هل يخون الغرب نفسه؟ [*]
مقابلة مع علي عزت بيكوفيتش
ترجمة: أحمد العبدة
هل تعتقد أن شيئاً قد تحقق في مؤتمر لندن الأخير؟
أقل مما توقعنا وما تمنياه. ولكن تحقق بعض التقدم.
هل لديك شك في عزم الغرب على تنفيذ الاتفاقية التي أقرت هنا؟
نعم، لقد فوجئنا بنقص رغبة الغرب السياسية في الحل وأحزننا ذلك.
هل تشعر أنك قد خذلت من قبل الغرب؟
إلى حد ما، نعم. إنه ليس خذلاناً لأمانينا بقدر ما هو خذلان للغرب نفسه.
لقد خذل الغرب مبادئه. إن من حسن حظ الغرب أنه لم يتردد في بداية الحرب
العالمية الثانية كتردده الآن. لو أنهم ترددوا حينئذ لما دخلوا الحرب. ولكنا لا زلنا
نعيش تحت الحكم النازي إلى يومنا هذا.
إن الصرب يسيطرون على ٧٠% من أراضي البوسنة، ألا تعتقد أنك ... ستكون مفاوضاً من موقف ضعيف جداً في المحادثات القادمة في جنيف؟ ...
أولاً: إنهم لا يسيطرون على ٧٠%، إنهم يسيطرون على حوالي ٥٠%.
ثانياً: صحيح أننا في موقف صعب؛ لكنهم هم أيضاً في موقف صعب، لقد تعبوا من الحرب، خسروا الحرب السياسية في الداخل والخارج، وخسروا من الناحية المعنوية لأنهم ارتكبوا كثيراً من الجرائم. جرائم بشعة. من الناحية العسكرية نحن مشلولون من ناحية التسليح، لكنهم مشلولون نفسياً.
إذا انتهت الحرب، وعادت البوسنة إلى حدودها قبل الحرب، كيف يمكن ... التعايش بين الصرب والكروات والمسلمين في أرض يقتل فيها الجار جاره؟ ...
كان الهدف الأساسي لكاراديتش قائد الصرب في البوسنة تحطيم الحياة
المشتركة في البوسنة. لقد عشنا جميعاً مئات السنين في البوسنة والهرسك. أكثر
من ٨٠% من أراضينا تقطنها جماعات مختلطة، مسلمون، صرب، كروات،
وغيرهم. لقد اعتقدنا دائماً أن هذا ميزة مهمة لنا. وسنبقى حاملين هذه الفكرة ما
دمنا ننظر للموضوع من منظار القرن الحادي والعشرين، ولكن الأمر غير ذلك
بالنسبة لهؤلاء الذين يعيشون بعقلية القرون الهمجية. لهذا قاموا بهذه العملية التي
سموها التطهير العرقي، فبذروا الكراهية، وقتلوا الناس، محاولين التفريق
والشرذمة وإقناع الجميع بأن الحياة المشتركة أصبحت مستحيلة.
هل نجحوا في ذلك؟
للأسف، لقد نجحوا جزئياً، حيث يتساءل الطيبون بينهم وبين أنفسهم ما إذا
كان التعايش لا زال ممكناً. لكن هناك فرق بين قاطني الأرياف وسكان المدن، ففي
مدننا ما زال الاعتقاد شائعاً أن التعايش ممكن، ولا غرابة في ذلك حيث الناس
متعلمون أكثر، وهذا يمثل الأمل للتعايش المستقبلي.
ما هي مصادر أسلحتكم؟
نحن نشتريها من أي عارض لنا، هذا ما أستطيع أن أقوله.
هناك تقارير عن مساعدات من دول إسلامية، تشتمل على المال والسلاح بل حتى مقاتلين، هل هذا صحيح؟
هذه إشاعات، لكننا نقبل المساعدات من أي جهة، فلماذا إذن لا نقبلها من
الدول الإسلامية؟ ! لكن لم يصلنا من الدول الإسلامية إلا مساعدات إنسانية.
هل المجموعة الأوربية صديق للبوسنة؟
أعتقد أن أوربا فوجئت لما يحصل في البوسنة والهرسك. بتسلط صربيا،
ولكن أريد أن أؤكد على إن الإجرام الذي نتعرض له هو نتاج أوربي إلى حد ما.
إنه خليط مؤسف من الفاشية والاشتراكية اللتين ولدتا في أوربا.
ما نوع صداقة الولايات المتحدة لكم؟
المشكلة أن منطقتنا ليست ذات أولوية للولايات المتحدة، أولوياتهم هي:
الشرق الأوسط، الشرق الأقصى، أميركا اللاتينية، وليس بلدنا. وهذا هو سبب
المأساة الحالية التي كان يمكن أن لا تحدث لو تدخلت الولايات المتحدة في وقت
مبكر.
هل تعتقد أن حرب عصابات موسعة من قبل البوسنة ستعيدها إلى حدودها ...
الأصلية؟
لماذا تسميها حرب عصابات. نحن نحاول تشكيل جيش نظامي، فحوالي
نصف السكان موالون لنا، لأن أراضينا أكثر نظاماً وأمناً من مناطقهم. والمناطق
التي على ضفاف نهر البوسنة هي من أكثر المناطق تطوراً من الناحية الصناعية.
ولدينا الفرصة لتشكيل جيش نظامي.
هل الوقت متأخر لمنع انتشار هذه الحرب؟
لا، الوقت ليس متأخراً، لا أظن أن هذه الحرب ستتسع، خصوصاً إذا
طبقت القرارات التي اتفق عليها أمس (أي في مؤتمر لندن) .
هل بالإمكان تطبيق القرارات بدون التهديد بالقوة العسكرية؟ ...
عندي شك عميق في ذلك، ولكن في رأيي إن المجتمع الدولي لم يقل كلمته
الأخيرة في هذه المشكلة. ولم يستبعد الخيار العسكري قطعياً. أعتقد أن المجتمع
الدولي من خلال قراراته بالأمس قد قام بخطوة أخيرة لمنع انهيار الوضع، ولم
يستبعد - في حالة عدم التطبيق - حتى الخيار العسكري.
стр. 1262
في دائرة الضوء
وشهد شاهد من أهلها
سعد بن محمد آل عبد اللطيف
كثيراً ما يتهم الشباب الصالح الملتزم بدينه في البلاد العربية والإسلامية بأنهم
شباب يغلب عليهم (الدروشة) ويمتازون بالسلبية، أو أنهم أناس يستترون بالدين
ويسعون إلى تحقيق مآربهم ومطامعهم الشخصية، أو أنهم اعتزلوا المجتمع وفسقوه
وكفروه ونابذوه العداء.. إلى آخر القائمة التي لا تنتهي.
ولعل خير ما يبطل هذه التهم ويوضح مدى تفاهتها ما نشر في مجلة صباح
الخير [١٥/١/١٤١٣هـ]- والمعروفة بعدائها السافر للإسلام وأهله - من تنامي نشاط الجماعات الإسلامية وكيف أنهم كسبوا قلوب الأهالي في قرى الصعيد بمصر، وكان عنوان المقال أو التقرير «كيف توغل الإرهاب في قرى ومدن الصعيد» .
حيث يذكر التقرير بعض أوجه النشاط الخيري والتى استطاعوا من خلالها
كسب ود الأهالي والوصول إلى قلوبهم ونشر الوعي بينهم، وذكرت المجلة التالي:
١- مجال وسائل المواصلات: وندرك أهمية هذا المجال إذا عرفنا شدة
حاجة الناس إليها - أي وسائل المواصلات - لأداء أعمالهم وتحصيل مصالحهم في
المقابل لا تتوفر بسهولة هذه المواصلات، فما كان من الإسلاميين هناك إلا أن
قاموا بتنظيم دورات توصيل الركاب مقابل أجور ثابتة لا تقبل الزيادة ومع فصل
الرجال عن النساء ومنع الاختلاط.
٢- مجال الصحة: أقام الدعاة هناك المستوصفات الأهلية بجوار المساجد
ويشرف عليها ويعمل فيها بعض الأطباء الصالحين ويقومون بالكشف وتقديم الدواء
بسعر رمزي وربما مجاناً.
أما مجال الطب البيطري فتزيد أهميته إذا أدركنا أهمية المواشي في مثل هذه
المجتمعات الريفية، حيث يقوم أحد الأطباء البيطريين بتفقد حالات الماشية
المريضة والإشراف على علاجها بأسعار زهيدة.
٣- مجال التموين: قام الإسلاميون بمساعدة العوائل الفقيرة عن طريق إقامة
مشروعات اقتصادية صغيرة وإشراك تلك العوائل في المساهمة فيها مما يساهم في
زيادة الدخل عند تلك العوائل ويخفف عنها عبء المعيشة، ومن تلك المشروعات:
مناحل العسل، مزارع الدواجن، مشروعات التسمين، إنتاج الألبان وصناعة
المربى والمخللات وأعمال الخياطة والتطريز، بالإضافة إلى الإشراف على
المخابز وتنظيم عملية بيع الخبز.
٤- في مجال العمل الاجتماعي: كان للإسلاميين دور فعال في إصلاح ذات
البين وفض الخصومات والمنازعات، ومن أهمها قضية الثأر بل حتى الخلافات
الزوجية بالإضافة إلى زيارة المرضى وجمع الزكاة.. إلخ.
بالإضافة أيضاً إلى منع ومحاربة المنكرات والبدع، مثل منكرات الأفراح من
الغناء وغيره، مثل بدع العزاء من إقامة السرادقات وتلاوة القرآن.. إلخ.
٥- في مجال التعليم: يقوم الإسلاميون بإقامة حلقات تحفيظ القرآن الكريم في
المساجد، وتقديم الدروس الخصوصية لطلبة المدارس وفي المساجد أيضاً، مع
بعض التوجيه والإرشاد وأداء الصلوات، بالإضافة إلى الأنشطة الرياضية المختلفة.
ونقول أخيراً: وشهد شاهد من أهلها.. ولكن التقرير يقول في آخره محرضاً
ومشوهاً دوافع هذه الأعمال: «وهكذا تجيد الجماعات وأمراؤها فنون تسويق
الإرهاب بحنكة واقتدار في مجتمع الغليان والنسيان هنا» .
وتعليقا على ذلك أن الحق لا بد أن يظهر، وأن التشويه والتحريض قد يخدم
هؤلاء إلى أمد، وأن المسلم عليه أن يحصر جهوده بالعمل والإنتاج والبعد عن القيل
والقال ومهاترة السفهاء، وبذلك تكون له العاقبة إن شاء الله.
стр. 1263
شذرات.. وقطوف ..
أصناف الناس
«الناس ثلاثة: خيّر، وشرير، ومهين. فالخيّر هو الذي إذا أقصيته قبض
نفسه عنك ولسانه من سوء الذكر لك وذكر حسناً إن كان تقدم منك، والشرير يقبض
نفسه عنك ويطلق لسانه في ذكر معايبك.، وربما تعدى إلى الكذب عليك، والمهين
لا يقبض نفسه عنك، ولا يزال متضرعاً لعفوك، ومودة هذا مقرونة باستقامة حالك
وصلاح أمورك فإن انتقلا انتقل بمودته» .
... ... ... ... ... ... ... ... ... أسامة بن منقذ
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... لباب الآداب
... ... ... ... ... ****
الفرج بعد الشدة
فلولا الذي أرجوه في اليوم أو غد ... تقطّع قلبي إثرهم حسرات
فيا نفسُ طيبي، ثم يا نفس أبشري ... فغير بعيد كل ما هو آت
ولا تجزعي من دولة الجور إنني ... كأني بها قد آذنت بشتات
عسى الله أن يرتاح للخلق إنه ... إلى كل حيّ دائم اللّحظات
... ... ... ... ... ****
القول والفعل
«ولن يبلغ ألف رجل من إصلاح رجل واحد بحسن القول دون حسن العمل؛ ما يبلغ رجل واحد في إصلاح ألف رجل في تصديق القول بالفعل» .
... ... ... ... ... ... ... ... ... أبو الحسن العامري
... ... ... ... ... ****
المدينة والريف
«.. لكن اليوم تمتص المدينة العملاقة الريف حتى الجفاف، تلتهم كل يوم
كتلاً جديدة من البشر حتى يعتريها الوهن وتموت في وسط قفر بوار من الريف،
وخال من السكان» .
... ... ... ... ... ... شبنجلر: سقوط الحضارة الغربية
стр. 1264
منتدى القراء
لماذا لا نبكي من خشية الله ؟
محمد بن حمد أبو عزام
كثير منا من يقرأ القرآن ويداوم على الصلاة ويحافظ على السنن، ويأمر
بالمعروف وينهى عن المنكر وقد يصوم بعضنا الأيام المستحب صيامها، وكل هذه
أعمال عظيمة ولله الحمد.
رغم هذا فإنه يتبادر إلى ذهني سؤال يحيرني ويزعجني وهو: لماذا لا أبكي
من خشية الله؟ كان السلف الصالح رضوان الله عليهم يبكون عند أدنى شيء
يذكرهم بالله جل وعلا. فهذا عمر بن الخطاب ﵁ عندما قرأ في
صلاة الفجر قوله تعالى: [فَإذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ] شهق شهقة قوية، فسقط فجلس
يعاد في بيته وهو على فراشه أسبوعاً كاملاً.
وهذه قصة عمر بن عبد العزيز ﵁ عندما جاء بيته وجلس
على فراشه وهو يبكي، فجاءت زوجه فاطمة فبكت لبكائه، وبكى الخدم لبكائهما،
وعندما سكت قالت له: بأبي وأمي ما يبكيك، قال: تذكرت موقفي يوم العرض.
وغيرها كثيرة معلومة. وقد يكون السبب في ذلك والله أعلم:
١- عدم حضور القلب حضوراً تاماً في الصلاة، والتلذذ فيها هي أو غيرها
من العبادات، والغفلة عن تلاوة القرآن وتدبره. يقول ابن القيم ﵀: إذا
أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه، وألق سمعك، واحضر
حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه، فإنه خطاب منه لك على لسان
رسوله. قال تعالى: [إنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وهُوَ
شَهِيدٌ] [ق: ٣٧] .
٢- ما يعتري القلب من أمراض معنوية كالحسد وجب الرئاسة وإظهار النفس
وحب المال والكبر وغيرها.
٣- الاهتمام بجانب واحد وإهمال الجانب أو الجوانب الأخرى، كمن يهتم
بتلاوة القرآن ولا يترك فضول الكلام، فهنا لن تحصل تمام الخشية والإنابة على
الوجه المطلوب.
٤- العكوف والإصرار على المعصية مما يجعل القلب يقسو وينكت فيه نكتة
سوداء. والركون إلى شيء من حطام الدنيا الزائل.
стр. 1265
عندما رد مقالي ! !
هدى السيف
لم نتعود بعد على فن المقالة والمشاركة بالكتابات في المجلات والصحف،
وبالتالي لم نتعود أن ترد مقالاتنا التي نرسلها.
كم يفخر الإنسان بأن ينشر مقاله في مجلة راقية قوية المنهج، صادقة اللهجة
كمجلة البيان التي أرسلت إليها مقالاً ولكنه رُدّ، حقاً كم هو قاسٍ على نفسي أن يرد
مقالي، بعد أن أودعته بنظري القاصر من كنوز المعاني، وعندما أفقت من صدمتي
ورجع إلي عقلي سألت نفسي: هل هم مخطئون أم أنه العجب بنفسي، هل التزمت
بشروطهم للنشر أو الجدة من حيث المنهج أو اللغة، أو الجدة في الموضوع أو التوثيق
العلمي وأجبت: لا. قلت: إذن فلماذا الغضب حيث ترد مقالاتنا ولا تنشر. ألم أقل
إننا لم نتعود على فن الكتابة الصحفية..
стр. 1266
بريد القراء
الأخ سالم عقيل باصلاح
أرسل لنا كلمة قصيرة حول طموح الشاب المسلم لخدمة دينه وطموح الشاب
الذي أكبر همه امتلاك سيارة وهما صنفان لا يستويان.
البيان: شكراً للأخ سالم وننصح بكثرة القراءة.
الأخ عبد الله عياد
أرسل كلمة قصيرة حول تميز الشخصية الإسلامية، والرجوع إلى هويتنا
وثقافتنا.
البيان: شكراً للأخ عبد الله ونتمنى لك التوفيق.
الأخ محمد الشبيثي
أرسل مثنياً على البيان ومقترحاً إيجاد زاوية لحل مشاكل الشباب، ويرى
مضاعفة التوزيع في كل مكان حتى يتعرف عليها القراء.
الأخ مقبل
أرسل قصة قصيرة بعنوان (عتاب) .
البيان: نشكر الأخ مقبل وننصحه بكثرة القراءة وإعادة المحاولة.
الأخ أحمد سعود الطيار
أرسل مثنياً على البيان ومستفسراً عن تعلم الإنكليزية عن طريق المنتدى.
البيان: لا يوجد الآن في المنتدى دورات لتعلم الإنكليزية ولكن يمكن للمنتدى
أن يساعد الأخ القادم في التعرف على المعاهد أو الدورات التأهيلية.
الأخ عبد الإله الزعير
نشكر لك محاولتك «استشعار لذة العبادة» والموضوع يحتاج - كما بينت -
لكاتب مقتدر حتى يشمل الموضوع ويعتني به، ونرحب بك في محاولات أخرى.
الأخ نجم الدين عبد الله المعروف
نشكر لك على مقالك «المساواة بين الرجل والمرأة كما يراها الإسلام
» والفكرة جيدة لكن الموضوع يحتاج استقصاء أكثر مما عرض وحبذا الاستفادة من الكتب الكثيرة في هذا المجال وأهمها «عودة الحجاب القسم الثاني» للشيخ محمد بن أحمد بن إسماعيل.
الأخ فائز سعيد الزهراني
أرسل لنا كلمة قصيرة يحث فيها المسلمين على العمل والصبر واستنفاد. كل
الطاقات التي يملكونها حتى تعود إليهم العزة والكرامة.
الأخ يوسف بن عياد الحنيني
أرسل لنا كلمة قصيرة عن العالم المجاهد عبد الله بن مبارك.
البيان: جزاك الله خيراً يا أخ يوسف وقد نشرت البيان في أعدادها السابقة
ترجمة لهذا الإمام العالم.
стр. 1267
قديم جديد
الحرب الصليبية في البلقان [*]
قد عرف كل قارئ وكاتب وواع وسامع حقيقة ما تسميه أوربا (المسألة
الشرقية) وهو إزالة دولة الإسلام من الشرق - وبعبارة أخرى من الأرض -وجعلها
قسمة بين الدول الغربية- وبعبارة أخرى المسيحية - وأول ما يهمهم من بلاد
المسلمين ما كان منها في أوربا فإن من طباع الأوربيين وغرائزهم الموروثة شدة
العصبية على من لم يكن منهم وعدم احتمال وجوده بينهم. بل كانوا لا يحتمل
بعضهم من بعض مخالفة في دين ولا مذهب، ولذلك أبادوا الوثنيين من أوربا لما
صار أكثرهم نصارى، وأبادوا المسلمين في غربي (الأندلس) ولا يزالون يعملون
لإبادتهم من شرقيها (تركية أوربة) .
... كانت الدولة العثمانية أقوى من جميع الدول الأوربية بأساً، ولكنها لم
تكن قط أقوى عقلاً ورأياً، فكانوا يستفيدون من قوتها بحسب دهائهم، حتى صاروا
بارتقاء العلوم والفنون وما يترتب عليها من الصناعات أقوى منها. حينئذ طفقوا
ينتقصون بلادها من أطرافها، فأزالوا سلطانها عن بلاد اليونان والرومان والبلغار،
وأسسوا من البلاد التي كانت لها عدة إمارات وممالك بجوارها تأسيساً تدريجياً،
وأخذوا على عاتقهم حمايتها منها، فإذا أغارت إحدى هذه الإمارات أو الممالك على
شيء من بلاد الدولة حتى عندما كانت تحت سيادتها ساعدتها أوربا على امتلاك ما
أغارت عليه، وإذا وقعت حرب انتصرت فيها العثمانية وأخذت شيئاً من بلاد إحدى
هذه الممالك ردته أوربا إليها ولم تسمح للعثمانية بأن تستفيد من انتصارها شيئا.
والأصل في ذلك القاعدة المتفقة (كذا، والصحيح المتفق) عليها بين دول أوربا كافة، ونقل عن اللورد سالسبوري التصريح بها وهي «ما أخذه الصليب من الهلال لا
يعود إلى الهلال، وما أخذه الهلال من الصليب يجب أن يعود إلى الصليب» .
... وقد صرح بعض ملوك التحالف البلقاني ووزراؤه بأن هذه الحرب
صليبية محضة المراد منها إنقاذ المسيحيين من سلطة «الترك الكافرين»
وصرحت الدول العظمى في أول الأمر عندما كن يعتقدن أن الدولة العثمانية أقوى
من البلقانيين ويرجى أن تنتصر عليهم بأنهن لا يسمحن للغالب في هذه الحرب بأن
يأخذ شيئاً من ملك المغلوب، بل يجب أن تبقى البلاد كلها على حالتها الحاضرة
التي تواثقت الدول كلها على حفظها. فلما ظهرت بوادر الغلبة للبلقانيين على الترك
بدا لهم، ولم تخجل دولة ولا جريدة لدولة من التصريح بأنه لا يمكن حرمان دول
البلقان من ثمرة انتصارها.
هذا قول إجمالي وجيز في تصرف أوربا في الدولة العثمانية إلى هذا اليوم،
وهو تصرف العاقل الحكيم في القاصر الجاهل. وإنني أعتقد أن أوربا لم تكن في
الماضي ولا في الحاضر شراً علينا من أنفسنا، ولو وجد في الدولة عقلاء مصلحون
لتيسر لهم النهوض بها بمساعدة أوربا نفسها، ومن لا يصلح نفسه لا يصلحه غيره. والدولة تعرف في الجملة ما هي أوربا وهي الآن منها كالمريض بين يدي
ممرضه الذي يعالجه عند شدة الألم بالمورفين الذي يسكن آلامه في الحال، ليسلبه
الحياة في الاستقبال، ولكنه لا يرى نفسه في غنى عنه، فهي تلقي نفسها بين يدي
أوربا، وتقول لها: تصرفي كيف شئت ولكن تكرمي بالرفق واللين.
البيان: هذه هي سياسة أوربا الآن لم تتغير ولن تتغير أبداً، فكل ما يأخذه
الصرب من المسلمين في البوسنة فهو حلال، ولو انتصر المسلمون لأوقفوا القتال
بحجة عدم اعتداء دولة على دولة.
стр. 1268
الصفحة الأخيرة
مفكرو الشوروقراطية !
جمال سلطان
نبتت في زماننا هذا، نابتة من هذه الأمة، لا تتكلم في شيء من أمر دينها أو
دنياها إلا بالقياس إلى الآخرين، والآخرون هم الغرب تحديداً، وبالتالي؛ فإن أية
نظرة إليهم في فقه الإسلام، أو مقتضيات شريعة؛ لا يمكن أن تفهم فهماً أصيلاً
ذاتياً منبثقاً من هدي كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ومسترشداً
بالتجربة الفكرية والعملية التي مرت بها الأمة في قرونها السابقة، ولا سيما قرون
الرشاد والاستقامة والقوة.
فإذا أراد أحدهم أن يفهم «حقوق الإنسان» في دين الله، تراه يكتب حاشية
أو تذييلاً على «المتن الأوربي» لمقررات حقوق الإنسان، ثم يوشي هذا المتن
بآية أو حديث، لكي يضمن إضفاء وصف «إسلامي» على مؤلفه، ولا بأس -
لكي يرفع من شأن الإسلام أمام الحضارة المعاصرة! - أن يلوي أعناق النصوص، ويتلاعب ببعضها، ويرفض ما شاء من سنة النبي الكريم ﷺ
لكي يضمن موافقة الإسلام و «توقيعه» على الوثائق الأوربية في هذا الشأن.
ومن طرائف هذا الفريق، ما ذهب إليه بعض «المغاربة» عندما أراد أن
يضع توقيع «الإسلام» على الديمقراطية الغربية، فرأى أن (الشورى) كمفهوم
إسلامي هو المكافئ «للديمقراطية» الغربية، مع بعض «التهذيبات» التي
نضعها هنا أو هناك لكي نزاوج بين الطرفين، وقد ولّد هؤلاء النفر مصطلحاً جديداً
ليعبر عن هذه «المزاوجة» بين الإسلام والغرب، وسموه «الشوروقراطية» .
هذا المصطلح في - تقديري - يصلح أن يكون علماً على منحى «السقوط»
و «التبعية» الفكرية لدى قطاع من المنتسبين إلى «الفكر المستنير، فعلى الرغم من
كثرة ضجيجهم حول الأصالة، والتجديد، والاجتهاد، والإبداع، إلا أن منطلقاتهم
الفكرية، ووعيهم المنهجي، ما زال يحيا في» مناخ المهزومين «، وعبودية
» الأتباع «، ومثل هؤلاء لا يمكن أن يكونوا أداة بعث حضاري جديد، ولا ممثلين عدولاً لدين الله الحق، بل لا نغالي إن قلنا أنهم يعطلون مسيرة النهضة الإسلامية الجديدة، ويفتتون قواها بمثل ذلك التمييع الفكري، والارتباك المنهجي، والخواء النفسي.
стр. 1269
جمادى الأولى - ١٤١٣هـ
نوفمبر - ١٩٩٢م
(السنة: ٧)
стр. 1270
كلمة صغيرة
إن مجلة البيان مجلة لها منهج، ونحرص أن تكون تعبيراً عن هذا المنهج،
ومن منهجها أن تسد مقالاتها والفكر الذي ينشر فيها زاوية في واقع المسلمين، ونحاول
الوفاء بذلك قدر ما تسمح لنا الظروف المحيطة بنا، ورأس المال الذي نعتز به ونلجأ
إليه دائماً هو قراؤنا الذين يحملون هذا العبء معنا، ولنا في مشاركتهم وتشجيعهم
وتقديرهم لقدراتنا وإنصافهم وعذرهم ما يهوِّن علينا الصعوبات، ويمدنا بالعزم وقوة
الإرادة. وعندما تقوى هذه الصلة بين المجلة وبين قرائها نكون قد حققنا شيئاً من
النجاح وتذوقنا لذته.
المحرر
стр. 1271
الافتتاحية
الحذرَ الحذرَ
من أعداء الإسلام
عبد القادر حامد
ظنَّ كثير من أعداء الله أن المسلمين لن تقوم لهم قائمة بعد نشوة الانتصار
التي حققها الغربيون على المسلمين، فأزالوا تأثيرهم السياسي من الوجود، وقضوا
على آخر طلل من أطلال قوتهم - وهو الدولة العثمانية - وبينما ينظر هؤلاء
بالنظر البشري القاصر؛ ويزنون الأمر بميزان اللحظة العابرة؛ فإن المسلم له
ميزان آخر وتقويم مختلف، وهذا الميزان وذاك التقويم مستمد من عقيدته التي
يستقيها من قرآن ربه وحكمة نبيه، فهو يعتمد أن الأيام دول، وأن الحق غالب إن
حمله من يؤمن به ويثبت عليه، وأن الله ناصر دينه بعز عزيز أو بذل ذليل، وأنه
تعالى [أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً ومِمَّا
يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والْبَاطِلَ
فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ
الأَمْثَالَ] [الرعد: ١٧] .
وبعد أن ظن أعداء الإسلام أن الارض قد خلصت لهم؛ وأن لا أمل من عودة
الروح إلى جثة هذا الجبار المجندل الذي يسمونه - علي مضض - «العالم
الإسلامي» ؛ يفاجئون بأن ما حسبوه قد أصبح جثة هامدة لم يمت حقيقة،
وعلامات حياته تشاهد في كل مكان.
ومن أظهر هذه العلامات ما شهده العالم على أرض أفغانستان، حيث عجز
جبروت الشيوعية أن يخضع هذا الشعب الفقير - إلا من العزة الإيمانية - فخرج
الروس وأذنابهم يجررون أذيال الهزيمة والخيبة، بل ولم تقم لهم قائمة لا في
أفغانستان وحدها؛ بل على المسرح العالمي بأسره.
بعض المرجفين من أنصار الشيوعية في بلادنا، وإخوانهم من العلمانيين
وأعداء الإسلام، على كافة ألوانهم؛ يتمضَّغون بكلمات تهوينية، وإشاعات تخذيلية، من أن الأفغان لم ينتصروا إلا بالسلاح الغربي الذي أمدتهم به أميركا، ليخلصوا
إلى نتيجة تقول: إن الغرب وأميركا والرأسمالية هي التي انتصرت على الشيوعية، وليس الإسلام.
وهذه دعوى عملاء الغرب في بلادنا!
أو أن الإسلام كان وما زال عميلاً لأميركا، وهذه دعوى أيتام الشيوعية في
بلادنا!
ونحن نقول: إن بلاد المسلمين بمصادرها وثرواتها أصبحت مجالاً حيوياً
يستغله غير المسلمين لمصالحهم، وعندما نقول «ثروات» لا نعني البترول
والمعادن والثروات الاقتصادية وطرق المواصلات فحسب؛ بل نعني كل ما تذخره
هذه الأرض الإسلامية من أفكار وعقائد وأموال. إن الغربيين يسخِّرون كل شيء
ليجنوا من ورائه الأرباح المادية، فيصنعون الأفكار ويعيدون تعليبها كما يعلِّبون
الفواكه والخضار والأدوية، ويستثمرون العادات ويتاجرون بالمآسي والكوارث كما
يتاجرون بالمواشي والمواد الخام ولذلك فلا يستغرب المسلم الحصيف استغلال
هؤلاء لكل شيء، حتى الإسلام، كعقيدة ودين، والمسلمين، كبشر من لحم ودم
وعواطف ومشاعر.
وإذاً؛ فلا يجادل المسلم العاقل في حرص القوى الخارجية على استثمار
الأزمات والكوارث التي تحل بالمسلمين، بل لا يجادل في أن أكثر هذه الأزمات
والكوارث هي من صنع هؤلاء ومن اختراعهم، ولكنه يعترض على أن يُجَرَّدَ من
كل جهد نافع، وتغتصب منه تضحياته، وتسرق منه نتائج جهاده بهذه الأساليب
الخبيثة، إن السلاح عنصر مهم في معادلات النصر والهزيمة، ولكنه في النهاية
ليس هو الذي يحسم، بل الحاسم هو الإنسان الذي يستعمله. والذين يشيعون أن
السلاح هو كل شيء يمهدون الطريق لهمينة صانعي السلاح، ويقتلون الإرادة
الإنسانية والعزيمة الجهادية في صدور المسلمين، فيسلس قيادهم لكل طامع،
ويضيفون - إلى إيمانهم بالحق الأزلي - إيماناً باطلاً بديمومة الباطل.
وأما أن المسلمين عملاء لأميركا فهذه فِرية ساقطة، لا لسقوط أصحابها
فحسب؛ بل لما يشاهده الناس من تحامل أميركا على المسلمين، وخذلانها قضاياهم
المصيرية الحقيقية في كل مكان: في فلسطين، وفي أفغانستان نفسها، وفي
البوسنة والهرسك.. وأما ما يشاهده المتابع للأحداث مما يحدث في أفغانستان، من
خلافات ومعارك بين فئات الأفغان فهذا أيضاً من دلائل هذا الدين وعلامات صدق
محمد ﵊، فقد أخبر ﷺ أن الخلاف الذي يقع
في أمتي من السنن الكونية، ففي صحيح مسلم، عن سعد بن أبي وقاص أن رسول
الله قال: «سألت ربي ثلاثاً، أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا
يهلك أمتي بالسنة [١] فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها» [٢] .
وعلى هذا فنفي الخلاف بين المسلمين أو تجاهله مكابرة، ولكن من الظلم أيضاً
تضخيم هذا الخلاف، وجعله علامة فارقة للمسلمين، وشيئا ميؤوساً من علاجه
وتخفيف آثاره، وكلما ابتعد الناس عن تعاليم النبوة، وحكموا بينهم الأهواء
والعصبيات والشهوات، تظالموا واعتدى بعضهم على بعض، وكلما ثابوا إلى نور
النبوة، واهتدوا بهدي الإسلام الصحيح ضاقت بينهم شقة الخلافات، واتجهت
طاقاتهم إلى دحر الكفر وأعوانه، ونصر الحق وتثبيت أركانه.
هذه من جهة، ومن جهة ثانية فلو ترك الأفغان دون تدخل خارجي لضاقت
شقة الخلافات بينهم، ولكن أصحاب مصالح كبار يتجاذبونهم، فأمريكا من جهة،
وباكستان من جهة، وإيران من جهة، وروسيا من جهة، وزيد من جهة، وعبيد
من جهة! كل يريد أن يكون له حظ من هذه الفريسة التي لا يمكن أن تشبع الجميع.
إن كل هذا التشويش والشغب في وجه المسلمين لا يقصد منه إلا أن لا يفكروا
في شيء اسمه: «جهاد» وأن يرضوا بواقعهم، ولا يطمحوا إلى التغيير
والتحسين، ولماذا يُعَنُّون أنفسهم هذا العناء؛ وغيرهم يصنع لهم، ويزرع لهم،
ويجاهد لهم، ويفكر عنهم ولهم؟ ! إن رسولنا الكريم ﷺ قال:
«بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجُعِلَ رزقي
تحت ظل رمحي، وجُعِلَ الذل والصَّغارُ على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم
فهو منهم» [٣] .
ماذا يفعل المسلمون بهذا الحديث؟ هل نسخ العمل به؟ ما الناسخ له؟ هل
يفكرون في مضمونه ويعرضون واقعهم عليه؟ وهل ينظرون إلى الأمم التي يتحدر
منها هؤلاء المرجفون وأعوانهم؛ أليس سلوكهم وأعمالهم على المسرح العالمي
تطبيقاً لهذا الحديث؟ !
هذه هي الولايات المتحدة ودول أوربا تقيم من القواعد العسكرية لحراسة
مصالحها = أي سلب الشعوب حقوقها المادية والمعنوية؛ وتحرك أساطيلها وجيوشها
عندما تشعر بأدنى تهديد لهذه المصالح المدَّعاة، ونحن - المسلمين - نُتَخَطَّفُ من
أرضنا، بل وتسحب هذه الأرض من تحت أقدام أولادنا وبناتنا ونسائنا، ويطلب
منا أن: دعوا الاعتراض، وإياكم وما يسمى بالجهاد، بل دعوا مجرد التفكير فيه!
ورسولنا ﷺ يقول: «من مات ولم يغز، ولم يحدث به نفسه
مات على شعبة من نفاق» [٤] ، ويقول أيضاً: «ستفتح عليكم أَرَضون، ويكفيكم
الله، فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه» انظر إليه ﷺ كيف
يحض المسلمين أن يلهوا ويلعبوا وقت السلم بأدوات الحرب، حتى لا ينسوا الجهاد
ويخلدوا إلى الدنيا، فتضعف همتهم، ويكونوا لقمة سائغة للضواري من البشر.
إن أوضاع المسلمين اليوم من الحساسية بقدر لا تسمح لعرض هذه الأفكار
على الناس، ويجد كثير من المتخوفين فيها سبباً لكتمان الحق وتضليل المسلمين،
وإننا لسنا من المتعجلين ودعاة الفوضى، الذين يتجاهلون الأخذ بالأسباب الصحيحة
لتغيير واقع الأمة، وطموحنا إشاعة الفكر الجهادي المضبوط بالعلم الصحيح والرأي
السديد بين الأفراد والجماعات وإن إشاعة هذا الفكر سيكون دواء لكثير من
الأمراض الاجتماعية المتفشية، كما ستكون خيراً للمسلمين على كل حال، في
الشدة والرخاء، وفي دنياهم وآخرتهم. وإذا كان من الصعوبة بمكان تنفيذ الجهاد
بمعناه المتبادر - وهو جهاد الكفر وأعوانه بالسلاح - لما لا يخفى من فقدان
الأسباب لذلك - وأهمها الإرادة والعزيمة - فإن أمامنا أبواباً كثيرة تمهد لذلك، وقد
لا تقل عنه أثراً مثل: الجهاد بالمال، وإعانة المسلمين الذين يلاقون العسف
والجور، وتفرض عليهم الفتنة في دينهم فرضاً، ويدفعون عن بلادهم، ويجردون
من أموالهم، وكذلك الجهاد في نشر العلم، والوعي في صفوف المسلمين،
وتجميعهم على دين الله، وإقامة المؤسسات القوية الدائمة التي تخدم ذلك. وإن
أضعف. الإيمان أن نحدث أنفسنا بالغزو، فمن يدري ماذا يخبئ لنا الغد، إن ما
حولنا من أحداث يجعل هذا من أوجب الواجبات، وتجاهله والسكون إلى الراحة
والحياة السهلة انتحار ما بعده انتحار.
إن هؤلاء الصرب الصليبيين المتوحشين كانوا يُعِدُّون لهذه الأفاعيل التي
فعلوها بالمسلمين منذ زمن بعيد، وكان في أحداث تاريخهم القريب عبرة وأي عبرة
للمسلمين، ولكن - يا للأسف - إن المسلمين يعيشون دائماً ضحية الساعة التي هم
فيها، وتفكيرهم بالماضي ليحتاطوا من أحداثه للمستقبل قليل، وإن كثيراً من أبناء
جلدتنا ممن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله يعتقد (ولا يظن) أن أوربا
قد ودعت الهمجية منذ قرون وتحضرت، بل هي الآن تعلَّم العالمين الحضارة! بل
إذا ضربت له مَثَلَ الصرب لوى شدقه وقال: الصرب وليس باقي الشعوب
الأوربية، وماذا يشكل الصرب بالنسبة لأوربا؟ ولو فكر قليلاً لعلم أن الذي يرى
المذابح والكوارث أمام عينيه ولا يهتز لها ويهب لمنعها - وهو قادر - أشد وحشية
وأَمْوَتُ [٥] قلباً ممن يرتكبها!
لا نريد الاسترسال في وصف حدث من أحداث الساعة تتحدث عنه وسائل
الإعلام كل يوم؛ وإنما نقول للمسلمين في كل مكان: في الأقاليم الرخية، وفي
الأقاليم المنكوبة، في المناطق التي هم فيها أغلبية، والأخرى التي هم فيها أقلية.
حيث يسوسون أمورهم ويستقلون بشؤونهم - ولو افتراضياً - وحيث يساسون من
قبل غيرهم بسياسة العصا الغليظة، ويضربون ضرب غرائب الإبل [٦] .
إياكم ونسيان أن العدو متربص بكم من كل جانب، بل كونوا على ذكر أنكم
مخترقون من داخلكم، وتُصِمُّ لأسماعَكم أصواتُ النفاق والمنافقين، ويزيدكم ضعفاً
إلى ضعفكم إرجاف العلمانيين الحاقدين. حدثوا أنفسكم بالغزو والجهاد، فلعل الله
ينظر لكم، ويرحمكم بما يرحم به عباده، حيث يختار لهم ما قد لا يمر لهم ببال.
من كان يظن أن الله سيمحو الشيوعية ويفكك دولتها دون أو يُوجَفَ عليها خيل ولا
ركاب؟ ! ولو توقع ذلك المسلمون - من كانوا تحت نير الشيوعية ومن كانوا غير
ذلك - وأعدوا له عدته؛ أما كان حالهم سيكون أفضل وأحسن؟ ! الحمد لله على كل
حال، يحفظ دينه، ويؤيده بعز عزيز أو بذل ذليل، نسأله أن يعز دينه، وينصر
عباده، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.
стр. 1272
فطر الله الخلق على الحق
عثمان علي حسين
معنى الفطرة في اللغة [١] :
الفطرة من فطر الشيء، يفطره فطراً، فانفطر، وفطره، أي شقه، وتفطر: تشقق، فالفطر: الشق. وجمعه: فطور، ومنه فطر ناب البعير، إذا طلع،
وفي التنزيل قوله (تعالى) : [إذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ] [الانفطار: ١] ، أي انشقت،
وفي الحديث: عن عائشة ﵂ : «أن النبي ﷺ
كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه ... » [٢] .
وفطر الله الخلق، يفطرهم: خلقهم وبدأهم، فالفطر - أيضاً -: الابتداء
والاختراع، كما قال تعالى: [الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ] [فاطر: ١]
أي خالقهما ومبتدئهما [٣] ، وكما قال ابن عباس (رضى الله عنهما) : «كنت لا
أدري ما [فَاطِرِ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ] حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر،
فقال أحدهما: أنا فطرتها، أنا بدأتها» [٤] .
والفطرة - أيضاً -: الخلقة، أنشد ثعلب:
هون عليك: فقد نال الغنى رجل ... في فطرة الكلب، لا بالدين والحسب
أي في خلقة الكلب.
