← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

خواطر في الدعوة خطأ الواحد ... وصواب الجماعة محمد العبدة «خطأ الواحد في تدبير الأمور، خير من صواب الجماعة التي لا يجمعها واحد، لأن الواحد في ذلك يستدرك، وصواب الجماعة يضرّي على استدامة الإهمال، وفي ذلك الهلاك» . هذا الكلام النفيس للإمام ابن حزم الأندلسي، وقد ذكرني ببعض أحداث تاريخنا الإسلامي، لأرى مصداق ما ذكره: فئة معها الحق، أو هي أقرب إلى الحق، ومعها كل مقومات النجاح سواء في القيادة أو التضحية، والحماس والثقة بالنفس وبالحق التي هي عليه، ومع ذلك فقد فشلت، فمن أين جاء الخلل؟ . لم يكن قائد هذه الفئة يطلب الطاعة العمياء من رعيته، ولكن بعضهم لا يستحق هذا التكريم، فتمادوا في إساءة استعمال هذه الحرية المتاحة لهم، وأصبحوا كلهم فقهاء وساسة وقادة، فلم يرضوا برأي قائدهم في أول الأمر، ولا في آخره، جاء الخطأ من حيث يجب أن يكون هو الصواب، وأعنى احترام الآخرين وإعطاءهم حرية الشورى والكلام. ولكنهم استخدموا هذا الحق في غير محله، بل أن بعضهم لا يستأهل هذا الحق. إن شبكة الترابط والالتفاف حول القيادة في صف كهذا تكون ضعيفة ولذلك يخسر الذي معه الحق، فهل نستفيد من هذه التجربة أم يتكرر الخطأ، ولا يقوى المسلمون ولا يتمكنون، وذلك لاستدامة الإهمال كما عبر ابن حزم، هذا الإهمال الذي يكون أحياناً بسبب عدم المعرفة بشبكة العلاقات بين الناس، وتداخل الأمور الشخصية مع ما يتعلق بالمصلحة العامة، وما يترتب على ذلك من نظرات صائبة أو خاطئة لأن هذا التداخل يكون طبيعياً أحياناً، وشاذاً أحياناً أخرى والمجتمع المسلم سواء كان صغيراً أو كبيراً ليس هو مجتمع الأطهار الأبرار، الذي ليس فيه أي خطأ، أو ضعف بشري، أو تطلعات يختلط فيها الإخلاص التام ببعض الهوى، وليس هو بالطبع المجتمع المادي المتكالب على الدنيا وشهواتها ولكنه المجتمع الذي يتطلع دائماً إلى الأفضل، إلى تطهير النفس من أدران الجاهلية، فالذي يحاسب الناس على أنهم يجب أن يكونوا ملائكة تمشي على الأرض سيخسر الجولة، لأنه لا يعلم كيف تكون العلاقات الاجتماعية. وسبب آخر للفشل هو الفوضى التي درج عليها البعض بسبب التكريم الذي أعطوه، فظنوا أنهم فقهاء ساسة ولأنهم تعودوا على الأوامر والخضوع، فإذا أريد منهم أن يرتفعوا عن هذا المستوى دبت الفوضى في أوصالهم، وظنوا أنهم لم يكرموا إلا لأنهم على مستوى عال من التمرس بالدعوة. بهذه العقليات، وبهذه النفسيات تتشتت الجهود، ولو كانت النوايا صادقة، ويشعر المسلم بالأسى كما شعر أمير المؤمنين علي -رضى الله عنه- عندما وصف أتباعه من أهل الكوفة الذين يدعون محبته فقال: «فيا عجباً من جِدِّ هؤلاء القوم في باطلهم، وفشلكم عن حقكم، ولوددتُ أن الله أخرجني من بين ظهرانيكم، وقبضني إلى رحمته من بينكم، والله لوددتُ أني لم أركم ولم أعرفكم. معرفةً والله جرّت ندماً. قد ورّيتم صدري غيظاً، وجرعتموني الموت أنفاساً، وأفسدتم علىّ رأيي بالعصيان والخذلان» [١] .

стр. 107

مجال العقل البشري وحاجة البشر إلى الرسالة د. سليمان العايد غالت البشرية في نظرتها للعقل، ولاسيما بعد أن فتح الله للعقل مجالات رحبة في علوم الفضاء والذرة، واكتشفوا سراً من أسرار الكون التي كان يجهلها وظنت أن بإمكانها أن تستغني عما جاء به الأنبياء، فطرحوا الشرائع السماوية جانباً، وسنوا لأنفسهم الأنظمة، وشرعوا لحياتهم القوانين، وأحلوا ما اشتهته أنفسهم، وحرموا ما اشمأزت منه نفوسهم، استناداً على ما تمليه عقولهم القاصرة وخيالاتهم الممرورة، فحاربوا الدين السماوي بحجة تحرير العقل من قيوده وإفساح المجال له ليقوم بواجبه، من وضع الأنظمة وسن القوانين، ولم يسبق هؤلاء في مقالتهم إلا طائفة وثنية في بلاد الهند تدعى البراهمة، وهم من عُبّاد البقر. والعقل في التصور الإسلامي له وضع يليق به، لا يرتفع ليكون إلهاً، ولا يمتهن ليكون صاحبه كسائر الحيوانات، إذ من المسلم أن العقل له قدرة في معرفة ما يصلحه وما يضره، وقدرة في معرفة الحسن من القبيح معرفة فطرية، ولكن هذه المعرفة وهذا الإدراك من العقل أمامه إشارات تجعله لا يقدر على تسيير الحياة وحده دون وحي، ومن هذه: ١- معرفة الغيب الذي أخفاه الله عن خلقه على حقيقته، كمعرفة صفات الله، والملائكة والجن والنار والجنة، وما أعده الله لعباده من الثواب والعقاب، ونحو ذلك من الأمور التي لا تقع تحت الحس. ٢- إدراكات العقل مجملة لا مفصلة، فقد يدرك أن هذا الفعل حسن مثل العدل، ويدرك أن هذا الفعل قبيح مثل الجور، وقد يعجز عن تحديد عمل من الأعمال: هل هو عدل أو جور؟ ٣- أن العقول قد لا تقدر على معرفة الحسن من القبح، وخاصة إذا تَضّمْن الفعل مصلحة ومفسدة، أو كان ظاهره الفساد وباطنه المصلحة. قال ابن تيمية: «الأنبياء جاءوا بما تعجز العقول عن معرفته ولم يجيئوا بما تعلم العقول بطلانه، فهم يخبرون بمحارات العقول، لا بمحالات العقول» [مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢/٣١٢] . ٤- اختلاف العقول الإنسانية ومستوى إدراكها، فقد يستحسن عقل مالا يستحسنه آخر، ويستقبح عقل مالا يستقبحه آخر، مما يوقعها في متناقض الآراء، ويحيل هذه الآراء فرضيات لا حقائق مقطوعاً بها. ٥- العوامل التي تؤثر في إدراك العقل البشري تبذر بذور الشك في صحة ما تنتهي إليه العقول. دور العقل البشري: ولنا بعد هذا أن نتساءل عن عمل العقل، وعما يمكن أن يقدمه للبشر؟ إن عمل العقل هو التفكر في مخلوقات الله. واستخراج كنوز الأرض وخيراتها، بما يتوصل إليه من علوم في الطبيعة، وأما الأمور التي لا تقع تحته فليس له أن يبحثها، كالأمور التي وراء الطبيعة، كما أن ليس له أن يستعبد العقول الإنسانية الأخرى، وعليه أن يذعن للوحي ويخضع له، ويجتهد في فهمه وتدبره، واستنباط ما لم يصرح الوحي به، ويخفى على بعض العقول، مع التواضع لله، والتسليم لوحيه، وعدم إنكار ما يستوعبه العقل، أو تكذيبه. وقد آن الأوان لنشرع في تفصيل أوجه حاجة البشرية إلى الرسالة السماوية فنقول: لا يمكن إنكار فضل العقل في إدراك الحسن والقبح، ولكن هل يكفي إدراكه لتحمل تبعة التكليف والمسؤولية، وهل يكفي لاستحقاق الثواب أو العقاب، وهل يغني العقل عن الرسالات السماوية؟ هذه أسئلة دار حولها جدل قديم يحسن بنا أن نلم بخلاصة وافية عنه، فنقول: قد ثبت في الصحيح عن عياض ابن حمار، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «إن الله نظر إلى أهل الأرض، فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب» والمقت هو البغض بل هو أشد البغض. وبجانب هذا المقت نجد أن الله لا يعذب إلا ببعث رسول، قال تعالى: [ومَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً] وقال: [ولَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ ونَخْزَى] [طه ١٣٤] ، [ومَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا ومَا كُنَّا مُهْلِكِي القُرَى إلاَّ وأَهْلُهَا ظَالِمُونَ] [القصص ١٥٩] ، وقال قبلها: [ولَوْلا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ] [القصص ١٤٧] ، وقال: [لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ] . فالعذاب مرتب في الآيات على بعث الرسل، وقيام الحجة بهذا البعث، وإن كان مقتضى تعذيب الأمم موجوداً، لأن الله مقتهم، وبين استحقاقهم للعذاب، ولكن الله سبحانه رؤوف بعباده يحب العذر منهم، ويقبله، لما ورد في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «ما أحد أحب إليه العذر من الله ، من أجل ذاك أرسل الرسل، وأنزل الكتب» ، وفي رواية: «من أجل ذلك بعث الرسل مبشرين ومنذرين، وما من أحد أحب إليه المدح من الله، من أجل ذلك مدح نفسه، وما من أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن» . وقد اختلف الناس هل يعلم حسن الأقوال والأفعال وقبحها بالعقل أم لا؟ وهل يرتب على ذلك ثواب وعقاب أم لا؟ ويمكن حصر هذه الأقوال في ثلاثة مذاهب: أولها: مذهب القائلين بأن ذلك لا يعرف إلا بالشرع وحده دون العقل، وهذا قول الجهم بن صفوان وإخوانه، وقول أبي الحسن الأشعري واتباعه كالقاضي أبي بكر بن الطيب، وأبي عبد الله بن حامد، والقاضي أبى يعلى، وأبى المعالي وأبي الوفاء بن عقيل، وغيرهم. وثانيها: أن العقل قد يعلم حسن الأقوال والأفعال وقبحها، والذي يخالف ما يتوصل إليه العقل يستحق عذاب الآخرة بمجرد مخالفته للعقل، وإليه ذهب المعتزلة والحنفية، وأبو الخطاب محفوظ بن أحمد. وثالثها: أن العقل قد يعلم حسن الأقوال والأفعال وقبحها، ولا تقوم به الحجة وحده، ولا يستحق العذاب من خالفه إلا بعد إقامة الحجة عليه بإرسال الرسل - صلى الله عليهم وسلم-، ويقول هؤلاء: لا يعذبون حتى يبعث إليهم رسول كما دل عليه الكتاب والسنة. لكن أفعالهم تكون مذمومة ممقوتة يذمها الله ويبغضها، ويوصفون بالكفر الذي يذمه الله ويبغضه، وإن كان لا يعذبهم حتى يبعث إليهم رسولاً، كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح كما تقدم: «إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، وإن ربي قال لي: قم في قريش فأنذرهم. قلت: إذاً يثلغوا رأسي حتى يدعوه خبزة، قال: إني مبتليك ومبتلٍ بك، ومنزل عليك في كتاباً لا يغسله الماء، تقرؤه نائماً ويقظان، فابعث جنداً أبعث مثليهم، وقاتل بمن أطاعك من عصاك، وأَنفق أُنفق عليك» وقال: «إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً» . وقال النبي ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة» وفي رواية: «على هذه الملة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟» ثم يقول أبو هريرة -رضي الله عنه -: (اقرأوا إن شئتم: [فِطْرَتَ اللهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا] قيل: يا رسول ... الله أرأيت من يموت وهو صغير؟ قال: (الله أعلم بما كانوا عاملين) . ومع مقت الله لهم، فقد أخبر أنه لم يكن ليعذبهم حتى يبعث إليهم رسولاً، وهذا يدل على إبطال قول من قال: إنهم لم يكونوا مسيئين، ولا مرتكبين لقبيح، حتى جاء السمع. وقول من قال: إنهم كانوا معذبين بدون السمع، إما لقيام الحجة بالعقل كما يقوله من يقوله من القدرية، وإما لمحض المشيئة كما يقوله الجبرية. والأصول التي جاء بها الأنبياء - ولا سبيل للعقل وحده إلى إدراكها حق الإدراك- هي: ١- ما جاءوا به من إثبات الصفات والتوحيد والقدر، وذكر أخبار الرسل مع الأمم وغيرها. ٢- الشرائع المفصلة بالأمر والنهي وبالإباحة، وبيان ما يحبه الله وما يكرهه. ٣- الثواب والعقاب، ويوم القيامة، وحياة الدار الأخرى. وليس المقصود أن يميز الإنسان بين ما ينفعه وما يضره بالحس، فإنه واقع للحيوانات، إذ يستطيع الحمار والجمل التمييز بين التراب والشعير، فيأكل الثاني ويدع الأول، وإنما المقصود التمييز بين النتائج المترتبة على الفعل في المعاش والمعاد، وما يحصل بسببها من ثواب وعقاب، وهذا لا يهتدي إليه إلا بالرسالة، (ولولا الرسالة لم يهتد العقل إلى تفاصيل النافع والضار في المعاش والمعاد، فمن أعظم نعم الله على عباده وأشرف مننه عليهم: أن أرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، وبين لهم الصراط المستقيم، ولولا ذلك لكانوا بمنزلة الأنعام والبهائم، بل أشر حالاً منها) . وخلق الله البشرية ودينها دين الفطرة، دين التوحيد، الدين الذي ارتضاه الله لها، [ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً] ، [ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ] ، وقال: [وإذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ المُبْطِلُونَ] [الأعراف١٧٢-١٧٣] ، وقال تعالى: [فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ * مِنَ الَذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُم وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ] [الروم ٣٠-٣٢] . وقال رسول الله ﷺ : يقول الله: «إني خلقت عبادي فجاءتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم، وحرمتْ عليهم ما أحللتُ لهم» . فكانت البشرية أول أمرها مؤمنة بربها، موحدة له، ثم طرأ الشرك عليها، فأرسل الله الرسل يعيدونهم إلى الفطرة، ويردونهم إلى جادة الصواب، ويذودونهم عن حياض الشرك، قال تعالى: [قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ] . وكانت الرسل تقوم بالبشارة والنذارة، وتقيم الحجة على الخلق، وتبين لهم منهج الله وشرعته، ذلك أن الله خلق البشر وطلب عبادتهم له، وشرع لهم ديناً أبلغه إليهم بواسطة رسله من الملائكة والناس، [اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ] ، واختارهم من أفضل البشر، [اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ] ، وطلب منهم دعوة الناس إلى دين الله، ولم يدع البشر لأنفسهم يضعون المناهج، ويشرعون الشرائع، ويقررون المعتقدات، ويفسرون العوالم، لأن هذا من التكليف بما لا يطاق، [لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إلاَّ وسْعَهَا] ، [لا تُكَلَّفُ نُفْسٌ إلاَّ وسْعَهَا] ، ودعا المؤمنون ربهم أن لا يكلفهم فوق طاقتهم، [رَبَّنَا ولا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا ... بِهِ] فقال الله: (قد فعلتُ) . وأنَّى للإنسان أن يضع لنفسه تصورات صحيحة عن الله وما يجب له، وعن الكون، والملائكة والجن والحياة الآخرة.. ولو ترك البشر وشأنهم يجتهدون في وضع هذه التصورات لسمعنا بالمضحكات، وقد سمعنا بعض تصورات الفلاسفة الساذجة التي تدل على ضحالة في الفكر، وقلة في الإدراك، وكيف لعقل لم يؤت من العلم إلا قليلاً كيف له أن يحيط بكل شيء علماً؟ ، وكيف لعقل قد خلق لأمر أن يبدع في مجال ليس له؟ . ومن ناحية الشرائع: لو وكَّل البشر إلى أنفسهم يضعون المناهج، ويشرعون الشرائع، ويسنون القوانين والأنظمة، فإن عملهم هذا لا يمكن أن يسلم من الهوى البشري، والضعف الإنساني، وقصور العلم والإدراك، علاوة على ما يقوم عليه من الشرك، وتعدد الآلهة، وخضوع الإنسان لأخيه الإنسان، وتشريع بعض البشر لبعض، وما يقوم عليه من تصورات قاصرة عن الإنسان ذاته، وعما حوله من عوالم، وما يكتنفه من أسرار، وما يلحقه من حياة، قد لا تراعى في وضع مثل هذه الأنظمة والشرائع والتصورات. لهذه الأسباب جميعاً وجب على البشر اتباع منهج يضعه رب العالمين يتعبدهم به، ويحققون بلزومه رضاه، وينجون من عذابه ومقته، ويفوزون بجناته الوارفة، مع ما يتحقق لهم في الحياة الدنيا من عودة بهم إلى دين الفطرة التي فطر الله الناس عليها، دين الإسلام، إسلام الوجه لله وإفراده بالألوهية، وتحقيق العبادة له دون سواه وبذلك يتحدد اتجاه الإنسان، ويسلك طريقه الذي أريد له، فالإنسان حين يخضع لغير الله، ويتعبد بغير دينه ومنهج غير منهجه إنما يمزق نفسه بهذا العمل، قال تعالى: [ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ ورَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ] [الزمر ٢٩] . فالإنسان حين يبعد عن الله يمزق نفسه التي تخضع لله في جوانب كثيرة ليس للإنسان فيها أدنى تحكم، إذ لا يستطيع أن يحدد أجله وحياته، وأبويه وجيله، وصورته الخلقية، ومواهبه الفردية، ولا يستطيع أن يتحكم بالدورة الدموية وسائر وظائف الأعضاء. ويلقى الأمرين حين يخرج عن فطرته، ويقهر نفسه على أشياء ليست مجبولة عليها، فيعيش حياته باضطراب وقلق، قال تعالى: [وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ] . وقال تعالى: [كَذَّبَ الَذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ العَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ * فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ولَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ] [الزمر: ٢٥، ٢٦] . فتتصارع الدوافع والجواذب داخل النفس البشرية، تحاول أن توفق بين الفطرة والنزعات الطارئة، وتحاول أن توفق بين الرغبات المختلفة، رغبات الآلهة والأهواء والنفس، [يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إنِ الحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ولَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ] [يوسف٣٩، ٤٠] . ويعيش الإنسان نتيجة هذا الصراع في اضطراب وقلق، ولا تكاد قدمه تثبت معه على حال، ولا يكاد بصره يستقر على نظر، ولا تطمئن نفسه إلى قرار، ولا تسكن روحه إلى شيء، ولا يرفع هذا كله إلا العودة إلى منهج الله ليصلح هذه النفس، ويربيها على أقوم منهج [أَفَمَن يَمْشِي مُكِباً عَلَى وجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِياً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ] [الملك: ٢٢] . [فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقَى * ومَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنسَى * وكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ ولَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ ولَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وأَبْقَى] [طه ١٢٣-١٢٧] .

стр. 108

أدب وتاريخ مفهوم الجاهلية في الشعر الجاهلي (٦) الجاهلية والإسلام محمد الناصر ملخص الحلقة السابقة: في الحلقة السابقة خلص الكاتب إلى العصر الإسلامي، بعد أن أوجز القول مرة أخرى في مقومات الحياة السياسية من خلال الشعر الجاهلي، وبدأ في الحديث عن ملامح ومقومات تلك الفترة الفضلى مبتدئاً بمنهج التربية الإسلامية. ج- آثار هذه التربية: وكان من فضائل هذه التربية العقدية، أن تخرج عليها جيل فريد من الصحابة، ارتفعوا فوق جواذب الجاهلية، وأصبح ولاؤهم لمجتمع العقيدة، سواء في مكة المكرمة حيث التعذيب والابتلاء والصبر، وتعميق أسس البنيان المبارك، أم في المدينة المنورة حيث الأخوة والإيثار والجهاد في سبيل الله. إنها تربية واقعية، طبقت، وتحقق بسببها ميلاد جيل جديد من البشر، ترى ماذا لو فكر الدعاة في عصرنا الحاضر في تطبيقها، وغرسها من جديد في نفوس الناشئة، أفلا يتخلصون مما هم فيه من خلل واضطراب؟ ألا يعيدون للمسلمين واقعاً حياً نظيفاً؟ وحتى لا نتكلم في فراغ فلنستعرض بعض النماذج من سيرة السلف الصالح، وكتب السيرة ممتلئة بعطرها الفواح، عسى أن تكون لأجيال اليوم نبراساً يضيء لها ظلمة الطريق. كان سعد بن أبي وقاص ﵁ من السابقين الأولين للإسلام، وكان باراً بأمه حمنة بنت أبي سفيان، قالت له أمه: ما هذا الدين الذي أحدثت؟ والله لا آكل ولا أشرب حتى ترجع إلى ما كنت عليه، أو أموت فتعير بذلك أبد الدهر، يقال: يا قاتل أمه! ، وبعد يومين وليلتين من امتناعها عن الطعام والشراب جاء إليها سعد وقال: يا أماه: لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفساً نفساً، ما تركت ديني، فكلي، وإن شئت فلا تأكلي، فلما أيست منه أكلت وشربت، فأنزل الله هذه الآية: [وإن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً] [سورة لقمان: ١٥] . وأمر بعدم طاعتهما في الشرك: «لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية ... الخالق» [١] . لقد ارتفع سعد ﵁ بإيمانه رغم بره بأمه، وضحى بها لو ماتت جوعاً وعطشاً على أن يساوم على عقيدته.. وأبو بكر ﵁ خير نموذج لتربية دار الأرقم، يرد جوارَ ابن الدغنة ليبقى في جوار ربه، ويكاد يشرف على الموت، إذ ضرب ضرباً شديداً وتكلم آخر النهار فقال: ما فعل رسول الله؟ ورفض الطعام والشراب حتى يطمئن على رسول الله، وعندما رآه ﵊ صحيحاً معافى في دار الأرقم اطمأنت نفسه [٢] . رجل يشرف على الموت مثخناً بالجراح، يرفض الطعام والشراب حتى يطمئن على حياة رسول الله.. وأبو سفيان زعيم قريش وسيدها: (قدم على ابنته أم حبيبة، أم المؤمنين، ﵂، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله طوته عنه، فقال: يابنية ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عني؟ فقالت: بل هو فراش رسول الله، ﵊ وأنت رجل مشرك نجس، فقال: والله لقد أصابك يا بنية بعدي شر) [٣] . هكذا تتبرأ أم المؤمنين من أبيها، وتقول له بكل صراحة: إنك مشرك نجس..! ما أجدر بنات اليوم، وأمهات الأجيال المعاصرة، بالقدوة ومفاصلة الشرك وأهله. وقصة الصحابي الجليل عبد الله ابن حذافة السهمي وموقفه من ملك الروم حيث أغراه بمشاطرة ملكه فرفض، وهدده بالقتل والحرق، فأبى أن يتنصر وهو الأسير المجاهد.. كل ذلك بسبب عزة الإيمان، في تلك النفوس العظيمة [٤] . ما الذي جعل هذا الصحابي الجليل يتعالى على ملك الروم، وقد كان (بالأمس) كل عربي يتمنى أن يحظى بالدخول إليه؟ وموقف أبي عبيدة أعجب وأعظم، لقد قتل أباه في بدر، كان كافراً محارباً لله ورسوله، ولم تكن صلة الأبوة لتمنعه من ولائه ونصرته لله ورسوله والمؤمنين، وفيه نزلت الآية الكريمة: [لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ] [٥] إن الصبر والابتلاء كان سمة الفترة المكية، وما التعذيب الذي لقيه خباب، وصهيب، وبلال، وآل ياسر ﵃ جميعاً) عن أذهاننا ببعيد.. والمقاطعة في الشِّعب وحصار المسلمين ومَنْ ناصرهم من بني هاشم.. عبر آلام وتضحيات لحمتها التربية القرآنية، وحب الله ورسوله.. هذا الجيل كان منهجه التلقي من الكتاب والسنة للتنفيذ والعمل، أما منهج التلقي للدراسة والمتاع فهو الذي خرج الأجيال اللاهية المتخاذلة. بهذه الصورة تكونت قاعدة صلبة من المؤمنين، حتى استطاعت أن تقاوم الجاهلية بكل أوضارها وتفاهاتها ثلاثة عشر عاماً في مكة المكرمة، وهذه الدروس (في العقيدة) لحمة التربية فيها.. المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار: [٦] وفي المدينة المنورة، استقبل الأنصار المهاجرين وشاطروهم الديار والأموال، وبذلوا لهم النفس والنفيس ابتغاء رضوان الله، وقد أصبح حب الأنصار ... من عقيدة الإسلام وبغضهم نفاق؛ ففي الحديث الصحيح: «آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار» . قال تعالى: [والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ ولا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا ويُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ ولَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ] [الحشر٩] . لقد تكون المجتمع الإسلامي في العهد المدني، فمن الهجرة إلى المؤاخاة، إلى قيام الدولة المسلمة، إلى الجهاد في سبيل الله وهيمنة الشرعية الإسلامية. بهذه الأخوة تكون المجتمع المسلم، وضرب مثلاً رائعاً في التكافل الاجتماعي، وبناء الجماعة المسلمة. (ولقد أبدى الأنصار كرماً وسخاء في معاملتهم للمهاجرين، وكانت المؤاخاة ... رباطاً قوياً متيناً جمع المهاجرين والأنصار بما يترتب على ذلك من حقوق ... وصلت بل تساوت مع حقوق الأخوة في النسب) [٧] . (هكذا نلاحظ أن الإسلام صنع من العرب نماذج فريدة، أنكر الفرد نفسه، ... وقطع صلته بأبيه وبابنه، وهجر المال والمتاع، وأصبح له طريق جديد ووجهة جديدة، أصبح يسعى لتوه بالافتراق عن مجتمعه الجاهلي، أو أنه يسير في طريقه المحدد والمجتمع يهيم في غير طريق، وتنقطع الأواصر بينه وبين ذاك المجتمع ولو كانت أواصر القربى، ويتجه قلبه لتوه إلى كيان آخر يلتصق به ويحس أنه أصبح قطعة منه، ذلك هو رسول الله والقلة المؤمنة « [٨] . د- شعر الدعوة الإسلامية: وقد ساهم الشعراء في هذا العصر في شعرهم بمعانٍ وقيم مستمدة من التصور الجديد، ولتعاليم الدعوة الإسلامية، مسخرين مواهبهم للدفاع عن قيم هذا المجتمع الوليد.. إن أغراض الشعر من فخر وهجاء ورثاء وحماسة، تغير مفهومها، وسمت قيمها.. فهذا علي بن أبي طالب ﵁ يفتخر بالسبق إلى الإسلام [٩] : سبقتكم إلى الإسلام طرا ... صغيراً ما بلغت أوان حِلمي ويفتخر سعد بن أبي وقاص ﵁ بأنه أول من رمى بسهم في الإسلام [١٠] : ألا هل أتى رسولَ الله أني ... حميت صحابتي بصدور نبلي أذود بها أوائلهم ذياداً ... بكل حزونة وبكل سهل فما يعتد رامٍ في عدوٍٍ ... بسهم يا رسول الله قبلي ويصبح فخر حسان بن ثابت ﵁ بالإسلام ونبيه ووحيه، وبكتيبة المؤمنين من المهاجرين والأنصار، يقول قبل فتح مكة [١١] : عدمنا خيلنا إنْ لم تروها ... تثير النقع موعدها كداء فإما تعرضوا عنا اعتمرنا ... وكان الفتح وانكشف الغطاء وإلا فاصبروا لجلاد يوم ... يعز الله فيه من يشاء وجبريل أمين الله فينا وروح ... القدس ليس له كفاء [١٢] والهجاء يتحول نحو المشركين، دفاعاً عن رسول الإسلام وصحابته الكرام، فيقول حسان ﵁ يهجو أبا سفيان بن الحارث وهو من قريش.. من بني هاشم، لأنه من الشعراء المشركين، وقد اشترك في هجاء الرسول -صلى الله عليه وسلم-: ألا أبلغ أبا سفيان عني ... فأنت مجوف نخِبٌ هواء [١٣] بأن سيوفنا تركتك عبداً ... وعبد الدار سادتها الإماء [١٤] هجوتَ محمداً فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء هجوت مباركاً براً حنيفاً ... أمين الله شيمته الوفاء [١٥] فإن أبي ووالده وعرضي ... لعِرض محمد منكم وقاء رضي الله عن حسان، لقد كان شاعر الخزرج في الجاهلية يدافع عن أحساب قومه، وهاهو يفدي نبيه بالنفس والعرض والأهل.. أبو سفيان هذا أسلم، وحسن إسلامه، ثم ندم على ما فرط في جاهليته، ... فقال [١٦] : لعمرك إني يوم أحمل راية ... لتغلبَ خيل اللات خيل محمد لكالمدلج الحيران أظلم ليله ... فهذا أواني حين أُهدى وأهتدي إن الإسلام يجبُّ ما قبله، إلا أنه الشعور بثقل الماضي، ورهافة حس الشعراء.. والرثاء: بكى فيه شعراءُ الدعوة الإسلامية شهداءَ المجتمع الجديد، مجتمع العقيدة، ولنستمع إلى أبيات من قصيدة كعب بن مالك الأنصاري ﵁ يرثي فيها شهداء مؤتة، إذ يقول [١٧] : نام العيون ودمع عينك يهمل سحا ... ً كما وكفَ الطِّبابُ المخْضَلُ [١٨] في ليلة وردتْ عليّ همومها ... طوراً أخِنُّ وساعة أتململُ [١٩] واعتادني حزْنٌ فبتُّ كأنني ... ببنات نعشٍ والسّمال موكلُ وجداً على النفر الذين تتابعوا ... يوماً بمؤتة أسندوا لم ينقلوا صبروا بمؤتةَ للإله نفوسهم ... حذر الردى ومخافة أن ينكلوا الرثاء للقادة، للشهداء جميعاً وبألم وحزن، لأن المصاب واحد، والمشاعر واحدة، لقد أصبح» المثل الأعلى للرجل المسلم في عصر صدر الإسلام هو السبق إلى الإسلام والهجرة، وملازمة المصطفى وصحبته والتقوى والورع.. ثم الشجاعة والذياد عن حياض الإسلام « [٢٠] . وأخيراً: تبين لنا أن التربية الإيمانية أساس كل تغيير، ولابد من تطبيقها، وليس لدينا خيار في هذا الأمر، لابد من العودة العميقة، والمعايشة الحية مع إخوة الإيمان.. إن هذه التجربة، صنعت المعجزات، صنعت الجيل الأول، الذي تخلص من جاهلية جائرة، واستعلى على ضغوط المجتمع وأعراف الآباء والأجداد. ما أجدر الدعاة اليوم أن يتعالَوْا على أعراف فرقت ومزقت وليس لهم فيها سَنْدُ شرعي! ما أجدرهم أن يهتموا بتربية دار الأرقم، ومدينة الرسول الكريم -عليه الصلاة والسلام -، وأن يعلموا ثقل المسؤولية، وعظم الأمانة في هذا العصر. إن مسلم اليوم (مهمته خطيرة؛ لأنه لا يطلب منه أن يكون مجرد مسلم عادي، إنما يطلب منه أن يكون نموذجاً يحتذى.. يلزمه تدريب من نوع خاص، يتعود فيه على التخفف من جواذب الأرض.. والمطلوب لدور البناء والتأسيس: أن يكون المسلم على الدرجة العليا من الإيمان.. المطلوب نماذج فائقة من البشر.. تستطيع أن تتجرد لله، وأن تحتمل المشقة في سبيل الله) [٢١] . إن هذه التربية، وهذا الإيمان، هو الذي خلص العرب من الشرك واستعباد القبيلة، وحرر عقولهم من الهوى والخرافة، وجعل منهم خير أمة أخرجت للناس، وقد غيرت مجرى التاريخ.

стр. 109

نافذة للأمل علي بن الجهم عرض وتعليق: د. مصطفى السيد ١- قالت: حُبِسْتَ، فقلت ليس بضائرٍ ... حبسي، وأي مُهَندٍ لا يغمدُ ٢- أوَ ما رأيتِ الليثَ يألفُ غِيلَه ... كِبراً وأوباشُ السباعِ تَرَدَّدُ ٣- والشمسُ لولا أنها محجوبةٌ ... عن ناظريك لما أضاءَ الفرقدُ ٤- والبدرُ يُدرِكُهُ السِّرار ُفتنجلي ... أيامُهُ وكأنهُ متجدِّدُ ٥- والنارُ في أحجارها مخبوءةٌ ... لا تُصْطَلَى إن لم تُثرها الأزنُدُ ٦- والزاعبيةُ لا يقيم كُعوبَها ... إلا الثقافُ وجَذوةٌ تتوقَّدُ ٧- غِيَرُ الليالي بادئات عُوَّدٌ ... والمال عاريةٌ يعادُ وينفَدُ ٨- ولكل حالٍ مُعْقِبٌ ولربما ... أجلى لك المكروه عما يُحْمَد ٩- كم من عليلٍ قد تخطاهُ الردى ... فَنَجَا ومات طبيبُه والعوَّدُ ١٠- والحبسُ ما لم تغشَهُ لدنيةٍ ... شنعاءَ نعم المنزلُ المتَوَرَّدُ ١١- بيتٌ يُجَددُ للكريم كرامةً ... ويُزارُ فيه ولا يزورُ ويُحْفَدُ ١٢- لو لم يكن في السجن إلا أنَّها ... يستذلُّك بالحجابِ الأعبُدُ شرح الأبيات: ١- عيرتني أن أصبحت رهين الحبس، ولكن كما أن السيف لا عار عليه إذا أدخل في غمده؛ فكذلك أنا لا يضيرني أن دخلت السجن. ٢- ولئن صرت نزيل السجن فلا تعجبين من ذلك، فالأسد قد يأوي إلى غيله، بينما ضعاف السباع وأوباشها تروح وتغدو حرة طليقة. ٣- وحتى يرى الناس ضوء الفرقد (وهو نجم صغير) لابد من غياب الشمس، وإلا لما عُرف ضوء هذا النجم. (يشبِّه نفسه بالشمس المحجوبة، وأعداءه بالفرقد) . ٤- وعندما يعود البدر هلالاً آخر الشهر، فليس معنى هذا أنه سيستمر إلى آخر الدهر هكذا، وإنما سيرجع ليكون بدراً من جديد. ٥- والنار، وهى عنصر ضروري للحياة، لا تنبعث شرارتها من الحجر إلا بعد استثارتها وضربها بالزند. ٦- والرماح المستوية لا تصبح هكذا، إلا بعد عملية شاقة، حيث يقوِّم اعوجاجها الثقاف، وتزال عقدُها بالحك والقطع، ويشحذ نصلها بإحمائه في النار المتوقدة. ٧- ومصائب الأيام ليست مقصورة على أحد، بل تبدأ بواحد وتثني بآخر، والمال الذي يتباهى به كثير من الناس إن هو إلا عارية مستردة، (وقد أخذ الشاعر وصف المال من كلمة أبي طالب حين خطب السيدة خديجة ﵂ للنبي ﷺ حيث قال: وإن كان في المال قل، فإن المال ظل زائل، وعارية مسترجعة) . ٨- إن مجيء الليالي بالسراء مرة وبالضراء مرة أخرى سنة ثابتة، وربما كان الخير فيما تكرهه من الملمات والمصائب. ٩- كم من مريض أشرف على الهلاك، ولكنه أبَّل من مرضه، وعوفي من علته، بينما مات قبله الطبيب الذي عالجه، ومن عاده أثناء مرضه. ١٠- والحبس منزل كريم، وعنوان فخر لنازله، إن كان دخوله بسبب رأي أو عقيدة، لا بسبب فعلة شنيعة. ١١- فهو بيت يحفز الكريم على التمسك برأيه ويجدد له صبره وصموده، ويزوره فيه أصحابه ويكرم فيه. (وهذا كان عندنا في العصور الوسطى -التي يسميها الجهلة: عندنا عصور الظلام-، حيث يكرم سجين الرأي ويزار، أما في سجوننا التي شيدت في القرن العشرين، هل بنا حاجة إلى وصف إكرام نزلائها؟ ! وهل يجرؤ أهلهم وذووهم على السؤال عنهم فضلاً عن طلب زيارتهم؟ !) . ١٢- وللسجن ميزات كثيرة عند الشاعر، ولو لم يكن للسجن من فائدة إلا أنه يكفيك شر الحجاب وسفاهتهم وغلظتهم حيث يدفعون الناس عن الوصول إلى أولي الأمر، لكانت فائدة عظيمة. حول الأبيات: تفردت بالألم العبقري ... وأنبغ ما في الحياة الألم التحدي مستنبط كوامن العبقرية، ومنبع خبء [١] الذكاء، وكم نازلة حلت بأمة فكانت نقطة تحول في تاريخها، ومبعث رقدتها من مجثمها [٢] ، وكثيرة هي الروائع الأدبية التي كان الباعث عليها السجن أو المرض، أو ما سواها من مكدرات العيش ومنغصات الحياة. والقصيدة التي نقدمها اليوم تسايلت معانيها من ذلكم الوادي، وسُقِيَتْ ... صوب [٣] ذاك الغمام. فمن وراء القضبان أرسل الشاعر علي بن الجهم هذه التأملات المعمقة عن السجن، وإذا ما سُجنت الأُسْد فهي مخوفة، لا خائفة، وكم من طليق سجين، وكم من سجين طليق! . وعلي بن الجهم من فحول شعراء العصر العباسي الأول، تميز عن شعراء ذلك العصر بعقيدة سليمة، على ندرة ذلك في أقرانه الذين تقاسمت أكثرهم ساحة الاعتزال مع حلبات اللهو والمجون والانحلال. وهو أحد رجال الطبقة الأولى من طبقات الحنابلة، وعلى الرغم من أن المعتزلة والروافض قد انخفض صوتهم في عهد المتوكل، ولم تعد لهم تلك الصولة التي كانت لهم زمن المأمون والمعتصم والواثق، إلا أن بقاياهم ظلت في دوائر الحكم بعد ذلك، واستمر تأثيرهم من وراء حجاب، وكانوا لا يفتأون يدبرون المكائد لخصومهم من أهل السنة، وما حصل لعلي بن الجهم مثال على ذلك، فقد ائتمر به «بعض ندماء المتوكل وبعض المعتزلة وأصحاب البدع، واجتمعوا على الإغراء بقتله» [٤] . واختلاب الفرص من قِبَل أهل البدع خُلقٌ ثابت لهم، شأنهم في كل عصر ومَصر، ولهم أسلوبهم المميز في التخلص من كل حاجز من الحواجز التي تحول بينهم وبين بدعهم. وبسبب من هذا الحقد البدعي الأعمى وجد علي بن الجهم نفسه نزيل السجن، فلم يتضعضع لهذه الصدمة القاسية، بل نجده يضيء السجن بمصابيح عبقريته، ويمتعنا -على بعد الشقة- بنبل هذا الموقف. وبالرغم من انحسار المد الاعتزالي، وعودة الأمور إلى نصابها في خلافة المتوكل، إلا أن ذلك لايعني أن دوائر الحكم العباسي قد كنست كلها، أو صفيت جلها من عقابيل هذا الفكر التفتيتي التقزيمي، بل بقيت زمرٌ تعمل وراء الكواليس لتصفية الحساب مع بعض رموز أهل السنة. ولعل في ذلك إيماءةً تاريخية، وإشارة فقهية لمن يتصدون للبحث التاريخي، وهي: أن سقوط هيكلية أي فكر لا تعني زواله تماماً. وفي ضوء هذه المقولة نفهم كيف تمكن أعداء الاتجاه السني من الزج بابن الجهم في غياهب السِّجن. وبسبب من شعلة الإيمان التي لم تخبُ جذوتها في فؤاده، وعدالة موقفه، وشعوره بالظلم الفادح النازل به، اجتمعت هذه الأمور لتكون مصهراً لشاعريته. إن سجنه كشخص، لم يحبس عواطفه شاعراً، بل أطلق لهذه الأخيرة العنان، لتصوغ لنا هذه الدرة اليتيمة التي تعد من أدب المقاومة للظلم، ومن أدب الدفاع عن حقوق الإنسان، كما في سطورها من (الحداثة) الحقيقية -وليست الوهمية الغائبة أو المغيبة كما في شعر مُدَّعى الحداثة في هذا الزمن-، فيها من الحداثة الدائمة التأثير والصادقة التعبير ما يضمن لها حضوراً متجدداً ... وتأثيراً متصلاً. كما تقول لنا -القصيدة- بوضوح: إن السجن -على ضيقه- بوابة إلى عالم أوسع، ومرقاة إلى مرتبة أرفع، فقد يكون إحدى مراحل اختبار الإيمان، وتوضيح الرؤية، وجزى الله الشدائد كل خير ففيها تعرضٌ لثواب الصبر، وإيقاظٌ للقلب من الغفلة، وادِّكارٌ للنعمة في حال الصحة واستدعاء للتوبة، وفي قضاء الله وقدره بَعْدُ الخيار.

стр. 110

سأحزن ما بقيتُ مع الزمان شعر: مالك فيصل الضيغمي سأحزن ما بقيتُ مع الزمان ... لما ألقاه من كُرَبٍ وآنِ [١] فشعري كله مرآةُ شعبٍ ... كسيرِ العظم محزونِ الجنَانِ فلا تعجب إذا أرسلتُ شعراً ... يصور ما أعاني أو يعاني فإني أمة كانت بخير ... فأسلمها الطغاة إلى الهوان وإني أمة نشرت فأحيت ... وحررت العوالم بالقُران وكان الناس في زمن تعيس ... يذوقون المذلة بالسنان فصار الناس عُبَّاداً لرب ... يعامِلُ بالسماحةِ والحنان فما أرضى أخا الشيطان دينٌ ... يقوم على الأمانةِ والأماني ويزرع في النفوس بذور خير ... لتعلو في المكان وفي الزمان فلا تعجب إذا أكثرت شعراً ... وقولاً غيرَ مقرونٍ بقان [٢] فعذري أمةٌ نامت طويلاً ... وغالت بالفصاحة والبيان معاذَ الله أن أهوى حياةً ... يدغدغها الأراذلُ بالقيان [٣] وتوحيدُ الصفوف رأيت فيه ... دواءً للتنازع والشَنان [٤] وجدٌ في الأمور، وليتَ جمعاً ... دَرَوْا من قبلُ هاتيك المعاني

стр. 111

مشاهداتي في بريطانيا المرأة الغربية والزواج د. عبد الله مبارك الخاطر قارئي الكريم: قلت لك منذ البداية: إنني طبيب في الأمراض النفسية، وهذا العمل يتيح لي مشاهدة الوجه الآخر لمجتمعاتنا، والاتصال بأصناف متعددة من الناس رجالاً كانوا أو نساءً، ومن طبيعة الذين يعملون في مثل هذه الاختصاصات الاهتمام بمشكلات الناس، وقد يسير أحدهم في الشارع فتلفت انتباهه أمور لا يهتم بها المارة.. وكم أتمنى أن يهتم العلماء الدعاة بمثل هذه القضايا ويقدمون لها الحلول الناجعة، وسيكون دورهم أهم من دور الأطباء ورجال الأمن؛ لأن مخالفة تعاليم الإسلام من أهم العوامل التي أدت إلى نشوء مثل هذه الأمراض. وقد حرصت على ذكر هذه المقدمة حتى لا يستغرب القارئ ما أذكره له من أحداث، وبشكل أخص زيارة النساء لنا في العيادة، والاستماع إلى مشكلاتهن، ولا علاج بدون الاستماع إلى هذه المشكلات ومناقشتها. وبعد هذه المقدمة أعود إلى الحديث عن المرأة الغربية والزواج، فأقول: كنت أستغرب عند بداية إقامتي في بريطانيا أن المرأة هي التي تنفق على الرجل، وكنت أشاهد هذه الظاهرة عندما أركب القطار أو أدخل المطعم، إذ ليس في قاموس الغربيين شيء اسمه (كرم) .. وبعد حين زال هذا الاستغراب، وأخبرني المرضى عن أسباب هذه الظاهرة، وفهمت منهم بأن الرجل لا يحب الارتباط بعقد زواج، ويفضل ما أسموه [صديقة] ، والمرأة تسميه [صديقاً] ، وليس هو أو هي من الصدق في شيء، وكم أساءوا لهذه الكلمة النبيلة، فالصديق يعني: الصدق، والمحبة، والمروءة، والنخوة، والكرم، والوفاء، وما إلى ذلك من معان طيبة كريمة. والصديق عندهم يعيش مع امرأة شهوراً أو سنين، ولا ينفق عليها، بل هي تنفق عليه في معظم الحالات، وقد يغادر البيت متى شاء، أو قد يطلب منها مغادرة بيته، إن كانت تعيش معه في بيته، ولهذا فالمرأة عندهم تعيش في قلق وخوف شديدين، وتخشى أن يرتبط صديقها (! !) بامرأة ثانية ويطردها، ثم لا تجد صديقاً آخر. وكما يقولون «بالمثل يتضح المقال» ، فسوف أختار مثالاً واحداً من أمثلة كثيرة تبين وضع المرأة عندهم: رأيت في عيادة الأمراض النفسية امرأة في العشرينات من عمرها، وكانت حالتها النفسية منهارة، وبعد حين من الزمن شَعَرتْ بشيء من التحسن، وأصبحت تتحدث عن وعيٍ، فسألتها عن حياتها، فأجابت والدموع تنهمر من عينيها، قالت: مشكلتي الوحيدة أنني أعيش بقلق واضطراب، ولا أدري متى سينفصل عني صديقي، ولا أستطيع مطالبته بالزواج منى، لأنني أخشى من موقف يتخذه، ونُصِحتُ بالعمل على إنجاب طفل منه، لعل هذا الطفل يرغبه في الزواج، وها أنت ترى الطفل، كما أنك تراني ولا ينقصني جمال، ومع هذا وذاك فأبذل كل السبل؛ من تقديم خدمات، وإنفاق مال، ولم أنجح في إقناعه بالزواج، وهذا سر مرضي، وسبب قهري إنني أشعر بأنني وحدي في هذا المجتمع، فليس لي زوج يساعدني على أعباء الحياة، ولي أهل ولكن وجودهم وعدمه سواء، وليتني بقيت بدون طفل؛ لأنني لا أريد أن يتعذب ويشقى في هذه الحياة كما تعذبت وشقيت. وهذه المرأة المريضة ليست من شواذ المجتمع الغربي، بل الشواذ هم الذين يعيشون حياة هادئة.. ومع ذلك ينقد الغربيون مجتمعاتنا الإسلامية، ويزعمون بأن المرأة تعيش في بلادنا حياة بائسة محزنة، ونحن لا يهمنا رأي الغرب بنا، ولا نطلب منه حسن سلوك، ولكن نريد من نسائنا أن يحمدن الله على نعمة الإسلام، فلقد كانت في الجاهلية ذليلة مهينة، وجاء الإسلام ليرفع مكانتها، وبفضل من الله أصبح الرجل يبحث عن المرأة، ويطلب الزواج منها، وهي قد تقبل وقد ترفض، ولأهلها دور كبير في أمر زواجها، وسواء كانت عند زوجها أو في بيت أبيها فهي عزيزة كريمة، والرجال هم الذين ينفقون عليها، بل والذي نشكو منه في بلادنا الغلو في المهور، والتكاليف الباهظة التي تفرض على الرجل حتى يحصل على زوجة، [يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لاَّ تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإيمَانِ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ] [الحجرات/١٧] .

