من مكتبة البيان
إعداد: عبد العزيز الحويطان
- صدر حديثاً كتاب بعنوان (ضوابط للدراسات الفقهية) للشيخ الداعية سلمان
بن فهد العودة، يأتي الكتاب في ١٣٠ صفحة من الحجم المتوسط، وهو محاولة
ناجحة لرسم خطة عملية متكاملة للدراسات الفقهية المعاصرة، تحدث المؤلف فيه
عن أهمية الفقه وضرورته، والملاحظات على الدراسات الفقهية قديمها وحديثها،
ثم تحدث عن الضوابط التي يجب أن يتحلى بها الباحث في هذا المجال، ثم ذيله
ببعض المراجع التي يحتاج إليها الباحث المتخصص.
أتى الكتاب قيماً متميزاً في عرضه وفكرته، والكتاب من توزيع دار الوطن
للنشر.
- (شرح العمدة في الفقه) لشيخ الإسلام ابن تيمية:
خرج الجزء الأول (كتاب الطهارة) من كتاب شرح العمدة في الفقه لشيخ
الإسلام ابن تيمية، بتحقيق الدكتور سعود بن صالح العطيشان وذلك في مجلد حافل
وضخم، والكتاب يكتسب أهمية من مؤلفه ابن تيمية ﵀ الذي تميز
بسعة اطلاعه ومعرفته بالخلاف وقوة ترجيحه.
الكتاب لم يتمه شيخ الإسلام بل وصل إلى كتاب الحج، وهذا القسم - قسم
الطهارة - قدمه المحقق لنيل شهادة (الماجستير) من الجامعة الإسلامية وأخذ عليه
درجة امتياز والكتاب من توزيع مكتبة العبيكان.
- (مباحث في عقيدة أهل السنة والجماعة وموقف الحركات الإسلامية المعاصرة منها) :
هذا الكتاب للدكتور ناصر بن عبد الكريم العقل، الأستاذ المشارك بقسم
العقيدة - كلية أصول الدين بالرياض - كتاب قيم ونفيس، تكلم عن قضية كبرى مهمة في هذا الدين ألا وهي قضية العقيدة، عرف المؤلف من خلاله العقيدة ومعنى أهل السنة والجماعة، ثم ذكر تاريخ العقيدة وأصولها ومصادرها وخصائصها، ثم ذكر فصلاً مجملاً عن اعتقاد أهل السنة والجماعة، وأخيراً تحدث عن بعض النتائج والخواطر عن هذا الموضوع، وعلاقته بالحركات ...
الإسلامية المعاصرة وموقفها منه. ...
أتى الكتاب في (٨٠) صفحة تقريباً، من توزيع دار الوطن للنشر.. ...
- صدرت أخيراً مجموعة من الكتب للشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد، مثل
(الرقابة على التراث) و (الجد الحثيث في بيان ما ليس بحديث) و (تحريف النصوص من مأخذ أهل الأهواء في الاستدلال) و (الرد على المخالف) و (معرفة
النسخ والصحائف الحديثة) و (التحديث بما لا يصح فيه حديث) . ...
وهي كتب جديرة بالقراءة والاطلاع، بذل فيها المؤلف جهداً طيباً من ناحية
الاستقصاء والبحث.
стр. 1192
منتدى القراء
الكلمة الهادفة الهادئة
أبو إبراهيم
كثيراً ما نرى في المساجد بعض الشباب الممتلئ حماساً وحيوية والذي يلمس
من نفسه شعوراً بالقدرة على صعود أعواد المنابر ومواجهة الناس للتكلم إليهم سواء
في خطبة جمعة أو كلمة تلقى على المصلين.
وتظهر مع بعض هؤلاء الشباب نبرة الصوت العالية التي هي - إن شاء
الله - خرجت من قلب مشفق محب للخير، ولكن قد يصاحب هذه النبرة بعض الكلمات الموجهة إلى شريحة معينة من المجتمع - كالعصاة الظاهرة معاصيهم - بعض الكلمات الجارحة مما يؤدي إلى نفور هذه الشريحة من المتحدث وعدم الأخذ بكلامه جملة وتفصيلاً وذلك لمصادمته لهم مباشرة وبأسلوب فيه غلظة في القول.
لا ندري لماذا لا يلجأ هؤلاء الشباب ومن على شاكلتهم إلى تلافي مثل هذه
المآخذ في كلماتهم وخطبهم، واللجوء إلى الكلمة الهادفة الهادئة. التي ترتكز على
عدم رفع الصوت أكثر مما ينبغي، وعلى محاولة كسب قلوب الناس وملاطفتهم
بالنصيحة، وذكر ما يناسبهم من الحديث، وعدم مصادمة مشاعرهم، وإطلاق
الكلمات الجارحة، والأخذ بمنهج الرسول ﷺ الذي وصفه
ربه بقوله: [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ولَوْ كُنتَ فَظاً غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ
حَوْلِكَ] . ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
стр. 1193
هل نسينا مسألة الوحدة
عبد العزيز العنزي
يعتبر أي مشروع نهضوي إسلامي لا يضع في مقدمة أهدافه تحقيق الوحدة بين
المسلمين مشروعاً فاشلاً، وليس سبب هذا الفشل فقط إغفاله للنصوص الشرعية
المتواترة القاضية بالحث على الوحدة وذم التفرق بين المسلمين؛ بل لأجل إغفاله
ضرورة عملية من ضرورات العمل الدعوي، ولا أظن أن هذه القضية تخفى على كل
ممارس للعمل الدعوي على أرض الواقع.
إذا تقرر ما تقدم فإن الناظر والمتأمل في واقع الدعاة يرى عجباً في هذا الجانب
فالقضية أصلاً لا تتناول إلا في نطاق ضيق، وإن تنولت فليس على مستوى الهم العام ...
لجميع الدعاة، ولم نصل بعد إلى مرحلة جعل هذه القضية من قضايا المسلمين العامة
التي لا يجهلها أحد.
стр. 1194
أين أجد لذة العبادة
أم قتيبة
تكالبت علي الهموم والأحزان، بسبب ما أسمع وأرى عن المآسي التي تمر
بها الأمة الإسلامية: حروب طاحنة، مجاعات رهيبة، فيضانات مدمرة، وما يكاد
يلتئم جرح حتى تنفجر جروح من بورما إلى كشمير إلى إرتريا إلى يوغسلافيا،
ولكنني أتساءل أين دور المسلمين على الساحة العالمية؟
فلما تكالبت علي هذه الأحزان، قمت بزيارة إلى البلد الأمين، لعلي أنسى
بعض همومي وعندما وصلت هناك، ورأيت الكعبة انهمرت من عيني الدموع
وهالني منظر الجموع المحتشدة، وتذكرت دعاء أبينا إبراهيم: [رَبَّنَا إنِّي أَسْكَنتُ
مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ
النَّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ] . وبعد أداء مناسك العمرة رجعت أدراجي إلى السكن لأستريح
قليلاً، ولكنني فوجئت بالنغمات الموسيقية تنطلق من الشقة المجاورة، وبعد قليل
دوى صوت الله أكبر الله أكبر فذهبت الحرم لأداء الصلاة. وهناك طلبت إحدى
الأخوات تسوية الصفوف، فانبرت أخرى بلسانها البتار، بشتائم مقذعة، وتعالت
الصيحات والعويل من الصفوف الخلفية، قلت في نفسي علَّ بعض النساء وصلتهن
أخبار محزنة، ولكنني علمت فيما بعد أن إحداهن حجزت مكاناً لأخرى فنازعتها
امرأة ثانية على ذلك المكان فقلت: سبحان الله أين نحن من حديث المصطفى -عليه
أفضل الصلاة والسلام-: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا) .
ومكثت في مصلاي، وشد انتباهي تبرج بعض النساء من إبداء زينتهن،
وتذكرت قول رسولنا الكريم ﷺ عن الصنف الذي لم يره،
وهن الكاسيات العاريات. فتساءلت أين ذووهن؟ ومن المسؤول عنهن، لماذا لا
يؤخذ على يد السفيه حتى لا يعمنا الله بعقاب، وما أفقت من تفكيري حتى لسعتني
أشعة الشمس ولسان حالي يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم ثبتنا على الإيمان.
стр. 1195
القراءة الناقدة
فيصل الذواد
لو تأملت ظروف تطور الفتن، قديمها وحديثها، فسوف تلاحظ أن عامة
الناس، بادي الرأي، الذين يجرون وراء كل ناعق، هم وقودها وسبب انتشارها،
لذا فإنهم في زمن الأمن قنبلة موقوتة، سهلة الاستعمال، قليلة التكاليف لأعداء هذا
الدين، ما لم تحصن عقولهم، وترم آراؤهم، ويقطع دابر الفوضى المستشرية في
أفكارهم وعقائدهم.
والمطبوعات بأنواعها من كتب، ودوريات وصحف ونشرات مختلفة
المشارب، والأهواء، تُضخُّ في عصرنا هذا بكميات هائلة، تجعل من الصعب
استيعابها، فما بالك بغربلتها، وإبراز ما فيها من عيب وخلل.
والناس يتعاملون مع هذه المطبوعات، على ضروب كثيرة، أبرزها ثلاثة،
نخص الأخير منها بهذه المقالة، أما الأول: فهو المتلقي الواعي، الذي يغربل ما
يقرأ، ثم يتأنى في قبول أو رد رأي يعرض عليه، فيعرف الغث من السمين،
ويراعي قبل ذلك، حال صاحبه أهو ثقة، أم مجهول لا يعرف منبته، وهذا
الضرب لا يخاف منه ولا عليه.
والثاني: هو الذي لا يقبل أي رأي، ولا يقتني أي مطبوع، إلا باستشارة من
يثق، وهذا أمره أهون، والخوف منه وعليه أقل.
أما الأخير فهو المستهدف، وإليه توجه السهام، فهو الذي يقبل ما هبَّ ودبَّ، ليس له رأي معين، وليس عنده مسلمات، ولا يعرف الثوابت، فهو طوعُ لكل
فصيح، فهذا مصدر الداء وأُس البلاء، وعَوْنُ الأعداء.
وكما الطحين بحاجة إلى غربال، يزيل عنه قشوره وشوائبه، فما يُقرأ أيضاً
بحاجة إلى عين ناقدة، تستخلص ذهبه من نحاسه، تلك القراءة الواعية المستنيرة
بنور الإيمان، وضياء القرآن وعدل الإسلام..
стр. 1196
في دائرة الضوء
نعم الإسلام هو البديل
كثيراً ما يتباهى الغربيون أنهم أهل الديمقراطية ودعاة الحرية العامة وحرية
الرأي بخاصة، وأنهم أكدوا ذلك في دساتير بلدانهم، وأنهم مع (حقوق الإنسان)
التي أصدرتها هيئة الأمم المتحدة، ويرون أنها من بدهيات الحقوق التي يجب أن
يتمتع بها الإنسان أياً كان، بل لأنهم يسالمون ويعادون على ضوء تلك الحقوق
الإنسانية. وكثيراً ما يكونون في صف أدعياء الفكر من الكتاب والأدباء الذين ألفوا
كتباً إلحادية بدعوى أن ذلك مما تكفله حرية الرأي للجميع. ولا يغيب عن البال
موقفهم من (سلمان رشدي) حينما ألف كتابه (آيات شيطانية) و (علاء حامد) في
روايته (مسافة في عقل رجل) .
إلا أننا وبمعرفتنا بالعقليات الغربية ومنطلقاتها الصليبية لا نشك في أن
مؤازرتهم لأمثال أولئك الكتاب ذوي الاتجاهات المنحرفة ليس إلا لكونهم طعنوا في
الإسلام عقيدة ومنهاج حياة، وإلا فلماذا أصدروا في (بريطانيا) قراراً بمصادرة
كتاب (صائد الجواسيس) ، وصودرت حرية الرأي حينما أراد أحد الباحثين أن
يدرس وينقض دعوى اليهود الصهاينة بادعائاتهم إحراق (هتلر لليهود) ؟ ! وحينما
تقدم الباحث برسالته العلمية التي تنقص تلك الدعوى التي ما زالوا يمتصون بها
الملايين بدعوى التعويض عن القتلى اليهود من قبل (النازية) رفضت الرسالة. في
الوقت الذي تباشر عمليات الاضطهاد لمن ينقد التوجهات الصهيونية للعدو
الإسرائيلي في أمريكا بدعوى عدم إثارة النزعة اللاسامية.
هذا كله مقدمة لحال السفير الألماني الدكتور (مراد ويلفريد هوفمان) الذي ألف
كتابه الجديد (الإسلام البديل) وتعرض بعده إلى حملة صحفية قادتها الجمعيات
النسائية، بدعوى أن الإسلام أهان المرأة. وتعرض للمساءلة من (الخارجية
الألمانية) ولومه لأنه خرج عن مهام وظيفته. ودعت نائبة في (الحزب الديمقراطي
الاشتراكي) إلى إقالته لأنه تجاوز حقوق المرأة في الدستور الألماني. هذه الحملة
المغرضة ضد السفير مع أن الدستور الألماني يعتبر الدين من الشؤون الشخصية.
والحقيقة خلاف ما قيل عن المؤلف المسلم وكتابه فهذا الألماني المسلم (عبد
الله رودلف بيريت) صديق المؤلف (هوفمان) يقول أن الحملة وجعل عنوانها
(الدفاع عن حقوق المرأة) ليس ذلك إلا مجرد عنوان والحقيقة هي الخوف من الكتاب وما تضمنه من أفكار تقدم (الإسلام كبديل من نمط الحياة الغربية) . فالمؤلف (هوفمان) سبق له أن ألف كتاباً سابقاً بعنوان (مذكرات مسلم ألماني) ولم يثر أي ردود فعل غير عادية، بل إن الكتاب موجود في السفارات الألمانية بالدول الإسلامية. وإن جريدة كبرى مثل (فرنكفورتر الجيامينيه) نشرت لذلك الكتاب عرضاً موضوعياً لكاتب غير مسلم. وما ذلك إلا لأن الكتاب الأول لم يكن فيه أي إثارة، ولما جاء الكتاب الجديد بأفكار تغييرية أثارت حمية القوم، وقامت قائمة الخائفين من عرض الإسلام بوجهه المشرق كبديل عن الأنظمة الأرضية، التي لم تورث إلا الفساد والدمار والانحراف.
ودعونا نستعرض الخطوط العريضة لكتاب (الإسلام البديل) ونحكم القراء
المسلمين بعامة وغيرهم بصفة خاصة. ثم لنتساءل هل لتلك الحملات الظالمة ضد
الكتاب أدنى وجه من الحق أم أنها حملة صليبية ليس إلا؟ ؟ ..
فالعناوين الرئيسية لفصول الكتاب الذي يقع في ٢٢٠ صفحة تتلخص فيما يلي: ...
* الإسلام والغرب و (مفهوم الإيمان في الإسلام) والديانة المسيحية من وجهة
النظر الإسلامية.. الإسلام كدولة ووجهة نظر الإسلام في النظام الاقتصادي،
وحماية البيئة وحقوق الإنسان، والجهاد والحقوق الدولية، وفي الفصل الخاص
بالمرأة والذي آثار الضجة تناول المؤلف المرأة في المجتمع الإسلامي مدعماً رأيه
بالقرآن والحديث، حيث بينّ مكانة المرأة المسلمة ودورها الكبير في المجتمع كأم
ومربية ومحور للحياة والمجتمع، وناقش مسائل الزواج والطلاق وتعدد الزوجات
والميراث والحجاب، وما أكده الإسلام من العدل بين النساء وأحكام الطلاق
كضرورة اجتماعية، وشرح بموضوعية أحكام الإرث وشهادة المرأة، وحذر
المؤلف من أن يسيء الغربيون فهم أحكام الإسلام تلك لأنها لا تتلاءم مع واقعهم
الذي ركز عليه انتقاده، متسائلاً عن معنى إطلاق الحرية للإجهاض وقتل الجنين
في رحم أمه وانتشار الإباحية والتعري المفضوح، وأكد السفير في كتابه وجود
الفروق الطبيعية بين الرجل والمرأة وأن الإباحية ستدمر المجتمعات الغربية.
هذا ما أثار حفيظة هؤلاء وما حرك ضغينتهم بلا مبرر معقول؛ فأين الحرية
التي يدعون وأين الديمقراطية التي يزعمون، لماذا تكون الحرية حينما يكون ذلك
في حرب الإسلام وفي نقد قيمه ومثله، أما حينما تكون في عقائدهم هم ومنطلقاتهم
هم ودساتيرهم هم فإنها تصادر ويدعى إلى استئصالها بل إلى خوض معارك صليبية
ضد من يثير حولها التساؤلات..؟ !
لماذا لا يتاح المجال للفكر الحر النزيه أن يرى النور في مجتمعاتهم التي
يسمونها بمجتمعات النور! ... النور العنصري!
لماذا لا يتركون كل مفكر موضوعي أن يقول رأيه في وضح النهار؟ ! إن ما
قاله المسلم الألماني (عبد الله رودلف) هو الحقيقة وهو أنهم إنما جعلوا المرأة عنواناً
للحملة ولكن المقصود هو الخوف من جعل الإسلام هو البديل لحضارتهم. ...
ويوم يترك للإسلام المجال في النور لا شك سيرى فيه الناس المثل الأعلى
الذي يحل مشاكلهم ويستأصل أمراضهم وانحرافاتهم وهذا ما تنبأ به بعض عقلائهم.
نعم إن حل مشاكل الدنيا يوم يكون للإسلام الحاكمية كاملة، يوم يوقف أدعياء
الحرية محاولاتهم وأد الحرية المسؤولة خوفاً من البديل الذي يهز بيوت العنكبوت
التي يهتمون بها.
стр. 1197
مراجعات في عالم الكتب
الحياة السياسية عند العرب
دراسة مقارنة على ضوء الإسلام
تأليف: محمد حامد الناصر
عرض: عثمان جمعة ضميرية
الدراسات الأدبية التي تنحو منحى المقارنة على ضوء الإسلام قليلة أو نادرة،
وهذا الكتاب، الذي فرغت من قراءته، واحد منها، يرصد مفهوم الجاهلية كما
وردت في الشعر الجاهلي، ذلك الشعر الذي صوَّر لنا حياة العرب قبل الإسلام،
في حروبهم وثوراتهم وعاداتهم وعقائدهم وخرافاتهم.
وهذا الكتاب هو الأول في دراسة مطولة تشمل الحياة السياسية والأخلاقية
والاجتماعية والدينية في العصر الجاهلي، فتكتمل الدراسة في أربعة أجزاء، أولها
عن الحياة السياسية وما فيها من حروب وثارات وصراعات بين القبائل، وفيه
كذلك دراسة موسعة عن العصبية القبلية وتطورها، ثم ظهورها في العصور التالية، على صورة شعوبية حيناً أو وطنية حيناً آخر.
ولئن وجدنا في المكتبة الأدبية والتاريخية المعاصرة كثيراً من الدراسات التي
عنيت بجانب من تلك الجوانب السالفة، فإننا لا نجد فيها هذه الموازنة والمقارنة
بين مفهوم الجاهلية كما تبدت في الشعر الجاهلي الذي يعبّر عنها أصدق تعبير وبين
هدي الإسلام الذي أنقذ هذه الأمة من تلك الرواسب الجاهلية واستنفذ الفضائل التي
كان يتصف بها العرب قبل البعثة، ووجَّهها الوجهة البناءة، وكانت - لولا الإسلام - مضيعة تحت ركام الرذائل!
والميزة الثانية لهذا الكتاب: أنه يرصد آثار الجاهلية كلما ظهرت في جانب
من جوانب حياتنا المعاصرة، ويلحظ أن وجه الشبه قوي بين المظاهر العامة،
والمنطلقات في كل منهما.
وقد اتخذ الكاتب من الشعر الجاهلي مصدراً للبحث في القسم الذي يبحث فيه
عن الجاهلية، فرجع إلى المصادر الموثوقة له، مثل المفضليات والأصمعيات
والمعلقات، ودواوين الشعراء. ورسم الصورة المقابلة من المصادر الإسلامية،
فالقرآن الكريم، وحي الله المنزل على نبيه ﷺ وكتب السيرة
والتاريخ الإسلامي، فيها الغَناء كل الغَناء في هذا الجانب، ولذلك كان التركيز
عليها خلال المقارنة.
ويقع الكتاب في مقدمة وفصلين متتالين يسلم أولهما لثانيهما، ففي المقدمة
دراسة موجزة عن منزلة الشعر ومكانة الشعراء ثم بيان لمعنى الجاهلية.
أما الفصل الأول عن (الحياة السياسية عند العرب قبل البعثة المحمدية) ؛
ففيه خمسة مباحث تصور حياة الرعب قبل الإسلام، وتدرس أسباب الحروب
الجاهلية وأثرها على موضوعات الشعر، وتفرد مكاناً للثأر وآخر للأحلاف -
وكلاهما موجز - ثم تفصل الحديث عن أيام العرب وحروبهم، لتنتهى الدراسة
ببعض النتائج والملاحظات عن المقومات الأساسية في الحياة العربية.
ثم يأتي معظم الكتاب بعد ذلك، وهو الفصل الثاني: (الإسلام والجاهلية) ،
وفيه دراسة موازنة تقع في خمسة مباحث، تدرس التربية العقدية ودورها في
اجتثاث مقومات الجاهلية، والعصبية وموقف الإسلام منها، وفي المبحث الثالث:
وحدة الأمة بعد التفرق والتناحر، ثم سيطرة العادات واتباع الأهواء، وأخيراً يرفع
راية الجهاد في سبيل الله بدلاً من الحروب والثارات الجاهلية الدامية. وفي
تضاعيف كل مبحث من هذه المباحث أفكار ينبغي الوقوف عندها ودراستها. وقد
فعل ذلك، لينتهي البحث إلى التحذير من عودة مظاهر الجاهلية في حياتنا الإسلامية، ويرسم سبل الوقاية من ذلك ويحدد العلاج ووسائل التغيير.
وإلى أن تصدر سائر أجزاء هذه الدراسة الجديدة النافعة - إن شاء الله -
ندعو للكاتب ونسأل الله أن يوفقه للمزيد من البحث النافع الجيد، ليسدّ بذلك ثغرة
في المكتبات الأدبية الإسلامية.
стр. 1198
الصفحة الأخيرة
على قلوب أقفالها ! !
عبد القادر حامد
كثير من العلمانيين من هو متخصص في علم الاجتماع، ومن ليس متخصصاً
به يدعي أنه قد اطلع على بعض قوانينه وشروطه. ولكن هؤلاء العلمانيين
يتجاهلون عمداً - أو لأن الله طبع على قلوبهم - مبادئ هذا العلم ونظرياته عندما
يسعون وراء سراب ما يسمونه (التغيير) في المجتمعات الإسلامية، فيمشون عكس
تيار هذه المجتمعات، وضد قوانين نموها، وينتشون بنسمة تحدِّ هو أشبه بالتحدي
الذي يعتري الصبية عندما يخالفون من حولهم. لكنه يخلو من براءة تحدي الصبية
لأنه ملوث بنزعة الاستظهار بالأجنبي وتسهيل الطريق له.
وشيء آخر يتميز به هؤلاء العلمانيون هو الإصرار على باطلهم بصلف قاتل، واستغلال محطات نجاحهم وفشلهم في سبيل هذا الباطل، ودفعه حتى يصبح شيئاً
معروفاً لا ينكره الأسوياء، بل يدافعون عنه وينكرون على من ينكره!
إن لهؤلاء العلمانيين ظاهر وباطن - وكلا ظاهرهم وباطنهم خبيث - فظاهر
دعوتهم الذي يدعون إليه ويحرقون حوله البخور هو: فصل الدين عن الدولة،
ولكن هل يكتفون بهذا؟ ! إن باطنهم الذي يظهر على شكل اندفاعات كالبراكين
المختَزَنة التي تخرج في المناسبات: حقدٌ على الإسلام: عقائده وأحكامه، وقوفٌ
في وجه رسالة المسجد وتعطيلها، دعوةٌ إلى التفلت من أي قيد إسلامي، ضيق
ذرع بكل رمزٍ يميز ديننا وناسنا - نحن المسلمين - تبرُّمٌ حتى بالمؤسسات
الإسلامية الرسمية التي استُوثِق منها بألف قيد وقيد، وحُمِّلت ألف بلية ورزية.
إن باطن هؤلاء العلمانيين يغلي غلياناً ويقذف بحمم الحقد والاشمئزاز من كل
ما يمت إلى الإسلام بصلة، هل نريد أدلة على ذلك؟ ! لِنلقِ نظرة عجلى على
أعمدة الصحف والمجلات والزوايا المتخصصة بالحديث عن الأصولية والتطرف.
إنها مرايا تنعكس عليها العلمانية في دنيا العرب قبحاً وافتراءً وغطرسة وإرهاباً
فكرياً، وإمعاناً في الاستهانة بالإسلام كدين، وبالإنسان كإنسان..
стр. 1199
صفر - ١٤١٣هـ
أغسطس - ١٩٩٢م
(السنة: ٧)
стр. 1200
الافتتاحية
ما يحتاجه العرب
عبد القادر حامد
مَنَّ الله على العرب بنعم لا تحصى، وتفضل عليهم بما تحسدهم عليه قوى
الأرض جميعاً، وتتزاحم الدول القوية على حيازته والاستئثار به. ومن ذلك:
الموقع الجغرافي، والخيرات الظاهرة والباطنة، والعنصر البشري النشيط،
والتاريخ العريق، على أن أعظم هذه المنن، وأثمن هذه النعم؛ ما أكرمهم بهم بأن
جعل بلادهم مهبط، وجعل أجدادهم حملة الرسالة الإسلامية إلى العالم. لا شك أن
هذه المنة هي واسطة عقد النعم كلها، وإذا كانت كذلك، فإنها تستحق كل جهد
للمحافظة عليها، وإبقائها مشعّة مرفوعة. والله يقول في ذلك: [لَقَدْ
مَنَّ اللَّهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ ويُزَكِّيهِمْ
ويُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ والْحِكْمَةَ وإن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ] [آل عمران ١٦٤] .
لكن هذه الحقيقة البسيطة غطى عليها ما يحجبها، فوقع الناس في الفوضى،
وفقدوا الاتجاه الصحيح، وتركوا للأفكار الوافدة تزيدهم فرقة واضطراباً، وتعيق
حركتهم، وتشغلهم عما هو مهم من إعادة بناء أمتهم، والتحرر مما كبلها، وقيد
خطاها عن العيش بين الأمم كما يليق بها.
لقد استوردنا مفاهيم غريبة، وأردنا تطبيقها في تربتنا، فلم نجن من ورائها
شيئاً نافعاً، بل تركت فينا آثاراً سيئة وزادتنا ضعفاً. ومن ذلك:
العصبية القومية، التي لم تكن مألوفة لنا بالصورة التي جاءتنا من أوربا، فقد
كانت بلادنا مجالاً يختلط فيه الناس على كافة أعراقهم وأجناسهم دون حساسية، ولا
موانع، تظلهم العقيدة الإسلامية واللغة العربية، لغة العلم والثقافة، فتجد العلماء
النوابغ الذين لم يبالوا - حيث ارتضوا الإسلام ديناً ولغة الإسلام رباطاً ثقافياً -
بأصولهم مهما كانت: فارسية، أو كردية، أو رومية، أو غير ذلك. ولكننا قابلنا
حماقة العنصريين من الترك فرددنا عليهم بحماقة توازن فعلهم، وعدو الطرفين -
أوربا - يراقب وينظر، يفرك يديه فرحاً، ويصفق للحماقات المتبادلة.
ولئن كان من دعاة القومية فريق مخلص عنده غيرة إسلامية، وتصدى لدعاة
الطورانية وفَرْضِ التتريك على الشعوب غير التركية؛ وتوخى في ذلك المحافظة
على ما يحاول هؤلاء العنصريون اغتصابه من حق العرب، ويقف عند حد إصلاح
الخلل الذي أحدثه هؤلاء؛ فلم يكن في نية هؤلاء أن ننتقل من تحكم الترك إلى
تحكم الأوربيين، وربما لم يكونوا يدركون أن نية زملائهم ممن يخالفونهم في الدين
هي القضاء على آخر ما يربط المسلم بأخيه المسلم وهو (رابطة الدين) ، ولم ...
تتكشف هذه النيات إلا بعد خراب كل شيء، وبعد أن وضعت أسس وهمية للترابط
والتناصر لم يستفد منها إلا الذين يحسنون العمل في الظلام، ويجيدون أساليب
الالتواء والتآمر: أعني تلاميذ المنصرين، خريجي المدارس التبشيرية، ومن
يرتبطون بالاستعمار وبأسباب كثيرة.
كان من آثار العصبية القومية أن انكفأ العرب على أنفسهم، وقطعوا الأواصر
التي كانت تربطهم بالمسلمين في العالم، واكتفوا بذلك السراب الذي سموه الرابطة
القومية التي لم تثمر في تاريخهم الحديث إلا الهزائم، ذلك لأن هذه الرابطة أراد
مروجوها أن تقوم على أطلال رابطة أكثر أصالة وعمقاً في نفوسهم، وكيف تكون
رابطة وهمية بديلاً عن رابطة أصيلة وعميقة، رابطة ربطها رب العالمين، وحث
عليها خاتم المرسلين؟ ! وانكمش الإسلام إلى أن يصبح شأناً شخصياً لا علاقة له
أبداً بالواقع تقويماً وتصحيحاً، بل حتى أن يكون شأناً شخصياً أصبحت مسألة فيها
نظر، فلا يترك المسلم وشأنه، فلا يستطيع مثلاً أن يلبس ما يملي عليه دينه، أو
ما يجده متلائماً مع ما اعتاده في بيئته، ولا يستطيع أن يمارس شعائر عبادته دون
أن يؤدي ذلك إلى التفرقة ضده واتخاذ المواقف في وجه ترقيته إن كان موظفاً،
ووضع العقبات في طريقه إذا كان عاملاً حراً ... ، وإذا عرفنا أن الإسلام هو دين
الصراحة والوضوح والبعد عن الدهاليز السرية في كل شيء: في شعائره وشرائعه
وآدابه ومظاهره كلها، وأن غيره من العقائد على العكس؛ أدركنا من الخاسر ومن
الرابح في الدعوة إلى أن يكون الدين أمراً شخصياً فقط.
وهكذا تحول المسلم إلى شخص غريب في بلده، يُشَكُّ بولائه إذا عرف أنه
يقوم ببعض الشعائر الإسلامية، وتوزن أعماله وتصرفاته على هذا الأساس؛ لأي
جماعة ينتمي، وبأي شخص يرتبط، ومن أين جاءه التأثير حتى فعل هذا وامتنع
عن ذاك؟ ! وتطرح هذه الشكوك والظنون على الصحافة فلا تكتف هذه الأداة
الخطيرة بتجريمه وتأثيمه؛ بل يلحق التجريم والتأثيم كل من يذكر في سياق البحث
عن المؤثرات والبواعث وتصبح مهمة إعادة الثقة إلى هذه الأسماء والهيئات عملية
مستحيلة، لأنها ضد الزمن وضد التاريخ وضد سير الأحداث، وهكذا يحيا المسلم
حياة انفصام وتمزق يعدو أثره في التشنجات والاحتقانات التي تطفو على سطح
الحياة الاجتماعية، ففريق يلوذ بتحدي المجتمع بكل سبيل، ويتمسك بدينه على
الرغم من كل شيء، وقد تصدر منه خلال ذلك أعمال غير مقبولة تزيد الحرب
ضده وتحرض عليه المجتمع فيزداد هو شعوراً بالنبذ، ويزداد المجتمع ظلماً له،
وفريق آخر يتطرف في خروجه على كل شيء له ارتباط بالدين، ويتمرد على كل
الأعراف حتى ينجو من شعور (المنبوذ) الذي يعيشه الفريق الأول، فترى هذا
الفريق يرتكب كل موبقة للوصول إلى ما يريد، وللحصول على براءة الانتماء
بقليل أو كثير إلى الفريق الأول، لأنه يدرك ثقل تكاليف هذا الانتماء.
ومن الشعارات المدمرة التي استوردناها، الاشتراكية، وفضلاً عن أن هذه
الاشتراكية أثبتت فشلها حتى في بلادها؛ فإن ما يضاف إلى أسباب فشلها الكامنة
في أصلها وأساسها عندنا أنها ظلت شعاراً خاوياً لا يؤمن به أحد حتى الذين
استوردوه، وبقيت شيئاً غريباً عن المجتمع وطاقاته، على الرغم من الدراسات
الكثيرة والطبل والزمر الذي أحاط بترويجها. نعم كان في مجتمعاتنا ظلم، وفيها
فقر، وفيها تسلط، وفيها عدم تكافؤ فرص، وفيها أمراض اجتماعية يصعب
علاجها - كأي مجتمع - ولكن لم يكن فيها صراع طبقات كالذي جاءت الشيوعية
تدعي معالجته.. كانت هذه الاشتراكية المستوردة وبالاً على المجتمع. نعم هناك
فئة أثرت بسبب هذه الاشتراكية وانتقلت من الفقر إلى الغنى ولكن هذه الفئة قليلة
بالنسبة لمجموع الشعب، وغناها لم يحل المشكلة الاساسية بل ولم يلغ الظلم
الاجتماعي، وإنما استبدلنا وجوهاً بوجوه، وأسماءً بأسماء، وزاد الظلم حبتين أو
ثلاث، فأصبحنا ممنوعين من أمور كثيرة لم نكن نمنع منها حتى في أقسى عهود
الاستعمار.
ذكرنا القومية والاشتراكية ونسختها السيئة كمثال، ولا نريد - هنا - محاكمة
ولا إدانة، وإنما نريد أن نشخص الأزمة التي يمر بها المجتمع العربي، ونريد من
الذين ساقونا إلى هذا الواقع الأليم أن يعترفوا بخطئهم ويتواضعوا. ومن اعترافهم
بالخطأ وتواضعهم أن يقروا بوجود أفكار أخرى وناس آخرين يعيشون معهم في
مجتمع واحد، تصيبهم النكسات مثلهم، ويتألمون كآلامهم، وعندهم من الغيرة
والتحرق على واقع بلادهم ما عند هؤلاء.