فأصل كلمة «فطر» يرجع إلى التشقق، والابتداء، والخلق، والمعنيان
الأخيران (الابتداء والخلق) يناسبان المعنى الاصطلاحي، كما سيتبين ذلك.
معنى الفطرة في الاصطلاح:
وردت لفظة «الفطرة» مصدراً في القرآن الكريم في آية واحدة هي قوله
(تعالى) : [فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ
اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ] [الروم: ٣٠] ، وإن كان أصل
الكلمة قد ورد بصيغ أخرى - غير صيغة المصدر - في آيات كثيرة، ترجع
معانيها إلى الخلق والابتداء والتشقق، وهي معانيها اللغوية - كما تقدم -.
أما السنة، فقد ورد لفظ «الفطرة» مصدراً في أحاديث كثيرة، أشهرها
حديث أي هريرة ﵁ قال: «قال النبي ﷺ كل
مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كمثل البهيمة
تنتج البهيمة، هل ترى فيها جدعاء» [٥] وفي رواية قال أبو هريرة (رضي الله
عنه) في آخر الحديث: «اقرؤوا إن شئتم: [فِطْرَتَ اللهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا
تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ] [الروم: ٣٠] [٦] .
وقد اختلف أهل العلم في المراد بالفطرة المذكورة في الآية، وفي حديث أبي
هريرة خاصة [٧] على مذاهب، أذكر الصحيح الذي تسنده الأدلة: وهو أن الفطرة
الإسلام، وهو أشهر الأقوال وأصحها وهو المعروف عند عامة السلف من أهل العلم
بالتأويل [٨] . واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة منها:
١- قوله (تعالى) : [فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ
عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ]
[الروم:٣٠] ، قال الحافظ ابن كثير في معناها:» فسدد وجهك واستمر على الدين الذي شرعه الله لك من الحنيفية، ملة إبراهيم، التي هداك الله لها، وكملها لك غاية الكمال، وأنت مع ذلك لازم فطرتك السليمة، التي فطر الله الخلق عليها، فالله (تعالى) فطهر خلقه على معرفته وتوحيده، وأنه لا إله غيره « [٩] .
وقال الضحاك في معنى حنفاء:» أي حجاجاً «وقال الحسن:» الحنيفية:
حج البيت «وقال مجاهد:» مسلمين متبعين «، قال أبو عمر:» وهذا كله يدل
على أن الحنيفية الإسلام «واستدل بقوله تعالى: [ولَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً]
[آل عمران: ٦٧] ، وقول الشاعر (وهو الراعي النميري) :
أخليفة الرحمن إنا معشر ... حنفاء نسجد بكرة وأصيلاً
عرب نرى لله في أموالنا ... حق الزكاة منزلاً تنزيلاً [١٠]
وقال أبو عمر:» الحنيف في كلام العرب: المستقيم المخلص، ولا استقامة
أكثر من الإسلام « [١١] .
و» فطرة «منصوبة بفعل مقدر، أي اتبع فطرة الله، وقيل منصوبة على
المصدرية التي دل عليها الفعل الأول (أقم) ومعناها: فطر الله الناس على ذلك
فطرة، وعلى كل تقدير تكون إقامة الوجه حنيفاً وهو فطرة الله التي فطر الناس
عليها، وأن ذلك مأمور باتباعه إما صراحة، أو تلميحاً، لأنه جاء في صيغة مدح.
قوله: [لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ] ذكر ابن كثير ﵀ أن للعلماء في تأويلها
قولين:
الأول: أنها خبر بمعنى الطلب، أي لا تبدلوا خلق الله، فتغيروا الناس عن
فطرتهم، ثم قال الحافظ:» وهو معنى صحيح «.
الثاني: أنها خبر على بابه، وهو أنه (تعالى) ساوى بين خلقه كلهم في
الفطرة على الجبلَّة المستقيمة، لا يولد أحد إلا على ذلك، ولا تفاوت بينهم في ذلك، وهذا هو ظاهر النص [١٢] .
وعقد الإمام البخاري ﵀ في صحيحه: باب: لا تبديل لخلق الله:
لدين الله، (خلق الأولين) : دين الأولين، والفطرة الإسلام، ثم روى حديث أبي
هريرة - بعد الترجمة - ما من مولود إلا يولد على الفطرة.. إلخ [١٣] . وصنيع
البخاري - هذا - يدل على أن الفطرة عنده الإسلام، في الآية والحديث جميعاً.
وقال ابن عباس والنخعي، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة وقتادة،
والضحاك، وابن زيد في قوله تعالى: [لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ] أي لدين الله [١٤] .
وقوله تعالى: [ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ] قال ابن كثير:» أي التمسك بالشريعة
والفطرة المستقيمة، هو الدين القيم المستقيم « [١٥] .
٢- حديث أبي هريرة:» كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو
ينصرانه، أو يمجسانه، كمثل البهيمة تنتج البهيمة، هل ترى فيها جدعاء «،
وفي رواية:» تنتج بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء «، ثم يقول أبو
هريرة:» اقرؤوا إن شئتم [فِطْرَتَ اللهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ] . وفي رواية سألوه
عن أطفال المشركين، أي من يموت منهم صغيراً، فقال: «الله أعلم بما كانوا
عاملين» .
ودلالة هذا الحديث على أن الفطرة الإسلام من وجوه:
الأول: الروايات المختلفة الألفاظ المتفقة المعاني، مما يجعل بعضها مفسراً
لبعض، مثل: «ما من مولود يولد إلا وهو على الملة» [١٦] ، وفي أخرى: «إلا على هذه الملة» [١٧] .
الثاني: قول أبي هريرة في آخر الحديث: «اقرؤوا إن شئتم [فِطْرَتَ اللهِ
الَتِي فَطَرَ النَّاسَ] مما يبين أنه فسر الحديث بالآية، وقد أجمع العلماء على أن
المراد بالفطرة في الآية الإسلام [١٨] ، وتفسير الراوي له قيمته في هذا المقام؛
لأنه أعلم بما سمع.
الثالث: سؤال أبو هريرة عن رجل عليه رقبة مؤمنة، أيجزىء عنه الصبي
أن يعتقه وهو رضيع، فقال:» نعم، لأنه ولد على الفطرة «يعني الإسلام [١٩] .
الرابع: قال ابن شهاب الزهري:» يصلى على كل مولود متوفى وإن كان
لِغِيَّةٍ؛ من أجل أنه ولد على فطرة الإسلام « [٢٠] وأفتى الزهري رجلاً عليه رقبة
مؤمنة أن يعتق رضيعاً، لأنه ولد على الفطرة [٢١] .
الخامس: قال الإمام أحمد ﵀ :» من مات أبواه وهما كافران حكم
بإسلامه «واستدل بحديث:» كل مولود يولد على الفطرة.. «فدل على أنه فسر
الفطرة بالإسلام [٢٢] .
السادس: ذكر الحديث التغيير لملل الكفر دون ملة الإسلام، فعلم أنه يتحول
عن الإسلام إلى غيره، بفعل الأبوين، أو غيره.
السابع: قوله في الحديث:» هل تحسون فيها من جدعاء «. أي أن البهيمة
خلقت سليمة، ثم جدعت بعد ذلك، فكذلك الولد يولد سليماً من الكفر؛ مؤمناً مسلماً، ثم يطرأ عليه الكفر بعد ذلك، فالعيب الذي طرأ على البدن، يقابله العيب الذي
طرأ على الدين، وهو الكفر.
الثامن: لو لم يكن المراد بالفطرة الإسلام، لما سألوا عقب ذلك عمن يموت
من أطفال المشركين وهو صغير؛ لأنه لو لم يكن هناك ما يغير تلك الفطرة لما
سألوه، والعلم القديم وما يجري مجراه لا يتغير.
٣- حديث عياض بن حمار المجاشعي عن النبي ﷺ فيما
يرويه عن ربه وفيه:» وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين
فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأَمَرَتْهم أن يشركوا بي ما لم
أنزل به سلطاناً.. « [٢٣] وتقدم تفسير الحنيف بالمستقيم المخلص، وأنه لا
استقامة أكثر من السلام.
٤ - الفطرة الإسلام، وهو قول عكرمة، ومجاهد، والحسن، والنخعي،
والضحاك وقتادة [٢٤] .
المعترضون على تفسير الفطرة بالإسلام:
لخص أبو عمر اعتراض المنكرين على تفسير الفطرة بالإسلام، في أن
الإسلام والإيمان: قول، واعتقاد، وعمل، وهذا معدوم من الطفل، لا يجهل ذلك
ذو عقل [٢٥] .
والجواب: مما ينبغي علمه أنه إذا قيل كل مولود يولد على الفطرة، أو على
الإسلام، أو على هذه الملة، أو إنه خلق حنيفاً، فليس المراد به أنه حين خرج من
بطن أمه يعلم هذا الدين ويريده، فإن الله تعالى يقول: [واللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنْ بُطُونِ
أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً ... ] [النحل: ٧٨] ، ولكن فطرته موجبة مقتضية لدين
الإسلام، ومحبته، فنفس الفطرة تستلزم الإقرار بخالقه، ومحبته وإخلاص الدين له، وموجبات الفطرة ومقتضياتها تحصل شيئاً فشيئاً، بحسب كمال الفطرة،
واستعدادها، وسلامتها من المعارض؛ فكل مولود يولد على الإقرار بفاطره،
ومحبته والإذعان له بالعبودية، فلو خُلَّيَ وعدم المعارض لم يعدل عن ذلك إلى
غيره، كما أنه يولد على محبة ما يلائم بدنه من الأغذية والأشربة، كما قال تعالى: [الَذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى] [طه: ٥٠] ، فهو سبحانه خلق الحيوان
مهتدياً إلى حب ما ينفعه وجَلْبه، وبغض ما يضره ودفعه، ثم هذا الحب والبغض
يحصل فيه شيئاً فشيئاً، بحسب حاجته، لكن قد يعرض لبعض الأبدان ما يفسد ما
ولد عليه من الطبيعة السليمة والعادة الصحيحة، وهكذا ما ولد عليه من الفطرة،
ولهذا شبهت الفطرة باللبن، بل كانت إياه في تأويل الرؤيا؛ وذلك لما عرض على
النبي ﷺ ليلة الإسراء اللبن والخمر، فاختار اللبن، فقيل له:
» أصبت الفطرة، أو هديت الفطرة « [٢٦] ، فمناسبة اللبن لبدنه، وصلاحه عليه، دون غيره، كمناسبة الفطرة لقلبه، وصلاحه بها دون غيرها [٢٧] .
стр. 1273
تربية
الحركة التعليمية في فلسطين
والسقوط في فم الأفعى
سليم عبد الرحمن الزغل
قبل الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة عام ١٩٦٧م كانت. هذه
المناطق تخضع للحكم الأردني والحكم المصري؛ فكانت غزة تتبع الحكم المصري
تعليمياً، وكانت الضفة الغربية تتبع الحكم الأردني تعليمياً كذلك؛ وكانت الجهة
صاحبة الشأن في ذلك في الضفة الغربية مثلاً - هي وزارة التربية والتعليم؛ هكذا
سميت دائماً، ولو أنه كان يطلق عليها (وزارة المعارف) في بواكير الحركة
التعليمية في الأردن وفلسطين؛ إذن التربية قبل التعليم؛ هكذا استمر الشعار
مرفوعاً من الجميع؛ لأنه مطلب ينسجم مع الفطرة ويتلائم تماماً مع معايير العقول
مهما اختلفت توجهاتها وتباينت مشاربها، إذ ما قيمة العلم والعلماء إذا ما انحطت
الأخلاق وديست القيم وتبددت المروءات، فهذا هو المربي الأول وأستاذ الأمم
وكأني بصوته لا زال يدوي في سمع الزمن (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) ، ولقد
زكاه ربه مادحاً له بقوله [وإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ] ، ﵊.
من أجل ذلك كانت التربية أولاً ثم يأتي التعليم، وبهذا المفهوم تخرجت
الأجيال من مدراس فلسطين، حيث كان الرجل منهم أستاذاً في مكارم الأخلاق قبل
أن يكون عالماً متخصصاً، وتمضي السنون ويأتي عام ١٩٦٧م وينتكس العرب -
وما أكثر انتكاساتهم - وتدخل البلاد في فم الأفعى ويبدأ التخطيط الصهيوني
الماسوني بجعل (قلاع التربية والتعليم) أوكاراً خاوية من كل المعاني التي لا تصنع
الرجولة والرجال، وجندوا لذلك كل الطاقات وسخروا له كل مكرهم وخبثهم، وبدأ
الصرح يهوي ويتردى.. ولا زال يهوي، ولكن لدينا إيمان راسخ لا يتزعزع
كالشم الرواسي بأنه لابد أن يعود أقوى مما كان رغم السدود.. رغم العواصف
والقيود.
أهم الأسباب.. التي أدت إلى دخول التعليم في المناطق المحتلة في نفق مظلم:
١ - ربط أركان العملية التعليمية برمتها بالمخابرات الإسرائيلية (الشين بيت) ، لأنها مسألة تتعلق بتربية النشء وتنشئة الجيل، لذلك حرص الحكم الإسرائيلي
على الإمساك بكل خيوطها منذ البداية، ليوجه النشء حسبما يريد وكيفما يشاء،
فالمسؤول عن التعليم ضابط عسكري، والجهة صاحبة الاختصاص هي (إدارة
شؤون التعليم) وهي إدارة عسكرية كل أقطابها من الضباط العسكريين.
٢- تعديل المناهج الدراسية واستحداثها وفق خطة صهيونية خبيثة ترمي إلى:
تشويه التاريخ الإسلامي.
النيل من عظماء الأمة وروادها وصانعي مجدها وعزتها بتجاهلهم أو بتشويه
شخصياتهم بصورة خفية - في أذهان النشء.
المبادرة إلى حذف الآيات القرآنية في مختلف المناهج التي تتطرق إلى
الحديث عن اليهود وكشف عقيدتهم وبيان مواقفهم والتنديد بها.
العبث بالخرائط المنهجية بطريقة تخدم الرؤية الصهيونية، فقد استبدل اسم
إسرائيل باسم (فلسطين) وتم إطلاق أسماء يهودية على مناطقها - تكون بديلة
للعربية - مثل يهودا والسامرة، وكذلك استبدال أسماء مدن فمثلاً القدس أصبحت
(أورشليم) ونابلس (شكيم) والخليل (حبرون) وطولكرم (كفار شالوم) وأريحا
(أريحو) على غرار مناطق احتلال عام ١٩٤٨م فقد اسقطت الأسماء العربية برمتها
هناك، حتى إن الجيل الناشئ هناك لا يكاد يعرف شيئاً عن أسمائها العربية إلا
النزر اليسير، كما تم العبث بحدود دول المنطقة في تلك الخرائط.
مسخ المناهج التي تدرس التربية الإسلامية لطلاب المدارس بصورة غثة لا
تسمن ولا تغني من جوع، ولا تحقق المستوى الأدنى من المعرفة لطالب ينتمي
للإسلام، فيتخرج طالب المرحلة الثانوية وهو أمي من الناحية الدينية! ؟
٣- انتشار التصرفات الفوضوية وغياب قواعد الأخلاق من المدارس
وساحات الدرس، الأمر الذي أدى إلى غياب الاحترام والتقدير والتبجيل التي كان
يحظى بها المعلم فيما مضى، فمع قدوم الاحتلال إلى البلاد أشيع فيما أشيع من
الأمور أن التأديب المتمثل بالضرب (غير المبرح) وتخويف الطالب أياً كان نوعه
ممنوع بل يعتبرونه جريمة نكراء وكذلك (تأنيب الطالب وزجره وتقويمه) يعتبر من
الممنوعات والمحظورات، فأدى كل ذلك إلى بدء تطاول الطالب على المعلم وتحديه
في ساحات الدرس وخارجها! وكم من معلم ضُرب واعتدي عليه في داخل المدرسة
أو خارجها، فغابت هيئة المعلم أو كادت، الأمر الذي نجم عنه انحطاط وتقويض
أسس التربية وقواعد الأخلاق التي كان يتميز بها شعب فلسطين منذ القدم، وصار
من الأمور البديهية أن يمثل المعلم أمام القضاء المتعفن لأن الطالب قد شكاه ومرد
كل ذلك إلى التحريض الخفي والمبطن الذي يمارسه الإعلام اليهودي من خلال
وسائله المختلفة، والإعلام العربي المحلي المهزوم.
٤- بروز ظاهرة العمالة الطلابية في المصانع والمعامل والمزارع والمنشآت
اليهودية، فمع قدوم الاحتلال بدأ الترويج لفكرة العمل في المنشآت داخل الخط
الأخضر، ولما كان الناس في أحرج الظروف وأقساها في المخيمات وغيرها، ولا
يجدون أمامهم إلا مصانع إسرائيل ومزارعها، بدأت قوافل العمال تُغِذُّ السير إلى
العمل هناك في كل صباح، وجرفت الموجة كثيراً من طلبة المدارس حيث عمدوا
إلى ترك مقاعد الدرس ويممّوا داخل الخط الأخضر، فبريق العمل هناك كان له
لون آخر! نسبة كبيرة من الطلاب كانت تذهب للعمل ليلاً، بعد الدوام المدرسي
إلى ما بعد منتصف الليل، حتى إذا عاد الى بيته استغرق في النوم بقية الليل
ونصف النهار الآتي وبهذا يكون كالقسم الأول من النتيجة، ناهيك عن الانحراف
والضياع الذي ينتظر أولئك الأغرار في المصانع والمنشآت، حيث العمل للجنسين
جنباً إلى جنب.
٥- تفشي ظاهرة وهي لا تقل خطورة عن سابقتها - وهي انضمام كثير من
المعلمين إلى قوافل العمل الليلي في المصانع والمنشآت الإسرائيلية، وذلك لأن
راتب المعلم غالباً لا يكفي لإعاشته وأسرته - وهي سياسة إسرائيلية لخلق القلق في
نفس المعلم وغيره من طبقات الأمة - فما كان من كثير منهم إلا أن ركب الموجة
والتحق بالعمل الليلي تحت ضغط الحاجة، الأمر الذي أدى إلى انحطاط خطير في
مستويات التعليم المدرسي، فالمعلم الذي يعمل في الليل لا بد له أن ينام في النهار،
وكذلك الطالب وغالباً ما يكون ذلك على طاولة الفصل، - فصار المرسل
والمستقِبل في حالة عطب - وأشد خطورة من هذا وذاك - زمالة العمل التي
صارت تربط بين المعلم والطالب في مواقع العمل، وما نتج عنها من رفع التكليف
بينهما ورفع الحواجز النفسية التي كان وجودها ضرورياً، فصار زميل العمل في
الليل هو المعلم في النهار، وبذلك قلّت هيبة المعلم في نفس الطالب وزهد فيه.
٦- عدم إسناد الوظائف الإدارية الهامة إلا لمن يرتبط بعلاقات وثيقة مع
الحكم العسكري والمخابرات (الشين بيت) أو لمن يثبتون ولاءهم المطلق لتلك
الجهات على أرض الواقع، كوظيفة (مدير تعليم) أو (مدير مدرسة) أو (موجه
إدارة) أو عن طريق جهات لها نفس الصلات بالحكم العسكري، وتقوم بخدمته وفق
ما يطلب ويتمنى، وبهذا الإجراء المخابراتي المدروس ضمن الحكم العسكري
أوضاع المدارس والمعاهد العلمية في حدود سياساته المرسومة والمبرمجة،
فالتقارير والوشايات وتلفيق التهم والكيد للشرفاء والأحرار تتواصل تباعاً حول
مجريات الأمور في كل وقت وحين، كما يتم بواسطة هؤلاء وأمثالهم الإبلاغ عن
كل كبيرة وصغيرة تتعلق بقضايا الاحتلال الأمنية والسياسية والعسكرية وبكل
صراحة ووضوح، إلى حد التبليغ عن أسماء التلاميذ الذين يخرجون في مظاهرات! وباختصار: يقوم هؤلاء المرتزقة بتنفيذ السياسة التعليمية التي يريدها الحكم
العسكري بكل دقة وانتباه.
٧- تعمد المخابرات العسكرية بالتعاون مع الحكم العسكري وضباط الإدارة
الرسمية لشؤون التعليم بالمناطق المحتلة، إلى الإيقاع بعدد كبير من المعلمين في
حبائل المخابرات (الشين بيت) وعملائها ويتم برمجتهم كشبكة معلومات واسعة
الانتشار لتجميع أكبر قدر ممكن من المعلومات المختلفة عن المعلمين والطلاب في
كافة المناطق، وهذا يضمن للحاكم العسكري أكبر قدر ممكن من الاختراق السهل
واليسير للعملية التعليمية في المناطق المحتلة، فيقوم الواحد من هؤلاء المرتزقة
بتسجيل حركات وسكنات كل واحد من زملائه المعلمين على مدار العام، وعلى
ضوء ذلك يتم التعامل مع المعلمين كل حسب نشاطه وانتمائه، حيث يتم في نهاية
الأمر معاقبة مجموعات كبيرة إما بالفصل (الوقف عن العمل) أو الإحالة على
التقاعد قبل حلول الموعد المحدد لذلك بسنوات، أو النقل إلى جهات نائية جداً
بحيث يضطر المعلم إلى صرف كل راتبه على وسائل المواصلات أو المحاكمات
العسكرية الصورية، ومن هؤلاء المعلمين من هم في سن الشيخوخة رجال أفاضل
أفنوا أعمارهم في تربية الأجيال وتهذيب النشء، فيكون مصيرهم أن توكل أمورهم
إلى هؤلاء الأشرار من العملاء أعداء الأمة لنيل الخطوة والمدح والثناء عند الحاكم
العسكري!
٨- أما ثالثة (الأثافي) وكارثة الكوارث فهي أن تقوم أجهزة المخابرات
باصطياد الكثير من الطلاب صغار السن وتجنيدهم عملاء لها وذلك عن طريق
إغوائهم وإغرائهم بالمال وغيره وذلك بنقل ما تيسر لهم من المعلومات والأخبار عن
الطلاب من الطلاب، والمعلمين وعن أحوال مدارسهم أولاً بأول، ووصلت الوقاحة
ببعض هؤلاء الأغرار أن يقوم بتهديد معلميه بضباط المخابرات علناً وأمام التلاميذ!!
٩- قيام سلطات الاحتلال بفصل مجموعات من المعلمين النشطين فصلاً
تعسفياً كمحاولة منها لقطع أرزاقهم، وما يجدر ذكره أن السواد الأعظم من المعلمين
الموقوفين عن العمل هم من الحركة الإسلامية وأصحاب الاتجاه الإسلامي وذلك
بقصد حرمان الجيل من التربية الإسلامية وإبقائه يتخبط في بحور الظلام،
وبموجب قرار الفصل يتم حرمان المعلم من كافة حقوقه وامتيازاته الوظيفية..
١٠ - رواتب المعلمين الفلسطينيين المتدنية والتي لا تؤمن الحد الأدنى من
الحياة الكريمة للمعلم وأسرته بعكس المعلم الإسرائيلي الذي يتقاضى أضعاف ما
يتقاضاه نظيره الفلسطيني، ويكون راتبه مربوطاً بجدول غلاء المعيشة بشكل كامل، مع تأمين كافة خدمات أسرته الصحية والتعليمية وغيرها. والتهاون بحقوق
المعلمين الوظيفية والمدنية فمثلاً لقد تم وقف صرف رواتبهم لفترات طويلة أيام
الانتفاضة بحجة انقطاع الطلاب عن الدوام المدرسي علماً بأن المعلم كان يداوم
يومياً وبلا انقطاع!
١١- نصاب المدارس من المعلمين والموظفين لم يكتمل في يوم من الأيام،
فتكاد لا تجد مدرسة إلا ويعتريها النقص في عدد المعلمين قد يصل إلى خمسة
معلمين أو أكثر في المدرسة الواحدة أحياناً، لأن من مصلحة الاحتلال التوفير في
هذا المجال، ولأن التعليم بحد ذاته ليس غاية يسعى إليها، كما وإن المعلم الموقوف
عن العمل لا يتم تغطية مكانه الشاغر وإنما يبقى كذلك حتى نهاية العام.
١٢- زيادة أسعار الكتب بشكل كبير، وكذلك الرسوم المدرسية التي يدفعها
الطالب في مستهل العام الدراسي الأمر الذي يشكل عبئاً كبيراً على ولي أمره الفقير
أو متوسط الحال.
١٣ - وضع المباني المدرسية المزري، وعدم القيام بصيانتها أو ترميمها،
فترى كثيراً منها في وضع سيئ ومهلهلة وتحتاج إلى إعادة النظر في مرافقها،
ولكن أمراً كهذا لا يدخل في دائرة اهتمام السلطات هناك.
١٤- قضية التعيين: إن التعيين في سلك التربية والتعليم في الأراضي
المحتلة لا يعتمد على المؤهل أو التقدير بقدر ما يعتمد على الجهة المخولة بالبت في
هذا الموضوع، فيتم تعيين ما نسبته ٩٥% من الاحتياج عن طريق المخابرات،
أما الـ ٥% المتبقية فيتم تعيينهم عن طريق إدارات التربية والتعليم التي لا تبتعد
كثيراً عن الاتجاه نفسه! فقد حدث أن أوقفت فتاتان عن العمل ليحل محلهما غيرهما
بناءً على طلب ذويهما، حيث إنهما من عملاء الحكم العسكري! ! ؟
١٥- ما قيل عن الأوضاع في المدارس يمكن أن يقال عن الأوضاع في
الجامعات الفلسطينية والمعاهد والكليات المتوسطة ما عدا قضية المناهج التي تتحكم
فيها مؤسسات الجامعات دون تدخل من أحد (هذا فيما يشر لنا) أما بالنسبة لتأسيس
هذه الجامعات فهذه قضية بادرت إليها بعض العائلات الظاهرة في المجتمع
الفلسطيني فمثلاً (آل المصري) في (نابلس) هم أصحاب النفوذ في تأسيس جامعة
النجاح الوطنية، و (آل ناصر) في (رام الله) هم أصحاب النفوذ في تأسيس جامعة
بير زيت و (آل الجعبري) في (الخليل) هم أصحاب النفوذ في تأسيس جامعة الخليل، وهكذا دواليك، وتتصرف كل من هذه العائلات في أمور الجامعة، كملكية خاصة
كيفما تشاء وتشتهي وبشكل لا يغضب الحكم العسكري بالتعاون مع مجلس الجامعة
المعين من قبل تلك العائلة وغيرها.
١٦- إحداث ظاهرة الفصول المختلطة (طلاب وطالبات) في مختلف المراحل
الدراسية، وكذلك إحداث ظاهرة وضع نسبة من المعلمين ليقوموا بأعمال التدريس
بمدراس البنات الأمر الذي أثر سلباً على العملية التعليمية لكونه يتنافى مع عادات
وعقيدة الشعب الفلسطيني!
وكذلك اعتماد أسلوب التشريد الوظيفي والبعثرة المهنية، فأبناء الجنوب
يعينون في الشمال والعكس هو الصحيح بحيث يتوجب على الواحد منهم الاستيقاظ
قبل الفجر بساعات ليتمكن من اللحاق بدوامه المدرسي ولا يعود إلى بيته إلا عند
الغروب، الأمر الذي يجعله في حالة استنفار طوال اليوم! !
موقف منظمة التحرير الفلسطينية.. إزاء المعلمين الموقوفين عن العمل في الأراضي المحتلة:
لا بد من الإشارة في هذا المقام إلى العنصرية البغيضة والعقلية الحزبية التي
تتصف بها منظمة التحرير في التعامل مع الناس في شتى الأمور والقضايا، فقد
كان هناك توجه لدى منظمة التحرير بصرف رواتب للمعلمين الذين يتم وقفهم عن
العمل ورعايتهم باستثناء المعلمين من الحركة الإسلامية وأصحاب الاتجاه الإسلامي!
ولا زلت أذكر أنه عندما تم وقفنا عن العمل قامت المؤسسات العاملة بالأردن، التابعة لمنظمة التحرير باعتماد صرف رواتب للمعلمين الموقوفين عن العمل، مع
استثناء معلمي الاتجاه الإسلامي وعدم الالتفات إليهم نهائياً. وهذه كلمة نقدمها
للتاريخ، فقد كنا سعداء لأننا كنا نحتسب ذلك عند الله وليس عند فلان أو فلان،
وإن دعوتنا وتصدينا للباطل لم تكن سلعة نتاجر بها [قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ
إنْ أَجْرِيَ إلاَّ عَلَى الله وَهُوَ عَلَى- كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ] ، ولكن كان لا بد من تسطير
هذه الملاحظة حتى يعلم الناس من هم أولئك الذي يدّعون أنهم يمثلون شعب فلسطين، ويتبنون المتاجرة بالشعارات المحروقة أسلوباً لهم!
محاولة امتهان كرامة المعلم من قِبَل سلطات الاحتلال وأعوانها:
في منتصف الثمانينات وعلى وجه التقريب وجهت دعوة رسمية لكل معلم
بمنطقة طولكرم بحضور حفل افتتاح (مدرسة السلام) بمدينة قلقيلية تحت رعاية
الحكم العسكري، وأقيم الحفل وأقيمت منصة كبرى جلس عليها الضباط من اليهود، وعناصر روابط القرى العميلة، ومدير التربية والتعليم، بينما جلس آلاف
المعلمين في الساحات السفلى بكراسي متراصة وكان الفصل شتاءً والبرد قارصاً،
وما هي إلا دقائق حتى انهمر المطر غزيراً ومدراراً، وغرق المعلمون في ثيابهم،
ولم يستطيع أي منهم التحرك لا يميناً ولا يساراً بينما جلس أصحاب المنصة
يحتسون المشروبات المختلفة بكل نشوة وسرور تحت مظلة كبرى أعدت لهم! !
إنه امتهان لكرامة الإنسان مع سبق الإصرار والترصد.
إن ما ذكر ليس كل شيء بالنسبة لقضايا التعليم في الأرض المحتلة؛ بل ما
هو إلا غيضاً من فيض، وإنه مع بروز ظاهرة الصحوة الإسلامية المباركة هناك
أخذت الأمور تعود إلى سابق عهدها شيئاً فشيئاً، وكذلك فإن الانتفاضة التي انطلقت
من مرابض الحركة الإسلامية ومساجد فلسطين ساهمت إلى حد كبير في نسف
وتبديد ظاهرة الركوع والانحناء لمخططات اليهود وأعوانهم.
стр. 1274
خواطر في الدعوة
الهمة العالية
محمد العبدة
من أشد ما تصاب يه أمة من الأمم أن يكون أفرادها ذوي همم ضعيفة،
وعزائم واهنة وتطلعات قاصرة، يرى أحدهم نفسه قزماً أمام المتغيرات الكبيرة،
والتحولات التاريخية، فلا يفكر في التغيير، ولا البدء في مشاريع مستقبلية، ومَنْ
هذا وصغه كيف يرجى له الشفاء إذا كان اعتقاده أنه لا يشفى، ذلك أنه أسير تربية
ذليلة، لم يقم يوماً يعمل مستقل أو بعمل تعاوني كبير، لم يتدرب يوماً على القيادة،
فإذا فجأة أمر تقوقع وانزوى لأنه لا يملك الخبرة لإدارته.
إن عدم الثقة بالنفس مرض يفتك بالدعوة ورجالها، فتعيش دهراً وهي لم
تفعل شيئاً ذا بال، وحتى إذا ما واتتها الظروف التي يهيئها الله
رحمة بعباده المؤمنين فإنها لا تقدم على اهتبالها، وذلك كله لعدم الثقة بالنفس، بل
تصاب بالدوار إذا نظرت إلى ما هو مطلوب منها أو ما ينتظره الناس منها، ومن
العجيب - والعجائب جمة - أن تتاح الفرصة أمام الدعوة فلا تقتنص، ثم لا يأتي
مثلها إلا بعد دهر.
إن الخروج من المأزق له منافذ، ومنها أن أرض الله واسعة لمن يريد
الانطلاق، ولمن يريد تأسيس أعمال كبيرة، والطاقات متوافرة ولكنها بحاجة إلى
عزمة أكيدة وثقة بوعد الله، ولقد بعث الله موسى ﵇ ليخرج قومه من الذل
والاستعباد، إلى التمكين في الأرض، والاسترواح بشرع الله، ولكن نفوسهم كانت
ضعيفة صغيرة، لا تستطيع حمل مثل هذا العمل العظيم، وذلك لما أنسوه من
العبودية لفرعون وملئه، فتصاغرت نفوسهم وهانت عليهم حتى لم يعودوا يرون
أنها جديرة بمرتبة الاستخلاف في الأرض.
بينما نجد أن العربي الذي تلقى من التربية النبوية المباشرة، والذي لم يتلوث
بهاتيك المفاسد يحمل بين جوانحه من الآمال والطموحات ما يغريه على اقتحام
الأهوال وجوب البحار لتبليغ هذا الدين.
لا بد أن ينعتق الفرد المسلم من مثل هذه الأجواء التي تقيده وتشعره بضالته
وتشعره بأنه جزء صغير من آلة ضخمة، ومن عجلة تدور لا يستطيع الفكاك منها، لا بد أن يقتنع الفرد المسلم بأن عنده طاقات وقدرات يستطيع فيها القيام بأعمال
كبيرة.
стр. 1275
نحو مفهوم موضوعي وإنساني للتنمية
جمال حسن الحمصي
بعيداً عن ضباب الإعلام الاستهلاكي ووهج الألفاظ الرنانة ونزعة التبسيط المخُل، يهدف هذا البحث القصير إلى مواجهة إشكالية مفهوم «التنمية» . فما هو المقصود بهذا المصطلح السعري؟ وهل يستطيع الفكر العلماني المعاصر أن يعرّفه بطريقة موضوعية محايدة؟ أم تراه مفهوم أخلاقي معياري فلسفي غير قابل للتعريف الموضوعي غير الشخصي؟ هل الربط بين «التنمية» وبين زيادة الدخل أو الإنتاج أمر مبرر منطقياً؟ أم تراه يُعبر عن أيديولوجية مادية متحيزة؟ وما هو السبيل لتقديم تعريف موضوعي/ عقلاني يتجاوز هذا المفهوم المتحيز؟ هذه هي الأسئلة التي تشكل محور هذا البحث.
يمكن القول بأن مصطلح «التنمية» أو «التنمية الشاملة» جاء ليعبّر عن
رغبة الإنسان الملحة في تحسين أوضاعه المعيشية، وتوقه الدائم لزيادة رفاهيته
وسعادته. ولكن ماذا نعني بالضبط بكلمة «التنمية» ؟ معظم العاقلين سيقبلون
الادعاء بأن التنمية - كمدخل عام - هي: «تغير إنساني مرغوب» .
إن العنصر أو المكون الأخير للتعريف السابق يوقعنا في معضلة أو إشكالية
فلسفية أو أخلاقية، ذلك أن ما يُعتبر تغييراً إنسانياً «مرغوباً» من وجهة نظر فرد
أو جماعة أو مجتمع أو حضارة ما؛ يمكن أن يصبح عكس ذلك من وجهة نظر فرد
أو جماعة أو مجتمع أو حضارة أخرى. إن المشكلة الأساسية في التعريف المذكور
تتمثل في أن تحديد القيمة الاجتماعية لأي تغير هي قضية ترتبط بفلسفة الأخلاق
(Marshall, (p١٧ أكثر بكثير من ارتباطها بالعلم والتجريب.
قد يقول قائل: إن التغير الإنساني الذي يزيد من الرفاهية أو السعادة الإنسانية
هو تغير «مرغوب» بشكل موضوعي لا خلاف فيه (ومن يرفض السعادة كهدف
أسمى؟) وعليه فإن المنطق السوي يقتضي القول بأن «التنمية» هي: «تغير
إنساني يهدف إلى زيادة الرفاهية أو السعادة الإنسانية» .
قد يعتقد البعض أن الحيلة الأخيرة قد حلت بشكل كامل المشكلة الفلسفية
المرتبطة بتوفير تعريف موضوعي لمصطلح «التنمية» ، وذلك من خلال جعل
الرفاهية أو السعادة الإنسانية بمثابة الخير أو الهدف الأسمى للبشرية، ولكنها
للأسف لم تفعل ذلك. وهذا يعود إلى قصورنا في تحديد وقياس مفهوم الرفاهية
الإنسانية [١] . فالقول بأن التغير الإنساني «س» قد زاد من الرفاهية الإنسانية
هو حكم شخصي من الصعب اختباره بشكل علمي موضوعي محايد. إن الرفاهية،
وكما تؤكد الغالبية العظمى من منظري اقتصاديات الرفاه Welfare
Economics، هي متغير غير قابل للقياس أو. المقارنة الموضوعية (انظر
على سبيل المثال: Graff, p. ٢-٣) .
تعريفات للتنمية:
إن المقدمة السابقة تشكل منطقاً جيداً لتقويم التعريف العلماني الدارج للتنمية
في وقتنا الحاضر، ذلك التعريف الذي يركز على البعد الاقتصادي أو المادي
للرفاهية أو التنمية. فمن خلال إلقاء نظرة متفحصة على أدبيات التنمية في العلوم
الاجتماعية (وبالذات علم الاقتصاد وعلم الاجتماع) ، يستطيع المرء أن يستنتج
تعريفين رئيسيين لمصطلح «التنمية» : الأول هو تعريف إجرائي
Operational ولكنه غير موضوعي بتاتاً وذلك هو التعريف الاقتصادي للتنمية
والذي ينظر إلى «التنمية» بوصفها: «عملية طويلة الأجل تهدف إلى زيادة
متوسط الدخل الفردي الحقيقي» . أما التعريف الثاني والأكثر حداثة فهو موضوعي
إلى حد كبير ولكنه غير إجرائي، وهو ينظر إلى التنمية بوصفها: «عملية طويلة
الأجل تهدف إلى زيادة الرفاهية أو السعادة الإنسانية» .
التعريف الأول هو إجرائي بلا شك لأنه يمكن توفير سلاسل زمنية إحصائية
تتابع حركة الدخل القومي، ولكنه غير موضوعي (علمى) لأن الدخل الفردي
الحقيقي Real Par Capita Income هو مؤشر ضعيف للرفاهية الاقتصادية،
فكيف نجعله مقياساً أو حتى مؤشراً للرفاهية الإنسانية والتي تضم - إضافة إلى
الرفاهية الاقتصادية - كلاً من الرفاهية الأسرية والرفاهية السياسية والرفاهية
الاجتماعية والرفاهية البيئية والرفاهية الروحية والرفاهية النفسية [٢] .
هل يمكننا تقديم تفسير لهذا التحيز الأيديولوجي في جعل الدخل القومي مقياساً
أو مؤشراً لجودة الحياة و «مستوى المعيشة» والرفاهية الإنسانية؛ يقول أحد
المتخصصين:
«بالرغم من أنه قد عُلم بأن الدخل القومي لا يعكس كل الحاجات الإنسانية؛
إلا أنه قد افترض بأن أي مؤشر بديل أكثر شمولاً سوف يكون مرتبطاً بشكل كاف
مع الدخل القومي، بحيث أن التغيرات في أحدهما يمكن معرفتها عن طريق دراسة
التغيرات في الآخر» (Nissel, p١٦) . وهكذا فقد حُلّت أهم مسألة تواجه
البشرية، ألا وهي مسألة تحديد ماهية الخير الأسمى Summun Bonum
للإنسان عن طريق التعميم والغموض.
المشكلة في التعريف الاقتصادي للتنمية أنه يجعل النمو الاقتصادي والتصنيع
بمثابة «الهدف الأسمى» الذي يطمح الإنسان إلى التوصل إليه، فحسب هذا
التعريف فإن أي تغيّر إنساني يزيد من الدخل القومي هو تغيّر «مرغوب» . حتى
وإن أدى إلى تدهور الرفاهية غير الاقتصادية. وإذا أردنا أن نكون أكثر دقة، فإن
المؤمنين بالنظرية الاقتصادية للتنمية (وهم في تناقص مستمر) يستبعدون وجود
مسببات أخرى للرفاه غير المسببات الاقتصادية أو يفترضون أن هذه المسببات
الأخرى تنمو تلقائياً مع زيادة الدخل القومي ولا تتأثر سلبياً بالتغيرات الاقتصادية،
وكلا الأمرين تبسيط مخل وغير موضوعي.
إن القول بأن أي تغير إنساني يزيد من الناتج القومي الإجمالي GNP (الدخل
القومي) هو تغير «مرغوب» لا يمكن إثباته أو تبريره بطريقة موضوعية/عقلانية
ويمكن تقديم الكثير من المنطق والجدل لرده.