стр. 112

شؤون العالم الإسلامي ومشكلاته جهاد المسلمين الأفغان يمر بأخطر مراحله إعداد. محمد أحمد عبد الله مقدمة: سيلاحظ القارئ أن هذه الدراسة عن أفغانستان جاءت طويلة بعض الشيء، ومع أننا -من حيث المبدأ- لا نحب إملال القارىء، ولسنا من هواة الإسهاب في غير ما طائل؛ لكن موضوعاً بأهمية موضوع أفغانستان يحتم علينا أن نعالجه بعيداً عن التسرع، وعن أسلوب الاستنكار والشجب. فقضية أفغانستان أكثر من قضية دولة صغيرة تجتاحها دولة كبرى، وأكثر من نموذج لنظام يستمد الوقوف على قدميه من قوة من وراء الحدود، بل هي قضية الحرية عندما يضيق بها أعداء الحرية، وقضية الإسلام حينما يقع بين فكَّي القوى الكبرى، قوة تحاول سحقه، وقوة تساوم عليه، وليست القوة التي تساوم عليه بأقل خبثاً وأخف عداءً من تلك التي تحاول سحقه! لذلك لابد من معالجة تكشف طرفاً من المناورات والمساومات، وتحلل جانباً من الدوافع التي قد تكون خافية وراء التصريحات والتحقيقات. مما لا شك فيه: أن المعارك التي يخوضها المجاهدون المسلمون الأفغان ضد الغزاة الشيوعيين من أخطر معارك المسلمين في عصرنا الحديث وأعمقها أثراً، فانتصار المجاهدين يعني قيام الخلافة الإسلامية في شبه القارة الهندية، وتحرير الجمهوريات الإسلامية المجاورة لأفغانستان في جنوب الاتحاد السوفييتي، ويعني أخيراً: انهيار النظام الشيوعي وسقوط الإمبراطورية السوفييتية، وعلى نقيض ذلك فهزيمة المجاهدين -لا سمح الله- تعني سقوط آخر سد منيع أمام الشيوعيين في شبه القارة الهندية، بل وفي العالم الإسلامي أجمع، ولهذا فقد قلنا غير مرَّة: إن المجاهدين الأفغان يقاتلون نيابة عن المسلمين عامة، والمعركة معركة كل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. وفي العدد الأول من مجلتنا (البيان) الصادر في غرة ذي الحجة من عام ١٤٠٦هـ: وجهنا رسالة مفتوحة إلى المجاهدين الأفغان، أعربنا فيها عن عواطفنا نحو إخواننا الأفغان ومحبتنا لهم، وتحدثنا عن أهمية جهادهم، وعن وجوب الأخذ بأسباب النصر المادية منها والمعنوية، وحذرناهم من التفرق والاختلاف، كما حذرناهم من المخربين الذين يحيكون المؤامرات ويفسدون داخل الصف، ولا يصلحون، وبيّنا ضرورة الاستقلالية في اتخاذ القرار، وعدم الاعتماد في الجهاد على الغرب الصليبي أو الشرق الشيوعي، وأشرنا في نهاية الرسالة إلى الأسباب التي دعت حكام موسكو إلى الاعتماد على عدو الله -الذي أسماه أبوه: نجيب الله- ليكون رجل المرحلة القادمة في أفغانستان. وبعد صدور العدد الأول علمنا أن بعض القادة الأفغان أبدوا ارتياحهم من الرسالة، ووصلتنا رسائل من كثير من القراء يقولون فيها: إن الرسالة جاءت في وقتها المناسب، ويؤكدون على وجوب التناصح بين الدعاة إلى الله، ويطالبون بتكرار كتابة مثل هذه الرسالة، ومع ذلك كنا ننتظر أن بعض الناس -غفر الله لنا ولهم، ورزقنا وإياهم الاستقامة- سوف يحمِّلون أقوالنا ما لا تحتمل، ويفسرون كلماتنا تفسيراً ظالماً، وصدق ما توقعناه، ولكنهم كانوا قلة والحمد الله، ونصيحتنا لكل مسلم، أن يحسن الظن بأخيه، ويتقي الله فيما يقوله ويحدِّث به الآخرين، وليفكر بعقله وليس بعقل صديقه أو أستاذه. ومما ينبغي التأكيد عليه: أن معظم المسلمين يفكرون -عندما تمر بهم أحداث غير عادية- بعواطفهم وليس بعقولهم، ويمارس شيئاً غير قليل من الإرهاب الفكري، بحيث لا يجرؤ المفكرون وأصحاب العقول على إبداء ما عندهم من آراء خوفاً من الاصطدام بمشاعر الجماهير، ولهذا فبعض المفكرين يلجأون إلى الصمت، وبعضهم يقول ما يُرضي الجماهير، ويخالف قناعاته، بل قد يعتلي المنابر ويشحن العواطف المتأججة بأمور لا يعتقدها ولا يؤمن بها.. وكم جرّت هذه الأساليب والممارسات من كوارث ومحن على أمتنا الإسلامية! ورحم الله من قال: الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أول وهي المحل الثاني فإذا هما اجتمعا بنفس حرة ... بلغت من العلياء كل مكان والأصل في هذا قول رسول الله ﷺ في الحديث الذي رواه مسلم في (صحيحه) : «الدين النصيحة، قلنا: لَمْن؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم» . والنقد البناء الهادف صورة من صور التناصح، ويأثم من قصّر في نصح إخوانه المسلمين رغبة أو رهبة، ومن كان هدفه إرضاء الله لا يخشى الناس، لأن إرضاءهم غاية لا تدرك. ومن هذا المنطلق نؤكد بأننا سوف نمضي في طريقنا لا نخشى ظلم الظالمين، ولا سطحية الساذجين، أو مزايدات المراوغين، وسيعلم المنصفون غداً الصادق مِن غيره، والناصح مِن المتلاعب. وسوف نتحدث في هذا البحث عن أخطر المراحل التي يمر بها الجهاد الإسلامي في أفغانستان: أعلن الزعيم السوفياتي غورباتشوف مبادرته القاضية بسحب القوات السوفيتية المسلحة من أفغانستان خلال أقل من ثلاث سنوات، في إطار برنامج سياسي لحل النزاع الأفغاني. وبعد زيارة قام بها (نجيب الله) إلى موسكو أعلن عن مبادرة سلمية، وعن وقف لإطلاق النار من جانب واحد يمتد لستة أشهر، وتتألف مبادرته من الفقرات التالية: ١- وقف إطلاق النار لمدة ستة أشهر، لوقف سفك الدماء في أفغانستان. ٢- مشاركة جميع الأطراف في الشؤون السياسية والحياة الاقتصادية في البلاد. ٣- عدم ملاحقة أي شخص بسبب نشاطه السابق، وإصدار عفو عام عن الجميع، بما في ذلك الجنود والضباط الفارون من الجيش. ٤- عودة الوحدات العسكرية السوفييتية (المحدودة) إلى بلادها خلال مدة ثلاث سنوات، ويمكن أن يغادر القسم الأكبر منها أراضي أفغانستان خلال ستة أشهر إذا ما سارت الأمور على ما يرام. ٥- إجراء مفاوضات مع أطراف النزاع، وتشكيل حكومة ائتلافية تضم شخصيات معارضة، وتشكيل لجنة للمصالحة الوطنية يتمثل فيها قادة الثوار بشكل متساوٍ مع الأطراف الآخرين. كان ذلك في أوائل شهر يناير من عام١٩٨٧، ووقف إطلاق النار يكون ساري المفعول ابتداء من ١٥/١/١٩٨٧. وكان نجيب الله ينظم جولات، ويعقد الندوات قبل هذه المبادرة وبعدها، ويخاطب الجماهير قائلاً: (أنا مسلم، وكل عائلتي مسلمون، وأنتم كذاك مسلمون، وأنا عضو في الحزب لأنني أفغاني ثوري، وكلنا نريد القرآن الكريم ونقرؤه، ونراعي أحكام الشريعة، ونعمل من أجل عقيدة الدين، ولا يوجد إله غير الله، ومحمد رسوله.. وقال: إننا نعمّر المساجد والأماكن المقدسة التي يحاول الأعداء هدمها، وكان يحمل القرآن الكريم ويتلو آيات منه.. ورحب عدو الله بعودة ظاهر شاه) . وسوف نعرض فيما يلي ردنا على هذه المبادرة، وموقف المجاهدين منها، وما هي الآثار والنتائج المتوقعة. والله أعلم. أولاً: المبادرة سوفيتية وليست أفغانية: جاءت مبادرة (نجيب الله) بعد المبادرة التي أعلنها غورباتشوف، ومن يتأمل المبادرتين يعلم أن نجيب ليس أكثر من ببغاء يردد الأقوال والتصريحات التي وردت على لسان غورباتشوف، وهو لم ينكر ذلك، فقد جاء في تصريحاته بعد زيارة الكرملين أنه اتفق مع الزعيم السوفياتي على طرح هذه المبادرة، والرئيس الأفغاني موظف ذليل في المؤسسة الشيوعية، وهو يعرف مصير من سبقه من الرؤساء الأفغان ابتداء ب: نور محمد طراقي، وانتهاء ب: براك كارمل. ثانياً: هل يرغب السوفييت في الانسحاب من أفغانستان؟! نعم، إن إدارة الكرملين تحرص على الخروج من أفغانستان وذلك للأسباب التالية: ١- إن الاتحاد السوفييتي يعاني من أزمات اقتصادية خانقة لا يستطيع معها الاستمرار في تحمل تكاليف الحرب التي بلغت حوالي [٧٠ مليون دولار يومياً] . ٢- تكبد الجيش السوفييتي خسائر فادحة في الأرواح والمعدات، وقد تمكن المجاهدون من الحصول على تقرير رسمي صادر عن الحكومة الأفغانية في كابل، جاء فيه ما موجزه بأن المجاهدين أسقطوا [٢٠٦] طائرة خلال عام ١٩٨٦م، مما أدى إلى انهيار معنويات العسكريين، وفي شهر نوفمبر من عام ١٩٨٦ سجلت حالات عصيان لبعض الطيارين لأوامر التحليق أو الفعاليات الجوية فوق خط جلال آباد، أو من جلال آباد، حيث أن هذه الأراضي كان الطيارون يخشونها جداً، وتقول المصادر المجاهدين: أنه تم قتل أكثر من ٥٠٠٠٠ جندي روسي. ٣- انتشرت المخدرات بين العسكريين السوفييت الغزاة، وانتشرت أيضاً الأمراض والأوبئة المحلية الخطيرة. ٤- الذين يحكمون أفغانستان بشكل فعلي هم المستشارون السوفييت، وهؤلاء أصبحوا يتلقون هدايا من المسؤولين الأفغان، فمستشار (كارمل) يسمى (سوسولوف) وقد تلقى هدية من وزير الدفاع عبد القادر أثناء سفر الأول قيمتها [٦٠٠] ألف روبية من المنسوجات الحريرية، وقدم له الدكتور نجيب هدية قيمتها [٢٠٠] ألف روبية، ويقاوم الزعماء السوفييت بشدة نمو الروح الاستهلاكية المترفة بين المسؤولين وعموم أفراد الشعب لأن ذلك سيزيد من المطالب الاستهلاكية، ولهذا فلقد تم عزل عدد من كبار المسؤولين الذين عملوا في أفغانستان رغم أن بعضهم كان مقرباً عند (بريجنيف) . ٥- الحدود المفتوحة حالياً بين الاتحاد السوفييتي وأفغانستان تسمح بانتقال الكتب والرسائل والأخبار إلى جنوب روسيا، وكان هذا من الأسباب التى أدت إلى نمو الوعي الإسلامي عند المسلمين في هذه المناطق، وما أخبار مظاهرات (كازخستان) عنا ببعيدة، لقد نشرت وكالات الأنباء معلومات كثيرة عن الأنشطة الإسلامية السرية في تركستان، وطاجكستان، وأزبكستان، وبخارى، وسمرقند وغيرها من مناطق المسلمين في الاتحاد السوفييتي.. وأصبحت هذه الأنشطة تقلق قادة الكرملين أشد القلق، فكم من مسؤول شيوعي عزل لأنه فشل في مهمته، وكم من مؤتمر كان له أثر مضاد في بلدان المسلمين.. واستمرار احتلال أفغانستان سوف يضاعف اتصال المسلمين في الشمال والجنوب وتعاونهم ضد الشيوعيين. ٦ - خسر السوفييت نفوذهم في الأمم المتحدة، فبعد أن كان السوفييت يربحون كل قضية يجري التصويت عليها داخل المنظمة الدولية، وتلجأ الولايات المتحدة إلى استخدام حق (الفيتو) لإلغاء القرار، انقلبت الأمور بعد احتلالهم لأفغانستان، وصاروا لا يطمحون إلى أكثر من ١٨ صوتاً عند أي اقتراع، وأصبحوا يلجأون إلى حق النقض وهذا يعني خسارتهم في مجال الدبلوماسية العالمية.. وخسر السوفييت أيضاً نفوذهم في دول عدم الانحياز التي زاد عددها من ٧٧ دولة لكي يصبح بعد الغزو السوفييتي لأفغانستان ٩٤ دولة. ٧- إن غورباتشوف يقود تياراً جديداً في الحزب الشيوعي ينادي بإصلاح الأوضاع ومحاربة الفساد المستشري، وينظر إلى ما جرى في أفغانستان على أنه من أخطاء القيادة السابقة، ويحاول إنقاذ جيشه ونظامه من هذه الورطة. ثالثاً: وهل يقبل السوفييت الانسحاب دون قيد أو شرط؟ ! يقول بعض الطيبين: هذه المبادرة تعني أن السوفييت قد أفلسوا وفشلوا، وهم عازمون على الرحيل دون قيد أو شرط! ! ونحن نتمنى أن يكون الأمر كما يقول إخواننا، ولا ننكر أن السوفييت دفعوا ثمن الاحتلال باهظاً، وقد ذكرنا ذلك فيما مضى من هذا البحث، ولكن من خلال متابعتنا للأحداث، ومن خلال قراءة تصريحات السوفييت وعملائهم في كابل، نجد أن هذه المبادرة تعني أسلوباً آخر يسلكه الشيوعيون، والخطأ في التقدير قد يقود إلى كوارث ومحن جديدة لاقبل للإسلاميين بها. وللإجابة على هذا السؤال لابد من عرض سريع لأطماع السوفييت في أفغانستان. - في ٢٨ شباط ١٩٢١ م وقع الزعماء السوفييت والأفغان معاهدة ألزمت الطرفين بتحرير شعوب الشرق، ووعد الروس فيها بمساعدة تقنية واقتصادية لأفغانستان. - في عام ١٩٣٣م اغتال الموالون للسوفييت الملك نادر شاه، وجرى تعيين ابنه ظاهر شاه الذي حكم البلاد مدة أربعين عاماً، وفي عام ١٩٣٣ وقع السوفييت مع الأفغان معاهدة تقضي بعدم السماح لقوة أجنبية بالتمركز في أراضيها، وعدم انتهاج سياسة معادية للسوفييت. - وفي عام ١٩٥٥ زار بولغانين وخروتشوف كابل في كانون أول في طريق عودتهما من الهند، وجددا مع رئيس الوزراء محمد داود معاهدة ١٩٣٣، ووقعا قرضاً لأفغانستان مقداره مائة مليون دولار. - في أواخر الأربعينات برزت حركة يسارية معارضة في المدن تتستر تحت عباءة الديمقراطية، وتسمى (يقظة الشباب) واستمرت الحركة بين (١٩٤٩- ١٩٥٢) وكانت إرهاصاً لمولد الحزب الشيوعي، وكان طرقي وكارمل - عضوين في الحركة. وطرقي كان أكبر الشيوعيين في السن، فلقد ولد عام ١٩١٧ أي في أيام الثورة الروسية، وعرف في الأربعينات ككاتب للقصة القصيرة، وعندما أوقف نشاط الحركة الديمقراطية ١٩٥٢ أرسل طرقي كملحق ثقافي في سفارة أفغانستان في واشنطن، وعاد إلى أفغانستان بعد ثورة داود، وأصبح مديراً لإذاعة كابل.. ثم استقال ليتفرغ للكتابة، ونشر حتى عام ١٩٧٨ م ما ينوف على الثلاثين كتاباً، احتلت القصة معظمها، وتحدث في ثلاثة منها عن الفلسفة الشيوعية. وكان كارمل أصغر من طرقي بعشرين سنة، وهو ابن ضابط بوشتوني، وكان من قادة طلاب الحركة الديمقراطية. - تأسس حزب (خلق) الشيوعي سنة ١٩٥١، وبعد ظهور بعض الحرية السياسية سنة ١٩٦٤م، عقد الحزب مؤتمره العلني الأول في كابل في كانون الثاني سنة ١٩٦٥م، وذلك استعداداً للانتخابات المتوقعة بعد فترة، ولم يكن تعداد أعضاء الحزب في ذلك الوقت يتجاوز عدة مئات، وكان محصوراً في كابل، وقد انتخب مؤتمره الأول والوحيد لجنة مركزية من تسعة يرأسها (طرقي) كأمين عام. وأصدر الحزب جريدته (خلق) عام ١٩٦٦م، وظهر منها ستة أعداد بين ١١ نيسان و ١٦ أيار، ثم أغلقتها الحكومة. - انقسم الحزب على نفسه بعد إغلاق صحيفته (خلق) بعد وقوع خلاف شديد، هل تصدر الجريدة سراً، وهو الأمر الذي كان يدعو إليه كارمل، أو إيقافها، الأمر الذي تبناه طرقي. وعند ذلك أصدر كارمل صحيفته الخاصة (بارشام) أي الراية، وكانت سرية في البداية، ثم علنية في جو الحرية النسبية قبيل انتخابات ١٩٦٩ م، ثم عادت للسرية، وكانت (بارشام) تتبنى خطاً شيوعيا ً اكثر تصلباً من (خلق) . - وفي انتخابات ١٩٦٩ نجح عضوان من الشيوعيين، وهما حفيظ الله أمين، وبابراك كارمل، وكان زمام المبادرة بيد (بارشام) وكان لهذه الحركة نشاط واسع في القوات المسلحة، وكان هناك تعاون بينهم وبين رئيس الوزراء محمد داود. - وفي ١٧/٧/١٩٧٣ قام محمد داود بانقلاب عسكري أطاح بابن عمه محمد ظاهر شاه، وقد نفذ الحركة الانقلابية (٣٠٠ ضابط) لم يكن بينهم سوى (١٠ ضباط) محايدين، وما تبقى كانوا شيوعيين، وشكل داود حكومة ضمت عدداً من الشيوعيين وأنصارهم.. ومنذ بداية انقلاب داود بدأ الاستعمار السوفييتي لأفغانستان بشكل غير مباشر. - وفي عام ١٩٧٧م شعر محمد داود بخطر الشيوعيين وخشي أن ينقلبوا عليه فالتفت نحو إيران الشاه، ونحو الولايات المتحدة، وحصل على مساعدات كان من آثارها إقصاء الوزراء الشيوعيين عن الحكم، وحاول التعاون مع خصومهم التقليديين. - شعر الشيوعيون بالخطر وتوحدت كلمتهم، وقاموا بانقلاب عسكري في ٣٠/٤/١٩٧٨م وأطاحوا بحليفهم التاريخي محمد داود، وأعلنوا عن تشكيل مجلس لقيادة الثورة برئاسة نور محمد طرقي، وأصبح نائبه بابراك كارمل، وتم الإعلان عن جمهورية أفغانستان الديمقراطية. - وبدأت فيما بعد صراعات أجنحة الحزب الشيوعي الأفغاني، فقام حفيظ الله أمين بإقصاء محمد نور طرقي، وفي أواخر عام ١٩٧٩ تدخلت القوات الروسية وأعدموا حفيظ الله أمين، ونصبوا بابراك كارمل رئيساً. - وفي ٤/٥/ ١٩٨٦ عين السوفييت رئيس المخابرات الأفغانية (خاد) أميناً عاماً لحزب الشعب الديمقراطي. وبلغت المساعدات التي قدمها الاتحاد السوفييتي لأفغانستان (٧٥٠ مليون) دولار حتى عام ١٩٧٥، وإذن كان السوفييت قبل احتلالهم لأفغانستان يحكمون البلد بشكل غير مباشر، وأثناء حكم ظاهر شاه وابن عمه محمد داود قام السوفييت بتشييد طرقات وجسور تربط أفغانستان بالاتحاد السوفييتي، كما قاموا بمسح جوي لأراضي أفغانستان الشمالية، ودربوا ضباط الجيش، وبلغ عدد الضباط الأفغان الذين تدربوا في الاتحاد السوفييتي [٧٠٠٠ ضابطاً] وكان عدد الذين تدربوا في الولايات المتحدة لا يزيد على [١٠٠] ، وكانت اللغة التقنية المعمول بها في وحدات الجيش الأفغاني هي اللغة الروسية بسبب اعتماده الكلي على موسكو. وقصارى القول: فأطماع الشيوعيين السوفييت في أفغانستان لم تبدأ في عام ١٩٧٩م كما يظن البعض، وإنما بدأت محاولاتهم منذ بداية قيام الثورة البلشفية في روسيا، وأول معاهدة بين البلدين كانت في عام ١٩٢١م، وكانت هذه المعاهدة أول ثمرة لمحاولاتهم التي لم تنقطع. ومن جهة أخرى: فهذا أول غزو للجيش السوفييتي خارج حلف وارسو [١] ... ومن أجل إنجاح مهمتهم رصدوا أرقاماً مذهلة من المال والعتاد، وخسروا أكثر من [٥٠٠٠٠] عسكرياً ... والذي نعتقده: بأن السوفييت يحبون أن يخرجوا من أفغانستان، ولكنهم لا يوافقون على تسليم أفغانستان للمجاهدين المسلمين، كما أنهم لا يقبلون التخلي عن هيمنة الحزب الشيوعي الأفغاني، وتقديم كل عون ومساعدة عند الضرورة. إنهم لا يقبلون هذا ولا ذاك للأسباب التالية: ١- إذا خسر الاتحاد السوفييتي معركة أفغانستان فإن سمعته في العالم الشيوعي سوف تنهار، لاسيما وأن أفغانستان دولة مجاورة للسوفييت. ٢- هزيمة السوفييت، وقيام نظام إسلامي في أفغانستان يعني أن ثورة أخرى سوف تبدأ في الجمهوريات الإسلامية جنوب الاتحاد السوفييتي، وهذا يعني - كما قلنا سابقاً- انهيار الإمبراطورية السوفييتية كلها. ٣- هزيمة السوفييت تعني خسارة القاعدة العسكرية (شاندان) القريبة من إيران، وهي قاعدة استراتيجية ضخمة يمكنها أن تغطي منطقة إيران والخليج، والسوفييت يحاولون الوصول إلى المياه الدافئة في الخليج، ولهم قواعد جوية وبحرية كثيرة حول العالم في: أثيوبيا، وموزمبيق، وفيتنام، واليمن الجنوبي، وسورية، ولهم أعداد كبيرة من السفن والطائرات في المحيط الهندي وقريباً من الخليج، حيث يحتفظون قرب الخليج بحوالي ٨٣ سفينة حاملة طائرات لكل منها ٧٠ طائرة، والاحتفاظ بقاعدة (شاندان) العسكرية يجعل خطوط الإمدادات داخلية وليست خارجية، وليس من العسير تدميرها. ٤- الحرب المتوقعة في المستقبل ستكون بين السوفييت والصين -والله ... أعلم -، وكلاهما يستعد لها، ولقد أكمل السوفييت حصارهم للصين من جميع الجهات في كمبوديا ولاوس وفيتنام. وأسطولهم قادر على قطع أي إمداد بحري للصين، الممر الوحيد المتبقي لإمداد الصين هو طريق (كاراكم) الذي يربط الصين عبر باكستان إلى بحر العرب والمحيط الهندي، ومنه تأتي إمدادات النفط وغيرها. واحتلال السوفييت لممر (واخان) يضع هذا الطريق تحت تهديدهم المباشر. ومن جهة أخرى: فإن الاستيلاء على ممر (واخان) يجعل حدود الاتحاد السوفييتي مشتركة مع حدود باكستان، وبالتالي يضع باكستان تحت التهديد السوفييتي إذا حاولت التدخل ضد كابل أو مساعدة خصوم النظام. ومن جهة ثالثة: ففي حالة وقوع حرب مع الصين تندفع القوات السوفييتية عبر ممر (واخان) لتصل إلى أراضي حلفائها في الهند، فتنفصل باكستان عن الصين، وتنقطع الإمدادات عبر طريق (كاراكوم) ، ولهذه الأسباب فإن السوفييت يرغبون في الانسحاب من أفغانستان، مع الإبقاء على قاعدة عسكرية في (شاندان) وعلى ممر (واخان) إلى الأبد، ويحرصون على وجود حكومة تدور في فلكهم تماماً، ولا يشترطون أن تكون عناصر تلك الحكومة ماركسية، بل إنهم لا يمانعون في انضمام عناصر قومية إلى الحكومة، وكذلك لا مانع لديهم من عودة الملك السابق ظاهر شاه، أو مشاركة عناصر ذات صبغة إسلامية، ولكنهم يعارضون أشد المعارضة تمثيل المجاهدين، لاسيما إن كان لهم شأن في صنع القرار، وقد أفصحوا عن معظم أهدافهم وغاياتهم من خلال التصريحات الرسمية التي صدرت عنهم. رابعاً: أهدافهم من وراء هذه المبادرة: ١- إن غورباتشوف رجل مخابرات، فهو الذي كان مسؤولاً عن جهاز المخابرات السوفياتية (كي. جي. بي) فأساليبه تختلف عن أساليب العسكريين ... وطريقة تفكيرهم، ولهذا فقد اختار زعيماً جديداً للنظام الأفغاني وهو المدعو (نجيب الله) الذي تدرب على أيدي [كي. جي. بي] وتولى مسؤولية ما يسمى بإصلاح جهاز مخابرات أمن الدولة (خاد) ، وخلال توليه مسؤولية هذا الجهاز أثبت كفاءة - من وجهة نظر السوفييت - حتى أنه اكتسب لقب (دكتور الموت) أو (دكتور الرعب) وهو الاسم الذي يطلقه عليه المجاهدون الأفغان. وطبيعة هذه المرحلة لا تعتمد على القوة وحدها، وإنما تعتمد على الدهاء، والغدر، والمناورات، والتجسس. ٢- ينتمي (دكتور الرعب) إلى إقليم (بوشتانستان) وهو من قبائل (البشتو) - بكتيا - المجاورة لباكستان والذي يمر من خلاله ٧٠% من قوافل المجاهدين، وبعد توليه الحكم زار (بكتيا) وعقد لقاء قبلياً في معقل (الباشتون) ضم حوالي [٥٠٠٠] شخصاً، وأعلن خلال اللقاء عن تمسكه بالإسلام، كما أعلن عن عزم الحكومة على تطوير المنطقة، وهذا يعني أن الاختيار قد وقع عليه ليقود معركة وطنية ضد باكستان بقصد توحيد (البوشتون) [٢] . ٣- تكثيف جهاز المخابرات الأفغاني (خاد) لعمليات التخريب داخل باكستان وإثارة الفتن والقلاقل بين المهاجرين الأفغان والمواطنين الباكستانيين، وتحريك المعارضة ضد النظام الباكستاني. وقد تحركت المعارضة، ففي باكستان (١٤) حزباً سياسياً، منها (١١) حزباً ضد المجاهدين الأفغان، ونجح النظام الأفغاني في تنظيم عدة انفجارات داخل باكستان، من أهمها الانفجار الذي حدث في مخيم للاجئين الأفغان الذي وقع بالقرب من مدرسة باكستانية، وأدى هذا الانفجار إلى انهيار المدرسة ومقتل حوالي (٥٠) طالباً، وأثر هذا الانفجار نظم الشيوعيون وعملاؤهم مظاهرات استمرت ثلاثة أيام، وقد تم خلالها منع المهاجرين الأفغان من النزول إلى مدينة (بيشاور) والتجول بالشوارع، وقام المتظاهرون بحرق ثلاث سيارات للأفغان.. وبعد أيام أطلق على مطار (بيشاور) أربعة صواريخ أرضية صغيرة لم ينتج عنها خسائر. ٤- ومع الحديث عن المبادرة السلمية، فلقد كانت القرى الباكستانية والمخيمات الأفغانية هدفاً لغارات جوية قامت بها الطائرات السوفييتية، ومن أعنف هذه الغارات: ما نفذته الطائرات السوفييتية في النصف الأول من الشهر الثالث من هذا العام، حيث شاركت فيها ولأول مرة حوالي تسع عشرة طائرة وعلى دفعتين متلاحقتين، وأدت هذه الغارات إلى تدمير عشرات المنازل والمتاجر، وتقول السلطات الباكستانية: إنها سجلت أكثر من [٩٠٠] انتهاكاً للأجواء الباكستانية، وكان ضحايا هذه الغارات أكثر من [١٥٠] قتيلاً، والغريب أن هذه الغارات جرت بينما كان الوفدان الباكستاني والأفغاني في جنيف لمناقشة ما يسمى بالمبادرة ... السلمية [٣] . ٥- وقع الاختيار على [الحاج محمد تشمكني] ، ليكون رئيساً للدولة، وهو من مواليد قرية [تشمكني] في محافظة [بكتيا] ، ووالده زعيم قبلي في المنطقة، ويكررون في إذاعة كابل لفظ (الحاج) لجذب عواطف (العامة) وإشعارهم بأن ... الرئيس الأفغاني ليس شيوعياً، وحقيقة الأمر أن الحاج محمد انتهازي وصديق لهم، والحكم كله بيد نجيب الله، وأمثال هذه العناصر أشد خطراً على المسلمين من قادة الحزب الشيوعي الأفغاني. ٦- يسعى نجيب الله كما يسعى غورباتشوف لامتصاص النقمة العالمية على الشيوعيين بسبب غزوهم لأفغانستان، وبشكل أخص يحاولون امتصاص النقمة العالمية لدى دول عدم الانحياز، ولدى الدول التي تدين شعوبها بالإسلام. ٧- يعمل الشيوعيون من أجل قيام حكومة ائتلافية تضم شخصيات معارضة، وهذه الحكومة إذا قامت لا تتعارض مع مخططاتهم المرسومة، لأن الجيش يبقى مؤسسة شيوعية، وتبقى الخطوط مفتوحة بينهم وبين قيادتهم في موسكو. وهدفهم من طرح هذه الفكرة: ضرب ما تبقى من وحدة المجاهدين، والمتمرسون في المخابرات يعرفون كيف يتسللون إلى ضعاف النفوس من المحسوبين على الجهاد، ويعلمون بأن هناك ثلاث منظمات سوف تقبل المبادرة إذا قبلها الملك وقبلتها الولايات المتحدة الأميركية وحكومة باكستان.. وستحاط هذه الحكومة بضجيج إعلامي عالمي، وسوف يحاولون عزل المجاهدين الذين لا يقبلون الاشتراك بهذه الحكومة التي سيكون من أخطر أهدافها القضاء على جهادهم، ومصير هذه الحكومة لن يكون أفضل من مصير الحكومات التي شكلها حليفهم الهالك محمد داود. ٨- يحرص السوفييت على تطوير المفاوضات مع باكستان والولايات المتحدة الأميركية، والوصول إلى حل متفق عليه للمشكلة الأفغانية، وإذا كانت المبادرة مرفوضة عند باكستان وحلفائها، فإن المفاوضات تحرز شيئاً من التقدم، وما تقبله باكستان لإنهاء الحرب لا تقبله بالتأكيد المنظمات الجهادية التي نثق بها ... ويقول الشيوعيون: إذا وصلنا إلى اتفاق مع باكستان وحلفائها فلن نخشى المنظمات الجهادية إذا تخلت عنها باكستان. ٩- لن يتخلى الشيوعيون عن العمل العسكري في أفغانستان، ولهذا فهم يحرصون على بقاء الجيش بأيديهم، كما يحرصون على بقاء القاعدة العسكرية في (شاندان) . ومن جهة أخرى: فقد كثف الشيوعيون هجماتهم على مخيمات الأفغان، واستخدموا كافة الأسلحة، وكان هذا الهجوم بعد المبادرة، بل وأثناء مفاوضات جنيف. خامساً: موقف المجاهدين من المبادرة: أدرك المجاهدون الأهداف والغايات التي يتطلع إليها الشيوعيون من وراء طرحهم لهذه المبادرة، وتنادى قادة الائتلاف إلى اجتماع حاشد حضره أكثر من [١٥٠٠٠٠ مجاهداً] من كافة الاتجاهات، تحدث فيه كل من: محمد يونس خالص، عبد رب الرسول سياف، صبغة الله مجددي، برهان الدين رباني، محمد نبي محمدي، أحمد الجيلاني، حكمت يار.. وفي نهاية الحفل ألقى محمد نبي محمدي رئيس الائتلاف بياناً باسم كافة أطراف الائتلاف جاء فيه: «إن شعبنا المجاهد لن ينخدع، وسوف يواصل جهاده المقدس السامي بكل يقظة حتى الوصول إلى غايتنا النبيلة، ولو وجد من يقبل وقف إطلاق النار المعلن من قبل نجيب العميل، وصفق لما يسمى بالمصالحة الوطنية، وسقط في شراك العدو الغادر، والتحق بالحكومة العميلة، فإنه ليس إلا من العناصر المتصلة بمخابرات روسيا [كي. جي. بي] وفرعها منظمة الخاد في الحقيقة، وكان قد تسرب إلى صفوف الجهاد متغطياً بغطاء الإسلام والجهاد» [٤] . «.. إن الاتحاد الإسلامي لمجاهدي أفغانستان الممثل الوحيد لغايات ومرامي شعبنا المجاهد المسلم، يعلن بصراحة ما فوقها صراحة: أن نغمة وقف إطلاق النار والمصالحة الوطنية وإقامة حكومة ائتلافية تضم الشيوعيين والمجاهدين، التي يعزف الشياطين الروس على أوتارها وعلى لسان عميلهم نجيب؛ ليست إلا واحدة من احتيالات العدو التي لا تعد ولا تحصى، ولن تخدع مجاهدينا الأبطال إن شاء الله» . واستطرد البيان في الرد على أكاذيب الشيوعيين، وفي فضح مقاصدهم، وفي الختام أصدروا القرارات التالية: ١- إننا في حين نطالب بالانسحاب الفوري وغير المشروط والكامل للقوات الروسية، لا نعرف طريقاً آخر لاسترجاع الحرية وطرد القوات الروسية من بلادنا وإقامة حكومة إسلامية فيها غير استمرار المقاومة المسلحة. ٢- سوف تتقلد حكومة المجاهدين المؤقتة زمام الأمور في البلاد بعد انسحاب القوات الروسية وسقوط النظام العميل. ٣- سوف تقام انتخابات حرة تحت إشراف هذه الحكومة المؤقتة، وتنجم الانتخابات عن تشكيل شورى وحكومة إسلامية منتخبة. ٤- تم الاتفاق على تشكيل لجنة لوضع دستور الحكومة المؤقتة وكيفية تأسيسها وتجديد قدراتها ووظائفها، وسوف ترفع هذه اللجنة خطواتها العملية في غرة فبراير من هذا العام، وتكمل اقتراحاتها خلال شهر واحد، وتقدم إلى مجلس الشورى الحالي للاتحاد للمناقشة والإقرار. ٥- تم الاتفاق على تشكيل لجنة قضائية ذات قدرة وصلاحية لتناقش المنازعات الموجودة في صفوف المجاهدين، وتضع خططاً عملية لإزالتها، وتصدر فتاوى شرعية بهذا الخصوص. ويجب تطبيق قرارات هذه اللجنة على كل الأفراد والمجاهدين. ٦- سوف يتلو تشكيل الشورى المنتخبة وضع دستور البلاد والمصادقة عليه، والدستور هذا يكفل تطبيق الشريعة الإسلامية في كل مجالات حياة شعبنا الفردية منها والاجتماعية تطبيقاً كاملاً. ومن الله التوفيق. وفي تجمع كبير قال الأستاذ سياف: «واسمعوا: إننا لن نجلس على طاولة المفاوضات مع الذين خدموا الروس وساعدوهم في عدوانهم السافر على أفغانستان، وقتل إخوانهم وإراقة دمائهم ... وإن الائتلاف مع الشيوعيين أو المتغربين [يعني: محمد ظاهر شاه، وبطانته، ومن سار على نهجهم] بمنزلة بيع دماء الشهداء وإضاعتها.. وإن المتغربين من الأفغان الذين يستوطنون في الدول الغربية يحلمون بحكم أفغانستان، لكن -وبمشيئة الله- سوف يأخذون أحلامهم هذه إلى قبورهم» [٥] . وقال الأستاذ حكمتيار [٦] : «إن الجهاد الإسلامي هو الآن في أخطر مراحل أقداره، ويقتضي منا كل الاحتياط والكياسة في خطوات عملنا وسياستنا، علينا أن ننتبه إلى مؤامرات العدو الماكر في بداية الطريق، وأن نتصدى للآمال الكاذبة والتوقعات الخادعة المضلة التي ليست أكثر من سراب والتي يزرعها العدو. وعلينا أن نلفت الشعب إلى خطورة هذه المناورات السياسية حتى لا تتطرق عقلية الانعطاف والمداهنة إلى صفوف الشعب.. حتى لا نخسر المعركة التي كسبناها خلال حرب [١٥٢ شهراً] ، وقدمنا فيها تضحيات ليس لها نظير في التاريخ. وانطلاقاً من تلك الدروس والتجارب التاريخية فإننا سنصر على مواصلة الحرب حتى اللحظة التي تترك فيها قوات العدوان بلدنا وترفرف راية الإسلام على ربوع البلاد» . وقال في نهاية محاضرته: «إن حربنا ستستمر وسنواصل دون توقف أو تأخير حتى يخرج آخر جندي روسي من بلدنا.. وإننا لنثق بأن استمرار الجهاد المسلح سيرغم في نهاية الأمر قوات العدوان على ترك بلادنا دون قيد أو شرط» . سادساً: أين مواطن الخلل؟ لقد صدرت تصريحات عن جميع قادة المجاهدين تبشر بالخير، سواء منهم الذين يعملون داخل الائتلاف أو خارجه، ولا غرابة في ذلك فلقد عرفوا الشيوعية والشيوعيين عن كثب، والمثل العربي القديم يقول: «أهل مكة أدرى بشعابها» ، ورغم التصريحات والمواقف الجيدة التي وقفوها، هناك ثغرات يعرفها العدو تمام المعرفة، ويحاول التسلل لنسف ما تبقى من وحدة المجاهدين من خلالها، وسوف نشير فيما يلي إلى أهم مواطن الخلل: ١- الباطنيون الرافضة: يعلم المجاهدون جميعا أن دور الباطنيين من الجهاد ومنذ البداية كان سلبياً، ويعلمون أيضاً أن هناك بعض التفاهم بين طهران وموسكو، ويقال: إن رئيس الوزراء الأفغاني منهم، ويحدثنا القادمون من الجبهات أن المرور من مناطقهم مغامرة يحسب لها المجاهدون ألف حساب ... ومع أن المجاهدين يعلمون هذه الأمور كلها فقد عرض عليهم أربعة عناصر في مجلس الشورى، ورفضوا هذا العرض لأنهم يريدون نصف عدد المجلس ونصف عدد أعضاء الوزارة مع أن عددهم في أفغانستان لا يتجاوز [١. ٥مليون] ، وكعادتهم ينكرون ذلك ويزعمون أن عددهم سبعة ملايين ونسبتهم ٣٥%! ! وبدأت طهران تناور من جهتها، واتصلت بالسوفييت وطرحت عليهم مبادرتها، وهذه المناورة هدفها تحقيق مكاسب مهمة لهم في أفغانستان بعد انسحاب الروس. ومع تقديرنا لوجهة نظر إخواننا المجاهدين نقول: لا تظنوا أن اشتراكهم معكم في مجلس الشورى ومجلس الوزراء سوف يساعد على وجود هدنة بينكم وبينهم، إنهم إن قبلوا بهذا الاشتراك فسيكون -أي الاشتراك بحد ذاته- ميداناً جديداً من ميادين صراعهم معكم، فأنتم في نظرهم كفار ناصبة، وليس بينهم من يعتقد بأننا مسلمون عصاة على الأقل، وسوف يتعاونون مع السوفييت والأمريكان واليهود ضدكم، وسوف يستخدمون تقيتهم لذر الرماد في العيون، وسوف يجعلون من أفغانستان (لبناناً) آخر بل أشد من لبنان لأن أفغانستان مجاورة للبلد الذي تحكمه قيادتهم في العالم.. ومن المؤسف أن الذين يعرضون مثل هذا الرأي هم الذين يستبعدون منظمات وهيئات طيبة ولا يقبلون أن يكون لها دور في مجلس الشورى وغيره من المجالس الأخرى ... فخذوا حذركم يا أخوة، وصراعكم مع هؤلاء الغلاة لن يكون أقل من صراعكم المرير مع الشيوعيين، ونحن نعلم أن كثيراً منكم سوف يستغربون ما نقوله عنهم، ولمثل هؤلاء نقول: لا تحكموا عليهم من خلال ظاهر أحوال من تعرفون منهم، ولكن احكموا عليهم من خلال عقائدهم، وتاريخهم، ومواقفهم من أهل السنة.. واعلموا حق العلم أنهم لم ولن يقبلوا أن يقوم للمسلمين السنة دولة في أفغانستان، ولا نشك أنكم سوف تخوضون معركة معهم، وسوف يفرضون عليكم هذه المعركة فرضاً والله أعلم، وسوف يجدون من يتعاون معهم من ضعاف النفوس وطلاب الزعامات وبعض أصحاب الاتجاهات الباطنية فانظروا ماذا تفعلون. ٢- مجددي وجيلاني: قال الإخوة المجاهدون الذين نثق بهم: لهذين الرجلين صلات وثيقة مع الدوائر الغربية، ولهما صلات قوية مع ظاهر شاه وينسقان معه.. وقالوا أيضاً: لا نقبل بحال من الأحوال أن يضمنا وإياهم اتحاد واحد للأسباب السابقة ولأسباب أخرى ليس هذا هو موضع الحديث عنها، ومن خلال متابعة سيرة الرجلين تأكد عندنا صحة ما يقوله إخواننا قادة المجاهدين.. وبعد حين من الزمن تغير شكل الاتحاد فخرج منه ناس ودخله آخرون وأصبح إخواننا الذين نثق بهم، ومجددي وجيلاني في اتحاد واحد، وقالوا في تبرير موقفهم لقد أُرغمنا على اتخاذ هذا الموقف! ! . وإذاً فلقد أصبح المستحيل ممكناً ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ونسأل الله أن لا يتكرر مثل هذا الإرغام في مواقف أشد خطورة من هذا الموقف!. وقبل بضعة أشهر قام مجددي وجيلاني ورباني ومحمد نبي بزيارة الولايات المتحدة الأميركية، وعقدوا لقاءً مع الرئيس الأمريكي ريغان، وقاموا بزيارة عدد من العواصم الغربية، وعقد [مجددي] مؤتمراً صحفياً، كما ألقى كلمة في احتفال عقده أنصاره مما قاله: «والتقينا أيضاً برئيس بلدية باريس نيابة عن رئيس الجمهورية، وجلسنا معاً في غرفة واحدة حيث ألقى كلمة وألقيت كلمة، ثم قال بعد انتهاء الكلمتين: إن هذه الغرفة مخصصة للقاء المسؤولين الحكوميين، وهانحن نلتقي بكم هنا للارتقاء بجهادكم.. وإن الحكومة الفرنسية تساندكم في جهادكم كما قلنا سابقاً» . وقال: «وفي أمريكا فقد استقبلنا هناك بحفاوة بالغة حيث رافقتنا الحماية من الشرطة المزودين بأجهزة اللاسلكي للاتصال فيما بينهم، وأحضروا لنا سيارتين كبيرتين يستقبل بهما رؤساء الحكومات، وبدأنا المفاوضات وطرحنا مشاكلنا وشرحنا حقيقة مأساتنا وأبعادها السياسية، والثقافية، والاقتصادية، والاجتماعية، وأبدينا ملاحظاتنا حول حاجة جهادنا إلى المعونة، وأعلن الأمريكيون استعدادهم لدعم جهادنا وإسناده.. وأؤكد أن هذه الزيارة ليست ضد الشرع ... والمساعدات المالية التي نطلبها ليس فيها أو في طلبها ما يخالف الشرع، وقد أجيز لنا شرعاً أن نطلب ذلك» . وعن السوفييت قال: «إن الروس عندهم الآن من القوة والعتاد مالا نستطيع مقاومته وحدنا إلا بالاستعانة بالغير، وقد طلبنا الاستعانة بالكفرة وهذا أمر جائز شرعاً حسب المذهب الحنفي» . وأوضح قناعته بالحل السياسي فقال: يقول الله ﵎: [وإن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ] ونحن أمامنا عدو قوي فلماذا لا نكف عن سفك الدماء ونرضى بالصلح إذا كان فيه صالحنا وتحرير أرضنا. والمحادثات في جنيف هي من أجل الصلح ووضع حد للقتال بين المجاهدين وعدوهم «. هذه أقوال مجددي كما جاءت في مؤتمره الذي عقده بتاريخ ٨/٧/١٩٨٦ ونتركها دون تعليق؛ لأن أقواله كانت صريحة ... وندد الأستاذ سياف والمهندس حكمتيار بهذه الزيارة في تصريحات صدرت عنهما، وتوترت الأجواء بين الطرفين ... ومرت أيام أُخر، ويعلن عدو الله وسادته في الكرملين عن مبادرتهم، ... ويتنادى قادة الائتلاف إلى اجتماع حاشد، ويتفقون على موقف موحد، وكان من بينهم مجددي وجيلاني، ويتقدم محمد نبي ليتلو البيان الموحد على المجتمعين، وتتحسن الأحوال بين الطرفين.. وأصبحنا نسمع من يقول: لقد كنا نجهل حقيقة مجددي، وعندما عرفناه عن كثب عرفنا فيه الصدق والخير وأكد لنا أنه ليس صوفياً، وليس له علاقات مشبوهة! ! . وتمر الأيام مرة أخرى ويصرح جيلاني بأنه يرحب بعودة محمد ظاهر شاه، وجاء بعده محمد نبي ليدلي بتصريح مماثل ... أما مجددي فقال: أنا أريد حكومة يرأسها رجل اسمه (محمد ظاهر شاه) ، وقال محمد نبي محمدي: إن ظاهر شاه رجل كبير ويعرف كيف تدار الأمور، وفضلاً عن هذا فهو من أهل الخبرة ومقبول عند الأفغان ويرحبون بعودته، وقيل لجيلاني: ما تقوله يتناقض مع بيانكم الذي ألقاه السياف في مؤتمر القمة الإسلامي؟ ، فأجاب: ما قاله سياف في المؤتمر يمثله شخصياً ولا يمثلنا ... ومما يجدر ذكره أن مثل هذه التصريحات نشرتها الصحف، وبعضها نشر في لندن، وتنادى قادة الائتلاف إلى اجتماع واتفقوا على موقف موحد من أجل وضع حد للإشاعات التي بدأت تنتشر في صفوف المجاهدين. إن جيلاني ومجددي وحلفاءهم كانوا ومنذ البداية يرون التعاون مع الولايات المتحدة الأميركية وبقية دول أوروبا الغربية، كما أنهم يرون وجوب التعاون مع محمد ظاهر شاه وأعوانه ... وكانت الولايات المتحدة مهتمة بالمقاومة المسلحة ضد السوفييت والشيوعيين الأفغان، وكانت تنطلق في موقفها هذا من مصالحها الخاصة التي تتعارض في النهاية مع أهداف المجاهدين الأفغان، وكان طريق المقاومة المسلحة يمر بالتحديد من [سياف وحكمتيار] ، ولهذا طرحوا -أي: مجددي وجيلاني- وجوب ائتلاف المجاهدين وفرض سادتهم الائتلاف فرضاً، كما أخبرنا بذلك إخواننا المجاهدون. وعندما طرح الشيوعيون مبادرتهم كان موقف الولايات المتحدة منها سلبياً، وكانوا يشككون بنوايات السوفييت، ومن جهة أخرى كانوا يريدون مزيداً من الضغط على السوفييت، وهذا يقتضي التهديد باستمرار المقاومة، وعندما يتنازل الشيوعيون عن بعض شروطهم القاسية، ويتفقون مع الأمريكان سيخرج علينا مجددي ليذكرنا، بقوله تعالى: [وإن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ] ، وليقول أيضاً:» فلماذا لا نكف عن سفك الدماء ونرضى بالصلح إذا كان فيه صالحنا وتحرير أرضنا «. وقد قال هذا وذاك بعد زيارته للولايات المتحدة، وأعداء الله في كابل وموسكو يعرفون هذه المسألة، ولهذا فقد قالت إذاعة كابل بعد طرح المبادرة بأيام:» إن أربعة من زعماء المعارضة قبلوا مبادرة نجيب الله، وكانوا على وشك التوجه إلى كابل قبل أن تتدخل باكستان وتطلب منهم التريث «. أرأيتم -إخواننا- الخطأ الفادح الذي يرتكبه الدعاة والقادة في تقويم الرجال؟ ! أرأيتم كيف تمر بنا حالات فتطغى العواطف على العقول فننسى الماضي، ونسوغ لأنفسنا الأعذار ولو كانت مضطربة متناقضة؟ ! أرأيتم كيف لا نستفيد من أخطاء إخوان لنا، ونتصرف من حيث بدأ غيرنا؟! قد تضطرون إلى مهادنة مجددي وجيلاني وغيرهما، ولكم أن تتخذوا مثل هذا الموقف، ولكن ادرسوا الأمر من كافة جوانبه، وإياكم والمبالغة في حسن الظن، وانظروا ماذا تفعلون عندما ينضم مجددي وجيلاني لركب محمد ظاهر شاه والولايات المتحدة الأميركية؟ . ٣- الموقف الدولي: بعد يومين من إعلان نجيب عن مبادرته، قام وزير الخارجية السوفييتية [ ادوارد شيفارد نادزة] ، ومستشار الكرملين للشؤون السياسية الخارجية [اناتولي دوبرينين] بزيارة كابل، وكررت وكالة [نوفستي] السوفييتية القول:» إن الهدف الحالي الذي تسعى له الحكومة السوفييتية هو: تحقيق مصالحة وطنية «. وفي ٢٠/١/١٩٨٧: قام النائب الأول لوزير الخارجية السوفييتية [اناتولي كوفاليف] بزيارة إسلام آباد وسلم الرئيس الباكستاني رسالة من نظيره السوفييتي، وتزامنت زيارة [كوفاليف] مع زيارة وكيل وزارة الخارجية الأميركية [مايكل أورماكوست] لإسلام آباد، وعقد اجتماعاً مع رئيس الوزراء محمد خان جونيجو ووزير الخارجية يعقوب خان ... ووصف [ارماكوست] المحادثات التي أجراها مع الزعماء الباكستانيين بشأن أفغانستان بأنها (ممتازة) ، وأكد مساندة واشنطن للأفغان من أجل انسحاب القوات السوفييتية من بلادهم، وأشار أرماكوست في تصريح أدلى به قبل مغادرته إسلام آباد في ختام زيارة لباكستان استغرقت يومين إلى أنه يشعر بالارتياح التام للمشاورات التي أجراها مع المسؤولين الباكستانيين والمتعلقة بصفة خاصة بالاقتراحات الأخيرة لموسكو ونظام كابل، من أجل وضع حد للنزاع الأفغاني، وأشار أرماكوست إلى أن ما يهم هو انسحاب القوات السوفييتية من أفغانستان. وقال أرماكوست: لقد ساندنا دائماً كفاح الشعب الأفغاني العادل من أجل رحيل القوات الأجنبية، وذكر أن الولايات المتحدة تأمل في التوصل إلى تسوية سلمية تلبي رغبة الشعب الأفغاني. واستؤنفت مفاوضات جنيف بعد المبادرة، وهذه المفاوضات بدأت منذ عام ١٩٨٢ بين باكستان والحكومة الأفغانية، وتتم بشكل غير مباشر تحت إشراف الأمم المتحدة، وكان هناك ثلاثة اقتراحات بعد المبادرة: -اقتراح قدمه الشيوعيون ويقتضي قيام حكومة ائتلافية بين المجاهدين والحزب الشيوعي، وتكون هذه الحكومة تحت سيطرة نجيب، وإذا قامت مثل هذه الحكومة فإن الروس ينسحبون بسرعة، وقد رفض الوفد الباكستاني هذا الاقتراح. -واقتراح الوفد الباكستاني: أن ينسحب الروس حسب جدول زمني محدد، وتشكل حكومة غير منحازة وتكون مقبولة من قبل المجاهدين والشيوعيين، وبعد انسحاب الروس تسقط هذه الحكومة، وتجرى انتخابات.. -وطرح مندوب الأمم المتحدة اقتراحاً يجمع بين الاقتراحين السابقين، وبقيت المدة الزمنية المختلف عليها سنة واحدة، يطلبها السوفييت زيادة على المدة التي حددها الوفد الباكستاني. ثم تكرر الحديث على وجوب تشكيل حكومة غير منحازة يرضاها الشعب الأفغاني [انظر تصريحات رئيس الوزراء الباكستاني في زيارته للندن في ٥/٤/ ١٩٨٧] ، أما الولايات المتحدة الأميركية والدوائر الغربية: فيصرحون أحياناً بوجوب اشتراك محمد ظاهر شاه، أو رئيس الوزراء السابق [محمد يوسف الذي يقيم في ألمانيا] . ومن أجل الوصول إلى مزيد من الوضوح، فقد سأل أحد قادة المجاهدين الأفغان مسؤولاً كبيراً في الحكومة الباكستانية قائلاً له: هل تكون مساعدتكم لنا حتى يخرج الروس من أفغانستان، أم حتى يقوم نظام إسلامي في أفغانستان؟ فأجاب المسؤول: نحن معكم إلى أن يخرج الروس من بلدكم ... وعلق الأخ المجاهد قائلاً: لا يريدون أن يقوم نظام إسلامي صحيح في أفغانستان، لأنهم يخشون أن يقوم مثل هذا النظام في بلدهم ... أما مطالبتهم بحكومة غير منحازة فأمر يدعو إلى العجب، وهل هناك مسؤول غير منحاز؟ ! . لا نعتقد ذلك، فقد يكون منحازاً إلى الإسلام، أو إلى الشيوعية، أو إلى الولايات المتحدة الأميركية. وإذا علمنا بأن الولايات المتحدة الأميركية أخبث دول العالم، ولمخابراتها دور واسع في حرب الإسلام والمسلمين منذ أكثر من نصف قرن، وهي التي صنعت زعامات كثير من الطواغيت الذين وجهوا أشرس الضربات لطلائع البعث الإسلامي.. إذا علمنا هذا فقد أصبح واضحاً عندنا: لماذا يطالبون بحكومة غير منحازة، أو على حد قولهم: محايدة. وأصبح واضحاً عندنا الأخبار المشوهة التي تنشرها أجهزة الإعلام الغربية عن المجاهدين. وليست هذه المرة الأولى التي يتفق فيها الروس مع الأمريكان ضد الدعاة المجاهدين الذين يقاتلون من أجل أن يكون الدين كله لله في الأرض. ٤- التكتيك الشيوعي: يتحالف الشيوعيون والعلمانيون -من دعاة التغريب- في معظم بلدان العالم الإسلامي ضد العلماء والدعاة والجماعات الإسلامية، ويستغرب السذج قولنا هذا، واستغراب هؤلاء الناس ليس شيئاً مهماً، فهناك رابط يجمع الطرفين ويوحد بينهما إلى حين من الزمن.. هذا الرابط هو العلمانية وعداوة الدين الإسلامي، وشعور كل طرف بأنه عاجز عن المضي في هذه المعركة إن لم يكن له حليف قوي، ويظهر هذا التحالف داخل البلد على أنه تحالف بين حزبين أو أحزاب تقدميه وطنية، ويرفعون شعارات براقة: كالحرية، والوحدة، والاستقلال، ومكافحة الجهل والتخلف ... أما في حقيقته فهو تحالف بين الغرب الصليبي والشرق الشيوعي ويمثله نيابة عنهم شخصيات وأحزاب مناضلة -على حد قولهم-، وينشط الطرفان في جذب ضعاف النفوس من المنسوبين إلى العلم والدين، ومن طبيعة هؤلاء التقرب إلى الحكام والتزلف إليهم، وربما كان بينهم من يجهل حقيقة هؤلاء الزعماء ويسقط في شراكهم بسبب جهله وغفلته، وإذا كانت النوايا لا يعرفها إلا علام الغيوب فنستطيع التأكيد بأن ضعاف النفوس من هؤلاء العلماء يطعنون العمل الإسلامي طعنات موجعة، سواء كانوا يدرون أو لا يدرون ... وننتقل فيما يلي من التعميم إلى التخصيص وضرب الأمثلة والشواهد: ففي أفغانستان: قدم محمد ظاهر شاه خدمات للشيوعيين لا تنسى، ولعب دوراً مأساوياً في حرب الإسلام والمسلمين، أما حليفهم التاريخي فكان محمد داود ابن عم محمد ظاهر شاه ورئيس وزرائه، وقائد الانقلاب العسكري الذي أطاح بابن عمه ونظامه الملكي، وكانت العلمانية وعداوة الإسلام الأساس الذي قام عليه تحالف محمد ظاهر شاه أو رئيس وزرائه مع الشيوعيين، ومع ذلك فلكل طرف منهما أهداف وغايات تختلف عن أهداف وغايات الطرف الآخر، فمحمد ظاهر شاه كان بحاجة إلى مساعدات وقروض من الدولة العظمى -الجارة-، كما أنه بحاجة إلى تنظيم قوي يتعاون معه في معركته ضد العلماء والدعاة، ومحمد داود كذلك يشترك مع الملك في أهدافه، وكان له هدف آخر ألا وهو: التعاون مع الشيوعيين والروس ضد خصومه السياسيين في البلاط الملكي، ولولا الشيوعيون ما استطاع أن ينفذ الانقلاب العسكري الذي شارك فيه ٣٠٠ ضابطاً ليس بينهم من غير الشيوعيين سوى عشرة، وصحيح أنه أصبح رئيس دولة لكنه كان ورقة بيد الشيوعيين، وعندما أراد أن يتحرر من هيمنتهم أطاحوا به وقتلوه شر قتلة. أما الشيوعيون (فتكتيكهم) من أجل الوصول إلى الحكم معروف، لقد كان تعاونهم مع محمد ظاهر شاه يمثل مرحلة في هذا الطريق، وتعاونهم مع داود يمثل مرحلة أخرى لكنها أفضل عندهم من الانفراد في الحكم، ولولا أن محمد داود شعر بخطرهم وأراد الإطاحة بهم لما انقلبوا عليه، لأنهم يعرفون طبيعة الشعب الأفغاني المسلم، وأنه لن يقبل أن يكونوا حكاماً له بشكل مباشر.. وعلى كل حال كان خبث محمد داود لا يقارن بخبث الشيوعيين، وكانت حساباته معهم خاطئة، وسهل عليهم تنحيته وقتله، والشيوعيون ليس في قاموسهم شيء اسمه وفاء ومروءة وخلق! ! وهناك أمثلة كثيرة في البلاد العربية تشبه إلى حد كبير تحالف الشيوعيين ومحمد ظاهر شاه وداود في أفغانستان، ففي السودان: تحالف الشيوعيون مع الأحزاب الوطنية والإسلامية عند الإطاحة (بعبود) ، لأنهم كما يزعمون ضد الانقلابات العسكرية، ودعاة إلى الديمقراطية [مع أنهم ألد أعدائها] ، وبعد زمن يسير تعاونوا مع عدد من العسكريين، وأطاحوا بالنظام الديمقراطي، وبعد زمن يسير من قيام الانقلاب العسكري دبروا انقلاباً آخر ضد شركائهم في الحكم [جعفر نميري وبضعة من قطاع الطرق] ، ولأمرٍ أراده الله فشل انقلابهم، وبطش بهم نميري وأعوانه. وهناك أمثلة أخرى في العراق ومصر واليمن الجنوبي وسورية، وتفضح هذه الأمثلة أساليب الشيوعيين ومخططاتهم، ونعرض عن سردها والتعليق عليها لضيق المجال، ولكن الصور تتكرر مع اختلاف في التطبيق والنتائج، فيقابل داود عند الأفغان: عفلق، وأكرم الحوراني، ونميري، وعبد الكريم قاسم، وقحطان الشعبي، وغيرهم وغيرهم عند العرب. والشاهد من حديثنا عن (التكتيك الشيوعي) ، أنه لا يجوز أن نكرر أخطاء الماضي، ويجب أن ننشط إعلامياً ودعوياً في كشف حقيقة الذين تحالفوا مع الشيوعيين، وأنهم أخطر علينا من الشيوعيين، فمحمد ظاهر شاه أخطر من الشيوعيين؛ لأن أوراق الشيوعيين مكشوفة، أما هو فلا يزال بين المسلمين من يحسن الظن به، ويطالب بعودته، ومن شروط هذه العودة إقامة جبهة وطنية مع الشيوعيين وغيرهم من العلمانيين دعاة التغريب، وإذا كان هناك نفر من العلماء يزعمون أنهم كانوا يجهلون هذه الحقائق، ولهذا كانوا يتعاونون مع محمد ظاهر شاه عندما كان على رأس الحكم، فلماذا يطالبون بعودته الآن؟ ! . فإن أصر هؤلاء على موقفهم الظالم، فمن الواجب علينا بيان حقيقتهم وتحذير المسلمين من نفاقهم. ٥- العالمية: هناك صراع عالمي على أفغانستان: فالجانب الأول في هذا الصراع يتزعمه السوفييت، ويقف الشيوعيون: دولاً وأحزاباً وهيئات مع السوفييت، والبداية كانت عندما رمى الاتحاد السوفييتي بثقله، وأرسل جيشه ليقاتل مع الشيوعيين الأفغان في خندق واحد، وبغض النظر عن أهداف السوفييت وأطماعهم، وحسبنا أن نعلم بأن الشيوعيين السوفييت والأفغان يقاتلون سوية، ولم يترك الشيوعيون في العالم إخوانهم وحدهم في الساحة، مع أن السوفييت دولة عظمى، فبلغاريا تزود الغزاة بالطعام، وخبراء ألمانيا الشرقية يدربون الشرطة والمخابرات الأفغانية [خاد] ، وتشارك قوات رمزية من كوبا، وخمسة آلاف جندي من دول حلف وارسو، وقوات محدودة من فصائل منظمة التحرير الفلسطينية اليسارية، وتساهم الدول الشيوعية بـ ٥٠% من نفقات الحرب والسوفييت بـ ٥٠%. وتتعاون الشيوعية العالمية وفق خطة جهنمية تستهدف عقائد المسلمين الأفغان وتصوراتهم، فعدد الشيوعيين الأفغان عند بداية انقلابهم كان [٥٠٠٠] ، وخلال السنوات الست أصبح العدد [٤٠٠٠٠] ، وسبب تزايد العدد قوة برامجهم التعليمية للشباب داخل موسكو، وتدرب خلال السنوات الأربع الماضية [١٠٠٠٠٠] شاباً داخل الاتحاد السوفييتي ليكونوا الكوادر الشيوعية وإدارات الحكم. وفي التاسع من نوفمبر لعام ١٩٨٤ توجه [٨٦٠] طفلاً أفغانياً من كابل إلى موسكو مباشرة بالطائرات، وتتراوح أعمارهم ما بين [١٢ إلى ١٦ عاما] ، والهدف من وراء ذلك تخريج جيل جديد لا يعرف عن الإسلام شيئاً. أما عن نشر الفساد فتقول مصادر المجاهدين بأن [كى. جي. بي] تدفع نصف ثمن حقن (الهيروين) لكي تجعلها في متناول أيدي الشباب في أفغانستان ويعيد الشيوعيون للأذهان موقفهم عند احتلالهم للولايات الإسلامية الواقعة جنوبي الاتحاد السوفييتي، لقد وقفت هذه الولايات تحت قيادة [الإمام شامل] وقفة رجل واحد للذود عن دينها؛ مما أكد للروس أن هزيمة هذا الجيل مستحيلة، فأطالوا فترة الحرب، واستخدموا الحرب النفسية، وعندما كانت تعقد المعاهدات بين المسلمين والروس، وكانوا يتبادلون الرهائن لضمان عدم اندلاع الحرب، فكان المسلمون يطالبون بضباط الجيش كرهائن في حين كان الروس يطالبون بالأطفال، وتعجب المسلمون فماذا يريد الروس من الأطفال، ولكن تعجبهم لم يدم طويلاً لأن الأطفال كبروا وعادوا ضباطاً يقاتلون آباءهم، وكان أحد هؤلاء الضباط [جمال بن الإمام شامل] ابن القائد المسلم الذي فعل الأفاعيل في الروس، عاد جمال وأمثاله ليقاتلوا آباءهم، ولهذا تحطمت معنويات المسلمين ودب بينهم اليأس، فانهزموا وانتصر الشيوعيون. [اعتمدت في هذا على دراسات ودوريات للمجاهدين] . والجانب الآخر تتزعمه الولايات المتحدة الأميركية، ومعها الدول الغربية والهيئات والمؤسسات الصليبية، ولهم مخططات قد تكون أضعف من مخططات الشيوعيين في جوانب، وأخبث منها في جوانب أخرى، ويستغلون أعمال الخير كالطب والتعليم وغيرهما من أجل إفساد المسلمين، وتنصيرهم، أو تجنيدهم لمصلحة الغرب. وإذا كانت هذه مخططات الأعداء، فماذا أعددنا لها؟ ! - منذ بداية الجهاد وحتى يومنا هذا لم ينجح المجاهدون في توحيد صفوفهم، وجميع المحاولات التي بذلت باءت بالفشل، وهذا ليس سراً من الأسرار. والغريب أننا نقرأ تصريحات لهم جميعاً يقولون فيها: ليس بيننا خلافات منهجية، وقوتنا في وحدتنا. ومع ذلك لا تقوم هذه الوحدة. - بعضهم يحرص على أن تكون الحكومة المؤقتة قاصرة على المنظمات السبع وجهات أخرى، وهذا يحتاج إلى إعادة نظر، فهناك منظمات وأفراد وهيئات أحسن من بعض المنظمات المشتركة في الائتلاف، وهى خارجه الآن، ونرجو أن لا يكون الائتلاف شكلاً من أشكال الاستبداد المعروفة، ويستغل بعض القائمين عليه اعتراف الدول بهم، وعدم اعترافها بإخوانهم. - سرَّنا البيان الذي صدر عن علماء باكستان، والذي ينص على أهمية جهاد المسلمين الأفغان، وضرورة دعمهم، ولكن المطلوب من العلماء والدعاة والجماعات الإسلامية في باكستان أكبر من هذا بكثير، فالجهاد جهادنا جميعاً، والواجب يقتضي أن ينتظم شبابهم في صفوف المجاهدين، وأن ينشطوا في تعبئة الرأي العام ضد الملاحدة والعلمانيين الذين يطالبون بإخراج الأفغان من باكستان. - بدأت مشاركة الرأي العام الإسلامي قوية عند بداية الجهاد، وتقاطر المسلمون من جميع بلدان العالم الإسلامي إلى باكستان، فبعضهم شارك بماله، وآخرون بمالهم وبجهادهم ... ومع مرور الزمن خفت الحماسة، وضعفت الهمم، وتثاقل الناس إلى الأرض، ولا نريد الاسترسال في عرض أسباب هذه المشكلة، وكيفية علاجها، ومن المسؤول عنها؟ .. فهذه مهمة العلماء الدعاة الذين يجب عليهم أن يتنادوا لمؤتمر إسلامي عالمي مستقل ليس لأية جهة سلطان عليه، ويدرسوا هذه الظاهرة المؤسفة، ويضعوا قرارات جادة تساعد على استمرار مسيرة الجهاد عسكرياً، ومالياً، وسياسياً، وإعلامياً. وعليهم أن ينطلقوا من حقيقتين: الأولى: المسلمون الأفغان يقاتلون نيابة عن المسلمين في كل مكان ضد الطوفان الشيوعي. الثانية: لا يستطيعون الاستمرار في جهادهم إذا تخلى إخوانهم المسلمون عنهم .. وهاتان الحقيقتان يجب أن تكونا واضحتين عند المجاهدين الأفغان وعند غيرهم. سابعاً: وما النصر إلا من عند الله: عندما يُفوّتُ المجاهدون المخلصون الفرصة على الأعداء، ويحصنون صفهم، ويأخذون بأسباب النصر الشرعية سينصرهم الله -جلَّ وعلا- كما نصر الفئة المؤمنة على جالوت وجنوده، قال تعالى: [قَالَ الَذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاقُوا اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ] [البقرة: ٢٤٩] . وكما نصر الفئة القليلة المؤمنة على جموع المشركين في بدر والأحزاب. قال جل من قائل: [إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ * ومَا جَعَلَهُ اللَّهُ إلاَّ بُشْرَى ولِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ومَا النَّصْرُ إلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] [الأنفال: ٩ -١٠] . وقال: [واذْكُرُوا إذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ ورَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ] [الأنفال: ٢٦] . وقال: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً] [الأحزاب: ٩] . هذه نماذج من تاريخنا الزاخر بالأمجاد والبطولات، أما تاريخ غير المسلمين المعاصر: فهناك نماذج تدل على أن القلة القليلة المعتدى عليها قد حققت انتصارات باهرة، فالجنرال [جريفاس] في قبرص استطاع بقوة متواضعة لا تتجاوز مائتي مقاتل مواجهة جيش بريطانيا يوم أن كانت عظمى، وكان تعداد جيشها في قبرص وحدها خمسين ألف جندياً، ونجح في كسب تأييد المواطنين له، ولم يحرص على زيادة عدد المقاتلين لأنه ما كان قادراً على تجهيز أكثر من هذا العدد، وكان حريصاً على استقلالية القرار، والاستقلالية تحتم عدم الاعتماد على تمويل جهات أجنبية. وفي فيتنام: كان تعداد الجيش الأمريكي نصف مليون جندياً، وقد ذاقوا الويلات، وكان تعداد الجيش الذي يقاتلهم [١٥٠٠] جندياً، ولكنهم كانوا في مستوى جيد من التنظيم والإعداد والتخطيط. أما إخواننا المجاهدون الأفغان فهم مسلمون يريدون إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة، ولهذا فهم خير خلف لخير سلف، وأثبتوا كفاءة عالية خلال جهاد دام أكثر من سبع سنين، وبينهم رجال يحظون باحترام عامة المسلمين وخاصتهم في بلدهم، وعندما تظهر بوادر غير مشجعة من العناصر التي تدور حولها الشبهات سوف يتخلى عنهم عدد غير قليل من العاملين معهم، وينضمون إلى صفوف المنظمات التي يحظى قادتها باحترام الأفغان. وفضلاً عن هذا وذاك، فطبيعة أفغانستان الجغرافية تجعل مهمة الشيوعيين السوفييت شاقة جداً، وإذا كانت مهمة المجاهدين الأفغان شاقة في بداية الأمر، فقد اكتسبوا والحمد لله خبرة قتالية نادرة، وسبروا غور القوات الشيوعية، وعرفوا مواطن الضعف عندهم ... وهذه الخبرة التي دفعنا ثمنها أكثر من مليون شهيداً، لا يجوز بحال كل من الأحوال أن نخسرها باسم ما يسمى بالحل السلمي. إن الجيش الأفغاني المجاهد الجديد يجب أن يوقظ المسلمين في شبه القارة الهندية الذين يزيد عددهم كثيراً عن عدد سكان الاتحاد السوفييتي ... وقد آن الأوان لتحرر المسلمين في أواسط آسيا وما ذلك على الله بعزيز. اللهم وحّد المجاهدين الأفغان على المنهج الذي أنزلته على خير خلقك محمد بن عبد الله ﷺ ، وانصرهم اللهم على أعداء دينك الشيوعيين والأمريكان. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين [٧] .

