← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

المصلحة وفقه التلفيق أحمد بن صالح السيف إن من نزعات الفطرة البشرية أن الذي أوجدها هو صاحب الأمر والنهي فيها [أَلا لَهُ الخَلْقُ والأَمْرُ] [الأعراف: ٥٤] . الإله المستحق للعبادة والتحاكم إليه [إنِ الحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ] [يوسف: ٤٠] . فإذا ما انسلخت هذه السمة الفطرية وحُكمّ الطاغوت كما تئن منه بلادنا الإسلامية اليوم كان تمرداً على حق الألوهية في العبادة، حيث استجابت تلك البلاد للدعاوى الملفقة لإقصاء الشريعة رغبة في إحلال القوانين البشرية محلها ميممة نحو الغرب الكافر (لاقتباس ما وضع فيه من قواعد قانونية تعجيلاً بالإصلاح المنشود ونكولاً عن حمل أعباء التقنين الشرعي فانتشرت وراجت حركة التشريع [*] على حساب الشريعة الإسلامية حتى تخلفت بهذه الشريعة المرتبة بين مصادر القانون الرسمية فيها وضاق نطاق إلزامها في العمل ضيقاً كبيراً، كاد يقتصر على مسائل الأحوال الشخصية أو حتى على بعضها الوثيق الصلة بالشخص كمسائل الزواج والطلاق والنسب [١] . إذ طبيعة شعوبها المغلوب على أمرها تحتم ذلك ولا يضيرهم هذا الجانب إذا طبق فيه الشرع لكونه لا يؤثر على مبتغاهم لعلمنة التشريع الإسلامي وتغييبه عن الواقع [أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتَابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إلاَّ خِزْيٌ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ويَوْمَ القِيَامَةِ يُرَدُّونَ إلَى أَشَدِّ العَذَابِ ومَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ] [البقرة ٨٥] . من مسالكهم النفاقية ودسائسهم أنهم إذا ما وافق باطلهم وقانونهم شرع الله أذاعوا به ورفعوا عقائرهم بأنهم مصلحون وفق الشريعة الاسلامية (فإذا جاء الحق معارضاً في طريق رياستهم طحنوه وداسوه بأرجلهم، فإن عجزوا عن ذلك دفعوه دفع الصائل، فإن عجزوا عن ذلك حبسوه في الطريق وحادوا عنه إلى طريق أخرى وهم مستعدون لدفعه بحسب الإمكان، فإذا لم يجدوا منه بداً أعطوه السكة والخطبة وعزلوه عن التصرف والحكم والتنفيذ وإن جاء الحق ناصراً لهم وكان لهم صالوا به وجالوا وأتوا إليه مذعنين لا لأنه حق بل لموافقته أغراضهم واهوائهم [وإذَا دُعُوا إلَى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ * وإن يَكُن لَّهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] [النور: ٤٨-٥٠] [٢] ، وبهذا المسلك أقصيت الشريعة الإسلامية بأردية مستعارة مبيتّين أفكاراً ودسائس علمانية ويدرؤن بذلك الشبهة عن انفسهم بدعوى الإصلاح والتقدمية ومن جهة أخرى يصمون بخبث ودهاء شرع الله بالرجعية، وهذا طعن بحق الله [وَإذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ] [البقرة ١١-٢] . إذ يغالون في اعتبار المصلحة ويقدمونها على النصوص الشرعية القطعية، وهذا شأن كل مغرض يسعى لمحاربة الله وتسمية الإفساد إصلاحاً إذ (يؤدي ذلك إلى تعيل النصوص التشريعية بنظر اجتهادي عقلي محض، ولو جاز أن تتقبل أمة من الأمم هذا الرأي على إطلاقه في تشريعها وتسمح به لرجال الحقوق أو القضاء في اجتهادهم لسادت الفوضى في العمل بالشريعة والقانون فمن تراءت له مصلحة النص الشرعي عمل به ومن تصور أن المصلحة بخلافه نبذه وفي ذلك منتهى الفوضى) [٣] كما أن واقعنا اليوم يعيش في هذه الحقيقة، فالمصلحة المعتبرة هي ما جاءت وفق ضوابط شرعية مبسوطة في كتب الفقهاء والأصوليين (فالمصالح المعتبرة شرعاً أو المفاسد المستدفعة إنما تعتبر حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى، لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية أو درء مفاسدها العادية، وذلك أن الشريعة إنما جاءت لتخرج المكلفين عن دواعي أهوائهم حتى يكونوا عبادا لله) [٤] يحكمونه في كل شؤونهم الحياتية، وإذا ما دعوا إلى المحاكمة العقلية الشرعية جحدوا الحق واستيقنته أنفسهم ظلماً وعلواً وأظهروا الإحسان والتوفيق [إنْ أَرَدْنَا إلاَّ إحْسَاناً وتَوْفِيقاً] [النساء ٦٢] . وهذا خداع منهم أنهم ما أرادوا بهذا العمل إلا الإحسان في المعاملة والتوفيق بينهم وبين خصومهم فهم (يحلفون كاذبين أنهم ما أرادوا بالتحاكم إلى الطاغوت - وقد يكون هذا عرف الجاهلية - إلا رغبة في الإحسان والتوفيق وهي دائماً دعوى كل من يحيدون عن الاحتكام إلى منهج الله وشريعته، إنهم يريدون اتقاء الإشكالات والمتاعب والمصاعب [**] التي تنشأ من الاحتكام إلى شريعة الله ويريدون التوفيق بين العناصر المختلفة والاتجاهات المختلفة، إنها حجة الذين يزعمون الإيمان - وهم غير مؤمنين - وحجة المنافقين الملتوين هي هي دائماً وفي كل حين) [٥] وقد يستغلون هذا التلفيق المسيس للقضايا والمسائل الشرعية الموافقة لأباطيلهم وتضليل الشعوب بإقامتها وإقرارها برداء المصلحة الدنيوية والأخروية إذ المعتبر هو جهة المصلحة الشرعية التي هي عماد الدين والدنيا لا ما تمليه أهواءهم ونزعاتهم العدوانية وقد كفانا الله مؤونة فضحهم في كتابه العزيز (والقول الجامع أن الشريعة لا تهمل مصلحة قط بل الله تعالى قد أكمل لنا الدين والدنيا وأتم نعمه فما من شيء يقرب إلى الجنة إلا قد حدثنا به النبي ﷺ وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعده إلا هالك لكن ما اعتقده العقل مصلحة وإن كان الشرع لم يرد به فأحد أمرين لازم له إما أن الشرع دل عليه من حيث لم يعلم هذا الناظر أو أنه ليس بمصلحة وإن اعتقده مصلحة لأن المصلحة هي المنفعة الحاصلة أو الغالبة) [٦] .

стр. 1157

البيان الأدبي في رحاب هجوم السلام [*] محمود مفلح قليلةٌ هي القصائد الأصيلة المقنعة في هذا الزمن زمن الغثاء والهباء. ولا يكاد الواحد منا وهو يقرأ مئات القصائد يعثر على واحدة تستوقفه وتغريه. ومن هذه القصائد النادرة - ولا أقول القليلة - التي وقفت عندها طويلاً قصيدة أخي الدكتور الشاعر المتألق عبد الرحمن بارود المنشورة في العدد (٤٩) من مجلتنا (البيان) بعنوان (هجوم السلام) . والشاعر الدكتور عبد الرحمن بارود مقلّ في نشره ومتشدد في هذا النشر، والذي يقرأ مقدمة ديوانه- غريب الديار - الصادر عن دار الفرقان بعمان يعجب لهذا (البخل في النشر) وهذا الحرص على البقاء في الظل ... ولا أبالغ إن قلت - وأنا مطمئن - إنه شاعر المرحلة، بل يقف بجدارة على رأس قائمة شعراء العصر الحديث، وإن قصيدته المذكورة آنفاً والتي مطلعها: يا حمام السلام عد يا حمام ... لا يفلُّ الحسام إلا الحسام تؤكد ما أقول. فالقارئ العادي أو المتعجل قد لا يرى فيها شيئاً غير عادي، ولكن القارئ الحصيف المتمرس ذا الذوق الناضج يدرك أن هذه القصيدة جمعت بين البساطة والعمق، بين الحاضر والتاريخ، بين الأصالة والمعاصرة، وطرحت الموضوع طرحاً ذكياً مقتدراً مستفيدة من كل عناصر الإبداع الشعري. وقد زادها زخماً تلك الخيوط التاريخية التي دخلت في نسيجها والتحمت في بيئتها التحاماً عضوياً لا أثر فيه للتصنع أو الادعاء. والخواجا شيلوك في الذبح ماض ... منذ أن غلّنا " اللنبي " الهمام أوَ غيرَ الساطور يبصر شيئاً ... تاجر البندقية اللحَّام؟ وأبرز عنصر من عناصر هذا النص الشعري عاطفته المتأججة التي تصل إلى حد الفوران أو حد الشتيمة أحياناً. ثَكِلتْ أُمُّكمْ.. أليسَ لديكمْ ... غيرُ: (عاش السلام) (يحيا السلامُ) ؟ ؟ ثم توبيخ وتقريع: أينَ مليارُ (لا) ؟ ومليارُ (كَلاّ) ؟ ... أين تلكَ المحرَّماتُ الجِسامُ؟ ما لتلكَ " اللاءاتِ " تهويْ تباعاً؟ ... وَهَلْ صار ربُّنا (العمُّ سامُ) ولا يخفى ما لإشارات التعجب والاستفهام من دور في تثوير النص وشحنه بطاقة فنية عالية. كما لا يخف ما للتضاد من دور في تلوين النص وخروجه عن المألوف، عادتِ النارُ في البراكيِن ثلجاً ... وتخلى عن الرُعودِ الغَمامُ قد قَلبتُمْ كل الموازينِ قلباً ... وغدا أوَّل الحلالِ الحرامُ وتبلغ القصيدة ذروة تأثيرها في المقطع الأخير الذي يقول: وَقَعَ السقْفُ يا صناديدَ قومي ... أوَ صاحونَ أنتمو أمْ نيامُ؟ أين فتحٌ؟ ؟ وأين: (إنَّا فَتَحنا) ؟ ... شدَّ ما غَيرَّتْكُمُ الأيامُ! ! ويبقى جواب هذا السؤال الملح الذي ترفعه الأمة كلها عند تجار الشعارات ودهاقنة السياسة والمنظّرين. ولكن القصيدة لا تمهلنا كثيراً، إذ تضع الأمور في نصابها حين تقول: سُورةُ الفتح أُنزِلتْ في رعيلٍ ... اَلعماليقُ عندَهم أًقْزامُ نَفَروا خَلْفَ قائد من قُريشٍ ... عَقِمتْ عن نظيرِهِ الأرحامُ إي وربي يا أبا حذيفة (العماليق عندهم أقزام) والأقزام عند بني قومنا عماليق، إننا بحاجة إلى مثل هذا الشعر الأصيل الموهوب المتمكن، لنزيل ركاماً ورثناه في عهود الضعف والهزيمة. وإننا نطالب أخانا الدكتور عبد الرحمن بمزيد من الإبداع ومزيد من النشر، حتى تعود إلى الشعر عافيته، وإلى ميدان الشعر فرسانه الحقيقيون.

стр. 1158

مظاهر الانحراف في شعر المقاومة الفلسطينية أحمد بن راشد بن سعيّد تحفل الصحف العربية بإنتاج مجموعة من الشعراء الفلسطينيين الذين يقدمون للقارئ العربي على أنهم رواد شعر المقاومة الفلسطينية كما تنتشر دواوينهم في المكتبات، ويدعون لتقديم الأمسيات الشعرية، وتسبغ عليهم ألفاظ (المناضلين) و (الثوريين) وغيرها ... ولعل أبرز هؤلاء محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد ومعين بسيسو [١] . ومأخذنا على هؤلاء الشعراء إجمالاً هو انفصالهم عن هوية المقاومة، وتنكرهم لعقيدة الشعب الفلسطيني، والتماسهم حل القضية في مناهج مستوردة غريبة، وإنكارهم أن يكون الحل موجوداً في إسلام الأمة وتاريخها.. ونسوق ملاحظاتنا على شكل نقاط فيما يلي: الجرأة على الذات الإلهية: وهذه ظاهرة عامة تنتظم شعر المجموعة المذكورة، وباعثها كما تدل القصائد التضجر من الواقع والضيق بما آلت إليه القضية. يقول محمود درويش في قصيدته (الموت في الغابة) : نامي فعين الله نائمة ... عنا وأسراب الشحارير ويقول في مطولته (مديح الظل العالي) : (يا خالقي في هذه الساعات من عدم تجلّ.. لعلى لي رباً لأعبده لعلَّ) . وفي قصيدته (التعاويذ المضادة للطائرات) يقول سميح القاسم: (كنت طفلاً آنذاك.. علموني أن مجرى الأرض في كف السماء.. علموني أنه سبحانه يحيي ويفني ما يشاء.. دون أن أسأل من كانوا وماذا فعلوا للتعساء.. علموني الدجل والرقص وإذلال النساء.. علموني السحر والإيمان بالأشباح والرقية والتعزيم والخوف إذا جاء المساء.. ... فرس الخضر كفيل بي وحسبي الفقهاء.. يا أبي المهزوم.. يا أمي الذليلة.. إنني أقذف للشيطان ما أورثتماني من تعاليم القبيلة.. إنني أرفضها تلك الطقوس الهمجية.. إنني أجتثها من جذرها تلك المراسيم الغبية.. إنني أبصق أحقادي وعاري في وجوه الأولياء الصالحين.. إنني أركل قاذورات ذلي وانكساري للتكايا والدراويش وأقزام الكراسي ... النابحين.. (. ويستمر الشاعر في استهزائه وغيه فيقول: (صوبوا كل التعاويذ بوجه الطائرات.. ألبوا الله عليها.. واقذفوها بالوصايا العشر.. والجفر.. وآيات السماء البينات..) . وفي قصيدة (أبطال الراية) يقول سميح: (والله نحن نشاؤه بغرورنا.. شيئاً له قسماتنا الشوهاء ترسمه أنانياتنا) .. إلى آخر ما يقول من عبارات تنضح بالجهل بحقيقة الإسلام وتنبئ عن مرض صاحبها وفساد قلبه.. ومن قصيدة لمعين بسيسو بعنوان (إلى سائحة) يقول فيها: (وآخر ديك قد صاح ذبحناه.. لم يبق سوى الله.. يعدو كغزال أخضر تتبعه كل كلاب الصيد.. ويتبعه الكذب على فرس شهباء.. سنطارده.. سنصيد له الله) ! ! ويقول في قصيدة (عيون مليكة المراكشية) : (والله كان يلعب الشطرنج كل ليلة مع الملائكة..) ، ويقول في قصيدة (جندياً كان الله وراء متاريس دمشق) : (كان الله يحمل أكياس الرمل على ظهره.. يرفع بيديه الأحجار.. ويعجن بيديه الاسمنت.. ويقيم متاريس دمشق.. كان الله على شاطئ حيفا يصطاد السمك لأطفال فلسطين..) والمتتبع لقصائد هذه المجموعة يجد كماً من هذه الأشعار الكفرية التي ساهمت بلا ريب في تضييع القضية وتأخير مسيرة العودة إلى فلسطين [٢] . ... التنكر للتاريخ الإسلامي ورموزه: وبدلاً من أن يحاول هؤلاء الشعراء أن يبحثوا عن حل لمأساة فلسطين في سفر التاريخ الإسلامي، نراهم يزدرون هذا التاريخ ويقللون من أهمية رموزه وأبطاله.. وهذا هو محمود درويش يتمنى كتابة تاريخه وحاضره (بالفأس والمنجل) فيقول في قصيدة (مغني الدم) : (ليتني أدفن كل الكلمات الميتة.. ليت لي قوة صمت المقبرة.. يا يداً تعزف يا للعار خمسين وتر.. ليتني أكتب بالمنجل تاريخي.. وبالفأس حياتي..) . ويقول سميح القاسم متسائلاً في قصيدته حتى الموت: (وماضيك؟ كتب جمة والتمر والشمس.. وغار الوحي والتكبير والدعوة.. وسيف الله والرومان والفرس.. وباسم الله والثورة.. وما الحاضر؟ ميراث الدم المهدور في الماضي.. ووشم من قلاع المجد عميقاً تحت أنقاضي.. وطاقية إخفاء.. وجن في بساط الريح.. وآلاف العيون الزرق.. والعجمة في لفظي.. وكنز من شروح الفقه والأنساب والوعظ..) . والغمز والطعن والتهكم بالتاريخ الإسلامي والحاضر المتصل به الآخذ منه واضح في هذه العبارات، ويزيد ذلك وضوحاً قول سميح في قصيدة (الميلاد) : (أبي.. لا كتبنا الملقاة تحت نعال هولاكو.. ولا فردوسنا المردود فردوساً إلى أهله.. ولا خيل الصليبيين.. ولا ذكرى صلاح الدين.. ولا جندينا المجهول في حطين.. تشد خطاي للأنقاض في المنفى..) . وننظر لنرى ماذا يشد خطى سميح للمنفى فإذا هو يقول: (فمن حبي لأطفالي أشيد مصانعاً كبرى.. وأرتق معطفي البالي وأبني مسكناً حلوا.. وأخلق جنة خضرا) . إن بطولات المسلمين وملاحم الجهاد الفذ التي سطروها والعقيدة الصلبة التي ربتهم وعلّت شأنهم.. كل ذلك لا يحفز للتحرير، ولا يشد الخطى إلى المنفى.. فما هو البديل إذن؟ وما الذي سيغذ الخطى ويحفز الهمم ويدفع مواكب التحرير إلى فلسطين؟ إنه في رأي سميح العمل والفلاحة، أي التوجه إلى المستقبل وإهمال الماضي بكل شموخه وجلاله، وهي الصورة السمجة الشوهاء التي رسمتها الاشتراكية البائدة. الافتتان برموز المذاهب الهدامة: ولأن أصحاب الشعر المقاوم لا يفخرون برموز وأبطال الجهاد الإسلامي ولا يستلهمون من قصص كفاحهم شعاعاً يضيء طريقهم، فهم يتغنون بأعمال جيفارا ولينين، ويهتفون لآراء سارتر وغيره من دعاة المذاهب الوثنية.. وهذا سميح القاسم الذي يقول أن ذكرى صلاح الدين لا تثير اعتزازه، وأن جهاده الصليبيين لا يحرك في نفسه شيئاً، يقول في قصيدة يخاطب فيها الزعيم الكوبي فيدل كاسترو: (قدماً.. قدماً في هذا الدرب.. يا حاطم أغلال الشعب.. قدم يا أول شعلة.. في عتمة أمريكا المحتلة.. يا غوث الجزر المنهوبة.. وعزاء الأمة المنكوبة..) ويوجه قصيدة إلى جان بول سارتر صاحب مذهب الوجودية فيقول: (أطلقها ناراً في وجه الأعداء.. أطلقها كلمتك الحمراء.. ما دام على الدنيا باستيل.. ما دامت قضبان وسياط ودماء.. يا أنبل قنديل.. في عتمة باريس العمياء..) . ويقف توفيق زياد أمام ضريح لينين خاشعاً، فينعقد لسانه وتأخذه رهبة الموقف (! !) لكنه بعد ذلك يصور مشاعره وهو ماثل أمام قبر الطاغوت في هذه الكلمات: (كأنني ولدت من جديد.. كل الشموس في يدي وأجمل الورود.. أمامه وقفت خافض الجبين.. ضريحك الذي يعيش في القلوب يا لينين.. أحسست أنني أنا المعذب الشقي.. المعدم الذي نصيبه من الحياة كوخ طين.. أملك كل شيء.. أقوى من الزمان والقضاء.. وأنني أقدر أن أقتحم السماء.. أردت أن أقول كلمتين.. واحترت ماذا يقدر الشقي أن يقول؟ ! وجدت أن الصمت يا معلم الأجيال.. أصدق من كل الذي يمكن أن يقال) . ونقرأ قصيدة لمعين بسيسو بعنوان (قصيدة فلسطينية إلى لينين) يقول فيها: (كان لينين فكان الحزب.. يا فرس البحر على الصخرة.. تلد ملائكة الشعب.. موسكو في القلب..) ؟ ! وفي دواوين شعراء المقاومة هؤلاء نطالع كثيراً من هذه القصائد التي تتغنى بلينين وكاسترو وسارتر وغيرهم من الأصنام التي هوت أو تتهاوى إلى مزبلة التاريخ. تبني الاتجاه الماركسي كطريق لإنهاء المأساة: والقارئ لشعر المقاومة يلمس تأثراً واضحاً بالفكر الماركسي (ومن أسباب ذلك الاعتقاد بأن الاتحاد السوفييتي البائد كان النصير لحركات التحرر العربية! !) ومن مظاهر هذا التأثر التهجم على الدين والتاريخ وإطراء الاشتراكية، والتنديد بهمجية الغرب الرأسمالي وجوره على الطبقة العاملة.. وهذا سميح القاسم يشرح في قصيدته (عزيزي إيفان) كيف قاسى العذاب وأصابه اليتم والفقر والتشريد، فلم يلق مساعدة من أحد، ولم يجد في (دور الوعظ والإرشاد) من يحنو عليه، وإذا به يصحو يوماً على صوت (معلم جوال) أتى من قمة الشرق وانتشله من مجتمع الذئاب إلى حياة ملؤها الهناء ورغد العيش.. هذا المعلم بالطبع هو رسول الاشتراكية.. يقول: (دعوت الأولياء الصالحين فردت الوديان.. إلهك كان يا هذا.. إلهك كان!! وقهقهت السفوح السود والقمم النحاسية.. إلهك كان.. يا طرح الأناشيد الحماسية.. وعاد إليّ في الصوت.. جبيني الأول العالي.. وقلبي عاد مركبة فضائية.. تخط طريق أجيالي.. وعادت ملء أجفاني المسافات الربيعية.. وغابات المداخن والصنوبر والقراصية.. أجل عادت مع الصوت.. رؤى نسلي الذي أقسمت أن يأتي.. ووجه الأرض مخلوق من البدء.. بصورة سفر تكوين.. يسمى الاشتراكية..) ! ! وفي قصيدة (برلين تستعيد شعرها) يقول سميح: (ربى الشيوعيون شعرك.. طيبوه ودللوه.. ربوه بالفرح المقدس والمرارة والصمود.. لا كي يجز غدائره.. متحضرون برابرة.. برلين.. لا لن ينسجوا من شعرك المبعوث أغطيه الجنود.. عين الشيوعيين ساهرة..) . ويقول توفيق زياد في قصيدة (شيوعيون) : قالوا: شيوعيون. قلت: أجلهم ... حمراً بعزمهم الشعوب تحرر قالوا شيوعيون: قلت منية ... موقوتة للظالمين تقدر قالوا: شيوعيون. قلت: أزاهر ... بأريجها هذي الدنا تتعطر.. يا سائلي لا تستب أمورنا ... حتى يظللنا اللواء الأحمر وفي قصيدة بعنوان (المطر الأول) يقول محمود درويش: (في رذاذ المطر الناعم كانت شفتاها.. وردة تنمو على جلدي.. وكانت مقلتاها.. أفقاً يمتد من أمسي إلى مستقبلي.. كانت الحلوة لي.. كانت الحلوة تعويضاً عن القبر الذي ضم الها.. وأنا جئت إليها من وميض المنجل.. والأهازيج التي تطلع من لحم أبي ناراً وآها) . وقد مر بنا كيف أن درويش تمنى كتابة تاريخه وحاضره بالفأس والمنجل معلناً انهزامه وانسلاخه من عقيدة أمته وماضيها. ويؤكد في قصيدة أخرى افتتانه بهذا المنجل لا السيف الذي اشتهر به العرب والمسلمون فيقول: (نعم عرب ولا نخجل.. ونعرف كيف نمسك قبضة المنجل) ! ونطالع في شعر المقاومة كثيراً من الاستعارات والألفاظ التي تنبعث منها رائحة اليسار مثل (الرفاق) ، (العمال) ، (الثوار) ، (الجياع) ، (الكادحون) ، (الرجعية) ، (الأممية) وغيرها. ولأن الاشتراكية ذات طرح عالمي، فإن شعراء المقاومة ربطوا كثيراً بين نضال الشعب الفلسطيني و (نضال) شعوب المعسكر الاشتراكي (السابق) ، وقرروا أن هدفهم واحد وهو القضاء على (الامبريالية) والاستغلال والتمييز العنصري.. وتتجلى هذه الفكرة عند سميح القاسم في قصيدته (لو) إذ يقول: (لو يصدق الكلام.. وتحمل الريح ولو سلام.. من ثائر في الشرق.. لثائرين يشتلون النور في الظلام.. لثائرين إخوة لا فرق.. في النيل.. في الكونغو.. وفي الفيتنام) . ونلمس فكرة (العالمية) هذه في قصائد سميح القاسم الذي يخاطب فيها الشيوعي الإسرائيلي مائير فلنر والزعيم الكوبي فيدل كاسترو وثوار الفيتكونغ الفيتناميين.. كما نقرأ قصيدة لتوفيق زياد يحيي فيها عمال (مصافي النفط وحقول السكر في كوبا، وقصيدة أخرى يخاطب فيها ثوار أفريقيا بقوله: (يا أخوتي المتزنرين على البنادق والحراب.. في قلب أفريقية السوداء.. في خضر الشعاب.. إنا نراها ثورة التحرير تقرع كل باب..) [٣] . الغلو في تقديس الأرض: وبسبب بعد هؤلاء الشعراء عن العقيدة الإسلامية، وفقدانهم للتصور الإسلامي، فهم (يتطرفون) في تقديس الأرض، ويجعلونها غاية الكفاح ومنتهى القصد. يقول توفيق زياد معبراً عن هذه النظرة المادية الضيقة: (آه يا رائحة الأهل، ويا بيتاً من الطين، ويا حفنة عشب وتراب.. كم علينا اليوم من أجلكمو، أن نجرع الموت وألوان العذاب) . ويقول محمود درويش: (هذه الأرض التي تمتص جلد الشهداء.. فاعبديها نحن في أحشائها ملح وماء) . ويقول في قصيدة (أهديها غزالاً) : ... (وفي ليل رمادي رأينا الكوكب الفضي.. ينقط ضوءه العسلي فوق نوافذ البيت.. وقالت وهي حين تقول تدفعني إلى الصمت: تعال غداً لنزرعه مكان الشوك في الأرض.. أبي من أجلها صلى وصام.. وجاب أرض الهند والإغريق.. إلهاً راكعاً لغبار رجليها.. وجاع لأجلها في البيد.. أجيالاً يشد النوق.. وأقسم تحت عينيها يمين قناعة الخالق بالمخلوق.. فدائي الربيع أنا.. وعبد نعاس عينيها.. وصوفي الحصى والرمل والحجر.. سأعبدهم لتلعب كالملاك.. وظل رجليها على الدنيا.. صلاة الأرض للمطر..) . وهذه النظرة الأرضية الجاهلية تنتظم شعر المقاومة الذي نحن بصدده.. ولا نكاد نلحظ في هذا الشعر ذكراً للمسجد الأقصى وغيره من المقدسات الإسلامية في فلسطين، وهي التي تصل فلسطين بالسماء، وتجعل قضيتها أكبر من مجرد (حصى ورمل وحجر وغبار) . وختاماً لا بد أن نشير إلى أن الحديث عن دلائل الانحراف هذه يقصد به إيضاح المسافة التي تفصل الأمة عن هؤلاء الشعراء، وأنهم خلافاً لما تصوره الصحافة العربية لا يمثلون همَّ وضمير الشعب الفلسطيني. كما لا يعني هذا الحديث عدم وجود شعر فلسطيني مقاوم يستلهم معاني الإسلام وتعاليمه، وللدكتور مأمون فريز جرار كتاب بعنوان (الاتجاه الإسلامي في الشعر الفلسطيني) يرصد إنتاج الشعراء الفلسطينيين الذين ربطوا فلسطين بإسلامه وتاريخها، وتغنوا بفتوحات المسلمين وبطولاتهم، وأكدوا أن الجهاد في سبيل الله هو طريق التحرير والكرامة.. ومن المناسب هنا إيراد هذه الأبيات للأستاذ يوسف العظم، والتي تحكي حال ومقال المسلم الفلسطيني الملتزم بدينه، المؤمن بموعود ربه، المباهي بأصالته وتاريخه: أهيم براية اليرموك أهوى أخت حطين ... تفجر طاقاتي لهباً غضوباً من براكين ... لأنزع حقي المغضوب من أشداق تنين ... وأرفع راية الأقصى ورب البيت يحميني ... سلاحي النور في قلبي ورشاشي وسكيني ... ولكن دون أوهام لجيفارا ولينين ... ففكر الشرق يتعسني، وفكر الغرب يشقيني ... أرتل آية الكرسي أتلو ربع ياسين ... وفي صدري كلام الله يسعدني ويشفيني ... كفرت بدعوة الإلحاد من صنع الشياطين ... وأوثان صنعناها من الأوحال والطين ... وآمنا برب البيت والزيتون والتين ... ليشمخ شعبنا حراً عزيزاً في فلسطين ... * * * مصادر النصوص (عدا أبيات يوسف العظم) : - ديوان سميح القاسم (بيروت دار العودة، ١٩٧٣) - ديوان محمود درويش (بيروت دار العودة؛، ١٩٧٧) - محمود دوريش، مديح الظل العالي (بيروت دار العودة، ١٩٨٤) - معين بسيسو، الأعمال الشعرية الكاملة (بيروت دار العودة، ١٩٧٩) - ديوان توفيق زياد (بيروت دار العودة، ١٩٧١) - ديوان فدوى طوقان (بيروت دار العودة، ١٩٨٤) .

стр. 1159

شعر صرخة من أحفاد صلاح الدين د. عبد الرحمن صالح العشماوي أنا بينكم شعبٌ دمي مطولُ ... أُصغي وألسنةُ الرَّصاص تقولُ أنا بينكم، أصلى بنار قذائفٍ ... وتُصاغ قصّةُ حسرتي، وتطولُ أنا بينكم، شعبٌ يُقسَّمُ جهرةً ... والشمس في كبد السماءِ تجولُ شعبٌ يُغذَّى بالأسى أطفالُه ... ويُشرَّدون وللنساءِ عَويلُ أنا بينكم يا مسلمون سعادتي ... نُقِضَتْ، وحَبْلُ تعاستي مفتولُ هذي الجراح، أما تحرَّك ساكناً ... فيكم، أما للغافلين عقولُ؟ ما زلتُ أحزم للجهاد حقائبي ... لكنني عن ساحتي معزولُ أوَ ما ترون القومَ يدفع بعضُهم ... بعضاً إلَّي، فقاتلٌ وقتيلُ؟ خانوا صلاح الدين في أحفاده ... فأعزُّهم للغاصبين عميلُ أوَّاه لو أبصرتم الطفل الذي ... أمسى، وهيكلُ عظمه مشلولُ أوَّاه لو أبصرتم الأمَّ التي ... ماتت، ولا كفنٌ ولا تغسيلُ هذا فتىً بالأمس هاجر خائفا ... مترقّباً، والاسمُ إِسماعيلُ من أسرةٍ معروفة بصلاحها ... ما شابها زيف ولا تضليلُ خرجوا من البيت القديم، أمامهم ... دربٌ من القصف العنيف طويلُ رحلوا من البيتِ المهدَّم خمسةً ... والجوع قاسٍ، والطعام قليلُ وصلوا إلى (زاخو) بغير أبٍ ولا ... أمٍّ فلم يَشف القلوبَ وصولُ وصلوا وقد نقصوا وشُتِّت شملُهم ... وأصابهم بعد الصعود نزولُ وصلوا إلى (زاو) فما وجدوا سوى ... كفَّ الصليب، غذاؤُها مبذولُ وصلوا وأعينهم سؤال دامغٌ ... لو كان يدرك ما جرى المسؤولُ أين الأحبة، يا صخورُ تحدثي ... هل من أخٍ يمحو الأسى ويُزيل؟ ! أين الأحبَّة، واستجاب منصَّرٌ ... لندائنا، في كفِّه الانجيلُ! (هابيلُ) يرسم لوحةً من جرحه ... فمتى ينال جزاءه (قابيلُ) ؟ ! يا قومنا، إنَّا نرى جزَّارَنا ... وعليه من إِغضائكم إكليل أو سنَّ هذا في الحياةِ (محمَّدٌ) ... أتلاه في قرآننا جبريلُ؟ ! يا إخوةً الإسلام، ساومنا على ... إيماننا مَنْ قلبُه مغلولُ عُرضتْ قضيّتُنا وليس لمتنها ... شرحٌ يفيد، ولا له تذييلُ يا إِخوةَ الإسلام، هذا ثوبُنا ... بدموعنا ودمائنا مبلولُ عجباً، أتنتظرون أنْ تُمحى بكم ... أرضٌ، ويدعو الناسَ إسرافيلُ؟ ! عجباً، أتنتظرون أنْ يُلغى بكم ... في البحر، تعبثُ بالرؤوس ذيولُ؟ ! عجباً، وينطفئُ السؤال، وينمحي ... أثرُ الجواب، ويخطئُ التعليلُ لا البدرُ أنشدنا الضياءً، ولا شدتْ ... فينا النجومُ، ولا استضاء دليلُ كلاّ ولا روت الشموعُ حكايةً ... من نورها، أو أفصح القنديل عذراً - أخا الإسلام - صوتك ظاهرُ ... لكنَّ سمع الغافلين ثقيلُ شغلتْهم الأهواء عن أمجادهم ... فالَّشهمُ فيهم خائفٌ مخذولُ عذراً - أخا الإسلام - إنَّا أمةٌ ... ما زال يقلب رأسها التطبيلُ أجفانُ أمتنا تُكحَّل بالقذى ... أيراكَ جَفْنٌ بالقذى مكحولُ؟ ! أو ما رأيتَ رجالها قد هرولوا ... ووراءهم بالسَّوط (إسرائيل) ؟ ! كم أوَّلوا معنى السلام فأشرقتْ ... شمسُ الضحى فتهافت التأويلُ يا مَنْ صلاحُ الدين منكم، لم أزلْ ... أرنو إليه، وسيفُه مسلُولُ كسر الصليبَ وحرَّر الأقصى، فما ... عاش الصليبُ ولا استقرَّ دخيلُ ما زلتُ أبصره يناجي ربَّه ... والنجمُ غافٍ، والهلالُ كليلُ يدعو وقائمُ سيفه مُعْشَعوشبٌ ... بالمكرماتِ، وحدُّه مصقولُ يدعو فتنتعشُ الدروب وينتشي ... (قدسٌ) ويفرح باللقاءِ (خليلُ) يدعو فيُفْتَح كلُّ بابٍ مقفلٍ ... ويصُكُّ سمعَ الغافلين صهيلُ ما زلتُ أبصره، وأبصر أمتي ... في عصرنا، وإزارُها محلولُ فأكاد أخرج من ثياب عزيمتي ... وينالني بعد الثبات نُكولُ عذراً - أخا الإسلام - إنَّ مشاعري ... نَهرٌ، خريرُ مياهه تبجيلُ كم من أخٍ قتلوه ظلماً بينكم ... فكأّنما أنا، لا هو المقتولُ هذا دليل أخوَّةٍ في الله لا ... يخفى ولا يتغيرُ المدلولُ صبراً - أخا الإسلام - إنَّ نهارنا ... آتٍ يصول بنوره ويجولُ طرقُ السياسة يا أخي معوَجةٌ ... كم ضاع فيها سائسٌ ودليلُ الله مولانا ومولاكم وفي ... كَنَفِ المهيمن نصرُنا المأمولُ

