها إلى الأجانب حيث هم -
على عيوبهم - أقدر على بسط العدل، ومحاربة الرشوة، وغل أيدي المتسلطين،
وإنشاء المرافق الحديثة التي يعود خيرها على المجموع.. وهذا الزعم كثير التردد
منذ ذلك الوقت إلى اليوم، فكثير من الناس يتمنون الآن أن لو عاد المستعمر -
فرنسياً أو إنكليزياً أو أمريكياً - وخلص البلاد والعباد من الظروف المأساوية التي
تلفها، وكثير من المخضرمين الذين عاصروا مرحلة الاستعمار ومرحلة ما سمي
بالتحرر آل بهم الأمر إلى أن (يترحموا) على عهد المستعمرين، ويحنوا إلى ذلك
العصر الذي لم يذوقوا منه ما ذاقوه على أيدي أبناء جلدتهم. ولماذا نذهب بعيداً
ونحن نرى شعوباً وجماعات بكاملها تستنجد بأمريكا وبريطانيا وفرنسا وبالعفاريت
والشياطين لتنجو من سوء ما وقعت فيه من جور وظلم ونكبات؟ !
لكن رشيد رضا يسفِّه هذا التفكير، ويعده استشفاءً من الداء بداء أقتل منه.
وهو أن ساسة هذه الأمم قد تربوا في بلادهم على حب أوطانهم ووقفوا حياتهم على
نفع أمتهم، وأصبح ذلك طبعاً فيهم، وأن ما يبدو من أعمالهم نفعاً للشعوب والأمم
الأخرى في الظاهر؛ إنما باطنه مضاعف النفع لأممهم، لأن تصرفاتهم تقوم على
مبدأ (النفعية) الأنانية المقيتة، ويدرك ذلك كل ذي لبّ، فلا ينشرون من المعرفة
في غير بلادهم إلا ما يؤدي إلى حبهم واعتقاد عظمتهم، ويفسد على الآخرين لغاتهم
وأديانهم وتاريخهم وثقافاتهم. ولا يقدمون من المعونة لغيرهم باليمين إلا ليأخذوا
أضعافاً بالشمال، فمثلهم كمثل الذي يعطي كِسرة خبزٍ ليأخذ رغيفاً، وقد يعملون
على جلب الرخاء والرفاهية لأمة من الأمم بعد فقر وشدة، ولكن أي رخاء وأي
رفاهية؟ الرفاهية التي تزيد في الكسل والترهل، وتسخر الكثرة لخدمة القلة.
رد رشيد رضا أيضاً على زعم من يزعم أن الصحافة هي المخرج، وبين أن
الصحافة -. مع مالها من شأن عظيم وأهمية لا تنكر- لكنها لا توجد المدنية بل
هي أثر من آثارها وثمرة من ثمراتها.
وبعد أن استنفد ما يُتَصور من الأجوبة وناقشها ختم بجواب هو عنده الوسيلة
الصحيحة التي ترجع إليها كل الأسباب لتحقيق التقدم والارتقاء وهو (تعميم التربية
والتعليم) بين أفراد الأمة. فهل هذا هو الجواب الفاصل؟ ! قد لا يكون هناك
إجماع على هذه النتيجة التي وصل إليها، فقد عممت التربية والتعليم، وأصبح
التعليم مجانياً لدى أكثر الشعوب العربية، وكثر الأطباء والمهندسون والخبراء،
فهل أدى ذلك إلى التقدم الذي نشده رشيد رضا من التربية والتعليم؟ لا أحد يرى
ذلك.
أين الخلل إذن؟ هل هو في المناهج التعليمية؟ أم في الإدارات التي تديرها؟
أم في المصدر الذي يوجه هذه الإدارات، ويرسم سياستها؟ أم في علة أخرى..
الأجوبة كثيرة والحاصل واحد!
стр. 1107
خواطر في الدعوة
أزمتنا الأخلاقية
(٢)
محمد العبدة
كم هو مؤلم للنفس أن يشكو إليك أخ مسلم حال بعض المنتسبين للدعوة فيذكر
من جفائهم وبعدهم عن تطبيق ما يأمر به الإسلام من الرفق واللين والكلمة الطيبة،
والسؤال عن الحوائج وتفقد الأحوال، والزيارة الأخوية، ويتابع هذا الشاكي فيقول: (دخلت المستشفى فلم يزرني الإخوة الذين أعرفهم، وزارني زملاء العمل الذين
هم أقرب لأن يكونوا من عوام المسلمين، وبعضهم يعرض علي المساعدة المالية،
أو أي خدمة يمكن أن يؤديها) .
ونحن نسمع ونرى كيف يخدم أهل الباطل بعضهم، أو من يريدون وقوعه في
شباكهم، مع أن المسلمين هم أولى الناس بكل مكارم الأخلاق ومحاسن العادات،
ولا يجوز أن يسبقهم سابق في هذا المضمار، وإننا نذكر المسلم بحديث: (اشفعوا
فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما أحب) وحديث العاهر التي سقت كلباً في
يوم قائظ فغفر الله لها، وحديث المرأة التي عذبت في هرة لها حبستها، وحديث
الذي كان يقام عليه حد الخمر فلعنه أحدهم، فقال له الرسول - صلى الله عليه
وسلم -: (لا تلعنه إنه يحب الله ورسوله) كما نذكرهم بقصة الإمام أبي حنيفة مع جاره السكِّير الذي كان سجن فشفع له أبو حنيفة حتى تاب وأناب.
إن من أسباب هذا الجفاء والجفاف عند بعض المنتسبين إلى الدعوة هو ضيق
عطنهم، وجهلهم بحال المدعو وبطريقة الرسول ﷺ وحاله
في تأليف الناس وطريقة العلماء الربانيين من هذه الأمة. ولذلك تجدهم إذا رأوا من
هو مقصر في بعض السنن عاملوه بازدراء واستخفاف، وقد لا يسلمون عليه إلا
بصوت منخفض، ولا يهتمون به ولا يحاولون استمالته بالكلمة الطيبة أو بصنع
المعروف حتى يميل قلبه إلى محبه السنة وأهلها.
وهذا الذي ينظر إلى المقصرين بعين الازدراء وقع في داء أشد وهو العجب
بالنفس والاستطالة على الخلق. وهؤلاء غالباً ما يقعون في الغيبة باسم النقد
والتقويم. وهذا المرض أصبح فاشياً، فتُذكر معايب المسلم وقد لا تكون فيه،
وأكثرها من الأوهام والظنون، ولا تسأل كذلك عن المكر الذي يستعمله بعضهم مع
إخوانه ويعد هذا من الذكاء والكياسة، وينظر للمسلم الذي لا يستعمل هذا المكر على
أنه مغفل مسكين.
وبعد هذا كله، ألا يحق لنا أن تصف بعض جوانب أزمتنا بأنها أخلاقية،
وهي فرع ولا شك من تخالفنا العام الذي طال مكثه فينا، ونحن نحاول من هنا
وهناك الخروج من هذا المأزق؟ !
стр. 1108
مدخل لدراسة العقيدة الإسلامية
عثمان جمعة ضميرية
-١-
اقتضت حكمة الله وإرادته أن يجعل آدم وذريته خلفاء في الأرض، ليقوموا
بعمارتها وفق منهج الله تعالى وشريعته، فيحققوا بذلك غاية وجودهم، توحيداً لله
وعبادة له وطاعة؛ حيث قال :
[وَإذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] [البقرة: ٣٠] .
[وهُوَ الَذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ ورَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ
فِي مَا آتَاكُمْ] [الأنعام: ١٦٥]
ولما أهبط الله تعالى آدم إلى الأرض لم يتركه لنفسه أو لعقله، فهو يحتاج إلى
عناية ورعاية، ويحتاج إلى منهج وهداية، وقد أكرمه الله تعالى بذلك، فأنزل عليه
الهداية الربانية والمنهج الذي تستقيم به حياته:
[قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ
عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * والَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا
خَالِدُونَ] [البقرة: ٣٨ - ٣٩] .
-٢-
ومنذ أن أوجد الله تعالى البشر فطرهم على التوحيد والإيمان بالله تعالى،
وأخذ عليهم العهد والميثاق، مذ كانوا ذريَّة في ظهور آبائهم، ولذلك يأمرهم أن
يقيموا وجوههم لله، وأن يخلصوا دينهم له، فإنه مقتضى الفطرة، وتحقيق للعهد،
وأداء للشهادة التي أشهدهم عليها:
[فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَتِي فَطرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ
اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ] [الروم: ٣٠] .
وعلى هذه الفطرة والتوحيد كانت البشرية الأولى قبل أن يقع الانحراف،
كانت على التوحيد والإسلام من وقت آدم إلى مبعث نوح، وكان بينها عشرة قرون، كلهم على شريعة واحدة من الحق والهدى، ثم اختلفوا في زمن نوح فبعث الله
تعالى إليهم نوحاً، فكان أول رسول، ثم بعث الله بعده النبيين:
[كَانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنذِرِينَ وأَنزَلَ مَعَهُمُ
الكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ومَا اخْتَلَفَ فِيهِ إلاَّ الَذِينَ أُوتُوهُ مِنْ
بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ البَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ
بِإذْنِهِ واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ] [البقرة ٢١٣] .
-٣-
ولا تستقيم حياة البشر إلا ببعثة الرسل - عليهم الصلاة والسلام - فهي
ضرورية للعباد، لا يستغنون عنها، فهي بمثابة الروح للحياة والنور للهداية
والإبصار، ولذلك سمى الله تعالى ما أوحاه إلى نبيه ﷺ :
روحاً ونوراً، فقال: [وكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ
ولا الإيمَانُ ولَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشاءُ مِنْ عِبَادِنَا] [الشورى: ٥٢] .
ولذلك بعث الله تعالى الرسل تترى، كلما ضلَّت أمة بعث الله تعالى إليها
رسولاً، يقيم عليها الحجة ويقطع العذر، ويبشرها وينذرها: [إنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ
بَشِيراً ونَذِيراً وإن مِّنْ أُمَّةٍ إلاَّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ] [فاطر ٢٤] .
وهؤلاء الرسل هم الذين يحملون الشرائع للناس ويبينونها لهم، ويبلِّغونهم
البلاغ المبين، فيعرّفون الناس بربهم معرفة صحيحة صادقة، ويضبطون حركتهم
الفكرية والعلمية بضوابط الوحي الإلهي؛ إذ لا تستطيع العقول البشرية - مهما
ارتقت - أن تستقلَّ بمعرفة ما ينبغي معرفته من مصالحهم العاجلة والآجلة، ولا
تستطيع معرفة أمور الغيب المحجوبة عنها، ولا الأمور الدينية على وجه التفصيل. وهم أيضاً: القدوة الصالحة التي تتأسى بها البشرية، ولهم الأثر الباقي الخالد في
الحياة. وهم سبب كل خير، وبرسالتهم ودعوتهم تقوم الحضارات.
-٤-
ولما بلغ الكتاب أجله، قضت حكمة الله تعالى أن تختم رسالات السماء برسالة
نبينا ﷺ ، فلا رسالة بعد رسالته، ولا نبي بعده. وهذا
يقتضي أن تكون دعوته خطاباً عاماً موجهاً للناس جميعاً، وأن يكمل الله تعالى بها
الدين، وأن يتم بها النعمة ويجعلها ظاهرة على الأديان كلها ناسخة لها. وقد كان
ذلك كله، فأصبحت هذه الأمور خصائص لهذه الرسالة التي تكفل الله بحفظها عندما
تكفل بحفظ أصلها المنزل حين قال: [إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ]
[الحجر: ٩] ، ولذا فهو كتاب [لا يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ
مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ] [فصلت: ٤٢] .
-٥-
ونهض رسول الله، ﷺ ، بأعباء الدعوة وصدع بها،
منذ أن أمره الله تعالى بذلك، واستمر نزول الوحي عليه في مكة المكرمة ثلاثة
عشر عاماً، لم يعرف لها التاريخ مثيلاً في الدعوة والتجرد والإخلاص والتفاني،
والصبر والجهاد والمجاهدة، والتربية الإيمانية العميقة. فنشأت - عندئذ - القاعدة
الصُّلبة التي رباها النبي ﷺ وعلى عينه، يقود خطاها الوحي
الإلهي في كل لحظة من اللحظات، ويأخذ بيدها لتكون على الجادة من الطريق
الطويل.. ثم انتقل بها إلى المدينة حيث تجد التطبيق العملي لمبادئ الإسلام كاملة،
بعد أن أراد الله تعالى لأهلها الخير، فساقهم ليبايعوا النبي ﷺ
بيعة العقبة التي كانت حجر الأساس في بناء الدولة الإسلامية، التي عمل النبي -
ﷺ لإقامتها بوحي من ربه ﵎.
كل هذا، والصحابة -رضوان الله تعالى عليهم- يتلقّون من النبي - صلى الله
عليه وسلم - أحكام هذا الدين وتعاليمه وآدابه: فيما يتعلق بالإيمان ومعرفة الله
سبحانه، وما ينبغي له من الطاعة، وفي كيفية العبادة وأداء الشعائر، وفي شتى
أنواع المعاملات ومناشط الحياة الفردية والاجتماعية، وفي جوانب الأخلاق والآداب
والسلوك، ثم في علاقة الأمة بغيرها من الأمم الأخرى.. كل هذا دون أن يكون
هناك تقسيم لهذه الأحكام أو تصنيف لها أو تبويب على أساس أن هذا عقيدة وذاك
فقه وعبادة، والثالث اقتصاد أو سياسة.. إلى غير ذلك من هذه التقسيمات
الحادثة - اليوم - للضرورة، ودون أن يكون هناك تفريق بينها في الالتزام بها والعمل بمقتضاها. فهي كلها أحكام منزلة من الله، ينبغي عليهم أن يتلقوها بالتسليم، وأن يسارعوا إلى الامتثال والالتزام بها والتفاعل معها، ليحققوا بذلك مقتضى إيمانهم بالله واستسلامهم لشرعه ودينه.
ولذلك نجد الإسلام والإيمان والإحسان في سياق واحد يعبِّر عن الدين كله،
كما في حديث جبريل الذي رواه البخاري ومسلم عن عمر بن الخطاب - رضي الله
عنه - وفيه جعل النبي ﷺ الإسلام اسماً لما ظهر من الأعمال، وجعل الإيمان اسماً لما في من الاعتقاد، وليس ذلك لأن الأعمال ليست من
الإيمان، أو التصديق بالقلب ليس من الإسلام، بل ذلك كله تفصيل لجملة هي كلها
شيء واحد وجماعها الدين، ولذلك قال: (إنه جبريل جاءكم يعلمكم دينكم) .
وقد كان رسول الله ﷺ ، يدعو لهذا الدين بجملته، لأنه
لا يقوم بدين الله إلا من أحاطه من جميع جوانبه، كما قال ﵊
لجماعة من شيبان بعد أن عرض عليهم الإسلام. وهو ما يشير إليه جوابه لوفد
ثقيف عندما وفدوا عليه، وغدوا عليه أياماً، وهو يدعوهم للإسلام كله دون أن
يكون هناك استجابة لبعض ما يريدونه من مسامحة في أمور بعينها يريدونها!
-٦-
فالدين الإسلامي - بما أنه منهج إلهي للبشر ينبغي أن يصرّف حياتهم
ويوجهها - يشمل جانبين اثنين، تتفرع عنهما سائر الجوانب الأخرى وتعود إليهما:
الجانب الأول: الأصول الاعتقادية، أو الأساس النظري الذي يشكل القاعدة
الأساسية في بناء هذا الدين، ومنه ينطلق المؤمن، ويضبط حركته كلها بضوابطه، ويوجه سلوكه وأعماله بمقتضاه، وهو يفسِّر له أصل نشأة الإنسان وغايته مصيره
ويحدد علاقته بالوجود كله من الحياة والأحياء بعد أن يحدد له صلة بالله تعالى.
وهذا الجانب هو العقيدة التي تقوم على أصول نسميها أصول الإيمان وأركانه، مما يجب أن يعتقد به المؤمن ويصدق به.. وتسمى الأحكام المتعلقة بهذه النواحي
أحكاماً أصلية أو اعتقادية.
والجانب الثاني: هو النظام الذي ينبثق عن تلك الأصول الاعتقادية ويقوم
عليها، ويجعل لهذه الأصول صورة واقعية متمثلة في حياة البشر الواقعية.، لذا
فهو يحدد للمكلفين حدوداً في أقوالهم وأفعالهم - كما يقول الشاطبي ﵀
فيبين كيفية عمل المكلف، والإتيان به على الوجه الذي أمر به الشرع؛ في الشعائر
التعبدية والنظام الاجتماعي، ونظام الأسرة، والنظام الاقتصادي وفي قواعد
الأخلاق.. وفي كل ما من شأنه تنظيم حياة الناس وارتباطاتهم وعلاقاتهم.. وتسمى
الأحكام المتعلقة بهذه الجوانب كلها: أحكاماً فرعية أو عملية، لأنها عمل متفرع عن
الاعتقاد.
والعلم المتعلق بالجانب الأول من هذين الجانبين يسمى علم العقيدة أو أصول
الدين. والعلم المتعلق بالجانب الثاني يسمى علم الشرائع والأحكام، لأنها لا تستفاد
إلا من جهة الشرع، ولا يسبق الفهم - عند الإطلاق - إلا إليها.
-٧-
وإذا كانت العقيدة هي أصل البناء وأساسه، فإن الشريعة تنبثق عن هذا
الأصل وتقوم عليه، بحيث يكون كل حكم من أحكام السلوك الإنساني، في أي
جانب من جوانب الحياة، متفرعاً عن أصل من أصول العقيدة والإيمان ومرتبطاً به. فلا قيمة ولا استقرار لنظام لا يستند على أساس متين، كما أنه لا جدوى من
أساس ما لم نرفع فوقه بناء قوياً محكماً.
وهكذا تتعانق العقيدة والشريعة لتكوين هذا الدين الذي أكرمنا الله تعالى به،
وإن كان أحد الجانبين أعظم أهمية من الآخر، فإن العقيدة هي الجانب الأعظم الذي
أولاه الإسلام عنايته الكبرى أولاً في مكة المكرمة، وهي مرحلة الإعداد والتربية
والتكوين، ثم استمر الحديث عن هذه العقيدة عندما بدأت الأحكام تتنزل على الأمة
في المدينة، بعد أن أصبح لها وجود فعلي وكيان مستقل، بل كانت العقيدة هي
الروح الذي يسري في هذه الأحكام، فيهبها الحياة النابضة المتحركة.
وقد عرضت الأحكام الشرعية في جوانب الحياة، حتى تلك التي تبدو وكأنها
لصيقة جداً بالجانب المادي أو الجسماني البحت - من خلال العقيدة وارتبطت
بالإيمان بالله تعالى ومراقبته، وأحكام الشريعة بجملتها شاهد صادق على ذلك.
-٨-
ولعله من نافلة القول، أن نؤكد مرة أخرى على أن هذه التقسيمات السالفة
للدين إلى عقيدة وشريعة وأخلاق.. إنما هي تقسيمات فنية اصطلاحية من أجل
الدراسة والمعرفة، اقتضتها ضرورة التأليف والتصنيف بعد نشأت العلوم واستقلالها
بالتدوين. ولكن الغفلة عن هذه الضرورة تركت آثاراً سيئة في حس بعض الناس
وشعورهم وواقعهم، حيث جعلتهم يظنون أنه يكفيهم أن يكونوا على عقيدة نظرية،
تستقر في قلوبهم ووجدانهم، دون أن يكون لذلك أثر في حياتهم، أو دون العمل
بمقتضيات هذه العقيدة، ويحسبون أنهم متمسكون بهذا الدين حتى لو كانوا يستمدون
تشريعاتهم في جوانب الحياة الأخرى من مصادر بشرية أو من مذاهب وأفكار أخرى
لم يأذن الله بها.
ولم تكن هذه الآثار نابعة عن التقسيم إلى عقيدة وشريعة، بحد ذاته، فإن ذلك
قسمة واقعية بيانية، وإنما كانت هذه الآثار بعد أن بهت الدين في نفوس بعض
الناس والتبست عليهم الأمور واختلفت المفاهيم. ولذلك كان من الغلو والإجحاف أن
يجعل بعض الكاتبين هذا التقسيم مخالفاً لحقيقة الدين حيث يقول: (إن ثنائية تقسيم
الدين إلى عقيدة وشريعة من أخطر الأمور التي جرّت آثاراً سيئة على ديننا الحنيف، وذلك لأن هذا التقسيم مخالف لحقيقة الدين التي تقوم على أمر واحد، وهو تأليه
الله وحده..) وإن كان دافعه لهذا القول طيباً وحسناً، إذ هو يريد أن
يعيد للدين هيمنته وسيطرته على النفوس.
