مشاهدات في بلاد البخاري
(٤)
د.يحيى اليحيى
مطالب المسلمين في طاجكستان تمثل الاعتزاز بالدين:
لما تمزق الاتحاد السوفييتي تنفس المسلمون الصعداء، وحاولوا إعادة بناء
كيانهم، وإظهار تميزهم عن غيرهم من أهل الملل الأخرى، والانضمام إلى كيان
الأمة الإسلامية الكبير؛ لذا قاموا بالاعتصام في ميادين العاصمة (دوشنبيه) وضربوا
في الميادين أكثر من أربعمائة وخمسين خيمة، واعتصموا بها - على رغم الأمطار
والثلوج - أكثر من عشرين يوماً من آخر رمضان إلى آخر شوال وقد صلُّوا العيد
في ميدان لينين، مطالبين الدولة بعدة مطالب منها:
أن تكون الأحرف العربية هي أحرف الكتابة، وأن يكون الذبح على الطريقة
الإسلامية، وأن تكون الجمعة هي إجازة الأسبوع، وأن يكون يوما العيدين إجازة
رسمية، وأن يفسح ببناء المساجد وترفع عنها الضرائب إلى غير ذلك من المطالب.
وقد قدِمت العاصمة وشاهدت بنفسي تجمعات المسلمين وهم يرفعون راية
(الله أكبر) والنصر لهذا الدين، والناس يؤمون هذه الميادين صفوفاً تتلوها الصفوف من شباب وشيب. وعلى حين يطالب أهل السنة بأن تكون الكتابة بالأحرف العربية فإن الشيعة في أذربيجان يطالبون بأن تكون كتابتهم بالأحرف اللاتينية، وقد أقاموا ندوة حضرها أحد الإخوة من هيئة الإغاثة الإسلامية، قالوا فيها بالحرف الواحد: (إن الحروف العربية لا تناسب النطق والصوت في لغتنا ولا ... تستطيع تلبية احتياجات اللغة الأذربيجانية) . المسلمون يتظاهرون مطالبين ... بالأحرف العربية، أما شيعة أذربيجان فيطالبون بالبعد عن الأحرف العربية.
ولا يخفى أن الدول الغربية وعلى رأسها (أمريكا) تسعى للضغط على ...
الجمهوريات الإسلامية كي تكون كتابتهم بالأحرف اللاتينية بدلاً من الروسية، لأنهم
يعلمون أن المسلمين لن يقبلوا بالأحرف الروسية بعد تلك السنين العجاف. وقد
عرضوا عليهم الإسلام التركي بشقيه العلماني الحاكم والصوفي الشعبي.
حزب العدالة يدل على الاستجابة لهذا الدين:
وقعت في مدينة (نمنكان) في وادي فرغانة من جمهورية أوزبكستان - عدة ...
سرقات للسيارات ولم يعرف السارق، إلا أن هناك تواطؤاً من بعض الجهات.
وكشف ذلك شاب من المدينة عندما أعلن عن تشكيل حزب العدالة وانضم إليه قرابة
خمسة آلاف شخص، ثم دعا مَن سرقت سيارة إلى إخبار الحزب عنها، وقام
الحزب بالبحث عن السيارات المسروقة وأحضرها لأصحابها بعد تأديب اللصوص، ثم تطور الحزب في مجال الحسبة فبدأ بإغلاق محلات القمار، ثم انتقل إلى منع
الخَمَّارات، وبمطالبة النساء بالتستر ومنع التبرج. إن بلداً ومجتمعاً عاشا سبعين
سنة في جو الإلحاد والتهتك ثم قاما بهذه الحركة لَدليل على أن مقومات هذا الدين ما
زالت تنبض في صدورهم فمَن يوقظها ويوجهها الوجهة الصحيحة؟ ؟
الحرص العجيب على طلب العلم من منابعه الأصيلة:
لقد لمست من تلك المجتمعات حرصاً عجيباً على طلب العلم في المدينة
النبوية الشريفة على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى التسليم والمواقف والقصص التي
مرت بي أكبر شاهد على ذلك، وأذكر من ذلك قصتين فقط هما:
الأولى: قدمنا إلى مدينة (دوشنبيه) يوم الجمعة ثم رحلنا عنها يوم السبت ولم
نقابل عدداً كبيراً من الطلاب هناك بسبب الاضطرابات والمظاهرات، ولما علم بنا
أحد الشباب هُرع إلينا في الفندق، فقيل له: إنهم رحلوا إلى مدينة (دهنوا) التي
تبعد مسافة مائتين وخمسين كيلو متراً، فركب القطار ولما وصلها صباح الأحد قيل
له إنهم رحلوا إلى سمرقند، ثم سيرحلون إلى بُخارى، فركب القطار إلى بخارى،
فوصلها يوم الاثنين ظهراً، وسأل عنا فقيل له إنهم ذهبوا إلى القطار ليرحلوا إلى
جمهورية (تركمانستان) ، ولم يكن معه من النفقة ما يكفيه فطلب سيارة لتوصله إلى
محطة القطار فاشترط عليه السائق مبلغاً لا يملك سواه فوافق على ذلك، ولما وصل
إلى محطة القطار قام بالبحث عنا هناك فلم يعثر علينا، حيث كنا في مطعم نتناول
طعام الغداء، وقف على بوابة القطار ورفع يديه إلى السماء ونذر لله أن يصوم
شهراً كاملاً شكراً لله - تعالى - إن وجدنا، فلما خرجنا من المطعم وشاهدنا أسرع
إلينا وعانقنا ثم حمل عنا أمتعتنا، وركب معنا القطار وقال: أنا منذ يومين أبحث
عنكم كي أقابلكم فعرضنا عليه أن يسافر معنا، فذكر أنه لا يحمل جواز سفره،
وبعد مسير ثلاث ساعات استأذننا ثم فارقنا فعرضنا عليه بعض المال فرفض لكننا
ألزمناه به. ثم طلبنا منه شهاداته فقال: ليست معي. فقلنا له: تقدم بها علينا في
طشقند الأسبوع القادم، وفي يوم الأحد قدم إلى طشقند حاملاً أوراقه إلينا.
الثانية: كنا نقول لمن لم نتمكن من مقابلته في جميع الجمهوريات، أن يلتقي
بنا في مدينة (طشقند) فلما قدمناها بعد خروجنا منها بعشرة أيام، وجدنا مئات
الطلاب ينتظروننا في أحد المساجد، وكلهم غرباء، وبعضهم من كبار السن قد أتوا
بأولادهم، وكان من بينهم رجل يزيد عمره عن ستين عاماً قد أحضر معه ولده الذي
يبلغ ستة عشر عاماً، إلا أن مظهره يوحي بأقل من عمره، فقلنا له: لعلك تنتظر
بالولد سنتين ثم نقابله، ولما سمع ذلك منا بكى وبكى معه ولده، فقررنا إجراء
مقابلته وطلبنا منه أن يقرأ سورة (النبأ) فلما قرأ عشر آيات بكى وبكى أبوه، وألح
عليَّ في قبوله للدراسة لأنه يريد له أن يتربى ويتعلم في ديار الإسلام، وأن يكون
ذخراً له بعد موته، فوعدته خيراً.
التنافس والتفاني في بناء المساجد:
عاش المسلمون ردحاً من الزمن وهم في بعد عن بيوت الله بسبب الشيوعية
الإلحادية الطاغية، فما إن سمح بإقامة المساجد، حتى تسارع الناس إلى بنائها
وتشييدها من أموالهم الخاصة على الرغم من الفقر وضيق ذات اليد التي يعانونها،
حتى شملت المساجد كثيراً من الأحياء، وأصبحت في بعض المدن تعد بالمئات.
عمارة المساجد بذكر الله:
ومما يسر المسلم في تلك البلاد كثرة المصلين وخصوصاً من الشباب،
وامتلاء المساجد بطلبة العلم وقراء القرآن، فما إن تدخل مسجداً في ليل أو نهار
حتى تجد أناساً يقرؤون القرآن أو يتعلمون شيئاً من العلم، ولقد زرت عدة مساجد
في أوقات مختلفة من الليل والنهار فوجدت المساجد عامرة بالناس.
تقبلهم للتوجيه والنصح:
إن كثيراً من الناس هناك على الفطرة وعندهم استعداد طيب لقبول التوجيه
والنصح والإرشاد. زرت مدرسة في مدينة (مرغلان) ، وصليت معهم صلاة ...
المغرب فعرض علينا أحد الآباء أن يُسمعنا من ابنه أسماء الله الحسنى التي يحفظها
عن ظهر قلب فرحبنا بذلك، وتلا علينا الابن أسماء الله الحسنى بصوت جميل
رقيق ومؤثر حتى أبكى الحاضرين، ثم أمره أبوه أن يذكر أسماء النبي -صلى الله
عليه وسلم-، فلما قرأها وجدت أن بعضها لا تليق إلا بالله فقمت
وذكرتهم بعظمة النبي ﷺ وبمنزلته، وتقديم محبته على محبة
الوالد والولد والناس أجمعين، لكن هذه الأسماء لا تليق إلا بالله ولا
يرضاها النبي ﷺ ثم قام مَن ترجم لهم ما قلت، ولما ركبنا
السيارة لحقني الأب وقال: نسيت الأسماء، اكتبها لي في ورقة حتى أعلّم ابني
إياها فكتبتها له وبدا أثر الفرح على وجهه.
وقمنا بتوزيع بعض الكتب في العقيدة السليمة الصحيحة على بعض أئمة
المساجد وغيرهم، ورأينا بعضهم يخطب بها في يوم الجمعة، وهذا دليل على
تقبلهم للتوجيه والتعليم، والقصص في ذلك كثيرة.
عزة النفس:
على الرغم من الفقر وضيق ذات اليد عندهم، وضعف الاقتصاد وقلة الأعمال
إلا أنك لا تكاد تجد متسولاً، ولا يرحبون بالمساعدات المالية الشخصية، إلا أن
تكون على شكل هدية، أو لقيام مشروع، وقد حاولت أن أدفع بعض المساعدات
للذين خدمونا وأكرمونا فرفضوا أخذها وعدُّوا ذلك عيباً، بل إن بعضهم يغضب
منك إذا مددت إليه شيئاً من المال مكافأة على عمله لك.
وجود عدد كبير من المخطوطات الثمينة:
على الرغم من إحراق وإبادة الكتب من قِبَل الشيوعيين، إلا أنه قد بقي في
المنطقة ثلات خزائن للمخطوطات، في طشقند، وأذربيجان وطاجكستان، إضافة
إلى المخطوطات المتناثرة في بيوت الناس، وقد اطلعت على بعضها، وزرت
خزانة الكتب في معهد الاستشراق التي تحوي أكثر من أربعين ألف مخطوط، أكثر
من ثلاثين بالمائة باللغة العربية،. ولم يفهرس منها إلا سبعة آلاف مخطوط
والباقي لا يعرف، وقد سألتهم عن عدد من الكتب لكنهم لا يعلمون هل هي عندهم
أم لا، وتوجد عندهم مخطوطات يعود تاريخها إلى نهاية القرن الثاني للهجرة،
وأكثر اهتمامهم بكتب القانون والفلسفة، ولذا تجدهم يبرزون كتب ابن سينا
والفارابي وغيرهم. ومن العجائب أنه يوجد في مكتبة الشؤون الدينية نسخة من
مصاحف عثمان التي بعثها إلى الآفاق.
قلوب القوم معنا فهل قلوبنا معهم؟ :
إن أولئك الناس يكنون لنا الود والمحبة وهم لم يرونا، ولقد حملني كثير منهم
السلام إلى إخوانهم في هذه البلاد، على حين أننا أغفلنا حتى ذكرهم سنين طويلة
ولم نقدم لهم شيئاً من حقوقهم.
[إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ] [النساء: ١٠٤] .
إن أعداء الإسلام قرروا أن هذه المنطقة من المناطق البكر التي يجب
استغلالها، وتنفيذ مخططاتهم فيها. وهنا أنقل إليكم هذه الأخبار المؤلمة والقلب يكاد
يتقطع، والكبد يكاد يتفطر، فلقد تسابق أهل الكفر والزندقة إلى استثمار هذه
المنطقة الجديدة في العالم، كل يحاول التفرد بها دون غيره: اليهود، النصارى،
القاديانية، الإسماعيلية، الروافض، الصوفية الغالية: كالنقشبندية والقادرية
والبكرية وغيرها، وكل قد نزل بثقله إلى استثمار هذه البلاد، ونشروا عقائدهم
الفاسدة فيها، ودول الكفر تحاول عزل هذه البلاد عن إخوانهم المسلمين في كل
مكان، وتحذر حكامها من الأصولية كما يقولون.
لقد صليت الجمعة في مسجد (تخطباي) في طشقند - وهي آخر جمعة من
شهر ذي القعدة - وحضر وفد نصراني إلى داخل المسجد، كموفد من كلية الكنيسة
في أمريكا لدراسة المنطقة دينياً واقتصادياً واجتماعياً، ومدة هذه الدراسة ستة أشهر، وكانوا يقومون بزيارة كل موقع ودخول كل تجمع، وكانوا يسألون عن سر كثرة
الشباب في هذا المسجد، وعن سبب تكبيرهم أحياناً أثناء الدرس الذي يعطيه الإمام، ولما سألناهم كم لكم هنا؟ قالوا: أربعة أشهر وبقي لنا شهران.
وفي يوم السبت ذهبنا إلى المسجد لمقابلة الطلاب، وأثناء خروجنا منه وجدنا
على بابه عجوزاً أمريكية، فقلت لصاحبي: اسألها عن سبب قدومها لهذه البلاد،
فذكرت أنها دكتورة في (جامعة كولمبيا في نيو يورك) - وللعلم أن هذه من أكبر
الجامعات التنصيرية - وقد قدِمت هذه العجوز لنفس الغرض السابق، ثم بادرتنا
بالحديث وقالت: أنا أعرف أنكم من السعودية، وقد سبقتمونا في تقديم الخدمات
لهذه البلاد ولكننا سنقدم لهم كل ما يريدون وما يطلبون! .
وقد ذكر لي أحد الثقات: أن عدداً من المسلمين قد تنصَّر في جمهورية
القرغيز، نتيجة الترغيب والإمداد بالأموال، وتقول الإحصائيات: إن النصارى
وزعوا أكثر من خمسين مليون نسخة من الإنجيل في جميع لغات الاتحاد
السوفييتي - المنهار - وفي جميع الأحجام والأشكال مقروءاً ومسموعاً. والقناة
الروسية تبث الدعوة إلى النصرانية في فقرات متعددة من برامجها، و (جيمي
سواجرت) وحده يظهر على القناة الروسية - التي تُلتقط في جميع الجمهوريات - مدة
ثلاث ساعات من يوم الأحد في كل أسبوع، عدا البرامج النصرانية الأخرى.
стр. 1402
الملف الإعلامي
أخبار قصيرة
إعداد: د.علي عبد الرحمن عواض
* دعا الأمين العام للاتحاد الوطني الكردستاني جلال طالباني اليهود في
جميع أنحاء العالم - بما في ذلك (إسرائيل) - إلى مساعدة الشعب الكردي الذي
تعرض للإبادة. وقال طالباني في تصريحات إلى مراسل صحيفة (يديعوت
أحرونوت) الإسرائيلية رون بن إيشاع: إن (إسرائيل) لا تقدم أية مساعدة إلى
الأكراد على رغم أن بغداد تتهمهم بأنهم (أدوات) في يدها. ونسبت الصحيفة إلى
الزعيم الكردي قوله: إنه يتوقع من اليهود المتحدرين من أصل كردستاني أن
يشكلوا (لوبي) لمصلحة الشعب الكردي يحض الإسرائيليين على تقديم مساعدات ...
إنسانية ومالية وطبية إلى الأكراد.
... ... ... ... ... ... الحياة / القدس العربي ٦/٢/١٩٩٣
* موسكو - أ. ب. رويتر: لم يستبعد وزير الدفاع الروسي الجنرال بافل
غراتشوف قيام تعاون عسكري بين بلاده وحلف شمال الأطلسي لمواجهة (اختراقات ...
عناصر إسلامية أصولية عدوانية) . أما القائد العام لقوات حلف الأطلسي في أوربا
الجنرال القوقازي الأصل جون شاليكاشفيلي فقد وعد بالعمل على إقامة (شراكة قولاً
وفعلاً) بين روسيا والتحالف الغربي.
... ... ... ... ... ... ... ... ... الحياة ٣١/١/١٩٩٣
* تقول مصادر ديبلوماسية إسرائيلية إن (إسرائيل) تدرس جدياً إقامة ...
علاقات ديبلوماسية مع ثلاث دول إسلامية غير عربية منها أندونيسيا التى تعتبر ...
أكبر دولة إسلامية في العالم لجهة الكثافة السكانية (١٨٠ مليون مسلم) . ودولتا ...
السنغال وإريتريا. وإذا نجحت مساعي (إسرائيل) لإقامة علاقات ديبلوماسية مع ...
البلدان الثلاثة المذكورة فسيرتفع عدد الدول الإسلامية التي تبادلها التمثيل
الديبلوماسي إلى خمس دول بعد مصر وتركيا.
... ... ... ... ... ... ... ... الحياة ٣١/١/١٩٩٣
* العلاقات الودية جداً بين جمهورية قيرغيزستان في آسيا الوسطى
و (إسرائيل) أدت إلى ود آخر بين (الجمهورية المسلمة) وإفريقية الجنوبية، يذكر أن قيرغيزستان وإفريقية الجنوبية أقامتا علاقات ديبلوماسية مؤخراً.
... ... ... ... ... ... ... الأسبوع العربي ٣١/ ١/١٩٩٣
стр. 1403
إحصائيات
المسلمون في أوربا:
تفيد الإحصائيات الصادرة عن منظمة العمل العربية - مكتب العمل
العربي - أن عدد المهاجرين غير الأوربيين في أوربا يزيد عن الثمانية ملايين نسمة
(غير الأوروبيين لأن أعداد الأوربيين الذين يهاجرون ضمن أوربا لا يدخلون في
هذا الحصر) وغالبيتهم الساحقة من العالم الإسلامي (أتراك، عرب، باكستانيون،
هنود وأفارقة) . وهذا الرقم - أي الثمانية ملايين - مساوٍ لعدد سكان ثلاث دول
أوربية وهي اللوكسمبورغ والدانمارك وأيرلندا.
والهجرة إلى الغرب ليست مسألة جديدة، بل إن عدداً من الدول الغربية كان
يشجع هجرة الأيدي العاملة الرخيصة إليها، فكان منهم اليمنيون والباكستانيون
والهنود في بريطانيا، والأتراك في ألمانيا، والعرب في فرنسا وأسبانيا وإيطاليا،
حيث نزح عدد كبير منهم في الخمسينيات والستينيات عندما كانت الأعمال اليدوية
متوفرة ويأنف الأوربي من القيام بها.
الهجرة إلى ألمانيا بدأت عام ١٩٦٢م وبدأ استقطاب العمالة الرخيصة من
تركيا حتى وصل العدد إلى خمسة ملايين حالياً، إلى جانب رقم لا بأس به من
جنسيات أخرى (يوغسلافيا/بولندا/فيتنام..) .
وتشير الإحصائيات في فرنسا إلى: أن شخصاً من بين كل أربعة فرنسيين له
على الأقل جد أجنبي أو مولود في الخارج. ويبلغ عدد العاملين من أصول أجنبية (١٤) مليون شخص بينما حصل عشرة ملايين من هذا الرقم بالفعل على الجنسية
الفرنسية.
وتشير دراسة بريطانية أجريت أخيراً إلى أن نسبة ٢٠% من العاطلين عن
العمل في الدول الغربية هم من المهاجرين. وهذه الهجرة تعود لأحد الأسباب
التالية:
- الضغوط السياسية.
- المجاعات والكوارث.
- الرغبة في المغامرة.
ولعل أهم مخاطر الهجرة هي (هجرة العقول) أو (النزف العلمي) كما يسميه ...
البعض؛ إذ إن الإحصائيات تشير إلى أن الغرب أصبح (مرتعاً) لعدد هائل من
مفكري وكُتاب ومثقفي وقادة العالم الإسلامي.
... ... ... بتصرف / مجلة الوسط، العدد رقم ٥٧، ١/٣/١٩٩٣
стр. 1404
مصطلحات
الدعوة والدعاية:
الدعوة: اصطلاحاً تعني: الترغيب في دين الله ونداء الناس للدخول فيه
وتعريفهم بمناهجه بالحكمة والموعظة الحسنة وهى - أي الدعوة - برنامج متكامل
يضم جميع المعارف التي يحتاج إليها الناس ليعرفوا الغاية من محياهم وليستكشفوا
الطريق التي تبصرهم بصراط الله المستقيم.
الدعاية: اصطلاحاً تعني: عملية منظمة متعددة الوسائل والأساليب تقوم بها
سلطة من السلطات باستمرار بهدف التأثير بها على المدعوين. وتحقق أهدافها
كسلطة، أو تحافظ على مكتسباتها وتديم استغلالها أو سيطرتها بالطرق النفسية التي
تستعبد بها نفوس المدعوين، وتخضعهم أكثر فأكثر لسلطان نفوذها. ومن أهم
قواعد الدعاية الحديثة: (التبسيط، وتركيز الاهتمام على العدو الواحد) ،
و (التضخيم والتعريف) ، و (توزيع الأدوار) ، و (تحويل المشاعر) ، و (نقض مزاعم
وخطط العدو والتكرار..) .
إذن فالدعاية هي نشر الأفكار ووجهات النظر والمواقف المرغوب في تبنيها
من الآخرين. والدعاية - كالإعلان - تستخدم أحدث وسائل الإعلام، والاتصال
بالناس من صحافة وإذاعة وتلفاز وخيالة " سينما " ومنشورات ومسرح، كما
تستخدم أحدث فنون الإيحاء الذاتي المبنية على اكتشافات علم النفس الفردي
والاجتماعي.
وعلى الرغم من فائدة الدعاية بصورة عامة فإن فيها عدة أخطار كامنة؛ لأنها
تميل إلى تبسيط الأمور وإبراز المزايا وإخفاء العيوب والأخطاء مما قد يقتل أية
قدرة على النقد، وعلى الحكم الموضوعي المتعقل.
ومن الأخطار الكامنة في الدعاية: خطر وقوع وسائل الاعلام والدعاية تحت
سيطرة فئة محدودة من موظفي الدولة أو كبار الرأسماليين، ولعل أخطر أنواع
الدعاية هي: الدعاية الخفية التي يصعب اكتشافها، وبالتالي تحقق أهدافها بفعالية
وعمق تحت ستار من الموضوعية المزيفة، وتنتشر الدعاية (ويتحسن سوقها) في
أوقات الأزمات والحروب، ولعل أهم الفروق بين الدعوة والدعاية اعتماد الأولى
على الحقائق وإيصالها بأساليب نظيفة بهدف خدمة الدين. والثانية تمزج الحقيقة
بغيرها وتوصل رسالتها بكافة الوسائل والأساليب من أجل خدمة مالكي أجهزة
الدعاية.
فيدرالية (Federalism) :
نظام سياسي يفترض تنازل عدد من الدول أو القوميات الصغيرة - في أغلب
الأحيان - عن بعض صلاحياتها، وامتيازاتها واستقلاليتها لمصلحة سلطة عليا
موحدة تمثلها على الساحة الدولية وتكون مرجعها الأخير في كل ما يتعلق بالسيادة
والأمن والقومي والدفاع والسياسة الخارجية.
فالفيدرالية إذن تتعلق بالنظام السياسي والتنظيم الإداري وبتقسيم صلاحيات
السلطات الحاكمة وتنظيم العلاقات فيما بينها وتأمين انسجامها لتمنع تغلب طرف
على الطرف الآخر فتحصر قرارات الدولة الفيدرالية المركزية بالقمة، وتترك
الأمور المحلية للسلطات الإقليمية، والسلطات المحلية بدورها لا تخرج عن نطاق
صلاحياتها، فهي لا تشرع للقضايا التي تتعلق بالدولة المركزية، رغم أنها تشارك
في قضايا المؤسسات التي تعالج الأمور القومية وتنظيم هذه المؤسسات وتوزع
الصلاحيات بشكل يؤمن استقلالية الوحدات المكونة للسلطة الفيدرالية ويضمن لها
المشاركة الفعالة في القرارات المركزية والمصيرية.
والفيدرالية على أنواع ودرجات متفاوتة في الأشكال والصيغ التطبيقية؛ إذ
تتراوح ما بين وحدة مطلقة أو الاتحاد بين مجموعة متمايزة تماماً. ومن أهم أمثلة
الفيدرالية: الولايات المتحدة، الاتحاد السوفييتي (سابقاً) ، الهند، سويسرا،
أستراليا، البرازيل. والجدير بالذكر أن بعضاً من الاتحادات الفيدرالية (بدأت
حياتها) كاتحاد كونفدرالي.
كونفيدرالية (Confederation) :
الكونفيدرالية شكل من التنظيم الاتحادي بين دول تعهد بممارسة بعض
صلاحياتها إلى سلطة مركزية مشتركة مع إبقائها على حكومتها المتميزة، وتتألف
السلطة المركزية أساساً من هيئة تنسيق ملزمة باتخاذ قراراتها كافة - أو معظم
قراراتها على الأقل - بإجماع الدول الأعضاء في الكونفيدرالية، وذلك بخلاف ما
يحصل في الفيدرالية حيث تُتخذ القرارات بأكثرية الأصوات فقط، وغالباً ما تتحول
الكونفيدرالية - ولا سيما في إطار الدول القومية - إلى فيدرالية، وهذا ما حصل
في سويسرا على سبيل المثال حيث لم يبق من الكونفيدرالية سوى الاسم، وكما هو
واضح فإن النظام الكونفيدرالي أكثر مركزية وسلطوية من النظام الفيدرالي.
ومن نماذجها المطبقة في العالم:
- الكونفيدرالية الأوربية للنقابات (C. E. S.) .
- الكونفيدرالية العالمية للعمل (C. M. T.) .
الحكم الذاتي (Autonomy) : [*]
هو حق دولة أو منطقة أو مقاطعة من دولة في إدارة شؤونها الداخلية بكل
حرية، دون الخضوع لتوجيهات خارجية. ويعتبر الحكم الذاتي الخطوة الأولى
والطبيعية نحو الاستقلال الكامل. وقد أثبتت التجارب التاريخية ذلك، وينتقل الحكم
الذاتي إلى مرحلة الاستقلال عندما تأخذ الدولة بزمام الشؤون الخارجية والدفاعية من
الدولة المهيمنة أو المنتدبة أو المحتلة..، وتستخدم الدول المحتلة عادة نظام الحكم
الذاتي لتأجيل إعطاء الاستقلال للمناطق المحتلة مدعية أنها: (مرحلة أساسية
وضرورية ويجب أن تمر بها المستعمرة؛ لتهيئة أبنائها وتمكينهم والتثبت من
إمكانيتهم إدارة شؤون البلاد بشكل نهائي ومستقل) .
وأمثلة الولايات أو الدول التي تتمتع بحكم ذاتي ضمن هيمنة دولية أوسع
كثيرة. فمثلاً في روسيا ست دول إسلامية تتمتع بحكم ذاتي تحت الغطاء الروسي.
وفي آذربيجان كانت مقاطعة (ناغورنو قره باغ) ذات الغالبية الأرمنية تتمتع بالحكم
الذاتي من الدولة الآذرية ذات الغالبية الإسلامية ... والمناطق التي تطالب بحكم
ذاتي في العالم كثيرة جداً.
стр. 1405
في دائرة الضوء
كشف تقرير سري رفعته بعثة تحقيق إلى المجلس الوزاري التابع للمجموعة
الأوربية أن القوات الصربية في البوسنة والهرسك ساهمت في تنفيذ أعمال
اغتصاب منظم لما لا يقل عن ٢٥ ألفاً من النساء والفتيات المسلمات. وأن مقاتلي
الصرب يستخدمون الاغتصاب (سلاحاً في الحرب) .
وقضى الكثير من ضحايا عمليات الاغتصاب الجماعي نتيجة إصابتهم وكان
بينهم أطفال لم يتعدوا السادسة أو السابعة من العمر. كما وجد المحققون أنه غالباً
كان يتم اغتصاب الفتيات أمام آبائهن وأمهاتهن، والأمهات أمام أطفالهن والزوجات
أمام أزواجهن.
إندبندنت ٢٦/١/١٩٩٣
* (إن التقرير غير دقيق؛ حيث إن عدد حالات الاغتصاب تجاوز
٥٠٠٠٠ حالة شملت الأطفال ذكوراً وإناثاً. كما شملت النساء والرجال. والصحافة
العربية تشير إلى أقل من نصف الحقيقة.) ... ... ... ...
- البيان -
وأضاف التقرير أيضاً أن الكثير من عمليات الاغتصاب كان هدفه جعْل
النساء حوامل واحتجازهن حتى موعد الوضع: (إمعاناً في الإذلال وكي يتذكرن
باستمرار هذا الإذلال) .
الحياة ٣/٢/١٩٩٣
* (ومع ذلك لا يجد المهجَّرون المسلمون مكاناً آمناً في البلاد الإسلامية،
فيضطرون إلى الهجرة إلى ديار الكفار في أوربا وأمريكا، وهناك يتم تهويدهم
وتنصيرهم.) ... ... ... ... ... ... ... ... ...
-البيان -
* * *
مصطلح رهيب جارح مؤذٍ مخجل يجد طريقه سهلاً في أي موضوع يتناول
قضايا المسلمين، إنه كلمة (اغتصاب) . ما بالها لا تفارق أي تقرير يتحدث عن
المسلمين في أية بقعة من بقاع الأرض. ستون ألف امرأة وفتاة وطفلة انتُهكت
أعراضهن في أوربا على مرأى ومسمع العالم.. والعالم الإسلامي شاهد على
الجريمة.. تسبى بنات المسلمين (بفتوى) شرعية من كنائسهم.
تقارير كشمير تتحدث عن فصل الرجال عن النساء في القرى النائية بحجة
التحقيق مع الرجال والنساء تحت رحمة عُبَّاد البقر.. وبعد الفصل تجري فصول
وطقوس تخدش إنسانية الإنسان.
من أرمينيا يرتفع صوت المذيع في راديو (ناغورنو قره باغ) معربداً موجهاً
كلامه للمسلمين: (لن نترك بناتكم حتى يلدن أطفال الأرمن) !! هكذا جهاراً نهاراً. ...
يقول مراسل إندبندنت البريطانية في تقرير من بنغلاديش عن أوضاع
اللاجئين البورميين: (لم ألتقِ بامرأة مسلمة واحدة إلا وحدثتني عن قصة جديدة من
قصص الاغتصاب.. كل واحدة التقيتها قالت لي: إنها اغتُصبت..) .
اعتادت الأسماع على هذه الأخبار والعيون على هذه الصور وألفنا صور
الجريمة! ! فهل هذا هو دورنا المطلوب؟ ! هل لنا أن نستمع لفتوى العلماء (إذا
سُبيت امرأة مسلمة في المشرق فعلى أهل المغرب إنقاذها) . هل لنا أن نتذكر ما
فعله الرسول ﷺ باليهود عندما حاول أحدهم أن يكشف عورة
امرأة مسلمة؟ وهل ننسى ما فعله المعتصم عندما لطم علج رومي مسلمة في زبطرة
وصاحت (وامعتصماه) ! !
عندما سئل الناطق الرسمي لجبهة تحرير مورو عن السبب في الهجوم على
مجموعة من الجيش الفلبيني وقتل ٣٥ من عناصره أجاب: (مع أننا في معاهدة
وقف إطلاق نار معهم ولكنهم اغتصبوا امرأة) !
* * *
الإريتريون ليسوا عرباً، وإريتريا ليست جزءاً من العالم العربي، وسنقيم
علاقات ديبلوماسية مع (إسرائيل) . دانيال يوهانس المفوض العام لإريتريا في
فرنسا. وأضاف: إن واقع أن تكون مسلماً وأن تتحدث اللغة العربية يمكن أن
يحتوي على اتجاه للانتماء العربي. إن هذا الواقع لا يعني أنك عربي ومن بعد
إريتري، إن المسلم الإريتري إريتري فقط. ولا يوجد خلاف ولا بحث في مسألة
أننا عرب أو غير عرب، نحن إريتريون وأفارقة فقط.
وعن علاقاته مع (إسرائيل) يضيف: جاء سفير (إسرائيل) في أثيوبيا إلى أسمرة مباشرة بعد الاستقلال (٢٤/٥/١٩٩١) ، وطرح علينا إقامة علاقات ديبلوماسية. وكانت (إسرائيل) الدولة الأولى التي اتخذت مثل هذه البادرة. ونحن سنقيم علاقات مع (إسرائيل) ، لسنا مجبرين وليس لدينا حساب نؤديه لأحد في هذا المجال.
مجلة الوسط ١٥/٢/١٩٩٣
الضجة الإعلامية و (الاستغراب) الذي ساد كثيراً من العواصم العربية على
إثر تصريحات (أفورقي) بعد زيارته لإسرائيل، له ما يبرره ولأفورقي في أسبابه
فيما قاله. العرب الذين احتضنت عواصمهم وكثير من مدنهم مكاتب (الحركة
الشعبية لتحرير إريتريا) منذ اللحظة الأولى وحتى سقوط حكم الرئيس الأثيوبي
منغيستو هيلا ماريام، والذين قدموا للجبهة الدعم المادي والسند السياسي رأوا في
تصريحات أفورقي (خيانة) و (نكراناً للجميل) ، ولكنها خيانة (مَن) و (لمن) ؟
(فالرجل) يرى في (إسرائيل) (صديقاً) يمكن الاستفادة منها والتعامل معها وإقامة تبادل ثقافي وديبلوماسي.. فهل هذه (الطموحات) تبتعد كثيراً عن تصريحات كثير من العرب أنفسهم؟ ! وهذا ليس سراً، بل إنها تصريحاتهم ... وعناوين صحفهم. و (إسرائيل) ترى في الخطوة تعزيزاً لسياسة التغلغل التي تتبعها في إفريقية.
الإريتريون عرب، أحب أفورقي أم كره، ولغة العلم في البلاد هي
العربية والإسلام دين الغالبية فالتقارب بين النصراني أفورقي ويهود (إسرائيل) هو
من مظاهر هذا العصر إن لم نقل من مستلزماته ولكن هل يتعلم المسلم العربي كيف
يختار أصدقاءه وفيمن يضع ثقته؟ !
أما في إفريقية فقد تولت الولايات المتحدة تحمل التبعات في تهيئة الأجواء
وذلك عبر نشاطات وزارة الخارجية الأمريكية في القرن الإفريقي والتي رسم
سياستها مساعد وزير الخارجية الأميركي هيرمان كوهين.
***
لفت خبير أمريكي في شئون الشرق الأوسط - وهو على علاقة وثيقة
بالدوائر الأمريكية - إلى (جدوى استغلال المثقفين الشيوعيين السابقين في دعم
التوازنات الإقليمية المقبلة في المنطقة) موضحاً أن بعض الأقلام اليسارية يقوم
بمواجهة التطرف الديني بطريقة أفضل من الأقلام الموالية للسلطة. وأشار الخبير
بالمناسبة إلى أسماء معروفة جداً في أوساط اليسار المصري.
الأسبوع العربي ١٥/٢/١٩٩٣
***
فعلى القارئ الفاهم الواعي أن يتذكر الأسماء التي تكتب اليوم باسم الإسلام
و (تدعي وصلاً به) والإسلام لا يقر لهم بذاك. أقلامهم التي ملأت صفحات الكتب
والمجلات افتراءات تهاجم الإسلام وأهله هي الآن نفسها التي تكتب عن (الإسلام
المتطوَّر) (المتسامح) الذي يحتوي على توصيات وقيم اجتماعية وأخلاقية طيبة
في الوقت الذي يشككون بالنظام الإسلامي للحكم. هؤلاء (الدخلاء) لا يتركون
مناسبة إلا ويحملون فيها حملات مسعورة على الإسلام تحت غطاء محاربة (التطرف) أو مواجهة (الأصولية) .
الغلو منبوذ أصلاً في الإسلام، ولكن هل يجوز استغلال بعض الممارسات
التي لا تمثل وجهة النظر الصحيحة؟ ؟
стр. 1406
مكتبة البيان
رسائل جامعية
إعداد: عبد العزيز الحويطان
* مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة:
رسالة قدمها الباحث ناصر بن عبد الله القفَّاري لنيل درجة (الماجستير) من
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، سنة ١٣٩٨هـ وقد نالها بدرجة امتياز.
