← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

العنصرية والديموقراطية الأوربية في الميزان د. أحمد عجاج لم يكن يخطر أبداً في بال عائلة سعدو اللبنانية التي هربت من جحيم الحرب الأهلية في لبنان بأنها ستواجه مأزقاً بعد اليوم. فقد حطت رحالها أخيراً في بلدة هنكس الألمانية على نهر الراين، وشعرت للمرة الأولى منذ سنوات بالأمان والحرية. ولكن لم يكن هذا الشعور إلا وهماً وسراباً. ففي منتصف ليل الخامس من أكتوبر الماضي ودون سابق إنذار اشتعل منزلها وأصيبت طفلتاها اللتان لم تتجاوزا بعد سن السادسة والثامنة بحروق خطيرة إثر هجوم قامت به العصابات النازية الجديدة بالقنابل الحارقة عليها. وسبب الهجوم بسيط جداً وهو أن تلك العائلة لا تنتسب إلى الجنس الألماني العظيم! وعائلة سعدو ليست إلا واحدة من عدة عائلات تعرضت إلى ما هو أفظع وأشنع من ذلك بكثير على يد تلك المجموعات النازية الجديدة التي تطالب بتطهير ألمانيا من الغرباء الذين يشوهون منظرها ويزيدون أعباءها. إن تصاعد الخطاب العنصري في ألمانيا وغيرها من البلدان الأوربية ليس بحد ذاته حدثاً عابراً أو أمراً عارضاً بل هو يلمس جوهر السياسة الأوربية الجديدة في تعاملها المستقبلي مع الأقليات الموجودة على الأراضي الأوربية. ففرنسا تجد نفسها أمام تصاعد نجم العنصري (ماري لوبان) وألمانيا تقف عاجزة أمام موجات العنف التي يشنها المتطرفون ضد الأقليات واللاجئين من العالم الثالث، وبريطانيا تعرب عن قلقها إزاء تصاعد نشاط الجبهة القومية البريطانية، وسويسرا درة الغرب تحاول أن تتجنب تلك الموجات العنصرية المشينة. وأوربا تعيش الآن مرحلة خطيرة من تاريخها الحديث الذي لا يختلف بنتائجه وآثاره عن تلك المرحلة المظلمة التي استساغت فيها أوربا استبعاد الشعوب واستغلال طاقاتها معتمدة على تبريرات واهية ترتكز إلى اللون والدين ودرجة التمدن. فالحملة العنصرية ضد المهاجرين، أي اللاجئين كما يطلق عليهم، بلغت مرحلة خطيرة جداً إذ أصبح معها المهاجرون غير آمنين حتى في بيوتهم وبحاجة دائمة لحماية من الشرطة. وتزامنت الحملة هذه مع تزايد البطالة وتدهور الوضع الاقتصادي وتدفق أعداد هائلة من المهاجرين إلى أوربا. وتصاعد الكراهية وموجة العداء لا ينطلقان من فراغ بل يستندان إلى مبررات ومسببات عديدة تجد تشجيعاً وتغذية من الأحزاب العنصرية التي تعمل ليل نهار على نشر مشروعها العنصري. فالأحزاب العنصرية لها مبادئها ومنطلقاتها الفكرية التي ترى فيها تفوقها وأفضليتها وأصالتها وسموها على بقية الأجناس البشرية. هذه الأحزاب والجماعات تتعامل مع موضوع المهاجرين من زاوية عنصرية بحتة. فهي ترى في وجودهم على أرضها تشويهاً لجمال بلادها وخطوة خطيرة نحو زوال نفوذها وسيطرتها وطمساً لحضارتها العظيمة. ولم لا وهي تعتقد بأن أولئك المهاجرين لا يتمتعون بأي رصيد حضاري ولا همّ لهم سوى الاستيلاء على المدن الراقية وصبغها بلونهم شأنهم في ذلك شأن البرابرة. فأكثر ما يزعج تلك الجماعات العنصرية وجود أقليات كثيرة في مدنها الراقية مما يغير من طبيعتها ونمطها. لذا يطلقون على مرسيليا الفرنسية على سبيل النكتة والتهكم بأنها (عربية أكثر من الجزائر) نظراً لوجود أعداد هائلة فيها من المهاجرين العرب من شمال أفريقيا. والخطورة لا تكمن في وجود تلك الأحزاب بل في أنها تعمل في جو من الحرية وضمن إطار الديموقراطية، دون حسيب أو رقيب وضوابط وقيود. والحرية الممنوحة لتلك الجماعات تجاوزت الحدود الممكنة التي يمكن السماح بها في أي ديموقراطية. فقد وصل الأمر أخيراً أن تطرح الأحزاب العنصرية برامج سياسية تدعو إلى التخلص من جميع المهاجرين سواء كانوا مواطنين أصليين أم لا انطلاقاً من أن أوربا للأوربيين وأنه من غير المجدي والممكن أن يتعايش الجميع فيها. فالرئيس الفرنسي السابق جيسكار ديستان وغيره من الساسة المحترمين أمثاله لم يتورعوا عن إطلاق تصريحات عنصرية آملين من وراء ذلك أن يحصلوا على أصوات الناخبين الفرنسيين وسحب البساط من تحت أقدام الحزب العنصري الذي يتزعمه ماري لوبان. فقد صرح ديستان أثناء مقابلة أجرتها معه صحيفة الفيغارو الفرنسية الواسعة الانتشار بأن من الضروري التحرك لوضع حد لهجرة أبناء العالم الثالث مشبهاً إياها بالغزو الذي يتوجب مواجهته قبل فوات الأوان. ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد بل تعدى ذلك بكثير عندما أعلن رئيس وزراء فرنسا السابق جاك شيراك في احتفال حزبي عن امتعاضه من (صخب العرب وضوضائهم) ومن (روائحهم البشعة) [١] . تلك التصريحات العنصرية والمليئة بالحقد والكراهية ساهمت إلى حد كبير في زيادة روح العداء والانقسام وغذت عنصر الأنا والاستعلاء لدى المواطنين الفرنسيين وشجعت بدورها على نمو التيارات العنصرية وبالذات الجبهة القومية الفرنسية التي بدأت تكتسب شعبية مرموقة في صفوف الشعب الفرنسي. فالجبهة القومية استطاعت أن تلعب ورقة المهاجرين واللاجئين بمهارة ودقة مما سمح لها أن تفرض نفسها على الساحة السياسية كقوة لها وزنها وقيمتها. وقد وصل الأمر أخيراً بزعيم الجبهة ماري لوبان أن يطرح برنامجاً انتخابياً يطالب فيه بطروحات تضرب عرض الحائط جميع مقومات الديموقراطية التي يتغنى بها الفرنسيون في بلد الحرية والإخاء والمساواة. والبرنامج يدعو إلى طرد جميع المهاجرين واللاجئين غير الأوربيين مباشرة بعد مرور سنة على إقامتهم في فرنسا وحظر إعطاء تاشيرات سياحية للعرب والأفارقة [٢] . والتبرير المعطى هو أن الهجرة من العالم الثالث مصدر الجرائم والبطالة والتهديد للوطن الفرنسي. وينص البرنامج على منح الفرنسيين الأفضلية في السكن والوظائف وحرمان المهاجرين، بغض النظر عن مدة إقامتهم، من جميع الضمانات الاجتماعية التي توفرها الديمقراطيات الحديثة لجميع المواطنين دون تمييز يرجع إلى اللون والجنس. ورغم بشاعة البرنامج فإن الفرنسيين وجدوا فيه إيجابيات عديدة! فقد أفاد آخر استطلاع للرأي العام أن نسبة تأييد ماري لوبان ارتفعت من ١٨ إلى ٣٢ بالمئة محرزاً في ذلك تقدماً ملموساً وظهوراً قوياً على الساحة السياسية [٣] . والتأييد الذي يلقاه ماري لوبان يعكس مدى التردي الأخلاقي في المجتمع حيث أصبح الجهر بالعنصرية شيئاً مقبولاً ولا يثير الخجل والحياء بل الفخر والإعجاب. فقد أصبح الخطاب العنصري مجالاً رحباً وأرضاً خصبة للتأييد الشعبي وتعزيز موقع الطامح إلى السلطة حتى وصل الأمر أخيراً بالرجل الثاني في الجبهة القومية الفرنسية برونو ميغرات أن يتسائل قائلاً: (لماذا نجهد أنفسنا في الحفاظ على أجناس الحيوانات في حين لا نلقي بالاً لاختفاء الجنس البشري من جراء الاختلاط العام بين الأجناس البشرية المختلفة) [٤] . فلا غرابة إذن أن نرى متطرفين وعنصريين وأعمال إرهاب وعنف ضد المهاجرين واللاجئين طالما أن الخطاب العنصري يحتل رقعة واسعة من الحياة السياسية والاجتماعية.. ولكن ما يدعو إلى الاستغراب حقاً هو كيف تتعايش الديموقراطية مع العنصرية؟ فالديموقراطية الغربية بما تتضمنه من أفكار ومبادئ تتنافى كلياً مع ما تطرحه العنصرية، والاختلاف بينهما كبير بمقدار ما هو بين الماء والنار. فالدول الغربية بالذات تطالب دولاً أخرى باستمرار أن تحترم حقوق الإنسان وأن تنتهج المنهاج المثالي في التعامل مع مواطنيها وتتزعم دائماً المؤتمرات والمجالس الدولية رافعة الصوت عالياً باحترام حقوق الإنسان وتوفير الأمن والرفاهية للجميع دون استثناء لكن دون أن تكلف نفسها عناء النظر في ما يجري على أراضيها من حدث وخطاب سياسي. فظاهرة تفشي العداء والتطرف ضد المهاجرين قلما تجد تأنيباً من نخب الغرب الحاكمة إن لم تجد أحياناً تشجيعاً كما هو الحال في فرنسا وألمانيا. وهذه المفارقة تكشف في جوهرها حقيقة الديموقراطية التي ملأ صيتها الآفاق وانتشر في أرجاء المعمورة. إن كانت الديموقراطية كما يزعم بأنها من أنجح الأدوية وأفضل الطرق لرص صفوف المجتمع وصهر طاقاته فإن نموذجها الغربي المطبق لم يحقق حتى الآن إلا نجاحاً نسبياً. وإلا لما طرح لوبان مشروعه، ولما قال شيراك بأن العرب رائحتهم كريهة ولا تعرضت عائلة سعدو للحرق. فالديموقراطية بمثالها الغربي لا يمكن أبداً أن تنجح في توحيد المجتمع وصهر طاقاته البشرية ولم أجناسه المتنوعة في بوتقة واحدة. والسبب يكمن في كيان الديموقراطية الغربية ذاته القائم على الحرية الفردية المنفلت من كل قيد أو ضابط أخلاقي واللاهث وراء الإشباع المادي دون سواه. فإذا ما توفرت العناصر المادية ولوازمها يمكن للمجتمع آنذاك أن يعيش نسبياً نوعاً من الأمان والاستقرار الاجتماعي. ففي الماضي غير البعيد انتجت ديمقراطية الغرب - عندما تردت الأوضاع وساءت الأحوال الاقتصادية - نازية هتلر وفاشستية موسوليني. الثابت أن المجتمع الذي لا يتمتع بالمناعة الأخلاقية والمثل العليا غير قادر على معايشة حقوق الإنسان واحترام الآخرين عندما يواجه انحساراً وضموراً في وفرته الاقتصادية. وهذا بالطبع ليس شيئاً غريباً لأن الفرد الذي تربى على تأليه المال والمبادرة الفردية الصرفة في الإنتاج واعتاد الوفرة والبذخ في العيش لا يمكنه أن يتنازل عن مكتسباته برحابة صدر وابتسام. بل يتطلع دائماً إلى كبش فداء لتحميله وزر الضائقة وإنزال سخطه وغضبه عليه. وهو بسعيه هذا يتمتع بحصانة تحول دون معاقبته لأن السلطة ذاتها بحاجة إلى دعمه ودعم أمثاله، وترى في أعمال كهذه منفذاً للتهرب من مسؤولياتها وفشلها في إدارة البلاد. والسلطة في مواجهة أزمات كتلك ترتكز على أهمية ضمان الوحدة الاجتماعية التي لا تتحقق بنظرها إلا بتوفر عنصرين هما: الأمن الداخلي وتنفيذ مشروع الاندماج. والمقصود بعبارة الأمن الداخلي هو إقفال البوابة الأوربية في وجه الآلاف من المهاجرين الذين ضاقت بهم بلادهم وخرجوا منها قهراً أو بحثاً عن مصدر رزق جديد. وعبارة الاندماج تتطلب من المهاجرين واللاجئين الانسلاخ عن ذاتهم وتقاليدهم استعداداً لتقمص هوية جديدة لم يعرفوها أو يألفوها من قبل. وفي كلا المطلبين تصبح الديموقراطية بلا معنى ويخسر المهاجرون واللاجئون حقوقهم الإنسانية. فالديموقراطية والعنصرية يصعب تعايشهما معاً، إلا أن تعيش واحدة على حساب الأخرى. إذ لا يعقل أبداً أن تحرق عائلة سعدو وتذبح عائلة رومانية أخرى دون أن يعتقل الجاني أو تغلق مراكز الجماعات العنصرية وتمنع شعاراتها التي تتنافى مع أبسط حقوق الإنسان. فالديموقراطية الحقة التي نعرفها لا تستقيم إلا إذا عاشت عائلة سعدو بأمان وسجن قاتلو العائلة الرومانية وأقفلت أبواب الأحزاب والجماعات العنصرية إلى غير رجعة.

стр. 1122

قراءة لفكر الصحافي هويدي خالد بن صالح السيف مدخل: الكتابة في المراجعات والرد على المخالف منهجية ذات تأصيل سلفي تتجاوز هشاشة العاطفة.. وتنأى باعتدالها عن الاستئناس بتبدي العورات قبالة الملأ.. وتتحرى الصواب مخافة بخس الناس أشياءهم؛ ومن قبل تحتسبها إماطة للأذى.. ونفياً لخبث الفهم الفاسد في مرحلة اختلط فيها المتغير بالثابت.. وبخس النقل في سوت العقل..، ولم تعد الأولويات مواطن اتفاق.. رغم جلاء المنهج القرآني في الجانب العقدي؛ وبات فئام يصدورن عن فهم يساري إسلامي! ! وآخرون عن فهم مستنير! ! وثمة فهم عقلي وعصري وفهوم آخر ما أنزل الله بها من سلطان. وهو واجب كفائي يحقق مطالب شرعية.. (أهم المهمات: نصح للمخالف: وضماد لجراحه ونصح لجميع المسلمين، وكشف للغشاوة عنهم وحماية لقيمهم من التحلل والإدغام والدخولات وحياة الأنعام وغيرها من رواسب الخلاف الطائش. وتنقية الساحة من المنكودين، وبالتعريف عليهم، بما خالفوا به أمر السنة والكتاب فابتدعوا وفجروا ونابذوا السنة وآذوا المسلمين. وفي هذا تحذير بالغ من الوقوع في شراكهم وحيلولة بينهم وبين ما يشتهون) [١] . و (السنة شاهدة من وجه آخر إلى مدح القائمين بهذا الواجب، وأنهم هم العدول المصلحون، الغرباء، وأن عملهم من الجهاد، وواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر..) [٢] . ما سلف منهجية تبدو حقيقة محضة في ممارسة أرباب منهج (أهل السنة والجماعة) المتقدمين منهم والمتأخرين سيان وفي كتابتي هذه أتطلع إليها مجتهداً وأستشرف الصواب فيها متحرياً، والله المستعان. الأستاذ فهمي هويدي صحافي يكتب في (الأهرام) و (العربي) و (المجلة) [*] ويعني في طرحه بقضايا إسلامية ذات بعد صحفي.. مغرق في الانتفاش، ذو رؤية أحسبها تكونت من أمشاج رؤى احتطبها من (مركز للمعلومات) فحسب، إن شئت فارقب ذلك في كتبه ومقالاته حيث النقول المستفيضة وإن كان يحسن صرف دلالتها بأن يلوي أعناقها أو يحرفها وفق مقتضى طرحه، ودونك مثالاً على ذلك: في مقالة له وسمها بـ (العقل في قفص الاتهام) كتب الآتي: (ولشيخ المجتهدين ابن تيمية كتاب كامل في) رد تعارض النقل والعقل (خصصه لمناقشة القضية من زاوية دقيقة تتمثل في السؤال التالي: ما العمل إذا تعارض الشرع - وهو المنقول إلينا من غيرنا - مع العقل؟ ، في رده قال ابن تيمية: إذا حدث التعارض بينهما فإما أن يجمع بينهما وهو محال، لأنه جمع بين النقيضين وأما أن يردا جميعاً (أي يرفضا جميعاً) وإما أن يقدم السمع وهو محال لأن العقل أصل النقل، فلو قدمناه عليه كان ذلك قدحاً في العقل الذي هو أصل النقل والقدح في أصل الشيء قدح فيه، فكان تقديم النقل قدحاً في العقل والنقل جميعاً، والحل يرد ابن تيمية: فوجب تقديم العقل. ثم يضيف شيخنا الجليل إن هذا الرأي بمثابة قانون كلي عند أكثر الأئمة المجتهدين الفخر الرازي وأتباعه وقبله الإمام الغزالي والقاضي أبو بكر العربي والجويني والباقلاني وهذا صحيح..) انتهى بنصه من كتابه القرآن والسلطان هموم إسلامية معاصرة [٣] . ويبدو واضحاً حدة التمويه التي يمارسها هويدي في غالب نقوله رغبة في موافقة ما يصدر عنه من هوى وإن اضطر للتقول. واحسبها في النص السابق المنسوب لشيخ الإسلام تبدو أكثر وضوحاً في هذا التجني وهويدي نفسه ربما يعي جيداً أن هذا ليس من كلام شيخ الإسلام إن لم يكن أول من يعلم ذلك.. إضافة إلى مفردات الاسلوب وعباراته ليست من أساليب شيخ الإسلام ولا من عباراته -رحمه الله تعالى-! ! يبدأ ابن تيمية كتابه - درء تعارض العقل والنقل - بعد الخطبة بقوله: (قول القائل: إذا تعارضت الأدلة السمعية والعقلية..) [٤] . وبعد أن أورد شيخ الإسلام القانون الكلي للتوفيق عند المبتدعة وهو ما نقله هويدي في مقاله السابق ونسبه إليه زوراً قال - أي شيخ الاسلام: (وهذا الكلام قد جعله الرازي واتباعه قانوناً كلياً فيما يستدل به ولهذا أرادوا الاستدلال به بما جاءت به الأنبياء والمرسلون من صفات الله وغير ذلك من الأمور التي أنبأوا بها،..) [٥] . وجاء في مقدمة الكتاب نفسه من وضع د. محمد رشاد سالم ﵀ والنص الذي أورده ابن تيمية في مستهل كتابه هو تلخيص لكلام الرازي في كتبه المختلفة في هذه النقطة..) [٦] . أحسب أن القارئ الفطن أدرك جيداً إن ما نسبه هويدي للشيخ إنما هو (قانون التأويل الكلي) لأرباب الابتداع والذي جاء كتابه الفريد في رد هذا القانون من وجوه عديدة بلغت أربعة وأربعين وجهاً. وبعد.. فليس ثمة تعليق على منهج يفتقد إلى مسلمات الموضوعية في أمانة النقل وأستميح القارئ عذراً لهذا الاستطراد الذي ليس منه بد.. إذ أن ما سلف جزئية استليتها من منهج الأستاذ الصحافي هويدي، والذي صنف في زمن استمراء الألقاب، (كاتباً ومفكراً إسلامياً ذا مبضع يدمل به جروح الأمة في تدينها المنقوص) ! ! و (أزمة وعيها الديني) ! ! (إذ بات قدر الكاتب الذي يعلن انتمائه الإسلامي ويصر على أن يخوض بدينه معركة التقدم أن يواجه في مسيرته ثلاث معارك في آن واحد أولها ضد الناقدين للإسلام وثانيها ضد المتربصين بالعاملين في ميدان الدعوة والثالثة مع فصائل المتدينين أنفسهم الذن امتلأت قلوب أكثرهم بالإيمان ولكن وعيهم بحقائق الدين وأساليبه ومقاصده تشوبه شوائب عدة مما أطلقت عليه في أكثر من موضوع بالكتاب وصف: التدين المنقوص) [٧] . وهو لا يكاد يتجاوز في جل كتبه وأطروحاته الصحافية الأدلجة العصرية لهموم المسلم المستنير ويعزف على ذات النغمة إياها لأرباب هذا الطرح ممن ينعتون بالكتبة والمفكرين الإسلاميين! ! وهاك مفردات (قاموسه) من خلال كتابين اثنين من كتبه فحسب (التدين المنقوص) - (أزمة الوعي الديني) [**] لتكفيني مؤنة إبراز منهجه وتحديد هوية انتمائه وسقف طرحه: ** (فوجدت مكتبة المسجد عامرة بالكتب التي أفزعتني عناوينها إذ كانت هذه العناوين كما يلي: حكم بناء الكنائس والمعابد الشركية في بلاد المسلمين - الجواب المفيد في حكم التصوير - الشفاء في أمر الموسيقى والغناء - التحذير من السفر إلى بلاد الكفرة وخطره على العقيدة والأخلاق - نقد القومية العربية على ضوء الإسلام والواقع - الضوء القرآني والسني على عقيدة النبهاني - الأنوار الرحمانية لهداية الفرقة التيجانية - تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد - فصل الخطاب في المرأة والحجاب - هذه نصيحتي إلى كل شيعي إقامة البراهين على حكم من استغاث بغير الله أو صدق الكهنة والعرافين) [٨] . ** كتابات شيوخه شلتوت والغزالي والقرضاوي من المعاصرين وحدهم: (تعد نماذج واجبة الاحتذاء لما ينبغي أن يكون عليه موقف الفقيه في قلب هموم الأمة..) [٩] . ** عقب أن استعرض كتاب البوطي (السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي (بثناء مفرط كتب) أحسنت يا أستاذنا) [١٠] . ** الفقيه عنده (يتجاوز دارسي العلوم الشرعية ليشمل كل من حسن إسلامه وتعمق في أي فرع آخر من فروع المعرفة الإنسانية والعلمية) [١١] . ** أدى فريق المنشدين الفتيات منهم والشباب أغنية فريد الاطرش (يا زهرة في خيالي) ثم قدموا أنشودة أقرب إلى التواشيح على أنغام أغنية أخرى لفريد الأطرش أيضاً.. بعد ذلك وقفت مغنيتان في شرفة جانبية وقدمتا عدة أغنيات ماليزية بصوت رخيم على أنغام الآلات الموسيقية المحلية المتميزة. سألت لماذا فريد الاطرش دون غيره؟ قالوا إنه هو والسيدة أم كلثوم أشهر الفنانين العرب الذين تعرفهم ماليزيا وبعدهما يأتي عبد الوهاب.. رغم أنهم لا يفهمون معنى الكلام العربي ولكنهم يتعلقون باعتباره ينتسب الى لغة القرآن، بصرف النظر عن مضمونه.. (قلت للشاب الماليزي المتحمس إن الترويج للأغانى العربية الراقية لا يعد متعة مشروعة ومطلوبة فقط ولكنه يؤدي رسالة أيضاً من حيث أنه يجذب الناس إلى اللغة العربية ويعلمهم مفرداتها بمضي الوقت) [١٢] . وبئس الميكافيلية تلك. وربما نعتت مستقبلاً بالإسلامية! ! ** لا يوجد نص شرعي صريح أو واضح الدلالة في تحريم أي من الغناء أو الموسيقى على إطلاقهما وأن النبي وصحابته سمعوا الأغاني والدفوف ولم ينكروها، ثم إن الإسلام لم يخاصم فناً لذاته سواء كان غناء أو تمثيلاً أو رقصاً فتلك وسائط لا يسع عقلاً إسلامياً أن يحكم بحلها أو حرمتها إلا إذا عرف لأي شيء وضعت للحلال أم للحرام) [١٣] . ** (وأستأذن في أن أعفى من الخوض في مسألة النقاب الذي تعرضت له في سياق سابق وقلت أنه مظهر شاذ، لا يستند إلى دليل شرعي قوي ومع ذلك فلا تثريب على من تنقبت إذا استراح ضميرها الى ذلك شريطة ألا تلزم غيرها بما فعلت وألا تتهمها بنقصان في الدين أو خروج على تعاليمه) [١٤] . ** (تقاليد مجتمع الصحارى العربية لها دورها الذي لا ينكر أيضاً في تطويق مساحة الترويح.. ونحن نلحظ مثلاً أن بعض المذاهب المدرسية الفقهية التي تجنح إلى التشدد لم تستقر ولم يكتب لها الاستمرار إلا في البيئة الصحراوية والمذهب الحنبلي وامتداده النسبي المتمثل في التيار الوهابي لم يتجاوزا حدود شبه الجزيرة العربية كقاعدة عامة) [١٥] . ** (لست أخفي أن قلقاً انتابني لأول وهلة حينما رأيت كتاب الأستاذ سيد قطب (معالم في الطريق) مترجماً الى الملاوية ومتصدراً واجهات بعض المكتبات في كوالالمبور ربما لأني تمنيت أن يطل الشاب الملاوي على مساحة الفكر والعمل الإسلاميين من نافذة أخرى أكثر رحابة وسماحة فضلاً عن أن كتاب (المعالم) ليس أفضل تعبير عن الأستاذ سيد الذي كان أكثر لياقة وأقرب إلى ما ننشد من وسطية واعتدال في كتابه المبكر (العدالة الاجتماعية) [١٦] . ** (لكن المحظور الذي ننبه إلى خطره هنا هو أننا ينبغي ألا نسعى بأيدينا إلى إثارة النعرات المذهبية والطائفية سواء بين السنة والشيعة، أو بين السلفيين والأباضية أو الزيدية أو الصوفية، أو بين المسلمين في مجموعهم وبين غير المسلمين) [١٧] . ** (إذ الخوض في التاريخ لا طائل من ورائه والجدل حول رؤية الله يوم القيامة الذي تقول الأباضية باستحالته بينما يقرر آخرون وقوعه ويرون المخالفة فيه من قبيل الاجتهاد في شأن العقيدة الذي يستدل به على الضلال.. هذا الجدل يظل من قبيل الثرثرة في شأن عالم الغيب التي تضر ولا تفيد بالتالي فقد أصبح الحوار حول منابع أصول القفه الأباضي هو الاختيار - أو الاختبار - الصحيح) [١٨] . ** (.. فما قيل حول العلاقة بين مذاهب المسلمين إذا كان قد حقق مصلحة أكيدة - على الصعيد الفكري - فإنه أيضاً صادف هوى في نفسي من حيث أنه أحد مداخل المشروع الحضاري الإسلامي، الذي ندعو إليه ونحلم به. هو المشروع الذي يتجاوز الحركة والمذهب والفرق، ويطرح نفسه كصنيعة للمستقبل، تظلل الجميع بمختلف مذاهبهم ودياناتهم ومدارسهم الفكرية والسياسية. وإن اكن التطبيق يخضع لسنن النمو الطبيعية مبتدئاً بالوطن ومنتهياً بالناس كافة وماراً بالأمة العربية، ثم الأمة الإسلامية) [١٩] . ** (كما أفسدت ملفات الماضي العلاقة بين أهل المذاهب الإسلامية وخسر الجميع الكثير بسبب ذلك الفساد) [٢٠] . لم أشأ أن أتعقب هذه النصوص ليقيني سلفاً أن كل من لديه أثارة من علم من صغار المبتدئين يدرك فسادها جملة وتفصيلاً ويجد فيها مواطن العبث.. ويتحسس أرضية الرؤية الهشة في تضاعيف النصوص المنقولة! ! ولنعد مرة ثانية إلى مفردات (قاموسه) من خلال كتابه الثاني (التدين المنقوص) لنبين عن هويته بلا ادعاء أو تحامل.. وأيضاً لن نتعقبها برد البتة لذات السبب المذكور تواً. ** (لسنا بحاجة إلى دليل من النقل نعزز به دعوتنا، يكفينا دليل العقل الذي أحسب أنه لا يغيب عن ذوي الحس السليم) [٢١] . ** (وفي تجربة شخصية مع موظف في إحدى مصالح الحكومة نهض من مكانه بمجرد سماع أذان صلاة الظهر غير عابيء بطابور البشر الواقف أمامه حتى امتد طرفه إلى الشارع في ظل القيظ الشديد، غاب الرجل ثلثا ساعة ثم عاد إلينا يبسمل ويحوقل بضمير مستريح ونفس راضية وعندما اعترضت على مسلكه قائلاً إن وقت الظهر ممتد حتى صلاة العصر وأن الله لا يقبل صلاة تعطل مصالح الناس نظر الرجل إلي شذراً ونعى الزمن الذي تتعرض فيه (حقوق الله) للانتقاد) [٢٢] . ** (ليس الحل الإسلامي دعوة إلى الخلافة بالضرورة وإذا كانت الخلافة هي الصيغة التي أرتآها سلف المسلمين إلا أنها لا تلزم الخلف بأي حال) [٢٣] . (حتى بات الأمر والنهي ميداناً تداخل فيه الحق والباطل في ... الوقت ذاته، ولسنا بحاجة لأن نسترجع صفحات التاريخ [***] لنستخلص من ممارسات الخوارج - مثلاً - شواهد ندلل بها على صحة ما نقول. حسبنا الذي نشهده في زماننا باسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من تخليط تم بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير) [٢٤] . ** (بالنسبة للذين يتصدون للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فينبغي أن يكون معلوماً أن مسؤولية الأمر والنهي تعد واجباً (كفائياً) لا يطالب به كل فرد بذاته وإنما إذا قام به البعض سقط عن الآخرين بهذا قال جمهور الفقهاء والمعتزلة) [٢٥] . ** (بالنسبة لموضوع الأمر والنهي، فينبغي أن يكون مما لا مجال للاجتهاد فيه. وعند السنة والشيعة فإنه لا يجوز الأمر والنهي - حتى للعلماء - في الأمور التى اختلفت فيها آراء المجتهدين. من مثال ذلك في زماننا الاختلاط والغناء والموسيقى وغير ذلك مما ينشغل شبابنا به) [٢٦] . ** (لماذا لا نقف مع المزيد من ضمانات الحرية والديموقراطية ما دامت النصوص لا تعارض ذلك بل تحتمله) [٢٧] . ** إذاً ما أسهل أن يقعد الواحد في صدر مجلس أو يعتلي منبراً ولا هم له إلا أن يحذر الناس من الإلحاد والشرك ملوحاً بمختلف صور العذاب في الآخرة وما أسهل أن يجرح آخرون في إيمانهم لمجرد أن أحدهم أقام قبراً لميت أو أقسم بغير الله أو استمع لصوت الموسيقى..) . أما النضال من أجل وقف استيراد الدجاج المذبوح أو تقصير جلابيب الرجال أو.. أو.. فذلك مما لا يحتاج إلى جهد أو فقه أو حتى شجاعة حسب المرء قدر من الفراغ وحظ من ضيق الصدر والعقل على هذه الجبهة نجد ألوفاً مؤلفة من المقاتلين مزروعة في مختلف أنحاء العالم الإسلامي من أندونيسيا وماليزيا إلى الجزائر) [٢٨] . ** (استمات في دفاعه عن الهالك توفيق الحكيم وسخر من الضجة التي أثارها الشيوخ عندما بدأ الأديب الحكيم كتابة سلسلة من المقالات بعنوان (حديث إلى الله) وكتب (فضلاً عن أن الرجل أعلن صراحة في تقديمه لتلك المقالات أنه قد استشعر أن موعد لقائه بربه قد حان وأنه لن يخاطب سوى الله ولم تكن فكرة مخاطبته لله جديدة بحد ذاتها فثلث كتابات الصوفية تتوجه إليه سبحانه فيما عرف (بالمناجاة) حتى فكرة الحوار لم تكن جديدة فقد مارسها قبل الحكيم بسبعين عاماً (١٩١٣) الشاعر والفيلسوف والمتصوف محمد إقبال.. ورغم تلك الملابسات التى تجعل الأمر مقبولاً من فنان مسلم موثوق في اقتداره إذا ما كان مراعياً للغة وأدب الخطاب إلى الله فإن بعض الفقهاء وغيرهم من المزايدين والمتشيخين تلقفوا ما كتبه الحكيم وفتحوا النار عليه بدعوى الدفاع عن الذات الإلهية، حتى تراجع الرجل عن المضي في الكتابة وغير عنوان الحديث إلى الله إلى حديث مع النفس ثم حديثه إلى القراء وهلل جمهور المشاهدين للنجاح الكبير..) [٢٩] . ** (من يفتينا في القات: حلال هو أم حرام؟ ربما كان السؤال متأخراً بعض الشيء لأن الفتوى أصدرها بالفعل فريق من الفقهاء فذهب البعض منهم إلى تحريمه وذهب آخرون إلى أنه حلال ولا حرمة فيه وتوقف الأمر عند هذا الحد حتى إشعار آخر! ولست في موقفى يسمح لي بالانحياز لأي من الرأيين ليس فقط لأنني خضت تجربة فاشلة لتذوق القات في (مقيل) صنعاني ولكن لأن الذين أصدروا الحكم في القضية كانوا من الفقهاء في علوم الدين والأمر متعلق بأمور الدنيا! ! [٣٠] . ** (ومنهم من يصر على تقصير الثياب استجابة للتحذير النبوي الذي يقول بأن (ما أسفل الكعبين من الإزار فهو في النار) غير مدرك أن إطالة الثياب في زمن الرسول كانت من علامات الكبر المذموم وهو ما لم يعد قائماً الآن) [٣١] . ** (الاكتشاف في الأمر أن الإسلاميين تبينوا أن العلمانيين ليسوا كائنات غريبة تنفث الشر والفتنة والإلحاد.. أثبتت التجربة أن الطرفين من خلق الأسوياء والراشدين الذين تختلف وجهات نظرهم [٣٢] . ** (ومثل العلمانيين فيه أحد علمائنا الأجلاء، هو الدكتور فؤاد زكريا) [٣٣] . وهكذا - يمتح - هويدي بدلاء استنارته من قاع رؤية بائنة العوار! ! يصمها تارة بالاستنارة وأخرى بالوعي.. وثالثة بالاعتدال ورابعة.. و..؛ ولست ادري أي استنارة بمقدورنا أن نصنف ما قرأت تواً مما نقلناه عنه وهو قليل من كثير تطفح به جل كتبه والتي في أصلها أطروحات صحفية وأي وعي نقدّه لبوساً لأطروحاته! ! أم أي اعتدال ننعت به مشروعاته الثقافية والفكرية. وقبل أن ندير وإياكم الرحى مع هويدي في همه الشيعي [****] المستعر بلظى ... التقريب لنقرأ جديده حيث راح يمارس تكريس ذات الرؤية التي يصدر عنها مع سبق إصرار وترصد ليمتهن ورثة الأنبياء ازدراء ويسلك بهم فجاج الجاهلية عنوة وثمة نعوت لا تليق بالسوق تأدباً فضلاً عن قادة الأمة. أعي جيداً أني أقرفت القارئ بتلك النقول بيد أنها ضرورة حتمية للإبانة عن تأصيل الاستنارة المعصرنة بوعي يقصر عن إدراكه علماؤنا ويتجاوزه كثر من أرباب اليسار الإسلامي.. وصناع الليبرالية الإسلامية وأشياخ تجديد السلفية المستنيرة. إنه التقويض من الداخل لبناء الأمة المتصدع بمعاول شداة الحداء ذاته. وأختم هذه الكتابة بما قاله سيد ﵀ في ظلاله حول قوله تعالى: [ولا ... تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً] وذلك لقاء السكوت، أو لقاء التحريف، أو لقاء الفتاوى المدخولة! وكل ثمن هو في حقيقته قليل. ولو كان ملك الحياة الدنيا.. فكيف وهو لا يزيد على أن يكون رواتب ووظائف وألقاباً ومصالح صغيرة يباع بها الدين وتشترى بها جهنم عن يقين؟ ! إنه ليس أشنع من خيانة المستأمن، وليس أبشع من تفريط المستحفظ، وليس أخس من تدليس المستشهد.. والقارئ يستحضر حديث حذيفة [*****] (.... قلت فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها. قلت: يا رسول الله صفهم لنا، قال: هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا.. الحديث) . واستغفر الله لي ولكم.