стр. 1160

المسلمون والعالم رسالة مفتوحة إلى المجاهدين الأفغان الشيخ عبد الله بن حسن القعود حضرات الإخوة الكرام قادة الجهاد الأفغاني: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وأصلي وأسلم على رسوله محمد، وأهنئكم بما من الله به على المسلمين عامة من خير على أيديكم، وفي مقدمته دحر الشيوعية الحمراء العفنة التي لا تؤمن برب، ولا تحترم ما جاء الإسلام باحترامه من الضروريات الخمس وغيرها، والتي لاقى منها المسلمون الأمرين خلال الحكم الروسي الذي دكت معاقله، وفرقت جموعه، وأعلن إفلاسه بسبب جهادكم الميمون، ولاقت الجزيرة العربية وغيرها من الثورات القائمة بها على مبادئه العنت الكثير والشر المستطير الذي لا يزال من بلى به يرزح تحت ويلاته. فجزاكم الله عن الإسلام والمسلمين خيراً، وزادكم خيراً إلى خيركم، ورشداً إلى رشدكم، وعزاً إلى عزكم، آمين آمين. وبعد: فأذكركم - لا أعلمكم - بأن جهادكم قام لدحر الشيوعية - وقد دحرت والحمد لله - ولإقامة حكم إسلامي حقيقي على أرض أفغانستان، ينطلق به من كتاب الله وسنة رسوله، ومدت إليكم الأيدي بالأموال الطائلة جهاداً بالمال معكم، ودخل صفوفكم من تعلمونهم وممن لا تعلمونهم من عرب وغير عرب من شتى أنحاء العالم، باعتباره جهاد المسلمين عامة، ولقى ربه منهم من لقيه في ميادينكم الجهادية، وأطلقت الألسن بالخطب والمواعظ والأشعار لدعمكم بالمال والرجال، وأعلنت الفتاوى الشرعية من علماء من ذوي الصدارة في العالم الإسلامي والأهلية في الفتوى في سنوات الجهاد الأولى بأن الجهاد معكم فرض عين، ومن أولئكم شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ محمد ناصر الدين الألباني، حفظهما الله وغيرهم. وأبليتم أنتم وأتباعكم في هذا الجهاد من البلاء الحسن ما بدت ثماره تقطف - والحمد لله - أتم الله لكم جهادكم وأقر أعينكم بتحقق ما أملتموه من قيام دولة إسلامية حقيقية لا اسمية، كما هي الحال لدى بعض المسلمين، وكما يراد بكم الآن. ولكن الشيء المفزع للمسلمين عموماً، ولمن شارككم في جهادكم بنفس أو مال أو قول خصوصاً، ما يرى من مسعى عظيم لقطف ثمرة هذا الجهاد العظيم والانتصار الهائل من غير أهله الحقيقيين من إبراز وتلميع رموز لإدارة حكمه الجديد المنتظر لا يرجى منها أن تحقق الهدف الذي قام الجهاد ودعم بن أجله، وحسبهم منقصة وصف الغرب وعملاؤه لهم بالمعتدلين، وإتاحتهم الفرصة لضرب الميليشيا الشيوعية للمجاهدين، ومنهم من قلتم عنه أنتم الأربعة - سياف، رباني، حكمتيار، يونس خالص وحضور مولوي محمد نبي - لما حضرت لديكم ببيشاور قبل ٩ سنوات بتكليف من سماحة الوالد الشيخ عبد العزيز بن باز وصحبة الشيخ صالح السعود العلي والشيخ صالح المزروع للتقريب بين وجهات المجاهدين واتحادهم أنه طرقي مبتدع، بدعته لا تجيز اتحاد المجاهدين معه! واليوم وأمس ينصب لرئاسة الحكومة التي جاهدتم أنتم ومن تعاون معكم لإقامتها! سبحان الله! إنها لخسارة إن لم تُتَدارك، ونكسه وقاكم الله شرها. فيا إخوتي في الله وأحبتي فيه: أناشدكم الله وأعيذكم بالله أن تضيعوا جهود المسلمين عموماً، ابذلوا الجهد فيما يحقق ما قصدتموه وأعلنتموه، وقاتلتم من أجله، حتى ولو أدى الامر إلى إستمرار الجهاد ضد أهل البدع المكفرة أو الأفكار المنحرفة لغرب أو لبقايا شرق، مستعينين في ذلك بالله الذي أوصلكم إلى هذا الأمر بعد أن كنتم مستضعفين باذلين في جمع كلمتكم وتوحيد صفوفكم ما تملكون من نفس أو نفيس لتحقيق هدفكم الحق المنشود من إقامة حكم إسلامي لا يد فيه لشرق، ولا لغرب، ولا لرافضي، ولا لطرقي، ولا لمن يأتمر بأمرهم، منطلقين من كتاب الله وسنة رسوله، وسير الملتزمين لهما بين أئمة الهدى. نرجو الله الذي أفرحنا - نحن المسلمين - بانتصاركم على ألد خصم وأعنته للمسلمين في الدنيا يوم أن بدأتم جهادكم معه قبل ١٤ سنة بعشرين رجلاً؛ أن يفرحنا بقيام الدولة التي جاهدتم من أجل قيامها. وفقكم الله وجمع كلمتكم على الحق، إنه سميع مجيب. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 1161

المخاض في أفغانستان د. يوسف الصغير لم يكن التدخل في أفغانستان بالنسبة للروس إلا حلقة من حلقات التوسع الذي مارسوه بنجاح لعدة عقود، وبنفس الأسلوب تمَّ إنشاء ودعم مجموعات وأحزاب شيوعية تتغلغل في السلطة القائمة وتبطش عن طريقها بخصومها ثم تنقض على السلطة وتستولي عليها ثم تتبع ذلك بعملية تصفية للمجتمع القديم ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً مع فرض النظام الاشتراكي وربط البلد ربطاً تاماً بالمنظومة الشيوعية. كانت أفغانستان منطقة صراع على النفوذ بين كل من بريطانيا العظمى وروسيا القيصرية التي احتلت تركستان الغربية المحاذية لأفغانستان في الشمال ولم تكن روسيا البلشفية (الشيوعية) إلا وريثاً للنظام - الاستعماري القديم حيث أعادت احتلال تركستان بعد فترة من عدم الاستقرار وبدأت تتطلع إلى تنفيذ الحلم الروسي القديم بالوصول إلى المياه الدافئة. ولذلك بادرت لنشر المبادئ الشيوعية في المنطقة وتم لها ذلك حيث بدأ نشاط الشيوعيين في أفغانستان منذ الثلاثينات الميلادية في هذا القرن. وبدأ التغلغل في بنية النظام القديم ولما رأوا في أنفسهم قوه قرروا استلام السلطة من وراء الستار فقاموا بانقلاب عسكري شيوعي في عام ١٩٧٣ م ولكن باسم محمد داود ابن عم الملك الذي كان رئيساً للوزراء لعدة فترات متعاقبة واستغلوا حقد محمد داود على الإسلاميين فقاموا بضرب الحركة الإسلامية باسمه وحاول الإسلاميون توضيح هوية النظام ولكن دون جدوى حيث أن العلماء التقليديون وعامة الناس لم يتصوروا أن محمد داود سليل الأسرة الكريمة عدوٌ للإسلام وألعوبة بأيدي الشيوعيين الذين يلبسون لباس العلمانية. ولما أراد الله بهذه الأمة خيراً أوقع الشقاق بين محمد داود وحلفاءه الشيوعيين فقد أحس بالخطر الشيوعي على نظامه فحاول التقرب من إيران وأمريكا فبادر الشيوعيون إلى إسقاط النظام وقتل حليفهم محمد داود وجميع أفراد عائلته وتم تنصيب محمد طراقي رئيساً للدولة وهنا بدأت تتضح الأمور للعامة قبل الخاصة. وبدأ الجهاد يكسب التأييد الشعبي وقام النظام بعمليات قمع وحشية لم تزد المجاهدين إلا قوة وإصراراً واضطر الروس إلى دعم النظام عن طريق المستشارين والدعم الاقتصادي والعسكري وكانت أقدام الدب الروسي تغوص في الوحول تدريجياً واكتشف الروس متأخرين أن الشيوعيين الأفغان قد أخطأوا في حساباتهم ولكن التراجع كان غير ممكن نظراً لأن سياسة الكرملين كانت دعم أي نظام شيوعي في العالم بكل وسيلة ومهما كانت التضحيات، وفي نفس الفترة كان الروس يحاولون تثبيت النظم الشيوعية الجديدة في كل من أثيوبيا وأنجولا ونيكارجوا وذلك بواسطة عملائهم الكوبيين ولكن في أفغانستان لا مفر من التدخل المباشر خاصة بعد استفحال الصراع الداخلي بين الأجنحة الشيوعية حيث دبر انقلاب عسكري قتل فيه محمد طراقي مما جعل بريجينيف ينتفض من الغضب على مدبره حفيظ الله أمين ويأمر الجيش السوفييتي بالتدخل وقام الروس بقتل حفيظ الله وتنصيب بابراك كارمل الذي جاءوا به من خارج أفغانستان على متن دبابة. وكانت القوات الغازية مكونة في غالبيتها من الجنود القادمين من الجمهوريات الإسلامية وذلك لتشابه الملامح في محاولة لخداع الرأي العام، ولكن أولئك الجنود اكتشفوا أنهم لا يقاتلون الصينيين والأمريكان بل يقاتلون ثواراً مسلمين وبدأت نسخ القرآن الكريم تتسرب إلى الجنود ومنهم إلى داخل الجمهوريات، ولذلك سارع الروس بسحب هذه القوات وحلت محلها قوات قادمة من الجزء الأوربي أي روس وأوكرانيون وغيرهم. وهنا بدأ الروس يحسون بالخسائر البشرية التي بلغت حداً كبيراً نتيجة لتوسع الجهاد ومسارعة الشعوب الإسلامية لمده بالمساعدات، ثم تدخلت الأطراف الدولية في الصراع وبدأت أمريكا ترى في أفغانستان فرصة للانتقام من الروس الذين أذلوهم في فيتنام وبدأت الأسلحة الحديثة تصل إلى أيدي المجاهدين عن طريق الوسطاء الإقليميين ومن أهمهم الباكستانيون وكان الهدف الواضح هو إخراج الروس وليس أكثر من ذلك وبدأ الروس يعترفون بخطورة الوضع وبدأت الدعوات لحل سلمي للقضية ولكن المشكلة هي: ما هو البديل المقبول للنظام الشيوعي الذي لا أمل له في البقاء؟ * الملك ظاهر شاه: نعم إنه أمنية ليس فقط لمحبيه من الأفغان مثل مجددي وجيلاني وبالتالي لأمريكا ولكن أيضاً هو أمل للروس، وقد أعلن نجيب استعداده لمبايعة الملك ولكن المجاهدين وقفوا بالمرصاد لهذا الحل وبينوا أن الملك هو سبب المشكلة وأنه منذ الانقلاب وهو قابع في إيطاليا وكأن الأمر لا يعنيه. * نظام علماني صريح على النسق الغربي: نعم إنه مقبول من الروس والأمريكان ومن شايعهم ولكن لا يمكن إنجاحه في أفغانستان فالمجاهدين لا يمكنهم القبول به. * نظام علماني ملبس بغطاء إسلامي خفيف وهو ما يقبله الكبار والصغار ويمكن أن يُخدع به الكثيرون من الطيبين في داخل أفغانستان وقد يعارضه بعض المجاهدين المتميزين أو الذين يسمونهم بالأصوليين. وبدأت رحلة من التصعيد العسكري والغزل السياسي وطرح مبدأ المفاوضات في جنيف وكان موقف المجاهدين أنهم لا يتفاوضون إلا مع الروس وأن حكام كابل ما هم إلا عملاء لهم ورضخ الروس للأمر وبدأت المفاوضات على أنهم هم الطرف الثاني في القضية وأعلنوا أنهم سينسحبون من أفغانستان. تم الانسحاب في ١٥ فبراير ١٩٨٩ م وبدأت الأطراف الإعداد لما بعد الانسحاب [١] فمن الجانب الشيوعي قام الروس بتكثيف دعمهم للجيش الأفغاني ودعموا ميليشيات قائمة على الانتماء العرقي وسُلحت ميليشيات في مختلف المناطق وكانت فكرة شيطانية حيث أنهم جموع من العوام الجهلة الذين يقاتلون لمن يدفع المال ولا يهمهم غير ذلك. وفي الجانب الآخر كانت الجهود محمومة أيضاً، فقد فرض على المجاهدين وحدة أُدخل فيها العملاء مع العلماء المجاهدين وتكونت حكومة مؤقتة بزعامة مجددي لإتمام حل القضية وإسقاط النظام. ولكن تبقى مشكلة كبيرة، أن القوى التي تسمى متطرفة هي القوية على أرض الواقع وهي التي تملك السلاح ولأنها هي القادرة وحدها على القتال وغيرها يحسن التصريحات والخطب والمؤامرات وخوفاً من امتلاك المجاهدين لكميات كبيرة من السلاح بعد انسحاب الروس فقد تم ترتيب الأمور التالية: - تدمير السلاح الذي كان في طريقه إلى المجاهدين عبر خطوات كان من بينها تفجير مخازن السلاح المعد للتسليم للمجاهدين وقد وقع عدد كبير من القتلى بين المدنيين بسبب ذلك. - الضغط على الحكومة المؤقتة للمجاهدين وتوضيح أن أمريكا وحلفاءها لا يمكن أن يعترفوا بحكومة لها وجود فعلي على أرض أفغانستان واستعجلوا المجاهدين وأملوا عليهم طريقة إسقاط النظام، فزينوا لهم تحرير جلال آباد حتى يتم الاعتراف بهم ووقعت الكارثة حيث إن المجاهدين قد أعدوا وسلحوا للقيام بحرب عصابات فلما تم وضعهم أمام جيش نظامي وجهاً لوجه كانت التجربة مرة وفشل المشروع من جهة المجاهدين ونجح الآخرون، فقد تم استهلاك كميات هائلة من الأسلحة والذخيرة بدون طائل ومن بينها استشهاد كثير المجاهدين ومن بينهم كثير من المجاهدين العرب. وأياً كان سبب الفشل فقد كانت عملية جلال آباد من أهم أسباب صمود النظام حيث ارتفعت معنويات أركانه وتبخرت آمال المجاهدين بنصر سريع كما هو متوقع لو استمروا بحرب العصابات، وهنا تحمس أعداء الإسلام فبدأت الأم المتحدة تطرح بقوة مبدأ حكومة موسعة يشترك فيها الشيوعيون، ثم تنازلوا وطرحوا فكرة إدارة مؤقتة على أن تستمر (٤٥) يوماً يعقبها عقد لوياجركا يتم عبرها انتخاب حكومة مؤقتة. وقد رفضت الأحزاب الجهادية هذه الخطة (خطة سيفان) ، وقبلها مجددي وجيلاني وقدما قائمة بأسماء مرشحيهم [٢] . وعلى الرغم من أن بنيون سيفان نفى أن تكون هذه القائمة ممن اختارتهم الأمم المتحدة وذلك في مقابلة مع هيئه الإذاعة البريطانية فإن طائرة تتبع الأمم المتحدة قد جلبتهم إلى إسلام آباد برفقة سيفان [٣] في خضم نشاط الأمم المتحدة المحموم لتجنب قيام حكومة إسلامية ولكن الأحداث تجاوزت كل هذه الأطروحات. وقد بدأت الأحداث الأخيرة بقيام نجيب بمحاولة عزل بعض الجنرالات في الشمال مما أدى إلى تمرد ثلاثة جنرالات وقامت المعارك بينهم وبين القوات الموالية للحكومة فاستغل المجاهدون الفرصة فقاموا بتكثيف هجماتهم، وتم لهم احتلال مزار شريف في ٢٤ رمضان التي تعتبر العاصمة الاحتياطية عند سقوط كابل، وعندها قام نجيب بالقاء خطاب يعلن فيه استعداده للاستقالة إذا تم تشكيل حكومة انتقالية وذلك بعد لقائه مع سيفان مندوب الأمم المتحدة، وقد تردد أن الجنرال رشيد دستم قد عرض على المجاهدين أن يمكنهم من السيطرة على منطقة مزار شريف شريطة أن يعترف به كأحد فصائل المجاهدين [٤] ، ويبدوا أن هذا هو الذي حصل مع أحمد شاه مسعود وقد استمر تقدم المجاهدين إلى كابل وعندها أعلن في كابل عن تكوين مجلس عسكري مكون من الجنرال محمد أمين عظيمي نائب وزير الدفاع والجنرال بابا خان والجنرال آصف دويلاور والجنرال عبد المؤمن أحد الذين تمردوا على نجيب في الشمال. وتعتبر هذه التحركات محاولة أخيرة من أركان النظام الشيوعي للإبقاء على أنفسهم. وأما الميليشيات التي كانت رأس الحربة ضد المجاهدين فقد أعلنت فقط قبل أيام من سقوط نجيب انضمامها لبعض المجاهدين أو بالأحرى تحالفها معهم وقام كبار الضباط بالقيام بانقلاب وهمي لأن سقوط كابل كان مسألة وقت حيث تم عزلها من جميع الجهات حتى اضطرت أمريكا أن تضغط على باكستان لإرسال المؤن عن طريق الجو إلى كابل وكانت حركة مبعوث الأمم المتحدة وقدوم بطرس غالي إلى المنطقة وزيارته باكستان وإيران هي محاولة لتكوين موقف ضد الخطر الماثل ألا وهو قيام حكومة إسلامية من قبل المجاهدين، وكان التنافس بين المجاهدين هو المدخل الذي دخل منه الأعداء حيث وقفوا مع طرف حتى يضعفوا الطرف الآخر ثم ينقضوا على الجميع، وقد قامت طائرات النظام بنقل القوات من الشمال سواء التابعة للميليشيات أو الجمعية وذلك حتى تسبق الحزب الإسلامي وتستولي على كابل. وتبين أن خطة الأمم المتحدة غير ممكنة التطبيق على الرغم من دعم باكستان وإيران لها ومع ذلك فإن اليأس لم يتطرق للأعداء الذين حنوا رؤوسهم للعاصفة مؤقتاً ليحققوا ما يستطيعون من مكاسب. فإنه لما اتفق المجاهدون على تشكيل حكومة يرأس فيها الدولة رباني ويتولى حكمتيار فيها رئاسة الوزراء اقترح بعض الأطراف أن تكون هناك حكومة مؤقتة لمدة شهرين بقيادة مجددي مما أعاد خلط الأوراق حيث أن شخصية مجددي ليست هي الأمينة أو المؤهلة للقيام بهذه المهمة المصيرية. لم يقبل حكمتيار تعيين مجددي وأعلن أنه سيدخل كابل، ولكن أطراف المجاهدين الأخرى لسبب ما وقفت مع أحمد شاه مسعود ومجددي ومن والاهم من الميليشيات والمجلس العسكري، وقامت الميليشيات بخوض المعارك الطاحنة في كابل لإخراج قوات الحزب الإسلامي التي دخلت كابل في وقت سابق وتعرض حكمتيار إلى هجوم عسكري من الميليشيات وإعلامي في أجهزة الإعلام كافة التي كانت تطبل لمجددي ومن حوله، وكانت إيران أكثر الأطراف حنقاً على حكمتيار حيث أنها لا يمكن أن تتحمل قيام دولة سنية مجاورة لها فكشرت عن أنيابها، وأعلنت إذاعة طهران أن إيران تتابع الوضع عن قرب، وأنها لن تقبل بغير صيغة الأمم المتحدة إلا أن تتولى السلطة مجموعة مناسبة لها [٥] ، وكان استقبال إيران لبطرس غالي حافلاً، فأهدافهم واحدة وقد تنبه بعض قادة المجاهدين للدور الإيراني وكان حكمتيار ويونس خالص أكثرهم وضوحاً. أما باكستان التي كان لها موقف طيب من الجهاد نوعاً ما، فقد تبنت الحلول المستوردة، وتردت علاقتها مع حكمتيار ومع الجماعة الإسلامية الباكستانية التي خرجت من الائتلاف الحكومي. وما أن وصل مجددي حتى كان في استقباله الجنرال محمد عظيمي ووزير الخارجية الشيوعي عبد الوكيل وبدأ بدلاً من إقرار الأمن ودفع تعدي الميليشيات بإصدار قرارت العفو عن الشيوعيين، والطلب من قوات الحزب الإسلامي أن يلقوا السلاح، وبدأت الأصوات تعلو وتقول: إن الحزب خرج على الحكومة، وأنه لا يمكن أن يقبلوا به رئيساً للوزراء، بل لقد صرح زعيم الجبهة القومية أحمد جيلاني بأنه يرفض الاشتراك في حكومة للمجاهدين يتولى رئاستها زعيم الحزب الإسلامي، وعن رأيه في تركيبة الحكومة الحالية قال: ليست حسب رغبتي وطموحاتي فمعظم المقاعد المهمة والحساسة ذهبت للمتطرفين، وعندما سئل هل يعتبر رباني من المتطرفين راوغ ولم يجب [٦] . واضطرت قوات الحزب أن تخرج من معظم أنحاء كابل وسط التهليل العالمي لهذه الانتكاسة لرأس المتطرفين. ولكن الأمور بدأت تتغير وتميل لصالح الحزب الإسلامي وذلك لعدة أسباب: ١- إخلاص بعض القادة الذين كانوا قد خدعوا من قبل، فما أن وصل يونس خالص وسياف حتى ساءهم ما آلت إليه الأمور واقتنعوا بأن مع حكمتيار الحق في رفضه للمليشيات وفي رفضه لمجددي، أما رباني فكانت اتصالاته مستمرة مع حكمتيار لأنه يعي حقيقة أن الأمور قد تخرج من يد الجمعية إذا كانت الأمور بيدها حقيقة. ٢- عدم التناسق بين أطراف التحالف فأحمد شاه مسعود يقال أنه معتدل ولكنه لم يصل إلى حد التفريط بالخيار الإسلامي، فسرعان ما تصادم مع دستم، ولكنه يرى أنه مضطراً للتعامل معه ومع المجلس العسكري. ٣- تسرع مجددي في تصرفات وتعيينات وإقدام على أمور ليست من اختصاصه، مما يتبين أن له هدفاً مرسوماً ولكنه منفذ غير حكيم، فهو يهاجم بشدة حكمتيار ويعفو عن الشيوعيين بل ولا يرى مانعاً من العفو عن نجيب، ومن جانب آخر يسارع لتعيين أتباع حلفائه مثل تعيين الجنرال عبد الرحيم وردك الذي يتبع جيلاني رئيساً للأركان بدون استشارة مسعود وزير الدفاع الذي هو الآخر له حساباته فيصر على بقاء رئيس الأركان في منصبه، بل إنه لما رأى بوادر تقارب بين مسعود وحكمتيار طار إلى مزار شريف والتقى مع دستم وعينه جنرالاً في الجيش وامتدح جهاده لمدة ست سنوات (أي ضد المجاهدين) ، بل لم يتورع عن التصريح في باكستان أنه يتحفظ على تطبيق الشريعة الإسلامية فوراً، وقبل ذلك كان يكرر أن الشعب يحبه ويرغب في بقائه وأنه لا مانع لديه من البقاء لمدة سنتين حيث أن الشهرين لا تكفي. ٤ - براعة الحزب وعدم وقوعه في الشراك، فإنه تجنب المواجهة الشاملة أولاً، وركز على أن مشكلته ليست مع الجمعية ولا مع مسعود بل مع الميليشيات مما قوى موقفه وأضعف خصومه، وقد تم أخيراً اللقاء بين مسعود وحكمتيار وتم الاتفاق بينهما على أمور نرجو أن يكون فيها كل الخير وأن يتم تطبيقها حيت أن هناك كثيراً من الأطراف لا تريد أن يتم اتفاق بين المجاهدين لأنهم يعرفون أن فرصتهم الوحيدة لتسيير الأمور هو اختلاف هذين القطبين. ٥- صفاقة قائد الميليشيات دستم حيث عرض التقسيم على أساس عرقي في أفغانستان وهذا ما لم يقبل به المجاهدون، وقد ردت الجمعية على ذلك ببيان طويل وأيضاً فإن تصرفات الميليشيا في كابل أحرجت مسعود حيث إنهم يتصرفون باستقلالية بل قال عبد المجيد نائب دستم من يستطيع أن يمنع الجنرال دستم إذا قرر الذهاب الليلة إلى التلفزيون وإعلان نفسه رئيساً [٧] . اتفاق حكمتيار ومسعود: بعد التأجيل لمرات عديدة بل وقيام قوات تتبع محمد بن محمدي حليف مجددي بمنع مسعود من الوصول إلى مكان الاجتماع تم اللقاء المرتقب (٢٤/١١/١٤١٢) وفيه تم الاتفاق على الآتي: * عدم تمديد ولاية رئيس المجلس الانتقالي للمجاهدين. * أن يتسلم برهان الدين رباني رئاسة الدولة. * سحب قوات الميليشيات من كابل وإحلال قوات محايدة مكانها. * إجراء انتخابات رئاسية في غضون ستة أشهر وبرلمانية في غضون سنة. * تسليم أمن العاصمة إلى المجاهدين بإشراف وزارة الداخلية وتشكيل لجنة لفض المنازعات [٨] . وإذا كان هذا الاتفاق بداية لتعاون نرجو أن يساعد في تجاوز هذه المرحلة الصعبة بأكبر قدر ممكن من المكاسب وأقل حد ممكن من الخسائر فإن لنا كلمة يحب أن نقولها: قال تعالى: [ولا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ واصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ] [الأنفال ٤٥] ، وقال تعالى: [إنَّ الَذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وكَانُوا شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ] [الأنعام ١٥٩] ، ولا أظن أننا بعد هذه الآيات الواضحات بحاجة إلى بيان خطر الفرقة والتنازع وأنها سبب الفشل والخذلان وهذا شيء ملموس ولكن ليس معنى هذا أن ننسى أن الله جمعنا على دين وفرق بيننا على أساس الدين والاجتماع ليس على أساس العرق أو القبيلة أو اللغة أو الحزب بل الأصل فيه هو الدين، وهذا أمر يجب أن يعطى أكبر الاهتمام فبلاد أفغانستان بلاد واسعة كثيرة الأعراق والقبائل فلا تجمعها لغة ولا قبيلة، بل لا يمكن أن تجتمع إلا على دين حق وهذا يلقى على كاهل الدعاة والمربين مسؤولية كبيرة في جمع هذه الأمة المجاهدة على اعتقاد سليم ومنهج منضبط وطريق مستقيم. جدول الشخصيات التي اختارتهم الأمم المتحدة: ١-عبد الصمد حامد نائب رئيس وزراء في عهد ظاهر شاه ٢-عبد القادر سيرت وزير عدل سابق في عهد ظاهر شاه ٣-البروفسور أصغر ... وزير عدل سابق في عهد ظاهر شاه ورئيس ... ... ... ... ... ... بلدية كابل ٤-الدكتور طبيبي ... وزير سابق وزير سابق في عهد ظاهر ... ... ... شاه ٥- الدكتور ابراهيم حفيظي وزير صحة سابق في عهد ظاهر شاه ٦-عبد الحكيم ... ... جنرال شرطة سابق ومسؤول عن أمن ... ... ... كابل ٧-عبد الجبار ثابت ... ... مذيع في صوت أمريكا ٨-اختر محمد بختري ... مسؤول سابق عن الطيران في عهد ظاهر ... ... ... ... ... ... شاه ٩-يعقوب لالي ... وزير معادن في عهد ظاهر شاه ١٠-الدكتور يوسف ... رئيس وزراء سابق في عهد ظاهر ... ... شاه ١١-عبد الوكيل ... وزير زراعة سابق في عهد ظاهر شاه ١٢-يحي نوروز جنرال سابق يعمل مستشاراً لمجددي حالياً ١٣-هاشم مجددي تاجر سابق يقيم في المدينة المنورة ١٤-شمس ... ... ... تاجر سابق يقم في ألمانيا ١٥-جمعة محمدي وزير سابق في عهد ظاهر شاه ١٦-رسول أمين رئيس اتحاد كتاب افغانستان الحرة ١٧- عبد السلام عظيمي رئيس جامعة كابل سابقاً ومدير مكتب جامعة ... ... ... ... ... ... نبراسكا الأمريكية في بيشاور حالياً

стр. 1162

أفغانستان درس في السياسة الدولية د. عبد الله عمر سلطان في القرن المنصرم ثارت نار الصراع المحتدم بين بريطانيا والقيصرية الروسية للسيطرة على أفغانستان، كانت الأمبراطورية البريطانية تحصد غنائمها الهندية بعد سقوط آخر الممالك الإسلامية في شبه القارة.. كما كانت المستعمرات المرتبطة بالمنجم الهندي الضخم تتهاوى تحت غطاء نيران بوارج الأسطول الملكي من الخليج وحتى قناة السويس.. في ذات الوقت كانت القيصرية الروسية الأقل تحضراً والأكثر تطرفاً في برنامجها الصليبي الأرثوذكسي تسعى للحصول على حصة استعمارية ثمينة بعد نجاحات متراكمة في جمهوريات آسيا الوسطى أو ما كان يعرف بتركستان ... وبين الدب الروسي الجائع والمستعمر النهم، كانت أفغانستان هي الحديقة الخلفية التي تنازع عليها (السارقان) ، فاللص الروسي الطموح يرى في أفغانستان منفذه على القارة الهندية ومياه الخليج الدافئة التي تجعل من أسطوله قوة مرعبة، أما المستعمر البريطاني المتمرس فقد كان يرى في سقوط ممر خيبر في أيدي الروس بداية التسلل إلى المستعمرة الأهم في منظومة منهوباته العديدة (الهند) .... وحدها أفغانستان لقنت القوتين الظالمتين درساً قاسياً لكل مستعمر زنيم.. فلا بريطانيا العظمى نجحت في تطبيق قانون الانتداب والاستعمار السائد في ذلك العصر على هذه البقعة الاستراتيجية، ولا روسيا القيصرية، بكل آمالها وطموحاتها حققت نجاحاً يذكر في مغامرتها الأفغانية! . كان قدر الأفغان ببساطتهم وإيمانهم ورجولتهم أن يبرهنوا للعالم الإسلامي المتهاوي - في تلك المرحلة ولا يزال - أن البارجات والجنرالات والمندولين الساميين بضاعة تزدهر في وحول المؤامرات ومستنقع أشباه الرجال.. من الذين تسلموا مقاليد الأمور في سرايا الباب العالي وتصدوا للفكر والسياسة من تلاميذ الاتحاد والترقي وتركيا الفتاة وما تلاها من نسل كالح تمثل في حركات حصرت نفسها في إطار رد الفعل كالثورة العربية الكبرى التي كان يديرها (لورنس) ؛ أسوأ الأمثلة وأكثرها وضوحاً على إفلاس القيادات التي رحبت بأن تكون دمية (النظام الدولي الجديد) الذي كان يلوح في الأفق! . لقد كانت التجربة البريطانية في أفغانستان باهظة الثمن ولم تنته تلك التجربة وما تلاها من فصول إلا ورياح الإخفاق والانحصار تحاصر (العجوز الإنجليزى) وترمي بأول سهامها نحو نحره الذي ظل يتلقى النصال المتوالية حتى سقطت الإمبراطورية العظمى بعد حين! لتصبح بريطانيا من دول الصف الثاني ... أو الثالث. هذا المصير المأساوي والنهاية الدرامية كانت من نصيب الدب الروسي بعد قرن من زمن حينما خاض في الوحل الأفغاني مرة أخرى دون أن يتعظ من سلفه البريطاني أو مغامرات أباطرته الأوائل! الأطماع الروسية المستجدة: كان سقوط الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى على يد لينين نهاية الأحداث والحروب المتتالية بين الشمال الأرثوذكسي المتمثل بالإمبراطورية الروسية والجنوب المسلم الذي تراجعت مناعته وقوته حين شاخت سلطنة آل عثمان وبرزت الدولة الصفوية قوةً رافضيةً متعصبة استطاعت أن تحول إيران وأذربجيان إلى سواد رافضي تقف على رأسه سلطة سياسية تهدف إلى زعزعة قوة الخلافة الإسلامية عبر التحالف مع القوى الغربية لاسيما الاستعمارية لا سيما روسيا القيصرية وبريطانيا ... وبعد أن استكمل ستالين عمليات الضم القسري لمسلمي بلاد ما وراء النهر كانت أفغانستان لا تمثل في الحقبة التي سبقت الحرب العالمية الثانية هدفاً مباشراً، لكن خروج الاتحاد السوفييتي منتصراً من حربه الكونية وما أعقب ذلك من محاولات مستميتة لتصدير الثورة، وتلميع النموذج الروسي /الاشتراكي أصاب أفغانستان داؤه ولو بعد حين.. وفي أفغانستان كما في أي قطر إسلامي كانت الفئات التقليدية (المحافظة) على الوضع لا تدرك مدى شيخوختها وعجزها عن مجاراة النموذج الأيدلوجي الشاب الذي يقف بجوارها.. كانت هذه الفئة التقليدية المحافظة تنظر إلى يومها ولا تفكر بغدها..، تعيش هموم اللحظة وتستعر بينها نار الخلافات ويتطاير غبار المعارك التي تجري من أجل الحصول على منفعة قريبة أو متاع حقير ... ، لم تدرك هذه الفئات أن (الدين) الذي كانت تمارسه هو مجموعة من الطقوس الصوفية والأفكار الإرجائية والعادات الاجتماعية التي لا تمت لجوهر الدين بصلة في حين أنها تسلب هذا المعتقد أصوله وتقتلع جذوره الحقيقية مكتفية ببعض الأغصان ذات الرائحة الطيبة والطعم المر! وكان ظاهر شاه مستغرقاً في اهتاماته الصغيرة محاطاً بالفئات التقليدية والمنتفعين بوجوده بينما كانت الشيوعية البراقة آنذاك تشق طريقها بتؤدة حتى استطاعت أن تستقطب بعض اقارب الملك وحاشيته كرئيس الوزراء محمد داود ... في الجانب الآخر كانت أمريكا ترقب ما يحدث غير عابئة كثيراً بتطورات الأوضاع الداخلية في أفغانستان أو بصراع القوى الدائر بالرغم من المعلومات التي كانت تتوالى من المخابرات الأمريكية في إيران وأفغانستان عن احتمال استيلاء الشيوعيين على السلطة.. وفي نهاية شهر ديسمبر ١٩٥٩ وبعد الانقلاب الشيوعي الأول دخلت أفغانستان بؤرة الاهتمام العالمي بتحولها إلى حديقة خلفية للصراع المحتدم بين السوفيات وأخذت الأحداث تتسارع والضربات تشتد.. ومرة أخرى، كان ملفتاً للنظر أن قوة محلية صغيرة العدة والعتاد، واسعة الأمل عميقة الثقة بقضيتها تنتفض على الواقع الثقيل والجحافل المسلحة بأشرس وأعنف ما عرفته البشرية من آلات الموت ونتاج الدمار ... في البداية كان اسم المجاهدين مثيراً للتساؤل والغرابة.. حتى من قبل أبناء الحركة الإسلامية حيث كانت تجربة مجاهدي فلسطين تتحول أمام أنظارهم إلى مصطلح بشع يتاجر به العلمانيون الفلسطينيون بقضية شعبهم الصبور ... ، وما هي إلا أشهر قلائل حتى بدأت القضية الأفغانية تجتذب مشاعر وحماس وجهود المسلمين من كل صقع..، وبعد أعوام قليلة، حينما وقف عبد رب الرسول سياف مخاطباً مؤتمر القمة الإسلامي بالطائف، كان (المجاهد) عرفات يهزأ به وبطول لحيته ويقول: (نحن نقف مع الحكومة الشرعية ضد هؤلاء المتمردين المتخلفين! ! ! !) ، كانت كلمات سياف معبرة عن مفهوم جديد لفهم المتغيرات الدولية حيث تستجيب لتطلعات الشعب الأفغاني وآماله مع التعامل الحذر الذي يرفض الاستجداء والتوظيف والتحالف مع القوى الخفية التي ترمي إلى استغلال جهد وعرق المجاهدين، مع ما رافق ذلك من ظهور أمثلة العمالة والخيانة والرضى بالدنيا متمثلة ببعض المشبوهين الذين لحقوا بقافلة الجهاد وهم المنحرفون منهجاً والمشبوهون واقعاً. ثم تكون عليهم حسرة: (تجد الولايات المتحدة نفسها الآن رغم إنفاقها الملايين من الدولارات على تسليح المجاهدين الأفغان، لا تملك أي تأثير فعلي على مجريات الأحداث في أفغانستان مع بلوغ الحرب في أفغانستان عامها الرابع عشر، وأصبح دور الحكومة الأمريكية التي استمرت في تسليح المجاهدين حتى وقت قريب مقتصراً على توجيه النداءات بضبط النفس وإصدار بيانات تعرب عن تأييد جهود الأمم المتحدة السلمية، ويقر مسؤولون كبار بوزارة الخارجية الأمريكية بأنه ليس في استطاعتهم فعل شيء يذكر بخلاف متابعة الأحداث وتمني تحسن الأوضاع! !) . بهذه الكلمات لخص محلل وكالة رويتر الموقف الأمريكي في خضم الحديث عن النظام العالمي الدولي الجديد وضرورة تطبيق مبادئ الشرعية الدولية، كما تريد أمريكا أن تفسر، ويبرز المثال الأفغاني بمثابة الضوء الساطع الذي يعري حقيقة هذا النظام ومراميه، ففي الوقت الذي تُوجه نداءات النظام الدولي الجديد للخائفين والمرتجفين بضرورة تدمير هذا السلاح أو القبول الكامل لشروط المنتصرين تبقى بنادق المجاهدين مشرعة وشامخة ومستعلية لإيمانها العميق وعدالة قضيتها منذ أن حركت جموع الشعب الأفغاني في ذلك الشتاء القارس قبل ١٤ عاماً.. كانت خطة سيفان وقرارات الأمم المتحدة نمطاً آخراً ومثالاً شاخصاً لما يسمى بالنظام العالمي الجديد وتطبيقاته في آسيا.. وها هي الولايات تقف متحفزة ومنتظرة تطورات الأوضاع في أفغانستان بالرغم من زوال شبح الشيوعية وانتهاء الحرب الباردة ... ذلك أن المجاهدين الأفغان في خضم معركتهم الكبرى مع روسيا فجروا لغمين دوليين: انهيار الاتحاد السوفييتي بعد الهزيمة التي أذاقهم أياها أصحاب اللحى الكثة والأيدي الخشنة والجباه الراكعة وتبع ذلك استقلال جمهوريات آسيا الوسطى ذات الأغلبية المسلمة وما سيتركه المثال الأفغاني من استقلالية ورفعة وانتصار ضد كل محاولات الترويض والهيمنة التي تدعي بأنها شرعية دولية أو أنظمة دولية جديدة. وبانتهاء الحرب بين المجاهدين والشيوعية أصبحت بصمات هذا الخيار الحر تمتد وتنمو لتشكل نموذجاً مليئاً بالحياة مبيناً أن ما يسمى بالنظام الدولي الجديد إنما يقبل الحياة ويرسم مستقبل الشعوب التي تؤمن في لحظة انكسارها وهزيمتها أن هناك نظاماً مكتوباً ومعداً لهذه المنطقة أو تلك، وأن أفغانستان المسلمة حطمت خرافة هذه الإدعاءات عندما صبرت وصابرت ورابطت وكسرت مؤامرات السلم كما شمخت وقت الحرب وعواصفها أمام الضغوط الدولية والإقليمية.. وهذا درس مجاني في السياسة الدولية والدراسات الاستراتيجية. يبقى هذا الدرس رائداً حينما ندرك حجم الأخطاء وأثر الخلافات الداخلية التي رافقت المنحى الإيجابي لهذا النصر التاريخي.. الذي شهد به محلل الوكالة كما شهد به المفكر الأمريكي كريستفور أوقدين. حينما قال: (منذ عام ١٩٨٠ أنفقت واشنطن أكثر من ٢ بليون دولار كأسلحة لقوات المتمردين الذين أسقطوا بواسطة الصواريخ الأمريكية أكثر من ٣٠٠ طائرة روسية.. لقد حاول الأمريكان أن يقوموا بنفس الحركة مع ثوار الكونترا لكنها فشلت رغم أن الأفغان كانوا يواجهون الروس مباشرة، لكن رغم تحقق الحلم بانهزام الشيوعيين في أفغانستان فإن التحدي الآن هو في موقف المجاهدين الذين لا يشعرون بالمنة والود تجاه أمريكا، وبانهيار الشيوعية يبقى الإسلام يمثل التحدي في المنطقة، إنه كالخميرة التي ستنضج في وقت ما وعندها سنجده أمامنا ولا ندري إلى أين ستمتد قامته في وجود الأصوليين كقلب الدين حكمتيار) ، إن ما قاله هذا المفكر الأمريكي يكشف حقيقة المعضلة حين تقارن التجربة الأفغانية بتلك الذيلية التي تتلقى الرعاية وتلتزم بالولاء لأمريكا.. كما أنها تزيح الستار عن مدى الحنق والحسرة التي تنتاب المفكرين والساسة هناك وهم يرون الدعم السابق يحمل في أحشائه التحدي القادم الذي سينفقون ما يقدرون لاغتياله: [إنَّ الَذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ والَّذِينَ كَفَرُوا إلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ] .

