فكر
حوار في الديمقراطية
جمال سلطان
نشر الأستاذ فهمي هويدي في منبره الأسبوعي بجريدة الأهرام المصرية فتوى
مثيرة للشيخ القرضاوي حول مسألة (الديمقراطية) ، أراد منها الشيخ القرضاوي -
وفقه الله وإيانا - أن يكشف للإسلاميين عن حقيقة الموقف الإسلامي الشرعي من
(الديمقراطية) أو كما يعبر الأستاذ فهمي هويدي بقوله: (إن الشيخ القرضاوي أراد
أن يحسم في فتوى مفصلة تلك العلاقة المتوترة بين بعض الإسلاميين والديمقراطية، وأن يؤصل من منطق شرعي موقف الإسلام من مختلف القيم التي تقوم عليها
الديمقراطية) .
القضية على جانب كبير من الأهمية، وعندما يدلي فيها بدلوه فقيه في موقع
يوسف القرضاوي، فإن الأمر يزداد خطورة وأهمية، وإذا أضفت إلى ذلك المنبر
أن الذي نشرت من خلاله الفتوى يظفر بقراءة ما لا يقل عن مليون ناطق بالعربية؛
فإن الخطر - ولا شك - يتعاظم، ويفرض نفسه على كل صاحب قلم وحامل فكر.
والفتوى - في صورتها التي نشرت بها - غير ذات موضوع أصلاً، وشبه
معدومة القيمة، وحسبك أن تكون أمام كلام لا تستطيع أن تقول عنه إنه صواب،
ولا تستطيع أن تقول إنه خطأ، وإنما ثمة التباس غريب، وحقائق موضوعية
وتاريخية غابت عن الشيخ أدت إلى خلل في حديثه، يستدعي مني وقفة غير
قصيرة أناقش فيها (حيثيات) الفتوى، مطمئناً إلى سعة صدر صاحبها، لما نعلمه
عنه من حرصه على استبانة الحق حيثما كان، وهمه المخلص -إن شاء الله-
بالقضايا الكبرى التي تشغل الشباب المسلم في هذا العصر
سؤال الفتوى -كما أثبته الأستاذ فهمي- هو: هل الديمقراطية كفر حقاً؟
فافتتح الشيخ حديثه بالقول: (إن جوهر الديمقراطية أن يختار الناس من
يحكمهم ويسوس أمرهم، وألا يفرض عليهم حاكم يكرهونه، أو نظام يكرهونه،
وأن يكون لهم حق محاسبة الحاكم إذا أخطأ، وحق عزله إذا انحرف، وألا يساق
الناس إلى اتجاهات أو مناهج اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية أو سياسية لا يعرفونها، ولا يرضون عنها. هذا هو جوهر الديمقراطية) .
ثم يضيف الشيخ معقباً: (الواقع أن الذي يتأمل جوهر الديمقراطية يجد أنه
من صميم الإسلام) وهذا المدخل هو الخطأ الأول والجوهري، الذي ترتب عليه
خطأ الفتوى برمتها.
لقد قرر الشيخ أن جوهر الديمقراطية هو أن يختار الناس من يحكمهم.. الخ،
وهذا هو ناتج أساسي من نواتج الديمقراطية، أو مظهر بارز من مظاهرها، وإنما
الديمقراطية هي - في جوهرها - رفض (الثيوقراطية) أي سلطة الدين والحكم باسم
الله في الأرض، والميلاد التاريخي للديمقراطية كان نتيجة صراع الدولة ضد
الكنيسة، الحكم المدني ضد الحكم الديني، الحكم باسم الشعب والبشر ضد الحكم
باسم الله والدين، وبوجه آخر نقول: إن الديمقراطية هي وجه العملة الآخر
للعلمانية، وكان من مترتبات ذلك أن ترفع وصاية أي بشر مهما كان جبروته
وسلطانه، عن كاهل الشعب، لأننا إذا رفعنا وصاية الدين والإله، من أجل الشعب، فكل وصاية دونها على الشعوب تكون مرفوضة بطريقة الحتم والمنطق، ومن هنا
تولدت الوسائل والنظم التي تحكم إرادة الشعوب لمجتمعاتها بحيث. تحول دون
ظهور القهر والتسلط والاستبداد أو بأي وجه يكون، وذلك بعد أن حققت (الدولة
المدنية) بمفكريها ورجالاتها النصر النهائي على الكنيسة ورجال الدين، وانتزعت
السيادة منهم على النحو الذي يعرفه ببساطة أي دارس للتاريخ الأوربي الحديث.
وكان من مترتبات هذا النصر النهائي للحركة الديمقراطية، أن نزعت صفة
القداسة عن أي وضع وأية قضية وأي معنى، ما لم يقرر الشعب أنه مقدس،
والحرام هو ما غلب رأي الناس أنه حرام، والحلال هو ما غلب رأي الناس أنه
حلال، بغض النظر عن أي مرجعية أخرى، دينية أو غيرها، لأنه إذا قررت أن
ثمة مرجعية تشريعية هي فوق البشر أو قبل رأي الشعب، فأنت بذلك قد نقضت
أصل الديمقراطية، لأنك إذا قلت مثلاً: إن هذا الأمر لا يجوز للناس العمل به
بنص القرآن، فأنت بذلك جعلت الحكم لله، وليس للشعب، وطالما سحب الحكم
والتشريع من الشعب، فقد انتهت القصة (الديمقراطية) .
هذه هي قصة الديمقراطية - باختصار - وهذا هو جوهرها، الذي يعلمه علم
اليقين الأستاذ فهمي هويدي وتياره الفكري، فهل يا ترى نستطيع أن نقول مع
الشيخ: (إن الذي يتأمل جوهر الديمقراطية يجد أنه من صميم الإسلام؟ !) ، أو
أن نقول معه أيضاً: (إن الإسلام قد سبق الديمقراطية بتقرير القواعد التي يقوم
عليها جوهرها، ولكنه ترك التفصيلات لاجتهاد المسلمين وفق أصول دينهم،
ومصالح دنياهم، وتطور حياتهم) الواضح تماماً من فتوى الشيخ، أنه تصور
الديمقراطية على صورة معينة يأملها ويتمناها ثم أصدر فتواه مفصلة على هذا
(الخيال) الذي داعب أمانيه، لا على الحقيقة التاريخية والموضوعية التي صاغت
مصطلح (الديمقراطية) في الفكر الإنساني الحديث.
ولعله من أبين ما يدلك على ذلك، قول الشيخ في فتواه: (وقول القائل إن
الديمقراطية تعني حكم الشعب بالشعب، ويلزم منها رفض المبدأ القائل إن الحاكمية
لله، قول غير مسلم فليس يلزم من المناداة بالديمقراطية رفض حاكمية الله للبشر
فأكثر الذين ينادون بالديمقراطية لا يخطر هكذا ببالهم، وإنما الذي يعنونه
ويحرصون عليه هو رفض الديكتاتورية المتسلطة، رفض حكم المستبدين بأمر
الشعوب، من سلاطين الجور والجبروت) ا. هـ.
وأنا - في الحقيقة - لم أستوعب قول الشيخ إن (الذين ينادون بالديمقراطية لا
يخطر هذا ببالهم، وإنما الذي يعنونه ويحرصون عليه هو ... ) هل أجرى الشيخ
إحصاءاً أنتج له هذه الحقيقة؟ وإذا قال مخالفه: (إن أكثر الذين ينادون بالديمقراطية
هذا ما يدور ببالهم) ما الذي يرجح قول أحدهم على صاحبه؟
إن الفتوى الشرعية تحتاج إلى ضبط في الكلام بصورة أكثر دقة وإحكاماً من
مثل هذه العبارات العاطفية الفضفاضة، وإني لأعذر الشيخ في حماسته هذه في
الدفاع عن قيم العدل والحرية وحفظ حقوق الإنسان وكرامته، فمثله ومثلي، يعرف
كم هي قاسية سياط الجلادين، وكم هي موحشة سجون المستبدين، بيد أن حديث
العدالة والحرية وحقوق الإنسان شيء، وضبط مصطلح فكري سياسي لإجراء حكم
شرعي عليه شيء آخر، كما أن الواقع يبقى دائماً ما كان لا ما ينبغي في تقديري
أن يكون، ولنتأمل قول الشيخ: (والمسلم الذي يدعو إلى الديمقراطية إنما يدعو
إليها باعتبارها شكلاً للحكم، يجسد مبادئ الإسلام السياسي في اختيار الحاكم،
وإقرار الشورى والنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومقاومة الجور،
ورفض المعصية، وخصوصاً إذا وصلت إلى كفر بواح، فيه من الله برهان) اهـ.
وأنا هنا أوافق الشيخ تماماً على ما حدده من منهج للحكم الإسلامي، ولكن ما
الذي يدعوك - يا سيدي - لكي تضع خاتم الديمقراطية على هذا الحديث وذاك
المنهج؟ ! ما هي بالضبط القداسة التي يحملها مصطلح غربي التكوين والنشأة
والتاريخ والصراع والدلالة، لكي تستميت في الدفاع عنه وتحسين صورته أمام
المسلمين، بالقدر الذي يذكرنا بالهوس الذي طاف بعقول بعض المسلمين في
الخمسينات والستينات حول مصطلح (الاشتراكية) حتى جعلوها والإسلام وجهين
لعملة واحدة! وها هي التجربة تعود مرة أخرى مع مصطلح (الديمقراطية) .
إن الديمقراطية ليست ما تفصله أنت على مقاسك، أو يفصله غيرك،
الديمقراطية منهج كامل لصياغة البناء الاجتماعي، إما أن تقبله وإما أن ترفضه
وتبحث لك عن منهج آخر يولد لك مصطلحات أخرى تناسب عقيدتك ودينك
وتاريخك وإنسانك.
وإذا جاز أن نقبل المصطلح مع إجراء بعض التعديل عليه ليناسب بيئتنا، فما
قولك في مصطلح (الثيوقراطية) ، وهو (الحكم الإلهي) فقط سنستبعد منه احتكار
رجال الدين للحكم باسم وصاية السماء على ما عرفه التاريخ الكنسي الأوربي ويبقى
لنا أنها تعني جعل حكم الله هو المهيمن على البشر والمحدد لشريعة المجتمع، هل
نستطيع أن نقول حينئذ أن جوهر الديمقراطية (حكم الله) هو الإسلام؟ !
إنه بالقدر الذي تقول به: إن الديمقراطية من الإسلام، يصح القول إن
الثيوقراطية من الإسلام! ! أما نحن فنقول: إن الديمقراطية والثيوقراطية كلاهما
مصطلح أوربي النشأة والتكوين والتاريخ والدلالة، ولا يعنينا أمرها كمسلمين لأن
الإسلام لم يعرف حكم طبقة رجال الدين كما لم يعرف يوماً (صكوك الغفران) كما لم
يعرف الصراع بين الدولة المدنية والكنيسة أو بين الدين والدولة إجمالاً لأن الإسلام
كدين وتاريخ وحضارة يختلف عن المسيحية كدين وتاريخ وحضارة، مما يعزز لنا
-بالبديهية المحضة- اختلاف المصطلحات الفكرية والسياسية والمنهجية بين كلا
المنظومتين.
القضية هنا، أن بعض المسلمين يتخيل أن حقوق الإنسان والعدالة والحرية
وحق تداول السلطة ومنع التجبر في الأرض هي أمور حكر على التنظيم
الديمقراطي للمجتمع، بحيث لا يمكن لهم تصور هذه المبادئ تتحقق تحت أي مظلة
أخرى مصطلحية في الإسلام، وهذا خلل خطير، إن هذه الحقوق والمبادئ
الإنسانية مجرد ناتج لميلاد العلمانية/الديمقراطية في المجتمع الأوربي، ولكنها أيضاً
يمكن إنتاجها وحمايتها وفرضها في المجتمعات الأخرى عن غير طريق
العلمانية/الديمقراطية.
ولكن الهيمنة الفكرية الغربية على تيارات الفكر والسياسة في المجتمع
المعاصر، والجبروت الذي تمارسه المركزية الأوربية على عقول ونفوس أبناء
العالم الثالث - ومنهم كثير من المسلمين - لم تدع فرصة للعقل غير الأوربي أن
يفكر بأصالة، أو يتخيل نتاجاً فكرياً ومنهجياً لا يجذب إلى (القطب الأوربي)
ومنهاجه ومصطلحاته، فكانت معظم الجهود (العالمثالثيه) في مجال الأفكار والمناهج
والمصطلحات - ومنه هذه الفتوى - مجرد تذييلات وهوامش على المتن الأوربي،
بيد أننا في الحالة الإسلامية يأبى الضمير الإسلامي إلا أن يسجل تحفظاته الخجلى
على الديمقراطية، ويتجاهل أن هذه التحفظات تعني في الواقع الموضوعي رفض
الديمقراطية ولكننا نصر على الاحتفاظ بالمصطلح والدفاع عنه رغم أننا -
موضوعياً - أبطلناه.
إن حزب الفراشة الإيطالي - حزب المومسات - فرض نفسه على الساحة
الحزبية، ودخلت بعض أعضائه إلى البرلمان الإيطالي لكي يكون (صوت المومس)
كافياً لتشريع أي قانون جديد في المجتمع إذا تساوت الأصوات، الذي لا يريد أن
يعترف به الشيخ القرضاوي أن حزب الفراشة يمارس حق الديمقراطية، وأنك إذا
رفضت وجوده أو رفضت دخوله البرلمان، أو رفضت الاعتداد بأصوات أعضائه، فأنت غير ديمقراطي، وهذا فعل ضد الديمقراطية، هذه حقيقة موضوعية لا حيلة
لك فيها، ولا مهرب لك من الإقرار بها.
صحيح أنك ترفض ذلك وأنا كذلك أرفضه، ولكن معنى ذلك أننا نرفض
الديمقراطية كإطار منهجي للحكم في بلاد الإسلام، ويبقى أن نبحث أنا وأنت عن
مصطلح جديد ومنهج جديد، يربط بين الدين والدنيا، الشريعة والمجتمع، العدالة
والأخلاق، الحرية والقيم، حق الله وحق العباد، وهي كلها جوانب لا صلة
للديمقراطية بها ابتداءاً، ولا يؤرقك يا سيدي أن يرفض الغرب الاعتراف
بمصطلحك الجديد ومنهجك الجديد، فهو يرفض دينك من حيث الأصل [١] ، كما
أن المنطق الذاتي للديمقراطية التي تحكم حياته يلزمه بقبول وضعية التعددية، هذا
إذا أحسنا الظن بالتزامهم أي مبدأ لا سيما العلاقات الدولية.
في فتوى الشيخ يوسف القرضاوي عن الديمقراطية، هناك خلل آخر في
محاولته تحليل مشروعية بعض الجوانب الإجرائية في الممارسة الديمقراطية،
حيث حمل على فهم بعض الإسلاميين لها، وأنا أترك نص الحديث له ثم يكون
تعقيبنا:
يقول الشيخ: ومن الأدلة عند هذا الفريق من الإسلاميين على أن الديمقراطية
مبدأ مستورد، ولا صلة له بالإسلام، أنها تقوم على تحكيم الأكثرية، واعتبارها
صاحب الحق في تنصيب الحكام، وفي تسيير الأمور، وفي ترجيح أحد الأمور
المختلف فيها، فالتصويت في الديمقراطية هو الحكم والمرجع فأي رأي ظفر
بالأغلبية المطلقة أو المقيدة في بعض الأحيان فهو الرأي النافذ وربما كان خطأ أو
باطلاً.
هذا مع أن الإسلام لا يعتد بهذه الوسيلة ولا يرجح الرأي على غيره لموافقة
الأكثرية عليه، بل ينظر إليه في ذاته أهو صواب أم خطأ، فإن كان صواباً نفذ،
وإن لم يكن معه إلا صوت واحد، أو لم يكن معه أحد، وإن كان خطأ رفض، وإن
كان معه (٩٩) من ال (١٠٠) ! !
بل إن نصوص القرآن تدل على أن الأكثرية دائماً في صف الباطل وفي
جانب الطاغوت كما في مثل قوله تعالى: [وإن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ
عَن سَبِيلِ اللَّهِ] [الأنعام: ١١٦] ، [ومَا أَكْثَرُ النَّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ]
[يوسف: ١٠٣] ، وتكرر في القرآن مثل هذه الفواصل القرآنية [ولَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ
لا يَعْلَمُونَ] [الأعراف: ١٨٧] .
ثم يضيف الشيخ معقباً على ذلك بقوله: وهذا الكلام مردود على قائله وهو
قائم على الغلط والمغالطة. فالمفروض أن نتحدث عن الديمقراطية في مجتمع مسلم
أكثره ممن يعلمون ويعقلون ويؤمنون ويشكرون ولسنا نتحدث عن مجتمع الجاحدين
أو الضالين عن سبيل الله.
ثم إن هناك أموراً لا تدخل في مجال التصويت ولا تعرض لأخذ الصوت
عليها، لأنها من الثوابت لا تقبل التغيير إلا إذا تغير المجتمع ذاته ولم يعد مسلماً.
فلا مجال للتصويت في قطعيات الشرع وأساسيات الدين وما علم منه
بالضرورة إنما يكون التصويت في الأمور الاجتهادية التي تحتمل أكثر من رأي،
ومن شأن الناس أن يختلفوا فيها، إذا اختلفت الآراء في هذه القضايا فهل تترك
معلقة أو تحسم؟ هل يكون ترجيح بلا مرجح؟ أم لابد من مرجح؟
إن منطق العقل والشرع والواقع يقول لا بد من مرجح، والمرجح في حالة
الاختلاف هو الكثرة العددية فإن رأي الاثنين أقرب إلى الصواب من رأي الواحد
وفي الحديث: «إن الشيطان مع الواحد وهو مع الاثنين أبعد» ، وقد ثبت أن
النبي ﷺ قال لأبي بكر وعمر: «لو اجتمعتما على مشورة ما
خالفتكما» أ. هـ..
وهذا الكلام يحتاج إلى بعض التفصيل لما فيه من أوهام ومغيبات وبداية أنا
أتعجب من كون الشيخ وضع رأي مخالفيه الذين يرى بطلان قولهم وصدره بأنهم
يرون أن الديمقراطية مبدأ مستورد، ولا صلة له بالإسلام، فهل يرى الشيخ
القرضاوي - يا ترى - أن الديمقراطية مبدأ غير مستورد، وأنه مبدأ أصيل نشأ
وتولد وترعرع في حنايا التاريخ الإسلامي وتحولاته الحضارية والمنهجية والدينية
والسياسية؟ ! فمتى إذا حدث ذلك؟ وفي أي زمن منذ بعثة النبي -صلى الله عليه
وسلم- حتى منتصف القرن التاسع عشر الميلادي؟ ! ومتى استوردت أوربا
الديمقراطية من المسلمين؟ ! وما ملابسات ذلك الحدث التاريخي الفذ والمثير الذي
خفي على العالمين هذه القرون الطويلة؟
أظن إنه ما كان يليق بالشيخ أن يصدر حديثاً بتلك العبارة وذلك أنه أو أي
مسلم آخر لا يستطيع الادعاء بأن الديمقراطية مبدأ غير مستورد من المنظومة
الأوربية، وإنما الخلاف هو في موقف الإسلام منها، هذه واحدة، أما قول الشيخ
في رده (المفروض أن نتحدث عن الديمقراطية في مجتمع الجاحدين أو الضالين عن
سبيل الله) ، فهذا فساد موضوعي ظاهر، فالديمقراطية لا تعني بهوية الإنسان
وإيمانه وكفره، نوعية القيم التي يحملها، فالكل سواء، عالم الدين والبغي والمسلم
والنصراني، أما إذا قلت بأن حق الممارسة الديمقراطية في المجتمع المسلم موقوف
على المسلم المتدين ولا يدخل فيه غير المتدين، أو الشاذ جنسياً أو النصراني أو
اليهودي أو الملحد، فأنت بذلك تتحدث عن نظام آخر، ومنهج آخر، سمه ما شئت، إلا أنه - على وجه القطع - ليس الديمقراطية، وكذلك قول الشيخ (ثم إن هناك
أموراً لا تدخل مجال التصويت ولا تعرض لأخذ الأصوات عليها لأنها من الثوابت
التي لا تقبل التغيير، إلا إذا تغير المجتمع ذاته ولم يعد مسلماً.
والمفارقة التي يستغربها الشيخ هنا أن المجتمع إذا تغير ولم يعد مسلماً أمكن
له أن يكون ديمقراطياً، أما إذا ظل مجتمعاً مسلماً فقطعاً لن يكون ديمقراطياً، لأنه
يملك منظومة أخرى من الثوابت والعقائد والقيم التي يستحيل إخضاعها لرأي البشر.
وهنا نعود إلى أصل الخلل في تصور الشيخ لماهية الديمقراطية وجوهرها،
ففي الديمقراطية الشعب هو المرجع، وهو الحاكم، وهو المشرع، وهو الثابت
الوحيد، فإذا قلت: إن هناك أموراً لا تخضع للتصويت أو لا تدخل في مجال
التصويت، فأنت بذلك غير ديمقراطي قطعاً، وإذا قلت: إن هناك ثوابت فكرية أو
دينية أو خلقية أو اقتصادية أو سياسية لا تقبل التغيير فأنت بذلك غير ديمقراطي،
وكذلك قول الشيخ (فلا مجال للتصويت في قطعيات الشرع) قول غير ديمقراطي،
لأن تقريرك أن هناك شرعاً يحكم فوق إرادة البشر فهذا طعن في صلب الديمقراطية
وجوهرها.
هل اتضحت الصورة الآن أمام الشيخ وهويدي وتياره؟ إنني أوافقهم تماماً
على كل الضوابط والحدود والأطر التي وضعوها لسياسة المجتمع المسلم، ولكن
الخلل الأساسي أنهم يأبون - ولا أدري لماذا - إلا أن يضعوا شعار الديمقراطية
على منهج الله ونظام الإسلام السياسي، هل يظنون أنهم يجملون الإسلام ومنهجه
بوضعهم هذه اللافتة المستوردة عليه؟ إن الإسلام - يا أصحابي - أجمل وأعلى
وأطهر وأعدل من الديمقراطية ومن كل تصور بشري وضع لسياسة المجتمع، لا
أقول ذلك مجرد انتصار للدين، أو حماسة إيمانية مجردة وإنما هي قناعة راسخة
من تجوال البحث والنظر والتأمل في تحولات التاريخ الإنساني القديم والحديث
ومآلات الأوضاع في العالم الإنساني المعاصر.
يا إخواني: إنكم بذلك تثيرون الارتباك والحيرة والتشتت الذهني في عقول
وضمائر شباب الصحوة الإسلامية، الذي تأمل من الأمة تحقيق نهضتها المرتجاة.
لماذا لا تبحثون عن فكرة أصيلة بناءة، تصوغون بها مشروعاً إسلامياً أصيلاً
للنهضة لتنظيم الفعل الاجتماعي الإسلام الجديد؟ هل أصبحت وظيفة الفقيه المسلم
أو المفكر الآن أن ينتظر البضاعة الغربية فكرية أو مادية لكي يضع عليها الشعار
التقليدي: (مذبوح على الطريقة الإسلامية) ؟ .
يا إخواني: ألم يعرف الإسلام نظاماً ومجتمعاً وحضارة ونظريات سياسية
وأنماط إدارية قبل ظهور الديمقراطية؟ ألم يعرف الإسلام ومجتمعه عدلاً ورحمة
وحرية واستنارة وتحضراً وشورى وتعددية فكرية ومذهبية وغير ذلك قبل ظهور
الديمقراطية؟ !
إذا كان الإسلام يعرف ذلك فحدثونا عنه، وأعيدوا صياغته، وطوروا آلياته
ومؤسساته، ودققوا في تنظيماته ووسائل تحقيقه، وولدوا ما تحتاجون إليه من
مصطلحات أصيلة وشعارات مسلمة تعبر عن خصوصية منهج الإسلام في الحكم
بدلاً من هذا التسول الفكري والمذهب الاصطلاحي المزري والمهين عند أعتاب
الفكر الأوربي الحديث.
فضيلة الشيخ يوسف، الديمقراطية والعلمانية وجهان لعملة أوربية واحدة،
ومن قال لك غير ذلك فقد كذبك، وكلاهما مرفوض إسلامياً، ولكن ليس معنى
رفضهما أننا - بالحتم - نرفض بعض النتاجات التي تولدت عنها والتي تتشابه مع
بعض القيم الإسلامية، فحق الأمة في اختيار الحاكم وحق عزله إذا انحرف أو
محاسبته إذا أخطأ، وحرية الرأي وحق الاختلاف، وحفظ كرامة الإنسان وآدميته،
وحق تداول السلطة، واحترام حقوق الأقليات ونحو ذلك كل هذه أركان أصيلة في
منهج الإسلام في الحكم بنص كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ،
ولكنها أركان تقوم على أسس تصورية وعقيدية، وتحكمها ضوابط وأطر منهجية،
تختلف تماماً عن الأسس والضوابط التي تمثلها (الديمقراطية) كمنهجية لسياسة
المجتمع البشري.
يا فضيلة الشيخ، ليس هذا دورك، ولا تلك قضيتك، وإنما هذه تهويمات
أدعياء الاستنارة والمترفين فكرياً، والذين لا يحملون هموم الأمة ونهضتها ولا
يعرفون قدر دينهم ومعنى أنهم يحملون رسالة الإسلام للعالمين.
يا فضيلة الشيخ، لقد سارت فتواك في الناس، واطلع عليها الجمع الغفير من
مثقفي الأمة، إني أسألك بحق العهد والميثاق الذي تحملونه (لتبينه للناس ولا
تكتمونه) أن تعيد النظر وتجيله فيما أثبته في هذا الحوار، لعل الله يهدينا لأقرب من
هذا رشداً، والحمد لله أولاً وآخراً، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 1297
خواطر في الدعوة
[ولا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ]
محمد العبدة
جاءتني رسالة من طلبة مسلمين يدرسون في أقصى المشرق، يقولون فيها
أنهم متحيرون بما تعج به الساحة الإسلامية من القيل والقال عن فلان الداعية أو
الجماعة الفلانية، فنسمع من القدح ما يصل إلى درجة التضليل والانحراف،
والأسماء كثيرة ومتنوعة، ونحن نبحث عن الحق وعن المنهج الذي يجب على
المسلم الالتزام به تجاه ما يدور حوله.
إن تساؤلات هؤلاء الإخوة ليست قاصرة عليهم، بل ربما سمع كثير من
الشباب المسلم بمثل ما سمعوا، ووقفوا متحيرين متسائلين عن وجه الحق في غمرة
هذا التفرق والتشرذم، ونحن نعذر بعض العذر هؤلاء الإخوة لكثرة ما يقال ويكتب
في أمور تشوش الذهن وتكدر الخاطر، وليس فيها مصلحة للدعوة. ونقول بعض
العذر لأن المسلم المتعلم أمثالهم يجب أن يملك الميزان لمعرفة واقع الدعوات والدعاة، ومن أَوْلى الموازين في ذلك قوله تعالى: [ولا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ] وكثير
مما يقال هو بالتأكيد أقوال بلا علم، أغلبها روايات تنشر تعتمد على الحزبية،
والقراءات ضعيفة والتحقيق يتعبهم، وعندئذ يلقى القول على عواهنه.
ومن الموازين أن منهج أهل السنة والجماعة - وهم خير القرون - هو
الأصل في هذا، ومنهجهم في الفهم والاستدلال من الكتاب والسنة، وكل من كان
أقرب إلى هذا المنهج فهو الأقرب إلى الحق، ويجب على المسلم مؤازرته
ومناصحته، وهذا المنهج ليس كلمة تقال في المحافل بل تطبيق علمي وعملي
لقواعده، واحترام لعلمائه ودعاته، ومن تطبيقات هذا المنهج الإنصاف في الحكم
ولو على الأعداء وعدم الخوض في أعراض المسلمين إلا أن يكون داعي بدعة أو
ضلالة. والفرق المنحرفة لا تملك هذه الأخلاق، فتراهم يَدَعون أهل الجَوْر والفسق
والفجور، ويلاحقون الدعاة بالنقد والتجريح، وهذه طريقة الخوارج بعينها كما
وصفوا بأنهم يدعون أهل الأوثان ويقتلون أهل الإيمان.
ومن الموازين أن أصحاب المنهج السليم يهيئ الله لهم القبول في الأرض،
فتكون طريقتهم مرضية، ويوفقون في مسائل العلم التي يطرحونها، وفي عرض
الإسلام للناس ودعوتهم إليه، وأهل البدع ليسوا كذلك، وهذا مما يزيدهم حنقاً
وحقداً فتكثر اتهاماتهم ويكثر لغطهم، ويكون هذا من الابتلاء وزيادة الأجر لمن
يتكلم فيه الناس، وشيء آخر وهو أن الأمور بخواتيمها، ومن ثمراتهم تعرفونهم،
فانظر أيها السائل في الساحة الإسلامية؛ من الذي يقدم العطاء؟ ومَنْ الذي لا يقدم، وقد قال السلف: إذا رأيتم من يذكر الإمام مالك بسوء فاعلموا أنه مبتدع.
стр. 1298
مصطلحات وتعريفات
عثمان جمعة ضميرية
يتردد في كتب العقيدة الإسلامية، بعض الألفاظ والمصطلحات، ينبغي أن
نحدد معناها، وأن نتعرف عليها، لأن ذلك أمر ضروري، منعاً للالتباس واختلاط
المفاهيم، وسنشير فيما يلي إلى ثلاثة مصطلحات هي: أهل السنة والجماعة،
والسلف، وأهل الحديث.
١ - أهل السنة والجماعة:
ويجمع هذا المصطلح وصفين اثنين لأصحابه، وهما: السنة والجماعة. قد
تقدم فيما سبق شرح معنى السنة في اللغة العربية وفي الاصطلاح الشرعي العام،
وفيما يراد بها في كتب العقيدة. ولذا نشير هنا إلى معنى الجماعة، ومن ثم نجمع
بين هذين الوصفين فيتضح لنا عندئذ معنى هذا المصطلح المركب منهما.
الجماعة في اللغة: مأخوذة من الجمع، وهو ضم الشيء بتقريب بعضه من
بعض. يقال: جمعته فاجتمع [١] .
قال ابن فارس في «معجم مقاييس اللغة» [٢] :
«الجيم والميم والعين أصل واحد، يدل على تضامّ الشيء. يقال: جمعت
الشيء جمعاً: والجُمَّاع: الأُشابة من قبائل شتى.. وقدر جماع وجامعة، وهي
القدر العظيمة..» .
والجميع: ضد المتفرق، والمجموع: الذي جمع من هنا وهنا، وإن لم يجعل
كالشيء الواحد.
وفلاة مجمعة: يجتمع القوم فيها ولا يتفرقون، خوف الضلال ونحوه، كأنها
هي التي جمعتهم. وكلمة جامعة: كثيرة المعاني على إيجازها، وجمعها: جوامع،
كما في الحديث: «أوتيت جوامع الكلم» [٣] .
والجماعة: العدد الكبير من الناس.. وهي أيضاً طائفة من الناس يجمعها
غرض واحد [٤] .
والجماعة هي الاجتماع، وضدها: الفرقة.. وصار لفظ الجماعة اسماً لنفس
القوم المجتمعين [٥] .
ومن هذه النصوص اللغوية وأمثالها نلاحظ أن الجماعة تتكون من جملة
عناصر هي: الضم والتقريب بين أناس من هنا وهناك، أي من جماعات شتى،
وفيها معنى العظمة والكثرة، وأن الاجتماع وعدم التفرق يهدف إلى عدم الضلال
والضياع، وللجماعة الكثيرة هذه هدف وغرض واحد تلتقي عليه، فهي تسير على
منهج واحد لتصل إلى غرضها وغايتها. ولعل هذه الصفات والأمور كلها لا تخرج
عن المفهوم العام والمعنى الذي يريده العلماء من هذا المصطلح «أهل السنة
والجماعة» .
وقد أمر الله تعالى في كتابه الكريم بالجماعة والائتلاف، ونهى عن الفرقة،
والاختلاف فقال: [واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً ولا تَفَرَّقُوا] [آل عمران: ١٠٣] ، [ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ وأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ
عَظِيمٌ] [آل عمران: ١٠٥] .
وتواردت أحاديث النبي ﷺ في الأمر بملازمة الجماعة
والتحذير من مفارقتها، كقوله ﷺ في حديث أبي هريرة -
﵁: «من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات، مات ميتة
جاهلية» [٦] .
وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله -صلى الله
عليه وسلم-: «من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد،
وهو من الاثنين أبعد» [٧] .
وعن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله -صلى الله
عليه وسلم-: «الجماعة رحمة، والفرقة عذاب» [٨] ٠٠ الخ.
واختلف العلماء في المراد بهذه الجماعة التي أمر النبي -صلى الله عليه
وسلم- في هذه الأحاديث وما في معناها - بملازمتها.
وقد أجمل الشاطبي ﵀ ذلك في خمسة أقوال:
١ - أنها السواد الأعظم من أهل الإسلام، فالسواد الأعظم هم الناجون من
الفرق، فما كانوا عليه من أمر دينهم فهو الحق، ومن خالفهم مات ميتة جاهلية
سواء خالفهم في شيء من الشريعة أو في إمامهم وسلطانهم، فهو مخالف للحق.
٢- أنها جماعة أئمة العلماء المجتهدين، فمن خرج مما عليه علماء الأمة مات
ميتة جاهلية، لأن جماعة الله هي العلماء، جعلهم الله حجة على العالمين، وهم
المعنيون بقوله ﷺ : «إن الله لن يجمع أمتي على
ضلالة» [٩] ، وذلك أن العامة عنها تأخذ دينها، وإليها تفزع عند النوازل، وهي تبع لها. فمعنى قوله «لن تجتمع أمتي» : لن يجتمع علماء أمتي على ضلالة.
فعلى هذا القول: لا مدخل في السؤال لمن ليس بعالم مجتهد، لأنه داخل في
أهل التقليد، فمن عمل منهم بما يخالفهم فهو صاحب الميتة الجاهلية. ولا يدخل
أيضاً أحد من المبتدعين.
٣- أن الجماعة هي الصحابة على الخصوص، فإنهم الذين أقاموا عماد الدين
وأرسوا أوتاده، وهم الذين لا يجتمعون على ضلالة أصلاً، وقد يقع من سواهم فيها. ألا ترى قوله ﷺ : «لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس [١٠] .
٤ - أن الجماعة هي جماعة أهل الإسلام، إذا اجتمعوا على أمر، فواجب
على غيرهم من أهل الملل اتباعهم، وهم الذين ضمن الله لنبيه ﵊
أن لا يجمعهم على ضلالة، فإن وقع بينهم اختلاف، فواجبٌ تعرُّف الصواب فيما
اختلفوا فيه.
قال الشافعي: الجماعة لا تكون فيها غفلة عن معنى كتاب الله وسنةٍ ولا قياسٍ، وإنما تكون الغفلة في الفُرقة.
وكأن هذا القول يرجع إلى الثاني، وهو يقتضي أيضاً ما يقتضيه، أو يرجع
إلى القول الأول وهو الأظهر.
وفيه من المعنى ما في الأول: من أنه لا بد من كون المجتهدين فيهم، وعند
ذلك لا يكون مع اجتماعهم على هذا القول بدعة أصلاً، فهم - إذاً - الفرقة الناجية.
٥- ما اختاره الإمام الطبري من أن الجماعة جماعة المسلمين إذا اجتمعوا
على أمير. فأمرَ ﵊ بلزومه، ونهى عن فراق الأمة فيما اجتمعوا
عليه من تقديمه عليهم.
وقد قال ﷺ :» من جاء إلى أمتي ليفرق جماعتهم
فاضربوا عنقه كائناً من كان « [١١] .
وحاصله: أن الجماعة راجعة إلى الاجتماع على الإمام والموافق للكتاب
والسنة، وذلك ظاهر في أن الاجتماع على غير سنَّةٍ خارج عن معنى الجماعة
المذكورة في الأحاديث المذكورة، كالخوارج ومن جرى مجراهم [١٢] .
وما ننتهي إليه في معنى أهل السنة والجماعة: أنها الفرقة التي وعدها النبي
ﷺ بالنجاة من بين سائر الفرق. ومدار هذا الوصف على اتباع
سنة النبي ﷺ وموافقة ما جاء به من الاعتقاد والعبادة والهدي
والسلوك، وملازمة جماعة المسلمين، وهو الحق الذي ينبغي التمسك به.
فعن عمرو بن ميمون قال: قدم علينا معاذ بن جبل على عهد رسول الله -
ﷺ فوقع حبه في قلبي، فلزمته حتى واريته في التراب بالشام،
ثم لزمت أفقه الناس بعده: عبد الله بن مسعود، فذكر يوماً عنده تأخير الصلاة عن
وقتها، فقال: صلُّوها في بيوتكم واجعلوا صلاتكم معهم سُبْحة. قال عمرو بن
ميمون: فقيل لعبد الله بن مسعود: وكيف لنا بالجماعة؟ فقال لي: يا عمرو بن
ميمون، إن جمهور الجماعة هي التي تفارق الجماعة. إنما الجماعة ما وافق طاعة
الله وإن كنت وحدك [١٣] .
وقد سُمِّيَتْ بأهل السنة والجماعة لتمسكهم بسنة النبي ﷺ ، والعمل بها، واتباعهم لما جاء به؟ ولأنهم يعتصمون بالحق وما عليه جماعة
المسلمين فلا يفترقون في الدين، وبذلك يكونون على الصراط المستقيم الذي هو
دين الإسلام المحض الخالص، وهو ما في كتاب الله تعالى، فهو السنة والجماعة،
فإن السنة المحضة هي دين الإسلام المحض [١٤] .
وأهل السنة والجماعة ليسوا محصورين في جماعة معينة أو فئة أو بلد أو
زمن دون الآخر، إذ كل من اتصف بسمات أهل السنة وكان على منهجهم فهو
داخل في دائرة أهل السنة والجماعة. وبهذا يلتقي مفهوم أهل السنة مع مفهوم
السلف -الأتي-.
-يتبع -
стр. 1299
البيان الأدبي
رؤية في تأسيس الأدب على الدين
د. مصطفى السيد
إذا كانت وثنية اليونان بما فيها من أرباب متفرقين إحدى أهم ينابيع الرؤيا
للأدب والفلسفة في تلك الأمة؛ وإذا كان [الكتاب المقدّس العمود الفقري للآداب
الغربية في شتى صورها] [١] فهل يكون بدعاً من القول، ومستهجناً من الرأي أن
يدعو المسلم الأدباء الذين أشربوا في قلوبهم الإيمان لتأسيس رسالة الأدب تأسيساً لا
يناقض روح النص الإسلامي المتمثل (بفَقَار العربية) [٢] القرآن الكريم والحديث
الشريف؟
لا أعتقد أن مثل هذه الدعوة ستنبذ من قبل أمة تعتز بصبغة الله [٣] [ومَنْ
أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ونَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ] [البقرة: ١٣٨] . بل إن مثل هذه الأمة
لن تجد غضاضة فى أن ترتد في الحافرة [٤] ، لتأطر [٥] الإبداع الأدبي والدرس
النقدي بقوة إلى العودة إلى فضاء التصور الإسلامي، ولكنها ليست أوبة يكون
عمادها الاسترجاع الآلى أو المحاكاة الشكلية للدور المفقود، بل هي أوبة واعية
للذات والموضوع، ترعى رسالتها وتراعي المستجدات، تملك التراث ولا يملكها،
وتمسك بالحاضر ولا يمسكها، وتستشرف المستقبل دون أن يستقر فيها فيقطعها عن
ماضيها وحاضرها أو يغرقها في بحاره، ويسجنها في إساره [٦] .
إن الدرس الأدبي الأول الذي اتخذ القرآن الكريم محوراً، هو الذي وضع
المعالم الأساس والبذور الأولى لنظرية (لغة الأدب) وهو الذي كشف عن أدبية
النص وليس الشكلانيين الروس كما هو مستقر حالياً في المصادر الأوربية المختلفة. ذلكم الدرس الأدبي الأول الذي تمحور حول اللغة في القرآن الكريم، وأنتج
التآليف التي قامت على رصد مظاهر الانحراف في العبارة الأدبية بالقياس إلى اللغة
في مستواها المثالي، وهذا في الواقع هو المبرر الحقيقي لكي نسجّل للنحاة العرب
والقائمين على الدراسة اللغوية للنص القرآني، أوليتهم في البحث البلاغي، وذلك
عندما صنعوا ما سار عليه المحدثون من أصحاب النحو التحويلي من تفريقهم بين
ما أطلقوا عليه: البنية السطحية وما أطلقوا عليه البنية العميقة [٧] .
إن المحاولات الدؤوب لجمع ما تناثر عن إعجاز القران الكريم في القرن
الأول والثاني الهجريين وتأطيره تمهيداً لتنظيره بمنظومة معرفية متكاملة، هذه
المحاولات كانت خيراً عميماً لكل الأطراف - الدارس/الموضوع /القارئ - انتقل
معها وبها العقل العربي المسلم من الجزئي إلى الكلي، ومن الظاهرة إلى النظرية،
ومن الملاحظات المتناثرة إلى العلوم المتماسكة والثقافة المتآزرة. كما كانت قيمتها
الأخلاقية ودلالاتها الجمالية ملتحمتين متوحدتين تأخذان بجماع عقل القارئ وتسدّان
عليه أبواب الملل والسأم.
إن ذلك حصل كله بفضل الله ثم بما (كان لإعجاز القرآن من تأثير في تحريك
الفكر اللغوي والأدبي والبلاغي والكلامي على حد سواء. فقد كان الانشغال بظاهرة
إعجاز القرآن أكبر حافز للفكر العربي يومئذ على ارتياد مسالك الدرس اللغوي
والأدبي. إذ بقدر ما كان لإعجاز القرآن من الوقع في نفوس الذين سمعوه أول مرة، وانبهروا ببيانه، واعتبروه دليلاً لا يرد على نبوة محمد ﷺ
بقدر ما ظل هذا الإعجاز يحتل حيزاً كبيراً من اهتمامات العلماء والدارسين على مر
الأجيال، فلم يتوقف الفكر عبر العصور الماضية عن البحث في وجوه إعجازه،
سواء كان ذلك بدافع الحاجة المتجددة إلى الدفاع عن هذا الإعجاز، أو كان بدافع
تبيين وجوهه، وتأسيس العلوم المتفرعة عنه، أو المقعِّدة لقواعده. فكان القرآن
منطلق النظر في كل القضايا اللغوية والأدبية التي انشغل بها البحث فيما بعد) [٨] .
إن تلك المدارسة للقرآن الكريم أنجبت للعربية بل للدراسات الجمالية في العالم
كله مجرّة من العبقريات الإسلامية، أذكر منها على سبيل المثال لا الإحصاء: عبد
القاهر الجرجاني (٤٧١- أو ٤٧٤ هـ) ذلك العالم الذي أعطى علم البلاغة (هويته الكاملة) كما يقول الدكتور شكري عيّاد [٩] وسبق بدراساته لأساليب القرآن الكريم أحدث ما وصل إليه عالم اللغة السويسري (دي سوسير) كما يقول الدكتور محمد مندور [١٠] وهو النقاد الأول الذي اكتنه الطبيعة البنيوية للصورة كما يقول الدكتور كمال أبو ديب [١١] .
وهكذا فإن الإبداع في التراث العربي كان ينظر إليه دائماً وعلى مر العصور
بأنه مرتبط بالدين، لا نستطيع أن نتحدث عن إبداع عربي دون أن ندخل في
الاعتبار العامل الأساسي وهو الرؤية الإسلامية إضافة إلى ما تمتاز به الحضارة
العربية من مقومات كثيرة، لكن هناك جانباً هاماً في تراثنا هو الجانب
الإسلامي [١٢] .
إن تأسيس الإبداع أدباً ونقداً على الاقتباس من النص الإسلامي علاوة على ما
يمنحه للأدباء من قراءة واعية للقرآن الكريم والحديث الشريف، فإن هذا التأسيس
يشكل حصناً منيعاً أمام محاولات وغارات الاجتياح الثقافي والروحي للأمة، ولكم
دفع المسلمون ثمناً باهظاً للتضاد القائم بين خطابهم الأدبي ورسالتهم العقدية.
ثم لمصلحة من يغيب أو يغيّب إسلامنا عن أدبنا؟ حتى بلغ الأمر أحياناً إذا
ذكر الدين في معرض الحديث عن الأدب، اشمأزت قلوب كثيرة، وإذا ذكر ما
دونه أو من دونه إذا هم يستبشرون.
ثم أليس في تأسيس الأدب على الدين عود بالأمر إلى ينبوع الرؤية الأولى في
هذا الكون، إذ أن (الآداب العالمية إنما نشأت نشأة دينية [١٢] ، ويرى ويليام بليك
(أن العهد القديم والجديد هما شريعة الفن العظيمة) [١٣] ، ويقول تومارس هاردي:
(إن الأدب الصرف يشمل الدين لأن الشعر والدين يتماسان) [١٤] .
ولم يكن إيماني بهذا الأمر ليتوقف على مقالات الغربيين، ولكن عندما يرى
المرء أن التغرب أوشك أن يصادر بعض العقول في بلادنا أحببت أن أذكِّر بأن
الاحتفاء بالفكر الغربي يسع الجانب الإيجابي من هذا الفكر أيضاً.
إن (الإنسان منذ مولده قد استودع فطرة باطنة، بعيدة الغور في أعماقه توزعه
- تلهمه وتحركه - أن يتوجه إلى عبادة رب يدرك إدراكاً مبهماً أنه خالقه وحافظه
ومعينه، فهو لذلك سريع الاستجابة لكل ما يلبي حاجة هذه الفطرة الخفية الكامنة في
أغواره، وكل ما يلبي هذه الحاجة هو الذي هدى الله عباده أن يسموه «الدين» ولا
سبيل البتة أن يكون شيء من ذلك واضحاً في عقل الإنسان إلا عن طريق «اللغة» والدين واللغة - منذ النشأة الأولى - متداخلان تداخلاً غير قابل للفصل، ومن
أغفل هذه الحقيقة ضل الطريق، وأوغل في طريق الأوهام، هذا شأن كل البشر
على اختلاف مللهم وألوانهم) [١٥] ، ويقول العلامة محمود محمد شاكر أيضاً في
سفره الرائع -أباطيل وأسمار- درة الأدب الإسلامي اليتيمة:
«إنه لأمر مفروغ منه ارتباط الآداب بتاريخ الأمة وعاداتها وأخلاقها
ودياناتها، وما شئت من شيء تعدّ به الأمة ذات كيان قائم متميز، ودارس الآداب
إذا لم يكن مطيقاً لذلك كله، بصيراً به، حسن التصرف في جليله ودقيقه، جيد
الفهم لغوامضه ومبهماته، فهو حري أن يشوه الصورة عند تركيبها، تشويهاً فيه من
الشناعة ما يجعل دراسته مُثْلَة بمن يدرسه، كما يمثل المحارب المحترق بجثة عدوه، وقد أطارت لبه حدّة العداوة والحقد، واتقان دراسة هذه المادة كلها تعد دراسة أدبية
محضة، فلا يستطيع دارس أن يقول للناس: إنها ليست من صميم اختصاصي! !
