← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

خواطر في الدعوة ثقافة الكتاب محمد العبدة من الظواهر الملفتة للنظر في حياتنا الثقافية هذه الأيام مزاحمة الشريط المسموع للكتاب المقروء، وخاصة عند جيل الشباب الذي ضاق وقته في زحمة الدراسة وزحمة العمل. وهذا العصر هو عصر السرعة، فهو يستمع للشريط في غدوه ورواحه، وربما في المنزل وهو يقوم بأعمال أخرى، والسماع أسهل من القراءة، فالقراءة بحاجة إلى صفاء في الذهن واستجماع طاقة التركيز، ولهذا بدا وكأن الكتاب - وبخاصة إذا كان من الحجم المتوسط أو الكبير - ثقيل الظل على هؤلاء الشباب. وقبل أن نتكلم على أهمية الكتاب لا بد من القول أن الشريط الإسلامي الذي يتضمن المحاضرات والدروس القيمة والخطب المؤثرة الصادقة، قد ساهم مساهمة كبيرة في نشر الوعي بين صفوف طبقات كثيرة من الناس - وأعطاهم ثقافة لا بأس بها، وهو وسيلة فعالة لأسباب كثيرة منها: سهولة التلقي، وسهولة الشراء، وسرعة الانتقال، ولكن هل يغني هذا كله عن الكتاب؟ خاصة للشاب المسلم الذي يؤهل نفسه ليكون داعية، والجواب: لا. ذلك لأن الشريط وإن كان يتضمن علماً مثل الكتاب أحياناً، ولكن طريقة السماع لا تعطي العمق الذي تعيه القراءة، والمعلومات التي في الكتاب لا يستطيع الشريط استيعابها، وفي الكتاب تعيش مع المؤلف ومع الكلمات فتعطيك روحاً من روحها، ونحن نتكلم عن الكتاب المعاصر الذي لا يوجد في شريط والذي يتحدث عن قضايا مهمة جداً من قضايا العصر، فهل يهمل لأن حجمه فوق المتوسط، فكيف إذا انتقلنا إلى كتب الأمهات والأصول مما كتبه الأجداد، وهو ذخيرة وأي ذخيرة في فهم الكتاب والسنة، ولا بد من الرجوع إليها وخاصة التي تعتبر وحيدة في فنها، ولا نتكلم عن الكتيبات التي زاحمت الكتاب أيضاً، وهي وإن كانت وسيلة ناجحة لطبقات معينة لكن يخشى أن تصبح هي الأصل ويستسهل الناس أمثالها، وينفرون من الكتاب حتى ولو كان من الحجم المتوسط. لا يبني الداعية شخصيته بهذه الثقافة وحدها، لا بد أن يعيش مع الكتاب، ومع الكتاب النافع المهم، ويتذكر أنه قبل كل شريط كانت هناك قراءة وكتابة، وأن العالم أو الداعية الذي يستمع له قد أفنى حياته في القراءة قبل أن يقدم الشريط الجيد، وأما الاعتذار بضيق الوقت فهو حجة واهية، لأن الذي ينظم وقته لا بد أن يجد وقتاً كافياً يعيش فيه مع الكتاب، ونقول له أخيراً: إن القراءة متعة بحد ذاتها، وإن أول ما نزل من القرآن: [اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَذِي خَلَقَ] .

стр. 1227

دعوة للإنصاف محمد بن عبد الله الدويش حين نلقي نظرة سريعة على الجهود المبذولة لإحياء واقع الأمة نجد إنتاجاً ثراً متنوعاً. فهذا يعني بالعلم ونشره قد أخذ على عاتقه إزالة غشاوة الجهل عن جسد الأمة، والآخر سلك سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فسخر وقته لإنكار المنكرات المتفشية، وأعلى لذلك نفيس وقته وعصارة جهده. والثالث قد تألم لواقع من استهواهم الشيطان وساروا في طريق الانحراف فرأى أن أفضل ما يعني به وخير ما يقدمه استنقاذ هؤلاء من براثن الفساد والانحراف، والرابع قد رق قلبه للأكباد الجائعة، والبطون الخاوية هنا وهناك، فأصبح ينفق من خالص ما يملك، ويجمع النفقات من فلان وفلان. والخامس قد استهوته حياة الجهاد فودع وعاش هناك ينتقل من أرض إلى أرض مجاهداً مقاتلاً في سبيل الله، والسادس رأى أن هذا الدين دين الناس جميعاً فسخر طاقته لدعوة غير المسلمين، والثامن قد سخر قلمه لخوض المعارك الفكرية دفاعاً عن الإسلام، ومصاولة لأعدائه، والدخلاء من المتحدثين زوراً باسمه. وآخرهم رأى أن عدة الأمة في شبابها وأن تربيتهم وإعدادهم من خير ما يقدم للأمة، فصار هذا شأنه. إنها كما ترى أخي الكريم جهود خيرة مطلوبة لا تستغني عنها الأمة، وهي كذلك لا يمكن أن يقوم بها فرد واحد، أو جماعة واحدة، وهي مهما اختلفت مراتبها وأولوياتها مطلوبة في هذه المرحلة. وحين نتجه للواقع العملي بعد ذلك نرى التخصص قد حوله البعض إلى تنافر، فتراه يحشد الأدلة، ويسوق الحجج لبيان أن هذا الطريق الذي اختاره هو خير ما ينبغي عمله، وأن ما سواه لا يعدو أن يكون اشتغالاً بالدون، وانصرافاً عن المنهج السديد.. ويغدو صاحبنا ينظر نظرة احتقار إلى من سد غير ثغره، واعتنى بغير بابه، ويتحسر على جهود هؤلاء المساكين الذين يضيعون أوقاتهم فيما لا فائدة فيه. ولكن حين ندرك: أولاً: سوء واقع الأمة، والهوة الساحقة بينها وبين ما أراده الله لها وهو أن تكون خير أمة أخرجت للناس، ولم تكن هذه الهوة نتيجة قفزة واحدة بل قد تضافر عليها جهود جبارة مغرضة، ناهيك عن المدى الزمني لهذه الجهود المتضافرة لإفساد الأمة. ثانياً: اتساع رقعة الانحراف لتشمل كافة الجوانب العقدية، والفكرية والسلوكية.. فمن تحدث عن الانحراف العقدي، أو عن انحراف المفاهيم والتصورات، أو عن الانحراف السلوكي أو عن الخلل في الجوانب العبادية، أو عن انتشار الجهل وندرة العلم، وجد في جانب واحد فقط مما يتحدث فيه ما يثري حديثه، ويستهلك وقته وقلمه. ثالثاً: أمر آخر يرتبط بأدوات التغيير، وهم البشر، فلقد خلق الله الناس معادن، ومواهب وطاقات، فمن يصلح لأمر لا يصلح لأمر آخر. ومن يسد ثغراً قد لا يسده غيره. قال الامام مالك ﵀: (إن الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق، فرب رجل فتح له في الصلاة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الصدقة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الجهاد. فنشر العلم من أفضل أعمال البر، وقد رضيت بما فتح لي فيه، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أى يكون كلانا على خير) . رابعاً: وهب أن هذا الفرد أو هذه الجماعة أصبحت تملك قدرات خارقة وخيالية، فتجيد كل الجوانب من تصحيح العقيدة، ونشر العلم، واستنقاذ المنحرفين، وتربية النشء، ودعوة المرأة، والجهاد.. إلى آخر هذه القائمة، هب جدلاً أن هذا الفرد، أو أن تلك الجماعة أطاقت الأمر كله فهل يعني أنها سدت الثغرة وقامت بالأمانة؟ ! خامساً: لا بد للجيش من رجل في الساقة، ورجل في الميمنة، ورجل في الميسرة، ورجل في الحراسة، ورجل يعد الطعام، بل ورجل يخلف أهل من سار للجهاد، وهي منازل متفاوتة، ولكن حين نحتكم إلى المنطق نفسه، والنظرة إياها، فسيعيب من كان في الساقة من كان في الحراسة، ومن كان في الميمنة سينتقد من كان يعد الطعام، وأما صاحب الميسرة فسينعى على من خلف الغزاة في أهلهم، وكأنه لم يسمع قوله ﷺ : (من خلف غازياً في أهله بخير فقد غزا) . فهلا نظرة منصفة، ورؤية واقعية، تضع الأمر في نصابه، فيسد كل ثغرة ويلزم مكانه، ومع ذلك يحترم جهود الآخرين، ويشعر أن الجميع يسعى لهدف واحد، وأن ما فيه غيره ليس بدون ما هو فيه؟

стр. 1228

تراث هجوم على العمالقة محمد عبد الله آل شاكر - ١ - قال لي صاحبي يوماً وهو يحاورني: لقد أجمعت أمري على أن أفاجئ العالم باختراع جديد، وسَبْق فريد، أسجِّل حقوقه، فلا يعتدي أحد عليها بالسطو أو التقليد.. قال هذا، وعلامات الجد ترتسم على محياه، فما عهدت منه إلا الصرامة والجد. فلا بد - إذن - أن شيئاً جديداً نافعاً يفكر فيه صاحبنا كيما يقدم للأمة ما قد يكون سبباً في رفعتها وتقدمها الماديّ والمعنوي، فتغدو وقد بزَّت غيرها من الأمم، وتربعت على كرسي الزعامة والريادة. وبادرت صاحبي بالسؤال عن هذا الاختراع الفريد؟ ! فقال: إنه جهاز لضغط العمالقة الكبار، لتحويلهم إلى أقزام صغار! فضحكت حتى وقعت لقفاي وفحصت برجلي..: جهاز لضغط العمالقة! ضحكت، أولاً، لطرافة الفكرة وغرابتها، وضحكت ثانية: للنكتة تجري على لسان صاحبي - فقد ظننتها نكتة - وما عرفته كذلك. فإذا به ينتهرني لأكفَّ عن ضحكي، فالموقف غاية في الجد والخطورة، فليست هذه نكتة، ولكنها فكرة جديدة، لها سوابق تاريخية واقعية تعطيها صفة المشروعية. فقلت في نفسي: أَمَا وإنّ الأمر جدّ خطير، فينبغي أن أحذِّر صاحبي من هذا العدوان المبيَّت على العمالقة. فما أظنهم يتركونه يعبث بسمعتهم عندما يفكر بتحويلهم إلى أقزام، فضلاً عن أن يتركوه يمضي في تحقيق ما يريد! وإن تواضع العمالقة فسكتوا، أو إن ترفعوا فأغضوا؛ أفيسكت عن ذلك كله دعاة حقوق الإنسان؟ ويغضي عنه أناس لا تزال في رؤوسهم نخوة وحمية للإنسانية، وعندهم أثارة من علم بعواقب هذا البغي والظلم للآخرين..؟ إذ هذا العدوان حرام آثم بحكم الشرع، وممقوت بغيض بنظر الإنسانية، ومخاطرة كبيرة بنظر الواقع! فقال آمناً مطمئناً: ومن ذا الذي حرّمه عليّ وأباحه لغيري؟ فتعجبت من إصراره، وازددت عجباً من دعواه أن غيره أبيح له ذلك ففَعَله! فما سمعنا ولا قرأنا - على الأقل في صحفنا العربية العتيدة - خبراً عن هذا الذي قام به غيره. وحتى لا يتركني صاحبي في حيرة من أمري، وحتى لا أسترسل في عجبي واستغرابي، اقتادني من يدي ليريني شاهد الصدق على ما يقول، واقعاً مشاهداً، نراه بأم أعيننا، ونلمسه بأيدينا، ونتحسسه عن قرب.. فإذا وقع هذا، فلا أدلَّ على المشروعية من وقوعه، ومن ثم فهو دليل وسابقة تدل على مشروعية ما يفكر به صاحبي ويعزم على إنفاذه. -٢- دخلت مع صاحبي إلى مكتبته، فأخذ يتناول بعض ما فيها من مجلدات وكتيبات، ثم يضعها أمامي، وكأنه يقول: هذا هو الدليل العملي الذي أريد أن أقدمه بين يدي مشروعي ليدل على صوابه وجوازه، أي هذه هي السوابق التاريخية التي أصبحت حجة، لأن أحداً لم يعترض عليها، فدل ذلك على الموافقة أو الإجماع السكوتي على الأقل. هذا هو كتاب (المغني) لابن قدامة المقدسي (ت ٦٢٠ هـ) ، موسوعة ... ضخمة في الفقه الإسلامي، تباهي به المكتبة الإسلامية، ويعتز بها الفقهاء، حتى ... قال عنه سلطان العلماء العز بن عبد السلام - وهو من هو في الإمامة في العلم والاجتهاد - قال عنه: (ما رأيت في كتب الإسلام في العلم مثل (المحلى ... والمجلى) لابن حزم، وكتاب (المغني) للشيخ موفق الدين بن قدامة، في جودتهما وتحقيق ما فيهما، ولم تطب نفسي بالفتيا حتى صارت نسخة من المغني عندي) . ... وما أظنني بعد كلمة العز هذه بحاجة إلى الحديث عن مكانة هذا الكتاب الضخم، الذي بلغ عشر مجلدات كبار، وفي بعض الطبعات أكثر من هذا، ولكن أحد الأساتذة المشاركين في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة قام باختصاره وسماه (المقني في اختصار المغني) ، رأيت منه مجلدين اثنين، ينتهي الأول منهما بنهاية كتاب الجنائز، قال فيه صاحبه: (ولعل كبر الكتاب وتوسعه قصر الاستفادة منه - إلى حد كبير - على المتخصصين. ورغبة مني في المشاركة في خدمة هذا الكتاب الجليل، ومن أجل تعميم الاستفادة منه، وتقريب تناوله أقدمت على اختصاره..) ص (٥) . وعجبت لعمل الأخ الأستاذ، مرات. أولاً: لأنه أستاذ في الجامعة الإسلامية التي كانت ولا تزال ولن تزال - إن شاء الله تعالى - مركز إشعاع ونور وهداية، والتي نتوسم فيها وفي أساتذتها ومشايخها أن يكونوا سداً منيعاً أمام سيل المختصرات والتشويهات التي بدأت تغمر ساحتنا الفكرية، وأن يقولوا كلمة الفصل للتفريق بين هذا العبث وبين تذليل العلم لطالبيه. ثانياً: العجب من فكرة الاختصار نفسها بهذا الشكل؛ فإن هذا الكتاب الكبير، لم يكتبه مؤلفه ﵀ لعامة الناس من غير المتخصصين الذين نريد التيسير لهم، ولهذا فإن عبارة الدكتور: (ولعل كبر الكتاب وتوسعه قصر الإفادة منه - إلى حد كبير - على المتخصصين) لم تضف جديداً، مع أن هذا القول غير مسلم؛ فالمغني بعبارته السهلة التي تنساب انسياباً يمكن أن ينتفع به كثير من القراء الذين يراجعون أمثال هذه الكتب، بَلْه المتخصصين من طلاب الشريعة. وهذا التوسع في الكتاب هو ميزته الفذة. أَوَليس هناك طريقة أخرى لخدمة الكتاب وتيسير الانتفاع به، كالفهرسة، وإبراز بداية الفصول والأبواب والمسائل بخط واضح مثلاً يشير إلى موضوعها بما يغني عن إدخال العناوين الجانبية في صلب الكتاب؟ ! وإذا كان هذا المختصر يقع في ثماني مجلدات - كما علمت - فكيف يكون تيسيره للقراء وتعميم الاستفادة منه وهو بحجم يعادل حجم الأصل، فإن كان ذلك بتيسير شرائه، فإن القادر على شراء المختصر بهذا الحجم قادر على شراء الأصل الذي يقاربه، ومن يقرأ في هذا لا يعجز عن القراءة والفهم في الأصل. ثالثاً: طريقة الاختصار، التي ذهبت بجلّ حسنات وميزات (المغني) وله من اسمه نصيب فهو المغني حقاً، يغني طالب العلم عن كثير من كتب الفقه، ولا يغني عنه كثير منها، فهو كتاب (في فقه المسلمين كافة) كما يقول الشيخ محمد رشيد رضا، يذكر أقوال علماء الصحابة والتابعين وعلماء الأمصار المشهورين، كالأئمة المتبوعين وغيرهم، ويحكي أدلة كل منهم. فقام الدكتور بحذف (التفريعات النادرة الوقوع، والأقوال الضعيفة أو ... الشاذة) . وما كان ينبغي له أن يفعل ذلك؛ فشذوذ القول لا يبيح لنا حذفه من ... الكتاب، ووجوده هو الذي يثبت القاعدة الأصل. وكذلك الأقوال الضعيفة، فكم من قول ضعيف في المذهب مثلاً، نجده راجحاً عند إمام آخر في المذهب، أو عند واحد من علماء الترجيح، وكثيراً ما نجد في فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ... ترجيحاً لواحدٍ من هذه الأقوال. أما (الاكتفاء من الأدلة بالأصح والأصرح) ، فكان يغنينا لتحقيق ذلك كتاب مختصر في الفقه، مما يُعنى بالدليل، لأنه عندئذ لا يستدل إلا بما هو صريح غالباً، ... وبما هو صحيح كذلك من حيث الاستدلال، وتبقى ميزة المغني في أنه يستوعب الأدلة الصريحة وغير الصريحة، وهذه الأخيرة تشد الدليل وتقويه كذلك. ... ومن ميزات المغني كذلك: أنه يعرض لفقه مجموعة كبيرة من علماء السلف، فاكتفى فضيلة الدكتور (بذكر من قال بالمسائل من أصحاب المذاهب المشهورة غالباً..) وفي هذا حرمان لطالب العلم من معرفة آراء غير المشهورين، وقد يكون لها قيمتها ومكانتها. عجبت للأخ الدكتور حين يقول: (أثبت نصوص الأحاديث من كتب ... الأحاديث..) . فهل معنى ذلك: أن ابن قدامة، ﵀، لما أثبت الأحاديث واستدل بها في كتابه أخذها من غير كتب الحديث؟ أم أنه يقصد أن فيها ... اختلافاً عما يجده بين يديه من كتب الحديث؟ فإن كانت الأولى، فأين الدليل؟ . وإن كانت الثانية؛ فإن أقل ما يقال: إن هذا من اختلاف النسخ والروايات، وهذا معلوم وقوعه كثيراً.. وحتى لو كان غير ذلك فيمكن الإشارة إلى هذا في حاشية الكتاب. وأما العناية الكبيرة والإطالة في التخريج، حتى تبلغ التعليقة أحياناً ثلثي الصفحة بخط دقيق، فهي تتنافى مع فكرة الاختصار، وتناقضها أيضاً. ويزداد العجب أيضاً من قول فضيلة الدكتور في مختصره: (لم أُعْنَ بالتعريفات أو المصطلحات أو المفردات شرحاً أو توثيقاً حتى لا أخرج عن طبيعة الاختصار) فهو قد خرج عن الطريقة قبل قليل. ولو خرج هنا لكان ذلك جائزاً، فإني أعلم أنه أستاذ جامعي يتلقى الطلبة على يديه أصول البحث العلمي والمنهج الصحيح، في مواد الشريعة وعلومها، بين جدران كليات الجامعة الإسلامية، ولا أظن طالب عالم ينازع في أن المصطلحات والتعريفات - في كل علم - من أول ما ينبغي أن نعنى بها وأن نحددها تحديداً صحيحاً واضحاً، وإلا وقع الالتباس وضاعت المفاهيم، وتنازعنا فيما نحن متفقون عليه حقيقة. وأما الاعتذار عن إهمال الشرح والتوثيق للمفردات حتى (لا يخرج عن طبيعة الاختصار، هذا مع سهولة الوصول إليها، لمن أراد التوسع فيها، في كتب شروح الفقه والحديث والغريب واللغة) هذا الاعتذار يأتي حجة على صاحبه في القيام بالاختصار، لأنه يعيدنا ثانية إلى كتب الشروح والحديث.. فكان ينبغي أن يخفف العناء، فيترك (المغني) لمن أراد هذا التوسع، دون المسخ والاختصار، ومن لا يريد التوسع فأمامه المختصرات، فهي تكفيه. إن اعتراضنا على فكرة الاختصار وأسلوبه له ما يسوِّغه، فإن كثيراً من طلبة العلم سيقتحمون هذه المخاطرة إذا وجدوا من مشايخهم من يستدلون بعمله، وعندها تكون الفوضى بأجلى صورها، وها نحن نسمع أن أحدهم قد شرع باختصار (المجموع شرح المهذب) !

стр. 1229

مقال التطهير ! عبد القادر حامد تتردد كلمة (التطهير) وصفاً لعمليات الإجلاء القسري الوحشية التي يقوم بها ... ... الصرب الأرثوذكس الموتورون ضد مسلمي البوسنة والهرسك، فلماذا يلجأون إلى هذا المصطلح، وما الأثر النفسي الذي يتركه في نفوس وعقول مستخدميه؟ يعتقد هؤلاء الأوغاد أن المسلمين طارئون على هذه المنطقة، وليسوا أصلاً من سكانها، بل وفدوا مع ما يسمونه الغزو العثماني الذي أخضع البلقان للدولة العثمانية قروناً، لذلك هم يريدون تطهير البلقان من كل وجود إسلامي، لأنه يذكرهم بسيطرة المسلمين التي يقض مضاجعهم مجرد تذكرها. ولأن العنصرية نبت أوروبي متحدر من تأثيرات وثنية جاهلية، يونانية ورومانية، ولا علاقة لهذه النبتة برسالات الأنبياء - ومنها رسالة المسيح عيسى بن مريم؛ فإن هؤلاء ينظرون إلى غيرهم من أهل الأديان الأخرى هذه النظرة العنصرية البغيضة ويشوهون التاريخ، ويحرفون حوادثه حتى يُرضوا نزعة التعصب الخبيثة في نفوسهم. وقد سمعنا أصداء هذه النزعة مراراً تصدر من هؤلاء المسيحيين الذين يتبرأ منهم عيسى ﵇، بل هم عار على كل منتسب للإنسانية يحترم الحياة والأحياء. سمعناها في لبنان عندما قال بعض نصاراها: (فليرجع المسلمون إلى مكة) ، مع أن التاريخ يثبت أن هؤلاء النصارى بعضهم يرجع في أصوله إلى الصليبيين، وبعضهم إلى عائلات مسلمة تنصرت وبعضهم وفد إلى لبنان من هنا وهناك عندما أصبح لبنان مرتعاً للمبشرين ومكاناً للقوى الغربية المتصارعة على الأسلاب الإسلامية. وحتى بعد أن فُصِّل لبنان ملجأً للمسيحيين في الشرق، وحشدت الطوائف النصرانية بالحراب الأوربية لتؤلف أغلبية مهيمنة ظل المسلمون أكثرية أمكن إخفاؤها فترة، لكن انكشف اللعبة وأصبح يعرفها أشد أطفال المسلمين جهلاً بالسياسة، كاثوليك وأرثوذكس، شرقيون وغربيون، أرمن ورومان ولاتين، وبروتستانت، يسوعيون ومعمدانيون وفرنسيسكان.. خليط عجيب يوهم أن الإسلام ذهب إلى غير رجعة ولم تقم له قائمة، ومع كل هذا الغزو المنظم، والتجمع اليائس، فإن حقيقة عدد المسلمين لا تسر هؤلاء الصليبيين إلى الحد الذي يجعلهم لا ... يوافقون على إجراء إحصاء للسكان. ونسمع هذه النزعة أحياناً في مصر، فإن نفراً من الأقباط يعتقدون - يا للجنون - أن هذه الملايين من المسلمين المصريين هم أحفاد عمرو بن العاص ومن كان معه من الجيش الذي فتح مصر. وأنهم - أي الأقباط - فقط هم أهل البلاد الأصليون، وأن المسلمين معتدون واغلون غرباء! وربما تحدث بعضَهم أحلامُهم المريضة أنهم سيعيدون عجلة التاريخ إلى الوراء، وأن مصر ستدفع المسلمين عنها، كما دفعت الهكسوس واليونان والرومان والإنكليز. إن النصارى قوم شأنهم شأن واحد أينما وجدوا وحيثما حلوا، فإذا كانوا أكثرية لا يستطيعون العيش مع المسلمين أبداً، ولا يزالون يضيقون على المسلمين حتى يفتنوا بعضاً، ومن استعصى على الفتنة فإما القتل وإما التشريد والتجريد من كل شيء. وإذا كانوا أقلية لا يرضى لهم طموحهم وكراهيتهم للمسلمين بغير أن يحكموهم صراحة فإن استعصى ذلك عليهم فيقنعون بلعب دورهم كاملاً ولكن من وراء حجاب. وإن هذه الأعصار - التي هان المسلمون فيها وتسلط عليهم الأعداء من الداخل والخارج - تعينهم على مقاصدهم، وهي الفترة الذهبية السانحة، فتراهم لا يضيعون الوقت لاقتناصها. ينبغي أن لا ننخدع بهذه الألفاظ المخدرة التي يسمونها الحضارة، والتطور، والتسامح، وحقوق الإنسان، ومحاربة العنصرية، فهي ليست إلا قشرة رقيقة هشة تستر وحشية الأوربيين العنصريين الذين لا يفهمون الدين تربية وتهذيباً وإنما حقداً وعنصرية وتعالياً على الآخرين. وهذا ما يجب أن توضح فيه وتفهم على ضوئه هذه الكلمة الخبيثة: (التطهير) . فهم لا ينظرون إلى المسلمين على أنهم وسخ عادي يحتاج إلى تنظيف وإزالة فقط، وإنما على أنهم رجس ونجاسة تحتاج إلى تطهير، فهناك فرق في النظرة إلى الوسخ والنظرة إلى النجاسة، فالأول يزال والنفس حيادية تجاهه، والثاني يزال والنفس منه متقززة، والطبع منه نافر. وقد يُظَن أن الإعلام الأوربي غير موافق على هذا المصطلح الخبيث، ويلوم الصرب على استعماله، والحق أن هذا الإعلام المدخول ينقله ويشيعه كما لو أنه يتحدث عن منطقة موبوءة يراد تطهيرها من عوامل المرض، بل يزيد تضليلاً وتلبيساً وكذباً حين يصف هذا التطهير (بالعرقي) حتى لا يثير حمية المسلمين الدينية، فالأمر ليس إلا صراع قوميات، وما دام الإسلام يضم أقواماً من مختلف الأجناس فالقضية لا تخصهم ما دامت بين قوميات! لكن القائمون على هذا الإعلام يعلمون أن الصرب والكروات والمسلمين كلهم يرجعون إلى أصول عرقية واحدة، ولا يكاد الناظر إليهم يفرق بين فئة وفئة، فأشكالهم وألوانهم وملامحهم واحدة لكن فرقتهم العقائد. لكن الصرب المتعصبين لم يتركوا الأمر غامضاً، وأفصحوا عما في نفوسهم تجاه الإسلام والمسلمين، فهم يصرحون أنهم يقاتلون من أجل تطهير أوربا من المسلمين وإنقاذها من الإسلام، وأنهم هم حماة بوابة أوربا، وأنهم لا يزالون يقاتلون المسلمين منذ خمس مئة سنة وأنهم يشعرون أنهم خلفاء البيزنطيين. وهذا ليس شعور الصرب وحدهم؛ بل شعور كل من يشاركهم في العقيدة أو كراهية الإسلام وإن غطت على هذا الشعور كثير من الادعاءات والأكاذيب التي يقصد منها الخداع. ينبغي على المسلمين في كل مكان أن يدركوا أنهم لم يكونوا - ولن يكونوا - في حساب من وضعوا لوائح الحرية والعدالة وحقوق الإنسان، فلا مبادئ الثورة الفرنسية يوم أعلنت عُني بها المسلمون؛ ولا ميثاق جنيف لحقوق الإنسان خطر المسلمون على بال من أقروه. ولا هذه الـ (أل) الداخلة على كلمة (إنسان) هي (أل) الجنس التي تفيد العموم في اللغة، وتشمل كل من يصدق عليه وصف إنسان عند العقلاء؛ بل هي (أل) التي للعهد، والتي يقفز إلى الذهن عند ذكرها مع مصحوبها الإنسان الأوربي أو الإنسان المسيحي، أو بصراحة ودون لف ودوران: الإنسان ما لم يكن مسلماً! ! ولئن أصاب المسلمين نعيم حقوق الإنسان وتذوقوا حلاوتها فإنما ذلك يأتي تبعاً غير مقصود، وذلك حين يعيش بعض المسلمين أقلية لا وزن لها في مجتمع من المجتمعات المسيحية، لكن حين تصبه هذه الأقليات شيئاً يؤبه له يتغير كل شيء، ويسحب منهم هذا الامتياز الذي يضفي عليهم صفة الإنسانية. وفي قولنا هذا شيء من التجوز، فلا يسمح المسيحيون - ولن يسمحوا - أن تتحول الأقليات الإسلامية التي تعيش بين ظهرانيهم إلى شيء ذي بال يؤبه له، هكذا يقول التاريخ القديم والحديث. لا بد أن يدرك المسلمون الخطر المحدق بهم، فإن الضغط عليهم لم يخف، وما زال الغرب يضغط لشيوع المفاهيم النصرانية التي تزحم الإسلام وتدفع به إلى زوايا النسيان، على الرغم من خواء هذا الغرب من الدين الصحيح، وإن التقدم العلمي وسرعة الاتصال، الذي اختصر المسافات، بل يكاد يلغيها؛ يجعل رحيل الاستعمار عن بلاد المسلمين أمراً يحيط به الشك ويكذبه الواقع. ولا بد لنا في النهاية أن ندرك أن هوان الأقليات الإسلامية المحرومة من الحقوق والمسلط عليها الفناء والاضمحلال هو نتيجة حتمية لهوان الأكثرية الإسلامية في بلادها، وتفرق شملها، وذهاب ريحها، وعدم وعيها بالواقع المحيط بها، والمخاطر التي تتهددها.

стр. 1230

أحوال شعر:محمود مفلح غداً أمضي وبعد غد أعودُ ... كأني لا أُرادُ ولا أُريد! ويثقل في دروب النور خطوي ... وفي هذا الدجى بصري حديد وما لي قد حنْيتُ اليوم ظهري ... وأزعُمُ أنني رجلٌ شديدُ وأزعم أنَّ ملءَ السمع ذكري ... وذكري مثل صاحبه بليدُ! وأزعمُ أنني ما زلتُ غضّاً ... وفوق الطوْق قد شبّ الحفيد! ! وأمضي كالكفيف إلى مصيري ... وأمضي لا أتيه ولا أحيدُ وأعجب كيف لا اسطيعُ نُطقاً ... وتحتَ لساني الدرُّ النضيدُ! ! عتبتُ عليك يا زمنَ الأفاعي ... أتعبثُ في مصائرنا القرود؟ أتحكمنا النذالة والنفايا ... وترسمُ ما تشاء وما تُريد؟ عتبتُ عليك كيف تشل ساقي ... ويَخفقني بدرِّتك العبيدُ؟ تواريني التراب ولستُ ميتاً ... كما واريتني وأنا وليد لماذا يا عدوَّ الله تبكي ... وقلبُك من فظاظته حديد؟ ؟ ألفناها دموعَ الذل حتى ... سئمنا ما نقولُ وما نُعيد تجودُ وما علمتُ لديك شيئاً ... تجودُ به، فكيف إذن تَجود؟ ؟ وتعييني الإجابةُ يا صديقي ... فبحر الصمت ليس له حدود كتبت على جدار الصبر شعري ... فلم يبق الجدارُ ولا القصيد! وعبدّتُ الطريق فما مشينا ... وبيضتُ الهمومَ وهن سود وكم أَرّخْتُ من عطشي فصولاً ... لتزهر في أكفكمُ الورودُ! وكم أنذرتكم في الصبح جيشاً ... وقلت لكم لقد رجعت يهود! وتزحف هذه الخمسون نحوي ... أَوَ عْدٌ يا جُهينةُ أم وَعيدُ؟ ؟ إليكَ إليكَ يا وطني المفدى ... وأدري أنه قُطع البريد فلا الزيتون في عيني ذاو ... ولا عِنب الخليل به صدود عشقتكِ يا جبال النار طفلاً ... ونارُ العشقَ ليس لها خمودُ أمدّ عليك حين الحرّ جفني ... ويرعشُ حين أذكرك الوريدُ وحاشا أن أخون العهد يوماً ... وحاشا أن يساورني الجحود أنحيا كالقطيع ولا نبالي ... ونزعمُ أنه العيش الرغيد؟ وتنسلخ البلاد بساكنيها ... وتُنتهك الحدود فلا حدود ونمضغ ذلَّنا والعارُ يمشي ... على أكتافنا وله جنودُ وكيف ألمُّ يا أبتاه صوتي ... ويخرسُ فوق حنجرتي النشيدُ؟ ؟

стр. 1231

الحركة العلمية في بلاد الحجاز في العصر الأموي د. محمد آمحزون لا يختلف الباحثون المنصفون على أن تاريخ الدولة الأموية في حاجة ملحة إلى إعادة تقويم وتنقيح ودراسة موضوعية، إذ لا يغيب عن البال أن التاريخ الأموي كتب في العصر العباسي. ودارس التاريخ لا يخفى عليه ما قام به الأخباريون الشيعة بوضع كثير من الروايات التي تسيء إلى الأمويين، وما قام به العباسيون كذلك في سبيل طمس مآثر الأمويين. ومن أجل ذلك اختلف الباحثون في حكمهم على العصر الأموي بين مؤيد يعلي من مكانتهم ويرفعهم إلى فوق ما يستحقون، ومعارض لا يرى لهم أي فضل أو مكرمة، بل يرى في فترة حكمهم صفحة قاتمة في سجل التاريخ الإسلامي الحافل. لكن باستعمال الميزان الشرعي الدقيق الذي ينزل الناس منازلهم التي يستحقونها بالإنصاف والعدل، يمكن القول أن التاريخ الأموي كان مزيجاً من المزايا والنواقص، والمحاسن والمساوئ تيسر لنا فهم التطور الإجمالي لهذا العصر. ففي الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري في باب: (كيف الأمر إذا لم تكن جماعة) ... عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: كان الناس يسألون رسول الله - ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: (نعم) ، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: (نعم، ... وفيه دخن) . قلت وما دخنه؟ قال: (قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر) [١] . قال بعض العلماء مثل القاضي عياض والحافظ ابن حجر أن المراد بالشر الأول الفتن التي وقعت بعد عثمان ﵁ والمراد بالذين تعرف منهم وتنكر حكام وأمراء بني أمية [٢] وهم بذلك خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً. ومن هنا ينبغي إعادة قراءة التاريخ الأموي قراءة واعية منصفة تستند إلى الموضوعية والاستقراء الدقيق؛ فبرغم ما في عصرهم من اضطراب سياسي واجتماعي وظلم وجور، فإن الحكام والأمراء قد اعتنوا بدعم مسيرة الفتح الإسلامي، وتشجيع العلم، مما سبب تنافساً عظيماً بين العلماء في تحصيل العلوم ونشرها، والتأليف في مختلف ميادين المعرفة. التفسير: عند دراسة الحياة العلمية في بلاد الحجاز في العصر الأموي يستطيع الباحث أن يتتبع نشوء التفسير القرآني وتطوره في القرن الأول الهجري على نحو أوضح من كل فروع المعرفة الأخرى. ويرجع ذلك إلى عناية المسلمين بدراسة كتاب الله في المقام الأول. وقد تولى الله حفظه بقوله: [إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ] [٣] . ومن معاني هذا الحفظ أن هيأ له عقولاً ثاقبة، وقلوباً واعية، وجهوداً متضافرة عنيت بتفسيره، وإيضاح معانيه، وكشف أسراره، وبيان أحكامه. ويعتبر الصحابي عبد الله بن عباس (المتوفى سنة ٦٨/٦٨٧ م) شيخ المفسرين في تلك الفترة. فقد كان بحق حَبْرَ الأمة، وفقيه العصر، وإمام التفسير [٤] . وتعده الروايات الإسلامية أول المفسرين حتى وصف بأنه «ترجمان القرآن» [٥] . ولا غرابة في ذلك، إذ دعا له النبي ﷺ بقوله: «اللهم علمه التأويل وفقهه في الدين» [٦] . وروى الفَسَوي في تاريخه بإسناد صحيح عن ابن مسعود ﵁ قال: (لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عاشره منا رجل) . وكان يقول: (نعم ترجمان القرآن ابن عباس) [٧] . وذكر هذه الزيادة ابن سعد في الطبقات من طريق آخر عن عبد الله بن مسعود [٨] . وروى الفَسَوي أيضاً بإسناد صحيح عن أبي وائل قال: «قرأ ابن عباس سورة النور، ثم جعل يفسرها، فقال رجل: لو سمعت هذا الديلم لأسلمت» [٩] . ولم يكن ابن عباس ﵁ متضلعاً في علم التفسير فحسب، بل كان ملماً بعلوم أخرى وهي الفقه والمغازي والشعر واللغة وأيام العرب. وكان يوزع أيام الأسبوع على هذه العلوم حتى لا يحدث على باب بيته الزحام، ومعنى ذلك أنه عني بها تدريساً وبحثاً. وقد تتلمذ على يد ابن عباس ﵁ جلة التابعين ومنهم: مجاهد بن جبير، وسعيد بن جبير، وعكرمة مولاه، وأبو العالية الرياحي، وطاووس بن كيسان، وعطاء بن أبي رباح، والسدِّي صاحب التفسير، وأبو الزبير المكي المقرئ، وغيرهم [١١] . وذكر الحافظ المزي في التهذيب: أن الرواة عنه مئتان سوى ثلاثة أنفس [١٢] . وبلغ ابن عباس ﵁ من مجد التعليم غايته، ذلك أن معاوية بن أبي سفيان ﵁ خرج حاجاً، وخرج ابن عباس حاجاً أيضاً، ولم يكن له صولة ولا إمارة، فكان لمعاوية موكب من رجال دولته، وكان لابن عباس موكب يفوق موكب الخليفة من طلاب العلم [١٣] . ومن الملاحظ أن تفسير القرآن لابن عباس كان أول دراسة في علم المفردات عند المسلمين، إذ كان يتتبع منهجاً فريداً في شرح الكلمات الصعبة والكلمات المعربة في القرآن الكريم بشواهد من الحديث الشريف [١٤] وآثار كبار الصحابة [١٥] والشعر الجاهلي، حيث شرح المائتي الكلمة التي سأله عنها نافع بن الأزرق - أحد زعماء الخوارج - بشواهد من الشعر الجاهلي [١٦] . واعتمد من ناحية أخرى في شرح دلالات هذه الكلمات على أحد المخضرمين، وهو أبو الجلد جيلان بن فروة الذي يعد من قراء الكتب القديمة [١٧] كما ورد في المقتبسات الباقية التي ترجع إليه اسمان ليهوديين أسلما، هما كعب الأحبار وعبد الله بن سلام، وكانا على علم بالعهد القديم [١٨] . وتحسن الإشارة إلى أن تفسير ابن عباس كان موضع تقدير العلماء، فقد قال أحمد بن حنبل: (بمصر صحيفة في التفسير رواها علي بن أبي طلحة (عن ابن عباس) لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصداً ما كان كثيراً) [١٩] . ومن آثار ابن عباس ﵁: * تفسيره الذي وصل إلينا كاملاً بين دفتي (جامع البيان في تأويل آي القرآن) للإمام الطبري. * غريب القرآن: تهذيب تلميذه عطاء بن أبي رباح، ويوجد مخطوطاً في مكتبة عاطف أفندي بتركيا [٢٠] . * مسائل نافع بن الأزرق (في التفسير) : توجد منه قطع في الظاهرية بدمشق، وفي دار الكتب المصرية بالقاهرة. كما وصلت قطع منه في كتاب الكامل للمبرد، وفي فضائل القرآن لأبي عبيد، وفي الوقف والابتداء لأبي بكر ابن الأنباري [٢١] . * مسنده: وهو ألف وست مائة وستون حديثاً، وله من ذلك في الصحيحين خمسة وسبعون [٢٢] . * فتاوى: قال ابن حزم في كتابه (الأحكام) : جمع أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب بن المأمون أحد أئمة الإسلام فتاوى ابن عباس في عشرين كتاباً [٢٣] . وقد ترك ابن عباس عدداً من الطلاب كان لهم أثر كبير في نشر العلم، حيث أنشأوا - كأستاذهم - عدة حلقات للدراسة كان الطابع الغالب عليها هو التفسير، ثم سائر العلوم الأخرى كالحديث وأيام العرب والشعر. وكان كل واحد من هؤلاء مدرسة متنقلة همها التفسير والحديث والفقه. وفي خضم هذا النشاط العلمي المكثف برزت مدرسة مكة للتفسير التي كان عمادها أصحاب ابن عباس من أمثال سعيد بن جبير، ومجاهد بن جبر، وطاووس بن كيسان اليماني، وعكرمة مولى ابن عباس، وعطاء بن أبي رباح مفتي مكة وغيرهم. ومن أبرز علماء التفسير في تلك الفترة سعيد بن جبير (المتوفى سنة ٩٥ هـ/ ٧١٤ م) . ويعدّ من أكثر التابعين علماً ومكانة، ومن أوائل مفسري القرآن الكريم. روى ابن سعد والفَسَوي عن ميمون بن مهران قال: «قد مات سعيد بن جبير وما على الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه، قال: أرى في التفسير» [٢٤] . حدّث عن ابن عباس فأكثر عنه، كما روى عن ابن عمر وعائشة وعدي بن حاتم وأبي موسى الأشعري. وقرأ عليه أبو عمرو بن العلاء وأيوب السختياني والزهري وغيرهم [٢٥] . وكان ابن جبير من طلاب ابن عباس النشيطين، يحضر مجالسه ويستمع إلى أسئلة الحاضرين، فيدون أجوبته في الصحف التي كان يحملها معه إذا ذهب إليه. وكان على علم بالحساب، ولذلك كان الناس يسألونه عن الفرائض. وكان يجلس لطلاب العلم بعد صلاة الفجر وصلاة العصر يقرأ لهم القرآن ويفسر لهم [٢٦] . ومن خلال الروايات التي سردها الإمام الطبري في (جامع البيان) يبدو أن تفسيره صنفان: أحدهما لغوي [٢٧] والآخر تاريخي [٢٨] تناولا النص القرآني، ويذكر أنه كان يتعهد تفسيره بالتعديل والتهذيب [٢٩] . وقد اشتهر تفسير ابن جبير، ورواه عنه جماعة من الشيوخ منهم الضحاك بن مزاحم (المتوفى سنة ١٠٥هـ/ ٧٢٣ م) [٣٠] . ومن رواد التفسير في ذلك العصر مجاهد بن جبير أبو الحجاج المكي، شيخ القراء والمفسرين [٣١] (المتوفى سنة ١٠٤ هـ/٧٢٢ م) . كان أحد تلاميذ ابن عباس المقربين إليه، روى عنه فأكثر، وعنه أخذ القرآن والتفسير والفقه [٣٢] . كما روى عن أبي هريرة وعائشة وجابر بن عبد الله، وتتلمذ عليه ابن كثير المقرئ وابن أبي نجيح والحكم بن عتيبة وغيرهم [٣٣] . لازم مجاهد ابن عباس وعرض عليه القرآن ثلاث عرضات من أوله إلى آخره، يوقفه عند كل آية، فيسأله عنها وعن وقت نزولها وأسباب النزول، فيحفظ ذلك ويكتبه، حتى تكون من ذلك تفسيره المأثور الذي اعتمد عليه الطبري في تفسيره [٣٤] . ولذلك أثنى عليه قتادة بن دعامة السدوسي بقوله: «أعلم من بقي بالتفسير مجاهد» [٣٥] . وقال عن نفسه: «استفرغ علمي القرآن» [٣٦] . وقد غلب على مجاهد الرأي في إصدار الأحكام، ولذلك كان من أوائل أتباع التفسير العقلي للقرآن الكريم. وفي تفسيره كثير من المجاز وتعبيرات المشبهة، لكن يبدو أنه أعرض عن ذلك فيما حكاه عنه الأعمش: (ما أدري أي النعمتين أعظم، أن هداني للإسلام أو عافاني من هذه الأهواء) [٣٧] ؛ يقصد المشبهة والقدرية ومذهب ... الجهمية [٣٨] . وكان بعض تفسيره يؤخذ بتحفظ، وذلك لأنه كان يسأل كثيراً علماء النصارى وأحبار اليهود، مما جعله ينقل أقوالاً وغرائب في التفسير تستنكر. فقد ذكر أبو بكر بن عياش أنه استفسر الأعمش بقوله: ما بالهم يتقون تفسير مجاهد؟ قال: كانوا يرون أنه يسأل أهل الكتاب [٣٩] . أما تفسيره فقد وصل إلينا برواية عبد الله بن أبي نجيح (المتوفى سنة ١٣١ هـ/٧٤٨ م) [٤٠] . ومن أوائل المفسرين عطاء بن أبي رباح (المتوفى سنة ١١٤ هـ/٧٣٢ م) ، فهو مفتي مكة ومحدثها، ومن تلامذة ابن عباس المشهورين [٤١] . روى عن جماعة من الصحابة منهم ابن عمر وأبو هريرة وعائشة [٤٢] . وتخرج عليه جماعة من أشهر الفقهاء والمفسرين والمحدثين أخذوا علمه ونشروه في الآفاق، فكان منهم من نشره في الحجاز، ومنهم من نقله إلى اليمن، ومنهم من أصدره إلى الشام والعراق، ومن هؤلاء الأوزاعي فقيه الشام، والزهري المحدث، وابن جريج وأبو حنيفة النعمان وغيرهم [٤٣] . كما اشتهر في تلك الفترة من بين علماء التفسير محمد بن كعب القرظي المدني (المتوفى سنة ١١٨ هـ/٧٣٦م) . وقد قيل إنه من أعلم الناس بالتأويل [٤٤] ... وكان مثل وهب بن مُنَبِّه قاصاً من القصاص يقص في المسجد [٤٥] ، ولذلك غلب عليه الطابع التاريخي. ويتضح من بعض الروايات التي ذكرها الإمام الطبري في تاريخه أن ابن اسحاق استخدم كتاباً للقرظي ذا مضمون تاريخي [٤٦] . ويبدو أنه كتاب في التفسير يتضمن معلومات تاريخية، لأن الرجل اشتغل بعلم التفسير والأخبار. وهكذا وجدت أقوال محمد بن كعب القرظي سبيلها إلى تاريخ الطبري عن طريق سيرة ابن اسحاق وكان هذا الأخير يأخذ أخبار المغازي من رواة أهل المدينة، فيتتبع غزوات النبي من أولاد اليهود الذين أسلموا، ومنهم القرظي. كما كان يرجع في أخبار الأمم السالفة إلى أقوال من لهم علم بالكتاب الأول، وكان القرظي أحدهم. أما الأخبار المروية عنه، فهي في سير الأنبياء والرسل، وفي انتشار الديانة اليهودية والنصرانية في اليمن، وفي الأمور التي تخص اليهود في الحجاز [٤٨] . وقد كان القرظي من المقربين إلى الخليفة عمر بن عبد العزيز لمعرفته السابقة به حين كان عاملاً على المدينة. فلما ولى الخلافة كان يذهب إليه، ويتحدث معه في الزهد وفي القصص وفي التفسير الذي اشتهر به [٤٩] .

