← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

الافتتاحية السياسة العليا رئيس التحرير عندما بدأ الغرب مشروعه الاستعماري لإحكام السيطرة على العالم الإسلامي، وشد أنشوطة الحبل حول عنقه - كما عبر توينبي - كان قد مهد لهذا بأخبث الأساليب وأمكرها. وهي تغيير عقل المسلم وإزاحة الثقافة الإسلامية، ووضع المناهج المناسبة، وتأسيس المدارس والجامعات فنشأت أجيال مهزومة من الداخل، مهزوزة الشخصية، كانت وما زالت دماراً ووبالاً على الأمة. جاء في مجلة (العالم الإسلامي) الفرنسية: (إن المدارس التي أنشأها ... المبشرون في الآستانة وغيرها من البلاد العثمانية، قد كان تأثيرها في حل المسألة الشرقية أعظم من عمل جميع سفراء الدول ومعتمديهم السياسيين) [١] ، وقال اللورد سالسبوري: (إن مدارس المبشرين أول خطوة من خطوات الاستعمار، فهي ... تحدث في البلاد التي تنشأ فيها انقساماً وتفريقاً بين أهلها، يفقدون بها وحدتهم، ... فيكونون عوناً للمستعمر على أنفسهم) [٢] . إذا كان الغرب قد اتخذ التعليم والمناهج منطلقاً له في مشروعه الاستعماري، فلماذا لا يبدأ المسلمون رحلة العودة والتجديد، ورحلة البناء والقوة من هذا المنطلق، وعندما نتكلم عن المناهج، فلا نعني المناهج المقررة في المدارس فقط، فهذه قد يكون من الصعوبة تغييرها أحياناً، وإنما نعني المناهج العلمية التربوية بشكل عام. فمثل هذه إذا خرجت للوجود فسوف تستفيد منها المدارس الخاصة، والأسرة المسلمة، والمسجد والمركز الإسلامي. هذه الأعمال من البديهيات إذا أمعنا النظر فيها، وهي لا تكلف المسلمين عناء ومشقة، إذا قيست بما يجب عليهم من الأعمال الكبيرة، ولكننا مع الأسف لم نقم بها، لأن مرض السهولة، والبقاء في دائرة العموميات جعلنا نستصعب مثل هذه الأمور، والأمثلة كثيرة: (السيرة النبوية، العقيدة الإسلامية، اللغة العربية) ، هل وضعنا المناهج المناسبة للأطفال، وللناشئة، ... وللشباب، وبأسلوب بسيط وشيق، يتناسب مع أعمارهم وعقولهم وثقافتهم، أم أن مرض السهولة جعلنا نختار أي كتاب لنقرره منهجاً، وقد يكون الكتاب جيداً ولكنه لا يتناسب مع عمر الطفل وثقافته. ثم نأتي إلى المدارس الإسلامية، والمعاهد التربوية، والتي عليها مدار تخريج أجيال لا تحمل بين جوانحها أمراض التخلف والتبعية، تنشأ إنشاء على حب هذا الدين وعلى الاستقلالية والثقة بالنفس، هذه المدارس كان لها بدايات في منتصف هذا القرن ولكنها لم تكن قوية بالدرجة الكافية ثم عادت إلى الظهور هنا وهناك، ولكنها ما زالت تحبو وهي في نقص كبير في المناهج والمربين، ومن جهة أخرى فإن هذه المدارس وخاصة في أفريقيا وآسيا قليلة تغالبها مدراس التبشير أو التي هي شبيهة بالتبشير، وإن أصقاعاً بعيدة مثل بلاد أوزبكستان وبقية تلك الجمهوريات، لهي بأشد الحاجة إلى مدارس تعيد الأجيال إلى إسلامها، وتخرج شباباً معافى من أمراض المجتمعات التي يعيشونها، أكثر من حاجتهم إلى أموال توزع عليهم. وحاجتهم إلى الدعاة الذين يعلمونهم مثل حاجتهم إلى المدارس وكذلك استثمار الأموال في الزراعة والصناعة، وقد سبقتنا (إسرائيل) إلى تلك المناطق كما جاء في مقابلة مع (ديفيد كيمحي) حين قال: (لنا مصالح أكبر واهتمامات أعظم في إقامة علاقات مع الجمهوريات الإسلامية، ونحن نشعر أنه بوسعنا أن نقدم لهم المساعدة الاقتصادية) [٣] ، يجب أن نبدأ بهذه الأعمال بعيداً عن التمزق والتشنج الذي يجتاح العالم الإسلامي، وبعيداً عن المكر والإبعاد الذي يمارس على شخصية المسلم الثقافية. إن العمل الهادئ القوي هو إعداد المناهج وإنشاء المدارس والجامعات، ولقد استبشرنا بإنشاء أول مدرسة ومركز إسلامي في دولة ألبانيا، الخارجة للتو من جحيم الشيوعية، ونقول لأصحاب الهمّ الإسلامي ولأصحاب العقول التي تخطط لمستقبل، هذه هي (السياسة العليا) .

стр. 1332

في إشراقة آية [إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً] د. عبد الكريم بكار في هذه الآية خير عظيم، إذ فيها البشارة لأهل الإيمان بأن للكرب نهاية مهما طال أمده، وأن الظلمة تحمل في أحشائها الفجر المنتظر. وتلك الحالة من التعاقب بين الأطوار والأوضاع المختلفة تنسجم مع الأحوال النفسية والمادية لبني البشر والتي تتأرجح بين النجاح والانكسار والإقبال والإدبار، كما تنسجم مع صنوف الابتلاء الذي هو شرعة الحياة وميسمها العام. وقد بثت هذه الآية الأمل في نفوس الصحابة - رضوان الله عليهم- حيث رأوا في تكرارها توكيداً لوعود الله - عز وجل - بتحسن الأحوال، فقال ابن مسعود: لو كان العسر في جحر لطلبه اليسر حتى يدخل عليه. وذكر بعض أهل اللغة أن (العسر) معرّف بأل، و (يسراً) منكر، وأن العرب إذا أعادت ذكر المعرفة كانت عين الأولى، وإذا أعادت النكرة فكانت الثانية غير الأولى [١] . وخرجوا على هذا قول ابن عباس: لن يغلب عسر يسرين [٢] . وفي الآية إشارة بديعة إلى اجتنان الفرج في الشدة والكربة مع أن الظاهر أن الرخاء لا يزامن الشدة، وإنما يعقبها، وذلك لتطمين ذوي العسرة وتبشيرهم بقرب انجلاء الكرب. ونحن اليوم أحوج ما نكون إلى الاستبشار بهذه الآية حيث يرى المسلمون الكثير من صنوف الإحباطات والهزائم وألوان القهر والنكد؛ مما أدى إلى سيادة روح - التشاؤم واليأس، وصار الكثيرون يشعرون بانقطاع الحيلة والاستسلام للظروف والمتغيرات. وأفرز هذا الوضع مقولات يمكن أن نسميها بـ (أدبيات الطريق المسدود) ! هذه الأدبيات تتمثل بالشكوى الدائبة من كل شيء، من خذلان الأصدقاء، ومن تآمر الأعداء، من تركة الآباء والأجداد، ومن تصرفات الأبناء والأحفاد! وهؤلاء المتأزمون يسلطون أشعة النقد دائماً نحو الخارج؛ فهم في ذات أنفسهم على مايرام، وغيرهم هو الذي يفعل كل ما يحدث لهم! وإذا رأوا من يتجه إلى الصيغ العملية بعيداً عن الرسم في الفراغ أطفؤوا حماسته بالقول: لن يدعوك تعلم، ولن يدعوك تربي، ولن يدعوك تمسي عملاقاً، ولن يدعوك ... وكل ذلك يفضي إلى متحارجة (كذا) تنطق بالصيرورة إلى العطالة والبطالة، إلى أن يأتي المهدي، فيكونون من أنصاره أو يحدث الله - تعالى - لهم من أمره فرجاً ومخرجاً! ولعلنا نلخص الأسباب الدافعة إلى تلك الحالة البائسة فيما يلي: ١- التربية الخاصة الأولى التي يخضع لها الفرد: وتلك التربية قد تقوم ببث روح التشاؤم واليأس من صلاح الزمان وأهله، كما تقوم ببث نوع من العداء بينه وبين البيئة التي ينتمي إليها فإذا ما قطع أسبابه بها وانعزل شعورياً بحث عن نوع من الانتماء الخاص إلى أسرة أو بلدة أو جماعة حتى ينفي عنه الشعور بالاغتراب. لكن يكتشف أن ما كان يعتقد فيه المثالية، ويتشوق إلى تحقيق أماله من خلاله لا يختلف عن غيره كثيراً، مما يورثه الإحباط واليأس حيث يفقد الثقة بكل ما حوله وتكون النتيجة البرم والتأفف من كل شيء وردود الأفعال السلبية تجاه التحديات المختلفة. ٢- التعامل مع الواقع على أنه كتلة صلدة: يميل أكثر الناس إلى النظرة التبسيطية التي لا ترى لكل ظاهرة إلا سبباً واحداً، ولا ترى في تركيبها إلا عنصراً واحداً. وهذه النظرة الخاطئة تفضي إلى معضلة منهجية كبرى، هي عدم القدرة على تقسيم المشكلة موضع المعاناة إلى أجزاء رئيسية وأخرى ثانوية، كما تؤدي إلى عدم القدرة على إدراك علاقات السيطرة في الظاهرة الواحدة، وعدم القدرة بالتالي على تغييرها أو تبديل مواقعها. والنتيجة النهائية هي الوقوف مشدوهين أمام مشكلة متكلسة مستبهمة لا نرى لها بداية ولا نهاية، والمحصلة النهائية هي الاستسلام للضغوط وانتظار المفاجآت، مع أننا لو باشرنا العمل الممكن اليوم لصار ما هو مستحيل اليوم ممكنا غداً. ٣- عدم الانتباه للعوامل الداخلية للمشكلة: يندر أن نرى اليوم ظاهرة كبرى لا تخضع في وجودها واشتدادها واتجاهها لعدد من العوامل الداخلية والخارجية، ويظل العامل الخارجي محدود التأثير ما لم يستطع إزاحة أحد العوامل الداخلية والحلول محله. ونستطيع أن نطبق ذلك على أية مشكلة كبرى نواجهها اليوم. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة الباهرة حين قال: [وإن تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً] [آل عمران ١٢٠] . والذي يحدث أننا كثيراً ما نبصر المؤثرات الخارجية - وهي مؤثرات قاهرة حقاً - ونغض الطرف عن العوامل الداخلية؛ فنحن مثلاً لا نملك إقناع الأعداء بأن يخففوا من غلوائهم في عدائنا، كما لا يملك بنو البشر جميعاً أن يمنعوا الثلوج من التساقط؛ لكن الذي نستطيعه هو تقوية أنفسنا حتى لا نكون لقمة سائغة، كما يفعل الناس في مواجهة ظروف المناخ. لكن المشكلة أن أصعب أنواع المواجهات هي مواجهة الذات، وأن أرقى أنواع الاكتشاف هي اكتشاف الذات! ٤- عدم إدراك حركة الجدل بين الأحوال: تتعاقب الأحوال كما يتعاقب الليل والنهار، وما بعد رأس القمة إلا السفح وما بعد السفح إلا القاع. وإن دفع أية قضية إلى حدودها القصوى سيؤدي في النهاية إلى كسر ثورتها أو إنهائها بصورة تامة. وحين تصل تجربة أو نظرية أو منهج إلى طريق مسدود فإن الناس لن يتلبثوا إلا قليلاً حتى يجدوا المخرج الذي قد يكون مناسباً، وقد لا يكون. وهنا يأتي دور الثلاثي النكد من الأذكياء والعملاء والبلهاء الذين يحاولون - على اختلاف القصود - عدم وصول أي مشكلة إلى مرحلة الانفجار حتى تظل مستمرة إلى ما لا نهاية! والمشكلات في عالمنا الإسلامي لم تدم تلك القرون المتطاولة إلا نتيجة الهندسة الإخراجية لذلك الثلاثي! ! وهنا يأتي أيضاً دور المفكرين الذين يمتلكون رؤية نقدية شاملة ينقلون من خلالها مشكلات مجتمعاتهم إلى حس الناس وأعصابهم حتى لا يتكيف الناس معها سلبياً، وحتى يتاح بالتالي تجاوزها. [فإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً * إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً] ، وإن النصر مع الصبر وإن الفرج مع الكرب، وإن في رحم كل ضائقة أجنة انفراجها ومفتاح حلها، وإن لجميع ما نعانيه من أزمات حلولاً مناسبة إذا ما توفر لها عقل المهندس ومبضع الجراح وحرقة الوالدة.. وعلى الله قصد السبيل.

стр. 1333

من نور النبوة فوائد من حديث رسول الله -ص لى الله عليه وسلم- ستر الجعيد الحديث: روى مسلم عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد - شك الأعمش - قال: (لما كانت غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة، قالوا: يا رسول الله لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا فأكلنا وأدهنا، فقال رسول الله ﷺ : افعلوا. قال: فجاء عمر، فقال: يا رسول الله إن فعلت قلّ الظهر، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم، ثم ادع الله لهم بالبركة لعل الله أن يجعل في ذلك، فقال رسول الله ﷺ : نعم، قال: فدعا بنطع فبسطه، ثم دعا بفضل أزوادهم، قال: فجعل الرجل يجيء بكف ذرة، ويجيء الآخر بكف تمر، قال: ويجيء الآخر بكسرة، حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير. قال: فدعا رسول الله ﷺ بالبركة ثم قال: خذوا في أوعيتكم، قال: فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملأوه، قال: فأكلوا حتى شبعوا وفضلت فضلة فقال رسول الله ﷺ : أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقي الله بهما عبد غير شاك فيحجب عن الجنة) [١] . فيه فوائد: ١- التربية على الأخذ بالأسباب. ٢- عمق تلك التربية. ٣- المشورة وقبولها. ٤- التراجع عن القرار ليس ضعفاً في القيادة. ٥- كثرة البذل والتضحية مع قلة الإمكانات فكيف بالعكس؟ ٦- أهمية الربط بما يقوي الإيمان رغم حصول ما يستدعي ذلك فكيف في غير هذا الموطن؟ ٧- الإيمان بالمعجزات. ٨- عظم البركة والدعاء بها. ٩- قوة الضبط والتنفيذ في الجيش المسلم.

стр. 1334

أهمية المنهج في العلوم والمعارف عامة وفي علوم الشريعة خاصة عثمان بن حسن المنهج لغة من مادة نهج، ينهج نهجاً، وهو الطريق البين الواضح، ويطلق على الطريق المستقيم. والمنهج، والنهج، والمنهاج: بمعنى واحد. وفي التنزيل قوله (تعالى) : [لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومِنْهَاجاً] [المائدة ٤٨] . قال ابن عباس ﵄ : (سبيلاً وسنة) [١] وهو مروي عن مجاهد، وعكرمة، ... والحسن البصري، وغيرهم. وروي عن ابن عباس (سنة وسبيلاً) ورجح ابن كثير التفسير الأول؛ لظهوره في المعنى ومناسبته. وقال الحافظ بن حجر: (والمنهاج: السبيل، أي الطريق الواضح) . وفي الاصطلاح هو الطريق المؤدي إلى التعرف على الحقيقة في العلوم؛ بواسطة طائفة من القواعد العامة؛ والتي تهيمن على سير العقل، وتحدد عملياته؛ حتى يصل إلى نتيجة معلومة. وبعبارة أوجز: هو القانون، أو القاعدة التي تحكم أي محاولة للدراسة العلمية، وفي أي مجال. ومن ثم تختلف المناهج باختلاف العلوم التي تبحث فيها؛ فلكل علم منهج يناسبه، مع وجود حد مشترك بين المناهج المختلفة، وقد تتعاون - وهو الغالب - مجموعة من المناهج لخدمة ومعالجة فن واحد [٢] . مما تقدم من تعريف للمنهج؛ يمكن القول: بأن علم المناهج علم بعدي؛ بمعنى أنه يقف من وراء العلوم؛ كي يحلل طرائقها ويحدد مسالكها. وعليه، فالاشتغال بالقضايا العلمية، والمسائل التفصيلية في العلوم، غير الاشتغال بمسالك تلك القضايا والمسائل، وكيفية ورودها على هذه الحال، أو تلك الحال، ومعرفة مصادرها، وأدلتها؛ وهو ما يسمى عند المحدثين من العلماء بفلسفة العلوم [٢] . أهمية المنهج في العلوم: نشأت الحاجة - في أوربا - إلى تأصيل العلوم وتحديد مناهجها بعد الاضطراب الشديد الذي صاحب الفكر الأوربي منذ أمد بعيد، وحتى عصر النهضة (القرن السادس عشر الميلادي) ؛ حيث ساد المنطق اليوناني في تلك الفترة، وكان ... منهجاً - في التفكير- عقيماً، لا يأتي بجديد؛ مما كان له أكبر الأثر في تعطيل العلوم والمعارف قروناً متطاولة. حتى اهتدى الأوربيون إلى المنهج الاستقرائي التجريبي في العلوم؛ وذلك بفضل اطلاعهم على تراث المسلمين العلمي، واحتكاكهم به، واستفادتهم منه بصورة مباشرة مما ساعد - بل كان له أكبر الأثر - على تقدم العلوم وازدهارها عندهم [٣] . إن مشكلة المنهج هي مشكلة العلم في صميمه؛ ذلك أن شرط قيام العلم وتقدمه، أن تكون هناك طريقة صحيحة تطوى تحتها شتات الوقائع، والمفردات المبعثرة هنا وهناك، بغية تفسير ما قد يوجد بينها من روابط أو علاقات، تنظمها قوانين محددة. وإن تأخر العلوم ناشيء - في العادة - عن تأخر المناهج؛ بمعنى أن لا تكون هناك مناهج محددة وواضحة، ومتفق عليها؛ فيسير كل عالم - في فنه - على غير هدى وبصيرة يخبط خبط عشواء، دون أن يصل إلى نتيجة مفيدة؛ فتتعارض القضايا، وتضطرب المسائل. فتقدم العلم وتأخره مرتهن بمسألة المنهج، يدور معها وجوداً وعدماً، ولذا يمكن أن يقال: إن المنهج يحفظ للعلم نظامه واتساقه، كما إنه يضبط العقل البشري، والأعمال الذهنية، بقواعد ثابتة، بحيث تعينه على الوصول إلى الحقيقة فيما يبحثه من موضوعات. ويتضح الأمر بذكر أمثلة عليه. ففي مجال العربية تجلت أهمية المنهج؛ وذلك حينما خالط المسلمين غيرهم من أمم الأعاجم؛ فبدأ اللحن يزحف إلى اللسان العربي، الذي هو وسيلة فهم الكتاب والسنة، فانتدب أمير الؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أبا الأسود الدؤلي، ليقعّد للناس ما يحفظون به لسانهم من الفساد [٤] . قال ابن خلدون: ... (وخشي أهل الحلوم منهم، أن تفسد تلك الملكة رأساً، ويطول العهد؛ فينغلق ... القرآن والحديث على الفهوم؛ فاستنبطوا من مجاري كلامهم، قوانين لتلك الملكة، مطردة، شبه الكليات والقواعد؛ يقيسون عليها سائر أنواع الكلام، ويلحقون الأشباه منها بالأشباه، مثل: أن الفاعل مرفوع، والمفعول منصوب، والمبتدأ مرفوع) [٥] وقال ﵀ في موضع آخر: (وحين كان الكلام ملكة لأهله، لم تكن هذه (النحو والصرف) علوماً، ولا قوانين، ولم يكن الفقيه حينئذ يحتاج إليها؛ لأنها جبلته وملكته، فلما فسدت الملكة في لسان العرب؛ قيدها الجهابذة المتجردون لذلك بنقل صحيح، ومقاييس مستنبطة صحيحة، وصارت علوماً يحتاج إليها الفقيه في معرفة أحكام الله (تعالى)) . فنشأت علوم العربية، محافظة على صحة اللسان، وصيانة له من اللحن؛ فكانت علوم النحو والصرف، وما يسمى بفقه اللغة، الذي هو عبارة عن علم يحاول الكشف عن أسرار اللغة، والوقوف (على القوانين التي تسير عليها في حياتها [٦] . ولما ضعفت - في الناس - العربية، وكثرت الوقائع والأحداث، واحتاج العلماء إلى معرفة أحكامها الشرعية، وقد تعددت طرق الاجتهاد، والاستنباط، وادعى الاجتهاد، والفقه في الدين، من ليس من أهله؛ احتاج المسلمون إلى تأصيل الفقه وتقعيده، وبيان مصادر الأحكام وأدلتها، ومعرفة حجية الأدلة، ومراتبها في الاستدلال، وشروط هذا الاستدلال، وتحديد مناهج الاجتهاد، والاستنباط؛ بحيث يسير المجتهد على هديها عند تعرفه على الأحكام من أدلتها التفصيلية، وهو ما يعرف بأصول الفقه. قال الفخر الرازي: (الناس كانوا قبل الإمام الشافعي ﵁ يتكلمون في مسائل أصول الفقه ويستدلون، ويعترضون، ولكن ما كان لهم قانون كلي مرجوع إليه في معرفة دلائل الشريعة، وفي كيفية معارضاتها وترجيحاتها، فاستنبط الشافعي (رحمه الله تعالى) علم أصول الفقه، ووضع للخلق قانوناً كلياً يرجع إليه في معرفة مراتب أدلة الشرع) [٧] وقال ابن خلدون: (واحتاج الفقهاء ... والمحدثون إلى تحصيل هذه القوانين، والقواعد؛ لاستفادة الأحكام من الأدلة فكتبوها فناً قائماً برأسه سموه: أصول الفقه) [٨] . وفائدة هذا العلم العظيم: أن يتمكن المجتهد من الحصول على قدرة، يستطيع بها استخراج الأحكام الشرعية من أدلتها، على أسس علمية صحيحة [٩] . ولما ظهر الوضع في الحديث، وضعفت الهمم عن الحفظ والرواية؛ احتاج العلماء إلى تدوين قواعد ومناهج، تعرف بها أقوال النبي _صلى الله عليه وسلم-، وأفعاله وأحواله، وضبطها، وتحرر ألفاظها، ومعرفة أحوال رواتها، وطبقاتهم، وأصناف مروياتهم، إلى غير ذلك مما يتصل بهذا العلم؛ مما يساعد على معرفة حال الحديث: سنداً ومتناً، من حيث القبول والرد. وبذلك يعرف صحيح الحديث من سقيمه، ومرفوعه من موقوفه.. وهذا العلم فن أبرز ما يفتخر به المسلمون على غيرهم من الأمم؛ لدقته في أصوله ومسائله [١٠] . وكذلك قعّد العلماء في مناهج لتفسير القرآن الكريم؛ على نحو ما فعل شيخ الإسلام ابن تيمية وتابعه في ذلك ابن كثير. قال ابن تيمية - وهو يعرف بأصول التفسير -: (قواعد كلية تعين على فهم القرآن، ومعرفة تفسيره ومعانيه، والتمييز في منقول ذلك ومعقوله بين الحق وأنواع الأباطيل..) [١١] . أما في مجال العلوم الطبيعية فقد اعتمد العلماء المنهج الاستقرائي؛ الذي يقوم على أسس علمية ثابتة، تتمثل في ثلاث مراحل رئيسة: [١٢] ١- مرحلة البحث: وتتم عن طريقي الملاحظة والتجربة. ٢- مرحلة الفرض: وفيها يفترض الباحث وجود علاقة ما بين الظواهر التي تجري عليها تجاربه. ٣- مرحلة البرهان: وفيها يتحقق الباحث من صدق ما افترضه سابقاً؛ بحيث يتأكد من أن العلاقة التي لاحظها في مرحلة الفرض، علاقة صحيحة، وأنها تنطبق على جميع الظواهر المماثلة للأفراد التي يدرسها. وبعدها يستطيع إصدار حكم عام، يشمل ما وقع تحت الملاحظة والتجريب، وما لم يقع؛ لما يوجد بينها من التشابه.. ومن ثم تتقدم العلوم بفضل هذا المنهج الذي يكشف عن القوانين التي تنتظم الظواهر، ومعرفة ما قد يربط بينها من علاقات. ومن هنا تتضح أهمية المنهج في ضبط العلوم، وتحديد أهدافها، وطرائقها، بحيث لا تضطرب القضايا، وتتعارض المسائل، مما يساعد على تقدم العلوم، وحفظها من الدخيل والشاذ، وصونها من الضياع والاختلاف، كما ويشترط أن يكون المنهج واضح المعالم بيّن القسمات، بحيث يسير الباحث على هدى، وبصيرة؛ يعرف أين يقف، وإلى أين يتجه.

стр. 1335

خواطر في الدعوة درس من السيرة محمد العبدة مرت الدعوة الإسلامية في طورها الأول بتجربة قاسية، فقد امتحن الصحابة الكرام وابتلوا بلاء شديداً، كما وقع لبلال وعمار وخباب ﵃ أجمعين-، وهذا الابتلاء لا بد منه في الدعوات، حتى تصقل ويقوى عودها، ويزداد رجالها خبرة وتجربة وتمرساً في الحياة، فإذا مكن لهم في الأرض كانوا على قدر المهمة المناطة بهم. وحتى لا تكون المحنة أقسى مما يتحمله بشر، فعندئذ قد يتسرب اليأس والقنوط إلى النفوس، كان رسول الله ﷺ يخفف من آلام أصحابه، ويدعوهم إلى الصبر، ويذكرهم بما وقع للمؤمنين من قبلهم، ويبشرهم بأن سيكون بعد الضيق فرج بإذن الله، فكانت كلماته برداً وسلاماً على قلوبهم، وكان رسول الله ﷺ - وهو الرحمة المهداة - يبحث عن مخرج لهذه المحنة، فأشار على أصحابه بالهجرة إلى الحبشة، فهاجر من هاجر في المرتين، وعاشوا هناك آمنين مطمئنين يعبدون الله دون خوف أو أذى، واستمر رسول الله ﷺ يبحث عن مخرج وفسحة أكبر من الحبشة، حتى تأذّن الله بالفرج وذلك بإسلام نفر من أهل المدينة، ثم كانت الهجرة الكبرى ثم كانت الدولة. ابتلي المسلمون في هذه الأيام بلاء كبيراً، ورماهم الغرب وأتباعه عن قوس واحدة، وقامت قيامة الإعلام عليهم. ينبزهم بألقاب هم بريئون منها، ويؤزون عليهم من يكره الإسلام وأهله، ويحرضون عليهم السفلة ورعاع الناس. والابتلاء إذا كان قاسياً قد يحطم الفرد، ويجعله في حالة شلل تام، بل قد يحطم المجتمع إذا لم يكن متماسكاً وعلى درجة عالية من الأخوة والتناصر، وحتى ذلك أو قبل أن يحدث ذلك فإن البحث عن مخرج لهذه الفتن المتلاحقة هو من مهمة القيادات الواعية، والدعاة الصادقين، والعلماء العاملين، لا بد أن يرى الشباب بصيصاً من الأمل، وبشارة بقرب زوال هذا الليل الذي طال وناء بكلكله على صدور المسلمين، لا بد من عمل كبير، واجتهاد صحيح في كيفية التغيير، وإن فقدان العلماء - الذين هم على معرفة بالواقع وعلى ارتباط به والذين يجتهدون لكل حادثة، ويكون لهم تأثير كبير وفعال - يضر كثيراً بالعمل الإسلامي، ويجعل الأصاغر يجتهدون ويخربون ولو كان ذلك بحسن نية. فهل من مبادرات لسد هذه الثغرة، وحتى لا يقع المحذور.

