← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

خواطر في الدعوة التخصص.. أو التشتت محمد العبدة بالغ الغربيون في التخصص، وأعجبهم ذلك لما لمسوه من الفوائد في أول الأمر، فتجد العامل أو الموظف أو المدرس لا يعلم إلا في حيز ما أسند إليه، فإذا خرج عن هذه الدائرة فهو لا يفقه شيئاً، وهذه ناحية إيجابية في الأصل، لأنها تنتج المهارة، وتعطي النتائج السريعة. ولكن شدة التخصص أدت في النهاية إلى ضيق الأفق وضعف المدارك في بقية شؤون الحياة. والمبالغة تؤدي إلى نقيضها أحياناً، فشدة البياض تصبح مهاقاً ويقابل هذا التخصص عند الغربيين ما عند المسلمين من ميل نحو الموسوعية الفضفاضة في العلم، وحشر أنفسهم في شتى المجالات في العمل، فالفرد هنا مطالب بأن يعلم كل شيء، أو له خبرة في كل شيء أو هكذا يدعي ولا يزال يعجبهم القول القديم: فلان (بحر علم) أو (دائرة معارف) ونسوا أو لم ينتبهوا إلى أن هذا العصر لا يحتمل مثل هذا، وإذا كان في العصور السابقة من هو فعلاً (بحر علم) فإن هذا لا يصح اليوم، بل لن يتهيأ له وإن أراده، لتشعب الأمور وتعقدها، مما لا يتيح صفاء للذهن وراحة للجسم. وإذا كان هذا في العلم، فكذلك في الدعوة ومن يتصدى لها، فلن يتهيأ له أن يتقن كل شي. وإذا حاول فإنما يأتي به على وهن وضعف، أو يأتي به فجاً لم ينضج بعد. فإذا كان الداعية المسلم هو المواطن أو التاجر، وهو الكاتب والخطيب والمتحدث، وهو الذي عليه أن يحل مشاكل الناس ... فهل يستطيع الإحاطة بكل هذا، وهل ينتج في دعوته، وإذا كان بعض الرجال يتحملون هذا كله، ويقومون به، فإن غيرهم لا يستطيع، وإذا كان البعض قد أوتي قدرة وتحملاً وصبراً، فأين تدريب من هو دونه على تحمل المسؤولية وتنمية مواهبه في فن من فنون العمل؟ وقد رأينا من أساتذتنا من يقوم بهذا، ولكن كثرة الأعمال تثقل عليه في النهاية، وتجعله لا يستطيع أن يقوم بجزء منها، ونكون قد خسرناه مرتين. مرة: لأننا لم نستفد من اختصاصه. والثانية: أننا لم نستفد من فترة اكتمال تجربته ونضوج عقله. ونحن هنا لا نريد أن نقلل من أهمية المعلومات العامة، وتوسيع المدارك، ولا من قدرات بعض الناس، وإنما نريد أن نكون واقعيين نعرف روح العصر وما يتطلبه، ونعلم كيف تتطور الأحداث، وكيف نستفيد من التيسيرات المادية الحديثة التي توفر الجهد، وتساعد على التغلب على ما فقد من صفاء الذهن، كما نريد أن يتعمق أهل الاختصاص في اختصاصهم دون أن يفقدوا ميزة سعة الأفق، كي نستثمر جهودهم ولا نشغلهم بأمور شتى، فتضيع الجهود أو لا ينتجون إلا قليلاً.

стр. 142

نظرات في الدراسات الاجتماعية مصادرها ومناهجها طارق عبد الحليم تحتل الدراسات الاجتماعية مكاناً بارزاً بين العلوم التي تشتد إليها حاجة الأمم، مع تزايد درجة وعيها بسنن الله سبحانه في خلقه الماديّ والبشريّ جميعاً، ومع اضطراد رقيها العقلي والخلقي، وبعدها عن عفوية الفهم، وتلقائية التصرف. وإن كنا نقصد بتلك الدراسات ما يتناول الحالة الإنسانية في انفرادها واجتماعها بالبحث والتحليل، وإظهار ما يعتريها من ظواهر نفسية، وسنن اجتماعية، فإن القرآن الكريم قد أحلَّ تلك المباحث محلاً عالياً، وأولاها رعاية بالغة، وعالج في محكم آياته العديد من تلك الظواهر، كما أفصح عن دوام تلك السنن؛ دل سبحانه على اضطراد سننه العامة المادية والاجتماعية في قوله تعالى: [سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ولَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً] [الأحزاب: ٦٢] ، وعالج حركة النفس الإنسانية حين تواجه خطراً محدقاً يكاد يذهلها عن قوام وجودها - الإيمان - حتى لتظن بالله الظنون، قال تعالى: [إذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ ومِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وإذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا] [الأحزاب: ١٠] ثم يصف سبحانه حالة النفس المنافقة المخادعة، وقد واجهت الخوف والفزع: [أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإذَا جَاءَ الخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ] [الأحزاب: ١٩] . ويفصح سبحانه عن اختلاط أصحاب النية الصافية الكاملة التوجه لله سبحانه بمن لا يزال للدنيا نصيب من نفسه، وإن لم يصادم ذلك الإيمان في معرض بيان أثر ذلك على الدعوة الإسلامية وتقدمها، منبئاً عن ذلك القدر الرفيع من الإيمان الذي يتمحض فيه الخير، وتتفرد فيه النية لله، [حَتَّى إذَا فَشِلْتُمْ وتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وعَصَيْتُم مِّنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا ومِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ولَقَدْ عَفَا عَنكُمْ واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ] [آل عمران] [١] . ثم كثير كثير من الآيات المحكمات التي يعالج فيها الحق سبحانه تلك الحالات التي تطرأ على النفس أفراداً وجماعات، ليكون المؤمن على بصيرة من نفسه، وعلى وعي بمسالكها ودروبها. يقول سيد قطب في الظلال: وكان القرآن الكريم يتنزل في إبان الابتلاء، أو بعد انقضائه، يصور الأحداث، ويلقي الأضواء على منحنياته وزواياه، فتنكشف المواقف، والمشاعر، والنوايا والضمائر، ثم يخاطب القلوب وهي مكشوفة في النور، عارية من كل رداء أو ستار ويلمس فيها مواضع التأثر والاستجابة [٢] . ثم السنة الشريفة التي فيها بيان الكتاب وتفصيله، هي بيان لما بين العبد وربه، وبين العبد وأخيه، وبين العبد ونفسه، ورسول الله ﷺ في سنته القولية والعملية، وفى سيرته الطاهرة قد مارس أعلى درجات التربية النفسية، والتوجيه الجماعي لتلك العصبة المؤمنة الأولى ممارسة فعلية وبياناً قولياً بما يصلح أن يكون منهجاً متكاملاً وأساساً ركيناً لما هو موضوع تلك الدراسات الاجتماعية الإنسانية. وقد تناول عديد من علماء المسلمين وأئمتهم، في مجالي المباحث الأخلاقية والتربوية، ما يجب أن يكون عليه المسلم من خلق قويم، وما يجب أن يتحاشاه من سلوك ذميم، من خلال التعرض لتلك الصفات الحميدة التي دل عليها الكتاب وفصلتها السنة كالصبر والحلم وكظم الغيظ في مجال المباحث الخُلُقية، كالإمام النووي وابن القيم وغيرهما. كذلك تناثرت في خلال بعض الدراسات التاريخية إشارات للسنن الاجتماعية التي جعلها الله سبحانه قوانين ثابتة تحكم التجمعات البشرية في كل زمان ومكان، كما يتضح في كتابات ابن تيمية وابن القيم على وجه الخصوص كما ظهرت في العصر الحديث بعض الدراسات التي تناولت الجوانب الخلقية والأصول التربوية الإسلامية وبعض الظواهر الاجتماعية بالبحث والتحليل، نذكر منها - على سبيل المثال لا الحصر- تلك الدراسات القيمة للأستاذ محمد قطب عن (منهج التربية الإسلامي) والتي تناول فيها، فيما تناول، بعض الظواهر المتعارضة في الحياة الاجتماعية، والتي تتعرض لها النفس الإنسانية بعامة، في صورة من الصور، كالفردية والجماعية، أو السلبية والإيجابية [٣] . وقد أسهم الدكتور محمد أمين المصري، بدراساته العميقة حول التربية الإسلامية وأغراضها، وحول دور الفرد والمجتمع في الإسلام، وسلوك الفرد وأهميته، في مجموعة محاضراته (المجتمع الإسلامي وكتاب المسؤولية) وغيرهما، مما هو جدير بأن يكون محل احتفاء ورعاية من المسلمين، لما فيه ... من توجيهات فذة، وتحليلات رائدة. كذلك ما تناوله الأستاذ مالك بن نبي من ظواهر شائعة في المجتمعات الإسلامية المعاصرة، بعد أن تقهقرت في سلم الرقيّ الحضاريّ كالسطحية، وذهان السهولة، وما أشار إليه الأستاذ جودت سعيد في كتابه القيم (حتى يغيروا ما بأنفسهم) ؛ إلى غير ذلك مما يهم المسلمين اليوم أن يرصدوه في واقعهم وأن يتعاملوا ... معه تعاملاً واقعياً مبنياً على معرفة وإحاطة بما يعتمل في النفس الإنسانية من دوافع الخير ونوازع الشر. ومما لاشك فيه أن الساحة الإسلامية قد ماجت بأحداث جسيمة خلال العقود القليلة الماضية، وتجاوبت تلك الساحة للأحداث بردود أفعال شتى، ظهرت من خلال أوضاع لا تغيب عن عقل الباحث المتتبع لمسرح الحياة الإسلامية في تلك الفترة المعاصرة. وكان من نتائج تلك الأحداث وردود أفعالها في واقع المسلمين وحياتهم أن ظهرت معطيات جديدة في الخريطة الاجتماعية للحياة الإسلامية لم تكن من قبل، كما تعرضت النفس المسلمة - الفردية والجماعية - لمؤثرات لم تتعرض لها من قبل، ذلك كله قد جعل الحاجة ماسة -أكثر من أي وقت مضى- إلى مزيد الاهتمام بتلك الدراسات الاجتماعية والإنسانية، والتي تتناول بالتحليل والملاحظة النفس الإنسانية المسلمة في واقعها الفرديّ والجماعي، ومن خلال حالات واقعية محددة بعيدة عن التجريد، لتصل إلى الأسباب الكامنة وراء تلك الظواهر العديدة التي تجتاح المسلمين وحياتهم، وتجتالهم عن طريق الحق والتقدم للهدف. ولنزيد الأمر إيضاحاً فيما يخص تلك الدراسات، نستعين بضرب المثل - أسوة بالقرآن الكريم - ولنتصور جماعة من العاملين بأحد المصانع، وقد لاحظ القائمون عليهم ضعفاً وتكاسلاً، انعكس على قلة الإنتاج ورداءته، ولمعالجة ذلك القصور كان أن عرض اقتراحان: أولهما: أن يبين للعاملين في هذا المجال -من خلال محاضرات وندوات طويلة ومكثفة - ما يجب أن يكون عليه العمل، وما هي صفات العامل المجد، وما هي عواقب التكاسل والتراخي، وما هي مزايا الجد والاجتهاد وفضل الإيثار وعدم الأنانية.. على أن يتم هذا التوجيه سواء بالكلمة المسموعة أو النشرة المكتوبة. ثانيهما: أن نتناول بالملاحظة والتحليل تصرفات العاملين في المواقف المختلفة - أفراداً وجماعات - وطبيعة العلاقات بينهم، وأن تشمل تلك الدراسة طبائع مثل تلك التجمعات مقارنة بمثيلاتها ممن يشترك معها في صفاتها وخصائصها ونزعاتها، ثم علاقتها بقياداتها التي تدفعها للتكاسل والإحجام، أو البذل والعطاء، وما هي وسائل حفز أولئك الأفراد ليكونوا أغزر إنتاجاً، وأكثر نشاطاً، وأقل اختلافاً، وتعارضاً في المصالح كما يشمل البحث الحياة الشخصية للأفراد، فرداً فرداً ليرى ما يؤثر فيها من مشكلات وصعوبات تنعكس على أدائها بشكل أو بآخر، وما يوجهها في حركتها من دوافع داخلية مستترة قد تتوافق مع الهدف العام والسياسة النهائية للمصنع أو تتعارض معه، كذلك تلك العلاقات التي تنشأ بين الناس من حداثة وود وأخوة، أو عداء وبغض وتحاسد، والتي يرجع وجود كل منها إلى طبيعة النفس الإنسانية في أساس فطرتها حين تتعارض المصالح أو تتدافع الأهواء، بحكم ما هو واقع لا بحكم ما يجب أن يكون. حين تتم هذه الخطة، وينتهي هذا البحث، فإنه يمكن أن نزيل ما أمكن من عوائق داخلية تعرقل الاندفاع لتحقيق الهدف والوصول إلى الغاية وزيادة الإنتاج وكفاءته. إذا انتقلنا بذلك المثال من مجال العمل والصناعة إلى مجال النشاط الإنساني عامة، في اجتماعه لأداء عدد من الأهداف المحددة كمجموعة إنسانية، أو لتكوين وحدة بشرية تاريخية كمجتمع متكامل، لاتضح لنا أهمية ما أشرنا إليه من دراسات. فالحل الأول: يمثل الاتجاه المثالي في حل المشكلات، وهو الطريق الأسهل. والحل الثاني: يمثل الاتجاه الواقعي التجريبي، الذي اعتمده القرآن في مواجهة الأحداث أثناء تنزله على رسول الله ﷺ ؛ ... ليصلح من خلال الحركة الواقعية الحية، كما يصلح من خلال البيان النظري. الحل الأول: يمثل حلماً جميلاً يتمناه الناس جميعاً، ينبني على فرضية أن الناس تتبع أحسن ما يقال لهم، وأنه بمجرد ظهور الحق ومعرفته، سينصاع له الكل متحدين متآلفين! وأن النفس الإنسانية حينذاك تكون في قمة الأداء، لا تشوبها شائبة من طمع أو تحاسد أو مصلحة.. ولكن رصيد ذلك في الواقع قليل.. والحل الثاني: يأخذ في الاعتبار ما أوضحه الله سبحانه في محكم آياته من أن (الإنسان) قد جبل على صفات مشتركة مركوزة في أساس فطرته، قال تعالى: [إنَّ الإنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وإذَا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعاً] ... [المعارج: ٧٠] ، وقال تعالى: [خُلِقَ الإنسَانُ مِنْ عَجَلٍ] [الأنبياء: ٣٦] ، وقال تعالى: [وخُلِقَ الإنسَانُ ضَعِيفاً] [النساء: ٢٨] ، والإنسان هو الإنسان.. المسلم يعلو بإنسانيته، لا فوقها - كما زعمت النصارى حين فرضت على قساوستها ترك الزواج لأجل الله! في زعمهم - ويدافع شهواته وطبائعه فينتصر حيناً، وله الثواب والفضل لله تعالى، وينهزم حيناً، فثم شرعت الحدود والعقوبات للتطهير والتكفير.. ثم عفو الله العميم.. ذلك والمشرك مخلد إلى الأرض قانع بالدون سادر في عينه. فاعتبار تلك الطبائع والفطر -إذن- بالنظر إلى تلك القوانين الكلية التي تحكم حركة المجتمعات الإنسانية عامة، وأسباب صعودها واندفاعها، ثم عوامل ضعفها وانهيارها إنما هو بمثابة الطريق المرسوم الذي يخطو عليه المسلمون عارفين بدروبه وشعبه، آمنين مزالقه ومخاطره، وهو الهادي لهم في تجمعاتهم العامة والخاصة، الكبيرة والصغيرة، إذ هي سنن كلية الهية لا تتخلف في زمان دون زمان، ولا تجامل فئة دون فئة. ولا يظن ظان أن تلك الدراسات مبتوتة الصلة عن العلوم الشرعية، وأن لا مكان لها فيما يتعلق بالعلم الشرعي! وإنما هي -كما في علوم التاريخ والعربية والأصول - علوم خادمة للعلوم الشرعية الأساسية كالتفسير والفقه والحديث، والتي هي كلها في آخر الأمر إنما تفي بإقامة حياة الناس في الأرض على حسب ما أراد لهم ربهم سبحانه، فهي تعين على فهم الواقع، وتساعد على استنباط ما يصلح حياة المسلمين من الأحكام الشرعية، التي تحكم واقع المجتمعات عامة، وخلجات النفوس خاصة، كما تحكم تصرفات الأفراد وقوانين الدول. وقد تعرضت تلك النوعية من الدراسات في هذا المجال، والتي ظهرت بشكل مستقل متخصص في أوربا منذ أوائل القرن التاسع عشر الميلادي للكثير من النقد والإعراض. وكان ذلك النقد والإعراض مبنياً على مبدئين رئيسين: أولهما: أن ما يعرف حالياً بالدراسات الاجتماعية والإنسانية، هو وليد الفكر الغربي، وحضارة الغرب - بكل ما تحمله من أوزار فكرية - تجعل نتاجها محظوراً، وإن صلح بعضه، درءاً للشبهة، وبعداً عن مواطن الزلل. كما أن كثيراً من رواد تلك الدراسات في الغرب من الشخصيات المشبوهة التي ينبعث فكرها من خبث فلا تنتج للناس إلى خبثاً. ثانيهما: أنه - على العكس من ذلك وفي مقابله -يقدم الإسلام لأبنائه، كمنهج شامل للحياة الإنسانية من لدن حكيم خبير، تصوراً واضحاً، وأساساً سليماً يصور الحركة الاجتماعية في سكونها وتطورها، وفي صعودها وهبوطها، ويصف الحياة الإنسانية في أدق خلجاتها النفسية من المصادر البشرية، انحراف عن الصواب، ونكوص عن الحق، لا يليق بالطليعة المسلمة التي تنشد أن تكون مناراً وضيئاً يفىء إليه المسلمون من كل حدب وصوب. وكلا الأمرين حق لا ريب فيه، فالدراسات الاجتماعية والإنسانية والغربية - في العديد من جوانبها - تختلف عن الإسلام في المصادر والوسائل، ومن ثم في الأهداف والنتائج. كذلك فإن الزاد الهائل الذي رصده القرآن -كما أشرنا إليه - ليضع به تصوراً واضحاً لأسس الاجتماع الإنساني على أساس أن (الإنسان) هو خلق الله تعالى، وتحليل النفس الإنسانية كما هي عليه من ناحية، وكما ينبغي أن تكون من ناحية أخرى، لجدير بأن يغترف منه الباحثون ما يقيمون به علماً يوجه حركة المجتمع، وخلجات النفس إلى الأمثل والأكمل. إلا أن ذلك كله لا يمنع من أن يتعرض المسلمون لنتاج الفكر الغربي في هذا المجال دارسين وناقدين، مصححين أو مزيفين، بشرط دقة التحري في البحث، وأن يكون الباحث كالصيرفي الماهر الذي ينقد صحيح الذهب من زائفه، وأن يكون على علم شرعي يتمكن به من تمييز ما يخالف عقيدة أهل السنة ومنهج نظرهم، أو يصادم معلوماً من الدين بالضرورة ويهدم أصلاً من أصول الشريعة، مما هو مشترك بين بني آدم بحكم اتفاق الفطرة، واتحاد الأصل، ووحدة السنن، وبما يتمشى مع توجيهات الله سبحانه للمسلمين بما يحفظ له علو المكانة وشرف المنزلة التي يسود بها سائر المخلوقات. وإننا لنجد ذلك المنهج جلياً في تلك الدراسة العميقة التي كتبها الدكتور (محمد عبد الله دراز) عن (دستور الأخلاق في القرآن) والتي بحث فيها النظرية ... الأخلاقية في مباحث الغرب، بنظر المسلم المتمكن من فهم دينه، فأقر بالصحيح، وكشف عن وجه الضعف والخلل، أو النقص والقصور، ثم وضع أساساً للدستور الأخلاقي الإسلامي كما أوصت به نصوص الكتاب الكريم بناء على تلك الدراسة المقارنة. فعلى سبيل المثال، نجد الباحث في حدود حديثه عن مصادر الإلزام الأخلاقي قد تعرض لكاتبين من كبار مفكري الغرب، أولهما: هنرى برجسون في كتابه (مصدرا الأخلاق والدين) حيث قال عنه دراز: (استطاع الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون، في تحليله العميق لقضية الإلزام الأخلاقي أن يكشف له عن مصدرين: أحدهما قوة الضغط الاجتماعي، والآخر قوة الجذب ذي الرحابة الإنسانية المستمدة من العون الإلهي) [٤] . إلا أنه عقب على ذلك -بعد التحليل - بأن عرض برجسون لا يفي بالمقصود، بل ويخالف المنحى القرآني في بعض جوانبه؛ قال: (أما إذا تناولناه - على أنه نظرية في الإلزام الأخلاقي -فإن تحليله يحمل بعض الصعوبات، وشيئاً من الانحراف عن الجادة، بالنسبة إلى وجهة النظر القرآنية) [٥] . كذلك فقد تعرض لما كتبه المفكر الفرنسي (عمانويل كانت) عن الإلزام الأخلاقي في كتابه (أسس ميتافيزيقا الأخلاق) فقال: (ولقد أحسن (كانت) صنعاً برغم النقص في طريقة تقديمه لنظريته حين أكد أنه كشف عن مصدر ... الإلزام الأخلاقي في تلك الملكة العليا في النفس الإنسانية) . ثم أوضح أن ذلك يتفق تماماً - حسب ما يرى- مع النظرة المستخلصة من القرآن في تكوين الإحساس بالخير والشر لدى الإنسان في قوله تعالى: [ونَفْسٍ ومَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وتَقْوَاهَا] وتزويدها بالبصيرة الأخلاقية في قوله تعالى: [بَلِ الإنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ] [٦] . ذلك المنهج الذي يتعرض لنتاج الفكر الغربي فيحلل وينقد، ويصحح ويزيف هو ما أردنا إليه، إذ تتسع من خلاله آفاق المعرفة، وتتفتح المجالات المتعددة التي يجب أن يعني بها المسلمون أكثر من عناية الغربيين فالحكمة ضالة المؤمن، أينما وجدها فهو أحق بها ممن سواه. إلا أنه يتعين علينا، قبل أن نمضي في بحثنا قدماً، ألا ندع مجالاً للبس أو الغموض لدى القارئ في تحديد نوعين من المصادر التي أشرنا إليها آنفاً: أولهما: تلك المصادر التي يرجع إليها في تحديد القواعد العامة والقوانين الكلية التي تندرج تحتها تلك الأشكال من العلاقات الاجتماعية والإنسانية، والتي تستقي منها الإجابات والحلول لشتى المشكلات والأوضاع الواقعية، ونعني بها: كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وسيرته ثم ما انبنى عليهما من منهاج استقر عليه الصحابة والتابعون، وتمثل في حياة وسير أعلام الأئمة على مر العصور. وثانيهما: تلك المصادر التي يمكن أن تسهم في إثراء مجال التجربة الإنسانية، في الواقع الحي، بحيث يشمل نطاق البحث الإسلامي كافة ما يمكن أن يشمله من أوضاع وعلاقات، سواء نشأت في الواقع الإسلامي، أو في الواقع الغربي بحكم ما هو مشترك بينهما في الصفات الإنسانية العامة. فالمصادر الأولى: هي مصادر الحلول والهداية، إلى جانب التجربة الواقعية. والمصادر الثانية: هي مصادر تغني مجال التجربة، وإن تقيدت في نتائجها النهائية ... وتحليلاتها بمعطيات المنهج الإسلامي لتوائم الواقع الإسلامي الذي تُطبق عليه. ولا بأس - إذا وصلنا إلى ذلك القدر من البحث - أن نعرض لمثالين من إسهامات باحثي الغرب في المجال الذي أشرنا إلى أهميته في بحثنا، مما نجده صالحاً للاستعانة به في فهم مجال تلك الدراسات المطلوبة وتحديد منهاجها ومجالها. أول تلك الدراسات لأحد العلماء الألمان وهو (ماكس فيبر) ١٨٦٤ - ١٩٢٠ ... حيث ذكر خلال تحليله القيم للبناءات الاقتصادية الكبرى، وما يرتبط بها ... من عوامل اجتماعية، تؤخذ في الحسبان لتؤتي تلك البناءات ثمارها، إلى ... أن المجموعات البشرية - بشكل عام - حين تعمل لهدف من الأهداف بشكل ... جماعي، فإنها تمر بأطوار محددة لا تكاد تختلف- حسب ما ذهب إليه ... ... الكاتب - في حالة المجموعات الدينية أو الاقتصادية أو الاجتماعية. أولها: سلطة الزعيم أو البطل الموهوب: الذي يقوم العمل على أكتافه وبمواهبه الذاتية وقدراته الشخصية، التي عادة ما تكون قدرات فائقة، وفي هذه ... المرحلة يكتفي الاتباع بترسم خطى الزعيم واتخاذ أقواله منهجاً وأفعاله معلماً، وغالباً ما تنعدم روح النقد وتندر روح الابتكار في تلك المرحلة للثقة في الزعيم المؤسس، ويكون الولاء مقدماً على الكفاءة، من حيث أن الحاجة إليه في إحكام الترابط أشد من الحاجة إليها، وقد استغنى عنها بمواهب الزعيم. الثانية: وهي التي تنشاً حين اختفاء الزعيم المؤسس لسبب من الأسباب، وفيها تتجه المؤسسة إلى أحد شكلين من أشكال التعامل والتعارف. أولهما: التقليد أو التقليدية: وفيها تجري الأمور على ما قرر ذلك الزعيم دون تغيير أو تبديل، كما يقل التجديد ولا يتوقع أن ينشأ زعيم من طراز المؤسس، بل حتى إن نشأ فإنه عادة لا يلاقي قبولاً كافياً لمنحه سلطة العمل المطلق ولا يندفع العمل للأمام إلا بقدر طاقة القصور الذاتي، المخزونة فيه من المرحلة الأولى. ثانيهما: التنظيمية العقلية: وفيها تنحو المؤسسة منحى التنظيم المبني على التخطيط والعقل وإعطاء كل مشارك دوراً فعالاً، دون ادعاء لوراثة الزعيم المؤسس من أحد أتباعه، أو لضرورة تقليد خطواته كما رسمها، وتكون الحركة على أساس تقييم صحة العمل ونتائجه لا على أساس نسبته لما قرره المؤسس. وعلى أساس الخط الذي تختاره المؤسسة - في المرحلة الثانية - من هذين الاتجاهين يكون مدى نجاحها أو إخفاقها في الوصول لهدفها المحدد [٧] . وما سبق هو عرض محض - بما يناسب الواقع الإسلامي - لما ذكره العالم الألماني، يلحظ فيه قوة الملاحظة، واستقراء الواقع، مع محاولة استنباط السنن العامة التي تربط الحوادث الاجتماعية برباط واحد، وتخضعها لقانون عام، حتى يمكن تعرية آثارها والاستفادة منها فيما شابه تلك الحالات بأن ظاهرة العمل الجماعي، كما وصفت في تلك الدراسة، هي ظاهرة اجتماعية عامة، تنشاً - عادة - حول نواة ديناميكية متحركة تجتذب حولها - حسب قوة جاذبيتها الخاصة-العديد من الوحدات العاملة، لتدور في فلكها، وتتغذى بحرارتها، وتهتدي بمسارها، ثم لا تلبث تلك النواة أن تختفي لسبب أو لآخر، فماذا يكون مصير تلك الوحدات العاملة؟ وهل ينفرط عقدها ويتناثر جمعها؟ ! الاستقراء الذي تدفعه تلك الدراسة قد دل على طريقين: أحدهما يخضع لذلك التقليد الممقوت الذي يجعل التابع أقرب للآلة منه للإنسان، فلا يصح عنده إلا ما كان ولا مكان لجديد تحت الشمس! وما كان البطل الموهوب ليخطئ، بل وما كانت الظروف التي لابست وجوده وعمله لتتغير بما يستدعي إعادة النظر في منهاج عمله، وإن ظل الهدف ثابتاً.. إلى آخر تلك الظواهر التي هي إلى خواص النفس المريضة أقرب من النفس المخلصة. والطريق الآخر يرجع -في حقيقة أمره - إلى دقة المؤسس الأول في رسم الخطوات التالية التي تضمن مسيرة المؤسسة للأكمل، كما يتأثر بمدى عمق الفهم وسعة الأفق واستيعاب المنهج لدى الصف الثاني من العاملين، حين تغير الظروف وتبدل الأحوال، فتنشأ حينئذ التخصصات، وتنمى المواهب، ويترك المجال مفتوحاً لكل اجتهاد يدفع عجلة التقدم، وتتسع الصدور للنقد البناء، وتتساقط دعاوى العصمة. إلا أنه من الضروري الإشارة إلى قصور تلك الدراسة عن أن تشمل ذلك النمط الخاص الذي تفرد به أنبياء الله -صلوات الله عليهم-، فإن إطلاق ذلك التصور على كافة ما يطرأ على الاجتماع الإنساني في كل المجالات كما صور الباحث تجوُز لم لا يصح، إنما منشؤه عدم إدراكه لمعنى النبوة ودورها، فإن الأنبياء ﵈، الذين هم أقطاب البشرية التي دارت حولها تجمعات ... إنسانية هائلة، واهتدى بهديهم البشر في كل زمان ومكان، لا يخضعون لذلك التحليل، إذ إنهم سادة المربين الذين أحسنوا توجيه الاتباع إلى خيري الدنيا والآخرة. وثاني تلك الدراسة يختص بدراسة تصرفات الأفراد حين يعملون بشكل جماعي لتحقيق هدف من الأهداف، خلاف الأولى التي عنيت بشكل وتطور المجموعة البشرية كمؤسسة جماعية لا بأفرادها داخل تلك المؤسسة، وقد أوضح صاحبها وهو العالم الأمريكي (توم يرنز) أن نشاط الأفراد يتجه داخل المؤسسات الجماعية-أيا كانت طبيعتها وهدفها - إلى ثلاثة أشكال: الأول - النشاط التعاوني: ويعني أن الأفراد تنزع فيما بينها-وقد اجتمعت على هدف من الأهداف - إلى أن تتعاون لتحقيق ذلك الهدف، إذ هي تدرك بالفطرة أن قواها الذاتية منفردة لا تقوى على تحقيق الهدف إن لم تنضاف بعضها إلى بعض. الثاني - الاتجاه التنافسي: وهو يعنى أن الأفراد حين يعملون بشكل جماعي، وبرغم ضرورة التعاون التي يدركونها فيما بينهم، فانهم ينزعون -كأفراد أو كمجموعات -إلى التنافس على تحصيل أكبر قدر من الإمكانيات المتاحة داخل تلك المؤسسة لصالح فرد من أفرادها أو مجموعة من مجموعاتها على السواء. الثالث - التعامل السياسي: ولا يعني مصطلح السياسة في هذا المجال ما يتبادر إلى الذهن مما هو معروف من معاني السياسة الدولية الخارجية أو الداخلية، إنما يعني - بإيجاز - استخدام تلك الأساليب غير المباشرة التي يلجأ إليها الفرد - أو الجماعة - في ظروف خاصة، لتحقيق هدف معين، مثال ذلك من يحاول إبراز قيمة عمله الشخصي، وأهميته بالنسبة للصالح العام للمؤسسة، وكم يلاقي من متاعب في سبيل إنجازه، حتى يصل إلى هدف خاص -قد يكون مشروعاً في غالب الأحيان - كتثبيت وجوده داخل تلك المؤسسة، أو اكتساب قدر أكبر من الأهمية يمهد به لكسب معنوي أو مادي [٨] . ومع التأكيد على أمرين: أولهما: خطر التعميمات والإطلاقات التي تطلقها تلك الدراسات على نتائجها واستقراءاتها. والثاني: أن تلك الدراسة إنما كانت مادتها التي استمدت منها مشاهداتها، هي الجماعات الأوربية - أو الغربية على الأصح - التي تتميز بثقافة خاصة لها جذور نفسية معينة، كما أن لها وسائلها الخاصة في النظر للأهداف والوسائل على حد سواء. إلا أنه لا يمكن القول بأن تلك الدراسة وإن كانت تتناول مجالاً معيناً من مجالات الاجتماع الإنساني في سبيل تحقيق أهداف مشتركة، إلا أنها في حقيقتها وصف لذلك التدافع الذاتي الذي أقام عليه الله سبحانه أمر الدنيا والناس، وهي صورة العلاقات البشرية المعقدة التي تحتاج إلى تشريح وتفصيل في كل دقائقها، ليتمكن الناس من نهج ما يصدر عنهم وعن غيرهم -أفرادا وقيادات - في مختلف المواقف والحالات. ولاشك أن تحليل تلك القوى العاملة -على السطح وتحته - في المجتمعات الإنسانية يعطي تصوراً للمسلمين، يمكنهم من تقوية مجتمعاتهم وتحديد القوى السالبة التي تدفعهم للوراء، وتقليل آثارها ما أمكن. فالتركيز على فهم سنة (الاتحاد) وضرورته كبديل وحيد للوصول إلى الغاية المنشودة إنما يتأتى بإبراز ذلك النوع الأول من النشاط التعاوني وتقوية الشعور به وتنميته. كذلك فإن الحد من آثار ذلك الاتجاه التنافسي، أو تحويل قوته الدافعة إلى قوة مفيدة للعمل بدلاً من أن يكون سبيلاً للتحدي بين الأفراد، والمنافسة الذميمة بينهم، أو مجالاً لاختيارات القوى التي يظهر فيها ضعف النفوس، وصغر الاهتمامات، لهو هدف من الأهداف التي تستحق أن يبذل فيها الباحثون جهدهم للوصول إلى كافة تفصيلاته التي يمكن أن يبرز فيها في مختلف المجالات. كما أن إدراك السبل والوسائل التي يتخذها الناس للوصول إلى أغراضهم - وإن كانت مشروعة - لهو ضرورة حتمية يحتاجها الدعاة إلى الله ليكونوا على بصيرة في تعاملاتهم، إذ إنه مما لاشك فيه أن الوصول للغرض بشكل مباشر مستقيم قد يكون أقصر طريق وأوضحه، إلا أنه يمنع منه موانع كالحذر من سوء فهم الآخرين، أو الحرص على عدم تجاوز حد معين في العلاقات، أو غير ذلك.. ومحاولة تقليل آثار تلك الممارسة السياسية في العلاقات - إلا فيما تصلح ... له - أنفع للمجتمع الإسلامي، والنفس المسلمة وإن كانت في حالة إيمانها أرفع مما يدركه ذلك العالم الإنكليزي، إلا أنها لا تسلم من أن تتعرض لتلك النوازع البشرية العامة خيرها وشرها. من هنا تنشأ أهمية توجيه الهمة إلى تحليل تلك العلاقات والنوازع التي تنشأ من ضرورة التعاون أولاً، ومن طبيعة النفس ثانياً، ثم من سنن الاجتماع ونتائجه أخيراً. ونحن لا نقصد في هذا المقال إلى استقصاء مثل تلك الدراسات، أو بسط ما فيها بالشرح والنقد، وإنما قصدنا إلى أن نؤكد على ضرورة أن نولي هذه النوعية من البحث مزيداً من الاهتمام، وأن تبني على هدى القرآن والسنة، ومراجعة ما أفرزته العقول البشرية في هذا المضمار، كما ضربنا أمثلة من ذلك التناول ومنهجه، لما يمكن أن يكون مجالاً للبحث والتحليل في التركيبة الإسلامية الاجتماعية المعاصرة. ولعل الله سبحانه أن يلهمنا الصواب في القول والعمل جميعاً.

стр. 143

لابد من التحقيق.. ولكن .. منصور الأحمد -١- من المتفق عليه بين الباحثين أن علم الحديث بمنهجيته وأصوله وتطبيقاته؛ من مزايا الأمة الإسلامية، ومما تفردت به دون الأمم كلها، وأنه علم من مبدئه إلى منتهاه إسلامي الانبثاق والنشأة والكمال. وهو باختصار شديد علم يهدف إلى توثيق النصوص المنقولة، والتمييز بين ما يصلح أن يكون أصلاً ومستنداً للحكم الشرعي وما لا يصلح لذلك. وليس المقام مقام استرسال في بيان حدود هذا العلم، والخوض في مسائله الواسعة؛ وإنما هناك حاجة إلى التنبيه إلى بعض القضايا نراها جديرة بالاهتمام وتستحق من القارئ الكريم التفاتة ونظرة فيها شيء من التأمل. -٢- لقد مر علم الحديث بفترات مختلفة، فنجد أن العصر الذهبي لهذا العلم قد شغل القرون الثلاثة الأولى من الهجرة، حيث نشط العلماء في الرحلة والتدوين، وحفظت السنة النبوية في دواوينها المعتمدة، وعكف العلماء وطلبة العلم عليها مقابلة وتمحيصاً وفهماً. والفترة الثانية كانت فترة توسع وانبساط واشتغال بكثرة الطرق، وحرص على النادر من طرق الرواية، وإن كان كل ذلك لم يؤد إلا إلى أقل القليل من الإضافة إلى ما هو معروف من النصوص المعروفة والمشهورة والتي عليها مدار الاستنباط. وخلال هذه الفترة لاحظنا شيئاً من الخلل حصل نتيجة التباعد بمن علمي الحديث والفقه ففي الفترة الأولى كان غالب الفقهاء محدثين، وغالب المحدثين فقهاء، وهذا هو الشيء الطبيعي لإنتاج ثقافة أصيلة نافعة، ولكن في الفترة الثانية حصل شيء من التباعد بين هذين الاختصاصين اللذين لا غنى لأحدهما عن الآخر، فأصبحنا نرى مؤلفين في الفقه لا علم لهم بالحديث، ومؤلفين في الحديث لا علم لهم بالفقه إلا في القليل النادر. ولكن من حسن حظ علم الحديث أن هيئ له في آخر هذه الفترة عالم فذّ، كان محدثاً وفقيها هو العلامة الإمام ابن حجر العسقلاني ﵀، والذي ألف كتابه (فتح الباري) فكان خدمة عظيمة للفقه القائم على الحديث، ولدراسة الحديث القائمة ... على الفقه الواسع والبصر به رواية ودراية. وهناك فئة ثالثه نشأت في هذه الفترة، واستمر تأثيرها السلبي في الثقافة الإسلامية إلى عصر نهضة المسلمين في هذا القرن، وهذه الفئة حشدت في مؤلفاتها روايات باطلة وضعيفة، وسودت صفحاتها بما هب ودب من الأخبار والآثار، دون تمحيص وتدقيق، وسرت هذه الأخبار والروايات كمسلمات عند كثير من المسلمين فيما بعد فكان لها أثرها السيء الذي أوقعهم في دوامة من التبريرات والردود، وشغلهم في الدفاع عن أباطيلهم في أغلب الأحيان. والناظر في كثير من كتب التفسير والفقه والوعظ سيجد أمثلة كثيرة من الإسرائيليات والأحاديث المنكرة، وكثيراً مما لا يصلح أن يحتج به على الإسلام، أو يعاب بسببه. ويحمل وزر ذلك المؤلفون البعيدون عن التحقيق، والذين أطلق عليهم لقب العلم، بينما أصدق لقب يمكن أن يطلق عليهم هو لقب: (حاطب الليل) . ... وفي هذا العصر شعر كثير من المسلمين بواجب التحقيق العلمي للتراث العربي والإسلامي، ونتج عن ذلك جهود مشكورة تصلح أن تكون مثالاً يحتذى. -٣- وإذا كان هناك شيء من النقد؛ فإن كثيراً من الأمور المستحسنة والمطلوبة قد يتعاطاها من لا يحسنها، أن من ينحرف بها عن هدفها المنشود، ويسير بها إلى وجهة أخرى قد لا تكون لها علاقة بالعلم وحدوده، أو التحقيق ومجالاته. وهناك أمثلة على ظواهر شائعة لابد من التنبيه عليها: فهذا مؤلف يؤلف رسالة أو كتاباً في موضوع ما، ويريد أن يظهر بمظهر العالم النحرير، فيوهمك - بكثرة هوامشه وإحالاته - أنه قد اطلع على كل ما ذكر في هذه الهوامش، وبنظرة بسيطة جداً تكتشف أن هذه المراجع التي أشار إليها ليست إلا ما نقله من مؤلف آخر في هذه المسألة! . (وهذا آخر يبحث في قضية يريد أن يستشهد عليها بحديثه، فتخدعه نفسه، فيلبس لباس كبار المحدثين، فيعمد إلى فهارس كتب الحديث فيجمع كل ما ورد من طرق وروايات، وكل ما قيل حول ذلك من دقائق علم الحديث؛ مما قد لا يكون ... له كبير مساس بالموضوع الذي يبحث فيه، ويكفيه في هذا الصدد أن يكون الحديث صحيحاً في ذاته، ولو ورد في مرجع واحد، ولكنه التكلف الذي يخرج البحث عن المقصود، ويضيع وقت الباحث والقراء فيما لا يعود عليهم بفائدة جديدة. وهذا ثالث يكتب مقالة قصيرة، إذا ما قارنتها بما تحتها من حواشٍ لرأيت العجب، ولكادت تلك الحواشي تعادل نص المقالة! . وليس الاعتراض على أمثال تلك الحالات استهانة بالتحقيق والتوثيق، ولا بجهود بعض المحققين الذين يبذلون جهوداً مشكورة في تمييز الصحيح من غيره، والذين كرسوا جهودهم لذلك، وأنتجوا نتائج طيبة؛ ولكن اللوم يتجه إلى أولئك النفر الذين لا يفهمون مدلولات الكلام ولا مصطلحات المحدثين، وليس عندهم الحصيلة الكافية من الفقه بالنصوص، وبالفائدة المرجوة من التخريج، ومع ذلك يستسهلون الصعب، ويتقحمون فيما لا يحسنون ويتجرءون على الخوض في أمور أولى بهم أن يتركوها لمن يحسنها. إننا بحاجة إلى التركيز في بحوثنا، والبعد عما لا فائدة منه من التكرار وزيادة البسط والشرح في أمور قد بحثت، والمسلمون اليوم أحوج ما يكونون إلى ... استخلاص النافع الذي لابد منه لكل نهضة، والقادر على الثبات أمام الأفكار الوافدة التي تكاد تعصف بالأمة في غيبة المنهجية في البحث، ولابد من البعد عن إثارة القضايا الجانبية التي تستهلك الجهود ولا تؤدي إلى كبير نفع، والأمور التي يحتاج إليها المسلمون من السعة والكثرة بالقدر الذي يحتم عليهم التخصص وفرز العناصر والبعد عن (الموسوعية) وادعاء العلم بكل شيء، وليس عيباً اليوم أن تعرف جانباً من العلم وتتقنه وتحسن التحرك من خلاله؛ وأن تجيب عن جوانب أخرى أو علوم أخرى بـ (لا أدري) ؛ ولكن العيب كل العيب، أن تدعي معرفة كل شيء وتخوض في كل اتجاه خوضاً سطحياً لا يؤدي إلى شيء، وبهذا تجمد الأفكار، وتقبر الثقافة.

стр. 144

مواقف في الفكر الإسلامي الحديث محمد بن حامد الأحمري أصبح الإسلام موضوع الساعة في العالم، الكل يكتب ويخطب ويناقش، وسيطرت قوة الحقيقة الإسلامية على الساحة، تحقيقاً لوعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لهذا الدين بالظهور إلى قيام الساعة، سواء بالحجة والبيان، كما في العهد المكي، أو بهما إضافة إلى القوة والسلطان كما في العهد المدني [١] وما تلاه، ثم في غالب التاريخ الإسلامي، ففي حال عدم ظهوره بالقوة والسلطان فإن قوة الحجة والبرهان معلومان بالضرورة من بديهيات الإيمان. ولا غرابة أن نجد كاتباً كافراً يبدو نصرانياً يقول: (الإسلام يفرض على المجتمع الحديث احترام حقوق الله وحقوق الإنسان، التي نص عليها القرآن لذلك تسعى الاشتراكية أن تكون إسلامية، وتسعى الديموقراطية أن تتلون بالدين) [٢] ، ثم صدرت مقولات كثيرة، وظهرت سلوكيات تبدو محابية للإسلام ممن عرفوا بعدائهم له جهراً، ثم عادوا يتملقونه ويتظاهرون بعدم الاختلاف معه. وربما جعل أحدهم نفسه فقيهاً ومفتياً في مهمات أمور الإسلام، ركوباً للتيار. وأكتفي بسوق مثال واحد من هؤلاء ألا وهو المطران كابودجي الذي شُهر بالدفاع عن القدس، وقال: إنه تزوج القدس كما تزوج غيره قضية فلسطين، وزعم أن الله عهد إليه بتحرير القدس. يقول: (كلنا مسلمون، منا من أسلم على طريق القرآن ومنا من أسلم عن طريق الحكمة.. الرب أبونا) [٣] وعلى ما في ... الكلمة من خداع لفظي ولكنها من أمثلة التزلف للإسلام من عدو محارب له. إن هذا التوجه والاندفاع للحديث عن الإسلام ودراسته مع إبقاء الأهداف المريبة، يستوجب إظهار قوة ونفوذ الفكر الإسلامي، وإحسان التعامل مع موجة العداء الجديدة، والهيمنة عليها. ولأن مفاهيم الإسلام جاءت مهيمنة على غيرها، فأساس هذه المفاهيم ومنبعها أنزله الله مهيمناً على ماعداه. ... المواجهة مع أعداء الله فكرية أو عسكرية لا تعرف الهدوء ومن توقع أن الهجمة انتهت أو ضعفت فهو غافل غائب عن ميدان الصراع. ومن المؤسف أن المواجهة الفكرية، المطلوب من المسلمين القيام بها لا تتناسب في هذه الظروف مع شراسة الهجمة واتساع دائرتها. ويمكن القول أن عدداً قليلاً ونادراً من الإنتاج الفكري الإسلامي اليوم يستحق الاهتمام والدراسة، أما الغالب فجهود يغلب عليها أسلوب التغزل بمبادئ الإسلام ومثله أو الدفاع والاعتذار، وتملق الناس ومهادنة أحوالهم السائدة، وليس بما يمليه الإسلام من علوٍ له على ما سواه وتنفيذ لحكمه مهما بدا في نظر البشر غريباً. هذه الكتب أو الأعمال الفكرية أيا كان -نوعها التي تسودها السطحية وغموض الهدف تنتشر بواسطة الشهرة والصداقة والمعرفة الشخصية في مجتمع اعتاد بعضه على الإملائية الفكرية، التي تملي على المسلمين القراءة للكاتب المردد لا للكاتب الرائد، تملي وتوجه إلى القراءة للفكر المهادن للجمود الفكري وليس للفكر الواعي الموقظ. نتيجة لهذا النوع من الفكر تخرج للساحة أعدادٌ هائلة من المسلمين تتناسب في كل أمورها مع تلك الثقافة الواهنة الخجلى التي تغذت بها وتعاني مما تعانيه تلك الكتب. ورحم الله إقبال إذ يقول: جوهر الآساد أضحى خزفاً ... حين صار القوتُ هذا العلفا إن هذا النوع من الفكر لا يمكن أن يوجد لنا ما نهدف إليه وما يحتاجه المسلمون من قوة معنوية فكرية تكون أساساً للقوة المادية. إن قوة [وأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] كانت روحاً قوية سرت في قلوب الصف الأول فأوجدت ما تبع من قوى. إن القرآن هو مصدر التثقيف والبناء الفكري والتربوي للرسول -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، وعائشة ﵁-تقول حين سئلت عن خلقه - ﷺ : كان خلقه القرآن. فأي جيل يمكن أن يخرجه ركام الوهن والجهل والتقليد والتلقية هذه الأيام، لكم نسخط على التقليد الذي أوهن العقل والروح عند المسلمين. ثم نمارس نفس العيب إنما بأسلوب آخر ما أحرانا أن نخترق هذا الركام ونستصفي منه ما يعنينا ... لا ما يثقلنا (فإن الغلبة والاستيلاء المعنوي يقوم بنيانه في الحقيقة على الاجتهاد ... والتحقيق العلمي. فكل أمة تسبق غيرها إليه تتولى قيادة العالم وزعامة الأمم، وتستولي أفكارها هي على العقول. أما الأمة التي تتخلف في هذا الطريق فلا تجد مناصاً من اتباع الغير وتقليده إذ لا يبقى في أفكارها ومعتقداتها من القوة والأصالة ما يكسبها السيطرة على الأذهان فيجرفها تيار الأفكار القوية التي تقوم بها الأمة الباحثة المجتهدة) [٤] . أما الأفكار المهزومة فهي التي تنجب أجيال الهزيمة فكراً ... وفعلاً. ومما زاد هذا الوهن الفكري تعقيداً وقوعه تحت ما يمكن أن نسميه مشكلة الميراث الثقافي أو التراث. وأحيانا تحت أثر الثقافة الأجنبية الغربية، فكثيراً ما نجد التراث يسوق الكاتب أو العالم في عراك تاريخي لا علاقة له بالواقع. أو في الجانب الآخر نجد الكاتب يقرر أفكاراً في بعض الأوقات لا تكون إسلامية ثم يبحث عن الشاهد من الآية والحديث لسببين: إما أن تكون مؤيدة لفكرته، لا مؤسسة لحكم أو موقف فيكون رأيه هو الأساس والآية مؤيدة وليست مؤسسة؛ أو أن تكون مسوقة للزينة أو ما يسمى بحسن الاستشهاد. وقد تجد الآية أو الحديث على ندرتهما غير متناسقين مع السياق. إن قيام المسلمين بنقد إنتاجهم الفكري وإبراز الحق فيه وتقويم الأخطاء المتتالية لضرورة ملحة وسط هذا الزخم الذي يتراكم دون أنً يجد مقوماً. كيف لا يدرك من يكتبون عن الإسلام أهمية نقد أعمالهم. والنقد وتذكير النفس بعيوبها قاعدة قرآنية ثابتة: [أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] [آل عمران: ١٦٥] . ألا يرى هؤلاء الكتاب أن الله قد خاطب بهذه الآية محمداً وأصحابه حثاً لهم على ملاحظة عيوب النفس والصف واستكمال المحاسن ونفي النقائص ولئلا يعلق المسلمون مصائبهم على مشاجب الاستعمار والشيوعية والقومية.. إلخ. وفي طريق الهروب من النقد نلبس هذه الكتب والأفكار لباس الإسلام وقداسته وكأن كل نقد لها فيه مساس بقدسية الإسلام وجنابه، وهذا الاتجاه لا يعنى مهابة نقد هذه الأعمال فلم يشفع للأحاديث الضعيفة والموضوعة أن لجأت تحت مظلة الحديث الشريف. بل هتك علماء السنة أستارها. والنقد البناء ضرورة لتخليص الناس من الآراء التي جانبت الصواب. وفي هذا الطريق توضع الأسماء والكتب الصغيرة والكبيرة تحت معيار الكتاب والسنة مع احترام من وفُقّ وعذر غيره وبيان الحق.