стр. 1232

المسلمون والعالم دماء ودموع البوسنة: على من تعرض الصور ؟ أحمد بن راشد بن سعيّد حرب الإبادة التي يشنها الصليبيون الصرب على مسلمي البوسنة والهرسك هي (هولوكوست) [١] حقيقي وليس مختلقاً، وكأن دماء المسلمين وأشلاءهم هي ... التي دائماً تفضح الزيف وتبدد الخرافة من (لا إله والحياة مادة) إلى (أفران ... ومعسكرات النازية) . هكذا إذن! وتذكرني مذابح المسلمين التي لا يصدق أن إنساناًيمارسها ضد إنسان في أواخر القرن العشرين، وفي قلب أوروبا المتحضرة الراقية (..) تذكرني إلى حد ما بما فعله الصليبيون في بيت المقدس عندما ذبحوا مائة ألف مسلم حتى خاضت الخيول إلى الركب في دماء المسلمين. وانتقد أحد القساوسة قومه قائلاً إنهم أسرفوا في قتل المسلمين وسفك دمائهم.. وكما أجمع صليبيو القرن العشرين على تصفية المسلمين الفلسطينيين وتشريدهم، يجمعون اليوم على ذبح مسلمي البوسنة والهرسك وتهجيرهم وإذلالهم. وتنبعث من هنا وهناك أصوات غربية تستنكر هذه المذابح. وقد كتبت مجموعة من النصارى في صحيفة الغارديان البريطانية رسالة تشجب فيها (سياسة التطهير ... العرقي واضطهاد المسلمين بسبب دينهم وثقافتهم) [٢] . ومعظم المنددين ... من النصارى واليهود يفعلون ذلك ليس حباً للمسلمين وإشفاقاً عليهم، بل خوفاً من تنامي الإسلام وظهوره في أوروبا بشكل أكبر، وهو ما عكسته مارغريت ثاتشر ... عندما ذكرت أن بقاء المسلمين في البوسنة أمر مطلوب للقضاء على فرص ... ... (تشددهم) الإسلامي، والذي سينتج حتماً عن سياسة تمزيقهم وإخضاعهم لحكم أجنبي. وقرنت تاتشر بين الهجرة البوسنية والهجرة الفلسطينية قائلة إن يأس البوس نيين المسلمين قد يدفعهم إلى (الإرهاب) ، وعندئذ تكون أوروبا قد صنعت (قنبلة ... إسلامية موقوتة) [٣] . مجلة نيوزويك الأمريكية أكدت أن غالبية القتلى والمشردين والمعتقلين هم من المسلمين، وأنهم بدون مساعدة من الغرب سيلجأون إلى إخوانهم في الإسلام [٤] . الصحافة الغربية تناقلت صوراً وأخباراً عما يتعرض له المسلمون من مذابح وترويع واعتقال وتعذيب. أكثر من ١٢٠ معسكراً حشر فيه الصرب آلاف ... المسلمين والمسلمات. معظم هؤلاء المعتقلين ليسوا «سجناء حرب» ، بل اختطفوا من بيوتهم ليعذبوا ويجوعوا ويقتلوا. روي كوتمان مراسل صحيفة نيوزدي النيويوركية نقل عن شاهد عيان قوله أن معسكر أومارسكا في شمال غرب البوسنة يضم ألف معتقل، منهم كل النخبة السياسية والثقافية في مدينة بريجدور، وأن الصرب يعدمون ١٠-١٥ شخصاً كل بضعة أيام [٥] . إحدى النساء المعتقلات في المعسكر قالت لمراسل شبكة أي. بي. سي الأمريكية وولتر رودجرز في غفلة عن أعين الصرب: هذا معسكر متوحش، لا تصدق ما يقولون، هنا تجري مذابح، قتل في هذه المنطقة ٨٠٠ طفل وامرأة، مئات من الرجال مفقودون. قال لها المراسل تعالي وقولي هذا الكلام أمام الكاميرا، فأجابت وعيونها تنطق بالرعب وهي تشير بأصبعها إلى حلقها على هيئة الذبح: لو فعلت ذلك لقتلوني الليلة [٦] . اليجا لوجينوفك وهو مسلم كان معتقلاًً في معسكر بركوعلى على ضفة نهر سافا في شمال غرب البوسنة قال أن الصرب ذبحوا ١٣٥٠ شخصاً من معتقلي المعسكر بتقطيع حلوقهم بالسكاكين ثم ألقوهم عرايا في نهر سافا وهم يقولون (هذا طعام الأسماك) . لوجينوفك قال أن الصرب ذبحوا مئات آخرين وأحرقوا جثثهم لإطعامها للحيوانات حتى طبق الدخان أجواء المعسكر. وذكر ليوجينوفك أن المسلمين لاقوا كل صنوف الإذلال والتعذيب الصربي من تدنيس المساجد إلى ذبح وتشويه السجناء الرجال، إلى الاغتصاب الجماعي للنساء، وأنه رأى بأم عينه عشرة رجال قطعت حلوقهم بالسكاكين، وجدعت أنوفهم، وقطعت أعضاؤهم التناسلية. كان الصرب في البداية يستعملون الرصاص ثم عدلوا إلى قطع الحلوق. يؤتى بالمسلم فيرقد على ضفة سافا ويوضع رأسه على حجر، ويهيأ بحيث ينسكب دمه في النهر. بعد شهر من عمليات الذبح هذه لتسعة أعشار المعتقلين، التفت الصرب إلى أهالي القرى الذين لم يعتقلوا فملأوا بهم المعسكر، ثم قاموا بذبحهم كما فعلوا بأسلافهم. لجنة الحكومة البوسنية لجرائم الحرب تقول أن ثلاثة آلاف شخص ذبحوا في المعسكر بين أوائل شهر مايو وأوائل يونيه [٧] . صحيفة الاندبندنت البريطانية نقلت عن شاهد عيان واسمه مرساد (أستاذ جامعة) قصصاً عن التعذيب والقتل التي تعرض لها المعتقلون في معسكر بركو. بعض المعتقلين ضربوا حتى الموت، وبعضهم سلطت عليهم كلاب مجوعة لم تذق طعاماً لعدة أيام. الضحايا - كما يقول مرساد - ظلوا يصرخون ويبكون والكلاب تنهشهم حتى قضى منهم عشرة من الجراح والآلام. الشاهد ذكر أيضاً أن خمسين شخصاً كانوا يؤخذون يومياً من المعسكر ثم لا يعودون، وقدر عدد الذين قتلوا في المعسكر بما في ذلك الذين قتلهم الصرب عند الاستيلاء على بلدة بركو بخمسة آلاف شخص [٨] . الاندبندنت والغارديان نقلتا عن مرساد أن فتاة صربية ابنة لإحدى المومسات تفننت في تعذيب المعتقلين، حيث كانت تقوم بكسر القوارير واستعمال شظايا الزجاج لبقر البطون وسمل العيون وجدع الأنوف. يقول مرساد أن مظهر الفتاة لم يكن يدل على هذه الوحشية والإجرام وقد ذهلنا من صنيعها. كانت تعذب المعتقلين وهي تضحك. بالطبع كانت سعيدة بذلك. مرساد فرّ ليلاً من المعسكر وآخرون عابرين نهر سافا وقد قتل الصرب بعضهم أثناء الفرار [٩] . الاندبندنت نشرت صورة مسلم ذبحه الصرب، وتوضح الصورة أن يديه مقيدتان بالحديد وأن حلقه مقطوع بالسكين [١٠] . الغارديان نشرت صورة مسلم قتيل ملقى في نهر درينا خارج مدينة غوارزدي وقد شوه وجهه تماماً وقطعت أصابعه، كما نشرت صورة أخرى لجثث قتلى مسلمين طافية على سطح النهر [١١] . صحيفة نيوزدي وصفت الوضع المأساوي لمعسكر بوسانكي ساماك الذي حشد فيه الصرب بوسنيين وألبانيين مسلمين وكروات. سجين سابق روى للصحيفة كيف يجلد المعتقلون بقضبان الحديد والعصي الغليظة حتى تنزف دماؤهم ويغشى عليهم، وكيف يعذبون بحرمانهم من الماء وقضاء الحاجة وإعطائهم وجبة واحدة فقط خلال ٢٤ ساعة هي عبارة عن قطعة خبز صغيرة مع شيء من المربى. وذكر الشاهد أيضاً أن بعض المعتقلين يجبرون على أكل الرمل أو ازدراد غائطهم أو ممارسة الفاحشة مع معتقل آخر. الشاهد روى كيف قام الصرب بتعذيب شاب ألباني بجرح حلقه بالسكين وضربه ضرباً مبرحاً ثم قطع ذراعه، كما روى كيف صف الصرب المعتقلين وقتلوا ١٥ منهم رمياً بالرصاص، ثم أمروا الشبان الصغار أن يحملوا الجثث ويضعوها في شاحنة، وأمروا بقية المعتقلين بتنظيف الأرض من (بركة) الدماء [١٢] . الجمعية الدولية لحقوق الإنسان أكدت في تقرير مطول لها أن آلافاً أعدمهم الصرب في معسكر لوكر وأن ثمانية آلاف أعدموا في مانياتشا، وأن قطع الحلوق والتعذيب بالزجاجات المكسورة وتسميم الأطفال هي من الطرق الإرهابية الشائعة التي يرتكبها الصرب [١٣] . مجلة تايم أوردت تقريراً مفاده أن الصرب في مدرسة ابتدائية في براتوناك استنزفوا دماء خمسمائة مسلم حتى الموت من أجل إمداد الصربيين الجرحى بالدم. وفي بلدة فوكاسكا علق الصرب السجناء من أرجلهم، ثم استعملوا آلات حادة لسمل عيونهم [١٤] . مراسل مجلة نيوستيتسمان سوسيتي البريطانية ذكر أنه عندما كان في مدينة دوبرينجا واحتل الصرب حياً من المدينة، قاموا (بتطهيره) من المسلمين. يقول المراسل أن هذا (التطهير) يعني قطع حلوق أكثر الرجال أمام زوجاتهم وأطفالهم [١٥] . المجلة نقلت أيضاً عن ستيف وات (عامل إغاثة) قوله ... أن كل صربي يحصل على ما يعادل ٣٠٠ جنيه استرليني مقابل كل طفل يقوم ... بقتله [١٦] . مراسلة الغارديان ماغي أوكين كتبت خبراً تحت عنوان (كابوس المسلمين تحت شمس يوغسلافيا الطويلة الحارة) روت فيه مأساة أهالي القرى الإسلامية ومعاناتهم على يد الصرب. عندما احتل الصرب قرية كوساراك فر بعض النساء والشيوخ والأطفال، لكن الصرب طوقوهم وقالوا لهم: (أين الله الذي تعبدون الآن، سوف (نجامعكن) [*] جميعاً أيتها النساء المسلمات) . ماغي روت أيضاً كيف ... حبست مجموعات كبيرة من المسلمين في عشر عربات قطار مخصصة للأبقار وكيف حرموا من الطعام والشراب. الإيكونومست أيضاً روت الحادثة قائلة أن الصرب حشروا أهالي إحدى عشر قرية إسلامية تحت تهديد السلاح في قرية واحدة لثمانية عشر يوماً، ثم رحلوهم في عربات قطار مخصصة للأبقار ليس فيها ماء ولا طعام. النساء كن يبكين والأطفال يصرخون والصيحات تتردد: ماء.. ماء.. نريد فقط كأساً من ماء! كان الطقس شديد الحرارة، والعربات مكشوفة لأشعة الشمس، ولا توجد فيها حمامات. إحدى النساء قالت: (كان الواحد منا يغشى عليه ... ثم يفيق، يغشى عليه ثم يفيق) . عند إحدى المحطات أخذ الصرب مجموعة من الفتيات الصغار، ثم لم يرين بعد ذلك. مكث المسلمون داخل هذا الجحيم خمسة أيام بلا ماء ولا طعام، وهم يصرخون ويضربون النوافذ بأيديهم، وقد توفي بعضهم. في نهاية المطاف تم ترحيل النساء والأطفال إلى كرواتيا، وأخذ الرجال ليسجنوا في ملعب بوسانكي نوفي الرياضي [١٧] . أعراض تنتهك.. ولا معتصم اعتقال المسلمات واغتصابهن، سيما صغيرات السن (١٣ سنة فما فوق) ، أصبح ظاهرة مفزعة في المناطق التي يستولي عليها الصرب. الصحافة الغربية روت قصصاً مطولة عن إذلال المسلمات واغتصابهن. الاندبندنت نقلت عن أربع مسلمات في سراييفو أن البوسنيات يتعرضن لاغتصاب جماعي وسلب أمتعة وحلي وأشكال مختلفة من الضرب والإذلال. ثلاث فتيات تتراوح أعمارهن بين الخمس عشرة والعشرين قلن إنهن ومائة امرأة أخرى تعرضن لاغتصاب الصرب مراراً خلال سبعة أيام بعد اعتقالهن في مدرسة في بلدة روجاتيكا. امرأة مسلمة قالت: (أنا أعرف الناس الذين أحرقوا بيتي وسرقوا أشيائي وأخذوني سجينة.. إنهم ... أصدقائي وجيراني) . الصرب نقلوا هذه المرأة وابنتها ذات العشرين ربيعاً إلى سراييفو ومعهما قرابة ٣٠٠ شخص حبسوا لأسبوع في المدرسة. الفتاة قالت: إن مسلحين أخذوها من المدرسة في ليلة الأول من أغسطس واقتادوها والسكين مشهرة على حلقها لثلاث ساعات إلى شقة جار صربي ذكرت اسمه. قالت الفتاة: (اغتصبني جاري أولاً، ثم تبعه الباقون، وظللت اغتصب أربعة ... ليال) . أم الفتاة (قتل زوجها في المعارك) قالت: (عندما جاء الصرب إلى المدرسة حاولت حماية ابنتي والبنات الأخريات، لكنهم ضربوني وركلوني ... بأحذيتهم.. لم يكن هناك ما أستطيع عمله) ، وأضافت أن كل الشابات المحبوسات ... في المدرسة (أكثر من مائة شابة) تعرضن للاغتصاب، وفيهن أمهات بأطفالهن، وأن ابنة عمها توفيت في المدرسة [١٨] . فتاتان أخريان (أختان) وصلتا إلى سراييفو قالتا أن مجموعة صربية تناوبت على اغتصابهما. إحداهما (١٥ عاماً) قالت أنها أخذت من المدرسة في الثلاثين من يوليه إلى مقر قائد الميليشيات الصربية المحلي الذي أخذها إلى شقة واغتصبها، ثم أعيدت إلى المدرسة حيث اغتصبها ثلاثة صرب. الأخرى (١٧ عاماً) قالت أنها تعرضت لاغتصاب متعدد ثلاث مرات، مرتين على أرض المدرسة، ومرة في شقة حيث اعتدى عليها خمسة صرب. قالت: (لقد ضربوني حين قاومت خلع ملابسي، وقد صفوا صفاً واغتصبوني الواحد تلو الآخر.. أنا أعرف ثلاثة منهم جيداً) [١٩] . روي كوتمان مراسل نيوزدي ذكر أن ثلاثة جنود صرب اعتقلوا أربع فتيات وأودعوهن سيارة شحن عسكرية. ثلاثة منهن أخذهن الصرب إلى بيت كان لشخصية مسلمة بارزة، وهو الآن (بيت اغتصاب) ؛ وهناك سلموهن لاثني عشر صربياً لينتهكوا أعراضهن، ثم قام الثلاثة باغتصاب الرابعة في السيارة العسكرية [٢٠] . نيوزويك نقلت عن شاهد عيان بدت عليه آثار الذهول قوله أنه رأى ثلاث بنات مسلمات قرب تزلا شرقي البوسنة. وقد أوثقهن الصرب بالحديد إلى حائط، واغتصبهن من شاء منهم ثلاثة أيام، وبعد ذلك سكبوا عليهن (الجازولين) وأشعلوا فيهن النار [٢١] . فتاة مسلمة قالت في مقابلة مع تلفزيون بي. بي. سي، وقد أخفت وجهها عن الكاميرا أنها و ٢٣ امرأة أخرى اعتقلن في قبو واغتصبن أربعة أشهر وأن الصرب يعتدون عليهن أحياناً وهم سكارى، وأن صديقة لها قاومت فقتلوها. الطبيب الذي يعالج هذه الفتاة أخبر مراسل بي. بي. سي أنها حبلى، وأنها ليست في وضع نفسي يؤهلها لسماع هذا الخبر [٢٢] . تقارير الاغتصاب لا يسعها الذكر هنا. روي كوتمان مراسل نيوزدي يقول أن هذه التقارير كثيرة جداً إلى حد أن بعض المحللين يعتقدون أنه اغتصاب (منظم) . سيفكو عمر باسك زعيم الجالية الإسلامية في كرواتيا وسلوفينيا صرح أنه استنتج من خلال اتصالاته بمئات اللاجئين القادمين من البوسنة أن (كل النساء الشابات قد اغتصبن) . كوتمان ذكر أن هناك تقارير كثيرة عن اغتصاب ... تناوبي لبنات صغيرات السن وأن (آلافاً ربما عشرات الآلاف من ضحايا الاغتصاب قد يبقين في معسكرات الاعتقال) [٢٣] . صليبية المذبحة: حدد الصرب أهدافهم منذ البداية فأعلنوا أنهم يريدون القضاء على المسلمين في البوسنة ومنع قيام دولة إسلامية في أوروبا. وقد لامست هذه الدعوة شغاف الغربيين، فاستجابوا لها، رغم أنها دعوة صليبية متخلفة طالما زعم الغرب أنه لا يتبناها. وقد أدت الجهود الصربية والغربية معاً إلى إقناع كرواتيا بهذا المفهوم، ففي الثاني عشر من أغسطس ١٩٩٢ هاجم الرئيس الكرواتي المنتخب فرانكو توجمان (عناصر في الحكومة البوسنية تسعى لإقامة دولة مؤسسة على ... الأصولية الإسلامية) [٢٤] . وفي مقابلة مع مجلة نيوزويك صرح وجمان أن الكروات (مهددون (برغبة) المسلمين في إقامة دولة إسلامية) ، واقترح أن تحل مشكلة البوسنة بأن تضم المناطق المأهولة بالصرب إلى صربيا ... والمناطق المأهولة بالكروات إلى كرواتيا، الأمر الذي يسمح (بوجود دولة ... إسلامية صغيرة في وسط البوسنة) . وأضاف: (إن ذلك سيضع حداً لأية مطالب أو محاولات لإنشاء دولة إسلامية كبيرة في قلب أوروبا) [٢٥] . هذا الموقف يعتبر ... تحولاً حاداً في التحالف البوسني الكرواتي الهش، ويعني أن الصرب والكروات أصبحوا يداَ واحدة، وأن الكروات سيحتفظون بجمهوريتهم التي أعلنوا تأسيسها داخل الأراضي البوسنية تكريساً لواقع التقسيم. وشواهد صليبية المذبحة كثيرة، فقد قام الصرب بذبح المسلمين ورسم الصليب بالسكين على أجسادهم، كما قاموا بتدمير المساجد في كل بلدة يحتلونها. مجلة الإيكونومست ذكرت أن الصرب نسفوا مساجد بلدة بوسانكي نوفي شمالي البوسنة في إطار عملية تفريغها من المسلمين [٢٦] . الغارديان ذكرت كيف قام الصرب بنسف المساجد وإحراقها. ونقلت عن جندي صربي قوله أن المسلمين لن يعودوا إذا دمرت المساجد [٢٧] . مجلة نيوستيتسمان سوسيتي نقلت عن بعض الصرب قولهم أن كل المسلمين - في الأصل - (عرب قذرون يمسحون أدبارهم بأيديهم) [٢٨] . مراسل شبكة اي. بي. سي الأمريكية والتر رودجرز ذكر (أن أكثر الصرب يقولون أن القتال في البوسنة أمر ضروري لمنع انتشار الإسلام في أوروبا) . أحد الجرحى الصرب أخبر رودجرز أن (سبب هذه الحرب أن المسلمين يريدون إقامة دولة إسلامية في بلادنا) [٢٩] . مراسلة شبكة اي. بي. سي شيلا ماكفيكار قالت في تقرير لها من مدينة اليجا البوسنية أن القادة العسكريين الصرب يقولون أنهم (يشنون حرباً دينية، نصارى ضد مسلمين، نوع من الحرب الصليبية في القرن العشرين) القائد العسكري الصربي لاليجا توما كوفاش قال للمراسلة: (الذي تحاول الحكومة البوسنية عمله هو إقامة دولة إسلامية في أوروبا. نحن نعرف، نحن الصرب نقاتل المسلمين منذ خمسمائة عام) . أحد الصربيين الذين يقصفون سراييفو قال لشيلا: (أتمنى أنه لا يزال لي أصدقاء في سراييفو. ربما أصبحت الآن عدواً لهم) . وقبل أن يلوح لشيلا ويعود لممارسة القتل قال: (هذه نهاية حضارة) [٣٠] . ... العالم الغربي والأمم المتحدة: فضيحة (الحياد) يتعاطف الغرب - كما قلت - مع النظرة الصربية الصليبية للمعركة، ويسعى إلى أن يحقق الصرب أهدافهم في أقصر فترة ممكنة. ولذلك تنادت الدول الغربية المهيمنة على مجلس الأمن (ولا يمكن فصل موقف العالم الغربي - لا سيما أمريكا - عن موقف الأمم المتحدة بسبب هذه الهيمنة) ، تنادت لاستصدار قرار في بحظر السلاح عن جمهوريات الاتحاد اليوغسلافي المنحل بما في ذلك البوسنة والهرسك التي تتعرض لحرب إبادة. إن اعتراف هيئة الامم المتحدة بجمهورية البوسنة والهرسك يعنى - حسب المادة السابعة من ميثاق هذه الهيئة - أن تهب لنجدتها متى تعرضت لعدوان. لكن نجدتها كانت في حظر السلاح عنها. الحظر شمل صربيا ذراً للرماد في العيون، فصربيا قد ورثت جميع ذخائر ومعدات الجيش اليوغسلافي، وجعلته تحت تصرف عصاباتها الحاقدة. أما جمهورية البوسنة والهرسك فلا زالت (وليدة) وتحتاج إلى ... السلاح من أجل الدفاع عن النفس. ولما انكشفت كذبة العقوبات على صربيا وتضح أن المتضرر الرئيسي هم المسلمون وطالبت الحكومة البوسنية برفع الحظر عنها لتمارس حقها الطبيعي والقانوني في الدفاع عن النفس، رفضت الدول الغربية ذلك لأن (إعطاء الأسلحة لن يحل المشكلة، بل سيطيل أمد الحرب) هكذا فالمطلوب استسلام وبدون نقاش. وما تزال الدول الغربية تصر على وصف المأساة بأنها (حرب أهلية) ، ... وليست عدواناً على دولة مستقلة، وما تزال ترفض التدخل العسكري، حتى وإن كان مقتصراً على استعمال الطائرات لإخراس المدافع الصربية، لأن المعركة - كما تقول هذه الدول - (معقدة) وناتجة عن (كراهية تاريخية) ولأن التدخل ربما ... يقود إلى (فيتنام أو أفغانستان أخرى) ، بل إلى (حرب عالمية ثالثة) ! ... ... ثم لجأ الغرب إلى وسيلة نفاق أخرى، وهي إرسال المساعدات الغذائية ... والطبية إلى سراييفو وسراييفو كما نعلم ليست إلا مدينة من مدن الجمهورية، وهناك مئات الآلاف من المسلمين متوزعون في أنحاء البلاد لم تصل إليهم المساعدات. وبعد ترتيبات وإجراءات طويلة وصلت قوات الأمم المتحدة، لكنها كانت وبالاً وشراً، فقد ورد أنها قامت بقتل عدد من المسلمين، كما ثبت تورطها في إخفاء معلومات عن مذابح اعتقالات جماعية للمسلمين. الجنرال لويس ماكينزي قائد قوات الأمم المتحدة السابق في سراييفو (كندي) شدد في عدة مقابلات مع المراسلين والصحفيين على إنه (محايد) وأنه يحمل كل الأطراف المسئولية، ... وألقى باللوم عدة مرات على جانب المسلمين، وقد تعرض على حد قوله لتهديدات عديدة بالقتل، لكنه لم يفصح عن مصدرها. وعندما اختتم مهمته ووصل إلى الولايات المتحدة في أوائل أغسطس عقد مؤتمراً صحفياً في مبنى الأمم المتحدة قال فيه أنه وجد في هذا القتال كراهية لم يشاهد لها مثيلاً في حياته، لكنه لم يبين الطرف الذي تستبد به هذه الكراهية [٣١] . إنه (الحياد) الذي جعل ماكينزي ... مكروهاً من مسلمي البوسنة. المصور الدانماركي جاركون هلديبراندت ذكر أن كل شخص تحدث له في مدينة جورادزة الإسلامية (المحاصرة الآن من الصرب) يكره ماكينزي ويعتبره رمزاً لكل الأخطاء [٣٢] . إن (الحياد) هر الذي دفع ماكينزي والأمم المتحدة إلى إخفاء المذابح والتستر عليها قبل أن تكشفها تقارير وصور المراسلين في أواخر شهر يوليه. قوات الأمم المتحدة في سراييفو علمت بالإعدامات العشوائية الجماعية للمسلمين في شهر مايو. هذه المعلومات تؤكد أن الإعدامات جارية (لتطهير) المنطقة من المسلمين، وأن المسلمين يتعرضون لحرق البيوت والإرهاب المنظم من قبل الجماعات المسلحة الصربية، كما أنهم يرغمون على توقيع أوراق تقضي بالتنازل عن ممتلكاتهم مقابل السماح لهم بالخروج أحياء من البوسنة والهرسك [٣٣] . قوات الأمم المتحدة وقفت ايضاً تتفرج في شهر يوليه الماضي على القوات الصربية وهي تجمع مدنيين مسلمين عزلاً من السلاح في ملعب رياضي، ثم تفصل الرجال وترسلهم إلى معسكرات الاعتقال. الأمم المتحدة بررت سياسة اللامبالاة والصمت هذه بأن لدى قوات حفظ السلام أوامر بأن تبقى محايدة مهما يكن من أمر [٣٤] . مندوب البوسنة لدى الأمم المتحدة محمد ساكربي وصف عملية التستر هذه بأنها (خيانة) وانتقد هذا (الحياد) المزعوم الذي يعني غض الطرف عن وحشية المعتدي ومعاناة المعتدي عليه. في الحادي عشر من أغسطس توج ماكينزي قائد قوات الأمم المتحدة (السابق) حياده التاريخي ونزاهته النادرة بإخباره الحكومة الأمريكية أنه لا يؤيد التدخل العسكري في البوسنة، حتى ولو لحماية القوافل الغذائية، وبرر (المحايد) ذلك بقوله: (إن هذا التدخل سيشجع البوسنيين على الاستمرار في القتال بدلاً من التفاوض مع ... الصرب) [٣٥] .. أيها المستر ماكينزي لقد زاد إيماني بعظمة هذا الإسلام المطارد وجدارته المطلقة بقيادة البشرية، مستر ماكينزي هذا الدين لا بد أن يقود العالم ويستنقذه من قيم الصليب وعربدة ونفاق الصليبيين الذئاب، مستر ماكينزي والله الذي لا إله إلا هو لن يبقى مدر ولا وبر في بلاد الغرب الأبيض (المتحضر) إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل.. وإضافة إلى الأمم المتحدة فإن منظمة الصليب الأحمر كانت (محايدة) أيضاً، وأخفت معلومات عن انتهاكات لحقوق المسلمين وعن اعتقالات جماعية وعمليات تعذيب واغتصاب منظمة، وبعد تسرب هذه الأخبار إلى الصحافة الغربية اعتذرت المنظمة بأنها كانت تريد التريث والتحقق من صحة التقارير المفزعة التي لديها. الجماعة الأوربية (EC) التزمت (الحياد) هي الأخرى، ولم تتخذ أي إجراء ضد الفظائع التي جرت وتجري في معتقلات الصرب. محمد شاكر بي مندوب البوسنة لدى الأمم المتحدة اتهم الجماعة الأوربية بتلقي معلومات مبكرة عن فظائع المعتقلات وعدم المبالاة بها، وقال: (إن المرء ليتساءل ماذا علم اللورد كارينغتون (عن هذه المعتقلات) ولماذا لم يعلن هذه المعلومات) [٣٦] . إن الدول الغربية ومنظماتها (الإنسانية) والسياسية لم تحرك ساكناً تجاه ممارسات الصرب، بل شجعتهم في الخفاء، ومكنتهم من خلال حظر الأسلحة عن البوسنة، وعمليات المساعدات الغذائية النفاقية، والتهديدات الجوفاء - مكنتهم من الاستمرار في عمليات الذبح والطرد والتعذيب والاغتصاب. وحتى عندما أحرجت أمريكا بتقارير (معسكرات الموت) أعلنت أنها تأكدت من وجود هذه المعسكرات، لكنها (لا تخطط للاحتجاج على ذلك) [٣٧] . إن فضيحة القيم الغربية والمنظمات الدولية والقانون الدولي في كارثة البوسنة والهرسك هي أوضح من الشمس في رابعة النهار. ما أكثر ما نادت حكومة البوسنة دول العالم - أي دولة - بالتدخل العسكري لإنقاذها، لكن الدول أحجمت، مع أن هذه الحكومة (شرعية) بالمنظور الغربي، أي أنها منتخبة وديموقراطية. ومرات توسلت حكومة البوسنة للعالم أن يرفع عنها الحظر - على الأقل - لتدافع عن نفسها هذا العدوان الشرس، لكن النظام العالمي الجديد سكر بصره وسمعه، لأنه لا مكان لمسلم في حياة، فضلاً عن حياة كريمة وعيش مستقر في ظل هذا النظام الصليبي المتوحش. وحتى قرار الأمم المتحدة بشأن حماية المساعدات الإنسانية هو قرار جاهلي جائر يفضح الرياء الغربي، حيث يسمح باستعمال القوة كحل أخير إذا هددت قوافل الإغاثة فقط، وكأن إطعام الناس المحاصرين أولى وأهم من إسكات المدافع التي تحرق منازلهم وتمزق أجسادهم ليل نهار. لقد بلغ عدد القتلى من المسلمين خمسين ألفاً [٣٨] ، وقرار الأمم المتحدة يعني إعطاء الضوء الأخضر للصرب ليستمروا في عمليات الذبح ما دام أنهم يسمحون بمرور قوافل الإغاثة، أي أنه يقول للبوسنيين المسلمين: موتوا وبطونكم ملأى. لقد صرح البوسنيون مراراً للصحفيين والمراسلين: الطعام وحده لا يكفي، لا نريد أن نصبح عالة يتصدق علينا الناس بالطعام، نريد سلاحاً لندفع عن أنفسنا هذا البلاء، ونذب عن ديننا وأعراضنا. محمد شاكر بي مندوب البوسنة لدى الأمم المتحدة أخبر صحيفة الاندبندنت أن في سراييفو وحدها خمسين ألف شخص مستعدون للقتال، لكن السلاح الموجود يكفي خمسة آلاف فقط [٣٩] . مسلمو البوسنة هم ضحايا النظام العالمي الجديد، ضحايا الحقد الصليبي و (الميكافيلية) والنفاق الغربي والغياب الفعلي للأمة الإسلامية عن مسرح الأحداث. هم كما وصفتهم الصحافة الغربية (الفلسطينيون الجدد لأوروبا) . تقاسم الصرب والكروات أرضهم. نسبتهم ٤٥ في المائة من سكان البلاد، لكنهم يسيطرون الآن على ٥ في المائة منها فقط [٤٠] . الصرب يقولون: فليذهب المسلمون إلى الجحيم. أكثرهم - كما تقول كاتبة الغارديان ماغي أوكين - في جحيم فعلاً، إما في معسكرات اعتقال مكتظة، أو في قطارات إلى استقبال بارد في أوروبا [٤١] . مليون وثلاثمائة ألف شخص أخرجوا من البوسنة معظمهم من المسلمين [٤٢] . في الحادي عشر من أغسطس أعلن الصرب بوقاحة (وهم واثقون بوقوف إخوانهم الغربيين معهم) أنهم سيطردون ٢٨٠٠٠ مسلم، وأن على الأمم المتحدة أن تبحث لهم عن مكان يأوون إليه [٤٣] . ماذا تعني قيم (العالم الحر) - كما أكدت هذه النكبة - غير تلبية مشاعر التطرف الصليبي، ومصادرة حق الإنسان المسلم في العيش الحر الكريم في بيت له وعلى ثرى وطنه. ربما قامت الأمم المتحدة قريباً بإقرار تقسيم البوسنة، أي نفس الدور الذي قامت به عام ١٩٤٧ عندما كرست الظلم وصوتت لتقسيم فلسطين. مجلة الإيكومونست التي تمثل الخط اليميني السائد في بريطانيا اقترحت تكريس (الأمر الواقع) قائلة أن (أوروبا الغربية لا بد أن تدرك أن صربيا وكرواتيا ... ستصبحان أكبر مساحة من ذي قبل.. (و) إذا تم الاعتراف بذلك سريعاً انتهت الحرب سريعاً) . المجلة ذات الشعور الإنساني الرقيق (..) أضافت: (في غضون ذلك أوروبا تستطيع أن تعمل أكثر لمساعدة الابرياء الذين يريدون الخروج من (البوسنة) ، أي الترحيب باللاجئين) [٤٤] . هكذا يستجيب العالم (المتحضر) للعدوان: يكافئ المعتدي ويعطيه ٩٥% من أراضي دولة مستقلة ومعترف بها، ويغض الطرف أو يبارك سياسة (الفرز) الديني وتدمير المساجد وانتهاك الأعراض وسحق الأطفال وإذلال كرامة الرجال الشرفاء وجز هاماتهم وإطعام أجسادهم الكلاب. وحق للمرء أن يتساءل: (ماذا قال الرئيس بوش في عام ١٩٩٠ ... عندما دخل العراق الكويت، (استعمال القوة يجب ألا يكافأ في أي مكان من العالم) ؟ حسناً. سلوبودان ميلوسفش نال مكافأته) [٤٥] . هذا هو الوجه البشع ... للنظام العالمي الجديد. تعالوا معي فتأملوه! الدور الإسلامي لقد أدى تشجيع الغرب لحرب الإبادة التي يشنها الصرب، وتفضيله تقسيم البوسنة إلى ثلاث مناطق (كما هندس ذلك المفاوض الإنكليزي كارينغتون) وحظر السلاح عن مسلمي البوسنة، كل ذلك أدى إلى إطلاق يد الصرب ليس فقط في البوسنة والهرسك، بل في إقليم كوسوفو ذي الأغلبية الإسلامية المطلقة. لقد أكدت الجمعية الدولية لحقوق الإنسان مؤخراً أن أهالي كوسوفو يتعرضون الآن لممارسات قتل وتهجير وإذلال شبيهة بالتي تحدث في البوسنة والهرسك، وأن الصرب يعمدون إلى تسميم جماعي واسع النطاق لأطفال الأقليم [٤٦] . هذه الأوضاع المحزنة تحتم على المسلمين التحرك على المستوى الشعبي والرسمي لنصرة دينهم وإنقاذ إخوانهم. إن الغرب يقدم لنا (فلسطين) ثانية وهو يضع اللمسات الأخيرة على نعش فلسطين الأولى. ماذا ينتظر المسلمون؟ لماذا هذا البرود المخيف والصمت المطبق عما يجري في البوسنة والهرسك؟ إن هذه الأخبار والصور تعرض على أمة معروفة بالنخوة والمروءة والانتصار للمظلوم والشعور كالجسد الواحد، فأين ذلك كله؟ لمن تساق الأخبار؟ على من تعرض الصور؟ هل تودع من أمة محمد ﵊؟ لقد آن أوان إعادة النظر في أشياء مسلمة كعضوية الأمم المتحدة واستقلال الصليب الأحمر ونزاهة المنظمات الدولية التي هي غربية الهوية والمنهج واللسان. ماذا لو كان أهل البوسنة المستهدفون بالإبادة والطرد يهوداً أو نصارى؟ ماذا لو كان مرتكبو المذابح مسلمين؟ تصوروا كيف سيكون الرد الغربي - بل ويا للأسف - رد الحكومات في عالمنا الإسلامي المنكوب! إن المسلمين في عالم اليوم ليس لهم وزن ولا اعتبار ولا تمثيل. إسرائيل تقيم الدنيا ولا تقعدها من أجل جثة يهودي متعفنة منذ حرب لبنان. أمريكا تؤكد للرئيس الروسي يلسن أن إمداده بالمساعدات مشروط بالبحث عن عدد من الأمريكيين يزعم أنهم ما زالوا موجودين في روسيا منذ حرب فيتنام. العالم كله يحاصر دولة ويجوع شعبها من أجل الاشتباه بأن أثنين منها نسفا طائرة أمريكية. أما مسلمو البوسنة فلا بواكي لهم، ولم ولن يشفع لهم أنهم أوربيون بيض البشرة ومتسامحون، وصدق سبحانه: [ولَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ ولا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ] . ترى هل سيكتفي المسلمون بنفث الآهات وذرف العبرات على أهل البوسنة والهرسك، وهل سيتخذون نفس الموقف إذا ما احترقت كوسوفو وامتدت ألسنة اللهيب إلى ألبانيا؟ هل سيبقون متفرجين على استئصال دينهم وانتهاك أعراضهم وتلطيخ شرفهم؟ إن أقل ما يجب على المسلمين عمله هو تزويد أهل البلقان جميعاً بالسلاح اللازم لكي يثبتوا ويدافعوا عن دينهم ووجودهم. لا بد من البدار قبل أن يردد المسلمون عن البلقان ما قاله شوقي في رثاء أدرنة والتي احتلها الصليبيون البلغار: يا أخت أندلس عليك سلام ... هوت الخلافة عنك والإسلام طوي الهلال عن السماء فليتها ... طويت وعم العالمين ظلام أيها المسلمون: لا تأبهوا للشرعية الدولية، فالإيمان بها شرك! ... أيها المسلمون: دافعوا عن دينكم!