стр. 1336

مسالك أهل البدع في النظر والاستدلال [*] بهاء الدين عقيل مما لا شك فيه أن الحاجة ماسة في زماننا هذا - وفي كل زمان - لمعرفة صفات أهل السنة والجماعة ومنهجهم في الحياة، فهذه مسألة مهمة وملحة من أجل إنهاء حالة التشتت والحيرة التي يعيشها المسلمون اليوم. وقد ظهرت في الآونة الأخيرة كتابات طيبة بهذا الصدد؛ ويعد من متعلقات ذلك أيضاً البحث في طرق ومسالك أهل البدع في النظر والاستدلال، وتوقيها حتى تسلم لنا الاستقامة على طريق أهل السنة والجماعة؛ فإنما بضدها تتميز الأشياء.. الأصل العام لجميع طرق الاستدلال عندهم: الأصل في جميع طرق استدلال أهل البدع أنهم لا يأخذون الأدلة مأخذ الافتقار إليها بل يقدمون أهواءهم، ويعتمدون على آرائهم، ثم يجعلون الأدلة الشرعية تبعاً لذلك الهوى. ومن يفعل ذلك فهو أحد رجلين: - إما مغرض ويعلم أنه صاحب هوى متمكن من قلبه، فيستدل بما يراه موافقاً لهواه، ويلوي الأدلة ليّاً لتوافقه. - أو هو غير راسخ في العلم، لا يعرف كلام العرب ودلالته، ولا مقاصد الشريعة وكلياتها وأصولها، فيقرأ أو يسمع نصاً من الكتاب أو السنة فيفهمه بنفسه فهماً يوافق هوى لديه وهو لا يدري ويظن أنه بذلك متبع للكتاب والسنة. أما العلماء الراسخون في العلم، المخلصون لله في علمهم وعملهم فلا يقع منهم ذلك أبداً، بل هم يأخذون الأدلة مأخذ أهلها العارفين بكلام العرب وكليات الشريعة ومقاصدها كما كان السلف يأخذونها. فالهوى هو الدافع والموجه الأول والرئيس لطريقة أهل البدع في النظر والاستدلال ولذلك سموا بأهل الأهواء، ويتفرع عن هذا الأصل العام مسالك وطرق شتى، ولا يلزم أن توجد كلها عند كل مبتدع بل قد يوجد بعضها دون بعض، ونسوق الآن من هذه الطرق أوجهاً كلية يقاس عليها غيرها. المسلك الأول: الاعتماد على الأحاديث الواهية الضعيفة، أو المكذوب فيها على رسول الله - ﷺ ، والتي لا يقبلها العلماء المتخصصون في علم الحديث، كحديث الاكتحال يوم عاشوراء، وأكل الباذنجان بنية، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- تواجد واهتز عند السماع [١] حتى سقط الرداء عن منكبيه، وما أشبه ذلك. وأكثر ما يكون ذلك عند المتصوفة ومن شاكلهم من الفقراء في العلم والنظر. المسلك الثاني: رد بعض المبتدعة للأحاديث التي جرت غير موافقة لأغراضهم ومذاهبهم، ويدعون أنها مخالفة للمعقول وغير جارية على مقتضى الدليل فيجب ردها؛ كالمنكرين لعذاب القبر، والصراط، والميزان، ورؤية الله في الآخرة، وكذلك حديث الذباب إذا سقط في الإناء، وما شابه ذلك مما صحت فيه الأخبار وثبتت ثبوتاً لا يتطرق إليه شك أو نقد. وتلك طريقة أهل التحسين والتقبيح العقلي- الذين يقولون: (الحسن ما حسنه العقل، والقبيح ما قبحه العقل، والشرع تابع لذلك) - كالمعتزلة ومن شاكلهم، ومن يسمون في عصرنا الحالي بالعقلانيين. ولهم مسلك معروف في النصوص المخالفة لمذاهبهم، أما بالنسبة للحديث فكما ذكرنا يردونه بكل جرأة ويتعللون لذلك إما بالقدح في رواته - وإن كانوا من الصحابة أو التابعين وممن اتفق الأئمة على عدالتهم - وإما بقولهم إن الحديث آحاد وهو يفيد الظن ولا يصلح الظن في أمور العقائد؛ وتلك مقولة باطلة ومبتدعة وقد ألفت رسائل في الرد على ذلك الزعم [٢] ، أو يردون الحديث بأي علة واهية أخرى. وأما بالنسبة للآيات القرآنية فلما لم يستطيعوا ردها عمدوا إلى تحريف مدلولاتها وسموا ذلك تأويلاً، فالخلاصة أنهم إذا خالفوا الحديث ردوه وإذا خالفهم القرآن حرفوه وأولوه على غير تأويله المعتبر. وتكمن خطورة مذهب المعتزلة في أنه وإن زالت فرقته الآن - فلا يكاد يوجد من يصرح في عصرنا بأنه معتزلي المذهب - إلا أن أسس مذهبهم وأفكارهم قد انتشرت بين آراء كثير من الأدباء والكتاب المعاصرين، وتراهم يصفون المعتزلة بأنهم أصحاب المدرسة العقلية المستنيرة التي أثرت الفكر الإسلامي، والصواب وصفهم بأصحاب العقول المظلمة، الذين أفسدوا اعتقاد المسلمين ردحاً من الزمن، وجروا الويلات على الأمة الإسلامية. بل إن من أفكارهم المظلمة ما تسرب إلى اذهان بعض العلماء وأثر عليهم؛ وذلك كأخذ بعض العلماء ببدعة رد أحاديث الآحاد في أمور الاعتقاد، وهذا منتشر بينهم في عصرنا الحالي وكأنه أمر مسلم. المسلك الثالث: فهم الآية أو الحديث بالهوى والتخرص. وعدم الرجوع للمعنى العربي للفهم الذي يفهم به عن الله ورسوله؛ وذلك كمن قال في قوله تعالى: [ولَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الجِنِّ والإنسِ] [الأعراف ١٧٩] أي ألقينا فيها؛ وكأنها من قول العرب (ذرته الريح) ، وهذا خطأ لأن ذرأ مهموز وذرَّ غير مهموز [٣] . وكقول من قال: إن الإمام في قوله تعالى [يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإمَامِهِمْ] جمع أم، وأن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم دون آبائهم، وهذا غلط أوجبه جهله بالتصريف فإن [أم] لا تجمع على [إمام] [٤] بل جمعها [أمهات] . ومثل هذه الجهالات كثير، وهي كلها استدلالات لا يعبأ بها، وتسقط مكالمة أهلها، ولا يعد خلاف أمثالهم. وقد قال عمر بن الخطاب ﵁: (إنما هذا القرآن كلام فضعوه مواضعه ولا تتبعوا به أهواءكم) أي فضعوه على ... مواضع الكلام ولا تخرجوه عن ذلك فإنه خروج عن طريقة المستقيم إلى اتباع الهوى. وقيل للحسن: أرأيت الرجل يتعلم العربية ليقيم بها لسانه ويقيم بها منطقه؟ قال: نعم فليتعلمها فإن الرجل يقرأ بالآية فيعياه توجيهها فيهلك. وعنه أيضاً قال: أهلكتكم العجمة تتأولون القرآن على غير تأويله. المسلك الرابع: الانحراف عن الأصول الواضحة إلى اتباع المتشابهات كما قال تعالى: [فَأَمَّا الَذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وابْتِغَاءَ] [آل عمران ٧] ، فمثال ذلك احتجاج النصارى على ألوهية عيسى ﵇ وأنه ولد الله بقوله تعالى: [ورُوحٌ مِّنْهُ] [النساء ١٧١] وقوله تعالى عن نفسه في آيات كثيرة بضمائر الجمع: (إنا) ، (نحن) ؛ وهذا يقتضي التعدد في زعمهم، وقوله تعالى: [ومَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا] [التحريم ١٢] ، ... ولم يردوا ذلك إلى صريح قوله تعالى: [قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ * ولَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ] [الإخلاص] ، وإلى قوله المحكم: [يَا أَهْلَ الكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ولا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إلاَّ الحَقَّ إنَّمَا المَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلَى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا خَيْراً لَّكُمْ إنَّمَا اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ ولَدٌ] [النساء ١٧١] ، بل أخذوا من هذه الآية فقط قوله [ورُوحٌ مِّنْهُ] وتعلقوا بها مع أن بقية الآية فيها الرد على زعمهم وكفى بذلك دليلاً على اتباع الهوى في الاستدلال. ومثل احتجاج المعتزلة لخلق القرآن بقوله تعالى: [اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ] [الزمر ٦٢] ، والمراد خالق كل شيء مخلوق وإلا فقد أجيب عليهم بقوله تعالى: [قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ] [الأنعام ١١٩] فهل يقولون أن الله مخلوق؟ ... عن ذلك علواً كبيراً. والواجب في ذلك كله وما ماثله من المتشابه أن يرد إلى المحكم ليعرف من معناه، وهذا ما عليه العلماء والراسخون في العلم الناهجون نهج أهل السنة والجماعة. المسلك الخامس: وقريب من المسلك السابق الأخذ بالمطلقات قبل النظر في مقيداتها، والعمومات من غير تأمل هل لها مخصصات أم لا؟ أو العكس، وكذلك الأخذ ببعض النصوص دون بعض في المسألة الواحدة والتعلق بها؛ كما مثل الشاطبي - ﵀ لذلك بالآتي: - يحتج الخوارج لقولهم بالخروج على الإمام بحديثهم (ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله [٥] . - ويحتج القاعد - أي من لا يرى الخروج على الإمام - بقوله -صلى الله عليه وسلم-: (من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه) [٦] . - والمرجئ يحتج بقوله ﷺ : (ما من عبد قال لا إله إلا ... الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة) قلت والقائل هو أبو ذر - رضي الله عنه -: وإن زنى وإن سرق، قال: وإن زنى وإن سرق [٧] . - والمخالف له محتج بقوله ﷺ : (لا يزني الزاني حين ... يزني وهو مؤمن) [٨] . وهذه النصوص وإن كان ظاهرها يوهم التعارض ... فإنه يمكن الجمع بينها إذا جعل بعضها أصلاً ورد البعض الآخر إليه بالتأويل السائغ، ولكن كل صاحب بدعة وضلالة يدعي أن دليله هو الأصل، ويرد ما عداه إليه. والواجب هو جمع الأدلة كلها في المسألة الواحدة وتحقيق ما كان عليه الصحابة وأئمة خير القرون إزاءها، والخروج بحكم واحد فيها. والذي ينبغي التنبيه عليه هنا أنه وإن كان هذا المسلك المنحرف من مسالك أهل البدع في النظر والاستدلال، إلا أنه يقع فيه كثير من المسلمين الناشدين للحق؛ فترى أحدهم يسمع نصاً أو يقرأه فيدفعه حرصه على الالتزام وخشيته من مخالفة أمر الله تعالى وأمر رسوله إلى المبادرة بتنفيذ ما فهمه منه، حتى وإن بدا مخالفاً لفعل مشاهير الصحابة وأجلائهم؛ وبعيداً عن المعقول، ويظن أنه بذلك يتبع الحق ويخالف هواه ويقهره وأنه بذلك ممتثل لقول الله تعالى: [ومَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ ورَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ] [الأحزاب ٣٦] . وإنما كان خطؤه أنه عمل بنص واحد دون الرجوع للعلماء لسؤالهم عنه وعما إذا كان هناك نصوص أخرى في المسألة، وما هو القول الراجح فيها، وقد يشتد حماسه لفهمه السقيم فينصب نفسه مفتياً به وداعياً إليه، ويتبعه على ذلك قوم من أمثاله، وصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذ يقول: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) [٩] . ولعمر الله كم جر هذا المسلك على المسلمين ... من فتن ومشاكل بينهم في عصرنا الحالي. والواجب على الباحث المسلم إذا بحث مسألة أن يجمع كل النصوص الواردة وأقوال العلماء فيها ليخرج بمعنى كلي وفهم هو أقرب إلى الصواب حسب ما أداه إليه اجتهاده، إن كان من أهل الاجتهاد، فيخرج بذلك من دائرة الإثم، قال الشاطبي ﵀: (ومدار الغلط في هذا الفصل إنما هو على حرف واحد ... وهو الجهل بمقاصد الشرع، وعدم ضم أطرافه بعضها لبعض؛ فإن مأخذ الأدلة عند الأئمة الراسخين إنما هو على أن تؤخذ الشريعة كالصورة الواحدة بحسب ما ثبت من كلياتها وجزئياتها المرتبة عليها) [١٠] . المسلك السادس: صرف الدليل عن المناط الذي ورد عليه إلى مناط آخر موهماً أن المناطين واحد. قال الشاطبي: (وهو من خفيات تحريف الكلم عن مواضعه والعياذ بالله، ويغلب على الظن أن من أقر بالإسلام ويذم تحريف الكلم عن مواضعه لا يلجأ إليه صراحاً إلا مع اشتباه يعرض له أو جهل يصده عن الحق، مع هوى يعميه عن أخذ الدليل مأخذه فيكون بذلك السبب مبتدعاً) [١١] . ومثال ذلك أن الأدلة وردت بالحث على الذكر مطلقاً قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً] [الأحزاب ٤١] ، وقال: [وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] [الجمعة ١٠] ، فيستدل المبتدع بهذه النصوص على ما يبتدعه من أذكار مخصوصة بكيفيات مخصوصة، وفي أزمنة مخصوصة، مع أن النص ورد مطلقاً وأفاد مطلق الحث على الذكر. والتقييد من جهة المبتدع يخالف ذلك الإطلاق، والتزام الأمور غير اللازمة شرعاً شأنه أن يفهم التشريع، ومثل هذه الأدلة والنصوص ينبغي أن تفهم من جهتين: جهة معناها الذي يفيد مطلق الحث على الذكر غير المقيد بهيئة مخصوصة، وجهة عمل السلف الصالح بها. وكل من خالف في ذلك فقد خالف إطلاق الدليل أولاً لأنه قيد فيه بالرأي وخالف ثانياً من كان أعرف منه بالشريعة وهم السلف الصالح -رضي الله عنهم-. المسلك السابع: بناء الظواهر الشرعية على تأويلات لا تعقل: وهو فعل الباطنيين كالقرامطة وغيرهم. وفرق الباطنية يجمعهم القول بجعل ظواهر النصوص غير مرادة، والذهاب في تأويلها مذاهب من التحكم لا تتفق مع اللغة ولا الشرع بل ولا العقل، والقول بإمام معصوم، وقد يسمونه باسم آخر، ويجعلونه بعد ذلك إلهاً. ومن فرقهم المحدثة البهائية والبابية. وهؤلاء الباطنية هم قوم أرادوا إبطال الشريعة جملة وتفصيلاً، وإلقاء ذلك فيما بين الناس لينحل الدين، ولما لم يمكنهم التصريح بذلك لجأوا إلى صرف الهمم عن الظواهر بادعاء أن لها بواطن مقصودة، وأن الظواهر غير مرادة فقالوا: كل ما ورد في الشرع من الظواهر في التكاليف والحشر، والنشر، والأمور الإلهية الأخرى ليس إلا أمثلة ورموز إلى بواطن. ولهم في ذلك تُرَّهات وعجائب منها مثلاً: زعمهم أن الجنابة هي مبادرة الداعي للمستجيب بافشاء سره إليه قبل أن ينال رتبه الاستحقاق، والغسل هو تجديد العهد على من فعل ذلك، والصيام هو الإمساك عن كشف السر، والتيمم الأخذ من المأذون إلى أن يسعد بمشاهدة الداعي والإمام.. الخ. ولا تستخفنك تفاهة مذهبهم فتقول هذا مذهب ظاهر البطلان فلا يخشى على أحد من الوقوع فيه، فإنه يكثر جداً وسط الأعاجم الذين لا يحسنون اللغة ولا يعلمون فقهها ومدلولاتها، وكذلك هي دعوة رائجة لدى السوقة والسفلة من الناس حيث تمنحهم الإباحية باسم الدين إذ هي دعوة قائمة على التحلل والإباحية، ثم إن هؤلاء السفلة قد يكثرون وتقوى شوكتهم فيغلبون الناس على آرائهم ومذهبهم ويعيثوا في الأرض فساداً. المسلك الثامن: التغالي في تعظيم الشيوخ والاحتجاج بهم: وغاية حجة من يفعل ذلك أن يقول شيخنا الفلاني يقول كذا وكذا، ويفعل كذا وكذا، وهو ولي من أولياء الله المقربين فلا بد أن الحق معه. وأكثر ما يوجد ذلك عند المتصوفة وأمثالهم ممن لا باع لهم في العلم الشرعي. والجواب على ذلك من وجهين: أحدهما: بيان أن الحجة في الشرع، لا في الأشخاص غير المعصومين مهما بلغت درجتهم. والثاني: أن يقال له: وما أدراك أن فلاناً المذكور هو من أولياء الله، فالولاية أمر بين العبد وربه، بل كل مؤمن يؤدي الفرائض ويجتنب النواهي هو من أولياء الله الصالحين بحسب الظاهر لنا، ولا يسوغ ذلك اتباعه في أمر من الدين دون معرفة دليله. المسالك التاسع: الاستدلال بالرؤى والمنامات: وهو مسلك خطير يستخدمه الشيطان للتلبيس على الناس في دينهم وإيهامهم بشرعية بعض الأمور التي لا يوجد دليل شرعي على صحتها. والذي ينبغي معرفته في هذا الباب، أن (الرؤيا من غير الأنبياء لا يحكم ... بها شرعاً على حال إلا أن تعرض على ما في أيدينا من الأحكام الشرعية، فإن سوغتها عمل بمقتضاها وإلا وجب تركها والإعراض عنها، وإنما فائدتها البشارة أو النذارة خاصة وأما استفادة الأحكام فلا) [١٢] ، (فلو رأى في النوم قائلاً يقول: إن ... فلاناً سرق فاقطعه، أو عالم فاسأله. أو اعمل بما يقولون لك، أو فلان زنى فحده، وما اشبه ذلك؛ لم يصح له العمل حتى يقوم له الشاهد في اليقظة وإلا كان عاملاً بغير شريعة، إذ ليس بعد رسول الله ﷺ وحي) [١٣] . وقد يحتج المسلم بالمنامات بقوله ﷺ : (رؤيا المؤمن - جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة) [١٤] وقد أجاب الشاطبي عن ذلك بقوله: (إن كانت الرؤية من أجزاء النبوة فليست إلينا من كمال الوحي بل جزء من أجزائه، والجزء لا يقوم مقام الكل في جميع الوجوه، بل إنما يقوم مقامه في بعض الوجوه، وقد صرفت إلى جهة البشارة والنذارة [يعني أن البشارة والنذارة من مقاصد النبوة ومن أجزائها كما في قوله تعالى:] أَلاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ اللَّهَ إنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ [ ] هود ٢ [. وأيضاً فإن الرؤيا التي هي جزء من أجزاء النبوة من شرطها أن تكون صالحة من الرجل الصالح كما في الرواية الأخرى للحديث السابق: (الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة) ] ١٥ [وحصول الشروط مما ينظر فيه فقد تتوفر وقد لا تتوفر. وأيضاً فهي منقسمة إلى الحلم وهو من الشيطان، وإلى حديث النفس، وقد تكون سبب هيجان بعض أخلاط، فمتى تتعين الصالحة حتى يحكم بها وتترك غير الصالحة؟ ويلزم أيضاً على ذلك أن يكون تجديد وحي بحكم بعد النبي ﷺ وهو منهي عنه بالإجماع) ] ١٦ [. وخلاصة القول في الرؤيا أنه يستفاد منها في جانب البشارة والنذارة، ولا يؤخذ منها حكم إلا بعد عرضها على الشرع فلينتبه إلى ذلك، فهذا هو الاعتدال في الأخذ بالرؤيا والعمل بها. وفي الجملة فلا يستدل بالرؤيا في الأحكام إلا ضعيف المنة فقير الحجة. وبعد فكما سبق أن بينا لم نقصد في هذا الموضوع إلى الاستيعاب وإنما هي أوجه كلية لطرق أهل البدع في الاستدلال يقاس عليها غيرها، وندعو إخواننا المسلمين إلى الحذر دائماً من أصحاب البدع ومسالكهم في المحاجة والاستدلال، وقانا الله وإياهم شر البدع وأهلها، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 1337

شذرات وقطوف من آيات نبوته ﷺ (وآية أخرى لا يعرفها إلا الخاصة، وهي الأخلاق والأفعال التي لم تجتمع ... لبشر قط قبله، ولا تجتمع لبشر بعده، وذلك أنا لم نر ولم نسمع لأحد قط كصبره، ولا كحلمه، ولا كوفائه، ولا كزهده، ولا كجوده، ولا كنجدته، ولا كصدق محبته، ولا كتواضعه، ولا كعلمه، ولا كحفظه، ولا كصمته إذا صمت، ولا كقوله إذا قال، ولا كعجيب منشئه، ولا كعفوه، ولا كدوام طريقته، ولم نجد شجاعاً قط إلا وقد جال جولة، وفرّ فرّة، وانحاز مرة من معدودي شجعان الإسلام، ومشهوري فرسان الجاهلية كفلان وفلان. وبعد فقد نصر النبي وهاجر معه قوم ولم نر كنجدتهم نجدة، ولا كصبرهم صبراً. وقد كانت لهم الجولة والفرّة كما قد بلغك - عن يوم أحد ويوم حنين وغير ذلك من الوقائع والأيام، فلا يستطيع منافق ولا ... زنديق ولا دهري أن يحدث أن محمداً جال جولة قط، ولا فرّ فرّة قط، ولا ... خام [١] عن غزوة، ولا هاب حرب من كاثره) . ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... (الجاحظ) أقوال أرادوا مرة امتحان السياسيين في بلاغة السياسة، طرحوا عيهم هذا الموضوع: سَرَقْتَ حقوق أمة ضعيفة، فاكتب كيف تشكرها على هديتها.. ... ... ... ... ... ... ... ... (مصطفى صادق الرافعي) (إن من ينبش في مخطوطات غيره مثل من ينبش في جيوب غيره) . ... ... ... ... ... ... ... ... (كاتب من داغستان) (العالم الثالث هو أكبر متحف عالمي للحفريات السياسية ومخلفات الطغيان) . ... ... ... ... ... ... ... ... ... (د. جمال حمدان) الرضا ضل من يحسب الرضا عن هوانٍ ... أو يراه على النفاق دليلاً فالرضا قدرة على النفس، والسا ... خطُ يحيا للنفس عبداً ذليلاً والرضا نعمة من الله لم يس ... عد بها العباد إلا قليلاً والرضا آيةُ البراءة والإيـ ... مان بالله ناصراً ووكيلاً ... ... ... ... ... ... ... ... محمد مصطفى حمام

стр. 1338

الحضارة الغربية حضارة متدينة محمد بن حامد الأحمري الذين نقلوا لنا الحضارة الغربية نقلوها إلينا بلا دين، وصوروها بأنها كانت خالصة من سلطان الدين، وذلك محض خداع وكذب على القارئ في العالم الذي تعامل مع الغرب بلا وعي، إذ نجد المثقف أو الدارس للعلوم الطبيعية يرى أن الحضارة الغربية قامت على البعث الأوربي (النهضة) وعصرها، وينسى حركة الإصلاح الديني، ينسى البروتستانتية وينسى مارتن لوثر وما قام به كالفن، بل ويدرس تاريخ هذه الحضارة بعيداً عن حقيقته بل تاريخ هذه الحضارة الغربية عندنا هو تاريخ العلمانية لا تاريخ الحركة الحضارية، وبحكم أن ثقافتنا كما صاغوها لتكون على نمط الغربية فقد نقلوا لنا الصورة مشوهة، كان الواقع الذي مثلوه ... مشوهاً وغير قادر على الحياة عندنا، فالثقافة الغربية في أذهاننا وفي الجرائد ... والمجلات والكتب التي نقرؤها ليست هي التي يعيشها الناس هناك في حياتهم ... اليومية بل هذه جانب فقط. يقول الكاتب الصيني والزعيم المعروف فانج ليزهي في كتاب (هدم سور الصين العظيم) [١] : (المفكرون الصينيون يعرفون بعض الشيء عن النهضة الأوروبية ولكنهم يعرفون قليلاً عن الإصلاح أو لأنهم يركزون على الأول ويقللون الآخر وهذا التعامل جاء من قلة فهم التاريخ الغربي) . قطعاً لم يكن الإصلاح (الديني) أقل تأثيراً من النهضة، وفي الحقيقة لم يكن ... الاثنان منقطعين في اتصالهما. وفي تعليقات هينريتش هينتز على تاريخ الفكر ... الغربي - قال -: (أول شخص يناقش هو مارتن لوثر لدوره الكبير في ... لفكر الغربي. وبلا شك هذا ما جعل هينتز يركز على ألمانيا، ولا حاجة للنقاش أن الإصلاح الديني كان مؤسساً لأفكار جديدة في الغرب) [٢] . والذي حدث في الصين هو نفسه الذي حدث في البلاد الإسلامية حيث لا ... تعرض الثقافة الغربية كما هي فعلاً، بل يعرض منها الجانب المادي فقط والإلحادي، ... ولا يذكر بالمقابل الفكر الديني أو الحياة الدينية لهم، وذلك لأسباب منها: ... حساسية اتصال المثقف المسلم بالثقافة النصرانية، ذلك لأن هذا المترجم أو الدارس مسلم أو نصراني من المشرق، ولكلا الرجلين خلاف مع الدين الغربي، ولا يمكن أن يكون متديناً بدينهم، لذا فهو يستبعد هذا الجانب، ثم إنه لا يتثقف هذه الثقافة الدينية الغربية، فهو إن كان مسلماً متفلتاً من إسلامه فهو أكثر تفلتاً من النصرانية، وإذا كان نصرانياً شرقياً فإن نصرانيته الشرقية مختلفة مع الكنائس الغربية لبعد الفرق الديني فيما بينها، فإن كان قبطياً أو مارونياً أو أرثوذكسياً عربياً فكل هذه الديانات النصرانية تختلف مع الكنيسة الكاثوليكية أو البروتستانتية الأوربية، أو لا يحب أن يظهر أمام المسلمين بأنه متعصب للنصرانية الغربية وفكرها. والمسلم يتحاشى الخوض في هذه الاتجاهات إن لم يكن متديناً، وإن كان ... متديناً فهو يواجه هذه الديانات بالكراهة أو الرد، ويتجاهل دور هذه الأديان في ... السياق التاريخي للعالم الغربي. فتكون الصورة التي ترتسم في أذهاننا أن الغرب لا يدين بدين وهذه أغلوطة كبيرة. وسبب آخر أن الدول الغربية قامت على علمانية الدولة، بحيث تخلصت من صراع الكاثوليك والبروتستانت على الحكومات، وحروبهم الدينية، وتحكم الكنيسة، وهروبها من تحكم الكنيسة لا يعني إلحاد الحاكمين، أعني هنا أنها ضد الدين أو أنها ضد الدين أبداً، بل الحكومات الغربية مضطرة لمصلحتها السياسية والقومية أن تقف هذا الموقف من الأديان المكونة لها وليس من أديان الأقرب. جانب مهم آخر أن المثقفين الغربيين الذين تصدروا الثقافة الغربية في مرحلة صلتنا بها هم نقاد الحياة الغربية والتي ينتقدون فيها الدين المتحكم، فانعكس ذلك علينا فكنا نأخذ نقدهم للكنيسة وللاستعمار على أن هذه هي الحياة الفكرية عندهم وأنها هجوم على أديانهم وخلقهم، وننسى الحقيقة التي يعيشها الناس باستمرار هناك، إذ لا تقوم حياة قوية إلا بجانبها الديني وجانبها الاقتصادي. والعامل المهم الآخر أن وكلاء الثقافة الغربية في بلاد العالم الإسلامي كانوا من اليساريين وأشباههم وهم يميلون إلى أمثالهم هناك، فلهذا لا ينقلون إلا ما تميل إليه مدارسهم وانتماءتهم الغربية أو ولاءاتهم، ويضربون صفحاً عن النقد الموجه لليسار أو للتيارات الإلحادية هناك، حتى لتجد أن الثقافة الغربية المعروفة لدى جماهيرنا هي الثقافة الإلحادية الغربية فقط، ولا ينقلون لنا ماهية الحياة الثقافية كما هي، وبالإمكان إجراء مقارنة سريعة بين كاتب فرنسي ملحد اسمه سارتر؛ وبين زعيم ديني ألماني اسمه مارتن لوثر. الأول نشر وجودية كيركجار مع تعديلات إلحادية مهمة وطورها، والآخر كان زعيم حركة الإصلاح الديني. ولوثر الذي كان وراء حركة البروتستانتية وإنشائها - مع غيره - والتي كونت أكبر ديانة في العالم الغربي وبها تدين أمريكا والشمال الأوربي وكانت سبباً مهماً في التكوين الديني ... والاقتصادي في شمال أوربا وأمريكا - على الأقل كما يرى ماكس فيير - مقارنة ما ... نشر عنه في اللغة العربية مع ما نشر عن سارتر لا تقارن بأي حال. فهذا سارتر صار له عندنا أتباع كثيرون وكتاب يستميتون في الدفاع عنه - كأنيس منصور - وكان للوجودية شيخ عربي - عبد الرحمن بدوي - كما لقب بعد نشر كتابه إثر الاحتفالات بقدوم سارتر لمصر. قد يكون ذلك لسهولة الإلحاد على البعض عندنا ولأن فكرهم وجد دعماً إعلامياً قوياً وحكومياً أيضاً. ومارتن لوثر لم يجد في البلاد العربية ما وجده الملحدون. ذلك لأن الحديث عن الإصلاح الديني والبروتستانتية الأوربية قد يجر إلى الاهتمام الديني في الإسلام وذلك ما لا يتفق مع التوجهات الجارية منذ ذاك إلى اليوم، إذ المطلوب من الفكر في العالم الإسلامي والعربي أن ... يحارب الدين ويتنكر لدوره الأول في نجاح الحياة وعزة الشعوب واستقلاليتها، ... وبما أن الدين هو الروح المحركة والدافعة للعزة والكرامة والإخلاص فلا بد من إقناع شعوبنا المسلمة بعدم أهمية ذلك، لأنه لا يراد بها إلا الدمار والانهيار عندما تبعد عن الدين، حتى وصل الأمر بنا أن جامعاتنا التي تدرس التاريخ الأوربي لا تقف عند الأثر الروحي والأخلاقي الذي تبثه الكنيسة البروتستانتية، فالكتب المترجمة أو التي تدرس عندنا عن فكرهم وحياتهم هي كتب منتقاة إلحادية المشرب. وأيضاً فعند الذين تعاملوا مع الثقافة الغربية في زماننا عقدة من الدين وحاجز لا يكاد ينفتح، إما لمشكلة في شبابهم مع الدين الرسمي وممثليه؛ وإما لجهلهم به جهلاً مانعاً من إدراكه، وإما للانحرافات التي تغطي على روح الإسلام فلا تنفذ لقلوبهم، لذا تجدهم في عماية وكراهية أحياناً من ذكره وإن تعاملوا معه كانوا مكرهين يائسين مدفوعين إلى مشكلة يحبون الخلاص منها بأسرع وسيلة. غير أن الواقع الآن يدل على أنهم غادروا هذا الوهم وبدأت ملامح إقبال كبير على الاهتمام بهذا الجانب الإيماني لم تكن بارزة من قبل [٣] . والذي يهم معرفته في طبيعة العلاقة بين العالم الإسلامي والعالم الغربي أن جوانب أساسية من الفكر الغربي والسلوك الغربي نفسه هي جوانب يحرِّم الغرب تصديرها، ويقف موقفاً شرساً ممن يفكر في تصدير هذه الجوانب وتعليمها للناس، ومنها الاهتمام بالدين ونشره ووعيه، فيسمح بالتجمعات الدينية هناك ولا يسمح بها الغرب في العالم الإسلامي، لأنها قد تقلب الموازين الفكرية المطلوبة، ومنها اللغة إذ يحرم الغرب بشراسة سيادة اللغة العربية والتعليم العلمي بها، ويحارب الوعي السياسي والحريات السياسية والديمقراطية في المستعمرات، كما يحارب الصناعات الأساسية والعسكرية، ويحارب الأمن الغذائي والنمو الاقتصادي، ويحارب كل وسيلة يمكن أن تسمح باستقرار وعي صحيح بحقائق العالم المعاصر وأفكاره. ولم يعد غريباً اليوم أن نجد أنفسنا عاجزين عن فهم الآخرين، لأننا أعطينا جانب واحد فقط وبقيت الصورة مشوهة وغير مدركة. ولذا فحلولنا جزئية مبتسرة لا تنطلق من إدراك واع للذات ولا إدراك واع للآخرين. حتى عند من يزعمون ذلك أو يقومون بدور الوكيل لنشر الأفكار الغربية. الحضارة الغربية اليوم حضارة فيها جانب الدين مؤسس وقائم بدور رئيس في صياغة الحياة والفكر والتماسك في المواقف السياسية تجاهنا وبشكل لا يقاس به ما كتب عنهم في لغاتنا ولا يقاس به الموقف الرسمي في عالمنا الإسلامي. وعندما نقول حضارة متدينة فهذا مقابل كلمة ملحدة في الكتابات العربية المعاصرة، والتي تعني بالإلحاد ما رأت في روسيا الغابرة. ومصطلح: (العلمانية) المتداول في العالم العربي اليوم، ليس هو المطابق الصحيح تماماً مع مفاهيم العلمانية الغربية، إذ ما يسمى بالعلماني الغربي اليوم، عنده قاعدة ولاء وانتماء لجنس ودين في بلده، ويتعامل مع العالم من خلاله لا تجدها في علماني العرب، إذ يفتقدون هذه القواعد، ويخفون على غير منابرهم كلاماً ليس لهم في جماهير لا تفهمهم، لذا لا يثمر شيئاً.