стр. 145

الطب بين عالَمين الدكتور أحمد القاضي الطب الإسلامي: هو كل ما استُحدث من العلوم والتقنية الطبية، واتفق مع التعاليم الإسلامية، أو التعاليم الإسلامية وما اتفق معها من المستحدث من العلوم الطبية والتقنية. ومواصفات الطب الإسلامي كعلم هي التميز والتفوق. ونعني بالتميز والتفوق أن يكون طباً متميزاً ناجحاً فيما فشل فيه الطب الحديث، ولكي يكون كذلك يجب أن تتحقق فيه الشروط الخمسة التالية. ١-الإيمان، أي أن يكون طباً ربانياً يلتزم بالتعاليم الإلهية فيما يحل ويحرم. ٢- الشمولية، وذلك بأن يهتم بالمريض ككل جسداً وعقلاً وروحاً، وأن يكون هذا أسلوبه في مواجهة كل مشكلة يقابلها. ٣- المنطقية (الرشد) ، بأن يكون منطقياً في تصوراته وممارساته. ٤- العالمية، بأن يكون عالمياً في مصادره لا يتحيز لمصدر دون آخر، ما دامت الطرق والوسائل والممارسات تتفق مع التعاليم الإسلامية، وينتظر منها ... الفائدة. ٥- المنهجية العلمية، وهي أن نضع أية ممارسة أو منطلق نتبعه تحت التمحيص العلمي الدقيق، فإذا ثبتت فائدته اتبعناه، وإلا تركناه. حينما وضعنا هذه الشروط عام ١٩٨٠ افترضنا نظرياً أنه إذا اجتمعت هذه الصفات مع ما توفر لدينا من العلوم والإمكانيات الطبية؛ فسينتج طب جديد فريد من نوعه، ناجح في ممارساته. وقد أجرينا بعض الدراسات الإحصائية في جنوب أفريقيا عام ١٩٨٢، وفى أمريكا عام ١٩٨٣, فثبت: أن اتباع التعاليم الإسلامية ينتج عنه نقص في نسبة الإصابة بالأمراض والوفيات، والعكس صحيح، أي: أن مخالفة التعاليم الإسلامية ينتج عنه زيادة في نسبة الإصابة بالأمراض، ومنها السرطان وغيره من الحميات، ويتسبب في زيادة نسبة الوفيات، وهذا ما دفعنا إلى تأسيس (مؤسسة العلوم الطبية الإسلامية) عام١٩٨٣ لتجسيد المفاهيم النظرية والمعلومات التي تبلورت في نطاق ... الجمعية الطبية الإسلامية خلال خمسة عشر عاماً. وكان السؤال: إذا التزمنا ومارسنا هذه المبادئ الخمسة، فهل يمكن تقديم طب جديد ناجح متميز؟ حيث إننا قد افتقدنا هذه الشروط الخمسة في العلوم الحديثة عامة، وفي الطب الحديث خاصة. وقد يفاجأ البعض بهذه النتيجة، لأن للعلوم الحديثة بريقاً يبهر الأبصار. والبعض يظن أن العلوم الحديثة بلغت الذروة! ومن أجل دراسة إحصائيات الطب الحديث في أمريكا خلال العشرين سنة الماضية نظرنا إلى ثلاثة معايير: ١- نسبة الإصابة بالأمراض. ٢- نسبة الوفيات. ٣- نسبة سعادة الجمهور (الصحة البدنية والنفسية) . وقد وجدنا-على ضوء هذه المعايير -: أن نسبة الإصابة بالأمراض قد ... زادت. صحيح أن بعضها قد تلاشى؛ لكن ظهرت أمراض جديدة محيرة لم تكن موجودة. وأما نسبة الوفيات فقد تزايدت. وتلاشت سعادة الجمهور، فقد تزايدت بدرجة كبيرة نسبة الانتحار والاعتداء على الحياة. ونستخلص من كل ذلك: أن الطب الحديث لا يحقق ما ينتظر منه من نجاح. أي أنه فشل في عدة جبهات، وإذا دققنا النظر بحثاً عن أسباب ذلك وجدنا أن: أ - الإيمان - كمقياس لتحديد الخبيث من الطيب - معدوم، وذلك أن ما يحدد الطيب من الخبيث هو رأي الخبراء، فإذا نادت الأغلبية أن زواج الرجل بالرجل أمر طبيعي فيكون مباحاً، وإذا أجمع الخبراء أنه لا بأس بالكحول في الأدوية الطبية فإنه يستعمل في ٩٠% من الأدوية السائدة اليوم! ب - الشمولية وهي مفقودة في كثير من الممارسات. فالرعاية الطبية جزئية، حيث تهتم بجزء من المشكلة، ولا تهتم بالأمر كله، فمثلاً: تأخذ الأم طفلها الرضيع إلى طبيب الأطفال المختص، فيفحص جسم الطفل وطوله ووزنه، وحالته الغذائية ونموه، ويعطيه اللقاحات اللازمة، ولكن لا يتجرأ بالسؤال عن حالته الاجتماعية وحياة الأسرة الروحية، وخطتها في تنشئة الطفل من حيث السلوك أو الدين أو العقيدة، فيعتبر هذا تدخلاً لا شأن له به، بل يدرسون في مدارس الطب الغربية أن الطبيب يجب أن يبتعد عن الأخلاقيات! . فنتيجة هذه الرعاية الجزئية القاصرة للطفل هناك زيادة وبائية في الانحرافات الخلقية في الجيل الناشئ، في إدمانهم على المخدرات، وإصابتهم بالأمراض الجسمية والنفسية، وبعضها يؤدي إلى فقد الحياة. وبعد ممارسة التربية الجنسية في الغرب خلال الثلاثين سنة الماضية لتحقيق الأهداف التالية: ١- القضاء على الأمراض التناسلية وتخفيض نسبتها. ٢- تخفيض نسبة الأطفال غير الشرعيين. ٣- تخفيض نسبة المشاكل الأسرية، من طلاق واعتداءات وغير ذلك. ماذا كانت النتائج؟ . كانت النتائج عكس ما خطط له، فقد نجم عن ذلك: ١- زيادة مخيفة في الأمراض التناسلية. ٢- زيادة الحصول على وسائل منع الحمل وبذلها لمن يريد. ٣ - زيادة مطردة لمشاكل الأسر، من طلاق وانهيار واعتداءات وانحلال وانتحار! لماذا؟ . لأن برامج التوعية اقتصرت على النواحي الحيوية والعضوية، وتجاهلت النواحي الخلقية والاجتماعية والدينية وقيودها ومنظماتها تماماً. بينما قام القرآن الكريم بالتوعية الجنسية من النواحي المختلفة المتكاملة: العضوية والخلقية والاجتماعية. ٤- المنطقية وهي مفقودة كذلك من كثير من الممارسات: أ- حيث تنفق ملايين الدولارات لتوعية الجمهور وتحذيره من أضرار ... الكحول؛ بينما تحتوي الصيدليات أنواعاً كثيرة من الأدوية تحتوي علي نسبة عالية من الكحول قد تؤدي إلى ٩٠% منها، وبعضها يحتوي على نسبة من الكحول قد تصل إلى نسبة ما في النبيذ والبيرة وبعض المشروبات الأخرى، بل قد تزيد عنها! . ب- تنفق آلاف الدولارات لإنقاذ مريض عمره ٩٠ سنة في حالة غيبوبة، وفى المستشفى نفسه قد يكون الطبيب نفسه يقضي على عشرات الأجنة الحية، ويأخذ أجراً أو ثمناً مقابل ذلك باسم إباحة الإجهاض! . ج - تنفق ملايين الدولارات كل عام في العالم على علاج بضع مئات من النساء - على أكثر تقدير - كي تنجب أطفال الأنابيب، بينما يقتل خمسون مليون طفل في أنحاء العالم كل عام باسم الإجهاض. د - تستخدم مئات الملايين من النساء وسائل منع الحمل بتشجيع ودفع من كثير من الدول وأحياناً بالإكراه (كما في الصين والهند ومصر) ، في الوقت الذي يتحدث فيه الأطباء عن مجهوداتهم في عمليات فتح الأنابيب، أو عمليات طفل الأنبوب! . هـ تنفق مئات الملايين من الدولارات على العمليات الفنية البارعة في ... نقل الأعضاء، كالقلب والكبد والكلى، أو وضع أعضاء صناعية لأفراد قاربوا على النهاية، في الوقت الذي يموت فيه أكثر من عشرة ملايين طفل كل عام من الجوع والإسهال! . وإن إنفاق هذه المبالغ لإنقاذ هؤلاء الأطفال سيجعل من الممكن -بإذن الله- إبعاد شبح الموت عن ملايين الأطفال البائسين في العالم كل عام، والذين أمامهم أيام وسنين طويلة ومستقبل، كما يمكن أن يكونوا أدوات إنتاج مفيدة. ٤- العالمية (الانفتاح على كل ما هو مفيد) . ينظر أغلب متخرجي المدارس الغربية بتوجس إلى كل ما هو غريب عن مدارسهم، ولذلك يفتقد الطب الحديث كثيراً من الآراء والممارسات المفيدة في مضمار الطب، كالطب العربي والطب الصيني (الوخز بالإبر) كذلك في توزيع نتائج المعرفة الطبية، فهناك تفاوت كبير بين طبقات المجتمع وبين الشعوب والدول في مدى استفادتها من الخدمات الطبية. ٥- المنهجية العلمية ونعني بها: الملاحظة الدقيقة للإحصائيات الأمنية والاستنتاج المنطقي، أي: الأسلوب القرآني. وهذه المنهجية العلمية نفتقدها في كثير من مجالات الطب الحديث، سواء ... في البحث العلمي أو في الممارسات التطبيقية، إضافة إلى أن هناك كثيراً من الممارسات غير الأخلاقية في مجال البحث العلمي بين الحين والآخر في الغرب.

стр. 146

دحض شبهات حول نظام الأسرة في الإسلام د. محمد بن عبد الله السلمان تمهيد: منذ أن ظهر الإسلام ديناً ارتضاه الله تعالى للبشرية في كل زمان ومكان وأعداؤه - وما أكثرهم - يتربصون به الدوائر، ويتلمسون كل طريق ليبعدوا المسلمين عن دينهم بتشويههم مبادئ هذا الدين، معتقدين عن جهل أو حقد-وهو الغالب- أن هذه الشُبه حقيقة واقعة، وما علموا أن ما زعموه من شُبه إنما هي من ميزات الإسلام، ودلالة واضحة على صلاحيته شريعة ومنهج حياة. بل إن حديثهم العدواني عن الإسلام كثيراً ما يكون سبباً في نشره واتساع محيطه ومعتنقيه كما قال الشاعر: لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عَرْف العود وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود ولكي لا يطول بنا الحديث نعالج الموضوع من عدة نقاط هي: مشروعية الزواج في الإسلام: إن أساس عناية الإسلام بالأسرة: حضه على الزواج وترغيبه فيه، لأنه أساس لتكوين الأسرة المسلمة وبالتالي تكوين المجتمع المسلم، وقد وردت نصوص كثيرة تحث على الزواج وترغّب فيه عند الاستطاعة، ومن ذلك قوله تعالى: ... [ولْيَسْتَعْفِفِ الَذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ] [النور: ٣٣] . ... وما رواه عبد الله بن مسعود ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له ... وجاء) [١] . ومعنى ذلك: أن الإسلام حريص على تكوين الأسرة المسلمة وكثرة أفرادها بالزواج، ليعيش الطفل المسلم بين أبويه ينهل من رعايتهما وعطفهما. وقد أثبتت الأبحاث العلمية الحديثة أن الأطفال الذين يعيشون بين أبويهم أقوى جسماً وعقلاً وعاطفةً من أطفال الملاجئ. ولا تقتصر حكمة الزواج في الإسلام على ذلك، بل تتعداه إلى حِكم أخرى لاشتمال الزواج على مصالح كثيرة منها: تحصين الزوج والزوجة، وتكثير الأمة، وتحقيق مباهاة رسول الله ﷺ بكثرة أمته [٢] ، بل قرر بعض العلماء أن الزواج أفضل من نوافل العبادة [٣] . شبهة تعدد الزوجات: إذا كان الإسلام قد حث على الزواج فإنه - بجانب ذلك - أباح للرجل أن يتزوج بأكثر من واحدة إلى أربع نسوة، واشترط توفر العدل بين الزوجات. وقد وجد أعداء الإسلام في ذلك وسيلة للنيل منه، وذلك بزعمهم أن في ذلك إهانة للمرأة. وللرد على ذلك نشير إلى عدة أمور هي: ١- الإسلام أباح التعدد ولم يأمر به أو يحث عليه، وفرقٌ بين إباحة الشيء والأمر به، فالإسلام أباح التعدد حلاً لكثير من المشاكل الاجتماعية التي تحصل من جرَّاء منع التعدد وتحريمه، فهو في ذلك مراعٍ للفطرة الإنسانية السليمة التي تتطلب ذلك. ٢- اشتراط الإسلام العدل بين الزوجات في الإنفاق والمعاملة. فمن يتزوج بأكثر من واحدة ولم يعدل بين زوجاته كان آثماً في عمله كله. يقول تعالى: ... [فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وثُلاثَ ورُبَاعَ فَإنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً] [النساء / ٣] . وفى الحديث عن رسول الله ﷺ : (أن من لم يعدل بين زوجاته جاء يوم القيامة وشِقه مائل) . ٣- عندما تكون الزوجة عقيماً، فالتعدد حلٌ لمشكلتها مع زوجها الذي قد يرغب بإنجاب الأولاد، ولاشك أن زواج زوجها بأخرى مع بقائها معه خيرٌ لها من أن يطلقها ويتزوج بأخرى. ٤- عندما تكون الزوجة مريضة أو غير قادرة على القيام بواجباتها تجاه زوجها إما لمرض جسمي أو غيره، فإن زواج زوجها بأخرى مع بقائها معه خير لها من فراقها وهي على هذه الحالة. ٥- عندما تكون نسبة النساء في مجتمعٍ ما أكثر من نسبة الرجال، لحروبٍ طحنت الرجال أو لغيرها من الأسباب، فإنه لا يوجد حل لمشكلة ذلك المجتمع وحفظه من براثن الفساد والفتن سوى التعدد. وأقرب مثال على ذلك ما حصل في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية؛ حيث تبين من الإحصائيات الدقيقة أن النساء يشكلن ٧٠% من مجموع السكان، ومعنى ذلك أن الرجال يشكلون ٣٠% من السكان، وبالتالي سيبقى٤٥% من النساء بدون زواج، فارتفعت بعض الأصوات هناك تطالب بإباحة التعدد حلاً لهذه المشكلة الخطيرة. ومثال آخر: ظهر قريباً في إحدى دول الخليج التي خرجت فيها بعض الدراسات أثبتت أن نسبة النساء فيها أكثر من الرجال. وأوضحت تلك الدراسات والإحصائيات أنه مما زاد هذه المشكلة انتشاراً ظاهرة زواج المواطن من خارج وطنه بسبب غلاء المهور. ٦- وأخيراً فإن الإسلام قد جاء والتعدد كان نظاماً اجتماعياً معروفاً عند العرب وغيرهم من الأمم الأخرى، وكان بدون تحديد لعدد معين، فجعله الإسلام لا يزيد على أربع زوجات واشترط العدل بينهن حفظاً لحقوق المرأة وكرامتها. شبهة الطلاق: وكما أباح الإسلام التعدد فقد أباح الطلاق أيضاً، وجعله حلاً لمشاكل اجتماعية قد تحصل بين الزوجين لا يمكن حلها إلا بالطلاق. ومع ذلك اتخذ أعداء الإسلام من إباحة الإسلام للطلاق منطلقاً للتهجم عليه. وزعموا أن في ذلك إهانة لكرامة المرأة وسبباً في تشرد الأولاد. وللرد على ذلك نشير إلى عدة أمور: ١- أن الإسلام حينما أباح الطلاق بغَّض به، وجعله الرسول أبغض الحلال إلى الله [٤] . ٢- رغب الإسلام في الصلح بين الزوجين وإيجاد الحل لمشاكلهما قبل البتِّ في الطلاق. فقد يكون سبب النزاع عوامل خارجية عن حياة الزوجين الخاصة يمكن إيجاد حل لها وتستقيم الأمور، يقول تعالى: [فَابْعَثُوا حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا إن يُرِيدَا إصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا] [والنساء: ٣٥] ، فإن انسدت أبواب الإصلاح، ولم يكن التوفيق بينهما فالطلاق هو الحل الأخير، وسيوفق الله الطريق الأصلح لكل واحد منهما [وإن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ] [النساء: ٣٠] . ومع ذلك ترك الإسلام للرجل والمرأة فرصة للتفكير؛ فشرع الطلاق الرجعي ليستطيع الرجل أن يراجع فيه امرأته بدون مهر أو عقد جديد إذا كانت لازالت في عدتها. ٣- أن الإسلام حينما أباح الطلاق إنما وافق بذلك الفطرة السليمة بجعله حلاً لمشكلة اجتماعية قد تحصل بوجود خلاف وعدم التئام بين الزوجين ولا حل لهما إلا بالطلاق. ولنا أن نتصور كيف تكون الحال لو أن الطلاق ممنوع أو محرم، إن الحياة بين هذين الزوجين ستكون جحيماً لا يطاق. ولهذا نجد في أوربا أن القوانين فيها أخذت تجيز الطلاق مع أن الكنيسة النصرانية بتعاليمها المحرفة لازالت تحظر الطلاق حتى مع ثبوت الخيانة الزوجية. وكانت فقط تحكم بالتفريق الجسدي بين الزوجين مما سبّب مشاكل اجتماعية خطيرة. ٤- أما زعم أعداء الإسلام أن الطلاق سبب لتشرد الأولاد في البلاد الإسلامية، فإن هذا غير صحيح ولا دليل له من الواقع. ذلك أن إحصائيات الطلاق في العالم الإسلامي أشارت إلى أن أكثره يقع في السنة الأولى من الزواج وقبل الإنجاب بسبب فشل اختيار أحدهما للآخر. وقد ورد في تلك الإحصائيات أن ٧٧% من وقائع الطلاق تقع قبل إنجاب أي ولد، وأن ١٧ % تقع بعد إنجاب طفل واحد [٥] . ثم تتدنى النسبة كلما كثر عدد الأولاد. وحينما يقع الطلاق مع وجود الأولاد كفل الإسلام الحياة الكريمة للأولاد - في رعاية أحد الأبوين - وأوجب النفقة على الأب، بل أوجب الإسلام على الأب إعطاء الأم أجراً حتى على إرضاع ولدها. يقول تعالى: [وإن كُنَّ أُوْلاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ] .. [وإن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى] [الطلاق: ٦] . مكانة المرأة وحقوقها: وهكذا اتضح لنا أنه حتى في المسائل التي أثارها أعداء الإسلام زعماً منهم أن فيها إهانة للمرأة إنما في الحقيقة هي في مصلحة المرأة وحماية حقوقها. وحينما نبحث عن نظرة الإسلام للمرأة وتكريمه لها في جوانب أخرى نجد أن الإسلام قد أعلى من شأنها وأعطاها من الحقوق ما لم يعطه لها الغرب الأوربي المتمدن. فما بالك بالأمم الأخرى قبل الإسلام! ! . فلو نظرنا إلى الأمم الأخرى قبل مجيء الإسلام لرأيناها-في مجملها-تحط من مكانة المرأة، وتحرمها أبسط حقوقها. فاليهودية المحرفة: تعتبر حواء ومن ثَم المرأة عموماً سبباً في شقاء الإنسانية لأنها أخرجت آدم - بزعمهم - من الجنة. وجاءت النصرانية المحرفة: فتبعت اليهودية في احتقارها للمرأة، حتى أن المجتمعات الأوربية النصرانية- حتى نهاية العصور الوسطى-كانت تشك في إنسانية المرأة هل هي إنسان أم لا؟ ! . وبلغ من ظلم بعض المجتمعات للمرأة أن أوجبت عليها إحراق نفسها إذا مات زوجها كما في البرهمية بالهند. أما في المجتمع العربي قبل الإسلام: فقد وجدت عادة وأد البنات عند بعض القبائل العربية (أي: دفنهن وهن أحياء خوف العار) ، كما أن المرأة عندهم لا تَرث بل قد تورث كأي سلعة أو مال. وجاء الإسلام ليعطي للمرأة حقوقها الكاملة، ويكرمها، ويرفع من مكانتها. ويتضح ذلك مما يلي: ١- أعلن المساواة الكاملة بين المرأة والرجل في الإنسانية والإيمان. يقول تعالى: [فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّنْ بَعْضٍ] ، وقوله تعالى: [الْمُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِنَاتِ والْقَانِتِينَ والْقَانِتَاتِ والصَّادِقِينَ والصَّادِقَاتِ والصَّابِرِينَ والصَّابِرَاتِ والْخَاشِعِينَ والْخَاشِعَاتِ والْمُتَصَدِّقِينَ والْمُتَصَدِّقَاتِ والصَّائِمِينَ والصَّائِمَاتِ والْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ والْحَافِظَاتِ والذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً والذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وأَجْراً عَظِيماً] . ٢- رفع الإسلام الظلم الذي كان يقع على المرأة في الجاهلية؛ فحرّم وأد البنات، وألغى نظام وراثتها كسائر السلع، وأشركها في الميراث مع الرجل، وإذا كان قد جعل نصيبها من الميراث نصف ميراث الرجل فإن هذا لم يكن إلا تقديراً للواجبات والتكاليف المالية التي أوجبها الإسلام على الرجل من النفقة على الأولاد والزوجة والوالدين ومن يعولهم شرعاً. فلو مات ميت عن ابن وبنت مثلاً: فإن للإبن ثلثا المال وللبنت ثلث المال. لكن يترتب على الابن أن يدفع مهراً عند زواجه ونفقة على زوجته وأولاده، بينما البنت: سيُدفع لها مهر ولا تجب عليها أي نفقة حتى على نفسها، بل تكون النفقة على زوجها. وهكذا. ٣- أعطى الإسلام للمرأة حقوقها الشخصية، مثل: حق التصرف بمالها شراءً وبيعاً وهبةً دون أن يكون للرجل -حتى زوجها-سلطة على مالها أو أخذ شيء منه إلا برضاها. وهذا الحق لم تمنحه حتى القوانين الوضعية في البلاد الأوربية التي تدعي التحضر والتمدن. ففي فرنسا حتى عام ١٩٣٩م: لا يسمح القانون هناك للمرأة بالتصرف بمالها إلا بإذن زوجها، ثم عدِّل القانون بإعطاء المرأة شيئاً من الحرية في التصرف بمالها لكن مع بعض القيود أيضاً. وفي ألمانيا الغربية: لم يعط القانون هناك للمرأة حق اقتناء الممتلكات حتى عام ١٩٥٧م [٦] ، بل إن نظام العمل والأجور في أوربا وأمريكا لازال حتى الآن ينقص أجر المرأة المالي بالنسبة للرجل. فيصل في بريطانيا مثلاً إلى٧٥% من أجر الرجل مع تساويهما في الوظيفة ونوع العمل [٧] . ٤- الإسلام كفل للمرأة الحياة الكريمة في جميع مراحل حياتها بنتاً أو زوجةً أو أماً. فالبنت: لها على والدها حق النفقة والرعاية التامة كأخواتها، والزوجة: لها على زوجها حق النفقة والرعاية والمعاملة بالمعروف قولاً وعملاً، يقول الرسول ﷺ : (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) [٨] . ... أما الأم: فقد أعطى الإسلام لها حقوقاً كبيرة من التكريم والنفقة والعطف وخفض الجناح. يقول تعالى عن حق الوالدين: [وقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ وبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَاناً إمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُمَا وقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * واخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً] [الإسراء: ٢٤] . بل حق الأم يفوق حق الأب بنسبة ٣: ١، فقد جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: (يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. ... قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أبوك) . وهكذا نرى أن الإسلام يزيد من تكريم المرأة كلما كبرت وأصبحت بحاجة إلى الرعاية، بينما نرى في المجتمعات غير الإسلامية اهتماماً بالمرأة مادامت في جمالها وشبابها، ثم نسيانها بعد أن تتقدم بها السن. ولهذا تكثر في المجتمعات الأوربية العجائز اللاتي يسكن لوحدهن، وكثيراً ما تمرض أو تموت دون علم أولادها بها قربوا في المسافة أم بعدوا؟ . ٥- ونتيجة لشدة عاطفة المرأة وتأثرها الشديد بالمواقف: جعل الإسلام شهادتها نصف شهادة الرجل: [أَن تَضِلَّ إحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إحْدَاهُمَا الأُخْرَى] ... [البقرة: ٢٨٢] . ويقول ﷺ عن النساء: ( ... وما رأيت من ... ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن. قالت امرأة: يا رسول الله؛ وما ... ... نقصان العقل والدين؟ قال: أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل؛ ... فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي لا تصلي، وتفطر في رمضان؛ فهذا نقصان الدين) [٩] . ٦- وأخيراً؛ فإن الإسلام يجعل من رعاية الرجل لابنته أو أخته عبادة يؤجر عليها. يقول ﷺ : (من ابتلي من البنات بشيء، فأحْسن إليهن: كن له سِتراً من النار) . وقال أيضاً: (من عال جاريتين حتى تبلغا: جاء يوم القيامة أنا وهو؛ وضم أصابعه) [١٠] .

стр. 147

أدب وتاريخ قصيدة وموقف لخبيب بن عدي ﵁ المناسبة والشاعر [١] : خبيب بن عدي: صحابي جليل من الأوس، وقارئ داعية إلى دينه، كان في البعثة التي أرسلها الرسول ﷺ إلى نجد، حيث قدم على رسول الله بعد أُحد رهط من (عُضَل والقارة) وقالوا: يا رسول الله إن فينا إسلاما؛ فابعث معنا نفراً من أصحابك يفقِّهوننا في الدين، ويُقرؤوننا القرآن، ويُعلموننا شرائع الإسلام.. فبعث رسول الله نفراً، منهم: خبيب وزيد بن الدثنة وعاصم بن ثابت بن أبي الأقلح.. حتى إذا كانوا على الرجيع -ماء لهذيل بين عسفان ومكة - استصرخوا عليهم هذيلاً وغدروا بالصحابة، فمنهم قتيل وأسير. أُسر خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة، وقدم المشركون بهما مكة، (قال ابن هشام) : فباعوهما من قريش بأسيرين من هذيل كانا بمكة ... حيث إن خبيباً كان قد قتل في بدر الحارث بن عامر من أهل مكة.. فقتلته قريش ثأراً لصاحبهم، وتشفيّاً بعباد الله المؤمنين. سُجن الصحابي الجليل انتظاراً لتنفيذ الجريمة البشعة فيه، حيث خرجت به قريش إلى التنعيم (خارج حدود الحرم) ، وصلّى ركعتين خفيفتين، واجتمع الرجال والنساء والأطفال يحضرون مصرع الصحابي الجليل وصلبه، وعندما رفع إلى خشبته وأوثقوه، قال: اللهم إنا قد بلغنا رسالة رسولك، فبلغه الغداة ما يصنع بنا، ثم قال: اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً. وفي هذا الموقف العصيب قال هذه القصيدة: ١- لقد جمّع الأحزاب حولي وألّبوا قبائلهم واستجمعوا كل مَجمعِ ٢- وكلُّهم مُبدي العداوةِ جاهدٌ عليّ لأني في وَثاقي بمضيع ٣- وقد جمّعوا أبناءهم ونساءهم وقُربتمن جذع طويل مُمنّع ٤- إلى الله أشكو غربتي ثم كربتي وما أرصدَ الأحزابُ لي عند مَصرعَي ٥- فذا العرشِ صبّرني على ما يُراد بي فقد بضّعوا لحمي وقد ياس مطمعي ٦- وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصالِ شلْو ممزّع ٧- وقد خيروني الكفرَ، والموت دونه وقد هملت عيناي من غير مجزع ٨- وما بي حِذارُ الموت، إني لميّتٌ ولكن حذاري جحم نار مُلفع ٩- فلست أبالي حين أقتل مسلماً على أيّ جنبٍ كان في الله مصرعي ١٠- ولست بمبدٍ للعدو تخشّعاً ولا جزِعاً، إنّي إلى الله مَرجعي المفردات الغريبة: ٥-ياس: أصلها يئس، فخففت. ٦-أوصال: أعضاء مقطعة. شلو: ضعيف. ٨ - جَحْم: الملتهب. الملفع: المضطرم. جحم نار ملفع: في (الاستيعاب) : حر نار تلفع. ٩ - وفي رواية: (مضجعى) بدل مصرعي. في جوّ الأبيات: ١- إن الصحابي الجليل يصور غربته وسط جوّ جاهلي حاقد، فقد تجمع المشركون حوله، يُبدون العداوة، يشتفون بإراقة دم المسلم الطاهر النقي، ولا ذنب له إلا أن يعلن إسلامه صادقاً، جمعوا الأبناء والنساء، وقد قربوه من جذع ليصلبوه عليه، عرضوا عليه الكفر ففضّل الموت: (وقد خيروني الكفر والموت دونه) . وهكذا المشركون في كل عصر، والطواغيت في كل حين، مطلبهم واحد من المؤمنين: أن يتركوا دينهم، وإلا فهم متزمتون، متطرفون، رجعيون، أعداء الوطن. ٢- وها هو مسلم اليوم يعيش في غربته القاتلة، ولكن طوبى للغرباء، فالصحابي يشكو غربته وكربته وما أرصد له الأحزاب عند مصرعه.. ويدور الزمن دورته وإذا بالمؤمنين يفرون بدينهم في فجاج الأرض، وهم يحسون الغربة والكربة، يلاحقون ويضطهدون، ويضيَّق عليهم في كل أرض ... يَقبضون على الجمر ماداموا يتمسكون بعقيدتهم، ولا يساومون عليها. ٣- إن والي حمص - سعيد بن عامر الجمحي ﵁-أيام أمير المؤمنين عمر -رضى الله عنه- كان ممن حضر مصرع خبيب ودعوته في الجاهلية، يقول سعيد بن عامر. (فوالله ما خطرت على قلبي دعوة خبيب وأنا في ... مجلس قط إلا غشي عليّ) . كم من المسلمين اليوم من يُرفع على أعواد المشانق، وكم من المؤمنين من يُقتلون بالعشرات، والجرافات تواريهم في قبور جماعية. وقد يكون من بينهم بعض الأحياء! وكم من ليال لجيران أقبية التعذيب لا تدع لأصحابها فرصة للنوم، من أنين المعذبين المضطهدين؟ ! . ومسلمو العصر الحديث لا يحركون ساكناً، وأحفاد سعيد بن عامر-رضي الله عنه-لا يرف لهم جفن عندما يسمعون بهذه المآسي.. بَلْهَ الغيبوبة التي كانت تصيب الصحابي الجليل الوالي الورع.. أين كلمات الحق التي تقال؟ أين الإنصاف، ولا ذنب لهؤلاء إلا أن قالوا: ربنا الله؟ ! . إن منطق الجاهلية الحديثة، جاهلية القرن العشرين يقول: إن هؤلاء وأمثالهم مشاكسون متطرفون، يجب أن يخضعوا ويتركوا إثارة القلاقل، وإعلان دعوة التوحيد؛ لأن الدين قضية شخصية لا تحتاج إلى كل هذا؟ ! . وقديماً قال المنافقون في شهداء الرجيع مثل هذا القول. يقول ابن إسحاق عن ابن عباس -رضي الله عنهما-[٢] : لما أصيبت السرية - في الرجيع - قال رجال من المنافقين: يا ويح هؤلاء المفترين الذين هلكوا، لا هُم قعدوا في أهليهم، ولا هم أدوا رسالة صاحبهم، فأنزل تعالى قوله: [وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ] [البقرة: ٢٠٤] . ٤- إن الصحابي البدري القارئ، إنسان يشعر بكيد الجاهلية، وتذرف عيناه الدمع من غير جزع، فما هو بخائف من الموت، فالموت حق، ولو لم يمت بحد السيف مات بغيره، ولكنه يخشى ألا يكون قد قام بحق الدعوة، وحق الإسلام، إنه يخشى مَسَّ النار الملتهبة.. إن الذي يموت على الإسلام، لا يبالي على أي جنب كان في الله مصرعه ما دام في سبيل الله. ولن يبدي للعدو جزعاً ولا تردداً، ولا تراجعاً، فنفس المؤمن عزيزة، فهو صاحب دعوة، أدى رسالة رسول الله (اللهم إنا قد بلغنا رسالة رسولك فبلغه الغداة ... ما يصنع بنا) ، (اللهم اقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً) . ٥- إن خبيباً مثال التضحية والفداء في السراء والضراء، وأين منه أدعياء البطولة - في أيامنا الحاضرة - وقت الرخاء ومواتاة الظروف؟ ! ، وإذا ما تنكرت لهم الأيام انقلبوا خائبين إلى أحضان أعدائهم ولو كانوا من المشركين! . إن العقيدة الصلبة، والتربية الإيمانية، هي التي تفرق بين أجيالنا وجيل الذروة، جيل القمة السابقة من أصحاب رسول الله ﷺ . واستمع إلى قول زيد بن الدثنة-﵁-عندما قدم ليقتل في التنعيم أيضاً: قال له أبو سفيان: أنشدك الله يا زيد، أتحب أن محمداً عندنا الآن في مكانك نضرب عنقه وأنك في أهلك؟ قال: (لا والله ما أحب أن محمداً الآن في ... مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأني جالس في أهلي) . قال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً، ثم قُتل- ﵀[٣] . هكذا تكون التربية العقدية، ولا مخلَص لنا مما نحن فيه إلا بالعودة إلى هذه التربية القرآنية الإيمانية الخالصة لوجهه تعالى.. بعيدة عن كل شائبة. ٦- لابد من التربية الصلبة التي رُبِّي عليها أصحاب رسول الله؛ حتى يستطيع المسلمون اليوم أن يَثبتوا للجاهلية الجديدة والغربة الثانية. فالملأ من قريش الذين أعدموا الصحابة في التنعيم موجودون في معظم أنحاء العالم الإسلامي ولو تغيرت اللافتات والأسماء، هنالك قريش وهذيل وبقية المشركين في جزيرة العرب، وهنا: الشيوعية، والأحزاب العلمانية، والباطنية، والطواغيت التي ترفض تحكيم شرع الله.. ٧- وأخيراً أختم هذه الخواطر (من وحي القصيدة) بأبيات لشاعر الدعوة الإسلامية حسان بن ثابت ﵁-يرثي فيها خبيب بن عدي -رضي الله عنه-عندما قتل صبراً بمكة [٤] : ١-ما بال عينك لا ترقا مدامعها شحّاً على الصدر، مثلَ اللؤلؤ الفَلَقِ ٢- على خبيبٍ، وفي الرحمن مصرعُه لا فشل حين تلقاه ولا نزق ٣-فاذهب خبيبُ، جزاك الله طيبةٌ وجنة الخلد عند الحور في الرُّفَق ٤-ماذا تقولون إن قال النبيُّ لكم حين الملائكة الأبرارُ في الأفق ٥-فيما قتلتم شهيدَ الله في رجلٍ طاغٍ قد أوعث في البلدان والطرق هكذا كانت عين حسان ﵁ - وأمثاله من المؤمنين - لا ترقأ مدامعها، تنهمر غزيرة على خداع الجاهلية وضلالات الشرك التي أودت بأهل الرجيع، سرية القراء والدعوة إلى الله.. وهكذا يكون التعاطف بين المؤمنين، ويكون الرثاء في معاني جديدة، معاني الإسلام؛ (الجنة، والملائكة، والشهادة) . ...

стр. 148

ستشرق الشمس شعر: علي محمد كان الولاء لديني في رُبا بلدي ... فعاد حقاً لأهل الحي والبلد لو تصبح النفس طوع الوحي في أدب ... تأبى الميوعة في دين ومعتقد ويسلك العقل منهاجاً له أطر ... من التثبت لم يجنح ولم يحد بعد التحرر من أوهام فلسفة ... أو منطق لبني اليونان معتمد أو هرطقات لأوباش هنادكة ... قالوا بوحدة رب الخلق والجمد أو من تعصب بدعيٌ لبدعته ... يظن خيراً بقطب الغوث والوتد قد يأذن الله في تفريج كربتنا ... ويبصر الدرب من يشكو من الرمد قل لي بربك ما تركيب أدمغة ... تعطي العبيد مقام الواحد الأحد من يعصب العين لا تحمد عواقبه ... وحاطب الليل لا يجني سوى الزبد وسالك الدرب إن يدرك معالمه ... إدراك مجتهد فذٍ ومتئد ويتق الله في الأسباب كاملة ... وفق النواميس لم يضعف ولم يحد سيدرك النصر إن يأذن به صمد ... بعد امتحان بخير المال والولد ودولة الظلم لن تبقى إلى أمد ... وهل تدوم وما دامت إلى أحد ستشرق الشمس لا تجزع لغيبتها ... ويبزغ الفجر فوق السهل والنجد وترجع القدس تزهو في مآذنها ... وعد الإله الكريم المنعم الصمد

стр. 149

الإسلام والجاهلية عودة العصبيات من جديد محمد الناصر ج - عودة العصبيات من جديد: تحدثنا فيما مضى عن أثر هذا الدين الحنيف في تذويب العصبيات ورواسبها، وكيف أن أصحاب رسول ﷺ سَمَوا بأنفسهم فوق تقاليد الآباء، وأعراف الأجداد. إلا أننا نلاحظ عودة العصبية، عندما كان وازع العقيدة ضعيفاً.. وبذور الإيمان لم تزدهر بعد.. والتربية القرآنية لم تلامس بعض القلوب.. وذلك في مظاهر متعددة برزت في: ١- حروب الردة. ٢- العصر الأموي. ٣- أحقاد الشعوبية. ٤- عصبية القومية والوطنية في العصر الحديث. ١- حروب الردة: إن الحديث عن فتنة الردة ليس بالأمر السهل إذا اختلطت فيها المفاهيم، فتلونت العصبية مع ضعف أثر الدين بميل نفوس الأعراب إلى حياة الفوضى والغزو، وحنينهم إلى ماضٍ قريب ألفوه قروناً متطاولة.. لقد كانت النزعات بين المرتدين ليست واحدة، وكانت شعاراتهم متباينة، يجمعها التفاف حول متنبئين كذابين، هم يعلمون كذبهم، إلا أنها عُبيَّةُ [١] الجاهلية، وعصبية القبيلة لأحد أبنائها ونتن الوثنية الذي عاد من بعض الوجوه.. (لما توفي رسول الله ﷺ عظم الخطب، واشتد الحال، ونجم النفاق في المدينة، وارتد من ارتد من أحياء العرب حول المدينة، وامتنع آخرون عن أداء الزكاة إلى الصديق، ولم يبق للجمعة مقام في بلد سوى مكة والمدينة، وكانت جواثا من البحرين أول قرية أقامت الجمعة بعد رجوع الناس إلى الحق كما في (صحيح البخاري) عن ابن عباس، وكانت ثقيف بالطائف قد ثبتوا على الإسلام...) . (وقد روي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، ومن حديث القاسم عن ... عائشة ﵂ قالت: (لما قبض رسول الله ﷺ ارتدت ... العرب قاطبة وأشربت النفاق، واللهِ لقد نزل بي ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها، وصار أصحاب محمد ﷺ كأنهم معزى مطيرة في حُشٍ في ليلة مطيرة بأرض مسبعة ... ) [٢] . (وقال محمد بن إسحاق: ارتدت العرب عند وفاة رسول الله، ... ماخلا أهل المسجدين مكة والمدينة، وارتدت أسد وغطفان وعليهم طليحة الأسدي، وارتدت كندة ومن يليها وعليهم الأشعث بن قيس الكندي.. وارتدت ربيعة وكانت حنيفة مقيمة على أمرها مع مسيلمة الكذاب ... وارتدت سُليم مع الفجأة، ... وارتدت بنو تميم مع سجاح الكاهنة... [٣] . اختلاف الشعارات والنزعات بين المرتدين: (جعلت وفود العرب تقدم المدينة: يقرُّون بالصلاة ويمتنعون عن أداء ... الزكاة، ومنهم من امتنع عن دفعها للصديق، ومنهم من احتج بقوله تعالى: ... [خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وتُزَكِّيهِم بِهَا وصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ] . قالوا: فلسنا ندفع زكاتنا إلا إلى من صلاته سكنٌ لنا [٤] . لقد غاب عن بال هؤلاء: أن الزكاة ركن من أركان الإسلام، وعندما عقد الصديق- ﵁-لواء الجيش لخالد بن الوليد، أوصاه وبيّن له وضع القبائل، إذ يقول له: (سر في أصحابك على تعبية جيدة، فإذا لقيت أسداً وغطفان ... فبعضهم لك وبعضهم عليك، وبعضهم لا لك ولا عليك، متربص دائرة السوء، ينظر لمن تكون الدّبرة) (أى: النصرة والغلبة) فيميل مع من تكون له ... الغلبة، ولكن الخوف عندي من أهل اليمامة، فاستعن بالله على قتالهم، فإنه بلغني أنهم رجعوا بأسرهم [٥] . وقد تكلم الصحابة مع الصديق في أن يتركهم وما هم عليه من منع الزكاة، ويتألفهم حتى يتمكن الإيمان في قلوبهم.. ثم هم بعد ذلك يزكون، فامتنع الصديق من ذلك وأباه.. وقد روى الجماعة سوى ابن ماجه عن أبي هريرة: (أن عمر بن الخطاب- ... ﵁ قال لأبي بكر: علام تقاتل الناس؟ وقد قال رسول الله: أمرت ... أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإذا ... قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها) ؟ فقال أبو بكر: والله لو منعوني عناقاً- وفي رواية: عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لأقاتلنهم على منعها، إن الزكاة حق المال، والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة ... والزكاة، قال عمر: فما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت ... أنه الحق) [٦] . وبعد عودة جيش أسامة بن زيد، عقد أبو بكر الألوية، فعقد أحد عشر لواءً.. عقد لخالد بن الوليد وأمره بطليحة، فإذا فرغ ساروا إلى مالك بن ... نويرة إنْ أقام له، ولعكرمة بن أبي جهل وأمره بمسيلمة ... إلخ [٧] . ولقد عرض الصديق على كبار الصحابة قيادة الجيش فأبوا عليه ذلك وكانوا يطمحون للشهادة ... (دعا أبو بكر زيدَ بن الخطاب لذلك، فقال: يا خليفة رسول الله قد ... كنت أرجو أن أرزق الشهادة مع رسول الله ﷺ فلم أرزقها، فأنا أرجو أن أرزقها في هذا الوجه، وإن أمير الجيش لا ينبغي أن يباشر القتال ... بنفسه، فدعا أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة، فقال مثل ما قال زيد، فدعا سالماً مولى أبي حذيفة ليستعمله فأبى عليه، فدعا أبو بكر خالدَ بن الوليد فأمّره على ... الناس) [٨] ... واستشهد هؤلاء الصحابة الذين اعتذروا عن القيادة ﵏ جميعاً-. بعد هذا العرض السريع لفتنة الردة وانتقاض القبائل على خليفة رسول الله - ﷺ .. مع اختلاف النزعات والشعارات، نلاحظ أمرين ... واضحين، هما: ١- قوة العصبية في نفوس الأعراب. ٢- تعالي أصحاب الإيمان على هذه العصبية من الصحابة، (وقسم من أهل القبائل) وقفوا لقومهم محاربين مقاتلين كما سنلاحظ ذلك.. العصبية راسخة الجذور في الجزيرة العربية: والمتتبع لحروب الردة، يجد أن سواد الأعراب لم يدخل الإيمان قلوبهم، ولقد وصفهم القرآن بذلك: [قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا ولَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا ولَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وإن تُطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ لا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً] ... [الحجرات: ٤] . (هولاء الأعراب وقف معظمهم من الدين الإسلامي بالذهنية المغلقة ... المتعصبة التي لا تدرك معنى الدين؛ [الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً ونِفَاقاً وأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ] [التوبة: ٩٧] . (كانوا يعدون الرسول رجلاً أوتي السلطان على العرب؛ فيطيعونه ... على أنه رئيس مقتدر..) . (وكان العرب المسلمون ينظرون إلى الأعراب المتبدين ... نظرة حذر وارتياب، وكانوا لا يرتضون لأعرابيٍّ تحضَّر أن يتبدى.. وكان للقبيلة الواحدة حاضر وبادية، والتمازج حاصل بين سكنة الحواضر ... ... وسكنة البوادي.. وكان الرسول الكريم يفرق بين الأعراب الموغلين في الصحراء، والأعراب المقيمين في الضواحي والمستجيبين لدعوة الإسلام..) [٩] . ... كان الأعراب بعيدين عن التربية المباشرة، تربية العقيدة والإيمان، كانت فترة الإعداد غير كافية لاقتلاع رواسب الجاهلية الموغلة في نفوسهم. إن جذور العصبية عريقة، والتعلق بعادات الغزو والنهب والفهم لحياة الفوضى، وكرههم للطاعة وحياة الانضباط، كل ذلك مع ضعف العقيدة سبَّب ردةً عنيفة في جزيرة العرب.. وسوف أستعرض بعض المواقف التي تجلّي لنا هذا الأمر: عندما واجه خالد بن الوليد ﵁ -بجيوش المسلمين طليحة ... الأسدي أُسر حِبال بن أبى حبال، ولما أراد المسلمون أن يبعثوا به إلى أبي بكر ... الصديق قال: (اضربوا عنقي ولا تُروني محمَّدِيكُم هذا) ؛ فضربوا عنقه [١٠] . ... نزل عمرو بن العاص وهو عائد من عُمان على سيد بني عامر (قرة بن هبيرة القشيري) ، وذلك بعد وفاة رسول الله ﷺ ؛ فقال قرة ... لعمرو: (إن لك عندي نصيحة وأنا أحب أن تسمعها. إن صاحبك قد توفي. قال عمرو: أو صاحبنا هو؛ لا أمَّ لك- يعني: دونك؟ قال له قرة: وإنكم يا معشر قريش كنتم في حرمكم تأمنون فيه ويأمنكم الناس ثم خرج منكم رجل.. فلما ... بلغنا ذلك لم نكرهه، وقلنا: رجل من مضر يريد يسوق الناس، وقد توفي، والناس ... إليكم سراع، وإنهم غير معطيكم شيئاً؛ فالْحقوا بحرمكم تأمنون فيه [١١] . ... وعندما اقترب عمرو من مشارف المدينة لقيه عيينة بن حصن خارجاً من ... المدينة، فقال له: ما وراءك ياعيينة؟ قال له: يا عمرو استوينا نحن وأنتم، فقال له عمرو: كذبت يا ابن الأخابث من مضر. ثم لحق عيينة بطليحة الأسدي [١٢] . هذا هو منطق الجاهلية ورجسها، وعقلية مشايخ القبائل، ولننظر ... في مواقف عجيبة صدرت عن أصحابها خلال حرب اليمامة.. مع مسيلمة الكذاب ... وقومه. كان (الرجال بن عُنْفوة) به من الخشوع، ولزوم قراءة القرآن والخير ... ... شيء عجيب.. وفد على رسول الله مع قومه وكان من أكبر من أضل أهل ... اليمامة حتى اتبعوا مسيلمة، وكان قد أرسله الصديق لأهل اليمامة يدعوهم ... إلى الله، فارتد مع مسيلمة، وشهد له بالنبوة.. سُمع الرجال هذا وهو يقول: (كبشان انتطحا، فأحبهما إلينا كبشنا) [١٣] . ضلال عجيب، وعصبية قاتلة أوردته المهالك. ... وها هو مسيلمة يقف مخذولاً أمام كتائب الإيمان ليقول لقومه في حديقة الموت: (اليوم يوم الغيرة.. إن هزمتم تستنكح النساء سبيات.. فقاتلوا عن أحسابكم وامنعوا نساءكم) [١٤] . وبقوة الحسب ومجد العشيرة يستثيرهم محكم بن طفيل أكبر مؤيدي ... مسيلمة - خذله الله - إذ يقول: (ما كان عندكم من حسب فأخرجوه) [١٥] . (قال قائل لمسيلمة: يا أبا ثمامة أين ما كنت وعدتنا؟ (وذلك بعد أن قتل ... محكم بن طفيل) قال الكذاب: أما الدِّين: فلا دين، ولكن قاتلوا عن أحسابكم، ... فاستيقن القوم أنهم على غير شيء) [١٦] . وأخيراً: أسوق الخبر التالي، وهو يدل على عصبية عجيبة لا تدانيها ... إلا عصبية ما قبل الإسلام: (جاء رجل إلى اليمامة وقال: أين مسيلمة؟ دلُّوه عليه، فقال له: من يأتيك؟ قال: رجس. قال: أفي نور أم في ظلمة؟ فقال: في ظلمة، فقال: ... ... أشهد أنك كذاب، وأن محمداً صادق، ولكن كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر، ... واتبعه هذا الأعرابي الجلف - لعنه الله- حتى قتل معه يوم عقربا، لا رحمه الله) [١٧] . هكذا نلاحظ أن العصبية الجاهلية برزت قوية جائرة، سببت فتنة أريقت لها دماء، وأزهقت فيها أرواح.. والإسلام ينادي: (دعوها؛ فإنها ... ... منتنة) على لسان رسوله -عليه أفضل الصلاة والسلام-. ومن مستلزمات الجاهلية، والحياة القبلية كما مر معنا في الشعر الجاهلي: ... حياة الغزو، وأحياناً على بكر أخينا، وهذه النفسية ظهرت خلال فتنة ... ... الردة واضحة. قدم عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس على الصديق، يطلبان جعلاً ليخذلان من وراءهما من القبائل، فرفض الصديق ذلك، وبعد عودت هما شن خارجة بن حصن (أخو عيينة) غارة على المدينة المنورة، فخرج ... إليهم الصديق بمن معه من المسلمين وهزمهم في ذي القصة [١٨] . وهذا الفجاءة من بني سليم كان قدم على الصديق وزعم أنه أسلم، وسأله أن يجهز معه جيشاً يقاتل به أهل الردة فجهز معه جيشاً، فلما سار ... ... جعل لا يمر بمسلم ولا مرتد إلا قتله وأخذ ماله.. فلما سمع الصديق بعث ... وراءه جيشاً فرده وقد جمعت يداه إلى قفاه وقُتل. من شحّت نفوسهم بدفع الزكاة: وهنالك بعض المرتدين امتنعوا عن دفع المال وتأدية الزكاة لخليفة رسول الله.. قال الأشعث بن قيس لأبي بكر الصديق: (والله ما كفرت بعد إسلامي، ولكني شححت على مالي) ، وذلك عندما جئ به وبقومه من أسرى كندة بعد هزيمتهم.. وقال وفد كندة أيضاً نفس ... ... القول: (والله ما رجعنا عن الإسلام، ولكنا شححنا على أموالنا) [١٩] . ... (وكان الذين حبسوا صدقات قومهم وفرقوها بينهم مالك بن نويرة ... وتيس بن عاصم، والأقرع بن حابس التميمي، وكذلك فعل حذيفة بن بدر الفزاري، ومثله بنو سليم، وحاولت طيء أن تقلد جيرانهم بني أسد إلا أن ... عدي بن حاتم رفض ذلك وأقنع قومه، وقدم بالصدقات على أبي بكر الصديق ﵁) [٢٠] . الغزو وحياة الفوضى: وهكذا نلاحظ أن العرب الذين كانوا يأنفون من الانصياع إلى سلطة واحدة، صعُب عليهم أن يخضعوا لرجل من قريش يؤدون إليه أموالهم. وهذا شاعر كندة حارثة بن سُراقة يقول: أطعنا رسول الله ما كان وسطنا ... فيا قوم ما شأني وشأن أبي بكر؟ أيورثنا بكراً إذا مات بعده ... فتلك إذن والله قاصمة الظهر [٢١] جاءت سجاح بمن معها من قبيلتها (تغلب) من الجزيرة وقد ادعت النبوة، وهي من نصارى العرب، ولما مرت ببلاد بني تميم دعتهم إلى أمرها، فاستجاب لها عامتهم، وكان ممن استجاب لها مالك بن نويرة التميمي، وعطارد بن حاجب.. ثم اتفق أتباعها على قتال الناس فقالت لهم فيما تسجعه: (أعدوا الركاب، واستعدوا للنهاب، ثم أغيروا على الرباب فليس دونهم حجاب) . ثم قصدت اليمامة لتأخذها من مسيلمة. واتفق الكذّابان؛ (وتزوجها مسيلمة وأقامت عنده ثلاثة أيام، ثم رجعت إلى قومها ... وقد نادى مؤذّنها: إن مسيلمة قد وضع عنكم صلاتين مما آتاكم به محمد- يعني: صلاة الفجر وصلاة العشاء ... ثم انثنت راجعة إلى بلادها الجزيرة وأقامت في قومها بني تغلب..) [٢٢] . إغارة ونهب وفوضى...وحنين إلى مظاهر الجاهلية تلك. ولقد قال أحد أتباعها (عطاء بن حاجب) بعد أن رجع إلى الإسلام في سجاح [٢٣] : أضحتْ نبيتنا أنثى نطيف بها ... وأصبحت أنبياء الناس ذُكراناً فلعنة الله رب الناس كلهم ... على سجاح ومن بالكفر أغْوانا دعاة كذبة، ما كان يمكن أن يصدقوا لو كانت روابط الإيمان قوية، وجذور الدين راسخة. حفظة القرآن، وأصحاب الإيمان: هؤلاء الأتقياء الأبرار، هم الذين حسموا الموقف في هذه الفتنة، وارتفعوا فوق التقاليد والأهواء، فقد حاربوا قومهم وقبائلهم مع كتائب الإيمان.. ولقد استمر القتل في الصفوف من حفظة القرآن في اليمامة، (وجعل منادي المسلمين، ينادي: يا أهل القرآن فيجيبون المنادي فرادى ومثنى، فاستمر بهم القتل؛ فرحم الله تلك الوجوه) [٢٤]- كما روي عن عمر- ﵁ وهو يذكر تلك الأيام. (وصبر الصحابة في هذا الموطن صبراً لم يعهد مثله، ولم يزالوا يتقدمون إلى نحور عدوهم حتى فتح الله عليهم.. وكان جملة من قتلوا في ... ... حديقة الموت وفى المعركة قريباً من عشرة آلاف مقاتل، وقيل: أحد وعشرون ألفاً (من المرتدين) ، ومن المسلمين: استشهد ستمائة، وقيل: خمسمائة؛ ... ... فالله أعلم، وفيهم من سادات الصحابة أمثال: ثابت بن قيس بن شماس ... الأنصاري الخزرجي، ومنهم: زيد بن الخطاب أخو عمر بن الخطاب لأبيه، ... ... ومنهم: أبو دجانة، ومنهم: عباد بن بشر الأنصاري، وأبو حذيفة بن عتبة ... ومولاه سالم ... ) [٢٥]﵏ أجمعين-. كانت المعارك ضارية، حتى أن المسلمين تراجعوا عدة مرات أمام بني حنيفة، إذ جاء الخلل إلى الصفوف من الأعراب، وعندها صاح أحد ... أصحاب رسول الله (ثابت بن قيس) ﵁: أخلفنا يا خالد.. فقال: ... ... ذلك إليك، فنادِ في أصحابك، فأخذ الراية ونادى: ياللأنصار.. فتسللت إليه رجلا رجلاً.. أربعمائة رجل لا يخالطهم أحد.. ونادى خالد: ياللمهاجرين.. فأحدقوا ... به، ونادى عدي ومكنف بن زيد الخيل الطائي لطيءٍ؛ فثابت إليهما طيءٌ وكانوا ... أهل بلاء حسن، وعزلت الأعراب ناحية... ويكمل الرواية رافع بن خديج فيقول: (وإنما كنا نؤتى من قبل الأعراب.. ... وأجهضهم أهل السوابق والبصائر، فهُم في نحورهم..) [٢٦] . إن العقائد تقاس بالابتلاء والشدائد، وعامة الناس لا يجدون نفعاً في هذه المواطن، وما أجدر ... الدعاة أن يستفيدوا من مثل هذه الدروس.. أصحاب رسول الله - صلى الله ... ... عليه وسلم - وأهل السوابق على قلة عددهم هم الذين قلبوا ميزان المعركة.. ... وكثرة الأعراب من المسلمين سرعان ما كانوا يتراجعون عندما عضهم السيوف. ... لقد وقف عدي من قومه موقفاً صلباً مؤمناً، وحارب إلى جانب خالد بن الوليد، ولقد قاتل المسلمون من بني سليم المشركين من قومهم، فانه زم الأعراب من المرتدين (من بنى عبس وذبيان ومَنْ معهم من مدد طليحة لهم بابنه حِبال) الذين أغاروا على المدينة، وقتل حبال، وكان أول الفتح، وذل بهذه الموقعة المشركون، وعز المسلمون، عندها وثب بنو ذبيان وعبس على من فيهم من المسلمين فقتلوهم، وفعل من وراءهم كفعلهم، فحلف أبو بكر ليقتلن من كل قبيلة بمن قتلوا من المسلمين وزيادة.. وجعل خالد ﵁ بعد أن هزم طليحة وأسداً يتردد شهراً يأخذ بثأر من قتلوا من المسلمين الذين كانوا بين أظهُرهم ... حين ارتدوا..) [٢٧] . وكان ابن عمرو اليشكري من أشراف اليمامة، وكان مسلماً يكتم إسلامه، وكان صديقاً للرّجال، فقال شعراً، فشا في اليمامة منه هذه الأبيات [٢٨] : يا سعاد الفؤاد بنت أثال ... طال ليل بفتنة الرّجَال فتن القوم بالشهادة [٢٩] والله ... عزيز ذو قوة ومحال إن ديني دين النبي وفي القوم ... رجال على الهدى أمثالي [٣٠] أهلك القوم محكم بن طفيل ... ورجال ليسوا لنا برجال [٣١] قلت للنفس إذ تعاظمها الصبرُ ... وساءت مقالةُ الأقوال إن تكن ميتتي على فطرة الله ... حنيفاُ فإنني لا أبالي فبلغ ذلك مسيلمة ومحكماً وأشراف أهل اليمامة، فطلبوه، ففاتهم ولحق بخالد بن الوليد، فأخبره بحال أهل اليمامة ودلّه على عوراتهم. إنه الإيمان يستعلي في نفس ابن عمرو اليشكري، جعله يضحِّي بقومه ... في سبيل دينه. دروس وعبر: هذه هي حروب الردة، فتنة عمياء، وعصبية هوجاء، إلا أنها لا تخلو من عبر وعظات.. ١ -العصبية خطيرة خبيثة من فتن الجاهلية، تتلون وتخدع أصحابها، فلا يرون الحق، ويدافعون عن الباطل، وهم يظنون أنهم يحسنون صنعاً. ٢ -التعلق بالمال والمتاع الزائل، مع ضعف الإيمان وغبش التصور أودى ببعض المرتدين المهالك، فشحت نفوسهم عن دفع الزكاة. ٣ -إن قوة الإيمان، وفهم العقيدة، من هدي الإسلام.. الذي يصنع العجائب وهذا ما ظهر في موقف الصدِّيق وصموده، وعدم تهاونه في أداء الزكاة، ولقد قرر بحزم أن يحارب المرتدين، وأن يرسل جيش أسامة ابن زيد إلى تُخُوم البلقاء والشام، (واللهِ لا أحل عقدةً عقدها رسول الله ﷺ ، ولو أن الطير تخطفنا والسباع من حول المدينة، ولو أن الكلاب جرت ... بأرجل أمهات المؤمنين؛ لأجهزنَّ جيش أسامة...) وظهرت مواقف حفظة القرآن وأصحاب الإيمان عظيمة غيَّرت مجرى التاريخ.. ٤- إن مهادنة المشركين باسم المصلحة وضعف الإمكانيات ليس له ما يبرره، وواقع الصديق وما كان فيه هو وأصحابه ﵃ أجمعين - من ضيق وشدة، وانتقاض العرب، ما جعله يتنازل عن حق من حقوق الله، ... ولا أن يسالم أو يساوم في دين الله. إن مواقف الصحابة تنفي علينا في هذا الزمن كل التواءٍ وخداعٍ، وجرأةٍ على الفتوى باسم الدين. ٥- إن العودة إلى التربية الصافية، إيمانية خالصة ضرورة ملحة، ... وفرض محتم، ينقذ المسلمين مما هم فيه من تسيب وضياع وانهزام. ... ٦- إن القلة المؤمنة هي رصيد الشدائد، وعماد كل نهضة جادة وصحوة يقظة، مادامت (هذه النخبة) متمسكة بكتاب الله وسنة المصطفى- ﷺ كما فهمها سلف هذه الأمة. ٧- وصورة الردة تتمثل بإيجاز في: (أن العرب افترقت في ردتها؛- فطائفة رجعت إلى عبادة الأصنام وقالوا: لو كان نبياً لما مات. - وفرقة قالت: نؤمن بالله ولا نصلي. - وطائفة أقروا بالإسلام وصلُّوا، ولكن منعوا الزكاة. - وطائفة شهدوا: أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ولكن صدَّقوا مسيلمة أن النبي ﷺ أشركه معه في النبوة.. ... ولم يشكّ أحدٌ من الصحابة في كفر من ذكرنا ووجوب قتالهم إلا مانع الزكاة ثم زالت الشبهة عن الصحابة ﵃ وعرفوا وجوب قتالهم؛ فقاتلوهم [٣٢] . وها نحن في هذا العصر نرى مَنْ ينكر الزكاة، ويجحد أركان الإسلام، ويتفلت من تحكيم شرع الله، ثم يزعم أنه مسلم، ويجد من يفتي له بإسلامه، مادام يتلفظ بالشهادتين، ولو لم يأت بأي عمل من أعمال الإسلام، فأي عجب أكثر من هذا؟ ! .