تقع الرسالة في جزئين، الأول (٣٩٠ صفحة) وتتضمن تعريف أهل السنة
والجماعة، ومصادرهم في تلقي العقيدة، وأهم معتقداتهم التي خالفتها طائفة الشيعة. وتعريف الشيعة ومعتقداتهم التي خالفوا فيها أهل السنة كالقول بتحريف القرآن،
والغلو في القبور، والتَّقِيَّة والرجعة، وقولهم في الصحابة. أما الجزء الثاني (٣٩٠
صفحة) فقد دار حول آراء دعاة التقريب في قضايا الخلاف، ومحاولات التقريب
منذ القديم إلى هذا العصر - سواء الجماعية التي قامت بها دار الإنصاف ودار
التقريب بين المذاهب الإسلامية أو المحاولات الفردية مثل محاولات محمد عبده
ومحمد رشيد رضا ومصطفى السباعي وغيرهم - ونتائج هذه المحاولات، حيث
بيَّن هدف علماء الشيعة الحقيقي من هذا التقريب، وانخداع من قام بهذا من أهل
السنة، كل هذا في عرض موضوعي علمي قلما نجده في غير هذا الموضع.
بذل الباحث جهداً في هذه الرسالة، حيث سافر إلى بعض البلاد للاطلاع على
مادة هذه الرسالة، وجمعها والوقوف عليها فقد سافر إلى الكويت والعراق ومصر
وباكستان. طُبعت الرسالة أخيراً (١٤١٢هـ) وهي من توزيع دار طيبة للنشر -
الرياض.
* أمالي المحاملي رواية ابن يحيى البيع:
رسالة قدمها إبراهيم القيسي لنيل درجة (الدكتوراه) بتاريخ ٢١/٦/١٤٠٦هـ
من كلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض، وقد
حازت على مرتبة الشرف الثانية. وطبعت أخيراً (١٤١١هـ) وهي من توزيع دار
ابن القيم. والكتاب من الكتب التي تستحق العناية والإخراج، وقد اقترن اسم مؤلفه
به، حيث اشتهر عند علماء الحديث (بأمالي المحاملي) ، والكتاب فيه مادة حديثية
كانت المعتمد لكثير من علماء الحديث قديماً وحديثاً.
يقع الكتاب في مجلد، بدأه المحقق بمقدمة عن حياة المؤلف وعصره، ثم
عرف بالكتاب ومكانته والنسخ المخطوطة التي اعتمد عليها التحقيق، وأتْبعه
بالأحاديث المسماة بالأمالي التي رتبها الباحث على الأبواب الفقهية (ليسهل الوصول
إليها) ، وجاء الكتاب في (٥٧٦صفحة) مع فهارسه.
ملاحظة: الأمالي: جمع إملاء وهو أن يقعد عالِم وحوله تلاميذه بالمحابر
والقراطيس، فيتكلم بما فتح الله عليه من العلم، ويكتب التلاميذ فيصير كتاباً
يسمونه الإملاء أو الأمالي، وعلماء الشافعية يسمون مثله (التعليق) (انظر مقدمة
الكتاب، ص٣١، نقلاً عن (كشف الظنون) ، ١/١٦١) .
* المسائل والرسائل المدونة عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة:
جمع وتحقيق ودراسة عبد الإله بن سلمان بن سالم الأحمري. تقع الرسالة في
مجلدين، بدأها الباحث بترجمة للإمام أحمد، ثم علق بشكل مقتضب على المصادر
التي استقى منها مادة هذا البحث، وهي مسائل الإمام أحمد التي رواها تلامذته،
ورسائله الشخصية ورسالته لمسدد، ومؤلفاته التي صحت نسبتها إليه والتي لم
تصح، إضافة للكتب التي نقلت آراءه في هذا المجال.
الرسالة جامعة ومفيدة، وتكتسب أهميتها من كونها: صادرة عن الإمام أحمد
بن حنبل إمام أهل السنة المتفق على إمامته وجلالته، وثانياً: كونها في باب العقيدة
التي اضطربت فيها بعض الفرق الإسلامية عبر تاريخنا الإسلامي، وطريقة
الباحث أن يعرض كلام الإمام أحمد في مسألة من مسائل العقيدة، ويتبعها أحياناً
بتعليق من عنده يوضح مذهب السلف في هذه المسألة، وبعض النقولات فيها
لبعض الأئمة المشهورين، وربما أتى برأي بعض الفرق فيها.
يقع الجزء الأول في (٤١٢ صفحة) يضم أقوال الإمام أحمد في مسائل الإيمان، والقدر، ومسائل القرآن، ومسائل الأسماء والصفات، والجزء الثاني في (٥٠٠
صفحة) تحدث فيه عن أقوال الإمام أحمد في مسائل القتال، والأموال، ومسائل
الصلاة، والسحر والكهانة، والمسائل المتعلقة بالتوكل والغيبيات، والمسائل
المتعلقة بالرسل، ومسائل الفرق. الرسالة من توزيع دار طيبة للنشر، الرياض.
* الغلو في الدين في حياة المسلمين المعاصرة:
دراسة علمية حول ظاهرة الغلو ومفاهيم التطرف والأصولية، تأليف عبد
الرحمن بن معلا اللويحق المطيري، قدم الباحث هذه الرسالة إلى قسم الثقافة
الإسلامية بكلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، لنيل درجة
(الماجستير) وقد استحقها بدرجة امتياز وذلك بتاريخ ١٣/١/١٤١٢هـ.
قام الباحث بدراسة موثقة ومؤصلة شرعاً، معتمداً على الإحصاءات
والدراسات الحديثة في هذا الجانب، وموضحاً المصطلحات التي تتلجلج في هذا
الموضوع بدون ضابط، وقد أجاب على الأسئلة المهمة المتعلقة بهذا الموضوع مثل: هل في حياة المسلمين المعاصرة غلو؟ ما هي جذور هذا الغلو؟ ما حجمه؟ ما
مظاهره؟ ما الميزان المستصحب في اكتشاف الغلو؟ وفي نقده ونقضه؟
عرَّف الباحث في رسالته مصطلح الغلو في الشريعة الإسلامية، وجذوره
التاريخية، وحجم وطبيعة الغلو في حياة المسلمين المعاصرة، ومفهومه عند
العلمانيين والغربيين، ومجالات الغلو العقدية والتشريعية، وكذلك العملية والسلوكية، وختمه بالنتائج التي توصل إليها في هذا البحث.
وقد كان لجهد الباحث في جمع المادة، وما صاحبه من تبويب وعرض شيق
أثر في أهمية هذه الرسالة التي طُبعت أخيراً (١٤١٢هـ) في نحو (٦٠٠ صفحة) مع
فهارسها، وهي من توزيع مؤسسة الرسالة بيروت.
стр. 1407
إصدارات
يعتبر كتاب (ملحمة البوسنة والهرسك.. الجريمة الكبرى) للدكتور عدنان ...
علي رضا النحوي إضافة قيِّمة إلى المكتبة العربية وإغناءً لبعض النقص الواضح
في الكتابات العربية التي تتناول شؤون مسلمي البلقان قديماً وحديثاً.
استعرض الكاتب في الباب الأول تاريخ البلقان وانتشار الإسلام هناك كاشفاً
جذور المأساة التي تعانيها الأقليات المسلمة في أوربا الشرقية، ومفصلاً مراحل (الجريمة الكبرى) التي تُرتكب الآن في البوسنة والهرسك والتي بدأت مع انهيار ...
الدولة العثمانية وإلغاء الخلافة الإسلامية.
وفي الباب الثاني يقدم الكاتب (الملحمة الشعرية) في البوسنة والهرسك حيث
يعرض التحولات في تاريخ البوسنة من خلال قصائد عبقت فخراً بتاريخ البوسنة،
وحزناً على واقعها وخجلاً من واقع المسلمين وصيحة لمستقبل آخر.
لا تُراعي يا (بوسنَ) صبرٌ جميلٌ ... سوف نُحيي مع الملاحم عِيداً
واسكبي النور عَلَّه يوقظُ الجَف ... نَ فنلقي هناك فجراً جديداً
الكتاب من إصدارات دار النحوي للنشر والتوزيع في الرياض، ص. ب.
١٨٩١، الرمز البريدي ١١٤٤١. ويقع الكتاب في مئتي صفحة من القطع
المتوسط (١٤١٣هـ/١٩٩٣م) .
الإسلاميون وسراب الديمقراطية، تأليف عبد الغني الرحال:
يتضمن الكتاب موضوعاً مهماً هو شرعية دخول الإسلاميين إلى البرلمانات.
وقد عرض الباحث كافة المبررات والمسوغات التي يحتج بها من يرى المشاركة
البرلمانية وخاصة قضية المصلحة، ثم يشير إلى أن المشاركة في هذه البرلمانات
هي ترسيخ لواقعها المخالف لدين الأمة.
وقد بدأ الباحث دراسته بمقدمة ضافية تمثل دراسة نقدية موجزة للواقع ...
المعاصر، وموقف الجماعات الإسلامية إزاءه، ثم تكلم عن الموضوعات التالية:
- الديمقراطية.
- المجالس النيابية ومقاصد الشرع.
- مصالح متوهمة أم أبواب مغلقة.
صدر الكتاب حديثاً خلال (١٤١٣هـ) عن مؤسسة المؤتمن للنشر والتوزيع -
الرياض ويقع في (٥٣٦) وهو الجزء الأول من الكتاب، سيليه مستقبلاً الجزء
الثاني عن التجربة المصرية والسورية.
стр. 1408
ردود ومناقشات
جاءتنا ردود على ما كتبه الأخ محمد عبد الله آل شاكر في العددين (٥٥و٥٦) ، وحرصاً منا على سماع وجهات النظر ننشر هذين الردين باختصار مع الإبقاء
على النقاط المهمة والله الموفق.
- البيان -
رد الدكتور سليمان بن عبد الله العُمير:
لقد اطلعت على ما كتبه الأخ الأستاذ محمد عبد الله آل شاكر في العدد ٥٥ من
مجلة (البيان) في زاوية: تراث تحت عنوان: (هجوم على العمالقة) . وقر أت ما تضمنه ذلك المقال من الانتقاد اللاذع لما قام به الدكتور حمد الحماد - الأستاذ المشارك بالجامعة الإسلامية بالمدينة - من اختصار كتاب المغني لابن قدامة.
ولست أريد بهذه الكتابة الدفاع عن المنتقَد أو مناقشة المنتقِد أو الدخول في تفاصيل
جدوى اختصار الكتب المطولة، أو عدم جدواها. فهذا له أهله، وتحكمه نوعية
الكتاب الذي يراد اختصاره، والحال التي عليها القراء وهل هم بحاجة فعلاً إلى
الاختصار والتسهيل أم أن باستطاعتهم التعامل مع الكتب الكبيرة، والتلقي منها
مباشرة دون عناء. لكني أريد التنبيه على بعض الأمور التي وقع فيها الأستاذ:
أولاً: قوله: (إن هذا المختصر يقع في ثمان مجلدات) والصواب في أن هذا
الكتاب لن يتعدى أربع مجلدات على أكبر تقدير. ولعل الأستاذ صدق هذه الشائعة
نظراً لأنه يوجد في السوق مختصرات وضعها أصحابها في حجم يقارب حجم
الأصل إن لم يزد عليه، وهو معذور في ذلك، لكن الصواب ما ذكرت.
ثانياً: مسألة تيسير الشراء التي افترضها الأستاذ غير واردة أصلاً، فلا محل
لها.
ثالثاً: قوله عن هذا المختصر: (رأيت منه مجلدين اثنين) هو من قبيل
الوهم. والواقع لم يُطبع من الكتاب إلا المجلد الأول فقط، وهو ينتهي بنهاية كتاب
الجنائز كما أشار إليه الأستاذ.
رابعاً: فهم الأستاذ من حذف الدكتور لأقوال السلف من الصحابة والتابعين في
المسائل أن في ذلك حرماناً لطالب العلم من معرفة آراء هؤلاء التي قد تكون لها
قيمتها ومكانتها، وهذا فهم في غير محله. ذلك أن الدكتور إنما حذف من هذه
الأقوال ما كان موافقاً لأقوال أصحاب المذاهب المشهورة، ومعطوفاً عليها، وحينئذ
فالقول موجود وإن حذف بعض من قال به، أما حين يكون رأي هؤلاء السلف
مقابلاً لآراء أصحاب المذاهب فإنه يثبته ولا يحذفه، وعليه فلا نكون حرمنا طالب
العلم من معرفة آراء هؤلاء الفقهاء خارج نطاق المذاهب المشهورة.
هذا ما أردت التنبيه عليه في هذه العجالة ولا يُنكر ما للأستاذ شاكر من جهود
في الذب عن التراث، ومن غيرة صادقة عليه خاصة في مقاليه عن التحقيق
والمحققين في العددين (٤٣و٤٤) مزدوج وفي العدد (٤٥) .
والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.
رد الأستاذ حسان عبد المنان:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد، فإني أُخبرت أن رداً على
كتابي (رياض الصالحين) المحقق المهذب وقع في مجلة (البيان) الإسلامية.
فحمدت الله أن أحداً بادر بنقده.
وكنت أتمنى أن يكون الرد الذي وقع في نفسي، وهو تصحيح خطأ أو منهج
سرت عليه، أو بيان مغالطات فيه، وإن كان فبأسلوب علمي خالٍ من التحامل أو
التجريح. ولكن بما أن الكاتب قد تجنى عليَّ، فلا بد من الرد، وهذا هو بين يدي
القارئ:
١- ادعى الكاتب: أني حذفت بعض أبواب (رياض الصالحين) وهذا لم
يحصل.
٢ - ادعى: أني حذفت بعض الأحاديث الصحيحة وسكت، ولو أكمل العبارة
لأوضح أنها في هامش الكتاب، فاستغنى عن تكرارها في متنه.
٣- ادعى: أن الحذف بلغ عندي أحد عشر بنداً كما في مقدمتي، وهذا غير
الواقع بل هي أكثر.
٤- ادعى: أن إحالات الحديث: انظر الحديث كذا.. قد تتجاوز نصف
الصفحة بحرف صغير، وهذا غير الواقع أيضاً؛ فالحرف لم يتغير.
٥- ادعى: أني قلت في كتابي: (وافقني عليه الشيخ الألباني) في أحاديث
ضعَّفها. واعترض عليَّ بقوله: والكل يعلم أن تحقيق الألباني على الأقل أسبق من
تحقيقه هو بسنوات فمَن الذي يوافق الآخر؟ .
أيها الفاضل: أنا لا أريد أن أخوض معك غمار اللغة، ولكن يكفي أن أطالبك
بهذه الجملة، أين وقعت عليها في كتابي؟ ! أنا أعرف بكتابي، لم أذكر ذلك
صريحاً في موضع من الكتاب، وإنما اقتصرت على موافقة الشيخ شعيب
الأرناؤوط - حفظه الله - لأني جالسته جلسات عدة في مراجعة الأحاديث الضعيفة
من الكتاب، ووافقني على ما بينت في كتابي.
أما الشيخ الألباني - حفظه الله - فقلت في بداية فصل الأحاديث الضعيفة: (ولعل الشيخ الفاضل الألباني يرجع إلى نحو ذلك بعد ما يرى الحجة في هذا
الكتاب) . فكيف أذكر موافقته على أحاديث - لو صح ما زعمت - وقد قلت قولتي هذه.
ولنعد إلى الملاحظات:
١ - تقول: (أصبحت المختصرات الناسخة للأصول المطولات من تراثنا
كثيرة كثرة تستلفت النظر..)
وأقول: هل المختصرات وليدة هذا العصر؟ أم أنها سُنة من أئمتنا وأئمتك.
ولتوقن أن المختصرات لم يمسخها المتأخرون، أذكر لك نماذج من مختصرات
المتقدمين، وإكثارهم من هذا الباب:
فها هو الإمام الذهبي ﵀ المتوفى سنة (٧٤٨هـ) قد اختصر أكثر من ثلاثين كتاباً، وقد ذُكرت في مقدمة (سير أعلام النبلاء) ،٨٣ -٨٨.
أما التفاتك إلى عصرنا أيها الفاضل، فانظر مختصرات الشيخ الألباني لكتبه
وكتب غيره، مثل صفة الصلاة، وأحكام الجنائز، والشمائل المحمدية، والعلو
للعلي الغفار، وصحيح البخاري..
وأما رياض الصالحين، فاختُصر من قِبل غير واحد كالنبهاني، وغيره مما لا
زال مخطوطاً في المغرب، والمكتبة الوطنية بباريس. فهل هذه الكتب ماسخة
للأصول؟
٢ - تقول: (وأما تهذيبك نصوصاً - ونصوص الكتاب كلها آيات
وأحاديث - فلست أدري والله ما الذي يحتاج إلى التهذيب، أهذه النصوص الكريمة
أم الذي قام بتهذيبها نفسه؟) .
وهنا لابد أن نقل تعريف التهذيب من كتاب الكليات (للكنوي) ، ص٣٠٨،
يقول: (التهذيب هو عبارة عن ترداد النظر في الكلام بعد عمله والشروع في
تنقيحه نظماً كان أو نثراً، وتغيير ما يجب تغييره، وحذف ما يجب حذفه،
وإصلاح ما يتعين إصلاحه، وكشف ما يشكل من غريبه وإعرابه وتحرير ما يدق
من معانيه) . وبعبارة أخرى: هو اختصار أو زيادة بتصرف.
ومن الأمثلة على الزيادة تهذيب الكمال، وتهذيب التهذيب، وتهذيب إصلاح
المنطق، ومن الأمثلة على الاختصار - مع زج بعض التعليقات الخفيفة فيه -:
المهذب في اختصار السنن الكبرى.
وأما اعتراضك: أن هذه آيات وأحاديث فلا تهذب، فالأمثلة كثيرة على
تهذيب كثير من الكتب المليئة بالآيات والأحاديث واختصارها. وقد تقدم ذكر شيء
منها.
٣- عِبت عليَّ أني رتبت بعض الأحاديث - وهي قليلة - في الأبواب
المناسبة.
أقول: إن النقل الذي فعلته في كتابي لا يعدو طريقة المتقدمين في تهاذيبهم.
فانظر مثلاً كتاب (الكمال في أسماء الرجال) للحافظ عبد الغني المقدسي، الذي
رتب كتابه في تراجم الرجال كالآتي: مقدمة في أهمية الإسناد في الحديث، ثم
تراجم العشرة المبشرين بالجنة، ثم تراجم الصحابة، ثم تراجم الصحابيات، ثم
المحمدين من التابعين ومن بعدهم، ثم حرف الألف منهم بالترتيب الهجائي. فجاء
بعده الحافظ المزي، فبنى على كتابه كتاباً آخر سماه (تهذيب الكمال) غيَّر فيه
وبدَّل فبدأ بمقدمة، ثم بترجمة للنبي ﷺ ، ثم بتراجم الرواة
جميعاً صحابة وتابعين، وغيرهم على الترتيب الهجائي إلا أنه قدم من اسمه
أحمد في حرف الألف على غيره..
فهل هذا التهذيب - أيها الفاضل - كأصله في ترتيبه؟ .
٤- تستحلفني بالله أن هذا كتاب رياض الصالحين نفسه بنصه وفصّه كما
وضعه المؤلف؟ .
أقول: كيف تقول ذلك وأنا أقول لك هذا تهذيبه، وكل عامل يدرك ذلك، ففي
صفحة الغلاف إشارتان واضحتان لذلك. الأولى: قولي: (تمتاز هذه الطبعة
بضبط نصوصها وتهذيبها) . والأخرى: (حققه وقدم له وهذبه وخرجه حسان عبد
المنان) . فكيف تريدني أن أحلف على أمر أنا أقول بخلافه؟ ! .
هذا السؤال نفسه وجهه إلى الشيخ الألباني المحدث - حفظه الله - فقل له:
هل كتاب (السنة) [١] لابن أبي عاصم هو الكتاب الذي وضعه مؤلفه؟ . سيقول ...
لك: أنا وضعت تحت هذا العنوان: (ظلال الجنة في تخريج السنة) ، فيفهم منه
أن هذا الكتاب هو تخريجه. وكحال الكتب المحققة المخرجة أيضاً، هل هي الكتب
التي وضعها مؤلفوها؟ إذاً يجب على قاعدتك أن تذكر فوق كل عنوان: تخريج،
أو شرح، أو تحقيق..
٥- تعترض عليَّ لأنني حذفت الأحاديث الضعيفة من الكتاب، وقد فعل هذا
غير واحد من مشايخ عصرك، فها هو الشيخ الألباني مثلاً: استخرج السنن الأربع
بصحيحها وحذف ضعيفها، وكذلك (صحيح الجامع) . فهل ما فعله بنظرك إساءة؟
٦- تقول: وما أخال إنساناً سوياً خلقه الله ووهبه عقلاً يشكو صعوبة تناول
كتاب النووي حتى جاء صاحبنا ليسهل له ذلك بالتهذيب كيما يناله بأقرب الطرق
(حتى ولو كانت مشروعة) والغريب حقاً أنه يفعل ذلك ليقرأ الكتاب دون ملل في
وقت قصير مع أن صفحاته الستمائة تقريباً تعادل حجم الأصل..
أقول:
أولاً: وهل اختصر النبهاني الكتاب نفسه لأن فيه صعوبة، وهل اختصر
الألباني أحكام الجنائز، وصفة الصلاة، والشمائل المحمدية، والعلو للعلي الغفار
لذلك السبب نفسه. أم من باب التسهيل والتيسير لهذه الأمة قدر الإمكان.
ثانياً: اعتراضك أن صفحات التهذيب تعادل حجم الأصل، وهذا غير الواقع، انظر إلى طبعة المكتب الإسلامي الجديدة، وطبعة مؤسسة الرسالة المحققة،
وطبعة فاروق حمادة فإنك ستجد أن الأولى والثانية تتجاوز صفحات كل منهما السبع
مئة صفحة، والثالثة نحو التسع مائة صفحة. وأما طبعتي فهي دون الفصل الأخير
نحو خمس مئة صفحة على ما فيها من شرح وتحقيق أثناء الكتاب.
أقول أخيراً: إن الاتهام أسهل البضائع، ولكنها لن تُباع إذا لم تُقرن بالأدلة.
стр. 1409
منتدى القراء
أهمية فقه سُنة الابتلاء
راشد حُسين آل عبد الكريم
إن معرفة الطريق الذي يسير فيه الإنسان لبلوغ هدفه أمر ضروري لمواصلة
سيره دون انقطاع أو فتور، لتجنب ما يمكن تجنبه من العوائق في هذا الطريق.
ومما لا شك فيه أن طريق الدعوة إلى الله طريق طويل وشاق؛ إذ إنه يبدأ منذ أن
يعقل الإنسان دوره ووظيفته في هذه الحياة، ولا ينتهي إلا إذا انتهت المسافة التي
حددها الله له في هذا السفر - وهي عمره - والتي لا يدري عنها المسافر شيئاً،
هذا إذا واصل في هذا الطريق، ولم يستطل المسافة أو يستصعب السير فيبحث عن
طرق أخرى يراها أقصر أو أسهل. وقد يكون فيها هلاكه المحقق!
السمة البارزة لهذا الطريق - كما يذكر الله (تعالى) في كتابه، وكما يذكر
رسوله ﷺ ، وكما يذكر التاريخ ويؤيده الواقع أيضاً - أنه
طريق ابتلاء وامتحان، طريق محفوف بالمكاره، يشتد الابتلاء فيه - بشتى صوره
- ويكبر كلما أوغل السائر فيه وهو مُصر على التقدم.
وهذا التصور يفيدنا في أمور لعل من أهمها:
١- الاستعداد المناسب لطبيعة الطريق:
إن من يريد اجتياز هذه الطريق يحتاج إلى استعداد وتهيئة وتربية، تهيئة
نفسية تساعد على الاستمرار وعدم التوقف، وتهيئة علمية تساعد على ضبط المسار
وعدم الانحراف.
إن مَن يريد سفراً - وهو يعرف طبيعة الطريق - يلزمه أن يختار أسلوب
السفر المناسب، وطريق الدعوة، وحمْل هذا الدين قد ثبت بالشرع والواقع أنه شاق
تكثر فيه العوائق والمحن، فلا بد أن يوطن الإنسان نفسه على ما يُحتمَل أن يصيبه
في هذا الطريق، ويعد نفسه لذلك حتى إذا حدث شيء منه يكون قد أخذ استعداده
فلا يُفاجَأ بالأمر فينهار، أو يرتبك إذا لم يكن في حسبانه وتخطيطه احتمال وقوعه، ويقول الشيخ السعدي [١] في قوله - تعالى -: [لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وأَنفُسِكُمْ]
[آل عمران: ١٨٦] : (.. ومنها (أي فوائد الإخبار بالابتلاء) أنه أخبرهم بذلك
لتتوطن أنفسهم على وقوع ذلك، والصبر عليه إذا وقع لأنهم قد استعدوا لوقوعه
فيهون عليهم حمله، وتخف عليهم مؤنته، ويلجؤون للصبر والتقوى) .
ففقه هذه السنة اللازمة للدعوة إلى الله بتدبير الآيات والأحاديث المخبرة عنها، وبدراسة سير السلف الصالح ممن ابتُلوا في سبيل الدعوة إلى الله - يدعو الحازم ...
إلى الاستعداد والتأهب وتوقع ما سيحصل في مستقبل دعوته.
٢- عدم الوقوع في الفتور الذي يصيب بعض الدعاة:
إن كثيراً من الشباب المتحمس يبدأ مجال الدعوة باندفاع ويسر لما يحققه من
نجاح نسبي في أول مشواره مع قلة ما يواجه المبتدئ - غالباً - من عقبات،
فيترسخ في ذهنه أن هذه الطريق كلها بهذه السهولة، قريبة النتائج. فإذا ما توغل
وحصل له أي نوع من أنواع الابتلاء بدأ يتململ ويتذمر، وينفذ صبره، ويتوقف
عن مواصلة الطريق، ثم يخبو حماسه أو ينطفئ تماماً، وما ذلك إلا لأنه لم يكن
مدركاً من الأصل طبيعة هذا الطريق، بل كان لديه تصور متفائل جداً، وغير
مستند على أدلة شرعية، أو حقائق واقعية مما جعله يفاجأ بالحقيقة التي لم يعدّ نفسه
لها منذ البداية، وقد تصل الحالة بمن كان مفرطاً في التفاؤل إلى التخلي عن مبدأ
الدعوة إلى الله ولو تدريجياً.
٣- عدم التسرع والاستعجال في تحصيل النتائج:
إن الداعي إلى الله إذا لم يعلم ويتيقن أن ما سيصيبه في طريق دعوته - من
عدم استجابة الناس على عجل أو عدم استجابتهم البتة، أو عدم ثباتهم على
الاستقامة أو عدم زوال المنكرات، بل أحياناً ازديادها أو غير ذلك - إنما هو من
الابتلاء والامتحان له، بل قد يدفعه جهله هذا إلى الظن أن هذه هي النتيجة النهائية
وأنه - والدعاة معه - قد خسروا فيتصرف تصرفات رعناء متسرعة من واقع
الضغط النفسي الذي يضايقه، ظاناً أنه بذلك يحقق نصراً للدعوة لم يستطع تحقيقه
بأسلوبه الأول الذي اعتمد على الرفق والتؤدة.
مثلاً: أن يسعى لتغيير بعض المنكرات الكبيرة الشائعة بالقوة التي يرى -
بفهمه القاصر - أن فيها مصلحة للدعوة، وهذا مما يسبب مشاكل كبيرة للدعوة التي
يحملها، والتي كان يمكن تفاديها لو علم أنه ليس مطالَباً بأن يهتدي الناس على يديه، بل واجبه هو دعوة الناس وتبليغهم دين الله، وهو إذا قام به على خير وجه فهو
نجاح بالنسبة له بغض النظر عن النتائج.
والداعي ليس مطالباً بتحقيق نصر الإسلام فهذا أمره إلى الله متى شاء أن
يحدث حدث، لكنه مطالب ببذل الجهد في هذا السبيل فحسب، والرسل والأنبياء
كانوا يخاطَبون بذلك [فَإنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إلاَّ البَلاغُ] [الشورى: ٤٨] ، فالعجلة والتسرع في قطف ثمار الدعوة، وتحصيل نتائجها
كلها يتطلب أمراً أساسياً ألا وهو الصبر.
стр. 1410
هُجِرَ الكتاب
عبد الله بن محمد العسكر
طُوي الكتابُ وجفَّت الأقلامُ ... فعليكَ يا زمنَ الإباءِ سلامُ
واستأسد الفأرُ الضعيفُ بعصرنا ... وأُميطُ عن وجهِ اللئيمِ لِثامُ
تلك المآسي لستُ أحصي عدَّها ... في كلِّ يومٍ محنةٌ وسَقامُ
كلُّ المصائب سهلةٌ ويسيرةٌ ... أما مصائب أمتي فَجِسَامُ
إني أنادي والرياحُ عصيبةٌ ... والأرضُ حجرٌ والدِّيارُ ضِرامُ
يا ألفَ مليونٍ ألا مِن سامعٍ؟ ... هل من مجيبٍ أيها الأقوامُ؟
فأجابني صوتٌ دويٌ صاخبٌ ... أصغتْ له الوديانُ والآكامُ
فرفعتْ رأسي إذ بشبلٍ شامخٍ ... خجلتْ لفرطِ عُلُوِّهِ الأجرامُ
فسألتُه: مَن أنت؟ قال بعزةٍ: ... أنا مسلمٌ وشعاريَ الإسلامُ
أنا شبل سعدٍ يا نجومُ وخالدٍ ... أنا شبلُ حمزةَ ذلك الضِّرغامُ
الساجدون بليلِهم أما إذا ... لفحَ الهجيرُ فإنهم صوَّامُ
ثم انقضتْ تلك المفاخرُ كلُّها ... كأنما كانت لنا أحلامُ
ماذا ينتظر المسلمون ؟
عدنان محمد عبد الرزَّاق
إذا كانت وحدة العمل الإسلامي والتنسيق بين العلماء والدعاة والتشاور بين
الجماعات من الأمور المطلوبة أكثر من قبل وأشد إلحاحاً، فإن معاناة المسلمين،
وما يلاقونه من عذاب وقهر، وإذلال وقتل وتشريد، وما يخطط لهم عدوهم - مما
هو أشد وأنكى - يتطلب منا اليوم أكثر من أي وقت مضى الوقوف وقفة رجل واحد
لوضع حد لمعاناتنا، وإيجاد مخرج من هذا النفق المظلم، والبحث عن أسباب
ووسائل التمكين والعزة؛ فالدموع والآهات والحسرات ليست هي الرد الأمثل،
وكذلك الخطب والمحاضرات، اللهم إلا إذا كانت تدندن حول هذه المواضع وتمهد
لها.
لم يعد خافياً على أحد: أن العالم أجمع - قديمه وجديده - اتفق على ألا تقوم
للمسلمين قائمة، ونلمس ذلك صباحاً ومساءً، فماذا أعددنا لمواجهة ذلك؟ وعلى أي
شيء اتفقنا؟ .. أخشى ما أخشاه أن نكون اتفقنا على الشيء نفسه لكن بحسن نية،
وسلامة قصد؛ إذ كلمة الحق مرة، ولكن من مُر الدواء يكون الشفاء بإذن الله.
فحين يقول الزعيم: أنا ولا أحد غيري! ! وتدعي كدعوات هذه الجماعة وتلك،
ونبقى نحن على ما نحن عليه يستفحل هذا التنازع المؤدي للفشل وذهاب الريح! !
إن معرفة واقع المسلمين وأسباب ضعفهم، واكتشاف أمراضهم وعِلَلهم ليس
خطأً ولا عيباً، بل الخطأ في المجاملة والطمأنة بأننا بخير وأحوالنا في تحسن،
والنصر لنا، والمستقبل والصحوة، إلى آخر ما هنالك من هذه العبارات.
لا يشك أحد أن المستقبل لهذا الدين، وسيبلغ ما بلغ الليل والنهار، ولكن هذا
النصر من الله - تعالى - جعله الله - تعالى - على أيدي المسلمين أنفسهم،
وبجهودهم ونحن لسنا أعز على الله - تعالى - من رسوله الكريم؛ إذ أخذ بكافة
الأسباب، حين أراد الهجرة من مكة، من رفيق الطريق، والزاد والدابة،
واستئجار الدليل، وإخفاء الليالي، كل ذلك والله قادر على إيصاله إلى المدينة بأقل
من طرفة عين، لكنها السنن، والمدرسة التي يجب أن نتعلم منها ونتلمس خُطاها،
[أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ] [آل عمران:
١٤٢] .
إن التمني وأحلام اليقظة لا تنتج إلا حراباً تنحر رقاب المسلمين، بعد أن
أصبح الخوف والخنوع شعارنا، ونشيد أطفالنا الذين ينامون ويستيقظون على أحلام
الخوف والفزع.. حول ما يرون ويسمعون، فإذا قرأت كلمة (ذُبِحَ) فتوقع بعدها
المسلمين، وإذا سمعت (هُتِكَ) فلا بد أن تكون أعراضهم، وإن ذُكر الهدم
فالمقصود مساجدهم..
أيرضى عن هذا الذي نحن فيه مسلم يبتغي وجه الله واليوم الآخر؟ أترضى
عن ذلك جماعة تبتغي إعلاء كلمة الله وإقامة شرعه؟ .
وإني أقول الجواب: إن من لم يعمل لإيجاد مخرج مما نحن فيه، ومن لم
يسعَ حسب قدرته وطاقته، ومن لم يكن هذا همه، فليفهم نفسه أنه على خطر عظيم.
إن المسؤولية تكبر بكبر الموقع، والإمكانات، وإن مكان ذلك لا يعفي أحداً
منها، ومن يدري فرُبَّ كلمة في هذا الاتجاه يهيئ لها الله
القبول ممن بيدهم الاستطاعة والقدرة؛ فالحروب الصليبية كلها عائدة لبطرس
الراهب الذي جاب أوربا شرقاً وغرباً - لا يملك سوى الكلمة لتحريض النصارى
على تخليص بيت المقدس من أيدي المسلمين حسب زعمه.
ونحن في هذا المجال لا ننكر جهود بعض المخلصين ونداءاتهم من أجل وحدة
العمل الإسلامي ورصّ الصفوف رغم ما يعترض ذلك من صعاب ومشقة، ولكن
النتائج لم تُظهر أية مبادرة عملية في هذا الاتجاه، حيث كثرت الأقوال وقلَّت
الأعمال.
إن خلاص النية لله والتوكل عليه وتقواه أساس البداية الصحيحة السليمة؛
ومصداق ذلك قوله - تعالى -: [وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً] [الطلاق: ٢] . [وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ] [الطلاق: ٣] ، ثم يأتي الإعداد والأخذ
بالأسباب؛ لقوله - تعالى -: [وَأَنزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ومَنَافِعُ لِلنَّاسِ]
[الحديد: ٢٥] .
стр. 1413
السرقة أنواع ودرجات
عادل محيي الدين نصار
قد يظن البعض من الناس أن مفهوم السرقة محصور فقط في أخذ مال الغير
من حِرْزه، والاستيلاء عليه بدون وجه شرعي.. وكفى. ولكن مفهوم السرقة
أعمق من هذا بكثير.. فقد تفنن الناس فيها، واخترعوا اختراعات، حتى صارت
أنواعاً ودرجات.. بعضها أظلم وأعقد من بعض.
فمن أنواع السرقات التي انتشرت في الآونة الأخيرة في العالم أجمع: سرقة
الأعمال الأدبية، سواء أكانت شعراً أم نثراً أم قصة أم رواية.. الخ. وكذلك سرقة
المؤلَّفات بكاملها أو بعضها.. أو الخروج على قانون الاقتباس، وهذا ما قد عمَّت
به البلوى - ولا حول ولا قوة إلا بالله -.
وكذلك ما تفعله بعض دور النشر والتحقيق التي لا ضمير لها، وكذا بعض
الأفراد الذين يعملون في هذا المجال.. فمصائبهم لا تعد ولا تحصى ... كل هذا
سرقة للتراث، وقتل للنبوغ والابتكار وإهلاك الاقتصاد.