فإذا قالها، فذلك إيذان منه بأنه فقد التمييز، وجهل أساس كل منهج، واستحق
أن يطرح الناس ما يقوله، إذا هو لم يجد عند نفسه القدرة على أن يستحي فيستر ما
يكتب، ويغيبه في التراب عن أعين الناس. وظني أن هذا الذي قلته عن المنهج
كاف في تمثل التبعة التي يتحملها دارس الآداب، وفي إدراك التبعة التي يحملها
القارئ حين يعرض عليه دارس ما درس، فالأمر من أي نواحيه أخذته إذن جد لا
هزل فيه) [١٦] .
وفي ارتكاز الأدب على الدين مورداً ومصدراً إبداعاً ونقداً يرد البشرية
المعاصرة إلى نقطة البداية في قصة الوجود الأولى، وذلك عندما أهبط أبو البشرية
آدم إلى الأرض، بعد أن كرمه الله سبحانه بإسجاد الملائكة فيتذكر الأبناء تكريم
الأب، ويتذاكرون سيرته وعقيدته /التوحيد /ودينه /الإسلام / فيؤول من وفق منهم
إلى الأصل ليأوي إلى ركن شديد، بعلو النسب الأبوي والعقدي، ويدرك الأبناء أن
عدوهم اليوم هو عدو أبيهم بالأمس، وأن هذه العداوة دائمة وقائمة إلى ما شاء الله
أن تبقى، لا كما صوره عمل يعد من أعظم المنجزات الأدبية في الغرب وهو
مسرحية (فاوست) للشاعر الألماني جوته (ت ١٨٣٢م) أن مختلف القراءات ...
المسرحية تعطي للشيطان دوراً جديداً في عالم ألغى الدين، ولم يدع منه إلا معالم
باطلة، وأعدل هذه القراءات طريقة وهي التي ترى أن (هذه المسرحية تعد
تشخيصاً لانتقال الإنسان من الإيمان بالغيب وطلب المعرفة عن طريق
الأرض [١٧] إن هذه القراءة مرفوضة في التصور الإسلامي مقدمات ونتائج. إن الإسلام بوصفه ديناً إلهي المصدر، عالمي الهدف إذا ما استند النص الأدبي إلى هاتين الحقيقتين فيما يعالج من قضايا. فمن المرجح - بفضل الله - ألا تغادر نصوص مثل هذا الأدب عقل المتلقي دون أن تظفر باستجابة عاجلة أو آجلة كبيرة أو صغيرة ولا سيما المتلقى الكتابي، الذي يقرأ في إنجيل متى قول المسيح ﵇: (لا تظنوا أني جئت لأنقض ناموس الأنبياء، ما جئت لأنقض، بل لأكمل) [١٨] ، وصدق الله العظيم القائل: [وإذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إسْرَائِيلَ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ ومُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ] [الصف: ٦] .
ولا يظن الكاتب أن جهوده ستكون هباءً منثوراً، أو تلقي بها الريح في مكان
سحيق، فإن الخطاب الوثني المعاصر قد آتى أكله، وزرع سمومه في الكثير من
عقول المسلمين ومناهجهم وآدابهم وبات تقليده ومحاكاته من مقومات المعاصرة عند
الكثيرين [١٩] . وعلى العكس من ذلك فإن المسلمين - يمكن أن يكونوا - بخطابهم
المتوازي مع عقيدتهم - غازين لا مغزوين - مبادرين لا متفرجين، أصحاب رسالة
عالمية لا منفذي أوامر مشبوهة.
إن رسول الله ﷺ قد شن حرب الكلمة، قبل أن يبدأ
حرب الأسلحة، لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، فقد بعث
إلى هرقل عظيم الروم بكتاب يدعوه فيه إلى التوحيد واتباعه، وذلك قبيل مغيب
شمس الدولة الرومانية في المشرق، وأوشك هذا الجواب أن يغير سير التاريخ، إذ
استقبله هرقل بقبول حسن وكان آخر كلامه بعد حواره مع أبي سفيان - قبل أن
يسلم - (قد كنت أعلم أنه خارج، لم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص
إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت قدمه) [٢٠] .
وهكذا فإن أكثر أهل الكتاب لم يكونوا غائبين عن مسيرة دعوة نبينا محمد
عليه وعلى آبائه من الأنبياء الصلاة والسلام، ولقد تجاوز بعضهم مرحلة الأمنية
التي تمناها هرقل (فلو أني أعلم أني أخلص إليه..) خلصوا إليه وأسلموا، كسلمان
﵁ الذي طوّف الآفاق وجاب القفار حتى استقرت به النوى بين يدي
رسول الله ﷺ فأسلم، وكعبد الله بن سلام، الذي قطع صلته
باليهودية وعاد إلى ملة أبيه إبراهيم المتمثلة بدعوة محمد ﷺ
وسائر إخوانه الأنبياء [الأنبياء إخوة لعلاّت، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد] [٢١]
وصدق الله العظيم القائل: [قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ ومَا أُنزِلَ إلَيْنَا ومَا أُنزِلَ إلَى إبْرَاهِيمَ
وإسْمَاعِيلَ وإسْحَاقَ ويَعْقُوبَ والأَسْبَاطِ ومَا أُوتِيَ مُوسَى وعِيسَى ومَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ
مِن رَّبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ] [البقرة: ١٣٦] .
ولقد تحسر ورقة بن نوفل ألا يكون حياً إذ يخرج الرسولَ قومُه، كما أنه لم
يكتم - بالرغم من تنصره - نسبة الرسول ﷺ إلى دوحة النبوة
المباركة: فقال للنبي ﷺ وقد أتت به خديجة -رضي الله
عنها- إليه:» هذا الناموس الذي نزل الله على موسى «مبدياً استعداده لنصرته
إن مد الله بعمره» وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً « [٢٢] .
وإذا كان من [أولى المسلمات أن وظيفة العمل الأدبي على اختلاف لغته
وأشكاله هي ربط الأنا بالغير] [٢٣] فإن الكلمة تظل جسراً أساساً ومعبراً ضرورياً
إلى عقول الآخرين. ومن أولى من الأدباء المؤهلين بما استوعبوه من فهم للإسلام
وما أوتوه من موهبة أدبية وجمالية، من أولى منهم باستشراف هذا الدور وأداء هذه
الرسالة؟ وإذا كان مستقبل الإسلام يشغلنا جميعاً فإن السؤال القمين بالإجابة: ما
دور الأديب المسلم في تحقيق هذا المستقبل؟
стр. 1300
شاعرٌ جدير بأن يُعرف
محمود مفلح
أحن إلى تلك العصافير في الضحى ... لها بين أغصان الشجيرات ملعبُ
إلى نهرها ينساب بين سهولها ... يتيه دلالاً حيثما يتشعب
إلى البلبل الظمآن للنور والندى ... ورغم جفاء القفر يشدو ويطرب
لقد بسطت أسماء شعرية محددة نفوذها على القارئ، حتى أصبح لا يعرف
سواها، ولعبت وسائل الإعلام المختلفة دوراً غير مسئول ولا منصف في تلميع
أسماء ما كان لها أن تُلّمع، والتعتيم على أسماء أخرى كان من حقها أن تتوهج.
ولا أريد أن أتحدث عن أساليب الحصار والتجاهل والإنكار التي تمارس عمداً
ومع سبق الإصرار على الأدب الإسلامي المعاصر ورموزه حتى أصبح القارئ -
للأسف - يجهل الكثير عن هذه الرموز.
ولكن النبع مهما ألقيت فوقه من حجارة، لا بد أن يتفجر، في أي أرض
كانت.. مهما طال الزمن. ومن هؤلاء الشعراء الذين لم ينالوا حقهم من الشهرة
والذيوع الشاعر خالد البيطار الذي ولد في مدينة حمص السورية عام ١٩٤٢م،
والذي صدر له حتى الآن ديوانان، الأول: عنوانه «أجل سيأتي الربيع» ،
والثاني «أشواق وأحلام» صدر عن دار البشير بعمان عام ١٩٨٨.
والشاعر خالد البيطار له إسهامات واضحة وعميقة في ميدان التاريخ
الإسلامي فقد كتب عن غزوات الرسول ﷺ وعن الخلفاء
الأربعة والصحابة الكرام كتباً ذاعت وانتشرت نظراً لسلاسة أسلوبها وحسن تناولها
وملاءمتها لروح العصر. ولا غرو في ذلك فالشاعر تخرج من كلية الشريعة في
جامعة دمشق عام ١٩٦٧م.
إلا أن القليل من القراء يعرف أن خالداً شاعر مجيد، وأن له مكاناً مرموقاً في
عالم الشعر، إذا ما تابع مسيرته الأدبية وغذى نتاجه بقراءات متنوعة ومستمرة.
وشعر خالد يتسم بالعفوية المتناهية والعذوبة التي ترطب الشفاه وتنساب من خلال
الكلمات لتتسلل إلى القلب دون استئذان. بالإضافة إلى الصدق الشعوري الذي
يفرض نفسه لدى قراءة النص.
ولعل تجربة غربة الشاعر لسنوات امتدت أكثر من عشر، بعيداً عن أهله
وبيته ومسجده، كان لها أثرٌ واضح في هذا الصدق وفي هذه العذوبة، وفي البعد
كذلك عن الألغاز والطلاسم التي يختبئ خلفها شعراء اليوم ليواروا عجزهم
وضحالتهم.
نأيت وقلبي لا يُصدّق أنني ... نأيت ولا يدري إلى أين يذهب
وليس له من حيلة غير أنه ... رأى من وراء الأفق ما هو أرحب
ثم تتوغل القصيدة في عالم من التفصيلات الصغيرة المحببة التي تشكل
عناصر النص لتشع من خلاله وتمنحه هذه الشفافية وهذه البساطة وهو يتذكر ما
كان من مواقف.
أطوف على الأحياء أرنو بلهفةٍ ... هنا كنت أمشي هاهنا كنت ألعب
أزور أخي، أحكي له ما أصابني ... فيأسو جراحي وهي حمراء تتعب
وأمضي إلى جاري وأطرق بابه ... وأبدي له شوقي وحبي وأُعرب
ثم:
أمرّ على بيتي وأفتح بابه ... وتعرف زوجي مقدمي فترحب
انظر إلى الدقة في اختيار اللفظة في البيت الثالث «أطرق» والبيت الرابع
«أفتح» . صحيح أن النص يخلو من الرمز والغموض والصورة الشعرية التي
يتعلق بها الشعر الحديث، إلا أن دقة رسم المشهد والتركيز على هذه العلامات
الإنسانية الحميمة، وانسياب التراكيب، كل ذلك شفع للشاعر وارتقى بمستوى
النص إلى أفق الشعر المؤثر الرقيق، بالإضافة إلى عنصر التشويق الذي توفر في
كل بيت من أبيات القصيدة. لقد افتقدنا مثل هذه العفوية في الشعر المعاصر،
وأصبح لا بد للواحد منا من أن يستنفر قواه العقلية والنفسية وذاكرته التاريخية أيضاً
كي يواجه النص ويستبطن عوالمه، وبهذا تعددت الرؤى واختلفت المعايير.
إلا أن هذا لا يعني أن الشاعر أهمل الصورة الفنية في كثير من أبياته فها
هوذا يصف بعض الناس ممن قست قلوبهم في صورة حركية موفقة.
وحولي أناس قساة القلو ... ب جفاة إذا ضحكوا أفزعوا
ولقد اختصر الشاعر في كلمتيه: «ضحكوا أفزعوا» معاني كثيرة، ولعل
هذا أبلغ -في نظري -من قول ابن الرومي:
وظننت حين رأيته متحدثاً ... قرداً يقهقه أو عجوزاً تلطم
وحين يتعرض الشاعر لوصف ألوان القمع وصنوف العذاب يشتد شعره
وتحمر كلماته حتى تصبح جمراً.
تلك السجون فلا تعجب إذا صرخت ... فالهول في جوفها حقدٌ ونيران
لانت حجارتها من طول ما رويت ... من الدماء ورقت وهو صوان
أما السمة التي تفرد بها الشاعر خالد البيطار في رأي فهي براعته في وصف
الطفولة والعلاقات الأسرية، هذا الجانب الذي غفل عنه كثير من شعرائنا رغم
أهميته وخصوبته، فاستمع إليه وهو يصف حركات طفلته (عائشة) ذات السنوات
الثلاث:
كثيرة القفز والتصخاب واللعب ... ولا تحس بأعياء ولا تعب
تمشي على أربع حيناً لتضحكنا ... مثل الخروف وأحياناً على الركب
وكم تحملق [١] عينيها لتفزعنا ... فنستعد ونمشي بُغية الهرب
ويستمر الشاعر في تصوير حركات ابنته المضحكة برشاقة لا تقل عن رشاقة
هذه الطفلة الذكية المحببة.
كم ذا تقلد عند السير جدتها ... تخطو وتبطئ بعد الخطو والخبب
وتنحني ويداها خلفها ولها ... صوت يئن كمن يرقى على صبب!
أما ألعاب عائشة التى تحرص عليها:
ألعابها طفلة في المهد نائمة ... قد أسدلت فوقها ثوباً من القصب
وبلبل وقطارٌ صوته خشن ... وقِطةٌ وخروفٌ وافرُ اللبب
وجعبة حشرت فيها بضاعتها ... بعض الوريقات والعيدان والعلب
عالم الطفولة البريئة هذا عالم لا يستطيع أن ينفعل به، ويجيد الحديث عنه
إلا شاعر رقّ إحساسه ولان قلبه وصفت شاعريته وهذّب طبعه الإسلام. ولا يُنقص
من قيمة هذا النص تأثره بقصيدة «أب» الذائعة للشاعر الراحل الأميري يرحمه
الله.
ومن قصائد شاعرنا المتميزة في ديوانه «أشواق وأحلام» والتي تكشف عن
هذا الجانب، أعني الجانب الأسري؛ قصيدته في وصف مشاكسات الأطفال
ومداعباتهم من الصور اليومية التي لا يخلو منها بيت من بيوتنا والتي تمنح حياتنا
طعماً وحيوية ولولاها لأصبحت البيوت قبوراً:
هذا يصيح أنا الكبير فمن يغا ... لبني فيأتيه صغير الجحفل!
يتعاركان فلا البساط بصبره ... يبقى بساطاً تحت ضغط الأرجل
حتى الوسائد والستائر أيقنت ... أن لن تكون عن العراك بمعزل
وأنا أنادي يا بني ألا اهدأوا ... وأقوم أضرب بعد طول تحمل
وبعد أن ينتهي العراك:
يأتونني وخلافهم في قشةٍ ... فأعيدها للمالك المتوسل
فيقوم صاحبه فيضرب رأسه ... بالباب بالجدران إذ لم أعدل!
ويقول لي أعطيته وحرمتني ... إني له، سأميته بالفلفل
أية متعة وراء هذه المتعة؟ بعد قراءة النص كله، وكم نحن بحاجة إلى أن
يتوقف شعراؤنا عند هذا الجانب الإنساني في حياتنا وأن يعطروا أقلامهم بعبير
الطفولة، فعالم الطفولة خصب ومثير ولا يليق وأن يسبقنا الغرب فيه خطوات
وخطوات.
ولئن أجاد الشاعر في هذا اللون العاطفي الاجتماعي من الشعر، فإنه أجاد
كذلك في لون آخر وهو التنديد بالظلم والظالمين:
أيها الظالم فاصنع ما ترى ... وتجبّر وضع القيد ثقيلاً
واغضض الطرف عن القوم الألى ... رسخوا في الأرض وازدادوا قبيلا
ولشاعرنا كذلك قصائد رقيقة رشيقة، فيها دعابة يصور فيها أيام «الجندية»
وغيرها في أيام الشباب. وقصائد أخرى جادة وباكية أحياناً خاصة قصيدة «المعلم» الذي لفظ أنفاسه الأخيرة وهو خارج من الفصل.
فحديقة شاعرنا متنوعة فيها الأشجار الباسقة والزهور العطرة والأعشاب
الندية ولكل قصيدة نكهتها. والشعر لدى خالد البيطار ليس ترفاً وإنما هو مسئولية،
وقناة من قنوات الوعي والفكر.
وأستطيع أن أقول مطمئناً: إن خالد البيطار شاعر الطبع السليم، والعذوبة،
والنقاء، والأسرة، والألفة، والحب، الحب الذي يصقل الطباع، ويرتقي بالإنسان. وما أجدر الشاعر أن يتابع خطواته الشعرية الرصينة، وما أجدر القارئ بأن
يتعرف على هذا الصوت الشعري الذي لم ينل حظه من الشهرة والذيوع بعد.
стр. 1301
شعر
جولة السكين
على أعناق المسلمين
فيصل محمد الحجي
بيني وبينك أيها السكينُ ... بحر الدماء وذكرياتُ جونُ
بيني وبينك جثَّة مطروحةٌ ... بل ألف مذبوجٍ.. بل المليون
أسرفت في دمنا البريء وما لنا ... ذنبٌ نُلامُ عليه.. إلا الدين
يا عصرنا العاتي.. كأنك غابةٌ ... قد مات فيها العدلُ والقانونُ
أضحى قُضاتُكَ كالذئاب شراهةً ... وكأنَّنا صيدٌ لهنَّ ثمين ...
حتَّامَ تكرعُ من دماءِ شعوبنا ... كرعاً شُغِفْتَ به.. كأنّك نون [١]
لو فاض بحرُ دمائِنا لشربتَهُ ... ولَعِقْتَ شاطئهُ.. وأنت قمين
أتصونُ للإنسان كلَّ حقوقهِ ... دوماً.. وحقَّ المسلمين تخون؟
كلُّ الشعوب حميتَها.. ومنحتَها ... فرحاً.. وشعبي خائفٌ وحزين
أنظرتَ للطفل الذبيح مضرجاً ... ودمٌ على (غمَّازتيه) وطين؟ (١)
أنظرتَ للشيخ القتيل وعينُهُ ... شَخَصَتْ.. ولم تذرف عليه عيون؟
أرأيتَ أكوامَ الرؤوس.. كأنَّها ... هَرَمٌ.. بناه الكافر الملعون؟
أرأيتَ أشلاءَ الضحايا بُعْثِرَتْ ... فهُنا يدٌ.. وهناك لاح جبين؟
أرأيتَ أسرابَ النساء تشرَّدتْ ... هلعاً.. يطاردها خَناً ومُجُونُ؟
أنظرتَ للمسجون مُختنِقَ اللَّها ... لماَّ تضيقُ على الحشود سُجُونُ؟ [٢]
لو كان قلبُك صخرةً لتفطَّرَتْ ... لكنَّ قلبك ما اعتراه اللِّينُ
فَمَنِ الذي يُسدي لنا إشفاقةً ... غاليْ (الرخيصُ) وبوشُ؟ أو رابينُ؟
المجلس الأمنِ (الُمسيَّرِ) فَوَّضوا ... أَمْنَ الشعوبِ.. وليس فيه أمين؟
تتراقص السكين فوق رقابنا ... رَقْصَ التشفِّي.. والجنون فُنُونُ
هذي حضارتُكم.. وذاك حصادها ... والإيدز والإجرام والأفيون..
سقط الطِّلاءُ.. فكشَّرتْ عوراتُها ... لمَّا تعرَّى وجهها المدهون..
فإذا الجمال هو البشاعةُ نفسها ... حتى تساوى الصِّرْب والصُّرْبُونُ [٣]
يا عصرَنا يا من تمارس عصرَنا ... بالنائباتِ.. كأننا ليمون..
يا عصرَنا يالؤمُ يا بغضاءُ يا ... حقدَ لصليبيِّين.. يا مأفون
آتونَ نحن.. ولن يجيئَكَ غيرُنا ... آتون.. مهما أُضْرِمَ الأَتُّونُ..
نحن اشترينا الحُسْنَيَيِنْ وعَقْدُنا ... ماضٍ.. وسيلُ دمائِنا عُرْبُونُ
أحفادُ (عقبةَ) لم تَزَلْ بصماتُهم ... تَسِمُ الزمانَ.. فينتشي المحزونُ [٥]
بيني وبينك موعدٌ للقائِنا ... ويكون ثالثَ جَمْعِنا (حِطِّينُ)
ويكون قاضينا (صلاحَ الدينِ) في ... حَزْمٍ به (أرناطُكُمْ) مرهونُ..
سنعيد (خيبرَ) جَذْعةً حتى ترى ... ويرى سواك الثأرَ كيف يكون
سنقول للسكين: حزِّي واقطعي ... فتجيب: لَبَّيكمْ أنا السكينُ..
لا تعذلُنِّي.. واعذلُوا من أطْبَقَتْ ... يَدُهُ عليَّ.. وحقدُهُ مجنون..
أو من جفاني مطمئناً للعدا ... ويَظُنُّ أنَّ الأُفْعُوَانَ حَنُونُ..
مَنْ شدَّني بيد الجَسُورِ أطعتُهُ ... ومَنِ ارتختْ يَدُهُ.. فذا المسكينُ
المسلمون والعالم
حتى تبقى جذوة الأمل
د. يوسف الصغيّر
إن من أكبر خصائص الجهاد في أفغانستان بروز الهدف النهائي للجهاد، ألا
وهو إقامة دولة إسلامية في أفغانستان، بل تعدى ذلك إلى الحديث عن استمرار
الجهاد لتحرير بقية بلاد المسلمين، وهذا يعود لعدة أسباب، منها الخاص بطبيعة
الشعب الأفغاني وتدينه، ومنها ما هو خاص بنشوء حركة الجهاد على أيدي أبناء
الصحوة الإسلامية في عهد محمد داود، ثم تحول الجهاد إلى حالة عامة بعد
الانقلاب الشيوعي والتدخل الروسي الذي تلاه، مع استمرار رموز الحركة
الإسلامية في قيادة الجهاد، وهذا يمثل تغييراً في هيكل القيادة التقليدي، حيث إن
سيطرة الدافع الإسلامي للجهاد مكن رموز التوجه الإسلامي من قيادة المعارضة،
فأصبح القادة إما علماء دين؛ أو دعاة مرتبطين بالحركة الإسلامية، أو قادة من
العلماء المرتبطين بالحركة الإسلامية.
وكانت بداية الجهاد صعبة وقاسية، ولم يكن القضاء على الشيوعية في ذلك
الوقت إلا حلماً بعيد المنال عند البعض، وبالتالي يكون الجهاد بالنسبة إليهم ورقة
ضغط تقوي موقف المجاهدين عند إجراء المفاوضات من أجل الوصول إلى حل
سياسي للأزمة، أو إلى حل وسط بين نظام شيوعي متسلط ونظام إسلامي متميز،
أما عند البعض الآخر فكان القضاء على النظام الشيوعي أملاً وهدفاً لا يمكن تحقيقه
إلا بالجهاد المسلح ولو طالت المدة وكثرة التضحيات، وهنا لا بد من الخلاف بين
الطرفين عند أول مصيبة تحل بالمجاهدين، وهذا ما حصل فعلاً، فما إن تمكنت
الحكومة من إلحاق هزيمة كبرى بالمجاهدين قتل فيها عدد كبير من شباب الحركة،
حتى دب الخلاف بين رباني الذي يرى عدم الاستمرار في العمليات، وحكمتيار
الذي أصر على استمرار الجهاد مهما كانت التضحيات، ومنذ ذلك اليوم وجدت
الجمعية الإسلامية (رباني) والحزب الإسلامي (حكمتيار) الذي التف حوله شباب
الحركة المتحمسون للجهاد وكان التدخل الروسي نقطة تحول بالنسبة للمجاهدين،
فقد أقبل الناس على الجهاد، وتحولت الجمعية والحزب إلى أحزاب كبيرة ينضوي
تحتها عشرات الألوف من المجاهدين، ومع مرور الوقت بدأت تتضح الفروق بين
الجمعية والحزب، فبينما كانت هياكل الحزب وقياداته تتمحور حول حكمتيار ذي
الشخصية القوية، كان رباني يمثل قيادة اسمية لبعض قادة الجمعية «مثل أحمد شاه
مسعود» ، وهذه العلاقة بينهما تحقق مصالح مشتركة فمن جهة رباني يمثل مسعود
له القوة الكبيرة التي تعطيه وزناً كبيراً بين القادة في بشاور، أما مسعود فإن رباني
والجمعية تمثل له غطاءً تنظيمياً يحصل من خلاله على المساعدات القادمة من
بشاور.
وأثناء الجهاد تكونت أحزاب عديدة بعضها ناتج عن خروج بعض القادة من
أحد حزبي المجاهدين، والبعض الآخر قام على أسس الانتماء القبلي، أو الزعامة
الصوفية، أو تجمع يضم القوى القديمة التي أزاحها النظام الشيوعي من السلطة.
وعلى رغم التباين في الأهداف فإن جميع الأحزاب اضطرت إلى رفع راية
الإسلام حتى التي لا تهدف إلى إقامة دولة إسلامية، بل حتى التي تقاوم وصول
الإسلاميين إلى الحكم، وأصبحت أفغانستان مقسمة إلى مناطق نفوذ بين الأحزاب
المختلفة، وأدى انتشار الحزب الإسلامي في جميع أنحاء أفغانستان إلى أن يكون
طرفاً في كثير من الاحتكاكات الناتجة من عمليات تحديد مناطق النفوذ، وكان
اصطدام الحزب مع أحمد شاه مسعود في مناطق الشمال نتيجة لمحاولة مسعود
تصفية القوى الأخرى في المنطقة وتشبث الحزب بمناطقه.
وعلى الرغم من الخلافات فإن الجهاد مضى بقوة في سبيل طرد الروس
وإسقاط النظام الشيوعي، وما إن انسحب الروس حتى بدأت بعض الأحزاب
تحسب حسابات أخرى بالنظر لمستقبل أفغانستان، وذلك بتأثير خلافات مؤجلة
وتدخلات خارجية تحاول فرض واقع معين في أفغانستان والاطمئنان إلى صيغة
مناسبة لتركيبة النظام الجديد والمتتبع للأحداث الأخيرة يجد الظواهر التالية:
١- تجمع بقايا الشيوعيين والمليشيات والإسماعيلية في تحالف ضمهم مع
أحمد شاه مسعود حتى يُعْطوا وجودهم وتجمعهم صبغة إسلامية.
٢- استمرار الرافضة في لعبة تبادل الأدوار التي يجيدونها، فهناك حزب
الوحدة الذي لا يخفي ارتباطه بطهران، واستغل الأحداث الأخيرة حتى يدفع بأعداد
كبيرة من مناصريه إلى داخل كابل، ويظهر الحزب الآن تحالفه مع حكومة رباني، وأسندت إليه ٣ حقائب وزارية رشح لأحدها عبد الواحد سرابي نائب رئيس
الجمهورية في عهد نجيب، وهناك اتجاه آخر يقوده آية الله آصف محسني الذي
يمثل دور التقارب مع أحزاب المجاهدين السنة.
٣- العمل على إبراز بعض القادة الميدانيين ومحاولة جرهم لاتخاذ مواقف
سياسية تخالف توجهات أحزابهم المعلنة، ومن أوضح الأمثلة على ذلك أحمد شاه
مسعود الذي نجح الروس في عقد سلسلة معاهدات للهدنة معه، وتمّ بنجاح إقناعه
بأن يكوّن الغطاء الشرعي للمليشيات وبقايا الشيوعيين والباطنيين، ويرفع كل
هؤلاء علماً كتب عليه «لا إله إلا الله والله أكبر» .
٤- محاولة إقناع زعماء المجاهدين بعدم دعم حكمتيار، وقد تحدث المدير
السابق لعمليات الاستخبارات الباكستانية العميد محمد يوسف أن الولايات المتحدة
وزعت أموالاً طائلة على بعض الأحزاب والقادة الميدانيين من أجل إقناعهم بعدم
الوقوف مع حكمتيار. ومن لا ينفع معه المال تستغل خلافاته القديمة مع حكمتيار
في إقناعه، بل والإيحاء بأن سياسات حكمتيار ستقود إلى تقسيم أفغانستان. وكل
هذا مصحوب بحملة إعلامية عالمية ضد الحزب الإسلامي.
٥- التركيز على التعدد العرقي وتكرار ذكر انتماء القادة العرقي بمناسبة
ودون مناسبة.
٦- الحرص الشديد على عرقلة أي بادرة لإصلاح ذات البين بين المجاهدين، وخاصة بين مسعود وحكمتيار، أو حكمتيار ورباني، ويلاحظ مشاركة المليشيات
وحزب الوحدة الرافضي في هذا الخطط بصورة رئيسية.
٧- عدم وجود الزعامة القوية التي تجتمع عليها القلوب ويدين لها الجميع
بالولاء، وبالتالي كان التنافس هو العامل الأكبر في اختيار أي زعيم مؤقت،
وتكون النتيجة الاتفاق بالإجماع أو الأغلبية على زعيم ضعيف تكون بالطبع زعامته
اسمية أو يكون واجهة لبعض الأقوياء، وهذا عامل كبير من عوامل زيادة الفرقة
والاختلاف، وظاهرة خطيرة جرت على المجاهدين المصائب في السابق.
إن ترتيب الأمور يجري بدهاء شديد لدفع زعماء أفغانستان لقبول حل وسط
يؤدي بمشروع الدولة الإسلامية أو خطر تقسيم أفغانستان على أساس عرقي بالنسبة
للسنة (باشتون، طاجيك، أوزبك) إضافة إلى الأساس الطائفي (سنة، شيعة) .
إن اجتماع قادة المجاهدين وخاصة حكمتيار ومسعود كان كفيلاً بفرض الدولة
الإسلامية، وحيث إن هذا كان مستبعداً فقد استغلت جميع ظروف التباين في سبيل
منع حكمتيار من إحكام قبضته على كابل، وتم إدخال الجمعية في مخطط يهدف إلى
إجهاض المشروع الإسلامي، ومن الواضح أن رباني قد ساير مسعود حتى وصل
إلى طريق مسدود، اضطر معه أن يكرر مقولات سلفه مجددي، فعلى الرغم من
وقوفه في وجه طلب مجددي تمديد مدته إلى سنتين، نراه يطلب تمديد مدته إلى
سنتين، وبالطبع لم يحصل له ما أراد مع فارق أن مجددي أجبر على التنحي، أما
رباني فقد نجح في تمديد ولايته ٤٥ يوماً من أجل عقد مؤتمر لأهل الحل والعقد
لاختيار رئيس لأفغانستان.
وتتحدث الأخبار عن أن أكثر الزعماء حظاً هما محمد بن نبي محمدي وأحمد
جيلاني. وبالطبع طرح جيلاني يقصد به قبول محمد نبي محمدي على أنه أفضل
المرشحين.
نسأل الله أن يلهم قادة المجاهدين المخلصين الصواب، فما أحوجهم إلى وقفة
صادقة يتناسون فيها خلافاتهم ويقفون وقفة خالصة لله ليس فيها نظر إلى رضى
مخلوق أو عصبية، وليس فيها مصلحة شخص أو هيئة، فإن الأمر جد خطير،
والأمة الآن على مفترق طريق: إما أن يصان فيها حق الشهداء الذين ماتوا دفاعاً
عن العقيدة، أو تباع هذه الدماء كلها بثمن بخس.
إن الذي لم يقم بالجهاد والدفاع عن الأمة في حالة الكرب ليس أميناً عليها في
حالة الرخاء، ومن هدم البناء لا نتوقع أن يقوم ببنائه، فهل نرضى أن يؤتمن
الخؤون (المليشيات والرافضة، والإسماعيلية والشيوعيون وغيرهم) ويخوَّن الأمين
من المجاهدين. هل من وقفة صادقة حتى تبقى جذوة الأمل؟ !
стр. 1304
جذور الصراع:
الصليب الأرثوذكسي، الغرب المتحضر،
المسلمون «الهمج» [*] !
د. عبد الله عمر سلطان
عندما ألقى جورج بوش خطابه الانتخابي الشهير في مدينة هيوستن الأمريكية ركز على نقطة جوهرية تمثل برنامجه العريض للسنوات الأربعة المقبلة (في حالة انتخابه) .. كانت هذه النقطة الرئيسية تدعو إلى الحفاظ على القيم الأخلاقية التي تكفل بقاء أمريكا قوية ورائدة في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، لقد قضى الأمريكيون على عدوهم الشيوعي، وبدأت معالم نظام عالمي جديد تبرز وتزداد وضوحاً.. وعلى المنتصر أن يركز على تقوية الجانب العقائدي/الأخلاقي ليضمن البقاء في القمة، وحصر الرئيس الأمريكي هذه المبادئ في العقيدة (اليهودية/المسيحية) .. وليؤكد على هذا المفهوم هاجم منافسيه الديمقراطيين الذين نسوا الله في حملتهم الانتخابية. وأكد مرة أخرى خلال استقباله لزعماء اليمين الديني على حقيقة هامة وهي: «أننا شعب متدين بفطرته، وأننا ندين بتفوقنا للمبادئ اليهودية/النصرانية» .. لا أدرى لماذا تراءى أمامي سلوبودان ميلوسوفيتش الزعيم الصربي وهو يخطب في المليشيات الصربية متفوهاً بعبارات مشابهة تتحدث عن المبادئ و «الرسالة» التي كان على الصرب القيام بها لحماية رسالة يسوع في الوقت الذي يقوم الدليل الساطع على التعاون اليهودي /الصليبي لإنجاز مهمة «جنود الرب» في البوسنة والهرسك. .
صعود اليمين الصليبي إلى موقع القرار في الغرب أمر لا يناقش في تفشيه
وظهوره إلا جاهل أو مكابر، وهو يستخدم ذات المفردات ونفس الرسالة مع
اختلاف في التفاصيل والوقائع، أما علاقة هذا اليمين بالصهيونية واليهود فهي مادة
دسمة لكثير من البحوث والكتب التي صدرت خلال العقد المنصرم.
إن إلقاء الضوء على صعود اليمين الأرثوذكسي وعلاقته العضوية بالصهيونية
موضوع حيوي يفهم الخط البياني والجذور الراسخة التي أفرزت المذبحة القائمة
على قدم وساق في البلقان.. ومن هذا الاستعراض سيتبين لنا خطوط متشابكة
وملامح شبيهة بصعود التيار الصليبي الأصولي في أمريكا والغرب عموماً، ثم
بالعلاقة الوثيقة لهذا التيار باليهود الصهاينة، حيث إن الجميع يلتقون على حرب
الإسلام ومعتنقيه، وهو العدو القديم/الجديد الذي يأبى أن يلبس قيود الذل أو يسلم
الرقاب للجزر والصلب..، لقد حملت مأساة البوسنة والهرسك. دروساً كثيرة
وإضاءات هامة للفرد المسلم اليوم لمجتمعات العالم الإسلامي، لكن أبرزها على
الإطلاق هي تلك التي تكشف في حقيقة الصراع الدائر المكشوف على امتداد الساحة
الإسلامية دون مواربة أو شك، حيث إن المذابح والحروب والكوارث منكبة بعد
تصفية الحساب الغربي/الشيوعي على هذا الكائن المسلم رغم وحشية وبشاعة
ووقاحة المجرمين، وتنظر فترى حقد الصليبيين واليهود واضحاً في مأساة البوسنة
أيما وضوح، حتى إن الصحف الغربية - على ما تحمه له من سوءات - شهدت
ضد مجتمعاتها وقادتها ورموزها، وسجلت جزءاً من المأساة حيث إن المسلمين
قصروا في عصر التهميش والتبعية حتى عن وصف المجزرة التي تستهدفهم فرداً
فرداً..، إن توالي الصور المأساوية، ومعسكرات الاعتقال، والتمثيل بالجثث،
وحرمان الفرد من آدميته، وتشريد الملايين، وزرع الخوف في صدور الأطفال
وعيونهم، واغتصاب المسلمات أصبحت حديثاً عادياً لا يثير في المسلمين - فضلاً
عن غيرهم - موضع ألم أو لحظة غيرة عابرة..، ها هم المتحضرون البيض
والشعوب الراقية في أوربا التي تلهث لأنات الكلاب والقطط، وتذرف دموع
التماسيح حزناً على مصير الدببة في أقاصي القطب الشمالي؛ ترى بشراً يعيشون
محرقة إنسانية مكتملة الفصول.. دون أن تخرج مظاهرة احتجاج - وما أكثرها
عندهم - أو يتحرك قطاع شعبي يسعى فعلاً لإنهاء المأساة الإنسانية، والإنسانية
فقط ... ، لقد أتت قصة البوسنة الحزينة في الوقت الذي كشف الغرب بعد انتصاره
على الشيوعية أن شرعيته ومنطلقاته تحمل سمات دينية/صليبية لا يمكن تجاهلها أو
إنكارها، كما أكدت الأحداث المتوالية أن الحلف الغربي/اليهودي في المنطقة مستمر
لأنه حلف حضاري قائم على أسس ومبادئ وثقافة مشتركة.. وكأننا كنا بحاجة إلى
مشهد كهذا لينقل لنا دليلاً مادياً قوياً وليؤكد هذه الحقيقة ثم ليزيل الغشاوة عن بعض
أبناء أمتنا الذين جَهِلوا أو جُهلَّوا.. أو تجاهلوا..
نقلت مجلة أمريكية دون تعليق التآمر الصليبي غير المبرر منذ اشتداد
الأحداث فقالت: «التصرف غير المبال للولايات المتحدة زاد من لهيب النار
المشتعلة وبدا وكأنه جزء من سلسلة متصلة قوامها السلبية المتعمدة، فعندما أرسل
سايروس فانس وزير الخارجية الأمريكي السابق كوسيط للأمم المتحدة في النزاع
الجاري قال إنه لا داعي لإرسال قوة أجنبية لإجهاض الحرب التي كانت بوادرها
في الأفق، لقد كان الصرب بحاجة لتصريحات كهذه من قبل أجانب» يزورون
سراييفو حتى يشعر سلوبودان ميلوسوفيتش وزعيم صرب البوسنة رادوفان
كاراديتش بأن القوى الغربية ولا سيما الأم المتحدة لن تقف في طريقهم..، كما
كانت إشارات جيمس بيكر للحفاظ على الاتحاد اليوغسلافي وعدم تطبيق العقوبات
على بلغراد مؤشراً سيئاً آخر..، وكذلك إن زيارة ميتران في بداية الصيف
المنصرف لم تكن أكثر من زيارة دعائية حين أبدى تعاطفه مع إطعام المدنيين
المحاصرين، واعقب هذه الزيارة زيارة مماثلة لوزير الخارجية البريطاني الذي
طمأن الصرب بأنه لا يوجد دولة تتبنى التدخل العسكري لإنهاء الوضع الراهن [١] ..
أما أكثر التصريحات إثارة فقد جاءت على لسان رئيس قوة الأم المتحدة
الجنرال ماكنزي الكندي الجنسية حينما ساوى بين الجلاد الصربي والضحية
البوسني، وهدد بأنه إذا لم يوقف الجانب المحاصر طلقات الرصاص فإن المعونات
الإنسانية لن تجد طريقها للمدنيين، وفي الوقت الذي كان فيه الصرب يحصلون فيه
على الإمدادات الضرورية عن طريق الحدود المفتوحة على جمهورية يوغسلافيا؛
فإن المسلمين كانوا يعانون المجاعة التي كان الصرب يحرصون على انتشارها
وذلك بأن يخرقوا كل وقف إطلاق نار حتى لا تتمكن فرق الإغاثة في إتمام مهامها.. لكن أكثر المسؤولين الغربيين تخليطاً كان وزير الدفاع الأمريكي الذي سأل
المراسلين بدل أن يسألوه «من هو العدو؟ كيف سنحدد (رسالة) تدخلنا العسكري،
من نحارب؟ البوسنيون؟ الصرب؟ نحن لا ندري! ! [٢] وحينما سأل مارلين
فيتزواتر الناطق باسم البيت الأبيض عن موقف سيده أكدت إجاباته أن الإدارة
الأمريكية ليست حاضرة أو جاهزة حينما يطرح اسم البوسنة! ! بيل كلنتون ونائبه
في انتخابات الرئاسة آل غور طرحا مشروعاً لضرب المواقع الصربية بالطائرات
لتأمين وصول المساعدات الإنسانية للمدنيين الأبرياء.. هذا المشروع وصفه
المتحدث الرسمي باسم البيت الأبيض بأنه مهتز، ولا ينم عن وعي سياسي خارجي
لدى المرشحين المذكورين، لكنه ما لبث أن سحب هجومه العلني حينما أُخبر أن
معظم القيادات الرئاسية تتبنى طرحاً شبيهاً بطرح كلنتون، مع استثناء الجاهل دك
تشيني وزير الدفاع! ! [٣]
وكلما زادت الأزمة ظلمة كان الزعماء الغربيون يكتفون بالشجب والكلمات
البراقة، والقذائف تدك ما بقي من أجساد ومشاعر البوسنيين» حينما واجهنا واقع
معسكرات الموت الجماعي والقطارات المملؤة باللاجئين المبعدين لم نفعل شيئاً «
هكذا قال وزير الخارجية البريطاني السابق اللورد أوين لمجلة التايم:» نبدو أننا
قررنا أن نعيد مأساة قتل اليهود في الحرب المنصرمة.. لكننا اليوم بإمكاننا أن نحدد
بدقة متناهية عبر أدوات التجسس والأقمار الصناعية مناطق المدفعية الصربية
وندكها سواء من خلال الطائرات المنطلقة من قواعد حلف الأطلنطي أو حاملات
الطائرات، هذا يمكن تنفيذه خلال ساعات وليس أياماً.. بمجرد أن يصدر قرار
حازم من مجلس الأمن «. هذه المواقف الغربية المتراكمة والمتعددة ليست إلا دليلاً
إضافياً، فحينما سئل بوش عشية قمة ميونيخ عن سبب إحجامه عن التحرك في ظل
الوضع المتردي أجاب قائلاً: إنه ليس مستعداً لأن يرسل» الأولاد الأمريكيين «
في مهمة كهذه.. وتعلق لاسلي غليب في النيويورك تايمز قائلة: إن الغرب ما كان
ليتخذ هذا الموقف اللامبالي لو كان ضحايا المجزرة من النصارى.. ولو كانوا كذلك
إذن لانتفض العالم الغربي وتحرك الضمير النائم وترجمه ذلك إلى تحرك عسكري
واقتصادي وسياسي بدلاً من حالة النعاس الثقيل التي يغط فيها المجتمع الدولي» !
أما فرانسوا هيسبورغ رئيس معهد الدراسات الاستراتيجية في لندن والذي
يحظى بسمعة دولية فقد لخص القضية بقوله: يوماً بعد يوم يتأكد لكل المراقبين أن
الحل العسكري هو الحل الوحيد لهذه المشكلة ولا سيما في ظل أجواء التقاعس
الراهنة، وأبرز الوسائل هو إعطاء السلاح للبوسنيين حتى يدافعوا عن/أنفسهم مع
توفير قوات أرضية دولية لتكوين قاعدة انطلاق للجيش البوسني.. « [٤] . لكن
السؤال الذي يطرحه توم بونت مراسل مجلة النيوزويك:» من لديه الاستعداد
والعزم للقيام بذلك؟ إن الرئيس الفرنسي الذي زار سراييفو في تحرك مسرحي
يقول إن الحل العسكري مستبعد.. لأن المعضلة من سيقدم الجنود المطلوبين..
بالتأكيد ليسوا البريطانيين «.. ويتساءل الآن كلارك وزير الدفاع البريطاني السبق:» كيف نستطيع أن نبرر لعوائل الجنود المقتولين أن أبناءهم لم يموتوا في سبيل
الملكة أو الوطن بل لمنع الصرب من قتل المسلمين «.. إنه الكشف عن المخبوء
في الصدر بكل وضوح.. فالبريطاني الصليبي لن يقبل أبداً أن يفقد الجيش الملكي
ضحية في سبيل هدف لا يتصور.. منع قتل المسلمين هكذا بكل وضوح.. بل
بكل وقاحة بعد إزالة غشاء الإنسانية والشرعية والعدالة التي يرفعونها متى ما أرادوا..!
العديد من الغربيين شهدوا من منطلق إنساني بحت على أن الغرب المنافق
يكتفي بإطلاق التصريحات المعسولة، وهو عازم على إزالة المسلمين في البوسنة
من الخريطة الجغرافية كما قالت مجلة الإيكونمست البريطانية:» وداعاً.. وداعاً
البوسنة «.. شارلز لان أضاف:» إن النفاق الغربي وإغراق العالم وتضليله ليس
وقفاً على السياسيين إنه يشمل رجال الإعلام بل الناخبين.. إنه موقف عنصري هذا
الموقف من أحداث البوسنة والصومال.. إن الحضارة الغربية قالت بصوت مرتفع: «يستحيل أن يحدث ذلك مرة أخرى» حينما انتهت الحرب الكونية الثانية
وكشفت فظائع النازي بحق اليهود.. لكن يبدو أن معسكرات اعتقال اليهود تختلف
عن تلك التي نراها في البوسنة.. لكن هذا مخجل حقاً.. مخجل بحق الغرب
وزعامة جورج بوش الذي سيجد نفسه مضطراً لعمل شيء ما في المستقبل
القريب « [٥] .. هذا التخاذل والموقف الخافت الصادر من بعض الأصوات ففي الغرب تتساءل كيف تختلف جريمة متماثلة حسب هوية المذبوح، لكن الجواب بسيط وجوهري حيث إشارة الرئيس الأمريكي عن جذور الثقافة الغربية الراهنة وشقيها النصراني واليهودي، أما المسلمون فموقعهم معروف مسبقاً بالنسبة لهذه الثقافة/العقيدة ...
ولعل أقوى المواقف الصادرة عن هؤلاء القلة من الغربيين الذين لم يتحملوا
هذا الإجرام الغربي، كان موقف جورج كيني المسؤول عن يوغسلافيا في وزارة
الخارجية الأمريكية، فقد استقال من منصبه احتجاجاً على موقف واشنطن المتخاذل
من القضية اليوغسلافية، ولم يكتفِ كيني بذلك، بل قام بفضح الدور الغربي عموماً
والأمريكي خصوصاَ، وذلك بالكتابة في افتتاحيات الصحف، وإجراء مقابلات
متعددة هاجم فيها المؤتمرات التآمرية التي ترعاها القوى الغربية لتصفية المسلمين
في البوسنة باستخدام العبارات والآليات الدبلوماسية، ومنها مؤتمر لندن..