-٩-
وبعد؛ فحسبنا هذه الإشارات السريعة التي جعلتها مدخلاً عاماً بين يدي دراسة
موجزة عن (علم العقيدة: تاريخ النشأة، وطرق التدوين) ، أعرض خطوطها
الرئيسية على صفحات (البيان) -إن شاء الله - لعل هذا الموضوع يأخذ حظَّه من
الدراسات العميقة المتخصصة على يد أحد الباحثين. ولعل بعض القراء الكرام
يصحح خطأً أو يقوّم اعوجاجاً أو يقترح منهجاً للبحث فيما سأعرضه في هذه
الصفحات المنتزعة من تلك الدراسة التي أشرت إليها.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
стр. 1109
ردود الأفعال
عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف
إن (ردود الفعل) من الظواهر المرضية والمستفحلة في واقع المسلمين قديماً
وحديثاً، فما أن يظهر انحراف ما.. حتى يقابل برد فعل معاكس تماماً للانحراف
السابق.. لكن يوقع في انحراف من نوع آخر! ! ومن ثم تتكاثر تلك الانحرافات
وتتشعب هذه الشطحات الواقعة بين إفراط وتفريط، أو غلو أو جفاء.
إن ردود الفعل مسلك سلكه أهل الجهل والظلم.. كما هو ظاهر عند طوائف
المبتدعة.. وقد هدى الله تعالى أهل السنة فجمعوا بين العلم والعدل، فهم يعرفون
الحق ويرحمون الخلق، ومن ثم فقد سلموا من نتائج وعواقب تلك الردود،
وصاروا وسطاً وعدلاً بين تلك الطوائف المتباينة.
ومن المعلوم أن دين الله وسط بين الغالي والجافي، يقول الشاطبي
في هذا الشأن: (الشريعة جارية في التكليف بمقتضاها على الطريق الأوسط
الأعدل، الآخذ من الطرفين بقسط لا ميل فيه، الداخل تحت كسب العبد من غير
مشقة عليه ولا انحلال، بل هو تكليف جار على موازنة تقتضي في جميع المكلفين
غاية الاعتدال كتكاليف الصلاة، والصيام..
فإن كان التشريع لأجل انحراف المكلف، أو وجود مظنة انحرافه عن الوسط
إلى أحد الطرفين، كان التشريع راداً إلى الوسط الأعدل، لكن على وجه يميل فيه
إلى الجانب الآخر ليحصل الاعتدال فيه، فعلَ الطبيب الرفيق يحمل المريض على
ما فيه صلاحه بحسب حاله وعادته، وقوة مرضه وضعفه، حتى إذا ما استقلت
صحته، هيأ له طريقاً في التدبير وسطاً لائقاً به في جميع أحواله) [١] .
ولقد تفطن سلفنا الصالح لهذا المزلق، وأشاروا إليه، فهذا خطيب أهل السنة
ابن قتيبة يحكي أمثلة على ذلك فيقول:
(لما رأى قوم من أهل الإثبات إفراط هؤلاء في القدر [أي في نفيه] .. حملهم
البغض لهم، واللجاج على أن قابلوا غلوهم بغلو، وعارضوا إفراطهم بإفراط،
فقالوا بمذهب جهم في الجبر المحض، وجعلوا العبد المأمور المنهي المكلف لا
يستطيع من الخير والشر شيئاً على الحقيقة.
وزعم آخرون تصحيح التوحيد ونفي التشبيه عن الخالق، فأبطلوا الصفات
مثل: الحلم والقدرة، والجلال، والعفو وأشباه ذلك. فعارضهم قوم بالإفراط في
التمثيل فقالوا بالتشبيه المحض: وكلا الفريقين غالط، وقد جعل الله التوسط منزلة
العدل، ونهى عن الغلو فيما دون صفاته من أمر ديننا، فضلاً عن صفاته..
ثم قال ﵀: وقد رأيت هؤلاء أيضاً حين رأوا غلو الرافضة في
حب علي ﵁، وتقديمه على من قدمه رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - وصحابته عليه، وادعاءهم له شركة النبي ﷺ في نبوته، وعلم الغيب للأئمة من ولده، وتلك الأقاويل والأمور السرية التي جمعت إلى
الكذب إفراط الجهل والغباوة، قابلوا أيضاً ذلك بالغلو في تأخير علي -رضي الله
عنه-، وبخسه حقه، واعتدوا عليه بسفك الدماء بغير الحق.. والسلامة أن لا تهلك
بمحبته ولا تهلك ببغضته..) [٢] .
وها هو شيخ الإسلام ابن تيمية يورد أمثلة أخرى لتلك الردود فيقول:
(لما أعرض كثير من أرباب الكلام، وأرباب العمل عن القرآن والإيمان،
تجدهم في العقل على طريق كثير من المتكلمة يجعلون العقل وحده أصل علمهم
ويفردونه، ويجعلون الإيمان والقرآن تابعين له.
وكثير من المتصوفة يذمون العقل ويعيبونه ويرون أن المقامات الرفيعة لا
تحصل إلا مع عدمه، ويقرون من الأمور بما يكذبه صريح العقل، ويمدحون
السكر والجنون والوَلَه.. وكلا الطرفين مذموم، بل العقل شرط في معرفة العلوم،
وكمال الأعمال، لكنه ليس مستقلاً بذلك، فهو بمنزلة قوة البصر التي في العين،
فإن اتصل به نور الإيمان والقرآن، كان كنور العين إذا اتصل به نور الشمس
والنار) [٣] .
ومما سطره يراع الأستاذ سيد قطب ﵀ في مقدمته النافعة لكتاب
خصائص التصور الإسلامي: (إننا لا نستحضر أمامنا انحرافاً معيناً من انحرافات
الفكر الإسلامي أو الواقع الإسلامي، ثم ندعه يستغرق اهتمامنا كله.... لأن
استحضار انحراف معين، أو نقص معين والاستغراق في دفعه وصياغة حقائق
الإسلام من أجل الرد عليه منهج شديد الخطر، وله معقباته في إنشاء انحراف جديد
في الفكر والتصور الإسلامي لدفع انحراف قديم، والانحراف انحراف على كل
حال) .
إن هذه المشكلة التي ذكرها سيد تضرب أطنابها في واقع المسلمين قديماً
وحديثاً.. ولو نظرت أخي - المسلم - إلى حاضر المسلمين الآن لرأيت استفحال
هذه القضية وظهور آثارها وانعكاساتها.
وقد ذكر سيد قطب على ذلك أمثلة منها: أن تهمة المستشرقين وأذنابهم بأن
الإسلام انتشر بالسيف والقوة، قد قوبلت بهذا المسلك الذي حذر منه سيد وغيره من
المصلحين.. حيث انبرى بعض (المنهزمين) بتبرئة الإسلام من تلك الفرية،
واشتطوا في ذلك حتى أسقطوا قيمة الجهاد في سبيل الله، وحصروه في مجال
الدفاع ورد العدوان! !
كما أورد سيد مثلاً آخر خلاصته: أن النزعة العقلية الغالية عند محمد عبده
بحيث جعل العقل نداً للوحي، بل وربما قدمه على الوحي.. إنما جاء كرد فعل
للبيئة التي ظهر فيها محمد عبده حيث أغلقت باب الاجتهاد، وأنكرت على العقل
دوره في فهم الشريعة والاستنباط، فغلب على تلك البيئة الجمود والتقليد الأعمى
وانتشار الخرافة.. وفي نفس الوقت كانت أوربا تعبد العقل..
وكم هو محزن حقاً أن تظل إصلاحات بعض الناصحين وجهودهم وليدة ردود
فعل لبعض الانحرافات السائدة، فتستحوذ عليهم تلك الانحرافات، وتصاغ حقائق
هذا الدين وفق الرد والمواجهة لهذا الانحراف.. ما يورث انحرافاً آخر يقابل
الانحراف السابق.
وتأمل ظهور الفرق الإسلامية وتمزق الأمة شيعاً وأحزاباً.. تجد أن (ردود
الفعل) أحد الأسباب الرئيسية في نشأة تلك الفرق وانحرافاتها.. فالإرجاء ظهر كرد
فعل لقول الوعيدية (الخوارج والمعتزلة) وكذا الجبر رد فعل لنفي القدر.. والتشبيه
في مقابل التعطيل.
وانظر إلى ظاهرة الغلو في التكفير والتسرع فيه.. وكيف أدى الأسلوب الذي
سلكه بعضهم من أجل علاج الظاهرة السابقة (ردود أفعال) ! لقد قام من يهاجم هذا
الانحراف (التسرع في التكفير والغلو فيه) ويؤلف في موضوع التكفير.. لكن على
سبيل الرد على أولئك الغلاة (خوارج اليوم) فانزلق القوم فصاروا (مرجئة اليوم) !
ومثال آخر: وهو أن الأمة لما غرقت في لجة الجمود على كتب الفقهاء
المتأخرين، ووقعت في أسر التقليد والتعصب لآراء الرجال.. قام قوم - إزاء هذا
الشطط - فانكروا ذلك - بالأسلوب الخاطئ - واشتطوا في ذلك لدرجة تجريح
العلماء وازدراء كتب الفقه.
لا شك أن لهذه الظاهرة أسباباً يمكن من خلال إدراكها معرفة الأسلوب الملائم
في علاجها، فمن أسباب المشكلة: ضغط الواقع وشدة تأثيره وتفاعل الإنسان معه
سلباً أو إيجاباً، أو نفوراً أو استسلاماً، فربما نزّل النصوص الشرعية على الواقع
فجعل واقعه حكماً على الوحي.
ومن أسباب هذه المشكلة: القصور في العلم الشرعي والجهل بالنصوص
الشرعية متكاملة والظلم والاعتداء على الطرف الآخر، والقصور في النظرة
المتكاملة للواقع الحاضر، ومن أسبابها: فقدان الموازنة والشمولية عند النظر إلى
بعض الانحرافات العلمية أو العملية، والنظر إلى أعراض المشكلة وآثارها دون
أصلها وسببها.
وأخيراً لا بد أن نعرض حقائق وشرائع هذا الدين من خلال الأسلوب
التقريري اليقيني، وأن نحذر من مسلك الرد والنقض لما قد يورثه من انفعالات
ردود وتعديات، وأن لا تستحوذ علينا بعض الانحرافات بحيث تكون شغلنا الشاغل، فنهمل ما هو أولى بالعلاج منها، وأن نكثر أولاً وأخيراً من التضرع إلى الله
تعالى والاستعانة به فلا منجا من الله إلا إليه، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله
على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 1110
القواعد الفقهية
(٣)
عبد العزيز الحويطان
شرح لبعض القواعد المهمة:
سنقف في عجالة سريعة على أهم القواعد الفقهية، التي عرفت قديماً
واتصفت بالدقة والشمول وهي:
١- الأمور بمقاصدها:
أصل هذه القاعدة حديث المصطفى ﷺ (إنما الأعمال
بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) [١] . قال بعضهم: ينبغي أن يجعل هذا الحديث
رأس كل باب.
وقد ورد في القرآن بعض الآيات التي تشهد لهذه القاعدة، منها قوله تعالى:
[ومَن يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إلَى اللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وقَعَ
أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ] [النساء: ١٠٠] وقوله تعالى: [ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ
اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً] [النساء: ١١٤] .
ومما ورد في السنة يشهد لهذه القاعدة الحديث الذي رواه البخاري والشاهد منه
(من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) [٢] .
ومن الأمثلة على فروع هذه القاعدة:
١- اللقطة إن التقطها ملتقط بنية حفظها لمالكها، كانت أمانة لا تضمن إلا
بالتعدي وإن التقطها بنية أخذها لنفسه، كان في حكم الغاصب، فيضمن إذا تلفت
في يده بأي صورة كان تلفها، والقول للملتقط بيمينه في النية لو اختلفا فيها [٣] .
٢- لو وقع الصيد في شبكة إنسان أو حفرة من أرضه، ينظر فإن كان نشر
الشبكة أو حفر الحفرة لأجل الاصطياد بهما، فإن الصيد ملكه، وليس لأحد أن
يأخذه، وإن كان نشر الشبكة لتجفيفها مثلاً أو حفر الحفرة لغرض معين، لا لأجل
الاصطياد فإنه لا يعتبر من ملكه، وساغ لغيره أن يتملكه بالأخذ إذا استبق إليه،
لأن إحراز المباحات لا يفيد الملك إلا إذا اقترن بالنية والقصد [٤] .
٢- الضرر يزال:
أصلها حديث النبي ﷺ (لا ضرر ولا ضرار) [٣] .
وقد وردت آيات في معنى هذه القاعدة منها قوله تعالى: [ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً
لِّتَعْتَدُوا] [البقرة ٢٣١] وقوله تعالى: [الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ
بِإحْسَانٍ] [البقرة ٢٢٩] .
أما في السنة فقد قال المصطفى ﷺ : (إن الله كتب
الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة،
وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته) [٤] .
وقد استنبط العلماء من هذه القاعدة عدة قواعد منها:
- الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف
- يختار أهون الشرين
- إذا تعارضت مفسدتان روعى أعظمهما بارتكاب أخفهما.
ومن الأمثلة على ذلك:
١- يجوز السكوت على المنكر إذا كان يترتب على إنكاره ضرر أعظم، كما
تجوز طاعة الأمير الجائر إذا كان يترتب على الخروج عليه شر أعظم [٥] .
٢- يجوز شق بطن الميتة لإخراج الولد، إذا كانت تُرجى حياته [٦] .
٣- حديث الأعرابي الذي بال في طائفة المسجد [٧] .
٣- العادة مُحَكَّمة:
ما ورد في معنى هذه القاعدة من الآيات القرآنية، قوله تعالى: [ولَهُنَّ مِثْلُ
الَذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ] [البقرة ٢٢٨] و [وعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ] [النساء ١٩] ، وقوله تعالى: [فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ
كِسْوَتُهُمْ] [البقرة ٩٨] .
أماه الأحاديث فقوله ﷺ (خذي ما يكفيك وولدك
بالمعروف) [٨] . قال الإسنوي وغيره: (إن ما ليس له ضابط في الشرع ولا في
اللغة يرجع فيه إلى العرف) [٩] .
٤- المشقة تجلب التيسير:
دلت على هذه القاعدة آيات قرآنية وأحاديث نبوية منها قوله تعالى: [يُرِيدُ
اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ] [البقرة ١٨٥] ، وقوله تعالى: [لا يُكَلِّفُ اللَّهُ
نَفْساً إلاَّ وسْعَهَا] [البقرة ٢٨٦] ، وقوله تعالى: [يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ..]
[النساء ٢٨] .
ومن الأحاديث قول المصطفى ﷺ (إن الدين يسر ولن
يشاد الدين أحد إلا غلبه) [١٠] . وقوله ﷺ : (لولا أن أشق
على أمتي ما قعدت خلف سرية، ولوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم
أحيا ثم أقتل) [١١] .
والأدلة التي تؤيد هذه القاعدة أكثر من أن تحصر ولذا يقول الإمام الشافعي:
(إن الأدلة على رفع الحرج في هذه الأمة بلغت مبلغ القطع) [١٢] . ومن
هذه القاعدة استنبط العلماء قواعد تندرج تحتها منها:
- الضرورات تبيح المحظورات.
- ما جاز للضرورة يقدر بقدرها.
- إذا ضاق الأمر اتسع، ومن فروع هذه القاعدة:
أن المديون إذا كان معسراً ولا كفيل له بالمال يترك إلى وقت الميسرة.
٥- إذا اجتمع الحلال والحرام غَلَب الحرام الحلال:
وأصل هذه القاعدة قول المصطفى ﷺ : (الحلال بين
والحرام بين وبينهما مشتبهات - أو مشبهات - لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى
الشبهات، فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام،
كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن
حمى الله محارمه) [١٣] .
كما أن حديث عدي بن حاتم يعتبر أصلاً لهذه القاعدة وهو: (قلت يا رسول
الله أرسل كلبي وأسمي، فأجد معه على الصيد كلباً آخر لم أسم عليه ولا أدري أيهما
آخذ، قال: لا تأكل، إنما سميت على كلبك ولم تسم على الآخر) [١٤] .
٦- التصرف على الرعية منوط بالمصلحة
وفي معنى هذه القاعدة، يقول تعالى: [إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ
إلَى أَهْلِهَا وإذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ] [النساء: ٥٨] .
أما الأحاديث فقول المصطفى ﷺ : (كلكم راع وكلكم
مسؤول عن رعيته) [١٥] وقوله ﷺ : (ما من عبد يسترعيه
الله رعية فلم يحطها بنصيحة لم يجد رائحة الجنة) [١٦] .
ومن فروع هذه القاعدة:
إذا لم يوجد ولي للقتيل فالسلطان وليه، ولكن ليس له العفو عن القصاص
مجاناً لأنه خلاف المصلحة بل إن رأى المصلحة في القصاص اقتص أو في الدية
أخذها [١٧] .
٧- الميسور لا يسقط بالمعسور:
أصل هذه القاعدة ما رواه البخاري من حديث أبي هريرة قال: سمعت رسول
الله ﷺ يقول: ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا
منه ما استطعتم) [١٨] . ومن فروعها:
١- إذا كان مقطوع بعض الأعضاء يجب عليه غسل ما بقي جزماً.
٢- إذا قدر على بعض السترة فعليه ستر القدر الممكن.
٣- القادر على بعض الفاتحة يأتي به بلا خلاف.
٤- من بجسده جرح يمنعه استيعاب الماء، فعليه غسل الصحيح مع التيمم
عن الجريح.
ومن القواعد المهمة:
١- المتعدي أفضل من القاصر، لكنه يستثنى في الإيمان.
٢- الفضيلة المتعلقة بنفس العبادة أولى من المتعلقة بمكانها، مثل الصلاة في
جوف الكعبة لكن الجماعة خارجها خير من الصلاة منفرداً داخلها.
٣- ما حرم استعماله حرم اتخاذه: ومنها تحريم آلات اللهو واتخاذ الذهب
والفضة للزينة.
٤- الخروج من الخلاف مستحب: مثل غسل المني، الترتيب في قضاء
الصلاة.
٥- الإيثار بالقُرَب مكروه وفي غيرها محبوب: والضابط أنها في الواجب
محرم وفي السنة مكروه، وفي المستحب خلاف الأولى، ويشكل فيها ما لو سحب
إنسان من الصف إذا لم يجد فرجة.
стр. 1111
من شذرات القلم
اختيار: عبد الرحيم بن صمايل السلمي
* العامل الأساسي لنجاح الداعية:
(إن العامل الأساسي في نجاح الداعية: ليس كثرة علمه، ولا قوة بيانه
وسحره، ولكن هناك عاملاً قبل كل هذه الأمور: هو الإيمان بالدعوة التي يدعو
إليها، والخوف الشديد مما يعتريها، والشعور بالأخطار التي تقع بسبب إهمال
الدعوة، إنّ مثل هذا الإنسان يصيح بالناس ويترك فيهم أقوى الآثار ولو كان أبكم) .
محمد أمين المصري
(المسؤولية ص ٣١)
* ذِكْرُ سببٍ لانشراح الصدر:
(ومن أكبر الأسباب لانشراح الصدر وطمأنينته (الإكثار من ذكر الله) فإنّ
لذلك تأثيراً عجيباً في انشراح الصدر وطمأنينته، وزوال همّه وغمّه، قال تعالى:
[أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ] [الرعد ٢٨] . فلذكر الله أثر عظيم في حصول هذا
المطلوب لخاصيته. ولما يرجوه العبد من ثوابه وأجره) .
عبد الرحمن بن ناصر السعدي
(الوسائل المفيدة ص ٢٢)
* حذارِ من الزهدِ من العلم:
(وإيّاك يا أخي ثم إيّاك، أن يزهدك في كتاب الله تعالى كثرة الزاهدين فيه،
ولا كثرة المحتقرين لمن يعمل به، ويدعو إليه، واعلم أن العاقل الكيس الحكيم لا
يكترث بانتقاد المجانين، واسمع قول الأديب الكبير محمد بن حنبل الشنقيطي
الحسني ﵀:
لا تسؤ بالعلم ظنّاّ يا فتى ... إنّ سوء الظنّ بالعلم عطب
لا يزهِّدْك أخي في العلم أَنْ ... غمر الجهال أرباب الأدب
أنْ تر العالم نضواً مُرْمِلا ... صِفْرَ كف لم يساعده سبب
وتر الجاهل قد حاز الغنى ... محرِزَ المأمون من كل أرب
قد تجوع الأسد في آجامها ... والذئاب الغبس تعتام القتب
جَرِّعِ النفسَ على تحصيله ... مَضَضَ المرين ذلٍ وَسَغَبْ
لا يهاب الشوكَ قطُّاف الجنى ... وإِبارَ النحل مُشتارُ الضرَبَ..)
محمد أمين الشنقيطي
(أضواء البيان ١/٥)
стр. 1112
أسس تقويم المنهج
(٢)
عبد العزيز صادق
أ- الصدق:
لا بد أن تكون الوسائل المستخدمة في التقويم صادقة. ونقصد بذلك أن تكون
الوسائل لديها القدرة على قياس الشيء المراد قياسه بدقة دون أن تتأثر النتائج
بعوامل أخرى غير تلك التي وضعت الوسيلة لقياسها.
فمثلاً لو أردنا قياس قدرة الشخص على فهم نص معين عن طريق القراءة
فينبغي أن يكون الخط واضحاً والوقت كافياً لإنهاء النص. أما إذا كان الخط غير
واضح ولم يستطيع الشخص فهم النص فقد يكون سبب عدم الفهم هو سوء الخط
وليس قصورّ في الفهم عنده. وبذلك تكون هذه الوسيلة غير صادقة في تقويم قدرة
الشخص على الفهم.
كما أن الوسيلة لا تكون صادقة في الحكم على جميع الجوانب إذا كانت هذه
الوسيلة مقتصرة على جانب معين فقط.