فمجمل الناتج القومي ليس فقط قاصراً عن الدلالة على الحياة ورفاهيتها
بصورة ملائمة، وإنما لا يعتبر أيضاً مؤشراً جيداً للإنجاز الاقتصادي [٣]
(Nissel) p,١٦. ويؤكد K. Helleiner في مقالته «شروط أخلاقية للنمو
الاقتصادي» على ضرورة توفر شرطين على الأقل ليؤدي النمو الاقتصادي إلى
زيادة الرفاهية، أو بالأحرى الرفاهية الاقتصادية، وهما:
١- يجب أن تكون رغبات وتفضيلات الإنسان التي يعمل النمو الاقتصادي
على إشباعها ذات طبيعة «مفيدة» أو «غير هدامة» أو بتعبير آخر «جيدة» .
وإلا فإن النمو الاقتصادي هو وسيلة الإنسان للتعاسة! إذ ما الفائدة من وراء
استهلاك الخمر و «الخدمات الجنسية» ، على سبيل المثال، سوى تدهور الصحة
وتزايد معدلات الطلاق وحوادث السير، وانتشار الأمراض الجنسية؟
٢- يجب أن لا تنمو كثافة وعدد رغبات الإنسان بمعدل أسرع من القدرة على
إشباعها (p. ٣٩٠) .
أما أرثر لويس A. Lewis ففي إجابته على التساؤل: «هل النمو
الاقتصادي أمر مرغوب؟» يؤكد على أن الثروة لا تجلب أو تزيد من السعادة إذا
ما زادت الرغبات بشكل أكبر من زيادة الموارد (١٩٦٥,p. ٤٢٠) وهذا بالفعل ما
يحدث على أرض الواقع، إذ أن تزايد دخول وثروات الناس عادة ما يزيد من
تطلعاتهم ورغباتهم، خصوصاً إذا كانوا يفتقدون التطلعات الروحية والدينية.
ويقول المؤرخ الشهير أرنولد توينبي A. Toynbee في هذا المجال:
«يجب أن نهدف ليس إلى [زيادة] الناتج القومي الإجمالي وإنما إلى [زيادة] ، الرفاهية
القومية الإجمالية. إن مدى اختباري للرفاه هو كما يلي: مدى الانسجام والتعاطف
المشترك بين أفراد المجتمع والرفاهية الروحية المتوسطة لكل فرد والتي تحدد
بدورها مدى الانسجام والتعاطف» (Mayor, p. ٢١٢) .
وكما أشار «جوارتني وستروب Gwartney and Stroup» في كتابهما
«عالم الاقتصاد الكلي» فإن «الناتج القومي الإجمالي لا يقيس الرفاه أو السعادة
أو حتى التقدم الاجتماعي، فهذه المفاهيم الشخصية [غير الموضوعية] تتأثر بعوامل
عديدة أخرى. ما يزال الرأي العام يربط بين زيادة الناتج القومي الإجمالي وبين
التقدم والتحسن في نوعية الحياة وهذا أمر يؤسف له، لأن الناتج القومي الإجمالي
لم يُقصد به بتاتاً أن يكون مقياساً للتقدم الاجتماعي.. [إنه مجرد] مؤشر للتغيرات
قصيرة الأجل في النشاط الاقتصادي» (p. ١٢٧) .
أما التعريف الثاني للتنمية فهو تعريف موضوعي إلى حد كبير ولكنه ضمن
النظرية العلمانية للمعرفة - غير إجرائي. وهو ينظر إلى التنمية بصفتها عملية
تهدف إلى زيادة الرفاهية الإنسانية بمكوناتها وأسبابها المتعددة، الاقتصادية منها
والاجتماعية والسياسية والروحية والأسرية، البيئية والنفسية. إنه تعريف
موضوعي لأن قليلاً من الناس من يرفض رفاهية أو سعادة البشر كهدف أسمى،
ولكنه غير إجرائي لأننا كبشر لا نعلم - من خلال العلم أو العقل أو الأدلة التجريبية
- ماهية العوامل أو القيم أو الأوضاع التي تزيد من الرفاهية، لأن المسألة فلسفية
جدلية، وحتى إذا استطعنا تعداد أو حصر مجمل مسببات الرفاهية - كما فعل
الكاتب - فإن هذا لا يحل مشكلة تحديد الأهمية النسبية لهذه المسببات، كما أن هذه
الخطوة الأولية لا تحل مشكلة كيفية تحقيق مختلف مسببات أو مكونات الرفاه، وما
هو مقياس التحسن أو التردي في كل منها، هل هو تفضيلات الأفراد، أم
تفضيلات «الحكومة» ، أم تفضيلات دكتاتور، أم العادات والتقاليد، أم تفضيلات
الأغلبية، أم تفضيلات النخبة (المخططين مثلاً) أم ماذا؟ وما هو مدى
«موضوعية» هذا المقياس؟
مما سبق نستنتج أن «التنمية» مفهوم إشكالي إلى حد كبير من الناحية
الفلسفية أو الجوهرية (Wallman, p١-٢) فهي من المفاهيم الخلافية بالضرورة
Essentially Contested Concepts. والاعتماد على العقل أو العلم أو
المعرفة التجريبية للتوصل إلى التعريف «الحقيقي» أو «الموضوعي» لهذا
المفهوم أمر عسير، لأن التنمية مصطلح أخلاقي أو معياري (Seers,p. ٢٢)
Normative Concept، أي مفهوم يتعلق بما «يجب» أن يكون عليه الوضع
الإنساني وبالتالي فهي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالأحكام القيمية Value
Judgements أو المسلمات الأخلاقية Ethical Premises المتعلقة بما هو
مفضّل أو مرغوب من الأوضاع أو الأهداف (Lewis, ١٩٧٥, p. ١١٩-١٢٠)
(Colman and Nixon,p. ٢) ، ولكي نتمكن من تحديد المضمون
«الموضوعي» للتنمية أو معرفة أهدافها «الحقيقية» لا بد لنا من معيار خارجي موضوعي ومستقل عن التفضيلات الشخصية أو الثقافية لبني البشر، وهذا بدوره يستلزم التوصل إلى نظرية موضوعية للمعرفة الأخلاقية Objective Epistemology الأمر الذي فشلت الفلسفة العلمانية المعاصرة في تحقيقه [٤] .
مضامين ونتائج:
لهذا البحث القصير العديد من المضامين والنتائج المرتبطة بالسياسة العامة،
لعل أهمها:
١ - ضرورة الاهتمام بالجوهر والمضمون عند القيام باتخاذ سياسات أو
برامج أو خطط تنموية. فعلى سبيل المثال هناك تجاهل غير مقبول تماماً من قبل
معظم دول العالم للرفاهية غير الاقتصادية وقد أثر هذا التحيز الأيديولوجي في
نوعية الحياة بشكل أفقد الحياة معناها ورونقها. فبرامج «التنمية» وخططها يجب
أن لا تهدف فقط إلى زيادة معدلات الإنتاج أو رفع معدلات النمو الاقتصادي أو
تقليل التفاوت في مستويات الدخول أو القضاء على البطالة والفقر، أو حتى رفع
كفاءة العاملين أو تنمية الموارد البشرية فحسب، بل يجب أن تتضمن كذلك -
وبشكل واع وصريح - أهدافاً وسياسات وبرامج للحد من المشكلات الأسرية وحماية
مؤسسة الزواج والأسرة (الرفاهية الأسرية) وتحسين علاقة الإنسان بأخيه الإنسان
وتخفيض معدلات الجرائم والانحراف السلوكي (الرفاهية الاجتماعية) ، وإعطاء
القيم الروحية مكانة عالية وتخفيض معدلات الانتحار والإدمان والأمراض النفسية
(الرفاهية الروحية والنفسية) والتركيز على الاهتمام بالرفاهية البيئية.
إن من المؤسف له أن تُعطى «الرفاهية الاقتصادية» في معظم دول العالم
أكثر من ثماني وزارات أو دوائر حكومية رئيسية (المالية والبنك المركزي والتموين
والصناعة والإسكان والتجارة والطاقة والثروة المعدنية..) في حين لا تكاد تُعطى
الرفاهية الأسرية سوى اهتمام جزء من وزارة، مع أن الشرع الإسلامي - الذي
يقدم لنا نظرية موضوعية للمعرفة الأخلاقية - يجعل مقصد «حفظ النسل» مقدماً
من حيث الأهمية على مقصد «حفظ المال، كما يؤكد ذلك علماء أصول الفقه.
٢- من القراءة المتبصرة لهذا المقال يتبين لنا مقدار التحيز واللاموضوعية
التي وصل إليها دعاة التحديث Modernization والتغريب Westernization
(تقليد نمط الحياة الغربية) . فهؤلاء اعتبروا أن طريقة الحياة الغربية تعبّر عن
التنمية والتطور والتحديث والتقدم. بل ويصر بعضهم على أن النموذج الغربي
للتنمية هو النموذج الوحيد أو» الأمثل «وأن المفهوم الغربي العلماني للتنمية هو
مفهوم» عقلاني «أو» موضوعي «إن هؤلاء ببساطة يعانون من وعي زائف
مزمن. [٥]
٣- ضرورة زيادة الاهتمام الرسمي والشعبي لتكوين وبلورة نظرية إسلامية
للتنمية تنطلق من المسلمات الأخلاقية الإسلامية وتضع البرامج العلمية الكفيلة
بتحقيق المنظور الإسلامي للتنمية. إن هذا الأمر ليس مجرد ترف فكري أو من
قبيل الاهتمام بالأصالة و» التراث «فحسب، إنه في واقع الأمر السبيل الوحيد
لإيجاد حقيقة موضوعية. فكما أكدنا سابقاً فإن النموذج العلماني للتنمية غير مؤهل
لتقديم تعريف موضوعي/عقلاني للتنمية، كما أن النموذج السابق قد فشل فشلاً
ذريعاً على أرض الواقع في حل مشاكل المجتمع المعقدة. إن العقل والعلم - معبودا
العلمانية - غير مؤهلين للتوصل إلى تعريف موضوعي للتنمية فهذا ليس نطاق
عملهما. إنهما مجرد وسيلة لتحقيق الهدف، ولكنهما لا يملكان القدرة على تحديد
ماهية هدف» التنمية «أو مضمونها الموضوعي. وعليه لا بد لنا من الاستعانة
بالقيم الإسلامية لاستنباط أو بلورة نظرية معيارية موضوعية للتنمية.
إن الذي حفزني لكتابة هذا المقال تناقض جوهري يسري في حياتنا المعاصرة. يتمثل في الحديث المجرد، وربما الساذج، عن» التنمية «و» التقدم «
و» البناء «و» التطور «و» الرقي «و» التحديث «و» عقلنة المجتمع «..
وما شئت من مصطلحات، في الوقت الذي يغرق فيه الفرد - أي فرد سواء كان في
الدول العلمانية النامية أو العلمانية الصناعية - في مستنقع من الضجر والملل
وفقدان الحياة والجمود والترويض والاضطراب النفسي، وفي الوقت الذي تعاني
فيه كافة المجتمعات العلمانية المعاصرة من عشرات المشكلات الأسرية والاجتماعية
والاقتصادية والبيئية. [٦] وكما يقول أحد علماء النفس التحليلي:» نحن نعيش
عصراً حلّت فيه سيكولوجيا انتحارية محل الاستقرار الداخلي، وتخلت الماهية عن
مكانها إلى جميع المظاهر السطحية «.
ألم يقل الله في كتابه الكريم: [ومَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ
مَعِيشَةً ضَنكاً] [طه: ١٢٤] . هذه هي خرافة» التنمية «في الدولة العلمانية،
فإلى متى ننمي هذه الخرافة؟
стр. 1276
التوجيه الإسلامي الشامل
محمد محمد بدري
أصبح الإعلام من أقوى (الأسلحة) التي تحرص الأمم على امتلاكها.
وتتسابق في ميدانها ووُظِّفَت دراسات علم النفس وعلم الاجتماع وغيرهما من العلوم
في خدمة الإعلام، حتى أصبح قادراً على (صناعة) اهتمامات الفرد، و (صياغة)
أفكاره، و (تغيير) سلوكه بما يتفق مع التغيير الاجتماعي المنشود.
ولقد قطع الإعلام الجاهلي المعاصر خطوات كبيرة نحو (الإنسان) المسلم حتى
أوقعه في أسره.. وكانت الخطوة التالية لـ (الأسر) هي محاولة دفع هذا المسلم في
طريق التنكر للإسلام عقيدةً وشريعةً وسلوكاً وحضارة! ! وقد توسل الإعلام
الجاهلي لذلك بوسائل كثيرة:
فأما حقائق الإسلام، فقد كانت طريقته في عرضها هي (العرض اللاهوتي)
أو التراثي المتخفي، حتى أصبح أكثر المسلمين لا يفهم من كلمة الإسلام إلا ما
يفهمه الأوربي من كلمة Religion إذا ذكرت أمامه، فلا يزيد الإسلام في حسه
عن بضعة طقوس وشعائر لا علاقة لها بشأن من شئون الحياة! !
وأما الأفكار التي يقوم بنشرها، فلا تجد بينها غذاءً فكرياً جيداً، بل أكثرها
من نوعية الأفكار التي يمكن أن نطلق عليها (العَلَف الفكري) ، فهي أفكار «تدعو
الفرد المسلم، إمّا إلى الانصراف إلى قضاياه اليومية الخاصة التي تدور حول الغذاء
والكساء والمأوى، وإما إلى الاغتراب الحضاري والجغرافي، والهجرة إلى خارج
الوطن الأم والانضمام - بإعجاب وولاء - إلى المجتمعات (الاستعمارية) .. وإما
إلى الانحلال الاجتماعي والانحراف والانغماس في تيار الجنوح والانحراف» [١] .
وأما الأخلاق التي ينشرها الإعلام الجاهلي فهي أخلاق (الفضائح الاجتماعية) ، «فمن إدمان للخمر، إلى نوادي القمار، إلى دور البغاء العلني والسري، إلى
الخلاعة على شواطئ البحار والأنهار وأحواض السباحة والاستعراضات الرياضية
المختلطة، إلى تسهيل الإغراءات في الملابس وتشجيع دورها ومحلاتها وصحفها
وحفلات عرضها.. إلى آخر تلك الفضائح الأخلاقية التي قتلت الرجولة والشهامة
والمروءة والاستقامة وروح الجهاد والكفاح في الحياة لدى الأجيال المسلمة..» [٢] .
وأما في نطاق قدرة الفرد على التغيير ومجابهة التحديات، فقد أكد هذا الإعلام
على ترسيخ اعتقاد المسلم بأنه غير قادر على فعل أي شيء في مواجهة الواقع،
وأن الاستسلام لما هو كائن هو (التصرف الواقعي) !
ولا شك أن العمل الإسلامي لا يملك في مواجهة هذا الإعلام إلا سلاح الدعوة
والبيان، ولكن شمول الخلل الذي أحدثه الإعلام الجاهلي في الأمة يحتم على العمل
الإسلامي أمرين:
الأول: «لم يعد يكفي الاعتماد على الجانب العقدي وحده أو التشريعي وحده
أو السلوكي وحده، لمجابهة الأزمات الحضارية والانتكاسات الفردية والاجتماعية
التي يمر بها المجتمع الإسلامي. بل لا بد أن تمشي الخطوط الثلاثة متكاملة
متوازنة متعانقة لمعالجة السقوط العقائدي والاجتماعي والأخلاقي فيه، تمهيداً
لإحداث التغيير الإسلامي المنتظر» [٣] ، وهذا يعني أن يكون (الخطاب
الإسلامي) [٤] خطاباً شاملاً، يكشف الحق الملتبس، ويبينه للأمة في صورة بلاغ
مبين، ثم ينتقل بالدعوة من مرحلة المبادئ إلى مرحلة البرامج، فيقدم (المشروع
الحضاري الإسلامي) الذي يكون بديلاً للمشروع العلماني.
الثاني: لا بد من تجنب الإسراف في استخدام الكلمة والبيان، بحيث لا تكون
الكلمة مجرد صورة بيانية ترف في الهواء، أو مجرد كمية من المداد على صفحة
من الورق، بل لا بد أن تكون الكلمة (فعالة) تبث أفكاراً لها كثافة الواقع ووزنه،
بما تدفع إليه من نشاط وحركة في طريق التغيير [٥] .
وأما في موضوع الأخلاق والقيم، فإن التوجيه الإسلامي لا يقدمها كعدد من
الفضائل المبعثرة، كل على حدة، كالصدق والأمانة والعفة والوفاء.. الخ.. إنما
يقدمها كما هي على الحقيقة «نظام متكامل لحياة شاملة، نظام يوجه ويضبط كل
النشاط الإنساني في شتى جوانب الحياة،.. فالصدق خلق، ومثله الجهاد في سبيل
الله لتحرير البشر من العبودية لسواه. والأمانة خلق، ومثلها عمارة الأرض وتنمية
الحياة وترقيتها في حدود ما شرع الله، ابتغاء رضوان الله، والعفة خلق، ومثلها
تطهير عقول الناس من الوهم والخرافة والضلال، والوفاء خلق، ومثله القيام على
حدود الله، والإيجابية وعدم السلبية في حياة الجماعة ... » [٦] .
وهكذا.. لا يهتم التوجيه الإسلامي بالأخلاق من الناحية الفلسفية، بل من
الناحية الاجتماعية، ومدى مساهمة الخلق في إيجاد (قوة التماسك) اللازمة في أمة
تريد إقامة حضارة على أساس من الإسلام الحق.. الإسلام المتحرك في العقول،
والسلوك، والمنبعث في صورة (إسلام اجتماعي) .
وأما الأفكار، فإن التوجيه الإسلامي الشامل يركز على أن فقدان (الرسالة)
التي قامت عليها الأمة، وضياع (الغاية) التي بُعِثت من أجلها يؤديان إلى انهيار
الأمة وهلاكها «وأن أمانة (الرسالة) تفرض على المسلمين أن يكون كل منهم على
ثغرة من ثغور الإسلام فلا يؤتين من قبله، وأما القاعدون من المسلمين الذين يظنون
أنهم بأخلاقهم وصلاتهم وصيامهم يؤدون واجبهم تجاه أمتهم ويحملون رسالتها،
فليعلموا أنه لا يصلح لهذا الدين إلا من أحاطه من جميع جوانبه، وأنه لن ينتصر
آخر هذه الأمة إلا بما انتصر به أولها أي بالإيمان والجهاد والتضحية والثبات» [٧] .
وأما قدرة الفرد على التغيير، فإن التوجيه الإسلامي الشامل يقوم على تعميق
الإحساس بضرورة التغيير مع بث الثقة في أفراد الأمة وقدراتهم وإمكاناتهم التي
تؤهلهم لحمل مسئولية التغيير، وذلك عبر إشعار جماهير الأمة بالوضع السيئ الذي
تعيشه أمتهم، وإثارة تطلعاتهم إلى تغيير الواقع الذي يستهدف حريتهم، وحضارتهم، بل ولقمة عيشهم! ! ومن ثم حشد طاقات جماهير الأمة جميعاً لتصب في حركة
تغييرية تسير بصورة تدريجية وتصاعدية حتى تبلغ ذروة أهدافها بإخراج جماهير
الأمة من العبودية التي تؤلمها وتحز في صدورها، إلى الحرية التي لا تتحقق في
ظل منهج من المناهج كما تتحقق في ظل الإسلام.
وهكذا هو التوجيه الإسلامي الشامل.. يطرح الإسلام كمعادلة فكرية وسياسية
واقتصادية وأخلاقية، وذلك في مواجهة المعادلة العلمانية التي تريد إبعاد الأمة
الإسلامية عن خط الإسلام لتقربها إلى خط الكفر!
إن الكثير من المسلمين يبحثون عن الطريق إلى الخروج من التبعية الذليلة،
ومن هنا فلا بد أن يقدّم لهم التوجيه الإسلامي البديل النظري والواقعي للخروج من
هذه التبعية، ويزيل من أنفسهم أسباب العجز والتخلف، ويبعث فيها روح الأمل
والثقة في القدرة على التغيير والخروج من التبعية إلى الريادة.
إن في الأمة الإسلامية «طاقات وقوى لم تستخدم، لأننا لا نعرف كيف نكتلها، وهناك ملايين من السواعد والعقول المفكرة صالحة لأن تشارك في التغيير،
والمهم هو أن نعرف كيف ندير هذا الجهاز الهائل المكون من ملايين السواعد
والعقول» [٨] لإحداث التغيير المنشود. ولا شك أنه لا سبيل لنا إلى ذلك إلا
بالتوجيه الإسلامي الذي ينشر الفكرة الإسلامية بين أفراد الأمة، وبقدر شمولية هذه
الفكرة سيكون اكتساحها للأفكار الجاهلية المثبطة للعزائم.. وبقدر فعالية الأمة في
حمل هذه الفكرة ستكون وقفتها القوية في وجه أعدائها، وسيكون التغيير.
стр. 1277
الفلاح المصري كما يراه اليهود
د. أحمد إبراهيم خضر
كل فلاح مصري يغادر قريته متجهاً إلى المدينة للدراسة أو للعمل أو للزيارة
يشكل خطراً على اليهود. وتتفاوت درجات هذا الخطر تعظم إذا سافر إلى القاهرة
بالذات، وتخف قليلاً إذا ذهب إلى عاصمة محافظته، أو إلى مدينة من المدن التي
تبعد عن قريته، وإذا عاد إلى قريته بعد انتهاء مهمته في المدينة فهو مصدر خطر
أيضاً.
الفلاح المصري كما تقول دراسات الباحثين اليهود، متميز عن أي فلاح آخر
في بلاد ما يسمونه (بالشرق الأوسط) أو (الهلال الخصيب) بمواظبته على الصلاة
في المسجد، ولا تكاد تخلو قرية من قرى مصر من وجود مسجد بها يذهب
الفلاحون إليه للصلاة.
القرية المصرية كانت لقرون عديدة تدفع بأبنائها إلى القاهرة لدراسة الدين في
الأزهر. وكان الأزهر إلى عهد قريب الطريق الأكثر تميزاً في تحقيق نقلة
اجتماعية ذات قيمة لأبناء القرى. إن العديد من العلماء بل إن أكثر من نصف
شيوخ الأزهر ينحدرون من أصول ريفية. كان الأزهر في الماضي قلعة الدفاع عن
الدين، وموقع مختلف الأنشطة الدينية، أما اليوم فإنه تحت قبضة الحكومة ويخضع
لإشراف وضبطٍ قوي من جانبها، فتحول إلى موقع مسالم يندر أن يجد فيه أي
نشاط معاد للحكومة فرصة للظهور [١] .
إذا تعلم الفلاح المصري فسيصبح يوماً ما خطراً على اليهود، لأنه قد يصبح
عضواً في جماعة إسلامية. وإذا ذهب الفلاح المصري إلى القاهرة فأين سيقيم: في
الجمالية، أو في الدرب الأحمر، أو في الحسينية، أو في منطقة حزام الفقر
القاهري، أم سيقيم في الحلمية الجديدة أو القصر العيني؟ وكل هذه المناطق لها
دلالاتها عند اليهود.
أما إذا ذهب إلى المدن الكبرى في المحافظات فإن الخطر على اليهود قائم.
هناك الجامعات الإقليمية، وهناك فرص العمل، ووسائل الراحة، وهناك
الجماعات الإسلامية أيضاً. أينما ذهب فإنها هناك سواء ذهب إلى الإسكندرية أو
بور سعيد أو الزقازيق، أو ذهب إلى طنطا، أو نجع حمادي، أو غيرها من مدن
المحافظات التي لم يكن لها ذكر في الماضي على خريطة مصر السياسية.
إذا ذهب الفلاح المصري إلى الصلاة في المسجد أو في المدينة، أو استمع
إلى حلقات الدروس التي يتعلم فيها أصول دينه، أو اشترك في جمعيات إسلامية
خيرية فإن الخطر على اليهود قائم أيضاً.
من الخير للفلاح المصري - كما يرى الباحثون اليهود - أن يقرأ جريدة
(اللواء الإسلامي) لأنها الجريدة التي أنشأتها الحكومة بغرض محاربة ما يسمى
(بالنمو الخطر للأصولية) [٢] .
لا ضرر من أن يستمع الفلاح المصري إلى إذاعة القرآن الكريم، أو إلى
البرامج الدينية في الراديو والتلفزيون، لكنهم يحذرون من دروس الشيخ الشعراوي
الذي كانوا يرونه يوماً هذا الوزير الذي دفعته السلطات للدفاع عن الخط العصري،
ثم عادوا يعتبرونه اليوم أحد الأصوليين. على الفلاح المصري ألا يقرأ كتابات
الشيخ كشك التي تذكرهم بكتابات الإمام حسن البنا، ولا أن ينظر في مؤلفات سيد
قطب. لا ضرر من انضمام الفلاح المصري لحلقات الصوفية، مع الحذر من أن
تكون هذه الحلقات معبراً إلى الجماعات الإسلامية.
(القرية النوبية) قنبلة زمنية موقوتة يحسب لها اليهود حساباً دقيقاً، كما كان
النصارى يفعلون من قبل، فسلطوا عليها مركز بحوث الجامعة الأمريكية بالقاهرة
لدراسة ما يسمى بالسلوك الديني للقروي النوبي. اليهود قلقون من البعث الديني في
قرى النوبة ذات المستوى التعليمي المرتفع، وقلقون من اتجاه نساء النوبة نحو
الإسلام الصحيح، لكنهم مطمئنون إلى أنها لا زالت بعيدة عن مرمى الجماعات
الإسلامية.
لقد فشلت الحركات الإسلامية - كما يرى الباحثون اليهود - في تجنيد أتباع
لها في القرى المصرية، لكن الحقيقة المفزعة هي أن القرية المصرية هي التي
ولدت (حسن البنا) في المحمودية في عام ١٩٠٦. وأكد اليهود (لروبرت ميتشيل)
أن (المحمودية) قرية وليست مدينة كما كان يتصور وهو يكتب عن تنظيم الإخوان
المسلمين. (حسن الهضيبي) - خليفة البنا - ولد في قرية (عرب الصوالحة) في
منطقة شبين عام ١٨٩٠. (سيد قطب) المحرك الأساسي للفكر (الأصولي) - كما
يرى اليهود - ولد في قرية (موشا) بالقرب من أسيوط.
إن مدناً مثل طنطا وأبو تيج والأقصر مثلاً كانت في الماضي مجرد مراكز
تجارية إقليمية، وأماكن للأضرحة والقباب والاحتفالات بالموالد، تجذب إليها
الكثير من الفلاحين المصريين، لكنها اليوم - إلى جانب ذلك - تشكل مركز إمداد
بما يسمى (بالفكر الأصولي) و (الجماعات الأصولية) . إن الفلاحين يرسلون
أبناءهم إلى هذه المدن للدراسة. الموظفون يفضلون أداء صلاة الجمعة بها. إن
مدن المحافظات تعتبر مراكز لنشر سلوكيات الإسلام الصحيح، وهناك يتعرض
الفلاحون لهذا (الفكر الأصولي) كما ظهر من تبني الطلاب من ذوي الأصول
الريفية لهذا الفكر.
اهتمامات الباحثين اليهود بما يجري على الساحة المصرية لا حد لها، ففي
الوقت الذي انشغل فيه المراقبون بتطورات حركة الصحوة الإسلامية بما يسمونه
بالمظاهر العنيفة لهذه الصحوة، ودوافع قادتها، كان الباحثون اليهود مشغولين
بدراسة الأبعاد العميقة لهذه الصحوة، وعلى الساحة المصرية بالذات.
انطلق الباحثون اليهود من مقدمتين أساسيتين بنوا عليهما نتائج دراستهم،
تقول المقدمة الأولى عندهم إن للإسلام مظهرين: أولهما هو الإسلام الصحيح (الذي
يعتمد على الأصول) وهو مصدر الخطر الحقيقي عليهم، لأنه يجمع حوله ما
يسمونه بوقود التيار الأصولي والجماعات الإسلامية، وخاصة المسلحة منها. أما
الثاني فيسميه اليهود بالإسلام الشعبي، وهو عبارة عن ممارسات للإسلام ذات
جذور لا إسلامية بعضها فرعوني، مثل الاحتفال بعروس النيل واحتفالات الزار،
والموالد، وعبادة الأضرحة، واستخدام التعاويذ والتمائم، وأخذ العهد، والحلقات
الصوفية، وكذلك كل ما يسلكه الناس في حياتهم اليومية على اعتبار أنه من الدين،
وهو في حقيقته عادات موروثة موغلة في القدم تعتبر من أقدم عادات الأمم في العالم.
أما المقدمة الثانية فتقول: إن السلوك الديني الشعبي ذا الجذور الإسلامية
ينتشر في القرية المصرية، أما سلوكيات الإسلام الصحيح فإنها ترتبط بسكان
الحضر المتعلمين. لكن هذه الارتباطات ليست حادة ولا قاطعة، حيث يمكن أن
يختلط الإسلام ذو المظهر الشعبي بالإسلام الصحيح في القرية. ويمكن أن توجد
مظاهر عديدة لسلوكيات غير صحيحة للإسلام بين سكان المدن.
من هاتين المقدمتين انطلقت دراسات الباحثين اليهود فانكبوا على دراسة كل
ما توافر لديهم من مصادر ومراجع قديمة وحديثة، لعلها تفيدهم في فهم أبعاد
الصحوة في مصر، والتخطيط لمواجهتها بما يرونه مناسباً. انشغل الباحثون اليهود
بمحاولة الإجابة على سؤالين هامين:
الأول: إلى أين تتجه الوفود المهاجرة من الريف المصري إلى المدينة: إلى
الإسلام الصحيح، أم إلى مظاهره غير الصحيحة التي تربت عليها؟
الثاني: هل تفهم الحكومة المصرية وتعي جيداً هذه القضية، وماذا أعدت
لمواجهتها ومدى قوة وفاعلية هذه المواجهة؟
تابع اليهود بدايات الصدام بين دعاة الإسلام الصحيح، ومظاهر السلوك
الديني غير الصحيح منذ بداية القرن التاسع عشر. تركز هذا الصدام على شعائر
الوفاة وزيارات الأضرحة واحتفالات الزار والحلقات الصوفية، وقاده في بعض
الأحيان الشباب العائد من القاهرة بعد دراسته في الأزهر، وساعد على توقده تحسن
وسائل الاتصال والمواصلات بين القرية والمدينة.
اليهود مطمئنون إلى أن مظاهر السلوك الديني غير الإسلامي لا زالت قائمة
ومنتشرة ومستمرة، بل إن جانباً منها قد كسي بغطاء إسلامي. إنهم مطمئنون أيضاً
إلى أن دعاة الإسلام الصحيح لم يتمكنوا بعد من القضاء تماماً على هذه المظاهر.
قارن اليهود قائمة الاحتفالات بالموالد والأولياء في القرن التاسع عشر بتلك القائمة
الحديثة التي أعدها باحثون مثل (ماكفرسون) في الأربعينيات و (بانيرث ودي
جونج) في الستينيات والسبعينيات. توصل اليهود إلى أن هناك انخفاضاً في كم
الاحتفالات بها، لكن الشعبية الكبيرة لأضرحة الحسين، والسيدة زينب، والإمام
الشافعي طمأنتهم.
عاد اليهود إلى موقف الأزهر من هذه القضية تاريخياً، فتوصلوا إلى أن
صلابة موقف الأزهر في الدفاع عن الإسلام الصحيح أصبحت في ذمة التاريخ.
إنهم اليوم مطمئنون لنجاح الأزهر البالغ في تجنب الجدل الديني حول هذه القضية،
وقدرته على الدفاع عن هذه التركيبة التي تجمع بين الإسلام الصحيح ومظاهره
الشعبية، والفتاوى التي تصدر دفاعاً عن هذا الجانب أو ذاك.
ليست للمسلمين العصريين أية جذور عميقة في تربة الشعب المصري - كما
يرى الباحثون اليهود - إنهم كحركة ظهرت بين الصفوة التابعة للفكر الغربي -
قابعون بأفكارهم في دوائر الحكومة ويكتبون في صحفها. ويدخل الأزهريون الذين
يعملون لصالح الحكومة ضمن فئة هؤلاء المسلمين العصريين، وإن كانت الصحوة
الإسلامية قد أوقعتهم في ورطة شديدة.
التغيرات الدينية في القرية المصرية بطيئة و (الفكر الأصولي) أقل انتشاراً
في قرى مصر من مدنها. هذا شيء مطمئن، لكن دخول هذا الفكر إلى القرية في
صورة مواد مطبوعة، أو عن طريق الزيارات المتكررة لباعة الكتب المتجولين؛
ووجود هذا الفكر بين صفحات الكتب التي يحتفظ بها معلمو المدارس في مكتباتهم
المتواضعة بمنازلهم شيء لا يطمئن. الطبيعة المحافظة للقرية المصرية حالت في
نظر اليهود دون انضمام القرويين إلى تنظيم الإخوان المسلمين. لم يكن الفلاحون
قادرين على وصل الهوة بين ما توارثوه وبين فكر الإخوان. هذا شيء طيب، لكن
الذي ليس بطيب هو أن الفلاحين المقيمين في المدن هم الذين انضموا لتنظيم
الإخوان.
الذي يجري في القرية النوبية لا يطمئن اليهود. صحيح أن الحركات
الإسلامية المسلحة لم تنجح في جذب شباب النوبة؛ لكن النوبيين بعد استيطانهم
الجديد، وبعد تغير قياداتهم التقليدية، قد تخلصوا من الكثير من الشعائر ذات
الأصل الوثني، واعتدلت حفلاتهم الدينية، وتقلصت حفلات الذكر والزار. ويرجع
الباحثون اليهود هذا التفكير الديني إلى حركة الذهاب والعودة المتكررة لأبناء النوبة
إلى القاهرة من قرى النوبة، فيعودون إلى أهليهم بأفكار صحيحة عن الإسلام.
انزعج اليهود من مسألة التعليم الرسمي في مصر، لقد خطط منذ عشرات
السنين أن يؤدي التعليم إلى علمنة البلاد، لكن الذي حدث بالفعل قد خيّب الآمال،
لقد أدى التعليم إلى تغيير الأنماط الاجتماعية الدينية في مصر لصالح (الفكر
الأصولي) كما يسميه اليهود. لم يعد يخفى على أحد ارتفاع المستوى التعليمي
لشباب الجماعات الإسلامية، إن نصف هؤلاء الشباب هم طلاب جامعات، والعديد
منهم خريجون مهنيون متعلمون، وذلك على العكس تماماً من الحالة التعليمية
لأعضاء جماعة الإخوان المسلمين في الأربعينيات والخمسينيات. إن هذا الشباب قد
درس العلم والتكنولوجيا، وهم مؤهلون الآن لما يسميه اليهود بمرحلة (ما بعد
العصر) وهي مرحلة تطهر الإسلام من شرور السيطرة الغربية وعادات الاستهلاك
الترفي، والعودة بالأخلاق إلى أحضان الإسلام. سيمكن هذا التعليم الشباب من فهم
فكر سيد قطب الذي يحتاج إلى درجة عالية من التجريد، كما حدث ويحدث مع
رسائل حسن البنا. وتساهم شرائط الفيديو والكاسيت بدور ملحوظ في هذا المجال.
ارتفاع المستوى التعليمي بين الرجال وانتشار أفكار الإسلام الصحيح ساعدهم
على معارضة انغماس نسائهم في مظاهر السلوك الديني الخاطئ، والمشاركة في
حفلات الزار. وامتد الأمر إلى مطالبة النساء بتخصيص أماكن لهن في المساجد
للصلاة وللاستماع إلى الدروس الدينية. لقد حدث ذلك في القرى كما حدث في
المدن. حتى المناطق البدوية في مصر اتجهت إلى الإسلام الصحيح فبنت المساجد
واستعانت بأئمة لها من الحضر.
إن لإذاعة القرآن الكريم والبرامج الدينية في التلفزيون المصري شعبية كبيرة
بين الفلاحين. لكن هذه الشعبية لا تقلق اليهود فهي شعبية ناتجة عن إشباع لحاجة
(عاطفية) وليست (أيديولوجية) ٠ الذي يزعجهم هو أن يبدأ الفلاحون في فهم معاني
الآيات التي يستمعون إليها فهماً صحيحاً. هنا سيتجاوز الاستماع حد النشوة والتأثر
الروحي بصوت المقرئ إلى حد التفكر والعمل بها، وهذا ما يحسب له اليهود ألف
حساب.
القاهرة بالنسبة للباحثين اليهود هي المنطقة الوحيدة للأنشطة التي تمثل خطراً
حقيقياً على الحكومة وعلى اليهود معاً. القاهرة (إحصائياً) هي المستقبل البشري
الأعظم للحركات الأصولية. (تاريخياً) انتقل حسن البنا من الإسماعيلية إلى القاهرة
في عام ١٩٣٢م. وكسب حافظ سلامة شهرته بجد أن رحل إليها من السويس.
تتفاوت أحياء القاهرة في خطورتها. يصعب على الجماعات الإسلامية - كما
يرى الباحثون اليهود - أن تنشر أفكارها في أحياء الجمالية والدرب الأحمر
والحسينية، فهذه الأحياء تقليدية نسبياً، وتحتوي على أضرحة وقبور كثيرة، لكن
هذه الجماعات يمكن أن تجد لها أتباعاً في أحياء ما يسميه اليهود - بحزام الفقر
القاهري - قد تجد هذه الجماعات صعوبة في التغلغل إلى الأحياء المركزية الوسطى
بالقاهرة، كما قد يصعب عليها نشر أفكارها بين أفراد الطبقات العليا - الوسطى،
كما حدث لجمعية الشبان المسلمين التي خسف دورها بسبب مخاطبتها لجماعة عالية
المستوى اجتماعياً وسياسياً وتعليمياً. لكن القادة الدينيين قد ينجحون في ممارسة
دور أكبر في التأثير على أفراد الطبقة الدنيا الوسطى، كما حدث مع الشيخين عبد
الحميد كشك وحافظ سلامة، وقد ينجحون أيضاً في نشر أفكارهم في أحياء منفتحة
على الفكر العصري والفكر الأصولي معاً، مثلما حصل مع الشيخ حسن البنا في
حي الحلمية الجديدة.
الحكومة نفسها - في نظر الباحثين اليهود - قد تخدم هذا الفكر (الأصولي)
عن غير قصد [*] . إنها وهي تحاول استخدام الإسلام لصالحها تغذي السلوك
الأصولي والتمسك بالإسلام بين أفراد الطبقات الدنيا من السكان، كما حدث إبان
فترة حكم السادات، حيث ركزت الحكومة على المظاهر الخارجية للشعائر
الإسلامية، وحينما استعانت بعض الأحزاب السياسية ببعض المشايخ للمشاركة في
برامجها السياسية التي بدأتها بتلاوة القرآن الكريم، وقدمت تقاويم الصوم في شهر
رمضان كهدايا.
لا زالت تجربة الإخوان وغيرهم من الإسلاميين في تقديم البرامج الثقافية
الفصول المسائية لمساعدة الناس على فهم أمور دينهم عالقة في أذهان اليهود، لذلك
فإنهم يحذرون من هذه الجمعيات التي تعطي دروساً في القرآن والدين في الأحياء
المختلفة. إنها ستجذب بلا شك أعداداً من المهاجرين من الريف، وكذلك الجمعيات
الخيرية والمساجد كلها مراكز تجنيد جاهزة يمكن أن تستغلها الجماعات الإسلامية.
أما كيف يستقبل القرويون المهاجرون إلى المدن الأفكار (الأصولية) والأفكار
(القرآنية) بالذات فهي منطقة لا تزال تحت أعين الباحثين اليهود، كما أن أعينهم
تركز عليهم وتراقبهم في القاهرة والإسكندرية وغيرهما من المدن. هل سيسلكون
الطريق إلى الإسلام الصحيح أم سيحافظون على عاداتهم التي قدموا بها من الريف؟
ما عرضناه هو جانب من جوانب اهتمامات الباحثين اليهود. كتبوه ونشروه
دون أدنى اعتبار لإمكانية استفادتنا منه لأنهم واثقون من مقالة (موشي دايان) :
«إن العرب لا يقرأون، وإذا قرأوا لا يفهمون» .
стр. 1278
شعر
البشناق.. والنظام الجديد ! !
د. محمد بن ظافر الشهري
سمعت من مصادرٍ قريبةْ ...
وثيقة الصلهْ ...
" صدىً " لما يقال من بعيد ...
بأنَّ حلِ كل معضلهْ ...
نظام عالَمٍ جديد ...
* * *
أَمِرِكَا.. وهيئةُ الأممْ ...
كلاهما لغةْ ...
طالبتا بعودة السلام! ...
أيدتا حرية البشرْ! ...
نددتا بالقهر للشعوبْ! ...
وفكرة السادة والعبيدْ ...
قررتا أن يحكم " النُّظُمْ " ...
نظامُ عالَمٍ جديدْ ...