ومن أشد أنواع السرقة، ومن أقتمها درجة، وأعظمها عند الله: سرقة بعض
المدراء لجهود مرؤوسيهم، ولا سيما إذا كان هذا المدير ذا فصاحة وبيان وعنده
القدرة على التلاعب بالألفاظ والاستخفاف بعقول الآخرين والتأثير عليهم بسحر
لسانه وقوة بيانه وكذبه وتماديه في الباطل، فيخلط مع الكلمة ألف كذبة؛ ليأكل
بلسانه حقوق الموظفين التابعين لإدارته، وهذا الصنف من المدراء كثير - لا
كثَّرهم الله - في كل زمان ومكان.
стр. 1414
المجتمع الإسلامي
المرأة وخدمة العقيدة ! !
الرباب بنت عبد الله
قالت أم المؤمنين عائشة ﵂: كان الرسول ﵇
يقول في مرضه الذي مات فيه: (يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت في
خيبر) .
هذا حديث صحيح ذكره البخاري في باب (مرض الرسول الذي مات فيه) .
لقد وقفت مع هذا الحديث وظللت أتأمله وأردد بيني وبين نفسي (إن هذا لشيء
عُجاب) ! ! ؛ أجل فقد استولى عليَّ العجب لكون طعام يهود خيبر المسموم الذي
قدموه لرسول الله ﷺ لم يجئ به شاب مفتول العضلات ولا
رجل قوي البنية! إنما تولت زمام هذه المؤامرة الدنيئة امرأة ضعيفة! !
سألت نفسي مراراً:
تُرى ما الذي حمل هذه المرأة على أن تخطط لقتل رسول الهدى؟ ! وما
كان - بأبي هو وأمي - من الملوك الظلمة الذين يأخذون أموال الناس غصباً وعدواناً
هل هو شعور هذه المرأة بأنها عضو في مجتمع وعليها دور لابد أن تؤديه؟ !
إذا كانت هذه المرأة اليهودية قد عرَّضت نفسها للمشاق والألم. وهمت
بمبارزة الرجال حرصاً على بقاء عقيدتها الهشة التي أحاط بها الباطل من بين يديها
ومن خلفها.. فماذا تراها فاعلة لو كانت تحمل في صدرها عقيدة التوحيد الصافية
التي يحملها فتيات الإسلام ومع ذلك قلما يجتهدن لنصرتها، ويحملن همها ويقدمن
لأجلها الرخيص فضلاً عن النفيس! !
كأن فتاة الإسلام قد أغمضت عينيها فلم تبصر نساء اليهود والنصارى في
عصرنا وقد شمرن عن ساعد العمل والجد. حتى قامت (إيميلدا) - زوجة ماركوس
حاكم الفلبين السابق - بقيادة معظم الحركات التنصيرية ضد المسلمين في مندناو
والجزر الإسلامية! ! ، بل إن حماسها العقَدي حملها على إنشاء منظمات نصرانية
كمنظمة (ايلجاس) التي ليس لها مهمة إلا قتل الشباب المسلم في الفلبين، وقتل
نسائهم وتخريب ديارهم! كما لم تنسَ هذه النصرانية تكوين عصابة سمتها ...
(عصابة الفئران) وصرفت لموظفيها مبالغ طائلة ليصطادوا فريستهم التي ليست إلا نحن (! !) .
وإني أحسب أن فحيح (عابدة حسين) الذي تناقلته وسائل الإعلام مؤخراً،
ليس إلا دليلاً على أن العصر عصر العقائد، حتى عند الجنس اللطيف! ؛ إذ دأبت
هذه المسيحية على تحريض بلادها (باكستان) كي تعترف بالكيان الصهيوني الذي
ترتبط هي به روحياً وعقائدياً! !
والأمثلة على هذا النوع كثيرة ... غير أني أدَعُها وأدْعو نساء المسلمين إلى
مطالعة صفحات التاريخ المشرقة ليرين خطوات أسماء ونطاقها الذي لم تجد غيره
فشقّته! وليتأملن صمود أسماء وابنها عبد الله، فهل كان يرخص رأس عبد الله في
عيني أمه لولا عقيدة يرخص دونها الوالد والولد؟ !
لماذا تُشيح فتاة الإسلام بسمعها عن صوت الخنساء وهي تردد: (الحمد لله
الذي شرفني بقتلهم) ! وهي التي همت قبل إسلامها بقتل نفسها حزناً على أخيها؛
إذ قالت:
ولولا كثرةُ الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلتُ نفسي!
تُرى ما الذي غيَّر لغة الخنساء وعاطفتها، ومن ذا الذي منحها طاقة تواجه
بها مصيبة موت أولادها الأربعة إلا عقيدة لا طعم للحياة بدونها!
وفي العصر الحديث لا نعدم جيلاً نسائياً استشعر عظمة العقيدة فجاهد
لنصرتها، ولم يقف تفكير هؤلاء النسوة عند حدود الطبخ والثوب والحذاء والزوج
والولد وأمن البلاد، بل كان مع تربية الولد وإسعاد الزوج وخدمة أمتها..
أختاه.. (للنائمات فقط) ، العقيدة لا تحتاجنا، بيد أننا نحتاج خدمتها لنتذوق
طعم الحياة بها! !
стр. 1415
آداب الزيارة وحدودها
بين النساء
أم عبد الرحمن
إن للزيارة آداباً وحدوداً، فإذا فقدت الزيارة بعضاً من هذه الآداب وتجاوزت
شيئاً من هذه الحدود، فإن القلوب قد تتنافر، كنتيجة لذلك.
وقد جمعت شيئاً من هذه الآداب من واقع التجربة، راجية من الله
- أن يجعل فيها الفائدة المرجوة لأخواتي في الله، وأن تكون بعيدة عن الإفراط
والتفريط.
من آداب الزيارة:
١- اختيار الوقت المناسب، واليوم المناسب للزيارة:
فلا يكون الوقت في الصباح الباكر أو في وقت الظهيرة بعد الغداء، أو في
وقت متأخر من الليل؛ فإن وقت الصباح الباكر وقت نوم عند بعض النساء،
ووقت عمل عند أخريات (من تنظيف بيت وإعداد طعام..) .
ووقت الظهيرة بعد الغداء هو وقت القيلولة، وهو وقت نوم أو استراحة
للزوج بعد عودته من العمل. والوقت المتأخر من الليل هو وقت السكون والراحة
أيضاً وهو وقت خاص بأفراد الأسرة.
٢- اجتناب الزيارات المفاجئة بدون موعد مسبق أو استئذان:
وتلافي ذلك بسؤالك صديقتك التي ترغبين في زيارتها (عن طريق الهاتف إن
استطعت) عمَّ إذا كان وقتها يسمح لها باستقبالك إذا لم تكن لديها أية مسؤوليات تجاه
أطفالها أو بيتها أو زوجها في ذلك اليوم. وبهذا الاستئذان تكون مهيأة ومستعدة
لاستقبالك، بعكس الزيارة المفاجئة التي قد تسبب الضيق والإزعاج لصديقتك،
خاصة إذا كانت صديقتك - أو بيتها - في حال أو في هيئة تكره أن يراها أحد
عليها.
٣ - أن لا تطول مدة زيارتك:
لأن الزيارة إذا كانت مدتها طويلة قد تُشعر صديقتك بأنك أثقلت عليها وأنك لا
تبالين بكثرة مسؤولياتها كزوجة وأم وربة بيت، وبالتالي قد يذهب ودّها لك أو يقل.
٤- إذا طالت مدة الزيارة فينبغي استغلال الوقت بما ينفع:
وبما يكون فيه لك ولصديقتك الأجر والثواب، وذلك بقراءة أحد الكتب
الإسلامية، أو سماع شريط نافع، كي تشعر صديقتك بالسرور؛ لأن زيارتك
أفادتها الكثير ولم يذهب وقتها هباءً في الثرثرة من تشدق وغيبة ونميمة.
٥- التحفظ وقت الزيارة في الأقوال والأفعال:
بحيث لا تُظهري لصديقتك شيئاً من الفضول في قولك أو فعلك بكثرة
الاستفسار عن أشياء تخصها، أو تخص زوجها - والتي ربما تكون عادية - ولكنها
لا تحب البوح بها لك أو لغيرك.
٦- إظهار الرضى والسرور والبشاشة بما تقدمه لك من طعام أو شراب:
واستكثاره مهما كان قليلاً، وتقديم النصيحة لها بالبعد عن الإسراف والتكلف
للضيف في المأكل والمشرب، وعدم التحدث بعيوب الطعام الذي قدمتْه لك مهما
كان نوعه.
٧- تجنب كثرة المزاح:
إذا تجاوز الحد أورث مقتاً واحتقاراً لصاحبه، وقد يملأ القلوب بالأحقاد إذا
كان مزاحاً ثقيلاً وجارحاً لكرامة الشخص ولمشاعره.
٨- إصلاح ما قد يتلفه أطفالك من متاع أو أثاث في بيت صديقتك أثناء
زيارتك لها:
(إذا كان بالإمكان إصلاحه وقتئذٍ) ، وتنظيف أو إزالة ما قد يُحدثه أطفالك من
فوضى أو قذارة في بيتها؛ حتى لا تشعر صديقتك أنك ضيفة ثقيلة عليها أنتِ
وأطفالك.
٩- تقديم الشكر لصديقتك عند نهاية الزيارة:
والدعاء لها بقولك: (جزاك الله خيراً) على استقبالها لك وحسن ضيافتها لك، وقدمي لها الاعتذار إن بدا منك أو من أطفالك أي أذى لها أو لأطفالها أثناء الزيارة؛ فإن هذا الاعتذار قد يُذهب ما في القلوب من كدر أو جفاء أو شحناء إن وجد.
١٠ - عدم تكرار الزيارات في فترات متقاربة من الزمن:
حتى لا تتولد الجفوة والسآمة بكثرة الخلطة واللقاءات والاجتماعات المتكررة
والمتقاربة، وقد قيل: (زُرْ غِباً تزددْ حباً) ، وقيل أيضاً: (لا تزرِ القوم قبل أن
يشتاقوا إليك، ولا تمكثْ حتى يضجروا منك) .
وختاماً.. فإني أرجو أن تكون هذه الآداب بعيدة عن الإفراط والتفريط وأن
تكون أقرب إلى الحق والصواب والعدل.
стр. 1416
ظواهر
الأحباش: دعوة أم فتنة ؟
محمد الشيخ عثمان
ظهر في لبنان في السنوات الأخيرة طائفة تسمى الأحباش، نسبة إلى شيخهم
عبد الله الحبشي وقد تبنت هذه الطائفة عقائد خالفت فيها كثيراً من اعتقادات أهل
السنة كما سلكت مسالك شاذة في الفقه والسلوك. ولهم جمعية اسمها (جمعية
المشاريع الخيرية) ومجلة شهرية تسمى (بمنار الهدى) تصدر في لبنان. ونظراً
لأن مؤسس هذه الفئة (عبد الله الحبشي) يدعي أنه من الصومال بل يدعي أحياناً
أنه مفتي الصومال؛ رأيت أن أكتب بعض الحقائق عنهم لكوني من الصومال أولاً،
ولأنني كنت أتابع نشاط هذه الفئة لبعض الوقت. وقبل أن أتطرق لمعتقداتهم رأيت
أن أكتب عن المؤسس.
أسس هذه الفئة عبد الله بن محمد الشبيب الهَرَري [١] الحبشي [٢] . وهو
ليس من الصومال كما يدعي، ولا أظنه معروفاً عند الصوماليين فضلاً عن كونه
مفتيهم.
شخصية الحبشي شخصية غامضة لم تكن معروفة كثيراً في العالم الإسلامي
أو في شرق إفريقية إلا ما ذكره الشيخ عبد الرحمن دمشقية من أن الرجل ساهم في
فتنة المسلمين في أرض هرر، وخاصة فتنة (كلنب) [٣] وقد ذكر أن الحبشي
حارب أهل السنة بإيعاز من أديس أبابا وتعاون مع الحاكم ادتراجي صهر
هيلاسيلاسي، وسبب إغلاق مدارس تحفيظ القرآن، حتى عُرف بشيخ الفتنة، ثم
هرب من الحبشة إلى الشام، وأسس مذهبه في لبنان وكانت أزمة لبنان الأخيرة مما
ساعده على ذلك حيث وجدها مرتعاً لأفكاره المنحرفة، ومدخلاً للعالم الإسلامي لبث
اعتقاده. ومما يؤكد أن شخصية الحبشي غامضة ما ذُكر في مجلتهم (منار ...
الهدى) [٤] ، حين أجرت مقابلة مع ابنه الذي صرح أنه لم يلتقِ بوالده حتى بلغ الثامنة عشرة من عمره! .
الأحباش:
أكثر (الأحباش) من لبنان، وقلة من الجنسيات الأخرى، وقد بدؤوا أخيراً
تكوين نشاط في بعض الدول الغربية، مثل الدانمارك، وسويسرا، وفرنسا، وأكثر
أتباعه شباب متعصبون لشيخهم ومذهبهم المبنيّ على كثير من الاعتقادات الفاسدة،
والشذوذات الفقهية.
ففي الاعتقاد: خالف الحبشي أهل السنة في كثير من مسائل العقيدة، فهو يتصيد الآراء الفاسدة من كل الفرق المنحرفة، فتجده تارة جهمياً وتارة مرجئاً، كما أنه يأخذ فكرة التكفير من الخوارج، ففي الصفات نجده مدَّعياً أنه يؤمن باثنتي عشرة صفة فقط، ويزيد عليها مخالفة الله للحوادث والقيام بالنفس [٥] . كما أنه لا يؤمن بصفتَيْ الغضب والرضا، ويرى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وأن العمل لا يدخل في مسمى الإيمان [٦] .
سَبّه للصحابة:
إن عبد الله الحبشي يفسّق معاوية بن أبي سفيان ﵁ ومن كان
معه ضد علي بن أبي طالب ﵁ فهو في هذا متشيع خارج عن
مذهب أهل السنة والجماعة في عدالة الصحابة وعدم الخوض فيما شجر بينهم، كما
يفسّق أم المؤمنين عائشة - عليها رضوان الله -[٧] .
تكفيرهم للعلماء:
من سمات الأحباش تكفيرهم لعلماء شُهد لهم بالعدالة والاستقامة، فهم يكفرون
شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن قيم الجوزية، والشيخ محمد بن عبد الوهاب
وغيرهم. ومن العلماء الذين يكفرهم الحبشي الشهيد سيد قطب ﵀
والمحدث محمد ناصر الدين الألباني،. والشيخ عبد العزيز بن باز، بل ويكفرون
الجماعات السلفية، وجماعة الإخوان المسلمين. مقابل تفسيق الصحابة، وتكفير
العلماء نجد الحبشي يمدح ابن عربي، وعبد الوهاب الشعراني، وغيرهم ممن
عرفوا بالشعوذة والدجل [٨] .
آراؤه الفقهية:
سلك الحبشي مسلكاً شاذاً في الفقه، فهو يرى خروج المرأة متبرجة متعطرة
إلى الشوارع، ويرى اختلاط النساء بالرجال لأجل الدعوة، ويكفر من يحذر من
ذلك كما فعل بحق الشيخ فيصل مولوي، ومن أغرب ما ذهب إليه الحبشي إجازته
لمن أراد التخلف عن الجمعة أو الجماعة أن يأكل الثوم والبصل؛ مستدلاً بحديث
رسول الله ﷺ : (مَن أكل ثوماً أو بصلاً فلا يقربنَّ ...
مسجدنا) [٩] وهذا غاية في الشذوذ والضلال، وإذا فُهمت النصوص بهذا الفهم ... الحبشي فلن يكون هناك كتاب أو سُنة.
ومن غرائبهم أنهم موسوسون في إخراج الحروف، فتسمع لهم في الصلاة
صفيراً بسبب بحثهم عن مخارج الصاد، وقد شبَّههم الشيخ محمد عبد الله الشامي
بفعلهم هذا في مساجدهم كأن مساجدهم مملوءة بالعصافير! [١٠] .
استخدام العنف في نشر مذاهبهم:
وهذا مذهب أهل الضلال والانحراف مثل الخوارج؛ فأهل السنة لا
يستخدمون العنف لنشر مذهبهم ويتقون الله في دماء المسلمين. وقد سبق أن اتُّهِموا
بمقتل الشيخ القصاص [١١] وغيره. ولا يمكن أن يُترك هؤلاء يروِّعون المسلمين
في مراكزهم ومساجدهم.
أقوال علماء المسلمين فيهم:
لقد أخبرني مَن أثق فيه: أن من أحسن ما كُتب أخيراً في الرد على الأحباش
كتاب (إطلاق الأعنَّة) ، كما أن كتاب (الرد على عبد الله الحبشي) للشيخ محمد
عبد الله الشامي يعتبر كتاباً جيداً، ناقش معتقدات الأحباش بهدوء، وبطريقة علمية. وقد تكلم على هذه الفئة علماء أجلاء منهم: فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز
حيث قال عنهم: (إن هذه الفئة معروفة لدينا وهي فئة ضالة، ورئيسها عبد الله
الحبشسي معروف بانحرافه وضلاله والواجب مقاطعتهم وإنكار عقيدتهم) . وذكر
سعد الدين خالد ابن الشيخ حسن خالد ﵀ مفتي لبنان: (إن هؤلاء ليسوا
بعيدين عن مخططات أعداء الإسلام في نشر الفُرقة والآراء الشاذة ليشغلوا المسلمين
بها) .
وخلاصة القول إن هذه الفئة تستخدم إمكانيات اقتصادية هائلة، ومن خلالها
ينشرون مذهبهم بين المسلمين؛ لذا يجب على علماء الإسلام التصدي لهؤلاء وتفنيد
بدعهم، والرد عليهم، وبيان زيفهم وضلالهم.
стр. 1417
الصفحة الأخيرة
باسم رب الغلام
د. محمد الحضيف
اقتربتْ من صدره فاحتضنته، ثم تراجعت خطوة إلى الوراء، ويدها ما
زالت على صدره وقالت:
- ما هذا يا عبد الله؟
- درع أتقي بها ضرباتهم.
- أتخاف من الحجَّاج يا عبد الله.. أتخاف من الموت؟ !
قلت لها: لماذا لا تخافين أن يكون اسمك على ورقة، لماذا تطالبينني أن
أكون (عبد الله) ، ولا تحاولين أن تكوني (أسماء) ؟ سكتت وانتهى هذا الحديث.
ثم.. لما جنَّ عليَّ الليل أخذت أتأمل فيما قلت لها: هل قسوت عليها. هل
طالبتها بما لا تستطيع؟ ، لقد تحدثنا عن التضحية، عن كيف عانى - عليه الصلاة
والسلام - حتى يبلّغ الرسالة. إننا دائماً نتحدث عن الحاجة إلى الرواد الذين
يتقدمون الصغوف ليلتقطوا الراية أو يحملوا المشعل، وكثيراً ما نستخدم مثالاً سخيفاً، فنقول: (مَن يعلق الجرس؟) فتتبادر إلى أذهاننا قصة الفئران والقط. لهذا ...
السبب نعاني شُحاً في الرواد والرائدات.. ما دام المثال فئراناً وقططاً؛ فالمسألة لا
تستحق تضحية، فضلاً عن أن تكون هناك ريادة.
استبد بي الأرق وعافني مضجعي وأنا أتأمل فيما قلت. تذكرت حديث
صاحبي الذي قال: كنا في مجلس فحُدِّثنا عن صفة أهل النار فرانَ علينا صمت
كصمت مَن في القبور، وما تجد واحداً منا يلتفت إلى صاحبه. ثم حُدثنا عن صفة
أهل الجنة فارتفع بكاؤنا وعويلنا. تعجبت.. قال: لا تعجب، حينما كان يتحدث
عن أهل النار خفنا أن يسمينا لكثرة ما اقترفنا، فلزم كل منا الصمت خشية أن يقول
ها هو ذا. وحينما تحدث عن أهل الجنة، وتحدث عن أدنى أهلها والحوار الذي
دار بينه وبين الرب - جل وعلا - بكينا وكل واحد يؤمّل أن يكون ذلك الأدنى. ثم
أضاف صاحبي وقال: لكنه حدثنا حديث الغلام.
سرتْ في جسدي رعشة وأنا أردد: حديث الغلام. هل تذكرون حديث الغلام؟؛ هذا أعظم الرواد. ليتني قلت لها حديث الغلام. صحيح أنني حدثتها عن أم
المؤمنين خديجة وهي تدثره ﵇ وتقول: أبشر، والله لا يخزيك الله.
كأني أقول لها كوني خديجة.
لكن ما حال الغلام؟ هل تريد أن تقتلني، قالها الغلام. اجمعِ الناس، وخذ
هذا السهم وقل: باسم رب هذا الغلام ثم أطلقْ السهم فتقتلني. جمع الناس وقال:
باسم رب الغلام وأطلق السهم؛ مات الغلام، وقال الناس: آمنا برب الغلام.
ومضت في التاريخ قصة أعظم الرواد. فمَن يكون مثل الغلام.. لا من يعلق
الجرس؟ ! .
стр. 1418
ذو القعدة - ١٤١٣هـ
مايو - ١٩٩٣م
(السنة: ٧)
стр. 1419
كلمة صغيرة
ما زالت الكتابات التي تتناول أحوال المسلمين دون المستوى المطلوب، فمنذ أن كتب الأمير شكيب أرسلان تعليقاته الشهيرة على كتاب (حاضر العالم ... الإسلامي) ، لم يظهر كتاب يماثله في وصف حالة المسلمين وواقعهم وما هم عليهم من القوة والضعف والجهل والعلم وما هي ثرواتهم ومؤسساتهم وواقع الدعوة بين صفوفهم.
سنقدم في هذا العدد من (البيان) محاولة متواضعة لسد هذه الثغرة، وسنتابعها
في الأعداد القادمة إن شاء الله وسنتطرق للحديث عن أحوال المسلمين في المناطق (المنكوبة) ، والتي تسميها الصحافة (مناطق ساخنة) تخفيفاً من هول المأساة.
وهذا الموضوع واسع ودقيق يتطلب جهوداً جمة، وإمكانات قوية، ولذا فربما
نعجز عن تحقيق ما نرنو إليه ولكننا سنسدد ونقارب والله من وراء القصد.
المحرر
стр. 1420
الافتتاحية
هذه هي القضية
هل أصبح المسلم منبوذ هذا العصر؛ يتحاشاه الناس كما يتحاشون من الجمل
الأجرب؟
إن الحملة الإعلامية الخبيثة التي تُشَن عليه تريد ترسيخ هذه الصورة في
أذهان الناس. وتستغل أخطاءً هنا وهناك كي تكتمل الصورة ويكتمل العرس
الإعلامي الذي يقوده الغرب بعد أن استفرد بالمسلمين على الساحة العالمية.
إن من طبيعة الغربي في تفكيره وسلوكه أن لا يرضى بالتنازلات القليلة،
فكلما تنازلت له عن شيء يطلب المزيد، أما المسلمون فليسوا على استعداد لترد
دينهم وعقيدتهم إرضاءً للغرب. وأما الذين يلهثون وراءه، فهل يستطيعون بعد
الانسلاخ عن دينهم تغيير جلودهم؟ .
لا شك ستبقى نظرة الغرب إليهم نظرة فوقية ولو قبَّلوا أقدامه.
ليست (قضية الأصولية) هي الغضية المستهدفة عند الغرب، وإنما المستهدف
هو الإسلام عقيدة وسلوكاً وحضارة، وقد عبرت عن هذه النوايا صحيفة يهودية
عندما طالبت بإلغاء البرامج الدينية من الإذاعة والتلفاز، بل وإلغاء العبارات
الدينية! .
تقول الصحيفة: (الأمر العجيب في القاهرة أن حوانيت الملابس تُسمع فيها
آيات القرآن، وتذيع إذاعة القرآن الكريم هذه الأيام (١٩) ساعة يومياً، ويدل
استطلاع الرأي أن ٩٦% من المستمعين المصريين يفضلون هذه الإذاعة على
غيرها) ، وتعلق الصحيفة على إلغاء برامج إذاعة القرآن والاقتصار على تلاوة
الآيات: (إن خلفية إلغاء البرامج الدينية من الإذاعة الإسلامية هو ادعاء الدوائر
العلمانية، إن مصر تستخدم عبارات دينية في جميع مجالات الحياة، مما يشكل
تربة خصبة للإسلام الأصولي..) [١] .
لقد عبر عن هذا الاتجاه أيضاً (أنس الشابّي) ، التونسي العلماني الذي كتب
معاتباً لدولة مجاورة لأنها تستقدم المشايخ من الأزهر لإلقاء المحاضرات والدروس
الدينية، يقول: (لا يمكن للأزهر إلا أن يكون السند الخفي والظاهر للتطرف
والانغلاق والتحجر، لأنه كان ولازال دائماً وأبداً معارضاً للتطور، وخصماً لحرية
الفكر، ومنذ بدايات هذا القرن مثَّل الأزهر مؤسسة الانغلاق، يدل على ذلك:
١- فصْله للشيخ علي عبد الرازق، وإخراجه من زمرة العلماء عام ١٩٢٥
بسبب إصداره كتاب (الإسلام وأصول الحكم) .
٢- تشنيعه على طه حسين إثر نشره (في الشعر الجاهلي) ، واتهامه بالكفر. ...
٣- مصادرته كتاب (مقدمة في فقه اللغة العربية) للدكتور لويس عوض،
ومصادرته (أولاد حارتنا) لنجيب محفوظ.
٤- الضغط لسحب كتب فرج فودة من السوق.
ذلك هو حال الأزهر..) [٢] .
إن تقسيم الإسلام إلى إسلام أصولي وآخر متنور ما هو إلا مؤامرة تستهدف
شق صف المسلمين على أمل الاستفر اد بكل قسم منهم على حدة لتسهل عمليه
القضاء على المسلمين بالتدرج. ولعل أخطر ما يردده الغرب المعادي وتلاميذه
ومريدوه هو إسقاط عبارات التشنيع على المسلمين؛ تلك الصفات التي تصفهم
(بالأصولية) التي تعني عند الغرب ما لا تعنيه في اللغة العربية، واستخدام هذا
المصطلح ينسلك في إطار التضليل والتشويه.
هذه هي القضية واضحة لا التواء فيها، إنها صدور منطوية على كُره
الإسلام وأهله، وكم يبدو العلمانيون متناقضين حين يتظاهرون بالعلم والثقافة،
ويتكلمون عن سماحة الإسلام ويسره، وأنه ليس دين تشدد، وهم يحاربون الإسلام
سراً وعلانية، وأما القوميون الذين بدؤوا بالتقرب من الإسلاميين عندما أحسوا بقوة
تيار العودة إلى الدين - عادوا ونكصوا رؤوسهم وساروا في (الزفة) ، التي تهاجم
المسلمين، وأظهروا الشماتة بما يقع لهم، ونقول لهؤلاء وأولئك: إن الله ناصر
دينه، وجاعل لهذا الأمر فرجاً، والعاقبة للمتقين، وهناد حقيقة ناصعة يجب أن
يكونوا على بينة منها وهي: أنه لا يفلح عرب بلا دين؛ تلك خصوصية العرب،
وهذا قدرهم. وإذا ابتعدوا عن الإسلام فسيصيرون مِزقاً وأحاديث، وقد كان رسول
الله ﷺ يقول لقريش في أول الدعوة: «قولوا كلمة تَدين لكم
بها العرب والعجم» ويقول - تعالى - مذكِّراً بما أنعم عليهم: [وَاذْكُرُوا إذْ أَنتُمْ
قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ]
[الأنفال: ٢٦] .
ويقول الصحابي الجليل أبو برزة الأسلمي: (وإنكم - معشر العرب - كنتم
على الحال الذي قد علمتم من جهالتكم، والقلة والذلة والضلالة، وأن الله - عز
وجل - نعشكم بالإسلام وبمحمد ﷺ خير الأنام، حتى بلغ بكم
ما ترون..) [٣] .
وها نحن نُتخطف من أرضنا، وليس لنا وزن يُذكر، ولا يكيل بمكيالنا أحد،
ولم أَرَ في واقعنا المعاصر أمة يجري عليها التقسيم والذل كما نراه في واقع العرب
والمسلمين، وبماذا نفسر هذا الغبن والكنود والجحود من الغرب للشعوب الإسلامية
التي تقطن المنطقة العربية، إلا أن العرب هم مادة الإسلام، وقطب الرحى،
والغرب يعلم هذا ولكن القوميين والعلمانيين لا يعلمون بل يتجاهلون.
نحن لا نخاطب -إزاء هذا الواقع الأليم - فئة من الناس لا يكرمهم الله -
بأن يكونوا أنصاراً لهذا الدين، ويكون الدين عزاً لهم، ذلك لأنهم
لا يستحقون هذا التكريم: [ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ ولَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا
وهُم مُّعْرِضُونَ] [الأنفال: ٢٣] .
ولكننا نقول لمن بقيت فيهم بقية من أنفة وشمم: كونوا مع المسلمين في
مقاومة هذا الإذلال وهذا القهر الذي نعانيه جميعاً. أليس في هذه البقية عقلاء
يقولون الحقيقة ويصدعون بها، ويتساءلون عن المصلحة من هذه الدماء التي تُسال، وهذه الأوطان التي تخرَّب، ويعلمون أخيراً أن العز والتمكين لا يُنالان إلا بهذا
الدين، وأن هذه الحملة الشرسة على الإسلام لتدل على كماله وقوته ونفوذه في
قلوب الناس، ولابد للمسلم أن يصبر ويصابر، ويأخذ بسياسة النفس الطويل، ولا
تستخفه الجعجعة الإعلامية، ولا إرجافها وتهويلاتها.
ورحم الله عمر ﵁ حين قال: (يعجبني الرجل إذا سِيم خطة
ضيم أن يقول: لا، بملء فِيه) .
رئيس التحرير
стр. 1421
فتوى العلامة الشيخ
عبد الله بن عبد الرحمن آل جبرين
تقديم: هيثم الحداد
وردنا من أحد القراء السؤال التالي:
ما تقولون في بعض الشباب من المسلمين الذين يعيشون في مجتمعات الغرب، وأحياناً في مجتمعات شرقية غير إسلامية، أو في مجتمعات إسلامية، ويفتون
لأنفسهم بأخذ الأموال أو المتاع ويتحايلون على ذلك بشتى الوسائل، وربما يحتجون
لذلك بأن تلك البلاد علمانية أو غير إسلامية. فهل يجوز ذلك؟ ! وما الدليل؟ وما
هو الأسلوب الذي نبين به - لهؤلاء - الحكم الشرعي الصحيح والتصرف اللائق
بالمسلم. أفتونا مأجورين وجزاكم الله خيراً.
قبل أن نعرض هذا السؤال على أحد العلماء للإجابة عليه لا بد من توضيح
الأمور التالية:
إن أسباب هذه الظاهرة عند هؤلاء الشباب هي الأمور التالية:
١- عدم أخذهم للقدر الكافي من العلم الشرعي الذي يساعدهم في معرفة هذه
المسائل وأحكامها.
٢- عزوف هؤلاء الشباب عن أهل العلم الذين اشتُهروا به، وأخذهم العلم
عن الذين لم يبلغوا درجة كافية من العلم تخولهم الإفتاء في مثل هذه الأمور الشائكة
والخطيرة، فأخذوا العلم من غير أهله.
٣- ومع ما تقدم، فلم يقوموا ببحث هذه المسائل بحثاً علمياً من كتب أهل
العلم المعتبرة، حتى يبرئ ذمتهم أمام الله حينما يقفون بين يديه،
وذلك ببذلهم غاية جهدهم في طلب الحق، والوصول إليه، وحتى لا يتعلق برقابهم
شيء من حقوق العباد - حتى وإن كانوا كفاراً - فلا يستطيعون التخلص منها إلا
بردها إلى أهلها إن أمكن.
٤- وقبل ذلك كله، حماسهم واندفاعهم، ولعل ذلك ناشئ من غيرتهم على
هذا الدين، وبغضهم لأهل الكفر والنفاق.
والمفترض على هؤلاء الشباب أن يكونوا من طلاب الحق، غير المتبعين
للهوى، أو المتعصبين لأحد، ولذلك سنبحث هذه المسألة بصورة موجزة، سريعة، وسنعرض أصلها الذي يُبنى عليه حكمها، فما كان فيه من حق أُخذ، وعمل به،
وما كان غير ذلك ترك وطرح، فنقول:
يقسم الفقهاء الدُّور إلى قسمين رئيسيين، دار الإسلام، ودار الكفر.
أما دار الإسلام فهي الدار التي تكون فيها أحكام الإسلام ظاهرة مستعلية.
وأما دار الكفر فهي الدار التي تكون أحكام الكفر فيها ظاهرة مستعلية.
وإذا استقرأنا أحوال دار الكفر، وأحوال الكفار، تبين لنا أن دار الكفر لا
تنفك عن أحوال ثلاث: الأولى: أن يُعقد لأهلها عقد موادعة أو معاهدة، والمعاهدة
هي مصالحة أهل الحرب على ترك القتال مدة معينة، بعوض أو بغير عوض ولو
كان فيهم من يقر على دينه ومن لا يقر [١] والأصل في مشروعية المعاهدة الكتاب
والسنة والإجماع، أما من الكتاب فقول الله : [وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ
فَاجْنَحْ لَهَا وتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ] [الأنفال: ٦١] ، قال ابن كثير: (وقول من قال بأن ... هذه الآية منسوخة بآية السيف فيه نظر أيضاً؛ إن آية (براءة) فيها الأمر بقتالهم إذا أمكن ذلك، فأما إذا كان العدو كثيفاً، فإنه تجوز مهادنتهم كما دلت عليه هذه الآية الكريمة، وكما فعل النبي ﷺ عام الحديبية، فلا منافاة ولا نسخ ولا تخصيص والله أعلم) [٢] .
وأما من السنة فصلح الحديبية، ووجه الاستدلال ظاهر. وأجمع المسلمون
على جواز عقد الهدنة في الجملة. وأما شروط المعاهدة فهي أربعة:
١ - أن يكون العاقد لها الإمام أو نائبه.
٢- أن تكون بمصلحة.
٣- أن تخلو عن شرط فاسد.
٤- أن تكون مدتها معينة، مؤقتة.
وهذه الشروط متفق عليها في الجملة [٣] . ويترتب على عقد الموادعة أو
المهادنة دخول المعاهدين في جملة المعصومين، فلا تحل دماؤهم ولا أموالهم إلا
بحقها، وهذا مجمع عليه من الفقهاء، ولم يخالف فيه مخالف، لتضافر الآيات
والأحاديث على وجوب الوفاء بالعهود، والمواثيق، وأصل عقد الهدنة يتضمن أمن
كل طرف من المتعاقدين، على نفسه وماله وغير ذلك، فالاعتداء على نفس
المعاهد أو ماله يعتبر نقضاً صريحاً للعقد والعهد الذي قال الله فيه: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ
آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ] [المائدة: ١] ، وقال: [وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إنَّ العَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً] [الإسراء: ٣٤] .
الثانية: أن تكون محايدة، لا تنحاز لا إلى المسلمين ولا إلى الكفار، وأصل
هذه الصورة، قوله : [وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً
فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإن تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ واقْتُلُوهُمْ حَيْثُ
وجَدتُّمُوهُمْ ولا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ ولِياً ولا نَصِيراً (٨٩) إلاَّ الَذِينَ يَصِلُونَ إلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ
وبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ ولَوْ شَاءَ
اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وأَلْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ
لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً] [النساء: ٨٩-٩٠] ، ودون الدخول في تفصيل أسباب نزول هذه
الآيات، فإن هؤلاء المهادنين يُلحَقون بالمعاهدين، ولذلك فإن أغلب الفقهاء لم
يجعلوا هذه الدار قسماً مستقلاً؛ لأنه جرى بينهم وبين المسلمين عهد، يجب الوفاء
بما تضمنه ذلك العهد.
الثالثة: أن تكون حالة الحرب قائمة بين المسلمين وبين تلك البلاد، فهي ما
تعرف بدار الحرب وأهلها هم الحربيون، وهؤلاء هم من غير المعصومين، فتباح
أموالهم ودماؤهم وغيرها في الجملة، ولكن لابد من الوقوف على بعض التفصيلات:
إن من دخل من هؤلاء الحربيين إلى ديارنا بأمان من غير استيطان، لغرض
من الأغراض - كالرسل، والتجار وغيرهم - فإنه يصبح مستأمناً [٤] ومقتضى
تسميته مستأمناً، أن يأمن على نفسه وماله وعرضه، ومقتضى أيضاً أن يؤمن على
أموال غيره ودمائهم فلا يخون ولا يغدر، وإلا انتقض عهده وأمانه، وهو أيضاً
مقتضى العقد الذي يبرم بين الدولة المسلمة وغيرها بخصوص ما يتعلق بهؤلاء.