стр. 150

وذكرهم بأيام الله ... محطم الأصنام اختيار: محمد العبدة جاء في (البداية والنهاية) لابن كثير في حوادث سنة ٤١٨ هـ، وفي ... (الكامل) لابن الأثير في حوادث ٤١٦ هـ عن فتوحات السلطان محمود بن سبكتكين (محمود الغزنوي) في الهند ما يلي: (وفي هذه السنة ورد كتاب من محمود بن سبكتكين يذكر أنه دخل بلاد الهند أيضاً، وأنه كسر الصنم الأعظم الذي لهم المسمى بـ (سومنات) ، وقد كانوا يفدون إليه من كل فج عميق وتزعم الهنود أن الأرواح إذا فارقت الأجساد اجتمعت إليه، على مذهب التناسخ، وكانوا يحملون إليه كل عِلق نفيس، ويعطون سدنته كل مال جزيل، ويحمل إليه الماء من نهر (الغانج) ما يغسل به، ويكون عنده من البرهميين كل يوم ألف رجل لعبادته، وثلاثمائة رجل يحلقون رؤوس ... زواره) . وكان السلطان محمود كلما فتح من الهند فتحاً وكسر صنماً يقول الهنود: إن هذه الأصنام قد سخط عليها (سومنات) ، ولو أنه راضٍ عنها لأهلك من تقصدها بسوء، فلما بلغ ذلك السلطان عزم على غزوه وإهلاكه ظناً منه أن الهنود إذا فقدوه ورأوا كذب ادعائهم دخلوا في الإسلام، فاستخار الله تعالى، وسار من غزنة عاشر شعبان من هذه السنة في ثلاثين ألف فارس سوى المتطوعة، وسلك سبيل (الملتان) ، وفى طريقه إلى الهند بريّة قفر، لا ساكن فيها ولا ماء، فتجهز هو وعسكره على قدرها، ثم زاد بعد الحاجة عشرين ألف جمل تحمل الماء والميرة، فلما قطع المفازة رأى في طرفها حصوناً مشحونة بالرجال، فيسر الله تعالى فتحها، ثم سار إلى سومنات فلقي في طريقه عدة حصون فيها كثير من الأوثان شبه الحجاب والنقباء لسومنات على ما سول لهم الشيطان، فقاتل من فيها وفتحها وضربها وكسر أصنامها، ثم سار إلى سومنات فوصلها يوم الخميس منتصف ذي القعدة، فرأى حصناً حصيناً مبنياً على ساحل البحر، فلما كان الغد وهو الجمعة زحف وقاتل من به، فرأى الهنود من المسلمين قتالاً لم يعهدوا مثله، وقاتل الهنود على باب الصنم أشد القتال، وكان الفريق منهم بعد الفريق يدخلون إلى سومنات فيعتنقونه ويبكون ويخرجون فيقاتلون إلى أن يُقتلوا، حتى كاد الفناء يستوعبهم، فدخلوا البحر إلى مركَبين لهم لينجوا فيهما، فأدركهم المسلمون فقتلوا بعضاً وغرق بعضٌ، وأخذ السلطان الصنم سومنات وكسر وأحرق بعضه. وكان الهنود قد بذلوا للسلطان محمود أموالاً جزيلة ليترك لهم هذا الصنم الأعظم، فأشار من أشار من الأمراء على السلطان بأخذ الأموال وإبقاء هذا الصنم لهم، فقال: حتى أستخير الله ، فلما أصبح قال: إني فكرت في الأمر الذي ذكر؛ فرأيت أنه إذا نوديت يوم القيامة: (أين محمود الذي كسر الصنم) ، أحب إلى من أن يقال: (الذي ترك الصنم لأجل ما يناله من الدنيا) . ثم عزم فكسره؛ فوجد عليه من الجواهر واللآلئ والذهب ما ينيف على ما بذلوه، ونرجو من الله له في الآخرة الثواب الجزيل. فرحمه الله وأكرم مثواه.

стр. 151

شؤون العالم الإسلامي ومشكلاته أحوال المسلمين في السودان إشراف: محمد عبد الله تحدثنا في العدد الأول من هذه المجلة [ذي الحجة عام ١٤٠٦] عن المجاعة التي تتعرض لها السودان.. واستنكرنا تنافس الأحزاب على الانتخابات، وأنها أنفقت بضعة مئات من الملايين من الدولارات، وقلنا: لو كان زعماء هذه الأحزاب يعيشون مشكلة المجاعة لجمعوا هذه الأموال، وشكَّلوا حكومة هدفها إنقاذ ربع السودان من موت يهددهم.. وقلنا أيضاً: (لقد بات من المؤكد أن الاتحاد السوفييتي يمول الحزب الشيوعي كما يمول بشكل غير مباشر التمرد في جنوب السودان، كما بات من المؤكد أن الولايات المتحدة الأمريكية تمول وتراهن على حزب آخر [من الأحزاب القبلية الكبيرة] ، وهي التي كانت وراء مصالحة نميري مع زعيم هذا الحزب.. وهناك أنظمة تمول أحزاباً أخرى، ولا نعتقد أن نتائج المعركة الانتخابية سوف تكون في مصلحة السودان، مهما كانت النتائج) . وعندما قلنا بأن هذه النتائج ليست في مصلحة السودان مهما كانت هذه النتائج، ما كنا ننجم أو نرمي بالكلام على عواهنه.. وما اعتدنا هذا ولا ذاك والحمد لله.. ولكننا كنا نعتمد على معلومات دقيقة من أهمها: مسيرة ما يسمى بالديمقراطية في منطقتنا، وقد ثبت فشلها، والذين ابتدعوا هذا النظام، هم الذين يحركون [العساكر] إذا تجاوز السياسيون الخطوط الحمراء التي رسمت لهم، أو إذا كانت مسيرة الديمقراطية تخدم تطلعات المسلمين ومن الجدير بالذكر أن الديمقراطية شيء والحرية في ظل النظام الإسلامي شيء آخر، ولا لقاء بين النظامين. ونعتمد أيضاً على معرفتنا لتاريخ الأحزاب في العالم العربي وهذه الأحزاب صنعها المستعمرون وعملاؤهم في بلادنا.. فهي أحزاب علمانية يعتمد معظم قادتها سياسة المراوغة واللف والدوران وتضليل الشعوب ... ويتخذون هذه الأمور كلها ديناً لهم. والأحزاب السودانية الحاكمة لا تخرج عن هذا الإطار، فتاريخها يشهد على أنه ليس هناك مناهج تنتهجها، ولا ضابط يضبطها، فإذا اصطدمت طموحات القادة اختلفوا مع بعضهم، وتحالف كل طرف مع أحزاب أخرى، ولا يتورعون في استخدام أية وسيلة ضد خصومهم، ويستحيل أن يستمر ائتلاف حزب مع حزب آخر؛ فالثقة مفقودة.. ويبقى الائتلاف طالما بقيت مصلحة، وإذا شعر أي حزب من هذه الأحزاب بقدرته على الانفراد في الحكم ولو عن طريق انقلاب عسكري لا يتوانى لحظة واحدة في هدم ما أسموه ديمقراطية.. وهؤلاء جميعاً تعاونوا مع النميري ثم يتهمون بعضهم بهذا، ويتناسون أنفسهم، ولو حقق الحاكم العسكري السابق لأي حزب ما يريده أو بعض ما يريده لسارت الأمور بينه وبينهم على أحسن ما يرام.. ولكن الحاكم العسكري السابق لا يقل عنهم جشعاً وحباً للسيطرة والهيمنة. ونعرض فيما يلي بعض التطبيقات والشواهد التي تؤكد صحة ما توقعناه من هذه الأحزاب: بعد عام من الائتلاف الحكومي استقالت الوزارة وقال الرئيس عن سبب الاستقالة: (رغم وضوح سياسة الحكومة إلا أن الوزراء أخفقوا في تطبيقها. قال: إن التراشقات حدثت بين بعض الوزراء، كما أن بعضهم أساء الحكومة) ، والشاهد هنا قول رئيس الوزراء [.. إلا أن الوزراء أخفقوا..] وما لم يقله رئيس الوزراء، ويبدو أنه لا يريد أن يقوله قاله وزير التجارة السابق محمد يوسف أبو حريرة؛ لقد هاجم الحزب الذي ينتمي إليه -الحزب الاتحادي الديمقراطي- بسبب سيطرة التجار الجشعين عليه، وهاجم الحكومة لأنها لم تضع حداً للفساد والرشاوي، وكان الوزير قد شن حملة ضد من وصفهم بـ (طفيلي السوق) بمن فيهم المهربون وتجار السوق السوداء، واتهم الحكومة والقصر الجمهوري علناً بالتساهل في قوانين الفساد، وعند تشكيل الحكومة الجديدة كانت النية متجهة إلى تعيين أبو حريرة في وزارة أخرى، لكنه سارع وأعلن استقالته. والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: كيف كانت الأوضاع العامة في السودان في ظل حكومة الائتلاف؟ ! . والجواب على ذلك محزن جداً: ففي الغرب مصادمات ذهب ضحيتها [١٥٠٠] حسب رواية بعض وكالات الأنباء، و [٢٠٠٠] حسب رواية علي ... تاج الدين عضو مجلس رأس الدولة لرويتر.. وقال أيضاً -أي: علي تاج الدين-: إن قيام جماعات مسلحة بسرقة الماشية في مناطق ريفية يشكل أخطر تهديد للأمن، ومن جهة أخرى فهناك قوات ليبية كانت قد دخلت غرب السودان لمهاجمة تشاد، وكأن هذه المنطقة دارفور ليست داخل إطار دولة مسؤولة عن أمنها وحدودها. وفي الجنوب: اشتد بأس قوات ما يسمى بـ (حركة تحرير السودان) التي يتزعمها (قرنق) ، واحتلت (الجكو والبيور) بمساعدة أثيوبيا، ومن المؤسف ... أن قرنق يملك أسلحة لا يملكها الجيش السوداني، بل ولا تملك حكومة الائتلاف ... المال الذي تسلح به الجيش السوداني الذي يجد نفسه عاجزاً عن حفظ الأمن في الغرب أو الجنوب. وأصبح السطو المسلح في معظم أرجاء السودان جريمة عادية.. وهناك ندرة في توفر بعض البضائع الضرورية كالسكر والصابون، وكانت البطيخة الواحدة في شهر رمضان الفضيل تباع بسعر قدره [٣٥ جنيها] ، وتحويلات المواطنين من الخارج تناقصت لأن التضخم يرتفع سنوياً بنسبة ٤٠%.. واضطرت الحكومة إلى استيراد اللحم وكانت السودان مشهورة بتصديره.. كما تستورد السكر والنفط.. وعائدات الدولة لا تساوي نصف حاجتها، ولم ترد الحكومة لصندوق النقد الدولي شيئاً، أما الصناعات فقد أصيبت بضربة قاتلة، لأن المصانع السودانية تحتاج إلى [٢٠ مليون دولار] شهرياً والحكومة لا تملك مثل هذا المبلغ حتى ولا نصفه.. أما السكك الحديدية فبعضها قد تعطل، وبعضها يحتاج إلى صيانة عاجلة، وهذا من الأسباب التي لا تمكن الجنود السودانيين من أداء واجبهم.. والمجاعة تزداد حدتها، وتجد الحكومة نفسها عاجزة عن نقل الطعام لبعض المناطق التي تنتشر فيها المجاعة. في ظل هذه الأوضاع الرهيبة تشكلت حكومة جديدة، وكانت الوجوه هي الوجوه باستثناء أفراد قلائل ومنهم الذين لا يحظون بثقة الجشعين من التجار، وهناك صراع مكشوف بين الحزبين الحاكمين، فالاتحادي يتهم الأمة بتزوير الانتخابات، وتعيين العناصر الأنصارية في المراكز المهمة في الدولة كالجيش والشرطة.. ويتهم الاتحادي الأمة أيضاً بأنه يحاول الانفراد في السلطة، ويحاول استقطاب عناصر مهمة من الحزب الاتحادي بقصد تقويضه. والخلاف بين الحكم والمعارضة على أشده، ولم يستطع رئيس الوزراء إقناع حزبه بإشراك المعارضة في الحكم.. ومن هذا المنطلق نقول: إن البدايات الخاطئة تقود إلى نتائج خاطئة، وحكومة هذه حالها عاجزة عن إنقاذ السودان وحل مشكلاته. والأنكى من ذلك أن الحزبين الحاكمين لهما جذور إسلامية، وهذه الجذور أكسبتهما شعبية منذ القديم، فأحدهما يعتمد في شعبيته على المهدي ودعوة المهدي، والآخر يعتمد على الطائفة الصوفية الختمية، ورفع الحزبان شعار القوانين الإسلامية في معركة الانتخابات.. والآن يعارض الحزبان بأسلوب ماكر تحكيم الشريعة الإسلامية، لأنها قوانين نميري، فهل هناك إسلام نميري، وإسلام الاتحادي، وإسلام المهدي؟ أليس الإسلام واحداً يا دهاقنة السياسة؟ ! . والغريب أننا نجد أهل الحل والعقد في كل حزب قسمين: العلمانيون وهم الأغلبية، وغير العلمانيين وهم قلة، وفهمهم للإسلام مشوه وغير سليم، والعلمانيون يعارضون تحكيم الشريعة الإسلامية.. ويتحالفون من أجل الصد عن سبيل الله مع كل عدو للإسلام والمسلمين داخل السودان وخارجه.. ولقد تحالفوا فعلاً في الستينات مع الشيوعيين واليساريين والصليبيين.. وهم يتحالفون اليوم مع الصليبيين والوثنيين، وقد رفضوا اشتراك المعارضة الإسلامية في الحكم، وقبلوا الصليبيين والوثنيين، والمثل يقول: تسألني من تعاشر أسألك من أنت! ! . وقادة هذين الحزبين قادرون على تخدير مشاعر المسلمين أو معظم المسلمين في السودان.. فهم يتحدثون عن سعيهم الحثيث من أجل استبدال قوانين نميري - كما يقولون- بقوانين صادق! ! ! ويحركون من جهة أخرى حلفاءهم ليعارضوا بشدة سن قوانين إسلامية، وقد تمضي بضع سنين على هذه الحال. إن الوضع خطير وخطير جداً في السودان، فهناك مؤامرات عالمية تستهدف وحدة هذا البلد الطيب، ويشترك في هذه المؤامرة: الأمريكان، والسوفييت، واليهود، والصليبيون.. وهناك أدلة على ذلك لا يجادل في صحتها مطلع على الأحداث، ومن يقرأ تصريحات بعض السياسيين والعسكريين السودانيين يجد بأنهم توصلوا لهذه القناعة. فقد سئل اللواء الركن عبد الله أبو قرون قائد منطقة بحر الغزال العسكرية عن تورط جهات خارجية بحرب الجنوب؛ فأجاب: (نحن لا نتحدث عن طلاسم، فهناك إذاعة معروفة تابعة للقوات المتمردة تبث من داخل الأراضي الأثيوبية، وهناك مكاتب علنية للمتمردين في عدد من الدول الأوربية. والبعض يقدم الدعم بحجة أن قرنق مسيحي وتجب مساعدته، والبعض يقدم مثل هذا الدعم بحجة أن حركة المتمردين حركة اشتراكية.. ثم ... إننا أوضحنا أكثر من مرة وبالأدلة الملموسة أن قرنق يحصل على مساعدات عسكرية من الدول الشرقية والدول الغربية على حد سواء، وهو يملك الآن ... أسلحة متطورة كما يملك بطاريات مدفعية مضادة للطيران، فضلاً عن مدافع ثقيلة ... ) . [عن المجلة العدد٣٨٦ تاريخ ٧/٧/١٩٨٧] . ومؤامرة بهذا الحجم من التخطيط والإعداد تتطلب من دعاة الإسلام في السودان أن يوحدوا صفوفهم، وينهضوا ليؤدوا الدور المطلوب منهم داخل السودان وخارجه، ونصيحتنا لهم نلخصها فيما يلي: ١ -ليس هناك إسلام نميري، وإسلام غير نميري، فالإسلام كل لا يتجزأ، ولا يجوز أن يتقدم العقل على نصوص الكتاب والسنة، ومن أطلق العنان لعقله القاصر، وراح يلوي أعناق النصوص لتوافق أهواءه كان ضالاً مضلاً، وإن زعم بأنه داعية.. وإن طبَّق صيته الآفاق.. ونحن ندين الله بمنهج وأصول أهل السنة والجماعة وهو ما كان عليه الصحابة والتابعون وأئمة خير القرون المفضلة، وليس بقول هذا أو رأى ذاك. ٢-ثبت تاريخياً أن هذه الديمقراطية المزعومة في بلادنا لا تخدم الإسلام والمسلمين، والذين ابتدعوها عندهم من الوسائل ما يمكنهم من قطع الطريق على الإسلاميين إذا تجاوزت هذه الديمقراطية الإطار المرسوم لها كما قلنا في مقدمة هذا المقال، ومن جهة أخرى فتحكيم شرع الله لا يخضع لرغبة الأقلية والأكثرية، ولا يجوز بحال من الأحوال أن تقام الحدود، لأن الأكثرية أرادت ذلك، وفي دورة أخرى تتغير الأكثرية فتلغى قوانين إقامة الحدود، والانتخابات لا تعبر بالتأكيد عن رأي الأكثرية فهناك التزوير، وهناك الأموال والرشاوى، وهناك الإعلام، وهناك الطائفية والقبلية.. وهذه الأمور تلعب دوراً مهماً في اختيار الممثلين، فقد تختار قبيلة من القبائل شيوعياً لأنه من أعيان القبيلة مع أن جمهور القبيلة من المصلين. ٣- يجب أن يبين العلماء، والدعاة في السودان للمسلمين فساد الأحزاب الحاكمة، ويكشفوا تاريخها الأسود، وعقائد وأخلاق العلمانيين فيها.. ومواقفهم القديمة والحديثة من مسألة تحكيم الشريعة الإسلامية، ويفضحوا مصادر تمويل هذه الأحزاب، ومن جهة أخرى لابد من كشف تحالفات الصوفيين والخرافيين مع العلمانيين.. وكيف يستغلهم العلمانيون في حرب الإسلام والمسلمين؟ وكيف يقدم الصوفيون والخرافيون مصالحهم على كل شيء؟ لقد استغلهم الطاغية السابق أبشع استغلال، وكان يزعم أنه واحد منهم.. ٤ -نسأل الله أن يشرح قلوب الذين يحاورون قرنق وغيره للحق، هؤلاء الذين يقولون له: تحكيم القوانين الإسلامية في الشمال، وفى الجنوب يختار الشعب ما يريد من قوانين.. ألا يعلم هؤلاء أن الذين صنعوا ثورة (قرنق) لا يقبلون وحدة السودان حتى ولو احتكم الناس فيها إلى شريعة ماركس أو إلى شرائع الغرب؟ ! . ومن ثم فقرنق عميل لا يملك من أمره شيئاً، ولا ندري كيف يحكم بلد عدة شرائع مختلفة والنصارى فيه لا يتجاوز عددهم ٥%؟ ! . إلى متى يمضي هؤلاء في المساومات والتنازلات وهم يقرأون قوله تعالى: [فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ * ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ] [القلم /٨، ٩] ؟ ... لابد أن ننصح إخواننا هؤلاء ونفند شبهاتهم ونرد عليهم ردوداً علمية متزنة، ونحذرهم من مغبة السير في سبل معوجة، ومن تفسير الإسلام تفسيراً يتناسب مع مواقفهم السياسية الغوغائية المتقلبة. ٥ -فهم الواقع المعاصر فهماً دقيقاً، والتعامل مع هذا الواقع كما يأمرنا جل وعلا دون إفراط أو تفريط.. فالذين ظنوا أن النميري سيحكِّم لهم شرع الله جهلوا أو تجاهلوا حقائق كثيرة منها: تاريخ النميري، والعقلية التي يفكر بها، وحرصه على بطانة معينة وقفت معه في جميع الأطوار التي مر بها.. وهذا الكلام وغيره قلناه أيام النميري ولم نحسن الظن به يوماً واحداً. والذين يظنون أن النظام الديمقراطي سيحكِّم لهم الإسلام يجهلون طبيعة النظام الديمقراطي، أو يجهلون النظام الإسلامي، أو يستخفون بعقول الناس، والذين يظنون بأن الإسلام قوانين تعدل، وتبقى أحزاب وتجمعات تعرب عن كفرها بالإسلام، وتتربص به الدوائر، وتجاهر بذلك كله، فهؤلاء مفرطون في جهلهم، وإذا أقيمت الحجة عليهم، وأصروا على مواقفهم السياسية فهم مبتدعون، نسأل الله لهم الهداية والاستقامة. وبعد: هذه هي مشكلات السودان عرضناها باختصار.. ومع قناعتنا بأن وحدة جهود العاملين للإسلام في هذا البلد الطيب سيكون لها أثر فعال لا يستهان به.. مع ذلك فالمؤامرة أكبر من حجم وإمكانات دعاة الإسلام في السودان، ومن حقهم على إخواننا المسلمين في العالم أن يمدوا لهم يد العون والمساعدة. والمساعدة ليست قاصرة على المال، ولا نستهين بدور المال في مثل هذه المعركة، ولكن المساعدة تتطلب وجود مؤسسات قوية تعمل في جنوب السودان وغربه، بل وفي جميع أرجائه، فما من مكان في هذا البلد الكريم إلا وقد دخله المبشرون.. وهذه المؤسسات يجب أن تشمل التعليم والعلاج الصحي والإغاثة، والأهم من ذلك كله الحاجة إلى دعاة متفرغين ينشرون الإسلام بين القبائل الوثنية وبين المسلمين الجهلاء.. وعلى العلماء ودعاة الإسلام أن يعقدوا المؤتمرات والندوات التي يفضحون فيها مخططات الأمريكان والسوفييت والنصارى واليهود في السودان.. ويجب أن تنبثق عن هذه المؤتمرات والندوات لجان تعمل وتنشط بصدق وأمانة وأن لا يكون عملها دعاية لحزب من الأحزاب أو جهة من الجهات. وأخيراً: لا ينقضي عجبنا من خوف حكومة الائتلاف من الحبشة مع أن الحبشة عبارة عن جزيرة صغيرة في بحر متلاطم من المسلمين.. ولو كانت المعركة إسلامية حقاً يقودها العلماء والدعاة المتجردون، وتحرك المسلمون في البلدان المجاورة للسودان فقط كمصر، وليبيا، وتشاد، والصومال، وارتيريا، والمسلمون في الحبشة نفسها.. لو كان الأمر كذلك لشعر الصليبيون بحقيقة حجمهم، وشعر أعداء الله كلهم بصغارهم وهوانهم. والمجلة يسرها أن تتلقى المساعدات للمسلمين في السودان وفي شرق أفريقيا كالصومال وارتيريا وأوغندا، كما يسرها أن تتعاون مع المخلصين لتحقيق الأهداف الإسلامية المرجوة، والله ولي التوفيق.

стр. 152

في الصومال ... مجاعة الجارديان ٠ ١ / ٧ / ١٩٨٧م ذكرت وكالات الغوث العالمية أن (٢٠٠) ألف شخص في مناطق وسط الصومال باتوا في حاجة ملحة إلى مواد غذائية، حيث بلغ معدل الوفيات بين الأطفال في بعض القرى (١٥) طفلاً في اليوم الواحد. وكانت أمطار غزيرة في أعقاب عامين من الجفاف قد أهلكت الكثير من الإبل والماعز والدواجن. والمراسلون الصحفيون يحذرون من أن يتحول الصومال إلى أثيوبيا ثانية، فالموت يحصد الألوف، والأحياء يعيشون حالة حرمان شديدة بسبب هلاك المواشي، وازداد الأمر سوءاً بعد هطول الأمطار الغزيرة التي تسببت في تفشي الأوبئة التي تنتقل بواسطة المياه.

стр. 153

من أخبار المجاهدين الأفغان احتدمت المعارك بين إخواننا المجاهدين الأفغان والعدو الشيوعي في ٢٩ رمضان الماضي.. وشملت هذه المعارك منطقة [جاجي] ولاية بكتيا، ومنطقة [جلال آباد] ولاية ننكرهار. وكان العدو الشيوعي قد رمى بثقله في المعركة لأن قوافل إمدادات المجاهدين تنطلق من هاتين المنطقتين، وأهم فترة يتم فيها الإرسال في فصل الصيف.. وبدأت المعركة بقصف مدفعي ثقيل وجوي عنيف تبعه إنزال قوات (كوماندوس) مع تقدم أرضي، وتمكن العدو في البداية من احتلال بعض المواقع في [جاجي] ، واستمات المجاهدون في مقاومة البلاشفة، ومعظمهم كانوا من الاتحاد- السياف-، واستمرت المعركة حتى غاية ٢٠ شوال الماضي حيث انسحب العدو يجر أذيال الخيبة والهزيمة.. وكان المجاهدون يقاتلون بأسلحة عادية، ورغم قلة الزاد والعتاد فلقد أيدهم الله- جلّ وعلا- بنصره. أما معركة [ننكرهار] ، فقد استمرت خمسة أيام، وشارك فيها: الاتحاد - السياف-، والحزب الإسلامي - حكمتيار-، والجمعية - رباني -، وجماعة يونس خالص.. وهكذا تجلت وحدة فصائل المقاومة في هذه المعركة بشكل جيد؛ والحمد لله. وكانت الإصابات التي ألحقها المجاهدون بالشيوعيين تزيد على [١٥٠٠] ، بين قتيل وجريح، وأسروا أكثر من [٥٠] من جنود العدو، وأسقطوا عدداً من طائرات السوفييت.. وكان من نتائج هذه المعارك سيطرة المجاهدين على بعض النقاط من [بشاور] إلى المناطق الشرقية في أفغانستان.. وهذه نقاط إضافية، في حين أراد العدو السيطرة على قوافل إمدادات المجاهدين في جاجي وننكرهار. [ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ] . هذا ما علمناه عن المعارك الأخيرة، أما الصحف وأجهزة الإعلام الغربية: فقد راحت تتحدث عن الدعم الأمريكي للمجاهدين الأفغان، وعن صواريخ (ستنجر) وأنها سبب هذا الانتصار [ولمن شاء أن يقرأ: ما كتبته صحيفة (الهيرالدتربيون) الأمريكية تاريخ ٧ / ٧ /١٩٨٧، نقلاً عن الواشنطن بوست] . والذي نعلمه علم اليقين أن مثل هذه الصواريخ لم يكن لها وجود في هذه المعارك، بل قد كانت الأسلحة التي استخدمها المجاهدون عادية جداً، ومن جهة أخرى فإن صواريخ [ستنجر] وغيرها من الأسلحة التي تعمل على الرادار والكمبيوتر وما شابه ذلك تكون ناجحة في بدء استخدامها، وهذا النجاح يمكن أن يستمر من أسبوع إلى بضعة أسابيع.. وخلال هذه الفترة الزمنية يكتشف العدو ميزات السلاح وخصائصه ويكتشف ما يبطل مفعوله، والذين يملكون صاروخ [ستنجر] صاروا يطلقون الصاروخ حتى يكاد يلامس الطائرة ثم ينحرف عنها بسبب [التشويش] ، الذي ينبعث من الطائرة نفسها أو من طائرات [تشويش] تعمل في سماء المعركة، وهذا ما حصل لصواريخ سام (٦) بعد سبعة أيام من بداية حرب تشرين عام ١٩٧٣ م. فليحذر القارئ الكريم من الصحف وأجهزة الإعلام الغربية، وليحذر أيضاً من الصحف العربية التي تنقل عنها دون تثبت أو تمحيص، وليعلم أن جند الإسلام هم الذين انتصروا في هذه المعارك وغيرها من المعارك الأخرى، وقد نصرهم الله - جل وعلا -بفضله ثم بصدقهم وطلبهم الشهادة في سبيل الله. وبعد هذه المعارك الطاحنة استدعى السوفييت عميلهم [عدو الله] ، الذي أسماه أبوه نجيب الله، وبحث مع سيده [جورباتشوف] إمكانية التوصل إلى تسوية للحرب الأفغانية التي ازدادت حدتها في الأشهر الأخيرة. وأكد عدو الله مجدداً أنه على استعداد للتفاوض مع كل الفئات التي تريد المصالحة، وقال: إنه على استعداد للاتصال بمؤيدي الملك ظاهر شاه الذي يقيم في المنفى. ورغم أن نجيب الله كان قد أعلن من جانبه وقفاً لإطلاق النار قبل ستة أشهر؛ فإن ناطقاً بلسان الخارجية السوفييتية اعترف في الأسبوع الماضي بأن الإصابات بين الجنود السوفييت وجيش كابول ارتفعت خلال الآونة الأخيرة إثر تصعيد المجاهدين الأفغان هجماتهم ضد الشيوعيين. [انظر صحيفة ذي إنديبندانت] ترجمة الصحف العربية ٢٢/٧/١٩٨٧. ورفض أعوان ظاهر شاه خدعة عدو الله الجديدة، وأعلنوا أنهم لن يقبلوا المشاركة في السلطة مع النظام الشيوعي [ومن بينهم مجددي وجيلاني] لأنهم يعرفون بأن الشعب لن يسامحهم على اتخاذ مثل هذا الموقف، ولبعض أعوان الشاه تجربة سابقة مع الشيوعيين، ويعرفون غدرهم ومكرهم وأنهم ينقلبون ضد أقرب الناس إليهم.. ومن جهة أخرى: فلا تزال أمريكا غير مطمئنة إلى موقف السوفييت من القضية الأفغانية. أما إخواننا قادة المجاهدين الذين يحترمهم الأفغان ويثقون بهم: فمواقفهم ثابتة والحمد لله، فالأخ الشيخ عبد رب الرسول السياف يرفض الحديث عن الحلول السياسية ويقول لمن يسأله: نحن تركنا الكلام عن هذه الحلول لأصحابها، ويكفينا الحديث عن الجبهات. وقال أيضاً في رده على مبادرات الشيوعيين الجديدة: ليس من حق الأجانب إعداد وثائق الأمة الأفغانية، ولن يقبل الشعب بأقل من إقامة دولة إسلامية في بلده. وقال الأخ الأستاذ حكمتيار في مقابلة له مع الإذاعة البريطانية عن مفاوضات [كاردويز] : أولاً: أنا أرى أنها ضياع للوقت، والثاني: غير عادلة، والثالث: أن المفاوضات غير مفيدة، والرابع: أنها ليست بين طرفين أصليين، والخامس: أنها تسبب تعقيد القضية لا حلها. نسأل الله لنا ولهم الثبات على الحق، وأن يرزقنا وإياهم الصبر على الابتلاء، فمهما اشتد الخطر وادَّلهم الظلام فالنصر آتٍ لا ريب فيه - إن شاء الله -. [إنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ويَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ] .

стр. 154

أفريقيا وإسرائيل مرة ثانية أوردت جريدة الأندبندنت في ١٩ / ٦ / ١٩٨٧م نقلاً عن، وكالة الأسوشيتدبرس ... النبأ التالي: ذكرت صحيفة (هاآرتس) : أن شركة صناعة الطائرات الإسرائيلية التي تملكها الدولة ستقوم بفتح مركز للتدريب في نيجيريا على الرغم من القطيعة ... الدبلوماسية بين هذه الدولة الأفريقية وإسرائيل منذ (١٤) عاماً. ويقول التقرير: إن قائد القوات الجوية النيجيرية كان قد زار الجناح الإسرائيلي في معرض باريس الجوى يوم ١٦ / ٦ /١٩٨٧م، فيما يبدو للترتيب لفتح المركز، هذا ولم تعط الجريدة أية تفاصيل أخرى، فيما قامت شركة صناعة الطائرات الإسرائيلية مؤخراً بنفي ما جاء بالتقرير. ومما يذكر: أن روابط إسرائيل السرية مع دول أفريقيا السوداء كانت قد شملت تدريب الحرس الرئاسي في زائير، وتزويد المغرب بالمعلومات في مجال الاستخبارات، وكذلك إرسال الأسلحة إلى أثيوبيا. وقد درجت إسرائيل على نفي هذه العلاقات تجنباً للإحراج الذي قد تسببه للدول الأفريقية، إلا أن المسؤولين قد اعترفوا عبر قنوات خاصة أن الإيماءة إلى هذه العلاقات قد تفتح الباب لعلاقات دبلوماسية مستقبلية. هذا وكانت نيجيريا من بين تسعة وعشرين دولة تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل في أعقاب حرب الشرق الأوسط عام ١٩٧٣م. ولنا على هذا النبأ الملاحظات التالية: إن التعاون الجديد المزمع البدء به بين الكيان اليهودي ودولة نيجيريا والذي تحدثت عنه جريدة (هاآرتس) الصهيونية يعد إضافة جديدة إلى سجل التعاون الذي سبق وأن شرعت به الدولتان منذ الأعوام التي تلت حرب عام ١٩٧٣، وأن هذا التعاون الذي يمثل طفرة أخرى تحققها إسرائيل في مسلسل مخططها الهادف إلى فك عزلتها الدولية على وجه العموم، وتعميق تغلغلها في هذه القارة على وجه الخصوص، ذلك المخطط الذي قطعت فيه إسرائيل شوطاً بعيداً يأتي متزامناً مع اشتداد وطأة الهجمات التي تتعرض لها هذه القارة على يد الصليبية العالمية التي أخذت في أيامنا هذه تلبس لبوس الإنسانية المتمثلة في مد يد العون والإغاثة إلى بعض الشعوب المنكوبة في هذه القارة التي تعيش المحن تلو المحن وتئن تحت وطأة النكبات، تلك المساعدات التي اتخذت أشكالاً شتى، من إغداق الأموال وبناء المستشفيات وتوفير المواد الغذائية، كما أنه يأتي في وقت تكاد تخلو فيه هذه القارة التي شكل المسلمون فيها نسبة لا يستهان بها من أي عمل إسلامي منظم بالمستوى المطلوب يتناسب مع ما تحيكه أيادي الصليبيين واليهود وربيبتهم الشيوعية التي هي الأخرى ماضية في مؤامراتها البشعة ضد شعوب هذه القارة. إن إسرائيل التي تدرب الحرس الرئاسي في زائير ذات الولاء الغربي وتتعاون مع دول أخرى غربية الولاء، هي ذاتها التي تزود النظام الدموي في أديس أبابا ذا الولاء الماركسي (التقدمي) بالسلاح، كيف لا وهو الذي كان الأداة الفعالة في عملية تهجير يهود الفلاشا في الماضي القريب، وهو اليوم أداة في تذبيح أبناء شعبنا المسلم في أرتيريا، وليس هذا الذي تقوم به إسرائيل بغريب على من اطلع على ماضي الشيوعيين ووعى حقيقتهم من خلال مواقفهم المخزية تجاه شعوبهم وأوطانهم، فلطالما التقت مصالح اليهود مع الشيوعيين، لقد التقت عام ١٩٤٨م عندما انحاز الشيوعيون إلى اليهود وأدانوا دخول الجيوش العربية إلى فلسطين لمحاربة اليهود، وهكذا فإن إسرائيل لا ترى بداً من دعم أي نظام ماركسي (تقدمي) كالذي في أثيوبيا، تجد فيه ضالتها كي تنال من أبناء المسلمين أينما حلّوا. ... لم يعد قطع العلاقات الدبلوماسية بين دولة وأخرى- لاسيما في حالاتٍ كتلك التي مع إسرائيل - يمثّل مؤشراً على توقف التعامل بينهما، بل على العكس من ... ذلك، فكثيراً ما تكشف علائق حميمة ولقاءات وزيارات متبادلة، كانت في طي الكتمان، بين قادة دول لا يوجد بينها أي نوع من العلاقات الرسمية في الظاهر، بل القطيعة الكاملة وإشهار العداء أكثر بكثير مما عليه حال كثير من الدول التي تربطها علاقات دبلوماسية كاملة. فلم يعد (فَنُّ) قطع العلاقات الدبلوماسية أو تخفيضها سوى ستار يُسدل كلما دعت الحاجة، ليكون حاجباً بين الشعب وبين ما يرسم من سياسات ومخططات تخص تلك الدولة، حتى إذا ما نضج كل شيء رُفع الستار ليواجه الشعب ما فات الأوان لتداركه. إن ما حققته إسرائيل خلال السنوات القليلة الماضية - وما تحققه اليوم أعظم- من أن يطرق عبر أسطر قليلة كهذه، ولقد سبق وأن تكلمنا في عدد سابق عن التغلغل اليهودي في أفريقيا، وعن الأمر الذي بات ينذر بالخطر من جراء شروع عدة من الدول الأفريقية، من بينها دول ذات أغلبية مسلمة، بإعادة العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، واليوم وبعد انقضاء أشهر معدودة على نشر ذلك المقال تطالعنا كبريات الصحف بأنباء النجاح الذي حققته وتحققه إسرائيل في مجال كسب أصدقاء لها في أفريقيا، لقد تمكنت إسرائيل من جر دول جديدة غير التي ذكرت في المرة السابقة إلى صفها، فقد أعادت دولة (توغو) علاقاتها الدبلوماسية كاملة، في حين باتت كل من غينيا الاستوائية والغابون على حافة إعادة تلك العلاقات. ويرى المراقبون السياسيون في (سيراليون وأفريقيا الوسطى) مرشحين محتملين للحاق بمن سبقهما. وكان إسحاق شامير (رئيس وزراء إسرائيل) حسبما أوردته جريدة جروزاليم بوست، قد رد دعوة وجهت إليه لزيارة غينيا الاستوائية إبان جولته الأفريقية احتجاجاً على عدم إعادة غينيا لعلاقاتها مع إسرائيل على الفور! [١] . ومن المعلوم أن معظم الدول الأفريقية (سوى ثلاثة هي: ملاوي، ليسوتو، وسوازيلاند) كانت قد اتخذت مواقف مؤيدة للدول العربية بشأن النزاع مع إسرائيل لاسيما في أروقة الأمم المتحدة، وذلك في مقابل دعم الدول العربية لها ضد نظام جنوب أفريقيا وحظر تصدير النفط له. وكان هذه الدول فعلاً قد تلقت مساعدات مالية من الدول العربية بلغت ملايين الدولارات إبان فترة ارتفاع عوائد النفط، وتستغل إسرائيل الظروف الراهنة على أتم وجه، فهي من جهة تستغل حالة التردي الاقتصادي الذي عم أغلب الدول العربية لاسيما النفطية منها وعجزها عن مواصلة دعمها لهذه الدول بالشكل الذي كانت عليه إبان ما يسمى بـ (طفرة البترول) ، فلم يعد هناك ما يبرر بقاءها إلى جانب العرب، فقد انحلت الآصرة التي كانت تربط الطرفين (الآصرة المالية) ، وهي من جهة ثانية تتمتع بما آلت إليه أحوال الدول العربية من اضطرابات وفوضى وانقسامات في الآراء السياسية فيما يتعلق بمستقبل العلاقات مع إسرائيل وطريقة التعايش معها، تلك الفوضى وذلك الانقسام المعلن الذي وصل ذروته في أعقاب الزيارة التي قام بها الفرعون الصغير إلى فلسطين المحتلة وما تلاها من لقاءات متبادلة معه معلنة وغير معلنة مع بعض العرب، في ظروف كهذه وجدت إسرائيل ضالتها، فأخذت تتحرك في كل صوب وجهة من أجل بلوغ مراميها، وبدأت إسرائيل تعرض خدماتها المختلفة لهذه الدول التي هي بأمسّ الحاجة إليها، فتارة بعرض التكنولوجيا، وأخرى بالتعاون في المجال الأمني، وثالثة في مجال الزراعة، وما إلى ذلك من أساليب الجذب والإغراء. ولن تثار دهشتنا إذا ما علمنا أن دولة كنيجيريا ذات الغالبية المسلمة تستعين بمئات من الخبراء اليهود الذين يقومون بأعمال الاستشارة والتدريب [٢] . وعلى الرغم من وجود هذا العدد الضخم من اليهود على أرضها فإن المراقبين الغربيين يرون أنه من غير المرجح أن تُقدم نيجيريا على تجديد العلاقات مع إسرائيل رسمياً، وهي التي لم يمضِ على انضمامها إلى منظمة المؤتمر الإسلامي إلا فترة قصيرة، وهكذا يتعامل النظام في نيجيريا مَثَلُه مثل كثير من الأنظمة التي ابتليت بها الشعوب الإسلامية دولياً بغير الوجه الذي يطل به على شعبه، ألا ما أحوج المسلمين العاملين منهم على الساحة الإسلامية على وجه الخصوص اليوم أكثر من أي وقت مضى للانتباه إلى ما يحاك ضدهم في الخفاء من أمور هي ألصق ما تكون بمستقبل كيانهم، بل وبوجودهم، ألا يُعد عمل كهذا حراسة في سبيل الله وحفاظاً على ممتلكات المسلمين من أن تؤول إلى أيادي المجرمين؟ ! بلى والله. إن على المسلمين أن يَرْقَوا بأفكارهم وبتقويمهم لمكر أعدائهم، وأن يكونوا بمستوى الكمائن والمكائد المعدة لهم.