стр. 1123

بل هم عنصريون أحمد عبد العزيز أبو عامر رفض اليهود إدانة هيئة الأمم المتحدة لهم بكون الصهيونية شكلاً من أشكال التمييز العنصري واستمروا منذ صدور قرار هيئة الأمم المتحدة بهذا الصدد في ١٠/١١/١٩٧٥ يعملون بكل جهد بغاء القرار، حتى استغلوا الظروف الدولية التي تمخضت عما سمي بالنظام العالمي الجديد ومرحلة السلام التي طرحت وتداعى لها العرب كتداعي الذباب على الشراب، بينما تصلب (العدو الصهيوني) ليفرض ما يريده من آراء وتوجهات منها (إلغاء القرار المذكور) وما زال يطالب بإلغاء (المقاطعة العربية) بل وإلغاء (الجهاد ضد الصهاينة) كما جاء في (خطاب شامير) في مؤتمر مدريد. وحصل إلغاء القرار بمساواة الصهيونية بالعنصرية بقرار من أمريكا كما هو معلوم، فما قصة القرارين؟ وهل الصهاينة ليسوا عنصريين كما يزعمون أم أن الحق والواقع أنهم عنصريون بلسان حالهم ومقالهم؟ قصة قرار مساواة الصهيونية بالعنصرية: لم يأت القرار رقم ٣٣٧٩ الذي قضى بأن الصهيونية شكل من أشكال العنصرية من فراغ فقد قررت هيئة الأمم شجب التمييز العنصري فيما يسمى بحقوق الإنسان، وأكدت الهيئة ذلك حينما شجبت العنصرية القائمة على التمييز باللون والجنس والعرق.. في الدورة ٢٢ حيث قررت الجمعية العمومية للأمم المتحدة اعتبار الفترة من ١٠/١٢/٧٣ حتى ١٠/١٢/٨٣ حقبة مكافحة التمييز العنصري حيث طلب من المجلس الاقتصادي والاجتماعي المنبثق عن الأمم المتحدة بأن يتولى مساعدة الأمين العام في مسؤولية تنسيق النشاطات والبرامج المضطلع بها خلال ذلك العقد على أن يقدم تقريراً سنوياً للجمعية العامة عن الحالة المختصة بهذا الشأن في نهاية كل دورة. واستغلت الدول العربية هذا التوجه في مكافحة التمييز العنصري فاتفق على أن يتقدم مندوب الصومال بمشروع القرار (بمساواة الصهيونية بالعنصرية) . ولما شعر الصهاينة بالمشروع حرص مندوب أمريكا (دانيال مونيان) ومندوب العدو الصهيوني (حاييم هيرتزوك) على الاشتراك مع اللجنة مع مستشارين ورجال الإعلام وتمت محاولات لإفشال المشروع وإثارة الخلافات حول الجانب التنفيذي منه وصياغته إلا أنها لم تنجح. واستمرت المناقشات عدة أيام وسط جو محموم ومحاولات استقطاب واضحة إلا أن محاولاتهم باءت بالفشل وصدر القرار رقم ٣٣٧٩ في ١٠/١١/١٩٧٥ بتأييد ٧٠ صوتاً مؤيداً و ٢٩ صوتاً معارضاً و ٢٧ صوتاً ممتنعاً وغياب ١٥ عضواً وكان يوماً مشهوداً في هيئة الأمم إذ ثارت ثائرة ممثل العدو الصهيوني وتصرف المندوب الأمريكي بصورة أكدت عمق الصدمة الأمريكية من نتيجة التصويت.. وقام مندوب أمريكا واحتضن مندوب إسرائيل مواسياً له أمام الوفود وأدلى بتصريحات غير دبلوماسية تصور عمق الصدمة [١] . وقد مارست أمريكا وإسرائيل طوال ١٦ عاماً ضغوطاً كثيراً لإلغاء القرار حتى تم لهم ما أرادوا على ضوء المستجدات الدولية فكان قرار الإلغاء الصادر في ١٠/٦/ ١٤١٢ والذي أيده ١١١ دولة وعارضه ٢٥ دولة وامتنع عن التصويت ١٣ ولم تشارك ١٧ دولة. ومما يؤسف له أن بعض الدول العربية امتنعت عن التصويت وكأنهم لا يعرفون عنصرية إسرائيل وما يعانيه شعب عربي مسلم من مظالمها واضطهاداتها وبالفعل كان إلغاء القرار سابقة عجيبة في قرارات الأمم المتحدة وبخاصة وأن إلغاء القرار لهم يضع في اعتباره ما كان يجب على (إسرائيل) أن تتخذه من إلغاء القوانين العنصرية التي ما زالت سارية المفعول وتطبق بكل صفاقة على الفلسطينيين [١] . لماذا هم عنصريون فعلاً إن الصهاينة عنصريون فعلاً فهم يستقون تاريخهم في الدرجة الأولى من التوراة وهو كتاب خالطه الكذب والزيف والتضليل وامتزجت فيه الحقيقة بالخرافة والخيال فلا يعتمد عليه المؤرخ النزيه مصدراً يستقي منه معلوماته. وهم منذ وجدوا يغلفون تاريخهم بالأسرار والألغاز! إذ أن تاريخهم كله تاريخ صراع بينهم وبين الأمم الذين يعيشون بينهم كأقليات مستضعفة ذات نشاط أوسع من إمكاناتها وأطماع أوسع من أن تحتملها تلك الأمم فلجأوا إلى أسلوب الكذب والغش والعمل في الخفاء وعرفوا بعدة أسماء فهم تارة اليهود وتارة العبرانيون وتارة الموسويون وتارة بنو إسرائيل وتارة الساميون وحاولوا دائماً هدم التوازن بين تلك الأسماء ويفضلون بأن يُدْعَوْا بني إسرائيل ليدخلوا في روع الناس أنهم جميعاً من نسل ذلك النبي الكريم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم ليصلوا من ذلك إلى أنهم الأشرف جنساً والآصل نسباً والأصدق ديناً، فهم في زعمهم (شعب الله المختار) وإن ما عداهم من (الجيوييم) أي الأغيار ما خلقوا على هيئة البشر الا ليخدموهم ويعترفوا بفضلهم ولا تعليل لهذه التصورات القاصرة إلا لكونهم يشعرون بشعور الطفولة لأنهم على مر تاريخهم [٢] ضعفاء مستضعفون لا وزن لهم إلا بضعف غيرهم. ويوم انقطع حبل الله عنهم بما كفروا بقي لهم حبل (الناس) المعروف. وواقعهم العنصري يعرفه كل مطلع على حياتهم الفعلية وأنا في هذا المقام لا أفتري عليهم بل أسوق الأدلة على ألسنة أشخاص معروفين منهم لهم وزنهم الأدبي والفكري على النحو التالي: أولاً / الدكتور إسرائيل شاحاك: وهو يهودي بولوني قدم إلى فلسطين عام ١٩٤٥ وشهد نشوء الكيان الصهيوني وأنهى دراسته الثانوية عام ١٩٥١ في هرزليا في تل أبيب وأكمل خدمته في الجيش الإسرائيلي إلى عام ١٩٥٣ ودرس الكيمياء العضوية في جامعة القدس العبرية وحصل على شهادة الأستاذية عام ١٩٦٣ وأكمل التخصص في جامعة (ستانفورد) بأمريكا وعاد مدرساً في جامعة القدس. وقد شارك في لجنة الدفاع عن حقوق الإنسان والمواطن وساءه ما حصل من عدوان ١٩٦٧ فانقلب على قومه الصهاينة وبدأ نضاله ضد كافة مظاهر الظلم والعنصرية لديهم. وألف كتابه (عنصرية إسرائيل: بالوثائق والأرقام والأسماء) [٣] ويمكن إيجازه فيما يلي: ١- الكيان الصهيوني دولة يهودية وحسب واليهود وحدهم الشعب المختار. ٢- اليهود في الحقوق المدنية أصحاب الحق ويخضع الفلسطينيون لنظام ظالم يستند إلى القوانين الاستثنائية التي سنها الانتداب الإنجليزي عام ١٩٤٥ ٣- الأسس الأيديولوجية والقانونية التي يقوم عليها الكيان الصهيوني تضعه حتماً في خط نازي لا يقل وحشية عن نازية هتلر. ٤- تهويد الأرض والبشر شرط أساسي ونتيجة محتومة للتضييق على الناس وتهجيرهم ومصادرة كل ما لديهم باسم الأمن القومي والمصلحة العليا. ٥- يتغنون بالسلام ابتزازاً وهم المتعلقون بالحروب استدراراً للأموال من الخارج وقد تطرق في الكتاب لجرائم الصهاينة ضد الفلسطينيين بالحقائق والأرقام وفضح أوضاع السجون ومعاناة مرتاديها وكذلك القرى المهدمة التي قامت بها إسرائيل وصوراً من المعاناة والاضطهاد والتمييز العنصري حتى من اليهود أنفسهم وخاصة السود منهم والقادمون من أوربا الشرقية والكتاب بالفعل يكشف وجه إسرائيل العنصري بكل بشاعاته. ثانياً / جدعون جيلادي: وهو يهودي شرقي عاش طفولته وشبابه في فلسطين وشهد مرحلة التقسيم وسيطرة اليهود الغربيين (الاشكناز) على الحكم وبعد تأسيس دولتهم كان شاهد عيان لما أقدم عليه الصهاينة من مذابح وطرد جماعي وقهر سياسي واستيلاء على الأراضي والممتلكات من الفلسطينيين وبعد مراحل متتالية من الدراسة والبحث وجمع الوثائق ألف كتابه (إسرائيل نحو الانفجار الداخلي) [٤] . يقول في المقدمة: إن الكتاب دراسة تبرز اتجاه الحكومة الإسرائيلية نحو التمييز العنصري ويسوق على ذلك نموذج اليهود السوفييات الذين تدفقوا بالآلاف على الأرض المحتلة ووفرت لهم المساكن والوظائف وتفرد لهم مساحات من الرأي في الشؤون الثقافية بينما يتعاملون مع اليهود الشرقيين (السفارديم) من أرض علوية ويبقى حظهم من التعليم والتمثيل البرلماني والوظائف العليا والنقابات المهنية والمؤسسة العسكرية أدنى المعدلات التي يتمتع بها (الاشكناز) .. وأن العالم لم ينتبه إلى سياسة التفرقة العنصرية التي تمارس ضد (السفارديم) داخل إسرائيل للتعتيم حولها. وهذه الدراسة مقسمة إلى عشرة فصول تطوف بالقارئ حول علاقة العرب والمسلمين باليهود منذ عهد النبوة باعتبارهم أهل ذمة لهم حقوقهم وأثر الحضارة الاسلامية على الدين اليهودي والأدب العبري وإنكار المزاعم باضطهاد اليهود في ظل الإسلام ويخصص المؤلف فصلاً لدراسة تهجير يهود اليمن إلى فلسطين واستغلالهم دعائياً والمعاملة المزرية التي لاقوها على أيدي اليهود (الاشكناز) .. ثم يتحدث عن السجون هناك التي تشهد أبشع نماذج التعذيب والتنكيل والجدير بالذكر بأن هذا الكتاب نشر أولاً بالعربية في القاهرة وترجم إلى الإنجليزية. ثالثاً / عوري دافيد: وكتابه (إسرائيل دولة عنصرية) [٥] وهو كاتب يهودي، بين الكاتب بأن أحد المبادئ الأيديولوجية للحركة الصهيونية منذ تكوينها حتى الآن الفصل بين المجتمع اليهودي وغير اليهودي ولذلك تعاملت مع اعداء اليهود بهدف إجبارهم على اتباع سياساتها إذ أنهم يرون بأنهم شعب مكروه وإن الطريق الوحيد هو إقامة دولة لهم واستغلت الحالة الحسنة نسبياً لبعض اليهود في الدول العربية فبثت الرعب في قلوبهم عن طريق نسف محلاتهم لإجبارهم على الهجرة إلى الأرض المحتلة. وانطلاقاً من مبدأ الصهيونية في العزلة باشروا بعد قيام دولتهم في تطبيق مبدئهم عن طريق تدبير المذابح الجماعية للشعب الفلسطيني وذلك لإخلاء فلسطين من سكانها وتهويدها كلياً وساق أمثلة من أقوال زعمائهم من استغلالهم الحروب لطرد المزيد من الفلسطينيين وتشجيعهم العنف ضدهم كوسيلة لطردهم للمحافظة على التفوق السكاني لصالحهم وكيف أن (كاهانا) أكثر القادة الصهاينة صراحة في التعبير عن آرائه. وذكر المؤلف أن الكنيست الاسرائيلي وافق على قانونين يحددان المستقبل السكاني لهم وهو قانون (العودة ١٩٥٠) الذي ما زال ساري المفعول والذي يسمح لأي يهودي في أي بقعة من بقاع العالم بالهجرة إلى (الأرض المحتلة) مع إعطائه جميع التسهيلات الممكنة. الحق في الاستيلاء على أراض وأملاك الفلسطينيين الذين طردوا من مواطنهم بحجة أنهم غائبون عن أملاكهم وهذا القانون يجرد الفلسطينيين من أبسط الحقوق الطبيعية لأي إنسان وهو حق عيشه في أرضه ووطنه. ثم ذكر المؤلف بأن من أهم النتائج السياسية للسيطرة الصهيونية هي فقدان الحرية السياسية للفلسطينيين مدللاً على ذلك بما أقرته الكنيست من قانون في سنة ١٩٨٠ يحق بموجبه لوزير الداخلية أن ينتزع الجنسية عن أي شخص يقوم بعمل يهدد شرعية الدولة ومن ذلك تأييد منظمة التحرير بأي صورة وأن هذا القانون قد يؤدي إلى طرد جميع الفلسطينيين لأن معظمهم ذوو ولاء لقومهم ووطنهم وقضيتهم. وهكذا يتضح لكل ذي عينين بأن اليهود الصهاينة عنصريون فعلاً بمنطلقاتهم الدينية وايديولوجيتهم السياسية. ومن واقع قوانينهم الحاكمة التي ذكرها هؤلاء النفر منهم يتضح مدى الشكل العنصري الذي يؤمنون به ويطبقونه حتى على بعض بني عقيدتهم ممن يصنفون في فئة (السفارديم) أي اليهود الشرقيين الذين هم أقل مكانة من (الاشكناز) الغربيين. إذاً لماذا تلغى وصمة العنصرية عنهم؟ لا شك أن إلغاءها لم يأت بمبرر معقول أو سبب وجيه لما سبق ذكره من أنهم لم يلغوا القوانين العنصرية التي يحكمون بها ولم ينصفوا حتى بني عقيدتهم الأقل شأناً وهم (السفارديم) والأعجب والأغرب أنهم في إبان مناقشة هذه الموضوع كانوا يسومون الفلسطينيين في المخيمات سوء العذاب بالطرد والإبعاد وهدم البيوت وإخلائها لصالح الوافدين الجدد وما طرد أهل (سلوان) عنا ببعيد. إنها مقايضة سخيفة لتتكرم بالمشاركة في السلام المزعوم! بل ولتملي شروطها. والأدهى والأمر: (طلب إلغاء المقاطعة العربية) و (إلغاء الجهاد ... ضدها) ! ! إن (العدو الصهيوني) دولة عنصرية ليس من واقع معاملتها فحسب؛ بل حتى كتب دينها المحرفة تؤكد هذا التوجه وتوضحه بما لا يدع مجالاً للشك، وإصحاحات أسفارهم الدينية المحرفة في التوراة والتلمود مملوءة بالشهادات على ذلك. وهل إلغاء قرار وصمهم بها يمنع حقيقة عنصريتهم التي يحيونها وعلى ضوئها يعيشون. فهم بالفعل عنصريون وإن رغمت أنوف. فهل في وصفهم بالعنصرية تجنٍ عليهم؟ ! وهل إلغاء قرار الأمم المتحدة في ذلك يغير من الحقيقة شيئاً؟ ! لا، وألف لا.

стр. 1124

تاريخ كيف نفسر التاريخ ؟ د. محمد بن صامل السّلمّي الحدث التاريخي: هو فعل الإنسان، بما يحمله من أفكار وتصورات، وما لديه من قدرات وإمكانات، وما يعتمل في نفسه من الرغبات والشهوات، ومن القيم والفضائل والاعتقادات في زمان ومكان من هذا الكون الفسيح المحكوم بمشيئة الله وعلمه وقدرته.. من خلال التعريف يتضح أن أركان التفسير التاريخي هي: الإنسان، الزمان والمكان، المشيئة الإلهية.. وتفسير التاريخ هو معرفة التصور الصحيح عن هذه الأركان وإدراك العلاقة الصحيحة بينها.. إن من يملك التصور الصحيح ويرجع إلى المصدر الحق يستطيع أن يفسر تاريخ البشرية كله، لأن المصدر الحق (الكتاب والسنة) وضح لنا السنن التي تسير في إطارها الأحداث، ويحكم من خلالها الأمم والدول والأشخاص.. إن هذا الكون -بما فيه الإنسان وفعله - هو خلق الله، فلا بد من الرجوع إلى الخالق لفهم هذا الخلق؛ وإذا رجعنا إلى الوحي المنزل من الخالق لهداية البشرية، نجد السنن واضحة، والاتجاهات محدّدة.. ففي أول سورة من المصحف تقرأ قول الله تعالى: [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ] وكل ما سوى الله عالم، وأنت واحد من هذا العالم، إذن أنت تنتمي إلى عوالم كثيرة فسيحة، وأنت مدعو إلى التعرف على رفقاء الطريق.. كيف بدءوا؟ وكيف ساروا.؟ وإلى أي شيء انتهوا.؟ وحين تتقدم في القراءة تجد نفسك في قمة الزمان ونهايته، الذي هو وعاء التاريخ وغايته ومصير الجميع [مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ] فما بدء الزمان ومنطلق التاريخ؟ وكيف سار إلى هذا المصير؟ وإذا ازددت في القراءة تجد نفسك أمام اختيار حاسم لسبيل واحد من بين سبل متعددة [اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ] فإما صراط مستقيم قد سلكه قبلك أخيار من الرسل والصديقين والشهداء والصالحين.. وإما سبل متعددة منحرفة ومتعرجة سارت فيها أمم من المغضوب عليهم والضالين ومن قلدهم وسلك منهجهم حتى دخل جحر الضبّ وراءهم.. وأنت مدعو للتعرف على ذينك الطريقين، طريق الاستقامة والهدى، وطريق الضلال والهوى.. وأن تعرف الأطوار التاريخية لتلك الأمم وتقلباتها ومصائرها والسنن الربانية التي حاقت بها.. وأن تعي حركة التاريخ حتى تكون على بصيرة بمواقع خطوك وسيرك في هذه الحياة.. إنك مدعو للتعرف على الزمان بأبعاده الثلاثة: الماضي، والحاضر، والمستقبل القريب والبعيد.. وإذا أخذت في قراءة السورة التي تلي الفاتحة تجد في أولها الحديث عن الإنسان الذي هو فاعل الحدث وصانع التاريخ.. وأن الناس على ثلاثة أقسام: * المؤمنون.. ولهم صفات واضحة محددة، ولهم منهج وطريق [الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ] [البقرة ٣-٥] . أفلحوا لأنهم سلكوا الصراط المستقيم الذي أمروا به في السورة السابقة. * الصنف المقابل هم الذين كفروا، وبسبب جحودهم وتركهم للصراط المستقيم فقد ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم، وعلى أبصارهم غشاوة. فهذه الحواس ووسائل المعرفة لما انحرفوا بها ولم يحفظوها عاقبهم الله بأن سلبهم المقدرة على الاستفادة الصحيحة منها.. * الصنف الثالث متردد بين الصنفين، وهم المنافقون، وقد أطالت الآيات في وصفهم للحاجة إلى بيان حالهم حتى لا يتلبس أمرهم على المؤمنين بسبب ما يظهرون من دعوى الصلاح والاستقامة وأنهم مع المؤمنين، وحقيقة أمرهم أنهم لضعف نفوسهم وجبنها عن مواجهة الحقيقة يريدون ان يتخذوا بين ذلك سبيلاً ... ثم يأتي الحديث في السورة عن أصل البشر وبداية خلقهم وسبب خروج أبيهم من الجنة وإسكانه الأرض، وما طلب من ذريته، ويتكرر الحديث عن هذه المسألة في سور أخرى حتى تتضح بداية التاريخ، ولا يكون الأمر معمي عن الناس فتتلاعب بهم الأهواء والظنون والأوهام، والحفريات والآثار والاجتهادات القاصرة. ثم يدعوك ربك وخالقك إلى وعي التاريخ وأحداثه، قال تعالى: [قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ] [آل عمران ١٣٧] .. والسير في الأرض على نوعين: * نوع أفقي على امتداد الزمان والمكان لمشاهدة الأحداث والآثار، وأخبار الأمم وتقلبات الأحوال بهم، ورؤية المصائر التي انتهوا إليها، أي النظرة الشاملة إلى مسار التاريخ الإنساني كله؛ هذا السير نوع من المشاهدة الفاحصة والملاحظة الواعية والمقصدة، وليس مجرد الاستقبال السلبي التكراري لصور الأحداث وتعاقبها.. * ونوع يتجه نحو العمق، ويتمثل بالتبصر الواعي بالكيفية التي حدثت بها الأحداث، والبحث عن الأسباب والدواعي والنتائج القريبة والبعيدة، وهو الموجه إليه بقوله [فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ] فالنظر المطلوب هنا هو بالبصائر والعقول، وليس بالعيون الباصرة فقط.. ولذا نعى المولى على الذين لم يستخدموا ما وهبهم من وسائل وقدرات فقال: [أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَتِي فِي الصُّدُورِ] [الحج ٤٦] . بل هم يوم القيامة يعترفون حين يرون الحقيقة ماثلة أمامهم بأنهم لم يسمعوا ولم يعقلوا وإلا لما وصلوا إلى هذا المصير [وقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ] [الملك ١٠-١١] . إن القصص القرآني عن الأمم السابقة والرسل المرسلين إليهم هو الذي يبين لنا مجرى التاريخ البشري منذ فجر البشرية الأول وحتى حاضرها ومستقبلها ونهاية تاريخها ومصيرها بعد الحياة الدنيا.. ومن خلال السنن الربانية في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ نفهم التاريخ، ونفسر أحداثه، ونعرف عوامل البناء والأمن والاستقرار والبقاء، وعوامل الهدم والخوف والسقوط والتدمير؛ وأن هذه السنن مرتبطة بالأمر والنهي والطاعة والمعصية، والإيمان والكفر، والتوحيد والشرك؛ فإذا أتى الإنسان بالأمر واجتنب النهي ووقف عند حدود الله، أصاب خير السنة الربانية ... وإذا أهمل الأمر وخالفه وارتكب المنهي عنه ووقع في حدود الله أصاب شر السنة الربانية.. قال تعالى: [إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] [الرعد ١١] . وقال تعالى: [ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] [الأنفال ٥٣] . وقال تعالى: [أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] [آل عمران ١٦٥] . هذا هو المنهج الذي يفسر به تاريخ البشرية كلها: الوزن بميزان العقيدة والإيمان ... [قَدْ جَاءكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ومَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا ومَا أنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ] [الأنعام ١٠٤] .

стр. 1125

منتدى القراء يا دعاة الحق متى تتوحد كلمتكم ؟ عبد الرحمن عبد الله العيد سؤال حيّر ألباب الغيورين، وعبارة أسهرت مقل الملايين من المسلمين. نعم قد يكون الجواب كلمة وقد يكون سطراً ولكن الجواب الحقيقي هو البدء، هو العمل، هو الفعل، هو النتيجة لماذا لا يجيب على هذا الاستفهام دعاتنا الأجلاء من شتى بقاع الأرض من أي تربة كانوا وفي أي أرض سكنوا. إنه الاختلاف الشاسع في كثير من المناهج، إنه التبني للآراء الفردية وترك الآراء الجماعية، إنه العزلة الحقيقية في التفكير، إنها النظرات القريبة جداً أو البعيدة جداً. فيا أخي الداعية، أيها المسلم الواعي أينما كنت: وحَّد الهدف مع إخوانك تتوحد الكلمات. اتَّبع المنهج الصحيح في دعوتك تتقارب الأفهام، كن مجموعة ولا تكن فرداً تتجلى لك الأمور، كن حذراً في الشبه قوياً في الحق منصفاً في الأحكام، عادلاً في الميزان، مقتصداً في القياس، حاذقاً في الاجتهاد، تستطيع السير قدماً بكل وضوح ورسوخ.. يا قادة الأمة: يا ورثة الأنبياء والله إن نفوسنا تتوق إلى جواب فعلي عملي فكثرة الورق ملأت مكتباتنا، وكثرة الكلام ميزة تمتاز بها مجالسنا، فنحن بأمس الحاجة إلى رجل تمشي، ويد تأخذ وتعطي، وفعل ينفذ، ونتيجة تُذهب عن قلوبنا غبار اليأس، ولا يأس من وعد الله.

стр. 1126

مختارات أحمد باشا الجزار [*] من كتاب: أعيان دمشق في القرن الثالث عشر ونصف القرن الرابع عشر الهجري للشيخ: محمد جميل الشطي ص٣٨ ذكره الجبرتي في تاريخه المشهور، قال ما خلاصته: هو الوزير الكبير، والدستور الشهير، أحمد باشا، المعروف بالجزار، البشناقي الأصل. حضر إلى مصر في خدمة علي باشا حكيم أوغلي أيام ولايته الثانية سنة ١٧١١ هـ (١٧٥٧م) ، واستأذن مخدومه إلى الحج، فأذن له. ولما رجع وجده قد انفصل عن ولاية مصر، وسافر إلى الديار الرومية، فاستمر المترجَم بمصر، وتزيى بزي المصريين، وخدم علي بيك (بلوط قبان) ، وتعلم الفروسية على طريقة الأجناد المصرية، وقلده المذكور ولاية البحيرة، وأرسله بتجريدة إلى عربانها، فذهب إليهم، واحتال عليهم، وجمعهم في مكان، وقتلهم - وهم سبعون كبيراً - وبذلك سمي الجزار. ورجع فأحبه علي بيك لنجابته وشجاعته. وتنقل عنده في الخدم والمناصب، ثم قلده السنجقية، وصار من جملة أمرائه، ثم كان ما كان بينه وبين مخدومه.. فتنكر وخرج هارباً في صورة شخص جزائري، وسار إلى الاسكندرية فالروم، ثم رجع إلى البحيرة، وتزوج هناك. ثم سار إلى بلاد الشام فاستمر فيها بين محاربات وتنقلات، واشترى مماليك، واجتمع لديه عصبة، واشتهر أمره في تلك النواحي. ولم يزل على ذلك إلى أن مات الظاهر عمر في سنة ١١٨٩ م - ١٧٧٥ م ووصل حسن باشا الجزائري إلى عكا، فطلب من يكون كفؤاً للإقامة بحصنها؛ فذكروا له المترجَم، فاستدعاه وقلده الوزارة، وأعطاه الأطواخ والبيرق، فأقام بحصن عكا، وعمّر أسوارها وقلاعها، وأنشأ بها البستان والمسجد، واتخذ له جنداً كثيفاً واستكثر من شراء المماليك، وأغار على تلك النواحي، وحارب جبل الدروز [١] مراراً، وغنم منهم أموالاً عظيمة، ودخلوا في طاعته، وضرب عليهم وعلى غيرهم الضرائب، وجبيت إليه الأموال من كل جهة حتى ملأ الخزائن وكنز الكنوز، وصار يصانع أهل الدولة ورجال السلطنة، ويتابع إرسال الهدايا والأموال إليهم، فقلدوه ولاية الشام، وولى على البلاد نواباً وحكاماً من طرفه وطلع بالحج الشامي مراراً، وأخاف النواحي، وعاقب على الذنب الصغير بالقتل والحبس والتمثيل، وقطع الآناف والآذان والأطراف، ولم يغفر زلة عالم لعلمه، أو ذي جاه لجاهه، وسلب النعم عن كثير من ذويها واستأصل أموالهم، ومات في سجنه ما لا يحصى من الأعيان والعلماء وغيرهم، ومنهم من أطال حبسه سنين حتى مات، وكاد البلاد وقهر العباد، ونصبت الدولة فخاخاً لصيده، فلم يتمكنوا من ذلك ولم يسعهم إلا مسالمته. ومسايرته، وثبت قدمه، وطار صيته في جميع الممالك والثغور، وراسله ملوك النواحي، وراسلهم وهادوه وهابوه، وبنى عدة صهاريج، وملأها بالزيوت والسمن والعسل والشيرج والأرز وأنواع الغلة، وزرع في بستانه أصناف الفواكه، وبالجملة فقد كان المترجَم من غرائب الدهر، وأخباره لا يفي القلم بتسطيرها، ولا يسعف الفكر بتذكارها، ولو لم يكن له من المناقب سوى استظهاره على الفرنساوية وثباته في محاربتهم أكثر من شهرين لكفاه ذلك! وكان يقول أنا المنتظر، وأنا أحمد المذكور في الجفور. ولم يزل على حاله حتى توفي على فراشه، وذلك في أواخر سنة تسع عشرة ومائتين وألف. انتهى كلام الجبرتي. وترجمه العلامة السيد محمود أفندي الحمزاوي في مجموعة له فقال ما مختصره: صار المترجَم والياً بدمشق أربع مرات: الأولى سنة ١١٩٨ هـ - ١٧٨٤م وبقي سنتين، ثم عزل وتولى ثانياً سنة ١٢٠٥ هـ - ١٧٩٠ م واستقام خمس سنوات على حال غير مستقيم من قتل وسلب وأجرام عظيمة، ثم عزل وتولى ثالثاً سنة ١٣١٣ هـ - ١٧٩٩ م وكانت العساكر الفرنساوية مستولية على مصر، فوردت الأخبار بأنهم توجهوا إلى السواحل وأخذوا يافا وغزة، والجزار إذ ذاك في عكا، فعقد الرؤساء والوجوه في دمشق مجلساً قرروا فيه جمع العساكر وإرسالها معونة لأهل السواحل، وكان إذ ذاك غلاء عظيم، فجعلوا كلف الذخائر على تجار الصابون خاصة، فبلغ المجموع من ذلك مقدار مائة وخمسين ألف قرش، وفي اليوم الثالث توجهت العساكر من دمشق، وقدرها أربعة آلاف، وذلك في ٢٠ شوال من السنة المذكورة، ثم لحقت بهم التيمارلية وبعض الغربية، وانقسم الجميع إلى فرقتين: فرقة توجهت إلى جهة صفد؛ وفرقة توجهت إلى السكة نحو الجسر، فقصدتهم أناس من العساكر الإفرنسية، ففروا بعد أن قتل عدة منهم، وعادوا إلى دمشق، وصارت العسكر الشمالية ترد على دمشق من جميع الأقطار، حتى غلت الأسعار، وكثر الجور والفساد، وخربت القرى من سوء إدارة الرؤساء. ثم وردت الأخبار بأن الجزار محصور، وما زالت الأخبار تتجدد كل يوم بما وقع، والعساكر ترد على الشام، والمفاسد على ساق، إلى أن ورد كتاب من قبل الجزار بأن الإفرنسيين جلوا عن عكا، كما وردت الأخبار بأن مصر استُرجِعَت منهم قهراً، وفي ٢٦ ربيع الأول سنة ١٤١٢ هـ (٢٧/٨/١٧٩٩) وصل يوسف باشا الصدر الأعظم إلى دمشق، فاستقصى أصحاب المفاسد، وأعدمهم الحياة وسعَّر الغلال وغيرها، ومهد الأمور. وفي أثناء ذلك ورد معروض من الجزار إلى الصدر المشار إليه يشعر باستقالته من ولاية دمشق، فقبل استقالته. ثم إن الجزار تولى دمشق رابعاً سنة ١٢١٨ هـ (١٨٠٣م) وهو في عكا، فأرسل إلى دمشق تعريفاً بذلك صحبة المفتي أسعد أفندي المحاسني، وبعد تلاوته أخرجت الأوامر الصادرة منه، فإذا أحدها بتعيين قائم المقام فجرى إيجابه، وإذا أوامر أخرى بالقبض على عبد الرحمن أفندي المرادي (المفتي السابق) وجملة من الرؤساء والوجوه، فسجنوا في القلعة، وفي غيرها، وكتب للجزار بذلك، فحضر الجواب بعد ليلتين بإعدامهم الحياة، فقتلوا عبد الرحمن أفندي والدفتردار حسن أفندي ليلاً، ثم قتلوا جملة ذوات معتبرين (ولعل منهم المفتي أسعد أفندي المقدم ذكره كما هو مشهور) وبادروا بسلب أموال الأهالي بدون حق، وحملوا التجار أغلب الأثقال، فقد كانوا يهددونهم بالضرب والتعذيب حتى يدفعوا المطلوب منهم، وعظم الأمر على أهالي الشام، إذ أرسل من عكا أشخاص من الأكراد لتنويع العذاب على الأهالي بالنار والكعاب يضعونها في مصادغ من يريدون تعذيبه وهي محمية ومربوطة بالسلاسل [**] ، وأمثال ذلك كثير، واستمر الحال على ذلك إلى افتتاح محرم الحرام سنة تسع عشرة ومائتين وألف (١١/٤/ ١٨٠٤ م) . وفيه وردت الأخبار بموت الجزار، فتوجهت الناس إلى القلعة، وأخرجوا الذين حبسوا من أجل المال، ثم تتبعوا أعوان الجزار فقتلوهم، وتفقدوا الأكراد الذين وكلوا بعذاب الناس، فعثروا عليهم في قرية (التل) فأحضروهم وعذبوهم بمثل الأنواع التي عذبوا بها الناس، ثم نتفوا لحاهم وقتلوهم شر قتلة. انتهى كلام السيد الحمزاوي. وترجمه الأستاذ البيطار في تاريخه بما خلاصته: ولد المترجَم في بوسنة سنة١١٣٥ هـ (١٧٢٣م) ولما بلغ ١٦ عاماً ارتكب أمراً فظيعاً، فهرب إلى القسطنطينية، وقضى بها مدة وهو في ذل وفاقة، إلى أن باع نفسه في سوق النخاسة، وآل به الأمر إلى أن بيع في مصر، فدخل في سلك المماليك المصرية، وساعده الحظ على المرام والأمنية، حتى صار والي البحيرة، وهناك لقب بالجزار، وكان مجبولاً على الفظاظة والقسوة، مطبوعاً على الفسوق والآثام، سفاكاً للدماء يفعل ما يشاء، قد اتخذ هواه هادياً ونصيراً، وعتا في نفسه عتواً كبيراً، ثم ساءت سيرته في مصر فهرب إلى سورية، ودخل دير القمر سنة ١١٨٥ هـ (١٧٧١م) ملتجئاً إلى الأمير يوسف الشهابي والي جبل لبنان حينئذ، فرحب به الأمير وأكرمه، ثم أرسله إلى بيروت ورتب له بعض الرسوم، فأقام أياماً ثم أعرض عن ذلك، وسار إلى دمشق. وفي سنة ١١٨٧ هـ (١٧٧٣م) جعله الأمير المذكور متسلماً من قبله على بيروت، وجعل معه طائفة من المغاربة، ولم تمض مدة حتى خان الأمير وعزم على مبارزته، فشرع في ترميم الأسوار وهيأ الميرة وآلات الحرب للحصار، ومنع أهل البلاد من دخول المدينة، ولم يدع شيئاً يخرج منها، فاستنجد الأمير يوسف بحسن باشا وهو قاصد القسطنطينية، فعاد وأخرج الجزار من بيروت، فسار هذا بعسكره براً إلى صيدا وعددهم ستمائة، فأرسل الأمير إليهم جماعة النَّكدِيّة، ولما التقى العسكران قتل أصحاب الجزار أكثر النكدية، وقبضوا على أعيانهم. ثم سار الجزار إلى صيدا، فبعلبك، وعظم أمره في تلك الأقطار، ووقع الصلح بينه وبين الأمير المقدم ذكره. ثم إن الجزار صاحب الترجمة خان الأمير ظاهر العمر بعد أن أنعم الأمير عليه بقيادة جيشه، فقتله بيده، ولما كان الأمير ظاهر عدواً للدولة العثمانية أنعمت الدولة على الجزار بولاية عكا وصيدا معاً، ثم منحته الوزارة وولاية دمشق سنة ١٢١٨ هـ (١٨٣٠م) . فزاد في طغيانه من قتل الأنفس وسلب الأموال، حتى قتل خلقاً كثيراً من أعيان دمشق ومن أفضلهم عبد الرحمن المرادي مفتي دمشق، وأسعد أفندي المحاسني مفتيها أيضاً. واصطنع للناس أنواع العذاب بآلات اخترعها له طائفة من الأكراد عاونوه على ظلم العباد، وأقروه على دعواه بأنه مجدد الوقت، وكان رئيسهم يدَّعي التصوف، ويقول: إن الشيخ الأكبر أخبر عنه في فتوحاته! وقد ادعوا أن قتله الأنفس وسلبه الأموال ليس حراماً، بل هو حلال حتى أكفروا علماء عصرهم المنكرين عليهم. وكان من أعوان الجزار أيضاً رجل اسمه عبد الوهاب له اطلاع في بعض العلوم، أرسله إلى دمشق على رأس طائفة من العساكر، وكان إليه المشورة في أمورهم، فصار يتغالى في قباحته وإساءته ويتلذذ بقتل الرجال وسلب الأموال، حتى كادت تخافه الأطفال، ومازال هذا الضال يتغالى في ظلمه حتى تحركت الدولة الفرنساوية [٢] ، لدخول البلاد، فحاصرت عكا سنة ١٤١٢ هـ (١٧٩٩م) ثم قدمت مراكب إنكليزية إلى عكا لرد الفرنساويين، فلم تمض مدة حتى رجع بونابرت بعساكره، فصفا الوقت للجزار، فعاد لظلم الناس؛ بتعذيبهم بالقتل والقطع والسحل والجدع، إلى غير ذلك من الأفعال الفظيعة والأحوال الشنيعة، حتى صار جوره مثلاً سائراً. ولم يزل على حاله حتى هلك - قبحه الله - سنة ١٢١٩ هـ (١٨٠٤م) في عكا ودفن بها في الجامع المنسوب إليه، وعادت دمشق إيالة على حدة سنة ١٢٢٠ هـ (١٨٠٥م) انتهى كلام البيطار. فلعق:. ورأيت للعلامة السيد محمد أمين عابدين بيتين يؤرخ بهما وفاة صاحب الترجمة وهما قوله: هَلَكَ الجَّزارُ ولا عَجَبٌ ... وَمَضَى بالخزْيِ وَبالإْثْمِ وبمهلِكِهِ الباري عنا ... -أَرِّخ- قَدْ كَفَّ يَدَ الظُلْمِ

стр. 1127

الصفحة الأخيرة يا لله.. وهذا الحيف ! ! عبد القادر حامد إننا ممن يقدر مسؤولية الكلمة، ونقف عند حدود: (ولا تقفُ ما ليس لك به علم) ونحرص على أن نجري على ما نكتب رقابة ذاتية تأخذ في حسابها العوائق الكثيرة في طريق الدعوة إلى إسلام الحق والعدالة والحرية. ومع أن هذه العوائق مما يفت بعَضُد الجبابرة، ويحبط مساعي أصبر الناس؛ إلا أن ثقتنا بالله - وله الحمد والمنة - عظيمة، وأملنا ورجاؤنا أن يبارك الجهد المخلص - وإن قل وتعثر- لا حدود له. إن المسلمين أمام هذه العوائق صنفان: * صنف ملول، ينفض يديه، وينحو باللائمة على الظروف، ويتقاعد ويتثاقل، وينصرف إلى خاصة نفسه. * وصنف عنيد لا يكلِّ، ويرى أن المسلم معتاد على العمل في الظروف الاستثنائية، وحياته كلها معاناة ومجاهدة، يُسدُّ في وجهه باب، فيفتح الله له باباً آخر، وهكذا.. ونحن نحب ونتطلع إلى أن نكون من الصنف الثاني، الذي بمثله تقوم الحجة، وبجهوده يدحر الباطل، نتألم إذا حوربنا لكن لا نيأس، ونتوجع لإعراض قومنا لكن لا نشتكي إلا لله. وعلى الرغم من عيشنا بأجسامنا خارج حدود بلادنا الحبيبة فإننا صابرون محتسبون على أن فُرِّق بين أجسامنا وأرواحنا - التي غادرناها هناك - هذا التفريق الُممِضَّ، ومن حقنا على بلادنا أن نحبها، وعلى إخواننا الذين تربطنا بهم العقيدة واللسان أن نخاطبهم، فإن لم يكن حق العقيدة واللسان فحق الهوى والميل. أَأَن نصبنا أنفسنا لمحاربة الشعوذة والخرافة والإسراف وتبديد الثروات وموالاة أعداء الله؛ ودعونا إلى التمسك بعقيدة التوحيد ومقتضياتها، وإلى القصد والاعتدال، والبعد عن الغلو، وإصلاح الخلل وترميم الداثر نحارَبُ ويشقق ما نكتبُ، ويشطب على ما نقول؟ ! يا لله وهذا الحيف! !

стр. 1128

ذو القعدة - ١٤١٢هـ مايو - ١٩٩٢م (السنة: ٦)

стр. 1129

الافتتاحية أيها الأفغان اهزموا الحمية الجاهلية كما هزمتم الشيوعية يكثر الحديث عن دور الإعلام في توجيه الأحداث والتحكم بسيرها، وأوضح مثال على ذلك ما يجري في أفغانستان، وكثرة اللاعبين والمتدخلين في مصير هذا البلد. يبدو أنه كلما تقدم الزمن كلما كثرت التدخلات بسبب سرعة الاتصال بين بني البشر وترابط مصالحهم وتعقدها، وتزداد هذه التدخلات حدة حينما يكون المسلمون طرفاً فيها، فالقوى التي تعادي الإسلام كثيرة وإن هي آلت في النهاية إلى فريقين من الناس هم: الكفار والمنافقون الذين تحددت صفاتهم وملامحهم وقسماتهم في القرآن الكريم وفي سنة النبي ﷺ . وهذه القوى الكافرة - السافر منها والمستتر - قد يكون بينها خلاف سابق أو لاحق بسبب التنافس والحرص على الفوز بالنصيب الأكبر من كل ضحية تلوح، ولهذا فإن بعضها قد يقف مع المسلمين وينصرهم بالسلاح والمساعدات، فيظن من لا خبرة له أن هذا معونة ونخوة، ولا يدرون أن هذا ليس إلا من قبيل تسمين الذبيحة، أو من قبيل حشد (البياطرة) لقطعان الماشية للعناية بصحتها لتكون أفضل إنتاجاً، أو لإنقاذ حيوان نادر مهدد بالانقراض. إن كثيرين يظنون أن هناك دوافع إنسانية تكمن وراء هذه المساعدات لمجرد (الإنسانية) لا لشيء آخر، ويغفلون عن حقيقة وأهداف هذا الرفق بالإنسان والحيوان، وهو توفير جو من الاستمتاع المادي (والفني) الرومانسي بالإبقاء على هذه الفصائل التي يتعاورها ما يهددها بالانقراض والإبادة لإشباع ميول الإنسان المتحضر وإرضاء فضوله وحب المعرفة عنده. هذه أفغانستان، ملحمة من ملاحم المسلمين في العصر الحاضر، دولة مسلمة مسالمة، لا أطماع لها فيما حولها، نكبتها الشيوعية بواحدة من نكباتها الكثيرة التي نكبت بها الشعوب، فهب شعبها - بما عرف به من بأس وأنفة وإباء للضيم - هبة واحدة، ولم يقبل بالظلم وإن كان من جار جبار لا تقاس قوته إلى قوته، ووقف كثير من المسلمين مع هذا الشعب مادياً ومعنوياً، ولم يسع الغرب أن يقف مكتوف اليدين أيضاً، فما الذي يمنعه أن يمد يد العون إلى من يكيل الضربات للشيوعية العدو الراهن للغرب؟ ! ففعل، وفي الغالب فإن المنكوب لا يدقق في المساعدات التي تصله: ماذا وراءها، وإلى ماذا ترمي؟ وبخاصة إذا أصابت هذه النكبة شعباً كاملاً بمختلف عناصره، بل كانت هذه المعونات تقدم أحياناً على طبق الآخرة الإسلامية وإغاثة الملهوف. ومنذ أن أذن الله بهزيمة السوفييت وانسحابهم من أفغانستان، والتداول مستمر بشأن أفغانستان: (هزيمة للسوفييت: نعم، ولكن انتصار للإسلام: لا) . ويقود كبر تحقيق هذه المعادلة أعداء الإسلام في المنطقة وخارجها، وهم معروفون بمسعاهم وحرصهم المستميت على أن لا يسمحوا لمن ضحوا التضحيات الجسام بأموالهم وأنفسهم أن يقطفوا ثمرة جهادهم. وقد شاهدنا - وشاهد العالم بأسره - حرص الدوائر الغربية - التي يظهر إعلامها بواطن ما تخفيه - على إبراز من تريد والإشادة به، وإخفاء من تريد والإساءة إليه بإلصاق الصفات المنفرة به، وإظهاره بمظهر المتعطش للدم، الهاوي للخراب. ولكن المسلم أصبح في هذه الأيام، ولطول ما عانى من أكاذيب هذا الإعلام يكتشف بشكل لا شعوري أين تكمن الحقيقة، ويتجه مباشرة بولائه إلى الجهة التي يناصبها هذا الإعلام عداءه، حتى ولو كانت عليها مآخذ أخرى. إن مشكلة أفغانستان كغيرها من المشاكل التي تقع في البلاد الإسلامية، هي مواجهة حقيقية للظروف الصعبة التي تحيط بالمسلمين، وسبيل من سبل المواجهة لقوى التدخل الخارجي التي تفرض وجهات نظرها على الشعوب، وتحاول أن تتحكم بمصائرهم. فهذا الجهاد الطويل ليس إلا محاولة لإفهام هذه القوى الخارجية أنه من العبث استخدام عملاء تصنعهم على أعينها كي يسلموها مفاتيح البلاد، ويرتهنوا مستقبل أجيالها لمصلحة الأجنبي الدخيل. ومن الخطأ الاعتقاد بأن التدخلات لا يعبر عنها إلا بدخول الأجنبي البلاد، ثم تنتهي برحيله، إن السوفييت ارتحلوا ولكن خلفوا وراءهم تركة ثقيلة من الهدم والخراب في البنيان والنفوس، وتظن القوى الخارجية الأخرى التي فركت أيديها فرحاً بهزيمة السوفييت وانهيار الشيوعية أن بإمكانها ملء الفراغ الناجم عن ذلك، واستثمار الدمار والشقوق الموجودة في المجتمع الأفغاني، وتضخيمها، وهي لا تهدأ عن دفع محاولاتها الدائمة في استثمار كل شيء لتحقيق أهدافها. ولا ينبغي أن ينسى المسلم أن وسائل هذه القوى أخبث، وطرق تأثيرها أكثر تعقيداً وأبعد أثراً. فمن يأتيك شاهراً قبضته يستنفر كل عوامل الدفاع عندك، ويضاعف قوتك أضعافاً مضاعفة. ولكن من يأتيك بالمال والرغيف وباقة الزهر والبسمة، وإظهار الحرص على إخراجك من محنتك ومشكلاتك ... يوقع في نفسك الحرج، (والنفوس مفطورة على حب من أحسن إليها) ! وهكذا يصبح التشكيك في نوايا هؤلاء المحسنين الأدعياء وسيلة من وسائل انشقاق المجتمع وبث الفرقة والفتنة في صفوفه. المعونات وسيلة من وسائل الارتهان: لا يحسن أن يغيب عن أذهان المسلمين - اليوم - أن المعونات الاقتصادية والعسكرية الآتية من المجتمعات الغربية وسيلة من وسائل التحكم بالمصير والارتهان لسياسات لا تتلاءم مع الشعور الإسلامي، فهذه المعونات ليست لله، وهذه صحيفة أمريكية تظهر الأسف والندم على تقديم المعونات لقلب الدين حكمتيار بحجة أنه ظهر أنه معاد للغرب، ولكن لم تبين لنا هذه الصحيفة المحترمة ما المظهر العملي لعداء المذكور للغرب، هل أغار على بلد غربي؟ أو سفك دماء غربين أبرياء، أو يفكر في إقامة حكومة إسلامية في ولاية من الولايات المتحدة الأمريكية؟ ! أم أن جريمته بنظر هؤلاء أنه يقول: نقبل المساعدات على أنها مساعدات مجردة، ولكن أن تكون هذه المساعدات ثمناً لشيء غير الشكر فلا؟ ! وعلى كل حال، فإن أجهزة المخابرات حينما تتفضل بتقديم المساعدات لهذا الفريق من المسلمين أو ذاك تعرف كراهية ومقت المسلمين للإذلال والمن وما تنطوي عليه صدورهم للدول الغربية الاستعمارية من بغض سواء قدمت مساعدات وإغاثات أم لا، ولكن هذه الأجهزة تراهن على ضعاف النفوس الذين لابد أن يخرجوا من بين ظهراني المسلمين مدفوعين بالحرص على الجاه والشهرة وحب السلطة، وهؤلاء هم سبب البلاء في كل عصر ومصر، وهم العقبات التي تجهض جهاد المسلمين، وتذرو جهودهم وأعمالهم في الرياح. إن المطلوب من المجاهدين أن يسدوا الشقوق التي يستغلها أعداء الإسلام بوحدتهم ونظرهم البعيد للأمام، وبوضعهم أهواءهم الشخصية تحت الأقدام، فليسوا أشد حاجة إلى التلاحم والاتحاد وتنقية الصفوف منهم في هذه اللحظة، لكن الإصرار يجب أن ينصبَّ على تحييد هذه المجموعات التي كانت مرتزقة للنظام السابق، وكذلك عدم السماح للشيوعيين السابقين باحتلال مناصب حساسة تجعلهم يسيرون الأمور من الداخل لمصالحهم، وليتعظ المجاهدون بأحوالى اليمن، حيث نجا الشيوعيون من الحساب باستباقهم الأحداث ودعوتهم إلى الوحدة - وهم أعداء الوحدة - وبأحوال الجمهوريات في الاتحاد السوفيتي المنهار، حيث لازال الشيوعيون السابقون الذين أذاقوا المسلمين الأمرين وكانوا (طابورا خامسا) ضد بني قومهم.. لازال هؤلاء الشيوعيون هم الحاكمين وعلى وجوههم الصفيقة غلالة من النفاق والخبث والمكر يستخدمونها لتضليل الناس وخداعهم، أولئك هم العدو، فأحذرهم [قاتلهم الله أنى يؤفكون] . إن المسلمين في كل مكان يتطلعون إلى أفغانستان وأيديهم على قلوبهم، يشفقون على أن يتبخر حلم المجاهدين بإعادة العزة إلى شعب أفغانستان، ومن ورائه الشعوب الإسلامية التي بعث فيها الجهاد الأفغاني نسمة الحياة، فالله الله - أيها الإخوة - في ذلك الحلم أن يتبدد ويضمحل. وكما أسقطتم الشيوعية وعملاءها المطلوب منكم أن تتنبهوا للغرب وعملائه، وقبل ذلك وأهم منه: أن تدوسوا الركائز التي يرتكز عليها الغرب في تحقيق أهدافه وهي: العصبية القبلية، والحمية الجاهلية، والأهواء الشخصية.