ومثال ذلك: لو أردنا معرفة حصيلة شخص من الفقه فسألناه عدة أسئلة،
ولكنها جميعها تدور حول موضوع واحد في الفقه فإننا لا نستطيع أن نعمم ونقول إن
قدرته وحصيلته الفقهية ضعيفة إذا لم تكن إجابته صحيحة. وذلك لأن هذه الوسيلة
اقتصرت على جزئية ولم تكن شاملة لعدة مواضيع حتى تعكس حصيلته العلمية في
الفقه. أما إذ كانت الأسئلة شاملة بحيث تغطي جوانب الفقه المتعددة وكانت الإجابة
ضعيفة فحينئذ نستطيع أن نقول: إن الوسيلة صادقة في كشف قدرته العلمية في
الفقه.
وينبغي أن نلاحظ أيضاً أن كل وسيلة لا يمكن أن نحكم عليها بأنها صادقة أو
غير صادقة إلا إذا ربطناها بالموقف الذي استخدمت فيه. فقد تعتبر الوسيلة صادقة
في بعض المواقف ولكنها نفسها قد تعتبر غير صادقة في مواقف أخرى.
فإذا استخدمنا وسيلة ما لقياس انضباط الشخص في وقت كان فيه في حالة شدة
وغضب فإن هذه الوسيلة تعتبر صادقة تكشف هذا الجانب فيه. أما إذا استخدمت
في فترة الهدوء والرخاء فإنها لا تعتبر صادقة في كشف مدى انضباطه.
ب- الثبات:
ويقصد بالثبات هنا هو الوصول إلى النتائج نفسها تقريباً لو أعيد استخدام
الوسيلة عدة مرات سواء في صورتها الأولى أو في صورة مماثلة لها.
هناك مجالات يسهل فيها الوصول إلى درجة الثبات عند إعادة استخدام
الوسائل نفسها في القياس كما هو الحال في مجال العلوم والهندسة والطب. ولكن
الأمر يختلف عند التعامل مع البشر لقياس المهارات والاستعدادات والقدرات
ومعرفة النفسيات والاتجاهات ففي هذه الحالات يصعب الوصول إلى نتيجة ثابتة
بإعادة استخدام الوسيلة نفسها.
ولذلك لا بد من اختيار الوسائل التي تعطي قدراً معقولاً من الثبات وفقاً للمجال
التي تتم فيه عملية القياس على ألا يكون هناك تناقض في النتائج المختلفة التي
نصل إليها.
ج- الموضوعية:
ونقصد بالموضوعية عدم تأثر نتيجة التقويم بالعوامل الشخصية التي يتعرض
لها المربي أو من يشاركه في عملية التقويم. وينبغي أن نلاحظ أن هناك عدة
عوامل شخصية قد تؤثر في عملية التقويم منها:
- الحالة النفسية أو الصحية أو الاجتماعية والظروف المحيطة بالشخص.
- قيم المربي واتجاهاته وآراؤه. فكثيراً ما يتعاطف الفرد مع الذين يشاركونه
نفس القيم ويوافقونه في آراؤه.
- نوعية العلاقة بين المربي والتلميذ. فأحياناً يرتبط المربي بتلميذه بعلاقة
شخصية سببها الجيرة أو القربى ولهذه العلاقة درجات متفاوتة في تأثيرها على
التقويم. فإذا كانت هذه العلاقة قوية ووطيدة فإنها قد تؤثر في النتيجة بصورة
إيجابية وإذا كانت سيئة للغاية فإنها ستؤثر في النتيجة بصورة سلبية.
وحتى تكون عملية التقويم فيها موضوعية فمن الواجب اختيار الوسائل
المناسبة التي تساعد على تحقيق الهدف دون أن تتأثر بالعوامل الشخصية.
والموضوعية التامة أمر صعب بين البشر إلا إنه من الضروري التقليل من
تأثير العوامل الذاتية في نتائج التقويم.
د- التنوع:
لا بد من استخدام وسائل مختلفة في عملية التقويم وعدم الاقتصار على وسيلة
واحدة فقط. فاستخدام الوسائل المختلفة يمكننا من إلقاء الضوء على الجوانب
المختلفة من شخصية التلميذ بحيث تساعد كل وسيلة في الكشف عن جانب معين من
سلوك التلميذ وقدراته ومن ثم نستطيع أن نعدل من هذا السلوك وفقاً للهدف المنشود. ومن الضروري أن تتكامل هذه الوسائل المختلفة بحيث نحصل في النهاية على
صورة صادقة وكاملة لشخصية التلميذ.
ونريد أن نلفت النظر إلى أن طريقة التقويم التي تستخدم وسيلة واحدة مثل
الاختبارات هي طريقة تفتقد إلى خاصية التنوع وبذلك تكون نتائجها غير شاملة
لجميع الجوانب. فالتقويم الصحيح يعتبر التنوع ركناً من أركانه، ويتطلب التنوع
استخدام مجموعة من الوسائل المختلفة مثل:
- الاختبارات.
- المقابلات.
- دراسة الحالات.
- ملاحظة ردود الفعل عند المواقف المختلفة.
- الاستبيانات.
- مقاييس العلاقات الاجتماعية.
- المناقشة الجماعية (الندوات) .
- التكليف ببعض المسئوليات وملاحظة الأداء.
ولا يقصد بالتنوع الاكتفاء باستخدام وسائل متنوعة فقط وإنما يجب أن يمتد
التنوع إلى داخل كل وسيلة تسمح طبيعتها بذلك.
فالتنوع بالنسبة للاختبارات (التي تعتبر وسيلة من الوسائل) يتطلب استخدام
كافة أنواع الاختبارات (التحريرية، الشفهية، اختبار المقال، الاختبارات
الموضوعية، اختبار القدرات، الاختبارات العلمية) .
والتنوع بالنسبة للملاحظة يتطلب القيام بها في مجالات مختلفة ومواقف
مختلفة حتى نستطيع أن نلاحظ معظم الجوانب في شخصية التلميذ. كما يفضل أن
يقوم بالملاحظة عدة أفراد حتى تتحقق الموضوعية في التقويم بقدر الإمكان.
والتنوع بالنسبة للمناقشة الجماعية يتطلب القيام بها في مجالات مختلفة ...
ومواقف مختلفة:
- داخل حجرة الدراسة: حول أحد الموضوعات، مناقشة الأخطاء الشائعة،
تصحيح هذه الأخطاء والمفاهيم.
- أثناء التخطيط للأنشطة المختلفة وبعد الانتهاء منها مناقشة التجارب العملية
التي مر بها التلميذ.
هـ - التمييز:
والمقصود بالتمييز هنا هو القدرة على إظهار الفروق بين التلاميذ. وتعتبر
هذه العملية في منتهى الأهمية وذلك لأنها تساهم في الكشف عن ميول كل فرد
وقدراته واستعداداته واتجاهاته ومن ثم يكون توجيه كل فرد إلى ما يناسبه ويلائمه.
فإذا ما روعيت قضية التخصص في الطاقات فإننا نساعد في تنمية القدرة على
الابتكار والإبداع الذي يعتبر من الأهداف الرئيسية التي ينبغي أن نوليها أقصى
اهتمامنا. فبذلك يكون التكامل والعطاء الغزير بين الأفراد.
كما أن وجود عنصر التمييز يساهم أيضاً في الكشف عن التلاميذ الذين يعانون
من نقص أو تخلف في بعض الجوانب ومن هنا يمكن رعايتهم رعاية خاصة وبذل
المزيد من الجهد معهم حتى يلحقوا بأقرانهم.
وهكذا تقوم عملية التقويم بالتشخيص والعلاج معاً، تفسح الطريق أمام
الموهوبين وتأخذ بيد الضعفاء والمتخلفين.
و التخطيط:
يعتبر التخطيط أمراً هاماً وحيوياً ليس فقط في مجال التقويم وإنما في جميع
المجالات. والتقويم المبني على أساس علمي لا بد أن يرتكز على التخطيط في كل
مما يأتي:
- في تحديد الجوانب التي تنصب عليها عملية التقويم والهدف منها.
- في اختيار أنسب الوسائل لتقويم كل جانب من هذه الجوانب.
- في التنسيق بين مجموعة الوسائل المستخدمة لغرض واحد. فإذا كان
الهدف من التقويم هو الكشف عن قدرة التلميذ على التفكير العلمي السليم فمن الممكن
استخدام عدة وسائل لتحقيق هذا الهدف مثل الاختبارات المخصصة لهذا الغرض،
الملاحظة، المقابلة الشخصية. وحيث أن كل وسيلة من هذه الوسائل يقوم بها أفراد
معينون فمن الضروري التنسيق بين مجموعة الوسائل.
- اختيار الأشخاص المدربين (أهل الاختصاص) لاستخدام كل وسيلة.
- وضع خطة زمنية يتحدد فيها استخدام كل وسيلة حسب الظروف المناسبة
لكل منها. وكذلك عدد مرات الاستخدام إذا خطط لها أن تستخدم أكثر من مرة.
- تحديد أدق وأنسب الطرق لتسجيل نتائج كل وسيلة ويفضل استخدام
البطاقات المخصصة لكل فرد.
- أن تتسم الخطة الموضوعة بالمرونة الكافية بحيث يمكن تغيير مواعيد
استخدام الوسيلة أو استبدالها بوسيلة أخرى إذا دعت الظروف لذلك.
ز- مراعاة الفروق الفردية بين التلاميذ:
كثيراً ما يخطيء المربي حين يقارن تلميذاً بتلميذ آخر. وإنما التقويم الصحيح
يوجب مقارنة التلميذ بنفسه بدلاً من مقارنته بغيره من التلاميذ لكي نعرف مدى ما
أحرزه هذا التلميذ من تقدم نحو بلوغ الأهداف المنشودة. فالمقارنة هنا تحدد نوعية
هذا التقدم وهل هو بالقدر المطلوب أم لا، وبذلك يكون الحكم على التلميذ وفقاً
لإمكاناته وقدراته وظروفه.
أما مقارنة التلميذ بغيره من التلاميذ سواء التلاميذ الذين معه في الدرس أو في
سنه ومرحلته ففي ذلك تجاهل لمبدأ الفروق الفردية. وهذا التجاهل يؤدي إلى شعور
التلميذ محدود القدرات والذكاء باليأس والاستسلام والإحباط. وقد يؤدي إلى إحساس
التلميذ المتفوق الذكي بالغرور الذي قد يدفعه في بعض الأحيان إلى الكسل والتراخي. وفي كلتا الحالتين فإن هذا يعتبر ضرراً بالغاً. وليس معنى ذلك أن نغفل مقارنة
التلميذ بغيره وإنما نقصد أن نبدأ بمقارنة التلميذ بنفسه أولاً لكي نعرف مدى التقدم
الذي أحرزه وعندما نلمس أنه أحرز نوعاً من التقدم نقارنه بغيره ولكن بحرص
وحذر وتشجيع.
ويتطلب مراعاة الفروق الفردية استخدام وسائل التقويم المتنوعة إلى أقصى
درجة ممكنة. فبالنسبة للاختبارات مثلاً فإنه من الضروري استخدام كافة أنواع
الاختبارات الشفهية منها والتحريرية، المقالية والموضوعية بحيث تعطينا النتائج
وصفاً دقيقاً للأفراد.
стр. 1113
البيان الأدبي
الأدب الإسلامي
بين القبول والرفض
د. حسن بن فهد الهويمل [*]
تعيش المذاهب الغربية والشرقية مخاض رؤية معزولة عن وحي السماء،
إنها تجهيز في إطار عالم الشهادة وهو عالم لا يتجاوز ظاهر الحياة الدنيا. وقضية
الأدب الإسلامي في إطار هذه البيئة تحتاج إلى تحرير، فهي الآن مسألة خلافية
حتى عند الإسلاميين الذين يحملون هم التناول الإسلامي، ولا يعترضون على
المضمون بل يرون مشروعية الأداء ويحتمونه، ثم هم يختلفون بين أن يكون
للمشروع مصطلحاً أو نظرية نزعة أو اتجاهاً، والأطروحات التي وصفت
المصطلح بالبدعة، والأطروحات المضادة لا تنفك عن ترديد اللغط المعروف،
وسوف أحاول تخطي ذلك قدر المستطاع متخلصاً من معوقات التيئيس، ومحاولاً
تخلية الموقع من بعض التساؤلات التي تركها بعض الكتاب.
ويقيني أن أي مشروع جديد لا بد له من حركة تمحيصية ليأخذ وضعه
الطبيعي وأنا متفائل بل متأكد بأن مصطلح الأدب الإسلامي سيأخذ هذا الوضع
مسقطاً كل الإشكاليات، وأملي أن تتوفر له الكفاءات المقتدرة لتبحر في مركبه وسط
الأمواج المتلاطمة، وما لم تتضافر الجهود فإن هاجس الخوف سينمو وبالتالي
تصبح التجربة أقرب إلى الفشل المؤدي إلى الخروج من دائرة الضوء.
وإشكالية المصطلح الإسلامي تنمو بفعل الخصوم، والخصوم فئتان: فئة
تستبطن سوء النية تريد للمبدع والناقد التخلص من سيطرة الدين، وهذه الفئة
تنسجم مع دعوات التحرر من سلطة الماضي بما فيه الدين، ولا صعوبة في مجادلة
تلك الطائفة لأنها لا تطرح إشكاليات بل تطرح رأياً رافضاً. وفئة ترى أن
مشروعية التناول الإسلامي قائمة منذ البعثة ولا حاجة إلى تأطيرها ضمن مصطلح
متميز. وهذه الفئة يمكن التحاور معها لأنها تمارس ما تمارس من باب التحفظ فقط، وهي لا تمنع أبداً مشروعية التناول بروح إسلامية، ونواياها حسنة ولكنها بحاجة
إلى تجاوز الظاهر والخوض في عمق القضية. ومع خطورة الفئة الأولى فإن
محاورتها يجب أن تكون في مشروعية الإسلام فهي كالفئة الكافرة لا تطالب بفروع
الشريعة. وقبل أن نستهل الحديث نود الإشارة إلى شيئين:
- أولهما: ثنائية الشكل والمضمون؛ ففئة ترى استقلال الشكل الفني عن
المضمون العقدي وهذا يستتبع عزلة عن الحياة، وفئة ترفع شعار الفن للحياة،
وتؤكد على مبدأ الالتزام بقضية (ما) وهذا يدخلنا في قضية الالتزام ومعالجتها على
مستويات عدة وهو ما لا نريده الآن.
وفي اعتقادي أن لا فصل بين الفن والحياة، فلا حياة بلا فن، ولا فن بدون
حياة واعية. والتجربة جزء من الحياة أو هي الحياة عينها، والإبداع بدون تجربة
عبث ولهو، فالفن إذاً استعادة التجربة حركياً في المسرح. وتعبيرياً خيالياً على
الورق. والإنسان في كل ذلك عنصر هام في التجربة.
- وثانيهما: أنه يتحتم على كل إنسان يعرف أبعاد مسؤوليته ويرضى بهذه
المسؤولية ممارسة ومنهج حياة أن يعيد النظر في أسلوب عمله. والإنسان الذي
رضي بالله رباً، بالإسلام ديناً له مسؤولية، تلكم هي مسؤولية العبادة والدعوة إليها:
[ومَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ] .
[ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ] .
وحين لا نجد بداً من تحمل هذه المسؤولية عملاً ودعوة فعلينا أن نستذكر أنه
من الأفضل أن نعيش هذه المسؤولية باستمرار [واعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ] .
[الَذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وقُعُوداً وعَلَى جُنُوبِهِمْ] نعيش لها ومن أجلها وفق
منهج محكم متطور يلائم العصر ويستجيب لحاجاته، والدعوة إلى سبيل الله بالكلمة
الطيبة وبالأسوة الحسنة، والمسلم الفذ هو الذي يعرف الحق ويثبت عليه، ويدعو
إليه، ويتمثل الإسلام قولاً وعملاً على ما كان عليه سلف الأمة الذين رضي الله
عنهم ورضوا عنه. وعلى ضوء هذين الشيئين تتجلى لنا حياة المسلم التي لا تعرف
الفراغ فهي مليئة بالعمل لدنياه وآخرته، والكلمة الطيبة جزء من العمل الجاد المثمر
[أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وفَرْعُهَا فِي
السَّمَاءِ] .
فهناك ثبات وهناك سمو. والإبداع الفني لا بد أن ينطوي على الثبات والسمو
وما الأدب الإسلامي إلا تجسيداً لهذا الثبات وهذا السمو، فالله لا يحب الجهر بالسوء، ويأمر عباده بأن يقولوا التي هي أحسن وينهى عن لهو الحديث، ويُثبت على
القول السديد، ولا يصعد إليه إلا الكلم الطيب. وإذاً فثمة تلازم بين الكلمة الطيبة
والإبداع. وإذ يكون التلازم.. تكون حتمية الأدب الإسلامي، والكلمة مادة الفن
المقروء، والفن ضرورة إنسانية والنزوع إليه فطري، والاستجابة له طوعية وأثره
واضح في الحديث (إن من البيان لسحراً) .
والسحر يجعلك تتلبس بالاستجابة دون وعي، ومن ثم قال توفيق الحكيم:
(لو علم رجل الفن خطر مهمته لفكر دهراً قبل أن يكتب سطراً) فالحركات التي
غيرت ملامح التاريخ وصاغت الحياة من جديد فتق لها المبدعون، ألم يكن للرسول
شاعر في مقابل شعراء الوفود، وخطيب يفوق خطباءهم؟
والمدركون لقيمة الفن الجمالية والدلالية، وخطورة دوره وأهميته يتلبثون
كثيراً قبل الإفضاء بإبداعهم، ولعلنا نعرف صاحب الحوليات، ومدرسة عبيد الشعر، وفي العصر الحديث نسمع أن جوستاف فلوبير الفرنسي صاحب قصة (مدام
بوفاري) قال في معرض حديثه: (ربما أخذت أسبوعاً أو أسبوعين في صياغة
جملة من جمل هذه القصة) ويقول: (قرأت ألفي كتاب من مكتبة المتحف الوطني
الفرنسي من أجل استيفاء الأرضية الخلفية والاجتماعية لإحدى القصص) .
(وماركيز) أنتج إحدى قصصه في ستة عشر عاماً كل هذا يدل على أن
الأدب لم يعد جمالياً للمتعة، وإنما استصحب الجمالية وتخطى بها إلى عمل جاد
لتحويل المسار البشري وتغيير قناعاته، وثقافة النص تغلب على جمالياته، والثقافة
والإبداع يشكلان حجر الزاوية في العملية الإبداعية فلا أدب بدون ثقافة معمقة
وشاملة، ومن ثم أصبح الأدب عملاً فكرياً متلبساً بالفلسفة يطرح رؤية متميزة
للكون والحياة والعالم، هذا التحول في مسار الأدب جعل له خطره وأهميته وأثره
الواضح في تشكيل ذهنية المتلقي مما دفع الصفوة من رجال الفكر والأدب إلى
التفكير في التدخل المباشر لتوجيه الأدب والفن عامة وجهة تنسجم مع المقتضى
الإسلامي، وتسهم في صياغة الذهنية صياغة توجه الإنسان إلى بارئه.
وإذا كان هناك موقف رافض أو متردد أو متحفظ من مشروعية مصطلح
الأدب الإسلامي، فإن هذا الموقف يجب أن يكون أكثر احتداماً وتصلباً في وجه
المصطلحات الطارئة زمناً، والطارئة فكراً، مصطلحات تنطوي على توجهات
فكرية مضادة للفكر الإسلامي، إن هناك أدباً وجودياً، وماركسياً، وقومياً، وحداثياً، وعلمانياً، هذا بالنسبة للبعد الدلالي، وهناك آداب أخرى حسب الاتجاه الفني،
ومذاهب واتجاهات تسرح وتمرح في وسطنا، وتسهم في تلويث وعينا، يتبناها
أبناء المسلمين، أو على الأقل يمنحونها مشروعية الوجود ولا يجدون غضاضة من
معاشرتها وطرد الغربة عنها، ولم نسمع إلا القليل ممن يبحث في مشروعيتها.
وإزاء طوفان المذاهب الأدبية لا بد من أدب إسلامي يبرز شخصيتنا، ويكرس
خصوصيتنا، والفن هو الأكثر قدرة على حمل هذه الخصوصية. وإذا كنا قد
رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً، وتحملنا في سبيل ذلك مكائد العالم المتكبر، فلا أقل
من أن نسعى لتأصيل وتكريس الأدب الإسلامي، ليسهم في الذوذ عن مقدراتنا،
ومقدساتنا الفكرية، وليس فيما نسعى إليه بدعة ولا تجزئة، فأسلمة الأدب مشروع
إسلامي، ومجيء المصطلح لم يكن بدعاً من القول فالإسلام، منذ البدء مارس
أسلمة الشعر.