стр. 1163

مسلمو بورما بين ماض مزهر وواقع مؤلم أحمد عبد العزيز أبو عامر حقيقة هامة علمناها ديننا الحنيف وهي أن المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها كالجسد الواحد كما جاء في حديث النعمان بن بشير ﵁، قال رسول الله: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد ... إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) ، وهذا شعور كل مسلم تجاه إخوانه المسلمين مهما تباعدت بينهم البقاع أو تناءت بهم الديار. وما عرفنا في تاريخنا الإسلامي المجيد قاطباً صلدة ومشاعر متحجرة ترى ما يفعله الأعداء بإخوانهم في العقيدة من قتل وتشريد واضطهاد وكأن الأمر لا يعنيها إلا في عصورنا المتأخرة. نعم إن جل ديار الإسلام تحكمها أنظمة ديكتاتورية لا تأبه بالرابطة الإسلامية، ولا تهتم بما يجري لكثير من المسلمين في أنحاء العالم من ظلم وتشريد. إن واجب أصحاب الأقلام المشاركة في التعريف بإخوانهم وفضح كل المؤامرات التي تحاك ضدهم من قبل الحكومات الظالمة ليعرف الجميع أحوالهم وواجبهم حيالهم.. وفي ذلك فضح لأدعياء الديمقراطية المزعومة في العالم المتمدن وإظهار حقيقة أدعياء حقوق الإنسان ومن يزعمون نصرة المظلوم من الظالم.. صحيح أنهم ربما ينصرون بعض المظلومين لكن بشرط ألا يكون مسلماً.. لكن حينما يصب العذاب صباً على المسلمين ويضطهدون تحت سمع وبصر العالم كله فإن الآذان تصاب بالصمم، والعيون تصاب بالعمى، والألسنة والأقلام تصاب بالبكم، أما حين يتعرض شعب أو جالية بل ربما فرد من ذوي الدماء الزرقاء أو تهان كرامته فإنهم حينئذ يعلنون الطوارئ وتستنفر الأقلام وتتحرك كل وسائل الإعلام فتقيم الدنيا ولا تقعدها حتى يقتص ممن تعرض لأولئك البيض زرق العيون شقر الشعر أما المسلمون فلا بواكي لهم لماذا؟ السبب بسيط أوضحه كاتب إسلامي متابع حيث قال: (إن الدماء الإسلامية هي أرخص الدماء حينما أهدر رخيصاً وتواطأ العالم كله على إهداره دون أن يرفع أحد في هذا العالم عقيرته بما يسمى بحقوق الإنسان.. هذا الدم الرخيص يحتاج إلى دراسة مستقلة وافية تدين حضارة هذا العصر الذي يدعي أبناؤه التقدمية والحرية العقائدية وحقوق الحيوان) . وسيكون لي معك أيها القارئ الكريم إطلالة مع واقع شعب مسلم مضطهد في (ميانمار - بورما سابقاً) في ماضيه الزاهر وواقعه ومستقبله المظلم. إن مسلمي بورما المسمين (بالروهانجيين) وقبل بيان التفصيل انبه إلى ملاحظة هامة وهي خطأ تصور الكثيرين إن معاناة شعب بورما المسلم إنما هي في (أركان) حتى جعلت قضية مسلمي أركان هي قضية مسلمي بورما قاطبة. صحيح أن (مسلمي أركان هم أكبر تجمع للمسلمين هناك) لكن توجد تجمعات أخرى كثيرة للمسلمين في كل من (ماندلي وديفيو وشان ومكاياه والعاصمة رانجون) وغيرها.. وسيكون الحديث حول هذا الموضوع ضمن العناصر التالية: - ماضي المسلمين الزاهر، كيف تدهور منذ الاستعمار البريطاني. - الواقع المأساوي لهم بعد الانقلاب الشيوعي. - المشاكل التي يعانونها من اضطهاد وسلب حقوق. - الجهاد والدعوة التي يقوم بها المسلمون ولماذا فشلت. - المستقبل المظلم ولماذا وكيف الحل. الماضي الزاهر: دخل الإسلام هذه الدولة بعد ما جاء بعض الدعاة المسلمين من الخليج وجنوب الجزيرة العربية ومن الهند وغيرها، وأعجب أهل بورما بأخلاقيات الدعاة فدانوا بدينهم، وعملوا في الزراعة ثم هيمنوا على التجارة وتوطنوا في كثير من البقاع، وأكبر تجمع لهم في (أركان) . وجاء اسم (الروهانجيا) الذي ينتسب له المسلمون من اسم قديم لأركان وقد استقروا فيها قبل (الماغ) البوذيين ويمكن إثبات ذلك عن طريق العديد من الوقائع التاريخية التي تدعم هذه الحقيقة، ومما يدل على قدم المسلمين في هذه الدولة الآثار التاريخية مثل مسجد (بدر مقام) في (أكياب) عاصمة (أركان) وكذلك (مسجد سندي خان) والذي بني منذ ٥٦٠ عاماً ومسجد (الديوان موسى) الذي بني عام ١٢٥٨م ومسجد (ولي خان) الذي بني في القرن ١٥م. وكانت أحوال المسلمين آنذاك جيدة، وكان لهم مكانتهم، بل أقاموا في أركان دولة إسلامية ما بين عامي ١٤٣٠-١٧٨٤م وكان لهم عملات نقدية تتضمن شعارات إسلامية مثل كلمة التوحيد، إلى أن احتلت أركان من قبل الملك البوذي (بورديابا) عام ١٧٨٤م وتعرض المسلمون بعدها لمذابح وطمست المعالم الإسلامية، وأحل الطابع البوذي مكانها، وتعرض المسلمون لمذابح متواصلة حتى جاء الاستعمار الإنجليزي. موقف المسلمين من الاستعمار الإنجليزي: واجه المسلمون الاستعمار الإنجليزي بعنف مما جعل بريطانيا تخشاهم، فبدأت حملتها للتخلص من نفوذ المسلمين بإدخال الفرقة بين الديانات المختلفة في هذا البلد لتشتيت وحدتهم وإيقاع العداوة بينهم كعادتها في سياساتها المعروفة (فرق تسد) فأشعلت الحروب بين المسلمين والبوذيين، وتمثلت تلك المؤامرات في عدة مظاهر أساءت بها بريطانيا إلى المسلمين أيما إساءة ومنها: ١- طرد المسلمين من وظائفهم وإحلال البوذيين مكانهم. ٢- مصادرة أملاكهم وتوزيعها على البوذيين. ٣- الزج بالمسلمين وخاصة قادتهم في المسجون أو نفيهم خارج أوطانهم. ٤- تحريض البوذيين ضد المسلمين ومد البوذيين بالسلاح حتى أوقعوا بالمسلمين مذبحتهم عام ١٩٤٢ حيث فتكوا بحوالي مائة ألف مسلم في أركان. ٥ - إغلاق المعاهد والمدارس والمحاكم الشرعية ونسفها بالمتفجرات. حال المسلمين بعد استقلال بورما: نالت بورما استقلالها من بريطانيا في ٤ يناير عام ١٩٤٨ فتفاءل المسلمون خيراً لما سيعقب الاستقلال في تصورهم من الأمن والاستقرار والمساواة بين شعوب الدولة بغض النظر عن أديانهم، لا سيما وأن الدستور بعد الاستقلال ضمن حرية المعتقد وحق القوميات العرقية ممارسة أديانها بحرية، لكن (مستر يونو) أول رئيس وزراء جديد تجاهل جهاد المسلمين وقتالهم المستعمر والذي كان تحت ولاء (منظمة برمن مسلم كنجرس) بقوله أن لا مسوغ لأن يكون للمسلمين عضوية في المجالس النيابية، وعليهم أن يعملوا داخل (حزب بورما) (AFPFL) مع التخلي عن منظمتهم آنفة الذكر. ومع ذلك عاش المسلمون هنا عيشة جيدة حيث اشتهروا بالتجارة، وبنوا ما يربو على ٣٠٠٠ مسجد ومدرسة، بل ساعدوا مساجد ومدارس المسلمين في القارة الهندية، وكان في آخر حكومة وطنية قبل الانقلاب الشيوعي ٣ وزراء مسلمين منهم (السيد عبد الرزاق) الذي كان له أثره الذي لم يكن لأي وزير مسلم. قانونا الجنسية في بورما: سنت الحكومة البورمية عام ١٩٤٨ قانونين كانا يكفلان الجنسية للمسلمين هناك، وبعد سنوات أشاعت الحكومة أن في القانونين مآخذ وثغرات وقدمت في ٤ يوليو ١٩٨١ مسودة القانون الجديد الذي ضيق على المسلمين وصدر عام ١٩٨٢ وهو يقسم المواطنين كما يلي: ١- مواطنون من الدرجة الأولى وهم (الكارينون والشائيون والباهييون والصينيون والكامينيون) . ٢- مواطنون من الدرجة الثانية: وهم خليط من أجناس الدرجة الأولى. ٣- مواطنون من الدرجة الثالثة: وهم المسلمون حيث صنفوا على أنهم أجانب دخلوا بورما لاجئين أثناء الاستعمار البريطاني حسب مزاعم الحكومة فسحبت جنسيات المسلمين وصاروا بلا هوية وحرموا من كل الأعمال وصار بإمكان الحكومة ترحيلهم متى شاءت. ثم اقترحت الحكومة البورمية أربعة أنواع من الجنسية هي: ١- الرعوي. ٢- المواطن. ٣- المتجنس. ٤- عديم الجنسية. وللفئتين الأولى والثانية التمتع بالحقوق المتساوية في الشؤون السياسية والاقتصادية وإدارة شؤون الدولة. أما الفئة الثالثة: فالجنسية إنما تؤخذ بطلب يقدم للحكومة وهو بشروط تعجيزية، والفئة الأخيرة (عديم الجنسية) فيحتجز في السجن لمدة ثم تحدد إقامته في (معسكرات الاعتقال) ويفرض عليهم العمل في الإنتاج فإذا أحسنوا العمل يسمح لهم بشهادة تسجيل الأجانب على أن يعيشوا في منطقة محددة. وبهذا القانون طاردوا المسلمين وأصبحوا كاليتامى على مائدة اللئام مما عرضهم للاضطهاد والقتل والتشريد. الواقع المؤلم بعد الانقلاب الشيوعي: وفي عام ١٩٦٢ م حدث الانقلاب الشيوعي بقيادة الجنرال (تي ون) والذي أعلن بورما (دولة اشتراكية) وذكر علناً بأن الإسلام هو العدو الأول، وترتب على ذلك حملة ظالمة على المسلمين وتأميم أملاكهم وعقاراتهم بنسبة ٩٠% في أراكان وحدها بينما لم يؤمم للبوذيين سوى ١٠% وسحبت العملة النقدية من التداول مما أضر بالتجار المسلمين كثيراً حيث لم يعوضوا من قبل الدولة ثم فرضوا الثقافة البوذية والزواج من البوذيات وعدم لبس الحجاب للبنات المسلمات والتسمي بأسماء بوذية، وأمام هذا الاضطهاد المرير ارتد بعض المسلمين ليتمتع بحقوق المواطنة الرسمية بعيداً عن الاضطهاد والتنكيل واضطر الكثيرون للهجرة القسرية من ديارهم وأملاكهم إلى دول العالم الإسلامي وبخاصة (بنجلادش) بعد حملات عسكرية إجرامية على أراضيهم وأماكنهم. المشاكل التي يواجهها المسلمون هناك: بالإضافة إلى ما سبق بيانه من إيذاء وقتل وتشريد، يعاني المسلمون الكثير من المضايقات التي تتمثل فيما يلي: ١- تأميم الأوقاف. ٢- تأميم الصحف والمجلات اليومية والأسبوعية والشهرية. ٣- منع طباعة أي كتاب إسلامي، وسمح مؤخراً بذلك في حدود ضيقة. ٤-إيقاف بناء المساجد. ٥- منع الأذان للصلاة بعد رمضان ١٤٠٣ هـ. ٦- حجز جوازات المسلمين لدى الحكومة وعدم السماح لهم بالسفر للخارج إلا بإذن رسمي. ٧- رفض تعيين المسلمين في الوظائف الرسمية. ٨- تأميم المساجد الخاصة بالعيد. ماذا فعل المسلمون حيال إخوانهم في بورما: قامت حركة نشطة من سلاح الشجب من بعض الحكومات الإسلامية ومما يذكر فيشكر قيام بعض الجماعات والحركات والمنظمات الإسلامية بنجدة إخوانهم المهاجرين إلى بنجلادش (السعودية والكويت وباكستان وغيرها) . ومما يستحق التقدير الموقف الطيب من قبل الحكومات المتوالية في بنجلادش حيال إيواء المسلمين البورميين النازحين إليها وإقامتها الخيمات وتقديم ما تستطيعه من غذاء وكساء وخدمات وقامت بعقد اتفاقية مع الحكومة عام ١٩٨٣ من أجل عودة هؤلاء اللاجئين إلى ديارهم في بورما، ووضعت خطة لذلك وفعلاً عاد بعضهم لكنهم وجدوا ديارهم وأملاكهم منهوبة من البوذيين ولما اشترك المسلمون هناك في ترشيح ممثلي (المعارضة الديمقراطية) والتي فازت بانتخابات عام ١٩٩٠ عادت الحكومة الشيوعية البوذية إلى عادتها القديمة في اضطهادهم وشن الهجمات عليهم فيما قامت بعض الجماعات المسلمة بالدفاع عن أراضيها وأموالها وأعراضها وأعادت تلك الحكومة الوضع المأساوي السابق مما ساهم في هجرة الألوف المؤلفة مرة أخرى إلى بنجلادش. الجهاد والدعوة لدى مسلمي بورما: ظهرت العديد من المنظمات والجمعيات الإسلامية الكثيرة ومنها: ١- منظمة التضامن الروهنجي الإسلامية (أركان) . ٢- منظمة التحرير الإسلامية لولاية الكاريني. ٣- منظمة الفرقة السابعة. ٤- منظمة الفرقة الجنوبية. ٥- حركة الشباب المسلم (رانجون) . ٦- رابطة الطلاب المسلمين. ٧- جمعية العلماء الروهانجيين. ٨- جمعية علماء الإسلام. ٩- جمعية مسلمي بورما. ١٠- المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية. وجل هذه الفصائل تعمل على تدعيم صف المسلمين هناك من أجل المحافظة على حقوقهم وحريتهم والاحتفاظ بهويتهم الإسلامية وتحصينهم ضد حملات التنصير وتهتم أغلب تلك الجمعيات بالتعليم بفتح مدارس إسلامية وحلقات لحفظ القرآن وإرسال الدعاة إلى القرى والأرياف لمجابهة المنصرين وتقديم المساعدات للفقراء والمحتاجين. وحركة الجهاد في وضع خامد فليس هناك جهاد بالسلاح مع أن ظروف البلاد الجبلية تحتم ذلك دفاعاً عن الأعراض والأملاك وصد هجمات الحكومة الشيوعية بدون وجه حق. ويرى أحد الباحثين أن سبب عدم نجاح تلك الجماعات في تحركاتها يعود لما يلي: ١- توزيع المسلمين في بورما في بقاع معينة منها شمال (أركان) ونسبتهم ٣٠% وكانت نسبتهم قبل الحرب العالمية الثانية ٧٠% تقريباً مما أضعف تحركات المسلمين وخصوصاً المنظمات والجمعيات. ٢- لا يوجد اتفاق ولا إجماع بين المسلمين للقيام بالحركات التحريرية. وكثرة هذه الحركات والجمعيات لا مبرر له لأن بعضها فعلاً نشأ لأغراض شخصية. ٣- أغلب المسلمين الروهانجيين غير راضين عن هذه الجمعيات لعدم ثقتهم بها. ٤- أغلبهم غير معروف لدى مسلمي بورما. المستقبل المظلم: بالرغم من مواجهة المسلمين لنير الاضطهاد البوذي قبل الاستقلال ثم نير الاضطهاد الشيوعي بعد ذلك وما عانوه من أذى وقتل وتهجير إلا أن أحداً في العالم لا يسمع بما يعانونه من مشاكل فادحة ولم يستيقظ ضمير الغرب بعامة وأمريكا بخاصة إلا بعد إلغاء الانتخابات الأخيرة وفرض الإقامة الجبرية على زعيمة المعارضة (اولج سان سوكي) حينها فقط وبعد أكثر من أربعين سنة انتبهوا لإجرام الحكومة البورمية ثم بعد المواجهة العسكرية بين وحدات من بنجلادش وبورما على الحدود بعد أن قامت بنجلادش بحملة دبلوماسية للتعريف بما تعانيه من مشاكل إيواء المسلمين البورميين النازحين، ومما يؤسف له أننا لم نسمع حتى الشجب من كثير من الدول الإسلامية إلا بعد أن أدلى الناطق الرسمي باسم الوزارة الخارجية الأمريكية مستنكراً عمليات القتل التي ترتكبها أي جهة في بورما، واستنكر ما يتعرض له دعاة الديمقراطية من مضايقات وكذلك ما تعرض له المسلمون من تهجير إلى بنجلادش. سمعنا أيضاً (جمشيد أنو) أحد مديري المفوضية العليا التابعة هيئة الأمم المتحدة حين وصف مأساة المسلمين البورميين بأنها إحدى أكبر مشكلات اللاجئين في العالم. وتكلم (بطرس غالي) سكرتير هيئة الأمم المتحدة بشجب الوضع المأساوي الذى قامت به حكومة بورما ضد المسلمين على حدود بنجلادش. لكن لماذا لم يرسل سكرتير هيئة الأمم مندوباً عنه، أو ممثلاً ليقف على الوضع المأساوي، ثم يعقد مجلس الأمن لمعاقبة الحكومة البورمية على ما فعلته من جرائم لا إنسانية في حق المسلمين بدون وجه حق؟ ولماذا لا يرسل هؤلاء المندوبون إلا للجهات الخاصة مثل يوغسلافيا وأرمينيا مثلاً؟ ! ولماذا لا تقاطع حكومة بورما من قبل الدول الكبرى حتى تذعن للحق وتكف جورها وإجرامها بحق المسلمين هناك. إن مستقبل الإسلام والمسلمين هناك مع الأسف مظلم ما لم توقف بورما عند حدها. ومما يؤسف له أكثر أن تظل الدول الإسلامية صامتة حيال ما يجري لإخوانهم ولا تستدعي على الأقل سفراء بورما ولا تقدم الاحتجاجات ضدها وتهدد بالمقاطعة إن لم تكف عن اضطهادها للمسلمين. وإن الواجب أن تمد الدول الإسلامية يد العون لبنجلادش التي تنوء تحت ثقل المشاكل الاقتصادية والفيضانات وضعف الاقتصاد وهي في أمس الحاجة، لذلك يجب أن تقف الدول الإسلامية وقفة شجاعة للضغط على حكومة بورما أو مقاطعتها وحينها سيحسب للمسلمين ألف حساب. فهل نسمع عن تشكيل لجان لدعم مسلمي بورما على طول البلاد الإسلامية وعرضها في وقت لا يفيد فيه الشجب والتنديد بالكلام فقط؟ ! .

стр. 1164

البوسنة - الهرسك محاولات الإفناء والتهجير تصدرت أحداث البوسنة-الهرسك واجهة الأخبار العالمية، وذلك لما يتعرض له هذا الإقليم ذو الغالبية المسلمة من مذابح وحشية من قبل جنود ومليشيات الصرب، ووقوع هذه المذابح في القارة الأوربية وفي منطقة عرفت بأنها بؤرة للصراع والخلافات. نظرة تاريخية: يبلغ عدد سكان جمهورية البوسنة حوالي ٤٨٥٠٠٠٠ تقدر نسيه المسلمين بأكثر من ٤٤% وكانت هذه الجمهورية جزءاً من يوغسلافيا التي انفرط عقدها على أثر الأحداث المهمة في أوربا الشرقية والاتحاد السوفييتي، وبسبب التركيبة غير المتجانسة للسكان، وقد كان هذا الإقليم خاضعاً للمجريين عندما تم فتحه من قبل العثمانيين عام ١٣٨٦م وأصبحت البوسنة مقاطعتة كاملة الانتماء عام ١٤٦٣ م وذلك بعد معارك طاحنة استقر الإسلام بعدها، بل أصبحت خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين المعقل الرئيسي للعثمانيين في صراعهم مع أوربا الغربية وبعد أن ضعفت الدولة العثمانية كان من مقررات مؤتمر برلين عام ١٨٧٧ م أن عهد بالبوسنة إلى الحكم في النمسا، ثم ضمت إلى مملكة الصرب في عام ١٩١٨ م وبعد الحرب العالمية الثانية وفي عام ١٩٤٦ أصبحت إحدى جمهوريات يوغسلافيا. بدء الصراع: عندما أعلنت منطقة البوسنة - الهرسك بأغلبية سكانها أنها دولة مستقلة وانفصلت عن يوغسلافيا بدأ الجيش الفدرالي وحكومة صربيا وميلشيات الصرب بمهاجمة المسلمين في البوسنة والقصد هو تشريد المسلمين وضم ما يحتلونه إلى صربيا الكبرى كما يحلمون، كما أن قتالهم لسكان البوسنة جزء من إضعاف المسلمين في القارة الأوربية، وهذا ما كان يوحي به الصرب إلى الغرب الأوربي حتى لا يقف في وجهه ولكن وحشية الصرب جعلت الغربيين يضطرون للوقوف في وجههم. استخدم الصرب في سبيل أهدافهم أحط أنواع الجرائم فلم يسلم منهم النساء والأطفال والمساجد والمستشفيات بل والقبور وكل يوم تطالعنا الصحف وسمعنا من رئيس المجلس الإسلامي في البوسنة أخبار المذابح الجماعية للقرى المسلمة، وهذه لقطات من أخبار هذا الصراع بين الإسلام وأعدائه. - يقول الضابط محمد حافظيتش: (في مدن مثل براتونستا سقط ثلاثة آلاف قتيل، وقد قامت القوات الصربية بإطلاق المرضى النفسيين (المجانين) من مستشفى (الوكش) في مدينة درنبتا) الوسط ١/٦/٩٢. - قصفت مدينة سارابيفو بتاريخ ١٦/٦/٩٢ قصفاً كان الأبشع منذ بدء القتال، عشرات الأشخاص قتلوا أو جرحوا، عشرات الأبنية تخترق، وقصفت المستشفيات، الحياة ٨/٦/٩٢. - منذ بدء القتال قدر عدد الضحايا بـ ٦٠٠٠ قتيل و ٢١ ألف جريح، كما نزح من السكان ٦٥٠٠٠٠ وقد تم تدمير أقدم مسجد في المدينة الذي يعود بناؤه إلى عام ١٤٦٢م (الحياة ٨/ ٦/٩٢) . هذه الأخبار تؤكد لنا أن القضية هي قضية اقتلاع المسلمين من جذورهم، لماذا لم يفعل الصرب بالكرواتيين كما يفعلون الآن بالمسلمين؟ لماذا هبت دول الغرب (وخاصة المانيا) لمساعده كرواتيا، ثم هل ستنتهي القصة عند البوسنة - الهرسك، أم أن إقليم كوسوفو الإسلامي وغالبية سكانه من الألبان، هل سيكون المحطة الثانية عند الصرب؟ إن ما نعلمه من شدة بأس مسلمي تلك الديار يجعلنا نقول لن يستطيع الصرب - بإذن الله - ولا من يؤيدهم سراً القضاء على المسلمين في تلك المناطق ولا على النهضة الإسلامية القادمة، وإننا نشكر كل من ساعد ويساعد هؤلاء الذين يتعرضون للإبادة كما ندعو المسلمين إلى مزيد من التأييد لمسلمي البوسنة، فإنهم في بلاء عظيم، من حرب صليبية مكشوفة.

стр. 1165

حركة الجهاد نبع أصيل وركن ركين ولكن ! ! عبد الله صالح علي المتتبع للساحة الإرترية يرى العجب العجاب، وتتملكه الدهشة وذلك لما يشاهد فيها من المتناقضات والجمع بين المستحيلات فيمن يمسك بزمام الأمور في الثورة الإرترية منذ أن تمحورت وصيغت بالصيغة السياسية، وتحولت عن صورتها المبسطة التي كانت تتمثل في: شعب سلب حقه الغاصبون، وقام لاسترجاعه بكل ما يملك من سعة ومقدرة. وبعد أن تم تسييس الثورة، وتسربت إليها أيد خارجية اختلط الحابل بالنابل، وزاد الخرق على الواقع إلى أن وصل الأمر في تحكم زمرة من أبناء النصارى الحاقدين وقليل من أبناء المسلمين المخدوعين بشعارات جوفاء إلى سدة الحكم. وعندها جاءت قاصمة الظهر بالنسبة للشعب الإرتري المسلم الذي غلب على أمره وذلك أنه كلما لاح له برقٌ حسبه ضوءاً وهرول نحوه مسرعاً ثم يجد آماله تذهب أدراج الرياح إلى أن نبع النبع الأصيل والركن الركين بعد الله تعالى في إرتريا متمثلاً في حركة الجهاد الإسلامي لتعبر عن رغبات الشعب الإرتري الأصيلة ولتكسر الحاجز بين الشعب المسلم في إرتريا. ومن خلال المتابعة ورصد الأحداث لا بد من التذكير بأمور تتعلق: أولاً: بالشعب الإرتري المسلم نفسه. ثانياً: بحركة الجهاد الإسلامي الإرتري. فيما يتعلق بالشعب الإرتري المسلم ينبغي عليه أن يدرك كيف تسير الأحداث وإلي أين تسير؟ وأخص من الشعب المتعلمين والمثقفين الإرتريين، أن يخلعوا عنهم لباس اللامبالاة ويضطلعوا بالمسؤولية الملقاة على عاتقهم مهما كانت التضحيات جسيمة وكبيرة والذي يدعو إلى ذلك عده أمور منها: ١- إن الصراع الإرتري يختلف عن غيره من الصراعات في عالمنا الإسلامي، فهو صراع حضاري قيمي، وليس صراع أرض فقط وتقف خلفه كل قوى التبشير والتنصير العالمية وذلك لأهمية المنطقة وحساسيتها. ٢- إن الذي أعطى القضية الإرترية كل هذا البعد السياسي هم المسلمون فكيف بهم اليوم لا يعبأ بهم ولا يلتفت إليهم؟ ! ٣- إن سياسة (فرق تسد) التي تتبعها (الشعبية) في إرتريا وسحب البساط من تحت أقدام بقية التنظيمات الإرترية أمر غريب ويدعو إلى التساؤل والاستفسار. ٤- لا مبرر لتهميش دور أبناء المسلمين الموجودين داخل الشعبية وليس له أي تفسير آخر غير أن الشعبية تريد من أبناء المسلمين أن يكونوا مستخدمين عندها لتتخذهم أداة لتضرب بهم إخوانهم من أبناء المسلمين المعارضين للجبهة الشعبية مهما كانت توجهاتهم، وإلا فلماذا لا يوضع أبناء المسلمين في الأماكن الحيوية والحساسة من التنظيم (مثل الاقتصاد، الإعلام..) ؟ ! وحتى الذي يوجد ضمن بعض المكاتب المتخصصة ما هو إلا دمية يحركها أحد أبناء النصارى سواء كان نائباً أم مسؤولاً عنه. ٥- ما هو الدافع الحقيقي من وضع برنامج التعليم للشعبية على أساس اللهجات الإرترية وإبعاد اللغة الرسمية للمسلمين من شؤون الحياة الرسمية والتعليم، فالنصارى في إرتريا لهجتهم واحدة وكون الشعبية تضع برنامجها التعليمي بهذه الصورة يعني أنهم متحدون ولكن إذا نظرنا للمسلمين في إرتريا نجدهم يتحدثون بلغات كثيرة ومتفرقة فما الذي يجمع بينهم إذا فرقت اللغة واتخذ كل لهجة خاصة به؟ ! النتيجة معروفة وهي تمزيق المسلمين وتشتيت وحدتهم وبث النعرات القبلية بينهم ومما هو معلوم بأن اللغة تتأثر بالنظام السائد في أي بلد فالذين يحكمون شؤون الدولة هم الذين يفرضون لغتهم وثقافتهم على المحكومين. ٦- لهذا يجب على الإرتريين أن يكونوا يداً واحدة لتفويت الفرصة على المتربصين بالمسلمين الدوائر في إرتريا، ويتحملوا وعورة الطريق ويقفوا خلف حركة الجهاد ويكونوا لها الساعد الأيمن لأنها أمل المسلمين الوحيد - بعد الله - في إرتريا حتى لا نقول: أكلت يوم أكل الثور الأبيض أو الأسود، ولات ساعة ندم. أما فيما يتعلق بالحركة فالأمور كثيرة جداً ويمكن إيجازها بما يلي: ١- أن تتمسك بالمبادئ والمنهج الذي رفعته منذ أول وهله والذي من أجله استشهد الشهداء وأن لا تحيد عنه قيد أنملة وذلك بالأفعال لا بالأقوال. ٢- أن تعلم تماماً بأن النصر على الأعداء والتمكين في الأرض ليس من مهماتها هي، فالإعداد شرط والتمكين وعد من الله تعالى، فقد يحاول العاملون في الدعوة الإسلامية تعجل قطف الثمار فيرتكبوا بعض الأخطاء على حساب المنهج وعنده يتخلف النصر. ٣- نريد من الحركة أن تكون مثلاً للثبات أمام كل الأعاصير والرياح والتقلبات السياسية. ٤- علَّموا العالم أجمع بأن المبادئ لا تشترى ولا تباع ولا يساوم عليها مهما ادلهم الخطب. ٥- في الشعب الإرتري من يراقب الحركة مراقباً متصيداً للأخطاء وكذلك فيهم من يريد التأكد من صدق التوجه والنوايا والأخير هو الغالب فينبغي أن يحسب لهذا حسابه. ٦- أن يدركوا جيداً بأن هناك فرقاً بين المطلوب الشرعي والمقدور الشرعي، فليس كل مطلوب هو مقدر شرعاً وعليهم فقط الاستمساك بالتي هي أقوم مهما طال الدرب. ٧- أن لا تستهويهم عاطفة الجماهير العامة فيصنعوا قراراتهم وفق حماسهم فقد قيل: (قلوب العامة مع الحق وسيوفهم مع الباطل) . ٨- أن يأخذوا بالعزائم في كل أمورهم فهم يعيشون في زمن كله أخذ بالرخص وأي حركة تغييرية تجديدية تأخذ بالرخص مصيرها الفشل في النهاية. ٩- إن الساحة الإسلامية مليئة بالأحداث والمشاهد المتكررة فينبغي أن يستفاد منها فائدة تامة. ١٠- السعي نحو تجييش الأمة على كافة الأصعدة والميادين، وعدم الاقتصار على ميدان دون آخر. وأخيراً فإن المسؤولية عظيمة وجسيمة، وما على العاملين في الحقل الإسلامي إلا السير على درب النبوة، فمن الأنبياء من يأتي يوم القيامة وليس معه أحد ولا يعني ذلك فشل هذا النبي، حاشا لله. فلذلك ينبغي السير وأن لا يتعجل العاملون النصر قبل استكمال شروطه، وإن المسؤولية تقع بالدرجة الثانية بعد الإرتريين على عاتق المسلمين، على العالم الإسلامي أجمع؛ فعليهم القيام بالواجب الشرعي تجاه إخوانهم في إرتريا بالنصح والتوجيه والإرشاد والدعم وعدم الخذلان عملاً بقول رسول الله ﷺ : (المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يكذبه، ولا يحقره..) [رواه مسلم] ، والله الموفق.