стр. 1233

الرعب والخوف والدموع في عمليات إجلاء المسلمين عن البوسنة بقلم: ماجي أوكين [*] ترجمة: عبد القادر حامد روزالينا تركض في الطريق، معها جارها سالكونوفيتش يدفع العربة بأمه المقعدة ذات التسعين عاماً، ووراءهما الجنود الصرب يصرخون ويكادون يمسكون بهم، تتعثر العربة فتنقلب العجوز المسكينة منها على أرض الطريق، الجنود يدركونهم صارخين، فيتقافزون فوق بعضهم يحاولون الهرب، الحقائب والأكياس والأمتعة تناثرت على الطريق، الجنود الصرب المتنكرون بالأقنعة وبالقفازات السوداء بدون أصابع يحيطون بهم قائلين: أين (الله) ربكم الآن؟ ! سوف (نفعل [١] ) بكن كلكن يا مسلمات! ! ثم تتابع روزالينا: يجب أن اعترف أنهم فعلوا الفاحشة معنا، شعرت بالعار، كنا جميعاً ممدات على الطريق في الأقذار، دون أن نستطيع فعل شيء! . بعدئذ جاءت الشاحنات العسكرية، وحملتهم إلى معتقل (ترنبولي) لكنهم بعد ... فترة أطلق سراحهم، وبقي بعض أصدقائهم في المعتقل. في أوائل شهر حزيران (يونيو) أراد صليب خروستك - زوج روزالينا - أن يعود ليستطلع أخبار أصدقائه، فذهب إلى محطة القطار ليرى إن كان بإمكانه الوصول إلى ذلك المعتقل الذي يبعد عن قريته ثلاثة أميال، والذي كان يوماً من الأيام مدرسة ابتدائية، فأصبح سجناً للمسلمين والكروات الذين أصبحوا غير مرغوب فيهم في (جمهورية البوسنة الصربية الجديدة) . ملعب المدرسة محاط بالأسلاك الشائكة ويضم (٥٠٠) ... امرأة وطفل محتجزين هناك منذ (٢٧) نيسان (أبريل) ولا يسمح لهيئة الصليب الأحمر بالدخول والاستفسار عن أحوال من بداخله. إن معسكر (ترنبولي) ، هذا هو الأفضل من بين أربع معتقلات في هذه المنطقة من البوسنة التي أصبح يسيطر عليها الصرب. ونزلاء هذا المعتقل يُطْعَمون، والفلاحون المجاورون يجلبون لهم ما يحتاجون ويبيعونهم. يقول صليب (خروستك) الذي وجد أن القطار يتجه إلى جهة أخرى: كان ... القطار مؤلفاً من عشر قاطرات لنقل المواشي، آتياً من معتقل (ترنبولي) ، رأيت وجوه بعض النساء فقط، وأيديهن ممدودة من نوافذ القاطرات ذوات القضبان الحديدية، ويشير الضجيج المتصاعد أن هذه القاطرات مملوءة بالنساء. النساء تبكي وتنتحب، والأطفال يتصارخون: ماء، كأس الماء فقط! كان يوماً حاراً والقاطرات تحت الشمس، لا مراحيض هناك! بقوا هناك طوال الليل والأبواب مقفلة عليهم طوال الوقت. ذهبت في الصباح وموظف المحطة يحاول إعطاء قارورة ماء لهن، لكن الحارس الصربي المسلح قال له: هؤلاء متعصبات علي عزة، ابتعد عنهن ودعهن يمتن من العطش. بقيت القاطرات في المحطة حتى الساعة ١١. ٣٠ من تلك الليلة. هناك عامل بالسكة طلب من جمعية (محمد) الإسلامية الخيرية في بانيالوكا استقبال النساء والاطفال عند وصولهم البلدة. وحين وصلوا كانوا قد قضوا يومين في القاطرات تحت شمس يوغسلافيا الحادة متكدسين فوق بعضهم، ولا زالوا على حالهم يتصارخون، يمدون أيديهم من بين قضبان النوافذ الحديدية متوسلين: اثنان من الاطفال ماتا، دعونا نخرج جثتيهما. دعونا نخرج، من فضلكم ماء. حاولت الجمعية الخيرية إحضار بعض قوارير الماء إلى القاطرات. فقال لهم الشرطي: أين تذهب بهذا، ارجع أدراجك. وصلت الشاحنات إلى ضواحي زينيتسا في ١٥ حزيران، استغرقت الرحلة خمسة أيام، فقد كانت تسير ليلاً فقط، كان الأموات من الركاب قد بلغ عددهم أحد عشر، ٧ أطفال، واثنان من الأمهات، وامرأتان. هناك (١٤) ألف مسلم محتجزين في المعتقلات الأربعة الأخرى في الزاوية العليا للبوسنة. في أقصى الجنوب في (براتوناتس) ٢٠٠٠ مسلم محتجزون في ملعب كرة قدم، وقد أفاد أحد رجال الإغاثة الدولية أنه في ليلة السابع من نيسان وثلاث ليالٍ تلت كان رجال يؤخذون خلف الملعب ويقتلون. وفي تلك الليالي كان هناك إطلاق رصاص مستمر خلف الملعب، ولم يكن هناك رد على هذا الرصاص. كان الرجال يؤخذون إلى خلف الملعب ولا يعودون، وقال بأن المسؤولين عن هذه المجازر هم الصرب العاملون تحت إمرة رضوان كاراجيش الذي كان الأسبوع الماضي في لندن. يؤتى بالرجال المحتجزين في المعتقلات والملاعب من بيوتهم الموجودة على طول الطريق المؤدي إلى بلغراد، وهي بيوت يسكنها المسلمون والكروات الذين عاشوا منذ أجيال قديمة في القرى والمدن في الممرات التي تربط صربيا بالمناطق البوسنية التي يسيطر عليها الصرب الآن في غرب البوسنة. في الأسبوعين الماضيين افتتح طريق آخر للباصات يربط بلغراد بهذه المنطقة، حيث يجلب الصرب من بلادهم إلى القرى والمدن التي طهرت من المسلمين. أول تطهير لهذه المنطقة من المسلمين بدئ به في نيسان، لم يبق من بيوت المسلمين إلا آثار القصف الشديد بالمدافع والدبابات، التي لا زالت في القرى الإسلامية، وكأنها في حالة راحة الآن، مثلها مثل ذلك الجندي الذي يرتدي بدلة سباحة ويتمشى الآن على الجسر ومعه الكلاشينكوف. ويحدث الآن تطهير آخر لأماكن بعيدة في هذا الممر من المسلمين، فالسيارات العسكرية الصربية تملأ الطريق جيئة وذهاباً. والصرب يجوسون خلال البيوت ويفرغونها من المتاع قبل إشعال النار فيها. الصرب في الباصات صامتون، وعندما مررنا بتلك الأرض الخراب كانوا يطلون من النوافذ، أفواههم منفرجة قليلاً، ينظرون إلينا بدهشة، ما أشد مهارتهم! ! كيف أنجزوا إفراغ وتخريب وإحراق آلاف وآلاف من البيوت في هذه المسافة التي لا تقل عن ١١ ساعة سفر بالسيارة؟ ! يقول حارث خروستك - وعمره ١٧ سنة - والذي قضى أربعة أيام في المعتقل قبل أن يساعده أبو صديقه الصربي - وكان شرطياً - على النجاة وزوده بأوراق الصليب الأحمر: عوملنا معاملة حسنة في المعتقل، لم يضربونا، بل وضعونا في الحقل فقط، كان هناك (٥٠٠٠) منا على مرحاض واحد. وفي اليوم الثاني أخذوا الرجال إلى أومارسكا، بعض النساء اللاتي كن هناك ليحضرن لهم بعض الطعام قلن: إن الرجال أصبحوا مرضى الآن بالتيفوئيد وتليُّف الكبد. فهم هناك منذ شهرين بلا غطاء، ولا ظل، ولا ماء للغسيل، ولا مكان صالح للنوم أو الراحة. لم تتمكن هيئة الصليب الأحمر الدولي من زيارة معتقل أومارسكا، لكن سمح لهم بالدخول إلى (مانياشا) وهو معتقل في المنطقة خاص بالذكور. ... منذ أسبوعين أطلق سراح (١٠٦) أطفال تحت سن (١٨) ، ورجال فوق (٦٠) سنة، وتركوا في حديقة مسجد في بلدة بانيالوكا.، هناك آواهم أهل البلدة وأطعمتهم النساء. وقد كانوا في غاية الضعف والإعياء، حيث لم يأكلوا أكلاً طبيعياً خلال شهرين حسب ما قالت إحدى النساء التي قالت: أنا أخذت رجلاً عجوزاً وقلت له: أعطني قميصك أغسله لك في الغسالة، حاولت مساعدته كي يخلعه، ورأيت آثار الضرب المبرح على بدنه، وكان القميص ملتصقاً بجسمه. (بانيالوكا) الواقعة في شمال الجمهورية الصربية الجديدة - التي كانت سابقاً البوسنة - تنتظر أن تطهر من المسلمين أيضاً، فالصرب في الجبهة لم يعودوا يتكتمون على ما يخططون له، فقد صرح قائد صربي في منطقة «فوشا» : لقد طهرنا (فوشا) و (فيشاغراد) من المسلمين والآن سنطهر (كور اجدة) . المسلمون والكروات يعرفون ما هو قادم، فهنا في (بانيالوكا) البلدة المتطورة ذات الحدائق والمطاعم، يبدأ منع التجول من الساعة العاشرة مساءً، هذا مخزن مسلم بنوافذه المحطمة، وذاك منزل مسلم واجهته قد نخلها الرصاص والقصف نخلاً، وهناك امرأة ظلت تعمل لمدة (٢٦) عاماً في شركة للاستيراد والتصدير إلى ما قبل شهر قالت: رجعت من الغذاء يوم الجمعة وإذا بهم يسلمونني ورقة قائلين: أنت لم تعملي هنا أبداً! جميع المسلمين طردوا من العمل في ذلك اليوم، وهكذا اصبحنا بحاجة إلى أوراق رسمية لنتجول في بلدتنا التي ولدنا فيها! ! بعض المسلمين والكروات ينتظرون محاولين ترتيب مبادلة منازل بينهم وبين صرب آخرين في أجزاء أخرى من يوغوسلافيا، بعض كبار السن قالوا إنهم لن يذهبوا إلى أي مكان. وبعضهم تركوا وراءهم كل شيء، يغادرون في باصات تغادر ملعب (بورشيف) مرتين في الأسبوع، ولا مخرج آخر لهم إلا بذلك. في الساعة التاسعة من صباح يوم الاثنين كان هناك خمس باصات منتظرة خارج ملعب داخلها ٣٥٠ فرد لا يحملون شيئاً، أعمار غالبهم بين العشرين والخامسة والثلاثين كان حولهم مئات من الأقارب والأصدقاء، يلوحون ويشيرون على أقربائهم أن يدخلوا الباصات باسمين، يغمزون ويشيرون بالإبهام إلى أعلى.. أنور المحامي مع زوجته وطفله الذى عمره خمسة أشهر قرروا أن يغادروا عندما أوقفه شرطي على عتبة المحكمة وأخبره بأن المسلمين لن يسمح لهم بالدخول. تحركت الباصات الخمسة ببطء. وانكشفت التمثيلية بوضوح، كل من في الباص انفجر بالبكاء، الدموع تنهمر بصمت، الأمهات في الخارج مغطيات وجوههن يهززن رؤوسهن بين أيديهن، الآباء المشهورون بشدة البأس يبكون مثل الأطفال، يودعون أبناءهم الذين دفعوا أجرة نقلهم ومعهم أوراق من القيادة العسكرية أنهم يغادرون برغبتهم، وعن طيب خاطر منهم! عند الحدود أمرنا كلنا بالنزول من الباص، التعليمات واضحة: ممنوع حمل أي أدوات كهربائية، وممنوع حمل ما يساوي أكثر من مئة جنيه من الأمتعة. الجميع جلوس على الأرض، وجوه تصبب عرقاً، شعور تتناثر على جباه مجهدة متعرقة، (٣٥٠) لاجئاً لا يريدهم أحد يجلسون على حقائبهم ينتظرون أسماءهم لينادى عليها. الحقائب تفتش ثم يقال لهم: اصعدوا إلى الباصات، كل على دراجته. الأمم المتحدة هناك في الجهة الاخرى من الجسر ترحب بهم، فريق من بورما يفتش الباصات الخمسة عن الأسلحة فلا يجد شيئاً. مراقب من السوق الأوربية يقول: (هؤلاء ليسوا لاجئين، كلهم عندهم أعمال في النمسا وألمانيا) . روزاليا خروستك التي هربت من قريتها تدفع العربة بالعجوز، وتشق طريقها نازلة على الرصيف، وتقول: لم يبق شيئاً في قريتنا، احترق كل شيء، النادي، المحل، من فضلك [٢] ، خذي هذه كتذكار يثبت أنه كانت هناك قرية اسمها كوساراس، وأن أعمال هتلر لم تكن شيئاً بالمقارنة بما حصل هناك.

стр. 1234

كيف يحمون أقلياتهم إعداد:محمد صالح الصالحي أحمد العبدة ذكر الراديو الكرواتي: أن ماتي بوبان رئيس القومية الكرواتية في البوسنة والهرسك وقع مع مجلس ممثلي اليهود البريطانيين في لندن اتفاقية بتاريخ ٢٩/٧/ ٩٢ وتقضي بالسماح لليهود في سراييفو وعوائلهم وأصدقائهم المقربين - الذين قد لا يكونون بالضرورة يهوداً - بترك سراييفو آمنين. وستتم عملية تنظيم خروج الطائفة اليهودية بين ممثليهم في سراييفو والسلطات التي تتحكم في الطرق التي سيسلكونها عند خروجهم، وقد يحضر مراقبون تابعون للأمم المتحدة إذا أمكن ذلك، وقد حدد تاريخ ٥/٨/٩٢ لأول قافلة تخرج من سراييفو ويتبعها بعد ذلك قوافل أخرى خلال أربعة عشر يوماً، وعلى جميع الأطراف احترام وقف إطلاق النار خلال خروجهم من سراييفو، ويجب توفير الأمان للقوافل المغادرة من داخل سراييفو إلى خارجها وحتى المناطق المحيطة. وسيصدر بوبان، بصفته قائداً لقوات مجلس الدفاع الكرواتي الهرسك - بوسنة، قراراً لجميع القوات التابعة له بتأمين الطريق للقافلة. وعند مغادرتهم سراييفو ستتولى مؤسسات عالمية يهودية عملية إطعامهم ومساعدتهم، ولم يذكر في الاتفاقية أسماء تلك الهيئات التي ستقوم بهذه المسؤولية. وسيطلب المنظمون لهذه القوافل من الأمم المتحدة توفير مراقبين لمرافقتهم لمسافة عشرة أميال بعيداً عن نقاط التسليم خارج سراييفو. وتؤمن هذه الاتفاقية أيضاً، حق أي شخص يغادر سراييفو مع إحدى القوافل، في أن يعود ويبيع ممتلكاته، وستغلق بيوتهم وتحمى من الاحتلال أو العبث. وبالرغم من أن المسلمين في البوسنة-الهرسك يتعرضون لإبادة جماعية وحشية من قبل الصرب الهمجيين، ويشرد منهم الآلاف خارج أوطانهم، إلا أن القوى العالمية، ومعها الأمم المتحدة تتظاهر بأنها لا تستطيع في الوقت الراهن أن تضع حداً لهذه الإبادة. ودول العالم الإسلامي والعربي ليس لديها القدرة والشجاعة للتحرك لإيقاف هذه الوحشية، أما اليهود فلهم قوة تدعمهم وتعقد لهم اتفاقيات لإخراجهم من مناطق الحرب سالمين.

стр. 1235

أيام في أزبكستان محمد عبد الغفور عندما حزمنا حقائبنا للسفر إلى أزبكستان، كان ذلك بدافع حبنا لذلك الشعب ولاستطلاع أحوال إخوان لنا هناك عتقوا من ربقة الشيوعية البغيضة، بعد ما يقرب من سبعة عقود قضوها بالذل والمهانة، وبحرمانهم من أبسط حقوقهم المادية والإنسانية. ومن خلال رؤيتنا لتلك البلاد في الطائرة، بدت وكأنها بساط أخضر موزع بشكل منظم إلى مزارع وإقطاعات. تتخللها الأنهار والقنوات. بلاد شاسعة خصيبة تفصلها بعض السلاسل الجبلية المغطاة بالثلوج. وعلمنا فيما بعد بأنها من أغنى الجمهوريات بالزراعة وخاصة القطن والفاكهة. مساحة البلاد تقدر بـ ٤٥٠. ٠٠٠ كم٢، يحدها من الجنوب أفغانستان ومن الشرق طاجكستان، ومن الجنوب الغربى تركمنستان ومن الشمال كازخستان، سكانها (٢٣) مليون. ونسبة المسلمين السنة ٩٠%، وقد دخل الإسلام تلك البلاد في خلافة عثمان ﵁ وكان في مقدمة الجيش الذي غزا تلك البلاد والأحنف بن قيس ﵁، وفي عام ٨٨ هـ استقر الإسلام هناك بقيادة: قتيبة بن مسلم الباهلي. عندما حطت بنا الطائرة في مطار (طشقند) عاصمة البلاد، بدا واضحاً ما خلفه النظام البائد من تخلف مادي وحضاري. وصدق أحد الإخوة عندما كان يحدثهم فقال: إن كان الغرب قد دمَّر الأخلاق والدين فإنه عمَّر الدنيا ووصل برفاهية الإنسان إلى ما وصل، على عكس الشيوعية التي: خربت الدين والدنيا. طشقند المدينة العريقة: أهم المدن طشقند التي يزيد عدد سكانها على ثلاثة ملايين نسمة وتقع على رافد لنهر سيحون بالقرب من حدود كازاخستان وتمتد خلف المرتفعات الجبلية الالتوائية. ولها أهمية تاريخية كمركز للثقافة الإسلامية، فضلاً عن أنها ظلت لفترة طويلة خلال العصور الوسطى محطة على طريق التجارة بين الصين والعالم الغربي. وفيها أماكن تاريخية إسلامية.. ومناظر طبيعية جميلة، ولاحظت بأن المناطق القديمة تشبه إلى حد كبير المدن الإسلامية الأصيلة، كمدينة دمشق بأزقتها ودروبها وحاراتها مع اختلاف في الطراز المعماري الذي يتناسب وطبيعة كل بلد ومناخها. فهناك كثير من المعالم المهمة القديمة كالمعاهد والمدارس التي شيدت بطريقة المباني العريقة في بلاد الشام والعراق. فمثلاً الصحن الداخلي والنافورة والحديقة وحولها الغرف وفي صدرها المسجد ومن الأمام المدخل الرئيسي. وفوجئنا بوجود العشرات من الطلبة والطالبات الذين يتلقون العلم بشغف واهتمام شديدين، ومنهم أخ شرع بترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الأزبكية ولم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره. ومن خلال أسئلتي له عن بعض المعاني تبين لي مدى تفهمه للآيات، وقد ربي هذا الشاب وأمثاله على يد بعض العلماء وعلى نظام الحجرات [١] . وأيضاً فقد حفظ الله دينه في صدور الكثير منهم بواسطة الحكومة الملحدة، حيث انشأت معهد الاستشراق لدراسة العلوم الإسلامية والعربية. واستفاد الكثير من هذا، مثلهم كمثل موسى ﵇ ربي في حجر فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً. صلاة الجمعة في مسجد (تخت باي) يقع هذا المسجد في المدينة القديمة وطرازه المعماري فريد ورائع، ويتسع لحوالي (٢٠٠٠) مصل، وأثناء الصلاة تمتلئ الساحات والأزقة حول المسجد وجلّ الحضور من الشباب ولله الحمد وهذا ما أثلج صدورنا. يبدأ القوم بالتوافد على المسجد قبل الصلاة بأكثر من ساعتين، ويجلسون للقراءة ريثما يأتي الشيخ /عابد/ ولكل مسمىً من اسمه نصيب، فسمة الصلاح والتقوى واضحة على الرجل ذي الأربعين عاماً وهو بحق علم من أعلام تلك البلاد في العلم والأدب. وقف قبل الصلاة بساعة يلقي درساً يفسر فيه أوائل سورة الصافات من كتاب /في ظلال القرآن/. والناس متفاعلون كأن على رؤوسهم الطير ولو أننا لا نفهم ما يقول إلا قليلاً، ولكن يبدو على المصلين أثر الكلمات ووقعها عليهم. فعندما يمر على موقف أو يذكر بحادثة من التاريخ الإسلامي المجيد يكبرون حتى ترتج جنبات المسجد. ويبدو أن الرجل متفهم لواقعه مدرك لما يدور حوله، ففي نهاية الدرس كان معه أقصوصات من الجرائد المحلية يفندها ويرد الشبه فيها. وبعد انتهاء الدرس جاء دور الأسئلة فأجاب عنها أحد الإخوة ممن كان معنا والخطبة بعدها باللغة العربية لا تتجاوز الثلاث دقائق فقط. وبعد الانتهاء من الصلاة تحلق القوم حولنا، والكل يريد أن يصافح ويعانق بصفة أننا عرب مسلمون قدمنا من مهد الإسلام. ويعتبر الشاب الذي يحظى بالسلام علينا قد أحرز سبقاً عظيماً وحظي بشيء ثمين، ويجب أن يهدي لنا أي شيء معه أو أي خدمة يسديها لنا. ويا ليت قومي يعلمون كيف يعامل المسلم في بعض بلاد الإسلام العربية التي ينظر إليه فيها نظرة اشمئزاز ودونية. ولا يدرون بأنه لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى وبأن أكرمهم عند الله أتقاهم، وبأن الغنى غنى النفس وبأن المال والدولار والبترول لا يرفع الوضيع كما أن فقدها لا يحط من قدر الكريم. الأزبك من أكرم الناس الأزبك كرماء جداً ويحبون الضيف. فما إن يدخل البيت يوضع الطعام أو بالأحرى يكون موضوعاً على الطاولة في كل الأوقات، ولا يدعون شيئاً عندهم إلا يضعونه أمام الضيف (المكسرات - الزبيب - الحلوى - المرق - الأرز البخاري - الفاكهة ... ) . وعلى العموم فهم شعب كريم السجايا محب للخير. مضياف، فخور بإسلامه، قوي الشكيمة. وقد زرنا الشيخ /محمد خان / في مزرعته في إحدى ضواحي طشقند، وبعد انتهائنا من الزيارة والغداء حمل كيس من الرز ليضعه في السيارة وأتى بحلوى وعسل ليهدينا وبدا لنا أنه لو يستطيع إعطائنا كل شيء لفعل وهو متأثر ويذرف الدموع. ورددنا طلبه برفق وأخذنا منه حمالات للمصاحف وأهديناه بعض المصاحف. إلى قوقاند انطقنا إلى تلك المدينة التي تبعد عن العاصمة حوالي (٣٠٠) كم عبر طريق جبلي وعر وخطير وجميل جداً، يحاذينا نهر كبير يتدفق في وديان تلك السلسلة الجبلية ليتجمع في الأسفل مشكلاً بحيرة طولها (٢٠) كم. حتى وصلنا إلى ذروة الجبال وكانت بارتفاع ثلاثة آلاف متر. وبعدها وصلنا إلى المدينة التي بدت لنا أكثر محافظة من طشقند حيث الهوية الإسلامية واضحة على معالمها، وعلى سكانها. المدرسة الكمالية ذهبنا صباحاً مع الأخ صادق قارئ - وهو من حفظة كتاب الله ومن علماء ذلك البلد مع صغر سنه - لزيارة المدرسة الكمالية وكانت هذه المدرسة معسكراً للكشافة الشيوعيين واشتراها الإخوة منذ ثلاث سنوات بما يعدل ثلاثة الآف دولار مع العلم بأن مساحتها حوالي ٥٠٠٠م٢ وأدخلوا عليها بعض التحسينات. وتستوعب حالياً (٢٠٠) طالب بمختلف المراحل الابتدائية والإعدادية يدرسون علوم الشريعة والعقيدة على منهاج أهل السنة، وفيها جناح للمنامة، وفيها مطعم كبير مستدير قد حولوا جزء منه إلى مسجد مؤقت ريثما يتمكنوا من بناء مسجد في صدر المدرسة وقد هيئوا له بعض مواد البناء. المدرسة أشبه بحديقة كبيرة فيها الأشجار المثمرة وتحتاج إلي مساعدة لا بأس بها لزيادة سعتها للطلاب. وعدة طلاب طلبوا منا الالتحاق بمعاهد عربية لإتمام تعليمهم العالي. أخذنا الشيخ صادق إلى مدرسة أخرى سيكون هو مديرها قريباً عند تجهيزها وفور إعدادها لاستقبال الطلاب. وهي أرض كبيرة كثيفة الأشجار فيها بعض المباني ومسبح وصالات رياضية وقد كانت أيضاً معسكراً للشبيبة الشيوعيين واشتراها الأخ بمبلغ ١. ٥٥٠. ٠٠٠ روبل ما يعادل عشرة آلاف دولار منذ عدة شهور. المسجد الكبير أدينا صلاة الظهر في المسجد الكبير في المدينة وهو مسجد رائع التصميم قد أنشئ في عام ١٨٣٠ م على الطراز الهندي بأعمدته الخشبية المزخرفة الجميلة وبساحته الواسعة المزدانة بالأشجار الكبيرة وبأجنحته الصيفية والشتوية وبغرفه الكثيرة المتعددة النشاطات ويتسع لحوالي خمسة آلاف مصل. وقد ألقيت فيهم موعظة على هيئة خطبة وكان يترجمها الشيخ محمد رجب إمام المسجد، فكان ينقل الفكرة بأمانة واستيعاب، لاحظت هذا من خلال تأثر المصلين وردود فعلهم وتكبيرهم. ومن جملة ما قلت لهم: إن آباءكم وسلفكم الصالح قد حفظ الله بهم دينه في يوم من الأيام وقد خدموا هذا الإسلام العظيم ردحاً من الزمن، فالبخاري والترمذي ومسلم وكبار علمائنا من هذه البلاد، فكونوا خير خلف لخير سلف بعد أن منّ الله عليكم بانعتاقكم من ربقة الحكم الجائر الملحد الكافر الذي قال عنه نبيهم لينين: سيأتي العام الألف الذي تحتفل فيه الأجيال بميلاد الشيوعية؛ والحمد لله لم يأت العام الثمانون على نكبة الدين والدنيا (الشيوعية) . وكنت قد سمعت عن أخبار تعصبهم المذهبي، فركزت في الكلمة على هذه الناحية، فالمعركة يجب أن تكون مع أعداء الله وأولياء الشيطان، لا بين المسلمين فكلنا إخوة فمن يجهر بآمين أو يسر بها، من يرفع يديه أو يخفضها، من يحرك إصبعه أو يثبتها، كلنا إخوة وعلينا أن لا نترك المجال لأولئك الذين يحاولون أن يبثوا الفرقة فيكم من خلال هذه الجزئيات التي ينفذون من خلالها ( ... ) والحمد لله كان لهذه الكلمة أثر طيب في نفوسهم وطلبوا منا أن نزورهم باستمرار. الشيخ تاج الدين: تعرفنا على هذا الأخ الفاضل في العاصمة من خلال المسجد، يجيد اللغة العربية ويعمل ليل نهار في الدعوة وتربية الشباب التربية الصحيحة وعلى مذهب أهل السنة، ويطلق عليهم - شباب أهل السنة - ويقوم حالياً بترجمة معاني القرآن الكريم إلى الأزبكية، والمشكلة عنده أنه يقابل التعصب المذهبي عند الآخرين بتطرف في تطبيق السنة كأن يمسك بأعقاب أرجل المصلين لتسويتها للصلاة. وطبعاً حاولنا إقناعه بعدم التشدد وبأن يفتح صدره للآخرين وليكون أسوة حسنة ومثالاً يحتذى، ويصف دائرة الإفتاء بالطواغيت مع أنه يوجد بعض الخيرين فيها، ورتبنا معه رحلة إلى الجبل علنا نستطيع أن نتغلب على بعض التصرفات التي عنده لأنه يحتك بالشباب عن قرب، استأجرنا باصاً كبيراً وركب فيه سبعون شاباً وركبنا مع أخينا أبي عبد الله ميممين شطر الجبل والنهر. وكان هناك ولله الحمد برنامج للموعظة وللعلم وللرياضة وللسباحة وللمسابقات وتوزيع جوائز الفائزين، وطبعاً الطعام (الرز البخاري) وكان يوماً لا ينسى والحمد لله. وكان لهذه الرحلة أطيب الأثر في نفوسهم، فحين ودعناهم ذرفت دموعهم وتعلقوا بنا ووعدونا بألا نأتي في المرة القادمة إلا وقد تعلموا اللغة العربية، حيث ركزنا في حديثنا على أهمية تعلم اللغة لفهم كتاب الله وهذا في الحقيقة يجب أن يكون من أولويات الدعاة هناك. ترجمة القران: * هناك بعض الجهود المشكورة في هذه المضمار، دكتور سوري مع زوجته الروسية بدؤوا بمشروع جيد وهو الترجمة وقد انتهيا من ترجمة عشرين جزءاً وقد جمع بعض المال من الإمارات لهذا المشروع. مع العلم أن الناس هناك بحاجة إلى ترجمة كتب عن العقيدة، وعن طبيعة المذاهب، وعن حرمة الخمور والخنزير ومضارها، وعن مؤامرات اليهود وعن زيف بعض الفرق الضالة. * هناك جهد كبير يقوم به /حزب النهضة/ الذي يمتد إلى جميع الجمهوريات وإلى روسيا نفسها ولكن البعض ينكر عليهم اهتمامهم بالتجميع قبل التعليم وباستعجالهم لقطف الثمرة كما هو واقع الجماعات عندنا وبأنهم يستنفذون طاقاتهم بالأمور الحزبية وهذا مثاله ما حدث في طاجكستان. وعندما التقينا مع الأخ /عبد الله جان/ سكرتير حزب النهضة نفى هذا وهو مستبشر كثيراً حتى في طاجكستان وقال بأنهم قتلوا كثيراً من الشيوعيين. وعلى العموم يجب أن تنصب الجهود على شيء واحد هناك ألا وهو محاربة الجهل فهو العدو الأكبر للمسلمين من إنشاء للمدارس وإرسال للدعاة وترجمة الكتب فالأرض خصبة والناس متعطشون للإسلام. دور تركيا: * تقوم تركيا بلعب دور خطير جداً في تلك البلاد ويبدو أنها في مهمة من قطب النظام العالمي الجديد لتقطع الطريق - على حد زعمهم - على الأصولية القادمة من أفغانستان والبلاد الأخرى. فالرئيس الحالي /كريموف/ يدعي على التلفاز بأنه سيطبق الإسلام على طريقة/مصطفى أتاتورك/ وبأنه شخصية محببة إلى نفسه ويدعي بأنه رئيس الأمة الإسلامية (بعد أن كان شيوعياً طبعاً) . * قناة تلفزيونية تركية تبث سمومها ليل نهار وبشكل متواصل من أفلام خليعة ماجنة أو أفكار خبيثة، بحيث لا توجد هذه العروض حتى في دول الكفر، وتبث قناة أيضاً إلى روسيا بـ /أفلام جنسية/ وحتى أن التلفزيون المحلي يعتبر محافظاً جداً أمام القناة التركية الخبيثة. كل هذا ليقولوا للناس: هذا هو الاسلام ولا حرج فيه من هذا. * هناك شركات أمريكية كثيرة تفتح باسم شركات وأسماء تركية لأن هذه الشركات (التركية) لها ميزات كثيرة ويكفي المرء أن يثبت أنه تركي حتى يأخذ ما يريد. * واليهود يحاولون كسب الوقت لتثبيت أرجلهم اقتصادياً ويقومون بشراء الأملاك العامة، والنصارى يوزعون أناجيلهم ويقرعون أجراسهم. والفرصة الأخيرة للمسلمين الآن ليدخلوا البلد بقوة قبل أن يفوتهم القطار ويلحقوا بركب غيرهم من البلاد التي تدعي الإسلام. * الأسعار زهيدة والعروض كثيرة لإقامة مشاريع استثمارية جيدة بالإضافة إلى ما لها من تأثير على الدعوة هناك.. * لم تمح بعد جميع آثار الشيوعية من البلد فما زالت صور الكاهن الأكبر لينين في بعض الشوارع أو الميادين وما زال شعر المطرقة والمنجل منتشراً بين الناس حتى إن بعض المصلين الذين حضروا لنا مواعظ كانوا يحملون على صدورهم نياشين الشيوعية وشعارها. ولكن بزيادة الوعي بعونه تعالى ستكون هذه الرموز إلى الزوال بشكل نهائي بعد مدة وبفضل الدعاة المخلصين إن شاء الله. ١- ورد تعريف لنظام الحجرات في العدد (٥١) بمقابلة مع الشيخ عبد الولي.

стр. 1236

منتدى القراء فقط تغيرت الراية ! محمد أحمد عسيري صراعنا الطويل والمرير الذي كتبه الله على أمتنا مع اليهود يتغير من زمن لآخر، ويتبدل من مرحلة لأخرى. وهذا التغير من جهة الخصم يكون حسب ما يراه أجدى لتحقيق مصالحه وآماله. والمرحلة التي تكابدها أمتنا اليوم مع الخصم الخبيث المتقلب الألوان (الحرباء) كانت له رايتان متباينتان، الأولى منها كانت راية الحرب المعلنة والعداوة الظاهرة لاغتصاب الأرض المقدسة مع غيرها لاستكمال المخطط القديم والمرسوم كما ورد في التوراة المحرفة. فتحت هذه الراية حققوا مكاسب كبيرة وعظيمة، فقد استطاعوا أن يحتلوا القدس الشريف الذي طالما كانوا يحلمون في الوصول إليه ليكون عاصمة الدولة اليهودية (أورشليم) ، ومن قبله وبعده الأراضي المتبقية من فلسطين وبعض المساحات العربية، واستطاعوا كذلك التشبث بتراب هذه الأرض عن طريق نفوذهم السياسي والديني في كثير من الدول الغربية في مواقف تلك الدول من الاحتلال ومن الانتهاكات الإنسانية خلال حقبة من الزمن، وايضاً عن طريق عملية الاستيطان التي استهدفت اجتذاب اليهود المشتتين في أنحاء المعمورة. فبهذا استطاعوا عبر فترة ليست باليسيرة مسخ ما في رؤوس كثير من رموز السياسة العربية عن تاريخ العرب الفلسطينيين أصحاب الأرض وتوليفهم على أن الوضع الطبيعي هو الوجود اليهودي. إلى أن اقتنعت تلك الرموز بعدم جدوى التفكير في الرد على الاحتلال فضلاً عن إخراجهم من الأرض الفلسطينية. ومما يزيد الطين بلة انشغال تلك الرموز بمصالحها الشخصية خشية أن يصيبها طائف منهم. عندئذ برزت الراية الثانية ألا وهي راية السلام الملطخة بالدماء. ولم يكن أصحاب هذه الراية ليرفعوها بأنفسهم لأنهم أحسوا بأن لهم القوة ولهم الظفر في المنطقة، وعندئذ رفعها ساسة الغرب على شكل دعوة منهم لكلا الطرفين المتصارعين إلى إنهاء الصراع والعيش بسلام. وهذا ليس بمستغرب من الغرب المسيحي فقد كانت لهم اليد الأولى في كل ما حققته إسرائيل من انتصارات سياسية وإقليمية. فكانوا بالنسبة لإسرائيل يمثلون الجنود المخلصين والأوفياء الذين لا يرون في طاعتها إلا بقاءهم وسعادتهم. إن القضية لمن وعاها وأدرك فحواها ليست قضية سلام كما يزعمون. بل هي عمل دؤوب ومتواصل لتحقيق الأحلام اليهودية التي أخذت شكلاً آخر ورفعت راية أخرى لتغوي بها عقول السذج من العرب والمسلمين الذين يتطلعون إلى واقع تجتمع فيه النقائض. ولكن هل ستدرك تلك الرموز أنها تمثل آراء شخصية نابعة من خمود في العزيمة والهمة وإيثار للدعة والراحة وقبول بالذل والمهانة. إن على تلك الرموز أن تتعظ بما يحدث في العالم من تغيرات نتيجة الاستبداد بالآراء، وتطويع الشعوب بالحديد والنار لرغبات الأفراد.