لقد نزل القرآن الكريم يحدد فئات الشعراء [والشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الغَاوُونَ] إلى
أن قال: [إلاَّ الَذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ] [وذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وانتَصَرُوا مِنْ
بَعْدِ مَا ظُلِمُوا] هذا السياق القرآني يحدد ملامح الشعر الإسلامي، وإذاً فهناك شاعر
إسلامي تبرزه سماته وخصائصه، وشاعر آخر تحدده توجهاته، ومصطلح الأدب
الإسلامي يقيم صروحه على هذا التقسيم القرآني. وينطبق على الأدب الرخيص
والأدباء المنحرفين قوله تعالى: [ومِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا..] إلى أن قال: [وإذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا..] وهل هناك أخطر
من سهم الكلمة الجميلة المسمومة؟ ! فالأدب الإسلامي إذاً مشروع تطهيري يحاول
تنقية الكلمة من الشوائب، ويؤكد على صدق المحتوى وشرف الغاية وسلامة
الوسيلة، وجمال العرض، ويعترف ببشرية الإنسان الناقصة، وحاجتها إلى
الترويح البريء واللهو المباح.
والأدب العربي المعاصر لا ينهض بكل هذه المهمات، ولم يعد خالياً من
الشوائب فالضخ الغربي والشرقي وقابلية التبعية والتهالك على الطارئ، كل ذلك
أردى أدبنا العربي في أوحال المادية والعبثية والفحش، وأجهض الكلمة الطيبة
بالغموض والنثرية.
إن هناك تبعية في الأدب العربي تتمثل في المناهج النقدية، وفي فصل الأدب
عن الفكر الإسلامي، وفي إعلاء الشخصيات المشبوهة، وفي السقوط الأخلاقي
وبضرب لغة القرآن، ومحاكمة الشخصيات الإسلامية بمعايير مادية وكسر الثوابت، والإيمان بشمولية التغيير واستمراره، إنه أدب يعيش بلا هوية وبلا تماسك، ولا
خصوصية، لقد تشكلت هذه المثبطات في غياب الوعي أو تزييفه، لتكون امتداداً
لمحاربة الكلمة الطيبة التي بدأت بقول المشركين: [لا تَسْمَعُوا لِهَذَا القُرْآنِ والْغَوْا
فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ] .
لقد سمعنا منكراً من القول سربه إلينا التقليد الفج للآداب الأجنبية إبداعاً
وتنظيراً، ومن ثم تلاحقت المذاهب في لهاث مسعور كالسريالية، والدادية،
والواقعية، والوجودية، والماركسية، والحداثة الفكرية، جاء كل ذلك نتيجة رؤية
متوترة للكون والحياة رؤية مادية خالصة. وأعقب ذلك نهوض أقلام مقتدرة ومؤثرة
لنبش العفن في موروثنا الأدبي، بحجة أنه موروث، فجاء إحياء الفكر الاعتزالي،
والوثني وشعر الخمر، والمجون والغزل الفاحش، كما أعيدت ظواهر أدبية
وشخصيات مشبوهة لم تكن حاضرة في الذهن رغبة في تحويلها إلى قدوة سيئة
للناشئة، فالصعاليك، والزنادقة، والشعوبيون، والباطنيون، وغلاة المتصوفة،
كل أولئك يترددون على ألسنة الأدباء ويعبرون إلينا من شبا أقلامهم بشكل لم يسبق
له مثيل. وتضافر الجهود في مثل هذه الأقبية يبعث على الشك والارتياب في
النوايا، ويحفز على التحُّرف للتصدي والمواجهة. والمواجهة يسبقها جمع الكلمة
وتوحيد الصف تحت شعار (الأدب الإسلامي) .
لقد تعرض الأدب العربي لتغييرات أفقدته هويته، وقضت على خصوصيته
وسرعة التحولات أفقدت الأساطين زمام المبادرة حتى قال قائلهم: (قصائدنا بلا
لون وبلا طعم وبلا صوت) كل هذه الترديات تسوغ لهذه النظرية المنقذة، بل وتحتم التفكير الجاد في تكريسها وممارسة الإبداع على ضوئها لإقالة عثرة الكلمة الطيبة واستعادة ماء الحياة بعد النضوب والتصحر.
لقد كان الأدب العربي أدباً إسلامياً، وكان الخروج على مقتضى الإسلام في
الإبداع يعد تجاوزاً فردياً، أما الآن فإن الأدب العربي لم يعد في جملته إسلامياً،
ويكاد يكون الاتجاه الإسلامي فيه فردياً بحيث يمكن تمييز الأدب الإسلامي وسط
طوفان التعدي على حمى الله، ومع التباين في المحتوى بين الأدب العربي
والإسلامي فإن أحدهما لا يلغي الآخر.
ومع هذا فنظرية الأدب الإسلامي لم تجتث من الأرض، ولم تكن طارئة،
إنها تمتد بجذورها في عمق تاريخي لا مثيل له في كل الآداب العالمية، وجذور
الأدب الإسلامي مسوغات لاستمراره، فالقرآن بكل ما يحفل به من مدد بياني معين
لا ينضب يتدفق في شرايين الأدب ويمده بأرقى الأساليب وأشرف الأفكار وأنبل
الغايات. والحديث النبوي يفيض بفصاحة عربية، والشعر العربي الذي دافع عن
الإسلام جنباً إلى جنب مع المجاهدين في سبيل الله، تمتد وشائجه إلى اليوم ليضخ
فكره وجمالياته في محيط الأدب الإسلامي الحديث، أدب له هذه الجذور لماذا تقام
المحاذير من حوله، ولماذا يتساءل الطيبون عن مدى مشروعية المصطلح، لقد
طوع الغرب أدبه وسخره لخدمة مبادئه وأفكاره، وأكسبه قيمة دلالية، وجعله
رسول دعوة يتخطف الناس ببريقه، ولم يقل أحد عن هذا ما قاله المتحفظون،
والرافضون لمشروعية الأدب الإسلامي، إننا نجد من يتحفظ على مشروعية
المصطلح ملتمساً دعائم لهذا التحفظ. يقول أحد الطيبين: (لقد اعتورت تاريخنا
الإسلامي موجات أدبية فيها بذور إلحاد، كما في شعر (الحلاج) ، وأبي العلاء،
وفيها شعوبية كما في شعر بشار وابن يسار، ولكن ما علم أن الأسلاف دعوا إلى
الإصطلاح بأدب إسلامي يميزه) ، وأحب أن أشير إلى أن بذور الإلحاد والشعوبية
ممارسات فردية ليس لها تنظيم، ومجيئها في وقت كانت القوة والغلبة للإسلام
وغياب المصطلح الإسلامي في تلك الفترة لا يبرر غيابه الآن. كما تخوف
المتحفظون من التجزئة ومن ضعف أداء المنتمين إلى الأدب الإسلامي بجوار
الآداب الأخرى التي يمثلها القمم في القيمة الأدبية، ولا أحسب التجزئة قائمة لأن
هناك وشائج قربى بين الأدب العربي والإسلامي فاللغة واحدة، والقيم الجمالية
واحدة ولا يكون التمايز إلا في المحتوى إذا حاد الأدب العربي عن جادة الصواب
في تناولاته وهذا ينفي الخوف من التشرذم.
أما الخوف من ضعف المنتمين فليس الإسلام مظنة الضعف، ومن ضعف من
المسلمين فعليه ضعفه، وهل من لوازم الأدب الوجودي والماركسي أو أي اتجاه
منحرف القوة. وهل من لوازم الأدب الإسلامي الضعف بحيث نثيره كمحذور،
والله جل وعلا يقول: [ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ] يقول هذا والأمة
الإسلامية في حالة ضعف وهزيمة. وأحسب أن المتحفظ ينظر إلى الواقع المعيش.
ومهمة المفكر والأديب التجاوز بالأدب والفكر الإسلامي هذه المرحلة وإعادة مجده
وفوقيته، ويمضي المتحفظون إلى ضرب الأمثال فالأدب الماركسي - في
نظرهم - أخفق إخفاقاً ذريعاً حين أمم الأدب وفرض عليه الالتزام، وفات أوشك أن المذهب الماركسي معاكس للطبيعة البشرية، وقسر الأدب على خدمته مؤذن بفساد الأدب وتشوه جمالياته، أما الإسلام فعقيدة فطرية تلائم نوازع الإنسان وتستجيب لمطالبه، وسير الأدب في ركابه انطلاق وحرية، فلا تعني تجربة الالتزام الماركسي الفاشلة موعظة للذين يحاولون الالتزام الإسلامي، فالمسلم مطالب بالالتزام، وإن لم يكن مبدعاً، ومسؤولية الكلمة وخطورتها تتضح من قوله تعالى: [مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ] والمصطفى ﷺ حذر من حصائد الألسن وأشار إلى أنها تكب الناس على مناخرهم في النار وفي الأثر: (إن الرجل ليقول الكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في النار سبعين خريفاً) .
وتألق الأدب الوجودي - إن كان ثمة تألق - لم يتأت من عدم التزامه،
فمجرد كينونته تعني حاجته إلى أدب يبشر به، ولعل انتشاره مرتبط بتلك الحرية
المطلقة التي بلغت حد العبث والفوضى والغثيان. لقد أصبح متنفساً للمقهورين
بالشك والارتياب والرفض. وعلى الجملة فمقارنة الأدب الإسلامي بتلك الآداب
انتقاص للأدب والإسلام معاً لإنها مقارنة مع الفارق.
ومما أشار إليه المتحفظون التركيز على أهمية القيمة الجمالية بمعنى أن الأدب
للمتعة فقط، وتوريطه بالمهمات النفعية يكون على حساب جمالياته، وبالتالي ينحيه
عن مقتضيات الفن وأحسب أن الواقع المعيش أسقط من حسابه الانقطاع للجمال
والمتعة.
لقد تلبس الأدب بالفلسفة، واتخم بالفكر، وتحولت المذاهب الأدبية من
مذاهب شكلية إلى مذاهب فكرية، وامتطت صهوة الكلمة لتكون رسولاً من رسل
هذا الفكر، والإسلام سبق كل المذاهب في ذلك، والقرآن الكريم معجزة الرسول
يأتي في قمة الفن، وقد نظر إلى الجماليات صوتاً، وصورة، وأسلوباً، وقضية
النظم التي طلع بها الجرجاني تجسد الجمالية الأسلوبية بأبهى صورها، ولم يؤثر
المدلول القرآني على روعة الأداء وجمال النظم، فكيف نفكر في إثارة الملمح
الجمالي للأدب، ونعده معوقاً في طريق تلك النظرية، ومن ينكر نفعية الأدب
وأيديولوجيته وأثره الفكري والعقدي والأخلاقي؟
لقد انتهت نغمة الفن للفن. وحل محلها الفن للحياة. والفن تجربة يشكلها
الجدل مع الحياة، وقضية الفن للفن أو للحياة سفسطة لا قيمة لها، وهذا لا يعني
تحويل الفن القولي إلى خطب ومواعظ وأمر ونهي، إن الأدب الإسلامي أبعد من
كل ذلك وأشمل لكل ذلك، إن الأدب الإسلامي يريد فقط تميز الأديب المسلم بأدائه،
وذلك بإبراز الحس الإسلامي، والتفكر في خلق السموات والأرض، وتجلية
جماليات الكون للالتفات إلى مبدع الكون، ألم تشدنا الأرض وتثير انتباهنا حين
تأخذ زخرفها وتتزين؟ ألم تشدنا مناظر الطبيعة وأشكالها وألوانها المتناسقة ونظامها؟ ألم نطرب لهذه الأصوات، من حفيف وخرير وتغريد؟ إن على المبدع أن
يمارس إبداعه بحرية مطلقة، ولكن عليه أى يستحضر عظمة الخالق، فالكون
صنع الله الذي أتقن كل شيء، وهذا الاستحضار كفيل بإنتاج أدب إسلامي رفيع
المستوى ولكن الحاصل، خلاف ذلك لقد شغلنا بالطبيعة منفصلة عن خالقها، فجاء
الأدب مادياً لا قيمة له، لأنه فقد نبض الإيمان، وحين يفقد نبض الإيمان تتصحر
الحياة، ويجف معينها.
ومما أثير في سياق التحفظات في طريق مشروع الأدب الإسلامي احتياج
الشاعر إلى التغني بذاته والتنفيس عن همومه الفردية والشاعر يغني ألم الحرمان
ويصف مناظر الجمال ويحسب هؤلاء أن الأدب الإسلامي يمنع من ذلك وفاتهم أن
الأدب الإسلامي أرحب صدراً وأوسع أفقاً مما يتصورون.
إنه يستوعب كل الهموم وكل التطلعات ولا يضيق بخواطر النفس وخطراتها، وآلامها وآمالها. إن الأدب الإسلامي يحفظ ويحافظ على جماليات الفن وموسيقاه،
وصوره وخياله ولغته المتميزة، ويعرف حدود الأدب، ويرفض تداخل المهمات،
فهو لا يحمل هم الوعظ والإرشاد، ولا يفكر بالإفتاء ونظم العلوم، وكل الذي نريده
من المعارضين أن يعرفوا جيداً أبعاد الأدب الإسلامي ومقتضياته وخصائصه
وسماته، عندها لا يكون جدل أو خصام.
فالأدب الإسلامي يتفق مع الفن في القيم الفنية، أما القيم الدلالية فله موقف،
وليس بدعاً في ذلك، فالأدب الماركسي له موقف من القيم الدلالية، والأدب
الوجودي والسريالي والحداثي وكل الآداب الحديثة تحدد موقفها من القيم الدلالية.
ويقيني أننا إذا عرفنا ذلك فلن نحتاج إلى البحث عن مسوغات، ولن نلتمس
المحاذير، والنص الإبداعي الحديث لا ينجو من الأدلجة والتسييس. وإشكالية
الأدب الإسلامي لا تتجاوز إلى مشروعية الممارسة، لقيامها منذ أن وجه الرسول -
ﷺ حسان بن ثابت للتصدي للمشركين، ولكنها تقف عند
مشروعية المصطلح، وإذا كانت هناك ممارسة إبداعية فما المحذور من إطلاق
مسمى يميزها عن غيرها، وعندما لا ينتبه السلف إلى إطلاق هذا المصطلح فإن
ذلك لا يدين الماضي، ولا يمنع الحاضر، فالمصطلح تولده الحاجة.
إن الأدب الإسلامي الذي يتوجس منه البعض خيفة حين يستوي على سوقه
سينهض بفرائض غائبة إسهاماً في تصحيح الفساد المتفشي، ولن يعالج هذا الفساد
إلا أدب ينطلق من قواعده الإسلامية من القرآن والحديث. إن سرعة التحولات
أفقدت الأدب العربي هويته وشككت في انتمائه وولائه، وغمسته في أوحال التبعية
والإمَّعية وترديه في تلك الأوحال من أولويات مسوغات، الأدب الإسلامي
ومشروعيته، مصطلحاً وأداء.
стр. 1114
شعر
أمي
محمود مفلح
إلى روح التي ارتحلت عن هذه الدنيا، وكلانا لم ير الآخر منذ عشر سنوات
إلى روح أمي:
مالي سمعتُ كأنْ لم أسمعِ الخبرا ... هل صار قلبيَ في أضلاعه حَجرا؟
مالي جمدتُ فلم تهتزَّ قافيتي ... ولا شعرتُ ولا أبصرتُ من شعرا
كأنَّ كلَّ سواقي الشعر قد أسِنت ... من جففَّ الشعرَ من بالشعرِ قد غدرا؟
أنا الذي عزفت أوتارُه نغماً ... هزَّ الورى والذُرا والطيرَ والشجرا
مالي سكتُ فلم أنطقْ بقافية ... ولا رأيت بعيني الدمعَ منحدرًا؟
هل جففَّ الرملُ إحساسي وجففّني ... فأصبح الشعرُ لا علماً ولا خبرا؟
وهل عجزتُ عن التعبير واأسفي ... كأنني لم اصغْ للغادةِ الدُررا! ؟
أمي تموت ويُمناها على كبدي ... يا أمُّ رُحماك إنَّ القلبَ قد فُطِرا
هزّي سريري إني لم أزلْ ولداً ... ودّثرينيَ إن الريحَ قد زأرا..
وجفّفي عَرَقي فالصيفْ ألهبني ... وسلسلي الماءَ كي أقضي به وطرا
مُدي يَديّكِ كما قد كنت ألثمها ... فقد نهضتُ وَوَجْهُ الصبح قد سفرا
وحّوطيني.. تلك العيُن خائنة ... وكم رأيتُ عيوناً تقدح الشررا
ولوّني أغنياتِ الصيف في شفتي ... وقرّبي من وسادي النجم والقمرا
ما زال صوتك يا أماه يتبعني ... يا ربُّ رُدَّ حبيباً أدمنَ السفرا
يا ربِّ صُنْهُ من الأشرارِ كلهمُ ... ورُدَّ عنه الأذى والكيْد والخطرا
واجبرْ إلهي كسْراً، حلَّ في ولدي ... فأنتَ تجبرُ يا مولاي ما انكسرا
يا ربِّ جفّت دموع الأمهات هنا ... فأنزلنَّ علينا الغيث والمطرا
كلُّ العصافير عادت من مهاجرها ... متى نعودُ إلى أعشاشِنا زُمرا
وارحم إلهيَ زوْجاً غاص عائلها ... في ظلمة السجن لم تبصرْ له أثرا
وطفلةً كلما قالت زميلتها ... أتى أبوك؟ تشظّى القلبُ وانفجرا
وارحم إلهي شيخاً دبَّ فوق عصاً ... قد كاد من طول ليل يفقد البصرا
يا من رددتَ إلى يعقوب يوسفَه ... لا تتركِ الشيخَ فرْداً لا يُطيق كرى
يا ربّ ما ذنبُ أحرارٍ إذا وقفوا ... مثلَ الجبالتِ وموج الظلم قد سكِرا؟ !
ما زال صوتك يا أماه يجلدُني ... إني أسأتُ وجئتُ اليوم معتذرا
لا والذي خلق الدنيا وصورّها ... ما خنتُ عهدك يوماً، ما قطعت عُرى
لكنها مِحَنٌ حلت بساحتنا ... أودت بفكر الذي قد روّض الفِكرا
أمي تموت ولم أفزع لرؤيتها ... ولا قرأتُ على جثمانها سُورا
ولا حملتُ على كِتْفي جِنازتها ... ولا مشيتُ مع الماشين معتبرا
стр. 1115
فوائد من كتاب
" الفوائد "
اختيار: أم عبد الرحمن
قيل في العلماء الصادقين أنهم أطباء القلوب، وذلك بما عندهم من فراسة
صادقة وهبها الله لهم من نوره الذي قذفه سبحانه في قلوبهم الممتلئة بالعلم والإيمان
والإخلاص واليقين. فتجد أحدهم يكشف لكل مريض عن سبب مرض قلبه بحذق
وفطنة وبصيرة نافذة.
ومن هؤلاء العلماء: ابن قيم الجوزية ﵀ فإن معظم مؤلفاته
تُفصح عن مدى صدق فراسته، وعن مدى قدرته في تحليل خفايا النفوس المريضة
بالذنوب والأهواء. ومن كتبه التي تحمل تلك الصبغة كتاب (الفوائد) الذي اخترت
منه هذه الفوائد المنوعة والموجزة والتي أرجو الله أن يجعل فيها المنفعة والفائدة لكل
قارئ وقارئة.
* ليس كل من تحلّى بالمعرفة والحكمة وانتحلها كان من أهلها، بل أهل
المعرفة والحكمة الذين أحيوا قلوبهم بقتل الهوى.
* لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس
إلا كما يجتمع الماء والنار والضبّ والحوت.
* المعاصي سدٌ في باب الكسب، وإن العبد ليُحرم الرزق بالذنب يصيبه.
* من أراد من العُمّال أن يعرف قدره عند السلطان فلينظر ماذا يوليه من
العمل وبأي شغل يشغله.
* الدنيا جيفة، والأسد لا يقع على الجيف.
* من عظم وقار الله في قلبه أن يعصيه وقَّره الله في قلوب الخلق أن يُذِلّوه.
* للعبد رب هو ملاقيه وبيت هو ساكنه، فينبغي له أن يسترضي ربه قبل
لقائه ويعمر بيته قبل انتقاله إليه.
* إذا حمَّلت على القلب هموم الدنيا وأثقالها وتهاونت بأوراده التي هي قوته
وحياته، كنت كالمسافر الذي يحمِّل دابته فوق طاقتها ولا يوفيّها علفها فما أسرع ما
تقف به.
* عيَّر سبحانه من رضي بالدنيا من المؤمنين فقال: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا مَا
لَكُمْ إذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ
الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إلاَّ قَلِيلٌ] [التوبة ٣٨] .
وعلى قدر رغبة العبد في الدنيا ورضاه بها يكون تثاقله عن طاعة الله وطلب
الآخرة.
* الإخلاص: هو ما لا يعلمه ملك فيكتبه، ولا عدو فيفسده ولا يعجب به
صاحبه فيبطله.
* ليس العلم بكثرة الرواية ولكن العلم الخشية.
* لا يشم عبد رائحة الصدق ويداهن نفسه أو يداهن غيره.
* الجهَّال بالله وأسمائه وصفاته المعطِّلون لحقائقها يُبغِّضون الله إلى خلقه
ويقطعون عليهم طريق محبته والتودد إليه بطاعته من حيث لا يعلمون.
* وقار الله:
من أعظم الظلم والجهل أن تطلب التعظيم والتوقير لك من الناس وقلبك خالٍ
من تعظيم الله وتوقيره، فإنك توقر المخلوق وتجلّه أن يراك في حال لا توقر الله أن
يراك عليها، قال تعالى: [مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقَاراً...] [نوح: ١٣] .