» الحقيقة المجردة هي أن مؤتمر لندن لحل القضية اليوغسلافية قد أعطى الضوء الأخضر للصرب لإنهاء ما بدأوه، والحل الحقيقي والسهل يعرفه الجميع ويدركونه وهو تسليح البوسنيين ليدافعوا عن أنفسهم، ثم عن قطعة الأرض التي يقفون عليها، ومن ثم تحرير الأراضي التي سلبت منهم ... «.
هذه بعض الدلائل التي تجمع على نتيجة واحدة ومحصلة نهائية: حقيقة
المعركة وجوهر المشكلة في جانبها العقائدي بين المسلمين والنصارى..
أما اليهود فقد كان دورهم في يوغسلافيا السابقة والحالية يحمل جذوراً مشتركة
كما يقول محمد خليفة:» في نهاية القرن المنصرم كانت صربياً جزءاً من الدولة
العثمانية وكذلك كانت فلسطين، وكانت الحركة القومية الصربية الوليدة تكافح لبناء
دولتها تحت شعار «إحياء مملكة دوشان أو صربيا الكبرى» وكانت الحركة
الصهيونية ترفع شعار إحياء مملكة داود أو إسرائيل الكبرى، وبقدر ما كانت الفكرة
الصهيونية أسطورية وعدوانية ولا ترتكز على أساس شرعي، بقدر ما كانت الفكرة
الصربية لا تقل عنها عدوانية.
لقد تميزت الحركتان بخصائص عرقية وتاريخية وسياسية متقاربة، كما
تميزتا بعدائها الشديد للإسلام والمسلمين لا سيما أنهما كانتا تكافحان ضد الدولة
العثمانية التي فضلاً عن أن الطرفين يعتبران أن المسلمين هنا وهناك، يحتلان كل
أو بعض أراضي الوطن القومي المزعومة، فالصرب يعتبرون الألبان المسلمين في
كوسوفو محتلين وافدين على المنطقة التي يسكنونها، وكذلك يعتبرون المسلمين
السلاف في البوسنة والهرسك صرباً تمت أسلمتهم بالقوة من جانب الأتراك، ولا
يمكن الاعتراف بما نتج من هذا التحول القسري خصوصاً من ناحية هوية الأرض
التي يسكنونها، وكان اليهود يعتبرون الفلسطينيين (المسلمين) وافدين ومحتلين
لأرض الميعاد والتوراة.. «وحينما قامت المملكة الصربية الكرواتية وأسند الملك
فيها إلى أسرة قره جورجوفيتش الأرثوذكسية المتعصبة كان اليهود هم أقوى الأقليات
فيها، كما هو الحال في أمريكا الآن» وحين أعلنت لندن وعد بلفور عام ١٩١٧م
كانت بلغراد أول دولة ترحب به وتطالب بتنفيذه وجعلته بنداً رئيسياً في سياستها
الخارجية «.. لقد تجلى هذا التعاون التاريخي في عالم اليوم حيث إن إسرائيل تمد
الصرب بالسلاح والعتاد للقيام بالطور الأخير من مذبحة المسلمين في البوسنة الذي
أصبحوا فلسطيني أوربا، مع ما عرف من تغلغل يهودي /إسرائيلي في جسد الدولة
اليوغسلافية الحديثة وتعاون مع الجيش اليوغسلافي الاتحادي ظهرت نتائجه في
المجزرة الحالية التي تراقبها دولة الصهاينة بارتياح شديد...
إن الدور الصليبى الصهيوني يعي حقيقة المعركة وامتداداتها الحاضرة
والماضية والمستقبلية، كما أنه يدرك تماماً أن المعركة الدائرة وهي مع الإسلام
كدين وهوية، فالمسلم البوسني غريب منسلخ عن كثير من أسس الإسلام ومبادئه
بفعل عوامل تاريخية وواقعية متشابكة، والمشاهد التي تعرض على العالم كل
صباح ومساء تثبت أن مواصفات الأصولية وملامح» التطرف «لا تنطبق على
مسلمي البوسنة كما يفهمها الغرب، فالرجال أوربيو الملامح ولا تظهر لحاهم الكثة
» الشهيرة «أو جلابيبهم البيضاء جلية.. ولا يسيرون وهم يحملون المصحف أو
وهم يرددون: الله أكبر..، إنهم أبعد ما يكونون الآن عن ذلك بعد عقود من
الغسيل الفكري والغربة العقدية.. أما النساء فلا يبرز الحجاب يغطي رؤوسهن حتى
يشن الغربيون هذه الحرب عليهن، ولا يكترث بحملة الاغتصاب المنظمة التي
تحطم كل ذرة إنسانية في صدورهن..، المسلمون في يوغسلافيا لا تنطبق عليهم
» المواصفات والمقاييس «الصليبية أو مشتقاتها العلمانية في عالمنا الإسلامي..
مجلة النيوزويك الأمريكية تؤكد ذلك حيث تقول:» الرجال يشربون الخمر..
والنساء لا يرتدين الشادور أو الحجاب.. «، الإيكونومست المتعصبة تقول:» لا
يمكن إطلاق لفظ أصوليون على هؤلاء الآن، إنهم أقرب إلى العلمانية منهم إلى
الإسلام «.. ومع هذا يظل البعض يتغاضى عن حقيقة موقف الغرب المتغطرس
مع من تحمل خلاياه جذوراً إسلامية أو صفات وراثية تربطه إلى هذا الدين، أنت
متهم على أي حال وحيث ما اخترت أن تقف أو تنحاز.. إذا كنت مؤمناً بالإسلام
منهجاً ودستور حياة.. فأنت بالتأكيد أصولي» عفن «! ! وإذا اخترت أن تؤدي
الشعائر دون أن تحمل لوناً أو طعماً أو رائحة تَمًتُّ للإسلام، فأنت غير متحضر أو
قابل للاندماج الحضاري، إذا قررت أن تتأمرك أو تتغرب، أو تصبح علمانياً
متشنجاً، فستظل قابلاً للانحراف عن هذه المبادئ، ودخيلاً على الفكر الغربي الذي
طوّر هذا الطرح، والذي ينظر بازدراء حتى لأولئك المتشبتين بركابه، المتمسحين
بقداسته، أنت في أحسن الأحوال» ذنب مرحلي «أنت مسلم.. إذن أنت عدو
مهما انسلخت أو توددت أو ابتذلت.. هذه نظرة الغرب ونظرة مفكريه وقادته.. بل
أفراده البسطاء.. أنت» الآخر «الذي لا يمكن أن يكون الأصل..
هذا ما يفسر الحملة الوحشية البشعة في البوسنة، أو في أرض إسلامية أخرى، حيث ينظر الغرب إلى القضية من منطلق صراع الحضارات والأجيال، ويتغافل
منظرو اللحظة الآنية والحدث اللاهث عن هذه المنطلقات، فضلاً عن المضللين
والمنافقين والمأجورين..
هذا المنظور الغربي المزدوج تؤكده أكوام التصريحات والمواقف الغربية منذ
انفجار المأساة حتى الآن، حقد صليبي يهودي على الإسلام بغض النظر عن تخاذل
أبنائه وتميُّع معتنقيه، فربما انتفض الأطفال والشباب وهزهم تيار الصحوة
الإسلامية الذي لا يعرف حدوداً أو حواجز، إنهما خطان متشابكان ورافدان
أساسيان..» الغرب المتحضر «بكل تراثه ومصطلحاته وعقائده وتفوقه وأسلحته ومصالحه، أمام المسلمين الهمج الذين يريدون أن يعيدوا عجلة التاريخ إلى الخلف، ويصبغوا القرن الحادي والعشرين بمخلفات عصور الظلام وأساليب القرون الوسطى، كما يدعون ويروجون. ومهما حاول هؤلاء إسقاط دبلوماسيتهم وأساليبهم الماكرة.. فالكلمات والشهادات تخرج قسراً من أفواههم لتؤكد هذا المفهوم المتشابك بين الحفاظ على المكتسبات وإذلال» الآخر «أي المسلم الذي لا زال يبحث عن هويته وذاته.. إنها بعض الشهادات:
» خلال الحرب العالمية الثانية كان الهدف دك المنشآت الاستراتيجية التي
تؤثر على مسيرة الحرب.. أما في هذه المجزرة فإن المستهدفين ابتداءً هم المدنيون، إنه الإنسان «ونضيف إنه الإنسان المسلم» [٦] .
«لقد هيأ التلفزيون اليوغسلافي الصرب للقيام بهذه المجازر حينما بدأ العام
الماضي عرض أفلام مهيجة مشيراً إلى المسلمين بالأصوليين والمتعصبين
والخمينيين وأنهم وراء كل أعمال الإرهاب في العالم، وأنهم يقومون بذبح أطفال
الصرب ليقدموهم طعاماً للحيوانات الجائعة في حديقة حيوانات سراييفو!» [٧] .
«أخشى أن تثمر جهود حكومة البوسنة عن قيام دولة إسلامية في وسط
أوربا ونحن الكروات (الكاثوليك) لا نرضى بهذا..» رئيس كرواتيا الحالي [٨] .
«كل المسلمون - بمن فيهم الضحايا البوسنيون - عرب قذرون يمسحون
أدبارهم بأيديهم» [٩] نقلاً عن مسؤول صربي.
«معلومات متواترة مصدرها واشنطن تؤكد على أن القوات اللبنانية بزعامة
سمير جعجع قد أرسلت ٣ شحنات من الأسلحة إلى القوات الصربية التي تحارب
المسلمين في البوسنة والهرسك، وأن قيمة هذه الأسلحة تزيد على ٣٠ مليون دولار
وتضم أسلحة خفيفة ومتوسطة ودبابات وقطع مدفعية من عيار ١٢٠ ملم، وأنها تجد
طريقها إلى قوات الزعيم الصربي سلوبودان ميلوسوفيتش وإلى المليشيات الصربية
في البوسنة» [١٠] ... هذا هو دور إخوننا في العروبة كما يقولون، دور يلعبه
بطرس بدبلوماسية وآخر يمارسه تلاميذ آل جميّل ببشاعة وغلاظة المليشيات
الكتائبية ...
إن أسلوب تعامل الولايات المتحدة مع القضية البوسنية اتسم باللامبالاة منذ
الإشارة الأولى لاندلاع النزاع، لقد أعطت أمريكا الضوء الأخضر لصربيا للقيام
بحملتها العرقية عن طريق الإبادة، بينما تكتفي بالتحرك الدبلوماسي الهزيل، لقد
اكتفت الإدارة الأمريكية برعاية جولات عن المفاوضات العقيمة، ولا زالت تحاول
أن تظهر بصورة الحكم العادل حيث تلقي باللوم على جميع الأطراف بما فيهم
الضحايا المسلمون، إنها في الحقيقة تضغط على الحكومة البوسنية لكي تجلس على
مائدة المفاوضات مع الصرب الذين يجب أن يحاكموا كمجرمي حرب وذلك للقبول
بالأمر الواقع المؤلم.. «وهذه الشهادة لجورج كيني الذي أشرنا إلى استقالته من
وزارة الخارجية الأمريكية احتجاجاً على النفاق الأمريكي [١١] .
إن الغرب يسعى للضغط على تركيا العلمانية للقيام بجهد إنساني بينما ترى
تركيا أن تجاهل حقيقة الوضع والمأساة ويؤدي إلى شعور المسلمين بأن الحرب
حرب صليبية جديدة، ويمكن أن يفضي إلى حروب دينية مشتعلة.. أي بمعنى آخر
أن المسلمين سيكتشفون حقيقة المجابهة ... [١٢] .
» لقد أثبت المجاهدون العرب شجاعة فائقة، إنهم هنا من أجل وقف ذبح
إخوانهم المسلمين كالشاة كما يقول أحدهم، والجنود المحليون يبدون إعجابهم بهؤلاء
لإقدامهم وقدرتهم على إلقاء الرعب في قلب الصرب الذين ينكمشون حينما يسمعون
صرخة المجاهدين حينما يستغيثون بالله « [١٣] .
» على المسلمين أن يقبلوا بالتعايش الكونفدرالي مع كانتونات الصرب
والكروات حتى لا تقوم دولة إسلامية كبرى تهدد استقرار أوربا.. « [١٤] .
» نحن نقاتل من أجلكم.. نحن خط الحماية الأول أمام المسلمين المتخافين
الذين يشكلون عدواً مشتركاً لكم.. كما لنا « [١٥] .
هل تكفي هذه الشهادات؟ أم نحن بحاجة إلى برنارد لويس المستشرق
اليهودي الحاقد وتلامذته من أمثال فؤاد عجمي الذين تورمت أكتافهم من الأجر
الحرام وهم يتحدثون ويسهبون وينظرون ويسقطون.. حول همجية المسلمين
وتعصب العرب؟ .. لقد صمتوا تماماً عن» حضارة الصرب «و» رقي الغرب «وشجاعة اليهود والنصارى في تحمل صور ومشاهد الهلع المعروضة لأشهر..
وهنا لا مانع من نقل مقطع وجيز لذئب صغير يحاول أن يشتهر حينما يؤكد
انضمامه إلى قافلة لويس /عجمي. هذا النكرة الذي أبتليت عيوننا به يفند الرأي
الساذج الذي يرى المعركة معركة دين، وقتال عقيدة، فيقول:» أفتى أحد الزملاء
بأن لإسرائيل ضلعاً في الحرب على مسلمي البوسنة والهرسك وهذا لا يكون
صحيحاً لتكتمل عناصر الصورة المرسومة في رؤوسنا: نحن المسلمين في جانب
والعالم الغربي الصليبي في جانب آخر، وما دامت إسرائيل هي همزة الوصل
العدوانية التي تربط الغرب بنا فهذا ما يملك إلا أن يوجد لها دور في حرب
البوسنة « [١٦] .
والغريب أن شواهد المعركة، بل تورط القوى الغربية العقدي والعملي
مصاحباً بالدور الإسرائيلي هو حديث الأعداء أنفسهم الذين وجدوا في هذه المنابر
المشبوهة والصحف الراقصة على جراح المأساة، كتاباً لا يملكون من الشجاعة ذرة، أو من الاطلاع نصيباً، أو من الموضوعية حرفاً.. هم وحدهم القادرين على فهم
المعضلات وتحليل المشكلات والتصدي للقيام بدور ابن العلقمي بصورة يخجل منها
برنار لويس، ويسقط عن عرشه الاستخباراتي/الاستشراقي، الأراجوز الأكاديمي:
فؤاد عجمي..
إن هذا التلاعب بالألفاظ والأفكار لا يصب إلا في خانة واحدة ترمي إلى
تجريد الصراع من بعده الديني الذي تؤكد الحقائق المتراكمة جذوره ومنطلقاته والتي
تحاول أن تصبغ القضية بمزيج من العرقية المجردة النهمة، أو التجاوزات
والطموحات القيادية التي لا تعرف انضباطاً أو كبحاً للتجاوزات..
لقد لحظت مواطنة أمريكية قواعد اللعبة التي تسير الصراع وما يحكمها من
قوانين عقدية تجتمع فيها الصليبية واليهودية ولا سيما في صورة رأسي الملتين
المنحرفتين: أمريكا وإسرائيل. كتبت روما كروكر إلى مجلة الواشنطن ريبورت
في عدد اكتوبر ١٩٩٢ قائلة:» حقاً إن الصرب يعتقدون أنهم يكسبون احترام
الولايات المتحدة حينما يمارسون القتل الوحشي باسم «التطهير العرقي» ..
والسبب هو أن قتل شعب مسالم وتشريده وإفناءه واستبداله بمهاجرين، غرباء هو
نفس الأسلوب الذي أوجد الولايات المتحدة وكونها، لكن المجرمين الذين قاموا بهذه
الجريمة كانوا ولا زالوا ينادون باسم «الرواد» .. وهذا هو نفس السبب الذي
يجعل دولة كأمريكا تتعاطف مع شعب قام بنفس الأسلوب هو الشعب الإسرائيلي
الذي لا يزال يقال عنه أنه الشعب الذي استصلح الأرض،.. غداً سيطالبنا
الصرب بمبلغ ١٠ بلايين دولار ضمانات للقروض من أجل مشاريع توطينية في
الأراضي التي يحتلونها اليوم «.. إنه المثلث الذي قام واشتهر ضلعاه الشريران
أمريكا وإسرائيل.. أما الضلع الثالث فهو كل قوة أو تيار يسعى لحرب الإسلام
وأهله، صرباً كانوا أو كرواتاً أو روساً أو هندوساً، مهما حاولوا أن ينافقوا أو
يتملقوا أو يعبثوا فالحقائق أصعب من أن تحجب بمنخل..، والوقائع أكبر من أن
يتلاعب بها كاتب مبتدئ أو صحيفة تطعن من الخلف، أو متشرق ملأ الشر صدره
فبدت الضغينة في فيه وما يخفي صدره أعظم.. وأعظم ...
стр. 1305
مقال
فرنسا والنزعة العنصرية
في توجهاتها إلى متى؟
أحمد عبد العزيز أبو عامر
تمهيد:
كان للمفكرين الفرنسيين الكبار أمثال (مونتسيكيو) صاحب (روح القوانين)
وجان جاك روسو صاحب (العقد الاجتماعي) وديدرو وغيرهم - مع التحفظ على
توجهاتهم - كان لهؤلاء المفكرين دورهم الكبير في إيقاظ شعلة الثورة الفرنسية عام
١٧٨٩م والتي أصبحت أبرز معالم التاريخ الأوربي المعاصر، والتي بواسطتها تم
التخلص من جبروت الكنيسة وظلم الإقطاع. والتي كان هتافها (الحرية والمساواة
والإخاء) وعنها صدر ما يسمى بحقوق الإنسان لأول مرة في التاريخ المعاصر.
إن ما تعيشه فرنسا اليوم من التوجهات العنصرية حيال الوافدين عليها لم يعد
مجهولاً بعد أن صار مكشوفاً بما كتب عنه من أبحاث ودراسات وكتابات صحفية
متوالية كما سنرى.
والحقيقة أن ما جاء في المثل والقيم الفرنسية التي جاءت بها ثورتهم
وتضمنتها قوانينهم لا تتفق وما نتج من ظلم طيلة سنوات استعمارهم لكثير من
البلدان الإسلامية حين امتصت خيراتها، وابعدت الحكم بشريعتها، وحاولت بشتى
الطرق إشاعة لغتها وفكرها، واصطنعت أطراً فرانكفونية لتخلفها في سياستها
وإشاعة ثقافتها من بعدها والتي ما زالت أمينة على رسالتها وما برحت تتقدم
للانتخابات في بلدانها بتوجيهاتها الفرانكفونية.
وخرجت أوربا منهكة القوى بعد الحرب العالمية الثانية وتقلص نفوذها لحساب
القوتين العظميين (أمريكا والاتحاد السوفييتي السابق) لكن سوء الأحوال في كثير
من البلدان العربية وبخاصة دول شمالي أفريقيا ومظاهر الوفرة والازدهار
الاقتصادي والتي عرفتها دول أوربا منذ الستينات دعا كثيراً من سكان تلك الدول
إلى النزوح إلى دول غرب أوربا، وبخاصة فرنسا، حتى وصل عددهم إلى ما
يزيد على مليون نسمة في غالبيتهم العظمى من المسلمين.
وهناك فئة سبقتهم للنزوح إلى فرنسا ممن شاركوا في الجيش الفرنسي - جهلاً
منهم أو ربما رغماً عنهم - أبان الحرب العالمية الأولى. وهذا التجمع الإسلامي
الكبير في السنوات الأخيرة وبعد مد الصحوة الإسلامية نتج عنه وجود أكثر من ألف
مسجد وأكثر من ٦٠٠ جمعية إسلامية تظهر طابعها الإسلامي ويؤذن للصلاة خمس
مرات في اليوم في باريس بواسطة راديو محلي. بينما لم يكن في بدايات
السبعينات أكثر من عشرة مساجد والقليل من الجمعيات المحدودة إذ أن كل الوافدين
للعمل هناك في ضياع وعدم التزام بالإسلام.
لكن هؤلاء الوافدين المسلمين يعانون في السنوات الأخيرة أشد المعاناة من
النظرة الدونية لهم لا سيما بعد ظهور التوجه الإسلامي فيما بينهم. وبعد ظهور
اتجاهات عنصرية يؤججها حزب رسمي هو (حزب الجبهة الوطنية) بزعامة جان
ماري لوبان والذي دخل الانتخابات الفرنسية الأخيرة وحصل على نسبة ١٤% من
أصوات الناخبين ومن أبرز طروحاته طرد كل الوافدين وسحب الجنسية ممن نالها
منهم..
المظاهر العنصرية حيال المسلمين في فرنسا:
بعد ظهور ذلك الحزب العنصري يلمس المتابعون كثيراً من المظاهر
العنصرية حيال المسلمين تتمثل فيما يلي:
١- ما تنشره الصحف اليمينية من تحقير للأجانب وتخويف وإثارة للرعب
من المسلمين الذين يصورون زوراً بأنهم إرهابيين ومعادين للديمقراطية.
٢- التخويف من تزايد المسلمين الذين ستؤدي زيادتهم في زعمهم إلى أسلمة
أوروبا عبر تزايد هجراتهم، يقول (لوبان) : إننا لا نريد أن نعيش في المستقبل
الذي نرى فيه الفرنسي يشحذ على أبواب المساجد الفرنسية يوم الجمعة.
٣- إصدار قوانين تحد الهجرة! ويقصد بها في المقام الأول المسلمون.
بالإضافة إلى ظهور القيود التي تعوق الإقامة هناك.
٤ - الغلظة التي يعامل بها الوافدون في المطارات والموانئ والتي بلغت إلى
حد إقامة سجون خاصة للوافدين.
٥- المضايقة للملتزمين من المسلمين عند ظهور السمات الإسلامية عليهم،
ولا يغيب عن البال معاناة الطفلتين المسلمتين وطردهما من المدرسة حينما لبستا
اللباس المحتشم حتى وصلت مسألتهما إلى المحاكم الفرنسية، بينما لا يتخذ نفس
الإجراء ضد (الراهبات) اللاتي يلبسن نفس اللباس تقريباً.
٦- تعريض المهاجرين المسلمين للقتل والاغتيال بصورة بربرية لا يمكن
بحال من الأحوال قبولها لتنافيها مع أبسط القوانين السائدة، ومنها إلقاء أحد العمال
من القطار وهو يسير بسرعة وقد حولت قصته إلى فيلم سينمائي أظهر همجية هذا
التصرف.
٧- طرد العمال العرب المسلمين من المصانع والاستغناء عنهم واستبدالهم
بعمال وافدين من أوربا الشرقية.
لم يقتصر هذا التوجه العنصري على حزب لوبان فقط؛ وإنما تعداه إلى
بعض المسؤولين الكبار حينما وصل الأمر برئيس الوزراء السابق (جاك شيراك)
إلى الحديث عن المهاجرين العرب المسلمين بأسلوب فج وقبيح حينما اعترض على
نمط حياتهم كتعدد الزوجات وكثرة الأطفال وما زعمه من روائح الأطعمة! !
والحقيقة أن هذا التصريح لا يعود لتلك الأسباب فقط، وإنما يعود للطعن في الدين
الذين ينتمون له. وهذا غيض من فيض، وما تخفي صدورهم أكبر.
أسباب ظهور النزعة العنصرية:
لدارسي هذه الظاهرة عدة توجهات في تعليلها ومنها:
١- ما يعود لخوف أوربا من التزايد المتصاعد في نسبة العرب بالنسبة لأوربا
فأوربا حالياً بها ٣٤٠ مليون نسمة، في حين يبلغ سكان العالم العربي ٢٢٥ مليون
نسمة وإذا استمرت الحال على ما هي عليه فإن عدد سكان العالم العربي سيفوق
سكان أوربا عام ٢٠١٥ وهذا يشكل عامل يقلق الأوربيين لعدة أسباب أظهرها
الانفجار السكاني في الدول الواقعة جنوبي البحر الأبيض المتوسط والظروف
الاقتصادية والسياسية التي تشجع على هجرة أعداد لا طاقة ولا رغبة لأوربا في
استيعابها مما يوجد نفوراً شعبياً بينهما.
٢- الزيادة المضطردة للوجود غير الفرنسي في فرنسا والذي يرونه يهدد
بتغيير الملامح الأساسية لمجتمعهم وكذلك الأسس الثقافية والحضارية التي تقوم
عليها فرنسا منذ قرون.
٣- ظهور العمال العرب والمسلمين وغالبيتهم من شمال أفريقيا في
الاضطرابات التي حصلت في السنوات الأخيرة، وكانت نقابات العمال الفرنسية
تدفع بالعرب لرئاسة لجان الإضراب فيبدون أمام الرأي العام الفرنسي وكأنهم جاؤوا
إلى فرنسا لكي يخربوا ويدمروا اقتصادها.
٤- شعور الفرنسيين بأن وجود هذه الألوف المؤلفة من العمال الأجانب
يستأثر بفرص العمل دونهم.
٥- التكلفة التي تترتب على وجود العمال الأجانب على الخزينة الفرنسية
لصرفها أموالاً لهم للضمان الاجتماعي والصحي والتقاعد تقدرها القوى العنصرية
٢١٠ مليار فرنك فرنسي أي حوالي (٤٠ مليار دولار) مع العلم أن هذه التكلفة
يدفعها العمال الأجانب خلال الضرائب المقتطعة من رواتبهم الشهرية.
٦- بعد ظهور الصحوة الإسلامية بين العمال المهاجرين وتشبثهم بهويتهم
الإسلامية، ورغبتهم في الحصول على الوسائل التي تسمح لهم بممارسة شعائرهم
وأهمية احترامها، ما يرونه يعطل العمل في زعمهم.
٧- ظهور بعض الجرائم التي قد يرتكبها بعض الأجانب هناك ثم هناك عامل
الضوضاء فالحياة العربية الإسلامية لها تقاليدها في التواصل الاجتماعي بعكس
الحياة الفرنسية المغلقة مما يضايق الفرنسيين. وبالرغم من كون هذا العامل ثانوياً
إلا أنه لعب على أرضية الواقع الفرنسي دوراً مهماً في تصعيد المد العنصري ضد
العمال العرب.
٨- يحمّل كثير من الفرنسيين مسألة تدهور جهات التعليم عندهم لوجود أبناء
الأجانب في المدارس الابتدائية ومعظمهم لا يجيدون الفرنسية.
نعم فرنسا عنصرية:
يحاول بعض الباحثين بادعاء الموضوعية والظهور بمظهر الليبرالية الكاذبة
بأن فرنسا ليست عنصرية كما جاء في كتاب (هل فرنسا عنصرية؟) للأستاذ
شريف الشوباشي. والذي لم يجرؤ على القول بهذه الحقيقة وراح يبعد عن الواقع
بفلسفة لا مبرر لها. فهو يقول: إن الإجابة بلا فقط أو نعم فقط يظل ناقصاً وغير
صحيح. وحينما سأل هل فرنسا عنصرية قال: الإجابة على السؤال لا اعتقد أنها
بسيطة لكن إذا نظرنا إلى فرنسا اليوم وخصوصاً في السنوات الثمان أو العشر
الأخيرة نجد أن هناك اتجاهاً عنصرياً قوياً. وإن هذا الاتجاه يزيد ويستشري وقد
يتبلور في حزب سياسي على الساحة - حزب الجبهة الوطنية - إلى أن قال: إن
الذين صوتوا للوبان بنسبة ١٤% ليسوا كلهم من العنصريين ومن الظلم أن نقول إن
المجتمع الفرنسي هو مجتمع عنصري لأن هذه النزعة إنما هي وليدة شبح الأزمة
الاقتصادية فهي السبب وراء هذه الظاهرة.
إن الأستاذ الشوباشي في رده لم يكن جريئاً ولم يقل الحقيقة، فإن ما أوردته
من مظاهر عنصرية ضد العمال العرب كالشمس في رابعة النهار وإقرار حزب
عنصري من الدولة الفرنسية يتقدم للانتخابات الرسمية هو تكريس بهذا المبدأ.
والجهود الكبرى من الحكومة والشعب الفرنسي لتمويل آلاف المبشرين الذين زرعوا
في كثير من الدول الإسلامية للتبشير بالنصرانية بين المسلمين لا يحتاج إلى دليل،
كل هذه التوجهات العنصرية تسود في الوقت الذي وضعت الدولة الفرنسية نفسها
من النظم والقوانين ما يحارب العنصرية ويجرمها والعاملين بها، كما أورد ذلك
الأستاذ الشوباشي في أحد فصول الكتاب آنف الذكر.
وحتى نؤكد هذا للقارئ الكريم أورد ما كتبه الباحث الفرنسي (ميشال
فيفيوركا) في كتابه (فرنسا العنصرية) وهو حصيلة بحوث ميدانية أجراها الباحث
المذكور مع فريق عمل مؤلف من ستة باحثين حول المشاكل التي يواجهها المجتمع
الفرنسي اليوم خصوصاً على المستويين الاجتماعي والثقافي حيث أوضح الكتاب
نزوع المجتمع الفرنسي نحو العنصرية ليس على ضوء نتيجة حزب الجبهة الوطنية
العنصري فقط وإنما يذهب إلى أبعد من ذلك حينما يغوص في الأسباب والدوافع من
خلال رصده لبعض أوجه الحياة الاجتماعية الفرنسية السائدة في مناطق فرنسية
توجد فيها نسبة مهمة من المهاجرين حيث تطفو ملامح الأزمة العنصرية أكثر من
أي مكان آخر، وهذا ما تعبر عنه آراء العديد من الفرنسيين الذين ألتقى الباحث
وزملاؤه بهم، ومن المناطق الساخنة التي تشهد تعاظم الصراع بين الفرنسيين
والأجانب على سبيل المثال كلاً من (روبيه وموروس ومارسيليا ومونفرماي
وسيريجي) . وبعد أن أرجع أسباب ظهور النزعة العنصرية إلى أسباب اقتصادية
وسياسية واجتماعية قال بأنها دفعت إلى الصراع الداخلي الذي تعيشه فرنسا حالياً،
ويتمثل في النزعة العنصرية من الفرنسيين ضد المهاجرين وبالتحديد حيال القادمين
من دول المغرب العربي ومن دول أفريقيا الأخرى. ثم تحدث عن وجود العنصرية
اللفظية والتي أذكر منها أقوال الفرنسيين التالية: (يجب أن لا ندخل الأمكنة التي
يوجد بها مغاربة!) ، (وإنهم كالحيوانات لا يتغيرون!) ، (عاداتهم غريبة
ومتوحشة) ! مما يعكس مدى الحقد على الآخر. ودعوتهم للتخلص من الأجنبي بأي
ثمن لا سيما وأنهم يرون أن الأجانب هم الذين وراء الأزمات الاقتصادية وتزايد
العاطلين. ومما يجدر ذكره أنه سبق أن صدر للمؤلف (فيفيوركا) كتاب سابق
بعنوان (فضاء العنصرية) ويعتبر كالجانب النظري لكتاب (فرنسا العنصرية)
والكتابان يعكسان اهتمام المثقفين الفرنسيين بمعالجة هذه المشكلة، وينطويان ولا
شك على إدانة لمختلف أشكال العنصرية التي يعتبرها المؤلف مرضاً يهدد
المجتمعات ومدى قدرتها على الاستمرار.
المراجع:
١- هل فرنسا عنصرية لشريف الشوباشي.
٢- دراسة الإسلام المهاجر في الدولة القومية (الحياة من ١٠٧٠٠-١٠٧٠٢) .
٣- الشرق الأوسط ٤٩٨٢، ٤٩٣٣.
٤- مجلة الشروق العدد ١٦.
стр. 1306
مقال
من الرجعية إلى الأصولية
(١)
محمد بن حامد الأحمري
يهتم العالم الغربي في هذه الأيام بالظاهرة الإسلامية - التي يسمونها:
الأصولية - اهتماماً لم يسبق له مثيل، وقد كان مؤتمر المتخصصين في دراسات
الشرق الأوسط الذي عقد في مدينة بورتلاند، ولاية أوريجون في الغرب الأمريكي
لمدة أربعة أيام بدأت يوم ٢ جمادى الأولى ١٤١٣هـ (٢٨ أكتوبر ١٩٩٢م) ينبئ
عن تحكم هاجس الإسلام بالعقول الغربية، إذ أصبح اهتماماً شاملاً للمتخصصين،
وخطراً قادماً يجب وعيه والاهتمام به لاستدراجه، أو كبته، أو تدميره، أو التفاهم
معه إذا أمكن ذلك.
وقد حضر المؤتمر أكثر من ألف وأربعمائة متخصص من المهتمين بالعالم
الإسلامي والمشرق العربي، وحضره بعض السفراء والمثقفين العرب. وكان أهم
أعمال المؤتمر ما يزيد عن مائة ندوة شارك فيها قرابة خمس مائة متحدث،
ومحاضرات، وعرض للكتب. وكان أهم ما اهتم به المؤتمر من الموضوعات:
موضوع العصرانية وتحديث المجتمعات الإسلامية، وقضايا المرأة المسلمة حيث
حظي هذا الموضوع باهتمام كبير، وشارك فيه نساء عربيات من مختلف الأقطار
العربية، وكذلك موضوع الوحدة اليمنية كان محل اهتمام المؤتمر.
وبرز في المؤتمر الجانب السياسي كقضية هي هم وعمل معظم الدارسين
للمنطقة، حيث لم يعد الاستشراق كتخصص معرفي موجوداً اليوم، وإن وجد فإنه
في الحقيقة يأتي على هامش العمل السياسي الاستعماري لهؤلاء الدارسين، وهو
أمر ليس هذا موضع الحديث عنه. وإنما المهم أن هذا الانتباه والخوف الشامل من
الإسلام أخرج عدداً من الكتب التي اهتمت بدراسة الإسلام وبوعي التيارات التي
تحرك الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية في العالم الإسلامي، وتدرس عوامل
نجاحها أو فشلها وأسباب قيامها وأثرها اليوم في الحياة المعاصرة.
وكان الكاتب «جيل كيبل» من الذين أبدوا اهتماماً بارزاً بهذا الموضوع منذ
كتابه الأول «النبي والفرعون» إلى كتابه الأخير «يوم الله» عن الحركات
الأصولية والمعاصرة في الديانات الثلاث [١] ..
يذكر «كيبل» أسباب العودة إلى الدين في الديانات الثلاث: الإسلام
والنصرانية بشقيها: الكاثوليكية، والبروتستانتية، والديانة اليهودية، ويعيد سبب
هذه الأصوليات إلى فشل المشروع التحديثي العلماني [٢] . «إذ هذه الحداثة لم تؤد
إلى إنكار أو تحطيم كل الحضارات الأخرى فحسب، بل أدت أيضاً إلى إفقار
الحضارة الغربية ذاتها حين تركت بُعد المجتمع يصاب بالضمور باسم فرديتها،
وتركت بعد الإنسان المتعالي يضمر باسم وضعيتها.. وهذا التصور للعلمانية قد
أدى إلى هزيمة الغرب أخلاقياً [٣] . ثم يلاحظ» كيبل «وجود تشابه في بعض
هذه التوجهات عند المتدينين، ويرى أن أهم ملامح هذا التشابه:» أن هذه
الحركات الدينية هي على العموم حركات تعارض الخطاب الغالب في الدين الرسمي
وتخرج عليه وتسرع إلى تجريمه.. وتأخذ هذه الحركات بكافة على المجتمع تفتته،
وفوضاه وبعده عن الجادة وافتقاره لمشروع متكامل يؤمن به وينتسب إليه.. وتعتبر
أن حداثة ينتجها عقل بدون الله هي حداثة لم تستطع في النهاية أن تولد قيماً [٤] ..
وتمتلك هذه الحركات قدرة خاصة على الإشارة إلى اختلالات المجتمع [٥] ، وفي
الديانات الثلاث هناك مجموعات لا تحاول الاستيلاء على السلطة، ولا تفكر بها،
وتكتفي بجانب التقوى كمجموعة الهبة اللدنية في الكاثوليكية والبروتستانتية،
وجماعة اللوبافيتش اليهودية، وجماعة التبليغ عند المسلمين، فهذه جماعات تدعو
إلى التقوى والتجربة الدينية الشخصية [٦] ولا تهتم بأبعد من ذلك.
يقابل ذلك التيارات التي تحمل برنامجاً بديلاً كالحركة الإنجيلية والأصولية
الأمريكية التي كان أول رجالها المعمداني جيمي كارتر، والذي جاءت به الكنيسة
إلى الحكم ليكفر عن خطيئة ووترجيت. ثم تلاه ريغان، الذي هاجم نظرية داروين
المدمرة للأخلاق، وهاجم نظام التعليم العلماني، وطالب بتدريس وجهة النظر
الكنسية في قصة الخلق بديلاً، وزعم بأن الله اختار أمريكا واختار مكانها البعيد
لتكون مكاناً للإيمان والحرية يهفو إليه من يحب الإيمان والحرية، وقال أمام جمعية
الإنجيليين القومية إنه سيجعل من عام ١٩٨٣م عام الكتاب المقدس [٧] .
ثم تلاه بوش على نفس القاعدة المتطرفة دينياً وله تاريخه المعروف في
هذا [٨] ، وليلة سقوط بوش فى الانتخابات صرح أحد أنصاره بخطر قيام حرب أهلية بسبب فوز الديمقراطيين، حرب بين المتدينين المحافظين ومخالفيهم. ومع أن هذا التصريح مبالغة ولكنها إشارة ذات معنى. ويعرض أمثلة من إيطاليا وغيرها عن الحركات الدينية السياسية في العالم الكاثوليكي ولكنه يقف طويلاً عند حركة
«التضامن» البولندية وأثرها في إسقاط الحكم الشيوعي في بولندا، وأثر البابا يوحنا في هذه القضية مشهور، وأيضاً تلك الحركات الدينية التي كانت تعمل في روسيا وأوربا الشرقية، وساعدت على نهاية روسيا.
ومن الحركات اليهودية السياسية المهمة حركة غوش أمونيم التي تأسست عام
١٩٧٤م إثر استعادة مصر لأجزاء من سيناء، وهذه الحركة مع حركات وأحزاب
دينية صغيرة لعبت دوراً مهماً في تشكيل الحكومات اليهودية، وكانت هذه الأحزاب
الدينية موازناً مهماً بين المتنافسين، كل منهم يسعى لرضاها وينفذ برنامجها حتى
يكسب أصواتها، مما أهلها لتأثير ديني في المجتمع اليهودي أكبر من حجمها
الواقعي.
ويرى أن بعض القضايا أضعفت مواقع العلماء في باقي أرجاء العالم الإسلامي
السني مثل قضايا عدم استقلال الأوقاف والحبوس وقضية إصلاح التعليم الذي
تحول بالأزهر إلى أن أصبح آلة دعائية للحكم القائم أو مسألة وسطية العلماء في
المواقف من تهدئة الأمة ونصح الأئمة والتحذير من الفوضى والفتنة، وظاهرة مهمة
أخرى وهي ظاهرة الانفصال بين العلماء وشباب الدعوة [٩] .
مصطلح الأصولية:
ومن القضايا التي تستحق الاهتمام هنا الإشارة إلى أن المصطلحات المستعملة
في الحديث عن النهضة الدينية في العالم الإسلامي، قد نُظر إليها من خلال منظار
غربي خالص يبدأ باستعمال المصطلحات والألقاب الغربية التي سميت بها حركات
دينية نصرانية، فيسمى المسلمون بنفس التسميات، وهذه عملية مغالطة شنيعة في
رأي الكاتب، إذ إطلاق كلمة أصولية على الوعي الإسلامي المعاصر زيادة في
التشويش وعدم الإدراك للمطلوب فهمه، إذ أن النظرات الغربية أو القوالب الغربية
الجاهزة التي يوضع فيها العالم الإسلامي لا تمكن الغربيين من فهم ما يحدث فيه.
وإطلاق كلمة أصولية ذات المعنى المحدد في الذهن الغربي على أصحاب
الفكر الإسلامي لا يدعو إلى فهم ما يحدث في العالم الإسلامي. وهو يطالب بعدم
استعمال المصطلح الغربي نفسه حتى لا يلقي الواقع الديني النصراني بظله فوق
موضوع الدراسة «الإسلام» . وفي الحق؛ إن مما يثير الاستهجان استعمال هذه
الكلمة ذات الدلالة المحددة في الإنجليزية ابتداءً وفي الفرنسية وغيرها من اللغات
الأوربية في وصف حالة أخرى مغايرة هي العالم الإسلامي. ولكن الذي يجب وعيه
هنا أن الحركة المضادة للإسلام غير قادرة حتى على إيجاد مصطلحات تصنف بها
ما يحدث على أرضها، فهي لا بد أن تترجم بحرفية ساذجة ذلك المصطلح الغريب
الذي لا يعني في لغتها وثقافتها شيئاً محدداً؛ بل لا يعني بأي طريق المعنى الذي
يراد إلصاقه أو لمز المسلمين به، فهل يعني عندنا النسبة لأصول الفقه، أم لأصول
الإسلام، أم ماذا؟ !
يحدثنا الكاتب عن جذور هذا المصطلح فيقول: «يؤرخ للظهور العمومي
لمصطلح سلفية [١٠] أصولية Fundamentalism على وجه العموم
بسنوات [١١] العشرين، وقد ظهر على أثر نشر سلسلة من ١٢ مجلداً انطلاقاً من عام ١٩١٠ في الولايات المتحدة تحت عنوان الأصول، تضم تسعين مقالة، حررها مختلف اللاهوتيين البروتستانت المعارضين لكل تسوية أو حل وسط مع الحداثة المخيّمة، وقد نشرت هذه السلسلة التي مولها شقيقان كلاهما من رجال الأعمال ووزعا منها ثلاثة ملايين نسخة مجاناً. غير أن ما أدخل سلفية
» أصولية «في المصطلحات الأمريكية الجارية وأعطاها في ذات الحين دلالة مختلفة عليها هي قضية» سكوبس «فقد كان جان ت. سكوبس أستاذ علم حياة شاباً يعمل في ثانوية حكومية في ولاية تينيسي، واستخدم في التدريس كتاباً يرجع ويميل إلى تطورية الأجناس. وهو أمر كان ينتهك قوانين الولاية التي كانت تحظر تعليم كل نظرية تنكر رواية الخلق الإلهي للإنسان [١٢] ، وقدم الأستاذ إلى المحاكمة عام ١٩٢٥م.
لكن قضيته أصبحت قضية عالم الثقافة الأصولية الأمريكية [١٣] . واشتد الصراع
فيما بين أنصار الداروينية أو أهل الحداثة أو التحرر وبين البروتستانت الذين يرون
عصمة الكتب المقدس، وانقسم المجتمع الأمريكي في فترة ما بين الحربين
العالميتين إلى معسكرين متناحرين: قسم محارب للدين، وآخر محارب للحداثة.
كان التحديثيون في الشمال الصناعي، وكان المتدينون في الجنوب الزراعي،
وكانت الجولات الأولى سجال كسب فيها المتدينون وحرموا الخمور ابتداء من عام
١٩١٩م إلى عام ١٩٣٣م، ثم خسروا في مراحل بعد ذلك، إلى أن جاء كارتر
وريغان» الذي نادى في زمنه بأن تكون مبادئ الكتاب المقدس شريعة
المجتمع « [١٤] ثم بوش صاحب النظرية الدينية في الاهتمام بالعائلة والفرد وإصلاحه وخلاصه من الخطيئة الأولى، وهذا التفكير النصراني يحل له مشكلة الضعف القيادي والمشكلة الاقتصادية، ولم يشفع له كل ندائه البروتستانتي ولا كل القساوسة الذين جمعهم حوله. فهل هذه نهاية مؤقتة للحركة الإنجيلية هنا؟ لا يبدو ذلك الآن على الأقل، فإن المتدينين يزيدون، والعلاج العجائبي بالرموز والتهويمات» سحرة متدينون، كهان «يزيد بالكتاب المقدس.
والجامعات الدينية المتخصصة تفتتح، وبرامج التلفزيون والإذاعة تتزايد،
وفي عام ١٩٨٥ كان للكنيسة ١٨ ألف مدرسة تضم مليونين ونصف مليون طالب.
وتعلن الكنيسة عن مشاريع سنوية، تطالب في كل سنة بإنقاذ مليون روح لصالح
الكتاب المقدس، أي دفع هذا الرقم إلى حظيرة الكنيسة.
ويعقب الكاتب بأن ما تملكه الكنيسة الإنجيلية الأمريكية من أجل نجاح مشروع
الدعوة الدينية في أمريكا أعظم بما لا يقاس من وسائل الآخرين - المسلمين
والكاثوليك واليهود - لأنها تمتد من أقنية التلفزيون إلى الجامعات [١٥] .
من الرجعية إلى الأصولية:
تلك كانت قصة المصطلح:» أصولية «، مصطلح أمريكي خالص، وهذه
حقيقة تاريخية لحياة الفكر المهزوم والمنهار والذي لا يصنع كلماته بل يستعملها كما
لُقِّنها أو ترجمت له، فهو ليس قادراً على إبداع شكليات ثقافة خاصة به. وحين
كانت الحركة الشيوعية وأدعياء اليسار تعيث في العالم الإسلامي كان لا بد من
استخدام مصطلحات الرجعية والتآمر تعريضاً بالإسلام ورسوله وكتابه وموافقة
لماركس وحواشيه في العالم كله. وباسم الرجعية ومحاربتها حوربت الحريات
والمقدسات، وغيبت الأمة عن حقوقها وثقافتها، وعاشت نهباً لكل الصرعات
اليسارية التي ما أثمرت إلا هزائم وويلات ومجاعات وحروباً خاسرة ومجتمعات
تخلفت وزادت تبعيتها باسم الاستقلال والتقدمية.
فهل يراد باستخدام مصطلح: الأصولية هتك حريات الشعوب وكرامتها
وإذلالها ومحاربة إسلامها أغلى ما تملك؟ الذي يلوح في الأفق أن المصطلح الذي
تنفخ فيه أجهزة الإعلام وتهِّول به في العالم ربما يؤدي إلى مواجهة شاملة مع
الإسلام يخسر فيها أعداء الله بإذن الله.