وألحق بعض الفقهاء بالمستأمنين، من يدخل من المسلمين إلى دار الحرب
بأمان، كالرسل والتجار وذوي الحاجات وغيرهم [٥] وهذا الإلحاق ظاهر،
فمقتضى إذن هذه الدولة الحربية لنا بالدخول بأمان، يعني عهداً من الطرفين بأمان
الآخر، وخلافه خيانة، والخيانة محرمة، فلا يجوز لنا أن نسرق من أموالهم، ولا
نحتال عليهم، وقد نص على ذلك غير واحد من الفقهاء.
أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عن سعيد بن جبير، قال: لما قال أهل
الكتاب: [لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ] [آل عمران: ٧٥] ، قال نبي الله: كذب
أعداء الله، ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدميَّ هاتين إلا الأمانة فإنها
مؤداة إلى البر والفاجر [٦] .
الثانية: بما أن العصمة قد انتفت عن هؤلاء الحربيين فإنه يجوز سرقة
أموالهم، لكن ما حكم المال المسروق؟ هل يلحق بالغنيمة [٧] أو لا؟ ؛ قولان:
فالمالكية - وكذا ابن حزم - يلحقونه بالغنائم وههنا أمور: فلا يتولى قسمة الغنيمة
إلا الإمام أو نائبه وليس ذلك لآحاد الرعية، وليس لأحد أن يأخذ منها شيئاً قبل
القسمة إلا ما كان في طعام وعلف لدابته، وما احتاج إليه فيجوز أن يأخذ منه جائزة
قبل القسمة. ثم إن الغنيمة تُخَمَّسُ، فأربعة أخماسها للقائمين، والخمس الباقي
مختلف في كيفية توزيعه، وتفصيل ذلك في كتب الفروع.
وخلاصة ما تقدم: يقال لمن يستحل أموال الدولة الكافرة، يجب أن تثبتوا أن
هذه الدار هي دار حرب، وليست دار معاهدة، ولم يجرِ بينها وبين الدول
الإسلامية عهد أو معاهدة أمان، فإن تجاوزتم ذلك، فأثبتُّم أن هذه الدول هي دار
حرب، فيقال: كيف دخلتم تلك البلاد، هل دخلتموها بأمان أم لا؟ أنتم تدخلونها
بتصريح من تلك الدولة ولم تعطكم تلك الدولة ذلك التصريح، بل لم تسمح لكم
بالإقامة على أرضها إلا وهي تنظر إليكم على أنكم مستأمنون، ولستم أهل حرب،
وإلا لم تسمح لكم بالمكوث على أرضها ولا لحظة واحدة.
وبعد هذا البيان فقد عرضنا هذا السوال على العلامة الشيخ عبد الله بن عبد
الرحمن آل جبرين، فأجاب بما يلي:
(فإن هؤلاء الشباب الذين ينتمون إلى الإسلام ويعتزون به يجب عليهم أن
يظهروا تعاليمه ويبيّنوا محاسنه للخاص والعام وأن يعملوا بكل ما يستطيعونه من
الإرشادات والتوجهات الإسلامية ولا شك أن منها الأمانة العامة التي وصف الله بها
عباده وسماهم مؤمنين وقال - تعالى -: [فَإنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَذِي اؤْتُمِنَ
أَمَانَتَهُ] [البقرة: ٢٨٣] ، وهذا لفظ عام ينطبق على كل مسلم ائتمنه أي بشر، فإن
عليه أن يكون مأموناً في سره وفي جهره ويبتعد عن الخيانة التي وصف النبي -
ﷺ بها المنافق في قوله: «وإذا اؤتمن خان» ، ولقد ذم الله
أهل الكتاب بقوله - تعالى -: [ومِنْهُم مَّنْ إن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ إلاَّ مَا دُمْتَ
عَلَيْهِ قَائِماً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ] [آل عمران: ٧٥] ، أي
أنهم لا يخونون أمانتهم ويدّعون أن لا حرج عليهم إذا خانوا في ذلك في حق الأميين
من العرب بزعمهم أنهم ليس لهم دين أو أن دينهم غير محترم، ولقد أكد النبي -
ﷺ حق المعاهد سواء أكان كتابياً أو غير كتابي، فحرم قتله
والاعتداء على ماله أو محارمه، وكل ذلك إظهار لمحاسن الدين الإسلامي فقال
تعالى: [وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إنَّ العَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً] [الإسراء: ٣٤] وقال: [يَا أَيُّهَا
الَذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ] [المائدة: ١] ، ولا شك أن كل دولة قد اتفقت مع غيرها
على صلح وأمان إذا دخلت في حدودها وفي بلادها بعض الأفراد من غير أهلها فإن
ذلك دليل أنها قد وثقت به وائتمنته وأمنت خيانته وغدره، وإنما أباح الله أموال
الكفار التي تؤخذ على وجه المغالبة بالقتال، ولا يحل ذلك مع أهل المعاهدة. قال
- تعالى -: [فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ] [الأنفال: ٧٢] ، وقد عامل النبي ﷺ الكفار واليهود المعاهدين بالوفاء بجميع أنواع الوفاء، فلما قتل عمرو بن أمية الضمري رجلين من المشركين ولم يعلم بعهدهما فداهما النبي ﷺ ، ولما قتل المغيرة بن شعبة قبل إسلامه قوماً من الكفار وأخذ أموالهم جاء إلى النبي ﷺ مسلماً فقال: «أما الإسلام فأقبل وأما المال فلا» ، ومنع الصحابة من الاعتداء على أموال المعاهدين من المشركين وأهل الكتاب حتى نقضوا العهد عملاً بقول الله - تعالى -: [وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذَا عَاهَدتُّمْ ولا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا]
[النحل: ٩١] ، فكل من دخل بلادنا بأمان فإنه يحرم الاعتداء عليه في النفس أو في المال إلا إذا نقض العهد أو خالف ما يقتضيه الشرع، وهكذا كل من دخل بلادهم بأمان فإنه يحرم عليه نقض العهد والخيانة ولو كانوا كفاراً كما ذكر ذلك المفسرون عند قوله - تعالى -: [ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ]
[آل عمران: ٧٥] ، ونحوها من الآيات، وإنما تباح أموال الحربيين إذا أُخذت على وجه المغالبة والقتال، فأما إذا دخل الحربي بلاد الإسلام لتجارة ونحوها فإنه يؤمَّن حتى يخرج ويبلغ مأمنه، ويجوز التلصص على بلاد المحاربين واختطاف ما يقدر عليه من أموالهم بخلاف من لهم صلح أو عهد أو اعتراف من الدول الإسلامية وغيرها، فلا يجوز الاحتيال على أخذ أموالهم خيانة وغدراً فإن ذلك حرام يجب فيه التعزير والعقوبة الرادعة عن مثله. والله أعلم) .
стр. 1422
أخطار النزعة المادية في العالم الإسلامي
نقد كتابات جودت سعيد
عادل التل
تعريفات أولية:
نطمح في هذه الدراسة إلى وضع معايير ثابتة لتمييز وفرز الكُتاب والمفكرين
الذين يتقدمون إلى الناس بالمنهج المادي، من خلال الخطاب الإسلامي، والدعوة
الإسلامية، وبعبارة أدق، أولئك الذين يحملون النزعة المادية عند التعامل مع
النصوص الشرعية. كما نهدف من هذه الدراسة - ومن خلال رؤية معاصرة -
إلى إبراز منهج أهل السنة والجماعة، وعرض طريقة السلف الصالح في مواجهة
التحديات الاعتقادية الوافدة.
وهذه الدراسة لا تشمل الذين يرفضون الامتثال لمنهج الله، وبالوقت نفسه لا
تهتم بالرد المباشر عليهم. وبما أن جودت سعيد يعتبر من أولئك الكُتاب المنتمين
للفكر المادي والداعين إليه فإن معظم الشواهد في هذه الدراسة ستكون من خلال
كتبه ورسائله. وقبل أن نبدأ في تحديد الارتباط بين فكر جودت سعيد وبين المنهج
المادي، نحتاج إلى إجراء مقارنة خاطفة بين الاتجاهات المعاصرة التي تهتم بتحديد
مصادر المعرفة.
ولدينا ثلاثة مناهج ظاهرة تتنازع الهيمنة على الساحة الثقافية في العالم
الإسلامي المعاصر:
أولاً: منهج التفكير الإسلامي (الديني) : ويتمثل هذا المنهج بالاعتماد على
النصوص الشرعية، المتمثلة بالقرآن الكريم والسنة النبوية، وتكون القيمة
الأساسية فيه لهذه النصوص، وتقدَّم على كل ما عداها من مصادر المعرفة عند
الاختلاف.
ثانياً: منهج التفكير الفلسفي (العقلي) : ويتمثل هذا المنهج بالاعتماد على
المذهب العقلي، وتكون القيمة الأساسية فيه للعقل كمصدر للمعرفة، ويقدم على
غيره من المصادر عند الاختلاف.
يقوم المذهب العقلي على تفسير كل شيء في الوجود من خلال العقل، سواء
في إثبات الشيء أو نفيه، أو تحديد معانيه..
ثالثاً: منهج التفكير المادي (الوضعي) : ويتمثل بالاتجاه المادي، الذي ينظر
إلى العالم الخارجي باعتباره يمثل الحقيقة الكبرى الكاملة، وأن هذه الحقيقة ...
الموضوعية ذات وجود مستقل عن وعي الإنسان، وغير خاضعة لشيء، وأن ...
المعرفة الصادرة عن المادة تقدم على كل معرفة أخرى عند التنازع.
والمذهب المادي: هو نظرية تقوم على اعتبار أن المادة هي الحقيقة الوحيدة، وأن الوجود ومظاهره وعملياته، يمكن تفسيرها كمظاهر أو نتائج للمادة.
ما هو المعيار الذي يحدد بموجبه الانتماء إلى أحد هذه المناهج؟
المعيار الذي يحدد الانتماء هو أسلوب التعامل مع النصوص الشرعية:
أ- في المنهج الإسلامي: نتعامل مع النصوص الشرعية بإثباتها وكما فهمها
الصحابة الذين عايشوا التنزيل وكما فهمها التابعون من الصحابة، وهذا هو منهج
أهل السنة والجماعة، وطريقة السلف الصالح وأسلوب المدرسة التجديدية.
ب - في المنهج الفلسفي: يكون التعامل مع النصوص الشرعية بطريق
التأويل وفقاً لمعطيات العقل، وبتقديم العقل على النقل، وهذا منهج الفرق الضالة
كالمعتزلة والرافضة وأمثالهم، وأسلوب المدرسة العقلية المعاصرة.
ج: في المنهج المادي: يكون التعامل مع النصوص الشرعية بإلغاء دلالتها
واعتبارها كأنها غير موجودة، والحصول على المعرفة من مصادر أخرى مثل
التاريخ أو السير في الأرض أو أحداث الكون، مما يستدعي -حسب رأي أصحاب
هذا المنهج - إلغاء النبوة والاعتماد على السنن (القوانين الطبيعية والاجتماعية)
بديلاً عنها (آيات الآفاق والأنفس) ، وإعطاء تفسير جديد لمفهوم الوحي ومفهوم
التلقي من الله، والاعتماد على قوانين تطور الطبيعة وقوانين تطور المجتمع في
سلم الدلالات الموضوعية، وهذا هو منهج المدرسة المادية التغييرية.
ولتحديد رأي جودت سعيد، وبيان موقفه من هذه المناهج، قمت بدراسة
جميع كتبه ورسائله ومقابلاته، ونستشهد هنا ببعض المقتطفات منها.
ونبدأ من خلال إشادته بالمنهج المادي الماركسي، فعندما تعرض لشرح آية
[إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] [الرعد: ١١] قال: ... الفكر الماركسي لبه ومبتداه ومنتهاه في إدراك محتوى هذه الآية، حيث لمحوا قدرة الإنسان على صنع التاريخ، والقيام بعملية التغيير، فهذا الضجيج الذي أحدثه الفكر الماركسي خلال أكثر من مئة عام، إنما كان تبنّيهم لهذه الفكرة وإدراكهم
لها [١] .
موقف غريب وعجيب في آن واحد..! غريب أن يصدر مثل هذا الرأي عن
رجل يعمل في حقل الدعوة، ويسعى لحل مشاكل الأمة الإسلامية، فإذا به يشهد
للفكر الماركسي بالأصالة والثناء عليه، وكأنه بأسلوبه هذا يُشعر الناس أن مصدر
الفكر الماركسي من كتاب الله، وظن أنه بهذه الطريقة - ومن خلال ذكر الآيات
القرآنية - يتمكن من تدعيم منهجه المادي بين المثقفين إسلامياً، لقد توهم أنه يحقق
هذه المهمة بنجاح، ودون عناء أو مشقة، وأنه يحقق بذلك ما عجز عنه أقطاب
الفكر الماركسي ودعاته في بلاد الإسلام، حين حاولوا - بالوسائل كافة وجميع
السبل- إيجاد الصلة بين المنهج الإسلامي والأفكار الماركسية، ولكن جودت سعيد
لا يزال مستمراً في هذه المحاولة، وهو هنا يشيد بهم ويطريهم على أنهم أول من
أدرك محتوى هذه الآية من القرآن الكريم، وعمل من خلالها. ويجب أن لا يصيبنا
الدوار من هذه الآراء، وأن لا نستغرب هذا الأمر..! لأن الأغرب من ذلك هو
دعوته الشباب المسلم إلى القيام بعملية التغيير، انطلاقاً من هذا المبدأ، إنها دعوة
سافرة لتبنّي منهج المادية، ويعتبر كتابه (حتى يغيروا ما بأنفسهم) تحقيقاً لهذه ...
الدعوة، فهو يدعوه من خلاله إلى التمسك بجانب الصواب في النظرية الماركسية
الشيوعية. ففي هذا الكتاب يقول: (وكذلك إذا تذكرنا أن علينا أن لا نبخس الناس
أشياءهم، وأن الحكمة لا تضر من أي وعاء خرجت، فإن الاعتراف بجانب
الصواب الذي في النظرية الماركسية لا يضرنا شيئاً، ولكن إذا رفضنا جانب
الصواب بسبب جانب الكفر الذي عندهم لا نكون مصيبين) [٢] .
أية حكمة عند الماركسيين وأي صواب لديهم؟ ؟ فما لديهم إلا منهج يحمل
عوامل فنائه منذ قيامه، وهو لا يتلاءم مع الفطرة التي فُطر الناس عليها، لذلك
تزلزل وانهار كما كان متوقعاً له من قبل، لقد كان الماركسيون دائماً يسخرون من
المتمسكين بالفضيلة والحريصين على القيم ويقولون لهم: (أيها المثاليون المغفلون، ... إنكم تبحثون عن سراب لا وجود له في الحقيقة.. حين تتكلمون عن الحق ...
والفضيلة والصدق والأمانة، إنها كلمات جوفاء يملؤها كل جيل بما يحلو له، ...
ولكنها هي في ذاتها ليست شيئاً ثابتاً محدداً يمكن التعرف عليها) . ...
لقد شعر جودت سعيد - وهو يتقدم إلينا بهذه الأفكار المادية - بعامل الضعف
والخجل من هذا الطرح لأنه يدرك أن هناك من يخاف على دينه من هذا التوجه
نحو الفكر المادي، لذلك تراه يستخدم عبارات الاطمئنان، ويؤكد أن الخوف على
آيات الله مستبعد في ظل الأفكار الشيوعية فيقول: (لم يعد هنا ما يجعلنا نخاف
على آيات الكتاب، لأن آيات الآفاق والأنفس ستبين أن آيات الكتاب هي
الحق) [٣] .
والكاتب صريح في هذا كل الصراحة، وكأن لسان حاله يقول: خذ أفكار
الشيوعيين ودَعْ كفرهم، وربما يستمد هذا من المثل الشعبي المعروف: (خذ من
أقوالهم وما عليك من أفعالهم) . وقد عبر عن ذلك بقوله: (ولكن حين يصل ...
(الماركسي) من أقواله إلى القول: بأنه أصبح بناءً على ذلك من الواجب نبذ كل
نظرية إيمانية على الإطلاق - هنا نقول له: إن هذه النتيجة من تلك المقدمة هي
الفكرة الطوباوية الناشئة عن الكراهية والعاطفة لا عن الدراسة الموضوعية) [٤] .
ومن المعروف أن الماركسية ليست شعاراً فقط، بل هي واقع عملي واعتقادي
ولا يمكن الفصل بينهما، وهم ينطلقون من شعار عريض (لا إله في الوجود والحياة
مادة) ، فلو فكروا أن يخدعونا - كما خدع الكاتب من قبل - ويبدلوا شعارهم إلى
عبارة أخرى مثل: (يوجد إله ولكن الحياة مادة) فهل يتبدل من الأمر شيء؟ وهل
يجوز لنا أن نقبل بالنظرية المادية من الشيوعيين من أجل التبديل الصوري؟ ! ،
لا يكون ذلك إلا إذا أجبنا - وعلى سبيل الدعابة - أن نطلق على من يكون إيمانه
على هذا النحو تسمية جديدة، (الماركسي المسلم) أو (الشيخ الأحمر) ! .
إن تقديم الأفكار الماركسية من خلال إلباسها العباءة الإسلامية أمر في غاية
الخطورة، وتمثل هذه العملية حالة خداع كبيرة، لا تزال الأمة الإسلامية تعاني من
آثارها باستمرار. ولا يزال صدى تلك المواجهات قائماً في الأذهان، حين حاول
البعض أن يقدم الإسلام إلى الناس في ثوب الاشتراكية، أو من خلال نظام
الديمقراطية، وقد اشتد نكير العلماء في مواجهة هذه المحاولة مما جعل معظمهم
يتراجعون عن موقفهم ويتبرؤون مما كتبوه في هذا الاتجاه.
وأما جودت سعيد فكان له أسلوب آخر، وطريقة مبتكرة للتعامل مع هذه
المسألة، حيث دعا صراحة للتمسك بالفكر الماركسي من خلال الدعوة للأخذ بجانب
الصواب الذي اكتشفه في النظرية الماركسية، يقول في كتابه (حتى يغيروا ما
بأنفسهم) [الرعد: ١١] [*] في أسلوب التباهي: (وحين يقول الماركسي: إن د راسة التاريخ الاجتماعي أصبحت علماً، ينبغي ألا نقول له أخطأت، بل نقول له: هذا حق، وإذا اعتبر أن مظاهر الطبيعة قادرة على إعطائنا حقائق موضوعية، علينا أن نراه تقريراً بأن آيات الآفاق تعطي حقائق موضوعية، ونزيد له أيضاً: بأن آيات الأنفس كذلك تعطي حقائق موضوعية) [٥] .
هذا هو المنهج المادي من بدايته إلى نهايته.. وهذه هي الماركسية، تطل
برأسها من خلاله! والكاتب لم يدعنا في حيرة من أمرنا للتأكد من موقفه هذا،
واعتناقه جميع الجوانب في النظرية الماركسية، فها هو يقرر أسبقية المادة في
الوجود كما تقررها المادية الماركسية، ويعتقد بضرورة تقديم المعرفة الصادرة عن
المادة على كل شيء كما يقدمونها.
يقول: (فالوجود الخارجي المادي هو الحقيقة الثابتة، التي نرجع إليها عند
الاختلاف، والصور الذهنية قابلة للزيادة أو النقصان) [٦] . والكاتب يلتقي في هذا
المنهج المادي مع الماركسيين إلى درجة التطابق تقريباً وسأترك المجال لرموز
الماركسية في إبراز جوانب الالتقاء بين أفكارهم وفكره، يقول ستالين: (إن المادة
والطبيعة والكائن هي حقيقة موضوعية، موجودة خارج الإدراك أو الشعور
وبصورة مستقلة عنه، وأن المادة هي عنصر أول، لأنه منبه الإحساسات
والتصور والشعور، بينما الإدراك هو عنصر ثانٍ مشتق لأنه انعكاس للمادة) [٧] . ...
وقال إنجلز: (وخارج الطبيعة والإنسان لا يوجد شيء) [٨] .
ومن الممكن أن يطرح القارئ علينا سؤالاًمحدداً، هل يقدم جودت سعيد المادة
أو الواقع على كلام الله؟ ، يقول في رسالته - مستخدماً أسلوب السخرية من
المسلمين الذين يتمسكون بالنصوص الشرعية -: (فالمسلمون - بكل سذاجة -
يظنون أن لهم القدرة على الاتصال بالمعاني التي أرادها الله بواسطة هذه اللغة،
دون الرجوع إلى الواقع الذي تتحدث عنه..) [٩] ، يجب الانتباه إلى استخدام
أسلوب التعميم (المسلمون) دون استثناء، كما يلاحظ تجهيل الأمة التي كانت تعتمد
في جميع مراحلها على اللغة العربية، ولهذا قال -تعالى-: [كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ
قُرْآناً عَرَبِياً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ] [فصلت: ٣] . وأما وصف المسلمين بالسذاجة والجهل
فلا تسأل عن ذلك، فقد ملأ كتابه بهذا اللون من التقريع دون تفريق أو استثناء، ثم
يقول محذراً المسلمين من العودة إلى النصوص أو التمسك بها: (ولكن ينبغي أن
نتعمق في فهم هذه الظاهرة، إن العودة إلى النصوص لم تكن لتحتل هذه الظاهرة،
ولو اقتصر على فهم هذه الحقيقة من الكلام أو من اللغة أو من النص لاستمر القتال، ولوجد ولأمكن أن تؤول النصوص؛ لأن النصوص قابلة للتأويل) [١٠] .
وها هو هنا يرفض فهم النصوص بواسطة اللغة، كما يرفض مفهوم التأويل،
وهو بهذا ينتصر للمنهج المادي في مواجهة منهج السلف الصالح والمنهج العقلاني
على حد سواء، ولكنه ينتقل بعد ذلك إلى مرحلة خطيرة وذلك بالتعبير عن كلام الله
بأسلوب الرمزية. لقد تعامل الله معنا بالرموز والحقائق، وقال لنا بأن نرجع دائماً
إلى الواقع والنظر فيه، وأن الرموز إن هي إلا مساعدات مرحلية مؤقتة يمكن أن
تختلف بحسب الزمان والمكان، ولكن سننه الواقعية لن تتغير وكلما رجعنا إليها
نجدها كما هي ثابتة: [فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً ولَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً]
[الأحزاب: ٤٣] ، وليست الرموز إلا [أَسْمَاء] [مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ]
[الأعراف: ٧١] [١١] ، وموضع الخطر هو اعتبار كلام الله رمزاً وهو اللغة،
وأن الواقع يمثل الحقائق، ثم يظهر تناقضه الفاضح حين ذكر في أول الكلام أن الله
تعامل مع البشر بالرموز ثم قال في نهاية الكلام: إن الرموز [مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن
سُلْطَانٍ] [الأعراف: ٧١] ، والله - تعالى - يقول: [وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا]
[البقرة: ٣١] ، وهكذا يصبح الواقع المادي عنده مقدَّماً على كلام الله، حيث يقول
حول ذلك: (فحين يلح القرآن الكريم على الرجوع إلى الكون المادي والاجتماعي
لفهم سننه ونظامه، فإنه يدل بذلك على أن الواقع أدل على ذاته في كلامه
له) [١٢] ، وهذا تصريح واضح في اعتماد الواقع واستبعاد كلام الله، وقد قاده هذا الاعتقاد إلى موقف أشد خطراً وأبعد ظلماً، وذلك بالإعلان عن انتهاء مهمة النبوة نفسها، والتعامل مع السنن والقوانين.
انتهاء النبوة:
يقول الكاتب: (من هنا لما بدأ الاهتمام بالواقع والتفاهم مع الله بواسطة سننه، توقفت النبوة لأن النبوة مرحلة انتهت) [١٣] ، ويقوم هذا الرأي من واقع إيمانه
بمراحل التاريخ واعتبار مرحلة البشرية خلال فترة الأنبياء مرحلة طفولية،
والمرحلة المعاصرة مرحلة مراهقة، وأن البشرية بدأت تتجه نحو مرحلة الرشد، ...
وقد استمد هذا التصور من آراء (أوغست كونت) مؤسس المذهب الوضعي المادي
في أوربا، وعن مرحلية النبوة يقول نقلاً عن إقبال: (إن النبوة في الإسلام لتبلغ
كمالها الأخير في إدراك الحاجة إلى إلغاء النبوة - ختم - النبوة نفسها، وهو أمر
ينطوي على إدراكها العميق لاستحالة بقاء الوجود معتمداً - إلى الأبد - على مقود
يقاد منه وأن الإنسان لكي يحصل على كمال معرفته لنفسه ينبغي أن يُترك ليعتمد
في الناية على وسائله هو) [١٤] .
هل يصدق أن هذا الكلام يصدر عن إنسان عاقل؟ أن يقرر انتهاء مهمة
النبوة؟ وتسليم زمام الأمور إلى الإنسان، وهذا ما دعا إليه علماء أوربا الوضعيون
الماديون، وهذه الفقرة بالذات مستقاة من أفكار (فريدريك نيشته) الذي كان يقول
بنظرية الإنسان الكامل أو (إنسان السوبر مان) [**] ، ويقرر الكاتب أن البديل عن
النبوة التي تتضمن نصوصاً من كلام وحروف إلى السنن التي ليست كلاماً وحروفاً، فانظر إلى قوله: (انتبه إلى هذا محمد إقبال، وخاصة في بحث ختم النبوة،
لماذا ختمت النبوة؟ ولم يعد نبي ولا كتاب، لأن الكتاب والنبي الخاتم دلنا على
الطريق الذي لا ينتهي، دلنا على الكلام الذي ليس هو كلام حروف، وإنما حقائق
ملموسة) [١٥] . أليس هذا تصريحاً باستبعاد كلام الله من العمل، والاعتماد على
الكلام الذي يمثل الحقائق الملموسة؟ أي الحقائق المادية الحسية.
ولنا أن نتساءل كما أن من حق القارئ أن يتساءل معنا كيف يتصور جودت
سعيد النبوة؟ وما هي الصيغة التي يعتمدها في تحديدها؟ .
ينسجم رأيه حول النبوة مع مفهومه المادي، وإيمانه بالتطور ويعبر عن ذلك
بقوله:
(وفي طفولة البشرية، تتطور القوة الروحية إلى ما أسميه (الوعي النبوي) ...
وهو وسيلة للاقتصاد في التفكير الفردي والاختيار الشخصي وذلك بتزويد الناس
بأحكام واختيارات جاهزة، وأساليب للعمل أُعدت من قبل) [١٦] . ...
إذن النبوة قوة روحية واستعداد شخصي واختيارات وأساليب للعمل أو وعي
نبوي لا أكثر ولا أقل، فأين الوحي المباشر من الله (تعالى) ؟ !
يقول ابن تيمية: (والمتفلسفة الذين أثبتوا النبوات على وجه يوافق أصولهم
الفاسدة - ابن سينا وأمثاله - لم يقروا بأن الأنبياء يعلمون بخبر يأتيهم عن الله، لا
بخبر مَلَك ولا غيره، بل زعموا أنهم يعلمونه بقوة وعقلية أكمل من غيرهم في قوة
الحدس ويسمون ذلك.. القوة الحدسية..) [١٧] .
ومن أجل هذا المفهوم يعتقد محمد إقبال وجودت في ضرورة انتهاء النبوة
وإلغاء دلالة النصوص الصادرة عنها وفي ذلك يقول الثاني: (الذي أريد أن نفهمه
من هذا أن دلالة الكتاب يمكن أن تُلغى إلغاءً تاماً، وكأنها غير موجودة، والذي
سينبه المسلمين إلى هذا، ما جاء في الكتاب من الاهتمام بالتاريخ وأحوال البشر
وحوادث التاريخ، أي أن الذي سيعلّمنا ليس القرآن، وإنما نفس حوادث الكون
والتاريخ هي التي ستعلمنا..) [١٨] .
ثم يقول بما يؤكد تقديمه للواقع على كل شيء ولو كان كلام الله: (إن صخرة
ما أدل على نفسها من كل كلام يقال عنها حتى لو كان كلام الله..) [١٩] . وقد
لوحظ أن جودت سعيد يتضجر ويتضايق كلما احتج عليه أحد بقوله: قال الله أو قال
الرسول، أو حتى مجرد ذكر الله أو الرسول. ويتضح ضيقه في قوله: (.. لم تعد
ترهبني قعقعة الكلمات: الروح، النفس، الله أو الرسول أو قال فلان وفلان، نريد
أن نتحدث ماذا يحدث لنا، وكيف يحدث الفهم؟ كيف يعرف ما فهمناه أننا فهمناه؟
وكيف انتقلت إليَّ هذه الأفكار؟ دعونا من الحديث عن السماء، ولنبحث في
الأرض، لنعد إلى الإنسان المولود على الفطرة.
كيف تصوغ البيئة هذا المولود؟ ! ، إن ما يحدث أمامنا بقوى تحيط بنا
وتصدر منا وليس غيباً ولا خارقاً، كما أنها ليست مما لا يستطيع العقل
فهمها) [٢٠] .
لماذا لم تعد ترهبه كلمات (الله) أو (الرسول) ؟ ماذا حدث عنده حتى فقدت هذه الكلمات قدسيتها في نفسه؟ ؟ ألسنا مسلمين؟ ؟ لماذا يريد منا أن ندع الحديث عن السماء، ونخلد إلى الأرض؟ [وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الغَاوِينَ (١٧٥) ولَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا ولَكِنَّهُ أَخْلَدَ إلَى الأَرْضِ واتَّبَعَ هَوَاهُ] [الأعراف: ١٧٥-١٧٦] .
* يتبع * ...
стр. 1423
مصطلحات
الزندقة
عبد العزيز بن محمد عبد اللطيف
أصل هذه الكلمة:
يقول ابن تيمية ﵀ عن لفظ الزندقة: (هو لفظ أعجمي معرَّب، ...
أُخذ من كلام الفرس بعد ظهور الإسلام، وعُرب..) [١] ..
ويقول الحافظ ابن حجر ﵀ عن أصل الزنادقة: (أصل الزنادقة ...
أتباع دَيْصان، ثم مانيّ ثم مزدَك وحاصل مقالتهم أن النور والظلمة قديمان، وأنهما
امتزجا فحدث العالم كله منهما، فمن كان من أهل الشر فهو من الظلمة، ومن كان
من أهل الخير فهو من النور) [٢] .
ويذكر بعض المؤرخين أن زرادشت أتى بكتاب (البستاه) ، فمن أعرض عنه، وعدل إلى التأويل الذي هو الزند قالوا الزندي، فلما جاءت العرب ... أخذت هذا المعنى من الفرس، وقالوا زنديق وعربوه.
وقد عدَّ الإمام الملطي ﵀ الزنادقة أول الطوائف افتراقاً، ثم ذكر
فرق الزنادقة فقال: (أول من افترق من هذه المذاهب: الزنادقة، وهم خمس فرق
المعطلة والمانوية والمزدكية والهبدكية والروحانية) [٣] . وقال الجاحظ: إن
الزندقة فشت في النصارى فقال: (ودينهم - يرحمك الله - يضاهي الزندقة،
ويناسب في بعض الوجوه قول الدهرية، وهم من أسباب كل حيرة وشبهة. والدليل
على ذلك أنَّا لم نر أهل ملة قط أكثر زندقة من النصارى، ولا أكثر متحيراً أو
مترنحاً منهم..) [٤] .
إطلاقات الزندقة ومعانيها في الإسلام:
استخدم هذا المصطلح في معانٍ متعددة.. فبعضهم يطلقه على الثنوية
المجوس، وهو موجود في بعض معاجم اللغة العربية مثل تاج العروس (مادة ز ن ق، فصل الزاي من باب القاف) ومختار الصحاح (مادة ز ن د ق) وغيرهما، وربما أطلق الزنديق على الدهري كما في لسان العرب [٥] ، ومنهم من يطلقه على من لا يؤمن بالله واليوم الآخر كما ذكر ذلك ابن القيم في إغاثة اللهفان [٦] ، ونجد أن الفقهاء يطلقون الزنديق على المنافق، يقول ابن تيمية ﵀: ... (فأما الزنديق الذي تكلم الفقهاء في قبول توبته، فالمراد به عندهم المنافق، الذي ... يظهر الإسلام ويبطن الكفر) [٧] .
ويقول الحافظ ابن حجر: (ثم أُطلق الاسم (الزنديق) على كل من أسرَّ الكفر
وأظهر الإسلام، حتى قال مالك: الزندقة ما كان عليه المنافقون، وكذا وأطلقت
جماعة من فقهاء الشافعية وغيرهم: أن الزنديق هو الذي يسرّ الإسلام ويخفي
الكفر) [٨] وبعض علماء السلف يطلقه على الجهمية، كما يفعل ذلك الإمام عثمان بن سعيد الدارِمي (ت ٢٨٢ هـ) في كتابه (الرد على الجهيية) [٩] ، وفي كتابه (النقض على بشر المريسي) [١٠] . وقد يُرمى صاحب المجون والفحش ...
بالزندقة [١١] .
عقائدهم:
إن عقائد الزنادقة قد تضمنت كماً هائلاً من صنوف الكفر الصريح، والردة
الظاهرة، كقولهم بالحلول، وتأليه البشر، وتشبيه الله - تعالى - بخلقه، وإنكار
النبوة أحياناً، وادعاء النبوة أحياناً أخرى! والقول بالتناسخ، وإنكار القيامة والجنة
والنار، واستحلال المحرمات وجحد الواجبات.. [١٢] .
آثارهم:
خلَّف الزنادقة آثاراً سيئة وعواقب وخيمة على الأمة المسلمة، فأشعلوا ثورات
سياسية وأفسدوا البلاد والعباد، كما فعلت القرامطة والإسماعيلية والمقنعية،
وغيرهم من فرق الزنادقة. كما أن بعض الفرق الإسلامية قد تزندقت، وخرجت
من دين الإسلام، كما هو الحال في غلاة الشيعة، والخطابية من المعتزلة،
والاتحادية من المتصوفة وغير ذلك.
اتخذ الزنادقة التشيع مطية ذلولاً في نشر مذهبهم، يقول ابن تيمية - رحمه
الله - عن الشيعة: (ومنهم من أدخل على الدين من الفساد ما لا يحصيه إلا رب
العباد، فملاحدة الإسماعيلية وغيرهم من الباطنية المنافقين، من بابهم دخلوا،
وأعداء المسلمين من المشركين وأهل الكتاب بطريقهم وصلوا، واستولوا على بلاد
الإسلام، وسبوا الحريم، وأخذوا الأموال، وسفكوا الدم الحرام.. إذ كان أصل
المذهب من إحداث الزنادقة المنافقين الذين عاقبهم في حياته علي أمير المؤمنين -
﵁ فحرَّق منهم طائفة بالنار، وطلب قتل بعضهم ففروا من سيفه
البتار) [١٣] .
من جهود الخلفاء في محاربة الزنادقة:
اجتهد الخلفاء في تتبُّع الزنادقة والقضاء عليهم واستئصالهم، حفاظاً على
الدين وأهله.. فهذا علي بن أبي طالب ﵁ يأمر بإحراق الزنادقة
كما روى البخاري [١٤] ، واشتهر الخليفة العباسي المهدي بالعناية بذلك، حيث
عين رجلاً ليتولى أمور الزنادقة. ويقول ابن كثير - في حوادث سنة ١٦٧هـ -:
(وفيها تتبع المهدي جماعة من الزنادقة في سائر الآفاق فاستحضرهم وقتلهم صبراً
بين يديه) [١٥] .
ووصى المهدي ابنه موسى الهادي الخليفة من بعده بذلك.. وقد أنفذ الهادي
تلك الوصية، يقول ابن كثير - في حوادث سنة ١٦٩هـ -: (وسعى الهادي في
تطلب الزنادقة من الآفاق، فقتل منهم طائفة كثيرة واقتدى في ذلك بأبيه) [١٦] .