стр. 113

محنة الدعاة في الصومال قبل عام أو يزيد قليلاً ألقت السلطات الصومالية القبض على عدد كبير جداً من الدعاة، وأودعتهم السجون والمعتقلات، ونسبت إليهم تهمتين: الأولى: محاربة النظام القائم. والثانية: إدخال كتب ممنوعة، منها: كتب ومؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والشيخ محمد بن عبد الوهاب، ورسائل الشيخ عبد العزيز بن باز - حفظه الله -، ومؤلفات الأستاذ سيد قطب. ورافقت عملية الاعتقال حملة إعلامية هدفها تشويه سمعة الدعاة، وكان الصوفيون الخرافيون أهم ركائز هذه الحملة الظالمة التي استخدمت الإذاعة والتلفاز والصحف والمساجد، واستنفرت كافة أجهزة السلطة في نشر الإشاعات والأراجيف، ومع ذلك كان كيدهم ضعيفاً، ففي حديث إذاعي تكلم خرافي كبير ... فقال: إن هؤلاء الأشرار [عليه من الله ما يستحق] يقولون باستواء الله على عرشه، وينكرون التوسل بالأولياء والصالحين، ويكفرون المسلمين، وما إلى ذلك من أقوال. وفوجئنا قبل صدور هذا العدد بأن محكمة الأمن الوطنية في الصومال قد أصدرت حكمها بإعدام الدعاة الآتية أسماؤهم: ١- عبد العزيز فارح. ٢- محمود شيخ فارح. ٣- الشافعي محمود محمد. ٤- يوسف معلم عبدي. ٥- محمد عثمان سيدو. ٦- حسن طاهر أويس. ٧- نور بارود جرحن. ٨- حاشي علهي. ٩- أويس محمد إبراهيم. وحكمت بالسجن ١٥ سنة مع الأشغال الشاقة على الإخوة الآتية أسماؤهم: ١- عبد العزيز حسين. ٢- محمود جامع. ٣- محمد هبروا. وتدخل وسطاء؛ فأوقف المسؤولون تنفيذ أحكام الإعدام.. والذي نود توضيحه للقراء نوجزه فيما يلي: ١- إن هؤلاء الدعاة ليسوا نكرات، لقد تخرج معظمهم من الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، وكانوا نماذج طيبة في سلوكهم وعلمهم ومعتقداتهم، وهم حقاً يقولون باستواء الله على عرشه، ويثبتون ما أثبته الله لنفسه من غير تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه، ويحاربون الخرافات، وبشكل أكثر وضوحاً فهم سلفيون في المنهج والاعتقاد، ولا يكفرون أحداً من المسلمين بذنب أو معصية، وعلى نقيض ذلك فكبار رجال السلطة والخرافيون هم الذين قالوا بتكفير هؤلاء الدعاة الطيبين. ٢- اعتدنا سماع هذه التهم الباطلة التي يلصقها الظالمون بالدعاة الطيبين كقولهم: يحاربون النظام، وقولهم: كانوا يخططون لانقلاب ضد النظام، وما إلى ذلك من أكاذيب، ونستطيع وصف الجريمة وأبعادها قبل أن نطلع على أقوال النظام، لأن ما يقال صورة طبق الأصل لصور اعتدنا سماعها مع اختلاف يسير في الشكل والإخراج. وإذا كانت الدعوة إلى الله ، ونشر معتقدات السلف الصالح - رضوان الله عليهم -، والاجتماع على ذلك مع التحذير من البدع والخرافات والمتاجرة بالدين وسوء استغلاله.. نقول: إذا كانت هذه الأمور كلها تآمراً، إذن، فالعلماء الطيبون، والدعاة المخلصون، والشباب الغيورون على دينهم كلهم متآمرون! ٣- يأبى الله إلا أن يظهر الكذاب على حقيقته، فأقوال محكمة النظام تخالف [شريط كاسيت] لازلنا نحتفظ به، ورغم ما فيه من شتم لهؤلاء الدعاة فهو شهادة ببراءتهم، واعتراف من النظام بتورطه في مخططات وجرائم ضد الدعاة ... وقد يسأل سائل: ما علاقة نظام علماني بالصوفية والخرافيين؟ وماذا يريد هذا النظام -وهو علماني- من الاستواء، والتوسل وغير ذلك من الأمور التي لا يعتقدها ولا يؤمن بها؟ . وجوابنا على ذلك من وجهين: الوجه الأول: إن تعاون الصوفيين الخرافيين مع العلمانيين حقيقة تتكرر في جميع بلدان العالم الإسلامي، وهناك روابط بينهم من أبرزها الشرك ووحدة الوجود والحلول، ونقصد بهذا غلاة الصوفيين. الوجه الثاني: يستغل العلمانيون الصوفيين الخرافيين، ويتخذون منهم أداة لضرب الصف الإسلامي من داخله، والصوفيون انتهازيون نفعيون يحقدون أشد الحقد على دعاة الإسلام الذين يلتزمون منهج السلف الصالح -رضوان الله ... عليهم -.. وقصارى القول: أن الأهواء والمصالح هي التي تربط بين الطرفين، ولا يقتضي هذا أن يحب كل طرف الطرف الآخر، فأصحاب الأهواء والمصالح لا يحبون ولا يعظمون إلا أنفسهم. ٤- كيف تكون كتب أهل السنة والجماعة خطراً ويحكم بالإعدام على كل من ثبت أنه أدخلها إلى البلاد، وتكون كتب المبشرين مباحة ولا مانع يمنع من إدخالها وتوزيعها وتدريسها؟ ! كيف تغلق المدارس الشرعية التي قدمت خدمات لا تنسى لأبناء الصومال، وتشجع المدارس التبشيرية؟ ! ففي [مقديشو] وحدها أكثر من ثلاثين مدرسة صليبية! . كيف يجري التضييق على دعاة الإسلام، ويمنعون من ممارسة نشاطهم في بيوت الله؟ ! بيوت الله، وليست بيوت زعماء النظام وسدنته.. نقول: كيف يجري التضييق على دعاة الإسلام في حين كان الشيوعيون يشرقون ويغرِّبون في الصومال دون حسيب ولا رقيب، وعندما اختلفوا مع قادة [الكرملين] أصبح رسل [واشنطن] يشرِّقون ويغرِّبون؟ ! . ٥- كنا ولازلنا نتمنى أن يشرح الله صدور القادة العسكريين في مقديشو للحق، ويتوبوا إلى الله من جرائم اقترفوها كان من بينها: إعدام عشرة علماء من كبار علماء الصومال عام ١٩٧٥، لأنهم عارضوا النظام عندما غيَّر آخر ما تبقى من شرع الله، وسن قانوناً يقتضي بمساواة الذكور والإناث في الميراث.. وتتابعت الجرائم بعد ذلك، وكانت موضع احتجاج واستنكار الدعاة في كل بقعة من العالم الإسلامي، ولكنهم -بكل أسف- وبعد ١٢ عاماً من جريمتهم الأولى يقدمون الآن على الحكم على علماء آخرين بالإعدام، ويزجون بمئات من الدعاة في السجون من بينهم الشيخ: محمد معلم حسن، رغم ما يعانيه من أمراض، والشيخ محمد نور قوي. ألا فليعلم هؤلاء العسكريون بأن الصومال بلد مسلم عريق يعتز بدينه وعقيدته، وقد ابتلاه الله في تاريخه الطويل بطغاة كُثُر، كانوا يظنون أنهم خالدون فلفظهم وبقى الإسلام عزيزاً قوياً، وسيبقى الإسلام فيها شامخاً كريماً. ألا فليعلم العسكريون أن دعاة الإسلام لا يخشون سجون الظالمين ومعتقلاتهم، ولا يخيفهم التهديد ولا الوعيد، وسجْن نفرٍ منهم يغذي الدعوة ويطورها، وسوف يهيئ الله لدينه رجالاً يحبهم ويحبونه، يجاهدون في سبيله من أجل أن يكون الدين كله لله في الأرض. إن مشكلة الصومال ليست مع هؤلاء الدعاة الأبرار الأخيار، وإنما المشكلة في الفقر المدقع، فهل حل هذا النظام العسكري مشكلة الفقر؟ ! وكل صومالي يعرف بأن عدد الفقراء في ازدياد. ومشكلة الصومال مع الانتهازيين والوصوليين الذين يسرقون قوت الفقراء والمحتاجين، وقد كثر عددهم مع مجيء هذا النظام. والعلماء الدعاة أكبر ثروة تملكها الأمة، وهم عماد نهضتها وسر قوتها، ومساكنهم ونواديهم ليست السجون والمعتقلات، وإنما المساجد والمدارس والجامعات والنوادي، وهم الذين يعالجون المجرمين وقطاع الطرق والمدمنين على المخدرات.. ولن يسلم من عقوبة الله وبطشه الذين ينكلون بالدعاة ويطاردونهم. قال تعالى: [إنَّ الَذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ويَقْتُلُونَ الَذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * أُوْلَئِكَ الَذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ ومَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ] [آل عمران/٢١] .

стр. 114

ماذا وراء تفجير مركز أهل الحديث في لاهور أقامت جمعية أهل الحديث حفلاً خطابياً في مركزها في مدينة لاهور - باكستان- في ٢٣ رجب من هذا العام. ونجح المجرمون الآثمون في زرع قنبلة في مزهرية جاء بها أحد الجناة قبل نصف ساعة من وقوع الحادث الأليم، وأعطاها لأحد الحاضرين الذي سلمها للذي بجانبه حتى وصلت إلى المنصة - هذه رواية رئيس شرطة البنجاب -، وانفجرت القنبلة الساعة الحادية عشرة ليلاً، فأسفر عن انفجارها استشهاد سبعة وإصابة حوالي ١٠٠ شخص بجروح بينهم عشرة كانت جروحهم خطيرة، وفقد أربعة سمعهم بسبب شدة الانفجار، وكان من بين القتلى: الشيخ عبد الخالق قدوسي نائب أمير الجمعية، والشيخ حبيب الرحمن يزداني أحد كبار العلماء، والشاب محمد خان رئيس جماعة (جنود الشباب لأهل الحديث) ﵏ جميعاً. ... أما أمير الجمعية الشيخ (إحسان إلهي ظهير) : فأصيب بجروح خطيرة، ونقل على الفور إلى أحد مستشفيات لاهور، وبعد بضعة أيام تم نقله إلى أحد المستشفيات في مدينة الرياض غير أن روحه فاضت في ٣٠/ ٣/١٩٨٧ ودفن في البقيع في المدينة المنورة، ﵀ رحمة واسعة. والسؤال الذي يفرض نفسه: من قتل الشيخ إحسان إلهي ظهير وإخوانه؟ ، ومن هذه الجهة التي استباحت مركزاً إسلامياً آمناً بمثل هذه الصورة التي وصفها رئيس تحرير صحيفة [جنك] التي تصدر في لندن في ٣٠ / ٣/١٩٨٧، فقال: «إن هذا العمل يعتبر الأول من نوعه يتم في اجتماع ديني أو سياسي على صعيد باكستان» . وللإجابة على هذا السؤال نقول: لم تعلن حكومة باكستان عن القتلة، ونحن لا نملك دليلاً أكيداً ... ولكن هناك قرائن لابد من ذكرها: إن معظم ما كتبه الشيخ إحسان إلهي ظهير ﵀ كان يدور حول الباطنيين: عقائدهم، فضائحهم، أقوال كبار علمائهم، وكان يكتب بالعربية والأردية والفارسية، ولم يقف نشاطه عند التأليف والكتابة بالصحف، وإنما كان يعقد الندوات، ويجوب المدن متحدثاً عن الباطنيين محذراً من مؤامراتهم ومكائدهم. ومن جهة أخرى: فالذين كان يهاجمهم وينقدهم يعتقدون بأن أهل السنة نواصب، وهذا يعني: أنهم كفار مرتدون عن الإسلام، ويجوز قتلهم أفراداً وجماعات، كما يجوز هدم مساجدهم ومراكزهم. ومن آخر ما اقترفته أيديهم: عمليات إبادة شملت الفلسطينيين جميعاً في لبنان. ومن جهة رابعة: فلهم أطماع في العالم الإسلامي بشكل عام، وفي شبه القارة الهندية بشكل خاص، ولعل هذا من الأسباب التي دعت رئيس شرطة البنجاب إلى القول: «إن الحادث قد تم بأيد خارجية» [الصحف الباكستانية الصادرة في٢٥/٣] . وربما كان المجرم باكستانياً في الهوية، ولكنه في الحقيقة منهم، ولا يتحرك إلا إذا أمروه. وقد أشرنا إلى أطماعهم في باكستان، في العدد الرابع من هذه المجلة [باكستان أمام التحديات] . ومن جهة خامسة: كان للشيخ إحسان إلهي ظهيٌر حوارٌ مع أحد قادتهم قبل الحادث الأليم بيوم واحد، واستمر الحوار حوالي ست ساعات، وشهد الجمهور بأن إحسان إلهي ظهير قد أقام الحجة على المرجع الباطني.. ومما يضاعف من اتهامنا لهذه الجهة: أن المنتمين إليهم قد أعربوا عن ابتهاجهم وغبطتهم بنتائج هذا العدوان الأثيم، داخل باكستان وخارجها، في حين استنكرت الأحزاب الباكستانية الجريمة ونددت بالمجرمين. ومن المؤسف أننا وجدنا من يقول بأنه كان للفقيد خصوم كُثُر، وأنه لعل الشيوعيين هم الذين نفذوا الجريمة من أجل زيادة القلاقل والاضطرابات في ... باكستان، أو ربما كان حزب الشعب [بوتو] وراء هذه الجريمة.. الخ. والذي نقوله: لو كان المجرمون من الشيوعيين أو من حزب الشعب لاختاروا مركزاً آخر ومنطقة أخرى، فمركز أهل الحديث بقيادة الشيخ إحسان كان من أشد خصوم الباطنيين، ولم يكن بينهم وبين حزب الشعب ولا غيره مثل هذه العداوة.. ونخشى أن يكون الباطنيون وراء نشر مثل هذه الإشاعات. ومن الجدير بالذكر: أن قتل الشيخ إحسان إلهي ظهير وإخوانه في مركزهم الإسلامي جاء بعد قتل الشيخ الدكتور صبحي الصالح بعد أن انتهى من أداء الصلاة في مسجد من مساجد بيروت. ومثل هذه الجرائم المتكررة تفرض على علماء ودعاة أهل السنة دراسة هذه الظاهرة دراسة جادة، ووضع كافة الوسائل التي تمكننا من تفويت الفرصة على أعدائنا الذين لا يخشون الله، ولا تقف جرائمهم عند حد معين.

стр. 115

ذو الحجة - ١٤٠٧هـ أغسطس - ١٩٨٧م (السنة: ٢)

стр. 116

الافتتاحية وأذن في الناس بالحج [وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا البَائِسَ الفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ العَتِيقِ] [الحج /٢٧-٢٩] . منذ أن أمر الله خليله إبراهيم ﵇ أن يهتف بالناس داعياً لهم إلى حج البيت؛ تتواصل جموع الحجيج من البشر، جيلاً بعد جيل، شاهدة على دعوة الأنبياء بالصدق، وملبية نداء الله . وإنها لمناسبة جليلة، وإنه لموسم عظيم؛ أن يقف عشرات الألوف من المسلمين من شتى البلدان والأصقاع على صعيد واحد، على هذه الأرض المباركة التي جعلها الله قبلة للعالمين.. وإذا أراد متحدث أو كاتب أن يستنبط عبرة أو حكمة من حكم الحج، ويجعلها مدار حديثه لما لها من دلالات وإشارات، فإن هناك أمرين على غاية من الأهمية هما: المكان، والمغزى العام من هذه الشعيرة: أما المكان: فلأمر ما أمر لله الناس أن يحجوا إلى هذا البيت، ويطوفوا حوله ملبين، متجردين، رابطين الشعائر بالعقائد، فهذا الحشر العظيم يوم الحج الأكبر يذكرهم بذلك المشهد العظيم الذي سيصيرون إليه، والذي آمنوا به ابتداء وجعلوه غاية لأعمالهم، ونهاية لمساعيهم. ولأمر ما جعل الله هذا المكان مهبطاً لخاتمة رسالاته، التي جاءت تؤكد كل معاني الخير والرحمة ما عرف منها قبل الإسلام وما لم يعرف، وجعله كذلك مثابة للناس وأمناً، يثوبون إليه من كل مكان، وتهوي قلوبهم إليه من وراء المسافات: [وإذْ جَعَلْنَا البَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وأَمْناً واتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وعَهِدْنَا إلَى إبْرَاهِيمَ وإسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ والْعَاكِفِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ] ... [البقر ة /١٢٥] . وعلى الأرض المحيطة بهذا البيت أورث الله رسوله محمداً -صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام القيام على دعوة إبراهيم، وأسند أولوية الانتساب إلى إبراهيم إلى خاتم الرسل وإلى من اتبعهم من المؤمنين. [إنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وهَذَا النَّبِيُّ والَّذِينَ آمَنُوا واللَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ] [آل عمران/٦٨] . ومعنى هذا أن اليهود والنصارى الذين يدعون الانتساب إلى أبي الأنبياء إبراهيم، دعواهم باطلة، ويترتب على هذا البطلان انهيار الأساس المعنوي الذي يتحكمون فيه بشعوب الأرض، ويغتصبون حقوقها تحت أي مبرر كان. ولا نريد بكلامنا هذا أن نفرج عن همنا المكبوت بسب هؤلاء، وبالتهجم عليهم من خلال الكتابة أو الخطابة، وإنما نرمي إلى غرس المغزى من وراء ذلك في قلوب المؤمنين، هذا المغزى هو الثقة بالنفس، والاعتزاز العاقل الذي يدفع إلى العمل الجدي القائم على التفكير الهادئ، والبعيد عن ثورة العواطف التي قد يثاب فاعلها على نيته، ولكنها لا تؤدي إلى خروج من مأزق، ولا تساعد على حل المشكلات، هذا إذا لم تكن هي بدورها سبباً للفوضى والتخبط. إن من المعاني التي تشير إليها الآية الكريمة: [وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً] [البقرة ١٤٣] هو الوسطية المكانية التي ترتب مسؤولية ضخمة على أتباع هذه الرسالة التي انطلقت من هذا المكان، ولقد حملت الأجيال المبكرة للمسلمين هذه المسؤولية بجدارة تثير الإعجاب، وقدمت رسالة الإسلام للعالمين بكل ما تتضمنه من طهارة، وعدالة، وسماحة، وحب للعلم وحرص على السمو، وبُعد عن سفساف الأمور. ولا يزال حملهم هذه المسؤولية بقوة مثلاً أعلى لنا وشاهداً على تقصيرنا في هذا المجال، مع أن ... الله لم يبخل علينا بالقدرات والإمكانات، حاشاه عن ذلك . إن أصحاب الفكر الغربي والقيِّمين على ترويجه يجعلون من بلادهم مركز العالم ومحوره، فكل شيء منهم يبدأ وإليهم يعود، بينما واقع العالم يكذبهم ويدحض دعاويهم وغرورهم، بينما يتجاهلون من عداهم تجاهلاً مقيتاً، وخاصة الإسلام والمسلمين، ويرفضون الاعتراف بالحقائق الساطعة الواضحة، ويسخرون كل الوسائل التي تعمل على تشويه الحقائق، وغسل الأدمغة، وأقرب مثال على ذلك ترويجهم هذه المصطلحات الرجراجة المائعة عندما يتحدثون عن قضايانا، مثل: المسألة الشرقية، والشرق الأوسط.. وما ذلك إلا لكي يصرفوا النظر عما لا يريدون أن يظهر. أما المغزى العام من هذه العبادة فهو ما ينبغي أن يتفطن له المسلمون وخاصة الطبقة الفتية منهم، والتي تقع عليها مسؤولية حمل عبء الدعوة الإسلامية في هذا العصر، ونعني بذلك مبدأ الأخوة الإيمانية التي يجسدها الحج بأوضح صورة وكأنها عدم اعتراف عملي بكل ما فرق ويفرق المسلمين من الروابط العرقية والإقليمية واللغوية التي استغلها أعداء الإسلام بنجاح حتى الآن -مع الأسف الشديد- وضربوا بها وحدة المسلمين وعملوا على إثارة التناحر والشقاق الذي يضعف القوى ويزيل الشوكة. ولا نريد أن نتبرأ من أسباب الضعف ونلقيها على الأعداء، ولكن نقول: إن العدو لا ينجح في تنفيذ خططه إذا لم يجد الأرض الصالحة لذلك، وإذا لم يجد نقاط ضعف ينفذ من خلالها. إن الواقع الإسلامي، بما فيه من سلبيات كثيرة، ومن مجالات تحتاج إلى علاج وإصلاح ليستثير الهمم، ويستنهض العزائم، من أجل التجديد والتغيير، وإن ذلك من أبرز ما تشير إليه مناسبة الحج. [ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإنَّهَا مِن تَقْوَى القُلُوبِ] [الحج / ٣٢] .

стр. 117

التجديد في الإسلام التجديد عند ابن تيمية (٧) ولد ابن تيمية ونشأ في عصر يموج بالاضطراب السياسي والفكري، فقد تعرض المسلمون لهجمات التتار المتوحشين الذين كانوا يزحفون زحف الموت تسبقهم شائعات الرعب والخوف، فدمروا بغداد وقتلوا خليفتها، ثم زحفوا على الشام حتى حاصروا دمشق، ولم يدر بخلد أحد أن النصر عليهم من الأمور الممكنة، فقد تغلغلت الهزيمة النفسية في أعماق المسلمين شعباً وولاة. كما سيطرت الانحراف العقائدي المريع على الخاصة والعامة، فقد كاد الناس أن ينسوا مذهب السلف الصالح، وانتشرت الصوفية المبتدعة بين صفوف الجماهير، وعرضت العقيدة الإسلامية على طريقة علماء الكلام، وجمد الفقهاء على المذاهب وأوصدوا باب الاجتهاد، وكانت العصبية المذهبية على أشدها، وفي المساجد الكبرى توضع محاريب عدة، لكل مذهب محراب. هذه الأوضاع العقدية الفقهية كانت مستقرة سائدة لا يفكر أحد في كسر مألوفها والخروج عليها، لأن مصير من يخالف هذه الأوضاع معروف: يرميه العلماء عن قوس واحدة، ويحاربونه في نفسه ورزقه، ويرفعون أمره إلى السلطان على أنه خطر يهدد البلاد والعباد، وكان السلاطين في غالبهم جهلة لا يميزون بين حق وباطل، وهكذا كان يضطهد المخلصون. نشأ ابن تيمية في هذه البيئة، ودرس عيوبها، وعرف بما آتاه الله من عقل واسع وشخصية فذة، كيف يصدع بكلمة الحق في هذا المجتمع، وكيف يرجع بالناس إلى الجادة المستقيمة. وكيف يحارب الخرافة والفلسفة، بل وكيف يقود الجماهير في عصر ضعف فيه شأن السلطة واستفحل خطر أعدائها. بدأ الشيخ دروسه سنة ٦٨١ هـ وانتهت إليه رياسة المذهب الحنبلي وهو في مقتبل شبابه، وكتب (الفتوى الحموية) في عقيدة السلف، وكانت أول عمل علمي ينشر فيه عقائد السلف المخالفة لمألوف الناس، فثار عليه العلماء وحاكموه وحرموه من التدريس، ولم يثنه هذا أو يفلُّ من عزيمته، بل ظل يناضل في جميع الميادين بلا هوادة، ويختط لأهل السنة طريق الإصلاح فألف في الرد على الرافضة، والفلاسفة، وعلماء الكلام، والصوفية، والنصارى، وغيرهم. وألّف في دراسة العيوب والمشاكل الاجتماعية وتحليلها، وألّف في الفقه ودراسة الأحكام على مذهب الإمام أحمد ثم ألّف فيه باعتباره مجتهداً لا يلتزم بمذهب. ونستطيع أن نقول: إن ابن تيمية أحيا مدرسة الحديث والسنة في عصره، ورفع شأنها واستطاع أن يجتذب إليها صفوة العلماء في عصره، ويكفي أن نذكر من أساطين هذه المدرسة الذين تتلمذوا على يديه: ابن قيم الجوزية، والإمام الذهبي، وابن كثير، والإمام المزي، والإمام محمد بن عبد الهادي.. ثم من ساروا على النهج من بعد. وإذا كان المقصود بالتجديد هو إرجاع الدين غضاً طرياً بعد أن تراكمت عليه البدع والانحرافات بشتى أشكالها وصورها فذهبت برونقه وبهائه، إذا كان المقصود هذا، فإن هذا الوصف ينطبق تماماً على شيخ الإسلام ابن تيمية، فمع وجود علماء كبار في عصره وقبل عصره يجمعون بين العلم والعمل، وربما وصلوا إلى درجة الاجتهاد، ولكن لم يقوموا بدور التجديد بشكل عام، وهو إرجاع الناس إلى السنة وإلى المنهج الصحيح الذي يمنعهم عن الانحراف، ومحاربة كل أنواع الانحراف، بينما نجد ابن تيمية قام بالأعمال التالية: ١- نقد مناهج الفلاسفة والمتكلمين وحاربهم بنفس سلاحهم وأثبت أن عقائد الإسلام لا تحتاج إليهم، وأن ما يسمونه الأدلة البرهانية والعقلية موجودة في الكتاب والسنة، ولئن كانت طبقة الفلاسفة ومن يتأثر بهم هي طبقة محدودة في المجتمع الإسلامي فإن المتكلمين ومن يتبعهم يمثلون تياراً كبيراً، ولفهم ابن تيمية للصلة الوثيقة بين الأفكار وأثرها قام بالهجوم أيضاً على أتباع هذا المذهب الذي حاول أن يكون وسطاً بين تيار الاعتزال وبين أهل السنة، وعرضوا الإسلام عرضاً جافاً، وكان رأيهم في الإيمان والقضاء والقدر وغيرها من أمور العقيدة مما أثر في فهم المسلمين لدينهم وبالتالي في التطبيق العملي لهذا الدين؛ وكان هذا من أعظم أعمال ابن تيمية في الدفاع عن عقيدة أهل السنة وبيانها بجلاء ووضوح، وقد ألف في ذلك كتابه الفذ (درء تعارض العقل والنقل) . ٢- نقد الفرق المنحرفة بأداة قوية وبيان ناصع كالجهمية والرافضة وغلاة الصوفية وألف في ذلك (منهاج السنة النبوية) و (الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان) . كما رد على النصارى في كتابه القيم (الجواب الصحيح) الذي يعد من أعظم ما كتب في الرد على النصارى. وإذا كان العلماء السابقون لابن تيمية أو المعاصرون له، قد تفرغوا للعلم ونشره، وألفوا في الحديث أو الفقه أو التفسير أو غير ذلك من العلوم الإسلامية فإننا هنا بإزاء عالم يرى من واجبه إزالة ما تراكم من البدع والضلالات ورد الناس إلى الكتاب والسنة ولذلك ألف في الموضوعات التي يرى أنها واجبة عليه لتحقيق هذا الهدف، ولذلك لم يكتب تفسيراً كاملاً مع أن مادة التفسير كانت من أحب العلوم إلى نفسه ولكنه يصرح أنه لا يريد أن يكرر ما كتب سابقاً ولذلك فسر سوراً معينة أو آيات معينة. ٣- أحيا الاجتهاد، والرجوع إلى النصوص الشرعية، وتحكيم الدليل بقوله وفعله، فلم يكتف بالهجوم على التقليد المتعصب فحسب، بل زاول الاجتهاد ورجح في المسائل التي يبحثها ما يراه أسعد بالدليل غير مكترث لمخالفة رأي فلان أو فلان، ولذلك لا نجد في تلاميذه وأتباعه من رواد هذه المدرسة ما نجده عند غيرهم من التعصب الممقوت وإن كانوا متبعين لمذهب معين كابن كثير والذهبي وغيرهما. ومن هذا المنطلق ناقش القضايا المستجدة الحادثة التي توقف فيها العلماء وأعطى فيها الرأي المدعم بالدليل. ومن ذاك فتاويه المشهورة في (التتار) وقد كانت حالتهم وضعاً سياسياً طارئاً على المسلمين، لأن المتأخرين منهم المعاصرين لابن تيمية أسلموا وكان في جيشهم القاضي والمفتي ولكنهم يقاتلون المسلمين ويتحاكمون فيما بينهم إلى قانونهم الخاص الذي وضعه لهم (جنكيز خان) وقد تحير العلماء فيهم ولكن ابن تيمية قال فيهم كلمة الحق. وإن المتتبع لأوضاع عصرنا اليوم يجد أن ابن تيمية بقي حياً في واقعنا السياسي، بل هو كما قال عنه مالك بن نبي: «قدم الترسانة الفكرية التي استمدت منها كل الحركات الإسلامية التي جاءت بعده» . ٤- زاول بنفسه القيادة الحقيقية للأمة، وكان جديراً بها، لمواهبه النادرة العظيمة، واستجماعه لخصائص القائد، فكان يدافع عن مصالحها ضد المستغلين، ويحفظ حقوقها ضد المنتهبين، ويدفع عنها كيد عدوها ما استطاع. ولعل من أعظم المواقف موقفه مع التتار حيث كان يحرض الناس على قتالهم ومنازلتهم، ويباشر القتال بنفسه، ويصدر الفتاوى التي تطمئن صدور الناس، بل ذهب بنفسه إلى (قازان) التتري وأنّنبه وقال: «إن أجدادك الوثنيين لم يجرؤوا على ما جرؤت عليه» وقازان لا يتكلم بل يطلب منه الدعاء ويذهب الشيخ إلى مصر لمقابلة السلطان الناصر، ويكلمه كلاماً شديداً فيقول له: «إن كنتم أعرضتم عن الشام وحمايته، أقمنا له سلطاناً يحوطه ويحميه» [١] . وعلى الصعيد الداخلي كان ابن تيمية في جماعة من أصحابه الغيورين يمارسون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعزير المفسدين ويحرض السلطان على غزو بلاد النصيرية وتأديبدهم. ٥- إن مواقف الشيخ هذه سواء في العقيدة أو الفقه أو غيرها لم يخترع لها أصولاً جديدة وإنما استطاع أن يُعمِل أصول السلف ويطبقها على القضايا المستجدة فوسع دائرة المنهج ليستوعب تلك القضايا مع بقائه مربوطاً بأصول منهج السلف الأولى، وهذا هو التجديد عند ابن تيمية ﵀ وجزاه الله خيراً عن الإسلام والمسلمين.

стр. 118

في الصحيح غُنية عن الضعيف والموضوع من الأخبار والآثار الشيخ: مقبل بن هادي الوادعي قال أبو نعيم ﵀ في الحلية (٤/١٣٩) حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث (ح [١] ) وحدثنا سليمان بن أحمد، ثنا محمد بن عون السيرافي المقري، قالا: ثنا أحمد بن المقدام، ثنا حكيم بن خذام أبو سمير، ثنا الأعمش، عن إبراهيم بن يزيد التيمي، عن أبيه، قال: وجد علي بن أبي طالب درعاً له عند يهودي التقطها فعرفها فقال: درعي سقطت عن جمل لي أورق. فقال اليهودي. درعي وفي يدي، ثم قال له اليهودي: بيني وبينك قاضي المسلمين، فأتوا شريحاً، فلما رأى علياً قد أقبل تحرف عن موضعه وجلس علي فيه ثم قال علي: لو كان خصمي من المسلمين لساويته في المجلس، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تساووهم في المجلس وألجئوهم إلى أضيق الطرق، فإن سبوكم فاضربوهم وإن ضربوكم فاقتلوهم. ثم قال شريح: ما تشاء يا أمير المؤمنين؟ قال: درعي سقطت عن جمل أورق، والتقطها هذا اليهودي. فقال شريح ما تقول يا يهودي؟ قال درعي وفي يدي. فقال شريح: صدقت والله يا أمير المؤمنين. إنها لدرعك ولكن لابد من شاهدين، فدعى قنبراً مولاه والحسن بن علي وشهدا: إنهما لدرعه. فقال شريح: أما شهادة مولاك فقد أجزناها، أما شهادة ابنك لك فلا نجيزها. فقال علي: ثكلتك أمك، أما سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله ﷺ : الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة. قال اللهم نعم. قال: أفلا تجيز شهادة سيد شباب أهل الجنة؟ والله لأوجهنك إلى (بانقيا) [٢] تقضي بين أهلها أربعين يوماً ثم قال لليهودي: خذ درعك. فقال اليهودي: أمير المؤمنين جاء معي إلى قاضي المسلمين، فقضى عليه ورضي، صدقت -والله- يا أمير المؤمنين إنها لدرعك سقطت عن جمل لك التقطتها، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فوهبها له علي، وأجازه بتسعمائة، وقتل معه يوم صفين. السياق لمحمد بن عون، وقال عبد الله بن سليمان فقال علي: الدرع لك، وهذا الفرس لك، وفرض له في تسعمائة ثم لم يزل معه حتى قتل يوم صفين. غريب من حديث الأعمش عن إبراهيم، تفرد به حكيم ورواه أولاد شريح عنه عن علي نحوه. حدثناه محمد بن علي بن حبيش قال: ثنا القاسم بن زكرياء المقري قال: ثنا علي بن عبد الله بن معاوية بن ميسرة عن شريح. قال: لما توجه علي إلى حرب معاوية افتقد درعاً له، فلما انقضت الحرب، ورجع إلى الكوفة أصاب الدرع في يد يهودي يبيعها في السوق. فقال له علي: يا يهودي هذه الدرع درعي لم أبع ولم أهب. فقال اليهودي: درعي وفي يدي. فقال علي: نصير إلى القاضي، فتقدما إلى شريح، فجلس علي إلى جانب شريح، وجلس اليهودي بين يديه، فقال علي: لولا أن خصمي ذمي لاستويت معه في المجلس، سمعت رسول الله ﷺ يقول: صغروا بهم كما صغر الله بهم. فقال شريح: قل يا أمير المؤمنين، فقال: نعم إن هذه الدرع التي في يد اليهودي درعي، لم أبع ولم أهب. فقال شريح: ما تقول يا يهودي؟ فقال: درعي وفي يدي. فقال شريح: يا أمير المؤمنين بينة. قال: نعم قنبر والحسن يشهدان أن الدرع درعي. قال: شهادة الابن لا تجوز للأب. فقال: رجل من أهل الجنة لا تجوز شهادته! سمعت رسول الله ﷺ يقول: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة. فقال اليهودي: أمير المؤمنين قدمني إلى قاضيه، وقاضيه قضى عليه؟ ! أشهد أن هذا للحق، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن الدرع درعك، كنت راكباً على جملك الأورق وأنت متوجه إلى صفين، فوقعت منك ليلاً فأخذتها، وخرج يقاتل مع علي الشُراة [٣] بالنهروان فقتل. تحقيق الرواية: هذه القصة قرأتها في سبل السلام للصنعاني عازياً لها إلى الحلية، وأعجبت بها، وكنت آنذاك لا أميز بين الصحيح والموضوع، وقد ارتسمت في ذهني، لما اشتملت عليه من العدل والإنصاف من أمير المؤمنين علي ﵁، وقاضيه شريح بن الحارث الكندي ﵀، وبعد زمن طويل طالعت في كتاب الأباطيل للجوزقاني فإذا هو يذكر القصة في الأباطيل. ولما رأيت الناس معجبين بهذه القصة كما أعجبت بها، فذاك يلقيها في محاضرته، وآخر ينشرها في مجلته، وآخر يذكرها في كتابه، والقصة لا تصح؛ رأيت أن أذكر ما قال أهل العلم في هذه القصة، فالجوزقاني ﵀ ذكرها في الأباطيل (٢/١٩٧) وقال (ص ١٩٨) : هذا حديث باطل تفرد به أبو سمير وهو منكر الحديث. إلى آخر ما ذكره. وذكرها ابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/٣٨٨) وذكر نحو ما ذكره الجوزقاني. وذكرها الإمام الذهبي في ميزان الاعتدال في ترجمة أبي سمير حكيم ابن خذام (وقد تصحف في الحلية والأباطيل إلى حزام) وذكر الحافظ الذهبي أن أبا حاتم قال: إنه متروك الحديث. وقال البخاري منكر الحديث، يرى القدر. وقال القواريري: وكان من عباد الله الصالحين. فعلم بهذا أنها ضعيفة جداً من طريق أبي سمير حكيم بن خذام. وأما السند الثاني ففيه سقط أو تصحيف، وهو من طريق علي بن عبد الله بن ميسرة عن شريح، وعلي بن عبد الله بن معاوية لم يرو عن أبيه عن جده عن شريح كما في الميزان واللسان، فعلم بهذا أن في السند سقطاً أو تصحيفاً، ثم علي ابن عبد الله ذكر الإمام الذهبي عن أبي حاتم أنه كتب عنه قصة غير هذه أخبره بها. وقال: كتبت هذا لأسمعه من هذا الشيخ، ثم تركته لأنه موضوع. ثم وجدت القصة بالسند الثاني في أخبار القضاة لمحمد بن خلف الملقب بوكيع (٢ / ١٩٤) فقال: حدثني علي بن عبد الله بن ميسرة بن شريح القاضي قال: حدثني أبي عن أبيه معاوية بن ميسرة عن شريح قال: لما رجع علي من قتال معاوية وجد درعاً له افتقده بيد يهودي يبيعها فقال علي: درعي، لم أبع ولم أهب. فقال اليهودي: درعي وفي يدي، فاختصما إلى شريح فقال له شريح: هل لك بينة؟ قال: نعم قنبر والحسن أبني. فقال شريح: شهادة الابن لا تجوز للأب. قال: سبحان الله رجل من أهل الجنة. فعلم بهذا أن في نعيم سقطاً أو تصحيفاً. وسندها مظلم لم أجد في كتب الجرح والتعديل إلا ترجمة علي بن عبد معاوية بن ميسرة في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم قال أبو حاتم: شيخ. اهـ. فعلم أن هذه القصة لا تثبت وعدالة الإسلام معلومة من غير هذه القصة الباطلة والحمد لله.

стр. 119

من مشكاة النبوة منصور الأحمد عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف. وفي كل خير. احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز. وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله، وما شاء فعل. فإن لو تفتح عمل الشيطان» . هذا الحديث من جوامع كلمه ﷺ ، ويمثل - بما يتضمنه من المعاني والدلالات- منهجاً سلوكياً مبنياً على قاعدة اعتقادية واضحة وراسخة، هذه القاعدة هي الإيمان بالقدر إيماناً صحيحاً بعيداً عن الاتكالية التي يهوي فيها كثير من المسلمين نتيجة الفهم الخاطئ لعقيدة القضاء والقدر، مما يفتح الطريق لأعداء الإسلام لرميه بكل الصفات المُنَفِّرة، ولوصم المسلمين كلهم بأنهم سلبيون واتكاليون وغير جديرين بأخذ زمام المبادرة في أي شيء، ولاتخاذ هذه الشبهة فاتحة وخاتمة يفتتحون ويختتمون بها هجومهم على كل ما يمت إلى الإسلام بصلة. يبدأ الحديث بتقرير حقيقة. لا ينبغي أن يعتريها الغموض، ولا أن يحيط بها الشك وهي حقيقة التطلع إلى العلو، والارتفاع عن الضعة والضعف، والمجاهدة والمكابدة من أجل التخلص من كل ما يربط الإنسان بالأرض، حقيقة القوة. «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف. وفي كل خير» . هكذا على الوجه الذي يستغرق كل معاني القوة وكل معاني الخيرية، دون استثناء، فلا يشار في الحديث إلى نوع معين من معاني القوة، ولا يحدد لها محتوى محدد تنحصر فيه، كي لا تنجرف الشخصية إلى تقديس نوع بعينه من أنواع القوى، فالمطلوب من المؤمن أن يكون قوياً في كل شيء ما وسعه ذلك. قوة في البدن، وقوة في الحق. وهذه القوة المفضلة المحبوبة من الله ليست غاية بحد ذاتها، وإنما هي وسيلة لغاية أسمى، فالمؤمن القوي أقدر على نشر الحق وتعريف الناس به، سواء في قوة حجته أو قوة شخصيته وسلوكه. والقوة التي يشيد بها النبي ﷺ ويجعلها مناط التفضيل هي القوة المنبعثة من الإيمان، والمؤسسة على القاعدة التي تعصمها من الشطط والتهور؛ فتشيع الأمن في النفوس والاطمئنان في المجتمعات، وليست القوة التي تنطلق من عقالها لتهلك الحرث والنسل، وتبث الرعب، وتركب مراكب التدمير لتعبد الناس لها. وحينما يستشعر المؤمن هذا المعنى تكبر نفسه، وتتطلع دائماً إلى أفاق جديدة ترتادها، فلا يكتفي بكلمة الإيمان يقولها بينه وبين نفسه، بل يعمل بمقتضاها ولوازمها، ويحملها للعالمين بقوة غير هياب ولا وجل، يمثل الصف المؤمن بعزته فتترفع نفسه عن صغائر الأمور، ولا تبالي بالصعاب التي تعترضها في سبيل عقيدتها. وكذلك من وجد في نفسه ضعفاً، سواء كان موروثاً أو مكتسباً، يحاول جاهداً أن يتخلص منه بالتدرب على التحمل والمعاناة، وبمقدار ما يقطع من أشواط في تحرير نفسه من معرة الضعف والخنوع يكون حب الله له. وحتى لا يطرح المؤمن الضعيف نفسه في مهاوي اليأس -حينما يدركه العجز عن السمو والارتفاع، فينحط نازلاً إلى منحدر لا قرار له؛ - يبقي الرسول -صلى الله عليه وسلم- له شعلة الأمل مضيئة تنير نفسه، فتقف بها عند الحد الأدنى وهو أصل الإيمان الذي يمسك نفسه ويجعلها تتطلع دائماً إلى الأفضل. ثم يرسم الرسول الكريم ﷺ الخطة العملية من أجل تحقيق معنى القوة الذي جعله مناطاً للأفضلية، وهو الحرص على ما ينفع. وما ينفع هنا تحدده الغاية الأولى، وهي الإيمان، فكل ما يعود بالنفع على هذه الغاية النبيلة فالحرص عليه مطلوب، والبحث من نيله مسعى كريم يثاب عليه المؤمن، حتى وإن أضيف إلى المؤمن نفسه، فالمؤمن هو الأداة الرئيسية التي أوكل الله إليها تنفيذ شرعه، وإقامة دينه، وكل ما يجعل هذه الأداة تقوم بعملها خير قيام فهو داخل في دائرة المطلوبات لله ، وكل ما يعوقها عن أداء هذه الأمانة وتبليغ هذه الرسالة فهو داخل في دائرة الممنوعات التي طلب إلى المؤمن اجتنابها. ومن أجل أن لا يتكل المؤمن على نفسه، ولا يغتر بقوته أبداً؛ ومن أجل أن يظل على ذكر من خالقه ورازقه وواهبه كل المواهب والوسائل يطلب النبي -صلى الله عليه وسلم- منه أن يستعين بالله، فكل عمل لا يستعان بالله عليه لا يبارك الله فيه، لأنه يكون مصروفاً إلى غير مرضاة الله من الغايات النفسية كالأثرة وحب الجاه وإشباع الرغبات. وقد جاءت جملة (واستعن بالله) على سبيل الاحتراس، وذلك لكثرة ما يكتنف الأعمال والمساعي من نسيان هذا الأصل الاعتقادي الأصيل وهو الاستعانة بالله في الأمور كلها، والتبرؤ من الحول والطَوْل إلا به . وجاءت جملة (ولا تعجز) احتراساً ثانياً، حتى يتضح المعنى المطلوب للاستعانة، فلا تقتصر علي الاستعانة باللسان دون اتخاذ للأسباب، ومع ذلك فإن كثيراً من الناس فهم الأوامر الشرعية معزولة عن سوابقها ولواحقها، مقطوعة عن الظروف التي تحيط بها، ومنفصلة عن الأساس الذي تنبثق منه. فكم من الناس من يحرص على ما ينفعه دون الاستعانة بالله، فينحرف بعمله عن غايته المطلوبة، إلى غاية قصيرة المدى -كحب الذات- فيقع في دائرة الطمع والطغيان! وكم من المسلمين من استحال به الأمر إلى أن لا يقابل متطلبات الدعوة إلى الله بغير الدعاء دون عمل، بل دون التفكير بعمل! ولا يقابل الصعوبات والكوارث النازلة بالمسلمين بغير الحوقلة والاسترجاع، ولا شيء غير ذلك! . فينبغي أن تفهم هذه الجمل الثلاث على أنها معنى واحد متصل، لا أنها ثلاث جمل منفصلة، فطلب ما ينفع، والحرص عليه يجب أن يكون محاطاً بالاستعانة بالله، بعيداً عن العجز والخَوَر والضعف. وكي يكون المؤمن إيجابياً دائماً، بعيداً عن كل ما يوقعه في دائرة الندم الذي يشل الحركة، ويكبل الفكر، ويكدر الإحساس؛ يطلب منه الرسول -صلى الله عليه وسلم- عندما يصيبه مكروه، أو لا يتحقق له ما يريد - بعد أن يكون قد بذل جهده، واستفرغ وسعه - أن يكف عن تقريع نفسه، وأن يحررها من الأسف على ما مضى، فما مضى لا يمكن أن يعود، والتقريع لن يعيد مفقوداً، ولن يصحح خطأ، وقصاراه أن يلف النفس بغيوم من الهم تقتل الأمل، وتغتال النشاط أو تجمده. ذلك لأن المرء إذا صحت غايته، وخلصت نيته، وقام بالأسباب فليس من الضروري أن تترتب النتائج بناء على ما قدم من مقدمات، لأن تقدير الله هو الغالب، ومشيئته هي الماضية، فلا ينبغي أن تتقطع النفس حسرات على تخلف النتيجة عن الفعل بعد استفراغ الوسع، واستنفاد الأسباب. وفضلاً عن أن هذا الأسف وهذا اللوم الذي يوجه إلى النفس لا يفيد شيئاً، فإن فيه نوع اعتراض على قدر الله، حيث ينظر المرء إلى الفعل وكأنه جهد شخصي معزول، لا علاقة لمشيئة الله له، وكذلك فيه تأَلٍّ عليه ، لذلك يحفز النبي ﷺ المؤمن على أن ينأى بنفسه عن مثل ذلك فيقول: «ولكن قل: قدر الله، وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان» . ولنا أن نتوقع أشياء كثيرة من أعمال الشيطان التي تفتحها كلمة: (لو) ونتصور احتمالات الشر على كثرتها عندما يسلم الإنسان قياده إلى الشيطان. فالشيطان لا يريد للمؤمن راحة البال ونقاء السريرة، ولا يريد له أن يوجه ... جهده إلى عمل إيجابي منتج له ولفكرته، ويحول بينه وبين تجاوز الخطأ، ويسره أن يدور الإنسان المؤمن في حلقة متصلة من الأخطاء المتتابعة ولا يهتدي لمخرج من ذلك. وهكذا يحدد الرسول الكريم للمؤمن الغاية والهدف، ويسلحه بالوسيلة، ويرسم له مجال العمل: قلب متصل بالله ومتجه إليه، وجهد إيجابي يتطلع إلى الأحسن دائماً، وأعمال تستمد فاعليتها عن تسديد الله لها، ونفس راضية تقابل المصاعب بالصبر والثبات، وسد لكل ذرائع الشيطان التي يسهل تسلله منها. فلله ما أَسَدَّ هذا الكلام، وما أسمى هذا التوجيه، ولسنا ندري -والله- بأي جانبيه نحن أشد إعجاباً: بوجازته وجمال سبكه؟ أم بما احتواه من كريم المعنى وجليل المحتوى؟ ! فصلى الله وسلم على قائله، وجمعنا به، وسقانا من حوضه.

