← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

خواطر في الدعوة صحوة أم تجديد محمد العبدة شاعت في هذه الأيام على ألسنة الدعاة والكتاب كلمة (الصحوة) يعبرون بها عن الاتجاه القوي نحو الدين على مستوى الأفراد والشعوب، ولا شك في أنها ظاهرة واضحة وقوية لا تحتاج إلى أدلة أو برهان، فالعودة إلى الدين والالتزام به سلوكاً وفهماً نراه في كل مكان، والمؤتمرات التي تبحث هذه الظاهرة تعقد على أعلى المستويات. ولكن هل ما نحن فيه، وما يجب أن نكون عليه يكفي في التعبير عنه كلمة (صحوة) ؟ أليس مما تعنيه أنها إفاقة بعد نوم، قمنا بعدها نتملى ونفرك أعيننا لنرى ما حولنا؟ وهل هذه الإفاقة هي من تاريخ استعمال هذا المصطلح - وهو حديث العهد - أم أنها أقدم بكثير؟ أولا تعني - مما تعنيه - أنها مؤقتة، فقد يصحو الإنسان ثم يغفو، وربما تكون الصحافة الغربية قد أطلقتها على أحداث السنوات الأخيرة في العالم الإسلامي لتعبر فيها عن قلقها من ظاهرة التدين؛ فتلقفتها الصحف عندنا، ثم سرت إلينا. قد يقول قائل: لا مشاحة في الاصطلاح، سمها ما شئت، فالمقصود هو الرجوع إلى الدين، وهذا صحيح، ولكن أخشى أن تسري سطحية هذا المصطلح إلى الفكر الإسلامي، فنحن بحاجة، إلى التجديد بكل ما في مصطلح التجديد من عمق، وكل ما فيه من تعب وكد في العلم والتدبر والتأمل. نحن بحاجة إلى التجديد لإزاحة كثير من الغبش عن بعض المفاهيم الإسلامية، والتصورات التي كبلت الشخصية المسلمة عن الانطلاق، ونحن بحاجة للتجديد في وسائل العمل، وفهم الواقع، وفقه بناء الأمم، وكيفية إقامة (البنيان المرصوص) . ونحن بحاجة إلى التجديد أمام التحديات الحضارية التي ما زالت رياحها تهب من الغرب. وإذا كانت الدعوة في بداية مراحلها، تحتاج إلى رعاية فائقة، وشحنة عاطفية - كالطفل في أعوامه الأولى - فإنها الآن أمام تحديات كبيرة، فلا بد من العقول المفكرة والعلماء المجتهدين والتخطيط، والنظر في وقائع الاجتماع البشري والسنن الربانية، والتدرب على تحليل الحاضر واستشراف المستقبل، وهذا كله يندرج تحت حديث التجديد (يجدد لها أمر دينها) وأمر دينها يندرج تحته أمر دنياها أيضاً، لأ نه وسيلة إلى الأمن والاطمئنان والقيام بأمر العبودية على أتم ما تكون.

стр. 1367

في المنهج قاعدة في الحكم على المخالف عثمان علي حسن التفريق بين الكفر وقائله: وهذا من الأصول العظيمة التي امتاز بها أهل السنة والجماعة عن سائر الفرق، أنهم يفرقون بين المقالة وصاحبها، فالمقالة قد تكون كفراً أو فسقاً وصاحبها ليس بكافر ولا فاسق، كما أنها قد تكون إيماناً وتوحيداً وصاحبها ليس بمؤمن ولا موحد. ولكي توافق مقالة الكفر صاحبها، ويوصف بها، لا بد من تحقيق شرائط وانتفاء موانع: أما الشروط فمنها [١] : ١- أن يكون صريح قوله الكفر عن اختيار وتسليم. ٢- أن يكون لازم قوله الكفر، وعرض عليه فالتزمه، أما إذا لم يلتزمه، بل رده وأنكره فليس بكافر. ٣- أن تقوم الحجة عليه ويتبينها؛ لقوله تعالى: [ومَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً] [الإسراء ١٥] ، وقوله: [ومَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى] [النساء ١١٥] . وأما الموانع فمنها [٢] : ١- أن يكون حديث عهد بالإسلام. ٢- أن يكون قد نشأ ببادية بعيدة، ويدخل معه من لم يجد إلا علماء الابتداع يستفتيهم ويقتدي بهم. ٣- أن يكون مغيب العقل بجنون ونحوه. ٤- أن لا تبلغه نصوص الكتاب والسنة، أو بلغته ولم تثبت عنده - إن كانت سنة - أو لم يتمكن من فهمها. ٥- بلغته وثبتت - عنده - وفهمها، لكن قام عنده معارض - من رأي أو ذوق - أوجب تأويلها، وإن كان مخطئاً. ويدخل معه المجتهد المخطئ، فإن الله يغفر له خطأه ويثيبه على اجتهاده إن كان حسن النية. وعليه، فلا يجوز الحكم على معين بالكفر إلا بعد تحقيق شروطه وانتفاء موانعه، وما أثر عن بعض السلف من إطلاق التكفير واللعن فهذا يبقى على إطلاقه وعمومه، ولا يتعين في حق إنسان إلا بدليل: قال ابن تيمية ﵀: (فإن الإمام أحمد - مثلاً - قد باشر الجهمية الذين دعوه إلى خلق القرآن، ونفي الصفات، وامتحنوه وسائر علماء وقته، وفتنوا المؤمنين والمؤمنات الذين لم يوافقوهم على التجهم بالضرب والحبس، والقتل والعزل عن الولايات، وقطع الأرزاق، وترك الشهادة، وترك تخليصهم من أيدي العدو، بحيث كان كثير من أولي الأمر إذ ذاك من الجهمية؛ من الولاة والقضاة وغيرهم: يكفرون كل من لم يكن جهمياً موافقاً لهم على نفي الصفات، مثل القول بخلق القرآن، ويحكمون فيه بحكمهم في الكافر.. ثم إن الإمام أحمد دعا للخليفة وغيره، ممن ضربه وحبسه، واستغفر لهم، وحللهم مما فعلوه به من الظلم والدعاء إلى القول الذي هو كفر، ولو كانوا مرتدين عن الإسلام لم يجز الاستغفار لهم، فإن الاستغفار للكفار لا يجوز بالكتاب والسنة والإجماع، وهذه الأقوال والأعمال منه ومن غيره من الأئمة صريحة في أنهم لم يكفروا المعينين من الجهمية، الذين كانوا يقولون: القرآن مخلوق، وإن الله لا يُرى في الآخرة..) [٣] . فالمخالف للكتاب والسنة إما أن يكون مجتهداً مخطئاً، أو جاهلاً معذوراً، أو متعدياً ظالماً كأن يرتكب كبيرة، أو منافقاً زنديقاً كأن يبطن الكفر ويظهر الإسلام، أو مشركاً ضالاً وهو المصرح بالكفر. وكل يعامل بحسبه. العذر بالجهل [٤] : لا بد من التفريق بين جاهل تمكن من العلم ومعرفة الحق ثم أعرض عنه، وآخر لم يتمكن من ذلك بوجه: فالمتمكن المعرض مفرِّط تارك للواجب عليه، لا عذر له عند الله، وأما العاجز عن السؤال والعلم لا يتمكن منه بوجه، فهم قسمان: ١- مريد للهوى، مؤثر له، محب له، لكنه غير قادر عليه وعلى طلبه، وذلك لعدم وجود من يرشده، فهذا حكمه حكم أرباب الفترات ومن لم تبلغه الدعوة. ٢- معرض لا إرادة له، لكنه لا يحدث نفسه بغير ما هو عليه. فالأول يقول: يا رب لو أعلم لك ديناً خيراً مما أنا عليه لدنت به وتركت ما أنا عليه. ولكن لا أعرف سوى ما أنا عليه، ولا أقدر على غيره، فهو غاية جهدي، ونهاية معرفتي. والثاني راض بما هو عليه. لا يؤثر غيره عليه، ولا تطلب نفسه سواه، ولا فرق عنده بين حال عجزه وقدرته. فهذا لا يجب أن يلحق بالأول لما بينهما من الفرق: فالأول كمن طلب الدين في الفترة ولم يظفر به، فعدل عنه - بعد استفراغ الوسع في طلبه - عجزاً وجهلاً. والثاني كمن لم يطلبه، بل مات على شركه، وإن كان لو طلبه لعجز عنه، ففرق بين عجز الطالب وعجز المرض.

стр. 1368

آفات في طريق الدعوة عبد الرحمن دمشقية الدعوة إلى الله ميدان رحب سلك فيه الداعون إلى الله أساليب متنوعة بهدف تبليغ الحق والنصح للأمة أفراداً وجماعات، والدعاة الصالحون المستنون بمنهج أهل السنة والجماعة يعملون بكل جهد واجتهاد للاقتداء بسنة الرسول الأعظم - ﷺ وبصحابته ومن تبعهم بإحسان. إلا أن هذا الميدان الهام قد يدخله وينتسب إليه نفر ليسوا على المستوى المطلوب علماً وتربية وسلوكاً، وقد ينزلقون في خضم دعوتهم إلى أخطاء وملاحظات قد تنعكس سلباً على هدف الدعوة السامي. والكاتب يبين لنا بعض الآفات على طريق الدعوة للحذر منها وعدم الوقوع فيها لتكون دعوة الداعي الحق على نور من الله ووفقاً لسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -. - البيان - الآفة الأولى: الشرك وقلة الإخلاص وابتغاء الدنيا بعمل الآخرة: عن أبي سعيد بن فضالة قال: سمعت رسول الله ﷺ : «إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم القيامة - ليوم لا ريب فيه - ناد منادً: من كان أشرك في عمله لله أحداً فليطلب ثوابه من عنده، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك» [١] . وقال: «بشِّر هذه الأمة بالتيسير والسناء والرفعة بالدين والتمكين في البلاد والنصر فمن عمل منهم بعمل الآخرة للدنيا، فليس له في الآخرة من نصيب» [٢] . وقال: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر. فقالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء، يقول الله إذا جزى الناس بأعمالهم: ... اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء» [٣] . الآفة الثانية: كتم العلم والتكاسل والتباطؤ عن نشره: فإن مثل الذي يتعلم العلم ثم لا يحدِّث به كمثل الذي يكنز الكنز ثم لا ينفق منه. كما قال ذلك رسول الله [٤] . وقد أخذ الله الميثاق على الذين أوتوا العلم أن يبينوا ولا يكتموا [لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ] [آل عمران ١٨٧] . وقال رسول الله ﷺ : «من كتم علماً لجم يوم القيامة بلجام من نار» ، وفي رواية: (ما من رجل يحفظ علماً فيكتمه إلا ... أتى يوم القيامة ملجوماً بلجام من نار) [٥] . الآفة الثالثة: مخالفة العلم للعمل، وذلك بأن يعظ الناس بخير لا يبالي هو العمل به قال تعالى: [أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ] [البقرة ٤٤] . وقال رسول الله - ﷺ : «يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتابه [٦] فيدور بها كما يدور الحمار برحاه، فتجتمع أهل النار عليه، فيقولون: يا فلان! ألست كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: كنت أمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن الشر وآتيه» [٧] . وقال: (مررت ليلة أسري بي بأقوام تقرض شفاههم بمقاريض من نار، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: خطباء أمتك الذين يقولون ما لا يفعلون) [٨] . وجاء في رواية: «ويقرؤون كتاب الله ولا يعملون به» [٩] . وفي رواية يخالفونه بالنهار وينامون عنه بالليل. وأخبر أن مما يسأل عنه العبد يوم القيامة «عن علمه ماذا عمل به» [١٠] ... وضرب مثلاً لمن يعلم النار وينسى نفسه قائلاً: «مثل الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه، كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه» وفي رواية: «كمثل الفتيلة، تضيء على الناس، وتحرق نفسها» [١١] . فهذا العلم الذي يتصف به العالِمٌ، عِلمٌ ضار بصاحبه غير نافع له هو حجة عليه. وقد كان رسول الله - ﷺ يستعيذ بالله من علم لا ينفع [١٢] . الآفة الرابعة: الادعاء والمباهاة بالعلم: قال رسول الله ﷺ : «يظهر قوم يقرأون القرآن يقولون: من أقرأ منا؟ من أعلم منا؟ من أفقه منا؟ ثم قال لأصحابه: هل في أولئك من خير؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: أولئكم منكم من هذه الأمة، وأولئك هم وقود النار» [١٣] . الآفة الخامسة: طلب العلم للمجادلة وغلبة الناس: حيث يظهر المجادل وكأنه ينتصر للحق، وإنما يريد إثبات ذكائه وقوة لسانه، إن هذا في الحقيقة يريد العزة لنفسه لا لربه. لقد كان الشافعي ﵁ يقول: «ما جادلني خصم إلا وتمنيت أن يظهر الله الحق على لسانه» . الآفة السادسة: التعصب لأقوال الائمة والعلماء، ومحاولة تبرير أخطائهم. ولم أر شيئاً يحجر العقول مثل التعصب لعالم أو لمذهب، لأن التعصب منهج بعيد عن منهج الإسلام لا يفسح المجال للعقل ليكون مرناً يفحص الأشياء. أين الطريق: إن الذي فرض هذه الغاية لم ينس أن يعلمنا الوسيلة لتحقيق هذه الغاية، قال تعالى: [ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ والْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] ، [ولَوْ كُنتَ فَظاً غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ] . إن الدعوة يجب أن تقترن بالخلق الحسن، ولين الجانب، والتأمل والتريث. وإن خلت من هذه العوامل فقد تنفع المدعو، وقد تضر به إذ تدفعه دعوة الحق - بالأسلوب الباطل - إلى الإصرار على الخطأ. فإن الناس معادن ويختلفون في ردة الفعل. لذا كان قدوتنا في ذلك الخُلُق العظيم رسول الله ﷺ الذي وصفه الله تعالى بقوله: [وإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ] [القلم ٥] ، وقد قال هو عن نفسه: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» [١٤] . وإذا كان التحلي بالخلق الحسن واجباً على الناس جميعاً فهو على الداعية أوجب وأحرى. وكذلك قصة الإعرابي الذي بال في المسجد فراه الصحابة وهموا بضربه، فزجرهم رسول الله ﷺ وأمرهم أن يهريقوا فوق بوله سَجْلاً [١٥] من ماء، ثم قال: «إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين» . فما كان من الأعرابي إلا أن قال: «اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً أبداً» . لقد رأى من النبي ﷺ من حسن الخلق ومن السماحة واللين ما لم ير من غيره.

стр. 1369

صحافة من مظاهر الانحراف الفكري في الصحافة العربية د. محمد بن سعود البشر - ١ - إن من نعم الله علينا أن بلغنا هذا الزمان الذي يشهد صحوة إسلامية مباركة، ورجوعاً من المسلمين إلى الله تعالى أفراداً وجماعات، شيباً وشباباً، رجالاً ونساء، وعودة راشدة إلى الحق وإلى منهاج كتاب الله تعالى وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، تقود طلائعها ثلة من العلماء، وكوكبة من الدعاة، يرشدون الناس ويوجهونهم، ويذكرونهم بأيام الله، ويبينون لهم صراطهم المستقيم. وإن من سنة الله التي خلت من قبل أنه ما من زمان ترفع راية للسنة، ويعلو فيه شأن للمسلمين، ويرتفع لواؤهم، إلا وتظهر فيه طائفة من الناس قد امتلأت قلوبهم غيظاً لعز الإسلام، وحقداً لعزة المسلمين، وارتوت أفئدتهم خبثاً ومكرا، ينتبذون مكاناً قصياً، ويسلكون مسالك شتى في الكيد للإسلام والتربص بحملته، وإن مما ابتلي به المسلمون في هذا الزمان نفر من بني جلدتهم، يعيشون بينهم ومعهم، يلبسون ثيابهم، ويتكلمون بلسانهم، لكنهم يحملون همَّاً غير همِّ دينهم، ويدعون إلى منهج غير منهج قرانهم وشريعتهم، يسلكون في ذلك طرائق قدداً، فمرة يؤذون المؤمنين باسم التطرف، وتارة يتطاولون على أعراض العلماء وطلبتهم باسم الحرص على الدين، وأخرى يلزمون الدعاة إلى الله باسم الحفاظ على المصلحة العامة واستتباب الأمن، وكل ذلك يصدر من مجتمعات إسلامية، وتقرؤه جماهير المسلمين، ينشرون ذلك باسم الحرية، حرية الرأي، وحرية التعبير، وحرية القلم، أما غرضهم الأساس فهو الانتقاص من قدر العلماء والدعاة وتجريحهم، والتشكيك فيهم، ومحاولة نزع الثقة منهم حتى لا تقوم للإسلام قائمة، إدراكاً منهم أن تلك الصفوة من حملة الدين عليهم المعوّل بعد الله في نشره وفي تمكين الصحوة. - ٢ - وإن مما ابتليت به مجتمعاتنا الإسلامية مؤخراً فئة ممن تسنموا الصدارة الصحفية وامتطوا صهوة أقلامهم لحرب العلماء والدعاة، ونشر مقالات صريحة وجريئة في التطاول عليهم والانتقاص من قدرهم. وهم يعلمون أن جماهير القراء غالبيتهم من المسلمين، وأن ما يكتب في الصحيفة هو بالدرجة الأولى موجه لهم، وإن من أهم الكتابات التي تلفت أنظارهم هي تلك التي تكتبها أسماء معروفة ذات نفوذ مؤثر، وذلك لأن تلك الأقلام عادة ما تكون مسؤولة أو تعبر عن اتجاه الصحيفة كوسيلة إعلامية تعبر عن واقع المجتمع الذي تعيش فيه، أو - في أقل الأحوال - تكون مرآة لقياس فكر القائمين عليها وسياساتهم وتوجيهاتهم. ومن هذا المنطلق فإن ذلك السيل الهادر من المقالات المدبجة بعبارات الذم وكيل التهم للدعاة والناصحين للأمة التي بدأت تطالعنا بها صحافة تصدر في مجتمعات إسلامية كان محل تساؤل الكثيرين من أفراد الأمة الإسلامية، بل وغضبهم مما يقال وينشر. إن تلك الفئة من الكتبة يتحدثون بدعوى حرية الرأي عن قضايا ذات علاقة بصفوة الأمة وهم علماؤها وطلابهم والدعاة إلى الله والناصحون للمسلمين، وتلك وايم الله قضية ينبغي لمن أراد الكتابة عنها أن يستكمل شروطها، وأن يفكر ويقدر قبل الشروع في الحديث عنها. إن ذلك التوجه الخطير في الصحافة العربية له عواقب وخيمة على الأمة، وإن مما يزيد خطورته غض البصر عنهم من قبل الأنظمة السياسية في الدول العربية التي أعطتهم الضوء الأخضر لنهج ذلك المسلك. وكان من نتيجة ذلك أن تمادى هؤلاء الكتاب في غيهم، وتحدوا مشاعر المسلمين وذلك من خلال الكتابة عن علمائهم ودعاتهم بأسلوب فظ غليظ، ومن خلال تسمية الدعاة والعلماء بأسمائهم والتعريض بهم والانتقاص من قدرهم ومكانتهم، وأخيراً من خلال ذكر أسمائهم في افتتاحيات الصحف وأغلفة المجلات إمعاناً في الجرأة ولفتاً للانتباه، في محاولة فاشلة منهم إما لجذب القارئ وكسبه، وإما استفزازاً له وتشفياً منه. إن من يتابع ذلك الزخم الهائل من المقالات والتحقيقات والأحاديث الصحفية التي ينشرها أولئك الكتبة على صدر صحفهم وأغلفة مجلاتهم تتبادر إلى ذهنه عدة انطباعات عامة هي في نظري القاسم المشترك الذي يجمع بينها، ومن تلك الانطباعات ما يلي: أولاً: أن الكتابة عن الدعاة إلى الله وحملة الإسلام والناصحين له بقصد الانتقاص من قدرهم والتطاول عليهم، وتشكيك الناس فيهم لنزع الثقة منهم، وتسميتهم بأسمائهم الصرحية بالأسلوب الذي تنتهجه الصحافة العربية لا يخرج في نظري عن أحد أمرين: أ- إما غرض شخصي للكاتب لا نعرف نحن القراء كنهه ولا دلالته، وفي ذك تجن علينا باقتطاع مساحة كبيرة من الصحيفة - وذلك من حق القارئ - لتحقيق مآرب ذاتية وتلبية رغبات شخصية. ب - وإما محادة صريحة للمؤمنين وإيذاؤهم، وقد جاء الوعيد لمن انتهج ذلك المسلك في قوله ﵎: [والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وإثْماً مُّبِيناً] . ثانياً: إن هذا التوجه في الصحافة العربية يتزامن مع أحداث لا تزال تقع في بعض الأقطار العربية كان طرفاها الحكومات العربية من جانب والجماعات الإسلامية (وبعض المحسوبين على الحركات الإسلامية) من جانب آخر. وإن ذلك توقيت في غير أوانه، بل إن الكثير من المسلمين يعتقد أن ذلك أمر قضي بليل، فهم يساهمون بشكل مباشر في ضرب المسلمين وشباب الصحوة الإسلامية ويتعاونون مع أنظمتهم في تنفيذ ذلك، ثم هم أيضاً بالتطاول على أهل العلم وطلاب العلم والمنتسبين إلى الدعوة الإسلامية يلتمسون عذراً لمن يتصيد في الظلام من دعاة الفساد ورؤوس الضلالة في المجتمعات الإسلامية. ثالثاً: أن أولئك الكتبة الذين ابتليت بهم صحافة الأمة يحاولون لفت انتباه الجماهير لما يكتبون بطريقة تتنافى مع أعراف الكتابة والصحافة. إن مصطلح (جذب انتباه القارئ) للصحيفة لا يكون بتلك الطرق المجانبة للصواب، لقد درسنا الصحافة والسياسة في بلاد الإسلام وفي البلاد الغربية وما سمعنا ولا قرأنا ولا علّمنا أساتذة الإعلام أن هذا المصطلح الصحفي يجب أن يستخدم على حساب المبادئ والقيم والقوانين السائدة في المجتمع - أي مجتمع - وإن مصطلح (الحرية) ليس مطلقاً بل مقيداً تقييداً يتناسب و (المصلحة العامة) للمجتمع، وإلا أصبحت الحرية ... فوضى، والتعبير الحر هجوماً معلناً، فكيف ونحن نتعامل مع هذين المصطلحين في مجتمعات إسلامية تحكمها ضوابط الدين والشرع والأخلاق. إن تلك المنابر الصحفية التي تسلقها أولئك الكتبة ويفرضون على الناس آراءهم من خلالها هي منابر لا يملكونها، بل هم كغيرهم من أفراد المجتمع أنيطت بهم مسؤولية إدارتها أو الإشراف عليها، وليس من حقهم ولا من حق المجتمع عليهم أن يستغلوا تلك القنوات الإعلامية بدعوى (حرية الرأي) وأن ينشروا ... ترهاتهم وفكرهم الدخيل على صفحات الرأي. - ٣ - تردد الصحافة العربية وأبواق الإعلام العربي بشكل عام مصطلحات دخيلة على مجتمعاتنا الإسلامية، غربية غريبة، تترجمها الصحافة العربية على عواهنها بدون تمحيص ولا غربلة لمدلولها، مثل (الأصولية) ، (الإرهاب) ، (التطرف) إذا أطلقت في سياق وصف الإسلاميين والجماعات الإسلامية. وإن من نافلة القول أن نؤكد هنا أن تلك المصطلحات وغيرها مما سنذكره بعد قليل هي مصطلحات تتناقلها وسائل الإعلام الغربية وتستقبلها وكالات الأنباء العربية وتقوم بترجمتها حرفياً وتضمينها في المادة الإعلامية المنشورة فيجدها القارئ العربي تتصدر الأخبار والتحقيقات والمقالات الصحفية التي يطالعون بها القراء بكرة وعشياً. ولئن تلقاها القارئ العادي بشعور بارد تجاهها إما لجهله بمصدرها أو بمدلولها إلا أنها تأخذ بعداً آخر حينما تتردد على ألسنة الكتاب وأصحاب النفوذ الإعلامي، وهذا ما وجدناه في ذلك التوجه الجديد بل الدخيل على صحافة المجتمعات الإسلامية. لقد قرأنا ما نشره أولئك الكتبة فوجدنا فيه من سطحية في الطرح، وغثائية في الفكر، وتقليدية غربية في الأسلوب، وقد اتبعوا في ذلك أسلوبا فظاً غليظاً في الحديث عن الدعاة وشباب الصحوة الإسلامية لم يخل من مغالطات شرعية يتحاشاها من ينتسب إلى الإسلام فضلاً عمن يدعي إصلاح المجتمع الإسلامي: - فهم يصفون التدين والالتزام بـ (التطرف الأعمى) . - ويصفون الصحوة الإسلامية بـ (الظاهرة الاجتماعية) . - ويصفون الدعاة إلى الله بـ (أدعياء العلم) . - ويصفون الحق الذي هو غاية الدعاة بـ (الخداع والتضليل) . - ويصفون طريقة العلماء في نشر العلم - عن طريق الكاسيت مثلاً - بـ (أساليب غير مشروعة) . - وعمموا الحكم على الجماعات الإسلامية ووصفوهم بأنهم كلهم (إرهابيون) . - ويصفون الحريصين من طلبة العلم على متابعة الدروس والمحاضرات الدينية بـ (المتطرفين) . تلك بعض من المصطلحات الدخيلة على عقيدة الأمة وفكرها، فالرجوع إلى الحق والتدين والالتزام بمنهج الكتاب والسنة هو (تطرف أعمى) والدعوة إلى ... هداية الناس ورجوع الشباب إلى الإسلام يسمى (ظاهرة اجتماعية) ، ومن يستخدم هذا المصطلح يعرف مدلول الظاهرة الاجتماعية ومفهومها واستخداماتها عند أساتذة الاجتماع، أما استخدام أشرطة الكاسيت وغيرها من وسائل الاتصال الجماهيرية لنشر العلم وإرشاد الناس وتبصير الأمة وهدايتها فذلك في نظر تلك الطائفة من حملة الأقلام الموبوءة (أساليب غير مشروعة) ، وكأنهم قد نصبوا أنفسهم علماء بالحلال والحرام، والمشروع والممنوع، وتجاهلوا من يستخدم هذا النوع من الوسائل الإعلامية في نشر الفساد والرذيلة في المجتمعات الإسلامية، وسخروها للهو والغناء ومبتذل القول ورخيصه، وطلبة العلم وشباب الصحوة في مفهوم تلك الشريحة من حملة الأقلام هم (متطرفون) ، ولو ناقشت أحدهم في مفهوم التطرف فلن تجد عنده الجواب الشافي، بل سيقول لك سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته، أما الوسطية أو الإفراط فلم يستوردوها بعد من أبواق الإعلام العالمي؟ ! ثم انظر إلى أساليب التعبير الأخرى في مسيرة الإصلاح الإعلامي الذي يدعونه، مسيرة تصحيح العقيدة والمفاهيم في المجتمع الإسلامي، يصفون مشاعر الدعاة في نصرة الحق بأنها أصيبت بالهوس بعد أن تسلل إلى قلوبهم واهتماماتهم بأسلوب عاطفي يرفضه العقل والمنطق السليم! ! ثم إن هؤلاء الدعاة جاهلون بمواقف علماء الأمة من مجمل القضايا التي تخضع لأحكام العقيدة الصافية! ! هذه هي جريمة الدعاة الذين وضعتهم تلك الطائفة من الصحفيين في قفص الاتهام بتهمة الجهل المدقع بالعلم الشرعي وبفقه الواقع! ! وإننا نتساءل: من أين يؤخذ العلم الشرعي؟ أمن صدور العلماء والدعاة أم من الأقلام الصحفية المأجورة؟ أما أساليب الدعاة إلى الله في نصرة المظلومين من المسلمين في البلاد الإسلامية فهي (أساليب إرهابية) ! ! لماذا؟ لأن هؤلاء الدعاة مهتمون بالدفاع عن (إرهابيين في بلدان عربية مسلمة لا هدف لهم سوى زعزعة الأمن والاستقرار وتنفيذ تعليمات مصدري الإرهاب في بلدان أخرى) .. أما (الإرهابيون) فهو ... ... المصطلح الذي أطلقوه على المضطهدين في السجون الذين ينادون بالإسلام شريعة ومنهاجاً، وأما مصدروا الإرهاب فهم قادة الجماعات الإسلامية الذين يطالبون بتطبيق الإسلام وينادون بالحاكمية المطلقة لله في الأرض. إن الذين يكتبون باسم الحرص على الدين، وباسم الحفاظ على المصلحة العامة يجب عليهم أولاً أن يتبعوا تعاليم الدين وأن يطبقوه في واقعهم حتى يكون لكلامهم القبول والاستحسان، وإن الذين يكتبون باسم الحوار والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والبعد عن التعصب والتشنج لا بد أن يبدؤا بأنفسهم أولاً حتى لا يدعوا إلى ما يخالفونه، وأن يتدبروا منهج القرآن في ذلك: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً..] [الأحزاب ٧٠] ، [والَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ] [المؤمنون ٣] ، [فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى] [طه ٤٤] ، [وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ..] [الحج ٣٠] ، [وقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَتِي هِيَ أَحْسَنُ إنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ..] [الإسراء ٥٣] . وأن يتدبروا سنة المجتبى ﷺ في التنازع والتخاصم في الباطل. روى مسلم في صحيحه عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من خاصم في باطل وهو يعلم لم يزل في سخط من الله حتى ينزع، ومن قال في مسلم ما ليس فيه حبس في ردغة الخبال حتى يخرج مما قال» . إن في نصوص الكتاب والسنة معالم المنهج الأمثل للتفكير والحوار، أما أن يُتخذ الإسلام ودعوى المحافظة عليه والحرص على المصلحة العامة ذريعة لإثارة الفتنة وزرع بذور الفرقة والتمزق في المجتمع، ويكون ذلك مطية للنيل من الدعاة والناصحين بكل طرق القول السيء والهجاء المقذع فذلك أمر يرفضه الدين، ويمقته أقل الناس علماً، فضلاً عن الدعاة وطلبة العلم. - ٤ - لقد حدثتنا قصص القرآن الكريم في حقب مختلفة من التاريخ عن ذلك الصنف من الناس الذين استغلوا سلطانهم ومكانتهم في المجتمع بغرض الكيد للإسلام وأهله بدعوى الإصلاح، والحرص على الأمن واستتابه، والحفاظ على المصلحة العامة، فنصبوا أنفسهم دعاة مرشدين للناس وهم أبعد ما يكونون عن حقيقة الدعوة والإرشاد. يقول ﵎ عن فرعون وقصته مع موسى ﵇: [وقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى ولْيَدْعُ رَبَّهُ إنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الفَسَادَ] [غافر ٢٦] . يقول ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: انظر كيف أصبح فرعون مذكراً وواعظاً [١] ، فنصّب فرعون نفسه داعية للناس ومحذراً لقومه ومنذراً لهم من موسى ﵊ من أن يبدل دينهم أو أن يظهر في الأرض الفساد. ففرعون على قوته وجبروته وبأسه في قومه لم يمنعه ذلك من الظهور بمظهر الناصح لهم! ! ولكن سرعان ما تظهر حقيقة هذا الصنف من الناس الذين يتخذون من مبدأ النصح للأمة قناعاً ووسيلة لتحقيق غاياتهم الدنيئة، ويكون ذلك - كما أخبر عز وجل - إما بقولهم وإما بسيماهم: [ولَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ ولَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القَوْلِ واللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ] [محمد ٣٠] ، يقول علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: «.. وإن لسان المؤمن من وراء قلبه، وإن قلب المنافق من وراء لسانه، لأن المؤمن إذا أراد أن يتكلم بكلام تدبره في نفسه فإن كان خيراً أبداه، وإن كان شراً واراه. وإن المنافق يتكلم بما أتى على لسانه لا يدري ماذا له وماذا عليه» [٢] . إن مخاطبة الأمة عبر الوسيلة الإعلامية بمادة مليئة بالمخالفات الشرعية، ومحاولة تطويع نصوص الشريعة لتحقيق الهوى والمآرب الشخصية من الانتقام للذات، ومحاربة للدين وأهله بدعوى الحرص عليه والمحافظة على مصالح المسلمين، وكيل التهم والتشهير بالدعاة إلى الله والناصحين للأمة، واستخدام الأساليب المبتذلة والرخيصة في ذلك، إن ذلك كله مما ترفضه مجتمعاتنا الإسلامية جملة وتفصيلاً، لأنه باختصار يتعارض مع عقيدة المجتمع ودينه، وهو ما ينافي نظامه الإعلامي الذي يجب أن يستمد إطاره الكلي من قواعد الإسلام وأصوله، ذلك لأن الكلمة في إعلامنا ينبغي أن تكون قادرة على إيصال معناها إلى جماهير الأمة، فلا تنوء بحمل معانيها، وأن يراعى في اختيارها الأسلوب الأمثل في مخاطبة المسلمين، وهو أسلوب ينأى عن الكلمة النابية واللفظة الرخيصة واللغة الحادة أو المبتذلة المنافية للذوق الإنساني [٣] . - ٥ - إن من يعيش في مجتمعنا، ويحمل هماً غير همِّ ديننا، ويلبس ثوباً غير ثوبنا، وينادي بدعوة لا يرتضيها رب العالمين، وينشر في مجتمعنا كل ما يبعد الناس عن حقيقة هذا الدين، وينادي بأفكار ظاهرها الرحمة وباطنها من قبله العذاب، بدعوى الحفاظ على الدين، والمصلحة العامة، وحرية الرأي، وغير ذلك من الدعاوى الباطلة، وشعارات زائفة، أحرى بهؤلاء أن ينبذوا، وأن يشرد بهم من خلفهم، وإن لحرية الرأي العام في مجتمعاتنا الإسلامية ضوابط معروفة معلومة، وإن استخدام هذه الحرية في غير مواضعها هو تجنّ سافر على القيم والمبادئ السائدة في المجتمع، يدرك ذلك كل إنسان حباه الله فطرة سليمة وعقلاً رشيداً، وتعاملنا مع مصطلح الحرية محكوم بضوابط الدين والشرع، وإلا أصبحت الحرية فوضى ونبتة سوء تفرق الأمة، وتظلل الفتنة، وتقود إلى الفرقة والتمزق. وذلك ما سقطت فيه الصحافة العربية حينما قادها من أعمى الله بصيرتهم عن الحق، فنشروا الفكر الدخيل على عقيدة الأمة، فكر يوحي بالضياع ويدل على الغفلة والجهل بهذا الدين. وإننا نربأ بصحافتنا أن تنشر علينا فكراً هزيلاً يستمد جذوره من مظاهر (الانحراف الديني) و (الهوس الحضاري) المريض.