стр. 1130

في إشراقة آية: [وقل اعملوا ..] د. عبد الكريم بكار خلق الله تعالى الجنة داراً لتكريم أوليائه، فوفر فيها كل شروط التكريم؛ وخلق النار داراً لإهانة أعدائه، فوفر فيها كل شروط الإهانة؛ وخلق الدنيا داراً لابتلاء الفريقين، فوفر فيها كل شروط الابتلاء. إن هذا الدين يعلمنا أن كل ما يحيط بنا في دائرتي الزمان والمكان يمثل بالنسبة لنا ضرورة تتحدانا، وعلينا أن نعيه، ونتصرف معه التصرف اللائق بالإنسان المكرم المبتلى. إن كل لحظة تمر على الإنسان في هذه الحياة هي لحظة اختبار، وهي في الوقت ذاته ضرورة تتحدى، وهي (كم) يتطلب منا تكييفاً مناسباً، فإذا لم نستطع تكيف تلك اللحظة مضت تاركة وراءها قيداً على حرياتنا ووجودنا! وإن التكييف في موازين هذا الدين السمح قد يأخذ في بعض الأحيان صورة اعتبارية محضة، كما هو الشأن مع الذي يبادر إلى فراشه فيما يتمكن من حضور صلاة الفجر مع الجماعة؛ فإنه قد كيف كل لحظه نوم بما انطوت عليه سريرته من قصد. وعلى هذا فإن البطالة والنوم - غير المكيف - ضربان من ضروب الفناء والعبودية المكبلة بالأغلال! إن كل ما حولنا من فكر ومادة وضرورات هي الأخرى تنادي الإنسان المبتلى كي يتحرر من قيودها بتكييفها؟ إن الفكرة الصحيحة تتحدانا كي نعممها، وإن الفكرة الخاطئة تتحدانا كي نفندها ونحجمها، وإن الفكرة الغامضة تتحدانا؛ لننفذ إلى جوهرها، كما أن الفكرة القاصرة تتحدانا لنطورها. إن الأرض تتحدانا لنزرعها، فإذا قبضنا على منتوجها تحدانا هو الآخر كي نصنعه على الوجه الأمثل. إن نديف القطن يتحدى النساجين، فإذا ما صار قماشاً دخل في طور من التحدي جديد، فلئن كان النساجون قد تحرروا من قيود النديف فقد وقع الخياطون في ضرورة النسيج إلى أن يحيلوه ثوباً جميلاً. فإذا ما عجزت أمة عن أن تخيط نسيجها بين يديها، أو تزرع أرضاً خصبة تملكها تحول ذاك وهذا إلى قيود على حريتها ووجودها، وإن من القيود ما يقتل، ومنها ما يشل، ومنها ما يشوه ... وليس انتقال الإنسان من ضرورة إلى أخرى انتكاساً أو زجاً له في دائرة مغلقة - كما قد يتوهم - فنحن إذ نتردد بين مشكلاتنا وحلولها إنما نمضي في حركة لولبية صاعدة تمنحنا المزيد من الحرية والقدرة والتأنق. إن كل سلعة مصنعة نستوردها هي عبارة عن ضرورة نطوق بها أعناقنا، وإن أشد المستوردات خطراً على حريتنا تلك التي تكون أكثر إلغاء للعمل عند مستوردها؛ لأن العمل هو الحرية، والذي يلغيه يلغي الحرية. ذلك لأن السلعة المصنعة كانت من قبل مادة غفلاً وكان لإمكاننا أن نمارس حريتنا في تصنيعها وتحويلها، وقد صودرت هذه الحرية حين قام بتشكيلها غيرنا. وقد أدركت الأمم المتقدمة هذه الحقيقة فتسابقت إلى استيراد المواد الخام، ووضعت القيود على استيراد السلع المصنعة؛ فهي لا تبادل الدول الأخرى منها إلا قدراً بقدر حتى تمارس حريتها كاملة؛ وترى ثمار ما عملته أيديها.. إن حرية الفرد في المجتمع على قدر عمله، فإذا ما أخذ من الآخرين أكثر مما يعطيهم فقد من حريته مقدار ما يزيد لهم عنده. وإن أقسى ما يواجهه الحر الكريم أن يرى نفسه غارقاً في عطاء الآخرين دون أن يكون لديه ما يعطيهم؛ لشعوره بأن ذلك على حساب حريته، أي: على حساب وجوده! ! إن العمل هو طريق الخلاص، وهو طريق تحقيق الذات؛ ولكن هل كل حركة بركة، وهل كل عمل هو كسر للقيود وإعتاق للرقاب؟ ؟ لاريب أن الأمر ليس كذلك، فالسكون في أيام الفتن - مثلاً - خير من الحركة، ورب حركة متعجلة قصد منها كسب الحرية أدت إلى الرسف في أغلال العبودية سنين طويلة، ذلك لأن العمل عبارة عن غزو الصورة للمادة، وإذا ما شكلت مادة ما على صورة خاطئة فإن هذا قد يعني الحرمان منها باعتبارها كماً، وباعتبارها كيفاً؛ لأن أشياء كثيرة قد لا تقبل أن تتشكل إلا مرة واحدة! ! إنه لا بد من توفر شرطين أساسيين في العمل الكريم، هما الصواب والإخلاص، أي القوة والأمانة، أو القدرة والإرادة، وإن كان بعض الأعمال يعتمد على أحدهما أكثر من اعتمادها على الآخر؛ فأعمال الآخرة تعتمد على الإخلاص أكثر من اعتمادها على الصواب، وإن يكن الصواب أساسياً. وأعمال الدنيا تعتمد على الصواب أكثر من اعتمادها على الإخلاص، فكلما كان الإخلاص أعظم كانت المثوبة أكبر، وكلما كان الصواب أكبر كان النجاح أكثر، تلك هي سنة الله. وتقاس حيوية المجتمع بقدر ما يمور به من حركة الفكر واليد؛ وعلى هذا الصعيد فقد فجر الإسلام طاقات المسلم على مستوى القيم، وعلى مستوى الأداء بصورة قل نظيرها في التاريخ، فشيد المسلمون في قرن من الزمان حضارة زاهرة ظلت تعطي وتقاوم عوامل الفناء نحواً من عشرة قرون، ثم صارت المجتمعات الإسلامية، من أقل مجتمعات الأرض حراكاً وعطاء، فما هو السبب الذي أفضى إلى هذه الحالة المنكورة؟ في مقاربة أولية للوقوف على جواب هذا التساؤل الكبير، يمكن أن نقول أولاً: إن ظاهرة كبرى كظاهرة الركود الحضاري أكبر من أن تفسر بعامل واحد؛ ولكن بإمكاننا أن نسلط الضوء على عامل نحسب أنه كان على جانب كبير من التأثير في هذه الظاهرة، هذا العامل هو انخفاض مستوى الإيمان بالله - تعالى - أو انخفاض جوهر ذلك الإيمان، أعني (الصلة بالله تعالى) . حقاً لقد ظلت قيمة الإيمان في أعلى السلم القيمي للمسلمين، ولكن ذلك وحده غير كاف لإطلاق الطاقات وتوجيهها نحو بؤرة محددة ما لم تتوفر شروط موضوعية في الإيمان نفسه، وفي البيئة التي يعمل فيها. وإنما كان ذلك هو السبب في تصورنا، لأن بنية الثقافة الإسلامية تتمحور داخلها العلاقات حول ثلاثة أقطاب هي: الله - سبحانه -، الإنسان، الطبيعة. وإذا أردنا تكثيف هذه العلاقات حول قطبين اثنين لكانا: (الله، الإنسان) . ... وأما الطبيعة فإنها هامشية نسبياً ما أن وظيفتها تتركز في كونها إحدى الدلائل على وجود الله، وكونها مجالاً للابتلاء؛ فالمسلم يكتشفها ويعمرها امتثالاً لأمر الله تعالى، وهذا على خلاف ما هو مستقر في العقل اليوناني الأوربي الذي تتمحور العلاقات فيه على الإنسان والطبيعة. أما فكرة (الإله) فيه فهي عون على كشف الطبيعة، أي إنها تقوم بالوظيفة نفسها التي تقوم بها الطبيعة في الثقافة الإسلامية. ومن هنا فإن تعامل المسلم مع الطبيعة ليس مباشراً، ونظرته إليها معيارية قيمة؛ فعلى مقدار ما يتوهج الإيمان في صدره يكون تفاعله مع الطبيعة ويكون عطاؤه الحضاري، فإذا ما خبا الإيمان في صدره - لسبب من الأسباب - انحبس جهده في البناء الحضاري، أو فتر. وليس كذلك الشأن عند أهل الحضارة المادية. ولا يكفي أن يتوهج الإيمان في صدور أفراد قليلين في المجتمع الإسلامي لاستئناف مسيرة الحضارة الإسلامية؛ لأن الحضارة ظاهرة اجتماعيه لا ظاهرة فردية. ونلمح هذا المعنى شائعاً في الخطاب القرآني كله؛ فكثيراً ما تفتتح آيات الأوامر والنواهي بـ[يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا..] وكثيراً ما تختتم بـ[إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ..] [لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ..] ؛ تذكيراً بأن الايمان المتألق هو الذي يطلق طاقات المسلم، ويفعل القيم لديه. ولم تشذ الآية الكريمة التي نحن بصددها عن هذا النسق حيث يقول سبحانه: [وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ ورَسُولُهُ والْمُؤْمِنُونَ وسَتُرَدُّونَ إلَى عَالِمِ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ] فقد ربطت العمل برؤية الله تعالى لهذا العمل ومجازاته عليه في الآخرة. وقد أدى الضعف في فاعلية المسلم وحركته اليومية إلى وجود خلل كبير في حياة المسلمين فصارت بلادهم أفقر بلاد الله، كما أن نظامهم الرمزي الذي كان في يوم من الأيام أغنى نظم العالم بالأبطال العظام صار اليوم مجدباً على مستوى الكم والكيف! ! ولم يقتصر الأمر على هذا، بل إن الأزمة على صعيد الفعل أدت إلى وجود أزمة خطيرة على صعيد (الفكر) ؛ ذلك لأن العقل عقلان على حد تعبير (لالاند) عقل فاعل، وعقل سائد. أما العقل الفاعل فهو النشاط الذهني الذي يقوم به الفكر حين البحث والدراسة، وهو الذي يصوغ المفاهيم ويقرر المبادئ. وأما العقل السائد فهو مجموع القواعد والمبادئ التي نستخدمها في استدلالاتنا. فليس العقل السائد شيئاً غير الثقافة. والعقل الفاعل أشبه شيء بالرحى، والعقل السائد أشبه شيء بالقمح يلقى فيها؛ وماذا تصنع رحى لا قمح فيها؟ ! ومن أين ستأتي الثقافة لأمة لا تحرك يداً، ولا تبني نموذجاً إلا في نطاق الضرورات إن كل انحباس في حركة اليد سيؤدي الى انحباس في حركة الفكر، وكل انخفاض في وتيرة الإيمان سيؤدي - لدى المسلم - إلى انخفاض في تردد اليد. فهل كتبنا الحرف الأول في أبجدية البداية؟

стр. 1131

خواطر في الدعوة عالم الاقتصاد محمد العبدة عندما آخى رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار في بداية تكون الأمة المسلمة والدولة الإسلامية لم يكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقرر مبدءاً أخلاقياً أو اجتماعياً فحسب، بل حل مشكلة اقتصادية واقعية، فالمهاجرون الذين تركوا أموالهم وديارهم في سبيل الله لابد أن يعيشوا عيشة كريمة وهم يؤسسون مجتمعاً وأمة، وإذا لم تحل مشكلتهم فماذا هم فاعلون؟ هل يضربون في الأرض يبحثون عن الرزق حتى يعولوا أنفسهم وأهليهم، وإذن لا يستطيعون المساهمة في تأسيس هذا البنيان العظيم. فهذا الحل لابد منه في مثل هذه الأحوال ليشعر الفرد المسلم أنه في حماية وطمأنينة من هذا الجانب، وأنه لن يُضيّع من إخوانه الذين سار معهم على درب الإيمان، وعندئذ سترتفع طاقته الإيمانية والعملية أضعافاً مضاعفة، فلا يصبح ترك الفرد المسلم وحيداً في ميدان الصراع والكد والتعب في مرحلة تأسيس الدعوة، لأن ذلك يقلل كثيراً من فرص الإبداع والإنتاج. وفي هذه الأيام العصيبة التي يرزح تحت وطأتها غالب المسلمين في العالم، ويظهر الغرب بقوته الاقتصادية التي يضغط بها على الشعوب والدول ليفرض شروطه المذلة ابتداء من البنك الدولي وانتهاء بجعل الدول الأخرى دولاً استهلاكية تشتري كل ما ينتجه الغرب، كما أن أصحاب الجاه والمال من الذين أشربوا في قلوبهم كره الإسلام يستخدمون العامل الاقتصادي للضغط على المسلمين وإذلالهم لمحاربة الإسلام بشتى الوسائل؛ نتساءل هنا: أين المسلمون من عالم الاقتصاد والتخطيط الاقتصادي، عالم المال الذي يسخر لإحقاق الحق، لماذا لم يُقتحم حتى الآن، ولماذا يغلب على الذين اقتحموه الفشل والخيبة، متى يصبح المسلم (إنساناً اقتصادياً) [١] يعرف قيمة المال الذي سماه الله في القرآن (خيراً) ؟ وبما أن المسلم لا يحب أن يتهم بالجشع والبخل والتكالب على الدنيا فهو يتهرب من آن يكون (اقتصادياً) وهذا هو الخطأ واللبس في فهم هذه الناحية المهمة في حياتنا، وكأنه ينسى كيف كان بيت مال المسلمين في عهد عمر -رضي الله عنه-، وكيف كان يحاسب على النقير والقطمير، وكيف كان يهنأ [٢] إبل الصدقة حفظاً لثروة الأمه. إن المسلم الذي يفهم الإسلام فى مراميه القريبة والبعيدة لا بد أن يكون (اقتصادياً) ، والعربي عندما لا يتحضر بحضارة الإسلام سيعود إلى الإسراف والتبذير الذي يظن أنه كرم وهو ليس بذلك، وبعضه يصل إلى حب السمعة والرياء والأمة المسلمة لا يجوز أن تكون فقيرة تعيش على صدقات أعدائها.

стр. 1132

العقيدة الإسلامية تاريخ النشأة وعوامل التدوين عثمان جمعة ضميرية ألمحنا في العدد السابق إلى أن الصحابة - رضوان الله عليهم - لم يكونوا بحاجة إلى تدوين العلوم في العقيدة والشريعة وغيرهما، فقد كانوا يتلقون من النبي الكريم مباشرة، في كل ما يتصل ويتعلق بأمور الدين والدنيا، والقرآن الكريم يتنزل على النبي ﷺ فيصقل النفوس ويزكيها، ويربي الأمة، ويعالج ما يطرأ من مشكلات، ويجيب عن التساؤلات، ويحمل المؤمن على الالتزام بالأوامر الإلهية، فيتم التفاعل مع النصوص الشرعية: قرآناً ناطقاً، وسنة عملية حادثة. - ١ - وكان الجيل الأول على عقيدة نقية صافية، ببركة صحبة النبي، -صلى الله عليه وسلم-، وقرب العهد بزمانه، ولما فُطِروا عليه من سليقة تمكنّهم من الفهم بعد التلقي، فالقرآن الكريم يتنزل بلغتهم التي يفهمونها وتجري على ألسنتهم كما جري الدم في عروقهم، مما جعلهم جميعاً على عقيدة واحدة لا يختلفون فيها، رغم ما قد يقع بينهم من خلاف في بعض الأحكام الشرعية العملية الأخرى. وقد كان الصحابة يسألون النبي ﷺ عن أمر العبادات وما يتعلق بها مما لله تعالى فيه أمر أو نهي، كما سألوه عن أحوال القيامة والجنة والنار ولم يكن أحدهم يسأله عن معنى ما وصف الله به نفسه في كتابه وبما أوحى إليه من الصفات الإلهية، كما أن أحداً منهم لم يفرِّق في الصفات بين كونها صفة ذات أو صفة فعل، وإنما أثبتوا لله تعالى صفات أزلية تليق بجلال الله تعالى وعظمته، فأطلقوا ما أطلقه الله تعالى على نفسه الكريمة مع نفي مماثلة المخلوقين، ولم يتعرض أحد منهم إلى تأويل شيء من هذا. ولم يكن أحد منهم يستدل على وحدانية الله تعالى، وعلى إثبات نبوة محمد ﷺ بغير كتاب الله تعالى، وما عرف أحد منهم شيئاً من الطرق الكلامية ولا المناهج الفلسفية المتأخرة [١] . ففي الدليل على معرفة الخالق ووحدانيته، يستدلون بقول الله تعالى: [قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ ومَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ومَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ] [يونس: ٣١] ... [مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ ومَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إلَهٍ إذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِمَا خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ] [المؤمنون: ٩١] ... وأمثال ذلك من الآيات. ويستدلون على صدق الرسول ﷺ بمثل قوله تعالى [قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنسُ والْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً] [الإسراء: ٨٨] . وأما اليوم الآخر والبعث فيستدلون عليه بمثل قوله تعالى: [وضَرَبَ لَنَا مَثَلاً ونَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِي العِظَامَ وهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ...] [يس: ٧٨-٧٩] . لهذا كله لم يكن الصحابة والتابعون بحاجة إلى تدوين علم العقيدة أو أصول الدين، وإلى ترتيب مباحثه كتباً وأبواباً وفصولاً، كما نجد اليوم مثلاً. ثم جدّت بعد ذلك أمور اقتضت تدوين مسائل العقيدة في علم مستقل، وتضافرت على هذا جملة من العوامل الداخلية والخارجية. وفي هذه المقالة إشارات إلى ما نحسبه مؤثراً من العوامل الداخلية في نشأة التدوين وتطوره بالنسبة لعلم العقيدة، لنخصص بعد ذلك مقالة أخرى - إن يسر الله تعالى لنا ذلك - للعوامل الخارجية. -٢- التحق رسول الله ﷺ بالرفيق الأعلى بعد أن ترك في هذه الأمة ما إن تمسكت به لن تضل بعده أبداً: كتاب الله وسنة رسوله. وكان كتاب الله تعالى محفوظاً بحفظ الله تعالى، جمعه الصحابة في صدورهم وكتبوه في الصحف، على ما كان متيسراً من وسائل الكتابة، ليكون ذلك وسيلة لتحقيق وعد الله تعالى بحفظه، مع وسائل أخرى، فتوفر لهذا الكتاب الكريم ما لم يتوفر لأي كتاب آخر غيره سماوياً كان أو غير سماوي. أما الحديث وسنة النبي ﷺ ؛ فلم تدوّن رسمياً في عهد النبي ﷺ كما دون القرآن الكريم. وكان أول من فكر بجمع السنة وتدوينها: عمر بن عبد العزيز ﵀ وقام الإمام الحافظ ابن شهاب الزهري بتدوين ما سمعه من أحاديث الصحابة غير مبوب على أبواب العلم، وربما كان مختلطاً بأقوال الصحابة والتابعين. ثم شاع التدوين في الجيل الذي يلي جيل الزهري، في النصف الأول من القرن الهجري الثاني، مع ضم الأبواب بعضها إلى بعض في كتاب واحد - على ما فعله الإمام مالك في (الموطأ) والبخاري ومسلم في «صحيحيهما» وأصحاب «السنن» في كتبهم [٢] . وبعد أن كان أهل الحديث يجمعون الأحاديث المختلفة في الصحف والكراريس، أصبحوا يرتبون الأحاديث على الأبواب مثل: باب الإيمان، باب العلم، باب الطهارة، باب الطلاق.. باب التوحيد، باب السنة، وهكذا. فكأن هذا التبويب للأحاديث، كان النواة الأولى في استقلال كل باب - فيما بعد - بالبحث والنظر والعناية والتدقيق وبيان الأحكام، فعن أبواب الوحي والإيمان والسنة والتوحيد.. نشأ علم العقيدة، واستقل عن العلوم الأخرى المستنبطة من الكتاب والسنة. هذه واحدة. - ٣ - أما الثانية: فقد كان المسلمون عند وفاة الرسول ﷺ على منهاج واحد في أصول الدين وفروعه، غير من أظهر وفاقاً أو أضمر نفاقاً.. وكانوا على كلمة واحدة في جميع أصول الدين، وإنما كانوا يختلفون في فروع مسائل كثيرة عملية، وكان اختلافهم هذا لا يورث تضليلاً ولا يوجب تفسيقاً [٣] ، لأنه في أمور لا تمس العقيدة وإنما هي مسائل فرعية، ثم هي مما لم يرد بها نص صريح عن الله تعالى أو عن رسوله ﷺ ، أو جاءت في بعضها نصوص مختلفة في ظاهر الأمر. ثم اختلف الناس في أشياء اتخذها قوم من بعدهم تكأة: إمَّا للطعن في بعض الصحابة، وإما جعلوها أساساً لنِحلتهم؛ أو استدلوا بها في مسألة من مسائلهم التي اتخذوها شعاراً لهم، ثم تعمق الخلاف وأدى إلى نشوء جماعات متفرقة. يقول الإمام أبو الحسن الأشعري ﵀: «اختلف الناس بعد نبيهم - ﷺ -في أشياء كثيرة، ضلل بعضهم بعضاً، وبرىء بعضهم من بعض، فصاروا فرقاً متباينين وأحزاباً متشتتين إلا أن الإسلام يجمعهم ويشتمل عليهم. وأول ما حدث من الاختلاف بين المسلمين بعد نبيهم -صلى الله عليه وسلم-: اختلافهم في الإمامة.. وهذا اختلاف بين الناس إلى اليوم» [٤] . وبعد هذا الاختلاف قامت كل فرقة تجادل عن رأيها وتؤيده بالأدلة، وتدفع رأي الآخرين وترد عليه؛ فوضعت في ذلك كتب ومؤلفات، فكان ذلك من عوامل نشأة الكتابة والتدوين في هذا الجانب. -٤- ونضيف هنا عاملاً ثالثاً: وهو: ما نجم وظهر من البدع والانحرافات عن العقيدة الصافية التي كان عليها جيل الصحابة - رضوان الله عليهم - بعد سنين من خلافة علي ﵁. وقد تتبع المقريزي ﵀ نشأة هذه البدع ورصد سيرها منذ حدوث القول بالقدر، وتبرأ عبد الله بن عمر ﵄ من أصحاب هذه البدعة، وحدث أيضاً في زمنهم: مذهب الخوارج وقد ناظرهم ابن عباس واقام عليهم الحجة. وحدث في زمنهم مذهب التشيع لعلي بن أبي طالب والغلو فيه، وقام في زمنه عبد الله بن سبأ وأحدث القول بوصية الرسول لعلي بالإمامة من بعده، وابتدع القول بالرجعة بعد موته.. ومنه تشعبت أصناف الغلاة من الرافضة. ثم حدث بعد عصر الصحابة مذهب جَهم بن صفوان في نفي الصفات وإثارة الشكوك والشبهات. وفي أثناء ذلك حدث مذهب الاعتزال، وكانت بينهما مناظرات وفتن كثيرة متعددة أزماتها [٥] .. ولما ظهرت هذه البدع، وقف علماء السلف وأهل السنة دون عليها ويحذرون منها، ويوضحون أصول العقيدة، ويدعون للتمسك بالكتاب والسنة. فكان ذلك واحداً من الأسباب والعوامل التي ساعدت على تدوين العقيدة الإسلامية في كتب خاصة. - ٥ - وهناك عامل رابع كان له أثر في تدوين العقيدة، وهو اختلاف طبيعة المنهج الذي سلكه المسلمون بعد عصر الصحابة في التفكير والفهم لمسائل الألوهية والعقيدة بعامة، نشأ عنه الانشغال ببعض المشكلات التي لم تظهر مبكرة، أو لم يكن هناك ما يدعو للانشغال بها أو التعمق في بحثها والتفكير فيها. ونشأ عن هذا ظهور كثير من المشكلات والقضايا التي شغلت الفكر الإسلامي، وكان لها أثرها في نشوء الفرق والكتابة حيالها. كان موضوع التفكير في عهد الرسول ﷺ والصحابة - رضوان الله عليهم - هو موضوع الألوهية وما يتفرع عنها. فقد وصف الله تعالى نفسه في القرآن الكريم وعرفنا بدلائل قدرته. كي نعبده ونسلم له؛ وصف نفسه باعتبار ذاته: بأنه الأول والآخر، والظاهر والباطن.. وغيرها من الصفات التي تدل على أن الله تعالى غني بنفسه محيط بكل شيء، أبدي واسع القدرة.. وباعتبار صلته بمخلوقاته: بأنه الخالق المبدئ المعيد، والبارئ المصور، إلى غير ذلك من الصفات التي تبين أنه - سبحانه - الخالق المدبر الحكيم الذي لا قوة ولا سلطان غير سلطانه في الوجود. وباعتبار علاقته بالإنسان، وصف نفسه بأنه الرحمن الرحيم، غافر الذنب وقابل التوب، شديد العقاب. وباعتبار علاقة الإنسان به وصف نفسه بأنه: المهيمن والهادي والوكيل.. وغيرها مما يدل على احتياج العبد لربه ﵎ وخضوعه له. كان ذلك الاعتقاد في وضوحه ونصاعته عنوان الجماعة المسلمة، به يبشرون وعنه يدافعون، يتلقون ذلك بالتسليم دون تفتيش عن المتشابه أو تأويل لما يظن أنه بحاجة إلى تأويل. ولكن الأمر بعد ذلك بدأ يسير على نحو آخر، فحاول المسلمون فهم العقيدة وشرحها على نحو آخر وعلى منهج يختلف عن منهج الصحابة، وشغلوا بالبحث عن حقيقة الإيمان وكنهه، وعن مسؤولية الإنسان وحدودها، وعن إرادة الله التي هي فوق كل شيء.. وعندئذ جدت مسائل، وتكونت في العقيدة مشاكل، وحاولوا أن يوجدوا لها حلاً، وكلما تأخر بهم الزمن واشتد اختلاطهم بغيرهم.. كلما تعددت المشاكل الأولى التي نشأت في جماعتهم، وضموا إليها جديداً من المشاكل والآراء، وازداد - من أجل ذلك - تشقق الأمة إلى شيع وأحزاب. ظهرت مسألة الصفات، وهل هي عين الذات أو غيرها؟ .. وظهرت مسألة القدر، وهل الإنسان مسيَّر أم مخيَّر، وهل هو مسؤول..؟ وكذلك مسألة مرتكب الكبيرة: هل هو مؤمن أم كافر؟ ومسائل أخرى كالإمامة، وحقيقة الكفر والإيمان وغيرها. وعن البحث في هذه القضايا وأمثالها نشأت في الجماعة الإسلامية فرق وأحزاب: الخوارج، والشيعة، والمرجئة، والمعتزلة [٦] .. وذهبت كل فرقة تدافع عن رأيها ومعتقدها، وترد على المخالفين لها، وتزيف ما يعتمدون عليه من دلائل.. فكان هذا من العوامل التي دفعت بأهل السنة إلى الرد على تلك الغرق، فنشأت الكتابة في العقيدة لبيان الحق ورد الشبهات. وإذا كانت هذه العوامل والأسباب كلها عوامل داخلية نابعة من داخل المجتمع المسلم، فإن هناك عوامل أخرى خارجية تحتاج إلى إشارة لا يتسع هذا المقال لها، فنرجئها إلى عدد قادم بإذن الله تعالى. - يتبع -

стр. 1133

كلمات في «الولاء والبراء» عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف من الانحرافات الظاهرة التي تبدو طافية على السطح في مثل هذه الأيام ما نسمعه ونقرؤه من نشاط محموم ومكثف من أجل إقامة «السلام» مع يهود، وإنهاء الصراع معهم في ظل الوفاق الدولي. ومن جانب آخر نشاهد كثرة ما يعقد في الساحة من مؤتمرات وملتقيات للتقارب بين الأديان! والحوار والزمالة - بالذات - بين الإسلام والنصرانية.. وتلحظ على هؤلاء المشاركين في تلك المؤتمرات ممن يحسبون من أهل الإسلام هزيمة بالغة في نفوسهم، وحبّاً للدعة والراحة.. وكرهاً للجهاد وتوابعه، فالإسلام دين السلام والوئام و «التعايش السلمي» ! حتى قال أحدهم: هيئة الأمم المتحدة تأخذ بالحل الإسلامي لمعالجة المشكلات التي تواجه الإنسانية! [١] كما تلمس من كلامهم استعداداً كاملاً للارتماء في أحضان الغرب.. فضلاً عن جهلهم المركب بعقيدة الإسلام الصحيح.. ومن أهمها عقيدة الولاء والبراء.. وهذه المكائد والمخططات - عموماً - حلقة من حلقات سابقة تستهدف القضاء على عقيدة البراءة من الكفار وبغضهم.. إضافة إلى كيد المبتدعة من الباطنيين وأشباههم.. ومع هذه الحملة الشرسة والمنظمة من أجل «مسخ» عقيدة البراء فإنك ترى - في الوقت نفسه - الفرقة والشحناء بين الدعاة المنتسبين لأهل السنة، ولأجل هذا وذاك، أحببت أن أؤكد على موضوع الولاء والبراء من خلال النقاط التالية. - ١ - إن الولاء والبراء من الإيمان، بل هو شرط من الإيمان، كما قال سبحانه: [تَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وفِي العَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * ولَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ ومَا أُنزِلَ إلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ ولَكِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ] [المائدة: ٨٠-٨١] . يقول ابن تيمية عن هذه الآية: «فذكر جملة شرطية تقتضي أن إذا وجد الشرط وجد المشروط بحرف (لو) التي تقتضي مع الشرط انتفاء المشروط فقال: [ولَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ ومَا أُنزِلَ إلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ] فدل ذلك على أن الإيمان المذكور ينفي اتخاذهم أولياء ويضاده، لا يجتمع الإيمان واتخاذهم أولياء في القلب، ودل ذلك على أن من اتخذهم أولياء، ما فعل الإيمان الواجب من الإيمان بالله والنبي، وما أنزل إليه..» [٢] . والولاء والبراء أيضاً أوثق عرى الإيمان، كما قال ﷺ : «أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله» رواه أحمد والحاكم. يقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: «فهل يتم الدين أو يقام علم الجهاد، أو علم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا بالحب في الله والبغض في الله.. ولو كان الناس متفقين على طريقة واحدة ومحبة من غير عداوة ولا بغضاء، لم يكن فرقاناً بين الحق والباطل، ولا بين المؤمنين والكفار، ولا بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان» [٣] . وقد كان النبي ﷺ يبايع أصحابه على تحقيق هذا الأصل العظيم، فقد قال ﵊: «أبايعك على أن تعبد الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتناصح المسلمين وتفارق المشركين» رواه النسائي وأحمد. وتأمل معي هذه العبارة الرائعة التي سطرها أبو الوفاء بن عقيل (ت ٥١٣ هـ) : «إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان، فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع، ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك، وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة، عاش ابن الراوندي والمعري عليهما لعائن الله ينظمون وينثرون كفراً.. وعاشوا سنين، وعظمت قبورهم، واشتريت تصانيفهم، وهذا يدل على برودة الدين في القلب» [٤] . - ٢ - الولاء معناه المحبة والمودة والقرب، والبراء هو البغض والعداوة والبعد، والولاء والبراء أمر قلبي في أصله.. لكن يظهر على اللسان والجوارح.. فالولاء لا يكون إلا لله تعالى ورسوله ﷺ وللمؤمنين كما قال سبحانه: [إنَّمَا ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا..] .. فالولاء للمؤمنين يكون بمحبتهم لإيمانهم، ونصرتهم، والإشفاق عليهم، والنصح لهم، والدعاء لهم، والسلام عليهم، وزيارة مريضهم وتشييع ميتهم ومواساتهم وإعانتهم والسؤال عن أحوالهم، وغير ذلك من وسائل تحقيق هذا الولاء. والبراءة من الكفار تكون: ببغضهم - ديناً - وعدم بدئهم بالسلام وعدم التذلل لهم أو الإعجاب بهم، والحذر من التشبه بهم، وتحقيق مخالفتهم - شرعاً - وجهادهم بالمال واللسان والسنان، والهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام [٥] وغير ذلك من مقتضيات البراءة منهم [٦] . - ٣ - أهل السنة يرحمون الخلق ويعرفون الحق، فهم أحسن الناس للناس، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، وهم في وئام تام، وتعاطف وتناصح وإشفاق كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، حتى قال أحد علمائهم وهو - أيوب السَّخِتْياني -: «إنه ليبلغني عن الرجل من أهل السنة أنه مات، فكأنما فقدت بعض أعضائي» [٧] . ولذا قال قوّام السنة إسماعيل الأصفهاني: (وعلى المرء محبة أهل السنة في أي موضع كانوا رجاء محبة الله له، كما قال رسول الله ﷺ يقول الله تعالى: «وجبت محبتي للمتحابين فيّ، والمتجالسين فيّ، والمتلاقين فيّ» رواه مالك وأحمد، وعليه بغض أهل البدع في أي موضع كانوا حتى يكون ممن أحب في الله وأبغض في الله) [٨] . ولا شك أن هذا الولاء فيما بين أهل السنة، إنما هو بسبب وحدة منهجهم، واتحاد طريقتهم في التلقي والاستدلال، والعقيدة والشريعة والسلوك،.. - ٤ - الكفار هم أعداؤنا قديماً وحديثاً سواء كانوا كفاراً أصليين كاليهود والنصارى أو مرتدين، قال تعالى: [لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً] [آل عمران ٢٨] . يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: (نهى ﵎ عباده المؤمنين أن يوالوا الكفار وأن يتخذوهم أولياء يسرون إليهم بالمودة من دون المؤمنين، ثم توعد على ذلك فقال تعالى: [ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ] أي ومن يرتكب نهي الله في هذا فهو بريء من الله، كما قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً..] [النساء ١٤٤] ، وقال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ومَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإنَّهُ مِنْهُمْ] [٩] . فهذه حقيقة ثابتة لا تتغير ولا تتبدل، وهي أن الكفار دائماً وأبداً هم أعداؤنا وخصومناً.. كما قرر ذلك القرآن في أكثر من موضع، فقد بين الله هذه الحقيقة فقال سبحانه عنهم: [لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إلاًّ ولا ذِمَّةً..] ، وقال تعالى: [مَا يَوَدُّ الَذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ ولا المُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ..] ، وقال سبحانه: [ودَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم..] ، هكذا حذر الله تعالى من الكفار: [أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ] .. ولكي يطمئن قلبك.. فانظر إلى التاريخ في القديم والحديث.. وما فعله الكفار في الماضي وما يفعلونه في هذه الأيام، وما قد سيفعلونه مستقبلاً. ورحم الله ابن القيم عندما عقد فصلاً فقال: «فصل في سياق الآيات الدالة على غش أهل الذمة للمسلمين وعداوتهم وخيانتهم وتمنيهم السوء لهم، ومعاداة الرب تعالى لمن أعزهم أو والاهم أو ولاّهم أمر المسلمين» [١٠] . - ٥ - إن الناس في ميزان الولاء والبراء على ثلاثة أصناف، فأهل الإيمان والصلاح يجب علينا أن نحبهم ونواليهم. وأهل الكفر والنفاق يجب بغضهم والبراءة منهم، وأما أصحاب الشائبتين ممن خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، فالواجب أن نحبهم ونوليهم لما سهم من إيمان وتقوى وصلاح، وفي الوقت نفسه نبغضهم ونعاديهم لما تلبسوا به من معاصٍ وفجور. وذلك لأن الولاء والبراء من الإيمان، والإيمان عند أهل السنة ليس شيئاً واحداًلا يقبل التبعيض والتجزئة، فهو يتبعض لأنه شعب متعددة كما جاء في حديث الصحيحين في شعب الإيمان (الإيمان بضع وستون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) ، والأحاديث في ذلك كثيرة معلومة، فإذا تقرر أن الإيمان شعب متعددة ويقبل التجزئة، فإنه يمكن اجتماع إيمان وكفر - غير ناقل عن الملة - في الشخص الواحد ودليله قوله تعالى: [وإن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا..] فأثبت الله تعالى لهم وصف الإيمان، مع أنهم متقاتلون، وقتال المسلم كفر كما في الحديث: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» ، وفي الحديث الآخر يقول -صلى الله عليه وسلم-: «لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض» ، فدل ذلك على اجتماع الإيمان والكفر - الأصغر - في الشخص الواحد. يقول ابن تيمية: «أما أئمة السنة والجماعة، فعلى إثبات التبعيض في الاسم والحكم، فيكون مع الرجل بعض الإيمان، لا كله، ويثبت له من حكم أهل الإيمان وثوابهم بحسب ما معه، كما يثبت له من العقاب بحسب ما عليه، وولاية الله بحسب إيمان العبد وتقواه، فيكون مع العبد من ولاية الله بحسب ما معه من الإيمان والتقوى، فإن أولياء الله هم المؤمنون المتقون، كما قال تعالى: [أَلا إنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وكَانُوا يَتَّقُونَ] ) [١١] . - ٦ - موالاة الكفار ذات شعب متعددة، وصور متنوعة.. وكما قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب ﵏: » مسمى الموالاة يقع على شعب متفاوتة، منها ما يوجب الردة وذهاب الإسلام بالكلية.. ومنها ما هو دون ذلك من الكبائر والمحرمات « [١٢] . ويقول أيضاً: (ولفظ الظلم والمعصية والفسوق والفجور والموالاة والمعاداة والركون والشرك ونحو ذلك من الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة قد يراد بها مسماها المطلق وحقيقتها المطلقة، وقد يراد بها مطلق الحقيقة، والأول هو الأصل عند الأصوليين، والثاني لا يحمل الكلام عليه إلا بقرينة لفظية أو معنوية، وإنما يعرف ذلك بالبيان النبوي وتفسير السنة.. إلى أن قال:» فقوله تعالى: [ومَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإنَّهُ مِنْهُمْ..] قد فسرته السنة وقيدته وخصته بالموالاة المطلقة، العامة..) [١٣] . فمن شعب موالاة الكفار، التي توجب الخروج من الملة؛ مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين كما قال سبحانه: [ومَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإنَّهُ مِنْهُمْ..] [البقرة: ١٠٢] . ومنها عدم تكفير الكفار أو التوقف في كفرهم أو الشك فيه، أو تصحيح مذهبهم [١٤] .. فما بالك بحال من يدافع عنهم ويصفهم بأنهم إخواننا في الإنسانية - إن كانوا ملاحدة أو وثنيين - أو (أشقاؤنا) - إن كانوا يهوداً أو نصارى - فالجميع في زعمهم على ملة إبراهيم ﵇! - ٧ - يقع خلط ولبس أحياناً بين حسن المعاملة مع الكفار - غير الحربيين - وبغض الكفار والبراءة منهم، ويتعين معرفة الفرق بينهما، فحسن التعامل معهم أمر، وأما بغضهم وعداوتهم فأمر آخر، وقد أجاد القرافي في (الفروق) عندما فرّق بينهما قائلاً: «اعلم أن الله تعالى منع من التودد لأهل الذمة بقوله [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الحَقِّ..] الآية، فمنع الموالاة والتودد، وقال في الآية الأخرى: [لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ ولَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ..] فلا بد من الجمع بين هذه النصوص، وأن الإحسان لأهل الذمة مطلوب، وأن التودد والموالاة منهي عنهما.. وسر الفرق أن عقد الذمة يوجب حقوقاً علينا لهم؛ لأنهم في جوارنا وفي خفارتنا وذمة الله تعالى وذمة رسوله ﷺ ودين الإسلام، وقد حكى ابن حزم الإجماع - في مراتبه - على أن من كان في الذمة، وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه، وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح.. فيتعين علينا أن نبرهم بكل أمر لا يكون ظاهره يدل على موادات القلوب ولا تعظيم شعائر الكفر، فمتى أدى إلى أحد هذين امتنع، وصار من قبل ما نهي عنه في الآية وغيرها، ويتضح ذلك بالمثل، فإخلاء المجالس لهم عند قدومهم علينا والقيام لهم حينئذ ونداؤهم بالأسماء العظيمة الموجبة لرفع شأن المنادى بها، هذا كله حرام، وكذلك إذا تلاقينا معهم في الطريق، وأخلينا لهم واسعها ورحبتها ... والسهل منها، وتركنا أنفسنا في خسيسها وحزنها وضيقها كما جرت العادة أن يفعل ذلك المرء مع الرئيس والولد مع الوالد، فإن هذا ممنوع لما فيه من تعظيم شعائر الكفر وتحقير شعائر الله تعالى وشعائر دينه واحتقار أهله، وكذلك لا يكون المسلم عندهم خادماً ولا أجيراً يؤمر عليه وينهى.. وأما ما أمر من برهم من غير مودة باطنية كالرفق بضعيفهم، وإطعام جائعهم، وإكساء عاريهم، ولين القول لهم على سبيل اللطف لهم والرحمة لا على سبيل الخوف والذلة، واحتمال أذايتهم في الجوار مع القدرة على إزالته لطفاً معهم لا خوفاً وتعظيماً، والدعاء لهم بالهداية وأن يجعلوا من أهل السعادة ونصيحتهم في جميع أمورهم.. فجميع ما نفعله معهم من ذلك لا على وجه التعظيم لهم وتحقير أنفسنا بذلك الصنيع لهم، وينبغي لنا أن نستحضر في قلوبنا ما جبلوا عليه من بغضنا وتكذيب نبينا ﷺ ، وأنهم لو قدروا علينا لاستأصلوا شأفتنا واستولوا على دمائنا وأموالنا، وأنهم من أشد العصاة لربنا ومالكنا ، ثم نعاملهم بعد ذلك بما تقدم ذكره امتثالاً لأمر ربنا..» [١٥] . - ٨ - وإن من أعظم ثمرات القيام بهذا الأصل: تحقيق أوثق عرى الايمان، والفوز بمرضاة الله الغفور الرحيم، والنجاة من سخط الجبار ﷻ ، كما قال سبحانه: [تَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وفِي العَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * ولَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ ومَا أُنزِلَ إلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ ولَكِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ] [المائدة: ٧٩-٨٠] . ومن ثمرات القيام بالولاء والبراء: السلامة من الفتن.. قال سبحانه: [والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وفَسَادٌ كَبِيرٌ] [الأنفال: ٧٣] . يقول ابن كثير: (أي إن تجانبوا المشركين، وتوالوا المؤمنين وإلا وقعت فتنة في الناس وهو التباس واختلاط المؤمنين بالكافرين، فيقع بين الناس فساد منتشر عريض طويل) [١٦] . ومن ثمرات تحقيق هذا الأصل: حصول النعم والخيرات في الدنيا، والثناء الحسن في الدارين، كما قال أحد أهل العلم: (وتأمل قوله تعالى في حق إبراهيم ﵇: [فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ ومَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وهَبْنَا لَهُ إسْحَاقَ ويَعْقُوبَ وكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِياً * ووَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِياً] [مريم: ٥٠] ، فهذا ظاهر أن اعتزال الكفار سبب لهذه النعم كلها ولهذا الثناء الجميل - إلى أن قال - فاعلم أن فرط اعتزال أعداء الله تعالى والتجنب عنهم صلاح الدنيا والآخرة بذلك، يدل على ذلك قوله تعالى: [ولا تَرْكَنُوا إلَى الَذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ومَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ] [هود: ١١٣] ) [١٧] . وهذا أمر مشاهد معلوم، فأعلام هذه الأمة ممن حققوا هذا الأصل قولاً وعملاً، لا زلنا نترحم عليهم، ونذكرهم بالخير، ولا يزال لهم لسان صدق في العالمين.. فضلاً عن نصر الله تعالى لهم والعاقبة لهم.. فانظر مثلاً إلى موقف الصديق - ﵁ من المرتدين ومانعي الزكاة.. عندما حقق هذا الأصل فيهم.. فنصره الله عليهم وأظهر الله تعالى بسببه الدين.. وهذا إمام أهل السنة الإمام أحمد ابن حنبل ﵀ يقف موقفاً شجاعاً أمام المبتدعة في فتنة القول بخلق القرآن.. فلا يداهن ولا يتنازل.. فنصر الله به مذهب أهل السنة وأخزى المخالفين.. وهذا صلاح الدين الأيوبي ﵀ يجاهد الصليبيين - تحقيقاً لهذا الأصل - فينصره الله تعالى عليهم ويكبت القوم الكافرين.. والأمثلة كثيرة.. فيجب على الدعاة إلى الله تعالى أن يحققوا هذا الأصل في أنفسهم اعتقاداً وقولاً وعملاً، وأن تقدم البرامج الجادة - للمدعوين - من أجل تحقيق عقيدة الولاء والبراء ولوازمهما.. وذلك من خلال ربط الأمة بكتاب الله تعالى، والسيرة النبوية، وقراءة كتب التاريخ، واستعراض تاريخ الصراع بين أهل الإيمان والكفر القديم والحديث، والكشف عن مكائد الأعداء ومكرهم (المنظم) في سبيل القضاء على هذه الأمة ودينها، والقيام بأنشطة عملية في سبيل تحقيق الولاء والبراء كالإنفاق في سبيل الله، والتواصل واللقاء مع الدعاة من أهل السنة في مختلف الأماكن، ومتابعة أخبارهم ونحو ذلك.