стр. 120

النبي والرسول د. سليمان العايد ١- النبي في اللغة: إن النبي على وزن فعيل، معلول الآخر، فإن كل مهموزاً فهو من النبأ بمعنى الخبر، قال تعالى: [عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَأِ العَظِيمِ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * ... عَنِ النَّبَأِ العَظِيمِ] ، وسمى النبي نبيئاً لأنه مخبَر من الله، مخبِر عنه، قال تعالى: [قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ] [التحريم /٣] ، وقال: [نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الغَفُورُ الرَّحِيمُ] ، [الحجر / ١٤٩] ، وقال: [ونَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إبْرَاهِيمَ] [الحجر/ ٥١] . فالنبي هو الذي يخبَر من الله، ما يخبره به ملك الوحي، ويبلغهم أمره ونهيه ووحيه. وهو فعيل بمعنى فاعل أو مفِعل مثل أليم بمعنى مؤلم. ويجوز أن يكون مأخوذاً من (النبء) بمعنى المرتفع، والنبأة: النَّشَز من الأرض. والنبىء: الطريق الواضح. وإذا كان صحيحاً فجمعه على فعلاء (نبآء) وقال الجوهري: يجمع أنبياء، لأن الهمز لما أبدل، وألزم الإبدال جمع جمع ما أصل لامه حرف العلة. وأما إن كان معلول الآخر فهو مأخوذ من النبوة والنباوة، وهى الارتفاع عن الأرض، أي أنه أشرف على سائر الخلق، فأصله غير الهمز. وقال سيبويه: ليس أحد من العرب إلا ويقول: تنبأ مسيلمة بالهمز. غير أنهم تركوا الهمز في النبي كما تركوه في الذرية والبرية، والخابية، إلا أهل مكة، فإنهم يهمزون هذه الأحرف، ولا يهمزون غيرها، ويخالفون العرب في ذلك. قال: والهمز في النبي لغة رديئة. وقال الزجاج: القراءة المجمع عليها في النبيين والأنبياء طرح الهمزة، وقد همز جماعة من أهل المدينة جميع ما في القرآن من هذا. والنبي هو الطريق، قال الكسائي: النبي: الطريق، والأنبياء: طرق الهدى، قال أبو معاذ النحوي: سمعت أعرابياً يقول: من يدلني على النبي أي على الطريق. والنبي: العلم من أعلام الأرض التي يهتدى بها. قال بعضهم: منه اشتقاق النبي، لأنه أرفع خلق الله، وذلك لأنه يهتدى به. والنبي معلول الآخر يجمع على الأنبياء كغني وأغنياء. والنبي سمي نبياً لأنه يجمع المعاني المذكورة كلها فهو الطريق الوحيد إلى الله، وهو أكبر عالم في الطريق إلى الله، وهو رفيع المنزلة، ارتفع قدره لأنه شرف على سائر الخلق. ثم هو بعد ذلك يُنبئ بخبر السماء. ٢- الرسول: يطلق في اللغة على معنيين: أولهما: الإرسال: التوجيه، وقد أرسل إليه أي وجه، قال تعالى عن بلقيس ملكة اليمن: [وإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ] [النمل /٣٥] . والاسم الرسالة، والرسول، والرسيل. قال كثير عزة: لقد كذب الواشون ما بحت عندهم ... بسر، ولا أرسلتهم برسيل روي: برسول. والرسول يطلق على الرسالة. يؤنث ويذكر، ويطلق على المرسل ويستوي في رسول المذكر والمؤنث والواحد والجمع مثل عدو وصديق، قال تعالى: [إنَّا رَسُولُ رَبِّ العَالَمِينَ] وقال أبو ذؤيب الهذلي: ألكنى إليها وخير الرسو ... ل أعلمهم بنواحي الخبر أراد خير الرسل، فوضع الواحد موضع الجمع كقولهم: كثر الدينار والدرهم. أي كثرت الدراهم والدنانير. وثانيهما: المتابعة. قال تعالى: [ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضاً وجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْداً لِّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ] [المؤمنون / ٤٤] ، قال ابن عباس في تفسير [تترى] يعني يتبع بعضهم ... بعضاً [١] . وقد أخذ هذا المعنى من قوله: «جاءت الإبل رسلاً» أي متتابعة. وقيل في معنى المتابعة: إن من يوحى إليه متابع للأخبار عن الله ، فالرسول يتابع أخبار الذي بعثه، أخذاً من قولهم الآنف ذكره. وقد يطلق الرسول على الرسالة، قال تعالى عن موسى وأخيه: [فَقُولا إنَّا رَسُولُ رَبِّ العَالَمِينَ] أي: إنا رسالة رب العالمين أي ذوا رسالة رب العالمين. كذا قاله أبو إسحاق. وقد سبق الكلام عليه. «والإرسال اسم عام يتناول إرسال الملائكة، وإرسال الرياح، وإرسال الشياطين وإرسال النار، قال تعالى: [يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ ونُحَاسٌ] ، وقال تعالى: [جَاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلاً] والملك في اللغة: هو حامل الألوكة، وهي الرسالة، وقد قال في موضع آخر: [ومَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلاَّ وحْياً أَوْ مِن ورَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ مَا يَشَاءُ] . وقال تعالى: [وهُوَ الَذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ] . وقال تعالى: [أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزاً] ، لكن الرسول المضاف إلى الله إذا قيل رسول الله، فهو من يأتي برسالة من الله من الملائكة والبشر كما قال: [اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ] . وقالت الملائكة: [يَا لُوطُ إنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوا إلَيْكَ] . وأما عموم الملائكة والرياح والجن فإن إرسالها لتفعل فعلاً، لا لتبلغ رسالة، قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً] . فرسل الله الذين يبلغون عن الله أمره ونهيه هي رسل الله عند الإطلاق ? وأما من أرسله الله ليفعل فعلاً لمشيئة الله وقدرته فهذا عام يتناول كل الخلق، كما أنهم كلهم يفعلون بمشيئته وإذنه المتضمن لمشيئته، لكن أهل الإيمان يفعلون بأمره ما يحبه ويرضاه، ويعبدونه وحده، ويطيعون رسله، والشياطين يفعلون بأهوائهم وهم عاصون لأمره متبعون لما يسخطه، وإن كانوا يفعلون بمشيئته وقدرته [النبوات، ص ١٧٤] . وقال الزجاج في تفسير قوله تعالى: [أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزاً] في قوله أرسلنا وجهان: أحدهما أنا خلينا الشياطين وإياهم، فلم نعصمهم من القبول منهم. قال: والوجه الثاني: وهو المختار أنهم أرسلوا عليهم وقيضوا لهم بكفرهم، كما قال تعالى: [ومَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ] ومعنى الإرسال هنا التسليط. قال أبو العباس: الفرق بين إرسال الله أنبياءه وإرساله الشياطين على أعدائه في قوله تعالى: [أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الكَافِرِينَ] أن إرساله الأنبياء إنما هو وحيه إليهم أن: أنذروا عبادي. وإرساله الشياطين على الكافرين تخليته وإياهم، كما تقول: كان لي طائر فأرسلته، أي: خليته وأطلقته. [اللسان (رسل) ] ومثل الإرسال» لفظ البعث يتناول البعث الخاص والبعث الشرعي كما قال: [هُوَ الَذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ] ويتناول البعث العام الكوني. كقوله: ... [فَإذَا جَاءَ وعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ] . وقال تعالى: [وإذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ ... العَذَابِ] . فالعام بحكم مشيئته وقدرته. والخاص هو أيضاً بحكم مشيئته وقدرته. وهو مع ذلك بحكم أمره ورضاه ومحبته. وصاحب الخاص من أولياء الله يكرمه ويثبته، وأما من خالف أمره، فإنه يستحق العقوبة ولو كان فاعلاً بحكم المشيئة، فإن ذلك لا يغني عنه من الله شيئاً، ولا يحتج بالمشيئة على المعاصي، إلا من تكون حجته داحضة، ويكون متناقضاً، متبعاً لهواه، ليس عنده علم بما هو عليه كالمشركين الذين قالوا: [لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ولا آبَاؤُنَا ولا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ] [النبوات ١٧٤ - ١٧٥] . الفرق بين النبي والرسول: لدينا في هذه المسألة أربعة أقوال، وكل قول له أنصاره، ومؤيدوه وأدلة على ما ذهبوا إليه. وأول هذه الأقوال، قول من قال: إنهما لفظان مترادفان، وفي الشفاء للقاضي عياض ١/٤٨٨ «مثل: هما سواء، وأصله من الإنباء وهو الإعلام. واستدلوا بقوله تعالى: [وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إلاَّ إذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ] فقد أثبت لهما معاً الإرسال، قال: ولا يكون النبي إلا رسول؛ ولا الرسول إلا نبياً. والناظر في النصوص الأخرى يجد ما يرد هذا الرأي ويضعفه، وأول هذه النصوص الآية المذكورة آنفاً، وهي دليلهم على ما قالوا إذ فرق الله تعالى بين الاسمين، ولو كانا شيئاً واحداً لما حسن تكرارهما في الكلام البليغ [انظر ... الشفاء ٤٨٨] . ووصف الله بعض رسله، بالنبوة والرسالة، قال تعالى عن نبيه موسى - ﷺ : [واذْكُرْ فِي الكِتَابِ مُوسَى إنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً وكَانَ رَسُولاً نَّبِياً] ، فجمع بين النبوة والرسالة بالعطف بالواو، وهذا يدل على أنهما لفظان متغايران، أو أن أحدهما يشتمل على معنى زائد عن الآخر، ولا يجوز عطف المتماثلين من كل وجه. ويضعفه الحديث الذي رواه الإمام أحمد في المسند، والحاكم في المستدرك وابن حبان عن أبي ذر ﵁ أنه قال:» قلت: يا رسول الله كم المرسلون؟ قال: ثلاثمائة وبضعة عشر جماً غفيراً «وفي رواية أبي أمامة قال أبو ذر:» قلت: يا رسول الله، كم وفاء عدة الأنبياء؟ قال: مائة ألف، وأربعة عشر ألفاً، الرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جماً غفيراً «. فهذه النصوص كلها صريحة في رد رأي من يقول بترادف اللفظين، ولم يبق أمامنا إلا أن نقول: إنهما مفترقان من وجه، ويجتمعان من وجه، وتلمساً لهذا الفرق، قال بعضهم: إن النبي من أوحى إليه بشرع، ولم يؤمر بالتبليغ، والرسول من أوصي إليه، وأمر بالتبليغ. واستدلوا لرأيهم بقوله تعالى: [وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إلاَّ إذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ] . إذ قالوا: المعنى:» وما أرسلنا من رسول إلا أمة، أو نبي وليس بمرسل إلى أحد «. واستدلوا بالمدلول اللغوي للكلمتين، فالنبي مأخوذ من الإنباء والنبأ وهو الخبر بينما الرسول مأخوذ من البعث والتوجيه. وهذا الرأي لا يخلو من ضعف، لأن الله قد نص على إرسال الرسل والأنبياء في الآية المذكورة [وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إلاَّ إذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ] فالرسل والأنبياء مرسلون، وهم يقولون: المرسلون الرسل، دون الأنبياء. ٢- قول الله تعالى: [ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ] [الأعراف ٥٦] . وتقول الملائكة: [رَبَّنَا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وعِلْماً] [غافر ٧] ، والرحمة من معانيها النبوة، قال تعالى: [أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ] وفي ترك البلاغ والإنذار كتمان لرحمة الله، وتضييق لها، وتحجير لواسعها، وجحد لنعمة الله التي أمر نبيه أن يحدث بها [وأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ] ، وأعظهم رحمة، وأكبر نعمة هي رحمة الهداية، ولم يثبت بنص صحيح أن الله اختص نبياً من الأنبياء، وأوحى إليه وحياً، وقال له: هذا لك خاصة لا يشركك فيه الناس. ٣- النصوص في القرآن والسنة تبين أن الأنبياء كانوا يقاتلون في سبيل الله، والقتال من أكبر وأعظم واجبات الدعوة والتبليغ، قال تعالى: [أَلَمْ تَرَ إلَى المَلأِ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إن كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُوا] [البقرة /٢٤٦-٢٥٢] . وروى مسلم والإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:» غزا نبي من الأنبياء، فقال لقومه: لا يتبعني رجل قد ملك بضع امرأة، وهو يريد أن يبني بها ولما يبن، ولا آخر قد بنى بنياناً، ولم يرفع سقفها، ولا آخر قد اشترى غنيمات أو خلفات وهو ينتظر أولادها، فغزا، فدنا من القرية حين صلى العصر، أو قريباً من ذلك. فقال للشمس: أنت مأمورة، وأنا مأمور، اللهم أحبسها علي شيئاً «. وقال تعالى: [إنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى ونُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا والرَّبَّانِيُّونَ والأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ واخْشَوْنِ ولا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً ومَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ] [المائدة /٤٤] . ٤ - ما رواه البخاري ١١ /٤٠٥ ومسلم من حديث ابن عباس أنه قال: قال النبي ﷺ :» عرضت علي الأمم، فأخذ النبى يمر معه الأمة، والنبى يمر معه العشرة، والنبى يمر معه الخمسة، والنبي يمر وحده، فنظرت فإذا سواد كثير، قلت: يا جبريل، هؤلاء أمتي؟ قال لا، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد كثير، قال: هؤلاء أمتك.. الخ «ووجه الاستدلال تفاوت الإجابة من الأمم، وهذا لا يكون إلا بعد دعوة من الأنبياء. ثم إن هذا الحديث قد يكون في مقام عزاء الرسول لقلة من أجابه، وآمن به، وفي مقام تبشيره، فناسب عرض الأمم السابقة وكأن الحديث يقول: إن هؤلاء على ما بذلوه بين جهد في الدعوة، أنت أكثر منهم أمة. والله أعلم. ٥ - إن اتباع الأنبياء -وهم لا يوحى إليهم- مطالبون بالتبليغ، والدعوة والجهاد فكيف بالأنبياء وهم أفضل، وقد اختصهم الله بالوحي، قال تعالى [قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا ومَنِ اتَّبَعَنِي] وقال تعالى [ومَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إلَى اللَّهِ وعَمِلَ صَالِحاً وقَالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ] وقال - صلى الله عليه وسلم -: (بلغوا عني ولو آية فرب مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) . وقال:» لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم «، وقال ﷺ :» من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على النفاق «. وقال فريق آخر: إن الرسول من أوحي إليه بشرع جديد، والنبي من لم يوح إليه بشرع جديد. وإن أمر بالإبلاغ والإنذار [٢] . ولا أعلم لهؤلاء دليلاً على قولهم هذا إلا استقراء متفوضاً بمثل يوسف، فقد كان رسولاً وكان على ملة إبراهيم، وداود وسليمان كانا رسولين، وكانا على شريعة التوراة، قال تعالى عن مؤمن من آل فرعون: [ولَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءَكُم بِهِ حَتَّى إذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً] وقال تعالى [إنَّا أَوْحَيْنَا إلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إلَى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وأَوْحَيْنَا إلَى إبْرَاهِيمَ وإسْمَاعِيلَ وإسْحَاقَ ويَعْقُوبَ والأَسْبَاطِ وعِيسَى وأَيُّوبَ ويُونُسَ وهَارُونَ وسُلَيْمَانَ وآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً * ورُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ورُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً] [النساء: ١٦٣-١٦٤] . وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية في التفريق بينهما إلى أن الرسول هو من يبعث إلى مخالفين أي قوم كافرين، فيدعوهم إلى الإسلام، والنبي هو من يرسل إلى موافقين يقيم فيهم حكم الله الذي يعرفونه ويؤمنون به. قال في كتاب النبوات: » النبى هو الذي ينبئه الله، وهو ينبئ بما أنبأ به فإن أرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلغه رسالة من الله إليه فهو رسول، وأما إذا كان إنما يعمل بالشريعة قبله ولم يرسله هو إلا أحد يبلغه عن الله رسالة فهو نبي وليس برسول. قال تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إلاَّ إذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ] ... [الحج ٥٢، ٥٣] ، وقوله، [مِن رَّسُولٍ وَلا نَبِيٍّ] فذكر إرسالاً يعم النوعين، وقد خص أحدهم بأنه رسول، فإن هذا هو الرسول المطلق الذي أمره بتبليغ رسالته إلى من خالف الله كنوح، وقد ثبت في الصحيح أنه أول رسول بعث إلى أهل الأرض وقد كان قبله أنبياء كشيت وإدريس وقبلهما آدم كان نبياً مكلماً، قال ابن عباس: «كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام» فأولئك الأنبياء يأتيهم وحي من الله بما يفعلونه ويأمرون به المؤمنون الذين عندهم لكونهم مؤمنين بهم، كما يكون أهل الشريعة الواحدة يقبلون ما يبلغه العلماء عن الرسول، وكذلك أنبياء بني إسرائيل يأمرون بشريعة التوراة، وقد يوحى إلى أحدهم وحي خاص في قضية معينة، ولكن كانوا في شرع التوراة كالعالم الذي يفهمه الله في قضية معنى يطابق القرآن، كما فهّم الله سليمان حكم القضية التى حكم فيها هو وداود، فالأنبياء ينبئهم الله فيخبرهم بأمره ونهيه وخبره، وهم ينبئون المؤمنين بهم ما أنبأهم الله من الخبر والأمر والنهي، فإن أرسلوا إلى كفار يدعونهم إلى توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، ولابد أن يكذب الرسول قومٌ، قال تعالى: [كَذَلِكَ مَا أَتَى الَذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ] ، وقال: [مَا يُقَالُ لَكَ إلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ] . فإن الرسل ترسل إلى مخالفين فيكذبهم بعضهم، وقال: [ومَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ القُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ * حَتَّى إذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ ولا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ] ، وقال: [إنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ويَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ] ، فقوله: [وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلا ... نَبِيٍ] دليل على أن النبي مرسل. ولا يسمى رسولاً عند الإطلاق، لأنه لم يرسل إلى قوم بما لا يعرفونه، بل كان يأمر المؤمنين بما يعرفونه أنه حق كالعالم، ولهذا قال النبي ﷺ : «العلماء ورثة الأنبياء» . وليس من شرط الرسول أن يأتي بشريعة جديدة انتهى [١٧٢-١٧٣] . هذه هي الآراء في التفريق بين النبي والرسول، والثلاثة الأخيرة تفرق بينهما وهو الصحيح. وقال القاضي عياض: والصحيح والذي عليه الجماء الغفير أن كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولاً [٣] .

стр. 121

خواطر في الدعوة ثم يأتي سبع عجاف ... محمد العبدة عندما يتاح للدعوة أن تنشط وتعبر عن نفسها، وتنطلق في صفوف الناس لتنقذهم من الظلمات إلى النور، وتنقلهم من الجهل إلى العلم، وتأخذ بأيديهم إلى الحياة الكريمة، عندما يتاح لها ذلك لماذا لا يستطيع أصحابها استثمار هذا الرخاء كما فعل نبي الله يوسف ﵇ عندما علم أنه سيأتي بعد الرخاء سبع عجاف. فأخذ للأمر أهبته واستعد له استعداد الحازم البصير. ولم يموه على نفسه وعلى الناس ويطمئنهم بأن الأمور تسير إلى الأحسن، بل صارحهم وبين لهم. ونحن نعلم أن الله يبتلي المؤمنين بسنوات عجاف ليخرجوا من المحنة أكثر مضاء وصفاء، وأكثر خبرة ودراية، فيستغلوا كل ظرف ومناسبة للسير بالدعوة خطوة أو خطوات إلى الأمام، ونحن نعلم ما يخطط له الأعداء من مكر الليل والنهار، وما يفعله الذين لا يكفون عن البطش والقهر وكأنهم الوحش الذي ولغ في الدماء فهو يتلذذ بها، فإذا أبعد الله هؤلاء وأراح منهم العباد والبلاد فليهتبل المسلمون الفرصة وليضاعفوا من نشاطهم ويرسخوا أقدامهم. لقد أتيحت للمسلمين فرصة في صلح الحديبية فاستغلها الرسول -صلى الله عليه وسلم- أحسن استغلال، ووافق على الشروط التي ظاهرها لمصلحة قريش، وتمكن المسلمون بعدها من نشر الدعوة والتجوال بين القبائل لا يردهم أحد، وفي فترة قصيرة تضاعف عدد المسلمين، فالذين حضروا الحديبية كانوا ألفاً وأربعمائة، والذين حضروا فتح مكة بعد سنتين كانوا عشرة آلاف، وهذا الصلح هو الفتح المقصود بالآية [إنا فتحنا لك فتحا مبينا] فهو فتح بالفرصة التي أتيحت للدعوة، فأقبل الناس على دين الله أفواجاً. إن عرض الإسلام في جو من هدوء الأعصاب وحرية الحوار بالحجة والكلمة الطيبة سيكون له أبلغ الأثر في صفوف الآخرين، ذلك أن الحق له قوة ذاتية يظهر بها على الباطل، فإذا أحسن العرض واختير الوقت المناسب، وكان الداعية عالماً بما يدعو له، فطناً أريباً قد فقه مقاصد الإسلام ومراميه، جاءت النتائج طيبة بإذن الله. أما تضييع الفرص بسبب حسن ظننا الذي لا حدود له، وأنه لن يأتي ما يزعجنا ويعكر صفو راحتنا، وأن الأمور تسير كما نريد، فليس وراء هذا إلا العجز والندم. وقد تستغل الفرصة بأعمال ضعيفة ليس لها أثر يذكر، وتمضي الأيام والسنون دون القيام بعمل ترتاح له نفس المسلم ويبنى عليه ما بعده، ولا يحتاج كل جيل للبدء من جديد والرجوع إلى نقطة الصفر، ومتى يشفى صدر المؤمن إذا كانت كل الجهود والطاقات تذهب للتكديس لا للبناء.

стр. 122

لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً عثمان جمعة ضميرية إن كل دين من عند الله تعالى يتضمن جانبين اثنين: العقيدة، والشريعة، إذ أن من طبيعة الدين الرباني أن يتضمن تنظيماً لحياة الناس بالتشريع، وأن لا يقتصر على الجانب العقدي وحده، ولا على الجانب التهذيبي أو الأخلاقي وحده، ولا على المشاعر الوجدانية وحدها، ولا على العبادات والشعائر وحدها كذلك. فما الدين إلا منهج الحياة الذي أراده الله تعالى للبشر، فهو يربط حياة الناس بمنهج الله تعالى، ولا يمكن أن ينفك عنصر العقيدة الإيمانية عن الشعائر التعبدية، ولا عن القيم الخلقية، ولا هذا وذاك عن الشعائر والأحكام التنظيمية، في أي دين يريد أن يصرِّف حياة الناس وفق المنهج الإلهي.. وأي انفصال لهذه المقومات يبطل عمل الدين في النفوس، كما يبطله في الحياة، وهذا يخالف مفهوم الدين وطبيعته كما أراده الله تعالى. وإذا كانت العقيدة واحدة لا تختلف؛ فإن الشريعة لكل قوم، مباينة لغيرها من الشرائع، مختلفة في الأوامر والنواهي، فقد يكون الشيء في هذه الشريعة حراماً، ثم يجعله الله تعالى حلالاً في الشريعة الأخرى، وبالعكس، وقد يكون خفيفاً في شريعة، فيزداد في الشدة في شريعة أخرى، وقد تختلف طرق العبادة نظراً لاختلاف الناس وطرق تعليمهم، باختلاف استعداداتهم وظروف بيئتهم في مختلف العصور والأزمان، إذ أن الشريعة تأتي لتلبية حاجات الناس، وفق علم الله - الذي يعلم ما يصلح للبشر في مكان وفي كل زمان، وهذه الحاجات قد تختلف من أمة لأخرى ومن زمن لآخر. كما تختلف الشرائع في شمولها لبعض الأحكام مما لم يكن منصوصاً عليه في شريعة سابقة خاصة؛ لأن كل شريعة لاحقة إنما جاءت مكمِّلة أو موضحة لشريعة سبقتها، أو مصححة لما وقع فيها من انحراف. ومن أوضح الأمثلة على ذلك ما جاءت به شريعتنا الإسلامية من تعاليم، مما لم يكن في الشرائع السابقة، مما يحتاج إليه الناس في حياتهم اليومية، وفي روابطهم الشخصية، ومعاملاتهم، بعضهم مع بعض، فردية كانت هذه المعاملات أو جماعية، كبيان أحكام البيع والإجازة في العقارات والمنافع.. وغير ذلك من ضروب المعاملات. وهذا الاختلاف بصوره المتنوعة، إنما يقتضيه ما لله من الحكمة البالغة والحجة الدامغة في اختلاف صور العبادات والشرائع باختلاف استعداد الأقوام ومقتضيات الزمان والمكان. وقد أشار الله إلى كثير من هذه المعاني، فقال عن ... عيسى ﵇: [ومُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ ولأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ] ... [آل عمران: ٥٠] . وقال عن دعوة نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- ورسالته: [الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ والإنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ ويَنْهَاهُمْ عَنِ المُنكَرِ ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ ويَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ والأَغْلالَ الَتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ] ... [الأعراف: ١٥٧] . وقال الله تعالى أيضاً: [يَا أَهْلَ الكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتَابِ ويَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وكِتَابٌ مُّبِينٌ] [المائدة: ١٥] . ثم يضع الله قاعد عامة فيقول: [ولِكُلٍّ وجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] [البقرة: ١٤٨] . فكل أهل دين لهم قبلة ووجهة، فلليهودي وجهة هو موليها، وللنصراني وجهة هو موليها، وقد هداكم الله تعالى -أيها المسلمون- إلى القبلة الجديرة بأن تتوجهوا إليها، وثم وجه الله. وهذا شبيه بقول الله ﵎: [لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومِنْهَاجاً ولَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً ولَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ] [المائدة: ٤٨] . فقد جعل الله تعالى لكل أمة شريعة ومنهاجاً، أي سبيلاً وسنة وطريقة، وهذه السنن والطرق مختلفة: للتوراة شريعة، وللإنجيل شريعة، وللقرآن شريعة، يحلل الله فيها ما يشاء ويحرم ما يشاء، ليبتلي بذلك عباده، فيعلم من يطيعه ومن يعصيه، ولكن الدين الواحد الذي لا يقبل الله تعالى غيره هو: التوحيد والإخلاص لله، الذي بعث الله تعالى به رسله وأنبياءه -عليهم الصلاة والسلام-. يدل على هذا المعنى: أن الله ذكر في سياق الآيات الكريمة السابقة ما كتبه على بني إسرائيل في التوراة، وذكر بعد ذلك: أنه قفَّى بعيسى بن مريم على آثار الأنبياء قبله، وأنزل عليه الإنجيل، وأمر من بعثه إليهم بالعمل بما فيه، كما أمر بني إسرائيل بالعمل بالتوراة، ثم ذكر نبينا محمداً -صلى الله عليه وسلم- وأخبره أنه أنزل إليه الكتاب مصدقاً لما بين يديه من الكتاب، وأمره بالعمل بما فيه، والحكم بما أُنزل إليه، دون سائر الكتب غيره، وأعلمه أنه قد جعل له شريعة غير شرائع الأنبياء والأمم قبله، ممن قصَّ عليه قصصهم، وإذ كان دينه ودينهم واحداً. فهم مختلفو الأحوال فيما شرع لكل واحد منهم، ولأمته فيما أحل لهم وحرم عليهم، فقال : [إنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى ونُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا والرَّبَّانِيُّونَ والأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ] ، إلى قوله تعالى مخاطباً نبيه محمداً -صلى الله عليه وسلم-: [وأَنزَلْنَا إلَيْكَ الكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ ومُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ولا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومِنْهَاجاً] [المائدة: ٤٨] . ويقول الشيخ ولي الدين الدهلوي ﵀، في بيان هذا المعنى: إن أصل الدين واحد، اتفق عليه الأنبياء ﵈، وإنما الاختلاف في الشرائع والمناهج، وتفصيل ذلك: أن الأنبياء جميعاً ﵈، قد أجمعوا على توحيد الله تعالى. عبادة واستعانة، وتنزيهه عما لا يليق به، وتحريم الإلحاد في أسمائه، وأن حقَّ الله على عباده: أن يعظّموه تعظيماً لا يشوبه تفريط، وأن يسلموا وجوههم وقلوبهم إليه، وأن يتقربوا بشعائر الله إلى الله، وأنه قدّر جميع الحوادث قبل أن يخلقها، وأن لله ملائكته لا يعصونه فيما أمر، ويفعلون ما يؤمرون، وأنه ينزل الكتاب على من يشاء من عباده، ويفرض طاعته على الناس.. فهذا أصل الدين، ولذلك لم يبحث القرآن الكريم عن ماهيِّة هذا الأشياء -إلا ما شاء الله- لأنها كانت مسلَّمة فيمن نزل القرآن الكريم بألسنتهم. إنما الاختلاف وقع في صور هذه الأمور وأشكالها، فكان الرجم في شريعة موسى ﵇، وجاءت شريعتنا بالرجم للمحصن، والجلد لغيره. وجاء في شريعة موسى القصاص فقط، وجاءت شريعتنا بالقصاص والدية جميعاً ... وعلى ذلك اختلافهم في أوقات الطاعات وآدابها وأركانها. وبالجملة: فالأوضاع الخاصة، مُهِّدت وبينت بها أنواع البر والارتفاقات هي الشرعة والمنهاج [١] ولكن الشرعة والمنهاج الذي لا يقبل الله تعالى غيره هو ما أمر الله تعالى محمداً ﷺ ، لأن شريعته هي كلمة الله الأخيرة، التي جعلها الله تعالى له ولأمته إلى قيام الساعة. وقد جاء الأمر بذلك من الله ، فأمره أن يحكم بهذه الشريعة التي جعلها الله تعالى له، من بعد الذي آتاه بني إسرائيل، الذين وصف الله تعالى لنبيه صفتهم في اختلافهم بغياً بينهم، فقال : [ولَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إسْرَائِيلَ الكِتَابَ والْحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ورَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى العَالَمِينَ * وآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ العِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا ولا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَذِينَ لا يَعْلَمُونَ] ... [الجاثية: ١٦-١٨] . ولن يفوتنا هنا أن نشير إلى أن النبي ﷺ بيَّن لنا أن أصل دين الأنبياء واحد، وإن كانت شرائعهم مختلفة، كما أنَّ أولاد العلاّت أبوهم واحد، وإن كانت أمهاتهم شتى، فقال ﷺ : «أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الأولى والآخرة» قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: «الأنبياء إخوة من عَلاّت، وأمهاتهم شتى، ودينهم واحد، وليس بيننا نبي» [٢] .

стр. 123

من أعلام الإسلام الطحاوي [١] ٢٢٩-٣٢١ هـ إعداد: سليمان الحرش أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة الأزدي الحجري المصري الطحاوي الحنفي، نسبة إلى (طحا) في قرى مصر، ولد سنة تسع وعشرين ومائتين. تفقه على مذهب الإمام الشافعي ثم انتقل إلى مذهب الإمام أبي حنيفة. وقد ذكر ابن خلكان في الوفيات: أن سبب انتقاله إلى مذهب أبي حنيفة ورجوعه عن مذهب الشافعي لأن خاله المزني قال له يوماً: والله لا يجيء منك شيء. فغضب وتركه واشتغل على أبي جعفر بن أبي عمران الحنفي، حتى برع وفاق أهل زمانه، وانتهت إليه رئاسة الحنفية في مصر. شيوخه: تخرج ﵀ على كثير من الشيوخ، وأفاد منهم، وقد أربى عددهم على ثلاثمائة شيخ، فقد سمع من هارون بن سعيد الأيلي، وعبد الغني بن رفاعة، ويونس بن عبد الأعلى، وعيسى بن مثرود، ومحمد بن عبد الله ابن عبد الحكم، وبحر بن نصر الخولاني، وخاله أبي إبراهيم المزني، فقد روى عنه مسند الشافعي، وسليمان ابن شعيب الكيساني، ووالده محمد بن سلامة، وإبراهيم بن منقذ، والربيع بن سليمان المُرَادي، وبكار بن قُتيبة، ومقدام بن داوود الرُعيني، وأحمد ابن عبد الله بن البرقي، ومحمد بن عقيل الفريابي، ويزيد بن سنان البصري وغيرهم. تلاميذه: وروى عنه خلق منهم: أحمد بن القاسم الخشاب، وأبو الحسن محمد ابن أحمد الأخميمي، ويوسف الميانجي، وأبو بكر بن المقريء، وأبو القاسم الطبراني، وأحمد بن عبد الوارث الزجاج، وعبد العزيز بن محمد الجوهري، قاضي الصعيد، ومحمد بن بكر بن مطروح، ومحمد بن الحسن ابن عمر التنوخي، ومحمد بن المظفر الحافظ، وغيرهم. وارتحل إلى الشام في سنة ثمان وستين ومائتين، فلقي القاضي أبا خازم وتفقه عليه. عقيدته ومنهجه: الإمام الطحاوي من أئمة السلف الصالح، العاملين على هدي من الله وبصيرة، الذين لا يألون جهداً في نشر مذهب السلف في العقيدة المستمدة من الكتاب والسنة، وخير شاهد على ذلك كتابه العظيم -والذي تلقاه العلماء سلفاً وخلفاً بالقبول- (العقيدة الطحاوية) فإن الدارس لهذا الكتاب يتبين له من خلال دراسته أن مؤلفه - ﵀ قد التزم بمنهج أهل السنة والجماعة، في مفهوم الاعتقاد، وخاصة فيما يتعلق بالأسماء والصفات، والتي جنحت فيها كثير من الفرق، من مشبهة، ومعطلة، ومؤولة إلا ما أخذ عليه في بعض المواطن النادرة (وأبى الله أن يتم إلا كتابه) . أما منهجه في المذهب وترجيحه للأقوال فإنه يعتبر قدوة ومدرسة في ذلك، فلم يمنعه التزامه بمذهب (أبي حنيفة ﵀ النظر في الأدلة والأقوال المخالفة لمذهبه، وترجيح بعضها على بعض بحسب ما يراه راجحاً، وما يتبين له من الحق، وهذا من أمثل المناهج في التفقه والنظر، وذلك لمن حصلت له الأهلية في ذلك. ومما يؤيد ذلك ما قاله ابن زولاق: «سمعت أبا الحسن علي بن أبي جعفر الطحاوي يقول: سمعت أبي يقول: وذكر فضل أبي عبيد بن جرثومة وفقهه، فقال: كان يذاكرني في المسائل فأجبته يوماً في مسألة فقال لي: ما هذا قول أبي حنيفة! فقلت له: أيها القاضي أو كل ما قاله أبو حنيفة أقول به؟ فقال: ما ظننتك إلا مقلداً، فقلت له: وهل يقلد إلا عصبي، فقال لي: أو غبي، قال: فطارت هذه بمصر حتى صارت مثلاً وحفظها الناس» [٢] . ثناء العلماء عليه: لقد أثنى على الإمام الطحاوي غير واحد من أهل العلم، والفقه، والحديث، وعلماء الجرح والتعديل. قال ابن يونس: وكان ثقة ثبتاً فقيهاً عاقلاً، لم يخلف مثله. وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء: الإمام العلامة، الحافظ الكبير، محدث الديار المصرية وفقيهها. وقال ابن كثير في البداية والنهاية: الفقيه الحنفي، صاحب التصانيف المفيدة، والفوائد الغزيرة، وهو أحد الثقات الأثبات، والحفاظ الجهابذة. وقال ابن الجوزي في المنتظم: كان الطحاوي ثبتاً، فقيهاً، عاقلاً. وقال الصلاح الصفدي في الوافي: كان ثقة نبيلاً، ثبتاً، فقيهاً، عاقلاً لم يخلف بعده مثله. وقال السيوطي في طبقات الحفاظ: الإمام العلامة الحافظ، صاحب التصانيف البديعة. مصنفاته: أما تصانيفه فقد كانت غاية في التحقيق، وحوت من الفوائد وحسن العرض والتصنيف ما جعلها جديرة بالاهتمام منها: ١- العقيدة الطحاوية: والتي قال عنها السبكي: (جمهور المذاهب الأربعة على الحق يقرؤون عقيدة الطحاوي التي تلقاها العلماء سلفاً وخلفاً بالقبول) [٣] . ٢- اختلاف العلماء. ٣- بيان السنة والجماعة في العقيدة. ٤- حكم أراضي مكة المكرمة. ٥- شرح الجامع الصغير والكبير للشيباني في الفروع. ٦- عقود المرجان في مناقب أبي حنيفة النعمان. ٧- الفرائض. ٨- قسمة الفيء والغنائم. ٩- كتاب التاريخ. ١٠- كتاب التسوية بين حدثنا وأخبرنا. ١١- الشروط الصغير. ١٢- الشروط الكبير. ١٣- المحاضرات والسجلات. ١٤- المختصر في الفروع. ١٥- نقد المدلسين على الكرابيسي. ١٦- اختلاف الروايات علي مذهب الكوفيين. ١٧- مشكل الآثار. ١٨- شرح معاني الآثار. وفاته: توفي ﵀ سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، ليلة الخميس مستهل ذي القعدة. بمصر، ودفن بالقرافة، وله ثمان وثمانون سنة.

стр. 124

دعوة إيمانية عبد الرحمن عبد الله أنزل الله كتابه وأرسل رسوله ﷺ ليبين للناس غايتهم في هذه الدنيا، وهي عبادة الله كما أراد [ومَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ، ولله على العبد عبودية في الضراء، كما له عبودية في السراء، وله عبودية عليه فيما يكره، كما له عبودية فيما يحب، وأكثر الخلق يعطون العبودية فيما يحبون، والشأن في إعطاء العبودية في المكاره، ففيه تفاوت مراتب العباد، وبحسبه كانت منازلهم عند الله تعالى. فالوضوء بالماء البارد في شدة الحرارة عبودية، كما أن الوضوء بالماء البارد في شدة البرد عبودية، ولكن فرق عظيم بين العبوديتين، فمن كان عبداً لله في الحالتين قائماً بحقه في المكروه والمحبوب فذلك الذي تناوله قوله تعالى: [أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ] [الزمر: ٢٥] وفي القراءة الأخرى: عباده. فالكفاية التامة تكون مع العبودية التامة، والناقصة مع الناقصة، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه [١] . وإن من أنواع العبادة التي ركّز الإسلام عليها ونبه إلى أهميتها (ذكر الله عز وجل) . ومعلوم أن المسلم يبحث عن أفضل الأعمال عند الله فيعمل بها، وقد روى ... لنا الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- في مسنده من حديث معاذ ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : «ألا أخبركم بخير أعمالكم ... وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة، ومن أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم. قالوا: بلى يا ... رسول الله، قال: ذكر الله » [٢] . وأما التفضيل بين الذاكر والمجاهد، فالذاكر المجاهد أفضل من الذاكر بلا جهاد، والمجاهد الغافل، والذاكر بلا جهاد، أفضل من المجاهد الغافل عند الله تعالى فأفضل الذاكرين المجاهدون، وأفضل المجاهدين الذاكرون. وقد جاء رجل يشكو إلى رسول الله ﷺ كثرة شرائع الإسلام عليه، وطلب منه ما يتمسك به، ليصل به إلى الجنة، وذلك من حديث عبد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنه، أن رجلاً قال: يا رسول الله، إن أبواب الخير كثيرة، ولا أستطيع القيام بكلها، فأخبرني بما شئت أتشبث به ولا تكثر ... علي فأنسى، وفي رواية: إن شرائع الإسلام قد كثرت عليّ، وأنا قد كبرت، فأخبرني بشيء أتشبث به، قال: «لا يزال لسانك رطباً بذكر الله تعالى» [٣] . فهذا الحديث يدلُّ دلالة واضحة على أن الذكر من أهم ما يعين المسلم على العمل بشرائع الإسلام وفهمها، وعلى الأعمال البدنية كما سيأتي قريباً -إن شاء الله تعالى- مذكوراً عن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-. وليس المقصود جميع أنواع الذكر وأوقاتها، ولكن المقصود التنبيه على بعض أنواعه التي وردت فيها فضائل عظيمة، وذُكرت فيها مثوبة جليلة. ومن هذه الأذكار، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر، حيث وردت في فضلها أحاديث كثيرة، نذكر ما صح سنده منها، فأولها: ١- قوله ﷺ : «أحب الكلام إلى الله تعالى أربع: سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر ولا يضرّك بأيهن بدأت» [٤] . ٢- أخرج الإمام الترمذي عن أنس ﵁، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم قال: «إن الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لتساقط من ذنوب العبد كما تساقط ورق هذه الشجرة» [٥] . ٣- أخرج الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- في مسنده من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري -رضي الله تعالى- عنهما أن النبي ﷺ ... قال: «إن الله اصطفى من الكلام أربعاً: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فمن قال: سبحان الله كتبت له عشرون حسنة، وحطت عنه عشرون سيئة ومن قال: الله أكبر، مثل ذلك، ومن قال لا إله إلا الله مثل ذلك، ومن قال الحمد لله رب العالمين من قِبَلِ نفسه كتبت له ثلاثون حسنة، وحطت ثلاثون خطيئة» [٦] . ٤- وأخرج الإمام الطبراني عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «ألا أدلك على ما هو أكثر من ذكرك الله الليل مع النهار؟ تقول: الحمد لله عدد ما خلق، الحمد لله ملء ما خلق، الحمد لله عدد ما في السموات وما في الأرض، الحمد لله عدد ما أحصى كتابه، والحمد لله على ما أحصى كتابه، والحمد عدد كلّ شيء، والحمد ملء كلّ شيء وتسبّح الله مثلهن، تعلمهن وعلمهنّ عقبك من بعدك» [٧] . ٥- وأخرج الإمام النسائي من حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أن الرسول ﷺ قال: «خذوا جُنتكم من النار، قولوا: سبحان الله، والحمد لله ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإنهن يأتين يوم القيامة مقدمات، ومعقبات ومجنبات، وهن الباقيات الصالحات» [٨] . ٦- وأخرج الإمام أحمد من مسند سمرة بن جندب أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «خير الكلام أربع، لا يضرك بأيهن بدأت، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر» [٩] . ٧- وأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «لأن أقول سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس» [١٠] . ٨- وأخرج ابن ماجه والحاكم في المستدرك عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أدلك على غراس، هو خير من هذا؛ تقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، يغرس لك بكل كلمة منها شجرة في الجنة» [١١] . ٩- وروى الترمذي من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لقيت ليلة أسري بي إبراهيم الخليل ﵇، فقال: يا محمد أقرئ السلام أمتك، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر» . فانظر يا أخي الكريم إلى ما ورد في فضل هذه الكلمات الأربع، وإلى سهولة هذه العبادة، أفلا يكون من عرف هذا الخير ثم غفل عنه من أزهد الناس في العمل الصالح؟ ! بلى والله إنه لكذلك، فلا تكن منهم! . وقد ذكر الإمام ابن قيم الجوزية أنّ لذكر الله أكثر من مائة فائدة ذكر منها في الوابل الصيب ثمان وسبعون فائدة، نذكر منها اثنتين لأهميتهما، وهما اختصاراً: الأولى: أن دوام ذكر الرب ﵎ يوجب الأمان من نسيانه الذي هو سبب شقاء العبد في معاشه ومعاده، فإن نسيان الرب- يوجب نسيان نفسه ومصالحها، فمن نسى الله تعالى أنساه نفسه في الدنيا ونسيه في العذاب في الآخرة. وما يجازى به المسيء من ضيق الصدر، وقسوة القلب، وتشتته، وظلمته، وغمّه، وهمّه، وحزنه، ما هي إلا عقوبات عاجلة، ونار دنيوية، وجهنم حاضرة، والإقبال على الله تعالى، والإنابة إليه، وامتلاء القلب من محبته، واللهج بذكره، والفرح والسرور بمعرفته ثواب عاجل، وجنة وعيش لا نسبة لعيش الملوك إليه البتة. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل الجنة الآخرة. وقال لي مرة: المحبوس من حبس قلبه عن ربه، والمأسور من أسره هواه. وعلم الله ما رأيت أحداً أطيب عيشاً منه قط، مع ما كان فيه من الحبس ... من ضيق العيش، وخلاف الرفاهية والنعيم، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشاً وأشرحهم صدراً، وأقواهم قلباً، وأسرّهم نفساً تلوح نضرة النعيم على وجهه. وكنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الأرض أتيناه، فما هو إلا أن نراه، ونسمع كلامه، فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحاً ويقيناً وطمأنينة. [١٢] الثانية: أنّ الذكر يعطي الذاكر قوة، حتى إنه ليفعل مع الذكر ما لم يظن فعله بدونه، وقد شاهدت من قوة شيخ الإسلام ابن تيمية في سننه، وكلامه وإقدامه، وكتابه أمراً عجيباً فكان يكتب في اليوم من التصنيف ما يكتبه الناسخ في جمعة وأكثر، وقد شاهد العسكر من قوته في الحرب أمراً عظيماً. [١٣] والمسلم الذي عرف رسالته، يجد من التكاليف والمسئولية الملقاة على عاتقه ما يأخذ يومه وزيادة، بل إنه يحتاج أن يكون يومه أكثر من أربع وعشرين ساعة. وكنت كثيراً ما أتعجب من كثرة ما صنف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تعالى- مع سعة علمه، فقلما تمر مسألة إلا وله فيها تصنيف أو فتوى أو رسالة ... أو.. أو.. أضف إلى جهاده في سبيل الله، وسفره، وإلى تعليمه لطلبة العلم، وإلى مناقشته لأهل البدع، وإلى الحقوق التي لنفسه على نفسه، والتي للخلق عليه، والتي.. والتي..؟ ! سبحان الله متى تيسر له فعل كل هذا، ومتى تيسر له أن يتعلم كل هذا العلم؟ ! وإنني لأرى أن من أسباب ذلك بعد توفيق الله له وإعانته، أرى كثرة ذكره لله أكبر عامل ساعده على هذه الأمور. هذا.. وفي الختام أحب أن أذكر حديثاً ينبغي لكل مسلم حفظه وتطبيقه، وهو ما رواه ابن ماجه -رحمه الله تعالى- عن عبد الله بن بسر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لهم: «طوبى لمن وجد في صحيفته استغفاراً كثيراً» [١٤] . اللهم إنا نستغفرك ونتوب إليك، ونسألك اللهم الإخلاص والصدق في القول والعمل. والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 125

الغربة والغرباء مالك إبراهيم الأحمد روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ قال: «إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ ... فطوبى للغرباء» [١] . وعن سهل بن سعد الساعدي عن النبي ﷺ قال: «إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباَ كما بدأ، فطوبى للغرباء» قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: «الذين يَصلُحون إذا فسد الناس» [٢] وروي بزيادة بلفظ: «قيل ومن الغرباء؟ قال: النُّزاع من القبائل» [٣] . كما روى عبد الله بن المبارك في كتابه الزهد عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : «طوبى للغرباء، قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: ناس صالحون قليل في ناس سوء كثير، ومن يعصيهم أكثر ممن يطيعهم» [٤] . في الحديث الأول بيان مبدأ الإسلام، وأنه بدأ غريباً بين الأديان، وكان أهله غرباء بين الناس، وكان المستجيب له غريباً بين أهله وعشيرته، يؤذى بسبب ذلك ويفتن في دينه، ويعادى على ذلك، وكان المسلمون صابرين راضين بقضاء الله مطيعين لأوامر رسوله حتى قوي الإسلام واشتد عوده في المدينة فزالت غربته عندما انتشر في أرض العرب، وكان أهله هم الظاهرين على من ناوأهم. وسيعود الإسلام غريباً كما بدأ (كما هو حال زماننا هذا) لقلة المتمسكين به. وهذه الغربة تزداد شيئاً فشيئاً بسبب دخول فتنة الشبهات والشهوات على الناس. أما فتنة الشبهات فقد بين الرسول ﷺ أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة [٥] . وأما فتنة الشهوات فقد بين الرسول- ﷺ ذلك حيث ... قال: «والله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم» [٦] . أما فتنة الشبهات فينجى منها الطائفة المنصورة المذكورة في الحديث. «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك» [٧] وهم الغرباء في آخر الزمان. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «.. وقد تكون الغربة في بعض شرائعه، وقد يكون ذلك في بعض الأمكنة. ففي كثير من الأمكنة يخفى عليهم من شرائعه ما يصير به غريباً بينهم لا يعرفه منهم إلا الواحد بعد الواحد. ومع هذا فطوبى لمن تمسك بالشريعة كما أمر ... الله ورسوله» اهـ. قال ابن القيم: «.. فهؤلاء هم الغرباء الممدوحون المغبوطون ولقلتهم في الناس جداً سُمُّوا غرباء، فإن أكثر الناس على غير هذه الصفات. فأهل الإسلام في الناس غرباء. والمؤمنون في أهل الإسلام غرباء. وأهل العلم في المؤمنين غرباء، وأهل السنة - الذين يميزونها من الأهواء والبدع- منهم غرباء. والداعون إليها الصابرون على أذى المخالفين. هم أشد هؤلاء غربة. ولكن هؤلاء هم أهل الله حقاً، فلا غربة عليهم، وإنما غربتهم بين الأكثرين» . وقال أيضاً: «ومن صفات هؤلاء الغرباء -الذين غبطهم النبي ﷺ التمسك بالسنة إذا رغب عنها الناس وترك ما أحدثوه وإن كان هو المعروف عندهم، وتجريد التوحيد وإن أنكر ذلك أكثر الناس، وترك الانتساب إلى أحد غير الله ورسوله، لا شيخ، ولا طريقة، ولا مذهب، ولا طائفة. بل هؤلاء الغرباء منتسبون إلى الله بالعبودية له وحده، وإلى رسوله بالاتباع لما جاء به وحده. وهؤلاء هم القابضون على الجمر حقاً وأكثر الناس، بل كلهم لائم لهم. فلغربتهم بين هذا الخلق: يعدونهم أهل شذوذ وبدعة ومفارقة للسواد الأعظم» . وقال أيضاً: «فإذا أراد المؤمن الذي رزقه الله بصيرة في دينه، وفقهاً في سنة رسوله، وفهماً في كتابه وأراه ما الناس فيه: من الأهواء والبدع والضلالات، وتنكبهم عن الصراط المستقيم الذي كان عليه رسول الله وأصحابه. فإذا أراد أن يسلك هذا الصراط فليوطن نفسه على قدح الجهال وأهل البدع فيه وطعنهم عليه واذدرائهم به، وتنفير الناس عنه، وتحذيرهم منه كما كان سلفهم من الكفار يفعلونه مع متبوعه وإمامه ﷺ ، فأما إن دعاهم إلى ذلك، وقدح فيما هم عليه: فهناك تقوم قيامتهم ويبغون له الغوائل وينصبون له الحبائل. فهو غريب في دينه لفساد أديانهم، غريب في تمسكه بالسنة لتمسكهم بالبدع، غريب في اعتقاده لفساد عقائدهم، غريب في صلاته لسوء صلاتهم، غريب في طريقه لضلال وفساد طرقهم» [٨] . ونجد في كتب السلف مدح السنة وأهلها، ووصفهم بالغرباء. قال الأوزاعي: «أما إنه ما يذهب الإسلام ولكن يذهب أهل السنة، ... ترفقوا - يرحمكم الله- فإنكم من أقل الناس» . وقال أحمد بن عاصم الأنطاكي: «إني أدركت من الأزمنة زماناً عاد فيه الإسلام غريباً كما بدأ، وعاد وصف الحق فيه غريباً كما بدأ، إن ترغب إلى عالم وجدته مفتوناً بحب الدنيا، يحب التعظيم والرئاسة، وإن ترغب فيه إلى عابد وجدته جاهلاً في عبادته مخدوعاً صريعاً غرره إبليس قد صعد به إلى أعلى درجة العبادة، وهو جاهل بأدناها، فكيف له بأعلاها، وسائر ذلك من الرعاع، همج عوج، وذئاب مختلسة، وسباع ضارية، وثعالب ضوار» . وقال الآجري في وصفه الغريب: «فلو تشاهده في الخلوات يبكي بحرقة ويئن بزفرة، ودموعه تسيل بعبرة، فلو رأيته وأنت لا تعرفه لظننت أنه ثكلى قد أصيب بمحبوبه وليس كما ظننت، إنما هو خائف على دينه أن يصاب به، لا يبالي بذهاب دنياه إذا أسلم له دينه، قد جعل رأس ماله دينه يخاف عليه الخسران» اهـ. وكما بين الحديث أن الغرباء قلة في الأزمان، من يطيعهم قليل ومخالفوهم كثير، وهم صنفان: أحدهما: من يصلح نفسه عند فساد الناس. والثاني: من يصلح نفسه ويصلح ما أفسد الناس من السنة وهو أعلى الصنفين وأفضلهما. والغربة أنواع: أولها غربة أهل الحق، أهل الله وأهل الإسلام بين المسلمين وهي الغربة الممدوحة، وأصحابها هم الطائفة المنصورة. والغربة الثانية: هي غربة الباطل بين أهل الحق وهي غربة مذمومة. والثالثة مشتركة لا تحمد ولا تذم وهي الغربة عن الوطن. صفة الغريب الذي لو أقسم على الله لأبره: والغريب قد يكون غير مشتهر عند الناس، ولا يأبه به كما ورد في صفة الغريب بعض الأحاديث، منها: حديث أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «طوبى لعبد مغبرة قدماه في سبيل الله ، شاعث رأسه، إن كانت الساقة كان فيهم، وإن كان في الحرس كان منهم، وإن شفع لم يشفع، وإن استأذن لم يؤذن له، طوبى له، ثم طوبى له» [٩] . وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «رب أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره» [١٠] . ... وعن سعد بن أبي وقاص عن النبي ﷺ قال: «إن الله ... يحب العبد النقي الغني الخفي» رواه مسلم في صحيحه. وروى البيهقي في الأسماء والصفات أن عمر بن الخطاب دخل المسجد فوجد معاذ بن جبل جالساً إلى بيت النبي ﷺ وهو يبكي فقال له عمر: ما يبكيك يا أبا عبد الرحمن؟ هلك أخوك - لرجل من أصحابه -؟ قال: لا. ولكن حديثاً حدثنيه حبي ﷺ وأنا في هذا المسجد. فقال: ما هو يا أبا عبد الرحمن؟ قال: أخبرني أن الله يحب الأخفياء، الأتقياء الأبرياء، الذين إذا غابوا لم يفتقدوا، وإن حضروا لم يعرفوا قلوبهم مصابيح الهدى، يخرجون من كل فتنة عمياء مظلمة [١١] . ونختم حديثنا عن الغرباء بقول الآجري ﵀: «من أحب أن يبلغ مراتب الغرباء فليصبر على جفاء أبويه وزوجته وإخوانه وقرابته. فإن قال قائل: فلم يجفوني وأنا لهم حبيب وغمهم لفقدي إياهم إياي شديد؟ قيل: لأنك خالفتهم على ما هم عليه من حبهم الدنيا وشدة حرصهم عليها، ولتمكن الشهوات من قلوبهم ما يبالون ما نقص من دينك ودينهم إذا سلمت لهم بك دنياهم، فإن تابعتهم على ذلك كنت الحبيب القريب، وإن خالفتهم وسلكت طريق أهل الآخرة باستعمالك الحق جفا عليهم أمرك، فالأبوان متبرمان بفعالك، والزوجة بك متضجرة فهي تحب فراقك، والإخوان والقرابة قد زهدوا في لقائك. فأنت بينهم مكروب محزون، فحينئذ نظرت إلى نفسك بعين الغربة فأنست بمن شاكلك من الغرباء، واستوحشت من الإخوان والأقرباء، فسلكت الطريق إلى الله الكريم وحدك، فإن صبرت على خشونة الطريق أياماً يسيرة واحتملت الذل والمداراة مدة قصيرة، وزهدت في هذه الدار الحقيرة أعقبك الصبر أن ورد بك إلى دار العافية، أرضها طيبة ورياضها خضرة، وأشجارها مثمرة، وأنهارها عذبة..» .