стр. 1166

منتدى القراء البناء العَلْماني وبداية السقوط سعد بن عبد المجيد الغامدي يتشكل البناء العَلْماني في البدء.. من أبنية عدة ترتبط فيما بينها بعلائق بنائية، وتشكل كل ذي فكر لا ديني كالماركسي الهالك أو الرأسمالي المتهالك، والحداثي الماسوني وما بعده من ضروب الفكر الفوضوي الآخذ في التداعي البطيء نحو حتمية النهاية المُريعة، نهاية كل فكر زائف مزيف. ويلوح ذلك البناء بأفكاره وطروحاته وأنظمته، لصاحب العقل المُستعْمَر - بتسكين العين وفتح الميم - والنفس الانهزامية، يلوح بناءً متماسكاً، وهاجساً حضارياً يبعث على التوثب والانعتاق. وهو لذي عقل رباني متحرر من علائق التبعية لكل فكر لا إسلامي دنيوي، بناءٌ مادي موضوي - نسبة إلى الموضة - يتبدل تبدل الموضة وعروض الأزياء المرهونة بطقوس الفصول الأربعة وجلبة القطعان الُمغرمة ببريق المظهرية الجوفاء. ويتبدى له أيضاً، عبر خطابه الفوسفوري، بناءً مشعاً.. بيد أن شعاعه زائف سرعان ما ينطفئ لأنه يستمد لمعته من شعاع الآخرين! وهو بناء يحمل في تجويفاته وأحشائه بذور التداعي والسقوط المتمثلة في (الجهل بحقيقة الألوهية واتباع غير ما أنزل الله) ، واستعباد البشر والجناية على أدمغتهم.. يأخذ هذا البناء في النمو وتنمو في ذات الوقت تلك البذور، وتتجذر عروقها، وتمتد أغصانها في ثنايا البناء وتحل به لاحقاً سنّةّ الهلاك، ويسقط سقوطاً مدوياً.. ولنا في سقوط البناء الشيوعي - مُحَطَّم الإرادات ومعطَّل العقول، وهو أحد منظومات البناء العلماني - خير بشير ونذير. وتباعاً.. فإن ثوابت هذا البناء الوضعي الجاهلي اللافطري ثوابت هزيلة ترتعد فرائصه وتتهاوى لبناته أمام ثوابت البناء الإسلامي الرباني الخالد، رغم الحصار الإبليسي المضروب حوله! والخطوة الأولى نحو تقزيم البناء العلماني على طريق الصراع الحضاري تكمن في تكثيف الخطاب الإسلامي الخالد وتوسيع دائرته ليشمل نواحي الحياة كلها، وذلك في ظل غياب الخطاب الشيوعي الماركسي. ثم تعرية الخطاب العلماني وكشف زيفه وتناقضاته الفجة مع أبجديات الحرية وألف باء الحياة الكريمة التي تحفظ للإنسان إنسانيته وإرادته المستقلة. وهذا منهج - شريطة الاستمرارية - قمين بأن يُعيد للبناء العلماني مكانته الطبيعية كما لا بد أن يكون قابعاً في مزابل التاريخ وأزقة الحضارة. ويعود البناء الإسلامي الخالد، عبر عقيدة التوحيد وثورة فكرية ربانية تملآن الفراغات وتحلاّن بديلاً عن منظومات المنطق المادي الكسيح، يعود كما كان وكما لا بدّ أن يكون شامخاً في سماء الحضارة، ومناراً للأمم، وصانعاً للتاريخ، مصداقاً لقول الحق خالق الخلق [والْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ] . أجل! تلك سنة الله التي خلت في الأولين، ولن تجد لسنة الله تبديلاً، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1167

«بين الانضباط والسلبية» عبد الله العنزي يعاني كثير من المنخرطين في سلك الدعوة إلى الله أزمة حقيقية في تحديد المصطلحات الدعوية وماذا يراد منها؟ فأنت ترى ذلك الشاب المتحمس للدعوة يستمع إلى توجيهات من داعية كبير حول الانضباط ومضار الفوضى، تراه يستمع إلى تلك التوجيهات وهو مستعد لتطبيقها فوراً في نفسه وفي دعوته، إلا أنه يواجه إشكالية كبرى في تحديد ما يراد من مصطلح الانضباط، وقل مثل ذلك في باقي المصطلحات. وحتى أكون دقيقاً أكثر فإني لن أتحدث سوى عن جزئية مهمة في تحديد مصطلح الانضباط ألا وهي الخلط الظاهر بين هذا المصطلح ومفهوم السلبية، تاركاً باقي جزئيات هذا الموضوع لمشايخنا حفظهم الله. فأقول إن كثيراً من الدعاة يفهمون أن معنى الانضباط هو ترك الانتقاد وبيان الحق، وأتى هذا الفهم الخاطئ من رؤيتهم لواقع بعض الفوضويين الذين يتميزون بكثرة الانتقاد حتى لم يسلم أحد من نقدهم وحيث أن نقيض الفوضى الانضباط فقد فهم أولئك الدعاة بأن معنى الانضباط مخالفة كل ما عليه أولئك الفوضويون وأبرز ما عندهم النقد. وغني عن القول أن هذا فهم خاطئ فإن معنى الانضباط على تفسير أولئك الدعاة هو السلبية، وهي داء يصيب أي عمل، بل يجب أن يشارك الجميع بعقولهم قبل أعمالهم، وليس العمل الإسلامي بحاجة إلى آلات تنفذ ما يلقى إليها دون نقد أو تمحيص. إن النقد لا بد أن يكون ضمن القواعد التي شرعها الشرع الحنيف وأوضحها علماء الشريعة، فإن الداعية المنتقد إن لم يفعل ذلك وقع فيما وقع فيه أولئك الفوضويون.

стр. 1168

أيها الدعاة نحتاج لتذكيركم .. مريم السالم تبقى صور البذل والعطاء للمرأة المسلمة مشرقة منذ بداية الدعوة الإسلامية وحتى يومنا هذا، ومن فينا ينسى ذلك الموقف الرائع لأم المؤمنين عائشة بنت الصديق ﵄ حين أتتها خادمة لها بمائة ألف ففرقتها في يوم واحد وكانت صائمة في ذلك اليوم، فقالت لها الخادمة: أما استطعت فيما أنفقت أن تشتري بدرهم لحماً تفطرين عليه، فقالت: لو كنت ذكرتني لفعلت [١] . ومَنْ يتجاهل جُود النساء بُحليّهن حين بعثن به يعن به المسلمين في جهازهم يوم العسرة. ولا زالت صور المرأة للإنفاق في سبيل الله ناصعة مشرقة يشهد لها لذلك ما تستقبله المعارض والأسواق والمؤسسات الخيرية اليوم من بذلهن وعطائهن، ... خاصة إذا عرفنا أن المرأة ذات عاطفة قوية تدفعها للبذل والعطاء، وتجعلها أكثر إحساساً بغيرها من الضعفاء والمعوزين، لكنها فقط تحتاج لتذكير، تحتاج المرأة في هذا العصر إلى من يقف بين حين وآخر ليحدثها ويرغبها في الخير والعطاء، وتحتاج لمن يحكي لها أحوال أخواتها المسلمات المحتاجات ويذكرها بواجبها تجاهن، وكلما ازداد تأكيد ذلك بالصوت والصورة ازدادت بذلاً وعطاء. ومسألة التذكير هذه تحتاج هي الأخرى لمن يؤكد عليها وينبه لها، لقد أغفل الدعاة أمر التذكير - إلا من رحم الله - ونسوا أننا في زمن ضعفت فيه القلوب، وطغت عليها جوانب الحياة المادية، وتعلقت بالدنيا الفانية وأشربت حبها. وإذا كان رسول الله ﷺ يقف بنفسه ليعظ النساء ويذكرهن، ويحثهن على الصدقة ويخصصهن بذلك في مجلس منفرد، قائلاً: (يا معشر النساء تصدقن وأكثرن الاستغفار فإني رأيتكن أكثر أهل النار..) [٢] مع أنه في زمن هو خير القرون، ونساؤه أفضل النساء وأتقاهن والقلوب هناك معلقة بالآخرة. فما أشدَّ حاجتنا لمذكرين ناصحين في زمن قل فيه المذكرون المخلصون وكثرت فيه الفتن، وسايرت أحوال المسلمين وخارت قواهم وصاروا مستضعفين، ونجحت فيه مخططات الأعداء لإفساد المرأة المسلمة وإشغالها عن قضايا أمتها - ولا حول ولا قوة إلا بالله. إن على الدعاة وأهل الخير وأصحاب المؤسسات الإسلامية الإغاثية والدعوية أن تسعى جميعاً لإيصال الصورة الصادقة لأحوال المسلمين وجراحاتهم في العالم الإسلامي والتي يكاد كثير من نسائنا لا يعرفن عنها شيئاً، وعليهم أن يستخدموا في ذلك وسائل العرض المؤثرة لإيقاظ النفوس الغافلة وحفز الهمم الفاترة لرفع الذل والمهانة عن المستضعفين المضطهدين من أبناء المسلمين، وإن استجابة الناس واستماعهم لداعي الخير كما هو مشاهد ليعطينا وثيقة صادقة بتقصيرنا في حق إسلامنا وفي العمل لديننا، فإلى متى يبقى العمل الإسلامي محتاجاً لقلوب أبنائه الحانية وإلى عروقهم النابضة بالعطاء، وسواعدهم القائمة بالبناء، وأرواحهم المقدمة له فداء؟ !

стр. 1169

عندما يتحول الاختلاف من تنوع إلى تضاد ! ! سعد آل عبد اللطيف كما أن العبادات تتعدد وتتنوع ما بين صيام وصدقة وصلاة - وهذا من رحمة الله وحكمته - كذلك أيضاً تتعدد أساليب الدعوة ومجالاتها وتتنوع ما بين وعظ وخطابة، وأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتأليف وتصنيف وتربية وأعمال خيرية وإغاثة ... ألخ. وهذا التعدد في الدعوة والعمل والإسلامي ينصب في قناة (اختلاف التنوع) حيث يعمل الجميع على محاولة سد حاجات المجتمع وتصحيح مساره بشتى الأساليب وعبر جميع الوسائل والطرق في سبيل نهوض الأمة الإسلامية وإيقاظها من رقدتها وسباتها العميق. ولكن تحول هذا الاختلاف - عند البعض - من تنوع إلى تضاد وربما تعارض وصدام! حينما يتوقع البعض في مجاله الدعوي ويضخمه ويرى أن الدعوة الإسلامية منحصرة في هذا المجال فقط وأن غير هذا المجال لا يستحق الكثير من الاهتمام وبذل الجهد والوقت. وهذا غالباً يؤدي إلى ردة فعل من أصحاب المجالات الدعوية الأخرى وينجم عنه تعصب كل واحد لمجاله الدعوى الذي يعمل في ظله ويتقوقع حوله دون غيره ويؤدي هذا إلى ظهور التحزب والتفرق ويصاحب ذلك شعور العداء والبغضاء بينهم رغم أنهم يستظلون تحت راية الدعوة الإسلامية ومنهج أهل السنة والجماعة. وهذا داءٌ قديم أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقال: (.. والسلف كان كل منهم يقرأ ويصلي ويدعو ويذكر على وجه مشروع وأخذ ذلك الوجه عنه أصحابه وأهل بقعته، وقد تكون تلك الوجوه سواء، وقد يكون بعضها أفضل، فجاء في الخلف من يريد أن يجعل اختياره لفضله، فجاء الآخر فعارضه في ذلك ونشأ من ذلك أهواء مردية مضلة، فقد يكون النوعان سواء عند الله ورسوله فترى كل طائفة طريقها أفضل، وتحب من يوافقها على ذلك، وتعرض عمن يفعل ذلك الآخر، فيفضلون ما سوى الله يبنه، ويسوون ما فضل الله بينه، وهذا باب من أبواب التفرق والاختلاف الذي دخل على الأمة، وقد نهى عنه الكتاب والسنة وقد نهى النبي ﷺ عن عين هذا الاختلاف في الحديث الصحيح - كما قررت مثل ذلك في (الصراط المستقيم - حيث قال: (اقرأوا كما علمتم ... ) [١] . بعد ذلك نسأل أنفسنا عن العلاج أو كيفية القفز فوق تلك الهوة التي هي من صنع أيدينا؟ ! نرجع لابن تيمية وهو يصف العلاج بعد تشخيصه الداء قائلاً: (والصواب أن يقال: التنوع في ذلك متابعة النبي ﷺ فإن هذا اتباعاً للسنة والجماعة، وإحياء لسنة وجمعها بين قلوب الأمة، وأخذا بما في كل واحد من الخاصة أفضل من المداومة على نوع معين، لم يداوم عليه النبي لوجوه..) ، ثم ذكر تلك الوجوه منها على سبيل ما يهمنا في هذه السطور قوله: (أن ذلك - أي التنوع وعدم المداومة على نوع واحد من العبادات - -يوجب اجتماع القلوب وائتلافها وزوال كثير من التفرق والاختلاف والأهواء بينها..) [٢] . أما تلميذه ابن القيم ﵀ فقد ذكر أصناف الناس ومذاهبهم في أى العبادة أفضل وأنفع؟ فذكر الصنف الرابع قائلاً: (.. والصنف الرابع قالوا: إن أفضل العبادة العمل على مرضاة الرب في كل وقت بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته، فأفضل العبادات في وقت الجهاد، الجهاد وإن آل إلى ترك الأوراد من صلاه الليل وصلاة النهار بل ومن ترك إتمام صلاة الفرض كما في حالة الأمن..) ، ثم قال: (.. وهؤلاء هم أهل التعبد المطلق والأصناف من قبلهم أهل التعبد المقيد..) [٣] . ولكن قد يقال أن هذا في العبادات ويصعب تطبيقه في مجالات الدعوة والعمل الإسلامي ولا سيما ونحن في عصر التخصص. في هذه الحالة لا مانع من التخصص في أحد مجالات الدعوة مع مراعاة قضيه الإتيان بالواجب العيني مع التخصص، فلا بد مثلاً من الإتيان بالواجب من العلم والواجب من الزهد وهكذا. يقول ابن تيمية ﵀: (.. وأما قوله: ما الأسباب التي يقوى بها الإيمان إلى أن يكمل على ترتيبها؟ هل يبدأ بالزهد؟ أو العلم؟ أو بالعبادة؟ أم يجمع بين ذلك على حساب طاقته؟ فيقال له لا بد من الإيمان الواجب والعبادة الواجبة والزهد الواجب ثم الناس يتفاضلون في الإيمان: كتفاضلهم في شعبه وكل إنسان يطب ما يمكنه طلبه ويقدم ما يقدر على تقديمه من الفاضل والناس يتفاضلون في هذا الباب فمنهم من يكون العلم أيسر عليه من الزهد ومنهم من يكون الزهد أيسر عليه، ومنهم من تكون العبادة أيسر عليه منهما فالمشروع لكل إنسان أن يفعل ما يقدر عليه من الخير كما قال تعالى: [فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ..] وإذا ازدحمت شعب الإيمان قدم ما كان أرضى لله وهو عليه أقدر، فقد يكون على المفضول أقدر منه على الفاضل ويحصل له أفضل مما يحصل من الفاضل، فالأفضل لهذا أن يطلب ما هو أنفع له، وهو في حقه أفضل ولا يطلب ما هو أفضل مطلقاً، إذا كان متعذراً في حقه أو متعسراً يفوته ما هو أفضل له وأنفع) [٤] . ويحكى أن العمري العابد كتب إلى الإمام المالك يحضه على الانفراد ويرغبه عن الاجتماع إليه في العلم، فكتب إليه مالك: إن الله تعالى قسم الأعمال كما قسم الأرزاق، فرب رجل فتح له في الصلاة ولم يفتح له في الصوم وآخر فتح له في الصدقة ولم يفتح له في الصيام وآخر في الجهاد ولم يفتح له في الصلاة، ونشر العلم وتعليمه من أشرف أعمال البر، وقد رضيت بما فتح الله فيه من ذلك، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خير وبر، ويجب على كل منا أن يرضى بما قسم له والسلام. ولا بد من الحذر من التقليد والتبعية وزج النفس في مجالات ليست من أهلها كمن يزج نفسه في تأليف الكتب والرسائل والكتيبات الصغيرة، أو في التحقيق أو في نحو ذلك فلا بد من مراعاة القدرات الشخصية ومراعاة التمييز المثمر من غير شذوذ أو طلب شهرة وقد عرف سلف هذه الأمة هذا التمييز المثمر بقول الذهبي - ﵀: الكتابة مسلمة لابن البواب، كما أقرأ الأمة أبي بن كعب، وأقضاهم علي، وأفرضهم زيد، وأعلمهم بالتأويل ابن عباس، وأمينهم أبو عبيدة، وعابرهم محمد بن سيرين، وأصدقهم لهجة أبو ذر، وفقيه الأمة مالك، ومحدثهم أحمد بن حنبل، ولغويهم أبو عبيدة، وشاعرهم أبو تمام، وعابدهم الفضيل، وحافظهم سفيان الثوري، وأخباريهم الواقدي، وزاهدهم معروف الكرخي، ونحويهم سيبويه، وعروضيهم الخليل، وخطيبهم ابن نباتة، ومنشئهم القاضي الفاضل، وفارسهم خالد بن الوليد ﵏ [٥] . فلا بد من مراعاة القدرات والإمكانيات الشخصية، مع عدم إهمال المجالات الدعوية الأخرى وأن يكون في أصحاب تلك المجالات اتصالات وتعاون في جو يسوده المحبة والإخلاص والانصاف، قال تعالى: [واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً ولا تَفَرَّقُوا واذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إخْوَاناً] [سورة آل عمران ١٠٣] ، وقال تعالى: [مُنِيبِينَ إلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُم وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ] ، [سورة الروم ٣١-٣٢] .

стр. 1170

شعر سهاد حبيب بن معلا المطيري نام الخلي وبتُّ الليل مضطربا ... أقلّب الفكر في أوطاننا عجبا نصف الديار مناحات مجلجلة ... ونصفها أسدَلت من دونها الحجبا ونحن في ذمة الأيام ملحمة ... تحكي التناحر والتضليل والكذبا ونمتطي صهوات الشجب سابحة ... إن السلامة في الدنيا لمن شجبا هذي الحوادث فينا لا زمام لها ... تمضي بلأوائها لا تعرف الحَدَبا أوطاننا في إسار الذل كاسفة ... وقدسنا ينفث الأحزان والنوبا والكفر يعبث فينا في كرامتنا ... ويستبيح حمانا كل من رغبا ونحن نسرج خيل الوهم سخرية ... ونستجير بماضينا ومن ذهبا وحالنا يعلم الرحمن ظلمتها ... آهات ظلم ونور العدل قد غربا يا أمة من أصول المجد دوحتُها ... أرثي للعروبة أم أرثي لك العربا يا أمة قد حباها الله مكرمة ... عزاً يطاول في عليائه الشهبا ليل العمالة قد زادت كثافته ... والقلب يجرع غماً نافثاً وصبا وفي الفؤاد أحاسيس مروعة ... فعاد منها يعاني الهم والنصبا جرحان.. أشكوهما لله في لهف ... خلفَ المحب وغدراً بات مقتربا ويزعمون سلاماً في لقائهمو ... يقوده الغرب بئس الحال منقلبا أترتجين سلاماً لا يباركه ... دين وينكره عقل قد احتجبا نعطي السلام على أرض سنفقدها ... أين العقول وأين السادة النُّجَبَا تالله لا عز إلا بالجهاد ولا ... يكون مجد بغير العزم ملتهبا

стр. 1171

بريد القراء - بعض الأخوة القراء يقترحون مشروع المساهمة في التبرع باشتراكات لإخوانهم العاجزين عن الاشتراك نظراً لصعوبة التحويل أو لقلة مواردهم المالية. والبيان يسرها فتح هذا الباب للإخوة المقتدرين، والله لا يضيع أجر المحسنين. - الأخ أبو حمزة من المدينة يؤكد على أهمية طرح حلول للمشكلات التي تواجه المسلمين دون الركون فقط إلى نقد الواقع. البيان: نشاطرك الرأي والمسؤولية ملقاة على عاتق الجميع. - الأخ عبد الرحمن آل عبد اللطيف يطلب التفصيل عن الحديث عن مشاكل المسلمين والأقليات الإسلامية نظراً لأهمية الموضوع. البيان: نوافقك على فائدة التفصيل وسنقوم بذلك ضمن إمكانياتنا وعدد صفحات المجلة المحدود، ونشركم على اقتراحاتكم. - الأخ أبو مالك يقترح فتح باب مستقل للقضايا الفقهية بشكل متسلسل يكتب فيه بعض طلبة العلم بشكل مختصر ونافع لعموم القراء، وكذلك صفحة للإجابة على أسئلة القراء (الفتاوى) خصوصاً لمن هم خارج البلاد الإسلامية. - الأخت رقية الوشمي تقترح حذف التاريخ الميلادي. البيان: نذكر التاريخ الميلادي مقروناً بالتاريخ الهجري نظراً لاستعمال كثير من المسلمين لهذا التاريخ وعدم معرفتهم بالتاريخ الهجري، ولا حول ولا قوة إلا بالله. - الأخ منصور الحجي يقترح نشر مقالات د. أحمد إبراهيم خضر على شكل كتيب لتعم بها الفائدة. - الأخ هشام بن محمد خراز يعقب على قصيدة الشاعر محمود مفلح ص ٤٨ العدد ٤٨ في قوله (.. الزمن الحقير) وهذا فيه سب للدهر مخالفاً لحديث: ... (يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار) متفق عليه، وكذا في العدد ٤٩ ص ٥٥ السطر الخامس إحالة للهامش برقم (٣) وهذا ... الرقم هو للحديث الذي في السطر التاسع فهو المتفق عليه أما الأول فرواه أحمد وأبو داود وغيرهما وهو مما اختلف العلماء في صحته. البيان: تشكر الأخ هشام على ملاحظاته، ونحيل ما يتعلق بالقصيدة إلى الشاعر محمود مفلح لعله يُدلي بوجهة نظره في هذا الشأن، مع شكرنا للجميع. - من الأخت أم بلال جاءتنا هذه الرسالة: .. أشكركم على جهودكم التي تبذلونها وما زلتم من أجل خدمة المسلمين، وكذلك أوجه الشكر الأول والتقدير إلى المنتدى الإسلامي في لندن والذي يبذل الجهد الكبير والمال من أجل خدمة المسلمين ونشر الإسلام والدعوة إلى الله بكل ما يستطيعون، أثابكم الله على ذلك وجعل هذا العمل في موازين أعمالكم. ويعلم الله أننا فتيات المسلمين في هذه المنطقة بقدر ما نحذر من مجلات الفساد والرذيلة، بقدر ما ندافع عن المجلات الإسلامية ونحض على شرائها والاشتراك فيها وقد اشتركت مجموعة كبيرة من أخواتي في الله في مجلة البيان من أجل أخذ الفائده منها والمساهمة في المنتدى الإسلامي، كذلك قمنا مع مجموعة من الأخوات والكثير من الإخوان بجمع التبرعات للمنتدى الإسلامي بلندن عن طريق الشيكات وكذلك التعريف بالمنتدى وتوعية الناس بأهميته. وكلمة أخيرة أقولها: سيروا على بركة الله وشدوا العزم والعزيمة على مواصلة السير في هذا الطريق وهو طريق الدعوة إلى الله ونشر الإسلام بكل ما تستطيعون. البيان: جزى الله خيراً الأخت أم بلال وأخوتها في مدينة عنيزة وأن شاء الله تكون البيان وأسرة التحرير عند حسن الظن دائماً. - الأخ عبد الله بن فهد السليمان أرسل لنا مستفسراً عن انقطاع القصة القصيرة ومقترحاً التعريف بالمنتدى الإسلامي. البيان: أنشطة المنتدى تنشر في البيان وقد طبعت كتيبات للتعريف بالمنتدى وأنشطته يمكنك طلبها من مكتب البيان - الرياض. أما انقطاع القصة القصيرة فسببه قلة الإنتاج الجيد الذي يتناسب مع شروط المجلة.

стр. 1172

نداء عاجل إلى كل مسلم قال تعالى: [ومَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ] أخي القارئ الكريم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، تجدون برفقة هذا العدد تقريراً حياً موجزاً من اللجنة المنتدبة من قبل المنتدى الإسلامي يصور بعض مآسي إخواننا المسلمين اللاجئين من الصومال نتيجة الحروب الأهلية والجفاف، وهو يناشدكم ويناشد جميع المسلمين للوقوف مع إخواننا في محنتهم ومد يد العون بما تستطيعون وحث من تعرفون للمساهمة في تفريج هذه الكربات وقد صح عنه ﵊ أنه قال: (من فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة) ، كما أن المنتدى الإسلامي يستقبل صدقاتكم وتبرعاتكم. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الأخوة الكرام في المنتدى الإسلامي حفظهم الله تعالى السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد..، فنبعث لكم هذا النداء والمناشدة العاجلة لتبلغوه للمسلمين القادرين على مساعدة إخوانهم المنكوبين بسبب ما تمر به المنطقة من حروب أهلية ومن جفاف. أيها الأخوة، إن المأساة التي حلت بالشعب الصومالي المسلم لهي مأساة عظيمة يعجز اللسان عن وصفها والقلم عن تصويرها ولا ندري من أين نبدأ بالكتابة، هل نبدأ بتصوير الجموع الفقيرة المتناثرة على مرمى البصر تحت شجيرات صغيرة وضع فوقها قطع من الكرتون لا تقي من وهج الشمس؟ أم نبدأ بالحديث عن تلك المسغبة التي طرحت النساء والشيوخ والأطفال على الأرض لا يستطيعون حراكاً حتى كثرت بسببها المقابر؟ أم بماذا نبدأ؟ والله في المستعان. أيها الأخوة، إن تلك الصحارى التي يتواجد بها أولئك اللاجئون لا توجد فيها أي من مقومات الحياة الضرورية من غذاء أو ماء أو دواء، ولقد قمنا بزيارة بعض الأماكن ورأينا - ويا لهول ما رأينا- أطفالاً وكأنهم ليسوا من بني الإنسان لأنهم عبارة عن هياكل عظمية تكسوها جلود رفيعة ولا يستطيعون أن يتحركوا إلا بصعوبة بالغة، رأيناهم يبحثون عن الحياة بأجسام فقدت نضارة الحياة ويهربون من الموت ليواجهوا حياة هي أقسى من الموت أما آباؤهم وأمهاتهم فهم بين الجوع والبكاء وإليكم - أيها الأخوة - أمثلة يسيرة جداً مما رأينا. رأينا مثلاً في قرية صوفتو داخل الحدود الأثيوبية عائلة عبارة عن مجموعة من العظام لا لحم ولا دم خرجوا إلينا من كوخهم يزحفون على الأرض من شدة الإعياء وانعدام الغذاء، وهذا مشهد واحد من بين مشاهد لا تحصى ورأينا مثلاً من الأطفال من انتفخت بطونهم بصورة كبيرة ومنهم من تشنجت أطرافهم بل وصل الحالى أننا رأينا أطفالاً جمعوا من الصفات الآنفة الذكر أن ابيضت شعور رؤوسهم، ولم لا تبيض وهي تواجه هذه الأحوال؟ وقد أخبرنا بعض أهل المنطقة أن هذه الحالة لم تمر عليهم منذ عشرات السنين، حتى أن هذه الحالة تسببت في هلاك أسر بكاملها تساقطوا الواحد تلو الآخر في غضون أيام قليلة حتى وصل الأمر في مخيم دولو أنهم ينتزعون الثياب البالية من ذلك الميت ليستفيد منها غيره ومن ثم يكفنونه بالقراطيس أو الكراتين، بل ربما أدخلوه عارياً في قبره لعدم وجود الأكفان، هذا إذا كان أهله يستطيعون حفر قبره فضلاً عن أن يجهزوه لأنهم ليسوا بأحسن حال منه قبل وفاته، وقد قارب الوفيات يومياً مائتين شخص في هذا الخيم.. أما نقص المياه الصالحة للشرب بل انعدامها فحدث ولا حرج حيث أن الناس يشربون من مياه ملوثة لا تصلح للبهائم فضلاً عن بني الإنسان، وهذا له أثره في انتشار كثير من الأمراض، أما الأجسام العارية التي لا تجد ثوباً يسترها فهي من المشاهد المألوفة لدى الأطفال بل تعدى الأمر إلى بعض البالغين، وباختصار فالحالة سيئة جداً ونحن نبعث إليكم هذا النداء العاجل لإنقاذ من بقي على قيد الحياة من هؤلاء لذا نوجز لكم أهم الضرورات وهي كالتالي باختصار: ١- الغذاء العاجل. ٢- الدواء. ٣- الماء (وذلك بحفر العديد من الآبار السطحية عندهم) . ٤- الثياب، بما في ذلك الأكفان. وأخيراً نسأل الله تعالى أن يوفقكم للوقوف إلى جانب إخوانكم المسلمين وأن يعينكم على إيصال هذا النداء للمحسنين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. حرر في كينيا ٢٥/١١/١٤١٢هـ، الموافق ٢٦/٥/١٩٩٢ م لجنة الأنشطة الخارجية في المنتدى الإسلامي

стр. 1173

الصفحة الأخيرة الصَحُّ آفة محمد بن حامد الأحمري في حلقة تلفزيونية في التلفزيون الفرنسي استضاف مقدم البرنامج كاتبين جزائرين هما رشيد بوجدره ورشيد ميموني يناقش معهما كتابين أصدراهما بالفرنسية حديثاً تزلفاً لأعداء الإسلام وتفريجاً عن حقدهما الأسود تجاه المسلمين في الجزائر. الكتاب الأول (البربرية عامة والأصولية خاصة في الجزائر) ، والكتاب الثاني (جبهة الحقد) يصفان فيهما المسلمين الجزائريين بالحقد والفوضوية والقذارة وأنهم يحرموّن كل مباح على الناس، والصحافي المناقش لهما ممن يؤمن بحقوق الإنسان والديموقراطية على طريقة اليسار الفرنسي أثبت للكاتبين الجزائرين مولداً (للأسف) كذبهما حيث زعما تزوير الانتخابات، وعرض مشهداً للمظاهرات المنظمة، والطفل يقرأ القرآن في غاية النظافة، وذكر لهم بأن جمهور الشعب والمثقفين في الجزائر وأساتذة الجامعات مع المسلمين، ثم قال لهما لماذا لا تكتبان عن السجون الصحراوية وانتتهاك حقوق الإنسان في الجزائر؟ فارتج عليهما ووقفا في العقبة، وظهر للعيان من الحاسد والحاقد! كثيرون أمثال هؤلاء تفتح لهم صحافة العدو العربية صفحاتها، ويصفون أنفسهم بأنهم مفكرون ومعلقون سياسيون وروائيون وقصاصون وألقاب لا تنتهي، وهم جيش من المرتزقة يأكلون بشتم الإسلام والمسلمين. وقد كان بعضهم أعضاء في أحزاب سقطت شعبياً وفشلت فكرياً فكان سبيلهم اللعب بالكلمات الأعجمية والمترجمة ترجمة سقيمة يرددون ببغاوية مصطلحات من أمثال أصولية، وصولية، إسلاموية، ظلامية، نفس الأسلوب الذي كان يواجه به محمد - صلى الله عليه وسلم - والذين معه، محاولة إطفاء نور الله بألسنة حداد أشحة على الخير، يتواصون بألا يستمع الناس للإسلام ويطالب بوجدره باتحاد لمحاربة الإسلام في منطقة المغرب العربي كلها وكبت صوت الحق [وقَالَ الَذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا القُرْآنِ والْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ] [فصلت: ٢٦] . ويبقى الكذب والتزوير والارتزاق مهنتهم مهما كانت ألقابهم منذ القدم إلى اليوم، وعبثاً تحاول كاتبة جزائرية في جريدة (الصح آفة) [بالدليل والبرهان لا بالقراءة في الفنجان، إسبوعية سياسية ساخرة] ، أن تذكرهم وغيرهم بمأساة الجزائر في العيد، أي عيد هذا حيث يطارد الرجال ويحاصرون في السجون وكل عائلة جزائرية حزينة على أحد أقاربها المعتقلين أو المطاردين ثم قالت هذه مواقف الرجال سُجنوا وطوردوا من أجلها، وليتني كنت رجلاً ولو في سجن من سجون الصحارى. هكذا كتبت هذه، الكاتبة المستقلة وليت (الأشباه) يسمعون.