стр. 155

جديد ... قبل نصف قرن لندن في ١٩٣٧م دولتان جديدتان ستظهران على خارطة العالم في غضون سنتين، وذلك فيما إذا تم تبنّي الاقتراحات المقدمة في الهيئة الملكية التي تعني بشؤون فلسطين، والتي كانت قد نشرت تقريرها هنا (في لندن) في ٧/٧/١٩٣٧، وبموجب الخطة التي أعدتها الهيئة فإن الانتداب البريطاني سينقسم إلى دولتين مستقلتين: إحداها يهودية ممتدة على طول الساحل الفلسطيني، وأخرى عربية في المناطق الداخلية. وستتم إقامة مثلث بين الدولتين يتخذ شكل استمرار الانتداب البريطاني للمدن الفلسطينية (القدس، الناصرة، بيت لحم) ، وكذلك الشريط الضيق الذي تمتد عليه هذه المدن والذي يمتد من القدس وحتى يافا. وقد أخرت الحكومة البريطانية الخطة وأوعزت إلى بعض سفنها الحربية [هود وريبلسي] إلى التوجه من مالطة إلى حيفا تحسباً لأي قلاقل. هيرالدتربيون ٨ / ٧ /١٩٨٧ م قبل نصف قرن من الآن، وبالتحديد في ٧/٧/١٩٣٧ م انتهت الهيئة الملكية البريطانية من مسودة خطة لتقسيم فلسطين إلى دولتين: إحداها عربية والأخرى يهودية، على أن تظهر هاتان الدولتان إلى حيز الوجود في غضون سنتين من التاريخ المبين، وذلك في حالة تبني الخطة. وقد وافقت الحكومة البريطانية حينئذ على تبني خطة التقسيم (وكانت قد تعهدت من قبل في ١٩١٧م على لسان وزير خارجيتها بلفور على إنشاء وطن قومي لليهود) وأوعزت إلى بعض سفنها الحربية للإبحار من مالطة إلى حيفا تحسباً لوقوع بعض القلاقل والاضطرابات من جانب العرب احتجاجاً على هذا القرار. هذه مجرد إشارة عابرة إلى واقعة من وقائع تاريخ العلاقات البريطانية العربية الحالك السواد، والتي كانت محكومة بتجاهل العرب وحقوقهم من قبل الإنكليز، وبالنظرة الاستعمارية المتغطرسة ذات الوجهين: وجه التملق والمخادعة الذي تتعامل به مع المسؤولين، ووجه البطش والإرهاب الذي تكبت به صوت الشعوب التي تود التعبير عن حقوقها. ولكن كل ذلك معروف ومفهوم، فليس لنا أن نلوم العدو أن يكون عدواً، ولا صاحب المصلحة أن يحتال لتحقيق مصالحه الخاصة؛ ولكن غير المفهوم هو تسابقنا نحن العرب إلى خطب مودة هذه الدولة العريقة في صناعة المشاكل وإنتاج الآلام لأغلب شعوب الأرض، ورجاؤنا لها كي تساعدنا وتقف إلى جانبنا لتحصيل حقوقنا الضائعة، مع أن كل حيثيات الماضي والحاضر تدلنا على أننا نعتمد على أوهام، ونركن في إرواء عطشنا إلى سراب. وشتان بين موقفنا الدائم من بريطانيا وبين موقف اليهود من ألمانيا التي أرغموها على أن تظل رهينة دعايتهم وابتزازهم، وعلى الرغم من تعويضها لهم بالأسلحة والأموال إلا أنه يبدو أنه لا ألمانيا ستقف عن دعم اليهود، ولا هؤلاء يشعرون أن ما قدمته وتقدمه لهم ألمانيا كافٍ للتكفير عن جرائمها المزعومة! . فأين قادة من قادة؟ ! وأين مواقف من مواقف؟ ! .

стр. 156

الحضارة المعاصرة ... الوجه الآخر الانتحار إعداد: ضيف الله الضعيان قد يعجب القارئ من طرقنا لمثل هذه الموضوعات، وقد يظن ظانٌ أو يتوهم متوهمٌ أن هذا ضربٌ من التكلف في نقد الحضارة الغربية وشيء من المبالغة في إبراز الوجه الآخر لهذه الحضارة ... خصوصاً وأن كثيراً من بلدان المسلمين لا تخلو من كثير من هذه الظواهر أو المظاهر ... ونقول للأخ القارئ: إن الأمر ليس كذلك لسببين: الأول: إنه وإن وجدت مثل هذه الآفات والأمراض الاجتماعية في بعض مجتمعاتنا الإسلامية، إلا أنها لاتصل إلى حد الظاهرة العامة كما هي الحال في مجتمعات الحضارة المعاصرة ... وعلى الأخ القارئ أن يقارن كل ما سبق مناقشته من تلك الظواهر في المجتمعات الغربية بمثيلاتها في مجتمعات المسلمين كي يرى الفارق في ذلك. الثاني: إنه رغم ما بيَّناه في الفقرة السابقة من تباين حجم المشكلة، إلا أن وجود هذه الأمراض الاجتماعية وغير الاجتماعية في بلادنا ومجتمعاتنا إنما هو في الأصل نتاج وإفراز من إفرازات هذه الحضارة، انعكس على مجتمعاتنا الإسلامية نتيجة الهجمة الاستعمارية الشرسة التي مارسها ويمارسها الغرب بجميع أشكالها وفنونها. فالهدف إذن: بيان الوجه الخفي من هذه الحضارة لمجتمعاتنا، والذي نراه ويراه العقلاء من أبنائها سبباً رئيساً في إفلاسها ومؤشراً واضحاً على بداية نهايتها وانهيارها. وهي أيضاً إشارات تحذيرية نضعها على طريق شعوبنا اللاهثة خلف كل ما هو غربي، علّها تقف عندها متأملةً.. لتعي وتدرك ما تأخذ وما تدع من هذه الحضارة ... ذكرنا في حلقات سابقة من هذه الزاوية أمثلة حية مما تعانيه المجتمعات الغربية المعاصرة من أمراض اجتماعية وصحية واقتصادية؛ وغيرها كنتاج سلبي لمعطيات الحضارة المادية التي تعيشها تلك المجتمعات، فتناول الخمور والمخدرات وما ينبني عليه من آثار، جاء نتيجة محاولة ردِّ الاعتبار والبحث عن السعادة بالهرب من الواقع المرّ.. ومرض نقص المناعة المكتسبة (الإيدز) وغيره من الأمراض الفتاكة هو النتاج الطبيعي للفوضى الجنسية والأخلاقية.. والاعتداءات الجسمية والجنسية على الأطفال أثر من آثار التحلل الاجتماعي والتفكك الأسري.. وحديثنا في هذه الحلقة عن: ظاهرة (الانتحار) في المجتمعات المتحضرة والتي هي الغاية في الهرب من جحيم تلك الحضارة وويلاتها ... حيث بلغت حداً من الانتشار، حتى أصبحت في رأي علماء النفس والاجتماع صرعة غربية.. فالواقع السريع للتطور التكنولوجي المتلاحق، والاتجاه الشرس نحو المادية المفرطة، وتفكك الروابط والعلاقات الاجتماعية والأسرية أوجد إحساساً بالضياع، وأوجد أزمة هوية لدى الشباب والمراهقين في بلاد الغرب التي أصبحت مهددة بانهيار نفسي وجماهيري ... هذا الإحساس بالضياع الذي يعيشه مراهقو الغرب أوجد نزعة نحو التخلص من مشاكل الحياة المادية باللجوء إلى الانتحار ... فقد أجرت (مجلة المراهق) الأمريكية مسحاً بين عينة من الصبية والفتيات في فئة السن بين ١٥ و ١٩ عاماً لاستطلاع مشاعرهم تجاه ظاهرة الانتحار المتزايد في المجتمع الأمريكي.. المسح الذي شارك فيه أكثر من (٥٠٠) صبي وفتاة جاء بنتائج مفزعة تقول: إن الثلث ممن وجِّهت إليهم الأسئلة حاولوا فعلاً التخلص من حياتهم بعد أن استسلموا لليأس والقنوط، ولقد رُوعي في تكوين واختيار تلك العينة أن تكون ممثلةً لواقع المجتمع الأمريكي بجميع طبقاته.. وينتهي المسح أيضاً إلى أن ٧٣% من الشباب والمراهقين فكَّروا في الإقدام على الانتحار مرة أو أكثر خلال حياتهم.. ويشير الاستطلاع إلى ظاهرة خطيرة أخرى ... وهي: أن غالبية من حاولوا الانتحار هم من الفتيات في أخطر مراحل العمر وأحوجها إلى الجو النفسي الأسري عند رفضها أو عجزها عن دفع تكاليف سكنها ومعيشتها! ! . يُنْشَرُ هذا الاستطلاع في وقت ينعق فيه أدعياء تحرير المرأة المسلمة!! ليخرجوها من عش وجو الأسرة الآمن إلى حيثُ القلق والاضطراب النفسي والأخلاقي.. أما عن أسباب الانتحار: فهي عديدة ومتنوعة، وأكثرها شيوعاً حسب ما كشفت عنه الإجابات هو: صراع الجيلين، أي: الخلاف بين المراهق ووالديه، ولاسيما وأن الأب ينتمي إلى عهد كان أقلَّ شراسة في ماديته.. وثمة دوافع أخرى في رأي المراهقين، إذ يقول من أُجري عليهم المسح: أن الإحساس بالوحدة يدفع إلى التفكير في الانتحار، وكذلك الانزعاج والاستياء من المظهر الشخصي للمرء يُزَهِّده في حياته، وخلافه مع صديقه أو صديقته يجعله يريد أن يبرح الدنيا.. ومما يزيد الطين بِلَّةً أن الشخصية الانتحارية لا تجد من تفض إليه بمكنوناتها لحين تزول الغُمة وتنفرج الأسارير ... وفي ذلك تقول نتائج المسح: أن ربع من فكروا أو أقدموا على الانتحار فعلوا ذلك بعد أن خاب أملهم في وجود من يُسرون إليه بمعاناتهم [١] . وفي اليابان حيث التقدم الصناعي والقفزات المادية السريعة: أفاد تقرير رسمي نشر بتاريخ ١٢/٢/١٩٨٧م أن ٨٠٢ من الشباب الياباني المراهق قد انتحروا في العام الماضي، مما يشكل زيادةً بواقع ٤٤% عن العام الذي سبقه، ... وقال تقرير وكالة الشرطة القومية: أن ٢٩٩ فتاة قد انتحرت خلال عام ١٩٨٦م، وذلك بزيادة ٩. ٦% سجلت أعلى رقم قياسي. وذكر التقرير: أن مشاكل المدارس كانت حافزاً لانتحار ٢٠٧ شاب، تليها المشاكل العائلية التي أودت بحياة ١٠٧ أشخاص، والمشاكل الغرامية التي ذهب ضحيتها أكثر من ٩٠ شخصاً [٢] . وإذا كان وباء العصر (الإيدز) يقضي على مئات الأشخاص كل سنة في المجتمعات الأمريكية والأوربية، فإن من المصابين به من يفضل أن يموت ... بيده لا بيد فيروس المرض؛ احتجاجاً على إصابته به، فيقدم على الانتحار، ... كما أقدم عليه زوجان إيطاليان بأن أطلقا على نفسيهما النار بعد أن أوصيا ... برعاية ابنهما الوحيد [٣] . وإن كان بعض ما تقدم من حالات أو محاولات الانتحار يبدو له ما يبرره على مستوى العقلية المادية على الأقل، فإن كثيراً من ممارسي هذه الظاهرة قد قضوا نحبهم لأسباب تبدو تافهةً أو مضحكة في نظر من أُوتي عقلاً وإيماناً.. * ففي تقرير حوادث الانتحار اليابانية -سابق الذكر-: تعتقد الشرطة أن الزيادة الحادة في إقدام الفتيات على الانتحار جاءت بعد انتحار المغنية الشهيرة (يوكيكو أوكادا ١٨ عاماً) ، التي قفزت من أعلى مبنى شاهق في طوكيو في إبريل ١٩٨٦م [٤] . * وأقدمت الأم البريطانية على الانتحار بعدما فشلت في العثور على دواء يضع حداً لتساقط شعرها، مخلفةً وراءها ثلاثة أولادٍ عن عمر يبلغ ٤٣ عاماً [٥] . * وانتحر الأب الإنكليزي ذو الخمسين عاماً بسبب مضايقات حماته، بعد أن نفَّذ مذبحة في أسرته ضمَّنها العجوز التي كانت سبباً في انتحاره [٦] . * وأن آخر يقذف بنفسه وطفله من الطابق التاسع عشر احتجاجاً على حكم المحكمة بضم الابن لصالح الأم المطلقة [٧] . * وأخرى تقرر مفارقة الحياة بسبب مرض جلدي في وجهها [٨] . إلى آخر ما هنالك من الحالات الفردية التي فارقت الحياة لأتفه الأسباب ... وما سياقنا لمثل هذه الحالات إلا ليتعرف القارئ المسلم عن كثب على ما تعيشه الشعوب الغربية من قلق واضطراب نفسيين، وخواء روحي، وضيقِ أفقٍ نتيجة البعد عن منهج الله، والنظرة المادية القاصرة للكون والحياة.

стр. 157

بريد القراء ردود وكتب الأخ سعد بن حمود العرموش، من الرياض - السعودية، ال رسالة التالية، ننشرها لأهميتها. أخي الفاضل مدير تحرير مجلة (البيان) المحترم. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فقد اطلعت على بعض أعداد مجلتكم، بل مجلتنا الحبيبة (البيان) ، وقد سررت أعظم السرور عند قراءتها، ولكن الطريقة التي تعرفت بها على المجلة كانت عن طريق الصدفة أو القدَر على الأصح. فقد دخلت ذات يوم مع زميل لي مكتبة قريبة من منزلنا، فوجدت وعلى غيرالمعتاد أربعة أعداد من مجلة تحمل اسم (البيان) كانت موضوعة فوق ... طاولة المحاسب عند مدخل المكتبة، ربما ليتعرف عليها كل من يدخل، لا أدري لم أعرها وزميلي أي اهتمام، ربما لكثرة المجلات والصحف والنشرات التي تغص بها جنبات كل مكتبة وليس فيها من المفيد إلا القليل. وأثناء الدفع أخذت أقلب صفحات أحد الأعداد، قرأت صفحة العنوان، أعجبني الاسم، عرفت هوية المجلة ومصدرها، وعرفت أن لها توجهاً إسلامياً؛ فتساءلت يا ترى: - هل هي مثل كل المجلات الإسلامية في وقتنا الحاضر -أو قل: أغلبها- ذات ميول مذهبية أو حزبية؟ وهل هي لسان لنظام من الأنظمة التي تكاد تكون أكثر من تابعيها؟ . - وهل تعتمد على مبدأ الثورية والحركية العمياء دون تأسيس أو تأصيل في النفوس، ودون زرع لمبادئ الدين الحنيف في نفوس القراء، ثم تعاهد هذا الزرع ورعايته؟ . - هل هي ذات هدف مادي بحت؛ فتعتمد على حشد الأوراق المسودة ببعض الحبر على شكل أسطر للقراءة، دون نظر إلى المادة والمضمون؟ . - هل تشد القارئ وتغوص به في بحر مشكلاتنا المعاصرة، أم أنها تركز على الجانب المعرفي فقط؟ . كل هذه التساؤلات خطرت ببالي خلال أقل من دقيقة، فأخذت أبحث عن الجواب من خلال صفحات أحد الأعداد الموجودة أمامي. كانت الأعداد من الثاني إلى الخامس (أي: أربعة أعداد فقط) ، فوقعت يدي على العدد الثالث، فتحت صفحة المحتوى فوقعت عيني على ما أثلج صدري: - منهجُ المجلةِ منهجُ أهل السنة والجماعة، والحمد لله. ونِعم المنهج هو. كيف لا وهو منهجٌ معِينه الذي لا ينضب: الكتاب والسنة وأقوال علماء السلف. -خطُّها في سبيل الدعوة: خطُّ السلف: [ولْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الخَيْرِ] الآية. [ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ والْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] . -مبدأها في النقد: (الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله. قال: لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) . -وفي التجريح: [لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلاَّ مَن ظُلِمَ] . إخواني القائمين على مجلة (البيان) : مجلتكم متميزة، ونزيهة جداً، ومحتواها ممتاز جداً، ولكن لي بعض الملاحظات التي أحب أن أُبديها، وهي صغيرة جداً ولا تقلل من قيمة هذا الجهد الجبار الذي أخرج لنا هذه المجلة الفتية، وربما تكون بعض هذه الملاحظات اقتراحات، وأرجو أن تتقبلوها بصدرٍ رحب. - الإخراج: إخراج المجلة يجب أن يكون أفضل مما هو عليه الآن، فالأولى أن تشتمل المجلة على فواصل زخرفية وعلى عناوين كبيرة نسبياً. - يلاحظ أن (البيان) لا تخاطب فئة معينة من المسلمين هم الفئة المثقفة، أو ... قل: من هم فوق سن العشرين من الشباب الجادّين، وأقول: (الجادّين) لأن هناك فئة ونوع من الشباب لا يقبل المواد جافة هكذا، لابد من عنصر مشوق في المجلة يجذب إليها جميع فئات المجتمع المسلم. إذاً فلابد من وجود أبواب متميزة للمرأة المسلمة المستهدفة من جميع أعداء الإسلام. ولا تكون أبواب المرأة على غرار المجلات الأخرى أبواب ركيكة ورتيبة. بل تكون جامعة بين الجد والتشويق والتوجيه. - وكذلك أرى أن توجِّه المجلة بعض صفحاتها لتوجيه الطفل المسلم، جامعةً بين عناصر التشويق والبساطة المفيدة. كأن تعتمد على الأسلوب القصصي المباشر، وغير ذلك من الأساليب التي لا نشك أنكم تعرفونها جيداً. - لم تعرض المجلة من خلال القسم المتعلق بشؤون العالم الإسلامي ومشكلاته في أعدادها السابقة إلى أي إشارة أو تحليل أو خبر عن إخواننا المستضعفين في جمهوريات السوفييت الجنوبية المسلمة. ولا إخواننا المضطهدين في أوربا الشرقية [يوغسلافيا - المجر - بلغاريا ... ] . وهذان الجزءان العزيزان من وطننا الإسلامي يهمنا جداً معرفة أخبارهم وأحوالهم ومشكلاتهم، ولكننا لم نتمكن من ذلك بسبب الهوة الإعلامية السحيقة التي تفصل بيننا وبينهم، فإعلامنا المحلي مقاطعٌ لكل ما هو شرقي، اللهم إلا بعض الأخبار القصيرة بين الفينة والفينة، مما لا يفي بالغرض المطلوب. لذلك نرجو من مجلتنا (البيان) متابعة أحوال أهل قبلتنا وإخواننا في هذه البقاع بخاصة، وجميع بقاع الأرض عامة، متابعةً دقيقة ومتواصلة. يقول قدوة أهل القبلة: (من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم) . - كثير من كتاب (البيان) الأفاضل لا نعرف عنهم شيئاً سوى أسمائهم , ونتعرف على شخصياتهم من خلال كتاباتهم فقط. حبذا لو وُضع تعريف موجز بكاتب كل مقال بجانب ذلك المقال، ولا يستمر ذلك فترة طويلة؛ حتى نتعرف على كتَّابنا؛ وتتقارب قلوبنا أكثر وأكثر، والأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف. - تطول مدة انتظارنا للعدد الجديد. فحبذا لو قلصت الفترة بين العدد والذي يليه، فلو كانت (البيان) أسبوعية، فهذه أمنيّة، ولو كانت نصف شهرية فهي منّا بالقبول حَرِيّة، وإن أصبحت شهرية فسيطول شوقنا إلى مشُوقتنا. وإن لم يتأتّى شيء من ذلك فسنتحمل كونها تصدر كل شهرين، وذلك تقديراً منا لظروف إخواننا القائمين على (البيان) - أعانهم الله-. بعد قراءتي للأعداد الأربعة الماضية عزمت على الكتابة إليكم وطلب الاشتراك في هذه المجلة التي نحسبها- إن شاء الله- ستكون درّة المجلات الإسلامية. ولكني فوجئت بعدم تحديد رسوم الاشتراك، وعلمت من خلال ردود بريد القراء (العدد الرابع) أن هناك مشكلة في عملية الشحن ومع الموزعين، أرجو من الله أن يساعدكم على تخطي هذه العقبات. كما فوجئت باختلاف سعر النسخة من عدد إلى عدد، وهذا ما لم نعهده في أي مجلة، أرجو أيضاً أن يتم تلافي ذلك مستقبلاً- إن شاء الله-. وختاماً أرجو أن تتقبلوا هذه الملاحظات الصغيرة بصدر واسع رحب، وكما قدمت فهذه الملاحظات لا تقلل أبداً من قيمة جهدكم الكبير بل هي من باب التناصح وإهداء العيوب. وفقنا الله وإياكم لما فيه الخير، وسدَّد على طريق الحق خطاكم، إنه سميع مجيب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أخوكم / سعد بن حمود بن سعد العرموش المجلة ملحوظاتك يا أخ سعد موضع اهتمام المجلة.. ومخاطبة الناشئة والمرأة ندرسه بعناية من قبل صدور العدد الأول من (البيان) ، وتحديد قيمة الاشتراك تجده في موضع آخر من هذا العدد.. والقائمون يحرصون أشد الحرص على أن تكون المجلة شهرية، ولعلنا نوفق إلى تحقيق هذه الرغبة قريباً إن شاء الله. أما الإخراج فنظن أن فيه بعض التحسن الذي يتناسب مع موضوع هذه المجلة وأهدافها.. ونرجو أن تتحفنا دوماً برسائلك القيمة، وفقنا الله وإياك لكل خير. ومن الأخ الفاضل أبي بلال - صنعاء -وردتنا الرسالة التالية: الأخوة الأفاضل: أسرة تحرير البيان المكرمون. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد: فأحب أن أوجه إليكم جزيل الشكر، وخالص الحب والود، لما تبذلونه من جهد في تحرير (البيان) ، وفي التحسين المستمر الذي نلمسه عدداً بعد عدد، وقد ... سرني أن أرى التوجه الجاد لإخراج (البيان) إلى القراء المسلمين، باعتبارها مجلة كل مسلم يعتز بالسنة ويسعى للجماعة، وباعتبارها مجلة لتبصير كل مسلم، من أهل السنة، ومن غيرهم، ولدعوة كل مسلم يحب السنة إلى نهج السنة، وسلوك طريق الإصلاح والتأليف، دون إثارة الضغائن، أو تحريك الكوامن. ودون أن تخص باهتمامها طائفة من المسلمين دون غيرهم، أو تكون لساناً لبعضهم، بل هي لسان الحق الذي ينتسب إليه المسلمون كلهم، إليه تدعو، ومعه تدور حيث دار. ومما أحب تذكير الاخوة أسرة تحرير (البيان) به: ١ -الاهتمام بدعوة كل مسلم إلى منهج السنة والجماعة، ومخاطبة قلوب المسلمين وعقولهم بكلمة الحق، وبيانه لهم، وتعريفهم به عن كثب. ٢ -تشجيع الأبحاث والمقالات التي تهتم بترجمة المبادئ والأصول، وتحويلها إلى برامج عملية قابلة للتجسيد الواقعي والحركة الفعلية، وذلك كخطوة أولية للخروج من دائرة الطرح النظري أو الجدلي في كثير من الأحيان، ومن أجل الإسهام في تأصيل الحركة الإسلامية ودفعها وترشيدها. ٣ -الاهتمام بإيجاد منظور منهجي متكامل للحركة الإسلامية عموماً، يقوم على العقيدة الصحيحة، وينطلق من الأصول التشريعية، والخصائص الحضارية للإسلام. ٤ -العمل على استيعاب كافة الاهتمامات والميول المشروعة لدى مختلف النوعيات التي تريد المجلة إسماعها صوتها، والتحاور والتخاطب معها. ٥ -إحياء الوعي لدى جمهور المسلمين، والتأكيد على ارتباط النتيجة بالسبب ارتباطاً سننياً ثابتاً. وأن مسألة نهوض الأمة ليست مرتبطة بالانتماءات أو الأماني، بل ترجع إلى حسن الفهم وجدية العمل. ثم أسأل الله لي وللمسلمين، أن يبصرنا ويؤتينا رشدنا، وأن يثبت أقدامنا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. المجلة جزى الله الأخ أبا بلال كل خير على نصائحه القيمة وعواطفه الطيبة نحو المجلة.. ومعذرة على ما حذفنا من رسالته لأننا لا نريد الردود وما تجر من سلبيات.. ومع ذلك فنحن نقدر للأخ بُعد نظرته.. ونرجو أن لا يبخل على المجلة بقلمه الطيب؛ فهو من أصحابها، ونود أن يلاحظ أهداف المجلة في كل ما يكتب، والله الموفق.

стр. 158

ومن الأخ الفاضل أبي بلال - صنعاء -وردتنا ال رسالة التالية: الأخوة الأفاضل: أسرة تحرير البيان المكرمون. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد: فأحب أن أوجه إليكم جزيل الشكر، وخالص الحب والود، لما تبذلونه من جهد في تحرير (البيان) ، وفي التحسين المستمر الذي نلمسه عدداً بعد عدد، وقد سرني أن أرى التوجه الجاد لإخراج (البيان) إلى القراء المسلمين، باعتبارها مجلة ... كل مسلم يعتز بالسنة ويسعى للجماعة، وباعتبارها مجلة لتبصير كل مسلم، من أهل السنة، ومن غيرهم، ولدعوة كل مسلم يحب السنة إلى نهج السنة، وسلوك طريق الإصلاح والتأليف، دون إثارة الضغائن، أو تحريك الكوامن. ودون أن تخص باهتمامها طائفة من المسلمين دون غيرهم، أو تكون لساناً لبعضهم، بل هي لسان الحق الذي ينتسب إليه المسلمون كلهم، إليه تدعو، ومعه تدور حيث دار. ومما أحب تذكير الاخوة أسرة تحرير (البيان) به: ١ -الاهتمام بدعوة كل مسلم إلى منهج السنة والجماعة، ومخاطبة قلوب المسلمين وعقولهم بكلمة الحق، وبيانه لهم، وتعريفهم به عن كثب. ٢ -تشجيع الأبحاث والمقالات التي تهتم بترجمة المبادئ والأصول، وتحويلها إلى برامج عملية قابلة للتجسيد الواقعي والحركة الفعلية، وذلك كخطوة أولية للخروج من دائرة الطرح النظري أو الجدلي في كثير من الأحيان، ومن أجل الإسهام في تأصيل الحركة الإسلامية ودفعها وترشيدها. ٣ -الاهتمام بإيجاد منظور منهجي متكامل للحركة الإسلامية عموماً، يقوم على العقيدة الصحيحة، وينطلق من الأصول التشريعية، والخصائص الحضارية للإسلام. ٤ -العمل على استيعاب كافة الاهتمامات والميول المشروعة لدى مختلف النوعيات التي تريد المجلة إسماعها صوتها، والتحاور والتخاطب معها. ٥ -إحياء الوعي لدى جمهور المسلمين، والتأكيد على ارتباط النتيجة بالسبب ارتباطاً سننياً ثابتاً. وأن مسألة نهوض الأمة ليست مرتبطة بالانتماءات أو الأماني، بل ترجع إلى حسن الفهم وجدية العمل. ثم أسأل الله لي وللمسلمين، أن يبصرنا ويؤتينا رشدنا، وأن يثبت أقدامنا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. المجلة جزى الله الأخ أبا بلال كل خير على نصائحه القيمة وعواطفه الطيبة نحو المجلة.. ومعذرة على ما حذفنا من رسالته لأننا لا نريد الردود وما تجر من سلبيات.. ومع ذلك فنحن نقدر للأخ بُعد نظرته.. ونرجو أن لا يبخل على المجلة بقلمه الطيب؛ فهو من أصحابها، ونود أن يلاحظ أهداف المجلة في كل ما يكتب، والله الموفق.

стр. 159

بأقلام القراء الأُخوَّة عبد العزير الشرقي _ بريطانيا إن الأخوة في الله منزلة عظيمة تصفي النفوس، وتجمع القلوب، وعلى علو مكانتها لم يزل الأدعياء يحكون المحبة في الله وإنما هي محبة في الشيطان، وإلا فكيف تكون محبة في الله وليس فيها أمر بالمعروف ونهي عن المنكر؟ ! . لقد خاب قوم وخسروا، ظنوا أن مجرد الميل القلبي لأحد من الناس علامة الأخوة في الله، وضل آخرون أرادوا بزعمهم أن يخرجوا المحبة من العبادات، ويجعلوها مجردة، يريدونها محبة قائمة بذاتها، لا ترتبط بروابط، ولا تحكمها قيود. وغالب من ترى ممن يتحدث عن الحب ومعانيه، إنما ينطلقون من هذا المنطلق، ولما ضاق عليهم الأمر بعد أن كان رحباً، قصروا الحب على العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة، وضاق الحب بمعانيه السامية الشمولية والواسعة التي تملأ ما بين السماء والأرض، وأصبح لا يسع إلا أربعة أمتار مربعة تلك هي مساحة الفراش! . وكان الإعلام الخبيث المُوجَّه لهدم دين هذه الأمة هو الذي تولى كبر هذه الخطيئة. وإذا أردت أن تعرف مبلغ الرزيّة فسل أحد الناشئة ممن رباهم الإعلام الخبيث، سله ما هو الحب كما تتخيله؟ سوف تسمع كلاماً مخجلاً. وهل على هذا الناشىء من تثريب، وهو يشاهد في الرائي يومياً أن الحب علاقة بين الذكر والأنثى تؤدي مهما تعددت الطرق إلى الفراش؟ ، وتسمع بعد ذلك من يقول: إن الرائي يرشد الأمة إلى الفضيلة! نعم، يعنون بالفضيلة: كل ما يأتي من الغرب الفاجر المتحلل، ويعنون بالتخلف والرجعية: كل ما ورثوه من آبائهم وأسلافهم من دين وثقافة وتراث. أبَعد ذلك نطمع أن نُنصر على عدونا؟ ، أو أن يكشف ما بنا إذا كان من عمّدوه على أدبنا يقول: لابد أن نتبع الغرب بخيره وشره، بحلوه ومره، فإن الخير كل الخير في الغرب، والشر كل الشر في الشرق؟ ، فماذا نتوقع؟ . وهذه قِرَدَتُنَا! اتبعت الغرب في كل شيء إلا ما ينفع، وتخلت عن موروثاتها إلا ما يضر. كلٌ يدعو للإصلاح، وكلٌ يريد التغيير، ولكن الخلاف. أي حال نريدها ونسعى إليها؟ . هل هي مزيدٌ من التحرر والانطلاق في ركب الحضارة الذي سبقنا بقرون، أم العودة إلى ديننا والتمسك به؟ ، بمعنى آخر؛ الذوبان أو التفرد؟ ، التبعية أم القيادة؟ . أي حال نريد؟ وايم الحق لئن اتبعنا الغرب وأعرضنا عن ديننا إننا إذاً لخاسرون! . ما قامت أمة إلا على عزة بنفسها، أما نحن فتركنا سبب عزتنا وابتغينا العزة عند أعدائنا. نستقي من أعدائنا مناهج التربية والتعليم والإعلام.

стр. 160

ربيع الآخر - ١٤٠٨هـ ديسمبر - ١٩٨٧م (السنة: ٢)

стр. 161

الافتتاحية نحن أسرى المصطلحات الغريبة التحرير أقول: نحن أسرى المصطلحات الغريبة، وليس (الغربية) ، فليس الغرب هو الذي يؤثر في ثقافتنا الحديثة عن طريق تثبيت مفاهيمه، بل الشرق كذلك، هذا مع اعتبارنا أن الثقافة الغربية والثقافة الشرقية (ونعني بها: الفكر الماركسي والاشتراكي السائد في دول أوربا الشرقية وروسيا ومن يدور في فلكها) وجهان لموروث واحد. إن الغزو الثقافي أخطر أنواع الغزو والسيطرة، فهو ببساطة يجعل المغزو يتحرك وينشط بعيداً عن هيمنة الأساطيل والأسلحة المنظورة، ظاناً أنه يتحرك مستقلاً حراً مالكاً زمام أمره، ولكنه في حقيقة أمره مسلوب الإرادة، مسخر نشاطه وجهوده من أجل الأرض التي أنبتت الثقافة التي تثير إعجابه، فيرفع لواءها، ويسير في ظلها، وقد يموت ويميت جموعاً لا تحصى في سبيل ذلك. وسواء علينا: أعَلِمَ بذلك أم لم يعلم. ومن أشد العناصر الثقافية أثراً وفتكاً في ثقافات -الشعوب قضية (المصطلحات) . فالمصطلح كلمة، أو كلمتان، أو ثلاث كلمات، وقد لا تتعدى ذلك إلا في حالات نادرة، ولكن هذه الكلمة قادرة على أن تفرغ العقول والقلوب وتملأها، ولها مفعول السحر الذي يستعصى فهمه على المنطق وقوانين العقل. وغالباً ما تكون بعيدة عن المحاكمات المحددة، ملتبسة بأثر العواطف والغرائز، وتكتسب -من خلال استعمالها بين شعب وشعب، وظرف وظرف- ظلالاً، ويصبح لها في مسيرها تضاريس ناتئة، وانهدامات غائرة، وتنعكس عليها آثار النفوس من حقد وحسد وضغينة وانتقام، وتصرخ من بين حروفها الأهواء والعواطف الملتوية ... التي تغلف التواءها بكثير من الادعاء والتطاول وحب التغلب والسيطرة. والمصطلح باختصار هو (حبة) أو (جرعة) سحرية، يتناولها فرد أوجماعة؛ فتحول اتجاه تفكيره أو تفكيرهم من جهة إلى جهة - إن لم تفقده التفكير أصلاً-، وقد يتسلل هذا المصطلح إلى العقل العام تسللاً، كأن تطرحه جماعة أو شخص صاحب مصلحة أو هوى في شيوعه وانتشاره، فيطرح من خلال وسيلة عامة ككتاب أو إذاعة أو صحيفة أو مناهج دراسية.. فيُلْتَقَط ... ويُستعمل ويشيع، ولا يمضي وقت قصير حتى تضاف إليه الشروح والحواشي، وتشذب انعكاساته الضارة عن طريق تزيينه بأساليب الحكماء والمنظرين، فتمتد جذوره في أرضٍ وفِد عليها، ويبدأ يعطي ثماره: فكراً ... وافداً وثقافة هجينة. وكتطبيق لهذه الرؤية، فلنتفحص نموذجاً واحداً من هذه المصطلحات الشائعة والتي تجري على الأقلام والألسنة هذه الأيام، وهو كلمة (الرجعية) . ماذا تعني هذه الكلمة في أذهان مبتدعيها؟ وماذا تعني عند مردديها، وخصوصاً في المجتمعات المسلمة؟ ... وما مدى الهوة بين مدلولها الأصلي، من حيث الوضع، ومدلولها في ... ... أذهان الناطقين بالعربية؟ وهل يمر هذا المصطلح في فترة شبابه، أم أنه دلف إلى الشيخوخة التي ستودي به إلى الموت والاندثار، وآذنت شمسه بالمغيب؟ أما ما تعنيه هذه الكلمة: فأمامنا ما ورد في الموسوعة السياسية؛ حيث تقول: «هي نقيض التقدمية (!) ، ويطلق الشيوعيون واليساريون هذه ... الكلمة على الأحزاب والتيارات التي تنادي ببقاء المؤسسات القديمة على ... قدمها» [١] . وبناء على هذا فإن هذا التعريف يبين لنا مَنْ وضع هذا المصطلح، ومن روجه، وهم (الشيوعيون واليساريون) ، ويطلقونه على خصومهم ... جملة. والشيوعيون وخصومهم، من حيث المبدأ والمنشأ، هم نتيجة لمجتمع وثقافة تختلف اختلافاً كبيراً عن مجتمعاتنا وثقافتنا، وليس المجال مجال تفنيد آرائهم والرد عليهم. ولكن الذين أدخلوا هذا المصطلح إلى ثقافتنا هم الذين تأثروا بتلك الأفكار، ورأوا أن يحققوا عن طريق إشاعتها مآرب وغايات في نفوسهم، في ظل مطاردة لكل ما هو أصيل، وهيمنة لكل ما هو غريب. وقد كَثُرَ استخدام هذا اللفظ بعد خروج المستعمرين من البلاد العربية والإسلامية، وتفرغت الشعوب لمواجهة تحديات البناء الداخلي، فكان أن برز اتجاهان رئيسيان لوضع أسس هذا البناء: الاتجاه الأول: الذي يرى أن البناء لابد أن يعتمد أسساً نابعة من عقيدة الأمة (وهي الإسلام) ، والتي لولاها لما أمكن لها أن تحمل خصائص الأمة، حيث إن الإسلام هو الذي جعل لها دوراً تاريخياً محورياً، وبتجاهل هذه العقيدة، أو القفز فوقها، أو استجلاب عقائد موازية؛ فإنه لا أمل في إصلاح، ولا رجاء في الخروج من المأزق والمشاكل التي تعيق حركة هذه الأمة، بل سيؤول أمرها من ضعف إلى ضعف، ومن تمزق إلى انهيار واندثار. وهذا الاتجاه ممثل في غالبية الشعوب الإسلامية مع اختلاف مستوياتها المعيشية؛ ففيه الغني وفيه الفقير، وفيه الذي حصل على قسط عال من الثقافة، وفيه ذوو الثقافة المتوسطة، وفيه أصحاب المهن الحرة ... ولو أن فرصة تتاح لاستقراء النفسيات والانتماءات لوجدنا أن غالبية هذه الشعوب ذات انتماء إسلامي يصعب إخفاؤه، وإن تكلف بعض الناس إخفاءه تحت قشرة رقيقة من فعل عوامل شتى، كالجهل والتجاهل الناتج عن الدعاية المضادة المستمرة، وكالترهيب الواقع على كل من يفصح عن ارتباطه الحقيقي بهذا الدين مبدأ ومعاداً، وكالخلط والتشويش المقنن الذي يقدم إلى عقول الناشئة عن طريق المناهج التعليمية. والاتجاه الثاني: على النقيض من الأول، اتجاه إلى السيطرة على توجيه هذه الجموع بحجة أنها جموع قاصرة التفكير، ولابد من استجلاب مبادئ (جديدة) لتحل محل عقائدها البالية؛ ثم توصف هذه المبادئ المجلوبة بشتى الأوصاف الحسنة البراقة، وتضفي عليها أنواع من التزيينات الموحية: كالتقدم، والتطور، والبناء، والتنوير، والتجديد، والتحديث، والعلمية، والمنطقية، ... الخ، في حين تقذف المبادئ القديمة بأبلغ أنواع السباب والشتائم والأوصاف المقذعة مثل: الرجعية، والغيبية، والتخلف، والجمود، والتحجر، والتقوقع، والظلامية، والسلبية، والتعصب،... إلخ. ومن خلال تتبع استخدام لفظ الرجعية يلاحظ: أن هذا اللفظ يطلق دائماً على شريحة من المجتمع تزداد ملامحها تحديداً كل يوم، ويرتبط أفرادها فيما بينهم برباط فكري واحد، ألا وهو انتماؤهم لعقيدة واحدة هي الإسلام، ومن غير المسموح لهم أن يردوا على التهم الموجهة إليهم، والقذف الساقط على رؤوسهم، بطريقة متكافئة مع الطرق التي يتوجه منها إليهم الثلب والتنفير. وهناك أمور مفروغ منها عند جميع الناس على اختلاف عقائدهم، فليس من مسلم أو غير مسلم يرضى بأن تتوقف عجلة التاريخ عند نقطة معينة، ولا أن يبقى النشاط الإنساني في مكان واحد، وليس من مسلم يريد الرجوع بالناس إلى عصر الجَمَل بعدما ركبوا السيارة والطيارة والمركبات الفضائية، وكذلك فإن الحملات الكلامية لا يمكن -لاعتبارات كثيرة- أن تتجه مباشرة وصراحة إلى دين الأمة إلى في حالات نادرة، وفي أمكنة خاصة. وذلك لأن ما يترتب على هذا من مكاسب وإنجازات لا يتناسب مع الأضرار المتوقعة، ولذلك فلابد من الالتفاف والمداورة بشن هذه الحملات على الأشخاص، وتجريدهم من مكانتهم في النفوس، وجعل صورهم تهتز في أنظار الناس من حولهم، حتى لا يكون هناك مثل أعلى يمكن النظر إليه، فيخلد الناس إلى اليأس، ويألفون القنوط حينما لا يسمعون عمن يقول: (لا إله إلا الله محمد رسول الله) إلا كل سمعة سيئة، ولا يعرفون عنه إلا الصورة ... المشوهة التي رسمها له خصومه، وتكون النتيجة لا فقدان الأمل بالأشخاص فقط؛ بل فقدان المبرر للتمسك بهذا الدين من حيث هو، إذ أنه دين صعب التطبيق، مكبل للنشاط الإنساني، داعٍ إلى الكسل والخمول. وتكون النتيجة النهائية أن هذا الدين هو المتسبب الأول والأخير في تخلف هذه الشعوب، لذلك لابد من القضاء على أثره في النفوس بشتى الطرق. ومن المستحسن -بعد أن حددنا ملامح من يُرْمَون بهذا الوصف- أن نشير إلى بعض السمات التي تربط بين من يستخدمونه. فهناك قدر مشترك بين الجميع، وهو: كراهية الإسلام والمسلمين بشكل عام. وهذه الكراهية إما أن تكون متوارثة لأن أصحابها يعيشون عقدة العيش على هامش المجتمع الإسلامي. وإما أن تكون مستحدثة نتيجة جهل أو تربية معوجَّة في دهاليز التبشير. وإما أن يكون الدافع إليها النفاق والحرص على الدنيا من منصب، أو مال، أو امتيازات. وهذا الصنف الأخير كثير بين صفوف المسلمين، وهو أشد الأصناف أثراً وأكثرها وقاحة وإصراراً في حشر مصطلحات أسياده في ثنايا كلامه بمناسبة أو غير مناسبة، وتكاد أهدافه القريبة وغاياته الشخصية تطل من بين ثنايا كلماته التي لا يريد بها بناء مبادئ تبقى وعقائد تترسخ، فشتان ما بينه وبين العقائد الباقية، والفرق بينه وبين الصنف الأول كالفرق بين الدعي الأفَّاق الوصولي وبين صاحب المبدأ. وقد كانت الفترة الذهبية لاستخدام هذا المصطلح هي فترة الخمسينات والستينات، وبدأ انحساره -إلا في أماكن قليلة- منذ مطلع العقد الثامن من هذا القرن، وهذا يعنى أنه قد استهلك، ومجه الناس، وفقد أثره، وذلك لشكهم وفقدانهم الثقة فيمن يستخدمه، ولتجنيه وعدم صحته في إنفاقه على من يُرمى به. وهاهنا لفتة لابد منها، فمحاولة زرع المصطلحات في الكيان الثقافي للأمة الإسلامية ليست أمراً جديداً، بل هو قديم. ومع ما نتج عن هذه المحاولات الملحة من نتائج سيئة إلا أن الفكر الإسلامي-بما فيه من أسباب المناعة- كان يلفظ كثيراً من هذه المصطلحات الغريبة ويسقطها بعدما تبين ما تُحدثه في كيان الأمة من أثر تخريبي ينعكس على كيانها المادي والفكري فرقة وبلبلة، ويعمل على عدم امتلاكها القدرة لا على البناء، ولا على دفع مسيرتها نحو المستقبل.