стр. 1339

تعدد الزوجات في إطار الضوابط الشرعية منى عبد الله داود لقد أصبحت قضية تعدد الزوجات من القضايا الحساسة الحرجة في واقعنا المعاصر، خاصة في محيط العنصر النسائي، وللأسف أن شمل ذلك الفئة الملتزمة بالدين، والتي يتوقع منها خلاف ذلك، إذ الإيمان كفيل بتهذيب النفوس، وتربيتها على التسليم بكل ما جاء به الشرع، (فالاستسلام ابتداء هو مقتضى الإيمان وبه ... تتلقى النفوس تنظيمات الإسلام وتشريعاته بالرضى والقبول، وسرعة التنفيذ) [١] ، فأغلب النساء المتزوجات أو غير المتزوجات، ينزعجن من مجرد طرق هذه ... القضية على مسامعهن، وينحون بها منحى الكرامة الشخصية، والمساواة، وظلم المرأة وبخس حقوقها وغيرها من الدعاوى التي شاعت وعدت من المسلمات، ... وخاصة إذا كان المتحدث في القضية رجل.. فإنه لا يسلم من سيل الاتهامات فهو المحور الرئيس في القضية، ومن ثم، يرى من الأسلم له ألا يدلي بدلوه فيها، وفي الحقيقة هذه القضية حساسة بالنسبة للطرفين الرجل والمرأة، ولكن ربما لو تحدثت فيها المرأة، فإن تأثيرها سيكون أوقع وأبلغ؛ لأن الطرف المتذمر فيها هو المرأة، ومن ثم، سيكون الحوار عن طريقها بعيداً عن الاتهامات التي دائماً ما تكون مصوبة نحو الرجل، خاصة إذا أخذ سياق عرض الموضوع إبراز مدى حاجة واقعنا المعاصر إلى بيان الضوابط العقدية والشرعية في قضية تعدد الزوجات بالنسبة للرجل والمرأة على السواء. فالناظر إلى واقعنا المعاصر يجد انحرافات كثيرة في مفهوماته وتصوراته ... لقضايا كثيرة في الدين، ومن هذه القضايا قضية تعدد الزوجات؛ إذ شوهت صورته وعُرض عرضاً منبتاً عن أبعاده الإيمانية من قبل أعداء الإسلام، ومن قبل سوء تصرفات من ينتمون إلى الإسلام من الرجال الذين أساؤوا إلى المرأة باسم إباحة التعدد هكذا على إطلاقه دون ضوابط وأسس إيمانية واعية للمقصود الحقيقي من وراء التعدد، كما أن جل النساء - حتى من يعرفن بالالتزام الديني - أصبحن يرفضن هذه القضية ويبدين تأففهن منها. إن قضية التعدد هي ثغرة استغلت من قبل أعداء الإسلام، فهي على صعيد العنصر النسائي تقابل في نفس المرأة شهوة الاستئثار بالرجل دون غيرها من ... النساء، ومن ثم، فهي تنزع لذلك إلى النفور من التعدد، وعلى صعيد الرجال تقابل إشباع ميله إلى النساء بصورة كبيرة، وبالتالي قد ينسى في غمرة ميله هذا أو في غمرة الجهل بالدين ما لهذه القضية من ضوابط ومفهومات إيمانية يجب أن ... تراعى.. ومن ذلك نرى أنها ثغرة أُحْكِمَ انتقاؤها لزعزعة عقيدة الأمة والإخلال بكيانها الاجتماعي، إذ سنلمس ذلك من خلال عرض عواقب ذلك على الأمة وكيف تمّ.. فمن وسائلهم في ذلك، الغزو الفكري عن طريق الطعن في الإسلام من خلال هذه القضية، والخوض فيها.. الخ، والغزو الإعلامي الرهيب عن طريق وسائل الإعلام جميعها، وخاصة المذياع والرائي (التلفزيون والسينما) ؛ إذ عرضت التمثيليات والأفلام التي تمثل أن التعدد ظلم للمرأة وإهانة لها وخيانة من قبل الرجل، وصور الرجل الذي يعدد بالقسوة والظلم وتعمد الإهانة للزوجة الأولى وبخسها حقوقها الزوجية.. الخ، أو تصوير الإباحة لحالات خاصة دون سواها كالعقم والمرض وما شابه ذلك.. من خلال هذا العرض الوجيز المذكور آنفاً، أصبح هناك قلب في المفاهيم تجاه قضية التعدد في حياة المسلمين، ومما ساهم في زيادة ذلك ما وصل إليه حال أغلب المسلمين من جهل بالدين عظيم، إذ وجد من يعدد دون وعي بالمستلزمات الشرعية لذلك، من آداء للحقوق وصيانة لكرامة المرأة والحرص على عفافها واتقاء الله في حسن معاملتها، فشوه التعدد من قبل هؤلاء، وبذلك اجتمعت الوسائل المرئية والسمعية والواقعية على تشويه هذه القضية، لدرجة أن أصبح من المسلمات في حياة كثير من المسلمين أن الأصل هو الاكتفاء بواحدة وأن الشاذ هو التعدد مع أنه قد يكون العكس هو أصح [٢] . كما أن هناك ملاحظة قد تختص بواقعنا المعاصر وما آل إليه من جراء ذلك، بيانها في النقطة التالية: - ١ - بروز ظواهر اجتماعية مثل: - انتشار ظاهرة العنوسة بين الفتيات وبقاء أغلب الأرامل والمطلقات بدون زواج. ولا يخفى على البصير عواقب هذا الأمر، الذي يرتبط ارتباطاً مباشراً بقضايا فطرية إنسانية، قد لا تقوى على تهذيبها، إلا من رحم الله بالإيمان، فإشباع الحاجات الفطرية وتحقيق الاستقرار النفسي والسكن، لا بد له من شريكين، الرجل والمرأة، قال تعالى: [وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ] [الروم ٢١] . فهذا الذي فطر الله الناس عليه، والمجتمع الإسلامي ينبغي له أن يكون متكافلاً متعاوناً على البر، ومن البر تحقيق الصون والعفاف لأفراده، وإعانتهم على تيسير الزواج، وعدم ترك المطلقة، والأرملة دون زوج، فهذا من شأنه أن يثير الفتنة في المجتمع ويشجع على ارتكاب المحرمات، خاصة وأننا في مجتمعات تكالبت الوسائل فيها على بث الإباحية والمجون والفساد، وبالتالي كان لزاماً سد أبواب الفتنة والانحراف، بالوسائل الشرعية الفاعلة.. فأي عفاف وصون أعظم للمرأة من الزواج والستر؟!.. - ٢ - قضية دعوية تدعيمية لتحقيق صلاح المجتمع المسلم: وبيان ذلك في التالي: إذ من الملاحظ قلة عدد من يرتجى فيه الصلاح في مجتمعاتنا المعاصرة، وهذا الأمر يمثل خطراً كبيراً إذا لم يتلاف بجميع الوسائل، ومما تجدر الإشارة إليه في هذا الصدد أن أول ما يتبادر إلى ذهن من يهتم بشؤون المسلمين في زيادة عدد الصالحين هو الدعوة إلى الله بالوسائل المعتادة من إعلامية وتعليمية وتربوية وغيرها، وهنا ترد وجهة نظر في عرض وسيلة أخرى مجدية - إن شاء الله- وهي: وعي الفئة الصالحة من الرجال بفائدة تعدد الزوجات وتطبيق ذلك، إذ إن من استبان صلاحه يتوقع منه حسن تطبيق التعدد، بل وتحقيق سنة النبي ﷺ وصحابته من بعده في التعدد، فيصحح مفهوماً قد شاع سوء فهمه بين الناس، بالإضافة إلى ترقب أن يرزقه الله بالذرية الصالحة والتي سيتقي الله في تنشئتها النشأة الصالحة الفاعلة في المجتمع بإذنه تعالى، ولو مثلنا لذلك بمثل عددي ربما وضح القصد، وهو أنه لو اكتفى الرجل الصالح بزوجة واحدة فإن نتاج ذلك -إن شاء الله- من الذرية على أقل تقدير أربعة من البنين والبنات وسيتوقع أن يكون أغلبهم من الفئة الصالحة الفاعلة لصلاح أبيهم وبركة تقواه - إذ شرط الصلاح في هذه القضية مهم جداً -، ومن ثم سيكون مكسب المجتمع المسلم (زوجة صالحة + فئة من الأولاد الصالحين) ، ولكن لو عدد هذا الرجل الصالح وأعانه المجتمع المسلم على ذلك، فإن مكسب المجتمع المسلم سيكون أكثر بكثير من البنين والبنات من ذوي الصلاح والفاعلية -إن شاء الله-، ومن ثم ستكون هناك زيادة في عدد الصالحين. ويلاحظ أن الزيادة المرتقبة ليست قليلة بل هي ربما تعادل ثلاثة أضعاف أو أكثر حسب مشيئة الله، وقد لا يخفى على المسلم البصير أن هذا النفع الدعوي من التعدد، ربما كان هو الذي حدا بأعداء الإسلام إلى محاربته، وخاصة بين الفئة التي يرجى صلاحها وفاعليتها في المجتمع المسلم، كما أنه من واقع تطبيق التعدد في حياة مجتمع القدوة في عهد السيرة والراشدين، قد يندر أن يكتفي صحابي بزوجة واحدة، أفلا يجدر بنا ونحن في هذا الواقع المرير أن نتدبر أسباب ما آل بمجتمعاتنا الإسلامية وما وصلت إليه من حال بئيس في ... جميع المجالات، وخاصة المجال الاجتماعي الذي أهمل شأنه طويلاً حتى أصبحت قضاياه ظواهر اجتماعية بارزة للعيان قد يصعب تداركها الآن بعد أن استفحل خطبها، فالله المستعان وعليه التكلان، وعسى أن تثوب هذه الأمة إلى رشدها، وتتلمس حقيقة الثغور التي تؤتى من قبلها فتسارع إلى حراستها بالنفس والنفيس. - ٣ - عزوف أغلب الفتيات عن الارتباط بالرجل المتزوج، مما ثنى كثيراً من الرجال عن التفكير في التعدد، بل والحياء من قضية عرضه، سواء في محيط أسرته أو في محيط المجتمع؛ إذ معظم الناس في مجتمعاتنا ينظر إلى القضية على أنها قضية أهواء شخصية محضة. وتفنيد ذلك يتطلب معطيات إيمانية قوية، وممارسات شرعية ظاهرة، والمقصود بذلك: ١- تصحيح المفاهيم، ببيان حقيقة التعدد والضوابط العقدية والشرعية فيه من تقوى الله ، وإخلاص التوجه إليه في الإقدام على هذا الأمر، والحرص على الذرية الصالحة، وتكثير الفئة الصالحة في المجتمع، وتحقيق العفاف لنسائه والرقي بهن إلى مصاف نساء السلف الصالح فكراً وممارسة، والأخذ بيد المرأة المسلمة إلى تقديم دينها على ما سواه في حياتها، وتحكيمها لشرع الله ورضاها به وتسليمها لما جاء به، فسعادتها في تحقيق دين الله في نفسها ومحيط أسرتها، وإن وهبها الله فقهاً في الدين فلتكن خير معين لأختها في غرس بذور الإيمان بأحكام الشرع والرضا بالتسليم بها، فكراً وممارسة، وتنقية النفوس مما من شأنه أن يثير البغضاء والشحناء، ولتعلم أن خير معين لها في ضبط سلوكياتها وانفعالاتها وتوجيه أفكارها هو التمسك بدينها والفقه فيه والعمل به، إذ به تتحقق المقاصد الإيمانية، وتتهذب النفوس والطباع، ولا غرو أن حثّ النبي ﷺ على الزواج من ذات الدين وتفضيلها من بين النساء، بقوله: (تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك) [٣] ، لأن من جعلت إيمانها نصب عينيها، وسعت جاهدة في خدمة دينها، وتيقنت أن الدنيا دار ابتلاء وفناء، وأن الآخرة هي دار القرار والبقاء، فإنها لن توصد أبواب الخير في سبيل أعراض دنيوية ومصالح ذاتية، وستحاول أن تجعل نظرتها لما شرع الله من أحكام ذات أبعاد إيمانية، تغرس في نفسها الرضا والتسليم بحكم الله ورسوله، قال تعالى: [فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيماً] [النساء ٦٥] ، وحينئذ يمكنها أن تنظر إلى قضية التعدد على أنها باب من أبواب الخير والدعوة إلى الله، فزوجها يمثل الرابط المشترك بينها وبين أختها في الله الثانية أو الثالثة أو الرابعة، وأبناؤها وأبناء أخواتها في الله هم أخوة لأب واحد، وإن أبناءه هم أبناؤها، ومن ثم فالعلاقة وثيقة قريبة، فلتتعاون هي وأخواتها في الوعي بحقيقة هذا الدين، والوعي بالتربية الإسلامية الحقّة التي يُرتجى منها جيلٌ قوي يعيد لهذه الأمة مجدها وعزتها، ولتعلم أن هذا الأمر لا يمكن أن تقوم به جهود أفراد، وأن القضية في حاجة ماسة إلى جهود جماعية واعية بصيرة، وأنّى لهذه الأمة بهذه الجهود الجماعية الفاعلة دون مشاركتك أنت، أيتها المرأة المسلمة؟ .. فالرجل الصالح يحتاج لمن يأخذ بيده ويدفعه للأمام دائماً، فما بالك إن تعاونت أنت وأخواتك على ذلك؟ .. وتعاضدتن على حسن تربية أولاده ومعاونته في ذلك، فيد الله مع الجماعة أينما كانت، والقضية قضية إيمانية في الدرجة الأولى تحتاج منك أيتها المرأة المسلمة تجرداً ذاتياً لله تعالى، وتوجهاً خالصاً في خدمة هذا الدين، وتطلعاً إلى تحقيق واقع جيل القدوة في حياتنا المعاصرة، فأمهات المؤمنين الطاهرات خير قدوة، والصحابيات العفيفات خير أسوة.. وكوني على يقين أن الله تعالى سيعوضك خيراً، ولن يضيع عملك الذي ابتغيت به وجه الله راضية مسلّمة بحكمه، مقتدية بسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من بعده، قال تعالى: [أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّنْ بَعْضٍ] [آل عمران ١٩٥] .. ٢- الحرص على الممارسات الشرعية في التعدد من قبل الطرفين الرجل والمرأة، ويقصد بذلك ضبط السلوكيات ضمن ضوابط الشريعة، وتوجيهها في إطار العقيدة، أي محاولة أن يكون الهدف من وراء التعدد من قبل الرجل، وقبول الزوجة به، ذا أبعاد إيمانية، يعلوها صدق التوجه لله في ذلك وطلب مرضاته بخدمة هذا الدين، وتحقيق العفاف في صفوف أفراد المجتمع الإسلامي، وتكثير الذرية الصالحة، وضبط الممارسات تبعاً لهذه الوجهة العقدية الشرعية والتي تكفل انضباط الأخلاقيات ضمنها على قدر رسوخها واليقين بها، والتي تجعل قبول المرأة للتعدد يتوجه للتسليم الخالص به ابتغاء مرضاة الله، وخدمة دينه، وتجعل شراكة الزوجات، شراكة إيمانية قوامها التعاون على البر والتقوى، ومعينها سعة صدر المؤمنة لكل ما من شأنه خدمة هذا الدين، والمساهمة في تربية جيل يرتجى صلاحه وفاعليته: [والْمُؤْمِنُونَ والْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ويُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] [التوبة ٧١] . فعسى الله أن يرحمنا ويعفو عن تقصيرنا في فهم هذا الدين، والوعي بعظم مقاصد شريعته، ونرجو أن يرزقنا الفقه في الدين، وتمثله فكراً وممارسة في سبيل واقع أفضل.

стр. 1340

البيان الأدبي إسلامية الأدب.. لماذا وكيف؟ (٢) د. عبد الرحمن صالح العشماوي الشبهة الثانية: يدعي بعضهم أن الأدب الإسلامي يحول بين الأديب وبين الإبداع الفني الذي يحقق المتعة للقارئ فهو أدب وعظ وإرشاد فقط، وأقول: إن الذين يطلقون هذه المقولة لا يبحثون عن الحقيقة بحثاً علمياً جاداً وإنما يتأثرون - غالباً - بما يشاع ويقال. وأذكر أن دكتوراً وأديباً وشاعراً من بلد عربي قال لي ذات يوم: إن نجيب الكيلاني يفتقر في قصصه ورواياته إلى الإبداع الفني، إنه كاتب سردي فقط وبعد نقاش بيني وبينه تبين لي أنه لم يقرأ لنجيب الكيلاني شيئاً، وإنما قرأ عنه بعض ما كتب نقاد غير منصفين ممن يختلفون مع الكيلاني في المنهج، واتفقنا أن يقرأ ذلك الدكتور رواية (عمالقة الشمال) للكيلاني، وقرأها ثم قرأ رواية (عذراء جاكرتا) للكاتب نفسه فتغير حكمه على نجيب الكيلاني من النقيض إلى النقيض.. هذه قصة حدثت أحببت أن أقدمها في بداية الرد على هذه الشبهة. وأعود إلى صلب الموضوع فأقول: الأدب الإسلامي راعى في التعريف الموضوع له جانب الإبداع الفني، فقد مر معنا في تعريفه أنه (التعبير الفني الهادف) فكلمة الفني شرط في الأدب، إذ أن من أهم الفوارق بين النص الأدبي وغيره (الإبداع الفني الذي يحقق المتعة) ، وهذا الإبداع لا يخضع لشروط مقننة محددة، وإنما هنالك إطار عام متعارف عليه في مجال الأدب يتكون من سلامة اللغة، وحسن الأسلوب، وصدق التجربة الشعورية، وجمال التصوير، ثم إن للكاتب أو الشاعر بعد ذلك أن يتفنن في أدبه بما يحقق المتعة الفنية، طولاً وقصراً، رمزاً وإيحاء أو وضوحاً ومباشرة وهذا الجانب الفني ليس وقفاً على أحد بل هو مشاع بين الأدباء على اختلاف مشاربهم ولغاتهم، يبدع فيه من يبدع ويخفق فيه من يخفق، ... وإذا تحقق في النص الأدبي ذلك الإطار العام للإبداع الفني فليس من حق أحد من النقاد أن يلغي هذا الجانب في نص ما بسبب اختلاف في المنهج والفكر. ... وعندما يعني الأدب الإسلامي بجانب الإبداع الفني فإنه لا ينطلق في ذلك من التقليد للآخرين، وإنما يعتمد على رؤية إسلامية أصيلة، عُني بها القرآن الكريم في أسلوبه المعجز. كما عني بها أشد العناية الرسول ﵊ أما القرآن الكريم فهو واضح لكل مسلم يقرؤه بتدبرٍ ولا يهجر تلاوته وتدبره منشغلاً عنه انشغالاً كلياً أو جزئياً بنصوص الأدب وأحكام النقاد قديماً وحديثاً. ولعل في كتاب (التصوير الفني في القرآن الكريم) لسيد قطب ﵀ ما يغني ... ويشفي. أما عناية الرسول ﷺ بالجانب الفني فتؤكدها الروايات الصحيحة في هذا المجال. ومن ذلك ما ورد في صحيح مسلم من أن الرسول - ﷺ دعا الشعراء إلى المنافحة عن الإسلام، فأنشده عبد الله بن رواحة فلم يُرْضِ وأنشد كعب بن مالك فلم يُرْضِ، ثم بعث إلى حسان ودعا له وقال: إن روح القدس - يعني جبريل ﵇ يؤيدك [١] ، ونتساءل هنا، ما الذي جعل الرسول ﵊ يختار حسان ويفضله على صاحبيه، مع ما نعلم من حبه ﷺ لعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك؟ إن الإجابة الشافية على هذا السؤال موجودة في كتب الأدب التي جعلت حسان بن ثابت فحلاً من فحول الشعراء، فهو من الشعراء البارزين في سوق عكاظ، وقصصه في التنافس مع فحول الشعراء معروفة، وقد ذكر ابن سلام الجمحي في طبقات فحول الشعراء أن حسان يعد أشعر أهل القرى يعني بذلك مكة والمدينة والطائف، وشعر حسان دليل على قدرته الفنية. إذن فاختيار الرسول ﷺ لحسان بن ثابت لم يكن اختياراً عشوائياً وإنما كان مبنياً على رؤية نقدية واضحة، كيف لا ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو الخبير بمواطن القوة والضغف في اللغة العربية أليس هو الذي قدّم حسان عندما جاء إليه وفد تميم، وكان حسان حينها غائباً فانتظره حتى جاء فألقى قصيدته المعروفة: إن الذوائب من فهر وإخوتهم ... قد بيّنوا سنَّةً للناس تتَّبع حتى قال وفد تميم: إن هذا الرجل المؤتى له، لخطيبه أبلغ من خطيبنا وشاعره أشعر من شاعرنا [٢] ، ومما يؤكد عناية الإسلام بالجانب الفني في الأدب ما رواه جلال الدين السيوطي في كتابه (الدر المنثور) حيث ذكر أن الصحابة قالوا لعلي ﵁: أهج شعراء المشركين، فقال لهم: استأذنوا رسول الله - ﷺ فاستأذنوه فقال لهم ﵊: ليس بذاك، ابعثوا إلى حسان. لماذا حسان؟ ؟ لأنه شاعر فحل قادر على تصريف الكلام وصياغته بأسلوب فني رفيع. ليس هناك تفسير غير هذا، ولو لم يكن مقياس الاختيار فنياً، لما اختار الرسول -عليه الصلاة والسلام- حسان وفضله هنا على عليّ، فإن ابن عمه أحب إليه وأقرب من حسان، ولكنها الإجادة في الشعر قدمت حسان بن ثابت هنا. إذن فالإبداع الفني شرط رئيس لا يمكن التنازل عنه من قبل الأديب المسلم، وهذا الإبداع متوفر في الأدب الإسلامي قديمه وحديثه وإنما تجاهله من تجاهل، وعمي عنه من عمي، خاصة بعد أن استحكمت (الشللية) في ساحة الأدب فأصبح التصنيف مبنياً على آراء شخصية، نصيب العدل والإنصاف فيها قليل. أما قضية الوعظ والإرشاد فهي من القضايا التي يظلمها كثير من النقاد المعاصرين، فهي ليست عيباً فنياً في ذاتها، وإنما تكون عيباً حينما يقف عندها الأديب فلا يتجاوزها، أو عندما يقدمها إلى الناس خالية من التصوير الفني، والأدب الإسلامي ينظر إلى النصوص الأدبية التي تحمل وعظاً وإرشاداً بمنظار فني دقيق، فإذا توافر فيها الإبداع الفني صياغة، وخيالاً وصدقاً في التجربة فهي أدب جميل، وإن كانت وعظاً، وإذا لم يتوافر لها ذلك الإبداع فهي غير مقبولة فنياً. ومما ابتلي به الناس في ظل الآراء النقدية المذبذبة بين المقاييس الغربية والعربية، أنهم إذا سمعوا حكماً نقدياً تعلقوا به دون تدقيق وتمحيص. وإلا فإن من الأدب الوعظي ما هو في قمة الإبداع الفني، وما شعر أبي العتاهية عنا ببعيد، وفرق كبير بين شاعر يتحدث عن الموت حديثاً جامداً جافاً، وبين آخر يصور لنا وقع الموت على نفسه تصويراً يدفعنا إلى التفاعل معه والتأثر به. إن الذي دفع بعض نقاد هذا الزمان إلى مواجهة فكرة الأدب الإسلامي بالرفض هو تأثرهم بالآراء النقدية الغربية والانشغال بها كلياً عن حقيقة الأدب الإسلامي، فيكون استقراؤهم للنصوص ناقصاً. ومن ثم تكون أحكامهم النقدية غير سليمة، لأنه يريدون أن يكون شاعر أو روائي إسلامي نسخة مكررة من شاعر أو روائي غربي، وهذا أمر مخالف لطبيعة البشر. إني أرى في حكم عمر بن الخطاب ﵁ على شعر زهير بن أبي سلمى رؤية نقدية جديرة بالاهتمام، وهي مرتبطة بالجانب الفني حيث وصفه بقوله: كان لا يعاظل في كلامه ولا يأتي بوحشي اللفظ ولا يمدح أحداً إلا بما فيه. ففي هذه المقولة إشارات نقدية فنية. فكلمة (عاظل) في مدلولها اللغوي تعني الاضطراب وعدم التنسيق فهي في القاموس تعني تراكم الأشياء فوق بعضها دون ترتيب، فأنت تقول: عظل الجراد، أي ركب بعضه بعضاً، وعاظل فلانٌ في كلامه، أي: عقّده ووالى بعضه فوق بعض وكرَّره، وتقول: عاظل الشاعر في القافية: أي علَّق قافية البيت بما بعده على وجه لا يستقلُّ بالإفادة، وتقول عاظل في الكلام: أي أتى بالرجيع من القول. فمعنى المعاظلة هنا إخلال بفنية القول، وذلك ما لا يقع فيه الأديب المبدع أو الشاعر المجيد، فهنا مراعاة واضحة للجانب الفني من قبل عمر بن الخطاب - ﵁، ومثل ذلك قوله: ولا يأتي بوحشي اللفظ. إنها عبارة دقيقة تدخل في صلب الإبداع الأدبي، ثم يشير عمر بن الخطاب إلى قضية أدبية مهمة تحدّث وما يزال يتحدّث عنها النقاد كثيراً، ويعدونها شرطاً من شروط الإبداع في النص الأدبي ألا وهي (صدق التجربة الشعورية) فكلمة (لا يمدح أحداً إلا بما فيه) توحي بهذا الجانب الفني المهم [٣] . ومن هنا كانت قضية (الإبداع الفني) أصيلة في الأدب الإسلامي إنها تنبع من الرؤية الإسلامية الناضجة للأدب بصفة عامة، وليس قضية عابرة، ولا أمراً وافد علينا، والأدب الإسلامي يرى أن الإبداع الفني ينبثق من التراث الإسلامي أصلاً، ثم يفيد من التجارب الحديثة، أي أنه يُبنى على قاعدة أصيلة، فهو ليس قفزاً في الهواء. وأقول: أن شبهة إهمال الأدب الإسلامي للإبداع الفني باطلة، وإنما روج لها أدونيس وأمثاله الذين لا ينظرون إلى الماضي ولا يرتبطون بتراثهم إلا بما يخدم وجهة نظرهم المحددة القائمة على التساؤل الرافض لكل شيء يمت إلى أصالة الأمة الإسلامية القائمة على الدين بصلة، وبهذا يقولون بوجوب تبني المشروع الحداثي الذي يعني أن نتساءل عن الدين والشعر ما هما، أي دين وأي شعر؟ ؟ [٤] ، [*] أما الأدب الإسلامي فهو يعرف الدين تماماً، ويعرف الشعر والأدب. ولهذا فهو يشكل نقطة الضوء التي يمكن أن يستدل بها الجيل في سراديب الأدب المعاصر المظلمة.

стр. 1341

إلى متي ؟ محمود مفلح إلى متى والليل لا يرحل ... وكلُّ هذا العهرُ لا يخجلُ؟ والساق لا تسأل عن ساقها ... والباب لا يورى ولا يقفل إلى متى والشيخ لا يرعوي ... عن غيّه، والطفلُ لا يعقل إلى متى والريحُ في أرضنا ... تعوي، وهذا الجبن يستبسل؟ والسهلُ لا يهفو إلى سهله ... والنهرُ لا نهرٌ ولا جدول والجهل يقضي بيننا واثقاً ... والعقل لا يقضي ولا يفصل **** إلى متى ينزو علينا الأسى ... والكأس من آهاتنا تثمل؟ ! وكل أهل الأرض قد مزقوا ... أكفانهم، بل سافروا واعتلوا ونحن في بحر خصوماتنا ... والنار غيرَ الودِّ لا تأكل راياتنا ألفٌ بلا عزة ... أصواتنا من بعضها تجفل! ! والبلبل الغريد لا ينتشي ... والوردُ في أكمامه يذبل وكلنا يا أمتي ظامىءٌ ... ودون هذا المنحنى المنهل.. **** يا أمتي يا أمتي إنني ... أبكي وصدري من أسً مِرجل أعزّنا الله فماذا جرى ... حتى يهون النسرُ والأجدلُ! ؟ وعندنا يا أمتي مشعلٌ ... فكيف يخبو عندنا المشعل ونحن قومٌ سادة في الورى ... ونحن من أسيادهم أفضل فكيف ينأى المجد في أرضنا ... والنصر عن أسيافنا يذهل وكيف نستنبت هذا الأذى ... وكلنا في حقده يوغل وكلما مرّت ليال بنا ... رأيتُ فيها الخطبَ يستفحل **** أضيق بالحرف وأشجانه ... فالحرف في أفواهنا حنظلُ الخيل كلّ الخيل صهالةٌ ... ما بال هذي الخيل لا تصهلُ؟ ! والناس شادوا ناطحات السما ... ونحن يغفو عندنا المعول ننام والحالُ على حالها ... (اللهو والهَيصة والبرْْطل) كم مرة همت بها أمتي ... همّتْ ورغم الهمِّ لا تفعل! كم مرة كان لنا محفلٌ ... وانفضّ عن أسراره المحفل **** القدس ما زالت على حالها ... واللدّ والرملة والكرملُ والشعب ما زال بها صامداً ... رغم العذاب المرّ يستبسل يا أمتي يا كعبةً للهدى ... يا أيها السيف الذي يُصقل ما زال نبض الحب في خافقي ... هلا يجيء القادم الأول أرنو إلى تلك الوجوه التي ... فيها يضيء الليلُ بل يرحل ما زال فينا عصبةٌ حرة ... في كلِّ يوم حبلها يُفتل تمضي ويمضي الفجر في إثرها ... فيها يُرى تاريخنا المقبلُ

стр. 1342

المسلمون والعالم مشاهدات في بلاد البخاري (٢) د. يحيى اليحيى ٣- صمود المسلمين وتحديهم للإلحاد: لقد قاوم المسلمون - ولا أعني جميع المسلمين - جميع موجات الكفر ومخططاته بعود صلب، وهمة عالية، وقناة لا تلين، وعزة بدين الله، وهذا يدل على أن أولئك القوم كانوا يحملون همّ الإسلام في قلوبهم، ومن كان يحمل همّ الإسلام في قلبه فلا بد أن يجد مجالاً ومخرجاً لتبليغ دين الله تعالى. فكان من مظاهر مقاومة المسلمين للإلحاد ما يلي: ١- عدم الاعتراف بالأسماء الرسمية إلا عند المعاملة وفي الجوازات، فلا تكاد تسمع فيما بينهم إلا الأسماء الإسلامية، بل إن كثيراً منهم لا يحفظ اسمه الرسمي فقد قابلت عدداً من الطلاب إذا سألته عن اسمه في الجواز لا يعرفه بل يخرج الجواز ويقرأه عليك! وهذا بحد ذاته تحد صارخ للشيوعية التي تفرض عليهم هذه الأسماء، ثم بعد ذلك لا يحفظونها ولايتخاطبون بها. ٢- تربية الأولاد على بغض الروس وكراهيتهم، والنفرة من عاداتهم وتقاليدهم، وهذا أمر عجيب وطيب، فالطفل مثلاً إذا سألته عن جاره الروسي تجده يبغضه وينفر منه. وقد سألت أحد الثقات هناك فقلت له: عادة التدخين بين المسلمين قليلة فلم؟ هل هذا راجع إلى قلة الدخان أم غلائه أم ماذا؟ فقال: لا، إن الناس عندنا - يعني المسلمين - يقولون: التدخين من عادة الروس ولذا فكثير منهم يتركها! ثم سألته: النساء عندكم متبرجات ومع ذلك فلم أر امرأة تقود السيارة فلماذا؟ فقال: إن قيادة السيارات من عادة الروسيات والمسلمون يكرهونها. ٣- إرضاع الأطفال بغض الشيوعية، وعداوتها وكذبها، فلقد قابلت عددا كبيراً من الطلاب - وبعد أن درسوا في مدارس الشيوعية - فإذا سألته هل أحد من أقاربك شيوعي؟ أشاح بوجهه وكره ذلك السؤال، واستغربه، وقال: أعوذ بالله، سبحان الله. ٤- تعليم الأولاد أحكام دينهم والاعتزاز به، وهذا على حسب علم أهل البيت وما تبقى عندهم من أحكام الإسلام، وأقلهم يعلم الشهادتين. ولقد قابلت عدداً من الأطفال في كثير من المدن والأحياء ووجدت التباين فيما بينهم في معرفة الإسلام، فبعضهم لا يعرف إلا الشهادتين، وبعضهم لا يعرف إلا بسم الله الرحمن الرحيم، وبعضهم يحفظ شيئاً من القرآن، وبعضهم يحفظ أسماء الله الحسنى. ومررت بمدارس قديمة في مدينة خيوة من خوارزم، وأطفال ما بين سن الثالثة والخامسة، يصعدون على شرفات هذه المدرسة، فقلت لهم - بعد أن وضعت أصبعي في أذني - الله أكبر، فما شعرت إلا وقد وضعوا أيديهم على آذانهم وبدأوا يصرخون: الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، ففرحت - يعلم الله - فرحاً عظيماً. ٥- التعليم السري، وهذا النشاط يدل على أن أولئك القوم كانوا يحملون في قلوبهم الحرقة على دين الله على الرغم من قطيعة إخوانهم لهم، ومن تجاهلهم لهم، وعلى الرغم من هذه الغربة الشديدة، ومن هذا الضغط العجيب الذي لم يسمع به، ومن فقدان المصاحف وكتب العلم، ومن الفقر وقلة ذات اليد، على الرغم من ذلك كله فقد قام عدد من المنتسبين إلى العلم بتعليم القرآن، وأحكام الإسلام، سراً تحت السراديب في حجرات في بيوتهم، وهذا التعليم يتقرب صاحبه به إلى الله تعالى لا يريد من أحد جزاء ولا شكوراً، فالطالب يسكن في البيت ويأكل ويشرب وينام ويلبس كل ذلك على حساب صاحب الحجرة. وقد قام نظام الحجرات على تكليف الأخيار سواء كانوا طلاب علم، أو محبين للخير بأن يضم إليه طالبين أو ثلاثة ولا يزيد عن خمسة، فإن كان طالب علم فيقوم بتعليمهم كتاب الله، وأحكام الصلاة والصيام والأحكام الضرورية، ثم يعلمه سيرة النبي ﷺ وخلفائه الراشدين، ثم يعلمه اللغة العربية والصرف والنحو. ويشترط أن يكون الطالب من الغرباء، فلا يكون من نفس المدينة أو القرية، فمثلاً إذا كان المدرس في جمهورية أوزبكستان فالطالب يأتيه من طاجكستان أو من غيرها، بل إنني وجدت في بعض الحجرات طلاباً يبعدون عن أهلهم بمسافة تقدر بآلاف الكيلو مترات، وغالباً ما يكون هؤلاء الشباب ممن تخرجوا من المدارس الثانوية الحكومية الإلزامية، وذلك أن الدراسة الجامعية عندهم ليست إلزامية، بل تأخذ الجامعات رسوماً على الطالب، وهؤلاء الشباب الغرباء يجلسون عند الشيخ في الغرفة مدة ثلاث سنوات، لا يزور أهله إلا في الصيف، ولا يخرج من هذه الغرفة الصغيرة إلا مرة واحدة في الاسبوع للاستحمام - لأن بيوتهم لا يوجد فيها حمامات - ولقد دخلت بعض هذه الحجرات فرأيت من صبرهم وجلدهم على التعلم أمراً عجيباً، يفتقده كثير من طلاب العلم في العالم الإسلامي، تجد شاباً في سن السادسة عشرة أو أكثر جالساً في غرفة مظلمة، والكتاب بين يديه، وليس للتعليم عندهم وقت محدود فمتى ما زرتهم تجدهم عاكفين على التعلم، وقت الصباح والظهر والعصر والعشاء وآخر الليل! ! أما إن كان صاحب البيت ليس عنده علم فإن الطلاب يسكنون عنده ويعطون الكتب للدراسة، ثم يأتي الأستاذ إليهم مرة واحدة في اليوم أو اليومين أو أكثر حسب بعد المنطقة، وهكذا يمر في سائر الحجرات، فيلتقي معهم في ساعة متأخرة من الليل خوفاً من أن يطلع أحد عليه فيدارسهم القرآن والسنة، وباقي الدروس. هذا دأبهم في التعليم منذ سنين طويلة، ولا يعلم بهم أحد حتى جارهم في البيت، وقد قابلت عدداً كبيراً من هؤلاء الطلاب فوجدت بعضهم يحفظ كامل القرآن حفظاً جيداً، ولما سألت بعضهم كيف حفظت القرآن؟ قال: في الحجرة، في جمهورية كذا. قلت له: أليس في هذه الجمهورية التي تسكن فيها حجرات، قال: بلى، ولكن العلم لا بد له من الغربة، فقلت: على يد من تعلمت؟ قال: على يد الشيخ عبد الله، قلت: من عبد الله؟ قال: لا أعرفه هذا عندنا عيب، نعم مدة ثلاث سنوات لا يعرف شيخه وذلك حتى لا تكتشفهم المخابرات. وهذه الطريقة في التعليم شاملة للجنسين الذكور والإناث، فالمرأة في بيتها وحجرتها بنات تدرسهن، والأب في حجرته شباب يدرسهم. وبعد الانفتاح خرج من هذه الحجرات آلاف الطلاب وكلهم يحمل مؤهلاً لا بأس به من المعرفة، على الأقل مما يعلم من الدين بالضرورة، وعلى حفظ قسط طيب من كتاب الله . ٦- تربية الأولاد على حب العربية لغة القرآن، فالأب والأم يربون الأطفال على حب اللغة العربية وتقديرها، وبعضهم لا يعرفها ولم يسبق له أن رأى الحروف العربية. وقد حدثني رجل ثقة فقال: كنت ابن عشر سنين فوجدت ورقة مكتوب فيها بالحروف العربية وقد طرحت على الأرض فأخذتها، ثم بكيت، وذهبت بها أجري إلى أمي وأقول: هذه أحرف القرآن لا يحترمونها بل يلقونها على الأرض، فأخذتها أمي وطيبتها - وكان لنا صندوق فيه مصحف - فوضعتها في المصحف، فلما عرفت العربية وكبرت فتحت المصحف وأخذت الورقة فإذا هي أنباء موسكو بالعربية! ! إن هذا الصمود ليس شاملاً لجميع المسلمين بل لنسبة كبيرة منهم، فلقد قابلت عدداً كبيراً من المسلمين لا يعرفون شيئاً عن الإسلام إلا مجرد الانتساب إليه بالاسم أو النسب. - يتبع -