* **
وأعلنت أّمِرِكا ...
في ثوبها الجديدْ ...
بأنها قد كفرت ...
بالنار والحديد! ...
وأنها قد فتحت ...
فؤادَها الكبيرْ! ...
وأنها قد سَخّرتْ ...
ذراعها " القصيرْ "! ...
لنصرة الضعيفْ ...
ونجدة الفقيرْ ...
وقد أشيع أنها ...
تريد أن تتوبْ ...
من كل ما جنتهُ ...
من " صغائر " الذنوبْ ...
فما جرى لدولة اليابانِ ...
من قديمْ ...
وما جرى لكوريا ...
وحرب فِيتِنَامْ ...
وكل من أُذِلَّ ...
بل وكل من أُبيدْ ...
فذاك ذنب واحدٌ ...
يمحوه أو يزيدْ ...
نظام عالمٍ جديدْ ...
* * *
وأنكرت أَمِرِكا جريمةَ العراقْ ...
في غزوه الكويتْ ...
وأجلبت بالغيدِ والرجالْ ...
فعادت الكويتْ ...
وبدأت كارثة البشناقْ ...
فانتظر الَعَربْ ...
فخامة " اللورنسِ " أن يجيبْ ...
وعندما تأخر الجوابْ ...
وطفقت تُقَطَّعُ الرقابْ ...
وأُتْخِمَ النسور والكلابْ ...
تكرر النداءْ ...
فقرر " اللورنسُ " أن يجيب ...
واستنكر التمثيل بالقتيل ...
وطلب " الأمانْ " ...
كي يرسل " الفستق والحليبْ " ...
فصفق الجميعْ ...
وأعلنوا التأييدْ ...
لكل ما يقرهُ ...
نظام عالَمٍ جديدْ ...
* * *
وصرحت أَمِرِكا ...
سادنة الصليبْ ...
بأنها قد سئمت ...
من خوضها الحروب ...
فمحنة البشناق لا تقاس بالكويتْ ...
فلم تكن دماؤهمْ ...
مَشُوبَةً بزيتْ ...
ولم تكن بلادهم ...
واضحة الحدودْ ...
ولم يُصَبْ " شيوخهم " ...
فالقتل للشبابْ ...
والحل أن يستبدل " السلام بالتراب " ...
وخير ما يدعم هذا الطلبَ السديدْ ...
نظام عالم جديد ...
* * *
أيتها المصادر " القريبةْ " ...
أما ترين الفجرَ من بعيدْ: ...
" والمارد " القديم قد أفاقْ ...
من نومه الطويلْ ...
ولن يفيد " القمعُ والوفاق " ...
فعزمه أكيدْ ...
يريد أن يُحَكِّم الكتابْ ...
وينشرَ السنةَ والحجابْ ...
ولن يحول بينهْ ...
وبين ما يريد ...
نظام عالَمٍ جديدْ. ...
стр. 1279
المسلمون والعالم
المسلمون في رومانيا
محمد عبد الغفور
رومانيا إحدى دول أوربا الشرقية وتقع في شمال شبه جزيرة البلقان، ويحدها
الاتحاد السوفييتي (سابقاً) من الشمال وبلغاريا من الجنوب، والمجر من الغرب،
ويوغسلافيا من الجنوب الغربي والبحر الأسود من الشرق.
تبلغ مساحتها (٢٣٧٥٠٠) كم٢، ويزيد عدد سكانها على ثلاثة وعشرين
مليون نسمة. أما العاصمة فهي (بوخارست) التي يصل عدد سكانها إلى مليون
ونصف، ومن المدن الشهيرة - كلوج - قنسطانطة - براسوف. وتعتبر قنسطانطة
مركز تجمع للمسلمين على البحر الأسود.
تقدر المصادر الرسمية عدد المسلمين بمائة ألف نسمة لكن عددهم أكبر من
هذا. والمسلمون ينحدرون من قوميتين رئيستين هما: التتر والأتراك إضافة إلى
أقلية من الرومان.
تاريخ الإسلام في رومانيا:
دخل الإسلام رومانيا بواسطة أفواج من الدعاة الأتراك التي كانت تجوب
سواحل البحر الأسود، وبقيت الدعوة قائمة على جهود هؤلاء قرنين من الزمن،
حتى فتح العثمانيون هذه البلاد على مراحل منذ عام (٨١٤ هـ - ١٤١١م) وحتى
(٨١٩ هـ -١٤١٦م) وأمام تساهل المسلمين مع سكان البلاد فقد فضلوهم على
تعصب النصارى المتمثل في أسرة - بسبورج - وقد شهد بهذا الأمر (بطريق
أنطاكية) وهو يصف الفظائع التي أوقعها سكان بولندا من النصارى الكاثوليك
بالنصارى الأرثوذكس. حيث يقول: «إن ضحايا هذه الأحداث كانوا ثمانين ألفاً،
وختم شهادته بقوله:» أدام الله بقاء دولة الترك، فهم يأخذون الجزية التي فرضوها
ولا شأن لهم بالأديان «.
ولقد أثمرت دعوة التسامح الديني هذه ودفعت بالكثير من سكان رومانيا إلى
الدخول في الإسلام، وخاصة في المنطقة الشرقية التي حافظت على إسلامها بالرغم
من كل الاضطهاد الذي وقع للمسلمين بعد الحرب العالمية الأولى وهزيمة العثمانيين
أمام القوى المحلية في المنطقة. والتي اضطرت آلاف المسلمين الرومان إلى
الهجرة والفرار إلى تركيا هرباً من الاضطهاد حيث كان عددهم مليوناً ونصفاً
وتراجع إلى مائتين وعشرين ألف عام ١٩٢٧، ثم واصل المؤشر السكاني التراجع
بعد سيطرة الشيوعيين على الحكم.
المساجد في رومانيا:
يبلغ عدد المساجد الأصلية في رومانيا ٦٢ مسجداً حول الشيوعيون أعداداً
كبيرة منها إلى مستودعات أو قاعات رقص وملاه أو فلل للسكن أو زرائب. وقد
شاهدت بأم عيني - أثناء استطلاعي في مدينة قنسطانطة - مسجداً حولوه إلى ملهى. ومنارته ما زالت موجودة إلا جزأها العلوي والمحراب لا زال كما هو، وقد
التقطنا له بعض الصور. وقد شاهدنا مسجداً آخر بكامل هيئته قد حوّل إلى فيلا
سكنية للإيجار حيث إن المنطقة سياحية على شاطئ البحر.
ولم يبق من المساجد إلا ٣٨ مسجداً موزعة على مدينة (المجيدية، قنسطانطة، كوستانجا، منفاليا، تولسيه، بخارست، باباراغ) ، وأغلب المساجد مغلقة
الأبواب لعدم وجود أئمة متفرغين ولتدني رواتبهم. ولعدم توفر الدعاة المخلصين
الذين يتولون إحياء هذه المساجد وإعادتها إلى ما كانت عليه، ولا نقلل هنا من تأثير
الجانب المادي في هذا المضمار من ناحية الصيانة ومن ناحية تفرغ الدعاة
والمدرسين.
المدرسة المجيدية:
يعتبر جميع الأئمة وأصحاب العلم الشرعي في رومانيا من خريجي المدرسة
المجيدية المشهورة التي أغلقت أبوابها منذ عشرين عاماً عندما حولها الطاغية
شاوشيسكو إلى جمعية تعاونية زراعية، وقد عادت المدرسة إلى المسلمين أطلالاً
بعد هلاكه أخيراً، وتنتظر من المسلمين الغيورين وأصحاب النخوة من أغنيائهم أن
يمدواً يد العون من أجل إعادة المدرسة لتكون منارة علم لمسلمي رومانيا الذين
يعقدون عليها الآمال العريضة. مع العلم بأن المدرسة كانت إحدى ثلاث مدراس
شهيرة في أوربا الشرقية. الأولى مدرسة الغازي خسروبيك في سراييفو، والثانية
مدرسة ذا النواب في (شومن) ، والثالثة المدرسة المجيدية هذه. وتقع في مدينة
المجيدية على الطريق الرئيسي الذي يربط بوخارست بالبحر الأسود - قنسطانطة.
الدين المعاملة:
كان المسلمون مضرب المثل في الصدق والأمانة بتعاملهم مع الآخرين،
وكان الرومان يضربون بهم المثل فيقولون (صادق كالمسلمين) هذا ما قاله المفتي محمد يعقوب والداعية الروماني (سليم صباح الدين) .
أما اليوم وللأسف الشديد فيوجد أكثر من خمسة آلاف طالب عربي في
جامعات رومانيا ومعظمهم ينسى دينه وإسلامه ويذوب في المجتمع الكافر، ويعطي
صورة سيئة غير مشرفة، عن دينه وعقيدته وبلاده.
ماذا يطلب المسلمون هناك من إخوانهم:
ويطالب هؤلاء الإخوة بمراكز إسلامية ترعى شؤونهم وتسعى لتأصيل الإسلام
في نفوسهم. ويطالب الأخ سليم صباح الدين لمسلمي رومانيا بدعم مادي لترميم
وبناء المساجد والمدارس وبإرسال مدرسين ودعاة وبإيجاد منح دراسية لأبنائهم في
بلاد المسلمين. كما يحتاجون إلى مصاحف وكتب مترجمة وأشرطة وغيرها تساعد
على فهم العقيدة بمفهومها الصحيح.
وللأسف الشديد فإنه بعد انحسار الشيوعية يتطلع الناس جميعاً في أوربا
الشرقية لدراسة الأديان عامة. ولذلك فقد استغلت الكنيسة هذه الفرصة الذهبية
ووزعت خمسين مليون نسخة من الإنجيل في أوربا الشرقية وبلغاتهم المحلية، بينما
يعجز المسلمون في كثير من البلدان عن طباعة القرآن الكريم، ناهيك عن ترجمته.
والحزب الشيوعي كان قد قام بإبادة أي صلات ثقافية بين المسلمين الرومان
وبين الإسلام. ولم يبق هناك أي نشرة أو كتاب باللغة الرومانية أو التركية تتحدث
عن الإسلام.
وقد لاحظت وجود دعاة إيرانيين نشطين وأغلبهم طبعاً من الطلاب ومنظمين
بشكل ملفت للنظر، وعندهم إمكانات كبيرة، ويحاولون التأثير على الطلاب العرب
بنشر مذهبهم بينهم، مع العلم أنهم في البداية يبتعدون قدر الإمكان عن إثارة
الخلافات بين مذهب السنة والشيعة ليتمكنوا من البعض بحسن المعاملة ثم يكشفون
عن أنفسهم وحقيقة تعصبهم وعدائهم لكل ما هو غير شيعي.
دور الدعاة:
ولا نغفل في هذا المضمار دور الدعاة المخلصين في نشر الإسلام. حيث
يحكي لنا التاريخ عن داعية اسمه:» سامي سالينك «أول داعية مسلم تركي أدخل
الإسلام إلى رومانيا قبل دخول العثمانيين بقرنين من الزمن.
стр. 1280
ما هذا العداء للإسلام
في تونس؟ !
مؤمن الشاهد
توقع بعض المسلمين أن يكون العهد الجديد في تونس أفضل من العهد
البورقيبي. لقد كان الحبيب بورقيبة واضحاً في حربه للإسلام، وكان لا يتورع في
معظم أحاديثه وخطبه أن يصف الإسلام بالتخلف والجمود، وأن يسيء إلى الشعائر
الإسلامية، ويحرض الناس على عدم الصيام حتى يتمكنوا من (العمل) وحتى تتقدم
تونس! .
وفعلاً.. تقدمت تونس في عهد الحبيب كثيراً.. لكن إلى الخلف! لقد نجحت
في صناعة أفخر أنواع (الزلابيا) وأشهى أنواع (الكسكسي) وأجمل أماكن الترويح
السياحي الحلال.. وغير الحلال! !
وعندما جاء العهد الجديد على أنقاض العهد البورقيبي ظن الناس أن موقفه من
الإسلام قد تغير، وقد قدم بعض التنازلات التي يعلم أنها تهدهد المشاعر الإسلامية..
فبينما كان المخطط البورقيبي الموجه مباشرة من حصون العلمنة الكنسية
الفرنسية يتجه إلى تهميش جامعة الزيتونة وتحويلها إلى كلية هزيلة، ومراقبة كل
أجهزتها مراقبة دقيقة لضمان عدم الحركة في الاتجاه الإسلامي الموضوعي الإيجابي.. جاء النظام الجديد يلعب على هذا الوتر، فيتظاهر بإعادة مجد الزيتونة ويسمح
لها ببعض الانتعاش، ويأمر رجاله في الإعلام بالتركيز على هذه المنحة الكريمة!! كما يسمح النظام بإذاعة الأذان في التلفزيون عند كل صلاة.. وإذاعة بعض
الآيات القرآنية الكريمة! !
ومضت شهور التخدير.. وبدأت الحقائق تتكشف ...
إن النظام يمنح المسلمين هدايا شكلية، لكنه يمضي في مخطط هائل يعتمد
على القوة والسرعة والذكاء والصمت للقضاء على كل المضامين الإسلامية الحقيقية..
لقد أفرج عن المسلمين المحكوم عليهم، ليصادر كل حقوقهم في الحياة في
ظلال دينهم.. لقد أعطاهم الدنيا ليعطوه الدين، فلما تبين له أن الناس لا يقبلون
هذه الصفقة الخاسرة، صادر - فوراً - كل حقوقهم في الحركة والعمل والحوار،
مستخدماً شعارات كاذبة يرفضها أنصاف المثقفين، فضلاً عن روح العصر
الديمقراطية.. وقد باءت كل محاولات الإسلاميين للحوار مع النظام بالفشل؛ لأن
النظام كان يريد موقفاً واحداً محدداً، وهو ترك الهوية الإسلامية، وعدم الإلحاح
على التعليم العربي أو التربية الإسلامية.
إن الصفقة التي كانت قد أبرمت مع العهد الجديد فيما يبدو كانت صارمة من
هذا الجانب، وهي لم تسمح بأية ثغرات ينفذ منها العمل الإسلامي، ومن هنا روَّج
النظام لشعار (تجفيف المنابع الإسلامية) أي استئصال كل فكر يحقق الانتماء
الإسلامي.. أو يحافظ على الهوية الإسلامية أو الشعور الإسلامي الحيّ الدافق! !
وفي مقالة الأهرام القاهرية الصادرة بتاريخ ٥/٨/١٩٩٢ يتحدث «غالي
شكري» عن مذبحة الكتاب العربي في معرض الكتاب بتونس [وغالي شكري -
بالمناسبة - كاتب لا يمكن وصفه بالتحيز للإسلام أو الدفاع عن قضاياه أو التطرف
له] [١] فيأسف «شكري» لأن السلطات التونسية رفضت أن يعرض في معرض
الكتاب العربي الذي عقد بتونس أي كتاب إسلامي سواء كان الكتاب للشهيد «سيد
قطب» أو للشيخ «محمد الغزالي» أو للشيخ «محمد متولي الشعراوي» على
اختلاف مستويات التعبير عند هؤلاء! !
بل إن هذه السلطات قد ارتكبت جريمة كبرى في حق العروبة والإسلام
وحرية الفكر، حين منعت الإنتاج العلمي لمؤلفين إسلاميين وعرب بالجملة.. فليس
الأمر مصادرة لفكر معين، ولا لكتاب واحد، بل هو مصادرة للفكر الإسلامي
بالجملة.
وما يقوله «غالي شكري» صحيح، لكن «غالي شكري» لم يتطرق
لتفسير ذلك، واكتفى بالأسف من هذا الأسلوب المتخلف المناهض للفكرة القومية
القائمة على تواصل الفكر.. والحقيقة أن النظام التونسي الحاكم لا يؤمن بتواصل
الفكر لا على أساس العروبة.. ولا على أساس الإسلام، بل يؤمن به على أساس
فكر آخر لا يمت للإسلام ولا للعروبة بصلة، وهذا ما تؤكده مسيرة هذا النظام منذ
ثبتت قواعده، وعبر حواجز البورقيبية، وضمن السيطرة على الأمور.. ونزيد
الأمر إيضاحاً في السطور التالية..
لئن كان النظام قد أعطى الشعب التونسي المسلم بعض المظاهر الشكلية
الإسلامية التي داعبت وجدانه وألهبت خياله بآمال عريضة، بعد أن عاش أكثر من
ثلاثة عقود تحت القهر البورقيبي العلماني: فإنه - في مجال الفعالية الحقيقية - قد
أعطى الشيوعيين والعلمانيين والمتفرنسين المواقع التربوية والإعلامية والحزبية..
فالأستاذ محمد الشرفي (أحد كبار الماركسيين) عين كاتباً للدولة لشئون التربية
(وزير التربية) وهو منذ احتل موقعه الوزاري يمشي بخطوات سريعة وقوية في
سبيل علمنة المناهج وإزالة أية بصمات عربية أو إسلامية منها [٢] ، وقد جعل
المادة الدينية هامشية للغاية، وكيفّت المادة لتصبح معبرة عن الفكر اليساري التقدمي، مثلما كانت المادة تكيف في البلاد الشيوعية أيام سيطرة الفكر الشيوعي.
كما شكل الوزير لجاناً تعمل بتوجيهه المباشر لتنقية كتب الأدب والمطالعة
والإنشاء والنحو والتاريخ والجغرافيا من التأثيرات الإسلامية. والأستاذ (محمد
الشرفي) [وزير التربية] عرف بتطرفه الشيوعي منذ العهد البورقيبي، وقد سجنه
الرئيس (بورقيبة) لفترات طويلة، ومن الغريب أنه في عهد الزوال العالمي
للشيوعية يقع عليه الاختيار من قبل النظام التونسي ليصبح وزيراً لأخطر وزارة
(وهي وزارة التربية) في بلد حاول نظامه أن يتظاهر بالإسلام لعدد من الشهور! !
والملاحظ أن العهد الجديد (عهد الرئيس بن علي) يستعين بالشيوعيين في
مواقع كثيرة، على أساس أنهم الأنكى والأقدر على استئصال البصمات الإسلامية،
وأيضاً لكي يثير الإسلاميين ويغيظهم، فيندفع بعض الأحداث ممن لا يعرفون
الخطة التي يهدف إليها النظام، فيقعون في بعض الأخطاء، فيعطون الحكم الفرصة
الذهبية للإجهاز عليهم! ! ومع ذلك فالنظام قد لا يحتاج كثيراً لهذه الأخطاء، فقد
تعلم من بعض النظم المتخصصة في حرب الإسلام وسائل تلفيق التهم، والاعتماد
على هذا التلفيق لضرب الجميع وتشويه الإسلام، وتحريض الغوغاء ضد
الجماعات الإسلامية المسكينة!
وبما أن النظام التونسي يتعرض لضغوط علمانية كثيرة ذات صلة قوية به،
فإنه لم يتحمل الصبر كثيراً على تمثيله (إنقاذ الزيتونة) وإعادة غابر مجدها، حتى
تصبح - كما كانت - صنْو الأزهر أو قريبة منه.. ولهذا لم يلبث أن انقلب على
الزيتونة فشلَّ حركتها، ولم يمنحها - من الناحية العملية - إلا الوعود المعسولة..
وفي ضوء هذا فإن مديريْ الزيتونة اللذين تناوبا عليها وهما «الدكتور التهامي
نجرة» و «الدكتور أبو لبابة حسين» لم يستطيعا أن يفعلا شيئاً يذكر، بل أقيل
الأخير إقالة غير كريمة، مع أنه كان حريصاً على دفع عجلة الإصلاح بهدوء
ورفق! !
وقد أصبحت الزيتونة الآن تحت التوجيه المباشر لرجل الدولة القوي الدكتور
علي الشابي (كاتب الدولة للشئون الدينية) الذي يشبه - تماماً - وزير الأوقاف
المصري الدكتور محمد علي محجوب (إنه وزير التطرف وكفى) !!
وقد مكن الدكتور الشابي لابن أخته (أنس الشابي) الذي تخرج على يديه في
فرع الشريعة بالزيتونة، مع أنه يناوئ الشريعة ويصفها بنعوت لا تليق، وهو
يتحرك في الزيتونة على أساس صلته بخاله (علي الشابي) ، ويفعل ما يشاء! !
وقد صدر توجيه بتقليص عدد الطلاب الملتحقين بجامعة الزيتونة، وفي العام
١٩٩١م لم يدخل الجامعة أكثر من (٢٢٠ طالباً) موزعين على الكليات الإسلامية
الثلاث: الشريعة وأصول الدين واللغة العربية والعلوم الإنسانية، وقد عطل مسار
الرسائل الجامعية للماجستير (دكتوراه الدرجة الثالثة) والدكتوراه (دكتوراه الدولة)
فأرغم الطلاب الممتازون والأساتذة الأكفاء في الزيتونة للبحث عن العلم في معاهد
وكليات باريس، وكان هذا هو المقصود، كما هاجر بعضهم للعمل في الجزائر
والسعودية وغيرهما، وقد ضيق على الأساتذة الأكفاء المعتدلين وأقصوا عن
المجالس العلمية (المنتخبة) ووضع بدلاً منهم بالتعيين الجبري بعض تلامذتهم
ومساعديهم من الرتب الإدارية السفلى! !
ولم يكن هذا كل ما أصاب الزيتونة في العهد الجديد الذي كان يعتبر اهتمامه
بالزيتونة مفخرته التي يدل بها على الشعب التونسي المقهور؛ بل تمادى النظام في
غيِّه، فقد قام بإضعاف البرامج وتهميش الجوانب الأصيلة فيها، وتمييع حقائقها
الإسلامية لتواكب الفكر العلماني المهيمن، وقد وكل إلى تلامذة الدكتور (علي
الشابي) مسئولية وضع برامج من وجهة نظر أحادية، وكان له شخصياً الكلمة
الأولى والأخيرة في هذه البرامج.
وليضمن الدكتور الشابي (وهو كاتب الدولة للشئون الدينية ولا علاقة له عملياً
بجامعة الزيتونة) تنفيذ سياسة الدولة التي فوض في فرضها على الزيتونة، فإنه
وضع تلامذته وأصدقاءه على رأس الكليات الزيتونية الثلاث، فعلى رأس الشريعة: (حمودة السَّعفي) وعلى رأس أصول الدين (جلول الجريبي) وعلى رأس العلوم
العربية والاجتماعية (محسن العابد) .. أما رئيس الجامعة بعد إقالة الدكتور أبو لبابة
حسين (بطريقة غير كريمة) ، فكانت من نصيب تلميذ الشابي (عبد المجيد بن
حمدة) ... ! !
وهكذا عادت الزيتونة سيرتها الأولى في العهد البورقيبي، لينشغل أساتذتها
وطلابها المساكين بصراعات القوى المتطاحنة، وليخاف الجميع من الجميع،
وتنكسر نفوس الجميع، وينكمش الجميع منتظرين الفرج القريب! !
ومن الغرائب أن جامعة الزيتونة (الإسلامية) يفرض فيها الاختلاط، ويروج
للعري الفاضح بين الطالبات والموظفات، وتمنع فيها الصلوات الجماعية، وأصبح
مسجدها خالياً من المصلين.. وقد برمجت الدراسة في الزيتونة بطريقة غريبة تدل
على المؤامرة الماكرة، فالدراسة لا تزيد عن أربع ساعات فقط، [بالضبط لا تزيد
الدراسة عن مائتين وأربعين دقيقة من الساعة الثامنة حتى الساعة الثانية عشرة] ،
وبعد ذلك ينصرف الجميع حتى لا يجتمعوا لا في صلاة، ولا يألفوا الصلاة جماعة، ولا يظهروا الزيتونة بمظهر إسلامي نشاز عن السمفونية العلمانية العامة
المفروضة على كل معاهد التعليم ومدارسه في تونس المسكينة (الأندلس الجديدة) ! !
نعم: هذه الجامعة الإسلامية العريقة لا يسمح بطلب العلم فيها إلا أربع
ساعات فقط في اليوم! ! ثم تغلق أبوابها لتبقى أفريقيا شمالاً وشرقاً ووسطاً وجنوباً
مهيأة لمدارس التنصير وكليات التنصير! !
والحذار الحذار من أي معروف أو نهي عن منكر في الزيتونة فإن رجال
البوليس السري مندسّون في كل مكان يحافظون على الفساد، ويعتقلون كل من
تسول له نفسه (التطرف) بمقاومة المنكر حتى ولو بالكلمة الهادئة الحكيمة! وحتى
ولو في داخل واحدة من أقدم الجامعات الإسلامية الثلاث العريقة في العالم الإسلامي!
والويل لمن يشتبه في تعاطفه مع الإسلام من الأساتذة في الزيتونة أو في أي
جامعة تونسية.. إنه ينحى عن كل اللجان وعن الخطط والمسئوليات، وعن
التكليف بمهمات، ويوضع تحت الرقابة المباشرة وغير المباشرة!
فإذا تركنا الزيتونة وحالها المبكي وانتقلنا إلى الحياة الاجتماعية وجدنا فرض
التفسّخ والعري، والزنا والسماح (الرسمي) بالمواخير التي تشرف عليها وزارات
السياحة والصحة.. وقد أصبح ممنوعاً رسمياً توظيف المحجبة، وقد وضع رجال
الفكر الحرّ والمتدينون تحت أجهزة الرصد والتنصت، وأصبحوا يعيشون في خوف
من الملاحقة والتهديد بالطرد والإيقاف. وقد نجح الشيوعيون الذين قربهم النظام
ليضرب بهم الصحوة الإسلامية- - في الإيقاع بين النظام والشعب، فبعد أن كان
النظام يحظى بعطفٍ شديد بعد طرده لعدو الإسلام الحبيب بورقيبة - أصبح الآن
بعيداً عن كل صور الحب والعطف، وأصبح الناس يعيشون معه مثلما يعيشون
تحت قبضة أي نظام قمعي شمولي يكره الإسلام ويتذرع بكل الوسائل والمغالطات
من أجل تشويهه ومنع الناس من الحياة في ظلاله! !
إن الشعب يقرأ الصحفة فلا يجد فيها أثراً للإيمان، بل كل من فيها هم من
الشيوعيين واليساريين والعلمانيين من أمثال زكريا كريشان، ومحمد الطرودي،
وأنس الشابي، ومنظر الرويثي (وزير الثقافة المعزول) وحمد النيفر صاحب مجلة
(١٥/ ٢١) الأسبوعية اليسارية.
ولا توجد مجلة إسلامية في تونس إلا مجلة دار الإفتاء الدورية التي تقدم
بحوثاً أكاديمية ميّتة أو ردوداً على استفتاءات ولا علاقة لها بمأساة الشعب التونسي
المسلم، ولا بالمؤامرة التي تمضي في صمت لاستئصال الإسلام والعروبة في
تونس، ويساعد على نجاحها كتابة الدولة للشئون الدينية، وبعض رجال الزيتونة!!.
أما كتابة الدولة للعدل فهي مستعدة للوقوف ضد كل بادرة إسلام، وضمان
الحكم بأسوأ الأحكام، والمساعدة على تلفيق التهم وإحضار شهود الزور.. وعلى
رأسها رجل ذو تاريخ مشبوه معروف، وسمعته الوظيفية والأخلاقية ملوثة.
بقي أن نذكر أن مفهوم (التطرف) يختلف في تونس عن مفهومه في مصر أو
الجزائر أو في أي بلد عربي أو إسلامي، ولا حتى أمريكي أو أوربي.
إن مقاومة التطرف تعني عند هؤلاء جميعاً: الوقوف ضد الإسلام الحضاري
والسياسي، وحصار الإسلام في نطاق العقيدة والعبادات من صلاة وصيام رمضان
وأداء الزكاة وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً ...
فلا مانع لدى أمريكا وأوربا من الصلاة والصيام والحج، وكذلك لدى كل
النظم العلمانية الموجودة.. ويأتي (التطرف) عندما يحاول المسلمون إصلاح الدنيا
بالدين، أو الحكم على الدولة وقياس أعمالها بمبادئ الإسلام.
لكن التطرف في (تونس) مختلف تماماً عن (التطرف) عند كل هؤلاء.. إنه
تطرف تقدم خطوة كبيرة، فحصر الإسلام في دائرة العقيدة القلبية، وضم العبادات
إلى قائمة (التطرف) .. وعلى ضوء هذا فإن كل من يصلي، ولا سيما إذا كان
شاباً أو شابة أو مسئولاً أو موظفاً أو رجل شرطة أو جيش هو (متطرف) ويجب
تنحيته.. وقد يُتجوّز مع صلاة الجمعة لصعوبة حصار الناس ومراقبتهم فيها، أما
في غيرها من الصلوات فإن أداءها في المساجد (وحتى لو اكتشفت في البيوت)
يعتبر تطرفاً.. ولهذا لا تفتح المساجد إلا في أضيق الحدود! وكذلك لا يسمح
بدروس، ولا يوجد مساجد في المؤسسات حتى مسجد دار الإفتاء تم إغلاقه! ومن
باب أولى لا توجد مساجد في الجامعات ولا الكليات.. وقد وقع الرجوع إلى قانون
(١٠٨) الذي يمنع الفتيات من الحجاب في المدارس الإعدادية والثانوية والكليات..
لأن الحجاب - كذلك - مظهر من مظاهر التطرف! !
أما العري والاختلاط والخمور التي تباع في أصغر الحوانيت، وصور التبذُّل
الرسمي الحرام تحت بند السياحة والترويح، فهي اعتدال وتقدمية. ومصدر خير
للبلاد والعباد! .
أيها المسلمون.. في أنحاء الكرة الأرضية: في تونس القيروان في تونس
عقبة وحسان.. هناك بوسنة وهرسك أخرى يذبح فيها الإسلام والمسلمون بطريقة
صامتة، وقد تولولون عليها يوماً وتبكون دماً وتحتجون بجهلكم وغفلتكم.. ألا هل
بلغت ... اللهم فاشهد.
стр. 1281
مقتل الدكتور علي مظفريان
مبارك المبارك
قتل قبل مدة وجيزة الداعية الفاضل الدكتور علي مظفريان وهو من أبناء
الشيعة في شيراز، ومن الذين هداهم الله إلى الحق وترك الابتداع، فبعد أن منّ الله
عليه بالهداية قام داعية إلى مذهب أهل السنة في بلده - شيراز - وذلك أيام دراسته
في الجامعة.
وكان حجر عثرة أمام الجامعة وقيادات الرافضة في ذلك البلد، وقد هدى الله
على يديه خلقاً من الناس، والتف حوله أهل السنة في بلده، وأصبح موجهاً لهم
وداعماً، وثبت وصبر رغم المضايقات الشديدة التي تعرض لها بسبب جهره
بالدعوة إلى الحق في وسط أهل البدعة والرفض، مما حدا بالسلطات أخيراً إلى
اعتقاله قبل أشهر ثم إعدامه أخيراً بعد إلصاق التهم به ومنها الوهابية والجاسوسية
وغيرها.
وقد حاولت السلطات إرغامه كي يخط بيده اعتذاراً أو تراجعاً، لكنه أبى وقد
زورت السلطات شريطاً -يتضمن اعترافات مزعومة (لشخص آخر قام بتمثيل
دوره) لكن الأمر انكشف للناس.
ويعتبر الدكتور علي ثالث ثلاثة من قيادات أهل السنة الذين أعدموا مؤخراً
وهم: ناصر سبحاني (من كردستان) ، والثاني قدرة الله جعفري الخراساني.
стр. 1282
مقال
الانتخابات الأمريكية:
المطلوب استعمار استثماري
د. عبد الله عمر سلطان
«تعيش أمريكا حالة إجهاد شامل مصحوب بكثير من القلق والتوتر؛
وتتساءل عن المستقبل الذي يبدو ملبداً بالتحديات والمخاطر.. لقد جاء ريغان إلى
سدة الرئاسة وهو يمثل الأمل بالنسبة للناخب الأمريكي.. الأمل من حالة يأس
مشابهة عاشها الشعب الأمريكي في نهاية السبعينات، حينما بدا النظام السياسي
والرئاسي عاجزاً عن تخطي حواجز الواقع المكفهر.. لكن الفرق بين المصير القاتم
والتاريخ القريب أننا اليوم نعيش تحديات أكبر وواقعاً أكثر صعوبة وتجربة مرة كان
أكبر من صنعها فريق ريغان - بوش وتيارهم اليميني المتطرف» . هذه الشهادة
للكاتب والمفكر الأمريكي «ديولي» تلقي الضوء على الواقع الذي تواجهه الجموع
الأمريكية وهي تجتاز المرحلة الحاضرة التي ترافقها انتخابات الرئاسة لعام
١٩٩٢، جزء من هذا الواقع الصعب كان نتيجة للفراغ الهائل الذي لخصه
«ليستر ثورو» بروفسور العلوم الاقتصادية في جامعة هارفارد في كتابه الجديد «
رأساً لرأس» بقوله: «عندما وقف رونالد ريغان خلال حملته الانتخابية رافعاً
شعار إنهاء الحظر السوفييتي شبهه بدب في الغابة بعض الناس يرونه شاخصاً
أمامهم، وآخرون لا يرونه لكنهم يقولون: إنه دب لطيف.. نحن نراه ونعرف أنه
دب خطر متوحش.. السؤال هو: ألا يجب أن نكون حذرين؟ .. هذه الصيحة
التحذيرية أوجدت دوياً هائلاً في ذلك الوقت لكن من يستطيع أن يحفز الأمريكي
على مواجهة مماثلة بعد موت الدب فجأة حيث غدت الغابة آمنة..!» نعم لقد
وجدت أمريكا نفسها تعيش في حالة غريبة كانت تحلم بتحقيقها وفجأة حينما تم لها
الانتصار على الخطر الشيوعي وجدت عالماً مختلفاً عن ذلك العالم الذي تمحورت
حوله السياسة الخارجية الأمريكية في الأربعين عاماً الماضية وانعكاسات ذلك على
الصعيد الداخلي..، وهكذا كان على أمريكا أن تواجه استحقاقات وثمن المواجهة
الباهظة: استنزاف هائل للثروة من أجل إقامة ترسانة عسكرية هائلة ورهيبة لم
يعرف لها الكون مثيلاً، مما أثر على الأحوال الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية
من جهة الإنفاق والاهتمام، وتفضيل للشركات الضخمة المتحالفة مع الحكومات
اليمينية المتعاقبة في مجال الضرائب، مما أفرز زيادة ضخمة في ثروات رجال
الأعمال الأغنياء أصلاً، وزيادة الفقر والحرمان في المجتمع الفردي التوجه إلى حد
الأنانية، وتكريس للمصطلحات والطروحات اليمينية التي جلبها الجمهوريون
كغطاء عقدي في مواجهتهم الشرسة للعصر الليبرالي الذي ساد أمريكا قبل صعودهم
للسلطة، وإدراك قوي لدى قادة الرأي والمفكرين بتقلص القدرة الأمريكية على
منافسة القوى الدولية الصاعدة كأوربا واليابان اللتين تسعيان حثيثاً إلى تقليص النفوذ
والسيطرة الأمريكتين، وتوجه متسارع من قبل اليمين الأمريكي لاقتناص الفرصة
والدخول في معارك ساحتها العالم الثالث للاستحواذ على الثروات والأسواق
وتصدير الثقافة كما تفعل الإمبراطوريات المادية النهمة كلما شعرت أن عصرها
يوشك على الأفول، وأن القوة العسكرية التي صنعتها تراكمياً لعقود هي الميزة
الوحيدة الباقية لابتزاز وإخضاع القوى الضعيفة، لا سيما تلك التي تحمل نحوها
كرهاً حضارياً وتاريخياً.
دلالات الانتخابات الأمريكية:
لم يبلغ حجم العزوف عن المشاركة الانتخابية هذا المستوى من الكثافة منذ
عام ١٩٢٤م. ففي انتخابات عام ١٩٨٨م أبدى أكثر من ٦٦% من الناخبين عدم
رضاهم عن المرشحين: دوكاكس وبوش، وهي أعلى نسبة منذ إنشاء الولايات
المتحدة، كذلك أوضح أكثر من ٥٠% من الناخبين عدم رضاهم عن الحملة
الانتخابية وأنها كانت شخصية تركز على الجانب السلبي لدى الخصم، دون
الحديث عن المواضيع الهامة التي تهم الناخب.. «إنها حملة شخصية بحتة.. ولا
علاقة لها بالمخاطر التي تجتاحنا» ، كانت هذه العبارة لناخبة أمريكية تربط بين
الحملة السابقة والحالية! وأضافت: «يبدو أن فريق الجمهوريين الذي ساعد بوش
في الوصول إلى السلطة يريد أن يعيد تشغيل الشريط مرة أخرى، فنحن الآن ندين
بالفضل لهم حيث أصبحنا نعرف بالتفصيل تاريخ كلنتون المخزي.. ومع من خان
زوجته؟ وكيف هرب من الجيش بواسطة نفوذ عائلته، وكم مرة تهرب من دفع
الضرائب.. ولكن هل بوش أكثر نزاهة منه، وهو الذي حارب أمثالي من الأسر
المتوسطة ورفع من تكاليف الحياة اليومية لملايين من أمثالي في الوقت الذي يسرق
أبناؤه ملايين الدولارات بلا رقيب.. هل هذه هي القيم الأسرية التي تنادي
بها؟ ؟» [١] ! هذه المرارة وذلك النقد الذاتي هما المعزوفة المنتشرة بين الناخبين اليوم.. لا سيما فيما يتعلق بالجانب الاقتصادي الذي يراهن عليه المرشح الديمقراطي للوصول إلى السلطة، والملاحظ أن العديد من الأمريكيين يعرفون مقدماً أن كلينتون لن يكون سوى جيمي كارتر آخر.. لكنهم مستعدون للمخاطرة والرهان عليه فربما تخطى بهم ساحل التردي الذي خيم على مشاعر وتصورات الأمريكيين الذين رأوا في رئاسة بوش تعاسة ممزوجة بالانتهازية.. «لقد فقدنا الزعامة الفذة التي تنظر إلى الأمور بتوازن.. بل حتى اللمسة الشخصية التي كان يتركها ريغان لدى الفرد الأمريكي حينما يخاطبه تبخرت هي الأخرى ولم يبق سوى وجه بوش الممل وخطاباته الفاترة.. أو صوت كلينتون الباعث على النعاس والخمول. أليس من المأساة أن يختار أكثر المنعطفات الحالية خطورة في ظل غياب
العمالقة؟» [٢] .
هذه الشهادات والمشاعر تصب في خانة اليأس والقنوط في الواقع القائم
والمطالبة بالتغيير والبحث عن بديل.. هنا لا يجد الناخب الأمريكي غضاضة من
إبراز «روس بيرو» كمرشح للرئاسة وهو بليونير لا يملك أي برنامج سياسي
واضح ما عدا كلمة واحدة: التغيير.. لكن دون تحديد الوجهة أو الطريقة.. من
هنا انسحب «بيرو» من سباق الرئاسة في مرحلة سابقة، ثم ما لبث أن عاد إلى
حلبة السباق حيث هناك فراغ هائل أكبر من قامة كلا المرشحين.. أو بعبارة مجلة
فورين أفيرز: «تراكم قوة الرغبة في محاربة الواقع القائم من قبل الناخبين مقروناً
بمشاعر متدفقة من القلق والتشاؤم والتصميم على قلب الوضع القائم في واشنطن» .. ربما يقول البعض إن السبب لبروز هذه المشاعر هو الكساد القائم لكن في هذا
الطرح تبسيطاً للعلاقة وطرحاً فجاً لنظرية السبب والنتيجة، لقد عاش الشعب
الأمريكي كساداً أفظع خلال عامي ١٩٨١-١٩٨٢ لكن مشاعر الحنق أعلى الآن من
مثيلاتها قبل عقد مضى.. ويبدو أن الرئيس حينما يراجع سبب تراجعه في
الإحصاءات إلى العامل الاقتصادي وحده يغالط نفسه وجمهوره.. إن الاقتصاد أحد
أعراض مرض أمريكا الحالي والمتفشي دون محاولة جادة من قبل المسؤولين لتقديم
العلاج، وإن عدم الاستجابة ذاتها يجعل الأمريكان يشعرون بالعجز والخجل من
أمريكا التي تقدم نصائحها للعالم، بينما تتناسى العار الذي اكتنفها «.. وهكذا فإن
شعارات كانت مستهجنة أصبحت مقبولة فباتريك بوكانون مثلاً تقدم للترشيح عن
الحزب الجمهوري رافعاً شعار:» أمريكا أولاً وثانياً وثالثاً «بصورة انعزالية
تدعو إلى انكفاء أمريكا على مشاكلها وترك العالم الخارجي وشأنه، ومع أن هذا
الشعار كان مطروحاً قبل بروز أمريكا في أعقاب الحرب العالمية الثانية إلا أن
رواج هذه المقولة في هذه الحملة وحصول بوكانون على ما يقارب من ٢٠-٢٥%
من أصوات الناخبين يبرز الرغبة الملحة للتغيير لدى الناخب الأمريكي، والمطالبة
بتغيير سلم الأولويات وربما السياسات التي كانت متبعة خلال نصف قرن.. وهكذا
فإن المرحلة المقبلة ستكون بداية تشكل طروحات جديدة تعالج الدور الأمريكي على
الساحة الدولية والموقف من التحديات الداخلية وموقع المنافسة في ظل نظام متغير
ومنافسين جدد..