كلمة في أهمية الموضوع:
تظهر أهمية هذا الموضوع لعدة أمور، منها:
أن فكرة الزندقة والإلحاد موجودة منذ القدم، حيث كانت معروفة عند قدماء
اليونان والهندوس والفرس، كما أن الزندقة موجودة وظاهرة في العصر الحديث،
وقد قام الزنادقة - عبر العصور الإسلامية - بثورات سياسية وأعمال تخريبية،
والأولى من ذلك أنهم أثروا تأثيراً بالغاً على معتقدات بعض الفرق التي تدَّعي
الإسلام، بل نجد أن بعض الفرق قد (تزندقت) ، وأمر ثالث يؤكد أهمية ذلك وهو
أن المستشرقين قد اعتنوا عناية كبيرة بهذا الموضوع، فكتبوا دراسات مستقلة عن
بعض الزنادقة، ولكنهم - كما هي عادتهم - دافعوا عن هؤلاء الزنادقة وعن آرائهم، ولمّعوهم وأثنوا عليهم خيراً [١٧] ، ولا ننتظر من هؤلاء المستشرقين أكثر من
ذلك، وقد أُشربت قلوب أكثرهم حب كل ما يناهض الإسلام الصحيح الأصيل، ولا
أنسى أن أذكر أن البعض قد كتب عن الزندقة وانتقدها، وكله من أجل الدفاع عن
القومية العربية؛ حيث إن الزندقة وثيقة الصلة بالشعوبية الفارسية المجوسية
المناهضة للقومية العربية.
стр. 1424
وتريدون أن يُمَكَّنَ لكم !
محمد العبدة
لابد أن تكون الدعوة في بدايتها قوية مندفعة، تُبذل في سبيلها طاقات تحتمل
أكثر مما كانت تحتمل، وترتفع فيها درجة الإيمان والسمو الأخلاقي حتى يستطيع
الفرد تحقيق ما يعجز عنه أمثاله، بل عشرات أمثاله من الآخرين. هذا هو الذي
يعجل بالانطلاقة، حتى تدور رحى الإسلام كما دارت أول مرة، وكما سطع نوره
في كل فترات التجديد.
وفي مثل هذه الأجواء يتغلب المثل الأعلى على كل جواذب الأرض، ويعيش
المؤسسون الأوائل ومن يلتفّ حولهم ظروف التفاني والإخلاص، وتكون علاقاتهم
الاجتماعية في ذروة التآخي والتلاحم، هكذا نحجت الدعوة الإسلامية الأولى وهكذا
ارتفع المهاجرون والأنصار فوق العصبية القبلية والإقليمية والقومية، كما ارتفعوا
فوق الأنانيات الشخصية، ولم يحْتَجْ المسلمون - وهم مضطهدون في مكة ولا حتى
عندما قامت لهم دولة في المدينة - إلى قضاة أو محاكم لفض خصوماتهم، وأقصى
ما يفعلونه أن يشتكي أحدهم إلى الرسول ﷺ بسبب كلمة أو
هفوة قِيلت في حقه، أو يعترف هو للرسول ﷺ بذنبه ليقيم
عليه الحد كما في قصة ماعز والغامدية، وذلك لأن الوازع كان من داخل أنفسهم،
وكان ميزان الشرع هو الميزان الوحيد الذي يتعاملون به، وعاش العالم الإسلامي
دهراً بتأثير تلك الاندفاعة العظيمة.
يطلب المسلمون اليوم نجاحاً للدعوة، ولكنهم يمارسون أعمالاً ويسلكون سلوكاً
أدنى بكثير مما يُطلب للإحياء والتجديد، ويذكرون الخلافة الراشدة في أحاديثهم
وكتبهم، ولكن تصرفاتهم ليست قريبة من تلك الصورة الوضَّاءة.
كانت الرعية تقدم الطاعة لأبي بكر عن رضا وطواعية ودين، وليس عن
رهبة أو رغبة، لا طمعاً في مال أو منصب، ولا لأنه من قبيلة معينة، وكان
الخلفاء الراشدون يعاملون الرعية بمثل ذلك فلا يقربون أحداً لأنه صاحب مال، أو
لأنه ضعيف الشخصية لا يعارضهم في شيء، أو بسبب قرابة قريبة، كل ذلك كان
غير وارد في أذهانهم، فهل يتعامل المسلمون اليوم بهذا السلوك؟ الواقع يدل على
أنهم يتعاملون بالطرق التي أحدثت بعد الراشدين فقد يقرَّب صاحب المال، ويكون
له الأمر والنهي وإن لم يكن في العير ولا في النفير، وقد يقرب صاحب الشخصية
الضعيفة حتى لا يعارض ويسأل عن كل صغيرة وكبيرة، وأما الذي ينصح ولا
يداهن ويتكلم عن الأخطاء - ولو كان ضمن الضوابط الشرعية - فهو شخص غير
مرغوب فيه غالباً.
فهل نستطيع بهذه العقلية، وهذه الأخلاق أن ننهض ويكون لنا شأن؟ !
стр. 1425
مراجعات في عالم الكتب
كيف نكتب التاريخ الإسلامي؟
تأليف: محمد قطب
عرض: عثمان ضميرية
-١-
الواقعة التاريخية حادثة مفردة تقع مرة واحدة ثم تنقضي ولا تتكرر. وإذا كان
الباحثون والمؤرخون يتفقون على وقوع الحادثة فإن تفسيرهم لها وتعليلهم لأسبابها
ودوافعها يختلف باختلاف المنهج الذي ينتهجه كل منهم، متأثراً في ذلك بعقيدته
وتكوينه الفكري والثقافي، وتصوراته التي ينطلق منها في النظر للحياة البشرية،
ودور الإنسان في هذه الأحداث.
ولذلك كانت الدعوة إلى كتابة التاريخ البشري كله (من زاوية الرصد
الإسلامية التي تقيس الإنجاز البشري بالمعيار الرباني، أي بمدى تحقيق الإنسان
لغاية وجوده التي خلقه الله من أجلها..؛ لأن هذا التاريخ يقدَّم لنا من زوايا تختلف
اختلافاً جذرياً عن زاوية الرصد الإسلامية، فلزم أن نعيد كتابته ليتناسق مع الرؤية
الإسلامية المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فتكون لنا
وحدة في التصور تتناسب مع كوننا مسلمين) .
ولئن كان ذلك ضرورياً بالنسبة للتاريخ البشري عامة - خارج نطاق الأمة
الإسلامية - فإن الضرورة أشد والحاجة أكثر دينياً ومنهجياً لإعادة كتابة التاريخ
الإسلامي خاصة.
-٢-
والكتاب الذي نعرضه قديم جديد، وهو للمفكر الإسلامي الأستاذ الداعية محمد
قطب - حفظه الله وبارك في عمره وجهده وجهاده - والكتاب ضميمة جديدة مكملة
لما سبقه من أبحاث وكتب، وقدمها الأستاذ محمد قطب - ذات صلة بالموضوع -
مثل (واقعنا المعاصر) و (حول التفسير الإسلامي للتاريخ) ..
أما إنه كتاب قديم، فلأنه (كان مكتوباً منذ خمسة عشر عاماً على الأقل، إن
لم يكن أكثر، ولم يُقدَّر له أن يُنشر خلال المدى الطويل، لأنه كان في حاجة إلى
مراجعة أخيرة) .
وأما إنه كتاب جديد، فلأنه يُنشر لأول مرة في طبعته الأولى منذ
العام ١٤١٢هـ نشرتين متزامنتين، صدرت إحداهما عن (دار الأفق) بالرياض، والأخرى عن (دار الشروق) بالقاهرة [١] .
-٣-
وكتابنا هذا (كيف نكتب التاريخ الإسلامي؟) يتضمن الصورة الأخيرة لتفكير
الأستاذ محمد قطب في موضوع كتابة التاريخ الإسلامي، ويقدم منهجاً إسلامياً
وإطاراً للفكرة ذاتها. وهو يشعر جيداً - منذ البداية - بضخامة هذه المهمة وخطرها، ومدى الجهد اللازم لإنجازها. فهي أضخم من أن تكون جهد أفراد متفرقين في
جيل من أجيال المسلمين، إنما تحتاج إلى جهد جماعي منظم تقوم به مؤسسات
متخصصة على مدى قد يمتد بضعة أجيال.. ومع ذلك فلابد من القيام بهذا العمل،
رغم المشقة البالغة فيه، لأنه ما من أمة تستطيع أن تعيش بلا تاريخ ممحص محقق
ميسر التناول على جميع المستويات..
ولذلك يدلي الأستاذ محمد قطب بدلوه المتواضع (كما يصفه فضيلته) في أمر
المنهج الذي ينبغي أن تعاد على أساسه كتابة التاريخ الإسلامي، ومما نقتطف منه
مقتطفات سريعة، لعلها تلقي ضوءاً في مراجعة عامة للكتاب، والله الموفق.
-٤-
هناك عدة ملاحظات في أكثر من اتجاه، تجعلنا نلح على ضرورة إعادة كتابة
التاريخ الإسلامي:
* فإذا نظرنا إلى المصادر الإسلامية القديمة، نجد فيها ذخيرة ضخمة من
الأخبار والوقائع والروايات، تصلح زاداً للمتعمق، ولكنها - بصورتها الراهنة -
لا تصلح للقارئ المتعجل الذي يريد خلاصة جاهزة ممحصة، سهلة الاستيعاب
والهضم..
* وإذا نظرنا، من ناحية أخرى، إلى معظم المراجع الحديثة المتأثرة بالمنهج
الاستشراقي، نجدها مكتوبة بصورة جذابة مغرية بالقراءة من ناحية الشكل، ولكن
عيبها من الناحية المنهجية أن أغلبها بعيد عن الأمانة العلمية الواجبة، ملون تلويناً
لتحقيق هدف معين، تكنّه صدور لا تحب الخير لهذا الدين.
* وسواء أكانت هذه المراجع من تأليف المستشرقين مباشرة، أو من تأليف
تلاميذهم، فإن هذا العيب المنهجي الخطير يجعل مراجعهم غير صالحة للاستمداد
منها، ويجعل إعادة النظر فيما تناولته من وقائع وتفسيرات - أمراً بالغ الأهمية..
* وهناك عيب رئيسي آخر في تلك الكتابات والمناهج بصفة عامة هو
التركيز على التاريخ السياسي للمسلمين على حسساب نجقية مجالات الحياة
الإسلامية: العقَدية والفكرية، والحضارية، والعلمية والاجتماعية.. إلخ، وذلك
يعطي صورة مشوهة ممسوخة!
وذلك أن تقسيم التاريخ إلى مراحل سياسية، والحديث عن كل مرحلة، كأن
هناك حدوداً فاصلة في مجرى التاريخ كله تفصل بين عهد وعهد، وتجعل كل عهد
قائماً بذاته - هذا المنهج يقطع التواصل التاريخي بين أجيال هذه الأمة، كأنما لم
تكن أمة واحدة متصلة، وكأنما لم تكن بالذات هي (الأمة الإسلامية) . ...
* وأمر آخر من أمور الدلالات التاريخية نفتقده حين يغيب عنا المنهج
الصحيح لدراسة تاريخ الأمة الإسلامية هو: علاقة أوضاع هذه الأمة - في
خصوصيتها التي أخرجها الله من أجلها - بأوضاع البشر على اتساعها..
-٥-
ولذلك فحين نعيد كتابة التاريخ الإسلامي ينبغي أن نوجه انتباهنا إلى أن
التاريخ ليس مجرد أقاصيص تُحكى، ولا هو مجرد تسجيل للوقائع والأحداث..
إنما يدرس التاريخ للعبرة، ويدرس للتربية. وكل أمة تصوغ تاريخها بحيث يؤدي
مهمة تربوية في حياتها. وهذا ما نفتقده في الكتابات المعاصرة لتاريخنا! ، التي
تشتت ولاء المسلم وتجعله متذبذباً بين الإسلام وتلك الجاهليات التي يبعثها
المستشرقون..
فينبغي - إذن - كتابة التاريخ الإسلامي بحيث تؤدي مهمة تربوية في تخريج
أجيال مسلمة تعرف حقيقة دينها وتتمسك به، وتعمل على إحيائه في نفوسها وفي
واقعها..
-٦-
* وفي سبيل تحقيق هذا الهدف التربوي علينا أن نبرز جملة من المعاني في
تاريخ الأمة الإسلامية، لا نجدها بارزة المعالم في كثير من الدراسات المستحدثة
على وجه الخصوص:
١ - أن التوحيد هو النعمة الكبرى التي أضفاها الله على هذه الأمة، وهو
الهدف الأكبر الذي أُخرجت هذه الأمة من أجله، وكُلفت بنشره في الأرض،
التوحيد بمعناه الكامل الشامل الذي يعمل في مساحة واسعة تشمل الحياة كلها.
٢- يجب أن نتبين من دراسة التاريخ أن التوحيد حركة تحريرية شاملة
للإنسان كله، وللحياة من كل جوانبها.. وأنه الذي أنشأ أمة فريدة في التاريخ
تجتمع على أساس العقيدة، التي تليق أن يجتمع الناس حولها وعليها.
٣- وأن نتبين كذلك أن حركة الفتح الإسلامي كانت حركة فريدة تختلف عن
كل الحركات التوسعية في تاريخ الأمم كلها، من حيث الهدف والآثار.
٤- ثم تولدت عن حركة التوحيد الكبرى حركة علمية وحركة حضارية
متميزة.
* هذا كله بعض ما ينبغي إبرازه في إعادة كتابة تاريخ الأمة الإسلامية في
عصر صدر الإسلام. ومرحلة المد الإسلامي، فإذا درسنا فترة الانحسار فيجب أن
ننظر فيها إلى جملة من العوامل الداخلية النفسية، وهي تعطينا الأسباب الحقيقية
للانحسار الذي نشأ عن بُعد هذه الأمة عن مصدر قوتها وعزتها، وعندئذ زال
التمكين لها، وكانت سنة الله في تمكين غيرها لأمد.
* وفي الجولة الأخيرة من حياة هذه الأمة (واقعنا المعاصر) ينبغي التنبه إلى
أمور كثيرة في كتابة تاريخها لكثرة ما دُسَّ فيها من عوامل التشويه والتوجهات
السامة التي يقصد بها التدمير، كالإيحاء بأن الإسلام قد استنفد أغراضه، وأن اتخاذ
الحضارة العلمانية منهجاً للحياة هو طريق الإنقاذ وسبيل التقدم! وكذلك إبراز
التيارات الهدامة الوافدة مع الغزو الفكري، من وطنية وقومية واشتراكية، وتمجيد
أصحابها وتصويرهم بصورة الأبطال مع إهمال البطولة الحقة في تاريخنا
الإسلامي، وأخيراً: تصوير الصحوة الإسلامية على أنها الخطر الداهم الذي سيؤدي بالعالم إلى الدمار..
-٧-
تلك أمور تدعو لإعادة كتابة التاريخ الإسلامي من جديد، وفي فصول الكتاب
تفصيل وتطبيق للمنهج الذي أقام معالمه الأستاذ محمد قطب، ولذلك جاء الحديث
عن (الجاهلية) و (الإسلام) و (البعثة وصدر الإسلام) ثم (المد الإسلامي)
ودراسة (بدء الانحسار) لأخذ العبرة لتكون زاداً على طريق (الصحوة الإسلامية)
التي تبشر بتحقيق وعد الله - سبحانه - لهذه الأمة بالتمكين والنصر عندما تفي
بشرط ذلك كله، ثم يغلق الكتاب بهذه العبارة المتفائلة التي تصدر عن إيمان عميق
بوعد الله - سبحانه - وبشارة نبيه ﷺ : وهو يستشرف
المستقبل الزاهر: (وذات يوم - مقدَّر في علم الله - ستأتي الجولة الممكّنة للإسلام، التي بشر بها رسول الله ﷺ [وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ *
بِنَصْرِ اللهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ
أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ] [الروم: ٤-٦] ) .
-٨-
وبعد.. فإنه كتاب جدير بالقراءة، بل جدير بالدراسة المتأنية العميقة، ولعل
أصحاب الاختصاص من كُتاب التاريخ الإسلامي يبدون رأيهم في هذا المنهج ككتابة
التاريخ الإسلامي، فقد يضيفون جديداً أو يستدركون فكرة، أو يؤيدون صواباً.
ونسأل الله - تعالى - أن يبارك في جهد المؤلف، وأن ينفع به وبعلمه، وأن
يهيئ له من الأسباب لإنجاز ما وعد به من كتب تالية، وأن يتقبلها عنده.
стр. 1426
رسالة عدائية ضد المسلمين فى أوربا
د. أحمد إبراهيم خضر
وجهت الفتيات المسلمات الثلاث - اللاتي تمسكن بحُجبهن في المدارس
الفرنسية وأرغمن وزير التربية الفرنسي على الإقرار بحقهن في ذلك - صدمتين
قاسيتين للعقلية الغربية. كان الغربيون مطمئنين إلى أن أبناء المسلمين الذين
يعيشون بين ظهرانيهم ويتعرضون لقيم الحياة الغربية في المدرسة وعبر رسائل
الإعلام في طريقهم إلى الانصهار الكامل مع المجتمع الغربي والذوبان فيه. كانوا
يعرفون أن انحسار سلطة الآباء على أبنائهم سوف يؤدي إما إلى تعريض الأسرة
المسلمة في بلاد الغرب لمواقف اجتماعية قابلة للانفجار - يترتب عليها ردود فعل
عنيفة - أو أن تعيش هذه الأسرة في حالة صراع مع المجتمع ككل. كانوا مطمئنين
إلى أن ظروف الحياة الغربية سوف تخرب أخلاق الشباب المسلم وتفصلهم عن
عائلاتهم، وأن تعرض هذا الشباب للخمر والتدخين والأطعمة المحرمة،
والإغراءات العديدة المتوفرة في المدن الغربية سيبعد هذا الشباب حتماً عن دينه.
كانوا مطمئنين كذلك إلى شدة تأثير أعلى درجات العلمانية في المدارس الغربية على
الشباب المسلم، فجاءت واقعة الفتيات الثلاث في قلب المدارس الفرنسية صدمة
شديدة أيقظتهم مما اطمأنوا وركنوا إليه طويلاً.
أما الصدمة الثانية للعقلية الغربية فكانت استسلام وزير التربية الفرنسي أمام
إصرار الفتيات على التمسك بحجبهن. فهِم الغربيون هذا الاستسلام بأن المسلمين قد
نجحوا في فرض مصطلحاتهم الخاصة على المجتمع الأوربي، وأن الوزير
الفرنسي قد سمح - بموقفه هذا - بخرق القيم الغربية. كانوا يأملون أن يجبر
الوزير الفرنسي هؤلاء الفتيات على خلع الحجاب لأن القيم الانضباطية الإسلامية
التي يفرضها الإسلام على معتنقيه ليست ذات قيمة - في نظرهم - للبلاد كلها ومن
ثَم فإنهم يرون: أن على المسلمين المقيمين بينهم أن لا يخضعوا لهذه القيم، وأن
عليهم أن يتركوا أنفسهم لوسائلهم الخاصة وليس لما يفرضه عليهم الإسلام من التزام
وانضباط.
دفعت هاتان الصدمتان الشديدتان (أنتوني هارتلي) رئيس تحرير مجلة
(Encounter) [١] إلى تدقيق النظر في أوضاع المسلمين في أوربا وتوجيه رسالة
تحذيرية للحكومات الغربية صريحة أحياناً، وضمنية أحياناً أخرى، مما سماه
بالتوسع والبعث الإسلامي في أوربا والأخطار الناجمة عن وجود الأعداد المتزايدة
من المهاجرين المسلمين في الدول الأوربية. وجد (هارتلي) أن عدد المسلمين في
بريطانيا يقدر بمليون ونصف، وفي فرنسا من ٢. ٥-٣ ملايين، وفي ألمانيا
هناك ما لا يقل عن ١. ٩ مليون مسلم، غالبيتهم من الأتراك بالإضافة إلى مائة
وثلاثين ألف عربي، ومائة ألف من مسلمي البوسنة. وفي إيطاليا ما يقرب من ١٠٧ مليون يدخل معظمهم إليها بتأشيرة سياحية ثم يبقون هناك. وفي بلجيكا مائتي
ألف مهاجر من تركيا وشمال إفريقية، أما في هولنده فهناك ٢٨٥ ألف مسلم من
المغرب وتركيا وسورينام. وجد (هارتلي) أنه على الرغم من أن غالبية العمالة
المسلمة في بريطانيا عمالة غير ماهرة فإن نسبة عالية من هذه العمالة تشغل وظائف
مهنية. ووجد (هارتلي) أيضاً أن في فرنسا وحدها ما يقارب من ألف مسجد وزاوية
صلاة تقام فيها شعائر الإسلام، وستمائة في بريطانيا يتلقى فيها الأطفال المسلمون
تعاليم القرآن وتعتبر مراكز تجمعات للمسلمين. وصلة المسلمين بوطنهم الأم لم
تنقطع، وما يحدث في هذا الوطن من حركات إسلامية وبعث إسلامي يتردد صداه
بين هؤلاء المهاجرين إلى العالم الأوربي.
أزعجت هذه الحقائق (هارتلي) لكن الذي أفزعه هو أن هؤلاء المهاجرين قد
نجحوا في إدخال المعتقدات والأعراف الإسلامية إلى المجتمعات الصناعية الغربية،
وخشي أن تتخلى هذه المجتمعات عن قيمها وأعرافها، وأن تخضع للقيم والمعايير
الإسلامية، لهذا فقد نظر إلى: واقعة الفتيات المسلمات الثلاث على أنها سابقة
خطيرة تنذر بإمكان حدوث ذلك؛ لهذا وجه (هارتلي) رسالته التحذيرية - المحشوة
بالعداء للإسلام والمسلمين - إلى الحكومات الغربية متضمنة ما يلي:
أولاً: محاولة إقناع الحكومات الغربية بأن المهاجرين المسلمين قد يتسببون
في مشاكل مستقبلية بين الدول الأوربية واستدل في محاولته هذه باحتجاج فرنسا
على بون بسبب تشجيع الألمان لهجرة العمالة التركية الزائدة.
ثانياً: محاولة إقناع الحكومات الغربية بأن مطالب المسلمين كثيرة ومتعددة
ويصعب الوفاء بها وأنها تسير ضد إيقاع وحركة الإنتاج الصناعي الحديث وضد
نمط الحياة الغربية. يقول (هارتلي) : (وعلى امتداد أوربا يطلب المسلمون أماكن
للصلاة في مواقع العمل وفي السكن العمالي والعقارات السكنية، ويطلبون إمدادهم
بالأطعمة الحلال - الموصوفة في القرآن - في المقاصف والمدارس، ويطلبون
أوقاتاً للاحتفال بأعيادهم (عيد الفطر وعيد الأضحى) ، ويطلبون الحق في الذهاب
إلى المسجد يوم الجمعة. ليس من السهل الوفاء بالعديد من هذه المتطلبات. حيث
يستلزم الصيام في رمضان الامتناع عن الطعام والشراب من الفجر وحتى الغروب
لمدة شهر كامل. ومن شأن هذا الأمر تقليل القدوة الفيزيقية للعمال الذين يقومون
بأعمال يدوية. والتغيب عن العمل خلال اليوم من أجل الصلاة أمر لا يتسق
بسهولة مع إيقاع الإنتاج الصناعي الحديث والدفن الإسلامي يتطلب وضع الجثة
على جانبها متجهة إلى مكة وهذا أمر يصعب تحقيقه في مقابر حضرية مزدحمة،
ومن قائمة مطالب المسلمين في بريطانيا: أن ترتدي بناتهم الزي الإسلامي، وأن
ينفصل الطلاب عن الطالبات في حصص الرياضة وتعليم السباحة، وإمداد
المدارس بالأطعمة الحلال، وتوفير غرف للصلاة، والسماح بفرص لزيارة
المساجد في المناسبات والأعياد الإسلامية حتى يحصل الأطفال على تعاليم قرآنية.
هناك حالة من عدم الرضا العميق بين المسلمين عن تعليم الجنس في المدارس
وخاصة ما يرتبط بالجنسية المثلية، وقد قُدمت اعتراضات مشابهة لذلك إلى مديري
المدارس الفرنسية.
إن المجتمعات الأوربية قد تجد من الصعب عليها مقاومة مطالب المسلمين،
وهناك مواقف قد حدثت بالفعل وتخلت فيها المجتمعات الصناعية عن معاييرها
الاجتماعية السائدة، وانقادت لعادات الإسلام، وهي تجري مخالفة لقيمها ومعتقداتها.
ثالثاً: تحذير الحكومات الغربية من الآثار البعيدة المدى للدور المتنامي الذي
يمكن أن يلعبه المسلمون في الحياة السياسية الغربية خاصة بعد حصولهم على
جنسيات البلاد الأوربية، وحق التصويت في الانتخابات المحلية والعامة. وبناءً
عليه يرى (هارتلي) : أن ذلك سوف يمكّنهم من تحقيق مطالبهم وأهدافهم وخاصة
مع تصويت باقي المسلمين إلى جانب هذه المطالب.
استشهد (هارتلي) هنا بالخطاب الذي أرسله الاتحاد الإسلامي في فرنسا
لمديري المدارس والذي طالب فيه بوضع حد للاختلاط في الفصول المدرسية.
رابعاً: تحذير الحكومات الغربية من تزايد نفوذ الحكومات الإسلامية عليها
استناداً إلى وجود الأقليات الإسلامية فيها، ومن تسرب الحركات الإسلامية إلى
أوربا بسبب جو الحرية السائد في الغرب.
خامساً: تنبيه الحكومات الغربية إلى أنها مهما استجابت لمطالب المسلمين
فإنهم سيظلون منفصلين متميزين غير منسجمين مع المجتمع الأوربي، ولن يكون
ولاؤهم لهذا المجتمع مطلقاً.
سادساً: تحذير الحكومات الأوربية من خطورة الرضوخ لمطالب المسلمين،
وخاصة ما يتعلق منها بوضع المرأة، واعتبار ذلك تهديداً لقيم المجتمع الغربي
وبذراً للتعصب فيه مع التنديد الضمني المتكرر بموقف الوزير الفرنسي من الفتيات
المسلمات الثلاث المشار إليهن، واستغلال تلك الواقعة لإظهار صعوبة تعامل هذه
الحكومات مع المسلمين الملتزمين بعقيدتهم.
سابعاً: تحذير الحكومات الغربية من الدور الذي تلعبه المساجد في أوربا،
ومن تنامي هذا الدور وتأثيره على الحياة السياسية في الغرب، ولفت انتباه هذه
الحكومات إلى خطورة الخطب الدينية التي تُلقى في هذه المساجد، والدعوة إلى
ضرورة فرض الرقابة عليها.
ثامناً: لفت انتباه الحكومات الأوربية إلى النهضة الملحوظة في قطاع التعليم
الإسلامي في أوربا، وفي المدارس الإسلامية الخاصة بالذات، وما يمكن أن تسببه
هذه النهضة من مشاكل لهذه الحكومات تتعلق بالمعونات الحكومية، وخرق لقيم
المجتمع، والتأثير على تكامله خاصة مع نجاح قادة المسلمين في تطويع البناء
الإداري القائم وتوجيهه لصالح وخدمة معتقداتهم.
تاسعاً: تذكير الحكومات الغربية بآثار قضية (سلمان رشدي) على بريطانيا،
وتنبيه هذه الحكومات إلى أن القضية لا تخص بريطانيا وحدها بل إن جميع البلدان
الأوربية سوف تعاني من المشاكل الناجمة عن وجود أقليات مسلمة فيها، وأن الحل
الذي أمام هذه الحكومات هو إجبار المسلمين على الخضوع للقانون شاؤوا أم أبوا
بغض النظر عن أمر المساس بعقيدتهم مع التأكيد على عدم إعطاء وضع خاص
للإسلام يجعله فوق النقد بحيث يفرض نفسه على المجتمع الغربي.
عاشراً: التشديد على ضرورة مواجهة النهوض والتوسع الإسلامي في أوربا، وقطع الطريق أمام الحكومات الغربية - التي استعمرت وأذلت العالم الإسلامي
مدة طويلة - في التفكير في التسامح مع المسلمين في دولها وفقاً لنفس المبدأ الذي
تتعامل به مع اليهود (وهو التكفير عن ذنب ما يُعرف باضطهاد اليهود) .
لو ضممنا هذه الرسالة العدائية (لأنتوني هارتلي) إلى ما يجري للمسلمين في
البوسنة والهرسك كمحاولة لاستئصال الوجود الإسلامي من قلب أوربا لأدركنا معنى
قوله : [وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا] [البقرة: ٢١٧] ، إنه - كما يقول الشهيد (سيد قطب) - (تقرير صادق من العليم
الخبير يكشف عن الإصرار الخبيث على الشر وعلى فتنة المسلمين عن دينهم
بوصفهم الهدف الثابت المستقر لأعدائهم، وهو الهدف الذي لا يتغير لأعداء
الجماعة المسلمة في كل أرض وفي كل جيل، لأن وجود الإسلام في الأرض هو
بذاته يؤذيهم ويغيظهم ويخيفهم، وهو من القوة والمتانة بحيث يخشاه كل مبطل
ويرهبه كل باغٍ ويكرهه كل مفسد.. ومن ثم يترصدون لأهله ليفتنوهم عنه
ويردوهم كفاراً في صورة من صور الكفر الكثيرة ذلك لأنهم لا يأمنون على باطلهم
وبغيهم وفسادهم في الأرض جماعة مسلمة تؤمن بهذا الدين وتتبع منهجه وتعيش
بنظامه، وتتنوع وسائل قتال هؤلاء الأعداء للمسلمين وأدواته ولكن الهدف يظل
ثابتاً: أن يردوا المسلمين الصادقين عن دينهم إن استطاعوا، وكلما انكسر في يدهم
سلاح انتضوا غيره، وكلما كانت في أيديهم أداة شحذوا أداة غيرها، والخبر
الصادق من العليم الخبير قائم يحذر الجماعة المسلمة من الاستسلام، وينبهها إلى
الخطر ويدعوها إلى الصبر على الكيد والصبر على الحرب، وإلا فهي خسارة
الدنيا والآخرة والعذاب الذي لا يدفعه عذر ولا مبرر) .
стр. 1427
البيان الأدبي
إسلامية الأدب.. لماذا وكيف؟
د. عبد الرحمن صالح العشماوي
الشبهة الخامسة:
يثير بعض معارضي مصطلح (الأدب الإسلامي) شبهة (البدعة) في هذا المصطلح، فيقولون: إنه بدعة معاصرة، لم يقل بها أحد من سلف هذه الأمة، فهل نحن أحرص على الإسلام من أولئك؟ ؟ ونجيب على هذه الشبهة بما يلي:
أولاً: لا ينطبق على مصطلح (الأدب الإسلامي) معنى (البدعة) المذمومة
التي تأتي مخالفة لما شرع الله، كما لا ينطبق عليه معنى (البدعة) على عمومه؛
لأنه - كما ذكرنا في حلقة ماضية - يقوم على تصور، وهذا التصور موجود منذ
نزول القرآن على النبي محمد ﵊ ومنذ أن كان للرسول -
ﷺ ولسلف هذه الأمة ﵃ موقفهم الواضح القائم
على ذلك التصور الإسلامي للأدب ودوره في حياة الأمة، وتنحصر الجدة في الأدب
الإسلامي في تسمية المصطلح نفسه بناءً على منهجية مستمدة-من القرآن والسنة،
وسنبين هذا فيما بعد - إن شاء الله -.
ثانياً: ليس صحيحاً ما يقوله أصحاب هذه الشبهة من أن السلف لم يشيروا
إلى إسلامية الأدب، بل إنهم أكدوا ذلك في مواقف كثيرة، وأشاروا إلى ضرورة
مراعاة تعاليم الإسلام في الأدب فلم يقروا لشاعر أو أديب الخروج عن تلك التعاليم،
ولم يضعوا مصطلحاً بهذا الإسم لأنهم لم يكونوا بحاجة إلى وضع مصطلح إسلامي
في ظل خلافة وجهتها العامة إسلامية، ولها مواقفها الواضحة من أصحاب الأدب
المنحرف، تأديباً وإنكاراً.
ثالثاً: لم يكن الانحراف الأدبي في عصور الإسلام الأولى منظَّراً، أي أنه لم
يكن قائماً على (أيديولوجية) لها فلسفتها ونظامها القائم الذي تدعمه السلطات،
وإنما كان ذلك الانحراف - غالباً - شخصياً ينبثق من انحراف شخصي لأحد
الأدباء ثم يكون له أتباعه ومقلدوه، وكانت الدولة الإسلامية ترفض ذلك الانحراف
ملاحقة له - وإن لان موقفها منه أحياناً - ولذلك لم يكن الناس بحاجة إلى وضع
نظرية أو مصطلح للأدب الإسلامي، لمواجهة نظرية معارضة، وإنما كان دورهم
مقتصراً على نقد ذلك الانحراف ورفضه وييان سوئه للناس.
أما الانحراف الفكري والأدبي في العصور المتأخرة فهو انحراف قائم على
منهج، له أسسه وتصوراته وله رواده ودعاته، بل وله دوله التي تتبناه وتسعى إلى
دعمه ونشره [١] ، وقد وُضعت له النظريات والمناهج، وكتبت عنه الدراسات
المنهجية والبحوث الأكاديمية؛ فكان لزاماً على المسلمين الملتزمين أن يكون لهم
منهجهم المستقل ونظريتهم الأدبية الإسلامية القائمة على التصور الإسلامي، لأن
هذه المنهجية هي التي تستطيع مواجهة الانحراف الأدبي (الممنهج) في عصرنا
هذا، فكان مصطلح الأدب الإسلامي الذي قام على تصور إسلامي كما أشرنا من
قبل.
إن البدعة تكون مذمومة مرفوضة عندما تأتي مخالفة لمنهج الإسلام الصحيح
خارجة عن إطاره الذي رسمه القرآن والسنة وأقوال السلف الصالح ومواقفهم، فهي
بهذا المفهوم مرفوضة حتى لو كان فيها زيادة في الطاعة يتوهم أصحابها أنها تقربهم
إلى الله أكثر مما ثبت عن رسول الله ﵊ أليس هو القائل في
شأن من يتنزه عن بعض ما كان يفعله: «ما بال أقوام يتنزهون عن أشياء
أترخص فيها، والله إني لأخشاكم لله وأعلمكم بحدوده» .
والبدعة بهذا المعنى المرفوض بعيدة كل البعد عن مصطلح الأدب الإسلامي؛
لأنه يقوم على رؤية إسلامية مؤيدة بالكتاب والسنة ومواقف السلف الصالح في شأن
الأدب.
إن هذا المصطلح من باب التجديد في أسلوب المواجهة بما يتلاءم مع حجم
القضية المعاصرة، ولولا هذه النظريات والمدارس القائمة على مناهج منحرفة
مدعومة باتجاهات رسمية عالمية، لما احتجنا في هذا العصر إلى مصطلحات ... (الفكر الإسلامي) و (الاقتصاد الإسلامي) و (الإعلام الإسلامي) و (الأدب
الإسلامي) ، إذن فإن القضية قائمة على مبدأ الإعداد لمواجهة الانحراف والفساد،
لا بأقوال ارتجالية، وأفكار مبتدعة كما يظن من يطلقون هذه الشبهة. ولكن بناءً
على الرؤية الإسلامية المنبثقة من ديننا العظيم.
فإذا كان - مثلاً - الشاعر الحداثي هو: (الذي يخوض معركة التحرر من
القوالب السلفية التي تحاول - بدورها - أن تشله وتعزله عن حركة التاريخ، وعن
التغيير، وتبقيه في عقم الثبات - هذه القوالب السلفية في الفكر والحياة معاً تتحول
إلى دعائم مشتركة، تشارك بشكل أو آخر في الحيلولة دون تحقيق التحرر
الكامل) [٢] .
أقول إذا كان ذلك هو الشاعر الحداثي - كما صوَّره منظر مذهب (الحداثة) ...
العربي المرتد أدونيس - فإن الأدب الإسلامي يرسم صورة أخرى مشرقة ناصعة
للشاعر الإسلامي، فهو الشاعر الذي يتخذ من التصور الإسلامي قاعدة انطلاقه
ويبدع لنا أدباً رائعاً قائماً على عظمة الثبات على المبدأ وليس على الثورية
والانحراف.