стр. 162

موقف أهل السنة والجماعة من العلمانية بقلم: محمد المصري من أجل بيان موقف أهل السنة والجماعة من العلمانية [١] هناك كلمة لا نحسب أنها تغيب عن ذهن القارئ الواعي بأمر هذا الدين، وإن كنا نخشى أن تكون قد تاهت -أو توارت- أثناء الصراع الدائر بين أهل السنة والجماعة والفرق المختلفة الضالة التي تنتسب لهذا الدين. إن أحد التحديات الخطيرة -إن لم تكن أخطر هذه التحديات على الإطلاق- والتي تواجه أهل السنة والجماعة في هذا العصر لَهِي إسقاط اللافتات الزائفة وكشف المقولات الغامضة وفضح الشعارات الملبسة، التي تتخفى وراءها العلمانية الكافرة التي تبث سمومها في عقول وقلوب أبناء هذه الأمة. ولفضح العلمانية ومواجهتها لابد أولاً أن يصل أمر المواجهة إلى المستوى المطلوب من الوضوح في نفوس أهل السنة.. فإنه بدون هذا الوضوح تعجز تجمعات أهل السنة -ويعجز علماؤها- عن أداء واجبها في هذه الفترة الحرجة، وتتأرجح هي أمام التجمعات الجاهلية -ومنها العلمانية-، حيث تحسبها تجمعات ليست بكافرة، وبالتالي تفقد تجمعات أهل السنة أهدافها الحقيقية بفقدانها لتحديد نقطة البدء في مواجهة هذه التجمعات الجاهلية من حيث تقف هذه التجمعات الجاهلية فعلاً، لا من حيث تزعم، والمسافة بعيدة بين الزعم والواقع.. بعيدة جداً. لابد من توضيح للحقائق وتحديد للمفاهيم: ونظراً لما أصاب كثيراً من التصورات الإسلامية من انحراف وغبش في أذهان الناس في هذا العصر، ولما يثيره أعداء الإسلام -الظاهرون منهم والمتسترون- من شبهات وأباطيل، فإن من الضروري أن يقوم أهل السنة والجماعة بتجلية تلك التصورات، وكشف هذه الشبهات في كلمة موجزة عن حقيقة العلمانية الكافرة، وبيان أن التوحيد الذي هو أعظم حقيقة في التصور الإسلامي - بل في الوجود كله- هو في الوقت ذاته أكبر نقيض للعلمانية. ومن ثَم كان لابد من معرفته حق المعرفة والتأكيد عليه في جميع مراحل الدعوة إلى الله، مع بيان سبيل إحياء الأمة في التمسك واتباع مناهج وأصول أهل السنة والجماعة، وإذا كان معنى (لا إله إلا الله) الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، وخير تعريف للطاغوت مما ذكره الإمام ابن القيم ﵀: «الطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما ... لا يعلمون أنه طاعة لله» [٢] . فإننا نستطيع القول بأن الشرك -الذي ظل عبر التاريخ محور الصراع بين الأمم والرسل- هو عبادة الطاغوت مع الله أو من دونه في أمرين متلازمين: أ - الإرادة والقصد. ب- الطاعة والاتباع. أما شرك الإرادة والقصد: فهو التوجه إلى غير الله تعالى بشيء من شعائر التعبد، كالصلاة والقرابين والنذور والدعاء والاستغاثة تبعاً للتبريرات الجاهلية المردودة القائلة: [مَا نَعْبُدُهُمْ إلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إلَى اللَّهِ زُلْفَى] [الزمر: ٣] ، وطاغوت هذا النوع قد يكون صنماً أو وثناً أو ميتاً أو جنيَّاً أو شيخاً.. الخ. وأما شرك الطاعة والاتباع: فهو التمرد على شرع الله تعالى، وعدم قبول حكمه وتحكيمه في شؤون الحياة بعضها أو كلها. وهو مفرق الطريق بين الإسلام والجاهلية، بين الإيمان والكفر، كما أنه السمة المشتركة بين الجاهليات كلها على مدار التاريخ، وبه استحقت أن تسمى جاهلية مهما بلغ ... ... شأنها في الحضارة والمعرفة، [أَفَحُكْمَ الجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ] [المائدة: ٥٠] .. [أَم ... ... لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ] [الشورى: ٢١] ، ... ... وطاغوت هذا النوع قد يكون زعيماً أو حاكماً أو كاهناً، أو قد يكون هيئة تشري عية أو أنظمة وأوضاع وتقاليد وأعراف، أو مجالس نيابية وبرلمانات وقوانين ... ودساتير وأهواء ... الخ. والواقع أن كلا النوعين من الشرك مردهما إلى أصل واحد وهو: تحكيم غير الله والتلقي عن غيره، فإن مقتضى تحكيمه وحده ألا تتوجه البشرية إلى غيره بأي نوع من أنواع العبادة والقربات، وألا تتوجه وتسير في حياتها كلها إلا وفق ما شرع لها في كتبه وعلى لسان رسله: [إنِ الحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ولَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ] [يوسف: ٤٠] ، فرد الأمر كله إلى الله واتخاذه وحده حكماً في كل شيء هو بعينه العبادة التي أمر الله ألا يصرف شيء منها لغيره، وهذا هو ذات الدين القيم الذي لا يرضى الله تعالى سواه، وإن جهله أكثر الناس على مدار التاريخ. إذا تقرر هذا، فكل ما يجابه هذه الحقيقة أو جزءاً منها فهو طاغوت في أي صورة كان، وفي أي عصر ظهر، ولا يكون الإنسان -فرداً أو مجتمعاً- شاهداً ألا إله إلا الله حقيقة إلا بالكفر بالطاغوت والبراءة منه وأهله. لابد من عبودية إما لله وإما لغيره: قال ابن تيمية ﵀ في رسالة العبودية: «إن الإنسان على مفترق طريقين لا ثالث لهما، فإما أن يختار العبودية لله، وإما أن يرفض هذه العبودية فيقع لا محالة في عبودية لغير الله» [٣] وكل عبودية لغير الله كبرت أو صغرت هي في نهايتها عبادة للشيطان، [أَلَمْ أَعْهَدْ إلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ] [يس: ٦٠، ٦١] ، يشمل ذلك العرب الذين قال الله تعالى فيهم: [إن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلاَّ إنَاثاً وإن يَدْعُونَ إلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً] [النساء: ١١٧] ، ويشمل كذلك كل عبادة لغير الله على مدار التاريخ. لقد تغيرت ولاشك بعض مظاهر العبادة فلم يعد هناك تلك (الإناث) التي كان العرب في شركهم يعبدونها ولكن عبادة الشيطان ذاتها لم تتغير، وحلت محل الإناث القديمة أوثان أخرى، الدولة والزعيم والمذهب والحزب والقومية والعلمانية والحرية الشخصية والجنس ... الخ. عشرات من الإناث الجديدة غير تلك الإناث الساذجة البسيطة التي كان يعبدها العرب في الجاهلية، تضفي عليها القداسات الزائفة، وتُعبد من دون الله، ويُطاع أمرها في مخالفة الله وفي تغيير خلق الله، وما تغيرت إلا مظاهر العبادة (تطورت) ! ! ولكن الجوهر لم يتغير، إنه عبادة الشيطان. ... وعلى ضوء هذا الفهم الإجمالي لمعنى الطاغوت والعبادة يتضح لنا المعنى الحقيقي لشهادة (لا إله إلا الله) الذي هو -كما سبق-: الكفر بالطاغوت، وإفراد الله تعالى وحده بالعبادة. وانطلاقاً من هذا المفهوم -الذي يعتبر في حقيقة الأمر من المعلوم من الدين بالضرورة عند أهل السنة والجماعة-؛ نستطيع أن نرى حكم الإسلام في العلمانية بسهولة ووضوح ونستطيع أن نصل بالقضية إلى المستوى المطلوب من الحسم والوضوح في نفوس أهل السنة اللازمين لفضح العلمانية ومواجهتها.. إن العلمانية باختصار: نظام طاغوتي جاهلي كافر، يتنافى ويتعارض تماماً مع شهادة (لا إله إلا الله) من ناحيتين أساسيتين متلازمتين: أولاً: من ناحية كونها حكماً بغير ما أنزل الله. ثانياً: من ناحية كونها شركاً في عبادة الله. إن العلمانية تعني -بداهة-: الحكم بغير ما أنزل الله، وتحكيم غير شريعة الله، وقبول الحكم والتشريع والطاعة والاتباع من طواغيت أخرى من دون الله، فهذا معنى قيام الحياة على غير الدين، ومن ثم فهي -بالبديهة أيضاً- نظام جاهلي، لا مكان لمعتقده ولا لنظامه ولا لشرائعه في دائرة الإسلام، بل هو كافر بنص القرآن الكريم: [ومَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ] [المائدة: ٤٤] ، فهل يبقى بعد هذا مجال للشك أو التردد في الحسم والوضوح اللازمين في نفوس أهل السنة اليوم تجاه العلمانية؟ الحق أنه لا مجال لشيء من ذلك، ولكن الغياب المذهل لحقائق الإسلام من العقول والقلوب، والغبش الكثيف الذي أنتجته الأفكار المنحرفة؛ هذا وذاك هما اللذان يجعلان كثيراً من الناس يثيرون شبهات متهافتة لم تكن لتستحق أدنى نظر لولا هذا الواقع المؤلم. فمن هذه الشبهات: استصعاب بعض الناس إطلاق لفظ الكفر أو الجاهلية على من أطلقهما الله تعالى عليه من الأنظمة والأوضاع والأفراد، بذريعة أن هذه الأنظمة -لاسيما العلمانية الديمقراطية- لا تنكر وجود الله، وبذريعة أن هذه الأنظمة العلمانية الديمقراطية لا تمانع في إقامة شعائر التعبد، وبحجة أن بعض أفراد الأنظمة العلمانية الديمقراطية يتلفظون بالشهادة، ويقيمون الشعائر من صلاة وصيام وحج وصدقة، ويحترمون من يسمونهم برجال الدين (!) ، ويحترمون المؤسسات الدينية.. الخ. وفي ظل هذه الشبهات المتهافتة المردودة يستصعب بعض الناس - ومنهم للأسف الشديد بعض من يرفع راية الدعوة الإسلامية اليوم- القول بأن الأنظمة العلمانية الديمقراطية أنظمة كافرة جاهلية، وأن المؤمنين بها المتبعون لها جاهليون؟ ومن الواضح أن الذين يلوكون هذه الشبهات لا يعرفون معنى (لا إله إلا الله) ، ولا مدلول (الإسلام) ، وهذا على فرض حسن الظن بهم، وهو ما لا يجوز في حق كثير من المثقفين، وبالذات بعض الذين يرفعون راية الدعوة ... الإسلامية اليوم ويتعللون بهذه العلل الواهية. إن تاريخ الدعوة الإسلامية وصراع أهل السنة والجماعة المرير عبر القرو ن، وإن القرآن الكريم كله من أوله إلى آخره ومثله السنة المطهرة لتقطع الطريق على هذه الشبهة وقائليها. هل تحمل الرسول ﷺ وأصحابه العنت والمشقة والحرب والجهاد ثلاثاً وعشرين سنة متوالية؟ ، وهل نزل القرآن الكريم موجهاً وآمراً وناهياً طوال هذه السنين من أجل أن يقول الجاهليون باللسان فقط.. لا إله إلا الله، ويقيموا الشعائر التي يمن دعاة العلمانية على الله أنهم يسمحون بها؟ ! ! وما الفرق بين قول قريش: (يا محمد: اعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة) ، وبين قول العلمانيين -لفظاً أو حالاً-: نعبد الله في المسجد، ونطيع غيره في المجالس التشريعية والبرلمان وفي القضاء والتجارة والسياسة؟ أهو شيء آخر غير أن قسمة أولئك زمنية، وقسمة هؤلاء مكانية أو موضوعية؟ يقول ابن كثير ﵀-في تفسير قوله تعالى: [أَفَحُكْمَ الجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ومَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ] : «ينكر الله تعالى على من خرج عن حكم الله المُحْكم، المشتمل على كل خيرٍ، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيز خان الذي وضع لهم (الياسق) - وهو عبارة عن: كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعاً متبعاً يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكِّم سواه في قليل ولا كثير» [٤] . وبناء على ما سبق يتضح أن تلك الشبهة، شبهة التلفظ بالشهادة وإقامة بعض الشعائر لا وزن لها ولا اعتبار، ذلك لأنه بعد أن نجحت الجاهلية -مؤقتاً- في تنحية شرع الله من أن يحكم حياة المسلمين في ديارهم، وحاول أعداء الإسلام إخراج المسلمين عن أصل دينهم إلى المذاهب الإلحادية والمادية، وبعد أن فشلوا في تنفيذ هذا المخطط وأصابهم اليأس من ذلك لجأوا -بعد التفكير والتدبير- إلى ما هو أخبث وأخطر؛ لجأوا إلى: اصطناع أنظمة تحكم بغير ما أنزل الله، وفي الوقت نفسه هي تدعي الإسلام وتظهر احترام العقيدة، فقتلوا إحساس الجماهير، وضمنوا ولاءها، وخدَّروا ضميرها، ثم انطلقوا يهدمون شريعة الله في مأمن من انتفاضتها. ولذلك لا يجرؤ أرباب هذه الأنظمة العلمانية الديمقراطية على التصريح بأنهم ملحدون أو لا دينيون، أو أنهم ضد شريعة الله، بينما يصرحون -مفتخرين- بأنهم ديمقراطيون مثلاً. وتبلورت مقالات العلمانيين وأفكارهم التي تعبر في جوهرها عن حقيقة الجاهلية، ولكنها وبخبث شديد وتدبير محكم تحاول أن تنتسب إلى الدين بتبجحٍ غريب ومكرٍ وضيع، وذلك حتى لا ينفر من هذه الأفكار جمهور المسلمين، فهم يريدون أن تسري العلمانية ببطء في عقول ونفوس جمهور المسلمين سريان السم البطيء الذي يودي بحياة صاحبه دون أن يتنبه له جسده. أنواع من الجاهليات: وهذه الرؤية تفيدنا في تقدير موقفنا، وفي تحديد طبيعة الدعوة الإسلامية كذلك يجب أن نعلم أن الجاهلية بعضها يتمثل في إلحاد بالله سبحانه وإنكار لوجوده.. فهي جاهلية اعتقاد وتصور كجاهلية الشيوعيين، وبعضها يتمثل في اعتراف مشوه بوجود الله سبحانه وانحراف في الشعائر التعبدية وفي الاتباع والطاعة، كجاهلية الوثنيين من الهنود وغيرهم.. وكجاهلية اليهود والنصارى كذلك. وبعضها يتمثل في اعتراف بوجود الله سبحانه وأداء للشعائر التعبدية، مع انحراف خطير في تصور دلالة شهادة (أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) ، ... ومع شرك كامل في الاتباع والطاعة، وذلك كجاهلية من يسمون أنفسهم (مسلمين) من العلمانيين، ويظنون انهم أسلموا واكتسبوا صفة الإسلام وحقوقه بمجرد نطقهم بالشهادتين وأدائهم للشعائر التعبدية، مع سوء فهمهم لمعنى الشهادتين، ومع استسلامهم لغير الله من العبيد.. وكلها جاهلية.. وكلها كفر بالله كالأولين.. أو شرك بالله كالآخرين. والعلمانية الديمقراطية تجعل العقيدة والشعائر لله وفق أمره، وتجعل الشريعة والتعامل لغير الله وفق أمر غيره.. وهذا هو الشرك في حقيقته وأصله. لأن الدارس لعقائد الجاهلية العربية يجد -من أول وهلة- أنها لم تكن تنكر وجود الله أبداً، بل كانت توحده في معظم أفعاله تعالى، كالخلق والرزق والتدبير والإحياء والإماتة، [ولَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ] [لقمان: ٢٥] . وكانوا يقرون بمشيئة الله النافذة في الكون وقدره الذي لا يرد؛ [سَيَقُولُ الَذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ولا آبَاؤُنَا ولا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ] [الأنعام: ١٤٨] ، وأنه يدبر الأمر، [ومَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ] [يونس: ٢٠] .. وكانوا يؤمنون بالملائكة، [وَقَالَ الَذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا المَلائِكَةُ] [الفرقان: ٣١] . وكان منهم من يؤمن بالبعث والحساب، كقول زهير: يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ... ليوم حساب، أو يعجل فينقم [٥] وكذلك كان لدى الجاهليين العرب بعض الشعائر التعبدية، منها: تعظيم البيت الحرام، وطوافهم حوله، ووقوفهم بعرفات، وتعظيم الأشهر الحرام. وكذلك ذبحهم ونذرهم لله كما في قصة نذر عبد المطلب، وإهدائهم للبيت الحرام، آوتخصيص شيء من الحرث والأنعام لله، [وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الحَرْثِ والأَنْعَامِ نَصِيباً] [الأنعام: ١٣٦] . ومن الناحية التشريعية: كانت الجاهلية العربية تقيم بعض الحدود، كحد السرقة، فقد ذكر الكلبي، والقرطبي في (تفسيره) : أن قريشاً كانت تقطع يد السارق [٦] ، وهو حد معروف في الشرائع السابقة- كما في حديث المخزومية وشفاعة زيد لها-، وشيء آخر سبقت -بل فاقت- به الجاهلية العربية الجاهليات اللادينية المعاصرة وهو: (حرية التدين) ، فكان منهم الحنفاء الذين يتعبدون ببقايا دين إبراهيم ﵇، وكان منهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وكان منهم عبدة الكواكب، وعباد الأوثان، وبعضهم كان يعبد الجن أو الملائكة. موقف الإسلام من الجاهليات بأنواعها: ولكن -وهذا هو المهم-، بماذا حكم الله على هذا المجتمع؟ إن الله تعالى حكم على هذه البيئة وعلى الواقع الأرضي حينئذ بأنها كفر وجاهلية، وعد تلك الأمور جميعهاً صفراً في ميزان الإسلام، ولذلك نشبت المعركة الطويلة بينهم وبين رسول الله ﷺ ، واشتد النزاع، معركة شرسة ونزاع حاد، حتى أن السيف كان الحكم الأخير. والشيء المثير أيضاً: أن موضوع هذه المعركة العنيفة الطويلة لم يكن سوى كلمة واحدة، هي كلمة: (لا إله إلا الله) ، كلمة يصر عليها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى أقصى حدود الإصرار، وترفضها الجاهلية إلى أبعد مدى للإنكار والرفض.. لماذا؟ .. لأنه منذ اللحظة الأولى حين دعاهم النبي ﷺ إلى شهادة (أن لا إله إلا الله) ، كان الجواب الفوري: [أَجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهاً واحِداً إنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ] [ص: ٥] ، فالقضية واضحة في أذهانهم: إن الالتزام بهذه الكلمة معناه الرفض الجازم والتخلي الكامل عن كل ماعدا الله من معبوداتهم وطواغيتهم المختلفة، طاغوت الأوثان وطاغوت الزعامة وطاغوت القبيلة وطاغوت الكهانة وطاغوت التقاليد.. الخ، والاستسلام الكامل لله ورد الأمر كله؛ جليله وحقيره وكبيره وصغيره.. إلى الله تعالى وحده لا شريك له. كذلك فإن بيننا اليوم -ممن يقولون: إنهم مسلمون- من يستنكر وجود صلة بين العقيدة والأخلاق وبخاصة أخلاق المعاملات المادية.. وبيننا اليوم حاصلون على الشهادات العليا من جامعاتنا وجامعات العالم يتساءلون أولاً في استنكار: ما للإسلام وسلوكنا الشخص؟ وما للإسلام والعري على الشواطئ؟ وما للإسلام وزي المرأة في الطريق؟ وما للإسلام وتصريف الطاقة الجنسية بأي سبيل؟ وما للإسلام وتناول كأس من الخمر لإصلاح المزاج؟ وما للإسلام وهذا الذي يفعله (المتحضرون) ؟ ، فأي فرق بين هذا وبين سؤال أهل مدين: [أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا] ... ... [هود: ٨٧] . وهم يتساءلون ثانياً، بل ينكرون بشدة وعنف أن يتدخل الدين في الاقتصاد، وأن تتصل المعاملات بالاعتقاد، أو حتى بالأخلاق من غير اعتقاد.. فما للدين والمعاملات الربوية؟ وما للدين والمهارة في الغش والسرقة ما لم يقعا تحت طائلة القانون الوضعي؟ وما للدين والسياسة والحكم؟ ، لا بل إنهم يتبجحون بأن الأخلاق إذا تدخلت في الاقتصاد تفسده! ! فلا يذهبن بنا الترفع كثيراً على أهل مدين في تلك الجاهلية الأولى؛ ونحن اليوم في جاهلية أشد جهالة، ولكنها تدعي العلم والمعرفة والحضارة، وتتهم الذين يربطون بين العقيدة في الله والسلوك الشخصي في الحياة والمعاملات المادية في السوق والسياسة والحكم.. تتهمهم بالرجعية والتعصب والجمود، وبعد أن استهلكت هذه الألفاظ أضافت الجاهلية اليوم وصفهم بالتطرف! ! أليس هذا هو بعينه ما يريده رافعو شعار (الدين لله والوطن للجميع) ... ... وشعار (لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين) من أدعياء الإسلام من العلمانيين أو ... غيرهم؟ إن من عادة المنافقين والزنادقة من المنتسبين لهذا الدين عدم الإنكار ... ... الصريح والواضح وعدم إظهار العداء السافر للإسلام، وهم يسعدون بسلاح ... ... التلبيس والتمويه للالتفاف حول المسلمين لحين المعركة الفاصلة، حتى يفاجئوا المسلمين على حين غرة، من أجل ذلك يرفع هؤلاء الزنادقة من العلمانيين ... ... وأشباههم شعارات يحاولون بها خداع أكبر عدد ممكن من المسلمين، وتهدئة ... نفوس القلة التي قد ساورتها الشكوك تجاه نوايا هؤلاء الذين يرفعون شعارات ... العلمانية، بينما يسعون بواقعهم العملي لاقتلاع الإسلام من جذوره ولكن رويداً ... رويداً! ! فارتفعت لذلك شعارات (المدرسة العقلانية) ، وشعار (حكم الشعب للشعب) ، وشعار (الحرية الشخصية) ، وشعار (الأمة مصدر السلطات) ، وشعار ... (حرية الثقافة والفكر) ، وحاول البعض منهم تهدئة بعض مشاعر الإسلاميين فرفعوا ... شعار: (تطوير الشريعة) ، (مرونة الشريعة لتلبية حاجات العصر) ، وشعار ... ... ... (تقنين الشريعة) ، وبعد أن نفد صبر بعضهم أعلنوها صريحة ورفعوا شعار ... (فصل الدين عن الدولة) ، و (لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين) ، ... و (الدين لله والوطن للجميع) ، و (دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله) أوَ ليس هذا أيضاً ما يطبقه الذين يجعلون للدين برامج تسمى برامج (روحية) ضمن ... ... أجهزة الإعلام الشيطانية والذين يجعلون أحكاماً للأحوال الشخصية ضمن ... قوانين الحكم الجاهلية، والذين يجعلون في كل صحفهم ومجلاتهم العلمانية ... الجاهلية صفحة يسمونها صفحة الفكر الديني؟ ! ويقولون: إن مكان الدين هو المسجد فقط، ويظهرون لعامة المسلمين أنهم يحجون لبيت الله في العمر مرة، ويتعمدون إبرازها في أجهزة إعلامهم، بينما هم يقصدون بيوت أعداء الله ... شرقاً وغرباً كل حين، يتلقفون منهم المناهج، ويتلقون التشريعات والأوامر والنواهي والحلال والحرام! ! سؤال يبحث عن جواب محدد: إننا نتوجه بالسؤال إلى هؤلاء العلمانيين.. إلى كل من يدعي الإسلام من هؤلاء، فنقول: إذا أخرجنا -على سبيل التحكم- جزءاً من النشاط الإنساني في الحياة -إما السياسة وإما غيرها- عن دائرة الإسلام.. فمن أين نتلقى منهج وقيم وموازين وتشريعات هذا الجزء؟ وأياً ما كان الجواب فإن نتيجته ومؤداه واحد لا ريب فيه؛ التلقي عن غير الله والطاعة والاتباع لغير الله. والنتيجة هي الشرك بالله. وهل هناك صورة من صور الاعتراف بالشرك أصرح من هذه؟ أعني شرك الطاعة والاتباع! ! إنه شرك في عبادة الله، وإن كان الذين يمارسونه قد يجهلون معنى عبادة الله وحده، وما ذلك بغريب على الجاهليين، «فإن عدي بن حاتم ﵁- في الجاهلية لم يكن يتصور أن ذلك عبادة، فإنه لما دخل على رسول الله ﷺ ، (تلا - ﷺ قوله: [اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ ورُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ] ، فقال عدي -وكان نصرانياً-: يا رسول الله: لسنا نعبدهم، قال: أليس يحلون لكم ما حرم الله فتحلونه، ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ قال: بلى. قال النبي - ﷺ : فتلك عبادتهم» . [٧] قال ابن تيمية ﵀-تعليقاً على ذلك: «قد جعله الله ورسوله شركاً وإن لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون ... لهم» [٨] . نتائج لابد منها: إن العلمانية التي ولدت وترعرعت في أحضان الجاهلية لهي كفر بواح لا خفاء فيه ولا مداورة ولا التباس، ولكن الخفاء والمداورة والالتباس إنما يحدث عمداً من دعاة العلمانية أنفسهم، لأنهم يعلمون أنه لا حياة ولا امتداد لجاهليتهم في بلاد المسلمين إلا من خلال هذا التخفي والمداورة والتلبيس على جماهير المسلمين، وذلك من خلال راياتهم الزائفة التي تخفي حقيقة أمرهم وباطن دعوتهم عن المسلمين، وتلبس على العامة أمر دينهم وعقيدتهم، بل وتحفزهم ضد إخوانهم الصادقين الواعين بحقيقة هذا الصراع المنبهين إلى خطره الداهم على الدين وأهله. إن المعارك والجبهات التي تفتحها الفرق الضالة والمنتسبة لهذا الدين ضد أهل السنة والجماعة، وأخطرها دائما جبهة الرفض الباطنية. والتي تغذيها وتدعمها القوى والمعسكرات الجاهلية العالمية لتدمير أهل السنة والجماعة - باعتبارهم الخطر الحقيقي والفعال ضد هذه القوى-، أقول: إن هذه المعارك ... وهذه الجبهات يجب أن لا ينسى معها أهل السنة والجماعة أن حصونهم لازالت ... مهددة من داخلها، وأن القوى العلمانية المتكتلة ضدهم من الداخل والتي تصارعهم في معارك خافية - غالبا ً- وسافرة -أحياناً - هي التي تمثل الآن جوهر الصراع القائم بين الإسلام والجاهلية في العصر الحديث. وإن أخطر مراحل هذا الصراع هي: مرحلة تعرية هذه القوى العلمانية القبيحة وفضحها أمام المسلمين؛ ليستبين لكل مسلم سبيل المجرمين الذين يحاولون خداعهم وتلبيس أمر دينهم عليهم وهم لا يعلمون. أما آن لأهل السنة والجماعة أن يتنبهوا لهذه الأخطار الماحقة في الداخل والخارج، والتي تهددهم في دنياهم وآخرتهم؟ أما آن لهم أن يتكتلوا هم أيضاً دفاعاً عن وجودهم وعقيدتهم ضد تجمعات الجاهلية الشرسة؟ . أما آن لهم -أو لكثير منهم- أن يتخلوا عن معاركهم الوهمية وخلافاتهم الجانبية والشكلية ليفرغوا طاقاتهم، ويركزوا جهودهم المشتركة -المادية والمعنوية- لمواجهة هذه التحديات التاريخية والمعارك الفاصلة الحقيقية والجذرية؟ أما آن لهم هذا؟ ؛ [أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ومَا نَزَلَ مِنَ الحَقِّ] [الحد يد / ١٦] . نسأل الله الهدى والرشاد، فمنه وحده التوفيق والسداد وهو على كل شيء قدير.

стр. 163

طبقات كتب الحديث [١] شاه ولي الله الدهلوي اعلم أنه لا سبيل لنا إلى معرفة الشرائع والأحكام إلا خبر النبي -صلى الله عليه وسلم-، بخلاف المصالح، فإنها قد تدرك بالتجربة والنظر الصادق والحدس، ونحو ذلك، ولا سبيل لنا إلى معرفة أخباره ﷺ إلا تلقي الروايات المنتهية إليه بالاتصال والعنعنة، سواء كانت من لفظه - صلى الله عليه وسلم -، أو كانت أحاديث موقوفة قد صححت الرواية بها عن جماعة من الصحابة والتابعين، بحيث يبعد إقدامهم على الجزم بمثله لولا النص أو الإشارة من الشارع، فمثل ذلك رواية عنه ﷺ دلالة. وتلقي تلك الروايات لا سبيل إليها في يومنا هذا إلا تتبع الكتب المدونة في علم الحديث، فإنه لا يوجد اليوم رواية يعتمد عليها غير مدونة. وكتب الحديث على طبقات مختلفة، ومنازل متباينة، فوجب الاعتناء بمعرفة طبقات كتب الحديث. فنقول: هي باعتبار الصحة والشهرة على أربع طبقات، وذلك لأن أعلى أقسام الحديث ما ثبت بالتواتر، وأجمعت الأمة على قبوله والعمل به، ثم ما استفاض من طرق متعددة لا يبقى معها شبهة يعتد بها، واتفق على العمل بها جمهور فقهاء الأمصار، أو لم يختلف فيه علماء الحرمين خاصة، فإن الحرمين -محل الخلفاء الراشدين في القرون الأولى ومحط رحال العلماء طبقة بعد طبقة- يبعد أن يسلموا منهم الخطأ الظاهر، أو كان قولاً مشهوراً معمولاً به في قطر عظيم، مروياً عن جماعة عظيمة من الصحابة والتابعين، ثم ما صح أو حسن سنده وشهد به علماء الحديث ولم يكن قولاً متروكاً؛ لم يذهب إليه أحد من الأمة. أما ما كان ضعيفاً، أو موضوعاً، أو منقطعاً، أو مقلوباً في سنده، أو متنه، أو من رواية المجاهيل، أو مخالفاً لما أجمع عليه السلف، طبقة بعد طبقة، فلا سبيل إلى القول به. فالصحة: أن يشترط مؤلف الكتاب على نفسه إيراد ما صح أو حسن، غير مقلوب، ولا شاذ ولا ضعيف، إلا مع بيان حاله، فإن إيراد الضعيف مع بيان حاله لا يقدح في الكتاب. والشهرة: أن تكون الأحاديث المذكورة فيها دائرة على ألسنة المحدثين قبل تدوينها وبعد تدوينها، فيكون أئمة الحديث -قبل المؤلف- رووها بطرق شتى، وأوردوها في مسانيدهم ومجاميعهم، وبعد المؤلف اشتغلوا برواية الكتاب، وحفظه، وكشف مشكله، وشرح غريبه، وبيان إعرابه، وتخريج طرق أحاديثه، واستنباط فقهها، والفحص عن أحوال رواتها طبقة بعد طبقة، إلى يومنا هذا، حتى لا يبقى شيء مما يتعلق به غير مبحوث عنه، إلا ما شاء الله، ويكون نقاد الحديث قبل المصنف وبعده وافقوه في القول بها، وحكموا بصحتها وارتضوا رأي المصنف فيها، وتلقوا كتابه بالمدح والثناء. ويكون أئمة الفقه لا يزالون يستنبطون منها، ويعتمدون عليها، ويعتنون بها، ويكون العامة لا يخلون عن اعتقادها وتعظيمها. وبالجملة: فإذا اجتمعت هاتان الخصلتان وكملا في كتاب كان من الطبقة الأولى ثَمَّ وثَمَّ، وإن فقدتا رأساً لم يكن له اعتبار، وما كان أعلى حد في الطبقة الأولى فإنه يصل إلى حد التواتر، ومادون ذلك يصل إلى الاستفاضة ثم إلى الصحة القطعية - أعني: القطع المأخوذ في علم الحديث المفيد للعمل - والطبقة الثانية إلى الاستفاضة، أو الصحة القطعية، أو الظنية.، وهكذا ينزل الأمر. فالطبقة الأولى: منحصرة بالاستقراء في ثلاث كتب: الموطأ، وصحيح البخاري، وصحيح مسلم. قال الشافعي: أصح الكتب بعد كتاب الله موطأ مالك، واتفق أهل الحديث على أن جميع ما فيه صحيح على رأي مالك ومن وافقه، وأما على رأي غيره فليس فيه مرسل ولا منقطع إلا قد اتصل السند به من طرق أخرى، فلا جرم أنها صحيحة من هذا الوجه، وقد صنف في زمان مالك موطآت كثيرة في تخريج أحاديثه ووصل منقطعه، مثل كتاب ابن أبي ذئب، وابن عيينة، والثوري، ومعمر، وغيرهم، ممن شارك مالكاً في الشيوخ، وقد رواه عن مالك بغير واسطة أكثر من ألف رجل، وقد ضرب الناس فيه أكباد الإبل إلى مالك من أقاصي البلاد، كما كان النبي ﷺ ذكره في حديثه [٢] ، فمنهم المبرزون من الفقهاء: كالشافعي، ومحمد بن الحسن، وابن وهب، وابن القاسم، ومنهم نحارير المحدثين: كيحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الرزاق، ومنهم الملوك والأمراء: كالرشيد، وابنيه، وقد اشتهر في عصره حتى بلغ على جميع ديار الإسلام، ثم لم يأت زمان إلا وهو أكثر له شهرة، وأقوى به عناية، وعليه بنى فقهاء الأمصار مذاهبهم، حتى أهل العراق في بعض أمرهم، ولم يزل العلماء يخرجون أحاديثه، ويذكرون متابعاته وشواهده، ويشرحون غريبه، ويضبطون مشكله، ويبحثون عن فقهه، ويفتشون عن رجاله إلى غاية ليس بعدها غاية، وإن شئت الحق الصراح فقس كتاب الموطأ بكتاب الآثار لمحمد والأمالي لأبي يوسف تجد بينه وبينهما بُعد المشرقين، فهل سمعت أحداً من المحدثين والفقهاء تعرض لهما واعتنى بهما؟ وأما (الصحيحان) : فقد اتفق المحدثون على أن جميع ما فيهما من المتصل المرفوع صحيح بالقطع، وأنهما متواتران إلى مصنفيهما، وأنه كل من يهون أمرهما فهو مبتدع متبع غير سبيل المؤمنين. وإن شئت الحق الصراح فقسهما بكتاب ابن أبي شيبة، وكتاب الطحاوي، ومسند الخوارزمي، وغيرهما؛ تجد بينها وبينهما بُعد المشرقين. وقد استدرك الحاكم عليهما أحاديث هي على شرطهما ولم يذكراها، وقد تتبعت ما استدركه فوجدته قد أصاب من وجه ولم يصب من وجه، وذلك لأنه وجد أحاديث مروية عن رجال الشيخين بشرطهما في الصحة والاتصال فاتجه استدراكه عليهما من هذا الوجه، ولكن الشيخين لا يذكران إلا حديثاً قد تناظر فيه مشايخهما، وأجمعوا على القول به والتصحيح له، كما أشار مسلم حيث قال: «لم أذكر هنا إلا ما أجمعوا عليه» . وجل ما تفرد به المستدرك كالموكا عليه [٣] ، المخفي مكانه في زمن مشايخهما، وإن اشتهر أمره من بعده، أو ما اختلف المحدثون في رجاله، فالشيخان كأساتذتهما كانا يعتنيان بالبحث عن نصوص الأحاديث في الوصل والانقطاع وغير ذلك، حتى يتضح الحال، والحاكم يعتمد في الأكثر على قواعد مخرجة من صنائعهم كقوله: زيادة الثقات مقبولة، وإذا اختلف الناس في الوصل والإرسال والوقف والرفع وغير ذلك، فالذي حفظ الزيادة حجة على من لم يحفظ، والحق أنه كثيراً ما يدخل الخلل في الحفاظ من قبل الموقوف ووصل المنقطع، لاسيما عند رغبتهم في المتصل المرفوع، وتنويههم به، فالشيخان لا يقولان بكثير مما يقوله الحاكم. والله أعلم. وهذه الكتب الثلاثة التي اعتنى القاضي عياض في المشارق [٤] بضبط مشكلها ورد تصحيفها. الطبقة الثانية: كتب لم تبلغ مبلغ الموطأ والصحيحين، ولكنها تتلوها، كان مصنفوها معروفين بالوثوق والعدالة والحفظ والتبحر في فنون الحديث، ولم يرضوا في كتبهم هذه بالتساهل فيما اشترطوا على أنفسهم، فتلقاها من بعدهم بالقبول، واعتنى بها المحدثون والفقهاء طبقة بعد طبقة، واشتهرت فيما بين الناس، وتعلق بها القوم شرحاً لغريبها، وفحصاً عن رجالها، واستنباطاً لفقهها. وعلى تلك الأحاديث بناء عامة العلوم كسنن أبي داود وجامع الترمذي ومجتبى النسائي، وهذه الكتب مع الطبقة الأولى اعتنى بأحاديثها (رزينٌ) في (تخريج الصحاح) ، و (ابن الأثير) ... في (جامع الأصول) ، وكاد (مسند أحمد) يكون من جملة هذه الطبقة، فإن الإ مام أحمد جعله أصلاً يعرف به الصحيح والسقيم، قال: ما ليس فيه فلا تقبلوه. الطبقة الثالثة: مسانيد وجوامع ومصنفات صنفت قبل البخاري ومسلم، وفي زمانهما، وبعدهما، جمعت بين الصحيح، والحسن، والضعيف، والمعروف، والغريب، والشاذ، والمنكر، والخطأ، والصواب، والثابت، والمقلوب، ولم تشتهر في العلماء ذلك الاشتهار، وإن زال عنه اسم النكارة المطلقة، ولم يتداول ما تفردت به الفقهاء كثير تداول، ولم يفحص عن صحتها وسقيمها المحدثون كثير فحص منه، ما لم يخدمه لغوي لشرح غريب، ولا فقيه بتطبيقه بمذاهب السلف، ولا محدِّث ببيان مشكله، ولا مؤرخ بذكر أسماء رجاله - ولا أريد المتأخرين المتعمقين، وإنما كلامي في الأئمة المتقدمين من أهل الحديث -، فهي باقية على استتارها واختفائها وخمولها، كمسند أبى يعلى، ومصنف عبد الرزاق، ومصنف أبى بكر بن أبى شيبة، ومسند عبد بن حميد، والطيالسي، وكتب البيهقي، والطحاوي، والطبراني، وكان قصدهم: جمع ما وجدوه، لا تلخيصه وتهذيبه وتقريبه من العمل. والطبقة الرابعة: كتب قصد مصنفوها بعد قرون متطاولة جمع ما لم يوجد في الطبقتين الأوليين، وكانت في المجاميع والمسانيد المختفية، فنوَّهوا بأمرها، وكانت على ألسنة من لم يكتب حديثه المحدثون، ككثير من الوعاظ المتشدقين، وأهل الأهواء، والضعفاء، أو كانت من آثار الصحابة والتابعين، أو من أخبار بني إسرائيل، أو من كلام الحكماء والوعاظ، خلطها الرواة بحديث النبي ﷺ سهواً أو عمداً، أو كانت من محتملات القرآن والحديث الصحيح، فرواها بالمعنى قوم صالحون لا يعرفون غوامض الرواية، فجعلوا المعاني أحاديث مرفوعة، أو كانت معاني مفهومة من إشارات الكتاب والسنة جعلوها مستبدة برأسها [٥] عمداً، أو كانت جملاً شتى في أحاديث مختلفة جعلوها حديثاً واحداً بنسق واحد، ومظنة هذه الأحاديث كتاب: الضعفاء لابن حبان، وكامل ابن عدي، وكتب الخطيب، وأبى نعيم، والجوزقاني، وابن عساكر، وابن النجار، والديلمي، وكاد مسند الخوارزمي يكون من هذه الطبقة، وأصلح هذه الطبقة ما كان ضعيفاً محتملاً، وأسوؤها ما كان موضوعاً أو مقلوباً شديد النكارة. وهذه الطبقة مادة كتاب (الموضوعات) لابن الجوزي. وهاهنا طبقة خامسة: منها ما اشتهر على ألسنة الفقهاء، والصوفية، والمؤرخين، ونحوهم، وليس له أصل في هذه الطبقات الأربع، ومنها ما دسه الماجن في دينه العالم بلسانه، فأتى بإسناد قوي لا يمكن الجرح فيه، وكلام بليغ لا يبعد صدوره عنه -صلى الله عليه وسلم-، فأثار في الإسلام مصيبة عظيمة، لكن الجهابذة من أهل الحديث يوردون مثل ذلك على المتابعات والشواهد فتهتك الأستار، ويظهر العوار. أما الطبقة الأولى والثانية: فعليهما اعتماد المحدثين، وحول حماهما مرتعهم ومسرحهم وأما الثالثة: فلا يباشرها للعمل عليها والقول بها إلا النحارير الجهابذة الذين يحفظون أسماء الرجال وعلل الأحاديث، نعم ربما يؤخذ منها المتابعات والشواهد، و [قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً] ، وأما الرابعة: فالاشتغال بجمعها أو الاستنباط منها نوع تعمق من المتأخرين. وإن شئت الحق فطوائف المبتدعين من الرافضة والمعتزلة وغيرهم يتمكنون بأدنى عناية أن يلخصوا منها شواهد مذاهبهم، فالانتصار بها غير صحيح في معارك العلماء بالحديث، والله أعلم.

стр. 164

التوحيد مفتاح دعوة الرسل بقلم: عثمان جمعة ضميرية لقد أكرم الله تعالى هذا الإنسان، وأعظم عليه المنَّة، عندما بعث إليه الرسل، وأنزل معهم الكتب والشرائع، التي تتفق مع فطرة هذا الإنسان، التي فطره الله تعالى عليها؛ من الإيمان بالله ، الخالق المعبود، الذي ... لا يستحق العبادة أحد سواه. ثم أكرم الله تعالى هذا الإنسان مرة أخرى، عندما ختم الرسالات السماوية برسالة محمد ﷺ ، وتكفّل بحفظها وحفظ كتابها، حيث قال ... : [إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ] [الحجر: ٩] . وبذلك كانت رسالة نبينا محمد ﷺ هي الرسالة الوحيدة التي بقيت على أصولها المنزلة، محفوظة -بحفظ الله تعالى- من أي تغيير أو تحريف أو تبديل، وبذلك تم الحفاظ على دعوة التوحيد، نقية صافية، كما جاء بها جميع الرسل، عليهم الصلاة والسلام، إلى أن ختموا بمحمد -صلى الله عليه وسلم-، وقد جاؤوا جميعهم بدعوة الإسلام وكلمة التوحيد. والتوحيد: هو قاعدة كل ديانة جاء بها من عند الله تعالى رسولٌ. ويقرر ... الله هذه الحقيقة ويؤكدها، ويكررها في قصة كل رسول على ... حدة، كما يقررها في دعوة كل الرسل إجمالاً، على وجه القطع واليقين: [ولَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرُهُ] [المؤمنون: ٢٣] . [وإلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرُهُ] [الأعراف: ٦٥] . [وإلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرُهُ] [الأعراف: ٧٣] . وهي الكلمة نفسها التي تكررت على لسان شعيب وموسى وعيسى- عليهم الصلاة والسلام-، حتى أصبحت قاعدة عامة، قررها الله سبحانه ... وتعالى فقال: [ومَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إلاَّ نُوحِي إلَيْهِ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ أَنَا فَاعْبدُونِ] [الأنبياء: ٢٥] . [ولَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ] [النحل:٣٦] . فالتوحيد مفتاح دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهو أول ما يدخل به المرء في الإسلام، وأخر ما يخرج به من الدنيا، فهو أول واجب وآخر واجب. ولهذا قال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل-﵁-عندما بعثه إلى اليمن: «إنك تأتى قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه: عبادة الله وحده، وفي رواية: فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله، ، افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله تعالى، افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم وتُردُّ إلى فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك فإيّاك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» [اخرجه الشيخان] . وقال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله » [رواه الشيخان] . وفي هذا الحديث الشريف تفسير لقول الله تعالى: [فَإن تَابُوا وأَقَامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ] [التوبة: ٥] . والتخلية في هذه الآية الكريمة، والعصمة في الحديث الشريف، الذي جاء قبلها، كلاهما بمعنى واحد. فكل الرسل، عليهم الصلاة والسلام، قد أدركوا حقيقة (التوحيد) وكلهم بعثوا بها، وكلّهم دعا إلى عبادة الله الواحد، دعا إلى الحقيقة التي تلقاها وأُمر بها كما أُمر أن يبلغها، وقد نهضوا جميعا -عليهم الصلاة والسلام- بذلك؛ لإيمانهم المطلق بكونها الحقيقة الصادرة إليهم من الله تعالى وحده، ومن ثم كان هناك مصدر واحد لا يتعدد، يتلقى منه البشر التصور الصادق، الكامل الشامل لحقيقة الوجود كله، هذا المصدر هو الذي أنزل على خاتم رسل الله تعالى محمد- ﷺ ، هذا الكتاب، القرآن الكريم، أنزله بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه. وهو كتاب واحد في حقيقته، وهو تصور واحد في قاعدته: رب واحد، وإله واحد، ومعبود واحد، مشرع واحد لبني الإنسان، فالله تعالى هو الذي خلق، فهو الذي يشرع ويأمر وينهى، ومنه نستمد جميع الأحكام من حلال وحرام: [أَلا لَهُ الخَلْقُ والأَمْرُ] [الأعراف: ٥٤] . [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُم لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ] [البقرة: ٢١-٢٢] . وإن التوحيد المطلق لله ، يقتضي توحيد دينه الذي أرسل به الرسل، عليهم الصلاة والسلام، للبشر جميعاً، وتوحيد رسله الذين حملوا هذه الأمانة، والرسالة للناس، ولذلك عبر الله تعالى عمن يريدون التفرقة بين الله ورسله، وعمن يريدون التفرقة بين الرسل -بأن يؤمنوا ببعض ويكفروا ببعض- عبَّر عن هؤلاء وعن هؤلاء أيضاً بأنهم [هُمُ الكَافِرُونَ حَقاً] ، فقال الله، سبحانه وتعالى: [إنَّ الَذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ويُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ ويُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُوْلَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ حَقاً وأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً] [النساء: ١٥٠-١٥١] . وما ذلك إلا لأن التوحيد هو الأساس اللائق بتصور المؤمن لله سبحانه وتعالى، كما أنه هو الأساس اللائق بوجود منظَّم غير متروك للتعدد والتصادم، والفوضى والعبث، ولأنه هو العقيدة اللائقة بإنسان يرى وحدة الناموس والسنن، في هذا الوجود أينما امتد بصره، وهو أيضاً التصور الكفيل بضم جميع المؤمنين في موكب واحد يقف أمام صفوف الكفر، وفي حزب واحد يقف أمام حزب الشيطان.. ولكن هذا الصف الواحد، هو صف المؤمنين حقاً بالله ، وصف أصحاب العقيدة الصحيحة، التي لم يدخلها تحريف ولا انحراف، عقيدة التوحيد التي جاء بها محمد ﷺ وتكفل الله تعالى بحفظها، ومن ثم كان الإسلام هو دين التوحيد، الذي لا يقبل الله تعالى من البشر ديناً غيره، لأنه هو الدين الحق: [إنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإسْلامُ] [ال عمران: ١٩] [ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ] [ال عمران: ٨٥] .

стр. 165

خواطر في الدعوة المسلم وأغلال البيئة محمد العبدة إن مما تتطلع إليه همة المسلم ويراه من أوجب الواجبات العودة بالناس إلى هذا الدين الذين ارتضاه الله، وتطبيقه في حياتهم تطبيقاً عملياً، والمسلم عندما يريد ذلك لابد أن يرتفع بالناس إلى مستوى الإسلام، ولابد لمن يقوم بمثل هذه المهمة العظيمة أن ينتزع نفسه من الآثار السلبية للبيئة المحيطة به حتى يستطيع انتشال الناس مما هم عليه من الهوى واتباع العادات والمألوف، وحب الدنيا والانغماس فيها. ولكن كيف يقوم بهذه المهمة إذا كان مكبلاً بالواقع غارقاً فيه؟ إننا - في الحقيقة - نحمل في عقلياتنا وتصرفاتنا آثار البيئة التي عشنا فيها، بسلبياتها وإيجابياتها، بيئة المنزل والمدرسة، بيئة الشارع والمجتمع، بل وبيئة النظم السياسية والاقتصادية التي حولنا، وهذا من الأمراض الخفية التي لا ينتبه لها، لأننا لم نتعود النظر إلى مشكلاتنا بعمق وتبصر، للابتعاد عن مواطن الضعف والخلل، أو على الأقل النظر بين كل مرحلة وأخرى لمعرفة السلبيات التي تعوقنا. قد يكون المجتمع الذي يعيش فيه المسلم مجتمعاً تعود على الإسراف في إنفاق المال، دون حساب أو تخطيط أو تدبير ولا يستفاد من هذا المال بتوظيفه في طرق الخير التي تنفع الفرد والجماعة، يتأثر المسلم بهذه البيئة فينفق أحياناً على الكماليات أو المأكل والملبس والمسكن مالا يليق بالمسلم الداعية في مثل هذه الظروف الصعبة، ولهذا فهو لا يوفر جزءاً من دخله ليستثمره في وجوه الخير، ومع ذلك فهو يظن أنه لم يقدم على خطأ لأنه لا يعرف قيمة المال وأهميته في حياة الأمم وتقدمها، بل ربما ظن أن الكلام في التدبير والاقتصاد هو من قبيل الكلام في (الماديات) التي يترفع عنها، ولا يجب الخوض فيها، لأنه مشغول بأمور أهم من المال، ولقد نزل القرآن الكريم والعرب يتفاخرون بالكرم حتى وصلوا به إلى حد الإسراف فأرجعهم الله إلى حد الاعتدال، فقال: [ولا تَبْسُطْهَا كُلَّ البَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً] والحقيقة أنه رباهم تربية حضارية، وعلمهم أن المال هو من بعض مقومات الدول والحضارات، وإلا فهو التفاخر الفردي، وإن كان في الأصل هو خلق كريم. وقد يعيش المسلم في بيئة اجتماعية معينة، بيئة الريف والمدن أو البدو والحضر، أو بيئة الفقر والغنى، فماذا نجد؟ .. نجد أن المسلم يتصرف أحياناً بسذاجة وسطحية في تقويمه للناس، أو يتصرف بخديعة ومكر، وهو يظن أن هذا من الذكاء و (الشطارة) وينسى قول عمر بن الخطاب ﵁: (لست بالخب لكن الخب لا يخدعني) وكان الأولى أن يوجه مكره إلى أعداء الإسلام. وقد يعيش المسلم في بيئة الإقليميات الضيقة التي ابتليت بها مجتمعاتنا في العصر الحديث هذه الإقليميات النتنة التي لا تكتفي بأن يتعصب ويفخر أهل إقليم على إقليم آخر بل تصل إلى تعصب كل مدينة على أختها، وقد يقع المسلم في حبائل هذه الإقليمية دون أن يدري، فينظر للمسلمين الآخرين نظرة أهل بلده، وكلٌ يظن أن الآخرين لا يفهمون الإسلام مثل فهمه، وأنهم مقصرون وهو الحقيق بأن يعيد مجد الإسلام، وقد يأتي بهذه النظرة على شكل المزاح والطوائف، ولكنك تشعر أنه في داخله يحمل هذا المرض. والعجيب أن هذا المسلم يدعو إلى العالمية ، وهو يعتقد فعلاً أن دعوته عالمية وأن الإسلام لا يقبل هذا المنطلق الإقليمي -هذا مع أن الله قد بين أنه خلق الناس شعوباً وقبائل من أجل التعارف، لا من أجل التناكر والتناحر- وأن الإسلام جاء ليهدم هذه العصبية، وقد يقع المسلم في نوع من الجاهلية ولكنه إذا ذُكّر تذكر وآب إلى الحق، أو هكذا يجب أن يكون.