стр. 1237

منتدى القراء من هموم الدعوة محمد عبد الله العتيق تمثل إعادة الأمة إلى الصياغة الربانية المتمثلة في القرون الثلاثة الفاضلة ملخصاً جامعاً لمهمة الدعوة التي يحملها الدعاة في عالمنا الحاضر. وتبدو أولى خطوات هذه العملية الفاعلة على أنها بث روح المسئولية في مجموع الأمة، فرداً فرداً وانتزاع روح الاتكالية وعدم المبالاة في نفسية أفرادها. بعد أن يتم النجاح في تلك الخطوة، تبدأ مرحلة العمل المباشر لتنفيذ ذلك المشروع الذي نجح الدعاة في زرعه في نفوس الأفراد وإنزاله إلى خير العمل الواقعي المحسوس، حتى يتحول الفكر إلى عمل والأمنية إلى واقع ملموس. وإن أهل الباطل لن يقابلوا ذلك المشروع بالسكون والركون لأنها بالنسبة إلى الفريقين معركة وجود أو عدم سيادة أو تبعية، ومن هنا، زرعت الأشواك في الطريق، وهذه سنة الله في خلقه ما بقي الحق والباطل يتصارعان. على أن مؤيد هذه الدعوة وناصرها الله لم يترك أحباءه ودعاته مجردي السلاح في وجه تلك العوائق، فدلهم على ما يتقوون به في معركتهم وبين لهم أسباب النصر في حربهم مع الباطل، وذلك ما يمكن أن نسميه زاد الداعية. إنه زاد يماثل الزاد المادي الذي يتزود به الإنسان ومتى ما توقف عنه مات، وكذلك الزاد المعنوي للداعية، إن تركه فسيموت حتماً، وموت الداعية إنما هو انتكاسة أو فشل مشروع دعوته. ولسوف أقصر الكلام هنا عن زاد واحد فقط ذلك الزاد، وأعنى به الصبر. إن هذا الزاد لازمة من لوازم مسيرة الدعوة في جميع مراحلها فهو أولاً: صبر عن شهوات النفس ورغباتها، ضعفها ونقصها ثم عجلتها ومللها. وهو ثانياً صبر على شهوات الناس وشبهاتهم وضعفهم وجهلهم وغرورهم وانحراف طبائعهم والتوائهم. وهو صبر على انتفاش الباطل، ووقاحة الطغيان وخذلان أهل الحق للحق. وهو صبر على قلة الناصر وضعف المعين ومحنة الغربة وطول الطريق. وهو صبر على مرارة الجهاد وانفعالات الألم والضيق والحنق واليأس والقنوط. وأخيراً، هو صبر على ضبط النفس ساعة النصر وإبقاء الصلة مع الله، ورد الأمر إليه في خشوع وخضوع. ولئن هال الداعية هذا الحشد العريض من المشاق التي تستوجب الصبر، فإن مما يعزيه ويشد على قلبه علمه بأن الله معه فهو تعالى مع الصابرين: يعينهم ويؤيدهم، ويذيقهم من لذة الإيمان والاتصال به، ما يغسل هم الدعوة وآلامها من القلب. وإذا كان أهل الباطل يصبرون على باطلهم والدعوة إليه، بل الموت في سبيله، فأهل الحق ودعاته أجدر وأحق بهذا الأمر [وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ] .

стр. 1238

منتدى القراء الحكمة ما هي ! ؟ د. محمد عابد باخطمه من أسباب اختلاط المفاهيم أنه اختلط مفهوم الشجاعة بالتهور ومفهوم الجبن بالتأني، الكرام بالتبذير، المداهنة والمجاملة والصراحة والوقاحة.. وسأتكلم هنا عن مفهوم الحكمة. فقد أصبح مفهوم الحكمة في أكثر الأحيان هو اتباع أسلوب اللين من كل أمر ومسألة وعدم الاعتراض قولاً أو عملاً على أي خطأ، بل كثيراً ما يصبح هذا المفهوم هو سايده الخطأ وهذا يعني أن الحكيم هو من يرضي الجميع. ولشرح المعنى عملياً لنفترض أن حقيراً ما تهجم على صحابة -رضى الله عنهم- أو حشر أنفه في أمر من الأمور الخلافية في الشريعة، وهو لا يفقه شيئاً فإن الحكمة - كما يفهمها البعض - تقتضي عدم فتح جبهة معه حتى لا يظن أننا كمسلمين لا نقبل الخلاف في الرأي. والحكمة بالمفهوم الاصطلاحي العدل والعلم كما جاء في القاموس المحيط، أي أن العرب لم تعرف الحكمة بمعنى اللين، ومجاراة الأمر الواقع. أما الحكمة في القرآن الكريم فقد جاء في سورة [ص ٢٠] ، قال تعالى عن داود [وشَدَدْنَا مُلْكَهُ وآتَيْنَاهُ الحِكْمَةَ وفَصْلَ الخِطَابِ] قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: قال مجاهد في معنى قوله تعالى آتيناه الحكمة يعني الفهم والعقل والفطنة. وفي سورة النحل [١٢٥] : [ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ والْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين] . قال ابن كثير: «يقول تعالى آمراً رسوله أن يدعو الخلق إلى الله بالحكمة، قال ابن جرير: وهو ما أنزله عليه من الكتاب والسنة والموعظة الحسنة أي بما فيه من الزواجر والوقائع، ذكرهم بها ليحذروا بأس الله تعالى» وأقول إن الآية أمرت بالدعوة ولم تأمر بالسكوت ولم تقل أرضهم بالتي هي أحسن، بل قالت: جادلهم بالتي هي أحسن، أي إثبات مبدأ المقارعة بالحجة بالأسلوب المنهجي الرزين البعيد عن التشنج. الحكمة من السنة النبوية: عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : (لا حسد إلا من اثنتين رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته من الحق وآخر آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها) . قال ابن حجر: إن المراد بالحكمة القرآن كما في حديث ابن عمر، أو أعم من ذلك أو ضابطها ما منع من الجهل وزجر عن القبح. ومن كتاب فضائل الصحابة، عن ابن عباس قال: «ضمنى النبي ﷺ إلى صدره وقال: اللهم علمه الحكمة» . ومن كتاب الأدب، باب ما يجوز من الشعر، من حديث ابن كعب أن رسول الله ﷺ قال: «إن من الشعر كلمة» ، أي قولاً صادقاً مطابقاً للحق وقيل أصل الحكمة المنع فالمعنى أن من الشعر كلاماً نافعاً يمنع من السفه. أمثلة من الحكماء: ١- الرسول ﷺ : كان ﷺ أحكم البشر وهو أرحمهم. انظر إليه وهو يأمر من نقر صلاته أن يعيدها مرة واثنتين، وانظر إليه يترك الحسين يرتقي ظهره في الصلاة ويزجره عن الأكل من تمر الصدقة، انظر إليه يوقع صلح الحديبية، ثم انظر إليه يحل دم من هجا المسلمين ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة، انظر إليه وهو يقول: لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها، إذن فالحكمة لين في مكان اللين وشدة في موضع الشدة. وبعد، لعله أصبح من الواضح أن الحكمة لا تعني اللين في كل شيء وأن مجرد استخدام الشدة لا يعني الخروج عن الحكمة. الحكمة هي وضع الأمر في موضعه، والشدة لا تعني الضرب والقتل وسفك الدماء، الشدة هي الثبات على الحق والدفاع عنه باللسان أو بالقلم أو حتى بالسيف إن لزم الأمر، والوقح الذي يتطاول على أحكام الشريعة عندما لا يستجيب للنصح لا بد أن يوقف عند حده، والحكمة ليست السكوت عليه ناهيك عن تشجيعه والتماس الأعذار له. إن الضابط هو خشية الله ، فلا نستخدم الشدة في موضع اللين فننفر، أو نستخدم اللين في موضع الشدة فيطغى الظالم.

стр. 1239

الدعاء وصلاح الأبناء عبد الله بن سريِّع إني رأيت الناس في مسألة طلب صلاح الأولاد مع فعل الأسباب التي تؤدي بإذن الله وتوفيقه إلى ذلك، على طرفي نقيض، فتجد منهم من يفعل كثيراً من الأسباب؛ ويقدم جهداً طيباً في طلب الهداية لأولاده؛ لكنه يهمل الدعاء لهم بالهداية والتوفيق، وفي المقابل فإنك تجد منهم من يهمل جميع الأسباب المؤدية لهدايتهم - بعد توفيق الله تعالى - ويقتصر على الدعاء لهم بالهداية، ومع أن الدعاء عامل مهم جداً في هذه المسألة إلا أننا يجب أن نتذكر قول الرسول ﷺ «اعقلها وتوكل» [١] ، فلا بد إذن من اعتبار أن الدعاء لهم من أسباب هدايتهم دون الاقتصار عليه. والعجيب في الأمر أنك قل ما تسمع أو تقرأ للذين يتحدثون أو يكتبون في موضوع تربية الأبناء تركيزاً على مسألة الدعاء لهم بالهداية، ومعلوم أن الإسلام قد أعطى جانب الدعاء للأولاد وصلاحهم اهتماماً خاصاً ورغّب في ذلك وحث عليه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاث دعوات يستجاب لهن لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد لولده» [٢] . فالدعاء - بشروطه - عامل مهم من عوامل صلاح الأبناء وهدايتهم، وإن صلاح الأبناء ينفع الآباء في حياتهم وبعد مماتهم بإذن الله. عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» [٣] .

стр. 1240

من المسؤول عن هذا الفساد ؟ محمد الحمد أبو عزّام كثرت المخالفات الشرعية والأخلاقية في شتى أنحاء العالم الإسلامي، هرم عليها الكبير وشب عليها الصغير وهي تعد فساداً عريضاً ما يلبث أن ينمو شيئاً فشيئاً تموله أيدٍ عميلة خبيثة، أكل الحقد والحسد قلوبها فأصبح عطاؤها خبيثاً. ولو حاولنا معرفة هذا الفساد وتلمسه لنصف له العلاج لطال بنا المقام. وفي مقدمة هذا الفساد والانحلال ما تمارسه أجهزة الإعلام على مختلف أنواعها من قلب للحقائق وتصوير سفلة الأمة وأصحاب الأفكار الهدامة على أنهم المفكرون والمرشدون للأمة! ! [كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إن يَقُولُونَ إلاَّ كَذِباً] فعلى أثر هذا نشأ جيل مشوه الأفكار، مطموس البصيرة، مما يجعل من الفنانين والرياضيين قدوة يحاول كل جهده أن يحاكيهم في كل شيء! ! أما أسماؤهم وأسماء آبائهم فقد حفظت في ذاكرته في حين لا يكاد يعرف من هم الخلفاء الراشدون الأربعة! ؟ فهذا نموذج مما عمله الإعلام في الأمة فمسح عقول أبنائها من الفضائل وأحل محلها الرذائل ...

стр. 1241

بريد القراء * رسالة من المحرر: يرسل إلينا الكثير من الإخوة القراء بمشاركات وخواطر ومقالات كي تنشر في مجلة البيان، ونحن نحرص على تشجيع القراء قدر الإمكان، ونحثهم على الاستمرار في الكتابة، ولكن كثيراً من هذه المحاولات والمشاركات قد لا تكون بالمستوى المطلوب إما شكلاً وإما مضموناً وإما من الناحيتين، أما المناسب من ذلك فننشره، وغير المناسب نستبعده، لذلك نرجو ممن يبعث إلينا بشيء من ذلك أن ينتظر عدداً أو عددين فإن رأى بأن شيئاً قد أرسل به قد نشر؛ وإلا فعدم النشر يعني أن ما أرسل به غير مناسب نشره، ونرجو أن لا يصده ذلك عن مواصلة مراسلتنا وإعادة المحاولة. * من الأخ أبي عبد المجيد جاءتنا هذه الكلمة: «أناشد إخواني المسلمين في جميع أنحاء العالم أن لا يتركوا أطفالنا في البوسنة-الهرسك بين أيدي النصارى، وأن يطالبوا بتربيتهم تربية إسلامية، ولدى البلاد الإسلامية وإذا أمكن أن يوزعوا على المسلمين في جميع أنحاء العالم حتى ينشأوا في بيئة إسلامية. وأن يفتح المجال لمن أراد أن يتكفل بيتيم أو أكثر. إنه نداء لكل مسلم، يجب أن نبادر قبل أن يبادر النصارى لتنصيرهم في ألمانيا أو أي دولة أخرى» . * من الأخ جدوى عبد الكريم وصلتنا هذه الكلمة «إن الاهتمام بالمسلمين وبقضاياهم الشائكة ليس مقصوراً على ما يجري لهم ولا على الاهتمام بالجانب المعنوي، بل لا بد من الاهتمام بالجانب المادي، وليت المسلمين في أنحاء المعمورة يعلمون أن هناك إخواناً لهم لا يجدون ما يأكلون أو يلبسون ... * الإخوة: ناجي ناصر سالم وشريف قاسم نشكر لكم رسائلكم وما حوته من مشاعر رقيقة وملاحظات مفيدة. * الأخ فهد العدل أرسل توجيهات نافعة لخطيب الجمعة ومقالاً حول الصبر وعاقبته. وتسرنا محاولاتك للكتابة، لكن حاول أن تعتمد على نفسك. * الأخ عثمان الخنين جزاك الله خيراً على كثرة رسائلك للمجلة وملاحظاتك المفيدة. أما بالنسبة لمقاليك ففيهما الكثير من الفوائد. * الأخ عبد الكريم الشريدة نشكر لك رسالتك ومحاولاتك الكتابة وحاول أن تعتمد على نفسك وفقك الله لما يحبه ويرضاه. * الأخ أحمد الصقعوب نشكر لك خواطرك الجميلة وروحك العالية وتقبلك لعدم نشر المقالة - في حال عدم صلاحيتها للنشر - نفع الله بك وبإخوانك المسلمين. * الأخت أم قتيبة الموضوع الذي أرسلت قد كثر الكلام حوله والتأليف فيه، ولا نرى داعياً لتكرار الكلام فيه وجزاك الله خيراً. * تعقيب من الأخ الشاعر محمود مفلح قرأت في العدد (٥١) مقالاً للأخ الأستاذ عبد الله محمد العسكر ص ٤١ بعنوانه» الأدب الذي نطمح إليه «واستشهد الأخ في ختام مقاله بتسعة أبيات من الشعر مطلعها: وقصائد مثل العرائس مهرها ... غال وأخرى ليس فيها مطمع ولم يذكر اسم صاحب هذه الأبيات. والحقيقة أن هذه الأبيات لى من قصيدة » هل يستوي «من ديواني (إنها الصحوة، إنها الصحوة) وشكراً لكم.. * من الأخ يوسف بن عبد الله وصلتنا قصيدة بعنوان (الداعية الصغير) نختار منها هذه الأبيات: رأيت صغيراً جوار الكتب ... جميل المحيا رفيع الأدب دؤوب القراءة ظني به ... على الوقت يخشى قصور الطلب فقلت: السلام على من أرى ... شموخ الأوائل منه اقترب توقف ثم ببعض الكلام ... أفاد بقول شبيه الذهب وقال: سلام إليك الكتاب ... إليك العلوم قبل العطب فلا بد من أن نقود الأمم ... ونسعى لنيل أعالي الرتب ونحمي العقيدة من مارق ... ونعلي الشريعة فوق الحسب فقلت سريعاً وقد هالني ... نضيج العقول بحجم العلب ألسنا دعاة إلى الجنة ... ألسنا هداة لخير القرب أنخشى نخوض بدرب الجهاد ... غمار المنايا لنيل الأرب فنغفل هذا يعيث فساداً ... وذلك يكيد لخلط النسب فينسى الولاء ويبكي البراء ... ونمضي بشرع مجرد لقب وتلغى الحدود ويعصى الإله ... ويبدو الفؤاد كبيت خرب ويبقى الجهاد بدعوى السلام ... وزعم الوئام حبيس الكتب فكيف نعد شباباً أبياً ... قوي العزيمة عند الخُطُب

стр. 1242

دور المنزل في تربية الطفل المسلم أم عمر التويجري إننا ونحن بصدد البحث في هذا الموضوع لا بد لنا من الحديث عن الأساس والنواة الأولى المسؤولة عن ذلك الطفل، ألا وهي الأسرة وتكوينها. إن من أراد بناء أسرة إسلامية ينشأ عنها جيل صالح عليه أن يُعني قبل ذلك باختيار الزوجة ذات الدين والخلق الكريم والمنبت الحسن حتى تسري إلى ذلك الجيل عناصر الخير وصفات الكمال، قال ﵊: (تنكح المرأة لأربع لمالها، ... ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين، تربت يداك) متفق عليه. لذلك فعلى الرجل أن لا يكون همه الاقتران بامرأة ذات جمال، درن مبالاة بدينها وأخلاقها، فإن ذلك منغص للحياة هادم لها، مسبب للفراق. وبالمقابل فإن الشريعة الغراء عندما دعت الرجل لاختيار الزوجة الصالحة فإنها حثت الآباء على حسن اختيار الرجل الكفء لبناتهم صاحب الدين والخلق القويم القادر على حمل الأمانة وصيانة المرأة. لذلك فإن حسن اختيار الأم والأب ينشأ عنه صلاح ذلك الجيل الناشئ عن تلك الأسرة، فكل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما ورد في الحديث. * مرحلة الطفولة مرحلة إعداد وتدريب وتربية ومن أجل ذلك حثت الشريعة الغراء على أمور منها: ١- تعليم الأطفال كل ما يعود عليهم بالنفع في الدين والدنيا وتلقينهم الشهادتين. ٢- غرس محبة الله ورسوله وصحابته في قلب الطفل. ٣- تحفيظ القرآن سورة سورة وما تيسر من الحديث. ٤- أمره بالصلاة عند بلوغه سبع سنين. ٥- تعليمه الطهارة والوضوء، وتعويده على الصدق والأمانة والبر والصلة. ٦- إبعاده عن مجالس السوء واللهو والمنكرات. ٧- تعليمه الأدب الحسن (ما نحل والد ولده خير من أدب حسن) . ٨- تجنيبه الخمر والمسكرات وما يفسد الدين والبدن والأخلاق. ٩- تدريبه على الشجاعة والإقدام والاخلاص في العمل. ١٠- تدريسه حياة العظماء والصالحين والأبرار ليقتدي بهم. * أخطاء نرتكبها في معاملة الأطفال: ١- سوء فهم نية الطفل، وتجاهل عواطفه، فكثيراً ما نقسو عليه ونعاقبه بالضرب والازدراء والتحقير. كما أنه ليس كل مخالفة للوالدين يرتكبها الطفل عنوان الشقاوة، بل هي على الأغلب عنوان نشاط وحيوية، ومظهر لنمو الشخصية لديه. ٢- من الأخطاء تخويفه بالغول والعفاريت ليهدأ أو لينام. ٣- الاختلاط بين الجنسين، والتساهل في مشاهدة التمثيليات، وأفلام القتل والجريمة، والانحراف، وتصفح المجلات الخليعة. * بعض الأمور النافعة في تربية الطفل: ١- القدوة الحسنة: وذلك لأن الطفل يقلد من حوله لا سيما الأم والأب والأقارب، لذا لا بد من إيجاد القدوة الحسنة الملتزمة بالخلق الرفيع والألفاظ الطيبة. ٢- الرفق: معاملة الطفل لا بد لها من عطف ورحمة به كما قال -عليه الصلاة والسلام- للأقرع بن جالس لما أخبر أنه لا يقبل أحداً حتى أولاده: «من لا يرحم لا يُرحم» . ٣- العدل: إن تفضيل الأبناء بعضهم على بعض يزرع العداوة والبغضاء، وعلى الأبوين العدل بينهم في كل شيء، لأنه أدعى إلى المودة والتآلف. * تعليم الطفل المسلم: قال تعالى: [عَلَّمَ الإنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ] ، وقال تعالى: [الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ القُرْآنَ * خَلَقَ الإنسَانَ * عَلَّمَهُ البَيَانَ] . وهذه بعض الأمور التي يجب مراعاتها في تعليم الطفل: ١- تعليم الطفل الأكل باليمين والتسمية عند الأكل والدخول والخروج. ٢- تعليمه الاستعانة بالله وحده وتشجيعه على الصلاة مع الجماعة. ٣- تعويده النظافة في الملبس والمسكن. ٤- التفريق في اللباس بين الذكر والأنثى، وعدم تشبه كل منهما بالآخر. ٥- تعليم البنت على الستر في الملبس منذ الصغر والحجاب عند البلوغ. ٦- تعليم الولد الرماية والفروسية والسباحة. ٧- الاهتمام بتنمية جانب الذكاء لدى الطفل بالبحث والمناظرة. ٨- عدم إنهاكه بالتعليم النظري المتواصل حتى لا يمل ويتركه. هذا وأرجو أن أكون قد وفقت في عرض سريع مختصر عن دور المنزل في تربية الطفل المسلم حيث إن الموضوع لا يمكن الإلمام به من جميع جوانبه في مقالة قصيرة كهذه. والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. المراجع: ١- الطفل في الشريعة الإسلامية / د. محمد أحمد الصالح. ٢- الطفل المثالي في الإسلام / عبد الغني الخطيب. ٣- كيف نربي أولادنا / الشيخ محمد جميل زينو.

стр. 1243

النشاطات الصيفية للمنتدى الإسلامي (١) الملتقى الثقافي الثالث عشر: نظم المنتدى الإسلامي يومي السبت والأحد الموافق ٢-٣ صفر لعام ١٤١٣ هـ الملتقى الثقافي الثالث عشر، في مركز المؤتمرات التابع للمؤسسة الإسلامية في مدينة ليستر. شارك في الملتقى كل من: * الدكتور جعفر شيخ إدريس - مركز الدراسات العربية والإسلامية بأمريكا. * الشيخ عبد المجيد الشاذلي. * الدكتور محمد مطر الزهراني - الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. * الدكتور محمد صلاح الصاوي - مركز بحوث تطبيق الشريعة في باكستان. وقد تناول الملتقى الموضوعات التالية: ١- موقف الفرد المسلم من الحكومات المعاصرة. ٢- التعاون بين المسلمين: تأصيل وترشيد. ٣- الهوية الإسلامية: وظاهرة الاغتراب. ٤- دور المرأة في العمل للإسلام. وختم الملتقى بلقاء مفتوح بين الحضور والمحاضرين. وشارك في الملتقى حوالي ثلاثمائة رجل وامرأة، وفدوا من أرجاء مختلفة من بريطانيا وإيرلندا. (٢) الدورة الخامسة للعلوم الشرعية: استمراراً لخطة المنتدى الثقافية، فقد أقام في مقره بلندن الدورة الخامسة للعلوم الشرعية مساهمة في تأصيل ونشر منهج أهل السنة والجماعة بين الدعاة وطلبة العلم وأئمة المساجد في الدول الأوربية، وذلك في الفترة ١٨-٣٠ صفر ١٤١٣ هـ / ١٦-٢٨ أغسطس ١٩٩٢. ولقد اشتملت الدورة على أكثر من سبعين درساً في المجالات الشرعية والدعوية المختلفة، موزعة على مجموعتين، من أبرزها: * أصول في التفسير ومناهج المفسرين. * منهج ودراسة التاريخ الإسلامي. * الضرورة الشرعية وضوابطها. * طرق تخريج الأحاديث. * حاضر العالم الإسلامي. * أصول في الدعوة. * الوجود الإسلامي في أوربا. * أصول في دعوة غير المسلمين. * أحكام المعاملات مع الكفار. * لمحة عن تاريخ العرب الحديث. * رأي أهل السنة في الدولتين الأموية والعباسية. بالإضافة إلى دروس في مصطلح الحديث، وشرح العقيدة الطحاوية، وشرح الآجرومية. وقد شارك في هذه الدورة دعاة متخصصون منهم من خارج المنتدى الشيخ أحمد أبو لبن والشيخ سعد الموسى والشيخ عثمان ضميرية والشيح محمد عبد الله الدويش. وقد بلغ عدد الدارسين في هذه الدورة سبعين دارساً، من أنحاء بريطانيا وبعض الدول الأوربية كهولندا والدنمرك والنرويج. والمنتدى الإسلامي يشكر جميع الإخوة المشاركين في هذه النشاطات، ويرجو الله أن ينفع بها، وأن يعينه على الاستمرار في أداء هذه الرسالة.

стр. 1244

الورقة الأخيرة قد بدت البغضاء من أفواههم حسن عبد الغني بعد أزمة الخليج بأشهر، زار المنطقة المستشرق الأمريكي /فرانك فوجل/ رئيس قسم الدراسات الإسلامية في جامعة هارفارد ودعي لمحاضرة في المركز الثقافي لمدينة الشارقة، وكان عنوانها (السياسة الشرعية في الإسلام) وكان جل الحضور من الشباب المسلم لرغبتهم في السماع لعالم يتكلم عن الإسلام ولا يدين به. بدأ الرجل حديثه بلغة عربية متمكنة، وبلهجة واثقة متأنية، وقدم له أحد الوعاظ في مدينة الشارقة. تكلم عن سيرته الذاتية وعن دراسته للإسلام، وعن إقامته في السعودية مدة خمس سنوات يجمع فيها معلوماته النظرية والتطبيقات العملية في المحاكم الشرعية. وعن إقامته فى مصر لمدة سنتين ولنفس الغرض. حتى كوّن لديه ذخيرة لا بأس بها عن هذا الدين. تحدث بشكل مستفيض عن أن الإسلام دين ودولة، واستشهد لأقواله بكلام السلف وبكتاب ابن تيمية «السياسة الشرعية» وأكد على تفرد هذا الدين بهذا العلم. ثم انتقل للحديث عن النظام الغربي وكيف توصلوا إلى قانون يحكمهم وسمّاه / قانون الشعب/ يحصل في ظله كل فرد على حقوقه دون تمييز، وبأن هذا القانون مطبق بشكل واسع في كثير من الدول المتقدمة. وبأنهم يحاولون جاهدين لتطبيقه في العالم الثالث الذي تحكمه الدكتاتوريات، وبأن الغرب مشفق على شعوبهم. وعقد مقارنة بين النظام الغربي والنظام الإسلامي وقرر فيه ما مجمله بأن الزمن قد تجاوز الشريعة الإسلامية التي لم تطبق إلا في فترة محدودة، ليحل محلها (قانون العالم الحر) وبأن العالم في النهاية سيدين له. وطبعاً أدخل في ثنايا حديثه قضية المرأة التي أعطيت كامل حقوقها في ظل قانونهم واستأذنت في المداخلة. ومما قلته له بأن الإسلام عندما طُبِّق في عالم الواقع استطاع ذمي قبطي أن يقطع مئات الأميال من مصر إلى المدينة المنورة حيث الفاروق ابن الخطاب ﵁ ليشكو إليه ابن أمير مصر عمرو بن العاص الذي ضربه بالسوط. وما كان من عمر إلا أن أحضر عمرو بن العاص حاكم مصر وابنه ليقول له كلمته العظيمة: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً» قم يا هذا واضرب ابن الأكرمين. ولا أظن بأن هذه الحادثة أو أدنى منها قد حصلت أو تحصل في بلادكم وتحت سيادة قانونكم، وأنت تقول بأن الغرب يحاول أن يعطي العالم الثالث جرعات من الديمقراطية ليصل في النهاية إلى ما أنتم عليه، وهذا غير صحيح وفيه مغالطة كبيرة، لأنه لو قام أفراد أو جماعة في عالمنا الإسلامي يطالبون بحقهم في التعبير، وبحقهم في المشاركة، وبحقهم في الحرية والإنسانية، لسحلوا بالمدرعات وبتشجيع من حكوماتكم ومن ساستكم. دعونا نطبق ديمقراطيتكم ولو مرة واحدة لتروا بأن الشعوب ستختار الإسلام وعندها يطبق في واقع الحياة وترونه بأم أعينكم، وعندها سيدخل من شاء منكم في دين الله، ويدعو له بين أظهركم. ولا ندري لماذا تحقدون على الإسلام وتخافون منه، وربما أخطأت بالتعميم ولكن هذا ما نراه من خلال سياستكم المعلنة والمبطنة. ويبدو أنه مصداق قول ربنا: [ولَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ ولا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ] ، وقاطعني بكلامه بأنه سوف ينقل هذه الرسالة إلى المسؤولين في بلاده، وقال: إنما جئت للمحاورة. وطبعاً كان هذا اللقاء قبل انتخابات الجزائر وما تمخضت عنه من فضح لهم وتعرية لأدوارهم في عالمنا الإسلامي. وفي نهاية المحاضرة توجه نحوي باحترام وأدب مصطنع وقال: أوافقك على كل ما قلت، وأقولها بصراحة، نحن نعيش وأنتم زمن الحقبة الأمريكية.

стр. 1245

ربيع الآخر - ١٤١٣هـ أكتوبر - ١٩٩٢م (السنة: ٧)

стр. 1246

الافتتاحية الحق والباطل لا يستطيع كاتب يكتب في شأن من شؤون المسلمين أن يتجاوز المحنة التي يعاني منها المسلمون في البوسنة والهرسك، هذه المحنة التي أقضت مضاجع المخلصين الذين يتحرقون ألماً لما يجري هناك، فبذلوا ما في وسعهم من العون المادي والمعنوي، ولكن أنىّ لهذه الجهود المتواضعة أن ترد عادية الصرب الصليبيين، أو ترد مكر الغربيين الذين سكتوا عن الجرائم المروعة التي تمارس ليل نهار على مسلمي البوسنة، وهم يرونها في وسائل إعلامهم، ولكن بما أن الضحايا مسلمون فالخطب يسير! تفتحت عبقرية الصرب العنصرية، وظهر الحقد الدفين المتراكم منذ أن انتصر العثمانيون عليهم في معركة «كوسوفو» وحكموا هذه البلاد. وظهرت أوربا على حقيقتها في تعاملها مع المسائل التي تمس المسلمين، وهي السياسة نفسها التي كانت تسلكها مع ما يسمى بـ (المسألة الشرقية) وعادت المسألة الدينية واضحة جلية عند اليونان والرومان والروس الذين يساعدون الصرب سراً وعلناً، بالأسلحة وغير الأسلحة، وما ذلك إلا لاتحادهم في المذهب الأرثوذكسي. وتفتحت شهية الغرب على إعادة رسم خريطة العالم الإسلامي وبمزيد من التفتيت، ولم يكفهم ما فعلوه بعد الحربين العالميتين من تقسيم وتقطيع، وسيكون التفتيت في هذه الأيام على أساس العرق أو التعصب الطائفي، فكانت فكرة المحميات في العراق، ويتكلمون الآن عن جنوب السودان، ووضعت الصومال تحت حماية الأمم المتحدة، والمخطط ينفذ وليس من قوة تعترضه، والغرب الذي يشجع هذه العصبيات يسعى هو إلى الوحدة بشتى صورها وأشكالها. أنىّ للمسلمين في هذه الأيام مقاومة هذا التوحش الصربي وهذا المكر الأوربي وهم مقهورون في ديارهم وأوطانهم، يعانون الخسف والهوان من أبناء جلدتهم وممن يتكلمون بلغتهم، وهل يستطيع المسلم في تونس أو الجزائر تقديم العون لأخيه في البوسنة وهو يعاني ما يعاني من ظلم تندك له الجبال، والإخوة في أفغانستان لم يستقر لهم قرار، ودخل بعضهم في دهاليز السياسة والحسابات الدنيوية والتحالفات المشبوهة مع (البرشميين) و (الخلقيين) و (الباطنية وفروخهم الإسماعيليين) . ونخشى إذا استمر بهم هذا الحال من التفرق أن يذهب الأمر من أيديهم - لا سمح الله-. هذه الأوضاع المؤلمة التي تمنع المسلمين من مساعدة إخوان لهم في البوسنة تفرض علينا سؤالاً ملحاً - وإن لم يكن جديداً -: إذا كان المسلمون على الحق وغيرهم على الباطل، فما الذي دهاهم وأوصلهم إلى هذه الحال، حتى أصبحوا طعمة لكل طامع ونهبة لكل ناهب، تتناوشهم المصائب من كل مكان، وتتعاورهم المشاكل من كل جانب، هل فعلوا كل الأسباب الواجبة شرعاً ولكنهم لم يوفقوا؛ أم أنهم مقصرون بل ومستهترون في الأخذ بهذه الأسباب، ولذلك لم تأت النتائج المطلوبة؟ ! إن من سنن الله في الخلق أن للباطل جولة وللحق جولات، ولا يسلط الله أعداءه على أوليائه [ولَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً] [النساء: ١٤١] ، وإذا تصارع الحق والباطل فالغلبة للأول قال تعالى: [كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ] [الرعد: ١٧] ، وقال أيضاً: [أَمْ نَجْعَلُ الَذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ] [ص: ٢٨] ، وقال: [بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى البَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذَا هُوَ زَاهِقٌ ولَكُمُ الوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ] [الأنبياء: ١٨] . إن تسلط أوربا على العالم الإسلامي هذه الفترة الطويلة دليل على أن هذه الأمة لم تأخذ بأسباب القوة والعزة والاستقلال، وقد أكثر القرآن الكريم من الحديث عن سنة الله التي لا تتبدل ولا تتحول في الذين يظلمون وفي الذين يعدلون، وأن العاقبة للتقوى، ولا يوجد كتاب في الدنيا تكلم عن السنن الاجتماعية مثلما تكلم القرآن، ومع ذلك تجد المسلمين أقل الناس أخذاً بهذه السنن، بل وربما وصل الأمر ببعضهم أنه إذا تكلم بهذا الموضوع وحاول إبرازه رُمي بالبعد عن الدين، وأنه يتكلم في أشياء ليست من الإسلام أو أنه يقلد أفكار الآخرين. هكذا وصل بنا الحال إلى أننا لا نستفيد من حكمة القرآن وإرشاده في صراعنا مع الأمم الكافرة وفي تنظيم حياتنا الاجتماعية، ونفهم آيات البعد عن الدنيا فهماً خاطئاً أخذناه عن الزهد الأعجمي الذي دخل علينا مبكراً فكان له الأثر السيئ في عدم إذكاء جذوة الصراع مع الباطل، وأنه لابد من الاستعداد الدائم والتمكن في الأرض حتى لا يروج سوق الباطل ويفسد في الأرض. إن أحق من يفقه هذه السنة الربانية ويأخذ بها هم الدعاة والعلماء، الذين يصعب الآن جمعهم على مائدة الحوار والتعاون أمام الباطل المنتفش [فَلَوْلا كَانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسَادِ فِي الأَرْضِ إلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ واتَّبَعَ الَذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وكَانُوا مُجْرِمِينَ] [هود: ١١٦] .