стр. 1370

معالم في طريق التغيير محمد محمد بدري لا شك أن المسلم الذي يرى الحياة من خلال واقعه وليس من خلال أمانيه، يدرك لأول وهلة أن (واقع) الأمة الإسلامية اليوم هو مصداق قول رسول الله ﷺ : (يوشك أن تداعي عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ ، قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله المهابة من صدور أعدائكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت) [١] . فقد أصبحت الأمة الإسلامية (غثاء) من النفايات البشرية الخاوية، تعيش على (ضفاف) مجرى الحياة الإنسانية كدويلات متناثرة ومتصارعة، تفصل لينها ... حدود جغرافية ونعرات قومية مصطنعة، وتعلوها راية (الوطنية) ، وتحكمها ... قوانين الغرب العلمانية.. تدور بها (الدوامات) السياسية فلا تملك نفسها عن ... الدوران، ولا تختار حتى المكان الذي تدور فيه! ! لقد قذف الله في قلوب المسلمين (الوهن) فأصبحت أمتهم تخاف من تكاليف الحرية ومجابهة الظلم في الداخل، وتجبن عن صد الغزاة في الخارج.. فتداعت عليها الأمم، وأحاط بها الأعداء الذين أوصلوها إلى مرحلة (القصعة المستباحة) التي حذرها إياها رسول الله ﷺ . ولا ريب أن هذه الحال تؤرق أكثر المسلمين وتقض مضاجعهم، فتقفز إلى أذهانهم أسئلة بكثيرة: كيف نخرج بأمتنا من أزمتها، وننتقل بها من الاستضعاف إلى التمكين؟ ومن التبعية إلى الريادة؟ كيف نرفع (غثاء) الأمة الإسلامية من حضيضه الذي يعيش فيه ليعود كما أراده الله خير أمة أخرجت للناس؟ ولكن لا موغل في (حلم) الريادة البشرية على حساب (حقيقة) التبعية، أو ... تهرب من مواجهة (واقع) الاستضعاف بالانغماس في (خيال) التمكين، لا بد أن نحزم أمرنا ونعد عدتنا، ونجد السير في طريق التغيير الذي يمكن أن نتبين بعض معالمه فيما يلي: ١- إقامة الفرقان الإسلامي: بينما كان الاستعمار القديم يستعين بقواته العسكرية لقهر شعوب المستعمرات، لم يعد الاستعمار الجديد في حاجة إلى استخدام القهر بالقوات العسكرية، بعد أن أفلح في اختيار عملائه وصنائعه من النخبات (الوطنية) التي أشربت في قلوبها ثقافة الاستعمار وتربت على يديه، ونشأت في كنفه ورعايته.. ثم وقفت تحت راية (الوطنية) وتخفت وراء لافتة (الإسلام) لتقوم بمؤامرة (التباس) الحق بالباطل التي تفتن الأمة عن دينها، وتمزق وحدتها وتشتت شملها، وتوجد الثغرات فيها كي ينفذ من خلالها أعداء الأمة الذين يحطمون قواها ويستنزفون طاقاتها ... لقد تمكن أعداء الأمة الإسلامية عبر النخبات الوطنية، من مزج الإسلام بالأفكار الغربية عنه من (علمانية) وقومية و (وطنية) وغيرها، ليلتبس على الأمة أمر دينها، وليصبح الإسلام الواحد بعقيدته ومبادئه تشريعاته اسماً متعدداً بتعدد ألوان مؤامرة (الالتباس) التي تصد الأمة عن سبيل الإسلام الحق. ... ومن هنا فإنه لا يمكن تحقيق انطلاقة قوية في طريق إحياء الأمة الإسلامية إلا باقامة (الفرقان) الذي يرفع (الالتباس) ويسقط اللافتات الخادعة التي تتوارى خلفها العلمانية. فيتمايز الناس إلى فسطاطين: فسطاط نفاق لا إيمان فيه، وفسطاط إيمان لا نفاق فيه.. وعندها تخرج الأمة الإسلامية من حال التذبذب إلى الانحياز إلى دينها وشريعتها، والانتصار لإسلامها من كل أعدائها. ٢- إحياء الهوية الإسلامية: تشكل الهوية - في أية أمة - الحافز العقدي والدافع النفسي الذي يدفع الأمة في طريق التقدم والحضارة، ويقاوم في ذات الوقت الاجتياح الحضاري للأمم الأخرى.. فما هي هوية الأمة الإسلامية؟ لا شك أن الإسلام (وحده) هو هوية الأمة الإسلامية، ومحور اجتماع أفرادها، والقوة الدافعة التي تفجر طاقاتها وتقوي وقفتها في مواجهة كل أعدائها. لقد قام العملاء من بني جلدتنا بإبعاد الإسلام كهوية للأمة الإسلامية، وزعموا أن طريق (الإحياء الحضاري) للأمة هو (إحياء الهوية الوطنية) و (المشروع القومي المتجدد) !! فأما (الهوية الوطنية) فقد فرقت الأمة الإسلامية إلى كيانات جزئية ومجتمعات منفصلة، وأصبح الفرد في ظلها يعاني من (الاغتراب) و (فقدان الانتماء) للأمة، ... ... فانعزل داخل همومه الفردية واهتماماته الذاتية،. . وتحولت المجتمعات الإسلامية إلى (ركام) من الأفراد لا يربطهم خيط جامع.. ووصلت الأمة إلى المعادلة الصعبة: وطن بلا مواطنين، ومواطنون بلا وطن.. ٣- التربية الإسلامية الشاملة: يتأسس بنيان المشروع الحضاري العلماني على شفا جرف هار من مفاهيم الغرب النصراني عن الدين، والتي تجعل الإسلام مجموعة من الطقوس والشعائر لا علاقة لها بشأن من شؤون الحياة! ! ومن هنا كان تعامل زعماء العلمانية مع مشاكل الأمة الإسلامية وأزماتها الحضارية، تعاملاً ناقصاً يشوبه الاضطراب والعجز.. وما ذلك إلا لأن هؤلاء الزعماء يحاولون مصالحة (كل) أزمات الأمة ومشاكلها بـ (جزء) من الإسلام! ! ومن هنا فإن المشروع الحضاري الإسلامي لا بد أن يكون منهاجاً للتغيير الكامل والجذري، يقوم بمجابهة الأزمات الحضارية للأمة والانتكاسات الفردية والاجتماعية عبر (خطاب إسلامي شامل) يهتم بالجانب العقدي التشريعي والسلوكي اهتماماً متوازناً ومتعانقاً، يعالج السقوط العقائدي والاجتماعي والأخلاقي علاجاً شافياً.. ٤- إخراج الأمة المسلمة: وفي ظل عنف الحكام في معاملة خصومهم السياسيين، وإرهابهم لكل من يعارض أمراً يهمون به. في ظل ذلك تخلى أكثر الأمة عن (واجب) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالنسبة للحكام، وآثروا العافية يأساً من الإصلاح، ورغبة في إصلاح الذات! ! وفي ظل هذا الواقع، لا بد أن نؤكد أن المسئولية عن الإسلام هي مسئولية كل من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله على تفاوت في الدرجات بتفاوت الاستعدادات، والقدرات، والمواقع، والظروف.. وأن العمل الإسلامي هو جهاد (أمة) وليس جهاد (حزب) أو (جماعة) أو (تنظيم) . ومن هنا فإن (إخراج الأمة المسلمة) هو العلاج الحاسم، والوقاية الحقيقية لكل المسلمين من نماذج الأنظمة الطاغية التي تُخرجها العلمانية، والتي يراد بها حرق (المستضعفين) من المسلمين في أتون الظلم والقهر والاستعباد. ٥- الطليعة تقود الأمة: يضع الإسلام لقيادة الأمة الإسلامية شروطاً دقيقة ومواصفات خاصة. وتؤكد الأصول الإسلامية أن (أولي الأمر) هم (العلماء والأمراء) .. بل إن أكثر المفسرين يرون أنهم (العلماء) وحدهم. ولا شك أن هذا الاهتمام بأمر القيادة في الأمة الإسلامية، يرجع إلى أن الأمة التي يقودها ويتولى زمام أمورها (فقهاء) و (أولو ألباب) تتقدم وتنتصر، أما الأمة التي يقودها ويتولى زمام أمورها (خطباء) لا يحسنون إلا التلاعب بالمشاعر والعواطف.. فإنها تبقى تتلهى بـ (الأماني) حتى إذا جابهت الأزمات لم (يفقه) حكامها من (الخطباء) ماذا يصنعون؟ وآل أمرهم إلى الفشل، وأحلوا أمتهم دار البوار. ومن هنا فإنه لا سبيل إلى الإحياء الحضاري للأمة الإسلامية إلا أن يوجد في الأمة (فقهاء) يتصفون بصفات المؤمنين ويتحركون على أساس من الوعي يقيم الوحي قرآناً وسنة مع الدراية بشؤون الواقع.. (فقهاء) يتميزون بمنهجيتهم وموضوعيتهم في رؤية حقائق الواقع، ومواجهة تحديات العصر.. ولكي يستطيع هؤلاء الفقهاء حمل رسالة أمتهم وتقديم العطاء الحضاري المنشود، لا بد أن يكون عملهم بـ (روح الفريق) ولا بد أن تربط بينهم من شبكة من العلاقات العقائدية والاجتماعية خيوطها الإيمان والتكامل والتناصر والجهاد في سبيل الخروج بالأمة الإسلامية من التبعية إلى الريادة ومن الاستضعاف إلى التمكين. إن (نواة) الفقهاء التي تتسم بالفاعلية والحيوية، تجذب إليها (صفوة) الفكر والتجارب، و (خيرة) القدرات والإمكانات ليتكون من هؤلاء جميعاً ... (طليعة) قوية قادرة على تحدي كل أعداء الأمة، ومواجهة جميع أزماتها، ... والسير في طريق الإحياء الحضاري بصبر ودأب، حتى يأذن الله بالانبعاث الإسلامي المنشود.. وإذن فإن قيادة الطليعة المؤمنة للأمة الإسلامية هو في حقيقة أمره (تشترطه) أسس التغيير، وتستدعيه متطلبات التمكين. ٦- إحياء الفاعلية الإسلامية: يُقَسِّم المراقبون العالم اليوم إلى (الشمال) تعبيراً عن العالم المتقدم.. ... و (الجنوب) تعبيراً عن العالم المتخلف.. فأما الأول: فيمثل في الدول المتقدمة، ويشمل محور اليابان ودول أوربا الغربية وأمريكا الشمالية وحلفاءهم.. وأما الثاني: فيتمثل في بقية دول العالم التي تقع خارج هذه المحاور. ولا شك أن السبب الأول للهوة الحضارية بين الشمال والجنوب، أن دول الأول يتميز أفرادها بـ (الفاعلية) والحرص على الوقت، والتوجه بنشاطهم الجاد في سبيل تقدم أمتهم. أما دول الثاني، فإن أفرادها يغلب عليهم (انعدام الفاعلية) والنظر إلى الوقت على أنه لا قيمة له، وتوجه نشاطهم إلى اللغو والحديث غير المنتج. وكي نوضح ما نقول فإنه من المستحسن أن نتأمل تجربة بلد مثل اليابان.. إن هذه الدولة تعيش في منطقة فقيرة في موادها الخام.. كما أن وضعها الجغرافي لا يجعلها منطقة استراتيجية.. ولكنها مع ذلك تتقدم يوماً بعد يوم ويغزو إنتاجها التكنولوجي العالم الغربي.. فما سر ذلك؟ إن السر يكمن في أن فاعلية (الإنسان) الياباني أضعاف أضعاف غيره من أفراد الأمم المتخلفة الذين انعدمت فاعليتهم وتوارت جهودهم.. إن المتأمل للنماذج التنموية في الأمة الإسلامية يجد أن الأنظمة العلمانية ترتكز على عنصر رأس المال على أنه العنصر الوحيد القادر على تحيق التقدم.. ولذلك فهي تهمل بناء (الإنسان) لتنفق على بناء (المصانع) ! ! ولا شك أن هذه الطريقة في البناء الحضاري هي طريقة (العملاء) الذين يحبون أن تظهر أنظمة حكمهم بمظهر التقدم، فيقيمون المصانع العملاقة، ثم يستوردون كل معداتها من الدول المتقدمة.. ويستوردون معها (كوادر) العمل في هذه المصانع. فلا يكون لهذه المصانع والمشروعات التنموية - رغم الإنفاق الكثير فيها - أدنى أثر في التقدم الحضاري المادي.. وما ذلك إلا لأن (الإنسان) ... في كل هذه المشروعات يكون غائباً، أو على أحسن الأحوال يكون حاضراً ولكنه يعاني من (اللافاعلية) .. ٧- الريادة البشرية: يتوقف (وجود) أية أمة في الحياة على حمل هذه الأمة لرسالتها.. فإذا ضعفت عن حمل هذه الرسالة، انتهى (وجود) الأمة وحل محلها أمة أخرى لا علاقة لها بها، وإن ربطتها بها روابط الدم والأرض واللغة والثقافة.. وهذا هو ما فهمه عمر بن الخطاب ﵁ من قول الله - عز وجل-: [كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ] [آل عمران ١١٠] ، حيث قال في تفسيرها: لو شاء الله لقال: أنتم، فكنا كلنا.. ولكن قال: كنتم في خاصة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومن صنع صنيعهم، كانوا خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. وإذن فالأمة الإسلامية إنما تتميز بقيامها برسالتها في الدعوة إلى المعروف وفعل الخير، والنهي عن المنكر وجميع الشرور.. فإذا تخلت عن شيء من هذه الرسالة نقصت قيمتها بقدر ذلك.. أما إذا تخلت عن هذه الرسالة بكاملها، فإن مصيرها هو الاختفاء من الوجود والحياة.. ولا شك أن الأمة الإسلامية لا تستطيع حمل رسالتها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا إذا كانت تمتلك (الرادع) للعقل الغريب الذي لم يتخل بعد، وقد لا يتخلى عن حب العدوان والسيطرة، لاستعباد الآخرين، ونهب مقدراتهم، وإشاعة التخلف في حياتهم.. ومن هنا يبرز (الجهاد) رادعاً للعقل الغريب ومضاعفاته في الفتنة والفساد.. ... يبرز الجهاد ليعكس مفهوم (الأمن الإسلامي) الذي يركز على إيصال الرسالة ... وتبليغها إلى الآخرين في جو من الأمن الفكري والمادي والنفسي والشعوري يزيل العوائق التي تحول بين الناس وبهت رؤية الحق على حقيقته، أو تمنع من تبينه من اتباعه.. وحين تقوم الأمة الإسلامية بهذا الدور، وتخوض في سبيله الجهاد الشاق، سيكون (البقاء للأصلح) لا بالمعنى الدارويني الفاسد، وإنما بالمعنى الرباني: [فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ] [الرعد ١٧] . وسيُخرج الله بهذه الأمة من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.. وستعود الأمة الإسلامية مرة أخرى إلى (الريادة البشرية) .

стр. 1371

إسلامية الأدب.. لماذا وكيف؟ ؟ د. عبد الرحمن صالح العشماوي الشبهة الثالثة: يقول المعارضون لمصطلح الأدب الإسلامي إنَّ هذا المصطلح يجعل الأدب واضحاً ومباشراً في خطابه، والوضوح والمباشرة عدوان لدودان لفنيَّة النص الأدبي.. والذي يثير العجب أن أصحاب هذا الرأي يعيبون الوضوح والمباشرة على إطلاقهما، ويدعون إلى الغموض من خلال الرموز الغائمة بحجة أن الأديب لا ينزل إلى مستوى القراء، بل هم المطالبون بأن يرقوا إلى مستواه فإن فهموا فذلك ما يريد، وإن لم يفهموا فليس الأديب مسؤولاً عنهم، ويستدلون على ذلك بالمقولة المشهورة التي قالها أبو تمام لأبي العميثل عندما سأله: لماذا لا تقول ما يُفهم، فردَّ عليه أبو تمام بقوله: لماذا لا تفهم ما يقال؟ ؟ وهو استدلال في غير محلِّه فما كان غموض أبي تمام مستغلقاً على الفهم، والذي سأله لم يكن جاهلاً بمعاني أبيات أبي تمام - كما يظهر لي - فهو ذو مقدرة لغوية وأدبية استحق بها أن يكون هو الذي يجيز القصائد التي تُلقى أمام الخليفة. والذي أميل إليه أن سؤاله لأبي تمام كان من قبيل إشعاره بمخالفته لعمود الشعر العربي، وهو أمر واضح عند أبي تمام، وهذه قضية خارجة عن موضوعنا هذا ويمكن أن أفصِّل في موضع آخر القول فيها - إن شاء الله -[١] . أقول: إن قضية الوضوح والمباشرة بحاجة إلى بيان حتى لا تظلَّ شبهة مثارة تنطلي على ناشئة الأدب في بلاد المسلمين فيظنون أن الوضوح والمباشرة عيبان مخلاَّن بفنية الأدب، ونحن نعلم أن التعميم في الأحكام النقدية كثيراً ما يكون سبباً في قتل الموضوعية، وضياع الإنصاف في الحكم على الأديب، أو على النص الأدبي [٢] . ولا بد من الإشارة إلى (الرمزية) عندما نتحدَّث عن قضية الوضوح ... والمباشرة لأنها إنما طُرحت في شكل قضية أدبية ملحة بعد اجتياح موجة الغموض والإبهام لمساحة كبيرة من النصوص الأدبية في العالم، وكان ذلك الغموض المبهم نتيجة طبيعية للرمزية التي نادت بتغيير وظيفة اللغة الوضعية بإيجاد علاقات لغوية جديدة تشير إلى موضوعات غير معهودة تؤدي إلى تغيير مقام الكلمات ومجرى الصياغة المألوفة.. ولذلك لا يستطيع القارئ أو السامع أن يجد المعنى الواضح المعهود في الأدب [٣] . تحركت هذه الرمزية صوب المناطق المعتمة في النفس البشرية، وجرَّت معها نصوص الأدب إلى أدغال الرموز والأساطير والإشارات التي لا أثر فيها لضوء، ولا مكان فيها لشمس أو قمر أو نجوم، ونشأت بتأثير الرمزية مدرسة الغموض والإبهام في الأدب العالمي، وتبعه في ذلك - كما هي العادة - الأدب العربي، وكان طبيعياً أن تعادي مدرسة الغموض المولودة في أحضان الرمزية الوضوح والمباشرة عداءً عاماً لا مكان فيه للمناقشة الموضوعية الهادئة، وسرت لوثة الغموض والرمزية الغارقة في الإبهام في عدد غير قليل من نصوص الأدب العربي المعاصر معتمدة على موجة الحداثة الفكرية التي نادت وما تزال بمعارضة المألوف والخروج عليه كما هو شائع في كتابات أصحاب هذه الدعوة، وهنا أصبح (الوضوح) في الأدب هدفاً من أهداف دعاة الخروج عن المألوف يرمونه بسهام التشكيك، ويشنعوه على الأدباء الذين يكتبون أدباً واضحاً فيه مقومات الصياغة الفنية الرائعة من أسلوب متقن، وصورة بديعة، ومشاعر دفَّاقة مؤثرة. ولعل من المصلحة هنا أن نحدِّد نقاطاً لتناول هذه الشبهة حتى لا يطول بنا المقام. أولاً: نحن لا نقف ضد الرمز الموحي الذي يغلِّف الكلمة بغلاف رقيق تطالعك من ورائه فكرة الأديب، والأدب الإسلامي يحترم الرمز المعبِّر وقدوته في ذلك القرآن الكريم، ففيه عبارات وجمل ترمز إلى المعنى المراد ولا تصرح به، وكذلك في حديث رسول الله ﵊، وهناك فرق كبير يغفل عنه كثير من الناس، بين الرمز الشعري الذي يستخدمه الشاعر للدلالة على فكرة ما، وبين الرمزية التي هي مذهب أدبي غربي. ولذلك حصل الاضطراب عند بعض النقاد في قضية الوضوح والمباشرة. ثانياً: الوضوح والمباشرة ليسا عيبين في الأدب بهذا الإطلاق الذي يرد في بعض الدراسات النقدية، فهما ضرورتان ملحتان لكل أديب يريد أن يوصل مشاعره وأفكاره إلى الناس، خاصة عندما يكون الأديب صاحب رسالة عظيمة في الأمة كما هو شان الأديب الإسلامي، وإنما يعاب الوضوح، وكذلك المباشرة، عندما يطغيان على فنية العمل الأدبي فتصبح القصيدة كلمات وجملاً مصفوفة لا يربط بينها إلا الوزن الشعري وليس فيها روح الأدب، ولا جمال تصويره، ولا إيحاء عباراته. فعندما يقول شاعر مخاطباً شخصاً ما: تعيش وتبقى ما حييت وتسلمُ فإنه بهذا المطلع الخاوي الذي لا روح فيه يخرج من مفهوم فنية الأدب، والأدب الإسلامي لا يقر (فنياً) مثل هذه الكلمات الجافة الجامدة، وهذا الجفاف والجمود لم يأت من قبل الوضوح والمباشرة كما قد يتخيل البعض، وإنما أتى من قبل خواء المعنى وعدم نجاح الشاعر في نقل تجربة شعورية صادقة. ولو كان الوضوح والمباشرة هو العيب، لألغينا مساحة شاسعة من الآداب العالمية، ومحوناها من خارطة الأدب، وذلك ما لا يقول به ذو بصيرة. عندما يقول الشاعر الإسلامي محمد محمود الزبيري ﵀: خرجنا من السجن شُمَّ الأنو ... ف كما تخرج الأُسْدُ من غابها نمر على شفرات السيوفِ ... ونأتي المنيَّة من بابها فإن في هذين البيتين وضوحاً ومباشرة، ولكنها شعر مؤثر، وفيها تصوير فني جميل لثبات الإنسان على مبادئه التي يؤمن بها، فالفنية هنا موجودة ولم تكن المباشرة أو الوضوح عيباً بالرغم من وجودهما هنا. وبهذه النظرة النقدية العادلة نستطيع أن نردَّ مثل هذه الشبهة الباطلة. ثالثاً: الرمز الموحي مطلوب من النص الأدبي، والأديب المقتدر هو الذي يحسن استخدام الرموز وتوظيفها، سواء أكانت رموزاً تاريخية أم معاصرة، وسواء أكانت بشرية أم غير بشرية بل إن الشاعر إذا استخدم رمزاً موحياً وأحسن توظيفه في النص الأدبي، استطاع أن يؤثر تأثيراً أعمق وأن يحقق للقارئ متعة أكبر، وإنما يأتي الخلل عندما يصبح الرمز هدفاً ووسيلة لا يتنازل عنها الشاعر فإنه بهذا يخرج عن إطاره الصحيح ويتجاوز حدَّه المعقول. رابعاً: الوضوح والمباشرة موجودان في كل نصٍ أدبي يحمل فكرة وإنما تختلف النسبة من نص إلى نص، اللهم إلا عند الأدباء الذين يجعلون الرمزية غاية وهدفاً، ويسعون إلى الغموض والإبهام ولا يعنيهم أن يفهم القارئ ما يكتبون، وإنما يعنيهم أن يتفنَّنوا في استخدام أساليب الرمزية الغامضة، وباستطاعة كل أديب مقتدر أن يستخدم التعابير اللغوية استخداماً مباشراً ولكنه مفعم بأثر تجربته الشعورية التي تتناغم مع الإيقاع الشعري الذي يستخدمه، أليس شعر المتنبي واضحاً ومباشراً؟ ؟ بلى هو كذلك، فلماذا أحبه الناس وما زالوا يحبونه؟ ؟ لماذا لم يكن وضوحه ومباشرته سببين في رفضه وحاجزين أمام إبداعه؟ ؟ وغير المتنبي كثير. ونخلص من هذا إلى القول بأن الوضوح والمباشرة ليسا مما يعوق العملية الفنية، وبأن الأدب الإسلامي لا يقف ضد الرمز الموحي، ولا يقبل الجمود والجفاف في النص الأدبي، وإنما ينظر إلى (الوضوح والمباشرة) بمنظار نقدي سليم.

стр. 1372

هدايا رابين د.محمد وليد طال الأسى وتفطَّر القلبُ ... فإلامَ ذاكَ القهرُ يا ربُّ المسلمون نفوسُهم مُلِئتْ ... كرباً وفي أوطانهم كَرْبُ فإلى متى أموالهم نَهْبُ ... وإلى متى أقداسُهم غَصبُ لو كان قلبي قُدَّ من حجرٍ ... لتَفَطرتْ أحجاره الصُلبْ ومضى ينادي ربَّهُ جزعاً ... حتام ذاكَ القهرُ يا ربُّ وأتاه صوتٌ غاضب يجب ... ملء السماء وكلُّه عَتبُ ضلّت بكم أهواؤكم شِيَعاً ... وتفرقَ الحادونَ والرَّكبُ إن السراجَ اليوم مُتَّقِدٌ ... ما بالُه في أرضكم.. يخبو قد سادَ فيكم كلُّ طاغيةٍ ... وبكل صَرْحٍ شامخ ذئبُ قهر البلاد وفيه قد جُمعِتْ ... كلَّ العباد فشخصُهُ الشَّعبُ تحيا الحقيقة وهي بائسة ... في أرضكم ويُجَمَّلُ الكذبُ أو تحسبون اليوم ويلكُمُ ... أنَّ الحقيقةَ مالها ربُّ! ! الخيرون اليوم قد قُتلوا ... في أرضكم وتفرق الصَّحبُ والعابدون لربهم حُشروا ... ملء السجون ومالهم ذنبُ إلا محبتهم.. لخالقهم ... ولسانهم من ذكره رْطبُ مدريدُ قد جمعت قبائلكم ... وخطابهم في قصرها خَطبُ يا ليت شعري ويح مؤتمر ... أبطاله الأغنامُ والذئبُ رابينُ يُهديكم.. بضاعَتَه ... حرباً هواناً بعدها حربُ ووفودكم تأتيه طائعة ... وجلوسها بمقامه كسبُ أتفلسفونَ الذلَّ في سفهٍ ... كي لا يقالَ تشدَّد العُرْبُ يا أيها التاريخ.. مرحمة ... داء المذلة مالهُ طبُّ لا تعجبوا إن غاضَ ماؤكمُ ... أو أُطفئت بسمائها الشُّهبُ سيُذلكُّم من كان ذا ضَعَةٍ ... وسيحكم الخنزيرُ والكلبُ وسيفدحُ الخطبُ الجليلُ بكم ... وسيعظم التقتيلُ والرُّعبُ ما كان ربُّ العرش يظلمكم ... الظلم فيكم أيها العُرْبُ سُننُ الإله اليومَ ماضية ... فيكم إلى أن يرعوي القلبُ هلاّ رجعتم نحو بارئكم ... حتى يعودَ إليكمُ الربُّ

стр. 1373

الحركة العلمية في بلاد الحجاز في العصر الأموي (٣) د.محمد أمحزون السيرة والمغازي: لقد كان النزوع إلى جمع المعارف وحفظها من الضياع متعدد الجوانب في صدر الإسلام، وبدأ في فترة كان فيها عدد كثير من الصحابة وكبار التابعين لا يزالون على قيد الحياة. وبناء على بعض الأخبار سبق ذكرها يتضح لنا أن الصحابة والتابعين كان لديهم حس تاريخي؛ فكانت المعارف والذكريات تدوّن من الذاكرة على الورق، حتى تبقى بعد وفاة مدوّنيها. وقد استخدم الواقدي كتباً من تأليف بعض الصحابة أسهمت إلى حد ما في رواية كتب المغازي. ومن هذه الكتب كتاب بخط مؤلفه الصحابي سهل بن أبي حتمة الأنصاري توفي زمن معاوية بن أبي سفيان. وقد بقيت بعض المعلومات التي جمعها لدى حفيده محمد بن يحيى، وعنه أخذ الواقدي بعض المغازي [١] . وتعطي المقتبسات منه صورة تكفي لإيضاح أن سهلاً قد اهتم في كتابه بغزوات الرسول - ﷺ [٢] . وهناك قطعة من مصنف للصحابي العلاء بن الحضرمي يعطي مثلاً آخر على أن بعض الصحابة قد اعتادوا أن يسجلوا ذكرياتهم المهمة عن سيرة الرسول - ﷺ [٣] . لكن كتب السيرة المختصة كتبت على وجه التحديد في جيل التابعين، حيث كان عدد من الصحابة موجودين، فلم ينكروا على كتاب السيرة، مما يدل على إقرارهم لما كتبوه. والصحابة على علم دقيق وواسع بالسيرة لأنهم عاشوا أحداثها وشاركوا فيها، وكانت محبتهم للرسول ﷺ وتعلقهم به ورغبتهم في اتباعه وأخذهم بسنته في الأحكام سبباً في ذيوع أخبار السيرة ومذاكرتهم فيها وحفظهم لها؛ فهي التطبيق العملي لتعاليم الإسلام. وجدير بالإشارة أن هذا التبكير في كتابة السيرة قلل إلى حد كبير من احتمال تعرضها للتحريف أو للمبالغة والتهويل أو للنسيان والضياع. ومن أقدم من ألف من التابعين في السيرة والمغازي عروة بن الزبير (ت سنة ١٤ هـ) وأَبان بن عثمان بن عفان (ت سنة ١٠٥ هـ) وشرحيبل بن سعيد (ت سنة ١٢٣ هـ) وابن شهاب الزهري (ت سنة ١٢٤ هـ) وعاصم بن عمرو بن قتادة (ت سنة ١٢٩ هـ) وموسى بن عقبة (ت سنة ١٤١ هـ) . وكل هؤلاء من أهل المدينة، وقد تأثروا برأي أهل المدينة الذي يغلب عليه طابع الحديث فمن الأمور الطبيعية نشوء علم السيرة في المدينة، إذ كانت المكان الذي نصر الإسلام وحاطه، فاكتسبت السيرة بذلك ثوباً مدنياً، وطبعت بالطابع الذي تميز به أهل الحجاز وهو ميلهم إلى الحديث والرواية، والتدقيق والمحافظة. أما عروة بن الزبير بن العوام، فيعدّ أحد فقهاء المدينة السبعة [٤] . انصرف بكليته إلى الدراسة وإلى العناية بجمع حديث رسول الله ﷺ ، والبحث في سيرته ومغازيه حتى قال عنه الزهري: «رأيت عروة بحراً لا تكدّره الدّلاء» [٥] . روى عن علي وعائشة وأبي هريرة وأمثالهم، وحدث عنه حبيب بن أبي ثابت وخالد بن أبي عمران قاضي أفريقيا وأبو الزناد والزهري وغيرهم [٦] . وقد وصلت إلينا بعض كتبه في مؤلفات ابن اسحاق والواقدي والطبري، وهي من أقدم ما وصل إلينا مدوناً عن مغازي رسول الله ﷺ . وأما أبان بن عثمان، فإنه وإن كان قد شارك في بعض الأحداث مثل وقعة الجمل، وتولى إمارة المدينة في أيام عبد الملك بن مروان [٧] إلا أنه فضل الاشتغال بالعلم، إذ يعد من فقهاء المدينة السبعة [٨] ومن أقدم من ألفوا في المغازي والحديث [٩] . لكن لم يقتبس منه من المؤرخين سوى اليعقوبي في تاريخه [١٠] . ويشاركه في هذا الميل شرحبيل بن سعيد، وهو أحد المؤلفين والعلماء الأوائل في ميدان المغازي، قال سفيان بن عيينه عنه: «لم يكن أحد أعلم بالبدريين منه» [١١] . وكان شيخاً قديماً حدث عن زيد بن ثابت ومعظم الصحابة [١٢] . وروى بالخصوص عن أبيه سعيد بن سعد بن عبادة الخزرجي الذي كان له اهتمام بجمع المعلومات التاريخية المتعلقة بالمغازي [١٣] . وقد بقيت بعض المعلومات التي جمعها في مسند الإمام أحمد وتاريخ الطبري [١٤] ، واعتمد ابنه شرحيبل عليها في كتاباته. فسار على سنة أسرته في التأليف في المغازي، إذ كان جدّه سعد بن عبادة الصحابي المشهور ذا مؤلف في السنن لا يزال معروفاً في القرن الثالث الهجري [١٥] . وقد ذكر محمد بن طلحة الطويل أن شرحبيل أعدّ قوائم بمن اشتركوا في غزوتي بدر وأحد، لكن فيها شيء من المبالغة [١٦] . ومن الرواد الأوائل في كتابة السيرة أيضاً عاصم بن عمر بن قتادة المدني؛ روى عن بعض الصحابة مثل جابر وأنس، وحدث عنه بكير بن الأشجّ وابن عجلان وابن اسحاق وغيرهم [١٧] . وكان عالماً بالسيرة، ثقة، كثير الحديث [١٨] ، يعتمد عليه ابن اسحاق في كثير من مروياته [١٩] . وقد أمره الخليفة عمر بن عبد العزيز أن يجلس في جامع دمشق فيحدث بمغازي رسول الله ﷺ ومناقب أصحابه [٢٠] . ثم رجع إلى المدينة، فلم يزل بها حتى توفي سنة ثلاث وعشرين ومائة [٢١] . ومنهم محمد بن مسلم بن شهاب الزهري الذي يعدّ من كبار المحدثين في عصره، وثقه جهابذة علماء الجرح والتعديل [٢٢] ، وأثنى عليه الأئمة بالفهم وسعة العلم [٢٣] . وهو أول من استخدم طريقة جمع الأسانيد ليكتمل السياق وتتصل الأحاديث دون أن تقطعها الأسانيد [٢٤] . وكان صاحب دراسات في التاريخ الحديث والفقه، يكتب ما يسمعه ويجمعه من مشايخه؛ قال عنه أبو الزناد: «كنا نطوف مع الزهري على العلماء ومعه الألواح والصحف يكتب كل ما سمع» [٢٥] . وكان حريصاً على الطلب، بصيراً بالعلوم حتى صار مرجع علماء الحجاز والشام. قال فيه الليث بن سعد: «ما رأيت عالماً قط أجمع من الزهري، يحدث في الترغيب فتقول: لا يحسن إلا هذا، وإن حدث عن العرب والأنساب قلت: لا يحسن إلا هذا، وإن حدث عن القرآن والسنة فكذلك» [٢٦] . وبذلك تكونت من كتاباته وعلومه هذه مجموعات ضخمة دخلت قصور الخلفاء الأموين. فقد أمر الخليفة هشام بن عبد الملك اثنين من كتابه بمرافقة الزهري فرافقاه سنة في مجالسه التي يحاضر فيها، ثم أودع ذلك النقل خزانة هشام [٢٧] . وحكي أنه حين قتل الوليد بن يزيد (ت سنة ١٢٦ هـ) حملت الدفاتر من خزانته على الدواب من علم الزهري [٢٨] . ومنهم موسى بن عقبة الأسدي مولى آل الزبير، وهو محدث ثقة من تلاميذ الزهري [٢٩] وقد أثنى الإمام مالك على كتابه في المغازي وقال أنه أصح المغازي [٣٠] . وقال يحيى بن معين: «كتاب موسى بن عقبة عن الزهري من أصح هذه الكتب» [٣١] . عاش موسى بن عقبة في المدينة، وكانت له في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حلقة علم يمنح فيها كذلك إجازاته العلمية [٣٢] . ويبدو أن البخاري قد أفاد من مغازيه في الصحيح [٣٣] . واختصرها ابن عبد البر بعنوان: (كتاب الدرر في اختصار المغازي والسير) [٣٤] . كما استخدمها الحافظ ابن حجر في كتابه (الإصابة) [٣٥] . هؤلاء هم الرواد الأوائل في كتابة السيرة في المدينة المنورة موطنها الأصلي، ويتضح من توثيق نقاد الحديث لهم ما تميزوا به من العدالة والضبط، وهما شرطان عند العلماء لتوثيق الرواة. فلئن كانوا عُدَّلوا عند المحدثين رغم دقة شروطهم في التوثيق، فإن هذا التوثيق يعطي كتاباتهم في السيرة قيمة علمية كبيرة. ويعد ذلك دليلاً ساطعاً بأن الله تعالى حفظ سيرة نبيه ﷺ من الضياع والتحريف والمبالغة، بأن هيأ لها جهابذة المحدثين ليعنوا بها ويدونوا أصولها الأولى قبل أن تتناولها أقلام الإخباريين والقصاصين.