стр. 1343

الإبعاد [وعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ] د. عبد الله عمر سلطان اليهود كانت ولا تزال أمة تنتشي بقتل الأطهار وتحتفل بملاحقة الصالحين..، أمة قتلت أنبياءها، وطاردت صالحيها، وأدارت ظهرها مرة بعد مرة لقوافل الرسل الكرام والأنبياء الأطهار، الذين أرسلوا لها ليثنوها عن غيها ويرشدوها إلى أفق الاستقامة ودرب النور.. هذا أمسها.. وهذا يومها شاهد على أنها الأمة المغضوب عليها.. الصالحون الداعون إلى ربهم كان طريقهم حطباً في الطريق، وسلىً يلقى على الأعقاب وطرداً من الديار هرباً بالدين والمبدأ.. هذا لوط ﵇ يخرجه قومه: [أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ] والمتطهرون من أتباع نبينا -عليه أفضل الصلاة والسلام- خرجوا مهاجرين إلى الحبشة مرتين وإلى يثرب حيث كانت من الحمى تستوطن ويهود تتآمر في هجرة الظفر والنصر .. هذا كان قدرهم وقدر هؤلاء الفتية الذين أتى بهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مجندلين يوم الحديبية. روى البخاري (وبينما هم كذلك - في مناقشة بعد الصلح -إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى نفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده إلي بموجب الاتفاق، فقال ﷺ : إنا لم نقض الكتاب بعد، فقال: إذاً لم أصالحك على شيء أبداً، فقال النبي فأجزه لي. قال ما أنا بمجيزه لك، قال: بلى فافعل، قال: ما أنا بفاعل، قال: مكرز بل قد أجزناه لك، قال أبو جندل: أي معشر المسلمين، أرد إلى المشركين وقد جئت مسلماً ألا ترون ما لقيت، وقد عذب عذاباً شديداً في الله) .... ثم انطلق هؤلاء ... الأبطال هاجرين ديارهم في مكة مترصدين لعير وتجارة قريش في تلك البقعة النائية على ساحل البحر الأحمر، حتى كان هذا الإبعاد إرهاصاً لفتح مبين.. وفي كل رحلة غربة وقافلة إبعاد ترفع التكبير كان النصر يأتي مع الصبر ويعقب العسر اليسر.. وفق سنن العزيز الرحيم. اليوم يستطيل يهود ومن خلفهم العالم النصراني الغربي المتواطىء ويقومون بنفس الجريمة التي تحرمها قوانينهم ومواثيقهم التي لا تساوي قيمة الحبر الذي كتبت به.. لكنهم في خضم الخوف من اشتعال الإيمان في الصدور، والجهاد في الأعضاء، ينسون أن المعركة منذ هذه اللحظة دارت واستدارت وتوجهت نحو أفق بديل.. ولم تعد معركة إسرائيل مع منظمات تطرح العلمانية حلاً أو الشيوعية خلاصاً أو التطبيع رهاناً، أو أي مذهب آخر ساقط كمخرج لقضية المسلمين الأولى.. كلا وفي ظروف دولية وإقليمية متجددة يماط اللثام مرة أخرى عن الإسلام، فإذا هو ماثل في صورة طفل ينازل يهود وهو يزلزلهم بآيات البقرة، أو شيخ وهو يحمل قنبلة مولتوف يقذفها في وجههم وهو يتمتم بأرجوزة ابن رواحة: فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا أو امرأة صبرت واحتسبت وقامت بتربية تسعة رجال كل واحد منهم تعده ذخراً لقضية الإسلام شوكة في حلق اللئام.. لقد استجمعت الأمة قواها في ظل التوحيد، واختارت أن تعيد سيرة رجالات الإسلام الأفذاذ الذين ضحوا ويضحون في سبيل القدس، لا لكونها حجراً أو شجراً أو قطعة أرض، فهذا ما راهن عليه المارقون وحاولوا أن يجمعوا الفلسطينيين عليه لعقود، لكن أبناء الإسلام تلوح لهم المساجد والمآذن وشجر الزيتون والإذخر، فيحيوها في أذهانهم رموزاً لمواطن المعركة ومسارح لساح الجهاد الذي ينتظرهم.. إيجابيات.. ككل فعل بشري، وقدر ماض، كان حدث الإبعاد مزيجاً من الإيجابيات والسلبيات التي نرجو أن تتحول إلى كم من الإيجابيات هائل، وقدر ضئيل من السلبيات لا نملك إلا المدافعة والمحاولة لتغيير مسارها. * إن أبرز إيجابيات الإبعاد تحويل مسار الصراع من بعده العلماني كصراع حول الأرض والشجر، إلى منازلة عقيدة ودفع بين الحق المجاهد والباطل المستكبر..، لقد ظلت صيحات الدعاة خافتة لزمن طال، أما اليوم فإن الأعداء يدركون أن الصراع قد اختط زاوية أخرى تحمل في طياتها كما قال رابين خطراً داهماً على الكيان الصهيوني. * ومن إيجابيات الإبعاد هذا الدرس العملي الذي تسابقت وسائل الإعلام الغربية على نقله وتصويره، صورة معبرة للمبعدين وهم صابرون مصابرون بروح عالية وإصرار على المكوث في هذا الجرد الموحش لا يؤنس وحدتهم إلا صلاة أو ذكر أو دعاء..! * تقديم صورة جديدة لقيادات لا تعرف الترف ولا المتاجرة بقضية شعبها، إن شعوبنا ملت تجرع الهزائم وكرهت ملامح هؤلاء الذين تحولوا من صعاليك إلى أباطرة عبر تقديم التنازلات تلو التنازلات.. أما هؤلاء فيشرعون في رسم مشروع بطولة ومصابرة تحتاجها الأمة وهي ترى العارض المستقبل أوديتها وفيه ريح تطبيع مدمر! * في الوقت الذي تتعالى فيه أصوات سماسرة التطبيع مع اليهود والمنادين بالصلح مع إخوان القردة والخنازير وعبد الطاغوت، يعري المجاهدون المبعدون هؤلاء العتاة، ويحذرون الأمة بلسان المقال من خطورة الإقدام على هذا الصلح مع قوم لا يعرفون عهداً، ولا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة. * أما أمم (بطرس) المتحدة فأبت إلا أن تثبت لنا وللمشككين في نواياها ... (وهم كثر) أنها حرب على كل طاهر وصالح من خلايا الأمة الإسلامية المستهدفة، ويأبى الله إلا أن يفضح بطرس وأسياده فهو كان على بعد ساعة من مقر قيادة حكومة الصهاينة كان في القاهرة ومقاديشو وأديس بابا، ولم يكلف نفسه عناء السفر أو التصريح بشيء من عباراته البطولية التي يطلقها في وجه المحاربين للنفوذ الأمريكي والغربي.. وإذا كان نصفك يهودي يا بطرس، هل تأتي هذه الحادثة إلا لتكشف لنا عن خبث نصفك الآخر؟ * وإذا تطرقنا إلى الساحة العربية فإننا لا نجد إلا عجزاً وهواناً.. الأسلوب المشروخ هو ذات الأسلوب.. شجب، استنكار، إدانة ثم إذا جد الجد.. إصرار على خوض المفاوضات التي وصلت إلى طريق مسدود، فطريق العجز يردي، والضعفاء كالمعاقين لا يقدرون على الركض في دروب الجهاد.. وسلبيات.. * تدرك الدولة الصهيونية أهمية القيادة ودور الرموز، لذا فإنها سارعت إلى إبعاد قيادات العمل الإسلامي في أول مناسبة بُعيد قتل المجند اليهودي، ولأنها لا تحتمل وجود عمل إسلامي منظم وقوي فإنها سارعت إلى هذه الخطوة التي قد تؤثر سلباً على انتشار الحل الإسلامي بين أوساط الشعب الفلسطيني، وهذا يقتضي إنشاء قيادات بديلة تستعين بالكتمان وطول النفس في مواجهتها مع الأعداء و (بعض) الأصدقاء! * سارعت المنظمة إلى المزايدة على أحداث الإبعاد وتصويره أنه من بطولاتها (فبطولاتها خارقة للغاية) ، وفي الوقت الذي طالب رئيسها الهرم عبر ... صحافة اليهود بقتل (الجناة) الذين قتلوا الجندي اليهودي، كان يجري مباحثات مع قادة حركة حماس من أجل التنسيق ونصب فخاخ المشاركة في هيكل منظمته العلمانية..، إن الدخول مع هذه المنظمة المفلسة واقعاً ومعتقداً منعطف خطير ينبغي على الحركة الإسلامية أن تعيد النظر فيه، وهذه السلبية اصبحت حدثاً متوقعاً على الدوام في إطار عجز الخطاب العربي وخوائه. فكما تنبأ العديد من الإسلاميين سارعت طهران إلى ركوب الموجة الفلسطينية الجهادية واستغلالها في نفس الوقت الذي كشفت فيه الأنباء خلال نفس الفترة عن صفقة سلاح إسرائيلية- إيرانية عن طريق كوريا الجنوبية، وهذا دليل آخر على النفاق الرافضي الذي يرضي البسطاء بتقديم الجعجعة الإعلامية، بينما يأكل اليهود الطحين الإيراني كما فعلوا من قبل، إن السلوك الإيراني بحاجة إلى دراسات خصوصاً على الساحة الفلسطينية التي ينبغي على المخلصين فيها أن يسترجعوا دروس القضية الأفغانية وموقف إيران الإجرامي حيالها، أو ما كشفت عنه الأنباء المتواترة عن تقديم كلاشنكوفات وأسلحة (رمزية) لمسلمي البوسنة في العلن، بينما يزود نظام الملالي الصرب بالنفط القادر على سحق أبناء السنة من البوسنيين. كلما مر يوم على المبعدين الصابرين في الجرد الموحش كشف لنا عن درس إيجابي أو نقطة ضعف قاتلة، ولكن مجمل المسار لقضية الإبعاد هو مسار إيجابي عسى أن يتحقق فيه قول الحق : [فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً ويَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً] ، ولعلهم أن يكونوا أحفاداً لأبي جندل وصحبه.

стр. 1344

طاجكستان مأساة جديدة د. مالك الأحمد توطئة: تقع طاجكستان في أقصى الجنوب الشرقي للاتحاد السوفييتي (سابقاً) وتشترك بحدود مع الكثير من الدول وأهمها أوزبكستان من الشمال وأفغانستان من الجنوب، إضافة إلى الصين وقرقيزيا وكازخستان. وهي بلد جبلي في معظمه يسكنه أكثر من خمسة ملايين نسمة أكثرهم من الطاجيك، ثم الأوزبك، بالإضافة إلى أقليات عرقية أخرى. واللغة القومية هي الطاجيكية وهي فارسية الأصل، لكن اللغة السائدة هي الروسية. والبلد غني بموارده الطبيعية والغلال والثروات المعدنية والتي من أهمها اليورانيوم. والسكان غالبيتهم من السنة ويوجد أقلية من الإسماعيلية. والبلد صغير المساحة بلا جيش - كحال الجمهوريات الأخرى - لكن الجيش الروسي هو الذي يحمي الحدود ويسيطر على المراكز الرئيسية سواء في العاصمة (دوشنبه) أو المدن الأخرى، وقيادته بيد يلتسن شخصياً. والبلد يتميز بخصائص هامة جعلته محط الأنظار ولعل أهمها: - قوة الشعور الإسلامي (القومي) لدى الناس، وتمسك الناس بالتقاليد المحلية وثوراتهم المبكرة ضد الروس في أوائل القرن الحالي، وكذلك الثقافة العالية لدى الكثيرين خصوصاً في الشمال، والوحدة الإسلامية رغم اختلاف الأعراق. - وجود حدود طويلة مع أفغانستان، مما قد يسبب خطورة عند قيام دولة إسلامية قوية فيها. - وجود نشاط إسلامي قوي وموحد تحت قيادة حزب النهضة الإسلامي. الأزمة وتطور الأحداث: استقلت الجمهورية عن الاتحاد السوفييتي سابقاً في سبتمبر ١٩٩١ بعد ما يقارب الـ ١٣٠ عاماً من الاستعمار الروسي، وتنفست الصعداء، وخرج طلاب العلم من الأقبية المظلمة التي اضطروا إليها سنين طويلة كي يحافظوا على دينهم وعلى لغتهم العربية، ونشطوا في الدعوة والتعليم وأقبلت عليهم الأمة بقلوب عطشى بعد عقود من التجهيل. لكن الحكم استمر بيد الشيوعيين مستخدمين نفس سياساتهم السابقة مع تحوير طفيف دون أن يغيروا عباءتهم كما فعل أشياعهم في الجمهوريات الأخرى واستمروا في سيطرتهم على كافة المنظمات الشبابية والنقابات والإعلام والمراكز الهامة في الدولة. ومجاراة لتطور الأحداث، قاموا بعمل انتخابات (مزورة) في أواخر ١٩٩١ وفاز فيها رأس الشيوعية في البلاد نبييف والمدعوم من حزبه الشيوعي، ونتيجة لذلك تحركت أحزاب المعارضة الوليدة ممثلة بحزب النهضة الإسلامي وهو الغالب، ومعه الحزب الديمقراطي والحركة الشعبية (حزب قومي) مطالبة الرئيس بالتنحي عن الحكم، وقادت هذه الأحزاب مظاهرات حاشدة فاضطر الرئيس نتيجة الضغوط لتقديم بعض التنازلات، وشكلت حكومة ائتلافية شاركت فيها المعارضة مع الحكومة، مع وعد بإقامة انتخابات برلمانية (البرلمان ما زال تحت سيطرة الشيوعيين) ، لكن الرئيس نكث بوعوده، فتحركت الجماهير بالآلاف بتوجيه من المعارضة وحاصرت القصر الرئاسي ما يقارب الشهرين حتى اضطر الرئيس للتنازل والهرب بعد ذلك.. تكونت حكومة جديدة مؤقتة من المعارضة وبعض الشيوعيين (المعتدلين) وحصل دولت عثمان (من حزب النهضة) على منصب نائب الرئيس مع أنه لم تكن للحكومة قوة فعلية ولا سيطرة على الشارع، فالقوة الحقيقية كانت للمليشيات الشيوعية المسلحة والمنظمة والتي انسحبت بعد فرار نبييف وتجمعت في منطقة كولاب، وانضم إليها الكثير من عتاة الإجرام الذين أخرجوا من السجون وبدأوا بالتحرك للسيطرة على المناطق القريبة منهم، وهاجموا كرغينة معقل الإسلاميين الذين لم يكونوا على استعداد للمواجهة، ورغم ذلك استطاعوا إيقاف الشيوعيين مرات عديدة بأسلحتهم الخفيفة. تطورت الأحداث بعد ذلك سريعاً حيث اجتمع البرلمان (الشيوعي) وخلع الرئيس وأسقط الحكومة، ثم تكونت حكومة جديدة ليس للإسلاميين فيها وجود، وضمت المليشيات الشيوعية للحكومة وأصبح الإسلاميون (حزب النهضة) عناصر خارج النظام، حيث بدأت مطاردتهم في كافة البلاد، وحدثت مجازر رهيبة بحقهم، لدرجة أن بعض الصحف الغربية كتبت تقارير حول ذلك، فطلبت الحكومة مراقبين من الأمم المتحدة لمتابعة الأوضاع في البلاد حتى تنفي عن نفسها مسؤولية المجازر التي وقعت للمعارضة وبخاصة الإسلاميين. دور المفتي: المفتي ورئيس الإدارة الدينية أكبر تورجان زاده لعب دوراً خطيراً في الأحداث، فهو ابتداء من الوضع الشيوعي السابق، معروف بتقلبه ومواقفه المتعارضة، فتارة مع الشيوعيين وتارة مع المعارضة وأحياناً يلعب دور الوسيط، وفي مرحلة لاحقة ساعد على تصعيد المواجهة بين الطرفين (وهو يخبر الأجانب أنه يريد دولة هيكلها علماني وروحها إسلامية، وتلتزم بمعايير حقوق الإنسان الدولية! ! لكنه لا يتحدث بشأن هذه الآراء بصراحة مع الحركة الإسلامية) [١] . مواقف الدول الخارجية: - أوزبكستان: وتعتبر من أخطر الدول ودورها خبيث للغاية، فهي دولة علمانية صرفة بأسلوب دول العالم الثالث، وتعلن ذلك بصراحة وتحارب الإسلام في عقر داره، وكانت مواقفها خلال الأزمة مؤثرة وخطيرة، حيث قامت بدور إعلامي رئيسي في الأزمة تمثل في تشويه صورة الإسلاميين من حزب النهضة، ووصفتهم بالتطرف والإرهاب والوهابية (التي يبغضها الناس ولا يعلمون ما هي) وتعتم على أخبار المجازر، وتهون من خطورة الأحداث، وأخبارها دائماً في مصلحة الشيوعيين، وعند تأزم الأحداث أقفلت الحدود مع طاجكستان لحصار الناس ومنعهم من الهرب وبالتالي نقل حقيقة ما يجري للناس هناك، وقطعت الاتصالات والطرق، والقطارات والطيران، ودعمت عسكرياً الشيوعيين وطاردت من فر من الإسلاميين لأوزبكستان، بالإضافة لحصارها للإسلاميين الأوزبكيين، وختمت ذلك بالقبض على رئيس حزب النهضة في أوزبكستان عبد الله أوته وما زال مصيره مجهولاً. - روسيا: كان للروس دور هام وخبيث وإن كان بشكل غير مباشر حيث أن موسكو تعتبر مصدراً رئيسياً للأخبار والمعلومات. قامت روسيا بتشويه صورة الإسلاميين ووصفتهم - كأوزبكستان - بالوهابية والأصولية وأنهم يقاتلون المسلمين، وهيأت الناس للتدخل في حال تعرض الجالية الروسية في طاجكستان للخطر. أما في الجانب العسكري فقد قامت قواتها بحجز الإسلاميين عن الشيوعيين في بداية الأحداث عندما كانوا يطاردونهم، وأوقفت الإسلاميين في كثير من المواقع، ثم قامت في مرحلة لاحقة بالدعم العسكري المباشر للشيوعيين، وزودتهم بأحدث الأسلحة، وشارك بعض الجنود في القتال، وقامت القوات الروسية بإغلاق الحدود مع أفغانستان لمنع تنقل الإسلاميين أيام الأحداث وفرارهم آخر الأمر. - الدور الغربي: تعتبر أمريكا ذات دور هام في دول آسيا الوسطى حيث لها سفارة تتابع أحداث المنطقة عن كثب، وقامت أثناء الأحداث بمد أنصار نبييف الشيوعيين بالأسلحة حيث هبطت طائرات نقل أمريكية في كولاب مباشرة تحت غطاء المساعدات الإنسانية. - أما الدول العربية والإسلامية فكان دورها سليباً كالعادة، عدا إيران الرافضة والتى تحمي مصالحها فقط.. نتائج الأحداث: * حدثت مجازر رهيبة بحق المسلمين والإسلاميين من حزب النهضة على وجه الخصوص - وتقدر بين ١٢. ٠٠٠ - ٢٠. ٠٠٠ بالإضافة لآلاف قتلوا أثناء هربهم من الأحداث، بما فيهم من شيوخ ونساء وأطفال بأيدي الشيوعيين ومسانديهم من الروس، وغرق المئات في نهر جيحون أثناء الفرار، والهجرة القسرية لأعداد كبيرة من العائلات التي تضررت بالأحداث خصوصاً في جنوب البلاد إلى أفغانستان (يقدرون بمائتي ألف نسمة) وهم يعيشون في وضع سيء للغاية من برد شديد، انعدام للمؤن والألبسة والخيام. * توقف جميع الأنشطة الإسلامية وحلقات العلم، وفرار الكثير من طلبة العلم إلى البلاد المجاورة والتخفي. * الملاحقة أو القتل والتعذيب اليومي لأي شخص اشترك في المظاهرات أو ينتمى لحزب النهضة. * تدمير وحرق ونهب مناطق الإسلاميين. * توقف أنشطة البلاد الاقتصادية والأعمال والمدارس ودمار في كثير من مرافق البلد. تقويم للأحداث: - المرتدون من العلمانيين والشيوعيين يمثلون أكبر خطر على الأمة وعداوتهم لهذا الدين وأهله متأصلة في نفوسهم وهم لا يرعوون عن ارتكاب الجرائم والقتل والاغتصاب للحفاظ على مصالحهم، ويتحالفون مع أعداء الأمة الخارجيين كالنصارى واليهود وغيرهم لوأد المسلمين في ديارهم. - الغرب والشرق على السواء لا يمكن أن يقفوا مكتوفي الأيدي أمام قيام دولة إسلامية، وسيبذلون وسعهم للحيلولة دون ذلك إن ظهرت بوادره (مثال البوسنة والهرسك) . - سلامة المنهج ووضوح الراية ركن أساسي في العمل السياسي للمسلمين أما دخول الإسلاميين في تحالفات مع أعداء الله الذين لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة أو مشاركة في حكومات مختلطة فإنه خلل في المنهج وعواقبه - إن دخول الإسلاميين في اللعبة السياسية قبل أن يشتد عودهم خطر كبير على الدعوة وآثاره لن تزول بسهولة، وكذلك اعتمادهم على جماهير غير واعية ولم تتربَّ تربية سليمة، وإن الأمة تحتاج لجهود ضخمة من الإعداد والتربية الإيمانية والجهادية قبل خوض المعركة مع أعدائها. - وإيران خطر مستفحل وأثرها في طاجكستان ملموس نظراً لوجود اللغة المشتركة وقد استفادت كثيراً من تقاعس أهل السنة، وإخواننا في حزب النهضة اكتشفوا - أخيراً - حقيقتهم بعد أن وثقوا بهم في السنين الماضية، ولا أدل من موقفهم السلبي تجاه الأحداث وكأنها لا تعنيهم. وأخيراً نقول إن المأساة الدامية التي عاشتها الأمة في طاجكستان قدر من الله وابتلاء وامتحان، ونسأل الله ألا تكون عقوبة لهم. إن الأزمات دروس للأمة لترتيب الصفوف ومتابعة الخلل وتصحيح الأخطاء والانتباه للمستقبل، وفي ظني أن الدعوة - في عموم الجمهوريات الإسلامية - سوف تكون تحت مجهر الأعداء ولن يدعوا الأمور تصل إلى ما وصلت إليه في طاجكستان، فالأمر سباق بين دعاة الإسلام ودعاة العلمنة، فأيهم يسبق؟

стр. 1345

هل يعود الشيوعيون إلى السلطة في كابول أحمد الإدلبي يتخوف بعض المراقبين الأفغان أن يؤدي الوضع المتدهور وغير المستقر في العاصمة كابل بشكل خاص وأفغانستان بشكل عام إلى عودة الشيوعيين إلى السلطة كما حصل في دوشنبه عاصمة طاجكستان مؤخراً وذلك بعد أن حكمت المعارضة لمدة ستة أشهر. المعلومات المتوفرة تشير إلى أن حزب الوطن الشيوعي والذي يضم جناحي الحزب الشيوعي خلق وبرشم، عقد اجتماعاً لقيادته المركزية قبل سقوط نجيب الله في أبريل الماضي، وقرروا التوزع في أحزاب المجاهدين وبقية المليشيات الأوزبكية بزعامة الجنرال عبد الرشيد دوستم التي تحالفت إلى جانب المليشيات الإسماعيلية وحزب الوحدة الشيعي مع أحمد شاه مسعود، ويلعب الرئيس بابراك كارمل الدور الأساسي في هذا التحالف، وكان الهدف المشترك لكل عناصر التحالف إبعاد الحزب الإسلامي عن السلطة، لكن مع مرور الوقت وإدراك الجميع قوة الحزب الإسلامي، خاصة في معارك أغسطس الماضي عندما فشلت كل عناصر التحالف في إبعاد الحزب عن كابل، بل استطاع التقدم عدة كيلومترات نحو العاصمة. ومع رفض رباني التنحي عن السلطة مع انتهاء فترة ولايته للسلطة وإصراره على عقد مجلس أهل الحل والعقد الذي أثار الشكوك بين الأفغان لرفض خمسة أحزاب رئيسية لعقد هذا المجلس، وقد وقف الشيخ سياف بشكل واضح إلى جانب رباني وهو موقف يثير تساؤلات عدة. حاول حكمتيار كسر التحالف الأخير فقام بتشجيع أي قتال بين عناصر التحالف حتى وقع الاقتتال بين مسعود وحزب الوحدة في ديسمبر الماضي نجم عنه تدمير العديد من مناطق الشيعة حيث وجد علاء الدين برجوردي نائب وزير الخارجية الإيراني من الصعب أن يعيد اللحمة بين الطرفين مرة ثانية رغم زيارتين قام بهما إلى كابل عقب وصول رباني إلى السلطة، وقد التزم حكمتيار الصمت حالياً حيال المليشيات حيث اكتفى بالمطالبة في حل كل قطاعات بقايا النظام الشيوعي السابق، ولم يتحدث عن المليشيات أبداً، حتى أنه في تهديده الأخير هدد الحكومة بأنه ما لم تقم بالإفراج عن أسرى الحزب الإسلامي الذين بحوزة الحكومة منذ أبريل الماضي فسيعمد الحزب إلى إسقاط أي طائرة تحلق في سماء كابل أو تقلع من مطار بغرام أو كابل الدولي، ولم يهدد بقصف الطائرات الجاثمة على أرض المطار حتى لا يُعد هذا هجوماً على مواقع المليشيات. وحسب قول المهندس حكمتيار فقد وضع ثلاثة شروط للمليشيات حتى يتعاون معها: التخلي عن مواقع (بالاحصار، وتبة مهراجان، والمطار الدولي) وهي مواقع استراتيجية من يتحكم بها يستطيع السيطرة على كابل.. ويبدو أن استمرار الوضع بهذا الشكل دون رجحان لهذه الكفة أو تلك سيصعد المواجهة بين حكمتيار والأحزاب الأخرى خاصة بعد القتال الأخير بين قوات حكمتيار وسياف حول كابل حيث إن قوة الأحزاب الشيوعية لم تمس ورغم هروب قادتها فإنها لم تستقر في كراتشي أو إسلام آباد وإنما فضلت البقاء في بيشاور رغم تعرضها للخطر مما يشير إلى عزمهم على تنظيم أنفسهم مرة ثانية.

стр. 1346

أخبار الجهاد والدعوة في الفلبين لجنة الإعلام الخارجي في جبهة تحرير مورو الإسلامية تصاعدت المعارك بين مجاهدي جبهة تحرير مورو الإسلامية بقيادة أميرهم الأخ الأستاذ سلامات هاشم وبين جنود القوات المسلحة الفلبينية منذ أواخر الأسبوع الأول لهذا الشهر (جمادى الأولى ١٤١٣ هـ) . وقد حشد العدو عدداً كبيراً من جنوده المدعمين بالمدفعية الثقيلة في الجبهات القتالية المتاخمة لحدود محافظات لانا الجنوبية وماجنداناو وكوتياتو الشمالية يوم الثلاثاء ٩ جمادى الأولى١٤١٣هـ. وشعر المجاهدون أن جنود العدو كانوا يستعدون للهجوم، فتسلل بعض فصائلهم وراء العدو وهجموا عليهم من الوراء بالقنابل اليدوية والقاذفات والبنادق الاوتوماتيكية السريعة بعد صلاة الفجر مباشرة من يوم الأربعاء ١٠ جمادى الأولى ١٤١٣ هـ. وقتل ثلاثة وأربعون منهم - أي العدو - في الحال وأصيب عدد منهم، وواصل المجاهدون هجومهم لعدة ساعات وتمكنوا من تشتيت صف العدو وإضعاف معنوياتهم مما أدى إلى تقهقرهم ولم يتمكنوا من تنفيذ خطتهم للهجوم على المجاهدين واستمر بعد ذلك تبادل القصف بالمدفعية إلى اليوم التالي (الخميس ١١ جمادى الأولى ١٤١٣ هـ) وأما المجاهدون فقد استشهد أحدهم وأصيب بعضهم. وقد دارت المعارك الشديدة بين الجانبين خلال الاجتماع الدوري العام الحادي عشر المنعقد في الفترة بين (٨-١١ جمادى الأولى ١٤١٣ هـ) لجبهة تحرير مورو الإسلامية بقاعدة أبي بكر الصديق حيث مقر القيادة العامة للجهاد الإسلامي في جنوب الفلبين. والمعارك في الجبهات القتالية المذكورة أمر عادي والاشتباكات وتبادل إطلاق النار مستمر، وتشتد المعارك حيناً وتتضاءل حيناً آخر، والمجاهدون ثابتون في خنادقهم يتناوبون منذ أوائل العام الهجري الماضي (١٤١٢) . لمحة عن الاجتماع الدوري العام: هو اجتماع سنوي يحضره كل من اللجنة المركزية لتحرير مورو الإسلامية ومجلس الشورى ومجلس الجهاد التنفيذي ومندوبون عن اللجان والقيادات الإقليمية في المحافظات المختلفة في مناطق مورو للتشاور والمشاركة في وضع سياسة عامة وخطة للجبهة وبرنامج للعمل تطبيقاً لقوله تعالى: [وأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ] . ومن أهم القرارات التي اتخذت: - تأكيد القرارات السابقة بأن هدف جبهة تحرير مورو الإسلامية هو إقامة دولة الإسلام في أرض مورو وتحكم بكتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-. - وإن الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله بالمال والنفس وبجميع ما تملكه من الأمور المعنوية والعقلية والمادية هو طريقنا للوصول إلى الهدف. - وأن ما يسمى بالحلول السلمية أو السياسية من الحيل التي يلجأ إليها الأعداء لخداع المسلمين، لذلك لا وسيلة للوصول إلى الهدف إلا الجهاد في سيبل الله بمعنى القتال، ولا وسيلة إلا القوة لردع الباطل.