стр. 166

فقه الإسلام ودعوة للمراجعة البناءة (١) حاجة الدعاة المسلمين إلى المراجعة الدكتور: محمد رشاد خليل لا تشتد حاجة الدعاة المسلمين اليوم إلى شيء كما تشتد حاجتهم إلى المراجعة البناءة لحصاد جهودهم في مجال الدعوة الإسلامية. ذلك أن هذه المراجعة ضرورية اليوم لتصحيح أخطاء التجربة، ولتلافي أوجه القصور في العمل، وتلافي أسباب ما حدث عند البعض من فشلٍ، والعمل على توحيد الصفوف على خطة عمل تأخذ في حسابها كافة العوامل المؤثرة على سير الدعوة سلباً وإيجاباً، وتفرق بين الممكن والواجب، وتنسق بين الإمكانات والأهداف، وتعمل على رفع أسباب الاختلاف والفرقة التي يكون سببها: نقص العلم، وقلة الخبرة، وسوء التقدير، وسوء الفهم، وسوء الظن، وفرط الثقة، وعدم التخطيط، أو سوء التخطيط، وسوء التنفيذ. المخاطر التي تهدد الصحوة الإسلامية: وإنه مما يضاعف هذه الحاجة أن ما ذكرته أصبح يمثل تهديداً جدياً للصحوة الإسلامية المستهدفة أصلاً من أعداء أقوياء في الداخل والخارج قد أجمعوا أمرهم على إجهاضها وتصفيتها وضربها بكل الوسائل، ولقد نبهت منذ سنوات في مقالات عدة إلى هذا الخطر، وحذرت من مغبة تجاهله، وحذرت من أن أجهزة الرصد والمراقبة في الشرق والغرب وتوابعها في العالم الإسلامي تعكف على دراسة المد الإسلامي، وأن هناك سيلاً من الدراسات والتحليلات التي تتناول ظاهرة البعث الإسلامي تتدفق من مختلف الاتجاهات، وأن هذه الدراسات والتحليلات تتسم بالإثارة والتحريض والتخويف والتشويه، وأن مسئولين على أعلى مستوى في الإدارة الأمريكية لا يكُّفون عن التحذير من هذا المد حيناً، وتوعده حيناً، والدعوة إلى احتوائه حيناً. وفي مقابلة أجرتها مجلة (يو. إس. نيوز) مع مستشار الأمن الأمريكي وقتها (ربنجيوا بريزنسكي) قال (بريزنسكى) كلاماً خطيراً جداً هذا نص ترجمته. «أولاً ينبغي أن نعلم أن العالم الإسلامي بعد مئات من السنين التي قضاها في التبعية الأجنبية المباشرة بدأ يدخل في طور اليقظة الدينية والسياسية، وهذه اليقظة والانتفاضة يمكن أن تتخذ مظاهر إيجابية أو سلبية، ومن الواضح أن المصلحة الأمريكية تقضي أن تكون هذه المظاهر إيجابية» . والذي يقصده (بريزنسكي) من الإيجابية هو احتواء هذه اليقظة، وتوجيهها لخدمة المصالح الأمريكية، أما كيف يمكن احتواء هذه اليقظة وتوجيهها لخدمة المصالح الأمريكية فذلك أسلوب غربي درجت عليه الدوائر الاستعمارية، وبرعت فيه، ولا يجب التقليل من قيمة هذا التوجيه، أو الاستخفاف بمراميه لأن الدوائر الاستعمارية تملك من إمكانات التوجيه والتحكم الشيء الكثير؛ فقد يكون من أساليب ذلك التوجيه دفع الحركة الإسلامية -دون وعي منها- إلى اتجاهات تشتت جهدها، وتستفرغ طاقتها، وقد يكون منها شغلها بمعارك جانبية، أو أهداف وهمية. ولقد رأينا كيف تحول العداء الموجه إلى السياسة الأمريكية وعملائها -بعد غزو روسيا لأفغانستان- إلى روسيا، مما دفع بعض المحللين إلى القول بأن الغزو الروسي لأفغانستان تم بتنسيق مقبوض الثمن بين أمريكا والروس.. ونحن لا نريد أن نتوه في متاهة التحليلات التي كثيراً ما تكون هي نفسها موجهة، ولكن الذي نريد أن ننبه إليه هو أن جعبة الاستعمار تحوي الكثير من المفاجآت والأساليب والخطط. وسواء كان غزو أفغانستان بتنسيق مشترك بين الأمريكان والروس أو لم يكن فمن المهم أن نعرف أن التخطيط لا يمكن مواجهته بالارتجال والاستنتاجات العفوية، وإنما يواجه بتخطيط علمي منظم يدرس كافة الاحتمالات، ويستوعب الصورة من جوانبها المختلفة، ويقدر لكل حالة ما يلائمها. ونحن لا نشك لحظة في المصلحة المشتركة بين الشرق والغرب في ضرب الصحوة الإسلامية، وانهما معاً ومن خلفهما الدول الدائرة في فلكهما -سواء تم تنسيق أم لم يتم- يستخدمون كل ما يملكون لمنع قيام قوة إسلامية لها وجود عالمي مؤثر في توازن القوى الاستعمارية بأي حال من الأحوال، ولا يجب أن يغيب عن وعينا لحظة واحدة أن هذه القوى تملك من وسائل التوجيه والتأثير في العالم الإسلامي الشيء الكثير، وإنها عند الضرورة لن تتورع عن التدخل السافر المكشوف، ومن هنا يتحتم على الحركة الإسلامية أن يكون لها عقلها الواعي المدبر، القادر على التخطيط الواعي المنظم. إن فرصتنا باتساع مدى الصحوة الإسلامية، والعجز الظاهر حالياً عن احتوائها وتدجينها لا يجوز أن يشغلنا لحظة واحدة عن الخطر ومداه وإمكاناته، كما لا يجب أن نغفل لحظة واحدة عن أن الصحوة الإسلامية تواجه أعداء أقوياء مدربين على العمل المخطط والمنظم، ولهم يد طويلة في كل ركن من أركان العالم الإسلامي، ولهم وسائل تأثير وعمل نشطة وقوية وراءها رصيد هائل من الخبرة والتجربة. إجهاض الصحوة الإسلامية أخطر من نكبة الأندلس: إن إجهاض الصحوة لو حدث فسوف يكون كارثة أشد هولاً بما لا يقاس من نكبة الأندلس، لأن نكبة الأندلس وإن تمثلت في عملية استئصال بشعة، إلا أنها كانت محصورة في طرف، ولم تشمل الأمة كلها، أما خطر إجهاض الصحوة فإنه يهدد مستقبل الأمة الإسلامية كلها بل يهدد وجودها كله، ذلك لأنه سيجعل الطريق خالياً تماماً من أي عوائق لتكمل العلمانية مهمتها التي تمارسها بجد ونشاط منذ أكثر من قرن من الزمان، هذه المهمة التي تتمثل في إنهاء الوجود الإسلامي تماماً وتبديل الإسلام وليس مجرد تحريفه ديناً آخر يكون مطية للعلمانية وأداة من أدواتها، وجزءاً من الشكل العام الذي صاغت فيه نفسها، هذا إذا كتبت الغلبة للعلمانية الغربية التي حافظت على الدين بمفهومها الخاص كجزء من الشكل (الديكور) الخاص بها لأنها تزعم أنها تؤمن بحرية العقيدة -بمفهومها الخاص طبعاً للعقيدة- ضمن منظومتها الخاصة بها في الحرية والتي تحرص على أن تكون سمتها التي تميزها عن العلمانية الشرقية أي الشيوعية. أما إذا كتبت -ونعوذ بالله من كلا الحالتين- الغلبة للعلمانية الشرقية أي الشيوعية، فإنها سوف تتعامل مع الإسلام كبقايا متخلفة من عصور تجاوزها التطور (ديالكتيك الطبيعة) كما يقولون. وهؤلاء لا يريدون الدين كشكل (ديكور) لأن نظامهم يقوم على الإلحاد كعقيدة ولا يؤمنون بالمفهوم الغربي للحرية، ويرون الدين مظهراً من مظاهر التخلف التي يجب التخلص منها نهائياً.. إنني لا أتكلم هنا عن تصور مستقبلي لشكل الكارثة، وإنما أتكلم عن بوادر لها واقع حقيقي في العالم الإسلامي سواء فيما يتعلق بالعلمانية الغربية أو العلمانية الشرقية. العلمانية هي الخطر الحقيقي الذي يهدد الوجود الإسلامي: إن الحقيقة التي يجب أن نستوعبها استيعاباً عميقاً يحرك في أعماقنا إحساساً متكافئاً بالخطر، هي أن العلمانية بشقيها أو بشطريها هي الخطر الحقيقي الذي يهدد الوجود الإسلامي تهديداً مباشراً، ذلك لأن العلمانيين يعلمون أكثر مما نعلم نحن - مع شديد الأسف- أن التهديد الحقيقي للعلمانية لا يتمثل في شيء على المدى الطويل كما يتمثل في الإسلام، لأن الإسلام وحده هو الذي يملك إمكانات حقيقية (علمية وعملية وتنظيمية) لمواجهة العلمانية والتصدي لها، إن قوة الإسلام تتمثل -كما يعرف هؤلاء بأكثر مما نعرف نحن (مع شديد الأسف) - في أساسه العلمي الراسخ الذي لا توجد فيه أي ثغرة من ثغرات الضعف الذي يتمثل في جزء خرافي أو أسطوري أو تلفيقي كما هو شأن الأديان الأخرى، وهي الثغرات التي أمكن للعلمانية أن تستغلها عند الأديان الأخرى لتضربها في مقتل ... إنهم يعلمون أكثر مما نعلم نحن -وياللحسرة- أن الإسلام لم يعتمد قط على أي عنصر خرافي أو أسطوري للترويج لنفسه. وأن قوته الهائلة إنما استمدها من الطرح العلمي الخالص الذي استقطب عقول العقلاء، الذين دانوا له بالطاعة، والذين كان ليقينهم العلمي الراسخ بأن الإسلام حق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، هذه القوة الدافقة الهائلة التي لا يعرف التاريخ لها نظيراً، وأنهم إذا كانوا قد حاربوا الدين في الغرب أو الشرق باسم العلم فإن هذا الدين لو نجحت الصحوة الإسلامية في إعادة عرضه بدءاً مما ألحقه به الجهلاء بل والأعداء المخربون من خرافات وأساطير، فإنه سوف يستعيد سلطانه الساحق على العقول التي تؤمن بالعلم، وهو السلطان الذي دانت له ومن أجله العقول في الماضي، ودانت لهم الدنيا من بعد بفضل تمسكهم به؛.. ويومها لن تستطيع قوة في الأرض أن تقف في وجهه لا باسم العلم، ولا باسم العقل ولا باسم أي شيء آخر. مسئولية الدعاة عن توجيه الصحوة: لذا فإن الدعاة مسئولون أمام الله تعالى مسئولية كبرى عن توجيه الصحوة وحمايتها، إن هذه الصحوة في أشد الحاجة إلى القيادة المؤمنة الواعية التي تستطيع توجيهها إلى العمل الصائب الذي يُجَنّبْهَا المخاطر، ويجعلها على وعي بالفخاخ المنصوبة على كل خطوة في الطريق.. إن أكثر ما يملأ النفس حسرة وأسى هو رؤيتها للنيران التي توقد للشباب المسلم في كل مكان، لقد حدثنا القرآن الكريم عن أخدود واحد من الأخاديد التي حفرها الطغاة ليحرق فيها المؤمنون، ودعانا إلى أن نلعن هؤلاء الطغاة، بل علمنا كيف نلعنهم فقال تعالى: [قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الوَقُودِ * إذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * ومَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إلاَّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ واللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ] [البروج: ٤-٩] . إن القرآن الكريم لا يعرض علينا صورة من الماضي نتسلى بها، ولا يعرضها على المؤمنين ليتعزوا بها فقط إذا ابتلوا، وإنما يعرضها علينا ليكشف لنا عن النهج الطاغوتي في مواجهة المؤمنين، وليبين لنا أن الطواغيت لا تتردد مطلقاً في أن تعمد إلى أبشع الوسائل لسحق الإيمان إذا شعرت أنه يعرض طاغوتيتها للخطر، وهو يكشف لنا في نفس الوقت عن حجم الإيمان المطلوب ليكافئ هذا الخطر الطاغوتي ويواجهه.. وهذا الإيمان المطلوب ليس هتافاً تشق به الحناجر عنان السماء، ولا هو كلمات لاهبة تصب لعناتها على الطغاة، إنه ثمرة جهد صبور معين واعٍ في التعليم والإعداد والتربية، والذين عاينوا وجربوا وواجهوا يعلمون علم اليقين أي نوع من الإيمان، وأي قدر من الإيمان هو المطلوب لمواجهة المحارق التي يَستنزل هَوْلها الحليم من علياء حلمه، ويستخرج الجلد الصبور من جلده وصبره. خطر استهلاك الشباب: وإنها لجريمة لا تَعْدلها جريمة أن يعبث عابث باسم الإسلام بشحن الشباب الغض الذي لم يستوِ على سوقه، ولم يستحصد عوده، ولم تكتمل أهبته، ثم يدفعه بجهل وغرور وحمق إلى المحارق التي قد تفتن هذا الشباب عن دينه، وما أكثر ما فتنت.. ثم ما أشد ظلم هؤلاء إذا ألقوا من بعد المسئولية على الشباب إذا فتنوا، وتاهوا، وضاعوا، بل وانقلبوا أحياناً حرباً على الإسلام، وأدوات في أيدي أعدائهم. ثم إنها لجريمة أخرى أن يحجم الدعاة عن توجيه هذا الشباب مكتفين باتهامهم بالتطرف أو الغلو أو الجهل، مع أن غيرهم أولى بأن يتهم بالتقصير في البلاغ والبيان والنصح، لا أعني به هذا البلاغ الذي يتمثل في كلمة تلقى إلى الشباب من مذياع أو تلفاز أو صحيفة كثيراً ما يكون أصحابها قد تقاضوا عليها أجراً يصبحون بعد ذلك راضين عن أنفسهم متصورين أنهم أدوا الأمانة، ونصحوا للأمة، فإذا لم يستجب الشباب لنصحهم فاللوم يقع على عاتق الشباب لا عليهم. إن العمل المطلوب هو بذل أقصى الجهد من أجل تبصير الشباب بحقائق الواقع، وتسليحهم بفهم سليم للإسلام، وإنه لمما يحز في النفس أن يترك الشباب هكذا، دون خبرة كافية بأساليب العمل، ودون فقه كافٍ بالإسلام، ودون عالم كاف بحقائق الحياة، ودون معرفة صحيحة بالتاريخ، ودون وعى كاف بأحوال العصر وظروفه وقواه ومتغيراته.. يترك هكذا في مواجهة آلات جهنمية تستغل فيه حماسته لدينه، مستدرجة إياه هنا وهناك إلى معارك تفتعلها لصرف الأنظار عن فشل، أو عن تورط.. إن مسئوليتنا أمام ربنا تحتم علينا أن نحول بكل ما نملك من خبرة وعلم وجهد دون استهلاك هذا الشباب في مواجهات غير متكافئة لم يعدوا لها، ولم يختاروا زمانها.. كما أنها تحتم الحيلولة دون استهلاك هذا الشباب نفسه في صراعات داخلية في نطاق الحركة نفسها سببها الأساسي قلة العلم، وقلة الفقه، وقلة الخبرة. الاختلاف والفرقة أشدا خطراً: ومع التحذير الذي قدمناه من المخاطر الخارجية، نحذر كذلك من مخاطر داخلية داخل الصحوة نفسها هو خطر الاختلاف والفرقة، بل إن هذا الخطر أشد تدميراً من خطر الإجهاض الخارجي، ذلك أن الخطر الخارجي إنما يمارس دوره من خلال منافذ وثغرات في البناء، وأخطر هذه الثغرات والمنافذ هي الاختلاف والفرقة، وبقدر ما ندعو إلى الحذر من الخطر الخارجي ندعو كذلك إلى ألا نجعل من هذا الخطر " شماعة " نعلق عليها عجزنا ونبرر بها فشلنا، بل إنا لا يجب أن نلوم القوى الخارجية، أو نتوقع منها شيئاً آخر غير ما تفعله بنا، وإنما يجب أن نلوم أنفسنا. لقد قامت هذه القوى أساساً على استغلال الغير، ولذا فلا توجد حدود أو اعتبارات تردعها عن هذا الاستغلال، وهذه القوى لا تعرف إلا شيئاً واحداً اسمه (المصالح) ، وهي من أجل ضمان هذه المصالح لا تتورع عن ارتكاب أشنع الجرائم التي تؤثمها أية معايير أخلاقية، ذلك أن السياسة الغربية فصلت منذ قرون فصلاً تاماً وكاملاً ونهائياً بين الأخلاق من أي نوع وبين المصلحة سواء كانت مصلحة قومية أو فردية، وذلك منذ أن دانت بدين المذهب الطبيعي الذي يقول: بالبقاء للأصلح الذي هو الأقوى، وليس الأحسن خلقاً، والذي يؤمن أصحابه إيماناً مطلقاً بحق القوي في استغلال الضعيف وتسخيره، بل فرقوا بين نوعين من الأخلاق: أخلاق القوة التي ترى الرحمة والشفقة والإحسان والتسامح عجزاً وضعفاً؛ وأخلاق الضعف التي ترى الرحمة والشفقة والإحسان والتسامح ديناً وتقوى؛ وهم يعدون الأولى هي الأخلاق التي تليق بالسادة المؤهلين تأهيلاً طبيعياً للسيادة والسيطرة، ويعدون الثانية هي أخلاق العبيد المؤهلين أيضاً تأهيلاً طبيعياً للخضوع والذل والمسكنة، وقد ساد هذا المذهب في الغرب والشرق، فظهر في فرنسا في صورة الوضعية التي أسسها (أوجست كونت) وفي إنجلترا في صورة المذهب الحسي عند (بنتام) وفي صورة الفلسفة التطورية عند (دارون) و (هربرت سبنسرا) ، بل إن هربرت سبنسر صرح بأن من حق الشعوب القوية استعمار الشعوب الضعيفة، وفي ألمانيا في فلسفة القوة عند نيتشه والذي مجد الشراسة والافتراس كخلق إنساني للأقوياء، وأفرز النازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا، وفي إيطاليا سبق (ميكافيللي) إلى تقرير المذهب الذي يعرف باسمه اليوم ويدين به الساسة في كل بلد، والذي يقول بأنه لا أخلاق في السياسة، وفي أمريكا ظهر في صورة المذهب النفعي (البراجماتى) الذي أسسه وليم جيمس، وفي روسيا في صورة الشيوعية.. وعليه فيجب أن نتصرف على أساس أن سلوك الاستعماريين هو سلوك ثابت مؤسس على اعتقاد راسخ، وليس مجرد نزوات طارئة أو وقتية.. ولاشك أن الذي مكن وما يزال يمكن للاستعماريين فينا هو عجزنا وضعفنا وهواننا وفرقتنا، ولكن حين يكون التفرق والاختلاف في الصحوة التي تعقد عليها الآمال في خروج الأمة الإسلامية من بئر الهوان فإن الأمر لا يحتمل التلكؤ، وإنه جد خطير.. ولنواجه الواقع الإسلامي دون لف أو دوران، ودون مواربة لأن ذلك يعني ترك الخرق يتسع، والشق يتحول إلى شقوق تؤدي في نهاية الأمر إلى انفجار الصحوة من داخلها، وساعتها لا ينفع الندم، وساعتها لن يكون الحساب حساب الذين اختلفوا وحدهم، وإنما سيكون أيضاً حساب الذين عرفوا وسكتوا، والساكت عن الحق شيطان أخرس. اختلاف الناس: لا أقول إنه يمكن رفع الاختلاف كلية، لأن الاختلاف في الناس سنة من سنن الله تعالى من أجلها خلقهم، قال تعالى: [ولَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً ولا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنَّاسِ أَجْمَعِينَ] [هود /١١٨] . جاء في تفسير هذه الآية: «يخبر تعالى أنه قادر على جعل الناس كلهم أمة واحدة من إيمان أو كفر كما قال تعالى: [ولَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً] ، وقوله: [ولا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ] أي ولا يزال الخلف بين الناس في أديانهم واعتقادات مللهم ونحلهم ومذاهبهم وآرائهم. قال عكرمة: مختلفين في الهدى، وقال الحسن البصري: مختلفين في الرزق يسخر بعضهم بعضاً، والمشهور الصحيح الأول» [تفسير ابن كثر ١ /٤٦٤-٤٦٥] . الاختلاف في المسلمين أكثر منه في أهل الكتاب السابقين: بل لقد حذر الرسول ﷺ في حديث الفرق المشهور من أن الاختلاف في أمته سيكون أكثر من الاختلاف في اليهود والنصارى، وقد روي هذا الحديث بطرق كثيرة منها ما رواه أبو داود في سننه من حديث معاوية بن أبى سفيان ﵄، أنه قام فقال: ألا إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قام فينا فقال: «ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، اثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وهي الجماعة، وإنه سيخرج من أمتي أقوام تَجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلَب بصاحبه» . لا عذر في الاختلاف الذي سببه الأهواء والشهوات: لكن ذلك لا يعني أن أهل الخلاف معذورون في اختلافهم عند الله تعالى، بل العكس هو الصحيح، وهو أنهم محجوجون عنده، لان الاختلاف وقع منهم بسبب أهوائهم وشهواتهم، ولذلك تخلفت عنهم رحمة الله تعالى التي كتبها للذين يتبعون هداه ويخالفون أهواءهم وشهواتهم، ولا يخالفون هدى الله، ولذا قضى الله عليهم بالعذاب ما لم يتوبوا. الاختلاف الذي يعذر فيه: إنما يعذر في الاختلاف الذي يكون سببه الجهل وفساد التأويل فيما يعذر المخالف فيه بجهله أو بفساد تأويله مما لا يكون معلوماً من الدين بالضرورة، أو مما يجب على كل مسلم أن يعرفه، وهذا النوع من الاختلاف، يجب فيه تعليم الجاهل ، وبيان فساد التأويل للمتأول، مع التأكيد على المخالف بعد البيان إذا أصر على الخلاف بعد البيان يكون متبعاً لهواه مفارقاً للجماعة التي من شذ عنها شذ في النار. خلاف يثاب عليه: وفي داخل الجماعة التي كون من شذ عنها شذ في النار، خلاف أعذر الله فيه المخالفين من المجتهدين في فقه الأحكام العملية فيما يجوز فيه الاجتهاد، ولأنهم استفرغوا الوسع، وبذلوا الجهد، ولم يتبعوا أهواءهم وعدهم الله بالأجر حتى مع الخطأ. من أجل ذلك كله دعوت وأدعو إلى المراجعة البناءة للعمل الإسلامي لتوجيه الصحوة الإسلامية، وحمايتها من المخاطر التي تتهددها، ويجب أن تكون المراجعة على منهج هدفه أن يحصر الخلاف، ويتعلم الجاهل، ويتنبه المتأول ويلزم الناس الجماعة التي بدونها تصبح الصحوة فقاعة في الهواء؛ ولن يتحقق ذلك إلا على أساس من فقه صحيح للإسلام.

стр. 167

مهمة الإعلام الإسلامي بقلم: عبد الرحمن نموس ليست مهمة الإعلام الإسلامي إلا تبليغ رسالة الإسلام وتوضيح صورتها أمام من جهلها والذود عنها ضد من عادها وما كان رسولنا الكريم إلا مبلغاً لهذه الرسالة عندما نزلت من السماء وفق الأمر الإلهي في قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وإن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ] [المائدة: ٧] . فنهض صلوات الله وسلامه عليه في أداء المهمة، وقام بإبلاغ الرسالة حتى أتاه اليقين وقد شهدت له أمته بذلك. ففي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال في خطبته يومئذ: «يا أيها الناس إنكم مسؤولون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: اللهم اشهد (ثلاث مرات) . وإذا كان الرسول ﷺ هو قدوتنا وأسوتنا [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ والْيَوْمَ الآخِرَ] [الأحزاب / ٢١] . وإذا كانت الرسالة قد أنزلت للناس كافة [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا] [سبأ / ٢٨] وإذا كنا مطالبين بقوة بالاقتداء بالرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم-، وفي نشر هذه الرسالة والحفاظ عليها، فإن ذلك يتطلب منا أن نبذل أضعاف ما نبذل من الجهد، وأن ننهض للذود عن أنفسنا وعن المليار مسلم الذين عبث بهم السيل ما عبث، وعن الدين الذي ارتضاه ربنا لنا وبه صرنا المسلمين. وللإعلام -الذي يمكن أن يسمى " تخصيصاً " بالعملية الإعلامية، من حيث البث والاستقبال وأدوات البث- عدة عناصر: أ- رسالة تشكل محور العملية الإعلامية. ب- مرسِل يقوم على بث هذه الرسالة. ج- وسيلة يتم بها الإرسال. د- مستقبل هو المستهدف من هذه الرسالة. والرسالة: هي مجموعة الأفكار التي يتم التعبير عنها بإشارات لغوية تكون في الغالب على شكل أحرف أو كلمات تتحول إلى جمل مفيدة تترك أثراً في نفس مستقبليها سلباً أو إيجاباً، ويسعى المرسل من خلالها إلى تحقيق هدف معين. أما المرسِل: فهو الشخص الذي يبث الرسالة الإعلامية عبر وسيلته المناسبة بغية تحقيق أهداف معينة قد تكون تعزيز مبادئ وأفكار معينة، أو تعديلها، أو محاربتها، أو تأييدها. ومستقبل الرسالة هو كل من يتلقاها وتترك فيه انطباعاً ما، سلباً أو إيجاباً، أما انعدام الأثر بالكلية بالنسبة للمستقبل فلا يعد استقبالاً لها ولو سمعها أو قرأها، لأن للتفاعل معها دورا أساسياً. والوسيلة هي الشيء الذي يتم من خلاله نقل الرسالة، كالصحيفة أو المذياع.. ويختار المرسل عادة الأسلوب الذي يراه جيداً لإيصال رسالته إلى أذهان مستقبليها وهو في ذلك لا يخرج عن أحد الأساليب الثلاثة التالية: ١- التعرض للفكرة أو الظاهرة المطروحة في الرسالة من خلال بعدها الوصفي، كأن يتناول ظاهرة اجتماعية معينة ويصفها وصفاً دقيقاً من خلال واقعها، دون أن يزيد على ذلك أو يضع آراء من عنده تبين سلبية أو إيجابية هذه الظاهرة، وبالتالي يترك القرار النهائي للمستقبل في أن يستوعب هذا الوصف ويقيمه من منظوره الخاص، ويخلص إلى نتيجة هذا التقييم بنفسه دون تدخل مباشر من المرسل، الذي قد يلجاً إلى الإيحاء الخفي في إبداء ما يريده من وصف تلك الظاهرة. ٢- التعرض للفكرة من خلال بعدها الوصفي مع إضافة تقييم موضوعي لهذا الوصف، وذلك بأن يتعرض المرسل للفكرة أو الظاهرة فيصبغها الوصف الدقيق كما في الفقرة الأولى ثم يتبع هذا الوصف بتقييم موضوعي يبين فيه الجوانب المضيئة في الظاهرة والجوانب المظلمة، وقد يجري موازنة بين هذه وتلك ثم يتوقف تاركاً للمستقبل التوصل إلى النتيجة التي يريدها هو ويريد للمستقبل أن يصل إليها. أو قد يزيد على ذلك بأن يقدم النتيجة التي وصل إليها بعد التقييم ... بنفسه، ولكنه يترك للمستقل حرية الالتزام أو عدم الالتزام بها. ٣- التعرض للفكرة أو الظاهرة وتبيان أبعادها ولو بصورة موجزة ثم التزام موقف حيالها وحض أو تحريض المستقبل صراحة على تبني موقف المرسل من الظاهرة. وذلك بأن يعرض المرسل للظاهرة أو الفكرة من منظوره الخاص ويقيمها ويصل إلى نتيجة ويؤكد أن نتيجته هي الصحيحة وما سواها خطأ ويلزم بالتالي المستقبل على الأخذ بما قدمه له على أنه الصحيح ولا يترك له الحرية للتفكير جيداً بها، بل قد يهمل المرسل الذي يلجأ إلى هذا الأسلوب الوصف والتقييم الموضوعيين، ويقدم النتيجة التي يريدها، ويضع لها من المبررات ما يشاء حتى يقنع المستقبل بها، ويحضه على تبنيها، الأمر الذي قد يصل إلى حد ازدراء آراء المستقبل وخلفيته الثقافية وقدراته على تقييم الظواهر والأفكار مما يؤدي بدوره إلى رد فعل سلبي عند المستقبل قد يجعله في الموقف المضاد -إن استطاع- وفي موقف السكوت على مضض إن لم يستطع. ويخرج عن هذا الضبط القرآن الكريم بما فيه من منهج إعلامي رباني، ولأنه كلام الخالق وليس كلام بشر يستوي فيهم المرسل والمستقبل، ففي القرآن الكريم الحكمة والموعظة الحسنة، وفيه الجدال بالتي هي أحسن، وفيه الترغيب وفيه الترهيب، وفيه الوصف، وفيه التحريض، ومثل ذلك السنة النبوية، فالرسول - ﷺ وإن كان بشراً لكنه بالإضافة إلى ذلك هو نبي مرسل [ومَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى * إنْ هُوَ إلاَّ وحْيٌ يُوحَى] [النجم: ٣-٤] . أما ماخلا أسلوب القرآن العظيم والسنة النبوية الشريفة فيكون من المناسب أن لا يشعر مرسل الرسالة الإعلامية مستقبلها بأنه من طبقة أدنى مستوى أو أقل فهماً حتى لا يجعله عرضة للمواقف المبنية على ردود الأفعال. وهنا تبدأ أهمية شخصية المرسل في اختيار الأسلوب الإعلامي الأنجع الذي يمكن ممارسته تجاه مستقبلي الرسالة، خصوصاً وأن عدداً لا يستهان به من المستقبلين لا يستقبل رسالة المرسل وحده، بل يستقبل رسائل من ألوان شتى تجعله يعيش في بحر متلاطم الأمواج من المعلومات الصحيحة والخاطئة، الغثة والسمينة تجعلهم يتيهون بين الخطأ والصواب ويتعثرون في الاهتداء إلى القيم من غيره. والإعلام الإسلامي وسط هذا البحر الكلامي الهائج هو الأقدر على أن يمثل نقاط العلام البارزة التي تهدي الحائر من عامة المسلمين أو غيرهم إلى الطريق الصحيح، وهو إذ يفعل ذلك لا بنوعية الورق ولا بحجم الكلام المكتوب أو كمية البث المسموعة بل بالإنسان المرسل الذي أوكلت إليه مهمة الإرسال أياً كانت الطريقة. وهذا ما يؤكد على أهمية المرسل في العملية الإعلامية، لذا فمن المناسب ... بيان أهم الصفات التي يتحلى بها المرسل الإسلامي الناجح، وهي: أ- الأسوة الحسنة: وتكون الأسوة الحسنة من وجهين: الأول: أن يتأسى المرسل أو على الأقل أن يجتهد للتأسي بأخلاق وأسلوب الرسول الكريم ﷺ في التبليغ والدعوة وغير ذلك فهو المشهود له بالأخلاق العظيمة من رب العالمين [وإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ] [القلم: ١٤] وهو القائل ﷺ :» بعثت لأتمم حُسْنَ الأخلاق « [١] والله سبحانه وتعالى حضَّنا على أن نتأسى برسولنا الكريم بقوله : [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ] [الأحزاب: ٢١] . والثاني: أن يكون المرسل بتحقيقه للبند الأول أسوة حسنة لمن يبلغهم رسائله لأنه إن تخلت عن هذا المعنى فلن يجد الأذن الصاغية لكلمته أو العين القارئة لعبارته، ويكون إضافة لذلك قد تخلف عن جوهر أساسي يدعو إليه في رسائله ووقع فيمن وصفهم الله بالمقت في قوله: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ] [الصف: ٣-٤] . ويدخل في إطار الأسوة الحسنة انسجام القول مع العمل كما بينت الآية الكريمة، إذ يشكل هذا الانسجام بين القول والعمل نقطة أساسية تعين المستقبل الذي يستقبل كماً هائلاً من المعلومات المختلفة التي تدعو إلى تبني أفكار ونظريات شتى على اختيار الأسلم والأصح، وتجعله يكبر ويحترم الرسالة التي أخلص لها مرسلوها وانسجموا معها فجاءت نابعة من القلب قابلة لأن ينسجم معها المستقبلون. وحقيقة نواجهها جميعاً هي أن الكثيرين لا يميزون بين حقيقة الإسلام وبين المسلمين إذ يرون الإسلام فيهم فإن أساءوا كانت الإساءة للإسلام والعكس صحيح. ٢- أن يتخلق المرسل الإسلامي بأخلاق القرآن اقتداءً بالرسول الكريم - ... ﷺ الذي قالت عنه عائشة ﵂: (فإن خلق نبي ... الله ﷺ كان القرآن " [٢] ، وعندما يتحقق ذلك بالمرسل يكون قد امتلك زمام الأمر تجاه مستقبلي رسالته بحيث يجدون أنفسهم أمام إعلام ملتزم منسجم لا ينبني على مراوغة ولا على دجل، الأمر الذي يسهل لهم ويمهد سبيل الاقتناع بالرسالة وتبنيها. ويوضح لهم الفارق بين الرسالة الإسلامية الواقعية والرسائل الأخرى التي بنيت على نظريات من خيال ... أصحابها ولم تنجح بحال -في معالجتها لمشاكل الإنسان- من الإفراط أو التفريط. ٣- الإيجاز والبيان وعدم الإلحاح: فالكلام الكثير ينسي بعضه بعضاً وتضيع قيمته بذلك، أما الإلحاح والكثرة فقد تسبب السآمة للنفس، فعن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: كان ابن مسعود ﵁ يذكّر الناس في كل خميس مرَّة، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن: لوددت أنك ذكَّرتنا كل يوم، قال:» أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملَّكم، وإني أتخولكم بالموعظة كما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتخولنا بها مخافة السآمة علينا « [٣] . والتكرار الذي قد يظن صاحبه أنه من الأدب والبلاغة قد يكون تكراراً غير محمود يجعل ما دخل في القلب يتطاير مرة أخرى، وما قبلَتْه النفس وهو جديد تعافه نتيجة التشدق به والإعادة. ٤- عدم استخدام وسيلة الإرسال أياً كانت كمنبر للردود الشخصية أو الهجمات اللاذعة غير المبنية على أساس علمي واضح، إذ يجب أن تسمو الوسيلة الإعلامية عن ذلك وتترفع، مستمرة في أداء رسالتها الأصلية وفق منهجها الواضح؛ فللشريعة أساسياتها المتينة والثابتة التي منها ينطلق العمل الإعلامي والدعوي، وأما مما اختلف فيه من نقاط على الدرب فتعالج بالأساليب الخاصة بها من غير التعرض والتعرض المضاد في الوسيلة الإعلامية، حتى تحافظ هذه على ... مستوى رفيع من الأخلاقية الإسلامية، التي منها يستنشق المدعو أو المستقبل ... رائحة الرسالة الناجحة الهادفة. ٥- إن الرسالة الإعلامية الإسلامية تعتمد على خصائص ثابتة تمثل خصائص الشريعة نفسها من ثبات وشمولية وواقعية ومرونة وصلاحية، وبالتالي فإن مضمون الرسالة ينطلق في هذه الخصائص، ولكن سر نجاح أو فشل تلك الرسالة يرتبط بمقدار معرفة وخبرة المرسل بمستقبِلي رسالته، هذه المعرفة والخبرة التي تمكنه من أن يقدم لكل جمهور مادته المفضلة عبر وسيلته المفضلة، وواضح أن لكل وسيلة جمهورها ولكل رسالة مستقبليها، والخبرة والفراسة في ذلك هي سر النجاح، إذن: إن إساءة الاستخدام في هذه النقطة تؤدي إلى نتائج عكسية غير ما يتوخاه المرسل. ٦- المعرفة الجيدة بالإعلام المضاد وبمخططاته والعمل على صدها وردها بالأدلة العلمية الدامغة لا بالهجمات الكلامية الفارغة، لأن المستقبل الذي اعتاد أن يستقبل رسالة واضحة مدللة بأدلتها التي تدحض فيها ظاهرة أو تؤيد فكرة يجد من غير المألوف ومن غير المقنع أن يلجأ المرسل إلى مجموعة عبارات محشوة بالشتم والسباب على الإعلام المضاد، لأنه تصرف كذا أو وقف موقف كذا، دون أن يبين المرسل إلى أي شيء استند في موقفه، وعلى أية أدلة ارتكز في مواجهته. إن المستقبل الذي يستقبل الرسائل الإعلامية الإسلامية قد وعى تماماً ماذا يعنيه طرح الشعارات الرنانة التي تدين اتجاهاً أو فكراً أو ظاهرة، أو تؤيد ذلك الاتجاه أو الفكرة أو الظاهرة، وهو اليوم بحاجة إلى منهج إعلامي واعٍ تحمل رسائله له ما يريح النفس ويقنع العقل، ويواجه الأعداء الذين لا ننتظر منهم السكوت بالأدلة القادرة على إسكاتهم، والبراهين الباترة لادعاءاتهم. ٧- معالجة الأخطاء التي يتعرض لها المرسل خلال بث رسائله بهدوء وتروٍ وبصيرة، لأن الاعتماد على الإصلاح العاطفي أو المبني على ردود الفعل العصبية سيؤدي بالضرورة إما إلى الإفراط أو التفريط، ومن هنا وجب الحذر والدقة في معالجة أخطاء المرسل، مع وضع قاعدة (كل ابن آدم خطاء) بالحُسبان. وبعد هذا الاستعراض الموجز لأهم صفات مرسل الرسالة الإعلامية ... الإسلامية؛ لابد من الإلماع إلى أهم العقبات التي تقف حجر عثرة في وجه تقدم تلك الرسالة، أو على الأقل تعيق تقدمها بشكل ملحوظ.. ومن ذلك: ١- عدم الالتزام الفعلي والجيد بالمنهج الرباني الموضوع لنا، ويبدو ذلك واضحاً من خلال تناقض الكثيرين من أصحاب الرأي المستنير بين قول وعمل. ومن ذلك: أن تقع بأيدي بعض الشباب محاضرة أو موضوع عن الغيبة والنميمة وأثرهما السلبي في البناء الإسلامي، ثم ما نلبث أن نصل إلى نهاية المحاضرة أو الموضوع حتى نرى لمزاً أو غمزاً بشخصيات إسلامية من مستوى صاحب المحاضرة أو أعلى مستوى. إننا نهاجم فعلاً معيناً وفق نصوص وأدلة شرعية واضحة، ثم نأتي على ارتكاب ذلك الفعل، متخذين لأنفسنا مبررات تقنعنا بضرورة خوض ذلك الغمار، جهلاً أو تجاهلاً، أو اتخاذ أعذار قد تقنعنا ولا تقنع أحداً غيرنا، ولربما لم تقنعنا أصلاً ولكننا تصنَّعنا الاقتناع. ٢- الاستهانة ببعض المخالفات الشرعية أمام أكذوبة (ضرورات العصر) فالإعلام الإسلامي إعلام عقائدي يتمثل بقواعد ومبادئ راسخة ينمو بنمائها ويزدهر بازدهارها في أنفس المسلمين، ولكن بعض هذه المبادئ أو القواعد قد يتم نقضها بحجة " ضرورات العصر " أو لأنها أمور صغيرة هنالك ما هو أهم منها بكثير، أو لأن البعض يعتقد أن نمو الإسلام وتقدمه لا يتوقف عليها. وأمثلة بسيطة على هذه الأمور: (التصوير، التدخين، حلق اللحية بغير ضرورة ملجئة، الاختلاط أحياناً) علماً أن هذه الأمور جميعاً تخل بسلوك المسلم إخلالاً كبيراً، شعر بذلك أم لم يشعر، اعترف بأثرها السلبي أم لم يعترف. وإذا كان لمثل هذه الأمور أثرها السلبي في نمو شخصية أي مسلم، فكيف يكون أثرها بالنسبة للقائم على توجيه الرسالة الإعلامية الإسلامية..؟ ! إنه تساؤل جدير بالإجابة. ولكل قارئ أن يجيب بنفسه. ٣- النقص العام وعدم التكامل في التوجيه: يبدو واضحاً أن أغلب الرسائل الإعلامية الإسلامية تتوجه هذه الأيام إلى المواعظ المتعلقة بالأعمال العبادية المحضة، وبالرغم من ضرورة هذه وموقعها الأساسي في الإعلام الإسلامي فالواجب عدم الاقتصار عليها، فالإسلام دين متكامل يتسع لكافة أمور الحياة، وبالتالي يلزم تنوع الرسائل بتنوع المستجدات وحسب أولويات مدروسة. إضافة إلى ذلك: فإنه من المفيد جداً وضع خطط يتم تنفيذها وفق جداول زمنية معينة وبعد دراسة موضوعية شاملة، بحيث تؤدي هذه الخطط في النهاية إلى النتيجة التي يتوخاها المرسل. أسباب نجاح العملية الإعلامية: مما تقدم يتبين، بأن الإعلام الإسلامي يعاني من عقبات عدة تستلزم بالضرورة العمل الجاد لإزاحتها والتغلب عليها، وربما كان الخوض في هذا المجال خوضاً في مجال واسع لا يسعني عرضه مفصلاً هنا، ولكن أعرض بعض النقاط التي إنما تعبر عن وجهة نظرٍ، أدعو الله أن تلاقي القبول. ١- اختيار الكفاءات الصالحة والقادرة على القيام بهذا العبء: فمعلوم أن القائم على العملية -وخصوصاً توجيه الرسائل- هو العنصر الأهم فيها، وبالتالي فإن العمل على إنجاح هذه العملية يستوجب أن يكون القائم عليها أهلاً للمهمة من حيث المستوى العلمي والإدراكي، ومن حيث النظرة الشمولية لمتطلبات العمل، والأفق الواسع الذي يمكن من وضع المخططات التي تضمن أحسن النتائج. إن العلاقة التي يمكن أن تقوم بين المرسل ومستقبلي الرسالة علاقة تحتاج إلى مزيد من الدقة في التعامل، فالمستقبلون يتلقون الرسائل فينسجمون مع بعضها ويحبون بعضها ويمتعضون من قسم منها، وقد تثور ثائرتهم على جزء منها نتيجة خلفية خاطئة عنها أو جهل مستعص بها، فكيف يتعامل القائم مع ذلك الاختلاف؟ ! إنه أمر خاضع -بالإضافة إلى العلم والإدراك وسعة الأفق- إلى مقومات شخصية تستطيع أن تستوعب هذا الاختلاف المؤقت وتحيله انسجاماً ووحدة في النظر عند الجميع حتى يتشكل عند المتلقين جميعاً، شيء أهم من الرأي العام وأرفع، وربما كان الصبر الطويل واحداً من مقومات تلك الشخصية. ٢- تحري الدقة التامة بمصادر بعض الرسائل الإعلامية: إن المصادر الأساسية لرسالة الإعلام الإسلامي مصادر موثوقة بذاتها كالقرآن الكريم والسنة النبوية، ولكن الأمر يختلف عندما تعترض العمل أحداث مستجدة لابد من طرحها وقضايا معاصرة لابد من معالجتها، فمن أين نأتي بالمصادر الموثوقة لمثل ذلك؟ هل نعتمد على وكالات الأنباء العالمية ونكون بذلك مروجين لكذبها وإشاعاتها؟ أم نعتمد على ما تتناقله بعض الوسائل الإعلامية الأخرى من غير فحص ولا تحرٍ ولا تدقيق؟ أم يكون لنا تميزنا بهذه وتلك، واستقلالنا بالعرض والتحليل دون تأثر أيضاً بهذه وتلك؟ . فالغلط أو الكذب في وسيلة الإعلام الإسلامية لا يتساوى أبداً مع الغلط أو الكذب في أي وسيلة إعلام أخرى، بل هي أضعاف ذلك، لأن الغلط وإن كان مبرراً شرعاً فهو غير مبرر في الغالب عند المستقبل، بل هو أحياناً لا يريد أن يبرر، لأن الغلطة غلطة موجِّهه وليست غلطة تلميذه. أما الكذب بالإضافة لكونه خرقاً للشريعة هو عمل سلبي كبير، يراه المستقبل وصمة تهز كيان الاستقبال عنده، وفي هذا خطر لا يخفى. ولتلافي ذلك لابد من الركون إلى مصادر مؤهلة ثقة وصدقاً وإدراكا وتحليلاً، تعين المستقبل على تلقي رسالة صادقة متميزة. ٣- وضوح الهدف: إن معرفة ما يريده المرسل من رسالته بوضوح، ومعرفة كيفية بث الرسالة بالشكل الذي يحقق له ما يريده أمر غاية في الأهمية، فإذا كان هدف الإعلام الإسلامي إعداد الجيل العقائدي الواعي الذي يفهم الإسلام على أنه دين عبادة وعمل، وشرْع دنيا وآخرة، ومنهج حياة متكامل، فإن عليه أن يعد لإيجاد هذا الفهم في أذهان المستقبلين، علماً أن هذا عملاً غير سهل في إطار التنوع الإعلامي وتعدده، ولكن عدم السهولة لا تعني الاستحالة، فباعتماد أسلوب العمل المنظم والصحيح يتمكن المرسل -بإذن الله- تحقيق هدفه، وتبدو أهميته واضحة للتكامل في بث الرسائل في هذا المجال. فعندما يكون لكل رسالة إعلامية على حدة هدف خاص تسعى لتحقيقه من خلال منهج مرسوم لا من خلال تعبئة صفحات أو سد فراغ في برنامج مسموع، وعندما تلتقي أهداف هذه الرسائل في محصلة عامة من غير تناقض، ساعيةً إلى إيجاد الشخصية المتكاملة، وعندما يتحقق الانسجام الكامل بين الأهداف الجزئية المرسومة لكل رسالة على حدة، والهدف العام الذي يجب أن تلتقي عنده كافة الرسائل لتصب في توجه فكري معين، نكون قد خطونا خطوة هامة في العمل على تحقيق الشخصية الإسلامية المتكاملة عند متلقي الرسالة. ويبقى لمقدار استجابة المتلقي نفسه، ولمقدار تأثير المرسل بالمتلقي حتى يجعله متكيفاً أكثر من الاستقبال أثرٌ آخر في تحقيق الهدف المنشود. وربما كان هنالك عوامل جانبية أخرى لم يتسع المجال لذكرها.

стр. 168

سؤال وفتوى الشيخ. محمد صالح العثيمين نص الفتوى: «زعم أحد الوعاظ في مسجد من مساجد أوربا في درس من دروسه: أنه لا يجوز تكفير اليهود والنصارى، وتعلمون -حفظكم الله- أن بضاعة معظم الذين يترددون على المساجد في أوربا من العلم قليلة، ونخش أن ينتشر مثل هذا القول، ونرجو منكم بياناً شافياً في هذه المسألة» . الجواب: أقول: إن هذا القول الصادر عن هذا الرجل ضلال، وقد يكون كفراً، وذلك لأن اليهود والنصارى كفرهم الله في كتابه، قال الله تعالى: [وقَالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقَالَتِ النَّصَارَى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ] [اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ ورُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ والْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ومَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا إلَهاً واحِداً لاَّ إلَهَ إلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ] ، فدل ذلك على أنهم مشركون، وبين الله تعالى في آيات أخرى ما هو صريح بكفرهم: -[لَقَدْ كَفَرَ الَذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ هُوَ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ] -[لَقَدْ كَفَرَ الَذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ] -[لُعِنَ الَذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ] -[إنَّ الَذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ والْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ] والآيات في هذا كثيرة، والأحاديث، فمن أنكر كفر اليهود والنصارى الذين لم يؤمنوا بمحمد ﷺ وكذبوه، فقد كذب الله ، وتكذيب الله كفر، ومن شك في كفرهم فلا شك في كفره هو. ويا سبحان الله؛ كيف يرضى هذا الرجل أن يقول: إنه لا يجوز إطلاق الكفر على هؤلاء، وهم يقولون: إن الله ثالث ثلاثة، وقد كفرهم خالقهم -عز وجل-؟ ، وكيف لا يرضى أن يكفر هؤلاء وهم يقولون: إن المسيح ابن الله، ويقولون: يد الله مغلولة، ويقولون: إن الله فقير ونحن أغنياء؟ . كيف لا يرضى أن يكفر هؤلاء وأن يطلق كلمة الكفر عليهم، وهم يصفون ربهم بهذه الأوصاف السيئة التي كلها عيب وشتم وسب. وإني أدعو هذا الرجل، أدعوه أن يتوب إلى الله ، وأن يقرأ قول الله تعالى: [ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ] ، وألاَّ يداهن هؤلاء في كفرهم، وأن يبين لكل أحد أن هؤلاء كفار، وأنهم من أصحاب النار، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «والذي نفسي بيده، لا يسمع بي يهودي ولا نصراني من هذه الأمة -أي : أمة الدعوة- ثم لا يتبع ما جئت به، أو قال: لا يؤمن بما جئت به، إلا كان من أصحاب النار» . فعلى هذا القائل أن يتوب إلى ربه من هذا القول العظيم الفرية، وأن يعلن إعلاناً صريحاً بأن هؤلاء كفرة، وأنهم من أصحاب النار، وأن الواجب عليهم أن يتبعوا النبي الأمي محمد ﷺ ، فإنه بشارة عيسى -عليه الصلاة والسلام-، مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل: يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه وأولئك هم المفلحون. وقال عيسى ابن مريم ما حكاه ربه عنه: [يَا بَنِي إسْرَائِيلَ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ ومُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ] . لما جاءهم مَنْ..؟ من الذي جاءهم..؟ المبشَّر به أحمد، لما جاءهم بالبينات قالوا: هذا سحر مبين، وبهذا نرد دعوى أولئك النصارى الذين قالوا: إن الذي بشر به عيسى هو " أحمد " لا " محمد "، فنقول إن الله قال: [فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ] ولم يأتكم بعد عيسى إلا محمد ﷺ ، ومحمد هو أحمد، لكن الله أَلْهَمَ عيسى أن يسمي محمداً بأحمد، لأن أحمد اسم تفضيل من الحمد، فهو أحمد الناس لله، وهو أحمد الخلق في الأوصاف كاملة، فهو عليه الصلاة والسلام أحمد الناس لله، جعلاً لصيغة التفضيل من باب اسم الفاعل، وهو أحمد الناس بمعنى أحق الناس أن يحمد، جعلاً لصيغة التفضيل من باب اسم المفعول، فهو حامد ومحمود على أكمل صيغة الحمد الدال عليها أحمد. وإني أقول: إن كل من زعم أن في الأرض ديناً يقبله الله سوى دين الإسلام، فإنه كافر لا شك في كفره، لأن الله يقول في كتابه: [ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ] ، ويقول : [اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً] . وعلى هذا -وأكررها مرة ثالثة- على هذا القائل أن يتوب إلى الله -عز وجل-، وأن يبين للناس جميعاً أن هؤلاء اليهود والنصارى كفار، لأن الحجة قد قامت عليهم وبلغتهم الرسالة، ولكنهم كفروا عناداً. ولقد كان اليهود يوصفون بأنهم مغضوب عليهم؛ لأنهم علموا الحق وخالفوه، وكان النصارى يوصفون بأنهم ضالون لأنهم أرادوا الحق فضلوا عنه، أما الآن فقد علم الجميع الحق وعرفوه، ولكنهم خالفوه، وبذلك استحقوا جميعاً أن يكونوا مغضوباً عليهم، وإني أدعو هؤلاء اليهود والنصارى إلى أن يؤمنوا بالله ورسله جميعاً، وأن يتبعوا محمدا ﷺ ، لأن هذا هو الذي أُمروا به في كتبهم، كما قال الله تعالى: [ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَّكَاةَ والَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ والإنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ ويَنْهَاهُمْ عَنِ المُنكَرِ ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ ويَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ والأَغْلالَ الَتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ واتَّبَعُوا النُّورَ الَذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ] . [قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ جَمِيعاً الَذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ لا إلَهَ إلاَّ هُو يُحْيِي ويُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وكَلِمَاتِهِ واتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ] . وليأخذوا من الأجر بنصيبين، كما قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد -صلى الله عليه وسلم- ... الحديث» . ثم إني اطلعتُ بعد هذا على كلام لصاحب " الإقناع " في باب: حكم المرتد، قال فيه بعد كلام سبق: «.. أو لم يكفر من دان بغير الإسلام كالنصارى، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم؛ فهو كافر» . ونقل عن شيخ الإسلام قوله: «من اعتقد أن الكنائس بيوت الله، وأن الله يعبد فيها، وأن ما يفعله اليهود والنصارى عبادة لله وطاعة له ولرسوله، أو أنه يحب ذلك أو يرضاه، أو أعانهم على فتحها وإقامة دينهم، وأن ذلك قربة أو طاعة؛ فهو كافر» . وقال أيضاً في موضع آخر: «من اعتقد أن زيارة أهل الذمة في كنائسهم قربة إلى الله؛ فهو مرتد» . وهذا يؤيد ما ذكرناه في صدر الجواب، وهذا أمر لا إشكال فيه. والله المستعان. ******* قال عمر بن الخطاب ﵁: اقرأوا القرآن تعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله، ولن يبلغ حقُّ ذي حق أن يطاع في معصية الله، ولن يُقرِّب من أجلٍ؛ ولن يباعد من رزق؛ أن يقوم رجلٌ بحق، أو يذكر بعظيم.