وعقدة المشنعين على الإسلام باسم الأصولية تنطلق من مبدأ السيادة السياسية
لدولة كبرى، فإنها في حال قوتها لا ترضى بفكرة تخالف فكرتها السائدة فالمحارب
للإسلام بإضفاء صفة الأصولية على العاملين له إما أن يكون حاملاً لفكرة تحارب
الإسلام وتضاده مباشرة؛ أو أن يكون ممثلاً ووكيلاً للفكرة السائدة، وهو في الحالة
الثانية أخطر، لأنه ليس أصيلاً في تفكيره، وليس عاقلاً في تعامله، فهو يفهم
دوره أنه لا بد أن ينفذ المطلوب كما يريد السيد، بلا وعي، ذلك أنه لا خيار عنده، إما الغرب؛ أو الأصولية. وبهذا ندرك الهوس الذي يلف عالم اليوم ومؤتمرات
المستشرقين: إما الغرب أو الإسلام، لا أنصاف حلول.
وقد جاء كتاب جون إسبوستيو:» التهديد الإسلامي أسطورة أم
حقيقة « [١٦] موضحاً القلق الأمركي تجاه الإسلام خاصة، والذي بدأ بالإعلان إثر سقوط روسيا عن عدو جديد أشد خطراً من الشيوعية ألا هو الإسلام، وسيكون هذا الكتاب وكتاب جارودي في الأصولية المعاصرة وأسبابها موضوع حلقة قادمة بإذن الله ...
стр. 1307
منتدى القراء
ولكنكم تستعجلون
فايز سعيد
روى البخاري وأبو داود والنسائي عن خباب بن الارتّ ﵁
قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسدّ ببرد له في ظل
الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا؟ فقال: (قد كان من قبلكم يؤخذ
الرجل فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه
فيجعله نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصدّه ذلك عن
دينه ... والله ليتمنّ الله تعالى هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى
حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه.. ولكنكم تستعجلون) .
(لكنكم تستعجلون) ما أحسن الكلمة، وما أجمل العبارة، وما أروع هذا
البيان.. لقد كان لها وقع كبير في قلوب المستضعفين في كل زمان ومكان.
(لكنكم تستعجلون) استدراك عجيب منه ﷺ ليخبر
الصالحين والمصلحين أن الصبر هو الوسيلة العظمى والزاد النافع لهم في طريقهم
الطويل الصعب، الشاق الوعر.. ذاك الطريق - الاستقامة على شرع الله والدعوة
إليها - المليء بالأشواك والعقبات.
أخبرهم ﵊ أن النصر والفتح وهداية الناس بيد الله
وحده، وانتظارهما من قبل الجماعة المسلمة ليس صحيحاً، وليس من الطموح
والهمم العالية، بل هو من الاستعجال.. الاستعجال الذي هو أكبر خطأ يقع فيه
المستقيمون والمصلحون، أياً كانوا.. حيثما وُجدوا.
وذكرهم ﵊ بمن سبقهم من المستضعفين، ليكون لهم
زاداً في طريقهم المتُعب، ويسليهم حتى يعلموا أن هناك من صبر أكثر منهم،
وبشرهم ووعدهم حتى لا ييأسوا من العاقبة ... والعاقبة للمتقين.
والله لم يعد الجماعة المسلمة في العهد المكي بالنصرة وحسن العاقبة، حتى يتربّوا تربية إسلامية فدائية فذّة، تلك التربية التي مضمونها التضحية
والتفاني في سبيل الله وحده والتجرد من أهداف الدنيا، والتطلع إلى ما هو أعلى من
ذلك.. إلى ما عند الله [ومَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ] .
يقول الأستاذ سيد قطب ﵀: «إنه من واجب الدعاة أن يمضوا
ولا يتطلعون إلى شيء إلا رضى الله ورحمته.. هذا هو الهدف الحقيقي، وهذه هي
الغاية، وهذه هي الثمرة الحلوة التي تهفو إليها قلوبهم، وأما ما يكتبه الله لهم بعد
ذلك من النصر والتمكين فليس لهم، إنما هو دعوة الله التي يحملونها» .
ولنا في أنبياء الله - عليهم الصلاة والسلام - أسوة حسنة ونماذج خيرة..
فهذا نبي الله نوح ﵇ لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، طوال
هذه السنين وهو يدعو قومه ليقولوا: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له) ، وفي
النهاية [ومَا آمَنَ مَعَهُ إلاَّ قَلِيلٌ] قيل: اثنا عشر رجلاً وامرأتان فقط!
فعلى الصالحين والدعاة والمصلحين أن يصبروا، ويواصلوا مسيرتهم الربانية
دون فتور وكسل، ودون خمول واتكالية، وأن يستمدوا غذاء دعوتهم من كتاب الله
وسنة رسوله ﷺ .
قال تعالى: [وبشر الصابرين الذين إذا وبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَذِينَ إذَا أَصَابَتْهُم
مُّصِيبَةٌ قَالُوا إنَّا لِلَّهِ وإنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ ورَحْمَةٌ
وأُوْلَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ] وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على
محمد وعلى آله وصحبه وسلم ...
стр. 1308
الصفحة الأخيرة
كيد الشيطان
عبد القادر حامد
الناظر إلى الجهود التي تبذل من أجل وقف المد الإسلامي، وكبت إحساس
المسلمين بذاتهم - وبخاصة جيل الشباب الذين هم أجيال المستقبل - يُخَيِّل له أنه
أمام سيل جارف يحاول بعض الناس المذعورين وقفه ببناء سد هنا، وسد هناك،
أمامه، أو بمحاولة تحويله إلى حيث ينجون ومن يعولون من مدِّه. وهم في جهودهم
المضاعفة اليائسة، والتي لا تخلو من مهارة وقوة وحسن تصرف عند مداهمة
الخطر؛ يغيِّرون ويبدلون من خططهم، ويجربون هذا الأسلوب، بعد أن فشلت
الأساليب قبله، ويستعينون بالخبرات المتراكمة عبر التاريخ عند هذه الأمة أو تلك،
وعند هذا الطاغية العاتي؛ أو ذلك العتل الجبار.. ومع كل ذلك يكسح السيل
الجارف ما يوضع في طريقه، فما إن تسد ثغرة إلا وتنفتح ثغرات، وما إن يقام
رَدْمٌ إلا وتنهدم رُدوم.
يجب أن نعترف بمواهب وصبر المذعورين من المد الإسلامي. وقدرتهم
على الاستنفار في ساعات الفزع، مع اعترافنا أيضاً بما لهم من مدد ومساندة تأتيهم
من أولياء الشيطان، ولكن حريٌّ بالمسلم أن لا ينسى حقيقة بسيطة هي من صلب
عقيدته، وهي ضعف الباطل مهما علا، وهشاشته مهما تضخّم، [إنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ
كَانَ ضَعِيفاً] .
متى تتساند جهود العرب المسلمين كي لا يظل مناخ بلادهم الاجتماعي يشبه
مناخ بلاد البنغال الطبيعي، حيث قضي على الناس هناك أن يُقَطِّعوا أعمارهم بين
إصلاح وترميم آثار جائحة سابقة؛ وترقب هجوم وحلول جائحة لاحقة؟ !
стр. 1309
رجب - ١٤١٣هـ
يناير - ١٩٩٣م
(السنة: ٧)
стр. 1310
شعر
برقية استنجاد
أحمد بن عايش المزني
أنا من ليه؟ أنا من ليه؟ من للنفوس الزاكية؟ ...
من للغواني والشيوخ وللعيون الباكية؟ ...
من للأرامل واليتامى والدموع الجارية؟ ...
من للثكالى؟ والضياعُ يطوف أرض الغالية ...
من للحوامل؟ بُقّرت أرحامهن بأرضيه! ! ...
من للعرايا؟ ألبسوهنّ الثياب البالية ...
من للحدائق والمروج وللبلابل شادية؟ ...
من للجبال الشامخات وللقصور العالية؟ ...
أنا من ليه؟ يا أمة الإسلام قولي: من ليه؟ ! ...
أَلِيَ القرارات التي فاحت وعوداً خاوية؟ ! ...
أَلِيَ الكلام منمقاً خُطَبٌ تَرَدَّدُ راغية؟ ! ...
أَلِيَ القصائد؟ أحسن الشعراء فيّ القافية ...
أَلِيَ الدموع المسبَلات من العيون الصافية؟ ! ...
يا أمتي أنا لا أريد قصائداً متناجية ...
يا أمتي أنا لا أريد العين تمسي باكية ...
يا أمتي أهوى الجحافل زاحفات عاتية ...
يا أمتي أهوى الجيوش تسير نحوي غازية ...
أهوى الشباب مجاهداً في ظل حرب دامية ...
أهوى شباباً عزمه دكَّ الجبال الراسية ...
أهوى شباباً ليس يعكف حول كأس الغانية ...
كلا ولا يقضي الليالي عند ثغر الشادية ...
أهواه يحرس جنده في ليلة ما شاتية ...
يا أمتي طال النفاق بأرضك المترامية ...
أكثرت من عقد المجالس والنتائج ماهية؟ ...
يا أمتي أنا «بوسنةٌ» أشكو فقولي: من ليه؟ ...
أين الرجال إذا دُعوا هبوا لخوض الغاشية؟ ...
أين بن مَعْدْي؟ أين خالد؟ أين راح معاوية؟ ...
أين الأُلى؟ ملؤوا البلاد عدالة ورفاهية ...
أنا من ليه؟ يا أمة الإسلام قولي: من ليه؟ ! ...
فلتُقدِمي بجحافلٍ صيحاتها متعالية.. ...
فلتسرعي يا أمتي، أو فابعثي بالتعزية! . ...
стр. 1311
كلمة صغيرة
بعض الناس يهجمون على ما لا يحسنون، فيخرج عملهم غير ناضج وغير
مقنع، وذلك أنهم يرون بعض الناس يكتبون، فتدفعهم الغيرة على الكتابة، دون أن
يأخذوا لهذا الأمر عدته. وعدة الكتابة الفكرة والأسلوب، فالفكرة ينبغي أن تكون
واضحة محددة في نفس صاحبها أولاً، ثم بعد ذلك يأتي الحرص على نقلها إلى
الآخرين، وهذا لا يكون إلا بامتلاك الأسلوب الواضح المؤثر الذي هو خليط من
الموهبة والتعلم والقراءة الكثيرة.
إننا نطمح أن يكون كل ما ينشر في «البيان» قد استجمع هذه الحقائق البسيطة
والمهمة، وندرك أيضاً أن هناك مسافة بين واقعنا والطموح. والأمل في قراء البيان
وجمهورها كبير والحمد لله.
المحرر
стр. 1312
الافتتاحية
الحق والقوة
رئيس التحرير
«الهندوس يهدمون المسجد البابري» ...
«الصومال والاحتلال الأمريكي» ...
«البوسنة تحترق» ...
أخبار يرتاع لها قلب المسلم وتأخذ بمجامع قلبه وعقله، وتجعله يفكر طويلاً
بهذه الأحداث، ولماذا بلغ الهوان بالمسلمين إلى هذا الحد؟ وما هي أسباب هذا
الضعف المزري؟ هل هانوا على ربهم فهانوا على أعداء الله حتى أصبحوا يسامون
الذل والخسف في كل مكان، وحتى طمح بهم عباد البقر وعباد الصليب؟
إن قيام الطائفة الهندوسية المتعصبة بهدم المسجد البابري في شمال الهند،
واحتلال الصومال من قبل (المارينز) تحت اسم المساعدات الإنسانية و (عودة
الأمل) وما يفعل في البوسنة من تدمير وتهجير وقتل وتحريق..؛ كل هذا إنما يدل
على شيء واحد وهو أن المسلمين في هذه الأزمان الأخيرة ليس لهم وزن يحسب
حسابه، ولا يكيل بمكيالهم أحد، وأنهم لا يأمرون ولا يُستأمرون، ولا يشهدون ولا
يُستشهدون.
إن ما حدث في الهند لا يقتصر على هدم المسجد البابري وبناء معبد هندوسي
مكانه، بل إن الأمر يتعدى ذلك، إنها بداية لطمس الهوية الإسلامية وبداية
(للتطهير الديني) كما يفعل إخوانهم الصرب، فهؤلاء الهندوس قد أكل الحقد أكبادهم
من يوم أن فتح بلادهم المجاهد الكبير محمود الغزنوي واستمر حكم المسلمين لهم
عدة قرون، حتى جاء الاستعمار الإنكليزي وساعد الهندوس على إزاحة المسلمين
عن الحكم، هؤلاء الهنادكة استضعفوا المسلمين عندما رأوهم كالأيتام على مائدة
اللئام، فهم يذبحون في البوسنة ولا من مغيث يمنع عدوان الصرب عنهم
ومشروعهم لهدم المسجد قديم ولكنهم تجرأوا في هذه الأيام.
وإن مجيء أمريكا باسم الإغاثة إن هو إلا احتلال مبطن للصومال والهيمنة
على القرن الأفريقي وإقامة دولة علمانية في الصومال، بل إن أهدافها لتشمل
المنطقة العربية والإسلامية بأسرها. وقد استنكر بعض الساسة وبعض الصحف -
ولو ظاهرياً - هذا الأسلوب المفضوح من استخدام الإغاثة وسيلة للاحتلال.
لا نريد أن نضع اللوم كله على أعداء الإسلام ونترك أنفسنا، فبرغم تعصب
الهندوس إلا أن اللوم الأكبر يقع على عاتق المسلمين هناك، وهم ليسوا في قلة من
العدد، فلماذا لم يأخذوا بأسباب القوة المادية والمعنوية، وأولها: بث الوعي الديني
بين صفوف عامة المسلمين، والبعد بهم عن الخرافات والبدع، وإحياء الشخصية
الإسلامية المتميزة، والترقي بالعلم النافع الذي يزيدهم قوة إضافة إلى قوة الإسلام
الذاتية. وما أحرى مسلمي الهند بقول الشاعر العربي:
لا أتقي حسك الضغائن بالرُّقَى ... فعلَ الذليل ولو بقيتُ وحيداً
لكن أجردُ للضغائن مثلَها ... حتى تموتَ وللحُقودِ حقودا
إن ما جرى ويجري في الهند والبوسنة وغيرها من بلاد المسلمين إن هو إلا
نتيجة الابتعاد عن الله، وعن معرفة سننه في الاجتماع البشري، وسننه في التغيير
والارتقاء وفي الصراع والتمكين في الأرض، وأن الحق لا بد له من قوة تحميه
حتى تكون كلمة الله هي العليا، وحتى لا تكون يد المسلم دائماً هي السفلى.
ومن أعظم سننه في الصراع أن يتخلص المسلمون من الاستبداد الذي جثم
على صدورهم أحقاباً فأضاع شخصيتهم، وأضاع علمهم وثروتهم وأخلاقهم.
ومن أسباب التغيير الدعوة إلى الوحدة والائتلاف الذي يعد من أعظم نعم الله
[واذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إخْوَانا] [آل عمران ١٠٣] وإن من أشد الأضرار على المسلمين تفرقهم واختلافهم على
النقير والقطمير، وما ذلك إلا دليل على عدم إحاطتهم بمقاصد الإسلام، وعلى
ضعف عقولهم ومعرفة قاعدة المصالح والمفاسد.
وما يقع الآن في أفغانستان هو مصداق لأضرار التفرق بين فصائل المجاهدين
الذين استعان بعضهم بالمرتزقة والأحزاب الباطنية لقتال إخوانهم وصدهم عن
المشاركة في حكم أفغانستان حكماً إسلامياً، ودارت الدائرة فإذا بهؤلاء المرتزقة
يقاتلون الذين استعانوا بهم، فهم كما قال الشاعر:
ومن يجعل الضرغام بازاً لصيده ... تصيده الضرغام فيما تصيدا
إن الأمم لا تستيقظ إلا بقيام نفر منها يدعونها إلى الوحدة والاعتصام بالعروة
الوثقى، وينفخون فيها روح العزيمة، ويصلحون منها ما أفسدته روح التخلف،
وما أفسده تجار الدين والمفتونون بالدنيا.
إن ما جرى ويجري في ديار المسلمين إنما يدل على أنه ما لم تقم للمسلمين
دولة تحميهم وتدافع عنهم، وتطالب بحقوقهم، فسيبقون مستضعفين في الأرض.
ولعلّ هذه التحديات الكبيرة التي تواجههم في هذه الأيام تكون باعثاً على استنهاض
الهمم واستنفار الطاقات وتفهم ما يدور حولهم. فإن سنة الله في الصراع بين الأمم
من سنن الله الكونية، وقد يُبتلى المسلمون بالهنادكة وأمثالهم حتى يخرجوا عن
ضعفهم وركودهم وشتاتهم. وإن أزمة المسلمين أكبر من أن تحل بحماسة مؤقتة،
إن الأمر جد لا لهو فيه، وإلا فهو الذبح.
стр. 1313
الاستطراد عند ابن تيمية
عبد القادر حامد
أكثر من ترجم لابن تيمية أو كتب عنه تعرض للحديث عن مؤلفاته
وخصائص أسلوبه ومنهج تفكيره، لذلك لن أعيد ما قالوه، وإنما أشير إلى قضية
الاستطراد والتشعب التي اتصفت بها كتاباته التي وصلتنا، وإلى نكتة لحظتها من
خلال تكرار النظر فيما ترك لنا من مؤلفات وكتابات.
أما الاستطراد، فنعم، هذه صفة واضحة في مؤلفاته، اشتكى منها محبوه
وشانئوه، وليس الاعتذار لشانئيه عن استطراده برادهم عن هذا الشنآن، وصارفهم
عن هذا التحامل، ومعيدهم من دائرة الفجور في الخصومة إلى دائرة الإنصاف.
وذلك لأن منشأ بغضهم وتحاملهم أمور أخرى غير صعوبة التذوق وعسر الهضم؛
فقد تقدم طعاماً أو دواء لمن لا يتذوقه ولم يعتده، ولكنه مؤمن بفائدته، ومقتنع
بقيمته. وليس هذا حال كارهي ابن تيمية والمتحاملين عليه، فأكثر مواقف هؤلاء
العدوانية مبنية على الوصف والتقليد، أو الهوى. وهذا الهوى الغالب هو الذي
يدفع رؤوسهم إلى تحذير أتباعهم من قراءة آثاره، والاقتراب من حِماه، والتواصي
بمقاطعة من يفعل ذلك ممن يخرج عن عبودية الفكر وأسر الشعوذة.
يستطرد ابن تيمية نعم، ويتعب قارئه نعم، ويأخذ به - بجد وهمة عجيبين -
في شعاب ووهاد بكر لم تطرق من قبل، ويقوده - صاحباً أميناً وحارساً يقظاً -
إلى حيث الدهشة التي يُعَبَّر عنها أحياناً كثيرة بإيقاف النَّفَس برهة، ووضع الكتاب
جانباً، وتسريح الفكر وراء خاطر جانبي: كيف اهتدى الرجل إلى هذه الفكرة،
وكيف سطر قلمه هذه الآبدة؟ ! هذا شأنه في أغلب ما خلف من كتابات، كما كان
شأنه في دروسه التي يصفها شاهدُ عيانٍ من تلاميذه فيقول:
(وأما ذكر دروسه؛ فقد كنت - في حال إقامتي بدمشق - لا أُفَوِّتُها. وكان ...
لا يهيئ شيئاً من العلم ليُلقِيَهُ ويورِدَه؛ بل يجلسُ - بعد أن يصلي ركعتين - فيحمدُ
الله ويثني عليه، ويصلي على رسوله ﷺ على صفة
مستحسنة مستعذبة، لم أسمعها من غيره - ثم يشرع ... فيفتح الله عليه إيرادَ علومٍ، وغوامضَ، ولطائفَ، ودقائقَ، وفنونٍ، ونقولٍ، واستدلالات بآياتٍ، وأحاديثَ، وأقوالِ العلماء، ونصر بعضها وتبيين صحته، أو تزييف بعضها وإيضاح حجته، واستشهاد بأشعار العرب، وربما ذكر اسم ناظمها ... وهو - مع ذلك - يجري
كما يجري السيل، ويَفيض كما يَفِيضُ البحر، ويصير - منذ يتكلم؛ إلى أن يفرغ
- كالغائب عن الحاضرين؛ مغمضاً عينيه، وذلك كله مع عدم فكر فيه، أو رويةٍ،
من غير تَعَجْرُفٍ، ولا توقفٍ، ولا لَحْنٍ، بل فيضٌ إلهي، حتى يَبْهَرَ كلَّ سامع
وناظر، فلا يزال كذلك إلى أن يَصْمُتَ. وكنت أراه - حينئذ - كأنه قد صار
بحضرة من يَشْغَلُهُ عن غيره، ويقعُ عليه - إذ ذاك - من المهابةِ ما يُرْعِد القلوبَ،
ويحيّرُ الأبصارَ والعقول.) [١] .
وأمر آخر ينبغي أن لا يُغْفَلَ عنه - عند النظر إلى استطراد ابن تيمية - وهو
أنه - في كل ما كتب - كان صاحب منهج، ومن منهجه انطلاقه من مجتمعه
وظروفه، وتفاعله الكامل مع مشاكل المسلمين في عصره، فقد اصطبغت نفسه
وقلبه بالإسلام عقيدةً وسلوكاً من جهة، واكتوى بما شاهد وعرف من الأمراض التي
حلت بالعالم الإسلامي، ونفذ - ببصيرته الثاقبة - إلى الأسباب الحقيقية التي آلت
بالمسلمين إلى تلك الحال، فمثله كمثل طبيب حَذِق علم الطب، وهو- مع هذا -
صاحب قلب مفعم بالرحمة، وشخصية تفيض غيرة وحرصاً على مرضاه، إذا
عالج مريضاً يصف له أكثر الأدوية فائدة، وأقرب طرق الاستعمال مأخذاً. مع
التحذير الشديد من أسباب المرض، والشرح المفصل لكل الظروف والمداخل التي
يمكن أن تتسرب منها الجراثيم. فيجمع بين الطب والوقائي والطب العلاجي، ولا
يقتصر على كتابة الوصفة ببرود غير المتفاعل وغير المخلص. ولعله - هو نفسه
- خير من يبين لنا طريقته في البحث والكتابة حيث يبين لنا الأدلة وطريقة
عرضها، وإلى أي طريقة يميل فيقول:
(ومما ينبغي أن يعرف أن الأدلة نوعان:
نوع: يدل على مجرد العلم بالمدلول عليه.
ونوع: يحض مع ذلك على الرغبة فيه، أو الرهبة منه.
فالأول: من جنس الخبر المجرد.
والثاني من جنس الحث، والطلب، والأمر، والإرادة، والأمر بالشيء،
والنهي عنه.
وذلك كمن علم أن في المكان الفلاني جمادات وحيوانات، أو نبات ليس له
فيها غرض؛ لا حب، ولا بغض، فليس هو بمنزلة من علم أن في المكان الفلاني
صديقه، وولده، ومحبوبه، وماله، وأهله، وأهل دينه. وفي المكان الفلاني
عدوه، ومبغضه، ومن يقطع عليه الطريق، ويقتله، ويأخذ ماله. فكذلك دلائل
النبوة، هي - كلها - تدل على صدق النبي، ثم يعلم ما يخبر به النبي من الأمر،
والنهي، والوعد، والوعيد، لأنه أخبر عن الله بذلك، وهو صادق فيما يخبر به.
فهذا طريق عام. وأما إثبات نبوة الأنبياء - بما فعله بهم وبأتباعم من النجاة،
والسعادة والنصرة، وحسن العاقبة، وما جعله لهم من لسان الصدق، وما فعله
بمكذبيه ومخالفيه من الهلاك، والعذاب وسوء العاقبة، وإتباعهم اللعنة في الدنيا،
مع عذاب الآخرة - فهذا يدل - مع صدق الأنبياء - على الرغبة في اتباعهم،
والرهبة من مخالفتهم. ففيه:
العلم بصدقهم، والموعظة للخلق.
والوعظ هو أمر ونهي، بترغيب وترهيب، قال تعالى: [ولَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا
يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وأَشَدَّ تَثْبِيتاً * وإذاً لآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْراً عَظِيماً *
ولَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً] [النساء ٦٦-٦٨] ، أي: لو أنهم فعلوا ما يوعظون به، وما يؤمرون به. وقال: [يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ]
[النور ١٧] ، أي ينهاكم الله أن تعودوا لمثله. وهذه الطريقة أكمل وأبلغ في حصول
المقصود، فإنها تفيد: العلم بصدقهم؛ والرغبة في اتباعهم، والرهبة من خلافهم.
وتفيد: ثبوت صحة الدين الذي دعوا إليه، وسادة أهله، وفساد الدين المخالف
لدينهم، وشقاوة أهله) [٢]
وواضح من هذا الاقتباس الطويل أنه يفضل النوع الثاني، وهو طريقة
الأنبياء، وطريقة القرآن الكريم، مع الوضع في الاعتبار الظروف السياسية
والفكرية التي واجهها ابن تيمية، وتنوع الأخطار التي أصبحت تهدد الإسلام كنظام
حياة، والمسلمين كأناس لهم هويتهم وخصوصيتهم الثقافية، فالتتار من الشرق،
والصليبيون من الغرب، والفرق الضالة من القلب، والبدع الاعتقادية والعبادية
تنتشر، والسياسة الدنيوية تخلف آثارها السلبية - التي يصعب اقتلاعها وعلاجها -
وتتسلح بالترغيب والترهيب، فتُطمِع وتفزع، أو تمنح وتمنع [٣] .. كل هذا
وأكثر منه كان ماثلاً في عقل ابن تيمية في كل ما كتب تقريباً، فقضاياه التي اهتم
لها، وصب فيها قوة نفسه، وحرارة قلمه كلها تدور حول: ما الذي انتقل
بالمسلمين من حالة المد إلى حالة الجذر، وما الذي يخرجهم من صعوبات اللحظة
الحاضرة إلى أفق أرحب، ومستقبل أفضل؟ يستطرد، لكنه لا ينظر إلى إمتاع
قارئه، وهدهدته والتسرية عنه - كما ينحو بعض الكتاب؛ يحرص على أن يظل
قارئه معه مستجمعاً نفسه، لا يَنِدُّ عنه وعيه لحظة، لأن الأمر جد، لا بد فيه من
التشمير وأخذ العدة. وهو ليس من صنف أولئك الذين يعتبرون العلم ترفاً فكرياً،
أو أمراً تكميلياً يزينون به صورهم عند الناس، ولا من الذين طلبوا العلم لمنصب أو
رتبة أو رجاء تزود من الدنيا وتكثر من الامتيازات وتجمل، وعندهم من الفراغ ما
يجعلهم ينتحون ركناً هادئاً يبعث على التأمل، بعيداً عن الناس وصخب الحياة،
حولهم المراجع والمصادر، يرتبون ويجمِّلون ويصقلون ويعيدون النظر فيما يكتبون
ويؤلفون - شأن أصحاب الحوليات - لا، لم تكن حياة ابن تيمية العاصفة تسمح له
بهذا، ولم يدعه خصومه لمثل هذا الهدوء والاستقرار الذي يتطلع إليه الكثير من
أهل العلم والفكر، يتصدى للمشكلة، فيبدأ بتحليلها، فتنفجر المعلومات بين يديه.
أتخيله كحامل فأساً يريد أن يحفر في الأرض باحثاً عن الماء، يضرب ضربة أو
ضربتين فتنفجر الأرض تحت قدميه بالماء الثر الغزير، فيبدأ بالتقنية [٤] له حتى
يوجهه الوجهة التي يستفاد منه فيها، فيزداد الماء ويطغى حتى يغلب أطراف القناة
الأولى، فيتوزع جهد الشيخ بين تقوية ضفاف تلك القناة والبدء في قناة ثانية تخفف
الضغط عن الأولى، فيصيب الثانية ما أصاب الأولى، فيقويها ويفتح ثالثة ورابعة.. ثم يعود ليذكرك بأن عليه - بعد أن قوى الثانية والثالثة - أن لا ينسى أنه بدأ
بالأولى وغلبه انفجار الماء عن إكمالها إلى غايتها، فيمشي معها خطوة خطوة يغالبه
الماء عليها فيكاد يغلبه، فيفتح له مسرباً يخفف من ضغطه وعنفوانه، ثم يهيمن
أخيراً على التيار، ويصل بك إلى الغاية بعد أن كانت النية أن يكشف نبعاً ويُجري
قناة؛ فإذا بالنبع يقذف بالسيل الدُّفَّاع [٥] ، لا تكفيه قناة واحدة ما لم تسيِّرْ عن
يمينها وشمالها أقنية تبث الحياة في الأرض التي كانت هامدة منذ قليل! وإذا بها
تستحيل غرْباً، ويَرْوَى الناس، ويضربون بِعَطَن [٦] .
أما النكتة التي لحظتها فهي أن كثيراً مما قاله ابن تيمية كتبه تلاميذه، إما في
دروسه العامة، وإما في مناظراته الكثيرة، ولا بد من وجود فرق واضح بين
الأسلوب المرتجل، والآخر الذي يأتي نتيجة الانفراد للتأليف والتهيؤ له. ونستطيع
أن نميز هذين الأسلوبين إذا نحن درسنا مؤلفات ابن تيمية دراسة داخلية، وحللنا
السياق في كلٍ، وألقينا الضوء على الظرف المحيط بكل أثر من آثاره. وسنلحظ
أن درجة الانفعال ترتفع وتشتد في الموضوعات التي كان يرتجلها إجابة على فتوى
أو مسألة، أو اشتراكاً في مناظرة على مسمع من الناس، وقد يصل الانفعال إلى
درجة الحدة التي أخذت عليه واعتبرها أعداؤه مدخلاً يدخلون منها وبها إلى القدح
فيه والتنفير منه.
سيبدو لنا ابن تيمية في حالتين:
الحالة الأولى وكأنه يتكلم قائماً مندفعاً فيما هو فيه من توضيح ورد وحض
وتحذير، أو ماشياً عجلاً حوله تلاميذه، كل يريد لو ظفر منه بإجابة على ما عنده،
فيحاول أن يلبي رغبة الجميع، فيجيب بأجوبة قصيرة لكسب الوقت، ولكنها كافية
ووافية بالمقام.
والحالة الثانية قد فرغ لنفسه، واستغرقته قضية، فبدأ بالكتابة فيها، محدداً
ومحرراً ومستقصياً، ومستبعداً مواطن الاشتباه والاشتباك، ومحللاً ومعقباً على
أسباب ذلك، وهو في كل ذلك لا يخطو خطوة بدون دليل، بل أدلة، وينحدر بعد
ذلك انحدار السيل - بوصفه الذي سقناه عن أحد تلاميذه آنفاً - تصادفه أرض
مستوية فيفيض ويتشعب، ثم يعود فيستجمع قوته حين تعترضه مضايق وحزون،
فمنخفضات وانهدامات، هادراً يرمي بالجلاميد ويقذف بالزبد، حتى يصل إلى
قراره.
стр. 1314
آية من كتاب الله [*]
[شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ والْمَلائِكَةُ وأُوْلُوا العِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إلَهَ إلاَّ هُوَالعَزِيزُ الحَكِيمُ]
[آل عمران ١٧ -١٨]
قال ابن تيمية في تفسير هذه الآية:
- ١ -
أقوال المفسرين في معنى: شهد
قد تنوعت عبارات المفسرين في لفظ (شهد) ، فقالت طائفة منهم مجاهد
والفراء وأبو عبيدة: أي حكم وقضى.
وقالت طائفة منهم ثعلب والزجاج: أي بينّ.
وقالت طائفة: أي أعلم.
وكذلك قالت طائفة: معنى شهادة الله: الإخبار والإعلام، ومعنى شهادة
الملائكة والمؤمنين: الإقرار.
وعن ابن عباس أنه: شهد بنفسه لنفسه قبل أن يخلق الخلق حين كان، ولم
يكن سماء ولا أرض، ولا بر ولا بحر، فقال: [شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ] .
وكل هذه الأقوال - وما في معناها - صحيحة، وذلك أن الشهادة تتضمن:
كلام الشاهد، وقوله وخبره عما شهد به، وهذا قد يكون، مع أن الشاهد نفسه يتكلم
بذلك ويقوله ويذكره، وإن لم يكن معلماً به لغيره، ولا مخبراً به لسواه [١] . فهذه
أولى مراتب الشهادة.
ثم قد يخبره ويعلمه بذلك، فتكون الشهادة إعلاماً لغيره وإخباراً له، ومن
أخبر غيره بشيء فقد شهد به. سواء كان بلفظ الشهادة أو لم يكن (....) .
فالشهادة تضمنت مرتبتين:
إحداهما: تكلم الشاهد وقوله، وذكره لما شهد في نفسه به.
والثانية: إخباره وإعلامه لغيره بما شهد به، فمن قال من المفسرين: حكم
وقضى؛ فهذا من باب اللازم، فإن الحكم والقضاء هو إلزام وأمر.
ولكن الكلام في دلالة لفظ الشهادة على ذلك، وذلك أنه إذا شهد أنه لا إله إلا
هو؛ فقد أخبر وبين وأعلم أن ما سواه ليس بإله، فلا يعبد، وأنه وحده الإله الذي
يستحق العبادة، وهذا يتضمن الأمر بعبادته؛ والنهي عن عبادة سواه، فإن النفي
والإثبات في مثل هذا يتضمن الأمر والنهي، كما إذا استقتى شخص شخصاً فقال له
قائل: هذا ليس بمفتٍ؛ هذا هو المفتي، ففيه: نفي عن استفتاء الأول؛ وأمر
وإرشاد إلى استفتاء الثاني. وكذلك إذا تحاكم إلى غير حاكم، أو طلب شيئاً من غير
ولي الأمر، فقيل له: ليس هذا حاكماً، ولا هذا سلطاناً، هذا هو الحاكم، وهذا هو
السلطان، فهذا النفي والإثبات يتضمن الأمر والنهي، وذلك أن الطالب إنما يطلب
ممن عنده مراده ومقصوده، فإذا ظنه شخصاً فقيل له: ليس مرادك عنده وإنما
مرادك عند هذا كان أمراً له بطلب مراده عند هذا دون ذاك.
والعابدون مقصودهم أن يعبدوا من هو إله يستحق العبادة، فإذا قيل لهم: كل
ما سوى الله ليس بإله؛ إنما الإله هو الله وحده؛ كان هذا نهياً لهم عن عبادة ما
سواه، وأمراً بعبادته.
وأيضاً؛ فلو لم يكن هناك طالب للعبادة فلفظ الإله يقتضي أنه يستحق العبادة،
فإذا أخبر أنه هو المستحق للعبادة دون ما سواه كان ذلك أمراً بما يستحقه.
وليس المراد هنا (بالإله) من عبده عابد بلا استحقاق؛ فإن هذه الآلهة كثيرة، ول كن تسميتهم آلهة والخبر عنهم بذلك واتخاذهم معبودين أمر باطل، كما قال تعالى: [إنْ هِيَ إلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ] [النجم ٢٣] ، وقال: [ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الحَقُّ وأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ البَاطِلُ] [لقمان ٣٠] .
فالآلهة التي جعلها عابدوها آلهة يعبدونها كثيرة، لكن هي لا تستحق العبادة
فليست بآلهة، كمن جعل غيره شاهداً أو حاكماً أو مفتياً أو أميراً وهو لا يحسن شيئاً
من ذلك.
ولا بد لكل إنسان من إله يألهه ويعبده (تعس عبدُ الدينار وعبدُ الدرهم) [٢] ...
فإن بعض الناس قد ألّه ذلك محبة وذلاً وتعظيماً.
فإذا شهد الله أنه لا إله إلا هو فقد حكم وقضى بأن لا يعبد إلا إياه.
وأيضاً فلفظ الحكم والقضاء يستعمل في الجمل الخبرية، فيقال للجمل الخبرية: قضية، ويقال: قد حكم فيها بثبوت هذا المعنى وانتفاء هذا المعنى، وكل شاهد
ومخبر هو حاكم بهذا الاعتبار، قد حكم بثبوت ما أثبته، ونفي ما نفاه حكماً خبرياً، ...
قد يتضمن حكماً طلبياً.
- ٢ -
وشهادة الرب وبيانه وإعلامه يكون بقوله تارة، وبفعله تارة.
فالقول هو ما أرسل به رسله، وأنزل به كتبه، وأوحاه إلى عباده كما قال:
[يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ
أَنَا فَاتَّقُونِ] [النحل ٢] إلى غير ذلك من الآيات.
وقد علم بالتواتر والاضطرار أن جميع الرسل أخبروا عن الله أنه شهد ويشهد
أن لا إله إلا هو بقوله وكلامه؛ وهذا معلوم من جهة كل من بلغ عنه كلامه، ولهذا
قال الله تعالى: [أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وذِكْرُ
مَن قَبْلِي] [الأنبياء ٢٤] .
وأما شهادته بفعله فهو: ما نصبه من الأدلة الدالة على وحدانيته التي تعلم
دلالتها بالعقل، وإن لم يكن هناك خبر عن الله، وهذا يستعمل فيه لفظ الشهادة
والدلالة والإرشاد، فإن الدليل يبين المدلول عليه ويظهره، فهو بمنزلة المخبر به،
الشاهد به، كما قيل: سل الأرض من فجر أنهارها، وغرس أشجارها، وأخرج
ثمارها، وأحيا نباتها، وأغطش ليلها، وأوضح نهارها. فإن لم تجبك حواراً؛
أجابتك اعتباراً.
وهو سبحانه شهد بما جعلها دالة عليه، فإن دلالتها إنما هي بخلقه لها، فإذا
كانت المخلوقات دالة على أنه لا إله إلا هو سبحانه، وبين ذلك، فهو الشاهد المبين
بها أنه لا إله إلا هو وهذه الشهادة الفعلية ذكرها طائفة، قال ابن كيسان: شهد الله
- بتدبيره العجيب، وأموره المحكمة عند خلقه - أنه لا إله إلا هو.
- ٣ -
وقوله: [قائماً بالقسط] هو نصب على الحال، وفيه وجهان:
قيل: هو حال من (شهد) : أي شهد قائماً بالقسط.
وقيل: (حال) من (هو) أي: لا إله إلا هو قائماً بالقسط، كما يقال: لا إله
إلا هو وحده. وكلا المعنيين صحيح.
وقوله: [قَائِماً بِالْقِسْطِ] يجوز أن يعمل فيه كلا العاملين على مذهب
الكوفيين، في أن المعمول الواحد قد يعمل فيه عاملان، كما قالوا في قوله: [هَاؤُمُ
اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ] ، و [آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً] ، و [عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمَالِ
قَعِيدٌ] ونحو ذلك.
وسيبويه وأصحابه يجعلون لكل عامل معمولاً، ويقولون حذف أحدهما لدلالة
الآخر عليه. وقول الكوفيين أرجح.
وعلى المذهبين فقوله: [بِالْقِسْطِ] يُخرَّج على هذا، إما كونه يشهد قائماً
بالقسط، فإن القائم بالقسط هو القائم بالعدل، كما في قوله [كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ]
[النساء ١٣٥] ، فالقيام بالقسط يكون في القول، وهو القول بالعدل، ويكون في
الفعل، فإذا قيل: شهد (قائماً بالقسط) ، أي: متكلماً بالعدل، مخبراً به، آمراً به؛
كان هذا تحقيقاً لكون الشهادة شهادة عدل وقسط، وهي أعدل من كل شهادة، كما أن
الشرك أظلم من كل ظلم، وهذه الشهادة أعظم الشهادات.
ولفظ القيام بالقسط كما يتناول القول يتناول العمل، فيكون التقدير: يشهد
وهو قائل بالقسط عامل به لا بالظلم، فإن هذه الشهادة تضمنت قولاً وعملاً، فإنها
تضمنت أنه هو الذي يستحق العبادة وحده فيعبد، وأن غيره لا يستحق العبادة، وأن
الذين عبدوه وحده هم المفلحون السعداء، وأن المشركين به في النار، فإذا شهد
قائماً بالعدل المتضمن جزاء المخلصين بالجنة، وجزاء المشركين بالنار؛ كان هذا
من تمام تحقيق موجب هذه الشهادة، وكان قوله: قائماً بالقسط تنبيها على جزاء
المخلصين والمشركين، كما في قوله: [أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ]
[الرعد ٣٣] .
قال طائفة من المفسرين منهم البغوي نظم الآية: (شهد الله قائماً بالقسط)
ومعنى قوله: قائماً بالقسط أي بتدبير الخلق، كما يقال: فلان قائم بأمر فلان، أي
يدبره ويتعاهد أسبابه، وقائم بحق فلان، أي مُجازٍ له، فالله تعالى مدبر رزاق
مجاز بالأعمال.
وإذا اعتبر القسط في الإلهية كان المعنى: (لا إله إلا هو قائماً بالقسط) أي
هو وحده الإله، قائماً بالقسط، فيكون وحده مستحقاً للعبادة، مع كونه قائماً بالقسط، كما يقال: أشهد أن لا إله إلا الله واحداً أحداً صمداً، وهذا الوجه أرجح، فإنه
يتضمن أن الملائكة وأولي العلم يشهدون له، على أنه لا إله إلا هو، وأنه قائم
بالقسط.
والوجه الأول لا يدل على هذا، ولأن كونه قائماً بالقسط كما شهد به أبلغ من
كونه حال الشاهد، وقيامه بالقسط يتضمن أن يقول الصدق، ويعمل بالعدل، كما
قال: [وتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وعَدْلاً] [الأنعام ١١٥] ، وقال هود: [إنَّ رَبِّي
عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ] [هود ٥٦] ، فأخبر أن الله على صراط مستقيم وهو العدل الذي لا عوج فيه.
والاستقامة والاعتدال متلازمان، فمن كان قوله وعمله بالقسط كان مستقيماً،
ومن كان قوله وعمله مستقيماً كان قائماً بالقسط، ولهذا أمرنا الله سبحانه أن نسأله
أن يهدينا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم من: النبيين، والصديقين،
والشهداء الصالحين. صراطهم هو العدل والميزان، ليقوم الناس بالقسط،
والصراط المستقيم هو العمل بطاعته وترك معاصيه، فالمعاصي كلها ظلم مناقض
للعدل، مخالف للقيام بالقسط والعدل.
ثم قال تعالى:، ذكر عن جعفر بن محمد أنه قال: [لا إلَهَ إلاَّ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ] الأولى وصف وتوحيد، والثانية رسم وتعليم. أي قوله: [لا إلَهَ إلاَّ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ] .. معنى الأولى هو ذِكْرُ أن الله شهد بها، فقال: [شهد أَن لاَّ إلَهَ إلاَّ هُوَ] والتالي للقرآن إنما يذكر أن الله شهد بها هو والملائكة وأولو العلم، وليس في ذلك شهادة من التالي نفسه بها، فذكرها الله مجردة ليقولها التالي. فيكون التالي قد شهد بها أنه لا إله إلا هو. فالأولى خبر عن الله بالتوحيد لنفسه، وهذه [٣] ... خبر عن الله بالتوحيد.
وختمها بقوله: [الَعَزِيزُ الحَكِيمُ] والعزة تتضمن القدرة والشدة والامتناع
والغلبة. تقول العرب: عزَّ يعَزُّ بفتح العين إذا صلُب. وعزَّ يعِزُّ بكسرها إذا امتنع. وعزَّ يعُزُّ بضمها إذا غلب. فهو سبحانه في نفسه قوي متين، وهو منيع لا ينال. وهو غالب لا يغلب.
والحكيم يتضمن: حكمه وعلمه وحكمته فيما يقوله ويفعله، فإذا أمر بأمر كان
حسناً، وإذا أخبر بخبر كان صادقاً، وإذا أراد خلق شيء كان صواباً، فهو حكيم
في إرادته وأفعاله وأقواله.
-٤ -
الأصول التي تضمنتها الآية:
وقد تضمنت هذه الآية ثلاثة أصول: شهادة أن لا إله إلا الله، وأنه قائم
بالقسط، وأنه العزيز الحكيم. فتضمنت: وحدانيته المنافية للشرك، وعدله المنافي
للظلم، وعزته وحكمته المنافية للذل والسفه، وتنزيهه عن الشرك والظلم والسفه،
ففيها إثبات التوحيد، وإثبات العدل، وإثبات الحكمة، وإثبات القدرة.
[استطراد في الرد على: المعتزلة، والجهمية، والجبرية، ودعاة توحيد
الوجود] .
-٥ -
وإذا كانت شهادة الله تتضمن بيانه للعباد، ودلالته لهم، وتعريفهم بما شهد
لنفسه؛ فلا بد أن يعرفهم أنه شهد، فإن هذه الشهادة أعظم الشهادات، وإلا فلو شهد
شهادة لم يتمكن من العلم بها لم ينتفع بذلك، ولم تقم عليهم حجة بتلك الشهادة - كما
أن المخلوق إذا كانت عنده شهادة لم يبينها بل كتمها لم ينتفع أحد بها، ولم تقم بها
حجة -.
شروط الشهادة:
والشهادة لا بد فيها من: علم الشاهد، وصدقه، وبيانه. لا يحصل مقصود
الشهادة إلا بهذه الأمور، ولهذا ذم من يكتم ويحرف، فقال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ
آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الوَالِدَيْنِ والأَقْرَبِينَ إن يَكُنْ
غَنِياً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الهَوَى أَن تَعْدِلُوا وإن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإنَّ
اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً] [النساء ١٣٥] .
وفي الصحيحين عن حكيم بن حزام عن النبي ﷺ قال: ... (البِّيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذّبا ...
وكتما محقت بركة بيعهما) [٤] .
وإذا كان لا بد من بيان شهادته للعباد، ليعلموا أنه قد شهد فهو قد بينها
بالطريقين: بالسمع والبصر.
أ- فالسميع يسمع آيات الله المتلوة المنزلة، والبصير يعاين آياته المخلوقة
الفعلية، وذلك أن شهادته تتضمن بيانه، ودلالته للعباد وتعريفهم ذلك حاصل بآياته، فإن آياته هي دلالاته وبراهينه التي بها يعرف العباد خبره وشهادته، كما عرفهم
بها أمره ونهيه، وهو عليم حكيم، فخبره يتضمن أمره ونهيه، وفعله بين حكمته.
فالأنبياء إذا أخبروا عنه بكلامه عرف بذلك شهادته وآياته القولية، ولا بد أن
يعرف صدق الأنبياء فيما أخبروا عنه، وذلك قد عُرِفَ بآياته التي أيد بها الأنبياء،
ودلّ بها على صدقهم، فإنه لم يبعث نبياً إلا بآية تبين صدقه، إذ تصديقه بما لا
يدل على صدقه غير جائز، كما قال: [لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ] [الحديد ٢٥] ، أي بالآيات البينات.
وقال: [ومَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إن
كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ * بِالْبَيِّنَاتِ والزُّبُرِ وأَنزَلْنَا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ
ولَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ] [النحل ٤٤] .