стр. 1347

الملف الإعلامي أخبار * أكدت مصادر دبلوماسية في أسمرا أن الرئيس الاريتري، المؤقت أسياس أفورقي توجه إلى تل أبيب للعلاج من الملاريا الدماغية وأوضحت أن الجهات الاريترية المسؤولة تمتنع عن ذكر أسباب (اختفائه) منذ الثلاثاء واعتذاره عن عدم لقاء الأمين العام للأم المتحدة الدكتور بطرس غالي الذي زار البلاد. الحياة ٨ / ١ / ١٩٩٣ * مصادر أفريقية مطلعة تؤكد أن جماعة القس مون اليمينية المتطرفة - وهي على علاقة وثيقة بفئات يمينية متطرفة في الولايات المتحدة الأمريكية والقارة الأمريكية بمجملها - بدأت تحركاً واسعاً للتغلغل في القارة الأفريقية، خصوصاً في الجزائر وتونس والمغرب، بالإضافة إلى شاطىء العاج وتوغو وزائير وأفريقيا الجنوبية. ينطلق القس مون الذي يمول مجموعة أحزاب وصحف في أوربا وأميركا، من شركات تجارية ضخمة أسس الأولى منها في كوريا الجنوبية عام ١٩٥٩، وهو يدير حالياً (أعماله) من مكاتبه الجديدة في جنيف حيث انتقل مؤخراَ مستعيضاً عن مقره الدائم في زيوريخ. الأسبوع العربي ١١/١/١٩٩٣ * آخر تقارير أمنية في أكثر من عاصمة أوربية غربية يؤكد أن التعاون العسكري بين القيادة الصربية وإسرائيل في تنام ملحوظ وأن الطرف الآخر المستعد لدخول هذه الحلبة (الودية) هو روسيا. الأسبوع العربي ١١/١/١٩٩٣

стр. 1348

متابعات الصحف الغربية ومسألة البوسنة جاء في افتتاحية الديلي ميل [١] البريطانية بتاريخ ٦/١٢/١٩٩٢ ما يلي: في الوقت الذي أصبح فيه وضع المسلمين الباقين في البوسنة يثير الشفقة والرحمة بشكل أكثر، ازاد الضغط من أجل تدخل عسكري غربي في النزاع. فالرئيس جورج بوش وفرانسوا ميتران يريدان تنفيذ المنطقة الحيوية الآمنة، وهذا يعني إسقاط أية طائرة بوسنية ذات جناح ثابت أو طائرة مروحية تحلق في الأجواء المحظورة. فلم لا نعطي الصرب البوسنيين ضربة قاسية فهم المعتدون والمنفذون أساساً لسياسة القمع؟ ولم لا نسحقهم؟ هذا فعلاً شيء يثير الإغراء لأن المسألة الأخلاقية لا يمكن الرد عليها. ومع هذا يبقى جون ميجور ودغلاس هيرد قلقين ولكن ليس دون سبب. فإذا ما أسقطت طائرات مروحية صربية هل سيصبح إيصال المواد الغذائية أكثر سهولة أو أشد صعوبة؟ وهل يصبح الجنود البريطانيون الذين يرافقون بشجاعة قوافل التموين أكثر عرضة لقذائف الصرب؟ وهل سيرتجف عناصر المليشيات الصربية المتواجدة على التلال أم أنهم سيزدادون عنفاً؟ نحن لا نعرف ومعظم السياسيين لا يعرفون أيضاً لكن الذين هم مؤهلين أكثر من غيرهم أولئك الضباط البريطانيون المتواجدون في ساحة الميدان في البوسنة تحت علم الأمم المتحدة. فإذا ما أشار هؤلاء إلى الحذر فإنه يتوجب عندئذ على رئيس الوزراء جون ميجور أن يستجيب لنصيحتهم. تعليق: من أراد فهم السياسة البريطانية فليتأمل ما تقوله هذه الصحيفة، وكيف تداور وتنافق وفي النهاية تعتذر بمصلحة الجنود البريطانيين والأصل هو الحلف المبطن مع الصرب لن نسمح بسقوط سراييفو [*] أعلن زعيم حزب الديمقراطيين الأحرار بادي أشداون الذي انفرد حزبه عن بقية الأحزاب في بريطانيا بتأييد خطوة عسكرية لوقف اعتداءات الصرب بأن: (قوات الصرب تجلس على التلال آمنة من العقاب وتدمر مدينة مدينة من أجل التسلية. فقد حانت اللحظة التي يتوجب أن نفعل فيها شيئاً ما. فإذا ما استخدم سلاح الجو هنا (أي في البوسنة) فإنه يمكن تدمير الأسلحة الثقيلة التي تدمر سراييفو. وقال بادي أشداون في وجه الانتقادات التي تقول بأن سلاح الجو غير فعال في البوسنة: (إذا كان الأمر كذلك فلماذا يخشى الصرب هذا الخيار كثيراً؟) . ... وقال بعد لقائه بنائب رئيس البوسنة احجيب غانيك: (إنني والسيد غانيك متفقين في الرؤية. فنحن لن نسمح بسقوط سراييفو في يد دولة الصرب في عملها العدوانى الأخير. فسراييفو هي رمز أهليتنا للتمسك بالقانون الدولي. إنني أتوسل إلى الغرب أن لا يحسب فقط تكاليف التدخل ولكن عدم التدخل الذي ستكون نتيجته تدمير مدينة أوروبية) . الذبح باسم صربيا الكبرى نشرت صحيفة الهيرالد تربيون تقريراً أخبارياً يوم الاثنين في ١٤ ديسمبر ١٩٩٢ حول هذا الموضوع لمراسلتها في زغرب سلافنكا دركولك فيما يلي عرض لبعض ما ورد فيه: يبدو أن ما يحدث في البوسنة والهرسك ضد النساء المسلمات والكروات لا مثيل له في تاريخ جرائم الحرب. فالنساء يغتصبن بطريقة منظمة وكأنها جريمة حرب معدة لتدمير شعب مسلم وتقويض حضارته وتكامله الديني وتقاليده. وأعداد النساء اللواتي تعرضن للاغتصاب يثير القشعريرة. فقد قدرت وزارة الداخلية في البوسنة والهرسك في شهر أكتوبر الماضي، أن خمسين ألف امرأة قد اغتصبت وأن عدداً كبيراً قد تعرض للاستجواب. ويخشى أن يكون العدد قد تضاعف منذ ذلك الوقت أكثر. ففي العالم المتحضر يعتبر الاغتصاب جريمة حرب والاغتصاب الجماعي وسيلة إبادة محرمة في القانون الدولي. فحياة عشرات الآلاف من النساء قد دمرت والعالم مدين لهن بذلك على الأقل. فيما يلي سرد بسيط لما جرى لواحدة منهن فقط: تقول السيدة ز. ن. البالغة من العمر أربعين عاماً أن (عصابات) التشكانيك بمجرد دخولها المدينة بدأت باختيار النساء والأطفال والعجز. فالرجال اقتيدوا، بحجة إعادة توزيعهم، إلى معسكرات التصفية والتعذيب. أما نحن النسوة فقد ساقونا إلى مدرسة حولت إلى معسكر. وقام جيراننا السابقون بوضعنا في السجون فقد عرفت العديد ممن كانوا يزوروننا في الماضي. وبمجرد دخولنا المعسكر دخل أتباع الزعيم الصربي ميلان مارتيك ببنادقهم واختاروا الفتيات والنساء صغار السن ووضعوهن في قاعة وأخبروا عصابات التشكانيك بأن يفعلوا بهن ما يشاؤوا. خيم الهدوء للحظات قفز بعدها رجال التشكانيك على النسوة كالحيوانات وأمعنوا بتمزيق ملابسهن وشد شعرهن وقطع نهودهن بالسكاكين. وقام هؤلاء بقطع كرش أي امرأة تلبس سروالاً تقليدياً خاصاً بالمسلمين. وأما النسوة اللواتي بدأن بالصراخ فقد قتلن مباشرة. وقام رجال التشكانيك باغتصاب النساء والفتيات وتعذيبهن أمام بضعة مئات من السجناء لعدة أيام. لقد كان منظراً لا يمكن تحمله، رؤية اغتصاب فتيات أمام ذويهن. في المساء عادة وبعد أن يشرب رجال التشكانيك كثيراً من الخمر، يأتون إلى القاعة حاملين مصباحاً يدوسون علينا بحثاً عن فتيات تتراوح أعمارهن بين الثانية عشرة والثالثة عشرة من العمر، لكن الفتيات الصغار يبدأن بالصراخ ويتشبثن بأمهاتهن بقوة فيعلق شيء من ثياب أمهاتهن في أيدهن وهن يحملن مكرهات. وبينما يقوم رجال التشكانيك بذلك يطلق النار علينا. وبعد ذلك يترك رجال التشكانيك أجساد الفتيات في القاعة لكي نراها. لقد ذرفن الدموع حتى الصباح. بعدها تأخذ الجثث لترمى في النهر. وهذه الصورة تتكرر كل يوم: يغتصبون النساء ويقتلونهن أمام المئات منا. وذات مرة، أخذت امرأة صغيرة السن مع طفلها إلى وسط القاعة. كان ذلك في شهر مايو. فقد طلبوا منها أن تخلع ثيابها. وضعت طفلها على الأرض بجانبها وقام أربعة رجال من التشكانيك باغتصابها. لقد كانت تنظر بصمت إلى طفلها الجاهش في البكاء. وعندما تركوها طلبت منهم إذا كان بإمكانها إرضاع طفلها فما كان منهم إلا أن قطعوا رأس الطفل بسكين. لقد صرخت المرأة المسكينة فأخذوها إلى الخارج ولم تعد بعدها إلى القاعة.

стр. 1349

في دائرة الضوء مشروع تقسيم العالم الإسلامي دويلات الطوائف إلى أين؟ ! يكثر الحديث في الآونة الأخيرة عن مشاريع دويلات الطوائف وما يسمى بـ (الكانتونات) ، خصوصاً مع تزايد النغمة الانفصالية ونغمة إقامة المناطق ... المحمية؟ ! وتقف خلفها بعض الأصابع الخفية حول هذه الدعوات القديمة المتجددة باسم الإنسانية والدفاع عن حقوق الأقليات والطوائف الدينية والعرقية والمذهبية.. ففي العراق أقيمت منطقة لحماية الشيعة في جنوب العراق بعد إقامة محمية للأكراد في الشمال؟ ! وفي السودان، طالبت حركة التمرد النصرانية في محادثات جوبا الأخيرة بانفصال جنوب السودان عن شماله. أما مجلس الكنائس الأفريقي فقد دعا إلى إقامة منطقة محمية في جنوب السودان على غرار ما يحدث في شمال العرق وجنوبه، وكرر مثل هذا الكلام نفسه جون قرنق، أما الولايات المتحدة فقد صرحت أنها لا تعارض مبدئياً تقسيم السودان؟ ! وفي مصر دعت بعض الجمعيات القبطية التي تعيش في الخارج أمريكا إلى تدخل إنساني وإقامة منطقة محمية للأقباط لإنقاذهم من مذابح المسلمين؟ ! لقد أصبح ما يسمى بـ (المناطق المحمية) تقليداً تسعى الدول الغربية على إشاعته في العالم الإسلامي فقط فهو مفصل على جسد الأمة الإسلامية المثخن بالجراح. أما لبنان، فقد كتبت مجلة الوطن العربي (١٨/٩١٩٩٢) عن مشروع (محمية دولية للموارنة في لبنان) بعد مقاطعة الموارنة للانتخابات الآخيرة ... التي أقيمت في لبنان مؤخراً وعلى رأسهم بطريرك الموارنة، حيث أجرى هذا البطريرك اتصالات مع بابا الفاتيكان يدعوه إلى التدخل لإنقاذ نصارى لبنان من الاضطهاد والتهجير القسري. بالإضافة إلى مشروع تقسيم البوسنة والهرسك بين النصارى من الصرب والكروات، وكذلك أفغانستان هناك محاولة لتقسيمها على أساس عرقي، أو على أساس مذهبي وعقدي بين الشيوعيين وأهل السنة والروافض. إنه صورة أخرى لاتفاقية (سايكس -بيكو) بينما تتجه الدول الأخرى إلى الوحدة والتكتل مثل الوحدة الأوربية، والتكتل القادم بين دول أمريكا الشمالية وغيرها.

стр. 1350

إحياء اليسار العربي ماذا وراءه ؟ ! كالعادة تبدو الأوضاع في العالم العربي مقلوبة، فعلى الرغم من سقوط اليسار وأطروحاته في العالم أجمع، نجد أن التيارات اليسارية في العالم العربي ما زالت تصول وتجول، وتستولي على المنابر الثقافية والإعلامية، والمؤسسات العلمية والتعليمية، بالإضافة إلى إنشاء الأحزاب وإصدار الصحف والتي تلجلج بالأطروحات اليسارية المهترئة.. بل هذه التيارات ازدادت نشاطاً وحيوية بعد سقوط معاقل اليسار في الشرق والغرب الذي هو بالنسبة لها سند أيديولوجي ومالي وتنظيمي؟ ! واستطاعت الوصول والاستيلاء على الكثير من المناصب والمنابر الإعلامية والثقافية والعلمية، والسبب في ذلك أن الحكومات العربية كانت تتخوف من هذه التيارات اليسارية وتسعى إلى تقليم أظافرها خشية من استفحال أمرها، ولكن بعد سقوط اليسار وزواله، زال الخوف من هذه التيارات والاتجاهات اليسارية لأنها في وضعها الحالي أضعف من أن تكون مصدر خطر على هذه الحكومات، والسبب الثاني هو أن الوضع يتطلب التكاتف والتعاون ضد عدو حقيقي آخر وهو (الأصولية) كما سموها. ولا أدل على ذلك من أن الأحزاب اليسارية الشيوعية والاشتراكية تصول وتجول في الساحة بينما يزج آلاف من العلماء والدعاة والشباب الصالحين في غياهب السجون. ومن أمثلة المحاولات المستميتة لإحياء اليسار وتلميع وجوه أصحابه، ما نراه من تغلغل اليسار في المنابر الثقافية والإعلامية وإليك الأمثلة: رئيس تحرير مجلة (فصول) حالياً د. جابر عصفور وهو يساري، رئيس تحرير مجلة (القاهرة) غالي شكري وهو نصراني يساري، رئيس تحرير مجلة ... (إبداع) أحمد عبد المعطي حجازي وهو حداثي يساري، حيث تم إقالة رؤساء ... التحرير السابقين والإتيان بهؤلاء اليساريين. وهذا تسلط من قبل اليسار على مثل هذه القنوات الإعلامية والثقافية مما دعا د. مصطفى هدراة إلى كتابة رسالة إلى الرئيس المصري يشتكي من خلالها سيطرة (الثقافة الماركسية العلمانية وفلول الشيوعيين على المناصب الإعلامية والثقافية في مصر) ؟ ! أما في الجانب السياسي فإننا نرى محاولات متعددة من أجل تلميع الناصرية والتجربة الناصرية من خلال المقالات والندوات والكتب، وقد أجمع المراقبون على أن إنشاء الحزب الناصري وإعطاءه ترخيصاً على ذلك إنما هو من أجل مواجهة الأصولية المزعومة وبالذات على صعيد الفكر والأيديولوجيا. ويحاول هذا الحزب ركوب الموجة (الإسلامية) رغم البون الشاسع بين الطريقين؟ ! لما سئل الأمين العام المؤقت (ضياء الدين داود) عن خلاف الناصريين القديم مع التيارات الإسلامية قال: (لا أعتقد أن هناك حزباً يعارض تطبيق الشريعة الإسلامية، لكن لكل اجتهاده. ولا مجال للحديث عن حزب علماني في المجتمع الإسلامي) [١] .

стр. 1351

طبيب الأسرة مص الإبهام د. محمد اهليل إن عادة مص الإبهام أو الأصابع ظاهرة شائعة بين الأطفال، فهي مقبولة من الناحية الطبية لمن هم دون سن الثالثة. أما بعد سن الرابعة فقد يكون تعلق الطفل بإبهامه أو بأصابعه هو المؤشر الوحيد على وجود قلق نفسي أو اضطراب عاطفي عند الطفل. إن ١٠% من الأطفال ما بين ٦-١٢ سنة مبتلون بهذه العادة. قد يصاحب هذه الظاهرة عادات مضطربة أخرى مثل: - شد الشعر: حيث يقوم الطفل بوضع أصابعه بين ثنايا شعره وشده، وذلك على فترات، أو يقوم بلف خصلات من شعره حول أصبعه أو أصابعه بطريقة عصبية متوترة واضحة للعيان دون أن يحس بها هو نفسه. - قضم الأظافر. - أرجحة الجسم. - صرّ الأسنان. - ضرب الرأس. - فرك أجزاء الجسم كاليدين مثلاً. إن السمة المشتركة بين هذه الظواهر أنها نفسية المنشأ: فهي محاولة من الطفل - دون أن يعي - التخفيف من حدة التوتر الذي يحس به. إن بعض هذه العادات أكثر مضايقة للأهل من عادة مص الإبهام ذاتها. ما هي المشاكل الناتجة عن عادة مص الإبهام؟ إن الطفل بمصه إبهامه أو أصابعه ومحاولته تهدئة نفسه إنما يحل مشكلة واحدة ويترك مشاكل عديدة تنشأ وهي: ١- سوء إطباق الأسنان الدائم هذه أهم مشكلة جسدية قد تنجم عن عادة مص الإبهام لفترات طويلة ومستمرة خصوصاً إذا استمرت هذه العادة بعد سقوط الأسنان اللبنية وظهور الأسنان الدائمة، إن درجة سوء إطباق الأسنان الناجم عن مص الإبهام متفاوتة في شدتها حسب عوامل كثيرة منها: قوة ومدة وكثرة أو قلة مص الأصابع /الإبهام. وقد يصل سوء إطباق الأسنان إلى مرحلة متقدمة تبرز فيها الأسنان العلوية للأمام بشكل واضح كما ينحرف الفك العلوي للجهة التي يوضع فيها الإبهام. كما أنه عند إطباق الفكين تظل هناك فجوة واضحة بين الأسنان. إن حالات مص الإبهام الشديدة قد تسمع من الغرفة المجاورة مثلاً. ٢- عادة مص الإبهام قد تخل بالنشاط اليومي للطفل: فالطفل الذي يشغل ذهنه وقواه العقلية بأصبعه وفمه فقط لن ينتبه للأمور الأخرى المحيطة به وعدم الانتباه هذا سيقلل من تفاعله مع الآخرين: فاستخدامه ليديه سيقل لأن إحداهما في فمه. ويقل أيضاً استخدامه لفمه ولسانه مما قد يؤثر على لغته وتطور قدرته التعبيرية في التفاعل مع الآخرين، وبالمجمل فإن مشاركته الجسدية واللغوية تقل. ٣- لعادة مص الإبهام مردود نفسي سيء على الطفل وذلك لشعور الأبوين بالضيق والحرج لتصرف الطفل لا سيما أمام الناس، وهكذا ينعكس على تصرفاتهما معه والتي قد تتصف بالقسوة وتتخذ من الزجر والتقريع (ولربما الضرب أحياناً) وسائل علاج. هل من علاج؟ عادة ما ينصح الآباء بإهمال شأن هذه العادة لأن معظم الأطفال يتخذونها وسيلة تخفيف لحدة توترهم، والطفل يقلع عنها عندما يحس بالطمأنينة التي تعوضه عن اللجوء لهذه العادة لتهدئة نفسه. من المهم أن يدرك الأبوان أن أي محاولة علاج مصيرها الفشل - في غالب الأحيان - ما لم يكن الطفل قد وصل إلى سن معينة يستطيع معها أن يدرك المشاكل الصحية التي قد تنجم عن عادة مصه إبهامه وبالتالي استنفار دوافعه الذاتية لوقفها. وقبل استشارة الطبيب، كثيراً ما يحاول الأهل اللجوء إلى أساليب متنوعة مثل: لف يد الطفل أو ربطها، إلباسه قفازاً، وضع مواد حارة (كالفلفل) أو مواد مرة الطعم أو الاستعاضة عن الإبهام بالمُسْكِتَة (المصاصة) . وما لم يدرك الطفل جيداً سبب اختيار الوسيلة العلاجية ووجود رغبته في المشاركة في المعالجة، فإنه بلا شك سينظر لهذه الوسيلة العلاجية كعقاب مما قد يزيد من ردود فعله السلبية ويرفع من حد توتره. وإليكم بعض النصائح الطبية التي قد تعين في التخلص من هذه العادة: ١- من الضروري أن يحاول الأهل تحديد سبب توتر الطفل والذي قد يدفعه لمص إبهامه، ويكون ليس بمساءلته بل بمراقبة سلوكه في البيت وملاحظة الحوادث التي تزيد من مصه إبهامه. فمثلاً: قد يكون إفراطهم في مداعبة أخيه الأصغر وإهمالهم له السبب المؤدي لتوتره ومن ثم يحاول الأبوان - ما أمكن - العمل على تفادي أو التقليل من بروز العامل المسبب لتوتر الطفل. ٢- على الأهل العمل على ضبط مشاعرهما أمام الطفل وعدم التصرف بانفعال عند رؤيته يمص إبهامه وعدم محاولة ضربه أو زجره خصوصاً أمام الآخرين أو محاولة جذب أصبعه خارج فمه (يستثنى من هذه الحالة الأخيرة: أثناء نوم الطفل ولا بأس من إخراج إبهامه من فمه برفق) . كما لا يجوز جعل الطفل أضحوكة في البيت بسبب هذه العادة. ٣- زيادة الوقت الذي يقضيه الوالدان مع الطفل وملء هذا الوقت بما يشغل الطفل من أمور نافعة تتناسب مع عمره كاللعب أو التدريس مثلاً. ٤ - محاولة إشغال يدي الطفل معظم الوقت - ما أمكن - باللعب أو الكتابة وذلك بما يناسب سنه.. ٥- إعادة تشكيل سلوك الطفل: وذلك بتعزيز سلوك الطفل في الفترات التي لا يمص فيها إبهامه: فمثلاً كلما زادت الفترات التي يقلع فيها عن مص إبهامه خلال فترة زمنية معينة (أسبوع مثلاً) أو قل عدد المرات التي يمص بها إبهامه في نفس الفترة يعطى الطفل جائزة معنوية أو مادية: كأن يعطى كل أسبوع شارة (نجمة ورقية ذهبية اللون) تلصق في كراس خاص له وعندما يجمع عدداً معيناً منها يعطى جائزة بسيطة: كقلم أو قصة للأطفال لتشجيع سلوكه للإقلاع عن مص أصبعه. من المهم أن نذكر أن بعض الحالات قد تخفق معها هذه الوسائل وهي الحالات الشديدة، وهذه تحتاج إلى رأي الطبيب النفسي أو تحتاج إلى استخدام بعض الأجهزة الطبية التي توضع بالفم للحيلولة دون وضع الطفل يده داخل فمه.

стр. 1352

وفاة الشيخ حمود التويجري هيثم الحداد توفي في مدينة الرياض عن عمر يناهز الثمانين، فضيلة الشيخ حمود بن عبد الله التويجري ﵀ رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته. ولا يتسع المجال هنا لذكر ترجمة مفصلة للشيخ، ولكن سنذكر أهم ما تميز به. فأولها جلد عجيب على طلب العلم وتحصيله، وكان سمة بارزة في حياته منذ أن بدأ الطلب في سن مبكرة حتى أصبح من حملة العلم وناشريه، فقد بدأ بحفظ القرآن الكريم، فأتمه ولمّا يبلغ الحادية عشرة من عمره، ثم بدأ بطلب العلوم الأخرى على علم المجمعة وفقيهها العلامة عبد الله بن عبد العزيز العنقري -رحمه الله تعالى-، وإنك لتعجب حينما تسمع أنه كان يقضي يومه كله من بعد صلاة الفجر، حتى بعد صلاة العشاء في القراءة والطلب. وقد لازم شيخه عبد الله قرابة ربع قرن، قرأ فيها عليه الصحيح والمسانيد والسن، وأجازه شيخه فيها إجازة عامة، وقرأ عليه فتح الباري، والمغني لابن قدامة المقدسي، ومنهاج السنة النبوية ودرء تعارض العقل والنقل، والفتاوى المصرية الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية، وزاد المعاد لابن القيم، وطائفة من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وأئمة الدعوة، وغيرها كثير، وأخذ عن العلامة قاضي مكة سليمان بن حمدان، وعنه عن رواية المغرب الكبير محمد بن عبد الحي الكتاني يروي الكتب الستة. ولم تفتر همة الشيخ عن الطلب والتحصيل بمثل هذه القوة والرغبة مع تقدمه في السن. وإنك لتجد تعليقاته وتعقيباته وتصويباته، على ما يقرأ، فله تعليقات كثيرة على نسخة مسند الإمام أحمد بن حنبل المطبوعة بتحقيق أحمد شاكر، ومثل هذا تجد على فتح الباري، وغيرها. وكما كان حال سلفنا الصالح من الجمع بين الجلد على العلم، وكثرة العبادة، كان الشيخ كذلك وهذا من دلائل الإخلاص. وله في دماثة الخلق وطيب المعشر، شيء عجيب، يقول أبناؤه: ما كان الشيخ يطلب من أحد شيئاً البتة، وحتى بعد أن ضعفت صحته، فكان يقوم بإعداد الشاي والقهوة بنفسه، مع إلحاح أبنائه عليه بعدم فعل ذلك راحة لجسده، بل إنا لنجد أبعد من هذا عند شيخنا، فهو خادم رفقته في السفر، حتى وقد تقدمت به السن، مع حظوته وتقدير الرفقة العظيم له، وقد يقوم بإعداد الطعام، ومن ذلك أنه كان يقوم الليل الآخر كعادته ثم يضطجع اضطجاعة خفيفة حتى يحين وقت الصبح فيسخن الماء لرفقته من أجل الوضوء. وتلك العبادة أكسبت ذلك الشيخ -رفع الله درجته- ورعاً في الأموال والأعراض، فلم يلِ طيلة عمره عملاً رسمياً، خوفاً من عدم القيام به على وجهه الأتم، أو لأمر آخر قد رآه، وأُلزم بالقضاء فهرب منه متخفياً إلى الرياض، ثم أُجبر عليه متنقلاً بين مدينة رحيمة بالمنطقة الشرقية حيث مكث فيها ستة أشهر، ثم الزلفى سنتين ثم لم يعد إليه إلى أن توفاه الله. واكتفى ببعض التجارات التي لم يكن يليها بنفسه، فكان زاهداً في الدنيا، وقبل وفاته أعطى أكبر أبنائه جميع ما يملك - ولم يكن شيئاً كبيراً - ليتصدق به كله، فلم يخلف ﵀ وراءه عقاراً أو مالاً، سوى البيت الذي يعيش فيه مع أبنائه. أما ورعه في الأعراض، فمضرب مثل، فلم يُسمع أنه تكلم في أحد البتة، لا عالماً ولا متعلماً، ولا عامياً. ومما يحسن ذكره أن الشيخ كان من المتابعين لأحوال المسلمين وما يجري لهم، فكان يتحرق لآلامهم حتى أن أبناءه أوصوا زواره بعدم ذكر جراحات المسلمين أمامه حتى لا يزداد عليه المرض. وكان ذا مواقف مشهودة في دعم أهل الخير وإصلاح ذات البين وكان كثير الثناء والدعاء للصحوة الإسلامية ورجالاتها. ترك الشيخ ما يزيد عن خمسين كتاباً منها: - الإيضاح والتبين لما وقع فيه الأكثرون من مشابهة المشركين. - تحفة الإخوان في ما جاء في الموالاة والمعاداة والحب والبغض والهجران. ومن آخرها صدوراً: - قصص العقوبات والعبر والمواعظ. - تغليظ الملام على المتسرعين إلى الفتيا وتغيير الأحكام. ولد الشيخ في مدينة المجمعة عام ١٣٣٤هـ ووافته المنية يوم الثلاثاء لخمس مضين من رجب عام ثلاثة عشر وأربعمائة للهجرة عن عمر يقارب الثمانين عاماً. وكان مشهد جنازته مهيباً وتمثل لنا مقولة الإمام أحمد بن حنبل ﵀: قولوا لأهل البدع بيننا وبينكم يوم الجنائز. وكم في ذلك المشهد من إغاظة لأهل الزيغ من مبتدعة، أو علمانيين، فتلك الجموع التي بدأت بالتوافد على مدينة الرياض منذ سماعها النبأ، ما حملها على ذلك إلا حب العلماء والصالحين بشكل عام، فكثير ممن شهد جنازته لم يكن على معرفة شخصية بالشيخ. وإن في ذلك المشهد إثباتاً لا يدع مجالاً للشك في التفاف الناس حول علمائهم، ومقدار الحب العظيم الذي يكنونه لهم.

стр. 1353

وضع الحجر الأساسي لأول مركز إسلامي في ألبانيا عماد الدين بكري إسماعيل بعد اندحار الشيوعية بادرت جمعية الوقف الإسلامي فغرست أول غرس لها في ألبانيا، وذلك بوضع اللبنة الأولى في مركز الفرقان الإسلامي بتيرانا - العاصمة -، وقد شهد المناسبة جمع غفير على رأسهم رئيس جمهورية ألبانيا الدكتور صالح بريشة الذي ظهر متأثراً جداً من رؤيته للجمع الذي ضم الصغير والكبير، التلميذ والعامل، وكان مما قاله دالاً على تأثره: (أنا سعيد جداً بأن أضع ... بيدي الحجر الأساس لأول مركز إسلامي بألبانيا بعد غيبة للعمل الإسلامي طويلة، كم أنا سعيد برجوع الألبان إلى دينهم) . وشهد المناسبة أعضاء مجلس أمناء جمعية الوقف الإسلامي، ومديرو الهيئات والمنظمات الإسلامية العاملة بألبانيا وجمع كبير من موظفيها وموظفي الدولة بتيرانا. والمركز سيبنى إن شاء الله تعالى على مساحة ٤٠. ٠٠٠ م ٢ ويضم المنشآت الآتية: ١- مسجد جامع. ٢- مدرسة ابتدائية. ٣- مدرسة ثانوية. ٤- سكن داخلي للطلاب. ٥- مستوصف صحي يضم خمس عيادات إلى جانب المعمل وغرفة الأشعة والصيدلية. ٦- عمارتان في كل واحدة ٦ شقق لسكن الأطباء والمعلمين والموظفين. ٧- صالة رياضية مغلقة، بالإضافة إلى الملاعب المفتوحة. ٨- مكتبة عامة للمطالعة. وستبني الجمعية ثلاثة مراكز في ثلاث مدن أخرى، وهي اشكودرة، كاوايا ودورس، بنفس مواصفات مركز تيرانا، هذا وسيبدأ العمل في المراكز مجتمعة في وقت واحد إن شاء الله تعالى. نسأل الله التوفيق والسداد.