стр. 1374

مشاهدات في بلاد البخاري (٣) د. يحيى اليحيى مشاهد تسر المسلم: لقد سرني كثيراً من أحوال تلك البلاد وما كنت لأتوقع ذلك أبداً، وها أنذا أسجل أشياء مما رأيته ومما ينشرح له صدر المسلم: * طهارة تلك البلاد من القبور المعظمة عندهم فلم نر مسجداً قط يطوف الناس حوله أو يتبركون به، ولم أر مسجداً داخله قبر، وهذه نعمة كبيرة ومؤشر كبير لنشر التوحيد هناك. * الناس عموماً على الفطرة وإن كان ظاهرهم الإعراض عن الإسلام، فالمرأة المتبرجة لم تتعر عناداً أو عصياناً كالمرأة في البلاد العربية، لا ولكن جهلاً منها فمتى عرفت شيئاً بادرت إلى تطبيقه، وإذا دخلت المحلات التجارية - وكل البائعات فيها نساء - فإذا رأتنا المرأة استغربت الشكل: فسألت صاحبي: عربستان؟ أي من العرب. قال نعم ومن المدينة النبوية فتشهق فرحاً وشوقاً إلى تلك الديار، وتقديراً لنا تضع يدها على صدرها، ثم تتنهد تنهداً عظيماً وتزفر زفرة قوية، توضح شوقها وحبها إلى ديار الإسلام وأهله. ولقد سكنت في فندق في مدينة تشاوز من دولة تركمانستان، فلما علمت مسؤولة الفندق أننا من البلاد العربية طلبت منا مصحفاً وكان طلبها في نظرها من أشباه المستحيلات، فأعطيتها مصحفاً ففرحت فرحاً شديداً أبكاها ووضعته على رأسها، ثم أخذت بتقبيله قائلة: أنا أملك مصحفاً! ثم ذهبت إلى مكتبتها ووضعته في أعلى مكان منه متمنية سرعة انتهاء دوامها حتى تذهب به إلى بيتها. فالناس هناك على الفطرة، فطرة الله التي فطر الناس عليها: حب للإسلام وحب للعرب خاصة، لأنهم هم الذين حملوا الإسلام إليهم. ٣- ترابط الأسرة، وقيام المرأة بشأن بيتها، وقوامة الرجل على أهل بيته، فتجد البيت فيه الأب والأم والأولاد وزوجاتهم، والمرأة تقوم في شأن البيت كله: تطحن وتخبز وتطبخ وتنظف وتخيط الخ. ٤- الكرم وحسن الضيافة، أما كرمهم فلم أر أحداً أكرم للضيف منهم مع الفرح والسرور والابتهاج، فلا أتصور أحداً يذهب إلى تلك البلاد، وفيه خير ودين، ويعلم به المسلمون، يدفع شيئاً من جيبه لطعام أو شراب، وقد وصل الأمر إلى أننا أنكرنا عليهم بعض المبالغة في كرمهم. فإذا دعاك أحد إلى بيته فلا تتصور أنك ستطرق الباب عليه، فإن أهل البيت كلهم ينتظرونك عند الباب، فإذا دخلت البيت فمكانك أحسن المجالس، ولا يجلسون حتى تجلس، أما الطعام فمقدم لك قبل جلوسك ويأتيك الطعام من كل نوع ويقربون لك أحسنه وأطيبه، أما غسل اليدين قبل الطعام وبعده فيأتيك وأنت جالس مع المنديل، ولن تخرج من بيت الضيافة إلا ويهدون إليك شيئاً! والقصص في كرمهم كثيرة وأجتزئ منها قصتين تدلان على كرمهم وحسن ضيافتهم: الأولى: خرجنا من مدينة (طشقند) قرب الغروب وبعد مسيرة ثلاثين ميلاً غربت الشمس فقصدنا شخصاً يعرفه أحد المرافقين معنا ففرح لقدومنا فرحاً شديداً، وأدخلنا بيته على سرور منه وفرح وما هي إلا دقائق حتى قدم لنا الطعام، وما زال يقدم لنا أنواعاً من الأطعمة، فما استطعنا أن نوقف سيل الأطعمة إلا بالمناداة للصلاة، فلما أدينا الصلاة استأذنا في الخروج فبكى وطلب منا أن نبيت عنده، وقال: ما أكرمتكم، ثم أخذ بإلحاح علينا علنا ننام عنده فلما علم إصرارنا على المسير، قال: متى ترجعون إلى طشقند، فقلنا: بعد عشرة أيام، فلما قدمنا (طشقند) وجدناه واقفاً على باب الفندق صباحاً، فحاولت الحديث معه، لكنه لا يعرف العربية وسمى لي شخصاً ممن يصحبوننا يريد مقابلته فدخلت الفندق وبحثت عنه، فلم أجده فخرجت إليه وأخبرته وطلبت منه أن يدخل فأبى، فدخلت الفندق، وتصورت أنه سيذهب ولكنه بقي على باب الفندق حتى جاء صاحبه بعد العصر، فقال: لا بد من أن يزورني الضيوف الكرام، فقال له: إن سفرهم صباحاً ولا يستطيعون، فإذا معه بعض الهدايا من عسل مصفى - في إناء لا يقل وزنه عن خمسين كيلو غراماً- فأقنعه صاحبي أننا لا نستطيع حمله بسبب الجمارك وظننا أن الأمر انتهى إلى هذا، وبعد صلاة العشاء نزلت من الفندق فإذا بصاحبنا على بابه، فأدخلته غرفتي فبدأ يبكي: كيف نذهب ولم نزره، ثم أعطاني لباساً من ألبستهم وشيئاً من العسل يبلغ اثنين كيلوجرام، ولصاحبي مثل ذلك، فحاولت إقناعه بعدم أخذها وأننا قد ربطنا أمتعتنا فبكى، فأخذتها مجاملة له ثم خرج مودعاً باكياً. ولا تظن أخي الكريم أن هذا الرجل يتصور أننا أكرم الناس، لا فقد حج في العام الماضي ورأى من كرمنا أننا نبيع الماء للحجيج! ! الثانية: التقينا مع بعض زملائنا من أهل الرياض في مدينة (طشقند) فتجاذبنا وإياهم أطراف الحديث فذكروا أن لنا بعض ما شاهدوه من كرم الناس فقالوا: وجدنا رجلاً يزيد عمره على الأربعين في (طشقند) فقال: أود أن تزوروننا في قريتي، فأمي منذ زمن تريد أن ترى أحداً من أهل مكة أو المدينة، قلنا كم تبعد قريتك عن (طشقند) قال قرابة ستمائة من الكيلومترات، فقلنا له: إن شاء الله سنزورك، كعادتنا في كل من طلب منا الزيارة نسوف له، فإن حانت فرصة فعلنا، ولكن الرجل فهم منهم القبول فسافر إلى قريته ووصل إلى أمه ليلاً، وأخبرها الخبر، فأخذت تبكي من الفرح حتى الفجر وفي الصباح اشترت ضأناً بمبلغ ألفين روبل، - راتب أستاذ الجامعة عندهم ألف روبل - وذبحته وطبخته، فلما حان الظهر خرج كل أهل القرية ومعهم الأعلام والرايات إلى ظاهر القرية لاستقبال الضيوف ومعهم المرأة - فلما جاء العصر ولم يحضر الضيوف أمرت ولدها بأن يحضر طبيباً، خشية أن أحداً منهم قد مرض، ثم بقوا في انتظارهم حتى العشاء الآخرة، فقال الرجل لأمه نرجع، فقالت: لا إن رسول الله ﷺ واعد رجلاً فجلس ينتظره ثلاثة أيام، وأنا سأنتظرهم سبعاً، وبعد الإلحاح عليها خشية البرد رجعت إلى البيت على أن يسافر ابنها في طلب الضيوف، ولكن الضيوف سافروا إلى مدينة أخرى فهم في نظرهم لم يعقدوا موعداً معه، فخرج الرجل يبحث عنهم حتى وجدهم فقال لهم: أين الموعد؟ فقالوا: مستغربين، وهل واعدناك، فلما أخبرهم بانتظار الناس لهم رجعوا معه، فوجدوا الناس في انتظارهم في ظاهر القرية ومعهم الرايات، قالوا: فلما رأونا رفعوا أصواتهم بالتكبير، وأسرعت المرأة وأكبت عليهم تريد تقبيل أيديهم، فابتعدوا عنها، ثم أكبت على أقدامهم تقبلها، فلما دخلوا القرية وجدوا طريقهم قد فرش حتى البيت، قالوا: فلما جلسنا على الطعام والعجوز قريباً منا وهي تبكي فرحاً حتى خشينا عليها من التشنج، فلما أكلوا أحضرت لهم الماء بنفسها للتغسيل ومعها المنديل وأبت أن يأخذه أحد منها، قالوا: ثم ذهبنا إلى المسجد فإذا الناس مجتمعون فيه فأخذ الصغار بالتكبير والكبار بالبكاء عند مرآنا هذا والقصص في كرمهم كثيرة، ولكن ذكرت هاتين القصتين للتدليل فقط. الأدب الإسلامي وحسن الخلق: شباب عاشوا في جو الإلحاد والضياع ولكن أدب الإسلام وأخلاقه باد عليهم، فالشاب مثلاً لا يمكن أن يمد رجليه بين يديك، بل ولا يجلس متربعاً، وإنما جلسته أمامك كجلسة التشهد، أما إن طلبت منه أن يقرأ عليك شيئاً من القرآن، فاليدان على الفخذين، والرأس مطأطئ والبصر في حجره. لا يتقدم الصغير على الكبير ولا يتكلم الولد بحضرة والده إلا بإذنه، ولا يعمل الوالد مع وجود ولده، يسود بينهم الإيثار والاحترام المتبادل، يرقبون حركتك بعين التقدير والاحترام، فإن أردت القيام قاموا جميعاً ليقدموا لك ما تريد. الصبر والجلد والغربة في طلب العمل: وقد ذكرت سابقاً شيئاً من صبرهم وجلدهم وتحملهم في طلب العلم وتحصيله، ولقد زرت قرية (طبق سه) وهي تبعد عن طشقند قرابة ستين كيلومتراً، فدخلت مدرسة فيها أكثر من سبعين طالباً أعمارهم ما بين الثانية عشرة إلى العشرين، وكلهم غرباء، قدموا من مسافات بعيدة للتعلم، وكانوا على مستوى متقارب من حيث الفهم والمقصد والأهداف، تسود بينهم المحبة والإخوة والإيثار، يخدمون أنفسهم فهم الذين يطبخون ويغسلون وينظفون. وقد قمت بمقابلتهم واحداً واحداً، وكان منهم شاب عمره ست عشرة سنة قدم من سيبيريا، وهي تبعد عن مكان المدرسة أكثر من ألف كيلومتر، فقلت له: لماذا تركت أهلك وقدمت إلى هذا المكان؟ قال: لطلب الدين! ! فقلت له: متى تزور أهلك قال: في الصيف أذهب إلى الأهل. سبحان الله شاب بهذا العمر ويعيش في جو الإلحاد والضلال ثم يتغرب مسافات شاسعة مفارقاً الأهل والخلان والوطن في طلب الدين. إن هذا المجتمع يحمل مقومات وخصال عظيمة ينبغي تنميتها وتربيتها وتوجيهها لخدمة الإسلام. احترام وإجلال أهل العلم: وهذه الخصلة الحميدة سائدة بين مختلف طبقاتهم وعلى تفاوت مستوياتهم في العلم والالتزام، فإذا قدم عليهم طالب علم أو مرّ بهم احترموه وقدروه وأفسحوا له الطريق. ولقد وقفت في الشارع أطلب سيارة فتوقف لي صاحب سيارة خاصة في وسط الطريق وكاد أن يتسبب في وقوع حادث، وقال لي: أنا موظف ذاهب إلى عملي ولكن لما رأيتك قلت هذا من العلماء فوقفت لك! ! وهذا الاحترام ليس خاصاً بالمدنيين فقط بل إنني وجدت حتى من العسكريين المسلمين تقديراً واحتراماً يفقده كثير من الناس عندنا اليوم، فما تمر في نقطة تفتيش مثلاً إلا وتجد أول ما يبادرونك به تحية الإسلام (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) ويعرضون عليك بإلحاح النزول عندهم.

стр. 1375

خطة فانس - أوين لتقسيم البوسنة: نموذج ابتلاع فلسطين يتكرر د. علي عبد الرحمن عواض عندما انطلقت الرصاصة الأولى في البوسنة معلنة بدء الحملة البشعة التي يشنها الصليبيون الصرب على مسلمي البوسنة-الهرسك صرح الرئيس الصربي بأن الجولة الثانية من معركة كوسوفو قد بدأت، مميطاً اللثام عن الأهداف الأصلية لحملة الإبادة التي يتعرض لها مسلمو البلقان. أخبار الجرائم ملأت الصحف، والتجاوزات فاقت كل حد، وصور التهجير والاعتقال والتعذيب وانتهاك الأعراض دخلت كل منزل، ومع هذا لم يستيقظ (الضمير العالمي) (إن كان هناك ما نسميه بالضمير العالمي) ولم تتحرك لها الغيرة الإسلامية إلا من رحم ربي.. ومن بين الركام ومن خلال دخان المعارك تأتي مبادرة فانس -أوين الأوربية لتضع البصمات الأخيرة على هذه المسرحية المأساوية التي لامست قلب كل مسلم غيور وتطلبت من المجتمع الدولي - والأوربي خاصة - أن يتحرك (لإيجاد حل للمشكلة ... فكان اقتراح فانس - أوين) . الحل الأوربي: يدعو الجزء الأول من مشروع السلام (فانس -أوين) الأوربي إلى تقسيم جمهورية البوسنة-الهرسك على أساس الأرض والسلطة بين المسلمين والكروات (الكاثوليك) والصرب (الأرثوذكس) بحيث يحصل: * المسلمون والذين (كانوا) يشكلون أكثر من ٤٥% من السكان على٢٥% فقط من أرض الجمهورية والتي تضم ٣ أقاليم صغيرة متفرقة. * الصرب والذين هم ٣١% من السكان على ٤٣% من الأرض في ثلاث أقاليم كبيرة الجزء الأكبر منها محاذ لجمهوريتي صربيا والجبل الأسود، والمقاطعة الأخرى الشاسعة محاذية للجزء الصربي المحتل من كرواتيا (المليشيات الصربية تسيطر على ٣٠% من كرواتيا وتعتبر أراض صربية وقد أعلنوا فيها دولة كرواتيا الصربية العام الماضي. * ويحصل الكروات (وهم ١٧ % من السكان) على حوالي ٢٠% من أرض البوسنة ومعظمها في الهرسك (الجزء الجنوني الغربي للجمهورية) وجزء في شمال البلاد محاذ لكرواتيا، وذلك على شكل مقاطعتين. * وتترك سراييفو والمناطق المحاذية لها (كمقاطعتين) مناطق ذات سيادة وسيطرة مشتركة. موقف الأطراف: بالرغم من الضغوط المتزايدة على حكومة البوسنة للقبول بخطة فانس -أوين (وصلت إلى حد تهديد قادة المسلمين بعقوبات يتخذها مجلس الأمن إذا لم يوافقوا على الخطة) فقد رفض المسلمون خطة التقسيم هذه. كما أن الصرب لم يوافقوا عليها فيما أسرع الكروات إلى توقيع الاتفاق في بنوده الثلاث. المسلمون: أعلنوا أنهم لن يوافقوا على الخطة للأسباب التالية: ١- أنها تكافئ المعتدي وتزيد من محنة الضحية. فقد اقترحت الخطة أن تبقى سيطرة الصرب على جزء كبير من الأراضي التي احتلوها وأجلوا عنها سكانها وأصبحت تحت سيطرتهم وبهذا يكون من حصتهم في الخريطة مثل مناطق إسلامية كمدينة بريجيدور والتي تحدثت وسائل الإعلام عن مجزرة أرقام ضحاياها وصلت إلى آلاف القتلى من المسلمين عندما احتلتها المليشيات الصربية (التشتنك) كما تعطيهم مناطق ذات غالبية إسلامية ككلوج وسانسكي، وهذه المناطق المحتلة يطالب القادة المسلمين بعودتها إلى مقاطعة بيهاك ليتسنى للمهجرين المسلمين العودة إليها فيما بعد ... قبولنا بهذا الأمر يعني أن لا أمل لمئات الآلاف من المسلمين بالعودة إلى بيوتهم (كما يقول الرئيس علي عزت بيكوفيتش) . ٢- أنها لا تتضمن الموقف الدولي والمحلي من التحكم في الأسلحة الثقيلة للصرب مما يعني استمرار التهديد والخطر. ٣- أنها لا تعطي للأقليات حصصاً متساوية تتناسب مع نسبتهم العددية. ٤- أن الخطة لا تحدد شكلاً متماسكاً للجمهورية، حيث إنها تقترح تقسيماً لا يمكن معه إيجاد ترابط عملي بين مختلف الأطراف من جهة وبين مناطق المسلمين من جهة أخرى. مما يعني نهاية البوسنة-الهرسك كدولة. الصرب: مع أن الخريطة تعطيهم معظم المناطق التي احتلوها ونسبة أعلى من نسبتهم العددية في الأرض إلا أنهم سارعوا إلى رفضها ثم التراجع واقتراح إجراء استفتاء بين الصرب على الخريطة. وبهذا فهم يربحون الوقت الذي ... يحتاجون لتمكين سيطرتهم وإنهاء عملية الجلاء القسري لجميع السكان غير الصربيين بوسائل قمعية وإجرامية أصبحت معروفة لدى الجميع. وقد وافق الرئيس الصربي ميلوزفيتش على الخطة لأنها بهذا تعتبر الخطوة الأولى والأساسية من خطط تفكيك البوسنة وانهيارها وتحويل مسلميها إلى أقليات تعيش في مقاطعات صغيرة محدودة ضمن امتداد صربي واسع. والأخطر من ذلك أن قادة الصرب أنفسهم أعلنوا جهاراً أن قبولهم لخطة فانس -أوين ليس نهائياً وأنهم سوف يستمرون في العمل لهدفهم الأكبر وأنهم لم ولن يتخلوا عن فكرة إقامة (صربيا الكبرى) وذلك بضم الأراضي التي يسيطرون عليها ... في البوسنة وكرواتيا لأرض جمهورية يوغسلافيا (صربيا والجبل الأسود) . و (صربيا الكبرى) هي الدولة التي يطمح الصرب لإقامتها آملين أن تعيد أمجاد الدولة ... الصربية الأرثوذكسية القديمة والتي دحرتها جيوش المجاهدين في دولة الخلافة العثمانية. كما أن الصرب يرون أن عليهم الآن - وهذا ما صرحوا به - تغيير تكتيك إنشاء هذه الدولة، من العمل العسكري في الفترة الراهنة لأسباب استراتيجية تتمثل بالظروف الدولية المناهضة للصرب. ولعل كلمات الجزار الصربي كاراجيتش (زعيم صرب البوسنة) يختصر الموقف: (علينا أن نكتفي الآن بما يمكن تحقيقه مع خلق الشروط للحصول غداً على ما يصبح ممكناً) ، ويؤكد ذلك مستشاره في نفس المؤتمر الصحفي الذي عقد في جنيف بتاريخ ٢٨/١/١٩٩٣ والذي قال فيه: (إن الصرب بدأوا اتباع سياسة براغماتية دون التخلي عن أهدافهم الكبرى) [١] . ... الكروات: وهم الرابح الأول من تقسيم البلاد. فقد وافقوا مباشرة على الخطة وخريطة التقسيم حيث إنها تعطيهم أكثر من ٢٠% من الأراضي في جمهورية البوسنة-الهرسك وذلك للأسباب التالية: ١- إنها تعطيهم أرضاً أكبر من نسبتهم السكانية، وبهذا فالخطة تعوض كرواتيا عن الأراضي التي يحتلها الصرب في مقاطعة كرايينا في كرواتيا حيث يقيمون دولتهم الصربية عليها. ٢- إنها تعطيهم مقاطعات محاذية لكرواتيا حيث إنها امتداد جغرافي لكرواتيا مما يعني سهولة ضمها لدولة كرواتيا (الكبرى) . كما أن هذه المناطق كانت قد أعلنت من قبل الكروات دولة كرواتية ويتم فيها التعامل بالنقد الكرواتي. ٣- يعتبر الكروات أن التقسيم الحالي يجعل من مناطق المسلمين حاجزاً طبيعياً جغرافياً-سكانياً بين الصرب والكروات في مناطق كثيرة. وبهذا يأمن الكروات مكر اعتداء صربي مفاجئ على أراضيهم. ملاحظات على الخطة - الخريطة: هناك عدة نقاط يتفق المراقبون على أن خطة فانس -أوين قد تميزت بها خاصة وأنها تمر عبر أروقة الأمم المتحدة: - أنها سابقة في تاريخ الأمم المتحدة أن توافق على تقسيم دولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة. لأن هذا يفتح الباب لسيل من المشاكل العالقة بين الدول. - يقوم هذا التقسيم بتفكيك أراضي البوسنة-الهرسك فقط وتوزيعها على الأطراف الثلاثة دون النظر إطلاقاً إلى جذور المشكلة أو النظر في أوضاع الأقليات في الدول الأخرى لدول يوغسلافيا السابقة - خاصة المسلمين في صربيا - مما يعني أن سيناريو البوسنة-الهرسك سيتجدد في المناطق الأخرى إذا ما حاول مسلمو هذه المناطق رفع رؤوسهم والمطالبة بحقوقهم المشروعة وبالأخص مسلمو السنجق (والذي تتقاسمه كل من صربيا والجبل الأسود وهي مقاطعة ذات أغلبية إسلامية) وكوسوفو هذه المقاطعة الكبرى ذات الغالبية الإسلامية الساحقة (تصل إلى ٩٢ % من السكان) والتي تعاني ظلماً وقمعاً صربياً شديداً وتطالب هذه المقاطعة بحق الحكم الذاتي. والصرب شديدو التمسك بهذه المقاطعة لأسباب استراتيجية وتاريخية وهم لا يرضون حتى بالحديث عن حقوق سكان كوسوفو، ويرابط في المنطقة ١٢٠ ألف جندي صربي يقومون بفرض الأمر الواقع وسياسة الحكومة الصربية المركزية. يقول رئيس صربيا ميلوزوفيتش إن (كوسوفو هي قلب الصرب، وإذا أراد ... الألبان (المسلمون) الأمان فعليهم أن يكفوا عن محاولات الانفصال، ومن لا يريد العيش مع الصرب عليه أن يرحل عن كوسوفو) [٢] . وهذه السياسة ليست حكراً على قادة الصرب المتطرفين بل هي مسلَّمات القادة الصربيين جميعاً.. فمثلاً فوك دارسكوفك زعيم (حركة التجديد الصربي) والذي يعتبر معتدلاً وصديقاً للغرب صرح أنه (لن يتنازل أبداً عن كوسوفو) كما أنه: ... (لن يهمل إخوانه الصرب أصحاب الحق التاريخي داخل البوسنة وفي مقاطعة كرايينا في كرواتيا) [٣] . وهذا يعني أنه حتى لو تغيرت السياسة الصربية الحالية فستكون بنفس الاتجاه من ناحية قضايا الأقليات المسلمة في صربيا. كما أن الخارطة تغطي - ولا تحل - مشاكل الأقليات الأخرى ضمن دول يوغسلافيا مما قد يؤدي إلى خلاف أوسع في حال انتقلت الشرارة إلى مناطق أخرى في المنطقة. الموقف الأمريكي: أما الموقف الذي يثير الانتباه فهو موقف الأمريكيين الذين أعلنوا (أنهم لن يرضوا بالخطة لأنها تكافئ المعتدي وتظلم الضحية وهم المسلمون) ، وهم (لن يوافقوا على خطة يرفضها أي من أطراف النزاع) . فلماذا هذه الغيرة على حقوق المسلمين من أمريكا في الوقت الذي لم تكن استجابة (الأخوة المسلمين) على المستوى المطلوب. إن الموقف الذي اتخذته الحكومة الأمريكية ظاهره فيه انحياز واضح للجانب البوسني؛ وباطنه فيه المصلحة الأمريكية-الأوربية المغلفة بشتى الشعارات البراقة. فقد انتقدت إدارة الرئيس الأمريكي مبادرة فانس -أوين ووعدت بمبادرة أمريكية تكون أقرب إلى إرضاء الأطراف المتنازعة من الخطة الأوربية. أمريكا بمعارضتها للخطة تقف في وجه الإجماع الأوربي متمثلاً بموافقة فرنسا، ألمانيا وبريطانيا على الخطة، كما أنها تعارض الحليف التاريخي والأول لصربيا وهي روسيا (الأخ التاريخي العقائدي للصرب الأرثوذكس) والتي صرحت بأنها لن ترضى بأي تدخل عسكري ضد صربيا، وستعمل على تخفيف أو إزالة العقوبات عن صربيا. كما أنها تواجه الأمم المتحدة التي استحسنت الخطة ووافقت عليها. فلماذا يقف الأمريكيون بقوة في هذه المرة مع (الحق الإسلامي) وفي هذه ... المرحلة؟ ! يرى المراقبون أن دول الغرب تلعب الدور الذي طالما برعت فيه في التعامل مع قضايا المسلمين، فتتوزع الأدوار بين الأقطاب الكبرى الثلاثة بريطانيا، فرنسا وأمريكا. فعندما توافق الأولى وتتمهل الثانية وتعارض الثالثة تكون مرجعية المسلمين لإحدى هذه الدول الثلاث، وآمالهم لا تتجاوز ما توافق عليه إحدى هذه الدول، كما هو حاصل الآن حيث أن (الأمل) البوسني الوحيد هو في (العناد) الأمريكي وموقفه (الحازم) من قضية (مكافأة المعتدي) . وهذا النموذج رأيناه ... واضحاً في قضية المفاوضات العربية-الإسرائيلية حيث كانت هذه الدول تتبادل الأدوار في (التحدث إلى المنظمة) أو (الأرض مقابل السلام) .. ... ويبقى السؤل المطروح: ما هي مصلحة الأمريكيين في الإبقاء على البوسنة وبالمقدار الممكن كدولة متماسكة. الاحتمال الأول: وهو البعد الاستراتيجي لسياسة (موقع القدم) الذي تمارسه ... الدول الكبرى من خلال الدول الصغرى في مختلف مناطق العالم، فالمعروف تاريخياً أن الكروات هم (أذناب) الألمان في منطقة البلقان وصديقهم التاريخي، وهذا ما يفسر الموقف الألماني المتشدد مطلع عام ١٩٩٢ للاعتراف بكرواتيا، (وفرض) الاعتراف بها على بقية الدول الأوربية، وروسيا لا تجد لها منافساً في ... صربيا والتي تأخذ معظم دعمها العسكري الاقتصادي.. والسياسي منها (حتى أن التلفزيون الصربي عرض إلى جانب مئات المتطوعين الروس الذين جاؤوا للقتال إلى جانب الصرب، ٤ جنرالات من الجيش الروسي يقومون بتنسيق العمليات العسكرية في البوسنة والهرسك وكرواتيا) . لذا تجد الولايات المتحدة نفسها أمام خيار واحد في المنطقة وهو دعم الجانب البوسني. الاحتمال الآخر: وهو لا يتعارض مع الاحتمال الأول، وهو أن الأمريكيين يريدون دائماً أن يظهروا بمظهر رجل السلام المحب للخير الذي يساعد الضعيف والمغلوب على أمره - وهم هنا البوسنيون - كما أن في ذلك تحقيقاً جزئياً لمئات الوعود البراقة التي تخللتها حملة الرئيس كلنتون الانتخابية بأنه سيتحرك لإنقاذ (المظلومين) في البوسنة إذا ما وصل إلى سدة الرئاسة. جانب آخر من المعادلة هو أن الأمريكيين عندما يُقربون منهم (الحكومة البوسنية) فهم بهذا يتعاملون مع (الشرعية البوسنية) . الأمر الذي تهتم به دائماً ... ... الإدارة الأمريكية لتسهيل تمرير ما تريده من قرارات في الأمم المتحدة ومجلس الأمن (وإن كانت أمريكا لا تصاب بوجع رأس عندما تقرر تمرير قرارات ما في هذه المجالس) . إلا أن الحل الأمريكي القادم سوف يأخذ بعين الاعتبار التالي: - إرادة وقرار السوق الأوربية المشتركة، حيث إن (يوغسلافيا) تبقى دولة ... أوربية وأية نتائج للصراع فيها يظهر تأثيره المباشر في أوربا، خاصة وأنها تحد دولاً أعضاء دائمين في مجلس الأمن (فرنسا) . - الإرادة الروسية والتي تحاول أن تكشر عن أنيابها في الفترة الأخيرة خاصة بعد أن خاب ظنها بالمساعدات الأمريكية لتحسين الاقتصاد الروسي. كما أنها (غير راضية عن التفرد بالقرارات العسكرية الأمريكية في كثير من مناطق العالم) كما صرح وزير خارجيتها - الواقع العسكري على الأرض والذي لا يصب في مصلحة (الشرعية البوسنية) في الوقت الحاضر. - الحيلولة دون قيام دولة إسلامية / أو لنقل ذات غالبية يمكنها أن تتخذ قراراً يساهم في صنع القرار الإسلامي الدولي خاصة وأن بوادر الصحوة الإسلامية في العالم أخذت تظهر بين مسلمي الأقليات في مناطق أوربا الشرقية. هذا الأمر حذر منه القادة الأوربيون: (لن أسمح بقيام دولة أصولية إسلامية في أوربا) [٤] ، و (أحذر أوربا والعالم من طموحات الأصولية الإسلامية في البوسنة) [٥] . ... - البقاء على فرضية أن الحل يجب أن يكون أمريكياً وأن القرار الذي لا توافق عليه الإدارة الأمريكية لن يكون سارياً. وقد ساهمت الصحف والإعلام الأمريكي في حملة الإدارة الامريكية على خطة فانس -أوين ووصفها بـ (السطحية) و (الغباء) .. وما إلى هناك من عبارات الحط منها. وقد أسماها أحد مساعدي كلنتون: أنها (قد صيغت بعقلية الإمبريالية البريطانية القديمة، وأن تقسيم الهند وفلسطين وأفريقيا تعود للذاكرة عند قراءة مقترحات المستر أوين) [٦] . كلمة أخيرة: والواضح أن الخريطة الأوربية (الجديدة) للبوسنة لا تحل المشكلة بل تؤجل الجولة الثانية منها، وكما يقول المراقبون فإن (الفيدرالية اليوغسلافية القديمة كانت أشبه ما تكون بمجسم يختصر التكوين الفسيفسائي لمنطقة البلقان بأسرها. وبدورها كانت جمهورية البوسنة-الهرسك مجسماً صغيراً يختصر كل ما في يوغسلافيا من تعددية أثنية ومشاكل سياسية واجتماعية وعرقية. فالبوسنة تختزل الإشكالية البلقانية بوجوهها المتعددة. والصراع الدائر حالياً على أرضها هو بمثابة -مختبر للمنطقة كلها وفي ضوء النتائج التي سيتمخض عنها سيتحدد مصير عدد من بؤر التوتر الكائنة في يوغسلافيا وغيرها من دول المنطقة) [٧] . إن أي نجاح في فرض أي خريطة جديدة للبوسنة تقوم على تقسيمها مكافاة الصرب وتكريس اعتداءاتهم وحرمان المستضعف من حقوقه التاريخية؛ سوف يغري ويشجع على إشعال حروب وخلق مناطق نزاع جديدة في أماكن متعددة من أوربا - وغيرها - قد تتطور إلى جزء يتدخل فيه أكثر من بلد في هذا الصراع خاصة إذا كانت المعارك بين دول أقوى وصاحبة ارتباطات وتحالفات أوسع. والمناطق المرشحة لذلك أكثر من أن تحصى خاصة في منطقة البلقان. يبدو أن المسلمين في البوسنة بدأوا يستوعبون ضراوة المحن والمؤامرات الدولية والغربية عليهم، يدركون أن المقاومة المسلحة والحسم العسكري القوي كفيل بترجيح الكفة وإخلال الموازين لصالحهم وإثبات الهوية الإسلامية ليس كأقلية عرقية ولكن كدولة ذات كيان وهوية إسلامية على الرغم من مؤامرات الصليبين الحاقدة. وفي هذا الإطار ظهرت المعارك الأخيرة في شرق البوسنة وعلى المناطق الحدودية مع الصرب بالقرب من نهر ديرنا (الفاصل بين البوسنة وصربيا) حيث حققت القوات الإسلامية نجاحاً ملحوظاً وتكبدت القوات الصربية خسائر كبيرة في الرجال والعتاد اعترفت به إذاعاتهم. وكانت أشد المعارك ضراوة تلك التي شهدتها منطقة شيلات الحدودية مع صربيا. كما أن منطقة سد بروكاي الذي تسيطر عليه القوات الإسلامية وتهدد بتفجيره مما يهدد نصف المناطق الصربية بالزوال. من البوسنة إلى فلسطين أوردت وكالات الأنباء والصحف العالمية خبر وصول حوالي مئة لاجئ بوسني مسلم إلى فلسطين المحتلة نهار الأربعاء ١٧/٢/١٩٩٣ في محاولة من السلطات الإسرائيلية لتحسين صورتها أمام المجتمع الدولي.

стр. 1376

التطورات الأخيرة في الفلبين د. مالك الأحمد رغم البعد الجغرافي للفلبين عن البلاد العربية، فإن دخول الإسلام فيها قديم، وله عدة قرون عن طريق التجار والدعاة المسلمين، ومنذ دخول الأسبان للجزيرة فإنهم ما فتئوا يحاولون طمس الوجود الإسلامي في تلك الجزر فضلاً عن تنصير شعوبها، وورث الأمريكان المنطقة حيث ضموا قسراً مناطق المسلمين إلى الدولة النصرانية الوليدة وتعاقبت على المسلمين حكومات الظلم والاضطهاد، ثم محاولات الإبادة الكاملة في عهد المجرم ماركوس، نشأت على أثر ذلك منظمتان للمقاومة الأولى هي جبهة تحرير مورو الوطنية برئاسة نور مسواري، والثانية جبهة تحرير مورو الإسلامية برئاسة سلامات هاشم، والأولى ذات توجه وطني علماني والثانية إسلامية التوجه (انشقت عن الأولى إثر تغير توجهاتها) ، تلا ذلك مفاوضات بين الأولى وحكومة ماركوس على أساس إعطاء حكم ذاتي للمسلمين في مناطقهم، ورغم ذلك لم يلتزم ماركوس بها واستمرت حركة الجهاد في عهد أكينو التي أعطت المسلمين الكثير من الوعود دون تنفيذ شيء منها، وهي وإن قابلت الكثير من المشكلات أثناء حكمها فإن المسلمين لم يسلموا من أذى جيشها وتحرشاته بهم. وأخيراً اعتلى الحكم راموس والذي ترقى في عهد ماركوس من قائد للشرطة العسكرية، فنائب لرئيس الأركان، فوزير للدفاع، وهو الذي حمى أكينو ونظامها من السقوط أمام حركات التمرد من بعض قطاعات الجيش فوثقت به ودعمته في الانتخابات. وهو ذو تاريخ قذر مع المسلمين فهو الذي أنشأ منظمة (إيلاجا) الإرهابية في عام ١٩٧٠ م والتي قامت بأبشع المجازر ضد المسلمين وقامت بإتلاف المزارع وتدمير البيوت والمساجد وتشريد الكثير من المسلمين من مناطقهم وتوطين النصارى مكانهم، ثم شارك الجيش عندما تحرك المسلمون لحماية أنفسهم واشترك في عمليات إبادة كاملة للمسلمين بتوجيهات من ماركوس ووزير دفاعه راموس. التطورات الأخيرة: تتطور الأحداث بشكل سريع في الأشهر الأخيرة بعد تسلم راموس الحكم، والذي نجح بفضل الدعم الأمريكي على وجه الخصوص، ويظهر أن من أولوياته القضاء على الوجود الإسلامي في الفلبين وتظهر بوادره في التالي: - الحرص على إحياء منظمة إيلاجا الإرهابية والتي تسربت أنباؤها فضلاً عن تسليح النصارى القاطنين في مناطق المسلمين. - الحشود العسكرية المتوالية والأنباء تذكر حشد ما يقارب المائة ألف جندي بآلياتهم الثقيلة لمواجهة المسلمين المجاهدين في الجنوب، إضافة للغارات الجوية على مركز قاعدة المجاهدين (قاعدة أبي بكر الصديق) مع الاستعداد لحصار عسكري اقتصادي على مناطق المجاهدين وبدأ فعلياً حصار بعض القواعد للمجاهدين. - توحيد صف الحكومة وتوجيه عدائها للمسلمين، بدأ راموس بالعفو عن جميع الجنود الذين شاركوا في تمردات سابقة ضد الحكومة، وتوثيق الصلة بالمعارضين والاستعداد للاعتراف بالشيوعيين كحزب رسمي في البلاد في حال إلقائهم السلاح. - الحرب الإعلامية ضد المجاهدين، حيث التعتيم الإعلامي على عملياتهم من جهة، وتشويه صورتهم من جهة أخرى واتهامهم بالإرهاب والتعامل مع بلدان خارجية، فضلاً عن الحرب النفسية بالتخيير بين العفو العام (الاستسلام) أو الحرب الشرسة، ومحاولة استرضاء مسواري والتفاوض معه لشق صف المسلمين وإضعاف كلمتهم. - الاستعداد لعمليات مستقبلية عن طريق تهيئة القوات الخاصة لعمليات متقدمة ضد المجاهدين مستعيناً بخبرات اليهود الذين جاؤوا كخبراء في مكافحة الإرهاب. - مراقبة الجمعيات والشخصيات الإسلامية، والتضييق عليهم وتجنيد المرتزقة والجواسيس للعمليات الدنيئة ضدهم. وهذه التطورات تنبئ بخطة خبيثة للقضاء على المجاهدين من جبهة تحرير مورو الإسلامية والقضاء على الوجود الإسلامي في المنطقة أسوة بما يحدث للمسلمين في ديار أخرى كالبوسنة والهرسك، وقد آن الأوان ليدرك المسلمون هذه العداوة من النصارى فضلاً عن اليهود [ولَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ ولا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ] . والمسلمون اليوم في الفلبين تحت قيادة جبهة تحرير مورو الإسلامية في حاجة ماسة للمساعدة (ومن جهز غازياً فقد غزا) ، وهم على ثغرة هامة وجهودهم ملموسة، فقد أسلم آلاف الوثنيين على أيديهم، ولهم جهود طيبة في التعليم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أوساط المسلمين فضلاً عن هدفهم الأساسي في إقامة الحكم الإسلامي عن طريق الجهاد في سبيل الله.