إن ما تحتاجه الشعوب العربية أن تعيش في سلام لا مع العدو، بل مع أنفسها، وأن تعطى فرصة تستقيل فيها من سفك الدماء ومصادرة الحريات، وتسكن فيها
الثارات والملاحقات، وأن يتنفس الناس شيئاً من هواء الحرية، ويخرجوا قليلاً من
الأجواء الملوثة، أجواء الكبت وعدِّ الأنفاس وتغذية الأحقاد، وحين يتحقق ذلك لا
بد من الاعتراف بأن الإسلام بين العرب ليس شيئاً شخصياً لا ينبغي أن يطلع عليه
أحد، وممارسة ذاتية وجدانية لا علاقة لها بواقع الحياة، لا، الإسلام عند العربي،
أكثر من المسيحية عند المسيحي، وأكثر من اليهودية عند اليهودي، وأكثر من
البرهمية والهندوسية والبوذية عند أتباعها، إنه أكثر بكثير من ذلك، ولا تأتي
أهميته من إدراك معتنقيه فحسب، بل منه هو ذاته كدين، هكذا أراده الله للعرب
الذين تشرفوا به، وأصبح لهم دور بعد أن حملوه للعالمين. وحين يضعونه وراءهم، فيهملون عقيدته ولوازمها، ويعطلون أحكامه، ويلاحقون أتباعه ملاحقة المجرمين
وقطاع الطرق - بل والله إن المجرمين وقطاع الطرق في مكانة من التكريم
والمعاملة يحسدون عليها مقارنة بمعاملة المتمسك بدينه هذه الأيام - نقول: حين
يكون هذا شأن العرب - رسمياً - مع الإسلام لا يضرون إلا أنفسهم ولا يضيفون
إلى ما هم فيه من ضعف إلا ضعفاً، وإلى أزماتهم التي هم فيها إلا أزمات جديدة.
إن ما يسمى بجهود التنمية ومشاريع التطوير لن تجدي شيئاً إذا كان المجتمع
لا يعيش في سلام مع نفسه، ولا يدرك ذاته، ولا يعرف عدوه من صديقه، ولا
يتعامل مع المشاكل والأزمات بعقل وحكمة، ومن الغريب أن في بلادنا كثيراً من
دعاة (العقلانية) وهؤلاء هم الذين يقودوننا حقيقة، وهم النخب المهيمنة - ولكن
تصرفات هؤلاء، وتقويمهم لأنفسهم وغيرهم لا يدركها عقل، ولا تتسق مع حكمة.
إننا نقول بكل الود والهدوء والثقة:
إن تكثير السجون والمعتقلات، وفتح المعسكرات في الصحاري اللاهبة للدعاة
إلى الله، وسومهم العذاب بالمئات والآلاف في أكثر من قطر عربي عار وشنار لمن
يقوم به، وتعطيل لطاقات المجتمع وإهدار لثرواته في سبيل إرضاء نزوات نفوس
مريضة ترى أنها محور الكون، وتخريب للحمة التي لا تبني المجتمعات والدول
والحضارات إلا بها، ولو وفرنا الأموال الطائلة التي تنفق على هذه المعتقلات وما
يتبعها من رواتب موظفين ومخبرين وحراساً ومستشاري تعذيب؛ لوفرنا مصدراً
من مصادر الثروة بلادنا في أشد الحاجة إليه، على أن الخسارة المادية ليست شيئاً
أمام الخسارة المعنوية التي تصيب مجتمعاتنا فتشلها عن الحركة، وتضربها بالشك
والتوجس، فتموت المثل العليا، وتحيا الفردية والأثرة والأنانية، كما هو حاصل
الآن.
إن المجتمعات لا تبنيها الحراسة، ولكن تبنيها الثقة، ولا تقوم على الملاحقة، وإنما تقوم على العدل.
стр. 1201
آية من كتاب الله
[وقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَتِي هِيَ أَحْسَنُ]
تساهم الكلمة إلى حد بعيد في إحياء الأمة الإسلامية، وبخاصة إذا ما تسربت
إلى القلوب فاستقرت فيها.. فالكلمة الصادقة الصادرة من القلب تثير عواطف
النفوس، وتحيي موات القلوب، وتدفع إلى التغيير بإذن الله. ومن هنا كان افتقاد
فقه الكلمة وأدب الحوار من الأمور التي تُفقد الدعوات روحها وتأثيرها، وتؤدي
بالمجتمعات إلى التفكك والانهيار. وفي هذا المقال نحاول الوقوف على بعض من
هذا الفقه.. فقه الكلمة..
القرآن ومسؤولية الكلمة:
يقول الله تعالى: [وقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَتِي هِيَ أَحْسَنُ إنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ
بَيْنَهُمْ..] ، يقولوا التي هي أحسن (على وجه الإطلاق وفي كل مجال فيختاروا
أحسن ما يقال ليقولوه، بذلك يتقون أن يفسد الشيطان ما بينهم من مودة، فالشيطان
ينزغ بين الإخوة بالكلمة الخشنة تفلت وبالرد السيء يتلوها، فالشيطان يتلمس من
الإنسان سقطات فمه وعثرات لسانه، فيغري بها العداوة والبغضاء بين المرء وأخيه، والكلمة الطيبة تسد عليه الثغرات، وتقطع عليه الطريق، وتحفظ حرم الإخوة
آمناً من نزغاته ونفثاته) [١] ، وهذا من أدب وفقه الكلمة بين المرء وأخيه.
هذا فيما بين المؤمنين، والأمر يتسع ليشمل ما بين المسلمين والمشركين،
فالمؤمنون مأمورون بقول: (الكلمة التي هي أحسن وألا يخاشنوا المشركين)
ذلك (أن الشيطان ينزغ بينهم) : يهيج بينهم المراء والشر، فلعل المخاشنة بهم تفضي إلى العناد وازدياد الفساد فيأمر الله تعالى عباده أن يقولوا الكلمة الطيبة وألا يصرحوا لهم بأنهم من أهل النار، فإنه يهيجهم على الشر، بل يداروهم ويحتملوا منهم.
وروى أن المشركين أفرطوا في إيذاء المسلمين فشكوا إلى رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - فنزلت الآية. وقيل شتم عمر ﵁ رجل منهم فهم به
فأمره الله بالعفو [٢] ، (وهو أن يقول للكافر إذا تشطط: هداك الله، يرحمك الله. وهذا قبل أن يؤمروا بالجهاد) [٣] ، وهذا أيضاً من أدب وفقه الكلمة. ...
وربما اتسع الأمر ليشمل المشركين أنفسهم وكأن المعنى: (قل لعبادي الذين
اعترفوا بأني خالقهم وهم يعبدون الأصنام يقولوا التي هي أحسن من كلمة التوحيد
والإقرار بالنبوة) [٤] ، وهكذا يؤكد الله على أهمية ومسؤولية الكلمة
لما لها من عظيم الأثر في حياة البشرية.
يقول سبحانه: [وإذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا ولَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا]
[الأنعام ١٥٢] ، فيأمر الله تعالى بالعدل في الفعال والمقال على القريب أو البعيد [٥] ، (ومن عهد الله قولة الحق والعدل ولو كان ذا قربى) [٦] .
الرسول القدوة.. والكلمة:
والمتتبع لسيرة الرسول ﷺ يجد الأحاديث تتوالى
وتترى في الحض على مكارم الأخلاق وبلوغ التي هي أحسن، ففيها (الكلمة الطيبة
صدقة) [٧] ، وفيها الربط بين الإيمان والخير من القول فهو القائل ﷺ : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) [٨] ،
وفي سيرته الكريمة ﷺ التنفير من إساءة استخدام الكلمة
فيقول ﷺ : (إن أبغضكم إلي وأبعدكم مني يوم القيامة
الثرثارون , والمتشدقون، والمتفيهقون) [٩] ، والقيامة هي التي يعمل ... مخافة السوء فيها العاملون، والرسول ﷺ هو الحبيب الذي يبغى القرب منه المحبون فكيف لا يحسنون استخدام الكلمة وهي أمامهم وسيلة القرب والنجاة حتى يقول الرسول ﷺ عن النجاة: (أمسك عليك لسانك) [١٠] ، ويقول: (من يتكفل لي ما بين لحييه ورجليه، أتكفل له بالجنة) [١١] ، ويقول ﵊: (أنا زعيم ببيت في رَبَضِ الجنة
لمن ترك المراء وإن كان محقاً، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه) [١٢] .
هكذا يرفع الرسول ﷺ من قيمة الكلمة ويثقل ميزانها..
ويبلغ الأمر منتهاه في تحديد مسؤولية الكلمة في قوله: (إن العبد ليتكلم بالكلمة ما
يتبين فيها - أي يتفكر أنها خير أم لا - يزل بها إلى النار أبعد مما بين المشرق
والمغرب) [١٣] ، وهكذا كانت سيرته ﷺ إذا تكلم أحسن،
وإذا صمت أبلغ، حتى كان هذا الخلق هو ما عايشه أصحابه منه فيقول أنس -
﵁: (خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين فما
قال لي أفٍ قط، ولا قال لشيء فعلته: لِمَ فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلته؟
وكان ﷺ أحسن الناس خلقاً..) [١٤] .
وهكذا ربى أصحابه الكرام فعرفوا للكلمة حقها، وحفظوا لها قدرها، فكان
لسانهم منهم دائماً على بال حتى: (يضع أبو بكر الصديق ﵁
الحصاة في فيه ويمنع نفسه عن الكلام، وكان يشير إلى لسانه ويقول هذا الذي
أوردني الموارد..، وحتى يقول عبد الله بن مسعود ﵁: والله
الذي لا إله إلا هو ما شيء أحوج إلى طول سجن من لسان..، ويقول الحسن: ما
عقل دينه من لم يحفظ لسانه [١٥] ، ويقول ابن عمر ﵁: إن
أحق ما طهر الرجل لسانه، وحتى يقول عمر بن الخطاب ﵁: (من مزح استُخِفّ به) . هكذا كانوا، وبهذا حفظ لهم التاريخ تلك العلامات المضيئة
على صفحته. وهكذا يجب أن يكون كل من يريد أن يحمل تبعة التمكين لدين الله
في الأرض.
الدعاة والموعظة الحسنة
إن الله سبحانه يدفع عباده دائماً - والدعاة إليه منهم خاصة - ليقولوا التي هي
أحسن، وأن يتخلقوا بالقول اللين، فنجده سبحانه يأمر موسى وهارون -عليهما
السلام- وهما مرسلان إلى أعتى الطواغيت، أن يتخلقا به فيقول: [فَقُولا لَهُ قَوْلاً
لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى] [طه ٢٤٤] ، (فالقول اللين لا يثير العزة بالإثم، ولا
يهيج الكبرياء الزائف الذي يعيش به الطغاة، ومن شأنه إنه يوقظ القلب فيتذكر
ويخشى عاقبة الطغيان) [١٦] ، وهكذا فمن أدب وفقه الكلمة أن تعرف وتحسن كيف تدعو.
ثم الله سبحانه تعالى يوجه رسوله ﷺ ذلك التوجيه
الكريم، ولمن كان يرجو الله واليوم الآخر في رسول الله ﷺ
أسوة حسنة. فيقول سبحانه: [ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ والْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ
وجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] [النحل ١٢٥] ، فاللسان هو وسيلة البيان، ووسيلة
البلاغ، ولكن لا بد لهذا البيان وذلك البلاغ من أدب وفقه، (والله تعالى يرسي هنا
القواعد والمبادئ ويعين الوسائل والطرائق، ويرسم المنهج لمن كان في موضع
البلاغ.. فمن الحكمة النظر في أحوال الخاطبين وظروفهم والقدر الذي يبينه لهم في
كل مرة، والطريقة التي يخاطبهم بها، والتنويع في هذه الطريقة حسب مقتضياتها
.. والموعظة الحسنة تدخل إلى القلوب برفق، وتتعمق المشاعر بلطف، ذلك
والجدل بالتي هي أحسن، بلا تحامل على المخالف، ولا إزراء به ولا تقبيح يجعله
يطمئن إلى الداعي ويشعر أن ليس هدفه هو الغلبة في الجدل، ولكن الإقناع
والوصول إلى الحق) [١٧] .
(وهكذا فالناس دائماً في حاجة إلى كنف رحيم وإلى رعاية فائقة وإلى بشاشة
سمحة وإلى ود يسعهم وحلم لا يضيق بجهلهم، وضعفهم، ونقصهم.. في حاجة إلى
قلب كبير يعطيهم ولا يحتاج منهم إلى عطاء، ويحمل همومهم ولا يعنيهم بهمه
ويجدون عنده دائماً الاهتمام والرعاية، والعطف والسماحة والود والرضاء.. وهكذا
كان قلب رسول الله ﷺ وهو القدوة، وهكذا كانت حياته مع
الناس ما غضب لنفسه قط ولا ضاق صدره بضعفهم البشري [ولَوْ كُنتَ فَظاً غَلِيظَ
القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ واسْتَغْفِرْ لَهُمْ] [آل عمران ١٥٩] ) [١٨] ،
أي (فاعف عنهم فيما يختص بك واستغفر لهم فيما لله تعالى) [١٩] .
فما أحوج الدعاة إلى الله إلى أن يعوا مسؤوليتهم ويحملوا تبعتهم وأن يضيئوا
طريقهم بهديه ﷺ .
كلمة أخيرة
إن الكلمة وسيلة البلاغ، وإن للكلمة لفقهاً.. فعلى من يقف في موقف البلاغ
أن يعي (أن المبلغ عن الله (بين الله وعباده) يجب أن يكون أداة صالحة. ولذلك يقول ابن القيم في قول الله: [واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي] [طه ٤١] بمعنى الاصطفاء لموسى، قال ابن عباس: اصطفيتك لوحي ورسالتي.
وكون المبلغ عن الله أداة صالحة فإنها لا يجب أن تتجاوز حدود الأداة والسبب، فسببية الدعاة إلى الله تحمي الدعاة من ثلاثة أخطار:
أولاً: خطر الغرور، إذا تحققت الاستجابة. والاعتقاد أن الداعية مجرد سبب
في الهداية يحميه من هذا الشعور.
ثانياً: خطر اليأس، إذا كان الإعراض. ذلك أن الداعية يشعر أنه أدى ما
عليه وأن الأمر بيد الله.
والأمر الثالث: هو خطر الخروج بالدعوة عن موضعها بملاحقة من لا
يستحقون الدعوة، وإهمال دعوة من يستحقون الدعوة.
ويجب على الداعية المبلغ عن الله أن يجمع كل سنن التأثير في النفس
البشرية.. سنة العمل: فلا يخالف قوله عمله، وسنة القدوة: فيكون هو النموذج
العملي للمنهج، وسنة المنفعة: وهو تأليف القلوب وإقامة الحجة مثلما جاء من قصة
أصحاب الأخدود، التواضع ف (أكثر الجهالة إنما رسخت في قلوب العوام بتعجب
جماعة من جهال أهل الحق أظهروا الحق في معرض التحدي والإدلال ونظروا إلى
الضعفاء والخصوم بمعنى التحقير والازدراء، وتعذر على العلماء المتلطفين محوها
مع ظهور فسادها) [٢٠] ، وسنة القوة: إذ أن التخلف والضعف يصدان عن اتباع
الحق [٢١] .
ويجب على الداعية (أن يتلطف في إبلاغ الحق وأن يمهد له، وإن كان ثمة
شيء فيه شديد الغرابة على واقع الناس ومفهومهم فلا يفجأهم به) ، (فتأمل ذكره
سبحانه قصة زكريا وإخراج الولد منه بعد انصرام عصر السبيبة وبلوغه السن الذي
لا يولد فيه لمثله من العادة، فذكر قصته مقدمة بين يدي قصة المسيح وولادته من
غير أب، فإن النفوس لما أنست بولد من بين شيخين كبيرين لا يولد لهما عادة
سهل عليها التصديق بولادة ولد من غير أب) [٢٢] .
كذلك على الداعية أن يتسلل في إبلاغ الحق تسللاً منطقياً فلا يتقدم بأحكام ثم
يأتي لها بحيثيات ولكن يقدم المقدمات فتأتي بعدها نتائجها في غاية اليسر بلا
اعتساف ولا عنت، ثم عليه أن يراعي التدرج في إبلاغ الحق فالتدرج سمة
الجماعة المسلمة في نموها وتأمل قوله تعالى: [كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ
فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ] [الفتح ٢٩] [٢٣] ، كذلك على الداعية ألا يكتم شيئاً من العلم، وأن يختار لدعوته ما يناسبها ويحقق أهدافها عن طريق البيان الذي لا يدع الحق
ملتبساً على الناس، وإذا أحس من نفسه عدم القدرة على ذلك أحال من يحدثهم إلى
ما يستبينون به الحق من كتب، أو رسائل، أو عالم يقدر على البيان والبلاغ
المبين، هذا كله من أدب وفقه الكلمة ومسؤوليتها..
أخي الداعية.. قد يكون الحسن أن تدعو إلى الله وإلى دين الله ولكن الأحسن
أن تدعو إليه على بصيرة فتراعي الكيف والحال والمكان والزمان..
ما أحوجنا اليوم لذلك الفقه النادر (فقه الكلمة) حتى يكون لدعوتنا الأثر
الطيب.. وحتى تؤدي كلماتنا وظيفتها الاجتماعية.. ولنكون قبل ذلك وبعده
متخلقين بخلق القرآن الكريم الذي يأمرنا: [.. وقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَتِي هِيَ
أَحْسَنُ..] .
стр. 1202
تدوين العقيدة الإسلامية
في القرن الثالث الهجري
عثمان جمعة ضميرية
كانت بداية التدوين في علم العقيدة في القرن الثاني الهجري تحت عنوان
(الفقه الأكبر) ، وتلا ذلك في القرن الثالث الهجري مصطلح جديد هو (الإيمان) -
كما لاحظنا في العدد السابق - وفي هذا القرن أيضاً شاع مصطلح جديد، أصبح
عنواناً لكثير من الكتب في العقيدة الإسلامية، وهو (السنة) . وهذا ما سنلمح إليه
في هذا المقال.
٣- السُّنَّة:
قال ابن فارس في (معجم مقاييس اللغة) (٣/ ٦٠-٦١) :
(سن - السين والنون أصل واحد مطَّرد، وهو جريان الشيء واطراده في
سهولة. والأصل قولهم: سننت الماء على وجهي أسنُّه سَنَّاً، إذا أرسلته إرسالاً..
ومما اشتق منه: السنُّة، وهي السيرة. وسنةُ رسول الله ﷺ : سيرتُه. قال الهُذَليُُّّ:
فلا تَجْزَعَنْ من سِيرَة أنتَ سِرْتَهَا ... فأولُ راضٍ سنةً من يَسِيرُهَا
فالسنة في اللغة: هي الطريقة المسلوكة، محمودةً كانت أو مذمومة، ومنه
قوله ﷺ : (من سنَّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر
من عمل بها من بعده..) [١] .
والسنة أيضاً: هي العادة، قال تعالى: [سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ] ، أي
هكذا عاداتنا في الذين كفروا برسلنا وآذوهم بخروج الرسول من بين أظهرهم
يأتيهم العذاب [٢] .
وفي الشرع تطلق على معانٍ، منها الشريعة، وبهذا المعنى جاء قولهم:
الأولى بالإمامة الأعلم بالسنة: أي بأحكام الشرع.
ومنها الطريقة المسلوكة في الدين، فتنتظم المستحب والمباح، كما تنتظم
أيضاً الواجب والفرض.
وتطلق في عرف الفقهاء واصطلاحهم على الطريقة المسلوكة في الدين من
غير افتراض ولا وجوب.
والمراد بالطريقة المسلوكة في الدين: ما سلكها رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - وغيره ممن هم علم في الدين، كالصحابة ﵃ لقوله عليه
الصلاة والسلام: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، فتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ..) [٣] .
وتطلق عند علماء أصول الفقه على ما صدر عن النبي - صلى الله عليه
وسلم - من قول أو فعل أو تقرير. فهي هنا مصدر من مصادر التشريع، كالقرآن
الكريم.
وعلماء الحديث يريدون بالسنة: ما نقل عن النبي من قول أو فعل أو تقرير
أو صفة خَلْقِية أو خُلُقية أو سيرة، مطلقاً - أي قبل النبوة أو بعدها - وهي بهذا
مرادفة لمعنى الحديث.
كما تطلق السنة أيضاً: على ما يقابل البدعة، كقولهم: طلاق السنة كذا،
وطلاق البدعة كذا، وفلان على سنة وفلان على بدعة. وهاتان الكلمتان (السنة
والبدعة) تستعملان دائماً كلمتين متضادتين - كما رأيت - لأن السنة هي الطريق
الذي كان عليه الرسول وأصحابه، والبدعة هي ترك ذلك الطريق والانحراف عنه
وسلوك طريق آخر مخترع، فلهذا كانت الأولى هدايةً والثانيةُ ضلالة [٤] . ...
ومما تجدر الإشارة إليه هنا: أن السنة تقتضي المواظبة والاستمرار، وهي
أعم من الحديث، لأنها تتناول الفعل والقول والتقرير، والحديث لا يتناول إلا القول، وهذا فارق ما بينهما.
ومن هذه الإطلاقات لمعاني كلمة السنة، يظهر أنها تطلق بمعنى شرعي عام
يشمل ما كان عليه الرسول ﷺ وخلفاؤه الراشدون، من
الاعتقادات والأعمال والأقوال. وهذه هي السنة الكاملة. ولهذا كان السلف قديماً لا
يطلقون السنة إلا على ما يشمل ذلك كله. وروي معنى ذلك عن الحسن البصري
والأوزاعي والفضيل بن عياض [٥] .
ثم إن كثيراً من العلماء المتأخرين يخصُ اسم السنة بما يتعلق بالاعتقاد فحسب، لأنها أصل الدين، والمخالف فيها على خطر عظيم [٦] .
وعلى هذا المعنى الخاص جاء استعمال علماء السلف لكلمة (السنة) عنواناً
على جانب العقيدة وأصول الدين فيما كتبوه بياناً للعقيدة ابتداءً، أو رداً على الفرق
المخالفة، ليميزوا بين عقيدة أهل السنة وعقيدة أهل البدعة.
وقد شرح ابن أبي عاصم هذا المعنى للسنة، وذكر أهم مباحثها، فقال في (كتاب السنة) (٢/٤٤٥-٤٤٧) :
(السنة اسم جامع لمعان كثيرة في الأحكام وغير ذلك. ومما اتفق أهل العلم
على أن نسبوه إلى السنة: القول بإثبات القدر، وأن الاستطاعة مع الفعل للفعل..
والقرآن. كلام الله ﵎.. والإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، وإثبات
رؤية الله .. وأبو بكر الصديق أفضل أصحاب رسول الله بعده وهو
الخليفة خلافة النبوة، ثم عمر بن الخطاب.. ثم عثمان ابن عفان بعده ثم علي
بعدهم على مثل ذلك ﵏ جميعاً -.
ومما قد ينسب إلى السنة -وذلك عندي إيمان- نحو عذاب القبر، ومنكر
ونكير، والشفاعة والحوض، وحب أصحاب رسول الله.. والأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر والتعاون) .
وقد ساد اصطلاح السنة في القرن الثالث الهجري في عصر الإمام أحمد بن
حنبل حين ظهرت الفرق وراجت عقائد المعتزلة والرافضة والصوفية وأهل الكلام.
فأخذ أئمة الإسلام - حينذاك - يطلقون على أصول الدين ومسائل العقيدة: (السنة)
تمييزاً لها عن مقولات الفرق..
وهذا - أي وصف العقيدة وأصول الدين بـ (السنة) - وإن كان معروفاً في
عصر الصحابة، إلا أنه لم يكن مشهوراً، إنما يدل عليه مثل قول عمر بن
الخطاب ﵁: (من ترك السنة كفر) فإن التكفير من الصحابة لا يكون إلا في أمر عظيم كأصول الدين وأمور الاعتقاد، كما يدل عليه قول عليّ ﵁: (الهوى عند من خالف السنة حق وإن ضربت فيه عنقه) ، فإن مثل هذا الحكم إنما يتأتى في أصحاب العقائد والأهواء والفرق الضالة) [٧] .
وقد جمع طوائف من العلماء الأحاديث والآثار المروية في أبواب عقائد أهل
السنة، مثل حمّاد بن سلمة، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الله بن عبد الرحمن
الدارمي، وعثمان بن سعيد الدارمي، وغيرهم في طبقتهم. ومثلها ما بوَّب عليه
البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم في كتبهم. ومثل مصنفات
أبي بكر الأثرم، وعبد الله بن أحمد، وأبي بكر الخلاَّل، وأبي القاسم الطبراني،
وأبي الشيخ الأصفهاني.. وسائر أهل العلم ممن صنَّفوا في السنة [٨] .
ونجتزئ هنا ببعض المصنفات مرتبة حسب وفيات مؤلفيها، وكلها تحت اسم
(السنة) :
(كتاب السنة) لابن أبي شيبة (٢٣٥ هـ) ، كتاب السنة للإمام أحمد ...
(٢٤١هـ) ، وللإمام ابن هانئ تلميذ الإمام أحمد (٢٧٣ هـ) ، ولأبي علي حنبل بن إسحاق (٢٧٣ هـ) ولأبي داود السجستاني صاحب السنن (٢٧٥ هـ) ، ولابن أبي عاصم (٢٨٧ هـ) ، وعبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل (٢٩٠ هـ) ، وللمرزوي (٢٩٢ هـ) .
وممن كتب في العقيدة تحت عنوان (السنة) في القرن الرابع الهجري: أبو
بكر الخلاّل (٣١١ هـ) ، والطحاوي (٣٢١ هـ) ، والعسَّال الأصفهاني
(٣٤٩ هـ) ، والطبراني (٣٦٠ هـ) ، وأبو الشيخ الأصبهاني (٣٩٦ هـ) ، وابن شاهين (٣٨٥ هـ) ، ومحمد بن نصر المروزي (٣٩٤ هـ) ، ومحمد بن إسحاق بن منده (٣٩٦ هـ) واللالكائي (٤١٨ هـ) .
وهذه المصنفات أُلِّفت للحض على اتباع السنة والعمل بها، وترك ما حدث
بعد الصدر الأول من البدع والضلالة والأهواء [٩] مع بيان أصول العقيدة
الإسلامية أو جوانب منها.
ولو أخذنا بعض ما وصلنا من هذه المؤلفات في (السنة) لوجدنا قاسماً مشتركاً
في المسائل والأبحاث التي تشكل الركيزة الأساسية فيها، وقد ينفرد كتاب منها في
بعض المسائل دون سائر الكتب، وقد يتوسع بعضها ببسط الأدلة بينما يختصرها
كتاب آخر. وقد تذكر بعض هذه الكتب المسائل مجردة عن الأدلة، وقد نجد في
بعضها جملة من المسائل والقضايا التي تخرج عن موضوع البحث في العقيدة، أو
لا ترقى إلى أن تكون من مسائل الاعتقاد.
والمنهج الذي سلكه المصنفون في (السنة) يكاد يكون منهجاً واحداً، يتلخص
في أنه يترجم للباب ترجمة موجزة، وقد تطول في بعض الكتب، ثم يسوق جملة
من الآيات والأحاديث والآثار التي تتناسب مع العنوان، وقد يروي الأحاديث من
طرق متعددة، بإسناده، أو مجردة من الإسناد، كما أن بعضهم قد يتكلم في الرواية
وينقدها، وغالباً ما نجد في عناوين الأبواب إشارة إلى الرد على الفرق المخالفة،
بل نجد ذلك صراحة أيضاً. ومن خلال الردِّ والمناقشة تتضح الفكرة التي عقد
المصنف الباب من أجلها.
ولم يكن - فيما يبدو - من منهج هؤلاء الأئمة المصنفين في السنة أن يتحروا
الأحاديث الصحيحة في الباب، وإنما يجمعون الروايات التي وصلت إليهم في
المسألة، ولهذا أوقع في بعضها أو في كثير منها بعض الأحاديث الضعيفة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:
(وقد يروي كثير من الناس في الصفات، وفي سائر أبواب الاعتقادات وعامة أبواب الدين؛ أحاديث كثيرة تكون مكذوبة موضوعة على رسول الله ﷺ ، وهي قسمان: منها ما يكون كلاماً باطلاً، لا يجوز أن يقال، فضلاً عن أن يضاف إلى النبي.
والقسم الثاني من الكلام: ما يكون قد قاله بعض السلف أو بعض الناس،
ويكون حقاً، أو مما يسوغ فيه الاجتهاد، أو مذهباً لقائله، فيعزى إلى النبي -
ﷺ ، وهذا كثير عند من لا يعرف الحديث، مثل المسائل التي
وضعها أبو الفرج الأنصاري، وجعلها محنة يفرِّق فيها بين السني والبدعي! وهي
مسائل معروفة عملها بعض الكذابين وجعل لها إسناداً إلى النبي - صلى الله عليه
وسلم -.
وهذه المسائل - وإن كان غالبها موافقاً لأصول السنة - ففيها ما إذا خالفه
الإنسان لا يكون مبتدعاً، مثل: أول نعمة أنعمها الله على عبده..
فالواجب أن يفرّق بين الحديث الصحيح والمكذوب، فإن السنة هي الحق دون
الباطل، وهي الأحاديث الصحيحة دون الموضوعة. فهذا أصل عظيم لأهل
الإسلام ولمن يدَّعي السنة خصوصاً) .
وبهذه الكلمات النيرة نقفل الكلام عن العقيدة في القرن الثالث الهجري، كيما
نرصد تطور الكتابة في القرن الرابع تحت عنواني (التوحيد) و (الشريعة) .
ونسأل الله العون والتوفيق.
стр. 1203
إلى الموقعين عن رب العالمين
الشيخ عبد الله بن حسن القعود
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله
وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فإلى أخوتي وأحبتي في الله، إلى من استشهد الله بهم على أجل وأعظم
مشهود عليه: توحيده الذي أنزل به كتبه، وأرسل به رسله، وخلق الثقلين ليعبدوه
به، إلى من استشهد بهم على هذا الأمر، ولم يذكر لهم وصفاً غير وصفهم بالعلم،
لأن المفترض في طالب العلم أن يكون على حال تؤهله للشهادة بالحق وعلى الناس
يوم يقوم الأشهاد، لا لشهادة الناس عليه بالتقصير في البلاغ والبيان. إلى من
اصطفاهم الله لحمل شرعه، واستحفظهم كتابه، إلى من تفرش لهم الملائكة أجنحتها، ويستغفر لهم من في السموات ومن في الأرض، حتى الحيتان في الماء، إلى من
أخذ عليهم العهد بالبيان وألا يشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً، إلى من هم أعلم الناس
بالله وشرعه [وَيَرَى الَذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَذِي أُنزِلَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الحَقَّ] [سبأ] ، [وإذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا
مِنَ الحَقِّ] [المائدة ٨٣] ، [أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الحَقُّ كَمَنْ هُوَ
أَعْمَى..] [الرعد، ١٩] .. إلى من هم أعلم الناس وأدرك الناس لمدلول ومقتضى
نصوص المراقبة ومدلول ومقتضى نصوص إرادة الدنيا بعمل الآخرة كقوله سبحانه: [واعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ] [البقرة ٢٥٣] ، [يَعْلَمُ خَائِنَةَ
الأَعْيُنِ ومَا تُخْفِي الصُّدُورُ] [غافر ١٩] ، [وأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ
بِذَاتِ الصُّدُورِ] [الملك ١٣] ، وكقوله سبحانه: [مَن كَانَ يُرِيدُ الحَيَاةَ الدُّنْيَا
وزِينَتَهَا نُوَفِّ إلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ (١٥) أُوْلَئِكَ الَذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي
الآخِرَةِ إلاَّ النَّارُ] [هود ١٥] ، [مَن كَانَ يُرِيدُ العَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن
نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً] [الإسراء ١٨] ، [وَلا تَشْتَرُوا
بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١) وَلا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الحَقَّ وَأَنتُمْ
تَعْلَمُونَ] [البقرة ٤٢] .
إلى هؤلاء أوجه تذكيري ونصحي، لا لأني أديت واجباً فأنا في مقدمة
المقصرين وصغار طلبة العلم؛ ولكن لتجربة مرت بي، فقد حصل لي نصائح ممن
هو أقل مني سناً وعلماً كان لها أثر في نفسي - جزى الله من أسداها إلي خيراً -
وقديماً قيل: قد يكون في النهر ما ليس في البحر.
قال ﵊: (رب مبلَّغ أوعى من سامع) ، وقال تعالى عن نبيه موسى أنه قال للخضر: [هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً]
[الكهف ٦٦] ، وأخص بتوجيه نصيحتي بعد تعميمها الذي هو الأصل، ذوي الصلة
القوية بالسلاطين والمترفين، فإن الافتتان - حسب السنن - أسرع إليهم منه إلى
غيرهم، بل إليهم أسرع من السيل إلى منحدره - وقانا الله وإياهم شر الافتتان -
قال ﵊: (من بدا جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب ...
السلاطين افتتن) [١]- أي عرض نفسه للفتنة - وقال ﵊:
(ما ذئبان جائعان أرسلا في زريبة غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال
والشرف لدينه) [٢] ، إلى هؤلاء وأمثالهم من المتسابقين إلى أعتاب المترفين ... والمبادرين بتأول أخطائهم وتبرير وتأييد ما هو محل نظر من أفعالهم، وإلى من يسعون كثيراً مع عالم مصلح ليعدل عن عمل بر بدأه، أو ليسكت عن منكر أنكره، فإني أخاف على نفسي وعليهم في موقف ما من خطورة مخالفة ما استحفظهم الله إياه أمثال: [ولا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ والْعُدْوَانِ] [المائدة ١٢] ، [رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ] [القصص ١٧] ، [إنَّا أنزَلْنَا إلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ولا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيماً * واسْتَغْفِرِ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً * ولا تُجَادِلْ عَنِ الَذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً * يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وهُوَ مَعَهُمْ إذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ القَوْلِ وكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً * هَا أَنتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكِيلاً] [النساء ١٠٩]
[واحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ] [المائدة ٤٩] [ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا ولا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَذِينَ لا يَعْلَمُونَ * إنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وإنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ واللَّهُ ولِيُّ المُتَّقِينَ] [الجاثية ١٩]
[ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ واللَّهُ يَعْلَمُ إسْرَارَهُمْ] [محمد ١٩] .
فيا علماء المسلمين الموقعين عن رب العالمين: المفترض فيكم أن تكون
أعمالكم وأقوالكم ومعاملاتكم مادية أو أدبية بياناً وتفسيراً وإظهاراً لشرع الله، أقول
لكم مذكراً لا معلماً: تنبهوا جيداً لما يصدر منكم من أقوال أو أفعال أو تقريرات
حول الأمور العامة، وما يطلبه ولاة الأمر خاصة، فقد يؤخذ عنكم أمر يصعب
عليكم تداركه، وتحقيق قول الله فيه: [إلاَّ الَذيِنَ تَابُوا وأَصْلَحُوا وبَيَّنُوا] [البقرة
١٦٠] فيما لو استبان لكم خطؤه بعد. فلا أخطر على الأمة أفراداً أو جماعات،
حكاماً أو محكومين من تأول أو تساهل أو زلة عالم - وقانا الله وإياكم شرها -
اذكروا في كل ما تأتون وما تذرون وخاصة في هذا الشأن، موقفكم أمام الله الذي لا
تخفى عليه خافية، الذي أوجدكم وعلمكم لتكونوا شهداء على الناس بالبيان والبلاغ
الحق يوم يقوم الإشهاد يوم لا خلة ولا شفاعة، يوم يتبرأ المتبوعون من التابعين،
فلقد وجدتم وعلمتم لتُتَّبَعوا بعلمكم لا لتتبعوا به، ولم يكن ذلك بالنسبة لكم محل
اختيار، فأوامر الله تقتضيه، وما يهدد به تلاحم العلماء، والتفاف الشباب حولهم
يستدعيه، فلقد أدركت قوى الشر أن ذلك قوة تهدد مصالحها فأخذت تعمل جادة
بأساليبها المتنوعة على خلخلة مكانة العلماء في النفوس أحياء أو أمواتاً لتفصل من
استطاعت فصله عنهم، كفصل عربات القطار عن غرفة قيادتها، مما يتطلب منكم
تضييق المجال أمامها ومواقف أسلافكم وتحفظاتهم معروفة لديكم، ومن أقربها
فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀، وبالأخص ما هو موجه
منها لولاة الأمر، أو يتعلق بالتوحيد أو بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ربط
الله خير أولكم بآخركم، وخير آخركم بأولكم، وجعلني وإياكم خير خلف لخير سلف، صدقوا ما عاهدوا الله عليه نصيحة أخ مشفق على نفسه وعليكم وعلى الأمة التي
خيرتها وحياتها العادلة السالمة من الغلو والجفاء في التأصيل بكم في كل أمر من
أمورها، أقر الله أعينكم بذلك وأبعدكم عن ضده مما أبرزه العلماء للعلماء تحذيراً لهم
من الوقوع فيه.