ومن الطريف أن السياسة الأمريكية وطروحات بوش واليمين الأمريكي
المطالبة بتصفية مخلفات الحرب الباردة ووجوهها في العالم الثالث، لتحقيق هيمنة
أكبر ونصر ساحق في عصر الاجتياح الأمريكي قد يطبق على رموز الحرب
الباردة وزعمائها في أمريكا وبواسطة الناخب الأمريكي.. وإذا حصل هذا فإن أفكار
اليمين المتطرف وزعامة الرئيس الأمريكي ستكون أول الضحايا ومقدمة الرموز
التي ستسقط في هذا السياق.
الخروج من الشرنقة:
من المناحي البارزة في الحملة الانتخابية الحالية أنها تعالج - كما فعلت
الحملات السابقة - مآزق الماضي وطروحات الستينات الميلادية. إن بداية سقوط
الإمبراطوريات العظمى يرافقه ميل إلى الانكفاء نحو الماضي الرامي إلى تصفية
حسابات القوى السياسية، حتى يصبح الحاضر والمستقبل القريب والبعيد رهائن
دائمة للطروحات السالفة، دون استشعار لتغير الزمن وتبدل التحديات.. ويبدي
بعض المفكرين الأمريكيين قلقهم من هذه الظاهرة وصعوبة المرحلة التي تواجه
العصر بعقلية التصفية والتصفية المضادة بين النخب المؤثرة، في الوقت الذي
تسبق الجموع والجماهير النخب في استشعار الخطر وتلمس المصاعب..» الفرد
أصبح مهدداً في أعز ما يملك.. حلمه الأمريكي في حياة مرهفة..! إنه يفقد
وظيفته ليطير إلى بلدان أخرى كالمكسيك، وهو يرى تراجع مستوى المعيشة
والرخاء في الولايات المتحدة، وهو يشاهد عدم استطاعته دفع مصاريف العلاج
وصرف غائلة المرض.. ثم يتراءى المأزق شاخصاً في أحداث لوس أنجلوس التي
كشفت عن وجوه أمريكا البشعة.. ثم يترتب أن تفعل المؤسسات الحاكمة شيئاً
لتغيير هذه الصورة القاتمة فلا يرى سوى اهتمام من النخبة الحاكمة - حكومة
وشركات - بمصالحها الخاصة والشخصية..! إن هذه اللامبالاة على مستوى
القيادات هي التي تحرك الغضب الشعبي وترفع من حرارة مشاعر الناخبين، وربما
أدى هذا إلى كارثة هائلة تتمثل في مأزق شرعية الوضع الراهن! ! [٣] هذا
المقطع يطرح مأزق الدائرة المفرغة التي تدور حولها معركة الانتخابات «التي
تدور حول شعارات رنانة دون وجود مادة خلفها» [٤] كما يقول النائب بيتر
دوفنشي. لقد استنفد الليبراليون والمحافظون طروحاتهم حول المشكلات ذاتها،
وأصبحت السنوات الثلاثون الماضية فصلاً في الردود والردود المضادة،
فالجمهوريون في هذه الانتخابات طرحوا شعار القيم العائلية، مقابل طرح الحرية
الشخصية لليبراليين، ويتفرع عنها قضية الاجهاض التي نجحت القوى الليبرالية
قبل ٣٠ عاماً في إجازته قانونياً، وأصبح تحريمه برنامج عمل مكثف لليمين خلال
الثمانينات.. وكما كانت قضية الأقليات وحقوقها مادة النزاع الأهلي في الستينات
حينما نال السود بعض الحقوق النظرية كانت فترة حكم الجمهوريين مرحلة تجميد
لهذه الحقوق عملياً وتركيز على هيمنة الرجل البروتستانتي الأبيض كما تكشف
أحداث الشغب في المدن الأمريكية عن حالة من الغضب من الغبن العنصري الذي
أتى به ريغان ومن بعده بوش.
أما السياسة الخارجية لأمريكا - بعد انقشاع الحرب الباردة - فقد ظلت أسيرة
حرب فيتنام التي جرت في العقد السادس، ويرى العديد من المراقبين أن جزءاً
هاماً من دوافع التدخل الأمريكي في الخليج ينطلق من شعار الرئيس الأمريكي: «لا فيتنام أخرى بعد الآن No more Vietnam» والذي يؤكد طرح اليمين
الأمريكي بأن التدخل والتوسع على الساحة الدولية ضروري للقيام بالدور
الاستعماري الكفيل بتنشيط الاقتصاد والثقافة الأمريكتين، ولو تم ذلك بصورة
مباشرة ومكشوفة، وهذا ما يعارضه قطاع من الليبراليين. إن حرب الخليج شاهد
على التخلص من عقدة فيتنام إلى الأبد، ومؤشر على ضرورة التدخل في المناطق
التي تشكل جزءاً هاماً من مناطق النفوذ والأمن الأمريكي في العالم، أما قضية
إصلاح الاقتصاد الأمريكي المتعثر فإنها تظل حبيسة الطروحات القديمة والمتمثلة
في رفع أو خفض الضرائب والإنفاق الحكومي، مما يؤكد شعور الناخب والمراقب
الأمريكي أن ما يعرض عليه من قضايا لا يعدو أن يكون تكراراً مملاً لتحديات
الستينات.. مرحلة الفورة والبريق المفقود، وإن السياسيين في كلا الحزبين
يصرون على عدم الخروج من شرنقة الماضي وطروحاته، عاجزين عن التصدي
لتحديات اللحظة.
ما هو البديل؟
إذا كان المرشحون الحاليون لا يملؤون الفراغ الذي يحس به الناخب
الأمريكي، فما الذي سيملأ هذا الفراغ وذلك الفضاء المتسع؟
ابتداءً يجب التأكيد على نقطة هامة وجوهرية وهي أن هذا الخليط العجيب من
الأعراق والديانات يجمعه هاجس «الفكرة الأمريكية» التي تقوم على عبادة
الدولار والحرية الشخصية.. في مجال الحرية الشخصية يتمتع الفرد الأمريكي
بهامش كبير منها ما دامت لا تتطور إلى «فكرة متحركة» تهدد الوضع القائم على
الهيمنة البيضاء بشقيها المتحرر والمحافظ وثقافتها المسيحية/اليهودية، كما يجمع
المرشحان الحاليان بوش وكلنتون.. إن مرحلة تسييس الفرد الأمريكي التي مرت
بسرعة خلال العقدين السادس والسابع حالة طارئة، استنفرت المؤسسة الحاكمة
جناحيها المحافظ والمتحرر لكبحها، بالرغم من أنها تستمد جذورها الأصيلة من
القيم الأمريكية، ولذا فإننا نرى أن الفرد الأمريكي هو الأقل تسييساً ومشاركة في
القرار مقارنة بالدول الصناعية الأخرى، وهذا ما يفسر جزئياً انحصار العملية
السياسية فعلياً في حزبين فقط يتقاربان كثيراً في مسألة إبعاد الجماهير عن السياسة
وإطلاق الحريات الضرورية ما دامت في خانة الآحاد المبعثرة..
أما الدولار - المعبود الأمريكي الأول - فإنه يعبر عنه بتعبيرات أكثر لباقة
فهو أحياناً يسمى «الاقتصاد» وأخرى «المصالح» وثالثة «بالعمل» ورابعة
«بالأمن القومي» وخامسة «بالمناطق الاستراتيجية» ولكن كل هذه التعبيرات
والمصطلحات تجمع على عبادة المال وتقديسه، وهو ما يلخصه بعض المفكرين
الأمريكيين «بالحلم الأمريكي» حيث الحرية الفردية الممتزجة بالراتب الوفير،
والسيارة الفارهة، والبيت المملوك، والمتاع المتوفر.. هذه هي أمريكا حتى
بالنسبة للحالمين بالهجرة إليها: فرصة جديدة. لتحسين الدخل ... ولذا فإن العديد
من الناخبين الأمريكيين يرون في الدولار الهارب أزمة الأزمات وأخطر المخاطر
التي يواجهونها؛ لقد تعود جيل الطفرة الذي ولد بعد الحرب العالمية الثانية أن يجد
عملاً مستمراً، وأن راتبه يزيد سنوياً وأن يتمتع بالمال المدخر الذي ينمو باستمرار
.. وفجأة وجد أن هذه المسلَّمات قابلة للنقص.. وهكذا «يتعلق الأمريكان بالاقتصاد
والمال بلهفة حتى المسائل الاجتماعية تجد جذورها المادية/الاقتصادية، فمشاكل
العلاج الصحي والتعليم، والجريمة والمخدرات ينظر إليها من منظور فردي مادي، حيث يشعر الناس أنهم مهددون بالطرد من العمل، وعندها لن يجدوا العلاج
المجاني، وهذا ينسحب على التعليم حيث أن ٨٨% من الأمريكان يؤمنون أن
التعليم الجماعي ضرورة لحياة كريمة، ولكنهم يرون أن أقساط الجامعات تتعدى
معدل الدخل والتضخم، ويقلقون بالتالي على مصير أطفالهم وكم سيدفعون لضمان
تعليمهم.. وغالبية الجموع ترى أن المخدرات والجريمة من نتاج الفقر وتراجع
الاقتصاد.. حتى السياسة الخارجية التي يؤمن أكثر من ٧١% من الأمريكان
بضرورة الاستمرار في تسيير دفتها العالية تصبغ برداء المادة والمصالح الاقتصادية
بعيداً عن نظريات الحرب الباردة ومحاربة الشيوعية وموازنة القوى.. يجب
إعطاء الجانب الاقتصادي أهمية بالغة في قدر وحجم التدخل الخارجي مستقبلاً بما
يضمن استمرار الرفاهية والترف المعيشي.. أما المناطق الأقل اجتذاباً وفقراً فيرى
الأمريكي أن رداً جماعياً تقوم به الأمم المتحدة ربما يرفع الحرج عن الرد الأمريكي
المطلوب تجاه هذه المعضلات» [٥] .
إذن فالبوسنة تذبح لسنوات.. لا تعني الفرد الأمريكي لأن البترول غير
متوفر هناك.. وبما أن الضحايا في عصر الارتداد إلى الماضي - زمن الشحوب
الحضاري - لا يمثلون امتداداً حضارياً (يهودياً مسيحياً) لهذه الأمة.. والمحصلة
النهائية مخزون هائل قائم على الماضي بأعدائه ورموزه وشخوصه يقف المسلمون
في مقدمة القائمة المستهدفة، ورغبة دفينة في الحصول على الموارد والمواد الأولية
والاستثمار في اقتصاد قائم على توظيف الأموال الأجنبية وجنوح نحو غسل عار
فيتنام. كل هذا لا يتم على مستوى النخب الحاكمة التي لها سجل طويل مخز في
صنع المخاطر والتلاعب بتوجهات الجماهير إنما.. يأتي هذا الشعور المتنامي من
القاعدة اللاهثة للمال والدولار والمغامرات الخارجية التي وصفها شوارزكوف في
مذكراته بقوله: «هناك في واشنطن يقف صانعوا القرار الذين أدمنوا مشاهدة أفلام
البطولات الأمريكية السينمائية يمتلئ صدر الواحد منهم ببطولات رامبو الأمريكي
الذي يسحق الآخرين الأشرار في الوقت الذي لم يطلق أحدهم رصاصة في حياته إلا
أنه يشعر أن بإمكانه اتخاذ قرار الحرب الشاملة بكل برود..» نعم بكل برود ما
دامت الأوصاف التي يطالب بها الناخب الأمريكي اليوم هي الاستعمار البشع
المكشوف، وما دام الضحايا الذين تنطبق عليهم شروط الذبح الأمريكية منطقة
واحدة محددة: العالم الإسلامي.
بالأمس كانت النخب المسيطرة والحاكمة في الولايات المتحدة تبرز مخزونها
العنصري، لا سيما حينما بدت الحرب الباردة تضع أوزارها.. حينها بدأت
الهتافات الحارة والدعاوي المزيفة تستنفر الغزو الأمريكي بشعارات مثل: المسلمون
قادمون الخطر الأخضر، المارد الأصولي يتململ، محاربة التطرف الإسلامي،
وأد الإرهاب المحمدي.. وغيرها من الشعارات التي تفنن اليمين الديني الأمريكي
في الدعاية لها والدعوة إليها.. أما اليوم فإن الفرد الأمريكي البسيط يرى في
معركته المحتمة مع مناطق الاكتناز الاقتصادي مصيراً لتحسن مستوى دخله دون أن
تدفعه قوة عقائدية أو راية صليبية.. وإن كانت ضرورية حين تشن الحرب المقدسة
لعوامل عدة أبرزها إضفاء الشرعية على التحركات الشريرة المقبلة ...
الجديد في الطرح الأمريكي هو قوة الدفع الشعبي المنطلق من عقيدة عبادة
الترف والذات لتلتقي في نقطة ما مع ما يدعو إليه غلاة اليمين الديني الجديد..
стр. 1283
طب
أطباء الغرب..
يحذرون من شرب الخمر
د. حسان شمسي باشا
الإدمان على المسكرات مشكلة يعاني منها الغرب، ويعاني منها البعض في
بلادنا العربية والإسلامية. وإن ما يدعو إلى الأسف الشديد أن نشاهد ازدياداً في
شرب الخمر في بلادنا الإسلامية، في الوقت الذي يدعو فيه الغرب إلى الابتعاد عن
المسكرات.
تقول دائرة معارف جامعة كاليفورنيا للصحة (طبعة ١٩٩١) : «يعتبر الخمر
حالياً القاتل الثاني - بعد التدخين - في الولايات المتحدة. فشرب المسكرات في
أمريكا سبب موت أكثر من ١٠٠. ٠٠٠ شخص سنوياً هناك. والخمر وحده
مسؤول عن أكثر من نصف الوفيات الناجمة عن حوادث الطرق في أمريكا (والبالغة
٥٠. ٠٠٠شخص سنوياً) .
وليس هذا فحسب، بل إن الخمر مسؤول عن إصابة أكثر من نصف مليون
شخص بحوادث السيارات في أمريكا في العام الواحد. وأما في البيت، فالمسكرات
مسؤولة عن كثير من حرائق البيت، وسقوط شاربي الخمر على الأرض، أو
غرقهم أثناء السباحة» .
وتتابع دائرة معارف جامعة كاليفورنيا القول: «والمسكرات لا تسبب
المشاكل في البيت.. أو على الطرقات فحسب، بل إن خسائر أمريكا من نقص
الإنتاج وفقدان العمل نتيجة شرب الخمر تزيد عن ٧١ بليون دولار سنوياً. ناهيك
عن الخسائر التي لا تقدر بثمن من مشاكل نفسية وعائلية واجتماعية. ويحثُّ
الكتَّاب في الجرائد والمجلات الأمريكية الناس على عدم تقديم المسكرات قبل العشاء
- أثناء حفلاتهم - وعلى أن يصادروا مفاتيح السيارات من المفرطين في شرت
الخمر، حتى لا يقودوا أنفسهم إلى الموت! !» .
تذكر موسوعة جامعة كاليفورنيا في مكان آخر: «أن ثلث اليافعين في أمريكا
يشرب المسكرات بدرجة تعيق نشاطه الدراسي في المدرسة، أو توقعه في مشاكل
مع القانون..! وقد بدأ معظم هؤلاء الشباب شرب المسكرات قبل سن الثالثة عشرة
من العمر» .
ويقول البروفسور «شوكيت» وهو بروفسور الأمراض النفسية في جامعة
كاليفورنيا ومدير مركز الأبحاث المتعلقة بالإدمان على الكحول: «إن ٩٠ % من
الناس في الولايات المتحدة يشربون الخمر، وأن ٤٠ - ٥٠% من الرجال هناك
يصابون بمشاكل عابرة ناجمة عن المسكرات. وأن ١٠ % من الرجال و ٣-٥ %
من النساء مصابون بالإدمان على الكحول» [١] .
ويقدّر خبراء جامعة كاليفورنيا أن ١٥ مليون أمريكي يشرب أكثر من كأسين
من البيرة - أو ما يعادلها من أنواع الخمر الأخرى - يومياً. واستناداً إلى المعهد
الوطني الأمريكي للإدمان على الخمر، فإن من يشرب مثل تلك الكمية يعتبر «
مفرطاً في شرب المسكرات» «Heavy Drinker» ، وأن ١٨ % من هؤلاء
يشرب أكثر من ٤ كؤوس من البيرة - أو ما يعادلها - يومياً، وهذه الفئة مهددة
بالإدمان الخطير على الكحول.
هذا ما يجري في أمريكا، فماذا يحدث على الجانب الآخر من الأطلنطي -
وبالخصوص بريطانيا؟ تقول مجلة «لانست» البريطانية الشهيرة: «إن مئتي
ألف شخص يموتون سنوياً في بريطانيا بسبب المسكرات» . وذكرت المجلة
البريطانية للإدمان «British Journal of Addiction» أن الخسائر الناجمة
عن مشاكل الكحول الطبية بلغت ٦٤٠ مليون جنيه استرليني في العام الواحد. إن
الخسارة الإجمالية الناجمة عن شرب المسكرات تقدر بـ ٢٠٠٠ مليون جنيه
استرليني في العام الواحد. وذكرت هذه المجلة أيضاً أن ١٢ % من المرضى الذين
يدخلون المستشفيات في بريطانيا، يدخلون بسبب مشاكل ناجمة عن المسكرات.
وعودة إلى أمريكا.. فحسب ما جاء في كتاب «Cecil» الطبي الشهير -
طبعة ١٩٩٢ - فإن الخسائر الكلية الناجمة عن مشاكل المسكرات في أمريكا بلغت
ما قيمته ١٣٦ بليون دولار في العام الواحد. ويقدِّر الخبراء أن ربع الحالات التي
تدخل المستشفيات الأمريكية سببها أمراض ناجمة عن شرب المسكرات «.
فحذار.. حذار أيها المسلمون، قبل أن يستشري فينا الداء الذي يريده لنا
الغرب. فالأفلام والمجلات الخليعة تدعو الناس صباح مساء في بلادنا العربية إلى
شرب المسكرات عن طريق إبراز الفنانين والممثلين، وفي أيديهم كأس من
المسكرات، أو عن طريق الدعايات والمقالات.
ويظن بعض الناس أن شرب قليل من المسكرات أمر لا بأس فيه. ولكن هذا
غير صحيح. وقد نبَّهت على خطورته مجلة» لانست «الطبية، فتقول في عدد
صادر لها عام ١٩٨٧:» لقد تبين أخيراً أن معظم الوفيات والاختلاطات الناجمة
عن الكحول تحدث عند الذين يظنون أنهم لا يشربون الكثير من الخمر، وعند
أولئك الذين كان يظن أطباؤهم أن ما يتناولونه من المسكرات ما هو بالكثير، بل
هو في حكم المقبول في عرف المجتمعات الأمريكية والأوربية «.
ولكن رسول الله ﷺ كان ليغفل عن ذلك، فقال حديثه
المشهور:» ما أسكر كثيره فقليله حرام « [٢] .
المسكرات.. والقلب:
زعم البعض من الأطباء أن القليل من الخمر قد ينقص نسبة الوفيات من
جلطة القلب. ولكن مقالة رئيسية في مجلة» لانست «البريطانية (صدرت عام
١٩٨٧) فنِّدت هذه المزاعم، يقول كاتب المقال:» إن ما يدعيه بعض الأطباء من
أن الكحول قد يكون مفيداً إذا ما أخذ بجرعات صغيرة إنما هو محض كذب
وافتراء «. وتقول المقالة أيضا:» إن الدراسة التي يستند إليها هؤلاء دراسة غير موثوقة ولا يعتد بها «. ويتابع كاتب المقال القول:» وخلاصة القول أن على الأطباء أن يبلغوا الناس رسالة واحدة فقط وهي: أن الكحول ضار بالصحة «.
ويقول البروفسور» شوكيت «:» إن شرب ثلاث أو أربع كؤوس من
البيرة يومياً يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم، ولهذا يعتبر الخمر حالياً سبباً هاماً من
أسباب ارتفاع ضغط الدم. ويؤدي شرب الخمر إلى «اعتلال العضلة القلبية» ،
وما ينجم عنها من توسع في حجرات القلب وقصور (فشل) القلب. فيصاب
المريض بضيق نفس لدى القيام بأي مجهود. وقد تتشكل جلطات في الجهة اليسرى
من القلب. وهناك بلا شك علاقة وثيقة بين حدوث السكتة الدماغية Stroke،
وبين شرب المسكرات. ويسبب الكحول اضطراباً في ضربات القلب، مما يسبب
تسرعاً شديداً في القلب. وقد يحدث ذلك عقب شرب الخمر مرة واحدة فقط «.
المسكرات والسرطان:
يعتبر السرطان حالياً القاتل الثاني عند شاربي الخمر (بعد جلطة القلب) ،
فنسبة حدوث السرطان عند شاربي الخمر تفوق بعشرة أضعاف ما هي عليه عند
الآخرين. والأعضاء التي يزداد فيها حدوث السرطان - حسب أحدث الإحصائيات
- هي: سرطان الرأس والرقبة، والمريء، والمعدة، والكبد، والبنكرياس،
والثدي.
المسكرات والغذاء:
يعطي الغرام الواحد من الكحول سبع سعرات حرارية، وهكذا فإن شرب ٨-
١٠ كؤوس من أحد المشروبات الكحولية يمكن. أن يعطي ١٠٠٠ سعراً حرارياً في
اليوم. ولكن يجب الانتباه أن هذه الحراريات خالية (Empty) من أي عناصر
غذائية كالبروتين أو المعادن أو الفيتامينات.
وجاء في كتاب» هاريسون «:
(فكل الفيتامينات يعاق امتصاصها في الأمعاء عند شاربي الخمر، وتسجل
ذلك نقصاً في الفيتامين ب١، ب٢، حمض الفوليك، والفيتامين (أ) . ويحدث عند
شاربي الخمر نقص في البوتاسيوم.. يمكن أن يؤدي إلى شلل دوري في العضلات
وانعدام المنعكسات. ونقص المغنزيوم.. يمكن أن يسبب اضطراباً في الإدراك
وأعراضاً عصبية أخرى. ونقص الكالسيوم.. يؤدي إلى تكزز وضعف عام.
ونقص الزنك.. قد يسبب اضطراباً في الأعضاء الجنسية ونقصاً في الشهية،
وضعفاً في مناعة الجسم. ونقص الفوسفات.. يمكن أن يجعل فشل القلب يتفاقم،
ويسبب اضطرابات في الدماغ.. وضعفاً في العضلات) .
المسكرات.. والجنس:
يقول البروفسور» شوكيت «: قد يلاحظ بعض شاربي المسكرات ازدياداً
في الشعور الجنسي لدى تناول كأس أو كأسين من المسكرات. ولكن ينسى هؤلاء
أن ذلك يمكن أن يسبب العُنَّة عند الرجال (ضعف القدرة الجنسية) . وينسى هؤلاء
أيضاً أن شرب المسكرات قد يؤدي إلى ضمور الخصيتين، وفقدان النُّطَف.
كما أن شرب المسكرات عند النساء يمكن أن يؤدي إلى انقطاع الطمث،
ونقص في حجم المبايض، وما يتبع ذلك من عقم، أو إجهاض تلقائي.
وشرب المسكرات أثناء الحمل يؤدي إلى مرض يسمى (تناذر الجنين
الكحولي) » Fetal Alcohol Syndrome «. ويصاب الجنين فيه بآفات
خلقية في القلب، وتشوهات في الوجه، واضطراب في المفاصل، وتخلف عقلي
شديد. ولا تعرف كمية المسكرات ولا الوقت الذي تكون الحامل فيه عرضة
لإصابة الجنين بهذا المرض. ولهذا يصر الباحثون على أن تمتنع الحامل عن
المسكرات امتناعاً تاماً» .
المسكرات.. والدماغ:
إن سهرة يقضيها شارب الخمر في شرب المسكرات يتبعها فقدان وعي
«Blackout» في كثير من الحالات. ويذكر البروفسور «شوكيت» أن هذه الظاهرة قد أصيب بها ٣٠-٤٠% من الرجال في سن العشرينات في أمريكا خلال فترة من الفترات. ويسبب الإدمان على المسكرات اعتلالاً في الأعصاب المحبطية عند ٥-١٥% من شاربي الخمر. ويشكو فيها المرضى من الخدر والتنميل في الأطراف. أو قد يصاب المدمنون على المسكرات بتناذر كورساكوف وفيه يصبح الإنسان غير قادر على أن يتعلم الأشياء الجديدة، ويفقد الذاكرة، ويختلق فيها المريض قصصاً وأحداثاً وهمية لم تقع من قبل. وتحدث علامات ضمور الدماغ عند ٥٠% من المدمنين على الكحول. ويقدر الباحثون أن ٢٠% من المصابين بالخرف كانوا من المدمنين على الخمر.
المسكرات.. وجهاز الهضم:
كثيراً ما يصاب شاربو الخمور بالتهاب في المريء أو التهاب في المعدة.
ويعتبر التهاب المعدة أكثر الأسباب شيوعاً لنزيف المعدة عند شاربي المسكرات،
وقد يحدث النزف الهضمي نتيجة دوالي المريء (بسبب تشمع الكبد) .
والمسكرات سبب شائع لالتهاب البنكرياس. كما أن الكبد يصاب بالالتهاب..
أو بالتشحم.. أو بالتشمع (Cirrhosis) ، وهو مرض خطير غير قابل للتراجع.
أنعجب بعد هذا كله من تحريم الإسلام للمسكرات؟ ! حتى للقليل منها! ؟ ألم
يقل رسول الإنسانية عليه صلوات الله وسلامه: «كل مسكر حرام، وما أسكر منه
الفَرْقُ فملءُ الكف منه حرام» [٣] .
ثم ألم يحذِّر رسول الله ﷺ من الجلوس على موائد الخمر
لأن ذلك قد يعرض صاحبها لمسايرة الجالسين، فربما ذاقها للمرة الأولى ثم تبعها
جلسات وسكرات. «نهى رسول الله ﷺ عن الجلوس على
مائدة يشرب عليها الخمر» [٤] .
[إنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وهُوَ شَهِيدٌ]
стр. 1284
بين المطرقة والسندان
أحمد أبو لبن
إن رحلة الحياة حلقات متصلة من الحوادث والمواقف، والأفراح والأتراح،
والإنجازات والإخفاقات، تمر كشريط متتابع المشاهد، يعتصر العاقل الفطن منها
الحكمة والعبرة.
زارني - في هذه المرحلة من الحياة - أخ حبيب في بلاد الغربة، قادم من
بلاد المسلمين، جمعتنا جلسة على مقاعد للنزهة على ضفاف إحدى بحيرات
(كوبنهاغن) ، وتبادلنا أطراف الحديث دون سابق إعداد أو تخطيط،. بادرني قائلاً: الآن بعد أن قضيت عقداً من السنين في مهد الحضارة الغربية، وراقبت الأحداث
تتلاحق على أمتنا وهي لا زالت في عنائها وبلائها؛ ما هي خبرتك الجديدة، وكيف
ترى هذه المرحلة التي نعيشها؟ فأنت هنا في مأمن بعيد عن دوامة الصراع،
قريب من مصادر الإعلام، فنحن نغبطكم على هذه الفرصة.
أجبته مداعباً - كعادتي معه - أتأذن لي بالإجابة مع التفصيل الممل؟ !
فأجاب مداعباً: خذ راحتك، فعلام العجلة؟ لقد تخطينا سن الشباب!
فقلت: نبدأ بذكر الله والصلاة والسلام على رسوله الكريم - فنحن هنا في
بلاد الغفلة والإلحاد، والجو شيطاني يعج بالشهوات والمعاصي - وللإجابة على
سؤالك نقسم تاريخ أمتنا إلى مراحل، لكل منها عنوان أو شعار حتى نصل إلى
الجواب. ولنبدأ بالمرحلة الأولى للدعوة الإسلامية في مكة وفي موقف النبي -صلى
الله عليه وسلم- من إغراءات قريش حتى يتخلى عن ما جاء به، وكيف أنه لم يثنه
ترغيب ولا ترهيب عن دعوة التوحيد والثبات عليها. وبعد بناء الحضارة الإيمانية
على أسس راسخة يحسن بنا أن نقتطف، شعاراً من خطبة حجة الوداع عنواناً
لاكتمال تأسيس الدولة في المدينة المنورة: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم
حرام» .
تجاوب مستمراً في حواره: شعار جميل، دقيق جداً، لكن يا حسرتاه! أين
نحن منه اليوم؟ أموال المسلمين وأرضهم نهب مستباح، أو تسخر لسفك دمائهم
واستباحة أعراضهم، لقد بلغت المأساة الذروة، وتجاوزت حدود الخيال.
ثم أكملت: أما مرحلة الصديق فإن شعارها هو شعار الإصرار على الحق
وقت الشدة الذي يلخصه موقفه يوم الردة: «والله لا أزال أقاتلهم حتى تنفرد سالفتي» .
قال صاحبي: تعني إصراره على تسيير الجيوش لحرب المرتدين، وأن
الخلافة الراشدة هي اتباع لمنهاج النبوة دون تنازلات، قلت: نعم هو كذلك.
ثم مرحلة خلافة عمر ﵁ الذي جعل نقش خاتمه: «كفى
بالموت واعظاً يا عمر» حيث الأمن مستتب، والعدالة قائمة، والأمة عزيزة
الجانب، وهذا الشعار يناسب حالة الحاكم الحذر من أن يفتتن بنفسه.
إننا حينما نتذكر هذه المواقف المجيدة وأمثالها من تاريخنا المجيد نبرأ ونعتذر، كما فعل الصحابي الجليل أنس بن النضر في غزوة أحد، حينما رأى المسلمين
يتراجعون، والمشركين مستبسلين من أجل باطلهم، فقال: اللهم إني أعتذر إليك
مما صنع هؤلاء (أي المسلمين) وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء (أي المشركين) .
إن هذا هو التعبير الصادق عن تراجع وارتباك مشروعنا الإسلامي في كل
مجال ومكان، الذي نعتذر إلى المولى منه، وتكالب وشراسة قوى الباطل بمكرها
ونذالتها، الذي نتبرأ إلى الله منه.
فقال: تعني أن الظروف المحيطة بنا تتلخص في: تفوق الكافرين، وعجز
المسلمين.
قلت: نعم، فنحن في بلاد المسلمين نعاني مشكلة واحدة ونحمل هماً واحداً
هو تخلف الأمة أفراداً ومؤسسات بسبب انحرافها عن منهج الإسلام، وهذه هي
«المطرقة» التي يجب على المسلمين في بلادهم الصبر على آلامها، ونحن هنا في بلاد الغرب والغربة - أعني المسلمين المهاجرين - نعاني من آثار هذه الحضارة المادية المتعدية لحدود الله، الجاحدة لوجوده. فغرورها وتعاليها هو «السندان» الذي يضاعف الأمم المطرقة على رؤوسنا في بلاد الغربة. وما ندري: هل نشتكي ونعتذر عن المشروع الإسلامي الذي يتعرض للإجهاض مرة بعد مرة، أم عن الجاليات الإسلامية التي وفدت بكل مشكلاتها وتشرذمها؟ أم نتبرأ من حضارة مادية كافرة تمول البحوث، وتنجز المخترعات، وتخطط وتحافظ على مصالح شعوبها وتحترم حرية الرأي لمواطنيها؟ ! .
قال: على الرغم من المعاناة والمكابدة فإن التشاؤم مذموم العواقب، والمسلم
لا ينبغي له أن ييأس، فمهما ذاق المسلمون الآلام بين المطرقة والسندان؛ فإن ذلك
يجب أن لا يثنيهم عن العمل والثبات على ما هم فيه من الحق.
إنني أرى تباشير الفجر وعلامات النصر تلوح في الأفق فهيا بنا لأشتري
خاتماً من فضة، لا لننقش عليه عبارة: «أبرأ وأعتذر» ولكن لننقش عليه شعار
المستقبل: (جاء الحق وزهق الباطل) .
стр. 1285
مكتبة البيان
إعداد: سليمان الميداني
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم
للإمام ابن الوزير:
قام بتحقيقه تحقيقاً علمياً دقيقاً الأستاذ الفاضل الشيخ شعيب الأرناؤوط بتسعة
مجلدات.
طبع ونشر مؤسسة الرسالة بيروت، وهو كتب نافع ومفيد في بابه.
معالم التنزيل (تفسير البغوي)
لأبي محمد الحسين بن مسعودالبغوي:
قام بتحقيقه: عثمان جمعة ضميرية - محمد عبد الله النمر - سليمان مسلّم
الحرش.
وقد سلك فيه مصنفه منهج التفسير بالمأثور عن النبي ﷺ
وصحابته الكرام.
والكتاب من ثمانية مجلدات من الحجم الكبير.
التدليس في الحديث: حقيقته - أقسامه - أحكامه - مراتبه
والموصوفون به:
تأليف الدكتور مسفر بن غرم الله الدميني الأستاذ في جامعة الإمام محمد بن
سعود الإسلامية بالرياض.
كتاب النظائر للشيخ بكر أبو زيد:
وهو دراسة مفيدة قيمة لموضوعات عديدة حري بطالب االعلم الوقوف عليها
وهي:
١- التحول المذهبي.
٢- العلماء العزاب.
٣- التراجم الذاتية.
٤- لطائف الكلم.
وهو من طبع دار العاصمة بالرياض.
الموطأ للإمام مالك:
برواية أبي مصعب الزهري المدني تحقيق بشار عواد معروف ومحمود محمد
خليل.
الكتاب من جزئين طبع مؤسسة الرسالة بيروت.
стр. 1286
منتدى القراء
أختاه.. فلتحذري
بقلم: أم سلمان
إلى كل حرة أبية، تأبى الضيم وترفض أن تكون تابعة للعبيد وأداة لتحطيم
الأمة.. أتوجه بهذا النداء ...
أختاه.. أناديك هل تسمعينني؟ أصرخ إليك، هل يصل إليك صوتي؟
إن القوم يأتمرون بك، بل إن العالم يتآمر عليك، اليهودية المفسدة، العلمانية
الكافرة، الكل قد حشد الحشود لفتنتك، الكل قد جمع العقول لإغوائك، الكل
يطاردك، يريد الذل لنفسك، إنه حزب الشيطان يريد لينزع عنك لباسك لتتبدى
سوأتك وعوراتك، ويدعك خلقاً مشوهاً ممسوخاً فتضلي في نفسك وتكوني لمن
خلفك فتنة، وينهدم صرح الأمة، وتشيع الفحشاء ويتميع في إثرك الرجال،
وتغوص الأمة في بحر الشهوات.. فهم [ودُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ
سَوَاءً] .
ها هم يهود يقفون وراء بيوتات الأزياء والموضات يزينون من خلالها الفجور
والعري فتفسد الأمم، وتصب في جيوبهم الأموال.. ها هم يزينون الفحشاء.. في
الأزياء العارية، والأفلام الساقطة والمسرحيات الهزلية الفاجرة، في المجلات
الدنسة والصحف العميلة، في المقالات العارية من كل حياء، في القصة اللئيمة،
في المسلسلات والبرامج الهابطة..
فهل تنتصرين لنفسك وتثأرين لدينك، هل تفيقين وترتفعين فن تلك الهوة
السحيقة التي زينها لك الماكرون؟ فقط أذكرك بحديث رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- الذي يقول فيه: «صنفان من أهل النار لم أرهما:.. ونساء كاسيات
عاريات مائلات مميلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا
يجدن ريحها ... الحديث» . فهل ترضين لنفسك هذه الحال؟ ! أم تنتصرين لدينك
ولإنسانيتك التي كرمها الله، فتعود الصورة الوضيئة للمرأة المسلمة العفيفة الطاهرة
النقية المتوضئة الراكعة الساجدة.. صورة الأم في نضارتها ومكانتها، صورة
الحرة لا الأَمة المستعبدة لكل الأهواء..
أتمنى أختاه.. أن تعودي، فنحن هنا في انتظارك في شوق على باب الإسلام
الكريم.
стр. 1287
كلا لا نعود
إبراهيم كامل
بين طيات الزمن نعيش، نعيش حياة بسرورها وحزنها وفرحها وغضبها،
بمشكلاتها واضطراباتها.. نعيشها إحساساً ومشاعر، وعواطف - وهواجس،
انحرافاً واستقامة، نسياناً وتذكراً، قوة وضعفاً..
هذا ويوم القيامة تتضاءل من حسنا هذه الليالي والأيام تمر وكأنها لحظة من
نار فلا بقي من كرب مكروب، أو فرح مبتهج، أو فقر فقير، أو غنى غني، فمن
تلذذ بلذة فقد التذها وانقضى، ومن نصب ومن صبر فقد انتهى تعبه ونصبه وصبره، فأشد الناس عناء بانتهاء عنائه لم يبق له من العناء شيئاً، وأشدهم رغداً وابتهاجاً
بزوال رغده عنه لم يبق له من الرغد شيئاً.
هذا وإنها الآن لكلمات ولسوف نذكر هناك عملنا اليوم، سوف نذكر اهتماماتنا
اليوم، سوف نذكر ما يقعدنا من شهوات ورغائب، سوف نذكر ما يلهينا من
صغائر، ولكم سنندم، ولكم سنأسى، ولكن ترى هل سينفع الندم؟ هل سينقشع
العذاب؟
تخيل.. أنت الآن هناك تقف بين يدي ندم وأسى على ما فرطت وحيرة
واضطراب هل من مرد؟ ! أنت الآن هناك تقف بين يدي ربك فيسيل جلدك على
جانبيك ولحم وجهك من الخزي..
يومها نود أن نرجع.. أن نعود.. نعود فنكفر بالذين يبدلون دين الله يحلون
حرامه ويحرمون حلاله، نعود فنفزع لتلك الدماء تسيل من الأمة الأمة التي تذبح
ليل نهار مرات ومرات، على مذابح الوطنية تارة، والقومية تارات، على مذابح
الاشتراكية تارة، والديمقراطية والعلمانية تارات، وغير ذلك من المذابح كثير.
نتمنى يومها أن نعود.. وأنى لنا أن نعود، وقد أخبرنا أنها إذا ولت لا تعود.
نعود! وقد كنا نضحك ملء الأفواه والله غضبان.
نعود! والله يغار على محارمه وسلطانه المغصوب! وكنا لا
نغار.
نعود! والأرض كانت تئن، والسماوات يبكين والجبال تكاد تنهار من ظلم
الإنسان، وجوره على ربه العزيز الجبار.
نعود! والقدس القابع خلف القضبان يبكي أمة قد كان لها مجد فأبت إلا
الخذلان..
نعود! وقد كانت حرمات الله تصرخ فينا.. تصرخ أن كفوا بأس الطغيان.
نعود! كلا..! يأبى عدل الرحمن.
نداء.. نداء إلى الذين يتضاغون لغربة الإسلام.. أن اصبروا واثبتوا ... فإن
لقاء الله قريب.
ونداء إلى الذين يهملون ويضعفون ويميلون إلى خيانة الطريق، أيضاً إن لقاء
الله قريب.
ونداء أخير إلى الذين استحبوا الحياة الدنيا ورضوا واطمئنوا بها، أيضاً إن
لقاء الله قريب.
وإن أجل الله لآت وما أنتم بمعجزين، وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن
زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور.
стр. 1288
وعاودني الحنين ..! !
عزيزة بنت عبد الرحمن النصار
كان مشهداً رائعاً من مشاهد الشتاء، فالسماء ملبدة بالغيوم، ووابل المطر
يرسم على لوحة الأرض جداول تتدفق في أنهار المدينة، وحفيف الأشجار يملأ
الكون بترانيم عذبة، آه..!! ما أروعك من مشهد! ! .. قالها - باسل - وهو
يتنهد من فرط الحزن، فقد نكأ ذلك المشهد - جرحاً قد اندمل منذ مدة - رضاء
بقضاء الله وقدره.
ثم تابع يقول: رباه! ! أَوَ أُحرم أن أرى مثل هذا المشهد في قدسي؟ في
خليلي؟ في منبع طفولتي، ومهد أدراجي؟ إنَّ لهيب الشوق يتأجج فيَّ، كلما
طويت شريط ذكرياتي، لأنعش ذاكرتي بمنظر سماء أرضي الصافية، وأرضها
التي كساها المطر حُلة خضراء وأشجارها المصطفة على جوانب الطرقات، وعلى
سفوح الجبال والهضاب، كم تاقت مسامعي لسماع حفيفها عند هبوب الرياح، وشمَّ
رائحتها مع نسيم الصباح، والجلوس تحت ظلها بعد العناء.