стр. 1134

الإسلام توحيد المُشَرِّع ومتابعة المُبِلِّغ د. محمد محمد بدري جاء الإسلام - ككل دين جاء من عند الله - عقيدة وشريعة، العقيدة ثابتة لا تتغير [اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرُهُ..] ، والشريعة في أسمى صورها وأكملها.. فآمن بالإسلام قوم فأصبحوا مسلمين، وأبى قوم فأصبحوا في كفر وجاهلية.. وبمرور الزمن والبعد عن عهد النبوة، ومضي القرون المفضلة وفشو الجهل في الناس وانحسار كثير من مد الإسلام، أخذ مفهوم الإسلام في الانحسار حتى بات عند كثير من الناس لا يعدو النطق بلا إله إلا الله، وإن لم يعمل قائلها بمقتضاها.. وأصبح (مثقفونا) يتساءلون في استنكار: ما للإسلام والاقتصاد؟ ! .. ما للإسلام والسياسة والحكم؟ ! .. وأصبح الفرد من عامة المسلمين يقول: لا إله إلا الله، ثم لا يجد حرجاً أن يرى شريعة الله لم تعد هي الفيصل فيما يعرض له من مشاكل. ومن هنا كان من الضروري أن نبين حقيقة الإسلام الذي جاء به محمد - ﷺ وإليه دعا.. ونقيم الدليل على بديهيته الأولى وهي: توحيد المُشرَّع، وتصديق ومتابعة المُبلَّغ ﷺ . ١- حقيقة الإسلام وجوهره: الإسلام هو دين الرسل جميعاً، وإن تنوعت شرائعهم ومناهجهم، كما قال تعالى: [ومَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إلاَّ نُوحِي إلَيْهِ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ..] والآيات في ذلك كثيرة والأحاديث منها قول الرسول ﷺ : «الأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد» (صحيح البخاري، كتاب: فضائل الأنبياء) . ولهذا كانت الكتب السماوية المتواترة عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قاطعة أن الله لا يقبل من أحد ديناً سوى الحنيفية وهي الإسلام العام، قال تعالى: [إنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإسْلامُ..] وقال : [ومن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ] .. [١] ولفظ الإسلام يتضمن الاستسلام والانقياد، ويتضمن الإخلاص، مأخوذ من قوله سبحانه: [ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ ورَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ] . فلا بد في الإسلام من الاستسلام لله وحده، وترك الاستسلام لما سواه،.. وهذه حقيقة قولنا لا إله إلا الله، فمن استسلم لله ولغير الله فهو مشرك والله لا يغفر أن يشرك به، ومن لم يستسلم له فهو مستكبر عن عبادته، وقد قال تعالى: [إنَّ الَذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ] [٢] ولذلك فإن قدم الإسلام لا يثبت الا على ظهر التسليم والاستسلام [٣] ، (والانسان أمام طريقين لا ثالث لهما، فإما أن يختار العبودية لله، وإما أن يرفض هذه العبودية فيقع لا محالة في عبودية لغير الله) [٤] ، فإفراد الله بالعبادة هو جوهر الإسلام وحقيقته، وهو المدلول العلمي لشهادة أن لا إله إلا الله،.. والتلقي في كيفية هذه العبادة عن رسول الله هو حقيقة تصديقه فيما أخبر، وهو المدلول الحقيقي والعملي لشهادة أن محمداً رسول الله. (فدين الإسلام مبني على أصلين: أن نعبد الله وحده لا شريك له، وأن نعبده بما شرعه من الدين، وهو ما أمرت به الرسل أمر إيجاب أو استحباب) [٥] ، وهذان الأصلان هما حقيقة قولنا: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله (ولهذا لما جاء نفر من اليهود إلى النبي فقالوا: نشهد إنك لرسول لم يكونوا مسلمين بذلك، لأنهم قالوا ذلك على سبيل الإخبار عما في أنفسهم أي نعلم ونجزم أنك رسول الله، قال: فلم لا تتبعوني؟ قالوا: نخاف من يهود.. فعلم أن مجرد العلم والإخبار عنه ليس لإيمان حتى يتكلم بالإيمان على وجه الإنشماء المتضمن للالتزام والانقياد مع تضمن ذلك الإخبار عما في أنفسهم،.. فالمنافقون قالوا مخبرين كاذبين، فكانوا كفاراً في الباطن، وهؤلاء قالوها غير ملتزمين ولا منقادين، فكانوا كفاراً في الظاهر والباطن، وكذلك أبو طالب قد استفاض عنه أنه كان يعلم بنبوة محمد وأنشد عنه: ولقد علمت بأن دين محمد ... من خير أديان البرية ديناً.. [٦] (ولم تدخله هذه الشهادة في الإسلام، ومن تأمل ما في السير والأخبار الثابتة من شهادة كثير من أهل الكتاب والمشركين له ﷺ بالرسالة وأنه صادق فلم تدخلهم هذه الشهادة في الإسلام؛ علم أن الإسلام أمر وراء ذلك، وأنه ليس هو المعرفة فقط، ولا المعرفة والإقرار فقط، بل المعرفة والإقرار والانقياد والتزام طاعته ودينه ظاهراً وباطناً) [٧] . فالإسلام الذي نحرص عليه، ولا نرضى بغيره ديناً، ليس مجرد تصديق الرسول فيما أخبر بل لا بد من الإسلام من تصديق الرسول فيما أخبر وطاعته فيما أمر ذلك أن حقيقة الإسلام (توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان بالله ورسوله وطاعته فيما جاء به، فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم) [٨] ... وهذا أصل عظيم ينبغي معرفته لما قد لبس على الناس أصل الإسلام حتى صاروا يدخلون في أمور عظيمة هي شرك يتنافى مع الإسلام لا يحسبونها شركاً. إن حقيقة الإسلام وجوهره: أن لا نعبد إلا الله، وأن لا نعبده إلا بما شرع.. إن حقيقة الإسلام: أن يستسلم العبد لله رب العالمين، ولا يستسلم لسواه. ٢- الإسلام.. وتوحيد المُشَرَّع: التشريع في الإسلام لا يكون إلا لله. ومن زعم لنفسه الحق في التشريع بغير سلطان من الله، فقد تجاوز حد العبودية، وتطاول إلى مقام الألوهية، وجعل نفسه نداً لله تعالى، فالمُشرّع هو الله وحده، ولا تشريع إلا ما شرعه سبحانه، قال تعالى: [أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ] فالتشريع المطلق حق خالص لله وحده لا ينازعه في ذلك أحد كما قال تعالى: [إنِ الحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ] [يوسف: ٤٠] ، لذلك أوجبت الشريعة التحاكم إلى الشرع وجعلته شرط الإيمان، قال تعالى: [فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ والرَّسُولِ إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ] ، وقال سبحانه: [ومَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلَى اللَّهِ] [الشورى: ١٠] . (فالشرع المنزل من عند الله تعالى وهو الكتاب والسنة الذي بعث الله به رسوله، ليس لأحد من الخلق الخروج عنه، ولا يخرج عنه إلا كافر) .. [٩] فلا إسلام لمن منح البشر اختصاص الربوبية والرسالة من حق التشريع، والخضوع والإذعان التام لغير الله ورسوله.. لأن معنى الإسلام - كما بينا - هو الاستسلام لله ورسوله بالطاعة والخضوع للأوامر الصادرة منهما، ولا يصح إسلام من يتمرد على حكم الله ورسوله. (فمعنى الإسلام: الاستسلام والطاعة لشريعة الله،.. ومعنى عدم الاستسلام لهذه الشريعة، واتخاذ شريعة غيرها في أي جزئية من جزئيات الحياة، هو رفض للاعتراف بألوهية الله سبحانه وسلطانه، سواء كان هذا الرفض باللسان، أو بالفعل دون القول) .. [١٠] بل المسلم يتبع حكم الله في كل شأن من شؤون حياته (فالحلال ما أحله الله ورسوله والحرام ما حرمه الله ورسوله، والدين ما شرعه الله ورسوله) .. [١١] . وقبول المسلم لشرع الله هو رفض لشرع غيره.. وقبوله لأي جزئية من جزئيات شرع غير الله هو رفض لشرع الله في هذه الجزئيات، وهذا يعني رفض شرع الله كما قال تعالى: [قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إلاَّ اللَّهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ فَإن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ] [آل عمران: ٦٤] ، (ومعنى لا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله: أي لا نطيع الأحبار فيما أحدثوا من التحريم والتحليل لأن كلا منهم بعضنا.. بشر مثلنا وهو نظير قوله تعالى: [اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ ورُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ] معناه أنهم أنزلوهم منزلة ربهم في قبول تحريمهم وتحليلهم مما لم يحرمه الله ولم يحله الله) .. [١٢] وعلى هذا فالتحاكم إلى البشر عن رضى وطواعية هو خلع لربقة الإسلام من الأعناق،.. وقبول شريعة أي بشر وتقديمها على الكتاب والسنة هو الكفر بعينه.. فالله هو المشرع وهو الحكم، وكتابه هو المهيمن،.. والناس ليس لهم مع القرآن والسنة سوى التنفيذ والتطبيق (وقد نفى الله الإيمان عن من لم يحكموا النبي ﷺ فيما بينهم نفياً مؤكداً مكرراً بتكرار أداة النفي وبالقسم، قال تعالى: [فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيماً] .. [النساء ٦٥] وتأمل قوله [فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ] فإن اسم الموصول (ما) مع صلته من صيغ العموم عند الأصوليين وغيرهم، وهو من ناحية الأجناس والأنواع، كما أنه من ناحية القَدْر فلا فرق بين نوع ونوع، كما أنه لا فرق بين القليل والكثير) .. [١٣] . فقبول شرع الله كله، ورفض شرع سواه كله هو الإسلام وليس للإسلام حقيقة سواه، (والرضا بالقضاء الديني الشرعي، واجب وهو أساس الإسلام وقاعدته، فيجب على العبد أن يكون راضياً بلا حرج ولا منازعة ولا مدافعة ولا معارضة ولا اعتراض، قال تعالى: [فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيماً] .. فالله أقسم أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا رسول الله ﷺ وحتى يرتفع الحرج من نفوسهم من حكمه، وحتى يسلموا لحكمه تسليماً، وهذه حقيقة الرضا بحكمه، فالتحكيم في مقام الإسلام، وانتفاء الحرج في مقام الإيمان، والتسليم في مقام الإحسان) [١٤] . وإذا كان يكفي لإثبات الإسلام أن يتحاكم الناس إلى شريعة الله وحكم رسوله، فإنه لا يكفي في هذا الإيمان هذا ما لم يصحبه الرضى النفسي والقبول القلبي، وإسلام القلب والجنان في اطمئنان.. [١٥] ، ولا يجتمع التحاكم إلى غير شريعة الله، أو رفض التحاكم إلى شريعة الله،.. لا يجتمع هذا أو ذاك مع الإسلام في قلب عبد بأي حال من الأحوال (ومن رد شيئاً من أوامر الله تعالى أو أوامر رسوله فهو خارج من الإسلام سواء رده من جهة الشك فيه، أو من جهة ترك القبول والامتناع عن التسليم) [١٦] .. فقبول شرع الله سبحانه يتحقق بعدم رد أمر الله عليه، وقبول شرع غيره يُعرف بعدم الرد، فإن منع من رفض ورد شريعة غير الله الإكراه، فلا بد من كره القلب، وهذا يعني عدم مظاهرة القائمين على شريعة غير الله.. حاكماً كان أو حزباً أو طبقة. إن المسلم يلتزم بمقتضى إسلامه أن يتبع حكم الله في كل شأن من شؤون حياته، قال تعالى: [ومَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ ورَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ] .. هذه واحدة. والثانية أن المسلم ملزم بمتابعة الرسول فيما أمر واجتناب ما عنه نهى وزجر، قال تعالى: [ومَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ومَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا] وهذا أمر عام في الأمر والنهي، والحلال والحرام، وكذلك في الحكم والاحتكام، قال تعالى: [فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيماً] [النساء: ٦٥] ، فهذه الآية تجعل من أساسيات الإسلام؛ التحاكم إلى شريعة الله ومتابعة لرسول الله ﷺ الذي بلغها عن الله. إن المُشرّع هو الرحمن، وليس البرلمان.. إن الشريعة هي الكتاب والسنة، وليس إرادة الأمة.. إن الإسلام عقيدة وشريعة، وشريعته هي الترجمة الواقعية لعقيدته.. إن الإسلام لا بد فيه من توحيد المُشرِّع، ومتابعة المُبَلِّغ.

стр. 1135

الأدب الذي نطمح إليه عبد الله بن محمد العسكر لا أخال أحداً يجهل قيمة الأدب في الحياة، ومدى تأثيره على حياة الأمم والشعوب. ومن تتبع التاريخ عرف مصداقية هذه العبارة. وهذا الأدب يكون في الغالب متمشياً مع مستوى أخلاق الأمة وما يعيشه أفرادها من وعي وإدراك، فبقدرهما يرتفع مستوى الأدب أو ينخفض. فالأدب ما هو إلا نتاج لتلك البيئة وذلك الجو الذي يعيش فيه الأديب. وما أحوج أمتنا الإسلامية - في هذا العصر خاصة - إلى أدب يسمو بأفرادها ويرتفع عن مستوى الانحطاط والدونية. إن للكلمة السامية والشعر الصادق الرفيع أبلغ الأثر في الرقي بالفرد المسلم وشحذ همته وعزيمته ليخدم دينه ومعتقده. ألا وإن على الأديب المسلم مهمة عظيمة ورسالة سامية يحملها ليقدمها لأبناء جيله خصوصاً في هذا العصر الذي تعصف فيه الرياح بأمتنا من كل جانب، ويريد الأعداء أن ينهشوا لحمها ويمزقوا جسدها. إن باستطاعة الأديب الذي يحمل هم الإسلام بين جوانحه أن يفعل ما لا يستطيع أن يفعله غيره، فهو الذي حباه الله شحنات مضاعفة من رهافة الحس وعمق الشعور بالمسئولية والمبالغة في رؤية الجراح، وفي هذا الطريق ما لا يخفى من معاناة ومكابدة ومشقة خاصة وأن هذا الأديب يعيش في عصر نرى فيه الشعوب قد أنهكها العطش وبلغ منها الجهد مبلغه، فأقامت تحت شجرة الصبر تنتظر المطر أن ينزل من السماء دون أن تكلف نفسها عناء حفر بئر في الأرض. مهمة الأديب المسلم اليوم بعث الحياة في حياة الأموات وحمل المشاعل لتنير الدروب المظلمة التي تتخبط فيها فئام كثيرة من الناس الذين يبحثون عن نور يخرجهم من تلك الظلمات الحالكة؛ فتأتي حروف ذلك الأديب لتشرق عليهم وتنير لهم الطريق. واجب الأديب المسلم أن يجاهد بسلاحه ما دام سلاحه ليده، وما دام قلمه يحيا بأنات الشعوب فعليه أن يبذل كل ما يستطيعه من غال ونفيس. كلمات الأديب المسلم وقصائده صرخات بالحق في زمن انسحب فيه الناس من ساحات الجهاد واشتغلوا بجمع القناطير المقنطرة من الذهب والفضة. خواطره.. منشورُ علنيّ يوزعه تارة بلسانه وأخرى بقلمه ليُظهر حقاً مرّا سكت عنه الآخرون.. خواطره.. انفصال من حياة رتيبة هادئة ومستكينة، وانطلاقة من الراحة والهدوء النفسي، واستعلاء وسمو عن حاجات القطيع وتفكير القطيع. إن على الأديب المسلم أن يؤدي زكاة قلمه وما من الله عليه من نعمة البلاغة والبيان. تلك الزكاة التي تعني إظهار المشاعر في صورة كلمة طيبة، تعود بالخير والنفع على من يسمعها وهذه الكلمة لا بد أن تكون نابعة من القلب، مصدقة لما يؤمن به الفؤاد ويعتقده. فجذورها راسخة فيه، ضاربة في سويدائه، ثابتة في مستودعه، متمكنة من رحابه، ثم هي واضحة ظاهرة بعيدة عن الالتواء والغموض. إنها كالشجرة الطيبة المثمرة الثابتة بجذورها في مغرسها، الصاعدة بفروعها إلى السماء [أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ] . إننا نريد من الأديب أدباً رفيعاً متنزهاً عن كل معاني السفالة والانحطاط. نريد أدباً يرقى بالأمة، لا أقول لتكون في مصاف الأمم بل لتكون سيدة على الأمم جمعاء. نريد قصائد تحيا بالأمة وتعيد لها كرامتها، وتساعد في إرجاع عزتها ومجدها، ولا نريد قصائد تهوي بالأمة إلى حمأة الشهوة والرذيلة، وشتان شتان بين كلا النوعين من القصائد: وقصائدٍ مثل العرائسِ، مهرُها ... غالٍ، وأخرى ليس فيها مطمعُ فوق النجوم تعيش بعضُ قصائدٍ ... والبعض في عفنِ القمامة يقبعُ وأجلهنَّ قصيدة عربيةٌ ... فيها من الإسلام شمس تسطع تأبى على أهل الغرور غرورَهم ... وتشدُّ من أزر الضعيف وتمنعُ وتثورُ في وجه الطغاة وتنبري ... للظالمين، تؤزُّهم وتزعزعُ وإذا أصاب المسلمين مصيبةٌ ... فهي التي من أجلهم تتوجعُ وهي التي تأسو الجراح بليلهم ... والفجر من جرح القصيدة يطلعُ وهي التي تنهل في صحرائهم ... مطراً، وتحفر في الصخور وتزرع حسبُ القصائد أنها لا تنحني ... إلا لجبار السماء وتركعُ

стр. 1136

أرض الجزائر أبو خالد السبيعي أرض الجزائر شامة الإسلام ... أرض البطولة والكفاح الدامي أرض الجهاد على العصور تحطمت ... فيها جيوش الكفر والأصنام أرض ابن باديس الذي فخرت به ... جمعية العلماء والألام أرض الجزائر حدثينا ما جرى ... لبني فرنسا أفصحي بكلام واليوم دالت للضلالة دولة ... فوق الجزائر من بني الإجرام جعلوا الجيوش وجندها في أُهبة ... لحصار داعية وسجن إمام نصبوا أمام الراكعين مدافعاً ... يا ليتها نصبت إلى الأزلام ملأوا السجون بِفِتْيةٍ لم يذنبوا ... إلا بدعوتهم إلى الإسلام وتواطأت دول العروبة ويلها ... ويل لها من حالك الأيام سكتت ولم تنطق ببنت حقيقة ... أهو العمى؟ أم ذا السكوتُ تعام؟ أترى الهوى أنسى الحقائقَ أمتي ... أم أنها مشغولة بسلام أم أنها تمسي وتصبح غِرّة ... لم تأخذ التلقين من " صدّام " إخواننا الأكراد لم نسمع لهم ... خبراً من التحريق والإعدام حتى أتى صدام نحو ديارنا ... وعدا علينا جيشه بظلام فتكشفت أوراقه في لحظة ... من بعد ما هو فارس الإسلام يا أمة الإسلام ويحك أنصفي ... من قبل نازلة وقبل ملام أنا لا أصبُّ اللوم فوق عصابة ... كلت أياديها من الإجرام كلا ولست ألوم كل منافق ... أمسى أسير أنيسه ومدام كلا ولست ألوم عربيداً غدا ... لا فرق بين حلاله وحرام لكن أسوق ملامتي وتأسفي ... لبني العقيدة سادة الإسلام أهل اللسان بسحره وبيانه ... أهل المنابر أو ذوي الأقلام أسفاه يا جند الجزائر ما لكم ... صِرتم عبيد حثالة أقزام أنى توجهكم توجهتم لها ... أين العقول وفطنة الأفهام يا أيها الجند المغّررُ وفّروا ... طلقاتِكم لحماية الإسلام ما للمدافع وجهت أفواهها ... نحو المساجد غُرة الأيام أبذا نجازي جامعات خرجت ... جيل الجهاد وصفوة الأعلام يا أيها الجند الكرام عدوكم ... من يمنع الصبيان من إطعام يعثو بخيرات البلاد سفاهة ... حتى غدا السكان كالأيتام فبلادكم زخرت بأنعم ربها ... والخبز فيها يشترى بزحام من سيَّر الطاغوت فوق رقابكم ... بدلاً من القرآن في الأحكام يا أيها الجند الكرام عدوكم ... من قتَّلوا الأجداد بالأكوام أهل الصليب هم العدو حقيقة ... أهل المعارك سالف الأيام يا أيها الجند الأفاضل ما لنا ... نستبدل التحقيق بالأوهام خذ أيها الجيش الكريم نصيحتي ... أنت الجدير بنصرة الإسلام

стр. 1137

وَهْمُ السَّلام عبد الله بن محمد العسكر هات المحابر، واكتب أيُّها القلمُ ... وسطّر الشعر إن الشعر محتدمُ فالخطب يا صاحبي أمرٌ غدا جَلَلاً ... ضجَّ الحطيم له والبيتُ والحرمُ هذا الزمان عجيبٌ لست أفهمُه ... أرجاؤه ظُلَمٌ، من فوقها ظُلَمُ هذي شجوني وأحزاني أُرتِّلها ... بكتْ لها مقلتي فاستضحك القلمُ يا دوحة الشعر همُّ المسلمين غَلَى ... به الفؤادُ، فنارُ الحزن تضطرمُ إنِّي أرى أمَّتي قد أبحرتْ -سفَهاً- ... بلا سفينٍ وموجُ البحر يلتطمُ يا لاهثين وراء السِّلم في زمنٍ ... مات الإباءُ به والمجدُ والشيمُ أمن يهودٍ تريدون السلام لكم؟ ... أين السلام وهم ليست لهم قيمُ؟ فالشرُّ منطقهم، والغدر شيمتهم ... والخبث ديدنهم، إنّ العداة همُ سلوا فلسطين إنْ رمتم بها خبراً ... قد استبيحت بها الأعراض والحُرَم عزَّ الذهابُ إلى مسرى النبي بها ... فمن أراد ذهاباً فالطريق دم سلوا بلاداً بلبنان التي طُعنت: ... أين المواثق والهدنات والذممُ؟ مدريدُ ها قد أتى إليك شرذمةَ ... يرجون سلماً، فلا فازوا ولا سلموا أتوا وقد حملوا ذُلاً ومسكنةً ... عار المذلَّة في طلعاتهم يَصِمُ عُميٌ بصائرهم، طُمسٌ مشاعرهم ... كأنهم في مراعي وهمهم غنم

стр. 1138

المسلمون والعالم مقابلة مع الشيخ: عبد الولي بن عاشور علي من علماء المسلمين في أوزبكستان إعداد: د. مالك إبراهيم الأحمد انعتق المسلمون في الاتحاد السوفييتي من ربقة الهيمنة الروسية والسيطرة الشيوعية التي جثمت على ديارهم واستنفدت خيرات بلادهم وحاولت اجتثاث الدين من نفوسهم، وبدؤوا مسيرة جديدة وطويلة في إعادة الدين إلى النفوس، وإصلاح البلاد بعد الخراب، ومن باب توطيد العلاقة مع الدعاة في هذه البلاد الإسلامية ذات التاريخ الإسلامي المجيد، تلتقي البيان مع أحد الشيوخ من أوزبكستان ليلقي الضوء على أحوال المسلمين هناك والتحديات التي تواجههم. * في البداية نرجو من الضيف الكريم أن يعرف بنفسه اسمي عبد الولي بن عاشور علي، ولدت عام ١٩٥٠ م في مدينة أنديجان في جمهورية أوزبكستان، درست على يد الشيخ عبد الحكيم قاري والشيخ قاسم دملة، حفظت القرآن الكريم في سن الخامسة والعشرين، ونظراً لقلة المعلمين فقد كنت أدرس ولم أكن أدرس في نفس الوقت على نظام الحجرات، وأعمل الآن مدرساً للعلوم الإسلامية في أوزبكستان، وأخطب في جامع أنديجان. * وما هو نظام الحجرات؟ نظام الحجرات هو أسلوب التعليم الخفي أيام الشيوعية، حيث يتبرع بعض المخلصين بجزء من بيوتهم لتعليم الأولاد القرآن والعربية وأصول الدين، بعيداً عن أعين الشيوعيين، ويظل الطالب ما يقارب الأربع سنوات حبيساً داخلها أغلب الزمن، حتى ينهي متطلبات الدراسة، وخريجو الحجرات هم أعمدة الدعوة الإسلامية الحالية، حيث تربوا تربية جادة وقوية وحصلوا على الكثير من العلوم الأساسية النافعة. * وما هي الكتب التي كانت تدرس في تلك الفترة؟ لا يخفى عليكم شح الكتب وندرتها وخطورة اقتنائها في تلك الأيام، حيث كانت تعتبر جريمة وخصوصاً إذا كانت كتباً حديثة كمؤلفات الأستاذ سيد قطب، وقد كان الطلاب يحفظون القرآن ويقرؤون في كتب النحو المعروفة واللغة والأدب مثل أدب الدنيا والدين للماوردي، وفي العقيدة كان كتاب العقائد النسفية معروفاً، وكذا كتاب التوحيد لمحمد عبده، وذلك قبل أن يتضح للمشايخ ما فيها من أخطاء، وفي الفترة الأخيرة وصل كتاب التوحيد للزنداني وهو جيد، بالإضافة إلى كتب الحديث المعروفة. * كيف كان وضع التعليم الديني في بلادكم أثناء الحقبة الشيوعية؟ بعد قيام الثورة الشيوعية قتل كثير من العلماء، وسجن الكثير وهرب إلى الخارج البعض منهم، ولم يبق إلا القلة، وكان الأمر صعباً جداً في الفترة الأولى حتى عام ١٩٥٠ حيث خرج بعض العلماء من السجون وبدؤوا حركة التعليم بالطريقة السرية (الحجرات) بأعداد محدودة جداً حتى عام ١٩٧٠ تقريباً. بعدها بدأت حركة التعليم تزدهر حتى بداية الثمانينات حيث أحس الشيوعيون بالخطر، وبدؤوا حملة اعتقالات وتعذيب، وبالأخص من يوجد لديه كتاب من الكتب الإسلامية الحديثة حيث يعتبر ذلك جريمة قصوى لأنه يدل في نظرهم على اتصاله بالخارج، وخفت الأوضاع عندما ضعفت الدولة في آخر أيامها حتى سقطت بحمد الله. * ما هو الدور الذي قام به الشيوعيون من المسلمين؟ لا يخفى أن المرتد أشد كفراً من الكافر الأصلي، وهذا كان وضع الشيوعيين المسلمين. كانوا شديدي الوطأة على أبناء دينهم، ينفذون توصيات أسيادهم من الروس، ورغم ذلك كان الكثير منهم على ولائه للإسلام كهوية، ولا يرضى أن يوصم بالكفر، ويحرصون على دفن موتاهم على الطريقة الإسلامية، وكان أخطرهم أئمة مساجد ومسئولو الإدارات الدينية، فقد كانوا يوطدون للشيوعية، ويراقبون المتدينين ويدعون للحكم الشيوعي، باعوا دينهم بعرض من الدنيا، عدا طائفة قليلة كانت تدعو إلى الإسلام، وتقول الحق ولا تتهاون في دين الله. * بعد انحسار الشيوعية ما هي أوضاع المسلمين الآن؟ بعد اندحار الشيوعية، تحرر المسلمون كغيرهم - وبدؤوا باستعادة مساجدهم التي حول الكثير منها إلى متاحف بل وبارات ومستودعات، وكذا مدارسهم ومراكزهم الإسلامية، وانتشرت موجة بناء المدارس والمساجد في كافة البلاد. وأما من جهة المدارس الرسمية فما زالت نفس المناهج المنحرفة تدرس، وهناك أفكار مطروحة لإعادة كتابة التاريخ الذي مسخه الشيوعيون وكذا اقتراح بتدريس الدين في المدارس الحكومية، والإعلام ما زال كما هو، وإن اختفت لهجة الهجوم على الدين وتشويهه، ويدعي الحكام انشغالهم بالجانب الاقتصادي للبلاد. * ما هي الأحزاب التى نشأت في الجمهوريات الإسلامية؟ هناك حزب الحرية، وحزب الاتحاد وهو رسمي فقط في طاجكستان ومواقفه في المعارضة قرية، وأما الأحزاب الإسلامية فيوجد حزب النهضة الإسلامي. * حبذا لو أعطيتنا نبذة عن حزب النهضة؟ تأسس حزب النهضة مع قيام الإصلاحات في عهد جورباتشوف قبل حوالي خمس سنوات، وقبل التقسيم وبعد التقسيم سعى إلى التسجيل في كل دولة، فهو معترف به مثلاً في بعض الجمهوريات مثل أوزبكستان ويرأسه الشيخ عبد الله أوته، وكذا في طاجكستان وأيضاً في روسيا ويرأسه أحمد قاضي. والحزب له مجلس شورى وللعلماء فيه دور فعال، ويركز على الجانب التعليمي بالدرجة الأولى، وإنشاء المدارس، خصوصاً للبنات، وكذا بناء المساجد وتجهيز المكتبات الإسلامية، ويصدر بعض الصحف الإسلامية مثل (الدعوة) في أوزبكستان، (النجاة) في طاجكستان و (الوحدة) في روسيا، وقام بطبع ونشر العديد من الكتب الرسائل بالعربية وباللغات المحلية والحزب بحاجة ماسة للدعم بكافة أنواعه كي يقوم بالمهمة الملقاة على عاتقه، وبالأخص توفير الكتب والمدرسين واستقبال الطلاب في الجامعات الإسلامية في البلاد الإسلامية. * هل مررتم بمشاكل طارئة؟ نعم، فقد اتهمنا بالوهابية في بلادنا وقام بعض الشيوخ المتعصبين والصوفية ضدنا، وأثاروا العامة وحرضوهم علينا. * ماذا كان موقفكم؟ استخدمنا أسلوب الرد الإيجابي، فقد تركناهم جملة، ونشطنا في نشر الأفكار الإسلامية الصحيحة، ونجحنا بفضل الله، وقد عاد إلينا بعض من كان يتهمنا ويعادينا. * وهل الوهابية مذهب؟ لا، إنها دعوة تجديدية للشيخ محمد بن عبد الوهاب سار على خطا أسلافه من الأئمة المعتبرين كابن تيمية وابن القيم، والأئمة المتبعين كابن حنبل. * ما هي المشكلات التي تعانيها الدعوة في الداخل؟ - الصوفية: وهي قديمة في هذه البلاد، وأغلب المنتسبين إليها من العوام الذين لا يفقهون من الدين شيئاً، فقط يعتمدون على أقوال شيوخهم. - القومية: وقد ساهم الروس في تأصيلها بين المسلمين، ونسعى للقضاء عليها عن طريق التعليم وخصوصاً بين الدعاة عن طريق التعارف والاجتماعات. - العلمانية: وهي داء ينخر في المجتمعات الإسلامية، والحكام لدينا لا يعلمون من الإسلام شيئاً مما يجعل بعضهم يدعو إلى تطبيقها، والطامة أن بعض المنسوبين للعلم صرح بأن الإسلام لا يعني بالحكم وشؤونه. - الاقتصاد: فالشيوعيون نهبوا خيرات بلاد المسلمين وأنشأوا بها المصانع في روسيا وتركوا للمسلمين الفقر والتخلف. * هل هناك تحديات من الخارج؟ - إيران: فلها نشاط محموم خصوصاً في طاجكستان حيث اللغة مشتركة (الفارسية) وكذا في أذربيجان حيث الأغلبية شيعية، أما العامة لدينا (أوزبكستان) فعداوتهم للشيعة ظاهرة، لكن المشكلة في بعض العلماء الذين يستدرجهم الشيعة. - تركيا: وخطرها في محاولة نقل النموذج التركي العلماني للجمهوريات الإسلامية وذلك بدعم وتوجيه من الولايات المتحدة. - التنصير: حيث الأناجيل توزع مجاناً، ومن يتنصر يجد الرعاية والدعم، وأكبر خطر في قرغيزيا حيث أكثر السكان لا يفهمون من الإسلام شيئاً حيث إن لغتهم هي الروسية، فهم مهددون. - اليهود: وهم موجودون في كل الجمهوريات، وإن هاجر أكثرهم فما يزال لهم وجود مؤثر، ويحاولون السيطرة الاقتصادية على بلاد المسلمين ويقومون كعادتهم بإثارة الفتن والمشكلات. * هل كان للجهاد الإسلامي في أفغانستان أثر على المسلمين في الجمهوريات السوفييتية؟ نعم، وخصوصاً في طاجكستان حيث اللغة المشتركة، وفقد المسلمون الكثير من أبنائهم ظناً منهم أن القتال كان لنصرة الحق ضد الثوار المجرمين، لكنهم اكتشفوا حقيقة الأمر في نهاية المطاف، وتأثر الشباب المسلم الذين وقعوا في أيدي المجاهدين من مواقفهم الطيبة، حيث أنهم أطلقوا سراح الكثيرين منهم بعد إشهارهم الإسلام ونطقهم بالشهادتين. * ما هو سبب سقوط الشيوعية؟ سقطت بسبب دماء الشهداء ودعوات المظلومين. * مشاكل الأمة الإسلامية كثيرة ما هو العلاج؟ لا يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح بها أولها. * التعصب المذهبي موجود في كثير من بلاد المسلمين، ما توجيهكم في ذلك؟ ... المذاهب الفقهية ثروة للأمة، فنحن نجل أئمة المذاهب ونحترمهم ونسير على أقوالهم (إذا صح الحديث فهو مذهبي) ولا نتعصب لأي منهم، بل التعصب للحق فقط. * هل هناك حركات إسلامية وافدة على بلدانكم؟ نعم هناك جماعة التبليغ، ولهم دور طيب ومحمود في انتشال الناس من الفسق والانحراف، ونحن نكمل ما نقصهم، ونقوم بتربية الناس وتعليمهم. في الختام: نشكر الضيف الكريم، ونسأل الله له ولإخوانه التوفيق والسداد في مسعاهم. ملاحظة: ويسر المنتدى الإسلامي استقبال تبرعات المحسنين وزكواتهم لدعم المشاريع الإسلامية في أوزبكستان ونشر منهج أهل السنة والجماعة في تلك البلاد.