وإذا كان الشاعر - عند منظري الحداثة - هو (الذي لا ينطلق من فكرة
واضحة محددة، بل من حالة لا يعرفها هو نفسه معرفة دقيقة، ذلك أنه لا يخضع
في تجربته للموضوع أو الفكرة أو الأيديولوجية أو العقل أو المنطق) [٣] .
فإن الشاعر - عند منظري الأدب الإسلامي - هو الذي ينطلق من فكرة
واضحة ومن حالة يعرفها، ومن رؤية إسلامية صافية يبدع من خلالها أدباً مؤثراً
يرقى بالأمة ولا يهبط بها [٤] .
إن (مليار) مسلم يعيشون في هذا العالم النكد بأمسّ الحاجة إلى أدب يرقى
بنفوسهم وعقولهم، ويصد عنهم هجمات الانحراف والضياع التي تشنها نظريات
الأدب المنحرف في هذا العصر [٥] .
لقد حرص الرسول ﵊ منذ نزول الوحي عليه على
رسم طريق الكلمة الطيبة، والكلمة الخبيثة، ولقد قال عن الشاعر المنحرف:
«لئن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً حتى يريه، خير له من أن يمتلئ شعراً» ، وقال عن الشعر الإسلامي الصافي: «إن من الشعر لحكمة» ، وكانت عائشة ﵂ تستدل في كلامها بالشعر الجيد السامي، وأوصت بتلقينه للناشئة، وبذلك أوصى معاوية ﵁ وثبت عنهم جميعاً رفضهم للشعر المنحرف ومعاقبتهم للشعراء المنحرفين في أحاديث كثيرة وأخبار صحيحة ليس هذا مكان سردها، أفبعد ذلك يدعي مُدَّعٍ أن مصطلح (الأدب الإسلامي) بدعة لم يقل بها السلف؟ !
стр. 1428
شعر
فلنحمل هَمَّ الإسلام
د. محمد بن ظافر الشهري
يقولان رِفقاً بجسم رقيقْ ... بعينيك دمعٌ وفي الصدرِ ضِيقْ
وتحيا أسيراً لحرِّ الأسى ... وإن كنتَ تبدو كَحُرٍّ طليقْ
وقالا دعِ الهم أو بعضه ... ولم يعلما أنني لا أُطيقْ
فكيف السبيل إلى بسمةٍ ... وليس يقهقهُ صدرٌ خنيقْ؟ !
أنضحك والهدمُ في البَابِرِي ... ومن قبلُ في القدسِ شبَّ الحريقْ؟ !
ويَذبح " راموسُ " إخواننا ... على أرض " مورو " وما من شفيقْ
وفي مَقَديشو تُسال الدِّما ... ليُصنعَ منها لسَامَ الغبوقْ
وبثَّ الصليبُ رجالاته ... برغم الخلافاتِ - عند " الرفيقْ " [١]
وفي إِرِتِرْيا وجاراتِها ... ليخنقنا سَامُ عند المضيقْ [٢]
وكشمير والهند لا تسألا ... عن الهَتْكِ فيها لشعبٍ عتيقْ [٣]
فكم حُرة مزقوا سِترها ... ووالدُها مثخنٌ والشقيقْ
خليليَّ حلَّ بإخواننا ... من الضيم ما لا يسرُّ الصديقْ
أُذيقوا من الذلِّ ألوانَهُ ... فهل نتضاحكُ حتى نذوقْ؟ !
وحتَّام نَسْفُلُ في همِّنا ... وأعداؤنا همُّهم في سموقْ؟ !
ونشرب من قيء أعدائنا ... وإسلامنا فيه أحلى رحيقْ؟
وتبقى هُتافات أبنائنا ... تعيش النجوم يعيش الفريقْ؟
وتبقى وسائل إعلامنا ... لنشر الرذيلة والزور بوقْ؟
ونغمس في الفن أولادنا ... لِنُخرجَ معشوقةً أو عشيقْ؟
إذا زُرع الفسقُ في نسْلنا ... فهل نتوقع غير العقوقْ
ومَن كان عبداً لأهوائه ... سيُهوَى به في مكان سحيقْ
عجبتُ لمن سار نحو الهدى ... كسَيْرِ الفراشات نحو البريقْ!
وإسلامنا فيه إعزازنا ... وفيه تُنال جميع الحقوقْ
فؤاديَ يخفقُ من حبِّه ... فتسري محبتُه في العروقْ
فهيا لنُحيي به أنفُساً ... وإن لم يشأْ كلُّ نذلٍ صفيقْ
نجادلُ بالحق كل الورى ... ولا نَرْمِ مَن أسلموا بالمروقْ
خليليَّ سيراً على منهجي ... على منهجٍ سلفيٍّ عريقْ
وكُفَّا عن اللوم ولْتحْمِلا ... معي الهَمَّ أو فاتْرُكاني أُفيقْ
стр. 1429
ملف العدد
المسلمون في الهند
دخول الإسلام إلى القارة الهندية
محمود السيد الدغيم
تعتبر شبه القارة الهندية واحدة من بقاع العالم التي استوطنها البشر منذ أقدم
العصور، فما من مؤرخ متوسع بالتاريخ إلا ويذكر الهند، وكذلك كُتاب طبقات
الأمم يَفُتهم ذكر الهند، وقد ذكر صاعد الأندلسي (٤٢٠-٤٦٢هـ/١٠٢٩-١٠٧٠م)
الأمم الثماني التي عُنيت بالعلم فقال: (أما الأمة الأولى - وهم الهند - فأمة كثيرة
العدد عظيمة القدر، فخمة الممالك، قد اعترف لها بالحكمة، وأقرَّ لها بالتدبير في
فنون المعرفة جميع الملوك السالفة، والقرون الخالية (..) ولملوكهم السِّيَر الفاضلة، والملكات المحمودة، والسياسات الكاملة، وأما العلم الإلهي: فمنهم براهمة،
ومنهم صابئة. فأما البراهمة: فهي فرقة قليلة العدد فيهم شريفة النسب عندهم،
فمنهم من يقول بحدوث العالم، ومنهم من يقول بأزليته، إلا أنهم مجمعون على
إبطال النبوات، وتحريم ذبح الحيوان، والمنع من إهلاكه وأكل أقواته. والصابئة
وهم جمهور الهند ومعظمها - فإنها تقول بأزلية العالم، الخ [١] .
الطبقات الاجتماعية في الهند:
بعدما انتصر الآريون على سكان الهند امتزجوا بسكانها وفرضوا تقسيم
المجتمع في الهند إلى أربع طبقات اجتماعية ومذهبية حددها (منو مهارشي) في
شروح الكتب الهندوسية المقدسة، وهي:
١ - البراهمة (Brahman) : وهم طبقة الكهنة، ومهمتهم درس أسفار (الفيدا!) المقدسة، وتدريسها وتلاوتها، وتقريب القرابين وإدارة الشؤون المالية. ...
وهم فئة متسلطة وتعتبر مقدسة لا تُسأل عما تفعل، ولو اقترفت جميع الجرائم بما ...
فيها القتل؛ لأنها الطبقة العليا في المجتمع. ويعيش البراهمة على ما يجبونه من
الهدايا والقرابين والضرائب. وللبرهمي حق في كل شيء بسبب النسب.
٢- الأكشتري (Kshatrea) : وهي طبقة المحاربين، ومهمتها حماية ...
البلاد والعباد، ويجب عليها الابتعاد عن الشهوات. ويعد البرهمي أباً للأكشتري
وإن كان البرهمي أصغر سناً من الأكشتري.
٣- الفيشية (Vaishya) : وهي طبقة الفلاحين، والتجار، ومهمتها تأمين
مستلزمات العيش للكهنة والمحاربين، ويحق لهم أخذ الربا، وعليهم تقديم الضرائب
للطبقتين السابقتين.
٤ - الشودرا (Shudra) : (المنبوذون) وهي الطبقة السفلى التي لم تعترف لها الهندوسية بأية حقوق، وفرضت عليها واجبات تقديم الخدمات للطبقات ... الأخرى التي تستغل (الشودرا) وتجبرها على تنفيذ أسفل الخدمات، وسبب انحطاطهم - حسب الزعم الهندوسي -عدم جريان الدم الآري في عروقهم مطلقاً؛ لأنهم من سكان الهند الأصليين الذين لم يختلطوا بالآريين، وهم خطر على الدم الآري يجب الابتعاد عنه؛ لذا يُمنع الزواج بين المنبوذين وبقية الطبقات لأن المنبوذ نجس يجب اجتنابه! .
إن من يتصفح الكتب الهندوسية التي يطلق عليها اسم (شريعة منو مهارشي) ...
- يجد صورة المأساة الإنسانية في تلك النِّحلة الفاسدة التي ورد في نصوصها ما يلي:
(يجب على (الشودري: المنبوذ) أن ينفذ أوامر البراهمة تنفيذاً مطلقاً. ...
وخدمته للبراهمة هي أفضل عمل يحمد عليه. ولا يجوز له جمع ثروة زائدة؛ لأنه
يؤذي البراهمة بوقاحته. وتُقطع يد ابن الطبقة الدنيا إذا رفعها على مَن هو أعلى
منه، وتقطع رجله إذا رفسه برجله، وإذا ناداه باسمه أو باسم طائفته متهكماً يجب
أن يدخل في فمه خنجراً محمياً بالنار، ويأمر الملك بصب زيت حار في فمه وأذنيه
إذا أبدى رأياً للبراهمة في أمور أعمالهم، ومَن يُقِمْ علاقة مع منبوذ تسقط عنه صفة
الطبقية ويُنبَذ، ولو لم تتعدَّ علاقتُهُ: قراءة الكتاب المقدس معه، أو الركوب في
مركبة واحدة، أو الأكل معه على سفرة واحدة) .
هذه صورة عن العدالة الهندوسية ضمن المجتمع الهندوسي، وهي صورة
معبرة عن الظلم ضمن تلك النحلة التي تجور على أبنائها، لذا لا نجد غرابة في
الأمر عندما يجور الهندوس على أبناء المسلمين الذين يخالفونهم في أمور الدين
والدنيا.
دخول العرب إلى الهند قبل الإسلام:
جاء في تاريخ الطبري: (ثم إن كسرى وجَّه مع رجل من أهل اليمن يقال له
(سفيان بن معد يكرب) - ومن الناس من يقول إنه كان يسمى سيف بن ذي يزن -
جيشاً إلى اليمن؛ فقتلوا من بها من السودان، واستولوا عليها. فلما دانت لكسرى
بلاد اليمن وجه إلى سرنديب من بلاد الهند - وهي أرض الجوهر - قائداً من قواده
في جند كثيف، فقاتل ملكها فقتله، واستولى عليها، وحمل إلى كسرى منها أموالاً
عظيمة وجواهر كثيرة) [٢] .
تدل هذه الرواية على أن العرب كانوا في عداد جيش كسرى الذي استولى
على سرنديب. وكان مولد النبي محمد ﷺ في سنة اثنتين
وأربعين من سلطان كسرى أنوشروان. وتسمى تلك السنة بعام الفيل، وتلك
الأخبار تدل دلالة واضحة على معرفة العرب أشياء كثيرة عن الهند وبلادها
وشعوبها ونِحلها، كما تدل النقوش القديمة على العلاقات التجارية يين أبناء شبه
جزيرة العرب والهند، حيث راجت تجارة البخور والحرير والحديد. وبناءً على ما
تقدم لا نستغرب دخول الإسلام إلى الهند منذ فجر الإسلام ومبعث خاتم الأنبياء
والمرسلين.
انتشار الإسلام في شبه القارة الهندية:
نحن نواجه في هذا الزمان أزمة تاريخية، فعندما نطرح مسألة إسلامية مفيدة
تقوم قيامة أعداء الإسلام، ويبدأ الجدل المذموم، وتغيب المناظرة المحمودة،
ويطالبنا أذناب الأعداء بتقديم الدليل في كل قضية تنصف الإسلام والمسلمين، ولكن
أذناب الأعداء يسلمون بما يتخرص به المستشرقون والمستغربون من اليهود
والنصارى والملاحدة.
إن أعداء الإسلام يتقبلون الدعوى المسيحية التي تقول: إن (القديس توماس)
ذهب إلى الهند، وأسس أول كنيسة نصرانية على ساحل مليبار في سنة ٥٢م،
وبقيت تلك الكنيسة حتى القرن الخامس الميلادي، وكانت تابعة للكنيسة الفارسية،
ووصل إلى هناك النسطوريون (أتباع نسطوريوس القسطنطيني ٤٢٨م) في القرن
التاسع، وفي القرن الخامس عشر سيطرت الكنيسة الكاثوليكية الرومانية البرتغالية
فوحدت كنيسة مليبار، ثم ارتد المليباريون إلى النسطورية سنة ٧٠٠ م الخ..
كان أعداء الإسلام يشككون بكل ما يخص الإسلام من تاريخ وعدالة وازدهار. وهذا ما يدفعنا إلى مقارعة الحجة بالحجة والدليل بالدليل في سبيل تقديم البرهان
الذي يؤدي إلى النتيجة المرجوة.
(إن المسلمين العرب أقاموا في جزيرة سيلان، وساحل مليبار في القرن
السابع. وهذا ما يؤكده (فرانسيس دي Francisday) وكذلك (استرك Struck) .
وذكر المؤرخون: أنه وُجد محفوراً على حجر في مسجد يقع قرب (بيتور) في
(كيرله) أن الإسلام ظهر فيها في السنة الخامسة من الهجرة، ويعللون سبب ظهوره
بوصول بعض العرب مبكرين إلى ديار (مليبار) ولا ريب في أن المسلمين يوجدون
في الهند من أوائل القرن الأول الهجري، فسرِّح النظر إلى (راجه سرنديب) الذي
أسلم في سنة ٤٠هـ، ثم ارجع البصر إلى (راجه مليبار) فهو كذلك) [٣] .
وبالإضافة إلى ما ذكره الدكتور محمد الصديقي نجد قرينة أخرى على دخول
الهند في دين الله أيام النبي ﷺ حيث جاء في مقال للأستاذ
محمد أبو الصلاح: (توجد وثائق تاريخية تدل على أن الإسلام قد وصل إلى مليبار
في زمن النبي ﷺ ، ويؤكد المؤرخ الباحث (بالا كرشنا بلاي
Bala Krishna Pillay) ، بأن محمد بن عبد الله ﵊ قد ...
بعث الرسائل يدعو فيها إلى الإسلام ملوك إفريقية وملك (مليبار Malibar) ويقول
إن أول خطاب من الرسول العربي قد وصل إلى ملك مليبار في عام ستمائة وثمانية
وعشرين للميلاد [*] ) .
وتثبت الحقائق التاريخية أن الإسلام قد انتشر في بلاد (مليبار) في زمن
النبي ﷺ ، وأكبر دليل تاريخي على ذلك تلك النقود الفضية
التي نشرتها الأسرة المالكة (باركل) في (كنور) في القرن الثامن للميلاد. وهذه
الواقعة تفند الرأي القائل بأن الإسلام جاء إلى مليبار بعد القرن الثاني لوفاة النبي -
ﷺ . وعرضت النقود التي تحمل اسم الملك (ملك أركل) في ...
المعرض الثقافي الذي أقيم في مَدْراس عام ١٩٣٤م. وتحتفظ هذه الأسرة بتراثها
القديم وتحافظ على مجدها الغابر منذ القرون. وأصبحت هذه الوثائق التاريخية
المنكشفة في قصر (أركل) من نقود ومخطوطات ومنحوتات ورسائل وغيرها أبهى ...
الحجج التاريخية لتفنيد رأي صاحب (تحفة المجاهدين) بأن الدعوة الإسلامية قد
ابتدأت في (مليبار) في القرن العاشر للميلاد.
ومن المحزن أن كثيراً من الكتب التاريخية التي أُلفت بعده تقلد الرجل وتنقل
رأيه هذا بدون تمحيص وتحقيق. مع أن المؤرخ المشهور ابن عرب شاه (١٤٧٦م)
والمؤرخ العربي المعروف فخر الدين (١٢٧٢م) قد صرحا بأن الإسلام بدأ ينتشر
في سواحل الهند الغربية في زمن النبي ﵊ وجاءت وثائق
(أركل) مؤيدة لرأي هذين المؤرخين [٤] .
بناءً على ما تقدم نرى أن من واجب المؤرخين المسلمين البحث الدؤوب عن
العلاقات الإسلامية الهندية أثناء القرن الأول الهجري، والكشف عن أسرار الوثائق
والمحفوظات المحفوظة في المكتبات الهندية، والاطلاع على النقوش والنقود،
وذلك في سبيل توثيق التاريخ.
لئن تباينت الآراء حول تحديد ابتداء انتشار الدين الإسلامي في الهند، فإن
قضية الفتح لم يتم الإجماع على تحديد موعدها بعد. فالبلاذري يقول: (ولى عمر
بن الخطاب ﵁ عثمان بن أبي العاص الثقفي البحرين وعُمان سنة
١٥هـ، فوجه أخاه الحكم بن أبي العاص إلى البحرين، ومضى إلى عُمان فأقطع
جيشاً إلى (تانه) - التي تقع على ساحل بحر العرب في الهند إلى الشمال من مدينة
بومباي مسافة ١٥ كم٢ - فلما رجع الجيش كتب إلى عمر ﵁
يُعلمه ذلك، فكتب إليه عمر ﵁ يا أخا ثقيف: حملت دوداً على
عود، وإني أحلف بالله لو أُصيبوا لأخذت من قومك مثلهم. ووجه الحكم إلى
بروص (Broach) ووجه أخاه المغيرة إلى (خور الدييل) فلقي العدو فظفر ...
به) [٥] . (ولما وُلي عثمان بن عفان ﵁ الخلافة، وولى عبد ... الله بن عامر بن كريز العراق وكتب إليه يأمره أن يوجه إلى ثغر الهند من يعلم ... علمه،
وينصرف إليه بخبره، فوجه حكيم بن جبلة العبدي، فلما رجع أوفده إلى عثمان،
فسأله عن حال البلاد، فقال: يا أمير المؤمنين قد عرفتها، فقال له: صِفْها لي،
فقال: ماؤها وشل (قليل) ، وثمرها دقل (ردئ) ، ولصها بطل، إن قلَّ الجيش فيها
ضاع، وإن كثر جاع. فقال له عثمان: أخابر أم ساجع؟ قال: بل خابر. فلم
يغزُها) . حتى جاءت سنة ٣٩ هـ أيام خلافة أمير المؤمنين علي بن أي طالب -
﵁ الذي أذن للحارث بن مرة العبدي بالتوجه إلى الهند، فتوجه إليها
وأصاب غنيمة وسبياً. وفي أيام الخليفة معاوية بن أي سفيان ﵄
جاءت سنة ٤٣ هجرية، وفيها استعمل معاوية (عبد الله بن عامر) فاستعمل (عبد
الله بن سمرة) على سجستان فأتاها وفتحها عنوة.. واستعمل على ثغر السند ...
عبد الله بن سوار العيدي، وعاد إلى كابل، وقد نكث أهلها ففتحها [٦] ، وفي سنة ٥٠ هـ كان الوالي (على البصرة والكوفة والمشرق، وسجستان وفارس، ... والسند والهند (زياد)) [٧] وهذه قرينة تاريخية على تبعية تلك المناطق للدولة الإسلامية.
لم تتوقف الجهود الإسلامية الرامية إلى رفع رايات الإسلام في بلاد الهند،
وإنارتها بنور الإسلام ولكن الفتح العام لم يتحقق حتى جاءت (سنة ٩٤هـ/٧١٥م،
وفيها افتتح محمد بن القاسم الثقفي أرض الهند) [٨] .
وروى الطبري بسنده فقال:
(قال عمر: قال علي: وأخبرنا أبو عاصم الزيادي من الهلواث الكلبي،
قال: كنا بالهند مع محمد بن القاسم، فقتل الله داهراً، وجاءنا كتاب من الحجاج:
أن اخلعوا سليمان، فلما ولي سليمان جاءنا كتاب سليمان: أن ازرعوا واحرثوا،
فلا شأم لكم، فلم نزل بتلك البلاد حتى قام عمر بن عبد العزيز فأقفلنا) [٩] .
يقال: إن سبب تسيير تلك الغزوة هو: (أنه كان في سيلان - جزيرة
الياقوت - نسوة من العرب المسلمين مات عنهن آباؤهن، فأراد ملك الجزيرة أن
يجامل الحجاج بن يوسف الثقفي ويرسل له هؤلاء النسوة تقرباً منه، فأركبهن سفينة
ووجهها إلى بلاد العرب، فتعرض للسفينة قوم من قراصنة (ميد الديبل) وأخذوا
السفينة بما فيها، فنادت امرأة منهن - وكانت من بني يربوع -: يا حجاج أغثنا! ! وبلغ الحجاج ذلك فصاح: لبيك. وأرسل إلى (داهر) يسأله تسريح النسوة، فقال: إنما أخذهن لصوص لا أقدر عليهم، فحمل ذلك الحجاج على غزو السند مملكة
الملك (داهر)) [١٠] ، ويقال إن محمد بن القاسم ﵀ فتح الديبل وحرر ...
المسلمات وأرسلهن إلى واسط االعراق، كما أرسل القراصنة إلى الحجاج فنفذ فيهم
الحكم العادل. وكان ذلك أيام الخليفة الوليد بن عبد الملك بن مروان، وبقي محمد
بن القاسم هناك حتى سنة ٩٥هـ حيث توفي الخليفة الوليد، وخلفه سليمان بن عبد
الملك فعزل محمد بن القاسم الثقفي، وولى مكانه يزيد بن أبي كبشة، واستمرت
السند في التبعية للدولة الإسلامية الأموية حتى آخر أيامها، وبدأت الخلافة العباسية، وأول خلفائها عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب،
الملقب بالسفاح، ومع انتقال الخلافة إلى العباسيين أصبحت السند تابعة لهم،
فتولاها منصور بن جهور، ثم موسى بن كعب بن عُيينة التميمي الذي سيطر على
كشمير والملتان، وبدأت السيطرة الإسلامية بالمد والجزر أيام العباسيين حتى حكم
الهند (محمود بن سبكتكين) المشهور بمحمود الغزنوي (٣٨٧-٤٢١هـ /٩٩٧ - ١ ٠٣٠ م) الذي أسس دولة إسلامية هندية استمرت حتى قضى عليها العدوان ... الإنكليزي سنة (١٢٧٤هـ/١٨٥٧م) ، وهدموا ما بناه محمود الغزنوي، وخلعوا أبواب تُربته في أفغانستان سنة ١٨٣٨م ونقلوها إلى الهند، ومنها إلى بريطانيا العظمى آنذاك [١١] .
ومن الدول الإسلامية التي قامت في الهند: الدولة الغورية (٥٨٨-٦٠٢ هـ/١١٨٢-١٢٠٦م) وتلتها دولة المماليك التي حكمت حتى سنة (٦٨٩هـ / ١٢٩٠م) وتلتها السلطنة الخلجية فاستمرت حتى سنة (٧٢٠هـ/١٣٢١م) ، ثم جاءت السلطنة التغلقية سنة فحكمت الهند كاملة، وأعادت ارتباطها بالخلافة العباسية في القاهرة، وأقام السلطان محمد تغلق (٧٢٥-٧٥٢هـ) علاقات علمية مع الشيخ عبد ... العزيز الأردبيلي تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ واستمرت تلك السلطنة حتى غزا تيمور لنك مدينة دهلي سنة ٨٠١هـ مما أدى إلى تفكك الدولة الإسلامية، ثم انتهى حكم السلطنة التغلقية بموت السطان محمود سنة (٨١٥هـ / ١٤١٢م) ثم قام حكم السادات من سنة (٨١٥هـ / ١٤١٤م) حتى سنة (٨٥٥هـ/ ١٤٥١م) وأعقبتها أسرة (لودي) في سلطنة دهلي، فاستمر حكمها حتى سنة ... (٩٣٢ هـ /١٥٢٥م) ، ثم جاءت الدولة المغولية التي أسسها (بابر) ، واستمرت ... حتى اعتُقل (واجد علي شاه) في كلكتا سنة (١٢٧٣هـ/١٨٥٦م) من قِبل الإنكليزى (د لهوزي) ؛ فقامت ثورة المسلمين سنة (١٢٧٤هـ/١٨٥٧م) ضد الإنكليز، لكن الإنكليز استعانوا بالهندوس على المسلمين، ومنذ ذلك التاريخ - وحتى الآن - يستمر تنفيذ المخطط الإنكليزي الرامي إلى تصفية الوجود الإسلامي في شبه القارة الهندية، وسائر بلاد المشرق بأيدي الهندوس، وبلاد أوربا الشرقية كافة بأيدي الصرب والكروات، وطُعن قلب العالم الإسلامي في بيت المقدس بالخنجر الصهيوني الذي صنعه وعد بلفور! !
стр. 1430
مسلمو الهند.. الجرح النازف
د. علي عبد الرحمن عواض
ما أشبه (الأمس الهندي) باليوم (البوسني) . وما أشبه هذا وذاك (بأمس ...
ويوم ومستقبل) فِلسطين المغتصبة وما أشبه الجميع بالأندلس! .
وما أشبه البابري بالأقصى والهند بفلسطين.. والمسلم هنا بالمسلم هناك! ! ؛
ففي البلدين قاد الصحابة الكرام والتابعون طلائع الفتوحات.. وفي البلدين أثمرت
حكمة الإسلام دولاً حكمت مئات السنين، عاش فيها المسلم كرياً مرفوع الرأس
وعاش غير المسلم مصان الحق محفوظ الأمن.
وفي كلا البلدين دخل المستعمر الأوربي - وبالتحديد الإنجليزي - وعاث
فيهما الفساد. وأُخرج منهما بتضحيات المسلمين وجهاد الصادقين ولكن بعد أن أذل
أهل الحق وسلم الزمام لغيرهم ورفع مكانة الظالم الذي لا يرعى للمسلم ذمة.. وهذا
شأنهم.
إن اليهودي الحاقد في فلسطين يقتل الأطفال والنساء ويسحق الشبان ويبعد
الشيوخ عن أرضهم ويدَّعي ملكية مقدساتهم.. والهندوس لا يمكن وصفهم بأقل من
ذلك، هذا إذا لم نضفْ إلى حقد اليهودي الماكر فجور الهندوسي الكافر الذي لا
يرضى بأن تُذبح في بلاده بقرة.. بينما نجد أن السكين تهدر دماء الأطفال والشيوخ
دون أن يبالي..
إن جهاد المسلمين في الهند قديم ومشرِّف، عمره عمر الإسلام نفسه؛ فقد بدأ
ضد طواغيت البراهمة الهندوس الذين كانوا يستعبدون الناس ويتحكمون في
مصائرهم ثم الأوربيين الطامعين في خيرات الشرق والذين توالت حملاتهم على
بلاد الهند متسترين بغطاء التبادل التجاري، الأمر الذي لم يدم طويلاً حتى كشف
عن حقيقة النوايا الاستعمارية والأهداف الاستغلالية، فتصدى لهم المسلمون الذين
قاوموا التغلغل الأوربي المتمثل بالشركة الهندية الشرقية الهولندية التي يعتبر نشاطها
إرهاصات التراجع الإسلامي في تلك البقاع في القرن السادس عشر بعد أن أقام فيها
المسلمون المغول دولتهم لمئات السنين.
وجاء بعدها الاستعمار البريطاني الذي دام سنوات عديدة كان (مسك ختامه)
أن قسَّم الهند وسحب السلطة من المسلمين ليسلمها إلى الهندوس الذين لم يراعوا في
المسلمين إلاًّ ولا ذمة، ومزق المجموعات الإسلامية ضمن ولايات ابتكرت ليكون
المسلمون فيها أقليات محرومة من أدنى حقوق الإنسان، كما ألحقت ولايات وممالك
إسلامية مستقلة بدول أخرى ذات غالبية هندوسية أو بوذية كحال كشمير المسلمة
التي ألحقت بالهند، وأَرَكَان التي ألحقت ببورما، ومملكة مورو التي أُلحقت بالفلبين، هذا إلى جانب العمل على تدمير ميراث المسلمين الذين ساهموا في صنع أنصع
صفحات تاريخ الهند عبر مئات السنين.
المسلمون وحصاد التقسيم:
ما إن انطلقت صرخات التكبير والتهليل معلنة قيام أكبر دولة للمسلمين (في
وقتها) تضم مسلمي الهند الذين عانوا من ظلم الاستعمار الأوربي في بلادهم، حتى
بردت الوجوه وتحولت دمعة الفرح إلى دموع أسى وحزن وتحول الاحتفال بولادة
دولة إسلامية إلى وجوم رافقه خوف من مستقبل يتوقع له أن يكون مليئاً بالمصائب
والمآسي والظلم.
عرف مسلمو الهند من اللحظات الأولى أن مأساتهم لم تنتهِ بإعلان دولة
باكستان - بشقيها الشرقي والذي أصبح (بنغلاديش) فيما بعد - والغربي - والذي
حمل اسم باكستان ولا زال - فالهند التي حكمها الإسلام مئات السنين وأقام فيها دولاً
هي مادة الصفحات البيضاء - ربما تكون الوحيدة - في تاريخ الهند المكتوب. فقد
وجد المسلمون أنفسهم مقسومين إلى كتلتين بشريتين كبيرتين في باكستان الشرقية
والغربية تفصل بينهما مئات الكيلو مترات مما ساعد على توسيع الشرخ داخل الأمة
الهندية الإسلامية. إلى جانب ذلك بقيت الملايين العديدة من المسلمين المشتتين على
شكل أقليات أو أكثريات في بعض الولايات ضمن الاتحاد الهندي، وتاريخ هذه
الأقليات هو سجل حي ومكرر لما تعانيه الأقليات الإسلامية في مجتمعات الكفر
بالمقارنة بما تلاقيه الأقليات غير الإسلامية من ضمانات وحماية ضمن دول الغالبية
الإسلامية أو تحت حكم إسلامي.
فمع الإعلان في ١٤ من أغسطس عام ١٩٤٧ عن قيام دولة جديدة للمسلمين
على الخارطة السياسية العالمية بدأت الأخبار تتوالى من الهند ناقلة أخبار مَن تبقَّى
من المسلمين داخل الهند، إذ شنت الأغلبية الهندوسية على مسلمي البلاد حملة
همجية فرسخت بالدماء والأشلاء صورة الحقد والكفر الذي يكنُّه عباد البقر لعباد
الرحمن بتوجيه ورعاية من (المستعمر) الأوربي الذي عمل جاهداً ولسنوات عديدة
- على تشويه صورة تاريخ الحكم الإسلامي للهند، وغدت سيرة الإسلام في الهند
مليئة (بالظلم والقهر والاستبداد (٠٠) الذي فرض الإسلام فرضاً على السكان
الأصليين للبلاد) . هذه الأفكار - الأوهام التي شحنت بها نفوس الهندوس مرفقة
بالجهل والأمية التي كانت - ولا زالت - تعم البلاد والتي أثمرت مجازر لا يقبلها
إنسان ولا يتصور وقوعها بعد سنوات الإسلام الطوال في بلاد الهند.
قامت المنظمات الهتدية وبشكل واسع جداً بحملة تصفيات جسدية للمسلمين
المنتشرين في الولايات الهندية يرافق ذلك نهب ممتلكاتهم وحرق بيوتهم إلى جانب
قتل الرجال والأطفال والاعتداء على أعراض النساء واستعبادهن.
المجازر التي ارتُكبت وصلت بشاعتها إلى حد الاعتراف بها من قبل الهندوس
أنفسهم في كتابات بعض عقلائهم الذين وصفوها (بالحيوانية والاضطراب العقلي) ، ... كما أن الغربيين - الذين كانوا لا يزالون في البلاد نقلوا - صوراً صادقة للأحداث
ولعل اصدقها ما نشرته جريدة (تايمز) اللندنية في ٢٥ من أغسطس عام ١٩٤٧م:
(آلاف المرات أكثر مما شاهدناه في الحرب) هو تعليق كبار الضباط
الإنكليز والهنود حول ما يحدث في شرق البنجاب من مجازر السيخ في طريق
الحرب. إنهم (ينظفون) شرق البنجاب من أي أثر للإسلام.. يذبحون المئات يومياً
مجبِرين مئات الآلاف على الهرب بأرواحهم إلى مناطق أخرى.. حتى أنهم في
جنونهم يحرقون أحياناً أتباعاً لهم. هذا العنف المنظم صادر فقط عن هيئات عليا
وليست انفعالات وعصبيات الجمهور وينفذ بإشراف قادتهم. بعض المدن الكبرى
مثل أمريستار وجولاهدور هادئة بعض الشيء الآن؛ لأنه لم يعش فيها أي مسلم.
الجثث في كل مكان، التشويه والتمثيل بالأجسام واضح جداً.. لم يوقروا أحداً:
الرجال، النساء.. والأطفال) .
كتب الماريشال (Auchinleck) القائد الميداني للقوات البريطانية في الهند -
في رسالة وجهها إلى رئيس وزراء بريطانيا -: (لا يستطيع المسلم أن يتحرك أو
يتجول في أية منطقة أو ولاية من ولايات الهند دون أن يخشى على حياته [١] ) .
حتى أن اللورد مونباتن (Mountbatten) - الشهير بصداقته للهنود وعدائه
للمسلمين - كتب معترفاً: (مع أن الأحداث كانت معدودة في كراتشي فإن دلهي
شهدت إبادة كاملة للمسلمين فيها) ! [٢] .
الأمم المتحدة والأمة المنكوبة:
الاضطرابات التي عمت البلاد وذهب ضحيتها - بالغالب - مسلمو البلاد
استلزمت استنفاراً شعبياً لدى مسلمي باكستان شاركه استنفار سياسي لدى حكومة
الباكستان التي حركت ديبلوماسيتها متمثلة بالشكاوى إلى الأم المتحدة والتي أرسلت
لجنة تقصي حقائق ورد في تقريرها التالي:
(الآلاف بل مئات الآلاف (بدلاً من استخدام كلمة الملايين) قد لاقوا ...
حتفهم كنتيجة للصراع الداخلي والاعتداءت والتصفيات الجسدية والنهب والتشريد
ساهم فيها البوليس والجيش لسبب واحد هو الاختلاف في الدين) ! [٣] .
حاولت باكستان جاهدة أن تحصل من الأمم المتحدة على موافقة لإجراء تقصي
حقيقة ما يجري داخل الهند ولكن معارضة الهند للأمر حالت دون ذلك. وماتت
على أبواب الأم المتحدة سنة ١٩٤٨ حقوق المسلمين، كما هو الحال مع المسلمين
والأمم المتحدة عام ١٩٩٣، فمع أن الظلم وفقدان العدالة هي سمة المعاملة التي
يعاملها المسلمون في الهند فإن كشمير أوضح مثال على أن قرارات الأمم المتحدة لا
تصبح سارية إلا إذا كانت تتعارض ومصالح المسلمين.
يختصر أول رئيس وزراء للباكستان لياقت علي خان الوضع في البلاد خلال
تلك الفترة فيقول:
(القيم الإنسانية التي حُكمت بها الهند لعصور عديدة ماتت مع وصول هؤلاء
اللا إنسانيين للتحكم بمصير الناس في الهند. القيم التي بنيت على العدالة والسلام
لمئات السنين استبدلت بالحقد والظلم. ملايين من الرجال والنساء والأطفال يقضون
حياة من الإهانة والنواح. المستقبل لا يعني لجزء كبير منهم إلا الدماء والخوف.
عندما تشرق الشمس لا يعرفون كيف سيكون الحال مع غياب شمس ذلك اليوم
وعندما تغرب لا يعرفون إذا كانت ستطلع عليهم وهم أحياء.. وهل سيعيشون يوماً
آخر. في هذا الواقع من الرعب والخوف فقد الناس كل شيء.. فقدوا فوق كل
شيء التوازن الذاتي والإحساس بالكرامة..) [٤] .