стр. 1247

في إشراقة آية [ولَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً] د. عبد الكريم بكار كان من جملة تسخير الله - تعالى - الكون لهذا الإنسان أن بثّ فيه سنناً تتسم بالاطراد والثبات والشمول. وهذه السنن مبثوثة في الكون والأنفس والمجتمعات. وإن وجود السنن رحمة من الله - تعالى - بنا؛ إذ أننا تمكنا بسببها من اختصار كثير من الجهود التي كان علينا أن نبذلها لفهم ما حولنا والتعامل معه. ولنتصور أن قانون إحراق النار، أو قانون الجاذبية، أو قانون تغير الحال إلى الأحسن أو الأسوأ تبعاً لجهد الإنسان وسلوكه لم يكن ثابتاً ولا مطرداً فكيف ستكون الحال إذن؟ ! ومظهر آخر للرحمة في اطراد السنين هو أن التحول في أكثر الظواهر الاجتماعية يتم ببطىء؛ وعمر الإنسان قصير إذا ما قيس بعمر الحضارات؛ مما يجعله يبصر مقدمات الحدث دون نتائجه، ونتائجه دون مقدماته وأسبابه. وحينئذ فإن من السهولة بمكان أن يصاب المرء بغبش الرؤية وضلال الأحكام. والسنة بتجسيرها للعلاقة بين الماضي والحاضر والمستقبل جعلت في إمكان المسلم أن يعرف النتائج من خلال الوقوف على الأسباب، والمقدمات من خلال رؤية نتائجها، أي جعلت الأزمنة كتلة واحدة، وهي بهذا الاعتبار تكون قد أمنّت للمسلم نوعاً من التواصل عبر حقب الزمان المختلفة، فالماضي لم يغادرنا حتى ترك في حاضرنا ثقافة عصرنا وصفات وراثية محددة وظروفاً تؤطر مساحات حركتنا اليوم. إن الماضي سيظل يظهر في الحاضر بصورة ما، وإن الحاضر سيظل يظهر في القابل بصورة ما، وإن فيزياء التقدم عبارة عن حديث الحاضر مع الماضي عن المستقبل. السُنَّة: إلتحام بكل الأبعاد.. إذا كانت السنة هي الناموس العام الذي يؤمن الاستقرار والانسجام بين جزئيات الظاهر الواحدة إذا ما توفرت بعض الشروط الموضوعية فإن هذا يعني أن المسلم مأمور بعبور الماضي ليفهم جذور حاضره، ومأمور بتجاوز الحاضر ليمد النظر نحو المستقبل؛ كيما يفقه الخطوة المناسبة. ونجد نصوصاً كثيرة في هذا الأمر، كقوله سبحانه: [قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ] [آل عمران: ١٣٧] . وقوله سبحانه: [قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] [العنكبوت: ٢٠] . إنها دعوة للسير في الأرض والخروج من سجن المكان المألوف لرؤية خلق الله وإبصار سننه فيه. وبما أن المكان يرث دائماً الزمان فإننا سوف نبصر من خلال السير في الأمكنة الكثير من الأزمنة الماضية وما خلفته لنا من آثار خلق الله تعالى. وقد كانت هذه الأمة تحتل في يوم من الأيام مكان الصدارة بين الأمم؛ فإذا بها تبحث عن مكان في الذيل، فلا تجد! والخطوة الأولى نحو استعادة بعض ما فات تتمحور حول بحث الأسباب التاريخية التي أدت بنا إلى هذه الحالة المنكورة. وهذا يعني أن علينا أن نثابر في قراءة التاريخ المرة تلو المرة حتى نقف على جذور الواقع الذي نعيشه إذا ما كنا جادين في تغييره نحو الأحسن. إن ظواهر كثيرة في حياتنا ستظل غير مفهومة ما لم نعد إلى جذورها العميقة الضاربة في القدم؛ فإذا ما نظرنا - مثلاً - في ظاهرة «ذل المسلم وخضوعه» لم نستطع أن نفهمها ما لم نعد إلى الماضي، فإذا عدنا رأينا ما يسوِّغ ذلك، فقد صُب عليه من صنوف التعذيب النفسي والجسدي، ومن صنوف الإذلال والإهانة وسياسة «اسحق الذبابة بالمطرقة» ما لا يفرز إلا مسلم اليوم! ذلك باستمرار باسم المصلحة العامة وأمن الأمة والاستقرار العام! ! لكن لا بد من القول إن انفتاح العالم على بعضه حتى تحول إلى «قرية إعلامية» - كما يقولون - قد جعل فهم الواقع اليوم أكثر تعقيداً. والسبب أن جزءاً من هذا الواقع هو الذي يمكن مسُّه، أما الباقي فجذوره وخيوطه ربما كانت خارج أرضي المسلمين كلها! ! لكن مهما يكن من أمر فإن السنة ترسم لنا المسار العام إن لم تتحفنا بالتفاصيل. السنة وعلوم المستقبل: هناك اليوم حركة محمومة في الغرب لدراسة المستقبل، حتى صار لديهم علم اسمه «علم المستقبل» . وهم يصنفون المستقبل إلى مباشر، وهو يغطي مساحة زمنية قدرها عام، ومستقبل أقرب وهو يغطي مساحة قدرها خمسة أعوام، ومستقبل قريب يغطي مساحة قدرها عشرون عاماً، ومستقبل بعيد يمتد إلى نحو خمسين عاماً، ومستقبل أبعد يتجاوز الخمسين. وهم لخبرتهم الحسنة بالواقع يستطيعون مد البصر نحو المستقبل في المجالات التقنية والتنموية المادية بصورة خاصة. لكن لاعتقادهم أن العلم هو الذي يكيف سلوك البشر، وليس الدين فإن كثيراً من توقعاتهم سوف تكون مخيبة للآمال. وتاريخ البشرية هو تاريخ الرسالات والشرائع وما تحدثه من دوائر الاستجابة وردود الفعل؛ وسيظل مستغلق الفهم على من نظر إليه على غير ذلك. وإذا كانت وظيفة الإنسان في الحياة هي الالتزام بشرع الله والقيام بإعمار الأرض فإن القرآن الكريم يحدثنا أن هلاك الأمم الماضية لم يكن أبداً بسبب القصور العمراني، وإنما بسبب التقصير في جانب العبودية لله تعالى والانحراف عن منهجه. وهذا ما لا يستطيع الغربيون اليوم فهمه؛ ومن ثم فإن كثيراً من دراسات المستقبل لديهم سيظل جهاداً في غير عدو! ونستطيع القول: إن الإسلام يربي المسلم على النظر دائماً نحو الأمام؛ فهو منذ البلوغ إلى أن يلقى الله - تعالى - يرنو نحو المستقبل بالآخرة - بل يجعله حكماً في حاضره بكل حركاته وسكناته. وهناك نصوص كثيرة تتحدث عن المستقبل، وهذه النصوص منها ما يقدم الإطار العام كقوله - سبحانه -: [إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] [الرعد: ١١] . وكقوله - سبحانه -: [فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إنَّهُ كَانَ غَفَّاراً (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَاراً (١١) ويُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وبَنِينَ ويَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ ويَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً] [نوح: ١٠-١٢] . ومنها ما يقدم بعض التفصيلات كإخباره ﷺ عن أن الفنتة ستأتي من قبل المشرق، وإخباره عن فشو الأمراض الغريبة في الذين تفشو فيهم الفاحشة [١] إلخ.. وقد أوجدت معرفة السنن عند السلف حساً خاصاً بالتعامل مع الواقع من خلال إفرازاته المستقبلية؛ فهذا أبو بكر ﵁ يقول: «لا تغبطوا الأحياء إلا على ما تغبطون عليه الأموات» وهذا تعبير مركز ينمُّ عن رؤية الأشياء المادية ونهاياتها في لحظة واحدة! ! وهذا عمر ﵁ يأتيه خبر فتح خراسان، فيقول للناس في المدينة: «لا تبدلوا، ولا تغيروا، فيستبدل الله بكم غيركم، فإني لا أخاف على هذه الأمة إلا أن تؤتى من قبلكم» [٢] . وهذا هو يؤتى إليه بغنائم «جلولاء» ، فيرى ياقوته وجوهره، فيبكي، فيقول له عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه -: ما يبكيك يا أمير المؤمنين وهذا موطن شكر؟! فيقول عمر: «والله ما ذاك يبكيني، وتاالله ما أعصى الله هذا أقواماً إلا تحاسدوا وتباغضوا، ولا تحاسدوا إلا ألقى الله بأسهم بينهم» [٣] ! وقد كان ما خافه ﵀! لماذا التعرف على السنن: السنن ماضية قاهرة، ونحن لا نتعلمها من أجل تغييرها أو تحييدها، وإنما من أجل الانسجام معها والعمل بمقتضاها وتلافي الاصطدام بها. والسنن مع جبريتها لا تمنعنا من الحركة؛ إذ إن بين جبرية السنن ووسع المسلم وطوقه مساحات واسعة تصلح للتحرك والعمل؛ فالقوانين الفيزيائية والكيميائية ثابتة، لكننا من خلال فهمها استطعنا إيجاد الألوف من الصناعات الكيميائية والفيزيائية مستغلين ما بينها من خلاف وتنوع. ومشكلتنا في هذه القضية ذات رؤوس متعددة: فهناك من هو غارق في الماضي غريب عن الحاضر، فهو يرى مقدمات الأحداث وجذورها، دون أن يرى النتائج، فهو مغترب أبداً. ومنا من غرق في الحاضر دون أن يعرف عن بدايات الخلق لأزماته ومشكلاته شيئاً؛ فهو يدور في حلقة مفرغة لا يرى مخرجاً، ولا يهتدي سبيلاً. ومنا من شهد جبرية السنن، ولم يشهد مساحات التكليف وإمكانات الحركة، فوقف عاطلاً عن العمل هاجعاً في إجازة مفتوحة، لكنه أثرى أدب الشكوى من الزمان والظروف وتواطؤ الأعداء بما لا مزيد عليه! ! ومنا من غرق في الأحلام الوردية؛ فهو لا يرى ما هو كائن لينطلق به إلى ما ينبغي أن يكون؛ فهذا شاق، ويقتضي عملاً، فوجد أن التعامل مع ما حوله على ما ينبغي أن يكون أسهل وأجمل فصار إليه! ومنا من لم يسمع بالسنن فتفكيره إلى الخرافة أقرب، وعلمه بالإرادة الكونية والإرادة الشرعية هباء، والحياة أمامه بعد واحد ينتهي بطريق مسدود! واجبنا اليوم: ١ - التركيز في معارفنا العامة على الدراسات التاريخية والنفسية والتربوية والاجتماعية؛ لنتمكن من استجلاء أكبر عدد ممكن من سنن الله تعالى في الأنفس والمجتمعات. ٢- بلورة مناهج للعمل الدعوي تتناسب مع تلك السنن في أساليبها وأدواتها. ٣- تربية أبنائنا وطلابنا على التفكير السنني؛ ليحل محل الأوهام والخرافات التي عششت في أذهان كثير منهم. ٤ - محاولة القيام بتقويم سنني للأحداث الكبرى في تاريخنا والمعالم البارزة في واقعنا المعاش. ٥- القيام بدراسات علمية مستقبلية تعتمد على ما فقهناه من سنن الله تعالى في حركة الفرد والمجتمع. وإذا ما فعلنا ذلك فسوف نجد الخلاص من كثير من مشكلاتنا، كما سنجد ساحات ودروباً للحركة والعطاء. وعلى الله قصد السبيل.

стр. 1248

البيان تحاور الدكتور جعفر شيخ ادريس «تكملة» قلتم: إن الفكر الإسلامي لا يمثل تحدياً فكرياً، وعنيتم بالتحدي الفكري الذي يحمل سياسة ويتجسد بقوة، أما الفكرة فلا قيمة لها إلا بآثارها، ومثلتم ذلك بالشيوعية التي كانت تحدياً فكرياً للغرب، هذا التحدي الفكري يحمل فكرة ويحمل نظاماً معيناً، نظاماً اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً.. فهل مثلت الفكرة الشيوعية تحدياً للرأسمالية؟ أم هل تعني أنهم يرون فينا تجمعاً بشرياً مخيفاً فقط؟ يرون فينا - نحن المسلمين - أننا تجمع وأننا أناس رافضون للحضارة الغربية، هذا معروف، حتى فوكوياما هذا الذي كتب كتاب «نهاية التاريخ» كان فحوى كتابه أن كل العالم استسلم للمنهج الأمريكي في السياسة الليبرالية والديمقراطية، وفي الاقتصاد الحر، واستثنى من ذلك العالم الإسلامي، لأنهم ما زالوا يعتقدون أن عندهم بديلاً، لكن هل فوكوياما قرأ كتباً للمسلمين تشرح له ما البديل الذي يرونه؟ ! هذا الذي أقصده بالفكرة، هل هنالك كتب يقرأها الغربيون سواء بلغتهم، أو مترجمة عن اللغة العربية وشائعة بينهم كما كان الفكر الماركسي له أنصار ليست لهم علاقة بالدولة الروسية، بل ينتقدون الشيوعية ويميزون بين الفكر الماركسي والشيوعية، ومازال حتى بعد سقوط الشيوعية الكثير من الأفكار الماركسية التي دخلت في الفكر الغربي: في علم الاجتماع، في علم الاقتصاد والسياسة، وحتى في البلاد التي سقطت فيها الماركسية، لا تظنوا أن الفكر الماركسي سيسقط كما سقط النظام الشيوعي، إنه ما زال يعيش في عقول الناس، وهذا الذي تربوا عليه، فسيبقى عندهم وستبقى منه آثار كثيرة، وعندما كنا في البوسنة والهرسك - قبل الحرب - قلت لإخواننا هناك: لا تخدعوا أنفسكم وتظنوا أن سقوط الشيوعية معناه أن هذا الفكر خرج من رؤوس أبنائكم ورؤوسكم، فالماركسية كانت تمثل تحدياً فكرياً لأنه ما من قضية من القضايا التي يناقشها الغرب إلا لها فيها رأي مكتوب بتوسع ومعروف عند كثير من المفكرين الغربيين. يعني كأنك ترى أن مشكلتنا أننا لسنا حاضرين حضوراً فكرياً في أذهانهم؟ نعم ولكننا حاضرون سياسياً، أناس يتجمعون، حركات أصولية.. ويخلطون بين الأصولي والقومي، لأن كل هؤلاء آتون من هذا الذي يسمونه «الشرق الأوسط» العجيب والمعقد! إنهم ليسوا معجبين بنا، وأذكر أنه في أيام حرب الخليج كتب أحدهم وقال: لماذا نحن مشغولون بهؤلاء الناس؟ ! إنهم لا يستحقون منا كل هذه الانشغال، الديموقراطية تسري في العالم كله: الدول الشيوعية، جنوب شرق آسيا، أفريقيا.. إلا هذا العالم الذي ليس فيه حاكم واحد منتخب! وبعضهم يربط هذا بالإسلام. أنا لا أماري ولا أشكك في أنهم يخافون من العالم الإسلامي من الناحية السياسية؛ ولكن الذي أقوله دائماً، وبعض الإخوة يختلط عليهم الأمر أحيانا فيظنون أنني أقول إن الغرب لا يعادي الإسلام، ولا يعادي المسلمين أو أنه صديق لهم، أنا لا أقصد ذلك، بل أعني أنه لا يعدنا تحدياً فكرياً - وهذه مسألة أحزن لها - وأمثل لكم بمثال عندما أراد المركز الإسلامي في أكسفورد، وقد تعب بعضهم حتى وافقت الجامعة على إنشائه، فمن ضمن الأشياء التي طرحت كاعتراض على فكرة إقامته: هل في العالم الإسلامي من يكتب بحوثاً في مستوى أوكسفورد؟ ! وهذا لو كان في ذهنه أدنى شك ما قال هذا الكلام، والذين أجابوا قالوا: طبعاً، هناك من يكتب، والمقصود بحوث باللغة الإنجليزية. بما إنكم عشتم فترة طويلة في الغرب هل تتوقعون أن يسلم عدد كبير منهم وخاصة المثقفين؟ أولاً: كما قلت لكم من الناحية الفكرية بدأت تحصل من العلوم نفسها أشياء تزعزع الأساس الذي قام عليه الإلحاد الغربي. ثانياً: هذه الأمراض التي انتشرت مثل الإيدز زعزعت بعض المسلَّمات عندهم، كان في الغرب شيء يسمى الحرية الجنسية، كانوا يعتقدون أن الإباحية وعدم التقيد بالزواج أمراً إنسانياً، وأنها حررت الإنسان من القيود التي قيده بها الدين ورجاله، وكانوا يعتقدون أن كل ما جاءت به الأديان هي قيود لا داعي لها، وأن الإنسان يمكن أن يتحرر منها دون أن تعود عليه هذه الحرية بالضرر. لكن انتشار الإيدز قضى على هذه الفكرة، حيث بدأ يعتقد كثير منهم أن الإباحية ليست أمراً طبيعياً، وكذلك انتشار المخدرات التي ينظر إليها في أمريكا والغرب على أنها عدوهم الأول، وأنها مع الإباحية والشذوذ الجنسي هي التي ستقضي على حضارتهم، وليس قوى من الخارج، فكل هذا يزعزع ثقة الناس بهذه الحضارة، فإذا جاءهم إنسان عنده بديل يحل هذه المشكلات، ويبقي لهم ما هو نافع، وما يفتخرون به من حضارتهم من تقدم علمي وتكنولوجيا، أظن أن هذا إن شاء الله سيكون سبباً في إسلام عدد كبير منهم. المتعصبون لن يتغيروا (السياسيون) ، لكن عامة الناس، عقول الناس ليست ملكاً لأحد، قد «يريد السياسيون شيئاً أما عامة الناس الذين لا يعرفون عن خطر العالم الإسلامي شيئاً هم أفراد عاديون، الإنسان منهم يريد أن ينقذ نفسه، ولو وجد من يدعوه إلى الدين الصحيح بعد أن تزعزعت ثقته سيكون لذلك نتيجة طيبة. ما رأيكم بالمراكز الفكرية والدعوية التي قامت في بلاد الغرب؟ وهل سيكون لها أثر في الغرب أو في العالم الإسلامي؟ لا نحب أن نظلم هذه المراكز، لكن ليس لها دور من الناحية الفكرية، لأنها نفسها ليست مشغولة بقضايا فكرية، وكثير من الناس فيها يعيشون هموم بلادهم، وكثير من الجاليات الإسلامية في البلاد الأجنبية غير متمسكين بدينهم وإن كان هناك بعض الأشياء عند المسلمين - مهما كانوا ضعفاء - تبهر الغربيين، أذكر أن تاتشر قالت مرة إنها معجبة بالتماسك الأسري عند المسلمين، وهذا أمر يُعتز به بحمد الله، وعلى الرغم من الانحرافات الكثيرة عندنا فما زالت علاقتنا بالوالدين والأقارب أحسن بكثير مما عندهم، وهذا قد يكون له أثر بينهم. بما أن لكم تجربة طويلة في الدعوة في البلاد العربية هل ترون أن العمل الإسلامي ومنذ بداية الحركة الإسلامية لم يحقق النتائج المتوقعة، هل هنالك خلل أساسي لم ينتبه المسلمون له، أو أنهم عرفوه ولكن لم يستطيعوا إصلاحه؟ أولاً لا أقيس النجاح بالوصول إلى السلطة. نعم ليس النجاح هو السلطة ولكن أن يكونوا قوة واضحة لها تأثيرها وظهورها في المجتمع؟ طبعاً الحركة الإسلامية - بحمد الله - لها تأثير، وسبب جزء من هذا التأثير جهود الإسلاميين، وجزء منه من تزعزع الغرب، مثلاً اليساريون شعروا أن العصا التي يتكئون عليها انكسرت، فالعلمانية لم يعد لها بريق وليس لها قبول، أما عن أخطاء الإسلاميين فقد تحدثنا عن جزء منها في الملتقى [*] ، وهي القضية التي أسميناها بقضية المنهج وأنه ليس واضحاً، كثير من الجماعات قامت على أشياء عامة من الإسلام، حتى أن الواحد منهم لا يعرف هل هو شيعي أم سني؟ وأنه لا فرق بين هذا وهذا! وهذه مسائل لا بد من الاهتمام بها، وقد كان يكفي في زمن الرسول ﷺ وفي زمن الخلفاء الراشدين أن يقول الإنسان أنه مسلم لأن هذه الكلمة لها معنى واضح، لكن بعد أن اختلف المسلمون وظهرت الانحرافات لم يعد هذا كافياً، بل لا بد أن يحدد الإنسان أين هو في هذا البحر المتلاطم من الانحرافات والأخطاء القديمة والحديثة، وكثير من الجماعات لم يوضح هذا الأمر، وعدم وضوح التصور يؤدي إلى أخطاء في العمل. كثير من الجماعات أيضاً موقفها حتى من ناحية التصور بالنسبة للحكام الذين تواجههم أيضاً ليس واضحاً: هل هم مسلمون لا يجوز الخروج عليهم؟ هل هم كفار يجب أن يخرج عليهم؟ هل حكمهم هو الكافر لكنهم بأشخاصهم مسلمون؟ ! هذه القضايا لم توضح التنظيمات ما موقعها، بعض الناس تصور تنظيماتهم كأنها جماعة المسلمين والذي يخرج منها خرج على جماعة المسلمين، ليس هناك أهدافاً محددة، هناك هدف عام فضفاض، وأخشى أنه حتى لو وصلت إلى الحكم - ولا تلازم بين وضوح الأهداف وسلامتها وبين الوصول إلى الحكم فالبعثيون والشيوعيون وصلوا إلى الحكم - فإن كثيراً من الناس سيصابون بخيبة الأمل بعد أن يتعبوا ويصلوا إلى الحكم، ثم لا يجدون عندهم ما يقولونه للناس. يلاحظ في السنوات الأخيرة أن شعار وحدة العمل ووحدة الصف الإسلامي شعار مقبول من الجميع، ولكن لم يتحقق منه شيء، ما هو السبب برأيكم؟ ما المقصود بوحدة الصف؟ إذا كانت وحدة الصف معناها وحدة التنظيم فهذا شيء متعذر وليس مفيداً أيضاً. أن يكون هناك - على الأقل - تعاون وانسجام بدل الخلاف والتنابذ. قال لي مرة رجل اعتبره من عقلاء الإسلاميين في العالم، وكان من جيل المودودي، هذا الرجل كان مهتماً بالعمل الإسلامي على مستوى العالم: إن الحركات العالمية كالشيوعية والصهيونية يجتمعون كل ثلاث أو أربع سنوات، ويتذاكرون وينتقد بعضهم بعضاً، ويراجعون عملهم في تلك السنين، وينشرون على الملأ الأخطاء التي وقعوا فيها، أما عندنا فيحصل خطأ في مصر، وبعد خمس سنين يكرر في السودان، لأننا لا نعلم أنه خطأ وحدث في مصر، أتمنى أن يسعى بعض إخواننا لمثل ذلك وقد اقترحنا هذا الاقتراح على كثير من إخواننا قبل أكثر من عشر سنوات، وطلبنا منهم أن يجتمعوا اجتماعاً لا تصدر فيه قرارات وتوصيات، ولا يكون من يحضره ممثلين رسميين لجماعتهم، ويحضر هذا الملتقى أشخاص من كل جماعة يجتمعون ثلاثة أو أربعة أيام ويتذاكرون في هذه المسائل، ويذكر كل منهم ملاحظاته على الآخر، لأن المؤمن مرآة أخيه. وكذلك لو أن مجلتكم أو أي مجلة أخرى تتحول إلى منبر عام للمسلمين يتساجلون فيه، ِلمَ لا يكون ذلك؟ وأن يكون هذا الخلاف فكرياً مفتوحاً لكل الناس في الإطار الإسلامي السني، يتناقشون فيه ويقرأون كلام بعضهم. إن ظروف الحرية الفكرية وحرية النشر قد تمنع من ذلك! ليس من الضروري أن يدخل هذا الكلام البلاد العربية، بل ينشر في الخارج ولا بد أن يرشح منه شيء إلى من يهتم به. وحتى لو بدأت هذه الفكرة متعثرة فلتكن المجلة منبراً حراً ويكتب فيه كل واحد، وإن لم توزع في كل العالم الإسلامي؟ ففي بعضه، وفي البلاد الأجنبية، فهناك الآلاف من الشباب المسلم فيها. للأسف فإننا نلاحظ قلة إقبال هذا الشباب على القراءة وبخاصة بالعربية إن النخبة منهم يقرأون العربية أو جزء منها بالعربية وجزء بالإنجليزية، فلا بد للناس أن يتناقشوا في القضايا المهمة. ذكرتم أن هذا اللقاء والمنبر الحر لا بد أن يكون له إطار ما، هل ترون أنه مما يسرع في وحدة الصف أو التعاون أن يكون هناك شيء واضح يجتمع عليه في البداية مثلاً كالاتفاق على منهج أهل السنة والجماعة؟ هذا مما أراه في النهاية، لكن في البداية لا تجعل هذا شرطاً للكتابة في المجلة، لأن المجلة هي نفسها وسيلة لنشر هذا الكلام ومناقشته، لأن التنظيمات الحركية ليست جماعات فلسفية، فالجماعة الفلسفية يمكن أن يشترك فيها أناس متباينو الفكر، رغم أني لاحظت في الغرب أنه حتى في الجماعات الفلسفية هذا لا يحدث، لكن أعني أن الجمعية الفلسفية أو الأدبية تتحمل هذا الخلاف، لأنها جامدة لا تتحرك. لكن الجماعة التي تريد أن تتحرك لا بد لها من إطار موحد تتحرك فيه، وإلا تقاذفتها الأمواج، ووجد الانتهازيون فرصة للفتك بها وتخريبها من الداخل خصوصاً إذا صارت كبيرة وصار من وراءها نفع، ما أسهل على الجماعة غير محددة الاتجاه أن لا تخترق فقط؛ بل تقاد إلى أهداف غير التي نشأت في البداية من أجلها. ولا يكفي لتحديد هذا الإطار أن يكون شيئاً كالدستور مكتوباً وينساه الناس؛ بل لا بد أن يتربى عليه الناس حتى يستطيعوا أن يميزوا في أتباعهم المستقيم من المنحرف، وبدون ذلك لن تكون النتائج بحجم الأهداف العظيمة التي نتحدث عنها دائماً، كيف سنحقق تلك الأهداف إذا لم نكن على منهج محدد وواضح وصحيح؟ ! هناك من يرى أن الحركات الإسلامية في العصر الحديث، اهتمت بجانب التجميع، ولم يكن لها تأثير اجتماعي هام: تأثير في تغيير شيء من ملامح هذا المجتمع في مجال الصناعة أو الاستقلال الاقتصادي، ومشاركتها كانت مشاركة المعترض على السلطة، المحتج الهارب، المسجون أو المختفي، أي تصرفات من يعيش على هامش المجتمع. هذا قد لا يكون ذنب الحركات الإسلامية، فالحركة إذا بدأت وضيِّق عليها وعورضت لا تستطيع أن تؤثر خصوصاً في مسألة الصناعة التي ذكرتها، لكن في بعض البلاد الحركة الإسلامية لها تأثير في بعض المؤسسات الاقتصادية التعليمية. وأما أنها حتى عندما تجد الفرصة للتأثير تنشغل بالمعارضة؛ فهذا من العيوب وأنا أفرق بين النقد وبين المعارضة، أما المعارض فينشغل طول الوقت بنقد أخطاء الحاكم، وهذه من الأمور التي نكرر فيها الخطأ، وأفرق أيضاً بين النقد وبين الحملة، أنت عندما تنتقد نقداً متواصلاً ولا تذكر للحاكم حسنة، هذه حملة، وقد يتوقع أن عندك شيئاً وليس عندك شيء، كأنك تحشره وتدعوه لضربك، وهذا حصل كثيراً في بعض البلاد ويحدث الآن، وأرى أن يضبط الناس أنفسهم في هذه المسألة وهي صعبة جداً، لأن المعارضة سهلة ومغرية لمن يعتبرها باباً من أبواب الجهاد، والإنسان بطبعه يحب التحدي، لكن لا بد من الموازنة بين المواجهة وفائدة العمل على المستويات المختلفة الأخرى، لأن من الخطأ أن نظن أن مشكلة العالم الإسلامي هي مشكلة الحكام فقط، إن المشكلة هي المجتمع بأسره، فهو المنبع لهذه المشاكل، ولذلك فإن من السذاجة الاعتقاد بأن التخلص من حاكم هو الحل السحري الذي سيخلص البلاد والعباد من الأزمات والعناء الذي يعانيه، ونسيان أن المجتمع هو الرحم الفاسدة التي تحتاج إلى إصلاح، حيث لا تزال تدفع بمثل هذا الذي نتمنى زواله. وما أشبه حالنا -من غير فخر- بالحال التي يصورها الشاعر العربي الذي يفتخر بقومه: وإني من القوم الذين هم همُ ... إذا مات منهم سيد قام صاحبه نجوم سماء كلما غاب كوكب ... بدا كوكب تأوي إليه كواكبه إننا - مع مواجهتنا ونقدنا للسلطة - يجب أن نسعى سعياً حثيثاً لتغيير هذا الواقع الذي يفرخ لنا هذه المصائب. كنت أظن وأنا شاب أن المشكلة هي فلان، فذهب فلان وفلان ولم يتغير شيء، إذن المشكلة أبعد من فلان، المشكلة اجتماعية، وهذا ما يجب أن يربى عليه الشباب، حتى تتسع رؤيتهم، ولا يكون عملهم محدوداً ضيق الأفق، وموجهاً إلى شخص معين فقط.

стр. 1249

الإخلاص د. فضل إلهي إن أهم ما يجب أن يتصف به الداعية الإخلاص. فلا يجعل دعوته حرفة تكسب الأموال ولا ذريعة للتقرب إلى غير الله، ولا سلماً للوصول إلى الجاه والسلطان، بل يبتغي بدعوته وجه الله الواحد الأحد، ولا يريد من أحد سواه جزاء ولا شكوراً. وسنتحدث عن هذا الموضوع بعون الله تعالى تحت العنوانين التاليين: أولاً: وجوه تبين ضرورة اتصاف الداعية بالإخلاص. ثانياً: أمثلة من إخلاص الدعاة السابقين. وجوه تبين ضرورة اتصاف الداعية بالإخلاص: وتظهر ضرورة اتصاف الداعية بصفة الإخلاص من عدة وجوه منها: ١- يشترط الإخلاص لنيل الثواب على الدعوة: مما لا شك فيه أن الدعوة إلى الله من أوجب الأعمال وأفضلها وأحسنها لكن القائم بها لا يؤجر ولا يثاب عليها إلا إذا كان مخلصاً في دعوته. قال تعالى: [لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً] [النساء ١١٤] يقول الفخر الرازي في تفسير الآية: (والمعنى أن هذه الأقسام الثلاثة من الطاعات وإن كانت في غاية الشرف والجلالة، إلا أن الإنسان إنما ينتفع بها إذا أتى بها لوجه الله ولطب مرضاته. فأما إذا أتى بها للرياء والسمعة انقلبت القضية فصارت من أعظم المفاسد. وهذه الآية من أقوى الدلائل على أن المطلوب من الأعمال الظاهرة رعاية أحوال القلوب في إخلاص النية، وتصفية الداعية عن الالتفات إلى غرض سوى طلب رضوان الله تعالى) [١] . وقد بيّن رسول الله أيضاً أن العمل يحبط إذا قصد مع الله أحد. فقد روى الإمام مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: قال الله ﵎: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) [٢] . وقد بين كثير من سلف هذه الأمة أيضاً ضرورة الإخلاص لقبول العمل فقد قال سعيد بن جبير -رحمه الله تعالى-: (لا يقبل قول إلا بعمل، ولا يقبل أيضاً قول وعمل إلا بالنية، ولا يقبل قول وعمل ونية إلا بموافقته السنة) [٣] . وقال الفضيل بن عياض -رحمه الله تعالى -: (إن العمل إذا كان صواباً ولم ... يكن خالصاً لم يقبل.، إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، حتى يكون خالصاً صواباً. والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة) [٤] . ٢- الدعوة بغير الإخلاص ستجر صاحبها إلى النار: ولا يقف ضرر الدعوة بغير الإخلاص عند حرمان صاحبها من الثواب بل يتعدى إلى أنها ستجر الداعية إلى النار. فقد روى الإمام ابن ماجة عن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي قال: (لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء، ولا لتماروا به السفهاء، ولا تخيروا به المجالس [٥] ، فمن فعل ذلك فالنار فالنار) [٦] . وليس هذا فحسب بل إن الداعية لغير وجه الله تعالى سيكون أحد الثلاثة الذي تسعر بهم النار يوم القيامة. فقد روى الإمام مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن أول الناس يُقضى يوم القيامة عليه، رجل استشهد. فأُتي به فعرّفه نعمه فعرفها. قال: (فما عملت ... فيها؟) . قال: (قاتلت فيك حتى استشهدت) ، قال: (كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال جريء، فقد قيل) . ثم أمر به فسحب على وجهه حتى أُلقي في النار. ... ... ورجل تعلم العلم وقرأ القرآن. فأُتي به، فعرّفه نعمه فعرفها. قال: (فما عملت ... فيها؟) ، قال: (تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن) ، قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال قارىء. فقد قيل. ثم أمر به فسحب على وجهه حتى أُلقي في النار. ورجل وسّع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله. فأُتي به فعرّفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت بها، قال: (ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك) . قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال هو جواد. فقد قيل (. ثم أمر به فسحب على وجه ثم أُلقي في النار) [٧] . ... وفي رواية أخرى: قال أبو هريرة ﵁: ثم ضرب رسول الله ﷺ على ركبتي فقال: (يا أبا هريرة! أولئك الثلاثة أول خلق الله تُسعَّر بهم النار يوم القيامة) [٨] . يقول الإمام النووي تعليقاً على رواية مسلم: (قوله ﷺ في الغازي والعالم والجواد، وعقابهم على فعلهم ذلك لغير الله وإدخالهم النار دليل تغليظ تحريم الرياء وشدة عقوبته، وعلى الحث على وجوب الإخلاص في الأعمال كما قال تعالى: [ومَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ] . وفيه أن العمومات الواردة في فضل الجهاد إنما هي لمن أراد الله تعالى بذلك مخلصاً، وكذلك الثناء على العلماء وعلى المنفقين في وجوه الخيرات كله محمول على من فعل ذلك مخلصاً) [٩] . ٣- القاصد لغير وجه الله لا يقدر على نيل ما يرغب فيه: إن من ابتغى غير وجه الله بدعوته فليسأل نفسه ماذا يريد من وراء دعوته؟ هل يطلب بدعوته متاع الدنيا وزينتها؟ أم يهدف إلى نيل السيادة والقيادة في الأرض؟ أم يبتغي العزة بها؟ أم ينشد بها رضى الناس؟ إن كان قد أراد متاع الدنيا وزينتها بالدعوة فكيف يقدر على نيلها بغير إذن من له الأرض والسموات وما بينهما وقد قال تعالى: [مَن كَانَ يُرِيدُ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وزِينَتَهَا نُوَفِّ إلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إلاَّ النَّارُ..] [هود ١٥] ، وعليه أن يقرأ قوله تعالى: [قُل لِّمَنِ الأَرْضُ ومَن فِيهَا إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وهُوَ يُجِيرُ ولا يُجَارُ عَلَيْهِ إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ] [المؤمنون ٨٤-٨٩] ، وكيف ينالها بغير حكم من له خزائن السموات والأرض [ولِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ ولَكِنَّ المُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ] [سورة المنافقون ٧] . وإن كان قد رغب في الزعامة والقيادة في الأرض تحت ستار الدعوة فكيف يصل إليها من غير أمر من هو مالك الملك؟ وعليه أن يتدبر قوله تعالى: [قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشَاءُ وتَنزِعُ المُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] [آل عمران ٢٦] . وإن كان قد قصد بالدعوة العزة فليعلم أن العزة من رب العباد وليست من العباد [مَن كَانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعاً] [فاطر١٠] . وإن كان قد نظر في دعوته إلى رضى الناس فليفهم أن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف شاء. ثم إن القاصد لغير وجه الله تعالى لينتبه أن من فتح له المولى من رحمة فلا ممسك لها، وما يمسك فلا مرسل له من بعده. قال : [مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا ومَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ] [فاطر٢] . ومن أعطاه فلا مانع له، ومن منعه فلا معطي له كما كان الصادق المصدوق بالوحي عليه الصلاة السلام يقول إذا انصرف من صلاته: (لا إله إلا الله وحده لا ... شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد) [١٠] . وعلى القاصد لغير وجه الله تعالى أن يتذكر دائماً أن من أهانه الله فلا معز له ومن أكرمه فلا مهين له. قال تعالى: [وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ] [الحج ١٨] . وعليه أن يستحضر ما علمه النبي ﷺ الحسن بن علي ﵄ أن يقوله في قنوت الوتر: (وإنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت) . [١١] وعليه أن يحفظ أن من طلب رضى الله تعالى ... كفاه الله مؤونة الناس ومن التمس رضى الناس وكله الله إلى الناس. فقد روى الإمام الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم - يقول: (من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤونة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس) [١٢] . فما أجهل وأخسر من ترك ابتغاء وجه الله تعالى بالدعوة لأمور لا يقدر على نيلها إلا بأمر الله تعالى. ٤- المخلص في دعوته لله تعالى لا يبقى محروماً من الدنيا: من قصد بدعوته غير وجه الله تعالى فليفكر في هذا السؤال: هل سيحرم من الدنيا إذا ابتغى بالدعوة مرضات الله سبحانه تعالى؟ للإجابة على هذا السؤال عليه أن يستحضر الحديث الذي رواه الإمام الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من كانت الآخرة همه جعل الله ... غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله الفقر بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له) [١٣] . وعليه أن يعيد إلى ذاكرته تاريخ سلف هذه الأمة. إنهم أخلصوا النية في دعوة الناس إلى رب الناس فلم يكن هذا الاخلاص حاجزا دون تدفق خيرات الدنيا ونعيمها عليهم، خضعت لهم - بفضل الله تعالى - كبرى قوات العالم آنذاك، ورفرفت أعلامهم من أسبانيا إلى كاشغر وبخارى، وكثرت الأموال حتى لم يكد يوجد من يقبل الصدقات. وقد قال عنهم عدوهم: (إننا لا نذكر أمة كالعرب حققت من المبتكرات العظيمة في وقت قصير مثل ما حققوه، وإن العرب أقاموا ديناً من أقوى الأديان التي سادت العالم، أقاموا ديناً لا يزال تأثيره أشد حيوية مما لأي دين آخر، وإنهم أنشأوا دولة من أعظم الدول التي عرفها التاريخ) [١٤] . إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. إخلاص الدعاة السابقين: قبل أن نختم هذا الموضوع نذكر فيما يلي بعض الشواهد التي يتجلى من خلالها إخلاص الدعاة السابقين من الأنبياء والرسل -عليهم الصلاة والسلام- وإخلاص سيد الرسل وسلف هذه الأمة. أ- إخلاص الأنبياء السابقين: إن الدعوة إلى الله تعالى سبيل الأنبياء والرسل -عليهم الصلاة والسلام-، وعلى السالك في هذا الطريق أن يسلك كما سلكوا، ويتزود كما تزودوا، ويتصف بما اتصفوا به. إنهم أخلصوا لله الواحد ولم يطلبوا من أحد سوى الله تعالى أجراً. أخبر الله تعالى في سورة الشعراء عن نوح وهود وصالح ولوط وشعيب -عليهم الصلاة والسلام- أن كل واحد منهم قال لقومه: [ومَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إنْ أَجْرِيَ إلاَّ عَلَى رَبِّ العَالَمِينَ] [الشعراء ١٠٩، ١٢٧، ١٤٥، ١٦٤، ١٨٠] ، وهكذا أعلن إمام الأنبياء وقائد المرسلين محمد ﷺ . يقول تعالى مخاطباً إياه: [قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إنْ أَجْرِيَ إلاَّ عَلَى الله وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ] [سبأ ٤٧] . ويقول أيضاً: [قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ومَا أَنَا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ] [ص ٨٦] ، ويقول تعالى أيضاً: [أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًاً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ] [الطور ٤٠] . ٢- إخلاص سيد الرسل ﷺ : وقد أثبت إمام الدعاة وقدوتهم أيضاً بسيرته المطهرة أنه لايريد من وراء دعوته مالاً ولا ملكاً. إنما يقصد الأجر من الله تعالى، ومن مواقفه الكثيرة الدالة على ذلك موقفه من عروض قريش على لسان مندوبها عتبة بن ربيعة لما قال له: أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضاً ... يا ابن أخي! إن كنت تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد شرفاً سوّدناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد ملكاً ملكناك علينا. ولم يكن رده على هذه العروض إلا أن قال: أقد فرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم، قال: (فاسمع مني) ، فقال: [بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. حم * ... تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِياً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ..] ، قرأ رسول الله ﷺ حتى انتهى إلى السجدة منها فسجد ثم قال: (قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك) [١٥] . إخلاص سلف هذه الأمة: وهكذا كان أصحابه البررة وأتباعه الصادقون، دعاة الحق وأئمة الهدى - رضي الله تعالى عنهم- يعلنون في كل مكان أن طلبهم ليس الدنيا بل إنهم يريدون إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وأن من دخل في الإسلام فماله له، وملكه له. وما أكثر الشواهد الدالة على ذلك. فمن ذلك أن المغيرة بن شعبة - ﵁ لما ذهب إلى رستم بناء على طلبه قبل بدء القتال في معركة القادسية، قال له رستم: «إنكم جيراننا وكنا نحسن إليكم، ونكف الأذى عنكم، فارجعوا إلى بلادكم، ولا نمنع تجارتكم من الدخول إلى بلادنا» . فقال له المغيرة ﵁: إنا ليس طلبنا الدنيا، وإنما همنا وطلبنا الآخرة، وقد بعث الله إلينا رسولاً، قال له: «إني قد سلطت هذه الطائفة على من لم يدن بديني فأنا منتقم بهم منهم، وأجعل لهم الغلبة ما داموا مقرين به، وهو دين الحق، لا يرغب عنه أحد إلا ذل، ولا يعتصم به إلا عز» . فقال له رستم: «فما هو؟» ، فقال: «أما عموده الذي لا يصلح شيء منه إلا به فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والإقرار بما جاء من عند الله» ، فقال: «ما أحسن هذا! وأي شيء أيضا؟» ، قال: وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله. قال: «وحسن أيضاً، وأي شيء أيضا؟» قال: «والناس بنو آدم، فهم إخوة لأب وأم» ، قال: «وحسن أيضاً» ، ثم قال رستم: «أرأيت إن دخلنا في دينكم أترجعون عن بلادنا؟» ، قال: «إي والله! ثم لا نقرب بلادكم إلا في تجارة أو حاجة» . ولما خرج المغيرة ﵁ من عنده ذاكر رستم قومه في الإسلام، فأنفوا من ذلك، وأبوا أن يدخلوا فيه [١٦] . ما أصرح كلام المغيرة ﵁ لبيان موقف المسلمين من الملك والمال وحرصهم على هداية الناس. ولم يكن هذا البيان الواضح الذي لا لبس فيه ولا غموض على لسان المغيرة ﵁ وحده بل هكذا كان على لسان كل من أتيحت له الفرصة لتوضيح غاية المسلمين وهدفهم. ونجد النعمان بن مقرن ﵁ يخاطب ملك فارس يزدجرد وجهاً لوجه بقوله: «.. ونحن ندعوكم إلى ديننا وهو دين الإسلام، حسَّن الحسن، وقبّح القبيح كله، فإن أبيتم فأمر من الشر هو أهون من آخر شر منه جزاء، فإن أبيتم فالمناجزة. وإن أجبتم إلى ديننا خلفنا فيكم كتاب الله، وأقمناكم عليه على أن تحكموا بأحكامه ونرجع عنكم، وشأنكم وبلادكم» [١٧] . هكذا كان دعاة الحق في الجبهة الفارسية، وفي الجبهة الشامية يصرح معاذ بن جبل ﵁ في وجوه القادة الروميين والشاميين: «إن أول ما ادعوكم إلى الله أن تؤمنوا بالله وحده، وأن تصلوا صلاتنا، وتستقبلوا قبلتنا، وأن تستنوا بسنة نبينا ﷺ وتكسروا الصليب، وتجتنبوا شرب الخمر، وأكل لحم الخنزير، ثم أنتم منا ونحن منكم، وأنتم إخواننا في ديننا. لكم ما لنا وعليكم ما علينا» [١٨] . وفي الجبهة المصرية نجد عبادة بن الصامت ﵁ يبين ترفع المسلمين عن الدنيا للمقوقس بقوله: «وليس غزونا عدونا ممن حارب الله لرغبة دنيا ولا طلباً للاستكثار منها، إلا أن الله قد أحل ذلك لنا وجعل ما غنمنا من ذلك حلالاً، وما يبالي أحدنا أكان له قنطار ذهب أم كان لا يملك إلا درهماً، لأن غاية أحدنا من الدنيا أكلة يسد بها ٠ جوعته لليله ونهاره، وشملة يلتحفها، فإن كان أحدنا لا يملك إلا ذلك كفاه، وإن كان له قنطار من ذهب أنفقه في طاعة الله، واقتصر على هذا الذي بيده ويبلغه ما كان في الدنيا، لأن نعيم الدنيا ليس بنعيم، ورخاءها ليس برخاء. إنما النعيم والرخاء في الآخرة، وبذلك أمرنا ربنا وأمرنا به نبينا، وعهد إلينا ألا تكون همة أحدنا من الدنيا إلا ما يمسك جوعته ويستر عورته، وتكون همته وشغله في رضاء ربه وجهاد عدوه» [١٩] . وماذا كان تأثير كلام هذا الداعي المخلص الطالب لرضوان الله؟ فلنسمع - محدثنا أبا القاسم ابن عبد الحكم بقوله: «فلما سمع المقوقس ذلك منه قال لمن حوله: هل سمعتم مثل كلام هذا الرجل قط؟ لقد هبت منظره، وإن قوله لأهيب عندي من منظره، إن هذا وأصحابه أخرجهم الله لخراب الأرض. ما أظن ملكهم إلا سيغلب على الأرض كلها» [٢٠] . وفي الجبهة الصينية لما قال ملك الصين لرئيس وفد المسلمين: قد رأيتم عظيم ملكي، وإنه ليس أحد يمنعكم مني، وأنتم في بلادي، وإنما أنتم بمنزلة البيضة في كفي، فانصرفوا إلى صاحبكم فقولوا له ينصرف. فإني قد عرفت حرصه وقلة أصحابه، وإلا بعثت عليكم من يهلككم ويهلكه. فأجابه هُبيرة بن المشَفْرج الكلابي رئيس وفد المسلمين بقوله: كيف يكون قليل الأصحاب من أول خيله في بلادك وآخرها في منابت الزيتون؟ وكيف يكون حريصاً من خلّف الدنيا قادراً عليها وغزاك؟ وأما تخويفك إيانا بالقتل فإن لنا آجالاً إذا حضرت فأكرمها القتل، فلسنا نكرهه ولا نخافه « [٢١] . فالسالك طريق الدعوة هو السالك سبيل الأنبياء والمرسلين، وسبيل سيد الأولين والآخرين ﷺ وأصحابه البررة ﵃، وعليه أن يخلص نيته كما أخلصوا.