стр. 1139

السودان ... وتحرير الجنوب إذا كانت هناك مشكلة في العالم الإسلامي ففتش عن الإنكليز، هذه المقولة تنطبق تماماً على السودان الذي استعمر من قبل بريطانيا في نهاية القرن التاسع عشر، كما انطبقت على فلسطين وباكستان، وكل مشاكل الحدود بين دول العالم الإسلامي ... فالإنكليز لم يخرجوا من السودان إلا بعد أن تركوا فيها مشكلة قابلة للتفجر، لقد أقفلوا جنوب السودان عن شماله حتى يتعمق شعور الانفصال عند الجنوبيين، وفي هذه الأيام ونحن نسمع أنباء سقوط مدن الجنوب وتحريرها من حركة التمرد التي يقودها الصليبي جون قرنق لا بد من العودة قليلاً إلى الوراء لنرى كيف بدأت هذه المشكلة، ولماذا؟ نبذة تاريخية: في عام ١٨٩٨ احتل الإنكليز السودان وقد أدركوا للوهلة الأولى أن الصلة بين شمال السودان العربي المسلم وجنوبه الوثني سيؤدي آجلاً أو عاجلاً إلى انتشار الإسلام بين صفوف الوثنيين، ولذلك أقدم هذا المستعمر الذي عرف بخبثه وذكائه على عزل الجنوب، فعمد إلى تشكيل فرقة عسكرية من أهل الجنوب وإبعاد الجنود من أهل الشمال، ثم طردوا التجار الشماليين وقد صدر بذلك منشور رسمي يقضي بترحيل جميع التجار الشماليين باعتبارهم مسلمين ويخشى من تأثيرهم على أهل الجنوب. بل منعوا الجنوبيين من ارتداء ملابس أهل الشمال أو التكلم بلغتهم، والأسوأ من هذا كله هو منع الشماليين من الدخول للجنوب فأصبح السوداني الذي يرغب في زيارة الجنوب يحتاج إلى إذن من الحكومة، وقد صدر في هذا قانون المناطق المقفلة في عام ١٩٣٠ وفيه أعطت المادة (٢٢) للحاكم العام اعتبار الجنوب منطقة مقفلة سواء للسودانيين أو غيرهم، وهكذا أغلق الجنوب في وجه الدعوة الإسلامية، وفتحت أبواب التبشير بالنصرانية فجاءت إرساليات من أمريكا واستراليا وكانت تعمل في وسط قبائل (الدينكا) . وماذا بعد الاستقلال؟ عندما شكلت أول حكومة انتقالية برئاسة إسماعيل الأزهري بدأ أول تمرد في السودان عام ١٩٥٥م، وذلك نتيجة الحقد الذي زرعه المستعمر في نفوس الجنوبيين، وفي عهد حكومة الفريق إبراهيم عبود استمرت الإرساليات النصرانية في بث روح الكراهية لأهل الشمال، فحاولت الحكومة الحد من نشاطها واعتقلت بعض القساوسة الذين ساهموا في كتابة المناشير المناوئة لحكومة السودان، وفي عام ١٩٦٢ م بدأت حركة تمرد بقيادة (ويليام دينغ) وذلك على أثر توقيع اتفاقية المياه مع مصر، واستمر هذا التمرد حتى عام ١٩٦٥ عندما عقد مؤتمر المائدة المستديرة وانتهى بإعطاء الجنوب الحكم الذاتي في إطار سودان موحد، ثم كانت حركة التمرد الثانية بقيادة (جوزيف لاغو) واستمرت حتى عام ١٩٧٢ وانتهت بتوقيع اتفاقية أديس أبابا في عهد جعفر نميري، وبسبب هذه الاتفاقية انفصل جون مرنق عن حركة جوزيف لاغو متهماً إياه بمسايرة الشماليين، واستمر قرنق في تمرده مستغلاً ضعف وميوعة الحكومات السودانية المتعاقبة ومستغلاً مشاكلها الاقتصادية والسياسية. ومن أهم مطالب حركة التمرد - كما صرح أحد قادتها (لام كول) في مؤتمر كينيا الذي عقد برعاية الرئيس الأمريكي كارتر - استبعاد الدين نهائياً عن الدولة، ومن الأهداف الرئيسية لبعض فصائل التمرد الانفصال التام للجنوب. أما حركة التمرد التي يقودها قرنق منذ عام ١٩٨٣ فقد تجاوزت هذا إلى قضية تحرير السودان كله ليصبح دولة علمانية اشتراكية - كما جاء في البند العشرين، الفصل السابع من دستور الحركة: (إن الجيش الشعبي لتحرير السودان يقاتل لتأسيس سودان اشتراكي موحد، وليس جنوب السودان منفصلاً) . كما جاء في البند الثاني والعشرين فقرة (ج) : (إن قوة الجيش الشعبي ستنمو وتتعاظم لتصبح قوة تقليدية قادرة على تحطيم جيش السودان الرجعي) إذن هو ضرب الإسلام في السودان كله. وقد ساعد حركة التمرد نظام منغستو في أثيوبيا، بل إن جيش أثيوبيا ساعد قرنق في بعض العمليات العسكرية، كما تلقى قرنق مساعدات من ألمانيا الشرقية وكوبا ودعم الغرب هذه الحركة، حتى إن وفداً من الكونغرس الأمريكي التقى بقادة حركة التمرد داخل الأراضي السودانية وبدون الحصول على تأشيرة دخول، وتدفقت المساعدات على قرنق من البوابات الجنوبية للسودان - مثل كينيا - كما قدم له الدعم المعنوي بالإعلام الذي يتكلم عن اضطهاد الجنوبيين إلى آخر هذه النغمة التي يتقنها الغرب. ودعمت إسرائيل هذه الحركة، وزار قرنق إسرائيل عدة مرات، كما نشط مجلس الكنائس العالمي بمساعداته وإرسالياته، ومع هذا الدعم فقد كانت الحكومات السودانية التي تواجه قرنق ضعيفة، فقد سقط نظام نميري، ولم تسقط مدينة واحدة من مدن الجنوب في يد الحكومة السودانية واحتل المتمردون أكثر من عشر مدن مثل إبور، منقلا، توريت، نواط. وفي عهد الصادق المهدي ذهب وفد الحكومة إلى أديس أبابا ليوقع اتفاقية مع قرنق وكان من شروطها إلغاء تطبيق الشريعة الإسلامية. تحرير الجنوب: منذ أكثر من شهر ونحن نسمع أنباء سقوط مدن الجنوب في يد الجيش السوداني تدعمه قوات الدفاع الشعبي، ولا شك أن إرجاع الجنوب إلى حظيرة السودان هو رد على التجزئة والتفتيت الذي - يريد الغرب فرضه على الدول العربية والعالم الإسلامي، كما أن الجنوب أصبح بؤرة للتبشير بالنصرانية ومحاربة الإسلام، وقد ساهمت قوات الدفاع الشعبي في القتال ومن أشهر العمليات التي خاضوها: الفجر الصادق، والوعد الحق، والمغيرات صبحاً التي دخل فيها عنصر الخيل لأول مرة، وقد يواجه الجيش صعوبات كبيرة عندما يبدأ موسم الأمطار الصيفية وتتحول الأرض إلى مستنقعات وبحيرات. وربما تلجأ الدولة إلى المفاوضات ولكن من موقع المنتصر القوي، إن إرجاع الجنوب وتوحيد السودان عمل جيد وبشتى المقاييس فهو على الأقل سيعطي السودان فرصة لعملية التنمية والبناء. إن ذلك سيعطي السودان دفعة قوية نحو الاستقرار السياسي والتنمية ومن ثم سيساهم بإذن الله بنشر الإسلام في الجنوب الذي هو بوابة السودان على أفريقيا.

стр. 1140

الأمة الألبانية تخرج من الجحيم محمد آل الشيخ [ألبانيا جمهورية اشتراكية شعبية قائمة على الحكم المطلق للطبقة الحاكمة.] [حزب عمال ألبانيا هو السلطة السياسية الوحيدة التي تقود الدولة والمجتمع.] [الماركسية اللينينة هي المذهب الحاكم.] هذه فقرات من دستور ألبانيا التي كانت الدولة الإسلامية الوحيدة في أوربا.. فكيف جاء الإسلام إلى هذه الدولة الأوربية؟ ثم كيف صارت هذه الدولة المسلمة شيوعية وجمعت بين التناقضات؟ وما هو حال أهلها اليوم؟ وما مستقبلهم؟ هذا ما سنتناوله في هذا الموضوع. تاريخ الألبان: تفوق قدرة التحمل للشعب الألباني ما نسمعه اليوم عن المجاهدين الأفغان، بل تكاد تتطابق طبيعة الشعب الألباني مع طبيعة أرضه، ويصح لنا القول أن التضاريس الجبلية لألبانيا أكسبت الشعب قدرة فائقة على التحمل، وهذا هو التفسير الذي كان يبحث عنه العالم وهو يسمع بالأهوال التي كانت وما زالت تصب على رأس الألبان وهم صابرون متحملون، بل أحياناً يلجأون بأنفسهم إلى الخيار الصعب، كما فعلت الأقلية الألبانية في يوغسلافيا عندما اعتصموا أسابيع في المناجم على عمق مئات الأمتار تحت نير الاضطهاد الصربي الحاقد، وذلك بعد أن طالبوا بالحكم الذاتي. وساعدت الأرض وطبيعة الشعب على محافظتهم على هويتهم ووجودهم، رغم ما عانوه من اضطهاد طوال مئات السنين وما وقعوا تحته من احتلال وحروب. ولقد دفع الشعب الألباني عبر التاريخ الثمن غالياً لموقع بلاده الصعب بين كثير من الإمبراطوريات ابتداء باليونان ثم الرومان وانتهاء بالصرب والشيوعيين. دخول الألبان إلى الإسلام: عرف الألبان الإسلام في وقت مبكر من القرن الحادي عشر الميلادي عن طريق التجار المسلمين، ولكن لم تشهد ألبانيا إقبالاً على الإسلام إلا بعد ذلك ففي القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي) كانت الجيوش العثمانية الإسلامية عام ٧٨٩٠ هجرية (١٣٨٩م) بقيادة مراد الأول قد وصلت إلى إقليم كوسوفو الذي تحتله يوغسلافيا الآن فكان ذلك أول احتكاك للألبان بالدولة الإسلامية. ثم بعد ثلاث سنوات عاد ولده بايزيد لمواصلة عمل أبيه، ففي العام التالي استطاع أن يفرض الولاء على ألبانيا من دون حرب فدانت له ودفعت الجزية عام ١٣٩٣م وظلت على هذه الحال ٦٠ سنة. ثم عاد الألبان وانتفضوا على الدولة العثمانية، وأخيراً انتصر العثمانيون نصراً نهائياً عام ٨٨٢ هجرية (١٤٧٩م) ولم تحدث في البلاد بعدها مقاومة منظمة، وإن بقيت المواني بعيدة عن سلطة العثمانيين مدة أطول حيث فتحت انتيفاري آخر مدن ألبانيا عام ٩٧٩ هجرية. ولقد كانت الدهشة كبيرة حيث تحولت غالبية الألبان إلى الإسلام في أقل من مائة سنة، ولعل من أهم أسباب ذلك أن الألبان عرفوا ولأول مرة في حياتهم الدين الذي يناسب الفطرة، وعرفوا شيئاً من التحسن في الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وكذلك كان هذا التحول الجماعي ردة فعل قوية لمحاولات اليونان والرومان حملهم على التنصر بالقوة. والخلاصة أن الألبان كانوا تجربة فريدة واجهها العثمانيون في البلقان، حيث كانوا في كل بلد يواجهون ثقافة وحضارة وأوضاعاً اجتماعية وإدارية ودينية قوية تظل تطبع أهلها في جانب من جوانب حياتهم حتى بعد دخولهم تحت المظلة العثمانية، أما الألبان فكانوا أقرب إلى الفطرة الأولى، فكان من السهل عليهم أن يعيدوا تشكيل حياتهم وفقاً لدينهم الجديد. ألبانيا تصبح ولاية عثمانية: سارعت الدولة العثمانية إلى إعطاء الألبان المواطنة الكاملة وحق تقلد أعلى المناصب في الدولة، فألبانيا غدت ولاية عثمانية وأهلها أصبحوا مسلمين. وكان للألبان دور كبير في دعم الدولة العثمانية، وشاركوا في شتى المجالات، فظهر منهم الوزراء والقضاة والكتاب والدبلوماسيون، ولكن كان المجال العسكري هو المجال الأكبر الذي شاركوا فيه، فسارع الألبان إلى الانخراط في الجيش العثماني، وسبب برزوهم في هذا ما عرف عن القوم من شدة وشجاعة وقوة وبأس فاعتمدت عليهم الدولة عسكرياً اعتماداً كبيراً وشكلوا عماد الجيش العثماني، وهذا من أهم أسباب انتشارهم الواسع في الولايات العثمانية، فقد كانوا على درجة عالية من الإخلاص والانضباط والبأس في الحروب. وهؤلاء هم الذين يعرفون في البلاد العربية بالارنؤوط، وهو الاسم الذي أطلقه عليهم العثمانيون. وكانت أعظم مشاركاتهم في الدفاع عن الحدود الغربية للدولة العثمانية في مواجهة دول أوربا التي ما فتئت تحاول دحر العثمانيين واسترجاع ما أخذوه من أوربا. وظلت ألبانيا تؤدي دوراً مهما داخل الإمبراطورية العثمانية حتى نهاية القرن التاسع عشر الذي ظهرت فيه النزعة القومية، وحميت فيه كذلك الحرب مع روسيا ودولة النمسا والمجر وتبع ذلك بداية انهيار الدولة العثمانية وضياع ولاياتها في أوربا وغيرها، خاصة بعد إرغام الدولة العثمانية على توقيع اتفاقية سان استيفانو مع روسيا عام ١٨٧٨م فلم يبق مع الدولة العثمانية في البلقان سوى ألبانيا ومقاطعة البوسنة والهرسك وسالونيك شمال اليونان، والجديد في هذه المعاهدة أنه تم ولأول مرة تقسيم ألبانيا حيث اقتطع جزء من أراضيها وهو بعض مقاطعة كوسوفو وضم إلى دولة الصرب، وظهرت على السطح في تلك الأثناء القومية الألبانية لأول مرة وكان الذي أذكى نارها فرنسا وإيطاليا وألمانيا، لتقويض الإمبراطورية العثمانية تمهيداً لإبعادها عن الإسلام، وقد أدى ذلك إلى صراعات بين الألبان المناوئين للانفصال عن الدولة والألبان المؤيدين لذلك، ولكن الدول الغربية ضغطت على الدولة العثمانية من جديد وأرغمتها على توقيع معاهدة برلين التي تنازلت فيها عن بعض الأراضي الألبانية، مما أدى إلى تقسيم جديد للأراضي الألبانية، الأمر الذي آثار جميع الألبان على الخلافة وأظهرت تلك الأحداث بجلاء قوة القومية الألبانية ومدى تغلغلها في النفوس، وعدم قبولهم لتقسيم أراضيهم وشعبهم، فثاروا ثورة عارمة مطالبين بوحدة الأمة الألبانية والدفاع عن حقوقها بل والانفصال عن الدولة العثمانية، هذا الانفصال الذي جر عليهم الويلات فيما بعد، ومع أن الدولة العثمانية قمعت هذه الثورات بشدة إلا أن نارها لم تخمد، وظلت متقدة بشكل أو بآخر إلى يومنا هذا، فما زالت لديهم نزعة قوية لتوحيد شعبهم وأراضيهم. وانتهى بهم المطاف حين ظهرت القومية الطورانية في تركيا على يد مصطفى كمال، وذوبان الرابط الديني الذى كان يربط ولايات الدولة، فثار الألبان ثورتهم النهائية على الدولة العثمانية عام ١٩٠٩ م، ثم ما لبثت أن نشبت حرب البلقان عام ١٩١٢ م وهي الحرب التي أنهت فعلياً علاقة ألبانيا بالدولة العثمانية، وبدأت خطاً شديداً في حياتها يبعدها عن الإسلام شيئاً فشيئاً لحساب القومية الألبانية. ألبانيا بعد العثمانيين: كانت المؤامرة على الدولة العثمانية كبيرة، وكانت مصممة بحيث تقضي تماماً على كل أثر للإسلام في أوربا، بما فيها ألبانيا. فكان نصيب ألبانيا أن تحتلها إيطاليا بعد سنتين فقط من رحيل العثمانيين عنها أي في عام ١٩١٥م. وبعد الحرب العالمية الأولى وسقوط الدولتين الكبيرتين في ذلك الوقت الدولة العثمانية ودولة النمسا والمجر، أعاد مؤتمر باريس عام ١٩١٩م تقسيم المنطقة فكافأ الصرب على بلائهم في الحرب ضد العثمانيين فضم إليهم كثيراً من أراضي الدول المجاورة وعلى رأسها مقاطعة كوسوفو كاملة مع أنها أرض ألبانية وأهلها ألبان مسلمون كما أخذ منها أيضاً منطقة شامريا وضمت إلى اليونان. فجنت ألبانيا من انفصالها عن الدولة العثمانية ثماراً سيئة، فصارت ألعوبة للدول الكبرى في ذلك الوقت، وبعد أن استقلت عن إيطاليا عام ١٩٢٥ م عاد الإيطاليون واحتلوها عام ١٩٢٩م وبقيت تحت الاحتلال الإيطالي أربع سنوات، ثم احتلها الألمان عام ١٩٤٣م وانسحبوا منها بعد هزيمتهم في الحرب العالمية الثانية فاستقلت، ولكنها هذه المرة وقعت في قبضة أخبث نظام شيوعي عرفه التاريخ ودعّم هذا النظام شيوعيته بتحالفه مع يوغسلافيا (١٩٤٤-١٩٤٨م) ثم مع الاتحاد السوفييتي (١٩٤٨-١٩٦١م) ثم مع الصين (١٩٦١-١٩٧٨م) ، ثم تخلى عنهم جميعاً متبنياً نهجناً شيوعياً بحتاً ليس له نظير. ألبانيا دولة الأبواب المغلقة: تحولت ألبانيا من الدولة الإسلامية الوحيدة في أوربا إلى الدولة الشيوعية البحتة الوحيدة في العالم بسرعة خاطفة، حيث ظهر الحزب الشيوعي الألباني إلى الوجود عام ١٩٤١ م بمساعدة وتدبير من يوغسلافيا، وبسبب دور الحزب في سرب الاستقلال استولى الشيوعيون سعادتهم على السلطة عام ١٩٤٤م وظهر زعيمه أنور خوجا إلى السطح ليجثم على حكم البلاد أربعين سنة، ومع أنه مولود لأبوين يدعيان الإسلام إلا أن سلوكيات أسرته وسلوكياته هو أيضاً فيما بعد جعلت الناس لا ينسون أصله اليهودي، أضف إلى ذلك أنه درس في فرنسا فتخرج منها شيوعياً، ثم اعتنق بعد ذلك الإلحاد وعادى كل الأديان. حول أنور خوجه ألبانيا من الإسلام إلى الإلحاد، فشن أقسى الحملات على الأديان وخص الإسلام بحرب لا هوادة فيها، فدمر جميع المساجد وحولها إلى مخازن ومتاحف ومتاجر، وألغى جميع المؤسسات الدينية وحظر الشعائر التعبدية حظراً تاماً، ولم يسمح بأي رحمة تدخل قلبه تجاه مخالفيه فأنزل فيهم أشد العقوبات وسعى بكل ما أوتي من قوة إلى طمس معالم الحقبة العثمانية مع أنها هي الحقبة الحضارية في تاريخ ألبانيا، وجعل للبلاد رمزاً تاريخياً هو الاسكندر بك الذي عرف بكرهه للعثمانيين، ورمزاً معاصراً هو أنور خوجه نفسه. وقد نجح هذا الطاغوت إلى حد كبير في طمس هوية الألبان الإسلامية فنشأت أجيال كاملة بلا هوية ولا دين كما كانوا قبل ثمانية قرون، ومن يزور ألبانيا اليوم لا يصدق أن هذا البلد قبل أقل من قرنين من الزمان كان أهله يحملون راية الإسلام مجاهدين في سبيل الله تحت راية العثمانيين. وقد كان هجوم الشيوعيين على الإسلام في البداية مقتصراً على إخراج المرأة المسلمة إلى المعامل والمصانع وورش البناء والمزارع والمكاتب حتى أن المرأة الألبانية أجبرت على المشاركة في العمل في ثلاث نوبات على مدار الـ ٢٤ ساعة، وأسندت إليهم أعمال شاقة مثل الرجال وحرص الشيوعيون على زواج المسلمات من غير المسلمين، ثم انتقلت الدولة إلى مرحلة أخرى فشددت الخناق على الإسلام، وطاردت كل من يؤدي الشعائر التعبدية، ونظمت حملات قاسية من أجل استئصال جذور العقيدة والشعائر والأدب والسلوك الاسلامي من حياة الناس. وبلغ الاضطهاد أوجه عام ١٩٦٧ م عندما حرض أنور خوجه الشباب الذين تربوا في أحضان الشيوعية على تدمير المساجد والجوامع فهدموا المنارات بالجرارات وما بقي منها حول إلى متاحف ومعالم ثقافية، وإمعاناً في الإهانة حول بعضها إلى دورات مياه، ثم صدرت قوانين رسمية تعاتب كل من يؤدي شعائر تعبدية، فخرج جيل ألباني ممسوخ مسخاً تاماً، وسلط الولد على والده والوالد على ولده حتى خاف الآباء أن يعلموا أبنائهم كلمة التوحيد، فقد كانت المعلمة تسأل التلاميذ ماذا تقول والدتك؟ وماذا تعمل جدتك؟ وهل يقول والدك أو جدك أن الله واحد لا شريك له؟ وماذا طبخت والدتك من الحلويات بمناسبة عيد الفطر؟ ولعبت ألبانيا دوراً مهما على مستوى العلاقات الدولية خاصة بين الدول الشيوعية الكبرى، وكان هذا الدور أكبر من حجمها (مساحتها حوالي ٢٧ ألف كم مربع، وسكانها يزيدون على الثلاثة ملايين قليلاً) وسبب هذا الدور يعود إلى تنافس الدول الشيوعية على الاستحواذ عليها مما أكسبها وضعاً دولياً مميزاً، إضافة إلى موقعها الهام جنوب القارة الأوربية وكونها مخرجاً إلى البحر المتوسط عبر البحر الأدرياتيكي الواقع بينها وبين إيطاليا. ومن جهة نظر أنور خوجه فقد خاب أمل هذا الشيوعي الملحد في الدول الشيوعية واحدة بعد الأخرى كما مرّ معنا فابتعد عنها كلها عندما تبنت سياسات اقتصادية أكثر تحرراً، فقد اختلف مع الاتحاد السوفييتي وحلفائه بسبب سياسات خروتشوف الإصلاحية في أوائل الستينات فأصبح يعتمد اعتماداً كلياً على المساعدات الصينية غير أن الصين كذلك بدأت بعد هلاك ماو تسي تونغ تسير في درب الإصلاح الاقتصادي فوجدت ألبانيا نفسها في عزلة تامة وسط العالم الشيوعي معتمدة على نفسها ومنغلقة على شعبها. ولما توفي أنور خوجه عام ١٩٨٥م خلفه نائبه رامز عليا الذي بدأ حكمه بمواصلة سياسة سلفه أنور الانعزالية لكنه أمام التغيرات التي شهدتها الدول الشيوعية من حوله في السنوات الماضية وكثرة الاضطرابات عليه في الداخل ولجوء كثير من الألبان إلى السفارات الأجنبية في تيرانا عاصمة البلاد وهروب أعداد كبيرة من الألبان إلى إيطاليا عبر البحر اضطر إلى إعلان إصلاحات داخلية وخفف كثيراً من الضغوط على الشعب وسمح بمزاولة الشعائر التعبدية، ثم دعا إلى انتخابات عامة عام ١٩٩١م فاز فيها هو بطبيعة الحال، ثم أجريت انتخابات أخرى هذا العام هزم فيها الشيوعيون فاضطروا لتسليم السلطة للحزب الديمقراطي العلماني. ... ألبانيا اليوم لمن يسبق! ألبانيا لمن سبق فلو سبق النصارى لحولوها إلى نصرانية ولو سبق المسلمون لحافظوا على بقاء الإسلام فيها، هكذا يلخص أحد الدعاة حال ألبانيا اليوم. في أواخر عام ١٩٩٠م وبسبب الانهيار الذي كانت تعيشه الشيوعية سمحت الحكومة بمزاولة الشعائر التعبدية وأعادت إلى المسلمين بعض المساجد التي نجت من التدمير وسارع المسلمون إلى الصلاة فيها. ومع ذلك فالوضع الحالي في ألبانيا سيئ للغاية، وتعتبر ألبانيا أفقر دولة أوربية فهي تعيش حالياً على المساعدات الخارجية التي تأتيها من الفاتيكان وإيطاليا واليونان. ويعاني المسلمون من عدم توفر الكتب الإسلامية والدعاة والمدرسين. ومما عقد المسألة هناك السياسة الشيوعية السابقة التي كانت تزوج المسلمين والمسلمات من المسيحيين والمسيحيات مما جعل البيت الواحد الآن فيه أكثر من دين. سباق المبشرين: وبسبب الأحوال المأساوية في ألبانيا فإن الشباب الألباني يحاول جاهداً الخروج من ألبانيا بشتى الطرق الممكنة وقد استغلت اليونان ذلك ففتحت مكتباً خاصاً داخل السفارة اليونانية في تيرانا لإعطاء الشباب الألباني حق الهجرة إلى اليونان بشرط أن يغير أسمه إلى اسم مسيحي، ويتم تعميده مبدئياً في السفارة على أن يكون التعميد النهائي عند وصوله إلى اليونان. وينشط الفاتيكان في عمل منظم داخل ألبانيا يبدأ بإرسال الوفود التبشيرية وإرسال الصحفيين والمعلمين ويعقدون مؤتمرات أسبوعية يوزعون خلالها الأناجيل والكتب الصليبية باللغة الألبانية مما يوحي بأنهم كانوا مستعدين لذلك منذ مدة. ويقوم الفاتيكان كذلك بفتح المعامل والمتاجر ويوظف فيها الشباب الألباني ويشترط عليهم وضع الصليب في أعناقهم. ثم سارعت الأم تيريزا المتخصصة في تنصير الأطفال بالذهاب إلي ألبانيا وشراء بعض البيوت واسترجاع بعض الكنائس واحضرت معها حوالي ١٠٠ مبشرة ليقمن بتوزيع الأناجيل والكتب التنصيرية والصلبان على الأطفال ثم يقمن بتغيير اسماء الأطفال المسلمين إلى أسماء مسيحية، وقد وعدت الأم تيريزا البابا بتقديم ١٠٠٠٠٠ طفل مسلم يكونون قد تنصروا هدية له عند زيارته الأولى ألى البانيا. ويعمل الفاتيكان حالياً على فتح كلية لتدريس الدين النصراني وتخريج القساوسة ووضع الفاتيكان كذلك خطة لبناء ٢٠٠ كنيسة خلال العامين القادمين مع أن الكاثوليك في ألبانيا لا يتجاوزون ١٠% من السكان. ومن القوى الصليبية التي تعمل هناك السفارة الإيطالية فلها نفوذ سياسي قوي على الحكومة الألبانية بحكم أن إيطاليا كانت تحتل ألبانيا في الماضي. حاجة المسلمين الألبان اليوم: يعاني المسلمون في ألبانيا من الجوع والجهل، فيحتاجون الخبز لسد الجوع والإسلام لرفع الجهل. لقد كان عدد المساجد في ألبانيا قبل الحكم الشيوعي ١٦٠٠ مسجداً، وقد أعادت الحكومة اليوم عدداً قليلاً جداً منها، ويحتاجون اليوم حوالي ٧٠ مسجداً حاجة عاجلة طبقاً لما ذكر الشيخ صبري كوتشي رئيس الجماعة الإسلامية الألبانية في تقرير له كتبه في يناير من هذا العام. ومن أهم ما يجب تركيز العمل من أجله استعادة المساجد التي صادرتها الدولة وحبس الأوقاف عليها وتزويدها بالأئمة والدعاة والمدرسين. ومما سيساعد على إبقاء الإسلام في ألبانيا العناية بمدارس الأطفال لتعليمهم الإسلام واللغة العربية والقرآن الكريم لبناء جيل ألباني مسلم وإقامة المؤتمرات الإسلامية لتوعية الناس بدينهم وإيجاد تيار عام يرجع الناس إلى الإسلام، وطباعة الكتب الإسلامية بلغتهم وتوفيرها مجاناً لهم ثم إقامة مراكز وكليات إسلامية متخصصة تخرج الأئمة والدعاة لكي يقوموا بتشغيل هذه البرامج والإشراف عليها والتوسع في قبول الطلاب الألبان في الجامعات الإسلامية لإعدادهم للقيام بالدعوة هناك. ويجب ألا ينسى المسلمون الاحتياجات الأخرى للشعب الألباني مثل المساعدات الغذائية والعينية فهذا الباب هو الذي يدخل منه المنصرون لتنصير الألبان. مستقبل الأمة الألبانية: لعل أحداث يوغسلافيا خلال السنة الماضية هي أول خطوة على طريق توحيد الأمه الألبانية، فيوغسلافيا تضم أكبر تجمع ألباني خارج ألبانيا حيث يقدر عدد الألبان في يوغسلافيا بأكثر من ثلاثة ملايين ألباني وتفكك يوغسلافيا لا بد أن يصحبه مطالبة الألبان في يوغسلافيا بالانضمام إلى بلدهم الأصلي إما عاجلاً أو آجلاً وسيساعد سقوط الشيوعية في ألبانيا كثيراً على إتمام ذلك. وهذا بلا شك سيسبب مواجهة بين الألبان والصرب، ومواجهة من هذا النوع لن تكون سهلة فقد تستمر طويلاً وتتحول إلى حرب أوربية واسعة، ما لم يتدارك الصرب والأوربيون عموماً ذلك ويسارعون إلى رفع الظلم عن الشعوب المضطهدة في البلقان وعلى رأسهم المسلمين في ألبانيا والمسلمين في البوسنة والهرسك. وإلا فإن مرحلة من الصراعات الجديدة قد تبدأ في البلقان ولا يعلم إلا الله وحده أين ينتهي خاصة أن حروباً عالمية كانت شرارتها الأولى في البلقان. وما مطالبة المسلمين الألبان في كوسوفو بالاستقلال أو الحكم الذاتي التى بدأت العام الماضي إلا مرحلة أولى للانضمام إلى ألبانيا هذا الانضمام الذي سيكون مسألة طوال الفترة القادمة، والمقلق أنه لا توجد دولة واحدة في البلقان توافق على وحدة الأمة الألبانية لأن هذا سيجعلها قوة كبرى مؤثرة في المنطقة ثقافياً وسياسياً ودينياً، فمن المتوقع أن تطالب بإقليم شامريا الألباني الذي تحتله اليونان وأن يعود إليها مئات الآلاف من الألبان المهاجرين من كل مكان. ومعظم الألبان خارج ألبانيا اليوم موجودون في يوغسلافيا ففي إقليم كوسوفو الذي يخضع لحكم الصرب المباشر يوجد مليونان من الألبان ويشكلون ٩٢% من سكان الأقليم الذي يحكمه الصرب وحوالي ٨٠٠ ألف في مقدونيا وحوالي ٣٠٠ ألف في جمهورية الجبل الأسود. وينتشر الألبان كذلك في معظم بلاد البلقان خاصة اليونان، ويوجد مجموعة منهم هاجروا إلى تركيا من يوغسلافيا بتواطؤ بين تيتو ومصطفى كمال وقد عرفوا في الغالب في هذه المناطق بشدة تماسكهم وصعوبة ذوبانهم في المجتمعات المسلمة مثل البوسنة والهرسك حيث يفضلون العيش في جماعات صغيرة منغلقة. وقد نجح الألبان في الماضي كثيراً في التفوق على ظروفهم الصعبة بطريقة فريدة فهم رغم التشتت والتفرق والهجرات أقاموا بينهم روابط تنظيمية متينة لا مثيل لها، ومن المتوقع أن يلعب ألبان كوسوفو دوراً هاماً على صيد الوحدة الألبانية فتاريخياً كوسوفو تمثل مركز القيادة الألبانية وكثير من الزعماء والقادة الألبان جاؤوا من كوسوفو وهم منذ سنة يعيشون انتفاضة قوية ضد الصرب ودخلوا معهم في مواجهات دموية قاسية. إن معطيات الأحداث اليوم وتاريخ هؤلاء القوم يولد نتيجة حتمية مؤداها أن القوم سيتحركون على كل صعيد لبدء خطوات عملية في سبيل إعادة دولتهم الموحدة. المصادر: (١) المسلمون تحت، السيطرة الشيوعية، محمود شاكر، المكتب الإسلامي. (٢) جريدة الحياة ٨ اغسطس ١٩٩١ م. (٣) The World TodayJune ١٩٨٥. (٤) دائرة المعارف البريطانية. (٥) مجلة البيان عدد ٥.

стр. 1141

ليبيا بين إرهابين محمد بن حامد الأحمري (إذا اختلف اللصان ظهر المسروق) وذلك مثل القذافي والدول الغربية، فليس أسوأ من جنون القذافي وعدوانه على ممتلكات الناس وحرياتهم إلا الغرب في تعامله مع العالم، يزرعون الرعب والجور، وينصرون اليهود، ويغضون الطرف عن جرائمهم، ويجعلون شعباً كالشعب الليبي يضع يده على قلبه ويرقب الساعة التي تدك فيها طائراتهم طرابلس أو سواها كما حدث في عام ١٩٨٦م. إن الشعب الليبي لا شك هو الضحية، وهو الذي صودرت حرياته وبددت ثروته، وهجر كثير من أبنائه بحثاً عن الحرية لدينهم، أو التماساً لفرص حياة مستقرة بعيداً عن المسرح الجنوني الذي يديره القذافي كل يوم منذ ثلاث وعشرين سنة، وقد قال أحد المواطنين الليبيين يصف الحال الذي عاشته البلاد: (إن الآخرين لا يتصورون مدى معاناتنا، إننا شعب يعيش في عذاب يومي منظم من الصباح حتى المساء) ، وهذه الكلمة المعبرة تكاد تختصر تاريخ القذافي ومفاجأته الدائمة، أصيب بعقدة العظمة والكبرياء، فسمى جمهوريته بخمسة أسماء، وغير التاريخ الهجري والميلادي، وغير أسماء الشهور، ولما قل المال بيده جعل الشهر خمسة وأربعين يوماً، ورأى نفسه إماماً للمسلمين، وأيضاً فيلسوفاً للنظرية العالمية الثالثة، وطبع ملايين النسخ من الكتاب الأخضر، وأنشأ معاهد لدراسته، وجعله ثقافة للشعب الليبي، وبدد الملايين من الدولارات في أفريقيا وغيرها حتى يدرس الناس أفكاره، وكتب الكتاب على الصخور، وأمر بدفنه في الصحارى، حتى إذا جاءت قرون متأخرة وجدت هذا الفكر الغريب محفوظاً لها. ولا يتسع المجال لشرح عقدة الكبر والعظمة عنده، فهي مسألة إجماع لمن علم أحوال هذه البلاد، ويكفي نموذجاً لذلك أنه يمنع نشر أسماء الوزراء وممثلي اللجان الشعبية ولاعبي كرة القدم حتى لا يشتهروا فينافسوه الشهرة. وأمر آخر يهم المسلمين إدراكه في قصة القذافي مع الدول الغربية، أن الحصار الجوي المفروض الآن - وربما أي حصار قادم يراد فرضه على القذافي - لا يمس شخصه، ولكنه الضرر البالغ يقع على الشعب ويزيد من آلام الناس وسوء حالهم، ولن يشعر به القذافي وحاشيته، واللص الثاني يدرك عمق هذه التصرفات فإذلال الشعوب وإقناعها (إقناع كل أفرادها) بأن الغرب هو الذي يجب أن يطاع وأن تخضع له القلوب والعقول من الشعوب قبل الحكام، تلك رسالة مهمة يرجو المحاصرون إيصالها إلى أعماق كل محاصَر، حتى لا يفكر في يوم من الأيام بمخالفة السادة هناك. أما معمر القذافي فإنهم حين يثقون بالمعارضة فعلاً وأنها قادرة ومضمونة من أي توجه إسلامي فلربما حسموا من خلالها أمرهم مع القذافي. والمسألة الإسلامية في قضية ليبيا ذات بعد يجدر بالمسلمين وعيه وألا يلدغوا من نفس الحجر مرات عديدة، لقد جعل القذافي من نفسه محارباً للإسلام والمسلمين بلا هوادة، وألقى عليهم الألقاب اللاذعة القذرة التي لا يقولها إلا لسان فج كلسانه سماهم (الكلاب الضالة) وسماهم إخوان الشياطين، لكنه لما حوصر تذكر الإسلام وغازل العدو بقوله أنه وقف وما زال ضد الأصولية والأصوليين متملقاً للغربيين بهذه الكلمات التي تعني: أبقوني بالله عليكم وسأحارب الإسلام كما تريدون، ثم هدد مرة أخرى وقال بأسلوب تملق طفولي غريب: إن الأصوليين والجماعات الأصولية عرضت علي أن أكون قائداً لها لأنه ينقصها وجود قيادة، وقال إنه رفض هذا العرض. ثم كانت خاتمة المطاف في صلاة عيد الفطر عندما خطب الناس في العيد وقال إنه سيعلن الخلافة الفاطمية في ليبيا، نفسها طريقة واحدة للمستبدين يفهمون الإسلام وسيلة للاستمرار والسخرية بالجماهير الساذجة، يحارب الإسلام طوال حياته وبكل وسيلة حتى إذا خاف الغرق ذكر الله كاذباً لا مخلصاً له الدين، ولكن واستمراءاً للعبة المداورة والعبث والنفاق للغرب مرات عديدة والكذب على الساذجين في عالمنا المسكين. إن الغرب اليوم يلعب على أكثر من حبل بديل منها الجبهة ومنها ورثة السنوسية ومنها ضباط القذافي، وشرط الوراثة البعد عن الإسلام الذي يسميه الغرب الأصولية. وليس للشعب أي حق في اختيار من يرث القذافي، حقه فقط كالشعوب العربية الأخرى أن يرقب الجلاد من الداخل متى سيجلده، أو يهدده أو يغتصب ماله أو يمارس عملاً جنونياً مريعاً، وأن يرقب اللص الخارجي متى يرسل عليه صاروخاً قاتلاً أو مستبداً وريثاً، أو أن يقطع عنه الطعام والشراب ويحرمه حق التنقل ويغلق عليه السبل. لله ما أعجب هذه الشعوب المسلمة المسلوبة كل حق إلا حق توزيع التملقات لكل قادم ومستبد، يصب المتسلطون العذاب على الرؤوس فما تحير جواباً، وإذا خلت هذه الجموع إلى نفسها عاذت بالبكاء على حظها العاثر وحزنها المقيم، تتهامس وتتخافت بالإشارة إلى اللص الأول مرة، وإلى الثاني مرة، ولكن الهوان أوهى العظام، وقعد بالهمم وهلعت النفوس فما تطيق حراكاً ففي داخل البلدان همس وشكوى وزفرات خافتة ويد مكبلة أو يتوهم صاحبها أنها مكبلة، وفي الخارج السنة طويلة وكلام كثير. وإذا لم يزُل هذا الظالم رغم ذله وانتهاء قدرته فمتى يزيل الناس عنهم الظلم؟ وإن وقوف الشعب يتساءل: ماذا يريد القذافي من جهة، وماذا تريد به الدول الغربية من جهة أخرى، لموقف محزن.