قال ابن رجب ﵀ في شرحه لحديث ما ذئبان جائعان: واعلم أن
الحرص على الشرف يستلزم ضرراً عظيماً قبل وقوعه، في السعي في أسبابه،
وبعد وقوعه، بالحرص العظيم الذي يقع فيه صاحب الولاية من الظلم والتكبر
وغير ذلك من المفاسد، وقد صنف أبو بكر الآجري - وكان من العلماء الربانيين
في أوائل المائة الرابعة مصنفاً في أخلاق العلماء وآدابهم، وهو من أجل ما صنف
في ذلك، ومن تأمله علم منه طريقة السلف من العلماء، والطريق التي حدثت
بعدهم المخالفة لطريقتهم، فوصف فيه عالم السوء بأوصاف طويلة منها أنه قال:
وقد فتنه حب الدنيا: الثناء والشرف والمنزلة عند أهل الدنيا، يتجمل بالعلم كما
تتجمل بالحلية الحسناء للدنيا ... فتذلل للملوك وأتباعهم فخدمهم بنفسه، وأكرمهم
بماله، وسكت عن قبيح ما ظهر له من الدخول في إيواناتهم وفي منازلهم من أفعالهم، ثم قد زين لهم كثيراً من قبيح فعلهم بتأويله الخطأ ليحسن موقعه عندهم، فلما فعل
هذا مدة طويلة واستحكم فيه الفساد ولّوه القضاء فذبحوه بغير سكين، فصارت لهم
عليه منة عظيمة، ووجب عليه شكرهم فآلم نفسه لئلا يغضبهم عليه فيعزلوه عن
القضاء، ولم يلتفت إلى غضب مولاه الكريم.. إلى قوله عنه فالويل لمن أورثه
علمه هذه الأخلاق، وهذا العلم هو الذي استعاذ منه النبي - صلى الله عليه
وسلم ... وكان يقول: اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعاء لا يسمع، إلى قوله: هذا كلام الإمام أبي بكر
الآجري ﵀، وكان في أواخر الثلاثمائة، ولم يزل الفساد بعده متزايداً على ما ذكرناه أضعافاً مضاعفة، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
وقال ﵀: - أعني بن رجب - ومن دقيق آفات حب الشرف طلب
الولايات والحرص عليها، وهو باب غامض لا يعرفه إلا العلماء بالله العارفون به،
المحبون له، الذين يعادون له من جهال خلقه، المزاحمون لربوبيته وإلهيته، مع
حقارتهم وسقوط منزلتهم عند الله وعند خواص عباده العارفين به كما قال الحسن -
﵀ فيهم: إنهم وإن طقطقت بهم البغال وهملجت بهم البراذين فإن ذل
المعصية في رقابهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه.. وقال: ومن هذا الباب أيضاً
أن يحب ذو الشرف والولاية أن يحمد على أفعاله ويثنى عليه بها، ويطلب من
الناس ذلك ويتسبب في أذى من لا يجيبه إليه، وربما كان ذلك الفعل إلى الذم أقرب
منه إلى المدح، وربما أظهر أمراً حسناً، في الظاهر وأحب المدح عليه وقصد به
في الباطن شراً، وفرح بتمويه ذلك وترويجه على الخلق، وهذا يدخل في قوله
تعالى: [لا تَحْسَبَنَّ الَذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا ويُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا
تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ العَذَابِ] [آل عمران ١٨٨] ، فإن هذه الآية إنما نزلت فيمن
هذه صفاته وهذا الوصف - أعني طلب المدح من الخلق ومحبته والعقوبة على
تركه - لا يصلح إلا لله وحده لا شريك له.
ومن هنا كان أئمة الهدى ينهون عن حمدهم على أعمالهم وما يصدر منهم من
الإحسان إلى الخلق، ويأمرون بإضافة الحمد على ذلك لله وحده لا شريك له فإن
النعم كلها منه ... ا. هـ.
وبهذا وبأمثاله يتذكر طالب العلم أن قيمته في دنياه وأخراه في صيانة علمه،
وتقوى الله فيه، وبعده به أن يشتري به ثمناً قليلاً، وأنه كلما ابتعد عن المجالس
التي لا يقول في أهلها قولته فيهم أمامهم كما يقولها فيهم إذا خرج من عندهم وابتعد
كذلك عما تطوق به الرقاب وتخرس به الألسن من أعطيات خاصة به مادية أو أدبية
كلما كان أثبت لجأشه وأكثر لاحترامه وأدعى لقبول قوله، وإنه بفقدان ذلك يهون
هواناً عظيماً أشبه بهوان اليد التي كانت ثمينة لما كانت أمينة ولما خانت هانت.
وليعتبر علماؤنا بموقف الشيخ سعيد الحلبي عالم الشام في عصره، حين دخل
عليه الجبار إبراهيم باشا وكان في حلقة العلم مع طلابه ماداً رجله، فما غيَّر جلسته، وما أَبَه لهذا الداخل الذي كانت تهتز لمروره الأرض، ثم بعد خروجه أرسل له
رسولاً معه صرة من المال ليقدمها إليه هدية من الأمير يستعين بها على قضاء
حوائجه فقال للرسول: قل للأمير، إن من يمد رجله لا يمد يده! [٣]
وأختم النصح بأنه إذا كان لطالب العلم في أي عصر أو مصر مكانة وصدارة
حقة يؤدي فيها وبها واجب النصح الحقيقي المأخوذ به العهد فغشيان أبوابهم لنصحهم
وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر أولى من البعد عنهم. أما من لم يكن كذلك
فيفر منهم فراره من الأسد حفاظاً على نفسه من الافتتان.
[رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنَا] [آل عمران٨] [رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ
واتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ] [آل عمران ٥٣] . وصلى الله وسلم على
عبده ورسوله محمد وآله وصحبه.
стр. 1204
خواطر في الدعوة
التجمعات الصغيرة
محمد العبدة
لا ضير على من يتصدى للدعوة أن يتكلم عن الأخطاء والأمراض التي توهن
العمل وتضعف الصف، فإن الكلام في مثل هذه الأمور ليس من التشاؤم ولا من
التثبيط، ولكنه من الإصلاح الذي تحتاجه الدعوة باستمرار.
داء قديم سرى إلى التجمعات الإسلامية كنا نسميه مشكلة (الشِلَلْ) وهو أن
يتجمع عدد قليل ممن تتقارب أسنانهم أو ثقافتهم أو جمعهم الأقليم الواحد، وقد يكون
هذا طبيعياً في البداية، ولكن بسبب انسجام آرائهم، يتطور الأمر ليشكلوا أداة
ضغط على العمل ويتعصبون لبعضهم، ويقدمون الخدمات لأنفسهم، ويحاولون
كسب الأنصار، ولا مانع عندهم من وضع الناس في غير مواضعهم وعلى حساب
الكفاءة والإخلاص، وتسير الأمور بهذه الطريقة وتصبح كأنها ظاهرة طبيعية فيشار
إليها ضمن العمل الكبير ويقال: مجموعة فلان أو (شلة فلان) . وهذا المرض إذا لم
يتنبه له في البداية يستفحل ويؤثر تأثيراً سلبياً على الدعوة.
وعودة إلى السيرة النبوية وفقهها ترينا كيف منع رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - مثل هذه التجمعات التي تبنى على القرب الجغرافي أو الانسجام في
النفسيات، وذلك بأن استفاد من الطاقات المبدعة ووضع كل إنسان موضعه،
وشغلهم بالنافع والمفيد، ولم يقرب أحداً لقرابة أو لمغنم أو مغرم، فالكل يرى نفسه
منسجماً مع الدعوة له مكان فيها، ولكن عندما تقع أخطاء مثل هذه من الكبار فمن
الطبيعي أن يكون رد الفعل انحرافات مثلها، فيتجمع العدد القليل ليثبتوا أنهم
موجودون وأن لهم تأثيراً وفاعلية.
وقد يكون من الطبيعي أن ينسجم عدد محدود مع بعضهم على ألا يؤدي هذا
إلى عمل جيوب داخل الجماعة، وعلى من يمارس عملاً مثل هذا أن يتقي الله،
ويشعر بالمسؤولية ولا يزكي أحداً إلا على أساس الكفاءة والاخلاص.
стр. 1205
لقطات
من هدي النبي ﷺ في التعليم
محمد بن عبد الله الدويش
هذه وقفات يسيرة مع هديه ﷺ في التعليم، ولا شك أن
هذا الباب واسع ويحتاج لاستقصاء وجمع لا يتيسر لأمثالي، لكن هذا غاية ما
توصلت إليه في بحثي القاصر، ورحم الله من أفادنا بملاحظة، أو إضافة، أو
توجيه.
عنايته بتعليم المنهج العلمي:
ففي تربيته العلمية لأصحابه ما كان يقتصر على تعليم أصحابه مسائل علمية
فقط، بل ربى علماء ومجتهدين، وحملة العلم للبشرية. ولقد ظهرت آثار هذه
التربية على صحابته في مواقفهم بعد وفاته من حادثة الردة، وجمع القرآن،
وشرب الخمر، واتخاذ السجون، والخراج وغير ذلك من المسائل التي اجتهد فيها
صحابته -رضوان الله عليهم-، فلم يقفوا مكتوفي الأيدي أمام النوازل التي واجهتهم، واستطاعوا أن يتوصلوا فيها للحكم الشرعي، كل ذلك كان نتاج التربية التعليمية
التي رباهم عليها ﷺ ومن معالم تعاليمه المنهج العلمي:
١- كان يعودهم على معرفة العلة ومناط الحكم:
فلما سئل عن بيع الرطب بالتمر، قال: (أينقص الرطب إذا جف؟) ، قالوا
نعم، فنهى عن ذلك [١] . وحين نهاهم عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها قال لهم: ... (أرأيت إن منع الله الثمرة بم تستحل مال أخيك؟) [٢] . وحين قال: (وفي بضع ...
أحدكم صدقة) ، قالوا له: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر، قال: (أرأيتم ...
لو وضعها في حرام أكان عليه وزر) ، قالوا نعم، قال: (فكذلك إذا وضعها في ...
حلال كان له أجراً) [٣] .
ففي هذه النصوص علم أصحابه علة الحكم ومناطه، ولم يقتصر على الحكم
وحده.
٢- كان يعودهم على منهج السؤال وأدبه:
ففي موضع يقول: (إن أعظم المسلمين في المسلمين جرماً من سأل ... عن شيء لم يحرم على المسلمين فحرم من أجل مسألته) [٤] ، و: (إن الله كره ... لكم قيل وقال وكثرة السؤال، وإضاعة المال) [٥] فها هنا يذم السؤال، ... ... لكنه في موضع آخر يأمر بالسؤال، أو يثني عليه. (ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما ... شفاء العي السؤال) [٦] ، (لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث ... أحد أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث) [٧] .
٣- كان في إجابته لا يقتصر على موضع السؤال بل يجيب
بقاعدة عامة:
سأله رجل: إنا نركب البحر ومعنا القليل من الماء فإذا توضأنا به عطشنا،
أفنتوضأ بماء البحر؟ فلم يقتصر ﷺ في إجابته على قوله نعم، ... وإلا كان الحكم قاصراً على الحالة موضع السؤال وحدها، إنما أعطاه حكم ماء ...
البحر وزاده فائدة أخرى يحتاج إليها حين قال: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته [٨] ، ويعني هذا أن ماء البحر له سائر أحكام الماء الطهور، وليس فقط يجوز ... الوضوء به في هذه الحالة. وسئل: ما يلبس المحرم من الثياب؟ ، فقال: (لا يلبس المحرم القميص ولا العمامة ولا السراويل ولا البرنس ولا ثوباً مسه ورس ولا زعفران ولا الخفين) [٩] ، فلم يعدد له ما يجوز للمحرم لبسه بل أعطاه قاعدة عامة فيما يحل وما لا يحل للمحرم لبسه.
٤- تربيته لأصحابه على منهج التلقي:
عن العرباض بن سارية ﵁ قال: وعظنا رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - موعظة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقلنا يا رسول
الله كأنها موعظة مودع فأوصنا، فقال: (أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن ...
تأمر عليكم عبد، وإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي
وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجد) [١٠] ، وقال في وصف
الطائفة الناجية: (من كانوا على ما مثل أنا عليه اليوم وأصحابي) [١١] . وحين ...
رأى مع عمر صحيفة من التوراة غضب، ونهاه عن ذلك، وقال: (لو كان موسى
حياً ما وسعه إلا اتباعي) [١٢] .
٥- تربيتهم على منهج التعامل مع النصوص:
خرج على أصحابه وهم يتمارون في القدر، هذا ينزع آية، وهذا ينزع آية
فغضب حتى كأنما فقىء في وجهه حب الرمان من الغضب. وقال: (بهذا أمرتم،
أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟ ! ، انظروا إلى ما أمرتكم به فاتبعوه، وما
نهيتم عنه فاجتنبوه) [١٣] .
٦- تعويدهم على الاستنباط:
سأل أصحابه يوماً: (إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، ... فحدثوني ما هي) . قال ابن عمر - راوي الحديث - فوقع الناس في ... شجر البوادي، قال عبد الله ووقع في نفسي أنها النخلة فاستحييت. ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: (هي النخلة) [١٤] .
تربيته لأصحابه على القيام بواجب العلم
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه
وسلم -: (من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار) [١٥] . ...
وقال ﷺ : (بلغوا عني ولو آية) [١٦] . وقال - صلى الله ...
عليه وسلم -: (نضر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها فرب مبلغ ...
أوعى من سامع) [١٧] . وقد روى هذا الحديث (٢٤) من أصحابه مما يشعر أنه
قاله ﷺ في أكثر من مناسبة.
وانظر إلى أثر هذه التربية في قول أبي ذر ﵁: (لو وضعتم ...
الصمصامة - السيف - على هذه - وأشار إلى رقبته - واستطعت أن أنفذ كلمة
سمعتها من رسول الله ﷺ ، قبل أن تجهزوا علي لأنفذتها) [١٨] .
ترغيبه أصحابه في العلم
ولا شك أن لذلك الترغيب دوراً كبيراً في إيجاد الحماسة لدى طالب العلم
للتعلم، والاستزادة من ينابيعه. فحين جاء ثلاثة نفر وهو جالس مع أصحابه فجلس
أحدهم خلف الحلقة، والآخر رأى فرجة فجلس فيها، وأما الثالث فأعرض، فقال -
ﷺ بعد ذلك: (أما الأول فآوى فآواه الله، وأما الثاني فاستحيا
فاستحيا الله منه، وأما الثالث فأعرض، فأعرض الله عنه) [١٩] .
تشجيع الطالب والثناء عليه:
سأله أبو هريرة ﵁ يوماً: من أسعد الناس بشفاعتك؟ فقال -
ﷺ : (لقد ظننت أن لا يسألني أحد عن هذا الحديث أول منك
لما علمت من حرصك على الحديث) [٢٠] ، فتخيل معي أخي القارئ موقف أبي
هريرة، وهو يسمع هذا الثناء وهذه الشهادة من أستاذ الأساتذة، وشيخ المشايخ -
ﷺ ، بحرصه على العلم بل وتفوقه على الكثير من أقرانه،
وتصور كيف يكون أثر هذا الشعور دافعاً لمزيد من الحرص أو الاجتهاد.
وحين سأل أبي بن كعب: (أبا المنذر أي آية في كتاب الله أعظم؟) ، فقال ...
أبي: (آية الكرسي) ، قال له: (ليهنك العلم أبا المنذر) [٢١] . ...
الجمع بين التعليم الفردي والجماعي:
في كثير من النصوص نقرأ: كان النبي ﷺ جالساً مع
أصحابه، بينما كنا مع النبي ﷺ ، فهذا نموذج للتعليم
الجماعي. وأما التعليم الفردي فنماذجه كثيرة، قال ابن مسعود ﵁:
(علمني رسول الله ﷺ التشهد كفي بين كفيه) [٢٢] . ومن
ذلك ما ورد من غير واحد من أصحابه: أوصاني رسول الله - صلى الله عليه
وسلم -. ومن ذلك حديث معاذ: (كنت رديف النبي ﷺ
على حمار فقال: يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله..) [٢٣] . ...
معرفة قدرات تلامذته وإدراكهم العقلي:
فهو يقول لأبي هريرة حين سأله عن الشفاعة لقد ظننت أن لا يسألني أحد عن
هذا الحديث أول منك لما أعلم من حرصك على الحديث [٢٤] .
التوجيه للتخصص المناسب:
روى البخاري تعليقاً والترمذي عن زيد بن ثابت: أن قومه قالوا للنبي -
ﷺ : ها هنا غلام من بني النجار حفظ بضع عشرة سورة،
فاستقرأني فقرأت سورة ق، فقال إني أكتب إلى قوم فأخاف أن يزيدوا علي أو
ينقصوا، فتعلم السريانية. فتعلمها ﵁ في سبعة عشر يوماً.
العناية بتعليم المرأة:
فحين صلى العيد ﷺ اتجه إلى النساء فوعظهن وأمرهن
بالصدقة [٢٥] ، بل تجاوز الأمر مجرد استغلال اللقاءات العابرة، فعن أبي سعيد
الخدري ﵁ أن النساء قلن لرسول الله ﷺ : (غلبنا عليك الرجال، فاجعل لنا يوماً من نفسك) ، فوعدهن يوماً لقيهن فيه فوعظهن ...
وأمرهن فكان فيما قال لهن: (ما منكن امرأة تقدم ثلاثة من ولدها إلا كان لها حجاباً من النار) ، فقالت امرأة: واثنين؟ فقال: (واثنين) [٢٦] . ...
استغلال المواقف في التعليم
قدم على النبي ﷺ سبي، فإذا امرأة من السبي تحلَّبَ
ثديها تسقي؛ إذ وجدت صبياً في السبي أخذته فألصقته ببطنها، وأرضعته، فقال:
(أترون هذه طارحة ولدها في النار) ، قالوا: لا، وهي تقدر على أن لا تطرحه،
قال: (لله أرحم بعباده من هذه بولدها) [٢٧] .
التشويق والتنويع في عرض المادة:
فهو أحياناً يطرح المسألة على أصحابه متسائلاً: (أتدرون ما الغيبة) [٢٨] ، ...
(أتدرون من المفلس) [٢٩] ، (إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها وإنما مثلها مثل المسلم فأخبروني ما هي) [٣٠] ولا شك أن السؤال مدعاة للتفكير ... وتنميته، ومدعاة للاشتياق لمعرفة الجواب مما يكون أرسخ في الذهن.
وأحياناً يغير نبرات صوته: (كان إذا خطب احمرت عيناه وعلا ... صوته واشتد غضبه كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم) [٣١] .
وأحياناً يغير جلسته كما في حديث أكبر الكبائر: (وكان متكئاً فجلس فقال: ألا ... ...
وقول الزور، ألا وشهادة الزور) [٣٢] .
استعمال الوسائل التعليمية:
أ- فهو يشير تارة بقوله: (أنا وكافل اليتيم كهاتين وأشار بأصبعه ... السبابة والوسطى) [٣٣] ، وقوله: (الفتنة من هاهنا من حيث يطلع قرن الشيطان) وأشار بيده إلى المشرق [٣٤] .
ب- وتارة يضرب المثل، أو يفترض قصة: (مثل القائم في حدود الله
والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فكان بعضهم أسفلها وكان بعضهم أعلاها، ... وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا ...
خرقنا في نصيبنا خرقاً فلم نؤذ من فوقنا، فإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً، ... وإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً) [٣٥] . وكما في قوله: (لله أفرح بتوبة ... ...
عبده من أحدكم سقط على دابته وقد أضلها في أرض فلاة وعليها طعامه وشرابه ...
فنام تحت شجرة ينتظر الموت، فقام فإذا هي عند رأسه) [٣٦] . ...
ج- وتارة يستعمل الرسم للتوضيح فقد خط خطاً مستقيماً وإلى جانبه خطوط، ... ... ...
وقال هذا الصراط وهذه السبل. ورسم مربعاً وقال هذه الإنسان.. [٣٧] . ...
د- وأحياناً يحكي قصة واقعية من الأمم السابقة، كما في قصة الثلاثة الذين ...
آواهم المبيت إلى غار فدعوا الله بصالح أعمالهم [٣٨] . وقصة الذي قتل تسعة ...
وتسعين نفساً [٣٩] ، وأمثالها كثير.
مراعاة الفروق الفردية
كما ورد أنه كان ﷺ يخطب فدخل رجل فقال: يا ... ...
رسول الله رجل غريب يسأل عن دينه، فترك خطبته ودعا بكرسي فجلس يعلمه ثم ...
عاد لخطبته [٤٠] .
العناية بالتعليم:
كما في الحديث السابق، وكان ﷺ يحدث أصحابه فجاء ...
رجل فسأل عن الساعة فمضى في حديثه. فقال قوم: سمع ما قال فكره ما قال،
وقال قوم: لم يسمع. ثم سأل مرة أخرى: متى الساعة؟ فمضى في حديثه، فلما ...
انتهى من حديثه قال: أين أراه السائل عن الساعة، فقال: أنا، فقال - صلى الله ...
عليه وسلم -: إذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة، قال: وما إضاعتها؟ قال: إذا
وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة [٤٠] ، فهو ﷺ رغم
أنه لم يقطع حديثه لم ينسَ هذا السائل ولم يهمله.
وحين خطب في حجة الوداع قال أبو شاه: اكتبوا لي , فقال: اكتبوا لأبي
شاه [٤١] .
تأكيد ما يحتاج التأكيد:
فقد حلف على مسائل كثيرة تزيد على الثمانين: (والله لا يؤمن.. والذي
نفسي بيده.. وأيم الله..) وغيرها كثير.
مراجعة العلم والحفظ
فقد أوصى حفاظ القرآن بتعاهده والعناية به: (تعاهدوا القرآن فوالذي نفسي
بيده لهو أشد تفلتا من الإبل في عقلها) [٤٢] ، وكان جبريل يدارسه القرآن [٤٣] .
وحين علم ﷺ البراء دعاء النوم قال: أعده علي , فقال: ...
وبرسولك - الذي أرسلت فقال ﷺ : بل وبنبيك الذي
أرسلت [٤٤] . ... ... ...
стр. 1206
تأملات في واقع الحياة
الأُخوة
بين النظرية والتطبيق
محمد الناصر
كثيراً ما يستشهد الدعاة إلى الله، بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، خلال
خطبهم ومحاضراتهم، وذلك حق لا غبار عليه.
إذ استقبل الأنصار إخوانهم المهاجرين، وشاطروهم الأموال وساكنوهم في
الديار، ثم بذلوا لهم النفس والنفيس ابتغاء رضوان الله. ولذلك كان حب الأنصار
جزءاً من عقيدة الإسلام وبات بغضهم نفاقاً يزري بصاحبه. قال تعالى: [والَّذِينَ
تَبَوَّءُوا الدَّارَ والإيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إلَيْهِمْ ولا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ
حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا ويُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ ولَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ
فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ] [الحشر: ٩] .
وفي الحديث الشريف: (آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق ... بغض الأنصار) (صحيح البخاري، كتاب الإيمان) .
بهذه الأخوة قام المجتمع المسلم في مدينة رسول الله - صلى الله عليه
وسلم -.. إذ تجاوز هذا التآخي النظريات والشعارات إلى عالم التطبيق الجاد.. ذلك أن المغترب بدينه يشعر بفرحة عجيبة تنسيه آلام الغربة وفراق الديار والأحباب، وتخفف عنه طغيان الجاهلية التي تطارده أينما توجه لتفتنة في دينه وتؤذيه في عرضه وأبنائه..
واليوم كم من المشردين المسلمين، الذين يهيمون على وجوههم هرباً بدينهم
من نيران الجاهلية المعاصرة أو طغيان الأنظمة الفاجرة! فهل يجد هؤلاء من
إخوتهم الناصر والمعين؟
لا شك أنه توجد حفنة من المؤمنين الأخيار في كل بلد، يخففون من المأساة،
ولكن كم تبلغ نسبة هؤلاء الطيبين؟ ! إن الغالبية مع الأسف تنظر إلى هؤلاء
المنكوبين بمقياس الربح والخسارة في التعامل، لأن جوانب الحياة باتت تلف كثيراً
من قطاعات المجتمعات في ديار المسلمين. وإلا فما معنى أن يعرض على خريج
الجامعات ومن يحمل الاختصاصات العليا راتب لا يزيد عن أجر العامل أو سائق
السيارة، مستغلين حاجة هذا الأخ، دون تقدير لوضعه وكرامته ومؤهلاته؟ ! حجة
هؤلاء أن العرض أكثر من الطلب وأن المؤسسة هذه قد لا تتاح لها الأرباح
الخيالية.. شأن بقية المؤسسات والشركات..
أخي القارئ، عندما نقول: إن الأنصار توسعوا لإخوانهم في بيوتهم، ثم نجد
أن كثيراً من العمارات خالية طوال السنة، وأن كثيراً من إخوة العقيدة ربما لا يكفي
دخلهم أجور مسكنهم، ثم نطلب منهم أن يستمعوا إلى حديثنا عن آفاق التآخي في
مدينة رسول الله، فهل يجد هؤلاء لكلامنا معنى؟ أم أن الواقع المرير يغني عن كل
مقال [١] ؟ ! .
عندما يأتي الإخوة الصغار يطلبون من أحدنا عوناً ما مادياً أو معنوياً، فهل
نعطيهم من وقتنا ومن أنفسنا ما يشعرهم بلحمة التآخي، ومعاني الموالاة بين
المؤمنين؟ ! أم أننا نعتذر بكثرة المشاغل وثقل التبعات وتعقيد أمور الحياة؟ !
لقد كان رسول الله ﷺ تستوقفه المرأة تسأل أو الرجل
صاحب الحاجة، وكذلك كان خلفاؤه وأصحابه فلا تذمر ولا شكوى.
وعندما يواجه بعض إخوة الدين مشكلة ما؛ هل نعطيها من وقتنا وتفكيرنا ما
تستحقه؟ أم أن اللامبالاة تكون هي الرد الطبيعي، مما يصفع كثيراً من هؤلاء؟ !
إن المسؤولية ضخمة، وما علينا إلا أن نعيد حساباتنا مع أنفسنا في أقوالنا وأفعالنا.
أن نتقي الله في حمل الأمانة، فقد أصبح الانفصام بين النظرية والتطبيق أمراً
مخيفاً منفراً..
إننا لكي نساهم في بناء مجتمع مسلم قوي؛ فلا بد من تآخٍ يعيد للمسلمين
الصورة الناصة للإخوة بعيداً عن الكلام والنظريات.
стр. 1207
سنن الفطرة وآثارها التربوية
صالح أبو عرَّاد الشهري
إن الإسلام دين الفطرة التي قال فيها الحق سبحانه: [فِطْرَةَ اللهِ الَتِي فَطَرَ
النَّاسَ عَلَيْهَا] وتتمثل هذه الفطرة في طهارة المسلم ظاهراً وباطناً، فأما طهارة
الباطن فهي متعلقة بالقلب وتعني تطهير النفس الإنسانية من الشرك بالله، وتتطلب
إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، والقيام بالأعمال الصالحة والأفعال الخيرة.
وأما طهارة الظاهر فهي الفطرة العملية التي تشتمل على كل ما كان متعلقاً بجمال
المظهر عند الإنسان المسلم وحسن سمته. لما في ذلك من ملاءمة للفطرة السوية
التي خلق الله الإنسان عليها، والتزام بهدي النبوة المبارك. فعن ابن عباس -
﵄ أن النبي ﷺ قال: (إن الهدي الصالح
والسمت الصالح والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءاً من النبوة) رواه أبو
داوود.
ولأن الإسلام هو دين الفطرة الذي عرف أسرارها، وكشف خباياها، وسبر
أغوارها، فقد قدم لها ما يُصلحها وما يصلح لها من تعاليم وسنن وتوجيهات جاءت
كالثوب المناسب لمختلف الأعضاء، والملائم لشتى الأبعاد. لذلك كله جاءت سنن
الفطرة لتشكل رافداً من روافد التربية الجمالية في حياة المسلم، ولتعرض نموذجاً
مثالياً لحياة المصطفى ﷺ ، كما إنها تحقق معنى التوازن
الذي تفتقده جميع الفلسفات البشرية التي عرفها الإنسان قديماً وحاضراً حيث إنها
ترتكز مرة على الجانب الجسدي، وتارة على الجانب العقلي، وأخرى على الجانب
النفسي وهكذا..
كل هذا يعني أن سنن الفطرة تضع الشخصية المسلمة في وضع متوازن عادل
يمثل الوسطية المطلوبة فلا إفراط ولا تفريط. وليس هذا فحسب بل إن هذه السنن
في مجموعها تمنح الإنسان تكريماً إلهياً يأتي كأبدع ما يكون التكريم.
وهذا البحث يقدم من خلال سنن الفطرة نموذجاً للتربية الإسلامية يتحقق في
كرامة الإنسان المسلم الذي أراد الله -جل وعلا- أن يكون خليفة في الأرض،
ويتمثل في توازن شخصيته في جوانبها المختلفة، كما يتحقق فيه أيضاً هدف
التربية الغائي في استقامة الإنسان واستقامة الحياة، وذلك أسمى ما تصبو إليه
التربية، عند بنائها لشخصية الإنسان المسلم.
سنن الفطرة نموذج تربوي نبوي:
تحتاج كل تربية إلى نموذج واضح يجسد معالم هذه التربية ويوضح تعاليمها
بصورة واقعية تنقل المجرد إلى محسوس، والقول إلى عمل، والنظرية إلى تطبيق.
وفي التربية الإسلامية لا يوجد أعظم ولا أكمل ولا أفضل من شخصية
محمد ﷺ لتكون نموذجاً حياً، وقدوة حسنة للإنسان المسلم في كل زمان ومكان. ولا ريب فهو من اصطفاه ربه -جلا وعلا- وقال فيه:
[لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ] [الأحزاب ٢١] . وهو الذي بعثه الله لأمته معلماً ومزكياً ومربياً. قال تعالى: [لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ والْحِكْمَةَ] [آل عمران ١٦٤] . وهو الذي مدحه ربه سبحانه بما منحه فقال له سبحانه في كلمات موجزات: [وإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ] [القلم ٤] . فكان كل خلق فاضل وسلوك سليم
متمثل في حياة رسول الله وشخصيته المتكاملة التي استوعبت كل جوانب الحياة.
وبذلك جسَّد الرسول ﷺ منهج التربية الإسلامية السامية
في الواقع العملي لحياته متمثلاً في سنن الفطرة. من هنا كان للمحافظة على هذه
السنن أثر تربوي عظيم يتمثل في أن التزام المسلم بها وتطبيقه لها في واقع حياته
يدل على أمرين هما:
* التصديق بما ورد في سيرة الرسول والتقليد والاتباع لهدي التربية النبوية
في كافة الأعمال وجميع التصرفات. وهذا بدوره كفيل بتعود المجتمع المسلم بمن
فيه من أفراد على السمع والطاعة والامتثال لأوامر الله والرسول - صلى الله عليه
وسلم -، لا سيما وأن في الناس نزعة فطرية لتقليد ومحاكاة من يحبون، وليس
هناك أحب عند المسلم من رسول الله ﷺ .
* اتخاذ القدوة الحسنة من المعلم الأول والمربي الأعظم - صلى الله عليه
وسلم - كشخصية فذة متكاملة متوازنة. وتتضح هذه القدوة في اهتمامه بالجوانب
المتعلقة بالجانب الجسمي والنظافة العامة حينما يتفقد المسلم أظافره فيقصها، وفمه
فينظفه، وأسنانه فيسوكها، وشاربه فيقصه، وإبطيه فينتفهما ... إلخ.
وهذا بدوره ينفي الزعم الباطل القائل بأن الإسلام لا يهتم بالناحية الجسمية بل
ويؤكد قضية التوازن في اهتمام التربية الإسلامية ورعايتها لمختلف الجوانب
الجسمية والروحية والعقلية، فلا يستغرب بعد ذلك أن يعرف المسلم لأول وهلة
حين يرى سمته ووقاره، وهيئته الخارجية وشكله العام الذي يميزه عن غيره من
الناس. لأن هذه السنن في مجموعها جعلت له شخصية مميزة، ومظهراً خاصاً،
ونموذجاً فريداً يقتدي فيه بإمام الطاهرين وقدوة الناس أجمعين - صلى الله عليه
وسلم -.
سنن الفطرة والتربية الجمالية:
تدعو التربية الإسلامية دائماً، وتحث على الاهتمام بالمظهر الشخصي ...
والناحية الجمالية، ليكون المسلم جميلاً في مظهره، متناسقاً في هندامه، بعيداً عن
الدروشة والقذارة والإهمال. قال تعالى: [يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ] [الأعراف ٣١] . فالله سبحانه كما جاء في الحديث: (جميل يحب الجمال) . ...
وليس هذا فحسب بل إن في ذلك إشباع لحاسة الجمال في نفس المسلم، فيتولد في
أعماقه إيمان شديد بعظمة الخالق سبحانه الذي أحسن كل شيء خلقه، والذي
صورنا فأحسن صورنا، وخلقنا في أحسن تقويم.
ومن عناية الإسلام بالمظهر الحسن والهيئة الجميلة أمره للمسلم وحثه إياه
للالتزام بسنن الفطرة التي تربي المسلم تربية جمالية تتمثل في:
* الطهارة الحسية الجسدية، وهي مما يحبه الله سبحانه. قال تعالى: [واللَّهُ
يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ] [التوبة ١٠٨] . ولما روي عن الرسول ﷺ
- أنه قال: (تنظفوا فإن الإسلام نظيف) رواه ابن حبان. ويتمثل ذلك في تطهير ...