стр. 1354

منتدى القراء عملية (إعادة الأمل) ! عبد الله أبو الهدى في عصر الثمالة حيث يتجرع الجميع من دماء المسلمين تأتي عملية ما يسمى (بإعادة الأمل) في الصومال الجريح لتطرح المزيد من الشكوك عن دور إنقاذي مزعوم لمجلس الأمن والأمم المتحدة في إنهاء مأساة هذا الشعب المسلم الذي أنهكته المجاعات وحروب العصابات المختلفة.. فنحن لم نتعود أبداً رؤية الكاوبوي الأمريكي وقد حركته أثارة من شهامة أو مروءة أو مشاعر إنسانية، وقد عرفنا كيف أن (هنري كيسنجر) مهندس السياسة الأمريكية الحديثة، اشتهر بازدرائه الاعتبارات الأخلاقية في السياسة الخارجية، وهو ما نلاحظه جلياً من خلال التعامل الأمريكي والغربي عموماً مع مأساة المسلمين في البوسنة والهرسك أو فلسطين أو الهند أو قبرص أو غيرها! فكيف لم تستثرهم تلك المآسي واستثارتهم هذه المشكلة؟ وهل يا ترى تكون بريئة شهامتهم هذه أم أن أمريكا عودتنا ابتلاع سكاكينها على مراحل؟ ! إننا لو نظرنا إلى التصريحات المعلنة لجورج بوش أو ديك تشيني أو كولن باول لوجدنا تناقضات صارخة فيما بينها؛ فالأول جعل لقواته استقلالية تامة عن الآخرين ونجده لم يستبعد أشياء (أخرى) إذا ما دعت الضرورة، والثاني حدد مدة الانسحاب بمدة اقصاها ٢٠/١/١٩٩٣ يوم دخول الرئيس كلنتون البيت الأبيض والثالث أبلغ الصحفيين أن المهمة لا تنفذ قبل ثلاثة أشهر على أقل تقدير! ولعل في هذا ما يدل على أن ثمة خطة ثانية أراد بها جورج بوش تجريع العرب والمسلمين كأساً من كؤوس صداقته لهم، ونحن لم ننسى المباركات العربية التي سبقت هذا التدخل كونه الحل الوحيد لمشاكل الصومال (المعقدة) ... بقي أن نقول إن التدخل الأمريكي (الأخوي) في شؤون هذا البلد المنكوب لم تحركه أية اعتبارات إنسانية أو مشاعر فياضة وعواطف رقيقة، بل هو مبني على محض المصلحة.. هذه المصلحة التي جاءت الآن على شكل مغامرة جديدة تستهدف: ١- إحداث اختراق عسكري وسياسي في الخاصرة الإفريقية بمبررات ساذجة. ٢- الهيمنة على هذا البلد المسلم الذي يملك أطول ساحل بحري في أفريقيا (حوالي ٣٣٣٠ كم) . ٣- تطويقاً عسكرياً لمضيق باب المندب الذي لا يقل أهمية عن قناة السويس. ٤ - وضع اليد على ثروات الصومال ومعاينة حقول اليورانيوم الضخمة في الأوغادين. ٥- الظهور بمظهر المنقذ الشهم الذي ساهم في إنهاء أكبر كارثة مجاعة في أفريقيا. ٦- ربما التمهيد لتدخل سافر في شؤون السودان الذي لا تروق للعم سام توجهات حكومته! هذا وللعلم فإن بعض الطائرات التي كانت تقل أطنان الإغاثة الصومالية كانت أيضاً تنقل أطنان الأسلحة للمليشيات المتقاتلة.. واسألوا إن شئتم (محمد سحنون) المبعوث الدولي الذي استقال.

стр. 1355

وللدعاة زمن آخر ..! أبو جهاد حسين بن علي زومي نظرت من نافذة الطائرة فإذا كل شيء حولها يسرع في الذهاب.. وما كان قريباً إذا هو بعيد بعيد! وأردفت بنظرة أخرى على ساعتي فإذا عقاربها ما بين تقارب وتباعد.. تلازم وتنافر.. لكن الشيء الوحيد الذي يجمعها أنها تسير دوماً للأمام.. نعم، إنها تسير للأمام بدقة عجيبة متناهية.. دونما كلل أو ملل! كل شيء حولنا يذكرنا بمرور الزمن بسرعة ملفتة للنظر! .. بل حتى ذواتنا.. نمونا السريع.. دقات قلوبنا.. لا تدع لنا مجالاً للشك في سرعة الزمن! ولذلك يحكم الإنسان في بادئ أمره وبنظرته المحدودة أن حياته قصيرة.. بل قصيرة جداً!! وهذا الواقع يصح على كل من لم يعرف العيش في الحياة الطويلة! .. نعم، إن هناك حياة طويلة.. طويلة بما تحمله من معان سامية.. لا بمقياس السرعة والمادة! ! هذه الحياة لم يعش بها ويشعر بحلاوتها وطولها إلا فئة قليلة امتازت عن غثاء البشرية.. إنهم الذين أفنوا أعمارهم في خدمة الناس وهداية الإنسانية.. إنهم الدعاة إلى الله . وقد تحدث (سيد قطب) ﵀ عن هذه الحياة بكلام رائع، جد رائع فقال: عندما نعيش لذواتنا فحسب، تبدو لنا الحياة قصيرة ضئيلة، تبدأ من حيث بدأنا نعي، وتنتهي بانتهاء عمرنا المحدود! .. أما عندما نعيش لغيرنا، أي عندما نعيش لفكرة، فإن الحياة تبدو طويلة عميقة، تبدأ من حيث بدأت الإنسانية وتمتد بعد مفارقتنا لوجه هذه الأرض! .. إننا نربح أضعاف عمرنا الفردي في هذه الحالة، نربحها حقيقة لا وهماً، فتصور الحياة على هذا النحو، يضاعف شعورنا بأيامنا وساعاتنا ولحظاتنا.. وليست الحياة بعدّ السنين ولكنها بعداد المشاعر. وما يسميه (الواقعيون) في هذه الحالة (وهماً) ! هو في (الواقع) ، (حقيقة) أصح من كل حقائقهم! .. [١] نعم هذه هي حياة الدعاة.. ولهم حياة أخرى هي أجلّ وأسمى من هذه الحياة.. حياة لا توصف بطول ولا قصر! .. لأنها في الحقيقة حياة خلود لا يناوشه الزمن بهرم ولا بلى.. عند الرفيق الأعلى!

стр. 1356

زمان الفاتحين محمد بن سعد العجلان أسدل ستارك يا زمان الفاتحين أسدل ستارك أيها التاريخ وضاء الجبين أسدل ستارك إننا ما بين غي وانهزام لا سعد يمتشق الحسامَ ولا صلاح الدين لا القادسية شمسها انبثقت ولا حطين أسدل ستارك يا زمان الفاتحين * * * في ظل هذا الانقسام في ظل قانون النظام وظل مأدبة اللئام وفي ظل تحوير الجهاد إلى سلام والاحتكام لغير رب الاحتكام صرنا كقطعان النعام أسدل ستارك يا زمان الفاتحين وقل على العرب السلام * * * من للجهاد إذا أهين الواعظون وتربصت بهم المنون وتشبعت بدمائهم غرف السجون ورأيت أعداء العقيدة يسرحون ويمرحون من كل فج ينسلون وعلى دماء شعوبنا يتقامرون من للجهاد ... يا أمتي من للجهاد؟ * * * أسدل ستارك يا زمان الفاتحين أسدل ستارك وانتظر أسدل ستارك واصطبر فلرب قلب ينفطر ولرب قلب يستعر ولرُبما في عصرنا يأتي الزمان المنتظر ولربما من صلبنا تأتي صناديد البشر ولرُبما من قهرنا تأتي فلول الغاضبين ولربما من ذلنا يأتي إباء الأولين ولربما من بيننا يأتي أمير المؤمنين يأتي عُمر يأتي الظَفر يأتي صلاح الدين

стр. 1357

قديم جديد فلنتعصب [*] ..! ! للأستاذ مصطفى صادق الرافعي ﵀ قال صاحب سر (م) باشا: جاءني يوماً صحفي إنجليزي من هؤلاء الكتاب المتعصبين الذين تطلقهم إنجلترا كما تطلق مدافعها؛ غير أن هذه للبارود والرصاص والقنابل، وأولئك للكذب والتهم والمغالطات؛ وهو أُذُنٌ وعينٌ ولسانٌ وقلم لجريدة إنجليزية كبيرة معروفة بثقل وطأتها على الشرق والإسلام؛ تُصلح بإفساد، وتداوي الحمى بالطاعون، وتعمل في نهضة الشرقيين واستقلالهم ما يشبه قطع ثدي الأم وهو في شفتي رضيعها المسكين. (..) قال: ونظرت إلى الصحفي الإنجليزي نظرةً أكشفُهُ بها فإذا أول الفرق بينه وبين أمثاله عندنا شعوره أن بلاده قد ربته (للخارج) فهو عند نفسه كأنه إنجليزي مرتين؛ ويأتي من ذلك إحساسه بعزة المالك وقوة المستعمر، فلا يكون حيث يكون إلا في صراحة الأمر النافذ أو غموض الحيلة المبهمة؛ ويستحكم بهذا وذاك طبعه العملي، فهو بغريزته مقاتل من مقاتلة الفكر، يلتمس ميدانه بين القوى المتضاربة، لا يبالي أن يكون فيه الموت ما دام فيه العمل؛ وبهذا كله تراه نافذ البصيرة قائماً على سواء الطريق، لأن الإنجليزي الباطن فيه يوجِّه الإنجليزي الظاهر منه ويُسانده، وفي أعماق الاثنين تجد إنجلترا وليس غير إنجلترا. ثم تفرَّست في الرجل أريد كُنهه وحقيقته فإذا له نفسٌ مفتوحةٌ مقفلة معاً كغرف الدار الواحدة، يُفتح بعضها لما فيه كيما يُرى، ويقفل بعضها على ما فيه كي لا يُرى. وله وجه عملي يكاد يحاسبك على نظراتك إليه، تدور في هذا الوجه عينان قد اعتادتا وزن الأشياء والمعاني، يتلألأ في هاتين العينين شعاع النفس القوية الممرنة قد نفت الثقةُ بها نصفَ هموم الحياة عن صاحبها، تُمِدُّ هذه النفس طبيعة مؤمنة بأن أكبر سرورها في أعمالها، فواجبها في الحياة أن تعمل كل ما يَحسنُ بها وكل ما يُحسنُ منها. (..) قال صاحب السر: واستأذنت له على الباشا فسهَّل ورحب؛ ثم هممت بالانصراف عنهما ولكن الإنجليزي قال: يا باشا! إنه قد تمكن في روعي أن صاحب سرك هذا متعصب ديني، وقد علمت أنه ابن فلان القاضي الشرعي فطربوشه ابن العمامة؛ ولقد كان ينظر إليَّ وكأنه يتأمل من أين يذبحني.. فضحك الباشا وقال لي: يا فلان! إن هذا الكاتب من تلاميذ برنارد شو، فهو كأستاذه يجعل لكل حقيقة ذَنَباً كذيل الهرّ ثم يمسكها منه فإذا هي تعضّ وتتلوى.. والتفت بعد ذلك إلى الإنجليزي ثم قال له: جاءني كتابك فإذا كنت تريد رأيي فيما تسميه التعصب الديني عند المسلمين فعجيبٌ أن تضعوا أنتم الغلطة ثم تسألونا نحن فيها. إنك لتعلم أن هذا التعصب الكذب الذي أكثرتم الكلام فيه إنما هو لفظ من ألفاظ السياسة الأوربية أرسلتموه إلينا ليقاتل لفظ التعصب الحقيق؛ ومن قبل هذا اخترعتم لفظ (الأقليات) وأجريتموها في لغتكم السياسية لتجعلوا بها لتعصبنا الوطني شكلاً آخر غير شكله فتفسدوه علينا بهذه المادة المفسدة؛ وبذلك تضربون اليد اليمنى من غير أن تلمسوها إذ تضربونها بشل اليد اليسرى. إن الإسلام في نفسه عدو شديد على التعصب الذي تفهمونه، فهو يقول لأهله في كتابه العزيز: [كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الوَالِدَيْنِ والأَقْرَبِينَ] . فإذا كان العدل في هذا الدين عدلاً صارماً، وحقاً محضاً، لا يميز بشيء البتة، لا ذات النفس التي فيها اشتهاءُ الدم، ولا أصلها من الأبوين الذين جاءت منهما وراثة الدم، ولا أطرافها من الأقربين الذين يلتفُّون حول نسب الدم - إذا كان هذا فأين في هذا العدل محل الظلم؟ (..) أتريد مني التعصب في الإسلام؟ إنه بعينه كتعصب كل إنجليزي للأسطول، فهو تشابك المسلمين في أرجاء الأرض قاطبة وأخذهم بأسباب القوة إلى آخر الاستطاعة لدفع ظلم القوة بآخر ما في الاستطاعة.. وهو بذلك يعمل عملين: استكمال الوجود الإسلامى والدفاع عن كماله. وإذا أنت ترجمت هذا إلى معناه السياسي كان معناه إصرار جميع المسلمين على نوع الحياة وكرامتها لا على استمرار الحياة ووجودها فقط. (..) إن التعصب في حقيقته هو إعلان الأمة أنها في طاعة الشريعة الكاملة، وأن لها الروح الحادة لا البليدة، وأن أساسها في السياسة الاحترام الذاتي لا تقبل غيره، وأن أفكارها الاجتماعية حقائق ثابتة لا أشكال نظرية، وأن مبدأها هو الحق ولا شيء غير الحق. (..)

стр. 1358

الصفحة الأخيرة كيف تشتري وزيراً أمريكياً ؟ ! جمال سلطان ديفيد استايذ يهودي من طراز خاص، فهو يتولى رئاسة اللوبي الإسرائيلي في أمريكا، والمعروف باسم (إيباك) ، الرجل أثار ضجة مؤخراً، لم يقصد لها أساساً، عن دما نشرت صحيفة (واشنطن تايمز) تفاصيل مكالمة هاتفية بينه وبين أحد وجهاء اليهود الأمريكيين، حول طريقة شراء الإدارة الأمريكية الجديدة، بالجملة والمفرق. المفاوضات بين (إيباك) وبين (بيل كلنتون) كانت تتركز حول موقعين ... أساسيين: وزير الخارجية، ومستشار الأمن القومي، من الإدارة الجديدة، ويبدو أن المفاوضات قد نجحت، وتم الشراء، أو الإيجار (الله أعلم) ، حيث تردد أن ... إجمالي المبلغ الذي وفرته (إيباك) لحملة كلنتون (خمسة وستون مليوناً) من الدولارات، وقد أشار (ديفيد استايذ) إلى أنه قد تم بالفعل زرع (حوالي اثني عشر من الأصدقاء - التعبير لاستايذ - في مقر قيادة كلنتون، وأنهم جميعاً سيتولون مناصب قيادية في الإدارة الأمريكية الجديدة) . رئيس اللوبي الإسرائيلي، أضاف معلومة أكثر أهمية، وهي أن السيناتور (آل غور) نائب الرئيس، هو - على حد التعبير الحرفي - (ملتزم معنا) ، ولكنه - في الحقيقة - لم يوضح المبلغ بدقة! كما أن الأمر انتهى بفضيحة استقال على أثرها المستر (ديفيد) في محاولة للتخفيف من أبعادها. المزاد الأمريكي يعقد كل أربع سنوات، وأنا أنصح تجار القضية الفلسطينية أن يوجهوا بعض (المال الحرام) إلى هذا المزاد، عساهم يفيدون، بدلاً من التفرغ للتهديد بإطلاق النار على المجاهدين في الأرض المحتلة، أو تشبيههم بقبائل الزولو في جنوب أفريقيا.

стр. 1359

رمضان - ١٤١٣هـ مارس - ١٩٩٣م (السنة: ٧)

стр. 1360

كلمة صغيرة لم يغفل القدماء عن موضوع الكتابة فتكلموا عن مقاصد التأليف التي ينبغي اعتمادها فذكروا منها: أن يأتي الكاتب بجديد مستنبط، فيستفيد الناس منه وقد يكملون ما بدأه، أو أن يشرح غامضاً بعد أن يتمكن من فهم النص، أو يعثر على غلط واضح بينّ فيصححه، أو يرى نقصاً في موضوع فيكمله، وهذا كما ينطبق على تأليف الكتب، فإنه ينطبق على إنشاء المقالات والبحوث والدراسات، فلم التعب والعناء في موضوع قد درس وأشبع درساً وكتب حوله الكثير، ولماذا لا ينصف الناس من أنفسهم ويريحون غيرهم؟ المحرر

стр. 1361

الافتتاحية اليد العليا خير من اليد السفلى نستقبل في هذه الأيام شهر رمضان العظيم الذي أنزل فيه القرآن روحاً وحياة للإنسان الذي يهتدي بهداه، وعمىً على كل من كفر وابتعد عن أنوار التنزيل وتاه في قفر الأوهام، وكان من أسرار هذه العبادة في هذا الشهر المبارك أن المسلم يمتنع عن شهواته المباحة من الطعام والشراب فيتعود الصبر والمشاق والخشونة والرجولة والعزة والكرامة، فينشأ إنساناً آخر غير الذي تعرفه المجتمعات المهينة أو المجتمعات المتكبرة. هكذا تعلم المسلمون من رمضان، وقد سمعوا قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (اليد العليا خير من اليد السفلى) [١] ، فكان أحدهم يقع السوط من يده فينزل عن فرسه ليأخذه، ولا يطلب من أحد مناولته إياه. وأقسم الصحابي الذي سمع هذا الكلام أن لا يقبل عطاء من أحد بعد رسول الله ﷺ . وكان مما عرفنا عن الأمة التي تشرفت بحمل الرسالة، ونزل القرآن بلغتها كانت تقول في أمثالها: «تجوع الحرة ولا تأكل بثديها» إشارة إلى منتهى الإباء والشموخ، ثم دار الزمان دورته، ونعيش هذه الأيام لنرى المسلمين يتكففون أيدي الناس، وينتظرون المعونات من الدول والمجتمعات الغربية والغنية، رضوا بالأدنى على الذي هو خير، يريدون أن يقوم اقتصادهم على الصدقات والمنح، وينتظرون تحسن الميزانيات عن طريق من يأتي ليستمتع بالدفء المتوسطي، وإذا ألقيت نظرة على الجرائد وصفحاتها الاقتصادية فستجد أن المشاريع في هذه البلاد هي بناء الفنادق على شواطئ البحار، أو شركات أجنبية لتحسين إنتاج التبغ! ! أو استيراد المواد الاستهلاكية، وبعض الدول الفقيرة تحلم ببئر من البترول حتى تنتقل فجأة من الفقر إلى الغنى وحتى يمرح الشعب ويفرح، فهم كالفقير الذي يحلم بكنز من ذهب فهو يبحث عنه وما هو ببالغه، أما التفكير في الزراعة والصناعة، وتشجيع المهن اليدوية وأنواع الخبرات العالية في شتى فروع التقنية فهذا غير وارد عند القوم إلا قليلاً، وقد سرى هذا الداء إلى الأفراد بشكل عام، فالعربي الذي يملك مالاً إذا فكر في الاستثمار سواء في بلده أو في بلد أجنبي، فلا يفكر إلا في الأشياء الاستهلاكية التي تدر ربحاً سريعاً ومفاجئاً، وكثيراً ما يكون هذا الربح السريع من المال الحرام. والسبب في هذا أنه ليس في مناهج التربية تكوين الشخصية المستقلة التي تكافح وتغامر وتضرب في الأرض وتركب البحار، بل تربى على الغش والذل واكتساب المال بالحيل، وسبب آخر وهو حب الظهور والفخفخة، وهذا لا بد له من المال الكثير في الوقت القليل، ولذلك لا يطلب الرزق من الوجوه الطبيعية مثل الزراعة والصناعة والتجارة. وأساس التقدم الاقتصادي هو العمل وليس البحث عن الكنوز، وانتظار المفاجآت. روت عائشة ﵂ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه» [٢] ، وثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «استغنوا عن الناس ولو بشوص السواك» [٣] ، وكان أحد أتباع التابعين يقول لتلاميذه: «ألزموا السوق» ، ويقول الإمام أحمد -رحمه الله-: «أحب الدراهم ألي درهم من تجارة، وأكرهها عندي الذي من صلة الإخوان» . إن الحكومات والشعوب تبحث عن الأدنى مع أن خيرات البلاد العربية والعالم الإسلامي كثيرة وفيرة وأرضها واسعة، وتربتها طيبة، وإن بداية الاستغناء عن ذل القروض أو الهبات هو في العمل الزراعي والصناعي، وإذا كانت أوربا قد تكتلت في الحلف الاستعماري عام ١٨٨١ فإنها تتكتل الآن في صورة (السوق المشتركة) من أجل الزحف الاقتصادي، ومع الأسف فإن أكثر المجتمعات استهلاكاً في العالم هي المجتمعات الإسلامية إلا ما ندر، ومن الغريب أن بعض الدول العربية كانت حالها في الخمسينات والستينات أفضل مما هي عليه الآن سواء من حيث الزراعة أو التصنيع، فهل رأيتم كيف تنهب الأموال وتسلب البركة، وكيف تذل الشعوب. قلنا في العدد الماضي أن من السياسة العليا اهتمام المسلمين بالمدارس والمناهج، ونقول هنا أيضاً إن من السياسة العليا اهتمام من يملك المال بالاستثمار في الزراعة والصناعة حتى لا نستجدي غذاءنا من عدونا.

стр. 1362

في إشراقة آية [كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ] د. عبد الكريم بكار يقول الله : [فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا اليَوْمَ بِجَالُوتَ وجُنُودِهِ قَالَ الَذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاقُوا اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ] [البقرة ٢٤٩] ، تسلط الآية الكريمة الضوء على قضية مهمة من حياتنا، هي قضية (الكم والكيف) ، وعلى العلاقة الجدلية بينهما؛ فحين خرج طالوت لحرب جالوت خرجت معه الألوف المؤلفة من الجند (كم) فأراد أن يعرف عن نوعية الرجال الذين سيقاتل بهم فابتلاهم بالشرب من النهر، فشرب منه السواد الأعظم منهم، ولم ينجح في ذلك الامتحان سوى ثلاثمائة وبضع عشر رجلاً - كعدة أصحاب بدر - وكان موقف هذه القلة القليلة من جيش جالوت الموقف الذي يتناسب مع كيفهم، فقالوا: [كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ] ، هذه الفئة القليلة هي الغالبة لما نالت من تأييد الله ونصره؛ لنصرها دينه واستحواذها على شروط النصر. وفي ختم الآية: [واللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ] إشارة إلى أن هذه الفئة كانت تتحلى - في جملة ما تتحلى به - بالصبر الضروري لمجالدة العدو. إن للكيف شأناً وأي شأن في أوقات الأزمات عامة ومصارعة الأعداء خاصة؛ حتى إن الرجل ليغالب العشرة من الرجال [إن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ] [الأنفال ٦٥] . وهذه الدنيا دار ابتلاء، ومن ثم فإن بني البشر محاطون بكل ما من شأنه أن يكون ابتلاءً لهم، الزمان والمكان والأشياء والأفكار والأعراض، وكل ما نتركه غفلاً على حالته الفطرية فهو (كم) يتحدى، ويضايق، وقد يشوه، ويقتل! ! ومن ثم فإننا نمتلك من القدرة والحرية على مقدار ما نكيفه من تلك الفطريات. ونحن بني البشر محدودو الطاقات والإمكانات، ومن ثم فإن توسعنا في الكم لا بد أن يكون على حساب الكيف، كما أن التوسع في الكيف لا بد أن يكون على حساب التوسع في الكم، وهذا يوجب علينا أن نتعلم كيف نركز على الكم، وكيف نركز على الكيف، ومتى يكون هذا، ومتى يكون ذاك؟ وإلا فربما ذهب كثير من جهدنا هباءً! وعلى سبيل المثال فإن الظواهر الاجتماعية تتكون على سبيل التدرج، وإذا ما استقرت، وصارت عرفاً ضغطاً على الناس ضغطاً شديداً، وهي لا تعتمد في سيرورتها على الكيف، لكن على الكم، ومن ثم فإن القول السائر في صددها يكون باستمرار: الناس يعيبون هذا، والناس يحبون هذا، بقطع النظر عن توعية القائلين، ومن هنا جاء الحديث الشريف: (من كثر سواد قوم فهو منهم) [١] حيث ... إن تكثير السواد في بعض المواقف، كالمؤتمرات والتظاهرات - مثلاً - يكون هو الهدف مهما كان القصد! وهذا يعني أن جهداً كبيراً ينبغي أن يبذل في اتجاه جعل الدين ثقافة عامة للناس يؤصلون أعرافهم عليها؛ فلا يصبح المعروف منكراً ولا المنكر معروفاً.. وعلى صعيد الكيف فإن باحثاً واحداً يعد مرجعاً في فرع من فروع المعرفة أجدى على التقدم العلمي من ألوف الملقنين المدرسيين. ونحو من هذه الوظائف الإدارية والقيادية العليا، فإن شخصاً موهوباً مؤهلاً واحداً أنفع من مئات الأشخاص (الخام) الذين يحتاجون إلى من يصرف أمورهم.. وفي قضايا الفكر والرأي والالتزام قد ننظر للكم تارة وقد ننظر للكيف تارة أخرى؛ فإذا كان الحق الذي نتبعه قطعياً - أي ليس مناطاً للاجتهاد - فإن الكم مهدور حينئذ، وهذا معنى قول بعض السلف: الجماعة أن تكون على الحق، ولو كنت وحدك. وحين يكون الحق اجتهادياً فإن الكم حينئذ معتبر، ومن هنا نشأت أهمية كلمة (جمهور) عند الفقهاء وغيرهم. إن أمتنا اليوم لا تعاني اليوم من نقص في (الكم) على أي صعيد من الصعد، لكنها تعاني من نقص شديد في (الكيف) ؛ فنحن اليوم أكثر من خمس العالم، وأراضينا واسعة شاسعة وخيراتنا كثيرة وفيرة، لكننا إلى جانب هذا في حالة معيشية مأساوية على أكثر الأصعدة، فأكثر بلدان العالم الإسلامي مصنفة مع البلدان الفقيرة، وكثير من شعوبنا يعيش تحت مستوى الفقر! وأعلى نسبة للأمية موجودة عندنا! أما الوزن الدولي فنحن جميعاً على الهامش موزعون ما بين شرق أوسط وأقصى وأدنى، أي أننا نُصنف باستمرار تبعاً لموقعنا في المركز! ! ومع أن الوحدة ظلت المحور الذي يجذب مشاعرنا وأدبياتنا، إلا أن حالتنا الراهنة تتجه باستمرار إلى مزيد من التمزق والتفكك، مع أن العالم من حولنا يسير إلى التوحد والاندماج! أما حقوقنا وكرامتنا وأراضينا فوضعنا ووضع العالم منها يلخصه المثل العربي القديم: (أوسعتهم سباً وأودوا بالإبل) !! ولا أريد أن أتمادى في (النبش) وتتبع المواجع حتى لا نقع فريسة اليأس القاتل لكن ما أريد أن أقوله هو أن وضعنا الحالي قد جاءت به النذارة في نصوص كثيرة منها: حديث [٢] القصعة المعروف، والذي وصف حالة الأمة بالغثائية، والتضاؤل على المستوى الظاهري: غثاء كغثاء السيل، وعلى مستوى المضمون (الوهن) : (حب الدنيا وكراهية الموت) . وللغثاء سمتان أساسيتان: خفة الوزن وعدم الترابط، ويترتب عليهما نتيجة مخيفة، هي فقد الاتجاه الحر، فالغثاء يساق دائماً إلى حيث يريد، وإلى حيث لا يريد؛ وفي موازين عديدة يعد فقد الاتجاه فقداً للوجود ذاته! ! وهذا كله يعني أن أحوالنا الثقافية والسلوكية والاقتصادية إذا ظلت على ما هي عليه فلن تفرز إلا التبعية للآخرين، والتي ستفرز من جهتها باستمرار صراعات في بُنانا العميقة تؤكد الغثائية وتؤصلها! ! كيف نحول الكم إلى كيف؟ نحن في حركتنا اليومية نقوم باستمرار بتحويل (الكم) إلى (كيف) فلا مشكلة في الممارسة العملية، لكن الإشكال يكن في فقد التوازن بين الكم والكيف، أو بعبارة أخرى في الكم الهائل الذي نستطيع تكييفه؛ مما يحوله إلى عبء ثقيل وعقبة كأداء في طريق نجاحنا؛ فالأمي والجائع والمريض والمنحرف والفوضوي والكسول، كل أولئك يشدون الأمة بعنف نحو الوراء، ويقفون في وجهها، وهي تخطو نحو الخلاص من الغثائية، وليس هذا فحسب بل إن هذه الهلاميات تستطيع أن تتأبى على أي قالب تشكيل تصادفه، مما يجعلها دائماً نقاط ضعف في جسم الأمة ونقاط ارتكاز ورؤوس جسور للمتربصين بها الدوائر! ! ويكون السؤال حينئذ: كيف نحد من نسبة هؤلاء لتكون قريبة من الطبيعية؟ ؟ إن هناك كلاماً كثيراً يمكن أن نقوله في هذا الشأن، لكنني أود أن أشير إشارة عابرة إلى محاور أربعة أحسبها منطلقات مهمة في هذه السبيل: ١- أن نشيع في الأمة روح التوحد على الأصول والحق القطعي، وذلك يستلزم جهوداً دائمة في بلورة ذلك؛ وأن نشيع إلى جانب ذلك روح التعاذر في الفروع والحق الاجتهادي، ونضرب للناس الأمثلة العملية التي تنير لهم السبيل، وأن نبقي في الحالتين هامشاً للتواصل والتبشير والإنذار. ٢- أن نوسع في تربيتنا وحياتنا اليومية من مفاهيم العبادة لتشمل مجالات النفع العام، كالأخذ بيد أولئك الذين قعدت بهم ظروفهم وإمكاناتهم عن أن يعيشوا حياة كريمة طبيعية (الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله أو القائم الليل الصائم النهار) [٣] وذلك بغية التخفيف من المعاناة التي يكابدها كثيرون من أفراد الأمة. ٣- رعاية النابهين وإعطاؤهم ما يستحقونه من الاهتمام والمتابعة والبذل، والنابهون هم أولئك الذين آتاهم الله - سبحانه - من المكنة ما جعلهم محاور يدور في فلكهم الآخرون، والنابه قد يكون طالباً عبقرياً، وقد يكون وجيهاً يأتمر بأمره كثيرون، وقد يكون واحداً من ذوي رؤوس الأموال الطائلة، وقد يكون ويكون ... ، وهذا من باب إنزال الناس منازلهم. ٤- إقامة المؤسسات الكبرى على مختلف الصعد، وتلك المؤسسات تؤصل فينا روح الفريق، كما توفر الأطر الإدارية والفنية والعملية لأولئك الذين يملكون روح الإخلاص والعطاء. إن المؤسسات تمثل مهمة المحرك للسفينة تارة ومهمة المراسي تارة أخرى، أي: تؤمن حركة راشدة متزنة. وإذا ما فعلنا ذلك أو بعضه نكون قد ساعدنا الأمة في الخروج من نفق (الغثائية الكمية) المظلم، ودفعناها نحو امتلاك أهلية قيادة العالم وهدايته. وعلى الله قصد السبيل.