стр. 1174

المحرم - ١٤١٣هـ يوليو - ١٩٩٢م (السنة: ٧)

стр. 1175

الافتتاحية حصاد عام انصرم عام من تاريخنا الإسلامي الهجري وكان حصاده - في مجمله - نصراً للإسلام والمسلمين. وبداية تشير إلى غروب شمس الباطل! وانهيار قواه. إن الكثير من المسلمين لا يكادون يرون هذه الحقيقة، وذلك لأن المصائب التي توالت على الأجيال، وتعدد آلام المسلمين الملمّة من وقت إلى آخر جعل المسلمين لا يفرحون بما يُفرح ولا يشعرون أنهم حققوا نصراً وأثراً جباراً، لأن يأسهم قد طال، وخابت آمالهم، فلم يعد يحمل الزمن لهم إلا مؤشر الحزن وانعدام الأمل حتى حين يبزغ الفجر الصادق يقولون: لا إنه الفجر الكاذب. أما إنه فجر صادق ولله الحمد، هو فجر للأمة المسلمة ونصر لها. ولم يعد أمر الإسلام أمر أفراد بل أمة كاملة تعيش قضاياها وتحيا دينها وقد كان في الماضي أمر قلة واعية داعية معلنة مرة ومستخفية غالباً. عشرات الملايين من المسلمين في الجمهوريات الإسلامية نالت استقلالها وانكسر جدار الشيوعية الذي سجنت فيه قرابة سبعين عاماً، وسقط الحكم الشيوعي في أفغانستان، وتهاوت الأنظمة الشيوعية في البلقان، والتي خنقت مسلمي ألبانيا ويوغسلافيا وبقية الأقليات المسلمة في أوربا الشرقية نحو نصف قرن من الزمان. وهذه الأحداث بكل المقاييس انتصارات للشعوب المسلمة وبداية مرحلة جديدة في تاريخ الأمة المسلمة، يفتح الطريق أمامها لتحديد هويتها ومعرفة انتمائها العقائدي والسياسي، وإن كانت حالتها الآن تشبه حالة معظم العالم الإسلامي غداة خلاصه من الاستعمار البريطاني والفرنسي والإيطالي حين وجد نفسه مباشرة في مواجهة تقرير مصيره وهو لا يعرف نفسه وكان الكثير من قادة الاستقلال بلا هوية ولا لون تتنازعهم القومية والشيوعية والتبعية الغربية أو الشرقية، وتجمعهم راية واحدة هي فقدان الهوية حيث لم يجرؤ أحدهم بأن يقف موقفاً إسلامياً حقاً ويوفر الوقت والجهد من الضياع. هذا هو الذي تواجهه الشعوب الإسلامية الخارجة من السجن الروسي فهي تذوق طعم الحرية لأول مرة ولكنه مخلوط بحرارة الاختلافات الداخلية والحروب العنصرية وتناقض وجهات الولاء الجغرافي والعقائدي. في جوف هذه الشعوب آلاف العملاء، وآلاف السذج، وآلاف من العنصرين القبليين وآلاف من الدعاة الهداة المخلصين. والخارج من السجن الطويل يصعب عليه جداً أن يحيا حياة الناس الطبيعية فهو ينكر داره وينكر أهله، غريب في وجه جيرانه وهم غرباء في وجهه، لم يألف الحرية. لم يعرفها ويتمنى الاستقرار والحياة الرتيبة حتى إن شابهت التي كانت في السجن. لقد خرج من السجن فرحاً خائفاً لأنه يخاف من الخارج الغريب عليه والذي لم يسبق أن تعامل معه ولا يدرك معنى واضحاً لحياته اليومية ولا لعلاقاته الشخصية. لهذا تتملك الحدة هذه الشعوب ويغلب عليها الخوف من الغريب وتضعف ثقتها في الدور الذي يمكن لها ممارسته. وهذا القول يقع على القيادات التي كانت شيوعية موالية لروسيا وللقيادات الوطنية الجديدة، أما الشعوب المسلمة فإنها بلا شك لديها إحساس - قد لا يكون واضحاً - بهويتها وبإخوانها في العالم الإسلامي الواسع الذي بُترت منه ردحاً من الزمن. وهذه المرحلة مرحلة عدم اتضاح التوجه وغبش الطريق مرحلة تكاد تكون طبيعية لأمة بعد الطريق بها عن متابعها وقل المعين لها على الحق ولا تجد في الواقع الإسلامي بدائل تقتدي بها ولا قيادة تهتد بها ولا تجمعاً دولياً إسلامياً يحترمها ويستحق أن تعطى له الثقة والولاء. على الرغم من كل تلك السلبيات في العالم الإسلامي مثل عدم استقرار الأمور في أفغانستان وعلى الرغم مما يحدث للمسلمين في البوسنة والجزائر وتونس وبورما والفلبين وغيرها، فإن هذه الأمثلة نفسها تحمل دلالات الخير والنصر في نفس الوقت. هذه الأزمات حدثت في أغلبها لأن هذه الجماهير المسلمة في البلدان المذكورة، حددت طريقها، واستجابت لنداء الحق وعرفت من هي وما هي هويتها وبقي السجانون وجلاوزتهم يصرون على تدمير هذه الشعوب ومصادرة حقها في الاختيار وسعيها لتحقيق أمر الله وشرعه، ولكن الباطل لن يستطيع أن يستمر في المواجهة وقد هدمت رموزه الجبارة، وبقية رموز الباطل في تهاوٍ بإذن الله. والمكسب الحق أن المسلمين عادوا إلى رشدهم وإلى كتاب ربهم وهدي رسولهم ﷺ وهذا المكسب هو أعظم المكاسب في دنياهم وآخرتهم وهبها لم تحقق كل آمال المسلمين في وحدتهم وانتصارهم المادي فإنهم حقاً قد انتصروا وكسبوا حين وحدوا الله وآمنوا به واستسلموا لأمره وعملوا على ذلك. وقد سبقهم أنبياء ورسل دعوا إلى الله وأقاموا شرعه في أنفسهم وفي قلة من اتباعهم وقتلوا أو ماتوا دون أن يقيموا كيانات واسعة ولم تتبعهم أمم كثيرة، آمن معهم الرجل والرجلان وذلك خير كبير وذلك نصرهم في الدنيا: [إنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ويَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ * يَوْمَ لا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ولَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهُمْ سُوءُ الدَّارِ] [غافر: ٥١-٥٢] . للمسلمين اليوم أن يفرحوا بنصر الله، وخذلان أعدائه، وأن يتفاءلوا ويذكروا أن رسولهم ﷺ كان يحب الفأل ويكره الطيرة، وينقل لهم عن ربه البشائر بانتصار الإسلام وبلوغه المشرق والمغرب وحصول المسلمين على كنوز الأرض وهيمنتهم على الأمم وفتح عواصمهم. وعلينا أن نسلك طريقاً عملياً تقوم به الشعوب وتبادر به وحين يكون الأمر أمر أمة عاملة صادقة فإنه لا يقف في طريقها عائق، علينا أن نسارع في إحياء الشعور الإسلامي بالأمة الواحدة والجسد المسلم الواحد وضرورة تقوية هذا الجسد واهتمامه بذاته ونفي كل الأخطار عنه والحفاظ على لبنات الكيان الإسلامي الواحد من خلال: - التعارف بين المسلمين بزيارة دولهم والنشر عنهم وعن تاريخهم وبلدانهم وثرواتهم وسكانهم ولغاتهم إذ أنهم عمق إسلامي مهم في كل جوانبه. - العمل على نشر الوعي بكون المسلمين أمة واحدة من دون الناس. - إيجاد المؤسسات العلمية والثقافية والتي تهتم بالتربية والنشر وأن نكون أسبق من غيرنا إلى هذا. - إيجاد الأسواق لبضائعهم والاستفادة من منتوجاتهم وليصبح التكامل الاقتصادي في العالم الإسلامي أمراً مفروضاً على العالم أجمع وإن لم تتبنه الجهات الرسمية. - العمل على نشر اللغة العربية ومدارسها وكتبها وكل الإنتاج بها ومحاصرة اللغات الغربية التي قطعت شعوبنا، وألغت التفاهم بينها وحملت إلينا الفساد بكل أنواعه. - الاستثمار المهم في عالم الإنسان وهو مقدم على الاشتغال بالبنيان، وإعطاء الفرص التعليمية ونشر المدارس وقنوات الإعلام الإسلامي أولوية إسلامية لنا اليوم.

стр. 1176

التطور التاريخي لتدوين العقيدة الإسلامية عثمان جمعة ضميرية إن من أكثر الكلمات والألفاظ تداولاً على الألسنة بين الناس كلمة (العقيدة) وما يقاربها ويتفق معها في الاشتقاق، كالاعتقاد والعقائد.. وعلى كثرة استعمال هذه الكلمة التي غدت مصطلحاً شائعاً، فإننا لا نجد لها استعمالاً في القرآن الكريم وفي الحديث الشريف. ولذلك يرى بعض الباحثين: أنها مستحدثة في العصر العباسي للمعنى الذي استعملت فيه، وأن اللفظ المستعمل في القرآن الكريم والحديث الشريف هو ... (الإيمان) . وقد استعمل لفظ (العقيدة) أجيال من المسلمين، بمعنى: الأفكار الأساسية التي يجب على المؤمن بدينٍ أن يقبلها ويصدق بها. واستعمال السلف. من العلماء والأئمة لهذه الكلمة دليل على جواز ذلك وإطلاقها على هذا الجانب من ... جوانب الدين [١] . ولعل هذا يدعونا إلى استقراء المصطلحات الفنية، بعد تدوين العلوم الإسلامية، التي بحثت هذه الأفكار العقدية من خلالها؛ لنبينِّ أصل استعمال كل منها في اللغة العربية، وفي لسان الشرع بعامة، ثم كيف أصبح ذا مدلول خاص بعد ذلك. وقد يترتب على استعمال مصطلح من المصطلحات آثار معينة، إيجابية أو سلبية، قد نُلْمِح إلى شيء منها دون تفصيل. والاستقراء - وقد لا يكون تاماً - على حسب الوسع والطاقة، وبمقدار ما أتيح لي من اطلاع على ما كتبه علماؤنا في جانب العقيدة، يرشدنا إلى المصطلحات الآتية - والتي نعرضها تباعاً - وقد رتبتها بحسب أولية ظهورها واستعمالها تاريخياً، حيث أذكر أول من استعمل اللفظ أو كتب فيه، ثم أتبعه بمن تابعه على ذلك ولو في عصور متأخرة، مرتباً ذلك حسب وفيات المؤلفين، دون استقصاء أو استيعاب. وأول ما نجده من هذه المصطلحات عنواناً على الجانب العقدي من الدين هو مصطلح (الفقه الأكبر) . ١- الفقه الأكبر * قال العلامة اللغوي ابن فارس، في (معجم مقاييس اللغة) ... (٤/٢٤٢) : (فقه - الفاء والقاف والهاء أصل واحد صحيح، يدل على إدراك ... الشيء والعلم به. تقول: فقهت الحديث أفقهه. وكل عالم بشيء فهو فقيه.. ثم اختص بذلك علم الشريعة، فقيل لكل عالم بالحلال والحرام: فقيه. وأفقهتك الشيء، إذا بيَّنته لك) . * وقال ابن منظور في (لسان العرب) (١٣/٥٢٢) : (الفقه: العلم بالشيء والفهم له. وغلب على علم الدين، لسيادته وشرفه وفضله على سائر أنواع العلم كله..) . * وقال الراغب الأصفهاني في (مفردات القرآن) ص (٣٨٤) : ... الفقه: هو التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد. فهو أخص من العلم، قال ... ... تعالى: [فَمَالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً] ، وقال: [ولَكِنَّ المُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ] إلى غير ذلك من الآيات. والفقه العلم بأحكام الشريعة. يقال: فَقُه الرجل فقاهة، إذا صار فقهياً. وفقه - أي فهم - فقهاً، وفقهه، أي فهمه، وتفقَّه: إذا طلبه فتخصّص به. قال تعالى: [لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ] . * من هذه النصوص اللغوية وغيرها، نستنبط أمرين اثنين: الأول: أن الفقه في اللغة وهو الفهم والعلم بالشيء، أو هو فهم غرض المتكلم خاصة. ومنهم من يجعله خاصاً بفهم وعلم الأمور الخفية الدقيقة التي تحتاج إلى نظر وتأمل واستدلال [٢] والثاني: أن العرف قد خصَّ الفقه بعلم الدين، أو العلم بأحكام الشريعة كلها. وهذا المعنى الشرعي العام هو الذي كان معروفاً عند السلف في العصور المتقدمة، قبل أن يخصصه المتأخرون بمعرفة الأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية، كما هو المشهور في تعريفه عند الفقهاء والأصوليين. * وقد أوضح الإمام الغزالي هذا التخصيص لكلمة (الفقه) في حديثه عما بُدِّل من ألفاظ العلوم إلى غير ما أراده السلف الصالح والقرن الأول، قال: كان الفقه يطلق في العصور الأولى على علم طريق الآخرة، ومعرفة دقائق آفات النفوس ومفسدات الأعمال، وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة واستيلاء الخوف على القلب. ويدلك على هذا المعنى قول الله : [لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ولِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ] [التوبة: ١٢٢] . وما يحصل به الإنذار والتخويف هو هذا الفقه، دون تفريعات الطلاق والعتاق واللّعان.. فذلك لا يحصل به إنذار ولا تخويف، بل إن التجرد لهذه التفريعات، والاشتغال بها على الدوام - دون أي ملحظ آخر - يقسّي القلب وينزع الخشية منه، كما نشاهد من المتجردين له. وقال تعالى: [لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا] [الأعراف: ١٧٩] وأراد به معاني الإيمان دون الفتاوى. ولعمري إن الفقه والفهم في اللغة اسمان بمعنى واحد. وإنما يتكلم في عادة الاستعمال به قديماً وحديثاً، قال تعالى: [لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ] [الحشر ١٣] ، فأحال قلة خوفهم من الله واستعظامهم سطوة الخلق على قلة الفقه. وليس ذلك نتيجة عدم الحفظ لتفريعات الفتاوى، وإنما هو نتيجة عدم ما ذكرناه من العلوم. ولست أقول: إن اسم الفقه لم يكن متناولاً للفتاوى في الأحكام الظاهرة، ولكن كان متناولاً لها بطريق العموم والشمول، أو بطريق الاستتباع. فكان إطلاقهم له على علم الآخرة أكثر [٣] . وكان تخصيص (الفقه) بمعرفة فروع الأحكام بعد أن ذهب أهل القرون الفاضلة الأولون، وانقلبت العلوم كلها صناعات بعد أن كانت مقاصد وغايات! [٤] . ... * وعلى هذا المنهج في عموم كلمة (الفقه) جاء التعريف المنقول عن أبي ... حنيفة ﵀ بأنه: (معرفة النفس ما لها وما عليها) . أي: ما تنتفع به النفس وما تتضرر به ... الآخرة. أو ما يجوز لها وما يجب عليها وما يحرم. وهذا يتناول الأحكام الاعتقادية، كوجوب الإيمان ونحوه، والأحكام الوجدانية الأخلاقية، مما حثَّ عليه الإسلام ... كالصدق والأمانة والوفاء ونحوها، ويشمل أيضاً الأحكام العملية كالصلاة والصوم.. والبيع ونحوها [٥] . * ويُفَضَّل في هذا الاستخدام لكلمة (الفقه) بهذا المعنى، فإن كان للاعتقاديات سمي (الفقه الأكبر) لأنه أكبر بالنسبة للأحكام العملية الفرعية، التي تسمى (الفقه الأصغر) ؛ كما أن شرف العلم إنما يكون بشرف المعلوم، والاعتقاد يبحث في الإيمان بالله ووحدانيته وصفاته، ولا معلوم أكبر من ذات الله تعالى، ولذلك سمي بالفقه الأكبر. أ- وأول من استخدم مصطلح (الفقه الاكبر) ، هو الإمام أبو حنيفة النعمان ابن ثابت (ت ١٥٠ هـ) فقد روي عنه كتاب بهذا الاسم، وهو مشهور عند أصحابه - كما يقول ابن تيمية ﵀ رووه بالإسناد عن أبي مطيعٍ، الحكم عبد الله البلخيّ. وهو متن صغير يقع مطبوعاً في بضع ورقات، حدد فيه عقائد أهل السنة ... تحديداً منهجياً [٦] ، وردَّ فيه على المعتزلة والقدرية والجهمية والشيعة. ويشتمل على خمسة أبواب في القدر والمشيئة والرد على من يكفرِّ بالذنب، والباب الأخير في الإيمان. وقد نال هذا الكتاب عناية كثير من العلماء المتقدمين والمتأخرين شرحاً له ودراسة. وإن كانت بعض هذه الشروح محل نظر بالنسبة لأصحابها. وأشير إلى أن الروايات للكتاب مختلفة، فمثلاً الرواية التي شرحها ملا علي القاري (ت ١٠١٤هـ) تختلف عن الرواية المنسوب شرحها للماتريدي (ت ٣٣٢ هـ) . ... مما جعل بعض الباحثين يتردد أو يشك في نسبة الكتاب للإمام أبي حنيفة. ولكن شهرة الكتاب ونسبته قد تغني عن الإسناد، وإن كان ذلك لا ينفي أن بعض المسائل ألحقت به في عصر متأخر، أو كانت من بعض الشارحين لم تتميز عن أصل الكتاب. ولا يزال الأمر بحاجة إلى دراسة متأنية. وقد يطمئن بعض العلماء إلى نسبة الكتاب أو إلى أن ما فيه يعبِّر فعلاً عن رأي أبي حنيفة فينقل منه مذهبه في بعض المسائل كما فعل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀[٧] . ب - وينسب كذلك للإمام الشافعي ﵀ (٢٠٤ هـ) كتاب بالاسم نفسه (الفقه الاكبر) ، يقول عنه حاجي خليفة في (كشف الظنون) : وهو جيد ... جيداً، مشتمل على فصولٍ، قرأه بعض أهل حلب على الشيخ زين الدين الشماع، لكن في نسبته إلى الشافعي شك. والظن الغالب أنه من تأليف بعض أكابر العلماء. ويرجح بروكلمان في (تاريخ الأدب العربي) أنه يرجع إلى أوساط إسرائيلية متأسياً في ذلك بالمستشرق اليهودي غولدزيهر الذي يرجع كل أثر إسلامي إلى أصول إسرائيلية! وقد طبع الكتاب قديماً في القاهرة سنة (١٩٠٠م) ، وتقع مخطوطته في ثلاث وعشرين ورقة، تجد فيها أحياناً أسلوب الشافعي ﵀، ولكن تقف عند بعض العبارات التي لم تكن مستعملة في عصره، مما جعل بعضهم ينسبه للفخر الرازي، أو يقول عنه: (فيه أسلوب عصر فخر الدين الرازي، وإن كانت آراؤه ... تمتُّ إلى كثير من آراء الشافعي في أصوله) . وأراني قد أطلت في بيان هذا المصطلح لأنه أول مصطلح في التطور التاريخي للتدوين والتأليف في العقيدة. فلننظر في مصطلح آخر يليه مباشرة. ٢- الإيمان * قال ابن فارس في (معجم مقاييس اللغة) (١/١٣٣-٣٥) : ... ... ... (أمن - الهمزة والميم والنون أصلان متقاربان، أحدهما للأمانة التي هي ... ضد الخيانة. ومعناها: سكون القلب. والآخر: التصديق والمعنيان متدانيان.. وأما التصديق فمنه قول الله تعالى: [ومَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا] [يوسف ١٧] أي مصدق لنا. وقال بعض أهل العلم: إن (المؤمن) في صفات الله تعالى، هو أن يَصْدُقَ ما وَعَدَ عَبْدَه من الثواب. وقال آخرون: هو مؤمن لأوليائه يؤمنهم عذابه ولا يظلمهم. فهذا قد عاد إلى المعنى الأول ... ) . * وقال الأزهري في (تهذيب اللغة) (٢/٤٥١-٥٢) : (وأما الإيمان: فهو مصدر آمن يؤمن إيماناً. واتفق أهل العلم من اللغويين وغيرهم على أن الإيمان معناه التصديق..) ، ثم قال: (وهذا موضع يحتاج الناس إلى تفهيمه وأين ينفصل المؤمن عن المسلم وأين يستويان؟) وشرح ذلك باستفاضة. ... هذا، والإيمان في لغة العرب يستعمل متعدياً ولازماً؛ فإذا استعمل لازماً كان معناه أنه صار ذا أمن. وإذا استعمل متعدياً؛ فتارة يتعدى بنفسه فيكون معناه التأمين. وتارة يتعدى بالباء أو اللام، فيكون معناه التصديق [٨] . وفي الاصطلاح الشرعي: كثيراً ما ترد كلمة الإيمان، ويراد بها المعنى اللغوي نفسه، فتطلق على مطلق التصديق، سواء كان تصديقاً بحق أو باطل. وكثيراً ما يراد معنى أخص صار في العرف الشرعي حقيقة جديدة، فيراد بها خصوص التصديق بخبر السماء المنزل على الأنبياء. وضابط ذلك: أن ننظر في استعمالها؛ فإن كانت متعلقة بشيء، كأن قيل: إيمان بكذا، كانت بمعناها اللغوي البحت، أي مطلق التصديق. وأما إذا ذكرت بدون متعلَّق فالمراد بها تلك الحقيقة الشرعية الخاصة، وهي التصديق بالحق والانقياد إليه [*] . وعندئذ فالإيمان عبارة عن ثلاثة أشياء: الأول: هو الاعتقاد الجازم بكل ما ثبت بالضرورة أنه جاء من عند الله تعالى على لسان رسوله ﷺ ولا بد مع هذا من الرضى والارتياح النفسي. الثاني: إعلان هذه العقيدة بالقول أو غيره، من كل ما يدل عليها ظاهراً. والثالث: العمل بكل ما أمر الله به من فريضة أو نافلة والانتهاء عمَّا نهى الله عنه من حرام وشبهة صغيرة وكبيرة في سره وعلانيته بقلبه وجوارحه. هذا، وكلمة الإيمان ومشتقاتها من أكثر الكلمات استعمالاً في القرآن الكريم والسنة النبوية، والحديث عن الإيمان فيهما يتميز بأسلوب حيّ مؤثر يملك على الإنسان جوانب نفسه، ويحمله على الطاعة والالتزام، فيكون له أثر في الفرد والجماعة، ويختلف هذا الأسلوب عن أسلوب المتأخرين فيما بحثوه وشغلوا به حول حقيقة الإيمان وأجزائه، وارتكاب الكبيرة وحكمها وأثرها على الإيمان. وحسبنا هنا هذه الإشارة الموجزة.. * وتحت عنوان (الإيمان) بحث علماؤنا ﵏ جوانب من العقيدة كما نجد ذلك في أبواب الإيمان من كتب الحديث، كما نجد ذلك في بعض كتب التفسير، وخصص بعضهم كتباً مفردة للإيمان، نذكر أهم ما وصل إلينا منها، أو ما عُرف منها حسب الترتيب التاريخي لوفيات مؤلفيها: أ- (كتاب الإيمان ومعالمه وسننه واستكمال درجاته) للإمام أبي عبيد القاسم ... بن سلاَّم، البغدادي الهروي (ت ٢٢٤ هـ) . ب- كتاب الإيمان، للحافظ أبي بكر بن أبي شيبة (٢٢٥ أو٢٣٥ هـ) ، وكلاهما مطبوع بتحقيق الشيخ محمد ناصر الدين الألباني. ج- كتاب الايمان للإمام أحمد بن حنبل الشيباني (٢٤١ هـ) وحقق رسالة جامعية في المدينة النبوية. د- ثم هناك كتب أخرى تحت هذا الاسم، لمحمد بن أسلم الطوسي (٢٤٢ هـ) والعَدَنيّ (٢٤٣هـ) ، والطحاوي (٣٢١ هـ) ، وابن منده (٣٩٥ هـ) وأبي يعلى الفرّاء (٤٥٨ هـ) ، وشيخ الإسلام ابن تيمية. وفي مقدمة التحقيق لهذه الكتب أو لما طبع منها محققاً، نجد دراسة عن كل كتاب ومنهجه وميزاته. وفي العصر الحديث ظهرت كتب كثيرة تحت هذا العنوان تعالج جوانب من العقيدة الإسلامية وآثارها في الحياة، وتدرس الإيمان دراسة نفسية تحليلية، وفيها ما هو نافع ومفيد.

стр. 1177

كتب الفرصة السانحة [*] عرض: د. مالك إبراهيم الأحمد يعتبر الكثير من النقاد والمحللين السياسيين كتاب نيكسون الأخير (الفرصة السانحة) أهم كتبه التسعة على الإطلاق، ونظراً لما يمثله هذا الكتاب من أهمية بالغة سواء من حيث كاتبه وهو رئيس سابق للولايات المتحدة أو من حيث المادة المعروضة وهي دراسة تحليلية لواقع العالم (ومن ضمنه العالم الإسلامي) ، رأينا عرض هذا الكتاب للقارئ المسلم خاصة وأنه يعرض الفكر الغربي (الأمريكي على وجه الخصوص) بشكل واضح وعميق، ولهذا أوصي أصحاب الاهتمام بقراءة هذا الكتاب.. فصول الكتاب: الكتاب يتكون من سبعة فصول، الأول بعنوان العالم الحقيقي ويقصد به العالم الذي تسود فيه قوى الحرية بزعامة أمريكا. والفصل الثاني (الإمبراطورية الشريرة السابقة ٩ وهي إمبراطورية الاتحاد السوفييتي التي سقطت. وقد أشار في توطئة الكتاب حول سقوط الاتحاد السوفييتي بقوله: منذ حوالي اثنين وثلاثين عاماً قال لي خروتشوف في موسكو بشيء من الصلف: سوف يعيش أحفادك في ظل الشيوعية، فأجبته قائلاً: سوف يعيش أحفادك في ظل الحرية) . ... أما الفصل الثالث فهو بعنوان: (الوطن المشترك عبر الأطلنطي) أي أوربا. ... والفصل الرابع عن المثلث الباسيفيكي. والفصل الخامس عن العالم الإسلامي والسادس حول نصف الكرة الجنوبي (نظرة تفصيلية لدول العالم الثالث اقتصادياً وسياسياً) ، ويختم الكتاب بفصل تجديد أمريكا. وسوف نتوقف في استعراضنا هنا عند الفصول الأول والخامس والأخير لما لها من أهمية خاصة لنا كمسلمين. يتصدر الفصل الأول دعوة ساخنة كي تلعب الولايات المتحدة الأمريكية دورها في العالم (نعيش الآن في عالم ليس به إلا قوة عظمى واحدة وهي الولايات المتحدة، وعلينا الآن تشكيل سياستنا الخارجية لكي تتلائم مع الوضع الجديد. وينادي كثير من الأمريكيين سواء من اليمين أو اليسار بأنه على الولايات المتحدة أن تتراجع وتنطوي على نفسها بعيداً عن العالم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. ولكن الواقع يقول إنه يجب على أمريكا أن تقود العالم في السنين القادمة) . ثم يشير إلى الحرب الباردة ويركز على دور الاتحاد السوفييتي الشرير في العالم وما آل إليه أخيراً، ثم يرد على ثلاثة شعارات مطروحة: الأول: التاريخ قد توقف وذلك بعد انهيار الشيوعية وأن السيطرة هي للتكنولوجيا والاقتصاد والأفكار وليس للقوة العسكرية. الثاني: القوة العسكرية ليس لها ضرورة وأنها لم تعد تشكل حجر الأساس في السياسة الدولية. الثالث: أمريكا في طريقها إلى التراجع بسبب الديون الضخمة والعجز التجاري. وفي رده المفصل على هذه الأطروحات يؤكد أن القوة الاقتصادية ليست بديلاً بأي حال للقوة العسكرية ويضرب مثالاً على ذلك في أزمة الخليج حيث وقفت أكبر قوتين اقتصاديتين وهما ألمانيا واليابان متفرجتين على الأوضاع بل اعتمدتا كلياً على دور الولايات المتحدة. ثم يتساءل: (إذا لم تنعم الولايات المتحدة بقيادة العالم فمن الذي يجب عليه ذلك؟ إن الدول الوحيدة التي تستطيع ذلك هي اليابان والصين والاتحاد السوفييتي (سابقاً) وألمانيا. إن الولايات المتحدة ليس لديها فقط ما تملكه هذه الدول، بل أيضاً ما لا تملكه، وهو عدم وجود تطلعات إمبريالية أو استعمارية تجاه الدول الأخرى) . ويحاول نيكسون أن يبرز إيجابيات تفرد الولايات المتحدة وحرصها على رفاه وحرية العالم، وإن لم تكن لها مصالح من ذلك ويضرب لذلك مثال أزمة الخليج: (لولا تدخل الرئيس بوش لكان صدام حسين يتحكم الآن في ٥٠% من إنتاج البترول العالمي، وبالرغم من أن أمريكا يمكنها الاستغناء عن نفط الخليج إلا أن أوربا واليابان لا يمكنهما ذلك، ونحن نتأثر بما يصيب اقتصاديات البلاد الديمقراطية الأخرى، ولذلك كان لا يمكننا أن نسكت على سيطرة العراق على نفط الخليج الذي يمكن أن تتخذه وسيلة لتهديد العالم عن طريق التحكم في إنتاجه) . ويناقش نيكسون بتفصيل القول الذي يدعو إلى انكفاء الولايات المتحدة على نفسها ومحاربة مبدأ رجل البوليس الدولي مضيفاً عنصراً أخلاقياً - في زعمه - لدورها: (إن انعزالنا يخالف مثلنا ومعتقداتنا الدينية التي تدعو إلى نشر الفضيلة في العالم أجمع، وهذا لا يعني أن علينا أن نتدخل في كل صغيرة وكبيرة في العالم، ولكن يجعل علينا التزاماً أدبياً في استخدام كل إمكاناتنا كدولة عظمى لحماية الحرية والعدل في البلاد التي يهمنا أمرها وهي مفيدة لنا) . ويشير إلى أن دور الأمم المتحدة - كحافظ للسلام الدولي - محدود جداً، ولا يمكن أن تحقق أي دور ما لم يتم اتفاق الدول الكبرى على رأي محدد سابقاً. ويضرب لذلك أمثلة حيث لم تتخذ الأمم المتحدة موقفاً إيجابياً وعملياً من حوالي مئة حرب في أنحاء العالم إلا في حالتين وهي الحرب الكورية وحرب الخليج. وهذا بالطبع يدل على أن لا مناص من قيادة الولايات المتحدة للعالم. ويتطرق في موضع آخر إلى قضية حيوية وهي: متى تتدخل الولايات المتحدة في أزمات العالم. ويجيب بحسب مصالح الولايات المتحدة والتي يقسمها إلى مصالح حيوية (ما كان يهدد مصالح الولايات المتحدة مباشرة) ومصالح هامشية ومصالح حساسة (وهي التي تشكل تهديداً لإحدى النقاط الحيوية للولايات المتحدة) . فالتدخل لازم في الحالة الأولى ومحتمل في الثالثة. والولايات المتحدة - في نظر نيكسون - قادت العالم الحر ضد التهديد الشيوعي سابقاً، وهي محل أنظار العالم لتقوده إلى الحرية والسلام والتقدم، وهي قادرة على ذلك رغم ما يعتريها من مشاكل داخلية حادة من جريمة، مخدرات، سوء تعليم، تفرقة عنصرية وغيرها. والفرصة سانحة لها لقيادة العالم فهل هي فاعلة؟ ؟ في فصل العالم الإسلامي ينقل نيكسون التصور الخاطئ والمنتشر لدى ... الأمريكان عن المسلمين والعالم الإسلامي مبيناً أنهم - في تصور الأمريكان - أصحاب أشد الصور قتامة وأشد حتى من الصين الشيوعية. ويشير إلى الصيحات والتحذيرات التي يطلقها البعض محذرين من الخطر الداهم القادم من العالم الإسلامي، ذي الإمكانات البشرية الهائلة والمادية الضخمة، ويرد على ذلك بأن الأمر أهون مما يتصورون، فالمسلمون - رغم إيمانهم بالدين الإسلامي جملة - فإنهم يعانون تفككاً سياسياً ذريعاً ومشكلات مستعصية وتمزقاً عقائدياً ومذهبياً. ويتطرق في موضع آخر إلى الحضارة الإسلامية السابقة وإمكانية عودتها مستقبلاً إذا استقرت الأمور في المنطقة بعيداً عن الحروب، (مع إسرائيل بالطبع) . ويصنف الحركات السياسية في العالم الإسلامي إلى ثلاث مجموعات رئيسية: ١- الأصوليون (كما يسميهم الغرب) : ويمثلهم بشكل خاص الثوار الشيعة في إيران ولبنان. ٢- الرجعيون: وهم الدكتاتوريون الذين يؤمنون بالحزب الواحد أمثال صدام العراق وقذافي ليبيا. ٣- التقدميون: الذين يرون ربط المسلمين بالغرب وليس لهم نظرة عدائية للغرب مثل تركيا، باكستان، ومصر. ونظرة نيكسون نحو هذه المجموعات هو دعم التقدميين لما فيه من مصلحة متبادلة، وكي يستطيعوا مقاومة الأصولية والرجعية. ويبين طريقة التعامل مع جميع المجموعات سواء كانوا أصوليين في السلطة (مثل إيران) أو تقدميين يمكن أن يكونوا شركاء منطقيين للولايات المتحدة (تركيا - باكستان - مصر اندونيسيا) نظراً لثقل بلدانهم الاستراتيجي ولمقوماتهم البشرية والمادية. أما أسلوب التعامل معهم (فيجب ألا تصل العلاقة بين أمريكا والدول الشريكة إلى حد الوصاية، ويجب ألا نتعامل مع الزعماء في الدول التقدمية كأنهم مراسلون بيننا وبين شعوبهم، بل علينا أن نعاملهم كشركاء متساويين، لأن أسرع طريقة ندفنهم بها هي معاملتهم كأنهم أبواق للدعاية الغربية) . ويضيف قائلاً: (علينا أن نتقبل في بعض الأحيان رفض أصدقائنا في العالم الإسلامي لبعض تصرفاتنا، التي تسبب لهم حرجاً سياسياً في بلادهم. فعندما ألقت الولايات المتحدة القنابل على ليبيا انتقاماً منها لمهاجمتها بعض الجنود الأمريكيين قام كثير من الزعماء في المنطقة بلعننا على الملأ، وبالثناء علينا في سرهم. فيجب ألاّ يزعجنا أن تضطر الظروف أصدقاءنا أن يتفوهوا ببعض السباب ضدنا إرضاءً لأعدائنا) . ويمثل العالم الإسلامي - كما يرى نيكسون - واحداً من أكبر التحديات لسياسة الولايات المتحدة في القرن القادم، وهناك قضيتان أساسيتان تمثلان حالة عدم استقرار فيه، وهما النزاع العربي الإسرائيلي وأمن الخليج العربي. ومن هذا المنطلق يحذر من محاولة وضع حل شامل للأمن في المنطقة، أو محاولة وضع نظام للحد من الأسلحة، أو الانسياق وراء مقولة إعادة توزيع الثروة بل يكتفي بوجود معاهدات أمنية ثنائية مشتركة مع دول المنطقة وتعاون على أوسع نطاق أمام أية تحديات تواجهها هذه الدول. وعقدة المنطقة - أو أهميتها - كما يرى نيكسون؛ هو وجود البترول الذي يجب أن يصل للغرب بانتظام وبأسعار معتدلة، وإسرائيل التي يجب أن تكون في مأمن من أي اعتداء، مفصلاً ذلك بقوله: (إن التزاماتنا نحو إسرائيل عميقة جداً. فنحن لسنا مجرد حلفاء، ولكننا مرتبطون ببعضنا أكثر مما يعنيه الورق. نحن مرتبطون معه ارتباطاً أخلاقياً) . وأنهم - أي أمريكا حكومة وأفراداً - لا يمكن أن يسمحوا لأحد - كائناً من كان - بالتعرض لإسرائيل وتدميرها. ثم يفصل - من وجهة نظره - كيفية حل الصراع العربي الإسرائيلي بشكل يضمن حقوق إسرائيل والفلسطينيين. وننتقل إلى الفصل الأخير (تجديد أمريكا) الذي هو بمثابة خاتمة للكتاب ويؤصل الكاتب فيه دور أمريكا القيادي للعالم وأهمية ذلك وأثره. ويؤكد في بداية الفصل أن الدور الذي تقوم به أمريكا لا يمكن أن يقوم به غيرها، نظراً لأنها تمتلك جميع مقومات القيادة وهي القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية، فضلاً عن المبادئ والمثل التي ترفع لواءها وتنتصر لها. ويدعو نيكسون لمزيد من الاهتمام بالجانب الاقتصادي والتعليمي لأمريكا كي تكون عند حسن ظن الآخرين وتوقعاتهم، ويتساءل خلال هذا الفصل: (هل تستطيع الولايات المتحدة أن تقوم بدور القيادة للعالم؟ الجواب بكلمة واحدة: نعم، ويمكن للعالم أن يتبع خطانا) . أما كيف تقود أمريكا العالم فيبين أن: (الولايات المتحدة كأكبر قوة في العالم من واجبها أن تقوده دون أن تفرض عليه آراءها أو مثالياتها. علينا أن نرعى نمو الديمقراطية ما دام هناك مجال لها، وما دام الشعور القومي يتجاوب معها وتتجاوب معها عاداته ومؤسساته، وعلينا أن نحذر من فرضها على أي شعب بالعنف) . ويختتم بدعوته لأمريكا أن تتبوأ مكانها القيادي، وللعالم بأن يتبعها فهي منارة الأمن والحرية والسلام في العالم أجمع وبدونها فالقطار قد يتوقف إن توقف ربانه، والفرصة سانحة لقرن أمريكي ثان قادم فهل هم فاعلون؟

стр. 1178

خواطر في الدعوة مواعظ القرآن محمد العبدة يحتاج المسلم بين الحين والآخر إلى من يذكره ويعظه في نفسه، ويرقق له قلبه، ويضعه دائماً على الطريق السوي بلا إفراط ولا تفريط، وهذا التذكير إذا قابل نفساً معتدلة فإنها تقبل وتتأدب، ولكن هناك صنف آخر من المسلمين قد ابتعد كثيراً عن آداب الإسلام وأخلاقه، بل عن كثير من توحيد العبادة وما يليق بجلاله - من المحبة والتعظيم والخضوع والتسليم، فمثل هؤلاء لا بد لهم من قوارع ومواعظ قوية تنبههم من غفلتهم، وتخرجهم عن غيهم، وليس أقوى من قوارع القرآن الكريم، الذي أثر في العرب تأثيراً بالغاً ليس بنظمه المعجز فقط بل بزواجره ونواهيه وطريقة عرض قصصه في كل سورة، فلماذا لا يقرع أسماع هؤلاء بمثل هذه الآيات: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وإخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلَى الإيمَانِ ومَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ إن كَانَ آبَاؤُكُمْ وأَبْنَاؤُكُمْ وإخْوَانُكُمْ وأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا ومَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ] [التوبة ٢٣-٢٤] . وعندما سمع أحد زعماء قريش رسول الله ﷺ وهو يقرأ عليه: [فَإنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وثَمُودَ] [فصلت ١٣] طلب من الرسول ﷺ التوقف عن التلاوة. وقد شدد رسول الله - ﷺ القول فيمن رجع إلى أخلاق الجاهلية فقال: (مثل الذي يعين قومه على غير الحق، مثل بعير تردى وهو يُجر بذنبه) [١] ، وكقوله في الحديث: (وأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تفلِّتون من يدي) [٢] . لماذا لا يصارح هؤلاء الذين استعبدتهم التقاليد والمظاهر التافهة وأصبحت كلماتهم وأفعالهم أبعد ما تكون عن الإسلام، لماذا لا يصارحون بأن ما هم فيه إنما هو من رخاوة عقد الدين وضعف الإيمان؟ ! إن كثيراً من الخطباء والوعاظ لا يلمس الداء ولا يضع يده على الجرح، وإنما يداورون ويتكلمون من بعيد، وقد لا يفهم المخاطب أنه هو المعني بهذا الكلام، مع أن هناك فرقاً بين المصارحة وبين الشدة في القول التي تؤذي السامعين أو تجعل عندهم ردة فعل. ومثل هؤلاء يشدد عليهم لفترة معينة حتى يعودوا إلى الله ويؤوبوا وعندئذ يرجع الوعظ والكلام متنقلاً بين الخوف والرجاء. إن النفس البشرية لا يكفيها مجرد تأليف الكتب ووضع الأنظمة، التي تقول لهم: هذا حق وهذا باطل، أو هذا حلال وهذا حرام، بل لا بد أيضاً من الإذعان الوجداني، والقناعة الداخلية والتأثير النفسي. وإن قصص القرآن وأمثاله المضروبة وأحاديث الرسول ﷺ كافية في إصلاح النفس وردعها ووضعها على الصراط المستقيم.