البدن بالوضوء والغسل فينعكس ذلك بدوره على المظهر الخارجي.
* الطهارة المعنوية التي تغرس في النفوس تطهير الضمير كعبادة وطاعة
وامتثال لأوامر الله سبحانه ورسوله ﷺ .
وهذه التربية الجمالية تؤدي بدورها إلى تطهير النية والعمل والسلوك،
فنظافة المظهر مدعاة لنظافة الجوهر، ونظافة الشكل مدعاة لنظافة الضمير،
ونظافة الفرد مدعاة لنظافة المجتمع. وبذلك يتحقق بعد تربوي إسلامي عظيم متمثل
في طهارة المجتمع المسلم طهارة معنوية من الفواحش والمعاصي والذنوب والآثام،
فترتفع النفس المسلمة من رجس الفوضى وأوحال الوحشية إلى نظافة الأخلاق
وتهذيب السلوك. ومن ثم يتم تطهير الحياة الاجتماعية عامة حتى تصبح التربية
شاملة للنفس والعقل والجسم.
وليس هذا فحسب بل إن في هذه السنن مدعاة لتأليف القلوب ومد جسور
المحبة والمودة، وتوطيد الصلة بين الإنسان المسلم وزوجه، فتكون حياتهما مبنية
على الرحمة والمودة، وقائمة على السكن والراحة والقبول. وليس أجمل من أن
يكون - كلا الزوجين مناسباً للآخر، وملائماً له، مقبولاً عنده في شكله وهيئته لأن
ذلك مدعاة للائتلاف والرضى، وسبب مباشر لقناعة كل منهما بالآخر. وهذا بدوره
سيؤدي إلى استمرارية سعادتهما الزوجية.
ولقد كان النبي ﷺ قدوة تحتذى في هذا الشأن. يقول
ابن الجوزي: (كان النبي ﷺ أنظف الناس وأطيب الناس) . وقد قالت الحكماء: من نظف ثوبه قلّ همه، ومن طاب ريحه زاد عقله، ومن ...
طال ظفره قصرت يده. ثم إن المسلم بالتزام سنن الفطرة يقرب من قلوب الخلق،
وتحبه النفوس لنظافته وطيبه. كما أن سنن الفطرة تنمي لدى الإنسان الإحساس
بالجمال، وتنمي طاقاته وملكاته المستشعرة لمعنى الجمال في خلق الله سبحانه.
وأحسب أن قول النبي ﷺ : (إن الله جميل يحب
الجمال) إنما هو دعوة إلى التخلق والتحلي بالجمال الذي هو البهاء والحسن وجمال ...
الصورة وجمال المعنى على حد سواء.
سنن الفطرة والتوازن في شخصية المسلم:
مما لا شك فيه أن الكيان البشري يشتمل على عدة وحدات هي: الجسم،
والعقل، والروح. ولذلك فإن التربية الإسلامية حرصت على الربط بين هذه
الوحدات لتجعل منها كياناً واحداً مترابطاً، واختطت لذلك منهجاً فريداً في إحاطته
بجميع الجوانب الإنسانية، فجاء هذا المنهج متوازناً مهتماً بالذات الإنسانية في كل
حالاتها. ولا ريب فهي تربية للإنسان كله جسمه وعقله، روحه ووجدانه، خُلقه
وسلوكه، سرائه وضرائه، شدته ورخائه، أي أنها تشمل كل الجوانب الشخصية
دون قهر أو كبت أو فوضى أو تسيب أو إفراط أو تفريط.
ولذلك جاءت شخصية الإنسان المسلم متوازنة سوية متكاملة، لا يطغى فيها
جانب أو يهمل على حساب الجانب الآخر. وهذا هو ما نلمسه في هذه السنة هي
التي إلى جانب كونها من المظاهر الدنيوية فهي عبادة يثاب عليها المرء، وتكسبه
الأجر والثواب متى قصد بها وجه الله سبحانه والاقتداء بهدي النبوة. وهذا بدوره
يربط بين الهدفين الديني والدنيوي للتربية الإسلامية. وبذلك يتحقق التوازن في
شخصية الإنسان المسلم حينما نرى أن التزامه بهذه السنة يجعل الجسم يحظى بحق
من العناية والرعاية والاهتمام فيما يخص المظهر الخارجي والشكل العام اللائق
المقبول. فيدل ذلك على أن الإنسان ينعم بعقل راجح وتفكير سديد، ومدارك واسعة
وفهم عميق لحقائق الأشياء وجوهرها. الأمر الذي يدفعه من ثم إلى السمو الروحي
والرفعة الإنسانية والتعالي عن سفاسف الأمور وصغائرها وحطامها المادي الحقير.
كما أن اتباع المسلم لما يسمى بسنن الفطرة يؤدي إلى ما يسمى بالقبول
الاجتماعي للفرد. حين يقترب منه الناس ويطمئنون إليه ويعاملونه بكل حب وتقدير
واحترام لأنه يفرض ذلك عليهم بحسن مظهره وحسن تدبيره. لذلك كله نقول ونؤكد
أن دين الإسلام هو الدين الوحيد القادر على ربط الإنسان بخالقه وإصلاح حاله في
كل زمان ومكان حينما يمشي على الأرض بجسم، ويتوجه بروحه إلى السماء
ليستمد منها أنوار الهداية والمعرفة فيحكم عقله فيها ويختار منها ما يناسب حاله،
ويوافق قدراته، ويلبي حاجاته، فتسير حياته وفق منهج مستقيم وهدي قويم.
سنن الفطرة دليل تكريم الله للإنسان المسلم:
لما كان الدين الإسلامي هو المنهج الرباني المتكامل والمناسب للفطرة
الإنسانية، لأنه جاء من عند الخالق لصياغة شخصية الإنسان صياغة
متوازنة متكاملة، لا ترفعه إلى مقام الألوهية، ولا تهبط به إلى درك الحيوانية أو
البهيمية، وإنما لتجعل منه خير نموذج على الأرض؛ فقد خصه -جل وعلا-
بتكريم يليق به لكونه جُعل في الأرض خليفة ليعمرها وينشر منهج الله بين ربوعها
ويقيم شريعته فيها. ثم لأنه - جلا وعلا - خلقه في أحسن تقويم فكرمه بالصورة
الحسنة والمظهر الجميل، فكانت سنن الفطرة عاملاً مهماً في إبراز هذا الجمال
والمحافظة عليه. وليس هذا فحسب بل إن الله كرم الإنسان بأن نفخ فيه من روحه، قال تعالى: [إذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَأٍ مَّسْنُونٍ
* فَإذَا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ] [سورة ص ٧١-٧٢] .
فكان ذلك تكريماً للكائن البشري وتمييزاً له عن سائر المخلوقات، إضافة إلى ما
خصه الله به من نعمة العقل. فكان للجانب العقلي انعكاس على سلوكه وتصرفاته
تجعله يحكم ذلك العقل كثيراً، لا سيما وأن ذلك العقل يعد مناط التكريم الإلهي
للإنسان.
ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا أن في هذه الخصال والسنن النبوية نمطاً تربوياً إسلامياً
يتناسب مع مسئوليات هذه الخلافة ووظائف تعمير الكون، إلى جانب كونها تحقق
مبدأ التكريم الإلهي للإنسان في هذه الحياة الدنيا. وهو أمر يتميز به الإنسان عن
غيره من الكائنات الحية الأخرى لقوله تعالى: [ولَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وحَمَلْنَاهُمْ فِي
البَرِّ والْبَحْرِ ورَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً]
[الإسراء ٧٠] . ففي قص الأظافر مثلاً تمييز للإنسان المسلم عن غيره من الكائنات
ذات المخالب من كواسر وقوارض ونحوها. وفي حلق الشعر وقصه ونتفه تمييز
للإنسان المسلم عن غيره من المخلوقات ذات الشعور المرسلة، والمسدلة على
أجسادها بلا ترتيب ولا انتظام. وفي السواك والمضمضة تمييز للإنسان المسلم عن
غيره من الكائنات التي لا تنظف أفواهها ولا تعتني بنظافة أسنانها.. وهكذا.
وهذا فيه رفع لمستوى الإنسان المسلم وتكريم له على غيره من الكائنات
والمخلوقات الأخرى لذا كان على الإنسان المسلم أن يحترم هذه المكانة التي أنزله
الله إياها، وألا يهبط بها عن مستواها الإنساني الرفيع الذي خصه الله به عمن سواه. ... ومن هنا نرى أن سنن الفطرة دليل على تكريم الخالق سبحانه للإنسان المسلم
لأمرين هما:
* إن تكريم الله سبحانه للإنسان نابع في الأصل من كون هذا الإنسان يحمل
منهج الله في الأرض، وأن هذا المنهج يعتمد على مصدرين رئيسيين أحدهما متمثل
في اتباع الهدي النبوي والسنة المطهرة.
* أن من السنة الاقتداء برسول الله، وهذا يحصل للمسلم عن طريق محافظته
على سنة الفطرة.
سنن الفطرة والاستقامة الإيمانية:
من المسلمات أن التربية الإسلامية تسعى إلى تحقيق غاية عظمى، وهدف
أسمى يتمثل في استقامة النفس البشرية على نهج الإيمان الواضح الصحيح الذي لا
تشوبه شائبة، وذلك أمر لا يمكن تحقيقه إلا بممارسة شرائع الإسلام واتباع تعاليمه، والانقياد لأوامره والابتعاد عن نواهيه. فالاستقامة إذاً مرحلة ثانية تأتي بعد
الإيمان لأنها أثر من آثاره ونتيجة من نتائجه. قال تعالى: [ومَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِّمَّنْ
أَسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ حَنِيفاً] [النساء: ١٢٥] . وقال -
ﷺ : (قل: آمنت بالله، ثم استقم) رواه مسلم. فهذه الاستقامة ...
الإيمانية لا تتحقق إلا بالفقه الشرعي ومعرفة أمور الدين، والإحاطة بتعاليمه،
ورعاية الأخلاق وتطبيقها في واقع الحياة ليصبح الإنسان المسلم بذلك كله قدوة
صالحة وأسوة حسنة. ثم لأنه متى استقام قلب المسلم على معرفة الله سبحانه وعلى
خشيته وتقواه في كل لحظة وفي كل صغيرة وكبيرة؛ استقامت جوارحه كلها على
الطاعة والامتثال.
وهذا يؤهل من قام به والتزمه ليكون من حملة الرسالة الخالدة الذين قال الله
سبحانه فيهم: [إنَّ الَذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا
ولا تَحْزَنُوا وأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ] [فصلت ٣٠] .
ومن هنا يمكن القول بأن من ثمرات التزام المسلم بسنن الفطرة ما تحققه من
ملامح الاستقامة الإيمانية عنده حينما يطبها بشكل مناسب ومقبول يعتمد في المقام
الأول على الاعتدال والاتزان والاتباع لهدي النبي ﷺ دونما
إفراط أو تفريط. إضافة إلى تربية المسلم على الاستمرارية والمواصلة والمحافظة
على هذه السنن المباركة والخصال الحميدة لما فيها من خير للفرد وصلاح المجتمع.
стр. 1208
هوية الأمة الإسلامية
محمد محمد بدري
لكل أمة من الأمم (ثوابت) تمثل القاعدة الأساسية لبناء الأمة. وفي طليعة هذه
الثوابت تأتي (الهوية) باعتبارها المحور الذي تتمركز حوله بقية الثوابت، والذي
يستقطب حوله أفراد الأمة. ولا تستحق أمة من الأمم وصف (الأمة) حتى تكون لها
هويتها المستقلة والمتميزة عن غيرها من الأمم. وإذن فالأمة بنيان يتجمع فيه
الأفراد حول (هوية) ثابتة، تكون هي الصبغة التي تصبغ الأمة، وتحدد سلوك
أفرادها، وتكيف ردود أفعالهم تجاه الأحداث، ولا شك أنه كلما شعر أفراد الأمة
بهويتهم، كلما تعمق انتماؤهم إلى أمتهم، وتأكد الولاء بينهم، وتيسر تعاونهم في
سبيل حمل رسالة الأمة والدفاع عنها أمام هجمات الأمم الأخرى.
كما أنه من البديهي أيضاً، أن الأمة إذا فقدت (هويتها) ، فقدت معها استقلالها
وتميزها، وفقدت بالتالي كل شيء لأنها تصبح بلا محتوى فكري أو رصيد
حضاري، فتتفكك أواصر الولاء بين الأفراد، وتنهار شبكة العلاقات الاجتماعية في
الأمة، وتموت الأمة، بل وتنبعث منها روائح الموت التي تجذب برابرة الأمم كما
تجذب جثة الثور الميت صغار الوحوش لتنهش لحمه وتقطع أوصاله، مع أنها
كانت في حياته تمتلئ رعباً من منظره! !
وهذا ما يحدث للأمة في ظل فقدان الهوية.. حيث السقوط الحضاري..
وتداعي الأمم. فإذا أراد أحد إحياء هذه الأمة (الميتة) ، فإنه لا سبيل أمامه إلا أن
يكشف عن هوية هذه الأمة، ويجلي أبعاد خصوصيتها بين الأمم، ليساعد ذلك في
الدفع النفسي والشعوري إلى إحياء مجد الأمة التليد، والمساهمة الفعالة في السبق
الحضاري من جديد.
هوية الأمة الإسلامية:
ليس تحديد (الهوية) ترفاً فكرياً، أو جدلاً فلسفياً بل هو أمر جاد يتعلق - بل
يقرر - طبيعة الصراع المصيري للأمة مع أعدائها (إذ أن الإنسان لا يستطيع أن ...
يحدد موقفه من غيره، قبل أن يحدد موقفه من نفسه: من هو؟ ومن يكون؟ وماذا
يريد؟ وبدون هذا الحسم (للهوية) الذاتية، لا يمكن تحديد أي موقف فعال من أي
قضية من قضايا المصير والتقدم والحياة الكريمة) [١] ولذلك لا بد أن نسأل أنفسنا: ... من نحن؟ وما هي هويتنا بالتحديد؟ .. فإذا حددنا هويتنا، انتقلنا على ضوء ذلك
إلى تحديد ماذا نريد؟ .. ومن ثم كيف السبيل؟ وإذن فتحديد الهوية يعرفنا بأهدافنا
التي نريدها، والأسلوب الذي نتوصل به إلى هذه الأهداف..
فما هي هويتنا؟
لا شك أن هويتنا الأصيلة هي الإسلام، وأن (الإسلام (كانتماء) هو القاسم
المشترك الوحيد لأمة متكاملة كبرى، ولا شيء غيره ... وإذا ما نحينا الإسلام جانباً، ... فمن المستحيل أن نجد قاسماً مشتركاً آخر نتفق عليه وتلتقي عنده الأمة الإسلامية، فلا الأرض ولا اللغة ولا التاريخ يمكن أن تكون القاسم المشترك لأمتنا، وذلك
لأن الأرض واللغة والتاريخ تعتبر امتداداً للإسلام) [٢] الذي هو الهوية الراسخة ...
في نفوس أفراد الأمة، والتي تهدي رؤيتهم إلى مختلف القضايا، وتعطيهم الوعي
الصحيح والرؤية الواضحة والزاد الحقيقي في مواجهة أعداء الأمة
الإسلامية ... وهذه هي عبرة التاريخ، ودرس الواقع في الأمة الإسلامية؟ ! ...
فأمّا إنها عبرة التاريخ: (فإن العالم الإسلامي كان أمة واحدة تظلله راية لا إله ...
إلا الله محمد رسول الله.. وكان المسلم يخرج من طنجة حتى ينتهي به المقام في
بغداد لا يحمل معه جنسية قومية أو هوية وطنية، وإنما يحمل شعاراً إسلامياً هو
كلمة التوحيد، فكلما حل أرضاً وجد فيها له أخوة في الإيمان، وإن كانت الألسنة
مختلفة والألوان متباينة لأن الإسلام أذاب كل تلك الفوارق واعتبرها من شعارات
الجاهلية) [٣] .. ويحكي لنا التاريخ كيف سافر ابن بطوطة من (شاطئ ... المحيط الأطلسي إلى شاطئ المحيط الهادئ، ولم يعتبر في قطر مر به أجنبياً، بل واتته الفرصة حيثما حل لأن يصبح قاضياً أو وزيراً أو سفيراً، ولم يراقب في حركاته وسكناته، ولم يسأله أحد عن هويته أو جنسيته أو مهنته أو وطنه) [٤] ... فقد كان أفراد الأمة في تحركهم بين بلد وآخر من بلاد الإسلام لا يحتاجون إلى تأشيرات دخول أو خروج، لأن الإسلام بلور (هويتهم) الحقيقية، ومنحهم (الجنسية) الإيمانية، وزودهم بروح الأخوة والمودة.
لقد كان الفرد من عامة الأمة لا يرى في غير الإسلام سبباً للتجمع، بل يرى
أنه وحده أساس الانتماء، وأنه وحده رابطة الولاء. ولذلك لم تكن له قابلية للشعور
بالغضاضة في أن يعيش على أرضه، بل ويحكمه (مسلم) من بلد آخر.. فصفة
الإسلام تجب ما عداها، ورابطة الدين تغني عما سواها.
ولذلك رأينا في مصر مثلاً أنه (كانت نظرة المصريين دوماً إلى المماليك -
وهم ليسوا أولي جذور مصرية - نظرة المسلمين إلى المسلمين، الذين قد تكون لهم
كحكام مظالم وشرور، ولكن هذه النظرة ما تعدت ذلك إلى اعتبارهم وافدين على
الوطن) [٥] .
ومن ناحية أخرى كانت نظرة الفرد من عامة الأمة إلى العالم من حوله،
نظرة إسلامية محددة، يعتبر الفرد فيها أن الأرض التي يسيطر عليها النظام
الإسلامي، وتحكمها الشريعة الإسلامية هي (دار الإسلام) .. وأن الأرض التي لا
يسيطر عليها الإسلام ولا تحكمها الشريعة الإسلامية هي (دار الحرب) .
.. وبقي الدين عنصراً بارزاً في وعي أفراد الأمة، وبقي الإسلام هو
المُشَكّل لهوية الأمة الإسلامية.. فهو الذي يقوم عليه التصور العقدي العام في الأمة، وإن شابه بهوت في بعض المفاهيم.. وهو الذي ينشط حركة الفرد في محيطه
الفردي والجماعي وإن اعترى ذلك فتور في الفعالية..
(وكانت هذه الحقيقة من الوضوح بحيث فرضت نفسها على الفرنسيين ... وهم يعدون العدة للتعامل مع الشعب المصري، حتى يمكن القول بأن الباب الذي اعتمده نابليون للدخول إلى المصريين كان باب الدين.. الذي استغله نابليون منافقاً، بصورة ساذجة وسطحية. فهذا هو المنشور الذي وجهه نابليون للمصريين وقد افتتح بعبارة تقول: (بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله لا ولد له، ولا شريك له في ملكه، ثم يقول: يا أيها المصريون، قد قيل لكم إنني ما نزلت بهذا الطرف إلا بقصد إزالة دينكم، فذلك كذب صريح لا تصدقوه، وقولوا للمغتربين إنني ما قدمت إليكم إلا لأخلص حقكم من يد الظالمين، وإنني أكثر من المماليك أعبد الله ، وأحترم نبيه والقرآن الكريم.. ثم يضيف كاذباً: أيها المشايخ والقضاة والأئمة والجرنلجية وأعيان البلاد، قولوا لأمتكم إن الفرنساوية هم أيضاً مسلمون مخلصون (وفي النص الفرنسي: محبون للمسلمين المخلصين) ! !
ويدل ذلك على أن نابليون حينما أراد أن يقدّم الفرنسيين للشعب المصري،
بالصورة التي يعلم أنها مظنة القبول - عنده، قدمهم (كمسلمين مخلصين) أو على
أقل تقدير (محبين للمسلمين المخلصين) ! !
لقد كان المدخل بالقطع ذا علاقة بالإسلام، الذي ظل - رغم كل ما شاب
وجوده الحقيقي من خلل - سمتاً غالباً في المجتمع، يراه الناس أساس التجمع
وسبب الدولة [٦] . ولذلك فإن المصريين حين قاتلوا الحملة الفرنسية، لم يقاتلوها ...
بوصفهم (مصريين) إزاء (فرنسيين) .. وإنما بوصفهم (مسلمين) يقاتلون (الكفار)
الذين يحتلون أرضهم والدليل على أنها كانت حرباً جهادية إسلامية ضد (الصليبيين)
أن علماء الدين كانوا هم قادتها، وأن غضب نابليون انصب على الأزهر بوصفه
عنصر المقاومة للغزو الصليبي.. وتأتي قمة الدلالة في كون سليمان (الحلبي) الذي
قتل كليبر لم يكن (مصرياً) ، إنما كان (مسلماً) دفعه إسلامه إلى قتل قائد الحملة
الصليبية الموجهة إلى أرض إسلامية.
وإذا مضينا مع التجربة الإسلامية، وجدنا المثال الآخر الذي يدل على أن
الإسلام (كهوية) للأمة، كان دائماً يعبئ طاقات الأمة ويوحدها، ويجعلها أكثر
صلابة في مواجهة أعدائها.. وذلك المثال هو ثورة ١٩١٩ م في مصر..
لقد قامت الثورة تعبيراً عن غضب الأمة المختزن منذ عهد الاحتلال..
واشترك فيها الشعب كله إلى أقاصي الصعيد.. وكانت الجماهير تستمع إلى خطباء
الأزهر الذين يشعلون حماستها، فتخرج في مظاهرات قوية ضد المستعمر الغاصب ...
وكان الإنجليز يدركون أنها ثورة إسلامية، ويرون في ذلك الخطورة البالغة،
كما عبّر عن ذلك اللورد اللنبي المندوب السامي في مصر بقوله: إن الثورة تنبع
من الأزهر، وهذا أمر له خطورته البالغة.. أفرجوا عن سعد زغلول وأعيدوه إلى
القاهرة [٧] .
وإذن فقد كانت الثورة في بدايتها [٨] ثورة (إسلامية) .. وكانت أحاديث الناس، وبخاصة في الريف تدور حول ضرورة الثورة ضد (الكفار) المغتصبين..
وضرورة الثورة ضد الذين يفصلون بين الأمة وبين دولة (الخلافة) .. وكان الناس
يرون أن (الأزهر) هو الجدير - في حسهم - أن يقود الثورة الإسلامية. ...
وهكذا في كل مواجهة بين الأمة الإسلامية، وبين أعدائها، كان الإسلام هو
الحصن الذي فشلت تحت أسواره محاولات القضاء على الأمة على مدار التاريخ..
وكانت (الهوية الإسلامية) هي الحافز الرئيسي الذي دعم جهاد الأمة ضد أعدائها،
سواء في الحروب الصليبية، أو غزو التتار، أو حروب الفرنجة، أو غيرها..
حيث كانت الأمة تندفع بهويتها الإسلامية لتقدم قدراتها القوية، فسرعان ما تنهزم
قوى الباطل ويعود المسلمون إلى امتلاك إرادتهم، وبناء أمتهم، ونشر كلمة الله في
العالمين.. هذه هي عبرة التاريخ..
وأما درس الواقع.. فقد (أثبت لنا تاريخ صراع الأفكار والمذاهب في القرن ...
الأخير في المجتمعات الإسلامية أن الأمة الإسلامية رفضت محاولات إسقاطها
النهائي أمام الأمم الأخرى وحضاراتها، ... وأنها لا تزال تحتفظ بجوانب من القوة
في مقوماتها الإسلامية وخصائصها الذاتية المستغلة، على الرغم من غزو الحضارة
الغربية لقيمها وحياتها وسلوك أفرادها) [٩] ، ولا تزال ترى أن الإسلام هو المنهج
الذي يمثل خصائصها، ويحدد هويتها، ويرسم الطريق الأمثل والوحيد إلى أهدافها
الحضارية..
وليس أدل على ذلك من هذه الصحوة الإسلامية، وتلك الجحافل الساجدة لله.
بالفكر والسلوك.. الساعية إلى إخراج الأمة الإسلامية من التبعية إلى الريادة وقيادة
البشرية.
إن الإسلام وحده هو (هوية الأمة الإسلامية) وهو عصب حركتها ومحور
اجتماعها، وهو القوى الدافعة التي تفجر طاقات الأمة وتقوي وقفتها في مواجهة
أعدائها. ويوم أن كان الإسلام هو هوية هذه الأمة، كان المسلمون هم سادة الأرض
بحق وصدق وعدل.. وبغيره ستظل الأمة تلهث وراء المظاهر الحضارية تحسبها
التقدم، وهي القشور والخداع.
وبكلمة: لقد بلور الإسلام (هوية الأمة الإسلامية) ، ومنح أفرادها (الجنسية)
الإيمانية، فاجتمعوا حول الإسلام وربط بينهم حبل الله كارتباط الجسد الواحد.. ولم
يستطع الغزو العسكري أو الفكري أن يحكم الأمة الإسلامية بغير الإسلام إلا في ظل
سياسة العصا الغليظة، والاستبداد السياسي، والظلم الاجتماعي، والأنظمة
الجبرية.. حيث تلغى إنسانية الإنسان، وتطارد حريته، وتصادر
هويته! !
... واليوم يبقى الإسلام هو (وحده) المنهج الذي يمثل خصائص الأمة
ومنطلقاتها الاعتقادية وأهدافها الحضارية.. ذلك أنه هو (هوية الأمة الإسلامية) .
стр. 1209
منهج الطبري في تاريخه
د. محمد آمحزون
بدأ الإمام الطبري حياته العلمية بدراسة الحديث، فكان حرياً أن يتأثر بمنهج
المحدثين في جمع الرواية التاريخية والاهتمام بسندها، فكان يجمع مأثور الروايات
ويدونها مع إسنادها إلى مصدرها مثل: شيخ تتلمذ عليه، أو عدل شارك في
الحادثة أو كان له علم بها، أو كتاب تدارسه بالسند المتصل قراءة وسماعاً وإجازة.
فكان في الغالب يلتزم وجهة المحدثين في الاهتمام الذي ينصب على الإسناد حيث
يثبته في معظم الأحيان في الروايات.
يقول في هذا الشأن في مقدمة تاريخه: (وليعلم الناظر في كتابنا هذا أن
اعتمادي في كل ما أحضرت ذكره فيه، إنما هو على ما رويت من الأخبار التي أنا
ذاكرها فيه والآثار التي أنا مسندها إلى رواتها فيه دون ما أدرك بحجج العقول
واستنبط بفكر النفوس.. إلا القليل اليسير منه) [١] .
وهكذا أكد الإمام الطبري حرصه على إسناد كل خبر إلى قائله وأنه سوف لن
يسمح لحجج العقول وفكر النفوس أن تتدخل في التفسير والاستنباط، في الكتابة
والتدوين أثناء جمع المادة، وما ذاك إلا حرصاً منه على جمع ما قيل كله أو جله
من وجهات نظر متعددة إن كانت، وبعد ذلك محصل الموازنة والمقارنة،
والاستنباط والقبول والرد لمن يريد.
ولما كان تاريخ صدر الإسلام - خصوصاً فترة الفتنة - أكثر حساسية من
غيره، إذ فيه روايات أملتها عاطفة الرواة أو الاتجاهات السياسية أو اختلاف
وجهات النظر والفهم، ونظراً لأن الروايات تتأثر بعوامل مختلفة كالنسيان والميول
والنزعات فيصعب الجزم بدقتها وسلامتها، فإن هذا مما يجعل إبداء الرأي فيها أو
إصدار حكم بشأنها يبدو معقداً للغاية.
ولهذا قام الإمام الطبري ﵀ وهو يعرض وجهات النظر المختلفة
لرواته ومصادره باتباع طريقة جمع الأصول وتدوينها على صورة روايات،
المسؤول عنها رجال السند أي الرواة الإخباريون. وقد برهن على ذلك في قوله:
(فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما ينكره قارئه
أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجهاً في الصحة ولا معنى في
الحقيقة، فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا، وإنما أتي من قبل بعض ناقليه إلينا،
وأنا إنما أدينا ذلك عن نحو ما أدي إلينا) (١/٨) .
ومن منهجه أيضاً الحياد، فهو يعرض مختلف وجهات النظر دون تحزب أو
تعصب، وإن كان له رأي خاص فيظهر أحياناً في اختياره للروايات وإيراد بعضها
وترك البعض الآخر، متجنباً إعطاء حكم قاطع في القضايا التي يتعرض لها، حتى
أنه لا يفضل رواية على أخرى إلا نادراً.
وقد أدى به التزام هذا المنهج إلى الحرص على إيراد الروايات المختلفة
للحادث أو الخبر الواحد، وعند المقابلة بين الروايات يستعمل تعبير: (واختلف
في كذا) ثم يعقبه باستعراض الروايات المختلفة لرواته كقوله: فقال ...
بعضهم.. وقال بعضهم.. وقال هشام بن الكلبي..، وكقوله: وذكر عن فلان أنه قال.. وحدثنا فلان.. وقال آخرون.. وقال بعضهم.. (٤/١٧٤)
إلا أن النقد والمقابلة يظهر جلياً في عدد من الأخبار التي ترد في نهاية
الحوليات كالوفيات والصوائف وتعيين ولاة الأقاليم وأمراء الحج، ومثال ذلك في
قوله: (وفي سنة كذا توفي أبو العباس يوم.. بالجدري. وقال هشام بن ... محمد الكلبي - توفي يوم.. واختلف في مبلغ سنه يوم وفاته. قال بعضهم.. وقال بعضهم.. وقال الواقدي.. (٤/٤٧٠) ، وقوله:) وغزا الصائفة في سنة كذا فلان، وقال الواقدي أن الذي غزا الصائفة في هذه السنة فلان (٨/٢٤١) .
وهكذا إذا كان للحادث روايات مختلفة اعتقد الإمام الطبري بوجوب ذكرها
لتكتمل الرؤية عنه. لكن مع اجتهاده في تدوين كل ما يمكن تدوينه من الروايات
والأقوال من الخبر الواحد، فإذا وصل إلى موضوع مطول مختلف فيه قطعه ليذكر
مواضع الاختلاف مشيراً إليها (٤/ ٤٦٦، ٤٦٨، ٤٦٩) . فإذا ما انتهى منها عاد
إلى المتن - أي إلى الموضع الذي وقف عنه - فيمهد للكلام بإشارة تدل على
استئنافه كأن يقول: (رجع الحديث إلى حديث فلان..) (٤/٤٧٠) .
وما يلاحظ أن هذه الطريقة تربك القارئ، فتنسيه الحادث الأصلي، إذ تشكل عقبة أمامية أمام الوحدة الموضوعية للحادثة التاريخية، وربما كان الأفضل عرض كل رواية عرضاً متكاملاً من أولها إلى آخرها، الواحدة تلو الأخرى، وبهذا العرض الكامل تتكون لدى القارئ فكرة واضحة عن الموضوع وعن الأوجه المختلفة فيه، فيستطيع أن يوازن بين جميع الآراء، ويرجع بعضها على بعض، فتتكون بذلك لديه نظرة إيجابية عن الموضوع.
وقد راعى الإمام الطبري في ترتيب تاريخه تسلسل الحوادث، فرتبها على
حسب وقوعها عاماً بعد عام منذ الهجرة إلى نهاية عام ٢٠٢ هـ (٩١٤ م) . فذكر
في كل سنة ما وقع فيها من الأحداث التي رأى أنها تستحق الذكر.
ويختلف حجم الحوليات لديه حسب كثرة وقوع الحوادث فيها أو قلتها وأهميتها
وبلوغ أخبارها إليه، فيطيل ويقصر وفق ذلك، فبعض الحوليات لا تعدو أسطراً
(سنة٢٥) ، وبعضها صفحة أو صفحتان (سنة ٢٩، ٤٨، ٠ ٧) ، والبعض الآخر
يزيد طوله على مائة صفحة (سنة٣٥، ٣٦) ، وإذا كانت - الحادثة طويلة فيجزئها
حسب السنين التي تستغرقها.
أما طريقته في سرد أحداث كل حولية فليست على نسق واحد، فتارة يذكر
الحادث التاريخي ثم يبدأ في ذكر تفصيله والروايات فيه (٤/٤٤٢) ، وتارة يذكر
جملة الأحداث التي كانت هذه الحولية ثم يعود إلى تفصيل بعضها (٤/٣١٧) ،
وتارة ثالثة تقتصر الحولية على جملة من الأحداث في بضعة أسطر (٤/٢٥٠) ،
وفي ختام الحولية يذكر بعض من توفي في تلك السنة من المشهورين، لكن هذا
ليس مضطرداً، أما الذي لا يكاد يتركه غالباً في ختام كل حولية فذكر أسماء عمال
الأقاليم أو أمراء الحج أو هما معاً في تلك السنة، وفي الحوليات التي أعقبت حركة
الفتوح يحرص على ذكر أخبار المرابطين على الثغور للجهاد، كما يسمي
الصوائف والشواتي، والحصون والمدن التي استولى عليها المسلمون.
وبالنسبة للأخبار التي لا ترتبط بزمن معين كالسير مثلاً، فقد كان يختم بها
الحديث عن كل خليفة عند وفاته، فبعد أن يذكر الأحداث في عهده مرتبة على
السنين يختمها باستعراض سيرته دون التقيد بعامل الزمن.
وما يذكر أن الإمام الطبري لم يتقيد بطريقة الحوليات في كل كتابه، وإنما
اتبعها في الحوادث الخاصة بتاريخ الإسلام.
أما في القسم الرابع - أي منذ الخليقة إلى الهجرة - فقد اتبع منهجاً آخراً في
عرض الحوادث فلم يرتبها على حسب وقوعها عاماً بعد عام، إذ كان ذلك متعذراً،
ولكن سار على النهج الذي سلكه أكثر المؤرخين القدماء بالبدء بالخليقة ثم بالأنبياء
ثم التعرض للحوادث التي وقعت في أيامهم، وذكر الملوك الذين كانوا يعاصرونهم
وأخبارهم، وكذلك الأمم المعاصرة لهم والتي جاءت بعدهم إلى ظهور الإسلام وبعثه
المصطفى ﷺ .
ويكثر الإمام الطبري في تاريخه من تسجيل النصوص التاريخية من رسائل
وخطب ومحاورات ولا سيما الشعر رغبة في توثيق الحوادث أو التشويق إليها.
كما أنه حاول ضبط النصوص التي يرويها دون تبديل أو تغيير إلى درجة أنه كثيراً
ما تبقى الكلمات والألفاظ غير العربية كما هي (٢/٥١، ٥٤، ٦٢) .
أما منهجه في إثبات المصادر، فإنه إذا ما نقل من كتاب ما فإنه قلما يذكر
عنوانيهن، وإنما يذكر اسم مؤلفه كقوله مثلاً: (قال الواقدي) أو (قال أبو مخنف.. (وإذا سمع من أحد مشافهة قال: (حدثني فلان..) فإذا اشترك مع راوي محدثه في السماع آخر أو آخرون قال: (حدثني فلان قال.. حدثنا فلان وفلان.. ثم سلسل السند إلى مصدره الأصلي) .