стр. 1377

المسلمون في أوربا المسلمون في «ويلز» بين الأمس واليوم ب. م. ناصر يرمز ميناء كرديف في ويلز إلى فترة ذهبية تاريخها كان ينبض خلالها بالنشاط والحركة، وقد لفت انتباهي في أحد الأيام جماعة من الرجال يشقون طريقهم نحو منطقة الشحن في الميناء وعلى رؤوسهم طاقيات بيضاء مزركشة، توجهت نحوهم، بدأتهم بالسلام، فردوا علي التحية، وعرفت من الحديث إليهم أنهم من اليمن، وأنهم جاءوا إلى ويلز بعد الحرب العالمية الثانية، فاستثار ذلك فيّ رغبة شديدة للتحري عن وجود المسلمين في ويلز عموماً وكارديف خاصة باعتبار أنها تحتوي أكبر تجمع للمسلمين. نبذة عن بلاد الغال «ويلز» : تشكل ويلز حوالي ثمن مساحة المملكة المتحدة ويصل عدد سكانها حسب إحصائيات عام ١٩٩٠ إلى ثلاثة ملايين. ويعتمد السكان عموماً على الزراعة في المناطق الداخلية والصيد البحري والتجارة على ضفاف المناطق الساحلية. وأهم الصناعات المنتشرة في ويلز هي الصناعات الميكانيكية من سيارات وغيرها، وصناعات الكترونية، وصناعات الحديد والصلب.. وتدر الصناعة على الإقليم أرباحاً طائلة خاصة بعد تركز عدد كبير من الشركات اليابانية في المنطقة. نبذة تاريخية عن المسلمين في ويلز: مع دخول العقد الثاني للقرن العشرين بدأ وصول الأعداد الأولى من المسلمين من موطنهم الأصلي اليمن كبحارة في الأسطول الملكي البريطاني، ثم توالى مجيئهم بأعداد غفيرة بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية. وقد رافق دخول اليمنيين إلى بريطانيا عموماً وموانئ ويلز خصوصاً الهجرات الأولى من الصومال في الثلاثينيات من القرن الجاري. وبعد الحرب العالمية الثانية توافدت إلى بريطانيا أعداد غفيرة من المسلمين الباكستانيين والهنود والبنغاليين حتى أصبحوا في مطلع الستينيات يعادلون مع الجالية اليمينة ثم تجاوزوها مع انتهاء السبعينيات. يبلغ عدد المسلمين في ويلز ما يقارب على اثني عشر ألف نسمة أكثر من ٧٠ % منهم في مدينة كارديف، ويتوزع الباقي على مدن نيوبورت بنسبة حوالي ١٥%، وسوانزي ١٠%، ويتوزع الباقي على مدن ويلز الأخرى.. ويتوزع المسلمون في مدينة كارديف في المناطق الداخلية ويشكل المسلمون الباكستانيون والبنغاليون ما يقرب من ٥٥%، واليمنيون حوالي ٣٥%، والصوماليون حوالي ٧%، كما يوجد عدد لا بأس به من الطلبة المسلمين من المملكة العربية السعودية وماليزيا وليبيا. أهم المرافق والمؤسسات الدينية: يوجد في ويلز ما يزيد عن ١٥ مسجداً، عشرة منها في مدينة كارديف، منها مسجدان للطلبة، ومسجدان لجماعة التبليغ، ومسجدان للبنغاليين، ومسجد للطائفة البهائية المنحرفة، وآخر للقاديانية، ومسجد لليمنيين ومسجد آخر هو من أقدم المساجد في ويلز وثاني مسجد في بريطانيا وهو تحت الترميم. وفي مدينة نيوبورت يوجد مسجد لأهل السنة وآخر للشيعة، وكذلك في مدينة سوانزي يوجد مسجد لأهل السنة وآخر للشيعة. ويرجع أول مسجد من حيث النشأة إلى زاوية على الطريقة الصوفية أنشأها اليمنيون الأوائل لدى وصولهم إلى بريطانيا يمارسون فيها شعائرهم التعبدية ونمو وتزايد الحاجة تم إنشاء مسجد جامع هو أول مسجد في ويلز والثاني في بريطانيا وذلك عام ١٩٣١، وعندما قدم الباكستانيون والبنغاليون أنشؤوا بدورهم مساجد صغيرة في مختلف مناطق ويلز التي تركزوا بها. الإمكانيات الاقتصادية للمسلمين في ويلز: إذا تتبعنا الأصول العرقية التي جاء منها المسلمون في ويلز أمكننا أن نعدد مصادر الحياة الاقتصادية التي يرتزقون منها، فمنذ بدايات القرن الجاري كان المسلمون الأوائل الذين استقروا بمدينة كارديف وغيرها يمتهنون إما الصيد البحري، أو العمل على متن سفن الأسطول التجاري البريطاني، مع وجود أقليات قليلة كانت تعمل في المناجم. أما بعد الحرب العالمية الثانية فقد توافد المسلمون الباكستانيون والبنغاليون والهنود وغيرهم واستقر هؤلاء في المدن الكبرى، حيث اشتغل أغلبهم في مصانع النسيج والحديد والصلب ومناجم الفحم التي كانت تشتهر بها ويلز كبعض المدن البريطانية الأخرى. وقد عرفت فترة الستينيات والسبعينيات في بريطانيا عموماً اتجاهاً حكومياً قوياً نحو التخلص أو التقليل من خطر مراكز الصناعة الكبرى التي تعتبر معاقل للاتحادات النقابية، شمل ذلك الاتجاه مناجم الفحم وصناعات الحديد والصلب والمرافئ البحرية، وعلى أثر ذلك وجد الكثير من المسلمين أنفسهم بدون عمل، وكان عليهم أن يجدوا مخرجاً لأنفسهم وإيجاد مصادر جديدة للرزق. وبذلك تنوعت اتجاهات المسلمين في هذا الشأن، حيث نجد أن المسلمين الباكستانيين اتجهوا نحو الاتجار في العقارات والبيوت، أو تسيير معاملات البقالة، ثم اتجه نشاط كثير منهم فأصبحوا يمتلكون الكثير من محلات الاتجار بالجملة. أما المسلمون البنغاليون فقد تركز نشاط أغلبهم في فتح مطاعم عبر أنحاء ويلز خاصة المدن الكبرى ككارديف ونيوبورت وسوانزي.. حيث لا تكاد شوارع كارديف مثلاً تخلو من مطعمين أو أكثر من مطاعم البنغاليين، أما الجالية اليمنية والصومالية فقد بقي أغلبهم يعتمدون على ما يقدمه الضمان الاجتماعي مع استثناءات هنا وهناك، واحتفظ بعضهم بمناصبهم في الموانئ، أما البعض الآخر فيعمل إما في مصالح البلدية المختلفة أو قطاع الخدمات العامة. الأنشطة الثقافية التي تقوم بها المساجد والمراكز الإسلامية: على الرغم من حالة المسلمين الاقتصادية في ويلز إلا أنهم ساهموا في شراء وبناء المساجد. فقبل عام ١٩٨٠ لم يكن هناك سوى أربعة أو خمسة مساجد، ارتفع هذا العدد خلال اثنتا عشرة سنة إلى حوالي عشرة مساجد أو أكثر وهذا في مدينة كارديف فقط. والدور الذي تقوم به بعض المراكز الإسلامية ينحصر أساساً في تنظيم الحلقات والدروس العلمية أسبوعياً، وبعض المحاضرات الشهرية التي تتناول قضايا ومواضيع شرعية، أو لتوعية المسلمين بواقعهم في مختلف أنحاء العالم زيادة على بعض الرحلات الثقافية والرياضية التي تنظم بين الفينة والأخرى، وإذا أردنا أن نتحدث بصراحة أكثر فإن أغلب الجالية المسلمة في ويلز عموماً وكارديف خاصة لم يجدوا من يوجههم ويحرك نوازع الخير في أنفسهم، وأن يجندوا نحو نشاط أفضل مما هم فيه من الخمول، نستثني من ذلك الجهد الذي يقوم به الإخوة الصوماليون كتكملة للجهود التي يقوم بها الطلاب المبتعثون للدراسة. وضعية التعليم والتربية الإسلامية: كما ذكرنا فإن الجالية الإسلامية بشكل عام تعيش في حالة جهل وعدم اكتراث ولذلك أهملوا تربية أبنائهم وقد قال لي أحد الشيوخ اليمنيين المسنين إن عدداً كبيراً من أبناء المسلمين المولودين في هذه البلاد ضاعوا في غمرة ودوامة الحضارة الغربية، وقطعت كل الأواصر والروابط التي تربط بينهم وبين الثقافة الإسلامية. وإذا علمنا أن نسبة نمو المسلمين السكاني يبلغ حوالي ٤. ٥% سنوياً وهي نسبة عالية جداً ومع مطلع سنة ٢٠٠٠ سيزيد عدد سكان المسلمين في ويلز إذا استمر على معدله الحالي بحوالي ٥٠٠٠ نسمة وأن نسبة الشباب ما بين ١٨-٢١ سنة تصل إلى ٤٠%، وهو يثير علامة استفهام كبيرة حول تربية هؤلاء تربية إسلامية، وتعليمها تعليماً إسلامياً يحول بينهم والانجراف وراء مغريات الحياة الغربية، بل وتجعل منهم نماذج حية عن التربية الإسلامية الصحيحة القويمة. الشيء الموجود في الوقت الحالي هي مدراس تعليم قراءة القرآن الكريم، ولكن أي تعليم، ومن يعلم من؟ إن هذه المدارس تقليدية في كل شيء وجامدة لا تريد تحديث أساليبها، والتعليم الذي تقدمه تجعل الشاب فيها يقرأ القرآن الكريم لا يفهم منه حرفاً، وكأن هؤلاء لم يمروا أبداً بقوله تعالى: [ولَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ] ، غير أنه هناك محاولات مشاريع لعلها بواكير خير في هذا الشأن ونذكر منها مؤسسة أمانة التربية والتعليم لجنوب ويلز التي أنشئت في الآونة الأخيرة، وتنوي فتح مدارس دائمة للأطفال متى سمحت بذلك الإمكانات المالية والتأهيل التربوي. إن وجود مؤسسة تتولى تعليم أبناء المسلمين في ويلز أمر لا بد منه وإلا فاتنا الأمر قبل أن نتداركه، ويضيع أبناء المسلمين وهم في غياهب المدارس والمؤسسات التعليمية الإنجليزية، التي تسعى إلى تنصيرهم أو تلحيدهم كما فعلت بالكثيرين. واقع الدعوة الإسلامية: إن الجهد الدعوي في أوساط غير المسلمين يكاد يكون منعدماً، عدا بعض المحاولات التي لا تزال في البداية من قبل أحد المراكز الإسلامية، وهي على ندرتها لا تلبي الطلب ولا تعفي الجميع من تحمل أعباء المسؤولية مع أن المسلمين هم أحوج الناس إلى الدعوة قبل غيرهم، إنهم في حاجة إلى أن تعمق صلتهم بالإسلام، وأن يفهموه كما فهمه السلف الصالح -عليهم رضوان الله-، وهم في حاجة قبل ذلك إلى أن يتعلموا الإسلام كما يتعلم الصبيان القراءة والكتاب والحساب، وليس هذا بالعجيب لمن عرف المستوى الذي وصل إليه المسلمون.. غير أن هذا لا يجب أن يؤول بنا إلى اليأس، بل أن نعقد النية على العمل لإصلاح المسلمين وتفقيههم بعون الله، ودعوة أهل هذه البلاد ولعلنا نقصر خلاصة ذلك في النقاط التالية: ١- العمل على إيجاد مؤسسة تتكفل بالنشاط الدعوي وتضع لذلك خطة دقيقة تشمل الجاليات المسلمة وغير المسلمين من أهل هذه البلاد. ٢- السعي نحو إعداد الدعاة المؤهلين بالعلم الشرعي الصحيح والقادرين على مخاطبة أهل البلاد بلسانهم. ٣- إعداد مطبوعات ومنشورات ... وتوزيعها على غير المسلمين والعمل على أن يكون المسلم محل انتباه هؤلاء بسلوكه الإسلامي وأخلاقه القويمة. ٤ - تنظيم المحاضرات والندوات خاصة في الوسط الطلابي وإثارة المواضيع حتى يصبح حديث العام والخاص ومحل الاهتمام. خلاصة عامة: إن ما نخلص إليه عقب هذا العرض هو أن الطلبة المسلمين المبتعثين إلى ويلز عليهم أن يقوموا بمسؤولياتهم وأن لا تكون دراستهم هي همهم فقط، ولكن أن يضحوا ببعض أوقاتهم وأموالهم في سبيل إحياء هذا الدين في قلوب المسلمين أولاً وبثه كنور يشع في قلوب أهل البلاد من غير المسلمين، وأن يعتبروا أنفسهم امتداداً للإسلام في أوطانهم، وهداة لكل تائه ونوراً لكل حائر. المراجع: ١- British Review of Statistic , Soutwales , ١٩٩٠ , British Statistic Board. ٢- The New Islamic Presence in Britain , by T. Gerham & Y. G. Litham. ٣- Muslims in Britain , by Dr. Darsh. ٤- Wales Geography , by T. Care.

стр. 1378

إدارة الحزم سمة القيادة الناجحة سامي سلمان قال الحكماء قديماً في الحزم: * الحزم أنفس الحظوظ. * رب رأي أنفع من مال، وحزم أوفى من رجال. * من لم يقدمه الحزم، أخره العجز. * الحزم يوجب السرور، والتغرير يوجب الندامة. وجماع كل هذا في معنى الحزم إذ أن لفظة الحزم تدل على القوة والاجتماع ويدخل في معناها حسن التصرف واتخاذ المواقف الواضحة بقوة وإصرار. والحازم هو الذي جمع زمام نفسه بقوة مواقفه وزمام الآخرين لحزم قيادته. يصف أحدهم شخصية القيادة الحازمة فيقول: إن القيادة الحازمة هي التي تحافظ على تفكير واضح ومنطقي رغم المتاعب وتبحث عن الحقيقة وتمسك بها بكل إصرار مهما كلف الأمر وتثبت في المأزق بكل صبر ولو انسحب الجميع من حولها وتحكم بدون تحيز لآرائها وتصرفاتها الشخصية وتعترف بأخطائها بكل صدق وأمانة. وتظهر هنا العلاقة بين القيادة الناجحة واتسامها بالحزم بوضوح إذ أن من أهم معاني القيادة القدرة على امتلاك زمام الأمور وهذا لا يتأتى للقيادة إلا بعد أمور كلها من معاني الجزم: أولها: القدرة على تسيير الأمور وقت الرخاء والشدة، فالرجل الضعيف المتخاذل لا يستطيع أن يقود أفراده ويوحد صفوفهم ويشد أواصرهم وقت الرخاء فكيف به وقت الشدة حيث تزداد الحاجة إلى الحزم والقوة. ثانياً: الوقوف أمام الأهواء فالرئيس الحازم لا تتلاعب به الأهواء ولا تتقاذفه الآراء فبحزمه يستطيع أن يضع الأمور في نصابها الصحيح دون أن يدع فرصة للأمور أن تتسيب أو تسير لتخدم غير المصلحة المناطة في عنقه، فهو وبحكمته وحزمه يسمع لذوي الحجة والمنطق الصحيح ويقف واضحاً حازماً أمام ذوي الأهواء مما يؤهله للسير بقافلته دون تعثر. ثالثاً: الوصول إلى الهدف ولو كان صعباً سمة الحازم فمعنى الإصرار لا يفترق عن معنى الحزم، إذ إن القائد الحازم الذي رسخ في نفوس مرؤوسيه ضرورة تحقيق الهدف، يجد نفسه في مقدمة من يصر ويسعى جاداً ليكون قدوة بحزمه وإصراره حتى يصل هو ومرؤوسوه إلى ما تطلعوا إليه وذلك خلاف القائد المتخاذل الذي ينقطع به الطريق في المنتصف. رابعاً: القدرة على اتخاذ القرار وتحديد الموقف الصحيح من أهم سمات القائد الحازم فهو لا يدع للشك والتردد سبيلاً إلى نفسه فإن حزمه يرفض ذلك وبشدة، إن من المهم دائماً أن لا يترك مرؤوسيه دون أن يعرفوا قراره أو موقفه في أمر ما لم يشر لهم شخصية تقودهم إلى سبل مختلفة ليست كالتي ينبغي أن يرسمها لهم قائدهم الحازم. خامساً: تحمل المسئولية وأعبائها يرتبط ارتباطاً وثيقاً بسمة القيادة الحازمة، إذ أن الحزم أول الطريق لا يعني شيئاً ولا يحقق أي منفعة إذا لم يترتب عليه الوصول إلى نهاية الطريق بكل تبعاتها وعندها يدرك المرؤوسون أن حزم قيادتهم ليس مجرد أزمة عابرة بل هي سمة متلازمة مع كونهم قادة بيدهم زمام الأمور. ويحضرني موقفان عظيمان يبرزان صفة الحزم في القيادة الناجحة: الأول: موقف موسى ﵇ لما رجع من الطور بعد أن ناجى ربه وعاد بالألواح وقد علم من الله بخبر عبادة قومه للعجل وعاين الأمر أقبل على قومه فعنفهم ووبخهم وعاتب أخاه هارون [يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلاَّ تَتَّبِعَنِ] ، ثم أقبل على السامري [قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ] ، توعده وأنذره [قَالَ فَاذْهَبْ فَإنَّ لَكَ فِي الحَيَاةِ أَن تَقُولَ لا مِسَاسَ] . وهذا دعاء عليه بألا يمس أحداً ثم توعده في الأخرى فقال: [وإنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ] ، وبعد ذلك عمد إلى العجل فحرقه وذراه في البحر [وانظُرْ إلَى إلَهِكَ الَذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي اليَمِّ نَسْفاً] . والقرآن يصف الموقف بصورة حزم واضحة إذ يشعر القارئ للقصة في كتاب الله سرعة اتخاذ الموقف والقضاء على الفتنة برمتها وبحزم سريع يكاد يكون خاطفاً فلم يتردد أو يتكاسل بل إن الوضوح والإصرار كان ملازماً لتصرفاته في القضاء على الأمر وهذا هو معنى الحزم الذي نتحدث عنه. الثاني: موقف الصديق أبو بكر ﵁ في ردة الأعراب بعد وفاة رسول الله ﷺ إذ ارتدت أحياء كثيرة وادعى طليحة الأسدي ومسيلمة الكذاب النبوة والتف حولهم قومهم وأنفذ الصديق جيش أسامة فقل الجند في المدينة، فطمعت كثير من الأعراب في المدينة وراموا أن يهجموا عليها، فجعل الصديق على أنقاب المدينة حراساً يبيتون بالجيش حولها ويصف ابن كثير هذا الموقف فيقول: «عظم الخطب واشتدت الحال وقد تكلم الصحابة مع الصديق في أن يترك المرتدين وما هم عليه من منع الزكاة ويتألفهم حتى يتمكن الإيمان في قلوبهم، ثم بعد ذلك يزكون فامتنع الصديق من ذلك وأباه وقام في الناس وقال كلمته المشهورة: » والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لأقاتلهم على منعها والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة «، وكان في اشتداد المحنة أن طمع الأعراب في المدينة وأغار بعضهم فما كان من الصديق إلا أن بات قائماً ليلة يعبئ الناس فما طلع الفجر إلا وهم والعدو في صيد واحد ومكن الله للمسلمين واستمر على ذلك حتى قال المسلمون: لو رجعت إلى المدينة وأرسلت رجلاً، فقال: والله لا أفعل ولا أواسينكم بنفسي وهكذا بقي الصديق هو وصحابة رسول الله يقاتلون حتى خضعت الجزيرة إلى حكم الله من جديد. فالإصرار ظاهر في الموقف وهو من معاني الحزم وكلاهما من سمات القيادة الناجحة، رحم الله الصديق فبحزمه شرح الله صدر عمر بن الخطاب إذ يقول: فما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق. وهذان الموقفان كان لهما الأثر العظيم في بقاء هذه الأمة، ولكل موقف حازم أثره ولهذا كانت للقيادة شأنها في حياة الجماعات والأمم.

стр. 1379

مكتبة البيان إعداد: سليمان الميداني تهذيب الكمال في أسماء الرجال: للحافظ المتقن جمال الدين أبي الحجاج يوسف المزي. قام بتحقيقه الدكتور بشار عواد معروف. الناشر مؤسسة الرسالة - بيروت. لقد احتل هذا المصنف مكانة علمية عظيمة بين علماء القرن الثامن الهجري، وذلك لسعة اطلاع مؤلفه، ودقته في التصنيف، وهو صاحب كتاب (تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف) ، وتهذيب الكمال: مصنف في تراجم رجال الكتب ... الستة: صحيح البخاري، صحيح مسلم، سنن الترمذي، سنن أبي داود، سنن النسائي، سنن ابن ماجه. استند الإمام المزي فيه على كتاب (الكمال) للإمام عبد الغني المقدسي، وليس هو مختصراً له كما يظن البعض، فقد اختلف عنه في المحتوى، والتنظيم والحجم وغير ذلك. اكتمل هذا العقد الثمين بعد صبر طويل، فجاء ذخراً للمكتبة الإسلامية، وللتراث الإسلامي، وأصبح بين أهل العلم وجهابذة هذا الفن من أجل الكتب التي ألفت في بابه، وقد اكتمل في خمسة وثلاثين مجلداً. مجمع البحرين في زوائد المعجمين الأوسط والصغير للطبراني: تصنيف: نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي ت ٨٠٧ هـ. الناشر: مكتبة الرشد الرياض. استخلص الإمام الهيثمي من المعجمين الصغير والأوسط الأحاديث الزائدة على الكتب الستة. وهو كتاب ذو قيمة علمية قام محققه الشيخ عبد القدوس بن محمد نذير بخدمته خدمة علمية، حيث أخرج لنا نصاً مقابلاً على الأصول الخطية، مترجماً لأكثر أعلامه مخرجاً لأحاديثه ومعلقاً على بعض مواطنه. حديث الأحرف السبعة: دراسة لإسناده ومتنه واختلاف العلماء في معناه وصلته بالقراءات القرآنية: المؤلف: الدكتور عبد العزيز القارئ الأستاذ المشارك بالجامعة الإسلامية. نشر: دار النشر الدولي - الرياض. وهو بحث علمي متخصص شديد الصلة بكتاب الله، جاء في (١٨١) صفحة من القطع المتوسط. النظم التعليمية عند المحدثين في القرون الثلاثة الأولى: المؤلف: الأستاذ المكي أقلاينة. الناشر: سلسلة كتاب الأمة، العدد ٣٤، قطر. يتكلم المؤلف عن مراحل التعليم ومجالس التحديث والرحلة في طلب العلم وخصائص التعليم عند المحدثين. كيف تسعد الأسرة: المؤلف: الأستاذ عبد الرحمن قره حمود. الناشر: مكتبة دار البيان في الكويت، حولى. وهو كتاب يتناول مشاكل الأسرة اليومية وطرق معالجتها على شكل حوار حيٍّ، يتضمن كثيراً من الآداب والأخلاق الإسلامية.

стр. 1380

واحة البيان المرأة الكريمة: في اللغة: عقيلة هي المرأة الكريمة، والعقيلة درّة الصدف. والخريدة: كثيرة الحياء الخَفِرة. وتسمى المرأة بيتاً والعرب تكني عن المرأة باللؤلؤة والبيضة، والنخلة والقوارير والريحانة. الفقر الحاضر والعجز الظاهر: وفَدَ (الصقب النهدي) سيد بني نهد على النعمان بن المنذر، فسأله النعمان عن الفقر الحاضر والعجز الظاهر: قال: الفقر الحاضر: المرء لا تستغني نفسه وإن كان ذهباً جليسه، فأما العجز الظاهر: فالشاب الضعيف، اللزوم للحليلة، المتبوع لها، الذي يحوم حولها، إن غضبت أرضاها وإن رضيت فداها، فذاك الذي كان، ولا ولدت النساء مثله. تعريف: طلحة الطلحات هو طلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعي المشهور بالكرم والجود، ذهبت عينه في فتح سمرقند مع سعيد بن عثمان بن عفان في خلافة معاوية. أقوال: - الأولاد لا يفهمون عذاب الآباء ما داموا هم أنفسهم لم يأتوا بأولاد. - إن الإنسان في حاجة إلى عامين ليتعلم الكلام، وإلى ستين عاماً ليتعلم الصمت. - إذا أطلقت نيران مسدسك على الماضي، أطلق المستقبل نيران مدافعه عليك. - يقول أهل السياسة أحياناً في الاعتذار إلى الضعفاء المساكين: أيها العقلاء! إن هذا لا يمكن أن يحدث، والمعنى السياسي: أيها البُلْه إنه لا يمكن أن يحدث إلا هذا..

стр. 1381

منتدى القراء النظام الدولي الجديد ! علي محمد العيسى وُلد الجنين فخِلته مسلولاً ... فإذا به شهد الحياة قتيلاً سُلب الإرادة فهو دمية عابثٍ ... أضفت إلى سُرُر البلاء عليلا يا من يُقلّب دون أي إرادة! ... أَفَلَسْت ميت أهله المقتولا؟ ! يا من يحارب فكره بفعاله ... ما كنت في سوء الفصال بخيلا يا من يهدِّم بيته بيمينه ... من يوم مولده، كفاك عويلا من ليس يشغله البناء حقيقةً ... فلسوف يعلي الصوت والتطبيلا تبدو مظالم جهله وظلامه ... عدلا! يجيد لزيفه تعليلا حتى متى نحيا بوعد براطمٍ ... تخفي السموم، وتتقن التقبيلا فلنبن صرح الجد بالجهد الذي ... يرضي الإله ونقتفيه دليلا يا ألف مليون تعد جموعهم ... صفراً تلاشى تائهاً مشلولاً يرمون بعضهم ببعض عنوةً ... وعدوهم يجني الثمار حَفيلا صُلبت سراييفو، وأنّت قدسها ... واستشهد النُّبل الأبي خجولا هم ألف مليونٍ تناثر جمعهم ... فكأنهم؟ .. هل قد رأيت فلولا؟ ويضيعون الوقت علّ عدوهم ... يبدي السماح! فهل رأيت مثيلا هم أوجدوا للخصم كل وسيلة ... حتى يبرمج خطه الموصولا فتظاهر الخصم اللئيم بعطفه ... وبأنه لا يرغب التقتيلا ناموا.. لعل البدر يصبح فضة! ... والشمس تضحى تبرة وخميلا ما أمطرت أُدُم التمنى ثروة ... لم ترو شمس الظهر-قطُّ- غليلا ما قلت ليس تشبعاً بخطابة ... ما يستحق القول جاء قليلا

стр. 1382

فإلى متى ؟ سليمان بن عبد الرحمن العبيد فإلى متى والصحفُ تسخر بالكتابْ ... والدين يُطعن بالشتائم والسباب؟ فإلى متى والصحف تزخر بالفساد ... تدعو لتمزيق الفضيلة والحجاب؟ فإلى متى والصحف تهزأ بالدعاة ... وتسومهم بالهمز ألوان العذاب؟ " متطرفون " ولست أدري ما الذي ... يعني التطرف عند هاتيك الكلاب أهو العقيدة والصلاة لِوقتِها ... أهو الأمانة والنصيحة باحتساب؟ أهو المروؤة والمحبة للورى ... وعزيمةٌ شماءُ عانقت السحاب؟ أهو التوسط عندما ندعو له؟ ... وعن التبتل قد نهينا والغياب أهو التلذّذُ والتنعم بالحلال ... والنهيُ عن عَقْر المخدّر والشراب؟ أهو التوازنُ والبشاشة والسلام ... أهو الترفّقُ عند تحرير الخطاب؟ أهو البراءة والطلاقة عندما ... نأتي وتأتي غاضباً مثل الذباب أهي القلوب البيض إذ نحيا بها ... وإذا المنافق قلبُه مثل الغراب يا أمةٌ بَلِيَتْ بشر بَليِّةٍ ... أعداؤها أبناؤها فَهم الخراب لِغبائهم كَفَوا العدوَّ جهادَها ... فتمزقتْ وأتوا سراعاً كالذئاب وصروحُها هُدمت وفي أطرافها ... بنَتِ الأعادي المجدَ من ذاك التراب فإلى متى؟ وإلى متى؟ وإلى متى؟ ... والشمسُ عنا قد توارتْ بالحجاب؟ يا أمتي والشمسُ طال غيابُها ... فمتى سيُشرق نورُها فوق الهضاب؟ ومتى ستُمطرنا السماء بصيِّبٍ؟ ... ومنى ستَنْجاب القتامةُ والضباب؟

стр. 1383

الدعاة والمطر عبد الله الشرايدة نظر هارون الرشيد -رحمه الله تعالى- يوماً ما إلى سحابة في السماء فقال: «أمطري حيث شئت يأتيني خراجك» ، وهي مقولة تدل على سعة رقعة الدولة الإسلامية آنذاك، ولسعة رقعة العمل الإسلامي، بل وعجزه عن استيعاب المدعويين، فإن الدعاة إلى الله أولى الناس بامتثال هذه المقولة في مجال دعوتهم إلى الله. فلو اعتبر كل داعية أنه وإخوانه من الدعاة والعلماء والجماعات في حب أهل السنة والجماعة، عبارة عن سحب في سماء العالم الإسلامي، مملؤة بالعلم والنفع والخير الكثير للأمة الإسلامية (لأمطر) كل واحد منهم علماً وخيراً ونفعاً كثيراً لمن حوله من البلاد والعباد، ولأتى الأمة الإسلامية خراجهم جميعاً. ولكن يا ... للأسف، فإن بعض الدعاة والجماعات يعانون ما يعانون من أمراض تجعلهم يخالفون الآيات والأحاديث الكثيرة الدالة على وجوب التعاون على البر والتقوى وعدم التعاون على الإثم والعدوان. فتجد بعض الدعاة عاطفي القرارات، إن أبغض، أفرط في البغض، وإن عادى، أفرط في العداوة، وإن أحب، أفرط في الحب، وإن تحمس لوسيلة أفرط في الحماس لتلك الوسيلة، بل وقلل من شأن الوسائل الأخرى المشروعة، وهذا شأنه في كل قراراته، ولا يعي أهمية التعاون رغم حتمية الخلاف، ولا يقدم مصلحة الأمة على مصلحة نفسه أو حزبه، وهذا الصنف من الدعاة إن لم يعق العمل الإسلامي لم يقدمه. فالأولى بالدعاة إلى الله أن يعوا فقه الخلاف وأهمية التعاون، بل وحاجة الأمة إليه في كل مكان وزمان، خصوصاً في هذه الأيام، وأن يعتبر نفسه وإخوانه سحباً تروي، لا سحباً متفرقة لا خير فيها ولا بركة. وأخيراً، هذه ليست دعوة إلى ترك التناصح فيما بين الدعاة، ولا إلى ترك النقد البناء، لأن الخلاف الذي أشرنا إليه بين الدعاة مما يسع الأمة، ومما يدور في إطار الخلاف المشروع، وإلا فإن التناصح بين الدعاة من أهم وسائل تنقيح مسار الدعوة إلى الله، والله الهادي إلى سواء السبيل.

стр. 1384

وعند الصباح يحمد القوم السرى خالد محمد السبيعي قال الفتى محدثاً صاحبه: ليتني مثل صلاح الدين الأيوبي، شجاعة، قوة، وحنكة، وبصيرة، والأهم من هذا كله أنه حرر المسجد الأقصى، وهذه وحدها تكفي، ثم إن الناس في عصرنا هذا يتمنون لو تلد نساؤهم رجلاً مثله، فقال له صاحبه: وهل تظن يا أخي أن صلاح الدين قد حرر الأقصى في نزهة مترفة على فرس أصيل، لا يا أخي لم يحدث هذا، ولا يعقل أن يحدث شيء كهذا، إن الأمور الجليلة لا تتم لمجرد أن تمنيناها، إن وراء كل حدث عظيم أو شخص عظيم، بذل وتضحية وجهود كبيرة، لا تنسى أن صلاح الدين قد أعد نفسه جيداً، كما أن جنده قد أعدوا إعداداً مناسباً، ولم يستسلم هذا القائد لأي عائق، عرض له، بل سعى لهدفه حتى النهاية. إن أمنية الفتى طموحة وجميلة بل ومطلوبة إلى حد ما كسلاح فعال ضد اليأس والفشل والقلق، وتتكرر مثل هذه الأمنية في كل مكان، وتتبدل فقط الأسماء وأسباب الشهر. اقرأ سير العلماء والمفكرين والقادة، الذين تركوا بصمات واضحة على أوراق التاريخ تجد أن معظمهم - إن لم يكن كلهم - قد عاش ردحاً ممتداً من عمره يعد نفسه لأن يكون ما صار عليه بعد. إذاً فلا بد أيها المؤمن الطموح أن تكشف عن قدراتك مبكراً، ثم تحدد أهدافك وتراعي ميولك، استشر في ذلك فما خاب من استشار، ثم انطلق في دربك بقوة، وهدوء وصبر، ولا تنتظر ثمرة سريعة، بل اسع لها، ومن الله التوفيق، كما هي الحكمة القائلة (بطيء ولكن أكيد) . إن الأمور العظيمة، لا تحدث اعتباطاً، بل تسبقها جهود عظيمة، تصب - كلها - في مصلحة الهدف، وبالتالي فإن طموح الفرد المسلم - أو الجماعة المسلمة - في شيء كبير ينبغي أن لا يتأخر كثيراً، وكما قالت العرب (وعند الصباح يحمد القوم السرى) .

стр. 1385

بريد القراء الأخ بدر بن عبد الله عبد المنعم شكراً لكم على شعوركم النبيل ونسأل الله أن تكون البيان دائماً عند حسن ظنكم. بشأن اقتراحكم حول قضية الأخوة المبعدين من فلسطين فهو اقتراح جيد والمجلة تعمل حالياً على إعداد ملف عنهم. جزاكم الله خيراً. الأخ التاج الزبير التاج عبد القادر أكرمكم الله وأدام عليكم فضله وعلمه. شكراً لكم لمقالتكم الطيبة راجين قبول اعتذارنا عن عدم نشرها لأن العدد (والأعداد السابقة) تحدثت كثيراً عن الموضوع. راجين دوام الاتصال بنا. الأخ فهد العدل حيَّاك الله وشكراً لنصائحك التي وجهتها لإخوانك، الموضوع يحتاج إلى تعديل وإعادة صياغة، لذا نرجو مزيداً من المراسلة مع عمل أكثر جدية وعلمية. جزاكم الله خيراً. الأخت أم عبادة قمام: وصلت مشاركتك بعنوان (البحث عن السلام) . نشكرك على مشاعرك النبيلة وقد صدقتِ فيما قلت عن أن السلام مع اليهود وهم وتضليل لأنه صلح بين الجاني ... والضحية على أن تنسى الضحية جريمة الجاني وأن يبارك العالم جرائم المعتدي. ... نعم لن يعيد القدس إلا كتائب الإسلام بعون الله. الموضوع لم ينشر لتشابهه مع ... كثير من موضوعات العدد. الرجاء الاستمرار بالمراسلة. الأخ محمود بن جمال البكر: وصلنا عرضكم لكتاب (السيرة النبوية) للشيخ السباعي ﵀. العرض جيد ولكن نعتذر عن نشره لأنه كتب عنه من قبل. نرجو مزيداً من المساهمة وجزاكم الله خيراً. الأخ أبو موسى اكملي يقترح أن تُصدر البيان مجلدات متخصصة يعاد فيها نشر المواد ذات الطابع الواحد في مجموعة مجلدات كل حسب موضوعه. فهو يقترح (مجلد خاص يضم كل مقال أدبي وكل قصيدة شعرية) على أن يسمى (البيان الأدبي) ، ويصدر (مثلاً ... مجلد خاص يضم التراجم والأعلام الذين اصدرت المجلة عن حياتهم من العلماء السابقين أو تراجم نقدية للمعاصرين..) . كذلك يقترح الأخ (مجلداً خاصاً يضم المقالات عن الأمة الإسلامية وبيان أحوالهم والحوادث التي ألمت بهم) و (هكذا في كل جانب من جوانب الثقافة) . البيان: نشكر الأخ على اقتراحه، وهو موضع دراسة إن شاء الله. الأخت منيرة أحمد أرسلت لنا بباقة من النفحات الطيبة التي تحمل في طياتها النصيحة لأبناء أمتها والغضب من الذين يركضون وراء شعارات يرفعونها عندما يحتاجها الموقف وينسونها عند تنفيذ تعهداتهم.! إن الحكم على الآخرين من قادة ورعية يكون بفتح (سجلاتهم) وليس فقط بالاستماع إلى خطب رنانة وكلمات منتقاة تتناسب وواقعة معينة. الأخ محمد الوريك أرسل لنا بمجموعة من الاقتراحات يرى أنه يجب أن تكون الأساس والهدف من إصدار أي عمل إسلامي. من اقتراحات الأخ، والتي نوافق عليها دون أي تحفظ، أن تكون من الأهداف: - معرفة وجهات نظر العلماء والمخلصين من أبناء الأمة بالقضايا المستجدة خاصة وأن المنابر مفتوحة أمام كثير من الكتاب الذين يسمون أنفسهم (غيورين على الأمة) وهم (في كل واد يهيمون) . - رفع شأن الدعاة وتحسين صورتهم لتقديمهم للجيل على أنهم القدوة وأن الكلمة تسمع منهم لا من غيرهم. - يقترح الأخ محمد جمع الدعاة في العالم - وإن كانوا متفرقين - على شكل ندوة على صفحة مجلة البيان. - تقريب وجهات النظر بين الدعاة في العالم وكسر حاجز العصبية للحزب والجماعة والعمل أن يكون الولاء لله ورسوله. الأخ محمد عبد العزيز السيف يقترح في رسالة بعنوان الأدب الإسلامي إعادة النظر في المواد التي تحشى بها عقول شباب الأمة وطلاب العلم فيها ويقترح التالي (لدفع عجلة الأدب الإسلامي ... إلى الأمام) : ١- إيجاد البدائل الجيدة التي تملأ الفراغ الناتج عن إزاحة الآداب الفاسدة والانحراف الفني. ٢- إنشاء أقسام في جامعاتنا تدرس الفن الإسلامي الراقي بأسلوب مناسب. ٣- تشجيع ودعم حركة النقد الأدبي من ناقدين موثوقين.. البيان: جزاكم الله خيراً، راجين أن يؤخذ بمقترحاتك وهي جيدة. - وفي رده المطول على نشر ترجمة المقالة مع علي عزت بيكوفيتش في العدد ٥٦ يستنكر الأخ صالح بن عبد الله أسلوب طرح الأسئلة على الرئيس البوسني ويعتبر أن (نشر بعض الأسئلة والأجوبة تراجع في سياسة المجلة (البيان) . البيان: لا يخفاكم أخي الكريم أننا نشرنا ترجمة للقاء مع الرئيس البوسني ولم نتبنى أياً من أسئلة الصحفي وقد آثرنا نشرنا للترجمة الحرفية لإطلاع القارئ الكريم حتى على أسلوب تعامل الإعلام الغربي مع قادة المسلمين وهذا أمر خارج عن إرادتنا. أما عن رفضك لبعض إجابات الرئيس البوسني لأنه لم يحمل على الغرب أكثر مما فعل فهذا شأن الرئيس ومن غير أي شك لديه ما يبرر أقواله لأنه في موقع لا يمكّنه من التصريح في مواقع آثر فيها التلميح لأن اللبيب لا يلزمه إلا الإشارة. على كل تقبلنا نقدكم الصادر عن غيرتكم الصادقة، جزاكم الله خيراً ونسأل الله أن تكون البيان عند حسن ظنكم. الأخ مختار - ع. في رسالته عن الموضوعية واستحالة تطبيقها في الحياة العلمية يخلص إلى أن (الإنسان ليس آلة متخصصة في ميدان معين يضبط وفق معادلات معينة ولا هو أجزاء بإمكاننا فصلها، فهو وحدة عضوية معقدة لا تعمل إلا وفق ميكانزمات متداخلة لا تنفصل إحداها عن الأخرى، فالروح والعقل والجسم والقلب كلها مجتمعة تكوِّن الإنسان في تصرفاته وسلوكياته. والبيئة والموروث الحضاري والصفات الوراثية والتفاعلات الاجتماعية كلها مجتمعة هي التي تكون الشخصية. فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتخلى الشخص عن هذه المكونات ويتنحى جانباً ليصدر الأحكام «الموضوعية» . *** يصلنا من الأخوة القراء كلمات قصيرة يعبرون فيها عما تجيش به أنفسهم من حرقة على واقع المسلمين، ويودون إيصال كلماتهم النافعة إلى القراء، ونحن لا نشك في حب هؤلاء الأخوة للخير، ونحاول نشر المناسب منها، وضمن المساحة المحدودة لأقلام القراء في المجلة، ونعتذر عن نشر كل ما يصلنا, ولا يعني هذا انقطاع الأخوة عن الكتابة، إذا وجدوا موضوعاً مناسباً يستحق الكتابة عنه. وفق الله الجميع للإخلاص والصواب.