توقف قليلاً ثم أردف يقول: رباه! ! دخان التشرد يخنقني، ومعول الغربة
يقصمني، رباه إ! إلى متى سأظل هكذا؟ ! مدحوراً عني وطني؟ منبوذاً عن
أرضي؟ بعيداً عن أهلي؟ تلاحقني الويلات في كل مكان، وتعاودني الأنات في
زمن الأحزان.
تعالت على وجهه علامات الثورة والغضب؛ حين قال: إن إسلامي في
أرضي يختفي - رويداً وريداً - خلف أستار العذاب والتشرد والضياع، فيخرج
على مسرح بلادي أحفاد القردة والخنازير، ليمثلوا دور البائس الفقير، الذي لا
يملك المأوى وما له من ظهير، فيثيرون بمكرهم وخداعهم قلوب أناس مغفلين..
بيد أني أنتظر اليوم الذي ترفع فيه الراية على تلال فلسطين، فنعيد ذكرى
حطين، ونكون - فعلاً - أحفاداً لعمر وصلاح الدين.
فلسطين: إن حروفك تملأ الكون بصداها، فيسمعها الكون كله؛ لكن! !
.. لا مجيب.
стр. 1289
بريد القراء
الأخ عبد الله الحمد
أرسل توجيهاً للدعاة باكتشاف الطاقات وتوجيهها بما يلائم قدراتها إلى نفع
المجتمعات الإسلامية.
الأخ فهد العدل
أرسل توجيهات حول البدع وتقليد اليهود والنصارى في بعض عاداتهم.
البيان: نشكر للأخ خواطره في الموضوع.
الأخ حمد على عبد الحميد
نشكر لك ملاحظاتك القيمة وسوف نستفيد منها إن شاء الله تعالى.
الأخ محمد صالح المحييد
أرسل توجيهات يؤكد فيها على دور الإعلاميين في معالجة قضايا المسلمين.
الأخ عبد الله التويجري
وصلتنا ملاحظاتك وهي محل عنايتنا.
الأخ سليمان العبيد
قصيدتك - لا تغيبي - غير ملائمة للنشر.
الأخ سعيد الأسمري
نعتذر عن نشر قصيدتك - لما غاب الحسام - لكثرة ما لدينا من الشعر وطول
فترة انتظار النشر.
الأخ محمد الفايز
وصل ما أرسلته لنا وشكراً على حرصك وثقتك.
الأخ أبو عبد الرحمن أرسل مقترحاً:
- تخصيص صفحة للفتاوى الفقهية وخاصة التي تخص الدعاة وطلبة العلم.
- تخصيص موضوع عن طلب العلم والقراءات النافعة.
- الكتابة عن الصحوة الإسلامية في مصر.
الأخ سحمي بن محمد العاصمي
كتب لنا عن أثر الإيمان الباطن في عمل الجوارح، لأن كل إناء بما فيه
ينضح، فمن الناس من يحفظ أنواع الرياضة وألفاظها التشجيعية وشعاراتها، وهذا
كل همه، وبعضهم يحفظ أسماء الغناء والمغنين، والشاب المسلم يجب أن يكون
جاداً يحمل هموم الأمة.
الأخ أبو سليمان
أرسل منتقداً على الأخ فهد أبو عمرو في مقاله (الطريق إلى الله) عدم ذكر
مصدر ما كتبه وهو كتاب الشيخ محمد قطب (في النفس والمجتمع) .
الأخ خليل بن محمد الربدي
أرسل مقالاً قصيراً بعنوان (العاطفة وحدها لا تكفي) يقول فيها: «هل يقف
دور المسلم عند سماع أخبار إخوانه بالحزن والإشفاق، أم أن الواجب هو أن يدفعه
هذا الحزن وذلك الإشفاق إلى العمل والحركة لنجدة إخوانه بكل ما يستطيع من جهد
ومال ووقت؟ .
стр. 1290
الصفحة الأخيرة
الخير في الأمة الإسلامية
لا ينقطع
عبد القادر حامد
قرأت عبارة أثلجت صدري، وحركت مشاعر الفخر في نفسي عن التحديات
التي تواجه المسيحية في العصر الحديث، وأن انتشار الإسلام يأتي على رأسها،
وقلت: الحمد لله الذي تكفل بحفظ دينه، يخرج من الضعف قوة، ويرد كيد الباطل
على الرغم من اجتهاد أهله في نشره وتمكينه.
إن الناظر في هذه الجيوش الجرارة من المبشرين والمتطوعين الرسميين
وغير الرسميين لنشر المسيحية المحرفة في العالم الفقير، والبلاد المنكوبة ليروعه؛ - أول وهلة - حرص هؤلاء وتصميمهم، حيث يستغلون كل شيء في سبيل
عقائدهم، ويستثمرون الكوارث والنكبات، ويتاجرون بمآسي الشعوب ليفتنوهم،
فيصاب المتأمل المتابع جهود التبشير تحت اسم منظمات الإغاثة وغيرها من
المنظمات التي تمهد أمامها الطرق، وتفتح في وجهها الأبواب المغلقة، وتسند من
السفارات والشركات، والمتمولين النافذين.. يصاب بالرعب، وقد يلفه اليأس
وينفض يديه من كل جهد، اعتقاداً منه أن لن ينفع شيء أمام قوة المال المتدفق
والنفوذ العاتي، والأفواه المفتوحة التي تنشد البقاء، والبقاء فقط.
هذا جانب من جوانب الصورة القاتمة التي طالما ألحت على عقول المفكرين
المسلمين في العصر الحديث، وتكاد الكتابات الإسلامية تطرقها يومياً وتتناولها
بالندب والعويل.
ومع أن حقيقة الجهود المضاعفة للقضاء على الإسلام أو تشويهه في قلوب
وعقول أهله قائمة ومستمرة ولم تتوقف أبداً؛ بل تشتد يوماً بعد يوم؛ لكن هناك
حقيقة أخرى أيضاً، لا يحسن أن نغفل عنها، ويشغلنا الندب والبكاء عنها، وهي
أن الإسلام - بحمد الله - يتقدم وينتشر، ويكتسب خبرة وتجربة، وأن جهوداً تبذل، وهي على قلتها - مقارنة بجهود الكفر المعلنة والخفية والناعمة، والقاسية الغليظة
- يبارك الله فيها، وترسم الطريق لليائسين والقانطين، وتدعو الضعفاء والمشككين
أن: دعوا اليأس والقنوط، واخلعوا عنكم ثوب البكاء والتأسف، وضرب الكف
على الكف، فالطريق سالكة ومسلوكة، والساحة الإسلامية - بل والعالمية -
تستنجزكم الهبَّة ونفضَ النعاس عن عيونكم، والخدرَ عن عقولكم، والمسلمون
خيرهم لا ينقطع، وتتفجر البركة من بين أيديهم ومن خلفهم، من حيث لا يحتسبون، ولا ينقصهم إلا شخصيات تكون موضع الثقة، وجهات مؤتَمَنة تقوم بعمل الرائد
الذي لا يكذب أهله.
فلنعمل جميعاً على البحث عن هذه الشخصيات، وإقامة تلك الجهات،
ولنستمد العون على ذلك من الله، من الله وحده.
стр. 1291
جمادى الآخرة - ١٤١٣هـ
ديسمبر - ١٩٩٢م
(السنة: ٧)
стр. 1292
كلمة صغيرة
من الأماني التي تراودنا أن يسد ما ينشر فى مجلة البيان ثغرة في ثقافة الفرد
المسلم في هذا العصر، وأن تلبي الموضوعات حاجات المسلمين على اختلاف
مستوياتهم. ونعمل جاهدين على إخراج هذه الأماني إلى مجال التطبيق والواقع.
ولكننا نرى أيضاً أن عجزنا البشري والظروف المحيطة بنا قد تعيقنا عن ذلك. ونحب
من قراء البيان أن يضعوا في حسابهم هذه الناحية عندما يكتبون لنا، وهي أن يطرحوا
على أنفسهم هذا السؤال: ما مدى أهمية ما أكتب؟ وهل عندي فكرة جديدة أقدمها
للقراء، أو طريقة جديدة للاستفادة والإفادة في مجالات الثقافة الإسلامية؟ وليكن
القارئ هو الهدف من الكتابة، وليس نفس الكاتب أو إرضاء حاجة من حاجات النفس
أو تطلعاتها. وبذلك يكون للكتابة معنى وثمرة.
المحرر
стр. 1293
الافتتاحية
الزلزال
كثرت الزلازل في هذا العصر، وهذا تأكيد وتصديق لما جاء في الحديث:
«لا تقوم الساعة حتى يقبض العالم وتكثر الزلازل...) [١] ، والحديث عن الزلازل لا
بد أن يقودنا إلى الحديث عن إحساس المسلم تجاه هذه الظواهر الكونية التي يخوَّف
الله بها عباده، أو عقوبات لما تعج به الأرض من المحادة لله ورسوله، ومن
الموبقات المهلكات، لقد تبلَّد شعور كثير من الناس تجاه هذه الظواهر فلا يرتدعون، ولا يتراجعون حتى يروا العذاب الأليم، والأصل في المؤمن أن يكون مرهف
الحساسية لمثل هذه الأمور المخيفة، فقد جاء في الحديث:» كانت الريح الشديدة
إذا هبت عرف ذلك في وجه النبي ﷺ « [٢] ، وكأنه يخشى -
ﷺ أن تكون مقدمات يوم الفزع الأكبر.
إن الزلزال الذي وقع في مصر هذه الأيام كان مفاجئاً لم يتوقعه أصحاب
الاختصاص في علم باطن الأرض، فلم يعرف عن مصر أنها بلد زلازل كما في
بعض البلدان الأخرى، وما ذلك إلا دليل على أنه من المنذرات حتى تعود هذه
الأمة - وليس شعب مصر فقط - حتى تعود إلى باريها، وتستغفره من ذنوبها،
ويرجع لها الإحساس بما هي عليه من الضعف والانحطاط في كل شيء، مما جعلها
في مؤخرة الأمم، قال تعالى: [فَلَوْلا إذْ جَاءهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا ولَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ
وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] [الأنعام: ٤٣] ، وقال تعالى: [ونُخَوِّفُهُمْ فَمَا
يَزِيدُهُمْ إلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً] [الإسراء: ٦٠] ، وقال تعالى: [أَفَأَمِنَ أَهْلُ القُرَى أَن
يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَاتاً وهُمْ نَائِمُونَ * أَوَ أَمِنَ أَهْلُ القُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًى وهُمْ
يَلْعَبُونَ] [الأعراف: ٩٧-٩٨] . إن في الشعوب الإسلامية من يعتبر بهذه الآيات
الكونية، ويتذكر ويؤوب، أما الذين في قلوبهم مرض، وأما القاسية قلوبهم الذين
استمرؤوا الطغيان، والذين أشربوا في قلوبهم التغريب والعلمانية فسوف لن يعتبروا
بل يزيدهم ضلالاً، وهذا ما كنا نتوقعه من أمثال هؤلاء لأنه من السنن الربانية.
ولكن الذي فوجئنا به مقابلتهم هذه الآيات التخويفية بإعلان الحرب على
الإسلام، حرباً صريحة مكشوفة لا مواربة فيها ولا خجل، فقد نشرت إحدى
الصحف اليومية في صفحتها الأولى:» القمة المغاربية تقرر التنسيق في مواجهة
الظاهرة الأصولية «وبدأت الحملة على ما يسمونه (التطرف والأصولية) تشتد أكثر
من ذي قبل، ويصرح رئيس منظمة التحرير الفلسطينية بأنه يجب أن يقضي على
منظمة» حماس «الإسلامية.
لقد ظهر المخبوء، وتبين أن الزلزال الذي يخافونه ليس هو الزلزال الكوني،
فهذا يمكن تعليله عندهم بأي تفسير جيولوجي، ولكنه الزلزال الإسلامي، فهي إذن
الحرب على الإسلام وليست على الأصولية كما يزعمون، فهل يا ترى يقدر هؤلاء
على حرب الإسلام، وهل يتوهمون أن بإمكانهم القضاء على الإسلام؟ !
ألم يجرب غيرهم هذا الطريق، وقد كانوا أشد منهم قوة وأكثر عدداً وعدة
ففشلوا ورجع الإسلام قوياً بحمد الله، وهل استطاع الروس الشيوعيون بخيلهم
ورجلهم القضاء على الإسلام في بخارى وسمرقند؟ إن الناس في كل مكان يعودون
إلى الله أفواجاً فكيف يتصور هؤلاء الصغار أن بمقدورهم الحد من انتشار الإسلام.
إن المرء ليشفق على هؤلاء - وإن كانوا لا يستحقون الشفقة - وهو يراهم
في تدبيرهم، وعقولهم الصغيرة، يتداولون الرأي بالنيابة عن غيرهم للحد من
(الأصولية) وكل هذا لقاء ثمن بخس، باعوا به دينهم ودنياهم.
وإذا كان المسلمون قد أخطأوا ويخطئون في بعض أساليب الدعوة إلى الله، أو
في فهمهم الإسلام وتطبيقاته في العصر الحديث، وخاصة في بعض البلدان؛ فهل
هذه الأخطاء مسوَّغ كافٍ لضرب الإسلام. وإذا كانوا يحاربون العنف كما يدعون،
فلماذا يشجعون التيارات العلمانية والإلحادية وكل عدو للإسلام؟ ولماذا يشجعون كل
أنواع المحرمات مثل الربا والزنا والخمر؟ وإذا كانوا يحاربون التطرف فقط فلماذا
لا يطبقون الاعتدال؟
ليعلم هؤلاء أن الإسلام قوي - والحمد لله - رغم ما يكاد له من هنا وهناك،
ألم يأتهم نبأ الجمهوريات الإسلامية التي تشكل ثقلاً كبيراً سواء من حيث عدد
السكان أو المساحة أو القوة الاقتصادية، وقد بدأت شعوبها ترجع إلى دينها، فهل
سيحاربون هذه الشعوب أيضاً نيابة عن الغرب؟ وهل سيحاربون الصحوة
الإسلامية في ماليزيا وأندونيسيا، وفي شتى بقاع الأرض؟ إن الأمر ليد الله،
ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين، والأمر أكبر مما يتصورون.
وشيء آخر، فهم يقولون إن إيران لها أطماع، وهي تحرض من يقع في
أحابيلها، ونحن نعلم أن إيران لها أطماع فعلاً، ونعلم خطورة هذه الأطماع، ولكن
هل تُحد بمحاربة الله ورسوله وضرب العمل الإسلامي، وتشريد الشباب الإسلامي؛ أم أنها تواجه بالإسلام الحقيقي؟ !
إن ما ينفقونه لمحاربة الإسلام سيكون حسرة عليهم وندامة وخزياً في الدنيا
قبل الآخرة، والعاقبة للمتقين.
رئيس التحرير
стр. 1294
منزلة الحكم
بما أنزل الله من الدين
عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف
لا شك أن تنحية شرع الله تعالى، وعدم التحاكم إليه في شئون الحياة من ...
أخطر وأبرز مظاهر الانحراف في مجتمعات المسلمين، ولقد كانت عواقب الحكم
بغير ما أنزل الله في بلاد المسلمين ما حلَّ بهم من أنواع الفساد وصنوف الظلم
والذل والمحق. ونظراً لأهمية وخطورة هذه المسألة من جانب، وكثرة اللبس فيها
من جانب آخر، فسيكون موضوع هذه المقالة عن منزلة الحكم بما أنزل الله من
الدين، وضرورة التحاكم إلى شرع الله.
فرض الله تعالى الحكم بشريعته، وأوجب ذلك على عباده، وجعله الغاية من
تنزيل الكتاب. فقال سبحانه: [وأَنزَلَ مَعَهُمُ الكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا
اخْتَلَفُوا فِيهِ] [البقرة: ٢١٣] ، وقال تعالى: [إنَّا أنزَلْنَا إلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ
بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ] [النساء: ١٠٥] .
وبيّن سبحانه اختصاصه وتفرده بالحكم، فقال تعالى: [إنِ الحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ
يَقُصُّ الحَقَّ وهُوَ خَيْرُ الفَاصِلِينَ] [الأنعام: ٥٧] ، وقال سبحانه: [إنِ الحُكْمُ إلاَّ
لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ] [يوسف: ٤٠] ، وقال : [لَهُ الحَمْدُ فِي
الأُولَى والآخِرَةِ ولَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ] [القصص: ٧٠] ، وقال سبحانه: [ومَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلَى اللَّهِ] [الشورى: ١٠] .
وجاءت الآيات القرآنية مؤكدة على أن الحكم بما أنزل الله من صفات
المؤمنين، وأن التحاكم إلى غير ما أنزل الله (وهو حكم الطاغوت والجاهلية) من
صفات المنافقين.
قال سبحانه: [ويَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ وأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّنْ
بَعْدِ ذَلِكَ ومَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وإذَا دُعُوا إلَى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إذَا فَرِيقٌ
مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ * وإن يَكُن لَّهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ
ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * إنَّمَا كَانَ
قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذَا دُعُوا إلَى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وأَطَعْنَا وأُوْلَئِكَ
هُمُ المُفْلِحُونَ] [النور: ٤٧-٥١] .
وقال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُوْلِي الأَمْرِ
مِنكُمْ فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ والرَّسُولِ إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ
الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأَحْسَنُ تَأْوِيلاً * أَلَمْ تَرَ إلَى الَذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إلَيْكَ
ومَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إلَى الطَّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ
ويُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً * وإذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وإلَى
الرَّسُولِ رَأَيْتَ المُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً * فَكَيْفَ إذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ
أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنْ أَرَدْنَا إلاَّ إحْسَاناً وتَوْفِيقاً] [النساء ٥٩- ٦٢] .
يقول ابن تيمية عن هذه الآيات: «ذم الله المدعين الإيمان بالكتب
كلها وهم يتركون التحاكم إلى الكتاب والسنة، ويتحاكمون إلى بعض الطواغيت
المعظمة من دون الله، كما يصيب ذلك كثيراً ممن يدعي الإسلام وينتحله في
تحاكمهم إلى مقالات الصابئة الفلاسفة أو غيرهم، أو إلى سياسة بعض الملوك
الخارجين عن شريعة الإسلام من ملوك الترك [١] وغيرهم، وإذا قيل لهم تعالوا
إلى كتاب الله وسنة رسوله أعرضوا عن ذلك إعراضاً، وإذا أصابتهم مصيبة في
عقولهم ودينهم ودنياهم بالشبهات والشهوات، أو في نفوسهم وأموالهم عقوبة على
نفاقهم، قالوا إنما أردنا أن نحسن بتحقيق العلم بالذوق، ونوفق بين الدلائل الشرعية
والقواطع العقلية التي هي في الحقيقة ظنون وشبهات» [٢] .
ويقول أيضا: «ومعلوم باتفاق المسلمين أنه يجب تحكيم الرسول في كل ما
شجر بين الناس في أمر دينهم ودنياهم في أصول دينهم وفروعه، وعليهم كلهم إذا
حكم بشيء أن لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما حكم ويسلموا تسليماً [٣] .
ويقول محمد رشيد رضا عند تفسيره لقوله تعالى: [وإذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إلَى
مَا أَنزَلَ اللَّهُ ...] الآية:» والآية ناطقة بأن من صد وأعرض عن حكم الله
ورسوله عمداً ولا سيما بعد دعوته إليه وتذكيره به، فإنه يكون منافقاً لا يعمد بما
يزعمه من الإيمان، وما يدعيه من الإسلام « [٤] .
ويمكن أن نحدد أهمية إفراد الله تعالى بالحكم، وبيان منزلة الحكم بما أنزل
الله من خلال العناصر التالية:
١- منزلته من توحيد العبادة:
إن الحكم بما أنزل الله تعالى وحده هو إفراد الله تعالى بالطاعة، والطاعة نوع
من أنواع العبادة، فلا تصرف إلا لله وحده لا شريك له، قال تعالى: [إنِ الحُكْمُ
إلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ] [يوسف: ٤٠] ، وقال سبحانه: [وهُوَ اللَّهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ لَهُ الحَمْدُ فِي الأُولَى والآخِرَةِ ولَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ]
[القصص: ٧٠] ، فعبادة الله تعالى تقتضي إفراده بالتحليل والتحريم،
حيث قال سبحانه: [اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ ورُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ والْمَسِيحَ ابْنَ
مَرْيَمَ ومَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا إلَهاً واحِداً لاَّ إلَهَ إلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ]
[التوبة: ٣١] .
وتحقيق هذه الطاعة، وإفراد الله تعالى بالحكم والانقياد لشرعه هو حقيقة
الإسلام، وكما قال ابن تيمية:» فالإسلام يتضمن الاستسلام لله وحده، فمن استسلم
له ولغيره كان مشركاً، ومن لم يستسلم له كان مستكبراً عن عبادته، والمشرك به
والمستكبر عن عبادته كافر، والاستسلام له وحده يتضمن عبادته وحده، وطاعته
دونه « [٥] .
ويقول ابن القيم:» وأما الرضا بدينه، فإذا قال أو حكم أو أمر أو نهى،
رضي كل الرضا، ولم يبق في قلبه حرج من حكمه، وسلم له تسليماً، ولو كان
مخالفاً لمراد نفسه، أو هواه، أو قول مقلده وشيخه وطائفته « [٦] .
وفي المقابل فإن من أشرك مع الله في حكمه، فهو كالمشرك في عبادته، لا
فرق بينهما، كما قال الشنقيطي:» الإشراك بالله في حكمه، والإشراك في عبادته
كلها بمعنى واحد، لا فرق بينهما البتة، فالذي يتبع نظاماً غير نظام الله، وتشريعاً
غير تشريع الله، كالذي يعبد الصنم ويسجد للوثن، لا فرق بينهما البتة بوجه من
الوجوه، فهما واحد، وكلاهما مشرك بالله [٧] «.
ويقول أيضاً:» ويفهم من هذه الآية [ولا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً...] أن
متبعي أحكام المشرعين غير ما شرعه الله أنهم مشركون بالله، وهذا المفهوم جاء
مبيناً في آيات أخر، كقوله فيمن اتبع تشريع الشيطان في إباحة الميتة بدعوى أنها
ذبيحة الله [ولا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وإنَّهُ لَفِسْقٌ وإنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ
إلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وإنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ] فصرح بأنهم مشركون
بطاعتهم، وهذا الإشراك في الطاعة، واتباع التشريع المخالف لما شرعه الله تعالى، هو المراد بعبارة الشيطان في قوله تعالى: [أَلَمْ أَعْهَدْ إلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ
تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ] ، وقوله
تعالى عن نبيه إبراهيم: [يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ
عَصِياً] [٨] .
وتحقيقاً لوحدة العبادة القائم على نفي الإلهية عما سوى الله تعالى، وإثباتها لله
تعالى وحده، فإنه يجب الكفر بالطاغوت، كما قال تعالى: [فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ
ويُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا] [البقرة: ٢٥٦] .
وقد سمى الله تعالى الحكم بغير شرعه طاغوتاً، حيث قال تعالى: [أَلَمْ تَرَ
إلَى الَذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إلَيْكَ ومَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا
إلَى الطَّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ ويُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً]
[النساء: ٦٠] ، والطاغوت عام، فكل ما عبد من دون الله ورضي بالعبادة من
معبود، أو متبوع، أو مطاع في غير طاعة الله ورسوله، فهو طاغوت [٩] .
٢- منزلته من التوحيد العلمي الخبري:
الحكم بما أنزل الله تعالى من توحيد الربوبية؛ لأنه تنفيذ لحكم الله الذي هو
مقتضى ربوبيته وكمال ملكه وتصرفه، ولهذا سمى الله تعالى المتبوعين في غير ما
أنزل الله تعالى أرباباً لمتبعيهم، فقال سبحانه: [اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ ورُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً
مِّن دُونِ اللَّهِ والْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ومَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا إلَهاً واحِداً لاَّ إلَهَ إلاَّ هُوَ
سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ] [التوبة: ٣١] [١٠] .
وكما يقول محمد رشيد رضا - في بيان معنى الشرك في الربوبية -: «هو
إسناد الخلق والتدبير إلى غير الله تعالى معه، أو أن تؤخذ أحكام الدين في عبادة الله
تعالى والتحليل والتحريم عن غيره، أي غير كتابه ووحيه الذي بلغه عن
رسله [١١] .
ويقول ابن حزم - عن قوله تعالى: [اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ ... ] الآية -:
» لما كان اليهود والنصارى يحرمون ما حرم أحبارهم ورهبانهم، ويحلون
ما أحلوا، كانت هذه ربوبية صحيحة، وعبادة صحيحة، قد دانوا بها، وسمى الله
تعالى هذا العمل اتخاذ أرباب من دون الله وعبادة، وهذا هو الشرك بلا
خلاف « [١٢] .
ويقول ابن تيمية - في هذا الشأن -:
» قد قال تعالى: [اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ ورُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ والْمَسِيحَ
ابْنَ مَرْيَمَ ومَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا إلَهاً واحِداً لاَّ إلَهَ إلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ] .
وفي حديث عدي بن حاتم - وهو حديث حسن طويل رواه أحمد والترمذي وغيرهما
- وكان قد قدم على النبي ﷺ وهو نصراني، فسمعه يقرأ هذه
الآية، قال: فقلت له: إنا لسنا نعبدهم، قال أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه،
ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ قال فقلت: بلى، قال: فتلك عبادتهم، وكذلك قال
أبو البختري: أما إنهم لم يصلوا لهم، ولو أمروهم أن يعبدوهم من دون الله ما
أطاعوهم، ولكن أمروهم فجعلوا حلال الأمة حرامه، وحرامه حلاله، فأطاعوهم
فكانت تلك الربوبية ...
فقد بين النبي ﷺ أن عبادتهم إياهم كانت في تحليل
الحرام، وتحريم الحلال، لا أنهم صلوا لهم، وصاموا لهم، ودعوهم من دون الله،
فهذه عبادة الرجال، وقد ذكر الله أن ذلك شرك بقوله: [لاَّ إلَهَ إلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا
يُشْرِكُونَ] [١٣] . كما أن حقيقة الرضا بالله رباً توجب إفراد الله تعالى بالحكم،
واختصاصه تعالى بالخلق لأمر، حيث قال سبحانه: [أَلا لَهُ الخَلْقُ والأَمْرُ]
[الأعراف: ٥٤] ، وقال سبحانه: [قُلْ إنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ] آل عمران: ١٥٤ [،
فالأمر كله لله تعالى وحده، سواءً كان. هذا الأمر أمراً كونياً قدرياً، أو شرعياً
دينياً] ١٤ [.
يقول العز بن عبد السلام: «وتفرد الإله بالطاعة لاختصاصه بنعم الإنشاء
والإبقاء والتغذية والإصلاح الديني والدنيوي، فما من خير إلا هو جالبه، وما من
ضير إلا هو سالبه.. وكذلك لا حكم إلاّ له» ] ١٥ [.
ويقول عبد الرحمن السعدي: «فإن الرب، والإله هو الذي له الحكم القدري، والحكم الشرعي، والحكم الجزائي، وهو الذي يؤله ويعبد وحده لا شريك له،
ويطاع طاعة مطلقة فلا يعصى بحيث تكون الطاعات كلها تبعاً لطاعته» ] ١٦ [.
إضافة إلى ذلك، فإن «الحكم» من أسماء الله تعالى الحسنى، فقد قال -
ﷺ : إن الله هو الحَكَم وإليه الحكم «] ١٧ [.
وقال تعالى:] أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً [] الأنعام: ١١٤ [، وقال سبحانه:
] فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وهُوَ خَيْرُ الحَاكِمِينَ [] الأعراف: ٨٧ [، وقال عز
وجل:] أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الحَاكِمِينَ [] التين: ٨ [.
وإن الإيمان بهذا الاسم يوجب التحاكم إلى شرع الله وحده لا شريك له، كما
قال تعالى:] ولا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً [] الكهف: ٢٦ [، وقال سبحانه:] ومَا
اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلَى اللَّهِ [] الشورى: ١٠ [.
وقد بين الله تعالى - في آيات كثيرة - صفات من يستحق أن يكون الحكم له.. وكما قال الشنقيطي مبيناً ذلك:» فمن الآيات القرآنية التي أوضح بها تعالى
صفات من له الحكم والتشريع، قوله تعالى:] ومَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلَى
اللَّهِ [، ثم قال مبيناً صفات من له الحكم:] ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ
* فَاطِرُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً ومِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَؤُكُمْ
فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ * لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ يَبْسُطُ
الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ ويَقْدِرُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [] الشورى: ١٠-١٢ [.
فهل في الكفرة الفجرة المشرعين للنظم الشيطانية، من يستحق أن يوصف
بأنه الرب الذي تفوض إليه الأمور، ويتوكل عليه، وأنه فاطر السموات والأرض
أي خالقهما ومخترعهما، على غير مثال سابق، وأنه هو الذي خلق للبشر
أزواجاً..؟ فعليكم أيها المسلمون أن تتفهموا صفات من يستحق أن يشرع ويحلل ويحرم، ولا تقبلوا تشريعاً من كافر خسيس حقير جاهل.
ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى:] لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ أَبْصِرْ
بِهِ وأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً [] الكهف: ٢٦ [،
فهل في الكفرة الفجرة المشرعين من يستحق أن يوصف بأنه الإله الواحد؟ وأن كل
شيء هالك إلا وجهه؟ وأن الخلائق يرجعون إليه؟ تبارك ربنا وتعاظم وتقدس أن
يوصف أخس خلقه بصفاته.
ومنها قوله تعالى:] إنِ الحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الحَقَّ وهُوَ خَيْرُ الفَاصِلِينَ [،
فهل فيهم من يستحق أن يوصف بأنه يقص الحق، وأنه خير الفاصلين؟
ومنها قوله تعالى:] قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَاماً
وحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ [] يونس: ٥٩ [، فهل في أولئك
المذكورين من يستحق أن يوصف بأنه هو الذي ينزل الرزق للخلائق، وأنه لا
يمكن أن يكون تحليل ولا تحريم إلا بإذنه، لأن من الضروري أن من خلق الرزق
وأنزله هو الذي له التصرف فيه بالتحليل والتحريم؟ سبحانه جل وعلا أن يكون له
شريك في التحليل والتحريم «] ١٨ [.
٣ - منزلته من توحيد الاتِّباع:
والمقصود بتوحيد الاتباع تحقيق المتابعة لرسول الله ﷺ
فتوحيد الاتِّباع هو توحيد الرسول بالتحكيم والتسليم والانقياد والإذعان] ١٩ [، وإذا
كان الأمر كذلك فلا شك أن الحكم بما أنزل الله هو توحيد الاتِّباع.
قال الله تعالى:] فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا
يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [] النساء: ٦٥ [.
يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية:» يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه
لا يؤمن أحد حتى يُحَكِّم الرسول ﷺ في جميع الأمور، فما حكم
به فهو الحق الذي يجب الانقياد له ظاهراً وباطناً «] ٢٠ [.
ويقول ابن القيم عن هذه الآية:» أقسم سبحانه بنفسه المقدسة قسماً مؤكداً
بالنفي قبله على عدم إيمان الخلق حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم من
الأصول والفروع، وأحكام الشرع وأحكام المعاد، ولم يثبت لهم الإيمان بمجرد هذا
التحكيم حتى ينتفي عنهم الحرج وهو ضيق الصدر، وتنشرح صدورهم لحكمه كل
الانشراح، وتقبله كل القبول، ولم يثبت لهم الإيمان بذلك أيضاً حتى ينضاف إليه
مقابلة حكمه بالرضى والتسليم وعدم المنازعة وانتفاء المعارضة
والاعتراض.. «] ٢١ [.
كما أن الحكم بما أنزل الله هو تحقيق للرضى بمحمد ﷺ
رسولاً ونبياً، ولذا يقول ابن القيم:» وأما الرضى بنبيه رسولاً: فيتضمن كمال
الانقياد له، والتسليم المطلق إليه، بحيث يكون أولى به من نفسه، فلا يتلقى الهدى
إلا من مواقع كلماته ولا يحاكم إلا إليه، ولا يحكم عليه غيره، ولا يرضى بحكم
غيره البتة، لا في شيء من أسماء الرب وصفاته وأفعاله، ولا في شيء من أذواق
حقائق الإيمان ومقاماته، ولا في شيء من أحكام ظاهره وباطنه، ولا يرضى في
ذلك بحكم غيره، ولا يرضى إلا بحكمه «] ٢٢ [.
بل إن الحكم بما أنزل الله تعالى هو معنى شهادة أن محمداً رسول الله، وكما
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب:» ومعنى شهادة أن محمداً رسول الله طاعته فيما
أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى وزجر، وأن لا يعبد إلا بما
شرع «] ٢٣ [.
ولذا يقرر الشيخ محمد بن إبراهيم أن تحكيم شرع الله تعالى وحده هو معنى
شهادة أن محمداً رسول الله بقوله:» وتحكيم الشرع وحده دون كل ما سواه شقيق
عبادة الله وحده دون ما سواه، إذ مضمون الشهادتين أن يكون الله هو المعبود وحده
لا شريك له، وأن يكون رسول الله ﷺ هو المتبّع المحكّم ما
جاء به فقط، ولا جردت سيوف الجهاد إلا من أجل ذلك والقيام به فعلاً وتركاً
وتحكيماً عند النزاع «] ٢٤ [.
٤- منزلته من الإيمان:
يقول الله تعالى:] يا أيها الذين امنوا يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا
الرَّسُولَ وأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ والرَّسُولِ إن كُنتُمْ
تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأَحْسَنُ تَأْوِيلاً [] النساء: ٥٩ [.
من خلال هذه الآيات الكريمات ندرك منزلة تحكيم شرع الله تعالى من الإيمان، فلقد عدّ الشارع هذا التحكيم إيماناً كما قال تعالى:] فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى
يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [
] النساء: ٦٥ [.
يقول ابن حزم:» فسمى الله تعالى تحكيم النبي ﷺ إيماناً، وأخبر الله تعالى أنه لا إيمان إلا ذلك، مع أنه لا يوجد في الصدر حرج مما قضى، فصح يقيناً أن الإيمان عمل وعقد وقول؛ لأن التحكيم عمل، ولا يكون إلا مع
القول، ومع عدم الحرج في الصدر وهو عقد «] ٢٥ [.
ويقول ابن تيمية:» فكل من خرج عن سنة رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- وشريعته، فقد أقسم الله بنفسه المقدسة، أنه لا يؤمن حتى يرضى بحكم
رسول الله في جميع ما شجر بينهم من أمور الدين أو الدنيا، وحتى لا يبقى في
قلوبهم حرج من حكمه «] ٢٦ [.
وتحكيم شرع الله ورد النزاع إلى نصوص الوحيين شرط في الإيمان، كما
قال الله تعالى:] فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ والرَّسُولِ إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ
بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأَحْسَنُ تَأْوِيلاً [] النساء: ٥٩ [.
ولذا يقول ابن القيم:» إن قوله] فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ.. [نكرة في
سياق الشرط تعم كل ما تنازع فيه المؤمنون من مسائل الدين: دِقِّه وجُلِّه، جليه
وخفيه، ولو لم يكن في كتاب الله ورسوله وبيان حكم ما تنازعوا فيه، ولم يكن
كافياً لم يأمر بالرد إليه، إذ من الممتنع أن يأمر تعالى بالرد عند النزاع إلى من لا
يوجد عنده فصل النزاع. ومنها أن جعل هذا الرد من موجبات الإيمان ولوازمه،
فإذا انتفى هذا الرد انتفى الإيمان، ضرورة انتفاء الملزوم لانتفاء لازمه، ولا سميا
التلازم بين هذين الأمرين فإنه من الطرفين، وكل منهما ينتفي بانتفاء الآخر، ثم
أخبرهم أن هذا الرد خير لهم، وأن عاقبته أحسن عاقبة «] ٢٧ [.
ويقول ابن كثير:» فما حكم به كتاب الله وسنة رسوله، وشهد له بالصحة
فهو الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال، ولهذا قال تعالى:] إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
والْيَوْمِ الآخِرِ [أي ردوا الخصومات والجهالات إلى كتاب الله وسنة رسوله
فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم، فدل على أن من لم يتحاكم في محل النزاع إلى
الكتاب والسنة ولا يرجع إليهما في ذلك، فليس مؤمناً بالله ولا باليوم الآخر «] ٢٨ [.
وإذا كان التحاكم إلى شرع الله تعالى شرطاً في الإيمان، فإن التحاكم إلى غير
هذا الشرع - وهو حكم الطاغوت والجاهلية.. - ينافي الإيمان، وهو من علامات
النفاق، وقد سبق أن أوردنا كلام محمد رشيد رضا حيث يقول عند قوله تعالى:
] أَلَمْ تَرَ إلَى الَذِينَ يَزْعُمُونَ ... [] النساء: ٦٠ [:» والآية ناطقة بأن من صد وأعرض عن حكم الله ورسوله عمداً، ولا سيما بعد دعوته إليه وتذكيره به، فإنه يكون منافقاً لا يعتد بما زعمه من الإيمان، وما يدعيه من الإسلام «] ٢٩ [. ويقول الشيخ السعدي في هذا الصدد:» الرد إلى الكتاب والسنة شرط في الإيمان. فدل ذلك على أن من لم يرد إليهما مسائل النزاع فليس بمؤمن حقيقة، بل مؤمن بالطاغوت كما جاء في الآية:] أَلَمْ تَرَ إلَى الَذِينَ يَزْعُمُونَ ... [الآية، فإن الإيمان يقتضي الانقياد لشرع الله وتحكيمه، في كل أمر من الأمور، فمن زعم أنه مؤمن، واختار حكم الطاغوت على حكم الله، فهو كاذب في ذلك.. «] ٣٠ [.
ومما كتبه الشيخ محمد بن إبراهيم في هذا المقام قوله:
» إن قوله تعالى (يزعمون) تكذيب لهم فيما ادعوه من الإيمان، فإنه لا
يجتمع التحاكم إلى غير ما جاء به النبي ﷺ مع الإيمان في قلب
عبد أصلاً، بل أحدهما ينافي الآخر، والطاغوت مشتق من الطغيان وهو مجاوزة
الحد، فكل من حكم بغير ما جاء به الرسول ﷺ فقد حكم
بالطاغوت وحاكم إليه «] ٣١ [.
إضافة إلى ذلك فإن الإيمان قول وعمل، فهو يتضمن تصديقاً وانقياداً، فكما
يجب على الخلق أن يصدقوا الرسل ﵈ فيما أخبروا، فعليهم أن يطيعوهم
فيما أمروا كما قال تعالى:] ومَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ بِإذْنِ اللَّهِ [
] النساء: ٦٤ [.
ولذا يقول محمد بن نصر المروزي في تعريف الإيمان:» الإيمان بالله: أن
توحده، وتصدق به بالقلب واللسان، وتخضع له، ولأمره، بإعطاء العزم للأداء
لما أمره، مجانباً للاستنكاف، والاستكبار، والمعاندة، فإذا فعلت ذلك لزمت محابه، واجتنبت مساخطه.
- إلى أن قال: وإيمانك بمحمد ﷺ إقرارك به،
وتصديقك إياه، واتباعك ما جاء به، فإذا اتبعت ما جاء به، أديتَ الفرائض،
وأحللتَ الحلال، وحرّمت الحرام، ووقفت عند الشبهات، وسارعت في
الخيرات «] ٣٢ [.
ولا شك أن تحكيم الشريعة انقياد وخضوع لدين الله تعالى، وإذا كان كذلك
فإن عدم تحكيم هذه الشريعة كفر إباء ورد امتناع، وإن كان مصدقاً بها، فالكفر لا
يختص بالتكذيب فحسب كما زعمت المرجئة، يقول ابن تيمية:» فمن الممتنع أن
يكون الرجل مؤمناً إيماناً ثابتاً في قلبه، بأن الله فرض عليه الصلاة والزكاة،
والصيام، والحج، ويعيش دهره لا يسجد لله سجدة، ولا يصوم من رمضان، ولا
يؤدي لله زكاة، ولا يحج إلى بيته، فهذا ممتنع، ولا يصدر هذا إلا مع نفاق في
القلب وزندقة، لا مع إيمان صحيح، ولهذا إنما يصف سبحانه بالامتناع من السجود
الكفار، كقوله تعالى:] يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ ويُدْعَوْنَ إلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ
(٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إلَى السُّجُودِ وهُمْ سَالِمُونَ [
] القلم: ٤٢-٤٣ [] ٣٣ [. ويقول ابن عبد البر: «قد أجمع العلماء أن من دفع شيئاً
أنزله الله وهو مع ذلك مقر بما أنزل الله أنه كافر» ] ٣٤ [.