стр. 1363

من نور النبوة فوائد من حديث رسول الله - ص لى الله عليه وسلم - ستر الجعيد الحديث: روى مسلم في صحيحه [١] عن أبي هريرة ﵁ قال: (كنا ... قعوداً حول رسول الله ﷺ معنا أبو بكر وعمر في نفرٌ، فقام رسول الله ﷺ من بين أظهرنا فأبطأ علينا، وخشينا أن يقتطع دوننا، وفزعنا فقمنا، فكنت أول من فزع فخرجت ابتغي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أتيت حائطاً للأنصار لبني النجار، فدرت به هل أجد له باباً فلم أجد، فإذا ربيع يدخل في جوف حائط من بئر خارجة - والربيع الجدول - فاحتفزت كما يحتفز الثعلب، فدخلت على رسول الله ﷺ فقال: أبو هريرة، فقلت: نعم يا رسول الله، فقال: ما شأنك، قلت: كنت بين أظهرنا فقمت، فأبطأت علينا فخشينا أن تقتطع دوننا ففزعنا، فكنت أول من فزع، فأتيت هذا الحائط فاحتفزت كما يحتفز الثعلب، وهؤلاء الناس ورائي، فقال: يا أبا هريرة وأعطاني نعليه، قال: اذهب بنعلي هاتين، فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة، فكان أول من لقيت عمر، فقال: ما هاتان النعلان يا أبا هريرة؟ فقلت: هاتان نعلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعثني بهما من لقيت يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه بشرته بالجنة، فضرب عمر بيده بين ثدي فخررت لأستي، قال: ارجع يا أبا هريرة، فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأجهشت بكاء، وركبني عمر فإذا هو على أثري فقال لي رسول الله ﷺ : مالك يا أبا هريرة؟ قلت: لقيت عمر فأخبرته بالذي بعثتني به، فضرب بين ثديي ضربة خررت لأستي، قال: ارجع، فقال له رسول الله ﷺ يا عمر: ما حملك على ما فعلت؟ قال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، أبعثت أبا هريرة بنعليك من لقي يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً به قلبه بشره بالجنة؟ قال: نعم، قال: فلا تفعل، فإني أخشى أن يتكل الناس عليها فخلهم يعملون. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فخلهم) . فيه فوائد: ١- عظم المحبة لرسول الله ﷺ في قلوب أصحابه. ٢- عمق الأخوة بين المؤمنين. ٣- فضل اليقين في الإيمان. ٤- الفصل بين الفضولية والاستيضاح. ٥- أهمية التثبت عند عدم الشك. ٦- الفرق بين رد السنة وبين غيره. ٧- أثر العلاقة في التربية. ٨- الخشية من وقوع المفسدة يبيح اتخاذ ما يمنع وقوعها. ٩- إدراك الصحابة لفقه الخلاف. ١٠- الإشارة إلى بعض شروط لا إله إلا الله. ١١- تأمل خشية عمر مع وجود العمل فكيف لو رأى الترك والإعراض؟

стр. 1364

وصايا للدعاة الشيخ عبد الله بن حسن القعود -١- الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: فأوصيكم إخواني في الله دعاة وشباب الإسلام بتأمل أمور منها ما يأتي: تعلمون وفقكم الله أن الله سماكم المسلمين وامتن بهذه التسمية بل أمر ووصى بها فقال تعالى: [وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ..] إلى قوله : [هُوَ سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ] . وقال: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ولا تَمُوتُنَّ إلاَّ وأَنتُم مُّسْلِمُونَ] . وقال: [ووَصَّى بِهَا إبْرَاهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلاَّ وأَنتُم مُّسْلِمُونَ] . وكانت هذه التسمية هي السمة والعلامة لأمة الاستجابة التي لم تبدل ولم تغير بل ومحل الاعتزاز، روى الإمام مسلم ﵀ عن ابن عباس ﵁ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقي ركباً بالروحاء فقال: من القوم؟ قالوا: المسلمون، فقالوا: من أنت؟ فقال: رسول الله.. الحديث، وأن مسمى دين هذه الأمة الإسلام، الإيمان، الإحسان، وأنه يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي وأن أهله يتفاوتون فيه وشعبه تتفاوت كذلك قال تعالى: [إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ] ، وقال: [لا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ والْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ المُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وأَنفُسِهِمْ عَلَى القَاعِدِينَ دَرَجَةً وكُلاًّ وعَدَ اللَّهُ الحُسْنَى] . وقال: [لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَذِينَ أَنفَقُوا مِنْ بَعْدُ وقَاتَلُوا وكُلاًّ وعَدَ اللَّهُ الحُسْنَى] . وقال -عليه الصلاة والسلام-: «إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري العابر في الأفق، قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم، قال: لا، والذي نفسي بيده، قوم آمنوا بالله وصدقوا المرسلين» . وقال: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير» . وقال: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم» . ونصوص زيادة الإيمان بالطاعات ونقصانه بالعصيان معروفة ومعروف مذهب السلف الصالح في ذلك فمسماه يشمل كل من أظهر الإسلام ولم يرتكب ما يناقضه وينقل عن أصله، قال ﵊: «من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فهو المسلم الذي له ذمة الله ورسوله، فلا تخفروا الله في ذمته» [١] . فمن كان ذلك الوصف ظاهره اندرج في عداد المسلمين، أهل الملة، أهل القبلة، مسمى جماعة المسلمين في الجملة، أما الفرقة الناجية فقد فسرها -عليه الصلاة والسلام- بقوله: «من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» . وأن مذهب السلف في عصاة أهل القبلة أنهم يُحَبون لما فيهم من طاعات، ويُبْغَضون لما فيهم من عصيان، وأنه يجتمع في قلب الشخص الواحد من المسلمين الحب والبغض في آن واحد لعصاة المسلمين، وأنهم أي السلف الصالح -رضوان الله عليهم- يرجون للمحسنين من أمة محمد ويخافون على المسيئين منهم، ولا يكفرون أحداً من المسلمين بكل ذنب فعله ما لم يستحله، ويبقى فيهم مع تفاوتهم في الإيمان وارتكاب بعضهم لشيء من العصيان الذي لا ينقل عن الملة التحاب على ما ذكر، والتراحم والتعاطف والاحترام المتبادل وفق منهاج الله، قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ﵀: ولا يجوز تكفير المسلم بذنب فعله ولا فعل أخطأ فيه؛ كالمسائل التي تنازع فيها أهل القبلة، فإن الله تعالى قال: [آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إلَيْهِ مِن رَّبِّهِ والْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وقَالُوا سَمِعْنَا وأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وإلَيْكَ المَصِيرُ] ، وقد ثبت في الصحيح أن الله تعالى أجاب هذا الدعاء وغفر للمؤمنين خطأهم. فليتأمل المسمى المذكور للمسلمين والنقل المذكور عن شيخ الإسلام -رحمه الله- وأمثاله من يحرجون غيرهم من شباب المسلمين بالقول له: هل أنت كذا أو كذا، فينبغي لمن ووجه أو قوبل بهذا القول أن يقول: أنا مسلم متبع لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في استنكاره لمثل هذا السؤال: وروينا عن معاوية بن أبي سفيان أنه سأل عبد الله بن عباس ﵄ فقال: أنت على ملة علي أو ملة عثمان، فقال: لست على ملة علي ولا على ملة عثمان، بل أنا على ملة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. - ٢ - من المعلوم البدهي أن الدعوة إلى توحيد الله الذي أنزل به كتبه وأرسل به رسله لن تتحقق على الوجه المطلوب ما لم يزل من وجهها ما تأصل في بعض النفوس الخبيثة من الشرك الأكبر المناقض لتوحيد الله، ولما أمر الله به من الكفر بالجبت والطاغوت الذي بدونه أي الكفر بالجبت والطاغوت لا يتحقق معنى لا إله إلا الله في النفوس، ولا في الواقع وإن نطق بها لفظاً فغير خافٍ أن الفترة الزمنية التي قضاها رسول الله ﷺ في مكة يدعو فيها إلى توحيد الله كان يغشى الناس في مجامعهم ومواسمهم التماساً لمن ينصره ويحميه ليدعو إلى ذلك بالفعل من لم ينفع معه القول، ونتج عن ذلك بيعته في موسم الحج لعدد من الأنصار ﵃، تلتها هجرته إلى المدينة ليقيم بها دولة ومعسكر الإسلام الذي بوجوده تنفذ أحكام الله وتقام حدوده وتحمى دعوته، وفعلاً لما دخل مكة فاتحاً اتجه إلى الأصنام المعلقة بالكعبة التي كان يدعو بالقول إلى نبذها وأمثالها وعبادة الله وحده يكسرها ويقرأ قول الله: [وقُلْ جَاءَ الحَقُّ وزَهَقَ البَاطِلُ إنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً] ، ويسلم بعد كثير ممن كانوا ممتنعين عن الإسلام ورضى الله عن حسان بن ثابت فقد روى عنه أنه قال: دعا المصطفى دهراً بمكة لم يجب ... وقد لان منه جانب وخطاب فلما دعا والسيف صلت بكفه ... له أسلموا واستسلموا وأنابوا وقال قبل ذلكم خير قائل وأصدق قائل: [لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ والْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وأَنزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ومَنَافِعُ لِلنَّاسِ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ورُسُلَهُ بِالْغَيْبِ] . ولا شك أن ذكر إنزال الحديد بعد ذكر إرسال الرسل وإنزال الكتب والميزان الذي هو العدل، يفهم منه أن من لم يقوّم بالحجج والآيات الواضحة والأدلة الناصعة يقوّم بالسيف، قال شيخ الإسلام -رحمه الله- في تعليق له على الآية المذكورة: فمن عدل عن الكتاب قُوِّم بالحديد، ولهذا كان قوام الدين بالمصحف والسيف. وقال ﵊: «بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم» . وقال - ﵊: (لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك) [٢] . وقد نهج الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ هذا المنهج النبوي الكريم مذ بدأ دعوته الخيرة إلى تحقيق توحيد الله وتصفيته مما علق به من شوائب الشرك والبدع والعصيان، يجوب البلاد يعرض طلب نصرته فيها وحمايته من أعدائها على أمراء تلك البلدان ولا زال كما هو معروف من تاريخه ﵀ لا سيما بعد المعاهدة مع أمير الدرعية آنذاك الذي بسط للشيخ ﵀ يده بعد أن عرض عليه دعوته وما تحتاجه من نصرة وحماية قائلاً: أبايعك على دين الله ورسوله والجهاد في سبيله وإقامة شعائر الإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكان لهذا الأمر ما كان من خير لا يزال المنتمون لهذه الدعوة على هذا المعتقد المنبعث من دعوة رسل الله وأتباعهم بإحسان ينعمون به وقد كان ضمن منهجهم ﵏ التركيز في دعوتهم على الدعوة إلى الكفر بالجبت والطاغوت وتلقين عوام الناس في المساجد مختصر الأصول الثلاثة للشيخ نفسه ومنه: ما أول ما فرض الله عليك، الجواب: الكفر بالطاغوت والإيمان بالله.. إلى: والطواغيت كثير ورؤسهم خمسة إبليس لعنه الله، ومن عبده وهو راض، ومن دعا الناس إلى عبادة نفسه، ومن ادعى شيئاً من علم الغيب، ومن حكم بغير ما أنزل الله. فلينتبه لهذا المنهج الخيرون من المسلمين في دعوتهم إلى الله وإلى إقامة شرعه عسى أن يكونوا خير خلف لخير سلف صدقوا مما عاهدوا الله عليه.

стр. 1365

من إيجابيات الدعوة الإسلامية المعاصرة د. عابد السفياني إن الدول الإسلامية يعظم عطاؤها ويقوى بقدر ما تبذل في سبيل إحياء المفاهيم الإسلامية وتجديدها ورفع الشبهة عنها وتربية الناس على عقيدة أهل السنة والجماعة، التي بينها المجددون من علماء السلف الصالح ومن تبعهم بإحسان. وسنتحدث في هذه المقالات عن أبرز هذه الإيجابيات رغبة منا في إظهارها، وطلباً لنشرها في كل مكان. وإن من المفيد أن نشير قبل ذلك إلى أهم الأسباب التي توجب الاعتناء بهذا الموضوع، كما ننبه على المنهج المتبع في دراسته، وإليك هذه الأسباب: ١- الدلالة على بعض ما بذله العلماء والدعاة من جهود دعوية تجديدية، والتذكير بأهمية ذلك، ودعوة الجميع إلى التعاون على نشرها والمحافظة عليها. ٢- بيان الدليل العملي على يسر تعاون الدعاة والمفكرين وطلاب العلم على نصرة الإيجابيات، وأنه مهما وقع بينهم من الاختلاف في الأمور الاجتهادية فإن المجال واسع للتعاون والمناصرة، ويمكن السعي في كشف اللبس عن بعض المفاهيم التي وقع فيها الكثير من الغبش، وينبغي أن يعلم الدعاة جميعاً أن الصحوة في العالم كله هي ثمرة من ثمار أعمالهم، وأنه يجب على العلماء وطلاب العلم الارتقاء بذلك الجهد وتكثير إيجابياته وتصحيح سلبياته وذلك ممكن ومتيسر والحمد لله. ٣- وجوب تعريف الناس عامة - والمسلمين خاصة - بالآثار الحميدة للدعوة الإسلامية، وبيان أنها الطريق إلى تحقيق عبادة الله وحده واتباع رسله -عليهم الصلاة والسلام -، وأن الفساد لا يرفع من الأرض إلا بتحكيم (الشريعة ... الإسلامية) ، في جميع المجالات [حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ] . ... ٤- إن الحديث عن الإيجابيات هو الطريق الوحيد لربط أجيال الأمة بعضها ببعض، ويحقق لنا حسن الاستفادة من أولئك العلماء الأعلام الذين حملوا راية الإصلاح فيها، وهؤلاء هم أهل العلم والإيمان والجهاد والبصيرة في الدين، ظهر منهم في كل جيل عدول، يقولون بالحق وبه يعدلون، قد علمت الأمة مكانتهم - لا بمجرد الأقوال ولا بكثرة الأموال وإنما علمت مواطن جهادهم وقوة صبرهم ومواقفهم الثابتة في نصرة الحق حتى قدموه على محبه الأموال والأولاد، وعلى زينة الحياة الدنيا وجعل الله منهم أئمة لما صبروا كما قال تعالى: [وجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ] ، فحرصت الأمة على تقديمهم رغبة منها لا رغبة منهم. وهؤلاء المصلحون يجددون في مجالات كثيرة بحسب ما تحتاجه الأمة في كل عصر، ونحن في هذه المقالات نذكر بشيء من جهودهم التي ينبغي أن تحتذى في سبيل الإصلاح، ولا ندعي العصمة لأحد منهم وننبه إلى منهج أهل السنة مع علمائهم فنقول: إن أهل السنة والجماعة لا يعصّمون العالم منهم ولا يؤثمونه لخطأ وقع فيه، بل يأخذون أحسن ما عنده، ويعذرونه فيما أخطأ فيه ويجعلون جهاده ونصرته للإسلام، وبُعده عن مناطات الفرق والأهواء مانعاً من الطعن فيه، وبهذا الموقف المعتدل - عند أهل السنة والجماعة - استطاعوا أن يحافظوا على جهاد علمائهم ويستفيدوا منه ويبنوا عليه، وقد وفقهم الله في ذلك. بخلاف أهل المسالك الفاسدة من المتعصبة والمقلدة الذين ينكرون فضل العالم وجهاده إذا اجتهد وأخطأ في بعض مسائل الاجتهاد. وهذا الأصل الذي نذكر به وندعو إليه، هو المنهج الوسط الذي التزمه السلف الصالح -رضوان الله عليهم-، وهو مقتضى العدل الذي بينه - صلى الله عليه وسلم -، فقد روى عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر» [١] . ونحن معشر أهل السنة والجماعة لا نعصم العالم إذا اجتهد واستفرغ وسعه ولا نؤثمه، بل نحافظ على جهاد العالم وإيجابياته وعلمه وحسن بلائه في نصرة منهج أهل السنة، وندعو الناس إلى المحافظة على جهده وجهاده، ونعتبر إيجابياته مكسباً للأمة يجب المحافظة عليها، ولا نرى مسوغاً للاعتراض عليها بقول القائل: إن هذا العالم أخطأ في كذا وكذا ونخشى أن تنتشر تلك الأخطاء بل الواجب أن نحافظ على إيجابياته، ولا ندعي له العصمة، ولا ندافع عن أخطائه، ونكتفي ببيان الصواب فيما أخطأ فيه. وبهذا المنهج نستطيع أن ندعو للإيجابيات ونقوي بها المنهج التجديدي في الدعوة إلى الله، فعاد الأمر في النهاية إلى ربط أجيال الأمة بعضها ببعض عن طريق الإشادة والاستفادة من إيجابيات علماء السنة، والحفاظ على جهودهم، والبناء عليها في مجال التجديد.، بهذا المنهج الوسط - ولتلك الأسباب - ندعو للاستفادة من جميع الجهود المبذولة في إطار أهل السنة والجماعة، وسنذكر في المقالات القادمة - إن شاء الله - بشيء من جهود الدعاة والمصلحين كل في مجاله الذي برز فيه، ولكل مصلح درجات مما عمل بحسب علمه وعمله وجهاده وصبره وإحسانه، وندعو للجميع بالتوفيق وأن يبارك الله بفضله وإحسانه في جهود العلماء العاملين، وأن يجزل لهم المثوبة ويجمعنا وإياهم مع الأنبياء والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقاً، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 1366

خواطر في الدعوة صحوة أم تجديد محمد العبدة شاعت في هذه الأيام على ألسنة الدعاة والكتاب كلمة (الصحوة) يعبرون بها عن الاتجاه القوي نحو الدين على مستوى الأفراد والشعوب، ولا شك في أنها ظاهرة واضحة وقوية لا تحتاج إلى أدلة أو برهان، فالعودة إلى الدين والالتزام به سلوكاً وفهماً نراه في كل مكان، والمؤتمرات التي تبحث هذه الظاهرة تعقد على أعلى المستويات. ولكن هل ما نحن فيه، وما يجب أن نكون عليه يكفي في التعبير عنه كلمة (صحوة) ؟ أليس مما تعنيه أنها إفاقة بعد نوم، قمنا بعدها نتملى ونفرك أعيننا لنرى ما حولنا؟ وهل هذه الإفاقة هي من تاريخ استعمال هذا المصطلح - وهو حديث العهد - أم أنها أقدم بكثير؟ أولا تعني - مما تعنيه - أنها مؤقتة، فقد يصحو الإنسان ثم يغفو، وربما تكون الصحافة الغربية قد أطلقتها على أحداث السنوات الأخيرة في العالم الإسلامي لتعبر فيها عن قلقها من ظاهرة التدين؛ فتلقفتها الصحف عندنا، ثم سرت إلينا. قد يقول قائل: لا مشاحة في الاصطلاح، سمها ما شئت، فالمقصود هو الرجوع إلى الدين، وهذا صحيح، ولكن أخشى أن تسري سطحية هذا المصطلح إلى الفكر الإسلامي، فنحن بحاجة، إلى التجديد بكل ما في مصطلح التجديد من عمق، وكل ما فيه من تعب وكد في العلم والتدبر والتأمل. نحن بحاجة إلى التجديد لإزاحة كثير من الغبش عن بعض المفاهيم الإسلامية، والتصورات التي كبلت الشخصية المسلمة عن الانطلاق، ونحن بحاجة للتجديد في وسائل العمل، وفهم الواقع، وفقه بناء الأمم، وكيفية إقامة (البنيان المرصوص) . ونحن بحاجة إلى التجديد أمام التحديات الحضارية التي ما زالت رياحها تهب من الغرب. وإذا كانت الدعوة في بداية مراحلها، تحتاج إلى رعاية فائقة، وشحنة عاطفية - كالطفل في أعوامه الأولى - فإنها الآن أمام تحديات كبيرة، فلا بد من العقول المفكرة والعلماء المجتهدين والتخطيط، والنظر في وقائع الاجتماع البشري والسنن الربانية، والتدرب على تحليل الحاضر واستشراف المستقبل، وهذا كله يندرج تحت حديث التجديد (يجدد لها أمر دينها) وأمر دينها يندرج تحته أمر دنياها أيضاً، لأ نه وسيلة إلى الأمن والاطمئنان والقيام بأمر العبودية على أتم ما تكون.

стр. 1367

في المنهج قاعدة في الحكم على المخالف عثمان علي حسن التفريق بين الكفر وقائله: وهذا من الأصول العظيمة التي امتاز بها أهل السنة والجماعة عن سائر الفرق، أنهم يفرقون بين المقالة وصاحبها، فالمقالة قد تكون كفراً أو فسقاً وصاحبها ليس بكافر ولا فاسق، كما أنها قد تكون إيماناً وتوحيداً وصاحبها ليس بمؤمن ولا موحد. ولكي توافق مقالة الكفر صاحبها، ويوصف بها، لا بد من تحقيق شرائط وانتفاء موانع: أما الشروط فمنها [١] : ١- أن يكون صريح قوله الكفر عن اختيار وتسليم. ٢- أن يكون لازم قوله الكفر، وعرض عليه فالتزمه، أما إذا لم يلتزمه، بل رده وأنكره فليس بكافر. ٣- أن تقوم الحجة عليه ويتبينها؛ لقوله تعالى: [ومَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً] [الإسراء ١٥] ، وقوله: [ومَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى] [النساء ١١٥] . وأما الموانع فمنها [٢] : ١- أن يكون حديث عهد بالإسلام. ٢- أن يكون قد نشأ ببادية بعيدة، ويدخل معه من لم يجد إلا علماء الابتداع يستفتيهم ويقتدي بهم. ٣- أن يكون مغيب العقل بجنون ونحوه. ٤- أن لا تبلغه نصوص الكتاب والسنة، أو بلغته ولم تثبت عنده - إن كانت سنة - أو لم يتمكن من فهمها. ٥- بلغته وثبتت - عنده - وفهمها، لكن قام عنده معارض - من رأي أو ذوق - أوجب تأويلها، وإن كان مخطئاً. ويدخل معه المجتهد المخطئ، فإن الله يغفر له خطأه ويثيبه على اجتهاده إن كان حسن النية. وعليه، فلا يجوز الحكم على معين بالكفر إلا بعد تحقيق شروطه وانتفاء موانعه، وما أثر عن بعض السلف من إطلاق التكفير واللعن فهذا يبقى على إطلاقه وعمومه، ولا يتعين في حق إنسان إلا بدليل: قال ابن تيمية ﵀: (فإن الإمام أحمد - مثلاً - قد باشر الجهمية الذين دعوه إلى خلق القرآن، ونفي الصفات، وامتحنوه وسائر علماء وقته، وفتنوا المؤمنين والمؤمنات الذين لم يوافقوهم على التجهم بالضرب والحبس، والقتل والعزل عن الولايات، وقطع الأرزاق، وترك الشهادة، وترك تخليصهم من أيدي العدو، بحيث كان كثير من أولي الأمر إذ ذاك من الجهمية؛ من الولاة والقضاة وغيرهم: يكفرون كل من لم يكن جهمياً موافقاً لهم على نفي الصفات، مثل القول بخلق القرآن، ويحكمون فيه بحكمهم في الكافر.. ثم إن الإمام أحمد دعا للخليفة وغيره، ممن ضربه وحبسه، واستغفر لهم، وحللهم مما فعلوه به من الظلم والدعاء إلى القول الذي هو كفر، ولو كانوا مرتدين عن الإسلام لم يجز الاستغفار لهم، فإن الاستغفار للكفار لا يجوز بالكتاب والسنة والإجماع، وهذه الأقوال والأعمال منه ومن غيره من الأئمة صريحة في أنهم لم يكفروا المعينين من الجهمية، الذين كانوا يقولون: القرآن مخلوق، وإن الله لا يُرى في الآخرة..) [٣] . فالمخالف للكتاب والسنة إما أن يكون مجتهداً مخطئاً، أو جاهلاً معذوراً، أو متعدياً ظالماً كأن يرتكب كبيرة، أو منافقاً زنديقاً كأن يبطن الكفر ويظهر الإسلام، أو مشركاً ضالاً وهو المصرح بالكفر. وكل يعامل بحسبه. العذر بالجهل [٤] : لا بد من التفريق بين جاهل تمكن من العلم ومعرفة الحق ثم أعرض عنه، وآخر لم يتمكن من ذلك بوجه: فالمتمكن المعرض مفرِّط تارك للواجب عليه، لا عذر له عند الله، وأما العاجز عن السؤال والعلم لا يتمكن منه بوجه، فهم قسمان: ١- مريد للهوى، مؤثر له، محب له، لكنه غير قادر عليه وعلى طلبه، وذلك لعدم وجود من يرشده، فهذا حكمه حكم أرباب الفترات ومن لم تبلغه الدعوة. ٢- معرض لا إرادة له، لكنه لا يحدث نفسه بغير ما هو عليه. فالأول يقول: يا رب لو أعلم لك ديناً خيراً مما أنا عليه لدنت به وتركت ما أنا عليه. ولكن لا أعرف سوى ما أنا عليه، ولا أقدر على غيره، فهو غاية جهدي، ونهاية معرفتي. والثاني راض بما هو عليه. لا يؤثر غيره عليه، ولا تطلب نفسه سواه، ولا فرق عنده بين حال عجزه وقدرته. فهذا لا يجب أن يلحق بالأول لما بينهما من الفرق: فالأول كمن طلب الدين في الفترة ولم يظفر به، فعدل عنه - بعد استفراغ الوسع في طلبه - عجزاً وجهلاً. والثاني كمن لم يطلبه، بل مات على شركه، وإن كان لو طلبه لعجز عنه، ففرق بين عجز الطالب وعجز المرض.

стр. 1368

آفات في طريق الدعوة عبد الرحمن دمشقية الدعوة إلى الله ميدان رحب سلك فيه الداعون إلى الله أساليب متنوعة بهدف تبليغ الحق والنصح للأمة أفراداً وجماعات، والدعاة الصالحون المستنون بمنهج أهل السنة والجماعة يعملون بكل جهد واجتهاد للاقتداء بسنة الرسول الأعظم - ﷺ وبصحابته ومن تبعهم بإحسان. إلا أن هذا الميدان الهام قد يدخله وينتسب إليه نفر ليسوا على المستوى المطلوب علماً وتربية وسلوكاً، وقد ينزلقون في خضم دعوتهم إلى أخطاء وملاحظات قد تنعكس سلباً على هدف الدعوة السامي. والكاتب يبين لنا بعض الآفات على طريق الدعوة للحذر منها وعدم الوقوع فيها لتكون دعوة الداعي الحق على نور من الله ووفقاً لسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -. - البيان - الآفة الأولى: الشرك وقلة الإخلاص وابتغاء الدنيا بعمل الآخرة: عن أبي سعيد بن فضالة قال: سمعت رسول الله ﷺ : «إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم القيامة - ليوم لا ريب فيه - ناد منادً: من كان أشرك في عمله لله أحداً فليطلب ثوابه من عنده، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك» [١] . وقال: «بشِّر هذه الأمة بالتيسير والسناء والرفعة بالدين والتمكين في البلاد والنصر فمن عمل منهم بعمل الآخرة للدنيا، فليس له في الآخرة من نصيب» [٢] . وقال: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر. فقالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء، يقول الله إذا جزى الناس بأعمالهم: ... اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء» [٣] . الآفة الثانية: كتم العلم والتكاسل والتباطؤ عن نشره: فإن مثل الذي يتعلم العلم ثم لا يحدِّث به كمثل الذي يكنز الكنز ثم لا ينفق منه. كما قال ذلك رسول الله [٤] . وقد أخذ الله الميثاق على الذين أوتوا العلم أن يبينوا ولا يكتموا [لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ] [آل عمران ١٨٧] . وقال رسول الله ﷺ : «من كتم علماً لجم يوم القيامة بلجام من نار» ، وفي رواية: (ما من رجل يحفظ علماً فيكتمه إلا ... أتى يوم القيامة ملجوماً بلجام من نار) [٥] . الآفة الثالثة: مخالفة العلم للعمل، وذلك بأن يعظ الناس بخير لا يبالي هو العمل به قال تعالى: [أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ] [البقرة ٤٤] . وقال رسول الله - ﷺ : «يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتابه [٦] فيدور بها كما يدور الحمار برحاه، فتجتمع أهل النار عليه، فيقولون: يا فلان! ألست كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: كنت أمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن الشر وآتيه» [٧] . وقال: (مررت ليلة أسري بي بأقوام تقرض شفاههم بمقاريض من نار، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: خطباء أمتك الذين يقولون ما لا يفعلون) [٨] . وجاء في رواية: «ويقرؤون كتاب الله ولا يعملون به» [٩] . وفي رواية يخالفونه بالنهار وينامون عنه بالليل. وأخبر أن مما يسأل عنه العبد يوم القيامة «عن علمه ماذا عمل به» [١٠] ... وضرب مثلاً لمن يعلم النار وينسى نفسه قائلاً: «مثل الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه، كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه» وفي رواية: «كمثل الفتيلة، تضيء على الناس، وتحرق نفسها» [١١] . فهذا العلم الذي يتصف به العالِمٌ، عِلمٌ ضار بصاحبه غير نافع له هو حجة عليه. وقد كان رسول الله - ﷺ يستعيذ بالله من علم لا ينفع [١٢] . الآفة الرابعة: الادعاء والمباهاة بالعلم: قال رسول الله ﷺ : «يظهر قوم يقرأون القرآن يقولون: من أقرأ منا؟ من أعلم منا؟ من أفقه منا؟ ثم قال لأصحابه: هل في أولئك من خير؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: أولئكم منكم من هذه الأمة، وأولئك هم وقود النار» [١٣] . الآفة الخامسة: طلب العلم للمجادلة وغلبة الناس: حيث يظهر المجادل وكأنه ينتصر للحق، وإنما يريد إثبات ذكائه وقوة لسانه، إن هذا في الحقيقة يريد العزة لنفسه لا لربه. لقد كان الشافعي ﵁ يقول: «ما جادلني خصم إلا وتمنيت أن يظهر الله الحق على لسانه» . الآفة السادسة: التعصب لأقوال الائمة والعلماء، ومحاولة تبرير أخطائهم. ولم أر شيئاً يحجر العقول مثل التعصب لعالم أو لمذهب، لأن التعصب منهج بعيد عن منهج الإسلام لا يفسح المجال للعقل ليكون مرناً يفحص الأشياء. أين الطريق: إن الذي فرض هذه الغاية لم ينس أن يعلمنا الوسيلة لتحقيق هذه الغاية، قال تعالى: [ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ والْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] ، [ولَوْ كُنتَ فَظاً غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ] . إن الدعوة يجب أن تقترن بالخلق الحسن، ولين الجانب، والتأمل والتريث. وإن خلت من هذه العوامل فقد تنفع المدعو، وقد تضر به إذ تدفعه دعوة الحق - بالأسلوب الباطل - إلى الإصرار على الخطأ. فإن الناس معادن ويختلفون في ردة الفعل. لذا كان قدوتنا في ذلك الخُلُق العظيم رسول الله ﷺ الذي وصفه الله تعالى بقوله: [وإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ] [القلم ٥] ، وقد قال هو عن نفسه: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» [١٤] . وإذا كان التحلي بالخلق الحسن واجباً على الناس جميعاً فهو على الداعية أوجب وأحرى. وكذلك قصة الإعرابي الذي بال في المسجد فراه الصحابة وهموا بضربه، فزجرهم رسول الله ﷺ وأمرهم أن يهريقوا فوق بوله سَجْلاً [١٥] من ماء، ثم قال: «إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين» . فما كان من الأعرابي إلا أن قال: «اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً أبداً» . لقد رأى من النبي ﷺ من حسن الخلق ومن السماحة واللين ما لم ير من غيره.