стр. 1386

قديم وجديد عصبة الأمم بين المد والجزر [*] بقلم باحث دبلوماسي كبير كانت عصبة الأمم في نظرنا دائماً أداة دولية مريبة، لا تتفق أعمالها وجهودها مع المثل والغايات السامية التي أدمجت في دستورها، ولم نستطع يوماً مدى الخمسة عشر عاماً التي قطعتها العصبة من حياتها أن نحمل على الثقة بها أو الاطمئنان لاستقلالها أو نزاهة وسائلها وغاياتها؛ وإنما رأينا العصبة دائماً أداة مسيرة في يد الدول الغربية القوية توجهها حيثما شاءت لتحقيق مشروعاتها وغاياتها على حساب الأمم الضعيفة، ورأيناها بالأخص سوط استعمار بالنسبة لبعض الأمم الشرقية، تفرض عليها نير الانتداب وتنظمه لمصلحة الدول الكبرى التي توجهها؛ ولم تقدم العصبة يوماً أي دليل على أنها تعمل لإنصاف دولة ضعيفة أو أمة شرقية، خصوصاً إذا ما تعلق الأمر بمصلحة دولة قوية أو أمة غربية، ولم تنل العصبة توفيقاً في أي ميدان من الميادين العامة أو الإنسانية التي تزعم أنها تعمل في سبيلها، فلم يحقق مشروع نزع السلاح أو تحديده، ولم يوضع نظام ثابت للسلامة العامة أو عدم الاعتداء، ولم تكفل حقوق الأقليات أو الأمم الضعيفة بصورة مستقرة عادلة. ولكنا رأينا عصبة الأمم تتخذ فجأة لمناسبة النزاع الإيطالي الحبشي صورة أخرى، فتبعث دستورها من قبره وتطبقه بروح جديدة؛ رأيناها تحل السيادة والحقوق القومية مكانتها، وتعمل لاحترام استقلال الأمم الضعيفة، فتصم إيطاليا بما تستحق من وصمات الاعتداء المنكر، وتحرك من نصوص دستورها ما تراه كفيلاً بوقف الاعتداء ورد المعتدي إلى صوابه؛ وتستجمع شجاعتها لتطبيق العقوبات الاقتصادية والمالية التي فرضت على المعتدي، وتطبقها بالفعل على إيطاليا المعتدية، فتحظر تصدير السلاح وجميع المواد الأولية إلى إيطاليا وتبيحه للحبشة، وتطلب إلى أعضائها أن يقطعوا كل العلائق الاقتصادية والمبادلات التجارية مع إيطاليا؛ فيلبي دعوتها نحو خمسين دولة أو ما يشبه الإجماع؛ وهكذا رأينا عصبة الأمم تفتتح عهداً جديداً في سياستها وفي فهم مهمتها الدولية، واستبشرنا بأن يكون العهد الجديد مفتتح الآمال بالنسبة للأمم الضعيفة، فتستطيع أن تطالب بحقوقها وحرياتها، وتستطيع أن تعتمد على ذلك التعضيد الدولي الذي تحمل لواءه عصبة الأمم. ولم يغب عن العالم مع ذلك ما هنالك من وراء ستار، فقد فطن العالم أن عصبة الأمم لم تكن في عملها مستقلة ولا مختارة، وأنها كانت مسيرة موجهة فيما اتخذت من قرارات جريئة؛ ولم يغب عن العالم أن السياسة البريطانية هي مبعث التوجيه والوحي الأول، وأنها اتخذت هذه الخطة لأن الاعتداء الإيطالي على الحبشة، وتوسيع النفوذ الإيطالي في شرقي أفريقية، وما يترتب على ذلك من إذكاء الروح الحربي الفاشستي، يعرض الإمبراطورية البريطانية وسلامة مواصلاتها في البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط وسيادتها في وادي النيل وشرق إفريقية إلى أخطار جسيمة، وأن انكلترا لم تحرك أساطيلها الضخمة، وتتخذ هذه الأهبات الحربية الواسعة النطاق في مصر وعدن وشرق إفريقية انتصاراً لقضية الحبشة أو دفاعاً عنها، ولكن رداً للخطر الفاشستي الذي ظهر في الأفق فجأة، وأخذ يزعجها بمطامعه وتحديه.

стр. 1387

الصفحة الأخيرة الفن وأصحاب الفضيلة جمال سلطان قديماً قالوا: إن من الجهل جهلاً مركباً، وهو أن يجهل الإنسان ثم هو يجهل أنه يجهل. ذكرني بهذه الكلمة تلك الفتاوى التي ظهرت مؤخراً حول الفن والفنانين، وهي فتاوى رسمية أحياناً، وشبه رسمية أحياناً أخرى، من هؤلاء النفر المنتسبين إلى العلم والدعوة ممن يحرصون على الظهور بمظهر المستنيرين والمتحضرين والمتسامحين! ! وهذه الفتاوى استدرجهم إليها بعض الخبثاء، ومجلات الغواية والفتنة، لكي يشوهوا بها الدلالة الرائعة لتوبة بعض الفنانين والفنانات ولزومهم هدي الله وهدي نبيه الكريم ﷺ ، حيث أتت بيانات وتصريحات هؤلاء الفنانين واضحة حاسمة، بأن ما يحدث مما يسمى الفن إنما هو تضليل وغواية وإفساد لمجتمعات المسلمين، وشبابهم وشاباتهم على وجه الخصوص، والشهادة دامغة لأنها من داخل البيت المتهم ذاته، ومن أكثر الناس دراية وإحاطة بأسراره، ومعلناته سواء، فإذا بالفتاوى تصدر بأن الفن حلال زلال، وأفي الفن رسالة لإصلاح المجتمع، وأن الإسلام يقف مع الفن ويرحب بأهل الفن.. إلى آخر هذا الخلل والوهم العجيب، فهؤلاء الشيوخ إما أنهم يتحدثون عن الفن من كوكب آخر غير الأرض لم يكتشفه الإنسان بعد، وإما أنهم من الجهل بالواقع إلى حد البله، وهذا ما نشك فيه، وإما أنهم يلمعون وجوههم على حساب الدين والحق والأمة معاً. يا أصحاب الفضيلة، إن شرط الفضيلة أن يكون وجه الحق، وسلامة الدين، وطهارة المجتمع، فوق الاعتبارات الشخصية الضيقة، أو المصالح الآنية، فإذا ما غاب الشرط غابت الفضيلة والكرامة!

стр. 1388

شوال - ١٤١٣هـ أبريل - ١٩٩٣م (السنة: ٧)

стр. 1389

كلمة صغيرة التحرير سيجد القارئ في هذا العدد اتفاقا غيرمقصود فيمقالات تتعلق بأدب التعلم، والسؤال وأدب الرحلة، وطلب العلم، ومقالاتتتحدث عن المناخ الفكري غير الصحي الذي يعيشه المسلمون، سواء أكان ذلك بتغلب العاطفة على كثير من أمورهم وشؤون حياتهم، أو بإغلاق منافذ التفكير والتدبر، وتعطيل القوى التي وهبها الله سبحانه وتعالى للإنسان، وكل هذا يدل على أن المشكلة قائمة، والمعاناة حقيقية، ولا بد إزاء ذلك من إعادة النظر بغية إصلاح أساليب التربية وطرق التفكير.

стр. 1390

الافتتاحية أفلا يتدبرون رئيس التحرير ليس من أمر هذا الدين أن يكون فيه غلو وتنطع أو يكون فيه جمود وعنت، وهو دين الله ليس بأهواء البشر ولا بأمانيهم، وهو رحمة للعالمين، وبه يصلح حالهم الذي لا يصلح إلا بالطريق الوسط الأعدل، طريق الذين أنعم الله عليهم، ولكن من طبيعة البشر نشوء من يميل إلى أحد الطرفين مجانباً سواء السبيل، مما يوجب على العلماء التصدي لهم بغية إصلاح الاعوجاج. ونفي الزغل والشطط عن هذا الدين الحنيف. وبسبب غياب العلم الصحيح في بعض المواطن والأماكن في هذه الأيام، ظهرت آراء شاذة وتجمعات صغيرة تلتف حول شاب متحمس لم يرسخ في العلم بعد، أو حول شيخ سوء يجمع الناس حوله بزخرف من القول، أو بمداهنة في التشدد حيناً، وفي الترخص أحايين، قد باع دينه بدنياه! وهذا الذي يبدو على السطح من منكرات الأقوال والأفعال ما هو إلا عَرَض للمشكلة، وليس أساسها وإنما تتلخص المشكلة بالسؤال المطروح: ما هو المناخ الذي هُيِّئَ لخروج مثل هذه التجمعات؟ وما هي الأرضية التي تنبت أمثال هذه الأفكار؟ وكيف يقبل الناس اتباع رجل يقول بالمتناقضات ويجمع أسس البلايا؟ وكيف يقبل شباب متعلمون، وفيهم أصحاب الدراسات العليا وأصحاب الاختصاص العلمي، كيف يقبلون أن يكونوا أصفاراً مغمضي الأعين يأخذهم شيخهم تارة هنا وتارة هناك؟ ! وهذه الظاهرة لا تقتصر على بلد دون آخر بل تكاد تلف العالم الإسلامي؛ حيث انتشر الجهل وقلَّ العلماء، وفي هذه العجالة محاولة مبدئية لتشخيص الواقع الذي يُفرز هذه الأسئلة: أولاً: لابد أن نعترف أن المناخ العام الذي عاشه المسلمون في عصور الانحدار العلمي ويعيشون بعضه الآن لا يساعد ولا يدعو إلى التفكير المستقل، التفكير الذي يدعو الإنسان إلى التبصر ومعرفة مواقع القول، ويميز بين الخالص والمزيف. وقد أمرنا الله أن نستخدم هذه الطاقات التي وهبنا إياها، فإنه كما وهبنا السمع والبصر، فقد دعانا إلى ممارسة التعقل، الذي يمنع التدابر والشقاق: [تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ] [الحشر : ١٤] ، والتي تزع عن الشر: [وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ] [الملك: ١٠] ، والتي تدعو إلى الاتعاظ بالذكرى: [يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ] [البقرة: ٢٦٩] ، [وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ] [يونس: ١٠١] ، كما دعانا إلى ممارسة التذكر والتبصر والتدبر في آيات كثيرة: [قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى والْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ] [الأنعام: ٥٠] ، [انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ] [الأنعام: ٦٥] ، [أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا] [محمد: ٢٤] ، ولا شك أن الذي يجري على الساحة الإسلامية من الآراء الفجة المستهجنة ما هو إلا لأنهم لا يتدبرون القرآن. إن المناخ السائد هو الانغلاق والجمود والعنت والتقوقع حول من يتلقون عنه، فلا يتكلم بكلمة إلا تلقفوها، ولا يتحرك حركة إلا وحفظوها! ! والمناخ السائد هو التقليد الأعمى، العريق في التقليد، ولا نتكلم عن اتباع عالِم على بصيرة واحترامه والتأدب معه والاستفادة منه، فهذا شيء وذاك شيء آخر. إن هذا المرض العضال ليس مقصوراً على اتباع شيخ يستغل الدين لزعامته ويربي الشباب على الخضوع له، بل طال حتى الذين ينادون بالضد من هذا، بل وحتى الذين يحاربون ما سمّوه (الآبائية) [١] ، وهي كلمة حق يراد بها باطل أحياناً، فقد يحاربون بها التراث الصحيح للأمة، حتى هؤلاء قد شملهم هذا المرض فرددوا آراء مَن سبقهم، ووقعوا فريسة أسماء مشهورة من الكفرة والملحدين، ولا يقولون هذا صحيح وهذا خطأ بل يأخذون أقوالهم مأخذ التسليم والقبول. ثانياً: المناخ الاستبدادي الذى تعيشه الأمة يجعل الفرد يشعر بالضآلة والمهانة، فيلجأ إلى شيخ هنا وزاوية هناك، أو يهرب من واقعه، والضغوط التي تُمارَس عليه، إلى اللامعقول. ومن طبيعة الاستبداد - سواء أكان في البيت أو المدرسة أو المجتمع - أن يشل الفرد عن الاستقلال في التفكير، فينشأ نشأة لا يثق فيها بنفسه ولابد أن يلتصق بمن يفكر عنه ويأمره وينهاه. وقد تعوَّد هذا المسكين على حياة الذل، فما المانع أن يكون تابعاً مقوداً لمن يحب أن يتصدر للرئاسة الدينية. ثالثاً: غياب العلماء الفقهاء الذين يعلّمون الناس أمر دينهم، ولا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً، بل يقولون بالحق وبه يعدلون، ولا يرهبون الكثرة أو القلة، فهم كالطبيب النطاسي الذي يعرف الداء فيعالجه من جميع جوانبه، وإن أحد أسباب هذا الغياب قد يكون راجعاً للسبب السابق، فقد تفرق هؤلاء وبعدوا عن أوطانهم، وذهبوا كل مذهب بسبب الظلم والإرهاب الذي يمارس على كل داعية صادق، وعندما غاب هؤلاء تسلق هذا الركن الركين، وتصدَّر للمجالس الأصاغر أصحاب الأهواء والذين في قلوبهم مرض، ووجدوها فرصة للزعامة وجمع الأتباع. وللسبب نفسه غابت المؤسسات العلمية القوية التي يتخرج منها من يعلّم الناس الإسلام الصحيح ويتصدى لمشكلات الأمة. رابعاً: القلق النفسي الذي يعيشه بعض المسلمين نتيجة البيئة الثقافية والاجتماعية، ونتيجة القهر والتشرد والبعد عن الأوطان، فيصبح الرجل من هؤلاء متشنج الأعصاب سوداوي المِزاج، فيفتي ويتكلم من منطلق هذه المعاناة، وتأتي أحكامه وفتاويه عجيبة غريبة، والذين يعانون أمثالهم يعجبهم هذا التشنج فيؤيدون أقوالهم، ولا يلتفتون إلى أقوال العلماء الذين هم على دراية بالشريعة ومقاصدها وعلى دراية بواقع المسلمين. خامساً: يُستغل ضعاف النفوس وأصحاب الآراء الشاذة لمحاربة أهل المنهج الصحيح، والذي يريد استغلالهم يقدم لهم العون المادي والمعنوي مما يجعل بعض الانتهازيين يلتفون حولهم طمعاً بالدنيا، وحتى يظهر هؤلاء بالمظهر العلمي أمام الناس فلابد أن يخوضوا في الفقه والدين ويخوضوا في التبديع والتفسيق للآخرين ويدَّعوا أنهم أصحاب اتجاه ديني، فيقع التشويش في الساحة الإسلامية. هذه هي بعض الأسباب التي نراها مهيِّئة للمناخ الذي يتخرج به من ذكرناهم، والذي يستطيع المسلمون فعله هو إشاعة المناخ العلمي الذي يدعو إلى التدبر والتبصر، والدعوة للارتباط بالمنهج السليم وبذل الأخوة، والتقدير لكل من يرتبط بهذا المنهج، كما يجب أن نعلم أن الكلام على الغلاة وأصحاب الأهواء ليس من باب تفريق صف المسلمين بل هو من صميم الوحدة الإسلامية.

стр. 1391

من إيجابيات الدعوة تحرير الناس من عبادة غير الله (٢) د. عابد السفياني لقد أدرك أئمة الدعوة الإسلامية المعاصرة أن مهمة هذه الدعوة هي تطهير العباد من الاعتقادات والأقوال المخالفة للتوحيد، وردّهم إلى ما كان عليه النبي - ﷺ وأصحابه - رضوان الله عليهم -، وإذا تطهروا من ذلك تحرروا من العبودية لغير الله، وأقاموا مجتمعاتهم - في أي عصر من العصور - على شريعة من الله غير مشركين به. وإن هذه المهمة الكبيرة تحتاج إلى عمل جاد وصبر وفقه في الدين وتحديد لمواطن الخلل في كل عصر وكل مكان حتى يمكن معالجته حسب ما ورد في كتاب الله وفي سنة رسولنا ﵊. ولنضرب لذلك نماذج عملية متعددة ومتنوعة ليستفيد منها الدعاة في كل مكان ولأهمية هذا الموضوع وسعته سنختار لكل مقال من هذه المقالات نموذجاً حسب أهميته وآثاره الدعوية في العصر الحاضر. لقد تأمل الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ واقع عصره فوجد الناس يصرفون كثيراً من أنواع العبادة لغير الله في الاعتقادات والأقوال والأعمال، وإنهم لابد من تحريرهم من عبادة غير الله وردهم إلى عبادة الله وحده. لقد وجدهم يدعون ويذبحون وينذرون لغير الله، ويعكفون على القبور يصرفون لها أنواعاً من العبادة التي لا يستحقها إلا الله. وتأمل في شبهتهم التي كانوا يعتذرون بها، فمنهم من اعتقد الضر والنفع في غير الله، ومنهم - عند المجادلة - من يقول إن عبادته لا تصل إلى العليم الحكيم إلا عن طريق البشر أو غيرهم من الأشجار والأحجار والأصنام، فوجد ﵀ أن هذا القول انتقاص لحق الله الواحد القهار وأنه عذر أقبح من الذنب المعتذر عنه، لأن مآله تعلق القلب بغير الله لاعتقاد الإنسان أن عبادته لا تصل إلى الله إلا عن طريق المخلوقين فيأخذ في التعلق بهم، واعتقاد النفع فيهم الذي أنكروه من قبل واعتذروا عنه بقولهم [مَا نَعْبُدُهُمْ إلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إلَى اللَّهِ زُلْفَى] [الزمر: ٣] ، فاتخذوا بذلك الوسائط بينهم وبين الله. وبعد أن أدرك الشيخ هذا الواقع عزم على تحريرهم من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده. ثم تأمل الشيخ في واقع مجتمعه فوجد انحرافاً آخر، وجد أناساً يزعمون الإسلام ويتحاكمون إلى غير شريعة الإسلام، فلم يمنع الشيخ ﵀ نطقهم بالشهادتين وصلاتهم وحبهم للصالحين والأولياء وقولهم إنهم يتبعون العلماء، لم يمنعه ذلك من أن يعزم على تحريرهم من العبودية لغير الله. ولقد حاجهم وجادلهم بالتي هي أحسن، ودعاهم للتي هي أقوم، وخير مثال على ذلك كتابه (كشف الشبهات) الذي قال فيه مبيناً الأسس التي ينبني عليها فهم الإسلام بعيداً عن الشرك والانحراف عن شرائع الإسلام: (لا خلاف في أن التوحيد لابد أن يكون بالقلب ... واللسان والعمل فإن اختل شيء من ذلك لم يكن الرجل مسلماً، فإن عرف التوحيد ولم يعمل به، فهو كافر معاند.. فإن عمل بالتوحيد عملاً ظاهراً وهو لا يفهمه ولا يعتقده بقلبه فهو منافق وهو شر من الكافر الخالص؛ لقوله - تعالى -: [إِنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ] [النساء: ١٤٥] ) [١] . وبيَّن لهم أن هذه المسائل لم يختلف فيها الفقهاء، بل أجمعوا على أن من جحد شيئاً معلوماً كفر ولو كان من مسائل الفروع، فكيف إذا جحد التوحيد وخالف فيه، ثم ذكر كلام علماء الإسلام في باب المرتد وأن النطق بالشهادتين لا ينفع صاحبه إذا أتى سبباً من أسباب الكفر المخرج من الملة أو الشرك الأكبر، لأن المراد بالنطق بكلمة الشهادتين معناها لا مجرد لفظها [٢] . وقد بذل ﵀ قصارى جهده في بيان حقيقة التوحيد فكشف عن مسائل الجاهلية وحذر الناس منها وسيأتي لذلك زيادة بيان في مقالات لاحقة إن شاء الله. لقد وقر الحق في قلب الشيخ المجدد ﵀ ولم يعد يلتفت إلى شبههم إلا إذا أراد أن يكشف زيفها، أما واقعهم فقد علم الشيخ أنه لن يصلح إلا بتجديد مفهوم التوحيد وتحقيق مقتضياته، حتى تصبح وجهة القوم مطابقة لمقتضى الشهادتين التي ينطقون بها. فلما رأى المخالفون إصرار الشيخ على دعوته رموه عن قوس واحدة، وحاربوه بكل وسيلة في أيديهم، وهو صابر ثابت لم يفت في عضده كثرة المخالفين وسطوتهم، ولا لدد الخاصمين وتكبرهم ولا سفاهة المشاغبين وخستهم، لقد جمع هؤلاء كيدهم وافتروا عليه بأنه: جاء ليبدل دينهم ويظهر في الأرض الفساد ويحارب العلماء والصالحين والأولياء.. فلابد إذاً من محاربة دعوته! ! وقد تمت المحاربة ولكن الله حفظ الشيخ ولم يتنازل عن شيء من دعوته، بل مضى في طريقه لا يكل ولا يضعف ولا يتردد حتى انتشر العلم بالتوحيد وأحكامه وربى أتباعه على ذلك وانكشف زيف الشرك وأباطيله، ومسائل الجاهلية وسفهها. لقد طلب منه مخالفوه أن يَدَعهم وما هم فيه، وكان يمكن أن يستجيب لمطالبهم ولكن أراد الله به وبالناس خيراً، كان مجال التأويل واسعاً لمن أراد أن يخلد إلى الحياة الدنيا ويقعد عن تحمل المسؤولية في مجال الإصلاح، كان يمكن أن يقول الإنسان لنفسه: كيف أدعو الناس للتوحيد ... وأتحمل كل هذا العناء والدولة العثمانية التي عاشت قروناً طويلة وخدمت الإسلام في كثير من السنين قائمة بالفعل وتتبعها الإمارات في كل مكان، لِمَ لا أترك لها القيام بذلك على طريقتها وهي تتحمل ما يقع من تقصير، وألتزم بالوضع الذي كان سائداً، وقد وفق الله الشيخ إلى الصواب في هذا الأمر فلم يلتزم بالأطر الدعوية التي كانت تمارس في تلك الأيام، وسَلِمَ من فساد التعصب والتقليد والعادات وارتفع إلى طريقة الكتاب والسنة في الدعوة إلى الله . كان يمكن أن يقول الداعية لنفسه في مثل تلك الظروف لماذا أبدأ بتصحيح الاعتقاد، وأنابذ الشرك والبدع والأهواء وأهلها، ولماذا لا أبدأ بتصحيح الأمور الجزئية.. ولا حاجة للدخول معهم في خصومة ولا بأس من أن أعذرهم في تلك المخالفات العقَدية، وتكون الألفة والمحبة والولاء بيني وبينهم وبذلك أسلم أنا ومن معي من كيدهم ومكر رؤسائهم ومخالفة عوامهم، وفي آخر المطاف يمكن لي أن أصحح الانحراف في الاعتقاد. ومع كل هذه التأويلات والمغريات.. إلا أن الشيخ ﵀ لم يقبل بشيء من ذلك واختار الاستمساك بالمنهج الدعوي كما ورد في الكتاب والسنة فدعاهم من أول الطريق إلى تحقيق مقتضى الشهادتين وتحكيم الشريعة في جميع شؤونهم، ومنابذة ما يخالف ذلك، والبراءة من الشرك وأسبابه وأهله، والصدق في نصرة دين الإسلام. واحتمل ﵀ عن بينة وبصيرة وعزيمة وثبات كل العداوات، احتمل العداوات من الرؤساء الجهال ممن ينتسبون إلى العلم أو يملكون السلطان. واحتمل الذم من جهلة العوام، والافتراء من سدنة الشرك والجاهلية والتعصب. ولم تكن هذه العداوات بعيدة عن باله وهو الذي كان يأمر من يتبعه بأن يتسلح بالعلم والحجة ليواجه كل تلك العداوات. قال ﵀ في كتابه (كشف الشبهات) : (واعلم أن الله - سبحانه - من حكمته (تأمل قوله (من حكمته)) لم يبعث نبياً بهذا التوحيد إلا جعل له أعداءً كما قال تعالى: [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُواً شَيَاطِينَ الإنسِ والْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُوراً] [الأنعام: ١١٢] ، وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة وهم أهل فصاحة وعلم وحجج، فالواجب عليك أن تعلم من دين الله ما يصير سلاحاً لك تقاتل به هؤلاء الشياطين.. ولا تخف ولا تحزن [إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً] [النساء: ٧٦] ) [٣] . نعم، إن الطريق إلى الله لابد له من أعداء قاعدين عليه يصدون الناس عن سبيل الله، ولابد للدعاة من الصبر على كيدهم وتبيين التوحيد ومحاربة الشرك وتحرير الناس من عبادة غير الله بكل صورها وأشكالها. ولا يحسبنَّ أحد أن آثار دعوة الشيخ مقتصرة على محاربة شرك القبور والأضرحة - كما فهم كثير من الدعاة في بلاد العالم الإسلامي - كلا، فإن دعوة الشيخ دعوة شاملة تجديدية بذلت جهدها المستطاع في تحرير الإنسان من عبادة غير الله، سواء أكانت تلك عبادة الأولياء والأضرحة أو عبادة الطواغيت وطاعاتهم في التحاكم إلى غير شريعه الله، أو ما سوى ذلك من مسائل الجاهلية التي عن طريقها يُنتقص حق الله - سبحانه - في العبادة أو ينتقص حق هذه الشريعة الربانية في الاتباع ووجوب التحاكم إليها في جميع الأمور. وسنزيد ذلك بياناً عندما نكشف في المقالات القادمة - بمشيئة الله - عن العلاقة بين جهد الداعية الكبير وبين جهود مصلحين آخرين في ديار العالم الإسلامي، سواء أكانت هذه العلاقة عن طريق مباشر أو عن طريق غير مباشر ولا يزال الحديث موصولاً - بتوفيق الله - عن الإيجابية الأولى للدعوة الإسلامية المعاصرة، وبيان الجانب العلمي والأسلوب المختار عند بعض المجددين الذين كان هدفهم في الدعوة إلى الله تحرير الإنسان من عبادة غير الله بجميع صورها وأشكالها، القديم منها والجديد، حتى لا يُعبد إلا الله وحده بلا شريك.

стр. 1392

الدعوة بين العقل والجمهور محمد بن حامد الأحمري يتعامل غالب المسلمين مع سيرة الرسول ﷺ ومع التاريخ الإسلامي تعاملاً عاطفياً بحتاً لا يتجاوز دور الإعجاب والتذكر والاندماج في أخباره وأمجاده، واستعادة هذه الصورة التاريخية يوماً بعد الآخر دون الاستفادة منها كمدرسة متنوعة المراحل والأدوار والموضوعات والمواقف، وما فيها من مواقف إقدام واجتياح، تدعو للوقوف والتأمل والبحث عن مخرج عندما تُغلق بعض أبواب الدعوة. في مثل هذه الحال تسكت أصوات الحادين المشجعين مستجيبة لصوت هداة القافلة القائلين: أمامكم منعطف تحتاجون فيه إلى احتراز وتعقل حتى تتجاوزوه سالمين بإذن الله. وهذا هو المنعطف الذي تتجاوزه القافلة بحذر ثم يستمر السير أحسن مما كان. فاستجابة المسلمين للقتال والبيعة على الموت في (بيعة الرضوان) لا ... تتناقض مع القبول بالصلح في (صلح الحديبية) الذي تلا البيعة مباشرة. وحُق ... لبعض المتأخرين استشكال الموقف إذا لم يتدبروا مآل الأمر. ومع أن الصلح حقق فائدة عظيمة للمسلمين فيما بعد فقد صعب الموقف على بعض أصحاب رسول الله - ﷺ ، وقد قال بعضهم كيف نعطي الدنية في ديننا، (وعظم ذلك على المسلمين حتى كان لبعضهم فيه كلاماً وكان رسول الله ﷺ أعلم بما علمه الله من أنه سيجعل للمسلمين فرجاً فقال لأصحابه: اصبروا فإن الله يجعل هذا الصلح سبباً إلى ظهور دينه فأنس الناس إلى قوله بعد نفار منهم) [١] . وسواء أصعب على الصحابة في ذلك الوقت الرجوع إلى الصلح بعد البيعة على الموت أو صعبت عليهم شروط المصالحة، التي رآها بعضهم مجحفة بالمسلمين كما رأوا في اعتراضات سهيل بن عمرو على الرسول -صلى الله عليه وسلم- عنجهية تستحق القمع، ولكن النظر في المصلحة الأولى خير من الوقوف عند اعتراضات سهيل، أو مشهد إعادة أبي جندل يرسف في قيده إلى قريش. ثم قبلوا الصلح على مضض، وحلوا (ونحروا بعد توقف كان منهم أغضب رسول ... الله ﷺ ) [٢] ، وذلك دليل على أن الخلاف في موقف كهذا الموقف وقع مع الرعيل الأول ودوافعه الإخلاص للدين واتحاد الوجهة، فلهم أن يروا رأيهم، وأن يفكروا ويشاركوا قيادتهم فيه وتختلف الآراء ولكن القرار الذي اتخذ بعد أن أنس المسلمون إليه كان واحداً ونهائياً [٣] . فقد كان الإسلام بحاجة إلى الرسوخ في الجزيرة وفي المدينة وما حولها وقريش التي لم تكن تعترف بالمسلمين الذين تسميهم (الصباة) أصبحت تفاوضهم وتعترف بهم نداً قوياً وتسلم الحرم عدة أيام في السنة القادمة، وتعترف لهذا الكيان بقيادته وأحلافه ومناسكه. ويأمن المسلمون فيه شر قريش ويتجهون إلى ساحات أفسح للدعوة والقتال وترسيخ مواقعهم. إن ما يحتاجه المسلمون اليوم هو البصيرة من سيرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في هدنته كما يستفيدون من حربه، فتفويت فرص العدو وعدم تمكينه من المسلمين حاجة إسلامية ملحة وهذا موقف قد لا يروق للسان الخطيب ولحاشد الجماهير، ويرى الخطيب في هذه الحالة أنه يفقد المتعاطفين والمتحمسين بل يفقد الجماهير. مع أن الجماهير والشهرة يجب أن تُصبا في مصلحة الإسلام والمسلمين وألا تكونا غاية في ذاتها. وإذا حدث ذلك - لا قدر الله - فهو انحراف عن الغاية وفساد في النية لا أظنه موجوداً - إن شاء الله - بحجم يذكر. وخطورة هذا الأمر عند بعض الخطباء أن يصل بهم الأمر إلى تلقي مواقفهم من الجماهير الحاشدة التي يعجبها النغم وتستسلم للصوت المثير وإذا هدأ الصوت أثارته مرة أخرى بحثاً عن متعة الاستماع والجدة والإثارة فقط، وليس بحثاً عن إيصال هذا الكلام المسموع المثير إلى حيز الفعل أبداً. فللجماهير شهوات يطلبون تحقيقها من الخطيب يستغربها في البداية ثم يسير فيها مرغماً فيما بعد، فيفقد عقله ورأيه، ويصبح لساناً لما يسمى بالعقل الجمعي. ومن المعروف في علم الاجتماع أن للمجموع عقلاً يختلف عن عقل الفرد، وأن العقل الفردي في حالة الاندفاع الجماهيري يبلغ أقل مستوياته ويضعف جداً مستجيباً للعقل الكبير البديل (عقل الجماهير) ، ورغباتها التي تريد تحقيقها ولو بطريق غير معقول. ويضرب الاجتماعيون والسياسيون لهذا مثلاً بما يحدث في المظاهرات، فبعد أن يجتمع عشرات الآلاف في مسيرة وتزيد حماستهم لاجتماعهم وكثرتهم وأهمية ما يمكن أن يقوموا به تجد عقلاءهم وخيرة رجال المجتمع يرمون الأحجار على النوافذ، ويكسرون السيارات، ويدمرون كل ما يواجهونه في الطريق. ولو رأيته قبل المظاهرة أو جلست معه بعد لحظة وعي وتعقل لقال لك ذلك موقف الجماهير، وربما وصف نفسه بالجنون، فللعقل الجمعي خطورته وضرره. مع أنه ينبض بحاجات الأمة الصادقة وما يختلج في كيانها، فهي تعبر عن حاجات حقيقية صحيحة معقولة، بأساليب ومواقف قد تكون أحياناً غير معقولة. هنا يأتي دور العقلاء في التحكم بعقول الجماهير وليس الانسياق وراءها، فلا يحتمل اللوم سوى العقلاء في حال الخطأ أو التقصير. لذا فالخطيب - وليس القائد - هو الذي يسلم لسانه للجماهير تقول عليه وباسمه ما تريد حتى وإن لم يكن صحيحاً ولا معقولاً، وتجره كل يوم في وادٍ أو موقف لم يحسب حسابه ولم يكن معروفاً لديه. ومتابعة رغبات الجماهير في اتخاذ المواقف ظاهرة سلبية تقودنا إلى مواقع مجهولة لنا، ومواقف لم نحسب حسابها عملياً، بل لم تعطنا الجماهير الفرصة للتفكير فيها وما نحن فيه وحقيقة موقعنا وقدرتنا على القرار، فالخطباء مأسورون بحماسة جماهيرهم، والجماهير مأخوذة بما تسمع، ومسحورة بآذانها، والعقول في كثير من الأحيان في إجازة وخارج دائرة العمل، وعندما يسمح لها بالعمل فإنها تستهلك في تبرير الأعمال العاطفية السابقة. ليس هذا تجريحاً ولا تقليلاً من الرأي الجماهيري، ولكن وعي السلوك العام ودوافعه وأساليب صياغته للاستفادة منه وتجنب آثاره العكسية على العمل الإسلامي مطلب ملح. ومن مخاطر العمل الجماهيري أن المتحدث أو الخطيب يشق عليه المزج ما بين عملين رائدين في غاية الخطورة والتأثير، أولهما: رجل العقيدة، وثانيهما: رجل السياسة. فالعقيدة وعلمها وصفاؤها ومباشرتها ووضوحها والتزامها لها مطالبها. والسياسة وغموضها وثعلبيتها وعلمها وفنها ومزالقها لها مطالبها هي الأخرى، والجمع بينهما عند الأولين والمتأخرين نادر جداً. لا يليق بنا الاستسلام للجماهير، ولا الاستسلام للتاريخ كي يملي علينا مشاهده الرائعة التي لا نملك الحركة بها. فحاجتنا تملي علينا أن نتعامل مع العلم الشرعي، والثقافة التاريخية من حال واقعنا فلا نستسلم لأمجاد وأخبار هارون الرشيد ونفكر بعقلية (اذهبي أنَّى شئتِ فسيأتيني خراجك) ونخطب في جماهير منكودة الحاضر، ... مجروحة الكرامة، مستغرقة في الآمال والأحلام والتاريخ، ويزيد إخلاص السامعين وصدق نياتهم من حماستنا فننسى أين نحن وعلى أي المنابر، فنهدد برسالة هارون الرشيد إلى نقفور؛ ونقول: (من هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم) ، الجواب ما ترى لا ما تسمع. فيخرج نقفور من وسط الجماهير ويقبض على خطيبنا ويودعه السجن، والجواب ما ترى لا ما تذكر. وترجع الجماهير إلى بيوتها تضرب يداً على الأخرى ما بين حزين صادق كثرت عليه الأحزان - منذ اقتطاع بلاد المسلمين في فلسطين والصومال والبوسنة وكشمير حتى اختطاف شيخه وأمله القريب. وكان يملك أن يسمع (إنا لله وإنا إليه ... راجعون) ، كان يسمع شيخه يعزيه ويؤمله، واليوم لا يملك إلا أن يهمس بنفس الكلمات وأقل منها لزوجه - وآخرون كانوا يحضرون الخطبة بحماسة شديدة، وكأنها عندهم مسرحية حية بدأت بهارون وانتهت بنقفور، وعندما يعودون إلى مساكنهم يقولون: لقد غلط الشيخ وأخطأ، فنحن في عصر السرعة، ونقفور أصبح بإمكانه أن يصل، وأن يقبض على هارون، بل أن يسجنه ويقتله قبل أن يرسل هارون جنوده، نسي الجميع أن هارون قد رُمَّ من قرون. وهذا داء أمتنا من قديم نخبط كل يوم في بلاد، ويأخذ بعضنا كلام الآخر، يعيد تمثيله وإخراجه للناس دون أن ندرك أخطاء إخواننا الصادقين في كل مكان، ودون أن نحاول أن نتجنب ما حدث لهم، فعدوُّنا واحد: [وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ ولا النَّصَارَى] [البقرة: ١٢٠] ، وقد رمونا عن قوس واحدة، فليس يليق بنا تكرار المشاهد وهم يكررون نفس الأسلوب، ابحثوا عن طريق ورسخوا الحق، وابنوا وحداته الجزئية المثمرة المعروف أثرها، وعلَّموا الجماهير ما تحتاج، ولا تهيجوها لما لا تعلمون جميعاً، وتجنبوا خطب إلقاء (إسرائيل) في البحر، ولو لسنوات معدودات، تكفون فيها أيديكم وتستعدون ليوم تفعلون فيه شيئاً. وعندما يرتاب السامعون - لضعف الإثارة وقلة الحشد وخفوت صوت الحماسة - فذلك ما لا يلزم جوابهم عليه خاصة إن كانوا ممن لا تحتمل عقولهم الجواب، ولك في قول الشاطبي اقتداء، حيث قال: (وقد لا يلزم الجواب في مواضع، كما إذا لم يتعين عليه أو المسألة اجتهادية لا نص فيها للشارع، وقد لا يجوز جواب السائل، كما إذا لم يحتمل عقله الجواب، أو كان فيه تعمق أو أكثر من السؤالات التي هي من جنس الأغاليط وفيه نوع اعتراض) [٤] . والأمور بمآلاتها، وليست مما يسهل على الكثير وعيها، وتقوى الله فيهم واجبة، والنصح لهم واجب، وكلٌّ يُعطى من العلم حسب طاقته. ولا يذكر للمبتدئ من العلم ما هو حظ المنتهي بل يربَّى بصغار العلم قبل كباره [٥] . ومن تقوى الله في الأمة أن يدبر لها عقلاؤها المخرج بعيداً عن ضجة مكبرات الصوت والتهاب حماسة الجماهير؛ فارتجال المواقف مراعاة لمشاعر الجماهير وحماستهم لا تقل خطأ عن المسارعة في رضى الظالمين (ومسح الجوخ لهم) ، وإن كان الأول أعز وأكرم أمته بموقفه وحماسته، والآخر حطها بالتذلل والمسارعة لإرضاء الظالمين، ولكن قد يكون مآل الأمرين واحداً، وهو تمكين عدونا منا تعجلاً للثمرة، أو تطويعنا له نفاقاً أو هلعاً من مواقف الرجولة وهروباً من شبح المحنة.