وفي ختام هذا المقال نشير إلى أن تحكيم الشريعة استجابة لله تعالى،
ولرسوله ﷺ ، ففيه الحياة والصلاح والخير، كما قال تعالى:
] يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [] الأنفال: ٢٤ [.
يقول الشيخ السعدي: «قوله] إذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [وصف ملازم، لكل
ما دعا الله ورسوله إليه، وبيان لفائدته وحكمته، فإن حياة القلوب والروح،
بعبودية الله تعالى، ولزوم طاعته، وطاعة رسوله، على الدوام» ] ٣٥ [..
وإن رفض هذه الشريعة وعدم الاستجابة لها اتباع للهوى، فهو ضلال شنيع
في الدنيا، وعذاب شديد في الأخرى، ويقول تعالى:] فَإن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ
أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ومَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ [
] القصص: ٥٠ [، ويقول سبحانه:] يَا دَاوُودُ إنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ ولا تَتَّبِعِ الهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إنَّ الَذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ [] ص: ٢٦ [.
ويقول :] وَمَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً
فِيهَا ولَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ [] النساء: ١٤ [، يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: «أي
لكونه غيّر ما حكم الله به، وضادّ الله في حكمه، وهذا إنما يصدر عن عدم الرضا
بما قسم الله وحكم به، ولهذا يجازيه بالإهانة في العذاب الأليم المقيم» ] ٣٦ [.
ولقد جاءت نصوص الوحيين محذِّرة من التحاكم إلى غير ما أنزل الله تعالى:
فقال سبحانه:] وأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ولا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ واحْذَرْهُمْ أَن
يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ فَإن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم
بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وإنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ [] المائدة: ٤٩ [.
يقول إسماعيل إبراهيم الأزهري: «فأمر الله نبيه -صلى الله عليه
وسلم- بالحكم بين أهل الكتاب بما أنزل الله فيه، ونهاه عن اتباع أهوائهم لما فيه
من مخالفة المنزل إليه وحذره أن يفتنوه فيحولوا بينه وبين بعض ما أنزل عليه،
وأعلمه أنهم إن تولوا عن الحكم الذي أنزله الله إليه فإنما يريد أن يصيبهم ويبتليهم
بسبب بعض ذنوبهم. فعلم منه أن التولي عن حكم الله وحكم رسوله إلى حكم
الأهواء سبب لإصابة الله بالمصائب» ] ٣٧ [.
ويحكي ابن القيم شيئاً من عواقب تنحية حكم الله تعالى فقال:
«لما أعرض الناس عن تحكيم الكتاب والسنة والمحاكمة إليها، واعتقدوا
عدم الاكتفاء بهما، وعدلوا إلى الآراء والقياس والاستحسان، وأقوال الشيوخ،
عرض لهم من ذلك فساد في فطرهم وظلمة في قلوبهم، وكدر في أفهامهم، ومحق
في عقولهم، وعمتهم هذه الأمور وغلبت عليهم حتى رُبي فيها الصغير، وهرم
عليها الكبير..» ] ٣٨ [.
وفي الحديث عنه ﷺ أنه قال: «يا معشر المهاجرين:
خصال خمس إن ابتليتم بهن، ونزلن بكم - وذكر منها: وما لم تحكم أئمتهم بكتاب
الله إلا جعل بأسهم بينهم» ] ٣٩ [، وفي رواية «وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا
فشا فيهم الفقر» ] ٤٠ [.
وفي هذا يقول ابن تيمية: «وإذا خرج ولاة الأمر عن هذا] حكم الكتاب
والسنة [فقد حكموا بغير ما أنزل الله، ووقع بأسهم بينهم، قال -صلى الله عليه
وسلم-:» ما حكم قوم بغير ما أنزل الله إلا وقع بأسهم بينهم «. وهذا من أعظم
أسباب تغيير الدول كما قد جرى مثل هذا مرة بعد مرة في زماننا وغير زماننا،
ومن أراد الله سعادته جعله يعتبر بما أصاب غيره فيسلك مسلك من أيّده الله ونصره، ويجتنب مسلك من خذله الله وأهانه» ] ٤١ [.
وصدق الله تعالى ورسوله ﷺ ، فإن الناظر إلى واقع بلاد
المسلمين - الآن - يرى ما وقع في تلك البلاد من المصائب، وأنواع الفرقة
والعداوة بينهم، وكذا التقاتل والتناحر، كما ظهر الفقر والتدهور الاقتصادي، مع
أن في بلاد المسلمين - كما هو معلوم - أعظم الثروات وبمختلف الأنواع، وأعظم
سبب في ذلك هو تنحية شرع الله والتحاكم إلى الطاغوت والله المستعان.
стр. 1295
دعوة
الأطباء والدعوة الإسلامية
د. حسن علي الزهراني
لا شك أن العاقل البصير - أيا كان تخصصه أو موقعه - يعلم بأن العمر
قصير، والأنفاس معدودة، والموت قد يأتي بغتة، والأطباء - بصفة خاصة -
أكثر الناس معايشة لهذه المفاهيم، لأنهم يحسون بها كل يوم، بل في اليوم أكثر من
مرة أحياناً.. يشاهدون لحظات الموت حية أمام نواظرهم.. يتابعون الاحتضار
لحظة بلحظة.. كما أنهم يعايشون أحاسيس أهل المريض عند موته، لذا كان من
الطبيعي أن يكونوا أكثر معرفة بالله وخوفاً منه، إن قورنوا بعامة الناس، ولكن -
للأسف الشديد - فإن القليل منهم في هذا الزمان يعي أهمية دوره كطبيب في الدعوة
إلى الله. وهذه العجالة ليس القصد منها تنبيه أولئك الغافلين الذين يحتاجون إلى
النصح والوعظ المدروس الذي قد يستنفد جهداً كبيراً؛ ولكنها موجهة إلى أصحاب
الوجوه النيرة، ممن أحبوا الله ورسوله، فظهر ذلك على مظهرهم وسمتهم،
رسالتي إليهم تتلخص في مجموعة أسئلة وملاحظات أحب منهم أن يقفوا عندها
بتجرد وإخلاص، ويراجعوا أنفسهم، لعل الله يحقق لنا ما نصبو إليه من عز الدنيا
وثواب الآخرة، خاصة وأنهم يقضون أكثر من ٧٠% من وقتهم داخل أروقة
المستشفيات.
ماذا قدم الطبيب لنفسه ...
وأقصد بهذا دعوة الطبيب نفسه. ونفوس الأطباء من أيسر النفوس لتقبل
الدعوة، كما هو مشاهد في كليات الطب من كثرة الصالحين عند مقارنته على سبيل
المثال بكليات أخرى مثل الآداب أو الاقتصاد أو غيرها، فالطب وعلومه يدعو إلى
التأمل في خلق الإنسان: مرضه وصحته، حياته موته.. كما أنهم - أي الأطباء -
أعلم الناس بقدرة الله على تحريك أي خلية تسبب مرضاً سرطانياً، أو انقباضاً
شريانياً يودي بحياة الإنسان، أو فيروساً يضع المريض في موقف القائل:
وحسب المنايا أن يكن أمانيا ... كفى بك داءً أن ترى الموت شافياً
ومع ذلك لا بد من تذكيرهم بالأمور التالية:
١- الإخلاص وابتغاء ما عند الله:
ففتن الطب كثيرة.. من مركز، وجاه، وعجب، وطلب الثناء من الناس،
لا يعصم من ذلك كله إلا مراقبة الله، وطلب ما عنده من الثواب [والآخِرَةُ خَيْرٌ
وأَبْقَى] .
٢- الزهد في الدنيا بمفهومه الصحيح:
وهو أن يستوي عند الطبيب بقاؤه في منصبه أو وظيفته وعدمه إن تعارضت
مع طاعة الله.
٣- المحافظة على الفرائض:
وهي أقل الزاد وأعظمه، لقول النبي ﷺ في الحديث
القدسي: «وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه» ، ولا يعذر
الإنسان في التقصير في تلك الفرائض مهما كانت انشغالاته.
٤ - المحافظة على النوافل والأذكار وقراءة القرآن، وكل ما يبعث في النفس الحماس والنشاط للعبادة، وكل إنسان أدرى بنفسه.
٥- استشعار نعمة الله وواجب شكرها:
وبالذات فيما يتعلق بنعمة الصحة خاصة عندما يشاهد الطبيب الأمراض
الفتاكة والحالات المستعصية كقول: «الحمد لله للذي عافاني مما ابتلاك به،
وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلاً» أو كما قال ﷺ .
دعوة الطبيب لزملائه:
وهي من أوجب الواجبات لقول النبي: «الدين النصيحة» وهم أولى الناس
بها لأنهم زملاء العمل ورفاق المهنة، يعيش الإنسان بينهم أكثر مما يعيش مع أهله
أو أقاربه، ومن الغريب أن تجد بعض الصالحين من الأطباء شعلة من النشاط مع
عامة الناس خارج المستشفى وفي ذات الوقت ليس عندهم ما يقدمونه داخل ...
المستشفى، فتظهر الازدواجية بكل معانيها وما يترتب عليها من سلبيات.
كما أن في دعوة هؤلاء الزملاء إقامة للحجة، كما قال الله : [وإذْ
قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُوا مَعْذِرَةً إلَى
رَبِّكُمْ ولَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ] .
ولا شك أن في التعاون على البر والتقوى مع هؤلاء الزملاء خيراً كبيراً في
نشر المعروف وإزالة المنكرات التي تعج بها المستشفيات.
والسؤال الذي يطرح نفسه.. كيف يتم ذلك؟
من الواجب أن يخصص الطبيب المسلم لهؤلاء وقتاً يجلس لهم فيه، يراعي
فيه أن يكون مناسباً للجميع، ولا يتعارض مع وقت العمل، حتى لا يكون هناك
تضييع لحق المرضى، وكلمة - يخصص - فيها من الجدية الشيء الكثير.
- السعي في حاجاتهم الدنيوية:
من مساعدة في العمل، وبالذات ما يتعلق بالمناوبات وحل للمشاكل، وعطف
ومشاركة في الهموم وقد قيل:
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم ... فطالما استعبد الإنسانَ إحسانُ.
- القدوة الحسنة في أمور الدنيا والدين.
- الزيارة المنزلية لما فيها من التحبب ورفع الكلفة.
- الهدايا الحسية مثل: الأشرطة والكتيبات بل قد تكون كتباً طبية أو حتى
قلماً إلخ..
- الهدايا المعنوية: من ذكرهم بالخير، والإشادة بالمبرزين في حقول
اختصاصهم بالحق.
- الاحترام، الابتعاد عن التفاهات، الترفع عن التكالب على أمور المعاش،
الابتعاد عن تصيد الأخطاء.. هذه وغيرها أمور ينبغي أن يتحلى بها الداعية عند
دعوته لزملائه.
دعوة المرضى:
وقد وظف المنصرون هذا الأمر لنشر دينهم الفاسد خير توظيف، ولا شك
بأننا أولى بهذا منهم فليس عجائز بريطانيا مثل: تيريزا وغيرها من الآلاف الذين
يجوبون أصقاع المعمورة بخير من حملة التوحيد من الأطباء المسلمين، وهنا أركز
على النقاط التالية:
- احتساب الأجر عند الله وحده عند علاجهم لقول الله تعالى: [ومَنْ أَحْيَاهَا
فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً] وقوله ﷺ : «من فرج عن مؤمن
كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة» .
- الصبر عليهم عند علاجهم: وبالذات على كبار السن توقيراً لهم، وعلى
الأطفال رحمة بهم، وعلى الملهوفين في الحالات الطارئة، لقوله -صلى الله عليه
وسلم-: «في كل ذات كبد رطبة أجر» .
- طلب الدعاء منهم: وبالذات من الضعفاء منهم الذين لا يملكون إلا الدعاء،
وقد يكون فيهم من لو أقسم على الله لأبره.
- نصحهم: وبالذات في قضايا العقيدة من رقى وتمائم وأحجبة وغيرها،
والمريض يكون عادة في حالة من الضعف يتقبل فيها ما يشير عليه الطبيب، ثم
حضهم على الصلاة والحجاب وغير ذلك.
- تذكيرهم بالله، وذلك عن طريق رد النتائج إلى الله ، وأن الطبيب
ما هو إلا أحد الأسباب التي تجري عليها أقدار الله.
- السؤال عن أحوالهم في البيت وعن أولادهم أو آبائهم، والتلطف معهم مما
يؤدي إلى تكوين علاقة شخصية ودية ليس فيها طابع الرسمية، بشرط البعد عن
المبالغة في رفع الكلفة، الأمر الذي قد يؤدي إلى الابتذال المذموم.
- إعداد بعض الأشرطة أو الكتيبات وإهدائها إلى هؤلاء المرضى.
دعوة أقارب المريض:
وينطبق عليهم ما ذكر آنفاً، إضافة إلى وجوب حرص الطبيب على الجلوس
معهم ومقابلتهم لشرح حالة المريض لهم، وبالتالي التأثير عليهم من خلال
مناصحتهم.
دعوة العاملين في المستشفى:
والمقصود غير الأطباء من ممرضين وفنيين وإداريين وسائقين وغيرهم،
وهناك أمور منها:
* مراعاة التركيز على كل الطبقات، فلا ينبغي استصغار أحد لجنسه أو
وظيفته أو غير ذلك.
* الاهتمام برؤساء الأقسام ممن فيهم سيما الصلاح، لأنهم أهل الحل والربط، وقد ينفع الله بهم من خلال تعميم لا يكلف بضع دقائق مما يوفر الجهد والوقت.
* الاهتمام بغير المسلمين بدعوتهم وتقديم الكتب والأشرطة إليهم، ومعاملتهم
معاملة تقربهم إلى الإسلام، ولا تنفرهم منه بضوابطها الشرعية، وقد أثمرت هذه
الجهود في كثير من المستشفيات، ورأينا أن الكثير من هؤلاء العاملين قد دخلوا في
الدين الله أفواجاً، ويكفي قول النبي ﷺ : «لأن يهدي الله بك
رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم» .
* الحذر عند التعامل مع النساء - من المبالغة في التحادث بحجة الدعوة أو
حتى العمل الطبي، مما قد يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه من معاصٍ وفتن أو سوء فهم.
دعوة الإدارة:
وهم كما قال ﷺ : «إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع
بالقرآن» وبيدهم - بعد الله - الإصلاح أو التسبب في الفساد العريض، لذا كان
من الواجب الاهتمام بدعوتهم من خلال الكتابة لهم ونصحهم مع استخدام أسلوب
مناسب مع المترددين منهم، وينبغي أن يشارك في هذا الأمر كل غيور على دينه
حريص على دنياه وآخرته، مع استخدام أسلوب التخويف بالله والترغيب فيما عنده، أما الصالحون من الإداريين فينبغي التحبب إليهم ومساعدتهم والوقوف بجانبهم
ودعمهم معنوياً.
وأخيراً هناك ملاحظات عامة ينبغي ذكرها لعموم البلوى بها منها:
عدم ترتيب الأولويات في الدعوة، فمثلاً قد يبدأ الطبيب بِحَثِّ المريض على
عدم التدخين على الرغم من مقارفة المريض لشركيات وكبائر ينبغي البدء بها أولاً.
سوء الخلق عند بعض الأطباء، فمهما كانت المبررات ليتذكر المرء قوله -
ﷺ : «وتبسمك في وجه أخيك صدقة» .
التحاسد في أمور الدنيا، وأمره شنيع إن كان بين الأخوة المتحابين في الله.
عدم مشاورة الأخيار من الأطباء، اتباعاً لشهوة أو كبراً أو غروراً، مع أن
الله أمر نبيه ﷺ بالشورى فقال: [وشَاوِرْهُمْ فِي
الأَمْرِ] ، مما يؤدي إلى بعض الاجتهادات الخاطئة التي قد تفسد ما بناه الآخرون.
ضعف العلم الشرعي بصفة عامة، وبالذات ما يتعلق بمجال الطب، والحل
هو التزود من العلم بسؤال العلماء ومراجعة أهل الخبرة من الصالحين خاصة في
بدء حياته العلمية.
ظاهرة الاستغراق في العمل: فيصحو الإنسان وينام وهو يفكر في دنياه،
وينسى أن الله قد خلقه لغير هذا، حتى ينحصر اهتمام الشخص بين البيت
والمستشفى وما تبقى ففي المسجد.
المبالغة في تقدير مصلحة الدعوة: مما يؤدي إلى السكوت عن المنكرات، بل
استمرائها، ومن ثم الانحراف والنكوص على الأعقاب لا سمح الله. وختاماً.. هذا
غيض من فيض، لكن؛ ليتذكر كل طبيب أن الله قد خلقه لعبادته، وأن الحياة
ليست عبثاً ولا معطفاً أبيض وسماعة فحسب؛ بل هي جهاد واحتساب حتى يأتي
الله بأمره، وأن الأمة تنتظر منه أن يحمل هم الدين عنها - في مجاله على الأقل -
في عصر اجتمعت فيه أمم الكفر على ضرب الإسلام عن قوس واحدة، ولا ينسى
أنه قد قطع من العهود والمواثيق بينه وبين الله أثناء دراسته على مقاعد الكلية أن
يقوم بأداء مهمته خير قيام حال تخرجه، قال تعالى: [ومِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ
آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ
وتَوَلَّوْا وهُم مُّعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا
وعَدُوهُ وبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ] [التوبة٧٥-٧٧] نعوذ بالله من سخطه وأليم عقابه.
стр. 1296
فكر
حوار في الديمقراطية
جمال سلطان
نشر الأستاذ فهمي هويدي في منبره الأسبوعي بجريدة الأهرام المصرية فتوى
مثيرة للشيخ القرضاوي حول مسألة (الديمقراطية) ، أراد منها الشيخ القرضاوي -
وفقه الله وإيانا - أن يكشف للإسلاميين عن حقيقة الموقف الإسلامي الشرعي من
(الديمقراطية) أو كما يعبر الأستاذ فهمي هويدي بقوله: (إن الشيخ القرضاوي أراد
أن يحسم في فتوى مفصلة تلك العلاقة المتوترة بين بعض الإسلاميين والديمقراطية، وأن يؤصل من منطق شرعي موقف الإسلام من مختلف القيم التي تقوم عليها
الديمقراطية) .
القضية على جانب كبير من الأهمية، وعندما يدلي فيها بدلوه فقيه في موقع
يوسف القرضاوي، فإن الأمر يزداد خطورة وأهمية، وإذا أضفت إلى ذلك المنبر
أن الذي نشرت من خلاله الفتوى يظفر بقراءة ما لا يقل عن مليون ناطق بالعربية؛
فإن الخطر - ولا شك - يتعاظم، ويفرض نفسه على كل صاحب قلم وحامل فكر.
والفتوى - في صورتها التي نشرت بها - غير ذات موضوع أصلاً، وشبه
معدومة القيمة، وحسبك أن تكون أمام كلام لا تستطيع أن تقول عنه إنه صواب،
ولا تستطيع أن تقول إنه خطأ، وإنما ثمة التباس غريب، وحقائق موضوعية
وتاريخية غابت عن الشيخ أدت إلى خلل في حديثه، يستدعي مني وقفة غير
قصيرة أناقش فيها (حيثيات) الفتوى، مطمئناً إلى سعة صدر صاحبها، لما نعلمه
عنه من حرصه على استبانة الحق حيثما كان، وهمه المخلص -إن شاء الله-
بالقضايا الكبرى التي تشغل الشباب المسلم في هذا العصر
سؤال الفتوى -كما أثبته الأستاذ فهمي- هو: هل الديمقراطية كفر حقاً؟
فافتتح الشيخ حديثه بالقول: (إن جوهر الديمقراطية أن يختار الناس من
يحكمهم ويسوس أمرهم، وألا يفرض عليهم حاكم يكرهونه، أو نظام يكرهونه،
وأن يكون لهم حق محاسبة الحاكم إذا أخطأ، وحق عزله إذا انحرف، وألا يساق
الناس إلى اتجاهات أو مناهج اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية أو سياسية لا يعرفونها، ولا يرضون عنها. هذا هو جوهر الديمقراطية) .
ثم يضيف الشيخ معقباً: (الواقع أن الذي يتأمل جوهر الديمقراطية يجد أنه
من صميم الإسلام) وهذا المدخل هو الخطأ الأول والجوهري، الذي ترتب عليه
خطأ الفتوى برمتها.
لقد قرر الشيخ أن جوهر الديمقراطية هو أن يختار الناس من يحكمهم.. الخ،
وهذا هو ناتج أساسي من نواتج الديمقراطية، أو مظهر بارز من مظاهرها، وإنما
الديمقراطية هي - في جوهرها - رفض (الثيوقراطية) أي سلطة الدين والحكم باسم
الله في الأرض، والميلاد التاريخي للديمقراطية كان نتيجة صراع الدولة ضد
الكنيسة، الحكم المدني ضد الحكم الديني، الحكم باسم الشعب والبشر ضد الحكم
باسم الله والدين، وبوجه آخر نقول: إن الديمقراطية هي وجه العملة الآخر
للعلمانية، وكان من مترتبات ذلك أن ترفع وصاية أي بشر مهما كان جبروته
وسلطانه، عن كاهل الشعب، لأننا إذا رفعنا وصاية الدين والإله، من أجل الشعب، فكل وصاية دونها على الشعوب تكون مرفوضة بطريقة الحتم والمنطق، ومن هنا
تولدت الوسائل والنظم التي تحكم إرادة الشعوب لمجتمعاتها بحيث. تحول دون
ظهور القهر والتسلط والاستبداد أو بأي وجه يكون، وذلك بعد أن حققت (الدولة
المدنية) بمفكريها ورجالاتها النصر النهائي على الكنيسة ورجال الدين، وانتزعت
السيادة منهم على النحو الذي يعرفه ببساطة أي دارس للتاريخ الأوربي الحديث.
وكان من مترتبات هذا النصر النهائي للحركة الديمقراطية، أن نزعت صفة
القداسة عن أي وضع وأية قضية وأي معنى، ما لم يقرر الشعب أنه مقدس،
والحرام هو ما غلب رأي الناس أنه حرام، والحلال هو ما غلب رأي الناس أنه
حلال، بغض النظر عن أي مرجعية أخرى، دينية أو غيرها، لأنه إذا قررت أن
ثمة مرجعية تشريعية هي فوق البشر أو قبل رأي الشعب، فأنت بذلك قد نقضت
أصل الديمقراطية، لأنك إذا قلت مثلاً: إن هذا الأمر لا يجوز للناس العمل به
بنص القرآن، فأنت بذلك جعلت الحكم لله، وليس للشعب، وطالما سحب الحكم
والتشريع من الشعب، فقد انتهت القصة (الديمقراطية) .
هذه هي قصة الديمقراطية - باختصار - وهذا هو جوهرها، الذي يعلمه علم
اليقين الأستاذ فهمي هويدي وتياره الفكري، فهل يا ترى نستطيع أن نقول مع
الشيخ: (إن الذي يتأمل جوهر الديمقراطية يجد أنه من صميم الإسلام؟ !) ، أو
أن نقول معه أيضاً: (إن الإسلام قد سبق الديمقراطية بتقرير القواعد التي يقوم
عليها جوهرها، ولكنه ترك التفصيلات لاجتهاد المسلمين وفق أصول دينهم،
ومصالح دنياهم، وتطور حياتهم) الواضح تماماً من فتوى الشيخ، أنه تصور
الديمقراطية على صورة معينة يأملها ويتمناها ثم أصدر فتواه مفصلة على هذا
(الخيال) الذي داعب أمانيه، لا على الحقيقة التاريخية والموضوعية التي صاغت
مصطلح (الديمقراطية) في الفكر الإنساني الحديث.
ولعله من أبين ما يدلك على ذلك، قول الشيخ في فتواه: (وقول القائل إن
الديمقراطية تعني حكم الشعب بالشعب، ويلزم منها رفض المبدأ القائل إن الحاكمية
لله، قول غير مسلم فليس يلزم من المناداة بالديمقراطية رفض حاكمية الله للبشر
فأكثر الذين ينادون بالديمقراطية لا يخطر هكذا ببالهم، وإنما الذي يعنونه
ويحرصون عليه هو رفض الديكتاتورية المتسلطة، رفض حكم المستبدين بأمر
الشعوب، من سلاطين الجور والجبروت) ا. هـ.
وأنا - في الحقيقة - لم أستوعب قول الشيخ إن (الذين ينادون بالديمقراطية لا
يخطر هذا ببالهم، وإنما الذي يعنونه ويحرصون عليه هو ... ) هل أجرى الشيخ
إحصاءاً أنتج له هذه الحقيقة؟ وإذا قال مخالفه: (إن أكثر الذين ينادون بالديمقراطية
هذا ما يدور ببالهم) ما الذي يرجح قول أحدهم على صاحبه؟
إن الفتوى الشرعية تحتاج إلى ضبط في الكلام بصورة أكثر دقة وإحكاماً من
مثل هذه العبارات العاطفية الفضفاضة، وإني لأعذر الشيخ في حماسته هذه في
الدفاع عن قيم العدل والحرية وحفظ حقوق الإنسان وكرامته، فمثله ومثلي، يعرف
كم هي قاسية سياط الجلادين، وكم هي موحشة سجون المستبدين، بيد أن حديث
العدالة والحرية وحقوق الإنسان شيء، وضبط مصطلح فكري سياسي لإجراء حكم
شرعي عليه شيء آخر، كما أن الواقع يبقى دائماً ما كان لا ما ينبغي في تقديري
أن يكون، ولنتأمل قول الشيخ: (والمسلم الذي يدعو إلى الديمقراطية إنما يدعو
إليها باعتبارها شكلاً للحكم، يجسد مبادئ الإسلام السياسي في اختيار الحاكم،
وإقرار الشورى والنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومقاومة الجور،
ورفض المعصية، وخصوصاً إذا وصلت إلى كفر بواح، فيه من الله برهان) اهـ.
وأنا هنا أوافق الشيخ تماماً على ما حدده من منهج للحكم الإسلامي، ولكن ما
الذي يدعوك - يا سيدي - لكي تضع خاتم الديمقراطية على هذا الحديث وذاك
المنهج؟ ! ما هي بالضبط القداسة التي يحملها مصطلح غربي التكوين والنشأة
والتاريخ والصراع والدلالة، لكي تستميت في الدفاع عنه وتحسين صورته أمام
المسلمين، بالقدر الذي يذكرنا بالهوس الذي طاف بعقول بعض المسلمين في
الخمسينات والستينات حول مصطلح (الاشتراكية) حتى جعلوها والإسلام وجهين
لعملة واحدة! وها هي التجربة تعود مرة أخرى مع مصطلح (الديمقراطية) .
إن الديمقراطية ليست ما تفصله أنت على مقاسك، أو يفصله غيرك،
الديمقراطية منهج كامل لصياغة البناء الاجتماعي، إما أن تقبله وإما أن ترفضه
وتبحث لك عن منهج آخر يولد لك مصطلحات أخرى تناسب عقيدتك ودينك
وتاريخك وإنسانك.
وإذا جاز أن نقبل المصطلح مع إجراء بعض التعديل عليه ليناسب بيئتنا، فما
قولك في مصطلح (الثيوقراطية) ، وهو (الحكم الإلهي) فقط سنستبعد منه احتكار
رجال الدين للحكم باسم وصاية السماء على ما عرفه التاريخ الكنسي الأوربي ويبقى
لنا أنها تعني جعل حكم الله هو المهيمن على البشر والمحدد لشريعة المجتمع، هل
نستطيع أن نقول حينئذ أن جوهر الديمقراطية (حكم الله) هو الإسلام؟ !
إنه بالقدر الذي تقول به: إن الديمقراطية من الإسلام، يصح القول إن
الثيوقراطية من الإسلام! ! أما نحن فنقول: إن الديمقراطية والثيوقراطية كلاهما
مصطلح أوربي النشأة والتكوين والتاريخ والدلالة، ولا يعنينا أمرها كمسلمين لأن
الإسلام لم يعرف حكم طبقة رجال الدين كما لم يعرف يوماً (صكوك الغفران) كما لم
يعرف الصراع بين الدولة المدنية والكنيسة أو بين الدين والدولة إجمالاً لأن الإسلام
كدين وتاريخ وحضارة يختلف عن المسيحية كدين وتاريخ وحضارة، مما يعزز لنا
-بالبديهية المحضة- اختلاف المصطلحات الفكرية والسياسية والمنهجية بين كلا
المنظومتين.
القضية هنا، أن بعض المسلمين يتخيل أن حقوق الإنسان والعدالة والحرية
وحق تداول السلطة ومنع التجبر في الأرض هي أمور حكر على التنظيم
الديمقراطي للمجتمع، بحيث لا يمكن لهم تصور هذه المبادئ تتحقق تحت أي مظلة
أخرى مصطلحية في الإسلام، وهذا خلل خطير، إن هذه الحقوق والمبادئ
الإنسانية مجرد ناتج لميلاد العلمانية/الديمقراطية في المجتمع الأوربي، ولكنها أيضاً
يمكن إنتاجها وحمايتها وفرضها في المجتمعات الأخرى عن غير طريق
العلمانية/الديمقراطية.
ولكن الهيمنة الفكرية الغربية على تيارات الفكر والسياسة في المجتمع
المعاصر، والجبروت الذي تمارسه المركزية الأوربية على عقول ونفوس أبناء
العالم الثالث - ومنهم كثير من المسلمين - لم تدع فرصة للعقل غير الأوربي أن
يفكر بأصالة، أو يتخيل نتاجاً فكرياً ومنهجياً لا يجذب إلى (القطب الأوربي)
ومنهاجه ومصطلحاته، فكانت معظم الجهود (العالمثالثيه) في مجال الأفكار والمناهج
والمصطلحات - ومنه هذه الفتوى - مجرد تذييلات وهوامش على المتن الأوربي،
بيد أننا في الحالة الإسلامية يأبى الضمير الإسلامي إلا أن يسجل تحفظاته الخجلى
على الديمقراطية، ويتجاهل أن هذه التحفظات تعني في الواقع الموضوعي رفض
الديمقراطية ولكننا نصر على الاحتفاظ بالمصطلح والدفاع عنه رغم أننا -
موضوعياً - أبطلناه.
إن حزب الفراشة الإيطالي - حزب المومسات - فرض نفسه على الساحة
الحزبية، ودخلت بعض أعضائه إلى البرلمان الإيطالي لكي يكون (صوت المومس)
كافياً لتشريع أي قانون جديد في المجتمع إذا تساوت الأصوات، الذي لا يريد أن
يعترف به الشيخ القرضاوي أن حزب الفراشة يمارس حق الديمقراطية، وأنك إذا
رفضت وجوده أو رفضت دخوله البرلمان، أو رفضت الاعتداد بأصوات أعضائه، فأنت غير ديمقراطي، وهذا فعل ضد الديمقراطية، هذه حقيقة موضوعية لا حيلة
لك فيها، ولا مهرب لك من الإقرار بها.
صحيح أنك ترفض ذلك وأنا كذلك أرفضه، ولكن معنى ذلك أننا نرفض
الديمقراطية كإطار منهجي للحكم في بلاد الإسلام، ويبقى أن نبحث أنا وأنت عن
مصطلح جديد ومنهج جديد، يربط بين الدين والدنيا، الشريعة والمجتمع، العدالة
والأخلاق، الحرية والقيم، حق الله وحق العباد، وهي كلها جوانب لا صلة
للديمقراطية بها ابتداءاً، ولا يؤرقك يا سيدي أن يرفض الغرب الاعتراف
بمصطلحك الجديد ومنهجك الجديد، فهو يرفض دينك من حيث الأصل [١] ، كما
أن المنطق الذاتي للديمقراطية التي تحكم حياته يلزمه بقبول وضعية التعددية، هذا
إذا أحسنا الظن بالتزامهم أي مبدأ لا سيما العلاقات الدولية.
في فتوى الشيخ يوسف القرضاوي عن الديمقراطية، هناك خلل آخر في
محاولته تحليل مشروعية بعض الجوانب الإجرائية في الممارسة الديمقراطية،
حيث حمل على فهم بعض الإسلاميين لها، وأنا أترك نص الحديث له ثم يكون
تعقيبنا:
يقول الشيخ: ومن الأدلة عند هذا الفريق من الإسلاميين على أن الديمقراطية
مبدأ مستورد، ولا صلة له بالإسلام، أنها تقوم على تحكيم الأكثرية، واعتبارها
صاحب الحق في تنصيب الحكام، وفي تسيير الأمور، وفي ترجيح أحد الأمور
المختلف فيها، فالتصويت في الديمقراطية هو الحكم والمرجع فأي رأي ظفر
بالأغلبية المطلقة أو المقيدة في بعض الأحيان فهو الرأي النافذ وربما كان خطأ أو
باطلاً.
هذا مع أن الإسلام لا يعتد بهذه الوسيلة ولا يرجح الرأي على غيره لموافقة
الأكثرية عليه، بل ينظر إليه في ذاته أهو صواب أم خطأ، فإن كان صواباً نفذ،
وإن لم يكن معه إلا صوت واحد، أو لم يكن معه أحد، وإن كان خطأ رفض، وإن
كان معه (٩٩) من ال (١٠٠) ! !
بل إن نصوص القرآن تدل على أن الأكثرية دائماً في صف الباطل وفي
جانب الطاغوت كما في مثل قوله تعالى: [وإن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ
عَن سَبِيلِ اللَّهِ] [الأنعام: ١١٦] ، [ومَا أَكْثَرُ النَّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ]
[يوسف: ١٠٣] ، وتكرر في القرآن مثل هذه الفواصل القرآنية [ولَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ
لا يَعْلَمُونَ] [الأعراف: ١٨٧] .
ثم يضيف الشيخ معقباً على ذلك بقوله: وهذا الكلام مردود على قائله وهو
قائم على الغلط والمغالطة. فالمفروض أن نتحدث عن الديمقراطية في مجتمع مسلم
أكثره ممن يعلمون ويعقلون ويؤمنون ويشكرون ولسنا نتحدث عن مجتمع الجاحدين
أو الضالين عن سبيل الله.
ثم إن هناك أموراً لا تدخل في مجال التصويت ولا تعرض لأخذ الصوت
عليها، لأنها من الثوابت لا تقبل التغيير إلا إذا تغير المجتمع ذاته ولم يعد مسلماً.
فلا مجال للتصويت في قطعيات الشرع وأساسيات الدين وما علم منه
بالضرورة إنما يكون التصويت في الأمور الاجتهادية التي تحتمل أكثر من رأي،
ومن شأن الناس أن يختلفوا فيها، إذا اختلفت الآراء في هذه القضايا فهل تترك
معلقة أو تحسم؟ هل يكون ترجيح بلا مرجح؟ أم لابد من مرجح؟
إن منطق العقل والشرع والواقع يقول لا بد من مرجح، والمرجح في حالة
الاختلاف هو الكثرة العددية فإن رأي الاثنين أقرب إلى الصواب من رأي الواحد
وفي الحديث: «إن الشيطان مع الواحد وهو مع الاثنين أبعد» ، وقد ثبت أن
النبي ﷺ قال لأبي بكر وعمر: «لو اجتمعتما على مشورة ما
خالفتكما» أ. هـ..
وهذا الكلام يحتاج إلى بعض التفصيل لما فيه من أوهام ومغيبات وبداية أنا
أتعجب من كون الشيخ وضع رأي مخالفيه الذين يرى بطلان قولهم وصدره بأنهم
يرون أن الديمقراطية مبدأ مستورد، ولا صلة له بالإسلام، فهل يرى الشيخ
القرضاوي - يا ترى - أن الديمقراطية مبدأ غير مستورد، وأنه مبدأ أصيل نشأ
وتولد وترعرع في حنايا التاريخ الإسلامي وتحولاته الحضارية والمنهجية والدينية
والسياسية؟ ! فمتى إذا حدث ذلك؟ وفي أي زمن منذ بعثة النبي -صلى الله عليه
وسلم- حتى منتصف القرن التاسع عشر الميلادي؟ ! ومتى استوردت أوربا
الديمقراطية من المسلمين؟ ! وما ملابسات ذلك الحدث التاريخي الفذ والمثير الذي
خفي على العالمين هذه القرون الطويلة؟
أظن إنه ما كان يليق بالشيخ أن يصدر حديثاً بتلك العبارة وذلك أنه أو أي
مسلم آخر لا يستطيع الادعاء بأن الديمقراطية مبدأ غير مستورد من المنظومة
الأوربية، وإنما الخلاف هو في موقف الإسلام منها، هذه واحدة، أما قول الشيخ
في رده (المفروض أن نتحدث عن الديمقراطية في مجتمع الجاحدين أو الضالين عن
سبيل الله) ، فهذا فساد موضوعي ظاهر، فالديمقراطية لا تعني بهوية الإنسان
وإيمانه وكفره، نوعية القيم التي يحملها، فالكل سواء، عالم الدين والبغي والمسلم
والنصراني، أما إذا قلت بأن حق الممارسة الديمقراطية في المجتمع المسلم موقوف
على المسلم المتدين ولا يدخل فيه غير المتدين، أو الشاذ جنسياً أو النصراني أو
اليهودي أو الملحد، فأنت بذلك تتحدث عن نظام آخر، ومنهج آخر، سمه ما شئت، إلا أنه - على وجه القطع - ليس الديمقراطية، وكذلك قول الشيخ (ثم إن هناك
أموراً لا تدخل مجال التصويت ولا تعرض لأخذ الأصوات عليها لأنها من الثوابت
التي لا تقبل التغيير، إلا إذا تغير المجتمع ذاته ولم يعد مسلماً.
والمفارقة التي يستغربها الشيخ هنا أن المجتمع إذا تغير ولم يعد مسلماً أمكن
له أن يكون ديمقراطياً، أما إذا ظل مجتمعاً مسلماً فقطعاً لن يكون ديمقراطياً، لأنه
يملك منظومة أخرى من الثوابت والعقائد والقيم التي يستحيل إخضاعها لرأي البشر.
وهنا نعود إلى أصل الخلل في تصور الشيخ لماهية الديمقراطية وجوهرها،
ففي الديمقراطية الشعب هو المرجع، وهو الحاكم، وهو المشرع، وهو الثابت
الوحيد، فإذا قلت: إن هناك أموراً لا تخضع للتصويت أو لا تدخل في مجال
التصويت، فأنت بذلك غير ديمقراطي قطعاً، وإذا قلت: إن هناك ثوابت فكرية أو
دينية أو خلقية أو اقتصادية أو سياسية لا تقبل التغيير فأنت بذلك غير ديمقراطي،
وكذلك قول الشيخ (فلا مجال للتصويت في قطعيات الشرع) قول غير ديمقراطي،
لأن تقريرك أن هناك شرعاً يحكم فوق إرادة البشر فهذا طعن في صلب الديمقراطية
وجوهرها.
هل اتضحت الصورة الآن أمام الشيخ وهويدي وتياره؟ إنني أوافقهم تماماً
على كل الضوابط والحدود والأطر التي وضعوها لسياسة المجتمع المسلم، ولكن
الخلل الأساسي أنهم يأبون - ولا أدري لماذا - إلا أن يضعوا شعار الديمقراطية
على منهج الله ونظام الإسلام السياسي، هل يظنون أنهم يجملون الإسلام ومنهجه
بوضعهم هذه اللافتة المستوردة عليه؟ إن الإسلام - يا أصحابي - أجمل وأعلى
وأطهر وأعدل من الديمقراطية ومن كل تصور بشري وضع لسياسة المجتمع، لا
أقول ذلك مجرد انتصار للدين، أو حماسة إيمانية مجردة وإنما هي قناعة راسخة
من تجوال البحث والنظر والتأمل في تحولات التاريخ الإنساني القديم والحديث
ومآلات الأوضاع في العالم الإنساني المعاصر.
يا إخواني: إنكم بذلك تثيرون الارتباك والحيرة والتشتت الذهني في عقول
وضمائر شباب الصحوة الإسلامية، الذي تأمل من الأمة تحقيق نهضتها المرتجاة.
لماذا لا تبحثون عن فكرة أصيلة بناءة، تصوغون بها مشروعاً إسلامياً أصيلاً
للنهضة لتنظيم الفعل الاجتماعي الإسلام الجديد؟ هل أصبحت وظيفة الفقيه المسلم
أو المفكر الآن أن ينتظر البضاعة الغربية فكرية أو مادية لكي يضع عليها الشعار
التقليدي: (مذبوح على الطريقة الإسلامية) ؟ .