стр. 1142

الركن الاعلامي أخبار قصيرة - أعلن الرئيس الأذربجاني الجديد (يعقوب محمد) حملة تطهير في أوساط المسؤولين المشتبه بانتمائهم إلى الحزب الشيوعي ممن ما زالوا يشغلون مناصب حكومية على شتى الأصعدة، وقال (حيدر أوغلو) أحد زعماء الجبهة الشعبية: إن هناك مؤامرة لجعل (قره باغ) فلسطين ثانية، ولتشجيع أرمينيا لتصبح إسرائيل ثانية في المنطقة، فالسيناريو نفسه يتكرر هنا. الشرق الأوسط ٧/ ٩/ ١٤١٢ - اتهم مسؤول أذربجياني (مرتزقة من لبنان وسوريا) بممارسة التعذيب والمشاركة في مجازر دموية ضد الأذربجانيين. ويتهم الأذربجانيون موسكو بممالأة الأرمن في عملياتهم ضد القرى والمدن الأذربجانية في قره باغ وقيل إن القوات (السوفياتية سابقاً) والمرابطة في المنطقة تشارك إلى جانب الأرمن. الشرق الوسط ٤ مارس ١٩٩٢ - ذكر تقرير من قازان عاصمة تتارستان أن الشعوب المسلمة في روسيا شكلت جبهة موحدة للعمل من أجل الحصول على استقلال ذاتي أكبر عن موسكو سياسياً وثقافياً، ويضم الاتحاد الروسي حوالي ٢٣ مليون مسلم، وأدى تفكك الاتحاد السوفييتي السابق إلى بقائهم في روسيا في عدة من الجمهوريات ذات الاستقلال الذاتي في مناطق تمتد من شمال القوقاز إلى سيبيريا وجاء تشكيل هذه الجبهة بمبادرة من الجبهة الشعبية التتارية التي نظمت في وقت سابق المؤتمر الإسلامي العام للشعوب المسلمة، في روسيا وقد حضر ذلك المؤتمر ٤٠٠ مندوب، وقالت مندوبة الجبهة: لقد نال الشعب الروسي حريته من الدكتاتورية الشيوعية وعليه أن يفهم بأننا نطالب بحريتنا.. وأن يسمح لنا بممارسة حقنا في تقرير مصيرنا. ١ مارس ١٩٩٢ - في حديث لمستشارة (الرئيس الروسي يلتسن: ستارونو تيوفا) لصحيفة الحياة إبان عقد اللقاء العالمي الخاص (بإحياء الإسلام في بطرسبرج) قالت: لتفادي انهيار الدولة الاتحادية الروسية ينبغي على الحكومة إيجاد لغة مشتركة مع ممثلي الطوائف الإسلامية، وأضافت بأن الإسلام يجمع بين الدين والديمقراطية. والمعروف بأن عدد المسلمين في هذه المدينة يناهز المائة ألف شخص عرفوا بتمسكهم بإسلامهم، وقبل الثورة الشيوعية ١٩١٧ كان يصدر بها أربع صحف إسلامية. الحياة ١٩ فبراير ١٩٩٢ - في مقابلة مع جريدة واشنطن بوست دعا (نكتور ميكيلوف) وزير الطاقة النووية الروسي إلى التعاون مع أمريكا لمواجهه ما أسماه بالخطر النووي الإسلامي وقال: بعد انهيار الاتحاد السوفييتي سيتغير العالم الإسلامي كثيراً، وسيحاول العالم الإسلامي بالذات توحيد قواته وبناء قدرات عسكرية نووية. الأسبوع ٢٥/٢/١٩٩٢ - تصدر الآن في موسكو (نشرة الأنباء الإسلامية) باللغة الروسية وتوزع على كافة المناطق الإسلامية في روسيا وجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، وفي لقاء لصحيفة الشرق القطرية مع رئيس تحريرها: (سعيد بله طالب) ذكر أن فكرة إصدار هذه المجلة قد صاحبت مناخ النهضة الإسلامية وحرية العقيدة التي كفلتها (البيرسترويكا) لكافة الأديان على أراضي الاتحاد السوفييتي السابق وقال: إننا نبغي نشر المعرفة الحقة والصحيحة عن الإسلام وتعاليمه بين المسلمين الروس الذين يقدر عددهم ١٢ مليون نسمة من إجمالي السكان ومن ثم إبراز القيم الإسلامية السمحة أمام أصحاب الديانات الأخرى وخاصة المسيحية التي تشكل أكثرية في الشعب الروسي مع توعية المسلمين ومعالجة التصورات الخاطئة لديهم، واسم الصحيفة إسلامكى فينسينك (الأنباء الإسلامية) . - أعلن صابر مراد رئيس جمهورية تركمانستان أن خبرة ٧٠ عاماً في بناء الشيوعية أظهرت أنه من المستحيل جعل كافة الناس أغنياء بدرجة متساوية في الوقت الذي تحولوا كلهم إلى فقراء وعلل حل الأحزاب الشيوعية في تركمانستان والدول المستقلة بخيبة الأمل من الأيديولوجيا الماركسية ولا بد من الاعتراف بأن الشيوعية هي أكبر خرافات القرن العشرين. الحياة ٢٣ / ٢ / ١٩٩٢

стр. 1143

كتب - وثائق - مذكراتْ - إصدارات ربما تكون الحرب الآتية مع العدو الصهيوني حول المياه وقد صدرت عدة دراسات علمية حول الموضوع منها: - الأمن المائي العربي / تأليف حسن العبد الله من منشورات مركز الدراسات الاستراتيجية والبحوث والتوثيق. حيث يتناول بالدراسة والتحليل مشكلة المياه في منطقة الشرق الأوسط التي باتت تشكل عنصراً من أهم العناصر في الصراع العربي الإسرائيلي الذي اتخذ سابقاً شكل الصراع المسلح ويتخذ حالياً شكل الصراع السياسي. والمؤلف يحاول جمع عناصر المشكلة ومقوماتها وتتبع تطوراتها مع التركيز على المحاور الرئيسية وما يتهدد الثروة المائية العربية من أخطار، وأشار الكاتب بأن أهمية المياه ستفوق أهمية النفط في المستقبل مع أن الدول العربية لم تعط هذا الجانب الأهمية اللازمة إذ اقتصرت اهتماماتها على الجوانب السياسية والأمنية. ووضح المؤلف أهمية مشكلة الأمن المائي العربي وأنه مسألة خطيرة وحساسة ويجب معالجتها بجدية وحذر في آن واحد لارتباطها بالأمن الغذائي، وقد حذر من الأطماع اليهودية التي تتحكم بمياه الضفة الغربية وغزة والجولان وأنه لم يفلت من نفوذها سوى نهري الليطاني واليرموك وأي محاولة في ذينك النهرين ستكون وبالاً على الأمن والسلام في المنطقة. الشرق الأوسط ٤٨٥٣٧ - الحصار: غباء وأخطاء السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط تأليف: جون كولي: الكتاب يحلل وقائع مداخلات أمريكا في الشرق الأوسط، ويغطي الأحداث التي وقعت خلال السنوات الحرجة (١٩٧٩-١٩٩١) أي منذ سقوط الشاه وحتى اندلاع حرب الخليج الأخيرة، يوضح أن الدول الغربية وفي مقدمتها أمريكا وقعت في أخطاء فادحة بالمنشة بسبب ما سماه بسوء الفهم الأمريكي حيال المواقف الرسمية من الصراعات العرقية والدينية والسياسية، ويتحدث باستفاضة عن مسألة احتجاز الرهائن الأمريكيين في طهران وما رافقها من التباسات وما نجم عنها من انعكاسات على العلاقات الأمريكية الإيرانية، ثم التورط العسكري في لبنان والضربات الموجعة التي تلقتها أمريكا من تدمير مركز مشاة البحرية الأمريكي، ويواصل استعراض الأحداث الأساسية التي وقعت في المنطقة وصولاً إلى قيام حرب الخليج. والكاتب لا يخفي تعاطفه مع السياسة الأمريكية في محطاتها المختلفة في المنطقة لكنه يعتبر أن أخطاء كثيرة وقعت أعاقت هذه السياسية وجعلتها محل الشك حتى من قبل أصدقائها! ! وأدى بها إلى كره متنام من قبل أعدائها. الحياة ١ مارس ١٩٩٢

стр. 1144

الركن الاعلامي إحصاء - نشرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تقريراً يشير إلى أن الأمية لم تعد محصورة في العالم الثالث بل تنتشر أيضاً في عدد من الدول المتقدمة في أوربا، وقال التقرير بأن في أوربا ملايين الأميين الذين يشكلون مصدر تهديد للدور الاقتصادي لبلدانهم، وينتقد التقرير الدول الأوربية لعدم توفيرها برامج تدريبية كافية للكبار ولمساعدة العمال في تحسن مهاراتهم، ويستشهد بأمثلة خطيرة تشير إلى حجم المشكلة وخطورتها.. ففي مصنع للورق في السويد هناك ٧٠٠ عامل نصفهم بحاجة إلى تدريب جيد لا يعرف مائة منهم القراءة والكتابة. وفي ألمانيا يعاني ٣ ملايين شخص من الأمية الفعلية وفي فرنسا فإن واحد من كل خمسة أشخاص من مجموع ٥٠٠ألف شخص تم استدعائهم بين عامي ١٩٩٠-١٩٩١ للخدمة العسكرية لم يقدر على قراءة نص من ٧٠٠ كلمة، وفي وقت قريب كانت دول أوربية كثيرة منها السويد وفرنسا تزعم بأن المهاجرين القادمين إليها وحدهم هم الأميون، وحاولت بريطانيا مكافحة الأمية بتنفيذ برامج خاصة لتعليم الكبار القراءة والكتابة، إلا إنها انهارت عندما توقفت الحكومة عن تمويلها. الشرق الأوسط ١ مارس ١٩٩٢ - خصصت السعودية ٣ مليارات ريال سعودي للإنفاق على البحث والمحافظة على الآثار الموجودة في مناطق متعددة ويبلغ عدد المتاحف السعودية ٩ متاحف وتكلفتها ١٢٠ مليون ريال سعودي. - كشفت (اسكوتلانديارد) في تقريرها السنوي ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات الجريمة في بريطانيا خلال عام ١٩٩١م وقد ارتفعت معدلات الجريمة إلى أكثر من ٩٢٥٠٠٠ جريمة خلال عام ٩١ أي بنسبة ١٠. ٩ % وتوقعت أن معدلات الجريمة ستستمر في الارتفاع طوال العام، وبانتهاء عام ١٩٩٢ ستتخطى معدلات الجريمة رقم المليون. وقد بدأت دوائر الشرطة وضع سياسات حازمة لمواجهة ارتفاع معدلات الجريمة كما بدأت نقابة ضباط الشرطة حملة واسعة ضد الإفراج عن المجرمين بكفالة مالية. - في دراسة علمية نال عليها الباحث محمد شعبان درجة الدكتوراه من كلية الإعلام بجامعة القاهرة عن موضوع المخططات اليهودية للتحكم في وسائل الإعلام لتشويه صورة المسلمين والإسلام ذكر الباحث وجود٣٥ مركزاً إعلامياً يهودياً في عدد من دول العالم وبخاصة في أمريكا وأوربا لإعداد السياسات الإعلامية وتشكيل الرسائل الإعلامية لكافة وسائل إعلامهم في تلك الدول ويقوم عدد كبير من خبراء الإعلام، وتخصص لهذه المراكز ميزانيات تصل إلى مليار و٣٠٠ مليون دولار سنوياً. وتؤكد الدراسة أن هناك ما يقارب من ٤٠٠ محطة تلفزيون أوربية وأمريكية مملوكة لمراكز وجهات وشركات يهودية و١١٥٠ محطة إذاعية و ٢٨٨٠ جريدة ومجلة وأن هناك ما يقرب٤٩٠ دار نشر تصدر حوالي ٣ آلاف كتاباً سنوياً بجميع اللغات وأن ٨٧% من الرسائل الإعلامية وسائل الإعلام المملوكة لهذه الجهات موجهة للإسلام والمسلمين مستخدمة الدعاية غير المباشرة ضدهم مثل دعوى أن الإسلام ضد التقدم ويدعو للعنف تتردد في ٥٩% من الرسائل الإعلامية تلك وفي مجال الإذاعة تبث يومياً ١١٣٦ ساعة من المواد الإذاعية اليهودية الموجهة تتضمن مواد إعلامية مشوهة عن الإسلام والمسلمين وهي موجهة إلى ١١١ دولة في مختلف أنحاء العالم. الشرق عدد ١٤٥٦ - أفادت إحصائية ضمن ندوة علمية بمراكش أن ٢٩٥ حالة إيدز قد رصدت في بلدان المغرب العربي منها ٩٨ حالة بالمغرب و ٩٢ حالة بالجزائر و١٠٥ حالات في تونس. البيان ١٣ /٨/ ١٤١٢

стр. 1145

أسرار الختان تتجلى في الطب الحديث د. حسان شمسي باشا [*] لم يكن يخطر ببالي في يوم من الأيام أن أكتب عن الختان.. ولكن الدافع إلى كتابة هذا المقال ما نشرته حديثاً (مارس ومايو ١٩٩٠) أشهر المجلات الطبية الأمريكية عن الختان. فقد يعجب المرء حين يعلم أن ٦١%-هـ٨% من أطفال أمريكا يُختنون بعد الولادة.. واليهود في أمريكا قلائل.. وكذلك المسلمون.. فنصارى أمريكا إذن يختتنون.. لماذا هذا؟ ونحن نعلم أن النصارى لا يختتنون؟ .. ونعلم أيضاً أن أوربا المسيحية كانت تعادي الختان.. وحين قرأت أن أشهر أطباء الأطفال في أمريكا ينادون بضرورة إجراء الختان روتينياً عند كل مولود، قلت في نفسي: الحمد لله الذي أظهر لهم فوائد خصلة من خصال الفطرة، أخبرنا عنها الرسول ﷺ . وبقراءة ما نشر في موضوع الختان في المجلات الطبية الحديثة فكان هناك ما يربو على مئة مقال، نشرت جميعها في السنوات القليلة الماضية في أشهر المجلات الطبية الأمريكية والعالمية. الختان في الأديان السابقة: جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «اختتن إبراهيم وهو ابن ثمانين بالقَدّوم» . وقال ابن القيم: (وقد روي أن إبراهيم كان أول من اختتن، واستمر الختان بعده في الرسل وأتباعهم حتى في المسيح فإنه اختتن، والنصارى تقر بذلك ولا تجحده، كما تقر بأنه حرم الخنزير) . واهتم بالختان اليهود على وجه خاص، فقد جاء في سفر التكوين: (هذا هو عهدي الذي تحفظونه بيني وبينكم، وبين نسلك من بعدك، يختن كل ذكر) . ويبدو أن الختان مشروع في النصرانية إلا أن النصارى قد حرفوا نصوص كتابهم وأعرضوا عن تعاليمه، فقد ورد ذكر الختان في إنجيل برنابا: (أجاب يسوع: الحق أقول لكم إن الكلب أفضل من رجل غير مختون) . الختان في الإسلام: وردت في السنة النبوية عدة أحاديث عن الختان، فقد أخرج البخاري ومسلم في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط. وروى الإمام أحمد حديث شداد بن أوس مرفوعاً: (الختان سنة للرجال مكرمة للنساء) . ماذا يقول علماء طب الأطفال في أمريكا عن الختان؟ كتب البروفسور Wisewell - وهو رئيس قسم أمراض الوليدين في المستشفى العسكري بواشنطن - مقالاً في مجلة American Family Physician في عدد آذار (مارس) ١٩٩٠ جاء فيه: (لقد كنت في عام ١٩٧٥ من أشد أعداء الختان، وقد شاركت في الجهود التي بذلت حينئذ للإقلال من نسبة الختان. إلا أنه في بداية الثمانينات أظهرت الدراسات العلمية ازدياداً في نسبة التهاب المجاري البولية عند الأطفال غير المختونين. ومع ذلك فلم أكن أقترح آنئذٍ جعل الختان روتينياً. ولكن.. وبعد تمحيص دقيق وإجراء دراسة موضوعية للأبحاث والدراسات التي نشرت في المجلات الطبية عند الختان.. فقد وصلت إلى نتيجة مخالفة.. وأصبحت من أنصار جعل الختان أمراً روتينياً يجري عند كل طفل. وليس هذا فحسب بل إن التقرير الذي أصدرته عام ١٩٨٩ الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال قد جاء مخالفاً للتقرير الذي صدر عام ١٩٧٠، وتراجع عن عدائه للختان. وأكد حديثاً الفوائد الطبية العظيمة للختان عند الأطفال..) . أجل لقد تغيرت مواقف وآراء.. وتراجع الذين كانوا من أشد الناس عداوة للختان.. وأصبحوا من أكثر الناس حماساً له. عادت الفطرة البشرية لتثبت نفسها من جديد إنها الفطرة التي لا تتغير على مر العصور: [فِطْرَتَ اللهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا] . وختم البروفسور مقاله الشيق بالقول: (وفي يوم ٨ آذار ١٩٨٨ صوّت أعضاء الجمعية الطبية في كاليفورنيا بالإجماع على أن ختان الوليد وسيلة صحية فعالة. لقد تراجعت عن عدائي الطويل للختان، وصفقت مرحباً بقرار جمعية الأطباء في كاليفورنيا) . الختان ونظافة الأعضاء الجنسية: كتب الدكتور (شوين) في مقالته الرئيسية في مجلة England New ... Medicine of Journal عام ١٩٩٠ يقول: (لا شك أن ختان الوليد يسهل نظافة الأعضاء الجنسية على مدى العمر وفي مختلف الظروف البيئية. فالختان يمنع تجمع الجراثيم الممرضة تحت القلفة في فترة الطفولة. ويقول الدكتور (شوين) - وهو من أشهر أطباء الأطفال في العالم - مؤكداً أهمية نظافة المناطق الجنسية في الوقاية من سرطان القضيب: (إن الحفاظ على نظافة جيدة في المنطقة الجنسية أمر عسير، ليس فقط في المناطق المتخلفة من العالم بل حتى في دولة كبرى ومتحضرة كالولايات المتحدة التي تضم العديد من الأعراق مع اختلاف شائع في العادات والتقاليد الاجتماعية، وحتى في بلد متحضر أصغر، غالبية سكانه من عرق واحد، فإن الأدلة العلمية تشير إلى أن العناية بنظافة الأعضاء التناسلية ما تزال سيئة. ففي دراسة أجريت على أطفال المدارس البريطانيين غير المختونين، وجد أن العناية بنظافة الأعضاء الجنسية سيئة عند ٧٠% من هؤلاء الأطفال. وفي دراسة أخرى من الدانمارك، يتبين وجود التصاقات في القلفة عند ٦٣% من الأطفال غير المختونين في سن السادسة من العمر) . هذا ما يؤكده رئيس فريق علمي كبير في أمريكا نهض لبحث أمر الختان. لقد أتى الإسلام بدواء لهذا المشكلة، إنه الختان الذي أرشدنا إليه رسول الإنسانية - ﷺ . قال تعالى: [فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا] [الروم: ٣٠] . الختان والتهاب المجاري البولية: أكد عدد من الدراسات العلمية الحديثة التي نشرت عام ١٩٨٩ أن احتمال حدوث التهاب المجاري البولية عند الأطفال غير المختونين يبلغ ٣٩ ضعف ما هو عليه عند المختونين. ففي دراسة أجريت على أكثر من ٤٠٠ ألف طفل وطفلة وجد البروفسور (ويزويل) ارتفاع نسبة التهاب المجاري البولية عند الأطفال الذكور نتيجة لحدوث الالتهاب عند الأطفال غير المختونين. وقدر الباحثون أنه لو لم يجر الختان في الولايات المتحدة، فستكون هناك عشرون ألف حالة أخرى من التهاب الحويضة والكلية. وتقول مجلة اللانست البريطانية الشهيرة في مقال نشر عام ١٩٨٩: (إن ختان الأطفال في الفترة الأولى من العمر يمكن أن يخفض نسبة التهاب المجاري البولية عند الأطفال بنسبة ٩٠%) . الختان وسرطان القضيب: نشرت المجلة الطبية البريطانية B.M.J عام ١٩٨٧ مقالاً عن هذا المرض جاء فيه: (إن سرطان القضيب نادر جداً عند اليهود، وفي البلدان الإسلامية حيث يجري الختان أثناء فترة الطفولة) . وسرطان القضيب مشكلة هامة في عدد من بلدان العالم فهو يشكل ١٢ - ٢٢ % من كل سرطانات الرجل في الصين وأوغندا وبوتوريكو. ونشرت مجلة المعهد الوطني للسرطان دراسة أكدت فيها أن سرطان القضيب ينتقل عبر الاتصال الجنسي، وأشارت إلى أن الاتصال الجنسي بالبغايا يؤدي إلى حدوث هذا السرطان. ونشرت المجلة الأمريكية لأمراض الأطفال Am.j.DIS.Child حديثاً مقالاً جاء فيه: (إن الرجل غير المختون يعتبر معرضاً للإصابة بسرطان القضيب، في حين يمكن منع حدوثه إذا ما اتبع مبدأ الختان عند الوليدين) . نعم.. هذا ما يقرره علماء الطب اليوم، وهذا ما قرره الإسلام منذ أربعة عشر قرناً! الختان والأمراض الجنسية: جاء في مقابلة مجلة New England Journal of Medicine المنشور عام ١٩٩٠ (إن الختان قد ساعد على منع حدوث التهابات الحشفة والوقاية من حدوث الأمراض الجنسية عند الجنود الأمريكان إبان الحرب العالمية الثانية وخلال حرب كوريا وفيتنام) . وأكدت دراسة حديثة من استراليا وجود ازدياد واضح في حدوث أربعة أمراض جنسية عند غير المختونين، وهي الهربس التناسلي Genital Herpes وداء المبيضات Candidiasis، والسيلان Gonorrhea، والزهري Syphilis. الختان ومرض الإيدز: (الختان يقي من مرض الأيدز) ذاك هو موضوع مقال نشر حديثاً (١٩٨٩م) في مجلة Science الأمريكية. فقد أورد المقال ثلاثة دراسات علمية أجريت في أمريكا وأفريقيا. وأكدت هذه الدراسات انخفاض نسبة الإصابة بمرض الإيدز عند غير المختونين) . أليس هذا بالأمر العجيب! ! فحتى أولئك الذين يجرؤون على معصية الله بالشذوذ الجنسي يجدون خصلة من خصال الفطرة يمكن أن تدفع عنهم غائلة هذا المرض الخبيث. ولكن لا يظننَّ أحد أنه إن كان مختوناً فهو في مأمن من داء الإيدز.. فهو يحدث عند المختونين وغير المختونين، وإن كانت نسبة حدوثه أقل عند المختونين. وهكذا تثبت الأبحاث العلمية أن ما جاء به المصطفى هو الحق، وأنه لا تبديل لفطرة الله التي فطر الناس عليها.

стр. 1146

منتدى القراء اللكنوي وابن تيمية راشد آل عبد الكريم لقد قرأت ما كتب الأخ محمد عبد الله آل شاكر في العدد ٤٩ من عرض لكتاب (إمام الكلام) وقد عجبت لما كاله الكاتب للمؤلف وكتابه من المديح مع عدم التنبيه على هفواته الشنيعة في كتابه هذا وكتبه الأخرى التي تبين شخصية المؤلف وعلمه وعقله. ولتوضيح ما أقصد أقول إن للمؤلف - عفا الله عنه ورحمه - حاشية على كتابه (إمام الكلام) - وهذه ذكرها الكاتب - تهجم بها المؤلف اللكنوي على أئمة أعلام بكلام يبعد جداً أن يكون منصفاً لمن لا يخالفه في الرأي - كما ذكر الكاتب. انظر إلى هجومه الظالم على الأئمة: ابن تيمية وابن القيم والشوكاني حيث يقول في حاشيته غيث الغمام ص ٦٥: (.. لا يقول بكون حديث أبي بكرة وأمثاله مجملاً متشابهاً إلا من هو خفيف العقل كابن القيم وأضرابه وابن تيمية وأشياعه والشوكاني وأنصاره..) ! ! ثم ينبز هؤلاء الثلاثة بأنهم: (خفيفي الأحلام) ثم يذكر - غير المقلد هذا - بعد أسطر كلاماً عن بعض العلماء يذكرون فيه ذلك عن هؤلاء الأئمة! ! ثم ينقل كلاماً في ذم شيخ الإسلام ابن تيمية (انظر ص ٧٤-٧٥) وقصص ونقولات متهافتة ينقض آخرها أولها ويترك (غير المتعصب هذا!) كتب الشيخ وعلمه وعقله وتحقيقه مكتفياً بما قاله من سبقه (فيقلدهم) في ذلك: ويقول عن شيخ الإسلام: إن علمه أكبر من عقله! ! .. سبحان الله! ابن تيمية صاحب (درء تعارض العقل والنقل) وصاحب (الاستقامة) و (الجواب الصحيح) وسالك (منهاج السنة) وغيرها من الكتب يقول عنه هذا - عفا الله عنه - إن علمه أكبر من عقله، وإنه خفيف العقل؛ ولا أظن كل تآليفه تبلغ شيئاً أمام مصنف واحد لابن تيمية؟ ! والحق أن من يحكم - بعلم - بين اللكنوي وخصومه هؤلاء لا يجد بداً من أن يقول: إن كان هناك أحد يستحق أن يقال فيه أن علمه أكبر من عقله فهو اللكنوي نفسه - عفا الله عنه. ومع ما في كتبه من الفوائد إلا أنها لو جمعت كلها لم تكن شيئاً عند مؤلفات شيخ الإسلام التي نصر الله بها السنة قديماً وحديثاً، وكانت كصاحبها شجى في حلوق أهل البدعة والتعصب والتقليد الأعمى. كتبت هذا - والله يعلم - لا أقصد الغض من الشيخ اللكنوي، فأنا ممن قرأ بعض مؤلفاته، واستفاد منها، كالأجوبة الفاضلة، والرفع والتكميل، وإقامة الحجة، وإمام الكلام، ولكن إحقاقاً للحق بالدفاع عن الأئمة الأعلام، ولتبيين بعض الأمور عن شخصيته ﵀ حتى لا ينخدع بكلامه أحد. وفي الختام اسأل الله الكريم أن يغفر للشيخ اللكنوي خطأه، ويثيبه على اجتهاده، وجميع علماء المسلمين، وأن يحشرنا وإياهم في زمرة سيد المرسلين - ﷺ .. والله أعلم.

стр. 1147

بريد القراء * الأخ عبد الصمد محمد قارى نرحب بمشاركتك، فكرة قصيدتك جيدة، ولكن تحتاج إلى إقامة الوزن، حبذا لو عرضت إنتاجك الشعري على خبير بالشعر، وسوف ننشر ما يكون صالحاً بإذن الله. وشكراً لكم على ثقتكم. * الأخ أبو عبد الله المطرفي قصيدتك جيدة، وسوف ننشرها في المستقبل، لسبب تراكم كثير من القصائد التي وصلت قبلها، وشكراً لك على ثقتك بنا، ونرجو مواصالة المشاركة. * الأخ طه جبر أرسل رسالة أشاد فيها بالمجلة وببعض المقالات فيها كمقالات الدكتور أحمد إبراهيم خضر عن علماء الاجتماع والعداء للصحوة الإسلامية، ويشكو من عدم وصول المجلة لمدينته ويعد بالمشاركة. ونحن نرحب بالأخ طه جبر ومشاركته، ونسأل الله أن نكون عند حسن ظنه وظنون القراء الكرام ونرجو أن يتهيأ للمجلة أن تصل إلى كل من يحب قراءتها. * الأخ ظافر الدوسري أرسل لنا أنه أحد المعجبين والمتابعين لقراءة المجلة شهرياً لما تتضمنه من مقالات ومواعظ وشعر ممتاز ونقل لأخبار المسلمين، ويطلب منا أن نكتب عن أحوال المسلمين في يوغسلافيا وسيريلانكا. البيان: نشكرك على اهتمامك، وقد كتبنا شيئاً عن يوغسلافيا، ونرجو أن يتيسر لنا المزيد من ذلك ومن الكتابة عن أحوال المسلمين في سيريلانكا. * الأخت أم أسماء نشكر لكم ملاحظتك القيمة على القصيدة المنشورة في العدد ٤٨ ومما جعلنا نمرر ذلك أننا فهمنا قصد الشاعر أنه يعني الرجال أصحاب الموقف. * الأخ محمد بن ظافر الشهري: نشكركم على رسالتكم والنصح الوارد فيها، ونحن نرحب بكل اقتراح ونصح يأتي من القراء، ونسأل الله العون على تطبيق النافع من ذلك، نرجو منكم دوام المشاركة. هذا ونعتذر عن الأخطاء المطبعية التي وردت في قصيدة (من كابل إلى القدس) في العدد (٤٨) ، نعيد الأبيات التي وردت فيها تلك الأخطاء مصححة وهي: وقيل لها فَلَمْ تسمع لقولٍ ... يُحذِّرها ولم تَقْبل عتابا لَئِنْ سُمنا جَحَافِلَكُم عذاباً ... فإن إلَهنَا أقسى عِقابا هي الإكسير إن دارت رَحَاها ... يعودُ كُهُولُنا فيها شبابا نُسيل دِماءهُ وَعداً علينا ... ونجعلُها لأفْرُسِنا خِضَابا أتى دُباً يُزَمجرُ فانبرينا ... لهُ حتى طَرَدْناهُ ذُبَابا فإن سُيُوفَنَا ظمأى جياعٌ ... تُحبُّ الهامَ منك والرقابا * الإخوة الذين يبعثون إلينا بإنتاجهم الشعري لنشره: هناك كمية كبيرة من الشعر تردنا لنشرها في البيان ونحن ننشر ما نراه مناسباً وصالحاً. وكثير مما يرد لا يصلح إما لأنه شعر غير مستقيم المعنى وإن كان جيد الموضوع؛ وإما أن موضوعه مبتذل ومطروق؛ أو لأنه شعر مناسبات فات أوانها لا جديد فيه. وسوف ننشر تباعاً قصيدة أو قصيدتين لا أكثر من أفضل ما يصلنا من القراء الكرام. ونطلب من الشعراء أن لا يتعجلوا كتابة الشعر، وأن لا يخوضوا هذا المعترك إلا بعد الاطمئنان إلى وجود الموهبة، والدراسة العميقة الواسعة للشعر الجيد وشروط جودته، وكذلك دراسة النقد الأدبي الذي هو بمكانة الحارس لهذا المجال. * من الأخت منيرة محمد جاءتنا هذه الرسالة: في كل يوم أسمع أخبار الجرائم، وأخبار الأعراض التي تنتهك والأموال التي تسرق، أتساءل: هل جميع ما سمعته قد حدث فعلاً؟ هل صحيح أن الفساد طم وعمّ، وإلى متى يبقى جرحنا ينزف؟ أسئلة كثيرة تدعوني لأقول: أعلى أرض الإسلام تفعل هذه المنكرات؟ ! بماذا نداوي جراح المجروحين؟ ماذا سنقول لمن أجهد نفسه في تربية ابنه وكان يحلم له بمستقبل سعيد ثم يفتش عنه فيجده قد ضاع في عالم آخر ماذا سنقول لنبينا محمد ﷺ الذى قال لنا: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما، كتاب الله وسنتي» إني أوجه كلماتي لأبناء الإسلام ودعاة الإسلام ليقوموا بواجبهم.

стр. 1148

مراجعات في عالم الكتب الكتاب والسنة يجب أن يكونا مصدر القوانين بقلم العلامة: أحمد محمد شاكر تقديم: أحمد بن صالح السيف في وقت تأزمت فيه التبعية في البلاد الإسلامية لقوانين البشر الطاغوتية [أَلَمْ تَرَ إلَى الَذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إلَيْكَ ومَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إلَى الطَّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ ويُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً] [النساء: ٦٠] ، وما زالت الأمة تجر ذيول الهزيمة والتخلف في جميع مجالاته بما جره القائمون على شؤونها، على إثر تخليها وإعراضها عن أمر ربها وابتغائها حكم الجاهلية: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ والرَّسُولِ إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأَحْسَنُ تَأْوِيلاً] [النساء: ٥٩] . حري بنا أن نقدم رسالة في أصلها محاضرة ومشروع قدمه العلامة المحدث الشيخ أحمد شاكر - القاضي الشرعي وعضو المحكمة الشرعية العليا (سابقاً) في مصر ١٣٠٩-١٣٧٧ هـ ﵀ رحمة واسعة، بعنوان (الكتاب والسنة يجب أن يكونا مصدر القوانين) يقدمها كلمة حق في وجه ذلك الادعاء الموبوء الذي تولى كبره آنذاك - الوزير عبد العزيز فهمي - حينما دعا إلى كتابة العربية بالحروف اللاتينية وأتبعه بادعائه المشين ألا وهو (أن التشريع الإسلامي لا يصلح لهذا الزمان) وذلك في حقبة مرة من الزمن والتي ما زال أولئك الأذناب ينبشون هذه الادعاءات بين الفينة والأخرى بصورة أكثر نفاقية ودهاء. سأقف وإياك - أخي القارئ - مع الشيخ في أبعاد طرحه لقضيته: وجوب جعل الكتاب والسنة مصدراً للقوانين، حيث بدأه في تحميل مصر عبء العمل إلى الرجوع والأخذ بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ (نعم ومصر بلد إسلامي وهي تقعد الآن بين الأمم مقعد الصدارة في ممالك الإسلام وإلى ما تصنع ينظر المسلمون في أنحاء الأرض وبها يقتدون فيهتدون أويضلون) في حين أن مصر واقعاً وللأسف قد قادت بقوانينها الوضعية البشرية جل البلاد الإسلامية - العربية - ممن أخذها جملة أو تفصيلاً. والشيخ يتعوذ بالله من أن تضل مصر بعد أن ملكت أمرها واستقلت شؤونها فتحمل إثم العالم الإسلامي كله ورسول الله ﷺ يقول: «من سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» . والله شرع هذه الشريعة الكاملة للناس كافة في كل زمان ومكان بعموم بعثة المصطفى ﷺ وبختم الرسالة والنبوة به وأنها ليست خاصة بأمة دون أمة وأن فيها ما هو ثابت لا يقبل التغيير وما هو جزئي بحسب اختلاف الدهور والعصور. ثم يتناول ﵀ آثار القوانين الوضعية - الأجنبية - في نفوس الأمة، فقد صبغتها بصبغة غير إسلامية: (وإليها يرجع أكثر ما نشكو من علل في أخلاقنا، في معاملاتنا، في ديننا، في ثقافتنا، في رجولتنا، إلى غير ذلك من أمور التربية والتعليم وقضايا المرأة والإعلام) . وبين أن هذه القوانين قد أجرمت في حق الأمة والدين أكبر الجرائم فبثت في كثير من الناس روح الإلحاد والتمرد على الدين أو حمتها وساعدت على بقائها ونمائها. مؤكداً ذلك ببعض الأمثلة من القوانين ومدى مخالفتهما الصريحة للكتاب السنة كجرائم القتل والزنا وغيره.. ثم يطرح الشيخ ﵀ خطة عملية لرجال القانون في مصر وممن يسير على خطاها للعمل مع العلماء بحكم أنهم أصحاب السلطة في البلد وبيدهم الأمر والنهي مع تركهم للتعصب لتشريع الإفرنج وآرائهم جانباً، وموجز الخطة العملية كما يرى الشيخ: (أن تختار لجنة قوية من أساطين رجال القانون كلهم ثم تستنبط من الفروع ما تراه صواباً مناسباً لحال الناس وظروفهم مما يدخل تحت مواعد الكتاب والسنة ولا يصادم نصاً ولا يخالف شيئاً معلوماً من الدين بالضرورة) . ثم يعرض الشيخ نقاشاً مع صاحب الادعاء المشين: (فإني أرجو أن أظهر الناس على مبلغ علم الباشا فيما هو أيسر من ذلك العلم، وهذا الرجل الذي بلغ علمه بالقرآن وباللغة وبعلوم الإسلام ما ترى، والذي أشرب في قلبه قوانين الإفرنج حتى لا يسع غيرها لم يكد يمسك القلم حتى خلق فرصة لا أدري كيف خلقها لإبراز ما يحمل قلبه من ضغن على التشريع الإسلامي ولتقديس قوانين الإفرنج والإشادة بها والذوذ عنها خشية أن يفوز) القائمون بالدعوة إلى تشريع مقتبس من الكتاب والسنة موافق لروح الإسلام وعقائد المسلمين) . ليتصدى بعدها لادعاءات فهمي لنقضها والتحذير منها بالأدلة قوله: إن الدين لله وأما سياسة الإنسان فللإنسان: (وأن الحاكم في الإسلام عليه أن يسوس الناس على ما يحقق مصالحهم مؤسساً عمله على الحق والعدل على أن لا يمس العقائد وفرائض العبادات) ومعنى هذا الكلام الخروج بالإسلام عن حقيقته وجعله دين عبادة فقط، وإنكار ما في القرآن والسنة الصحيحة من الأحكام في كل شؤون الإنسان. وأعجب ما في الأمر أن يسأل معالي الباشا السيد محب الدين الخطيب هل يرى في تلك النظم والقوانين ما يخالف شيئاً من عقائد المسلمين أو يعطل فرضاً من فرائض الدين؟ ثم يجيبه الشيخ جواباً حاسماً: (نعم إن القوانين الإفرنجية والنظم الأوربية فيها كثير مما يخالف عقائد المسلمين وفيها تعطيل كثير من فروض الدين. فيها إباحة الخمور علناً والترخيص رسمياً ببيعها بتصريح كتابي يوقع عليه وزير من وزراء الدولة أو موظف كبير من موظفيها، بل إن فريقاً من رجال الدولة الكبار لا يخجلون أن تدار عليهم الخمور في حفلات رسمية فتنفق عليها أموال الدولة بحجة أن هذا إكرام لمدعويهم من الأجانب أو بما شئت من حجج تجردت من الحياء حتى إن الدهماء ومن يسمونهم بسمة (الطبقة الراقية) اقتدوا بسادتهم وكبرائهم واستغلوا هذه القوانين فيما يذهب عقولهم ويذيب أموالهم فانحطوا إلى الدرك الأسفل. وفيها إباحة الميسر بكل أنواعه، وفيها إباحة الفجور بطرق عجيبة من حماية الفجار من الرجال والنساء. واختلاط الرجال والنساء، ثم المصايف وما فيها من البلاء.. وفيها إبطال الحدود التي نزل فيها القرآن كلها وغير ذلك ... ثم يحقق الشيخ بقوله: لسنا ننعى على هذه القوانين كل جزئية فيها بالضرورة نفسها ففيها فروع في مسائل مفصلة تدخل تحت القواعد العامة في الكتاب والسنة، ولكننا ننكر المصدر الذي أخذت منه وهو مصدر لا يجوز لمسلم أن يجعله إمامه في التشريع، وقد أمر أن يتحاكم إلى الله ورسوله، فالكتاب والسنة وحدهما هما الإمام نستنبط منهما وفي حدودهما ما يوافق كل عصر وكل مكان مسترشدين بالعقل وقواعد العدل، ولكنا نسخط على الروح الذي يملي هذه القوانين ويوحي بها، روح الإلحاد والتمرد على الإسلام في كثير من المسائل الخطيرة والقواعد الأساسية، فلا يبالي واضعوها أن يخرجوا على القرآن، وعلى البديهي من قواعد الإسلام، وأن يصبغوها صبغة أوربية مسيحية أو وثنية إذا ما أرضوا عنهم أعداءهم ونالوا ثناءهم ولم يخرجوا على مبادئ التشريع الحديث وهم في نظر الشرع مخطئون إذا ما أصابوا مجرمون إذا ما أخطأوا، أصابوا على غير طريق الصواب، إذ لم يضعوا الكتاب والسنة نصب أعينهم بل أعرضوا عنها ابتغاء مرضاة غير الله) .

стр. 1149

الصفحة الأخيرة وظيفة الصحافة عبد القادر حامد إن وظيفة الصحافة من حيث المبدأ تنوير الرأي العام، وتزويده بالحقائق التي تكشف له الطريق، وإرساء أسس صحيحة للحكم على الأمور وهي - باختصار - أداة تثقيف وتوجيه. ولكن هذه الأداة قد تقود إلى نتائج عكسية، أو لا توصل إلى نتيجة، إيجابية، فبدلاً من التنوير يكون التعتيم، وبدلاً من كشف الحقائق تحاول سترها بأغطية صفيقة، وعندما يتطلب الأمر تحديد معاني الكلمات والمصطلحات تتعمد التضليل والغموض المقصود.. كل ذلك يكون عندما تتحكم بهذه الأداة عقليات معينة تريد فرض أفكارها على غيرها، وتحب أن يساق المجتمع سوقاً إلى ما تريد. أن المجتمعات التي تبتلى بمثل هذا النوع من الصحافة تصاب بأمراض نفسية يصعب علاجها، وينزل بها الانفصام والانقسام، وتدب بها الفوضى الفكرية، وتتزلزل فيها القيم الثابتة، ويحل محلها فكر مشوه يراد له أن يملأ الفراغ، فلا القديم النافع يبقى؛ ولا الأفكار (الجديدة) تضرب بجذورها، لأنها تفقد المناخ المناسب لذلك. وهذه هي الصحافة الشائعة بين الناطقين بالعربية اليوم، صحافة الرأي الواحد، والحزب الواحد، صحافة الفكر العلماني الذي يصول ويجول، لا رقابة عليه ولا تضييق، يتبارى فرسانه بالترجمة عن غيرهم ويدعون الإبداع، ويريدون بهذا المسخ أن يغيروا ويبدلوا، ويهدموا ويبنوا، ويخيل إليهم غرورهم أنهم مصلحون وهم المفسدون، وأنهم مستقلون أحرار وهم العبيد يخدمون الفساد والمفسدين، ويعيشون مرتزقة لا يتقنون إلا التزلف والتملق لأصحاب الأمر والنهي، والهجاء المقذع والحسد لأهل الخير والإصلاح؛ إنهم الذين يضع فيهم كل فرعون ثقته ليكونوا عقله ولسانه، وقليل منهم من يكون له شجاعة سحرة فرعون فيثوب للحق بعد خدمة الباطل، ويصحو ضميره فيكفّر عما اقترب من تزوير للحقائق وتزويق للأباطيل.

стр. 1150

ذو الحجة - ١٤١٢هـ يونيو - ١٩٩٢م (السنة: ٦)

стр. 1151

الافتتاحية من للمسلمين ؟ حملت لنا الأنباء المذابح المروعة التي وقعت ولا تزال على مسلمي البوسنة والهرسك الذين كانوا إلى وقت قريب جزءاً من يوغسلافيا، هذه المذابح الوحشية التي يمارسها الصرب المتعصبون والتي فاقت بكثير ما فعله إخوان لهم من الموارنة بحق المسلمين الفلسطينيين في (صبرا وشاتيلا) . مئات الألوف شردوا وقرى بكاملها أتى عليها الذبح فلم ينج منهم شيخ ولا وليد، كل هذا لم يحرك ساكناً من أكثر الدول التي تحكم المسلمين، لم يحتجوا، ولم يشجبوا ولم يسحبوا سفراءهم [١] بَلْه أن نتكلم عن الدعم المادي لمسلمين يتعرضون لأبشع أنواع الظلم. كما حملت لنا الأنباء خبر هجوم نصارى الأرمن على قرى المسلمين في إقليم (ناخيتشفان) واحتلالهم لهذا الإقليم لعزل تركيا عن الاتصال بمسلمي أذربجيان، وللوصول إلى مناطق الأرمن في أذربجيان ومع أن تركيا لها حق قانوني في إقليم (ناخيتشفان) نتيجة معاهدة مع (ستالين) روسيا، ولكنها لم تحرك ساكناً لقمع الأرمن وإبعادهم عن إيذاء المسلمين، واكتفت بالتهديد، حتى لا يقال عنها بأنها دولة متعصبة تحمي المسلمين. أما في (البوسنة والهرسك) فقد بلغت وحشية الصرب إلى درجة جعلت الدول الغربية في موقف حرج أمام العالم فاضطرت إلى استخدام قرارات الأمم المتحدة لمقاطعة الصرب اقتصادياً كما استخدمتها سابقاً مع غير الصرب، وربما كانت الدول الغربية أسرع من غيرها في مقاطعة الصرب والكلام عن وحشيتهم. تأثرت الشعوب الإسلامية لما يحدث، وتجاوبت مع مسلمين خرجوا لتوهم من جحيم الديكتاتورية الاشتراكية، وبدأت حملات التأييد المادي والمعنوي، واستطاع المحسنون والمؤسسات الإسلامية إيصال هذا الدعم إلى مسلمي البوسنة. وهذا شيء يبعث على الارتياح، فالشعوب الإسلامية بدأت تدرك حجم التحدي الذي يتعرض له المسلمون في العالم. هذا جانب من الصورة والجانب الآخر هو خروج بلاد بكاملها من ربقة الشيوعية والاستعباد ومحاولة الرجوع إلى الإسلام، وهؤلاء بحاجة شديدة إلى العلم والدعوة بين صفوفهم. هذه الأوضاع لا تحتمل التأجيل، بل هي بحاجة إلى (غرفة عمليات) دائمة الاجتماع لبحث أوضاع المسلمين ومساعدتهم. فمن يتبنى هذه الأوضاع؟ ليس هناك إلا العلماء والدعاة الذين هم قادة الأمة، وهم المكلفون بما يجري الآن على الساحة الإسلامية، وباجتماعهم واتحادهم سيسمع الناس كلمتهم ويستطيعون تقديم العون المادي ونشر العلم، والدعوة بين صفوف الجهلة من المسلمين. هذا المكان شاغر لهم، وإذا كان علماء الملل الأخرى هم شرارها وآكلو أموالها، فإن العلماء في الملة الإسلامية هم خيارها وقادتها المتبوعون فليتصدوا لهذه المهمة التي هي من عمل الأنبياء والمرسلين. وفي هذه الأيام التي يمارس فيها المسلمون شعائر عبادة عظيمة وهي الحج فإننا نتذكر أبا الأنبياء، إبراهيم ﵇، الذي كان أمة وحده وقد تصدى للشرك وحده، وهاجر وحده وبنى أول مسجد للتوحيد. إنه موسم مناسب لأن يتذكر الدعاة والعلماء أن دورهم المطلوب منهم كبير وخطير، وأنهم يستطيعون فعل الكثير، فالساحة مفتوحة والشعوب متلهفة، تنتظر القيادة الحكيمة والعلماء الأتقياء، الذين يتفانون في مصلحة الدعوة، ويعلمون أن التحدي الكبير لا يقابل إلا بالعمل الكبير ألا وهو اجتماع الكلمة.