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - صلى الله
عليه وسلم - أنه قال: (ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أوتي من الآيات ما ... آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة) [٥] .
فالآيات والبراهين التي أرسل بها الرسل دلالات الله على صدقهم دلّ بها
العباد. وهي شهادة الله بصدقهم فيما بلغوا عنه، والذي بلغوه فيه شهادته لنفسه فيما
أخبر به.
وهو سبحانه اسمه المؤمن، وهو - في أحد التفسيرين - المصدِّق، الذي
يصدق أنبياءه فيما أخبروا عنه بالدلائل التي دل بها على صدقه.
ب- وأما الطريق العياني، فهو: أن يرى العباد من الآيات الأفقية والنفسية
ما يبين لهم أن الوحي - الذي بلغته الرسل عن الله - حق كما قال تعالى:
[سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ] [فصلت ٥٣] ، أي أو لم يكف بشهادته الخبرة بما علمه، وهو الوحي الذي أخبر به الرسول، فإن الله على كل شيء شهيد وعليم به، فإذا أخبر به وشهد كان ذلك كافياً؛ وإن لم ير المشهود به، وشهادته قد علمت بالآيات التي دلّ بها على صدق الرسول، فالعالم بهذه الطريق لا يحتاج أن ينظر الآيات المشاهدة التي تدلّ على أن القرآن حق، بل قد يعلم ذلك بما عُلِمَ به أن الرسول صادق فيما أخبر به عن شهادة الله تعالى وكلامه.
وكذلك ذكر الكتاب المنزل، فقال: [بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَذِينَ
أُوتُوا العِلْمَ ومَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إلاَّ الظَّالِمُونَ] [العنكبوت ٤٩] ، فبين أن القرآن آيات
بينات في صدور الذين أوتوا العلم، فإنه من أعظم الآيات البينة الدالة على صدق
من جاء به، وقد اجتمع فيه من الآيات ما لم يجتمع في غيره، فإنه هو الدعوة
والحجة، وهو الدليل والمدلول عليه، والحكم، وهو الدعوى، وهو البينة على
الدعوى، وهو الشاهد والمشهود به.
وأما كون سبحانه صادقاً؛ فهذا معلوم بالفطرة الضرورية لكل أحد، فإن
الكذب من أبغض الصفات عند بني آدم، فهو سبحانه منزه عن ذلك، وكل إنسان
محمود يتنزه عن ذلك، فإن كل أحد يذم الكذب، فهو وصف ذم على الإطلاق.
وأما عدم علم الإنسان ببعض الأشياء، فهذا من لوازم المخلوق، ولا يحيط
علماً بكل شيء إلا الله، فلم يكن عدم العلم عند الناس نقصاً كالكذب.
فلهذا بين الرب علمه بما يشهد به، وأنه أصدق حديثاً من كل أحد [وَلَهُ
المَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ] [الروم ٢٧] ، وهو يقول الحق، وهو يهدي
السبيل، وهو سبحانه يتكلم بمشيئته وقدرته.
ومن عنده علم الكتاب، وهم أهل الكتاب، فهم يشهدون بما جاءت به الأنبياء
قبل محمد، فيشهدون أنهم أتوا بمثل ما أتى به، كالأمر بعبادة الله وحده، والنهي
عن الشرك، والإخبار بيوم القيامة، والشرائع الكلية، ويشهدون أيضاً بما في كتبهم
من ذكر صفاته، ورسالته وكتابه، وهذان الطريقان بهما تثبت نبوة النبي - صلى
الله عليه وسلم -، وهي: الآيات والبراهين الدالة على صدقه، وشهادة نبي آخر -
قد علم صدقه - له بالنبوة.
فذكر هذين النوعين بقوله: [قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وبَيْنَكُمْ ومَنْ عِندَهُ عِلْمُ
الكِتَابِ] [الرعد ٤٣] ، فتلك يعلم بها صدقه بالنظر العقلي في آياته وبراهينه،
وهذه يعلم بها صدقه بالخبر السمعي المنقول عن الأنبياء قبله.
وكذلك قوله: [قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ] [الأنعام
١٩] ، فقوله: قل الله؛ فيها وجهان:
قيل: هو جواب السائل، وقوله: شهيد؛ خبر مبتدأ، أي: هو شهيد.
وقيل: هو مبتدأ، وقوله: شهيد؛ خبره، فأغنى ذلك عن جواب الاستفهام.
و (الأول) على قراءة من يقف على قوله: قل الله.
و (الثاني) على قراءة من لا يقف، وكلاهما صحيح: لكن الثاني أحسن
وهو أتمّ.
وكل أحد يعلم أن الله أكبر شهادة، فلما قال: [قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً] ؟
عُلِمَ أن الله أكبر شهادة من كل شيء، فقيل له: [قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ] ،
ولما قال: [اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ] كان في هذا ما يغني عن قوله: إن الله أكبر
شهادة. وذلك أن كون الله أكبر شهادة هو معلوم، ولا يثبت بمجرد قوله [أَكْبَرُ
شَهَادَةً] بخلاف كونه شهيداً بينه وبينهم؛ فإن هذا مما يعلم بالنص والاستدلال،
فينظر: هل شهد الله بصدقه وكذبهم في تكذيبه؟ أم شهد بكذبه وصدقهم في تكذيبه؟
وإذا نظر في ذلك؛ علم أن الله شهد بصدقه وكذبهم بالنوعين من الآيات: بكلامه
الذي أنزله؛ وبما بين أنه رسول صادق.
ولهذا أعقبه بقوله: [وأُوحِيَ إلَيَّ هَذَا القرآن لأُنذِرَكُم بِهِ ومَن بَلَغَ] [الأنعام
١٩] ، فإن هذا القرآن فيه الإنذار، وهو آية شهد بها أنه صادق، وبالآيات التي
يظهرها في الآفاق وفي الأنفس، حتى يتبين لهم أن القرآن حق.
وفي هذه الآية: [قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ] ونظائرها ذكر سبحانه أنه
شهيد بيني وبينهم، ولم يقل: شاهد علينا، ولا شاهد علي، لأنه ضمن الشهادة
الحكم، فهو شهيد يحكم بشهادته بيني وبينكم، والحكم قدر زائد على مجرد الشهادة، فإن الشاهد قد يؤدي الشهادة، وأما الحاكم فإنه يحكم بالحق للمحق على المبطل
ويأخذ حقه منه، ويعامل المحق بما يستحقه، والمبطل بما يستحقه.
وهكذا شهادة الله بين الرسول ومتبعيه، وبين مكذبيه، فإنها تتضمن:
أ- حكم الله للرسول وأتباعه، يحكم بما يظهره من الآيات الدالة على صدق
الرسول على أنها الحق، وتلك الآيات أنواع متعددة.
ب- ويحكم له أيضاً بالنجاة والنصر، والتأييد، وسعادة الدنيا والآخرة،
ولمكذبيه بالهلاك والعذاب، وشقاء الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: [هُوَ الَذِي
أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ] [الفتح ٢٨] ، فيظهره
بالدلائل والآيات العلمية التي تبين أنه حق؛ ويظهره أيضاً بنصره وتأييده على
مخالفيه، ويكون منصوراً، كما قال تعالى: [لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وأَنزَلْنَا
مَعَهُمُ الكِتَابَ والْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وأَنزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ] [الحديد
٢٥] ، فهذه شهادة حكم كما قدمنا ذلك في قوله: [شْهِدُ اللَّهَ] .
قال مجاهد والفراء وأبو عبيدة: شهد الله؛ أي حكم وقضى، لكن الحكم في
قوله: بيني وبينكم؛ أظهر، وقد يقول الإنسان لآخر. فلان شاهد بيني وبينك، أي
يتحمل الشهادة بما بيننا، فالله يشهد بما أنزله ويقوله، وهذا مثل الشهادة على أعمال
العباد، ولكن المكذبين ما كانوا ينكرون التكذيب، ولا كانوا يتهمون الرسول بأنه
ينكر دعوى الرسالة، فيكون الشهيد بتضمن الحكم أثبت وأشبه بالقرآن. والله أعلم.
وكذلك قوله: [لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ والْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ
وكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً] [النساء ٦٦] ، فإن شهادته بما أنزل إليه هي شهادته بأن الله
أنزله منه، وأنه أنزله بعلمه، فما فيه من الخبر هو خبر عن علم الله ليس خبراً
عمن دونه، وهذا كقوله: [فَإن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ] [هود ١٤] ، وليس معنى كونه أنزله مجرد أنه هو معلوم له - فإن جميع الأشياء
معلومة له، وليس في ذلك ما يدل على أنها حق - لكن المعنى: الذي أنزله فيه
علمه، كما يقال: فلان يتكلم بعلم، ويقول بعلم، فهو سبحانه أنزله بعلمه، كما قال: [قُلْ أَنزَلَهُ الَذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ] [الفرقان ٦] ، ولم يقل: تكلم
به بعلمه، لأن ذلك لا يتضمن نزوله إلى الأرض. فإذا قال: [أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ]
تضمن أن القرآن المنزل إلى الأرض فيه علم الله، كما قال: [فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ
بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ] [آل عمران ٦١] ، وذلك يتضمن أنه كلام الله نفسه، منه
نزل ولم ينزل من عند غيره، لأن غير الله لا يعلم ما في نفس الله من العلم -
ونفسه هي ذاته المقدسة - إلا أن يعلمه الله بذلك، كما قال المسيح ﵇:
[تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي ولا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ] [المائدة ١١٦] .
وقال: [فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ] [الجن
٢٦] ، فغيبه الذي اختص به لا يُظْهِرُ على أحداً إلا من ارتضى من رسول،
والملائكة لا يعلمون غيب الرب الذي اختص به.
وكذلك قال في [سورة هود] : [فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُم مِّن
دُونِ اللَّهِ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ] [الطور ١٣] ، لما تحداهم بالإتيان بمثله في قوله:
[فليأتوا بحديث مثله] [الطور ٣٤] ، ثم تحداهم أن يأتوا بعشر سور مثله، ... فعجزوا عن ذا وذاك، ثم تحداهم أن يأتوا بسورة مثله فعجزوا، فإن الخلائق لا يمكنهم أن يأتوا بمثله ولا بسورة مثله، وإذا كان الخلق كلهم عاجزين عن الإتيان بسورة مثله ومحمد منهم علم أنه منزل من الله، نزله بعلمه، لم ينزل بعلم مخلوق، فما فيه من الخبر فهو خبر عن علم الله.
وقوله: [قُلْ أَنزَلَهُ الَذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ] [الفرقان ١٦] ،
لأن فيه (من) الأسرار التي لا يعلمها إلا الله ما يدل على أن الله أنزله، فذكره ذلك
يستدل به تارة على أنه حق منزل من الله، لكن تضمن من الإخبار عن أسرار
السموات والأرض والدنيا والأولين والآخرين وسر الغيب مالا يعلمه إلا الله، فمن
هنا نستدل بعلمنا بصدق أخباره أنه من الله.
وإذا ثبت أنه أنزله بعلمه تعالى استدللنا بذلك على أن خبره حق، وإذا كان
خبراً بعلم الله فما فيه من الخبر يستدل به عن الأنبياء وأممهم، وتارة عن يوم
القيامة وما فيها، والخبر الذي يستدل به لا بد أن نعلم صحته من غير جهته وذلك
كإخباره بالمستقبلات فوقعت كما أخبر، وكإخباره بالأمم الماضية بما يوافق ما عند
أهل الكتاب من غير تعلم منهم، وإخباره بأمور هي سر عند أصحابها كما قال: [وإذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً] إلى قوله: [نَبَّأَنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ]
فقوله: [أَنزَلَهُ الَذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ] استدلال بأخباره، ولهذا ذكره تكذيباً لمن قال: هو [إفْكٌ افْتَرَاهُ وأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ] [التحريم ٣] ، وقوله: [أَنزَلَهُ] استدلال على أنه حق، وأن الخبر الذي فيه عن الله حق، ولهذا ذكر ذلك بعد ثبوت التحدي، وظهور عجر الخلق عن الإتيان بمثله.
ومن شهادته ما يجعله في القلوب من العلم، وما تنطق به الألسن ن من ذلك،
كما في الصحيح أن النبي ﷺ مرَّ عليه بجنازة فأثنوا عليها
خيراً، فقال: (وجبت، وجبت) ومُرَّ عليه بجنازة فأثنوا عليها شراً، فقال: (وجبت، وجبت) قالوا: يا رسول الله؟ ما قولك: وجبت وجبت؟ قال: ... (هذه الجنازة أثنيتم عليها خيراً فقلت وجبت لها الجنة، وهذه الجنازة أثنيتم عليها شراً فقلت وجبت لها النار، أنتم شهداء الله في الأرض) [٦] فأضافهم إلى الله تعالى.
والشهادة تضاف تارة إلى من يشهد له. وإلى من يشهد عنده، فتقبل شهادته،
كما يقال: شهود القاضي، وشهود السلطان، ونحو ذلك من الذين تقبل شهادتهم،
وقد يدخل في ذلك من يشهد عليه بما تحَمَّلَه من الشهادة، ليؤديها عند غيره، كالذين
يشهد الناس عليهم بعقودهم أو أقاريرهم [٧] .
فشهداء الله الذين يشهدون له بما جعله وفعله، ويؤدون الشهادة عنه، فإنهم إذا
رأوا من جعله الله براً تقياً يشهدون أن الله جعله كذلك، ويؤدون عنه الشهادة، فهم
شهداء الله في الأرض، وهو سبحانه الذي أشهدهم بأن جعلهم يعلمون ما يشهدون به، وينطقون به، وإعلامه لهم بذلك هو شهادة منه بذلك، فهذا أيضاً من شهادته.
وقد قال تعالى: [لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وفِي الآخِرَةِ] [يونس ٦٤] ،
وفسر النبي ﷺ البشرى بالرؤيا الصالحة، وفسرها بثناء
الناس وحمدهم، والبشرى خبر بما يسر، والخبر شهادة بالبشرى من شهادة الله
تعالى. والله سبحانه أعلم.
стр. 1315
مصطلحات وتعريفات
(٢)
عثمان جمعة ضميرية
٢- السلف:
* قال ابن فارس في (معجم مقاييس اللغة) [١] :
(سلف، السين واللام والفاء، أصل يدل على تقدُّم وسَبْق. من ذلك السلف، الذين مضوا، والقوم السُّلاف: المتقدمون. والسلاف: السائل من عصير العنب ...
قبل أن يعصر، والسلفة: المعجّل من الطعام قبل الغداء..)
وقال الراغب الأصفهاني في (المفردات) [٢] :
(السلف: المتقدم، قال تعالى: [فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً ومَثَلاً لِّلآخِرِينَ] [الزخرف ...
٥٦] ، أي: معتبراً متقدماً، وقال تعالى: [فَلَهُ مَا سَلَفَ] [البقرة ٢٧٥] ، أي
يتجافى عما تقدم من ذنبه.. ولفلان سلَفٌ كريم: أي آباء متقدمون، جمعه أسلاف
وسلوف..) .
وقال الدامغاني في (الوجوه والنظائر لألفاظ القرآن) :
(السلف في القرآن على وجهين: فوجه منهما، السلف: العبرة ... والعظة، كقوله تعالى [فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً] [الزخرف ٥٦] ، يعني عظة لمن يأتي بعدهم.
والوجه الثاني، السلف: ما تقدم من الزمن الأول، كقوله تعالى [وأَن
تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ] [النساء ٢٣] ، أي: مضى من الزمن الأول) . ...
* وفي الاصطلاح الشرعي: تطلق كلمة السلف بإطلاقين أحدهما خاص
والآخر عام.
ففي الإطلاق الخاص عرَّفه كل طائفة من العلماء بحسب مذهبهم، فقال علماء
الحنفية: السلف من أبي حنيفة إلى محمد بن الحسن (١٨٩هـ) ، ويقابله الخلف: من محمد بن الحسن إلى شمس الأئمة الحلواني (٤٤٨ هـ) .
ومن ينتسب إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل يقول: السلف: الإمام أحمد بن
حنبل، ومَنْ تقدَّمه من الصحابة والتابعين.
وعلماء الشافعية والمالكية وعلماء الكلام، يقولون: السلف ما كان قبل
الأربعمائة، والخلف ما كان بعد الأربعمائة [٣] .
* وفي الإطلاق الشرعي العام، يراد بالمسلف: كل من يُقلَّد مذهبه في الدين
ويُقْتَفى أثره فيه، كالصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين [٤] .
ثم أصبح مع التطور التاريخي لظهور الفرق الإسلامية منحصراً في المدرسة
السلفية التي حافظت على العقيدة والمنهج الإسلامي طبقاً لفهم الأوائل الذين تلقَّوه
جيلاً بعد جيل، وأبرز سماتهم التمسك بمنهج النقل؛ ولهذا عرفوا في البداية بأنهم (أهل الحديث) للتمييز بينهم وبين من انسلخ عن هذا المنهج من الشيعة ... والمعتزلة والخوارج وغيرهم. كما أنهم يعرفون أيضاً بأنهم (أهل الأثر) . وهذ هـ النسبة إلى الأثر، تعني: الحديث وطلبه وأتباعه [٥] .
* ومن هذه الإطلاقات لكلمة السلف نخلص إلى أن هذا اللفظ يشمل:
الصحابة والتابعين، وتابعيهم من الأئمة الذين يقتدى بهم، كالأئمة الأربعة: أبي
حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وسفيان الثوري، وابن عيينة، وحماد بن
سلمة، وحماد بن زيد، وابن أبي شيبة، والبخاري ومسلم، وأصحاب السنن
الأربعة.. وغيرهم من الأئمة الأجلاء الأعلام الذين شُهِد لهم بالإمامة في الدين
والورع والتقوى ظاهراً وباطناً، وتلقى الناس كلامهم بالقبول والعمل به خلفاً عن
سلف [٦] دون اعتبار لزمن معين. وعندئذ يتحدد مذهب السلف بما كان عليه
الصحابة الكرام والتابعون وتابعوهم من الأئمة المذكورين [٧] .
* ويخرج عن السلف كل من رُمِيَ ببدعة أو اشتهر بلقبٍ غير مرضيّ من
الفرق المخالفة للسنة ولمذهب الصحابة وما كانوا عليه، مثل: الروافض،
والخوارج، والقَدَرية، والمرجئة، والجبرية، والمعتزلة، والمشبهة أو المجسِّمة
وسائر الفرق الضالة، فهؤلاء ليسوا على ما كان عليه النبي - صلى الله عليه
وسلم -، بل هم مخالفون لهم، ومخالفون لأهل السنة والجماعة من فقهاء الأمة وعلمائها الذين يقتدى بهم في الدين [٨] .
وكذلك: ليس من مذهب السلف ﵏ حمل الناس على اعتقادٍ لم
يعتقده الرسول ﷺ وأصحابه، ولا امتحان الناس بما لم
يمتحنهم الله تعالى به، والعمل على الفتنة وتفريق صفوف الأمة.
وليس من مذهب السلف - وإن ادّعاه قوم - أن يُطلِق إنسانٌ لسانه بالطعن
والشتم على الأئمة المتقدمين، ولا سيما الأئمة الأربعة، ويحط من قدرهم بنسبتهم
إلى الجهل أو الخطأ أو تعمد التغيير في الأحكام، ويستدل على مُدَّعاه بآية يأخذها
على ظاهرها دون أن يفقه معناها، أو يستدل بحديث لا يدري قول الأئمة فيه،
ويدعو الناس والعوام إلى الأخذ من القرآن أو الحديث من غير اتباع لقول أحد من
الأئمة، ويقول: هذا كتاب الله وسنة رسول الله بين أيدينا، فأي حاجة بنا إلى تقليد
فلان أو فلان، وهم رجال ونحن رجال!
هذا القول ليس بحق، أو هو حق أريد به باطل، بل هو محض باطل أراد
به صاحبه تشكيك الناس، أو الوصول إلى الشهرة بينهم، إذ ليس بوسع كل أحد أن
يأخذ أي حكم يريده من القرآن أو السنة إلا بمراجعة ما ورد من الأئمة في ذلك
الحكم، فهم أقرب عهداً بالرسول ﷺ ، وأكثر علماً وإحاطة
بما جاء عنه، وفي الآيات والأحاديث ما هو منسوخ، وما هو مقيد، وما هو
محمول على غيره، كما هو مذكور في علم الأصول.
وليس من مذهب السلف أيضاً: تأويل القرآن الكريم بالرأي الفاسد، دون
النظر إلى ما ورد عن أئمة اللغة وما فسر به الصحابة وما ورد فيه من آيات
وأحاديث، وإلا فإنه يأخذ بعض الآيات والأحاديث، يضرب بعضها ببعض، أو
يأخذ بعض الأدلة ويترك سائرها، أو يترك المحكم من النصوص في القرآن والسنة، فيأخذ ما يتفق وعقله وينبذ ما لا يتفق معه أو لا يعرف وجهه ومعناه، أو يحمل
نصوص الشرع على وفق هواه ومذهبه الذي ينتحله باطلاً [٩] .
٣- أهل الحديث:
* الحديث في اللغة: ضد القديم، ويستعمل في كثير من الكلام وقليله، وهو
اسم من التحديث بمعنى الإخبار. ثم سمي كل ما صدر عن النبي - صلى الله عليه
وسلم - من قول أو فعل أو تقرير أو وصف خَلْقي أو خُلُقي.
وبعض العلماء يضيف إلى ذلك: ما أضيف إلى الصحابي أو التابعي أو ما
صدر عنهما. وعندئذ تصبح كلمة الحديث مرادفة للخبر عند علماء الحديث. وهو
مرادف كذلك لكلمة (الأثر) عند بعض العلماء [١٠] .
وتقدم - فيما سبق - أن الفرق بين السنة والحديث: أن الحديث كل واقعة
نسبت إلى النبي ﷺ ولو كان فَعَلَها مرة واحدة في حياته
الشريفة، أو رواها عنه شخص واحد.
* وأما السنة: فهي الطريقة المتواترة للعمل بالحديث بل القرآن أيضاً. فقد
ورد - مثلاً - في القرآن الكريم: الأمر بإقامة الصلاة، وبين فيه بعض تفاصيلها
أيضاً، فالرسول ﷺ بموجب ذلك قال: (صلُّوا كما رأيتموني
أصلي) [١١] . واستمر على تلك الكيفية وكذلك الصحابة والتابعون وسائر
المسلمين. وهكذا الأمر في الصيام والزكاة والحج وسائر الأوامر القرآنية.
فالصورة العلمية التي رسمها الرسول ﷺ لألفاظ القرآن
هي السنة، وهي في الحقيقة تفسير عملي للقرآن [١٢] .
* فإذا تعرفنا على معنى الحديث، فإننا نستطيع أن نتعرف على: (أهل ...
الحديث) ؛ وهم الذين سلكوا طريق الصالحين واتبعوا آثار السلف من ... الماضين، وكان لهم عناية خاصة بأحاديث النبي ﷺ : جمعاً وحفظاً ورواية وفهماً وعملاً في الظاهر والباطن، فكانوا بذلك ألزم الناس لسنن النبي ﷺ ، لا يقدِّمون بين يديه، ولا يرفعون صوتهم فوق صوته بتقديم رأي أو هوى أو استحداث بدعة.
ومنهم: كلُّ عالم فقيه، وإمام رفيع نبيه، وزاهد في قبيلة، ومخصوص
بفضيلة، وقارئ متقن وخطيب مُحْسن، وهم الجمهور العظيم، وسبيلهم السبيل
المستقيم، لأنهم أخذوا دينهم وهديهم من الكتاب والسنة وطريق النقل، فأورثهم ذلك
اتفاقاً في الدين وائتلافاً، رغم بعد ديارهم واختلاف أزمانهم [١٣] .
* وكان المتقدمون يطلقون مصطلح (أهل الحديث) على المدرسة التي تقابل ...
أهل الكلام، أي مقابل علماء الكلام الذين عابهم السلف لما أدخلوا في الاعتقاد من
مصطلحات وأفكار غريبة عن المنهج الإسلامي، ولذلك اشتد النكير عليهم من
علماء السنة. وهم أنفسهم - أي علماء الكلام - كان يطلق عليهم (أهل ... الرأي) [١٤] . لأنهم يقدمون آراءهم على الكتاب والسنة، ويعطون عقولهم سلطة ... الحكم على النصوص الشرعية. وهؤلاء هم من أعداء السنن حقيقة كما جاء وصفهم عن عمر ﵁.
* ثم أصبحت كلمة (أهل الحديث) تطلق بمعنى أخص على فئة معينة ممن ...
يعنون بدراسة الحديث النبوي رواية ودراية، أو رواية فحسب، أو ممن ينتسبون
إلى هذا الأمر ويجتمعون عليه نظراً، ولو لم يكن لهم نصيب يذكر من العلم
بالحديث النبوي الشريف.
وينبغي التنبيه إلى تغير المصطلحات بمرور الأزمنة، واختلاف مدلولاتها
بين عصر وآخر عند كثير من الناس.
وإذا كان الأئمة - يرحمهم الله - يطلقون على أهل الحديث - في الماضي
- أنهم الفرقة الناجية والطائفة المنصورة، فإن اصطلاح أهل الحديث قد ضاقت
دائرته عند الكثيرين حتى صار عَلَماً على فئات تكون من أهل الحديث، ولكنها
ليست أهل الحديث.
ولذلك لا يحسن إطلاق (الفرقة الناجية) على فئات محددة تتسمى بأهل
الحديث، وإن كانت هي - فعلاً - من أهل الحديث، بل ينبغي إعادة هذا الاصطلاح إلى مفهومه الموسع الصحيح [١٥] .
* وإذا لاحظنا فيما سبق أن مفهوم (أهل السنة والجماعة) يلتقي مع مفهوم ...
(السلف) ، فإن مفهوم (أهل الحديث) أو (أهل الأثر) بالمعنى الواسع لا يخرج عنهما كذلك، ولذلك لم يكن مذهب السلف أو أهل السنة مذهباً جديداً مبتدعاً، بل هو المنهج الذي كان عليه الرسول ﷺ وصحابته الكرام والتابعون لهم بإحسان، وكذلك سائر الأئمة، وإنما تميزوا - فيما بعد - بهذا اللقب أو التسمية في مقابل أهل البدع والأهواء والفرق المخالفة، ومن هنا جاء الحديث عن عقيدة أهل السنة والجماعة.
فإذا لم يكن ما يدعو للمقابلة والتميز لعدم وجود ما يناهضها، يعود الحديث
عندئذ عن العقيدة الإسلامية، هكذا بعامة، والله الموفق.
стр. 1316
كيف ننمي الملكة الفقهية (الاستنباط) ؟
ستر الجعيد
تمهيد:
الفقه في الدين أمر مهم جداً، فمن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، وبه دعا
النبي ﷺ لابن عباس. وحصوله ليس بالأمر الهين، بل
يحتاج إلى جهد وصبر ومعاناة، مع توفيق الله للعبد أولاً وأخيراً.
لكن الفقه يبدأ قليلاً فينمو وتكبر شجرته حتى تؤتى ثمارها في كل حين بإذن
الله ولما حان الفقه قوياً وفتياً كانت الأمة في قمة مجدها، لكنها نزلت إلى الحضيض
بقدر ما فقدت من الفقه في الدين ومعالجة ما يعترضها من مشكلات على ضوء
كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
وحاجتنا ماسة إلى تنمية الملكة الفقهية والاستنباط لأنها تنقدح وتنمو،
فالإنسان لا يولد فقيهاً فالعلم بالتعلم والحلم بالتحلُّم. وقد بذل العلماء في هذا الشأن
جهوداً موفقة ما بين علماء للفقه فرعوا الفروع من الأدلة، وافترضوا المسائل،
وأودعوها الكتب، وحاولوا أن يستنبطوا لكل مسألة يتصورون وقوعها، أو هي
واقعة حكماً، حتى حققوا آثاراً تبعث على الفرح والارتياح؟
وأقبل فريق منهم على حديث رسول الله ﷺ فجعلوه
عمدتهم يتحرون ثبوته بل ينتقون أعلاه، ثم يستنبطون منه ما يوفقهم الله لفهمه،
وكلا الفريقين على خير، لكن الفريق الثاني كان إلى الاحتياط أقرب وإلى قوة
المصدر كذلك وإعمال الذهن في كلام المعصوم. فهم يحققون بطريقتهم تلك آثاراً
تنعكس على الفقيه والمستنبط وإن كان كلاهما مجتهد مصيب له أجران، أو مخطئ
له أجر واحد.
وسنسلك في هذه المقالات مسلك الفريق الذي عول على الأحاديث الصحيحة
فأعمل ذهنه للاستنباط منها لحاجتنا الماسة إلى الفقه في الدين بهذه الطريقة، وكم
نرى من الآثار السيئة نتيجة لفقدان الفقه الصحيح بنوعيه في أمورنا كلها.
هدف هذه المقالات:
وليس من هدف هذه المقالات بيان المسألة من حيث الرجحان أو ضده، فتلك
لها مشرب آخر وهو استعراض الأدلة والمقارنة بينها، وهو مقصد لا شك مهم
ويكون سبباً لنمو الاستنباط لكنه ربما جعل الإنسان يتحير في خضم الأدلة
والمعارضات بين الأقوال، فيضعف تمييزه بل ربما ألمّ به شيء من الملل.
أما الطريقة التي نتبعها في هذه المقالات فهي أقرب إلى التشويق منها إلى
الملل، حيث تعتمد على إيراد بعض الأدلة الصحيحة من أعلى مصادر الصحيح،
ثم التعقيب عليها بما فيها من فوائد فقهية وتوجيهات تربوية بصورة مختصرة.
وهذه الطريقة ليست جديدة فقد استخدمها كثير من العلماء، ولا سيما أئمة الحديث،
وليست الفوائد مرتبة حسب سياق الدليل بل فيها نوع من التقدم والتأخير.
أ- نص الحديث:
روى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن أناساً من عبد القيس
قدموا على رسول الله ﷺ فقالوا:
- يا نبي الله: إنا حي من ربيعة، وبيننا وبينك كفار مضر، ولا نقدر عليك
إلا في أشهر الحرم، فمرنا بأمرٍ نأمر به من وراءنا، وندخل به الجنة إذا نحن
أخذنا به.
- فقال رسول الله ﷺ : آمركم بأربع، وأنهاكم عن
أربع: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وصوموا
رمضان، وأعطوا الخمس من الغنائم. وأنهاكم عن أربع: عن الدُّبَّاء والحَنْتَم
والمُزَفّت والنَّقير. قالوا: يا نبي الله ما علمك بالنقير؟ قال: بلى، جذع تنقرونه
فتقذفون فيه من القُطَيعاء - قال سعيد: أو قال: من التمر، ثم تصبون فيه من
الماء، حتى إذا سكن غليانه شربتموه حتى إن أحدكم أو إن أحدهم ليضرب ابن عمه
بالسيف، قال وفي القوم رجل أصابته جراحة كذلك قال: وكنت أخبؤها حياءً من
رسول الله ﷺ .
فقلت: فيم نشرب يا رسول الله، قال: في أسقية الأَدَم التي يلاث على
أفواهها، قالوا: يا رسول الله: إن أرضنا كثيرة الجرذان ولا تبقى فيها أسقية الأَدَم. فقال نبي الله ﷺ : وإن أكلتها الجرذان، وإن أكلتها
الجرذان، وإن أكلتها الجرذان. قال: وقال نبي الله ﷺ
لأشجِّ عبد القيس إن فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة [١] .
ب - فيه فوائد:
- بدء الوصايا بالتوحيد.
- الإخبار بالقدرات والإمكانات المعينة على الخير والموانع منه.
- الحرص على البحث عن طريق الجنة مع كثرة المعوقات فكيف عند زوالها
وخفتها؟
- أسلوب الحصر ليفهم المتلقي.
- إيراد الحجة على الأمور الواضحة.
- ضرورة فهم الواقع لتنزيل الفتوى عليه ولمقاصد أخرى.
- التربية بقدر حاجة المتلقي.
- التربية بالمدح وصيغته وصيغة المرغب فيها.
- من الأوصاف ما التصق بالموصوف فلا يعني ذكرها المشروعية.
стр. 1317
مراجعات في عالم الكتب
السيرة النبوية
كما جاءت في الأحاديث الصحيحة
- قراءة جديدة [*]-
تأليف: محمد الصوياني
عرض:د.مالك الأحمد
حقاً، إنها قراءة جديدة للسيرة النبوية، إنها ليست أحداثاً فحسب إنها قصة
ممتعة تجذبك من أولها إلى آخرها إنها [قصة طفل طهور كالبَرَد، ولد يتيماً،
واستمر اليتم يلاحقه ويلاحق طفولته في طرقات مكة ودروبها.. يذيقه المرارة..
يفجعه بأهله وأحبابه..] .
يصور لك الكتاب أحداث السيرة النبوية كما جاءت في الأحاديث النبوية
الصحيحة - بطريقة أدبية مشوقة، ويربط بين أحداثها بعباراته اللطيفة الحنونة.
فتعيش معها كأنك في ذلك العهد وكأنك من أفراد ذلك المجتمع. إنها [سيرة لم تكن
أبداً ماضياً أبداً بل شعلة توقد شموس الحياة ودماء تتدفق في عروق المستقبل
والأجيال] .
أما عن طريقته الجديدة فيقول: [أحاول في هذه القصة - السيرة - أن أبسط
ما أمكن.. أن أجعل هذه الأحداث سهلة في متناول الجميع خاصة من لا يبحثون
عن التعقيد أو التفريع، لذلك صغتها وربطت بين أحاديثها الصحيحة لتكون قصة لا
روايات أحداث متفرقة فقط] . وقد وفق الكاتب في طريقته المشوقة وسنمر سريعاً
على بعض فصول الكتاب.
بدأ الكاتب في أحداث السيرة من عبد المطلب جد الرسول - صلى الله عليه
وسلم - واستعرض سريعاً في تلك الفترة المبكرة قصة إبراهيم الخليل وولده
إسماعيل عند الحديث عن عبد المطلب وكشفه لزمزم، ثم يحدثنا عن ولد عبد
المطلب عبد الله [تربى عبد الله ذلك الطفل الوديع في قلب عبد المطلب وتربع فيه، وبلغ مبلغ الرجال دون أن يعرفه قومه بطيش أو سفه، كأني به هادئ كثير
الصمت والتأمل ملىء بالانتظار، ليس في حياته ما يثير، كأنه كالعالم من حوله
ينتظر وينتظر، ويبحث عن زوجة له في بيوتات مكة ويسأل، فكانت آمنة بنت
وهب بن عبد مناف هي الحبيبة وهي الإجابة] .
ثم يحدثنا الكاتب عن وفاة عبد الله بألم وحرقة وحزن آمنة المفجوعة بزوجها
الذي قبض بعيداً عنها وكانت تتحرق لعودته محملاً بالحب والهدايا وحكايات السفر.
وهكذا تمضي الأحداث ويولد سيد البشر محمد بن عبد الله - صلى الله عليه
وسلم - ويرد الكاتب على المغفلين والأغبياء الذين أنشأوا حول مولده الأساطير
والخرافات، ويشير بعجالة إلى هذه الأكاذيب ويحقق ما جاء من روايات صحيحة
في ذلك.
ثم يمضي الكاتب في رحلة السيرة من تسميته إلى رضاعته ونشأته، ونقف
عند وفاة أمه حيث لا يسعك إلا أن تذرف الدمع عند قراءة ذلك الحدث كما يصوره
الكاتب (ورجعت آمنة بصغيرها إلى مكة، وفي مكان يقال له الأبواء بين مكة
والمدينة توقفت المطايا، ونزلت آمنة عن ظهر الراحلة، ونزل صغيرها وقد
تعلقت بها عيناه وهي تتوجع وتئن أمامه، فلا يستطيع منحها ما يخفف ألمها سوى
نظرات حائرة خائفة، وتزيد آلامها ويزيد أنينها وتموت آمنة وتدفن أمام عينيه،
بعيداً عن مكة، بعيداً عن عبد المطلب، بعيداً عن أعمامه، تؤخذ آمنة منه وتوارى
تحت أكوام التراب، ويعود باكياً وحيداً حزيناً وقد تيتم مرة ثانية) . ويصور لك ...
الكاتب وقع الموت على قلب ذلك الصبي وذكراها في نفسه، ثم ينقلك سنوات بعد
ذلك: [لقد تعلق بها رغم أنه لم يحظ بقربها إلا سنوات قليلة، مر ذات يوم بقبرها
فرؤي له بكاء لم يبكه من قبل، يقول بريدة ﵁: (انتهى النبي -
ﷺ إلى رسم قبر فجلس وجلس الناس حوله فجعل يحرك رأسه
كالمخاطب ثم بكى، فاستقبله عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا رسول
الله ما يبكيك؟ فقال: هذا قبر آمنة بنت وهب، استأذنت ربي في أن أزور قبرها،
فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها فأبى، وأدركتني رقتها فبكيت، فما رؤي
ساعة أكثر باكياً من تلك الساعة) ] .
ثم يعرج بالتفصيل على أحداث نشأة الرسول ﷺ
زواجه ومبعثه بأسلوب شجي يخاطب العقل والقلب ويثير المشاعر والأحاسيس
مورداً الروايات الصحيحة ضارباً صفحاً عبر الروايات الضعيفة فضلاً عن
الموضوعة. ثم يبين موقف قريش من الرسول ﷺ وأصحابه
[ماذا تتوقعون من جيوش من الأصنام: أصنام العادات والتقاليد وشرف الآباء
والأجداد، والثارات، وأصنام الحجارة المرصوفة على الأرفف وفي مداخل البيوت، وحتى في خرج المسافر. وقبل ذلك فوق الكعبة ويحلف بها وتستشار ويصلى لها
ويذاد عنها بالمال والبنين وزينة الحياة كلها] .
ويفصل في تعذيب قريش للرسول ﷺ وأصحابه.
وتحت عنوان أول الشهداء يقول الكاتب [إنها امرأة: أول المسلمين كان امرأة،
أول اعتداء على رسول الله ﷺ كان بيد امرأة وكذلك أول
شهيد في الإسلام امرأة طاعنة في السن، اقتادها رجل شرس يقال له أبو جهل فاق
أبا لهب قسوة وغلظة، تبقى المسكينة ترسف في قيودها نحو بطحاء مكة، ثم
يطعنها برمحه أمام زوجها وابنها] و [وسمية الراحلة، لها رفاق صامدون
شامخون كأطواد مكة أرادتهم قريش عبيداً، فانتزعوا حريتهم بأيديهم، عذبوهم
لكنهم رفضوا الخنوع لسياط الشرك فعاشوا يتنفسون هواء الحرية الرحب حتى
ماتوا..] .
ثم يتابع الكاتب أخبار من أسلموا، وهجرتي الحبشة وما لاقاه المسلمون هناك، ومعاناة الرسول ﷺ مع قريش. والكاتب دوماً يفصل بين كلامه والروايات المسندة كي لا يختلط كلامه بالروايات المخرجة في الحاشية والتي يحكم عليها الكاتب بما يراه من حسن أو صحة.
وتتوالى الأحداث سراعاً من المجاعة في مكة، إلى حصار الشعب، فعام
الحزن، فرحلة الطائف فالإسراء والمعراج، فبيعتي العقبة، ثم الهجرة إلى المدينة، مفصلاً أحداثها ساعة بساعة، واصفاً حال رسول الله ﷺ
وصاحبه وما لاقاه في طريق الهجرة حتى وصولهما إلى المدينة.
رغم الجهد الكبير والطيب الذي بذله الكاتب في إخراج السيرة بهذه الصورة
الرائعة، فإن الكتاب لا يخلو من هفوات نشير إليها بعجالة.
بالنسبة لتخريج الروايات، فالكاتب - رغم أنه بذل الوسع في الحكم عليها -
فقد كان متساهلاً في كثير من المواضع في تحسين الروايات رغم ضعفها عند أهل
الاختصاص (انظر على سبيل المثال تفاصيل الطائف ولقاء عداس، وإسلام عمر،
وقصة أم معبد، ويمكن الرجوع في تفاصيل الروايات والحكم عليها إلى كتاب
(السيرة النبوية الصحيحة للدكتور أكرم ضياء العمري) .
من جانب آخر حاول الكاتب أن يقحم نفسه - في مواضع قليلة - في نقد
أوضاع بعض الدعاة في زماننا، رغم أن المحل غير ملائم لمثل هذا الحديث،
فمثلاً عقب الحديث عن طلب قريش من النبي ﷺ التنازل،
يقول: [فمن المتحمسين من يحمل بضعة أحاديث يغلفها بسوء ظن ويرصد من
حوله ليرميه بالكفر والمروق أو الفسق والانحلال] [ويصنف الناس إلى ملتزمين
وغير ملتزمين وينسى أثناء تصنيفه ما هو أهم، ينسى أخوة الإسلام..] .
والكاتب في ظني لم يوفق في إيحاءاته، وليس المجال ملائماً لبحث مثل هذه
الظواهر، وكان الأجدر به أن يستمر في حديثه في السيرة على منهجه الذي ارتآه،
وليس مقصودي أن سرد الدروس المستفاة من السيرة غير مهم - بل هو الأهم -
لكن هذا الأمر ليس مستهدفاً لدى الكاتب، ولم يتبين هذا النهج، بل منهجه كما
أسلفنا عرض السيرة النبوية في قالب قصصي.
стр. 1318
خواطر في الدعوة
الحزبية
محمد العبدة
ليس هناك أضر على الدعوة الإسلامية المعاصرة من الحزبية المنغلقة الضيقة، إنها داء وبيل يفتك بالإخوة الإسلامية، فيقطع أواصرها ويجعل صفوهاً كدراً.
هل يجوز للمسلم أن يكون وجهه الطلق؛ وابتسامته العريضة، وسلامه الحار
لمن هو من حزبه أو جماعته؛ ولغيره العبوس والسلام البارد؟ ! وهل يجوز
للمسلم أن يغض الطرف عن أخطاء أصحابه؛ وإذا وقع غيره في الأخطاء نفسها
شهّر به وتكلم عليه؟ ! وإذا ذكرت له انحرافاً في الفكر أو التصور وقع به واحد
منهم أتى بالمبررات وقال: هذه أخطاء؛ ولكنها لا تخدش في أصل المنهج!
وبسبب هذه الحزبية تراه لا يطَّلع ولا يقرأ ولا يستقي إلا من طرف واحد، من
كتب أصحابه وممن يوصى أن لا يقرأ إلا لهم، فيتخرج ضيّق الأفق، مشوه
الشخصية الثقافية، لا ينظر إلا من زاوية واحدة ولا يعرف إلا الفكر الأحادي.
كيف تغلغلت هذه الحزبية إلى صفوف الدعوة؟ ومن الذي يمدها حتى تستمر؟ لا شك أنها التربية السيئة التي تمارس على الفرد فيقال له: نحن الأفضل،
وغيرنا فيه نقص كذا ونقص كذا، وكل هذا حباً في التكثير والتجميع، فلا بد أن
يشوه الطرف الآخر حتى لا يذهب الفرد إليهم، وكأننا أحزاب تتنافس على
الانتخابات فهي تشتري الأصوات بالدعاية والمال.
ومن هذه التربية أن يحال بين الفرد في أول عهده بالدعوة وتلقي العلم، وبين
الجلوس إلى العلماء أو من عندهم علم وخبرة، فيربونه بأدبهم وسمتهم وتجربتهم،
وإذا حيل بينه وبين هذا فهو يتلقى ممن يباشر عملية التربية، فإذا كان ديناً وعنده
علم وليس فيه حب الزعامة كانت التربية أقرب للصواب، وإذا كان ممن يحب
الزعامة أو فيه شيء من زغل العلم فعندئذ يتخرج من تحت عباءته شباب متحزبون
مشوهون. ولا ينجو من هذا الداء إلا من تنبه له من البداية، وعرف أن أنواعاً من
التربية ستؤدي حتماً إلى الحزبية، فخاف واحتاط لنفسه، فهو يحاسب نفسه ويلتفت
وراءه ويجدد ويتجدد بين كل فترة وأخرى، حتى لا يقع في هذا الداء الذي تطاير
شرره وعم بلاؤه.
стр. 1319
البيان الأدبي
إسلامية الأدب
د. عبد الرحمن العشماوي
الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وبعد ... فإن سؤالاً واحداً يلاحقني في
كل أمسية شعرية، أو ندوة أو لقاء بعشاق الأدب من الشباب، وهو.. كيف تتحقق
الإسلامية في الأدب؟ ؟
ويتبع هذا السؤال - غالباً - عدد من الشبهات التي ما تزال تثار حول
مصطلح الأدب الإسلامي، ويمكن أن أحصر تلك الشبهات فيما يلي:
١- عندما نقول (الأدب الإسلامي) فإننا نُلغي بذلك الأدب العربي. ...
٢- الأدب الإسلامي يتعارض مع الجانب الفني للأدب، لأنه يحصر الأدب
في زوايا الوعظ والإرشاد فقط، وهذا إخلال بفنية الأدب لا يمكن أن يُقبل.
٣- الأدب الإسلامي أدب واضح مباشر لا تتحقق به المتعة الفنية.
٤- عندما نقول في ظلِّ التصوُّر الإسلامي للأدب: (هذا أديب غير إسلامي)
فإنَّ هذا يجرُّنا إلى تكفير الأديب المسلم الذي لا يدخل في دائرة هذا التصوُّر ونحن
منهيون - شرعاً - أن نكفِّر مسلماً بهذه الطريقة.
٥- إن مصطلح الأدب الإسلامي بدعةٌ معاصرة، لم يقل بها أحدٌ من سلف
هذه الأمة، فهل نحن أحرص على الإسلام من أولئك؟ !
٦- إن الأدب الإسلامي يدعو إلى التميُّز. ونحن نعيش عصر النظام العالمي
الجديد الذي ينادي بثقافة عالمية موحدة.
هذه هي - على وجه التقريب الشُّبه التي تُثار هذه الأيام حول مصطلح الأدب
الإسلامي، وربما توجه إليه شُبَهٌ أخرى، ولكنها لا تكاد تخرج عما ذكرتُه هنا.
وأقول: من المؤكد لدينا أنَّه ما من فكرة تطرح، أو مصطلح علمي أو أدبي يوضع إلا وتكون في جداره ثغرات، وتحدث أمامه وقفات نقدية وتثار حوله شبهاتٌ، بل لعل تلك النقدات الموجهة، وهذه الشبهات المثارة هي التي تتكفل بسدِّ ثغرات
المصطلح وتصحيح ما قد يحدث في دلالاته من أخطاء.