стр. 1250

خواطر في الدعوة في النقد الذاتي محمد العبدة من تأملات ابن خلدون في طبيعة الاجتماع الإنساني أن بعض الشعوب عندما تجاور شعوباً أخرى فإنها تسرق من طباعها، وتتسرب إليها عاداتها وتقاليدها، ويضرب ابن خلدون مثلاً على ذلك أن بني إسرائيل عندما خرجوا من مصر وسكنوا بلاد الشام كانت هذه البلاد تعج بشتى القبائل والأقوام المختلفة المشارب والمذاهب، ومع طول المجاورة تأثر بنو إسرائيل بهذا التفرق، ودبّ فيهم الخلاف وضعفوا حتى جاءهم من أزالهم عن ملكهم. هذه ملاحظة ذكية من مؤرخنا الاجتماعي تدل على تعمقه في دراسة أحوال المجتمعات أو التجمعات، والمتأمل لحال الدعوة الإسلامية في هذا العصر يجد مثل هذا التسرب قد دخل إليها من المحيط والبيئة التي تعيش فيها، سواء كانت بيئة الدول الوطنية أو الأحزاب، وبيئة المجتمع المتخلف حضارياً والذي تبرز فيه الدعوات الإقليمية أو القبلية، ففي الأحزاب والدول التي نعيش بين ظهرانيها يتسلق إلى المناصب المداهنون والمتملقون الذين يتقنون فن الكلام، ويبعد أصحاب الرأي الاستقلالي وأصحاب الشخصية القوية، وكأنهم يسيرون على القاعدة الاقتصادية (العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة) ويقع أحياناً مثل هذا في صفوف الدعوة. ومن سنن الزعيم السياسي أن يكون من دونه شخصاً ضعيفاً حتى يستطيع التصرف ولا يبرز أحد بجانبه، وتجد مثل هذا في الدعوات. وتمارس الدول ضغوطاً اقتصادية على أصحاب الفكر والدعوة، سواء كان ذلك بالمنع أو العطاء، وتعتبر هذا من المحافظة على كيانها، وتجد من بعض الفصائل الإسلامية من يفعل مثل ذلك، ومن الوزراء من يجعل وزارته مزرعة لأقاربه وأصدقائه وأهل بلده، ويقع مثل هذا أحياناً فيقرب أحدهم لصلة الصداقة أو القرابة، كل هذه السلبيات موجودة، ولكنها داء خفي لا ينتبه له، وهو من عوامل فصم عرى الوحدة، وزرع الإحن والبغضاء، وإبعاد الكفاءات، فهل تعالج هذه الأمور قبل استفحالها وقبل أن تقضي على ما تبقى من حيوية الدعوة. نحن لا ننكر أثر البيئة، ولكن المراجعة المستمرة للأخطاء وللأسباب المعيقة للتقدم، والتعمق في فهم بعض الظواهر السلبية؛ كل هذا كفيل بأن يخفف كثيراً من أثر البيئة. إن ابن خلدون يريد أن يقول: إن هذا من حتميات التجمع البشري، ولا أعتقد ذلك.

стр. 1251

مسائل في التكفير عبد العزيز محمد آل عبد اللطيف الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين والمرسلين، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد: من المعلوم أن مسألة التكفير من المسائل الكبار، والقضايا الخطيرة، وقد خاض فيها الكثير من بين غالٍ وجاف.. وهدى الله تعالى أهل السنة لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، فقرروا هذه المسألة بعلم وعدل، وتوسطوا بين أهل الغلو والإرجاء. وسأعرض في الصفحات التالية طرفاً من مباحث هذا الموضوع على النحو الآتي: ١- أهمية هذه المسألة وخطورتها: نبّه علماؤنا إلى خطورة هذه المسألة وعظم شأنها، وما يترتب عليها من نتائج وتبعات سواء في الدنيا أو الآخرة، وإليك جملة من كلامهم في ذلك: قال ابن تيمية ﵀: «اعلم أن مسائل التكفير والتفسيق» هي من مسائل «الأسماء والأحكام» التي يتعلق بها الوعد والوعيد في الدار الآخرة، وتتعلق بها الموالاة والمعاداة والقتل والعصمة وغير ذلك في الدار الدنيا، فإن الله سبحانه أوجب الجنة للمؤمنين، وحرم الجنة على الكافرين، وهذا من الأحكام الكلية في كل وقت ومكان « [١] . وقال ابن الوزير: (وكم بين إخراج عوام فرق الإسلام أجمعين، وجماهير العلماء المنتسبين إلى الإسلام من الملة الإسلامية، وتكثير العدد بهم، وبين إدخالهم في الإسلام ونصرته بهم وتكثير أهله، وتقوية أمره، فلا يحل الجهد في التفرق بتكلف التكفير لهم بالأدلة المعارضة بما هو أقوى منها أو مثلها مما يجمع الكلمة، ويقوي الإسلام، ويحقن الدماء، ويسكن الدهماء حتى يتضح كفر المبتدع اتضاح الحق الصادق، وتجتمع عليه الكلمة) [٢] . إلى أن قال: (وقد عوقبت الخوارج أشد العقوبة، وذمت أقبح الذم على تكفيرهم لعصاة المسلمين مع تعظيمهم في ذلك لمعاصي الله، وتعظيمهم لله تعالى بتكفير عاصيه، فلا يأمن المكفّر أن يقع في مثل ذنبهم، وهذا خطر في الدين جليل، فينبغي شدة الاحتراز فيه من كل حليم نبيل) [٣] . وقال الشوكاني:» اعلم أن الحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام، ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقدم عليه إلا ببرهان أوضح من شمس النهار، فإنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة المروية من طريق جماعة من الصحابة ﵃، أن من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما.. « [٤] . وعندما يقرر هؤلاء الأعلام وغيرهم خطورة هذه المسألة، فلا يعني تمييعها وإغلاق باب الردة بالحكم بإيمان من ظهر كفره بالدليل والبرهان، فهذا لا يقل انحرافاً وخطراً عن تكفير مسلم وإخراجه من الملة، ولذا قال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ﵀: (وبالجملة فيجب على من نصح نفسه ألا يتكلم في هذه المسألة إلا بعلم وبرهان من الله، وليحذر من إخراج رجل من الإسلام بمجرد فهمه واستحسان عقله، ... فإن إخراج رجل من الإسلام أو إدخاله من أعظم أمور الدين» وقد استزل الشيطان أكثر الناس في هذه المسألة، فقصر بطائفة فحكموا بإسلام من دلت نصوص الكتاب والسنة والإجماع على كفره، وتعدى بآخرين فكفروا من حكم الكتاب والسنة مع الإجماع بأنه مسلم..) [٥] - ٢ - يتعين التنبيه على أن الحديث عن موضوع الكفر أو التكفير لا ينفك عن فهم مقابله وهو الإيمان، ولذا فإن الانحراف في تعريف الإيمان، يورث انحرافاً في تعريف الكفر، وقد أشار الشيخ العلامة عبد الليف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب ﵏ إلى قاعدة في ذلك فقال: «اعلم أن من تصوّر حقيقة أي شيء على ما هو عليه في الخارج، وعرَف ماهيته بأوصافها الخاصة، عرف ضرورة ما يناقضه ويضاده، وإنما يقع الخفاء بلبس إحدى الحقيقتين، أو بجهل كلا الماهيتين، ومع انتفاء ذلك وحصول التصور التام لهما، لا يخفى ولا يلتبس أحدهما بالآخر، وكم هلك بسبب قصور العلم، وعدم معرفة الحدود والحقائق من أمة، وكم وقع بذلك من غلط وريب وغمة» [٦] . ومثال ذلك أن المرجئة لما أخطئوا وانحرفوا في فهم الإيمان، فحصروه في مجرد التصديق، وأخرجوا العمل عن مسمى الإيمان، أورثهم ذلك انحرافاً في فهم الكفر، حيث حصروه في دائرة التكذيب فقط، وانكروا كفر العناد والاستكبار، وكفر الإعراض ونحوهما من أنواع الكفر الأكبر [٧] . - ٣ - يجب أن يُعلم أن الكفر حكم شرعي، وأن الكافر هو من كفّره الله تعالى ورسوله ﷺ ، فليس الكفر حقاً لأحد من الناس بل هو حق الله تعالى. يقول ابن تيمية: «فلهذا كان أهل العلم والسنة لا يكفرون من خالفهم، وإن كان ذلك المخالف يكفرهم؛ لأن الكفر حكم شرعي، فليس للإنسان أن يعاقب بمثله، كمن كذب عليك، وزنى بأهلك، ليس لك أن تكذب عليه، ولا تزني بأهله؛ لأن الكذب والزنا حرام لحق الله تعالى، وكذلك التكفير حق الله فلا يكفر إلا من كفره الله ورسوله» [٨] . ويقول القرافي: «كون أمر ما كفراً، أي أمر كان، ليس من الأمور العقلية بل هو من الأمور الشرعية، فإذا قال الشارع في أمر ما هو كفر فهو كذلك، سواءً كان ذلك القول إنشاء أم إخباراً» [٩] . ٤- تعريف الكفر لغة واصطلاحاً: الكفر لغة: التغطية، قال تعالى: [كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الكُفَّارَ نَبَاتُهُ] فسمي الفلاح كافراً لتغطيته الحب، وسمي الليل كافراً لتغطيته كل شيء [١٠] . وأما معناه اصطلاحاً، فنورد جملة من كلام أهل العلم في ذلك. يقول ابن تيمية: «إنما الكفر يكون بتكذيب الرسول ﷺ فيما أخبر به، أو الامتناع عن متابعته مع العلم بصدقه، مثل كفر فرعون واليهود ونحوهم» [١١] . ويقول ابن حزم في تعريف الكفر: «وهو في الدين: صفة من جحد شيئاً مما افترض الله تعالى الإيمان: بعد قيام الحجة عليه ببلوغ الحق إليه بقلبه دون لسانه، أو بلسانه دون قلبه، أو بهما معاً، أو عمل عملاً جاء النص بأنه مخرج بذلك عن اسم الإيمان» [١٢] . ويقول ابن القيم في بيان معنى الكفر: «الكفر جحد [١٣] ما علم أن الرسول جاء به، سواءً كان من المسائل التي تسمونها علمية أو عملية، فمن جحد ما جاء به الرسول ﷺ بعد معرفته بأنه جاء به فهو كافر في دق الدين وصلبه» [١٤] . ويقول الشيخ عبد الرحمن السعدي: «وحد الكفر الجامع لجميع أجناسه، وأنواعه، وأفراده هو جحد ما جاء به الرسول، أو جحد بعضه، كما أن الإيمان اعتقاده ما جاء به الرسول والتزامه جملة وتفصيلاً، فالإيمان والكفر ضدان متى ثبت أحدهما ثبوتاً كاملاً انتفى الآخر» [١٥] . من خلال النصوص السابقة نوجز معنى الكفر - الذي لا يجامع الإيمان - بأنه اعتقادات، وأقوال، وأفعال سماها الشارع كفراً منافياً للإيمان بالكلية- فإذا كان الإيمان قولاً وعملاً، فكذا الكفر يكون قولاً وعملاً، فقد يكون الكفر قولاً قلبياً كالتكذيب، وقد يكون عملاً قلبياً كالبغض لما جاء به الرسول، وربما كان الكفر قولاً باللسان كالاستهزاء بالله تعالى وآياته أو رسوله.. وتارة يكون عملاً بالجوارح كالسجود لصنم ونحوه.. - ٤ - وإذا كان الإيمان ليس شعبة واحدة فحسب بل هو بضع وسبعون شعبة كما أخبر الصادق المصدوق ﷺ -في حديث شعب الإيمان-، فكذا مقابله الكفر. يقول ابن القيم مقرراً ذلك: «الكفر ذو أصل وشعب، فكما أن شعب الإيمان إيمان، فشعب الكفر كفر، والحياء شعبة من الإيمان، وقلة الحياء شعبة من شعب الكفر، والصدق شعبة من شعب الإيمان، والكذب شعبة من شعب الكفر، والصلاة والزكاة والحج والصيام من شعب الإيمان، وتركها من شعب الكفر، والحكم بما أنزل الله من شعب الإيمان، والحكم بغير ما أنزل الله من شعب الكفر، والمعاصي كلها من شعب الكفر، كما أن الطاعات كلها من شعب الإيمان» [١٦] . وإذا ثبت أن الكفر شعب متعددة، وأن له مراتب، فمنه ما يخرج من الملة، ومنه ما لا يخرج من الملة، فإنه يمكن أن يجتمع في الرجل كفر- غير ناقل من الملة - وإيمان، وهذا أصل عظيم عند أهل السنة، قد دلّ عليه الكتاب والسنة والإجماع، ولقد أخطأ المبتدعة - عموماً - في دعواهم أن الكفر خصلة واحدة، بناء على ظنهم الفاسد أن الإيمان شيء واحد يزول كله بزوال بعضه، فلم يقولوا بذهاب بعضه، وبقاء بعضه، كما قال النبي ﷺ : «يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من الإيمان» [١٧] . ٦- تكفير المطلق وتكفير المعين: يفرِّق أهل السنة بين تكفير المطلق وتكفير المعيّن، ففي الأول يطلق القول بتكفير صاحبه - الذي تلبس بالكفر - فيقال: من قال كذا، أو فعل كذا، فهو كافر، ولكن الشخص المعيّن الذي قاله أو فعله لا يحكم بكفره بإطلاق، بل لا بد من اجتماع الشروط وانتفاء الموانع، فعندئذ تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها. يقول ابن تيمية: «وليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين وإن أخطأ وغلط، حتى تقام عليه الحجة، وتبين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين، لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة [١٨] . ويقول أيضاً:» إن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين، وإن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعيّن، إلا إذا وجدت الشروط، وانتفت الموانع، يعين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه [١٩] . ويسوق ابن تيمية بعضاً من الأعذار الواردة على المعين فيقول: «الأقوال التي يكفر قائلها، قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق، وقد تكون عنده، ولم تثبت عنده، أو لم يتمكن من فهمها، وقد يكون قد عرضت له شبهات يعذره الله بها، فمن كان من المؤمنين مجتهداً في طلب الحق وأخطأ؛ فإن الله يغفر له خطأه كائناً ما كان، سواء كان في المسائل النظرية أو العملية، هذا الذي عليه أصحاب النبي ﷺ ، وجماهير أئمة الإسلام» [٢٠] . ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: «ومسألة تكفير المعيّن مسألة معروفة إذا قال قولاً يكون القول به كفراً، فيقال: من قال بهذا القول فهو كافر، لكن الشخص المعيّن إذا قال ذلك لا يحكم بكفره، حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها» [٢١] . وإذا ظهر لنا الفرق بين التكفير المطلق، وتكفير المعيّن، فسندرك خطأ فريقين من الناس، فهناك فريق قد غلا وتجاوز فادعى تكفير المعيّن بإطلاق، دون الالتفات إلى مدى توافر الشروط وانتفاء الموانع عن ذلك المعيّن، وفي المقابل نرى فريقاً من الناس قد امتنع عن تكفير المعين بإطلاق، وأوصد باب الارتداد. ٧- قيام الحجة: من بَلَغه هذا الدين فقد قامت عليه الحجة، وحكم الوعيد على الكفر لا يثبت في حق المعيّن حتى تقوم عليه حجة الله تعالى التي بعث بها رسله، قال تعالى: [لأُنذِرَكُم بِهِ ومَن بَلَغَ] ، وقال سبحانه: [ومَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً] . وأما شرط قيام الحجة على المكلفين: «فالحجة على العباد إنما تقوم بشيئين: بشرط التمكن من العلم بما أنزل الله، والقدرة على العمل به، فأما العاجز عن العلم كالمجنون، أو العاجز عن العمل، فلا أمر عليه ولا نهي..» [٢٢] . ومما يجدر ذكره أن قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمان والأماكن والأشخاص، كما قال ابن القيم: «إن قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص، فقد تقوم حجة الله على الكفار في زمان دون زمان، وفي بقعة وناحية دون أخرى، كما أنها تقوم على شخص دون آخر، إما لعدم عقله وتمييزه كالصغير والمجنون، وإما لعدم فهمه كالذي لا يفهم الخطاب، ولم يحضر ترجمان يترجم له» [٢٣] . هذا ما تيسر عرضه لهذه المسألة، راجياً من الله تعالى حسن البيان، وسلامة القصد، وبالله التوفيق وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1252

جولة ثانية في الهجوم على العمالقة - ١ - محمد عبد الله آل شاكر أصبحت المختصرات الماسخة للأصول المطولات من تراثنا كثيرة كثرة تستلفت النظر وتدعو للوقوف عندها. وأصل فكرة الاختصار هذه، وواقعها عند أدعياء التيسير والتهذيب اليوم؛ محل نظر. ويطول بنا الحديث لو رحنا نستقصي آثارها ومظاهرها «فحسبنا - إذن - أن نشير إلى دراسة ممتعة في هذا، قدمها الشيخ عثمان عبد القار صافي، من طرابلس الشام، بعنوان: (أخطار على المراجع العلمية لأئمة السلف) (طبع دار الفاروق بالطائف) وهي دراسة تمهيدية تهدف إلى المحافظة على التراث العلمي الإسلامي والتحذير من العبث به. وكان للشيخ عثمان فضل السبق والريادة في ذلك، أقام كتابه هذا على دراسة لبادرة الشيخ محمد علي الصابوني في كتابه» مختصر تفسير ابن كثير « و» صفوة التفاسير «، وهي تصدق أيضاً على ما أصدره الشيخ بعد ذلك من مختصرات، مثل» مختصر تفسير الطبري «و» مختصر روح البيان « و» مختصر الأذكار «.. وكأنه تخصص في السلخ والمسخ والاختصار. ومراجعة مختصر ابن كثير تقدم دليلاً على ذلك، ولديّ الكثير من الأمثلة جمعتها عندما كنت أقوم بتدريس هذا الكتاب في بعض المدارس الشرعية، وكان مقرراً في برامجها! -٢- وأما العمل الذي لا أستطيع أن أجد له بابا أضعه فيه، ولا أعرف له وصفاً جامعاً يناسبه أو يجمع كل ما ينبغي أن يقال فيه، فهو هذا العمل الجديد في كتاب » رياض الصالحين «للإمام النووي ﵀، وهو بطبيعته المقصودة هذه قد أوفى على الغاية في جمال الإخراج، وجودة الطباعة، ورواء المنظر. ولكن هذا الكتاب الذي كتب الله له القبول بين الناس منذ ثمانية قرون، هي ... عمره منذ تأليفه، صدرت طبعته الجديدة عن (دار طيبة) بمكة المكرمة و (المكتبة الإسلامية) في عمان بالأردن، (ومن حق الأخيرة أن تُقَدَّم لعلة يعرفها من يقرأ المقدمة) .» حققه وقدم له وهذبه وخرجه: حسان عبد المنَّان «و» راجع تخريجه والحكم على أحاديثه: شعيب الأرنؤوط «الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ. وآمل من القارئ الكريم أن يتابع معي هذه العبارات التي تتوسط غلاف الكتاب:» تمتاز هذه الطبعة بضبط نصوصها، وتهذيبها، وتخريجها، والاقتصار فيها على الصحيح، مع بيان الضعيف منها في فصل خاص، وترتيب أحاديثها في الأبواب المناسبة لها، ووضع عناوين فرعية لها، وشرح غريبها، وما أشكل منها «. (انتهى) هذه ثماني مميزات لهذه الطبعة يمنّ بها علينا الشيخ» عبد المنان «، ولن نعدو الصواب إذا قسمناها إلى قسمين، أحدهما: كذب، والآخر: جريمة واعتداء على الإمام النووي ومسخ لكتابه، وإليك البيان: أما» ضبط النصوص، وتخريجها، وشرح غريبها، وما أشكل منها « فليس هذا ميزة خاصة بهذه الطبعة، فقد سبق لهذه الميزات طبعات كثيرة - مجتمعة أو متفرقة - كتلك التي حققها وفهرسها وضبط وشرحها الدكتور صبحي الصالح ﵀ ، وكذلك طبعة الأرنؤوط، والدقّاق.. وغيرهم. وقد ذكر المحقق عدداً منها في مقدمته. وأما» تهذيب نصوصها «- ونصوص الكتاب كلها آيات وأحاديث - فلست أدري والله - ما الذي يحتاج إلى» التهذيب «، أهذه النصوص الكريمة أم الذي قام بتهذيبها نفسه؟ وما أدري - وما أخال عاقلاً يدري - من الذي أعطى هذا الحق لصاحبنا المحقق المهذب أن يقوم بترتيب أحاديث الكتاب في الأبواب المناسبة لها (بزعمه، وكأن النووي ﵀ لم يدرس أصول الترتيب والتأليف على المحقق! كان ينبغي أن يتعلم منه قبل أن يُخْلَق!) ، والاقتصار على الأحاديث الصحيحة كذلك، مع بيان الضعيف منها في فصل خاص، وهو يطبع الكتاب باسمه المعروف وباسم مؤلفه! وأنا أستحلف الأخ المحقق، فأقول له: بربك الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك، قل لي: هل هذا هو» رياض الصالحين «نفسه بنصه وفصه، كما وضعه المؤلف؟ وأقسم يمينا غير حانث: أنه ليس هو! ! فَلِمَ هذا التزوير والعبث والافتئات؟ وحرام على من يشتغل بعلوم السنة وتحقيق أحاديثها أن يكون هذا شأنه مع نصوصها وكتبها وعلمائها. ثم نأتي إلى قضية الأحاديث الضعيفة تلك التي حذفها من الأصل ورمى بها إلى الملحق بذيل الكتاب في فصل خاص، والتي يهوّل بها أغيلمة التحقيق والمتاجرون برياض الصالحين وغيره؛ يقول النووي ﵀:» فرأيت أن أجمع مختصراً من الأحاديث الصحيحة.. وألتزم فيه ألا أذكر إلا حديثاً صحيحاً من الواضحات، مضافاً إلى الكتب الصحيحة والمشهورات.. «أفلا يمكن أن نقول: إن ما رآه المحقق الفاضل ضعيفاً، أو حكم عليه بالضعف، هو صحيح بنظر النووي على الأقل (بل بنظر البخاري ومسلم، فمن الأحاديث التي ضعفها المحقق عدد من أحاديث الشيخين!) فيكون ذلك من باب اختلاف العلماء في التصحيح والتضعيف (وقد دخل صاحبنا في زمرتهم) ؟ ! أَوَ لا يمكن أن نخفف من حدة الأمر والتهويل به؛ بأن هذا كله في أبواب الترغيب والترهيب ونحوها، التي يتساهل العلماء في الرواية فيها بشروطهم، حيث يقول الإمام أحمد وغيره: إذا روينا في الترغيب تساهلنا، وإذا روينا في الأحكام أردنا هكذا - وقبض يده -؟ وإلا فهل كان البخاري عاجزاً عن انتقاء أحاديث» الأدب المفرد «مثلاً من الصحاح بشرطه المعروف؟ وكذلك الذهبي في كتابه» الكبائر «، والنووي في» الرياض «، بحيث لا يخالفهم الشيخ عبد المنان في تصحيحها؟ أما هذا الترتيب لأحاديث الكتاب» في الأبواب المناسبة لها «- كما قال- فهو تغيير يمسّ أصل الكتاب. وليس من حق المحقق أن يغير الكتاب بما يراه، وإذا أراد ترتيباً معيناً فيمكن أن يكتب كتاباً يرتبه كما يشاء. والغريب أنه يفعل فعلته تلك، وهو الذي لازم شيخه الأرنؤوط في البحث والتحقيق ست سنوات في مكتب التحقيق بمؤسسة الرسالة، عندما كان يحقق أمهات كتب الحديث والتراجم (صحيح ابن حبان، العواصم والقواصم، شرح مشكل الآثار.. شرح الطحاوية.. سير أعلام النبلاء) فهل كان عمل مكتب التحقيق بإشراف الشيخ الأرنؤوط هو السطو على كتب الأئمة وتغيير ترتيبها؟ ولست أدري كيف فات هذا العمل في الترتيب كلَّ من قام بتحقيق الكتاب وطبعه قبل الشيخ عبد المنَّان؟ لعل فيهم من لا يعرف أهمية هذا العمل وخطورة الأحاديث الضعيفة؟ فماذا نقول إذن عن الشيخ الألباني؟ ! فإذا غادرنا صفحة الغلاف إلى المقدمة نجد المحقق يقول معدَّداً ما امتاز به عمله، فيذكر الأمر الأول، وهو:» تهذيب الكتاب واختصاره في صورة لا تخل بمقصود الكتاب، بل تزيده دقة وفائدة (والحمد لله على التواضع والإنصاف، فقد أشار إلى أن في الكتاب دقة وفائدة، ولكنهما بحاجة إلى زيادة) ويسهل تناوله أكثر بين الناس، دون إنقاص فائدة من فوائده، وكانت الغاية من هذا التهذيب أن ينال الكتاب بأقرب الصور، ويقرأ دون ملل في وقت قصير.. «. أما أولاً: فإن كلام المحقق صريح في أنه اختصر الكتاب. فليكن إذن عنوان المطبوع» مختصر رياض.. «وإلا فكيف ينسب للنووي كتاباً لم يضعه بهذه الصورة؟ وثانياً: هذا» التهذيب «الذي يدندن حوله، فمرة أخرى أسائل القراء الكرام: من الذي يحتاج فعلاً إلى تهذيب (بل إلى تعزير وتأديب) ..؟ والتطاول على النووي - ثالثاً - صريح في تلك العبارة، وفي غيرها صراحة أكثر، لأن مفهوم كلام صاحبنا أن الكتاب كان بحاجة إلى زيادة» دقة وفائدة «فجاء التهذيب والاختصار تحقيقاً لذلك. ورحم الله امرءاً عرف قدر نفسه. وما إخال إنساناً سوياً، خلقه الله ووهبه عقلاً، يشكو صعوبة تناول كتاب النووي، حتى جاء صاحبنا ليسِّهل له ذلك بالتهذيب كيما يناله بأقرب الطرق (حتى ولو كانت مشروعة) . والغريب حقاً: أنه يفعل ذلك» ليقرأ الكتاب دون مللٍ في وقت قصير «مع أن صفحاته الستمائة تقريباً تعادل حجم الأصل، ومن ذا الذي سمعتموه - يا معشر القراء العقلاء - يشكو من طول الكتاب ومن الملل في قراءته؟ ورابعاً: زعم المحقق أنه اختصر الكتاب ليسهل تناوله» دون إنقاص فائدة من فوائده «كيف يصح هذا، وهو الذي كتب في بيان عمله متبججاً أنه: حذف الآيات المتكررة المعنى واللفظ، وحذف المكرر من الحديث، وحذف تخريجات النووي، وحذف بعض الأبواب، وبعض الأحاديث الصحيحة (!) .. حتى بلغ الحذف أحد عشر بنداً. فهل كان هذا المحذوف لا يخلّ بفائدة من فوائد الكتاب؟ وهل كان ذلك كله حشواً، فجاء هو لينزه الكتاب عنه؟ ولست أدري ما الذي تركه للمحققين من بعده ليحذفوه في طبعات أخرى؟ ثم يبلغ التطاول حداً كبيراً يتجاوز السنة ويصل إلى القرآن الكريم، فهو يحذف» الآيات المتكررة المعنى واللفظ إن كانت في باب واحد «. فما أدري - والله - ماذا يقول علماؤنا في هذا؟ أين يجدون الآيات الكريمة المتكررة لفظاً ومعنىً؟ وإن كنا قد فهمنا غرض المحقق من حذف الأحاديث الضعيفة، فكيف نفهم غرضه من» حذف بعض الأحاديث الصحيحة من الكتاب إذا كانت هذه الأحاديث مما ذَكَرْتُه (أي المحقق) في الباب نفسه في الحاشية «. فهل أصبح من مقاصد الشريعة وغايات التحقيق أن نحذف من المتن لأجل الحاشية؟ فننزل بالأصل مكاناً ومكانة، ونرتفع بالحاشية مكانة، فينقلب الأمر رأساً على عقب؟ ! -٣- فإذا وصلنا إلى البند الثاني من الميزات التي امتازت بها طبعة صاحبنا وجدناه » بيان الأحاديث الضعيفة في الكتاب «كيف يكون هذا ميزة له، وهو يكتب بخط يده» أن كثيراً من الطبعات أشارت إلى درجات الأحاديث صحة وضعفاً، وكان أفضلها نسخة أستاذنا (أي أستاذه هو) المحدث شعيب الأرناؤوط، ونسخة الشيخ المحدث محمد ناصر الدين الألباني، ونسخة الدكتور فاروق حمادة «؟ (وبالمناسبة هذه طبعات لهم وليست نسخاً لهم) . ولعل السبب في قوله ذاك: أنه - كما قال عنهم -:» قد فاتهم من بعض الأحاديث الضعيفة فحسَّنوها أو صححوها..) فجاء هو ليستدرك عليهم بتواضعه وأدبه الجم، ويلتمس لهم العذر في أنهم اعتمدوا «في الحكم على رواة تلك الأحاديث على كتاب (التقريب) للحافظ ابن حجر (رحم الله ابن حجر، ماذا كان سيفعل لو علم أن جيلاً قادماً سيقول في كتابه ما قال صاحبنا؟ لعله كان يسجر التنور بأوراق كتابه ويكفي الناس همَّ النقد والتعب) . والكتاب كما لا يخفى على ذي بصيرة قد جانب الإصابة في الحكم على عدد لا بأس به من رجاله، ووقع في أخطاء واضحة.. (والنقط هذه من المحقق! !) وكان قد أنبهني إلى بعضها أستاذي المحدث شعيب الأرناؤوط حفظه الله، فرسم لي الطريق وأفادني من علمه، ومشيت في ركب البحث والتنقيب عنه حتى صار عندي منها الكثير، والنية متجهة إن شاء الله لإكمال الشوط الذي بدأناه باشراف شيخنا ومعونته» . وصاحبنا متواضع ومتثبت فيما يقول، فهو لا يلقي الكلام على عواهنه، ولا يمنّ علينا فهو يقول: «.. وهذه الأحاديث التي ذكرتها فصَّلت القول فيها تفصيلاً شافياً بإيجاز، مبيناً علَّتي في تضعيف الحديث» ، ولذا فهو لم يحذف هذه الأحاديث الضعيفة من الكتاب، بل جعلها في فصل مستقل بآخره «ليأخذ منها ويستفيد بها مَنْ لا يرى ضَعْفَ الأحاديث التي ذكرتُ (أي عبد المنان) لِعلم أصابه أو شاهدٍ رآه يقّوي الحديث..» . إذن، دَعْها في مكانها وأَرِحْ نفسك من عناء نقلها، وتغيير الكتاب، وتواضعْ ثانية كما هي عادتك، فإن من القراء من لا يرى ضعفها فيستفيد منها في مكانها وسياقها. ولا داعي للافتئات على النووي، ولا حاجة للعبث بكتابه وتقطيع أوصاله. (وبالمناسبة لشدة تواضعه، قد يميل إلى تضعيف حديث ضعّفه غيره أيضاً ولكنه مع هذا المَيل لا يحذفه، ولا أدري لماذا خالف قاعدته؟) . وبمناسبة التصحيح والتضعيف والتواضع: هل يتكرم المحقق الفاضل فيبين لنا محل هذه الجملة من الإعراب عندما يقول: «وافقني عليه الشيخ الألباني» والكل يعلم أن تحقيق الألباني على الأقل أسبق من تحقيقه هو بسنوات. فمن الذي يوافق الآخر. ورحم الله أياماً كان الطلاب يوقرون أساتذتهم وشيوخهم ولا يتنفخون عليهم! ! ومِنْ قبل ومن بعد: لِمَ هذا الازدراء والإهمال للعلماء السابقين الذين كان لهم باع في التصحيح والتضعيف، ولهم مكانتهم، ولكلامهم وحكمهم وزن، لِمَ يعرض عنهم صاحبنا، ويكتفي بموافقة شيخه له في تضعيفه للحديث أو حكمه عليه؟ حتى تكررت هذه العبارة وكثرت كثرة ملفتة للنظر، فأصبحت ممجوجة. وإذا كان فضيلة المحقق أميناً دقيقاً في عبارته حين يقول «وافقني الشيخ شعيب ترجيحاً» ! فلماذا لا يكون أميناً دقيقاً عند تحقيقه للكتاب، فيعبث به هذا العبث، ويخون الأمانة ويجانب الدقة؟ ومما يتصل بالأمانة والدقة في التحقيق، ولكن صاحبنا يغفله، أنه يُدخِل كلامه ضمن نصِّ الكتاب عند الإحالات الكثيرة عقب الأحاديث، كقوله: انظر حديث كذا.. وحديث كذا.. بما قد يبلغ أسطراً عديدة، بل يتجاوز نصف الصفحة بحرف صغير. والنكتة البارعة الأخيرة، يطلقها صاحبنا فيقول في ص (٥٠٧) : «وحرصاً مني على إتمام الفائدة للعامة والخاصة أذكر هنا في هذا الفصل الأحاديث الضعيفة في كتاب» رياض الصالحين «وقد بلغت عندي أكثر من مائة، وعقبت بعد كل حديث بدليل ضعفه مع تخريجه بإيجاز. صحيح أن العامة أمثالي (حقيقة لا تواضعاً، وعلى الأقل في مجال التحقيق) يستفيدون من ذلك، ولكن ما حاجة الخاصة - طبعاً من علماء الحديث والمحققين منهم - ما حاجتهم لهذا الفضل؟ ومساكين كم فاتهم من علم وفوائد قبل أن يمنّ الأخ » عبد المنان «بإخراج هذا الكتاب.. ولا حول ولا قوة إلا بالله؟

стр. 1253

مصطلحات العقل عثمان علي حسن العقل لغة مصدر عقل، يعقل، عقلاً، فهو معقول، وعاقل. وأصل معنى العقل المنع، يقال: عقل الدواء بطنه، أي أمسكه، وعقل البعير: إذا ثنى وظيفه إلى ذراعه، وشدهما بحبل؛ لمنعه من الهروب. وأطلق العقل على معان كثيرة، منها: الحجر والنهي، والدية؛ لأن القاتل يسوق الإبل إلى فناء المقتول ثم يعقلها هناك، ويطلق - أيضاً - على الملجأ والحصن، وكذلك القلب [١] ؛ ولذا قال عمر بن الخطاب ﵁ في ابن عباس ﵄: «ذاكم فتى الكهول، إن له لساناً سؤولاً، وقلباً عقولاً» [٢] وما تقدم من إطلاقات فهي تدور حول المنع. وفي الاصطلاح فالمختار هو أن يقال: العقل يقع بالاستعمال على أربعة معان [٣] : الغريزة المدركة، والعلوم الضرورية، والعلوم النظرية، والعمل بمقتضى العلم. الأول: الغريزة التي في الإنسان، فيها يعلم ويعقل، وهي كقوة البصر في العين، والذوق في اللسان، فهي شرط في المعقولات والمعلومات، وهي مناط التكليف، وبها يمتاز الإنسان عن سائر الحيوان. الثاني: العلوم الضرورية وهي التي تشمل جميع العقلاء، كالعلم بالممكنات، والواجبات، والممتنعات. والفلاسفة والمتكلمون عرفوا العقل بها، ومنهم - كالباجي - من قسمها إلى قسمين: قسم يقع في الناس ابتداء، والآخر يحصل بالاكتساب، وخصوا العقل بالقسم الاول. الثالث: العلوم النظرية، وهي التي تحصل بالنظر والاستدلال، وتفاوت الناس وتفاضلهم فيها أمر جلي وواقع. الرابع: الأعمال التي تكون بموجب العلم [٤] ولهذا قال الأصمعي: «العقل: الإمساك عن القبيح، وقصر النفس وحبسها على الحسن» [٥] . وقيل لرجل وصف نصرانياً بالعقل: «مه، إنما العاقل من وحَّد الله وعمل بطاعته» [٦] ... وقال أصحاب النار: [لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ] [الملك. ١٠] . فتعريف بعض الناس العقل بذكر بعض هذه المعاني ليس بجامع، والصواب ذكر معانيه مجتمعة. وفي كل معاني العقل المتقدمة لا يوصف بأنه جوهر قائم بنفسه، خلافاً للفلاسفة، ومن شايعهم من المتكلمين [٧] ، بل العقل صفة أو عرض - عند من يتكلم بالجوهر والعرض - يقوم بالعاقل، وكونه صفة يمنع كونه أول المخلوقات، لأن الصفة لا تقوم بنفسها [٨] . التفاوت في العقول: عرف الباجي العقل بأنه: «العلم الضروري، الذي يقع ابتداء ويعم العقلاء» ويلزم منه أن يكون الناس في عقولهم سواء، وهو مذهب المعتزلة، والأشاعرة، ووافقهم ابن عقيل من الحنابلة، وهو ما ذهب إليه الفلاسفة [٩] وعلى رأسهم ديكارت القائل بأن: «العقل هو أحسن الأشياء توزعاً بين الناس بالتساوي..» إلى أن قال: «إن اختلاف آرائنا لا ينشأ من أن البعض أعقل من البعض الآخر..» [١٠] . وحجة المتكلمين - في عدم - تفاوت العقول واختلافها - هي أن العقل حجة عامة، يرجع إليها الناس عند اختلافهم، ولو تفاوتت العقول لما حصل ذلك، وهذا مبني على مذهبهم في تعريف العقل، بأنه: بعض العلوم الضرورية والتي لا يختلف الناس عليها، والصواب ما تقدم، وهو أن مسمى العقل يشمل العلوم الضرورية، والنظرية، فالتحاكم إلى العلوم الضرورية يمنع النزاع والاختلاف [١١] ، والتحاكم إلى العلوم النظرية يحتمل النزاع والاختلاف، وهذا مشهور بين الناس ولا سيما المشتغلين بالعلوم العقلية من الفلاسفة والمتكلمين؛ حيث يكثر بينهم التنازع والاختلاف. والحق أن يقال: إن العقول تتفاوت من شخص إلى شخص، بل قد يحصل هذا التفاوت في الشخص الواحد، كما قال الشاطبي ﵀: «فالإنسان - وإن زعم في الأمر أنه أدركه، وقتله علماً - لا يأتي عليه الزمان، إلا وقد عقل فيه ما لم يكن عقل، وأدرك من علمه ما لم يكن أدرك قبل ذلك، كل أحد يشاهد ذلك من نفسه عيانا، ولا يختص ذلك عنده بمعلوم دون معلوم.. [١٢] وحديث:» .. ما رأيت من ناقصات عقل ودين، أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن.. « [١٣] مما يمكن الاستدلال به على هذا التفاوت، إذ الحديث دل بمنطوقه على النقصان، وبمفهومه على الزيادة وهو معنى التفاوت، بل هو دليل على تفاوت العقل الغريزي أيضاً لأن الرسول ﷺ قرر أن جنس النساء فيه نقصان العقل، وهذا لا يكون إلا في الغريزة التي خلقن بها، ولأن التفاوت في الجانب الكسبي فرع عن التفاوت في الجانب الغريزي. قال شيخ الإسلام ابن تيمية:» الصحيح الذي عليه جماهير أهل السنة، وهو ظاهر مذهب أحمد، وأصح الروايتين عنه، وقول أكثر أصحابه، أن العلم والعقل ونحوهما يقبل الزيادة والنقصان « [١٤] . مكان العقل: اختلف أهل العلم في مكان العقل من جسم الإنسان، فقالت الأحناف والحنابلة وهو مذهب المعتزلة: إن العقل محله الدماغ، أي الرأس، ودليلهم: أنه إذا ضرب الرأس ضربة قوية زلزل معها العقل، وقالوا - أيضاً -: إن العرب تقول للعاقل، وافر الدماغ، ولضعيف العقل، خفيف الدماغ، وهو محل الإحساس. وقالت المالكية والشافعية: محله القلب، وعليه بعض الحنابلة، ونسب إلى الأطباء [١٥] ، وصححه الباجي ودليلهم قوله تعالى: [فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا] [الحج: ٤٦] فأضاف منفعة كل عضو إليه؛ فمنفعة القلب التعقل كما أن منفعة الأذن السمع؛ وقد تقدم كلام عمر ابن الخطاب في ابن عباس ﵃:» ذاكم فتى الكهول، إن له لساناً سؤولاً، وقلباً عقولاً «. والتحقيق أن العقل له تعلق بالدماغ والقلب معاً، حيث يكون مبدأ الفكر والنظر في الدماغ، ومبدأ الإرادة والقصد في القلب، فالمريد لا يكون مريداً إلا بعد تصور المراد، والتصور محله الدماغ [١٦] ، ولهذا يمكن أن يقال: إن القلب موطن الهداية، والدماغ موطن الفكر؛ ولذا قد يوجد في الناس من فقد عقل الهداية - الذي محله القلب - واكتسب عقل الفكر والنظير - الذي محله الدماغ - كما قد توجد ضد هذه الحال.