стр. 1179

أخلاق [أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ..] إبراهيم بن علي العريني إن من الصفات الذميمة التي ينبغي للمسلم الحذر من الاتصاف بها، والتي جاء الشرع بذمها صفة الحسد. ذلك لأن الحاسد عدو لنعمة الله، متسخط لقضائه، غير راض بقسمته بين عباده. والحسد أول ذنب عصي الله به في السماء حين حسد إبليس أبانا آدم وزوجه وهو أول ذنب عصي الله به في الأرض حين حسد ابن آدم أخاه حتى قتله. وإنه لا يتصف بهذه الخصلة إلا ذوو النفوس الضعيفة، فذنب المحسود إلى الحاسد دوام نعمة الله عليه ليس إلا. وشر الحسد عظيم، قال أبو الليث السمرقندي: (يصل إلى الحاسد خمس عقوبات قبل أن يصل حسده إلى المحسود، أولها: غمّ لا ينقطع، الثانية: مصيبة لا يؤجر عليها، الثالثة: مذمة لا يحمد عليها، الرابعة: سخط الرب، الخامسة: يغلق عنه باب التوفيق) [١] . قال الشاعر: ألا قل لمن ظل لي حاسداً ... أتدري على من أسأت الأدب أسأت على الله في حكمه ... لأنك لم ترض لي ما وهب فأخزاك ربي بأن زادني ... وسدّ عليك وجوه الطلب قال ابن المقفع: (أقلُّ ما لتارك الحسد في تركه أن يصرف عن نفسه عذاباً ليس بُمدْرِكٍ به حظاً ولا غائظٍ به عدواً، فإنا لم نر ظالماً أشبه بمظلوم من الحاسد، طول أسف ومحالفة كآبة، وشدة تحرُّقٍ، ولا يبرح زارياً على نعمة الله ولا يجدها مَزَالاً، ويكدر على نفسه ما به من النعمة فلا يجد لها طعماً ولا يزال ساخطاً على من لا يترضاه، ومتسخِّطاً لما لن ينال من فوقه، فهو مُنَغَّص المعيشة، دائم السخطة، محروم الطِّلِبة، لا بما قُسِم له يقنع، ولا على ما لم يُقسَم له يَغْلِبْ، والمحسود يتقلب في فضل الله مباشراً للسرور منتفعاً به مُمَهَّلاً فيه إلى مدة، ولا يقدر الناس لها على قطع وانتقاص) [٢] . وإن مما يدعو للعجب من حال الحاسد أنه يحسد قرينه أو صديقه على نعمة آتاها الله إياه مع أن كثيراً من الناس قد أوتوا مثل هذه النعمة وأكبر منها، لكنه لا يحسدهم عليها وما ذلك إلا لشيء قام في نفس الحاسد وكُرْهٍ مستقر حمله لصاحبه. ومع أن الحسد كله سيء إلا أن أسوأه الحسد الذي يقع من طلاب العلم والدعاة تجاه أقرانهم، وذلك لأننا لا نستغرب كثيراً أن يقع الحسد من الجهال وضعاف النفوس لقلة الإيمان في قلوبهم وقلة العلم في صدورهم، لكنا نستغرب بل نتألم ونأسى كثيراً عندما يقع مثل هذا الأمر من أناس عرفوا شر الحسد وذمه، وحملوا من العلم والإيمان ما كان حرياً أن يصدهم عن مثل هذا الجرم. ولماذا يحسد طالب العلم قرينه؟ ! ألأنه طلب العلم واجتهد في تحصيله في زمن قل فيه الجادّون في طلب العلم وحاز أكثر مما حاز هو؟ ! إن من حق هذا القرين أن يدعى له بالتوفيق ويشد أزره ويدفع إلى المزيد من تحصيل العلم، وليس من حقه علينا أن نتمنى زوال هذه النعمة عنه. لأننا إن فعلنا ذلك فإننا نتمنى للمجتمع أن يُسلَب منه أحد الأفراد النافعين فيه فتكون بذلك قد تعدت جنايتنا إلى المجتمع كله. بل لماذا يُحْسَدُ الداعية النشيط الذي تأثر الناس بكلامه وتركوا ما كانوا عليه من المعاصي وسلكوا طريق الحق على يديه؟ ! لماذا نحسده على ذلك ونتمنى زوال هذه النعمة عنه ونحن أحوج ما نكون إلى أمثاله، فنحرم الناس من خيره وإرشاده. بل الواجب على الحاسد أن يسعى بتكميل نفسه والاقتداء بمن هو خير منه وبمن سبقه في مجالات الخير حتى يلحق بهم. وصدق الشاعر إذ يقول: وترى اللبيب مُحَسَّداً لم يجترم ... شتم الرجال وعرضه مشتوم حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالقوم أعداء له وخصوم كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسداً وظلماً إنه لذميم وإن من وسائل دفع الحسد واتقاء الاتصاف به: - التفكر في وافر نعمة الله على العبد والنظر إلى من هو أدنى فيكون بذلك حق النعمة الشكر لا الحسد. - العلم بأن الحسد يفعل بالحاسد أكثر من فعله بالمحسود. - قال أعرابي: الحسد داء منصف يفعل في الحاسد أكثر من فعله بالمحسود. - قال الشاعر: إن تحسدوني فإني لا ألومكم ... قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا فدام لي ولكم ما بي وبكم ... ومات أكثرنا غيظا بما يجد دعاء الله بصدق أن يطهر القلب من الحسد. أسأل الله العظيم أن يطهر قلوبنا من الحسد، وأعمالنا من الرياء، وأعيننا من الخيانة، وأن يصلح أحوالنا وذات بيننا.

стр. 1180

إدارة معرفة الرجال من سمات القيادة الناجحة سامي سلمان إن من مسلمّات الإدارة الناجحة القدرة على الاستفادة من مكامن التفوق، والتميز لدى المرؤوسين بأفضل ما يمكن، ولكي يتحقق هذا كان لزاماً على القادة والرؤساء ضرورة معرفة وتمييز هذه المكامن لدى مرؤوسيهم، وهو ما نعنيه بمعرفة الرجال. إن توفر الرجال (أولاً) ، والقدرة على- توظيفهم لخدمة أهداف رسمها لهم القادة (ثانياً) ، لهما طرفاً المعادلة الإدارية التي ينتج عنها نجاح القادة، وكلما أحسن المادة الاستفادة من هذا التوظيف كلما نتج عنه تفوق ونجاح. ومن هنا اعتبرت القيادة فناً صعباً لارتباطها بالعنصر البشري الذي يصعب تحليله وفهمه ببساطة كما هو الحال في العناصر الكيميائية الطبيعية. ومن خلال هذا التصور يمكننا فهم صورة العلاقة بين نجاح القادة، وبين قدرتهم على معرفة الرجال. وينبغي ألا ننسى أن نجاح القادة ينتج عنه تحقيق لأهدافهم في الواقع. كتبت إحدى أكبر المنظمات العالمية هذه الكلمات لتعبر عن سر نجاحها وتفوقها: (لقد حققنا هذا النجاح من خلال تنظيم إداري وجو عمل يساعدان على اجتذاب أفضل الكوادر البشرية، وتطوير وشحذ المواهب الفردية..) . ... ونلحظ في هذه الكلمات عنصرين أساسين: العنصر الأول: اجتذاب أفضل الكوادر البشرية. العنصر الثاني: تطوير وشحذ المواهب الفردية. ولا شك أنه ليس من الممكن تحقيق هذين العنصرين دون القدرة على معرفة الرجال. ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: (أرأف أمتي بأمتي ... أبو بكر، وأشدهم في دين الله عمر، وأصدقهم حياءً عثمان، وأقضاهم علي، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم أبي، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ألا وإن لكل أمة أميناً وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح) [١] . إن من أسرار ... ... العظمة التي تمتع بها رسول الله ﷺ قدرته على معرفة رجاله، وحسن توظيفه لهم، كلاً حسب قدرته ومواهبه، يقول أحد المفكرين: (إن معرفة ... الرجال بعمق من أدق أعمال الرئيس واكثرها تأثيراً، إنها ينبوع القوة التي يملكها، إنها سر الرؤساء العظام) [٢] . ومن المفيد هنا أن نحلل عظم الفائدة التي يجنيها ... القائد المتمكن من معرفة الرجال. أولاً: إن معرفة الرجال هي الطريق الأمثل لحسن توظيفهم ووضعهم في المكان الذي يمكنهم أن يقدموا أفضل ما يكون في أنفسهم لخدمة أهدافهم. ثانياً: إن توظيف المرؤوسين في مكانهم المناسب هو الحافز الحقيقي لإيجاد روح الاستمرارية والعطاء للأفراد، حيث يحقق الأفراد ذواتهم بتميّزهم وتفوقهم من خلال إمكاناتهم الحقيقية. ثالثاً: إن القدرة على الارتقاء والإبداع لمن وضعوا في المكان المناسب نتيجة إمكاناتهم هو ما أثبته الواقع والتجارب الحية، مما ينعكس على تمييز التنظيم الذي يسير خلف القائد الناجح. رابعاً: إن الإرباك وقلة الخبرة التي يظهرها أولئك الذين لم يتمكن المسئولون من حسن توظيفهم لقلة معرفتهم بحقيقتهم، هي إحدى السلبيات التي يمكن القائد الناجح تفاديها نتيجة معرفته برجاله. خامساً: إن سد الثغرات بالمرؤوسين الأكفاء الذين أحسن القائد انتقاءهم يمكنه من التفرغ والمراقبة عن كثب لمن هم بحاجة إلى توجيه، وبهذا يستطيع من خلال معرفته للرجال سد الثغرات، والارتقاء بالآخرين دون عناء. سادساً: إن درجة سيطرة القائد والرئيس على رجاله عملية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمدى تفهمه لشخصياتهم، ونفسياتهم، وقدراتهم، ولذلك فهو لا يستطيع أن يقدر حجم المهام أو مستوى التكليف أو حدود الاستطاعة التي إذا تجاوزها تعرض الانضباط للمخالفة دون أن يتمكن من معرفتهم حق المعرفة. سابعاً: إن الاستعداد الذي يبديه المرؤوسون بالتعايش وبث الآلام وطلب المساعدة لأولئك الرؤساء الذين استطاعوا فهمهم ومعرفتهم لهو أكبر بكثير مما يبديه من لم يستطع رؤساؤهم تخمين ما يدور في رؤوس من يقودونهم ومن هنا يستطيع القادة احتواء غيرهم بمعرفة أسرارهم، وآلامهم والعمل على القيام بدور الموجه والناصح لهم، بعد أن امتلكوا قلوب مرؤوسيهم. ولنقف وقفة مع هذا النص من واقع الخليفة الثاني: (كان الخليفة عمر بن الخطاب، ﵁، يشاور أفاضل الرجال في تعيين كبار موظفيه، فقال لهم يوماً: أشيروا علي ودلوني على رجل استعمله في أمر قد دهمني، فقولوا ما عندكم، فإنني أريد رجلاً إذا كان في القوم وليس أميرهم كان كأنه أميرهم وإذا كان فيهم وهو أميرهم كان كأنه واحد منهم، فقالوا: نرى لهذه الصفة الربيع بن زياد الحارثي، فأحضره وولاه. فوفق في عمله وقام فيه بما أربى على رجاء عمر وزاد عليه، فشكر عمر لمن أشاروا عليه بولاية الربيع) [٣] . والناظر في هذا النص من خلال ما سبق وقدمناه من أهمية معرفة الرجال يلمس الجوانب التالية: ١- فهم عمر ﵁ لأهمية اختيار الرجال ومعرفتهم وذلك من خلال تشاوره مع أفاضل الرجال في تعيين كبار موظفيه. ٢- حرصه ﵁ على وضع الرجل المناسب في المكان المناسب فقد بين لمن استشارهم صفات الرجل الذي يريد، حتى يتمكنوا من اختيار من يوافق هذه الصفات ليحقق هدف عمر. ٣- حكمته ﵁ في معرفة الرجال من خلال مواقفهم وتصرفاتهم، لا من خلال أقوالهم وما يقال عنهم، فقد استطاع أن يجسد في نظر مستشاريه مثال الرجل الحي الذي يريده. وأخيراً بهذه المعاني المتقدمة تستطيع أن تفهم سر المواقف التالية: ١- يحكم على المرؤوسين بالذكاء والإنتاجية في مكان ما ثم يكتشف بأن لديه طاقات كامنة من رئيس جديد. ٢- يصف أحد الرؤوساء مرؤوساً بأنه جيد ويصفه الآخر بأنه سيء. ٣- يهمل المرؤوس لأنه لا يصلح لشيء البتة، ثم يكتشف بأن لديه طاقات كامنة من رئيس جديد. ٤- يبذل المرءوس ويعطي عطاء أفضل عند رئيسه الجديد أكثر مما كان يفعل مع رئيسه القديم. وليس هناك من تبرير جيد إلا أن أحدهم أحسن القيادة بمعرفته مرءوسيه والآخر فشل في ذلك.

стр. 1181

تأملات في واقع الحياة جَلَد الفاجر وضعف التقي محمد الناصر يروى عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: (اللهم إني أشكو إليك جلَدَ الفاجر وضعف التقي) . فإذا كان أمير المؤمنين في زمنه قد شكا من هذا الأمر فماذا نقول نحن أبناء هذا العصر؟ ! لقد كان حرص الخليفة شديداً في اختيار الرجال وفي تمحيص أصحاب الكفاءات، ليطبق شرع الله كاملاً، ويحوله إلى واقع عملي ملموس على أيدي أصحابه وقد تحقق له ذلك بفضل الله تعالى. هذه المقولة تصور لنا صنفين من الناس: * جَلَد الفاجر وصبره ودأبه، وتعاونه مع أمثاله لتحقيق ما تصبو إليه نفوسهم من أهداف. * وطيبة قلب التقي وحسن الظن لديه زيادة عن الحد المطلوب ثم التواكل وعدم التعاون مع أمثاله في أغلب الحالات. وها نحن في هذا العصر نرى قوة أهل الباطل وتعاونهم بينما نجد أن أهل الخير والصلاح متباعدين، لا يأخذ التعاون من أنفسهم اهتماماً جاداً وإذا بدأوا مثلاً بمشروع خيري أو مؤسسة طيبة الأهداف، فقلما يستمرون فيها، بل ربما آلت إلى بعض الأفراد من الصنف الأول بسبب جلد هذا الصنف وإتقانه أسلوب التلون مستغلاً حسن الظن أو التقاعس عند الناس الطيبين. ومنذ مطلع هذا القرن الميلادي، نلاحظ أن أعداء الإسلام قد خططوا لحربنا، ونجحوا في تحقيق كثير من أهدافهم مع الأسف. فالنصارى مثلاً دأبوا على تنصير أبناء المسلمين مستغلين الفقر والجهل والمرض باذلين الأموال في سبيل هذا ... الغرض. وإذا لم ينجحوا في تحويل أبناء المسلمين إلى النصرانية فقد شككوهم في صلاحية دينهم وهيمنته على حياتهم.. وإذا سألت عن أموال المسلمين، فربما وجدتها تصب في مصالح أعدائهم قصداً أو دون قصد. وكان أهل الباطل قد جندوا قواهم في مطلع هذا القرن كذلك باسم القومية، ورفعوا شعارات منها: أن الدين لله والوطن للجميع، وأن الأديان يجب ألا تفرق بين أبناء الوطن الواحد.. وبعد أن خدعوا أبناء أهل السنة وشكلوا الأحزاب العلمانية، إذا بقواهم تظهر على شكل (ميليشيات) مسلحة وقد تنكروا لشعاراتهم الخادعة، وأعلنوها طائفية حاقدة، وبات المسلمون من أهل السنة هم الطائفة المستهدفة الضعيفة، وها هو لبنان خير شاهد على مأساة تتكرر في عدد من بلدان المسلمين. إن داء الغفلة، وداء التواكل، والتسويف المميت، من أشد أمراض المسلمين مع الأسف في هذه الأيام رغم أن ديننا هو دين العزة والقوة والمنعة إذا تحول إلى واقع حي في نفوس أتباعه، إذ لا بد أن يتفاعل المسلم مع أحداث أمته تفاعلاً إيجابياً، أن يتأثر ويؤثر من أجل تغيير هذا الواقع المرير.. والمسلم قوي بأخيه، والتعاون على البر والتقوى من أهم مبادئ ديننا.

стр. 1182

البيان الأدبي رواية الشعر ومنهج التربية الإسلامية د.مصطفى عليّان لا مراء في أن الغواية وتبعيتها في قول الله [والشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الغَاوُونَ] [سورة الشعراء الآية ٢٢٤] صفة ذات التصاق بالشاعر وشعره، من حيث نوعيته المباينة للصدق الأخلاقي، المارقة عن موقف الحق الثابت ومنهجه المطرد القويم، أو من حيث أهدافه التي تثير الأحقاد، وتغرز الفتن، وتبعث الغرائز، وترغب في فعل المنكرات، وتهون من ارتكابها.. وما إلى ذلك من أضرب الفساد وفنون الإغواء. ولا يبتعد من راوية الشعر وروايته عن تبعية هذه الغواية إذا كان الراوية رديفاً مشايعاً للشاعر في صفات شعره النوعية، وظهيراً مسانداً لأهدافه الفكرية، إذ أن الرواية نشاط فكري يتجاوز حدود النقل والضبط والاتقان إلى الاستمالة والتأثير، بما يحكم الرواية انتخابه من شعر، وبما يبرع في استخدامه من وسائل فنية في عملية التواصل والتوصيل بين المنتج والمتلقي. ولخطورة هذا المجال الذي يجري فيه نشاط الراوية، خلع عبد الله بن عباس -رضي الله تعالى عنه- الغواية عليه، وخصه بها حين قال: (الغاوون هم رواة الشعر) [١] .. أما الشعر الذي يحمل الخير ويعضد فعله، أو يزيّن الحق ويرغب في اتباعه، أو يرشد سلوك الإنسان وينظم علائقه مع الناس والحياة والكون، على أساس من حب المودة، بلا صراع، أو عداء أو قلق أو حيرة أو شك، فإنه مرغوب في قوله، محضوض على روايته وحفظه. فقد كتب عمر ابن الخطاب - رضي الله تعالي عنه- إلى ساكني الأمصار: (أما بعد فعلموا أولادكم العوم والفروسية، ورووهم ما سار من المثل وحسن من الشعر) [٢] . ... وإذا كان الحسن الذي هو اسم جامع لكل شرف وفضيلة قد جاء في هذه الرسالة مجملاً موجزاً، فإن تفسيراً لأبعاده، وتعزيزاً لروايته، نجده في رسالة أخرى بعث بها عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري -رضي الله تعالى عنه-، قال فيها: (مُر من قَبلَكَ بتعلم الشعر، فإنه يحلُّ عقدة اللسان، ويشجع قلب ... الجبان، ويطلق يد البخيل، ويحضُّ على الخلق الجميل) [٣] . ... ولنا أن نعد هاتين الرسالتين الديوانيتين، الصادرتين عن أمر الخليفة الراشد، وثيقتين هامتين في اعتماد الأدب، خاصة الشعر، عنصراً هاماً في تربية الجيل المسلم وتنشئته. على أن فيهما ما يرتفع بأهمية هذا العنصر وقيمته في منهج إعداد الفرد المسلم، إذ قرن التوجيه الرسمي في الرسالة الأولى تَعَلُّم الشعر بمهارة. الفروسية والعوم، وفي هذا من الوعي بضرورة توازن أهداف المنهج التربوي ما لا يخفى، فهو كما يهدف إلى إعداد الفرد جسمياً لا يغفل عن تعهده عقلياً وفكرياً ونفسياً، مهما يكن شأن الحياة الجديدة وتبدل أحوالها، وتدفق خبراتها، وتعدد متغيراتها الحضارية والاجتماعية. فرواية الشعر والاجتهاد في تعلمه أمر مستحب في أبسط فهم للأمرية في مطلب الخليفة الراشد ﵁، وقد يرتفع التوجيه والإرشاد في معناه إلى منزلة يقترب فيها من الوجوب، إذا نظرنا إلى وقوع الأمر بالتساوي على تعلم الشعر. واكتساب مرانة عدتي الحرب؛ العوم والفروسية. وقد يرشح هذا الفهم بالوجوب، أن بعض العلماء عد قسماً من الشعر واجب الرواية لما فيه من الخير [٤] . ولا يزال الحض على تعلم الشعر وروايته أثيراً بأبعاده الأخلاقية وأهدافه السلوكية عند خلفاء بني أمية ممن وعى هذا المنهج. فقد بعث زياد بن أبيه بولده إلى معاوية بن أبي سفيان فكاشفه عن فنون من العلم فوجده عالماً بكل ما سأله عنه، ثم استنشده الشعر فقال: لم أرو منه شيئاً، فكتب معاوية إلى زياد يقول: (ما منعك أن تُرَوِّيه الشعر فوالله إن كان العاق ليرويه فَيَبَرّ، وإن كان البخيل ليرويه فيسخو، وإن كان الجبان ليرويه فيقاتل) [٥] . وفي وصية معاوية لزياد كذلك، أدرك الآثار التعليمية لرواية الشعر في تحقيق المهارات اللغوية في قوامة اللسان وفصاحة منطقه، والقدرة على تدفق التعبير وطلاقته، ومرونة استيعابه لعمق الفكر، وسعة أفق العقل، يقول: (روّه فصيح الشعر، فإنه يفصح العقل، ويفصّح المنطق، ويطلق اللسان) [٦] . أما عبد الملك بن مروان فقد جعل رواية الشعر مقوماً هاماً في بناء شخصية المتعلم ومظهراً دالا على رفعة منزلته، إذ يقول لمؤدب ولده: (روهم الشعر يمجدوا وينجدوا) [٧] . وزاد ذلك تنبيهاً إلى إحدى الوسائل المعينة على تحقيق بعض أهداف رواية الشعر، حين خص بالعناية الشعر الرقيق في لغته، البسيط في تعبيره، قال عبد الملك: (أدّبهم برواية شعر الأعشى، فإن لكلامه عذوبة) [٨] ، مصيباً بذلك أثره النفسي، إذ في سهولته ما يُحسَّن موقعه من القلب، وفي عذوبته ما يعين على عظم غنائه في النفس وسرعة تحصيله في الذهن. بهذه الأخبار المقتضبة يمكن القول إن منهج تعليم الشعر في القرن الأول الهجري منهج سلوكي وظيفي، كما يعنى بقوامة اللسان وفصاحة تعبيره، فإنه يعنى بترشيد سلوك المتعلم وغرائزه. فهو منهج تربوي تكاملي، فيه التعلم والسلوك قرينان متلازمان، وبقدر ما في هذا المنهج من أصالة، فإن فيه إدراكاً عميقاً سابقاً لإدراكنا الحديث في أن التعلم القويم النافع هو الذي يترك أثراً في المتعلم؛ سلوكه وعقله. النسبة والتناسب في الرواية ومن المسلمات الثابتة التي لا تمس بحال، أن رواية الشعر في منهج التعليم لا ينبغي أن تقايس بمحفوظ المسلم من القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، بل إن الاقتصار في محفوظ المتعلم على رواية الشعر يوقع في قبح الصنيع الذي جاء حديث الرسول ﵊ مصوراً له في قوله: (لئن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعراً) [٩] . ويوضح حدود النسبة والتناسب في هذا الأمر موقف علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه- من غالب بن صعصعة وابنه الفرزدق، وقد سأله عن الغلام فقال: هذا ابني، قال: ما اسمه قال: همام، وقد رويته الشعر يا أمير المؤمنين وكلام العرب، ويوشك أن يكون شاعراً مجيداً. قال علي بن أبي طالب: (علمه القرآن فإنه خير له من الشعر) [١٠] . فقد أحس علي بقصور منهج غالب في تربية ابنه وتعليمه، فضلاً عن مفاخرته وسروره بقرب ولادته الشعرية، فأرشده - منبهاً له على تفريطه - إلى خير ما يملأ قلب ابنه ووجدانه، وأصدق ما يجري على لسانه؛ إلى آيات الله البينات المحكمات. ووقع صدق توجيه أمير المؤمنين في قلب الفرزدق وعقله، فقيّد نفسه وآلى ألا يحل قيده حتى يحفظ القرآن فكان له ما أراد [١١] . فمن التفريط إذاً أن يقتصر محفوظ المتعلم في منهج التعلم على رواية الشعر، مهما تكن المبالغة في قيمته الأخلاقية والسلوكية، إلا أن من الإفراط كذلك إهمال رواية الشعر من محصول المتعلم، لأن للشعر أثراً غير منكر في صياغة ذوق المتعلم وتوجيه سلوكه والتسامي به. فقد روي أن معاوية بن أبي سفيان سأل عبد الله بن زياد عما يروي من الشعر فقال: كرهت أن أجمع كلام الله وكلام الشيطان في صدرى. قال معاوية: اغرب، والله لقد وضعت رجلي في الركاب يوم صفين مراراً، ما يمنعني من الانهزام إلا أبيات ابن الإطنابة حين يقول: أبت لي عفتي وأبى بلائي ... وأخذي الحمد بالثمن الربيح وإقدامي على المكروه نفسي ... وضربي هامة البطل المشيح وقولي كلما جَشَأت وجاشت: ... مكانك تحمدي أو تستريحي لأدفع عن مآثر مصالحات ... وأحمي بعد عن عرض صحيح [١٢] المطلق والمقيد في الرواية رواية الشعر في مجال التعلم مطلقة غير مقيدة، شريطة أن يكون للراوية موقف إيجابي مما يرويه؛ لأن هذا الموقف مخرج له من قبول ما يروي من شعر فاسد أو منحرف في تصوره الفكري. ويستوي في ذلك المعلم والمتعلم، إذ كلاهما مرتبط بالعملية التعليمية التعلميّة التي من أهدافها عدم قبول المعصية أو التحريض عليها. وإذا كان ناقل الكفر ليس بكافر ما دام ملتزماً بالشرط الذي قدمنا والغاية التي حددنا، فرواية الشعر في مجال التعليم لا تزيد عن كونها ترداداً لألفاظ الشعر وتكراراً لها، فهي مباحة إذا نبه الراوية على مواضع الانحراف فيها، من كفر أو فحش أو فساد. ومن نافل البيان أن نلفت النظر إلى أن الوزر في هذا الشعر المنحرف عن جادة القوامة إنما يقع على قائله لا على راويته. أما رواية الشعر للمتعة الفنية فقائمة على نوعية الشعر، حيث أن حسنه حسن، وقبيحه قبيح، فهو كسائر الكلام فما كان فيه لمسلم أذى فهو مما لا يباح روايته، لأن من قال في الإسلام شعراً مقذعاً فلسانه هدر، ومن روى هجاء مقذعاً فهو أحد الشاتمين. وترخص ابن قتبية - وهو من علماء السلف - في رواية ما كان رفثاً لخروجه عن حدود الإثم، وفرّق بين روايته وما يحرم من شعر جرير والفرزدق في الهجاء وقذف المحصنات فقال: (وإذا مر في حديث فيه إفصاح بذكر عورة أو فرج أو وصف فاحشة فلا يحملنك الخشوع والتخاشع على أن تصعّر خدّك، وتُعْرض بوجهك، فإن أسماء الأعضاء لا تؤثم، وإنما المأثم في شتم الأعراض وقول الزور والكذب وأكل لحوم الناس بالغيب) .. وأدرك ابن قتيبة بترخيصه رواية هذا اللون من الشعر النزوع النفسي نحوه، والميل الفطري للطبائع إليه، دون أن يكون في ذلك مساس بدرجة تقوى المرء أو صلاحه، إلا أنه لم يترك رواية الرفث مطلقة غير مقيدة، بل جعل الرخصة فيه محدودة بالغليل العارض، وبالرواية التي تنقص رونقها الحكاية، ويذهب بجمالها التعريض فقال: (ولم أترخص لك في إرسال اللسان بالرفث على أن تجعله هجيراك على كل حال، وديدنك في كل مقال، بل الترخص مني فيه عند حكاية تحكيها أو رواية ترويها، تُنقِّصُها الكناية ويذهب بحلاوتها التعريض، وأحببت أن تجري في القليل على عادة السلف الصالح في إرسال النفس على السجيّة، والرغبة بها عن لبسة الرياء والتصنع، ولا تستشعر أن القوم قارفوا وتنزَّهت، وثلموا أديانهم وتورعت) [١٣] . ولا تعارض بين المتعة الفنية والفائدة العلمية، بل لا فصل بينهما في مجال الرواية، على الرغم من أن المتعة لا تكون كاملة إذا لم تكن خالصة لذاتها؛ لأن الفصل بينهما أمر مجاف لطبيعة التذوق الأدبي وحقيقة النقد الأدبي، الذي تأتي فيه الفائدة العلمية نتاجاً حتمياً لتعمد المتعة الفنية. وإذا كان الأمر بهذا التلازم فإننا نميل إلى القول بأن قيد الموقف الإيجابي الذي قيدنا به إطلاق الرواية التعليمية يَحْسُن ألاّ يتخلى الراوية عنه في مجال المتعة الفنية، فقد روى البخاري عن إسحاق قال حدثنا محمد بن الفضل قال حدثنا الوليد ابن جميع عن أبي سلمة عن عبد الرحمن قال: (لم يكن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متحزقين ولا متماوتين وكانوا يتناشدون الشعر في مجالسهم ويذكرون أمر جاهليتهم، فإذا أريد أحد منهم على شيء من أمر الله دارت حماليق عينيه كأنه مجنون) [١٤] ، ولا شك أن دوران حماليق العينين موقف تعبيري عن ... السخط والرفض. ويزيد هذا الأمر وضوحاً موقف عبد الله بن عمر ابن الخطاب من إياس بن خيثمة حين قال له: (ألا أنشدك من شعري يا ابن الفاروق قال: بلى، ولكن لا تنشدني إلا حسناً، فأنشده حتى إذا بلغ شيئاً كرهه ابن عمر قال له: أمسك) [١٥] . ولما كان حديث رسول الله ﷺ : (ما كان الحياء في شيء إلا زانه، ولا كان الفحش في شيء إلا شانه) [١٦] ، فقد قال هشام بن عروة: ... (لا ترووا فتيانكم شعر عمر بن أبي ربيعة لا يتورطُنَّ في الزنا تورطا) [١٧] ، ... وحرص كذلك عبد الله بن مصعب ألا يدخل شعر عمر بن أبي ربيعة على نسائه تجنباً للفتنة التي بعثها شعره. تقول فاطمة بنت عمر بن مصعب: (مررت بعبد الله بن مصعب وأنا داخلة منزله وهو بفنائه، ومعي دفتر، فقال ما هذا معك؟ ودعاني فجئته وقلت: شعر عمر بن أبي ربيعة، فقال ويحك! أتدخلين على النساء بشعر عمر بن أبي ربيعة، إن لشعره لموقعاً من القلوب ومدخلاً لطيفاً، لو كان شعر يسحر لكان هو، فارجعي به، قالت: ففعلت) [١٨] . وصفوة القول: إن رواية الشعر بأهدافها المعرفية والسلوكية تحتل جزءاً هاماً في منهج التربية الإسلامية، وهي مطلقة في التعليم والإمتاع إلا من قيد العقيدة، الذي يوجب على الراوية أن يبرأ لدينه ونفسه، بموقف ينكر فيه ما انحرف أو فسد من الشعر المروي.