стр. 1152

عوامل ومؤثرات في تدوين العقيدة الإسلامية عثمان جمعة ضميرية انتهينا فيما سبق إلى أن هناك جملة من العوامل الداخلية في نشأة علم العقيدة واستقلاله عن العلوم الأخرى، وقد عرضنا لتلك المؤثرات في الحلقة السابقة. وفيما يلي إيجاز العوامل الخارجية التي ساهمت في نشوء وتطور التدوين في الجانب العقائدي. - ١ - ويمكن أن نجمل هذه العوامل الخارجية في احتكاك المسلمين بغيرهم من أصحاب الديانات والمذاهب الفلسفية، إما عن طريق اللقاء المباشر والجدل مع أصحابها، أو عن طريق الترجمة التي بدأت في عهد الدولة الأموية، ثم اتسعت في عهد الدولة العباسية، وكان للخليفة المأمون أثر كبير في هذا، حيث فعل ما لم يفعله السابقون، وهو أنه ترجم الكتب الخاصة بالإلهيات والأخلاق وأمثال ذلك مما سموه بـ (ما وراء الطبيعة) . وليس من هدفنا - هنا - أن نعرض بالتفصيل لحركة النقل والترجمة وأثرها والمنهج الذي سارت عليه والطريق الذي اتخذته. فحسبنا إشارة سريعة إلى الاحتكاك المباشر بين المسلمين واليهود من جهة، وبين المسلمين والنصارى من جهة ثانية، وكذلك ما كان من احتكاك بالمجوس، ثم بالفلسفة اليونانية وغيرها، عندما اتسعت رقعة الدولة الإسلامية وتهيأت الأسباب لذلك. - ٢ - فاليهود الذين عاصرهم النبي ﷺ في المدينة بعد الهجرة، هم الذين كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج ببعثة نبي جديد، هؤلاء هم الذين كفروا بالنبي ﷺ وناصبوه العداء من اللحظة الأولى، وتنوعت وسائلهم في الصدَّ عن الدعوة، والمماطلة والجدال، وإلقاء الشبهات، والحرب الفكرية والنفسية. وكان القرآن الكريم يتولى مناقشتهم والردَّ عليهم وبيان مؤامراتهم، كما أوضح تحريفهم لكتبهم المنزلة، ورسم صورة صادقة لطبيعتهم ونفسيتهم. وبعد أن خرج يهود من الجزيرة العربية - في أعقاب مؤامراتهم ونقضهم للعهود - ليقوموا بدور كبير في عدائهم لهذا الدين، ومنهم من دخل فيه ظاهراً - وهم على حقد وضغينة - بدأ اتصالهم بالمسلمين لإثارة الفتنة، فكان لعبد الله ابن سبأ دوره في الفتنة في عهد عثمان ﵁، ثم تتابعت مظاهر الفتنة في نشر فكرة الإمام المعصوم والرجعة التي تلقفتها عنه الفرق الباطنية [١] ، وأثاروا الجدل بين المسلمين حول الذات الإلهية والصفات. واليهود معروف عنهم التشبيه والتجسيم كما هو في كتبهم. وقد انتقلت هذه الأفكار إلى التراث الإسلامي، مما عرف بـ (الإسرائيليات) في كتب التفسير والحديث. وأثاروا أيضاً بين المسلمين الجدل حول الجبر والاختيار، وغير ذلك من أمور عقائدية. وعندئذ قام المسلمون بالردَّ على مفتريات يهود ودحض شبهاتهم، وناقشوا عقائدهم، واصطنعوا لذلك منهجاً يقوم على النظر والدليل، فكان من ذلك تراث إسلامي ضخم من كتب العقيدة والملل والنّحل.. - ٣ - وأما النصارى؛ فقد بدأ الجدال بينهم وبين المسلمين في هضبة الحبشة أولاً - عند الهجرة الأولى للمسلمين - في حقيقة المسيح، وفي الكلمة وغيرها من المسائل التي تدور حول العقيدة الإسلامية في المسيح. ثم وفد نصارى نجران إلى المدينة وجادلوا النبي ﷺ في شأن عيسى ﵇، وقد دعاهم النبي ﷺ إلى المباهلة، كما في سورة آل عمران، آية (٦١) . ثم وصل الإسلام إلى الشام والعراق ومصر، فبدأت النصرانية تنازعه نزاعاً فكرياً شديداً [٢] . وثار الجدل حول طبيعة المسيح، وحول مسائل الألوهية، وفكرة الجوهر والعَرَض، والأقانيم الثلاثة، والوحدانية، وفكرة الخطيئة والفداء والصلب، وبلغ الجدل ذروته من الشدة بعد (يوحنا الدمشقي) - طبيب الأمويين الذي وضع للنصارى أصول الجدل مع المسلمين - وبلغ ذروته وشدته على يد (يوحنا النقيوسي) المصري الذي رحل إلى الحبشة وبدأ يرسل رسائله إلى أقباط مصر، يحاول فيها مناقشة العقائد الإسلامية، والحيلولة دون اعتناق الأقباط للإسلام. ثم تتابع النقاش في عهد العباسيين. وساعد هذا الجدل في توجيه الأنظار إلى معالجة مسائل جديدة ومشكلات عقائدية ظهرت على سطح المجتمع الفكري. وقد يكون (علم الكلام) أيضاً - كما سمي في فترة من الزمن - نتيجة التأثر بالكلام النصراني أو علم اللاهوت المسيحي! - ٤ - وكان لترجمة كتب الفلسفة اليونانية والرومانية وإقبال بعض المسلمين عليها، أثر في بعض المسلمين الذين فتنوا بها، فحاولوا التفلسف في ضوئها، وتأثروا بها منهجاً وموضوعاً، حين راحوا يفسَّرون تعاليم الإسلام في ضوء هذه الفلسفة، وحاولوا التوفيق بينها وبين الإسلام، وقرؤوا القرآن الكريم على ضوء الفكر اليوناني - على حد تعبير المفكر محمد إقبال ﵀[٣] . وقام فريق من علماء المسلمين يزيفون آراء الفلاسفة وتهافتهم، ويقيمون صرح التفكير الإسلامي على أسس مغايرة لها، وكان نتيجة ذلك كثير من الكتب والمؤلفات في الجانب العقائدي. وليست هذه الفلسفة هي كل ما اتصل به المسلمون وردُوا عليه، فهناك أيضاً: المذاهب الغُنُوصِيَّة الشرقية [٤] ، وقد قابل الإسلام هذه المذاهب في جميع البلدان التي دخلها بلا استثناء؛ فقابلها في العراق وفي إيران، وقابلها في مصر في شكل الأفلاطونية الُمحْدَثَة. وقد بدأ غنوص تلك المذاهب يهدم الإسلام، منذ قوَّض الإسلام عقائد تلك المذاهب وطقوسها القديمة. وكانت من أخطر المذاهب الهدامة التي جالدت الإسلام.. حاربته بالسيف والقلم، وهاجمته بقوة وعنف. على أن هذه الدعوة ما زالت آثارها حتى الآن تتمثل في غلاة الشيعة وفي الإسماعيلية وفي البهائية [٥] . اتصل المسلمون بهذه المذاهب السالفة، وناقشوا اصحابها، وردَّوا عليها، ومن خلال المناقشة والرد كانت تتضح - كذلك - الجوانب العقدية التي يدعو الإسلام إليها، فنشأت الكتابة في العقيدة الإسلامية. - ٥ - ومن هذا العرض الموجز للعوامل والمؤثرات في نشأة وتدوين علم العقيدة يمكن القول بأن هذه النشأة كانت (استجابة لضرورة طبيعية ملحّة، تمثلت في مشكلات سياسية واجتماعية، نجمت في حياة المسلمين، وباتت تهدد - باستفحالها المطّرد - البناء الديني الذي قام عليه المجتمع الإسلامي. كما تمثلت في تحديات دينية وفلسفية مع الأديان والفلسفات القديمة، باتت تروج بين المسلمين وتهدد بنية العقيدة الإسلامية. فهذه المشكلات والتحديات دفعت الفكر الإسلامي - في سبيل الدفاع عن مرجعيته العقدية - إلى أن يتجه إلى معالجة تنظيرية، فكانت نشأة علم العقيدة بمنزلة الاستجابة لتحديات ناجمة من صميم واقع المسلمين) [٦] . ولذلك ينبغي الالتفات إلى التحديات المعاصرة ومناقشتها وبيان حكم الإسلام فيها، بدلاً من الإغراق في دراسة قضايا وأمور انتهت منذ أمد بعيد أو لم يعد لها أثر في حياة المسلمين، ويمكن أن يلتفت المسلمون اليوم للاهتمام بقضايا كثيرة مثل قضية الحاكمية، والمذاهب المعاصرة كالعلمانية والقومية والعقلانية، وقضايا الإنسان ودراسة علاقته بالكون ومن حوله ... الخ وهذا ما وجدناه في كتابات رائدة للأستاذ سيد قطب ﵀ عن (التصور الإسلامي) والأستاذ محمد قطب - حفظه الله- عن (مذاهب فكرية معاصرة) .. وفي سلسلة (قضايا العصر على ضوء عقيدة أهل السنة والجماعة) للشيخ محمد سرور زين العابدين. - ٦ - ولئن كانت مواجهة تلك العوامل - التي أشرنا إليها - أمراً ضرورياً، فإن بعضها قد سبب انحرافاً في المنهج الذي سلكه بعض العلماء، متمثلاً في علم الكلام، الذي وقف منه علماء السلف موقفاً متشدداً، وحذروا منه تحذيراً كبيراً. وفي هذا يقول الأستاذ سيد قطب ﵀: (ولقد وقع في طور من أطوار التاريخ الإسلامي أن احتكت الحياة الإسلامية ... الأصيلة المنبثقة من التصور الإسلامي الصحيح بألوان الحياة الأخرى التي وجدها الإسلام في البلاد المفتوحة، وفيما وراءها كذلك، ثم بالثقافات السائدة في تلك البلاد. واشتغل الناس في الرقعة الإسلامية - وقد خلت حياتهم من هموم الجهاد، واستسلموا لموجات الرخاء ... وجدت في الوقت ذاته في حياتهم من جراء الأحداث السياسية وغيرها مشكلات للتفكير والرأي والمذهبية - كان بعضها في وقت مبكر منذ الخلاف المشهور بين علي ومعاوية - اشتغل الناس بالفلسفة الإغريقية والمباحث اللاهوتية التي ترجمت إلى اللغة العربية ... ونشأ عن هذا الاشتغال - الذي لا يخلو من طابع الترف العقلي في عهد العباسيين، وفي الأندلس أيضاً - انحرافات واتجاهات غريبة على التصور الإسلامي الأصيل، التصور الذي جاء ابتداءً لإنقاذ البشرية من هذه الانحرافات، ومن مثل هذه الاتجاهات، وردَّها إلى التصور الإسلامي الإيجابي الواقعي، الذي يدفع بالطاقة كلها إلى مجال الحياة، للبناء والتعمير، والارتفاع والتطهير، ويصون الطاقة أن تُنْفَق في الثرثرة، كما يصون الإدراك البشري أن يُزَجَّ به في التيه بلا دليل. ووجد جماعة من علماء المسلمين: أنه لا بد من مواجهة آثار هذا الاحتكاك بردود وإيضاحات وجدل حول ذات الله -سبحانه - وصفاته، وحول القضاء والقدر، وحول عمل الإنسان وجزائه، وحول المعصية والتوبة.. إلى آخر المباحث التي دار حولها الجدل في تاريخ الفكر الإسلامي، ووُجِدت الفرق المختلفة: خوارج وشيعة ومرجئة، قدرية وجبرية، سنية ومعتزلة.. إلى آخر هذه الأسماء. كذلك وجد بين المفكرين المسلمين من فُتِن بالفلسفة الإغريقية - وبخاصة شروح فلسفة أرسطو - أو المعلم الأول كما يسمونه - والمباحث اللاهوتية (الميتافيزيقية) وظنوا أن الفكر الإسلامي لا يستكمل مظاهر نضوجه واكتماله، أو مظاهر أبُهَّته وعظمته، إلا إذا ارتدى هذا الزي - زي التفلسف والفلسفة - وكانت له فيها مؤلفات! وكما يفتن منا اليوم ناس بأزياء التفكير الغربية، فكذلك كانت فتنتهم بتلك الأزياء وقتها، فحاولوا إنشاء (فلسفة إسلامية) كالفلسفة الإغريقية، وحاولوا إنشاء علم الكلام على نسق المباحث اللاهوتية مبنية على منطق أرسطو!) [٧] .

стр. 1153

خواطر في الدعوة عالم الاقتصاد (٢) محمد العبدة قال لي صاحبي: ما كتبته في الخاطرة السابقة عن علاقة المسلم بعالم الاقتصاد فيه عموم ونحن بحاجة إلى الأمثلة التفصيلية، قلت: سأتكلم عن الحالة الفردية المبسطة جداً، وليس هنا مجال الكلام عن التخطيط الاقتصادي، أو أهمية الاقتصاد. حالة الفرد المسلم الذي يشعر بأهمية (المال) وكيف يساهم في التخفيف من ضغوط الاقتصاد الرأسمالي والاقتصاد الاستهلاكي المسلط على رؤوسنا، ومن الأمثلة التفصيلية التي يعرفها ولا شك كثير من المسلمين ولكنها للذكرى، ولمزيد من إعطاء الأهمية لعالم الاقتصاد: * لماذا لا يتعلم الشاب المسلم مهنة أو أكثر من المهن التي يحتاجها الإنسان بين الحين والآخر يتعلمهما ولو من قبيل الهواية وليس لكسب الرزق من خلالها، فيستطيع إصلاح أمور منزله، أو مركوبه، أو شتى حوائجه كما كان يفعل رسول الله ﷺ فيصلح نعله ويرقع ثوبه وقد منَّ الله على سيدنا داود بأن علمه [صنعة لبوس لكم] ، وفي المجتمع الأوربي الآن قلَّ أن يخلو منزل من أدوات إصلاح المنزل، إصلاح الكهرباء أو الجدران أو الحديقة.. * لماذا لا نحرص على موضوع الاستثمار، الذي يفيد الفرد والمجموع، والاستثمار يأتي من تجمع (المال) ومن ثمَّ إدخاله في دورة الإنتاج الاقتصادي (زراعة وصناعة وتجارة) وتجمع المال قد يأتي من التوفير ولو كان قليلاً، ودورة الإنتاج هذه تخفف من البطالة التي ينتج عنها من المشاكل ما الله به عليم. إن الشاب المسلم الذي يجد نفسه عالة على أسرته أو أصدقائه ويجد من نفسه القوة والنشاط والفاعلية ثم لا يستطيع أن يعمل شيئاً، كل هذا سيؤثر في نفسيته بل وبطريقة تفكيره. * يلاحظ أن كثيراً ممن يملك المال في مجتمعاتنا يميل إلى استثمارها في الأمور الاستهلاكية، فهو إما مستورد لحاجات صنعت في الخارج أو يقوم بالوساطة التجارية وهذا كله حباً في السهولة والربح السريع، وبعداً عن المشاريع التي تفيد المسلمين في الزراعة والصناعة. * قد تجد المسلم المتدين ولكن زوجته تنفق أموالاً طائلة على الكماليات في المسكن والملبس وهو يرافقها ولا يجد حرجاً في ذلك وقد لا يخطر في باله أن هذه الأمور مما يجب الاهتمام بها والتنبه لها، وأين هذا من صنع السيدات الفاضلات في مجتمعاتنا الإسلامية قبل مجيء عصر الاستهلاك، حين كانت المرأة المسلمة تدير المنزل أحسن تدبير، فلا إسراف ولا تقتير، بل وتخرّج أجيالاً تمرسوا على هذا التدبير. هذه أمثلة بسيطة والموضوع بحاجة إلى مزيد من الوضوح، وإني أجد نفسي لم أعبر تماماً عما أريده من (المسلم الاقتصادي) .

стр. 1154

من كان معه فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له هيثم الحداد إن الناظر بتأمل في أحوال كثير من المسلمين اليوم ليكاد يجزم أنهم يعيشون لدنياهم فقط، وكأن الآخرة وأهوالها والجنة ونعيمها والنار وعذابها المقيم، أحلام ليست واقعاً سننتهي إليه ولا محالة، وإلا فما هو سبب قعودنا عن كثير من أعمال الطاعات التي هي في مقدورنا دون كبير كلفة أو بالغ مشقة. ولنضرب لذلك مثلاً: هل فكر أحدنا في التوفير للدعوة، نعم التوفير للدعوة، ألسنا كلنا اعتدنا التوفير لأمور مادية بحتة وقد تكون ليست ذات بال، فبعضنا يقتر على نفسه أحياناً ويصنع ما يسمى بترشيد الإنفاق من أجل أن يجمع مبلغاً من المال لشراء سيارة جديدة وربما لشراء شيء من الأثاث، والكثير يعمل ذلك من أجل أن يشيد بيتاً يؤمن له مستقبله ومستقبل أولاده، ومع هذا لم نفكر في تشييد مستقبلنا السرمدي. قرأت عن مشروع تتبناه هيئة خيرية، وهو عبارة عن بناء مجموعة من المساجد في الجمهوريات الإسلامية في الاتحاد السوفييتي (سابقاً) ، يكلف بناء المسجد الواحد منها أثني عشر ألف ريال تقريباً. يا إخوة ألسنا كلنا نعلم أجر بناء المساجد وتعميرها، ألسنا كلنا نحفظ حديث رسول الله ﷺ (من بنى مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة) ، لم لا نفكر في التوفير من أجل بناء بيت في الجنة، لم نبخل على أنفسنا [ومَن يَبْخَلْ فَإنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ واللَّهُ الغَنِيُّ وأَنتُمُ الفُقَرَاءُ] . انظر إلى هذا المبلغ الذي يستطيع أحدنا توفيره بسهولة، والذي لو أردنا توفيره من أجل شراء سيارة لما ترددنا في فعل ذلك طرفة عين. وإليك مثلاً آخر، تقول تلك الهيئة: إن تكلفة المصحف الواحد وإيصاله إلى تلك البلاد ثلاثة ريالات، أتدرون ما هي الثلاث ريالات! إنها قيمة قطعة من الحلوى أو قارورتين من المشروبات الغازية، ألا نستطيع الامتناع عن تلك المشروبات بضعة أيام من أجل أن نشتري مصحفاً لأحد أبناء المسلمين، إنه صدقة جارية يبقى لك بعد مماتك، ولعل قارئه كلما قرأه دعا لمن تبرع به، وكم ينشر من علم وخير، ولا تستكثر يا أخي الأجر، فالله كريم واسع الفضل والعطاء، وكلتا يديه يمين سحاء الخير، ليلاً نهاراً. ولو جال أحدنا بخاطره وتمعن في مصروفاته اليومية فإنه سيجد نفسه قادراً على التخلي عن كثير منها، واستبدالها بما ينفعه في أخراه، [وفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُونَ] . ولقد شرع الإسلام التكافل المالي بين المسلمين، ومن المواساة والترابط وسد الحاجات وفي الحديث [١] صورة رائعة لتطبيق هذا النظام، وذلك عندما يوجد في المجتمع المسلم بسبب بعض الظروف طوائف بلغت من الفقر حداً لا تستطيع معه تلبية حاجياتها الأساسية، فعند هذه الحالة يلزم الإسلام أصحاب فضول الأموال أن يخرجوا من فضول أموالهم - ولو من غير مال الزكاة - ما يسد حاجة إخوانهم. إننا نعيش اليوم أحوال ضرورة توجب علينا ما لا يجب في الأحوال العادية، ذلك أننا نعلم يقيناً بوجود حاجة ماسة لكثير من المسلمين في عدة جوانب، فكثير من - المسلمين يموتون جوعاً أو عطشاً أو برداً، فهم بحاجة إلى المال للحفاظ على حياتهم، والإبقاء على مهجة المسلم واجب. وكثير منهم يتنصرون بسبب عمل النصارى الدؤوب في الدعوة إلى دينهم، وقعودنا نحن عن هذا الواجب، فأولئك المسلمون بحاجة إلى المال الذي يوظف دعاة ويمدهم برسائل الدعوة، والحفاظ على الدين من أهم الواجبات. وهناك أسرى كثيرون للمسلمين في بقاع شتى، وبلاد إسلامية محتلة من قبل الكفرة، وتلك وهذه تحتاج إلى المال من أجل فكاك أسرها، وقد قال الإمام مالك - رحمه الله تعالى-: (يجب على الناس افتداء أسراهم وإن استغرق ذلك جميع أموالهم) . لقد شرعت الزكاة لسد تلك الحاجات وأشباهها، فإذا انسدت حاجتهم لم يكن هناك مسوغ لأخذ غير الزكاة من أموال الأغنياء، وللأغنياء عندئذ التوسع في المباحات ما لم يبلغوا حد الإسراف. لكن قد يحدث أن لا تفي أموال الزكاة بسد تلك الحاجات، إما لقلتها أو لأن كثيراً من الأغنياء امتنعوا عن أدائها ولا سلطه تلزمهم بدفعها، أو حينما لا يتمكن من إيصالها إلى المحتاجين في الوقت المناسب، كأن يرى المسلم معصوماً يشرف على الهلاك جوعاً أو عطشاً، أو أسيراً مسلماً حانت فرصه لافتدائه وإن لم يفتد الآن فسيقتل، وغير ذلك من الصور. فمن أجل هذه الحالات وأشباهها أوجب الفقهاء على المستطيع، وهو من يجد فضل مال أن يخرج من ماله ما يسد حاجة المحتاج. وإن كان العلماء قد اختلفوا في مسألة (هل في المال حق سوى الزكاة) ، إلا أنه عند تحرير محل النزاع نجد أن هناك قدراً مشتركاً لم يختلفوا فيه، فقد اتفقوا على وجوب نفقة الزوجة والأولاد مثلاً، وهذا لا شك مال يجب على الإنسان إخراجه غير مال الزكاة، وقد اتفقوا على وجوب إطعام المشرف على الهلاك جوعاً، ولو من غير مال الزكاة. فبناء على هذا يظهر أن محل الخلاف بين الفريقين في إيجاب حق دوري، مقدر بقدر معين يلزم كل من ملك نصاباً، في جميع الأحوال، فبهذا يكون موضوعاً خارج عن محل الخلاف [٢] . ويدل على ذلك أن القائلين بعدم إيجاب مال سوى الزكاة في المال هم أنفسهم يستثنون الأحوال العارضة، فهذا الجصاص الحنفي يقول: (إن المفروض إخراجه هو الزكاة المفروضة إلا أنه تحدث أمور توجب المواساة والإعطاء، نحو الجائع المضطر، والعاري المضطر، أو ميت ليس له من يكفنه أو يواريه) [٣] . وهذه المسألة تشهد لها أدلة كثيرة: فأولها: القواعد الكلية للشريعة ومقاصدها العامة، التي جاءت بحفظ مصالح العباد، والتي حرمت دين المسلم، ونفسه، وعرضه، وعقله، وماله، وجعلت تلك الأشياء من الضروريات التي يجب المحافظة عليها وإن ترتب على ذلك بعض المفاسد. وما من شك أن مفسدة ذهاب الدين، أو هلاك النفس أعظم من مفسدة أخذ مال الغير الذي يفيض عن حاجته الأساسية. ووضوح هذا الأمر يجعل من غير المستغرب أن ينقل الإجماع على ذلك، وممن نقل الإجماع ابن العربي المالكي، والقرطبي، قال ابن العربي المالكي: (وليس في المال حق سوى الزكاة، وإذا وقع أداء الزكاة ونزلت بعد ذلك حاجة، فإنه يجب صرف المال إليها باتفاق ... العلماء) [٤] . والقواعد الكلية للشريعة ومقاصدها العامة كافية في إيجاب هذا الأمر، لكني أورد طائفة من الأحاديث والآثار التي توجب ذلك، مقرونة بكلام العلماء، زيادة في البيان وتقوية في الحجة. فمن تلك الأدلة: عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم بالسوية، فهم مني وأنا منهم» رواه البخاري ومسلم، فقد سر رسول الله ﷺ بما كان يفعله الأشعريون إذا أرملوا وبشرهم بأنه منهم وهم منه، وهذا دليل على أنه لا يريد أن يكون المجتمع طبقتين: طبقة مترفة تكدس الأموال في جيوبها، وطبقة معوزة لا تجد غنى يغنيها، وفي ذلك من الفساد ما فيه) [٥] . وقد صح عن أبي عبيدة بن الجراح وثلاثمائة من الصحابة ﵃: أن زادهم فني، فأمرهم أبو عبيدة فجمعوا أزوادهم في مزودين، وجعل يقوتهم أيها على السواء. قال ابن حزم: فهذا إجماع مقطوع به من الصحابة ﵃ لا مخالف له منهم [٦] . وعن أبي بكر ﵁: أن أصحاب الصفة كانوا أناساً فقراء، وأن النبي ﷺ قال مرة، من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس أو سادس، أو كما قال، وأن أبا بكر جاء بثلاثة، وانطلق النبي بعشرة [٧] ، قال ابن حجر في فتح الباري: (وفيه التوظيف في المخمصة) . [٨] وفي حديث مسلم في القوم الذين جاؤوا رسول الله، مجتابي النمار متقلدي السيوف عامتهم من مضر فتمعر وجه رسول الله ﷺ -لما رأى ما بهم من الفاقة، فخطب الناس وحثهم على الصدقة فتصدق الناس حتى تجمع كومان من الطعام، ففرح رسول الله ﷺ حتى تهلل وجهه كأنه مذهبة ... فتمعُّر وجه رسول الله ﷺ في الحديث دليل على كراهته وجود مضطرين في المجتمع المسلم وفيه من يملك مواساتهم، وإزالة الضرورة عنهم، فلما رأى إسراع الصحابة، رضوان الله عليهم، إلى مواساة هؤلاء تهلل وجهه ورضي بما صنعوا، إيماء إلى أن هذا هو الذي ينبغي أن يكون عليه أعضاء المجتمع المسلم كله [٩] . آثار الصحابة: لقد كان عام الرمادة بمثابة الاختبار، لواقعية هذا النظام، ولمقدرته على تجاوز الأزمات، ولقد كان للفاروق عمر بن الخطاب مواقف رائعة جداً في ذلك، تعكس عظمة الإسلام وروعة نظامه. وقد أورد ابن سعد في الطبقات جملة من الآثار عن عمر بن الخطاب في موقفه من المجاعة تدل كلها - إما نصاً أو معنى - على وجوب التكافل بين المسلمين، وأن على أصحاب فضول الأموال أن ينفقوا من فضول أموالهم، حتى يسدوا حاجات الفقراء، بل وعلى والي المسلمين أن يأمرهم بذلك، وهذا يكون إذا لم تف أموال الزكاة، أو أموال بيت مال المسلمين بذلك. فمن هذه الآثار: أن عمر- ﵁ كتب إلى عمرو بن العاص عام الرمادة: (بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، إلى العاصي بن العاصي، سلام عليك، أما بعد أفتراني هالكاً ومن قبلي، وتعيش أنت ومن قبلك؟ فيا غوثا، ثلاثاً) . [١٠] وعن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب حرم على نفسه اللحم عام الرمادة حتى يأكله الناس [١١] . وعن ابن عمر أن عمر قال لو لم أجد للناس من المال ما يسعهم إلا أن أدخل على كل أهل بيت عدتهم فيقاسمونهم أنصاف بطونهم حتى يأتي الله بحيا فعلت، فإنهم لن يهلكوا على أنصاف بطونهم [١٢] . وقال ﵁: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت لأخذت فضول أموال الأغنياء فقسمتها على فقراء المهاجرين) قال ابن حزم في إسناد هذا الأثر إسناده في غاية الصحة والجلالة [١٣] . وعن علي بن أبي طالب: (إن الله تعالى فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر ما يكفي فقراءهم، فإن جاعوا أو عروا وجهدوا فبمنع الأغنياء، وحق على الله تعالى أن يحاسبهم يوم القيامة ويعذبهم عليه) [١٤] . نصوص العلماء في ذلك: لقد كانت هذه المسألة من الأهمية بمكان عند العلماء، حتى أنهم بحثوها في مواطن متعددة وإليك جملاً من نصوصهم: الحنفية: قال الجصاص: (إن عارية هذه الآلات - يعني القدر والفأس ونحوها - قد تكون واجبة في حال الضرورة إليها، ومانعها مذموم مستحق للذم، وقد يمنعها المانع لغير الضرورة، فينبىء ذلك عن لؤم، ومجانبة أخلاق المسلمين، وقال النبي ﷺ : «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» [١٥] . وعند المالكية: في أحكام القرآن لابن العربي: (وليس في المال حق سوى الزكاة، وإذا وقع أداء الزكاة ونزلت بعد ذلك حاجة فإنه يجب صرف المال إليها باتفاق من العلماء. وقد قال مالك: يجب على كافة المسلمين فداء أسراهم وإن استغرق ذلك أموالهم، وكذلك إذا منع الوالي الزكاة، فهل يجب على الأغنياء إغناء الفقراء؟ مسألة نظر أصحها عندي وجوب ذلك عليهم [١٦] . وقال القرطبي: (واتفق علماء على أنه إذا نزلت بالمسلمين حاجة بعد أداء الزكاة، يجب صرف المال إليها، قال مالك: يجب على الناس فداء أسراهم وإن استغرق ذلك أموالهم، وهذا إجماع، وهو يقوي ما اخترناه) [١٧] . وفي الشرح الكبير لمختصر خليل: (وقاتل المضطر جوازاً، رب الطعام، ولو مسلماً، إن امتنع من دفعه له، عليه، أي على أخذه منه، بعد أن يعلم ربه، أنه إن لم يعطه قاتله، فإن قتل ربه - رب الطعام - فهدر) [١٨] . الشافعية: في كتاب الأطعمة: قال في مغني المحتاج: (أو وجد طعام حاضر غير مضطر له لزمه أي غير المضطر إطعام مضطر معصوم مسلم أو ذمي أو نحوه كمعاهد، ولو كان يحتاج إليه في ثاني الحال على الأصح للضرورة الناجزه بخلاف غير المعصوم كالحربي، فإن امتنع وهو أو وليه غير مضطر في الحال، من بذله بعوض لمضطر محترم، فله أي المضطر قهره على أخذه، وإن احتاج إليه المانع في المستقبل، وإن قتله..) [١٩] . وفي نهاية المحتاج: (ومن فروض الكفاية دفع ضرر المسلمين، ككسوة عار، وإطعام جائع، إذا لم يندفع بزكاة وبيت مال، على القادرين وهم من عنده زيادة على كفاية سنة لهم ولممونهم، وهل المراد من نفع ضرر من ذكر: ما يسد الرمق أم الكفاية؟ قولان، أصحهما ثانيهما، فيجب في الكسوة ما يستر كل البدن على ما يليق بالحال من شتاء أو صيف، ويلحق بالطعام والكسوة ما في معناهما من أجرة طبيب، وثمن دواء، وخادم منقطع، كما هو واضح) [٢٠] . الحنابلة: بحثت في عدة مواطن من كتبهم: في كتاب الصيد والذبائح، فعند المغني: (وجملته أنه إذا اضطر فلم يجد إلا طعاماً لغيره، نظرنا فإن كان صاحبه مضطراً إليه، فهو أحق به ولم يجزئ لأحد أخذه منه، لأنه ساواه في الضرورة وانفرد بالملك فأشبه الضرورة، وإن أخذه منه أحد فمات لزمه ضمانه، لأنه قتله بغير حق، وإن لم يكن صاحبه مضطراً إليه، لزمه بذله للمضطر لأنه يتعلق به إحياء نفس آدمي معصوم، فلزمه بذله كما يلزمه بذل منافعه في إنجائه من الغرق والحريق، فإن لم يفعل فللمضطر أخذه منه لأنه مستحق له دون مالكه، فجاز له أخذه كغير ماله، فإن احتيج في ذلك إلى قتال فله المقاتلة عليه فإن قتل المضطر فهو شهيد، وعلى قاتله ضمانة، وإن آل أخذه إلى قتل صاحبه فهو هدر، لأنه ظالم بقتاله فأشبه الصائل إلا أن يمكنه أخذه بشراء أو استرضاء..) [٢١] . وفي منار السبيل: (ومن اضطر إلى نفع مال الغير مع بقاء عينه كثياب لدفع برد، ودلو، وحبل لاستقاء ماء، وجب على ربه بذله مجاناً بلا عوض، لأنه تعالى ذم على منعه بقوله [ويَمْنَعُونَ المَاعُونَ] ، فإن احتاج ربه إليه فهو أحق بالملك من غيره لتميزه بالملك) [٢٢] . في كتاب الديات: (وإن اضطر إلى طعام وشراب لغيره فطلبه منهم فمنعه إياه مع غناه عنه في تلك الحالة، فمات بذلك، ضمنه المطلوب منه لما روي عن عمر أنه قضى بذلك، ولأنه اضطر إليه فصار أحق به ممن هو في يده وله أخذه قهراً، فإذا منعه إياه تسبب إلى إهلاكه بمنعه ما يستحقه، فلزمه ضمانه، كما لو أخذ طعامه وشرابه فهلك بذلك) [٢٣] . وفي قواعد ابن رجب الحنبلي: (القاعدة التاسعة والتسعون: ما يدعو إلى الانتفاع به من الأعيان ولا ضرر في بذله لتيسيره وكثرة وجوده أو المنافع المحتاج إليها يجب بذله مجاناً بغير عوض في الأظهر.. ثم نقل عن شيخ الإسلام أن المضطر إلى الطعام إن كان فقيراً وجب بذله له مجاناً لأن إطعامه فرض كفاية لا يجوز أخذ العوض عنه بخلاف الغني..) [٢٤] . قول ابن حزم: كما مر فإن ابن حزم نافح عن هذا الأمر بقوة، وحشد له جملة من الأدلة، وقد قال -رحمه الله تعالى-: (وفرض على الأغنياء من كل بلد أن يقوموا بفقرائهم، ويجبرهم السلطان على ذلك، إن لم تقم الزكوات بذلك، ولا في سائر أموال المسلمين بهم، فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك وبمسكن يكنهم من المطر والصيف وأعين المارة) . قول ابن تيمية: قال ﵀: (فأما إذا قدر أن قوم اضطروا إلى سكنى في بيت إنسان إذا لم يجدوا مكاناً يأوون إليه، إلا ذلك البيت فعليه أن يسكنهم، وكذلك لو احتاجوا إلى أن يعيرهم ثياباً يستدفئون بها من البرد، أو إلى الآت يطبخون بها، أو يبنون أو يسقون يبذل هذا مجاناً، وإذا احتاجوا إلى أن يعيرهم دلواً يستقون به أو قدراً يطبخون فيها، أو فأسا يحفرون به، فهل عليه بذله بأجرة المثل لا بزيادة؟ فيه قولان للعلماء في مذهب أحمد وغيره، والصحيح وجوب بذل ذلك مجاناً إذا كان صاحبها مستغنياً عن تلك المنفعة وعوضها، كما دل عليه الكتاب والسنة، قال الله تعالى: [فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * ويَمْنَعُونَ المَاعُونَ] وفي السنن عن ابن مسعود قال كنا نعد الماعون عارية الدلو والقدر والفأس) [٢٥] . تنبيهان: الأول: قد يتسائل البعض فيقول هذه شيوعية أو اشتراكية؟ والجواب شتان ما بين الثرى والثريا، وكما قال الشاعر: ألم تر أن السيف ينقص قدره ... إذا قيل إن السيف أمضى من العصى إن النظام المالي للشيوعية يقوم على أسس منها: ١- إلغاء الملكية الفردية إلغاء باتاً وإحلال الملكية الجماعية بدلاً منها. ٢- المساواة في الأجور. ٣- تطبيق مبدأ من كل حسب طاقته ولكل حسب حاجته. وهذه أسس خيالية تصادم الفطرة ولذلك فشلت فشلاً ذريعاً كما هو الواقع. أما النظام الإسلامي، فيما سبق الحديث عنه، فيرمى إلى أن لا يوجد في المجتمع الإسلامي مضطرون لا يجدون حاجاتهم الأساسية، مع تمكن البعض من سد حاجاتهم وإزالة الضرورة عنهم، ولا يرى الإسلام مانعاً من أن توجد فوارق بين أبناء المجتمع وهذا ما نص عليه القرآن في مواطن عدة [٢٦] ، قال تعالى: [ورَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِياً] . الثاني: لا يقولن قائل أن وجوب سد حاجة الفقراء، مقصورة على الأغنياء، ذوي المال الوفير، بل إن وجوب ذلك منوط بكل من وجد فضلاً من المال كما مر آنفاً في أحاديث الرسول ﷺ ، وفي الآثار المروية عن عمر. الخاتمة: وبعد هذه الأدلة الناصعة، وكلام العلماء الجلي: أقول: أيها المسلمون ويا أيها الدعاة، ألسنا نرى بأم أعيننا ونسمع بآذاننا عن إخوان لنا في الدين يموتون كل يوم جوعاً، ومرضاً، وخوفاً وتشريداً، أفلا نقول لأنفسنا كما قال عمر بن الخطاب: (هل نرى هؤلاء يموتون، ونعيش نحن، بل ونتنعم، ونتلذذ بكل ما لذ وطاب، ولا يفوتنا من الكماليات شيء؟) ، إننا بحق في حاجة إلى الأخوة الإسلامية كما جاء بها الإسلام.

стр. 1155

من هدي السلف الصالح اتباع المحكم.. وترك المتشابه حسن حسن إبراهيم المحاجة وإقامة الأدلة لها طرق ومسارات تصل بصاحبها إلى الحق، وتكشف وجه المسألة من أقرب طريق، فإذا تجاوز الحوار بين طرفين هذا الحد، خرج إلى حكايات وتفريعات لا تنضبط بقواعد محكمة، ولا يحدها تسلسل منطقي من الاستدلال.. فتدرر المحاورات في حلقات مفرغة وتتفرع إلى منزلقات ومتاهات فيتمزق الموضوع.. والسبب هو ترك الأمور المحكمة إلى متشابهات الأدلة. إذا تبين لك ذلك فلا تعجب إذا رأيت كل مبتدع يستشهد على بدعته بدليل شرعي ينزله على ما وافق هواه، فإن هذا الأمر قد ثبت في الحكمة الأزلية فقد قال تعالى: [يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً] [البقرة ٢٦] . لكن إنما ينساق له من الأدلة المتشابه منها لا الواضح، والقليل منها لا الكثير، وهو أدل الدليل على اتباع الهوى، فإن المعظم والجمهور من الأدلة إذا دل على أمر بظاهره فهو الحق، فإن جاء ما ظاهره الخلاف فهو النادر القليل، فكان من الصواب رد القليل إلى الكثير والمتشابه إلى الواضح.. ولكن المبتدع يأخذ الأدلة تبعاً لهواه ومن شأن الأدلة أنها جارية على كلام العرب، ومن شأن كلام العرب الاكتفاء فيه بالظواهر، وقلما تجد من كلامهم نصاً لا يحتمل، وكل ظاهر يمكن أن يصرف عن مقتضاه ويُتأول على غير ما قصد فيه، فإذا انضم إلى ذلك الجهل بمقاصد الشريعة وأصولها كان الأمر أشد وأقرب إلى التحريف والخروج عن مقاصد الشرع، فإذا غلب الهوى أمكن انقياد ألفاظ الأدلة إلى ما أريد منها. أما السلف الصالح فهم يتبعون الأدلة منقادين لها باسطين لها يد الافتقار، فهم إذ سلكوا على الجادة يجدون جمهور الأدلة ومعظم الكتاب واضحاً في الطلب الذي بحثوا عنه فيتبعون هذا المحكم. وأما ما شذ عن ذلك من متشابه فإما أن يردوه إلى المحكم، وإما أن يكلوه إلى عالمه، ولا يتكلفوا البحث عن تأويله. ففيصل القضية بين أهل البدعة وأهل السنة هو قوله تعالى [فَأَمَّا الَذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ ومَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلاَّ اللَّهُ والرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا] [آل عمران ٧] . ولما قرأ - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية قال: «فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمىّ الله فاحذروهم» رواه مسلم [١] . فما هو الحكم والمتشابه؟ * المحكم: هو الذي لا يفتقر في بيان معناه إلى غيره، فهو قائم بنفسه، لا يحتاج أن يرجع فيه إلى غيره نحو: [ولَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ] ، [وإنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وآمَنَ وعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى] ، [طه ٨٢] ، [إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ] [النساء ٤٨] ، [قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً..] [الأنعام ١٥١] [٢] . بل إن معظم القرآن آيات محكمات لقوله تعالى: [هُوَ الَذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ] وأمّ الشيء معظمه وعامته ولذلك كان القرآن بيان للناس وكان أيضاً حجة الله عليهم. * المتشابه: هو ما أشكل معناه ولم يُبين مغزاه [٣] . وهو قسمان: أ - المتشابه الحقيقي: وهو ما لم يجعل لنا سبيل إلى فهم معناه. ولا شك أنه قليل لقوله تعالى: [.. مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ] فالمحكم هو الغالب والمتشابه هو القليل النادر [٤] . ومثاله: ١- الأمور الإلهية الموهمة للتشبيه. ٢- الحروف المقطعة في آوائل السور. ٣- ماهية الروح ووقت قيام الساعة وخروج يأجوج ومأجوج والدجال وعيسى وما إلى ذلك [٥] . ولا يتعلق بذلك تكليف سوى مجرد الايمان به لقوله تعالى: [والرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا] . والتشابه في هذا القسم راجع إلى الأدلة. ب - المتشابه الإضافي: هو ما بينته الشريعة ولكنه تشابه على الناظر فيها لتقصيه في الاجتهاد أو لزيغه عن طريق البيان اتباعاً للهوى. فلا ينسب الاشتباه هنا إلى الأدلة فيطلق عليهم أنهم متبعون للمتشابه [٤] . ومثاله: ١- ما يحتاج في بيان معناه الحقيقي إلى دليل خارجي وإن كان في نفسه ظاهر المعنى لبادي الرأي كاستشهاد الخوارج على إبطال التحكيم بقوله: [إنِ الحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ] فإن ظاهر الآية صحيح على الجملة، وأما على التفصيل فمحتاج إلى البيان، وهو ما ذكره ابن عباس من أن الحكم لله تارة من غير تحكيم، وتارة بتحكيم، لأنه إذا أمرنا بالتحكيم فالحكم به حكم الله، فتأملوا وجه اتباع المتشابهات، وكيف يؤدي إلى الضلال والخروج عن الجماعة، ولذلك قال: ... (فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم) [٦] . ٢- الأخذ بالمطلقات قبل النظر في مقيداتها وبالعمومات من غير تأمل - هل لها مخصصات أم لا؟ وكذلك العكس بأن يكون النص مقيداً فيطلق أو خاصاً فيُعم بالرأي من غير دليل سواه، فإن هذا المسلك رمي في عماية واتباع للهوى في الدليل، وذك أن المطلق المنصوص على تقييده مشتبه إذا لم يقيد فإذا قيد صار واضحاً [٧] فإذا قيل مثلاً: (إن البيع موجب لنقل الملكية) فلا يكون ذلك لأي بيع فيه غرر أو ربا، وإذا قيل: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة) فلا يكون ذلك لأي قول فإن هذا خلاف المعلوم من دين الإسلام فالمنافقين يقولونها بألسنتهم وهم تحت الجاحدين لها من الدرك الأسفل من النار، ولكن المقصود هو القول التام [٨] الذي يستلزم أثره من تركٍ للشرك والتزام بشرائع الإسلام، وكذلك أيضاً قوله تعالى: [إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً] يُرجع فيه إلى قوله تعالى: [إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ] وقوله: [وإنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وآمَنَ وعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى] وينضم إلى ما سبق الأخذ بالمنسوخ من النصوص دون ناسخه، وبالمجمل دون مبينه، وبالظاهر المتشابه دون مؤوله، فكل هذا من اتباع المتشابهات. ٣- الأخذ بقضايا الأعيان وحكايات الأحوال التي قد تخالف بظاهرها أصولاً مطردة مقررة واضحة في الشريعة. فهذا معدود من المتشابهات التى يتُقى اتباعها بل يجب ردها إلى هذه الأصول المحكمة وتنزيلها على مقتضاها. ومثال ذلك أن مرجئة العصر الحديث عندما وقفوا على قوله ﷺ لعمه - أبي طالب - إذ حضرته الوفاة: (أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله) [البخاري] ، قالوا: الإسلام كلمة والنجاة من الخلود من النار بكلمة لا شيء بعدها ومن أثبت شيئاً معها فهو من الخوارج. ومعلوم من الملة الإسلامية أن من مات يشرك بالله شيئاً دخل النار وأن المنافقين في الدرك الأسفل من النار مع قولهم لا إله إلا الله، وأن القرآن قد دحض هذه الشبهة: [أَلاَّ نَعْبُدَ إلاَّ اللَّهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ فَإن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ] . وختاماً نحذر من هؤلاء الذين يُعتقد فيهم أو يعتقدوا هم في أنفسهم أنهم من أهل العلم، ثم تراهم يهدمون كليات الشريعة ببعض جزئياتها - اتباعاً للمتشابه، وتركاً للمحكم، وانتصاراً لرأيهم - فإن الحامل لهم على ذلك هو بعض الأهواء الكامنة في نفوسهم، مع الجهل بمقاصد الشريعة، واستعجال نتيجة طلب العلم. وعلى من طلب خلاص نفسه أن يثبت حتى يتضح له الطريق، فإن العاقل لا يخاطر بنفسه في اقتحام المهالك، ومن تساهل رمته أيدي الهوى في معاطب لا مخلص له منها إلا أن يشاء الله [٩] .