ومن وقاره ان لا تعدل به شيئاً من خلقه ... ، ولا يجعله على الفضلة ويقدم
حق المخلوق عليه، ولا يكون الله ورسوله في حدّ وناحية، والناس في ناحية وحدّ، فيكون في الحدّ والشق الذي فيه الناس دون الحدّ والشق الذي فيه الله ورسوله،
ولا يعطي المخلوق في مخاطبته قلبه ولبّه ويعطي الله في خدمته بدنه ولسانه دون
قلبه وروحه، ولا يجعل مراد نفسه مقدماً على مراد ربّه. فهذا كله من عدم وقار
الله في القلب، ومن كان كذلك فإن الله لا يُلقي له في قلوب الناس وقاراً ولا هيبة،
بل يسقط وقاره وهيبته من قلوبهم، وإن وقّروه مخافة شره فذاك وقار بُغضٍ لا وقار
حُبٍ وتعظيم. ومن وقار الله أن يستحي من اطّلاعه على سرّه وضميره فيرى فيه
ما يكره. ومن وقاره أن يستحي من أكابر الناس.
* مواساة المؤمنين:
المواساة للمؤمنين أنواع: مواساة بالمال، ومواساة بالجاه، ومواساة بالبدن
والخدمة ومواساة بالنصيحة والإرشاد، ومواساة بالدعاء والاستغفار لهم، ومواساة
بالتوجع لهم. وعلى قدر الإيمان تكون هذه المواساة. فكلما ضعف الإيمان ضعفت
المواساة، وكلما قوي قويت. وكان رسول الله ﷺ أعظم
الناس مواساة لأصحابه بذلك كله، فلأتباعه من المواساة بحسب اتباعهم له.
* شرف النفس:
قال شقيق بن إبراهيم: أُغلق باب التوفيق عن الخلق من ستة أشياء:
اشتغالهم بالنعمة عن شكرها، ورغبتهم في العلم وتركهم العمل، والمسارعة إلى
الذنب وتأخير التوبة، والاغترار بصحبة الصالحين وترك الاقتداء بفعالهم، وإدبار
الدنيا عنهم وهم يتبعونها، وإقبال الآخرة عليهم وهم معرضون عنها. قلت: وأصل
ذلك عدم الرغبة والرهبة، وأصله: ضعف اليقين، وأصله: ضعف البصيرة،
وأصله: مهانة النفس، واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير.
стр. 1116
الركن الإعلامي
أخبار قصيرة
- آغا خان لصاً:
اتهم المدعو (صدر الدين أغاخان) باختلاس أموال المهاجرين والمجاهدين
الأفغان. حيث إنه يعمل منسقاً لجهود الأمم المتحدة لإعادة توطين المهاجرين الأفغان، وقد ظهرت هذه التهمة عندما رشح آغا خان نفسه لمنصب الأمين العام للأمم
المتحدة مما استدعى البحث في ملفه كاملاً وتبين أنه صرف مبالغ طائلة من أموال
مشاريع التوطين في غير ما خصصت له، كما سبق للحكومة الفرنسية أن اتهمته
باختلاس مليونين ونصف مليون من الدولارات صرفها دون أن يدرج بها كشفاً
بكيفية الصرف مما يدل على صرفها في غير وجهها.
العالم الإسلامي
- ندوة فاشلة عن الديموقراطية في بيروت:
عقد في بيروت بين ٢٠-٢٣/١/٩٢ ندوة بعنوان المجتمع المدني في الوطن
العربي ودوره في تحقيق الديموقراطية، شارك فيها حوالي ٩٠ باحثاً ومفكراً من
مختلف الأقطار العربية تحت إشراف مركز دراسات الوحدة العربية، قدم فيها ١٦
بحثاً وعقب عليها ٢٩ باحثاً يمثلون مختلف الاتجاهات الفكرية من قومية وأصولية
وماركسية على حد ما جاء في الخبر. تطرق المتناقشون فيها إلى ما اسموه
بالمؤسسات السلطوية والأنظمة الاستبدادية وأنظمة الحزب القامعة للديموقراطية
وانتهاك حقوق الإنسان.. الخ
الأنباء العدد ٥٦٥٢
* والسؤال الذي يطرح نفسه لماذا لم يلق الإسلاميون وما يعانونه من
اعتقالات واغتيالات وسرق لجهودهم الديموقراطية، لماذا لم يلق الشجب والإدانة
على أقل تقدير. لماذا لم تتطرق الندوة بما يدين تلك الجهات المناوئة لهم: لماذا،
أليسوا بشراً لهم حقوقهم وما ذاك إلا لأنهم إسلاميون فحسب، وإذا عرفنا بأن
المركز المشرف ذو اتجاه علماني بطل العجب، والشيء من معدنه لا يستغرب.
وماذا قدم من سموهم بالأصوليين المشاركين في هذا المجال! !
- اهتراء منظمة التحرير:
في انتخابات الغرفة التجارية في مدينة رام الله فازت الكتلة الإسلامية بعشرة
مقاعد من أحد عشر مقعداً، وكانت هذه الكتلة قد عرضت على فصائل المنظمة
تشكيل قائمة موحدة ولكن المنظمة رفضت وشكلت مرشحيها عن كل فصيل من
فصائل المنظمة، فكانت النتيجة أن اكتسحت الكتلة الإسلامية هذه الانتخابات.
الحياة ١١/٣/٩٢
* الجدير بالذكر أن في هذه المدينة يعيش نسبة عالية من النصارى، وهذه
رسالة موجهة إلى منظمة التحرير بالبراءة منها، وهي رسالة موجهة إلى كل من
يريد إبعاد الإسلام بالقمع والقوة وأن الإسلام هو قدر هذه الأمة.
- ماليزيا تحتج على بورما للمجازر التى ترتكبها ضد المسلمين:
استدعت وزارة الخارجية الماليزية سفير بورما وأعربت عن قلقها إزاء
المعاملة التي تتلقاها الأقلية المسلمة هناك.
الحياة ١١/٣/٩٢
* حسن من ماليزيا أن تحتج ولو بالكلام على وحشية حكومة بورما، وننتظر
من دول أخرى أن تقوم بنفس العمل، إذا كانوا يفهمون بلغة الإنسانية.
- نظام كابل يطلب من واشنطن مساعدته للقضاء على (الأصولية) ؟ !
في مقابلة مع صحيفة (نيويورك تايمز) طلب نجيب الله من الولايات المتحدة
مساعدته في التغلب على المجاهدين مما يحول دون انتشار الأصولية في جمهوريات
آسيا الوسطى المجاورة ...
الحياة ١١/٣/٩٢
* أصبح المسلمون سلعة يتاجر بها كل نظام يريد مساعدات مالية يضرب
الإسلاميين ويسجنهم حتى تنهمر عليه المساعدات. ونحن نأمل من هذه (الأصولية)
أن تقتلع جذور حكام كابل ومن وراءهم.
стр. 1117
كتب -وثائق -مذكرات -إصدارات
- إلى أين تسير الجزائر: تأليف بلقاسم نابي:
المؤلف وزير جزائري سابق للبترول وضح في كتابه هذا الذي بلغ ٥٠٠
صفحة، أزمة البترول وتأثيرها على التنمية خلال الحقبة الماضية في الجزائر..
حدد من خلاله الظاهرة البترولية وعلاقتها باستراتجية الدول المتقدمة وهدف إعادة
تنظيم العالم من جديد، وتطرق لمشاكل البترول والغاز وخلفيات الصراع الدولي
حول الأسعار بأسلوب لا يخفى المنطلقات السياسية التي تعكس تبرير قرارات
التأميم، وركز على خطر الاعتماد الكلي على قطاع المحروقات واعتبار الرأسمال
البشري كقوة عاملة والاستمرار على نهج سياسة التصدير في الوقت الذي عجزت
فيه الدولة عن تنشيط الصناعة المريضة والفلاحة العاجزة عن تلبية أدنى
الاحتياجات الغذائية، والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا تكون الجزائر دولة بترولية
مصدرة بينما هي اقتصادياً منحطة فضلاً عن الديون المتراكمة التي تنوء تحت
كاهلها.
- أبو نضال: بندقية للإيجار تأليف: باتريك سيل
عن حياة رئيس حركة فتح (المجلس الثوري) المدعو صبري البنا والمعروف
بأبي نضال كتب الصحافي البريطاني (باتريك سيل) كتابه الجديد متطرقاً للعمليات
الإرهابية التي قام بها المذكور ومنظمته ضد بعض الأهداف الغربية واليهودية.
وذكر المؤلف أن أبا نضال أو المقربين إليه كانوا يعملون لصالح إسرائيل، ولا
ندري عن معلومات المؤلف، لكن حينما يغيب الإسلام عن التوجه، والدين عن
الضمير فلك أن تتصور أبشع الجرائم واشنع التصرفات.
- الحرب القادمة حرب المياه والصراع العربي الإسرائيلي
تأليف: د. سمير عيسى سعد
دراسة علمية تدرس مشكلة المياه في فلسطين المحتلة وأطماع العدو الصهيوني
في مياه الدول المجاورة وتطرق الباحث إلى المواضيع التالية:
حدود فلسطين كما أقرتها الاتفاقيات الدولية، وبيان الموارد المائية هناك،
ومشاريع المياه المنفذ منها وما هو تحت التنفيذ، وكذلك تطور السكان في فلسطين
وعلاقتهم بالمياه، ثم الواقع المائي في الأراضي المحتلة، وتظهر في هذا الفصل
فكرة المرحلية في استيلاء العدو الصهيوني على الأرض والمياه ثم يبين بالأرقام
والجداول مشاكلهم المائية نتيجة سياستهم في التوسع والاستيطان وخلص إلى أن
أطماع العدو تصل إلى مياه نهري النيل والفرات ثم ختم الكتاب بخلاصة البحث وما
تبين له من استنتاجات.
- اليهود والتحالف مع الأقوياء تأليف د. نعمان السامرائي:
وهو العدد ٣٢ من سلسلة كتاب الأمة التي تصدرها رئاسة المحاكم الشرعية
بقطر قدم لها الأستاذ المشرف بمقدمة تحليلية مطولة ويتكون الكتاب من عدة فصول
هي:
١- اليهود والظواهر الغريبة (ثقة بالنفس أم غرور) و (فقدان الغربة في
الحوار، إثارة مخاوف الآخرين) و (الارتباط بفلسطين) وقانون العودة..
٢- عبادة القوة والتحالف مع الأقوياء متطرقاً لبيان ذلك بنبذة تاريخية
ونصوص مختارة لقادتهم وتحالفهم مع الفاشية والنازية وإيضاح عصر أدبياتهم
اليهودية.
٣- الاستعمار والصهيونية (الأستاذ والطالب) الاستقلال والتبعية في آن واحد
والتوسعية والوحدوية والتفاوت الثقافي بين المهاجرين اليهود ثم ملحق عن الحقوق
الصهيونية المدعاة في فلسطين وبيان تهافتها علمياً.
وأشار المؤلف في مقدمته إلى حقيقة هامة يريد اليهود استغلالها في سبيل
استهدافهم تحطيم إرادة الخصم وهي محاولتهم بكل السبل تفريقنا وزرع الشكوك
بيننا واقناع حكامنا زوراً بأن الخطر على كراسيهم يأتي من الإسلاميين وليس من
إسرائيل! ! !
стр. 1118
إحصاء
- في مؤتمر (تنسيق المساعدات للدول المستقلة الجديدة) الذي عقد في
واشنطن من ٢٢-٢٣ يناير الماضي والذي حضره ٤٧ دولة و ٧ منظمات دولية ولم
تدع له الجمهوريات المحتاجة للمساعدة أعلن الرئيس الأمريكي (بوش) أنه سيطلب
من الكونجرس تخصيص ٦٤٥ مليون دولار مساعدات للجمهوريات التي كانت
تشكل الاتحاد السوفييتي السابق، وأعلنت اليابان تقديم ٥٠مليون دولار، ولم يقر
المؤتمر أي مساعدات جديدة وإنما اكتفى بإقرار بعض خطوات تنسيق المساعدات
وكيفية شحنها.
- سيصل إنتاج اليمن من النفط إلى ١. ٥ مليون برميل يومياً في نهاية العام
الحالي ١٩٩٢ والمعروف أن ١٨ شركة نفط مختلفة الجنسيات تعمل في اليمن على
قدم وساق، وأن المجلس الأعلى للشؤون النفطية والاستثمار وافق على ١٢ اتفاقية
جديدة في مجال الاستثمار النفطي.
الخليج ٤٦٥٧
- قال سمحا دنس مدير الوكالة اليهودية للمهاجرين أن نقص فرص العمل في
إسرائيل هو السبب الرئيس للانخفاض الكبير في عدد المهاجرين لإسرائيل حيث لم
يبلغ عدد المهاجرين في فبراير الماضي سوى ٥٠٠ مهاجر فقط وهو أقل معدل وقد
وصل نحو ٤٠٠ ألف مهاجر من الاتحاد السوفييتي السابق منذ أواخر عام ١٩٨٩
مما أدى إلى إجهاد الاقتصاد اليهودي ورفع معدل البطالة إلى ١١% وهو أعلى
معدل منذ ٢٠ عاماً، ووفقاً لإحصائيات للوكالة المذكورة فقد بلغ معدل المهاجرين
في شهر ديسمبر عام ١٩٩٠ إلى الذروة إذ وصل إلى٢٩٥. ٣٤ مهاجراً سوفياتياً
وفي الأشهر الستة الماضية لم يصل العدد الشهري إلى ١٠ آلاف شخص بينما بلغ
الشهر الماضي ٢٣٧ مهاجراً.
الشرق القطرية العدد ١٤٢٥
стр. 1119
في دائرة الضوء
أي حرية تمارسها الصحافة الكويتية ؟
بعد أن عاد الكويتيون إلى ديارهم بعد المأساة التي عاشوها والتي اكتووا بنارها، ... كنا نتوقع ويتوقع كل مخلص أن يتوب المبتعدون عن الإسلام إلى ربهم، لا سيما
من كان منهم يبارز الله بالمعاصي، ومن عرف عنهم مواقفهم المتشنجة ضد
الصحوة الإسلامية، وضد الدعاة إلى الله عموماً، لا سيما الكتاب والصحفيين
وغيرهم، لكنا فوجئنا بأن الأمر انعكس رأساً على عقب، ورأينا الفئة المفترية على
الله عادت أشرس ما تكون عداءاً للإسلام، وأكثر افتراءاً على دعاته وأسرع سقوطاً
في أحضان الكفر والكافرين. وقرأنا ما تقشعر له أبدان الذين آمنوا من السخرية من
الدين وشعائره كما كتب المدعو (فؤاد الهاشم في صحيفة صوت الكويت) عليه من
الله ما يستحق، وكان محل انتقاد الدعاة والعلماء في الكويت.
ورأينا (أحمد الجار الله) يفتري على الله ويتهم الدعاة إلى الله بمفتريات سخيفة
لا يصدقها عاقل.
ووجدنا صحيفة الوطن تملأ صفحاتها افتراءاً وكذباً وتزويراً ضد من دعوا إلى
(إقامة هيئة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) وجن جنونهم لهذا المشروع
الخيري الكبير، وكأنهم يعطون الدليل بأنه لا يصح أن يوقفوا عند حدهم وألا
يفطموا على ما ألفوه من باطل وانحراف، ووجدنا من يدعو إلى الاعتراف بالعدو
الصهيوني بدعوى أنه لم يفعل بهم كما فعل (مجنون العراق) وشنوا حملات ظالمة
ومفتراة على الجماعات الإسلامية التي كان لها موقف معين ووجهة نظر رأوها
حيال تلك الأزمة التي مرت بالمنطقة فدعوا إلى مقاطعتها وشنعوا على قادتها
واعتبروهم أبعد من العدو الصهيوني نفسه.
نعم إن للحرية الصحفية دورها في كل مطبوعة لكن أن تصل الحرية إلى
الكفر البواح وإلى الافتراء بلا دليل والسخرية من المسلّمات الشرعية المحترمة فهذا
ما يجب أن يوقف وأن يكون محل دراسات علمية ونفسية لهؤلاء الكتاب الذين هم
عالة على الصحافة، وأبعد ما يكونون عن رسالتها الشريفة، ولقد تطرق نفر من
الدعاة إلى الله إلى دراسة هذه الظاهرة وتحليلها وبيان منزلقاتها أمثال (الشيخ سلمان
ابن فهد العودة) في درسه (هشيم الصحافة الكويتية) الذي نشرته مجلة المجتمع
مسلسلاً ابتداءاً من العدد ٩٨٥ وما بعده.
لكن ما يمكن قوله في هذه العجالة:
١- أن أولئك الكتاب الذين أخرجوا ما في بواطنهم من غل هم أناس
مشبوهون ولهم سوابق في الانحراف الفكري، والقراء يعرفونهم قبل الأزمة.
٢- إنهم جهلة بالدين الذي ينتسبون إليه لا يعرفون منه سوى ما يعرفه العوام
أما أن يعرفوا أصوله وآفاقه وحلوله لمشكلات العصر فهم أبعد الناس عن ذلك وفاقد
الشيء لا يعطيه.
٣- اتهامهم للإسلام ودعاته، وتكرارهم لما يقوله أعداؤه يدل دلالة أكيدة على
أنهم عملاء سواء عرفوا أم جهلوا، وإلا لماذا يتبنون طروحات الأعداء حتى
صارت كالإعلانات المدفوعة الأجر.
٤- الموقف حيال تلك الاتجاهات الشائنة للإسلام ودعاته هو مقاطعتهم ولقد
أحسنت الجمعيات التعاونية بالكويت صنعاً حينما قاطعت تلك الصحيفة التي تبنت
آراء ذلك الكاتب المشبوه ضد الإسلام حتى اعتذرت الصحيفة عما نشرت على
لسانه.
ولابد من المقاطعة لتلك الصحف المشبوهة فإنها ستصاب بالسكتة القلبية من
جراء مقاطعتها حتى تتأدب مع الإسلام ودعاته وتحترم الرسالة المفترضة فيها وهذا
أبلغ علاج.
وإن من أبجديات الشكر لله على ما آلت إليه الأحوال أن يحترم دين هذه الأمة
وأن يتاح المجال للكتاب المحترمين بأداء دورهم في الدعوة والإسلام، وألا تنشر
إلا كل نافع ومفيد فإن الصحيفة المحترمة تستطيع أن تجذب القارئ بالموقف
الموضوعي والنقد البناء والخبر الطريف والتحقيق المفيد وطرح القضايا الحيوية
التي تهم قطاعات المجتمع.
стр. 1120
مصطلحات
الدين لله والوطن للجميع !
تتردد هذه الايام على ألسنة من يمارس اضطهاد الدعاة مقولة: لا وصاية
لأحد على الإسلام، والإسلام للجميع، كما يرددون (الدين لله والوطن للجميع) .
وقد سئل الشيخ عبد الرحمن الدوسري ﵀ عن هذه العبارة فأجاب:
هذه المقالة: (الدين لله والوطن للجميع) صاغها الحاقدون على الإسلام الذين
رموه بالطائفية بهذه الصيغة المزورة إفكاً وتضليلاً، ليبعدوا حكم الله ويفصلوه عن
جميع القضايا والشؤون بحجة الوطن الذي جعلوه نداً لله، وفصلوا بسببه الدين عن
الدولة، وحصروه في أضيق نطاق، فأعادوا بذلك الحكم القيصري والكسروي
بألوان وأسماء جديدة، والعبرة بالمعاني من سوء التحكم والأعمال المخالفة للشرع،
وعدم العدل لا بالأسماء والألقاب، فهي خطة شركية قلّ من انتبه لها، ولا يجوز
للمسلمين إقرارها أبداً، ولكن غلبت عليهم سلامة الصدر فاغتروا بما يطلقه أولئك
من الدجل والتهويل ويخادعون به الله والمؤمنين من دعوى تعظيم الدين والارتفاع
به عن مستوى السياسة التي هي غش وكذب، ليخدعوا به المسلمين ويخرسوهم
والله لا يرضى من عباده أن يتهاونوا بالحكم ويتنازلوا عن حدوده قيد شعرة أو
تنقص فيهم الرغبة الصادقة في تنفيذه - بدلاً من أن تنعدم - لحب وطن أو عشيرة
بل ولا لحب ولد أو والد أو أخ قريب، فالدين الذي لله يجب أن يسيطر على الجميع
ويكون أحب وأعز من الوطن وأن لا يتخذ الوطن أو العشيرة نداً لله ويعمل من أجله
ما يخالف حكم الله وتبذل النفوس والأموال دون كيان العصبية القومية في سبيل
الوطن لا في سبيل الله لإعلاء كلمته وقمع المفتري عليه بل لتعزيز المفتري عليه،
فهذه وثنية جديدة أفظع من كل وثنية سبقتها، إذ يعملون تحت هذا الشعار الوثني ما
يشاؤون ويخططون لحياتهم الوطنية تخطيط من ليس مقيداً بشريعة ربه وكونها
أفظع من كل وثنية هو لمزيد فتنتها وإخراجها للناس بهذا الأسلوب الذي صاغته
(أوربا) هروباً من حكم الكنيسة والله يقول: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا إن تُطِيعُوا الَذِينَ
كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ] ويقول: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا إن
تُطِيعُوا فَرِيقاً مِّنَ الَذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إيمَانِكُمْ كَافِرِينَ..] وقد عملوا منذ
زمن طويل على ذلك حتى كسبوا بعض أولاد المسلمين فنفذوا لهم هذه الخطة التي
طوحوا بها بحكم الإسلام بحجة أقلية نصرانية انتحلوا هذه النحلة وعطلوا دعوة
الإسلام وأوقفوا زحفه إرضاء لهذه الأقلية وإغضاباً لله بينما هي تزحف بالدعاية
النصرانية وبث الإلحاد على حساب المسلمين وفي عقر بيوتهم وجعلوا الحكم لغير
الله وأباحوا من أجلها ما حرم الله بإقرارهم له وإعفاء مرتكبه من العقوبة ليشهدوا لهم
مع تلاميذ الأفرنج من أبنائهم أنهم متحررون أكفاء للحكم.