стр. 1393

خواطر في الدعوة ظلم ذوي القربى محمد العبدة عندما كان القتال محتدماً بين أحزاب الجهاد الأفغاني في العاصمة كابل، وكانت القذائف تنزل حمماً على رؤوس الآمنين [١] والمسلمون في كل مكان يتألمون لما يقع بين إخوة الجهاد، ويزداد ألمهم عندما يفكرون بالأثر الذي يُحدثه مثل هذا القتال على نفسية المسلم ومعنوياته، ففي أثناء هذا الصراع تمنى أحد زعماء الجهاد إيقاف هذا القتال، وإن لم يكن نهائياً فعلى الأقل في شهر رمضان المبارك، وقال هذا القائد: كنا أحياناً نتوقف عن القتال في شهر رمضان أثناء جهادنا مع أعداء الإسلام، مع حكومة كابل الشيوعية، أفلا نستطيع الآن أن ننفذه مع إخواننا وفيما بيننا؟ ! . حقاً، إن ظلم ذوي القربى شديد على النفس، وهذا إذا وقع بين الأقارب في النسب، فكيف به إذا كان بين الأقرباء في العقيدة والدين، وكيف به إذا تعدى ظلم فرد لمثيله وأصبح فاشياً في ظلم مجتمع لمجتمع، أو جماعة لجماعة فهو أشد مرارة، وأكثر ألماً، وأقسى من كل ما تصاب به الأمة من عدو خارجي؛ لأن المحنة عندما تأتي من إخوة لك في الدين، فهذا سيؤدي إلى فقدان الأمل عند جماهير الناس بمن يتصدى للدعوة، وفقدان الأمل من قرب استئناف حياة إسلامية، وسيؤدي إلى الإحباط وإشاعة روح اليأس، وسيكون التساؤل قوياً وحاضراً وملحاً: إذا كان هؤلاء يتخاصمون ولا يتفاهمون، ويتعادون ويتشاكسون. فهل هناك أمل في الإصلاح المنشود؟ ! هل أصيب المسلمون بأمراض المنطقة وأوبئتها؟ فصاروا مثل غيرهم من الأحزاب المتناحرة، حيث اشتهر (الرفاق) في الأحزاب العلمانية بممارسات تصفية زملائهم، سواء بالتصفية الجسدية أو الإبعاد أو السجن. هل يعي المسلمون - والكلام ليس للأفغان وحدهم - أنهم بتنازعهم وأنانيتهم، وضيق أفقهم وروح الإقليمية التي شاعت بينهم، سيكونون من أشد المساعدين على بث اليأس والهزيمة النفسية، وهل يعي المسلمون الدرس الأعظم في تاريخنا، وهو مقتل الخليفة الثالث ظلماً وعدواناً، تلك المحنة الداخلية التي كانت أوقع أثراً في المجتمع الإسلامي، وفي التاريخ الإسلامي من كل المحن الخارجية. إننا لا نستطيع أن نقول لهؤلاء الذين يتشبثون بأنانيتهم وأغراضهم الخاصة، ويدافعون عنها ولو ضعفت الدعوة وتمزق الصف - لا نستطيع إلا أن نذكّرهم ونقول: اتقوا الله في هذه الأمة، التي تكاثر عليها الأعداء، فلا تكونوا عوناً لهم وإن كنتم لا تقصدون ذلك، ورحم الله امرأً عرَف قدر نفسه.

стр. 1394

طرق الطرح العلماني د. عمر المديفر ليست أساليب وطرائق العلمانيين في طرحهم للمبدأ العلماني واحدة، بل هي متغيرة بحسب الزمان والمكان، وهذه التغيرات قد تشمل أساليب الخطاب، وقد تمتد إلى أساليب عرض المبدأ العلماني، وهكذا..، فبينما تطرح العلمانية في قطر معين على أنها مضادة للدين، تطرح في قطر آخر على أنها موافقة للدين. وفي بلد ثالث تُفرض فيه العلمانية ببطء وحذر شديدين حتى لا تلفت الأنظار إلا بعد كونها واقعاً لا مناص منه. لقد كان كثير من العلمانيين في بدايات هذا القرن الميلادي لا يتقربون إلى الدين وأهله، وكانت شعاراتهم تتراوح بين القومية والشيوعية والاشتراكية، ولكن حينما اشتد ساعد الصحوة، وبدأ المسلمون يشعرون بقيمة دينهم، بدأ العلمانيون بكافة أصنافهم بالتقرب إلى الدين، وبمحاولة إيجاد صيغة تجمع بين علمانيتهم ومقاصدهم الشخصية وبين استغفال الشعوب المسلمة والاستخفاف بها من خلال التظاهر بالمظاهر الإسلامية! فعلى سبيل المثال، كان شبلي العيسمي (السوري الدرزي الذي فرّ من سورية إلى العراق سنة ١٩٦٧م) أحد منظِّري البعثية في العالم العربي لا يأتي للإسلام بذكر فيما يقرب من عشرة مؤلفات صدرت حتى عام ١٩٨٤م، أما ما بعد ذلك فقد ألف عن كون العرب مادة للإسلام، وعن (عروبة الإسلام) ! ! وكذلك كانت حال بقية المنظرين للعلمانية [١] . وكل هذا التغيير يدلنا على أن العلمانية ليست مقنعة كمنهج في العالم الإسلامي، لأن المسلم - مهما بلغ انحرافه - يشعر بارتباط الإسلام بالحياة العامة، ويشعر بكون الإسلام له سلطان على كافة أنحاء الحياة ومجالاتها، ولهذا نجد المسلم الذي لم تفسد فطرته لا يفكر في إمكانية الخروج عن شريعة الله، ومن هذا المنطلق يرفض العلمانيون أن يُستفتى الشعب في إقرار أو منع الدستور العلماني، لأنهم يعرفون حتمية خسرانهم. وهذه التغيرات تدلنا أيضا على أن العلماني ليس له هدف سامٍ وهو رفعة الوطن - كما يقول - بل هدفه هو الوصول لمصلحة شخصية، والأمثلة على هذا كثيرة ممن كانوا معارضين لأنظمتهم الحاكمة، ثم حينما اشتُريت مبادئهم بمنصب ودخل مادي انقلبوا مدافعين عن تلك الأنظمة! ! ويمكننا تقسيم أساليب الطرح العلماني إلى طرح مكشوف وآخر ملتوٍ مموّه! ١ - الطرح الصريح: وهذا الأسلوب هو أسلوب العلمانيين الأقحاح، الذين يستطيع المرء أن يصفهم بالغلو العلماني بلا تردد، لصراحتهم حول هذا المبدأ، وهؤلاء أمِنوا العقوبة لأنهم في بلد تحكمه العلمانية، والشرائع الجاهلية، التي تسمح لهؤلاء بالانتقاص من قدر الدين، والتعدي عليه، في حين تكمم أفواه الدعاة، والذين يريدون الدفاع عن دينهم!! ويرتكز هذا الطرح على ما يلي: أ- مدح الغرب وإطراؤه، ودعوة الأمة إلى اللحاق بركبه والتأسي بتجربته في رمي الدين جانباً وعزله عن الحياة، وعن هذا يقول أحدهم تحت عنوان (درس النهضة الأوربية) وهكذا نستخلص من استيعاب درس النهضة وموقفها من التراث حقيقتين على أعظم جانب من الأهمية: الأولى: هي أن من الممكن أن تقوم نهضة علمية فكرية رفيعة المستوى في مراحلها الأولى على أساس الرفض الحاسم للتراث، وذلك حين يكون هناك انقطاع في التراث يمنع من استمراره في خط متصل حتى الحاضر، وعندئذ لابد أن ترفع النهضة شعار (البدء من جديد) كعلامة على تحدي التراث. والثانية: هي أن التطور والتقدم المستمرين في المعرفة يساعدان على الوصول إلى نظرة تاريخية إلى التراث يختفي فيها التناقض بين تمجيده والاعتراف بتخلفه [٢] . ب - ادعاء علمانية الإسلام، وأنه لا تناقض بين الإسلام والعلمانية! ؛ لأن الإسلام دين فرد لا دولة! ويستدل هؤلاء بكتاب (الإسلام وأصول الحكم) لعلي عبد الرازق، وكتاب (الديمقراطية أبداً) لخالد محمد خالد وخير مثال لهذا الادعاء كتاب (العلمانية والدولة الدينية) لشبلي العيسمي. ج - ادعاء عدم صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان، وأنها نزلت في وقت معين، وأنها لابد أن تتطور لتوافق النمط الاجتماعي الجديد، ولو كان في هذا تجاوز لأحكام ثابتة غير اجتهادية؛ لأن المصلحة مقدمة على النص عندهم! ! وهؤلاء يدعون أنهم يؤمنون فردياً بالدين وشعائره! وإن كان معظمهم لا يؤديها! ! ويستدلون بأقوال هي إما لمنحرفين كمحمد أحمد خلف الله، وعلي عبد الرازق أو أقوال شاذة لبعض القدماء كقول نجم الدين الطوفي: (إن المصلحة مقدمة على النص) ! فتجد هذا النص متكرراً في كتبهم ومقالاتهم [٣] ، ولم ينقل أحدهم القاعدة ... المشهورة (لا اجتهاد مع النص) ولم ينقل أحدهم قول أئمة الإسلام فيمن يحدد ... المصلحة! ! د- التركيز على قضية المرأة وأنها مهانة في الإسلام، وضرب الأمثلة والإطناب في ذلك إلى حد زعم وادعاء اللعب على المرأة في الشريعة الإسلامية! ! حتى أن فؤاد زكريا ليقول - وبأسلوب مموه - (لو لم تكن المسألة في حقيقتها لعبة بارعة أتقنها الرجل لكي يخدر المرأة ويحقق بها مصالحه لاتجهت دعواته إلى أن يتحمل هو جزءاً من العبء على الأقل.. الخ) وكأن الشريعة وضعها رجل وليست شرعاً سماوياً! . هـ - جعْل الثورة الإيرانية الشيعية هي المثال لكل حكم إسلامي، وصحوة إسلامية، بل إنهم يرددون في كتاباتهم مزاعم تصف العمل للإسلام، والدعوة للعودة إليه، والتمسك به بالسعي إلى إقامة طهران أخرى! ! ؛ وهم بهذا يريدون أن يخوفوا الشعوب من الصحوة الإسلامية، ويحاولوا الصد عن دين الله، بل إن أحدهم قاس كل دولة إسلامية على الثورة الإيرانية بالنسبة للنص في الدستور على مذهب معين فقال: (وقياساً على هذا المنطق فإن الدولة الإسلامية في الوطن العربي يجب أن تعتمد على الأساس المذهبي، ولا يخفى ما في ذلك من خطر وخطورة على إمكانية قيامها من جهة وعلى مضمون الوحدة والتماسك بين أبناء الدولة الإسلامية المنشودة من جهة ثانية) [٤] وكأنه حريص على وحدة أي دولة إسلامية! و نقد الصحوة الإسلامية ومظاهرها، والسخرية منها والتعرض بالنقد اللاذع لرموزها من العلماء والدعاة وكل ذلك - كما أسلفنا - محاولة لإجهاض هذه الصحوة أو بث الوهن فيها، وتفريق الناس من حولها ولكنهم خابوا وخسروا. ٢- الطرح المموه: وأهل هذا الأسلوب غاية في الحذر والمكر، فهم يدَّعون الإسلام، ويتباكون على حال المسلمين، حتى يلتبس أمرهم على طالب الحق، فلا يستطيع تمييزهم، ولكنهم يعرفون بصدورهم عن آراء الشواذ فيما يتعلق بالشريعة وعدم رجوعهم إلى الحق ولو أقيمت عليهم الحجة، وهم في الغالب لا ينكشفون إلا في حال فرح غامر بانتشار المنكر أو استياء شديد عند حصول نصر للإسلام، ففي هذه الحال يصدر منهم ما ينبىء بما يخفون وبهذا يُتبيَّن انتماؤهم ومنهجهم. وغالب من يسلك هذا الطريق الملتوي يعيش في بلد ترتفع فيه راية الدين؛ فلا يمكن له التصريح بمنهجه، خشية من العقوبة الرسمية، أو خشية العقوبة الشعبية، كرفض الشعوب له وسقوط مصداقيته. ومن مرتكزات هذا الطرح ما يلي: أ- الدعوة إلى الاجتهاد والتجديد، والإلحاح على ذلك، وحشد النصوص والنقول الشاهدة على ذلك، ثم تمتد هذه الدعوة إلى الاجتهاد في ثوابت الدين، وتمتد إلى تجديد أحكام مجمع عليها وإلى الحث على تجاوز الإنتاج الفكري والفقهي الإسلامي على مدى أربعة عشر قرناً، والرجوع إلى الكتاب والسنة بشكل مجرد، ورفض أية وصاية - على حد زعمهم - يفرضها ذلك الإنتاج، وعدم الاعتراف بكثير من شروط الاجتهاد التي وضعها السلف! وقد تورط في مثل هذه القضايا بعض الكُتاب مثل فهمي هويدي في كثير من كتاباته وخاصة ما كتبه في فصل (وثنيون أيضاً عبَدة النصوص والطقوس) في ... كتاب (القرآن والسلطان) . والدكتور محمد عمارة في كتاب (الإسلام والعروبة والعلمانية) ، وفي كثير من كتاباته المعاصرة، وآخرين من أمثالهم. إن الدعوة إلى الاجتهاد في أصلها صحيحة، ولكن الاجتهاد له ضوابطه وشروطه التي فصّل فيها علماء الأمة القول، وبينوا أن المجتهد لابد له من الآلة، وهي علوم الشريعة، وأنه لابد - لكي يكون مجتهداً معذوراً - أن يبذل الوسع، ويخلص النية، وإلا كان كمن اجتهد في القرآن برأيه، فأصاب ولكنه مخطئ؛ لأنه اجتهد بغير علم، ويتناسى أصحاب هذه الدعاوى أقوال الفقهاء والعلماء في التحذير من القول على الله بغير علم [٥] . ب - ادعاء: أن المهم هو أساس الإسلام، ورسالته المهمة في إصلاح النفوس وتزكيتها وتهذيب الأخلاق، وأن هذا أهم من تطبيق الشريعة، وإقامة الحدود، والجهاد وغيرها مما يؤذي الحس العلماني المرهف! ! الذي يرضى بالشرائع الغربية، والقوانين الوضعية التطبيقية، ولا يهتم إلا قليلاً بنقل جدية الحضارة الغربية في العلم المادي، وهذا واضح في الجهود التي تبذلها الحكومات العلمانية في محاربة الدين، وتغريب القوانين، بينما لم يستطع أي من تلك الأنظمة التقدم تقنياً ومادياً كما تقدم في مجال التغريب! ويحرص العلمانيون على احتقار المظاهر الإسلامية، لأنها هي سمة المسلمين، وبها يعرف المسلم من غيره في عصور ظهور الإسلام، ولكن إذا فقدت هذه المظاهر أهميتها أصبح التمييز بين المسلم وغيره أصعب، وهذه الإشكالية صحيحة أيضاً بالنسبة للعبادات والشعائر العامة، وفي مثل هذه الأحوال يمكن للعلمانيين التحرك بحرية داخل المجتمع الإسلامي. ج - دعوى الحرص على الوحدة وعدم التفرق: هذه الدعوى قديمة ومتجددة لدى العلمانيين، فهم يرفعون هذا الشعار في كل مكان، ويرفضون التمسك بالدين - وبالذات في حكم المجتمع - لأنه - على حد ما يزعمون ويفترون - يفرق المجتمع، ويؤجج النزعة الطائفية، وقد قال هذه الدعوى كثير من العلمانيين، بل يذهب العلمانيون في تنظيرهم إلى وجوب تطبيق العلمانية لتحقيق ما يسمى بالوحدة الوطنية! وهذا أحدهم يقول عن العلمانية: (وتلغي تنظيم المجتمع على أساس الطوائف وهي إذ تلغي الطائفة - كوسيط بين الفرد والدولة - فإنها توفر أساساً ضرورياً للديمقراطية، وتوحيد المجتمع في إطار عقلاني لا يمكن أن يتحقق في ظل الانقسام الطائفي) [٦] . ويقول: (العلمانية هي الطريق الوحيد لتحقيق وحدة المجتمع، وإلغاء الانقسامات العامودية، مثل العشائرية، والعرفية، والقطرية، إلى جانب الطائفية) [٧] . ولست أدري هل غفل هؤلاء عن الدولة الإسلامية المترامية الأطراف - والتي استمرت لمدة تقرب من الأربعة عشر قرناً - وعاش في ظلها غير المسلمين أحسن من عيشتهم في ظل دياناتهم، مع أن الصليبيين حينما احتلوا الأندلس لم يبقوا فيها مسلماً واحداً ظاهراً إسلامه على عكس وضع كل الطوائف في الدولة المسلمة، بل إن اليهود استمروا تحت حكم هذه الدولة الإسلامية على دينهم طوال هذه الفترة. د- القول بتغير الفتوى بتغير الزمان: فالعلمانيون يذكرون هذه القاعدة في أكثر كتاباتهم، ويلفون حولها ويدورون، ويقيمون الحجج لها، وينقلون النصوص، ويحشدون أقوال السلف على صحتها وأهميتها، وهذه قاعدة صحيحة لا غبار عليها، وقد بحثها علماء الإسلام بحثاً دقيقاً وأصّلوها تأصيلاً شرعياً، ولم تحتجْ الأمة إلى العلمانيين كي يذكروها بها، ويفردوا الصفحات في كتبهم لمناقشتها، ولكن من يناقش وهو معظِّم لنصوص الشريعة ومحترم لها، غير من يناقش لكي يسقط بعض أحكام الشريعة، ولهذا لم يورد العلمانيون أن هذه الفتاوى التي تتغير بتغير الزمان والمكان إنما هي الفتاوى الاجتهادية في أحكام المعاملات، أما العبادات وأحكام الأسرة والمواريث فهي ثابتة لا تتغير (ونص هذه القاعدة عام في ظاهره، فالتغير في الظاهر شامل للأحكام النصية وغيرها، ولكن هذا العموم ليس مقصوداً؛ لأنه اتفقت كلمة الفقهاء على أن الأحكام التي تتبدل بتبدل الزمان وأخلاق الناس إنما هي الأحكام الاجتهادية فقط، المبنية على المصلحة، أو على القياس أو على العرف، أو على العادة، وعلى ذلك فالأحكام النصية ثابتة لا تقبل التغيير، ولا تدخل تحت هذه القاعدة وقد رأى بعضهم أن يكون نص القاعدة) لا يُنكر تغير الأحكام الاجتهادية بتغير الزمان (دفعاً لهذا اللبس وهذا قيد حسن) [٨] ، وعموماً ففتاوى علمائنا شاهدة على تطبيق هذه القاعدة بدون أن يلفت العلمانيون انتباههم إليها.

стр. 1395

حُسن السؤال.. نصف العلم سعود بن عيد الجربوعي روى الإمام البخاري في صحيحه عن المغيرة بن شعبة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات، ومنعاً وهات: وكره لكم ثلاثاً: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» [١] . هذا الحديث الشريف شامل لبيان جمل مهمة عن المحرمات، والمكروهات التي يجب على المرء المسلم أن يتجنبها، ويتحتم عليه أن يباعد نفسه عنها، وأن يحذر من مقارفتها أشد الحذر. أما قوله ﷺ : «وكثرة السؤال» .. فقد قال الحافظ ابن حجر ﵀ عند شرحه لهذا الحديث ما نصه: (وقد ثبت عن جمع من السلف كراهته تكلف المسائل التي يستحيل وقوعها عادة، أو يندر جداً، وإنما كرهوا ذلك لما فيه من التنطع، والقول بالظن، إذ لا يخلو صاحبه من الخطأ) [٢] . فالتنطع في السؤال وتكلفه، والسؤال عن الأغلوطات، والأمور المشكلات، وما ليس للمرء حاجة فيه من الأمور - أمر منهي عنه، ومحذر منه لما فيه من حصول الزلل والغلط، وقد روي عن الحسن البصري قوله: (شرار عباد الله ينتقون شرار المسائل يُعَمّون بها عباد الله) ، كما روي عن مالك قوله: (قال ... رجل (للشعبي) : إني خبأت لك مسائل. فقال: خبّئها لإبليس حتى تلقاه، فتسأله عنها) [٣] ، وقد ورد عن ابن عباس ﵄ ما يدل على أن الصحابة ... - رضوان الله تعالى عليهم - ما سألوا رسول الله ﷺ إلا عن ثلاث عشرة مسألة، كلهن في القرآن، وأنهم ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم [٤] . ومراده بقوله: (ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة) ، أي: المسائل التي حكاها الله في القرآن عنهم، وإلا فالمسائل التي سألوه عنها وبيَّن لهم أحكامها بالسنة لا تكاد تحصى كما بينه ابن القيم ﵀[٥] . يقول سيد قطب ﵀ عند تفسيره لقوله - تعالى -: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ] [المائدة: ١٠١] : (لقد جاء هذا القرآن لا ليقرر عقيدة فحسب، ولا ليشير إلى شريعة فحسب، ولكن كذلك ليبري أمة وينشئ مجتمعاً وهو هنا يعلمهم آداب السؤال وحدود البحث، ومنهج المعرفة. وما دام الله - سبحانه - هو الذي ينزل هذه الشريعة، ويخبر بالغيب، فمن الأدب أن يترك العبيد لحكمته تفصيل تلك الشريعة، أو إجمالها.. لا ليشددوا على أنفسهم بتنصيص النصوص، والجري وراء الاحتمالات والفروض.. [٦] ، ولكن طائفة من الناس لا يدركون هذا المعنى، فيقع منهم شيء من التنطع والتكلف. إما للإغراب، أو التشكيك أو إرادة الامتحان أو الاستهزاء، ومع ذلك كانوا يقابلون من العلماء بحسن الرد، فيُلجمونهم أشد الإلجام، ويُسكتونهم أيما إسكات، بردود تظهر فيها الحكمة، وحسن التخلص مع التربية والتأديب، ومن ذلك: ما رواه (اللالكائي) بسنده عن (جعفر بن عبد الله) قال: (جاء رجل إلى مالك بن أنس فقال: يا أبا عبد الله: [الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى] [طه: ٥] ، فكيف استوى؟ قال: فما رأيت مالكاً وجد من شيء كموجدته من مقالته، وعلاه الرحضاء - يعني العرق - قال: وأطرق القوم، وجعلوا ينتظرون ما يأتي منه فيه. قال: فسُرِّي عن (مالك) فقال: (الكيف غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وإني أخاف أن تكون ضالاً) . فأمر به فأُخرج) [٧] . وروى (القاضي عياض) في: (ترتيب المدارك) [٨] : قال حبيب: كنا جلوساً عند (زياد) [٩] ، فأتاه كتاب من بعض الملوك، فمد مدة، فكتب فيه، ثم طبع الكتاب، ونفذ به مع الرسول. فقال زياد: ألا تدرون عما سأل صاحب هذا الكتاب؟ سأل عن كفتي ميزان الأعمال يوم القيامة: أمن ذهب، أم من وَرِق؟ فكتبت إليه: حدثنا مالك عن ابن شهاب، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعينه» ، وسترد فتعْلَم. وردت عبارات كثيرة عن الأئمة تدل على كراهية السؤال عما لا ينفع السائل، فمن ذلك ما روي عن الإمام أحمد ﵀ قال: (سألني رجل مرة عن ... (يأجوج ومأجوج) : أمسلمون؟ فقلت له: أحكمتَ العلم حتى تسأل عن ... ذا؟) [١٠] .. هذا من جانب ومن جانب آخر نجد بعض الناس لا يبالون بما يفعلون، ولا يسألون عما يجهلون من أحكام دينهم وأمور دنياهم، فنراهم يتخبطون في مستنقعات الردى، وينزلقون في مزالق الذنب والمعصية، بسبب البعد عن شريعة الله وإغفال السؤال عن حكم الله، وحكم رسوله ﷺ في الأعمال قبل القيام بها، مما يؤدي إلى كثرة وقوع الحوادث المخالفة، التي لا أصل لها في الكتاب والسنة. يقول ابن رجب ﵀: (واعلم أن كثرة وقوع الحوادث التي لا أصل لها في الكتاب والسنة، إنما هن من ترك الاشتغال بامتثال أوامر الله ورسوله، واجتناب نواهي الله ورسوله، فلو أن من أراد أن يعمل عملاً سأل عما شرعه الله - تعالى - في ذلك العمل فامتثله، وعما نهى عنه فيه فاجتنبه: وقعت الحوادث مقيدة بالكتاب والسنة. وإنما يعمل العامل بمقتضى رأيه وهواه، فتقع الحوادث عامتها مخالفة لما شرعه الله، وربما عسر ردها إلى الأحكام المذكورة في الكتاب والسنة لبعدها عنها [١١] ، لذا وجب على المرء المسلم أن يتورع عن السؤال الذي لا حاجة له به ولا نفع، وأن يهتم بالسؤال عن الأمور النافعة التي يقوم بحسن القيام بها أَوَد أعماله، وأقواله وأحواله، وما يؤدي إلى معرفة ما يجب عليه من أمور عباداته ومعاملاته، والعلم بالله وصفاته، وما يجب له من القيام بأمره، مع المحافظة على لزوم الحدود الشرعية، والآداب العلمية عند السؤال، وليعلم أن العلم سؤال وجواب، وأن حسن السؤال نصف العلم) .