стр. 126

من شذرات القلم اختيار: مازن محمد راغب بركة الطاعة عن أنس قال: اشتكى ابن لأبي طلحة، فمات، وأبو طلحة خارج ولم يعلم بموته، فلما رأت امرأته أنه قد مات، هيأت شيئاً ونحته في جانب البيت، فلما جاء أبو طلحة قال: كيف الغلام؟ قالت: قد هدأت نفسه، وأرجو أن يكون قد استراح، فظن أبو طلحة أنها صادقة، ثم قربت له العشاء ووطأت له الفراش، فلما أصبح اغتسل، فلما أراد أن يخرج أعلمته بموت الغلام، فصلى مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم أخبره بما كان منها، فقال النبي: لعله أن يبارك الله لكما في ليلتكما، فجاءهما تسعة أولاد، كلهم قرأوا القرآن. أخرجه البخاري كذبة كبيرة .. وما أتفه تلك الكذبة الكبيرة التي قالت إن الطائرة اليوم قد قربت أقطار العالم بعضها إلى بعض، ومن ثم أحس الناس بقرب المكان ووحدة الإنسان، ووجوب التعاون بين البشرية، أو كما قالوا: صار العالم أضيق من أن يتنازع فيه. ما أتفه هذه الكذبة الكبيرة، أفلا ينظر الناس حولهم وهم يتكلمون؟ السلام هو الذي يسود العالم اليوم بعد أن قربته إلى بعض الطائرة والصاروخ؟ أم هو ... النزاع البشع الذي لم يحدث له مثيل في التاريخ؛ إنها المشاعر من الداخل، وليست الطائرة وليس الصاروخ، ومن ثم كانت العقائد هي أضخم شيء في ... حياة البشرية، فهي المحرك الذي يحرك النفس من الداخل. هي الموجه إلى شتى صفوف العمل وصفوف السلوك وصفوف الوجدان. معركة التقاليد / محمد قطب العلم أكرم نسب قال عمرو بن سليمان العطار: كنت بالكوفة أجالس أبا حنيفة، فتزوج زفر بن الهذيل، فحضره أبو حنيفة فقال له: تكلم. فخطب فقال في خطبته: «هذا زفر بن الهذيل، وهو إمام من أئمة المسلمين، وعلم من أعلامهم في حسبه وشرفه وعلمه» . فقال بعض قومه: ما يسرنا أن غير أبي حنيفة خطب، حين ذكر خصاله، وكره ذلك بعض قومه، وقالوا له: حضر بنو عمك وأشراف قومك وتسأل أبا حنيفة يخطب؟ ! فقال: لو حضر أبي قدمت أبا حنيفة عليه. الانتقاء - لابن عبد البر من أمثال العرب (أساء سمعاً فأساء إجابةً) وقصته أن سهيل بن عمرو أخا بني عامر بن لؤي كان تزوج صفية بنت أبي جهل فولدت أنس بن سهيل فخرج معه ذات يوم وقد خرج وجهة فوقفا بحزورة مكة، وأقبل الأخنس بن شريق الثقفي فقال: من هذا؟ قال سهيل: ابني، قال: حياك الله يا فتى، أين أَمُّك؟ (أي: أين قصدك) فظن أنه يقول له: أين أُمُّك؟ قال: أمي في بيت أم حنظلة تطحن دقيقاً، قال أبوه: أساء سمعاً فأساء جابةً (بمعنى إجابة) فلما رجعا قال أبوه: فضحني اليوم ابنك عند الأخنس، قال كذا وكذا، قالت: إنما ابني صبي، قال: أشبه امرؤ بعض بزّه، فأرسلها مثلاً.

стр. 127

أدب وتاريخ موقف الإسلام من العصبية القبلية محمد الناصر كيف عالج الإسلام العصبية القبلية؛ كيف عمل على تذويبها؟ سؤال مهم يطرح نفسه، إذ كيف كان الفرد مشلول الإرادة، مسلوب القوة أمام عبوديته لطغيان القبيلة؟ صحيح أن المرء ما كان يجد الأمن والاستقرار إلا في رحاب القبيلة، فهي البنية الاجتماعية المعتبرة، في صحراء ينعدم فيها النظام والعدل، والسلطة التي تحفظ الأمن. إلا أن هذا لا يعتبر مبرراً كافياً، ليلغي الفرد عقله ويسير حسب هوى القبيلة، وجبروتها.. وقد مر معنا سابقاً قول دريد بن الصمة: وما أنا إلا من غزية إن غوت ... غويت وإن ترشد غزية أرشد وعندما تحدثنا عن الشعر الجاهلي، تبين لنا مدى قوة سيطرة روح القبيلة، فهي المعبود المطاع.. وفي صدر الإسلام كان لروح القبيلة، ومجد الآباء والأجداد تأثير عجيب مما جعل قبيلة قريش وقبائل العرب تقف متجبرة متغطرسة أمام الحق الأبلج. أ- قوة العصبية وسيطرتها على مجتمع الجاهلية: «ذكر الزهري: أن أبا جهل وجماعة معه وفيهم الأخنس بن شريق، وأبو سفيان، استمعوا قراءة الرسول ﷺ في الليل، فقال الأخنس لأبي جهل: يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال: تنتازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا (أو تحاذينا) على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء فمتى ندرك هذا؟ والله لا نؤمن به أبداً ولا نصدقه [١] . يستمع هؤلاء النفر إلى رسول الله ﷺ خلال ثلاث ليال - والرسول لا يعلم بهم- ثم يلتقون ويتعاهدون على عدم العودة والاستماع، فالقرآن يستهوي نفوسهم لكن العصبية حملت هؤلاء وأبا جهل خاصة على هذا الموقف المعاند الظالم. أبو جهل هذا يقتل في بدر، ويصعد فوقه عبد الله بن مسعود -رضى الله عنه-، ويسأله: هل أخزاك الله يا عدو الله؟ قال: وهل فوق رجل قتله قومه؟ (أي ليس عليه عار) . لأن قومه قتلوه! [٢] عصبية حتى عند الموت! . وإسلام حمزة بن عبد المطلب ﵁ في السنة السادسة للبعثة كان بسبب نصرة ابن الأخ أولاً، لأن أبا جهل اعتدى عليه. قال ابن إسحاق [٣] :» مر أبو جهل برسول الله ﷺ عند الصفا، فآذاه ونال منه (ورسول الله ساكت) فقام رسول الله ودخل المسجد وكانت مولاة لعبد الله بن جدعان في مسكن لها على الصفا تسمع ما يقول أبو جهل.. فأخبرت حمزة ما سمعت من أبي جهل، فغضب ودخل المسجد، وأبو جهل جالس في نادي قومه فقال لهم (الحمزة) : أتشتم ابن أخي وأنا على دينه؛ ثم ضربه بالقوس فشجه شجة منكرة، فثار رجال من بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل فقال أبو جهل: دعوا أبا عُمارة، فإني والله قد سببت ابن أخيه سباً قبيحاً، فعلمت قريش أن رسول الله قد عز وامتنع.. فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه «. إن قوة تأثير القرابة، وعصبية الدم كانت سبباً في إسلام حمزة -رضي الله عنه-.. وإن حماية أبي طالب لرسول الله، ودعوته بني هاشم وبني المطلب لنصرته ﵊ كانت من هذا القبيل وحصار بني هاشم مؤمنهم وكافرهم في الشعب» وأن لا يقبلوا من بني هاشم صلحاً أبداً ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموهم للقتل «. وقد لبثوا في شعب أبي طالب ثلاث سنين [٤] كان مقاطعة، لأعراف القبائل فيها تأثير كبير. إن الإسلام استفاد من رابطة القبيلة في نشر الدعوة، ولا مانع من استخدامها مظلة واقية ضد نيران مجتمع متعصب له تقاليده. وشعر أبي طالب في قصيدته اللامية [٥] يبين مدى حمايته لرسول الله، ومدى قوة رابطة العصبية رغم الخلاف في المعتقد: ونُسلمه حتى نصرع حوله ... نُذهل عن أبنائنا والحلائل وأبيضَ يُستسقى الغمامُ بوجهه ... ربيعُ اليتامى عصمةٌ للأرامل فوالله لولا أن أجيء بسبة [٦] ... تُجرُّ على أشياخنا في المحافل لكنا اتبعناه على كل حالة ... من الدهر جداً غير قول التهازل كان من العار عندهم ألا ينصر القريب قريبه، ولو خالفه في المعتقد، ومن هنا وقف أبو طالب من ابن أخيه -عليه أفضل الصلاة والسلام- هذا الموقف المشرف، فقد كان» لزاماً على العربي أن يقوم بنصرة الأخ وابن العم أخطأوا أم أصابوا، عدلوا أم ظلموا، بمعنى أن الرجل كان يلحقه العار، إذا قعد عن نصرة أخيه أو ابن عمه ... ولذلك قالوا (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً) . وهذا من حكمة الجاهلية.. فالنصرة عندهم هي الإعانة على الغير أما في الإسلام فقد اعتبر من ضمن النصرة نصيحة الظالم لرده عن ظلمه ... [] ٧ [. إن الإسلام حرم نصرة الظالم ففي الحديث الشريف: «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً. قيل: يا رسول الله.. فكيف أنصره ظالماً؟ قال ﵊: تمنعه من الظلم فذاك نصرك إياه» ] ٨ [. لقد نفّر الدين الحنيف من إعانة العشيرة على الباطل، وصور ذلك الفعل القبيح تصويراً مؤثراً، يقول الرسول ﷺ : «مثل الذي يعين عشيرته على غير الحق مثل البعير ردي في بئر فهو يُنْزع بذنبه» ] ٩ [. ب- كيف عمل الإسلام على تذويب العصبية: عرفنا في الفقرة السابقة قوة العصبية في المجتمع الجاهلي وسنرى الآن كيف غير الإسلام هذه الروح، إذ بدأ بغرس ربطة الدين، ووشيجة العقيدة، وهى أساس كل تغيير. «إن الوشيجة التي يتجمع عليها الناس في هذا الدين، ليست وشيجة الدم والنسب، وليست وشيجة الأرض والوطن، وليست وشيجة القوم والعشيرة، وليست وشيجة اللون واللغة ولا الجنس والعنصر، ولا الحرفة والطبقة إنها وشيجة العقيدة» . «أما الوشائج الأخرى» فقد توجد ثم تنقطع العلاقة (بين الفرد والفرد ... ) . يبين الله لنوح ﵇ لماذا لا يكون ابنه من أهله] إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ [فوشيجة الإيمان قد انقطعت بينكما] فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [إنه ليس من أهلك ولو كان هو ابنك من صلبك «] ١٠ [. » وامرأة فرعون التي طلبت من ربها أن ينجيها من فرعون وعمله وأن ينجيها من القوم الظالمين إنها امرأة واحدة في مملكة عريضة قوية وقفت وحدها في وسط ضغط المجتمع وضغط القصر وضغط الملك وضغط الحاشية ورفعت رأسها للسماء! إنه التجرد الكامل من كل هذه المؤثرات والأواصر «] ١١ [. وفي الحديث الشريف:» من قاتل تحت راية عُمِّيَّة يغضب لعصَبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة فقُتل فقِتْلةٌ جاهليةٌ «] ١٢ [، والعمية هي الأمر الأعمى لا يستبين وجهه. وقال تعالى:] لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ولَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ [] المجادلة: ٢٢ [. قال أهل العلم في سبب نزول هذه الآية: إنها نزلت في أبي عبيدة حين قتل أباه يوم أحد، وفي أبي بكر حين دعا ابنه للمبارزة يوم بدر، وفي عمر حيث قتل خاله العاص بن هشام يوم بدر، وفي علي وحمزة حين قتلوا عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة يوم بدر» ] ١٣ [. لقد جمعت هذه العقيدة صهيباً الرومي وبلالاً الحبشي وسلمان الفارسي وأبا بكر العربي القرشي تحت راية واحدة، راية الإسلام، وتوارت العصبية، عصبية القبيلة والجنس والقوم والأرض وهاهو مربي هذه الأمة وقائدها -عليه الصلاة والسلام- يعلم ويربى إذ يقول لخير القرون كلها مهاجرين وأنصار: «دعوها فإنها منتنة» .. وما هي؟ صيحة نادى بها أنصاري: ياللأنصار، وردَّ مهاجري: ياللمهاجرين فسمع ذلك رسول الله وقال: «ما بالُ دعوى جاهلية؟» قالوا: يا رسول الله كسَعَ رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال: «دعوها فإنها منتنة» ] ١٤ [. حقاً إنها منتنة ... وقال ﷺ : «ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية» ] ١٥ [. فانتهى أمر هذا النتن، وماتت نعرة الجنس واختفت لوثة القوم.. ومنذ ذلك اليوم لم يعد وطن المسلم هو الأرض، وإنما وطنه هو دار الإسلام تلك الدار ... التي تسيطر عليها عقيدته وتحكم فيها شريعة الله وحدها] ١٦ [. روى ابن هشام] ١٧ [: «أن عمر ابن الخطاب ﵁ قال لسعيد ابن العاص (ومر به) : إني أراك كأن في نفسك شيئاً أراك تظن أني قتلت أباك! إني لو قتلته لم أعتذر إليك من قتله،.. ولكنى قتلت خالي العاص بن هشام بن المغيرة: فأما أبوك فإني مررت به، وهو يبحث بحث الثور بروقه (أي بقرنه) فَحِدْتُ عنه.. وقصد له ابن عمه عليُّ فقتله» . قتل عمر خاله، وقتل على ابن عمه.. في سبيل الله، إنه الانتماء إلى مجتمع العقيدة الذي ذابت فيه العصبيات كلها، وانتهت رواسبها في مجتمع الطهر والتجرد.. إذ غزوة بدر قاتل فيها القريب قريبه، ولما خرج للمبارزة في هذه الغزوة بعض الأنصار.. نادى منادي قريش: يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا.. ولما خرج حمزة وعلي وعبيدة ﵃. قالوا: (أي قريش) نعم أكفاء كرام.. وقُتل عندها عتبة وشيبة والوليد من سادة قريش] ١٨ [. إن هذه الروح الإيمانية، وهذا الانضواء تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، خلَّص المجتمع الجديد من عصبيات قاتلة، بمجرد أن عاشوا حقيقة هذه الشهادة. وإن الأخوة التي قامت بين المهاجرين والأنصار كانت دليلاً حاسماً على قيام دولة العقيدة ونشوء مجتمع قضى على رواسب العصبية الجاهلية. وفي خطبة الوداع وضع المصطفى ﷺ أسس التجمع العقيدي الصحيح إذ قال: «وكل دم في الجاهلية موضوع، وأول دم أضعه: دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وإني تركت فيكم ما إن اعتصمتم به لم تضلوا كتاب الله.. وأنتم مسؤولون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت..» ] ١٩ [. والشعر الإسلامي: ساهم أيضاً في ترسيخ هذا البنيان الضخم، حيث ألغى الإسلام العصبية ورابطة الجنس، وصار الشعر يتمثل هذه القيم الجديدة الكريمة.. بعد أن كان سلاحاً يثير أحقاد القبائل. فالعباس بن مرداس يقاتل بني عمه مخالفاً هواه مطيعاً ربه ودينه حيث يقول] ٢٠ [: ويوم حنين حين سارت هوازنٌ ... إلينا وضاقت بالنفوس الأضالع أمام رسول الله يخفق فوقنا ... لواءٌ كخذروف السحابة لامع ويقول: نذود أخانا عن أخينا ولو نرى ... مطالاً لكنا الأقربين نُتابع ولكن دين الله دينَ محمد ... رضينا به فيه الهدى والشرائع القبيلة وحدة اجتماعية يستفاد منها: كنا قد ذكرنا أن الإسلام استفاد من رابطة القبيلة في نشر الدعوة، واستخدمها مظلة واقية ضد ميزان المجتمع المتعصب.. إن الإفادة من الرابطة القبلية وصلة القربى لمصلحة الإسلام شئ، والخضوع لهذه الرابطة المنحرفة الظالمة شئ آخر. لقد استفاد الإسلام من الطاقات الطيبة كلها بما ينسجم مع تعاليمه، إذ كانت كتائب الجهاد في الفتوحات الإسلامية تضم تكتلات قبلية تثار فيها الحماسة الصادقة، والنخوة العربية خوفاً من العار، إضافة لما جدَّ من استعلاء الإيمان، وعقيدة الجهاد. «إن قبائل المسلمين كانت تتحرك كوحدات حربية في الميدان.. إن ما أذابه الإسلام وقاومه هو العصبية القبلية والتفاخر بالأنساب، ولكنه لم يحارب القبيلة في حد ذاتها، كوحدة لها وجود عميق في البيئة العربية، لقد ظلت القبيلة هي الوحدة الاجتماعية، والوحدة الحربية المعترف بها في الفتوح الأولى، واستفاد الكيان الإسلامي من هذا الوجود إلى أقصى حد...» (وفي معركة اليمامة ضد مسيلمة الكذاب اختلطت صفوف المسلمين، فصاح بهم خالد بن الوليد (أيها الناس تمايزوا حتى نعرف من أين نؤتى) فتميزت كل قبيلة في صفوفها وكانت راية المهاجرين مع سالم مولى أبي حذيفة، وراية الأنصار مع ثابت بن شماس) ] ٢١ [. قال تعالى:] وجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا [] الحجرات ١٣ [. ولو نظرنا إلى منازل القبائل العربية، لوجدناها مطابقة لتعبئة خالد بن الوليد ﵁ عند زحفه من البناج إلى الحيرة.. وفي كتب السيرة والفتوحات نلاحظ أن الخليفتين الراشدين الصديق والفاروق كانا يبعثان القبائل ويستعملان على كل قبيلة قائداً منها.. والجدير بالذكر أن المهاجرين والأنصار من أصحاب رسول الله كان لهم وضع خاص فلم تكن لهم دائماً في الفتوح وحدات خاصة بهم من قبائلهم، إنما كنا نجدهم في القيادات غالباً كخالد بن الوليد والنعمان بن مقرن وإخوانه] ٢٢ [. فالعقيدة تذيب العصبية، وتستفيد من رابطة القرابة وتستعلي على المصلحة الشخصية والقبلية، ويكون المسلم ضد هواه، صلته بربه قوية، علاقته مع إخوانه المؤمنين وطيدة.. وكلما ضعف رابط العقيدة، وتخلخل صفاء التوحيد، برزت العصبية من جديد، والهوى والنزوات.. وسنرى في الصفحات القادمة كيف عادت العصبيات إلى المجتمع الإسلامى بنسب متفاوتة، وخلال القرون المتوالية. (نعرضها بإيجاز بإذنه تعالى)

стр. 128

قراءات تاريخية اختيار: محمد العبدة جاء في (الكامل) لابن الأثير في حوادث سنة ٥٠٠هـ عن الصراع بين السلاجقة في عهد محمد بن ملكشاه بن ألب أرسلان وبين الباطنية: (فلما صفت السلطنة لمحمد، ولم يبق له منازع لم يكن عنده أمر أهم من قصد الباطنية وحربهم والانتصاف للمسلمين من جورهم وعسفهم، فرأى البداية بقلعة أصبهان التي بأيديهم، فخرج بنفسه فحاصرهم في سادس شعبان واجتمع له من أصبهان وسوادها لحربهم الأمم العظيمة وأحاطوا بجبل القلعة. فلما اشتد الأمر عليهم (على الباطنية) كتبوا فتوى فيها: (ما يقول السادة الفقهاء أئمة الدين في قوم يؤمنون بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأن ما جاء به محمد ﷺ حق وصدق، وإنما يخالفون في الإمام. هل يجوز للسلطان مهادنتهم وموادعتهم.، وأن يقبل طاعتهم ويحرسهم من كل أذى) [١] . فأجاب الفقهاء بجواز ذلك [٢] وتوقف بعضهم. فجُمعوا للمناظرة (الفقهاء فيما بينهم) ومعهم أبو الحسن علي بن عبد الرحمن السمنجاني، وهو من شيوخ الشافعية، فقال بمحضر من الناس: يجب قتالهم ولا يجوز إقرارهم بمكانهم ولا ينفعهم التلفظ بالشهادتين، فإنهم يقال لهم: أخبرونا عن إمامكم، إذا أباح ما حظره الشرع أو حظر عليكم ما أباحه الشرع، أتقبلون أمره؟ فإنهم يقولون: نعم، وحينئذ تباح دماؤهم بالإجماع [٣] . ثم إن الباطنية سألوا السلطان أن يرسل لهم من يناظرهم فصعدوا إليهم وناظروهم، وعادوا كما صعدوا وإنما كان قصدهم (الباطنية) التعلل والمطاولة [٤] ، فلجّ حينئذ السلطان في حصرهم، ثم أذعنوا إلى تسليم القلعة على أن يعطوا عوضاً عنها قلعة (خالنجان) وطلبوا من الإقامة ما يكفيهم، وقصدهم المطاولة [٥] ، وحاولوا قتل أحد الأمراء فعندئذ جدد الحصار عليهم، وأمر بإخراب قلعة (خالنجان) . ثم طلبوا أن ينزل بعضهم ويرسل السلطان معهم من يحميهم إلى قلعة الناظر (بأرجان) فأجيبوا إلى ذلك، ثم ظهر الغدر من ابن عطاش فزحف الناس ... مع السلطان وملكوا الموضع، وقتل أكثر الباطنية، وكانت مدة البلوى بابن عطاش اثنتي عشرة سنة [٦] .

стр. 129

مشاهداتي في بريطانيا عندما تصطدم المرأة مع فطرتها! ! د. عبد الله مبارك الخاطر إن نسيت فلن أنسى خلال إقامتي؛ في ديار الغرب صورتين متناقضتين غاية التناقض لامرأة مشهورة تعمل في المحاماة. الصورة الأولى: توفرت في هذه المرأة الصفات التالية: قوة البنية، ذرابة اللسان، الحماسة لما تؤمن به وتعتقده، النشاط الدائب: فمرة تقرأ مقالاتها في الصحف، ومرة أخرى تسمعها تتحدث في التلفاز وتقارع فحول الرجال الحجة بالحجة.. ومرة ثالثة تستمع إليها في المحاكم تدافع عن القضية التي نذرت نفسها من أجلها. قد يظن القارئ الكريم أنها محامية لشركة من الشركات أو لمؤسسة من المؤسسات. لا يا أخي. إن عملها الوحيد الدفاع عن حقوق المرأة ومساواتها بالرجل، ولهذا تجد عندها إحصائيات عجيبة عن الوزارات والمؤسسات والشركات وعن نسبة الرجال والنساء في كل منها.. وكم أرغمت هذه الجهة أو تلك على قبول عدد من النساء وفصل الزيادة من الرجال.. وكم ربحت الحكم ضد شركات أقدمت على تسريح مجموعة من النساء بسبب عدم الحاجة إليهن.. كانت هذه المرأة ذائعة الصيت، ولها مكانة كبيرة في المجتمع الغربي، كما كانت مثالاً يحتذى به للنساء بل وللرجال الذين ينادون بالمساواة المطلقة بين الجنسين. الصورة الثانية: صورة هذه المرأة وهى مريضة، وقد حولها طبيبها الخاص إلى قسم الطوارئ في مستشفى الأمراض النفسية الذي كنت أعمل به.. وقد شاهدت بعيني مشهداً يختلف تماماً عن المشهد الذي يراه الناس على شاشة التلفاز أو في قاعة المحكمة: شاهدت امرأة ضعيفة منهارة محطمة تشعر أنها تعيش وحدها في هذه الدنيا، ليس لها ابن ولا زوج ولا أخ ولا والد.. أما النساء فيعرفنها محامية قوية تدافع عن حقوقهن، ولا حاجة لهن بها إذا كانت مريضة في المستشفى، أو مقعدة في بيتها، أو في مأوى العجزة.. كنت أعرف مشكلتها قبل أن أسألها ومع ذلك سألتها حيث لابد من سؤال المريض والاهتمام بكل ما يقوله.. قلت لها: ما مرضك وبماذا تشعرين؟ فأجابت: «أريد رجلاً يشاركني الحياة ويقول لي: لا! ! .. لقد مللت الحياة التي عشتها، والعمل الذي اخترته» . هذا مرضها أنقله بأمانة ودقة.. وقد قمت بواجبي وأعطيتها العلاج اللازم للمصاب بحالة (اكتئاب) ولكنني أشعر بأنها لن تشفى من هذا المرض لأنها لن تجد رجلاً عاقلاً يغامر بحياته وعقله ويتزوجها، وإذا وجدت فسوف يكون من أشباه الرجال ولن يقول لها. (لا! !) ومثل هذا الرجل لا يحل مشكلتها.. ومن جهة ثانية، فلو شفيت من مرضها وعادت إلى عملها السابق، فسوف تعيد سيرتها الأولى لأن أمثالها يبحثن عن الشهرة والطبع عندهن يغلب التطبع.. فهي تريد أن يتحدث الناس عنها مهما كانت النتائج. أرأيتم المرأة عندما تصطدم مع الفطرة التي فطر الله الناس عليها؟ ! . قال تعالى: [فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ] [الروم: ٣٠] . والمشكلة أن الناس شاهدوا هذه المرأة بكامل قوتها وذرابة لسانها ولم يروها وهي على فراش المرض تشكو من المرض النفسي: [الاكتئاب] ، وكان إعجاب الخادعين والمخدوعين بها هو سبب مرضها، ومصدر شقائها وبؤسها وقهرها، وهذا الذي شاهدته بنفسي، والأمثلة على ذلك كثيرة، ومن أراد مزيداً من الأدلة فليبحث عن نسبة الذين يعانون من أمراض نفسية من النساء الشهيرات في ديار الغرب، بل وفي ديارنا. إن قوامة الرجل في بيته خير له ولزوجه وأولاده، والتنازل عن هذه القوامة للمرأة جحيم لها لا يطاق، ومساواة المرأة مع الرجل أكذوبة ابتدعها أعداء المرأة من اليهود والصليبيين والشيوعيين وسائر العلمانيين الملاحدة، وجميع الإحصائيات الحديثة تؤكد فشل هذه الأسطورة. [فَلْيَحْذَرِ الَذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] [النور: ٦٣] .

стр. 130

شؤون العالم الإسلامي ومشكلاته مصر إلى أين؟ ! أهي هي ديمقراطية السادات ؟ ! إشراف: محمد عبد الله لمصر مكانة متميزة في قلوب المسلمين، في مختلف بلدان العالم الإسلامي، فتراهم يهتمون بأخبارها أشد الاهتمام، ويفرحون لفرحها ويحزنون لحزنها.. وكيف لا يكون الأمر كذلك، وما من بلد في العالم الإسلامي إلا ونجد نفراً عن ... كبار المثقفين فيه قد درسوا في معاهد مصر وجامعاتها، وبشكل أخص (الأزهر) ... وتتلمذوا على فحول علمائه الذين قاوموا الاستعمار الفرنسي كما قاوموا الاستعمار الإنكليزي، وقاوموا -بالأدلة والبراهين- سموم وأباطيل دعاة التغريب من ... الملاحدة الذين كانوا يدعون إلى الزندقة والفجور، وينادون بتقليد أوربا والسير ورائها حذو القذة بالقذة. ونحن في (البيان) نشعر بأن هناك مؤامرة رهيبة تستهدف وحدة مصر وأمنها وعقيدة شعبها، وأول طرف في هذه المؤامرة الولايات المتحدة الأمريكية وسيدتها إسرائيل، ومن شاء الاطلاع على ما تدبره إسرائيل ونصيرتها أمريكا فليقراً كتاب (خنجر إسرائيل) الذي نشره الكاتب الهندي (ر. ك. كارانجيا) صاحب مجلة (بليتز) الهندية.. وجاء نشر الكتاب عام ١٩٥٧، وفيه وثيقة سرية أعدتها الأركان الإسرائيلية، وقد جاء فيها: «.. دولة أو منطقة ذات استقلال ذاتي قبطي» .. أي سوف يقيمون في مصر دولة قبطية، وكان كارانجيا صديقاً لفرعون الخمسينيات والستينيات، وقد أطلعه على الوثيقة، ورغم ذلك نفذت إسرائيل جزءاً من المؤامرة التي وردت في الوثيقة في مسرحية ما يسمى بحرب حزيران وثبت بما لا يدع مجالاً للشك تواطؤ السوفييت والأمريكان مع إسرائيل. والوثائق تشهد على ذلك. ومن شاء مزيداً من المعلومات على ما تدبره إسرائيل كذلك فليعد إلى (استراتيجية إسرائيل في الثمانينات) وهو المقال الذي كتبه الموظف السابق ... في السلك الدبلوماسي الصهيوني في مجلة (كيفونيم - شباط ١٩٨٢ -. وقد جاء ... ... فيه: «إن مصر بسبب أزماتها الداخلية لا يجب أن تشكل خطراً استراتيجياً ... علينا، فإذا أخذنا بعين الاعتبار القطيعة المتزايدة بين المسلمين والمسيحيين فيها.. فإن تفكك مصر والعمل على تفتيتها إلى دويلات منفصلة عن بعضها يجب أن يكون الهدف الأساسي لإسرائيل على جبهتها الغربية» . وجاءت تحركات قيادة الأقباط منذ أكثر من عقد ونصف لتؤكد لنا حقيقة الخطر الذي يهدد مصر.. لقد زار بعضهم الولايات المتحدة الأمريكية، واجتمعوا بكبار المسؤولين في البيت الأبيض.. وقبل ذلك فقد تم اكتشاف وثيقة خطيرة وفيها محضر اجتماع تزعمه البابا شنودة، وكانت أجهزة الأمن المصرية على علم بمعظم ما يدبره الأقباط، ومع ذلك فما استطاعت أن تفعل شيئاً يستحق الذكر، لأنها تخشى من اعتراض الذين يحركون الأقباط من الخارج، وفضلاً عن ذلك فليست متخصصة بمتابعتهم وإنما هي متخصصة بمتابعة الدعاة إلى الله -جل وعلا- من أعضاء وقيادات الجماعات الإسلامية. والطرف الثاني في المؤامرة التي تهدد مصر: العبيديون الجدد الذين يتطلعون إلى احتلال مصر مرة أخرى، ومنها يحاولون التسلل إلى دول شمال أفريقيا، وللعبيديين وسائل لا تقل خبثاً ودهاء ولؤماً عن وسائل اليهود، وهم الذين يصافحون اليهود في الخفاء وينسقون معهم، أما في العلن فيعلنون أنهم ضد اليهود، وهم الذين سيحررون القدس وما حولها من الأراضي المباركة التي احتلها اليهود.. وللعبيديين نفوذ في البلدان العربية لا يستهان به، ويشن العبيديون وأعوانهم حملة شعواء ضد مصر وشعب مصر، ويستغلون (كامب ديفيد) ونحن لا نقلل من خطورة اتفاقية كامب ديفيد، والذين وقعوا على بنودها طعنوا أمتهم طعنة موجعة، ولكن ليس العبيديون أحسن حالاً منهم، فتعاونهم مع اليهود أقدم وأمتن، وعلى أحسن الاحتمالات فكلهم سواء.. فكيف ينجح العبيديون في عزل شعب مصر المسلم الأبي عن قضاياه المصيرية في العالمين: العربي والإسلامي؟ ! . وشعب مصر بريء من كامب ديفيد وأطرافها براءة الذئب من دم يوسف ﵇ كما يقولون-. ومن الآثار المدمرة التي فرضها اليهود والأمريكان والسوفييت والعبيديون نتيجة مؤامراتهم على مصر: عزلتها وسوء أوضاعها الاقتصادية.. لقد زعم فرعون الهالك أن مصر ستكون -بعد كامب ديفيد- جنات تجري من تحتها الأنهار، وأن المال الأمريكي والخبرة اليهودية سيجعلان من سيناء وغيرها من الأراضي المصرية مصدراً أساسياً من مصادر التغذية والتصدير في الشرق الأوسط، وفي عام ١٩٨٦ م وجدت مصر نفسها عاجزة عن سداد ديونها البالغة [٣٥ مليار دولار] ، وبلغ سعر الدولار في السوق الحرة [٢. ٢٥ جنيه مصري] ، ووقفت البنوك والشركات الدولية من هذه الأزمة موقفاً مؤسفاً، وتخلت الولايات المتحدة كعادتها عن مصر وشعب مصر، وقال خبراء البنوك والاقتصاد في العالم رأيهم بكل صراحة: لا ثقة لنا بالذين يشرفون على دفة الاقتصاد في مصر، وبدأوا يلوحون بأنهم يريدون إشرافاً مباشراً على المشاريع الاقتصادية فيها، وبشكل آخر يريدون تكرار المأساة التي فعلها الخديوي إسماعيل. وقد يقول الشيوعيون المصريون: هذا هو جزاء الذين ابتعدوا عن السوفييت وساروا في فلك الأمريكان! ! فنقول: لقد استغل السوفييت اقتصاد مصر أبشع استغلال فربع مبيعات السوفييت الخارجية من الأسلحة في العالم كله كانت تشتريها مصر بالعملة الصعبة، وكان الخبراء السوفييت يُسّيرون سياسة الجيش المصري، وأخيراً قضي على هذه الأسلحة خلال ساعات فقط في ٦ حزيران ١٩٦٧م، وليعد من شاء إلى ما قاله عبد الناصر تلميحاً، وكبار العسكريين تصريحاً عن تورط السوفييت في هذه ... المؤامرة.. وورثت مصر في عام ١٩٨٧ ديوناً عسكرية وعسكرية فقط للسوفييت مقدارها [ثلاثة مليارات دولار] ، وقبل بضعة أشهر تم الاتفاق على سداد هذه الديون خلال ٢٥ عاماً مع فترة سماح ست سنوات، وأن يكون سدادها عن طريق سلع مصرية، ولكن السوفييت طالبوا بسعر جديد للدولار وأذعنت مصر لطلبها، فلقد كان سعر الدولار سابقاً ٧٠ قرشاً مصرياً وأصبح الدولار - بموجب الاتفاق ... الجديد- يعادل أكثر من جنيه تقريباً.. وطبعاً كانت هذه مكرمة سوفييتية، وإيذاناً بتعاون اقتصادي جديد بين البلدين، ومما يجدر ذكره أن هذه الديون كلها ورثتها مصر من أيام عبد الناصر. وقصارى القول: فإننا ننظر بعين القلق إلى واقع مصر ومستقبلها.. ونحذر من مؤامرات أعداء الإسلام داخلها وخارجها، ونتساءل بكل محبة وشفقة: هل مشكلة مصر مع دعاة الإسلام وحملته؟ ! : شهدت مصر أحداثاً متلاحقة خلال الأشهر الماضية من أشهرها: - اعتداء الأقباط على مسجد من مساجد المسلمين. - محاولة اغتيال وزير الداخلية السابق حسن أبو باشا. - الاعتداء على سيارة مسؤول الأمن الإقليمي بالسفارة الأمريكية، والمشرف على أمن السفارات الأمريكية في مصر والأردن والسودان [دانيس وليامز] . - محاولة اغتيال مكرم محمد أحمد، رئيس تحرير المصور. - انتخابات عامة فاز فيها عدد غير قليل من الإسلاميين. وبعد كل حدث تتجه أصابع الاتهام إلى الجماعات الإسلامية [على الإطلاق!] يعني يستطيع موسى صبري القبطي أو من أراد من الحاقدين على الإسلام فور سماعه الخبر أن يكتب تعليقاً يتهم فيه الجماعات الإسلامية، ويتحدث عن ماضيها الأسود [على حد زعمه] في الإرهاب والاغتيالات ... ويتباكى على مستقبل مصر، وينادي الدولة طالباً منها الضرب بيد من حديد. وفي الصباح نقرأ العجب العجاب في الصحف المصرية، فهذا يتحدث عن (لحية) المجرم الذي أطلق النار، وذاك يكتب عن (جلبابه) الطويل الأبيض، والثالث يجري استطلاعاً عن الجماعات الإسلامية وأسمائها ومبادئها وخلافاتها، والرابع يتحدث عن الإرهاب، والخامس يتخيل طريقة إلقاء القبض على المجرم الملتحي نقول يتخيل مجرد تخيل! ! . ويتحرك اليساريون، والأقباط، والقوميون العلمانيون وغيرهم من الملاحدة يتحركون وينظمون هجمة شرسة ضد الإسلام والمسلمين، ومن مزاعمهم التي يكثرون من ترديدها قولهم: إن السادات أفرج عن الجماعات الإسلامية، وأطلق الحبل لهم على غاربيه في الجامعات والمعاهد وعقد حلفاً معهم ضد اليساريين والناصريين! ! . ما أكذبهم وأقل حياءهم! ! إن سجون مصر كانت مزدحمة بالدعاة إلى الله في عهد السادات وفي العهود التي سبقته سواء كان العهد ثورياً أو ملكياً، والعهد الذي جاء بعده.. وأعدم السادات مجموعتين من الدعاة وأهلكه الله في وقت كانت سجونه ومعتقلاته غاصة بقادة وأعضاء الجماعات الإسلامية على مختلف اتجاهاتهم وانتماءاتهم.. واستشهد نفر منهم تحت التعذيب الساداتي. وهؤلاء الذين ينتقدون السادات لأنه أفرج عن المعتقلين بعد انتهاء مدة سجنهم هم الذين يزعمون بأنهم ديمقراطيون ويحاربون التسلط والاستبداد والعنف! ! ولكن العنف والاستبداد والإرهاب يكون مقبولاً عندهم إذا كان الضحايا من الدعاة إلى الله الذين لا ذنب لهم إلا أن قالوا: ربنا الله.. ولا يريد هؤلاء الملاحدة أن يفهموا بأن الله جلت قدرته فضحهم، وفضح أسيادهم من السوفييت والأمريكان والناصريين، وأدرك شعب مصر الأبي بعد رحلة مضنية أنه لا عزة ولا كرامة ولا نصر لنا إلا بالإسلام، فأسلموا زمام أمرهم لله تعالى وأذعنوا له غاية الإذعان. نعود إلى الحديث عن الموقف العام بعد كل حدث يحدث.. فالنظام يستنفر مختلف أجهزته ومؤسساته: الإذاعة، والتلفاز، والصحف والمجلات، وتنقل عنهم وكالات الأنباء وكبريات الصحف والمجلات العالمية، ورجال الأمن والمباحث يعودون إلى القوائم المعدة، ويلقون القبض على قيادات وأعضاء الجماعات الإسلامية، ومعظمهم يكون قد غادر السجن خلال أيام أو أشهر أو عام أو عامين على أبعد تقدير. وخطباء الجمعة الرسميون ينفذون تعليمات وزارة الأوقاف أو الداخلية وكلاهما سواء، وخطبهم لا تختلتف عما يكتب في الصحف اللهم إلا الاستدلال بالآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، ويكون هذا الاستدلال في غير موضعه المناسب. والذين يؤثرون السلامة من الإسلاميين يسارعون إلى إصدار التصريحات التي تعبر عن تأييدهم للنظام، واستنكارهم للعنف والإرهاب، وإيمانهم ... بالديمقراطية - أي ديمقراطية النظام-، وإذا كانت المشكلة مع الأقباط، فإنهم يسعون إلى كنائسهم، ويعقدون معهم الندوات، ويقولون بهذه المناسبات كلاماً لا ينبغي أن يقال شرعاً. أية ديمقراطية هذه؟ ! إننا لا نعلق آمالاً على العمل الديمقراطي، ولم نتسرع في اتخاذ هذا الموقف. لقد درسنا الأنظمة الديمقراطية دراسة دقيقة، وتبين لنا من خلال هذه الدراسة أنها تصطدم مع النظام الإسلامي جملة وتفصيلاً، صحيح بأن الإسلام يعتمد على نظام الشورى، ويضمن للفرد حرية التعبير عن رأيه، ولكن الشورى شيء والنظام الديمقراطي شيء آخر، فالدستور والقانون جزء من نظام شامل في الإسلام، ولا يجوز للشعب ولا لممثليه أن يشرعوا لأن التشريع حق لله وحده لا شريك له. واعتمدنا في اتخاذنا لهذا الموقف على دراسة عميقة لتجارب الإسلاميين، لا نقول: في البلاد العربية وحدها، ولكن في العالم الإسلامي من أدناه إلى أقصاه.. ووصلنا إلى نتيجة أن مثل هذا العمل مضيعة للوقت وهدر للطاقة.. ومع ذلك فإننا لا نغالي في موقفنا، وسنظل نلتمس العذر لغيرنا، ولو كانت الديمقراطية في عالمنا الإسلامي كالأنظمة الديمقراطية في ديار الغرب لقلنا: فليبق النظام الديمقراطي - رغم فساده- فذلك أفضل من تسلط العسكريين ومن هم على شاكلتهم. وإذا سلمنا جدلاً بأن النظام المصري ديمقراطي.. لكان من حقنا أن نتساءل: لماذا لا يطبقون ديمقراطيتهم في تعاملهم مع الجماعات الإسلامية؟ ! .. * هناك أحزاب انتهازية تافهة وتافهة جداً تعد شرعية، أي مرخص بها من قبل السلطة، ولها مراكز، بما في ذلك اليسار.. أما الإسلاميين على مختلف انتماءاتهم وحتى الذين يتعاملون مع النظام بمرونة وإيجابية فغير مسموح لهم بفتح مراكز، ونشاطهم لا يزال غير قانوني.. ومن المتوقع في كل يوم يمر أن تصدر السلطة مرسوماً باعتقال قيادة وأعضاء جماعة إسلامية -متجاهلة عدد أعضائها في المجلس النيابي- لأنها غير شرعية وغير مرخص بها، ومثل هذا الموقف ليس مستغرباً على الإطلاق، وهناك أمثلة مشابهة حدثت في مصر نفسها.. فما الذي جعل السلطة تسمح بقيام أحزاب تافهة يمينية ويسارية! ! وتمنع الجماعات الإسلامية وحدها؟ ! . وفي جميع بلدان العالم التي تؤمن بالديمقراطية هناك أحزاب دينية، مسيحية، أو يهودية، أو هندوسية، فلماذا الإسلام وحده رغم اختلافه في شموليته وعدله ومساواته عن الأديان الأخرى التي ضل دعاتها وانحرفوا عن منهج الله تعالى. * من أبسط معاني الديمقراطية أن كل متهم بريء حتى تثب إدانته بعد أن تتوافر له ضمانات المحاكمة العادلة أو القضاء العادي. وفي ظل الديمقراطية المزيفة التي اخترعها السادات: كل بريء من الدعاة إلى الله مدان حتى تثبت براءته.. والبراءة تثبت بعد تعذيب لا يطاق في معتقلات مظلمة، وبعد سجن يستمر بضعة أشهر أو بضعة أعوام، والمحاكمة تتم أمام محاكم عسكرية، وهذا النظام لا يطبق على غير الإسلاميين.. ويخرج الداعية من هذه السجون متهماً وهو الذي قد ثبتت براءته، وأقوال القضاة لا تساوي شيئاً أمام أقوال رجال المباحث. وقد يقول الذين يبالغون في حسن الظن: في هذه الأقوال مبالغة! ! لهؤلاء ولغيرهم نقول: عودوا إن شئتم إلى محاضر جلسات المحاكم وأقوال الشهود واعترافات الذين نالهم التعذيب وفي جميع العهود لا نستثنى من ذلك عهداً منها، وسوف تجدون أننا ما قلنا شيئاً يستحق الذكر في وصف التعذيب الذي يتعرض له الإسلاميون داخل هذه السجون.. ومن حقنا هنا أن نتساءل بمرارة. أية ديمقراطية هذه التي يتحدثون عنها؟ ! . وفي الأحداث الماضية اعتدى الأقباط على مسجد من مساجد المسلمين في الصعيد، واعتدوا على غير المسجد تنفيذاً للأوامر التي جاءتهم من تل أبيب وواشنطن وغيرهما فما الذي حدث؟ ! تم اعتقال قادة وأعضاء الجماعات الإسلامية، واستنفرت كافة الأجهزة ... ضدهم، ولم نسمع أن إجراء رادعاً قد اتخذ ضد الأقباط، لا بل كان الناس ... من أبناء جلدتنا يتسابقون في الثناء على مواقفهم الوطنية، وهي شهادات تفوح ... منها رائحة النفاق والكذب على الله، ثم على التاريخ. وسارعت السلطة إلى اعتقال الأشخاص أنفسهم قبل الانتخابات بأيام ولماذا؟! قالت السلطة: وزعوا مناشير يقولون فيها بأن النظام الديمقراطي ليس من الإسلام! غريب هذا والله! ! لو أن إنساناً أو جماعة أو صحيفة في بريطانيا أو الولايات المتحدة أو غيرهما من الدول الديمقراطية قالوا: نحن لا نؤمن بالديمقراطية، هل يعتقلون؟ ! . الطبيعي: لا. وتقارع الحجة بمثلها، فالصحيفة ترد عليها صحيفة، والكاتب يرد عليه كاتب آخر، وهكذا أو يهملون.. ومن ثم لماذا تخشى السلطة في مصر من أفراد يوزعون مناشير يقولون بأن الديمقراطية ليست من الإسلام.. والسلطة تملك الأزهر، وجاد الحق، وشعراوي، وغيرهم وغيرهم، وكل هؤلاء يقولون: الديمقراطية من الإسلام، والاشتراكية من الإسلام، والصلح مع إسرائيل من الإسلام، ويملكون إذاعات، وتلفاز، وصحفاً، ومجلات، ومساجد، ونوادي، والعالم ينقل كل ما يريدون، ولولا اعتقالاتهم لما سمع الناس أن هناك شباباً وزعوا مناشير يقولون فيها بأن الديمقراطية ليست من الإسلام. وتكررت الاعتقالات بعد محاولة اغتيال وزير الخارجية السابق -أبو باشا-، وبعد الاعتداء على سيارة مسؤول الأمن الإقليمي بالسفارة الأمريكية، وبعد الاعتداء على رئيس تحرير المصور. * ومن أبسط معاني الديمقراطية: سيادة القانون. والمحاكم المصرية التي لا تُحكِّم شرع الله -جلّ وعلا-، ورغم واقعها المؤسف.. فقد اعترفت رسمياً بأن المعتقلين من أعضاء الجماعات الدينية -على حد قولهم- قد تعرضوا للتعذيب الجسدي والنفسي داخل السجون، وقررت المحكمة المختصة إحالة عدد كبير من ضباط وجنود الشرطة إلى المحاكم بتهمة تعذيب هؤلاء المعتقلين.. ولكن ما الذي حدث؟ ! . ١- أعلنت السلطة أنها سوف تحمي هؤلاء الضباط والجنود، وزعمت أن ما نسب إليهم ليس صحيحاً. ٢- قرار الإحالة تم إلى محاكم عادية وليست عسكرية لأن المحاكم الأخيرة مختصة بقضايا أمن الدولة وهؤلاء المجرمون حماة الدولة. ٣- الإحالة جاءت قاصرة على صغار الضباط والجنود، أما قيادتهم كوزير الداخلية السابق حسن أبو باشا فلم تتعرض لهم المحكمة لأنهم فوق القانون. فكيف يكون المأمور مجرماً وآمره بريئاً، وأين سيادة القانون التي يجعجعون بها؟ ! . لقد كان قرار المحاكم الأخير، بل قرار النائب العام صورة طبق الأصل عن قرار المحاكم المماثل في السبعينيات.. وتبين أن ذاك القرار كان دعاية إعلامية للنظام السابق ضد مراكز القوى.. وبكل أسف فمن عادة كثير من الدعاة التسرع في هذه المناسبات فيبادرون إلى إصدار التصريحات التي تعبر عن إعجابهم وتقديرهم للمحاكم المصرية لأنها أثبتت استقلاليتها ولم تتأثر بضغط السلطة وهيمنتها.. وكم نتمنى أن يتريث إخواننا، ولا يزكون من لا يستحق التزكية.. كم نتمنى أن يتقوا الله بكل كلمة يتفوهون بها، أو كل موقف يقفونه.. ولو فكروا ملياً لعلموا علم اليقين أنه لا عدل ولا مساواة إلا في ظل هيمنة شريعة الله - .. وقرار المحاكم المصرية لم يرفع عنا ظلماً ولا استبداداً، ولم ينقذنا من المجرمين الجناة، ولا نريد أن يستغلنا ظالم ضد ظالم آخر. محاولة اغتيال (أبو باشا) : سارعت أجهزة الإعلام المصرية إلى اتهام الإسلاميين، وتحركت أجهزة الأمن والمباحث والمخابرات، فاعتقلت من لم يكن قد اعتقل منهم قبل أن يظهر أي دليل على تورط أية جهة بهذا الحادث.. وقلنا فيما مضى: أن هذا الموقف من السلطة يخالف أبسط معاني الديمقراطية، ويتعارض مع سيادة القانون. وبعد هذه المحاولة بأيام نشرت صحيفة القبس الدولي خبراً في صفحتها الأخيرة وتحت عنوان (أسرار العرب) قالت فيه: (إن عصابة من عصابات تهريب المخدرات كان حسن أبو باشا وعدها بتمرير صفقة من صفقاتها الكبيرة ونكث بوعده فحاولت قتله) ، ولصحيفة القبس مصادرها المهمة، وفضلاً عن ذلك فما من أحد يتهمها بتعاطفها مع الجماعات الإسلامية.. وما الذي يمنع أن يكون الذي أطلق النار على وزير الداخلية السابق أطلق لحيته لتتجه الأنظار إلى غير الجهة التي أقدمت على اغتياله؟ ! . إن اللحية اليوم ليست وقفاً على الإسلاميين وحدهم، فكثير من الوجوديين وغيرهم يطلقون لحاهم، ولبس (الجلباب) ليس مستغرباً في مصر، فكيف تتجاهل السلطة هذه المسلمات وتلصق المحاولة بالإسلاميين؟ ! . ولنفترض جدلاً بأن مجموعة من مجموعات الجهاد هي التي نفذت هذه العملية، فهذا الافتراض يضعنا أمام سيل من الأسئلة: تعلم السلطة -وعلمها واسع في ذلك- بأن المنتسبين للجهاد مجموعات وليسوا مجموعة واحدة، وكل مجموعة تضم عشرات أو مئات من الأفراد، وليس لهذه المجموعات صلات تنظيمية مع بعضها البعض، والذين نفذوا العملية اثنان ويستحيل انتسابهم إلى عدة مجموعات.. فلماذا أقدمت السلطة على اعتقال المجموعات كلها؟ ! بل إن الذي نعلمه أنها قد اعتقلت مجموعات كبيرة لا علاقة لها بمجموعات الجهاد، وإذن فالقضية عندهم ليست محاسبة الذين نفذوا العملية ومن وراءهم، وإنما القضية إعلان حرب ضد العاملين للإسلام. ومن جهة ثانية فنحن لا نعرف عدد الذين اعتقلوا ولا أحد يعرف ذلك، وإن كنا نعلم بأن العدد كبير بسبب كثرة الذين يشتكون من اعتقال أقربائهم، وتذكر الصحف أن عدد الذين اعتقلوا يتراوح بين (٢٥٠٠) إلى (٥٠٠٠) والذين ينتظرون الاعتقال ضعف هذا العدد أو يزيد، ومن الأعراف الديمقراطية أن السلطة تعلن أسماء الذين اعتقلتهم، فأين وزير الداخلية من مراعاة هذه الأعراف؟ ! ... ولكن النظام البوليسي الإرهابي يسمي الأمور بغير مسمياتها! ! . ومن جهة ثالثة فمما فُطِر عليه المسلم حب الخير، وكره الإرهاب والعنف والبطش، ولكن الذين يتحدثون عن موقف الإسلام من الإرهاب عليهم أن ينظروا إلى الأمور نظرة شاملة عميقة ليست فيها سطحية ولا خداع.. وهذه النظرة تفرض علينا أن نقلب صفحات تاريخ وزير الداخلية السابق، ونبين حقيقة موقفه من الجماعات الإسلامية: - منذ بداية السبعينيات كان اللواء حسن أبو باشا من كبار الضباط في مباحث أمن الدولة، وفي عام ١٩٧٥ جرى تعيينه مديراً عاماً لمباحث أمن الدولة. - كان اللواء حسن أبو باشا المسؤول الأول عن تصفية تنظيم ما يسمى بـ (التكفير والهجرة) ، وأثبت براعة نادرة عندما ورَّط هذا التنظيم في مقتل الشيخ الذهبي ﵀ عام ١٩٧٧م. - أصبح اللواء حسن أبو باشا مساعداً لوزير الداخلية -النبوي إسماعيل- لشؤون مباحث أمن الدولة، وكان المسؤول عن تعذيب الذين تم اعتقالهم إثر هلاك السادات. - وعندما أصبح وزيراً للداخلية عام ١٩٨٢, استعمل أساليب كثيرة في تعذيب المعتقلين منها ما أسماه المواجهة الفكرية مع المعتقلين، وكان يستخدم التلفاز والصحف وعلماء السلطة في شتم المعتقلين والإساءة إليهم.. وقد أقدم على فصل عدد غير قليل من رجال الشرطة لأنهم رفضوا تنفيذ أوامره الجهنمية في تعذيب الدعاة المعتقلين.. كان (أبو باشا) يزاول مع رجاله تعذيب المعتقلين بالصعق الكهربائي، وبالضرب بالعصي الغليظة والكابلات والأسلاك المفتولة والكرابيج.. وقد هتكوا أعراض بعضهم من الرجال والنساء.. وليست هذه اتهامات يطلقها خصومه بدون دليل.. لقد أكدت المحاكم المصرية صحة ما ذكرناه.. ومن شاء فليعد إلى محاضر هذه المحاكم.. فكيف يتناسى أدعياء الديمقراطية جرائم حسن أبو باشا ويستنكرون دفاع الشباب عن أنفسهم وأعراضهم ضد هذا الوحش الكاسر؟ ! . يا أصحاب العقول، ويا أهل المروءة: أرأيتم هذا الاستهتار بعقول الناس.. أرأيتم هؤلاء الذين يتباكون على حسن أبو باشا الذي مارس الإجرام طوال عمره.. هذا الذي حاول القضاء على أعز ما تملكه مصر -العقيدة والرجال-، وبعد ذلك كله فنحن لا ندري -وكما قلنا قبل صفحات- هل الذين حاولوا اغتيال وزير الداخلية السابق هم من الإسلاميين أم لا ولا نثق بما تقوله السلطة المصرية، ولا نبرر العنف.. ولكن العنف يقود إلى العنف، والمسألة يجب أن تعالج بكل أبعادها ونتائجها. زكي بدر.. وعام الحسم: قال وزير الداخلية المصري زكي بدر [وهو أحد تلامذة حسن أبو باشا] : إن عام ١٩٨٧ هو عام الحسم مع الجماعات الدينية المتطرفة -على حد ... زعمه - ويعنى بذلك طبعاً: الجماعات الإسلامية على الإطلاق. والحديث عما يسمى بعام الحسم اصطلاح مؤسف أكثر من ترداده أساتذة زكي بدر فيما مضى، وحسم الله سني عمرهم وأراح المسلمين من شرورهم وأكاذيبهم.. ونحن نسأل الله أن يصلح زكي بدر ويشرح صدره للحق، وسنكون من السعداء بتوبته وعودته إلى كنف ربه -إن شاء الله-.. وهكذا الدعاة يفكر زكي بدر وأمثاله كيف يقضون عليهم، ونحن نسأل الله أن يهدي هذا الظالم وغيره إلى الحق، ولهذا فنحن نقول له ولمن هم وراءه: إن مشكلة مصر ليست مع الدعاة إلى الله ، وإنما مشكلتها مع المجرمين الذين سرقوا أموال الأمة وخيراتها، وتركوها قاعاً صفصفاً، وليس هذا أيضاً اتهاماً نتهم به السلطة، إن القضايا التي رفعت في المحاكم المصرية ضد بعض الوزراء تشهد على ذلك، وإن الوثائق التي تنشر ضد أسرة فرعون وأصهاره في واشنطن وغيرها تشهد على ذلك أيضاً. ومشكلة مصر ليست مع الدعاة إلى الله -جل وعلا-، وإنما مشكلتها مع تجار المخدرات، ومعظمهم من كبار ضباط المباحث والمخابرات والشرطة وأهل الرقص والغناء.. وهؤلاء من أهم أسباب تدهور الاقتصاد المصري، ولو حُلت هذه القضية لانتعش الاقتصاد من جديد ولكن (حاميها حراميها) . والمخدرات تصدرها إسر ائيل، ... وهذه سياسة قديمة منذ أيام نائب (هُبل) في الخمسينيات والستينيات. ... - مشكلة مصر مع الخونة العملاء الذين زينوا لها الباطل، وزعموا أنها ... سوف تتحول إلى جنات تجري من تحتها الأنهار إذا هي استسلمت لإسرائيل.. وبعد هذا الإذلال تراهم يحرصون أشد الحرص على عزلة مصر وضعفها وهوانها، وهؤلاء أول من يعلم أنه ليس هناك من داعية إسلامي صادق يقبل الصلح مع إسرائيل، وسوف يقود هؤلاء الأبطال كتائب محمد ﷺ وأبي بكر وعمر، وليس كتائب كسرى وأشباه كسرى.. سيقود هؤلاء الأبطال كتائب الجهاد لتحرير الأقصى مهما طال الليل وادلهم الخطب. - والذين أوهموا زكي بدر أن عام ١٩٨٧ هو عام الحسم مع الجماعات الإسلامية لا يريدون الخير لمصر ولا لشعب مصر.. ومشكلة أكثر [العساكر] ، أنهم لا يقرأون التاريخ ولا حتى الجغرافيا، ولا يتعظون بما حل بأقرب الناس إليهم. لقد ظن الإنكليز وعملاء الإنكليز في مصر أن إبعاد الداعية الإسلامي المجدد الشيخ حسن البنا ﵀ عن الانتخابات في الأربعينيات يعنى القضاء عليه وعلى جماعته.. وظنوا أن عام الحسم عندهم سيكون في قتل حسن البنا ﵀.. وفي الثمانينات أي بعد أربعين عاماً نجح في الانتخابات ستة وثلاثون نائباً من حملة دعوة البنا، ومنهم ابنه.. ورحل الإنكليز وعملاء الإنكليز، ونسأل الله أن يلحق بهم الأمريكان وعملاؤهم (وليس بين هذا المثال وموقفنا من الانتخابات والديمقراطية أي تناقض) . وظن الذين أعدموا الداعية الإسلامي الأستاذ سيد قطب ﵀ أن عام ١٩٦٥ هو عام الحسم فحسمهم الله وبقيت أفكار سيد قطب، وهو القائل -رحمه الله-: «إن كلماتنا ستبقى عرائس من الشموع، فإذا متنا في سبيل الله دبت فيها الحياة، وانتفضت حية بين الأحياء» . وفعلاً دبت الحياة في ما كان يدعو إليه بعد استشهاده، وكانت كتبه في الستينيات تكتب داخل مصر بخط اليد ويتناقلها الشباب. لا يتسع المقام لمزيد من الاستطراد.. ومسكين -والله- زكي بدر، كيف يجهل أو يتجاهل تاريخ بلده القريب والبعيد.. يجهل أو يتجاهل وزير الداخلية أن الشعب المصري لا يتمسك بشيء كما يتمسك بعقيدته الإسلامية، ولا يقبل المساومة عليها بحال من الأحوال. يجهل أو يتجاهل هذا المسكين أن مصر التي لفظت العبيديين والشيوعيين والفراعنة والإنكليز.. هي مصر التي سوف تلفظ اليهود والأمريكان وعملاءهم في الداخل -إن شاء الله-. - وتزعم السلطة أن مجموعة أو بعض مجموعات الجهاد اتصلوا بالعبيديين خارج مصر، ومع شكنا بكل ما يقولون ويرددون؛ فسوف نفترض جدلاً أن هذا الاتصال قد تم فعلاً.. وهو عند العلماء الدعاة المخلصين داخل مصر وخارجها انحراف غير مقبول مهما كانت تبريراته وأسبابه، وكما قلنا في بداية هذا المقال: إن العبيديين وعملاءهم في البلدان العربية يتطلعون إلى احتلال مصر من جديد أو إلى إشعال الفتن والاضطرابات فيها.. ولكن كيف تطوق هذه الفتنة؟ ! فالذين يتعاملون حقيقة مع اليهود والأمريكان ومع الشيطان.. هؤلاء أعجز وأضعف عن مواجهة الذين يُتهمون بالتعامل مع العبيديين. ونؤكد مرة أخرى: إن القادرين على تطويق هذه الفتنة هم العلماء المخلصون من الدعاة داخل مصر وخارجها عندما تتاح لهم حرية مخاطبة المغرر بهم من الشباب بصورة مستقلة ليس فيها مباحث ولا إرهاب.. وعندئذ سوف يفضح هؤلاء العلماء تاريخ العبيديين، وتعاونهم في القديم والحديث مع كل عدو للإسلام.. وسيبينون للمغرر بهم عقائد وتصورات هؤلاء الغلاة، وسيكون هذا الحديث بالأرقام والأدلة والبراهين، وعندما يقول هؤلاء الشباب المغرر بهم: إن إرهاب زكي بدر وغيره ألجأنا إلى اتخاذ هذا الموقف نقول لهم: هؤلاء أشد ظلماً وأكثر لؤماً ممن تشكون منهم، فأنتم كالمستجير من الرمضاء بالنار.. وإذا كان هناك من يقبل التعاون مع العبيديين فهم قلة والحمد لله، ومعظم الشباب في مصر يفهمون دينهم، ويمتازون بسلامة العقيدة والحمد لله. وبعد: هذه خواطر كتبناها على عجل، آملين أن يعيد العقلاء النظر بمواقفهم، فالعصاة المجرمون نسأل الله أن يرزقهم التوبة، وينصرفوا إلى تتبع المخربين الهدامين، ويمدوا يد العون والمساعدة للشباب الدعاة الذين لا يريدون مغانم ولا مكاسب في هذه الدنيا الفانية. والذين يعلقون آمالاً عريضة على النظام الديمقراطي نقول لهم: اتعظوا بتجارب غيركم، ولا تستسمنوا ذا ورم! والخطاب يفهم من عنوانه، فانظروا كيف تم استقبالكم.. ولعل الله أن ينفع بكم، ولكن لا تكونوا شهود زور على نظام يسمي الاستبداد ديمقراطية. والشباب الذين يتسرعون في اتخاذ مواقف تحتاج إلى روية وإلى خبرة في الأمور.. لهؤلاء نقول: كفاكم فوضى وتخبط، ولا تظنوا أنكم تعيشون على هذا الكوكب وحدكم، ولا تسيئوا الظن بإخوانكم من الذين يختلفون معكم فيما تذهبون إليه.. واعلموا بأن المسلمين لن يحققوا أهدافهم إلا بوحدة كلمتهم، وصدقهم مع ربهم، والتزامهم بكتاب الله -جل وعلا- وسنة رسوله ﷺ . إن ظروف مصر الاقتصادية تزداد سوءاً يوماً بعد آخر، والسلطة ضعيفة وسوف تركع أخيراً أمام أوامر صندوق النقد الدولي، وسوف تكون هذه الأوامر على حساب مصالح الفقراء المعدمين، وأعداء الإسلام داخل النظام سوف يزينون للظلمة أهمية ضرب الاتجاه الإسلامي ليكسبوا عطف اليهود والأمريكان والسوفييت والتصدي لهذا الموقف يحتاج إلى رواد وعقول وتجرد لله، وأخذ بالأسباب الشرعية، والذي أقدم على حل المجلس النيابي فجأة، وقبل بضعة أشهر، قد يحله مرة أخرى فأمر هذا المجلس بيده، أما أمرنا فبيد الله ، وما علينا إلا فعل الأسباب. [ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ]