وكان يعتمد أحياناً على المراسلات فيقول: كتب إلى السري عن شعيب عن
سيف (٤/٢٦٢) وقد حرص في الغالب على السند المتصل إلا في بعض المواقع ...
كقوله: (وقد قيل) أو (ذكر عن فلان) (٥/١٧٢) .
وكان يضع العناوين لأحداثه وخاصة المهمة منها في بداية كلامه عن بدء كل
سنة تحت عنوان عام مثل قوله: (ثم دخلت خمس وثلاثين، ذكر الخبر عما كان
فيها من الأحداث المشهورة) أو (ذكر الأحداث المشهورة التي كانت فيها) أما ...
الأحداث الصغيرة التي لا تتجاوز بضعة أسطر، فإنه يذكرها متعاقبة تحت عنوان:
ثم دخلت سنة كذا، وذكر الأحداث التي كانت فيها.
أما فيما يتعلق بعدالة الرواة، فإذا كان الإمام الطبري لا يتقد بالقيود التي
تمسك بها أهل الحديث بالنسبة إلى الرواة الضعفاء، فأدخل في تاريخه أقوال الكلبي
وابنه هشام والواقدي وسيف بن عمر وأبي مخنف وغيرهم من الضعفاء المتهمين
بالكذب والوضع في الحديث، فإن ذلك يرجع إلى اتباعه منهجاً معلوماً عند علماء
الحديث وغيرهم حيث يذكرون ما يبلغهم ويسوقون سنده، فالصحيح يؤخذ وغير
الصحيح يعرف ويرد وفق ضوابط الشرع وقواعد الرواية..
وهكذا لم يكن الإمام الطبري بذلك العمل مغفلاً أو جاهلاً عندما يورد مئات
الروايات عن الضعفاء والمتروكين، لكنه يتبع منهجاً مرسوماً عند علماء الجرح
والتعديل لا يلزم من إيراد أخبار المتروكين والضعفاء وتدوينها في كتاب من الكتب
للاحتجاج بها كقولهم: (يروي حديثه ولا يحتج به) و (يذكر حديثه للاعتبار) ، (يكتب حديثه للمعرفة) ، (ولا يجوز الرواية عنه إلا للخواص عند الاعتبار) [٢] . ...
وفي هذا الصدد قال الحافظ ابن حجر في ترجمة الطبراني بأن الحفاظ
الأقدمين يعتمدون في روايتهم الأحاديث الموضوعة مع سكوتهم عنها على ذكرهم
الأسانيد، لاعتقادهم أنهم متى أوردوا الحديث بإسناده فقد برئوا من عهدته، وأسندوا
أمره إلى النظر في إسناده. [٣]
ولكون الإمام الطبري من علماء الحديث فقد سار على هذا النهج في تاريخه،
فهو ليس صاحب الأخبار التي يوردها بل لها أصحاب آخرون أبرأ هو ذمته
بتسميتهم، وهؤلاء متفاوتون في الأقدار، وأخبارهم ليست سواء في قيمتها العلمية،
ففيها الصحيح والضعيف الموضوع، تبعاً لصدق الرواة أو كذبهم ومنزلتهم من
الأمانة والعدالة والتثيبت، ولذلك ينبغي دراسة أسانيد ومتون الروايات وفق المقاييس المعتبرة عند العلماء للوقوف على مدى صحتها من عدمه.
وبناء على ذلك لا يكفي في المنهج العلمي السليم الإحالة على تاريخ الإمام
الطبري أو غيره من الكتب المسندة دون دراسة سند الرواية ومتنها، لأن من أسند
فقد برىء من العهدة.
ومما يلاحظ أيضاً أن الطبري لم يرد الاقتصار على المصادر الموثوقة، بل
أراد أن يطلع قارئه على مختلف وجهات النظر، فأخذ من مصادر أخرى قد لا يثق
هو بأكثرها إلا أنها تفيد عند معارضتها بالأخبار القوية؛ فقد تكمل بعض ما فيها من
نقص، أو تقوى الخبر باشتراكها مع المصادر الصحيحة في أصل الحادثة.
إن مثل الإمام الطبري ومن على شاكلته من العلماء الثقات الأثبات في إيرادهم
الأخبار الضعيفة كمثل رجال القضاء إذا أرادوا أن يبحثوا في قضية، فإنهم يجمعون
كل ما تصل إليه أيديهم من الأدلة والشواهد المتصلة بها مع علمهم بتفاهة بعضها أو
ضعفه اعتماداً منهم على أن كل شيء سيقدر بقدره.
ولهذا فقد كان لا يفرط في خبر مهما علم من ضعف ناقله خشية أن يفوته
بإهماله شيء من العلم أو الفائدة ولو من بعض النواحي، إلا أنه يسند كل خبر إلى
رواية ليقف القارئ على قوة الخبر أو ضعفه من كون رواته ثقاة أو مجروحين،
وبذلك يرى أنه أدى ما عليه، خصوصاً وقد وضع بين أيدي القارئ كل ما وصل
إلى يده من نصوص وطرق مختلفة للخبر. ومن فوائد إيراد الخبر الواحد من طرق
شتى وإن كانت ضعيفة ما قاله ابن تيمية:
(إن تعدد الطرق مع عدم الاتفاق في العادة يوجب العلم بمضمون المنقول - أي بالقدر المشترك في أصل الخبر - لكن هذا لا ينتفع به كثيراً في علم أحوال الناقلين - أي نزعاتهم والجهة التي يحتمل أن يتعصب لها بعضهم - وفي مثل هذا ينتفع برواية المجهول والسيء الحفظ.. ونحو ذلك ولهذا كان أهل العلم يكتبون مثل هذا ويقولون أنه يصلح للشواهد والاعتبار، وما لا يصلح لغيره، وقال أحمد: قد أكتب حديث الرجل لأعتبره) [٤] .
وتحسن الإشارة إلى أن اتساع صدور أئمة السنة من أمثال الإمام الطبري
لإيراد أخبار المخالفين من الشيعة وغيرهم دليل على فهمهم وأمانتهم ورغبتهم في
تمكين قرائهم من أن يطلعوا على كل ما في الأمر، واثقين من أن القارئ اللبيب
المطلع لا يفوته بأن العلم مثل أبي مخنف وابن الكلبي وغيرهم هم موضع تهمة فيما
يتصل بالقضايا التي يتعصبون لها، مما ينبغي معه التحري والتثبت لاستخلاص
الحقائق المختلطة بالإشاعات والمفتريات.
أما الذين يحتطبون الأخبار بأهوائهم أو لجهلهم بمنهج الإمام الطبري ولا
يتعرفون إلى رواتها ويكتفون بالإشارة في الحاشية إلى أن الطبري روى في صفحة
كذا من جزء كذا.. ويظنون أن مهمتهم انتهت بذلك، فهؤلاء قد يظلمون الإمام
الطبري بذلك ويسيؤون إليه، وهو لا ذنب له بعد أن بين لقرائه مصادره، وعليهم
معرفة نزعات وأحوال أصحاب هذه المصادر ليعرفوا للأخبار أقدارها بوقوفهم على
أقدار أصحابها.
وهذا المنهج لا يمكن استعماله إلا عن طريق الإلمام بعلم الجرح والتعديل الذي
يهتم بفحص أحوال الرواة ويبين شروط الانتفاع بأخبارهم، كما ينبغي أيضاً مراعاة
المقاييس التي وضعها العلماء في نقد متون الأخبار، وخصوصاً وضع الملامح
العامة للمجتمع الإسلامي وطبيعته في الحسبان، ويعتبر ذلك كله من لوازم الاشتغال
بالتاريخ الإسلامي [٥] .
стр. 1210
يا تائهون على الدروب
د. عبد الرحمن بارود
غرباء، لكنْ ربُّنا اللهُ ... الله! نِعْمَ الناصرُ اللهُ
ما يَنْقِمُ الحجرُ الضَّريرُ مِنَ ال ... .. قَمَرِ الُمنيرِ؟ وفيمَ عاداه؟
عَلَتِ المنازلُ يا بُدورُ على ... مَنْ لَمْ تَزَلْ في الوحْلِ رِجْلاهُ
والنهرُ يَضْحَكُ للرودِ وفي الصَّ ... خْرِ الأَصَمِّ يَشُقُّ مَجْراهُ
مُلِئَتْ خَفافيشُ الدُّجى هَلَعاً ... وضفادعُ السَّبئيِّ إياهُ
جُنَّ اليهودُ وقد رأوا عُمراً ... قَدْ عادَ حَرْبَتُهُ بيُمْناهُ
هذا الزمانُ زُمانُنا ... قَدَراً ... وإذا الظَّلام أَبى حَرَقْنَاهُ [١]
يا للشهيد! كأئَّهُ ملَكٌ ... دُنياهُ شامخةٌ وأُخراهُ
لله درُّ أبيهِ من بَطَلٍ ... كالكوكب الدُّرِّيِّ تَلْقاه
مِسْكُ الجِنانِ يفوحُ مِنْ دَمِهِ ... والبدرُ يسطعُ مِنْ مُحَيَّاهُ
في الأرض نَدْفِنُهُ وفي قممِ ال ... فِردوس عندَ اللهِ مَحْياهُ
ليلاهُ حَورْاءُ الجنانِ إذا ... كلُّ امْرىءٍ شَغَفَتْهُ ليلاهُ
هذا الشهيد ... ألسْتَ تعْرفُه؟ ... ألعِزُّ بين يديهِ والجاهُ
الأرضُ في عينيه خَرْدَلةٌ ... وعلى عبيدِ الأرض نعلاهُ
سَقْياً لأوَّلِنا وآخِرِنا ... ولمنْ بظَهْرِ الغيْب نَهْواهُ
سَقْياً لوَحْدتنا وفطْرتِنا ال ... بيضاءِ والصفحاتُ أشباهُ
إذْ كالمجرَّة نحنُ تَقْدُمُنا ... أقمارُ مكةَ صانها اللهُ
كنا الحَيَا ما حَلَّ في بَلَدٍ ... إلا بإذنِ اللهِ أحياهُ
كمْ مزَّقَ النِّيْرُ الرقاب فَلَم ... تَكُ ساعةٌ حتى سَحَقْناهُ
وكلامُ ربعيِّ؛ أَتَذْكُرُه؟ ... طيِّبٌ تمنّى الطِّيبُ رَّياهُ
العِزُّ في كَنَفِ العزيز ومَنْ ... عبَدَ العَبِيْدَ أذَلَّه اللُه
стр. 1211
المسلمون والعالم
البيان الصادر عن ندوة علماء الأزهر
[هَذَا بَلاغٌ لِّلنَّاسِ ولِيُنذَرُوا بِهِ]
تغشى العالم الإسلامي في هذه الأيام غاشية من التراجع والانكسار، وهو
انكسار لم يشهد مثله على مدى تاريخه كله، اللهم إلا ما جرى أيام المغول
والصليبيين! فقد تداعت عليه الأمم، واصطلح على عداوته العالم أجمع، وبات
يئن تحت مطارق خصومه العاتية التي تنهال من كل ناحية، لا تنقضي منها واحدة
حتى تبادر الأخرى في تتابع محموم لا يهدأ له أوار! !
ومبعث الخطورة في هذا الانكسار أنه يأتي وقد اخترق العقل الإسلامي
واخترقت الثقافة الإسلامية، ونبتت نابتة على أرضنا أشربت في قلوبهم مفاهيم
الغرب عن الدين والدولة وعلاقة الدين بالحياة، ونزع القداسة عن كل ما اتصل من
الدين بشئون الدولة، وإطلاق العنان للأهواء البشرية بلا قيود ولا حدود، وباتت
هذه الشرذمة تحمل من الولاء لهذه المفاهيم أضعاف ما تحمله لدينها وتراثها
وتاريخها كله! رغم أنهم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا! فحرث هؤلاء الأرض أمام
كل ما دبر لهذه الأمة في الظلام!
ولقد كان عهدنا لهذه الشرذمة هو التخفى والالتفاف والمناورة لما يعلمون من
خروج دعوتهم على محكمات الكتاب والسنة التي لا تزال موضوع تقديس من الكافة، إلا أنهم قد تجاوزوا ذلك مؤخراً، وأخذوا يستعلنون بهذه الزندقة، فراحوا يجلبون
بخيلهم ورَجِلِهم على مرتكزات الشريعة الإسلامية، ويطعنون في مرجعيتها
وصلاحيتها للتطبيق، كما تواصوا بذلك في أحد محافلهم المشبوهة التي قرروا
فيها - فيما قرروا - استعمال ما سموه الحل الهجومي الإيجابي، والتكتل في جبهة موحدة لمواجهة العمل الإسلامي المعاصر في جرأة لا يحسدون عليها! ! ضاربين عرض الحائط بحقائق الكتاب والسنة وما استقر تقديسه في ضمير هذه الأمة! !
لقد وجدنا منهم من يعلن بملء فيه رفضه المطلق لتطبيق الشريعة، وتبنيه
للفصل المطلق بين الدين والسياسة، واستعداءه السافر على حملة الشريعة بل وعلى
الشعائر الإسلامية في ذاتها، حتى أصبح يرى في إذاعة الأذان في التلفزيون أو
إيراد حديث نبوي بعده اختراقاً للإعلام وخطراً على مدنية الدولة، وتراجعاً أمام
المتطرفين! ويرى في شرح بعض الآيات القرآنية التي تناقش عقيدة التثليث قنبلة
زمنية موقوتة، وخطراً داهماً يتهدد الوحدة الوطنية!
بل رأيناه يسود المقالات في الاستعداء على دولة إسلامية مجاورة بسبب
توجهها الإسلامي في الوقت الذي يعلن فيه في بعض هذه المقالات أن ملف الصراع
الحضاري مع إسرائيل بصدد أن يغلق، وإن نزاعنا معها في سبيله إلى الانتهاء،
بحيث يمكن اعتبار جبهتها جبهة آمنة! ويدعو إلى التفرغ لمواجهة السودان
والجزائر وإيران!
لقد رأيناهم يغتالون التاريخ الإسلامي كله فلا يرون فيه إلا سلسلة من المجون
والمظالم! ! بل لم يسلم من سهامهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار،
فرأيناهم يرون في أبي بكر الصديق مغتصباً لحقوق النبي ﷺ !! مستحلاً لقتال المسلمين بما خاضه من حروب الردة! ! وينتصرون لإخوانهم
المرتدين! ! ناقلين في ذلك أحاديث الإفك من المستشرقين، ضاربين عرض
الحائط بحقائق الكتاب والسنة وإجماع المسلمين.
بل رأينا منهم من يحاول الاقتراب من شخص النبي في غمزات وطعنات
فاجرة يدسونها في ثنايا ما يقدمونه من دوريات وأدبيات، وإن كان النضج السياسي
يقتضي - في تقديرهم - تأخير الإعلان بهذه المرحلة إلى حين! ولكنهم يدعمون
وينصرون كل من استباح هذا الحرم الأقدس! ! واجترأ على الإعلان بذلك - كما
رأيناهم مؤخراً وقد جاءوا يركضون يتكتلون لنصرة صاحب رواية (مسافة في عقل ...
رجل) بدعمهم وأموالهم وأقلامهم في مظاهرة لا تخطئها العين!!
إننا من جانبنا نعلن - إبراء الذمة - أن مثل هذا التصرف العلماني ثورة على
دين الأمة! ! وعدوان سافر على مرجعيتها المقدسة كتاباً وسنة! ! كما أنه إساءة
بالغة إلى وجه مصر الإسلامي، وإلى علاقتها ببقية بلاد العالم الإسلامي التي ما
فتئت تنظر إلى مصر الأزهر باعتبارها قلعة الإسلام، بل وإلى حكام هذه البلاد
الذين ما فتئوا يعلنون أنهم مسلمون وأن دين الدولة الرسمي هو الإسلام!
كما أنه من ناحية أخرى يولد تطرفاً مقابلاً نشهده في حوادث العنف التي
تتابعت على مسرح الحياة المصرية في الآونة الأخيرة. وإننا بقدر ما نعلن إدانتنا
للتطرف الذي ينسب إلى الدين، وإنكارنا على ما يقع في هذا الجانب من أحداث
دامية، فإننا ندين وبنفس القدر هذا الغلو في معاداة الإسلام، ورفض شريعته،
وتزييف تاريخه، وتشويه رموزه وأعلامه.
إن مصر هي سفينتنا جميعاً، وإن مثلنا ومثل هؤلاء كمثل قوم استهموا في
سفينة، فأصاب فريق منهم أعلاها وأصاب آخرون أسفلها، فإذا الذين في أسفلها
يحاولون أن يخرقوا في نصيبهم خرقاً ليستقوا منه الماء، فلو تركوا وما يريدون
لغرقت السفينة بمن فيها أجمعين! !
إن هذا الذي تشهده الساحة المعاصرة من استطالة دعاة العلمانية واستماتتهم في
عزل هداية الإسلام عن مسيرة هذه الأمة، والزج بها في مجاهل الأرض وخوادع
السبل يعد خيانة عظمى لهذه الأمة وللحقيقة المجردة! ! وإن التمكين لذلك يعد إعانة
على هذه الخيانة، ومسلكاً عدائياً لا تصلح به دنيا ولا يبقى معه دين!
إن حقائق الوحي وحقائق التاريخ لتؤكد بأن السبيل لهذه الأمة إلى الخروج من
هذا التيه الذي نتجرع مرارته ونكتوي بنيرانه إنما يبدأ بإصلاح ما اندرس من
علاقتها بربها، وتجديد ما اندرس من شعائر دينها وشرائعه، ثم ببذل الأسباب
المادية بأقصى ما وسعها الجهد لتتكفل يد القدرة بعد ذلك بما عجزت عنه وقصرت
دونه إمكاناتها المتاحة!
ولكننا - على النقيض من ذلك - لا نرى من دعاة العلمانية إلا إمعاناً في
الشرود عن منهج الله ، ومزيداً من التحريف والتزييف لحقائق الشرع
وحقائق التاريخ، الأمر الذي ينذر بشقاء المستقبل أكثر من شقاء الماضي إن لم
نبادر بتوبة صادقة نصوح! !
إن ثوابت هذه الأمة ومحكمات هذه الملة قد أصبحت عرضاً مباحاً لهؤلاء
يتخوضون فيه طعناً وتسفيهاً وتشويهاً وتزييفاً بلا حريجة دينية أو خلقية! !
إننا نعلن برائتنا إلى الله من كل دعوة تخاصم شريعة الله تعالى،
وتجاهر أحكامها بالعداء، ونعلن أن مثل هذه الدعوات امتداد للوجود الاستعماري في
بلادنا! وأنها لا تجتمع مع أصل الإسلام بحال من الأحوال! !
كما ندعو الصحف المصرية جميعها: القومية [١] منها والمعارضة أن لا
تسود أعمدتها بإشاعة أحاديث الإفك التي يتداولها هؤلاء، فإن أبت إلا أن تفعل فلا
أقل من أن تتيح لحملة الشريعة ودعاة الإسلام من المساحة ما يكفي لدفع التهمة
بالحجة، ومقارعة الكلمة بالكلمة إحقاقاً للحق، وإبطالاً للباطل، واتقاء لسخط الله -
، فإن هذا هو أدنى ما يمكن قبوله منها باعتبارها تصدر في بلاد لا تزال
تنتسب إلى الإسلام.
وقد آلينا على أنفسنا - نحن الموقعين على هذا البيان - أن نقوم بواجبنا تجاه
ديننا وأمتنا وأن نصدع بكلمة الحق لا نخاف في الله لومة لائم، كما اتفقنا فيما بيننا
على التصدي لكل ما يثار حول الإسلام من شبهات ومفتريات من خلال الحوارات
والمناظرات العلمية الجادة لكل من يرغب في الحوار والمناظرة، لتكون نوعاً من
استفاضة البلاغ وإقامة الحجة على الكافة، ليهلك من هلك عن بينة، ويحى من حي
عن بينة، مسترشدين بقول المولى سبحانه: [ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ
والْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] [النحل ١٢٥] .
كما ندعو الأمة جميعاً إلى أن تكون على بينة من أمر هؤلاء الذين يحرثون
الطريق أمام أعدائها في الدنيا، ويجرونها بدعوتهم إلى جحيم الخلد وشقاء الأبد في
الآخرة!
[فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وأُفَوِّضُ أَمْرِي إلَى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ] ... [غافر ٤٤] .
هذا بلاغ لكم والبعث موعدنا وعند ذي العرش يدري الناس ما الخبر
والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
أ. د. / عبد الغفار عزيز ... رئيس ندوة العلماء
أ. د / محمود حماية ... ... ... الأمين العام للندوة
أ. د. / حلمي صابر ... ... ... عضو الندوة
أ. د / محمد البري ... ... ... ... عضو الندوة
стр. 1212
المأساة الصومالية
مذكرات شاهد عيان
أحمد بن عبد الرحمن الصويان - كينيا
يمر الشعب الصومالي بمأساة كبيرة واسعة النطاق، حيث تستمر الهجرة
الجماعية منذ أشهر عديدة هرباً من رحى الحرب القبلية التي تدور على أرض
الصومال، ويقدر عدد اللاجئين الصوماليين في الأراضي الكينية بحوالي أربعمائة
ألف نسمة، وفي الإحصاءات الرسمية الكينية الصادرة في شهر يونيه من عام
١٩٩٢ م بلغ عدد اللاجئين يومياً ٥٥٠ شخص.
وقد قمت بتيسير الله بزيارة إلى مواقع اللاجئين في مواقع عديدة من المدن
الكينية، مثل منديرا، وعيلواق، وبانيسا، وإيفو، وليبوي. كما زرت أيضاً في
الأراضي الأثيوبية مخيمي صوفتو ودولو، وزرت داخل الأراضي الصومالية مدينة
حواء، فرأيت في هذه المخيمات ما يجل عن الوصف، ويعجز القلم عن ذكره.
عشرات من الأطفال يتساقطون يومياً بسبب الجوع وسوء التغذية، عشرات من
النساء والعجزة أهلكهم المرض والحزن ... فكل أسرة تحمل مأساة تنهد لها الجبال،
وإذا فاتحت أحد اللاجئين عن حاله سرد لك حكاية طويلة من الأسى والعنت. فهذا
أحدهم يحدثني عن أسرته بأنها كانت قبل شهرين عشرة أفراد، وأما اليوم لم
يصبحوا إلا أربعة. وطفل آخر لم يبلغ العاشرة من عمره رأيته ملقى على الأرض
ينتظر منيته، وحدثوني أنه حافظ لجزئي عم وتبارك ولم يبق من أسرته أحد
سواه.. ومآسٍ كثيرة وكثيرة يطول ذكرها ويصعب حصرها.
وفي مدينة منديرا مات في يوم واحد أثناء وجودنا فيها أكثر من ثلاثين طفلاً
بسبب الجوع والمرض، ورأينا عدداً غير قليل من الأطفال والنساء في حالة
الاحتضار، ومن المحزن أن ٨٠% تقريباً من النساء الحوامل يمتن أثناء الولادة
لعدم وجود الرعاية والعناية بهن، ولهذا استحدث الناس بجوار كل مخيم مقبرة
جديدة.. وفي عدد من الأماكن التي نذهب إليها كان الناس يقولون لنا: لا نريد منكم
طعاماً ولا شراباً، ولكن نريد منكم أكفاناً نكرم بها موتانا! !
بل حتى لباس الأحياء لا يتوفر عند بعضهم، فالعري أصبح ظاهرة طبيعية
خاصة بين الأطفال، وكم من امرأة لا تستطيع أن تخرج من كوخها لأنها لا تجد ما
تستتر به! وقد رأيت في مخيم -إيفو- وهو أحد المخيمات القليلة التي وزعت فيها
الخيام - ينزعون البطانة الداخلية لخيامهم، ويلبسونها النساء والأطفال لعدم توفر
الكساء..
وزاد الأمر سوءاً وقسوةً الجفاف الشديد الذي أصاب الأراضي الكينية
المجاورة للصومال، مما أدى إلى موت المواشي والحيوانات التي هي مصدر
الرزق الوحيد لعامة الناس. وهذا أدى إلى هجرة جماعية لأهالي البادية الكينية،
وقد زرت مدينة وجير الكينية فوجدتها أكثر سوءاً من بعض مناطق اللاجئين
الصوماليين. ففي مخيم واحد مات حوالي ٢٠% من الأطفال تحت سن خمس
سنوات خلال شهر أبريل من عام ١٩٩٢ م فقط، وهم كلهم مسلمون ... ! !
والمياه إحدى المشكلات الأساسية التي تعاني منها المنطقة، حيث لا تتوفر
الآبار بشكل كاف، ففي مدينة وجير الكينية على سبيل المثال يوجد سبعة وأربعون
بئراً ارتوازياً، لا يعمل منها الآن إلا سبعة عشر بئراً فقط. وقد وصل الحال
ببعض الناس أنهم يسيرون أكثر من خمسين كيلو متراً بحثاً عن الماء، وفي بعض
مواقع اللاجئين رأيت الناس يصطفون إلى منتصف النهار لكي يحصلوا على إناء
من الماء لا يكفيهم ليوم واحد..! !
وبسبب انعدام أبسط المتطلبات البشرية انتشرت الأمراض انتشار النار في
الهشيم، ومن أبرز الأمراض التي رأيتها:
١- أمراض سوء التغذية، حتى لا ترى إلا هياكل عظمية لا تقوى على
الوقوف أو الحركة من شدة الإعياء.
٢- أمراض نقص البروتينات وخاصة بين الأطفال - وهؤلاء بطونهم منتفخة
بصورة عجيبة جداً، حتى أصبح هذا المرض ظاهرة متفشية بشكل كبير جداً، وقد
رأيت في مخيم عيلواق طفلاً لم يتجاوز الخامسة من عمره وانتفخ وجهه وبطنه
وأصبح كأنه من عالم آخر..!
٣- الأمراض الجلدية بأنواعها المختلفة، حتى إنني رأيت في مخيم دولو
الأثيوبي أشكالاً عجيبة تقرحت جلودهم وتغيرت أشباههم.
٤- كما انتشرت بينهم أمراض السل والملاريا والحصبة والإسهال.
أما الأحوال في داخل الصومال فهي أشد مرارة وقسوة، حيث مارست القبائل
المتناحرة دورها بكل صلف وفوضوية، تغير وتقتل وتحرق الأخضر واليابس..
والناس يفرون من أرض إلى أرض بحثاً عن الأمن.. وقد بلغ الوضع بالناس إلى
حال شديدة لا تتصور، ففي مدينة جلب ومركة وقُربولي بدأ الناس يطبخون جلود
الحيوانات ويأكلونها لأنهم لم يجدوا غيرها..! !
وعلى الرغم من أن اللاجئين الصوماليين في كينيا مسلمون ١٠٠% إلا أن
التنظيمات التنصيرية غزت الساحة بصورة مذهلة جداً، فالنشرات التنصيرية
أصبحت بأيدي الناس، وقد رأيت بنفسي بيد أحد الأطفال قصة مصورة باللغة
الصومالية محتواها أن المسيح هو المخلص والمنقذ..! ورأيت في مخيم وجير
منصرة بريطانية تقدم مساعدات غذائية للمتضررين وتساعدهم في بناء منازلهم من
القش.. ولكي تستطيع أن تؤثر في صفوفهم سمت نفسها بعائشة..! !
ومن أبرز المنظمات التنصيرية العاملة في الميدان:
١- الصليب الأحمر.
٢- منظمة كير Care الكاثوليكية البريطانية.
٣- منظمة أطباء بلا حدود MSF الهولندية.
٤- منظمة أطباء بلا حدود الفرنسية.
٥- منظمة أوكسفام البريطانية للإغاثة.
٦- منظمة العون الأمريكي.
٧- منظمة الرؤيا العالمية.
٨- منظمة جي تي زت الألمانية.. وغيرها.
والعجيب أن هذه المنظمات التنصيرية تريد أن تحتكر العمل بأكمله، وتضيق
على المنظمات الإسلامية العاملة في الميدان، فبالتنسيق مع منظمة غوث اللاجئين
التابعة للأمم المتحدة (UNHCR) احتكرت منظمة كير الكاثوليكية توزيع المواد
الغذائية، كما احتكرت منظمة (MSF) الفرنسية الأعمال الطبية، وتحاول هذه
المنظمات أن تعيق أعمال الهيئات الإسلامية وتعرقلها، ولكن يأبى الله ذلك. فعلى
الرغم من هذا الزخم التنصيري المتلبس بلباس الإغاثة؛ إلا أن الناس - بحمد الله
تعالى - لا زالوا يشعرون بهويتهم الإسلامية - ويفرحون فرحاً شديداً إذا رأوا رجلاً
مسلماً. ومن المواقف التي أسعدتني في مخيم عيلواق أن الناس اجتمعوا حولنا ولما
أردت الخروج من بينهم دفع أحد الأطفال أخته الصغيرة قائلاً لها: ابتعدي عن
طريقه أتظنين أنه نصراني. إنه مسلم! فأظهرت استبشاري بذلك لأحد العامة،
فقال لي والأسى يعصر قلبه: لقد كنا في بادية الصومال نسأل الله أن
لا يرينا كافراً. وكان الناس لا يشربون في الإناء الذي شرب فيه الكافر إلا بعد
غسله بالتراب! ثم قال: وأما الآن فأصبحنا نفرح بمشاهدتهم ونجري من وراءهم
لنبحث عن لقمة العيش التي لم نجدها إلا منهم، ثم ذرفت عيناه وهو يقول: فأين
أنتم يا مسلمون..؟ ! !
وأجمل في آخر هذا التقرير الاحتياجات العاجلة للاجئين بالنقاط التالية:
١- المواد الغذائية بمختلف أنواعها، وخاصة حليب الأطفال المجفف الذي لا
يتوفر في كينيا.
٢- المياه النقية وهذا يتطلب حفر آبار ارتوازية عديدة.
٣- توفير الأطباء والأدوية.
٤- توفير الملابس والخيام.
وأخيراً ...
هذا نداء عاجل أبعثه باسم اليتامى الذين فقدوا آباءهم فلا تسمع إلا صراخهم،
باسم الثكالى اللاتي أنهكهن المرض فلا ترى إلا دموعهن. باسم الشيوخ والعجزة
الذين أسقطهم الجوع فلا تسمع إلا نحيبهم.. باسم مسلمي الصومال الذين يموتون
في كل ساعة وما من مجيب.
نداء أبعثه إلى كل مؤمن بالله تعالى يهمه أمر المسلمين..
إلى كل مؤمن مصدق بقول النبي ﷺ : (اللهم أعط
منفقاً خلفاً..) وبقوله: (ما نقص مال من صدقة..) ..
اللهم هل بلغت.. اللهم فاشهد.. اللهم فاشهد
стр. 1213
ماذا يجري في تونس ؟
أظهرت كبار الصحف والمجلات الصادرة باللغة العربية الشماتة بما يجري
للمسلمين في تونس فتكلمت عن (الصيف الحار) للمسلمين في بلدان من شمالي
أفريقيا، وكانت العناوين البارزة (٢٧٩ أصولياً في قفص الاتهام) ، (التزام
بمصالحة شبه مستحيلة بين الأصولية والديمقراطية) ، (الأصولية والسياسة من
خلال نموذج النهضة في تونس) .
وهؤلاء الشامتون من العلمانيين أو الحاقدين على الإسلام يظنون أن الساحة
ستخلو لهم إذا أبعد المسلمون أو وضعوا في السجون.
ولكنهم لا يفقهون أن هذه المحاكم الصورية الظالمة إن هي إلا ابتلاءات
وتمحيص، وأنهم لا يستطيعون الفكاك من الشعوب التي تريد الرجوع إلى هويتها
وعقيدتها وأن الإسلام قادم بإذن الله.
وهنا نريد أن نوجه سؤالاً للعقلاء من هذه الأمة: ما هي المصلحة من ضرب
الدعوة الإسلامية في تونس وغيرها من الأقطار، إنه بالتأكيد ليس هناك مصلحة إلا
مصلحة واحدة لا غير وهي أن ما يجري هو لحساب الغرب الأوربي، وحتى
يرضى السادة عن العبيد، هذه هي خلاصة القصة منذ أربعين سنة وحتى الآن،
والدليل على ذلك أن زعماء النهضة صرحوا في المحاكمات التي تجري هذه الأيام
أنهم لم يأمروا بقتل أحد، ولم يصرحوا بذلك ولا أسروا، وإنما هي أعمال فردية
كما ذكرت ذلك قيادة النهضة وأنهم قدموا إلى وزارة الداخلية أربع طلبات متوالية
للحصول على ترخيص للعمل كحزب علني، ويقولون: (اتفقنا على رفض العمل
السري، وهذا اقتناع فكري عندي..) .
وعندما سأل القاضي أحد المتهمين عن الأسلحة قال: (عليك أن تسأل من
صودرت عندهم إذا اعترف أحد مهم بأن المكتب السياسي أعطاه أي توجيهات فنحن
مدانون) . وأشار عنصر قيادي إلى هذا عندما نفى (وجود خطة انقلابية وأن الحركة التزمت في الفترة الأخيرة طريقة المراوحة بين الضغط السياسي والحوار مع الحكم) . وقال عن أعمال العنف: إنها من الشباب ومبادرات فردية فقد أعطت الحركة هامشاً واسعاً لفروعها في التحرك وتتخذ المبادرات من نفسها، فوقعت أخطاء ونظن أن ما صرح به هؤلاء القادة ينسجم مع توجهات حركة النهضة فلماذا إذن يوضع الآلاف في السجون ويحاكم (٣٠٠) من قادة الحركة، ويتعرض بعضهم (علي العريض) لتعذيب من النوع المعروف في البلاد العربية الأخرى فذكرت صحيفة الحياة أن المتهم وضع في زنزانة انفرادية وضعوا فيها كاميرا للتصوير ودسوا له المواد المخدرة حتى يدمن على المخدرات ولما تفطن للأمر أضرب عن الطعام لمدة (١٥) يوماً وافتعلوا شريط فيديو يدعي أنه يمارس الفاحشة، هذه خبرات رجال الدولة الأشاوس وهذه أوضاع البلاد التي ابتليت بأمثال هؤلاء الذي يدمر أحدهم وطنه في سبيل أن يرضى الغرب عنه.
إن ما يجري في تونس ليس غريباً، ولكنه مؤلم: فإلى متى يقتل أو يوضع
في السجون خيار هذه الشعوب، وإلى متى تستلب هوية الأمة، ونعيش حياة ممزقة
محزنة ليس فيها إلا الذل والهوان؟ !
стр. 1214
البوسنة..