стр. 1396

موسى بين يدي الخضِر ﵉ دروس في أدب الطلب خالد بن صالح السيف ربما كانت الكتابة عن العلم الشرعي - من حيث كونه ضرورة لاستقامة حياة الأمة بمجموعها وآحادها - أمراً مكروراً بَلْهَ مما يستظهر حفظاً من لدن صغار طلاب العلم قبل كبارهم، وإن كان مثل هذا التكرار يحمد ويؤكد عليه إلا أن محاولة جعل هذا المحفوظ (العلم الشرعي) واقعاً يعيشه المتعلم في شتى تصرفاته، آكد في بذل الوسع لتحقيقه، حيث إن مقتضى العلم العمل، والنصوص من صريح القرآن وصحيح السنة متضافرة في هذا الباب، أما الآثار التي تواترت عن سلف هذه الأمة فهي من الاشتهار بمكان. فقد قال عمر بن الخطاب ﵁: ... (لا يغرركم من قرأ القرآن ولكن انظروا إلى مَن يعمل به) ، وقال مالك بن ... دينار ﵀: (تلقى الرجل ما يلحن حرفاً وعمله لحن كله) ! . كما أن العلماء عُنوا بهذا عناية فائقة سواء بإفراد مصنَّف مستقل كالخطيب البغدادي ﵀ في كتابه (اقتضاء العلم العمل) . أو بتضمين الكتاب باباً كما هو الحال عند ابن عبد البر في كتابه (جامع بيان العلم وفضله) حيث عقد: (باب جامع القول في العمل بالعلم) . أو بتناوله مبثوثاً في تضاعيف الكتاب كصنعة ابن رجب في كتابه (فضل علم ... السلف على علم الخلف) وصنعة ابن القيم في كتابه (مفتاح دار السعادة) وغيرهم ... كثير. وقبل تجاوز هذه التقدمة دعونا نتأمل قراءة ما خطّه ابن جماعة في هذا الشأن حيث كتب: (واعلم أن جميع ما ذُكر من فضيلة العلم والعلماء إنما هو في حق ... العلماء العاملين الأبرار المتقين الذين قصدوا به وجه الله الكريم والزلفى لديه في جنات النعيم، لا مَن طلبه لسوء نية أو خبث طويَّة أو لأغراض دنيوية من جاه أو مال أو مكاثرة في الأتباع والطلب) [١] . وبعد: فإن كل الذي سأتناوله في هذه المقالة لا يعدو أن يكون جزءاً من مفردات العلم الشرعي وطلبه إذ الحاجة إليه ملحة في أيامنا هذه حيث (الجُثُوّ على الركب.. ومجالسة الأشياخ) ظاهرة تستدعي أُنسنا واحتفالنا ومن قبل الاطمئنان على مسيرة هذه الصحوة المباركة وهي آخذة بهذا المسلك الذي يفضي بها إلى استقامة في المنهج، مع رسوخه في ثوابته، حيث مصدرية التلقي -الكتاب والسنة-وسلامة الاستدلال (وفق فهم السلف) . فالجزئية التي سأجيء عليها هي جملة من آداب الطلب قصرتها على ما كان بين موسى والخضر ﵉ في القصة الشهيرة التي جاءت في سورة الكهف، وحديث أُبي بن كعب الطويل بأطرافه [٢] ، ولم أرد استيفاء الآداب عامة؛ فذلك له مفرداته في التأليف وقد كُهفينا المؤونة [٣] . لماذا أدب الطلب؟ أجمل الإجابة عن هذا السؤال المشروع الشيخ بكر أبو زيد بالقول: بأن الآداب (تهذب الطالب، وتسلك به الجادة في آداب الطلب وحمْل العلم وأدبه مع نفسه، ومع مدرّسه، ودرسه وزميله، وكتابه وثمرة علمه، وهكذا في مراحل حياته. وإن غاب هذا الأدب في مراحل حياة الطالب كلها تكون نواقضها مجموعة آفات، فإذا فات أدب منها اقترف المفرط آفة من آفاته فمقل ومستكثر، وكما أن هذه الآداب درجات صاعدة إلى السنة فالوجوب، فنواقضها دركات هابطة إلى الكراهة فالتحريم [٤] ) وهكذا ندرك الأسباب التي دفعت علماء الأمة من السلف إلى الاعتناء بشأن أدب الطلب في مقدمات كتبهم - فضلاً عما أفرد - وتأكيدهم على ذلك بفواتح دروسهم وما خبر تخصيصهم لدروس مستقلة في هذا يستهلون بها حلقاتهم بأمر خفي. لست أدري.. أتقوم قائمة لعلم بتجرد طلابه من أدب الطلب؟ أم ثمة علم نافع لا يورث أدباً! ! والإجابة عن كلا التساؤلين بالنفي. فللعلم عند أهله صيانة وقد روى الخطيب - رحمه الله تعالى - بسنده عن حمدان بن الأصبهاني قال: (كنت عند شريك، فأتاه بعض ولد المهدي فاستند إلى الحائط وسأل عن حديث، فلم يلتفت إليه، فأعاد عليه، فلم يلتفت إليه. فقال: كأنك تستخف بأولاد الخلافة؟ ، قال: لا، ولكن العلم أزيد عند أهله من أن يضيعوه. قال: فجثا على ركبتيه، ثم سأل، فقال: شريك: هكذا يُطلب العلم) [٥] . للعلم رحلة ومجاهدة: لم تكن رحلة موسى ﵇ إلا أثراً لما كان منه هو، إذ إنه كان في ملأ من بني إسرائيل، إذ جاءه رجل فقال: هل تعلم أحداً أعلم منك؟ قال موسى: لا. فأوحى الله إلى موسى: بلى عبدنا خضر. فسأل موسى السبيل إليه فجعل الله له الحوت آية،.. هذا عند البخاري وعند مسلم [٦] من وجه آخر عن ابن إسحاق بلفظ: (ما أعلم في الأرض رجلاً خيراً أو أعلم مني) ، فمجيء هذه الرحلة رغبة في الاستزادة من العلم وحثّاً على التواضع وحرصاً على طلب العلم (وليس قول موسى ﵇: أنا أعلم كقول آحاد الناس مثل ذلك ولا نتيجة قوله كنتيجة قولهم فإن نتيجة قولهم العُجب والكبر، ونتيجة قوله المزيد من العلم والحث على التواضع، والحرص على طلب العلم [٧] كما أنها - الرحلة - وحي أوحاه الله إليه من بعد أن عتب الله عليه إذ لم يردّ العلم إليه، فأوحى الله إليه أن عبداً من عبادي بمجمع البحرين هو أعلم منك) [٨] فالرحلة في مجملها استجابة لأمر الله - تعالى - وإيقافاً لموسى ﵇ على ما لم يقف عليه من قبل مع ما ذكر سلفاً من الاستزادة من العلم والحث على التواضع والحرص على الطلب إضافة إلى جملة الآداب التي أصبحت هدياً لمن سلك فجاج العلم أو سمْتاً لهم. لقد جاءت الرحلات في طلب العلم اقتفاءً لأثر موسى في رحلته التي خلدها القرآن الكريم، واستتبعتها السنة مسلكاً شرعياً، وأثر هذا باقٍ على وجه أخص عند سلف هذه الأمة ﵃ بمجرد تصفحك لكتاب الخطيب البغدادي (الرحلة في طالب الحديث) [٩] تظفر بعدد من الرحلات تبين علو الهمة في ... استسهال وعورة الجادة وتكبد مشاق وعثاء السفر، وائتلاف الغربة. كل ذلك التماساً للعلم ورغبة في أن يسهل الله به طريقاً إلى الجنة وفي هذا المبتغى ودونه خرط القتَاد. قال عبد الله بن مسعود ﵁: (ما أنزلت آية إلا وأنا أعلم فيما أنزلت ولو أني أعلم أن أحداً أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل والمطايا لأتيته) [١٠] . ومن أشهر الرحلات رحلة جابر بن عبد الله ﵁ رواها مسلم في كتاب الجنة، (ج٤، رقم الحديث ٥٦) . ورحلة أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه - رواها مسلم في كتاب البر، (ج٤، رقم الحديث ٥٨) . وكلاهما في رحلتيهما لسماع حديث واحد. وثمة آثار عند سلف هذه الأمة جاءت لتأكيد أمر الرحلة في طلب العلم عامة والحديث خاصة تجدها مبسوطة في سِفْر الخطيب البغدادي (الرحلة في طلب الحديث) وانظرها عند ابن الصلاح في علوم الحديث، وعند العراقي في شرح ... ألفيته، وأيضاً عند السيوطي في التدريب. الخطيب البغدادي.. ومجمل الآداب: نبدأ أولاً في (عملية جمعنا) للآداب التي نستفيدها من قصة موسى والخضر ... ﵉ بالخطيب وقد أجملها بقوله: (قال بعض أهل العلم، إن فيما ... عاناه موسى من الدأب والسفر والصبر عليه من التواضع والخضوع للخضر، بعد معاناة قصده، مع محل موسى من الله وموضعه من كرامته وشرف نبوته -دلالة على ارتفاع قدر العلم، وعلو منزلة أهله، وحسن التواضع لمن يُلتمس منه ويؤخذ عنه ولو ارتفع عن التواضع لمخلوق أحد بارتفاع درجة وسمو منزلة - لسبق إلى ذلك موسى، فلما أظهر الجد والاجتهاد والانزعاج عن العطن، والحرص على الاستفادة مع الاعتراف بالحاجة إلى أن يصل من العلم ما هو غائب عنه دل على أنه ليس في الخلق من يعلو على هذه الحال ولا يكبر عنها) [١١] . السعدي.. ومفصّل الآداب: ويجئ من بعد الحافظ البغدادي العلاَّمة السعدي ليفصل هذا المجمل ويزيد في استقراء الفوائد والأحكام والقواعد، أقتصر منها على ما يخص هذه المقالة بتصرف يسير [١٢] : ١ - فضيلة العلم والرحلة في طلبه وأنه أهم الأمور: رحل موسى - عليه السلام - مسافة طويلة، ولقي النصب في طلبه، وترك القعود عند بني إسرائيل لتعليمهم وإرشادهم، واختار السفر لزيادة العلم على ذلك. ٢- البدء بالأهم فالأهم، فإن زيادة العلم وعلم الإنسان أهم من ترك ذلك، والاشتغال بالتعليم دون تزود من العلم والجمع بين الأمرين أكمل. ٣- أن المسافر لطلب العلم أو جهاده أو نحوه، إذا اقتضت المصلحة الإخبار بمطلبه وأين يريد فإنه أكمل من كتمه؛ لأن في إظهاره فوائد من الاستعداد له، واتخاذ عدته، وإتيان الأمر على بصيرة، وإظهار الشوق لهذه العبادة الجليلة كما قال موسى: [لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً] [الكهف: ٦٠] . ٤ - أن المعونة تتنزل على العبد على حسب قيامه بالمأمور به، وأن الموافق لأمر الله يعاني ما لا يعانيه غيره لقوله: [لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً] [الكهف: ٦٢] . والإشارة إلى السفر المجاوز لمجمع البحرين، أما الأول فلم يشتكِ منه التعب - مع طوله - لأنه هو السفر على الحقيقة. وأما الأخير فالظاهر أنه بعض يوم؛ لأنها فقدا الحوت حين آويا إلى الصخرة. ٥- التأدب مع المعلم، وخطاب المتعلم إياه ألطف خطاب لقول موسى - عليه السلام -: [هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً] [الكهف: ٦٦] فأخرج الكلام بصورة الملاطفة والمشاورة، أي: هل تأذن في ذلك أم لا؟ وإقراره بأنه يتعلم منه بخلاف ما عليه أهل الجفاء أو الكبر الذين لا يُظهرون للمعلم افتقارهم إلى علمه. بل يدَّعون أنهم يتعاونون هم وإياه! ، بل ربما ظن أحدهم أنه يُعلم معلمه، وهو جاهل جداً، فالذل للمعلم، وإظهار الحاجة إلى علمه من أنفع الأشياء للمتعلمين. ٦- أن تعلم العالم الفاضل للعلم الذي لم يتمهر فيه يكون ممن مهر فيه - وإن كان دونه في العلم بدرجات كثيرة - فإن موسى ﵇ وهو من أُولي العزم من المرسلين الذين منحهم الله، وأعطاهم من العلم ما لم يعطِ سواهم؛ فعلى هذا لا ينبغي للفقيه المحدث - إذا كان قاصراً في عالم النحو أو الصرف، أو نحوهما من العلوم - أن لا يتعلم ممن مهر وإن لم يكن محدثاً ولا فقيهاً. ٧- إضافة العلم وغيره من الفضائل لله - تعالى - والإقرار بذلك، وشكر الله بقوله: [تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ] [الكهف: ٦٦] ، أي مما علّمك الله - تعالى -. ٨- أن العلم النافع هو العلم المرشد إلى الخير، فكل علم يكون فيه رشد وهداية لطريق الخير، وتحذير عن طريق الشر، أو وسيلة لذلك فإنه من العلم النافع، وما سوى ذلك فإما أن يكون ضاراً أو ليس منه فائدة لقوله: [أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً] [الكهف: ٦٦] . ٩- أن مَن ليس له قوة الصبر على صحبة العالم والعلم، وحسن الثبات على ذلك ليس أهلاً لتلقِّي العلم، فمَن لا صبر له لا يدرك العلم، ومن استعمل الصبر ولازمه أدرك به كل أمر سعى إليه؛ لقول الخضر: [ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً] [الكهف: ٨٢] . ١٠- الأمر بالتأني والتثبت وعدم المبادرة إلى الحكم على الشيء حتى يعرف ما يراد منه وما هو مقصود. ١١- أن المعلم إذا رأى المصلحة في إيعازه للمتعلم أن يترك الابتداء في السؤال عن بعض الأشياء، حتى يكون المعلم هو الذي يوقفه عليها فإن المصلحة تتبع، كما إذا كان فهمه قاصراً، أو نهاه عن السؤال عن دقيق الأشياء التي غيرها أهم منها، أو لا يدركها ذهنه، أو يسأل سؤالاً لا يتعلق بموضع البحث. ١٢ - أن الإنسان غير مؤاخذ بنسيان، لا في حق الله ولا في حقوق العباد؛ لقوله: [لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ] [الكهف: ٧٣] . ١٣- أنه ينبغي للإنسان أن يأخذ من أخلاق الناس ومعاملاتهم العفو وما سمحت به أنفسهم، ولا ينبغي له أن يكلفهم ما لا يطيقون، أو يشدد عليهم ويرهقهم فإن هذا مدعاة إلى النفور منه والسآمة، بل يأخذ المتيسر ليتيسر له الأمر. ١٤- وفي القصة تبدو القاعدتان الكبيرتان الجليتان التاليتان: * الأولى: وهي أنه: (يُدفع الشر الكبير بارتكاب الشر الصغير) وتراعَى أكبر المصلحتين بتفويت أدناهما، فإن قتل الغلام شر، ولكن بقاءه حي يفتن أبويه عن دينهما أعظم شراً منه، وبقاء الغلام من دون قتل، وعصمته وإن كان يظن أنه خير، فالخير ببقاء دين أبويه وإيمانهما خير من ذلك، فلذلك قتله الخضر، وتحت هذه القاعدة من الفروع والفوائد، ما لا يدخل تحت الحصر، فتزاحُم المصالح والمفاسد كلها داخل في هذا. * الثانية: وهي أن (عمل الإنسان في مال غيره إذا كان على وجه المصلحة وإزالة المفسدة أنه يجوز - ولو بلا إذن - حتى ولو ترتب على عمله إتلاف بعض مال الغير، كما خرق الخضر السفينة لتعيب فتسلم من غضب الملك الظالم. ١٥ - استعمال الأدب مع الله - تعالى - في الألفاظ: فإن الخضر أضاف عيب السفينة إلى نفسه بقوله [فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا] [الكهف: ٧٩] وأما الخير فأضافه إلى الله - تعالى - لقوله: [فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا ويَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ] [الكهف: ٨٢] . ابن حجر ودقيق الاستنباط: وننتهي عند الحافظ ابن حجر [١٣] في دقيق استنباطه لننقل - كما فعلنا مع سابقيه - عنه بشيء من التصرف من آداب الطلب مع الحرص على تجاوز التكرار: أولاً: الترغيب في احتمال المشقة في طلب العلم لأن ما يُغتبط به تحتمل المشقة فيه، ولأن موسى ﵊ لم يمنعه بلوغه من السيادة المحل الأعلى من طلب العلم وركوب البحر لأجله. ثانياً: التنبيه لمن زكّى نفسه أن يسلك مسلك التواضع ولزومه في كل حال. ثالثاً: أن الأنبياء ومَن دونهم لا يعلمون من الغيب إلا ما علّمهم الله، إذ لو كان الخضر يعلم كل غيب لعرف موسى قبل أن يسأله كما في: فقال الخضر: وأنى بأرضك السلام؟ فقال: أنا موسى. رابعاً: وجوب التأني عند الإنكار في المحتملات، فإن الذي فعله الخضر ليس في شيء مما يناقض الشرع، وإن نقص لوح من ألواح السفينة لدفع الظالم عن غصبها ثم إذا تركها أعيد اللوح جائز شرعاً وعقلاً ولكن مبادرة موسى بالإنكار بحسب الظاهر، وقد وقع ذلك واضحاً في رواية أبي إسحق، التي أخرجها مسلم ولفظه: (فإذا جاء الذي يشرها فوجدها منخرقة تجاوزها فأصلحها. أما قتله الغلام ... فلعله كان في تلك الشريعة. وأما إقامة الجدار فمن باب مقابلة الإساءة بالإحسان ... والله أعلم) . وأخيراً.. [فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ] [الأنعام: ٩٠] : وعقب هذه الحصيلة المباركة من الدروس - في أدب الطلب - التي استنبطها علماؤنا (البغدادي، وابن حجر، والسعدي) ﵏ جميعاً - من قصة موسى ﵇ والتي جاءت في مجموعها مصابيح يستضئ بها أبناء أمتنا على امتداد طريقهم في طلب العلم الشرعي، حيث الأمر في قوله - تعالى - لنبيه ﵊: [أُوْلَئِكَ الَذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ] [الأنعام: ٩٠] ، (وموسى ﵇ منهم فتدخل أمة النبي ﷺ تحت هذا الأمر إلا فيما ثبت نسخه) [١٤] . وحسبي من هذه المقالة - التي كنت فيها جامعاً ليس غير - أن تجد هذه القصة بدروسها المستفيضة عناية من لدن المشتغلين بالعلم الشرعي، وطلابهم والتأكيد على درسها وتدريسها في حلقة العلم حيث المساجد، وفي المدرجات حيث المدارس والجامعات. وإن كنت أذكر في هذا السياق أن ثَم دروساً في أدب الطلب كثيرة - يجمعها من قبل هدي المصطفى، وما كان من أصحابه بين يديه، وما كان أيضاً من تابعيهم بين أيديهم وهكذا فيمن جاء من بعدهم استناناً بمسلكهم. وأخيراً.. فلا ريب أن دروساً لم تزل بعد مكتنزة في ثنايا (قصة موسى مع الخضر ﵉) ولعلنا نعدم من يبدأ من حيث انتهى علماؤنا (فكم ترك ... الأول للآخر من شيء) .

стр. 1397

البيان الأدبي نوافذ الوجع في ديوان (صراع مع النفس) [*] بقلم: محمد شلاّل الحناحنة كيف نحدد الحزن على خارطة المشاعر.. كيف نرنو لسروة الروح ودمنا ... يتصفد حاراً في العروق؟! كيف نهز تفاحة الشعر لنقترب من الأرض، ونؤاخيها ... بدلاً من أن نؤطِّر الصراع معها؟! لِمَ ننزف هذا الشجى فجأة لنقطف وردة؟ أو ... نؤلب أبجدية النفس لمزيد من صفاء الفكر؟ ! هذا ما فاح عليَّ أثناء قراءتي لديوان (صراع مع النفس) لشاعرنا الدكتور ... عبد الرحمن صالح العشماوي. هذا الديوان يجعلك تلوّح من بعيد لأزهار الأسئلة، تنتفض كطائر جريح أمام حسرة الفجائع، إنه الألم المترع بالآهات والعذاب وهو بعد ذلك غصة تمتطي القلب: وتلك بعض نفسي ... في فرحتي وبؤسي ... تدق من ألحانها ... لحزنها بجرسِ ... كتبتها (قصائداً) ... لتستريح نفسي ... هذا الحزن الصافي الذي ينشده عبد الرحمن العشماوي لا يرتطم بعبثية الموقف، ولا يندحر أمام (مازوخية) ، مَرَضية في تعذيب الذات كما تحطمت ... نفسيات كثير من الشعراء التائهين الضالين بين لُجج الفكر المنحرف المستهلَك، وهو بعد ذلك لا يروم في حزنه عبر ضبابية تنصهر على مذابح السريالية. إنه يستدرك التساؤل المرير عن سر صراعه وألمه: لكنني بشريعتي أحيا على درب اليقين ... أنا عاشق للقمة الشمَّاء للحبل المتين ... لكتابي السامي ويكفيني به شرفاً ودينِ ... أليست هذه الأوبة، أوبة الواثقين المتمسكين بحبل الله المتين، أليس هذا العشق عشقاً لليقين، عشقاً للمعاني الخالدة، والقيم الإسلامية المثلى. حقاً، ما كان هذا صراعاً بقدر ما هو مشاعر إسلامية تتوثب، كأن أحلاماً جميلة واثقة تترعرع، وحنيناً متوقداً لشرفات الفضيلة، وعزماً يؤوب إلى الخلود: نهوى شباباً شاعريَّ ... الحسِّ موفورَ الحنين متوقد العزمات ... شرف وذا خلق ودين ذا يعلو بدين الله في ... صف الرجال الخالدين إنها الانطلاقة نحو عزيمة صادقة، تتدفق بالأحاسيس الواعدة شمماً وتشهد لهذا الشمم غايات تفضي إلى غايات خصيبة: ومشاعر الإيمان تسقي أرض أحلامي الخصيبة ... فمضيت أدعو أمتي لترد أوطاننا السليبة ... يا أمتي سِيري فكأس النصر دانية خصيبة ... أما رموزه فهي شفيفة قريبة قرب الندى لشفاه الورود، وقرب الفكر الإسلامي لفطرة الإنسان، فيها بساطة متميزة، ويقظة صادقة لجراح دفينة، فتلك شجرة لوز مخضرة ندية العود، إلا أنه لا يلبث أن يعريها الظمأ والغياب عن ذبول ويباس: أسقطت أغصانك الخضراء أحداث الدهور ... وتوارى حسنك المحبوب في ظل العصور ... لم تعودي بسمة الروض وهيفاء الغدير ... أين أغصانك ذات الرقص في عز الجذور ... هكذا استسلمت في يأس فأيقظت شعوري ... وأسلت الدمعة الحسناء من جفنى الكسير ... هكذا ذكرتني بالخالق الحي القدير ... هكذا ينزّ الوجع عبر هذه المعادلة المرة، هذه المعادلة التي صاغها شاعرنا متوجعاً ومستشرفاً رموزه المغرقة بالأنين، إنه وحدة المصير للكائنات الحية جميعاً ولكن الإنسان بما منحه هذا الخالق المبدع من تكريم وتقدير هو المعني الأوحد بهذا المصير، أما بقية المخلوقات فسخرها الرحمن بشكل أو بآخر لهذا الإنسان الذي كرمه ونعمه! وإن كان الموت نهاية هذا الوجود الدنيوي، وهو مقدمة لما بعده من حياة أخرى، فما بالنا نتكالب على الحياة الفانية ونعرض عن الحياة الخالدة، أو ليس هذا ظلماً لأنفسنا، وهل بعد هذا الظلم من ظلم! ! وتمضي القصائد في اقتناص دهشتها من عصارة القلب، ناشرة حسرتها ولواعجها المؤلمة، إلا أنها أخيراً تركن إلى مجد هذا الدين، وتأوي إلى عالم الأسرار: لا تسألي عن ضيق صدري ... أنا مغرم بخلاص أسري ... أفضي وايماني قريني ... والهداية رأس أمري ... أنا لست إلا مؤمناً ... بالله في سري وجهري ... نسمات من الإيمان يعزفها شاعرنا العشماوي، وذكريات حزينة رهيفة يرويها بعطر دمه، فتتوهج الضلوع ببوح شفيف عبر قصائده، ويوشوش بخواطره الدافئة أغصان القلوب، وهي تجدف لبث عبيرها الإيحائي من خلال صور شعرية مكثفة ونابضة بالحياة، يرف مع رفيف طيور الأسى، ويشدد للشمس أوجاعه وآلامه الحرّى: فابسمي يا شمس للولهان ... للقلب الكئيب ... كل نجم سوف يغفو ... بين أحضان المغيب ...

стр. 1398

صرخة ألم في وجه الأمة فيصل محمد الحجي ربِي خيولَكِ في بُحْبُحةِ الرغدِ لا ترصديها ليوم الحرب واقتصدي وارمي سيوفَكِ كي يقتاتَها صدأ الفارسُ الشهمُ للهيجاءِ غير صَدِ [١] لا تعجبي ف [صلاحُ الدين] مِن غدِنا قد استقال.. لكي نحيا بدون غدِ ألقى الولاءَ لـ (أرناط) وقال له: جَرِّد حسامَكَ واحْمِ الأمنَ في بلدي لا لا تلمني.. فإني اليوم منشغلٌ بالجمعِ واللهوِ والأزواجِ والولدِ كأنَّه ليس من أحفاد مَن وَرَدُوا غُرَّ المعركِ في بدر وفي أُحُدِ يا أمتي ما أراكِ اليومَ سائرةً على طريق الهدى والخيِر والرَّشدِ لِمَ ارتختْ ببني الإسلام أربطةٌ ووُثِّقت بذوي الصلبانِ بالعُقَدِ؟ ولم تعد جمعة الإسلام تجمعنا إلا إذا شاء أهلُ السبتِ والأحدِ فأي عِرْق ٍ إلى الكفار تنسبنا بوش بن قحطان أم متران [٢] سِبط عدي [٣] غدا الأذان غريباً في مسامعنا كأنه اليومَ يدعونا إلى الفَنَدِ كيف اقتدائي؟ وفي المحراب منتصباً (شاميرُ) يقرأُ في تلموده النَّكِدِ؟ ما لي أراكِ إلى الأعماقِ هاويةً؟ يا أمتي فكّري في الأمر واتَّئدِي فما تقدمتِ إلا للوراءِ.. وما علوتِ إلا لقاع الذل والنَّكَدِ ما أنتِ والعقمُ يا عرباء في زمن لم تحملي فيه أبطالاً ولم تلدي؟ لاالسمحُ [٤] يزحف في وجه الغزاة غداً ولا (الرشيدُ) يردُّ الكيدَ عن بلدي يُظلني الموت إحساساً فإن سَلِمَتْ ظهري من الطعن لم أسلم من الكَمَدِ كأن كلَّ هموم الأرض قد جَمعتْ أشواكَها الحُمْرَ والنيرانَ في كبدي ركعتِ للروم - بعد الفرس - راغمةً لو قمتِ بالسيفِ لم تعني لمضطهدِ فإن تمخَّض ضِرْعٌ. فاز قيصرهم بالزُّبْد.. وانشغل الأعرابُ بالزَّبَدِ أجدادُنا الشُّمُّ بالأقدامِ قد وَطِئُوا هامَ الفراعينِ أهلِ العزِّ والعَدَدِ لأنتِ أعظمُ أهل الأرض قاطبةً لو عدتِ معتزةً بالواحدِ الصمدِ أظلُّ رغمَ اربدادِ الليل منتظراً فجرَ البشائرِ في أثوابِها الجُدُدِ ما دام قرآنُ ربي في مؤانستي وسُنةُ المصطفى الغراءُ في خَلَدي وفتيةٌ قلةٌ في الناس قد نَهَدُوا لكل حربٍ.. وعافوا عيشةَ الرَّغَدِ.. طوفانُ نوحٍ أراح الأرضَ من دنسٍ ونحن طوفانُنا المأمولُ فجر غدِ

стр. 1399

سراي ايفو.. سراييفو محمود السيد الدغيم سراي ايفو سراييفو! ! ... لقد أسقطت عن كل اللئام - الشُّمِّ - أقنعةً تستر مارقاً جَمَحَ ... وبانتْ عورةُ القادةْ ... وبان القبحُ وانفضحَ ... وسادتْ محفل السادةْ ... تفاهاتٌ تناستها طلائعُنا، وعافتها ثقافتنا ... وغلفها ظلامُ الليل عقب الليلِ والليلِ ... فقد كنا وما زلنا مشاةً نحفر السفحَ الذي جُرِحَ ... بأقدام الحفاة، الأرضُ تعرفنا ... ونعرفها إذا سرنا، وفر القائدُ المشبوهُ وانفضحَ ... وتجهل قادةً قادوا على الخيل، تقاذفهم قوي الموجِ من سيل إلى سيلِ ... وما اكترثوا بما عانت حرائرنا! ! من الآلام والويلِ ... لقد صرخت حرائرنا وما سمعوا ... أصمَّ السادةَ الصممُ، وراودهم على أعراضنا الطمعُ ... فما سمعوا صراخ الطفل والغادةْ ... لأن الأمر لا يعني سيادتَهم، ولا يلغي قيادتهم ... أتلك شمائل السادةْ؟ ؟ أتلك شمائل القادةْ؟ ؟ ... * * * سراي ايفو سراييفو ... سراييفو عروس العصر تُغتصب، وتَهتك عِرضَها النُّوبُ ... على مرأى دعاة العدلِ، يا إسلام! يا عربُ! ... يدنِّس عرضها الكروات والصربُ ... ويقهرها بجامعها بمسجدها صليبي يهودي تزينُ صدره الأنواط والرتبُ ... وأوربا - بلاد العلم - تغمض عينها قصدا لأن الأمر يعنينا ... ولا يعني رعاياها ... لأن الأمر يخدمها ويفرحها، يخدرنا ويوقظها ... وتغدو - بعدما اغتُصبت سراييفو - عروس المجد حاضرةً بلا إسلام تصبح من سباياها ... ويصبح شعبها سبياً تقاسمه رعاياها ... وأرض العُرب والإسلام حاصرها جنود وسائل الإعلامِ ... والتضليل والتدجيل فانتشرت ضحاياها ... أماتوا الحس واغتالوا شهامتنا، كما اغتالوا بطولتنا ... كما اغتالوا كرامتنا، فلا عشنا ولا متنا ... وخدرنا بريق وسائل الإعلام وانتصرت إرادتهم، فما ضمدت إرادتنا ... لقد هُزمت قواعدنا - بحرب وسائل الإعلام فانسحبت - كما هُزمت قيادتنا ... وما قنعت أعادينا بما خسرت قبائلنا ... بما عانت أراملنا ... بما ذاق اليتيم الراحل المحزون من ألم ... بما عاناه مغلوب يقاسي وهو مضطرب ... فأوربا - بلاد العلم والتصنيع والنقم ... أمانيها: إذا متنا يعُمّ ربوعها الطربُ ... إذا أعلامنا طويت، وما خفقت ... إذا شجعاننا قتلت، وما انتصرت ... إذا أكبادنا اغتُصبت، وما انتقمت ... إذا قواتنا خُذلت، وما نُجدت ... إذا أفكارنا سقطت، وما نهضت ... إذا أحرارنا قُمعت، وما قَمعتْ ... وعم الذل وانتشرا، ومزق شرقنا الغربُ ... فروما سوف تغتبطُ ... وكي نحيا شروط الذل تشترطُ ... لها في ذلنا أَربُ ... ولو أخفت نواياها ... ومهما صحبُها كذبوا ... لكي يخفوا خفاياها ... فقد كانت وما زالت كأفعى حين تتقلبُ ... تصب السم في أنهار عالمنا ... لكى تقضي على الإسلام والسلمِ ... إذا أبطالنا هزموا ... تؤجَّج ضدنا الحربُ ... وتفقأ كل أعيننا، ويبدأ سلبت جهراً بقانون أقر بنوده الغربُ ... وتبقى خلفنا قصص حكايات يرددها هدير الموج والشطُّ ... فيحيى سخطَنا سخطُ ... وتشرب من دم الأطفال رومانُ ... وتنشد جوقة الرومان ملحمة: بروما الآن نغتبطُ ... لقد قُتلت سراييفو وعنها القادة الأنذال قد هربوا ... صلبناها كصلب القدس والأحزاب تحتزبُ ... كذا: فليُصْلَبِ الصلبُ ...

стр. 1400

المسلمون والعالم كشمير: أليس لهذا الليل من آخر؟ ! د. يوسف الصغير الموقع والسكان: تقع ولايتا (جامو) و (كشمير) شمال شبه القارة الهندية الباكستانية، ... ... وحدودها متاخمة لخمس دول وتحدها باكستان من جزء من شمالها الغربي، ومن غربها، ومن جزء من جنوبها الغربي بطول ٧٠٠ ميل تقريباً، وتحدها الصين في جزء كبير من شمالها ومن شرقها، ومن جزء صغير من جنوبها الشرقي وتحدها الهند في جزء من جنوبها بطول ٢٠٠ ميل تقريباً، وتبلغ مساحتها ٨٤٤٧١ ميلاً مربعاً، وهي بلاد جبلية فيها سهلان أو واديان هما وادي جامو، ووادي كشمير، وهي طيبة المناخ، كثيرة الأنهار والغابات، وتنبع منها الأنهار التي تروي باكستان، وهي أنهار السند وجيلم وجناب، وكان الاسم العربي القديم لها هو: (سقف الدنيا) ويتجاوز عدد سكانها (١٢) مليون نسمة، ٨٥% منهم مسلمون، وهم أغلبية في ... جميع المناطق حيث تبلغ نسبتهم ٩٠% في وادي كشمير أما في منطقة جاجيت فتبلغ نسبتهم ١٠٠%، وأشهر القبائل: الشيخ، والسيد، والمغول، والباتان، وهي إسلامية، أما قبائل الهندوك فأشهرها: بانديت، وريشي، وقبائل البانديت متعصبون للبرهمية، ومنهم رئيس الوزراء الهندي السابق جواهر لال نهرو، ولغتهم خاصة بهم، لا تشبه اللغات الهندية، وهي قريبة من الفارسية. *** دخول الإسلام: على الرغم من دخول المسلمين الهند، وحكمهم إياها فإن دخول الإسلام إلى كشمير تأخر بسبب مناعتها، ولكن ملكها البوذي (دنجن شا) اعتنق الإسلام على يد أحد الدعاة، وتسمى باسم (صدر الدين) وحكمها الملوك من أبناء كشمير من سنة ١٣١٠م حتى سنة ١٥٥٢م، ثم جاء حكم المغول المسلمين فاستمر حتى سنة ١٧٥٢ م، ثم حكمها الولاة الذين يعيَّنون من أفغانستان، ولما ضعف الحكم الإسلامي في الهند واتسع نفوذ الإنكليز فيها أقام السيخ فيها دولتهم في البنجاب وغزوا كشمير، وأخضعوها، واستمر حكم الشيخ لكشمير (٢٧) عاماً من سنة ١٨١٩ م حتى سنة ١٨٤٦م، وكان عهدهم أسود حيث ساموا المسلمين الخسف وأذلوهم، وارتكبوا أبشع صور الظلم والجور، وما إن حل العام ١٨٤٦م حتى كان الإنكليز قد أحكموا سيطرتهم على الهند، فطردوا الحكام السيخ من هذه الولاية ليبدأ فصل جديد من فصول الظلم والقهر، حيث قام الإنكليز ببيع كشمير مع سكانها لأحد الإقطاعيين من منطقة جامو واسمه (غولاب سنغ) وهو من قبائل الدوجره الهندوسية - بمبلغ سبعة ملايين وخمسمائة ألف نانك شاهي، ولم تتجاوز قيمة الفرد من الشعب سبع روبيات، وكان البيع لمدة ١٠٠ سنة، على أن تنتهي في العام ١٩٤٦م، ويُعرف عقد البيع هذا بمعاهدة (أمرتسار) بين (غلاب سنغ) والحاكم البريطاني (اللورد هادرنغ) ووقع الشعب بأسره فريسة عدة أشخاص من سدنة المعابد، وعبادة الأوثان الذين كانوا يتقلدون جميع المناصب الرئيسية في ... الولاية، وكان المسلمون يجبَرون على القيام بأعمال السخرة، ويدفعون أفدح ... الضرائب، ولم يكن يسمح للمسلمين بحمل السلاح، وكان ذبح البقر ممنوعاً، ولم يكن يسمح للهندوسي أن يعتنق الإسلام إلا إذا تنازل عن كل ما يملك من أرض، وكانت سياسة الحكومة قائمة على التعسف، والظلم وإرهاق الرعية بالضرائب لكي تشغلهم بالبحث عن قوت يومهم فلا يثورون عليها، وفي سنة ١٩٢٩م بلغت الحالة حداً من السوء دفع أحد كبار وزراء المهراجا إلى الاستقالة، ومغادرة البلاد بعد أن أدلى بالتصريح التالي: (إن دولة جمو وكشمير تعاني الجهل التام والفقر وسوء الحالة الاقمصادية والمعيشية، فأهلها عملياً يسيَّرون كالماشية. هنالك أيضاً عزلة الحكومة عن الشعب، وانعدام الفرص لرفع الظُّلامات للمسؤولين) . في سنة ١٩٣١م حصلت بعض الحوادث التي كان لها أثر كبير في مستقبل كشمير، فقد قامت إحدى البلديات بهدم أحد المساجد القديمة، فقام المسلمون بمحاولة إعادة بنائه، فقامت قوات المهراجا بإطلاق النار عليهم، ومنع أحد الأئمة من إلقاء خطبة الجمعة، ودنس أحد ضباط الأمن الهندوسي القرآن الكريم، وتتالت أحداث العنف، وتدخلت القوات الإنكليزية لدعم المهراجا، وفي منتصف أكتوبر سنة ١٩٣٢م برز إلى الوجود (حزب المؤتمر الوطني الإسلامي) الذي عقد أول مؤتمر برئاسة الشيخ عبد الله، ومشاركة شودري غلام عباسي، وكان التناقض بين الرجلين واضحاً منذ البداية، فبينما كان الشيخ عبد الله يميل إلى حزب المؤتمر الهندي برئاسة غاندي، ويصادق نهرو مع أن حزب المؤتمر حزب هندوسي في الأصل، وإن دخله بعض المسلمين فهو يسعى إلى إخراج الإنكليز من الهند لإقامة دولة هندوسية، أما شودري فكان يميل إلى جمعية الخلافة (الرابطة الإسلامية) التي أنشأها محمد علي جناح وذلك بهدف إقامة كيان خاص بالمسلمين [١] ، وفي النهاية تكوَّن حزبان هما: الأول: المؤتمر الإسلامي ورئيسه شودري غلام عباسي الذي يعكس أهداف الرابطة الإسلامية. الثاني: المؤتمر الوطني ورئيسه الشيخ عبد الله ويأتمر بأوامر حزب المؤتمر الهندي، وكان شعاره (اخرجوا من كشمير) ويقصد الدوجره، وذلك على غرار ... شعار حزب المؤتمر الهندي (اخرجوا من الهند) ويقصد بها الإنكليز. وكان عام ١٩٤٦م حاسماً؛ حيث انقضت مدة بيع كشمير وكانت الصراعات على أشدها من أجل تحديد مستقبل الهند، وتم وضع شودري وعبد الله في السجن، وجاءت أحداث سنة ١٩٤٧م ليخرجا من السجن، ولكن شودري ذهب إلى الباكستان، والشيخ عبد الله خرج من السجن لينال رئاسة الوزراء في الولاية. كشمير وتقسيم الهند: وأخيراً تم الاتفاق على تقسيم المناطق التي يحكمها الإنكليز بصورة مباشرة بحيث تتبع مناطق الغالبية الإسلامية لدولة باكستان، وقد أصر الهندوس على تقسيم كل من البنغال، والبنجاب، إلى قسمين قبل الشروع بالتقسيم، ولما وافق محمد علي جناح أخذت الهند البنغال الغربي، والبنجاب الشرقي وكانت الهند مكونة أيام الاستعمار من جزئين هما: الأول: جزء يحكمه الإنكليز حكماً مباشراً. الثاني: ٥٦٥ إمارة يحكمها أمراء من المسلمين، أو الهندوس، وكانت تتمتع بالاستقلال الداخلي، وتحتل هذه المارات ٤٥. ٣ % من مساحة مشبه القارة الهندية. ضمن الإنكليز حصول الهندوس على أكبر قدر ممكن من المكاسب، حيث تم تعيين اللورد (مونتباتن) -ابن عم الملك - في منصب نائب الملك في الهند الذي خطب - في مجلس أمراء الولايات الهندية - بعد إعلان استقلال المستعمرة خطاباً قال فيه: (للولايات الحرية في الانضمام لأية دولة من الدولتين، ولكنني حين ... أقول: إن لها حرية الانضمام إلى إحداها أرى لزاماً على نفسي أن أؤكد في الوقت ذاته: أن هناك ضرورات جغرافية لا يجوز أن يُصرف عنها النظر البتة، إذ ليس لكم أن تنؤوا بجانبكم عن حكومة الدولة التي هي جارة لكم، كما ليس لكم أن تخالفوا رغبة الرعايا الذين تتحملون المسؤولية عن فلاحهم وسعادتهم) . وسرعان ما ذابت الإمارات في الهند، وباكستان بدون مشاكل، ما عدا أربع إمارات هي: كيورتهلة، وجوناكدة، وحيدر آباد، وكشمير. كيورتهلة: هي إمارة صغيرة يحكمها أمير هندوسي، وأغلبية أهلها مسلمون، ولما كان الأمير يخاف اعتراض المسلمين على رغبته في الانضمام إلى الهند، فقد شن حملة من القتل والتشريد، حتى لم يبق من يستيطع الاعتراض عليه ثم أعلن الاندماج في الهند. جوناكدة: هي إمارة ساحلية صغيرة، تتصل بباكستان عن طريق البحر، وكان أميرها مسلماً وأكثرية أهلها هندوس، فأعلن انضمامه إلى باكستان، فقامت القوات الهندية باجتياح الإمارة، وطردت الحاكم المسلم منها. حيدر آباد: وتقع في هضبة الدكن وسط الهند ونظراً لكبرها، فقد كان لها وضع خاص؛ لأن عدد سكانها يزيد على العشرين مليوناً، ومساحتها حوالي ٣٥٠٠٠٠ كم٢، ولغتها الرسمية كانت الأوردية، وكان الأمير المسلم يرغب في الانضمام إلى باكستان، ولكنه قدَّر صعوبة ذلك، فطلب الاستقلال، فرفضت الهند، فاقترح الاستفتاء، فأعادت الرفض، كما رفضت استفتاء الأمم المتحدة، وقامت بالهجوم عليها في ١٤ من أيلول سنة ١٩٤٨م ثم استولت عليها بعد مقاومة ضئيلة. كشمير: ذكرنا سابقاً أن الهندوس أصروا على تقسيم البنجاب إلى قسمين، بحيث يصبح المسلمون أقلية في أحدهما، وهو الشرقي حيث إن غالبية سكانه من السيخ، والهندوس، وقد قام السيخ بحملة وحشية على المسلمين قتل فيها عشرات الألوف منهم، وفي النهاية لم يبق للمسلمين وجود في البنجاب الشرقي، أما في كشمير المجاورة فإن المهراجا قام بتمثيل دورين مختلفين هما: الأول: عقد المهراجا اتفاقاً مع حكومة باكستان في ١٥ من آب (أغسطس) سنة ١٩٤٧م تقرر فيه إبقاء الوضع كما هو، أي رجوع إمارة كشمير إلى لاهور، كما كان الأمر في أيام الاحتلال، وظاهر هذا الأمر الاستعداد للانضمام إلى باكستان. الثاني: أمر بنزع سلاح المسلمين، وتبع ذلك نزع سلاح المسلمين العاملين في الجيش والشرطة وسمح بتسليح المنظمات الهندوسية، وكانت تلك بداية لعملية الإبادة التي تم فيها قتل الألوف من المسلمين، ونهبت أموالهم وممتلكاتهم، واختطفت بناتهم، وطرد الناجون إلى باكستان، فاشتعلت الثورة في المناطق النائية، ثم انتشرت في كافة أنحاء (جامو) وكشمير، وكانت أخبار الفظائع تصل إلى أسماع المسلمين من رجال قبائل الباتان، فسارعوا إلى نجدة إخوانهم، فعبروا الحدود وأقام السردار إبراهيم حكومة حرة في المناطق المحررة في ٤ من أكتوبر (تشرين الأول) سنة ١٩٤٧م وجعل عاصمتها (مظفر آباد) وتمكن المسلمون من ... إلحاق الهزيمة بجيش (الدوجره) حتى اقتربوا من (سري ناجار) ففر منها ... المهراجا ورئيس وزرائه الشيخ عبد الله وطلب المعونة من الهند، فقامت بتلبية ندائه، وبعثت أليه بالذخيرة، وأرسلت مندوباً ليأخذ من المهراجا وثيقة الانضمام للهند حتى تستطيع التدخل، فوقَّع الوثيقة في ٢٦ من أكتوبر (تشرين الأول) سنة ١٩٤٧م. فأعلنت الهند الموافقة عليها بصورة مؤقتة، وسارعت بارسال القوات المحمولة جواً، وبدأت مرحلة جديدة من الحرب غير المتكافئة بين المتطوعين المسلمين، وبين قوات الجيش الهندي المدججة بالسلاح، واستمرت الحرب سنة كاملة. أحرج خلالها موقف الجيش الهندي، ورفعت الهند الأمر إلى مجلس الأمن، وتوصلت الدولتان الهند وباكستان إلى اتفاق وقف لإطلاق النار قبل منتصف ليلة يناير (كانون الثاني) ١٩٤٩م بدقيقة واحدة، وصدرت قرارات مجلس الأمن لوقف إطلاق النار، وإجراء الاستفتاء المحايد لتقرير مصير الشعب الكشميري، وفعلاً فقد نفذ الجزء الأول، وهو وقف إطلاق النار، ولم يتم تنفيذ الجزء الثاني حتى الآن. يتبع