стр. 131

الإسلام: أمل فلسطين بعد عشرين عاماً على الهزيمة بمناسبة مرور الذكرى العشرين لحرب حزيران ١٩٦٧ حذرت الحكومة الإسرائيلية خطباء المساجد في مدن وقرى فلسطين من أن يشيروا إلى الاحتلال الإسرائيلي، أو يحرضوا الناس على ما من شأنه أن يبث الوعي بينهم، وينبههم إلى حقوقهم الأساسية المنهوبة من قبل العدو اليهودي. ولم تكتف سلطات الاحتلال بالتحذير، بل إنها استجوبت بعض هؤلاء الخطباء عما ينشرونه بين الناس من أفكار رافضة لكل أشكال الهيمنة والاحتلال. ومناسبة يوم الخامس من حزيران لا ينبغي أن تمر دون أن يشار إلى مجموعة من الحقائق التي تتعلق بها. - لابد من الإشارة إلى أن الهزيمة عام ١٩٦٧ أمام اليهود، ومن قبلها هزيمة عام ١٩٤٨ كانت هزيمة أنظمة، وليست هزيمة شعوب، تلك الأنظمة التي جثمت على صدر شعوبها، وبدل أن تكون حارساً أميناً، وراعياً رحيماً، كانت على خلاف ذلك، فلا هي تسلمت هذه الأمانة الثقيلة بجدارة، ولا هي حافظت عليها بحرص وحصافة، وإنما أذاقت محكوميها المرَّ كله، وجردتها من كل معاني العزة والكرامة، وداست كل حرمة في سبيل الحفاظ على هيمنتها وتحكمها وامتيازاتها التي اغتصبتها من حق الشعوب المسكينة المسوقة بالحديد والنار إلى مالا تريد. وإن تعجب؛ فإن أعجب العجب ما بلغته هذه الأنظمة المهزومة التي كانت بادية العري لكل ذي مُسكة من عقل، فأصبحت بعد هزيمة ١٩٦٧ مكشوفة السوءات لكل ذي عينين؛ حيث ادعت أن هدف إسرائيل (كان) إسقاط هذه الأنظمة التي هي رأسمال كل مجد وعزة لشعوبها (! !) ولكن الله قدر ولطف! فلم تستطع إسرائيل تحقيق هذا الهدف الإستراتيجي! في حين احتلت الأرض وشردت ناسها، ولكن ذلك لا يعتبر شيئاً، وليس خسارة تقاس بالكسب الذي تحقق، وهو خروج هذه الأنظمة سليمة معافاة من هذه المحنة! ! . أرأيت هذه القِحّة؟ ! وهل هناك صفاقة إعلامية تعدل هذه الصفاقة؟ ! . - في الوقت الذي بنت فيه إسرائيل دولتها على أساس من إيمانها بالتوراة المحرفة، وجعلت عقيدتها الدينية هي المحرك الفكري الذي تنطلق منه وتعتز بباطلها أشد الاعتزاز، وتعلن بذلك أمام سمع العالم وبصره، ترانا على المستوى الرسمي -نحن الذين هزمتنا إسرائيل بمثل هذه العقيدة العنصرية الباطلة، وبمثل هذا الزور المفضوح- ضائعين تائهين نتسول الأفكار والمذاهب من عتبات الشرق والغرب، ونلبس المرقَّعات التي يفصلها لنا أعداؤنا الذين لا يريدون لنا خيراً، فنبدو كمجموعات من المتسولين الأذلاء، فاقدي الحس والكرامة. ولكن رغم هذه الصورة القاتمة التي يعكسها إعلامنا، ورغم الحرب التي يعلنها على الإسلام أعداؤه في الداخل والخارج، ورغم الاحتلال الصهيوني الذي يحاول أن يلغي هوية الشعب الفلسطيني وينكر عليه أي انتماء فإننا نجد هذا الشعب أكثر ما يكون تمسكاً بحقوقه، وكذلك فإن بوادر رجوعه إلى الإسلام يحس بها كل من يرصد الاتجاهات الفكرية التي تحرك هذا الشعب. - والعودة إلى الإسلام تتجلى بالإحساس العميق الذي أخذ يشعر به الجيل الجديد من أبناء فلسطين؛ من أن له هوية قد منع من التعبير عنها لمدة طويلة، وله عقيدة تمده بكل عوامل الصمود في وجه التحديات. وأن هذه العقيدة -وهي الإسلام- هي العقيدة الوحيدة القادرة على التصدي للعدو الذي فشلت في صده كل النظريات والأيديولوجيات والأفكار التي قوبل بها حتى الآن. وهذه العقيدة لا تعوزها الاستدلالات الملتوية، ولا الدعاية المركزة من أجل غرسها وتحبيب الناس بها، بل هي مركوزة في ضمير هذا الشعب وفي وعيه الباطن، والتفاتة بسيطة إلى الماضي كي يكتشف أبسط الناس ثقافة في فلسطين وفي غيرها أن هذه البلاد قد تعرضت لهجوم صليبي استيطاني شرس في السابق، وأنها وقعت ضحية الفرقة والتناحر التي ضربت العالم الإسلامي، وبعد مدة طويلة عندما استفاق الوعي الإسلامي، وأخذ المسلمون بأسباب النصر من الرجوع إلى الله والإعداد الجاد طردوا الصليبيين شر طردة، واقتلعوهم من هذه الأرض التي دنسوها لفترة ليست بالقصيرة. والرجل العادي حينما يتذكر ذلك يتذكر ببساطة أن الجحافل التي نظفت فلسطين وباقي بلاد الشام من رجس الصليبيين كانت تفعل ذلك باسم الله، وتحت راية الإسلام، وتتخذ من مصطلحاته زادها الفكري والتعبوي من مثل الجهاد والمرابطة، والذود عن حياض الإسلام، وتطهير مسرى النبي -صلى الله عليه وسلم-، وإعادة الأرض التي بارك الله فيها إلى حظيرة ديار الإسلام.. وأن سنين طويلة منذ أوائل هذا القرن، من التبعية للغرب ولرموزه، ومن الجري وراء سراب الشعارات التي يرفعها أعداء الإسلام من شتى الألوان والاتجاهات، يستغلون ويخدعون بها ذراري المسلمين؛ لم تورثنا إلا ذلاً على ذلك، ولم نجن من وراء سرابها إلا الخيبة والخذلان على كل صعيد! . كل ذلك جعل أهل الحق يحاولون نفض الغبار والتراب الذي أهاله أهل الباطل عليه، مما نقرأه أو نسمع عن أنبائه في داخل فلسطين المحتلة. * هذه العودة المباركة إلى الإسلام تلقى حرباً من جهتين: فاليهود وحلفاؤهم يتخوفون من آثارها ويرصدونها بعيون مفتوحة، ويحاولون الوقوف في طريقها بشتى الوسائل، مثل التعتيم الإعلامي الذي تعامل ... به، وذلك التشويه الذي يمارس ضدها. وهذا طبيعي بالنسبة لليهود فهل يعلمون أن العقيدة الوحيدة التي لا ينطلي على معتنقيها كيدهم وغدرهم هي العقيدة الإسلامية، وأن عدوهم الأول الإسلام، وصدق الله القائل: [لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ والَّذِينَ أَشْرَكُوا] [المائدة / ٨٢] . على أن الشيء المؤسف هو معاداة التوجه الإسلامي بين العرب في فلسطين من قبل أدعياء الوطنية من العلمانيين والمرتبطين بهذه الجبهة أو تلك ممن يتاجرون بالقضية الفلسطينية، والذين افتضح إفلاسهم وتضخيمهم لأدوارهم وألاعيبهم لكسب الأنصار والأعوان. ومما يثير الأسى ويؤلم الفؤاد ما كتبه صحفي فلسطيني -ممن تدفع لهم منظمة التحرير وتنفق على صحفهم في الضفة الغربية- ناعياً على أصحاب هذا التوجه الإسلامي من أهل فلسطين، ومعتبراً خطورة فكرهم قد تفوق الفكر الصهيوني، وإذا عرفنا سبب هذه الحملة التي يحملها هذا الصحفي وأمثاله على التوجه الإسلامي الفتي في فلسطين بطل عجبنا وزال استغرابنا. فتنامي التيار الإسلامي في فلسطين يهدد بسحب البساط من تحت الذين يحتكرون ادعاء مقاومة إسرائيل في العلن، بينما هم يلتقون معهم في السر [انظر ما نشر من كتاب يوري أفنيري: صديقي العدو] . وكذلك فإنه لا يروق لأمثال حنا سنيورة وإلياس فريج أن يروا للمسلمين أثراً ولا أن يسمعوا لهم صوتاً، كي لا يفقدوا مبرر وجودهم وعيشهم على ما تقدمه منظمة التحرير من رواتب وامتيازات. - تبقى هناك كلمة أخيرة حول النشاط الإسلامي في فلسطين، فهذا النشاط هو معقد الأمل بالنسبة لغالبية المسلمين في كل بقاع العالم من أجل تحرير فلسطين. وهذا البعث الإسلامي الذي يبشر بخير هو الجدير منا بكل مساندة مادية أو معنوية، وينبغي التنويه به وتسديد طريقه نحو سلامة التصور ووضوح الهدف. أما سلامة التصور فتتلخص في اتخاذ الإسلام القائم على كتاب الله وسنة رسوله والانطلاق من هذا الأساس الواضح لفهم الإسلام، والبعد كل البعد عن ما يخالف ذلك من المناهج والسبل، وكذلك عدم الانخداع بكثير ممن يحملون الراية الإسلامية ليغطوا بها كراهيتهم الدفينة للإسلام وحقدهم القديم على العرب -حملة الإسلام للعالمين- كالشعوبيين والباطنيين الذين يفوقون في خطرهم اليهود والنصارى والملاحدة لأن هؤلاء كراهيتهم معلنة ممكن اتقاؤها، أما أولئك فعداوتهم باطنة قد تخفى أو تغيب عن كثير من ذوى النوايا الطيبة. وكلنا أمل في أنه لو قيض لأصحاب الصوت الإسلامي النقي -ممن يرزحون تحت نير الاحتلال الإسرائيلي والقهر اليهودي، ومن إخوانهم في المهاجر في شتى بقاع العالم- القيادة الحكيمة التي تجمع كلمتهم على التقوى والمنهج الإسلامي الصحيح، بعيداً عن أصحاب الأهواء من مستغلين ومبتدعين، وبعيداً عن تجار الجماجم الذين انكشفت خزاياهم؛ لو حصل ذلك -وما ذلك على الله بعزيز- لزالت أسطورة (إسرائيل) من الوجود كما زال كثير من الأساطير التي كانت في يوم من الأيام حقائق. فنسأل الله لإخواننا في فلسطين المحتلة السداد والثبات والرشاد بمنه وكرمه إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 132

التنكيل بالمسلمين في الهند .. إلى متى ؟ ! شهدت الأحياء المسلمة في مدينة ميروت الهندية التي توصف عادة بأنها المدينة التاريخية للإسلام في الهند، في الأسبوع الثالث من شهر مايو مذبحة دامية، ضمن مخطط الإبادة الذي يتعرض له مسلمو الهند، حيث بلغ عدد الضحايا فيها ما يزيد على الـ ١٠٠ قتيل حسبما أوردته وكالات الأنباء. قُتل غالبيتهم برصاص قوات الشرطة المؤلفة في معظمها من الهندوس الذين فتحوا نيران أسلحتهم على المسلمين دون تمييز بين الرجال والنساء والأطفال. كما دوهمت منازل المسلمين، ونهبت متاجرهم، وأحرق العديد من ممتلكاتهم، وفرض حظر التجول على أحيائهم في هذه المدينة التي تبعد حوا لي ٨٠ كيلو متراً شمالي شرقي دلهي، التي تعرض فيها أيضاً الحي القديم، الذي يقطنه المسلمون لمداهمات الشرطة وفرض حظر التجول. ولقد قامت قوات الشرطة بانتهاك حرمة مساجد المسلمين، وأزالت مكبرات الصوت فيها بحجة أنها تستخدم في بث الكراهية الدينية والتحريض على العنف وذلك إشارة إلى النداءات التي أطلقها المسلمون لحض إخوانهم على الدفاع عن دينهم والوقوف في وجه الاعتداءات الهندوسية. هذه الاعتداءات التي بلغت حداً من الوحشية وصفت بعض أحداثه مجلة النيوزويك الأمريكية في عددها الصادر في ٨ / يونيو /١٩٨٧ بقولها: «.. اندفعت جموع الهندوس الهائجة تجوس خلال ماليانا [إحدى القرى المجاورة لميروت] فساداً، تنهب وتحرق منازل ومتاجر المسلمين ثم تحولت هذه الجموع لتهاجم المسلمين أنفسهم وتعتدي على الرجال والنساء والأطفال على السواء، لتشعل النار في بعضهم، ثم تطلق عليهم الرصاص، أو تضربهم بالفؤوس، بينما كانوا يولون مذعورين من هول الآلام التي أصابتهم. وقد عثرت قوات الشرطة على عشر جثث لأفراد عائلة كُدست في إحدى الآبار. كما وُجدت بعض الجثث التي امتلأت بطلقات الرصاص طافية على بعد أميال في مصب إحدى قنوات الري» . كما تطرقت مجلة الإيكونومست البريطانية في عددها الصادر في ٣٠/٥/ ١٩٨٧م إلى الأحداث الأخيرة في مدينة ميروت فقالت: «إن المسلمين في الهند يعانون من الغبن الاقتصادي فبينما هم يشكلون ١٢% من مجموع سكان الهند إلا أنهم لا يحصلون سوى على نسبة ضئيلة من الدخل ولا يملكون من الثروة إلا أقلها. وفي مدينة ميروت التي تشتهر بصناعة المقصات والصناعات اليدوية والحلويات نجد أنه بينما يقوم المسلمين بتصنيع هذه السلع فإن الهندوس هم الذين يملأون جيوبهم من أرباح المتاجرة بهذه السلع. ولا يُمثل المسلمون تمثيلاً عادلاً في وظائف الطبقة الوسطى التي تشمل القضاء ووظائف الخدمة المدنية العالية وشركات القطاع الخاص الكبيرة بالإضافة إلى الشرطة. وغالب من أُرسل لإخماد الاضطرابات من المتعصبين ضد المسلمين. فقد تصرفت قوات الأمن بشكل مقيت في ميروت إذ ساهمت في إذكاء أعمال العنف والاضطرابات بدلاً من أن تعمل على إخمادها. وطبقاً لأقوال سكان المدينة فإن قوات الأمن ساهمت في تحريض هياج سكان إحدى القرى مما أدى إلى مقتل ٩٠ شخصاً» . يقف وراء الكثير من هذه المذابح مسؤولون ينتمون إلى الطوائف الهندوكية المتطرفة كمنظمة آر. أس. أس. وغيرها التي تتربص بالمسلمين الشر. حيث تقوم هذه المنظمة المعادية للإسلام بإثارة القلاقل والفتن، وتحاول اغتصاب أوقاف المسلمين والسيطرة على مساجدهم ومقابرهم بشتى الطرق والوسائل، كما يعمدون إلى قتل المسلمين ونهب أموالهم وإحراق أطفالهم ونسائهم. ثم إن الأمر لا يقتصر على الطوائف الهندوكية فحسب، بل إن الحكومة الهندية تدأب منذ سنوات على إدخال التغييرات والتعديلات على قانون الأحوال الشخصية للمسلمين، كالإرث والنكاح والطلاق، وذلك تمهيداً لتنفيذ القانون المدني العام في الهند الذي يفرض على كل الديانات والطوائف نظاماً واحداً يخالف نصوص الإسلام. كما أن هناك الكثير من المساجد (ما يزيد على الأربعين مسجداً) تضع الحكومة الهندية يدها عليها بحجة أنها آثار من العصر المغولي وتمنع الصلاة فيها. ولم تكتف بذلك بل إنها ساندت قرار مصادرة مسجد بابري الذي أنشئ منذ ما يزيد على أربعة قرون في عهد الملك المغولي بابر وتسليمه للهندوس وهو ما فجر غضب المسلمين وزاد من إشعال فتيل أعمال العنف. هذا التعصب الهندوسي أشارت إليه جريدة الواشنطن بوست في عددها الصادر في ٢٧ / مايو / ١٩٨٧, حين قالت: «إنه من الواضح أن الحكومة الهندية تستميل الهندوس وتحابيهم، وقد أدت تلك التصرفات إلى تعزيز آراء الأقليات المختلفة بأن زعامة حزب المؤتمر الحاكم تشجع التعصب الهندوسي» . ولكن هذا التعصب الهندوسي ضد المسلمين يتخذ أبعاداً أكبر، فهم يواجهون حرب إبادة تشبه تلك التي نفذها النصارى تجاه مسلمي الأندلس. وهذه الحرب لا تنتهي عند حد، فهي مستمرة منذ تقسيم الهند في الأربعينات، بل وتزداد حملات التنكيل وفرض الردة عن الإسلام على المسلمين يوماً بعد يوم. لا نريد هنا أن نسكب الدمع وننوح على إخواننا في الهند كلما حاقت بهم كارثة، ولكن علينا أن نذكر بهؤلاء الذين لا بواكي لهم في العالم العربي بل وفي العالم الإسلامي. وما يثير الاستغراب حقاً هو هذا التعتيم الإعلامي الذي تمارسه أجهزة الإعلام والصحافة بخاصة في العالم العربي على أحداث المسلمين في الهند لكأن هؤلاء المسلمين لا يستحقون عشر معشار ما ينشر عن أخبار النصارى واليهود، أو لكأن هؤلاء المسلمين ليسوا من سكان هذا الكوكب. ولعل ما يفتقده المسلمون في الهند هو تلك القيادات التي تعرف كيف تقود جموع المسلمين الضائعة، وتردهم إلى هدي الله وتصهر قواهم وجهودهم في بوتقة واحدة تستطيع معها أن تدفع شر الهندوس وغيرهم، وأن ترد لهم الصاع صاعين - بإذن الله تعالى-، وترفع الذل والهوان عن المسلمين في الهند بدلاً من الزعامات السياسية التي أصبحت أذناباً للهندوس وغيرهم يتكسبون باسم الإسلام وهو برئ منهم. ويبقى واجباً على العلماء المخلصين العاملين في الهند من أمثال الشيخ أبي الحسن الندوي وأمير الجماعة الإسلامية وأمير الجماعة السلفية وغيرهم أن يبادروا بتقديم صورة واضحة وشاملة عما يلحق بالمسلمين من صنوف القهر والتنكيل ليطلع المسلمون والعالم على ما يجري في الهند، ويكونوا على بينة من أحوال المسلمين هناك. كما ينبغي على المسلمين في شتى بقاع العالم المبادرة لمساندة إخوانهم في الهند، وتقديم العون المادي والأدبي لهم، وأن يتخلوا عن هذا التقاعس، وعدم البذل حتى في أقل القليل لنصرة إخوان لهم في الدين. فإلى متى هذا التقاعس والذل والهوان؛ وإخواننا يئنون ويصرخون ولا مجيب! نداء نطلقه إلى كل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. وإلى الله المشتكى، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 133

إسرائيل.. والمفاعل النووي الباكستاني فضيحة الجاسوس الإسرائيلي بولارد الذي كان يعمل في وكالة المخابرات الأمريكية جاءت تؤكد بأن اليهود لا يثقون بأحد ولو كان الولايات المتحدة الأمريكية، وليس في قاموسهم شيء اسمه الصداقة أو الثقة أو المحبة.. فرغم الأسرار التي تقدمها أمريكا لإسرائيل، ورغم المساعدات المادية وغير المادية اكتشفت أمريكا بأن إسرائيل تتجسس عليها، وتمد لها يد الصداقة وتطعنها في اليد الأخرى، وهذا هو خلق اليهود في القديم والحديث. وكشفت فضيحة بولارد أسراراً مذهلة عن منطقة الشرق الأوسط.. ومنها أنه أرسل صوراً للمفاعل الذري العراقي، وكانت وكالة المخابرات الأمريكية قد التقطت هذه الصور بواسطة الأقمار الصناعية، واعتمد الطيران الإسرائيلي على هذه الصور في تدميره للمفاعل الذري العراقي. وقد تقول إسرائيل: إن العراق يشكل خطراً عليها بسبب قربه من فلسطين المحتلة.. ولكن المسألة أكثر عمقاً، فبعد ضرب المفاعل النووي العراقي بدأت إسرائيل تثير مسألة المفاعل النووي الباكستاني، وقبل بضعة أشهر ذكرت صحيفة (جيروزيلم بوست) في تقرير لها أن إسرائيل اقترحت على الهند ثلاث مرات شن هجوم مشترك لنسف المفاعل الباكستاني، ولكن الهند رفضت العرض في كل مرة. [نشرت الصحف العربية تصريح جيروزيلم بوست في ٢٣/٢/٨٧] . وهل صحيح بأن الهند لا تريد ضرب المفاعل النووي الباكستاني، كما قالت الصحيفة؟ ! لا نعتقد ذلك لأن اعتداءات الهند على باكستان لا تنتهي بدون مفاعل نووي، فكيف مع وجود هذا المفاعل؟ ! . وقد نقلت الصحف ووكالات الأنباء غير مرة تهديدات رئيس وزراء الهند - راجيف غاندي- لباكستان بسبب المفاعل النووي.. والعجيب أن هذا الذي يهدد باكستان يملك مفاعلاً نووياً وقد أجرت بلده تجارباً على القنبلة النووية، فكيف يكون سلاحه برداً وسلاماً على البشرية، وسلاح باكستان خطراً ودماراً؟ ! . ومن الذي أباح لأمريكا وروسيا وإسرائيل وعدد من دول أوربا امتلاك أسلحة نووية، وجعله حراماً على باكستان وغيرها من الدول التي تدين شعوبها ... بالإسلام؟ ! . إن الهند تخطط لضرب المفاعل الباكستاني لكنها لا تريد أن تكون إسرائيل شريكة لها لأسباب لا يجهلها الذين سبروا غور سياسة حزب [غاندي] رغم تعاون الهندوس السري مع إسرائيل. وعلى صعيد آخر؛ فقد حركت إسرائيل أمها الحنون -أمريكا- لكي تقوم بدورها في الحملة الإعلامية ضد باكستان، ولكي تهيئ الرأي العام العالمي لأي تصرف ضد هذا الخطر المخيف الذي يهدد البشرية، ونقلت وكالات الأنباء في ٢٦ / ٢ / ٨٧ أن الولايات المتحدة حذرت باكستان من أن استمرارها في البرنامج النووي قد يؤدي إلى قطع المساعدات عنها، وأثار السفير الأمريكي هذه المسالة في تصريح له جاء فيه: «إن أي قرار تتخذه باكستان بإجراء تجربة نووية سيحمل الكونغرس على تجميد المساعدات، وسيثير أزمة في العلاقات بين البلدين» . والذي نراه أن إسرائيل سوف تستمر في كيدها ضد المفاعل الباكستاني، وكذلك الهند تساندها روسيا والأولى تساندها الولايات المتحدة، ولا يشفع لباكستان صداقة حكومتها مع أمريكا. إن الدول الكبرى وإسرائيل والهندوس لا يقبلون أن يمتلك المسلمون سلاحاً نووياً، وهم يعلمون بأن الحكومات تزول وتبقى الشعوب المسلمة، وهذه الشعوب سوف تستخدم هذا السلاح إذا اعتدي عليها فهل تتكرر مأساة المفاعل العراقي في باكستان؟ نسأل الله أن لا يكون الأمر كذلك.

стр. 134

بأقلام القراء قراءة في البيان محمد عبد الله آل شاكر الأخ الكريم الفاضل مدير تحرير (البيان) - سلمه الله -. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: * ففي وسط الضجيج الإعلامي وسبل الإصدارات الكثيرة من الصحف والمجلات المتنوعة -هنا وهناك- تأتي مجلة (البيان) التي تضطلعون بأعباء تحريرها، لتكون الصوت الإسلامي المتميز الذي يرفع راية الجهاد بالكلمة، ولتكون صوت الحق ومنبراً من منابر المنهج الأصولي لكل مسلم أياً كان موقعه، كما أشرتم إلى ذلك في افتتاحية العدد الأول، التي حددتم فيها منهج المجلة وخط سيرها، وتلكم أهداف عالية وآفاق سامية، نسأل الله تعالى أن يأخذ بأيديكم لتحقيقها من خلال جهدكم وجهادكم، وأن يمدكم بعون من عنده. * وقد قرأت باهتمام بالغ الأعداد الأربعة التي صدرت، وقد كانت حافلة بمادة طيبة، وبحوث علمية متخصصة في جوانب عديدة من علوم الشريعة؛ فالدراسة القيمة حول التجديد، تجمع بين العمق والأصالة وإشراقة الأسلوب وحلاوة إيمان الكاتب التي تظهر من خلال بحثه، ولم يعوزه التوثيق الدقيق لكل فكرة، بل ولكل كلمة أحياناً، وهذه ميزة طيبة، على ألا تطغى الهوامش على المتن، فمزيداً من الأبحاث الجادّة كهذا البحث، والله يوفق العاملين المخلصين! . * وأما ما دبجته براعة الشيخ محمد صالح العثيمين فقد جاء في إبّانه، فرسم بعض معالم المنهج الذي ينبغي أن نتخذه من الخلاف الفقهي دون أن يعدو أحد المختلفين على الآخر، ثم عالج في مقاله الثاني قضية خطيرة في الاقتصاد، وهي (الربا) ورسم طريق الخلاص وحذر من أسباب الحرب التي أعلنها الله تعالى على المرابين، وكشف بعضه حيلهم في ذلك، وهو لا يزال بحاجة إلى فضل بيان، لعل الله تعالى يهيئ مرة ثانية العودة إليه، لما له من خطورة بالغة في حياة المسلمين. * وقد أعجبت بهذه (الخواطر في الدعوة) التي سجلها الأخ أبو أنس بأسلوب مشرق وبيان عذب، وروح مؤمنة، تظهر فيها الغيرة على (هذه الشريعة ... العربية) دون إجحاف أو عصبية! ! ونأمل أن يستمر الكاتب في تسجيل خواطره ... وتأملاته! . * وأما زاوية (الأدب والتاريخ) فالحاجة إليها ملحة، وكانت التفاتة طيبة من المجلة لبيان موقع الأدب في الثقافة الإسلامية المعاصرة والدعوة بحاجة إلى ... العناية بالأدب بشتى فنونه وتوظيفه لخير الدعوة والارتقاء بها، وما أعظم ... تأثير الكلمة الطيبة المشرقة والأسلوب الرصين في النفوس، ولنا في كتابات أئمة الدعوة وقادتها ما يشير بوضوح إلى هذه الحقيقة متمثلة بما كتبه الأستاذ سيد قطب ﵀، وبما تركه الأستاذ السباعي ﵀ من تراث رائع، وغيرهما من الكتاب الإسلاميين والدعاة، وهم بحمد الله كثيرون ونأمل أن تكمل (البيان) تلك الجهود البناءة المشكورة. ومن خلال هذه الزاوية نظرنا إلى الجاهلية في الشعر الجاهلي وتعرفنا على ملامحها، ولعل البحث يسلمنا -بعدها- لنتعرف على جوانب من الأدب الإسلامي بمفهومه الواسع. وقد أقامت هذه الزاوية، أو ساهمت في محاولة إقامة منهج لكتابة تاريخنا الإسلامي من وجهة النظر الإسلامية لتكشف الزيف وتهتك الأقنعة التي يتستر وراءها الهدامون والمغرضون والمشككون في تاريخنا الإسلامي العظيم الذي نعتز به ونقدمه للأجيال وسيلة إيضاح لمبادئ الإسلام الواقعية المثالية، وأعني تاريخنا ... الإسلامي بالتزامه بأحكام الإسلام. * ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، ولعل (شؤون العالم الإسلامي) تكون مما يعين المسلم على التعرف على أحوال إخوانه في أرض الله الواسعة، والاهتمام بهم، وفيها يجد كل مسلم في أي بلد سبباً يشده إلى المجلة لأنه يشعر باهتمامها بقضاياه، فمزيداً من الاهتمام بذلك وعلى قدر الوسع والطاقة. * أما الوجه الكالح للحضارة الغربية، فإنه سوف يزيح الغشاوة عن أبصار وبصائر كثير من المخدوعين بحضارة القرن العشرين وجاهليته. * وهذه الإشارات التنويهية بما سبق لا يعني تقليلاً من أهمية غيرها، وهنا أجد لزاماً علي أن أشير إلى بعض ما أراه نصيحة خالصة -إن شاء الله- لمجلتنا: - إذ يجب العناية بالإخراج ليتفق المضمون والشكل معاً، من حيث كتابة العناوين ومن حيث الحرف وتنسيق الموضوعات وإخراجها، ولا أرى ضيراً من الإفادة من تجارب بعض المجلات الأخرى. - استغلال أجزاء الصفحات في نهاية المقالات التي لم تستوعب الصفحة الأخيرة من كل مقال بنشر كلمات خفيفة أو حكم.. أو غير ذلك تتناسب مع مستويات القارئ العادي الذي قد لا يهتم بالبحوث العلمية.. - حبذا لو كان في المجلة زاوية ثابتة عن: آية وحديث يعالج كل منهما بأسلوب مركز موجز قضية عقيدية أو فكرية أو سلوكية، وقد نشر بعض ذلك في بعض الأعداد. - استكتاب عدد من الكتاب والمفكرين، وقد بدأ ذلك يظهر في الأعداد الأخيرة كالعدد الرابع، وذلك يثري المجلة بأفكار الكتاب الإسلاميين ويجعل المجلة مجلة كل المسلمين، ويغطي مساحة واسعة من أرض المسلمين. - حبذا لو كان هناك اهتمام ببيانات التوزيع ووكلاء المجلة في كل بلد، وبيان بعض المعلومات الضرورية، ويأتي في المرتبة الأولى من الأهمية: انتظام صدور المجلة وتوزيعها في الأسواق.. ونرجو أن يكون ذلك خطوة أولى تمهد لصدورها شهرياً إن شاء الله تعالى. هذا وأضرع إلى الله تعالى أن يوفقكم ويبارك جهدكم وجهد جميع الأخوة العاملين، ويحقق على أيديكم ما يصبو إليه قراؤكم في شتى ديار المسلمين، وان يهيئ أيضاً من الأخوة القراء ما يحملهم على المشاركة في المجلة.. وأرجو ألا أكون قد أثقلت عليكم، فاقتطعت جزءاً من وقتكم، ولكن إخلاصي وحرصي دفعني إلي ذلك. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 135

أيها الشوق قد ملكت عناني شعر:عبد الله بن غالب بن حسن العَقِيْلي اليماني العديني هيج الشوق للبيان لساني ... أيها الشوق قد ملكت عناني من لي الآن والبيان بنأي ... من يرى الآن للبيان بياني جدّ في السير وامتطِ الريح وامضِ ... واعبر الجو والبحار ثواني بلغ النصح والتحية أدِّ ... واسند القول من يفاعِ يماني يالها الله كم لها الآن تصبو ... نفس حر تجاذبتها يدان كم بها القلب مغرم حين تبدو ... في سنا الشمس ليس فيها تواني صادت الفكر والعقول بسحر ... في اجتنا القول واقتضاب المعاني تنشر العلم للعباد وفيها ... نفحة المسك واختصار المثاني ترتدي المجد والسمو بعزٍ ... هكذا الفخر فلتعش للزمان

стр. 136

يارب وفق دعاة الحق شعر: قاسم بن عبده بن ملهي بنى عزّ الدين العديني الخير يا قوم بين الناس منتشر ... والفضل يقبل في الساعات مرّات يا رب وفق دعاة الحق قاطبة ... وارزقهم الصبر في وجه الصعوبات إن الدعاة وإن كنا نظنهمو ... فينا قليلاً فقد جاءوا بخيرات كم في المجلات والإفتاء فائدة ... خصَّ " البيان " وقلبها صفيحات ففي البيان كلام يستلذ به ... قاري المجلة إن يفتح وريقات وفي البيان كلام يطمئن به ... قلب المحبين أو قلب المحبات خصت مقالتها في حسن منهجها ... فلا نظير لها في ذي المجلات يا طالب الخير هلا قد مددت يداً ... تبغي السلامة من لدغ لحيات ما كل حمراء لحماً أنت ماضعه ... أو كل بيضاء كانت من شحيمات كم من مقال ولا يغني لقارئه ... غير الهراء وتضييع لأوقات كم من مقال وإن نقرأه كدّرنا ... زور المميلين أو كذب المميلات أهل البيان جزيتم كل مغفرة ... فداوموا السير في حسن الصناعات جزاكم الله كل الخير وانتبهوا ... للمرسلين لمن يرسل بزلاّت أبنتم الحق في تعداد أربعة ... فكيف بالحق إن جئتم بعشرات يا أيها الناس لا تنسوا لها عدداً ... فإن رحلتم فخطوا في الوصيات أستودع الله أهل الخير أجمعهم ... مع السلام عليكم والتحيات

стр. 137

صفر - ١٤٠٨هـ أكتوبر - ١٩٨٧م (السنة: ٢)

стр. 138

الافتتاحية .. والحديث مستمر حول حطين قد يبدو من الغريب أن يتفق الخصوم على الاحتفال بذكرى موقعة كانت نصراً لجانب، وهزيمة لجانب آخر، وأن يتبارى الجانبان في إعادة دراسة هذه المعركة وتقويمها واستخلاص الدروس منها. ولكن هذا الأمر لا ينبغي أن يثير العجب إذا كان حول معركة مثل معركة (حطين) . فإذا كانت هذه المعركة تمثل علامة بارزة في التاريخ العربي ... والإسلامي، وتعتبر وسام فخر واعتزاز لا للقائد الذي قادها - وهو صلاح الدين - فحسب، بل للأمة التي عمل من أجلها، وللفكر الذي كان صلاح الدين يمثله، وهو الفكر الإسلامي - فإنها تعتبر نقطة مهمة في التاريخ العالمي. فعلى الرغم من أن الصليبيين قد انهزموا فيها هزيمة منكرة، ولم تقم لهم بعدها قائمة تذكر، إلا أنهم انكبوا على دراسة النتائج التي حصلت نتيجة احتكاكهم المسلح بالمسلمين، وعكفوا على الانتفاع من معرفتهم لأحوال المسلمين عن قرب، ومن تحليلهم للعوامل المؤثرة في انتصارهم وهزيمتهم، وهكذا شكلت معركة حطين منعطفاً مهماً في حياة الغربيين. وكذلك فإن حوادث التاريخ قد تتشابه، فاحتلال اليهود لفلسطين، وإقامتهم دولتهم فيها بمساعدة ومساندة من الغرب الصليبي، في فترة ضعف وتفرق من المسلمين؛ وعلى الرغم من مرور أربعين عاماً على ذلك، ... ومع هذا، وعلى الرغم مما ينتاب العرب من مصاعب ومآسٍ، وما يعوقهم من شتات وتناحر؛ فإن إسرائيل لازالت جسماً غريباً مرفوضاً من الغالبية العظمى للشعوب المحيطة بها، ولا يبدو في الأفق أي تغير في تقبل هذه الشعوب لهذا الجسم الغريب، على الرغم مما يجري بين الحين والآخر مما يسمى بالصلح أو بإمكانية التعايش. لهذا كله قد يبدو مفهوما أن يتنادى مؤرخو الحروب الصليبية إلى مؤتمر لهم في القدس وحيفا بمناسبة مرور ٨٠٠ سنة على معركة حطين. ومن جهة أخرى نجد أن أكثر دولة عربية دعت إلى الاحتفال بهذه المعركة، إن لم يكن غيرة وخجلاً من احتفال الأعداء بها؛ بينما نحن أولى منهم بذلك، فلأن الواقع المؤلم الذين نعيشه يفرض علينا أن نجند كل طاقاتنا المعنوية إلى جانب الطاقات المادية في وجه الذين يستهدفون عقيدتنا وأرضنا بل وجودنا كله. وإذا كان احتفال الدول العربية بهذه المناسبة ينطوي - في جانب منه - على إدراك محمود لأهميتها ومكانتها من مجمل تاريخنا وصراعنا مع قوى الشر، إلا أنه مما يحز في النفس، ويؤلم الفؤاد، أن يجيء إحياء هذه المناسبة بصورة تخالف عملياً دلالتها التوحيدية. إذ، أي شيء أكثر ألماً وأقسى أثراً من احتفال كل دولة على انفراد، وبطريقتها الخاصة؛ بهذه المعركة الخالدة؟ . أليس من التناقض، بل ومن السخرية والهزء بمعانيها وبالأهداف التي عمل لها قائدها: صلاح الدين؛ أن نحتفل بها، بينما نطبق عملياً فكر من هزمهم صلاح الدين، ونرفع بيننا حدود من أجلاهم صلاح الدين، ونعمق معاني العصبية والإقليمية والطائفية التي حاربها صلاح الدين؟ . ثم أليس من الفكر المشوه الذليل، والترديد الممجوج الثقيل، الذي يمثل غباء في فهم التاريخ وإصراراً عليه؛ ما نقرأه للأمين العام للجامعة العربية في هذه المناسبة حيث يقول: (... إن الحروب التي سميت بالصليبية؛ لم تكن حقيقة صراعاً بين الإسلام والمسيحية بقدر ما كانت صراعاً بين مشروع استعماري، وبين مقاومة وطنية، وقد حلل المؤرخون الغربيون هذه المسألة، ودعوا إلى كثير من الحذر في تصديق النظرية القائلة بأن هذه الحروب تمثل صراعاً دينياً ... ) . هل يدعي حضرة الأمين العام أن العلاقات بين الإسلام والمسيحية منذ أن ختمت الرسالات برسالة الإسلام إلى يوم الناس هذا كانت سمناً على عسل! ؟ وهل يستطيع أن يرشد الناس إلى خط السلام المضيء الذي قابلت وعاملت به المسيحية الإسلام في أي بلد جاورته فيه؟ ؛ وهل الراهب بطرس الذي أطلق صيحاته المسعورة في جَنَبَات أوربا؛ يستعديها ويستنفرها (لاستنقاذ قبر المسيح من الكفار) ، لأن الفرصة لائحة وقد لا تتكرر؛ لم يكن مسيحياً، بل علمانياً ملحداً من الهراطقة، قد حكم عليه (بابا روما) ومجلس الكرادلة بالحرمان لأجل ذلك؟ !! ... ... بل هل كان قادة الحروب الصليبية من أمثال: فريديك بربروس الألماني، وفيليب أوغست الفرنسي، وريتشارد قلب الأسد الإنكليزي، ولويس التاسع، وغيرهم وغيرهم؛ نقول: هل كانوا ممن عوقبوا بالحرمان، وطردوا من رحمة الكنيسة! ؟ ثم ما هذه المصطلحات: مشروع استعماري ... مقاومة وطنية! . هل كان مصطلح: (الاستعمار) قد خرج إلى حيز الوجود في ذلك الزمن البعيد؟ وهل كانت كلمة (مقاومة) قد ترجمت وأقحمت في اللغة العربية إقحاماً متعمداً، ... وأبعدت كلمة (الجهاد) وغيرها ذات المدلول والمفهوم الإسلامي عن طريقها، إرضاء لخواطر الغربيين وعبيدهم الذين يدين أمين جامعتنا العربية العتيدة لمرجعيتهم الموثوقة بالولاء! . وهل كان لكلمة (وطن ووطنية) المدلول نفسه الذي ترسخ في وعي المسلمين خلال المائة سنه الأخيرة؟ ! أين المصطلحات التي لم تنهزم أمام زحوف الصليبيين السوداء، ولم تختف وتغرق في وديان الدماء التي أراقها هؤلاء في استباحتهم كل مدينة إسلامية دخلوها مصطلحات الجهاد في سبيل الله، والمرابطة في الثغور للدفاع عن حياض الإسلام، تلك المصطلحات التي لم تستجلب استجلاباً من لغات اليونان واللاتين، ولا من أدبيات الشرق والغرب، وإنما كانت نابعة من تراث هذه الأمة ومن دينها وعقيدتها. ليس عندنا شيء نقوله ... وليس لنا تاريخ نرجع إليه ونستقي منه العلم بالأحداث وفهمها وتحليلها، ولذلك فليس لنا إلا (المؤرخون الغربيون) ، وهم قد حللوا - فيما حللوا - هذه المسألة، وحذروا من تصديق مقولة: أن الحروب الصليبية هي صراع بين الإسلام والمسيحية! وعلينا أن نحذر، وإلا فالويل لنا إن لم نحذر! ! . وتكملة لتحليل المؤرخين الغربيين الأمناء فقد توصلوا إلى أن مشعلي الحروب الصليبية كانوا متآمرين على عقيدة الصليب، خارجين على تعاليم الكنيسة، وما هزموا إلا عقوبة لهم على ذلك! أليس من أعمدة تعاليم السيد المسيح (عليه الصلاة والسلام) : من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر؟ ! . إلى هذه النتيجة يجب أن ننتهي، وإلى مثل هذا التخريف ينبغي أن نصغي، وبمثل هذا الفكر المريض نحس ذكرى حطين، أليست مناهجنا التعليمية تردد مثل هذا الهراء وتحقنه دون بقية من خشية أو حياء؟ . لا يصلح الناس فوضى لا سَرَاة [١] لهم ولاسراة إذا جهالهم سادوا ...! لقد كتب الكثير عن حطين وعن صلاح الدين، ولكن ما نود ترديده وتأكيده في هذا المكان هو أن صلاح الدين سلك إلى النصر الطرق الصحيحة، وأعد الأمة للمواجهة إعداداً متكاملاً فكان التفكير بالجهاد وإعداد العدة له يسير - جنباً إلى جنب - مع الإصلاح الداخلي لأحوال الأمة، فعدل كثير من الضرائب المضروبة بغير حق، وأصلح فكر الأمة، فحارب العقائد الفاسدة التي تفتُّ في عضدها وتفرق كلمتها، وشجع العلماء، وأشاع العدل. وقد عكس مؤرخ معاصر للحروب الصليبية (وهو وليم الصوري) تخوف الصليبيين واحترامهم لصلاح الدين في الوقت نفسه، وحسابهم الحسابات للمواجهة معه فقال: (إن أي نمو في قوة صلاح الدين إنما هو مجلبة لتخوفنا، فهو رجل حكيم عند إسداء الرأي، مقدام في الميدان، وغاية في الكرم) . ويلخص بهاء الدين بن شداد صاحب النوادر السلطانية مفتاح شخصية صلاح الدين بقوله: (كان كل كلامه يدور حول الجهاد، وكل تفكيره منصباً على القتال، ... ولم يكن يهتم إلا بمن حمل السلاح، ولا يعباً بأي شخص له مقاصد أخرى) . فالفكر الجهادي هو الفكر الذي آمن به صلاح الدين، ولم يدر بخلده - بعد الاحتلال الصليبي الطويل - أن يضع عن كاهله عبء الجهاد، ولم تحدثه نفسه أن الأمة قد تعبت من الحرب، وأنه لابد من الاعتراف بالأمر الواقع، والتسليم بحقائق الأمور، ولم يكن يحركه مثل هذا التفكير ليرسم الخطط ويتصالح مع العدو، ويلتقي معه على موائد المفاوضات في منتجعات سرية، أو في ردهات قصوره! لا، فقد كان -كما وصفه أبو شامة- ( ... شديد المواظبة على الجهاد، عظيم الاهتمام ... به، ولو حلف حالف أنه ما أنفق بعد خروجه إلى الجهاد ديناراً ولا درهماً إلا في الجهاد، وفي الإرفاد؛ لصدق وبّر في يمينه، ولقد هجر في محبة الجهاد في سبيل الله أهله وأولاده ووطنه وسائر ملاذه، وقنع من الدنيا بالسكون في ظل خيمة تهب بها الرياح يمنة ويسرة) (الروضتين٢٢٢) . وكانت نظرته إلى الجهاد ليست نظرة مرهونة بالواقع الذي يحيط به، ولا تمليها عليه المواجهة مع الصليبيين فحسب، بل هي نظرة مأخوذة من صلب العقيدة الإسلامية في مراميها ومقاصدها ووسائلها = جهاد دائم لأعداء الله على كل أرض، وحيث قدر الله له أن يكون. انظر إلى ما يفضي به إلى صديقه ومستشاره: (القاضي الفاضل) : (متى يسر الله تعالى فتح بقية الساحل، قسمت البلاد وأوصيت، وودعت وركبت هذا البحر إلى جزائرهم، أتبعهم فيها حتى لا أبقي على وجه الأرض من يكفر بالله أو أموت) [٢] . غاية واحدة، وهمة عالية، أين منها همم كثير من مدعي البطولات في هده الأيام، الذين تقاصرت هممهم فلم تعد تتجاوز ظل كراسيهم المهزوزة، وانحصرت اهتماماتهم في غايات ما أبعدها عن طرق العزة والمجد، ومما أقربها من الضياع الشخصي والاجتماعي.