هدم (البابري) وهدم القيم:
لا يحتاج الظالم دائماً لمبرر كي يغطي به ظلمه وعدوانه. فمع أن الهندوس لم
يستطيعوا أن يقدموا إثباتاً واحداً على أن مسجد البابري هو الموقع الذي وُلد فيه (الإله رام) إلا أنهم - وأمام كاميرات العالم ونواح المسلمين - قاموا بهدم معلم من
أهم معالم الحضارة الإسلامية في الهند، ضاربين بعرض الحائط كرامة المسلمين
غير آبهين للقيم أو القوانين والشرائع الدولية. ولعل رحلة في تاريخ المسجد -
الضحية - توضح أهمية المسجد وصراع المسلمين واستماتتهم في الدفاع عنه؛
لأنها لم تكن معركة لمنع هدم حيطان وحجارة المبنى ولكنها محاولة للإبقاء على
الوجود الإسلامي في الهند الذي يُتهدَّد يوماً بعد يوم:
- ١٥٢٨-١٥٢٩م بُني المسجد على أيدي مير باقي من سلالة البابري. لم
يأتِ ذكر لمولد (إله) في موقع المسجد في أي من المراجع أو الوثائق حتى العام
١٨٧٥م حيث بدأت فتنة الإنكليز الجديدة في الهند.
- ١٨٧٥م احتلت مجموعة من الهندوس جزءاً من المسجد وأقامت فيه
الشعائر الهندوسية، وفي نفس الوقت رفضت محكمة في الهند برئاسة قاضٍ
بريطاني حق الهندوس في إقامة معبد مكان المسجد.
- ١٩٣٤م هاجم الهندوس المسجد وهدموا إحدى قبابه ومدخله الرئيسي.
- ١٩٤٩م أدخل الهندوس أصناماً (للإله رام) وأعلنوا استعادة المكان من
المسلمين وبدؤوا يشاركونهم في استخدام المسجد.
- ١٩٥٠م حاول المسلمون استعادة ملكيته واستخدامه عن طريق المحكمة.
- ١٩٨٥م هددت المنظمات الهندوسية أنه إذا لم يُسمح ببناء المعبد حتى
تاريخ ٨ من آذار (مارس) ١٩٨٦ فسوف يُبنى بالقوة بعد احتلاله.
- ١٩٨٦م قررت المحكمة الهندية فتح باب دائم للهندوس إلى المسجد للتعبد
فيه؛ لأن (إغلاق المسجد في وجه الهندوس يحرمهم من حق حرية العبادة) ! .
- ١٩٨٩م قررت المحكمة إبقاء الوضع الراهن على ما هو عليه.
- ١٩٨٩م نوفمبر بدأ الهندوس حملة لجمع مبلغ ٢٥٠ مليون روبية لوضع
حجر أساس للمعبد في أيوديا.
- ١٩٩١م صادرت الحكومة الهندية ٢٠٧٧ هكتار من الوقف المحيط بالمسجد
(٧ من أكتوبر) .
- ١٩٩١م (٢٥ من أكتوبر) أصدرت المحكمة قراراً بعدم البناء على الأرض
المتنازع عليها والمحيطة بالمسجد..
- ١٩٩٢م (١٩ من مايو) البدء بحفريات حول المسجد كأساس لبناء حائط
المعبد.
- ١٩٩٢م (١٣ من يونيو) قرار المحكمة بوقف الحفريات.
أما اللحظات الأخيرة من عمر المسجد فهي كالتالي:
- ١٩٩٢م (٢٣ من يوليو) توصل إلى اتفاق مع رجال الدين الهندوس (لحل
المشكلة سلمياً) .
- ١٩٩٢م (٢٣ من نوفمبر) وصول ١٥٠٠٠ جندي لحماية المسجد. ... ...
- ١٩٩٢م (٢ من ديسمبر) ١٠٠٠٠٠ من المتطرفين يحشدون جهودهم في
أيوديا.
- ١٩٩٢م (٣ من ديسمبر) وصول (القطط السوداء) - وهم نواة الجيش
الهندي - لحماية المسجد.
- ١٩٩٢م (٦ من ديسمبر) تدمير المسجد تدميراً كاملاً.
- ١٩٩٢م (٦ من ديسمبر) الوعد بإعادة بناء المسجد.
- ١٩٩٢م (١٢ من ديسمبر) مشروع حكومي يقترح بناء المسجد، ومعبد في
نفس المكان! .
- ١٩٩٣م (مارس وأبريل) : بناء المعبد الهندوسي وإغلاق ملف المسجد.
بعد هدم المسجد مباشرة قامت الحكومة الهندية بحظر ثلاثة أحزاب هندوسية
متطرفة هي منظمة الخدمة الهندوسية، والمنظمة الهندوسية العالمية، وجيش
باجرانغ على أساس أنها أحزاب متطرفة ساهمت أو سببت هدم المسجد والتحريض
على حملة العنف التي عمت البلاد بعد ذلك وليس في هذا الأمر غرابة.. ولكن
الغرابة وأبعاد المأساة تتضح عندما أعلنت الهند في اليوم نفسه عن حظر وحل
حزيين إسلاميين هما: الجماعة الإسلامية في الهند ومنظمة الخدمة الإسلامية! .
منظمة الخدمة الإسلامية:
هي منظمة صغيرة وليس لها التأثير الكبير على مسلمي البلاد وصناع القرار
بينهم. ولكن حظر تنظيم الجماعة الإسلامية في الهند من قبل الحكومة الهندية يجعل
من المسلمين كالأيتام على مائدة اللئام في السياسة الهندية. فبهذا القرار سُحب من
المسلمين الإطار المنظم لأي تحرك سياسي، ثقافي، اجتماعي أو تربوي.
ولهذا القرار، وهدم المسجد، كان رد الفعل الدولي التالي:
- عينت (إسرائيل) إفرايم دويك سفيراً لها في نيودلهي واستلم زمام السفارة
بعد أيام قليلة كما عينت الهند (ب. ك. سنغ) سفيراً لها في (إسرائيل) .
- وافقت روسيا على تزويد الهند بقطع غيار طائرات ميغ ٢١ مع البدء
بمشروع بقيمة ٤٦٦ مليون دولار لتطوير طائرة ميغ ٢٩ بين الهند وروسيا.
ورحم الله أياماً كان فيها للدول الإسلامية (رد فعل) يرد إلى أهل الحق حقهم
وإلى الأمة اعتبارها.
الآن.. وغداً:
لعل أجمل - وقد يكون من أصدق - ما كُتب عن مأساة مسلمي الهند ما كتبه ... (ظفر الدين خان) بعنوان (مكانان للمسلم في الهند: باكستان..أوالمقابر) ! [٥] . ولعل هذا العنوان يختصر حكاية مسلمي الهند وتوقعات المستقبل.
مأساة كشمير بدأت تأخذ مكانها في ضمير الأمة وأصبحت كلمة كشمير تثير
الإحساس بخطورة الموقف.
آسام التي شهدت عام ١٩٨٣م (مجزرة الأطفال) التي راح ضحيتها ٣٥٠٠
طفل مسلم خُطفوا من بيوتهم وجُزِّروا في ساحة واحدة في صعيد واحد.
هدم البابري لم يكن هدماً للبنيان فقط.؛ فقد رافقه ولحق به تشريد مئات
الآلاف (البعض يقول ٦٠٠ ألف) من المسلمين من مناطقهم بعد هدم ممتلكاتهم
وحرق بيوتهم إلى جانب الضحايا التي وصلت أعدادها إلى ١٨٠٠ قتيل من
المسلمين اعترفت الشرطة الهندية بأن أطلقت النار على بعضهم.
عندما ارتُكبت مجازر الهندوس بحق المسلمين في العقد الخامس من هذا القرن
كانت معظم بلاد المسلمين تئن تحت نير الاحتلال وسياط الاستعمار؛ لذا قد نجد لها
مبرراً (لصوتها المخنوق) الذي لم يصل آذان الأمة ناهيك عن اذان العالم. أما
اليوم - والمجزرة مستمرة والعالم الإسلامي ممثل بـ ٥٣ سفارة وقنصلية لدول حرة
ومستقلة في نيودلهي دون أي اعتراض أو حتى استنكار! - فهذا ما لا نجد له
مبرراً.. إلا إذا كان الشرق والغرب قد اتخذا قراراً نهائياً بشأن مسلمى الهند على
أن يكون: (مكانان فقط للمسلم في الهند.. باكستان.. أو القبر) ! .
стр. 1431
تعريف موجز
عن أهل الحديث في الهند
محمد عبد الهادي العمري
دخل الإسلام الهند في عهد التابعين عام ٩٣هـ، وكان فيمن دخل من التابعين
ربيع بن صبيح السعدي البصري، وحباب بن فضالة، وإسرائيل بن موسى، حتى
قيل للأخير (نزيل الهند) ، كما ذُكر في ميزان الاعتدال للذهبي، ووصلت تعاليم
الإسلام عن طريق هؤلاء إلى الهند خالصة ومنزهة عن شوائب الشرك والبدع
مطلقاً، ولكن أصابها ما أصاب المناطق الأخرى التي وصل إليها الإسلام من جراء
التقليد والجمود الفكري، فبدأت البدع تزحف رويداً حتي تمت السيطرة لها، وبلغت
ذروتها من حيث لا يتصور أحد حتى صار علم الحديث والسنة يعد من الشذوذ
والغرائب في الهند، وكان هناك بعض العلماء الذين كانوا يعرفون الحق، ولكن لم
تكن عندهم جرأة لإظهار الحق وإرشاد الناس إلى ما يرونه صحيحاً نظراً إلى
الأخطار المتوقعة، ولكن لم يخلُ دور من الأدوار من أهل الحديث، أو أصحاب
هذه الفكرة السلفية، وإن كان عددهم قليلاً، ولما ظهر المحدث الدهلوي (شاه ولي
الله عبد الرحيم) الذي رأى ما يجري حوله باسم الإسلام، والإسلام بريء منه،
فعكف على ترويج علوم القرآن والسنة وغرس حبهما في قلوب الناس، ولقي ما
لقي من المشاكل والصعوبات على أيدي المعاندين والأعداء، ولكنه لم يترك الحق،
وكتب في رد التقليد الأعمى والجمود الفكري، وفي فهم الإسلام كتباً كثيرة، فرحمه
الله رحمة واسعة..
ومن هنا تغيرت الحالة وبدأت الحركة في ميادين العلم وتفنيد البدع
والخرافات، والجهاد ضد غير المسلمين، وأهل الحديث لهم حظ وافر في تأييد هذه الحركة وتقويتها، وقد تبنوها وعملوا لنشرها وبذلوا مساعيهم المشكورة.
مَنْ هم أهل الحديث؟ :
اسم لحاملي الفكرة السلفية الذين يريدون الإسلام على نهج السلف الصالح الذي
عرضه القرآن الكريم، وطبقه النبي ﷺ دون التعصب
للشخصيات والعلماء.
تأسيس إدارة الجماعة في الهند:
أُسست جمعية أهل الحديث المركزية في الهند في ٦ من ذي القعدة ١٣٢٤
هـ الموافق ٢٢/١٢/١٩٠٦م على شكل منظمة، وقد ذكرنا آنفاً أنه لم يخلُ دور
من الأدوار في الهند من أهل الحديث، ولكن لم يكن لديهم التنظيم أو الهيئة الإدارية
بالشكل المطلوب، فأسست هذه المنظمة أولاً باسم (مؤتمر جمعية أهل الحديث) ثم
صار اسمها (جمعية أهل الحديث المركزية) وكان رئيسها الأول العلامة المحدث
عبد الله غازيفوري، وسكرتيرها الشيخ محمد ثناء الله الأمرِتْسَرِي، ثم فتحت
الفروع في طول الهند وعرضها، وكان يوجد في كل مدينة تقريباً فرع للجمعية،
وقد تجاوز أعضاؤها مئات الآلاف في الهند بفضل الله (تعالى) .
بعد تأسيس هذه المنظمة بدأ دورها البارز في نشر التعاليم الإسلامية،
وإصلاح ما فسد من العقائد والتصورات، ودفع الفرق الضالة المنحرفة - خاصة
القاديانية والشيعة ومنكري السنة، والمسيحية وبعض الفرق التي تتفرع من الهنادك
- وكان لدى الجمعية بعض الدعاة والمبلغين المتخصصين لتحقيق هذه الأهداف،
واستمرت هذه السلسلة حتى استقلال الهند، وبعد تقسيم الهند تغيرت حالة الجمعية
أيضاً. وبدأت التقهقر إلا في السنوات الماضية فقد استيقظ بعض أُولي الهمم العالية
وحركوها من جديد، فبدأت نشاطها، وشمل ثلاثة أقسام هي:
١- إشاعة علوم السنة عن طريق المدارس الدينية الأهلية:
أ- أما إشاعة علوم القرآن والسنة عن طريق المدارس، والتأليف في التفسير
والسيرة والعقائد والسنة، فقد نال هذا القسم عناية بالغة من علماء أهل السنة (أهل
الحديث) حيث تم في تلك الأيام تدوين عدد كبير من الكتب نحو: تفسير القرآن
بكلام الرحمن في العربية للشيخ محمد ثناء الله الأمرتسري وهذا التفسير صورة حية
لتفسير القرآن بالقرآن، والتفسير الثنائي للشيخ المذكور في الأُردية، وعون
المعبود في شرح سنن أبي داود للشيخ شمس الحق العظيم آبادي المتوفَّى سنة
١٣٢٩هـ، وتحفة الأحوذي في شرح سنن الترمذي للشيخ عبد الرحمن
المباركفوري، وفي السيرة (رحمة العالمين) للشيخ القاضي محمد سليمان المنصور
فوري، ويعتبر هذا الكتاب مرجعاً رئيسياً في سيرة النبي ﷺ
ولم يسبق له مثيل في اللغة الأردية، وهناك كتب أخرى كثيرة جداً، وقد ذكرنا هذه
على سبيل المثال فقط لا الحصر.
ب - المدراس الإسلامية في الهند: لا شك أن المدارس الإسلامية التي تدرس
فيها علوم القرآن والسنة وما يتصل بهما من المواد الدراسية لها دور بارز في نشر
الدعوة في أنحاء الهند، وتعتبر هذه المدارس حصوناً شامخة لنشر العلوم الإسلامية، وعدد المدارس التي أُسست على أسس من تعاليم القرآن والسنة كثيرة، وخدماتها
جليلة في مجال نشر السنة وإزالة البدعة، تبدأ من المدرسة الرحيمية التي أسسها
الشيخ عبد الرحيم في عام ١٠٧٠هـ بدلهي، والتي تولاها العلامة المحدث الشاه
ولي الله الدهلوي، صاحب حجة الله البالغة، وقد تخرج في هذه المدرسة أعلام
الفكر والدعوة في الهند، بل كانت هذه المدرسة منارة العلم والهدى، ووسيلة الدعوة
إلى الكتاب والسنة حينما أهمل الناس علم السنة في الهند.
ومدرسة العالم الجليل المحدث نذير حسين المحدث المتوفى ١٣١٠هـ بدلهي، وقد تخرج من هذه المدرسة فحول العلماء وأساطين الدعوة السلفية، فمنهم العلامة
شمس الحق صاحب عون المعبود، والعلامة عبد الرحمن المباركفوري صاحب
تحفة الأحوذي. والمدرسة الرحمانية التي أسست سنة ١٣٢٩هـ من قبل الشيخين
عبد الرحمن وعطاء الرحمن في دلهي، وقد تقلد المتخرجون من هذه المدرسة
مناصب رفيعة وصاروا أئمة العلم أينما توجهوا، وليس في المواد الدراسية فقط،
وإنما في نشر الدعوة السلفية أيضاً، وأغلقت هذه المدرسة بعد استقلال الهند، وما
عرفت الهند مثل هذه المدرسة إلى الآن.
نكتفي بذكر تلك المدراس القديمة وننتقل إلى ذكر بعض المدارس المعروفة،
والتي بدأت دورها بعد استقلال الهند:
١ - المدرسة الأحمدية السلفية: التي أقيمت في إقليم بهار ولها دور كبير في
تعليم المسلمين وخاصة في هذا الإقليم وشمالي الهند.
٢- جامعة دار السلام بعمر آباد: أقيمت في منطقة مدراس، وحاول
المؤسسون منذ البداية تدريس العلوم الشرعية، والعلوم المعاصرة الضرورية.
وحاولت هذه المدرسة منذ البداية أن لا يتخرج الطالب إلا بعد معرفة اللغة الإنكليزية، بل قرر في المنهج: إن على الطالب أن يحصل الدرجات المطلوبة في اللغة
الإنكليزية مثلما يحصل في مواد التفسير والسنة لنيل شهادة التخرج وكانت المدرسة
على طراز المدارس المعاصرة في أسلوب التدريس، وإسكان الطلبة ورعايتهم،
ولها دور ملموس في خدمة الإسلام والمسلمين خاصة في جنوب الهند.
٣- الجامعة السلفية: فُتحت هذه المدرسة من قبل جمعية أهل الحديث في
مدينة (بنارس) البلدة المقدسة لدى الهنادك، وكانت تعرف أولاً بدار العلوم، ثم
الجامعة السلفية، والمدرسة حديثة العهد وافرة الإنتاج العلمي والدعوي، وقد تخرج
منها عدد كبير من العلماء وحاملي الدعوة السلفية والمخلصين لها، كما قدمت
المدرسة مئات من الكتب والمؤلفات على المستويات المختلفة في اللغات العديدة،
وما زالت السلسلة مستمرة ولله الحمد.
لقد ذكرنا هذه الأسماء الثلاثة كمثال فقط لا على سبيل الإحاطة، وهناك
عشرات من المدارس السلفية على مستويات مختلفة في الهند ونقول بكل صراحة:
إن هذه المدارس الدينية هي في الحقيقة الوسيلة المؤثرة العميقة لنشر الدعوة السلفية
والعلوم الإسلامية على نهج السلف الصالح، والطلاب لا يتخرجون من هذه
المدراس إلا وعندهم فكرة واضحة عن الدين، وأذهانهم مفتوحة لقبول الحق حيثما
كان، ولكن مع الأسف الشديد توجد بجانب هذه المدارس بعض المدارس الدينية
التى تعمل على تدريب الجيل الجديد وفق التقليد والجمود الفكري، والتعصب
المذهبي، والدفاع عن علماء وأئمة المذاهب أكثر من الدفاع عن السنة النبوية
ورجالها.
٢- رد أفكار الفرق الضالة من المسلمين وغير المسلمين:
تصدر مجلات وصحف أسبوعية وشهرية عن جمعية أهل الحديث في اللغات
المختلفة، وتقدم الصورة الصحيحة للإسلام، وترد ما يشاع عن الإسلام والمسلمين
من الأفكار المنكرة من قبل أصحاب الفرق الضالة المختلفة، نحو (جريدة ترجمان) التي يصدرها مركز الجمعية والتوعية في المعهد التعليمي، و (المحدث) من
الجامعة السلفية في الأردية، و (صوت الأمة) من الجامعة نفسها في العربية، ...
و (البلاغ) من بومباي و (صوت الحق) من الجامعة المحمدية في (هاليغاون) قرب (بومباي) ، وغير ذلك من المجلات والصحف والجرائد، كما كانت تصدر سابقاً مجلات عديدة منها مجلة (أهل حديث) الأردية بإشراف العلامة الأمرتسري التي كانت تعتبر سلاحاً قوياً ضد الأفكار الهدامة.
٣- إصلاح وتزكية المسلمين والتصدي للبدع والخرافات:
كانت التربية الجهادية مستمرة ولكنها تطورت، وأخذت قوة جديدة من الحركة
التي أنشأها الشيخ محد إسماعيل الدهلوي المتوفى سنة ١٨٣١م، وزميله الشيخ
السيد أحمد - رحمهما الله - حيث بدأ الشيخان حركة الإصلاح والتزكية أولاً في
صفوف المسلمين لإصلاح ما فسد من العقائد، وألف الشيخ كتابه المعروف (تقوية
الإيمان) الذي نال الإعجاب والثناء من العلماء، ثم خرجا للجهاد ضد العدوان
والاعتداءات من قبل غير المسلمين خاصة (السيخ) ، واستشهد الشيخان في معركة
(بالاكوت) مجاهدين في سبيل الحق ومدافعين عن السنة النبوية، ومقاومين ضد
الخرافات والبدع التي أحدثتها الطوائف المنحرفة عن الإسلام..
أما الرد على الفرق الضالة فكان لدى جمعية أهل الحديث علماء بارزون،
نكتفي بذكر واحد منهم وهو العلامة الشيخ محمد ثناء الله الأمرتسري الذي كان بحراً
في العلوم الشرعية، والمناظرات والخطب وتأليف الكتب، ولم يكن له مثال في
الهند وباكستان، وقام بجهود جبارة لا نظير لها، وكان ينوب عن المسلمين في الرد
على الفرق الضالة يتصدى لدعاتها في المناظرات حيث لم يكن غيره قادراً على
مواجهة هذه التيارات الهدامة ونظرًا لقوته في العلم والاستدلال كُسرت شوكة
الأعداء وخاصة الفرقة القاديانية التي جاءت عن طريق المدعو (غلام أحمد قادياني
المتنبِّئ) ، فكان له الشيخ الأمرتسري بالمرصاد وذلك بتأليف الكتب وإلقاء ...
المحاضرات، ودخول المناقشات مع هذا الكذاب، وكان ذلك المدعي يخاف من
الشيخ أشد الخوف بل كان يدعو للنجاة منه.
وُلد العلامة الشيخ الأمرتسري سنة ١٢٨٧هـ الموافق ١٨٦٨م في أمرتسر
بإقليم البنجاب، وتلقى العلوم الشرعية على يد عدد من العلماء وخدم السنة ودافع
عن الحديث النبوي، وجاهد في الله حق جهاده حتى توفي في ٣ من جُمادَى الأولى
سنة ١٣٦٧هـ الموافق ١٥/٤/١٩٤٩م، في (سرغودها) ﵀ رحمة
واسعة) .
стр. 1432
الهند والديموقرطية الضائعة
د. أحمد محمود عجاج
ليس من باب المبالغة القول إن الهند - بما تمثله من تعدد طوائفها، وتنوع
لغاتها، وتوزع شرائحها الاجتماعية - هي بالفعل حالة فريدة من نوعها قل نظيرها
في عالم اليوم. فهذا البلد الذي يتجاوز عدد سكانه الثمانمائة مليون نسمة انتهج
لنفسه النموذج الديموقرطي الغربي واستمر في تطبيقه في خضم اختلافات عرقية
ودينية كان من المفترض أن تؤدي في أسرع وقت إلى تفكيك الهند كبلد متعدد
الأديان والأعراق. وقد تغنى بعض الكتاب والنقاد بهذه الديموقرطية ولكنها كانت
قشرة رقيقة ضعيفة حافظت على زخمها قليلاً، وكانت تخفي تحتها - ومنذ البداية
- تعصباً هندوسياً لا يحتمل التعدد ولا يحتمل وجود الإسلام بالذات، ولذلك شهدت
الفترة الأخيرة ما لم يكن متوقعاً، وأبرزت ما لم يكن ممكناً تصوره، وذلك عندما
انطقت كتل بشرية يبلغ تعدادها مائتي ألف نسمة - تركض باتجاه مسجد في بلدة
أيوديا الواقعة في شمال الهند وهي تصرخ باسم (الإله رام) رمز الشجاعة والتسامح
عند الهندوس لتبدأ لدى وصولها بهدم جدرانه وسط الأناشيد والتهاليل والهرج
والمرج. ويقول هؤلاء الهندوس إن المسجد - وهو المسجد البابري - قد بناه الفاتح
المغولي بابر على أنقاض معبد هندوسي، وهو المكان ذاته الذي وُلد فيه الإله رام
المعظم بدعوى أن بناء المسجد على أنقاض المعابد تقليد درج عليه المسلمون
الفاتحون آنذاك.
وقصة المسجد ليست جديدة على الإطلاق فقد نجحت جماعة من الهندوس
المتشددين في التسلل إلى المسجد في عام ١٩٤٩م، ووضعت لاحقاً صنماً للإله رام
في داخله، وادعت أن ما قامت به هو استجاية لتدخل مقدس. وتطورت قضية
المسجد منذ ذلك الحين بعد أن رفعت دعاوى تطالب بتثبيت ملكيتهم الوحيدة للمسجد، ووصلت المشكلة أوجها في عام ١٩٨٤، وذلك عندما نظمت مجموعة من
الهندوس المتشددين مظاهرة تدعو إلى تحرير مكان ولادة الإله رام ولكن اغتيال
رئيسة الوزراء أنديرا غاندي آنذاك وما تبعها من عمليات قمع قامت بها الشرطة
حالت دون ذلك.
وجد حزب بهاراتيا جاناتا الهندوسي الفاشيستي في قضية المسجد فرصة ذهبية
لا يمكن تضييعها على الإطلاق في ظل ديمقراطية تسمح له بممارسة التحريض
والتزمت وبث الفرقة، وإثارة النعرات في سبيل الحصول على مكاسب انتخابية
تضمن له الوصول إلى السلطة؛ وإن كان على حساب الأملاك والأرواح والقيم
والمثل. وبالفعل ساعدت السياسة النفعية المحضة واللا أخلاقية الحزب الهندوسي
الفاشيستي على كسب المزيد من الأصوات، واستمالة شرائح واسعة من المجتمع
الهندوسي مما زاد من شهيته وحضه على تصعيد العداء الديني، وبث الروح
الهندوسية وإحياء الماضي والدعوة إلى إقامة مجتمع هندي خالص؛ لذا جاء في
دليله الخاص على لسان الفيلسوف (أ. م. غولكار) أن المسلمين في الهند
والمسيحيين والشيوعيين يمثلون خطراً أجنبياً على الهند وأن ما هو مطلوب منهم
ليس إلا التخلي عن ردائهم الأجنبي المعقد، ودمج أنفسهم في التيار الوطني
المشترك، وهو بالطبع القومية الهندوسية. وقد ساعدت الحزب الهندوسي عوامل
محلية عديدة منها اعتقادات خاطئة ومنتشرة على نطاق واسع في صفوف الهندوس
مفادها أن المسلمين يتكاثرون بسرعة فائقة تفوق سرعة تكاثر الهندوس، وأن
الأحزاب بمجملها - وعلى رأسها حزب المؤتمر - تحابي المسلمين في سبيل كسب
أصواتهم مما يسمح للأقلية - وهم المسلمون - أن تفسد الأغلبية الهندوسية.
والأكثر اعتقاداً أن المسلمين ناشطون في مجال الدعوة ويقومون عملياً بتغيير
معتقدات الطبقات الهندوسية الدنيا وعلى رأسها طبقة المنبوذين.
ويعتقد حزب بهاراتيا أنه في سبيل تنفيذ سياسته أو برنامجه الانتخابي كما هو
متعارف عليه في النظام الديموقرطي لابد له من الوصول إلى السلطة حتى يتسنى
له تغيير الدستور والقوانين التي يمثل وجودها عائقاً أمام تحقيق برنامجه الذي
يتضمن فيما يتضمن هدم المسجد البابري، وتشييد معبد هندوسي على أنقاضه
بذريعة أن الأرض للهندوس وأن المكان شهد ولادة الإله رام إله التسامح والمحبة.
وهكذا استطاع الحزب ضمان أرضية انتخابية تضمن له نجاحاً بارزاً في أية
انتخابات قادمة وبالتالي دخول السلطة من بابها السهل بغض النظر عن الأسلوب
طالما أن الغاية تبرر الوسيلة.
ليست الغرابة في طبيعة حزب بهاراتيا - الذي هو أصلاً لا يعدو عن كونه
حزباً فاشياً عضويته مقصورة على الهندوس، ويقوده زعماء سبق أن كانوا قادة في
حزب جان سانغ المتطرف، والمعادي للإسلام والمسلمين والمنادي بفرض اللغة
الهندوسية على جميع سكان الهند ورفض إعطاء تنازلات للأقليات سواء أكانت
متعلقة باللغة أو التعليم أو قوانين الأحوال الشخصية - بل الغرابة هي مسارعة بقية
الأحزاب العلمانية للتعامل والتنسيق معه في الحملات الانتخابية بغية إخراج حزب
المؤتمر من السلطة. حيث لم يتلكأ حزب جانتا دال عن التحالف مع حزب بهاراتيا
في عام ١٩٨٩م التي انتهت بفوز الأخير في ٦٣ مقعداً مما جعله أكبر حزب
معارض في البرلمان الهندي، وبالتالي صار قادراً على إسقاط أية حكومة لا
تستجيب إلى بعض مطالبه.
الحقيقة تقال إن نجاح حزب بهاراتيا يعود في معظمه إلى فشل التجربة
الديموقرطية في الهند بسبب ممارسات خاطئة انتهجها حزب المؤتمر أكبر أحزاب
الهند والذي تزعم هو وحزب الرابطة الإسلامية تحرير الهند من بريطانيا مستفيداً
من ثورة المسلمين الكبرى على الإنجليز عام ١٨٥٧م. وسبب فشل هذا الحزب
بالذات ناتج عن عجزه عن متابعة المسار الذي خطه له جواهر لال نهرو والقائم
على حفظ التوازنات بين جميع القوى الفاعلة، وتنشيط كوادر الحزب والاستجابة
لمطالبها على مستوى الولايات، وضمان تمثيل معتدل لها في السلطة المركزية.
فقد تحول حزب المؤتمر بعد وفاة جواهر لال نهرو وتولي أنديرا غاندي قيادته إلى
حزب عائلي محض يتمحور حول شخصية أنديرا غاندي التي أصبحت هي الحزب
والحزب هي، بمعنى أن برنامجه الانتخالي أصبح محصوراً ومرتبطاً بشخصها
بعدما كان في الماضي يعتمد على الكوادر المحلية في كل ولاية. وهذا التوجه أدى
إلى تراجع شعبية الحزب الذي لم يعد قادراً على إنتاج شخصيات مستقلة تستطيع
ممارسة سياسة تتعارض مع قائد الحزب طالما هي في النهاية تصب في مصلحة
الحزب والمجموع. لم يتراجع هذا النهج بعد وفاة أنديرا غاندي بل تعزز مع
وصول ابنها راجيف غاندي الذي قام بتعيين الوزراء في المقاطعات على أساس
الولاء الشخصي والمحسوبية الضيقة والمصلحة الآنية وبالتشاور مع دائرة محدودة
من المقربين والمنتفعين دون الرجوع إلى آراء الكوادر الحزبية.
لم يتردد راجيف غاندي في اتباع أية وسيلة، وممارسة سياسات ضارة منها:
الاستجابة للروح القومية الهندوسية، وإثارتها في سبيل كسب أصوات انتخابية،
وسحب هذه الورقة من الأحزاب الهندوسية المتطرفة. واتضحت تلك السياسة
الطائفية ووصلت نتيجتها الحتمية عندما أصدرت إحدى المحاكم المحلية - بإيعاز
غير مباشر من حزب المؤتمر - قراراً ينقض حكماً سابقاً بخصوص مسجد البابري
- مضى على صدوره ٣٦ عاماً - ويسمح بالتالي للهندوس بممارسة الشعائر الدينية
أمام تمثال الإله رام الذي وُضع داخل المسجد في سنة ١٩٤٩م.
لم تسفر سياسة الاسترضاء عن أية نتيجة إيجابية سوى تعزيز قدرة الأحزاب
المتطرفة، وتشجيعها على زيادة مطالبها، وبالتالي رفع حدة التقسيم داخل المجتمع
الهندي على أساس الوازع الديني، والإيذان بمرحلة جديدة يقودها التطرف ويُحكم
مسارها الحقد والكراهية؛ لذا لم يتردد زعيم حزب بهاراتيا بالقول: (إن ما حدث
في أيوديا كان بداية أساس للوطن الهندي) ! .
إن التجربة التي عاشتها الهند أخيراً تستدعي من القادة الهنود الوقوف قليلاً،
والتبصر بحكمة وصبر ورويَّة في أبعاد السياسات التي تنتهجها الأحزاب الهندوسية
المتعصبة ووضع خطة جديدة تلائم الواقع الهندي، وتنسجم أكثر مع شعارات
الديموقرطية التي ترفعها، وتأكيد الحكومة - فعلاً لا قولاً - أنها تعني ما تقول حتى
تعطي لنفسها المصداقية. وكنا نتمنى أن لا تبدأ سلسلة التراجعات الهندية الرسمية
التي بدأت بالوعد من قِبَل رئيس الوزراء ببناء المسجد ثم تحولت إلى بناء مسجد
ومعبد في نفس المكان ولكنها انتهت عملياً ببناء المعبد وإقفال ملف المسجد! .
стр. 1433
المسلمون والعالم
كشمير
أليس لهذا الليل من آخر؟ !
(٢)
د.يوسف الصغير
المسلمون والأمم المتحدة:
أصدر مجلس الأمن القرارات الكثيرة التي تدعو إلى إعطاء شعب كشمير
حرية الاختيار [١] ووافقت باكستان وكذلك أظهرت الهند موافقتها وادعت أنها
ستقوم بإجراء استفتاء عند استتباب الأمن، وأن ضمها لكشمير إنما هو ضم مؤقت، ولكن أفعال الهند تناقض أقوالها، فقد استمرت في تدعيم وجودها في الجزء
المحتل من كشمير، وتم تعيين الشيخ عبد الله في منصب رئيس الوزراء في الولاية
من جديد بدعم من صديقه نهرو، وتم إجراء انتخابات صورية سنة ١٩٥٢م؛ حيث
جرى لاقتراع اثنين فقط من بين ٧٥ مقعداً أما الباقون فقد فازوا بالتزكية من حزب
الشيخ عبد الله (المؤتمر الوطني لعموم جامو وكشمير) وقام هؤلاء العملاء بإعلان
انضمامهم للهند بصورة هزلية، وهنا بدأ الخطاب الهندي يتغير حتى أعلن وزير
الداخلية الهندي عام ١٩٦٥م أن ضم كشمير (أمر نهائي وكامل ولا عودة عنه) ؛
فقامت الثورة وقام الجيش الهندي باتخاذ ذلك ذريعة للهجوم على باكستان. واشتعلت
الحرب الثانية بين الهند وباكستان، وتمت هزيمة الجيش الهندي، وتدخلت روسيا
بالوساطة وعُقد مؤتمر في طشقند تم فيه تحويل انتصار باكستان العسكري إلى
هزيمة ديبلوماسية بتثبيت الأوضاع كما كانت عليه قبل الأحداث الأخيرة، وبدأت
الهند باتباع سياسة جديدة في كشمير قائمة على تقوية مركزها العسكري في الولاية
إضافة إلى محاولة طمس الإسلام، ومن أهم أساليبهم ما يلي:
١ - تغيير المنهج التعليمي في المدارس الحكومية وإيقاف تدريس القرآن
الكريم والحديث الشريف وإدخال اللغة الهندية كلغة إجبارية.
٢- نشر الإباحية والفساد الخلقي في المعاهد والكليات والجامعات..
٣- محاربة الحجاب والدعوة إلى الاختلاط.
٤- تشجيع الزواج بين المسلمين والهندوس.
٥- منع ذبح البقر.
٦- إباحة الخمر.
٧- تأسيس دور السينما والملاهي الليلية.
٨- منع تعدد الزوجات وتنفيذ برامج تحديد النسل.
٩- تشجيع الهندوس على الاستيطان في كشمير في سبيل تغيير تركيبة
السكان.
وهكذا مرت السنون ومجلس الأمن يصدر القرارات بينما الهند مستمرة في
فرض الأمر الواقع وتعرض المسلمين للبطش والتنكيل بصورة دورية، وإزاء ذلك
كانت ردة الفعل - إضافة للانتفاضات المستمرة - بتكوين جمعيات إسلامية تعليمية
تربوية تمثل نشاطها في الآتي:
١- إنشاء المدارس والكليات الإسلامية والتي تخرج منها جيل جديد يحمل
عقيدة التوحيد، ومنها الكلية السلفية في وسط العاصمة التي أقامتها جمعية أهل
الحديث عام ١٣٩٧هـ.
٢- نشر الدعوة الإسلامية من خلال الندوات والمؤتمرات والاجتماعات
وإصدار المجلات.
وكان عام ١٩٨٨م بداية عهد جديد من الجهاد فقد بدأت انتفاضة تحولت في
عام ١٩٩٠م إلى حركة جماهيرية برزت فيها الجماعات الإسلامية.
التنظيمات والأحزاب:
ذكرنا سابقاً أن هناك حزبين رئيسيين أولهما: حزب (المؤتمر الإسلامي)
والذي كان يؤيد الانضمام إلى باكستان وكان له دور في تكوين كشمير الحرة التي
تمثل ثلث مساحة كشمير الأصلية وترتبط بباكستان مع حكم ذاتي وتشكل الآن
القاعدة الرئيسية لتدريب وتسليح المجاهدين.