ولا بد من اتساع صدور أصحاب المصطلح لما يوجَّه إلى مصطلحهم من نقد
مهما كانت الدوافع وراء ذلك النقد.
ولعلَّ من المفيد هنا أن أذكِّر الإخوة القراء بأهمية فهم المصطلح فهماً واعياً
من قبل الناقد له حتى يبني أحكامه على قاعدة صحيحة. ولو راعى كل ناقدٍ هذا
الجانب لسلم الأدب من شرِّ كثير من (المناقشات الجدلية) التي لا فائدة منها. ...
وأعود إلى موضوع الأدب الإسلامي فأقول: إنَّ هذا المصطلح يقوم على
قاعدةٍ راسخة من التصور الإسلامي الصافي للكون والحياة والإنسان، وهو كما نعلم
تصوُّر شامل فسيح، لا يترك جانباً من جوانب الحياة دون تأمُّل وتفكُّر، كما أنه
تصوُّر سليم من آفات الأفكار والمذاهب والمعتقدات البشرية المحرًّفة القائمة على ... (قرارات طائشة) يصدرها العقل البشري العاجز عجزاً ظاهراً أمام كثير من جوانب ... ...
الكون الخفية (وفوق كل ذي علم عليم) .
ونعني بالتصور الإسلامي، تلك الرؤيا الشاملة التي تمكِّن الأديب المسلم من
رؤية ما يجري في هذا الوجود بصفاء، بل هي - الرؤية - التي تفتح أمام الأديب
نوافذ الحياة الدنيا، والآخرة، من خلال تلك الروح المسلمة التي تتميز (بشفافية) ...
لا نظير لها [١] .
وهذا التصور الإسلامي لا يتأتى للنفوس والعقول المريضة التي فتحت أبوابها
لجراثيم الأفكار والتصورات المنحرفة عن منهج الإسلام. كما أنه لا يحول دون
التأمل الشامل لكل ما يدور في هذا الوجود، بل إنه يحقق هذا التأمل وما هو أبعد
منه مما ينتظر الإنسان في الآخرة.. ولهذا كان الأديب الإسلامي متميزاً عن غيره
من أصحاب الاتجاهات الأخرى بإمكانية التصوير الأدبي لما يختلج في نفسه من
شوق إلى الآخرة بما فيها من نعيم مقيم، وبما فيها من عذاب أليم - نسأل الله
السلامة -[٢] .
بل إن ما ورد عن النبي ﵊ أن في الجنة ما لا عين رأت
ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، يعطي الأديب الإسلامي مساحات شاسعة
رائعة من الخيال الواعي لتصوير خلجات قلبه نحو ذلك النعيم العظيم.
وما كنت أظنُّ مسلماً سيقف متردداً أمام هذا المصطلح من حيث صلاحيته
للوجود والبقاء، وقد عجبت كلَّ العجب لأحدهم عندما قال في مهرجان شعري عقد
في الرياض: إذا قلنا الأدب الإسلامي، فكيف نعبِّر عن الوردة الجميلة والمنظر
الطبيعي الخلاب؟ ؟ عجبت له وأشفقت عليه من هذا التصور الناقص والفهم
الكسيح لمعنى اصطلاح الأدب الإسلامي.
ولا شك أن هذا القائل وأمثاله يبنون على هذا الفهم القاصر مواقفهم الرافضة
لهذا المصطلح، ولو أعطى هذا القائل لنفسه فرصة التأمل والتفكير لعرف مدى
النقص الكبير لديه في الاستيعاب. وإلا فإن نظرة عاجلة إلى كتاب الله الكريم،
وسنة الرسول ﵊، تؤكد أن التأمل الواعي، والشمولية في
النظرة من أهم سمات المنهج الإسلامي.
وأعتذر إلى القارئ الكريم من الإطالة في هذه التوطئة وأنتقل إلى مناقشة
الشبهات التي ذكرتها من قبل.
الشبهة الأولى:
يعترض البعض على مصطلح الأدب الإسلامي بقوله: إننا بهذه التسمية نلغي
الأدب العربي، ويرى أنَّ هذا جناية على الأدب العربي الذي أعطى على مدى
قرون طويلة وما يزال، ونجيب عن هذا بما يلي:
١- لا يعني مصطلح الأدب الإسلامي إلغاء الأدب العربي، وهذا الربط بين
الأمرين ناتج - في نظري - من تلك الرؤية الناقصة والفهم الكسيح لهذا المصطلح، وإن المراجعة السريعة لما كتبه نقاد الأدب الإسلامي تثبت خطأ هذا الزعم، فما
من واحد من النقاد الإسلاميين قال بالغاء الأدب العربي على الإطلاق، ويمكن أن
تراجع الكتب التي نشرت في هذا المجال لكتّاب مقتدرين أمثال د. عبد الرحمن
رأفت الباشا في كتابه (نحو مذهب إسلامي في الأدب والنقد) ، ود. عبد الباسط ...
بدر في كتابيه (مقدمة لنظرية الأدب الإسلامي) و (مذاهب الأدب الغربي - رؤ ية إسلامية) ود. عماد الدين خليل في كتابيه (في النقد الإسلامي المعاصر) وغيرها من الكتب التي نشرتها رابطة الأدب الإسلامي.
٢- قلنا إن الأدب الإسلامي هو (التعبير الفني الهادف عن وقع الحياة الكون ...
والإنسان على وجدان الأديب من خلال التصور الإسلامي) . فالتصور الإسلامي
هو القاعدة التي يقوم عليها هذا الأدب، ولهذا فإن بين الأدب الإسلامي والأدب
العربي عموماً وخصوصاً.
فالأدب الإسلامي أعم من حيث شموليته لكل أدب انبثق من التصور الإسلامي
سواء أكان أدباً مكتوباً بالعربية أم بغيرها من اللغات الأخرى التي يتكلم بها
المسلمون في العالم، وهو أخصُّ لأنه لا يطلق إلا على الأدب المنبثق من التصور
الإسلامي، والأدب العربي أعم من حيث أنه يشمل كلَّ ما كتب باللغة العربية على
اختلاف المناهج والأفكار فهو يطلق على الأدب الاشتراكي والوجودي، واليساري،
والقومي والإسلامي، ما دام مكتوباً بالعربية، كما أنه أخصُّ لأنه لا يشمل الأدب
المكتوب باللغات الأخرى فإذا كانت قصيدة بالأوردية مثلاً وكانت من خلال تصور
إسلامي كقصائد محمد إقبال، فإني أسميها أدباً إسلامياً، ولا يصح أن أسميها أدباً
عربياً وهكذا.
وبناءً على هذا التصور الإسلامي، فما كان من الأدب العربي منبثقاً من
الرؤية الإسلامية أو متفقاً معها فهو أدب إسلامي، وما كان خارجاً عنها فهو أدب
غير إسلامي، بل إن النصوص الأدبية التي لا تنبثق من التصور الإسلامي أساساً،
ولكنها لا تتعارض معه تكون مقبولة في الأدب الإسلامي.
إن محمد إقبال شاعر إسلامي، وهو باكستاني، وإن محمد محمود الزبيري
شاعر إسلامي وهو عربي يمني، ولكن صلاح عبد الصبور ليس شاعراً إسلامياً
وهو عربي مصري وهكذا.. ولا يستطيع عاقل منصف أن يقول إن أدب اليسار
العربي أدب إسلامي. أو يقول إن أدب القومية العربية بمفهومها الضيق أدب
إسلامي، بحجة أنه كتب بالعربية.
ومن هنا كانت شبهة (إلغاء الأدب العربي) باطلة من أساسها، وإنما يروِّج
لها جاهل أو مغرض، بل إن صدور كلمة إلغاء في مقام الأدب دليل على عدم
الوعي، فإنه لا يمكن لأحد أن يلغي اتجاهاً أدبياً مهما كان انحرافه، والأدب
الإسلامي لا يملك قرار مصادرة الآداب الأخرى، وليس هنالك من يملك هذا الأمر
من البشر، وإنما هو منهج واضح، يرسم أمام الأجيال المسلمة طريقاً أدبياً سليماً
حتى لا يتخبطوا في طرق الآداب المنحرفة عن منهج الإسلام، وشتان بين هذا
وبين دعوى (الإلغاء) وهناك فرق كبير بين من يرفض أمراً لأنه يتعارض مع ما
يؤمن به، وبين من يلغي ذلك الأمر، إن الأدب الإسلامي يرفض الآداب التي
تخالف تصوره الشامل، ولكنه لا يلغيها.
إنه يرفض أدب محمود درويش مثلاً لأنه لا ينبثق من التصور الإسلامي،
وإنما ينبثق من التصور اليساري، ولكن الأدب الإسلامي لا يلغي شعر محمود
درويش، إن مدلول كلمة الإلغاء هو (الشطب الكامل والمصادرة) وهذا لا يتأتى
لبشر، وأكبر دليل على ذلك ما بذله أصحاب الاتجاه اليساري (التقدمي) في عالمنا
العربي من جهود كبيرة لمصادرة الأدب الإسلامي وإلغائه بحجبه عن الناس
وممارسة الإرهاب الثقافي ضده في الملاحق والصحف الأدبية، ولكنهم لم يستطيعوا
ولن يستطيعوا - بإذن الله -، وأضرب مثلاً بالكاتب الروائي والمسرحي الإسلامي
علي أحمد باكثير ﵀ فقد حورب حرباً شعواء من قبل اليساريين وحالوا
دون أعماله ودون النشر! لا في نطاق ضيق يكون خارجاً عن إرادتهم، ومع ذلك
فها هو باكثير حي في عالمنا الإسلامي بأدبه، وها هي أعماله تطبع من جديد
ويتلقفها القارئ بلهفة وشوق، ومثل هذا يقال عن محاولات أصحاب (الاتجاه
العلماني) في الأدب الرامية إلى إلغاء الأصوات الإسلامية ومع ذلك فإنهم عاجزون، لأن فكرة الإلغاء غير واردة أصلاً في مجال الأدب والثقافة.
إذن فالأدب الإسلامي مظلة كبيرة يستظل بها أصحاب التصور الإسلامي،
وهي قادرة على إيواء كل أدب يتفق مع هذا التصور، ولكنها ترفض ما يصادم
تصورها وفرق كبير بين الرفض والإلغاء [٣] .
стр. 1320
شعر
الحريق في البوسنة
عوض هاشم
شب حريقٌ في البوسنة، ...
والتهب الهرسكْ. ...
واضطرمت نيرانٌ ملعونة.. ...
وانتشرت أحقاد.. مدفونة.. ...
باركها " بطرسْ ": ...
وتغامض عنها يضحكْ ...
عم الدنيا " سام ". ...
شب حريقٌ في البوسنة ...
يا عرباً.. يا أهلَ الدارْ.. ...
يا مليارْ.. ...
قطرةُ ماءٍ من واحدكم ...
تكفي كي تذوى النار ...
كم أُخفي خَجلي كالمرأةْ ...
حين تداهمُني الأخبارُ السودْ ... ...
لا عذرَ يْبرِّئني من عار العجزْ ...
لا يستر ضعفي " إنفاقٌ " أو " جودْ " ...
فالجرحُ عميق.. لا تسعفُه أَرغفةُ الخبزْ.. ...
الكمدُ القاتلُ يحرقْني ...
أتساءَلْ: أتجادلْ! ! ...
هاتوا يا صحبي أجوبة تعقلْ! ! ...
كيف يصيرُ الباطلُ حقاً؟ ؟ ...
كيف تميلُ الكفةُ كل الميْل؟ ؟ ...
والأمةُ تُغمض أَعينَها.. ذُلاً.. ...
هل صِرنا حَقاً كغُثاءِ السَّيل؟ ؟ ...
عذراً.. يا " علي عزتْ ".. ليس معي " جيش ": ...
صفحاً يا " بيجوفيتش ".. ...
يا وطناً مسفوح الإنسانْ.. ...
إني مثلك.. تقصفني " الجُرذان " ...
أَشهد أني قد أوصلتُ الأنباءْ.. ...
وأَنِّي قد ردَّدتُ مآسيكمْ كل مساءْ.. ...
وأن نداءَ الغوثِ الصادرِ من " سراييفو " ...
داستْه الأهواءْ ...
صبراً.. يا نسل " الفاتح ".. ...
لا تركَنْ إلا لله الفردْ.. ...
ما من خوْضِ المعركةِ الكُبرى بُدْ ...
فالصربُ ذراعٌ للشيطانِ الوغْدْ ...
ما هم إلا بعضُ أصابعْ ...
من أصل اليدْ ... ...
إنْ همْ إلا واجهةٌ، ...
والحقدُ الأسودُ ممتدْ.. ...
ينتشرُ سريعاً " كالسرطان ".. يمتدْ ...
يمتدْ ... ...
ما لم تصْحُ الأمة فوراً ... ...
ما لم تُشرق فيها شمس ... ...
ما لم ينْبُتْ فيها مغزىً للغدْ.. ...
ما لم تَبلٌغْ سِنَّ الرُّشْدْ.. ...
لنْ يوقف هذا الخَطر القادم.. أعلى سدْ. ...
стр. 1321
المسلمون والعالم
(ملف الصومال)
ماذا يجري في الصومال ؟
مندوب البيان في الصومال
تقع الصومال على رأس القرن الأفريقي في منطقة استراتيجية تشرف على
شرق القارة الأفريقية، وتسيطر على مضيق باب المندب، وتطل على شبه
الجزيرة العربية حيث مهبط الرسالة ومنابع النفط. ولهذا تسابقت الدول الاستعمارية
على هذه المنطقة، وازداد تنافسها، حتى عقد مؤتمر برلين في عام ١٨٨٤ م
لاقتسام هذه الغنيمة، فقسمت الصومال إلى خمسة اقسام:
١- بريطانيا أخذت قسمين.
٢- فرنسا أخذت قسماً.
٣- إيطاليا أخذت قسماً.
٤- الحبشة أخذت قسماً.
وبعد مغادرة المستعمرين أرض الصومال ضمت بريطانيا قسماً للحكومة
الكينية، وضم أقليم أوجادين الصومالي للحبشة، وجعلت فرنسا نصيبها السابق
دولة مستقلة اسمها جيبوتي وأقامت عليها قواعدها العسكرية. كل ذلك من أجل
تمزيق الجسد الصومالي الذي يتميز بنسبة ١٠٠% من المسلمين.
ولكن المؤامرة لم تقف عند هذا الحد، ففي عام ١٩٦٩ م تولى الجنرال محمد
سياد بري السلطة بانقلاب عسكري، وفي سبتمبر ١٩٧٠ م تبنى الاشتراكية العلمية، وفي عام ١٩٧٦ م أسس الحزب الاشتراكي الثوري الصومالي وألغى جميع
الأحزاب السياسية.
منذ أن تولى زياد بري السلطة وهو يعلن حربه على الإسلام وملاحقته الدعاة
والعلماء.. فقد أصدر قانون الأحوال الشخصية وأعلن أمام الملأ أن الإسلام قد ظلم
المرأة وهو ينتصر لها ويسويها بالرجل في جميع المجالات في الإرث والنكاح
والطلاق وغير ذلك!
في أول سنة ١٩٧٥م نشرت جريدة نجمة أكتوبر الحكومية زعمه: أن
خمسين في المائة من القرآن الكريم منسوخ، إلا أن العلماء لا يفهمون ذلك! ولما
اعترض بعض العلماء والدعاة وأنكروا عليه ذلك زج بهم في السجون وسامهم سوء
العذاب، وأخذ عشرة من أجلة الدعاة وأحرقهم بالنار أمام الملأ.. وكان من عادته
أن يتهكم بالعلماء ويسميهم بالسفهاء، وعندما واجهه أحد العلماء بالنصيحة قال له
زياد بري بكل وقاحة: أكره الناس إليّ من قال لي اتق الله، وخوفني بالله.. فهل
الله سبع يأكل الناس؟ !
وفي الثمانينات الميلادية غيرَّ زياد بري من أطروحاته وشعاراته السياسية
وتوجه إلى المعسكر الغربي، وتحولت القاعدة العسكرية السوفيتية في ميناء بربرة
إلى قاعدة أمريكية. وقد فتح زياد بري أبواب الصومال للمنظمات التنصيرية التي
بلغ عددها في آخر عصره ٨٦ منظمة.
وفي ٩/٧/١٩٨٩ قتل أحد الأساقفة الإيطاليين المشهورين، ويرجح كثير من
المتابعين أنَّ المخابرات الصومالية هي التي قتلته، لأنه أعطى أسراراً كثيرة تتعلق
بتجاوز السلطة لحقوق الإنسان في الصومال. ولكنه ألصق هذه التهمة بالإسلاميين
واعتدى على كثير من الشباب والدعاة ... فأعلن العلماء والدعاة استنكارهم لذلك
فكانت النتيجة أن أرسل حرسه الخاص في ١٢/١٤٠٩ إلى جوامع العاصمة
بعرباتهم المصفحة، وأطلق النار بصورة عشوائية على المصلين، فقتل أكثر من
ألف شخص. وأعدم خمسين شخصاً من الدعاة والأئمة على أثر هذه المذبحة أيضاً.
ولما شعر زياد بري بانخفاض قدرته على السيطرة في البلاد مع مرور الأيام، حاول أن يثير النعرات القبلية بين منافسيه، ويدعم قبيلة على حساب القبائل
الأخرى، ثم ينقلب عليها ليدعم قبيلة منافسة أخرى، حتى أشعل الخلافات القبلية
في جميع البلاد. وبسبب الدكتاتورية المتسلطة والفساد السياسي الكبير الذي تميز به
عهد الرئيس زياد بري كثر التذمر الشعبي والرسمي، وفي مايو ١٩٩٠م أصدر
١١٤ رجلاً من زعماء القبائل بياناً اشتهر باسم بيان مانيفستو مقديشو دعوا فيه إلى
عزل سياد بري وتشكيل حكومة ديمقراطية جديدة.
وفي ٢ اكتوبر ١٩٩٠م وقعت بعض حركات المعارضة اتفاقاً سياسياً، وبدأت
معارك عسكرية تمكنت بموجبها من طرد زياد بري من العاصمة في ٢٨/١/١٩٩١
م. وبخروج بري من السلطة ازداد اشتعال الفتيل الذي أطلق شرارته الأولى،
حتى انفجرت البلاد كلها، واستعرت حرب أهلية قبلية بين جميع الأطراف،
وتحولت البلاد إلى ميدان للسلب والنهب القوي فيها يأكل الضعيف.. فكانت هذه
نتيجة حتمية لنظام الديكتاتورية والتلسط وحرمان الشعوب من حقها الشرعي في
الشورى وإبداء الرأي.
القبائل والأحزاب المتناحرة داخل الصومال:
بعد خروج زياد بري من السلطة تكونت أحزاب كثيرة يصعب حصرها،
لكنني سوف أبرز هذه الأحزاب:
١- المؤتمر الصومالي الموحد (U. S. C) بقيادة الجنرال محمد فارح
عيديد، وهو من قبيلة هويت فخذ هبرقدر. ويعتبر هذا الحزب من أقوى الأحزاب، ويسيطر على جزء من العاصمة مقديشو وعلى ثلث البلاد تقريباً.
٢- الجبهة الديمقراطية لإنقاذ الصومال (S. S. D. F) : زعيمها العقيد
عبد الله يوسف والجنرال محمد أبشر من قبيلة مجيرتين، وتسيطر على ميناء
بيصاصو وقرو وجالكعيو. وقد حصل بين هذه الجبهة والإسلاميين صراع عنيف
في بيصاصو، وتشهد المنطقة الآن صراعاً عنيفاً بين هذه الجبهة وبين جيوش
محمد فارح عيديد.
٣- الجبهة الوطنية الصومالية (S. N. M) : ويتزعمها عبد الرحمن أحمد
علي تور من قبيلة إسحاق وتسيطر على منطقة الشمال الغربي الصومالي، وقد
أعلنت هذه المنطقة استقلالها عن الجنوب وأسست دولة مستقلة عرفت بجمهورية
أرض الصومال وعاصمتها مدينة هرجيا Somali Land Republic of.
بالإضافة إلى جبهات أخرى كثيرة وصغيرة لا أهمية لها وبعضها مجرد اسم
ولافتة فقط.
وقد حصلت عدة محاولات للتقريب بين هذه الأحزاب، من أهمها مؤتمر
جيبوتي الذي عقد خلال الفترة ١٥-١٩ يوليو من عام ١٩٩١م. وقد توصل
المؤتمر إلى اختيار رئيس الجمهورية من أعضاء المؤتمر الصومالي الموحد لمدة
عامين، ووقع ترشيحهم على علي مهدي على أن يتم اختيار نائبه الأول من الحركة
الديمقراطية الصومالية، ونائبه الثاني من الحركة الشعبية الصومالية وجبهة الإنقاذ
الصومالية الديمقراطية بالتبادل. ويكون رئيس الوزراء من الجبهة الوطنية
الصومالية.
ولكن هذه الاتفاقية انهارت كما انهارت الاتفاقيات الأخرى بسبب الصراع
على السلطة في المؤتمر الصومالي الموحد بين الجنرال محمد فارح عيديد وعلي
مهدي، ثم ازدادت جذوة الحرب وكثر التنافس على السلطة على حساب الأبرياء
الذين يتساقطون تحت نيران الجنود والخونة.
الاتجاه الإسلامي:
يوجد في الساحة الصومالية عدد من الاتجاهات الإسلامية المباركة التي
تميزت بدعوتها العامة، فانضم تحت ألويتها عناصر من قبائل متنوعة انصهرت
في بوتقة واحدة، ولم تفرق بين قبيلة وأخرى.. ومن أبرز الاتجاهات الإسلامية:
أ- الاتحاد الإسلامي الصومالي: ويعتبر من أنشط الاتجاهات الإسلامية
وأكثرها اتساعاً، وقد أقام المعسكرات التدريبية في عدد من المواقع. وخاض
معارك عديدة مع الجبهة الديمقراطية لإنقاذ الصومال في مدينة بيصاصو، ومع
المؤتمر الصومالي الموحد في إقليم جدو، وكانت هذه المعارك في مجملها موفقة
مباركة ولله الحمد. ويلقى هذا الاتجاه ترحيباً جيداً من الأوساط الشبابية خاصة
لتميزه السلفي والمنهجي.
ب- الحركة الإسلامية الصومالية: وهي حركة نشطة ركزت على الجانب
الدعوي تركيزاً كبيراً، ولم تر الدخول في الصراعات العسكرية القائمة في الساحة
الصومالية.
انهيار الصومال:
لما بدأت الحروب الأهلية واستعرت نيرانها في أرض الصومال استغلت
القوى الغربية هذه الفرصة لإنهاك الصومال المسلم وتمزيقه مرة أخرى، فوقفت
موقف المتفرج على الرغم من دعوتها إلى السلام في ظل ما يسمونه بالنظام العالمي
الجديد. بل بدأت بتغذية الصراع القبلي وإثارته. وقد ذكر الكاتب الإيطالي بال
ترميل في مدينة تورينو الإيطالية بأن الأوربيين هم السبب في استمرار المشكلة
الصومالية وتغذيتها.. كما ذكر مراسل القناة الأخبارية C. N. N، أن الحكومات
الغربية توجه إمدادات الإغاثة الإنسانية للجيوش المتصارعة قصداً لتغذية الصراع
وتصعيده بين القبائل! ! وقد وصلت الصومال من جراء ذلك إلى حالة انهيار كامل
في بنيتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فلا يوجد أي أثر من آثار الحياة
الإنسانية داخل الصومال، حيث نهبت خيرات البلاد وتسابقت الأحزاب المتناحرة
على بيع الممتلكات العامة لشراء الأسلحة والذخيرة، فالسلاح هو سيد الموقف داخل
الصومال، فلا أثر للكهرباء أو الماء أو غيرها هناك، لأن كل شيء قد نهب وبيع
. فقد كان الصومال على سبيل المثال يملك ثاني أكبر محطة لتصفية البترول في
القرن الأفريقي وتقدر قيمتها بخمسمائة مليون دولار، ولكنها بيعت بمليون دولار
أمريكي فقط. بل وصل الحال ببعض الأحزاب أن نبشت الأرض واستخرجت
أسلاك الكهرباء والتمديدات الأرضية لبيعها في السوق السوداء. حتى بلغت الخيانة
ببعض الأحزاب أن وقعت اتفاقيات مع عدد من الشركات الإيطالية والفرنسية
والسويسرية والأمريكية لدفن آلاف الأطنان من المواد الكيميائية السامة والنفايات
النووية في أرض الصومال.. لكي تستمر آثار هذه الحرب ليس على هذا الجيل
فحسب، بل على الأجيال القادمة..! وأصبحت هذه الدول تتسابق في إرسال هذه
النفايات.. وتتباطأ في إرسال المعونات الإغاثية، بل تختلق المعاذير والحجج لكي
تمنع الإغاثة.
وقد كانت الأحزاب القبلية المتناحرة تمارس أبشع ألوان الوحشية من التدمير
والنهب وانتهاك المحارم والأعراض، بل والتمثيل بالجثث. وهذه الفوضى ساعدت
على انتشار اللصوصية وقطع الطرق والاعتداء على العزل والآمنين.
وهكذا صمتت الدول الغربية طوال هذه المدة لكي تنهار الصومال تماماً، ومن
ثم تتدخل الدول الغربية لتفرض الرجال والحكومة التي تريد، وتصبح المنطقة
مهيأة لإقامة القواعد العسكرية الأمريكية والأوربية. فلا توجد قوة تستطيع أن تهدد
المصالح الغربية..! !
المهاجرون الصوماليون:
اضطر الشعب الصومالي الأعزل إلى الهرب خوفاً من نيران الحرب الأهلية
التي أهلكت الأخضر واليابس. فكان كثير من الصوماليين يفر من مدينة إلى أخرى، حتى إذا لحق بهم الحرب مرة أخرى اضطروا للفرار إلى مدينة ثالثة.. فأصبح
الشعب الصومالي كله مهاجراً سواء كان في الداخل أو في الخارج. فالقادرون منهم
وخاصة أصحاب التخصصات العلمية هاجروا إلى أوربا وأمريكا وكندا، ويقدر
عددهم بحوالي مأتى ألف صومالي. وأما عامتهم فقد استقر بهم المقام في الدول
المجاورة مثل كينيا وأثيوبيا وجيبوتي واليمن.. بعد أن أنهكتهم الهجرة وهدهم
المسير.
رأيت أحدهم على الحدود الصومالية الكينية وليس معه إلا ولده البالغ من
العمر خمس عشرة سنة، وقد شحب وجهه وغارت عيناه وتشققت قدماه.. فسألته
عن حاله؟ فجلس على الأرض ووضع يده على رأسه وأغمض عينيه.. ثم
أحضرنا له قليلاً من الماء، فلما شرب وارتوى، قال لي: اسبوعان، كنا نمشي
على الأقدام، هلكت أمي وزوجتي وثلاثة من أطفالي، ولم يكن لي القدرة على
دفنهم.. وكما ترى لم يبق معي إلا هذا الولد؟ ! !
قد بلغ عدد المهاجرين إلى كينيا حوالي خمسمائة ألف لاجىء توزعوا في عدة
مخيمات. كانوا يظنون أنهم فروا من الموت، لكنهم في حقيقة الحال فروا من
الموت السريع تحت نيران الجنود إلى الموت البطيء حيث الجوع والمرض. وقبل
أن نبدأ بذكر أحوالهم، هذه نظرة سريعة لأحوال المنطقة التي هاجروا إليها:
- يمر الشمال الشرقي الكيني المجاور للحدود الصومالية - وهي المنطقة التي
هاجر إليها الصوماليون - بجفاف شديد منذ ثلاث سنوات تقريباً لانقطاع الأمطار.
- يوجد في المنطقة مائة سد لمياه الامطار جفت تماماً.
- ٨٠% من الأغنام والأبقار و٤٠% من الإبل قد هلكت في منطقة وجير
الكينية بسبب الجفاف.
- منطقة وجير مساحتها ٥٦٥٠٠ كم٢ يعيش عليها ١٢٦ ألف نسمة من
الأهالي، يضاف إليهم ٢٠ ألف نسمة من المهاجرين الصوماليين لا يوجد فيها إلا
١٨ بئراً ارتوازياً عاملاً، أما بقية الآبار وعددها ثلاثون بئراً فقد تعطلت.
- ٢٠% من الأطفال دون سن الخامسة ماتوا خلال شهري شوال وذي القعدة
الماضيين بسبب أمراض سوء التغذية.
فإذا كانت هذه هي حالة أهل البلد الأصليين فكيف يكون حال المهاجرين
الصوماليين إلى هذه المنطقة..؟ وإليكم الإحصاءات التي تدل على عمق المأساة
وآثارها الواسعة بين المهاجرين:
- عدد الوفيات حوالي ٢٠٠ حالة يومياً.. وقد بلغت في بعض الشهور
الماضية إلى خمسمائة حالة أو أكثر.
- ٣٠٠. ٠٠٠ طفل ماتوا جوعاً ومرضاً داخل وخارج الصومال منذ بداية
الأزمة.
- ٥٥% من الأطفال مصابون بأمراض سوء التغذية.
- ٣٠% من الأطفال دون سن الخامسة يحتاجون إلى تغذية طبية بالسوائل.
- ٣٠% من الصوماليين مصابون بأمراض الجهاز التنفسي والسل.
- ٨٠% من النساء الحوامل يمتن أثناء الولادة لعدم وجود الرعاية الصحية
الأولية.
- ٩٠% من المهاجرين لا يملكون خياماً للسكن فيها وإنما يسكنون في بيوت
من القش.
وبعد هذه الإحصاءات يتبين حجم المأساة، فالأحوال بلغت حداً لا يوصف من
التردي والمجاعة، حتى إني رأيت امرأة في مخيم صوفتو في أثيوبيا تأخذ جلداً
مجففاً وتدقه.. فلما سألتها عنه؟ قالت: إنها تطبخه بالماء وتطعمه لأولادها
الأيتام..! !
وفي مخيم آخر رأيت رجلاً قد جفف دم إحدى الحيوانات بعد ذبحها حتى
تجلط وتصلب.. فلما سألته عنه؟ قال: إنه طعامه هو وأولاده!
ورأيت رجلاً مع زوجته في مخيم مانديرا الكيني في حالة يرثى لها، فدخلت
في خيمته فلم أجد فيها أثراً لطعام، فسألته: ماذا أكل في هذا اليوم؟ فقال: لا
تسلني عن اليوم، ولا عن الأمس، ولا عن الذي قبله، فلي ثلاثة أيام لم أذق طعاماً
قط..! !
وجلست في أحد الايام في مقبرة صغيرة في مخيم مانديرا - وهي مقبرة من
بين عدد من المقابر المنتشرة في المخيم - ما بين الساعة الثامنة صباحاً إلى العاشرة
صباحاً، دفن خلالها ١٥٠ نفساً.. فكيف يُتصور العدد في بقية اليوم.. وكيف في
بقية المقابر؟ ! !
стр. 1322
حماية إغاثة أم حماية مصلحة
محمد الشيخ عثمان
إن مما لا شك فيه أن ما يحصل في الصومال هو نتيجة الابتعاد عن نهج الله
القويم وشرعه الحنيف لمدة طويلة قبل الاستقلال وبعده. ومع أن هذا الشعب يدين
بالإسلام ١٠٠% إلا ما ندر، ومع أنهم كلهم سنة ويتمذهبون بالمذهب الشافعي؛ إلا
أن النعرات القبلية وصلت بهم إلى التقاتل الجماعي ونهب الأموال وانتهاك
الأعراض، وبهذا فقد الأمن والاستقرار وأصبحت النتيجة الموت الجماعي من أثر
المجاعة، والهجرة الجماعية إلى حدود كينيا وأثيوبيا والدول الغربية كبريطانيا
وإيطاليا.
ومع أن أي مسلم يألم أشد الألم لما يحصل لهذا الشعب المنكوب؛ إلا أن
التدخل الأمريكي ليس حلاً للقضية، وليس حماية للإغاثة كما ادعوا، وإنما حماية
مصلحة الدول النصرانية عامة ونصارى شرق أفريقيا خاصة. لذا فموقف المسلم
من هذا التدخل لا بد أن يكون مبنياً على الآتي:
١- إن النظام الأمريكي لا يريد خيراً للمسلمين، بل يبطن الشر والحقد على
عموم المسلمين، والأمثلة أكثر من أن تحصى، ومعاناة شعب البوسنة المسلم
والشعب الفلسطيني مثال بسيط على ذلك.
٢- لقد عودتنا أمريكا أن يكون لها برنامج معلن وآخر غير معلن، فادعاؤهم
أنهم يدخلون الصومال لحماية الإغاثة لا يختلف عن ادعائهم السابق في الخليج
العربي أنهم يدخلون لحماية حدود معينة في بلد ما، ثم ما لبثوا أن غيروا من
أهدافهم.
٣- كانت أمريكا ضد أي تدخل عسكري في الصومال لمدة سنتين، ويبدو
أنهم كانوا يهدفون إلى إطالة أمد التحرير بين الفئات حتى تتدهور الأوضاع وتأتي
الفرصة المناسبة للتدخل، وذلك بعد تمهيد الإعلام الغربي واستقطاب الرأي العام.
٤- إن قوة ٣٠ ألف من المارينز إضافة إلى قوات أخرى، من كندا ٩٠٠،
استراليا ٩٠٠، فرنسا أكثر من ٢٠٠٠، إيطاليا ١٠٠٠، إلى غير ذلك.. كل هذا
يشير إلى أن العملية أكبر من عملية حماية إغاثة، وإذا عرفنا أن منطقة المجاعة
ليست منطقة كبيرة (Baidor. Bardhera) وأنها ليست كل الصومال؛ يتبين
أن الهدف الحقيقي ليس حماية الإغاثة وإنقاذ متضرري الصومال، وإلا: لماذا لا
يرسلون نصف هذه القوات إلى البوسنة؟ مع أن وضع البوسنة أسوأ بكثير من
الصومال.
٥- إن الإعلام الغربي كان يتكلم في الفترة الأخيرة عن تزايد الأصولية في
الصومال [١] . وهذه الكتابات والتقارير يبدو أنها أقنعت جورج بوش بالتدخل
لمحاربة المد الإسلامي القوي في الصومال.
وقد ذكرت مجلة الوسط في عددها رقم ٤٦ تاريخ ١٤/١٢/١٩٩٢ أن مصادر
مسؤولة في إدارة جورج بوش أكدت لهم أن من الجوانب غير المعلنة محاربة
المجموعات الأصولية المسلحة، وعلى رأسهم الاتحاد الإسلامي الذي هو أكبر تجمع
إسلامي في البلاد. فماذا تريد أمريكا من الاتحاد الإسلامي مع أنه لم يشترك يوماً ما
في أنواع الفساد التي ترتكبها العصابات المسلحة الأخرى مثل النهب والقتل
والاغتصاب وغير ذلك؟ والجواب واضح وهو أن الاتحاد الإسلامي نجح في توعية
أعداد كبيرة من الشعب، وطرح الحل الإسلامي بعد أن فشلت جميع الشعارات
الأخرى في المنطقة. فالإسلام هو الحل الوحيد الذي يجمع شتات هذا البلد ويجمع
شمل شعبه المنكوب، إضافة إلى أن قيام دولة إسلامية دستورها الكتاب والسنة
سيكون له أثر طيب على أحوال المسلمين في الدول المجاورة: كالحبشة وكينيا
وإرتريا.
٦- إن من الأسباب الغير المعلنة للتدخل الأمريكي السيطرة على البوابة
الجنوبية للبحر الأحمر أي مضيق باب المندب الصومالي. كما أن قربه من المنطقة
الإسلامية تساعده على تنفيذ مخططاته تجاه الأمة، وبعبارة أخرى: فأمريكا ترسل
رسالة عن طريق تدخلها في الصومال أنها من الممكن أن تفعل نفس الفعل في
بعض أجزاء من العالم الإسلامي.
٧- إن توجه السودان إلى الإسلام أثار قلق أمريكا والغرب، ووجودهم قرب
السودان سيتيح لهم فرصة التدخل في شؤون هذا الشعب المسلم. وأخيراً فإنني
أرجو من المسلمين عدم تصديق ما ينقل عبر وسائل الإعلام الغربية عن الصومال،
مثل ادعائهم أن عامة الشعب يرحب بالوجود الأمريكي! وهذا غير صحيح. ومع
إن الشعب يريد مخرجاً للأزمة، إلا أنه كان يتوقع أن تأتي المبادرة من الدول
الإسلامية، مثل ما فعلت دول غرب أفريقيا في ليبيريا. بالإضافة إلى الأمور
المذكورة هناك أضرار اجتماعية متوقعة من الوجود الأمريكي. فالجيش الأمريكي
معروف بالانحلال، وقد نقلت الجرائد الغربية أن الجيش الأمريكي ترك وراءه ٢٣
ألفاً من اللقطاء في الفلبين، أضف إلى هذا أن أعداداً كبيرة منهم مصابون بالإيدز
والشذوذ.
وإني وإن كنت ألوم شعبي أولاً لإتاحة الفرصة لمجيء هؤلاء إلى بلدي؛ إلا
أنني اعتقد أن القيم الإسلامية ما زالت جذورها موجودة عند الأفراد العاديين، وأكبر
مثال على ذلك قصة البنت الصومالية التي نقلتها التلفزة البريطانية يوم ١٤/١٢/
١٩٩٢ وهي تضرب من جميع أفراد الشعب بالنعال لأنها ذهبت مع الجنود
الفرنسيين. وذكرت بعض الجرائد أنها ماتت إثر الضرب. ولعل مثل هذا الحادث
يكون حافزاً للشعب الصومالي بأجمعه لاستنهاض غيرته وبعثها، كي يلم
الصوماليون شملهم ويعودوا إلى رشدهم ويضمدوا جراحهم، ويظلوا أوفياء لعقيدتهم
ودينهم وتاريخهم.
[واتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً] .
стр. 1323
أمريكا والمستنقع الصومالي
د. مالك الأحمد
وصلت طلائع القوات الأمريكية إلى الصومال رغبة في (إعادة الأمل) ! ! ...
إلى الشعب المسحوق من الحرب الأهلية من جهة والمجاعة من جهة أخرى،
وتعالت الأصوات هنا وهناك بين مؤيد لهذه الخطوة الجديدة وبين معارض لها، ففي
الصومال رحب طرفاً النزاع الرئيسيان بهذه القوات، بينما اعترض عليها الاتحاد
الإسلامي الصومالي، وتعالت الأصوات بأن (الأصوليين دوماً أهل اعتراض
وأصحاب نظرة شك وتوجس) .
وكتب الكثيرون حول هذه القضية ومنهم من حلل الأمر بأنه استعمار جديد
(وهو كذلك) ومنهم من أوله بأن الأمر لا يعدو أن يكون يقظة ضمير أميركي، وبما
أن الدعاة (الأصوليين) محل اتهام ونظراتهم محل توجس وفراساتهم محل ...
اعتراض أحببت أن أعرض هنا مقتطفات لكتاب مختلفي المناحي والمشارب أحدهما
غربي، والآخر عربي علماني يؤكدان فيها التوجه الاستعماري للعملية وأنها لا تعدو
أن تكون وجهاً جديداً لمخطط قديم.
يقول مايكل كلاف من مجلس العلاقات الخارجية في واشنطن:
(بعد مرور أقل من عامين على حصول آخر المستعمرات في أفريقيا - وهي ناميبيا - على استقلالها، من المرجح أن تكون الأمم المتحدة قد اتخذت أول خطوة يمكن أن تؤدي إلى إعادة استعمار الأمر الواقع إلى الدول الأفريقية التي على وشك الانهيار، كما أن الولايات المتحدة التي بدا أنها على وشك التخلي عن أفريقيا ... ربما تجد نفسها منهمكة في شؤون القارة أكثر من أي وقت سابق) . ثم يضيف:
(هناك إمكانية قوية وحقيقية في أن تقيم الأمم المتحدة وصاية على الصومال لفترة طويلة (صرح بطرس غالي بإمكانية هذا الأمر وأنه محل دراسة) . وهنا يكمن خطر الاستعمار من جديد، ولكن بوجه إنساني، لأنه سيعني في الواقع تولى الأمم المتحدة والولايات المتحدة المسؤولية الكاملة عن البلاد، وعندها لا بد من تشكيل قوة شرطة وقوات أمن جديدة، وإعادة بناء البنية الأساسية والوظائف، وتجنيد جيش من البيروقراطيين الدوليين وما إلى ذلك مما سيكون نظاماً استعمارياً رغم دوافعه الإنسانية) ثم يبين إمكانية توطين هذا المبدأ الاستعماري في أماكن أخرى من العالم الإسلامي: (وما هي إلا قضية زمن قبل أن تبدأ أجهزة الإعلام في تسليط الاهتمام على المناطق الأخرى من القارة المماثلة للصومال (مثل السودان) مع أن الصومال حالة استثنائية الآن. وسوف تكون وجهة نظر التدخل من أجل المساعدات الإنسانية وبالتالي عودة الاستعمار الجديد بهذا الشكل قوية جداً لا سيما وأن هناك في الغرب شبكة شاسعة من المنظمات الكنسية والخيرية التي يمكن أن تصبح مماثلة لتلك الجمعيات التبشيرية ولمحاربة الرقيق التي شهدناها في القرن التاسع عشر، ومن المحتمل أن ينشأ تحالف شاذ غريب بين تلك المنظمات والمؤسسة العسكرية الأمريكية التي تبحث عن مهمات دولية جديدة لتبريرها) انتهى ما نقلته الشرق الأوسط عن لوس انجلس تايمز. وهذا رأي كاتب غربي بارز صاحب العديد من الدراسات والكتب في الشؤون الأفريقية.
وننقل هنا أيضاً وجهة نظر عربية قومية (ليست أصولية) حول التدخل
الأمريكي في الصومال بقلم صلاح الدين حافظ حيث يقول:
(إن دور الأمم المتحدة كمنظمة عالمية قد تبدل هذه الأيام، فبعدما كانت - طبقاً لميثاقها الصادر في أعقاب الحرب العالمية الثانية وفي ظل نتائجها - مظلة لكل الأعضاء المتساوين في الحقوق والواجبات كاملي الاستقلال لا تملك سوى حركة التنسيق بين إيرادات الدول وسياسات الكتل؛ أصبحت اليوم في ثوب مغاير، ثوب يمنح قيادتها لدولة عظمى وحيدة هي الولايات المتحدة التي تبوأت وحدها هذا المنصب بعد أن أجهزت على الاتحاد السوفييتي، وبعدما نفضت يدها من الحرب الباردة وتوازناتها ومنافساتها المعقدة، ومن ثم فإن الأمم المتحدة (المنظمة العالمية) أقرب ما تكون اليوم إلى (مجلس شورى عالمي) للولايات المتحدة التي تأخذ من هذه الشورى ما تريد وتفرض هي ما تحب، أليست هي ... القطب الأعظم الأوحد؟) ، ويتابع الكاتب: (وبصرف النظر عن أن إنقاذ دولة الصومال من زعمائها وميليشياتها المتقاتلة، وإنقاذ الشعب الصومالي المطحون من المجاعة الرهيبة أمر مطلوب إنسانياً؟ إلا أنه يلفت النظر التناقض بين السرعة والحماس الذين تم بهما اتخاذ قرار التدخل العسكري هذا وبين التباطؤ - بل التتواطؤ - والتقاعس في حالة البوسنة والهرسك وصولاً إلى حد التغاضي عن التطهير العرقي والمجازر الجماعية تحت سمع الجميع وبصره وبحجة واهية تدعي أن الوضع الجغرافي مختلف في الحالتين الأمر الذي يترجم عادة بأن التدخل العسكري سهل في الصومال الإسلامية الأفريقية صعب في البوسنة الإسلامية الأوربية، ولعل في هذه المغالطة ما فيها من تمييز يخفي المخبوء) انتهى.
وهنا لا بد من توجيه إخواننا الدعاة في الصومال والسودان وأرتيريا وغيرها
للحذر واليقظة من المخططات الاستعمارية الجديدة، والتي باتت مكشوفة لدى
الجميع وإن تسربلت بلباس المساعدات الإنسانية، ولا بد أن يكون الجميع عند
مستوى الأحداث وعياً وإدراكاً وحسن تصرف بعيداً عن الهيجانات العاطفية
والتصريحات الانفعالية، بل لا بد من أخذ الأمور بترو وحكمة كي لا نعطي لهم
المسوغات - وهم لا يحتاجون إليها - لضرب التوجه الإسلامي في منطقة القرن
الأفريقي، خصوصاً بعد ظهور كثير من الأصوات في منظمات الإغاثة الصليبية،
وعلى رأسها الصليب الأحمر الدولي، التي تحذر من خطر الأصولية في المنطقة
بل وتحذر من خطر عمليات الإغاثة التي يقوم بها هؤلاء الأصوليون، وقد سبق لهم
كتابة تقارير تحذيرية لكثير من الجهات الغربية بل والإسلامية كي يخلو لهم الميدان
لافتراس هذه الشعوب المسلمة الجائعة والتائهة.
стр. 1324
محمد الشرفي
ومشروعه التخريبي في تونس
أ- محمد الشرفي رمز التخريب:
إن من إفرازات سياسة الطاغية بورقيبة التعليمية ظهور نخبة من المثقفين
العلمانيين المتغربين التي قبضت مقاليد التعليم الجامعي منذ انطلاقته في بداية
الستينات، ومن هؤلاء محمد الشرفي الذي كان متخصصاً في الدراسات الحقوقية،
ولكن السمة في أبحاثه معاداته المطلقة للثقافة والتشريع الإسلامي، حيث إنه كان
ينادي منذ الستينات (بإصلاحات تشريعية) تتعارض صراحة مع الأحكام الشرعية
الصريحة والمُحْكمة، مثل مناداته بالمساواة في الإرث بين الرجل والمرأة،
بالإضافة إلى مناصرته إلى كل ما ينادي به بورقيبة في إطار مشروعه التغريبي
مثل (تحرير المرأة) والقضاء على الهوية العربية الإسلامية للبلاد التونسية، ...