стр. 139

التجديد في الإسلام (٨) الحركة التجديدية الحديثة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب إذا كنا عرضنا لحال المجتمع المسلم منذ عهد عمر بن عبد العزيز، وحتى عهد شيخ الإسلام ابن تيمية.. فيا ترى ماذا سنقول عن الحياة الإسلامية قبيل حركة الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب؟ وإذا كان العالم الإسلامي منذ القرن التاسع قد تردى أكثر من أي وقت مضى في الضعف والجهل والتقليد والتمزق فماذا عسى يكون حاله في القرن الثاني عشر؟ لقد وصل إلى وضعٍ أدق ما يوصف به أنه ردةٌ إلى الجاهلية الأولى في معظم نواحي الحياة وتقديس للأضرحة والشيوخ والأولياء والأشجار، وصرف للعبادة لغير الله. ولعل من أبلغ ما وصف به حال العالم الإسلامي ما خطته براعة المؤرخ الأمريكي (لوثروب ستودارد) في كتابه (حاضر العالم الإسلامي) حيث يقول: (في القرن الثامن عشر كان العالم الإسلامي قد بلغ من التضعضع أعظم مبلغ، ومن التدني والانحطاط أعمق دركة، فاربدّ جوُّه، وطبقت الظلمة كل صقع من أصقاعه ورجا من أرجائه وانتشر فيه فساد الأخلاق والآداب، وتلاشى ما كان باقياً من آثار التهذيب ... واستغرقت الأمم الإسلامية في اتباع الأهواء والشهوات، وماتت الفضيلة في الناس، وساد الجهل، وانطفأت قبسات العلم الضئيلة، وانقلبت الحكومات الإسلامية إلى مطايا استبداد وفوضى واغتيال، فليس يرى في العالم الإسلامي ذلك العهد سوى المستبدين الغاشمين.. يحكمون حكماً واهناً فاشي القوة متلاشي الصبغة، وقام كثير من الولاة والأمراء يخرجون على الدولة في حكمها وينشئون حكومات مستقلة؛ ولكن مستبدة كحكومة الدولة التي خرجوا عليها، فكان هؤلاء الخوارج لا يستطيعون إخضاع من في حكمهم من الزعماء هنا وهناك، فكثر السلب والنهب، وفقد الأمن.. وجاء فوق جميع ذلك، (رجال الدين) المستبدون يزيدون الرعايا إرهاقاً فوق إرهاق، فغلت الأيدي، وقعد عن طلب الرزق، وكاد العزم يتلاشى في نفوس المسلمين، وبارت التجارة بواراً شديداً، وأهملت الزراعة أيّما إهمال. وأما الدين فقد غشيته غاشية سوداء، فألبست الوحدانية التي علمها صاحب الرسالة الناس سجناً من الخرافات وقشور الصوفية، وخلت المساجد من أرباب الصلوات، وكثر عديد الأدعياء الجهلاء، وطوائف الفقراء والمساكين يخرجون من مكان إلى مكان يحملون في أعناقهم التمائم والتعاويذ والسبحات، ويوهمون الناس بالباطل والشبهات، ويرغبونهم في الحج إلى قبور الأولياء، ويزينون للناس التماس الشفاعة من دفناء القبور. وغابت عن الناس فضائل القرآن، فصار يُشرب الخمر والأفيون في كل مكان، وانتشرت الرذائل وهتكت سائر الحرمات على غير خشية ولا استحياء! ونال مكة المكرمة والمدينة المنورة ما نال غيرهما من سائر مدن الإسلام، فصار الحج المقدس.. ضرباً من المستهزآت. وعلى الجملة فقد بُدِّلَ المسلمون غير المسلمين، وهبطوا مهبطاً بعيد القرار، فلو عاد صاحب الرسالة إلى الأرض في ذلك العصر ورأى ما كان يدهي الإسلام لغضب وأطلق اللعنة على من استحقها من المسلمين كما يلعن المرتدون وعبدة الأوثان) [١] . تجديد مدرسة الشيخ محمد بن عبد الوهاب: في وسط هذا الجو المكفهر شاء الله أن تنطلق دعوة التوحيد من أرض الجزيرة العربية كما انطلقت شرارتها الأولى منها، وكانت أرض الجزيرة - وبلاد نجدٍ خاصة - أنسب البقاع لظهور الحركة التجديدية حيث بقيت هذه البقعة بعيدة عن سيطرة الدول الكبرى آنذاك فلم يكن أحد يطمع فيها أو يلتفت إليها، وكان أهلها من صفاء البادية وقوتها وحيويتها ما يحقق البقاء والنماء لهذه الدعوة المرتقبة. فانطلق صوت الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب التميمي - المولود سنة ١١١٥ هـ - منادياً بضرورة نبذ الشرك والعودة إلى نقاء التوحيد وصفائه والذي كان عليه سلف هذه الأمة وأئمتها. وكان الشيخ قد حصل على ثروة من العلم عظيمة وتميز بفهم ثاقب وغيرةٍ متوقدةٍ جياشة، وقد فرغ لكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه الشيخ الإمام ابن القيم رحمهما الله حتى استوعبهما وأتقنهما ووجد فيهما الفهم الصحيح لنصوص الكتاب والسنة. ومن ثم بدأ دعوته في حريملاء ثم في العيينة ثم في الدرعية مخاطباً فيها جمهور الناس كما يخاطب رؤوسهم داعياً إلى نبذ البدع، وتحكيم الشرع، وإقامة الكتاب والسنة، حتى حقق الله له ما أراد، وأقام كياناً سياسياً على أساس من تعاليم الإسلام، بدأ في التوسع شيئاً فشيئاً، حتى استتم بلاد نجد كلها، ثم الحجاز، إلى أن اصطدمت جيوش الدعوة الغضة بقوات محمد علي المجهزة بأحدث الوسائل العصرية، فاخرت سير الدعوة ولكنها لم تستطع أن تحول بين أنوارها وبين المسلمين. ولقد كان لجهود الشيخ الشخصية ولمدرسته التي ربّاها على يديه أعظم الآثار في الأمم الإسلامية منذ ذلك الوقت وإلى اليوم، ويعزو كثير من المؤرخين معظم الحركات الإسلامية النقية في أفريقية والهند وغيرها إلى آثار تلك الدعوة المباركة. ولقد استطاعت هذه الدعوة أن تحرر الأراضي التي وصلت إليها من ألوان الشرك والخرافة وأن تعيد تعبيد الناس لربهم الحق، وتربيتهم على اتباع السنة الغراء حتى نشأت من أولئك البدو الجهلاء الجفاة الذين عرفوا بالسلب والنهب وقطع الطريق ... جماعة مستقيمة على شرع الله، تغضب لله وتغار على حرماته، وتتورع عن كل ما فيه أدنى شبهة، وتبذل النفس والنفيس في سبيل إعزاز هذا الدين ونصرة دعاته. وكان هؤلاء هم قوام الجيش الذي فتح بلاد نجد والحجاز وأغار على بعض مناطق الخليج والعراق وفي عزمه أن يخضع العالم الإسلامي، لهذه الدعوة الربانية. لقد استطاع الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن ينشئ دولة تحمي دعوته بالقوة، وكان واضحاً أنه قد خطط لذلك وعرض على عددٍ من الأمراء حتى قبل الإمام محمد ابن سعود ﵀، وناصر الدعوة الجديدة. وبذلك ضمن الشيخ استمرار دعوته وقوتها وبقاءها، وأفاد من الأمن الذي استتب، والوحدة التي قامت في نشر تعليمات الإسلام، وتربية الناس على المعتقد الصحيح، وتحريرهم من لوثات الشرك والوثنية، وهدايتهم إلى خلق الإسلام الصحيح في البر والتعاون والإحسان وكف الأذى وإكرام الضيف والعزوف عن الدنيا وملذاتها، والحذر من المحرمات في الأموال والمآكل والمشارب حتى أصبح رجالات الدعوة صوراً حية للإسلام يذكرون برجال خير القرون الأولى. وانتشر العلم وكثر طلابه وأصبحت البلاد مثابة العلم والعلماء، واشتغل أئمة الدعوة بشرح تعاليمها وأسسها ومبادئها والرد على مخالفيها وتفنيد شبهاتهم، حتى نشأ عن ذلك حركة علمية إسلامية صافية. ولقد كان من الآثار المباركة لهذه الدعوة أن فضحت البدع والخرافات والمذاهب الضالة وحذرت المسلمين من الاغترار بها فهاجمت الرافضة والمتصوفة والقبوريين وغيرهم من أهل التأويل والتعطيل. وعموماً فقد جددت دعوة الشيخ ومدرسته دين الإسلام الذي بعث به محمد ﷺ والذي جدده العاملون المخلصون عبر التاريخ، فكان لها من تجديد عمر بن عبد العزيز القوة الناتجة عن اعتماد الدولة للمنهج التجديدي، وكان لها من تجديد الإمام أحمد بن حنبل ثم الإمام ابن تيمية محاربة ما شاع في العصر من العقائد والبدع المخالفة، ونشر التوحيد الخالص، وتربية الناس على أخلاق الإيمان. ولم يكن تأثير الشيخ محصوراً في الزمان ولا في المكان، أما في المكان فإن من المقطوع به أن ثمة خيوط واصلة بين دعوته وبين بعض المصلحين المجددين خاصة في الهند وحسبك ما قام به الإمام الشيخ المجدد (نذير حسين الدهلوي) ، ثم الشيخ (محمد بشير السهسواني) صاحب كتاب (صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان) والذي ألفه للرد على (زيني دحلان) أحد علماء مكة في هجومه على الدعوة الوهابية وإلصاق التهم بها [٢] . كما كان لها تأثير في غرب أفريقية وفي سومطرة وفي بلاد المغرب العربي، ولتعرف طرفاً من ذلك انظر المراجع المحال إليها في الهامش [٣] . أما في الزمان فإن الدعوة لم تكن طمعاً شخصياً ينتهي بنهاية حياة حامله، بل كانت دعوة ربانية متجردة، ولذلك لم تحطمها الضربات الشرسة التي وجهت إليها، ولا زالت تؤثر في وجدان الجماهير الإسلامية على الرغم من عداء كثير ممن يجهلونها أو يتجاهلون حقيقتها. ولازال المسلمون الواعون في الأرض كلّها يُعنون بدراسة آثار الشيخ ومؤلفاته، وآثار أولاده وأحفاده وأتباعه، فيجدون فيها من تجريد التوحيد وحماية حماه من الطرق والذرائع الموصلة إلى الشرك، وتوضيح شرك الأفعال وشرك الألفاظ، وشرك الإرادة، وشرك العبادة مالا يجدون في غيرها. ليس لأن الشيخ جاء بجديدٍ من عنده، ولكن لأن الدعوة التجديدية تعني بكشف الجوانب التي تتسع فيها شقة الانحراف وتأكيدها تفاعلاً مع طبيعة الوضع الذي تعايشه وتعالجه. أما في بلاد نجد فلا يزال كثيرون - حتى من عامة الناس - يمتازون باليقظة والحساسية في الألفاظ والعبارات، فلا يقولون شيئاً من الاستعمالات التي ورد النهي عنها والتي أبرزها الشيخ في كتاب (التوحيد) ولا يرضون أن يسمعوها من أحد. ولازال فيهم بقية من سلوك حسن أخذ مأخذ العادات المألوفة المتواضع عليها، فهو يقاوم تيارات الانحلال التي تعصف عليهم من كل مكان بعض المقاومة.

стр. 140

تاريخ العلاقات الشيوعية الصهيونية بقلم: محمد آمحزون في غياب المفاهيم الإسلامية الصحيحة، ولأن الرأي العام في العالم الإسلامي هو فريسة خداع منظم متصل، يحاول إغراق المنتسبين إلى الإسلام في الجهل والتبعية باسم الشعارات المضللة، وحيث إنه ليس في العالم الإسلامي من يجهل دور الغرب الصليبي في المؤامرة ولم يتحدث فيه ويكتب عنه؛ ولكن الكثير هم الذين يجهلون صلة البلشفية والشيوعية باليهودية والصهيونية فكراً ونظاماً، ودورها في خلق ما يسمى إسرائيل، فإني سأكشف النقاب في هذا المقال عن أبعاد هذه الصلة وحقيقتها وأهدافها لخدمة اليهودية الصهيونية أولاً وأخيراً. أثر اليهود في الثورة البلشفية وفي الفكر الشيوعي: قامت الثورة البلشفية في روسيا عام ١٩١٧م لإسقاط القيصرية وإقامة دولة شيوعية. ومما يلاحظ أن اليهود كانت لهم سيطرة شبه مطلقة على هذه الثورة وقيادتها حتى وفاة لينين. ففي دراسة حديثة صدرت عام ١٩٦٥م لكاتب يهودي أمريكي عاصر لينين ورافقه وهو (لويز فيشر) ورد أن لينين يهودي الأصل. وذهبت إلى نفس القول مجلة (فرنسا القديمة) عام ١٩١٨م، وصحيفة (الساعة ... الباريسية) ذات الاتجاه الاشتراكي الراديكالي عام ١٩١٧م، وقالت: إن اسم لينين ... اليهودي هو (زيدر بلوم) . ومما يؤكد دور اليهود في هذه الثورة البلشفية أنه في شهر مايو عام ١٩٠٧م انعقد في لندن مؤتمر الحزب الشيوعي الخامس والأخير قبل الثورة، حضره (١٠٥) مندوبين عن البلشفيك بزعامة لينين، و (٩٧) من المنشفيك بزعامة مارتوف و (٤٤) من الديموقراطيين الاشتراكيين تتزعمهم روزا لوكسمبورغ، و (٥٥) من الاتحاد اليهودي يتزعمهم رفائيل ابراموفيتش وليبرغولدمان، و (٣٥) من الديموقراطيين الاشتراكيين الليتوانيين يتزعمهم دانيشفسكي، وكانت قيادات هذه المنظمات جميعاً لليهود: لينين، مارتوف، روزا لوكسمبورغ، ابرا موفيتش، ليبر غولدمان، دانيشفسكي. وضم المؤتمر من أصل (٣٣٦) مندوبٍ (٢٢٠) مندوب يهودي و (١١٦) من أصل غير يهودي. وأعقب هذا المؤتمر إصدار صحيفتين: صحيفة (بروليتاريا) ، وتمثل البلشفيك ويحررها لينين وبروفنسكي وزينوفييف وكامينييف وكلهم من اليهود ماعدا بروفنسكي. وصحيفة (غولوس سوسيال ديموكرات) أي الصوت الاشتراكي الديموقراطي، ويحررها مارتوف وبليخانوف وإكسلرود ومارتينوف - بيكل - وكلهم يهود ماعدا بليخانوف. ثم أصدر تورتسكي اليهودي أيضاً في نفس العام ١٩٠٨ صحيفة (فيينا برافدا) . وهكذا كانت مصادر الفكر الشيوعي جميعاً تسيطر عليها عناصر يهودية، كما كانت المنظمات الماركسية كلها من صنع أيديها وتنظيمها وبقيادتها. وقد لقيت الحركة البلشفية دعماً مالياً مكشوفاً من البيوتات اليهودية الكبيرة: فقد صرح جاكوب شيف المليونير اليهودي بأن الثورة الروسية نجحت بفضل دعمه المالي، وقال إنه عمل على تحضير ذلك مع تروتسكي. وفي ستوكهولم كان اليهودي (ماكس واربورك) ينفق بسخاء على هدم النظام القيصري بسبب عدائه لليهود. ثم انضم إلى هؤلاء يهود آخرون من أصحاب الملايين: والف شبورك، وجيفو لوفسكي الذي تزوج تروتسكي ابنته. وبعد موت هرتزل تولى زعامة الحركة الصهيونية حاييم وايزمن الذي التقى مع لينين في ٨ مايو ١٩١٦ بحضور الكاتب الصهيوني جاك ليفي في بيت الصناعي اليهودي دانيال شورين في زيورخ بسويسرا لبحث المخطط الثوري الاشتراكي لتقويض القيصرية التي كانت تقف في وجه إقامة الكيان الصهيوني في فلسطين. ومما قاله لينين لوايزمن: (على نجاح الثورة في روسيا يتوقف تحرير اليهود ... من كابوس ملوك أوربا وحكامها ورفعهم إلى أعلى المراتب في الدولة، وفرض احترامهم وشخصيتهم، وسوف تحقق الثورة (في روسيا) للشعب اليهودي المشتت ما عجزت عن تحقيقه لهم الثورة الفرنسية عام ١٧٨٧) . واقتنع وايزمن بالفكرة وقال للينين: (إن فتح أبواب الشرق واستقرار اليهود في فلسطين يتوقف في الدرجة الأولى على تدمير الامبراطورية العثمانية، وبتدميرها تزول الحواجز والعقبات التي تعترض المسيرة إلى أرض الميعاد ... عمرها أصبح محدوداً، وانهيارها وشيكاً. لابد من إنشاء دولة يهودية في فلسطين بعد أن تحقق الثورة الروسية أهدافها) . وفي أعقاب نجاح الثورة واستيلاء الشيوعيين على السلطة قام لينين: أولاً: بإصدار قرار بتحريم العداء لليهود، أي أنه اعتبر العداء لليهود جريمة معاقباً عليها. وكان قراره تعبيراً عن عرفان الثورة بالجميل ليهود روسيا في دورهم الأساسي بتقويض النظام القيصري. ونجد هنا أن لينين ألغى الموقف الرسمي والمجتمعي من اليهود دون أن يلغي في المقابل موقف اليهودية من الدولة والمجتمع، وهو موقف يقوم على التغلغل في المرافق والمراكز الحساسة واستغلال النفوذ. ثانياً: أصدر إعلاناً يعد فيه بتأييد إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. وكان ذلك في نفس المرحلة الزمنية التي أصدر فيها بلفور-وزير خارجية بريطانيا- وعده المشهور بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. ولم يكن هذا التوافق فلتة أو مصادفة وإنما حدث وفق مخطط مدروس. وبذلك حققت اليهودية انتصارين في اتجاهين مختلفين وبقوتين متناقضتين. فقد كانت هذه المسألة - إقامة كيان صهيوني في فلسطين- نقطة الالتقاء الوحيدة عام ١٩١٧م بين الشيوعية والرأسمالية. وعلاوة على ذلك فإن لينين - قائد الثورة - بنى فكره وإيديولوجيته انطلاقاً من الفكر الماركسي، وماركس كما هو معروف كان يهودياً، ويجهل كثير ممن وقعوا في شباك الماركسية أن ماركس الذي اشتهر بالدفاع عن الحرية وحرية المستضعفين بصورة خاصة كان يؤيد الامبراطورية البريطانية -وهي إمبراطورية إمبريالية توسعية- بل وقد جعل مصالح الديموقراطية الثورية ومصالح إنجلترا مترابطة وفي كفة واحدة، وعبر عن ذلك في إحدى المقالات التي كتبها في صحيفة (نيويورك تربيون) الأمريكية التي كان مراسلاً لها في أوربا قال: (ففي هذه المسألة -أي المسألة الشرقية- نرى أن مصالح الديموقراطية الثورية مترابطة مع مصالح إنجلترا بشكل وثيق. فلا الديموقراطية ولا إنجلترا تستطيع أن تدع القيصر يجعل من القسطنطينية إحدى عواصمه، وإذا سارت الأمور نحو الأسوأ فإننا سنرى الواحدة أو الأخرى تتصدى له بنفس الزخم والمقاومة) [نيويورك تربيون Tribune New York ٧ إبريل ١٨٥٣م] . كيف ذلك ونحن نعلم أن بريطانيا ذات اتجاه ليبرالي إمبريالي يتناقض قلباً وقالباً مع ما يسمى الديموقراطية الثورية أو الاشتراكية الثورية التي يزعم ماركس أنه يتبناها! إن في ذلك تناقضاً واضحاً يكشف النقاب عنه أن ماركس رغم تظاهره بالإلحاد لإضلال وغواية البشر كان يهودياً في الصميم؛ إذ كانت بريطانيا وقتئذ موئل اليهود وسندهم أكبر إلى جانب هولندا، وذلك قبل أن ينتقل مركز الثقل اليهودي بصورة نهائية إلى الولايات المتحدة. بل كان ماركس صهيونياً، وله كتاب اسمه: (المسألة اليهودية) ؛ فقد اتصل عام ١٨٦٢م بفيلسوف الصهيونية الأول ... وواضع أساسها النظري (موشي هيس) صاحب كتاب (الدولة اليهودية) ، وعن هذا أيضاً تلقى (تيودور هرتزل) الذي لم يزد على أفكار (موشي هيس) سوى أن ... بسَّطها وأقام لها تنظيمها السياسي فيما يعرف بالحركة الصهيونية. وقد بلغ من إعجاب ماركس وتأثره بـ (موشي هيس) أن قال عنه في كتابه (المسألة اليهودية) : (لقد اتخذت هذا العبقري لي مثالاً وقدوة، لما يتحلى به من دقة في التفكير واتفاق آرائه مع عقيدتي وما أومن به) ، وكذلك فإنه مما يلفت النظر إلى أن ماركس قد عبر بالشيوعية عن يهوديته ما كتبه فيما بعد (الحاخام لويز بورنس) ، وهو أحد أقطاب الصهيونية الحديثة قال: (إن كارل مار كس حفيد الحاخام مردخاي ماركس كان في روحه واجتهاده وعمله ونشاطه وكل ... ما قام به وأعدَّ له أشد إخلاصاً لإسرائيل من الكثير ممن يتشدقون اليوم ... بدورهم في مولد الدولة اليهودية) . ومما يثبت أيضاً أن لليهود دوراً هاماً في ترويج الفكر الشيوعي ما ورد في البروتوكولات الصهيونية؛ فقد جاء في البروتوكول الثاني: (لا تتصوروا أن تصريحاتنا كلمات جوفاء. ولاحظوا أن نجاح داروين ... وماركس ونيتشه قد رتبناه من قبل، والأثر غير الأخلاقي لاتجاهات هذه العلوم في الشعب الأممي (غير اليهودي) سيكون واضحاً لنا على التأكيد) . ... هذا بالإضافة إلى شواهد أخرى لا يتسع المجال لذكرها كلها؛ فقد ... نشرت مجلة (فريكان هيبرو) في عددها الصادر يوم ١٠/ ٣ / ١٩٢٠م وهي من ... كبرى المجلات اليهودية: (إن الثورة الشيوعية في روسيا كانت من تصميم اليهود.. وإن ما تحقق ... في روسيا كان بفضل العقلية اليهودية التي خلقت الشيوعية في العالم) . وبتاريخ ... الخامس عشر من شباط عام ١٩٦٨ ألقى ألكسي كوسيغين خطاباً في مدينة (مدينسك) السوفيتية جاء فيه: (نحن لسنا أنصار حرب جديدة في الشرق الأوسط، ... بل على العكس نريد سلاماً مستقراً في المنطقة، وهناك بعض الدول العربية ... تؤيد هذا الموقف. إننا نرفض تصفية إسرائيل، بل نؤيد استمرار إسرائيل كدولة) . ومما يلاحظ أن الاتحاد السوفييتي منذ بداية الثورة البلشفية لم يتحرج في اتخاذ موقف التأييد المطلق والتنسيق المتكامل بينه وبين الحركة الصهيونية قبل قيام إسرائيل وبعد قيامها. ومن مطالعة النصوص والوثائق التي تغص بها سجلات الأمم المتحدة - ويستطيع كل إنسان الحصول عليها بأي لغة شاء- يتضح عدد من الحقائق والمواقف التي تدين الاتحاد السوفياتي في تأييد قيام إسرائيل وفي التمهيد لها، ثم في توفير ظروف استمرارها وبقائها وقوتها. الشيوعية في بلدان أوربا وأثر اليهود فيها: لو دققنا في قيادات الحركات الشيوعية الأخرى خارج روسيا لوجدناها غاصة باليهود على مستوى القيادة والتنظيم أو على مستوى الفكر والمحتوى. ففي ألمانيا بعد نجاح الثورة الشيوعية الأولى عام ١٩١٧م، قامت ثورة شيوعية مماثلة قادتها روزا لوكسمبورغ، وهي يهودية بولونية شاركت وأسهمت في النشاط الشيوعي مع التنظيمات الماركسية الأولى خارج الاتحاد السوفياتي لكن هذه الثورة قمعت ثم أعدمت روزا لوكسمبورغ. وقد أوفدت الأممية الشيوعية (كارل ... رادك) لقيادة الحزب الشيوعي الألماني في أعقاب فشل روزا لوكسمبورغ، ثم تبعته (روت فيشر) وكلاهما يهودي. وفي نفس هذه الفترة تقريباً قام يهودي شيوعي آخر وهو (بيلاكون) بثورة في هنغاريا وكان هذا عام ١٩١٩م. وقد أعقب هذه الثورة مجازر ذهب ضحيتها عشرات الآلاف من المواطنين. وكان الحصاد مجاعة عامة انتهت بإسقاط (بيلاكون) ؛ الذي فر وعاد إلى روسيا ليتسلم فيها إدارة منظمة الإرهاب في الجنوب ... منها. وفي بلدان أوروبا الشرقية الأخرى لم يكن اليهود أقل نفوذاً وارتباطاً بالحركة الشيوعية. ففي رومانيا كانت سكرتيرة الحزب (أنَّا باوكر) التي ولدت في بوخارست لأبوين يهوديين ثم هاجر والداها وكان جزاراً - مع أحد اخوتها إلى إسرائيل واستوطنها. عاشت فترة من الزمن في أمريكا، ثم استطاعت أن تبلغ ذروة السلطة في الحزب الشيوعي الذي تسلَّم الحكم في أعقاب الحرب العالمية الثانية من الجيش الأحمر. وفي بولونيا ظل يحكمها إلى فترة غير بعيدة أربعة يهود هم: مينك وسكريينر فسكي، ومودز يلفسكي، وبرمان، وهذا الأخير كان يعيش في روسيا، ثم اختارته موسكو ليكون حاكم بولونيا الخفّي بعد الحرب. وفي تشيكوسلوفاكيا استطاع اليهودي سلانسكي أن يفرض ديكتاتورية حمراء أخرى، ثم شملته حملة التطهير، لكن الذين حاكموه كانوا أيضاً من اليهود: سيفان رايتز وغيره، وظلت تشيكوسلوفاكيا تحت حكم اليهود الشيوعيين، وقد تمكن هؤلاء من تنظيم مساعدة إسرائيل عام ١٩٤٨ م عسكرياً وبشرياً وأمدوها بالكثير من أسباب القوة، ثم صاروا يمدونها بعد ذلك بكل أخبار صفقات التسلح الشيوعي إلى البلدان العربية، ومواقع جيوشها وكفاءتها وتنظيماتها، وكل ما اتصل بأسرارها العسكرية، وإلى جهود هؤلاء وإلى عوامل أخرى يرجع الفضل فيما حققت إسرائيل من نصر خاطف عام ١١٦٧ م. وفي هذا الصدد نذكر قول الشاعر: ونشحد من يهود الشرق عدلاً ... كمن تخذ الغراب له دليلا وحين نبحث عن أصول وزراء التعليم والتربية في جميع بلدان أوربا لشرقية في الستينات نجدهم يهوداً وبغير استثناء. ويرجع حرص اليهود على هذه الوزارة بالذات إلى حرصهم؛ على توجيه النشء وصياغة أفكاره وفق المخطط الذي أعدّوه. قائمة لبعض القيادات اليهودية العليا في الحركة الشيوعية والتي كان لها دور في الثورة البلشفية. لينين: اسمه الأصلي: زيدر بلوم. قائد الثورة البلشفية عام ١٩١٧ الأمين العام للحزب حتى وفاته. كروبسكايا: زوجة لينين، شغلت أمانة سّر لجنة تحرير (الأيسكرا) ، أول صحيفة شيوعية. تروتسكي: اسمه الأصلي (برونشتاين) ، عاش فترة من حياته في نيويورك، رئيس سوفيات بطرسبورغ عام ١٩٠٥ م، أسهم في ثورة ١٩١٧م. روزا لوكسمبورغ: يهودية بولونية، أسهمت في جميع النشاط الشيوعي ... الذي سبق ثورة روسيا، وكانت مع أعضاء حزبها شريكة في التخطيط للحركة الشيوعية في أوربا. بارفوس: رئيس سوفيات بطرسبورغ بعد تروتسكي، أسهم في ثورة ١٩٠٥ و١٩١٧م مارتون: عضو تحرير صحيفة _ أيسكرا (الصحيفة الشيوعية الأولى. قاد الانشقاق ضد لينين وسمى أنصاره المنشفيك، اسمه الأصلي: رباوم. زينوفييف: كان يعرف مع لينين وكامينيف بالثلاثي، وهو صديق لينين الشخصي وأحد أبرز العناصر الشيوعية، ترأس الأممية الشيوعية من عام ١٩١٩م حتى ١٩٢٦م. إكسلورد: عضو تحرير صحيفة (أيسكرا) ومن القادة الأوائل للحركة الشيوعية مع بليخانوف في جنيف. ليبر غولدمان: من رواد الحركة الشيوعية الأوائل، أسهم في مؤتمر لندن عام ١٩٠٧ م. لتفينوف: واسمه الأصلي مايروالاش. وزير خارجية روسيا بين ١٩٣٠- ١٩٣٩، أسهم في سرقة بنك تغليس قبل الثورة للحصول على المال وتمويل الحركة الشيوعية. سفردلوف: أحد قادة الثورة البلشفية ومن العناصر البارزة في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفياتى، ورئيس لجنة الدستور وثانى رئيس للجمهوريات السوفياتية بعد الثورة. كامينيف: أول رئيس للجمهوريات السوفياتية بعد الثورة البلشفية. يوريتزكي: رئيس مفوضية الجمعية التأسيسية التي قامت في أعقاب الثورة. رادك: قاد الحزب الشيوعي الألماني موفداً من الأممية الشيوعية بعد إعدام روزا لوكسمبورغ، عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي بعد وفاة لينين. وارون أيزفوفتش كرمر: عضو اللجنة المركزية للمؤتمر الأول للحزب الذي وحد المنظمات الماركسية في روسيا القيصرية. روز شتاين: المشرف على جميع الشؤون الشرقية وما يتصل بالعلاقات الروسية - الإسلامية في الدولة الشيوعية بعد الثورة. وقد أشرف على تأسيس أول حزب شيوعي في فلسطين عام١٩١٩م، وكان حزباً يهودي القيادة. وإلى العناصر اليهودية في هذا الحزب أوكل أمر إنشاء الأحزاب الشيوعية في البلاد العربية. ولمن يريد التوسع في موضوع العلاقات الشيوعية الصهيونية فليرجع لكتاب (التاريخ السري للعلاقات الشيوعية الصهيونية) لنهاد الغادري، من منشورات دار الكتاب العربي؛ وهو كتاب يكشف عن الصلات بين الحركتين الشيوعية والصهيونية وعلاقتهما الواحدة وفكرهما الواحد وعناصر تكوينها المشتركة. ويقدم مجموعة من الوثائق تدين الحركة الشيوعية بالعمل بالتوافق مع الحركة الصهيونية ولمصلحة اليهودية، كما يقدّم مجموعة من الوثائق لتاريخ الأحزاب الشيوعية العربية ودور اليهود في إنشاءها وتمويلها. أثر اليهود في نشر الفكر الشيوعي في البلاد العربية الإسلامية: إن اليهود بدأوا منذ القرن التاسع عشر - على الخصوص - في التطلع والتخطيط لإقامة كيان صهيوني في فلسطين. وقد كانوا يعلمون جيداً أن ليس بإمكانهم أن يطأوا أرض فلسطين بأقدامهم وأن يقر لهم فيها قرار إلا في حالة ضعف المسلمين وتخلفهم، كما كانوا يدركون أن الإسلام هو السر الحقيقي لقوة المسلمين ونهوضهم. ولذلك أقدموا بما لديهم من هيمنة على وسائل الإعلام المختلفة على نشر الفكر الشيوعي وتمويل وتأسيس الأحزاب الشيوعية في البلاد العربية، ونشر الإلحاد وغير ذلك من المفاهيم العلمانية المادية التي تدعو المسلمين إلى فصل الدين على الدولة، وعن الحياة والتحلل من الأخلاق والقيم الإنسانية. وكان ذلك تحت ستار الشعارات الخادعة المضللة، فتغلغلت تلك الأفكار في عقول كثير من الشباب الذين فقدوا التوجيه الصحيح والفهم العميق المستنير للإسلام لأسباب داخلية أهمها غياب الإسلام عن الساحة كنظام حضاري ومنهج حياة شامل، ولأسباب خارجية أهمها الغزو الشيوعي الصهيوني والصليبي للعالم الإسلامي، واستيراد أساليب وأنظمة ظاهرها التقدمية والتحرر، وباطنها الاستلاب والاحتواء والجمود. فقد جرب المنتسبون إلى الإسلام مختلف الأنظمة الوضعية من ليبرالية واشتراكية فلم تزدهم إلا بلة وجموداً وتأخراً وتبعية للغير. علماً بأن الظروف التي مرت بها أوربا وجعلتها تكره الدين - بمفهومه الكنسي المحرّف الضيق الانتهازي - هي ظروف ليست موجودة في الإسلام، ولله الحمد. وقد استغل الشيوعيون اليهود وعلى رأسهم ماركس معركة الدين والعلم، والدين والدولة في أوربا للتمويه والمغالطة وتعميم الأحكام بالقول أن الدين أفيون الشعوب -أي الدين عامة - وأنه يتعارض مع النظر العقلي، وهي شبهة لها مجالها الحقيقي في واقع الكنيسة والفكر الغربي، بينما لا نجد لها أي أثر في الإسلام والفكر الإسلامي. إن الكنيسة في غرب أوربا حرّفت الدين المنزل من عند الله، ونشرت الأوهام والخرافات بين الناس، وابتزت الأموال بغير حق، ووقفت في وجه الحركة العلمية وحجّرت الفكر. ولاشك أن هذه المواقف الكنسية السلبية باسم الدين أعطت له مفهوماً مظلماً قاتماً ظل يعيش في أعماق الفكر الأوربي في العصر الحديث. هذا علاوة على أن التحريف الذي وضعه الفكر الغربي للدين لا يمكن أن ينطبق على الإسلام؛ فرجل الدين في الغرب يوصف بأنه لا يصلح لفهم أمور الحياة والتدخل في شؤون الدولة بسبب انقطاعه عن صحبة الناس في الأديرة والكنائس، إذ أن الكنيسة في الأصل تركت القوانين والأوضاع التي كانت تسود الإمبراطورية الرومانية تتحكم في شؤون الناس. أما الإسلام بمفهومه الصحيح المستمد من الكتاب والسنة - لا بمفهوم المنافقين الذين يرفعون شعار الإسلام، لكن في آن واحد يجزئونه ويشوهونه تبعاً لأهوائهم ومصالحهم الخاصة - فقد أقام العدل والمساواة بين الناس؛ لا فرق في ذلك بين حاكم ومحكوم في الحقوق والواجبات، وأمر بالشورى وحرية التعبير في إطار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وشجع العلم، وحرر الإنسان من رق التقليد الأعمى وربّاه على حرية الفكر والاستقلال في الإرادة مع التقيد بالدليل؛ فهي حرية فكرية تقوم على قواعد النظر والاستدلال بعيداً عن الأهواء والأوهام. ولم يقف أمام الحضارة والعلم والمدنية معارضاً أو مناهضاً كما فعلت الكنيسة في العصور الوسطى، بل كان باعثاً للانطلاقة العلمية التي أدت إلى ابتكار المسلمين للمنهج العلمي التجريبي. وهذا المنهج التجريبي هو الذي تسلمته أوربا من المسلمين عن طريق الأندلس وصقلية والشام وأقامت عليه مدنيتها الحديثة وعلاوة على هذا فإن الإسلام لا يقتصر على الشعائر التعبدية -كما هو الأمر عند الكنيسة- بل هو منهج كامل للحياة الإنسانية؛ إذ إن معنى الإسلام: الاستسلام والانقياد والخضوع لله والتزام حكمه في كل شؤون الحياة، أي بمعنى إسلام النفس كلها لله حيث تكون أفكار الإنسان ومشاعره وسلوكه العملي كلها محكومة بالدستور الذي أقره الله. فالسلطة التشريعية حق لله لا يجوز أن يشاركه فيها أحد، ومدار الإسلام على ذلك كله، قال تعالى: [فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيماً] [النساء: ٥٥] ، وقال تعالى: [ومَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ] [المائدة: ٤٤] . وقال جل وعلا: [إنِ الحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ] [يوسف: ٤٠] إلى غير ذلك من التقريرات الكثيرة الواردة في القرآن الكريم. ويبدو شمول التشريع الإسلامي أيضاً في بعدٍ آخر وهو النفاذ إلى أعماق المشكلات الإنسانية المختلفة، ما يؤثر فيها وما يتأثر بها، والنظر إليها ومعالجتها معالجة محيطة مستوعبة مبنية على معرفة النفس الإنسانية وحقيقة دوافعها وتطلعاتها وضرورياتها، ومعرفة الحياة البشرية وتنوع احتياجاتها وتقلباتها وربط التشريع بالقيم الإنسانية على الصعيد الفكري والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والأخلاقي، فجاء هذا التشريع لخدمة الإنسانية ولمصلحة الجميع، [أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ] [الملك: ١٤] . ومما يلاحظ أن الحملات التي تُوجَّه ضد الدين الحق -وهو الإسلام- إنما توجه من قبل دعاة المذاهب المادية وعلى رأسهم اليهود ضمن مخطط رهيب يتبلور من خلال الغزو الفكري الذي حاول بمختلف الأساليب القضاء على أثر الإسلام في عقر داره، وإيهام المخدوعين من أبناء هذه الأمة أن لا سبيل للتقدم إلا بإبعاد الإسلام عن مجالات الحياة المختلفة؛ هذا كسلاح لتركيز السيطرة اليهودية والتمكين لها في البلاد الإسلامية، إذ يدرك اليهود جيداً أن الإسلام يقف سداً منيعاً في وجه أي احتواء أو تبعية أو تنازلات لاسيما إذا كان الأمر يتعلق بأرض إسلامية كفلسطين وتهجير وتشريد شعب مسلم بأكمله. وهذه قائمة لبعض اليهود ممن كان له أثر كبير في تمويل وتأسيس الأحزاب الشيوعية العربية: ليون سلطان: يهودي مغربي، مؤسس الحزب الشيوعي بالمغرب عام ١٩٤٣ م. أبراهام السرفاتي: شمعون ليفي: يهوديان مغربيان أسهما أيضاً في إنشاء الحزب الشيوعي بالمغرب تحت رئاسة (ليون سلطان) السابق الذكر، وهما ... عضوان في حزب التقدم والاشتراكية. يعقوب كوجمان: يهودي عراقي، من مؤسسي الحزب الشيوعي في العراق. أميل، أوسكا، مولر: ثلاثة شيوعيين يهود حملوا الأموال والتوجيهات الأجنبية للحزب الشيوعي السوري اللبناني. وقد وردت أسماؤهم في اعترافات وفيق رضا القائد الشيوعي القديم، وجميعهم من موفدي الكومنترون. ساسون دلال: يهودي عراقي، من مؤسسي الحزب الشيوعي العراقي، تولى مناصب قيادية فيه. برنمو: يهودي شيوعي من فلسطين. كان مستشاراً لقيادة الحزب الشيوعي السوري اللبناني. هلل شفارتس: مؤسس منظمة (الأيسكرا) في مصر. مرسيل إسرائيل: مؤسس منظمة الشعب الماركسي في مصر. جاك تيبر شامي: رئيس الحزب الشيوعي في سورية ولبنان، وهو ... يهودي روسي الأصل من فلسطين. كورييل: يهودي مصري إيطالي الأصل، مليونير، أسس الحركة الديموقراطية للتحرر الوطني في مصر، وهي حركة شيوعية انضم إليها فترة من الزمن بعض عناصر القيادة الحاكمة في مصر. أبو زيام: شارك جاك تيبر -السابق الذكر- في توجيه الأحزاب الشيوعية في سوريا ولبنان وفلسطين، ويعتبر من أبرز خبراء الكومنترون في شؤون الشرق العربي. وقد تزعم الحزب الشيوعي في فلسطين بين عامي ١٩٢٤-١٩٢٩م. أفيجور: يهودي روسي، انتدبه الكومنترون لتأسيس الحلقات الماركسية الأولى في مصر. إن خطط اليهود المتآمرين على الأمة الإسلامية لا تقف عند حد، وتكاد تكون هي ذاتها منذ هجرة رسول الله ﷺ إلى المدينة: تغذية الأحقاد وإذكاء النفاق وإشعال نار الفتن لتدمير المجتمع الإسلامي بنشر الإلحاد والفساد والانحلال بين أفراده باسم الليبرالية تارة وباسم الشيوعية تارة أخرى. ألم يأن للمسلمين أن يتصدوا للمتآمرين على وجودهم وكيانهم وعقيدتهم ويقفوا صفاً متراصاً لإحباط خطط اليهود. ولعل فيما قاله أحد مشاهير الفلاسفة - إدمون يوركه - ما يشير إلى الطريق الذي يجب على قوى الخير المتمثلة في المسلمين سلوكه لإنقاذ أنفسهم بل وإنقاذ البشرية من المخططات الإجرامية لقوى الشر المتمثلة في اليهود وغيرهم: (إن كل ما تحتاج إليه قوى الشر لكي تنتصر هو أن يظل أنصار الحق مكتوفي الأيدي دون القيام بعمل ما) .

стр. 141

خواطر في الدعوة التخصص.. أو التشتت محمد العبدة بالغ الغربيون في التخصص، وأعجبهم ذلك لما لمسوه من الفوائد في أول الأمر، فتجد العامل أو الموظف أو المدرس لا يعلم إلا في حيز ما أسند إليه، فإذا خرج عن هذه الدائرة فهو لا يفقه شيئاً، وهذه ناحية إيجابية في الأصل، لأنها تنتج المهارة، وتعطي النتائج السريعة. ولكن شدة التخصص أدت في النهاية إلى ضيق الأفق وضعف المدارك في بقية شؤون الحياة. والمبالغة تؤدي إلى نقيضها أحياناً، فشدة البياض تصبح مهاقاً ويقابل هذا التخصص عند الغربيين ما عند المسلمين من ميل نحو الموسوعية الفضفاضة في العلم، وحشر أنفسهم في شتى المجالات في العمل، فالفرد هنا مطالب بأن يعلم كل شيء، أو له خبرة في كل شيء أو هكذا يدعي ولا يزال يعجبهم القول القديم: فلان (بحر علم) أو (دائرة معارف) ونسوا أو لم ينتبهوا إلى أن هذا العصر لا يحتمل مثل هذا، وإذا كان في العصور السابقة من هو فعلاً (بحر علم) فإن هذا لا يصح اليوم، بل لن يتهيأ له وإن أراده، لتشعب الأمور وتعقدها، مما لا يتيح صفاء للذهن وراحة للجسم. وإذا كان هذا في العلم، فكذلك في الدعوة ومن يتصدى لها، فلن يتهيأ له أن يتقن كل شي. وإذا حاول فإنما يأتي به على وهن وضعف، أو يأتي به فجاً لم ينضج بعد. فإذا كان الداعية المسلم هو المواطن أو التاجر، وهو الكاتب والخطيب والمتحدث، وهو الذي عليه أن يحل مشاكل الناس ... فهل يستطيع الإحاطة بكل هذا، وهل ينتج في دعوته، وإذا كان بعض الرجال يتحملون هذا كله، ويقومون به، فإن غيرهم لا يستطيع، وإذا كان البعض قد أوتي قدرة وتحملاً وصبراً، فأين تدريب من هو دونه على تحمل المسؤولية وتنمية مواهبه في فن من فنون العمل؟ وقد رأينا من أساتذتنا من يقوم بهذا، ولكن كثرة الأعمال تثقل عليه في النهاية، وتجعله لا يستطيع أن يقوم بجزء منها، ونكون قد خسرناه مرتين. مرة: لأننا لم نستفد من اختصاصه. والثانية: أننا لم نستفد من فترة اكتمال تجربته ونضوج عقله. ونحن هنا لا نريد أن نقلل من أهمية المعلومات العامة، وتوسيع المدارك، ولا من قدرات بعض الناس، وإنما نريد أن نكون واقعيين نعرف روح العصر وما يتطلبه، ونعلم كيف تتطور الأحداث، وكيف نستفيد من التيسيرات المادية الحديثة التي توفر الجهد، وتساعد على التغلب على ما فقد من صفاء الذهن، كما نريد أن يتعمق أهل الاختصاص في اختصاصهم دون أن يفقدوا ميزة سعة الأفق، كي نستثمر جهودهم ولا نشغلهم بأمور شتى، فتضيع الجهود أو لا ينتجون إلا قليلاً.