هل تصبح فلسطين ثانية ؟
بدأت صورة الوضع العام للمسلمين في البوسنة تتضح أكثر فأكثر، فالصرب
مستمرون في القصف والتهجير وهدم المساجد (٣٠٠) مسجد وقتل العلماء،
وحصار المدن والقرى المسلمة، أو التي فيها أكثرية مسلمة، والحيلولة دون
وصول الغذاء والكساء لهم. والغرب يرى أن المشكلة مشكلة إغاثة فقط! وهذا
يعني أن مسلسل التهجير مستمر، وحتى قبول المسلمين المنكوبين كلاجئين
أصبحت الدول الغربية تجادل فيها، وتعتذر بأعذار كثيرة واهية، وكل ذلك من
أجل أن هؤلاء اللاجئين مسلمون، ففي باريس قال مصدر عسكري: إن القوى
الغربية تدرس إمكان إقامة مناطق لجوء آمنة (على نمط ما فعل به الأكراد) وفي
إيطاليا قال قائد القوات الأمريكية: إن لديهم أوامر بعدم القتال.
وفي تصريح لوزير خارجية البوسنة قال: إن أعمال الولايات المتحدة لا
تكفي، غريب جداً أن تعطينا المساعدات من ناحية، ومن ناحية أخرى تقبل
باستمرار النزف الذي يحصد الأبرياء كل لحظة بل يشير وزير خارجية البوسنة
إلى أن الحصار المفروض على البوسنة ليس من الصرب فقط بل من المجتمع
الدولي، فيقول: (فوجئنا بأن كل العواصم المحيطة والدول المعنية ترفض إفساح
المجال لنا للحصول على السلاح، إننا نستغرب هذا الحصار علينا) .
ونحن نقول لوزير الخارجية: لماذا هذا الاستغراب؟ أليس الشعب الذي
تجري حوله هذه المساومات، وتضرب حوله هذه العراقيل شعباً مسلماً؟ إن تحويل
قضية خطيرة تحتاج إلى حل سريع وحاسم إلى مشكلة جانبية، والتركيز على
الجانب الذي لا يعالج أصل المشكلة ظلم شنيع وتهرب مقصود من المواجهة العلنية
التي تستحقها، وهي الضغط بكافة الوسائل على الصرب المعتدين. ويؤكد هذا
التصرف المريب، تصرف الأمين العام للأمم المتحدة الذي رفض فكرة نزع السلاح
الثقيل من أيدي المتحاربين، وهذا في مصلحة المسلمين لأن السلاح الثقيل بأيدي
الصرب.
إن الشعوب الإسلامية قامت بواجبها تجاه الشعب البوسني، وهذا الذي في
وسعها، وسكتت كل الدول عما يجري ولعل هذه الأحداث تجعل المسلمين في
كوسوفو وألبانيا يدركون ما يدبر لهم ويدرك المسلمون والحركات الإسلامية أن
المعركة طويلة ومستمرة..
стр. 1215
مكتبة البيان
محمد الحسيني
مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة
د. ناصر بن عبد الله بن علي القفاري
والبحث قدم كرسالة لنيل درجة الماجستير في ٦/٧/١٣٩٨ هـ، ناقش
الكاتب معنى مصطلح أهل السنة، وناقش اعتقادات الشيعة بتفصيل طويل، ثم
عرض لمحاولات التقريب عبر التاريخ إلى زماننا. ويرى الكاتب (أن المنهج
السليم للتقريب هو: أن يقوم علماء السنة بجهد كبير لنشر اعتقادهم وبيان صحته
وتميزه عن مذاهب أهل البدع، وكشف لمؤامرات الروافض وأكاذيبهم وما يستدلون
به من كتب أهل السنة) ص ٢٨٠ ج ٢.
(الكتاب يقع في جزئين، ٨٣١ صفحة، الناشر: دار طيبة الرياض)
فلسطين بين المنهج الرباني والواقع
دكتور عدنان علي رضا النحوي
يناقش الكاتب التصور الإسلامي للقضية الفلسطينية وصلة الإسلام والمسلمين
بهذه البقعة من الأراضي الإسلامية تاريخياً وشرعياً ثم يتعرض لمواقف المعاصرين
من المسلمين وغيرهم، بخاصة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي.
(١٤٠ صفحة، الناشر: دار النحوي للنشر، ١٤١٢ هـ، ١٩٩٢ م)
جذور الصراع في ليبيا
فتحي الفاضلي
من خلال نسق تاريخي يبدأ به المؤلف منذ ما قبل البعثة إلى اليوم ناقش
المؤلف فيه قضايا مهمة في تاريخ ليبيا دار حولها الصراع. وكانت غالباً هي
صراع الإسلام مع أعدائه سواءاً كانت الغزوات الصليبية من الخارج، أو صراع
الحكومة مع الإسلام في العقدين الأخيرين، والذي كان جوهره التخلص من سنة
الرسول ﷺ وإثارة الشبه حولها حتى يخلو المجال
للديكتاتورية لتخرج بفهم خاص للإسلام يرعي مصالحها. كما عرض في الكتاب
للمعارضة وفصائلها، وللمواجهة مع الإسلام في السنوات الأخيرة بشكل موجز.
(١٧٣ صفحة)
стр. 1216
شذرات وقطوف
إعداد: نجوى محمد الدمياطي
متى نتخلص من الفُرقة؟
لن نتخلص من الفرقة ولن نعود إلى القوة، ما لم تتحدد لنا شخصية محددة
بحدود وضوابط هي ما اختطه السلف الصالح لنا من منهج قويم يقِّوم الانحراف،
ويدفع إلى الأمام في كل مجالات الحياة ويجود علينا بخير الدنيا والآخرة.
محمد العبدة - طارق عبد الحليم
مقدمة في أسباب اختلاف المسلمين وتفرقهم
من هم أهل السنة؟
سئل بعض الأئمة عن السنة؟ فقال: ما الاسم له سوى (السنة) يعني: أن
أهل السنة ليس لهم اسم ينسبون إليه سواها.
فمن الناس: من يتقيد بلباس لا يلبس غيره، أو بالجلوس في مكان لا يجلس
في غيره، أو مشية لا يمشي غيرها، أو بزي وهيئة لا يخرج عنهما، أو عبادة
معينة لا يتعبد بغيرها. وإن كانت أعلى منها، أو شيخ معين لا يلتفت إلى غيره.
وإن كان أقرب إلى الله ورسوله منه، فهؤلاء كلهم محجوبون عن الظفر بالمطلوب
الاعلى، مصدودون عنه. قد قيدتهم العوائد والرسوم، والأوضاع والاصطلاحات
عن تجريد المتابعة. فأضحوا عنها بمعزل، ومنزلتهم منها أبعد منزل.
ابن قيم الجوزية
مدراج السالكين ٣/١٨٤
دعوة الإيمان
إن المشكلة الكبرى التي نعانيها اليوم هي تصحيح إيمان المسلمين تصحيحاً
يتناول الفكر والوجدان والسلوك والعمل، وذلك قبل أي إصلاح آخر، تأسياً برسول
الله -صلوات الله وسلامه عليه-.
إن كثير ممن ينادون بأنواع من الإصلاح: تعليمي واقتصادي وصحي
واجتماعي وما إلى ذلك.. ولم يبدأ - صلوات الله وسلامه عليه - بشيء من ذلك،
ولكنه بدأ بالإصلاح الإيماني فكان كفيلاً بأن يتبعه كل إصلاح، ولا نعني إيقاف هذه
الأنواع من الإصلاح، ولكننا نعني أن يكون منطلقها ودعاتها والمهيمن عليها دعوة
الإيمان.
د. محمد أمين المصري
سبيل الدعوة الإسلامية
стр. 1217
حشو الصحافة
محمد الخريف
لا يخفى أن الصحافة كوسيلة من وسائل الإعلام الحديثة تضطلع بدور مهم في
المجتمع، فهي ميدان رحب الأفكار والمحاورات الفكرية والعلمية الجادة وصولاً إلى
الرأس السديد والحقيقة المطلوبة، إلى جانب دورها في البحث عن أخبار الأحداث
العالمية والمحلية من مصادرها وتزويد القراء بكل جديد يحدث بصدق وصراحة،
كما أن لها دوراً كبيراً في التأثير على الرأي العام لأفراد المجتمع، وإحداث
التصورات المطلوبة عن الخبر أو المعلومة التي تطرحها وفق صياغة معينة فيما
يخدم المصلحة العامة الحقيقية.
إلا أن أهم أدوار وسائل الإعلام عامة، والصحافة على وجه الخصوص هو
التعبير عن مشكلات وقضايا الناس وإيضاح احتياجاتهم وأوجه معاناتهم، بشكل
صادق وأمين. مع المطالبة والضغط في سبيل تحقيقها وإيجاد الحلول الجذرية لها.
ويتم ذلك عن طريق النقد البناء والتقويم السليم لكافة الأوضاع والظواهر الاجتماعية
بهدف المشاركة في الإصلاح وإيصال الصوت الخافت الضعيف إلى آذان المعنيين.
إضافة إلى الدور الريادي الفعال الذي يجب أن تقوم به الصحافة في مجال
الدعوة الإسلامية وممارسة رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالكلمة
الحكيمة العلمية المبنية على الدليل والمعلومات الصحيحة.
وإن المتأمل في الصحافة العربية بعد هذا العرض الموجز الذي سقناه عن
رسالة الصحافة ودورها في المجتمع سيجد كماً هائلاً من الصحف، والمجلات
اليومية والدورية ذات الورق الفاخر بصفحاتها التي سودت بكلام كثير، يمنحك
ولأول وهلة شعوراً بالغبطة والسرور على هذا الانفتاح والحرية التي سمحت بكل
هذا الكم الورقي والكلامي في الكتابة والتعبير.
ولكنك ما تلبث وبعد تمعن وفحص دقيق لمضمون هذه الإصدارات أن يتحول
شعورك الوقتي السابق إلى أسىً عميق وحزن ثقيل على هذا الوضع المتردي،
حينما تجد هذا الحشو الرخيص المبتذل وقد سودت به هذه الإصدارات في كل عدد
تغرق به سوق التجارة! غير متمسكة بمبدأ نبيل أو هدف سام، تقرأها من الغلاف
إلى الغلاف فلا تخرج بفائدة، إن لم يحصل لك ضرر.
وأنا أتكلم عن واقع حي مشهود لا ماض مندرس، فهي صحافة تبعية تتلقف
بغباء أو سوء نية معلوماتها، وتستقي أخبارها الهامشية من وكالات الأنباء العالمية
التي تسيطر عليها قوى الشر العالمية: الصهيونية والصليبية، تفرغها نصاً دون
تمحيص أو تدقيق، ولا تجد منها من يطلب الخبر من مظانه ومصادره الأصلية،
لأن هدفها الغالب تجاري بحت، لا تلقي بالاً لأمانة المسؤولية.
أما أخبارها المحلية فأخبار سطحية مكررة، تبرز المحاسن وتضخمها،
وتتفاعل عن الظواهر والمشكلات التي يعاني منها المجتمع، تتحرى بفارغ الصبر
الدعم الدوري من الجهات الرسمية، حتى لا تفلس، وتواصل الإمعان والتضليل
والتجهيل والتوجيه المعكوس. فإن أوردت خبراً ذا بال حرفته وأسقطت مضمونه
وإن احتوت على تحليل أو مقال، كان مضمونه بعيداً عن قضايا المجتمع، يدور
في فلك كاتبه انعكاساً لفكره الضيق، إن لم يكن منصباً في وادي التغريب والمسخ
الفكري الذي يمارس على قدم وساق من زمن بعيد عبر هذه الوسائل وغيرها.
ويدلك على تيه هذه الصحافة وبعدها عن دورها الحقيقي تلقفها لأخبار القطط
والكلاب وتفصيل حكاياتها مع خدمها الغربيين! مع تركيزها على أخبار وصور
الفنانين والفنانات وعرض حياتهم للمجتمع لتكريس الاقتداء بهم ومحاكاتهم. تجهد
في عرض الصور العارية والأخبار والمغامرات الرديئة لجذب المشترين من الغثاء
وإشباع شهوات الفارغين من كل فكر سليم، مع طرح موضوعات هامشية تلقى
اهتمام الرعاع كأخبار الرياضة والفن العفن..
إن رواج هذه الصحافة واستمرارها في الصدور يدل وللأسف على وجود من
يتلقى ما تطرحه من غثاء، وهذا الوضع يمثل ظاهرة مرضية يعاني منها المجتمع
تستحق من الدعاة والغيورين دراستها ومحاولة إيجاد الحلول الملائمة لمعالجتها عن
طريق إيجاد البدائل الفعالة القادرة على إعادة صياغة عقول أبناء الأمة وإصلاح
أفكارهم مما علق بها من تلوث فكري نتيجة متابعتها الطويلة لما تطرحه وسائل
الإعلام بوضعها الراهن، وإن ترك هذا الوضع على حاله ينذر بخطر عظيم يتطلب
تضافر الجهود لتغيير واقع الصحافة حتى تعود إلى ممارسة دورها المنشود ولن
يتأتى ذلك إلا حينما ينخرط أبناء المجتمع من ذوي الفكر السليم في هذا المجال بقوة
وفعالية تمكنهم من فرض وجودهم على الساحة الإعلامية متبنين طرح قضايا الأمة
وتوفير المعلومات والأخبار الصحيحة من مصادرها مع الاستفادة الكاملة من كافة
الوسائل والتقنيات الحديثة في مجال الاتصالات والإعلام والإخراج الفني الرفيع
حتى تعود للأمة هويتها وذاتيتها المستقلة ولا بد لتحقيق كل ذلك أن يصاحبه تطور
في كافة جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وانعكاس كل جانب على
الجوانب الأخرى.
стр. 1218
الغرب وقضية البوسنة - الهرسك
إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم التركي
لو سأل إنسان نفسه: ما هي أسباب هذا الاهتمام بالمسلمين في البوسنة، هل
جاء هذا الاهتمام الغربي بالأخص الأمريكي من منطلق الضمير الإنساني الحي؟ أم
تراه بنصرة المظلوم والدفاع عنه؟ أم هو الدفاع عن حقوق الإنسان؟ أم هو
الوقوف في وجه الظلم والعدوان؟
ترى أين هذه العاطفة الإنسانية الغربية الأمريكية الجياشة عما يحدث للمسلمين
الآن في كشمير وفي فلسطين وفي الفلبين، في غيرها من بلاد المسلمين؟
إذا أمعنا النظر والتأمل في الأحداث ومجريات الأمور وظروفها نستطيع
معرفة بعض هذه الأهداف ولعل منها ما يلي:
١- أهمية المنطقة: ويكفي دليلاً على أهميتها أنها كانت السبب المباشر
والشرارة التي أشعلت الحرب العالمية الأولى وذلك فيما كان ولي عهد النمسا في
زيارة لعاصمة البوسنة والهرسك سراييفو فقام مجموعة من الشباب الصرب المنتمين
إلى منظمة الكف الأسود باغتيال ولي عهد النمسا فقامت على أثر ذلك الحرب بين
النمسا والصرب وهكذا بدأت الحرب العالمية الأولى.
٢- الخوف من قيام الجهاد في أوربا: فإن صمود المسلمين وتوجه قيادتهم
الإسلامي والدعم الشعبي الإسلامي، وإذا قام الجهاد في هذه المناطق لا شك أنه
سيكون شوكة في خاصرة أوربا.
٣- إثارة هذه الأحداث للشعور الإسلامي بالجسد الواحد يتمثل ذلك في الدعم
الشعبي الكبير للمسلمين هناك والذي تمثل في شعوب المنطقة العربية والمسلمين
بشكل عام.
فمقتل آلاف من المسلمين هناك يؤدي إلى سريان روح الجسد الواحد في الأمة، بينما قبل حوالي ثمانين عاماً وفي الحرب العالمية الأولى يباد هناك ٢٥٠ ألف
مسلم ولا بواكي لهم. فهو تطور خطير خلال ٨٠ عاماً في نظر الغرب.
стр. 1219
الطريق إلى الله
فهد أبو عمرو
هل أحسست مرة وأنت تقدم مساعدة لشخص لا تعرفه، فتقيله من عثرة، أو
ترفع له حملاً لا يقوى على رفعه، أو تناوله شيئاً لا تناله يده، أو تدلُّه على حل
لإحدى مشكلاته، أو تقوم له بعمل هو في حاجة إليه.. هل أحسست بالخِفة تملأ
نفسك، فتكاد تحمل جسمك حملاً في الهواء؟ هل أحسست روحك ترفرف عالية
مستبشرة، ونشوة خفية تملأ جناحيك؟ إنها الطريق إلى الله.
.. هل أحسست نحو إنسان أنك تحبه؟ تحبه ولست في حاجة إليه ولا تنتظر
نفعاً على يديه؟ تحبه بلا ضغينة له في نفسك ولا غيرة ولا حقد؟ تحبه فلا تقيس
نفسك - سراً -إليه وتقول: ألم أكن أنا أولى منه بما هو فيه؟ تحبه فلا تحسده على
مزاياه ومواهبه بل تحبها كأنما هي ملكك، وتتمنى له المزيد؟ أنها الطريق إلى الله.
هل أحسست بالألم يعتصر فؤادك؟ ألم من كل نوع.. آلام شتى كلها مؤلم
وكلها شديد.. هل أحسست أنك تتهاوى تحت وطأتها وأنك لا تستطيع احتمالها؟
هل أحسست وخزها يدفعك إلى الصياح.. إلى التأوه.. إلى الانفطار.. إلى انهيار
الأعصاب وانهيار السلطان على النفس؟ وهل تمالكت نفسك رغم هذا، وقلت
تواسي نفسك وتجمع شتاتها تصبِّرها: فليكن ذلك في سبيل الله؟ إنها الطريق إلى
الله.
هل أحنقك الشر يمرح في الأرض؟ هل أحسست بهزة الغضب وأنت ترى
الظلم يقع عليك وعلى غيرك من بني البشر.. هل ضاقت نفسك بالحياة فما عدت
تطيق آلامها وقسوتها؟ هل تملكك الضجر واليأس، وأحسست بالحاجة إلى الشكوى؟ هل تلفت حولك فلم تجد من تشكو إليه؟ لم تجد الصفي الذي يخلص لك حتى
لتفتح له نفسك دون تحرج وتطلعه على كل خفاياك؟ أو لم تجد راحة في شكواك
إلى الناس؟ ثم هل تطلعت إلى السماء وانفجرت بالشكوى؟ هل وجدت الله
وشكوت له بثك ونجواك؟ ، إنها الطريق إلى الله.
стр. 1220
حول مصطلح التطرف
زكريا بن عبد الله الزامل
إن التلاعب بالمصطلحات قديم قدم المصطلحات ذاتها، ويكثر هذا النوع من
التلاعب في هذا الزمان، حتى وصل إلى حد الإرهاب بأنواعه، وحتى أصبح
وظيفة لبعض من رواد الصحافة أن يطلقوا الأحكام على خلق الله، فإذا تمسك
المسلم ببعض السلوك الإسلامي وصم بالتطرف والأصولية، وإذا طالب بإقامة حكم
إسلامي رمي بأنه متطرف وصولي، وإذا طالب بإحياء فريضة الجهاد في سبيل
الله وصف بأنه راديكالي، وإذا طالب بالعودة إلى الكتاب والسنة وترك حثالة الآراء
وصف بأنه نصوصي حرفي، وهكذا تنتقى المصطلحات المناسبة من قاموس
الصحافة المستوردة مع إمكانية استيراد مصطلحات جديدة لما يستجد في الساحة من
ظواهر.
ونحن لا نعجب ولا نستغرب هذا العداء لأننا نعلم أن هذه الفئة من الناس إنما
هي عالة على الفكر الغربي المتطرف ذي البعد العدائي للإسلام والمسلمين، ولأنهم
الوجه الآخر للاستعمار فهي شنشنة نعرفها من أخزم، لكن عجبنا أن يكون من حملة
الأقلام الإسلامية وممن يعد من حماة الدين والذابين عنه عندما يقعوا في ذلك المزلق
الخطير، وإن كانوا يملكون من ثقة القراء ما يعذرون به إلا أنهم في المقابل يوقعون
نوعاً آخر من القراء في دوامة وحيرة.
ومن المصطلحات التي أصبحت مجالاً للتلاعب والخداع مصطلح (التطرف
الديني) حيث شاع ذكره والكلام عليه هذه الأيام، لذا وجب علينا معرفة حقيقة التطرف وما يتعلق به ومن ملابسات.
إن هذا المصطلح دخيل لا تعرفه قواميس اللغة المعتمدة، فهو غربي النشأة
يُرمى به كل من يدعو للعودة إلى الكنيسة والكتاب المقدس ويستعمل القوة والعنف
في ذلك كما هو حال الكنيسة في العصور الوسطى لأوربا كقولهم radical,
fundamental, fanatic، ومعناها على الترتيب متعصب، أصولي، متطرف، فترجمت هذه المصطلحات لتكون أسلحة مضادة للمصلحين.
لذا فنحن لا نعرف شيئاً اسمه تطرف ديني، ولكن نعرف شيئاً اسمه الغلو في
الدين، هذا من حيث اللغة. أما من حيث المفهوم فإن المعنى المتبادر لمفهوم
التطرف الديني يختلف عن المعنى المتبادر لمفهوم الغلو في الدين، حيث إن
استعمال مصطلح التطرف بدلاً من الغلو ينتج عنه فجوة إن لم يكن عداء بين عامة
الناس وعلمائهم من جهة، وبين من يسمون المتطرفين من جهة أخرى، ولا يخفى
خطر ذلك على كلا الفريقين، أما مصطلح الغلو فإنه لا يقصد منه خلق فجوة أو
العداء أو الوقيعة أو الإرهاب أو حتى التندر، بل إننا عندما نستعمل مصطلح
الغلو - وهو مصطلح إسلامي - نريد منه الإصلاح والتحذير ومعالجة هذه ... الظاهرة
والرفق بأصحابها والحرص عليهم.
وأيضاً فقولهم التطرف الديني تجُّوز في العبارة، إذ إن الغلو أو التطرف -
على حد تعبيرهم - يكون في أسلوب التدين وليس في الدين ذاته، لذا فنحن نقول:
الغلو في الدين ولا نقول الغلو الديني، وقد أشار إلى ذلك بعض الباحثين، وإن كان
وجد من العلماء السابقين من استعمل لفظ التطرف تجوزاً إلا أن الأصل هو المرجع
اللغوي، وأيضاً فهؤلاء العلماء لم يكونوا يقصدون من ذلك الاستعمال التشويه أو
الاستهزاء بل كان مجرد تجوز في الاستعمال كما ذكرت، هذا من جهة التطرف
كمصطلح.
أما من جهة استعماله وتوظيفه فإننا نجد العجب العجاب ممن يكيل بمكيالين
حيث نجد من الكتاب المحسوبين على الإسلام من يستعمل مصطلح التطرف الديني
ويقيم المظاهرات الإعلامية عليه وأنه أشد أنواع التطرف خطراً وضرراً على الفرد
والمجتمع وأن أصحابه يتطرفون في آرائهم ويتجرأون على الفتيا في الدين بغير
علم، ويوزعون أحكام التكفير والتفسيق مع الناس دون تمييز ويتعصبون لآرائهم
ويسفهون غيرهم ويصبحون أحاديي النظرة، ولا يعرفون من الألوان إلا الأبيض
والأسود، وإذا ما حازوا على منبر عام وصلوا إلى حد الإرهاب.. الخ من أنواع
الشتائم.
ففي حين وضع التطرف الديني تحت قائمة هذه الاتهامات لا نجد هؤلاء
الكتاب يتكلمون عن التطرف السياسي الذي لا يتكلم إلا بالحديد والنار وأعواد
المشانق، وهو أشد خطراً وضرراً على الأمة. أما التطرف الفكري فهو عند هؤلاء
الكتاب أقل شأناً وأهمية ولا يعتبر ذا خطورة بالغة مقابل التطرف الديني مع أنه
يضل كثيراً من الناس، وقد يخرجهم من دائرة الإسلام. وما العلمانية وقبلها
المعتزلة وأخواتها من الفرق الضالة إلا نتاجاً طبيعياً لهذا النوع من الغلو أو التطرف.
فمن هو الذي يتطرف في رأيه ويتجرأ على الفتيا في الدين بغير علم،
ويوزع أحكام التطرف والأصولية والخروج عن الدين على خلق الله دون تمييز
ومن هو الذي يسفه آراء غيره؟ ومن هو أحادي النظر؟ ومن هو الذي إذا حاز
على منبر عام وصل إلى حد الإرهاب؟ أليسوا هم أولئك الفئة من الناس التي
تطاولت على الإسلام وحاكمته بمحاكمة حملته، ورمته بالجمود والتخلف؟ في
مقابل تصفيقها ودعوتها للثقافة الغربية والفكر الغربي.. وأيضاً ما هو السبب في
نشوء هذا الغلو في الدين؟ أليس هو الممارسات السياسية والفكرية المتطرفة.
فلماذا توضع اللائمة على هؤلاء دون هؤلاء ويحاكم هؤلاء دون هؤلاء، أم أننا
أصبنا بداء الغلو أو التطرف في دراسة هذه الظاهرة وتحليلها وإصدار الحكم عليها. وإنني بذلك لست أدافع عن الغلو أو التجاوز في التعامل والسلوك أو اعتذر له أو
عنه، فإننا نعلم من ديننا بالضرورة - وهو دين الوسطية - النهي عن الغلو في
الدين، وأنه سبب في هلاك الأمم، ولكني أدعو بذلك إلى نقد ذاتي بناء بعيداً عن
تدخلات الآخرين المتلهفين إلى نقد كل ما يمت إلى الإسلام بصلة، وأدعو إلى نقد
خالص بعيد عن الاتهامات أو التجريح أو التناقضات أو عدم الإنصاف، نقد يقصد
منه النصح للأمة، وهذا النقد يكون نابعاً عن إحساس الأمة بالنقص والخطأ
واتجاهها إلى التصحيح بعيداً عن ردود الأفعال.
وعلينا ألا نكون ضحية لسياسة الأمر الواقع، أو أن نستقطب فكرياً من
الأعداء فيما نكتب، وأن نجعل فكرنا ونقدنا حراً طليقا في إطار أصالتنا بعيداً عن
مؤثرات الأعداء وإيعازات المخربين.
стр. 1221
الورقة الأخيرة
من الرطانة إلى المسخ
محمد بن حامد الأحمري
هناك معارك تعترك فيها اللغات كما تعترك الجيوش على حدود الدول وفي
أعماقها وقد لا تراها العيون، ولأن الناس يصلون نار المعارك العسكرية وتسيل
الدماء وتهلك الجموع؛ فلا يهتم أحد بالمعارك الثقافية الأخرى، وبخاصة معارك
اللغات..
اليوم تنكمش اللغة العربية، وتحاصر في كل ركن، وتحل محلها اللغة
العبرية والإنجليزية والفرنسية. فدول المشرق العربي تعيش نهباً للغة الإنجليزية
وأحياناً الفرنسية، في القرى النائية وأعماق الصحراء تجد اللوحات باللغة
الإنجليزية في الوقت الذي لم يقف على أبواب هذه الأماكن متحدث بهذه اللغة. بل
وصل الأمر بشركتين عربيتين في بلد عربي أن تكتبا العقود بينها بالإنجليزية
وتمنعا عمالها من الحديث بالعربية، وبلغ الجهل والتخلف بهؤلاء أن تكون جميع
اللوحات الإرشادية بالإنجليزية، وأحياناً نصف اللوحات.
وفي دول المغرب العربي مشروع فرنسة شامل، ففرنسا تقوم بمعونات ثقافية
مجانية بإرسال مدرسي اللغة الفرنسية وإغراق الأسواق بالكتب والأفلام الفرنسية
بالإضافة إلى البرامج التلفزيونية. وأوقف مشروع التعريب في هذه البلدان بحجة
أن التعريب أدى للأصولية.
ويوم ينتهي النفوذ السياسي والاقتصادي للفرنسية والإنجليزية - وقد يكون
قريباً - هل سترثها اللغات المتخلفة جداً كاليابانية والصينية والهندية وندرسها في
مدارسنا ونحول وسائل إعلامنا لها، أم أن المستقبل للعبرية والتي تتزايد شهرتها
واهتمام العالم بها، لأن اليهود احترموا لغتهم ففرضوها على العالم، ولم يكن أحد
يتحدث بها إلا كهنة معابد اليهود وكانت العبرية والديانة اليهودية أهم وسائل تكوين
دولة مترابطة، لأن اليهود قدموا من شعوب شتى ولغات شتى فجمعتهم العبرية
والديانة اليهودية.
إننا لنلوي ألسنتنا بعجمتهم ورطانتهم في كل بلدانهم حيث لا يحترمون لنا لغة
ولا ذات، ويوم يدخلون بلداننا ترانا نستبق تحت أقدامهم لنترجم لهم خدماً طيعين
بلا أجر، بل ونحرص ألا تعكر مزاجهم كلمة عربية واحدة، بل إن المريض في
الدول العربية عندما يشتد به المرض قد لا يفكر في الذهاب إلى المستشفى لأنه لا
يستطيع أن يشرح مرضه بلغة أخرى، وهم لا يفهمونه بل ربما أمرضوه أو قتلوه
لأنه لا يعرف لغتهم ولا يعرفون لغته.
لقد انهارت الثقافة الإسلامية وعلومها العربية يوم أن كانت اللغة التركية لغة
ثانية بل لغة مسيطرة في البلاد العربية، وعشنا زمناً طويلاً من الانطواء وضعف
العلوم والثقافة، لأن اللغة المهيمنة لم تكن لغة المجتمع فلم تكن العربية، ولم
يتعرب الأتراك، واليوم سيكون بقاء اللغات الأجنبية مسيطرة في بلاد المسلمين
علامة انهيار ثقافي وتبعية سياسية شاملة، فمجتمع يعيش بلغتين ويحيا ثقافتين
مجتمع مصيره المسخ والانهيار، فاختاروا لكم حياة ثقافية وحضارية واحدة، إما أن
تكون العربية، أو الفرنسية، أو الإنجليزية، وتجنبوا مشاريع التقليد الفاشلة قديماً
وحديثاً. ونحن اليوم نعيد تجربة العهد التركي الفاشلة ثقافياً مع أنها حمت المسلمين
عسكرياً زمناً طويلاً، نعيد التجربة مع الغربيين. لقد آن لنا أن نعي ثقافتنا ونعرف
أهمية لغتنا وألا نحيا حياة المسوخ، وليس في هذا منع لوجود مختصين ونقلة لما
نحتاجه من الغرب أو الشرق، فتكون هناك حاجة دائماً لمن يعرف هذه اللغات
سواء اليابانية أو الصينية أو العبرية أو الإنجليزية أو الفرنسية، ولكن ليس بهذه
العملية الماسخة لشعوبنا، الممزقة لها سياسياً وثقافياً، آن لنا أن نتخلص من هذا
الاستعمار الفكري المزري.
стр. 1222
ربيع الأول - ١٤١٣هـ
سبتمبر - ١٩٩٢م
(السنة: ٧)
стр. 1223
الافتتاحية
نحن والإعلام الغربي
محمد بن حامد الأحمري
كتب أحد أدباء كينيا يصف الحال التي أوصلتهم إليها مرحلة الاستعمار فقال:
(جاؤوا إلينا يحملون البندقية والإنجيل، فأمطرونا بالرصاص، ثم غمموا أعيننا،
ووضعوا أيدينا على المحاريث نقلب لهم الأرض ونزرعها، وبعد عناء طويل فتحنا
أعيننا لنجد بأيدينا الإنجيل وبأيديهم الأرض والثروة، وكنا قد نسينا استعمال السلاح، فنحن اليوم نقلب الإنجيل، ونتقلب في المجاعة والتبعية) .
تلك خلاصة حال المستعمرات التي عانت من عماء طويل ونهب منظم أشد
خطراً على الأمة من الهزائم العسكرية التي تلحق بها مؤقتاً، حيث يهب الناس بعد
ذلك لتغيير ما حل بهم، ولكن هذا التغيير مشروط بوجود الوعي العام لدى الأمة.
وقد سارعت القوى الغربية لإيجاد عوازل كثيفة بين الناس وبين سبل الوعي، وجعلت من الإعلام الذي يفترض أن يكون هو وسيلة التوعية والفهم جعلت منه
وسيلة لاستمرار الجهل والتخلف في دول العالم الثالث حيث يمارس هذا الإعلام
دوراً رئيسياً في تعمية الشعوب وصرفها عن طريق الحق والخير. وكلما تطورت
الصناعة الإعلامية في عصرنا سارع المشوهون للمفاهيم والعقول إلى استخدامها
لكبح وعرقلة طريق الوعي للأمة. وشاهد ذلك ما يحيا عليه المسلمون من مشرق
العالم إلى مغربه من وسائل إعلامية تعرض وتكتب في كل الأوقات مادة واسعة
حول شئون العالم، ولكنه حين يقف أمام هذا الكم الهائل لا يجد الصحيفة التي تهتم
به وبشئونه، ولا يرى ولا يسمع من يعبر عن وجهة نظهره، ولا يسمح له بالتعبير
عن رأيه ولذا فقد صودرت أبسط حقوقه في الرؤية أو السماع أو القراءة. ...
إن إرغام العالم الإسلامي بجماهيره الواسعة على سماع وتقبل وجهة النظر
الغريبة في كل الأحداث لا يمكن أن يجعله قابلاً لها ومُسلِّماً بها، بل إن هذا
الإصرار الغربي الشديد على رأيه في إسماع العالم صوتاً واحداً ورأياً واحداً فقط في
كل مسألة يدفع المسلمين إلى تكوين وجهة نظرهم الخاصة المضادة والتي قد
تنحرف أو يسودها العنف في بعض الأوقات حين لا يتوفر لها حرية الإقناع
والاقتناع وذلك لأن الشعوب الإسلامية أصبحت هامشاً مهملاً لا حق له ولا صوت
ولا رأي.
وإذا سمح بقسط أوسع من الحرية والكرامة للشعوب نضجت عامتها وخاصتها، وأصبح لذوي القرار قدرة ووعي وتوفر للمعلومات أكثر في حال تنوع مصادرها
وتنوع التحليل. ولا يمكن أن توجد لديهم هذه القدرة حين ترى وسائلهم الإعلامية
العالم من خلال المنظار الغربي فقط، ومن خلال زوايا ضيقة يسمح بأن ينظر
الناس من خلالها.
والإعلام الغربي عجوز قديم سبر الشعوب الصغيرة التي تحبو على أبواب
عالم اليوم وتحاول أن تدخل محافله وأن تؤثر في قراراته، ولكن خبراته تحاول أن
تجعل من الشعوب الصغيرة - أو التي هي في طرقها للتصغير لا للكبر - أبواقاً
للحن العام مشاركة في فريق الإنشاد ملتزمة بكل تفصيلات الإيقاع، فهذه الشعوب
آلات صغيرة يجب أن تلتزم بدور هامشي في المهرجان العالمي، وأن تكتفي فيه
بدور المصفق والمشاهد المغبون الذي يكدح وتوضع يده على المحاريث ويغطى
بصره، ثم بعد عناء طال أم قصر تزول الحجب وتكون عاقبته كعاقبة الأفارقة لا
يجد في يديه إلا (النظام العالمي القديم) خرافة يقلب فيها نظره فلا يعرف لها معنى ...
ولا تقيه من حر ولا قر.