стр. 1183

رسالة عزاء إلى البوسنة والهرسك محمد بن عائض القرني جرد السيف وألق القلما ... هذه البُسنةُ تنثال دما ذبح الصربُ بها إخوتنا ... هتكوا العرض، أباحوا الحُرُما سفر الباطل عن سحنته ... فخذوا الجد سبيلاً أَمَمَا [١] وارفعوا ألوية الحق على ... قمم المجد وسيروا قدما لا يصون الحق إلا وَهَجٌ ... من لظى القوة يجري حمما لا يجلي الحق إلا رَهَجٌ ... يرتديه الأفق أرضاً وسما أيها الصرب رويداً فلقد ... طفح الكيل سئمنا السأما ظهرت أحقادكم سافرة ... وبدا من أمركم ما كُتِما! ! أطبق الكفر على أمتنا ... يزرع الخوف بها والألما يسرق اللقمة من صبيتها ... يقتل العزم يميت القيما فانهضي يا أمة الحق فقد ... عظم القيد وأدمى القدما تلك أشتاتك من يجمعها ... أوَ من يبعث تلك الرمما أمتي هل لك من مسَتنَدٍ ... فلكم ذقت الأسى والندما أمتي هل لك من معتَصَمٍ ... فلكم ناديت.. وامعتصما جربي الذروة [٢] في ملتنا ... فبه النصر على من ظلما إنه المارد ما أروعه! ... هل رأيت الليث لما كُلما! ! حطمي صلبانهم واثقة ... أن سيف الحق لن ينثلما دمري أوثانهم صامدة ... إنها في ساعة الروع دمى واسألي كابل في زينتها ... سلمت كابل قلباً وفما خفقت عالية رايتها ... وتولى خصمها منهزما مَثِّلِ العزةِ يا قدوتنا ... كلما زمجر هول وطمى الدم الحر على تربتها ... لم يدع في قلب حر سقما وبلاء الصيد في محنتها ... جذوة توقد فينا الشمما ذكري يا أخت بدر ذمما ... غدر الناس وخانوا الذمما ذكري ناشئة الجيل فما ... يكشف الجهل سوى من علما أوقدي من عزمك الصارم ما ... يبعد الهم ويذكي الهمما إن طغى السيل على أمتنا ... فسنبقى للمعالي قمما وإذا احلولك ليلٌ فلنا ... قبس الوحي يبيد الظُّلَما

стр. 1184

سراييفو.. حضارة أخيرة ! ؟ د. سعد عطية الغامدي لك الله يا أخت أشبيلية ... وتوأم كاديز والمرسيه حضارتنا.. شادها الأولون ... وأرسوا مناراتها.. عالية وضيعها صبية مترفون ... تديرهم الكأس والجارية فعادت مساجدها بيعاً ... وآثارها.. دمناً خاوية لك الله يا وهجاً في الصدور ... ريا كوكباً في سما بوسنية تعانين وحدك - يا ويحنا ... وتلقين أسرابهم عارية وتستنجدين صباح مساء ... وآذاننا - وقرت - واعية ونبصر قصفهمُ جائراً ... يذيبك.. ناحية.. ناحية يجرعك الصرب سوء العذاب ... وتستعر البطشة الطاغية تساق العجوز إلى حتفها ... وتغتصب الحرة الزاكية ويسقى الرضيع دماء الأسى ... ويطعم من جثة ذاوية وتسمعى يد للجريح القتيل ... لتذبحه ذبحة الماشية خذلناك.. إذ يثب الآخرون ... لأشياعهم.. وثبة ماضية وخضنا على رسلنا في اجتماع ... ومؤتمر أمه هاوية وقلنا: لينصرهم مجلس ال ... أمن في هيئة الأمم البالية وننسى بأنهمُ يرقصو ... ن على لهب الهجمة الضارية لك الله.. يا لهباً عارماً ... ويا صخرة لم تزل عاتية نسوق إليك وعتوداً عرا ... ضاً وبالوهم نلبسك العافية ونختال تيهاً بتلك الوعو ... د كما جرجرت ذيلها غانية بأنّا.. وأنّا.. ولم ندر أنّا ... أضعناك في ليلة شاتية وقد نذرف الدمع للزائرين ... إذا أزهقت روحك الغالية

стр. 1185

المسلمون والعالم مأساة البلقان الأقوياء يكسبون والضعفاء يُسحلون د. عبد الله عمر سلطان (النظام العالمي الجديد يواجه صعوبات جمة يتمثل أخطرها في رفع اللجام ... عن قوى وأفكار واتجاهات ذات جذور عميقة وجدت نفسها في معزل عن ظلال ... الحرب الباردة التي أوقفت من انفجارها لنصف قرن فقط) ، هكذا خلصت المجلة الأمريكية الرصينة (فورين أفيرز) في عددها الأخير وهي تستشرف المستقبل ... القادم وتتوقع ملامحه ومعالمه ... وتمضي لتقول: (صحيح أن هناك قوى دولية ... تطمح للزعامة والقيادة كالتجمع الأوربي واليابان وصحيح أن هناك أفكاراً متداولة تطرح تحدياً مقبلاً كالأصولية الإسلامية؛ إلا أن أكثر المعضلات المطروحة للنقاش الآن هي ثورة الأقليات العرقية والحرب العنصرية التي تشهد البشرية أعنفها اليوم في يوغسلافيا) .. هذه الحرب التي تحاول المجلة الأمريكية النخبوية أن تخلط الجانب العنصري فيها بالعمق الديني المعروف هي مادة دسمة ومهمة لكثير من الدراسات والتعليقات التي تناقش مأساة المسلمين في دولة البوسنة والهرسك خصوصاً ودول البلقان عموماً.. ومنذ اليوم الأول بداء واضحاً أن المنطقة البلقانية ستعود إلى سابق شهرتها وسمعتها لتحتل مرتبة لبنان في بشاعة التعصب والحقد وما يجره من حرب أهلية. والبلقان تمثل بؤرة التهاب دائمة، لأنها منطقة تماس بين قوى دولية متعددة تقتات على التباين الديني والعنصري الموجود في المنطقة. وفي نفس الآن تسعى هذه القوى الكبرى لتغذية الصراع والإفادة منه. ولكون المنطقة البلقانية مثالية لصراع داخلي/دولي منذ القدم فإن الحرب الباردة قد رفعت الستار عن مشهد جديد من الحرب المستعرة في منطقة البلقان منذ قرون.. ولا بد هنا من استحضار النقاط التالية عند تحليل الوضع الراهن: * إن منطقة البلقان هي خط الالتقاء الفاصل بين ثلاث عوالم دينية وقوى كبيرة في الماضي، وأن تاريخها وواقعها صُبغ بدرجة أو بأخرى بين التفاعل والخصام بين هذه القوى المتنافرة، فالقوة الأولى هم المسلمون في البلقان والذين نجحت عوامل التفكك والضمور الذي انتاب الدولة العثمانية في عهودها الأخيرة في تفريقهم وإضعافهم من خلال إقامة كيانات هشة هدفها الرئيسي تشتيت التواجد المسلم في البلقان ومنعه من الحصول على حقوق المسلمين فضلاً عن وصولهم إلى الحكم، وقد أضاف الحكم الشيوعي جراحاً جديدة إلى واقع المسلمين هناك حيث ظن المضطهدون أن سيادة المبادئ الماركسية كفيل بانهاء التسلط العرقي والمذهبي عن كواهلهم، إلا أن الحقيقة هي أن القوى الأخرى استمرت في إضعاف المسلمين من وراء اللافتة الحمراء الشيوعية، أما القوة الأخرى فهم الأرثوذكس الذين يمثل الصرب سوادهم الأعظم وقد دعموا من روسيا القيصرية في السابق كما نصرتهم اليونان التي تدين بنفس المذهب، وقد كان لهم دور كبير في صد الفتح الإسلامي المتجه لأوربا في القرون المتأخرة حيث اكتسبوا خبرة عسكرية كبيرة ورصيداً هائلاً من الحقد ضد المسلمين، كما أنهم تقاضوا ثمن الانتصار على الدولة العثمانية من خلال سيطرتهم على دول البلقان، واليوم تعود نفس التحالفات القديمة بعد انهيار الشيوعية، حيث تحتضن موسكو الأرثوذكسية أبناءها في البلقان وكذلك تفعل أثينا.. أما الكاثوليك المتركزين في شمال البلقان (كرواتيا وسلوفينيا) والأقليات المتفرعة عنهم فإنهم امتداد للشمال الأوربي المسيطر على الساحة الدولية للقرون الخمسة المنصرمة ولا سيما أن تحالفهم مع النمسا وألمانيا اليوم يضرب بجذوره إلى فترة تاريخية بعيدة. * إن المنطقة البلقانية لا تمثل في حساب المصالح الأمريكية اليوم مناطق اقتصادية أو سياسية استراتيجية بحد ذاتها، لكن الرصيد التاريخي المتشابك وارتفاع الحديث عن الزحف الأخضر الإسلامي القادم في الأوساط الغربية يؤدي إلى ... ... تداعيات كثيرة لا سيما بالنسبة للدول الأوربية التي رأت بعينها خيول وكتائب ... المسلمين تعبر البلقان قبل ثلاثة قرون لتحاصر (فيينا) خاصرة ورمز الحضارة الأوربية، ومن هنا فإن اهتمام الدول الأوربية بالقضية له ما يبرره في حين أن ارتخاء الولايات المتحدة في التعامل مع المشكلة ينطلق من بعد يوغسلافيا عن المصالح الأمريكية المباشرة وما تمثله المنطقة للحليفات الأوربيات من أهمية، وإن كانت أمريكا تسعى إلى توطيد دعائم نظامها الجديد في العالم حتى في مناطق النفوذ التقليدية للحليفات الأوربيات. * ونتيجة لثقل وأهمية اللاعبين الأوربيين لا سيما المانيا فإن حلفاءهم من الكاثوليك كانوا الأقوى والأسرع إلى إقامة كياناتهم الخاصة في وجه التسلط الصربي الذي استولى على مقاليد يوغسلافيا المتهالكة لا سيما أن الصرب قد نهبوا أموال الحكومة الاتحادية وقبضوا على مقاليد الجيش الاتحادي مما فجر مشاريعهم التوسعية باتجاه القوميات والأديان الأخرى.. ولكن نقول إن الكاثوليك في سلوفينيا وكرواتيا والبوسنة والهرسك خرجوا بأقل عدد من الخسائر في الحرب الأهلية لوقوف ألمانيا وأوربا من خلفهم.. أما المسلمون فإن الواقع الأليم في العالم الإسلامي جعل من السند الخارجي لهم عاملاً هامشياً حين وجد الصرب أن الوقت قد حان لتصفية حسابهم مع (الغزاة) الذين حطموا مملكة الأمير الصربي قبل خمسة قرون. ... * إن السيناريو القائم في البوسنة والهرسك مرشح للانتقال في كل مساحة بلقانية يشعر فيها الصرب وأمثالهم أن ضربتهم القادمة في ربوعها لن تستثير ردة فعل إسلامي أو دولي حاسم، فمناطق تواجد المسلمين في دويلات البلقان تبقى هدفاً متجدداً للتوسع خصوصاً إذا استمر الصمت الدولي والدعم المستتر للصرب من روسيا واليونان وربما دويلات الاتحاد السابق التي تدين بالأرثوذكسية.. فالمعطيات واحدة والمحصلات شبيهة لحد كبير.. * إن القوميتين الصربية والكرواتية ومنذ بداية هذا القرن تعاملت مع المعطيات المحلية والإقليمية والدولية بصورة أفضل بكثير من المسلمين في البلقان، وما كشفت عنه الأحداث الأخيرة من مذابح (وتنظيف) بشري للمسلمين على أيدي الصرب وما تردد عن اتفاق كرواتيا عام ١٩٣٩.. يقول المفكر الصربي ميلوفان جيلاس أحد مؤسسي الحركة الشيوعية في يوغسلافيا سابقاً ورفيق تيتو في حرب التحرير: (إن كرواتيا وصربيا اليوم يعيدان تفاصيل أحداث ١٩٣٩ حينما توصل قادة القوميتين إلى اتفاق تقسيم البوسنة وهم اليوم يحاولون إعادة سرقة البوسنة) .. والحديث اليوم ينحصر في بشاعة أعمال الصرب أما الكروات فإن الإعلام الدولي لا يكاد يتطرق لمشروعه القومي المتعصب البتة، جيلاس مرة أخرى: (الكروات لا يخفون أطماعهم في المناطق الغربية والجنوبية من البوسنة وهم يحملون تعصباً قومياً زاده التعصب الديني وشعورهم بحماية أوربا) .. أما المسلمون اليوم فهم بشهادة أعدائهم: (إذا أخذنا المسلمين بشكل عام وعلي عزت بيكوفيش كزعيم فهم لم يبدأو الصدام المسلح وقد حاولوا تجنبه منذ البداية) . * بالرغم من كل تلك المعطيات البلقانية كان العالم يترقب من الذين تحدثوا عن (عالم يسوده الأمن والسلام) و (نظام لا يسمح للقوي أن يفرض سيطرته على ... الضعيف) و (مفهوم لا يفرق بين دولة كبيرة وأخرى صغيرة أمام الشرعية الدولية (أن ينقلوا هذه القوالب البلاغية إلى عالم الواقع.. كان هذا الترقب في محله والمذبحة ... الجماعية لمسلمي البوسنة على قدم وساق، حتى أصبحت صور الجثث البشعة ورائحة الموت والتدمير والهلاك مساوية في الإثارة لأخبار الطقس أو كأس الأمم الأوربية..! ! هذه الأمم الأوربية التي هبت قبل أشهر في وجه الصرب كيف تعاملت مع مأساة المسلمين في البلقان؟ ؟ وهذه الشعارات الأمريكية المبشرة بنظام عالمي جديد كيف ترجمت إلى واقع خلال مسرحية الحقد الصربي؟ ؟ .

стр. 1186

النظام العالمي الجديد ومجزرة البلقان لخصت مجلة نيوزويك الصراع الأوربي الأمريكي حول مشكلة البلقان بأنه ... (صراع يدعو للشماتة) وأنه حمل بذور الخلافات المستقبلية بين أمريكا وأوربا ... (لاسيما ألمانيا) والتي أشاحت عنها أحداث البلقان، فالولايات المتحدة كانت تدعو منذ بداية الأحداث إلى الإبقاء على يوغسلافيا الموحدة، لكن قادة ألمانيا والنمسا وإيطاليا (دول الطوق الكاثوليكي) خلصوا إلى ضرورة انفصال تلك المناطق ذات الكثافة الكاثوليكية عن يوغسلافيا، وتنقل المجلة أن لورنس إيجلبرجر نائب وزيرالخارجية الأمريكية كان هو عراب الفكرة الاتحادية بينما كان وزير الخارجية الألمانية السابق (غينشر) معارضاً قوياً لبقاء يوغسلافيا موحدة لدرجة أن الخلاف بين الرجلين أصبح معروفاً في الأوساط الدولية واصطبغ الخلاف بطابع شخصي (قذر) .. وفي النهاية بدا واضحاً أن أوربا تسير خلف ألمانيا مما شكل هزيمة نكراء للسياسة الأمريكية كما تقول المجلة، حيث ذهبت تصريحات بيكر التي أدلى بها في بلغراد والتي كانت تدعو إلى بقاء كرواتيا وسلوفانيا ضمن سيطرة بلغراد أدراج الرياح ... لقد كانت هذه التصريحات بمثابة الضوء الأخضر [*] (لجزار البلقان) ... ميلوفيتش حيث أخذ في تنفيذ سياسة الضم القسري لكرواتيا والتي فشلت بعد أن تدخلت ألمانيا والأمم المتحدة لحماية الكروات وضمان إقامة دولتهم وكيانهم الخاص، وإن كانت هذه الإشارة قد ظهرت ملامحها بعد أسابيع قليلة عندما هاجمت قوات الصرب في البوسنة المدعومة من الجيش الاتحادي قرى وتجمعات المسلمين دون أن تهب دول الطوق الكاثوليكي أو الأمم المتحدة لوقف نزيف الدم المسلم. ... إن الصراع بين ألمانيا وأمريكا في قضية البلقان هو صراع مستتر ومغلف بلهجة دبلوماسية هادئة، وهو يصب في مجرى المحاولات الألمانية / الأوربية للتوسع وكسب الأسواق والحلفاء في عصر انهيار الشيوعية، وقد يكون الاهتمام الألماني بقضية الأكراد شاهد آخر على هذا التوجه الاستعماري المغلف. والألمان يدركون حتماً أن النظام العالمي الجديد يسمح لهم بالمناورة في هامش المصالح الجانبية التي لا تشكل أهدافاً أمريكية مباشرة، والأمريكان بدورهم لا يودون التورط في كل الصراعات الإقليمية لا سيما تلك التي لا تشكل أهمية اقتصادية وعسكرية مباشرة وهامة، كما أنهم يراهنون على فشل الدور الألماني وتدخله في الصراعات الدولية حيث ظلت ألمانيا بعيدة عن اللعبة الدولية الاستعمارية لفترة من الزمن، فقدت خلالها كثيراً من خبراتها ومواهبها. في الوقت ذاته أثبت الأمريكان أن الدور الألماني يبقى محدوداً، فبدون التبني الأمريكي لقرارات الأمم المتحدة ودفعها إلى مواقف فعلية يبقى الدور الألماني هاماً وإن لم يكن حاسماَ.. ويبقى الدوران: الألماني العاطفي والأمريكي المتردد من نزاع البوسنة رسالة مبطنة إلى سفاحي العالم والقيادات الدكتاتورية والمنتشرة هنا وهناك تقول: (طالما أن المصالح الأمريكية والغربية مصانة فلا ضير من العدوان واحتلال أراضي الآخرين ولا مانع من بقر بطون النساء واغتصابهن، وسحل جثث الأبرياء كل لحظة، وتطاير الخوف من عيون الأطفال خصوصاً إذا كانوا من أتباع الأمة الإسلامية.. هذه الأمة الغائبة، أو قل المُغيَّبة) . * هل هي صورة مكررة من تلميحات غلاسبي السفيرة الامريكية لصدام حسين؟

стр. 1187

البوسنة والهرسك محنة شعب ومأساة أمة د. يوسف الصغيّر تاريخ دخول الإسلام: كانت قبائل إيليريه (أسلاف الألبان) تسكن في الأراضي التي تعرف اليوم ييوغسلافيا، وفي غضون القرن الأول الهجري (السابع الميلادي) أخذت قبائل صقلبية تغزو هذه المناطق، حتى قضت على الإليريين إلا في المناطق الجنوبية الغربية. ومعظم سكان يوغسلافيا اليوم بما فيهم المسلمون ينحدرون من هؤلاء الصقالبة، وكانت القبائل الصقلبية تنقسم إلى مجموعات أهمها الصرب الذين اعتنقوا المذهب الأرثوذكسي الذي كانت تدين به الدولة البيزنطية، والكروات والسلوفين الذين اعتنقوا المذهب الكاثوليكي، والبشناق الذين اتبعوا المذهب البوغوميلي وكونوا الكنيسة البشناقية. وكانت الحروب الدينية الطاحنة تدور بين الصرب والكروات، وكان مجالها أرض البشناق التي كانت محل نزاع بين الدولتين حتى كون البشناق دولتهم في أوائل القرن السادس الهجري (عام ١١٣٧م) . دخل العثمانيون الأراضي البشناقية لأول مرة حينما فتحوا جتيلو عام ١٣٥٣ م وهزموا الجيوش النصرانية المتحالفة سنة ١٣٦٥ م قرب أدرنة وبعد عدة معارك تمت هزيمة الصرب عام ٧٩٢ هـ (١٣٨٩م) في معركة كوسوفو الشهيرة التي تعتبر نهاية دولة الصرب، وتم فتح بلغراد عام ١٤٥٢ م ولم يفتح العثمانيون بلاد البشناق بل اكتفوا بأخذ الجزية، ولما قامت الحرب الأهلية في بلاد البشناق بسبب محاولة الملك الكاثوليكي إكراه الشعب البوغوميلي على اعتناق الكاثوليكية استنجد زعماء البوغوميل بالمسلمين فقام محمد الفاتح بفتح بلاد البشناق وأعلن أن لا إكراه في الدين، وبعد فترة بدأ البشناق بالدخول في الإسلام حتى عمهم وصاروا من أقوى أنصاره، وكانوا درعاً حصيناً للدولة الإسلامية في تلك المناطق المضطربة، وتم استكمال فتح بلاد البشناق والهرسك سنة ١٤٨١ م ثم معظم أوكرانيا سنة ١٥٢٦ م ووصل العثمانيون إلى سلوفينيا عام ١٥٦٦ م غير أنهم لم يفتحوها. وبعد دخول البشناق في الإسلام بدأوا عهداً جديداً وأخذوا يشيدون المدن ويعطونها طابعاً إسلامياً بمساجدها ومدارسها وأسواقها، وأهم هذه المدن سيراجيفو أو (بشناق سراي) ، وبلغت الحركة العلمية أوجها في نهاية القرن العاشر وبداية القرن الحادي عشر الهجري حيث ظهرت مؤلفات كثيرة باسم علماء بشناق، ومع استمرار الفتوحات العثمانية استوطن المسلمون وخاصة في البوسنة كثيراً من المناطق المجاورة مثل صربيا والأجزاء الشمالية الشرقية والغربية للجبل الأسود وسلافونيا وانطبعت كثير من المناطق بالطابع العثماني، فعلى سبيل المثال سجل الرحالة التركي الشهير أوليا شلبي بأن المدن بودا (جزء من بودابست عاصمة هنغاريا) وستولني بيوغراد وبوجفا وأوسيك ومدن أخرى في هنغاريا وسلافونيا في القرن السابع عشر كانت تشبه المدن البوسنوية تماماً وهذا في المناطق التي لم يستقر فيها العثمانيون أما المناطق التي استقروا فيها طويلاً مثل بلغراد عاصمة الصرب فيقول أوليا شلبي الذي زارها عام ١٦٠٠م: (كان سكانها ١٠٠ ألف نسمة ثلاثة أرباعهم مسلمون وكان بالمدينة ٢٧٠ مسجداً تقام في ٣٣ منها صلاة الجمعة وبها ١٧ تكية و ٨ مدارس ثانوية إسلامية و ٩ دور للحديث و ٢٧٠ من الكتاتيب القرآنية. وكانت الحرب مستعرة بين العثمانيين الذين كانوا أقوى دولة عسكرياً في ذلك الوقت وبين التحالف الصليبي في أوربا وعلى رأسهم النمسا والمجر (هنغاريا) وبولندا، وتمكن المسلمون من فتح مناطق كثيرة وقد حاصروا فيينا عاصمة النمسا مرتين كان آخرها عام ١٠٩٥ هـ (١٦٨٣م) وبعدها بدأوا في التقهقر أمام تكالب الصليبيين خاصة بعد أن بدأ الضعف يدب في أوصال الدولة، ومع هذا التقهقر بدأت الإبادة الجماعية للمسلمين وذلك في الحرب الكبيرة أو في حرب الدفاع عن فيينا من سنة ١٦٨٣ -١٦٩٩ م ففي هذه الحرب خسر العثمانيون الأراضي في هنغاريا (المجر) وبلافونيا وليكا ودالماتسا وبوكا كوترسكا. جميع المسلمين في هذه المناطق والذين لم يتمكنوا من الانسحاب إلى البوسنة والهرسك ومناطق أخرى حولوا إلى الكاثوليكية فعلى سبيل المثال عاش في منطقة ليكا حوالي سنة ١٦٨٠ م سبعة آلاف عائلة مسلمة (أكثر من ٣٠٠٠٠٠ فرد) وخلال الحرب اختفوا كلهم إما عن طريق التنصير الإجباري وإما عن طريق اللجوء إلى البوسنة وتدل على إقامتهم اليوم بعض أسماء الأماكن وبعض الألقاب فقط. وقد عمل النمساويون على استثارة النصارى الصرب الذين كانوا خير عون لهم، ونجح النمساويون في احتلال بلغراد عام ١٧١٨ م وسرعان ما حولوا أول مسجد بنى في بلغراد عام ١٥٢١ م إلى كاتدرائية ولكن تمت استعادة بلغراد عام ١٧٣٨م وأعيد المسجد إلى سابق عهده. ونظراً لاستمرار التمرد الصربي في ولاية بلغراد فإن المسلمين الذين يعيشون في القرى أحسوا بانعدام الأمن فكان المسلمون مضطرين إلى التركيز في المدن التي توجد فيها حاميات عثمانية وكان من أهداف التمرد الصربي طرد المسلمين من صربيا، وحدثت أولى حالات التصفية في الأعوام ١٧١١ - ١٧١٢ م في الجبل الأسود. وازدادت حدة خلال التمرد الصربي الأول عام ١٨٠٧م والثاني ١٨٣٠م حيث تم الاتفاق على أن يهاجر المسلمون من صربيا (ولاية بلغراد) خلال سنة من إصداره وتم تمديده إلى خمس سنوات ولكن مع ذلك بقي عدة آلاف من المسلمين. وبعد ١٨٣٠م أصبح الوجود العثماني في صربيا رمزياً ونتيجة لحرب القرم ١٨٧٦ -١٨٧٨ حصلت الإمارتان ذواتا الحكم الذاتي صربياً والجبل الأسود على استقلالهما عن الدولة العثمانية مع ضم بعض المناطق إليهما بموجب قرارات مؤتمر برلين، وأيضاً حصل انقلاب آخر في أحوال المسلمين حيث قرر المؤتمر أيضاً أن يعهد إلى النمسا بإدارة البوسنة والهرسك مع الاحتفاظ بسيادة صورية للدولة العثمانية، ولم يقبل المسلمون وبدأت الحرب بينهم وبين الجيش النمساوي الذي تمكن من دخول سيراجيفو في ١٩/٨/١٨٧٨م وعلى أثرها بدأت موجة هجرة واسعة نتيجة سياسة الإفقار والتضييق الذي تمارسه قوات الاحتلال، وكانت السلطات مرتاحة في البداية لهذه الهجرة حتى تتمكن من استعمار المنطقة وكان أغلب المهاجرين من الفلاحين ولكن الضغوط خفت لأن الإدارة انتبهت إلى أن الهجرة الجماعية للمسلمين ستؤدي إلى اختلال التوازن القومي والديني في البوسنة والهرسك لصالح العنصر الصربي مما يعقد موقف النمسا في البلقان، وخلال أربعين سنة من الاحتلال (١٨٧٨-١٩١٨) بلغ المهاجرون بين ٣٠٠ و ٧٠٠ ألف. وأخيراً ففي حرب البلقان (١٩١٢-١٩١٣م) التي أشعلها الصرب تحت شعار (أن الدولة الواحدة تجمع بين الصربيين وإلا ستصبح البلقان مقبرة كبيرة) تم تقسيم إقليم سنجق بين صربيا والجبل الأسود وضم إقليم كوسوفو ذي الغالبية الألبانية للصرب. الأحداث الحالية: تمكن الصرب عن طريق الحزب الشيوعي من التغلغل في جميع مجالات الحكم، فأصبحوا يمثلون أكثر من ٨٠% من الضباط وأكثر من ٨٠% من السلك الدبلوماسي وممثلي الشركات اليوغسلافية في الخارج وغالب مدراء الشركات ورؤساء الجامعات وعمداء الكليات والمدرسين في جميع المراحل التعليمية. والطالب الصربي يجد منحة دراسية وسكناً أينما ذهب ويجد عملاً بسهولة عند تخرجه بخلاف الطلاب المسلمين وغيرهم. وتصور أحداث كوسوفو في عام ١٩٨١م وما بعدها مدى طغيان الصرب فقد كان الألبان يمثلون حوالي ٩٥% من السكان وهم محرومون من كل حقوقهم فنظموا مظاهرات وإضرابات قامت السلطات الصربية بمواجهتها بعنف وحكم على ٦٠٠٠ شخص بالأشغال الشاقة لمدد تصل إلى عشرين عاماً، وفصل أكثر من ٨٠ ألف عامل من وظائفهم، وبدأ استبدال المدرسين والأطباء والممرضات الألبان بصرب، حتى أن النساء الألبانيات بدأن يلدن في البيوت خشية من قتل أولادهن أو تعقيمهن من قبل الأطباء الصرب وأصبح أكثر من ثلث السكان بدون عمل، كما ألغيت جميع امتيازات ولاية كوسوفو، ولم يعترف ببرلمانها الرسمي رغم موجة الديمقراطية الحديثة التي لم يستفد منها الألبان شيئاً ولذلك أعلن الألبان أخيراً جمهوريتهم المستقلة عن صربيا من جانب واحد. بعد سقوط الشيوعية العالمية تراخت قبضة الشيوعية الصربية وسمحت السلطات بنظام تعدد الأحزاب للتنافس على السلطة، فقامت أحزاب سياسية كثيرة على مستوى يوغسلافيا، وأسرعت كل قومية إلى تأسيس أحزابها لتحقيق مطالبها السياسية. أسس المسلمون حزباً سياسياً سمي بحركة الجبهة الديمقراطية برئاسة الأستاذ علي عزت وعلى الرغم من أن برنامجه ليس إسلامياً للظروف المحيطة فإنه يعتبر حزب المسلمين. ولما أجريت الانتخابات فاز الحزب الصربي الاشتراكي القومي بأكثر من ٨٠% من الأصوات في صربيا، وفاز الحزب الكرواتي القومي في كرواتيا، والحزب السلوفيني القومي في سلوفينيا، والحزب المقدوني بالأغلبية في مقدونيا، وكذلك الجبل الأسود حيث فاز الحزب الصربي القومي. أما جمهورية البوسنة والهرسك فجاءت النتائج فيها كما يلي: * حصل حزب المسلمين على ٣٨%. * حصل الحزب الصربي القومي على ٣٣%. * وحصل الحزب الكرواتي القومي على ١٨ %. فتحالفت الأحزاب الثلاثة لتشكيل الحكومة ولإسقاط الحكومة الشيوعية في الجمهورية، واختير على عزت رئيساً وتم توزيع بقية المناصب على حسب نسبة الأصوات. وتكونت حكومات قومية جديدة وكانت الحكومات في كرواتيا وسلوفينيا تقترح أن تصبح يوغسلافيا مجموع دول مستقلة ويكون الرباط بينهما شكلياً بحيث تبقى باسم دولة يوغسلافيا، ولكن صربيا أصرت على بقاء النظام المركزي القديم للحفاظ على سيطرة الصرب مما جعل كلاً من سلوفينيا وكرواتيا تخطوان خطوات فعلية نحو الاستقلال فكونت وحدات الجيش الشعبي واشتريت الأسلحة من الخارج استعداداً للدفاع أمام هجوم الجيش الاتحادي المسير من قبل الصرب، وأيضاً قام الصرب بتوزيع الأسلحة على الصرب مجاناً بواسطة الجيش الاتحادي في كرواتيا والبوسنة والهرسك. وبدأت الأزمة فعلياً بإعلان سلوفينيا استقلالها، فحاول الجيش تأديبها واندلعت المعارك مع الجيش الشعبي، ثم تم الاتفاق على سحب الجيش الاتحادي مقابل تجميد إجراءات الاستقلال لمدة ثلاثة شهور، كل هذا تحت ضغط الدول الأوربية. وحصل الشيء نفسه مع كرواتيا إلا أن الحرب اتخذت أبعاداً أكبر فقد كانت الحرب أشد عنفاً وقامت الحكومة الصربية بإثارة الأقلية الصربية في كرواتيا، وأعلنوا رفضهم استقلال كرواتيا وسعيهم للاستقلال بمناطقهم وبدأت الحرب بين الجيش الكرواتي من جهة وقوات المتطوعين الصرب يدعمهم الجيش الاتحادي عند الحاجة، وأتم الصرب الاستيلاء على حوالي ثلث كرواتيا والتي هي ضمن نطاق صربيا الكبرى ثم جاءت قوات الأمم المتحدة للفصل بين القوات وما زالت موجودة. وبدأ الصرب الإعداد للمرحلة الثانية من صربيا الكبرى فبدأت القوات الاتحادية المنسحبة من سلوفينيا وكرواتيا تتمركز في البوسنة والهرسك وقامت بسحب المواد الغذائية والأدوية من الأسواق توقعاً للحرب ونظراً لتوقع المسلمين ما سيحصل فقد حاول الناس التسلح، ولكن الحكومة لم توزع السلاح بل كان الناس يقومون ببيع ما يملكون حتى يشتروا الأسلحة، ومقابل ذلك كانت صربيا وكرواتيا تقومان بتوزيع الأسلحة على الصرب والكروات داخل الجمهورية. وما إن أعلن البرلمان في البوسنة الاستقلال عن يوغسلافيا إذا انفصلت سلوفينيا وكرواتيا حتى انسحب الصرب من المجلس وأعلنوا عدم اعترافهم بجمهورية البوسنة والهرسك وبعدها أعلنوا عن استقلال أجزاء من البوسنة يكثر فيها الصرب وانضمام تلك المناطق إلى صربيا الأم. وقبل استعراض الأحداث الجارية في البوسنة والهرسك فإنه ينبغي إلقاء بعض الضوء على الوضع السياسي في جمهورية صربيا. صربيا الكبرى: إذا كانت الشيوعية سقطت في يوغسلافيا فإن الملاحظ أن زعماء الصرب الشيوعيين هم أنفسهم الذين يدغدغون عواطف الصرب القومية وتحولوا بين عشية وضحاها من شيوعيين أمميين إلى قوميين على ما بين هذين المذهبين من تناقض وذلك حتى يستمروا في مراكزهم وقد يكون الأصل فيهم التعصب القومي ولكن الشيوعية كانت سبيلاً للسيطرة على بقية أجزاء البلاد ولما بدأت الجمهوريات في الاستقلال عاد الزعماء إلى لبس ثيابهم الوطنية وكمثال لمن يحكم جمهورية صربيا فهذه لمحة عن حياة وشخصية وسياسة رئيس جمهورية الصرب سلو بودان ميلوسيفيتش. ولد ميلوسيفيتش في بلدة بوناريفاك الصربية القريبة من بلغراد عام ١٩٤١م وكان أبوه أستاذاً وأمه معلمة وكلاهما كان عضواً ناشطاً في الحزب الشيوعي وبعد الحرب انفصل والداه وانتحرا لاحقاً. التحق بكلية الحقوق عام ١٩٦٠ ونمى صداقات كانت له خير معين في ارتقاء سلم السلطة ومثلاً فقد التقى ايفان ستامبوليتش ابن شقيق أحد أقوى شيوعي ... يوغسلافي، وقد أفاد من نجم إيفان الصاعد فكان يتولى تباعاً المناصب التي يخليها إيفان وفي منتصف الثمانينات أصبح ستامبوليتش رئيساً لصربيا فيما تولى ميلوسيفيتش المركز الثاني وهو رئاسة الحزب الشيوعي الصربي وفي النهاية دبر انقلاباً أطاح بصديقه القديم الرئيس الصربي الذي لم يصدق ما حصل. وكان معروفاً بحماسه للشيوعية حتى إنه عمد إلى زيادة صفوف الماركسية في المدارس ولكنه كان يتغير مع الظروف فقد بدأ يظهر الميول القومية ابتداءً من ١٩٨٦م وبعد توليه زمام الأمور في صربيا وطد سلطته في صربيا متجاهلاً حقوق غير الصرب ثم حاول بسط نفوذه على بقية الجمهوريات ولكن الحزب الشيوعي سقط وتم حله وهنا تحول كلياً إلى داعية قومي وفاز في الانتخابات. اتبع ميلوسيفيتش في سبيل تحقيق حلم صربيا الكبرى استراتيجية بسيطة وهي الحملات الإعلامية الدعائية التي ترتكز على الظلم الذي يلحق بالصرب وتهييج العواطف ومنها أنه تم تصوير جثث مجموعة من المسلمين في البوسنة على أنها لصرب قتلهم المسلمون ودعا الناس للدفاع عن إخوانهم وكذلك تركز الحملات الإعلامية على أن صربيا يحاصرها الأعداء من كل مكان وأنهم يتآمرون عليها مثل وكالة المخابرات الأمريكية، وألمانيا والنمسا والفاتيكان وحتى الشيوعية العالمية، وعلى سبيل المثال بث التلفزيون مقطعاً قديماً لمقابلة بين هتلر وعميله الكرواتي أثناء الحرب العالمية الثانية ثم اتبعت اللقطة بلقطة للرئيس الحالي لكرواتيا وهو يصافح المستشار الألماني هلمت كول. ويتبع الحملات الإعلامية بضغط عسكري وسياسي وهو عنيد لا يقبل التنازل وقد قال عنه وزير الخارجية الهولندي بعد مقابلة معه استمرت خمس ساعات لإقناعه بالسماح بإرسال مراقبين غير مسلحين من المجموعة الأوربية إلى كرواتيا: (إننا نشفق على شعوب لها مثل هؤلاء القادة) وتسيطر عليه فكرة تحقيق حلم صربيا الكبرى، ففي بداية الأحداث قال في خطاب له أمام مئة وخمسين من قادة الصرب: (إن واجب صربيا الأول هو الدفاع عن الصرب المشتتين في ... ... جمهوريات يوغسلافيا الأخرى وإن عنى ذلك إعادة رسم خريطة البلاد بالقوة، وأضاف أن لا معارضة سياسية ولا عويل حول التدهور الاقتصادي يستطيعان الصمود أمام الدعوة الصربية إلى السلاح) وما كاد ينهي كلامه حتى دوت القاعة بالتصفيق. وجاء دور البوسنة والهرسك: وما أن استقرت الأحوال في كرواتيا بمرابطة القوات الدولية في المنطقة التي يسيطر عليها الصرب (حوالي ثلث كرواتيا) حتى انتقل ثقل الصراع إلى جمهورية البوسنة والهرسك وما إن أعلن استقلال الجمهورية عن يوغسلافيا حتى بدأت الميليشيات الصربية المدعومة من قبل الجيش الاتحادي بشن غارات على المدن والقرى الإسلامية المتاخمة لصربيا وبينما كان الصرب مدججين بالسلاح كان المسلمون بحاجة ماسة للسلاح وكانت نداءاتهم للحكومة في سيراجيفو بتزويدهم بالسلاح لا تلقى استجابة مناسبة بسبب قلة السلاح ومعرفة الحكومة أنها ستحتاجه للدفاع عن سيراجيفو نفسها عند تعرضها للتهديد وقد تقدم الصرب بسرعة في البداية فاستولوا على مدينتين إسلاميتين في شمال شرق البوسنة. واستمر حصار وقصف المدن سواء التي يشكل المسلمون أكثرية فيها أو التي يتقاسمونها مع الصرب حتى أتموا احتلال حوالي ٦٥% من أراضي الجمهورية، ومن المدن التي استولى عليها الصرب بيلينا وزفورتيك وبراتوناتسك وفيشغراد وروغانتيسا وفوتشا وهذه تمثل مناطق على الحدود الشرقية، وأيضاً فقد حقق الصرب جيوباً مهمة في مناطق فيها أقليات صربية مثل سيراجيفو ومنطقة بوساتسكي برود وكوبريس وموستار، وأقام الصرب جمهورية اسمية في الأراضي التي احتلوها في البوسنة والهرسك واتخذوا من مدينة بانيالوكا عاصمة لهم. وقد استفاد الصرب من الصدمة التي أصابت المسلمين وقاموا بعمليات قتل وترويع يقصد منها تفريغ المنطقة من المسلمين حتى تكون خالصة لهم وعلى الرغم من أن المجازر الرهيبة التي ارتكبوها قد نجحت في تهجير أعداد كبيرة من السكان بلغت حوالي المليون سواء داخل الجمهورية أو في كرواتيا وسلوفينيا فإنهم يواجهون مقاومة متصاعدة، فبينما صرح رئيس الحزب الديمقراطي الصربي في البوسنة والهرسك في بداية الأحداث أن الصرب يستطيعون الاستيلاء على سيراجيفو خلال ساعات فقط إذا أرادوا فإن الواقع يكذبهم حيث صمدت سيراجيفو حتى الآن أكثر من شهرين، وأيضاً تمت استعادة بعض المناطق ومنها موستار كما أحرز عدد من الانتصارات في المناطق الشمالية من الجمهورية وعلى الرغم من عدم ثقة المسلمين بحسن نوايا الكروات فإنهم اضطروا إلى التباحث حول اتحاد كونفيدرالي مع كرواتيا مع أن الكروات أيضاً لهم أطماع في الجمهورية بل ويرفعون علم كرواتيا على أي منطقة يقومون بطرد الصرب منها، فإلى الله المشتكى.. البوسنة والهرسك والنظام العالمي الجديد لقد أكثر دهاقنة النفاق السياسي من ترديد الشعارات البراقة، وبشروا بعالم جديد يسوده العدل ويتم فيه الأخذ على يد الظالم، وأكبر مثال على ذلك ما حصل في الكويت. وإذا تساءلت: ما بال أهل فلسطين يسامون الخسف على يد يهود، تحس من الإجابة أن هذا النظام لا يعمل به بأثر رجعي ولكنه يخضع للتجربة أمام المشاكل المستجدة، وحصلت الحرب بين الصرب والكروات فتدخلت الدول ... الأوربية بحزم وقامت بمد كرواتيا بالسلاح والضغط على صربيا لوقف العدوان وقامت الأمم المتحدة بإرسال حوالي ١٤ ألف جندي لحفظ السلام وكان مركز قيادتهم في سيراجيفو ولكن ما إن انتقل الصراع إلى بلاد المسلمين حتى تحولت الأمم المتحدة إلى حمل وديع لا تستطيع منع الصرب من العدوان، بل لا تفكر في إرسال قوات لحفظ السلام، بل إنه حرصاً على سلامة جنود الأمم المتحدة يأمر بطرس غالي بسحبها من سيراجيفو حتى يسهل على الصرب مهمة قصف المدينة وإبادة أهلها، واصطدم بطرس غالي في سبيل ذلك مع جل الساسة الأوربيين بل ومسئولي الأمم المتحدة الذين استنكروا موقفه لتناقضها مع مواقف أخرى له، فتراجع قليلاً وأذعن بأن تنشر قوات حفظ السلام (١١٠٠ رجل) في سيراجيفو لفتح المطار وإغاثة السكان المحاصرين الذين يتعرضون للمجاعة، ولكنه اشترط لذلك - كما يقول المراقبون - شرطاً تعجيزياً وهو أن تقوم هدنة وتصمد لمدة ٤٨ ساعة على الأقل، وهذا معناه ضوء أخضر للصرب بالاستمرار بالقصف حتى لا تتدخل الأمم المتحدة، ولكن السؤال: ما هو وزن بطرس غالي، بل ما هو وزن هيئة الأمم المتحدة من أحداث العالم؟ إن الإجابة واضحة وهو أن الولايات المتحدة الأمريكية هي الأمم المتحدة، وعندما تريد شيئاً تتخذ من هذه الهيئة غطاءً قانونياً لتنفيذ أغراضها والحفاظ على مصالحها، وعندما لا ترغب في شيء من ذلك فإن الأمم المتحدة تبقى مكاناً للخطب والقرارات غير الملزمة كما صرح بطرس غالي بتقسيم قرارات الأمم المتحدة إلى قرارات ملزمة وأخرى غير ملزمة حسب هوى البعض. وتجد في حالة البوسنة والهرسك أن الدول الأوربية وبضغط من ألمانيا بدأت تنظر بريبة لتصرفات الصرب التي تعيد إلى الأذهان الأحوال في البلقان قبيل الحرب العالمية الأولى حيث إنه لا يساند الصرب الآن إلا حليفتهم القديمة روسيا الاتحادية التي ورثت روسيا القيصرية. وبرزت ألمانيا كقوة أساسية في أوربا وذلك لمواقفها المتميزة من مشكلة يوغسلافيا وفي ذلك إحراج كبير للولايات المتحدة التي يجب أن تدخل الساحة حتى لا تفوتها المكاسب وبالتالي اعترفت الأمم المتحدة بالدول الثلاث ومنها البوسنة والهرسك، وتحركت الأمم المتحدة التي بعثت فيها الحياة من جديد لفرض حظر دولي على صربيا والجبل الأسود، وبدأت الولايات المتحدة بالتلويح بعمل عسكري محدود لإيصال المعونات لسكان سيراجيفو المحاصرين وإذا حصل شيء من ذلك فهو لأسباب منها: ١- قرب العهد من أحداث الخليج والحرج الحاصل من اختلاف ردة الفعل، على الرغم من أن ما يحصل في البوسنة والهرسك من الأعمال الوحشية لا يقارن بما حصل في الكويت. ٢- كون المسلمين في يوغسلافيا يغلب عليهم التفريط والانسلاخ الفعلي وهذه التصرفات الصليبية قد تؤدي إلى تنامي تيار إسلامي يكبر في أوساطهم، أو بلغتهم انتشار الأصولية بين المسلمين في أوربا وهذا ما لا يتحمله الغرب. ٣- إفساح المجال للحكومات في البلاد الإسلامية لتقديم العون للمسلمين وذلك لتخفيف استياء الشعوب مما يجري. ٤ - محاولة تحجيم دور ألمانيا وفرنسا في الميدان الأوربي ولا يغيب عن البال أن ميتران ذهب إلى سيراجيفو وهي تحت الحصار وأرسل المساعدات الإنسانية إلى أهلها. لا تنس أخي المسلم أخي العزيز: إن ما سأذكره لك هو مصداق لقوله تعالى: [إن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً ويَبْسُطُوا إلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ ووَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ] ، وقال تعالى: [لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إلاًّ ولا ذِمَّةً وأُوْلَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ] [التوبة ١٠] . إن ما يجري في بلاد البوسنة والهرسك هي عمليات إبادة يمارسها الصرب ضد البشناق وهم من أصل واحد بل ويتكلمون لغة واحدة ولكن فرّق بينهم الدين. أخي المسلم إننا لا نريد منك فقط أن تذرف الدمع الغزير تعاطفاً مع إخوانك، فهذا لا يكفي، بل يجب أن تتذكر ولا تنسى أن ما جرى لهم اليوم قد جرى لهم مرات ومرات قبل اليوم، وهو أيضاً ما حصل لغيرهم من المسلمين في مخيمات اللاجئين في لبنان على يد الموارنة والرافضة وحصل للمسلمين في الهند على يد الهندوس وفي بورما على يد البوذيين وفي سيلان على يد التاميل وفي وفي.. ولكننا أصبنا بداء الوهن مضافاً إليه ضعف شديد في الذاكرة، وما نريده منك - أخي المسلم - ألا تنسى هذه الأحداث وتعرض عليها كل ابتسامة من كافر وكل مجاملة من ملحد وصدق الله حيث قال: [يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ] [التوبة ٨] . * يروي شهود العيان القلائل الذين نجوا من سكاكين ومناشير العصابات الصربية المسماة بـ شتنيك، يروون صوراً من أفاعيلهم البشعة. قام شتنيك بإحراق المسلمين في مساجدهم وبيوتهم في مناطق جنوب شرق البوسنة وكانوا يمثلون بالقتلى بعد ذبحهم بالسكاكين ويقطعون بها ثدي النساء بعد اغتصابهن ويبقرون بطون الحوامل للتمثيل بالأجنة. * في مدينة قوتشا الإسلامية المشهورة بمساجدها الجميلة التي بنيت في العهد العثماني قام الصرب بالاستيلاء على بعض أحيائها ثم علقوا أعلاماً صربية على مئذنة المسجد الجامع فيها وتسمع عبر مكبراتها أغان صربية تشتم مقدسات المسلمين وتحرض على إبادتهم. * في مدينة بيلبينا على الحدود مع صربيا حدث ما يلي: بعد آخر صلاة تراويح في رمضان ١٤١٢ هـ وعند خروج المصلين من المسجد أخذت القوات الصربية اثنين منهم وذبحتهما على باب المسجد وبدأت بإطلاق النار على الآخرين وعندئذ هرع المصلون راجعين إلى المسجد ثم ألقى الصرب القنابل في داخله ليقتلوا ما يزيد على مئة مصل ثم دخلوا المسجد وسلبوا المسلمين، وقضوا الحاجة على جثثهم، والأدهى أن تلفزيون بلغراد بث هذا المشهد المروع في نشرته الرئيسية بعد أن عرض القتلى في الكنيسة بدلاً من المسجد المهدم وعلق على الصورة بأن المسلمين المسلحين المدعومين من الخارج هكذا يعاملون أفراد الشعب الصربي في البوسنة والهرسك وهذا هو مصير ما يزيد على مليون صربي فيها ولحماية الشعب الصربي في البوسنة من المسلمين المتطرفين نناشد جميع شباب صربيا سرعة الالتحاق بمراكز المتطوعين لإنقاذ الصرب الأبرياء. * والآن إليك محضر تحقيق أجري مع أحد المجرمين الصرب ونشر في أحد صحف سيراجيفو وذلك بعد القبض عليه، ففي الرابع عشر من أيار في حي سوكبونار في سيراجيفو ألقى أفراد الشرطة البوسنية القبض على الإرهابي الصربي جيلكو كوفاشيفيتش، وفي الحال اعترف بالآتي مع حذف المعلومات غير الضرورية: - نشأت في عائلة من الطبقة العاملة، والدي ووالدتي افترقا عام ١٩٧٥م، أسكن أنا ووالدي في نفس المنزل. - أخي ميلنيكو ولد عام ١٩٦٧م يعمل كسائق شاحنة، حالياً ينتظم في صفوف الميليشيات الصربية. - في الرابع من أبريل استلمت دعوة للانتظام في احتياط القاطع العسكري لمنطقة سوكولاتس، أخذت مكاني مع ثلاثين عنصراً في فصيل عسكري بقيادة ضابط احتياط. - في معسكر هان بيساك كنا حوالي ٤٠٠ جندي بقيادة سبعة ضباط احتياط من صربيا. - تلقينا تدريباً عسكرياً يشمل تمرينات جسمانية، التدريب بالرصاص الحي على أسلحة القنص، الرشاشات الأوتوماتيكية، المدافع وأسلحة أخرى. - بعد التدريب أمرنا بالذهاب للدفاع عن سيراجيفو ولإنقاذ الشعب الصربي المعرض للقتل والتنكيل من جانب منظمة الكوفيات الخضر (الإسلامية) . ... - قائد الكتيبة الذي حضر من صربيا وقادة المعسكر الآخرون كانوا غالباً يحدثوننا خلال دروس التوجيه السياسي كيف ينكل المسلمون والكروات بالصرب ويطردونهم من بيوتهم ويقودونهم إلى جهات مجهولة. - حوالي الساعة العاشرة من الثاني والعشرين من أبريل تحركنا بالشاحنات والباصات العسكرية نحو سيراجيفو، وصلنا معسكر لوكافيتا بالقرب من سيراجيفو. قبل مساء ذلك اليوم انطلقنا من المعسكر إلى حي جربافيتا في سراجيفوا تلك الليلة، لم ندخل الحي لأسباب أمنية بل قضينا الليل في الحافلات. - في صباح اليوم التالي وتحت حراسة عسكرية مشددة دخلنا جربافيتا. قضينا الليلة الأولى في الهواء الطلق، ثم وجدنا بعض المنازل المهجورة فوقع اختيارنا على منزل لأحد المسلمين واسمه يوسف في شارع زغرب. - بانتظام كنا نحصل على التموين في ذلك المنزل من معسكر لوكافيتا التابع للجيش الاتحادي. خلال النهار نستريح وخلال الليل نذهب إلى المواقع، كنا نمشط ونفتش المنازل بحثاً عن السلاح. نعم لقد نهبنا مواد مختلفة، لقد أخذت من بعض المنازل أجهزة كهربائية، ساعة يدوية وأشياء أخرى. - قائدنا رايكو تسفييكش كان قد قال لنا أن ننهب أي شيء تقع عليه أيدينا وبشكل خاص أن نحضر له جهاز فاكس من نوع (باناسونيك) . كنا نسرق السيارات ونحملها بالمواد المنهوبة وننقلها إلى سوكولاتس. - قبل سبعة أيام وبينما نحن سوية، فإذا بشاب يسير نحونا، أوقفناه فسأله ماركوفيتش عن الهوية الشخصية، أعطاه الشاب هويته فوراً، وعندما عرف ماركوفيتش اسم الشاب قال: انظر ابن ( ... ) نحن نبحث عن هؤلاء لنذبحهم. بدأنا جميعاً بضربه بأيدينا وأرجلنا فسقط على الأرض فواصلنا ركله بأرجلنا دون الالتفات إلى توسلاته، لكننا مع ذلك ضربناه أكثر وأكثر. عند ذلك بدأ الدم يسيل من رأسه ووجهه فأجبرناه أن يقف على رجليه. - ماركوفيتش طلب مني السكين فأعطيته، عند ذلك قال: الآن سأذبح ابن ( ... ) ، الغلام كان يتوسل لنا أن لا نفعل.. لكنه صاح بعد ذلك قائلاً: افعلوا ما بدا لكم.. أنا لا أخاف الموت.. سوف تنالون جزاءكم يوماً ما. - ماركوفيتش قال لنا عند ذلك بحدة: إن القائد تسفييتش أمر بذبح المسلم بالسكين لأنه خسارة أن نطلق عليه رصاصاً غالي الثمن. - في تلك اللحظة وقف خلف الغلام بإحدى يديه شد لحيته وباليد الأخرى أمسك بالسكين.. ذبح الغلام! ! انتظرنا مدة خمس دقائق لنتأكد من موت الغلام. كان يلفظ أنفاسه وماركوفيتش يقول:.. تعذب.. تعذب سوف نذبحكم كلكم بهذه الطريقة. - قبل أربعة أيام تحركنا نحن الأربعة باتجاه قراتشي، هناك رأيت رجلاً يجلس أمام بيته في أحد الأزقة، ذهبت إليه وسألته عن هويته الشخصية، قال لي إنه لا يملك هوية وإن اسمه رادي، لم أصدقه لأنه كان شبيهاً بالمسلمين وجهاً وتعبيراً. سألته لماذا لا يذهب إلى الجيش إذا كان صربياً كما يقول، فقال: إن الحرب لا تهمه وإنه لا يريد أن ينحاز لأي جهة، أغضبني جوابه كثيراً، فأمسكت بلحيته من الخلف وبيدي الأخرى أخرجت سكيني من الجعبة فذبحته، سال دمه بكثافة، انتظرت قليلاً وبعدها رجعت إلى رفاقي. وأضاف لقد قتلنا أو ذبحنا ما مجموعه ثلاثة عشر مسلماً وأضرمنا النار في خمسة بيوت تابعة للمسلمين [١] .