وبذلك نلاحظ أنه لا اختلاف في الرأي والتصورات الفكرية بين الشرفي وبورقيبة
رغم المعارضة الظاهرية والشكلية التي أبداها الشرفي في عهد بورقيبة، بل إن من
مظاهر التطابق والتجانس الفكري بينهما تمسك كلاهما باللغة الفرنسية كلغة دراسة
وإدارة في البلاد وهو الوجه الثاني العملي للمشروع التغريبي. ذلك بعد أن أطيح
ببورقيبة في ١٩٨٧م تعالت الأصوات المنادية بالتعريب في التعليم والإدارة
ومختلف مناشط الحياة في البلاد، فكان من أول المعارضين لسياسة التعريب محمد
الشرفي من موقعه في ذلك الوقت كأستاذ محاضر في كلية الحقوق والعلوم السياسية
بتونس، حيث شكل مع فئة من الفرنكفونيين تياراً معارضاً لسياسة التعريب، ومن
هؤلاء عبد الفتاح عمر رئيس جامعة تونس حالياً، وقد حقق مشروع التعريب
خطوات إيجابية في الأشهر الأولى بعد الإطاحة بالطاغية بورقيبة قبل أن تحصل
الردة وتسقط البلاد بأيدي التيار العلماني نهائياً [*] ، فوقع تعريب برنامج المرحلة
الأولى لكلية الحقوق فكانت من المواقف المسجلة على الشرفي أنه امتنع عن إلقاء
المحاضرات باللغة العربية لشده تمسكه باللغة الفرنسية، وكرهه للغة العربية فتنادت
شراذم الفرنكفونيين وأسست كلية الحقوق بأربانة بضواحي العاصمة - والتي تقرر
أن تكون لغة الدراسة فيها هي الفرنسية.
وهكذا يظهر جلياً أن الشرفي هو رمز للتغريب والفرنكفونية والعلمانية بكل
أبعادها الخطيرة على البلاد والعباد، من اجتثاث البلاد من هويتها الإسلامية
والعربية والزج بها في متاهات الضياع والتبعية الثقافية للغرب عموماً ولفرنسا
خصوصاً.
ورغم المعارضة الشديدة التي أبداها بعض المثقفين والجامعيين لتولي الشرفي
وزارة التربية وصدور كتاب (لا أريدك وزيراً) الذي فضح حقيقة الشرفي التغريبية ...
واحترازات العديد من الأطراف فإن الشرفي تسلل إلى وزارة التربية شأنه شأن
شراذم اليسار التي تسللت كذلك إلى مواقع السلطة دون أي موافقة شعبية، بل في
تحد واضح لإرادة الشعب الرافض لهذه الطغمة العلمانية العميلة، التي أخذت على
عاتقها القيام بدور قذر قد لا يقل قذارة عن دور المبشرين المسيحيين الممهدين
لدخول الاستعمار للعديد من البلدان.
وتولى الشرفي الوزارة فكان البيان الضجة الذي وقعه الشيخ عبد الفتاح مورو
في أكتوبر ١٩٨٩م والذي دعا فيه إلى عدم الاستخفاف بقيم الإسلام وضرورة إقالة
الشرفي، ثم كانت حملة حتى بعض اليساريين والقوميين الذين يعون حقيقة الشرفي
ونادوا بضرورة الجلاء الثقافي كما حصل الجلاء الزراعي من قبل. ولكن الدعم
الكبير الذي كان يلقاه الشرفي خاصة من فرنسا التي تدخلت مباشرة بتعيينه حال
دون حصول أي تغيير في الوضع، بل إن الشرفي ركز قدميه في الوزارة وبدأ في
تنفيذ مشروعه التخريبي الذي أطلق عليه مشروع (إصلاح التعليم) . ...
٢- الأبعاد الحقيقية لمشروع (إصلاح التعليم) :
إن من المعلوم أن برامج التعليم ومناهجه التي سارت عليها الأجيال التونسية
طيلة عهد حكم الطاغية بورقيبة قد وضعها الفرنسي (ديباس) الذي كلفه بورقيبة
بوضع برامج التعليم منذ الستينات فأشار (ديباس) بإغلاق الجامعة الزيتونية بحجة
توحد المناهج التعليمية وبتركيز اللغة الفرنسية كلغة أساسية للتعليم سواء كان في
مجال العلوم الصحية أو العلوم الإنسانية، أما اللغة العربية فإنها تدرس كلغة ثانية
كغيرها من اللغات الأجنبية، وظل الأمر كذلك حتى سقط بورقيبة وتولى الشرفي
وزارة التربية.
ورغم هذا المنحى التغريبي الخالص في مناهج التعليم، لاحظت الأطراف
الفرنكفونية العلمانية أنه لم يحقق الأهداف المرجوة من اجتثاث هوية الأمة وتغريبها
بالكامل بل إن النتائج كانت عكسية إذ ظهرت التيارات التأصيلية الإسلامية
المناهضة لسياسة التغريب، ولعل الدور الذي قامت به الحركة الإسلامية في
مواجهة بورقيبة جعلت التيار التغريبي يأخذ على عاتقه مواصلة سياسة التغريب بل
تجديد وسائل هذه السياسة وإعطائها دفعاً جديداً لعلها تحد من المد الإسلامي المتنامي، وفي هذا الإطار يتنزل مشروع الشرفي لإصلاح التعليم فكان إطلاق شعارات:
* التفتح على الثقافات الأجنبية.
* وامتلاك لغة العلم والتكنولوجيا.
* وترسيخ التفكير النقدي.
* ونشر قيم التسامح والتآخي ونبذ التطرف والتعصب.
وغيرها من الشعارات البراقة التي هي في الحقيقة كلمات حق أريد بها باطل.
قال الله تعالى: [أَلَمْ تَرَ إلَى الَذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ
البَوَارِ] [إبراهيم ٢٨] .
وإذا كان المجال لا يتسع للرد على هذه التوجهات فإنه لا بأس من التعريج
بسرعة على الخلفية الحقيقية لهذه الشعارات وما أريد بها من قبل أصحابها، أما
التفتح على الثقافات الأجنبية فالمقصود به أساساً الانفتاح اللا مشروط على ثقافة
الرجل الأبيض، والقبول بها دون احترازات أو تحفظ على أي جانب منهما رغم ما
تزخر به من نقائض ظهرت نتائجها الملموسة على الساحة الاجتماعية، وما أفرزته
من انتشار للجريمة والإدمان على المخدرات والأمراض الجنسية والنفسية، وتفكك
أسري وغير ذلك من الأخطار الاجتماعية التي تشكل تهديداً جدياً على المجتمعات
الغربية أكثر من تهديد الحروب الأهلية أو الكونية. ورغم ذلك فإن دعوة الشرفي
صريحة في التبشير بهذه الثقافة الداخلية، والتي بغض الطرف عن كل نقائصها
فإنها تبقى ذات خصوصية معينة لا تتفق إلا مع البيئة التي نشأت فيها.
أما امتلاك لغة العلم والتكنولوجيا فإن هذه الدعوة أريد لها بالأساس التمهيد إلى
إعادة تبوء اللغة الفرنسية المكانة التي كانت عليها في مطلع الستينات من ناحية،
ومن ناحية ثانية السعي إلى إعادة نشر وترسيخ القيم الغربية ذلك أن اللغة في علاقة
عضوية بالتفكير ولعل ما أشارت إليه جريدة الفجر عن الملاحظات حول بعض ما
ورد في الكتب الدراسية باللغة الفرنسية في بعض الفصول الدراسية خير دليل ومن
ذلك صدور خارطة فلسطين المحتلة في بعض الكتب تحت اسم (إسرائيل) دون أي إشارة إلى فلسطين أو ما ورد من نصوص للقراءة بالفرنسية وما فيها من ... وصف مشين للمسلمين وتسميتهم بمحمد بالنسبة للرجال وكل النساء بفاطمة وذلك من باب الاحتقار والاستخفاف بالمسلمين وغيرها من الأمثلة التي لا تحصى.
قال الله تعالى: [أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً
فِيهَا ذَلِكَ الخِزْيُ العَظِيمُ] [التوبة ٦٣] .
أما بالنسبة لترسيخ التفكير النقدي وروح التسامح ونبذ التطرف والتعصب فإن
المغزى من هذه الدعوة لا يخفى على أحد، فهي تهدف استباحة المقدسات والثوابت، وتشجيع مرضى القلوب على التعرض لها بالنقد والتجريح بدون علم وعن جهل
بل عن قصد ونية سيئة مبيتة، والتعرض لكل من يحاول الدفاع عن أصول الدين
وشرائعه ووصفه بالتطرف والتعصب وعدم القبول بالرأي المخالف، وهذا أمر
خطير وخطب جليل لما يؤدي إليه من طعن وتشكيك في قيم الأمة ومقدساتها التي
يراد بها أن تصبح محل خلاف وجدال لا محل اتفاق وإجماع، وبذلك تدك حصون
الأمة ويسهل غزوها ثقافياً وعقائدياً وقيمياً.
قال الله تعالى: [وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ
ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ] [الأنفال ٣٠] .
هذه عجالة عن الخلفية الحقيقية لمشروع الشرفي (لإصلاح التعليم) الذي لم
يتجه إلى المشاكل والعوائق الحقيقية في المناهج التعليمية السابقة، التي أدت بالبلاد
إلى أزمة تعليمية خطيرة مثل كثرة المنقطعين عن التعليم في مختلف المراحل
التعليمية، وأزمة البحث العلمي الذي هو أقرب إلى العدم منه إلى الوجود، وأزمة
التوجيه الجامعي والخريجين وغيرها من المشاكل الهيكلية التي تنخر النظام التعليمي
ككل.
٣- تغيير برامج التربية الإسلامية - مثال -:
لقد كان يطلق على الشرفي من قبل بعض المثقفين - قبل وبعد تعيينه في
الوزارة - أنه وزير صاحب مشروع، بمعنى أنه صاحب أهداف خاصة به يريد
تحقيقها من خلال وصوله إلى الوزارة، فهو ليس وزير تنفيذ فقط. وعلى هذا
الأساس لا غرابة أن نجد أول ما قام به الشرفي في (إصلاح التعليم) هو تغيير
برامج التربية الإسلامية، وذلك لسبب وحيد وهو أن هذه البرامج - رغم كل
الاحترازات حولها - فيها مسحة إسلامية يقف وراءها جملة من الأساتذة المخلصين
الذين وضعوها منذ عهد بورقيبة فكانت حملة مركزة على هذه البرامج، وصفت
فيها بشتى النعوت التي تنم عن موقف التيار التغريبي من الإسلام ككل، وليس من
هذه البرامج فقط، فهذه البرامج في تصورهم سبب في تخريج جيل متطرف عنيف
بسبب دراسته لمفهوم الجهاد في الإسلام، فكان التغيير هو أول خطوة قام بها
الشرفي دون استشارة الأساتذة المدرسين للمادة، ولا لجنة متابعة البرامج في
الوزارة التي أقيل رئيسها الشيخ محمد بن إبراهيم الأستاذ في الجامعة الزيتونية
وإمام جامع الفتح بالعاصمة دون سابق إعلام، ووقع الاعتماد في إعداد البرامج
الجديدة على من يسمون بجماعة اليسار الإسلامي من حيث وقع اختيار رئيسها
حميدة النيفر مستشاراً خاصاً للشرفي للشئون الدينية.
قال الله تعالى: [الْمُنَافِقُونَ والْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ
ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ ويَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إنَّ المُنَافِقِينَ هُمُ الفَاسِقُونَ]
[التوبة ٦٧] .
فكانت البرامج الجديدة مختلفة تماماً بل مناقضة للأولى على مستوى الأهداف
والمنهج، فأهداف هذه البرامج حسب ما ورد عنهم تتمثل في ترسيخ روح التآخي
والتسامح لدى التلميذ وذلك من خلال الوقوف على مقاصد الإسلام الداعية للمحبة
والتيسير في الدين، أما المنهج في التدريس فهو يعتمد على اجتناب التلقين حتى لا
يقع التعسف على عقل الطفل بل لا بد من الاعتماد على الطريقة الحوارية
الاستنتاجية.
فالملاحظ بصورة جلية من أهداف هذه البرامج أنها تعميمية لا يمكن للتلميذ أن
يعرف من خلالها حتى الضروري من عقائد الإسلام وشرائعه فكيف يمكن الحديث
عن مقاصد الإسلام دون معرفة أحكامه التفصيلية المؤدية للمقاصد الإسلامية، ولكن
دعوة هؤلاء الضالين - ممن يسمون أنفسهم بالتيار الإسلامي الذين ينادون بالفهم
المقاصدي للإسلام - هي ضرب للإسلام نفسه. أما منهج التدريس فهو في ظاهره
إيجابي ولكن المقصود به هو تهميش المادة ونفي التحصيل العلمي للتلميذ من
دراستها فكيف يمكن أن نعتمد الطريقة الحوارية في تدريس الأحكام الشرعية
ونجتنب تلقينها للطفل بحجة عدم التعسف على عقله؟ فمن ينادي بهذا الرأي لا
يمكن أن يكون تصوره تعليم الأطفال الإسلام وأحكامه تعسفاً لا بد من تخليصهم منه.
وعموماً جاءت البرامج الجديدة فارغة من كل محتوى، ضحلة في قيمتها
العلمية فمثلاً على ذلك في برامج الصف الثاني تقرر تدريس الصلاة فنجد أن نصف
الدروس المخصصة لهذا المبحث تتحدث عن جامع الزيتونة وتاريخ جامع الأزهر
وغيرها من المساجد، وليس المقصود من ذلك إبراز دور هذه المساجد التاريخي في
نشر الإسلام ودورها في نشر الإسلام ودورها العلمي المستمر عبر القرون؛ بل
القصد من إدراجها هو تهميش مبحث الصلاة حتى لا تتوفر فرصة حقيقية للتلميذ
ويتعلمها على أسس صحيحة، وهذا ما لاحظه جل الزملاء الأساتذة المدرسين لهذه
المادة.
قال الله تعالى: [وقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وإن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ
مِنْهُ الجِبَالُ] [إبراهيم ٤٦] .
وبذلك يظهر أن تغيير برامج التربية الإسلامية أبرز مثال على الحرب المعلنة
من قبل الشرفي ومشروعه التغريبي على هوية الأمة الإسلامية وعقيدتها وقيمها.
قال الله تعالى: [ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ ولَكِنَّ المُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ]
[المنافقون ٨] .
стр. 1325
مشاهدات في بلاد البخاري
د. يحيى اليحيى
كان هذا العام أول اختراق للسور الحديدي الذي فرضته الشيوعية على أهل
بلاد ما وراء النهر - الجمهوريات السوفيتية - الذين ظل حالهم مجهولاً لأكثر من
سبعين عاماً، ذاق المسلمون هناك ألواناً من البؤس والاضطهاد ومحاولة طمس
الهوية الإسلامية. وقد زرت تلك البلاد ببعثة من الجامعة الإسلامية وكان لي فيها
انطباعات ومشاهدات أحببت تسجيلها.
وسيكون محور الحديث حول النقاط التالية:
١ - عالم مجهول أرضاً وتاريخاً.
٢ - الشيوعية وطمس الهوية الإسلامية.
٣ - صمود المسلمين وتصديهم للإلحاد.
٤ - مشاهدات تسر المسلمين.
٥ - لنكن صورة طيبة للإسلام.
٦ - إن كنتم تألمون فإنهم يألمون كما تألمون!
٧ - عمن نأخذ أخبارهم.
٨ - حاجة المسلمين هناك.
٩ - وصية المسافر.
١٠ - عالم جهلناه أرضاً وتاريخاً:
ربط الإسلام بين أتباعه برباط وثيق، مبناه على التراحم والمحبة والتآلف
(فمن كان مؤمناً وجبت موالاته من أي صنف كان، ومن كان كافراً وجبت ... معاداته من أي صنف كان. قال تعالى: [إنَّمَا ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا الَذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وهُمْ رَاكِعُونَ *ومَن يَتَوَلَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ والَّذِينَ آمَنُوا فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغَالِبُونَ] [المائدة ٥٥] ) [١] .
قال ابن القيم: (المواساة للمؤمنين أنواع: مواساة بالمال، ومواساة بالجاه،
ومواساة بالبدن بالخدمة، ومواساة بالنصيحة والإرشاد، ومواساة بالدعاء والاستغفار
لهم، ومواساة بالتوجع لهم. وعلى قدر الإيمان تكون هذه المواساة. فكلما ضعف
الإيمان ضعفت المواساة، وكلما قوي قويت. وكان رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - أعظم الناس مواساة لأصحابه بذلك كله، فلأتباعه من المواساة بحسب
اتباعهم له) [٢] .
فحيثما كان هناك مسلم وجب على المسلمين أن يساعدوه وأن يذبوا عنه،
ولكن الناظر في حالة المسلمين اليوم يجد أن المستعمر قد نجح في زرع الفرقة بينهم، ووضع شعارات وروابط أخرى تسببت في تكتلات وطنية أو لغوية، أو غيرها،
حتى أصبح كثير من المسلمين لا يعنيه في قليل أو كثير ما يقع لإخوانه الذين في
خارج قطره، ويقول: مالي ولهم وما صلتي بأهل هذه البلاد أو تلك! فأين نحن
من قول الله تعالى: [إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ] [الحجرات ١٠] ، وقوله [أَذِلَّةٍ عَلَى
المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ] [المائدة ٥٤] ، وأين نحن من قول الله تعالى يصف
أصحاب محمد ﷺ [أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ] ... [الفتح ٢٩] ، بل أين نحن من قول النبي ﷺ : (المسلم
للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضاً) وشبك بين أصابعه.
إن الكفار أمة واحدة يوالي بعضهم بعضاً، وإن المؤمنين إذا لم يتحدوا ويوالي
بعضهم بعضاً فسيحل الفساد الكبير والفتن العظيمة، [والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ
بَعْضٍ إلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وفَسَادٌ كَبِيرٌ] [الأنفال ٧٣] . لو نظرنا إلى
حالتنا اليوم لوجدنا أننا لم نعط إخواننا حقهم بل - بالعبارة الصريحة - بخسناهم
جميع حقوقهم، حتى في الأمور الشكلية فلم تتسع صدورنا لهم ولا في الخرائط
الجغرافية، فقد وضعنا اسم المستعمر بدلاً من اسمهم، وإن شئت فارجع إلى
الخرائط الجغرافية الكبيرة أو الصغيرة فهل ستجد المدن الإسلامية، فضلاً عن
الدول الإسلامية في الاتحاد السوفييتي؟ لا، إنك ستجد بالخط العريض على تلك
القارة (الاتحاد السوفييتي) أما مناطق المسلمين، ودولهم، وأراضيهم، ومدنهم
التاريخية التي ينتمي إليها الكثير من علمائنا فلا تجد لها ذكراً في الخرائط، ولقد
تعبت كثيراً في الخرائط الجغرافية لعلي أحدد موقع مدينة بخارى، أو سمرقند، أو
نسا، أو خوجند، فلم أهتد لذلك، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على الوصاية
التي فرضت على أمة محمد ﷺ في تعليمها وإعلامها.
وإذا كان الكثير يجهل مواقع المسلمين هناك؛ فما بالك بالتاريخ؟ ! فالجهل
به عام، ولذا فإني سأذكر نبذة عن تاريخ وجغرافية هذه البلاد.
لقد غزا المسلمون بلاد أذربيجان من هذه المنطقة في خلافة أمير المؤمنين
عمر بن الخطاب ﵁ على يد حذيفة بن اليمان ﵁، وفي سنة خمس وخمسين للهجرة عبر سعيد بن عثمان بن عفان - رضي الله
عنهما - نهر جيحون إلى بخارى فصالحه أهلها، ثم عبر إلى سمرقند فصالحه أهلها
أيضاً، ولكن لم تلبث إلا قليلاً حتى نقضت العهد بعد ذلك، ولم تخضع هذه الديار
للإسلام تماماً إلا في عهد الوليد بن عبد الملك، على يد القائد الشجاع (قتيبة بن
مسلم الباهلي) الذي أرسى قواعد الإسلام في بلاد ما وراء النهر، ما ... بين سنتي سبع وثمانين وأربع وتسعين للهجرة. ومن ذلك التاريخ أصبحت تلك البقاع دياراً إسلامية خاضعة بأكملها لدين الله .
وفي القرن السابع الهجري دخل التتار الإسلام، فخضعت جميع مناطق ما
يسمى اليوم بالاتحاد السوفييتي، حتى موسكو نفسها قد بقيت في ظل الإسلام أكثر
من قرنين. وبعد سقوط القسطنطينية في يد المسلمين تحول النصارى إلى روسيا،
فدخل الروس في النصرانية وأصبحت معقلاً لهم، ثم قاموا بشن حروب شرسة
على المسلمين بقيادة إيفان الثالث، سنة خمس وثمانين وثمانمائة للهجرة حتى
سقطت موسكو، ثم جاء حفيده إيفان الرهيب فقام بإبادة للمسلمين حتى أباد مدناً
كاملة بأسرها، ثم بدأ الروس النصارى يزحفون على آسيا الوسطى فسقطت
(طاشقند) عاصمة أوزبكستان - حالياً - سنة ١٢٨٢ هـ، ثم سقطت سمرقند سنة
١٢٩٠ هـ، ثم سقطت بخارى بأيديهم سنة ١٢٩١ هـ، ثم سقطت عشق أباد
وبلاد التركمان.
ذاق المسلمون في تلك الفترة - تحت حكم القياصرة - أبشع ألوان الذل
والاضطهاد والاحتقار والابتزاز لأموالهم، ثم قامت الثورة البلشفية الشيوعية سنة
١٩١٧ م، فقام الشيوعيون بغزو بلاد المسلمين واحدة تلو الأخرى حتى سيطروا
على تلك البقاع كلها في أقل من عشرين عاماً.
ويقدر عدد سكان السوفييت بأكثر من ٢٤٠ مليون نسمة، معظمهم من
النصارى أما نسبة المسلمين فقد اضطرب الكتاب عن النسب السكانية اضطراباً
كبيراً، وذلك الاضطراب راجع إلى انتمائهم، فمثلاً الأمم المتحدة والنصارى يرون
أن نسبة المسلمين لا تزيد عن ١٠%، بينما المسلمون يرون أنهم يزيدون على ٣٠
% والوسط في ذلك - وهو الذي اتضح لكثير من زوار تلك البلاد - أن نسبة
المسلمين تصل إلى ٢٥% فالمسلمون ما بين ٦٠-٨٠ مليون نسمة. هذا العدد
الهائل من المسلمين رزح تحت نير الشيوعية أكثر من سبعين عاماً، وهم في عزلة
تامة عن إخوانهم لا يعرفون عنهم شيئاً البتة، بل إنهم في عداد المجهولين، أين
نحن من رسول الله ﷺ كان يدعو لأناس حبسوا في مكة -
يعدون على أصابع اليد الواحدة - ويَقنتُ لهم في صلاته سائلاً الله أن يفك أسرهم (اللهم أنج عياش بن ربيعة اللهم أنج الوليد بن الوليد) يتفقد النبي - صلى الله عليه ...
وسلم - شخصاً أو شخصين فينص عليهم بالدعاء، والذين أمامنا ليسوا ألفاً ولا
ألفين بل ملايين لا نعرف عنهم شيئاً، فضلاً عن أن ندعو لهم دعاء عاماً، فضلاً
عن أن نخصهم بالدعاء.
ونحن في عالم التجهيل المضروب على المسلمين عامة في بلاد الله كلها لا
نعلم أن عدد الجمهوريات والدول التي أكثريتها إسلامية، أو سابقاً كانت كلها
إسلامية تزيد على أربع عشرة جمهورية، ولو سألت واحدا منا ما هي؟ فالمثقف
يذكر لك واحدة أو اثنتين، لا أقول مدينة بل دولة كاملة.
كما أن للمسلمين وجوداً في البلاد النصرانية، مثل روسيا وأوكرانيا وجورجيا
وغيرها، حتى قيل: إن نسبة المسلمين فيها تقدر بـ ١٠%.
وهناك غير الجمهوريات الست المشهورة جمهوريات تقع جنوب غرب جبال
أورال، وهي بشكيريا وعاصمتها أوفا، وتتاريا وعاصمتها قازان، وقازان هذه
كانت عاصمة القطاع الذهبي الذي خضعت له موسكو للحكم الإسلامي أكثر من
قرنين، وأدمورت، وماريا، وجوفاش، وموردوف. أما شمال القوقاز فتقع فيه
أربع جمهوريات إسلامية وهي: داغستان وعاصمتها محج قلعة، الشوشان
والأنقوش وعاصمتها غروزني، قبرديا، قارتشاي، وهم الشراكسة. وهناك
جمهورية أذربجيان، وتقع وراء القوقاز بين بحر قزوين والبحر الأسود، ويزيد
سكانها على ستة ملايين، يمثل المسلمون فيها سبعين بالمائة ٧٠%، ونسبة أهل
السنة فيها تزيد على ٢٠%، وهذه نسبة طيبة وإن كان الرافضة يحاولون التقليل
من هذه النسبة والتجهيل بأهل السنة في تلك البلاد.
أما من ناحية الموارد فإن الأقاليم الإسلامية تملك أعظم الثروات والموارد فيما
يسمى سابقاً بالاتحاد السوفييتي، فعلى سيبل المثال: فإن ٥٠% من نفط الاتحاد
السوفييتي يوجد في الأقاليم الإسلامية، كما يوجد فيها معادن اليورانيوم والفوسفات
والرصاص والقصدير، كما أن فيها ثروة كبيرة من القطن والصوف والحرير.
وقد كانت هذه الموارد كلها تسخر لخدمة الشيوعية، وتستغل لنشر الإلحاد
وضرب المسلمين داخل البلاد وخارجها، وما بلاد الأفغان عنا ببعيد.
ولذا أبدى الغربيون قلقهم إزاء استقلال الجمهوريات الإسلامية،، ويرى
المحللون أن الغرب لن يتهاون أبداً إزاء القوة الكامنة في الجمهوريات الإسلامية،
فقد حذر ساسته من مخاطر ما أسموه القنبلة الإسلامية في مواجهة القوميات الأخرى، فجمهورية كزخستان مثلاً تعتبر الدولة الثالثة من حيث امتلاك الأسلحة النووية،
إذ أنها تأتي بعد روسيا مباشرة، واستقلالها يعني أن العالم الإسلامي قد تمكن بالفعل
من امتلاك القنبلة النووية، ولهذا ثارت مخاوف الغرب فأبدت ألمانيا مثلاً على لسان
وزير خارجيتها بأن كزخستان تملك أسلحة نووية تفوق الأسلحة في كل من بريطانيا
وفرنسا، وإن احتفظت بهذه الترسانة من الأسلحة النووية ستصبح بذلك أول دولة
إسلامية نووية ولها القدرة على تطويرها.
٢- الشيوعية ومسخ الهوية الإسلامية:
استخدمت الشيوعية جميع الوسائل والأساليب في محاولة طمس الهوية
الإسلامية وتحويل المسلمين إلى ملاحدة، فسلكت جميع الطرق وسخرت جميع
قواها في هذا الغرض، حتى ظن من لا يعرف ماهية هذا الدين بأنه لن يبقى في
هذه البلاد من يقول: الله، الله. ومن وسائلهم:
١- الاستيلاء على كافة المساجد وتحويلها إلى متاحف ومستودعات وملاعب
ومراقص وخمارات ومستشفيات الخ، - ولا أقول هذا نقلاً عن أحد بل وقوفاً عليها
- في تركستان وحدها تم إغلاق أكثر من ستة وعشرين ألف مسجد، وجرى تحويل
أكثر من سبعمائة مسجد في بلاد التتار، وخمسمائة مسجد في بلاد القفقاز إلى
مواخير وأندية وإسطبلات.
٢- إغلاق جميع المدارس الإسلامية وفعلوا بها كما فعلوا بالمساجد، وكان
قبل الثورة في بلاد بخارى وحدها أكثر من ثلاثمائة وستين مدرسة، وقد فنيت تلك
المدارس ولم يبق فيها قائماً الآن سوى خمسين مدرسة، وقد جعلت متاحف ومسارح
وغير ذلك. وقد اطلعت بنفسي على مدارس في (خوارزم) وفي مدينة (خيوة)
ودخلت مدرسة كبيرة مكتوب على بابها (مدرسة محمد أمين خان) بنيت سنة ...
١٢٧٥ هـ وبجانبها عدة مدارس، وللمدرسة منائر جميلة وقد كتب في مقدمة
المدرسة (قد أوصل الله تعالى اختتام بناء هذه المدرسة التي هي خير المدارس في
العالم سنة ١٢٧٥ هـ بأمر سلطان الزمان الغازي محمد أمين بهادر) وهذه المدرسة
ذات بناء شامخ عجيب، وجمال يأخذ بالألباب، ولما دخلت بوابتها ما بين منارتين
وجدت عند الباب امرأة وراء مكتب فسألناها فقالت: هذا فندق، ثم دخلنا فرأينا
سلماً ينزل تحت الأرض فسألت عن ذلك، فقيل هذه خمارة، والموسيقى تضرب
بين جنباتها، ثم خرجت من المدرسة إلى مدرسة مجاورة فإذا فيها دار للسينما.
وهذه المدينة ما إن تدخلها إلا وتطالعك المدارس المشيدة ومنائرها العالية
الجميلة وهي تبكي أطلالها وعمارها وروادها.
٣- إحراق وإغراق لجميع المصاحف والكتب، وقد حدثني الثقات أن
الشيوعيين جمعوا كأمثال الجبال من الكتب في بخارى وسمرقند وأحرقوها.
٤- منع اقتناء أي مصحف أو كتاب، مما اضطر كثيراً من الناس إلى
إحراقها أو دفنها في الجدران، أو حفظها على خوف وقلق عظيمين، لأن من وجد
في حوزته كتاباً أو ما في حكمه مما يمت إلى العلم الشرعي أو اللغة العربية بصلة
فهو معرض للمحاسبة، ولهذا لا تكاد تجد الآن عند كثير من المسلمين اليوم
مصحف ولا كتاب بل لا تجد في مساجدهم ذلك أيضاً.
٥- من وسائل الشيوعيين في طمس الهوية الإسلامية نشر وطباعة الكتب
الإلحادية والأدب الإلحادي.
٦- تسهيل الانضمام إلى الحزب الشيوعي والتمتع بامتيازاته.
٧- تزييف التاريخ الإسلامي الخاص بالمنطقة، فقد حاولوا تجهيل الأبناء
جميعاً في أن هذه البلاد تمت إلى الإسلام بصلة، وإن ذكروا فتوحات المسلمين
فإنهم يذكرونها على سبيل الغزو والسيطرة والاستعمار وإذلال شعوب المنطقة،
ولذلك كثيراً ما يوجد في شوارعهم رسوم وصور المكافحين الملاحدة الذين قاموا
بمكافحة الإسلام في القديم والحديث.
٨- فرض اللغة الروسية ومحاربة الكتابة العربية، وهذا شامل لجميع نواحي
الحياة، فاللغة الروسية مفروضة رسمياً في المدارس والمعاملات وجميع الدوائر
الحكومية، حتى المزارع والمتاجر لأنها كلها تحت سيطرة الدولة فلا يمكن
التخاطب على الأقل كتابياً إلا بالروسية، حتى أصبح كثير من المسلمين لا يستطيع
أن يكتب بلغته الأصلية التي يتحدث بها.
٩- منع النساء من الحجاب الشرعي، وقد أقيمت الاحتفالات الرسمية
الإلزامية لحرق الحجاب.
١٠- تسخير نساء المسلمين في الأعمال المهنية الشاقة، فحيثما توجهت نحو
أي مزرعة تجد نساء المسلمين يمسكن بالمساحي لحراثة أرض الدولة، أما الشوارع
فإن تنظيفها موكل إلى عجائز المسلمين.
١١- تهجير الكفار إلى بلاد المسلمين، ليمتزجوا بهم وكذا العكس، ولذا تجد
الروس والكوريين وغيرهم قد سكنوا في أحياء المسلمين وقراهم، وكل هذا مبالغة
في طمس الهوية الإسلامية، فأصبحت تجد المسلم وبجواره الروسي النصراني أو
الملحد والكوري الوثني، فالبلاد التي جل سكانها مسلمون هجروا منهم إلى بلاد
النصارى ثم نقلوا من النصارى إليهم.
١٢- تهجير أقوام بأكملهم مثل مسلمي القرم، فقد قام ستالين بقتل عدد كبير
منهم بالجوع، ثم هجر ما يزيد على مائتى ألف إلى مناطق نائية في عربات الماشية
فمات أكثرهم في منتصف الطريق، ولم يبق في ديارهم واحد.
١٣- من مبالغة الشيوعية في طمس معالم الإسلام عند الناشئة تغيير أسماء
المسلمين، حيث تجد اسم المسلم المتعارف عليه عند أهله وأقاربه غير الاسم
الرسمي في الاثباتات الرسمية وهو الاسم المعتبر عند الدولة.
وضع أصنامهم في كل حي وشارع وناحية، فما تدخل شارعاً ولا محلة ولا
قرية إلا وتجد تمثال لينين أو غيره على منصة مرتفعة.
١٤- تسمية الأحياء والمدن والقرى والشوارع والمدارس وغير ذلك بأسماء
رموز الحزب، وهذا شامل لجميع المدن والقرى في طول البلاد وعرضها، فمثلاً
يقولون: قرية لينين، حي ماركس، شارع ستالين وكذا، فأصبح الطفل ينشأ لا
يعرف سوى لينين وستالين وماركس وغيرهم من دهاقنة الإلحاد [٣] .
١٥- كتابة عبارات إلحادية عند نهاية المدن والقرى بدلاً مما نكتبه نحن
(تصحبكم السلامة أو الله يحفظكم) فيكتبون لينين معكم، لينين يحفظكم.
١٦- التعليم الإلحادي الإجباري لجميع الجنسين، ولمدة عشر سنوات، يتعلم
الطفل فيها إنكار الخالق وتفسير التاريخ تفسيراً مادياً، ثم تؤكد ذلك وسائل الإعلام
المقروءة والمسموعة والمرئية.
فالمسلم ملزم أن يدخل ولده وابنته المدرسة، ولمدة عشر سنوات، فيدخل
الولد وعمره ست سنوات ويتخرج وعمره ست عشرة سنة، فترة المراهقة كلها
يعيشها بين الشيوعيين، وبعد التخرج يختطف إلى سيبيريا للتجنيد الإجباري مدة
عامين، كل هذه المدة في يد الملاحدة ليس في يد أبيه وأمه، وإذا رجع إلى البيت
فلا مصحف ولا كتاب، إنما التلفزيون والمجلة التي تعلم الكفر والإلحاد فماذا
ستكون النتيجة؟ !
١٧- منع جميع شعائر الإسلام، فكل ما يخطر بالبال من شعائر هذا الدين
فاعلم أنه محظور في تلك الجمهوريات إبان الشيوعية.
١٨- تسخير برامج الإعلام كلها لغرس الإلحاد والكفر، فللتلفزيون في ثلاث
قنوات: قناتان تبثان من موسكو وقناة تبث من نفس الجمهورية، فالمسلم حيثما
وجه التلفزيون فهو بين هذه القنوات لا يتعداها.
١٩- الحظر على المسلمين من اتصالهم بالخارج، ومنع المسلمين في الخارج
من الاتصال بإخوانهم في الداخل، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن هذا السور
الحديدي الذي ضرب على المسلمين هناك شمل حتى الاستماع إلى القنوات الإذاعية
سوى الإذاعات المحلية، فلقد شاهدت جهاز الراديو في الفندق - وهو يمثل
الشيوعية في قمة تعصبها - وليس فيه الجزء الذي تبحث فيه عن المحطات، كما
هو عندنا، وإنما هو عبارة عن مفتاح واحد تضغط عليه المرة الأولى فتخرج لك
إذاعة موسكو، والثانية الإذاعة المحلية، فليس هناك مجال لأن تبحث عن محطة
أخرى.
وحتى بعد أن سمح بأجهزة الراديو المتطورة سلط التشويش على المحطات
الأخرى.
٢٠- القضاء على العلماء والمشايخ، وقد حدثني أستاذ في طشقند أن أباه كان
يصلي بالناس ويعلمهم، فاطلعت عليه المخابرات - الكي. جي. بي - حين
خروجه لصلاة الفجر وبعد مساءلته وكان صريحاً معهم، فقدروا صراحته وقالوا:
سنخفف عنك العقوبة ونشفع لك عند مديرنا، وفعلاً خففت عنه العقوبة فأعطي
مسافة من الشارع يقوم بتنظيفها ورشها بالماء كل يوم قبل صلاة الفجر، يقول:
حتى أصيب والدي بالشلل من شدة البرد حيث كان عمره يناهز السبعين عاماً وهذا
عمله اليومي. هذه أخف عقوبة عند الشيوعيين لعلماء الإسلام ودعاته.
٢١- إجبار الطلاب على الإفطار في رمضان، ورغم هذه الحرب الشرسة
ضد الإسلام فقد كانت الشيوعية تخشى من بقاء بعض المسلمين على إسلامهم
وتمسكهم به، فحدثني أحد الثقات قائلاً: لما كنا ندرس في المدارس كان مدير
المدرسة في صباح كل يوم من رمضان يمر بنا، فيجبرنا على الشرب حتى في
الأيام الشاتية، وهذا الإجبار خاص بأولاد المسلمين.
٢٢- إبادة المدن المحافظة على دينها مثل: مدينة خوقند في وادي فرغانة،
فقد أبيدت هذه المدينة مرتين: في عهد القياصرة وفي عهد الشيوعيين البلاشفة.
٢٣- استخدام الإرهاب عن طريق المخابرات في التجسس على الناس في
بيوتهم، ووضع مراكز التفتيش عند مدخل كل مدينة وقرية، حتى إنه ليخيل إليك
- إذا قدمت إحدى القرى - أنك دخلت جمهورية أخرى فالفنادق مثلاً لا تقبلك نزيلاً
عندها وليس معك تأشيرة لدخول هذه المدينة أو القرية، ولقد دخلنا مدينة خوقند من
وادي فرعانة في ساعة متأخرة من الليل فقصدنا الفندق وأبرزنا له الجوازات فلم
يقبلنا، فقلنا له ولم؟ قال: ليس معكم تأشيرة لدخول المدينة. فقلنا أوليست من مدن
أزبكستان ونحن نحمل تأشيرة لدخول الدولة فلم يقبل.
فالمطلوب من الزائر أن يأخذ تأشيرة لجميع المدن والقرى! !
٢٤- ربط الناس على مختلف طبقاتهم ومستوياتهم بالدولة عن طريق
الاقتصاد الذي سيطروا على جميع وسائله وطرقه، حيث تسيطر الدولة على جميع
المزارع والمحلات التجارية، والمصانع، وسيارات النقل والأجرة، والعمائر
الكبيرة، وجميع الثروات. ولا يملك الناس سوى بيوتهم وسياراتهم الخاصة.
٢٥- أثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها حاولت الدولة أن تظهر للوفود
الرسمية التسامح، فأذنت بإقامة مسجد في كل ولاية لا يتسع لأكثر من خمسمائة
مصلٍ، ولكن لا يجوز أن يدخلها من عمره أقل من خمسين عاماً. وليت الأمر
انتهى عند ذلك! بل إن الدولة هي التي تعين الإمام ويشترط أن يكون من الحزب
أو من المخابرات، وعليه أن يكتب التقارير عن كل داخل إلى المسجد. وأنشأت
كذلك إدارات دينية تحت إشرافها، ومدرستين هما: مدرسة مير عرب في بخارى
ومعهد البخاري في طشقند، وكان المسؤولون عنها من فجار القوم، وقد حدثني من
درس في مدرسة مير عرب في بخارى أيام الشيوعية، أنه كان يدخل عليه المدرس
ولما يصح بعد من الخمر [٤] .
حيال ذلك نشأت أجيال لا تعرف من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن حتى
رسمه، حيث تجد عدداً كبيراً من المسلمين لم يسبق له أن رأى المصحف. وبعد
هذا العرض المجمل عن خطط الشيوعية في طمس نور الإسلام من قلوب الناس،
حيث لا مصحف ولا كتاب، ولا عالم ولا داعية، ولا مسجد ولا مدرسة؛ هل نظن
أنه بقي في هذه الديار من يقول الله الله..؟ من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً
رسول الله ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة؟ الجواب في الفقرة القادمة إن شاء الله.
«يتبع»
стр. 1326
من الرجعية إلى الأصولية
(٢)
محمد بن حامد الأحمري
طالب عربي مسلم يسكن في جلاسجو إحدى مدن الشمال البريطاني. ... وفي أول شهر له في المدينة، أدرك زوجته المخاضُ، واستدعى الممرضات من المستشفى، وحاولت إحداهن الحديث مع زوجته التي لم تكن تعرف الإنجليزية، وظنت أن الزوج لا يعرف اللغة الإنجليزية أيضاً. ثم ولد للمرأة ولد ورفعته إحداهن وقالت: (عدو جديد) ، نعم أصولي جديد يولد، مصنف منذ أول ثواني الميلاد عدواً لبريطانيا وليس فقط أصولياً، لقد كانت هذه الممرضة في وعي تام لقضية الإسلام والنصرانية والصراع العقائدي والتاريخي، كانت تعبر عن ثقافتها بصوت عال سموع لصاحبتها بلا تلكؤ ولا مجاملة ولا غبش في التصور كالذي يعانيه أكثر المسلمين اليوم، حيث يلوكون كلمات الأخوة الإنسانية والصداقة. إنها
كلمات للاستهلاك الإعلامي وملء أسماع الجهلة والأتباع في العالم الثالث فقط، أما هم فيدركون حقيقة الموقف تماماً، وتعرف الممرضة هذه السياسة الواقعية، وتعيش بها وليست مشغولة بصراخ الإعلام الاستهلاكي. إن المسلمين يحبون أن يسود العالم السلام لكن لماذا هم لا يفكرون به.
عندما قالت الممرضة ما قالت نهرها والد الطفل، وأنكر عليها هذا الموقف والعداء من الطفل الوليد، فاحمر وجهها وارتبكت جداً واعتذرت، ووصل الخبر لإدارة المستشفى واعتذر منهم أكثر من شخص. ولكن هذه الحقيقة تفرض نفسها بلا غطاء. وكأني بوالده يقول: يا بني لقد سبقوا الشيطان إليك قبل أن يغمزك منذراً بالصراع أبد الحياة، صراع الحق والباطل، هؤلاء سبقوا وليس بغمزة شيطانية لا نراها ولكن بكلمة واضحة لنا نحن الثلاثة فقط أنت لا تعي ما قالت هذه الممرضة، وأمك لا تفهم لغتهم، ولكن بقية حياتك - إن أعطاك الله العمر - ستكون شرحاً لما أجملته لك الممرضة.
وهذه بداية الطريق صريحة واضحة بلا تمويه، فهل يا ترى ستعيش حياتك بهذا الأسلوب، وهل تراك تفهم العالم الذي تعيش فيه؛ أم سيسلبونك عقلك، ثم تستميت في سبيلهم والدفاع عنهم وعن فكرهم وتقول عن والدك: أصولي متخلف، وأنت متحضر تفهم العالم ويفهمك. إن براءتك وطفولتك لم تشفع لك ولن تشفع لأمتك مجاملاتها الطويلة ووعيها المنقوص. وقبل أن أسمعك الأذان يا بني أسمعوك الموقف العدائي المشهود.
هذه مقدمة فرضت نفسها بين يدي الحديث عن كتاب: (التهديد الإسلامي أسطورة أم حقيقة) [١] . والذي يرى فيه كاتبه (جون أسبوسيتو) خطورة الانطباع الذي يسيطر على تصرفات السياسيين الغربيين تجاه الإسلام، إذ يختصرونه إلى أن الاسلام هو الخميني وصدام، وهم بنظر مفكريهم أصولية بروتستانتية حيث أن استعمال كلمة أصولية بمعناها التاريخي المركوز في الذاكرة الفكرية الأمريكية له أيضاً أبعاده من كراهية سيطرة المتدينين على الحياة الأمريكية وتحريمهم الخمور والتضييق على الناس [٢] .
ويرى عدد من المفكرين عندهم أنه لا يمكن التعامل مع الإسلام بالإقناع الفكري والحوار الحضاري - كما حدث مع عديد من الشعوب والحضارات التي التقت مع الحضارات الغربية وذابت في الثقافة الغربية الجديدة - وهذا الإسلام المقاوم يثبت يوماً بعد الآخر أنه لا يمكن أن يتجاوب مع الديمقراطية والرأسمالية بسهولة، لأن موقف الأصولية شديد جداً تجاه الدول الغربية، وهم القطاع الرافض للغرب في العالم الإسلامي، لأن أعمق أذى أصاب كرامة الأمة المسلمة من الغربيين، (إن آخر فكرة مستوردة لقيت قبولاً بين المسلمين كانت العلمانية التي مثلتها القومية العربية في عهد عبد الناصر وأحزاب البعث في سوريا ولبنان والعراق، وكان عاقبتها هزيمة ١٩٦٧ م) [٣] .
ويقول أسبوستيو إن الديمقراطية التي يراد فرضها فرضاً يمكن أن تتحول إلى عنف أشد من عنف أي أصولية، فإن الأفكار الجميلة إذا أكره عليها الناس أو استخدمت بعنف وتدمير للآخرين حتى يتقبلوها؛ فلن يشفع لها الواقع العنيف أن توصف بالتقدمية والاعتدال، ولن يرحب بها أحد. كما أن الفيتناميين لم يروا في الأمريكان رسل ديمقراطية ولا دعاة للمساواة والحرية. إذ كيف تحررني بالقتل والتدمير وترغمني على الاقتناع بفكرة أخرى بالحروب والترويع والاستغلال؟ !
والمؤلف لا يرى أسلوب المواجهة بالقوة مع الأصولية هو الحل المناسب لما يحدث في العالم الإسلامي، بل - كعادة المستشرقين - يطالب بالإغواء والاحتواء والمداهنة وعدم الإثارة وألا يحكم الماضي في الحياة المعاصرة اليوم. وأيضاً فإن النماذج التي يطيب للساسة والمفكرين والإعلاميين الأمريكان استخدامها كنماذج للتطرف الإسلامي تغفل جماهير أخرى ودعوات وحركات إسلامية واسعة لا ترى في الغرب شراً كما ترى النماذج المقدمة على أنها هي العالم الإسلامي. ويدعو إلى دراسة الداخل، ودراسة الحركات الإسلامية وقادتها دون التسرع بأحكام لا تخدم المصلحة الغربية والإسلامية، والمؤلف له علاقات كثيرة مع بعض قيادات الأوساط
الإسلامية ويتحدث عن بعضهم عن سابق معرفة، وبخاصة أنه كانت له علاقة مع أستاذه إسماعيل الفاروقي في جامعة تمبل. ويرى خطاً معقولاً يمكن التفاهم معه والوصول إلى حلول وسط في القضايا التي يختلف فيها الإسلام عن النصرانية، ولا يرى أن تطرح القضية إلا بأسلوب الحديث عن التسامح البارز في الديانتين والدبلوماسية المدركة ليست استخدام الدين سياسياً في الغرب ولا في العالم الإسلامي.