стр. 169

شذرات وقطوف «ليس كل خلاف يستروح إليه، ويعتمد عليه. ومن تتبع ما اختلف فيه العلماء، وأخذ بالمرخص من أقاويلهم، تزنْدق أو كاد» . ابن الصلاح «إن المبادئ والأفكار في ذاتها -بلا عقيدة دافعة- مجرد كلمات خاوية، أو على الأكثر معان ميتة! والذي يمنحها الحياة هي حرارة الإيمان المشعة من قلب إنسان! لن يؤمن الآخرون بمبدأ أو فكرة تنبت في ذهن بارد لا في قلب مشع» . سيد قطب أحبُّ الفتى ينفي الفواحش سمعُهُ ... كأنَّ به عن كل فاحشةٍ وَقْرا سليمُ دواعي الصدر لا باسطاً أذى ... ولا مانعاً خيراً ولا قائلاً هُجراً إذا شئتَ أن تُدْعَى كريماً مكرماً ... أديباً ظريفاً عاقلاً ماجداً حرا إذا ما أتت من صاحبٍ لك زلةٌ ... فكن أنت محتالاً لزلته عذرا غِنى النفس ما يكفيك من سَدِّ خلِّة ... فإن زاد شيئاً عاد ذاك الغنى فقرا سالم بن وابصة الأسدي

стр. 170

أدب وتاريخ ابن الأثير وموقفه من الدولة العبيدية وبعض الدول المعاصرة لها محمد العبدة كنت أعلم أن للمؤرخ ابن الأثير موقفاً من الدولة العبيدية - التي تسمى بالفاطمية- يتعلق بتصحيح نسبهم إلى علي ﵁، وهي القضية التي أثير حولها جدل كبير بين القدماء والمعاصرين، وكنت أظن أن الأمر يتعلق بموضوع النسب فقط، وهو شبيه بموقف ابن خلدون أيضاً، وإن كانا قد خالفا في هذه المسالة أكثر علماء الأمة ومؤرخيها. ولكن من خلال قراءتي لأحداث القرنين الرابع والخامس في (الكامل) تبين لي أن ابن الأثير لا يصحح النسب فقط، بل هو متعاطف مع هذه الدولة بشكل عام، فهو يمدح ملوكهم ويبرز محاسنهم ولا يذكر عيوبهم، ويؤكد في كل مرة يترجم لأحدهم بقوله: (الخليفة العلوي) ، كأنه يريد أن يرسخ هذا في ذهن القارئ، ثم تبين لي أنه يغرق في مدح بعض ملوك الدولة البويهية وأمراء الدولة الأسدية والحمدانية، وهذه الدول والإمارات كلها غير ... سنية. ثم رجعتُ إلى حوادث المائة الأولى من الهجرة، لأرى كيف عرض لموضوع الدولة الأموية والأحداث التي عاصرتها، فتأكد لي هذا الاتجاه عنده. ونحن لا نريد مناقشة ابن الأثير حول نسب العبيديين، فقد كتب الكثير حول هذا الموضوع، وآراء العلماء والمؤرخين الذين دحضوا نسبهم وكذبوهم فيه موجودة معروفة لمن أرادها، ولكن سنكتفي بذكر أعمالهم القبيحة التي لم يشر إليها هذا المؤرخ ولم يعلق عليها أو ينتقدها، مع أنه نقد أعمال غيرهم من الملوك الذين هم أفضل منهم بكثير، بل لا يقارنون بهم، ومع أن ابن الأثير من أسرة علمية مشهورة، فهو صاحب (أسد الغابة في معرفة الصحابة) ، وأخوه مجد الدين أبو السعادات صاحب (جامع الأصول) ، ووالده من كبار موظفي الدولة الزنكية، وهي دولة سنية، وعاش في مدينة سنية وهي الموصل، وقد تتبعت من كتب عنه أو ترجم له أو لمن أخذ عنهم من العلماء؛ فلم أجد جواباً شافياً عن السؤال المتبادر: ما هو سبب هذا الاتجاه عند ابن الأثير؟ ؛ وقد انتقدوه لتحامله أحياناً على صلاح الدين الأيوبي، وعللوا ذلك بتعصبه للأسرة الزنكية والأخلاق، ولكن لم يشيروا إلى مدحه لملوك الدولة العبيدية وغيرهم مما سنوضحه في هذا المقال، ولعل الله ييسر لنا الاطلاع على مصادر أخرى، لنحاول كشف أسباب هذا الميل عند مؤرخنا الكبير. الدولة العبيدية: نشأت هذه الدولة في المغرب بين قبائل تجهل الإسلام؛ فانخدعوا بدعوة أبي عبد الله الشيعي، وناصروه حتى استقر له الأمر، واطمئن فكتب إلى رئيسه الباطني في مدينة (سلمية) في بلاد الشام أن يقدم إليه، فلما دخل المغرب تسمَّى بعبيد الله، ولقَّب نفسه بالمهدي، والعلماء يقولون: إن اسمه سعيد، وهو من ولد ميمون القداح الملحد المجوسي. وعندما تمكن عبيد الله بطش بأقرب الناس إليه والذي أسس له الملك، داعيته أبي عبد الله الشيعي، وبطش بالمخالفين من قبيلة (كتامة) ، ولم يعلق ابن الأثير على ظلمه هذا، بينما نجده ينتقد ما فعله عبد الملك بن مروان بعمرو بن سعيد الأشدق حين غدر به وقتله، فقال: «وكان عبد الملك أول من غدر في الإسلام» [١] ، وعندما ذكر كلام عبد الملك في مرضه الأخير وهو يذم الدنيا ويحذر من الآخرة قال: «ويحق لعبد الملك أن يحذر هذا ويخاف، فإن من يكون الحجاج بعض سيئاته، علم أيَّ شيء يقدم عليه» [٢] ، أما ما فعله عبيد الله بالعلماء العاملين الذين كرهوا دولته وعقيدته الفاسدة كالإمام أبى جعفر محمد بن خيرون المعافري، حين قتل تحت أرجل زبانية عبيد الله [٣] ، فهذا لا يذكره ابن الأثير، وجرائم عبيد الله وذريته بعلماء أهل السنة كثيرة كابن البردون الإمام الشهيد، الذي قتله داعية عبيد الله صلباً [٤] ، والإمام الشهيد قاضي مدينة برقة محمد بن الحبلي الذي قتله إسماعيل الملقب بالمنصور، وهو حفيد عبيد الله. يقول الذهبي: علق في الشمس إلى أن مات، وكان يستغيث من العطش فلم يسق، ثم صلبوه، فلعنة الله على الظالمين [٥] . يقول المؤرخ عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي الملقب بأبي شامة عن عبيد الله: «وكان زنديقاً خبيثاً عدواً للإسلام، متظاهراً بالتشيع، قتل من الفقهاء والمحدثين جماعة كثيرة، ونشأت ذريته على ذلك، وكان يرسل إلى الفقهاء والعلماء فيذبحون في فرشهم، وأرسل إلى الروم وسلطهم على المسلمين» [٦] . ويقول عن أولاده: «ولما هلك قام ابنه المسمى بالقائم، وزاد شره على شر أبيه أضعافاً، وجاهر بشتم الأنبياء» [٧] . هذا رأي كثير من علماء المسلمين والمؤرخين في ذرية عبيد الله، ولكن ابن الأثير في ترجمته لملوك هذه الدولة لا يكتفي بالسكوت عن مساوئهم، بل يمدحهم ويطريهم، ويحاول التهوين من شأن عقائدهم المخالفة لعقائد أهل السنة. قال في ترجمة معد بن إسماعيل الملقب بالمعز، وهو رابع ملوكهم: «وكان فاضلاً جواداً، شجاعاً، جارياً على منهاج أبيه من حسن السيرة وإنصاف الرعية، وستر ما يدعون إليه إلا عن الخاصة، ثم أظهر، وأمر الدعاة بإظهاره، إلا أنه لم يخرج فيه إلى حد يذم به» [٨] . وإذا كان سب الصحابة وإكراه الناس على عقائدهم الفاسدة شيء لا يذم، فمتى إذن يذمون؟ ! . وحاول مرة أخرى الاعتذار عن شاعر (المعز) محمد بن هانئ الذي قتل في برقة وهو مرافق لسيده في انتقاله إلى مصر، قال: «وكان من الشعراء المجيدين إلا أنه غالى في مدح المعز، حتى كفَّره العلماء لقوله: ما شئت لا ما شاءت الأقدار ... فاحكم فأنت الواحد القهار وبعد أن سرد له أشعاراً أخرى توجب الكفر قال:» وبالجملة فقد جاوز حد المديح «، هكذا مجاوزة فقط، وليس كفراً صريحاً. وبعد أن استقر المقام للمعز في مصر أرسل أحد قواده لأخذ بلاد الشام، واستطاع هذا القائد احتلال دمشق، إلا أن الشريف أبا القاسم الهاشمي جمع الناس للمقاومة، فقال ابن الأثير:» فجمع أحداثها، ومن يريد الفتنة، فثار بهم في الجمعة الثانية، وأبطل الخطبة للمعز « [٩] . والمعز هذا الذي يقول عنه ابن الأثير:» وكان فاضلاً «كان مغرمَّاً بالنجوم ويعمل بأقوال المنجمين، وقد أشار عليه أحدهم أن يختفي سنة كذا لأنها شؤم عليه، فعمل سرداباً واختفى فيه، فكان أحد جنوده إذا رأى سحاباً سلم عليه ظناً منه أن المعز فيه [١٠] ، وهذا يدل على تشجيعه للغلو فيه. وجاء بعد المعز ابنه نزار الملقب بـ (العزيز) الذي استوزر يعقوب بن يوسف ابن كلس، وهو يهودي الأصل، ثم عيسى بن نسطورس النصراني الذي استناب على الشام يهودياً يعرف بـ (منشا) ، فارتفعت كلمة النصارى واليهود في عهد هذا الوزير، وكان وزير المنصور الملقب ب: (الحاكم) وزيراً نصرانياً اسمه فهد بن إبراهيم. كما أن وزير الحافظ كان بهرام الأرمني الذي استقطب حوله أبناء جنسه وأساء السيرة، حتى اضطر للهرب إلى بلاد الشام [١١] . وأما أفعال (الحاكم) القبيحة، ومحاولة ادعائه الربوبية، وتصرفاته الغريبة المتناقضة فهي مشهورة معلومة، وفي أواخر عهد العبيديين: استعانوا بالروم خوفاً من توسع دولة نور الدين زنكي، مما اضطره لإرسال صلاح الدين الأيوبي لإنقاذ مصر من الخطر المحدق بها. والخلاصة أنها دولة باطنية إسماعيلية ابتلي بها المسلمون أكثر من قرنين. مع البويهيين: ليس من العسير لمن يقرأ ما كتبه ابن الأثير في (الكامل) أن يحس بتعاطفه مع الدولة البويهية، فهو لا يذكرهم إلا مادحاً معظماً الأوائل منهم، بل يغالي في المديح أحياناً عندما يعتبر وفاة ركن الدولة الحسن بن بويه مصيبة للدين والدنيا معاً، ثم يقول في نهاية ترجمته: ﵁ وأرضاه) . وفي ترجمته لمعز الدولة البويهي -وهو ثالث الإخوة الذين حكموا العراق وبلاد فارس-، يقول ابن الأثير:» وكان حليماً كريماً عاقلاً «. أما ابن كثير فيقول عنه:» بنى داراً ببغداد، فخرب معالم بغداد بسببها، وكان رافضياً خبيثاً، وفي عهده كتبت العامة من الروافض على أبواب المساجد بلعن كبار الصحابة من الخلفاء الراشدين ولم ينكر عليهم معز الدولة، ولم يغيِّره، قبَّحه الله وقبح شيعته من الروافض « [١٢] . ويقول ابن الأثير عن عضد الدولة بن ركن الدولة الحسن بن بويه:» وكان عاقلاً فاضلاً، حسن السياسة، كثير الإصابة، محباً للفضائل وأهلها « [١٣] . والحقيقة: أن عضد الدولة لا يختلف كثيراً عن (معز الدولة) ، وكان وزيره نصر بن هارون نصرانياً، وهو الذي أنفق سنة كاملة لعمارة المشهد العلوي [١٤] . والدولة البويهية كانت من الأسباب القوية لإضعاف الخلافة العباسية، بل فكَّر ملوكها بإزالة الخلافة عن بني العباس ونقلها إلى الطالبيين، لولا النصيحة التي جاءت بأن وجود خليفة عباسي ضعيف خير من وجود خليفة طالبي تزول بوجوده شرعية البويهيين أمام أتباعهم الشيعة، ومع ذلك فقد كانوا مستهترين بالخلافة، فقد نهب بهاء الدولة قصر الخليفة الطائع وقبض عليه وخلعه من الخلافة، وكانت للدولة البويهية صلات جيدة مع القرامطة الباطنيين [١٥] . ولم يقدموا أي مساعدة للمسلمين الذين قدموا بغداد سنة ٣٦١ هـ مستغيثين من الروم، وكان السلطان البويهي في رحلة صيد في الكوفة فخرج أهل بغداد منكرين عليه ذلك، فوعدهم بالمساعدة، ثم إن " بختيار " طلب من الخليفة مالاً لتجهيز الناس، وأجبره على دفع المال، ثم صرفه في مصالحه الخاصة وبطل حديث الغزاة [١٦] . الإمارة الأسدية: عندما ضعفت الخلافة العباسية طمع كل صاحب قوة في اقتسامها، وأخذ جزءاً منها ليعلن فيه مملكته ولو كانت هذه المملكة مدينة صغيرة، وفي هذا الجو من التمزق والأنانية وجدت الإمارة الأسدية، نسبة إلى بني أسد بن خزيمة، وأول أمرائهم المشهورين: علي بن مزيد، ثم ابنه المنصور، وبرزت في عهد صدقة بن منصور الذي أنشأ مدينة الحلة [١٧] واتخذها عاصمة قبيلته وإمارته، كما اتخذوا التشيع عقيدة لهم. هذه الإمارة مثل بقية الدول الصغيرة التي عاشت في هذا العصر، تعيش على التناقضات والتحالفات مع السلاطين الأقوياء ولا تهتم بمصلحة عامة، فهي لا تقيم ديناً ولا دنيا، وإن كان أمراؤها الأوائل من أصحاب الشجاعة والكرم. وابن الأثير يمدح هؤلاء الأمراء ولا يذكر مساوئهم، وأهمها: الخروج على الخليفة وعلى السلطان السلجوقي، وإفناء الناس بحروب تخدم مصلحتهم، فقد قتل صدقة بن دبيس في قتاله مع السلطان محمد بن ملكشاه وهو عند مؤرخنا (من محاسن الدنيا) . أما ابنه دبيس بن صدقة فقد عاث في الأرض فساداً، فاضطر الخليفة لقتاله، ودارت الدائرة على دبيس فانهزم وفر إلى شمالي الجزيرة، والتحق بالفرنج وحضر معهم حصار حلب وحسن لهم أخذها، ثم فارقهم والتحق بالملوك السلاجقة، ثم قتله السلطان مسعود بن محمد، يقول الذهبي:» وأراح الله الأمة منه، فقد نهب وأرجف وفعل العظائم « [١٨] . استمرت هذه الإمارة بعد دبيس ضعيفة ممزقة قائمة على النهب والسلب والإفساد، مما اضطر الخليفة أن يأمر بإجلاء بني أسد عن الحلة، وذلك عام ٥٥٨ هـ. الصليحيون: كما يمدح ابن الأثير علي بن محمد الصليحي الذي ملك اليمن كلها عام ٤٥٥ هـ، وكان داعية للدولة العبيدية في مصر، فيقول عنه:» ودخل مكة مالكاً لها، وظهرت منه أفعال جميلة « [١٩] ، ولا يذكر أنه على مذهب العبيديين. وقد يقال: إن ابن الأثير مؤرخ حيادي، يذكر ما سمعه، وما نقله، ولا يتدخل في النصوص، وإنما يعرضها كما وجدها، ويترك مهمة البحث والنقد لغيره. ولكننا نراه في مواضع أخرى ينتقد أو لا يذكر محاسن بعض الملوك، ويمدح في حين يمدح غيرهم كما مدح ملوك البويهيين والعبيديين. فعندما ترجم للخليفة عبد الرحمن الناصر الأموي صاحب الأندلس لم يزد على أن ذكر أوصافه الجسمية، وكم بقى في الحكم، ولم يذكر شيئاً من حسناته وفتوحاته وجهاده مع الفرنجة، واكتفى بالقول في نهاية الترجمة:» وكان ناسكاً « [٢٠] . هذه أمثلة من مزالق خفية، أردت التنبيه عليها، والقصد هو تنقيح تاريخنا وتصحيحه، ولم أرد من ورائها تنقص ابن الأثير، ولا التهوين والإقلال من قيمة كتابه (الكامل) ، فهو مجهود عظيم يستحق التقدير.

стр. 171

سيطرة العادة وتحكيم الهوى من مقومات الجاهلية محمد الناصر كان أهل الجاهلية يعظمون الآباء والأجداد، ويتغنون بمفاخر القبيلة، فهم أكثر الناس عدداً، وأقواهم شكيمة، وأعلاهم نسباً، فالكبر ديدنهم، وعظمة الدنيا تملأ قلوبهم، من كثرة الأموال والبنين إلى الخيل المسومة.. وقطعان الإبل والمواشي. ومع الزمن كانت هذه التقاليد قد أصبحت ديناً، فلا يجوز المساس بها، ولا يصح الخروج عما تعارف عليه أبناء القبيلة الواحدة. كاد الفرد أن يلغي عقله أمام مطالب العادات الموروثة، وعندما أطلت تباشير الدين الجديد اصطدم الدين الحنيف بهذه التقاليد، ولذلك حذر الإسلام من التعلق بالعادات الضالة وندد بفعل أصحابها، وحذر من الوقوع في متاهاتها بعد نعمة الإسلام.. ونستعرض بعض هذه العادات المذمومة كنماذج فقط. الفخر بالأحساب: قال ﵊: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والناحبة -أو قال: النائحة- إذا لم تتب قبل موتها» [١] . دل الحديث على بطلان ما كان عليه أهل الجاهلية من الخصال الرديئة، وورثتهم اليوم طائفة من هذه الأمة تجاوزوا فيها أسلافهم، فتراهم يفتخرون بمزايا آبائهم وهم عنهم بمراحل، فهذا يقول: كان جدي الشيخ الفلاني، وهذا يقول: جدي العالم الرباني.. إلى غير ذلك [٢] . ويذكر ابن تيمية ﵀: أن تعليق الشرف في الدين بمجرد النسب هو حكم من أحكام الجاهلية الذين اتبعتهم عليه الرافضة وأشباههم من أهل الجهل.. ولهذا ليس في كتاب الله آية واحدة يمدح فيها أحداً بنسبه ولا يذم أحداً بنسبه، وإنما يمدح بالإيمان والتقوى، ويذم بالكفر والفسوق والعصيان، ثم استشهد بالحديث الشريف: «أربع من أمر الجاهلية» ، وقد سبق ذكره، فجعل الفخر بالأحساب من أمور الجاهلية « [٣] . لقد غلا القوم في تعظيم الأسلاف والأكابر حتى حجبهم هذا التعظيم عن قبول دين الحق، فحال هذا التقليد دون إسلام أبى طالب، رغم اعتقاده بصدق ابن أخيه ﷺ وما كان عليه من هدى. وفي (الصحيح) عن ابن المسيب عن أبيه قال:» لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاء رسول الله ﷺ وعنده عبد الله بن أبي أمية وأبو جهل، فقال: ياعم؛ قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله. فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ ، فأعاد عليه النبي ﷺ ، فأعادا، فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا ... الله « [٤] . والعصبية والتمسك بتراث الأسرة والعشيرة هو الذي جعل أبا جهل يقول: تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تحاذينا على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك مثل هذا؟ ، والله لا نؤمن به أبداً ولا نصدقه [٥] . لقد رفض الإقرار بالحق، وبالقرآن الذي استمع إليه خلسة مع نفر من أصحابه من رسول الله ﷺ في جوار الكعبة، وتأثروا بما سمعوا.. لكنها التقاليد والعادات والحفاظ على موروثاتها. كان المشركون يستكبرون على المرسلين، [إنَّهُمْ كَانُوا إذَا قِيلَ لَهُمْ لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * ويَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ] [٦] ، فالتكبر والإعراض والجمود على العادات السقيمة كانت من أمراض الجاهلية وما تزال. والثأر: عادة متأصلة، تسببت في حروب لا تنطفىء، وكان الثأر من أرسخ عادات الجاهلية وأقواها أثراً.. وكثير من أيام العرب كان السبب الأول فيها الثأر، كحرب البسوس، وأيام الأوس والخزرج وغيرها. وقبيل فتح مكة المكرمة اعتدى بنو بكر على خزاعة في وقعة الوتير، ثم ألجأوهم إلى الحرم قالت عندها بنو بكر لقائدهم نوفل بن معاوية الديلي: يا نوفل، إنا دخلنا الحرم، إلهك إلهك، فقال كلمة عظيمة: لا إله اليوم، يا بني بكر: أصيبوا ثأركم، فلعمري إنكم لتسرقون في الحرم، أفلا تصيبون ثأركم فيه؟ [٧] . لقد نسي نوفل هذا قدسية الحرم (عندهم) ، وتجاهل حتى التأدب في ألفاظه في سبيل إصابة الثأر. وكان من هذا القبيل أن صحابياً فاضلاً (وهو: عبد الله بن عبد الله بن أبي سلول) يعرض على رسول الله ﷺ أن يقتل أباه رأس النفاق، لما بلغه قوله: [لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ] ، لأنه يخشى إن قتله مسلم ألا تطاوعه نفسه فيثأر فيقتل مسلماً بمنافق:» وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس فاقتله، فأقتل مؤمناً بكافر فأدخل النار [٨] . عادات وأعراف ليس من السهل التخلص منها بسرعة ... العادات متأصلة قضى الإسلام على السيء منها، وأحل محلها تشريعات عادلة.. حرم إراقة دم المسلم، [ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ولَعَنَهُ وأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً] [٩] . وجعل إقامة الحد للحاكم المسلم، فنظم الحقوق، وشفى النفوس، [ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلاَّ بِالْحَقِّ ومَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِف فِّي القَتْلِ إنَّهُ كَانَ مَنصُوراً] [١٠] . إن الإسلام قضى على عادة الثأر بتشريع القصاص: [ولَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] [١١] . وفي أيامنا هذه يقتل البريء -فى كثير من الحالات- ويترك الجاني، لأن أهل القتيل لم يستطيعوا التوصل إليه، وتناسى الناس مدى حرمة دم المسلم، وانتكسوا في الجاهلية من جديد. التقليد الأعمى: أهل الجاهلية كان دينهم مبنياً على أصول، أعظمها التقليد، فهو القاعدة الكبرى لجميع الكفار من الأولين والآخرين كما قال تعالى: [وكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إنَّا وجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وإنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ] [١٢] . [وإذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَ لَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً ولا يَهْتَدُونَ] [١٣] .. إلى غير ذلك مما يدل على أن أهل الجاهلية كانوا في ربقة التقليد لايحكمون لهم رأياً ولايشغلون فكراً، ولذلك تاهوا في أودية الجهالة، وعلى طريقتهم كل من سلك مسلكهم في أي عصر كان. فأهل الجاهلية جعلوا مدار احتجاجهم على عدم قبول ما جاءت به الرسل، أنه لم يكن عليه أسلافهم ولا عرفوه منهم، فانظر إلى سوء مداركهم وجمود ... قرائحهم [١٤] . يقول تعالى: [وانطَلَقَ المَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا واصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي المِلَّةِ الآخِرَةِ إنْ هَذَا إلاَّ اخْتِلاقٌ] [١٥] . إن المتتبع لأحداث التاريخ وتراجم الماضين ليقف حائراً مدهوشاً لما يرى من وقائع مذهلة أقدمت عليها طوائف من الناس، فأسبغت قدسية وتعظيماً على الآباء والشيوخ والأجداد، وأطلقت عليهم من الصفات والنعوت ما يطلق عادة على الآلهة.. ولتقاليد الأسلاف سلطان قوي يخلب ألباب البشر، وسلطان الأجداد والشيوخ يجب أن يقف عند حد معين لا يتجاوزه، وإلا كان وبالاً ومصيبة على البشرية، لا يعرف مداها إلا الله [١٦] . إن اتباع العادات كان سبباً في مجانبة الحق، لأن أصحابها يقدمونها على السنة. يقول الإمام الشاطبي: «من أسباب الخلاف ... التصميم على اتباع العوائد وإن فسدت أو كانت مخالفة للحق، وهو اتباع ما كان عليه الآباء والأشياخ وأشباه ذلك، وهو التقليد المذموم، فإن الله ذم ذلك في كتابه بقوله: [إنَّا وجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ] . وقوله: [قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ] ، فنبههم على وجه الدليل الواضح، فاستمسكوا بمجرد التقليد.. فقالوا: [بَلْ وجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ] [١٧] . وللاستفادة مما كان عليه الآباء ينبغي أن يخضع ذلك للكتاب والسنة، للعلم والهدى، لأنه:» إذا ثبت أن الحق هو المعتبر دون الرجال، فالحق أيضاً لا يعرف دون وسائطهم، بل بهم يتوصل إليه، وهم الأدلاء على طريقه « [١٨] . إن الخطورة تكمن في تحكيم العادات في أمر الناس ولو خالفت الكتاب والسنة، وما من عادة سيئة أو بدعة محدثة إلا وتُميت سُنة نيِّرة.. ولذلك حرر الإسلام العقول من الجمود على الماضي أو العادات الدارجة ذات الإلف إلى النفوس، وسد كل الطرق المؤدية إلى تشويه صفاء التوحيد والعقيدة.. كتعظيم القبور والأضرحة، وما شابهها. قال ﷺ :» لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله «أخرجه الشيخان. وقال ﷺ محذراً من الغلو: » إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو « [١٩] . لقد أهلك الغلو أناساً كثيرين من طوائف هذه الأمة، وسما الإسلام بعقلية المؤمنين، واشترط أن يكون هوى المؤمن تبعاً لأحكام الشرع. وفي الحديث الشريف عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:» لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به « [٢٠] . وهكذا حرم الإسلام الغلو في الرجال وفي المعتقد، وحرم كذلك الأهواء وتحكيم العقول في معارضة الأدلة الشرعية الصحيحة، ومنذ القديم ضلت المعتزلة بسبب تحكيم العقل في كتاب الله، ولاتباع الهوى في التأويل، وكثرة الجدل.. قال- ﵊:» ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل « [٢١] . اتباع الهوى من رواسب الجاهلية: كان أهل الجاهلية يتبعون أعراف الآباء وموروثات الأجداد، فليس لديهم تشريع سماوي، وكانوا يحكمون الشهوة والهوى ونزوة العقل كما يحلو لهم، ذلك أنه لا معبود لهم إلا الهوى صراحة أو مواربة، وعلى» حسب المعبود يكون منهج الحياة، فحين يكون المعبود هو الله يكون منهج الحياة هو المنهج الرباني المبين فيه الحلال والحرام والحسن والقبيح والمباح وغير المباح، وحين يكون المعبود شيئاً آخر يكون منهج الحياة هو الذي يمليه ذلك الشيء المعبود، سواء كان هو الهوى صراحة دون مواربة، أم كان هو الهوى من وراء أستار وشعارات وعناوين! ومن ثم تتعدد الصور في الجاهليات المختلفة، وتلتقي في أنها كلها هوى.. إن يكن هوى فرد بعينه أو مجموعة أفراد أو هوى كل الناس مجتمعين.. فكلها في النهاية ... أهواء « [٢٢] . إن الشريعة حدت من تحكيم الهوى، وضبطت الأمور بالنصوص الثابتة، فحرمت البدع في الدين لأنها تقّول على الله ورسوله؛» لأن الشريعة كانت إذا أخذت في الدروس بعث الله نبياً من أنبيائه يبين للناس ما خُلقوا لأجله، وهو التعبد لله.. وأن الشريعة جاءت كاملة لا تحتمل الزيادة ولا النقصان؛ لأن الله تعالى قال فيها: [اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ] [٢٣] . وفي الحديث الشريف الذي رواه العرباض بن سارية ﵁: «فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ.. وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» [٢٤] . فاتباع الهوى في التشريع حقيقته افتراء على الله تعالى.. يقول تعالى: [أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ] [٢٥] . لذلك كانت البدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ لأن البدعة لا يتاب منها، والمعصية يتاب منها [٢٦] . إن اتباع الهوى والغلو في الرجال والعقائد ضلَّل كثيراً من الفرق، كالخوارج والشيعة. أما الخوارج: فقد غلوا في فهم آيات الوعيد، وأعرضوا عن آيات الرجاء، وأما الشيعة: فقد كان الغلو كذلك أحد أسباب ظهورهم، وابن سبأ اليهودي كان حامل لواء الرفض، ثم كان مقتل الحسين-﵁ مقوياً لتيار الغلو عندهم، ثم استمر خط التشيع في الانحراف حتى وصل الغلو إلى رفع الأئمة لدرجة النبوة، بل وإلى مقام الألوهية عند بعض طوائفهم [٢٧] . وكان تحكيم العقل في القضايا الشرعية وتعريب كتب الفلسفة من أسباب ظهور البدع في المجتمع المسلم، إذ كان المعتزلة قد ضخموا دور العقل في القديم، وكذلك القدرية والجهمية والمرجئة، فقد ضلوا من قبل لتحكيمهم العقل في أمور العقيدة، وعدم قبول أي حديث يخالف ما تقرر في أذهانهم بحكم العقل أو تأويلهم له، فأدى ذلك بهم إلى رد كثير من الأحاديث الصحيحة والطعن في رواتها [٢٨] . ولذلك كان الجدل مذموماً، قال ﷺ : «أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم» [٢٩] . وروي عن الأوزاعي قوله: «إذا أراد الله بقوم شراً؛ ألزمهم الجدل ومنعهم العمل» [٣٠] . وفي العصر الحديث ظهرت طوائف سارت على خُطى المدرسة العقلية الاعتزالية، تحسِّن ما تشاء، وترد من أحاديث المصطفى ما تشاء، لتساير الحضارة الغربية في زعمها، مدرسة عصرية عقلية، بل مدرسة انهزامية أمام حضارة التيه والضياع، تريد التفلت من تراثنا وسنة نبينا لتتبع الناعقين من اليهود والنصارى ولو دخلوا جحر ضب لدخلوه، فقد قال ﷺ : «لتتبعن سَنَن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟» [٣١] . يروى عن الأوزاعي أنه قال: «اصبرْ نفسك على السُّنة، وقِفْ حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكف عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصالح؛ فإنه يسعك ما وسعهم [٣٢] . نعم يسع المسلم اليوم ما وسع سلفه الصالح من التمسك بالسنة الصحيحة، والعقيدة الصافية، وفي ذلك النجاة بإذنه تعالى من الضلال والانحراف وتشعبات الفرق الضالة. حياتنا المعاصرة وبعض صور التقليد المذمومة: في حياتنا المعاصرة، وبعد أن أنعم الله علينا بالإسلام، ترى أن اتباع الهوى والعرف والتقليد، ما يزال يحجب الحق عن عدد كبير من طوائف المسلمين، والغلو بالشيخ أو الزعيم ما زال له دوره، إن هؤلاء» يقلدون شيوخهم في الخطأ والصواب من أفعالهم، ويأخذون عنهم كل ما يأمرون به أو يدعون له، ولا يقبلون بهم نقداً أو نصحاً.. ورغم ذلك يزعم هؤلاء الأتباع أنهم مؤمنون بضرورة التجديد والتغيير ووجوب التمسك بالبينة والدليل «. » تُرى لو جمد عقل صلاح الدين الأيوبي على مثل هذه الأفكار هل كان قادراً على دحر قوات العدو، وتحرير القدس وبلاد الشام من دنس الصليبيين والباطنيين العبيديين؟ وهل كان شيخ الإسلام ابن تيمية قادراً على إصلاح ما فسد من عقائد الناس، وتوحيد كلمة المسلمين وجمعهم على مواجهة التتار، وما أعقبه من نصر؟ «. » مثل هذه المناهج لا تصلح أن تكون أساساً للتغيير ووحدة صف المسلمين وإذا كان الأمر كذلك فلماذا لا نختصر الطريق، ونعود إلى التمسك بالمنهج الأول الذي صلح به أمر هذه الأمة من قبل؟ ولا صلاح لأمتنا اليوم إلا به [٣٣] . قال ﷺ : «إن الإسلام بدأ غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ» [٣٤] . لابد من العودة إلى منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله، وإن تقديس الأضرحة والتبرك بها، والتعلق بخرافات التصوف وتهويمات المشايخ، أبعد كثيراً من المسلمين عن منهج السلف الصالح والتقيد بالكتاب والسنة. إن الغلو في الشيخ أو الأمير أبعد كثيراً عن تحكيم دينهم، لأنه لا يمكن أن يفهم هؤلاء كفهْم الشيخ أو الزعيم، لأن الفتوى جاهزة، وهذا بلاء وفتنة، وتربية الأتباع لا الأحرار. قال ابن عباس ﵀: «يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء؛ أقول: قال رسول الله ﷺ وتقولون: قال أبو بكر وعمر!» . وقال الإمام الشافعي: «أجمع العلماء على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد» . وقال أيضا: «إذا صح الحديث فاضربوا بقولي عرض الحائط» . وقال الإمام مالك: «ما منا إلا راد ومردود عليه، إلا صاحب هذا القبر - ﷺ » . وقال: «ما كان من كلامي موافقاً للكتاب والسنة فخذوا به، وما لم يوافق فاتركوه» [٣٥] . إلا أن التقليد دفع البعض في العصور المتأخرة إلى التعصب الذميم البشع لآراء الأئمة وأقوالهم، وتقديمها في أحيان كثيرة على النصوص الصريحة المخالفة لهذه الآراء والأقوال ... « [٣٦] . رغم أن الأئمة كانوا ينهون من أخذ عنهم من مغبة التقليد دون معرفة الدليل الشرعي الذي أخذوا عنه رأيهم، وأن الأئمة أنفسهم كانوا يرجعون عن رأيهم إذا تبيَّن لهم الدليل. قال الشاطبي ﵀:» ولقد زل بسبب الإعراض عن الدليل ... والاعتماد على الرجال أقوام خرجوا بسب ذلك عن جادة الصواب والتابعين، واتبعوا أهواءهم بغير علم، فضلُّوا عن سواء السبيل « [٣٧] . وأخيراً: لابد من العودة إلى منهل النبوة الصافي وما كان عليه سلف هذه الأمة، وطرح الأعراف والبدع المستحدثة. اللهم جنبنا الهوى وابعدنا عن الزلل. والحمد لله رب العالمين.

стр. 172

شعر كسرى عبر العصور شعر: محمد أمين أبو بكر كان كسرى سيِّدَ البلدانِ في الشرقِ الحزِينْ تسجدُ القطعانُ في ميدانِهِ تُعبَدُ النيران في بُلدانِهِ تُذعِنُ الأقيالُ في إيوانِهِ ترقُدُ الأصقاعُ في أحضانِهِ كان علجاً ثابتَ الأركان في كلِّ مكانْ يقهر الفرسان يرميهم إلى، بئر الهوانْ يزهق الأرواحَ بالآلاف من، أجل بقاءِ الصولجانْ في ربوع الكون أعلى برج عزٍ ثابت البنيان * * * فجأة شعَّتْ شموسُ الحق في ذاك الزمانْ تأكل الأحقادَ والأحلاكَ، تسمو بالحنانْ تجعل الأنجادَ والأغوار في الدنيا جِناناً في جنانْ في حماها كان ميلادُ الحضارةِ والسعادةِ والمنى والعنُفوانْ * * * في ظلال الحقِّ والتوحيدِ والعزم الأكيدْ زلزل الإسلامُ عرشَ الظلمِ والطغيانِ، والكفر العنيدْ فازدهت بين الروابي الخضرِ أنسامُ الأمانْ لم تدع في الأرضِ مخلوقاً، حزيناً أو كئيباً أو مهانْ * * * ثم جاءتنا عهودٌ، نامَ أبناءُ الأباةِ الفاتحينْ عن دروب المجدِ عن أبواب أسوارِ القلاعِ الشُمِّ والحصنِ الحصينْ عن لصوصٍ داهموا بيتَ علي وأبي بكر وعثمان وكلِّ المسلمين واستطابوا النومَ في ليلِ الهوان الُمرِّ دونَ العالمين واستماتوا في حَمى التمثيل والتلحين في ظُلَم السنين والتقَوْا في موكب الرقص أُسوداً تتحدَّى كلَّ أشكالِ الَمنُونْ فافتَقدْنا كلَّ أسفارِِ العصور، الغرِّ وانتُهِبَ العرين واستفاقت بعد طول النوم أنيابٌ لكسرى تُغرقُ الأصقاعَ في حقدٍ جَديدْ تستطيبُ النهشَ في الشعب الشريدْ استباحَت في الدياجي، كل طهرٍ في إمام أو عظيم أو شهيدْ لم تدعْ فينا صغيراً أو كبيراً، أو يتيماً أو وليدْ دون أن تُصليه نار القهرِ والترويعِ، والحقد الشديدْ تنهشُ الأطفال في حيِّ الخيام السودِ في ليلِ الزمانْ تزهق الأرواحَ في القدس وفي لبنانَ، في كل مكانْ تدفن الأحلامَ والأمجادَ، بين مقابرِ الجولانِ والأغوارِ، في ليل الهوانْ استباحت كلَّ أرماسِ الأولى، أحقاد ليل كسرويَّه وارتوت أظفار (بن غوريون) من، سمل العيونِ القرشيِّه في حمى إجرام أيد عربيِّه جددت في الأرضِ أنهارُ دماءٍ سيرتها في ليالي التيه أحقاد جيوشٍ تتريِّه في دياجٍ ما رأينا مثلها، حتى زمان الجاهليَّة حين أضحى في ربوع العربِ، من باعوا لكسرى سيف سعدٍ، ثم أهدوه خيولَ القادسيَّة فى ربوع العرب من بيعوا لكسرى كي يضيعوا بين أظفارِِ المنيَّة في ربوع العرب من أنسى شعوب العرب، ما لاقته من كِسرى عياناً عندما خانوا أمانات العصورِ الراشدية يوم عاموا في بحار الظلم، والطغيانِ في دم القضيَّهْ ثم هدَّوا كل أسوار بناها زحفنا الهدَّارُ في عهد " صلاح الدينْ " يوم خانوا كل ما ائتُمنوا على أسرارِهِ من نور أمجاد الكماة الغابرينْ فارتوى " دايانُ " من دم الشهامة والكرامة والإباءْ وانتشى " شارونُ " في تمزيقِ أشلاء المروءةِ والوفاءْ وانتهى " بيريزُ " من سلب خيول قادها " عقبة " في عصر العطاءْ واشترى ما شادَهُ " عمروٌ " وأعلا صرحَهُ يوماً بأنهار الدماءْ يوم باعوا كل أسياف الأباةِ الفاتحينْ يوم أهدوا للصوصِ الحاقدينْ كل ما شادته في " اليرموكِ " في، " حطينَ " في " جالوتَ "، أفواجُ الأباةِ الخالدينْ هكذا ظَنُّوا قطافَ النجم من عليائِهِ هكذا خالوا بناءَ المجدِ في هذي السنينْ.

стр. 173

شؤون العالم الإسلامي ومشكلاته المجاعة في الصومال إن قومي يقاسون المرض والجوع.. إننا نفنى فناءً بطيئاً!!.. وخلال وقت قصير سوف لن يبقى منّا أحد! .. بإمكانك رؤية هذه المأساة البشرية، مقابر أهلينا وهياكل ماشيتنا باتت في كل مكان «. بهذه الكلمات الحزينة والنبرات المؤثرة وصف شيخ قبيلة صومالي -لأحد الصحفيين الغربيين- الحالة المأساوية التي يعيشها إخوانه المسلمون في تلك البقعة من العالم الإسلامي. فمنذ مطلع هذا العام والصومال -ذلك البلد الأفريقي المسلم- يئن تحت وطأة المجاعات وحالات الجفاف التي تتوالى منذ حين، والتي أتت على كل شيء، وخلفّت وراءها عشرات الألوف من الموتى ومئات الألوف من المرضى والهلكى، أمّا الناجون فكثيرٌ منهم -إن لم نقل: جلّهم- قد باتوا في حالة صحية متردية من جراء سوء التغذية، هذا وتعيش المناطق المنكوبة حالة شلل اقتصادي تام، لاسيما بعد شروع الآلاف من أفراد القبائل -من الذين أنهكهم الجوع والظمأ- بهجرات جماعية، تاركين وراءهم أمتعتهم وممتلكاتهم، قاصدين أطراف المدن والقرى بحثاً عما قد يسدون به رمقهم، وقد أقيمت للنازحين -الذين يربو عددهم على النصف مليون- مخيمات مؤقتة في العراء وتحت أشعة الشمس الحارقة، ولا يجد النازحون ما يستظلون به سوى جلود ماشيتهم التي يتخذونها أسقفاً تقيهم لهيب أشعة الشمس، وتسود المخيمات أجواء صحية سيئة للغاية، حيث يعيش ساكنوها في ظروف وضيعة لا تليق ببني الإنسان، فقد انقلبت هذه المخيمات إلى محل لرمي النفايات والفضلات، ومكان لقضاء الحاجات. وهكذا فقد بات انتشار الأمراض الفتاكة كالكوليرا والدوسنتاريا أمراً وشيك الوقوع، مما ينذر بمزيد من الضحايا، نظراً لضعف المناعة البدنية التي آلت إليها حالة الغالبية بسبب حدة سوء التغذية، لاسيما بين الأطفال الذين تعرض كثير منهم إلى حالات فقدان الوزن بدرجة تنذر بالخطر -حسب تقرير إحدى منظمات الإغاثة العالمية-، وذلك بسبب النقص الشديد في المواد الغذائية وسوءها والذي من أحد مضاعفاته مرض ذات الرئة الذي أخذ هو الآخر يحصد المئات من الأطفال في غياب الأدوية والمضادات الحيوية، التي كان من واجب منظمات الإغاثة العالمية توفيرها كأبسط احتياط أولي لمثل هذه الحالات المتكررة الحدوث في بلد فقير كالصومال. قحط وجفاف متواصل: وتأتي حالة الجفاف التي تجتاح الصومال اليوم امتداداً لما عاناه -ومازال يعانيه- على مدى الأعوام الثلاثة الماضية من انخفاض شديد في معدل سقوط الأمطار، وجفاف كان سبباً في هلاك أعداد ضخمة من المواشي والجمال، فقد تحدثت وكالات الإغاثة العالمية عن هلاك ما يربو على ٧٨% من الأغنام والماعز، و٦٦% من الدواجن، و ٥٣% من الجمال، وإن هول الفاجعة ليعظم في عين القارىء إذا ما علم أن ٧٠% من الصوماليين هم من البدو الرعاة الذين ليس لهم ما يعتمدون عليه في معيشتهم سوى هذه المواشي، وما تنتجه لهم كمصدر وحيد لأسباب البقاء. وهكذا فإن نمط العيش في هذا البلد هو من النوع الهش الشديد التأثر بتقلبات الطقس التي تأتي أول ما تأتي على الثروات الحيوانية التي هي للصوماليين كالأرض بالنسبة للمزارع، فإذا ما سلب الأرض حرم من سبب العيش، إلا أن يرحمه الله. هذا بالإضافة إلى أن هذه الثروة الحيوانية الضخمة تشكل العمود الفقري للاقتصاد الوطني في الصومال، كما أنها تمثل المورد الرئيسي للعملات الصعبة، باستثناء المساعدات المالية التي يحصل عليها من قبل بعض الدول والهيئات والتي لا تخلو من شروط مسبقة، ولا أدَلَّ على حيوية الثروة الحيوانية وأهميتها كعنصر أساسي في اقتصاد هذا البلد مما نشر في البيانات الاقتصادية من أن صادرات هذه الثروة قد بلغت في عام ١٩٨٦: ما مقداره ١٣٥ مليون دولار، ومع أنَّ هذا الرقم يشكل ٨٠% من واردات العملة الصعبة. فإذا ما تذكرنا تلك الإحصائيات التي نشرتها المنظمات العالمية عن الخسائر التي حلت بالثروة الحيوانية تجسدت لنا المأساة التي حلت بذلك البلد المسلم. الصومال تقرع أجراس الخطر: في أواخر العام الماضي ١٩٨٦ م بدأت وزارة الثروة الحيوانية الصومالية اتصالات أولية مع هيئة برنامج التنمية التابع للأمم المتحدة -ومهمته التنسيق مع باقي هيئات الإغاثة الدولية-، تحذرها من مغبة تحوُّل حالة الجفاف التي تجتاح البلاد -والتي طال أمدها- إلى مجاعة واسعة وخيمة العواقب قد تودي بحياة العشرات من الألوف من السكان. وفي مطلع هذا العام ومع بداية شهر شباط عاودت الجهات الحكومية اتصالاتها وإنذاراتها لجمع من منظمات وهيئات الغوث الدولية وبشكل رسمي - خطِّي هذه المرة-، مشعرة إياها بوشوك وقوع كارثة في المناطق المتضررة من جراء طول موسم الجفاف، كما وزعت الحكومة مذكرات مفصلة وضحت فيها حجم المساعدات الضرورية المطلوبة من مأكل ومأوى، والتي كان من الواجب توفيرها قبل حلول شهر آذار من هذا العام، في الوقت الذي لم يكن قد سجلت فيه بعد أية حالة وفاة بين السكان. ومما يجدر ذكره: أن الإحصائيات الحكومية هذه جاءت مطابقة فيما بعد لما نشرته اثنتان من كبريات وكالات الإغاثة الدولية - وهما (أوكسفام) [١] واليونيسيف من بيانات تشير إلى مدى تدهور الوضع الصحي لدى السكان، هذا بالإضافة إلى قيامها بلفت أنظار أكبر عدد ممكن من هيئات الإغاثة الدولية - ممن يعنيهم الأمر- إلى حقيقة ما يجري هناك. لقد قرعت الصومال أجراس الخطر، وجاءت نداءاتها واستغاثاتها مبكرة وفاسحة المجال أمام كل من تحدثه نفسه القيام بأي عمل غوثي.. لقد حدث كل ذلك إلا أن صدى قرع أجراس الخطر تلك لم يكن سوى التفرج والصمت التامَّين؟ ! ... صيحة في واد ... ! لقد جاءت نداءات واستغاثات الصومال صيحة في واد ... ! لقد أدارت الوكالات والهيئات الدولية آذاناً صماء لتلك النداءات على كثرتها وحدّة نبراتها، والتي جسدت بؤس ومأساة أولئك العزل من الناس، الذين لم يعد لهم حول ولا قوة سوى استقبال الكارثة التي باتت في انتظارهم. ومما زاد من تفاقم تلك المأساة وحدتها: تلك الخلافات التي نشبت بين هيئات ومنظمات الغوث، والتي كان مبعثها -حسبما ذُكر في تقارير المتتبعين لتطورات الوضع هناك - (التنافس) ... ! ولا ندري ما طبيعة ذلك " التنافس؟ وعلى أي شيء كان يدور؟ أَعَلَى الزج بأكبر عدد ممكن من تلك الهياكل البشرية المتحركة في ميادين الصراع مع الجوع والظمأ؟ أم على التلذذ بمنظرها وهي تتساقط في ساحات الفناء الواحدة تلو ... الأخرى؟ ! ! وكنتيجة طبيعية لهذا " التنافس " فقد انعدمت بين هذه الهيئات " المتنافسة " أدنى مستويات التنسيق والتعاون، فعلى سبيل المثال لا الحصر ترفض: إحداهنّ (منظمة الصحة العالمية) -في مطلع شهر نيسان من هذا العام- طلباً للأخرى (منظمة اليونيسيف) مقدماً من الجهات المحلية للبحث في قضية وفاة [٢٦] شخصاً بعد إصابتهم بمرض الإسهال، بحجة عدم قيام تلك الجهات بإبلاغها مباشرة! ! وأخشى ما نخشاه أن يكون غياب التنسيق هذا والذي مبعثه التنافس هو في حقيقة أمره ثمرة لتنسيق وتخطيط خبيثين تحوكه أيادي القائمين على إدارة دفة هذه الهيئات من اليهود والصليبيين -كما سيتبين بعد قليل-، الذين لا يرقبون في مسلم إلا ولا ذمة، ولا يدعون فرصة إلا واستغلوها أبشع استغلال للوصول إلى مآربهم في النيل من أبناء المسلمين، حتى ولو كان باسم إغاثتهم. ومن نفس المنطلق هذا ترفض منظمة الصحة العالمية القيام بمسؤولياتها على ضوء النتائج التي خرجت بها منظمة اليونيسيف في أعقاب عملية المسح التي أجرتها، بحجة أن هذه النتائج كانت على جانب شديد من المبالغة والتهويل! ! ومن الملفت للنظر حقاً، أن رفض منظمة الصحة العالمية لنتائج هذه المسوحات المقدمة إليها لم يقتصر على المنظمات والهيئات التي تخوض حالة تنافس معها فحسب، بل إنه تجاوز إلى أكثر من ذلك ليشمل منظمات أخرى كمنظمة " أوكسفام " التي انتقد تقريرها انتقاداً لاذعاً، على الرغم من شمولية بياناته ودقتها، والتي جاءت محذرة من تفشي حالات سوء التغذية التي ظهرت في بعض الأقاليم. الدور الأميركي: وعلى الرغم من كل ما قامت به منظمة الصحة العالمية من ممارسات خبيثة في حق مسلمي الصومال، إلا أن ذلك لم يؤهلها للوصول إلى دور الصدارة في (مسرحية الإغاثة) هذه، بل لقد أسند هذا الدور إلى الولايات المتحدة الأمريكية ومنظماتها (الإنسانية) ، ولا غرابة في ذلك البتة؛ فهي التي عودتنا أن يكون لها النصيب الأكبر في هذا الطراز من الجرائم التي ترتكب في حق الشعوب المغلوبة، كيف لا واليهود لهم أكبر نصيب من إدارة دفة الأمور فيها؟ ! ويأتي دور أمريكا هذا عبر منظمتها المسماة الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، وهي تعتبر أكبر مصدرٍ للإعانات الغذائية في العالم، كما أنها تأتي في طليعة هيئات الإغاثة الدولية -بالنسبة للصومال- من حيث النفوذ الذي تتمتع به وحجم المساعدات المفترض تقديمها له. ولعل دور هذه الوكالة التآمري في مسرحية الإغاثة هذه يرتسم في مخيلة القارىء إذا ما علم أن ممثل دولة الصومال لديها هو يهودي اسمه ليو كوهين (lew cohen) ! ! والممارسات المشبوهة لهذه الوكالة كثيرة قد لا يتسع المقام لذكرها، لذا فإننا سنكتفي فيما يلي بذكر شواهد مُنتقاة من تلك الممارسات بالقدر الذي يفي بالغرض، ولكي تتضح الصورة: فلقد كانت المرة الأولى التي فاتحت فيها الحكومة الصومالية هذه الوكالة في ٧ / ٢ /١٩٨٧م، وفي حينها طلبت مساعدات ملحة على شكل مواد غذائية وعقاقير طبية. إلا أن رد هذه الوكالة " الإنسانية " لم يأت إلا بعد عشرة أيام وبالتحديد في ١٧ / ٢ /١٩٨٧ م، وعبر الكليمات المعدودة التي احتواها الرد قال كوهين: إنه حسب توقعاته، فإن ما لدى الحكومة من احتياطات غذائية يكفي لتغطية هذه الطلبات. أما بالنسبة لما تتطلبه عملية توزيع هذه المواد من نفقات؛ فيقول كوهين: إن الوكالة ربما تقوم بمساعدة مالية لتغطية هذه النفقات، على أن هذه المساعدة لن تتخذ شكل إعانات مالية جديدة، بل إنها تأتي من أرصدة ما يسمى بـ (٤٨٠ pL) ، وهذه عبارة عن عوائد مالية كانت الحكومة قد حصلت عليها من مبيعات مواد غذائية -في السوق المحلية- جاءتها عن طريق هذه الوكالة. ومما يجدر ذكره: أن الأرصدة الآنفة الذكر تقع بصورة مباشرة تحت هيمنة الوكالة الأمريكية، ولا يسمح للحكومة بمسها أو التصرف بها البتة، إلا بعد الحصول على موافقة الوكالة أولاً! ! هذا ولم تكن الحكومة في رسالتها الثانية أوفر حظاً منها في المرة الأولى، على الرغم مما تضمنته من تأكيدات من أن وزارتها المالية قد باتت في حالة عجز تام، ومن أنها لم تعد قادرة على القيام بمسؤولياتها. وحينما يأتي دور تحديد حجم الضحايا فللوكالة موقف آخر أقرب للطرفة منه للواقع، ولا غرابة في ذلك، لقد قدرت الحكومة عدد المتضررين -من الذين باتت حالتهم الصحية في أمس الحاجة إلى عون طبي- بـ (٨٨٠) ألفاً، أما الوكالة الأمريكية فإنها -وبطبيعة الحال- لا ترى ذلك، بل إنها شددت على أن عددهم -أي: المتضررين- لا يجاوز بحال العشرين أو ربما الثلاثين ألفاً! ! وأغرب من ذلك: رفضها لطلب الحكومة بتوفير ما مقداره (١٣٥٠٠) طن من الحبوب لإغاثة أسوأ الأقاليم تضرراً الأمر الذي يتطلب توفير مبلغ (٥٥٠) ألف جنيه استرليني للقيام بهذه العملية، علماً بأن المبلغ المذكور يكفي -زيادة على ثمن ونقل وتوزيع الحبوب- لتوفير كميات أخرى من الحليب المجفف وزيوت الطهي، إلا أن رد الوكالة كان منطلقاً من (قناعتها) من أنه من غير المعقول أن تتجاوز تلك الاحتياجات الغذائية حدّ الـ (٤٥٠) طن! ! وهذا يعني: حصر النفقات الكلية بما لا يزيد على (٧٠) ألف جنيه استرلينى! ! وعلى الرغم من تزايد حالات الوفيات المبلغ عنها مع حلول منتصف شهر نيسان من هذا العام-حيث سُجلت مئات من حالات الوفاة بين الأطفال بسبب سوء التغذية المشار إليها آنفاً-، فإن رسائل الوكالة الصادرة في تلك الفترة كانت ما تزال تصف الحالة بأنها ليست حرجة، إلا أنها تسترعي الاهتمام! ! وفي الفترة ذاتها وبالتحديد في ١٣/٤/١٩٨٧م، كتبت وزارة الداخلية الصومالية إلى الوكالة الأمريكية معبرة عن صدمتها لطبيعة الردود الاستخفافية التي تلقتها رداً على رسائل الاستغاثة التي بعثت بها، ومطالبة إياها باتخاذ مواقف أكثر جدية تجاه تطورات الأحداث. إلا أن المراسلات التي توالت بين الطرفين فيما بعد لم تسجل أي تراجع ملحوظ في ردود الوكالة عن نمطها الاستهتاري المعهود، وهكذا فقد بقيت أقاليم وسط الصومال بدون أي إعانات غذائية، باستثناء كميات متواضعة جداً -وصلت من دول مجاورة- لا تتناسب وحجم الكارثة، وبقي الحال على ما هو عليه، حتى إذا ما حل شهر حزيران من العام نفسه غطت موجات المجاعة المكتسحة تلك الأقاليم (فدج، هيران، جل جدود) ، وخلّفت وراءها الخراب والدمار وأعداداً مخيفة من الموتى بشكل لم يشهده تاريخ المنطقة قط، وبذلك تحققت أحلام كوهين وأقرانه.. وهذا الذي ذكرناه ليس إلا غيضاً من فيض، وما هو إلا جزء يسير مما استطاعت أقلام وعدسات الصحفيين الوصول إليه وتغطيته، ولا شك أن ما خفي أعظم وأهول. وبعد.... ونحن -في هذا المقام- إذ نلفت الأنظار إلى أحابيل هذه المنظمات المشبوهة ومؤامراتها الإجرامية على الصومال -وأمثاله من الدول المغلوبة-، لابد من كلمة أخيرة حول الدول التي تعاني من المشاكل الاقتصادية الخانقة، حيث إن الظروف الطبيعية والحوائج المعيشية مثل القحط والجفاف ليست هي المسؤول الأول عن حالة البؤس والمصائب التي حلت بشعوب هذه الدول، وإنما سلوك الذين يقبضون على زمام الأمور هناك من أكبر العوامل التي ساعدت على إفقار هذه الشعوب وتجريدها من كل شيء، لا من الأشياء التي تشكل قوام حياتها المادية فحسب. وإن التخبط، وقصر النظر، وسوء التخطيط، وخراب الذمم، وإنفاق مال الأمم على ما لا يجدي ... كل ذلك ينبغي أن لا يستبعد من الحسبان عند تحليل تلك الأوضاع.