стр. 1121
العنصرية والديموقراطية الأوربية
في الميزان
د. أحمد عجاج
لم يكن يخطر أبداً في بال عائلة سعدو اللبنانية التي هربت من جحيم الحرب
الأهلية في لبنان بأنها ستواجه مأزقاً بعد اليوم. فقد حطت رحالها أخيراً في بلدة
هنكس الألمانية على نهر الراين، وشعرت للمرة الأولى منذ سنوات بالأمان
والحرية. ولكن لم يكن هذا الشعور إلا وهماً وسراباً. ففي منتصف ليل الخامس
من أكتوبر الماضي ودون سابق إنذار اشتعل منزلها وأصيبت طفلتاها اللتان لم
تتجاوزا بعد سن السادسة والثامنة بحروق خطيرة إثر هجوم قامت به العصابات
النازية الجديدة بالقنابل الحارقة عليها. وسبب الهجوم بسيط جداً وهو أن تلك العائلة
لا تنتسب إلى الجنس الألماني العظيم!
وعائلة سعدو ليست إلا واحدة من عدة عائلات تعرضت إلى ما هو أفظع
وأشنع من ذلك بكثير على يد تلك المجموعات النازية الجديدة التي تطالب بتطهير
ألمانيا من الغرباء الذين يشوهون منظرها ويزيدون أعباءها.
إن تصاعد الخطاب العنصري في ألمانيا وغيرها من البلدان الأوربية ليس
بحد ذاته حدثاً عابراً أو أمراً عارضاً بل هو يلمس جوهر السياسة الأوربية الجديدة
في تعاملها المستقبلي مع الأقليات الموجودة على الأراضي الأوربية. ففرنسا تجد
نفسها أمام تصاعد نجم العنصري (ماري لوبان) وألمانيا تقف عاجزة أمام موجات
العنف التي يشنها المتطرفون ضد الأقليات واللاجئين من العالم الثالث، وبريطانيا
تعرب عن قلقها إزاء تصاعد نشاط الجبهة القومية البريطانية، وسويسرا درة
الغرب تحاول أن تتجنب تلك الموجات العنصرية المشينة.
وأوربا تعيش الآن مرحلة خطيرة من تاريخها الحديث الذي لا يختلف بنتائجه
وآثاره عن تلك المرحلة المظلمة التي استساغت فيها أوربا استبعاد الشعوب
واستغلال طاقاتها معتمدة على تبريرات واهية ترتكز إلى اللون والدين ودرجة
التمدن. فالحملة العنصرية ضد المهاجرين، أي اللاجئين كما يطلق عليهم، بلغت
مرحلة خطيرة جداً إذ أصبح معها المهاجرون غير آمنين حتى في بيوتهم وبحاجة
دائمة لحماية من الشرطة. وتزامنت الحملة هذه مع تزايد البطالة وتدهور الوضع
الاقتصادي وتدفق أعداد هائلة من المهاجرين إلى أوربا.
وتصاعد الكراهية وموجة العداء لا ينطلقان من فراغ بل يستندان إلى مبررات
ومسببات عديدة تجد تشجيعاً وتغذية من الأحزاب العنصرية التي تعمل ليل نهار
على نشر مشروعها العنصري. فالأحزاب العنصرية لها مبادئها ومنطلقاتها الفكرية
التي ترى فيها تفوقها وأفضليتها وأصالتها وسموها على بقية الأجناس البشرية. هذه
الأحزاب والجماعات تتعامل مع موضوع المهاجرين من زاوية عنصرية بحتة.
فهي ترى في وجودهم على أرضها تشويهاً لجمال بلادها وخطوة خطيرة نحو زوال
نفوذها وسيطرتها وطمساً لحضارتها العظيمة. ولم لا وهي تعتقد بأن أولئك
المهاجرين لا يتمتعون بأي رصيد حضاري ولا همّ لهم سوى الاستيلاء على المدن
الراقية وصبغها بلونهم شأنهم في ذلك شأن البرابرة. فأكثر ما يزعج تلك الجماعات
العنصرية وجود أقليات كثيرة في مدنها الراقية مما يغير من طبيعتها ونمطها. لذا
يطلقون على مرسيليا الفرنسية على سبيل النكتة والتهكم بأنها (عربية أكثر من
الجزائر) نظراً لوجود أعداد هائلة فيها من المهاجرين العرب من شمال أفريقيا.
والخطورة لا تكمن في وجود تلك الأحزاب بل في أنها تعمل في جو من
الحرية وضمن إطار الديموقراطية، دون حسيب أو رقيب وضوابط وقيود.
والحرية الممنوحة لتلك الجماعات تجاوزت الحدود الممكنة التي يمكن السماح بها في
أي ديموقراطية. فقد وصل الأمر أخيراً أن تطرح الأحزاب العنصرية برامج
سياسية تدعو إلى التخلص من جميع المهاجرين سواء كانوا مواطنين أصليين أم لا
انطلاقاً من أن أوربا للأوربيين وأنه من غير المجدي والممكن أن يتعايش الجميع
فيها. فالرئيس الفرنسي السابق جيسكار ديستان وغيره من الساسة المحترمين أمثاله
لم يتورعوا عن إطلاق تصريحات عنصرية آملين من وراء ذلك أن يحصلوا على
أصوات الناخبين الفرنسيين وسحب البساط من تحت أقدام الحزب العنصري الذي
يتزعمه ماري لوبان. فقد صرح ديستان أثناء مقابلة أجرتها معه صحيفة الفيغارو
الفرنسية الواسعة الانتشار بأن من الضروري التحرك لوضع حد لهجرة أبناء العالم
الثالث مشبهاً إياها بالغزو الذي يتوجب مواجهته قبل فوات الأوان. ولم يقتصر
الأمر عند هذا الحد بل تعدى ذلك بكثير عندما أعلن رئيس وزراء فرنسا السابق
جاك شيراك في احتفال حزبي عن امتعاضه من (صخب العرب وضوضائهم) ومن
(روائحهم البشعة) [١] .
تلك التصريحات العنصرية والمليئة بالحقد والكراهية ساهمت إلى حد كبير في
زيادة روح العداء والانقسام وغذت عنصر الأنا والاستعلاء لدى المواطنين
الفرنسيين وشجعت بدورها على نمو التيارات العنصرية وبالذات الجبهة القومية
الفرنسية التي بدأت تكتسب شعبية مرموقة في صفوف الشعب الفرنسي. فالجبهة
القومية استطاعت أن تلعب ورقة المهاجرين واللاجئين بمهارة ودقة مما سمح لها أن
تفرض نفسها على الساحة السياسية كقوة لها وزنها وقيمتها. وقد وصل الأمر أخيراً
بزعيم الجبهة ماري لوبان أن يطرح برنامجاً انتخابياً يطالب فيه بطروحات تضرب
عرض الحائط جميع مقومات الديموقراطية التي يتغنى بها الفرنسيون في بلد الحرية
والإخاء والمساواة. والبرنامج يدعو إلى طرد جميع المهاجرين واللاجئين غير
الأوربيين مباشرة بعد مرور سنة على إقامتهم في فرنسا وحظر إعطاء تاشيرات
سياحية للعرب والأفارقة [٢] . والتبرير المعطى هو أن الهجرة من العالم الثالث
مصدر الجرائم والبطالة والتهديد للوطن الفرنسي. وينص البرنامج على منح
الفرنسيين الأفضلية في السكن والوظائف وحرمان المهاجرين، بغض النظر عن
مدة إقامتهم، من جميع الضمانات الاجتماعية التي توفرها الديمقراطيات الحديثة
لجميع المواطنين دون تمييز يرجع إلى اللون والجنس. ورغم بشاعة البرنامج فإن
الفرنسيين وجدوا فيه إيجابيات عديدة! فقد أفاد آخر استطلاع للرأي العام أن نسبة
تأييد ماري لوبان ارتفعت من ١٨ إلى ٣٢ بالمئة محرزاً في ذلك تقدماً ملموساً
وظهوراً قوياً على الساحة السياسية [٣] .
والتأييد الذي يلقاه ماري لوبان يعكس مدى التردي الأخلاقي في المجتمع حيث
أصبح الجهر بالعنصرية شيئاً مقبولاً ولا يثير الخجل والحياء بل الفخر والإعجاب.
فقد أصبح الخطاب العنصري مجالاً رحباً وأرضاً خصبة للتأييد الشعبي وتعزيز
موقع الطامح إلى السلطة حتى وصل الأمر أخيراً بالرجل الثاني في الجبهة القومية
الفرنسية برونو ميغرات أن يتسائل قائلاً: (لماذا نجهد أنفسنا في الحفاظ على
أجناس الحيوانات في حين لا نلقي بالاً لاختفاء الجنس البشري من جراء الاختلاط
العام بين الأجناس البشرية المختلفة) [٤] .
فلا غرابة إذن أن نرى متطرفين وعنصريين وأعمال إرهاب وعنف ضد
المهاجرين واللاجئين طالما أن الخطاب العنصري يحتل رقعة واسعة من الحياة
السياسية والاجتماعية.. ولكن ما يدعو إلى الاستغراب حقاً هو كيف تتعايش
الديموقراطية مع العنصرية؟ فالديموقراطية الغربية بما تتضمنه من أفكار ومبادئ
تتنافى كلياً مع ما تطرحه العنصرية، والاختلاف بينهما كبير بمقدار ما هو بين
الماء والنار. فالدول الغربية بالذات تطالب دولاً أخرى باستمرار أن تحترم حقوق
الإنسان وأن تنتهج المنهاج المثالي في التعامل مع مواطنيها وتتزعم دائماً المؤتمرات
والمجالس الدولية رافعة الصوت عالياً باحترام حقوق الإنسان وتوفير الأمن
والرفاهية للجميع دون استثناء لكن دون أن تكلف نفسها عناء النظر في ما يجري
على أراضيها من حدث وخطاب سياسي. فظاهرة تفشي العداء والتطرف ضد
المهاجرين قلما تجد تأنيباً من نخب الغرب الحاكمة إن لم تجد أحياناً تشجيعاً كما هو
الحال في فرنسا وألمانيا. وهذه المفارقة تكشف في جوهرها حقيقة الديموقراطية
التي ملأ صيتها الآفاق وانتشر في أرجاء المعمورة.
إن كانت الديموقراطية كما يزعم بأنها من أنجح الأدوية وأفضل الطرق لرص
صفوف المجتمع وصهر طاقاته فإن نموذجها الغربي المطبق لم يحقق حتى الآن إلا
نجاحاً نسبياً. وإلا لما طرح لوبان مشروعه، ولما قال شيراك بأن العرب رائحتهم
كريهة ولا تعرضت عائلة سعدو للحرق. فالديموقراطية بمثالها الغربي لا يمكن أبداً
أن تنجح في توحيد المجتمع وصهر طاقاته البشرية ولم أجناسه المتنوعة في بوتقة
واحدة. والسبب يكمن في كيان الديموقراطية الغربية ذاته القائم على الحرية الفردية
المنفلت من كل قيد أو ضابط أخلاقي واللاهث وراء الإشباع المادي دون سواه.
فإذا ما توفرت العناصر المادية ولوازمها يمكن للمجتمع آنذاك أن يعيش نسبياً نوعاً
من الأمان والاستقرار الاجتماعي. ففي الماضي غير البعيد انتجت ديمقراطية
الغرب - عندما تردت الأوضاع وساءت الأحوال الاقتصادية - نازية هتلر
وفاشستية موسوليني.
الثابت أن المجتمع الذي لا يتمتع بالمناعة الأخلاقية والمثل العليا غير قادر
على معايشة حقوق الإنسان واحترام الآخرين عندما يواجه انحساراً وضموراً في
وفرته الاقتصادية. وهذا بالطبع ليس شيئاً غريباً لأن الفرد الذي تربى على تأليه
المال والمبادرة الفردية الصرفة في الإنتاج واعتاد الوفرة والبذخ في العيش لا يمكنه
أن يتنازل عن مكتسباته برحابة صدر وابتسام. بل يتطلع دائماً إلى كبش فداء
لتحميله وزر الضائقة وإنزال سخطه وغضبه عليه. وهو بسعيه هذا يتمتع بحصانة
تحول دون معاقبته لأن السلطة ذاتها بحاجة إلى دعمه ودعم أمثاله، وترى في
أعمال كهذه منفذاً للتهرب من مسؤولياتها وفشلها في إدارة البلاد. والسلطة في
مواجهة أزمات كتلك ترتكز على أهمية ضمان الوحدة الاجتماعية التي لا تتحقق
بنظرها إلا بتوفر عنصرين هما: الأمن الداخلي وتنفيذ مشروع الاندماج.
والمقصود بعبارة الأمن الداخلي هو إقفال البوابة الأوربية في وجه الآلاف من
المهاجرين الذين ضاقت بهم بلادهم وخرجوا منها قهراً أو بحثاً عن مصدر رزق
جديد. وعبارة الاندماج تتطلب من المهاجرين واللاجئين الانسلاخ عن ذاتهم
وتقاليدهم استعداداً لتقمص هوية جديدة لم يعرفوها أو يألفوها من قبل. وفي كلا
المطلبين تصبح الديموقراطية بلا معنى ويخسر المهاجرون واللاجئون حقوقهم
الإنسانية.
فالديموقراطية والعنصرية يصعب تعايشهما معاً، إلا أن تعيش واحدة على
حساب الأخرى. إذ لا يعقل أبداً أن تحرق عائلة سعدو وتذبح عائلة رومانية أخرى
دون أن يعتقل الجاني أو تغلق مراكز الجماعات العنصرية وتمنع شعاراتها التي
تتنافى مع أبسط حقوق الإنسان. فالديموقراطية الحقة التي نعرفها لا تستقيم إلا إذا
عاشت عائلة سعدو بأمان وسجن قاتلو العائلة الرومانية وأقفلت أبواب الأحزاب
والجماعات العنصرية إلى غير رجعة.
стр. 1122
قراءة لفكر الصحافي هويدي
خالد بن صالح السيف
مدخل:
الكتابة في المراجعات والرد على المخالف منهجية ذات تأصيل سلفي تتجاوز
هشاشة العاطفة.. وتنأى باعتدالها عن الاستئناس بتبدي العورات قبالة الملأ..
وتتحرى الصواب مخافة بخس الناس أشياءهم؛ ومن قبل تحتسبها إماطة للأذى..
ونفياً لخبث الفهم الفاسد في مرحلة اختلط فيها المتغير بالثابت.. وبخس النقل في
سوت العقل..، ولم تعد الأولويات مواطن اتفاق.. رغم جلاء المنهج القرآني في
الجانب العقدي؛ وبات فئام يصدورن عن فهم يساري إسلامي! ! وآخرون عن فهم
مستنير! ! وثمة فهم عقلي وعصري وفهوم آخر ما أنزل الله بها من سلطان.
وهو واجب كفائي يحقق مطالب شرعية.. (أهم المهمات: نصح للمخالف:
وضماد لجراحه ونصح لجميع المسلمين، وكشف للغشاوة عنهم وحماية لقيمهم من
التحلل والإدغام والدخولات وحياة الأنعام وغيرها من رواسب الخلاف الطائش.
وتنقية الساحة من المنكودين، وبالتعريف عليهم، بما خالفوا به أمر السنة والكتاب
فابتدعوا وفجروا ونابذوا السنة وآذوا المسلمين. وفي هذا تحذير بالغ من الوقوع في
شراكهم وحيلولة بينهم وبين ما يشتهون) [١] .
و (السنة شاهدة من وجه آخر إلى مدح القائمين بهذا الواجب، وأنهم هم
العدول المصلحون، الغرباء، وأن عملهم من الجهاد، وواجب الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر..) [٢] .
ما سلف منهجية تبدو حقيقة محضة في ممارسة أرباب منهج (أهل السنة
والجماعة) المتقدمين منهم والمتأخرين سيان وفي كتابتي هذه أتطلع إليها مجتهداً
وأستشرف الصواب فيها متحرياً، والله المستعان.
الأستاذ فهمي هويدي صحافي يكتب في (الأهرام) و (العربي)
و (المجلة) [*] ويعني في طرحه بقضايا إسلامية ذات بعد صحفي.. مغرق في الانتفاش، ذو رؤية أحسبها تكونت من أمشاج رؤى احتطبها من (مركز للمعلومات) فحسب، إن شئت فارقب ذلك في كتبه ومقالاته حيث النقول المستفيضة وإن كان يحسن صرف دلالتها بأن يلوي أعناقها أو يحرفها وفق مقتضى طرحه، ودونك مثالاً على ذلك:
في مقالة له وسمها بـ (العقل في قفص الاتهام) كتب الآتي: (ولشيخ
المجتهدين ابن تيمية كتاب كامل في) رد تعارض النقل والعقل (خصصه لمناقشة
القضية من زاوية دقيقة تتمثل في السؤال التالي: ما العمل إذا تعارض الشرع -
وهو المنقول إلينا من غيرنا - مع العقل؟ ، في رده قال ابن تيمية: إذا حدث
التعارض بينهما فإما أن يجمع بينهما وهو محال، لأنه جمع بين النقيضين وأما أن
يردا جميعاً (أي يرفضا جميعاً) وإما أن يقدم السمع وهو محال لأن العقل أصل النقل، فلو قدمناه عليه كان ذلك قدحاً في العقل الذي هو أصل النقل والقدح في أصل
الشيء قدح فيه، فكان تقديم النقل قدحاً في العقل والنقل جميعاً، والحل يرد ابن
تيمية: فوجب تقديم العقل.
ثم يضيف شيخنا الجليل إن هذا الرأي بمثابة قانون كلي عند أكثر الأئمة
المجتهدين الفخر الرازي وأتباعه وقبله الإمام الغزالي والقاضي أبو بكر العربي
والجويني والباقلاني وهذا صحيح..) انتهى بنصه من كتابه القرآن والسلطان هموم
إسلامية معاصرة [٣] .
ويبدو واضحاً حدة التمويه التي يمارسها هويدي في غالب نقوله رغبة في
موافقة ما يصدر عنه من هوى وإن اضطر للتقول. واحسبها في النص السابق
المنسوب لشيخ الإسلام تبدو أكثر وضوحاً في هذا التجني وهويدي نفسه ربما يعي
جيداً أن هذا ليس من كلام شيخ الإسلام إن لم يكن أول من يعلم ذلك.. إضافة إلى
مفردات الاسلوب وعباراته ليست من أساليب شيخ الإسلام ولا من عباراته -رحمه
الله تعالى-! !
يبدأ ابن تيمية كتابه - درء تعارض العقل والنقل - بعد الخطبة بقوله: (قول
القائل: إذا تعارضت الأدلة السمعية والعقلية..) [٤] . وبعد أن أورد شيخ الإسلام
القانون الكلي للتوفيق عند المبتدعة وهو ما نقله هويدي في مقاله السابق ونسبه إليه
زوراً قال - أي شيخ الاسلام: (وهذا الكلام قد جعله الرازي واتباعه قانوناً كلياً
فيما يستدل به ولهذا أرادوا الاستدلال به بما جاءت به الأنبياء والمرسلون من
صفات الله وغير ذلك من الأمور التي أنبأوا بها،..) [٥] .
وجاء في مقدمة الكتاب نفسه من وضع د. محمد رشاد سالم ﵀
والنص الذي أورده ابن تيمية في مستهل كتابه هو تلخيص لكلام الرازي في كتبه
المختلفة في هذه النقطة..) [٦] .
أحسب أن القارئ الفطن أدرك جيداً إن ما نسبه هويدي للشيخ إنما هو (قانون
التأويل الكلي) لأرباب الابتداع والذي جاء كتابه الفريد في رد هذا القانون من وجوه
عديدة بلغت أربعة وأربعين وجهاً.
وبعد.. فليس ثمة تعليق على منهج يفتقد إلى مسلمات الموضوعية في أمانة
النقل وأستميح القارئ عذراً لهذا الاستطراد الذي ليس منه بد.. إذ أن ما سلف
جزئية استليتها من منهج الأستاذ الصحافي هويدي، والذي صنف في زمن استمراء
الألقاب، (كاتباً ومفكراً إسلامياً ذا مبضع يدمل به جروح الأمة في تدينها
المنقوص) ! ! و (أزمة وعيها الديني) ! !