واليوم يواجه مسلمو البوسنة المجازر والتهجير وإنهاء الوجود وتصفية دولتهم
التي اعترف بها العالم والأمم المتحدة، ويترقب المسلمون ويقلبون أيديهم فلا يجدون
إلا مؤامرات ومؤتمرات تكون عاقبتها كعاقبة مؤتمر فلسطين أو أسوأ [١] .
لهذا فحقيقة الشعارات والمظاهرات الإعلامية خديعة للضعفاء والمنقسمين. إذ
لا يصنع السلام إلا السلاح والقوة، والقادر على الحرب هو القادر على السلام وهو
الذي يلهي الضعفاء بالخداع والشعارات والضجة الإعلامية ثم يشرب المهزومون
السراب.
إن المسلمين اليوم لا يستفيدون من الانغلاق الإعلامي وإحكام المنافذ ضد
المعرفة أو الوعي بما يدور في العالم، وهم كذلك لا يستفيدون من جعل أنفسهم
مستهلكين فقط للمادة الإعلامية الغربية. فلا بد مع الانفتاح الإعلامي العالمي الذي
يحياه المسلمون اليوم من المشاركة الإسلامية البديلة، بل لا بد من فرض البدائل
وفتح المجال لها مهما بدأت صغيرة واهنة قليلة الأنصار محدودة الدعم، فإنها -
بإذن الله - هي الوارثة وهي التي تملك جذورها في الشعوب المسلمة؛ في قلوبهم
وأيديهم وألسنتهم وأموالهم، فهي لسانهم الناطق ومنبرهم المعبر عن آمالهم، ويمنعنا
نحن المسلمين عن هذه المشروعات المهمة أمور كثيرة منها ما هو بأيدي أعدائنا
ومنها ما نحن سببه، كبخلنا وعجزنا وترددنا وخوفنا من الأعمال المؤثرة. ومتى
تغلبنا على هذه المثبطات في أوساطنا فلا يملك العالم إلا الاعتراف بالصوت المؤثر
والخبر الصادق.
أما أن المسلمين سيستفيدون من الانفتاح العالمي فهذا مما لا شك فيه لأن الله لم
يخلق شراً محضاً. فالمسلمون بواسطة الإعلام الغربي والوكالات الغربية يعرفون
ما يحدث في أرجاء العالم ويتجاوبون معه قدر المستطاع. وحين يرون ما يقوم به
إخوانهم في بلدان بعيدة من عمل لإعزاز دين الله ونصرته فإن ذلك يثير العزائم
ويقوي الآمال ويحث المسلمين أجمعين على تقوية الصلة ومناصرة قضايا المسلمين
على الرغم من انحياز اللغة التي يُنقل بها الحدث. وكثير من قضايا الإسلام
والمسلمين في العالم ما كان للمسلمين أن يعرفوها بسهولة لو لم توصلها لهم أجهزة
الإعلام الغربي على ما فيها من تشويه.
ترسخت لدى الغرب صناعة إعلامية تجعل له تأثيراً وقابلية، ويشارك بدور
أساسي في صناعة القرارات ذلك لأنه إعلام مستقل إلى درجة كبيرة عن نفوذ
الحكومة المباشر، ورقيب عليها وعلى سير عملها بما يخدم مصلحة الشعوب. ثم
هو إعلام تنافسي تتنافس فيه هذه الوسائل على السبق الخبري، والتحليل المؤثر
والأسلوب الجذاب، وبالتالي تحصل الوسيلة الإعلامية على الإعلانات والمال
وجماهير المتابعين لتلك الوسيلة الإعلامية مرئية كانت أو مسموعة أو مكتوبة.
وقد تنافست هذه الوسائل في إعطاء صورة لمجازر المسلمين في البوسنة
وكان لهذه التغطية الإعلامية أثرها العالمي في كشف هدف الصرب وهو إخلاء
أوروبا من الإسلام. وفي هذه المرة بقي القرار السياسي العالمي يلعب بكلمات
الحرب العرقية والعنصرية وتجنب الدخول فيها. وقد كان أحد الصحفيين يحاور (جون ميجر) ليستخرج من فمه كلمة تصف هذه الحرب بأنها حرب نصرانية، ولكنه كان يهرب تماماً من أي إشارة إلى هوية الحرب الدائرة حتى يتجنب ما يبنى على هذا الوصف من موقف سياسي أو عسكري لا يريد النصارى اتخاذه ضد إخوانهم الصرب ويكتفى بإرسال الطعام للقتلى! !
وهذا نموذج للمصطلحات والتسميات التي يتداولها الإعلام من أسلحة الكلمة
المؤثرة، حيث يبتدعون تسميات ومصطلحات جديدة محملة بالمعاني التي يريدون
نشرها.
مثال ذلك مصطلح (الشرق الأوسط) الذي اخترعوه ليكون بديلاً (للمشرق
العربي) ، الذي يعني كون هذه المنطقة الجزء الشرقي من بلاد العرب المسلمين، ...
أما (الأوسط) فإنه يحمل دلالات أخرى منها أن هذه المنطقة للعرب ولغيرهم؛
للمسلمين واليهود والنصارى، ثم هي وسطى بالنسبة لغيرنا وليس لنا. وقد أشيع
هذا المصطلح وقبل به حتى أصبح وكأنه الأصل.
ومن المصطلحات التي يراد نشرها مصطلح الأصولية، والتطرف،
والأيديولوجية، بدائل عن الإسلام ولمزاً للمسلمين. وهذه شنشنة نعرفها من قديم،
منذ وصف محمد ﷺ وأتباعه بأنهم صابئون، وأنهم ...
مسحورون، ووصفت أمم أخرى أنبياءها بأشنع من هذا. وهذه المصطلحات من
إشاعة الإعلام الغربي ومن حصائده وسلبياته الكبيرة التي تصغر أمام فوائده.
وقصارى القول إننا لا نملك الغياب عن العالم والحياة ولا أن نجعل من هذا
زمن العض على أصل شجرة ما دام بإمكاننا أن نعمل وأن نؤثر في مسيرة العالم: (المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط ...
الناس ولا يصبر على أذاهم) [٢] ، ولا نلجأ للعزلة الإعلامية فهي وهم، بل ... إن استخدام هذه المادة الإعلامية السيئة وإعادة صياغتها في المرحلة الأولى بما يناسب أوضاع المسلمين مطلب ملح حتى يأتي ذلك اليوم الذي نصنع فيه الخبر ابتداءاً.
ولا يفهم من هذا القول أن تكون بيوتنا وحياتنا ساحة للإعلام الغربي، ولا أن
تُسلم الأمة لهذه الهيمنة الإعلامية، فقد نهينا عن الاستماع لأهل الباطل والقعود معهم
حين يخوضون في باطلهم ويستهزئون بالحق الذي معنا. وهم يتربصون بنا
ويخادعوننا ويحاولون الاستحواذ على عقولنا وألسنتنا، وللحق في ليل الظلام نجوم
تهدي ذوي البصائر، الذين لا يقفون في صف من يقول: [إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا
لَكُمْ] وسدوا عليكم الأرض والسماء والأعين والأبصار، ولكنهم من الذين لا
يحزنهم الذين يسارعون في الكفر، وإنما يدفعهم هذا إلى بذل الجهد لإيجاد منابر
للحق جديدة وتدعيم ما هو موجود منها.
стр. 1224
مقابلة
البيان تحاور الدكتور
جعفر شيخ ادريس
الدكتور جعفر شيخ ادريس علم من أعلام الفكر الإسلامي ومن رواد الدعوة
الإسلامية في هذا العصر وقد زار المنتدى الإسلامي محاضراً في الملتقى الثالث
عشر وقد اغتنمت البيان هذه الفرصة لإجراء هذا الحوار:
* البيان: نود أن نبدأ الحوار معكم من زاوية الهم الثقافي، فهل أنتم راضون
عن المستوى الفكري للعمل الإسلامي بعد مرحلة الستينات، مرحلة سيد قطب
والمودودي؟ وهل هناك من جديد أو من تقدم في هذا المجال أم لا؟
* من ناحية كتب الثقافة العامة لا أظن أن هناك كتباً في مستوى هؤلاء الرواد
الأوائل، لكن الذي حدث - وهو شيء حسن نحمد الله عليه - نشر كثير من كتب
السلف، وانتشرت بين كثير من الشباب، خصوصاً في السعودية - البلد الذي
أعرفه - وأعرف أنه حصل شيء مماثل في بعض البلاد العربية الأخرى كمصر،
وهذه من الظواهر الجديدة التي لم تكن موجودة سابقاً. هذه الكتب الفكرية لها فوائد، وكتب السلف أيضاً لها فوائد، والشيء الأمثل أن يوجد هذا وهذا.
فنحن لا نريد أن نعيش فقط على كتب التراث، بل نريد أن نستفيد أيضاً من
هؤلاء الأئمة ومن مناهجهم، ونواجه مشكلاتنا بمستوى ثقافي وعلمي رفيع نرجو
أن يتحقق.
* البيان: تعني: لم يتحقق تطور قوي في هذه الفترة
* أظن هذا والله أعلم.
* البيان: لا شك أنه حصل رجوع إلى الأصالة، فأقبل الشباب على
الاستزادة من العلم الشرعي، مما أسهم في تصويب مسيرة العمل الإسلامي إلى حد
كبير. ولكننا نلاحظ أن مواجهة المسائل المتعلقة بفقه الواقع لا تزال دون المستوى
المطلوب.
* لقد كررت هذا الكلام كثيراً وأقوله الآن. أنا متصل بالحضارة الغربية وأنا
عندما أنتقد، أنتقد أيضاً نفسي لأني كنت من الذين يُتوقع منهم شيء في هذا السبيل. وأنا ما زلت أقول لإخواني: ينبغي أن لا نخدع أنفسنا ونظن أن الغرب يعدنا
تحدياً فكرياً، أنا لا أظن إلى الآن أن الغرب يعدنا تحدياً فكرياً، ربما بعض
المستشرقين الذين درسوا الإسلام وعرفوه قد يعتبرونه تحدياً فكرياً، لكن عامة
المثقفين الغربيين كانوا يعدون الماركسية تحدياً فكرياً ويناقشونها، وتجد أن بعض
الطلاب والأساتذة صاروا ماركسيين، لكن لأن الماركسية أيديولوجية غربية انتقدت
الرأسمالية، وانتقدت الحياة الغربية بمستوى فكري كبير. أما نحن فإلى الآن لا
توجد لدينا كتب تضاهي كتب الأقدمين في نقد النصرانية أو في نقد الفلسفة، ككتب
الغزالي وابن حزم وابن تيمية وغيرهم في مواجهة الفكر غير الإسلامي، حتى
كتابات الدعاة الكبار التي ذكرناها لا تكفي، لا يوجد لدينا شيء يمكن أن يقرأه
المثقف الغربي ويعتبره نقداً قوياً فينبهر به ويقول: إن هذا نقد قوي.
* البيان: أظن أن هناك نوعاً من التبسيط لقضية فهم الغرب وتحديه، الآن (شعار المسلمون قادمون) رفعته مجلات في أمريكا وكتبت مقالات رئيسية في المجلات اليمينية المعروفة، وأساتذة جامعيون كتبوا أن المسلمين قادمون، والإعلام سواء المسموع أو المكتوب اهتم بهذه القضية. وهناك نوع من الأحاديث عن الوحدة الأوربية وأثرها في ضبط منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المستقبل، وهناك نوع من الكلام والتحركات السياسية والعسكرية وغيرها للمحافظة على النفوذ في العالم الإسلامي في المرحلة القادمة خوفاً من الإسلام، فهل من المناسب الآن أو هل من الحق أن نقول: إنهم لا يشعرون بالتحدي الفكري، أظن أنهم يشعرون أن الإسلام كمجتمعات تشعر بهويتها، ويمكن أن تتحد سياسياً ويمكن أن تكون قوة مواجهة يمثل تحدياً فهم يضايقهم أن الصين ليست في صفهم فكيف إذا ولد عالم إسلامي.
* قلت: أنهم لا يشعرون أنه تحدٍ فكري، أما كونه تحدياً سياسياً اقتصادياً
فطبعاً، يمكن لأي قوة أن تصير تحدياً والذي أقوله أنهم لا يعدوننا تحدياً فكرياً.
وصورة الإسلام عندهم ليست هي الصورة الصحيحة، حتى الصحفيون الذين
يكتبون عن أحوال العالم الإسلامي وعامة المثقفين وحتى الذين يهتمون بالشرق
الأوسط والعالم الإسلامي؛ ليست صورة الإسلام عندهم هي الصورة الصحيحة،
والذي يخيفهم ليس هو الإسلام الذي نعرفه. وهذا أمر طبيعي فإذا كانت صورة
الإسلام ليست هي الصورة الصحيحة حتى في قلوب وعقول معظم المسلمين؛
فكيف نتصور أنها تكون هي الصورة الصحيحة عند الغربيين؟ ! أنا لا أقول إنهم
لا يعتبروننا تحدياً أو لا يخافون من الإسلام أو أنهم لا يعدون العدة لمواجهة الإسلام؛ لكن أقول أولاً: هذا الإسلام الذي يخيفهم لا يعدونه تحدياً فكرياً. وثانياً: الصورة
التي يخافون منها هي في غالبها ليست الصورة الإسلامية الصحيحة وعندهم خلط
عجيب، فلا تراهم يفرقون بين رجل يفهم الإسلام وتطبيقه، وبين صدام حسين
مثلاً.
* البيان: نحن متفقون على أنه في الوقت الحاضر عندنا تراجع في إنتاج
دراسات فكرية، أو في تكملة ما بدأه بعض المفكرين الإسلاميين في العصر الحديث، وعندنا الآن فقر فكري شديد، لا شك في ذلك، ما سبب ذلك؟ هل الموضوعات
التي تصلح أن تكون مدار بحث ودراسة أم أن هناك أسباباً أخرى طرأت كفقدان
الحرية مثلاً؟
* أنا أقول: إن جزءاً منها راجع إلى الأفكار؛ فهؤلاء الرواد الأوائل عاشوا
في أجواء من الحرية، نحن الآن قد لا نتمتع بها، وتثقفوا وكونوا أنفسهم، وهذا
التكوين كان شخصياً فالمودودي، وحسن البنا وسيد قطب.. هؤلاء عاشوا في
أجواء ديموقراطية نسبية، وكونوا أنفسهم، وهناك سبب قد لا يرضى عن ذكره
المتأثرون بالعقليات الحزبية، وهو أن هؤلاء كونوا أنفسهم خارج التنظيمات،
ولكن المؤسف أن حركة هؤلاء الرواد التي تحولت إلى تنظيمات كانت هي من
أسباب الركود الفكري، لأن كثيراً من الشباب اكتفوا بالحركة اليومية والمواجهات
السياسية، وظنوا أن ما كتبه الرواد يكفي، والمهم أن نقوم بشيء عملي! مع
الأسف عملهم هو الذي أدى إلى هذا الركود.
* البيان: لكن إذا قلنا أن التنظيمات هي من الأسباب؛ هناك من الناس
خارج التنظيمات وهم مفكرون وعندهم قدرات لماذا لا يكتبون؟ إذاً العامل الرئيسي
هو الجو المخيم، انعدام الحرية وحالة اليأس الفاشية بين المسلمين الآن، يقولون:
ما الفائدة من الكتابة؟ الإسلام مهدد في عقر داره.
* نعم هذا السبب الأول الذي قلناه، وهو سبب إضافي، والذي قلته عن
التنظيمات هو شيء معروف ليس فقط في التنظيمات الإسلامية، بل حتى في
التنظيمات الأخرى، أحياناً التنظيم يصور للشخص المنتمي إليه أن مجرد الانتماء
إليه عمل عظيم، ويكتفي بهذه الاجتماعات، كان بعض الغربيين قد لاحظوا تشابهاً
بين الحزب الشيوعي والكنيسة الكاثوليكية، قالوا: إن كثيراً من المفكرين ضاقوا
بالكنيسة الكاثوليكية لأنها تخنقهم، فخرجوا منها، وأن الحزب الشيوعي قد أخذ
كثيراً من مواضعات الكنيسة الكاثوليكية فصار قرار الحزب عندهم جزءاً من
الشيوعية، كما أن قرار البابا جزء من الدين، وإلى حد ما لولا أن الإسلام فيه كلام
واضح عن أن مصادر الدين هي الكتاب والسنة فإن بعض الأحزاب كادت تجعل
قراراتها جزءاً من الدين، وإن لم تقل ذلك صراحة؛ لكنها تهتم بالالتزام بها أكثر
من اهتمامها بالالتزام بكثير من نصوص الكتاب والسنة، وتجد كثيراً من الشباب
المنتمين إلى التنظيمات يلتزم فعلاً ولا يداخله شك في وجوب الالتزام بقرارات
التنظيم، وإن داخله شك في الالتزام في بعض النصوص الشرعية أو أنه يتسامح
في بعض الأمور الشرعية أكثر من تسامحه في الامور التنظيمية، على كل حال
غاية ما يقال أنه سبب من الأسباب وليس هو السبب الرئيسي..
* البيان: ذكرتم في الحديث عن الغرب وقضية المواجهة أن في الغرب الآن
عودة إلى الإيمان بالخالق، كيف هذا، وهل نعتبر هذه نقلة تساعدنا في دعوتهم
للإسلام؟
* استقر في أذهان الغربيين في الماضي أن مسألة وجود الخالق هذه مسألة
انتهت، عندما كنت طالباً أدرس الفلسفة (الغربية) ؛ كان الشيء الشائع بين الفلاسفة
أن هذا الموضوع انتهى، لكن الذي فتحه الآن ليس الفلاسفة وليس رجال الدين،
بل رجال الفيزياء، الفكرة ببساطة أنه في الماضي كان يقال بحسب النظرية
الفيزيائية القديمة أن هذه المادة أزلية لم تخلق ولا تنعدم، فالسؤال من أين جاءت لا
يطرأ، وهذه هي التي بني عليها الإلحاد الأوروبي تقريباً ولا سيما الإلحاد الماركسي، النظرية الحديثة التي يسمونها الانفجار الكوني العظيم تقول: إن الكون كله كان ...
في شكل ذرة صغيرة وأن هذه الذرة مسبوقة بالعدم، فصار السؤال: من أين
جاءت، - سؤالاً مشروعاً - ففتح الباب بهذه الطريقة، لكن مع الأسف من الأشياء التي نحن ملامون عليها أنهم عندما بدأوا بمناقشة هذا الكلام لم يجدوا عندهم شيئاً إلا كتابات فلاسفتهم وفيها الكثير من الخلط الفكري، وأنا حاولت في مقال سينشر في شكل رسالة صغيرة أن أجمع حججهم الحديثة التي يدافعون بها عن الإلحاد بالرغم من حدوث المادة، وجئت بكلام العلماء المسلمين كالغزالي وابن تيمية في رد الحجج العقلية الشائعة بين الفلاسفة، تستغرب أن عقل إنسان يقول لهم أن شيئاً يأتي من العدم، القرآن يقول: [أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الخَالِقُونَ] ، يعنى إما أحد هذين أو أن له خالقاً، وكل من هذين مستحيل لذلك جاء ذلك في القرآن بصيغة سؤال استنكاري [أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ) خلقوا أنفسهم؟ ! هذا مستحيل، الذي يقوله الآن كبار هؤلاء الفيزيائيين والفلاسفة هو أحد هذين: إما أن يقول المادة خلقت نفسها، أو يقول أنها جاءت من العدم، وقليلون هم الذين يقولون ليس هناك مخرج إلا في وجود خالق، فلو أن الفكر الإسلامى كان متصلاً بهذه المسائل، ولو أن المسلمين شاركوا لربما ساعد ذلك على أن يعود هذا العلم الشارد إلى الله، وقد شجعت بعض الإخوان الذين أعرف أنهم متعمقون بعلم الفيزياء ولهم معرفة حسنة بدينهم أن يكتبوا في هذه القضية التي أصبحت الآن مفتوحة.
* البيان: لا يسمحون، فهم لا يعترفون بعالم عربي أو مسلم فيزيائي أحب
أن يكتب بحثاً في هذا الموضوع. لا أظن أن هناك دورية أو مجلة تنشر له هذا
البحث.
* ما داموا هم يكتبون تستطيع أن تناقشهم، وبعض الإخوة الآن يكتبون في
المجلات الفيزيائية في الاتجاه العادي، أما الموضوع الديني فقد أصبح موضوعاً
شائعاً بينهم، والمهتمون بعلم الفلك وأصل الكون يسمحون، ولا يشترط أن أقول
لهم هذا إسلام أو غير إسلام، الحجج التي عرفتها من الدين وعلماء المسلمين
أذكرها وأبطل بها حججهم.
* البيان: لكن أنت سوف تتعرض لأشياء إسلامية استقيتها من القرآن الذي
نعتقد - نحن المسلمين - أنه وحي من السماء، وهم يرون أنك تتحدث عن أمور
هي عندهم غيبية وليست عالمية.
* لا ينبغي أن أطرح هذه المسألة، لأن المناقشة عقلية: هل الكون له خالق؟ ومن المفروض أن أواجهه بما عندي من حجج عقلية أخذتها من كتاب الله وسنة
رسوله ﷺ ، أو بحسب ما وسعها علماء المسلمين وشرحوها، طبعاً لا أواجهه بأن القرآن قال كذا أو السنة قالت كذا. لأنه لا يؤمن بالأصل
حتى إني قرأت منذ أيام كلاماً لشيخ الإسلام فحواه أن الخطاب في مكة كان: يا أيها
الناس، لأن الكلام كان عن أصول الدين، والذي لا يؤمن بالأصول لا يخاطب
بالفروع، وما نزلت] يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا [إلا في المدينة ومعها أيضاً] يَا أَيُّهَا
النَّاسُ [فنحن الآن في عصر نقول فيه يا أيها الناس ويا أيها الذين آمنوا، فعندما
نقول يا أيها الناس نواجههم بأصول الدين وبحججه العقلية والعلمية لا بالاستناد إلى
مصدرها.
- يتبع -
стр. 1225
تدوين العقيدة في القرن الرابع الهجري
عثمان جمعة ضميرية
إذ انتهى بنا البحث في تدوين العقيدة الإسلامية إلى القرن الرابع الهجري،
وهو ما أسماه بعضهم بـ (عصر النهضة في الإسلام) ، فإننا نجد مصطلحاً شاع ...
استعماله كثيراً، ولا يزال، حتى أصبح عَلَماً على هذا الجانب الذي نؤرِّخ له،
وهو (التوحيد) ، وبجانبه مصطلح آخر هو (الشريعة) مع مصطلحات أخرى.
نقف لها هذه المقالة المختصرة، لعل فيها بعض الغَناء عن كثير من التطويل
والإسهاب.
٤- التوحيد:
قال ابن فارس في (معجم المقاييس) [١] :
(وحد - الواو والحاء والدال، أصل واحد يدل على الانفراد، من ذلك: ...
الوحدة. وهو واحد قبيلته، إذ لم يكن فيهم مثله. قال الشاعر:
يا واحد العرب الذي ... ما في الأنام له نظير
ولقيتُ القوم مَوْحَد مَوْحَد، ولقيتهُ وحدَه. ولا يضاف إلا في قولهم: نسيج
وحده، وعيير وحده.. والواحد: المنفرد..) .
وقال الراغب الأصفهاني في (المفردات) [٢] : ...
(الوحدة: الانفراد. والواحد - في الحقيقة - هو الشيء الذي لا جزء له ... البتة. ثم يطلق على كل موجود، حتى إنه ما من عدد إلا ويصح أن يوصف به.. ...
فالواحد لفظ مشترك يطلق على ستة أوجه) وذكر هذه الوجوه.
وقال ابن منظور في (اللسان) [٣] :
(قال ابن سِيْده: والله الأوحد المتوحد وذو الوحدانية. ومن صفاته: الواحد
الأحد. والفرق بينهما - كما قال الأزهري وغيره -: أن (الأحد) بني لنفي ما ...
يذكر معه من العدد، و (الواحد) اسم بني لمفتتح العدد ... ولا يوصف شيء ...
بالأحدية غير الله تعالى) .
والتوحيد في اللغة: الحكم بأن الشيء واحد، والعلم بأنه واحد، وهو على
وزن التَّفعيل، وهذا النوع من الفعل يأتي متعدياً، إلا أحرفاً جاءت لازمة، كقولهم: روَّض الرَّوْضُ، إذا تمَّ حسنه ونضارته..
وهذه الصيغة لها معنيان: أحدهما: تكثير الفعل وتكريره والمبالغة فيه،
كقولهم: كسَّرت الإناء، وغلَّقت الأبواب.
والوجه الثاني: وقوعه مرة واحدة كقولهم: غدَّيت فلاناً وعشَّيته.
ومعنى وحَّدته: جعلته منفرداً عما يشاركه أو يشبهه في ذاته وصفاته.
والتشديد فيه للمبالغة، أي: بالغت في وصفه بذلك.. وقولهم: وحَّدت الله، أي
علِمْتُه واحداً منزَّهاً عن المثل في الذات والصفات. وقال بعض العلماء: التوحيد
نفي التشبيه عن ذات الله وصفاته وألوهيته [٤] .
وبعد هذا التعريف اللغوي نشير إلى المعنى الاصطلاحي الشرعي، فإن
التوحيد هو أساس دعوة الإسلام، وهو دين جميع الرسل والأنبياء، وهو إفراد الله
تعالى بالربوبية والطاعة أو العبادة، ويشمل ذلك أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد
الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات. وهي كلها متلازمة
مترابطة.
وتطلق كلمة (التوحيد) أيضاً: على العِلْم الذي يدرس الجانب العقائدي من
الدين، وعندئذ عرفه العلماء بأنه: علم يبحث فيه عن وجود الله، وما يجب أن
يثبت له من صفاته، وما يجوز أن يوصف به وما يجب، وما ينفى عنه، ويبحث
عن الرسل لإثبات رسالتهم وما يجوز أن ينسب إليهم وما يمتنع. وسمي بهذا الاسم
تسمية له بأهم أجزائه، فهو من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل.
ولما أصبح التوحيد لقباً لهذا العلم، وجدنا عدداً من العلماء كتب فيه تحت هذا ...
العنوان مثل: (كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب ) لابن خزيمة (٣٠٦ هـ) ، و (التوحيد ومعرفة أسماء الله وصفاته على ... الاتفاق والتفرُّد) لابن منده (٣٩٥ هـ) ، و (الحجة في بيان المحجة وشرح التوحيد ومذهب أهل السنة) للحافظ قوَّام السنة الأصبهاني (٥٣٥ هـ) ، و (التمهيد لقواعد التوحيد) لأبي المعين النسفي (٥٠٨ هـ) وهكذا وضعت كتب بهذا العنوان في عصور تالية، لن نستقصيها ونتحدث عنها، لأن ذلك يخرج بنا عما أرد ناه من إيجاز [٥] .
٥- الشريعة:
قال ابن فارس في (معجم المقاييس) [٦] :
(شرع - الشين والراء والعين أصل واحد، وهو شىء يُفْتح في امتداد يكون
فيه، من ذلك: الشريعة، وهي مورد الشاربة الماء. واشتق من ذلك: الشرعة في
الدين والشريعة) .
وقال ابن منظور في (اللسان) مادة شرع [٧] :
(الشريعة والشرعة: ما سنَّ الله من الدين وأمر به، كالصوم ... والصلاة.. مشتق من شاطئ البحر. ومن قوله تعالى: [لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومِنْهَاجاً] قيل في تفسيره: الشرعة: الدين، والمنهاج: الطريق..) . ...
والشريعة - كما قال الكَفَوي - اسم للأحكام الجزئية التي يتهذب بها المكلَّف
معاشاً ومعاداً، سواء كانت منصوصة من الشارع أو راجعه إليه.
ومما ذكره العلماء من تعريف للشريعة نجد أنها تطق على معانٍ متعددة:
أ- فالشريعة هي: كل ما أنزله الله تعالى على أنبيائه، وهي تنتظم الاعتقاد
والأحكام العملية والأخلاق. فهي ما شرعه الله من الاعتقاد والعمل. وبهذا تلتقى مع
مفهوم السنة الذي سلف بيانه فيما سبق [٨] .
ب- وتطلق كذلك على ما خص الله تعالى به كل نبي من الأحكام لأمته، مما
يختلف من دعوة نبي لآخر، من المنهاج وتفصيل العبادات والمعاملات، ومن هنا
نقول: إن الدين في أصله واحد، والشرائع متعددة.
ج- وتطلق أحياناً على ما شرعه الله تعالى لجميع الرسل من أصول الاعتقاد
والبِّر والطاعة مما لا يختلف من دعوة نبي لآخر، كما قال تعالى: [شَرَعَ لَكُم مِّنَ
الدِّينِ مَا وصَّى بِهِ نُوحاً والَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ ومَا وصَّيْنَا بِهِ إبْرَاهِيمَ ومُوسَى وعِيسَى]
[الشورى ١٣] .
د- وتطلق الشريعة بخاصة على العقائد التي يعتقدها أهل السنة من الإيمان. مثل اعتقادهم أن الإيمان قول وعمل، وأن الله موصوف بما وصف به نفسه
ووصفه به رسوله، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق.. وأنهم لا يكفرِّون أهل
القبلة بمجرَّد الذنوب.. فسمَّوا أصول اعتقادهم: شريعة..
والشريعة في هذا كالسنة، التي تقدم الكلام عليها، فقد يراد بها ما سنَّه
وشرعه من العقائد، وقد يراد بها ما سنَّه من العمل، وقد يراد بها كلاهما [٩] .
وممن كتب في اعتقاد أهل السنة والجماعة باسم الشريعة: الإمام الآجري
(٣٦٠ هـ) ، وابن بطة العكبري في كتابه (الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة) وتوفي ابن بطة سنة (٣٨٧ هـ) . وطبع الكتاب ... الأول أكثر من مرة، وحقَّق رسالة علمية بجامعة أم القرى بمكة المكرمة، قدمها الشيخ عبد الله الدميجي، وحقق الثاني كذلك الشيخ رضا معطي، رسالة جامعية في الجامعة نفسها ثم طبع القسم المحقق منها في مجلدين.
٦- العقيدة:
قال ابن فارس في (معجم مقاييس اللغة) [١٠] :
(عقد - العين والقاف والدال، أصل واحد يدل على شدٍّ وشدَّةِ وثوقٍ. وإليه
ترجع فروع الباب كلها. من ذلك: عقد البناء، والجمع أعقاد وعقود.. وعقدْتُ
الحبل أعقده عقداً، وقد انعقد، وتلك هي العقدة. وعاقدته مثل عاهدته. وهو العقد، والجمع عقود.
والعقد: عقد اليمين، ومنه قوله تعالى: [ولَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ] . وعقدة كل شيء: وجوبه وإبرامه. وعقد قلبه على كذا فلا ينزع عنه. واعتقد
الشيء: صَلُب. واعتقد الإخاءُ: ثَبَتَ..) .
وقال الراغب في (المفردات) [١١] :
(العقد: الجمع بين أطراف الشيء. ويستعمل ذلك في الأجسام الصلبة كعقد ...
الحبل وعقد البناء. ثم يستعار ذلك للمعاني نحو: عقد البيع والعهد وغيرهما،
فيقال: عاقدته وعقدته وتعاقدنا وعقدت يمينه..) .
وفي (المصباح المنير) : (اعتقدت كذا: عقدت عليه القلب والضمير، حتى قيل: العقيدة ما يدين به الإنسان. وله عقيدة حسنة: سالمة من الشك) . ومن هذه النصوص اللغوية نلاحظ أن مدار كلمة (عقد) على الوثوق والثبات والصلابة في الشيء.
ومن هنا جاء تعريف العقيدة والاعتقاد - كما في المعجم الوسيط - حيث قال: (العقيدة) : الحكم الذي لا يقبل الشك فيه لدى معتقده.
ومن هذا المعنى اللغوي أخذ تعريف العقيدة في الاصطلاح الشرعي، فقال
الشيخ حسن البنا ﵀ في تعريف العقائد - بصيغة الجمع -: (هي
الأمور التي يجب أن يصدِّق بها قلبك، وتطمئن إليها نفسك، وتكون يقينا عندك،
لا يمازجه ريب ولا يخالطه شك) .
فهي إذن اعتقاد جازم مطابق للواقع، لا يقبل شكاً ولا ظناً، فما لم يصل العلم
بالشيء إلى درجة اليقين الجازم لا يسمى عقيدة. وإذا كان الاعتقاد غير مطابق
للواقع والحق الثابت ولا يقوم على دليل، فهو ليس عقيدة صحيحة سليمة، وإنما
هو عقيدة فاسدة، كاعتقاد النصارى بالتثليث وبألوهية عيسى ﵇.
والناس في هذا الاعتقاد يتفاوتون، وهم في العقيدة على مراتب، كما أن آثار
هذه العقيدة تختلف من شخص لآخر حسب ما يقوم به بنفسه منها، واستيقانه بها
وفهمه لها وتفاعله معها.
والدراسة التحليلية للعقيدة تشير إلى أنها تعتمد على جوانب نفسية وجدانية
وإرادية وعقلية في حياة الإنسان، وتتصل بها كلها اتصالاً وثيقاً، بها تتكامل
شخصية الفرد، وبها ينتفي التضارب والصراع بين قواه المتعددة.
هذا، وقد أصبحت كلمة (العقيدة) اسم عَلَمَ على العلم الذي يدرس جوانب
الإيمان والتوحيد - التي سبقت الإشارة إليها - وأصبح كل من يكتب في هذا
الجانب يُطلق على ما كتبه اسم العقيدة، فيقال: عقيدة الطحاوي، وعقيدة فلان من
العلماء.. وأصبحت هذه الكلمة مضافة إلى الإسلام عنواناً على المادة الدراسية في
المعاهد والكليات وغيرهما، فيقال (مادة العقيدة الإسلامية) .
وأقدم من عرفته ممن استعمل هذه الكلمة عنواناً لما كتبه هو الإمام الحافظ
اللالكائي (٤١٨ هـ) في كتابه (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة) . ويقع الكتاب في ثمانية أجزاء طبعت بتحقيق الدكتور أحمد سعد حمدان. وفي القرن ... نفسه كتب الإمام أبو عثمان الصابوني (٤٤٩) رسالته باسم (عقيدة السلف ... أصحاب الحديث) . وكتب الجويني (٤٧٨) كتابه (الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد) . وقد سبق كتاب (الحجة في ترك المحجة وشرح عقيدة التوحيد) للحافظ قوَّام السنة الأصفهاني. وهناك كتب كثيرة تحت هذا العنوان نكتفي بما ذكرناه منها.
٧- أصول الدين:
والأصل في اللغة: ما يبتنى عليه غيره من حيث أنه يبتنى عليه، حسياً كان
أو عقلياً. ويطلق عند الفقهاء والأصوليين على معان: أحدها: الدليل، فيقال:
الأصل في المسألة الكتاب والسنة. ويطلق على القاعدة الكلية، كقاعدة لا ضرر ولا
ضرار. ويطلق بمعنى ثالث: وهو الراجح والأولى، كما يطلق على المستصحب.