стр. 1156

المصلحة وفقه التلفيق أحمد بن صالح السيف إن من نزعات الفطرة البشرية أن الذي أوجدها هو صاحب الأمر والنهي فيها [أَلا لَهُ الخَلْقُ والأَمْرُ] [الأعراف: ٥٤] . الإله المستحق للعبادة والتحاكم إليه [إنِ الحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ] [يوسف: ٤٠] . فإذا ما انسلخت هذه السمة الفطرية وحُكمّ الطاغوت كما تئن منه بلادنا الإسلامية اليوم كان تمرداً على حق الألوهية في العبادة، حيث استجابت تلك البلاد للدعاوى الملفقة لإقصاء الشريعة رغبة في إحلال القوانين البشرية محلها ميممة نحو الغرب الكافر (لاقتباس ما وضع فيه من قواعد قانونية تعجيلاً بالإصلاح المنشود ونكولاً عن حمل أعباء التقنين الشرعي فانتشرت وراجت حركة التشريع [*] على حساب الشريعة الإسلامية حتى تخلفت بهذه الشريعة المرتبة بين مصادر القانون الرسمية فيها وضاق نطاق إلزامها في العمل ضيقاً كبيراً، كاد يقتصر على مسائل الأحوال الشخصية أو حتى على بعضها الوثيق الصلة بالشخص كمسائل الزواج والطلاق والنسب [١] . إذ طبيعة شعوبها المغلوب على أمرها تحتم ذلك ولا يضيرهم هذا الجانب إذا طبق فيه الشرع لكونه لا يؤثر على مبتغاهم لعلمنة التشريع الإسلامي وتغييبه عن الواقع [أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتَابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إلاَّ خِزْيٌ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ويَوْمَ القِيَامَةِ يُرَدُّونَ إلَى أَشَدِّ العَذَابِ ومَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ] [البقرة ٨٥] . من مسالكهم النفاقية ودسائسهم أنهم إذا ما وافق باطلهم وقانونهم شرع الله أذاعوا به ورفعوا عقائرهم بأنهم مصلحون وفق الشريعة الاسلامية (فإذا جاء الحق معارضاً في طريق رياستهم طحنوه وداسوه بأرجلهم، فإن عجزوا عن ذلك دفعوه دفع الصائل، فإن عجزوا عن ذلك حبسوه في الطريق وحادوا عنه إلى طريق أخرى وهم مستعدون لدفعه بحسب الإمكان، فإذا لم يجدوا منه بداً أعطوه السكة والخطبة وعزلوه عن التصرف والحكم والتنفيذ وإن جاء الحق ناصراً لهم وكان لهم صالوا به وجالوا وأتوا إليه مذعنين لا لأنه حق بل لموافقته أغراضهم واهوائهم [وإذَا دُعُوا إلَى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ * وإن يَكُن لَّهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] [النور: ٤٨-٥٠] [٢] ، وبهذا المسلك أقصيت الشريعة الإسلامية بأردية مستعارة مبيتّين أفكاراً ودسائس علمانية ويدرؤن بذلك الشبهة عن انفسهم بدعوى الإصلاح والتقدمية ومن جهة أخرى يصمون بخبث ودهاء شرع الله بالرجعية، وهذا طعن بحق الله [وَإذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ] [البقرة ١١-٢] . إذ يغالون في اعتبار المصلحة ويقدمونها على النصوص الشرعية القطعية، وهذا شأن كل مغرض يسعى لمحاربة الله وتسمية الإفساد إصلاحاً إذ (يؤدي ذلك إلى تعيل النصوص التشريعية بنظر اجتهادي عقلي محض، ولو جاز أن تتقبل أمة من الأمم هذا الرأي على إطلاقه في تشريعها وتسمح به لرجال الحقوق أو القضاء في اجتهادهم لسادت الفوضى في العمل بالشريعة والقانون فمن تراءت له مصلحة النص الشرعي عمل به ومن تصور أن المصلحة بخلافه نبذه وفي ذلك منتهى الفوضى) [٣] كما أن واقعنا اليوم يعيش في هذه الحقيقة، فالمصلحة المعتبرة هي ما جاءت وفق ضوابط شرعية مبسوطة في كتب الفقهاء والأصوليين (فالمصالح المعتبرة شرعاً أو المفاسد المستدفعة إنما تعتبر حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى، لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية أو درء مفاسدها العادية، وذلك أن الشريعة إنما جاءت لتخرج المكلفين عن دواعي أهوائهم حتى يكونوا عبادا لله) [٤] يحكمونه في كل شؤونهم الحياتية، وإذا ما دعوا إلى المحاكمة العقلية الشرعية جحدوا الحق واستيقنته أنفسهم ظلماً وعلواً وأظهروا الإحسان والتوفيق [إنْ أَرَدْنَا إلاَّ إحْسَاناً وتَوْفِيقاً] [النساء ٦٢] . وهذا خداع منهم أنهم ما أرادوا بهذا العمل إلا الإحسان في المعاملة والتوفيق بينهم وبين خصومهم فهم (يحلفون كاذبين أنهم ما أرادوا بالتحاكم إلى الطاغوت - وقد يكون هذا عرف الجاهلية - إلا رغبة في الإحسان والتوفيق وهي دائماً دعوى كل من يحيدون عن الاحتكام إلى منهج الله وشريعته، إنهم يريدون اتقاء الإشكالات والمتاعب والمصاعب [**] التي تنشأ من الاحتكام إلى شريعة الله ويريدون التوفيق بين العناصر المختلفة والاتجاهات المختلفة، إنها حجة الذين يزعمون الإيمان - وهم غير مؤمنين - وحجة المنافقين الملتوين هي هي دائماً وفي كل حين) [٥] وقد يستغلون هذا التلفيق المسيس للقضايا والمسائل الشرعية الموافقة لأباطيلهم وتضليل الشعوب بإقامتها وإقرارها برداء المصلحة الدنيوية والأخروية إذ المعتبر هو جهة المصلحة الشرعية التي هي عماد الدين والدنيا لا ما تمليه أهواءهم ونزعاتهم العدوانية وقد كفانا الله مؤونة فضحهم في كتابه العزيز (والقول الجامع أن الشريعة لا تهمل مصلحة قط بل الله تعالى قد أكمل لنا الدين والدنيا وأتم نعمه فما من شيء يقرب إلى الجنة إلا قد حدثنا به النبي ﷺ وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعده إلا هالك لكن ما اعتقده العقل مصلحة وإن كان الشرع لم يرد به فأحد أمرين لازم له إما أن الشرع دل عليه من حيث لم يعلم هذا الناظر أو أنه ليس بمصلحة وإن اعتقده مصلحة لأن المصلحة هي المنفعة الحاصلة أو الغالبة) [٦] .

стр. 1157

البيان الأدبي في رحاب هجوم السلام [*] محمود مفلح قليلةٌ هي القصائد الأصيلة المقنعة في هذا الزمن زمن الغثاء والهباء. ولا يكاد الواحد منا وهو يقرأ مئات القصائد يعثر على واحدة تستوقفه وتغريه. ومن هذه القصائد النادرة - ولا أقول القليلة - التي وقفت عندها طويلاً قصيدة أخي الدكتور الشاعر المتألق عبد الرحمن بارود المنشورة في العدد (٤٩) من مجلتنا (البيان) بعنوان (هجوم السلام) . والشاعر الدكتور عبد الرحمن بارود مقلّ في نشره ومتشدد في هذا النشر، والذي يقرأ مقدمة ديوانه- غريب الديار - الصادر عن دار الفرقان بعمان يعجب لهذا (البخل في النشر) وهذا الحرص على البقاء في الظل ... ولا أبالغ إن قلت - وأنا مطمئن - إنه شاعر المرحلة، بل يقف بجدارة على رأس قائمة شعراء العصر الحديث، وإن قصيدته المذكورة آنفاً والتي مطلعها: يا حمام السلام عد يا حمام ... لا يفلُّ الحسام إلا الحسام تؤكد ما أقول. فالقارئ العادي أو المتعجل قد لا يرى فيها شيئاً غير عادي، ولكن القارئ الحصيف المتمرس ذا الذوق الناضج يدرك أن هذه القصيدة جمعت بين البساطة والعمق، بين الحاضر والتاريخ، بين الأصالة والمعاصرة، وطرحت الموضوع طرحاً ذكياً مقتدراً مستفيدة من كل عناصر الإبداع الشعري. وقد زادها زخماً تلك الخيوط التاريخية التي دخلت في نسيجها والتحمت في بيئتها التحاماً عضوياً لا أثر فيه للتصنع أو الادعاء. والخواجا شيلوك في الذبح ماض ... منذ أن غلّنا " اللنبي " الهمام أوَ غيرَ الساطور يبصر شيئاً ... تاجر البندقية اللحَّام؟ وأبرز عنصر من عناصر هذا النص الشعري عاطفته المتأججة التي تصل إلى حد الفوران أو حد الشتيمة أحياناً. ثَكِلتْ أُمُّكمْ.. أليسَ لديكمْ ... غيرُ: (عاش السلام) (يحيا السلامُ) ؟ ؟ ثم توبيخ وتقريع: أينَ مليارُ (لا) ؟ ومليارُ (كَلاّ) ؟ ... أين تلكَ المحرَّماتُ الجِسامُ؟ ما لتلكَ " اللاءاتِ " تهويْ تباعاً؟ ... وَهَلْ صار ربُّنا (العمُّ سامُ) ولا يخفى ما لإشارات التعجب والاستفهام من دور في تثوير النص وشحنه بطاقة فنية عالية. كما لا يخف ما للتضاد من دور في تلوين النص وخروجه عن المألوف، عادتِ النارُ في البراكيِن ثلجاً ... وتخلى عن الرُعودِ الغَمامُ قد قَلبتُمْ كل الموازينِ قلباً ... وغدا أوَّل الحلالِ الحرامُ وتبلغ القصيدة ذروة تأثيرها في المقطع الأخير الذي يقول: وَقَعَ السقْفُ يا صناديدَ قومي ... أوَ صاحونَ أنتمو أمْ نيامُ؟ أين فتحٌ؟ ؟ وأين: (إنَّا فَتَحنا) ؟ ... شدَّ ما غَيرَّتْكُمُ الأيامُ! ! ويبقى جواب هذا السؤال الملح الذي ترفعه الأمة كلها عند تجار الشعارات ودهاقنة السياسة والمنظّرين. ولكن القصيدة لا تمهلنا كثيراً، إذ تضع الأمور في نصابها حين تقول: سُورةُ الفتح أُنزِلتْ في رعيلٍ ... اَلعماليقُ عندَهم أًقْزامُ نَفَروا خَلْفَ قائد من قُريشٍ ... عَقِمتْ عن نظيرِهِ الأرحامُ إي وربي يا أبا حذيفة (العماليق عندهم أقزام) والأقزام عند بني قومنا عماليق، إننا بحاجة إلى مثل هذا الشعر الأصيل الموهوب المتمكن، لنزيل ركاماً ورثناه في عهود الضعف والهزيمة. وإننا نطالب أخانا الدكتور عبد الرحمن بمزيد من الإبداع ومزيد من النشر، حتى تعود إلى الشعر عافيته، وإلى ميدان الشعر فرسانه الحقيقيون.

стр. 1158

مظاهر الانحراف في شعر المقاومة الفلسطينية أحمد بن راشد بن سعيّد تحفل الصحف العربية بإنتاج مجموعة من الشعراء الفلسطينيين الذين يقدمون للقارئ العربي على أنهم رواد شعر المقاومة الفلسطينية كما تنتشر دواوينهم في المكتبات، ويدعون لتقديم الأمسيات الشعرية، وتسبغ عليهم ألفاظ (المناضلين) و (الثوريين) وغيرها ... ولعل أبرز هؤلاء محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد ومعين بسيسو [١] . ومأخذنا على هؤلاء الشعراء إجمالاً هو انفصالهم عن هوية المقاومة، وتنكرهم لعقيدة الشعب الفلسطيني، والتماسهم حل القضية في مناهج مستوردة غريبة، وإنكارهم أن يكون الحل موجوداً في إسلام الأمة وتاريخها.. ونسوق ملاحظاتنا على شكل نقاط فيما يلي: الجرأة على الذات الإلهية: وهذه ظاهرة عامة تنتظم شعر المجموعة المذكورة، وباعثها كما تدل القصائد التضجر من الواقع والضيق بما آلت إليه القضية. يقول محمود درويش في قصيدته (الموت في الغابة) : نامي فعين الله نائمة ... عنا وأسراب الشحارير ويقول في مطولته (مديح الظل العالي) : (يا خالقي في هذه الساعات من عدم تجلّ.. لعلى لي رباً لأعبده لعلَّ) . وفي قصيدته (التعاويذ المضادة للطائرات) يقول سميح القاسم: (كنت طفلاً آنذاك.. علموني أن مجرى الأرض في كف السماء.. علموني أنه سبحانه يحيي ويفني ما يشاء.. دون أن أسأل من كانوا وماذا فعلوا للتعساء.. علموني الدجل والرقص وإذلال النساء.. علموني السحر والإيمان بالأشباح والرقية والتعزيم والخوف إذا جاء المساء.. ... فرس الخضر كفيل بي وحسبي الفقهاء.. يا أبي المهزوم.. يا أمي الذليلة.. إنني أقذف للشيطان ما أورثتماني من تعاليم القبيلة.. إنني أرفضها تلك الطقوس الهمجية.. إنني أجتثها من جذرها تلك المراسيم الغبية.. إنني أبصق أحقادي وعاري في وجوه الأولياء الصالحين.. إنني أركل قاذورات ذلي وانكساري للتكايا والدراويش وأقزام الكراسي ... النابحين.. (. ويستمر الشاعر في استهزائه وغيه فيقول: (صوبوا كل التعاويذ بوجه الطائرات.. ألبوا الله عليها.. واقذفوها بالوصايا العشر.. والجفر.. وآيات السماء البينات..) . وفي قصيدة (أبطال الراية) يقول سميح: (والله نحن نشاؤه بغرورنا.. شيئاً له قسماتنا الشوهاء ترسمه أنانياتنا) .. إلى آخر ما يقول من عبارات تنضح بالجهل بحقيقة الإسلام وتنبئ عن مرض صاحبها وفساد قلبه.. ومن قصيدة لمعين بسيسو بعنوان (إلى سائحة) يقول فيها: (وآخر ديك قد صاح ذبحناه.. لم يبق سوى الله.. يعدو كغزال أخضر تتبعه كل كلاب الصيد.. ويتبعه الكذب على فرس شهباء.. سنطارده.. سنصيد له الله) ! ! ويقول في قصيدة (عيون مليكة المراكشية) : (والله كان يلعب الشطرنج كل ليلة مع الملائكة..) ، ويقول في قصيدة (جندياً كان الله وراء متاريس دمشق) : (كان الله يحمل أكياس الرمل على ظهره.. يرفع بيديه الأحجار.. ويعجن بيديه الاسمنت.. ويقيم متاريس دمشق.. كان الله على شاطئ حيفا يصطاد السمك لأطفال فلسطين..) والمتتبع لقصائد هذه المجموعة يجد كماً من هذه الأشعار الكفرية التي ساهمت بلا ريب في تضييع القضية وتأخير مسيرة العودة إلى فلسطين [٢] . ... التنكر للتاريخ الإسلامي ورموزه: وبدلاً من أن يحاول هؤلاء الشعراء أن يبحثوا عن حل لمأساة فلسطين في سفر التاريخ الإسلامي، نراهم يزدرون هذا التاريخ ويقللون من أهمية رموزه وأبطاله.. وهذا هو محمود درويش يتمنى كتابة تاريخه وحاضره (بالفأس والمنجل) فيقول في قصيدة (مغني الدم) : (ليتني أدفن كل الكلمات الميتة.. ليت لي قوة صمت المقبرة.. يا يداً تعزف يا للعار خمسين وتر.. ليتني أكتب بالمنجل تاريخي.. وبالفأس حياتي..) . ويقول سميح القاسم متسائلاً في قصيدته حتى الموت: (وماضيك؟ كتب جمة والتمر والشمس.. وغار الوحي والتكبير والدعوة.. وسيف الله والرومان والفرس.. وباسم الله والثورة.. وما الحاضر؟ ميراث الدم المهدور في الماضي.. ووشم من قلاع المجد عميقاً تحت أنقاضي.. وطاقية إخفاء.. وجن في بساط الريح.. وآلاف العيون الزرق.. والعجمة في لفظي.. وكنز من شروح الفقه والأنساب والوعظ..) . والغمز والطعن والتهكم بالتاريخ الإسلامي والحاضر المتصل به الآخذ منه واضح في هذه العبارات، ويزيد ذلك وضوحاً قول سميح في قصيدة (الميلاد) : (أبي.. لا كتبنا الملقاة تحت نعال هولاكو.. ولا فردوسنا المردود فردوساً إلى أهله.. ولا خيل الصليبيين.. ولا ذكرى صلاح الدين.. ولا جندينا المجهول في حطين.. تشد خطاي للأنقاض في المنفى..) . وننظر لنرى ماذا يشد خطى سميح للمنفى فإذا هو يقول: (فمن حبي لأطفالي أشيد مصانعاً كبرى.. وأرتق معطفي البالي وأبني مسكناً حلوا.. وأخلق جنة خضرا) . إن بطولات المسلمين وملاحم الجهاد الفذ التي سطروها والعقيدة الصلبة التي ربتهم وعلّت شأنهم.. كل ذلك لا يحفز للتحرير، ولا يشد الخطى إلى المنفى.. فما هو البديل إذن؟ وما الذي سيغذ الخطى ويحفز الهمم ويدفع مواكب التحرير إلى فلسطين؟ إنه في رأي سميح العمل والفلاحة، أي التوجه إلى المستقبل وإهمال الماضي بكل شموخه وجلاله، وهي الصورة السمجة الشوهاء التي رسمتها الاشتراكية البائدة. الافتتان برموز المذاهب الهدامة: ولأن أصحاب الشعر المقاوم لا يفخرون برموز وأبطال الجهاد الإسلامي ولا يستلهمون من قصص كفاحهم شعاعاً يضيء طريقهم، فهم يتغنون بأعمال جيفارا ولينين، ويهتفون لآراء سارتر وغيره من دعاة المذاهب الوثنية.. وهذا سميح القاسم الذي يقول أن ذكرى صلاح الدين لا تثير اعتزازه، وأن جهاده الصليبيين لا يحرك في نفسه شيئاً، يقول في قصيدة يخاطب فيها الزعيم الكوبي فيدل كاسترو: (قدماً.. قدماً في هذا الدرب.. يا حاطم أغلال الشعب.. قدم يا أول شعلة.. في عتمة أمريكا المحتلة.. يا غوث الجزر المنهوبة.. وعزاء الأمة المنكوبة..) ويوجه قصيدة إلى جان بول سارتر صاحب مذهب الوجودية فيقول: (أطلقها ناراً في وجه الأعداء.. أطلقها كلمتك الحمراء.. ما دام على الدنيا باستيل.. ما دامت قضبان وسياط ودماء.. يا أنبل قنديل.. في عتمة باريس العمياء..) . ويقف توفيق زياد أمام ضريح لينين خاشعاً، فينعقد لسانه وتأخذه رهبة الموقف (! !) لكنه بعد ذلك يصور مشاعره وهو ماثل أمام قبر الطاغوت في هذه الكلمات: (كأنني ولدت من جديد.. كل الشموس في يدي وأجمل الورود.. أمامه وقفت خافض الجبين.. ضريحك الذي يعيش في القلوب يا لينين.. أحسست أنني أنا المعذب الشقي.. المعدم الذي نصيبه من الحياة كوخ طين.. أملك كل شيء.. أقوى من الزمان والقضاء.. وأنني أقدر أن أقتحم السماء.. أردت أن أقول كلمتين.. واحترت ماذا يقدر الشقي أن يقول؟ ! وجدت أن الصمت يا معلم الأجيال.. أصدق من كل الذي يمكن أن يقال) . ونقرأ قصيدة لمعين بسيسو بعنوان (قصيدة فلسطينية إلى لينين) يقول فيها: (كان لينين فكان الحزب.. يا فرس البحر على الصخرة.. تلد ملائكة الشعب.. موسكو في القلب..) ؟ ! وفي دواوين شعراء المقاومة هؤلاء نطالع كثيراً من هذه القصائد التي تتغنى بلينين وكاسترو وسارتر وغيرهم من الأصنام التي هوت أو تتهاوى إلى مزبلة التاريخ. تبني الاتجاه الماركسي كطريق لإنهاء المأساة: والقارئ لشعر المقاومة يلمس تأثراً واضحاً بالفكر الماركسي (ومن أسباب ذلك الاعتقاد بأن الاتحاد السوفييتي البائد كان النصير لحركات التحرر العربية! !) ومن مظاهر هذا التأثر التهجم على الدين والتاريخ وإطراء الاشتراكية، والتنديد بهمجية الغرب الرأسمالي وجوره على الطبقة العاملة.. وهذا سميح القاسم يشرح في قصيدته (عزيزي إيفان) كيف قاسى العذاب وأصابه اليتم والفقر والتشريد، فلم يلق مساعدة من أحد، ولم يجد في (دور الوعظ والإرشاد) من يحنو عليه، وإذا به يصحو يوماً على صوت (معلم جوال) أتى من قمة الشرق وانتشله من مجتمع الذئاب إلى حياة ملؤها الهناء ورغد العيش.. هذا المعلم بالطبع هو رسول الاشتراكية.. يقول: (دعوت الأولياء الصالحين فردت الوديان.. إلهك كان يا هذا.. إلهك كان!! وقهقهت السفوح السود والقمم النحاسية.. إلهك كان.. يا طرح الأناشيد الحماسية.. وعاد إليّ في الصوت.. جبيني الأول العالي.. وقلبي عاد مركبة فضائية.. تخط طريق أجيالي.. وعادت ملء أجفاني المسافات الربيعية.. وغابات المداخن والصنوبر والقراصية.. أجل عادت مع الصوت.. رؤى نسلي الذي أقسمت أن يأتي.. ووجه الأرض مخلوق من البدء.. بصورة سفر تكوين.. يسمى الاشتراكية..) ! ! وفي قصيدة (برلين تستعيد شعرها) يقول سميح: (ربى الشيوعيون شعرك.. طيبوه ودللوه.. ربوه بالفرح المقدس والمرارة والصمود.. لا كي يجز غدائره.. متحضرون برابرة.. برلين.. لا لن ينسجوا من شعرك المبعوث أغطيه الجنود.. عين الشيوعيين ساهرة..) . ويقول توفيق زياد في قصيدة (شيوعيون) : قالوا: شيوعيون. قلت: أجلهم ... حمراً بعزمهم الشعوب تحرر قالوا شيوعيون: قلت منية ... موقوتة للظالمين تقدر قالوا: شيوعيون. قلت: أزاهر ... بأريجها هذي الدنا تتعطر.. يا سائلي لا تستب أمورنا ... حتى يظللنا اللواء الأحمر وفي قصيدة بعنوان (المطر الأول) يقول محمود درويش: (في رذاذ المطر الناعم كانت شفتاها.. وردة تنمو على جلدي.. وكانت مقلتاها.. أفقاً يمتد من أمسي إلى مستقبلي.. كانت الحلوة لي.. كانت الحلوة تعويضاً عن القبر الذي ضم الها.. وأنا جئت إليها من وميض المنجل.. والأهازيج التي تطلع من لحم أبي ناراً وآها) . وقد مر بنا كيف أن درويش تمنى كتابة تاريخه وحاضره بالفأس والمنجل معلناً انهزامه وانسلاخه من عقيدة أمته وماضيها. ويؤكد في قصيدة أخرى افتتانه بهذا المنجل لا السيف الذي اشتهر به العرب والمسلمون فيقول: (نعم عرب ولا نخجل.. ونعرف كيف نمسك قبضة المنجل) ! ونطالع في شعر المقاومة كثيراً من الاستعارات والألفاظ التي تنبعث منها رائحة اليسار مثل (الرفاق) ، (العمال) ، (الثوار) ، (الجياع) ، (الكادحون) ، (الرجعية) ، (الأممية) وغيرها. ولأن الاشتراكية ذات طرح عالمي، فإن شعراء المقاومة ربطوا كثيراً بين نضال الشعب الفلسطيني و (نضال) شعوب المعسكر الاشتراكي (السابق) ، وقرروا أن هدفهم واحد وهو القضاء على (الامبريالية) والاستغلال والتمييز العنصري.. وتتجلى هذه الفكرة عند سميح القاسم في قصيدته (لو) إذ يقول: (لو يصدق الكلام.. وتحمل الريح ولو سلام.. من ثائر في الشرق.. لثائرين يشتلون النور في الظلام.. لثائرين إخوة لا فرق.. في النيل.. في الكونغو.. وفي الفيتنام) . ونلمس فكرة (العالمية) هذه في قصائد سميح القاسم الذي يخاطب فيها الشيوعي الإسرائيلي مائير فلنر والزعيم الكوبي فيدل كاسترو وثوار الفيتكونغ الفيتناميين.. كما نقرأ قصيدة لتوفيق زياد يحيي فيها عمال (مصافي النفط وحقول السكر في كوبا، وقصيدة أخرى يخاطب فيها ثوار أفريقيا بقوله: (يا أخوتي المتزنرين على البنادق والحراب.. في قلب أفريقية السوداء.. في خضر الشعاب.. إنا نراها ثورة التحرير تقرع كل باب..) [٣] . الغلو في تقديس الأرض: وبسبب بعد هؤلاء الشعراء عن العقيدة الإسلامية، وفقدانهم للتصور الإسلامي، فهم (يتطرفون) في تقديس الأرض، ويجعلونها غاية الكفاح ومنتهى القصد. يقول توفيق زياد معبراً عن هذه النظرة المادية الضيقة: (آه يا رائحة الأهل، ويا بيتاً من الطين، ويا حفنة عشب وتراب.. كم علينا اليوم من أجلكمو، أن نجرع الموت وألوان العذاب) . ويقول محمود درويش: (هذه الأرض التي تمتص جلد الشهداء.. فاعبديها نحن في أحشائها ملح وماء) . ويقول في قصيدة (أهديها غزالاً) : ... (وفي ليل رمادي رأينا الكوكب الفضي.. ينقط ضوءه العسلي فوق نوافذ البيت.. وقالت وهي حين تقول تدفعني إلى الصمت: تعال غداً لنزرعه مكان الشوك في الأرض.. أبي من أجلها صلى وصام.. وجاب أرض الهند والإغريق.. إلهاً راكعاً لغبار رجليها.. وجاع لأجلها في البيد.. أجيالاً يشد النوق.. وأقسم تحت عينيها يمين قناعة الخالق بالمخلوق.. فدائي الربيع أنا.. وعبد نعاس عينيها.. وصوفي الحصى والرمل والحجر.. سأعبدهم لتلعب كالملاك.. وظل رجليها على الدنيا.. صلاة الأرض للمطر..) . وهذه النظرة الأرضية الجاهلية تنتظم شعر المقاومة الذي نحن بصدده.. ولا نكاد نلحظ في هذا الشعر ذكراً للمسجد الأقصى وغيره من المقدسات الإسلامية في فلسطين، وهي التي تصل فلسطين بالسماء، وتجعل قضيتها أكبر من مجرد (حصى ورمل وحجر وغبار) . وختاماً لا بد أن نشير إلى أن الحديث عن دلائل الانحراف هذه يقصد به إيضاح المسافة التي تفصل الأمة عن هؤلاء الشعراء، وأنهم خلافاً لما تصوره الصحافة العربية لا يمثلون همَّ وضمير الشعب الفلسطيني. كما لا يعني هذا الحديث عدم وجود شعر فلسطيني مقاوم يستلهم معاني الإسلام وتعاليمه، وللدكتور مأمون فريز جرار كتاب بعنوان (الاتجاه الإسلامي في الشعر الفلسطيني) يرصد إنتاج الشعراء الفلسطينيين الذين ربطوا فلسطين بإسلامه وتاريخها، وتغنوا بفتوحات المسلمين وبطولاتهم، وأكدوا أن الجهاد في سبيل الله هو طريق التحرير والكرامة.. ومن المناسب هنا إيراد هذه الأبيات للأستاذ يوسف العظم، والتي تحكي حال ومقال المسلم الفلسطيني الملتزم بدينه، المؤمن بموعود ربه، المباهي بأصالته وتاريخه: أهيم براية اليرموك أهوى أخت حطين ... تفجر طاقاتي لهباً غضوباً من براكين ... لأنزع حقي المغضوب من أشداق تنين ... وأرفع راية الأقصى ورب البيت يحميني ... سلاحي النور في قلبي ورشاشي وسكيني ... ولكن دون أوهام لجيفارا ولينين ... ففكر الشرق يتعسني، وفكر الغرب يشقيني ... أرتل آية الكرسي أتلو ربع ياسين ... وفي صدري كلام الله يسعدني ويشفيني ... كفرت بدعوة الإلحاد من صنع الشياطين ... وأوثان صنعناها من الأوحال والطين ... وآمنا برب البيت والزيتون والتين ... ليشمخ شعبنا حراً عزيزاً في فلسطين ... * * * مصادر النصوص (عدا أبيات يوسف العظم) : - ديوان سميح القاسم (بيروت دار العودة، ١٩٧٣) - ديوان محمود درويش (بيروت دار العودة؛، ١٩٧٧) - محمود دوريش، مديح الظل العالي (بيروت دار العودة، ١٩٨٤) - معين بسيسو، الأعمال الشعرية الكاملة (بيروت دار العودة، ١٩٧٩) - ديوان توفيق زياد (بيروت دار العودة، ١٩٧١) - ديوان فدوى طوقان (بيروت دار العودة، ١٩٨٤) .

стр. 1159

شعر صرخة من أحفاد صلاح الدين د. عبد الرحمن صالح العشماوي أنا بينكم شعبٌ دمي مطولُ ... أُصغي وألسنةُ الرَّصاص تقولُ أنا بينكم، أصلى بنار قذائفٍ ... وتُصاغ قصّةُ حسرتي، وتطولُ أنا بينكم، شعبٌ يُقسَّمُ جهرةً ... والشمس في كبد السماءِ تجولُ شعبٌ يُغذَّى بالأسى أطفالُه ... ويُشرَّدون وللنساءِ عَويلُ أنا بينكم يا مسلمون سعادتي ... نُقِضَتْ، وحَبْلُ تعاستي مفتولُ هذي الجراح، أما تحرَّك ساكناً ... فيكم، أما للغافلين عقولُ؟ ما زلتُ أحزم للجهاد حقائبي ... لكنني عن ساحتي معزولُ أوَ ما ترون القومَ يدفع بعضُهم ... بعضاً إلَّي، فقاتلٌ وقتيلُ؟ خانوا صلاح الدين في أحفاده ... فأعزُّهم للغاصبين عميلُ أوَّاه لو أبصرتم الطفل الذي ... أمسى، وهيكلُ عظمه مشلولُ أوَّاه لو أبصرتم الأمَّ التي ... ماتت، ولا كفنٌ ولا تغسيلُ هذا فتىً بالأمس هاجر خائفا ... مترقّباً، والاسمُ إِسماعيلُ من أسرةٍ معروفة بصلاحها ... ما شابها زيف ولا تضليلُ خرجوا من البيت القديم، أمامهم ... دربٌ من القصف العنيف طويلُ رحلوا من البيتِ المهدَّم خمسةً ... والجوع قاسٍ، والطعام قليلُ وصلوا إلى (زاخو) بغير أبٍ ولا ... أمٍّ فلم يَشف القلوبَ وصولُ وصلوا وقد نقصوا وشُتِّت شملُهم ... وأصابهم بعد الصعود نزولُ وصلوا إلى (زاو) فما وجدوا سوى ... كفَّ الصليب، غذاؤُها مبذولُ وصلوا وأعينهم سؤال دامغٌ ... لو كان يدرك ما جرى المسؤولُ أين الأحبة، يا صخورُ تحدثي ... هل من أخٍ يمحو الأسى ويُزيل؟ ! أين الأحبَّة، واستجاب منصَّرٌ ... لندائنا، في كفِّه الانجيلُ! (هابيلُ) يرسم لوحةً من جرحه ... فمتى ينال جزاءه (قابيلُ) ؟ ! يا قومنا، إنَّا نرى جزَّارَنا ... وعليه من إِغضائكم إكليل أو سنَّ هذا في الحياةِ (محمَّدٌ) ... أتلاه في قرآننا جبريلُ؟ ! يا إخوةً الإسلام، ساومنا على ... إيماننا مَنْ قلبُه مغلولُ عُرضتْ قضيّتُنا وليس لمتنها ... شرحٌ يفيد، ولا له تذييلُ يا إِخوةَ الإسلام، هذا ثوبُنا ... بدموعنا ودمائنا مبلولُ عجباً، أتنتظرون أنْ تُمحى بكم ... أرضٌ، ويدعو الناسَ إسرافيلُ؟ ! عجباً، أتنتظرون أنْ يُلغى بكم ... في البحر، تعبثُ بالرؤوس ذيولُ؟ ! عجباً، وينطفئُ السؤال، وينمحي ... أثرُ الجواب، ويخطئُ التعليلُ لا البدرُ أنشدنا الضياءً، ولا شدتْ ... فينا النجومُ، ولا استضاء دليلُ كلاّ ولا روت الشموعُ حكايةً ... من نورها، أو أفصح القنديل عذراً - أخا الإسلام - صوتك ظاهرُ ... لكنَّ سمع الغافلين ثقيلُ شغلتْهم الأهواء عن أمجادهم ... فالَّشهمُ فيهم خائفٌ مخذولُ عذراً - أخا الإسلام - إنَّا أمةٌ ... ما زال يقلب رأسها التطبيلُ أجفانُ أمتنا تُكحَّل بالقذى ... أيراكَ جَفْنٌ بالقذى مكحولُ؟ ! أو ما رأيتَ رجالها قد هرولوا ... ووراءهم بالسَّوط (إسرائيل) ؟ ! كم أوَّلوا معنى السلام فأشرقتْ ... شمسُ الضحى فتهافت التأويلُ يا مَنْ صلاحُ الدين منكم، لم أزلْ ... أرنو إليه، وسيفُه مسلُولُ كسر الصليبَ وحرَّر الأقصى، فما ... عاش الصليبُ ولا استقرَّ دخيلُ ما زلتُ أبصره يناجي ربَّه ... والنجمُ غافٍ، والهلالُ كليلُ يدعو وقائمُ سيفه مُعْشَعوشبٌ ... بالمكرماتِ، وحدُّه مصقولُ يدعو فتنتعشُ الدروب وينتشي ... (قدسٌ) ويفرح باللقاءِ (خليلُ) يدعو فيُفْتَح كلُّ بابٍ مقفلٍ ... ويصُكُّ سمعَ الغافلين صهيلُ ما زلتُ أبصره، وأبصر أمتي ... في عصرنا، وإزارُها محلولُ فأكاد أخرج من ثياب عزيمتي ... وينالني بعد الثبات نُكولُ عذراً - أخا الإسلام - إنَّ مشاعري ... نَهرٌ، خريرُ مياهه تبجيلُ كم من أخٍ قتلوه ظلماً بينكم ... فكأّنما أنا، لا هو المقتولُ هذا دليل أخوَّةٍ في الله لا ... يخفى ولا يتغيرُ المدلولُ صبراً - أخا الإسلام - إنَّ نهارنا ... آتٍ يصول بنوره ويجولُ طرقُ السياسة يا أخي معوَجةٌ ... كم ضاع فيها سائسٌ ودليلُ الله مولانا ومولاكم وفي ... كَنَفِ المهيمن نصرُنا المأمولُ

стр. 1160

المسلمون والعالم رسالة مفتوحة إلى المجاهدين الأفغان الشيخ عبد الله بن حسن القعود حضرات الإخوة الكرام قادة الجهاد الأفغاني: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وأصلي وأسلم على رسوله محمد، وأهنئكم بما من الله به على المسلمين عامة من خير على أيديكم، وفي مقدمته دحر الشيوعية الحمراء العفنة التي لا تؤمن برب، ولا تحترم ما جاء الإسلام باحترامه من الضروريات الخمس وغيرها، والتي لاقى منها المسلمون الأمرين خلال الحكم الروسي الذي دكت معاقله، وفرقت جموعه، وأعلن إفلاسه بسبب جهادكم الميمون، ولاقت الجزيرة العربية وغيرها من الثورات القائمة بها على مبادئه العنت الكثير والشر المستطير الذي لا يزال من بلى به يرزح تحت ويلاته. فجزاكم الله عن الإسلام والمسلمين خيراً، وزادكم خيراً إلى خيركم، ورشداً إلى رشدكم، وعزاً إلى عزكم، آمين آمين. وبعد: فأذكركم - لا أعلمكم - بأن جهادكم قام لدحر الشيوعية - وقد دحرت والحمد لله - ولإقامة حكم إسلامي حقيقي على أرض أفغانستان، ينطلق به من كتاب الله وسنة رسوله، ومدت إليكم الأيدي بالأموال الطائلة جهاداً بالمال معكم، ودخل صفوفكم من تعلمونهم وممن لا تعلمونهم من عرب وغير عرب من شتى أنحاء العالم، باعتباره جهاد المسلمين عامة، ولقى ربه منهم من لقيه في ميادينكم الجهادية، وأطلقت الألسن بالخطب والمواعظ والأشعار لدعمكم بالمال والرجال، وأعلنت الفتاوى الشرعية من علماء من ذوي الصدارة في العالم الإسلامي والأهلية في الفتوى في سنوات الجهاد الأولى بأن الجهاد معكم فرض عين، ومن أولئكم شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ محمد ناصر الدين الألباني، حفظهما الله وغيرهم. وأبليتم أنتم وأتباعكم في هذا الجهاد من البلاء الحسن ما بدت ثماره تقطف - والحمد لله - أتم الله لكم جهادكم وأقر أعينكم بتحقق ما أملتموه من قيام دولة إسلامية حقيقية لا اسمية، كما هي الحال لدى بعض المسلمين، وكما يراد بكم الآن. ولكن الشيء المفزع للمسلمين عموماً، ولمن شارككم في جهادكم بنفس أو مال أو قول خصوصاً، ما يرى من مسعى عظيم لقطف ثمرة هذا الجهاد العظيم والانتصار الهائل من غير أهله الحقيقيين من إبراز وتلميع رموز لإدارة حكمه الجديد المنتظر لا يرجى منها أن تحقق الهدف الذي قام الجهاد ودعم بن أجله، وحسبهم منقصة وصف الغرب وعملاؤه لهم بالمعتدلين، وإتاحتهم الفرصة لضرب الميليشيا الشيوعية للمجاهدين، ومنهم من قلتم عنه أنتم الأربعة - سياف، رباني، حكمتيار، يونس خالص وحضور مولوي محمد نبي - لما حضرت لديكم ببيشاور قبل ٩ سنوات بتكليف من سماحة الوالد الشيخ عبد العزيز بن باز وصحبة الشيخ صالح السعود العلي والشيخ صالح المزروع للتقريب بين وجهات المجاهدين واتحادهم أنه طرقي مبتدع، بدعته لا تجيز اتحاد المجاهدين معه! واليوم وأمس ينصب لرئاسة الحكومة التي جاهدتم أنتم ومن تعاون معكم لإقامتها! سبحان الله! إنها لخسارة إن لم تُتَدارك، ونكسه وقاكم الله شرها. فيا إخوتي في الله وأحبتي فيه: أناشدكم الله وأعيذكم بالله أن تضيعوا جهود المسلمين عموماً، ابذلوا الجهد فيما يحقق ما قصدتموه وأعلنتموه، وقاتلتم من أجله، حتى ولو أدى الامر إلى إستمرار الجهاد ضد أهل البدع المكفرة أو الأفكار المنحرفة لغرب أو لبقايا شرق، مستعينين في ذلك بالله الذي أوصلكم إلى هذا الأمر بعد أن كنتم مستضعفين باذلين في جمع كلمتكم وتوحيد صفوفكم ما تملكون من نفس أو نفيس لتحقيق هدفكم الحق المنشود من إقامة حكم إسلامي لا يد فيه لشرق، ولا لغرب، ولا لرافضي، ولا لطرقي، ولا لمن يأتمر بأمرهم، منطلقين من كتاب الله وسنة رسوله، وسير الملتزمين لهما بين أئمة الهدى. نرجو الله الذي أفرحنا - نحن المسلمين - بانتصاركم على ألد خصم وأعنته للمسلمين في الدنيا يوم أن بدأتم جهادكم معه قبل ١٤ سنة بعشرين رجلاً؛ أن يفرحنا بقيام الدولة التي جاهدتم من أجل قيامها. وفقكم الله وجمع كلمتكم على الحق، إنه سميع مجيب. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
следующие страницы →