(إذ بات قدر الكاتب الذي يعلن انتمائه الإسلامي ويصر على أن يخوض
بدينه معركة التقدم أن يواجه في مسيرته ثلاث معارك في آن واحد أولها ضد
الناقدين للإسلام وثانيها ضد المتربصين بالعاملين في ميدان الدعوة والثالثة مع
فصائل المتدينين أنفسهم الذن امتلأت قلوب أكثرهم بالإيمان ولكن وعيهم بحقائق
الدين وأساليبه ومقاصده تشوبه شوائب عدة مما أطلقت عليه في أكثر من موضوع
بالكتاب وصف: التدين المنقوص) [٧] .
وهو لا يكاد يتجاوز في جل كتبه وأطروحاته الصحافية الأدلجة العصرية
لهموم المسلم المستنير ويعزف على ذات النغمة إياها لأرباب هذا الطرح ممن
ينعتون بالكتبة والمفكرين الإسلاميين! ! وهاك مفردات (قاموسه) من خلال كتابين
اثنين من كتبه فحسب (التدين المنقوص) - (أزمة الوعي الديني) [**] لتكفيني
مؤنة إبراز منهجه وتحديد هوية انتمائه وسقف طرحه:
** (فوجدت مكتبة المسجد عامرة بالكتب التي أفزعتني عناوينها إذ كانت
هذه العناوين كما يلي: حكم بناء الكنائس والمعابد الشركية في بلاد المسلمين -
الجواب المفيد في حكم التصوير - الشفاء في أمر الموسيقى والغناء - التحذير من
السفر إلى بلاد الكفرة وخطره على العقيدة والأخلاق - نقد القومية العربية على
ضوء الإسلام والواقع - الضوء القرآني والسني على عقيدة النبهاني - الأنوار
الرحمانية لهداية الفرقة التيجانية - تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد - فصل
الخطاب في المرأة والحجاب - هذه نصيحتي إلى كل شيعي إقامة البراهين على
حكم من استغاث بغير الله أو صدق الكهنة والعرافين) [٨] .
** كتابات شيوخه شلتوت والغزالي والقرضاوي من المعاصرين وحدهم:
(تعد نماذج واجبة الاحتذاء لما ينبغي أن يكون عليه موقف الفقيه في قلب هموم
الأمة..) [٩] .
** عقب أن استعرض كتاب البوطي (السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب
إسلامي (بثناء مفرط كتب) أحسنت يا أستاذنا) [١٠] .
** الفقيه عنده (يتجاوز دارسي العلوم الشرعية ليشمل كل من حسن إسلامه
وتعمق في أي فرع آخر من فروع المعرفة الإنسانية والعلمية) [١١] .
** أدى فريق المنشدين الفتيات منهم والشباب أغنية فريد الاطرش (يا زهرة
في خيالي) ثم قدموا أنشودة أقرب إلى التواشيح على أنغام أغنية أخرى لفريد
الأطرش أيضاً.. بعد ذلك وقفت مغنيتان في شرفة جانبية وقدمتا عدة أغنيات
ماليزية بصوت رخيم على أنغام الآلات الموسيقية المحلية المتميزة.
سألت لماذا فريد الاطرش دون غيره؟ قالوا إنه هو والسيدة أم كلثوم أشهر
الفنانين العرب الذين تعرفهم ماليزيا وبعدهما يأتي عبد الوهاب.. رغم أنهم لا
يفهمون معنى الكلام العربي ولكنهم يتعلقون باعتباره ينتسب الى لغة القرآن،
بصرف النظر عن مضمونه..
(قلت للشاب الماليزي المتحمس إن الترويج للأغانى العربية الراقية لا يعد
متعة مشروعة ومطلوبة فقط ولكنه يؤدي رسالة أيضاً من حيث أنه يجذب الناس إلى
اللغة العربية ويعلمهم مفرداتها بمضي الوقت) [١٢] .
وبئس الميكافيلية تلك. وربما نعتت مستقبلاً بالإسلامية! !
** لا يوجد نص شرعي صريح أو واضح الدلالة في تحريم أي من الغناء أو
الموسيقى على إطلاقهما وأن النبي وصحابته سمعوا الأغاني والدفوف ولم ينكروها، ثم إن الإسلام لم يخاصم فناً لذاته سواء كان غناء أو تمثيلاً أو رقصاً فتلك وسائط
لا يسع عقلاً إسلامياً أن يحكم بحلها أو حرمتها إلا إذا عرف لأي شيء وضعت
للحلال أم للحرام) [١٣] .
** (وأستأذن في أن أعفى من الخوض في مسألة النقاب الذي تعرضت له
في سياق سابق وقلت أنه مظهر شاذ، لا يستند إلى دليل شرعي قوي ومع ذلك فلا
تثريب على من تنقبت إذا استراح ضميرها الى ذلك شريطة ألا تلزم غيرها بما
فعلت وألا تتهمها بنقصان في الدين أو خروج على تعاليمه) [١٤] .
** (تقاليد مجتمع الصحارى العربية لها دورها الذي لا ينكر أيضاً في
تطويق مساحة الترويح.. ونحن نلحظ مثلاً أن بعض المذاهب المدرسية الفقهية
التي تجنح إلى التشدد لم تستقر ولم يكتب لها الاستمرار إلا في البيئة الصحراوية
والمذهب الحنبلي وامتداده النسبي المتمثل في التيار الوهابي لم يتجاوزا حدود شبه
الجزيرة العربية كقاعدة عامة) [١٥] .
** (لست أخفي أن قلقاً انتابني لأول وهلة حينما رأيت كتاب الأستاذ سيد
قطب (معالم في الطريق) مترجماً الى الملاوية ومتصدراً واجهات بعض المكتبات
في كوالالمبور ربما لأني تمنيت أن يطل الشاب الملاوي على مساحة الفكر والعمل
الإسلاميين من نافذة أخرى أكثر رحابة وسماحة فضلاً عن أن كتاب (المعالم) ليس
أفضل تعبير عن الأستاذ سيد الذي كان أكثر لياقة وأقرب إلى ما ننشد من وسطية
واعتدال في كتابه المبكر (العدالة الاجتماعية) [١٦] .
** (لكن المحظور الذي ننبه إلى خطره هنا هو أننا ينبغي ألا نسعى بأيدينا
إلى إثارة النعرات المذهبية والطائفية سواء بين السنة والشيعة، أو بين السلفيين
والأباضية أو الزيدية أو الصوفية، أو بين المسلمين في مجموعهم وبين غير
المسلمين) [١٧] .
** (إذ الخوض في التاريخ لا طائل من ورائه والجدل حول رؤية
الله يوم القيامة الذي تقول الأباضية باستحالته بينما يقرر آخرون وقوعه ويرون المخالفة فيه من قبيل الاجتهاد في شأن العقيدة الذي يستدل به على الضلال.. هذا الجدل يظل من قبيل الثرثرة في شأن عالم الغيب التي تضر ولا تفيد بالتالي فقد أصبح الحوار حول منابع أصول القفه الأباضي هو
الاختيار - أو الاختبار - الصحيح) [١٨] .
** (.. فما قيل حول العلاقة بين مذاهب المسلمين إذا كان قد حقق مصلحة
أكيدة - على الصعيد الفكري - فإنه أيضاً صادف هوى في نفسي من حيث أنه
أحد مداخل المشروع الحضاري الإسلامي، الذي ندعو إليه ونحلم به. هو المشروع
الذي يتجاوز الحركة والمذهب والفرق، ويطرح نفسه كصنيعة للمستقبل، تظلل
الجميع بمختلف مذاهبهم ودياناتهم ومدارسهم الفكرية والسياسية. وإن اكن التطبيق
يخضع لسنن النمو الطبيعية مبتدئاً بالوطن ومنتهياً بالناس كافة وماراً بالأمة العربية، ثم الأمة الإسلامية) [١٩] .
** (كما أفسدت ملفات الماضي العلاقة بين أهل المذاهب الإسلامية وخسر
الجميع الكثير بسبب ذلك الفساد) [٢٠] .
لم أشأ أن أتعقب هذه النصوص ليقيني سلفاً أن كل من لديه أثارة من علم من
صغار المبتدئين يدرك فسادها جملة وتفصيلاً ويجد فيها مواطن العبث.. ويتحسس
أرضية الرؤية الهشة في تضاعيف النصوص المنقولة! !
ولنعد مرة ثانية إلى مفردات (قاموسه) من خلال كتابه الثاني (التدين
المنقوص) لنبين عن هويته بلا ادعاء أو تحامل.. وأيضاً لن نتعقبها برد البتة لذات
السبب المذكور تواً.
** (لسنا بحاجة إلى دليل من النقل نعزز به دعوتنا، يكفينا دليل العقل الذي
أحسب أنه لا يغيب عن ذوي الحس السليم) [٢١] .
** (وفي تجربة شخصية مع موظف في إحدى مصالح الحكومة نهض من
مكانه بمجرد سماع أذان صلاة الظهر غير عابيء بطابور البشر الواقف أمامه حتى
امتد طرفه إلى الشارع في ظل القيظ الشديد، غاب الرجل ثلثا ساعة ثم عاد إلينا
يبسمل ويحوقل بضمير مستريح ونفس راضية وعندما اعترضت على مسلكه قائلاً
إن وقت الظهر ممتد حتى صلاة العصر وأن الله لا يقبل صلاة تعطل مصالح الناس
نظر الرجل إلي شذراً ونعى الزمن الذي تتعرض فيه (حقوق الله) للانتقاد) [٢٢] .
** (ليس الحل الإسلامي دعوة إلى الخلافة بالضرورة وإذا كانت الخلافة هي
الصيغة التي أرتآها سلف المسلمين إلا أنها لا تلزم الخلف بأي حال) [٢٣] .
(حتى بات الأمر والنهي ميداناً تداخل فيه الحق والباطل في ... الوقت ذاته، ولسنا بحاجة لأن نسترجع صفحات التاريخ [***] لنستخلص من ممارسات الخوارج - مثلاً - شواهد ندلل بها على صحة ما نقول. حسبنا الذي نشهده في زماننا باسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من تخليط تم بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير) [٢٤] .
** (بالنسبة للذين يتصدون للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فينبغي أن
يكون معلوماً أن مسؤولية الأمر والنهي تعد واجباً (كفائياً) لا يطالب به كل فرد بذاته
وإنما إذا قام به البعض سقط عن الآخرين بهذا قال جمهور الفقهاء والمعتزلة) [٢٥] .
** (بالنسبة لموضوع الأمر والنهي، فينبغي أن يكون مما لا مجال للاجتهاد
فيه. وعند السنة والشيعة فإنه لا يجوز الأمر والنهي - حتى للعلماء - في الأمور
التى اختلفت فيها آراء المجتهدين. من مثال ذلك في زماننا الاختلاط والغناء
والموسيقى وغير ذلك مما ينشغل شبابنا به) [٢٦] .
** (لماذا لا نقف مع المزيد من ضمانات الحرية والديموقراطية ما دامت
النصوص لا تعارض ذلك بل تحتمله) [٢٧] .
** إذاً ما أسهل أن يقعد الواحد في صدر مجلس أو يعتلي منبراً ولا هم له إلا
أن يحذر الناس من الإلحاد والشرك ملوحاً بمختلف صور العذاب في الآخرة وما
أسهل أن يجرح آخرون في إيمانهم لمجرد أن أحدهم أقام قبراً لميت أو أقسم بغير
الله أو استمع لصوت الموسيقى..) .
أما النضال من أجل وقف استيراد الدجاج المذبوح أو تقصير جلابيب الرجال
أو.. أو.. فذلك مما لا يحتاج إلى جهد أو فقه أو حتى شجاعة حسب المرء قدر من
الفراغ وحظ من ضيق الصدر والعقل على هذه الجبهة نجد ألوفاً مؤلفة من المقاتلين
مزروعة في مختلف أنحاء العالم الإسلامي من أندونيسيا وماليزيا إلى
الجزائر) [٢٨] .
** (استمات في دفاعه عن الهالك توفيق الحكيم وسخر من الضجة التي
أثارها الشيوخ عندما بدأ الأديب الحكيم كتابة سلسلة من المقالات بعنوان (حديث إلى
الله) وكتب (فضلاً عن أن الرجل أعلن صراحة في تقديمه لتلك المقالات أنه قد
استشعر أن موعد لقائه بربه قد حان وأنه لن يخاطب سوى الله
ولم تكن فكرة مخاطبته لله جديدة بحد ذاتها فثلث كتابات الصوفية تتوجه إليه سبحانه
فيما عرف (بالمناجاة) حتى فكرة الحوار لم تكن جديدة فقد مارسها قبل الحكيم
بسبعين عاماً (١٩١٣) الشاعر والفيلسوف والمتصوف محمد إقبال.. ورغم تلك
الملابسات التى تجعل الأمر مقبولاً من فنان مسلم موثوق في اقتداره إذا ما كان
مراعياً للغة وأدب الخطاب إلى الله فإن بعض الفقهاء وغيرهم من المزايدين
والمتشيخين تلقفوا ما كتبه الحكيم وفتحوا النار عليه بدعوى الدفاع عن الذات الإلهية، حتى تراجع الرجل عن المضي في الكتابة وغير عنوان الحديث إلى الله إلى
حديث مع النفس ثم حديثه إلى القراء وهلل جمهور المشاهدين للنجاح
الكبير..) [٢٩] .
** (من يفتينا في القات: حلال هو أم حرام؟ ربما كان السؤال متأخراً
بعض الشيء لأن الفتوى أصدرها بالفعل فريق من الفقهاء فذهب البعض منهم إلى
تحريمه وذهب آخرون إلى أنه حلال ولا حرمة فيه وتوقف الأمر عند هذا الحد
حتى إشعار آخر! ولست في موقفى يسمح لي بالانحياز لأي من الرأيين ليس فقط
لأنني خضت تجربة فاشلة لتذوق القات في (مقيل) صنعاني ولكن لأن الذين
أصدروا الحكم في القضية كانوا من الفقهاء في علوم الدين والأمر متعلق بأمور
الدنيا! ! [٣٠] .
** (ومنهم من يصر على تقصير الثياب استجابة للتحذير النبوي الذي يقول
بأن (ما أسفل الكعبين من الإزار فهو في النار) غير مدرك أن إطالة الثياب في زمن
الرسول كانت من علامات الكبر المذموم وهو ما لم يعد قائماً الآن) [٣١] .
** (الاكتشاف في الأمر أن الإسلاميين تبينوا أن العلمانيين ليسوا كائنات
غريبة تنفث الشر والفتنة والإلحاد.. أثبتت التجربة أن الطرفين من خلق الأسوياء
والراشدين الذين تختلف وجهات نظرهم [٣٢] .
** (ومثل العلمانيين فيه أحد علمائنا الأجلاء، هو الدكتور فؤاد
زكريا) [٣٣] .
وهكذا - يمتح - هويدي بدلاء استنارته من قاع رؤية بائنة العوار! ! يصمها
تارة بالاستنارة وأخرى بالوعي.. وثالثة بالاعتدال ورابعة.. و..؛ ولست ادري
أي استنارة بمقدورنا أن نصنف ما قرأت تواً مما نقلناه عنه وهو قليل من كثير
تطفح به جل كتبه والتي في أصلها أطروحات صحفية وأي وعي نقدّه لبوساً
لأطروحاته! ! أم أي اعتدال ننعت به مشروعاته الثقافية والفكرية.
وقبل أن ندير وإياكم الرحى مع هويدي في همه الشيعي [****] المستعر بلظى ...
التقريب لنقرأ جديده حيث راح يمارس تكريس ذات الرؤية التي يصدر عنها مع
سبق إصرار وترصد ليمتهن ورثة الأنبياء ازدراء ويسلك بهم فجاج الجاهلية عنوة
وثمة نعوت لا تليق بالسوق تأدباً فضلاً عن قادة الأمة.
أعي جيداً أني أقرفت القارئ بتلك النقول بيد أنها ضرورة حتمية للإبانة عن
تأصيل الاستنارة المعصرنة بوعي يقصر عن إدراكه علماؤنا ويتجاوزه كثر من
أرباب اليسار الإسلامي.. وصناع الليبرالية الإسلامية وأشياخ تجديد السلفية
المستنيرة.
إنه التقويض من الداخل لبناء الأمة المتصدع بمعاول شداة الحداء ذاته. وأختم
هذه الكتابة بما قاله سيد ﵀ في ظلاله حول قوله تعالى: [ولا ...
تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً] وذلك لقاء السكوت، أو لقاء التحريف، أو لقاء الفتاوى
المدخولة!
وكل ثمن هو في حقيقته قليل. ولو كان ملك الحياة الدنيا.. فكيف وهو لا
يزيد على أن يكون رواتب ووظائف وألقاباً ومصالح صغيرة يباع بها الدين وتشترى
بها جهنم عن يقين؟ ! إنه ليس أشنع من خيانة المستأمن، وليس أبشع من تفريط
المستحفظ، وليس أخس من تدليس المستشهد..
والقارئ يستحضر حديث حذيفة [*****] (.... قلت فهل بعد ذلك الخير من
شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها. قلت: يا رسول الله صفهم لنا، قال: هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا.. الحديث) .
واستغفر الله لي ولكم.
стр. 1123
بل هم عنصريون
أحمد عبد العزيز أبو عامر
رفض اليهود إدانة هيئة الأمم المتحدة لهم بكون الصهيونية شكلاً من أشكال
التمييز العنصري واستمروا منذ صدور قرار هيئة الأمم المتحدة بهذا الصدد في
١٠/١١/١٩٧٥ يعملون بكل جهد بغاء القرار، حتى استغلوا الظروف الدولية التي تمخضت عما سمي بالنظام العالمي الجديد ومرحلة السلام التي طرحت وتداعى لها العرب كتداعي الذباب على الشراب، بينما تصلب (العدو الصهيوني) ليفرض ما يريده من آراء وتوجهات منها (إلغاء القرار المذكور) وما زال يطالب بإلغاء
(المقاطعة العربية) بل وإلغاء (الجهاد ضد الصهاينة) كما جاء في (خطاب شامير)
في مؤتمر مدريد. وحصل إلغاء القرار بمساواة الصهيونية بالعنصرية بقرار من
أمريكا كما هو معلوم، فما قصة القرارين؟ وهل الصهاينة ليسوا عنصريين كما
يزعمون أم أن الحق والواقع أنهم عنصريون بلسان حالهم ومقالهم؟
قصة قرار مساواة الصهيونية بالعنصرية:
لم يأت القرار رقم ٣٣٧٩ الذي قضى بأن الصهيونية شكل من أشكال
العنصرية من فراغ فقد قررت هيئة الأمم شجب التمييز العنصري فيما يسمى
بحقوق الإنسان، وأكدت الهيئة ذلك حينما شجبت العنصرية القائمة على التمييز
باللون والجنس والعرق.. في الدورة ٢٢ حيث قررت الجمعية العمومية للأمم
المتحدة اعتبار الفترة من ١٠/١٢/٧٣ حتى ١٠/١٢/٨٣ حقبة مكافحة التمييز
العنصري حيث طلب من المجلس الاقتصادي والاجتماعي المنبثق عن الأمم المتحدة
بأن يتولى مساعدة الأمين العام في مسؤولية تنسيق النشاطات والبرامج المضطلع بها
خلال ذلك العقد على أن يقدم تقريراً سنوياً للجمعية العامة عن الحالة المختصة بهذا
الشأن في نهاية كل دورة.
واستغلت الدول العربية هذا التوجه في مكافحة التمييز العنصري فاتفق على
أن يتقدم مندوب الصومال بمشروع القرار (بمساواة الصهيونية بالعنصرية) . ولما
شعر الصهاينة بالمشروع حرص مندوب أمريكا (دانيال مونيان) ومندوب العدو
الصهيوني (حاييم هيرتزوك) على الاشتراك مع اللجنة مع مستشارين ورجال
الإعلام وتمت محاولات لإفشال المشروع وإثارة الخلافات حول الجانب التنفيذي منه
وصياغته إلا أنها لم تنجح. واستمرت المناقشات عدة أيام وسط جو محموم
ومحاولات استقطاب واضحة إلا أن محاولاتهم باءت بالفشل وصدر القرار رقم
٣٣٧٩ في ١٠/١١/١٩٧٥ بتأييد ٧٠ صوتاً مؤيداً و ٢٩ صوتاً معارضاً و ٢٧
صوتاً ممتنعاً وغياب ١٥ عضواً وكان يوماً مشهوداً في هيئة الأمم إذ ثارت ثائرة
ممثل العدو الصهيوني وتصرف المندوب الأمريكي بصورة أكدت عمق الصدمة
الأمريكية من نتيجة التصويت.. وقام مندوب أمريكا واحتضن مندوب إسرائيل
مواسياً له أمام الوفود وأدلى بتصريحات غير دبلوماسية تصور عمق الصدمة [١] .
وقد مارست أمريكا وإسرائيل طوال ١٦ عاماً ضغوطاً كثيراً لإلغاء القرار حتى تم
لهم ما أرادوا على ضوء المستجدات الدولية فكان قرار الإلغاء الصادر في ١٠/٦/
١٤١٢ والذي أيده ١١١ دولة وعارضه ٢٥ دولة وامتنع عن التصويت ١٣ ولم
تشارك ١٧ دولة.
ومما يؤسف له أن بعض الدول العربية امتنعت عن التصويت وكأنهم لا
يعرفون عنصرية إسرائيل وما يعانيه شعب عربي مسلم من مظالمها واضطهاداتها
وبالفعل كان إلغاء القرار سابقة عجيبة في قرارات الأمم المتحدة وبخاصة وأن إلغاء
القرار لهم يضع في اعتباره ما كان يجب على (إسرائيل) أن تتخذه من إلغاء
القوانين العنصرية التي ما زالت سارية المفعول وتطبق بكل صفاقة على
الفلسطينيين [١] .