والأصل في الدين هو التوحيد، والأصل في الاعتقاد هو الإيمان بالمبدأ أو
المعاد.
وعلى هذا فأصول الدين هي: ما يقوم الدين عليه ويعتبر أصلاً له. وهو ...
يقوم على عقيدة التوحيد، ومن هنا سمي علم التوحيد بـ (أصول الدين) كما سماه ... ...
بعضهم علم (الفقه الأكبر) أو علم (الأصول) . وهي ألفاظ متقاربة. وعرَّ فه ...
بعضهم بأنه: علم يقتدر معه على إثبات الحقائق الدينية، بإيراد الحجج لها، ودفع ...
الشُبَهِ عنها [١٢] .
وهكذا أصبحت كلمة (أصول الدين) لقباً لعلم العقيدة، وقد استخدمه الشافعي ...
في كتابه (الفقه الأكبر) ، ولم يشتهر وقتها. ثم وضع الإمام الأشعري (٣٢٩هـ) ...
كتابه: (الإبانة عن أصول الديانة) ، ولابن بطة العكبري (٣٨٧ هـ) : ... (الإبانة عن أصول السنة والديانة) ، وللإمام أبي منصور عبد القادر البغدادي ...
(٤٢٩هـ) كتاب (أصول الدين) ولأبي عثمان الصابوني كتابه السابق في العقيدة، يمكن أن نسلكه هنا، حيث قال فيه: (سألني إخواني أن أجمع لهم فصولاً في أصول الدين..) ثم ذكر هذه الأصول. ولإمام الحرمين الجويني كتاب (الشامل في أصول الدين) . ...
وغير ذلك من الكتب لغيرهم.
стр. 1226
خواطر في الدعوة
ثقافة الكتاب
محمد العبدة
من الظواهر الملفتة للنظر في حياتنا الثقافية هذه الأيام مزاحمة الشريط
المسموع للكتاب المقروء، وخاصة عند جيل الشباب الذي ضاق وقته في زحمة
الدراسة وزحمة العمل. وهذا العصر هو عصر السرعة، فهو يستمع للشريط في
غدوه ورواحه، وربما في المنزل وهو يقوم بأعمال أخرى، والسماع أسهل من
القراءة، فالقراءة بحاجة إلى صفاء في الذهن واستجماع طاقة التركيز، ولهذا بدا
وكأن الكتاب - وبخاصة إذا كان من الحجم المتوسط أو الكبير - ثقيل الظل على
هؤلاء الشباب.
وقبل أن نتكلم على أهمية الكتاب لا بد من القول أن الشريط الإسلامي الذي
يتضمن المحاضرات والدروس القيمة والخطب المؤثرة الصادقة، قد ساهم مساهمة
كبيرة في نشر الوعي بين صفوف طبقات كثيرة من الناس - وأعطاهم ثقافة لا بأس
بها، وهو وسيلة فعالة لأسباب كثيرة منها: سهولة التلقي، وسهولة الشراء،
وسرعة الانتقال، ولكن هل يغني هذا كله عن الكتاب؟ خاصة للشاب المسلم الذي
يؤهل نفسه ليكون داعية، والجواب: لا. ذلك لأن الشريط وإن كان يتضمن علماً
مثل الكتاب أحياناً، ولكن طريقة السماع لا تعطي العمق الذي تعيه القراءة،
والمعلومات التي في الكتاب لا يستطيع الشريط استيعابها، وفي الكتاب تعيش مع
المؤلف ومع الكلمات فتعطيك روحاً من روحها، ونحن نتكلم عن الكتاب المعاصر
الذي لا يوجد في شريط والذي يتحدث عن قضايا مهمة جداً من قضايا العصر،
فهل يهمل لأن حجمه فوق المتوسط، فكيف إذا انتقلنا إلى كتب الأمهات والأصول
مما كتبه الأجداد، وهو ذخيرة وأي ذخيرة في فهم الكتاب والسنة، ولا بد من
الرجوع إليها وخاصة التي تعتبر وحيدة في فنها، ولا نتكلم عن الكتيبات التي
زاحمت الكتاب أيضاً، وهي وإن كانت وسيلة ناجحة لطبقات معينة لكن يخشى أن
تصبح هي الأصل ويستسهل الناس أمثالها، وينفرون من الكتاب حتى ولو كان من
الحجم المتوسط.
لا يبني الداعية شخصيته بهذه الثقافة وحدها، لا بد أن يعيش مع الكتاب،
ومع الكتاب النافع المهم، ويتذكر أنه قبل كل شريط كانت هناك قراءة وكتابة، وأن
العالم أو الداعية الذي يستمع له قد أفنى حياته في القراءة قبل أن يقدم الشريط الجيد، وأما الاعتذار بضيق الوقت فهو حجة واهية، لأن الذي ينظم وقته لا بد أن يجد
وقتاً كافياً يعيش فيه مع الكتاب، ونقول له أخيراً: إن القراءة متعة بحد ذاتها، وإن
أول ما نزل من القرآن:
[اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَذِي خَلَقَ] .
стр. 1227
دعوة للإنصاف
محمد بن عبد الله الدويش
حين نلقي نظرة سريعة على الجهود المبذولة لإحياء واقع الأمة نجد إنتاجاً ثراً
متنوعاً.
فهذا يعني بالعلم ونشره قد أخذ على عاتقه إزالة غشاوة الجهل عن جسد الأمة، والآخر سلك سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فسخر وقته لإنكار المنكرات المتفشية، وأعلى لذلك نفيس وقته وعصارة جهده. والثالث قد تألم لواقع
من استهواهم الشيطان وساروا في طريق الانحراف فرأى أن أفضل ما يعني به
وخير ما يقدمه استنقاذ هؤلاء من براثن الفساد والانحراف، والرابع قد رق قلبه
للأكباد الجائعة، والبطون الخاوية هنا وهناك، فأصبح ينفق من خالص ما يملك،
ويجمع النفقات من فلان وفلان. والخامس قد استهوته حياة الجهاد فودع وعاش
هناك ينتقل من أرض إلى أرض مجاهداً مقاتلاً في سبيل الله، والسادس رأى أن
هذا الدين دين الناس جميعاً فسخر طاقته لدعوة غير المسلمين، والثامن قد سخر
قلمه لخوض المعارك الفكرية دفاعاً عن الإسلام، ومصاولة لأعدائه، والدخلاء من
المتحدثين زوراً باسمه. وآخرهم رأى أن عدة الأمة في شبابها وأن تربيتهم
وإعدادهم من خير ما يقدم للأمة، فصار هذا شأنه.
إنها كما ترى أخي الكريم جهود خيرة مطلوبة لا تستغني عنها الأمة، وهي
كذلك لا يمكن أن يقوم بها فرد واحد، أو جماعة واحدة، وهي مهما اختلفت مراتبها
وأولوياتها مطلوبة في هذه المرحلة.
وحين نتجه للواقع العملي بعد ذلك نرى التخصص قد حوله البعض إلى تنافر، فتراه يحشد الأدلة، ويسوق الحجج لبيان أن هذا الطريق الذي اختاره هو خير ما
ينبغي عمله، وأن ما سواه لا يعدو أن يكون اشتغالاً بالدون، وانصرافاً عن المنهج
السديد.. ويغدو صاحبنا ينظر نظرة احتقار إلى من سد غير ثغره، واعتنى بغير
بابه، ويتحسر على جهود هؤلاء المساكين الذين يضيعون أوقاتهم فيما لا فائدة فيه.
ولكن حين ندرك:
أولاً: سوء واقع الأمة، والهوة الساحقة بينها وبين ما أراده الله لها وهو أن
تكون خير أمة أخرجت للناس، ولم تكن هذه الهوة نتيجة قفزة واحدة بل قد تضافر
عليها جهود جبارة مغرضة، ناهيك عن المدى الزمني لهذه الجهود المتضافرة لإفساد
الأمة.
ثانياً: اتساع رقعة الانحراف لتشمل كافة الجوانب العقدية، والفكرية
والسلوكية.. فمن تحدث عن الانحراف العقدي، أو عن انحراف المفاهيم
والتصورات، أو عن الانحراف السلوكي أو عن الخلل في الجوانب العبادية، أو
عن انتشار الجهل وندرة العلم، وجد في جانب واحد فقط مما يتحدث فيه ما يثري
حديثه، ويستهلك وقته وقلمه.
ثالثاً: أمر آخر يرتبط بأدوات التغيير، وهم البشر، فلقد خلق الله الناس
معادن، ومواهب وطاقات، فمن يصلح لأمر لا يصلح لأمر آخر. ومن يسد ثغراً
قد لا يسده غيره. قال الامام مالك ﵀: (إن الله قسم الأعمال كما قسم
الأرزاق، فرب رجل فتح له في الصلاة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في
الصدقة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الجهاد. فنشر العلم من أفضل
أعمال البر، وقد رضيت بما فتح لي فيه، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه،
وأرجو أى يكون كلانا على خير) .
رابعاً: وهب أن هذا الفرد أو هذه الجماعة أصبحت تملك قدرات خارقة
وخيالية، فتجيد كل الجوانب من تصحيح العقيدة، ونشر العلم، واستنقاذ المنحرفين، وتربية النشء، ودعوة المرأة، والجهاد.. إلى آخر هذه القائمة، هب جدلاً أن
هذا الفرد، أو أن تلك الجماعة أطاقت الأمر كله فهل يعني أنها سدت الثغرة وقامت
بالأمانة؟ !
خامساً: لا بد للجيش من رجل في الساقة، ورجل في الميمنة، ورجل في
الميسرة، ورجل في الحراسة، ورجل يعد الطعام، بل ورجل يخلف أهل من سار
للجهاد، وهي منازل متفاوتة، ولكن حين نحتكم إلى المنطق نفسه، والنظرة إياها،
فسيعيب من كان في الساقة من كان في الحراسة، ومن كان في الميمنة سينتقد من
كان يعد الطعام، وأما صاحب الميسرة فسينعى على من خلف الغزاة في أهلهم،
وكأنه لم يسمع قوله ﷺ : (من خلف غازياً في أهله بخير فقد
غزا) .
فهلا نظرة منصفة، ورؤية واقعية، تضع الأمر في نصابه، فيسد كل ثغرة
ويلزم مكانه، ومع ذلك يحترم جهود الآخرين، ويشعر أن الجميع يسعى لهدف
واحد، وأن ما فيه غيره ليس بدون ما هو فيه؟
стр. 1228
تراث
هجوم على العمالقة
محمد عبد الله آل شاكر
- ١ -
قال لي صاحبي يوماً وهو يحاورني: لقد أجمعت أمري على أن أفاجئ العالم
باختراع جديد، وسَبْق فريد، أسجِّل حقوقه، فلا يعتدي أحد عليها بالسطو أو
التقليد.. قال هذا، وعلامات الجد ترتسم على محياه، فما عهدت منه إلا الصرامة والجد. فلا بد - إذن - أن شيئاً جديداً نافعاً يفكر فيه صاحبنا كيما يقدم للأمة ما قد يكون سبباً في رفعتها وتقدمها الماديّ والمعنوي، فتغدو وقد بزَّت غيرها من الأمم، وتربعت على كرسي الزعامة والريادة.
وبادرت صاحبي بالسؤال عن هذا الاختراع الفريد؟ ! فقال: إنه جهاز
لضغط العمالقة الكبار، لتحويلهم إلى أقزام صغار! فضحكت حتى وقعت لقفاي
وفحصت برجلي..: جهاز لضغط العمالقة! ضحكت، أولاً، لطرافة الفكرة
وغرابتها، وضحكت ثانية: للنكتة تجري على لسان صاحبي - فقد ظننتها نكتة -
وما عرفته كذلك. فإذا به ينتهرني لأكفَّ عن ضحكي، فالموقف غاية في الجد
والخطورة، فليست هذه نكتة، ولكنها فكرة جديدة، لها سوابق تاريخية واقعية
تعطيها صفة المشروعية.
فقلت في نفسي: أَمَا وإنّ الأمر جدّ خطير، فينبغي أن أحذِّر صاحبي من هذا
العدوان المبيَّت على العمالقة. فما أظنهم يتركونه يعبث بسمعتهم عندما يفكر
بتحويلهم إلى أقزام، فضلاً عن أن يتركوه يمضي في تحقيق ما يريد! وإن تواضع
العمالقة فسكتوا، أو إن ترفعوا فأغضوا؛ أفيسكت عن ذلك كله دعاة حقوق الإنسان؟ ويغضي عنه أناس لا تزال في رؤوسهم نخوة وحمية للإنسانية، وعندهم أثارة
من علم بعواقب هذا البغي والظلم للآخرين..؟
إذ هذا العدوان حرام آثم بحكم الشرع، وممقوت بغيض بنظر الإنسانية،
ومخاطرة كبيرة بنظر الواقع!
فقال آمناً مطمئناً: ومن ذا الذي حرّمه عليّ وأباحه لغيري؟ فتعجبت من
إصراره، وازددت عجباً من دعواه أن غيره أبيح له ذلك ففَعَله! فما سمعنا ولا
قرأنا - على الأقل في صحفنا العربية العتيدة - خبراً عن هذا الذي قام به غيره.
وحتى لا يتركني صاحبي في حيرة من أمري، وحتى لا أسترسل في عجبي
واستغرابي، اقتادني من يدي ليريني شاهد الصدق على ما يقول، واقعاً مشاهداً،
نراه بأم أعيننا، ونلمسه بأيدينا، ونتحسسه عن قرب.. فإذا وقع هذا، فلا أدلَّ
على المشروعية من وقوعه، ومن ثم فهو دليل وسابقة تدل على مشروعية ما يفكر
به صاحبي ويعزم على إنفاذه.
-٢-
دخلت مع صاحبي إلى مكتبته، فأخذ يتناول بعض ما فيها من مجلدات
وكتيبات، ثم يضعها أمامي، وكأنه يقول: هذا هو الدليل العملي الذي أريد أن
أقدمه بين يدي مشروعي ليدل على صوابه وجوازه، أي هذه هي السوابق التاريخية
التي أصبحت حجة، لأن أحداً لم يعترض عليها، فدل ذلك على الموافقة أو
الإجماع السكوتي على الأقل.
هذا هو كتاب (المغني) لابن قدامة المقدسي (ت ٦٢٠ هـ) ، موسوعة ... ضخمة في الفقه الإسلامي، تباهي به المكتبة الإسلامية، ويعتز بها الفقهاء، حتى ... قال عنه سلطان العلماء العز بن عبد السلام - وهو من هو في الإمامة في العلم والاجتهاد - قال عنه: (ما رأيت في كتب الإسلام في العلم مثل (المحلى ... والمجلى) لابن حزم، وكتاب (المغني) للشيخ موفق الدين بن قدامة، في جودتهما وتحقيق ما فيهما، ولم تطب نفسي بالفتيا حتى صارت نسخة من المغني عندي) . ...
وما أظنني بعد كلمة العز هذه بحاجة إلى الحديث عن مكانة هذا الكتاب
الضخم، الذي بلغ عشر مجلدات كبار، وفي بعض الطبعات أكثر من هذا، ولكن
أحد الأساتذة المشاركين في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة قام باختصاره وسماه (المقني في اختصار المغني) ، رأيت منه مجلدين اثنين، ينتهي الأول منهما بنهاية
كتاب الجنائز، قال فيه صاحبه: (ولعل كبر الكتاب وتوسعه قصر الاستفادة منه -
إلى حد كبير - على المتخصصين. ورغبة مني في المشاركة في خدمة هذا الكتاب
الجليل، ومن أجل تعميم الاستفادة منه، وتقريب تناوله أقدمت على اختصاره..)
ص (٥) .
وعجبت لعمل الأخ الأستاذ، مرات.
أولاً: لأنه أستاذ في الجامعة الإسلامية التي كانت ولا تزال ولن تزال - إن
شاء الله تعالى - مركز إشعاع ونور وهداية، والتي نتوسم فيها وفي أساتذتها
ومشايخها أن يكونوا سداً منيعاً أمام سيل المختصرات والتشويهات التي بدأت تغمر
ساحتنا الفكرية، وأن يقولوا كلمة الفصل للتفريق بين هذا العبث وبين تذليل العلم
لطالبيه.
ثانياً: العجب من فكرة الاختصار نفسها بهذا الشكل؛ فإن هذا الكتاب الكبير،
لم يكتبه مؤلفه ﵀ لعامة الناس من غير المتخصصين الذين نريد التيسير
لهم، ولهذا فإن عبارة الدكتور: (ولعل كبر الكتاب وتوسعه قصر الإفادة منه - إلى
حد كبير - على المتخصصين) لم تضف جديداً، مع أن هذا القول غير مسلم؛
فالمغني بعبارته السهلة التي تنساب انسياباً يمكن أن ينتفع به كثير من القراء الذين
يراجعون أمثال هذه الكتب، بَلْه المتخصصين من طلاب الشريعة. وهذا التوسع
في الكتاب هو ميزته الفذة.
أَوَليس هناك طريقة أخرى لخدمة الكتاب وتيسير الانتفاع به، كالفهرسة،
وإبراز بداية الفصول والأبواب والمسائل بخط واضح مثلاً يشير إلى موضوعها بما
يغني عن إدخال العناوين الجانبية في صلب الكتاب؟ !
وإذا كان هذا المختصر يقع في ثماني مجلدات - كما علمت - فكيف يكون
تيسيره للقراء وتعميم الاستفادة منه وهو بحجم يعادل حجم الأصل، فإن كان ذلك
بتيسير شرائه، فإن القادر على شراء المختصر بهذا الحجم قادر على شراء الأصل
الذي يقاربه، ومن يقرأ في هذا لا يعجز عن القراءة والفهم في الأصل.
ثالثاً: طريقة الاختصار، التي ذهبت بجلّ حسنات وميزات (المغني) وله
من اسمه نصيب فهو المغني حقاً، يغني طالب العلم عن كثير من كتب الفقه، ولا
يغني عنه كثير منها، فهو كتاب (في فقه المسلمين كافة) كما يقول الشيخ محمد
رشيد رضا، يذكر أقوال علماء الصحابة والتابعين وعلماء الأمصار المشهورين،
كالأئمة المتبوعين وغيرهم، ويحكي أدلة كل منهم.
فقام الدكتور بحذف (التفريعات النادرة الوقوع، والأقوال الضعيفة أو ... الشاذة) . وما كان ينبغي له أن يفعل ذلك؛ فشذوذ القول لا يبيح لنا حذفه من ... الكتاب، ووجوده هو الذي يثبت القاعدة الأصل. وكذلك الأقوال الضعيفة، فكم من قول ضعيف في المذهب مثلاً، نجده راجحاً عند إمام آخر في المذهب، أو عند واحد من علماء الترجيح، وكثيراً ما نجد في فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ... ترجيحاً لواحدٍ من هذه الأقوال.
أما (الاكتفاء من الأدلة بالأصح والأصرح) ، فكان يغنينا لتحقيق ذلك كتاب
مختصر في الفقه، مما يُعنى بالدليل، لأنه عندئذ لا يستدل إلا بما هو صريح غالباً، ... وبما هو صحيح كذلك من حيث الاستدلال، وتبقى ميزة المغني في أنه يستوعب
الأدلة الصريحة وغير الصريحة، وهذه الأخيرة تشد الدليل وتقويه كذلك. ...
ومن ميزات المغني كذلك: أنه يعرض لفقه مجموعة كبيرة من علماء السلف، فاكتفى فضيلة الدكتور (بذكر من قال بالمسائل من أصحاب المذاهب المشهورة
غالباً..) وفي هذا حرمان لطالب العلم من معرفة آراء غير المشهورين، وقد يكون
لها قيمتها ومكانتها.
عجبت للأخ الدكتور حين يقول: (أثبت نصوص الأحاديث من كتب ...
الأحاديث..) . فهل معنى ذلك: أن ابن قدامة، ﵀، لما أثبت الأحاديث واستدل بها في كتابه أخذها من غير كتب الحديث؟ أم أنه يقصد أن فيها ... اختلافاً عما يجده بين يديه من كتب الحديث؟
فإن كانت الأولى، فأين الدليل؟ . وإن كانت الثانية؛ فإن أقل ما يقال: إن
هذا من اختلاف النسخ والروايات، وهذا معلوم وقوعه كثيراً.. وحتى لو كان غير
ذلك فيمكن الإشارة إلى هذا في حاشية الكتاب.
وأما العناية الكبيرة والإطالة في التخريج، حتى تبلغ التعليقة أحياناً ثلثي
الصفحة بخط دقيق، فهي تتنافى مع فكرة الاختصار، وتناقضها أيضاً.
ويزداد العجب أيضاً من قول فضيلة الدكتور في مختصره: (لم أُعْنَ
بالتعريفات أو المصطلحات أو المفردات شرحاً أو توثيقاً حتى لا أخرج عن طبيعة
الاختصار) فهو قد خرج عن الطريقة قبل قليل. ولو خرج هنا لكان ذلك جائزاً،
فإني أعلم أنه أستاذ جامعي يتلقى الطلبة على يديه أصول البحث العلمي والمنهج
الصحيح، في مواد الشريعة وعلومها، بين جدران كليات الجامعة الإسلامية، ولا
أظن طالب عالم ينازع في أن المصطلحات والتعريفات - في كل علم - من أول ما
ينبغي أن نعنى بها وأن نحددها تحديداً صحيحاً واضحاً، وإلا وقع الالتباس
وضاعت المفاهيم، وتنازعنا فيما نحن متفقون عليه حقيقة.
وأما الاعتذار عن إهمال الشرح والتوثيق للمفردات حتى (لا يخرج عن
طبيعة الاختصار، هذا مع سهولة الوصول إليها، لمن أراد التوسع فيها، في كتب
شروح الفقه والحديث والغريب واللغة) هذا الاعتذار يأتي حجة على صاحبه في
القيام بالاختصار، لأنه يعيدنا ثانية إلى كتب الشروح والحديث.. فكان ينبغي أن
يخفف العناء، فيترك (المغني) لمن أراد هذا التوسع، دون المسخ والاختصار،
ومن لا يريد التوسع فأمامه المختصرات، فهي تكفيه.
إن اعتراضنا على فكرة الاختصار وأسلوبه له ما يسوِّغه، فإن كثيراً من
طلبة العلم سيقتحمون هذه المخاطرة إذا وجدوا من مشايخهم من يستدلون بعمله،
وعندها تكون الفوضى بأجلى صورها، وها نحن نسمع أن أحدهم قد شرع
باختصار (المجموع شرح المهذب) !
стр. 1229
مقال
التطهير !
عبد القادر حامد
تتردد كلمة (التطهير) وصفاً لعمليات الإجلاء القسري الوحشية التي يقوم بها ... ...
الصرب الأرثوذكس الموتورون ضد مسلمي البوسنة والهرسك، فلماذا يلجأون إلى
هذا المصطلح، وما الأثر النفسي الذي يتركه في نفوس وعقول مستخدميه؟
يعتقد هؤلاء الأوغاد أن المسلمين طارئون على هذه المنطقة، وليسوا أصلاً
من سكانها، بل وفدوا مع ما يسمونه الغزو العثماني الذي أخضع البلقان للدولة
العثمانية قروناً، لذلك هم يريدون تطهير البلقان من كل وجود إسلامي، لأنه
يذكرهم بسيطرة المسلمين التي يقض مضاجعهم مجرد تذكرها. ولأن العنصرية
نبت أوروبي متحدر من تأثيرات وثنية جاهلية، يونانية ورومانية، ولا علاقة لهذه
النبتة برسالات الأنبياء - ومنها رسالة المسيح عيسى بن مريم؛ فإن هؤلاء
ينظرون إلى غيرهم من أهل الأديان الأخرى هذه النظرة العنصرية البغيضة
ويشوهون التاريخ، ويحرفون حوادثه حتى يُرضوا نزعة التعصب الخبيثة في
نفوسهم.
وقد سمعنا أصداء هذه النزعة مراراً تصدر من هؤلاء المسيحيين الذين يتبرأ
منهم عيسى ﵇، بل هم عار على كل منتسب للإنسانية يحترم الحياة
والأحياء. سمعناها في لبنان عندما قال بعض نصاراها: (فليرجع المسلمون إلى
مكة) ، مع أن التاريخ يثبت أن هؤلاء النصارى بعضهم يرجع في أصوله إلى الصليبيين، وبعضهم إلى عائلات مسلمة تنصرت وبعضهم وفد إلى لبنان من هنا
وهناك عندما أصبح لبنان مرتعاً للمبشرين ومكاناً للقوى الغربية المتصارعة على
الأسلاب الإسلامية. وحتى بعد أن فُصِّل لبنان ملجأً للمسيحيين في الشرق،
وحشدت الطوائف النصرانية بالحراب الأوربية لتؤلف أغلبية مهيمنة ظل المسلمون
أكثرية أمكن إخفاؤها فترة، لكن انكشف اللعبة وأصبح يعرفها أشد أطفال المسلمين
جهلاً بالسياسة، كاثوليك وأرثوذكس، شرقيون وغربيون، أرمن ورومان ولاتين،
وبروتستانت، يسوعيون ومعمدانيون وفرنسيسكان.. خليط عجيب يوهم أن الإسلام
ذهب إلى غير رجعة ولم تقم له قائمة، ومع كل هذا الغزو المنظم، والتجمع اليائس، فإن حقيقة عدد المسلمين لا تسر هؤلاء الصليبيين إلى الحد الذي يجعلهم لا ...
يوافقون على إجراء إحصاء للسكان.
ونسمع هذه النزعة أحياناً في مصر، فإن نفراً من الأقباط يعتقدون - يا
للجنون - أن هذه الملايين من المسلمين المصريين هم أحفاد عمرو بن العاص ومن
كان معه من الجيش الذي فتح مصر. وأنهم - أي الأقباط - فقط هم أهل البلاد
الأصليون، وأن المسلمين معتدون واغلون غرباء! وربما تحدث بعضَهم أحلامُهم
المريضة أنهم سيعيدون عجلة التاريخ إلى الوراء، وأن مصر ستدفع المسلمين عنها، كما دفعت الهكسوس واليونان والرومان والإنكليز.
إن النصارى قوم شأنهم شأن واحد أينما وجدوا وحيثما حلوا، فإذا كانوا
أكثرية لا يستطيعون العيش مع المسلمين أبداً، ولا يزالون يضيقون على المسلمين
حتى يفتنوا بعضاً، ومن استعصى على الفتنة فإما القتل وإما التشريد والتجريد من
كل شيء. وإذا كانوا أقلية لا يرضى لهم طموحهم وكراهيتهم للمسلمين بغير أن
يحكموهم صراحة فإن استعصى ذلك عليهم فيقنعون بلعب دورهم كاملاً ولكن من
وراء حجاب. وإن هذه الأعصار - التي هان المسلمون فيها وتسلط عليهم الأعداء
من الداخل والخارج - تعينهم على مقاصدهم، وهي الفترة الذهبية السانحة، فتراهم
لا يضيعون الوقت لاقتناصها.
ينبغي أن لا ننخدع بهذه الألفاظ المخدرة التي يسمونها الحضارة، والتطور،
والتسامح، وحقوق الإنسان، ومحاربة العنصرية، فهي ليست إلا قشرة رقيقة هشة
تستر وحشية الأوربيين العنصريين الذين لا يفهمون الدين تربية وتهذيباً وإنما حقداً
وعنصرية وتعالياً على الآخرين. وهذا ما يجب أن توضح فيه وتفهم على ضوئه
هذه الكلمة الخبيثة: (التطهير) . فهم لا ينظرون إلى المسلمين على أنهم وسخ
عادي يحتاج إلى تنظيف وإزالة فقط، وإنما على أنهم رجس ونجاسة تحتاج إلى
تطهير، فهناك فرق في النظرة إلى الوسخ والنظرة إلى النجاسة، فالأول يزال
والنفس حيادية تجاهه، والثاني يزال والنفس منه متقززة، والطبع منه نافر.
وقد يُظَن أن الإعلام الأوربي غير موافق على هذا المصطلح الخبيث، ويلوم
الصرب على استعماله، والحق أن هذا الإعلام المدخول ينقله ويشيعه كما لو أنه
يتحدث عن منطقة موبوءة يراد تطهيرها من عوامل المرض، بل يزيد تضليلاً
وتلبيساً وكذباً حين يصف هذا التطهير (بالعرقي) حتى لا يثير حمية المسلمين
الدينية، فالأمر ليس إلا صراع قوميات، وما دام الإسلام يضم أقواماً من مختلف
الأجناس فالقضية لا تخصهم ما دامت بين قوميات! لكن القائمون على هذا الإعلام
يعلمون أن الصرب والكروات والمسلمين كلهم يرجعون إلى أصول عرقية واحدة،
ولا يكاد الناظر إليهم يفرق بين فئة وفئة، فأشكالهم وألوانهم وملامحهم واحدة لكن
فرقتهم العقائد.
لكن الصرب المتعصبين لم يتركوا الأمر غامضاً، وأفصحوا عما في نفوسهم
تجاه الإسلام والمسلمين، فهم يصرحون أنهم يقاتلون من أجل تطهير أوربا من
المسلمين وإنقاذها من الإسلام، وأنهم هم حماة بوابة أوربا، وأنهم لا يزالون
يقاتلون المسلمين منذ خمس مئة سنة وأنهم يشعرون أنهم خلفاء البيزنطيين. وهذا
ليس شعور الصرب وحدهم؛ بل شعور كل من يشاركهم في العقيدة أو كراهية
الإسلام وإن غطت على هذا الشعور كثير من الادعاءات والأكاذيب التي يقصد منها
الخداع.
ينبغي على المسلمين في كل مكان أن يدركوا أنهم لم يكونوا - ولن يكونوا -
في حساب من وضعوا لوائح الحرية والعدالة وحقوق الإنسان، فلا مبادئ الثورة
الفرنسية يوم أعلنت عُني بها المسلمون؛ ولا ميثاق جنيف لحقوق الإنسان خطر
المسلمون على بال من أقروه. ولا هذه الـ (أل) الداخلة على كلمة (إنسان) هي
(أل) الجنس التي تفيد العموم في اللغة، وتشمل كل من يصدق عليه وصف إنسان
عند العقلاء؛ بل هي (أل) التي للعهد، والتي يقفز إلى الذهن عند ذكرها مع
مصحوبها الإنسان الأوربي أو الإنسان المسيحي، أو بصراحة ودون لف ودوران:
الإنسان ما لم يكن مسلماً! !
ولئن أصاب المسلمين نعيم حقوق الإنسان وتذوقوا حلاوتها فإنما ذلك يأتي تبعاً
غير مقصود، وذلك حين يعيش بعض المسلمين أقلية لا وزن لها في مجتمع من
المجتمعات المسيحية، لكن حين تصبه هذه الأقليات شيئاً يؤبه له يتغير كل شيء،
ويسحب منهم هذا الامتياز الذي يضفي عليهم صفة الإنسانية. وفي قولنا هذا شيء
من التجوز، فلا يسمح المسيحيون - ولن يسمحوا - أن تتحول الأقليات الإسلامية
التي تعيش بين ظهرانيهم إلى شيء ذي بال يؤبه له، هكذا يقول التاريخ القديم
والحديث.
لا بد أن يدرك المسلمون الخطر المحدق بهم، فإن الضغط عليهم لم يخف،
وما زال الغرب يضغط لشيوع المفاهيم النصرانية التي تزحم الإسلام وتدفع به إلى
زوايا النسيان، على الرغم من خواء هذا الغرب من الدين الصحيح، وإن التقدم
العلمي وسرعة الاتصال، الذي اختصر المسافات، بل يكاد يلغيها؛ يجعل رحيل
الاستعمار عن بلاد المسلمين أمراً يحيط به الشك ويكذبه الواقع.
ولا بد لنا في النهاية أن ندرك أن هوان الأقليات الإسلامية المحرومة من
الحقوق والمسلط عليها الفناء والاضمحلال هو نتيجة حتمية لهوان الأكثرية
الإسلامية في بلادها، وتفرق شملها، وذهاب ريحها، وعدم وعيها بالواقع المحيط
بها، والمخاطر التي تتهددها.
стр. 1230
أحوال
شعر:محمود مفلح
غداً أمضي وبعد غد أعودُ ... كأني لا أُرادُ ولا أُريد!
ويثقل في دروب النور خطوي ... وفي هذا الدجى بصري حديد
وما لي قد حنْيتُ اليوم ظهري ... وأزعُمُ أنني رجلٌ شديدُ
وأزعم أنَّ ملءَ السمع ذكري ... وذكري مثل صاحبه بليدُ!
وأزعمُ أنني ما زلتُ غضّاً ... وفوق الطوْق قد شبّ الحفيد! !
وأمضي كالكفيف إلى مصيري ... وأمضي لا أتيه ولا أحيدُ
وأعجب كيف لا اسطيعُ نُطقاً ... وتحتَ لساني الدرُّ النضيدُ! !
عتبتُ عليك يا زمنَ الأفاعي ... أتعبثُ في مصائرنا القرود؟
أتحكمنا النذالة والنفايا ... وترسمُ ما تشاء وما تُريد؟
عتبتُ عليك كيف تشل ساقي ... ويَخفقني بدرِّتك العبيدُ؟
تواريني التراب ولستُ ميتاً ... كما واريتني وأنا وليد
لماذا يا عدوَّ الله تبكي ... وقلبُك من فظاظته حديد؟ ؟
ألفناها دموعَ الذل حتى ... سئمنا ما نقولُ وما نُعيد
تجودُ وما علمتُ لديك شيئاً ... تجودُ به، فكيف إذن تَجود؟ ؟
وتعييني الإجابةُ يا صديقي ... فبحر الصمت ليس له حدود
كتبت على جدار الصبر شعري ... فلم يبق الجدارُ ولا القصيد!
وعبدّتُ الطريق فما مشينا ... وبيضتُ الهمومَ وهن سود
وكم أَرّخْتُ من عطشي فصولاً ... لتزهر في أكفكمُ الورودُ!
وكم أنذرتكم في الصبح جيشاً ... وقلت لكم لقد رجعت يهود!
وتزحف هذه الخمسون نحوي ... أَوَ عْدٌ يا جُهينةُ أم وَعيدُ؟ ؟
إليكَ إليكَ يا وطني المفدى ... وأدري أنه قُطع البريد
فلا الزيتون في عيني ذاو ... ولا عِنب الخليل به صدود
عشقتكِ يا جبال النار طفلاً ... ونارُ العشقَ ليس لها خمودُ
أمدّ عليك حين الحرّ جفني ... ويرعشُ حين أذكرك الوريدُ
وحاشا أن أخون العهد يوماً ... وحاشا أن يساورني الجحود
أنحيا كالقطيع ولا نبالي ... ونزعمُ أنه العيش الرغيد؟
وتنسلخ البلاد بساكنيها ... وتُنتهك الحدود فلا حدود
ونمضغ ذلَّنا والعارُ يمشي ... على أكتافنا وله جنودُ
وكيف ألمُّ يا أبتاه صوتي ... ويخرسُ فوق حنجرتي النشيدُ؟ ؟