стр. 1188

الجهاد الأفغاني ومرحلة البناء كم نتمنى أن ينتقل الجهاد الأفغاني بعد محنته الأخيرة مع مجددي وكيلاني والتحالفات المشبوهة التي أرادت أن تسرق ثمرة الجهاد أو التي تخصصت في استغلال جهود الآخرين لمصلحتها أن ينتقل إلى مرحلة البناء، ويا لها من مهمة صعبة، تتطلب جهوداً مخلصة دؤوبة، جهوداً فيها صبر وحكمة واتخاذ القرار الصائب، فبعد التخريب الشيوعي وجهل المسلمين بشكل عام وكثرة تفرقهم في مثل هذه الأجواء قد يكون البدء من الصفر. إن أعداء الإسلام من أبناء جلدتنا خاصة يراهنون على أن المسلمين إذا حكموا فلن يستطيعوا الاستمرار وإدارة البلاد، ويقولون فلندعهم يحكموا حتى يظهر فشلهم. وهذه مقولة ماكرة مضللة ولكنها في الوقت نفسه تضع المسلم في موقع التحدي، وخاصة في الظروف الدولية السائدة. والتحديات كثيرة جداً ومن أصعبها توحيد الصف الإسلامي الذي جاهد طوال السنوات السابقة، وتوجيه الشعب الأفغاني، الذي إن لم يتدارك الأمر فستمزقه الصراعات القبلية والعرقية وإننا من موقع الأخوة والنصح والمشاركة في الرأي نبدي بعض الملاحظات حول المرحلة الحالية. ١- نتمنى أن يستمر التعاون والتنسيق بين فصائل الجهاد الحقيقي والذي كان قوياً في الأيام الأخيرة لمواجهة المؤامرة، بل لا بد من جمع فصائل أهل السنة ونبذ أي نوع من التفرق (وهو داء عميق) ، ولا بد من تضميد جراح الشعب الأفغاني والمسارعة في بدء التوطين والإعمار حتى يلتف هذا الشعب حول حكومته. ويجب ألا يخطر ببال جبهة واحدة الانفراد بالأمور، ولا بد من إبعاد المنافقين وأصحاب الأهواء وعدم تمكينهم من المراكز المهمة، فإنهم يفسدون أكثر مما يصلحون. ٢- إن أهم ما يبدأ من جوانب الإصلاح والبناء هو التعليم وإعداد المناهج المناسبة للأطفال والشباب، فهؤلاء الأجيال إذا أعدوا ديناً وخلقاً وعلماً وعملاً هم حماة الدولة واستمراريتها، ولا ننسى مقولة الشاعر الهندي المسلم: (يا لغباء فرعون كان بإمكانه أن يفتح المدارس ويخرب عقول شباب بني إسرائيل عوضاً أن يذبحهم) ، فالتعليم هو الذي يصلح أو يفسد. ولا بد من الحرص على تعلم الشباب شتى الاختصاصات التي تؤهله للمشاركة في الاستقلال الاقتصادي والسياسي عن الدول الكافرة، وعند المسلمين كفاءات تربوية لإعداد المناهج المناسبة فيجب أن يستفاد منها. ٣- الاستفادة من التجارب الفاشلة للدول العربية ودول العالم الإسلامي بشكل عام عندما رفعوا شعارات التصنيع وأهملوا موضوع الزراعة فلا هم أتقنوا الصناعة، ... ولا هم تركوا الناس يزرعون وأصبحوا يستجدون القمح من أمريكا، وذلك لأن الشيء الطبيعي أن تبدأ الدول الصغيرة خاصة بالزراعة والصناعة تأتي في مرحلة تالية. ٤ - إن الذي يثبت أركان الدولة هو إقامة العدل ولا شك أن تطبيق الإسلام فيه العدل الشامل، والشعب الذي يعامل بالعدل وتصان حريته وكرامته سيلتف حول دولته ويكون معها في السراء والضراء، والشعب الذليل لا يقيم دنيا ولا دينا، وإن كل المقولات التي تبرر الضغط على الناس وممارسة الاستبداد غير مقبولة. ٥- لا يقولن أحد من ضعفاء النفوس إننا لا نستطيع في هذه الظروف إلا أن ننحاز إلى إحدى الدول الغربية القوية. نعم يجب أن نتعامل مع الواقع حولنا، ولكن استقلال القرار السياسي والإداري ليس صعباً وبشيء من الهدوء وضبط النفس ومعرفة ظروف المرحلة وتقوية العلاقات مع الدول الصديقة، مع تماسك الجبهة الداخلية تستطيع الدول أن تكون مستقلة القرار. وهناك أمثلة من القريب والبعيد، فالسلطان عبد الحميد استطاع لمدة ثلاثين سنة أن يجنب الدولة ضربات الغرب المتربصين وذلك لمعرفته بالظروف الدولية واستغلالها لصالحه. هذه ملاحظات سريعة مشفقة، وأمر البناء أكبر من هذا وخاصة في مجال بناء النفوس.

стр. 1189

أوضاع المسلمين في أسكتلندا عمران العمراني تقع أسكتلندا في الجزء الشمالي من بريطانيا، ويبلغ عدد سكانها خمسة ملايين ... نسمة، وتعتبر مدينة (أدنبرة) عاصمة لها بينما تعد مدينة (جلاسجو) المدينة ... الصناعية والتجارية ومن أهم مدنها دندي وأبردين وغيرها. يمثل المهاجرون الباكستانيون والهنود والبنغال معظم سكانها المسلمين بل إنهم أساس وجود المسلمين.. وهذه الهجرة كانت بعد الحرب العالمية الثانية وخلال استعمار بريطانيا للهند أوائل هذا القرن وسببها طلب العيش والبحث عن فرص أفضل للعمل. أدنبرة: هي العاصمة ويبلغ عدد المسلمين فيها حوالي خمسة عشر ألفاً، وبها ثلاثة مساجد لأهل السنة، وبها أيضاً للشيعة وجود، ويبنى الآن مسجد جامع كبير ولا يزال قيد الإنشاء. جلاسجو: عدد سكانها مليون نسمة منهم عشرون إلى خمسة وعشرين ألفاً من المسلمين يعمل معظمهم بالتجارة، ويملك كثير منهم عقارات ومحلات بيع الجملة بل إن أكبر محلات الجملة في جلاسجو ملك لرجل باكستاني. وهم بهذه المثابة غير مرغوب فيهم من قبل سكان البلاد الأصليين لأنهم في نظرهم قد حصلوا على أحسن الوظائف وتسببوا في الغلاء والتضخم، ولذلك ينادي كثير من الشخصيات الإسكتلندية بتحديد الهجرة والتشدد في إجراءات الإقامة ومنح اللجوء وغيرها من القوانين. المساجد والمراكز الإسلامية: لأهل السنة خمسة مساجد رئيسية موزعة على النحو التالي: - جماعة التبليغ مسجدان. - الجماعة الإسلامية في باكستان ويمثلها الحركة الإسلامية في بريطانيا مسجد. - جمعية اتحاد المسلمين مستقلة مكونة من بعض التجار وتشرف على المسجد المركزي. - جماعة دعوة الإسلام وهم من البنغال. وهناك مسجدان تابعان لكل من جامعة جلاسجو وجامعة ستراتكلايد. إلى جانب مساجد أهل السنة يوجد مسجد للقاديانيين وآخر للبريليويين واثنان للشيعة. وللأزهر مندوب يقوم بإلقاء خطبة باللغة العربية والإنجليزية يوم الجمعة في المسجد المركزي وله علاقة طيبة بالباكستانيين. ولجمعية الطلاب المسلمين في بريطانيا فرع تحت اسم (دار المسلمين) تقام فيه حلقة أسبوعية يوم السبت ويقومون ببعض الرحلات خلال أيام الأعياد، ويقيمون أياماً ثقافية في مقر الدار. وأيضاً هناك جمعية (الرسالة) وتقيم حلقة أسبوعية يوم الأحد وتقوم بتنظيم أيام ثقافية بالتعاون مع المسجد المركزي، وتقوم بالرحلات ونشاطات أخرى. المسلمون الباكستانيون في الجملة ليس لهم تأثير على أبناء جلدتهم بل إن نظرتهم للإسلام تكاد تنحصر في صلاة الجمعة واللحم الحلال وعدم أكل لحم الخنزير، أما شرب الخمور وتضييع الصلوات فلا يعدونه منكراً أو كبيرة، وقد سألت أحد أصحاب المحلات التجارية هل يوجد مصلّى؟ - لأنهم يعملون من الثامنة صباحاً حتى التاسعة مساء بدون توقف - فأجاب: لا، قلت: وأين تصلون؟ فأجاب: إذا رجعنا للبيت صلينا العشاء والفجر، فقلت: وبقية الصلوات؟ أجاب: لا نصليها. فهم محتاجون إلى توجيه مركَّز ودعوة تعرف واقعهم وتعالجه بما يناسبه ولا شك أن ذلك يحتاج إلى وقت وجهد ومال والله المستعان. دندي: يبلغ عدد المسلمين بها حوالي ألف وخمسمائة منهم مائة من العرب معظمهم من الطلاب، ومعظم المسلمين هنود سكنوا ملاوي الأفريقية وهاجروا، وهم أقرب إلى الإسلام من سكان جلاسجو وإدنبره. يوجد بدندي مسجدان لأهل السنة، واحد للتبليغ والآخر تابع لجامعة دندي، وللشيعة مسجد وكذلك للبريليوية. أول من استوطنها أحد التجار الهنود ثم تبعه أقاربه الذين يبلغ عددهم الآن حوالي خمسمائة فرد. توصيات: المسلمون في اسكتلندا يفتقدون التوجيه والمؤسسات التي تشرح لهم الإسلام بطريقة تلائم واقعهم وتفهم حاجاتهم، ومحتاجون إلى دعم وتكوين بل وإيجاد فرص عمل تستوعب الطاقات وهذا يحتاج إلى مال ورجال وبالإمكان الاستعانة بالطلاب الباكستانيين الطيبين الذين يوجد عدد كبير منهم، وكملخص لما يمكن أن يوصى به أقول: ١- مؤسسات دعوية يكون نشاطها موجه للجالية الباكستانية. ٢- الاستفادة من طاقات الشباب الباكستاني. ٣- التعاون مع الجماعة الإسلامية في باكستان. ٤-التفكير في فرص عمل ولو محدودة. ٥-تكثيف توزيع النشرات بالأوردو.

стр. 1190

آخر أخبار المعارك في الفلبين تدور حالياً معارك ضارية في مديرية ملانج بمحافظة كوتباتو الشمالية. بدأت هذه المعارك في الساعة السادسة والثلث تقريباً صباح يوم الثلاثاء الثامن من ذي الحجة ١٤١٢هـ، حيث هاجمت المليشيا النصرانية الحكومية قرية ليجاواسان الإسلامية بجوار المستنقعات الواسعة. وكان مركز هؤلاء النصارى المعتدين هو قرية أنتباني النصرانية التي أقاموها بعد اغتصاب أراضي المسلمين في المنطقة، وقد فاجئوا الأهالي المسلمين الآمنين بالهجوم المبكر الذي دبر أثناء صلاة الصبح. فقد هاجموا المسلمين بعد خروجهم من المسجد وقتلوا سبعة من هؤلاء المسلمين من بينهم شابان مثلوا بهما حيث قطعوا رأسيهما ومزقوا جثتيهما لأنهما متهمان بالانتماء إلى جبهة تحرير مورو الإسلامية وقتلوا الباقين. وفي نفس الوقت قام مجاهدو جبهة تحرير مورو الإسلامية في معسكر عثمان بن عفان بالهجوم المضاد بعد أن وصل إليهم خبر الاعتداء على المسلمين الآمنين وألحقوا بالمليشيا النصرانية خسائر كبيرة ويقدر عدد قتلاهم بأكثر من عشرة قتلى، وتصاعدت المعارك يوم العيد المبارك (الخميس العاشر من ذي الحجة ١٤١٢هـ) ولم يتمكن المجاهدون في المنطقة من أداء صلاة العيد لانشغالهم بالقتال من الصباح الباكر إلى آخر النهار. واستمرت المعارك إلى يوم الجمعة ١١ ذو الحجة ١٤١٢ هـ. جبهة تحرير مورو الإسلامية

стр. 1191

من مكتبة البيان إعداد: عبد العزيز الحويطان - صدر حديثاً كتاب بعنوان (ضوابط للدراسات الفقهية) للشيخ الداعية سلمان بن فهد العودة، يأتي الكتاب في ١٣٠ صفحة من الحجم المتوسط، وهو محاولة ناجحة لرسم خطة عملية متكاملة للدراسات الفقهية المعاصرة، تحدث المؤلف فيه عن أهمية الفقه وضرورته، والملاحظات على الدراسات الفقهية قديمها وحديثها، ثم تحدث عن الضوابط التي يجب أن يتحلى بها الباحث في هذا المجال، ثم ذيله ببعض المراجع التي يحتاج إليها الباحث المتخصص. أتى الكتاب قيماً متميزاً في عرضه وفكرته، والكتاب من توزيع دار الوطن للنشر. - (شرح العمدة في الفقه) لشيخ الإسلام ابن تيمية: خرج الجزء الأول (كتاب الطهارة) من كتاب شرح العمدة في الفقه لشيخ الإسلام ابن تيمية، بتحقيق الدكتور سعود بن صالح العطيشان وذلك في مجلد حافل وضخم، والكتاب يكتسب أهمية من مؤلفه ابن تيمية ﵀ الذي تميز بسعة اطلاعه ومعرفته بالخلاف وقوة ترجيحه. الكتاب لم يتمه شيخ الإسلام بل وصل إلى كتاب الحج، وهذا القسم - قسم الطهارة - قدمه المحقق لنيل شهادة (الماجستير) من الجامعة الإسلامية وأخذ عليه درجة امتياز والكتاب من توزيع مكتبة العبيكان. - (مباحث في عقيدة أهل السنة والجماعة وموقف الحركات الإسلامية المعاصرة منها) : هذا الكتاب للدكتور ناصر بن عبد الكريم العقل، الأستاذ المشارك بقسم العقيدة - كلية أصول الدين بالرياض - كتاب قيم ونفيس، تكلم عن قضية كبرى مهمة في هذا الدين ألا وهي قضية العقيدة، عرف المؤلف من خلاله العقيدة ومعنى أهل السنة والجماعة، ثم ذكر تاريخ العقيدة وأصولها ومصادرها وخصائصها، ثم ذكر فصلاً مجملاً عن اعتقاد أهل السنة والجماعة، وأخيراً تحدث عن بعض النتائج والخواطر عن هذا الموضوع، وعلاقته بالحركات ... الإسلامية المعاصرة وموقفها منه. ... أتى الكتاب في (٨٠) صفحة تقريباً، من توزيع دار الوطن للنشر.. ... - صدرت أخيراً مجموعة من الكتب للشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد، مثل (الرقابة على التراث) و (الجد الحثيث في بيان ما ليس بحديث) و (تحريف النصوص من مأخذ أهل الأهواء في الاستدلال) و (الرد على المخالف) و (معرفة النسخ والصحائف الحديثة) و (التحديث بما لا يصح فيه حديث) . ... وهي كتب جديرة بالقراءة والاطلاع، بذل فيها المؤلف جهداً طيباً من ناحية الاستقصاء والبحث.

стр. 1192

منتدى القراء الكلمة الهادفة الهادئة أبو إبراهيم كثيراً ما نرى في المساجد بعض الشباب الممتلئ حماساً وحيوية والذي يلمس من نفسه شعوراً بالقدرة على صعود أعواد المنابر ومواجهة الناس للتكلم إليهم سواء في خطبة جمعة أو كلمة تلقى على المصلين. وتظهر مع بعض هؤلاء الشباب نبرة الصوت العالية التي هي - إن شاء الله - خرجت من قلب مشفق محب للخير، ولكن قد يصاحب هذه النبرة بعض الكلمات الموجهة إلى شريحة معينة من المجتمع - كالعصاة الظاهرة معاصيهم - بعض الكلمات الجارحة مما يؤدي إلى نفور هذه الشريحة من المتحدث وعدم الأخذ بكلامه جملة وتفصيلاً وذلك لمصادمته لهم مباشرة وبأسلوب فيه غلظة في القول. لا ندري لماذا لا يلجأ هؤلاء الشباب ومن على شاكلتهم إلى تلافي مثل هذه المآخذ في كلماتهم وخطبهم، واللجوء إلى الكلمة الهادفة الهادئة. التي ترتكز على عدم رفع الصوت أكثر مما ينبغي، وعلى محاولة كسب قلوب الناس وملاطفتهم بالنصيحة، وذكر ما يناسبهم من الحديث، وعدم مصادمة مشاعرهم، وإطلاق الكلمات الجارحة، والأخذ بمنهج الرسول ﷺ الذي وصفه ربه بقوله: [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ولَوْ كُنتَ فَظاً غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ] . ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...

стр. 1193

هل نسينا مسألة الوحدة عبد العزيز العنزي يعتبر أي مشروع نهضوي إسلامي لا يضع في مقدمة أهدافه تحقيق الوحدة بين المسلمين مشروعاً فاشلاً، وليس سبب هذا الفشل فقط إغفاله للنصوص الشرعية المتواترة القاضية بالحث على الوحدة وذم التفرق بين المسلمين؛ بل لأجل إغفاله ضرورة عملية من ضرورات العمل الدعوي، ولا أظن أن هذه القضية تخفى على كل ممارس للعمل الدعوي على أرض الواقع. إذا تقرر ما تقدم فإن الناظر والمتأمل في واقع الدعاة يرى عجباً في هذا الجانب فالقضية أصلاً لا تتناول إلا في نطاق ضيق، وإن تنولت فليس على مستوى الهم العام ... لجميع الدعاة، ولم نصل بعد إلى مرحلة جعل هذه القضية من قضايا المسلمين العامة التي لا يجهلها أحد.

стр. 1194

أين أجد لذة العبادة أم قتيبة تكالبت علي الهموم والأحزان، بسبب ما أسمع وأرى عن المآسي التي تمر بها الأمة الإسلامية: حروب طاحنة، مجاعات رهيبة، فيضانات مدمرة، وما يكاد يلتئم جرح حتى تنفجر جروح من بورما إلى كشمير إلى إرتريا إلى يوغسلافيا، ولكنني أتساءل أين دور المسلمين على الساحة العالمية؟ فلما تكالبت علي هذه الأحزان، قمت بزيارة إلى البلد الأمين، لعلي أنسى بعض همومي وعندما وصلت هناك، ورأيت الكعبة انهمرت من عيني الدموع وهالني منظر الجموع المحتشدة، وتذكرت دعاء أبينا إبراهيم: [رَبَّنَا إنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ] . وبعد أداء مناسك العمرة رجعت أدراجي إلى السكن لأستريح قليلاً، ولكنني فوجئت بالنغمات الموسيقية تنطلق من الشقة المجاورة، وبعد قليل دوى صوت الله أكبر الله أكبر فذهبت الحرم لأداء الصلاة. وهناك طلبت إحدى الأخوات تسوية الصفوف، فانبرت أخرى بلسانها البتار، بشتائم مقذعة، وتعالت الصيحات والعويل من الصفوف الخلفية، قلت في نفسي علَّ بعض النساء وصلتهن أخبار محزنة، ولكنني علمت فيما بعد أن إحداهن حجزت مكاناً لأخرى فنازعتها امرأة ثانية على ذلك المكان فقلت: سبحان الله أين نحن من حديث المصطفى -عليه أفضل الصلاة والسلام-: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا) . ومكثت في مصلاي، وشد انتباهي تبرج بعض النساء من إبداء زينتهن، وتذكرت قول رسولنا الكريم ﷺ عن الصنف الذي لم يره، وهن الكاسيات العاريات. فتساءلت أين ذووهن؟ ومن المسؤول عنهن، لماذا لا يؤخذ على يد السفيه حتى لا يعمنا الله بعقاب، وما أفقت من تفكيري حتى لسعتني أشعة الشمس ولسان حالي يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم ثبتنا على الإيمان.

стр. 1195

القراءة الناقدة فيصل الذواد لو تأملت ظروف تطور الفتن، قديمها وحديثها، فسوف تلاحظ أن عامة الناس، بادي الرأي، الذين يجرون وراء كل ناعق، هم وقودها وسبب انتشارها، لذا فإنهم في زمن الأمن قنبلة موقوتة، سهلة الاستعمال، قليلة التكاليف لأعداء هذا الدين، ما لم تحصن عقولهم، وترم آراؤهم، ويقطع دابر الفوضى المستشرية في أفكارهم وعقائدهم. والمطبوعات بأنواعها من كتب، ودوريات وصحف ونشرات مختلفة المشارب، والأهواء، تُضخُّ في عصرنا هذا بكميات هائلة، تجعل من الصعب استيعابها، فما بالك بغربلتها، وإبراز ما فيها من عيب وخلل. والناس يتعاملون مع هذه المطبوعات، على ضروب كثيرة، أبرزها ثلاثة، نخص الأخير منها بهذه المقالة، أما الأول: فهو المتلقي الواعي، الذي يغربل ما يقرأ، ثم يتأنى في قبول أو رد رأي يعرض عليه، فيعرف الغث من السمين، ويراعي قبل ذلك، حال صاحبه أهو ثقة، أم مجهول لا يعرف منبته، وهذا الضرب لا يخاف منه ولا عليه. والثاني: هو الذي لا يقبل أي رأي، ولا يقتني أي مطبوع، إلا باستشارة من يثق، وهذا أمره أهون، والخوف منه وعليه أقل. أما الأخير فهو المستهدف، وإليه توجه السهام، فهو الذي يقبل ما هبَّ ودبَّ، ليس له رأي معين، وليس عنده مسلمات، ولا يعرف الثوابت، فهو طوعُ لكل فصيح، فهذا مصدر الداء وأُس البلاء، وعَوْنُ الأعداء. وكما الطحين بحاجة إلى غربال، يزيل عنه قشوره وشوائبه، فما يُقرأ أيضاً بحاجة إلى عين ناقدة، تستخلص ذهبه من نحاسه، تلك القراءة الواعية المستنيرة بنور الإيمان، وضياء القرآن وعدل الإسلام..
следующие страницы →