стр. 1401

مشاهدات في بلاد البخاري (٤) د.يحيى اليحيى مطالب المسلمين في طاجكستان تمثل الاعتزاز بالدين: لما تمزق الاتحاد السوفييتي تنفس المسلمون الصعداء، وحاولوا إعادة بناء كيانهم، وإظهار تميزهم عن غيرهم من أهل الملل الأخرى، والانضمام إلى كيان الأمة الإسلامية الكبير؛ لذا قاموا بالاعتصام في ميادين العاصمة (دوشنبيه) وضربوا في الميادين أكثر من أربعمائة وخمسين خيمة، واعتصموا بها - على رغم الأمطار والثلوج - أكثر من عشرين يوماً من آخر رمضان إلى آخر شوال وقد صلُّوا العيد في ميدان لينين، مطالبين الدولة بعدة مطالب منها: أن تكون الأحرف العربية هي أحرف الكتابة، وأن يكون الذبح على الطريقة الإسلامية، وأن تكون الجمعة هي إجازة الأسبوع، وأن يكون يوما العيدين إجازة رسمية، وأن يفسح ببناء المساجد وترفع عنها الضرائب إلى غير ذلك من المطالب. وقد قدِمت العاصمة وشاهدت بنفسي تجمعات المسلمين وهم يرفعون راية (الله أكبر) والنصر لهذا الدين، والناس يؤمون هذه الميادين صفوفاً تتلوها الصفوف من شباب وشيب. وعلى حين يطالب أهل السنة بأن تكون الكتابة بالأحرف العربية فإن الشيعة في أذربيجان يطالبون بأن تكون كتابتهم بالأحرف اللاتينية، وقد أقاموا ندوة حضرها أحد الإخوة من هيئة الإغاثة الإسلامية، قالوا فيها بالحرف الواحد: (إن الحروف العربية لا تناسب النطق والصوت في لغتنا ولا ... تستطيع تلبية احتياجات اللغة الأذربيجانية) . المسلمون يتظاهرون مطالبين ... بالأحرف العربية، أما شيعة أذربيجان فيطالبون بالبعد عن الأحرف العربية. ولا يخفى أن الدول الغربية وعلى رأسها (أمريكا) تسعى للضغط على ... الجمهوريات الإسلامية كي تكون كتابتهم بالأحرف اللاتينية بدلاً من الروسية، لأنهم يعلمون أن المسلمين لن يقبلوا بالأحرف الروسية بعد تلك السنين العجاف. وقد عرضوا عليهم الإسلام التركي بشقيه العلماني الحاكم والصوفي الشعبي. حزب العدالة يدل على الاستجابة لهذا الدين: وقعت في مدينة (نمنكان) في وادي فرغانة من جمهورية أوزبكستان - عدة ... سرقات للسيارات ولم يعرف السارق، إلا أن هناك تواطؤاً من بعض الجهات. وكشف ذلك شاب من المدينة عندما أعلن عن تشكيل حزب العدالة وانضم إليه قرابة خمسة آلاف شخص، ثم دعا مَن سرقت سيارة إلى إخبار الحزب عنها، وقام الحزب بالبحث عن السيارات المسروقة وأحضرها لأصحابها بعد تأديب اللصوص، ثم تطور الحزب في مجال الحسبة فبدأ بإغلاق محلات القمار، ثم انتقل إلى منع الخَمَّارات، وبمطالبة النساء بالتستر ومنع التبرج. إن بلداً ومجتمعاً عاشا سبعين سنة في جو الإلحاد والتهتك ثم قاما بهذه الحركة لَدليل على أن مقومات هذا الدين ما زالت تنبض في صدورهم فمَن يوقظها ويوجهها الوجهة الصحيحة؟ ؟ الحرص العجيب على طلب العلم من منابعه الأصيلة: لقد لمست من تلك المجتمعات حرصاً عجيباً على طلب العلم في المدينة النبوية الشريفة على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى التسليم والمواقف والقصص التي مرت بي أكبر شاهد على ذلك، وأذكر من ذلك قصتين فقط هما: الأولى: قدمنا إلى مدينة (دوشنبيه) يوم الجمعة ثم رحلنا عنها يوم السبت ولم نقابل عدداً كبيراً من الطلاب هناك بسبب الاضطرابات والمظاهرات، ولما علم بنا أحد الشباب هُرع إلينا في الفندق، فقيل له: إنهم رحلوا إلى مدينة (دهنوا) التي تبعد مسافة مائتين وخمسين كيلو متراً، فركب القطار ولما وصلها صباح الأحد قيل له إنهم رحلوا إلى سمرقند، ثم سيرحلون إلى بُخارى، فركب القطار إلى بخارى، فوصلها يوم الاثنين ظهراً، وسأل عنا فقيل له إنهم ذهبوا إلى القطار ليرحلوا إلى جمهورية (تركمانستان) ، ولم يكن معه من النفقة ما يكفيه فطلب سيارة لتوصله إلى محطة القطار فاشترط عليه السائق مبلغاً لا يملك سواه فوافق على ذلك، ولما وصل إلى محطة القطار قام بالبحث عنا هناك فلم يعثر علينا، حيث كنا في مطعم نتناول طعام الغداء، وقف على بوابة القطار ورفع يديه إلى السماء ونذر لله أن يصوم شهراً كاملاً شكراً لله - تعالى - إن وجدنا، فلما خرجنا من المطعم وشاهدنا أسرع إلينا وعانقنا ثم حمل عنا أمتعتنا، وركب معنا القطار وقال: أنا منذ يومين أبحث عنكم كي أقابلكم فعرضنا عليه أن يسافر معنا، فذكر أنه لا يحمل جواز سفره، وبعد مسير ثلاث ساعات استأذننا ثم فارقنا فعرضنا عليه بعض المال فرفض لكننا ألزمناه به. ثم طلبنا منه شهاداته فقال: ليست معي. فقلنا له: تقدم بها علينا في طشقند الأسبوع القادم، وفي يوم الأحد قدم إلى طشقند حاملاً أوراقه إلينا. الثانية: كنا نقول لمن لم نتمكن من مقابلته في جميع الجمهوريات، أن يلتقي بنا في مدينة (طشقند) فلما قدمناها بعد خروجنا منها بعشرة أيام، وجدنا مئات الطلاب ينتظروننا في أحد المساجد، وكلهم غرباء، وبعضهم من كبار السن قد أتوا بأولادهم، وكان من بينهم رجل يزيد عمره عن ستين عاماً قد أحضر معه ولده الذي يبلغ ستة عشر عاماً، إلا أن مظهره يوحي بأقل من عمره، فقلنا له: لعلك تنتظر بالولد سنتين ثم نقابله، ولما سمع ذلك منا بكى وبكى معه ولده، فقررنا إجراء مقابلته وطلبنا منه أن يقرأ سورة (النبأ) فلما قرأ عشر آيات بكى وبكى أبوه، وألح عليَّ في قبوله للدراسة لأنه يريد له أن يتربى ويتعلم في ديار الإسلام، وأن يكون ذخراً له بعد موته، فوعدته خيراً. التنافس والتفاني في بناء المساجد: عاش المسلمون ردحاً من الزمن وهم في بعد عن بيوت الله بسبب الشيوعية الإلحادية الطاغية، فما إن سمح بإقامة المساجد، حتى تسارع الناس إلى بنائها وتشييدها من أموالهم الخاصة على الرغم من الفقر وضيق ذات اليد التي يعانونها، حتى شملت المساجد كثيراً من الأحياء، وأصبحت في بعض المدن تعد بالمئات. عمارة المساجد بذكر الله: ومما يسر المسلم في تلك البلاد كثرة المصلين وخصوصاً من الشباب، وامتلاء المساجد بطلبة العلم وقراء القرآن، فما إن تدخل مسجداً في ليل أو نهار حتى تجد أناساً يقرؤون القرآن أو يتعلمون شيئاً من العلم، ولقد زرت عدة مساجد في أوقات مختلفة من الليل والنهار فوجدت المساجد عامرة بالناس. تقبلهم للتوجيه والنصح: إن كثيراً من الناس هناك على الفطرة وعندهم استعداد طيب لقبول التوجيه والنصح والإرشاد. زرت مدرسة في مدينة (مرغلان) ، وصليت معهم صلاة ... المغرب فعرض علينا أحد الآباء أن يُسمعنا من ابنه أسماء الله الحسنى التي يحفظها عن ظهر قلب فرحبنا بذلك، وتلا علينا الابن أسماء الله الحسنى بصوت جميل رقيق ومؤثر حتى أبكى الحاضرين، ثم أمره أبوه أن يذكر أسماء النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلما قرأها وجدت أن بعضها لا تليق إلا بالله فقمت وذكرتهم بعظمة النبي ﷺ وبمنزلته، وتقديم محبته على محبة الوالد والولد والناس أجمعين، لكن هذه الأسماء لا تليق إلا بالله ولا يرضاها النبي ﷺ ثم قام مَن ترجم لهم ما قلت، ولما ركبنا السيارة لحقني الأب وقال: نسيت الأسماء، اكتبها لي في ورقة حتى أعلّم ابني إياها فكتبتها له وبدا أثر الفرح على وجهه. وقمنا بتوزيع بعض الكتب في العقيدة السليمة الصحيحة على بعض أئمة المساجد وغيرهم، ورأينا بعضهم يخطب بها في يوم الجمعة، وهذا دليل على تقبلهم للتوجيه والتعليم، والقصص في ذلك كثيرة. عزة النفس: على الرغم من الفقر وضيق ذات اليد عندهم، وضعف الاقتصاد وقلة الأعمال إلا أنك لا تكاد تجد متسولاً، ولا يرحبون بالمساعدات المالية الشخصية، إلا أن تكون على شكل هدية، أو لقيام مشروع، وقد حاولت أن أدفع بعض المساعدات للذين خدمونا وأكرمونا فرفضوا أخذها وعدُّوا ذلك عيباً، بل إن بعضهم يغضب منك إذا مددت إليه شيئاً من المال مكافأة على عمله لك. وجود عدد كبير من المخطوطات الثمينة: على الرغم من إحراق وإبادة الكتب من قِبَل الشيوعيين، إلا أنه قد بقي في المنطقة ثلات خزائن للمخطوطات، في طشقند، وأذربيجان وطاجكستان، إضافة إلى المخطوطات المتناثرة في بيوت الناس، وقد اطلعت على بعضها، وزرت خزانة الكتب في معهد الاستشراق التي تحوي أكثر من أربعين ألف مخطوط، أكثر من ثلاثين بالمائة باللغة العربية،. ولم يفهرس منها إلا سبعة آلاف مخطوط والباقي لا يعرف، وقد سألتهم عن عدد من الكتب لكنهم لا يعلمون هل هي عندهم أم لا، وتوجد عندهم مخطوطات يعود تاريخها إلى نهاية القرن الثاني للهجرة، وأكثر اهتمامهم بكتب القانون والفلسفة، ولذا تجدهم يبرزون كتب ابن سينا والفارابي وغيرهم. ومن العجائب أنه يوجد في مكتبة الشؤون الدينية نسخة من مصاحف عثمان التي بعثها إلى الآفاق. قلوب القوم معنا فهل قلوبنا معهم؟ : إن أولئك الناس يكنون لنا الود والمحبة وهم لم يرونا، ولقد حملني كثير منهم السلام إلى إخوانهم في هذه البلاد، على حين أننا أغفلنا حتى ذكرهم سنين طويلة ولم نقدم لهم شيئاً من حقوقهم. [إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ] [النساء: ١٠٤] . إن أعداء الإسلام قرروا أن هذه المنطقة من المناطق البكر التي يجب استغلالها، وتنفيذ مخططاتهم فيها. وهنا أنقل إليكم هذه الأخبار المؤلمة والقلب يكاد يتقطع، والكبد يكاد يتفطر، فلقد تسابق أهل الكفر والزندقة إلى استثمار هذه المنطقة الجديدة في العالم، كل يحاول التفرد بها دون غيره: اليهود، النصارى، القاديانية، الإسماعيلية، الروافض، الصوفية الغالية: كالنقشبندية والقادرية والبكرية وغيرها، وكل قد نزل بثقله إلى استثمار هذه البلاد، ونشروا عقائدهم الفاسدة فيها، ودول الكفر تحاول عزل هذه البلاد عن إخوانهم المسلمين في كل مكان، وتحذر حكامها من الأصولية كما يقولون. لقد صليت الجمعة في مسجد (تخطباي) في طشقند - وهي آخر جمعة من شهر ذي القعدة - وحضر وفد نصراني إلى داخل المسجد، كموفد من كلية الكنيسة في أمريكا لدراسة المنطقة دينياً واقتصادياً واجتماعياً، ومدة هذه الدراسة ستة أشهر، وكانوا يقومون بزيارة كل موقع ودخول كل تجمع، وكانوا يسألون عن سر كثرة الشباب في هذا المسجد، وعن سبب تكبيرهم أحياناً أثناء الدرس الذي يعطيه الإمام، ولما سألناهم كم لكم هنا؟ قالوا: أربعة أشهر وبقي لنا شهران. وفي يوم السبت ذهبنا إلى المسجد لمقابلة الطلاب، وأثناء خروجنا منه وجدنا على بابه عجوزاً أمريكية، فقلت لصاحبي: اسألها عن سبب قدومها لهذه البلاد، فذكرت أنها دكتورة في (جامعة كولمبيا في نيو يورك) - وللعلم أن هذه من أكبر الجامعات التنصيرية - وقد قدِمت هذه العجوز لنفس الغرض السابق، ثم بادرتنا بالحديث وقالت: أنا أعرف أنكم من السعودية، وقد سبقتمونا في تقديم الخدمات لهذه البلاد ولكننا سنقدم لهم كل ما يريدون وما يطلبون! . وقد ذكر لي أحد الثقات: أن عدداً من المسلمين قد تنصَّر في جمهورية القرغيز، نتيجة الترغيب والإمداد بالأموال، وتقول الإحصائيات: إن النصارى وزعوا أكثر من خمسين مليون نسخة من الإنجيل في جميع لغات الاتحاد السوفييتي - المنهار - وفي جميع الأحجام والأشكال مقروءاً ومسموعاً. والقناة الروسية تبث الدعوة إلى النصرانية في فقرات متعددة من برامجها، و (جيمي سواجرت) وحده يظهر على القناة الروسية - التي تُلتقط في جميع الجمهوريات - مدة ثلاث ساعات من يوم الأحد في كل أسبوع، عدا البرامج النصرانية الأخرى.

стр. 1402

الملف الإعلامي أخبار قصيرة إعداد: د.علي عبد الرحمن عواض * دعا الأمين العام للاتحاد الوطني الكردستاني جلال طالباني اليهود في جميع أنحاء العالم - بما في ذلك (إسرائيل) - إلى مساعدة الشعب الكردي الذي تعرض للإبادة. وقال طالباني في تصريحات إلى مراسل صحيفة (يديعوت أحرونوت) الإسرائيلية رون بن إيشاع: إن (إسرائيل) لا تقدم أية مساعدة إلى الأكراد على رغم أن بغداد تتهمهم بأنهم (أدوات) في يدها. ونسبت الصحيفة إلى الزعيم الكردي قوله: إنه يتوقع من اليهود المتحدرين من أصل كردستاني أن يشكلوا (لوبي) لمصلحة الشعب الكردي يحض الإسرائيليين على تقديم مساعدات ... إنسانية ومالية وطبية إلى الأكراد. ... ... ... ... ... ... الحياة / القدس العربي ٦/٢/١٩٩٣ * موسكو - أ. ب. رويتر: لم يستبعد وزير الدفاع الروسي الجنرال بافل غراتشوف قيام تعاون عسكري بين بلاده وحلف شمال الأطلسي لمواجهة (اختراقات ... عناصر إسلامية أصولية عدوانية) . أما القائد العام لقوات حلف الأطلسي في أوربا الجنرال القوقازي الأصل جون شاليكاشفيلي فقد وعد بالعمل على إقامة (شراكة قولاً وفعلاً) بين روسيا والتحالف الغربي. ... ... ... ... ... ... ... ... ... الحياة ٣١/١/١٩٩٣ * تقول مصادر ديبلوماسية إسرائيلية إن (إسرائيل) تدرس جدياً إقامة ... علاقات ديبلوماسية مع ثلاث دول إسلامية غير عربية منها أندونيسيا التى تعتبر ... أكبر دولة إسلامية في العالم لجهة الكثافة السكانية (١٨٠ مليون مسلم) . ودولتا ... السنغال وإريتريا. وإذا نجحت مساعي (إسرائيل) لإقامة علاقات ديبلوماسية مع ... البلدان الثلاثة المذكورة فسيرتفع عدد الدول الإسلامية التي تبادلها التمثيل الديبلوماسي إلى خمس دول بعد مصر وتركيا. ... ... ... ... ... ... ... ... الحياة ٣١/١/١٩٩٣ * العلاقات الودية جداً بين جمهورية قيرغيزستان في آسيا الوسطى و (إسرائيل) أدت إلى ود آخر بين (الجمهورية المسلمة) وإفريقية الجنوبية، يذكر أن قيرغيزستان وإفريقية الجنوبية أقامتا علاقات ديبلوماسية مؤخراً. ... ... ... ... ... ... ... الأسبوع العربي ٣١/ ١/١٩٩٣

стр. 1403

إحصائيات المسلمون في أوربا: تفيد الإحصائيات الصادرة عن منظمة العمل العربية - مكتب العمل العربي - أن عدد المهاجرين غير الأوربيين في أوربا يزيد عن الثمانية ملايين نسمة (غير الأوروبيين لأن أعداد الأوربيين الذين يهاجرون ضمن أوربا لا يدخلون في هذا الحصر) وغالبيتهم الساحقة من العالم الإسلامي (أتراك، عرب، باكستانيون، هنود وأفارقة) . وهذا الرقم - أي الثمانية ملايين - مساوٍ لعدد سكان ثلاث دول أوربية وهي اللوكسمبورغ والدانمارك وأيرلندا. والهجرة إلى الغرب ليست مسألة جديدة، بل إن عدداً من الدول الغربية كان يشجع هجرة الأيدي العاملة الرخيصة إليها، فكان منهم اليمنيون والباكستانيون والهنود في بريطانيا، والأتراك في ألمانيا، والعرب في فرنسا وأسبانيا وإيطاليا، حيث نزح عدد كبير منهم في الخمسينيات والستينيات عندما كانت الأعمال اليدوية متوفرة ويأنف الأوربي من القيام بها. الهجرة إلى ألمانيا بدأت عام ١٩٦٢م وبدأ استقطاب العمالة الرخيصة من تركيا حتى وصل العدد إلى خمسة ملايين حالياً، إلى جانب رقم لا بأس به من جنسيات أخرى (يوغسلافيا/بولندا/فيتنام..) . وتشير الإحصائيات في فرنسا إلى: أن شخصاً من بين كل أربعة فرنسيين له على الأقل جد أجنبي أو مولود في الخارج. ويبلغ عدد العاملين من أصول أجنبية (١٤) مليون شخص بينما حصل عشرة ملايين من هذا الرقم بالفعل على الجنسية الفرنسية. وتشير دراسة بريطانية أجريت أخيراً إلى أن نسبة ٢٠% من العاطلين عن العمل في الدول الغربية هم من المهاجرين. وهذه الهجرة تعود لأحد الأسباب التالية: - الضغوط السياسية. - المجاعات والكوارث. - الرغبة في المغامرة. ولعل أهم مخاطر الهجرة هي (هجرة العقول) أو (النزف العلمي) كما يسميه ... البعض؛ إذ إن الإحصائيات تشير إلى أن الغرب أصبح (مرتعاً) لعدد هائل من مفكري وكُتاب ومثقفي وقادة العالم الإسلامي. ... ... ... بتصرف / مجلة الوسط، العدد رقم ٥٧، ١/٣/١٩٩٣

стр. 1404

مصطلحات الدعوة والدعاية: الدعوة: اصطلاحاً تعني: الترغيب في دين الله ونداء الناس للدخول فيه وتعريفهم بمناهجه بالحكمة والموعظة الحسنة وهى - أي الدعوة - برنامج متكامل يضم جميع المعارف التي يحتاج إليها الناس ليعرفوا الغاية من محياهم وليستكشفوا الطريق التي تبصرهم بصراط الله المستقيم. الدعاية: اصطلاحاً تعني: عملية منظمة متعددة الوسائل والأساليب تقوم بها سلطة من السلطات باستمرار بهدف التأثير بها على المدعوين. وتحقق أهدافها كسلطة، أو تحافظ على مكتسباتها وتديم استغلالها أو سيطرتها بالطرق النفسية التي تستعبد بها نفوس المدعوين، وتخضعهم أكثر فأكثر لسلطان نفوذها. ومن أهم قواعد الدعاية الحديثة: (التبسيط، وتركيز الاهتمام على العدو الواحد) ، و (التضخيم والتعريف) ، و (توزيع الأدوار) ، و (تحويل المشاعر) ، و (نقض مزاعم وخطط العدو والتكرار..) . إذن فالدعاية هي نشر الأفكار ووجهات النظر والمواقف المرغوب في تبنيها من الآخرين. والدعاية - كالإعلان - تستخدم أحدث وسائل الإعلام، والاتصال بالناس من صحافة وإذاعة وتلفاز وخيالة " سينما " ومنشورات ومسرح، كما تستخدم أحدث فنون الإيحاء الذاتي المبنية على اكتشافات علم النفس الفردي والاجتماعي. وعلى الرغم من فائدة الدعاية بصورة عامة فإن فيها عدة أخطار كامنة؛ لأنها تميل إلى تبسيط الأمور وإبراز المزايا وإخفاء العيوب والأخطاء مما قد يقتل أية قدرة على النقد، وعلى الحكم الموضوعي المتعقل. ومن الأخطار الكامنة في الدعاية: خطر وقوع وسائل الاعلام والدعاية تحت سيطرة فئة محدودة من موظفي الدولة أو كبار الرأسماليين، ولعل أخطر أنواع الدعاية هي: الدعاية الخفية التي يصعب اكتشافها، وبالتالي تحقق أهدافها بفعالية وعمق تحت ستار من الموضوعية المزيفة، وتنتشر الدعاية (ويتحسن سوقها) في أوقات الأزمات والحروب، ولعل أهم الفروق بين الدعوة والدعاية اعتماد الأولى على الحقائق وإيصالها بأساليب نظيفة بهدف خدمة الدين. والثانية تمزج الحقيقة بغيرها وتوصل رسالتها بكافة الوسائل والأساليب من أجل خدمة مالكي أجهزة الدعاية. فيدرالية (Federalism) : نظام سياسي يفترض تنازل عدد من الدول أو القوميات الصغيرة - في أغلب الأحيان - عن بعض صلاحياتها، وامتيازاتها واستقلاليتها لمصلحة سلطة عليا موحدة تمثلها على الساحة الدولية وتكون مرجعها الأخير في كل ما يتعلق بالسيادة والأمن والقومي والدفاع والسياسة الخارجية. فالفيدرالية إذن تتعلق بالنظام السياسي والتنظيم الإداري وبتقسيم صلاحيات السلطات الحاكمة وتنظيم العلاقات فيما بينها وتأمين انسجامها لتمنع تغلب طرف على الطرف الآخر فتحصر قرارات الدولة الفيدرالية المركزية بالقمة، وتترك الأمور المحلية للسلطات الإقليمية، والسلطات المحلية بدورها لا تخرج عن نطاق صلاحياتها، فهي لا تشرع للقضايا التي تتعلق بالدولة المركزية، رغم أنها تشارك في قضايا المؤسسات التي تعالج الأمور القومية وتنظيم هذه المؤسسات وتوزع الصلاحيات بشكل يؤمن استقلالية الوحدات المكونة للسلطة الفيدرالية ويضمن لها المشاركة الفعالة في القرارات المركزية والمصيرية. والفيدرالية على أنواع ودرجات متفاوتة في الأشكال والصيغ التطبيقية؛ إذ تتراوح ما بين وحدة مطلقة أو الاتحاد بين مجموعة متمايزة تماماً. ومن أهم أمثلة الفيدرالية: الولايات المتحدة، الاتحاد السوفييتي (سابقاً) ، الهند، سويسرا، أستراليا، البرازيل. والجدير بالذكر أن بعضاً من الاتحادات الفيدرالية (بدأت حياتها) كاتحاد كونفدرالي. كونفيدرالية (Confederation) : الكونفيدرالية شكل من التنظيم الاتحادي بين دول تعهد بممارسة بعض صلاحياتها إلى سلطة مركزية مشتركة مع إبقائها على حكومتها المتميزة، وتتألف السلطة المركزية أساساً من هيئة تنسيق ملزمة باتخاذ قراراتها كافة - أو معظم قراراتها على الأقل - بإجماع الدول الأعضاء في الكونفيدرالية، وذلك بخلاف ما يحصل في الفيدرالية حيث تُتخذ القرارات بأكثرية الأصوات فقط، وغالباً ما تتحول الكونفيدرالية - ولا سيما في إطار الدول القومية - إلى فيدرالية، وهذا ما حصل في سويسرا على سبيل المثال حيث لم يبق من الكونفيدرالية سوى الاسم، وكما هو واضح فإن النظام الكونفيدرالي أكثر مركزية وسلطوية من النظام الفيدرالي. ومن نماذجها المطبقة في العالم: - الكونفيدرالية الأوربية للنقابات (C. E. S.) . - الكونفيدرالية العالمية للعمل (C. M. T.) . الحكم الذاتي (Autonomy) : [*] هو حق دولة أو منطقة أو مقاطعة من دولة في إدارة شؤونها الداخلية بكل حرية، دون الخضوع لتوجيهات خارجية. ويعتبر الحكم الذاتي الخطوة الأولى والطبيعية نحو الاستقلال الكامل. وقد أثبتت التجارب التاريخية ذلك، وينتقل الحكم الذاتي إلى مرحلة الاستقلال عندما تأخذ الدولة بزمام الشؤون الخارجية والدفاعية من الدولة المهيمنة أو المنتدبة أو المحتلة..، وتستخدم الدول المحتلة عادة نظام الحكم الذاتي لتأجيل إعطاء الاستقلال للمناطق المحتلة مدعية أنها: (مرحلة أساسية وضرورية ويجب أن تمر بها المستعمرة؛ لتهيئة أبنائها وتمكينهم والتثبت من إمكانيتهم إدارة شؤون البلاد بشكل نهائي ومستقل) . وأمثلة الولايات أو الدول التي تتمتع بحكم ذاتي ضمن هيمنة دولية أوسع كثيرة. فمثلاً في روسيا ست دول إسلامية تتمتع بحكم ذاتي تحت الغطاء الروسي. وفي آذربيجان كانت مقاطعة (ناغورنو قره باغ) ذات الغالبية الأرمنية تتمتع بالحكم الذاتي من الدولة الآذرية ذات الغالبية الإسلامية ... والمناطق التي تطالب بحكم ذاتي في العالم كثيرة جداً.

стр. 1405

في دائرة الضوء كشف تقرير سري رفعته بعثة تحقيق إلى المجلس الوزاري التابع للمجموعة الأوربية أن القوات الصربية في البوسنة والهرسك ساهمت في تنفيذ أعمال اغتصاب منظم لما لا يقل عن ٢٥ ألفاً من النساء والفتيات المسلمات. وأن مقاتلي الصرب يستخدمون الاغتصاب (سلاحاً في الحرب) . وقضى الكثير من ضحايا عمليات الاغتصاب الجماعي نتيجة إصابتهم وكان بينهم أطفال لم يتعدوا السادسة أو السابعة من العمر. كما وجد المحققون أنه غالباً كان يتم اغتصاب الفتيات أمام آبائهن وأمهاتهن، والأمهات أمام أطفالهن والزوجات أمام أزواجهن. إندبندنت ٢٦/١/١٩٩٣ * (إن التقرير غير دقيق؛ حيث إن عدد حالات الاغتصاب تجاوز ٥٠٠٠٠ حالة شملت الأطفال ذكوراً وإناثاً. كما شملت النساء والرجال. والصحافة العربية تشير إلى أقل من نصف الحقيقة.) ... ... ... ... - البيان - وأضاف التقرير أيضاً أن الكثير من عمليات الاغتصاب كان هدفه جعْل النساء حوامل واحتجازهن حتى موعد الوضع: (إمعاناً في الإذلال وكي يتذكرن باستمرار هذا الإذلال) . الحياة ٣/٢/١٩٩٣ * (ومع ذلك لا يجد المهجَّرون المسلمون مكاناً آمناً في البلاد الإسلامية، فيضطرون إلى الهجرة إلى ديار الكفار في أوربا وأمريكا، وهناك يتم تهويدهم وتنصيرهم.) ... ... ... ... ... ... ... ... ... -البيان - * * * مصطلح رهيب جارح مؤذٍ مخجل يجد طريقه سهلاً في أي موضوع يتناول قضايا المسلمين، إنه كلمة (اغتصاب) . ما بالها لا تفارق أي تقرير يتحدث عن المسلمين في أية بقعة من بقاع الأرض. ستون ألف امرأة وفتاة وطفلة انتُهكت أعراضهن في أوربا على مرأى ومسمع العالم.. والعالم الإسلامي شاهد على الجريمة.. تسبى بنات المسلمين (بفتوى) شرعية من كنائسهم. تقارير كشمير تتحدث عن فصل الرجال عن النساء في القرى النائية بحجة التحقيق مع الرجال والنساء تحت رحمة عُبَّاد البقر.. وبعد الفصل تجري فصول وطقوس تخدش إنسانية الإنسان. من أرمينيا يرتفع صوت المذيع في راديو (ناغورنو قره باغ) معربداً موجهاً كلامه للمسلمين: (لن نترك بناتكم حتى يلدن أطفال الأرمن) !! هكذا جهاراً نهاراً. ... يقول مراسل إندبندنت البريطانية في تقرير من بنغلاديش عن أوضاع اللاجئين البورميين: (لم ألتقِ بامرأة مسلمة واحدة إلا وحدثتني عن قصة جديدة من قصص الاغتصاب.. كل واحدة التقيتها قالت لي: إنها اغتُصبت..) . اعتادت الأسماع على هذه الأخبار والعيون على هذه الصور وألفنا صور الجريمة! ! فهل هذا هو دورنا المطلوب؟ ! هل لنا أن نستمع لفتوى العلماء (إذا سُبيت امرأة مسلمة في المشرق فعلى أهل المغرب إنقاذها) . هل لنا أن نتذكر ما فعله الرسول ﷺ باليهود عندما حاول أحدهم أن يكشف عورة امرأة مسلمة؟ وهل ننسى ما فعله المعتصم عندما لطم علج رومي مسلمة في زبطرة وصاحت (وامعتصماه) ! ! عندما سئل الناطق الرسمي لجبهة تحرير مورو عن السبب في الهجوم على مجموعة من الجيش الفلبيني وقتل ٣٥ من عناصره أجاب: (مع أننا في معاهدة وقف إطلاق نار معهم ولكنهم اغتصبوا امرأة) ! * * * الإريتريون ليسوا عرباً، وإريتريا ليست جزءاً من العالم العربي، وسنقيم علاقات ديبلوماسية مع (إسرائيل) . دانيال يوهانس المفوض العام لإريتريا في فرنسا. وأضاف: إن واقع أن تكون مسلماً وأن تتحدث اللغة العربية يمكن أن يحتوي على اتجاه للانتماء العربي. إن هذا الواقع لا يعني أنك عربي ومن بعد إريتري، إن المسلم الإريتري إريتري فقط. ولا يوجد خلاف ولا بحث في مسألة أننا عرب أو غير عرب، نحن إريتريون وأفارقة فقط. وعن علاقاته مع (إسرائيل) يضيف: جاء سفير (إسرائيل) في أثيوبيا إلى أسمرة مباشرة بعد الاستقلال (٢٤/٥/١٩٩١) ، وطرح علينا إقامة علاقات ديبلوماسية. وكانت (إسرائيل) الدولة الأولى التي اتخذت مثل هذه البادرة. ونحن سنقيم علاقات مع (إسرائيل) ، لسنا مجبرين وليس لدينا حساب نؤديه لأحد في هذا المجال. مجلة الوسط ١٥/٢/١٩٩٣ الضجة الإعلامية و (الاستغراب) الذي ساد كثيراً من العواصم العربية على إثر تصريحات (أفورقي) بعد زيارته لإسرائيل، له ما يبرره ولأفورقي في أسبابه فيما قاله. العرب الذين احتضنت عواصمهم وكثير من مدنهم مكاتب (الحركة الشعبية لتحرير إريتريا) منذ اللحظة الأولى وحتى سقوط حكم الرئيس الأثيوبي منغيستو هيلا ماريام، والذين قدموا للجبهة الدعم المادي والسند السياسي رأوا في تصريحات أفورقي (خيانة) و (نكراناً للجميل) ، ولكنها خيانة (مَن) و (لمن) ؟ (فالرجل) يرى في (إسرائيل) (صديقاً) يمكن الاستفادة منها والتعامل معها وإقامة تبادل ثقافي وديبلوماسي.. فهل هذه (الطموحات) تبتعد كثيراً عن تصريحات كثير من العرب أنفسهم؟ ! وهذا ليس سراً، بل إنها تصريحاتهم ... وعناوين صحفهم. و (إسرائيل) ترى في الخطوة تعزيزاً لسياسة التغلغل التي تتبعها في إفريقية. الإريتريون عرب، أحب أفورقي أم كره، ولغة العلم في البلاد هي العربية والإسلام دين الغالبية فالتقارب بين النصراني أفورقي ويهود (إسرائيل) هو من مظاهر هذا العصر إن لم نقل من مستلزماته ولكن هل يتعلم المسلم العربي كيف يختار أصدقاءه وفيمن يضع ثقته؟ ! أما في إفريقية فقد تولت الولايات المتحدة تحمل التبعات في تهيئة الأجواء وذلك عبر نشاطات وزارة الخارجية الأمريكية في القرن الإفريقي والتي رسم سياستها مساعد وزير الخارجية الأميركي هيرمان كوهين. *** لفت خبير أمريكي في شئون الشرق الأوسط - وهو على علاقة وثيقة بالدوائر الأمريكية - إلى (جدوى استغلال المثقفين الشيوعيين السابقين في دعم التوازنات الإقليمية المقبلة في المنطقة) موضحاً أن بعض الأقلام اليسارية يقوم بمواجهة التطرف الديني بطريقة أفضل من الأقلام الموالية للسلطة. وأشار الخبير بالمناسبة إلى أسماء معروفة جداً في أوساط اليسار المصري. الأسبوع العربي ١٥/٢/١٩٩٣ *** فعلى القارئ الفاهم الواعي أن يتذكر الأسماء التي تكتب اليوم باسم الإسلام و (تدعي وصلاً به) والإسلام لا يقر لهم بذاك. أقلامهم التي ملأت صفحات الكتب والمجلات افتراءات تهاجم الإسلام وأهله هي الآن نفسها التي تكتب عن (الإسلام المتطوَّر) (المتسامح) الذي يحتوي على توصيات وقيم اجتماعية وأخلاقية طيبة في الوقت الذي يشككون بالنظام الإسلامي للحكم. هؤلاء (الدخلاء) لا يتركون مناسبة إلا ويحملون فيها حملات مسعورة على الإسلام تحت غطاء محاربة (التطرف) أو مواجهة (الأصولية) . الغلو منبوذ أصلاً في الإسلام، ولكن هل يجوز استغلال بعض الممارسات التي لا تمثل وجهة النظر الصحيحة؟ ؟
следующие страницы →