стр. 142

نظرات في الدراسات الاجتماعية مصادرها ومناهجها طارق عبد الحليم تحتل الدراسات الاجتماعية مكاناً بارزاً بين العلوم التي تشتد إليها حاجة الأمم، مع تزايد درجة وعيها بسنن الله سبحانه في خلقه الماديّ والبشريّ جميعاً، ومع اضطراد رقيها العقلي والخلقي، وبعدها عن عفوية الفهم، وتلقائية التصرف. وإن كنا نقصد بتلك الدراسات ما يتناول الحالة الإنسانية في انفرادها واجتماعها بالبحث والتحليل، وإظهار ما يعتريها من ظواهر نفسية، وسنن اجتماعية، فإن القرآن الكريم قد أحلَّ تلك المباحث محلاً عالياً، وأولاها رعاية بالغة، وعالج في محكم آياته العديد من تلك الظواهر، كما أفصح عن دوام تلك السنن؛ دل سبحانه على اضطراد سننه العامة المادية والاجتماعية في قوله تعالى: [سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ولَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً] [الأحزاب: ٦٢] ، وعالج حركة النفس الإنسانية حين تواجه خطراً محدقاً يكاد يذهلها عن قوام وجودها - الإيمان - حتى لتظن بالله الظنون، قال تعالى: [إذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ ومِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وإذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا] [الأحزاب: ١٠] ثم يصف سبحانه حالة النفس المنافقة المخادعة، وقد واجهت الخوف والفزع: [أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإذَا جَاءَ الخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ] [الأحزاب: ١٩] . ويفصح سبحانه عن اختلاط أصحاب النية الصافية الكاملة التوجه لله سبحانه بمن لا يزال للدنيا نصيب من نفسه، وإن لم يصادم ذلك الإيمان في معرض بيان أثر ذلك على الدعوة الإسلامية وتقدمها، منبئاً عن ذلك القدر الرفيع من الإيمان الذي يتمحض فيه الخير، وتتفرد فيه النية لله، [حَتَّى إذَا فَشِلْتُمْ وتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وعَصَيْتُم مِّنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا ومِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ولَقَدْ عَفَا عَنكُمْ واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ] [آل عمران] [١] . ثم كثير كثير من الآيات المحكمات التي يعالج فيها الحق سبحانه تلك الحالات التي تطرأ على النفس أفراداً وجماعات، ليكون المؤمن على بصيرة من نفسه، وعلى وعي بمسالكها ودروبها. يقول سيد قطب في الظلال: وكان القرآن الكريم يتنزل في إبان الابتلاء، أو بعد انقضائه، يصور الأحداث، ويلقي الأضواء على منحنياته وزواياه، فتنكشف المواقف، والمشاعر، والنوايا والضمائر، ثم يخاطب القلوب وهي مكشوفة في النور، عارية من كل رداء أو ستار ويلمس فيها مواضع التأثر والاستجابة [٢] . ثم السنة الشريفة التي فيها بيان الكتاب وتفصيله، هي بيان لما بين العبد وربه، وبين العبد وأخيه، وبين العبد ونفسه، ورسول الله ﷺ في سنته القولية والعملية، وفى سيرته الطاهرة قد مارس أعلى درجات التربية النفسية، والتوجيه الجماعي لتلك العصبة المؤمنة الأولى ممارسة فعلية وبياناً قولياً بما يصلح أن يكون منهجاً متكاملاً وأساساً ركيناً لما هو موضوع تلك الدراسات الاجتماعية الإنسانية. وقد تناول عديد من علماء المسلمين وأئمتهم، في مجالي المباحث الأخلاقية والتربوية، ما يجب أن يكون عليه المسلم من خلق قويم، وما يجب أن يتحاشاه من سلوك ذميم، من خلال التعرض لتلك الصفات الحميدة التي دل عليها الكتاب وفصلتها السنة كالصبر والحلم وكظم الغيظ في مجال المباحث الخُلُقية، كالإمام النووي وابن القيم وغيرهما. كذلك تناثرت في خلال بعض الدراسات التاريخية إشارات للسنن الاجتماعية التي جعلها الله سبحانه قوانين ثابتة تحكم التجمعات البشرية في كل زمان ومكان، كما يتضح في كتابات ابن تيمية وابن القيم على وجه الخصوص كما ظهرت في العصر الحديث بعض الدراسات التي تناولت الجوانب الخلقية والأصول التربوية الإسلامية وبعض الظواهر الاجتماعية بالبحث والتحليل، نذكر منها - على سبيل المثال لا الحصر- تلك الدراسات القيمة للأستاذ محمد قطب عن (منهج التربية الإسلامي) والتي تناول فيها، فيما تناول، بعض الظواهر المتعارضة في الحياة الاجتماعية، والتي تتعرض لها النفس الإنسانية بعامة، في صورة من الصور، كالفردية والجماعية، أو السلبية والإيجابية [٣] . وقد أسهم الدكتور محمد أمين المصري، بدراساته العميقة حول التربية الإسلامية وأغراضها، وحول دور الفرد والمجتمع في الإسلام، وسلوك الفرد وأهميته، في مجموعة محاضراته (المجتمع الإسلامي وكتاب المسؤولية) وغيرهما، مما هو جدير بأن يكون محل احتفاء ورعاية من المسلمين، لما فيه ... من توجيهات فذة، وتحليلات رائدة. كذلك ما تناوله الأستاذ مالك بن نبي من ظواهر شائعة في المجتمعات الإسلامية المعاصرة، بعد أن تقهقرت في سلم الرقيّ الحضاريّ كالسطحية، وذهان السهولة، وما أشار إليه الأستاذ جودت سعيد في كتابه القيم (حتى يغيروا ما بأنفسهم) ؛ إلى غير ذلك مما يهم المسلمين اليوم أن يرصدوه في واقعهم وأن يتعاملوا ... معه تعاملاً واقعياً مبنياً على معرفة وإحاطة بما يعتمل في النفس الإنسانية من دوافع الخير ونوازع الشر. ومما لاشك فيه أن الساحة الإسلامية قد ماجت بأحداث جسيمة خلال العقود القليلة الماضية، وتجاوبت تلك الساحة للأحداث بردود أفعال شتى، ظهرت من خلال أوضاع لا تغيب عن عقل الباحث المتتبع لمسرح الحياة الإسلامية في تلك الفترة المعاصرة. وكان من نتائج تلك الأحداث وردود أفعالها في واقع المسلمين وحياتهم أن ظهرت معطيات جديدة في الخريطة الاجتماعية للحياة الإسلامية لم تكن من قبل، كما تعرضت النفس المسلمة - الفردية والجماعية - لمؤثرات لم تتعرض لها من قبل، ذلك كله قد جعل الحاجة ماسة -أكثر من أي وقت مضى- إلى مزيد الاهتمام بتلك الدراسات الاجتماعية والإنسانية، والتي تتناول بالتحليل والملاحظة النفس الإنسانية المسلمة في واقعها الفرديّ والجماعي، ومن خلال حالات واقعية محددة بعيدة عن التجريد، لتصل إلى الأسباب الكامنة وراء تلك الظواهر العديدة التي تجتاح المسلمين وحياتهم، وتجتالهم عن طريق الحق والتقدم للهدف. ولنزيد الأمر إيضاحاً فيما يخص تلك الدراسات، نستعين بضرب المثل - أسوة بالقرآن الكريم - ولنتصور جماعة من العاملين بأحد المصانع، وقد لاحظ القائمون عليهم ضعفاً وتكاسلاً، انعكس على قلة الإنتاج ورداءته، ولمعالجة ذلك القصور كان أن عرض اقتراحان: أولهما: أن يبين للعاملين في هذا المجال -من خلال محاضرات وندوات طويلة ومكثفة - ما يجب أن يكون عليه العمل، وما هي صفات العامل المجد، وما هي عواقب التكاسل والتراخي، وما هي مزايا الجد والاجتهاد وفضل الإيثار وعدم الأنانية.. على أن يتم هذا التوجيه سواء بالكلمة المسموعة أو النشرة المكتوبة. ثانيهما: أن نتناول بالملاحظة والتحليل تصرفات العاملين في المواقف المختلفة - أفراداً وجماعات - وطبيعة العلاقات بينهم، وأن تشمل تلك الدراسة طبائع مثل تلك التجمعات مقارنة بمثيلاتها ممن يشترك معها في صفاتها وخصائصها ونزعاتها، ثم علاقتها بقياداتها التي تدفعها للتكاسل والإحجام، أو البذل والعطاء، وما هي وسائل حفز أولئك الأفراد ليكونوا أغزر إنتاجاً، وأكثر نشاطاً، وأقل اختلافاً، وتعارضاً في المصالح كما يشمل البحث الحياة الشخصية للأفراد، فرداً فرداً ليرى ما يؤثر فيها من مشكلات وصعوبات تنعكس على أدائها بشكل أو بآخر، وما يوجهها في حركتها من دوافع داخلية مستترة قد تتوافق مع الهدف العام والسياسة النهائية للمصنع أو تتعارض معه، كذلك تلك العلاقات التي تنشأ بين الناس من حداثة وود وأخوة، أو عداء وبغض وتحاسد، والتي يرجع وجود كل منها إلى طبيعة النفس الإنسانية في أساس فطرتها حين تتعارض المصالح أو تتدافع الأهواء، بحكم ما هو واقع لا بحكم ما يجب أن يكون. حين تتم هذه الخطة، وينتهي هذا البحث، فإنه يمكن أن نزيل ما أمكن من عوائق داخلية تعرقل الاندفاع لتحقيق الهدف والوصول إلى الغاية وزيادة الإنتاج وكفاءته. إذا انتقلنا بذلك المثال من مجال العمل والصناعة إلى مجال النشاط الإنساني عامة، في اجتماعه لأداء عدد من الأهداف المحددة كمجموعة إنسانية، أو لتكوين وحدة بشرية تاريخية كمجتمع متكامل، لاتضح لنا أهمية ما أشرنا إليه من دراسات. فالحل الأول: يمثل الاتجاه المثالي في حل المشكلات، وهو الطريق الأسهل. والحل الثاني: يمثل الاتجاه الواقعي التجريبي، الذي اعتمده القرآن في مواجهة الأحداث أثناء تنزله على رسول الله ﷺ ؛ ... ليصلح من خلال الحركة الواقعية الحية، كما يصلح من خلال البيان النظري. الحل الأول: يمثل حلماً جميلاً يتمناه الناس جميعاً، ينبني على فرضية أن الناس تتبع أحسن ما يقال لهم، وأنه بمجرد ظهور الحق ومعرفته، سينصاع له الكل متحدين متآلفين! وأن النفس الإنسانية حينذاك تكون في قمة الأداء، لا تشوبها شائبة من طمع أو تحاسد أو مصلحة.. ولكن رصيد ذلك في الواقع قليل.. والحل الثاني: يأخذ في الاعتبار ما أوضحه الله سبحانه في محكم آياته من أن (الإنسان) قد جبل على صفات مشتركة مركوزة في أساس فطرته، قال تعالى: [إنَّ الإنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وإذَا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعاً] ... [المعارج: ٧٠] ، وقال تعالى: [خُلِقَ الإنسَانُ مِنْ عَجَلٍ] [الأنبياء: ٣٦] ، وقال تعالى: [وخُلِقَ الإنسَانُ ضَعِيفاً] [النساء: ٢٨] ، والإنسان هو الإنسان.. المسلم يعلو بإنسانيته، لا فوقها - كما زعمت النصارى حين فرضت على قساوستها ترك الزواج لأجل الله! في زعمهم - ويدافع شهواته وطبائعه فينتصر حيناً، وله الثواب والفضل لله تعالى، وينهزم حيناً، فثم شرعت الحدود والعقوبات للتطهير والتكفير.. ثم عفو الله العميم.. ذلك والمشرك مخلد إلى الأرض قانع بالدون سادر في عينه. فاعتبار تلك الطبائع والفطر -إذن- بالنظر إلى تلك القوانين الكلية التي تحكم حركة المجتمعات الإنسانية عامة، وأسباب صعودها واندفاعها، ثم عوامل ضعفها وانهيارها إنما هو بمثابة الطريق المرسوم الذي يخطو عليه المسلمون عارفين بدروبه وشعبه، آمنين مزالقه ومخاطره، وهو الهادي لهم في تجمعاتهم العامة والخاصة، الكبيرة والصغيرة، إذ هي سنن كلية الهية لا تتخلف في زمان دون زمان، ولا تجامل فئة دون فئة. ولا يظن ظان أن تلك الدراسات مبتوتة الصلة عن العلوم الشرعية، وأن لا مكان لها فيما يتعلق بالعلم الشرعي! وإنما هي -كما في علوم التاريخ والعربية والأصول - علوم خادمة للعلوم الشرعية الأساسية كالتفسير والفقه والحديث، والتي هي كلها في آخر الأمر إنما تفي بإقامة حياة الناس في الأرض على حسب ما أراد لهم ربهم سبحانه، فهي تعين على فهم الواقع، وتساعد على استنباط ما يصلح حياة المسلمين من الأحكام الشرعية، التي تحكم واقع المجتمعات عامة، وخلجات النفوس خاصة، كما تحكم تصرفات الأفراد وقوانين الدول. وقد تعرضت تلك النوعية من الدراسات في هذا المجال، والتي ظهرت بشكل مستقل متخصص في أوربا منذ أوائل القرن التاسع عشر الميلادي للكثير من النقد والإعراض. وكان ذلك النقد والإعراض مبنياً على مبدئين رئيسين: أولهما: أن ما يعرف حالياً بالدراسات الاجتماعية والإنسانية، هو وليد الفكر الغربي، وحضارة الغرب - بكل ما تحمله من أوزار فكرية - تجعل نتاجها محظوراً، وإن صلح بعضه، درءاً للشبهة، وبعداً عن مواطن الزلل. كما أن كثيراً من رواد تلك الدراسات في الغرب من الشخصيات المشبوهة التي ينبعث فكرها من خبث فلا تنتج للناس إلى خبثاً. ثانيهما: أنه - على العكس من ذلك وفي مقابله -يقدم الإسلام لأبنائه، كمنهج شامل للحياة الإنسانية من لدن حكيم خبير، تصوراً واضحاً، وأساساً سليماً يصور الحركة الاجتماعية في سكونها وتطورها، وفي صعودها وهبوطها، ويصف الحياة الإنسانية في أدق خلجاتها النفسية من المصادر البشرية، انحراف عن الصواب، ونكوص عن الحق، لا يليق بالطليعة المسلمة التي تنشد أن تكون مناراً وضيئاً يفىء إليه المسلمون من كل حدب وصوب. وكلا الأمرين حق لا ريب فيه، فالدراسات الاجتماعية والإنسانية والغربية - في العديد من جوانبها - تختلف عن الإسلام في المصادر والوسائل، ومن ثم في الأهداف والنتائج. كذلك فإن الزاد الهائل الذي رصده القرآن -كما أشرنا إليه - ليضع به تصوراً واضحاً لأسس الاجتماع الإنساني على أساس أن (الإنسان) هو خلق الله تعالى، وتحليل النفس الإنسانية كما هي عليه من ناحية، وكما ينبغي أن تكون من ناحية أخرى، لجدير بأن يغترف منه الباحثون ما يقيمون به علماً يوجه حركة المجتمع، وخلجات النفس إلى الأمثل والأكمل. إلا أن ذلك كله لا يمنع من أن يتعرض المسلمون لنتاج الفكر الغربي في هذا المجال دارسين وناقدين، مصححين أو مزيفين، بشرط دقة التحري في البحث، وأن يكون الباحث كالصيرفي الماهر الذي ينقد صحيح الذهب من زائفه، وأن يكون على علم شرعي يتمكن به من تمييز ما يخالف عقيدة أهل السنة ومنهج نظرهم، أو يصادم معلوماً من الدين بالضرورة ويهدم أصلاً من أصول الشريعة، مما هو مشترك بين بني آدم بحكم اتفاق الفطرة، واتحاد الأصل، ووحدة السنن، وبما يتمشى مع توجيهات الله سبحانه للمسلمين بما يحفظ له علو المكانة وشرف المنزلة التي يسود بها سائر المخلوقات. وإننا لنجد ذلك المنهج جلياً في تلك الدراسة العميقة التي كتبها الدكتور (محمد عبد الله دراز) عن (دستور الأخلاق في القرآن) والتي بحث فيها النظرية ... الأخلاقية في مباحث الغرب، بنظر المسلم المتمكن من فهم دينه، فأقر بالصحيح، وكشف عن وجه الضعف والخلل، أو النقص والقصور، ثم وضع أساساً للدستور الأخلاقي الإسلامي كما أوصت به نصوص الكتاب الكريم بناء على تلك الدراسة المقارنة. فعلى سبيل المثال، نجد الباحث في حدود حديثه عن مصادر الإلزام الأخلاقي قد تعرض لكاتبين من كبار مفكري الغرب، أولهما: هنرى برجسون في كتابه (مصدرا الأخلاق والدين) حيث قال عنه دراز: (استطاع الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون، في تحليله العميق لقضية الإلزام الأخلاقي أن يكشف له عن مصدرين: أحدهما قوة الضغط الاجتماعي، والآخر قوة الجذب ذي الرحابة الإنسانية المستمدة من العون الإلهي) [٤] . إلا أنه عقب على ذلك -بعد التحليل - بأن عرض برجسون لا يفي بالمقصود، بل ويخالف المنحى القرآني في بعض جوانبه؛ قال: (أما إذا تناولناه - على أنه نظرية في الإلزام الأخلاقي -فإن تحليله يحمل بعض الصعوبات، وشيئاً من الانحراف عن الجادة، بالنسبة إلى وجهة النظر القرآنية) [٥] . كذلك فقد تعرض لما كتبه المفكر الفرنسي (عمانويل كانت) عن الإلزام الأخلاقي في كتابه (أسس ميتافيزيقا الأخلاق) فقال: (ولقد أحسن (كانت) صنعاً برغم النقص في طريقة تقديمه لنظريته حين أكد أنه كشف عن مصدر ... الإلزام الأخلاقي في تلك الملكة العليا في النفس الإنسانية) . ثم أوضح أن ذلك يتفق تماماً - حسب ما يرى- مع النظرة المستخلصة من القرآن في تكوين الإحساس بالخير والشر لدى الإنسان في قوله تعالى: [ونَفْسٍ ومَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وتَقْوَاهَا] وتزويدها بالبصيرة الأخلاقية في قوله تعالى: [بَلِ الإنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ] [٦] . ذلك المنهج الذي يتعرض لنتاج الفكر الغربي فيحلل وينقد، ويصحح ويزيف هو ما أردنا إليه، إذ تتسع من خلاله آفاق المعرفة، وتتفتح المجالات المتعددة التي يجب أن يعني بها المسلمون أكثر من عناية الغربيين فالحكمة ضالة المؤمن، أينما وجدها فهو أحق بها ممن سواه. إلا أنه يتعين علينا، قبل أن نمضي في بحثنا قدماً، ألا ندع مجالاً للبس أو الغموض لدى القارئ في تحديد نوعين من المصادر التي أشرنا إليها آنفاً: أولهما: تلك المصادر التي يرجع إليها في تحديد القواعد العامة والقوانين الكلية التي تندرج تحتها تلك الأشكال من العلاقات الاجتماعية والإنسانية، والتي تستقي منها الإجابات والحلول لشتى المشكلات والأوضاع الواقعية، ونعني بها: كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وسيرته ثم ما انبنى عليهما من منهاج استقر عليه الصحابة والتابعون، وتمثل في حياة وسير أعلام الأئمة على مر العصور. وثانيهما: تلك المصادر التي يمكن أن تسهم في إثراء مجال التجربة الإنسانية، في الواقع الحي، بحيث يشمل نطاق البحث الإسلامي كافة ما يمكن أن يشمله من أوضاع وعلاقات، سواء نشأت في الواقع الإسلامي، أو في الواقع الغربي بحكم ما هو مشترك بينهما في الصفات الإنسانية العامة. فالمصادر الأولى: هي مصادر الحلول والهداية، إلى جانب التجربة الواقعية. والمصادر الثانية: هي مصادر تغني مجال التجربة، وإن تقيدت في نتائجها النهائية ... وتحليلاتها بمعطيات المنهج الإسلامي لتوائم الواقع الإسلامي الذي تُطبق عليه. ولا بأس - إذا وصلنا إلى ذلك القدر من البحث - أن نعرض لمثالين من إسهامات باحثي الغرب في المجال الذي أشرنا إلى أهميته في بحثنا، مما نجده صالحاً للاستعانة به في فهم مجال تلك الدراسات المطلوبة وتحديد منهاجها ومجالها. أول تلك الدراسات لأحد العلماء الألمان وهو (ماكس فيبر) ١٨٦٤ - ١٩٢٠ ... حيث ذكر خلال تحليله القيم للبناءات الاقتصادية الكبرى، وما يرتبط بها ... من عوامل اجتماعية، تؤخذ في الحسبان لتؤتي تلك البناءات ثمارها، إلى ... أن المجموعات البشرية - بشكل عام - حين تعمل لهدف من الأهداف بشكل ... جماعي، فإنها تمر بأطوار محددة لا تكاد تختلف- حسب ما ذهب إليه ... ... الكاتب - في حالة المجموعات الدينية أو الاقتصادية أو الاجتماعية. أولها: سلطة الزعيم أو البطل الموهوب: الذي يقوم العمل على أكتافه وبمواهبه الذاتية وقدراته الشخصية، التي عادة ما تكون قدرات فائقة، وفي هذه ... المرحلة يكتفي الاتباع بترسم خطى الزعيم واتخاذ أقواله منهجاً وأفعاله معلماً، وغالباً ما تنعدم روح النقد وتندر روح الابتكار في تلك المرحلة للثقة في الزعيم المؤسس، ويكون الولاء مقدماً على الكفاءة، من حيث أن الحاجة إليه في إحكام الترابط أشد من الحاجة إليها، وقد استغنى عنها بمواهب الزعيم. الثانية: وهي التي تنشاً حين اختفاء الزعيم المؤسس لسبب من الأسباب، وفيها تتجه المؤسسة إلى أحد شكلين من أشكال التعامل والتعارف. أولهما: التقليد أو التقليدية: وفيها تجري الأمور على ما قرر ذلك الزعيم دون تغيير أو تبديل، كما يقل التجديد ولا يتوقع أن ينشأ زعيم من طراز المؤسس، بل حتى إن نشأ فإنه عادة لا يلاقي قبولاً كافياً لمنحه سلطة العمل المطلق ولا يندفع العمل للأمام إلا بقدر طاقة القصور الذاتي، المخزونة فيه من المرحلة الأولى. ثانيهما: التنظيمية العقلية: وفيها تنحو المؤسسة منحى التنظيم المبني على التخطيط والعقل وإعطاء كل مشارك دوراً فعالاً، دون ادعاء لوراثة الزعيم المؤسس من أحد أتباعه، أو لضرورة تقليد خطواته كما رسمها، وتكون الحركة على أساس تقييم صحة العمل ونتائجه لا على أساس نسبته لما قرره المؤسس. وعلى أساس الخط الذي تختاره المؤسسة - في المرحلة الثانية - من هذين الاتجاهين يكون مدى نجاحها أو إخفاقها في الوصول لهدفها المحدد [٧] . وما سبق هو عرض محض - بما يناسب الواقع الإسلامي - لما ذكره العالم الألماني، يلحظ فيه قوة الملاحظة، واستقراء الواقع، مع محاولة استنباط السنن العامة التي تربط الحوادث الاجتماعية برباط واحد، وتخضعها لقانون عام، حتى يمكن تعرية آثارها والاستفادة منها فيما شابه تلك الحالات بأن ظاهرة العمل الجماعي، كما وصفت في تلك الدراسة، هي ظاهرة اجتماعية عامة، تنشاً - عادة - حول نواة ديناميكية متحركة تجتذب حولها - حسب قوة جاذبيتها الخاصة-العديد من الوحدات العاملة، لتدور في فلكها، وتتغذى بحرارتها، وتهتدي بمسارها، ثم لا تلبث تلك النواة أن تختفي لسبب أو لآخر، فماذا يكون مصير تلك الوحدات العاملة؟ وهل ينفرط عقدها ويتناثر جمعها؟ ! الاستقراء الذي تدفعه تلك الدراسة قد دل على طريقين: أحدهما يخضع لذلك التقليد الممقوت الذي يجعل التابع أقرب للآلة منه للإنسان، فلا يصح عنده إلا ما كان ولا مكان لجديد تحت الشمس! وما كان البطل الموهوب ليخطئ، بل وما كانت الظروف التي لابست وجوده وعمله لتتغير بما يستدعي إعادة النظر في منهاج عمله، وإن ظل الهدف ثابتاً.. إلى آخر تلك الظواهر التي هي إلى خواص النفس المريضة أقرب من النفس المخلصة. والطريق الآخر يرجع -في حقيقة أمره - إلى دقة المؤسس الأول في رسم الخطوات التالية التي تضمن مسيرة المؤسسة للأكمل، كما يتأثر بمدى عمق الفهم وسعة الأفق واستيعاب المنهج لدى الصف الثاني من العاملين، حين تغير الظروف وتبدل الأحوال، فتنشأ حينئذ التخصصات، وتنمى المواهب، ويترك المجال مفتوحاً لكل اجتهاد يدفع عجلة التقدم، وتتسع الصدور للنقد البناء، وتتساقط دعاوى العصمة. إلا أنه من الضروري الإشارة إلى قصور تلك الدراسة عن أن تشمل ذلك النمط الخاص الذي تفرد به أنبياء الله -صلوات الله عليهم-، فإن إطلاق ذلك التصور على كافة ما يطرأ على الاجتماع الإنساني في كل المجالات كما صور الباحث تجوُز لم لا يصح، إنما منشؤه عدم إدراكه لمعنى النبوة ودورها، فإن الأنبياء ﵈، الذين هم أقطاب البشرية التي دارت حولها تجمعات ... إنسانية هائلة، واهتدى بهديهم البشر في كل زمان ومكان، لا يخضعون لذلك التحليل، إذ إنهم سادة المربين الذين أحسنوا توجيه الاتباع إلى خيري الدنيا والآخرة. وثاني تلك الدراسة يختص بدراسة تصرفات الأفراد حين يعملون بشكل جماعي لتحقيق هدف من الأهداف، خلاف الأولى التي عنيت بشكل وتطور المجموعة البشرية كمؤسسة جماعية لا بأفرادها داخل تلك المؤسسة، وقد أوضح صاحبها وهو العالم الأمريكي (توم يرنز) أن نشاط الأفراد يتجه داخل المؤسسات الجماعية-أيا كانت طبيعتها وهدفها - إلى ثلاثة أشكال: الأول - النشاط التعاوني: ويعني أن الأفراد تنزع فيما بينها-وقد اجتمعت على هدف من الأهداف - إلى أن تتعاون لتحقيق ذلك الهدف، إذ هي تدرك بالفطرة أن قواها الذاتية منفردة لا تقوى على تحقيق الهدف إن لم تنضاف بعضها إلى بعض. الثاني - الاتجاه التنافسي: وهو يعنى أن الأفراد حين يعملون بشكل جماعي، وبرغم ضرورة التعاون التي يدركونها فيما بينهم، فانهم ينزعون -كأفراد أو كمجموعات -إلى التنافس على تحصيل أكبر قدر من الإمكانيات المتاحة داخل تلك المؤسسة لصالح فرد من أفرادها أو مجموعة من مجموعاتها على السواء. الثالث - التعامل السياسي: ولا يعني مصطلح السياسة في هذا المجال ما يتبادر إلى الذهن مما هو معروف من معاني السياسة الدولية الخارجية أو الداخلية، إنما يعني - بإيجاز - استخدام تلك الأساليب غير المباشرة التي يلجأ إليها الفرد - أو الجماعة - في ظروف خاصة، لتحقيق هدف معين، مثال ذلك من يحاول إبراز قيمة عمله الشخصي، وأهميته بالنسبة للصالح العام للمؤسسة، وكم يلاقي من متاعب في سبيل إنجازه، حتى يصل إلى هدف خاص -قد يكون مشروعاً في غالب الأحيان - كتثبيت وجوده داخل تلك المؤسسة، أو اكتساب قدر أكبر من الأهمية يمهد به لكسب معنوي أو مادي [٨] . ومع التأكيد على أمرين: أولهما: خطر التعميمات والإطلاقات التي تطلقها تلك الدراسات على نتائجها واستقراءاتها. والثاني: أن تلك الدراسة إنما كانت مادتها التي استمدت منها مشاهداتها، هي الجماعات الأوربية - أو الغربية على الأصح - التي تتميز بثقافة خاصة لها جذور نفسية معينة، كما أن لها وسائلها الخاصة في النظر للأهداف والوسائل على حد سواء. إلا أنه لا يمكن القول بأن تلك الدراسة وإن كانت تتناول مجالاً معيناً من مجالات الاجتماع الإنساني في سبيل تحقيق أهداف مشتركة، إلا أنها في حقيقتها وصف لذلك التدافع الذاتي الذي أقام عليه الله سبحانه أمر الدنيا والناس، وهي صورة العلاقات البشرية المعقدة التي تحتاج إلى تشريح وتفصيل في كل دقائقها، ليتمكن الناس من نهج ما يصدر عنهم وعن غيرهم -أفرادا وقيادات - في مختلف المواقف والحالات. ولاشك أن تحليل تلك القوى العاملة -على السطح وتحته - في المجتمعات الإنسانية يعطي تصوراً للمسلمين، يمكنهم من تقوية مجتمعاتهم وتحديد القوى السالبة التي تدفعهم للوراء، وتقليل آثارها ما أمكن. فالتركيز على فهم سنة (الاتحاد) وضرورته كبديل وحيد للوصول إلى الغاية المنشودة إنما يتأتى بإبراز ذلك النوع الأول من النشاط التعاوني وتقوية الشعور به وتنميته. كذلك فإن الحد من آثار ذلك الاتجاه التنافسي، أو تحويل قوته الدافعة إلى قوة مفيدة للعمل بدلاً من أن يكون سبيلاً للتحدي بين الأفراد، والمنافسة الذميمة بينهم، أو مجالاً لاختيارات القوى التي يظهر فيها ضعف النفوس، وصغر الاهتمامات، لهو هدف من الأهداف التي تستحق أن يبذل فيها الباحثون جهدهم للوصول إلى كافة تفصيلاته التي يمكن أن يبرز فيها في مختلف المجالات. كما أن إدراك السبل والوسائل التي يتخذها الناس للوصول إلى أغراضهم - وإن كانت مشروعة - لهو ضرورة حتمية يحتاجها الدعاة إلى الله ليكونوا على بصيرة في تعاملاتهم، إذ إنه مما لاشك فيه أن الوصول للغرض بشكل مباشر مستقيم قد يكون أقصر طريق وأوضحه، إلا أنه يمنع منه موانع كالحذر من سوء فهم الآخرين، أو الحرص على عدم تجاوز حد معين في العلاقات، أو غير ذلك.. ومحاولة تقليل آثار تلك الممارسة السياسية في العلاقات - إلا فيما تصلح ... له - أنفع للمجتمع الإسلامي، والنفس المسلمة وإن كانت في حالة إيمانها أرفع مما يدركه ذلك العالم الإنكليزي، إلا أنها لا تسلم من أن تتعرض لتلك النوازع البشرية العامة خيرها وشرها. من هنا تنشأ أهمية توجيه الهمة إلى تحليل تلك العلاقات والنوازع التي تنشأ من ضرورة التعاون أولاً، ومن طبيعة النفس ثانياً، ثم من سنن الاجتماع ونتائجه أخيراً. ونحن لا نقصد في هذا المقال إلى استقصاء مثل تلك الدراسات، أو بسط ما فيها بالشرح والنقد، وإنما قصدنا إلى أن نؤكد على ضرورة أن نولي هذه النوعية من البحث مزيداً من الاهتمام، وأن تبني على هدى القرآن والسنة، ومراجعة ما أفرزته العقول البشرية في هذا المضمار، كما ضربنا أمثلة من ذلك التناول ومنهجه، لما يمكن أن يكون مجالاً للبحث والتحليل في التركيبة الإسلامية الاجتماعية المعاصرة. ولعل الله سبحانه أن يلهمنا الصواب في القول والعمل جميعاً.

стр. 143

لابد من التحقيق.. ولكن .. منصور الأحمد -١- من المتفق عليه بين الباحثين أن علم الحديث بمنهجيته وأصوله وتطبيقاته؛ من مزايا الأمة الإسلامية، ومما تفردت به دون الأمم كلها، وأنه علم من مبدئه إلى منتهاه إسلامي الانبثاق والنشأة والكمال. وهو باختصار شديد علم يهدف إلى توثيق النصوص المنقولة، والتمييز بين ما يصلح أن يكون أصلاً ومستنداً للحكم الشرعي وما لا يصلح لذلك. وليس المقام مقام استرسال في بيان حدود هذا العلم، والخوض في مسائله الواسعة؛ وإنما هناك حاجة إلى التنبيه إلى بعض القضايا نراها جديرة بالاهتمام وتستحق من القارئ الكريم التفاتة ونظرة فيها شيء من التأمل. -٢- لقد مر علم الحديث بفترات مختلفة، فنجد أن العصر الذهبي لهذا العلم قد شغل القرون الثلاثة الأولى من الهجرة، حيث نشط العلماء في الرحلة والتدوين، وحفظت السنة النبوية في دواوينها المعتمدة، وعكف العلماء وطلبة العلم عليها مقابلة وتمحيصاً وفهماً. والفترة الثانية كانت فترة توسع وانبساط واشتغال بكثرة الطرق، وحرص على النادر من طرق الرواية، وإن كان كل ذلك لم يؤد إلا إلى أقل القليل من الإضافة إلى ما هو معروف من النصوص المعروفة والمشهورة والتي عليها مدار الاستنباط. وخلال هذه الفترة لاحظنا شيئاً من الخلل حصل نتيجة التباعد بمن علمي الحديث والفقه ففي الفترة الأولى كان غالب الفقهاء محدثين، وغالب المحدثين فقهاء، وهذا هو الشيء الطبيعي لإنتاج ثقافة أصيلة نافعة، ولكن في الفترة الثانية حصل شيء من التباعد بين هذين الاختصاصين اللذين لا غنى لأحدهما عن الآخر، فأصبحنا نرى مؤلفين في الفقه لا علم لهم بالحديث، ومؤلفين في الحديث لا علم لهم بالفقه إلا في القليل النادر. ولكن من حسن حظ علم الحديث أن هيئ له في آخر هذه الفترة عالم فذّ، كان محدثاً وفقيها هو العلامة الإمام ابن حجر العسقلاني ﵀، والذي ألف كتابه (فتح الباري) فكان خدمة عظيمة للفقه القائم على الحديث، ولدراسة الحديث القائمة ... على الفقه الواسع والبصر به رواية ودراية. وهناك فئة ثالثه نشأت في هذه الفترة، واستمر تأثيرها السلبي في الثقافة الإسلامية إلى عصر نهضة المسلمين في هذا القرن، وهذه الفئة حشدت في مؤلفاتها روايات باطلة وضعيفة، وسودت صفحاتها بما هب ودب من الأخبار والآثار، دون تمحيص وتدقيق، وسرت هذه الأخبار والروايات كمسلمات عند كثير من المسلمين فيما بعد فكان لها أثرها السيء الذي أوقعهم في دوامة من التبريرات والردود، وشغلهم في الدفاع عن أباطيلهم في أغلب الأحيان. والناظر في كثير من كتب التفسير والفقه والوعظ سيجد أمثلة كثيرة من الإسرائيليات والأحاديث المنكرة، وكثيراً مما لا يصلح أن يحتج به على الإسلام، أو يعاب بسببه. ويحمل وزر ذلك المؤلفون البعيدون عن التحقيق، والذين أطلق عليهم لقب العلم، بينما أصدق لقب يمكن أن يطلق عليهم هو لقب: (حاطب الليل) . ... وفي هذا العصر شعر كثير من المسلمين بواجب التحقيق العلمي للتراث العربي والإسلامي، ونتج عن ذلك جهود مشكورة تصلح أن تكون مثالاً يحتذى. -٣- وإذا كان هناك شيء من النقد؛ فإن كثيراً من الأمور المستحسنة والمطلوبة قد يتعاطاها من لا يحسنها، أن من ينحرف بها عن هدفها المنشود، ويسير بها إلى وجهة أخرى قد لا تكون لها علاقة بالعلم وحدوده، أو التحقيق ومجالاته. وهناك أمثلة على ظواهر شائعة لابد من التنبيه عليها: فهذا مؤلف يؤلف رسالة أو كتاباً في موضوع ما، ويريد أن يظهر بمظهر العالم النحرير، فيوهمك - بكثرة هوامشه وإحالاته - أنه قد اطلع على كل ما ذكر في هذه الهوامش، وبنظرة بسيطة جداً تكتشف أن هذه المراجع التي أشار إليها ليست إلا ما نقله من مؤلف آخر في هذه المسألة! . (وهذا آخر يبحث في قضية يريد أن يستشهد عليها بحديثه، فتخدعه نفسه، فيلبس لباس كبار المحدثين، فيعمد إلى فهارس كتب الحديث فيجمع كل ما ورد من طرق وروايات، وكل ما قيل حول ذلك من دقائق علم الحديث؛ مما قد لا يكون ... له كبير مساس بالموضوع الذي يبحث فيه، ويكفيه في هذا الصدد أن يكون الحديث صحيحاً في ذاته، ولو ورد في مرجع واحد، ولكنه التكلف الذي يخرج البحث عن المقصود، ويضيع وقت الباحث والقراء فيما لا يعود عليهم بفائدة جديدة. وهذا ثالث يكتب مقالة قصيرة، إذا ما قارنتها بما تحتها من حواشٍ لرأيت العجب، ولكادت تلك الحواشي تعادل نص المقالة! . وليس الاعتراض على أمثال تلك الحالات استهانة بالتحقيق والتوثيق، ولا بجهود بعض المحققين الذين يبذلون جهوداً مشكورة في تمييز الصحيح من غيره، والذين كرسوا جهودهم لذلك، وأنتجوا نتائج طيبة؛ ولكن اللوم يتجه إلى أولئك النفر الذين لا يفهمون مدلولات الكلام ولا مصطلحات المحدثين، وليس عندهم الحصيلة الكافية من الفقه بالنصوص، وبالفائدة المرجوة من التخريج، ومع ذلك يستسهلون الصعب، ويتقحمون فيما لا يحسنون ويتجرءون على الخوض في أمور أولى بهم أن يتركوها لمن يحسنها. إننا بحاجة إلى التركيز في بحوثنا، والبعد عما لا فائدة منه من التكرار وزيادة البسط والشرح في أمور قد بحثت، والمسلمون اليوم أحوج ما يكونون إلى ... استخلاص النافع الذي لابد منه لكل نهضة، والقادر على الثبات أمام الأفكار الوافدة التي تكاد تعصف بالأمة في غيبة المنهجية في البحث، ولابد من البعد عن إثارة القضايا الجانبية التي تستهلك الجهود ولا تؤدي إلى كبير نفع، والأمور التي يحتاج إليها المسلمون من السعة والكثرة بالقدر الذي يحتم عليهم التخصص وفرز العناصر والبعد عن (الموسوعية) وادعاء العلم بكل شيء، وليس عيباً اليوم أن تعرف جانباً من العلم وتتقنه وتحسن التحرك من خلاله؛ وأن تجيب عن جوانب أخرى أو علوم أخرى بـ (لا أدري) ؛ ولكن العيب كل العيب، أن تدعي معرفة كل شيء وتخوض في كل اتجاه خوضاً سطحياً لا يؤدي إلى شيء، وبهذا تجمد الأفكار، وتقبر الثقافة.

стр. 144

مواقف في الفكر الإسلامي الحديث محمد بن حامد الأحمري أصبح الإسلام موضوع الساعة في العالم، الكل يكتب ويخطب ويناقش، وسيطرت قوة الحقيقة الإسلامية على الساحة، تحقيقاً لوعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لهذا الدين بالظهور إلى قيام الساعة، سواء بالحجة والبيان، كما في العهد المكي، أو بهما إضافة إلى القوة والسلطان كما في العهد المدني [١] وما تلاه، ثم في غالب التاريخ الإسلامي، ففي حال عدم ظهوره بالقوة والسلطان فإن قوة الحجة والبرهان معلومان بالضرورة من بديهيات الإيمان. ولا غرابة أن نجد كاتباً كافراً يبدو نصرانياً يقول: (الإسلام يفرض على المجتمع الحديث احترام حقوق الله وحقوق الإنسان، التي نص عليها القرآن لذلك تسعى الاشتراكية أن تكون إسلامية، وتسعى الديموقراطية أن تتلون بالدين) [٢] ، ثم صدرت مقولات كثيرة، وظهرت سلوكيات تبدو محابية للإسلام ممن عرفوا بعدائهم له جهراً، ثم عادوا يتملقونه ويتظاهرون بعدم الاختلاف معه. وربما جعل أحدهم نفسه فقيهاً ومفتياً في مهمات أمور الإسلام، ركوباً للتيار. وأكتفي بسوق مثال واحد من هؤلاء ألا وهو المطران كابودجي الذي شُهر بالدفاع عن القدس، وقال: إنه تزوج القدس كما تزوج غيره قضية فلسطين، وزعم أن الله عهد إليه بتحرير القدس. يقول: (كلنا مسلمون، منا من أسلم على طريق القرآن ومنا من أسلم عن طريق الحكمة.. الرب أبونا) [٣] وعلى ما في ... الكلمة من خداع لفظي ولكنها من أمثلة التزلف للإسلام من عدو محارب له. إن هذا التوجه والاندفاع للحديث عن الإسلام ودراسته مع إبقاء الأهداف المريبة، يستوجب إظهار قوة ونفوذ الفكر الإسلامي، وإحسان التعامل مع موجة العداء الجديدة، والهيمنة عليها. ولأن مفاهيم الإسلام جاءت مهيمنة على غيرها، فأساس هذه المفاهيم ومنبعها أنزله الله مهيمناً على ماعداه. ... المواجهة مع أعداء الله فكرية أو عسكرية لا تعرف الهدوء ومن توقع أن الهجمة انتهت أو ضعفت فهو غافل غائب عن ميدان الصراع. ومن المؤسف أن المواجهة الفكرية، المطلوب من المسلمين القيام بها لا تتناسب في هذه الظروف مع شراسة الهجمة واتساع دائرتها. ويمكن القول أن عدداً قليلاً ونادراً من الإنتاج الفكري الإسلامي اليوم يستحق الاهتمام والدراسة، أما الغالب فجهود يغلب عليها أسلوب التغزل بمبادئ الإسلام ومثله أو الدفاع والاعتذار، وتملق الناس ومهادنة أحوالهم السائدة، وليس بما يمليه الإسلام من علوٍ له على ما سواه وتنفيذ لحكمه مهما بدا في نظر البشر غريباً. هذه الكتب أو الأعمال الفكرية أيا كان -نوعها التي تسودها السطحية وغموض الهدف تنتشر بواسطة الشهرة والصداقة والمعرفة الشخصية في مجتمع اعتاد بعضه على الإملائية الفكرية، التي تملي على المسلمين القراءة للكاتب المردد لا للكاتب الرائد، تملي وتوجه إلى القراءة للفكر المهادن للجمود الفكري وليس للفكر الواعي الموقظ. نتيجة لهذا النوع من الفكر تخرج للساحة أعدادٌ هائلة من المسلمين تتناسب في كل أمورها مع تلك الثقافة الواهنة الخجلى التي تغذت بها وتعاني مما تعانيه تلك الكتب. ورحم الله إقبال إذ يقول: جوهر الآساد أضحى خزفاً ... حين صار القوتُ هذا العلفا إن هذا النوع من الفكر لا يمكن أن يوجد لنا ما نهدف إليه وما يحتاجه المسلمون من قوة معنوية فكرية تكون أساساً للقوة المادية. إن قوة [وأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] كانت روحاً قوية سرت في قلوب الصف الأول فأوجدت ما تبع من قوى. إن القرآن هو مصدر التثقيف والبناء الفكري والتربوي للرسول -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، وعائشة ﵁-تقول حين سئلت عن خلقه - ﷺ : كان خلقه القرآن. فأي جيل يمكن أن يخرجه ركام الوهن والجهل والتقليد والتلقية هذه الأيام، لكم نسخط على التقليد الذي أوهن العقل والروح عند المسلمين. ثم نمارس نفس العيب إنما بأسلوب آخر ما أحرانا أن نخترق هذا الركام ونستصفي منه ما يعنينا ... لا ما يثقلنا (فإن الغلبة والاستيلاء المعنوي يقوم بنيانه في الحقيقة على الاجتهاد ... والتحقيق العلمي. فكل أمة تسبق غيرها إليه تتولى قيادة العالم وزعامة الأمم، وتستولي أفكارها هي على العقول. أما الأمة التي تتخلف في هذا الطريق فلا تجد مناصاً من اتباع الغير وتقليده إذ لا يبقى في أفكارها ومعتقداتها من القوة والأصالة ما يكسبها السيطرة على الأذهان فيجرفها تيار الأفكار القوية التي تقوم بها الأمة الباحثة المجتهدة) [٤] . أما الأفكار المهزومة فهي التي تنجب أجيال الهزيمة فكراً ... وفعلاً. ومما زاد هذا الوهن الفكري تعقيداً وقوعه تحت ما يمكن أن نسميه مشكلة الميراث الثقافي أو التراث. وأحيانا تحت أثر الثقافة الأجنبية الغربية، فكثيراً ما نجد التراث يسوق الكاتب أو العالم في عراك تاريخي لا علاقة له بالواقع. أو في الجانب الآخر نجد الكاتب يقرر أفكاراً في بعض الأوقات لا تكون إسلامية ثم يبحث عن الشاهد من الآية والحديث لسببين: إما أن تكون مؤيدة لفكرته، لا مؤسسة لحكم أو موقف فيكون رأيه هو الأساس والآية مؤيدة وليست مؤسسة؛ أو أن تكون مسوقة للزينة أو ما يسمى بحسن الاستشهاد. وقد تجد الآية أو الحديث على ندرتهما غير متناسقين مع السياق. إن قيام المسلمين بنقد إنتاجهم الفكري وإبراز الحق فيه وتقويم الأخطاء المتتالية لضرورة ملحة وسط هذا الزخم الذي يتراكم دون أنً يجد مقوماً. كيف لا يدرك من يكتبون عن الإسلام أهمية نقد أعمالهم. والنقد وتذكير النفس بعيوبها قاعدة قرآنية ثابتة: [أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] [آل عمران: ١٦٥] . ألا يرى هؤلاء الكتاب أن الله قد خاطب بهذه الآية محمداً وأصحابه حثاً لهم على ملاحظة عيوب النفس والصف واستكمال المحاسن ونفي النقائص ولئلا يعلق المسلمون مصائبهم على مشاجب الاستعمار والشيوعية والقومية.. إلخ. وفي طريق الهروب من النقد نلبس هذه الكتب والأفكار لباس الإسلام وقداسته وكأن كل نقد لها فيه مساس بقدسية الإسلام وجنابه، وهذا الاتجاه لا يعنى مهابة نقد هذه الأعمال فلم يشفع للأحاديث الضعيفة والموضوعة أن لجأت تحت مظلة الحديث الشريف. بل هتك علماء السنة أستارها. والنقد البناء ضرورة لتخليص الناس من الآراء التي جانبت الصواب. وفي هذا الطريق توضع الأسماء والكتب الصغيرة والكبيرة تحت معيار الكتاب والسنة مع احترام من وفُقّ وعذر غيره وبيان الحق.

стр. 145

الطب بين عالَمين الدكتور أحمد القاضي الطب الإسلامي: هو كل ما استُحدث من العلوم والتقنية الطبية، واتفق مع التعاليم الإسلامية، أو التعاليم الإسلامية وما اتفق معها من المستحدث من العلوم الطبية والتقنية. ومواصفات الطب الإسلامي كعلم هي التميز والتفوق. ونعني بالتميز والتفوق أن يكون طباً متميزاً ناجحاً فيما فشل فيه الطب الحديث، ولكي يكون كذلك يجب أن تتحقق فيه الشروط الخمسة التالية. ١-الإيمان، أي أن يكون طباً ربانياً يلتزم بالتعاليم الإلهية فيما يحل ويحرم. ٢- الشمولية، وذلك بأن يهتم بالمريض ككل جسداً وعقلاً وروحاً، وأن يكون هذا أسلوبه في مواجهة كل مشكلة يقابلها. ٣- المنطقية (الرشد) ، بأن يكون منطقياً في تصوراته وممارساته. ٤- العالمية، بأن يكون عالمياً في مصادره لا يتحيز لمصدر دون آخر، ما دامت الطرق والوسائل والممارسات تتفق مع التعاليم الإسلامية، وينتظر منها ... الفائدة. ٥- المنهجية العلمية، وهي أن نضع أية ممارسة أو منطلق نتبعه تحت التمحيص العلمي الدقيق، فإذا ثبتت فائدته اتبعناه، وإلا تركناه. حينما وضعنا هذه الشروط عام ١٩٨٠ افترضنا نظرياً أنه إذا اجتمعت هذه الصفات مع ما توفر لدينا من العلوم والإمكانيات الطبية؛ فسينتج طب جديد فريد من نوعه، ناجح في ممارساته. وقد أجرينا بعض الدراسات الإحصائية في جنوب أفريقيا عام ١٩٨٢، وفى أمريكا عام ١٩٨٣, فثبت: أن اتباع التعاليم الإسلامية ينتج عنه نقص في نسبة الإصابة بالأمراض والوفيات، والعكس صحيح، أي: أن مخالفة التعاليم الإسلامية ينتج عنه زيادة في نسبة الإصابة بالأمراض، ومنها السرطان وغيره من الحميات، ويتسبب في زيادة نسبة الوفيات، وهذا ما دفعنا إلى تأسيس (مؤسسة العلوم الطبية الإسلامية) عام١٩٨٣ لتجسيد المفاهيم النظرية والمعلومات التي تبلورت في نطاق ... الجمعية الطبية الإسلامية خلال خمسة عشر عاماً. وكان السؤال: إذا التزمنا ومارسنا هذه المبادئ الخمسة، فهل يمكن تقديم طب جديد ناجح متميز؟ حيث إننا قد افتقدنا هذه الشروط الخمسة في العلوم الحديثة عامة، وفي الطب الحديث خاصة. وقد يفاجأ البعض بهذه النتيجة، لأن للعلوم الحديثة بريقاً يبهر الأبصار. والبعض يظن أن العلوم الحديثة بلغت الذروة! ومن أجل دراسة إحصائيات الطب الحديث في أمريكا خلال العشرين سنة الماضية نظرنا إلى ثلاثة معايير: ١- نسبة الإصابة بالأمراض. ٢- نسبة الوفيات. ٣- نسبة سعادة الجمهور (الصحة البدنية والنفسية) . وقد وجدنا-على ضوء هذه المعايير -: أن نسبة الإصابة بالأمراض قد ... زادت. صحيح أن بعضها قد تلاشى؛ لكن ظهرت أمراض جديدة محيرة لم تكن موجودة. وأما نسبة الوفيات فقد تزايدت. وتلاشت سعادة الجمهور، فقد تزايدت بدرجة كبيرة نسبة الانتحار والاعتداء على الحياة. ونستخلص من كل ذلك: أن الطب الحديث لا يحقق ما ينتظر منه من نجاح. أي أنه فشل في عدة جبهات، وإذا دققنا النظر بحثاً عن أسباب ذلك وجدنا أن: أ - الإيمان - كمقياس لتحديد الخبيث من الطيب - معدوم، وذلك أن ما يحدد الطيب من الخبيث هو رأي الخبراء، فإذا نادت الأغلبية أن زواج الرجل بالرجل أمر طبيعي فيكون مباحاً، وإذا أجمع الخبراء أنه لا بأس بالكحول في الأدوية الطبية فإنه يستعمل في ٩٠% من الأدوية السائدة اليوم! ب - الشمولية وهي مفقودة في كثير من الممارسات. فالرعاية الطبية جزئية، حيث تهتم بجزء من المشكلة، ولا تهتم بالأمر كله، فمثلاً: تأخذ الأم طفلها الرضيع إلى طبيب الأطفال المختص، فيفحص جسم الطفل وطوله ووزنه، وحالته الغذائية ونموه، ويعطيه اللقاحات اللازمة، ولكن لا يتجرأ بالسؤال عن حالته الاجتماعية وحياة الأسرة الروحية، وخطتها في تنشئة الطفل من حيث السلوك أو الدين أو العقيدة، فيعتبر هذا تدخلاً لا شأن له به، بل يدرسون في مدارس الطب الغربية أن الطبيب يجب أن يبتعد عن الأخلاقيات! . فنتيجة هذه الرعاية الجزئية القاصرة للطفل هناك زيادة وبائية في الانحرافات الخلقية في الجيل الناشئ، في إدمانهم على المخدرات، وإصابتهم بالأمراض الجسمية والنفسية، وبعضها يؤدي إلى فقد الحياة. وبعد ممارسة التربية الجنسية في الغرب خلال الثلاثين سنة الماضية لتحقيق الأهداف التالية: ١- القضاء على الأمراض التناسلية وتخفيض نسبتها. ٢- تخفيض نسبة الأطفال غير الشرعيين. ٣- تخفيض نسبة المشاكل الأسرية، من طلاق واعتداءات وغير ذلك. ماذا كانت النتائج؟ . كانت النتائج عكس ما خطط له، فقد نجم عن ذلك: ١- زيادة مخيفة في الأمراض التناسلية. ٢- زيادة الحصول على وسائل منع الحمل وبذلها لمن يريد. ٣ - زيادة مطردة لمشاكل الأسر، من طلاق وانهيار واعتداءات وانحلال وانتحار! لماذا؟ . لأن برامج التوعية اقتصرت على النواحي الحيوية والعضوية، وتجاهلت النواحي الخلقية والاجتماعية والدينية وقيودها ومنظماتها تماماً. بينما قام القرآن الكريم بالتوعية الجنسية من النواحي المختلفة المتكاملة: العضوية والخلقية والاجتماعية. ٤- المنطقية وهي مفقودة كذلك من كثير من الممارسات: أ- حيث تنفق ملايين الدولارات لتوعية الجمهور وتحذيره من أضرار ... الكحول؛ بينما تحتوي الصيدليات أنواعاً كثيرة من الأدوية تحتوي علي نسبة عالية من الكحول قد تؤدي إلى ٩٠% منها، وبعضها يحتوي على نسبة من الكحول قد تصل إلى نسبة ما في النبيذ والبيرة وبعض المشروبات الأخرى، بل قد تزيد عنها! . ب- تنفق آلاف الدولارات لإنقاذ مريض عمره ٩٠ سنة في حالة غيبوبة، وفى المستشفى نفسه قد يكون الطبيب نفسه يقضي على عشرات الأجنة الحية، ويأخذ أجراً أو ثمناً مقابل ذلك باسم إباحة الإجهاض! . ج - تنفق ملايين الدولارات كل عام في العالم على علاج بضع مئات من النساء - على أكثر تقدير - كي تنجب أطفال الأنابيب، بينما يقتل خمسون مليون طفل في أنحاء العالم كل عام باسم الإجهاض. د - تستخدم مئات الملايين من النساء وسائل منع الحمل بتشجيع ودفع من كثير من الدول وأحياناً بالإكراه (كما في الصين والهند ومصر) ، في الوقت الذي يتحدث فيه الأطباء عن مجهوداتهم في عمليات فتح الأنابيب، أو عمليات طفل الأنبوب! . هـ تنفق مئات الملايين من الدولارات على العمليات الفنية البارعة في ... نقل الأعضاء، كالقلب والكبد والكلى، أو وضع أعضاء صناعية لأفراد قاربوا على النهاية، في الوقت الذي يموت فيه أكثر من عشرة ملايين طفل كل عام من الجوع والإسهال! . وإن إنفاق هذه المبالغ لإنقاذ هؤلاء الأطفال سيجعل من الممكن -بإذن الله- إبعاد شبح الموت عن ملايين الأطفال البائسين في العالم كل عام، والذين أمامهم أيام وسنين طويلة ومستقبل، كما يمكن أن يكونوا أدوات إنتاج مفيدة. ٤- العالمية (الانفتاح على كل ما هو مفيد) . ينظر أغلب متخرجي المدارس الغربية بتوجس إلى كل ما هو غريب عن مدارسهم، ولذلك يفتقد الطب الحديث كثيراً من الآراء والممارسات المفيدة في مضمار الطب، كالطب العربي والطب الصيني (الوخز بالإبر) كذلك في توزيع نتائج المعرفة الطبية، فهناك تفاوت كبير بين طبقات المجتمع وبين الشعوب والدول في مدى استفادتها من الخدمات الطبية. ٥- المنهجية العلمية ونعني بها: الملاحظة الدقيقة للإحصائيات الأمنية والاستنتاج المنطقي، أي: الأسلوب القرآني. وهذه المنهجية العلمية نفتقدها في كثير من مجالات الطب الحديث، سواء ... في البحث العلمي أو في الممارسات التطبيقية، إضافة إلى أن هناك كثيراً من الممارسات غير الأخلاقية في مجال البحث العلمي بين الحين والآخر في الغرب.
следующие страницы →