يا إخواني: ألم يعرف الإسلام نظاماً ومجتمعاً وحضارة ونظريات سياسية
وأنماط إدارية قبل ظهور الديمقراطية؟ ألم يعرف الإسلام ومجتمعه عدلاً ورحمة
وحرية واستنارة وتحضراً وشورى وتعددية فكرية ومذهبية وغير ذلك قبل ظهور
الديمقراطية؟ !
إذا كان الإسلام يعرف ذلك فحدثونا عنه، وأعيدوا صياغته، وطوروا آلياته
ومؤسساته، ودققوا في تنظيماته ووسائل تحقيقه، وولدوا ما تحتاجون إليه من
مصطلحات أصيلة وشعارات مسلمة تعبر عن خصوصية منهج الإسلام في الحكم
بدلاً من هذا التسول الفكري والمذهب الاصطلاحي المزري والمهين عند أعتاب
الفكر الأوربي الحديث.
فضيلة الشيخ يوسف، الديمقراطية والعلمانية وجهان لعملة أوربية واحدة،
ومن قال لك غير ذلك فقد كذبك، وكلاهما مرفوض إسلامياً، ولكن ليس معنى
رفضهما أننا - بالحتم - نرفض بعض النتاجات التي تولدت عنها والتي تتشابه مع
بعض القيم الإسلامية، فحق الأمة في اختيار الحاكم وحق عزله إذا انحرف أو
محاسبته إذا أخطأ، وحرية الرأي وحق الاختلاف، وحفظ كرامة الإنسان وآدميته،
وحق تداول السلطة، واحترام حقوق الأقليات ونحو ذلك كل هذه أركان أصيلة في
منهج الإسلام في الحكم بنص كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ،
ولكنها أركان تقوم على أسس تصورية وعقيدية، وتحكمها ضوابط وأطر منهجية،
تختلف تماماً عن الأسس والضوابط التي تمثلها (الديمقراطية) كمنهجية لسياسة
المجتمع البشري.
يا فضيلة الشيخ، ليس هذا دورك، ولا تلك قضيتك، وإنما هذه تهويمات
أدعياء الاستنارة والمترفين فكرياً، والذين لا يحملون هموم الأمة ونهضتها ولا
يعرفون قدر دينهم ومعنى أنهم يحملون رسالة الإسلام للعالمين.
يا فضيلة الشيخ، لقد سارت فتواك في الناس، واطلع عليها الجمع الغفير من
مثقفي الأمة، إني أسألك بحق العهد والميثاق الذي تحملونه (لتبينه للناس ولا
تكتمونه) أن تعيد النظر وتجيله فيما أثبته في هذا الحوار، لعل الله يهدينا لأقرب من
هذا رشداً، والحمد لله أولاً وآخراً، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 1297
خواطر في الدعوة
[ولا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ]
محمد العبدة
جاءتني رسالة من طلبة مسلمين يدرسون في أقصى المشرق، يقولون فيها
أنهم متحيرون بما تعج به الساحة الإسلامية من القيل والقال عن فلان الداعية أو
الجماعة الفلانية، فنسمع من القدح ما يصل إلى درجة التضليل والانحراف،
والأسماء كثيرة ومتنوعة، ونحن نبحث عن الحق وعن المنهج الذي يجب على
المسلم الالتزام به تجاه ما يدور حوله.
إن تساؤلات هؤلاء الإخوة ليست قاصرة عليهم، بل ربما سمع كثير من
الشباب المسلم بمثل ما سمعوا، ووقفوا متحيرين متسائلين عن وجه الحق في غمرة
هذا التفرق والتشرذم، ونحن نعذر بعض العذر هؤلاء الإخوة لكثرة ما يقال ويكتب
في أمور تشوش الذهن وتكدر الخاطر، وليس فيها مصلحة للدعوة. ونقول بعض
العذر لأن المسلم المتعلم أمثالهم يجب أن يملك الميزان لمعرفة واقع الدعوات والدعاة، ومن أَوْلى الموازين في ذلك قوله تعالى: [ولا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ] وكثير
مما يقال هو بالتأكيد أقوال بلا علم، أغلبها روايات تنشر تعتمد على الحزبية،
والقراءات ضعيفة والتحقيق يتعبهم، وعندئذ يلقى القول على عواهنه.
ومن الموازين أن منهج أهل السنة والجماعة - وهم خير القرون - هو
الأصل في هذا، ومنهجهم في الفهم والاستدلال من الكتاب والسنة، وكل من كان
أقرب إلى هذا المنهج فهو الأقرب إلى الحق، ويجب على المسلم مؤازرته
ومناصحته، وهذا المنهج ليس كلمة تقال في المحافل بل تطبيق علمي وعملي
لقواعده، واحترام لعلمائه ودعاته، ومن تطبيقات هذا المنهج الإنصاف في الحكم
ولو على الأعداء وعدم الخوض في أعراض المسلمين إلا أن يكون داعي بدعة أو
ضلالة. والفرق المنحرفة لا تملك هذه الأخلاق، فتراهم يَدَعون أهل الجَوْر والفسق
والفجور، ويلاحقون الدعاة بالنقد والتجريح، وهذه طريقة الخوارج بعينها كما
وصفوا بأنهم يدعون أهل الأوثان ويقتلون أهل الإيمان.
ومن الموازين أن أصحاب المنهج السليم يهيئ الله لهم القبول في الأرض،
فتكون طريقتهم مرضية، ويوفقون في مسائل العلم التي يطرحونها، وفي عرض
الإسلام للناس ودعوتهم إليه، وأهل البدع ليسوا كذلك، وهذا مما يزيدهم حنقاً
وحقداً فتكثر اتهاماتهم ويكثر لغطهم، ويكون هذا من الابتلاء وزيادة الأجر لمن
يتكلم فيه الناس، وشيء آخر وهو أن الأمور بخواتيمها، ومن ثمراتهم تعرفونهم،
فانظر أيها السائل في الساحة الإسلامية؛ من الذي يقدم العطاء؟ ومَنْ الذي لا يقدم، وقد قال السلف: إذا رأيتم من يذكر الإمام مالك بسوء فاعلموا أنه مبتدع.
стр. 1298
مصطلحات وتعريفات
عثمان جمعة ضميرية
يتردد في كتب العقيدة الإسلامية، بعض الألفاظ والمصطلحات، ينبغي أن
نحدد معناها، وأن نتعرف عليها، لأن ذلك أمر ضروري، منعاً للالتباس واختلاط
المفاهيم، وسنشير فيما يلي إلى ثلاثة مصطلحات هي: أهل السنة والجماعة،
والسلف، وأهل الحديث.
١ - أهل السنة والجماعة:
ويجمع هذا المصطلح وصفين اثنين لأصحابه، وهما: السنة والجماعة. قد
تقدم فيما سبق شرح معنى السنة في اللغة العربية وفي الاصطلاح الشرعي العام،
وفيما يراد بها في كتب العقيدة. ولذا نشير هنا إلى معنى الجماعة، ومن ثم نجمع
بين هذين الوصفين فيتضح لنا عندئذ معنى هذا المصطلح المركب منهما.
الجماعة في اللغة: مأخوذة من الجمع، وهو ضم الشيء بتقريب بعضه من
بعض. يقال: جمعته فاجتمع [١] .
قال ابن فارس في «معجم مقاييس اللغة» [٢] :
«الجيم والميم والعين أصل واحد، يدل على تضامّ الشيء. يقال: جمعت
الشيء جمعاً: والجُمَّاع: الأُشابة من قبائل شتى.. وقدر جماع وجامعة، وهي
القدر العظيمة..» .
والجميع: ضد المتفرق، والمجموع: الذي جمع من هنا وهنا، وإن لم يجعل
كالشيء الواحد.
وفلاة مجمعة: يجتمع القوم فيها ولا يتفرقون، خوف الضلال ونحوه، كأنها
هي التي جمعتهم. وكلمة جامعة: كثيرة المعاني على إيجازها، وجمعها: جوامع،
كما في الحديث: «أوتيت جوامع الكلم» [٣] .
والجماعة: العدد الكبير من الناس.. وهي أيضاً طائفة من الناس يجمعها
غرض واحد [٤] .
والجماعة هي الاجتماع، وضدها: الفرقة.. وصار لفظ الجماعة اسماً لنفس
القوم المجتمعين [٥] .
ومن هذه النصوص اللغوية وأمثالها نلاحظ أن الجماعة تتكون من جملة
عناصر هي: الضم والتقريب بين أناس من هنا وهناك، أي من جماعات شتى،
وفيها معنى العظمة والكثرة، وأن الاجتماع وعدم التفرق يهدف إلى عدم الضلال
والضياع، وللجماعة الكثيرة هذه هدف وغرض واحد تلتقي عليه، فهي تسير على
منهج واحد لتصل إلى غرضها وغايتها. ولعل هذه الصفات والأمور كلها لا تخرج
عن المفهوم العام والمعنى الذي يريده العلماء من هذا المصطلح «أهل السنة
والجماعة» .
وقد أمر الله تعالى في كتابه الكريم بالجماعة والائتلاف، ونهى عن الفرقة،
والاختلاف فقال: [واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً ولا تَفَرَّقُوا] [آل عمران: ١٠٣] ، [ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ وأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ
عَظِيمٌ] [آل عمران: ١٠٥] .
وتواردت أحاديث النبي ﷺ في الأمر بملازمة الجماعة
والتحذير من مفارقتها، كقوله ﷺ في حديث أبي هريرة -
﵁: «من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات، مات ميتة
جاهلية» [٦] .
وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله -صلى الله
عليه وسلم-: «من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد،
وهو من الاثنين أبعد» [٧] .
وعن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله -صلى الله
عليه وسلم-: «الجماعة رحمة، والفرقة عذاب» [٨] ٠٠ الخ.
واختلف العلماء في المراد بهذه الجماعة التي أمر النبي -صلى الله عليه
وسلم- في هذه الأحاديث وما في معناها - بملازمتها.
وقد أجمل الشاطبي ﵀ ذلك في خمسة أقوال:
١ - أنها السواد الأعظم من أهل الإسلام، فالسواد الأعظم هم الناجون من
الفرق، فما كانوا عليه من أمر دينهم فهو الحق، ومن خالفهم مات ميتة جاهلية
سواء خالفهم في شيء من الشريعة أو في إمامهم وسلطانهم، فهو مخالف للحق.
٢- أنها جماعة أئمة العلماء المجتهدين، فمن خرج مما عليه علماء الأمة مات
ميتة جاهلية، لأن جماعة الله هي العلماء، جعلهم الله حجة على العالمين، وهم
المعنيون بقوله ﷺ : «إن الله لن يجمع أمتي على
ضلالة» [٩] ، وذلك أن العامة عنها تأخذ دينها، وإليها تفزع عند النوازل، وهي تبع لها. فمعنى قوله «لن تجتمع أمتي» : لن يجتمع علماء أمتي على ضلالة.
فعلى هذا القول: لا مدخل في السؤال لمن ليس بعالم مجتهد، لأنه داخل في
أهل التقليد، فمن عمل منهم بما يخالفهم فهو صاحب الميتة الجاهلية. ولا يدخل
أيضاً أحد من المبتدعين.
٣- أن الجماعة هي الصحابة على الخصوص، فإنهم الذين أقاموا عماد الدين
وأرسوا أوتاده، وهم الذين لا يجتمعون على ضلالة أصلاً، وقد يقع من سواهم فيها. ألا ترى قوله ﷺ : «لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس [١٠] .
٤ - أن الجماعة هي جماعة أهل الإسلام، إذا اجتمعوا على أمر، فواجب
على غيرهم من أهل الملل اتباعهم، وهم الذين ضمن الله لنبيه ﵊
أن لا يجمعهم على ضلالة، فإن وقع بينهم اختلاف، فواجبٌ تعرُّف الصواب فيما
اختلفوا فيه.
قال الشافعي: الجماعة لا تكون فيها غفلة عن معنى كتاب الله وسنةٍ ولا قياسٍ، وإنما تكون الغفلة في الفُرقة.
وكأن هذا القول يرجع إلى الثاني، وهو يقتضي أيضاً ما يقتضيه، أو يرجع
إلى القول الأول وهو الأظهر.
وفيه من المعنى ما في الأول: من أنه لا بد من كون المجتهدين فيهم، وعند
ذلك لا يكون مع اجتماعهم على هذا القول بدعة أصلاً، فهم - إذاً - الفرقة الناجية.
٥- ما اختاره الإمام الطبري من أن الجماعة جماعة المسلمين إذا اجتمعوا
على أمير. فأمرَ ﵊ بلزومه، ونهى عن فراق الأمة فيما اجتمعوا
عليه من تقديمه عليهم.
وقد قال ﷺ :» من جاء إلى أمتي ليفرق جماعتهم
فاضربوا عنقه كائناً من كان « [١١] .
وحاصله: أن الجماعة راجعة إلى الاجتماع على الإمام والموافق للكتاب
والسنة، وذلك ظاهر في أن الاجتماع على غير سنَّةٍ خارج عن معنى الجماعة
المذكورة في الأحاديث المذكورة، كالخوارج ومن جرى مجراهم [١٢] .
وما ننتهي إليه في معنى أهل السنة والجماعة: أنها الفرقة التي وعدها النبي
ﷺ بالنجاة من بين سائر الفرق. ومدار هذا الوصف على اتباع
سنة النبي ﷺ وموافقة ما جاء به من الاعتقاد والعبادة والهدي
والسلوك، وملازمة جماعة المسلمين، وهو الحق الذي ينبغي التمسك به.
فعن عمرو بن ميمون قال: قدم علينا معاذ بن جبل على عهد رسول الله -
ﷺ فوقع حبه في قلبي، فلزمته حتى واريته في التراب بالشام،
ثم لزمت أفقه الناس بعده: عبد الله بن مسعود، فذكر يوماً عنده تأخير الصلاة عن
وقتها، فقال: صلُّوها في بيوتكم واجعلوا صلاتكم معهم سُبْحة. قال عمرو بن
ميمون: فقيل لعبد الله بن مسعود: وكيف لنا بالجماعة؟ فقال لي: يا عمرو بن
ميمون، إن جمهور الجماعة هي التي تفارق الجماعة. إنما الجماعة ما وافق طاعة
الله وإن كنت وحدك [١٣] .
وقد سُمِّيَتْ بأهل السنة والجماعة لتمسكهم بسنة النبي ﷺ ، والعمل بها، واتباعهم لما جاء به؟ ولأنهم يعتصمون بالحق وما عليه جماعة
المسلمين فلا يفترقون في الدين، وبذلك يكونون على الصراط المستقيم الذي هو
دين الإسلام المحض الخالص، وهو ما في كتاب الله تعالى، فهو السنة والجماعة،
فإن السنة المحضة هي دين الإسلام المحض [١٤] .
وأهل السنة والجماعة ليسوا محصورين في جماعة معينة أو فئة أو بلد أو
زمن دون الآخر، إذ كل من اتصف بسمات أهل السنة وكان على منهجهم فهو
داخل في دائرة أهل السنة والجماعة. وبهذا يلتقي مفهوم أهل السنة مع مفهوم
السلف -الأتي-.
-يتبع -
стр. 1299
البيان الأدبي
رؤية في تأسيس الأدب على الدين
د. مصطفى السيد
إذا كانت وثنية اليونان بما فيها من أرباب متفرقين إحدى أهم ينابيع الرؤيا
للأدب والفلسفة في تلك الأمة؛ وإذا كان [الكتاب المقدّس العمود الفقري للآداب
الغربية في شتى صورها] [١] فهل يكون بدعاً من القول، ومستهجناً من الرأي أن
يدعو المسلم الأدباء الذين أشربوا في قلوبهم الإيمان لتأسيس رسالة الأدب تأسيساً لا
يناقض روح النص الإسلامي المتمثل (بفَقَار العربية) [٢] القرآن الكريم والحديث
الشريف؟
لا أعتقد أن مثل هذه الدعوة ستنبذ من قبل أمة تعتز بصبغة الله [٣] [ومَنْ
أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ونَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ] [البقرة: ١٣٨] . بل إن مثل هذه الأمة
لن تجد غضاضة فى أن ترتد في الحافرة [٤] ، لتأطر [٥] الإبداع الأدبي والدرس
النقدي بقوة إلى العودة إلى فضاء التصور الإسلامي، ولكنها ليست أوبة يكون
عمادها الاسترجاع الآلى أو المحاكاة الشكلية للدور المفقود، بل هي أوبة واعية
للذات والموضوع، ترعى رسالتها وتراعي المستجدات، تملك التراث ولا يملكها،
وتمسك بالحاضر ولا يمسكها، وتستشرف المستقبل دون أن يستقر فيها فيقطعها عن
ماضيها وحاضرها أو يغرقها في بحاره، ويسجنها في إساره [٦] .
إن الدرس الأدبي الأول الذي اتخذ القرآن الكريم محوراً، هو الذي وضع
المعالم الأساس والبذور الأولى لنظرية (لغة الأدب) وهو الذي كشف عن أدبية
النص وليس الشكلانيين الروس كما هو مستقر حالياً في المصادر الأوربية المختلفة. ذلكم الدرس الأدبي الأول الذي تمحور حول اللغة في القرآن الكريم، وأنتج
التآليف التي قامت على رصد مظاهر الانحراف في العبارة الأدبية بالقياس إلى اللغة
في مستواها المثالي، وهذا في الواقع هو المبرر الحقيقي لكي نسجّل للنحاة العرب
والقائمين على الدراسة اللغوية للنص القرآني، أوليتهم في البحث البلاغي، وذلك
عندما صنعوا ما سار عليه المحدثون من أصحاب النحو التحويلي من تفريقهم بين
ما أطلقوا عليه: البنية السطحية وما أطلقوا عليه البنية العميقة [٧] .
إن المحاولات الدؤوب لجمع ما تناثر عن إعجاز القران الكريم في القرن
الأول والثاني الهجريين وتأطيره تمهيداً لتنظيره بمنظومة معرفية متكاملة، هذه
المحاولات كانت خيراً عميماً لكل الأطراف - الدارس/الموضوع /القارئ - انتقل
معها وبها العقل العربي المسلم من الجزئي إلى الكلي، ومن الظاهرة إلى النظرية،
ومن الملاحظات المتناثرة إلى العلوم المتماسكة والثقافة المتآزرة. كما كانت قيمتها
الأخلاقية ودلالاتها الجمالية ملتحمتين متوحدتين تأخذان بجماع عقل القارئ وتسدّان
عليه أبواب الملل والسأم.
إن ذلك حصل كله بفضل الله ثم بما (كان لإعجاز القرآن من تأثير في تحريك
الفكر اللغوي والأدبي والبلاغي والكلامي على حد سواء. فقد كان الانشغال بظاهرة
إعجاز القرآن أكبر حافز للفكر العربي يومئذ على ارتياد مسالك الدرس اللغوي
والأدبي. إذ بقدر ما كان لإعجاز القرآن من الوقع في نفوس الذين سمعوه أول مرة، وانبهروا ببيانه، واعتبروه دليلاً لا يرد على نبوة محمد ﷺ
بقدر ما ظل هذا الإعجاز يحتل حيزاً كبيراً من اهتمامات العلماء والدارسين على مر
الأجيال، فلم يتوقف الفكر عبر العصور الماضية عن البحث في وجوه إعجازه،
سواء كان ذلك بدافع الحاجة المتجددة إلى الدفاع عن هذا الإعجاز، أو كان بدافع
تبيين وجوهه، وتأسيس العلوم المتفرعة عنه، أو المقعِّدة لقواعده. فكان القرآن
منطلق النظر في كل القضايا اللغوية والأدبية التي انشغل بها البحث فيما بعد) [٨] .
إن تلك المدارسة للقرآن الكريم أنجبت للعربية بل للدراسات الجمالية في العالم
كله مجرّة من العبقريات الإسلامية، أذكر منها على سبيل المثال لا الإحصاء: عبد
القاهر الجرجاني (٤٧١- أو ٤٧٤ هـ) ذلك العالم الذي أعطى علم البلاغة (هويته الكاملة) كما يقول الدكتور شكري عيّاد [٩] وسبق بدراساته لأساليب القرآن الكريم أحدث ما وصل إليه عالم اللغة السويسري (دي سوسير) كما يقول الدكتور محمد مندور [١٠] وهو النقاد الأول الذي اكتنه الطبيعة البنيوية للصورة كما يقول الدكتور كمال أبو ديب [١١] .
وهكذا فإن الإبداع في التراث العربي كان ينظر إليه دائماً وعلى مر العصور
بأنه مرتبط بالدين، لا نستطيع أن نتحدث عن إبداع عربي دون أن ندخل في
الاعتبار العامل الأساسي وهو الرؤية الإسلامية إضافة إلى ما تمتاز به الحضارة
العربية من مقومات كثيرة، لكن هناك جانباً هاماً في تراثنا هو الجانب
الإسلامي [١٢] .
إن تأسيس الإبداع أدباً ونقداً على الاقتباس من النص الإسلامي علاوة على ما
يمنحه للأدباء من قراءة واعية للقرآن الكريم والحديث الشريف، فإن هذا التأسيس
يشكل حصناً منيعاً أمام محاولات وغارات الاجتياح الثقافي والروحي للأمة، ولكم
دفع المسلمون ثمناً باهظاً للتضاد القائم بين خطابهم الأدبي ورسالتهم العقدية.
ثم لمصلحة من يغيب أو يغيّب إسلامنا عن أدبنا؟ حتى بلغ الأمر أحياناً إذا
ذكر الدين في معرض الحديث عن الأدب، اشمأزت قلوب كثيرة، وإذا ذكر ما
دونه أو من دونه إذا هم يستبشرون.
ثم أليس في تأسيس الأدب على الدين عود بالأمر إلى ينبوع الرؤية الأولى في
هذا الكون، إذ أن (الآداب العالمية إنما نشأت نشأة دينية [١٢] ، ويرى ويليام بليك
(أن العهد القديم والجديد هما شريعة الفن العظيمة) [١٣] ، ويقول تومارس هاردي:
(إن الأدب الصرف يشمل الدين لأن الشعر والدين يتماسان) [١٤] .
ولم يكن إيماني بهذا الأمر ليتوقف على مقالات الغربيين، ولكن عندما يرى
المرء أن التغرب أوشك أن يصادر بعض العقول في بلادنا أحببت أن أذكِّر بأن
الاحتفاء بالفكر الغربي يسع الجانب الإيجابي من هذا الفكر أيضاً.
إن (الإنسان منذ مولده قد استودع فطرة باطنة، بعيدة الغور في أعماقه توزعه
- تلهمه وتحركه - أن يتوجه إلى عبادة رب يدرك إدراكاً مبهماً أنه خالقه وحافظه
ومعينه، فهو لذلك سريع الاستجابة لكل ما يلبي حاجة هذه الفطرة الخفية الكامنة في
أغواره، وكل ما يلبي هذه الحاجة هو الذي هدى الله عباده أن يسموه «الدين» ولا
سبيل البتة أن يكون شيء من ذلك واضحاً في عقل الإنسان إلا عن طريق «اللغة» والدين واللغة - منذ النشأة الأولى - متداخلان تداخلاً غير قابل للفصل، ومن
أغفل هذه الحقيقة ضل الطريق، وأوغل في طريق الأوهام، هذا شأن كل البشر
على اختلاف مللهم وألوانهم) [١٥] ، ويقول العلامة محمود محمد شاكر أيضاً في
سفره الرائع -أباطيل وأسمار- درة الأدب الإسلامي اليتيمة:
«إنه لأمر مفروغ منه ارتباط الآداب بتاريخ الأمة وعاداتها وأخلاقها
ودياناتها، وما شئت من شيء تعدّ به الأمة ذات كيان قائم متميز، ودارس الآداب
إذا لم يكن مطيقاً لذلك كله، بصيراً به، حسن التصرف في جليله ودقيقه، جيد
الفهم لغوامضه ومبهماته، فهو حري أن يشوه الصورة عند تركيبها، تشويهاً فيه من
الشناعة ما يجعل دراسته مُثْلَة بمن يدرسه، كما يمثل المحارب المحترق بجثة عدوه، وقد أطارت لبه حدّة العداوة والحقد، واتقان دراسة هذه المادة كلها تعد دراسة أدبية
محضة، فلا يستطيع دارس أن يقول للناس: إنها ليست من صميم اختصاصي! !
فإذا قالها، فذلك إيذان منه بأنه فقد التمييز، وجهل أساس كل منهج، واستحق
أن يطرح الناس ما يقوله، إذا هو لم يجد عند نفسه القدرة على أن يستحي فيستر ما
يكتب، ويغيبه في التراب عن أعين الناس. وظني أن هذا الذي قلته عن المنهج
كاف في تمثل التبعة التي يتحملها دارس الآداب، وفي إدراك التبعة التي يحملها
القارئ حين يعرض عليه دارس ما درس، فالأمر من أي نواحيه أخذته إذن جد لا
هزل فيه) [١٦] .
وفي ارتكاز الأدب على الدين مورداً ومصدراً إبداعاً ونقداً يرد البشرية
المعاصرة إلى نقطة البداية في قصة الوجود الأولى، وذلك عندما أهبط أبو البشرية
آدم إلى الأرض، بعد أن كرمه الله سبحانه بإسجاد الملائكة فيتذكر الأبناء تكريم
الأب، ويتذاكرون سيرته وعقيدته /التوحيد /ودينه /الإسلام / فيؤول من وفق منهم
إلى الأصل ليأوي إلى ركن شديد، بعلو النسب الأبوي والعقدي، ويدرك الأبناء أن
عدوهم اليوم هو عدو أبيهم بالأمس، وأن هذه العداوة دائمة وقائمة إلى ما شاء الله
أن تبقى، لا كما صوره عمل يعد من أعظم المنجزات الأدبية في الغرب وهو
مسرحية (فاوست) للشاعر الألماني جوته (ت ١٨٣٢م) أن مختلف القراءات ...
المسرحية تعطي للشيطان دوراً جديداً في عالم ألغى الدين، ولم يدع منه إلا معالم
باطلة، وأعدل هذه القراءات طريقة وهي التي ترى أن (هذه المسرحية تعد
تشخيصاً لانتقال الإنسان من الإيمان بالغيب وطلب المعرفة عن طريق
الأرض [١٧] إن هذه القراءة مرفوضة في التصور الإسلامي مقدمات ونتائج. إن الإسلام بوصفه ديناً إلهي المصدر، عالمي الهدف إذا ما استند النص الأدبي إلى هاتين الحقيقتين فيما يعالج من قضايا. فمن المرجح - بفضل الله - ألا تغادر نصوص مثل هذا الأدب عقل المتلقي دون أن تظفر باستجابة عاجلة أو آجلة كبيرة أو صغيرة ولا سيما المتلقى الكتابي، الذي يقرأ في إنجيل متى قول المسيح ﵇: (لا تظنوا أني جئت لأنقض ناموس الأنبياء، ما جئت لأنقض، بل لأكمل) [١٨] ، وصدق الله العظيم القائل: [وإذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إسْرَائِيلَ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ ومُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ] [الصف: ٦] .
ولا يظن الكاتب أن جهوده ستكون هباءً منثوراً، أو تلقي بها الريح في مكان
سحيق، فإن الخطاب الوثني المعاصر قد آتى أكله، وزرع سمومه في الكثير من
عقول المسلمين ومناهجهم وآدابهم وبات تقليده ومحاكاته من مقومات المعاصرة عند
الكثيرين [١٩] . وعلى العكس من ذلك فإن المسلمين - يمكن أن يكونوا - بخطابهم
المتوازي مع عقيدتهم - غازين لا مغزوين - مبادرين لا متفرجين، أصحاب رسالة
عالمية لا منفذي أوامر مشبوهة.
إن رسول الله ﷺ قد شن حرب الكلمة، قبل أن يبدأ
حرب الأسلحة، لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، فقد بعث
إلى هرقل عظيم الروم بكتاب يدعوه فيه إلى التوحيد واتباعه، وذلك قبيل مغيب
شمس الدولة الرومانية في المشرق، وأوشك هذا الجواب أن يغير سير التاريخ، إذ
استقبله هرقل بقبول حسن وكان آخر كلامه بعد حواره مع أبي سفيان - قبل أن
يسلم - (قد كنت أعلم أنه خارج، لم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص
إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت قدمه) [٢٠] .
وهكذا فإن أكثر أهل الكتاب لم يكونوا غائبين عن مسيرة دعوة نبينا محمد
عليه وعلى آبائه من الأنبياء الصلاة والسلام، ولقد تجاوز بعضهم مرحلة الأمنية
التي تمناها هرقل (فلو أني أعلم أني أخلص إليه..) خلصوا إليه وأسلموا، كسلمان
﵁ الذي طوّف الآفاق وجاب القفار حتى استقرت به النوى بين يدي
رسول الله ﷺ فأسلم، وكعبد الله بن سلام، الذي قطع صلته
باليهودية وعاد إلى ملة أبيه إبراهيم المتمثلة بدعوة محمد ﷺ
وسائر إخوانه الأنبياء [الأنبياء إخوة لعلاّت، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد] [٢١]
وصدق الله العظيم القائل: [قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ ومَا أُنزِلَ إلَيْنَا ومَا أُنزِلَ إلَى إبْرَاهِيمَ
وإسْمَاعِيلَ وإسْحَاقَ ويَعْقُوبَ والأَسْبَاطِ ومَا أُوتِيَ مُوسَى وعِيسَى ومَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ
مِن رَّبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ] [البقرة: ١٣٦] .
ولقد تحسر ورقة بن نوفل ألا يكون حياً إذ يخرج الرسولَ قومُه، كما أنه لم
يكتم - بالرغم من تنصره - نسبة الرسول ﷺ إلى دوحة النبوة
المباركة: فقال للنبي ﷺ وقد أتت به خديجة -رضي الله
عنها- إليه:» هذا الناموس الذي نزل الله على موسى «مبدياً استعداده لنصرته
إن مد الله بعمره» وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً « [٢٢] .
وإذا كان من [أولى المسلمات أن وظيفة العمل الأدبي على اختلاف لغته
وأشكاله هي ربط الأنا بالغير] [٢٣] فإن الكلمة تظل جسراً أساساً ومعبراً ضرورياً
إلى عقول الآخرين. ومن أولى من الأدباء المؤهلين بما استوعبوه من فهم للإسلام
وما أوتوه من موهبة أدبية وجمالية، من أولى منهم باستشراف هذا الدور وأداء هذه
الرسالة؟ وإذا كان مستقبل الإسلام يشغلنا جميعاً فإن السؤال القمين بالإجابة: ما
دور الأديب المسلم في تحقيق هذا المستقبل؟
стр. 1300
شاعرٌ جدير بأن يُعرف
محمود مفلح
أحن إلى تلك العصافير في الضحى ... لها بين أغصان الشجيرات ملعبُ
إلى نهرها ينساب بين سهولها ... يتيه دلالاً حيثما يتشعب
إلى البلبل الظمآن للنور والندى ... ورغم جفاء القفر يشدو ويطرب
لقد بسطت أسماء شعرية محددة نفوذها على القارئ، حتى أصبح لا يعرف
سواها، ولعبت وسائل الإعلام المختلفة دوراً غير مسئول ولا منصف في تلميع
أسماء ما كان لها أن تُلّمع، والتعتيم على أسماء أخرى كان من حقها أن تتوهج.
ولا أريد أن أتحدث عن أساليب الحصار والتجاهل والإنكار التي تمارس عمداً
ومع سبق الإصرار على الأدب الإسلامي المعاصر ورموزه حتى أصبح القارئ -
للأسف - يجهل الكثير عن هذه الرموز.
ولكن النبع مهما ألقيت فوقه من حجارة، لا بد أن يتفجر، في أي أرض
كانت.. مهما طال الزمن. ومن هؤلاء الشعراء الذين لم ينالوا حقهم من الشهرة
والذيوع الشاعر خالد البيطار الذي ولد في مدينة حمص السورية عام ١٩٤٢م،
والذي صدر له حتى الآن ديوانان، الأول: عنوانه «أجل سيأتي الربيع» ،
والثاني «أشواق وأحلام» صدر عن دار البشير بعمان عام ١٩٨٨.
والشاعر خالد البيطار له إسهامات واضحة وعميقة في ميدان التاريخ
الإسلامي فقد كتب عن غزوات الرسول ﷺ وعن الخلفاء
الأربعة والصحابة الكرام كتباً ذاعت وانتشرت نظراً لسلاسة أسلوبها وحسن تناولها
وملاءمتها لروح العصر. ولا غرو في ذلك فالشاعر تخرج من كلية الشريعة في
جامعة دمشق عام ١٩٦٧م.
إلا أن القليل من القراء يعرف أن خالداً شاعر مجيد، وأن له مكاناً مرموقاً في
عالم الشعر، إذا ما تابع مسيرته الأدبية وغذى نتاجه بقراءات متنوعة ومستمرة.
وشعر خالد يتسم بالعفوية المتناهية والعذوبة التي ترطب الشفاه وتنساب من خلال
الكلمات لتتسلل إلى القلب دون استئذان. بالإضافة إلى الصدق الشعوري الذي
يفرض نفسه لدى قراءة النص.
ولعل تجربة غربة الشاعر لسنوات امتدت أكثر من عشر، بعيداً عن أهله
وبيته ومسجده، كان لها أثرٌ واضح في هذا الصدق وفي هذه العذوبة، وفي البعد
كذلك عن الألغاز والطلاسم التي يختبئ خلفها شعراء اليوم ليواروا عجزهم
وضحالتهم.
نأيت وقلبي لا يُصدّق أنني ... نأيت ولا يدري إلى أين يذهب
وليس له من حيلة غير أنه ... رأى من وراء الأفق ما هو أرحب
ثم تتوغل القصيدة في عالم من التفصيلات الصغيرة المحببة التي تشكل
عناصر النص لتشع من خلاله وتمنحه هذه الشفافية وهذه البساطة وهو يتذكر ما
كان من مواقف.
أطوف على الأحياء أرنو بلهفةٍ ... هنا كنت أمشي هاهنا كنت ألعب
أزور أخي، أحكي له ما أصابني ... فيأسو جراحي وهي حمراء تتعب
وأمضي إلى جاري وأطرق بابه ... وأبدي له شوقي وحبي وأُعرب
ثم:
أمرّ على بيتي وأفتح بابه ... وتعرف زوجي مقدمي فترحب
انظر إلى الدقة في اختيار اللفظة في البيت الثالث «أطرق» والبيت الرابع
«أفتح» . صحيح أن النص يخلو من الرمز والغموض والصورة الشعرية التي
يتعلق بها الشعر الحديث، إلا أن دقة رسم المشهد والتركيز على هذه العلامات
الإنسانية الحميمة، وانسياب التراكيب، كل ذلك شفع للشاعر وارتقى بمستوى
النص إلى أفق الشعر المؤثر الرقيق، بالإضافة إلى عنصر التشويق الذي توفر في
كل بيت من أبيات القصيدة. لقد افتقدنا مثل هذه العفوية في الشعر المعاصر،
وأصبح لا بد للواحد منا من أن يستنفر قواه العقلية والنفسية وذاكرته التاريخية أيضاً
كي يواجه النص ويستبطن عوالمه، وبهذا تعددت الرؤى واختلفت المعايير.
إلا أن هذا لا يعني أن الشاعر أهمل الصورة الفنية في كثير من أبياته فها
هوذا يصف بعض الناس ممن قست قلوبهم في صورة حركية موفقة.
وحولي أناس قساة القلو ... ب جفاة إذا ضحكوا أفزعوا
ولقد اختصر الشاعر في كلمتيه: «ضحكوا أفزعوا» معاني كثيرة، ولعل
هذا أبلغ -في نظري -من قول ابن الرومي:
وظننت حين رأيته متحدثاً ... قرداً يقهقه أو عجوزاً تلطم
وحين يتعرض الشاعر لوصف ألوان القمع وصنوف العذاب يشتد شعره
وتحمر كلماته حتى تصبح جمراً.
تلك السجون فلا تعجب إذا صرخت ... فالهول في جوفها حقدٌ ونيران
لانت حجارتها من طول ما رويت ... من الدماء ورقت وهو صوان
أما السمة التي تفرد بها الشاعر خالد البيطار في رأي فهي براعته في وصف
الطفولة والعلاقات الأسرية، هذا الجانب الذي غفل عنه كثير من شعرائنا رغم
أهميته وخصوبته، فاستمع إليه وهو يصف حركات طفلته (عائشة) ذات السنوات
الثلاث:
كثيرة القفز والتصخاب واللعب ... ولا تحس بأعياء ولا تعب
تمشي على أربع حيناً لتضحكنا ... مثل الخروف وأحياناً على الركب
وكم تحملق [١] عينيها لتفزعنا ... فنستعد ونمشي بُغية الهرب
ويستمر الشاعر في تصوير حركات ابنته المضحكة برشاقة لا تقل عن رشاقة
هذه الطفلة الذكية المحببة.
كم ذا تقلد عند السير جدتها ... تخطو وتبطئ بعد الخطو والخبب
وتنحني ويداها خلفها ولها ... صوت يئن كمن يرقى على صبب!
أما ألعاب عائشة التى تحرص عليها:
ألعابها طفلة في المهد نائمة ... قد أسدلت فوقها ثوباً من القصب
وبلبل وقطارٌ صوته خشن ... وقِطةٌ وخروفٌ وافرُ اللبب
وجعبة حشرت فيها بضاعتها ... بعض الوريقات والعيدان والعلب
عالم الطفولة البريئة هذا عالم لا يستطيع أن ينفعل به، ويجيد الحديث عنه
إلا شاعر رقّ إحساسه ولان قلبه وصفت شاعريته وهذّب طبعه الإسلام. ولا يُنقص
من قيمة هذا النص تأثره بقصيدة «أب» الذائعة للشاعر الراحل الأميري يرحمه
الله.
ومن قصائد شاعرنا المتميزة في ديوانه «أشواق وأحلام» والتي تكشف عن
هذا الجانب، أعني الجانب الأسري؛ قصيدته في وصف مشاكسات الأطفال
ومداعباتهم من الصور اليومية التي لا يخلو منها بيت من بيوتنا والتي تمنح حياتنا
طعماً وحيوية ولولاها لأصبحت البيوت قبوراً:
هذا يصيح أنا الكبير فمن يغا ... لبني فيأتيه صغير الجحفل!
يتعاركان فلا البساط بصبره ... يبقى بساطاً تحت ضغط الأرجل
حتى الوسائد والستائر أيقنت ... أن لن تكون عن العراك بمعزل
وأنا أنادي يا بني ألا اهدأوا ... وأقوم أضرب بعد طول تحمل
وبعد أن ينتهي العراك:
يأتونني وخلافهم في قشةٍ ... فأعيدها للمالك المتوسل
فيقوم صاحبه فيضرب رأسه ... بالباب بالجدران إذ لم أعدل!
ويقول لي أعطيته وحرمتني ... إني له، سأميته بالفلفل
أية متعة وراء هذه المتعة؟ بعد قراءة النص كله، وكم نحن بحاجة إلى أن
يتوقف شعراؤنا عند هذا الجانب الإنساني في حياتنا وأن يعطروا أقلامهم بعبير
الطفولة، فعالم الطفولة خصب ومثير ولا يليق وأن يسبقنا الغرب فيه خطوات
وخطوات.
ولئن أجاد الشاعر في هذا اللون العاطفي الاجتماعي من الشعر، فإنه أجاد
كذلك في لون آخر وهو التنديد بالظلم والظالمين:
أيها الظالم فاصنع ما ترى ... وتجبّر وضع القيد ثقيلاً
واغضض الطرف عن القوم الألى ... رسخوا في الأرض وازدادوا قبيلا
ولشاعرنا كذلك قصائد رقيقة رشيقة، فيها دعابة يصور فيها أيام «الجندية»
وغيرها في أيام الشباب. وقصائد أخرى جادة وباكية أحياناً خاصة قصيدة «المعلم» الذي لفظ أنفاسه الأخيرة وهو خارج من الفصل.
فحديقة شاعرنا متنوعة فيها الأشجار الباسقة والزهور العطرة والأعشاب
الندية ولكل قصيدة نكهتها. والشعر لدى خالد البيطار ليس ترفاً وإنما هو مسئولية،
وقناة من قنوات الوعي والفكر.
وأستطيع أن أقول مطمئناً: إن خالد البيطار شاعر الطبع السليم، والعذوبة،
والنقاء، والأسرة، والألفة، والحب، الحب الذي يصقل الطباع، ويرتقي بالإنسان. وما أجدر الشاعر أن يتابع خطواته الشعرية الرصينة، وما أجدر القارئ بأن
يتعرف على هذا الصوت الشعري الذي لم ينل حظه من الشهرة والذيوع بعد.