стр. 174

إندونيسيا - فساد ١٤ أيلول (سبتمبر) - قالت وكالات الأنباء: إن القوات المسلحة في أندونيسيا حثت الحكومة على اتخاذ إجراءات صارمة لمكافحة الفساد في البلاد. وقال السيد سويجينج ويجايا المتحدث باسم القوات المسلحة في البرلمان للصحفيين: إن الجيش يريد أن يرى اتخاذ إجراء صارم للقضاء على الفساد بين المسؤولين. وفي تعليقات شديدة اللهجة نشرتها اليوم صحيفة (انجكاتان بيرسنجاتا) التي تصدرها القوات المسلحة، وعدة صحف أخرى، كشف السيد ويجايا عن أن الجيش اتخذ إجراءً صارماً لم يحدده، ضد أفراد فيه ارتكبوا مخالفات. ولم يذكر تفاصيل أخرى. ويشغل الجيش في أندونيسيا (١٠٠) مقعداً في البرلمان المؤلف من (٥٠٠) مقعداً. وجاءت تعليقات السيد ويجايا في إطار تركيز جديد على فساد مزعوم في البلاد. وقد دعا بعض المسؤولين إلى مطالبة جميع الوزراء وكبار موظفي الحكومة وأعضاء البرلمان بإعلان موقفهم المالي قبيل تولي مناصبهم. وفي آب (أغسطس) الماضي: نفى الرئيس سوهارتو علناً مزاعم اختلاس من صندوق خيري تديره زوجته. التعليق: هل إندونيسيا غير مثيلاتها من دول العالم الثالث؟ وهل حكامها من صنف آخر غير الأصناف التي ابتليت بها ملايين المسلمين في العالم؟ وإذا كانت أندونيسيا بحراسة مبادئ (الباتشاسيلا) العتيدة قد فتحت أبوابها وجزرها لرياح التبشير النصراني من كل نوع، واحتضنت وأحيت كل العقائد والمفاهيم الوثنية هناك، فمن سيسألها عن الفساد؟ ومن سيحاسبها عن الأموال التي تذهب إلى جيوب (المحاسيب) ؟ . وإننا لبعد المسافة، ولعدم معرفتنا باللغة الأندونيسية، لا نعرف اللقب الذي أنعم به على مديرة (الصندوق الخيري) هناك. ولكن إلى أن يتحقق لنا العلم بذلك فسوف نمنحها لقباً مما يحفل به تراثنا الحديث من ألقاب، مثل: (السيدة الأولى) أو (سيدة أندونيسيا الأولى) أو (الماجدة ... ) أو إن لم يعجبها لقب قادم من الشرق الأوسط فنحيلها على الجيران في الفلبين فقد أصبح عندهم لقب شاغر للتأجير، نعني: [إميلدا ماركوس رقم (٢) ] .

стр. 175

كلمة حول أحداث الحرم وقعت أحداث الحرم بينما كان العدد الثامن تحت الطباعة.. وهذا أول عدد يصدر بعد هذه الأحداث، ولأننا نعتقد بأن الفتنة التي افتعلت في بيت الله الحرام ليست حدثاً طارئاً تزول آثاره بعد بضعة شهور؛ لذا وجدنا بأنه من الواجب علينا تنبيه القارئ إلى حقيقة ما يدبره هؤلاء ضد أمتنا الإسلامية، ونوجز كلامنا في النقاط التالية: من يتتبع مسيرة بعثات الحج الإيرانية منذ قيام ثورتهم وحتى وقوع فتنتهم الأخيرة يعلم أنهم يخططون لما هو أبعد مما يسمونه مظاهرة سلمية. وأنهم ليس في سجلهم البعيد والقريب أي نقطة إيجابية لصالح المسلمين، بل هو مملوء بالكيد والتنسيق مع أعداء الإسلام في الداخل والخارج. والتاريخ الإسلامي زاخر بالشواهد على أن هؤلاء الباطنيين يتطلعون دائماً للسيطرة على مكة المكرمة، ومَنْ من المسلمين لا يذكر صفات الذين سرقوا الحجر الأسود، وروعوا حجاج بيت الله الحرام، وذبّحوا آلاف الحجاج الأبرياء الآمنين. والتاريخ يعيد نفسه، وهؤلاء يسيرون على خطا أولئك والأسباب التي يتذرع بها هؤلاء تدعو للضحك والسخرية.. فقد قالوا: إنهم يقومون بمظاهرات سلمية للتنديد بإسرائيل وأمريكا.. فهل إسرائيل وأمريكا موجودتان في الحرم؟ ! وهل هؤلاء الذين يتخذون من سب إسرائيل وأمريكا في العلن غطاء لأحقادهم المدفونة بعيدون عن إسرائيل وأمريكا كما يدعون؟ ! . إن أقل الناس معرفة -حتى الذين انخدعوا بالشعارات التي رفعها هؤلاء- صار يعرف ما وراء الكذب والبهتان الذي يسترون به مؤامراتهم وأراجيفهم. وإن المسلمين الذين لم يحجب الله بصائرهم وأبصارهم كلهم مجمعون على كره أمريكا، ويعرفون أنها هي السند الرئيسي لإسرائيل، والتي تعمل دائبة وبلا كلل على إجهاض أي توجه إسلامي صحيح، والأخذ بيد كل عدو للإسلام، وليسوا بحاجة إلى هؤلاء الأدعياء كي يبصرونهم بحقيقة أمريكا وإسرائيل. إن هدف هؤلاء الذي أكدته الوثائق لا يقف عند حدود هذه المظاهرات الغوغائية فقط، بل يتعداه إلى ما وراء ذلك، من نشر للفوضى في صفوف المسلمين، وتدمير لبنية مجتمعاتهم، ولئن لم يستطيعوا أن يحولوا هذه البلاد تحت هيمنتهم فهم لم يخسروا شيئاً، فالتنكيل لن يلاحقهم، والتخريب والتدمير لن يمس ما يملكون، وإنما سيقع على من ينخدعون بدعاواهم من الحمقى والمغفلين. وخلاصة القول: أن هذه الفتنة ستستمر باستمرار هؤلاء الذين لا يجيدون إلا فن الشغب وبث الفوضى، والذين جعلتهم أحوال المسلمين المتردية يؤدون دورا هداماً في العالم الإسلامي -ونقول (الإسلامي) وليس العالم الغربي أو الشرقي- عجزت أمريكا وروسيا عن تأديته، والحذر وعدم الاغترار بدعاوى هؤلاء هو الأصل.

стр. 176

محنة جديدة للدعاة في تونس نفذ حكم الإعدام بشابين تونسيين، ونفذت أحكام أخرى تتراوح بين السجن المؤبد والسجن لمدد طويلة بمجموعة أخرى. وقد نقلت وسائل الإعلام العالمية ما صدر عن السلطة التونسية بشأن ذلك. ولا نريد ذكر تفاصيل ذلك، وإنما نريد الإشارة إلى أن نتائج هذه المحاكمة كانت متوقعة، وأن الأحكام لم تصدر يوم النطق بها رسمياً، وإنما صدرت عند بدء الحملة الإعلامية الشرسة التي وظيفتها التمهيد ليكون وقع هذه الأحكام الظالمة خفيفاً على الناس، ولإحداث الصدى التبريري المناسب الذي يحجب العقلية المتغطرسة والمتعجلة التي تتميز بها هذه الأنظمة عند معالجة كل ما له تعلق بقضايا الإسلام والمسلمين. ومنذ أن أسندت الدولة أمر محاكمة هؤلاء إلى محكمة برئاسة المدعي العام للدولة، ظهر أنها لن تكون منصفة ولا عادلة في حكمها على هؤلاء، فكيف يكون الخصم هو الحكم؟ ! . ومن الدعاوى التي ساقتها السلطة للتنكيل: أن هؤلاء اتصلوا بإيران، وقد أكد قادة حركة الاتجاه الإسلامي في بيانات أصدروها بأنه لا صلة لهم بإيران، وأنهم يرفضون سياسة هذه الثورة ومنهجها. ومن جهة ثانية: فإن الذين فروا تحت وطأة المطاردة كان من المنطقي أن يفروا إلى إيران التي ادعى أعداؤهم أنها تساندهم، ولكنا نراهم قد التجأوا إلى جهات معادية لإيران. أما عن القول بأنهم يؤيدون الثورة الإيرانية؛ فإن كثيراً من المسلمين قد أيدوا هذه الثورة، ورجوا منها الخير ثم تراجعوا عن ذلك، وإن من الملفت للنظر أن أجهزة الإعلام عربية وغربية وقفت إلى جانب الإعلام التونسي الظالم وشاركته إصدار أحكامه على هؤلاء الشباب منذ البداية، ولم يتنبه هؤلاء الذين لا يزالون يلوكون ألفاظ التطرف والتعصب حتى عافتها النفوس ومجتها الأسماع أن أساليبهم الفجة هذه هي التي تدفع الشباب المتسرعين دفعاً أن يقفوا منهم هذه المواقف التي يقذفونهم بسببها هذا القذف، ويرمونهم عليها بأقذع الشتائم وأقبح الأوصاف. فأين ادعاءات القائمين على هذا الإعلام بمسؤوليته التربوية والتوجيهية، وحمله لواء الحرية والدفاع عن حقوق الإنسان والكشف عن الحقائق؟ ؛ إننا وبكل أسف لم نلمح ولم نحس حتى ولا من وراء السطور والكلمات أي أثر لتحذير النظام التونسي الإقدام على مثل هذه الجرائم المتكررة لتشويه صورة العاملين للإسلام عموماً، مع أن مواقف هذا النظام في عدم حياده ومجافاته للحق معروفة بدءاً بعلمانيته التي يتفاخر بثمارها، ومروراً بالاستهتار بأركان الإسلام كالصوم، والاستهتار بالقرآن الكريم وبأحكامه، وليست بعيدة تلك الفتاوى التي أصدرها كثير من أفاضل العلماء بردة رئيس هذا النظام وذلك حين تجرأ وسخر من كثير من الأحكام الإسلامية ومما عرف من الدين بالضرورة.. وانتهاء بمنع الحجاب، فقد صرح الهادي خليفة وزير الدولة للتعليم الثانوي والابتدائي بتونس بأنه تقرر حظر ارتداء الطالبات زي المحجبات في مختلف المدارس والمعاهد والكليات [القبس - ١٤/٩/١٩٨٧] . بل إن هذا النظام لا يكف عن الافتخار بما يندى له جبين المؤمن، بل تثور له النخوة العربية، ألا وهو: فتحه لأبواب بلاده لأمواج الفساد العاتية التي تقذف بها الحضارة الغربية باسم السياحة وزيادة الدخل القومي، حتى تحولت تونس الإسلامية على يديه إلى بلد يكاد يفقد هويته، التي إن فقدها فقد تحول إلى (بالوعة) من بالوعات الفساد في هذه الحضارة الراهنة. إننا في (البيان) نستنكر هذه الجرائم ضد الدعاة، ونعتقد أن مسيرة الدعوة إلى دين الله لن توقفها مثل هذه التصرفات في بلد أنجب فحول العلماء والمجاهدين كالشيخ محي الدين القليبي. كما إنها فرصة ليعيد الشباب المسلم في تونس النظر في مواقفهم ومناهجهم التي لم تسلم من دعاوى (العقلانية) ، وليبقوا على وفائهم لمنهج أهل السنة، الذي لو لم يكن له إلا حفظ وحدة المغرب العربي الفكرية، وتجانسه الثقافي لكفت مزية. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

стр. 177

الحضارة المعاصرة الوجه الأخر إعداد: ضيف الله الضعيان «.. والرسالة روح العالم ونوره وحياته،» فأي صلاح للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور؟ ! «» والدنيا مظلمة ملعونة، إلا ما طلعت عليه شمس الرسالة.. « ابن تيمية وأخيراً اعترف الغرب ترجمة وتعليق: محمد عثمان عقال مجلة (بلين تروث) (the plain truth) مجلة تبشيرية تنصيرية، تصدر بسبع لغات، ويوزع منها ٢٠ مليون نسخة شهرياً مجاناً، وقد ورد في عدد أكتوبر ١٩٨٧ منها مقال حول انحطاط المستوى التعليمي في الغرب تحت عنوان: (أعيدوا دور الوالدين في التعليم) . وقد وجدنا من المفيد ترجمة هذا المقال لما فيه من حقائق تحتاج إلى معرفة. المدارس العليا تخرج جهلة وأشباه متعلمين! شباب لا يستطيعون قراءة صحيفة أو كتابة رسالة مفهومة إلا بصعوبة بالغة! ماذا يحدث في مدارس اليوم؟ ! مثال واحد يوضح المشكلة.. طلبة الولايات المتحدة وضعوا صحراء سيناء في فيتنام! بعضهم الآخر قال: إن رئيس وزراء كندا السابق (بيير ترودو) كان لاعب هوكي من مدينة مونتريال فهل هناك أية غرابة إذا كان أولياء الأمور والمربون قلقين من نوعية ومستوى التعليم لدى الشباب؟ وقد كشفت إحصائيات أخرى أجريت في أمريكا في صفوف طلبة في سن السابعة عشرة، قام بها (المعهد القومي لتقويم التقدم التعليمي) عن حقائق مُرَّة: * ثلثان منهم لم يستطيعوا تحديد تاريخ الحرب الأهلية في أمريكا في الفترة ما بين١٨٥٠-١٩٠٠م. * وثلث آخر كانوا يجهلون أن كولومبس أبحر للعالم الجديد قبل ١٧٥٠م، ثم إن إحصائية أخرى أكثر حداثة وجدت أن ٢٠% من طلبة أمريكا لا يستطيعون تحديد موضع أمريكا من خريطة العالم! وكما قال مدير المعهد القومي للدراسات الجغرافية في الولايات المتحدة وفي أسلوب مفعم بالمرارة: نحن الآن قد وصلنا إلى حد أن " جوني " ليس عاجزاً عن القراءة فحسب، بل إنه لا يعرف حتى موضع قدميه! والأغرب من هذا: أن كثيراً من طلبة المعاهد في أمريكا -ممن هم في سن التاسعة عشرة- يجهلون من هي الأطراف المتصارعة في الحرب العالمية الثانية. وهذا الجهل ليس محصوراً في الولايات المتحدة فقط؛ ففي دراسة بريطانية حديثة جاء أن أكثر من نصف الطلبة الذين تتراوح أعمارهم بين ١٥ - ١١ عاماً لا يستطيعون فهم تعليمات إنذار الحريق البسيطة، وأن ٤٤% منهم غير قادرين على حل رموز جداول الحافلات ووسائل الانتقال، هذا وعلى الرغم من إدخال بعض التحسينات الطفيفة على نظام التعليم! فإن المشاكل الأساسية لا تزال قائمة. الحلقة المفقودة: يؤيد كثير من دعاة الإصلاح في الولايات المتحدة فكرة العودة إلى النظام التأديبي القديم في المدارس، ويرون أنه لابد من البدء مرة أخرى بتدريس الأساسيات. في حين أن الغالبية العظمى ترى أن هذا الانهيار يعود إلى ضعف الحوافز لدى المدرسين، وأنهم بحاجة إلى زيادة رواتبهم. ولكن كل هذه الحلول تنقصها مادة وحيدة مفقودة تجاهلتها التقارير، وهي: دور أولياء الأمور في التربية والتعليم. كما أشار إلى ذلك وزير التعليم السابق في الولايات المتحدة (تيرل بال) ، حيث قال بحق: » إن انهيار مستوى التعليم في المدارس الأمريكية في بعض من جوانبه يعكس -إلى حد ما- طبيعة التقلبات على مستوى الأسرة، فلدينا أسر كثيرة يعمل فيها كلا الوالدين، وأسر كثيرة أيضاً لا يديرها إلا شخص واحد (أباً أو أماً) «. ونتيجة للسلبيات المترتبة على مثل هذه الحالات فإن الآباء قليلاً ما يهتمون بالعناية بأولادهم، فهم مثلاً لا يلتفتون إلى متابعة تطور سير دراسة ولدهم إلا حينما يفاجئ أمه بقوله: أماه.. إنني لا أفهم شيئاً. حتى المدرسون بدورهم أصبحوا يتذمرون من اللامبالاة التي يتصف بها سلوك الآباء. ففي مقال لـ (فيكتور فوجس) في جريدة (وول ستريت جورنال) يقول: » مما لا شك فيه أن اهتمام الآباء بأبنائهم، والقيم التي يحرصون على غرسها فيهم هي من العوامل الأساسية التي تحسم مدى نجاح الطفل في المدرسة، فنحن -مثلاً- نجد أن أبناء العائلات الآسيوية التي وفدت حديثاً إلى أمريكا غالباً ما يتفوقون على أترابهم في المدارس الأمريكية والكندية «. ويستطرد مستر فوجس قائلاً: » إن تفوق الطلبة الآسيويين لدليلٍ واضح بأن الاجتهاد في التحصيل، واحترام المدرس، والمشاركة الفعالة من الآباء في متابعة تعليم الطفل يبقى لها الأثر الإيجابي الكبير في التفوق «. إن الآباء الذين يهتمون بتعليم أبنائهم يحصلون على نتائج إيجابية دائماً، وأحسن مثال على ذلك هو: اليابان، فالأم اليابانية تهتم كثيراً بتربية طفلها، كما يقول الأستاذ جورج دي فوس، وهو انثروبولوجي من جامعة كاليفورنيا ظل يدرس حضارة اليابان لمدة ٢٢ سنة، فهو يقول: » إن الأم اليابانية عنصر كبير الأهمية والتأثير في تربية أطفالها، لأنها تجعل من نفسها المسؤول الوحيد عن تعليمه، وتدعم بقوة دور المدرسة، وإن تربية الطفل تبدأ منذ الولادة «. إن السبب الرئيسي في انهيار مستوى تعليم الشباب بشكل عام في الدول الصناعية هو عدم مشاركة الآباء في مسار التعليم، فإن الأب يرسل ابنه إلى المدرسة بين الخامسة والسادسة من عمره، ثم ينتظر من الحكومة أن تتكفل بمهمة تربية وتعليم هذا الطفل. -انتهى المقال- *** هذه حقائق يعترف بها عقلاء الغرب بعد أن أصبح من الصعوبة إخفاؤها، ونسوقها لنؤكد بها تسيباً موازياً في التربية والتعليم في البلاد العربية والإسلامية، حيث إن المستوى التربوي والتعليمي في حالة يشكو منها كل من هو مطلع على حقائق الأمور. وإن معالجة الماديين لمشاكلهم الاجتماعية تظل محكومة بنظرتهم المحدودة، وقد تكون الحقيقة على مقربة منهم، ولكن يجدون الاعتراف بها صعباً، لأنه قد يهدم الأساس الاجتماعي الذي ينطلقون منه برمته. فلا شك أن التمرد على الفطرة، والتحدي الوقح لكل العقائد والأعراف، والتنصل من كل ما تواطأت عليه البشرية ومصلحوها بحجة التطور والحرية، والخروج بالمرأة عن وظيفتها التي خلقها الله، كل ذلك من الأسباب التي ينتج عنها ما اشتكى منه القوم، إن لم يكن هو السبب الرئيسي. ومع أن هذه النتائج يدركها أبسط معلم في مدرسة مارس مهنة التعليم، ويستطيع أن يقيم عليها أمثلة لا حصر لها؛ فإننا وللأسف الشديد ماضون في أغلب بقاع العالم الإسلامي في تشجيع المرأة على الخروج من بيتها بحجج يلوكها دعاة الفتنة وأهل الأهواء، وبالتقنينات التي تدعم ذلك الخروج بشتى السبل، ويساند ذلك إعلام لا يفتأ ليل نهار عن التحريض والإغواء ووصف الوقاحة والجرأة على الذنب والشذوذ بالشجاعة والعبقرية والكفاح. فهل ستكون النتيجة بعد كل ذلك أحسن مما توصل إليه الغرب الذي داس الأسرة وروابطها، وسار شارداً لا يدري إلى أين المصير؟ ! .

стр. 178

من داخل روسيا موسكو - ٢٨ أيلول (سبتمبر) -رويتر: تقول تاتيانا المطلقة الشابة: «عندما تنام طفلتي أشعر بغصة في حلقي، إنني أتوق في الحقيقة إلى صديق يشاركني كل أفراحي وأحزاني، وابنتي الصغيرة تنتظر أباً» . هذه شكوى تاتيانا (٢٨) سنة، في خطاب أرسلته لمحرر عمود: (القلوب الوحيدة) في صحيفة منظمة الشباب الشيوعي، في أوكرانيا. وبتصفح خطابات المحرومين من الحياة العائلية، يستشف القارئ أن السلطات تبذل جهوداً منسقة لتخفيف وطأة مشكلة اجتماعية رئيسية في الاتحاد السوفيتي، وهي: جمع شمل الملايين من العزاب والمطلقين، وكثير منهم لديه أطفال. وإعلانات القلوب الوحيدة فكرة جديدة إلى حد ما في الاتحاد السوفيتي، حيث ... ظلت الأيدلوجية الرسمية تؤكد على مدى سنوات أن الشيوعية قد حطمت الحواجز الطبقية، وأزالت العقبات من أمام العلاقات الإنسانية. وتستجيب أبواب القلوب الوحيدة، مثل العمود الذي ينشر في صحيفة (كومسومولسكوي زناميا) الأوكرانية لشكاوى الباحثين عن الحياة العائلية في بلد ينتهي فيه زواج واحد من كل ثلاث زيجات بالطلاق، ويزيد فيه عدد النساء غير المتزوجات على عدد الرجال غير المتزوجين بدرجة كبيرة جداً. وتقول الصحيفة الأوكرانية التي بدأت نشر عمودها الأسبوعي، وعنوانه: «أنا بانتظارك» منذ أربعة أشهر: أنها تتسلم حوالي ألف خطاب في اليوم. وقال خطاب يُعد نموذجاً لما يتسلمه العمود: «أنتظر عمودكم دائماً وأنا على أحر من الجمر» . وتقول (لود ميلا) ، وهي مطلقة في الرابعة والثلاثين من عمرها، ولها ابن في العاشرة: «لن أصف مأساتي، سأقول فقط: إنه ليس باستطاعة كل امرأة قررت الرحيل ومعها طفل عمره شهر أن يكون رحيلها بعيداً بلا عودة على الإطلاق» ! . وفي خطاب آخر قالت (جالينا) التي تعيش في شبه جزيرة القرم: «أنا في الثانية والعشرين، ولي طفل عمره ثلاثة أشهر، ونفتقد وجود رجل قوي. لقد تخلى رجل عنا، ولكننا لا نعتقد أن كل الرجال مثله» . واشتكت " ليلينا " المدرسة (٢٨) سنة قائلة: «إن زوجي السابق لا يقوم بأي دور في تربية ابننا، وحتى لا يتذكره، ومع كل يوم يمر أزداد اقتناعاً بمدى حاجة ابني إلى أب» . لا للزوجة الموظفة: ومن السمات البارزة في خطابات من رجال سوفييت التأكيد على أنهم لا يريدون أن تكون شريكات حياتهم موظفات طموحات. فقد كتب فالنتين (٢٩) سنة ومطلق، الذي قال إنه يهوى التصوير: «أريد فتاة أو امرأة متعاطفة، عمرها بين ٢٥، ٢٩، تتمتع بشخصية مرحة، وتعرف أشغال الإبرة والطبخ وتوفير جو عائلي مريح» . ويشاركه هذا الأمل ديمتري -كهربائي عمره ٢٤ سنة- الذي قال: " إنه يعيش مع والدته وإخوته، وقال: «أريد فتاة متعاطفة، تطبخ جيداً، وتتمتع بالحيوية والطيبة» . وقال (ألكسندر) (٢١) سنة الذي أتم تدريبه كبحار في ميناء (أوديسا) على البحر الأسود: (عمل البحار صعب، ولكنه يصبح أكثر سهولة إذا انتظرت عودتك على الشاطئ فتاة مخلصة) . ويحرص بعض الرجال على التأكيد على أنهم لا يشربون (الخمور) ، من أجل الفوز بقلوب النساء اللاتي يكرهن معاقرة الخمر. ويقو ل (ألكسندر) : «ليس لدي عادات سيئة، وأحب الرياضة، وأنظر إلى الحياة العائلية بجدية، وأريد أن تكون فتاتي رقيقة، وأن تشاركني اهتماماتي» . وتحرص كثيرات من النساء غير المتزوجات على التأكيد على أنهن سيصبحن زوجات وأمهات ممتازات. وقالت (فالنتينا) (٣٣ سنة) والتي تعمل مدرسة: «أحب الأطفال جداً، ولكنني لم أتزوج، وسعادتي الكبرى في القيام بالأعمال المنزلية» . هذا التقرير يعكس الحياة الاجتماعية في البلد الذي يعد النموذج لتطبيق النظرية الشيوعية ويحاول كاتب التقرير أن يكون حيادياً، وينقل شهادات صادقة من قِبل الرجال والنساء في روسيا، ولذلك فهو يبدو تقريراً وصفياً يحاول التقاط بعض الصور عن الحياة الاجتماعية تحط النظام الشيوعي. إن العقيدة الشيوعية حاولت القضاء على كل الروابط العائلية الموروثة، وسخرت من كل القيم التي أقامتها الأديان واحترمتها الأجيال، مدفوعة بتفسيرها المادي للحياة، ومؤكدة -بسطحية وتعصب ودموية- على أن تاريخ الجنس البشري هو تاريخ البحث عن الطعام فقط. وبعد أن فند العقلاء هذه النظرية حتى قبل أن تطبق؛ هاهي ذي الشعوب التي رزحت تحت نيرها تعبر عن رفضها لها، وضيقها بها، ذلك لأن الفطرة البشرية قد تشوه وتمسخ، ولكن لا يمكن اقتلاعها من جذورها. وفي مكان آخر من هذا العدد من المجلة هناك شهادة أخرى عن الطرف الآخر لهذه الحضارة - وهو الطرف الذي داس الروابط العائلية والقيم الربانية باسم الحرية الفردية-، نظرتان لم تحققا السعادة والاستقرار للجنس البشري، وكل واحدة منهما دعت وتدعو الناس إلى احتقار كل القيم والمواريث الخلقية، بحجة مختلفة مزعومة سواء حجة الإنتاج، أو حجة الحرية الفردية. يفتخر العبيد من أبناء المسلمين بما يسمى بتحرير المرأة سواء في الشرق أم في الغرب، وتعجبهم صورة المرأة هناك، حيث تزاحم الرجال كتفاً بكتف، وتمارس المهن التي كانت إلى وقت غير بعيد وقفاً على الرجال، وتعجبهم صورتها وهي تقود السيارة أو الطائرة، وتقوم بما من شأنه أن يلفت إليها الأنظار، ويوجه إليها عبارات التشجيع؛ ولكن ينسون أو يتناسون أن الأنظار سرعان ما تصدف عنها، أو التشجيع سرعان ما يحجب عنها ليصرف إلى أخرى أصغر منها سناً، وأكثر منها جاذبية، وأنها بعد قليل ستلتفت لترى نفسها وحيدة في صحراء قاحلة، أو في سديم قطبي متجمد. إن المقولة التي قدمت على أن الدولة تستطيع أن تربي وأن ترعى وأن تعول مقولة لا تثبت عند الفحص والاختبار، فلئن استطاعت الدولة أن تتكفل بالرعاية المادية والصحية لرعاياها، فهل هي قادرة على تأمين العلاقات الاجتماعية التي لا غنى لهم عنها؟ ! إن الناظر بتأمل وتعقل إلى حياة هؤلاء الذين تفلتوا من كل ما يربطهم بوحي السماء، وإلى المنزلة التي آلت إليها المرأة عندهم لَيَشعر بالإشفاق والرثاء -والله-، على الرغم مما يتمتعون به من تقدم مادي، وليس غريباً أن تسود الأمراض الاجتماعية المدمرة، والأمراض الأخرى التي تهدد البشرية بعد أن انعتقوا من كل الروابط، وأصبح المشروع مستهجناً والمحرم مألوفاً، فسخروا من الزواج ونفروا منه، وحولوا العلاقات العائلية والروابط الاجتماعية إلى علاقات ميكانيكية بعد أن انصرف الرجال عن الزواج نتيجة لتشجيع العلاقات الجنسية الحرة دون تحملهم لما يترتب على الزواج من أعباء وشعور بالمسؤولية، أصبح على المرأة أن تواجه وحدها جفاف هذا المجتمع، وأصبحت الضحية الأولى التي تنعكس عليها تناقضاته وعيوبه، فهي راكضة لاهثة أبداً، تركض في مبدأ حياتها لتتعلم، ثم تركض لكسب وظيفة تعيش منها، ثم تركض وتلهث وراء " الموضة " لتلفت إليها شاباً متقلب المزاج لا يلبث أن ينصرف عنها إلى غيرها، لأنه حر لا رابط ولا وازع، فتبدأ المحاولة من جديد تجاه ثان وثالث.. وهكذا هي مسعورة بين حاضر ليس له لون ولا طعم، وبين مستقبل مكشر يتهياً لتلقي بنفسها بين فكيه وحيدة منبوذة. إن قيمة المرأة عند المسلمين لا تزيدها الأيام إلا ارتفاعاً، بينما هي عند الماديين ممن أعماهم بريق هذه الحضارة الزائف لا تزداد على الأيام إلا هبوطاً. ونحن هنا لا نعمم، ولا ندعي أن مجتمعاتنا خالية من العيوب، وإلا فقد انتقلت إلينا كثير من المفاهيم الخاطئة، فبدأنا نرى التسيب العائلي والتخلي عن المسؤولية من قِبل كل من الرجل والمرأة، وخاصة في بعض الأسر الغنية. وعلى هذا، فأي قيمة تبقى للأرباح المادية -مهما كانت- إذا خسر الإنسان تربية أولاده، وتخلى عن رعايتهم. إن الرجال هم الرجال، والنساء هن النساء، في أي مجتمع كانوا، وأي عقيدة اعتنقوا، وإن نداء الفطرة يقول: إن الرجل يبحث عن المرأة التي تعمر البيت بوجودها وحركتها، لا عن التي تملأ المعامل والمكاتب والشوارع بينما تخلف وراءها بيتها فريسة للفراغ والخراب. والمرأة تبحث عن الرجل الذي يقف إلى جانبها خلال حياتها كلها، فيرعاها وأطفالها، لا الذي يعجب بها في لحظة عابرة ثم يتركها إلى غير رجعة. وماعدا ذلك فزيف وتصنع أو جهل وعمى. [وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ * كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إلَى عَذَابِ السَّعِيرِ] [الحج: ٣-٤]

стр. 179

أخبار حول العالم السودان يطرد وكالات غربية للإغاثة والتنمية نيروبي -٢٨ أيلول (سبتمبر) - رويتر قال مسؤولو وكالات للإغاثة: إن السودان أمر ثلاث وكالات أجنبية للإغاثة والتنمية بمغادرة البلاد خلال ثلاثة أسابيع قائلاً: إنه لم يعد هناك حاجة لخدماتها. ولكن المسؤولين قالوا: إن التلفزيون السوداني ذكر أن أوامر الطرد صدرت ... لأن الوكالات انتهكت الأمن القومي للبلاد. وقال السيد برنارد ويلسون المدير برابطة منظمات الموارد المسيحية التي تخدم السودان لرويتر: إن الرابطة تسلمت أمر الطرد أمس، وجاء في الأمر: أن موقف الغذاء في السودان قد تحسن وأنه لا داعي لبقاء الرابطة. وقال السيد ويلسون: إن الرابطة التي تعمل في السودان منذ عام ١٩٧٢ , ستستأنف هذا القرار. وقال المسؤولون: إن التلفزيون السوداني ذكر يوم السبت: أن الرابطة ومنظمة وورلد فيجن الأمريكية ومنظمة الاتحاد اللوثري العالمي يجب أن تغادر البلاد خلال ثلاثة أسابيع؛ لأنها انتهكت الأمن القومي. وقال مدير الاتصالات بمنظمة وورلد فيجن جاكوب أكول: إن منظمته لم تتسلم بعد قرار الطرد، لكنه أعرب عن دهشته لأن الحكومة السودانية تعتبر المنظمة خطراً على الأمن. وقال السيد أكول: لقد دعينا للقيام بمهمة، والحكومة تشرف على جميع أعمالنا ... وإذا كانوا لا يريدوننا في السودان فإننا ببساطة سنغادر البلاد. وللوكالات الثلاث صلات مسيحية، وكانت تعمل في جنوب السودان حيث يقاتل جيش تحرير شعب السودان القوات الحكومية منذ عام ١٩٨٣. ولم يتسن الاتصال بمسؤولي الاتحاد اللوثري العالمي للحصول على تعليقهم على القرار. هجرة اليهود السوفييت ازدادت أكثر من أي وقت منذ ١٩٨١ جنيف -أول تشرين الأول (أكتوبر) - رويتر ذكرت إحدى السلطات التي تهتم بشؤون الهجرة: أن الاتحاد السوفييتي سمح لما مجموعه (٥. ٤٨٠) يهودياً بالهجرة عبر فيينا حتى الآن هذه السنة، أي ضعفي أي رقم للمهاجرين في أي عام كامل منذ عام ١٩٨١. وقالت اللجنة الحكومية للهجرة التي تتخذ من جنيف مركزاً لها: إن (٦٩٩) يهودياً هاجروا في أيلول (سبتمبر) بالمقارنة مع (٧٨٢) في آب (أغسطس) ، وأكثر من خمس مرات من العدد الذي سمح له بمغادرة الاتحاد السوفييتي في أيلول (سبتمبر) ١٩٨٦ والبالغ (١٢٦) يهودياً. وقد مر جميع المهاجرين اليهود عبر فيينا. وكان الاتحاد السوفييتي قد أعلن أنه سيخفف الأنظمة بالنسبة إلى هجرة اليهود، غير أن الرقم لا يزال أدنى من رقم المهاجرين الذين سجل في عام ١٩٧٩ , ويبلغ (٥١,٣٣٠) يهودياً. وقد تراجعت هجرة اليهود إلى (٥٦٠, ٩) يهودياً في ١٩٨١، ولم يغادر في العام الماضي سوى (٩٤٣) يهودياً، والشهر الماضي توجه (١٧١) من المهاجرين إلى إسرائيل مما رفع رقم الذين توجهوا إلى هناك هذه السنة إلى (١,٣٥١) يهودياً. محكمة في تركيا تبرىء متظاهرين اعترضوا على منع الحجاب ٢٨ أيلول - وكالات الأنباء: برأت محكمة أمن الدولة في قونية ١٩ طالباً وطالبة كانوا قد أوقفوا بتهمة التظاهر للاعتراض على منع الحجاب، وكان ١٦ من الذين حكم ببراءتهم من الطالبات. التعليق: عجيب أن يحاكم من يتهم بهذه التهمة أمام محاكم أمن الدولة، بل الأعجب أن يمثل من يطالب بحريته في أن يرتدي من اللباس ما يتفق مع دينه وعقيدته أمام أي محكمة من أي نوع كانت. لقد تحولت محاكم أمن الدولة من محاكمة الجواسيس والخونة والذين ينشرون الفاحشة والفساد بين الناس إلى مطاردة المتمسكين بما أمرهم به ربهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله. الصين تقول: إن اليسارية كانت خطأ كبيراً بكين -أول تشرين الأول (أكتوبر) - رويتر: أعلنت الصين الشيوعية اليوم أن اليسارية كانت أكبر خطأ فادح في تاريخها الذي بدأ منذ ٣٨ عاماً، وتعهدت بعدم التورط في صراع طبقي مرة أخرى. وذكرت صحيفة الشعب الرسمية اليومية في مقال افتتاحي بمناسبة العيد الوطني: إن الصين تقيم اشتراكية من نوع خاص بها، عن طريق تطبيق (الحقائق العالمية للماركسية) على الظروف السائدة فيها. وجاء في الصحيفة: إن التاريخ يعلمنا أن اليسارية كانت أكبر أخطائنا منذ عام ١٩٤٩. إنها الخطر الأساسي.. ويجب علينا توجيه اهتمام خاص لمنعها، لا يمكننا ولن نقوم بحملات سياسية للصراع الطبقي. وكانت أكبر الحملات مرارة هي الثورة الثقافية للزعيم ماو تسي تونج خلال الفترة من ١٩٦٦إلى ١٩٧٦، عندما جرى اضطهاد ألوف الأشخاص وبينهم عدة زعماء حاليين، وتم انتهاك القانون والنظام، وتفشت الفوضى في الاقتصاد. وجاء في المقال الافتتاحي أيضاً أنه يجب على الصين أن تواصل مناهضة " الليبرالية البورجوازية " -أي: الأفكار السياسية الغربية -، وأن تتمسك ... بالاشتراكية وزعامة الحزب الشيوعي. اقتراح: اقترح مساعد وزير الدفاع الإسرائيلي ميخائيل ديكيل أن يطرد ... (١.٤٠٠.٠٠٠) فلسطينيَّاً من الضفة الغربية وغزة إلى الأردن وباقي الدول العربية. الغارديان ٣٠/٧/١٩٨٧

стр. 180

بأقلام القراء أمانة الله الغالية محمد أبو زيد لقد كانت الخلافة من الأمور العظيمة الجليلة، حيث خلق الله الأرض مكاناً لها وأمر الإنسان وأهبطه إليها ليقوم بهذا الشأن الجليل ويحمل هذه الأمانة الغالية على أسس من المنهج الإلهي المعصوم. قال تعالى: [وَإذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] [البقرة: ٣٠] ، وكانت تعتور الأرض جولات الإيمان والكفر، وكان الله سبحانه كلما انحرف الناس بهذه الخلافة عن نهجه النزيه القويم يرسل الأنبياء ليعيدوا إلهيته على أرضه كما هي في سمائه، [وهُوَ الَذِي فِي السَّمَاءِ إلَهٌ وفِي الأَرْضِ إلَهٌ] [الزخرف: ٨٤] ، وهذه سنة الله في خلقه، كلما حادوا عن دينه ومنهج خلافته المراد من خلقهم وأمسى الحق غريباً معذباً على الأرض هبّت غارة الله مسرعة تلقف الكفر من جذوره لتنصر الحق المستضعف وأهله المستذلين بما صبروا وتبرَّؤوا من الشرك وأهله. وهاهو الرسول الكريم ﷺ بعثه الله بهذه المهمة بعد أن محيت معالم خلافة التوحيد والعبودية لله وعاد الناس يستعبد بعضهم بعضاً.. يسنون قوانين، ويضعون شرائع ما أنزل الله بها من سلطان.. وفي هذا الوسط البئيس بدأت دعوة رسول الله ﷺ تصارع أمواج الكفر العاتي والإلحاد السافر والساخر من كل فضيلة. وعانى المؤمنون في ذلك الحين بحراً من الذل والهوان، وذاقوا أمرَّ ألوان العذاب، ومع هذا ثبت المؤمنون على عقيدتهم وبقيت عزتهم بدينهم وثقتهم بوعد ربهم. وتبقى المحن بازديادٍ حتى لا يثبت على هذا المنهج إلا العصبة المؤمنة المخلصة، التي لم تتخذ بطانة من دونها ولا ولياً غير إلهها.. فتصوغ المحن هذه العصبة في قالب الرجولة لتزيدها صلابة وصبراً وضبطاً للنفس وزجراً لها عن أي محاولة لتبرير المداهنة للباطل أو التنازل عن أي صغيرة من الهدف والمنهج، أو الرضى بجزء من الدين عن كله.. عندئذ تكون الجماعة المؤمنة أهلاً لحمل أمانة الله الغالية واستلام الخلافة في الأرض، فيأذن الله لها بالتمكين لتمثل الصورة الحقيقية للخلافة التي يريدها الله سبحانه. لقد أرادت قريش بعد موجتي التكذيب والعناد ثم التعذيب، أرادت أن تنظر هل وصلت ضرباتها لداخل العصبة المؤمنة وهزت قلوب أفرادها أم لا؟ أو لعل قائدها يترك هذا الهدف الصعب والطريق الشاق الشائك المحفوف بالمكاره، ويقبل بعروض منحطة كزوجة جميلة ومال وفير ومُلك علماني عظيم! وبالتالي تنتهي المعركة من الجولة الأولى، ولا تكون العصبة المؤمنة أهلاً لاستلام الأمانة والمحافظة على طهارتها ونزاهتها المرهفة من نجس المشركين، وتثبت أنها دون مرحلة التمكين في الأرض وعاجزة عن إعطاء الصورة الحقيقية والمرادة للخلافة بمنهجها الإلهي وحاكميتها الواحدة. لكن الرسول ﷺ ثبت ورفض مداهنة الطاغوت أو الركون له، ولم يطأطىء رأسه لتلك الإغراءات المنحدرة، ولم يقبل منهم الملك أو الوزارة ثم يدعو إلى الله من خلاله.. لأن الخلاف مع الطاغوت جذري ولا تصلح معه الحلول الترقيعية التي عن طريقها تشترى الدعوات وتدفن في مهد طفولتها بعيدة عن أهدافها التي قامت من أجلها. وقد خاض في هذا المعترك العفن كثير من أهل هذا الزمان، فوقعوا بأحابيل الطواغيت، وخسروا المعركة من الجولة الأولى، وهي فترة الاستضعاف والابتلاء للتأهيل لاستلام أمانة الله الغالية. وهكذا عرف النبي ﷺ وصحبه الكرام قيمة هذه الدولة وصبروا لها، ولم يهنوا أو يستكينوا أو يضعفوا، ولم يستعجلوا النصر بطلبه من طاغوت على طاغوت، فلم يستعينوا بغير الله؛ فكانوا أهلاً للتمكين، وأورثهم الله أرضه في المدينة ليقيموا فيها دولة الخلافة والنبوة، فأبدلهم الله بعد الضعف قوة، وبعد المهانة عزة.. وبعد الخوف أمناً، بما صبروا على ولائهم لربهم وتبرئهم من الكافرين. قال تعالى: [وعَدَ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَذِي ارْتَضَى لَهُمْ ولَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً] [النور: ٥٥] . وبقي المسلمون في هذا التمكين والتأييد من الله مدة بقائهم عادلين في الأرض ممثلين للصورة الصحيحة للخلافة التي أرادها الله على أرضه، عارفين لقيمة هذه الدولة، حريصين على حمايتها والذب عنها. وهكذا تمر الأيام على المسلمين متحلِّين بهذا التمكين، إلى أن بدأت قيمة الخلافة والدولة تتضائل في أذهانهم لموت الذين عانوا من أجلها وذاقوا مرارة التعذيب والصبر والقهر والذل حتى ظفروا بها.. مات الذين أشربوا العقيدة والمفاصلة والتميَّز في قلوبهم.. وبدأ تأييد الله لهذه الدولة يبتعد عنها بقدر ما تبتعد هي عن تمثيل الصورة الصحيحة للخلافة بمنهجها القويم وشريعتها العُليا، إلى أن زالت أهليتهم للتمكين في الأرض، فأخذ الله أمانته الغالية -المتمثلة بالخلافة- ليستدير التاريخ من جديد، وتبدأ الأمة الإسلامية كما بدأ نبيها الكريم -صلى الله عليه وسلم- وصحبه، تحاول وتنافح لتعود المعركة من جولتها الأولى، جولة سيطرة الطاغوت الحاقد على رقاب المسلمين بكل ما تحويه من استضعاف وإذلال وتعذيب وتنكيل؛ ليجتازوا مرحلة التأهيل الصعبة كما اجتازها سلفهم. وهذا حال الأمة الآن، تلطمها أمواج الكفر في كل مكان، فتقتل من شبابها، وتستحيي من نسائها، وتضع الآلاف في السجون، وتُخرج المتقين من أرضهم وديارهم لتضيق عليهم الواسع وتضطرهم للكفر أو المداهنة، وليضعوا المسلمين على مفرق طريق مع عقيدتهم وأهدافهم.. وليغروهم بعد هذه اللطمات كما حاولوا أن يغروا نبيهم من قبل.. لكن هذا كله سيقوي عود الجماعة المسلمة ويجعلها بعد هذا الصبر والثبات مع كمال المفاصلة أهلاً لأن يمكِّنها الله في الأرض كما مكَّن نبيها بعد أن تثبت جدارتها على رعاية أمانة الله الغالية ...
следующие страницы →