стр. 1369

صحافة من مظاهر الانحراف الفكري في الصحافة العربية د. محمد بن سعود البشر - ١ - إن من نعم الله علينا أن بلغنا هذا الزمان الذي يشهد صحوة إسلامية مباركة، ورجوعاً من المسلمين إلى الله تعالى أفراداً وجماعات، شيباً وشباباً، رجالاً ونساء، وعودة راشدة إلى الحق وإلى منهاج كتاب الله تعالى وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، تقود طلائعها ثلة من العلماء، وكوكبة من الدعاة، يرشدون الناس ويوجهونهم، ويذكرونهم بأيام الله، ويبينون لهم صراطهم المستقيم. وإن من سنة الله التي خلت من قبل أنه ما من زمان ترفع راية للسنة، ويعلو فيه شأن للمسلمين، ويرتفع لواؤهم، إلا وتظهر فيه طائفة من الناس قد امتلأت قلوبهم غيظاً لعز الإسلام، وحقداً لعزة المسلمين، وارتوت أفئدتهم خبثاً ومكرا، ينتبذون مكاناً قصياً، ويسلكون مسالك شتى في الكيد للإسلام والتربص بحملته، وإن مما ابتلي به المسلمون في هذا الزمان نفر من بني جلدتهم، يعيشون بينهم ومعهم، يلبسون ثيابهم، ويتكلمون بلسانهم، لكنهم يحملون همَّاً غير همِّ دينهم، ويدعون إلى منهج غير منهج قرانهم وشريعتهم، يسلكون في ذلك طرائق قدداً، فمرة يؤذون المؤمنين باسم التطرف، وتارة يتطاولون على أعراض العلماء وطلبتهم باسم الحرص على الدين، وأخرى يلزمون الدعاة إلى الله باسم الحفاظ على المصلحة العامة واستتباب الأمن، وكل ذلك يصدر من مجتمعات إسلامية، وتقرؤه جماهير المسلمين، ينشرون ذلك باسم الحرية، حرية الرأي، وحرية التعبير، وحرية القلم، أما غرضهم الأساس فهو الانتقاص من قدر العلماء والدعاة وتجريحهم، والتشكيك فيهم، ومحاولة نزع الثقة منهم حتى لا تقوم للإسلام قائمة، إدراكاً منهم أن تلك الصفوة من حملة الدين عليهم المعوّل بعد الله في نشره وفي تمكين الصحوة. - ٢ - وإن مما ابتليت به مجتمعاتنا الإسلامية مؤخراً فئة ممن تسنموا الصدارة الصحفية وامتطوا صهوة أقلامهم لحرب العلماء والدعاة، ونشر مقالات صريحة وجريئة في التطاول عليهم والانتقاص من قدرهم. وهم يعلمون أن جماهير القراء غالبيتهم من المسلمين، وأن ما يكتب في الصحيفة هو بالدرجة الأولى موجه لهم، وإن من أهم الكتابات التي تلفت أنظارهم هي تلك التي تكتبها أسماء معروفة ذات نفوذ مؤثر، وذلك لأن تلك الأقلام عادة ما تكون مسؤولة أو تعبر عن اتجاه الصحيفة كوسيلة إعلامية تعبر عن واقع المجتمع الذي تعيش فيه، أو - في أقل الأحوال - تكون مرآة لقياس فكر القائمين عليها وسياساتهم وتوجيهاتهم. ومن هذا المنطلق فإن ذلك السيل الهادر من المقالات المدبجة بعبارات الذم وكيل التهم للدعاة والناصحين للأمة التي بدأت تطالعنا بها صحافة تصدر في مجتمعات إسلامية كان محل تساؤل الكثيرين من أفراد الأمة الإسلامية، بل وغضبهم مما يقال وينشر. إن تلك الفئة من الكتبة يتحدثون بدعوى حرية الرأي عن قضايا ذات علاقة بصفوة الأمة وهم علماؤها وطلابهم والدعاة إلى الله والناصحون للمسلمين، وتلك وايم الله قضية ينبغي لمن أراد الكتابة عنها أن يستكمل شروطها، وأن يفكر ويقدر قبل الشروع في الحديث عنها. إن ذلك التوجه الخطير في الصحافة العربية له عواقب وخيمة على الأمة، وإن مما يزيد خطورته غض البصر عنهم من قبل الأنظمة السياسية في الدول العربية التي أعطتهم الضوء الأخضر لنهج ذلك المسلك. وكان من نتيجة ذلك أن تمادى هؤلاء الكتاب في غيهم، وتحدوا مشاعر المسلمين وذلك من خلال الكتابة عن علمائهم ودعاتهم بأسلوب فظ غليظ، ومن خلال تسمية الدعاة والعلماء بأسمائهم والتعريض بهم والانتقاص من قدرهم ومكانتهم، وأخيراً من خلال ذكر أسمائهم في افتتاحيات الصحف وأغلفة المجلات إمعاناً في الجرأة ولفتاً للانتباه، في محاولة فاشلة منهم إما لجذب القارئ وكسبه، وإما استفزازاً له وتشفياً منه. إن من يتابع ذلك الزخم الهائل من المقالات والتحقيقات والأحاديث الصحفية التي ينشرها أولئك الكتبة على صدر صحفهم وأغلفة مجلاتهم تتبادر إلى ذهنه عدة انطباعات عامة هي في نظري القاسم المشترك الذي يجمع بينها، ومن تلك الانطباعات ما يلي: أولاً: أن الكتابة عن الدعاة إلى الله وحملة الإسلام والناصحين له بقصد الانتقاص من قدرهم والتطاول عليهم، وتشكيك الناس فيهم لنزع الثقة منهم، وتسميتهم بأسمائهم الصرحية بالأسلوب الذي تنتهجه الصحافة العربية لا يخرج في نظري عن أحد أمرين: أ- إما غرض شخصي للكاتب لا نعرف نحن القراء كنهه ولا دلالته، وفي ذك تجن علينا باقتطاع مساحة كبيرة من الصحيفة - وذلك من حق القارئ - لتحقيق مآرب ذاتية وتلبية رغبات شخصية. ب - وإما محادة صريحة للمؤمنين وإيذاؤهم، وقد جاء الوعيد لمن انتهج ذلك المسلك في قوله ﵎: [والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وإثْماً مُّبِيناً] . ثانياً: إن هذا التوجه في الصحافة العربية يتزامن مع أحداث لا تزال تقع في بعض الأقطار العربية كان طرفاها الحكومات العربية من جانب والجماعات الإسلامية (وبعض المحسوبين على الحركات الإسلامية) من جانب آخر. وإن ذلك توقيت في غير أوانه، بل إن الكثير من المسلمين يعتقد أن ذلك أمر قضي بليل، فهم يساهمون بشكل مباشر في ضرب المسلمين وشباب الصحوة الإسلامية ويتعاونون مع أنظمتهم في تنفيذ ذلك، ثم هم أيضاً بالتطاول على أهل العلم وطلاب العلم والمنتسبين إلى الدعوة الإسلامية يلتمسون عذراً لمن يتصيد في الظلام من دعاة الفساد ورؤوس الضلالة في المجتمعات الإسلامية. ثالثاً: أن أولئك الكتبة الذين ابتليت بهم صحافة الأمة يحاولون لفت انتباه الجماهير لما يكتبون بطريقة تتنافى مع أعراف الكتابة والصحافة. إن مصطلح (جذب انتباه القارئ) للصحيفة لا يكون بتلك الطرق المجانبة للصواب، لقد درسنا الصحافة والسياسة في بلاد الإسلام وفي البلاد الغربية وما سمعنا ولا قرأنا ولا علّمنا أساتذة الإعلام أن هذا المصطلح الصحفي يجب أن يستخدم على حساب المبادئ والقيم والقوانين السائدة في المجتمع - أي مجتمع - وإن مصطلح (الحرية) ليس مطلقاً بل مقيداً تقييداً يتناسب و (المصلحة العامة) للمجتمع، وإلا أصبحت الحرية ... فوضى، والتعبير الحر هجوماً معلناً، فكيف ونحن نتعامل مع هذين المصطلحين في مجتمعات إسلامية تحكمها ضوابط الدين والشرع والأخلاق. إن تلك المنابر الصحفية التي تسلقها أولئك الكتبة ويفرضون على الناس آراءهم من خلالها هي منابر لا يملكونها، بل هم كغيرهم من أفراد المجتمع أنيطت بهم مسؤولية إدارتها أو الإشراف عليها، وليس من حقهم ولا من حق المجتمع عليهم أن يستغلوا تلك القنوات الإعلامية بدعوى (حرية الرأي) وأن ينشروا ... ترهاتهم وفكرهم الدخيل على صفحات الرأي. - ٣ - تردد الصحافة العربية وأبواق الإعلام العربي بشكل عام مصطلحات دخيلة على مجتمعاتنا الإسلامية، غربية غريبة، تترجمها الصحافة العربية على عواهنها بدون تمحيص ولا غربلة لمدلولها، مثل (الأصولية) ، (الإرهاب) ، (التطرف) إذا أطلقت في سياق وصف الإسلاميين والجماعات الإسلامية. وإن من نافلة القول أن نؤكد هنا أن تلك المصطلحات وغيرها مما سنذكره بعد قليل هي مصطلحات تتناقلها وسائل الإعلام الغربية وتستقبلها وكالات الأنباء العربية وتقوم بترجمتها حرفياً وتضمينها في المادة الإعلامية المنشورة فيجدها القارئ العربي تتصدر الأخبار والتحقيقات والمقالات الصحفية التي يطالعون بها القراء بكرة وعشياً. ولئن تلقاها القارئ العادي بشعور بارد تجاهها إما لجهله بمصدرها أو بمدلولها إلا أنها تأخذ بعداً آخر حينما تتردد على ألسنة الكتاب وأصحاب النفوذ الإعلامي، وهذا ما وجدناه في ذلك التوجه الجديد بل الدخيل على صحافة المجتمعات الإسلامية. لقد قرأنا ما نشره أولئك الكتبة فوجدنا فيه من سطحية في الطرح، وغثائية في الفكر، وتقليدية غربية في الأسلوب، وقد اتبعوا في ذلك أسلوبا فظاً غليظاً في الحديث عن الدعاة وشباب الصحوة الإسلامية لم يخل من مغالطات شرعية يتحاشاها من ينتسب إلى الإسلام فضلاً عمن يدعي إصلاح المجتمع الإسلامي: - فهم يصفون التدين والالتزام بـ (التطرف الأعمى) . - ويصفون الصحوة الإسلامية بـ (الظاهرة الاجتماعية) . - ويصفون الدعاة إلى الله بـ (أدعياء العلم) . - ويصفون الحق الذي هو غاية الدعاة بـ (الخداع والتضليل) . - ويصفون طريقة العلماء في نشر العلم - عن طريق الكاسيت مثلاً - بـ (أساليب غير مشروعة) . - وعمموا الحكم على الجماعات الإسلامية ووصفوهم بأنهم كلهم (إرهابيون) . - ويصفون الحريصين من طلبة العلم على متابعة الدروس والمحاضرات الدينية بـ (المتطرفين) . تلك بعض من المصطلحات الدخيلة على عقيدة الأمة وفكرها، فالرجوع إلى الحق والتدين والالتزام بمنهج الكتاب والسنة هو (تطرف أعمى) والدعوة إلى ... هداية الناس ورجوع الشباب إلى الإسلام يسمى (ظاهرة اجتماعية) ، ومن يستخدم هذا المصطلح يعرف مدلول الظاهرة الاجتماعية ومفهومها واستخداماتها عند أساتذة الاجتماع، أما استخدام أشرطة الكاسيت وغيرها من وسائل الاتصال الجماهيرية لنشر العلم وإرشاد الناس وتبصير الأمة وهدايتها فذلك في نظر تلك الطائفة من حملة الأقلام الموبوءة (أساليب غير مشروعة) ، وكأنهم قد نصبوا أنفسهم علماء بالحلال والحرام، والمشروع والممنوع، وتجاهلوا من يستخدم هذا النوع من الوسائل الإعلامية في نشر الفساد والرذيلة في المجتمعات الإسلامية، وسخروها للهو والغناء ومبتذل القول ورخيصه، وطلبة العلم وشباب الصحوة في مفهوم تلك الشريحة من حملة الأقلام هم (متطرفون) ، ولو ناقشت أحدهم في مفهوم التطرف فلن تجد عنده الجواب الشافي، بل سيقول لك سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته، أما الوسطية أو الإفراط فلم يستوردوها بعد من أبواق الإعلام العالمي؟ ! ثم انظر إلى أساليب التعبير الأخرى في مسيرة الإصلاح الإعلامي الذي يدعونه، مسيرة تصحيح العقيدة والمفاهيم في المجتمع الإسلامي، يصفون مشاعر الدعاة في نصرة الحق بأنها أصيبت بالهوس بعد أن تسلل إلى قلوبهم واهتماماتهم بأسلوب عاطفي يرفضه العقل والمنطق السليم! ! ثم إن هؤلاء الدعاة جاهلون بمواقف علماء الأمة من مجمل القضايا التي تخضع لأحكام العقيدة الصافية! ! هذه هي جريمة الدعاة الذين وضعتهم تلك الطائفة من الصحفيين في قفص الاتهام بتهمة الجهل المدقع بالعلم الشرعي وبفقه الواقع! ! وإننا نتساءل: من أين يؤخذ العلم الشرعي؟ أمن صدور العلماء والدعاة أم من الأقلام الصحفية المأجورة؟ أما أساليب الدعاة إلى الله في نصرة المظلومين من المسلمين في البلاد الإسلامية فهي (أساليب إرهابية) ! ! لماذا؟ لأن هؤلاء الدعاة مهتمون بالدفاع عن (إرهابيين في بلدان عربية مسلمة لا هدف لهم سوى زعزعة الأمن والاستقرار وتنفيذ تعليمات مصدري الإرهاب في بلدان أخرى) .. أما (الإرهابيون) فهو ... ... المصطلح الذي أطلقوه على المضطهدين في السجون الذين ينادون بالإسلام شريعة ومنهاجاً، وأما مصدروا الإرهاب فهم قادة الجماعات الإسلامية الذين يطالبون بتطبيق الإسلام وينادون بالحاكمية المطلقة لله في الأرض. إن الذين يكتبون باسم الحرص على الدين، وباسم الحفاظ على المصلحة العامة يجب عليهم أولاً أن يتبعوا تعاليم الدين وأن يطبقوه في واقعهم حتى يكون لكلامهم القبول والاستحسان، وإن الذين يكتبون باسم الحوار والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والبعد عن التعصب والتشنج لا بد أن يبدؤا بأنفسهم أولاً حتى لا يدعوا إلى ما يخالفونه، وأن يتدبروا منهج القرآن في ذلك: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً..] [الأحزاب ٧٠] ، [والَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ] [المؤمنون ٣] ، [فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى] [طه ٤٤] ، [وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ..] [الحج ٣٠] ، [وقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَتِي هِيَ أَحْسَنُ إنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ..] [الإسراء ٥٣] . وأن يتدبروا سنة المجتبى ﷺ في التنازع والتخاصم في الباطل. روى مسلم في صحيحه عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من خاصم في باطل وهو يعلم لم يزل في سخط من الله حتى ينزع، ومن قال في مسلم ما ليس فيه حبس في ردغة الخبال حتى يخرج مما قال» . إن في نصوص الكتاب والسنة معالم المنهج الأمثل للتفكير والحوار، أما أن يُتخذ الإسلام ودعوى المحافظة عليه والحرص على المصلحة العامة ذريعة لإثارة الفتنة وزرع بذور الفرقة والتمزق في المجتمع، ويكون ذلك مطية للنيل من الدعاة والناصحين بكل طرق القول السيء والهجاء المقذع فذلك أمر يرفضه الدين، ويمقته أقل الناس علماً، فضلاً عن الدعاة وطلبة العلم. - ٤ - لقد حدثتنا قصص القرآن الكريم في حقب مختلفة من التاريخ عن ذلك الصنف من الناس الذين استغلوا سلطانهم ومكانتهم في المجتمع بغرض الكيد للإسلام وأهله بدعوى الإصلاح، والحرص على الأمن واستتابه، والحفاظ على المصلحة العامة، فنصبوا أنفسهم دعاة مرشدين للناس وهم أبعد ما يكونون عن حقيقة الدعوة والإرشاد. يقول ﵎ عن فرعون وقصته مع موسى ﵇: [وقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى ولْيَدْعُ رَبَّهُ إنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الفَسَادَ] [غافر ٢٦] . يقول ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: انظر كيف أصبح فرعون مذكراً وواعظاً [١] ، فنصّب فرعون نفسه داعية للناس ومحذراً لقومه ومنذراً لهم من موسى ﵊ من أن يبدل دينهم أو أن يظهر في الأرض الفساد. ففرعون على قوته وجبروته وبأسه في قومه لم يمنعه ذلك من الظهور بمظهر الناصح لهم! ! ولكن سرعان ما تظهر حقيقة هذا الصنف من الناس الذين يتخذون من مبدأ النصح للأمة قناعاً ووسيلة لتحقيق غاياتهم الدنيئة، ويكون ذلك - كما أخبر عز وجل - إما بقولهم وإما بسيماهم: [ولَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ ولَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القَوْلِ واللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ] [محمد ٣٠] ، يقول علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: «.. وإن لسان المؤمن من وراء قلبه، وإن قلب المنافق من وراء لسانه، لأن المؤمن إذا أراد أن يتكلم بكلام تدبره في نفسه فإن كان خيراً أبداه، وإن كان شراً واراه. وإن المنافق يتكلم بما أتى على لسانه لا يدري ماذا له وماذا عليه» [٢] . إن مخاطبة الأمة عبر الوسيلة الإعلامية بمادة مليئة بالمخالفات الشرعية، ومحاولة تطويع نصوص الشريعة لتحقيق الهوى والمآرب الشخصية من الانتقام للذات، ومحاربة للدين وأهله بدعوى الحرص عليه والمحافظة على مصالح المسلمين، وكيل التهم والتشهير بالدعاة إلى الله والناصحين للأمة، واستخدام الأساليب المبتذلة والرخيصة في ذلك، إن ذلك كله مما ترفضه مجتمعاتنا الإسلامية جملة وتفصيلاً، لأنه باختصار يتعارض مع عقيدة المجتمع ودينه، وهو ما ينافي نظامه الإعلامي الذي يجب أن يستمد إطاره الكلي من قواعد الإسلام وأصوله، ذلك لأن الكلمة في إعلامنا ينبغي أن تكون قادرة على إيصال معناها إلى جماهير الأمة، فلا تنوء بحمل معانيها، وأن يراعى في اختيارها الأسلوب الأمثل في مخاطبة المسلمين، وهو أسلوب ينأى عن الكلمة النابية واللفظة الرخيصة واللغة الحادة أو المبتذلة المنافية للذوق الإنساني [٣] . - ٥ - إن من يعيش في مجتمعنا، ويحمل هماً غير همِّ ديننا، ويلبس ثوباً غير ثوبنا، وينادي بدعوة لا يرتضيها رب العالمين، وينشر في مجتمعنا كل ما يبعد الناس عن حقيقة هذا الدين، وينادي بأفكار ظاهرها الرحمة وباطنها من قبله العذاب، بدعوى الحفاظ على الدين، والمصلحة العامة، وحرية الرأي، وغير ذلك من الدعاوى الباطلة، وشعارات زائفة، أحرى بهؤلاء أن ينبذوا، وأن يشرد بهم من خلفهم، وإن لحرية الرأي العام في مجتمعاتنا الإسلامية ضوابط معروفة معلومة، وإن استخدام هذه الحرية في غير مواضعها هو تجنّ سافر على القيم والمبادئ السائدة في المجتمع، يدرك ذلك كل إنسان حباه الله فطرة سليمة وعقلاً رشيداً، وتعاملنا مع مصطلح الحرية محكوم بضوابط الدين والشرع، وإلا أصبحت الحرية فوضى ونبتة سوء تفرق الأمة، وتظلل الفتنة، وتقود إلى الفرقة والتمزق. وذلك ما سقطت فيه الصحافة العربية حينما قادها من أعمى الله بصيرتهم عن الحق، فنشروا الفكر الدخيل على عقيدة الأمة، فكر يوحي بالضياع ويدل على الغفلة والجهل بهذا الدين. وإننا نربأ بصحافتنا أن تنشر علينا فكراً هزيلاً يستمد جذوره من مظاهر (الانحراف الديني) و (الهوس الحضاري) المريض.

стр. 1370

معالم في طريق التغيير محمد محمد بدري لا شك أن المسلم الذي يرى الحياة من خلال واقعه وليس من خلال أمانيه، يدرك لأول وهلة أن (واقع) الأمة الإسلامية اليوم هو مصداق قول رسول الله ﷺ : (يوشك أن تداعي عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ ، قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله المهابة من صدور أعدائكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت) [١] . فقد أصبحت الأمة الإسلامية (غثاء) من النفايات البشرية الخاوية، تعيش على (ضفاف) مجرى الحياة الإنسانية كدويلات متناثرة ومتصارعة، تفصل لينها ... حدود جغرافية ونعرات قومية مصطنعة، وتعلوها راية (الوطنية) ، وتحكمها ... قوانين الغرب العلمانية.. تدور بها (الدوامات) السياسية فلا تملك نفسها عن ... الدوران، ولا تختار حتى المكان الذي تدور فيه! ! لقد قذف الله في قلوب المسلمين (الوهن) فأصبحت أمتهم تخاف من تكاليف الحرية ومجابهة الظلم في الداخل، وتجبن عن صد الغزاة في الخارج.. فتداعت عليها الأمم، وأحاط بها الأعداء الذين أوصلوها إلى مرحلة (القصعة المستباحة) التي حذرها إياها رسول الله ﷺ . ولا ريب أن هذه الحال تؤرق أكثر المسلمين وتقض مضاجعهم، فتقفز إلى أذهانهم أسئلة بكثيرة: كيف نخرج بأمتنا من أزمتها، وننتقل بها من الاستضعاف إلى التمكين؟ ومن التبعية إلى الريادة؟ كيف نرفع (غثاء) الأمة الإسلامية من حضيضه الذي يعيش فيه ليعود كما أراده الله خير أمة أخرجت للناس؟ ولكن لا موغل في (حلم) الريادة البشرية على حساب (حقيقة) التبعية، أو ... تهرب من مواجهة (واقع) الاستضعاف بالانغماس في (خيال) التمكين، لا بد أن نحزم أمرنا ونعد عدتنا، ونجد السير في طريق التغيير الذي يمكن أن نتبين بعض معالمه فيما يلي: ١- إقامة الفرقان الإسلامي: بينما كان الاستعمار القديم يستعين بقواته العسكرية لقهر شعوب المستعمرات، لم يعد الاستعمار الجديد في حاجة إلى استخدام القهر بالقوات العسكرية، بعد أن أفلح في اختيار عملائه وصنائعه من النخبات (الوطنية) التي أشربت في قلوبها ثقافة الاستعمار وتربت على يديه، ونشأت في كنفه ورعايته.. ثم وقفت تحت راية (الوطنية) وتخفت وراء لافتة (الإسلام) لتقوم بمؤامرة (التباس) الحق بالباطل التي تفتن الأمة عن دينها، وتمزق وحدتها وتشتت شملها، وتوجد الثغرات فيها كي ينفذ من خلالها أعداء الأمة الذين يحطمون قواها ويستنزفون طاقاتها ... لقد تمكن أعداء الأمة الإسلامية عبر النخبات الوطنية، من مزج الإسلام بالأفكار الغربية عنه من (علمانية) وقومية و (وطنية) وغيرها، ليلتبس على الأمة أمر دينها، وليصبح الإسلام الواحد بعقيدته ومبادئه تشريعاته اسماً متعدداً بتعدد ألوان مؤامرة (الالتباس) التي تصد الأمة عن سبيل الإسلام الحق. ... ومن هنا فإنه لا يمكن تحقيق انطلاقة قوية في طريق إحياء الأمة الإسلامية إلا باقامة (الفرقان) الذي يرفع (الالتباس) ويسقط اللافتات الخادعة التي تتوارى خلفها العلمانية. فيتمايز الناس إلى فسطاطين: فسطاط نفاق لا إيمان فيه، وفسطاط إيمان لا نفاق فيه.. وعندها تخرج الأمة الإسلامية من حال التذبذب إلى الانحياز إلى دينها وشريعتها، والانتصار لإسلامها من كل أعدائها. ٢- إحياء الهوية الإسلامية: تشكل الهوية - في أية أمة - الحافز العقدي والدافع النفسي الذي يدفع الأمة في طريق التقدم والحضارة، ويقاوم في ذات الوقت الاجتياح الحضاري للأمم الأخرى.. فما هي هوية الأمة الإسلامية؟ لا شك أن الإسلام (وحده) هو هوية الأمة الإسلامية، ومحور اجتماع أفرادها، والقوة الدافعة التي تفجر طاقاتها وتقوي وقفتها في مواجهة كل أعدائها. لقد قام العملاء من بني جلدتنا بإبعاد الإسلام كهوية للأمة الإسلامية، وزعموا أن طريق (الإحياء الحضاري) للأمة هو (إحياء الهوية الوطنية) و (المشروع القومي المتجدد) !! فأما (الهوية الوطنية) فقد فرقت الأمة الإسلامية إلى كيانات جزئية ومجتمعات منفصلة، وأصبح الفرد في ظلها يعاني من (الاغتراب) و (فقدان الانتماء) للأمة، ... ... فانعزل داخل همومه الفردية واهتماماته الذاتية،. . وتحولت المجتمعات الإسلامية إلى (ركام) من الأفراد لا يربطهم خيط جامع.. ووصلت الأمة إلى المعادلة الصعبة: وطن بلا مواطنين، ومواطنون بلا وطن.. ٣- التربية الإسلامية الشاملة: يتأسس بنيان المشروع الحضاري العلماني على شفا جرف هار من مفاهيم الغرب النصراني عن الدين، والتي تجعل الإسلام مجموعة من الطقوس والشعائر لا علاقة لها بشأن من شؤون الحياة! ! ومن هنا كان تعامل زعماء العلمانية مع مشاكل الأمة الإسلامية وأزماتها الحضارية، تعاملاً ناقصاً يشوبه الاضطراب والعجز.. وما ذلك إلا لأن هؤلاء الزعماء يحاولون مصالحة (كل) أزمات الأمة ومشاكلها بـ (جزء) من الإسلام! ! ومن هنا فإن المشروع الحضاري الإسلامي لا بد أن يكون منهاجاً للتغيير الكامل والجذري، يقوم بمجابهة الأزمات الحضارية للأمة والانتكاسات الفردية والاجتماعية عبر (خطاب إسلامي شامل) يهتم بالجانب العقدي التشريعي والسلوكي اهتماماً متوازناً ومتعانقاً، يعالج السقوط العقائدي والاجتماعي والأخلاقي علاجاً شافياً.. ٤- إخراج الأمة المسلمة: وفي ظل عنف الحكام في معاملة خصومهم السياسيين، وإرهابهم لكل من يعارض أمراً يهمون به. في ظل ذلك تخلى أكثر الأمة عن (واجب) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالنسبة للحكام، وآثروا العافية يأساً من الإصلاح، ورغبة في إصلاح الذات! ! وفي ظل هذا الواقع، لا بد أن نؤكد أن المسئولية عن الإسلام هي مسئولية كل من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله على تفاوت في الدرجات بتفاوت الاستعدادات، والقدرات، والمواقع، والظروف.. وأن العمل الإسلامي هو جهاد (أمة) وليس جهاد (حزب) أو (جماعة) أو (تنظيم) . ومن هنا فإن (إخراج الأمة المسلمة) هو العلاج الحاسم، والوقاية الحقيقية لكل المسلمين من نماذج الأنظمة الطاغية التي تُخرجها العلمانية، والتي يراد بها حرق (المستضعفين) من المسلمين في أتون الظلم والقهر والاستعباد. ٥- الطليعة تقود الأمة: يضع الإسلام لقيادة الأمة الإسلامية شروطاً دقيقة ومواصفات خاصة. وتؤكد الأصول الإسلامية أن (أولي الأمر) هم (العلماء والأمراء) .. بل إن أكثر المفسرين يرون أنهم (العلماء) وحدهم. ولا شك أن هذا الاهتمام بأمر القيادة في الأمة الإسلامية، يرجع إلى أن الأمة التي يقودها ويتولى زمام أمورها (فقهاء) و (أولو ألباب) تتقدم وتنتصر، أما الأمة التي يقودها ويتولى زمام أمورها (خطباء) لا يحسنون إلا التلاعب بالمشاعر والعواطف.. فإنها تبقى تتلهى بـ (الأماني) حتى إذا جابهت الأزمات لم (يفقه) حكامها من (الخطباء) ماذا يصنعون؟ وآل أمرهم إلى الفشل، وأحلوا أمتهم دار البوار. ومن هنا فإنه لا سبيل إلى الإحياء الحضاري للأمة الإسلامية إلا أن يوجد في الأمة (فقهاء) يتصفون بصفات المؤمنين ويتحركون على أساس من الوعي يقيم الوحي قرآناً وسنة مع الدراية بشؤون الواقع.. (فقهاء) يتميزون بمنهجيتهم وموضوعيتهم في رؤية حقائق الواقع، ومواجهة تحديات العصر.. ولكي يستطيع هؤلاء الفقهاء حمل رسالة أمتهم وتقديم العطاء الحضاري المنشود، لا بد أن يكون عملهم بـ (روح الفريق) ولا بد أن تربط بينهم من شبكة من العلاقات العقائدية والاجتماعية خيوطها الإيمان والتكامل والتناصر والجهاد في سبيل الخروج بالأمة الإسلامية من التبعية إلى الريادة ومن الاستضعاف إلى التمكين. إن (نواة) الفقهاء التي تتسم بالفاعلية والحيوية، تجذب إليها (صفوة) الفكر والتجارب، و (خيرة) القدرات والإمكانات ليتكون من هؤلاء جميعاً ... (طليعة) قوية قادرة على تحدي كل أعداء الأمة، ومواجهة جميع أزماتها، ... والسير في طريق الإحياء الحضاري بصبر ودأب، حتى يأذن الله بالانبعاث الإسلامي المنشود.. وإذن فإن قيادة الطليعة المؤمنة للأمة الإسلامية هو في حقيقة أمره (تشترطه) أسس التغيير، وتستدعيه متطلبات التمكين. ٦- إحياء الفاعلية الإسلامية: يُقَسِّم المراقبون العالم اليوم إلى (الشمال) تعبيراً عن العالم المتقدم.. ... و (الجنوب) تعبيراً عن العالم المتخلف.. فأما الأول: فيمثل في الدول المتقدمة، ويشمل محور اليابان ودول أوربا الغربية وأمريكا الشمالية وحلفاءهم.. وأما الثاني: فيتمثل في بقية دول العالم التي تقع خارج هذه المحاور. ولا شك أن السبب الأول للهوة الحضارية بين الشمال والجنوب، أن دول الأول يتميز أفرادها بـ (الفاعلية) والحرص على الوقت، والتوجه بنشاطهم الجاد في سبيل تقدم أمتهم. أما دول الثاني، فإن أفرادها يغلب عليهم (انعدام الفاعلية) والنظر إلى الوقت على أنه لا قيمة له، وتوجه نشاطهم إلى اللغو والحديث غير المنتج. وكي نوضح ما نقول فإنه من المستحسن أن نتأمل تجربة بلد مثل اليابان.. إن هذه الدولة تعيش في منطقة فقيرة في موادها الخام.. كما أن وضعها الجغرافي لا يجعلها منطقة استراتيجية.. ولكنها مع ذلك تتقدم يوماً بعد يوم ويغزو إنتاجها التكنولوجي العالم الغربي.. فما سر ذلك؟ إن السر يكمن في أن فاعلية (الإنسان) الياباني أضعاف أضعاف غيره من أفراد الأمم المتخلفة الذين انعدمت فاعليتهم وتوارت جهودهم.. إن المتأمل للنماذج التنموية في الأمة الإسلامية يجد أن الأنظمة العلمانية ترتكز على عنصر رأس المال على أنه العنصر الوحيد القادر على تحيق التقدم.. ولذلك فهي تهمل بناء (الإنسان) لتنفق على بناء (المصانع) ! ! ولا شك أن هذه الطريقة في البناء الحضاري هي طريقة (العملاء) الذين يحبون أن تظهر أنظمة حكمهم بمظهر التقدم، فيقيمون المصانع العملاقة، ثم يستوردون كل معداتها من الدول المتقدمة.. ويستوردون معها (كوادر) العمل في هذه المصانع. فلا يكون لهذه المصانع والمشروعات التنموية - رغم الإنفاق الكثير فيها - أدنى أثر في التقدم الحضاري المادي.. وما ذلك إلا لأن (الإنسان) ... في كل هذه المشروعات يكون غائباً، أو على أحسن الأحوال يكون حاضراً ولكنه يعاني من (اللافاعلية) .. ٧- الريادة البشرية: يتوقف (وجود) أية أمة في الحياة على حمل هذه الأمة لرسالتها.. فإذا ضعفت عن حمل هذه الرسالة، انتهى (وجود) الأمة وحل محلها أمة أخرى لا علاقة لها بها، وإن ربطتها بها روابط الدم والأرض واللغة والثقافة.. وهذا هو ما فهمه عمر بن الخطاب ﵁ من قول الله - عز وجل-: [كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ] [آل عمران ١١٠] ، حيث قال في تفسيرها: لو شاء الله لقال: أنتم، فكنا كلنا.. ولكن قال: كنتم في خاصة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومن صنع صنيعهم، كانوا خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. وإذن فالأمة الإسلامية إنما تتميز بقيامها برسالتها في الدعوة إلى المعروف وفعل الخير، والنهي عن المنكر وجميع الشرور.. فإذا تخلت عن شيء من هذه الرسالة نقصت قيمتها بقدر ذلك.. أما إذا تخلت عن هذه الرسالة بكاملها، فإن مصيرها هو الاختفاء من الوجود والحياة.. ولا شك أن الأمة الإسلامية لا تستطيع حمل رسالتها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا إذا كانت تمتلك (الرادع) للعقل الغريب الذي لم يتخل بعد، وقد لا يتخلى عن حب العدوان والسيطرة، لاستعباد الآخرين، ونهب مقدراتهم، وإشاعة التخلف في حياتهم.. ومن هنا يبرز (الجهاد) رادعاً للعقل الغريب ومضاعفاته في الفتنة والفساد.. ... يبرز الجهاد ليعكس مفهوم (الأمن الإسلامي) الذي يركز على إيصال الرسالة ... وتبليغها إلى الآخرين في جو من الأمن الفكري والمادي والنفسي والشعوري يزيل العوائق التي تحول بين الناس وبهت رؤية الحق على حقيقته، أو تمنع من تبينه من اتباعه.. وحين تقوم الأمة الإسلامية بهذا الدور، وتخوض في سبيله الجهاد الشاق، سيكون (البقاء للأصلح) لا بالمعنى الدارويني الفاسد، وإنما بالمعنى الرباني: [فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ] [الرعد ١٧] . وسيُخرج الله بهذه الأمة من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.. وستعود الأمة الإسلامية مرة أخرى إلى (الريادة البشرية) .
следующие страницы →