стр. 1254

الأفكار أساس التغيير محمد محمد بدري تنطلق أي أمة من الأمم في دربها الحضاري من مجموعة الأفكار التي على أساسها تشيد الأمة صرح حضارتها، ويقدم الواقع شواهد عديدة على أن سلوك الأفراد في مجتمع من المجتمعات ما هو إلا الترجمة العملية لما يؤمنون به من أفكار، ولهذا نجد أن المجتمعات تتقدم أو تتخلف تبعاً لنوعية الأفكار التي يعتنقها أفرادها «فصحة المجتمعات أو مرضها أساسهما صحة الفكر أو مرضه» [١] و «المجتمعات التي تدور في فلك الأفكار الصحيحة، تتفوق على تلك التي تدور في فلك الأفكار الخاطئة، كما كانت حال الأمة المسلمة الأولى في صدر الإسلام وتفوقها على مجتمعات الرومان والفرس وغيرها» [٢] . ومعلوم أن جزيرة العرب لم يكن بها قبل نزول القرآن إلا شعب بدوي يعيش في صحراء مجدبة، حتى إذا جاءت أفكار الرسالة، تحول الرجال الذين لا يزالون في بداوتهم والقبائل ذات الحياة الراكدة.. تحول هؤلاء إلى رجال يحملون للعالم الحضارة ويقودون فيه التقدم والرقي. فماذا دخل حياة المجتمع العربي يومئذ؟ «لم يدخل حياته عامل جديد ينقله تلك النقلة الهائلة في كل جانب من جوانب الحياة، إلا ذلك التصور الاعتقادي الجديد.. ذلك التصور الذي جاء إلى عالم الإنسان بقدر من الله، والذي انبثق منه ميلاد للإنسان جديد» [٣] . فهناك فكرة قد تجعل إنساناً ينحني ويسجد لصنم من الحجر، وفكرة أخرى تجعل إنساناً آخر يحمل الفأس ليكسر ذلك الصنم! ! ولأن الأفكار بهذا القدر من الأهمية، فإنه ومنذ أن تقرر في أوكار الصهيونية تدمير الخلافة الإسلامية، وأعداء الأمة الإسلامية يحرصون على تخريب الفكر الإسلامي وتشويه العقل المسلم من ناحية، ومن ناحية أخرى يقومون برصد الأفكار الفعالة التي تحاول إحياء الأمة، لكي يقضوا عليها في مهدها أو يحتووها قبل أن تصل إلى جماهير الأمة فتصحح وجهتها أو تعدل انحرافات أفرادها، ولتبقى الجماهير إذا اجتمعت تجتمع على أساس العاطفة وتحت سلطانها، وليس على أساس (الفكرة.. والمبدأ) .. ومن هنا كانت مخططات أعداء الإسلام «لاحتواء وتدمير الأمة الإسلامية تهدف دائماً إلى هزيمة الأمة (فكرياً) ، لأن هزيمة الأمة في أفكارها تجرّدها من الحصانة وتتركها فريسة لأي مرض أو وباء فيسهل بعد ذلك احتواؤها وتفكيك معتقداتها» [٤] . وإذن فالمعركة بين الأمة الإسلامية، وأعدائها.. ليست معركة واحدة في ميدان الحرب، بل هي معركة في ميدانين.. ميدان الحرب، وميدان الفكر.. والأعداء حريصون في ميدان الفكر على (احتلال) عالم (الأفكار) في أمتنا، وحريصون في نفس الوقت على توزيع (نفاياتهم) الفكرية من أفكار اللغو كأشعار الغزل والقصص الجنسي والأدب العاري.. وما إلى ذلك، حريصون على توزيع هذه النفايات إلى أمتنا، لأنهم يعلمون أن الأمة التي تنتشر فيها هذه الأفكار الفاسدة تصبح غثاء تدور به «الدوامات السياسية العالمية، ولا يملك نفسه عن الدوران ولا يختار حتى المكان الذي يدور فيه، وهذا ما أخبر به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وحذر منه:» يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: إنكم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل « [٥] . إن أحاطة عدونا بنا، ووصولنا إلى مرحلة الشتات والفرقة، ودخول أمتنا مرحلة (القصعة) .. كل ذلك» دليل على وجود خلل في البنية الفكرية والطروحات العقيدية التي أثمرته، مهما كانت دعاوانا عريضة، وأصواتنا مرتفعة بالادعاء أننا على النهج السليم « [٦] ، ولذلك فإن العاملين في ميدان (إحياء) الأمة لا بد لهم من التمييز بين (أسباب) مرض أمتنا و (أعراض) هذا المرض، فالأسباب في الحقيقة (فكرية) أساسها المعتقدات والقيم والأفكار، أما الأعراض فهي سياسية واقتصادية واجتماعية..، ومن هنا فإن بداية أي تغيير لا بد أن تحدث في الأفكار، وبقدر ما تملك الأفكار رصيداً قوياً من الاستجابة لدى الأمة وتغييراً ملحوظاً في مجال سلوكيات أفرادها وعلاقاتهم الاجتماعية، ستتحول هذه الأفكار ثقافة معطاءة يمكن أن نقول إنها تشكل نقطة البدء في التغيير المنشود.

стр. 1255

عندما يئن العفاف صرخة مسلمة من بلاد البوسنة والهرسك شعر: عبد الرحمن العشماوي أطرقت حتى ملَّني الإطراقُ ... وبكيت حتى احمرَّت الأحداقُ سامرتُ نجم الليل حتى غاب عن ... عيني، وهدَّ عزيمتي الإرهاقُ يأتي الظلام وتنجلي أطرافه ... عنا، وما للنوم فيه مذاقُ سهرٌ يؤرقني ففي قلبي الأسى ... يغلي، وفي أهدابي الحُرَّاقُ سيّان عندي ليلنا ونهارُنا ... فالموج في بحريهما صفَّاقُ قتلٌ وتشريدٌ وهَتْكُ محارمٍ ... فينا، وكأس الحادثاتِ دهاقُ أنا قصة صاغ الأنين حروفها ... ولها من الألم الدَّفين سياقُ أنا أيها الأحباب مسلمةٌ لها ... قلبٌ إلى شرع الهدى توَّاقُ دفن الشيوعيون نَبْعَ كرامتي ... دهراً، وطارت حولي الأطباقُ حتى إذا انكشف الغطاء وغرَّدتْ ... آمالنا، وبدا لنا الإشراقُ وقف الصليب على الطريق فلا تسل ... عما جناه القتلُ والإحراقُ وحشيَّة يقف الخيالُ أمامها ... متضائلاً، وتمجُّها الأذواقُ أطفالنا ناموا على أحلامهم ... وعلى لهيب القاذفات أفاقوا يبكون، كلاَّ، بل بكت أعماقهم ... ولقد تجود بدمعها الأعماقُ أطفالنا بيعوا، وأوربا التي ... تشري، ففيها راجت الأسواقٌ أين النظام العالمي أما له ... أثرٌ، ألم تنعق به الأبواقُ أين السلام العالمي لقد بدا ... كذبُ السلام، وزاغت الأحداقُ يا «مجلس الخوف» الذي في ظله ... كُسِر الأمان، وضُيِّع الميثاقُ أو ما يحركك الذي يجري لنا ... أوما يثيرك جرحنا الدّفاق؟ ! يُعفى عن الصرب الذين تجبروا ... وطغوا، ويُفْرَدُ بالعقاب عراقُ هذا وربك شر ما سمعت به ... أذنٌ وما كُتبت به الأوراقُ سرج العدالةِ مال فوق حصانها ... ولوى العِنانَ إلى الوراء نفاق كُشِفَ الستار وبان كلُّ مُخبَّأٍ ... فإلى متى تتطامن الأعناقُ أنا أيها الأحباب مسلمةً طوى ... أحلامَها الأوباش والفسّاقُ أخذوا صغيري وهو يرفع صوتَه ... «أميِّ» وفي نظراته إشفاقُ ولدي؛ ويصفعني الدعيُّ ويكتوي ... قلبي، ويُحْكِمُ بابيَ الإِغلاقُ ولدي، وتبلغني بقايا صرخةٍ ... مخنوقةٍ، ويُقهقه الآفَّاقَ ويجرُّني وغدٌ إلى سردابه ... قسراً، وتُظلم حولى الآفاقُ ويئنُّ في صدري العَفَافُ ويشتكي ... طُهري، وتُغمض جفنَها الأخلاقُ أنا لا أُريد طعامكم وشرابكم ... فدمي هنا يا مسلمون يُراقُ عرضي يُدنَّس أين شيمتكم أما ... فيكم أبيٌّ قَلْبُه خفَّاقُ أختاهُ، أمتنا التي تدعونها ... صارت على درب الخضوع تُساقُ أودتْ بها قوميةٌ مشؤومة ... وسرى بها نحو الضَّياع رفاقُ إن كُنْتِ تنتظرينها فسينتهي ... نَفَقٌ، وتأتي بعده أنفاقُ مُدّي إلى الرحمن كفَّ تَضرُّعٍ ... فلسوف يرفع شأنَك الخلاَّقُ لا تيأسي فأمام قدرة ربِّنا ... تتضاءَل الأْنسَابُ والأعراقُ

стр. 1256

الحركة العلمية في الحجاز في العصر الأموي (٢) د. محمد آمحزون يتابع الأخ الكاتب في هذه الحلقة الجهود العلمية في بلاد الحجاز في العصر الأموي بعد أن استعرض في الحلقة السابقة موضوع التفسير. الحديث: وفي هذا العصر برز ما يسمى بعلم الجرح والتعديل أو علم الرجال. وهذا العلم مما انفرد به المسلمون، ولا نظير له عند غيرهم من الأمم. والغرض منه الكشف عن أحوال رواة السنة، وتمييز الصادق من الكاذب، والضابط من الواهم، والموثوق بروايته من المطعون فيها. وقد كان السبب في إنشاء هذا العلم الجليل أنه في أعقاب الفتن التي شهدها العصر الأموي [١] ظهرت الفرق ذات الآراء السياسية المتعارضة والأهواء المذهبية المتعصبة، ففشا الكذب، وظهر الوضع، ولجأ أتباع هذه الفرق إلى الوضع في الحديث والأخبار. وهذا ما جعل العلماء يؤكدون على ضرورة التثبت في مصادر الرواية ويسألون عن الرجال الذين اشتركوا في نقلها. وفي هذا الشأن يقول ابن سيرين (المتوفى سنة ١١٠هـ) : «لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة [٢] قالوا: سموا لنا رجالكم فلينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم؛ وينظر إلى أهل البدعة فلا يؤخذ حديثهم» [٣] . ومما يدل على ذلك أيضاً قول ابن عباس ﵁: «إنا كنا نحدث عن رسول الله - ﷺ إذ لم يكن يكذب عليه، فلما ركب الناس الصعب والذلول تركنا الحديث عنه» [٤] . فعبر هنا ابن عباس عن الفتن بقوله ركوب الناس الصعب والذلول، ولذا كان لا يقبل إلا ما يعرف. وقد تكلم عدد من التابعين في الجرح والتعديل مثل سعيد بن المسيب (المتوفى سنة ٩٤ هـ) ومحمد بن مسلم الزهري (المتوفى سنة ١٢٤هـ) وعامر الشعبي (المتوفى سنة ١٠٣هـ) . وكان كل منهم بمثابة نواة لنشأة مادة واسعة في علم الرجال يتداولها العلماء والنقاد في العصور التالية [٥] . وتميزت تلك الفترة بنشاط الرحلة في طلب العلم، وذلك لبروز عامل جديد يحفز الطلاب إلى الرحلة، ذلك هو طلب الإسناد العالي؛ فهو أخصر طرق الحديث المتصلة. فبدلاً من أن يأخذ التابعي عن تابعي يرغب بدوره أن يأخذ عن صحابي، فيرحل إلى ذلك الصحابي فيروي عنه الحديث مباشرة، كما كان لظهور الوضع في الحديث أثر في تنشيط هذه الرحلات العلمية طلباً للحديث من مظانه، وتدقيقاً لمصادره، وبحثاً عن أصوله، وتحرياً عن رواته. وكان أغلب هؤلاء في المدينة المنورة قلب المجتمع الإسلامي النابض، والتي طبعت بحكم مركزها بطابع خاص في الحديث والرواية، وعرفت بالتدقيق والصرامة. فهذا أبو قلابة عبد الله بن زيد البصري (المتوفى سنة ١٠٤هـ) يقيم في المدينة ثلاثة أيام ما له حاجة إلا رجل كانوا يتوقعون قدومه كان يروي حديثاً، فأقام حتى قدم وسأله عن الحديث [٦] . وحدث عامر الشعبي رجلاً بحديث ثم قال له: «أعطيناكها بغير شيء، قد كان يركب فيما دونها إلى المدينة» [٧] . وعن أبي العالية الرياحي (المتوفى سنة ٩٥هـ) قال: (كنا نسمع الرواية بالبصرة ... عن أصحاب رسول الله ﷺ فلم نرض حتى ركبنا إلى المدينة فسمعناها من أفواههم) [٨] . ولم تكن المدينة المنورة هي المعقل الوحيد للرواية، وإن كانت تحتل الصدارة في هذا الباب، بل قصد طلاب العلم بلداناً ومدناً أخرى مثل مكة والطائف واليمامة وصنعاء [٩] ، وذلك بسبب انتشار الصحابة في الأمصار. وفي الواقع، كان للرحلة أثر في شيوع علم السنة وتكثير طرق الحديث، كما كان لها أثر في معرفة الرجال بصورة دقيقة، لأن المحدث يذهب إلى البلدة فيتعرف على علمائها ويخالطهم ويسألهم. ولولا الرحلة في طلب العلم لوجد لكل مدينة طابعها الخاص المميز لها، مما يسبب العزلة العلمية، ويذكي العصبية المحلية بين العلماء باتساع الخلاف على الأحكام. ولكن الحيوية والروح العلمية التي تحلى بها العلماء دفعتهم إلى جوب الآفاق وأخذ العلم من شتى المراكز الفكرية. على أن أولئك المحدثين لم يهتموا - مع الأسف - بتدوين أخبار الرحلات وأوصاف المدن التي شدوا الرحال إليها، ولو فعلوا ذلك لقدموا معلومات غزيرة ومفيدة كتلك التي نجدها في كتب الرحلات المتأخرة مثل رحلة ابن جبير وابن بطوطة. ومن مميزات ذلك العصر من الناحية العلمية الاهتمام بكتابة الحديث النبوي وتدوينه، وذلك خلافاً لما يعتقده بعض المستشرقين مثل جولد تسيهر وبلاشير اللذين رفضا صحة الأخبار المتعلقة بكتابة الحديث وتدوينه في تلك الفترة المبكرة، فجعلا زمن بداية جمع الحديث أواخر القرن الثاني والنصف الأول من القرن الثالث الهجري [١٠] . ومعنى هذا الرأي أن العرب كانوا في حال من البداوة لا تسمح لهم بالانتباه إلى التدوين والكتابة في فترة مبكرة مثل القرن الأول وسنرى من خلال عرض تاريخ الكتابة والتدوين عند المسلمين أن الرأي الذي جرّد العرب في العصر الأموي من التصنيف والكتابة، وجعل صدر الدولة العباسية مبدأ العلم والثقافة والتدوين عند العرب هو رأي أملاه الهوى وعدم الموضوعية. وحتى إذا افترضنا أن أصحاب هذا الرأي لهم نوايا حسنة، فإنهم حين يحاولون فهم التاريخ الإسلامي على غير صورته فهم مخطئون فيما ذهبوا إليه. لقد عرف المسلمون طرقاً متنوعة لتحمل أو تلقي العلم، وهذا الجانب بحد ذاته سمة متميزة تنفرد بها الحضارة الإسلامية، ولا يعرف لها في الحضارات الأخرى شبيه. وهذا سبب أساسي لما حدث من لبس وسوء فهم في الدراسات الاستشراقية الحديثة. ففي كتب مصطلح الحديث يرد ذكر أصناف طرق تحمل العلم وهي متنوعة منها: السماع والقراءة والإجازة والمناولة والكتابة والوصية والوجادة. وفي كل الحالات المذكورة ليس الحفظ أمراً ضرورياً إلا في الحالتين الأوليين وهما السماع والقراءة. فهذا أبو هريرة (المتوفى سنة ٥٩هـ) رغم اشتهاره بقوة الذاكرة يبدو مع ذلك أنه قد أعد للرواية بعض الصحف. روى تلميذه بشير بن نهيك عنه قال: كتبت عن أبي هريرة كتاباً، فلما أردت أن أفارقه قلت: يا أبا هريرة! إني كتبت عنك كتاباً، فأرويه عنك؟ قال: نعم اروه عني [١١] . وكان عبد الله بن عمر بن الخطاب (المتوفى سنة ٧٤ هـ) يكتب الأحاديث النبوية في رسائله [١٢] وكانت عنده كتب في العلم ينظر فيها. نقل إبراهيم الصائغ عن نافع أن ابن عمر كانت له كتب ينظر فيها، يعني في العلم [١٣] . أما أنس بن مالك (المتوفى سنة ٩٤ هـ) فكان يحث أولاده على كتابة العلوم ويقول لهم: (يا بني قيدوا العلم بالكتاب « [١٤] ، حتى نقل عنه أنه كان لا يعد عالماً من لم يكتب علمه [١٥] . وتخبرنا المصادر في مواضيع كثيرة عن كيفية التدوين وطريقة النسخ في ذلك الوقت؛ قال سعيد بن جبير إنه كان يكتب عند عبد الله بن عباس على الألواح حتى يملأها [١٦] . وروى أحد التابعين أنه رأى طلاب العلم في مجلس البراء بن عازب الأنصاري (المتوفى سنة ٧٢ هـ/٦٩١ م) وهم يكتبون على أكفهم بالقصب [١٧] . وفي ضوء بعض الأمثلة في جيل التابعين يتضح بجلاء ما أبداه هؤلاء من همة في الكتابة، وكيف أنها كانت عادة معروفة في زمنهم، عكس ما يتوهمه بعض الباحثين من أن الاعتماد في النقل عند المحدثين مدى قرن ونصف كان على الذاكرة فقط، وعلى المشافهة بالتحديث، حتى اتخذه أعداء السنة سُلَّماً للطعن فيها. لقد كانت الكتابة عند التابعين إحدى طرق تلقي العلم المألوفة بجانب السماع والقراءة. وفي هذا الصدد يروي أحمد ابن حنبل أن الحكم بن عتيبة (المتوفى سنة ١١٣ هـ) أخذ عن مقسم بن بجرة (المتوفى سنة ١٠١هـ) أربعة أحاديث سماعاً، أما سائر مروياته فقد أخذها كتابة [١٨] . وذكر ابن أبي حاتم أن أحاديث عبد الأعلى عن محمد ابن الحنيفة (المتوفى سنة ٧٣ هـ) كانت من كتاب، ثم يؤكد ذلك بقوله:» قلت يعني أنها ليس بسماع « [١٩] . وغالباً ما نجد في المصادر معلومات عن استعارة الكتب في ذلك الوقت! حيث استعار حيدر الطويل كتب الحسن البصري (المتوفى سنة ١١٠هـ) فنسخها وردها عليه [٢٠] . كما استعار الليث بن أبي سليم كتاباً من حسن بن مسلم (المتوفى سنة ١٠٦هـ) ، وقال هِزْر أخو حسن بن مسلم لرجل: (إذا قدمت فعرِّج على ليث بن ألي سليم وقل له حتى يرد كتاب ابن حسن بن مسلم فإنه أخذه منه) [٢١] . وذكر معمر بن راشد أنه نسخ كراستين حول المغازي عن التابعي عثمان الجزري المشهور بعثمان المشاهد، استعيرا منه ولم يعودا ٢٢ [. وقد سعى بعض الحكام الأمويين إلى جمع الحديث وتدوينه، ويعد مروان بن ... الحكم (المتوفى سنة ٦٥هـ) أول وال أموي أراد أن يحفظ معارف مشاهير الصحابة ويصونها من الضياع. فيروى أنه استقدم زيد بن ثابت ﵁ عندما كان عاملاً على المدينة، وطرح عليه أسئلة والكتاب جالسون خلف ستر يدونون الإجابات] ٢٣ [. وكتب ابنه عبد العزيز بن مروان عندما كان والياً على مصر] ٢٤ [إلى التابعي كُثَيِّر بن مُرّة الحضرمي (المتوفى سنة٧٥ هـ) أن يكتب له ما سمعه من أحاديث الصحابة سوى أبي هريرة لأن حديثه كان مجموعاً عنده] ٢٥ [. ثم جاء حفيده عمر بن عبد العزيز بن مروان إلى الخلافة، فكتب إلى عامله على المدينة أبي بكر بن حزم:» انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ أو سنة ماضية أو حديث عمرة فاكتبه فإني خفت دروس العلم وذهاب أهله «] ٢٦ [. وأراد منه أن يكتب ما عند عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية (المتوفاة سنة ٩٨ هـ) والقاسم بن محمد (المتوفى سنة ١٢٠هـ) ] ٢٧ [، لأنهما أعلم الناس بحديث عائشة. لكن المحاولة الشاملة في الجمع والنسخ قام بها إمام جليل آخر هو محمد بن شهاب الزهري المدني حيث استجاب لطلب الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، وكان شغوفاً بجمع الحديث والسيرة، فجمع حديث المدينة وقدمه إلى عمر بن عبد العزيز الذي بعث إلى كل أرض دفتراً من دفاتره] ٢٨ [. وكان لهذه الجهود أثر كبير في حفظ السنة ومنع التلاعب فيها، كما مهدت الطريق للعلماء المصنفين في القرن الثاني للهجرة، حيث ازدهرت حركة التدوين ودأب العلماء على ذلك. لكن الفضل في أقدم أشكال تدوين الحديث يرجع بالطبع إلى مرحلة التأسيس في العصر الأموي.

стр. 1257

مقال بطرس غالي.. تاريخ وحقائق أحمد عبد العزيز أبو عامر تمهيد: ينتسب د. بطرس غالي إلى الكنيسة القبطية التي يترأسها اليوم شنودة الثالث، ولقد استطاعت هذه الكنيسة في الأربعينات جذب جماهير المثقفين الأقباط حولها واستطاعت أن تحقق نوعاً من الإحياء لدورها. وفي نهاية الخمسينات وبداية الستينات استطاع النظام الناصري آنذاك ومن خلال مشروعه (القومي) جذب العديد من أبناء الكنيسة القبطية لينخرطوا في صفه ولما كانت تلك الفئات المثقفة تنتمي أصلا في بداية تعليمها غالباً إلى مدارس (الأحد) الكنسية حصل في هذا الجيل اتجاهان: الأول: من بقي مرتبطاً بالكنيسة أكثر من الدولة والحياة العامة (كشنودة الثالث) . الثاني: من ابتعد عن الكنيسة وارتبط بالدولة ومنهم الصفوة القبطية السياسية والتكنوقراطية مثل (د. ميلاد حنا) . وهناك اتجاه ثالث يحاول الربط بين الكنيسة والدولة في إطار فكري واحد مثل (وليم سليمان قلادة) . ودراسة المسيحية السياسية في مصر تعتمد على عدد محدود من الكتابات يُرى فيها آراء متفرقة أكثر مما نجد رؤية فكرية متكاملة وشاملة ومن هذه الدراسات القليلة كتابات الكاتب القبطي المعروف (د. رفيق حبيب في بعض كتبه ودراساته المنشورة) [١] وله جهود جيدة في كشف حقيقة الكنيسة ورموزها و (شنودة) غير راض عنه ولا عن والده. وأرجو أن أتناوله وفكره وموقف الكنيسة منه في دراسة قادمة بإذن الله. والذي يجب أن لا يغيب عن البال هو أن للكنيسة القبطية تنظيماً ونشاطاً كبيراً في الداخل والخارج، ولها جهود كبيرة في كافة الأصعدة، وتشجع الدراسات التي تبشر بدينهم، وتنقد الإسلام، بخاصة تظهر الغبن المزعوم لطائفتهم. وباباهم الحالي يظهر عند المقابلة معه دبلوماسية وذكاءً كبيراً وتبرؤاً من كل جهد لهم أو لمنتسبيهم بكل ما يعكر صفو الأمن أو يثير النزعات الطائفية. ولا يعرف له موقف إيجابي ضد الكتب التي تهاجم الإسلام زوراً وبهتاناً مثل: (رسالة المجلس الملي القبطي بالإسكندرية) والتي نقدها وكشف عوارها د. عبد الجليل عيسى، وكذلك (الجريدة النفيسة في تاريخ الكنيسة) لإيسذوروس وكتاب: (بيان الحق لياسين منصور) والذي نقده وفضح مفترياته الأستاذ توفيق علي وهبة. في كتابه: (افتراءات المفترين) وكتاب: (تاريخ الكنيسة القبطية) لمنسي يوحنا، وهو كتاب يحوي تعصباً أعمى قال عنه مبشر، نصراني لبناني معروف هو (لويس شيخو اليسوعي) بعدما ذكر أخطاءه في كثير من الوقائع والحقائق: إن مؤلف الكتاب كان مدفوعاً في كتابه بعامل التعصب القومي. ويعلم الجميع أن الصحوة الدينية الشاملة في السنين الأخيرة أيضاً شملت النصارى، ولذا تم اجتماع مؤخراً في (استانبول) هو الأول من نوعه منذ قرابة الألف سنة بين كبار أساقفة الكنيسة الأرثوذكسية في الشرق الأوسط وأفريقيا وأوربا للتصالح بينهم وبين بقية الطوائف المسيحية الأخرى وعلى رأسها كنيسة روما الكاثوليكية، بعد انقطاع دام حوالي ٩٣٨ سنة، وقد عبر الجميع عن تصميمهم على إعطاء دور أكبر للكنيسة الأرثوذكسية الشرقية والتي عانت حسب زعمهم الكثير من الاضطهاد على أيدي المسلمين مثلما عانت من نير الشيوعية.. هذه التداعيات المسيحية في النهضة الجديدة للكنيسة الأرثوذكسية ومشاركاتها في كثير من الأنشطة الاجتماعية وصدور كثير من الكتب والنشرات والصحف والمجلات في الداخل والخارج [٢] . كل ذلك لا شك له أثره ودوره في تنمية الوعي لدى أفرادها وبالتالي إثارة الحمية الدينية في نفوسهم مما ينعكس بالتالي على شعور كل فرد منهم مهما كان توجهه علمانياً مثل د. بطرس بطرس غالي. نبذة عن حياة بطرس غالي: هو ابن لإحدى الأسر القبطية المشهورة والتي كان لها دورها في الحياة السياسية المصرية واشتهرت بعميدها (بطرس غالي باشا (١٨٤٧ - ١٩١٠) والذي تولى رئاسة الوزارة في مصر في نوفمبر ١٩٠٨ وحتى ١٩١٠ وقد اغتاله أحد الشباب الوطنيين المصريين وهو (إبراهيم ناصف الورداني) والذي ثأر لبلده من ميول المذكور للمستعمر الإنجليزي وعمله لمدّ امتياز القناة للإنجليز، وقد فشل المشروع بعد اغتيال صاحبه. ووالد المقتول هو (غالي ناروز بك) كان من كبار أقباط بني سويف ومن كبار أثرياء مصر في عصره، إذ كان أحد موظفي الدائرة الخاصة للخديوي إسماعيل، مما أتاح لابنه (بطرس) أن يقضي جانباً من سنوات تعليمه في المدرسة التي أنشأها (مصطفى فاضل) شقيق الخديوي لتعليم أبنائه ومنهم بطرس الحالي حفيد بطرس غالي ناروز والذي ولد سنة ١٩٢٢م في أحد قصور حي (الفجالة) بالقاهرة.. وقد دخل كلية الحقوق وتخرج منها عام ١٩٤٦م وحصل على الدكتوراه من جامعة باريس عام ١٩٤٩م ثم عاد إلى القاهرة للعمل أستاذاً للقانون الدولي ثم رئيساً لقسم القانون الدولي بعد ذلك. ثم شارك في تأسيس كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة عام ١٩٦٢م وأصبح فيما بعد رئيساً لقسم العلوم السياسية بهذه الكلية منذ إنشائها. وفي عام ١٩٧٧م تولى وزارة الدولة للشؤون الخارجية. ومن أبرز أعماله في هذه الفترة مشاركته في الوفد الذي صاحب أنور السادات في عقد الصلح مع العدو الصهيوني، إذ كان مسؤول الجانب السياسي في مباحثات (كامب ديفيد) للسلام من سبتمبر ١٩٧٨م إلى مارس ١٩٧٩م (ومعلوم أن زوجته يهودية) وبقي في هذا المنصب حتى أصبح نائباً لرئيس الوزراء المصري في أوائل ١٩٩١م، ثم تم اختياره أخيراً أميناً عاماً لهيئة الأمم المتحدة. ولا يغيب عن البال ترأسه لتحرير مجلة (السياسة الدولية) بدءاً من يوليو ١٩٦٥ وحتى ١٩٩١م والتي تعتبر مرجعاً هاماً في العلوم السياسية دراسة وتحليلاً ومتابعة من منظور علماني. وكتب الكثير من الدراسات السياسية والقانونية في مجال تخصصه، ومن أشهر مؤلفاته: (الحكومة العالمية) والذي صدر للمرة الأولى عام ١٩٥٧م، وأعيد طبعه مؤخراً هذه السنة ١٩٩٢ م، والكتاب يدور حول فكرة (الحكومة العالمية) أو إقامة تنظيم دولي لحفظ السلام والأمن في العالم. حيث قام بدراسة الموضوع من الناحية النظرية في كتابات عدد من المفكرين في المدرسة الأوربية، والمدرسة الأنجلوسكسونية، والمدرسة الإسلامية، وخلال هذه المتابعة التاريخية يرصد نمو الوعي بضرورة وجود تنظيم دولي وبضرورة وجود نظام لتسوية الصراعات والنزاعات بالطرق السلمية لأن الحرب كما نقل: (انتحار جماعي وضرب من ضروب الجنون) . ثم ينتقل إلى دراسة لبعض التجارب السابقة في إقامة التنظيمات الدولية بدءاً بالمؤتمر الدولي عام ١٨١٤م وانتهاءاً بهيئة الأمم المتحدة. هذا التوجه الجميل في البحث عن حكومة عالمية تحكم العالم وتكفل السلام، وتوفر الطمأنينة ماذا عمل (بطرس غالي) لتنفيذها حينما آلت إليه مقاليد هيئة الأمم؟ مما يؤسف له أن ذلك الكلام تبخر وصار أثراً بعد عين وظهرت ميول عجيبة وغريبة لا يمكن بحال من الأحوال تفسيرها بغير (الميول الصليبية الكامنة في لا شعوره) في مواقفه اللامبالية من مأساة (دولة البوسنة والهرسك) وعدوان الصرب الهمجي عليهم والذي لم يعد يجهله أحد، وشكَّل أعنف عدوان إجرامي في العصور الحديثة. لا سيما إذا عرفنا أن الرجل (أرثوذكسي) العقيدة، وإخوانه الصرب على نفس المذهب، والموقف البارد الذي يعالج به هذه القضية كما سنرى لا يمكن تفسيره بغير ما في ذكرته، فهو رجل سياسي عرف السياسة نظرياً وتطبيقياً. وله أفكاره حيال معالجة الصراعات والأوضاع العالمية السابقة لكنه حيال هذه المأساة عطلها وأعطى المعتدين الصرب الفرصة لاستئصال المسلمين هناك في وضح النهار. فمنذ بدأت جمهورية البوسنة والهرسك بالانفصال وإعلان استقلالها كان له موقف سلبي حيالها لا سيما حينما بدأ الصرب الصليبيون مواقفهم العدوانية من تلك الدولة الجديدة التي يرونها جزءاً لا يتجزأ من (صربيا الكبرى) وحصل من الفجائع والمآسي للمسلمين هناك ما نقلته وكالات الأنباء، وأثار دهشة كل الناس للطرق العدوانية التي يتعاملون بها. ومواقف (الأمين العام الجديد) تمثلت فيما يلي. ١ - استبعد أول الأمر إرسال قوات دولية لحفظ السلام في البوسنة والهرسك حتى قبل أن يُقدَّم اقتراح بهذا الشأن، وبادر بإصدار تقرير متسرع مباشرة بعد فرض العقوبات الدولية على (دولة صربيا) لإراقتها الدماء البريئة في البوسنة والهرسك. ٢- رفض بطرس غالي اتفاق لندن بشأن وضع الأسلحة الثقيلة بين الأطراف المتناحرة تحت إشراف الأمم المتحدة مع العلم أن الأسلحة الثقيلة بيد الصرب، والمسلمون ليس بأيديهم سوى أسلحة خفيفة مما أثار مشكلة مع (اللورد كارنجتون) وسيط هيئة الأمم المتحدة الذي أشرف على إبرام الاتفاق حينما زعم بطرس أن وقف إطلاق النار جرى التفاوض بشأنه بصورة متعجلة للغاية، وأنه يقضي بنشر عدد من مراقبي هيئة الأمم المتحدة يزيد عما كان مخططاً له في الأصل، وقد رفض (كارنجتون) الانتقادات البطرسية وقال: إن وقف إطلاق النار قد صدر عن الأطراف المتحاربة نفسها وأنه فقط قام بنقل الاقتراح فيما بين الأطراف، وقال: سيكون من الأفضل ممارسة ضغط أكبر على المتحاربين، إلى أن قال: إنه لا يعتقد أنه بوسع المرء أن ينبذ بصورة كاملة وقف إطلاق النار الراهن. ٣- معارضته في إرسال المزيد من القوات الدولية إلى البوسنة والهرسك الأمر الذي أخر اتخاذ مجلس الأمن قراراً بشأن خطة المجموعة الأوربية التي تقضي بنزع سلاح الأطراف المتحاربة. لكن بطرس اقترح أن تساهم منظمات إقليمية أوربية في تمويل المهمة وتوفير المعدات والأفراد. بل ربما تتولى المهمة برمتها متعللاً بنقص موارد هيئة الأمم المتحدة، وأهمية معالجة قضايا أفريقيا كالصومال بنفس الاهتمام، ولا ندري كيف حصل هذا الاهتمام الجديد فجأة بقضية الصومال التي مزقتها الحروب الأهلية منذ ما يقارب السنة ولم ينتبه الأمين العام لها إلا يوم بدت الحاجة الماسة لإنقاذ مسلمي البوسنة والهرسك من الحرب الصليبية التي يشنها عليهم الصرب بكل غطرسة وعنجهية. فهل القصد الاهتمام بالصومال أم التساهل مع الصرب حتى يتم لهم ما يهدفون إليه من التطهير العرقي المزعوم. والذي يقومون به على مسمع العالم وبصره. ٤- وبعد تلك المواقف اللا إنسانية من هيئة الأمم المتحدة وأمينها العام شن عدد من الصحف الغربية والبريطانية منها بخاصة هجوماً على بطرس غالي وانتقدت تصرفاته غير المسؤولة، وأسلوبه في التعامل مع قرارات مجلس الأمن. بل وتغيبه عن حضور جلسات مناقشة قضية البوسنة، ونقلت صحيفة اللوموند (الفرنسية) أن أحد أعضاء مجلس الأمن علق قائلاً بأن (بطرس غالي) عارض منذ تعيينه في منصبه أي تدخل إضافي للأمم المتحدة في البوسنة والهرسك، وقال آخر: إن مزاج بطرس غالي متوعك تجاه هذه القضية التي تعتبر في غاية المأساوية، وأنه في غاية الدهشة لهذا الموقف إزاء مأساة تدور أحداثها أمام أعيننا. وإزاء هذا الهجوم عليه لا سيما من الصحف البريطانية استطاع (غالي) أن يلمز بريطانيا بعد خلافه مع مندوبها (ديفيد هاناي) إذ قال في معرض شرحه لأسباب الهجوم عليه ربما لانه دخيل مما أثار ضجة في الأوساط الإعلامية والسياسية الإنجليزية لأن المرادف لكلمة (دخيل) كما استخدمها (غالي) لفظ جارح، وكان يستخدم سابقاً للإشارة إلى مواطني الدول الآسيوية المستعمرة من قبل الإنجليز مما يجدد ذكريات مؤلمة عن ذلك الاستعمار، مما دعا وزير خارجية بريطانيا (هيرد) في مقابلة مع (بي. بي. سي) إلى الثناء على الأمين العام، وقال المراقبون في لندن: إن تصريح (هيرد) هذا بمثابة اعتذار الغرض منه غلق هذا الملف. إن ملف بطرس غالي وموقفه المشين من قضية العدوان الصربي على المسلمين في البوسنة والهرسك سيظل مفتوحاً يظهر منه مدى الإهمال واللامبالاة من وقف المعتدين عند حدهم. لو كان ما يحدث للمسلمين هناك حل بغيرهم من المسيحيين أو غيرهم كاليهود مثلاً ماذا سيكون موقف الأمم المتحدة وأمينها العام يا ترى؟ لا بد حينئذ أن تعلن الطوارئ وتقوم هيئات حقوق الإنسان بإعلاناتها المتشنجة حيال وأد حقوق أولئك المعتدى عليهم أما وأن الضحايا مسلمون فلا حياة لمن تنادي. ولقد قال مفتي البوسنة والهرسك حيال المواقف المشينة للأمين العام للأمم المتحدة من قضية بلاده: إن موقف الأمين العام بطرس غالي من قضية شعبي غريب ومدهش. فأولاً: بلادي دولة مستقلة معترف بها دولياً، وثانياً: إن ما حدث من الصرب اعتداء واضح وصريح على الشرعية الدولية وتدخل في شؤون دولة أخرى، وثالثاً: إن ما يقوم به الصرب ليس اعتداءً على شعبي وبلادي فقط ولكنه اعتداء بشع على الإنسانية جمعاء، وأنهم طالبوا بقوات دولية لحفظ السلام، والضغط دولياً من خلال المنظمة الدولية على صربيا ولكن للأسف فوجئوا بموقف الأمين العام السلبي، وتساءل: كيف يكون للأمم المتحدة دور في الحماية ومنع التدخل كما حصل في بعض المواقع الملتهبة وتمتنع عن اتخاذ إجراءات ناجعة حينما وقع الاعتداء على شعبه؟ ! وما زال مجلس الأمن يناقش مدى إمكانية إرسال قوة عسكرية لحماية المعونات الإنسانية ولم يتفقوا بعد، أما حماية البشر فهذا بعيد فيما يظهر. ثانياً: ليس هذا هو الموقف السلبي الوحيد لبطرس غالي من قضايا المسلمين، فموقفه من قضية المسلمين في قبرص لا يقل غرابة، فالمسلمون هناك كانوا الأكثرية في الجزيرة ولكن ببركات بريطانيا والتي فتحت أبواب الجزيرة لليونانيين حتى صار المسلمون أقلية.. وتعرضوا لحرب إبادة من أولئك الطارئين وكان لزعيمهم الهالك (المطران مكاريوس) دور في حرب الإبادة ضد مسلمي الجزيرة. ويتماسك المسلمون تحت قيادة الأستاذ (رؤوف دنكطاش) ولم يحمهم بعد الله من استئصال عصابات النصارى إلا تدخل الجيش التركي عام ١٩٧٣م حينما كان نجم الدين أربكان نائباً لرئيس الوزراء التركي، حينها استصدر أمراً باجتياح شمال قبرص لحماية المسلمين القبارصة وبهذا المنطلق الذي لا يعرف الأعداء سواه قامت دولتهم شمال قبرص والتي لم تحظَ بعد باعتراف دولي سوى من تركيا نفسها، نجد (بطرس غالي) يطالب الزعيم المسلم بالتخلي عن الجزء القائم باسم المسلمين - ويشكل (١/٤) الجزيرة - لصالح اليونانيين. وحاول أن يمارس ضغوطاً قوية في سبيل تنفيذ ذلك، فدعا الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن إلى دعم المساعي الرامية إلى الخروج مما أسماه (الطريق المسدود) الذي وصلت إليه المفاوضات حالياً لحل المشكلة القبرصية. بينما الحكومة القبرصية الصليبية تحظى بتأييد دول العالم قاطبة ودعمها، وهي أبعد ما تكون إنصافاً وعدلاً مع قطاع كبير من الشعب القبرصي المسلم. فبماذا نعلل هذا الموقف من (بطرس غالي) حيال مسلمي قبرص؟ ولماذا لا يكون الحل الجذري للجميع لينال المظلومون حقوقهم، لكن العجب يزول إذا عرفنا أن نصارى اليونان وقبرص كلهم من الأرثوذكس وإذا عرف السبب بطل العجب. ثالثاً: الموقف المتناقض من القرار ٢٤٢ حول قضية الشعب الفلسطيني المسلم. ونحن بادئ ذي بدء نرفض عملية السلام مع العدو الصهيوني لما يترتب على السلام معهم من أخطار عقدية وسياسية واقتصادية وعسكرية واجتماعية لا يتسع المجال لذكرها، ويمكن الرجوع إلى كتيب (لماذا نرفض السلام مع اليهود) للأستاذ محسن عنبتاوي لكن ما يثير العجب أن القرار ٢٤٢ الذي قبلته الدول العربية بعد نكسة ١٩٦٧ كان لبطرس غالي رأيه المتشدد في إلزاميته لليهود في دراسة علمية له نشرها في مجلة (السياسة الدولية) العدد (٤٢) وهي دراسة تستحق أن تكون أساساً للرد على أي دعوى ترى عدم إلزامية ذلك القرار، لكننا فوجئنا بتغيير رأيه في مدى إلزامية القرار للعدو في مؤتمر للأمين العام في ٢٠ مارس الماضي والذي عكس فيه رأيه رأساً على عقب داعياً إلى أن القرار غير ملزم للعدو الصهيوني. رابعاً: وحيال مأساة المسلمين في بورما والتي تمثل نموذجاً للمآسي التاريخية في عصر (النظام العالمي الجديد) لما عانوه من قتل وتشريد واضطهاد، حيث هرب مئات الألوف من بورما إلى دولة فقيرة هي بنجلادش. ولم يتخذ حيال العصابة الشيوعية الحاكمة في (رانجون) أي موقف صارم يوقفها عند حدها لا لشيء إلا لأنهم مسلمون، إنها مأساة شعب يشكو إلى الله غفلة إخوانه المسلمين ومؤامرة الدول الكبرى وبخاصة صناع النظام العالمي الجديد. المراجع: ١- المسيحية السياسية في مصر، د. رفيق حبيب. ٢- ومن أهم صحفهم في مصر (الكرازة) دينية الطابع و (وطني) ذات طابع سياسي. ٣- الحكومة العالمية، د. بطرس غالي. ٤- المجتمع العدد ٩٩٦ والعدد ١٠١٠. ٥- الشرق الأوسط ٤٩٨٥، ٤٩٩٩. ٦- الدعوة العدد ١٣٥١. ٧- السياسة الدولية العدد ١٠٨.