لماذا هم عنصريون فعلاً
إن الصهاينة عنصريون فعلاً فهم يستقون تاريخهم في الدرجة الأولى من
التوراة وهو كتاب خالطه الكذب والزيف والتضليل وامتزجت فيه الحقيقة بالخرافة
والخيال فلا يعتمد عليه المؤرخ النزيه مصدراً يستقي منه معلوماته. وهم منذ
وجدوا يغلفون تاريخهم بالأسرار والألغاز! إذ أن تاريخهم كله تاريخ صراع بينهم
وبين الأمم الذين يعيشون بينهم كأقليات مستضعفة ذات نشاط أوسع من إمكاناتها
وأطماع أوسع من أن تحتملها تلك الأمم فلجأوا إلى أسلوب الكذب والغش والعمل في
الخفاء وعرفوا بعدة أسماء فهم تارة اليهود وتارة العبرانيون وتارة الموسويون وتارة
بنو إسرائيل وتارة الساميون وحاولوا دائماً هدم التوازن بين تلك الأسماء ويفضلون
بأن يُدْعَوْا بني إسرائيل ليدخلوا في روع الناس أنهم جميعاً من نسل ذلك النبي
الكريم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم ليصلوا من ذلك إلى أنهم الأشرف
جنساً والآصل نسباً والأصدق ديناً، فهم في زعمهم (شعب الله المختار) وإن ما
عداهم من (الجيوييم) أي الأغيار ما خلقوا على هيئة البشر الا ليخدموهم ويعترفوا
بفضلهم ولا تعليل لهذه التصورات القاصرة إلا لكونهم يشعرون بشعور الطفولة
لأنهم على مر تاريخهم [٢] ضعفاء مستضعفون لا وزن لهم إلا بضعف غيرهم.
ويوم انقطع حبل الله عنهم بما كفروا بقي لهم حبل (الناس) المعروف. وواقعهم
العنصري يعرفه كل مطلع على حياتهم الفعلية وأنا في هذا المقام لا أفتري عليهم بل
أسوق الأدلة على ألسنة أشخاص معروفين منهم لهم وزنهم الأدبي والفكري على
النحو التالي:
أولاً / الدكتور إسرائيل شاحاك:
وهو يهودي بولوني قدم إلى فلسطين عام ١٩٤٥ وشهد نشوء الكيان
الصهيوني وأنهى دراسته الثانوية عام ١٩٥١ في هرزليا في تل أبيب وأكمل خدمته
في الجيش الإسرائيلي إلى عام ١٩٥٣ ودرس الكيمياء العضوية في جامعة القدس
العبرية وحصل على شهادة الأستاذية عام ١٩٦٣ وأكمل التخصص في جامعة
(ستانفورد) بأمريكا وعاد مدرساً في جامعة القدس.
وقد شارك في لجنة الدفاع عن حقوق الإنسان والمواطن وساءه ما حصل من
عدوان ١٩٦٧ فانقلب على قومه الصهاينة وبدأ نضاله ضد كافة مظاهر الظلم
والعنصرية لديهم. وألف كتابه (عنصرية إسرائيل: بالوثائق والأرقام
والأسماء) [٣] ويمكن إيجازه فيما يلي:
١- الكيان الصهيوني دولة يهودية وحسب واليهود وحدهم الشعب المختار.
٢- اليهود في الحقوق المدنية أصحاب الحق ويخضع الفلسطينيون لنظام ظالم
يستند إلى القوانين الاستثنائية التي سنها الانتداب الإنجليزي عام ١٩٤٥
٣- الأسس الأيديولوجية والقانونية التي يقوم عليها الكيان الصهيوني تضعه
حتماً في خط نازي لا يقل وحشية عن نازية هتلر.
٤- تهويد الأرض والبشر شرط أساسي ونتيجة محتومة للتضييق على الناس
وتهجيرهم ومصادرة كل ما لديهم باسم الأمن القومي والمصلحة العليا.
٥- يتغنون بالسلام ابتزازاً وهم المتعلقون بالحروب استدراراً للأموال من
الخارج وقد تطرق في الكتاب لجرائم الصهاينة ضد الفلسطينيين بالحقائق والأرقام
وفضح أوضاع السجون ومعاناة مرتاديها وكذلك القرى المهدمة التي قامت بها
إسرائيل وصوراً من المعاناة والاضطهاد والتمييز العنصري حتى من اليهود أنفسهم
وخاصة السود منهم والقادمون من أوربا الشرقية والكتاب بالفعل يكشف وجه
إسرائيل العنصري بكل بشاعاته.
ثانياً / جدعون جيلادي:
وهو يهودي شرقي عاش طفولته وشبابه في فلسطين وشهد مرحلة التقسيم
وسيطرة اليهود الغربيين (الاشكناز) على الحكم وبعد تأسيس دولتهم كان شاهد عيان
لما أقدم عليه الصهاينة من مذابح وطرد جماعي وقهر سياسي واستيلاء على
الأراضي والممتلكات من الفلسطينيين وبعد مراحل متتالية من الدراسة والبحث
وجمع الوثائق ألف كتابه (إسرائيل نحو الانفجار الداخلي) [٤] .
يقول في المقدمة: إن الكتاب دراسة تبرز اتجاه الحكومة الإسرائيلية نحو
التمييز العنصري ويسوق على ذلك نموذج اليهود السوفييات الذين تدفقوا بالآلاف
على الأرض المحتلة ووفرت لهم المساكن والوظائف وتفرد لهم مساحات من الرأي
في الشؤون الثقافية بينما يتعاملون مع اليهود الشرقيين (السفارديم) من أرض علوية
ويبقى حظهم من التعليم والتمثيل البرلماني والوظائف العليا والنقابات المهنية
والمؤسسة العسكرية أدنى المعدلات التي يتمتع بها (الاشكناز) .. وأن العالم لم ينتبه
إلى سياسة التفرقة العنصرية التي تمارس ضد (السفارديم) داخل إسرائيل للتعتيم
حولها.
وهذه الدراسة مقسمة إلى عشرة فصول تطوف بالقارئ حول علاقة العرب
والمسلمين باليهود منذ عهد النبوة باعتبارهم أهل ذمة لهم حقوقهم وأثر الحضارة
الاسلامية على الدين اليهودي والأدب العبري وإنكار المزاعم باضطهاد اليهود في
ظل الإسلام ويخصص المؤلف فصلاً لدراسة تهجير يهود اليمن إلى فلسطين
واستغلالهم دعائياً والمعاملة المزرية التي لاقوها على أيدي اليهود (الاشكناز) .. ثم
يتحدث عن السجون هناك التي تشهد أبشع نماذج التعذيب والتنكيل والجدير بالذكر
بأن هذا الكتاب نشر أولاً بالعربية في القاهرة وترجم إلى الإنجليزية.
ثالثاً / عوري دافيد:
وكتابه (إسرائيل دولة عنصرية) [٥] وهو كاتب يهودي، بين الكاتب بأن أحد
المبادئ الأيديولوجية للحركة الصهيونية منذ تكوينها حتى الآن الفصل بين المجتمع
اليهودي وغير اليهودي ولذلك تعاملت مع اعداء اليهود بهدف إجبارهم على اتباع
سياساتها إذ أنهم يرون بأنهم شعب مكروه وإن الطريق الوحيد هو إقامة دولة لهم
واستغلت الحالة الحسنة نسبياً لبعض اليهود في الدول العربية فبثت الرعب في
قلوبهم عن طريق نسف محلاتهم لإجبارهم على الهجرة إلى الأرض المحتلة.
وانطلاقاً من مبدأ الصهيونية في العزلة باشروا بعد قيام دولتهم في تطبيق
مبدئهم عن طريق تدبير المذابح الجماعية للشعب الفلسطيني وذلك لإخلاء فلسطين
من سكانها وتهويدها كلياً وساق أمثلة من أقوال زعمائهم من استغلالهم الحروب
لطرد المزيد من الفلسطينيين وتشجيعهم العنف ضدهم كوسيلة لطردهم للمحافظة
على التفوق السكاني لصالحهم وكيف أن (كاهانا) أكثر القادة الصهاينة صراحة في
التعبير عن آرائه.
وذكر المؤلف أن الكنيست الاسرائيلي وافق على قانونين يحددان المستقبل
السكاني لهم وهو قانون (العودة ١٩٥٠) الذي ما زال ساري المفعول والذي يسمح
لأي يهودي في أي بقعة من بقاع العالم بالهجرة إلى (الأرض المحتلة) مع إعطائه
جميع التسهيلات الممكنة.
الحق في الاستيلاء على أراض وأملاك الفلسطينيين الذين طردوا من مواطنهم
بحجة أنهم غائبون عن أملاكهم وهذا القانون يجرد الفلسطينيين من أبسط الحقوق
الطبيعية لأي إنسان وهو حق عيشه في أرضه ووطنه.
ثم ذكر المؤلف بأن من أهم النتائج السياسية للسيطرة الصهيونية هي فقدان
الحرية السياسية للفلسطينيين مدللاً على ذلك بما أقرته الكنيست من قانون في سنة
١٩٨٠ يحق بموجبه لوزير الداخلية أن ينتزع الجنسية عن أي شخص يقوم بعمل
يهدد شرعية الدولة ومن ذلك تأييد منظمة التحرير بأي صورة وأن هذا القانون قد
يؤدي إلى طرد جميع الفلسطينيين لأن معظمهم ذوو ولاء لقومهم ووطنهم وقضيتهم.
وهكذا يتضح لكل ذي عينين بأن اليهود الصهاينة عنصريون فعلاً بمنطلقاتهم
الدينية وايديولوجيتهم السياسية. ومن واقع قوانينهم الحاكمة التي ذكرها هؤلاء النفر
منهم يتضح مدى الشكل العنصري الذي يؤمنون به ويطبقونه حتى على بعض بني
عقيدتهم ممن يصنفون في فئة (السفارديم) أي اليهود الشرقيين الذين هم أقل مكانة
من (الاشكناز) الغربيين.
إذاً لماذا تلغى وصمة العنصرية عنهم؟
لا شك أن إلغاءها لم يأت بمبرر معقول أو سبب وجيه لما سبق ذكره من أنهم
لم يلغوا القوانين العنصرية التي يحكمون بها ولم ينصفوا حتى بني عقيدتهم الأقل
شأناً وهم (السفارديم) والأعجب والأغرب أنهم في إبان مناقشة هذه الموضوع كانوا
يسومون الفلسطينيين في المخيمات سوء العذاب بالطرد والإبعاد وهدم البيوت
وإخلائها لصالح الوافدين الجدد وما طرد أهل (سلوان) عنا ببعيد.
إنها مقايضة سخيفة لتتكرم بالمشاركة في السلام المزعوم! بل ولتملي
شروطها. والأدهى والأمر: (طلب إلغاء المقاطعة العربية) و (إلغاء الجهاد ...
ضدها) ! !
إن (العدو الصهيوني) دولة عنصرية ليس من واقع معاملتها فحسب؛ بل حتى
كتب دينها المحرفة تؤكد هذا التوجه وتوضحه بما لا يدع مجالاً للشك، وإصحاحات
أسفارهم الدينية المحرفة في التوراة والتلمود مملوءة بالشهادات على ذلك.
وهل إلغاء قرار وصمهم بها يمنع حقيقة عنصريتهم التي يحيونها وعلى
ضوئها يعيشون.
فهم بالفعل عنصريون وإن رغمت أنوف.
فهل في وصفهم بالعنصرية تجنٍ عليهم؟ ! وهل إلغاء قرار الأمم المتحدة في
ذلك يغير من الحقيقة شيئاً؟ ! لا، وألف لا.
стр. 1124
تاريخ
كيف نفسر التاريخ ؟
د. محمد بن صامل السّلمّي
الحدث التاريخي: هو فعل الإنسان، بما يحمله من أفكار وتصورات، وما
لديه من قدرات وإمكانات، وما يعتمل في نفسه من الرغبات والشهوات، ومن القيم
والفضائل والاعتقادات في زمان ومكان من هذا الكون الفسيح المحكوم بمشيئة الله
وعلمه وقدرته..
من خلال التعريف يتضح أن أركان التفسير التاريخي هي: الإنسان، الزمان
والمكان، المشيئة الإلهية.. وتفسير التاريخ هو معرفة التصور الصحيح عن هذه
الأركان وإدراك العلاقة الصحيحة بينها..
إن من يملك التصور الصحيح ويرجع إلى المصدر الحق يستطيع أن يفسر
تاريخ البشرية كله، لأن المصدر الحق (الكتاب والسنة) وضح لنا السنن التي تسير
في إطارها الأحداث، ويحكم من خلالها الأمم والدول والأشخاص..
إن هذا الكون -بما فيه الإنسان وفعله - هو خلق الله، فلا بد من الرجوع إلى
الخالق لفهم هذا الخلق؛ وإذا رجعنا إلى الوحي المنزل من الخالق لهداية البشرية،
نجد السنن واضحة، والاتجاهات محدّدة..
ففي أول سورة من المصحف تقرأ قول الله تعالى: [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ
العَالَمِينَ] وكل ما سوى الله عالم، وأنت واحد من هذا العالم، إذن أنت تنتمي إلى عوالم كثيرة فسيحة، وأنت مدعو إلى التعرف على رفقاء الطريق.. كيف بدءوا؟ وكيف ساروا.؟ وإلى أي شيء انتهوا.؟ وحين تتقدم في القراءة تجد نفسك في قمة الزمان ونهايته، الذي هو وعاء التاريخ وغايته ومصير الجميع [مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ] فما بدء الزمان ومنطلق التاريخ؟ وكيف سار إلى هذا المصير؟ وإذا ازددت في القراءة تجد نفسك أمام اختيار حاسم لسبيل واحد من بين سبل متعددة
[اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ] فإما صراط مستقيم قد سلكه قبلك أخيار من الرسل
والصديقين والشهداء والصالحين.. وإما سبل متعددة منحرفة ومتعرجة سارت فيها
أمم من المغضوب عليهم والضالين ومن قلدهم وسلك منهجهم حتى دخل جحر
الضبّ وراءهم.. وأنت مدعو للتعرف على ذينك الطريقين، طريق الاستقامة
والهدى، وطريق الضلال والهوى..
وأن تعرف الأطوار التاريخية لتلك الأمم وتقلباتها ومصائرها والسنن الربانية
التي حاقت بها.. وأن تعي حركة التاريخ حتى تكون على بصيرة بمواقع خطوك
وسيرك في هذه الحياة.. إنك مدعو للتعرف على الزمان بأبعاده الثلاثة: الماضي،
والحاضر، والمستقبل القريب والبعيد..
وإذا أخذت في قراءة السورة التي تلي الفاتحة تجد في أولها الحديث عن
الإنسان الذي هو فاعل الحدث وصانع التاريخ.. وأن الناس على ثلاثة أقسام:
* المؤمنون.. ولهم صفات واضحة محددة، ولهم منهج وطريق [الَّذِينَ
يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ
إلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَئِكَ
هُمُ المُفْلِحُونَ] [البقرة ٣-٥] . أفلحوا لأنهم سلكوا الصراط المستقيم الذي أمروا به
في السورة السابقة.
* الصنف المقابل هم الذين كفروا، وبسبب جحودهم وتركهم للصراط
المستقيم فقد ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم، وعلى أبصارهم غشاوة. فهذه
الحواس ووسائل المعرفة لما انحرفوا بها ولم يحفظوها عاقبهم الله بأن سلبهم المقدرة
على الاستفادة الصحيحة منها..
* الصنف الثالث متردد بين الصنفين، وهم المنافقون، وقد أطالت الآيات
في وصفهم للحاجة إلى بيان حالهم حتى لا يتلبس أمرهم على المؤمنين بسبب ما
يظهرون من دعوى الصلاح والاستقامة وأنهم مع المؤمنين، وحقيقة أمرهم أنهم
لضعف نفوسهم وجبنها عن مواجهة الحقيقة يريدون ان يتخذوا بين ذلك سبيلاً ...
ثم يأتي الحديث في السورة عن أصل البشر وبداية خلقهم وسبب خروج أبيهم
من الجنة وإسكانه الأرض، وما طلب من ذريته، ويتكرر الحديث عن هذه المسألة
في سور أخرى حتى تتضح بداية التاريخ، ولا يكون الأمر معمي عن الناس
فتتلاعب بهم الأهواء والظنون والأوهام، والحفريات والآثار والاجتهادات القاصرة.
ثم يدعوك ربك وخالقك إلى وعي التاريخ وأحداثه، قال تعالى: [قَدْ خَلَتْ
مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ] [آل عمران
١٣٧] .. والسير في الأرض على نوعين:
* نوع أفقي على امتداد الزمان والمكان لمشاهدة الأحداث والآثار، وأخبار
الأمم وتقلبات الأحوال بهم، ورؤية المصائر التي انتهوا إليها، أي النظرة الشاملة
إلى مسار التاريخ الإنساني كله؛ هذا السير نوع من المشاهدة الفاحصة والملاحظة
الواعية والمقصدة، وليس مجرد الاستقبال السلبي التكراري لصور الأحداث
وتعاقبها..
* ونوع يتجه نحو العمق، ويتمثل بالتبصر الواعي بالكيفية التي حدثت بها
الأحداث، والبحث عن الأسباب والدواعي والنتائج القريبة والبعيدة، وهو الموجه
إليه بقوله [فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ] فالنظر المطلوب هنا هو بالبصائر
والعقول، وليس بالعيون الباصرة فقط.. ولذا نعى المولى على الذين لم يستخدموا
ما وهبهم من وسائل وقدرات فقال: [أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ
يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَتِي فِي
الصُّدُورِ] [الحج ٤٦] . بل هم يوم القيامة يعترفون حين يرون الحقيقة ماثلة أمامهم
بأنهم لم يسمعوا ولم يعقلوا وإلا لما وصلوا إلى هذا المصير [وقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ
نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ] [الملك ١٠-١١] .
إن القصص القرآني عن الأمم السابقة والرسل المرسلين إليهم هو الذي يبين
لنا مجرى التاريخ البشري منذ فجر البشرية الأول وحتى حاضرها ومستقبلها ونهاية
تاريخها ومصيرها بعد الحياة الدنيا.. ومن خلال السنن الربانية في كتاب الله وسنة
رسوله ﷺ نفهم التاريخ، ونفسر أحداثه، ونعرف عوامل
البناء والأمن والاستقرار والبقاء، وعوامل الهدم والخوف والسقوط والتدمير؛ وأن
هذه السنن مرتبطة بالأمر والنهي والطاعة والمعصية، والإيمان والكفر، والتوحيد
والشرك؛ فإذا أتى الإنسان بالأمر واجتنب النهي ووقف عند حدود الله، أصاب
خير السنة الربانية ... وإذا أهمل الأمر وخالفه وارتكب المنهي عنه ووقع في حدود
الله أصاب شر السنة الربانية..
قال تعالى: [إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] [الرعد ١١] . وقال تعالى: [ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا
بِأَنفُسِهِمْ] [الأنفال ٥٣] .
وقال تعالى: [أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ
مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] [آل عمران ١٦٥] .
هذا هو المنهج الذي يفسر به تاريخ البشرية كلها: الوزن بميزان العقيدة
والإيمان ... [قَدْ جَاءكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ومَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا ومَا
أنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ] [الأنعام ١٠٤] .
стр. 1125
منتدى القراء
يا دعاة الحق متى تتوحد كلمتكم ؟
عبد الرحمن عبد الله العيد
سؤال حيّر ألباب الغيورين، وعبارة أسهرت مقل الملايين من المسلمين. نعم
قد يكون الجواب كلمة وقد يكون سطراً ولكن الجواب الحقيقي هو البدء، هو العمل، هو الفعل، هو النتيجة لماذا لا يجيب على هذا الاستفهام دعاتنا الأجلاء من شتى
بقاع الأرض من أي تربة كانوا وفي أي أرض سكنوا.
إنه الاختلاف الشاسع في كثير من المناهج، إنه التبني للآراء الفردية وترك
الآراء الجماعية، إنه العزلة الحقيقية في التفكير، إنها النظرات القريبة جداً أو
البعيدة جداً.
فيا أخي الداعية، أيها المسلم الواعي أينما كنت: وحَّد الهدف مع إخوانك
تتوحد الكلمات. اتَّبع المنهج الصحيح في دعوتك تتقارب الأفهام، كن مجموعة ولا
تكن فرداً تتجلى لك الأمور، كن حذراً في الشبه قوياً في الحق منصفاً في الأحكام،
عادلاً في الميزان، مقتصداً في القياس، حاذقاً في الاجتهاد، تستطيع السير قدماً
بكل وضوح ورسوخ..
يا قادة الأمة:
يا ورثة الأنبياء والله إن نفوسنا تتوق إلى جواب فعلي عملي فكثرة الورق
ملأت مكتباتنا، وكثرة الكلام ميزة تمتاز بها مجالسنا، فنحن بأمس الحاجة إلى
رجل تمشي، ويد تأخذ وتعطي، وفعل ينفذ، ونتيجة تُذهب عن قلوبنا غبار اليأس، ولا يأس من وعد الله.