وإذا تعامل المسلمون بهذا الأسلوب الحضاري الذي يراه صحيحاً، هل يعني هذا أن يتعامل معه الغربيون بنفس الأسلوب الذي يحكمه التعاون والتفاهم والحوار والتسامح بين الأديان؟ لا، لأن الواقع الذي يتحركون من خلاله الصليبية وتاريخها وحياة المواجهات الدائمة، ولعل الأنموذج الذي ذكره المؤلف في بداية الكتاب عن حوار متخيل يدور بين زعيم مسلم متدين وبين زعيم غربي، فيرون أن المسلم يتحدث من خلال الصراع الإسلامي النصراني والمواجهة التاريخية الدائرة إلى اليوم [٤] واقتسام العالم بين المسلمين والنصارى ولا يملك خياله الخروج من هذه الخيالات. والذي يؤيد ذلك في ذاكرة الانسان المسلم الحوادث المتتالية إلى اليوم.
وبمقدار ما يدل على رسوخ هذا التخيل عند المسلمين فإنه يدل أيضاً على رسوخه أكثر عندهم.
ويرى أن محاولة الوقوف موقفاً معتدلاً مما يحدث في البلدان التي دمرت فيها المشاريع الديمقراطية يجعل الشعوب المسلمة تتجاوب مع الغرب، ولكن الدعم الحكومي الغربي للنظام الجزائري والتونسي اللذين صادرا البدايات الديمقراطية [٥] تؤكدان عداء الغرب للديمقراطية في العالم الإسلامي. في الوقت الذي تدمر الشعوب المسلمة بحجة إيجاد حياة ديمقراطية فيها. وذلك نفاق ينعكس أثره على رأي المسلمين في قضية حرياتهم وموقف الغرب منها.
وكما يحلم البعض - كما يقول المؤلف - بإيجاد نظام دولي، فإن ملايين في شمال أفريقيا والشرق الأوسط ووسط آسيا يحلمون أيضاً بالحرية السياسية والديمقراطية. ولهذا يرى أنه يجب اعتبار هذه الملايين تحدياً لا تهديداً، وحركة الإحياء الإسلامي في جوانب منها حركة اجتماعية تبحث عن إيجاد المجتمع الإسلامي الأصيل وليست القضية قضية دولة إسلامية عند البعض، والبعض الآخر يرى أنه لا يوجد المجتمع الإسلامي إلا بالدولة الإسلامية، وعلى أي حال فكلا الاتجاهين ليسا بالضرورة ضد الغرب وضد أمريكا. ويرى أنهم دعاة لإصلاح الأوضاع في بلدانهم وليسوا ضد المصالح الأمريكية، وأنه لا بد لهم أن يفهموا بشكل أفضل، وألا يحاكمهم الغرب إلى خيالاته عنهم، بل بإمكان الغرب أن يفهمهم وهم يتطلعون إلى الغرب ليحقق لهم الكثير من آمالهم. وهذه فرصة خيالية للغرب في التعامل معهم وهم يقدمون على تحديد طريقهم في المستقبل [٦] ؛ وبالتالي للتأثير في مستقبل الإسلاميين عن صداقة لا عن عداء.
وآراء المؤلف في خلاصته السابقة لكتابه كآراء سابقيه المحترفين والذين ما فتئوا يرون المراوغة والإغواء. وفي نفس الوقت يمارسون أسلوب المنفذ للحل العسكري المباشر ويتولون الإرشاد في مجاهل العالم الإسلامي عند حاجة الجيوش الغربية إلى ذلك، كما سبق مراراً لا تحصى من قبل المستشرقين من قديم. ولا نحاكم نية المؤلف وهو الذي يذرع الولايات المتحدة متحدثاً في كل ناد عن العالم الإسلامي الذي يمكن وعيه وإدراك هويته ويُدل عليهم بمعرفته وجهلهم. ولكن ما هو الواقع الذي جرى تاريخاً بالأمس ويجري اليوم سياسة.
إن ذوي القرار لا يقفون عند فذلكة الكتاب والأدباء، ولا عند المثقفين الذين يغلب عليهم الجبن - كما يرون هم - ولكن (القادة) يأخذون الأمر بأيديهم ويختارون القناعة التاريخية العميقة: (الحرب) هي الحل مع العالم الإسلامي الذي قويه لا يعقل، وغنيه لا يعي، وفقيرة لا يعمل، وقدرته مهاجرة أو معزولة عن التيار اليومي.
ولهذا فتدمير القوي المجنون، وتجهيل الغني وسلب وعيه، وإذلال الفقير، وتأكيد الهيمنة على الجميع، وتأسيس الفرقة والتنازع والوطنية والقبلية؛ هذه أنجع الحلول وليس ما يراه المستشرقون الجدد.
ما يحدث اليوم في طول العالم الإسلامي وعرضه هو الموقف العملي من الأصولية قبل حدوثها، فإن الفقر والجهل والمجاعة والصراع القبلي والحكم الفاسد لأمثال بري كل ذلك يدعو للبحث عن حل؛ وقد كان للدعوة الإسلامية السبق المباشر في هذا، فأقبل الناس على الاتحاد الإسلامي الصومالي وبدأ بالسيطرة على بعض المناطق. وهنا هبت القوى الغربية للحد من خطر الإسلام في الصومال الذي يهدد القرن الأفريقي كله وربما استطاع الاتصال بمناطق أخرى في أفريقيا فيشكل معها قوة إسلامية مخيفة في المستقبل.. وهذا يعوق ما خطط له مركز كارتر في القرن الأفريقي وما يأملون من مستقبل حاسم لأثيوبيا، وعادت أحلام الاستعمار
القديم ونصارى البرتغال الذين قضوا - كما يرون - على الإسلام في الأندلس، وكانت الرحلة حول إفريقيا وسموا عملهم هذا طريق الرجاء الصالح للهيمنة على الإسلام من المشرق، كما دحروه في الأندلس غرباً. واليوم استعادوا نفس الاسم في الصومال عملية (إعادة الرجاء الصالح) ولا يعلم أحد أين سيقف إحياء الرجاء الصالح الذي قد لا يقف عند حد الصومال، فربما يرون ضرورة البحث عن إنشاء مناطق آمنة للنصارى في البلدان الإسلامية (القريبة) أو القضاء على الأصولية المنتشرة في أفريقيا التي يرونها قارة المستقبل للنصرانية، وليس للإسلام فيها حق. وعشرات الألوف تذهب بأحدث الأسلحة إلى الصومال لمكافحة المجاعة، هل هذه الأعداد والعدة تدفع المجاعة أم تصنعها، ومتى كانت القواعد العسكرية بحرية وبرية والاحتلال يقاوم المجاعة. وقد كانت هيئة الأمم المتحدة تعوق وصول الغذاء والدواء من قبل كما قال مبعوثها الرسمى (سحنون) .
والغريب في تعاملهم مع الصومال أنهم بادروا إلى خطر محتمل لا واقع مشاهد، وذلك لأنهم تعودوا أن يسددوا الصفعة الأولى على حين غرة، ولا يكاد عدوهم يدرك مصدر الصفعة حتى تأتيه الثانية على الجانب الآخر دون إمهال.
يرفعون شعار التهديد بالأصولية والتخويف من الإسلام، ويرفعون شعار حماية حقوق الإنسان، وها هم يقتلعون شعباً بكامله في أوربا من أرضه ودياره، لا لذنب جناه، سوى أنه يدين بالإسلام. بحجة أنه سيكون في المستقبل بؤرة للأصولية وتهديداً لأوربا. وكذلك ما نراه من سلبيتهم أمام إسرائيل في تعاملها الشرس مع هذه الأعداد الكبيرة من الفلسطينيين الذين تقتلعهم من أرضهم ومن بين أظهر عائلاتهم وأطفالهم، وتلقي بهم تحت الثلج والمطر. ويتفرج العالم المتحضر على مأساتهم، ويشاهد غطرسة إسرائيل وعنهجيتها التي لا يقف في وجهها أحد: لا مسلمون، ولا غيرهم، ولا هيئة أمم، ولا نظام عالمي جديد، ولا دعاة حقوق إنسان.
آن لنا أن نعرف خداع العبارات ونفاق الدعاية السياسية حيث السر ضد العلن. وشعار الأصولية والتخويف منها يبطن الحرب على الشعوب المسلمة والقضاء على قوتها وعزتها واستقلالها. التخويف والترويع الذي يهزون به قلوب الحكام والمحكومين في عالمنا الإسلامي الواسع من خطر الأصولية والذي لا يقصد منه إلا إخفاء الأخطار الحقيقية الآتية من قبلهم هم أنفسهم. ليس أخطر على الأمم من عدو يأتيها بصورة منقذ حريص غيور عليها، وليس همه إلا مزيداً من الإضعاف والإنهاك حتى تكون لقمة سائغة له.
стр. 1327
منتدى القراء
الصحوة الإسلامية والتمكين
محمد الخريف
إن أي كيان أو دعوة أو تنظيم يستمد قوته الأساسية الدافعة إلى التمكين
والاستخلاف من العقيدة أو المبدأ الذي يقوم على أساسه ويتبناه ويدعو إليه، فكلما
كانت هذه العقيدة واضحة قريبة من فطرة الناس وإدراكهم العقلي؛ كلما كان ذلك
كفيلاً بتوفير عوامل النجاح والتقدم لها، وجعل الناس يستقبلونها بالقبول والاتباع
عن قناعة راسخة يبذلون في سبيلها الغالي والنفيس، وهذا لا يوجد إلا في العقيدة
الإسلامية المنزلة من لديه ربنا ، فهي الدين الوحيد الباقي على
وجه الأرض السالم من التحريف بحفظ الله له، وهذا هو سر رسوخه وانتشاره رغم
الحرب الضروس الموجهة إليه من قبل أعدائه، وتخاذل أتباعه عن نصرته
والالتزام بتعاليمه.
ومتى ما خالط الإيمان بهذه القضية سويداء القلوب وخامر التصديق بها مخ
العقول، فإن ذلك يمثل مصدر قوة عظيمة ودفع ذاتي للدعوة الإسلامية في مواجهة
التحديات وتجاوز العقبات والعوائق، في سبيل التمكين لهذا الدين في أرض الله.
إلا أن سنة الله الماضية تقتضي بذل الأسباب، وعدم الركون إلى القوة الذاتية لهذا
الدين فحسب، بل جعلها مصدر دفع مهم إلى الأمام يعوض ويكمل جوانب القصور، ولو كان الأمر خلاف ذلك - حسبما يتصور الخرافيون والصوفيون - لما شرع
الجهاد الذي تتطاير فيه الرؤوس وتسيل الدماء لإعلاء كلمة الله، ومن هذا المنطلق
يجدر بالقائمين على قيادة ركب الصحوة الإسلامية أن يدركوا هذه الحقيقة، وأن لا
تشغلهم بُنَيَّات الطريق عن أمور الدعوة الجسام، ورعاية هذا الكيان والعمل على
توفير مصادر القوة له، فالله قدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس، ودعوتنا كلها
جهاد لكن على مراحل تقتضيها المصلحة إلي أن ترقى إلى مرتبة الجهاد بالسنان
وبذل الدم، فإن القوة المادية كما قيل هي عصب الحياة الدنيا وقوامها، والضعيف
فيها على مر العصور مقهور مسحوق لا يحسب له حساب إلا في ظل شرع الله
حين يحكم، ولسنا بهذا نطلب بجعل الدعوة شركة تجارية! لكنه الاعتماد على
الذات بموارد ثابتة وهذا من القوة التي أمرنا الله بإعدادها لمواجهة الأعداء ونشر
الدين، والاستغناء عن مد يد الاستجداء، مما يوفر للدعوة حرية التحرك، واتخاذ
القرار دون ضغوط كابحة للنشاط، إضافة، ما توفره القوة المادية للدعوة من ثقل
سياسي واجتماعي هي بأمس الحاجة إليه، وقريباً منك أخي الكريم، مثلاً حياً
المنظمات الصهيونية والنصرانية في العالم وما تملكه من إمكانات ضخمة وفرت لها
نوعاً من السيطرة على محاور ثلاثة مهمة هي (المال والتقنية والإعلام) حتى
أصبحت ذات نفوذ مؤثر في مجرى الأحداث والقرارات السياسية الداخلية
والخارجية للدول التي تعمل بها، إضافة إلى نشاطاتها وبرامجها الهائلة، حتى
وصفت بالدول الخفية لعظم قوتها ونفوذها.
ولم يكن ليحصل لها هذا النفوذ والتمكن رغم فساد المنهج والانقطاع من حبل
الله. لولا ما تملكه من إمكانات وتنظيم عملي، يبعث الحسرة في قلب المسلم الغيور
لما يرى من حال الدعوة والأمة.
فحري بنا - ونحن حاملو الرسالة السماوية الخالدة - أن نأخذ بكافة الأسباب
المشروعة في ديننا، وأن الدعوة الإسلامية بوضعها الراهن بعيدة عن اتباع هذا
المنهج بشكل جاد، فهي فقيرة بالموارد الثابتة تعتمد على تبرعات الأخيار المتذبذبة، بشكل يفقدها القدرة على وضع الموازنة والتخطيط للبرامج المستقبلية، إضافة لما
تعانيه من ضعف البناء التنظيمي الذي يوحد الجهود ويستغل الطاقات، لاعتمادها
على الجهود الفردية المبعثرة - باستثناء بعض الجمعيات الخيرية ذات الطابع
الإغاثي - وهذا يكشف الحاجة الملحة لإجراء الدراسات والبحوث العلمية لتقويم
نشاط الدعوة وإيجاد البرامج والخطط المناسبة لتوجيه الأعمال وتقسيمها إلى كيانات
متنوعة النشاط ذات شكل مؤسساتي، يجري التنسيق بين أعمالها عبر القيادة
الشرعية العليا. صحيح أن الدعوة محاصرة ومقطوع عنها كل الموارد الرسمية في
الجملة، ولا يتوفر لها ولا إمكانات نادي رياضي ينمي العضلات!
لكن لا ينبغي الاستسلام للواقع، وأبواب الفتح واسعة بعون الله. على أن لا
يغيب عن بالنا ونحن نبذل الجهد وتقدم الأسباب أن نتشبث بعنصر مهم ألا وهو
التوكل على الله والثقة بنصره وتأييده وعدم الانقطاع عنه بأسبابنا الضعيفة لكي
نجمع بين الحسنيين التوكل والعمل كما أمرنا الله سبحانه في سبيل تحقيق الهدف
العظيم ألا وهو التمكين للأمة الإسلامية وإعادة العزة والريادة المسلوبة منها، بعد
هذا الضعف والهوان الذي طال ظلامه وادلهم غسقه، ونكاد نلمح فجراً وضاء يلوح
في الأفق بعد أن أوشك هذا الظلام على العسعسة، ليسطع نور الإيمان كي يعم
الأرض بالعدل والقسط بعدما ملئت ظلماً وجوراً، [واللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ ولَكِنَّ
أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ] والله أعلم.
стр. 1328
الصفحة الأخيرة
قارة العنف والتعصب
محمد الحسيني
ألمانيا أكثر حواضر أوربا تقنية ومدنية يلفها الرعب العنصري، ويحيط بها
الخوف من النازية الجديدة، من شباب لم يعرفوا من النازية إلا شعار: (ألمانيا
فوق الجميع) وطريقة هتلر في تحية الجماهير. ولم يشهد أحد منهم مقتل عشرات ...
الملايين في الحرب العالمية الثانية ذهبوا ضحية الفكر العنصري من الألمان ...
وغيرهم. تعود اليوم النازية، وتتجه نحو المسلمين الأتراك وغيرهم من الجاليات
التي تعيش في ألمانيا، وقد تجاوزت الحوادث في أقل من عام ألفي حادثة عنف قتل
فيها سبعة عشر شخصاً منهم عائلة تركية. ويخيم رعب النازية الجديدة على الألمان، مما دعا المناوئين برئاسة رئيس الجمهورية إلى المشاركة في المظاهرات ضدهم.
ويرى المراقبون أن أوربا التي تحاول الوحدة يتهددها خطر العنصرية الذي
قامت من أجله له مدراس وكتب وأفكار خالدة في ثقافتهم، حيث يسود القارة
الأوربية الحقد العنصري اللاهب والكراهة المتبادلة. والحروب العنصرية والقومية
هي روح تاريخ أوربا، فحرب المئة عام وحرب الأربعين عام، والحرب العالمية
الأولى والثانية كلها كان ميدانها أوربا، وأكثر الشرور العنصرية في العالم مصدرها
من هناك، فهل تستطيع هذه الدول إيقاف هذا الخطر القادم؟ وهل تستطيع
الديمقراطية الألمانية إيقاف ذلك؟ وهي التي جاءت بهتلر على أعناق الجماهير
العاطلة التي رأته منقذها من البطالة، فأوجد للعاطلين العمل، وأخذهم إلى مصانع
الأسلحة ثم إلى الجندية ثم إلى القبور.
بقي أن نعلم - أن وقوع أوربا تحت طائلة الحروب والأحقاد لا تعني دعوة
الكسالى والسلبيين الممزقين إلى سيادة العالم، وأن حركة العالم من حولنا لا تتأثر
بالجموع الجاهلة الغافلة التي لا تعمل لقضية، ولا يحركها دين، ولا تطمع في حياة
عزيزة، ولا في جنة عرضها السموات والأرض، إذ الحقوق لا تهدى، والصراع
والمدافعة سنة دائمة من سنن الله في الارض.
стр. 1329
شعبان - ١٤١٣هـ
فبراير - ١٩٩٣م
(السنة: ٧)
стр. 1330
كلمة صغيرة
أحداث صغيرة ومتتابعة تلك التي يشهدها المسلمون في هذه الأيام، ومجلة
ثقافية شهرية مثل (البيان) لابد أن تركز على أحداث معينة تجتهد في إبرازها وتجليتها للقارئ لتتضح أبعادها ومرامي السياسة العالمية حولها، وللمسلم المثقف رؤية تخالف الصحفي الذي همّه الإثارة، أو الذي يوجه الحدث كما يريد، ومن هذا المنطلق تابعنا في هذا العدد أحداث المبعدين عن أهلهم وديارهم في فلسطين المحتلة،
وأحداث طاجكستان الأخيرة، وما تقوله الصحف الغربية عن مأساة البوسنة التي فاقت كل المآسي، والتي تجسد فيها الحقد الصليبي واضحاً.
المحرر
стр. 1331
الافتتاحية
السياسة العليا
رئيس التحرير
عندما بدأ الغرب مشروعه الاستعماري لإحكام السيطرة على العالم الإسلامي،
وشد أنشوطة الحبل حول عنقه - كما عبر توينبي - كان قد مهد لهذا بأخبث
الأساليب وأمكرها. وهي تغيير عقل المسلم وإزاحة الثقافة الإسلامية، ووضع
المناهج المناسبة، وتأسيس المدارس والجامعات فنشأت أجيال مهزومة من الداخل،
مهزوزة الشخصية، كانت وما زالت دماراً ووبالاً على الأمة.
جاء في مجلة (العالم الإسلامي) الفرنسية: (إن المدارس التي أنشأها ...
المبشرون في الآستانة وغيرها من البلاد العثمانية، قد كان تأثيرها في حل المسألة
الشرقية أعظم من عمل جميع سفراء الدول ومعتمديهم السياسيين) [١] ، وقال
اللورد سالسبوري: (إن مدارس المبشرين أول خطوة من خطوات الاستعمار، فهي ...
تحدث في البلاد التي تنشأ فيها انقساماً وتفريقاً بين أهلها، يفقدون بها وحدتهم، ...
فيكونون عوناً للمستعمر على أنفسهم) [٢] .
إذا كان الغرب قد اتخذ التعليم والمناهج منطلقاً له في مشروعه الاستعماري،
فلماذا لا يبدأ المسلمون رحلة العودة والتجديد، ورحلة البناء والقوة من هذا المنطلق، وعندما نتكلم عن المناهج، فلا نعني المناهج المقررة في المدارس فقط، فهذه قد
يكون من الصعوبة تغييرها أحياناً، وإنما نعني المناهج العلمية التربوية بشكل عام.
فمثل هذه إذا خرجت للوجود فسوف تستفيد منها المدارس الخاصة، والأسرة
المسلمة، والمسجد والمركز الإسلامي. هذه الأعمال من البديهيات إذا أمعنا النظر
فيها، وهي لا تكلف المسلمين عناء ومشقة، إذا قيست بما يجب عليهم من الأعمال
الكبيرة، ولكننا مع الأسف لم نقم بها، لأن مرض السهولة، والبقاء في دائرة
العموميات جعلنا نستصعب مثل هذه الأمور، والأمثلة كثيرة: (السيرة النبوية،
العقيدة الإسلامية، اللغة العربية) ، هل وضعنا المناهج المناسبة للأطفال، وللناشئة، ... وللشباب، وبأسلوب بسيط وشيق، يتناسب مع أعمارهم وعقولهم وثقافتهم، أم أن
مرض السهولة جعلنا نختار أي كتاب لنقرره منهجاً، وقد يكون الكتاب جيداً ولكنه
لا يتناسب مع عمر الطفل وثقافته.
ثم نأتي إلى المدارس الإسلامية، والمعاهد التربوية، والتي عليها مدار
تخريج أجيال لا تحمل بين جوانحها أمراض التخلف والتبعية، تنشأ إنشاء على
حب هذا الدين وعلى الاستقلالية والثقة بالنفس، هذه المدارس كان لها بدايات في
منتصف هذا القرن ولكنها لم تكن قوية بالدرجة الكافية ثم عادت إلى الظهور هنا
وهناك، ولكنها ما زالت تحبو وهي في نقص كبير في المناهج والمربين، ومن
جهة أخرى فإن هذه المدارس وخاصة في أفريقيا وآسيا قليلة تغالبها مدراس التبشير
أو التي هي شبيهة بالتبشير، وإن أصقاعاً بعيدة مثل بلاد أوزبكستان وبقية تلك
الجمهوريات، لهي بأشد الحاجة إلى مدارس تعيد الأجيال إلى إسلامها، وتخرج
شباباً معافى من أمراض المجتمعات التي يعيشونها، أكثر من حاجتهم إلى أموال
توزع عليهم. وحاجتهم إلى الدعاة الذين يعلمونهم مثل حاجتهم إلى المدارس وكذلك
استثمار الأموال في الزراعة والصناعة، وقد سبقتنا (إسرائيل) إلى تلك المناطق
كما جاء في مقابلة مع (ديفيد كيمحي) حين قال: (لنا مصالح أكبر واهتمامات
أعظم في إقامة علاقات مع الجمهوريات الإسلامية، ونحن نشعر أنه بوسعنا أن نقدم
لهم المساعدة الاقتصادية) [٣] ، يجب أن نبدأ بهذه الأعمال بعيداً عن التمزق
والتشنج الذي يجتاح العالم الإسلامي، وبعيداً عن المكر والإبعاد الذي يمارس على
شخصية المسلم الثقافية.
إن العمل الهادئ القوي هو إعداد المناهج وإنشاء المدارس والجامعات، ولقد
استبشرنا بإنشاء أول مدرسة ومركز إسلامي في دولة ألبانيا، الخارجة للتو من
جحيم الشيوعية، ونقول لأصحاب الهمّ الإسلامي ولأصحاب العقول التي تخطط
لمستقبل، هذه هي (السياسة العليا) .
стр. 1332
في إشراقة آية
[إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً]
د. عبد الكريم بكار
في هذه الآية خير عظيم، إذ فيها البشارة لأهل الإيمان بأن للكرب نهاية مهما
طال أمده، وأن الظلمة تحمل في أحشائها الفجر المنتظر. وتلك الحالة من التعاقب
بين الأطوار والأوضاع المختلفة تنسجم مع الأحوال النفسية والمادية لبني البشر
والتي تتأرجح بين النجاح والانكسار والإقبال والإدبار، كما تنسجم مع صنوف
الابتلاء الذي هو شرعة الحياة وميسمها العام. وقد بثت هذه الآية الأمل في نفوس
الصحابة - رضوان الله عليهم- حيث رأوا في تكرارها توكيداً لوعود الله - عز
وجل - بتحسن الأحوال، فقال ابن مسعود: لو كان العسر في جحر لطلبه اليسر
حتى يدخل عليه. وذكر بعض أهل اللغة أن (العسر) معرّف بأل، و (يسراً) منكر، وأن العرب إذا أعادت ذكر المعرفة كانت عين الأولى، وإذا أعادت النكرة فكانت
الثانية غير الأولى [١] . وخرجوا على هذا قول ابن عباس: لن يغلب عسر
يسرين [٢] .
وفي الآية إشارة بديعة إلى اجتنان الفرج في الشدة والكربة مع أن الظاهر أن
الرخاء لا يزامن الشدة، وإنما يعقبها، وذلك لتطمين ذوي العسرة وتبشيرهم بقرب
انجلاء الكرب.
ونحن اليوم أحوج ما نكون إلى الاستبشار بهذه الآية حيث يرى المسلمون
الكثير من صنوف الإحباطات والهزائم وألوان القهر والنكد؛ مما أدى إلى سيادة
روح - التشاؤم واليأس، وصار الكثيرون يشعرون بانقطاع الحيلة والاستسلام
للظروف والمتغيرات. وأفرز هذا الوضع مقولات يمكن أن نسميها بـ (أدبيات
الطريق المسدود) ! هذه الأدبيات تتمثل بالشكوى الدائبة من كل شيء، من خذلان
الأصدقاء، ومن تآمر الأعداء، من تركة الآباء والأجداد، ومن تصرفات الأبناء
والأحفاد!
وهؤلاء المتأزمون يسلطون أشعة النقد دائماً نحو الخارج؛ فهم في ذات
أنفسهم على مايرام، وغيرهم هو الذي يفعل كل ما يحدث لهم! وإذا رأوا من يتجه
إلى الصيغ العملية بعيداً عن الرسم في الفراغ أطفؤوا حماسته بالقول: لن يدعوك
تعلم، ولن يدعوك تربي، ولن يدعوك تمسي عملاقاً، ولن يدعوك ...
وكل ذلك يفضي إلى متحارجة (كذا) تنطق بالصيرورة إلى العطالة والبطالة،
إلى أن يأتي المهدي، فيكونون من أنصاره أو يحدث الله - تعالى - لهم من أمره
فرجاً ومخرجاً!
ولعلنا نلخص الأسباب الدافعة إلى تلك الحالة البائسة فيما يلي:
١- التربية الخاصة الأولى التي يخضع لها الفرد:
وتلك التربية قد تقوم ببث روح التشاؤم واليأس من صلاح الزمان وأهله، كما
تقوم ببث نوع من العداء بينه وبين البيئة التي ينتمي إليها فإذا ما قطع أسبابه بها
وانعزل شعورياً بحث عن نوع من الانتماء الخاص إلى أسرة أو بلدة أو جماعة حتى
ينفي عنه الشعور بالاغتراب. لكن يكتشف أن ما كان يعتقد فيه المثالية، ويتشوق
إلى تحقيق أماله من خلاله لا يختلف عن غيره كثيراً، مما يورثه الإحباط واليأس
حيث يفقد الثقة بكل ما حوله وتكون النتيجة البرم والتأفف من كل شيء وردود
الأفعال السلبية تجاه التحديات المختلفة.
٢- التعامل مع الواقع على أنه كتلة صلدة:
يميل أكثر الناس إلى النظرة التبسيطية التي لا ترى لكل ظاهرة إلا سبباً
واحداً، ولا ترى في تركيبها إلا عنصراً واحداً. وهذه النظرة الخاطئة تفضي إلى
معضلة منهجية كبرى، هي عدم القدرة على تقسيم المشكلة موضع المعاناة إلى
أجزاء رئيسية وأخرى ثانوية، كما تؤدي إلى عدم القدرة على إدراك علاقات
السيطرة في الظاهرة الواحدة، وعدم القدرة بالتالي على تغييرها أو تبديل مواقعها.
والنتيجة النهائية هي الوقوف مشدوهين أمام مشكلة متكلسة مستبهمة لا نرى لها
بداية ولا نهاية، والمحصلة النهائية هي الاستسلام للضغوط وانتظار المفاجآت، مع
أننا لو باشرنا العمل الممكن اليوم لصار ما هو مستحيل اليوم ممكنا غداً.
٣- عدم الانتباه للعوامل الداخلية للمشكلة:
يندر أن نرى اليوم ظاهرة كبرى لا تخضع في وجودها واشتدادها واتجاهها
لعدد من العوامل الداخلية والخارجية، ويظل العامل الخارجي محدود التأثير ما لم
يستطع إزاحة أحد العوامل الداخلية والحلول محله. ونستطيع أن نطبق ذلك على
أية مشكلة كبرى نواجهها اليوم. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة الباهرة
حين قال: [وإن تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً] [آل عمران ١٢٠] .
والذي يحدث أننا كثيراً ما نبصر المؤثرات الخارجية - وهي مؤثرات قاهرة حقاً -
ونغض الطرف عن العوامل الداخلية؛ فنحن مثلاً لا نملك إقناع الأعداء بأن يخففوا
من غلوائهم في عدائنا، كما لا يملك بنو البشر جميعاً أن يمنعوا الثلوج من التساقط؛ لكن الذي نستطيعه هو تقوية أنفسنا حتى لا نكون لقمة سائغة، كما يفعل الناس
في مواجهة ظروف المناخ. لكن المشكلة أن أصعب أنواع المواجهات هي مواجهة
الذات، وأن أرقى أنواع الاكتشاف هي اكتشاف الذات!
٤- عدم إدراك حركة الجدل بين الأحوال:
تتعاقب الأحوال كما يتعاقب الليل والنهار، وما بعد رأس القمة إلا السفح وما
بعد السفح إلا القاع. وإن دفع أية قضية إلى حدودها القصوى سيؤدي في النهاية
إلى كسر ثورتها أو إنهائها بصورة تامة. وحين تصل تجربة أو نظرية أو منهج
إلى طريق مسدود فإن الناس لن يتلبثوا إلا قليلاً حتى يجدوا المخرج الذي قد يكون
مناسباً، وقد لا يكون.
وهنا يأتي دور الثلاثي النكد من الأذكياء والعملاء والبلهاء الذين يحاولون -
على اختلاف القصود - عدم وصول أي مشكلة إلى مرحلة الانفجار حتى تظل
مستمرة إلى ما لا نهاية! والمشكلات في عالمنا الإسلامي لم تدم تلك القرون
المتطاولة إلا نتيجة الهندسة الإخراجية لذلك الثلاثي! ! وهنا يأتي أيضاً دور
المفكرين الذين يمتلكون رؤية نقدية شاملة ينقلون من خلالها مشكلات مجتمعاتهم إلى
حس الناس وأعصابهم حتى لا يتكيف الناس معها سلبياً، وحتى يتاح بالتالي
تجاوزها.
[فإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً * إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً] ، وإن النصر مع الصبر وإن
الفرج مع الكرب، وإن في رحم كل ضائقة أجنة انفراجها ومفتاح حلها، وإن
لجميع ما نعانيه من أزمات حلولاً مناسبة إذا ما توفر لها عقل المهندس ومبضع
الجراح وحرقة الوالدة.. وعلى الله قصد السبيل.
стр. 1333
من نور النبوة
فوائد من حديث رسول الله
-ص لى الله عليه وسلم-
ستر الجعيد
الحديث:
روى مسلم عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد - شك الأعمش - قال: (لما
كانت غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة، قالوا: يا رسول الله لو أذنت لنا فنحرنا
نواضحنا فأكلنا وأدهنا، فقال رسول الله ﷺ : افعلوا.
قال: فجاء عمر، فقال: يا رسول الله إن فعلت قلّ الظهر، ولكن ادعهم
بفضل أزوادهم، ثم ادع الله لهم بالبركة لعل الله أن يجعل في ذلك، فقال رسول الله
ﷺ : نعم، قال: فدعا بنطع فبسطه، ثم دعا بفضل أزوادهم،
قال: فجعل الرجل يجيء بكف ذرة، ويجيء الآخر بكف تمر، قال: ويجيء
الآخر بكسرة، حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير. قال: فدعا رسول الله
ﷺ بالبركة ثم قال: خذوا في أوعيتكم، قال: فأخذوا في
أوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملأوه، قال: فأكلوا حتى شبعوا
وفضلت فضلة فقال رسول الله ﷺ : أشهد أن لا إله إلا الله
وأني رسول الله، لا يلقي الله بهما عبد غير شاك فيحجب عن الجنة) [١] .
فيه فوائد:
١- التربية على الأخذ بالأسباب.
٢- عمق تلك التربية.
٣- المشورة وقبولها.
٤- التراجع عن القرار ليس ضعفاً في القيادة.
٥- كثرة البذل والتضحية مع قلة الإمكانات فكيف بالعكس؟
٦- أهمية الربط بما يقوي الإيمان رغم حصول ما يستدعي ذلك فكيف في
غير هذا الموطن؟
٧- الإيمان بالمعجزات.
٨- عظم البركة والدعاء بها.
٩- قوة الضبط والتنفيذ في الجيش المسلم.
стр. 1334
أهمية المنهج
في العلوم والمعارف عامة
وفي علوم الشريعة خاصة
عثمان بن حسن
المنهج لغة من مادة نهج، ينهج نهجاً، وهو الطريق البين الواضح، ويطلق
على الطريق المستقيم. والمنهج، والنهج، والمنهاج: بمعنى واحد. وفي التنزيل
قوله (تعالى) : [لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومِنْهَاجاً] [المائدة ٤٨] . قال ابن عباس
﵄ : (سبيلاً وسنة) [١] وهو مروي عن مجاهد، وعكرمة، ...
والحسن البصري، وغيرهم. وروي عن ابن عباس (سنة وسبيلاً) ورجح ابن
كثير التفسير الأول؛ لظهوره في المعنى ومناسبته. وقال الحافظ بن حجر: (والمنهاج: السبيل، أي الطريق الواضح) . وفي الاصطلاح هو الطريق المؤدي
إلى التعرف على الحقيقة في العلوم؛ بواسطة طائفة من القواعد العامة؛ والتي
تهيمن على سير العقل، وتحدد عملياته؛ حتى يصل إلى نتيجة معلومة. وبعبارة
أوجز: هو القانون، أو القاعدة التي تحكم أي محاولة للدراسة العلمية، وفي أي
مجال. ومن ثم تختلف المناهج باختلاف العلوم التي تبحث فيها؛ فلكل علم منهج
يناسبه، مع وجود حد مشترك بين المناهج المختلفة، وقد تتعاون - وهو الغالب -
مجموعة من المناهج لخدمة ومعالجة فن واحد [٢] .
مما تقدم من تعريف للمنهج؛ يمكن القول: بأن علم المناهج علم بعدي؛
بمعنى أنه يقف من وراء العلوم؛ كي يحلل طرائقها ويحدد مسالكها. وعليه،
فالاشتغال بالقضايا العلمية، والمسائل التفصيلية في العلوم، غير الاشتغال بمسالك
تلك القضايا والمسائل، وكيفية ورودها على هذه الحال، أو تلك الحال، ومعرفة
مصادرها، وأدلتها؛ وهو ما يسمى عند المحدثين من العلماء بفلسفة العلوم [٢] .
أهمية المنهج في العلوم:
نشأت الحاجة - في أوربا - إلى تأصيل العلوم وتحديد مناهجها بعد
الاضطراب الشديد الذي صاحب الفكر الأوربي منذ أمد بعيد، وحتى عصر النهضة (القرن السادس عشر الميلادي) ؛ حيث ساد المنطق اليوناني في تلك الفترة، وكان ...
منهجاً - في التفكير- عقيماً، لا يأتي بجديد؛ مما كان له أكبر الأثر في تعطيل
العلوم والمعارف قروناً متطاولة. حتى اهتدى الأوربيون إلى المنهج الاستقرائي
التجريبي في العلوم؛ وذلك بفضل اطلاعهم على تراث المسلمين العلمي،
واحتكاكهم به، واستفادتهم منه بصورة مباشرة مما ساعد - بل كان له أكبر الأثر -
على تقدم العلوم وازدهارها عندهم [٣] .
إن مشكلة المنهج هي مشكلة العلم في صميمه؛ ذلك أن شرط قيام العلم وتقدمه، أن تكون هناك طريقة صحيحة تطوى تحتها شتات الوقائع، والمفردات المبعثرة
هنا وهناك، بغية تفسير ما قد يوجد بينها من روابط أو علاقات، تنظمها قوانين
محددة. وإن تأخر العلوم ناشيء - في العادة - عن تأخر المناهج؛ بمعنى أن لا
تكون هناك مناهج محددة وواضحة، ومتفق عليها؛ فيسير كل عالم - في فنه -
على غير هدى وبصيرة يخبط خبط عشواء، دون أن يصل إلى نتيجة مفيدة؛
فتتعارض القضايا، وتضطرب المسائل.
فتقدم العلم وتأخره مرتهن بمسألة المنهج، يدور معها وجوداً وعدماً، ولذا
يمكن أن يقال: إن المنهج يحفظ للعلم نظامه واتساقه، كما إنه يضبط العقل البشري، والأعمال الذهنية، بقواعد ثابتة، بحيث تعينه على الوصول إلى الحقيقة فيما
يبحثه من موضوعات. ويتضح الأمر بذكر أمثلة عليه.
ففي مجال العربية تجلت أهمية المنهج؛ وذلك حينما خالط المسلمين غيرهم
من أمم الأعاجم؛ فبدأ اللحن يزحف إلى اللسان العربي، الذي هو وسيلة فهم
الكتاب والسنة، فانتدب أمير الؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أبا
الأسود الدؤلي، ليقعّد للناس ما يحفظون به لسانهم من الفساد [٤] . قال ابن خلدون: ... (وخشي أهل الحلوم منهم، أن تفسد تلك الملكة رأساً، ويطول العهد؛ فينغلق ...
القرآن والحديث على الفهوم؛ فاستنبطوا من مجاري كلامهم، قوانين لتلك الملكة،
مطردة، شبه الكليات والقواعد؛ يقيسون عليها سائر أنواع الكلام، ويلحقون الأشباه
منها بالأشباه، مثل: أن الفاعل مرفوع، والمفعول منصوب، والمبتدأ
مرفوع) [٥] وقال ﵀ في موضع آخر: (وحين كان الكلام ملكة لأهله، لم تكن هذه (النحو والصرف) علوماً، ولا قوانين، ولم يكن الفقيه حينئذ يحتاج إليها؛ لأنها جبلته وملكته، فلما فسدت الملكة في لسان العرب؛ قيدها الجهابذة المتجردون لذلك بنقل صحيح، ومقاييس مستنبطة صحيحة، وصارت علوماً يحتاج إليها الفقيه في معرفة أحكام الله (تعالى)) .
فنشأت علوم العربية، محافظة على صحة اللسان، وصيانة له من اللحن؛
فكانت علوم النحو والصرف، وما يسمى بفقه اللغة، الذي هو عبارة عن علم
يحاول الكشف عن أسرار اللغة، والوقوف (على القوانين التي تسير عليها في
حياتها [٦] .
ولما ضعفت - في الناس - العربية، وكثرت الوقائع والأحداث، واحتاج
العلماء إلى معرفة أحكامها الشرعية، وقد تعددت طرق الاجتهاد، والاستنباط،
وادعى الاجتهاد، والفقه في الدين، من ليس من أهله؛ احتاج المسلمون إلى
تأصيل الفقه وتقعيده، وبيان مصادر الأحكام وأدلتها، ومعرفة حجية الأدلة،
ومراتبها في الاستدلال، وشروط هذا الاستدلال، وتحديد مناهج الاجتهاد،
والاستنباط؛ بحيث يسير المجتهد على هديها عند تعرفه على الأحكام من أدلتها
التفصيلية، وهو ما يعرف بأصول الفقه.
قال الفخر الرازي: (الناس كانوا قبل الإمام الشافعي ﵁ يتكلمون
في مسائل أصول الفقه ويستدلون، ويعترضون، ولكن ما كان لهم قانون كلي
مرجوع إليه في معرفة دلائل الشريعة، وفي كيفية معارضاتها وترجيحاتها،
فاستنبط الشافعي (رحمه الله تعالى) علم أصول الفقه، ووضع للخلق قانوناً كلياً
يرجع إليه في معرفة مراتب أدلة الشرع) [٧] وقال ابن خلدون: (واحتاج الفقهاء ...
والمحدثون إلى تحصيل هذه القوانين، والقواعد؛ لاستفادة الأحكام من الأدلة
فكتبوها فناً قائماً برأسه سموه: أصول الفقه) [٨] . وفائدة هذا العلم العظيم: أن يتمكن المجتهد من الحصول على قدرة، يستطيع بها استخراج الأحكام الشرعية من أدلتها، على أسس علمية صحيحة [٩] .
ولما ظهر الوضع في الحديث، وضعفت الهمم عن الحفظ والرواية؛ احتاج
العلماء إلى تدوين قواعد ومناهج، تعرف بها أقوال النبي _صلى الله عليه وسلم-،
وأفعاله وأحواله، وضبطها، وتحرر ألفاظها، ومعرفة أحوال رواتها، وطبقاتهم،
وأصناف مروياتهم، إلى غير ذلك مما يتصل بهذا العلم؛ مما يساعد على معرفة
حال الحديث: سنداً ومتناً، من حيث القبول والرد. وبذلك يعرف صحيح الحديث من سقيمه، ومرفوعه من موقوفه.. وهذا العلم فن أبرز ما يفتخر به المسلمون على غيرهم من الأمم؛ لدقته في أصوله ومسائله [١٠] . وكذلك قعّد العلماء في مناهج لتفسير القرآن الكريم؛ على نحو ما فعل شيخ الإسلام ابن تيمية وتابعه في ذلك ابن كثير.
قال ابن تيمية - وهو يعرف بأصول التفسير -: (قواعد كلية تعين على فهم
القرآن، ومعرفة تفسيره ومعانيه، والتمييز في منقول ذلك ومعقوله بين الحق
وأنواع الأباطيل..) [١١] .
أما في مجال العلوم الطبيعية فقد اعتمد العلماء المنهج الاستقرائي؛ الذي يقوم
على أسس علمية ثابتة، تتمثل في ثلاث مراحل رئيسة: [١٢]
١- مرحلة البحث: وتتم عن طريقي الملاحظة والتجربة.
٢- مرحلة الفرض: وفيها يفترض الباحث وجود علاقة ما بين الظواهر التي
تجري عليها تجاربه.
٣- مرحلة البرهان: وفيها يتحقق الباحث من صدق ما افترضه سابقاً؛
بحيث يتأكد من أن العلاقة التي لاحظها في مرحلة الفرض، علاقة صحيحة، وأنها
تنطبق على جميع الظواهر المماثلة للأفراد التي يدرسها. وبعدها يستطيع إصدار
حكم عام، يشمل ما وقع تحت الملاحظة والتجريب، وما لم يقع؛ لما يوجد بينها
من التشابه..
ومن ثم تتقدم العلوم بفضل هذا المنهج الذي يكشف عن القوانين التي تنتظم
الظواهر، ومعرفة ما قد يربط بينها من علاقات.
ومن هنا تتضح أهمية المنهج في ضبط العلوم، وتحديد أهدافها، وطرائقها،
بحيث لا تضطرب القضايا، وتتعارض المسائل، مما يساعد على تقدم العلوم،
وحفظها من الدخيل والشاذ، وصونها من الضياع والاختلاف، كما ويشترط أن
يكون المنهج واضح المعالم بيّن القسمات، بحيث يسير الباحث على هدى،
وبصيرة؛ يعرف أين يقف، وإلى أين يتجه.
стр. 1335
خواطر في الدعوة
درس من السيرة
محمد العبدة
مرت الدعوة الإسلامية في طورها الأول بتجربة قاسية، فقد امتحن الصحابة
الكرام وابتلوا بلاء شديداً، كما وقع لبلال وعمار وخباب ﵃
أجمعين-، وهذا الابتلاء لا بد منه في الدعوات، حتى تصقل ويقوى عودها،
ويزداد رجالها خبرة وتجربة وتمرساً في الحياة، فإذا مكن لهم في الأرض كانوا
على قدر المهمة المناطة بهم. وحتى لا تكون المحنة أقسى مما يتحمله بشر، فعندئذ
قد يتسرب اليأس والقنوط إلى النفوس، كان رسول الله ﷺ
يخفف من آلام أصحابه، ويدعوهم إلى الصبر، ويذكرهم بما وقع للمؤمنين من
قبلهم، ويبشرهم بأن سيكون بعد الضيق فرج بإذن الله، فكانت كلماته برداً وسلاماً
على قلوبهم، وكان رسول الله ﷺ - وهو الرحمة المهداة -
يبحث عن مخرج لهذه المحنة، فأشار على أصحابه بالهجرة إلى الحبشة، فهاجر
من هاجر في المرتين، وعاشوا هناك آمنين مطمئنين يعبدون الله دون خوف أو
أذى، واستمر رسول الله ﷺ يبحث عن مخرج وفسحة أكبر
من الحبشة، حتى تأذّن الله بالفرج وذلك بإسلام نفر من أهل المدينة، ثم كانت
الهجرة الكبرى ثم كانت الدولة.
ابتلي المسلمون في هذه الأيام بلاء كبيراً، ورماهم الغرب وأتباعه عن قوس
واحدة، وقامت قيامة الإعلام عليهم. ينبزهم بألقاب هم بريئون منها، ويؤزون
عليهم من يكره الإسلام وأهله، ويحرضون عليهم السفلة ورعاع الناس.
والابتلاء إذا كان قاسياً قد يحطم الفرد، ويجعله في حالة شلل تام، بل قد
يحطم المجتمع إذا لم يكن متماسكاً وعلى درجة عالية من الأخوة والتناصر، وحتى
ذلك أو قبل أن يحدث ذلك فإن البحث عن مخرج لهذه الفتن المتلاحقة هو من مهمة
القيادات الواعية، والدعاة الصادقين، والعلماء العاملين، لا بد أن يرى الشباب
بصيصاً من الأمل، وبشارة بقرب زوال هذا الليل الذي طال وناء بكلكله على
صدور المسلمين، لا بد من عمل كبير، واجتهاد صحيح في كيفية التغيير، وإن
فقدان العلماء - الذين هم على معرفة بالواقع وعلى ارتباط به والذين يجتهدون لكل
حادثة، ويكون لهم تأثير كبير وفعال - يضر كثيراً بالعمل الإسلامي، ويجعل
الأصاغر يجتهدون ويخربون ولو كان ذلك بحسن نية. فهل من مبادرات لسد هذه
الثغرة، وحتى لا يقع المحذور.