стр. 1258

مقابلة مع: الشيخ أحمد قاضي والشيخ محمد حاج بعد سقوط الاتحاد السوفييتي قام المسلمون في كافة الجمهوريات الوليدة بالسعي لاستعادة هويتهم، وانبرى الدعاة والعلماء لأخذ دورهم الهام في إعادة الناس إلى استئناف الحياة الإسلامية التي فصلوا عنها زماناً طويلاً، ومن جهود العلماء المسلمين في الاتحاد السوفييتي (سابقاً) تأسيس حزب النهضة الإسلامي، الذي يعد أكبر تجمع للمسلمين. ونلتقي في هذه المناسبة برئيس الحزب الدكتور أحمد قاضي، ... ونائبه للعلاقات الخارجية الشيخ محمد حاج ليحدثونا عن الحزب خصوصاً، ... وأوضاع المسلمين هناك عموماً. حبذا لو تحدثونا عن إرهاصات إنشاء الحزب؟ مرت بالمسلمين - كما لا يخفى عليكم - أيام سوداء قاتمة زمن الشيوعية ... اضطررنا خلالها للعمل السري للمحافظة على كياننا الإسلامي، وكان في مناطق المسلمين أربع إدارات دينية للإشراف على شؤون المسلمين - زعموا - تحت توجيه وإشراف المخابرات، وكان لكل إدارة مفتٍ منصّب (شيوعي) . وعندما تحسنت الأوضاع - أيام البيروسترويكا - تحرك المسلمون ضد هذه الدمى وأطاحوا بمفتي آسيا الوسطى شمس الدين بابا خان وكذلك مفتي داغستان محمود حقي. ثم تحرك الجميع لإنشاء الأحزاب القومية والعلمانية، وكذا أحزاب النصارى، مما دعا المسلمين إلى التداعي لإنشاء حزب يضم المسلمين ويخدم قضاياهم. فهب العلماء والدعاة إلى الاجتماع في منتصف ١٩٩٠ وحضر ٢٢٠ مندوب من مناطق المسلمين كافة، وقرروا إنشاء حزب النهضة الإسلامي في جميع أنحاء الاتحاد السوفييتي (قبل تفككه) ، وتألف مجلس شورى من العلماء (١٧ عالماً) ولجنة تنسيق (٧ أعضاء من مختلف المناطق) . ما هي أهداف وبرامج الحزب؟ ... الحزب إسلامي، وأهدافه نبيلة وتشمل أساساً توحيد المسلمين من كافة مناطقهم، وكذلك تربيتهم على الأصول الإسلامية من الكتاب والسنة، والدعوة إلى الالتزام بأوامر الدين واجتناب نواهيه. ومن ناحية أخرى العمل على رعاية حقوق المسلمين السياسية والاجتماعية في المناطق التي يكونون فيها أقلية. كيف تطورت أوضاع الحزب بعد انهيار الاتحاد السوفييتي؟ ... ... في البدء كان لنا فروع في (٩) جمهوريات أكبرها طاجيكستان وأزبكستان، واستطعنا إنشاء صحف في مختلف الجمهوريات مثل: (الدعوة) و (النجاة) ... في أزبكستان و «بيان الحق» و «الوحدة» وغيرها في المناطق الأخرى. وكذلك قمنا بتوزيع الكثير من النشرات الإسلامية. وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي، أصبحت الأحزاب ذات الصبغة العامة غير معترف بها، وبالتالي قمنا بتسجيل الحزب في مختلف الجمهوريات تحت الاسم نفسه وتجمعها رابطة النهضة الإسلامية، حيث سجل فيها (٧٠) ألف عضو من كافة مناطق الاتحاد السوفييتي (سابقاً) . هل للحزب أدوار سياسية؟ ... قبل سقوط الاتحاد السوفييتي شارك الحزب في الانتخابات، وفي طاجكستان شارك الحزب مع المعارضة القومية في الضغط على الحكومة ورئيسها (الشيوعي) عن طريق الاضرابات والاعتصام حتى قدم الرئيس الكثير من التنازلات. وتعتقد قيادة الحزب أن الوقت الآن للتربية وتوجيه الناس وانتشالهم من الجهل الذي يعانونه، أما الجانب السياسي فقادم في المستقبل إن شاء الله. هل لكم أن تعطونا فكرة عن عدد أعضاء الحزب الآن، وواقعه؟ ... لعلمكم فإن روسيا وعدد سكانها ما يقارب ١٥٠ مليون تحوي ما يقارب ٢٦ مليون مسلم يتركز بعضهم في مناطق تتميز بالحكم الذاتي - مثل داغستان التي ننتمي إليها - ويتوزع الآخرون في روسيا نفسها، وعدد أعضاء الحزب في داغستان فقط ثلاثة آلاف عضو، يجمعهم مجلس شورى من تسعة عشر عضواً، وهم يمثلون مليوني نسمة من أهالي داغستان. ويعاني الحزب من آثار الشيوعية الباغية حيث كل المساجد والمدارس مدمرة، ولك أن تتصور أن داغستان أيام القيصرية كانت تحتوي ٢٧٠٠ مسجد و٨٠٠ مدرسة فضلاً عن آلاف العلماء الذين قتلوا أو هربوا. هل هناك أحزاب إسلامية أخرى؟ نعم يوجد حزب ديمقراطي إسلامي! ! وهو صوفي النزعة ويستخدمه القوميون مطية لهم، وكذلك «جماعة المسلمين» وهم شافعية ملتزمون بالكتب المذهبية ويصفون من يخالفهم - ممن يستفيدون من جهود الآخرين وبالأخص المعاصرين - بأنهم وهابيون، وقد كان لهم جهود طيبة سابقاً في محاربة الشيوعية. ما أخطر المشكلات التي تواجه الحزب الآن؟ في الحقيقة تعتبر اللغة مشكلة كبيرة، وعائقاً أمام أعمال الدعوة ولك أن تتصور مليوني نسمة (في داغستان) يتكلمون (٣٣) لغة وبالتالي فاللغة الروسية هي السائدة، أما العربية - التي كانت رسمية قبل أيام القياصرة - فإنها تستعيد دروها تدريجياً، والإقبال على تعلمها كبير رغم قلة المعلمين والكتب الدراسية. من ناحية أخرى تمثل العلمانية خطراً داهماً على المسلمين، وذلك بسبب جهل العامة بالإسلام رغم حبهم وعاطفتهم تجاه هذا الدين أما طبقة المثقفين (أغلبهم كانوا شيوعيين في السابق بسبب المصالح الدنيوية) فإنهم لا يعادون الدين، وفي الوقت نفسه لا يعادون العلمانية لجهلهم بمقاصدها ومراميها وتبقي النخبة الباقية التي يغلب عليها التوجه العلماني ومضادة الدين، والمدعومة من تركيا العلمانية بالخبراء والمستثارين. وهذا مع قلة علماء الشريعة والدعاة المصلحين. يعاني المسلمون - في عموم الجمهوريات الإسلامية - بعد سقوط الاتحاد السوفييتي مشاكل عديدة، هل لكم أن تلخصوا لنا أبرزها؟ ... تعلمون أن المسلمين هم أكبر المتضررين في الوقت الحاضر فالمشاكل الاقتصادية تعصف بهم من غلاء معيشة، وفقر ومرض، وكذلك المشكلات الاجتماعية من خمور ومخدرات وملاه ومنكرات تملأ المجتمعات، وفي جانب التعليم: الروسية هي اللغة التعليمية وهي إلزامية في المدارس، وفي الجانب العسكري فإن الجمهوريات الإسلامية تعاني من قلة السلاح الذي ذهب كله إلى روسيا وأوكرانيا، وما عدا كازخستان، وهي مجبرة على التخلص من أسلحتها النووية، أما في الجانب السياسي فالمسلمون بين فكي كماشة؛ فمن جهة إيران تتربص وتتتحين الفرص لنشر مذهبها؛ ومن جهة أخرى تركيا العلمانية التي تسعى لنشر مبادئ أتاتورك - بتوجيه أمريكي غربي -، واليهود الذين استفادوا كثيراً من الوضع المتردي والسيطرة على الكثير من المؤسسات الاقتصادية. والدول الغربية تعمل بجد على نشر الإنجيل والتوراة في أوساط المسلمين - رغم علمهم بأن بضاعتهم كاسدة - فنجد الترجمات بكافة اللغات المحلية والنشر على أوسع نطاق، فضلاً عن المحاضرات والندوات. الطوائف المرتدة عن الدين مثل البهائية والقاديانية تندّس وتزدهر في أوساط الجهل، فهل لهذه الطوائف وجود في بلادكم؟ ... بالطبع، فالبهائية لها نشاط قوي ملموس وخصوصاً في موسكو وهم أكثر من ١٠٠٠ فرد، أما القاديانية فلهم دُور خير في روسيا وسيبريا ولاتفيا وروسيا البيضاء، وهم يذهبون لجهلة المسلمين حيث يبنون لهم المساجد ويأتون لهم بالأئمة من باكستان وانجلترا وبالتالي يجدون لمذهبهم رواجاً، وهذا يحمّل المسلمين المخلصين المسؤولية، وبالأخص المقتدرين منهم، وأعتقد أن نشر الكتب باللغات المحلية وكذا بالروسية (التي يتقنها أكثر المسلمين) سوف ينفع كثيراً في هذا المجال. ختاماً نشكر الأخوين على المعلومات المفيدة التي عرضاها، ونضع الأمر بين يدي المعنيين ليقوموا بدورهم في هذا المجال، وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1259

محنة الشعب الصومالي محمد عثمان عقال بعد مرور عام ونصف على سقوط الطاغية سياد بري لا زالت الأحوال في الصومال تتردى من سيئ إلى أسوأ، حيث يذوق هذا الشعب الجريح القتل الجماعي والمجاعة بأيدي الجهات القبلية التي مزقت أرض الصومال، وقسمت الشعب المسلم إلى قبائل متناحرة متقاتلة، كل هذا رغم مقومات الوحدة لهذا الشعب. فهو شعب مسلم بالكامل وجنس واحد، كما أن أصول الناس ولغتهم وتاريخهم تعتبر شيئاً واحداً. إن ما يحدث في الصومال، وإن كان بأيدي هذه القبائل المتناحرة؛ إلا أن المؤامرة ليست بعيدة عنه لإضعافه وتشريد شعبه. لقد قسمت الصومال ومزقت من قبل على أيدي المستعمر الغربي، ففي مؤتمر برلين قسمت الصومال بين بريطانيا، التي استولت على الجزء الشمالي المشرف على خليج عدن، وأسمته: المحمية الصومالية، واحتلت إيطاليا الجزء الجنوبي، وأخذت فرنسا ما سمته الصومال الفرنسي (جيبوتي الآن) . واقتطعت بريطانيا جزءاً آخر هو الذي ألحقته بكينيا لدى نيلها الاستقلال عام ١٩٦٣م والمسمى (NFD) ، وأخيراً احتلت الحبشة نصيبها المسمى بإقليم اوغادين عام ١٩٥٤م بعد انسحاب بريطانيا إثر اتفاقية سرية مع الحبشة. والصومال الحالي هو عبارة عن الجزء الإيطالي والمحمية الصومالية. ومخطط الاستعمار الغربي ينفذ اليوم على أيدي العلمانيين والمجرمين الذين يقودون الجبهات القبلية التي ذاق الشعب الصومالي على أيديها كل أنواع القتل والنهب والاغتصاب. لقد استفادت هذه الجبهات من النظام الاجتماعي القبلي لهذا الشعب، مع أن هذا النظام كان مبنياً على التعاون والإخاء ونصرة المظلوم والتكافل حتى وصل الأمر إلى المثل المعروف وهو أن القبيلة الطيبة لا يوجد فيها أحد جائع. لا شك أن سياد بري خلال إحدى وعشرين سنه من الظلم والاستبداد والتعذيب والتحريش كان بمثابة رأس الفتنة، ثم أجهزت الجهات القبلية على الباقي حتى أصبح الشعب الصومالى شعباً مشرداً لاجئاً في جميع أنحاء العالم. الجبهات وتوجهها: ١- جبهة الإنقاذ SSDF أسسها في كينيا العقيد عبد الله يوسف عام ١٩٧٨م وهي أول جبهة مسلحة حاربت نظام سياد بري إثر قمعه القبائل في الشمال الشرقي والمنطقة الوسطى، وهي تسيطر الآن على شمال شرق الصومال والمنطقة الوسطى، ويرأس هذه الجبهة الآن محمد أبشر موسى. ٢- جبهة التحرير الوطني SNM، أسست عام ١٩٨٢ في بريطانيا، وقاومت نظام سياد بري في الأجزاء الشمالية من البلاد. وبعد سقوط بري أعلنت هذه الجبهة انفصال الجزء الشمالي عن بقية البلاد كحكومة مستقلة سمتها «أرض الصومال» . ويرأسها الآن عبد الرحمن محمد علي. ٣- جبهة منظمة المؤتمر الصومالي UCS، والتي سيطرت على العاصمة والمناطق المجاورة بعد سقوط النظام الفاسد ولكن ما لبثت قليلاً حتى انقسمت إلى قسمين متناحرين اندلعت حرب دامية بينهما في العاصمة قتل على أثرها الآلاف. والجنرال محمد فارح عيديد يرأس قسماً والقسم الآخر يرأسه علي مهدي محمد الرئيس المؤقت للبلاد والذي يمثل الجماعة الموالية للغرب والمدعومة من قبل أمريكا. وقف الفتنة: لقد قام نفر من الدعاة بنشر الدعوة الإسلامية في أرجاء البلاد، حتى وصل أمر الناس إلى مرحلة محمودة هن الالتزام الطيب بالإسلام، وكان الاتحاد الإسلامي - وهو أكبر تجمع إسلامي في البلاد - طليعة الشعب الصومالي في محاولة وقف الفتنة منذ عهد سياد بري. حيث تصدى لمحاولاته التفريقية لهذا الشعب إلى قبائل متناحرة متبعاً بذلك قاعدة: فرق تسد. وبعد سقوط نظام سياد بري بذل الاتحاد جهوداً جبارة للتوسط بين الجبهات المتقاتلة، كما بذلوا جهوداً لحماية المصالح العامة مثل: الموانئ والمستشفيات ومواد الإغاثة، وتوزيعها على الفقراء والمساكين وضحايا الحرب، وأكبر مثال في هذا هو «بوصاصو» في شمال شرق الصومال و «مركا» في جنوب البلاد. إن على المسلمين الصوماليين نبذ العصبية القبلية، والتوبة إلى الله، وإنقاذ هذا الشعب من الدمار والهلاك الذي لحقه بسبب سياد بري وبسبب الجهات العلمانية القبلية، وعلى الإخوة أتباع الحركات الإسلامية في الصومال توحيد صفوفهم ونبذ الحزبية والفرقة لمواجهة التنصير الغربي في معسكرات اللاجئين سواء في كينيا والحبشة، أو في داخل البلاد. وإن على المحسنين المسلمين الميسورين أن يدعموا الدعاة المسلمين في الصومال حتى يتمكنوا من أداء واجبهم تجاه تحرير الصومال وتضميد جراح هذا الشعب المسلم.

стр. 1260

بيان هام من الاتحاد الإسلامي في أوجادين من المعلوم أن منطقة «أوجادين» المحتلة من قبل أثيوبيا هي المحور الأساسي المتمثل في الصراع بين المسجد والكنيسة منذ الحروب الصليبية في القرن الخامس عشر الميلادي. وقد قامت عدة حروب لتخليص المنطقة من الاستعمار الحبشي وكانت الحرب سجالاً، إلى أن جاء الإمام أحمد بن إبراهيم الغازي فلقن الاستعمار الحبشي درساً لم ينسه بعد، مما استدعى تدخل الدول الغربية وفي طليعتها «البرتغال» لحماية المسيحية في أفريقيا، وما زالوا يدفعون في سبيل الحفاظ عليها وإخضاع الشعوب الإسلامية للأقلية المسيحية الغالي والنفيس. وبعد انهيار حكومة «منغيستو» الشيوعية تسلمت مقاليد الحكم الجبهة الشعبية «النجراوية» بتدبير من الصليبية والصهيونية العالمية ونتيجة لضعفها وعدم قدرتها للسيطرة على جميع القوميات نادت بالديمقراطية ووعدت بمنح تقرير المصير للقوميات المختلفة بعد سنتين، إلا أن هذا الوعد لم يكن إلا مطية لتقوية وتعزيز قدرتهم العسكرية والاقتصادية، ومن ثم القضاء على أي قوة مناهضة. ويعتبر الاتحاد الإسلامي في أوجادين حزباً معترفاً به، وله نشاطه الدعوي على منهج السلف الصالح، وقد قام بفتح مكاتب سياسية في جميع المدن والقرى، كما أنه أسس معسكرات لتدريب الشباب عملاً بقوله تعالى: [وأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ومِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ] [الأنفال: ٦٠] وعندئذ تفجر الحقد الصليبي فقامت الحكومة الأثيوبية (تجراي) بتحريض من القوى الصليبية العالمية بهجوم واسع النطاق بقوات قوامها ألفا مقاتل تقريباً على معسكر طارق بن زياد التابع للاتحاد الإسلامي في أوجادين وذلك بتاريخ ١١/٨/١٩٩٢م واستمرت المعركة ثمانية ساعات متتالية، وسفرت بحول الله وقوته عن هزيمة القوات المسيحية هزيمة نكراء، حيث قتل منهم ما يزيد على مائة جندي، ومن بينهم قائد الجيش، وجرح منهم حوالي سبعين رجلاً، بينما تاه في الغابات كثير من قواتهم ولا يعرف لهم مصير. [ولا تَحْسَبَنَّ الَذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ] [آل عمران: ١٦٩] ، كما جرح من المجاهدين تسعة منهم نسأل الله أن يجعل ذلك في ميزان حسناتهم ويسكنهم الفردوس الأعلى. ومنذ تلك المعركة التي نقضت فيها حكومة الحبشة جميع العهود والمواثيق تهدمت دعوى الديمقراطية المزعومة التي كانت تتستر بها، وانكشف الغطاء عن الحقد الصليبي والذي لا يرقب في مؤمن إلاً ولا ذمة. ... ... ... ... ... ... مكتب العلاقات الخارجية والإعلام

стр. 1261

هل يخون الغرب نفسه؟ [*] مقابلة مع علي عزت بيكوفيتش ترجمة: أحمد العبدة هل تعتقد أن شيئاً قد تحقق في مؤتمر لندن الأخير؟ أقل مما توقعنا وما تمنياه. ولكن تحقق بعض التقدم. هل لديك شك في عزم الغرب على تنفيذ الاتفاقية التي أقرت هنا؟ نعم، لقد فوجئنا بنقص رغبة الغرب السياسية في الحل وأحزننا ذلك. هل تشعر أنك قد خذلت من قبل الغرب؟ إلى حد ما، نعم. إنه ليس خذلاناً لأمانينا بقدر ما هو خذلان للغرب نفسه. لقد خذل الغرب مبادئه. إن من حسن حظ الغرب أنه لم يتردد في بداية الحرب العالمية الثانية كتردده الآن. لو أنهم ترددوا حينئذ لما دخلوا الحرب. ولكنا لا زلنا نعيش تحت الحكم النازي إلى يومنا هذا. إن الصرب يسيطرون على ٧٠% من أراضي البوسنة، ألا تعتقد أنك ... ستكون مفاوضاً من موقف ضعيف جداً في المحادثات القادمة في جنيف؟ ... أولاً: إنهم لا يسيطرون على ٧٠%، إنهم يسيطرون على حوالي ٥٠%. ثانياً: صحيح أننا في موقف صعب؛ لكنهم هم أيضاً في موقف صعب، لقد تعبوا من الحرب، خسروا الحرب السياسية في الداخل والخارج، وخسروا من الناحية المعنوية لأنهم ارتكبوا كثيراً من الجرائم. جرائم بشعة. من الناحية العسكرية نحن مشلولون من ناحية التسليح، لكنهم مشلولون نفسياً. إذا انتهت الحرب، وعادت البوسنة إلى حدودها قبل الحرب، كيف يمكن ... التعايش بين الصرب والكروات والمسلمين في أرض يقتل فيها الجار جاره؟ ... كان الهدف الأساسي لكاراديتش قائد الصرب في البوسنة تحطيم الحياة المشتركة في البوسنة. لقد عشنا جميعاً مئات السنين في البوسنة والهرسك. أكثر من ٨٠% من أراضينا تقطنها جماعات مختلطة، مسلمون، صرب، كروات، وغيرهم. لقد اعتقدنا دائماً أن هذا ميزة مهمة لنا. وسنبقى حاملين هذه الفكرة ما دمنا ننظر للموضوع من منظار القرن الحادي والعشرين، ولكن الأمر غير ذلك بالنسبة لهؤلاء الذين يعيشون بعقلية القرون الهمجية. لهذا قاموا بهذه العملية التي سموها التطهير العرقي، فبذروا الكراهية، وقتلوا الناس، محاولين التفريق والشرذمة وإقناع الجميع بأن الحياة المشتركة أصبحت مستحيلة. هل نجحوا في ذلك؟ للأسف، لقد نجحوا جزئياً، حيث يتساءل الطيبون بينهم وبين أنفسهم ما إذا كان التعايش لا زال ممكناً. لكن هناك فرق بين قاطني الأرياف وسكان المدن، ففي مدننا ما زال الاعتقاد شائعاً أن التعايش ممكن، ولا غرابة في ذلك حيث الناس متعلمون أكثر، وهذا يمثل الأمل للتعايش المستقبلي. ما هي مصادر أسلحتكم؟ نحن نشتريها من أي عارض لنا، هذا ما أستطيع أن أقوله. هناك تقارير عن مساعدات من دول إسلامية، تشتمل على المال والسلاح بل حتى مقاتلين، هل هذا صحيح؟ هذه إشاعات، لكننا نقبل المساعدات من أي جهة، فلماذا إذن لا نقبلها من الدول الإسلامية؟ ! لكن لم يصلنا من الدول الإسلامية إلا مساعدات إنسانية. هل المجموعة الأوربية صديق للبوسنة؟ أعتقد أن أوربا فوجئت لما يحصل في البوسنة والهرسك. بتسلط صربيا، ولكن أريد أن أؤكد على إن الإجرام الذي نتعرض له هو نتاج أوربي إلى حد ما. إنه خليط مؤسف من الفاشية والاشتراكية اللتين ولدتا في أوربا. ما نوع صداقة الولايات المتحدة لكم؟ المشكلة أن منطقتنا ليست ذات أولوية للولايات المتحدة، أولوياتهم هي: الشرق الأوسط، الشرق الأقصى، أميركا اللاتينية، وليس بلدنا. وهذا هو سبب المأساة الحالية التي كان يمكن أن لا تحدث لو تدخلت الولايات المتحدة في وقت مبكر. هل تعتقد أن حرب عصابات موسعة من قبل البوسنة ستعيدها إلى حدودها ... الأصلية؟ لماذا تسميها حرب عصابات. نحن نحاول تشكيل جيش نظامي، فحوالي نصف السكان موالون لنا، لأن أراضينا أكثر نظاماً وأمناً من مناطقهم. والمناطق التي على ضفاف نهر البوسنة هي من أكثر المناطق تطوراً من الناحية الصناعية. ولدينا الفرصة لتشكيل جيش نظامي. هل الوقت متأخر لمنع انتشار هذه الحرب؟ لا، الوقت ليس متأخراً، لا أظن أن هذه الحرب ستتسع، خصوصاً إذا طبقت القرارات التي اتفق عليها أمس (أي في مؤتمر لندن) . هل بالإمكان تطبيق القرارات بدون التهديد بالقوة العسكرية؟ ... عندي شك عميق في ذلك، ولكن في رأيي إن المجتمع الدولي لم يقل كلمته الأخيرة في هذه المشكلة. ولم يستبعد الخيار العسكري قطعياً. أعتقد أن المجتمع الدولي من خلال قراراته بالأمس قد قام بخطوة أخيرة لمنع انهيار الوضع، ولم يستبعد - في حالة عدم التطبيق - حتى الخيار العسكري.

стр. 1262

في دائرة الضوء وشهد شاهد من أهلها سعد بن محمد آل عبد اللطيف كثيراً ما يتهم الشباب الصالح الملتزم بدينه في البلاد العربية والإسلامية بأنهم شباب يغلب عليهم (الدروشة) ويمتازون بالسلبية، أو أنهم أناس يستترون بالدين ويسعون إلى تحقيق مآربهم ومطامعهم الشخصية، أو أنهم اعتزلوا المجتمع وفسقوه وكفروه ونابذوه العداء.. إلى آخر القائمة التي لا تنتهي. ولعل خير ما يبطل هذه التهم ويوضح مدى تفاهتها ما نشر في مجلة صباح الخير [١٥/١/١٤١٣هـ]- والمعروفة بعدائها السافر للإسلام وأهله - من تنامي نشاط الجماعات الإسلامية وكيف أنهم كسبوا قلوب الأهالي في قرى الصعيد بمصر، وكان عنوان المقال أو التقرير «كيف توغل الإرهاب في قرى ومدن الصعيد» . حيث يذكر التقرير بعض أوجه النشاط الخيري والتى استطاعوا من خلالها كسب ود الأهالي والوصول إلى قلوبهم ونشر الوعي بينهم، وذكرت المجلة التالي: ١- مجال وسائل المواصلات: وندرك أهمية هذا المجال إذا عرفنا شدة حاجة الناس إليها - أي وسائل المواصلات - لأداء أعمالهم وتحصيل مصالحهم في المقابل لا تتوفر بسهولة هذه المواصلات، فما كان من الإسلاميين هناك إلا أن قاموا بتنظيم دورات توصيل الركاب مقابل أجور ثابتة لا تقبل الزيادة ومع فصل الرجال عن النساء ومنع الاختلاط. ٢- مجال الصحة: أقام الدعاة هناك المستوصفات الأهلية بجوار المساجد ويشرف عليها ويعمل فيها بعض الأطباء الصالحين ويقومون بالكشف وتقديم الدواء بسعر رمزي وربما مجاناً. أما مجال الطب البيطري فتزيد أهميته إذا أدركنا أهمية المواشي في مثل هذه المجتمعات الريفية، حيث يقوم أحد الأطباء البيطريين بتفقد حالات الماشية المريضة والإشراف على علاجها بأسعار زهيدة. ٣- مجال التموين: قام الإسلاميون بمساعدة العوائل الفقيرة عن طريق إقامة مشروعات اقتصادية صغيرة وإشراك تلك العوائل في المساهمة فيها مما يساهم في زيادة الدخل عند تلك العوائل ويخفف عنها عبء المعيشة، ومن تلك المشروعات: مناحل العسل، مزارع الدواجن، مشروعات التسمين، إنتاج الألبان وصناعة المربى والمخللات وأعمال الخياطة والتطريز، بالإضافة إلى الإشراف على المخابز وتنظيم عملية بيع الخبز. ٤- في مجال العمل الاجتماعي: كان للإسلاميين دور فعال في إصلاح ذات البين وفض الخصومات والمنازعات، ومن أهمها قضية الثأر بل حتى الخلافات الزوجية بالإضافة إلى زيارة المرضى وجمع الزكاة.. إلخ. بالإضافة أيضاً إلى منع ومحاربة المنكرات والبدع، مثل منكرات الأفراح من الغناء وغيره، مثل بدع العزاء من إقامة السرادقات وتلاوة القرآن.. إلخ. ٥- في مجال التعليم: يقوم الإسلاميون بإقامة حلقات تحفيظ القرآن الكريم في المساجد، وتقديم الدروس الخصوصية لطلبة المدارس وفي المساجد أيضاً، مع بعض التوجيه والإرشاد وأداء الصلوات، بالإضافة إلى الأنشطة الرياضية المختلفة. ونقول أخيراً: وشهد شاهد من أهلها.. ولكن التقرير يقول في آخره محرضاً ومشوهاً دوافع هذه الأعمال: «وهكذا تجيد الجماعات وأمراؤها فنون تسويق الإرهاب بحنكة واقتدار في مجتمع الغليان والنسيان هنا» . وتعليقا على ذلك أن الحق لا بد أن يظهر، وأن التشويه والتحريض قد يخدم هؤلاء إلى أمد، وأن المسلم عليه أن يحصر جهوده بالعمل والإنتاج والبعد عن القيل والقال ومهاترة السفهاء، وبذلك تكون له العاقبة إن شاء الله.

стр. 1263

شذرات.. وقطوف .. أصناف الناس «الناس ثلاثة: خيّر، وشرير، ومهين. فالخيّر هو الذي إذا أقصيته قبض نفسه عنك ولسانه من سوء الذكر لك وذكر حسناً إن كان تقدم منك، والشرير يقبض نفسه عنك ويطلق لسانه في ذكر معايبك.، وربما تعدى إلى الكذب عليك، والمهين لا يقبض نفسه عنك، ولا يزال متضرعاً لعفوك، ومودة هذا مقرونة باستقامة حالك وصلاح أمورك فإن انتقلا انتقل بمودته» . ... ... ... ... ... ... ... ... ... أسامة بن منقذ ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... لباب الآداب ... ... ... ... ... **** الفرج بعد الشدة فلولا الذي أرجوه في اليوم أو غد ... تقطّع قلبي إثرهم حسرات فيا نفسُ طيبي، ثم يا نفس أبشري ... فغير بعيد كل ما هو آت ولا تجزعي من دولة الجور إنني ... كأني بها قد آذنت بشتات عسى الله أن يرتاح للخلق إنه ... إلى كل حيّ دائم اللّحظات ... ... ... ... ... **** القول والفعل «ولن يبلغ ألف رجل من إصلاح رجل واحد بحسن القول دون حسن العمل؛ ما يبلغ رجل واحد في إصلاح ألف رجل في تصديق القول بالفعل» . ... ... ... ... ... ... ... ... ... أبو الحسن العامري ... ... ... ... ... **** المدينة والريف «.. لكن اليوم تمتص المدينة العملاقة الريف حتى الجفاف، تلتهم كل يوم كتلاً جديدة من البشر حتى يعتريها الوهن وتموت في وسط قفر بوار من الريف، وخال من السكان» . ... ... ... ... ... ... شبنجلر: سقوط الحضارة الغربية

стр. 1264

منتدى القراء لماذا لا نبكي من خشية الله ؟ محمد بن حمد أبو عزام كثير منا من يقرأ القرآن ويداوم على الصلاة ويحافظ على السنن، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وقد يصوم بعضنا الأيام المستحب صيامها، وكل هذه أعمال عظيمة ولله الحمد. رغم هذا فإنه يتبادر إلى ذهني سؤال يحيرني ويزعجني وهو: لماذا لا أبكي من خشية الله؟ كان السلف الصالح رضوان الله عليهم يبكون عند أدنى شيء يذكرهم بالله جل وعلا. فهذا عمر بن الخطاب ﵁ عندما قرأ في صلاة الفجر قوله تعالى: [فَإذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ] شهق شهقة قوية، فسقط فجلس يعاد في بيته وهو على فراشه أسبوعاً كاملاً. وهذه قصة عمر بن عبد العزيز ﵁ عندما جاء بيته وجلس على فراشه وهو يبكي، فجاءت زوجه فاطمة فبكت لبكائه، وبكى الخدم لبكائهما، وعندما سكت قالت له: بأبي وأمي ما يبكيك، قال: تذكرت موقفي يوم العرض. وغيرها كثيرة معلومة. وقد يكون السبب في ذلك والله أعلم: ١- عدم حضور القلب حضوراً تاماً في الصلاة، والتلذذ فيها هي أو غيرها من العبادات، والغفلة عن تلاوة القرآن وتدبره. يقول ابن القيم ﵀: إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه، وألق سمعك، واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه، فإنه خطاب منه لك على لسان رسوله. قال تعالى: [إنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وهُوَ شَهِيدٌ] [ق: ٣٧] . ٢- ما يعتري القلب من أمراض معنوية كالحسد وجب الرئاسة وإظهار النفس وحب المال والكبر وغيرها. ٣- الاهتمام بجانب واحد وإهمال الجانب أو الجوانب الأخرى، كمن يهتم بتلاوة القرآن ولا يترك فضول الكلام، فهنا لن تحصل تمام الخشية والإنابة على الوجه المطلوب. ٤- العكوف والإصرار على المعصية مما يجعل القلب يقسو وينكت فيه نكتة سوداء. والركون إلى شيء من حطام الدنيا الزائل.

стр. 1265

عندما رد مقالي ! ! هدى السيف لم نتعود بعد على فن المقالة والمشاركة بالكتابات في المجلات والصحف، وبالتالي لم نتعود أن ترد مقالاتنا التي نرسلها. كم يفخر الإنسان بأن ينشر مقاله في مجلة راقية قوية المنهج، صادقة اللهجة كمجلة البيان التي أرسلت إليها مقالاً ولكنه رُدّ، حقاً كم هو قاسٍ على نفسي أن يرد مقالي، بعد أن أودعته بنظري القاصر من كنوز المعاني، وعندما أفقت من صدمتي ورجع إلي عقلي سألت نفسي: هل هم مخطئون أم أنه العجب بنفسي، هل التزمت بشروطهم للنشر أو الجدة من حيث المنهج أو اللغة، أو الجدة في الموضوع أو التوثيق العلمي وأجبت: لا. قلت: إذن فلماذا الغضب حيث ترد مقالاتنا ولا تنشر. ألم أقل إننا لم نتعود على فن الكتابة الصحفية..
следующие страницы →