أما الثاني: فهو حزب (المؤتمر الوطني) بقيادة الشيخ عبد الله الملقب بأسد
كشمير، وكان شعار الحزب (اخرجوا من كشمير) ويبدو من تصرفات زعيم
الحزب أنه يريد أن يكون زعيم كشمير المستقلة، وإذا لم يحصل ذلك فلا مانع عنده
من أن يتولى إدارة كشمير بالتعاون مع الهند أما الأمر المرفوض لديه فهو الانضمام
إلى باكستان ولهذا نجد أنه تارة يُظهر العداء لحكم الهندوس ويدخل السجن ولكن
عندما يثور المسلمون فإنه يتعاون مع الهندوس ويتولى الحكم باسمهم ولكنهم لا
يثقون به ولهذا فإنه يتعرض للسجن والإبعاد عندما تستقر الأمور ثم يخرج من
السجن ليتولى رئاسة الحكومة من جديد في الحالات الطارئة، وقد حصل هذا عدة
مرات ومات الرجل في السبعينيات وهو رئيس للوزاء وقد تجاوز السبعين عاماً،
ولكنه كان حريصاً على إبعاد كشمير عن باكستان، وقد استغلت الهند أباه كما
حاولت استغلال ابنه فاروق ولكن المجاهدين أمروه بمغادرة كشمير وإلا سيكون
مصيره الاغتيال فهرب واستقر في أوربا.
تتنازع الساحة الكشميرية الآن ثلاثة تيارات هي:
أولاً: تيار علماني صغير يدعو للانضمام إلى الهند.
ثانياً: تيار يدعو للاستقلال التام والانفصال عن الهند وباكستان ومن هذا
الاتجاه حركة تحرير جامو وكشمير J. K. L. F. وهي حركة وطنية تهدف
إلى إقامة دولة مستقلة وعلمانية، وكانت في السابق تنفرد في المقاومة العسكرية
للوجود الهندي، وبالتالي هي التي حظيت بالدعم من باكستان حتى أواخر
الثمانينيات حيث خف تأييد باكستان نظراً لظهور الأحزاب الإسلامية على الساحة،
وكما يقول مؤسس الجبهة أمان الله خان: (حين أوجد الباكستانيون بدائل مثل حزب ...
المجاهدين أداروا ظهورهم لنا) ، وفي الفترة الأخيرة قام مقاتلو الجبهة بمهاجمة
قواعد المجاهدين في المدينة القديمة من سريناغار واستمر القتال عدة أيام ثم ساروا
بمظاهرات في الشوارع وهم يصرخون (الموت لباكستان) ! وقد وقفت القوات
الهندية موقف المتفرج.
ثالثاً: حزب المجاهدين وهو أكبر القوى العسكرية على الساحة وينضوي مع
تجمعات إسلامية أخرى في الاتحاد الإسلامي لمجاهدي كشمير ويدعو الحزب إلى
خروج الهنود والانضمام إلى باكستان وقد بدأ نشاط الحزب بقوة منذ عام ١٩٩٠م،
ويحظى بدعم الحركة الإسلامية في كشمير الحرة وقد استعد الحزب للعمليات عن
طريق إرسال الآلاف من الشباب إلى كشمير الحرة بالإضافة إلى أعداد كبيرة
شاركت في الجهاد في أفغانستان؛ حيث إن الجهاد الأفغاني هو أكبر عوامل انطلاق
الجهاد في كشمير، حيث إنه إذا كان طرد الروس ممكناً فَلِمَ يكون طرد الهندوس
مستحيلاً. ومنذ يناير ١٩٩٠م اشتعلت الانتفاضة في كشمير ونزل مئات الآلاف من
المسلمين إلى شوارع العاصمة مطالبين بالحرية فقابلهم الهنود بالرصاص، وفي
الأشهر التالية اعتقل الآلاف وكانت عمليات القتل والاغتصاب وحرق المنازل
والمتاجر من قِبَل قوات الهندوس من الأمور الروتينية، وفر الآلاف من الشباب إلى
كشمير الحرة سعياً وراء السلاح والتدريب، وكما يذكر الأستاذ غلام صفي أمير
حزب المجاهدين فإن هناك تنسيقاً تاماً بين الحركة الإسلامية في ولاية جامو
وكشمير الحرة وبين الاتحاد الإسلامي لمجاهدي كشمير حيث إن الاتحاد الإسلامي
يقوم بترشيح الشباب المسلم للتدريب العسكري بينما تقوم الحركة الإسلامية بتدريبهم
عسكرياً، وتزويدهم بالسلاح، ويذكر أن حوالي خمسين ألفاً من الشباب وصلوا إلى
كشمير الحرة خلال السنتين الماضيتين عابرين الحدود سراً عبر الجبال الثلجية وقد
استشهد منهم حوالي ٣٠٠٠ وجرح ٤٠٠، وتم تدريب حوالي ٤٠٠٠٠ شاب ويوجد
هناك مراكز تدريب داخل كشمير.
مراحل الجهاد:
لقد ركز المجاهدون من البداية على محو آثار الاستعمار الهندي فتم إغلاق
مراكز الفاحشة والمخدرات ومحلات بيع الخمور والملاهي الليلية، وجميع مراكز
الفساد الخلقي، وعادت النساء إلى ارتداء الحجاب، ثم تواصل الجهاد ضد الجيش
الهندي وبلغت خسائر الجيش الهندي حوالي أحد عشر ألف قتيل، وتمت ملاحقة
وتصفية عملاء الهندوس، وسارع الكثير ممن بقي منهم إلى إعلان قطع علاقاتهم
مع الاستعمار على صفحات الجرائد، أما تضحيات الشعب المسلم فبلغت حتى الآن
ثلاثين ألف شهيد، وأكثر من تسعين ألف معتقل، وحتى نتصور جهود الهندوس
في مواجهة المجاهدين فإن تعداد الجيش الهندي المرابط في كشمير يزيد على ٤٠٠
ألف عدا قوات الشرطة والقوات الحدودية، مع ذلك فإن الحكومة الهندية فشلت في
تكوين حكومة في الولاية فهي تجد الحكم المباشر من دلهي ولا يوجد سلطة مدنية في
الولاية، وقد نصحت الاستخبارات الهندية الحكومة أن تنقل الإدارات العسكرية
والمراكز التقنية من الولاية؛ لأن الحركة قد تعدت مرحلة إمكانية التحكم. فالذي
يحكم هو الاتحاد الإسلامي للمجاهدين، ففي مدينة بارامولله شمالي سريناغار يقسم
نهر جيلوم المدينة نصفين، فعلى الضفة الجنوبية يوجد البازار الجديد (السوق)
والمباني الإدراية ومواقع عسكرية، أما المدينة القديمة على الضفة الشمالية،
فيسيطر عليها المجاهدون، ولا يدخلها الجيش إلا في حملات تفتيش دورية، أما ما
عدا ذلك فإن قوات الأمن تبقى خارج المنطقة تماماً.
مستقبل الجهاد:
إن ما يجري في كشمير هو حلقة من حلقات الصراع الدامي بين المسلمين
والهندوس، وقد حرص الإنجليز على تسليم السلطة للهندوس، ولما تبينت استحالة
ذلك تم تقسيم الهند إلى قسمين هما هندوستان (الهند) وباكستان، وخرجت الهند
بنصيب الأسد من الجيش والصناعات والموارد، أما باكستان فقد ولدت ضعيفة
مشتتة حيث إنها كانت جزئين: الأول باكستان الغربية والثاني باكستان الشرقية،
وكان هدف الهند منذ البداية تدمير باكستان؛ فدارت رحى الحرب بينهما عام
١٩٤٧م وعام ١٩٦٥م وعام ١٩٧١م؛ حيث تمكنت من تقسيم باكستان إلى جزئين
هما باكستان وبنغلاديش وذلك هو أكبر انتصار للهند، حيث إنه تم استبعاد
بنغلاديش من خارطة القوى المؤثرة، وبقيت باكستان الغربية وحدها تواجه التحدي
الهندوسي وخلال الصراع نلاحظ الآتي:
١- أنتج الحكم في باكستان سياسة موالية للغرب ومع ذلك فإنه يتعرض
لضغوط شديدة لعرقلة تقدم باكستان في المجال العسكري وخاصة النووي.
٢- كانت الهند تدعي عدم الانحياز (الحياد الإيجابي) ؛ فاستفادت من تنافس
الغرب والشرق على كسب وُدها، فأقام الروس صناعات عسكرية متطورة،
وأمدت كندا الهند بالتقنية النووية حتى أتمت بنجاح تفجير قنبلة ذرية في أوائل
السبعينات، وهي تحاول الآن تطوير نظام صواريخ بعيدة المدى، ومع ذلك لا
نسمع الغرب يتحدث عن البرنامج النووي الهندي.
٣- كان الغرب ينتهز أية فرصة لتقوية الهند، فمثلاً قامت أميركا وبريطانيا
بتزويد الهند بكميات كبيرة من السلاح أيام أزمة الحدود مع الصين على الرغم من
أن هذه الأسلحة استُعملت أساساً ضد باكستان فيما بعد.
٤- العلاقات المتميزة بين الهند و (إسرائيل) ، وقد تمكن المجاهدون في
كشمير من أسْر مجموعة من عملاء الموساد الإسرائيليين، كما تم في بيشاور
اعتقال ثلاثة من اليهود المغاربة الذين يحملون جوازات فرنسية لقيامهم بنشاط
تجسسي.
٥- تجاهل الغرب لمأساة المسلمين في كشمير، أما روسيا فقد استعملت الفيتو
في مجلس الأمن لمنع إدانة الهند.
٦- تخوف الغرب والشرق من البُعد الإسلامي في الصراع، فبينما كانت
أمريكا تتبنى عملية تسليح وتدريب المجاهدين في أفغانستان، سارعت أمريكا إلى
وضع حليفتها باكستان في قائمة الدول التي ترعى الإرهاب نظراً لوجود المجاهدين
العرب في أراضيها، وتخوفها من انتقالهم إلى كشمير خاصة، وقد استشهد أحد
المجاهدين العرب في إحدى عمليات المجاهدين في عاصمة كشمير.
٧- الحرص على عدم إقامة دولة إسلامية في باكستان، وهذا كان واضحاً في
أول يوم؛ فقد حُكم على أبي الأعلى المودودي ﵀ بالإعدام وسجن مراراً
لمطالبته بإقامة الدولة الإسلامية التي بذلت في سبيلها مئات الألوف من الأنفس،
وتتابع على الحكم الإسماعيلية والرافضة. ولا يغيب عنا دعم الغرب القوي لبي
نظير بوتو (الرافضية) والظروف الغامضة التي قُتل فيها ضياء الحق.
٨- إبراز الهند كقوة إقليمية رئيسية والسماح لها بالتدخل في محيطها مثل
تدخلها في سري لانكا وموريشيوس.
ويمكن تصور ثلاثة مواقف محتملة للهند في سبيل حل مشكلة كشمير:
الأول: محاولة تكوين حكومة مرتبطة بدلهي مع تمتعها بالحكم الذاتي
وإشراف دلهي على الأمن والدفاع والخارجية، ويقابل هذا بالرفض من قِبَل
المجاهدين.
الثاني: إلقاء تبعة الصراع على باكستان، وبالتالي التحرش بها ومحاولة
غزوها، وهذا احتمال وارد ولكن نتائجه غير مضمونة نظراً لاحتمال وجود ترسانة
نووية لدى باكستان.
الثالث: السماح باستقلال كشمير بشرط عدم الانضمام إلى باكستان وهو
احتمال وارد.
ولكن تزايد موجة التطرف الهندوسي في الهند قد يرجِّح الاحتمالين الأول أو
الثاني خاصة بالنظر إلى مطالبة السيخ بالاستقلال. والذي يبدو أن استقرار الحكم
الهندي في كشمير أمر مستبعد، والهند غير قادرة على حرب استنزاف طويلة الأمد، وستحاول بقدر جهدها إثارة القلاقل والنزعات الانفصالية في باكستان حتى يخف
تأييد باكستان للمجاهدين، فهل تصمد باكستان في وجه الضغوط، وتعرف أن
كشمير هي أكبر ورقة رابحة لها في صراعها مع الهند، وأن الهند معرضة للتشرذم
إذا حلت باكستان راية الإسلام؛ حيث إن حوالي مئة مليون مسلم في الهند يمكن أن
يقلبوا الموازين رأساً على عقب. أما إذا استمرت سياسة الملاينة فإن الهند ستمضي
في خطتها لاستكمال تحطيم باكستان وبالتالي القضاء على آمال المسلمين في كشمير.
стр. 1434
مقابلة
أمين مكتب الإعلام
في حركة الجهاد الإسلامي الإريتري
يتحدث إلى (البيان)
د. مالك الأحمد
أجرى الدكتور مالك الأحمد مندوب مجلة (البيان) مقابلة مع الأخ آدم ...
إسماعيل أمين مكتب الإعلام في حركة الجهاد الإسلامي الإريتري ودارت المقابلة
حول الوضع العام على الساحة الإريترية.
* حبذا لو عرفتم قراء مجلة (البيان) بإريتريا وأهميتها وسكانها؟ . ...
تقع إريتريا في أقصى الساحل الغربي للبحر الأحمر جنوباً، وتعتبر بوابته
الرئيسية، ويحدها السودان غرباً وأثيوبيا جنوباً. ولهذا الموقع أهمية بالغة لأنها
تعتبر جزءاً من القرن الإفريقي وبوابة شرق إفريقية، فضلاً عن قربها من
المقدسات الإسلامية ومنابع البترول، وأغلب السكان مسلمون، واللغة العربية
أساسية عندهم، وهناك قلة من النصارى والوثنيين. وقد دخلها الإسلام مبكراً من
الهجرات الأولى للصحابة، وكانت منطلقاً لنشر الإسلام في إفريقية.
* كيف وقعت إريتريا فريسة للاستعمار وأصبحت جزءاً من الإمبراطورية
الحبشية؟
كانت إريتريا جزءاً من الخلافة الإسلامية حتى نهاية القرن التاسع عشر حيث
ضعفت الخلافة فوقعت البلاد بأيدي الاستعمار الإيطالي الذي سعى لنشر النصرانية
في البلاد، وبعد الحرب العالمية الثانية وانهزام إيطاليا حل الاستعمار البريطاني
محله وفرضت الدول الغربية في عام ١٩٥٠م الفيدرالية؛ حتى ضُمَّتْ إريتريا
المسلمة لأثيوبيا النصرانية، وقام هيلاسيلاسي باضطهاد المسلمين وإلحاق البلاد
بأثيوبيا متعاوناً مع نصارى إريتريا الذين كان لهم دور هام في ذلك مما أثمر
انتفاضات شعبية إريترية أعقبها قيام جبهة التحرير الإريترية التي تسعى لاستقلال
إريتريا.
* كيف برزت الجبهة الشعبية وسيطرت على مقاليد الأمور في البلاد؟ .
في بداية السبعينيات طغت الصراعات الحزبية، وانحرفت جبهة التحرير عن
مسارها، ودخل العلمانيون فيها مما أثمر عدة تنظيمات أبرزها وأقواها الجبهة
الشعبية التي انفردت بالساحة بعد تصفيات ومعارك مع التنظيمات الأخرى،
وسيطر النصارى على مقاليد الجبهة الشعبية وعلى رأسها أسياس أفورقي، وسعى
لتخريب البلاد وإفسادها وإذلال المسلمين ومحاربة دينهم وتجنيد الفتيات ونشر
الرذيلة.
* كيف تأسست حركة الجهاد الإسلامي الإريتري؟ .
بعد أن خلت الساحة للجبهة الشعبية الصليبية التوجه، والتي أصبحت رديفاً
للعدو الأثيوبي في معاناة الشعب الأثيوبي - سعى المسلمون ووحدوا صفوفهم
وأعلنوا ميلاد حركة الجهاد عام ١٤٠٩هـ لحماية المسلمين وأعراضهم ورد الظلم
عنهم، ومواجهة الجبهة الشعبية ابتداءً ثم العدو الأثيوبي لاحقاً، وبحمد الله فقد
حققت الحركة الكثير من الإنجازات خلال الأعوام السابقة سواء في الجوانب
الدعوية أو الجهادية ضد الجبهة الشعبية.
* ما هو منهج حركة الجهاد؟
تتبع حركة الجهاد المنهج الإسلامي كما هو في الكتاب والسنة، وعلى فهم
السلف الصالح وعقيدتها سلفية بحمد الله، وتؤمن بأهمية التربية الشاملة للمسلم كي
يؤدي دوره في الحياة وتسعى الحركة لإقامة دين الله مستخدمة الوسائل الممكنة ومنها
الجهاد في سبيل الله.
* ما هي أوضاع إريتريا الحالية وهل استقلت؟ .
عندما ضعف (منغستو هيلا مريام) وفشل في تنفيذ الدور المطلوب،
ضغطت الدول الغربية والعرَّابان: كارتر وكوهين، وتم الاتفاق على تنازله عن
السلطة (١٩٩١م) . وتسلمت الجبهة الشعبية السلطة في إريتريا والجبهة المتسلطة
في أثيوبيا، وهما جبهتان نصرانيتان متحالفتان ضد المسلمين، وأعلنت الجبهة
الشعبية أنها ستقوم باستفتاء شعبي حول الاستقلال (رغم أن هدف الجبهة المعلن هو
الاستقلال) .
* ما هو الوضع الاجتماعي والاقتصادي الحالي في البلد بعد سيطرة الجبهة
الشعبية؟ .
الوضع متدهور على كافة الأصعدة، فاقتصادياً هناك فقر شديد بسبب سياسات
الجبهة وإقصائها للتجار، كذلك الوضع سيء للغاية اجتماعيا؛ فالفساد الإداري
يضرب أطنابه في البلاد، وهياكل الدولة مهترئة مما شجع اللاجئين على عدم
العودة إلى بلادهم، بل اضطر بعض الناس للهجرة ثانية بعدما رأوا سوء الأوضاع.
* هناك أخبار عن دور خبيث للجبهة ضد المسلمين داخل البلاد؟ .
هذا الأمر واضح للعيان، فمحاربة الجبهة للإسلام تتم على كافة الأصعدة في
الإعلام، والمدارس، والقوانين، وكذلك نشر الفساد الأخلاقي كالبارات وبيوت
الدعارة، وإثارة النعرات القبلية، وتوزيع أراضي المسلمين على النصارى
لاستثمارها، وتسهيل تجنيس النصارى من (التغراي) وأثيوبيا لتغيير التركيبة
السكانية بحيث تتحول الأكثرية إلى نصارى فضلاً عن إحلال (اللغة التغرانية) محل
العربية كلغة رسمية في البلاد.
* ما هو الوضع السياسي العام في إريتريا الآن؟ .
الحاكم الآن في البلاد هو الجبهة الشعبية بمشاركة بسيطة وغير مؤثرة من
التنظيمات العلمانية الأخرى، وعلقت استقلال البلاد باستفتاء شعبي، وربطت البلد
بأثيوبيا تماماً وأطلقت لها حرية التصرف في ميناء مصوِّع الحيوي لإمدادها
بحاجاتها.
* على الصعيد العربى والإسلامي ما هي علاقات النظام الحاكم الآن بهذه
الدول؟ .
تنكرت الجبهة الشعبية للدول العربية التي ساندتها سنين طويلة وأمدتها بالدعم، بل وأصبحت تعاديها جهاراً وتسبها بالإذاعة وتنفي صلة البلد بالعروبة والإسلام
كاشفة وجه الجبهة الشعبية الصليبي..
* هل لكم أن تحدثونا عن العلاقات اليهودية مع نظام الجبهة الشعبية؟ .
علاقات الجبهة مع اليهود أصبحت معلومة ومكشوفة، وهي تبررها بأن وجود
علاقات طبيعية بين بعض الدول العربية (مصر) مع كيان (إسرائيل) مبرر كافٍ
لأن تقوم هي بذلك، والحقيقة أن مبعث هذه العلاقة هو الخطر الإسلامى المشترك،
وإريتريا مدخل البحر الأحمر وبالتالي تحولها إلى منطقة إسلامية صرفة يهدد أمن
دويلة (إسرائيل) ؛ لذلك قامت دويلة (إسرائيل) باستئجار جزر (دهلك) في مدخل البحر الأحمر حيث موقعها الاستراتيجي، وبدأت في إقامة مطار عسكري على أعلى هضبة تطل على البحر الأحمر؛ حيث الموقع الحساس والخطير، وزارها أسياس أفورقي بدعوى العلاج للتمويه والتضليل واستقبلت مجموعة كبيرة من المتدربين وأرسلت خبراء لمعاونة الجبهة في قمع (الإرهاب) .
* هل للجبهة الحاكمة توجه صليبي بارز في المنطقة؟ .
نعم وهي تعمل جاهدة لتوطيد النصرانية في المنطقة، وفتحت الباب على
مصراعيه للمنظمات التبشيرية التنصيرية (٨٠ منظمة) في الوقت الذي منعت جهود
منظمات الإغاثة الإسلامية، وتقوم باستقدام النصارى من المناطق المجاورة
وتعطيهم الأراضي والقروض لتوطينهم، كذلك تقوم باعطاء المناصب الحساسة
للنصارى، وتضغط على المسلمين كي تضطرهم لترك البلاد، وتنسق بقوة مع
نصارى أثيوبيا؛ حيث العمق الصليبي وتتعاون مع أجهزة الاستخبارات الغربية
وتقدم لهم المعلومات وتحصل منهم على المساعدات الاقتصادية للتمكن من السيطرة
على البلد بالقوة.
* علاقة الجبهة مع السودان محل تساؤل واستغراب فما تفسيركم لهذه
العلاقة؟.
العلاقة بين السودان والجبهة الشعبية - في الأساس - علاقة مصالح مشتركة، فالسودان يعاني من ضغوط (قرنق) والذي استفاد كثيراً من أثيوبيا وكذلك إريتريا ...
كمنطلق لتحركاته العسكرية، فاتفق السوادن مع إريتريا وأثيوبيا بعدم تقديم أي من
الجهات دعماً لجهات معارضة، ومن هذا المنطق ضغط السودان على حركة الجهاد
كي تخرج من السودان تنفيذاً لهذا الاتفاق، ولا شك أن الإخوة في السودان أخطؤوا
التقدير، فبينما لا يرتدع النصارى عن نقض الاتفاقات يقع الظلم على المسلمين
الإريتريين، ويظهر أن تقدير السودان في أن يحتوي الجبهة وينشر الإسلام في
إريتريا سلمياً كان في غير محله، حيث كشرت الجبهة عن أنيابها الصليبية وقاومت
كل الجهود الإسلامية، بل حدث أنها طردت سفير السودان لأنه أقام مآدب إفطار
للمسلمين.
* ما هو الوضع العسكري لحركة الجهاد؟ .
الحمد لله الوضع العسكري جيد، ولقد تغيرت الاستراتيجية السابقة المعتمدة
على الحرب الشاملة وتحولنا إلى حرب العصابات؛ حيث أثبتت الأيام جدواها
خصوصاً لوضعنا، وكان ضغط السودان علينا للخروج - وإن كان محل سخط -
فقد كان له أثر طيب فأصبحنا نعتمد - بعد الله - على أنفسنا وطاقاتنا واستطعنا
الوصول إلى الشعب في الداخل، وسيطرنا على مناطق كثيرة من الريف (٦
محافظات من أصل ٨ محافظات) ، بل استطعنا الوصول إلى الساحل الشمالي للبحر
الأحمر؛ حيث أهميته كبيرة. وحققنا انتصارات طيبة في الفترة الأخيرة، ومنها
انتصارات هامة في رمضان، ومعنويات مقاتلينا - بحمد الله - عالية بعكس مقاتلي
الجبهة الشعبية حيث بدؤوا الفرار من جيشهم، وإذا سمعوا بقرب وصول قوات
الحركة يفرون من المنطقة؛ لأنهم يقاتلون من أجل الدنيا ونحن نقاتل من أجل
الآخرة. وبدأ الشعب يلتف حول الحركة في الداخل، وازدادت قوافل المجاهدين
الذين ينضمون للحركة.
* هل لكم جهود دعوية خلاف جهودكم العسكرية؟ .
جهودنا في ميدان الدعوة هي الأساس وآثارنا ملموسة في أوساط اللاجئين
الإريتريين في السودان؛ حيث نقوم بتعليمهم وتربيتهم وإعدادهم للجهاد، وانطلقنا
أخيراً في قوافل لنشر الدعوة في أوساط الشعب في داخل البلاد ووجدنا - بحمد الله
- قبولاً من الناس.
* هل لكم مكاتب تمثيلية في الخارج؟ .
نعم لنا مكاتب في بعض دول الخليج، وكذلك في بعض الدول الأوريية
وأمريكا وكندا وأستراليا، وحيث يوجد مهاجرون إريتريون فلنا وجود معهم إعلامياً
ودعوياً بفضل الله.
* أخيراً ما هو مستقبل الأوضاع - في نظركم - في إريتريا؟ .
المنطقة بأكملها مقبلة على أوضاع صعبة وخطيرة؛ فالمد الإسلامي في
المنطقة من الصومال جنوباً إلى السودان غرباً يقضّ مضاجع اليهود والنصارى،
لذلك سارعت دولهم إلى إيجاد موطئ قدم لهم في الصومال وأثيوبيا وإريتريا فضلاً
عن المناطق ذات الوجود الغربي الكثيف سابقاً مثل كينيا، وأرسلت مجموعات من
الخبراء والباحثين لدراسة الظاهرة الإسلامية في المنطقة، واقتراح أفضل السبل
لمقاومتها وتحجيمها. كذلك من وسائلهم إثارة الفتنة والقلاقل كمبرر مستقبلي للتدخل
المباشر في شؤون المنطقة، وإثارة ما يسمى حقوق الإنسان عندما تستدعي الأمور
ذلك.
أما مستقبل الأوضاع داخل البلاد - في ظني والله أعلم - أن التعددية
السياسية مرفوضة من الجبهة الشعبية نظراً للثقل الإسلامي في البلد ونظام الجبهة لا
يمتلك مقومات البقاء؛ فالتصدع داخل الجبهة بارز والعجز الإداري وغياب
الأرضية الشعبية فضلاً عن صحوة الشعب والتفافه حول حركة الجهاد، والعاقبة
أخيراً للمتقين إن هم ساروا على المنهج وصبروا عليه؛ [ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا
المُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ المَنصُورُونَ * وإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ] [الصافات: ١٧١-
١٧٣] .
* هل من كلمة أخيرة؟ .
أدعو من خلال مجلتنا (البيان) إخواننا المسلمين لدعمنا ودعم الجهاد؛ قال
تعالى: [وَإنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ
واللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ] [الأنفال: ٧٢] ، وقال ﷺ : «من
جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازياً في أهله فقد غزا» متفق عليه، وأملنا كبير بدعم إخواننا بالدعاء والنصح والمال، وفق الله الجميع لما يحبه
ويرضاه.
стр. 1435
المسلمون والعالم
مشاهدات في بلاد البُخاري
(٥)
د. يحيى اليحيى
لقد تضافرت الدول النصرانية على دعم الكنيسة وبرامج التنصير في الاتحاد
السوفييتي - المنهار -، وقامت ببناء الكنائس في مختلف الجمهوريات، كما قامت
بترجمة الإنجيل إلى جميع لغات شعوب المنطقة، حتى اللغة التي لا يزيد عدد
الناطقين فيها عن مائة ألف، فلقد ترجم الإنجيل إلى لغة شعب (قره جاي) في بلاد
القفقاز الذين لا يزيد عددهم عن مائة وستين ألف. وشيدت الكنائس في طاجيكستان
وداغستان وغيرهما، وافتتحت المدارس التنصيرية في مدينة (خولو) في (أجاراي) وقدم للطلاب السكر والدقيق والملابس، وقد التحق بالكنائس عدد من أبناء
المسلمين.
أما من الناحية التجارية فقد قدمت وفود كبيرة من الأوربيين والأمريكيين
واليابانيين لاستثمار المنطقة، والسيطرة على مواردها واستغلال ثرواتها، وقد
لاحظنا كثرة الوفود للغرض التجاري، فما إن يفارق الفندق وفد حتى ينزله وفد
آخر!
أما اليهود - عليهم لعائن الله - فقد شرعت (إسرائيل) في إقامة بعض
المشاريع داخل هذه الجمهوريات، وبدأت شركة طيران (العال) اليهودية رحلاتها
إلى الجمهوريات، وتقوم الآن بتنفيذ مشروع زراعي [*] كبير بولاية فرغانة - ومن
المعلوم أن ولاية فرغانة هي من أكثر المدن تمسكاً بالإسلام - وأقامت عدداً من
المشروعات المشابهة في جمهورية القرغيز. وهذه قائمة ببعض أنشطتهم: ...
١- أول من وصل إلى المنطقة وفد من إدارة العمل الاسرائيلية، الذي زار
أوزبكستان في بداية عام ١٩٩١م وكان على رأس الوفد المدير العام لخدمات
التوظيف، وقد صرح الوفد: أن كثيراً من اليهود الذين هاجروا من أوزبكستان إلى
(إسرائيل) يرغبون في تنمية العلاقات الاقتصادية بين البلدين.
٢- وقعت شركتان إسرائيليتان هما (شركة أناب للتجارة والاستثمار المحدودة، وشركة مركور) على اتفاقية مع اللجنة الإدارية لخُوارزم اوبلاست لإقامة مشاريع
لإنتاج النسيج.
٣- قام وفد من جمهورية القرغيز بزيارة (إسرائيل) ، وتم الاتفاق على
إنشاء جمعية تجارية إسرائيلية قرغيزية في بشكيك لإنشاء عدد من المشاريع في
قرغيزيا.
٤- تم الاتفاق على إنجاز عدد من المشاريع الصناعية على يد اليهودي
السوفييتي والمؤلف المشهور (شنعيز ايات ماتون) ، الذي اتفق مع (إسرائيل)
على إنشاء المصانع التالية في قرغيزيا:
* مصنع للسجائر.
* مصنع إنتاج علب البوليثيلين للمنتجات الغذائية.
* إنشاء مزرعة نموذجية مساحتها ٢٠٠٠ هكتار بمساعدة إسرائيلية من
الناحية الفنية.
* إنشاء مصنع لتعبئة الحليب.
* إنشاء شركة لتصنيع آلات الري.
٥- قام وزير الزراعة الإسرائيلي إيتان بزيارة لقرغيزيا وبحث موضوع إقامة
مشاريع في مجالات الري وإنتاج القطن، وصوامع الحبوب، والبيوت المحمية،
وتربية المواشي.
٦- أقامت جمهورية آذربيجان اتصالات رسمية مع (إسرائيل) ؛ حيث جرى
توقيع بيان مشترك مع الوفد الإسرائيلي برئاسة الوزير الصهيوني للعلوم
والتكنولوجيا يوفال نيمان ورئيس آذربيجان مطلبوف حيث وقعا في (باكو) على
اتفاقية رحلات جوية بين (باكو) وتل الربيع (تل أبيب) كل يوم أربعاء.
أما الإسماعيلية الآغاخانية: فتحاول الآن بناء مركز لها تزيد تكلفته على مائة
مليون دولار في سمرقند، وأن دراسة المركز كلَّفتها مليون روبل.
أما القاديانية فقد دخلت جمهوريات بحر البلطيق، وقامت بنشر مذهبها بين
المسلمين الذين لا يعرفون شيئاً عن الإسلام، وقد حدثني أحد المسلمين هناك أن
القاديانية جاءتهم من بريطانيا، وأن المسلمين لا يوجد بينهم مَن يحسن الإمامة.
أما الروافض (الشيعة) فلهم تاريخ أسود مع أهل السنة في تلك البلاد،
وخاصة أيام الدولة الصفوية التي أسسها الشاه إسماعيل في إيران، فقد أحس
العثمانيون بالخطر على القفقاز بسبب اتفاق الشاه طهماسب الرافضي (ت٩٨٤ هـ/ ١٥٧٦م) مع إيفان الرهيب (١٥٣٠-١٥٨٤م) على معاداة العثمانيين في القفقاز.
ابتدأ الروس بمناجزة بلاد القفقاز بعد الانتهاء من بلاد التتار، وتم الاتفاق بين
الشاه الصفوي الشيعي طهماسب والقيصر الروسي إيفان الرهيب، وبعد ضعف
العثمانيين احتل الروس بلاد داغستان وسواحل بحر الخزر الغربية. وبعد انهيار
الشيوعية نزلوا بثقلهم لمساعدة إخوانهم، وبَنِي ملَّتهم، والسيطرة على أهل السنة
والتأثير عليهم، وقد ذكر لي مفتي وقاضي طاجيكستان أن وزير الخارجية الإيراني
زارهم وتبرع بتوسعة مسجدهم، وقد اطلعت على هذه التوسعة، وذكر لي أيضاً أنه
تبرع بمكافأة للطلاب في معهد الإمام الترمذي، وهناك النشاط الإعلامي الذي تبثه
إيران لهذه الجمهورية باللغة الفارسية المشتركة وللعلم فإن كثيراً من أهل السنة لا
يعلمون عن الشيعة شيئاً، ولا يتصورون خطرهم، بل وجدت عدداً كبيراً من
الشباب يفتخر بهم لجهله إياهم.
أما الصوفية فيوجد عندهم كثير من الطرق الصوفية الغالية، إلا أن التأثير
الخرافي والذي يخشى من انتشاره بينهم، هو ما يحمله الزوار - من أهل الخرافة
- القادمون من الحجاز وبعض البلدان العربية والهندية، لأنهم يرون - خصوصاً
في أهل الحرمين - القدوة ويتقبلون ما يأتيهم منهم باعتبار أنهم من أهل العلم
والإيمان، وفعلاً قام هؤلاء بالدعوة هناك وبنشر الكتب في العقيدة وغيرها -
المخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة - وبناء مساجد تحمل أسماء رموز أهل الخرافة
والتصوف.
هذه بعض جهود أعداء الله ورسوله في ديار العلم والعلماء، ولا شك أن مكر
الكفار كبير وتخطيطهم دقيق؛ كما قال - تعالى -: [وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وعِندَ اللَّهِ
مَكْرُهُمْ وإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجِبَالُ] [إبراهيم: ٤٦] ، وقال - تعالى -:
[وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً] [نوح: ٢٢] ، ولكن لنعلم أن مكر الكفار لا قيمة ولا وزن له
إذا ما تحرك أهل السنة والجماعة، وبذلوا ما بوسعهم في سبيل الدعوة إلى الله -
تعالى - وسيتحول المكر إلى ضعف وزوال إذا واجه أهل الله وخاصته؛ كما قال -
تعالى -: [وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أُوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ
الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً] [النساء: ٧٦] ، وقال - تعالى: [لَن يَضُرُّوكُمْ إلاَّ أَذًى وإن
يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنصَرُونَ] [آل عمران: ١١١] .
لن تخيفنا النصرانية بدولها ولا اليهودية، ولا الطوائف المضللة إن قمنا
بتبليغ وإرشاد إخواننا هناك، وبذلنا ما نستطيعه من الجهد والمال لنشر الإسلام،
وإخوانا هناك هم الآن بأمسّ الحاجة إلينا، والساحة - ولله الحمد - تتسع لكل
العاملين، فاللهَ اللهَ لا تخذلنّ جهة من جهات أهل السنة الأخرى، بل لتعمل جميع
الجهات من أهل السنة والجماعة، وإن اختلفت وجهات النظر؛ فالساحة واسعة ولله
الحمد، ولا يمكن أن تغطيها جهة واحدة أو جماعة واحدة، ولابد أن نسارع إلى
عرض الإسلام في صورته الصحيحة، قبل أولئك المجرمين، قبل أولئك المضللين، قبل أولئك الزنادقة، لنقدم ما نستطيعه لدين الله في بلاد أئمة
العلماء وثقاتهم.
حاجات المسلمين هناك:
تعيش المنطقة اليوم مرحلة خطرة، والغرب يخطط لها كي تنتظم في سلك
الدول الإسلامية التي أخذت بالمنهج العلماني (اللاديني) ؛ فوزير الخارجية الأمريكي
اجتمع بالمسؤولين هناك وعرض عليهم الإسلام التركي، دلالة على هذا العنوان
معلومة ومعروفة لأنهم لا يريدون الإسلام الذي يحضهم على العلم والتقوى
والصلاح، ويُرجعهم إلى تاريخ آبائهم الأولين في العلم والتعلم والجهاد في سبيل الله، فهم يريدون لهم أن يأخذو اسم الإسلام، أما المحتوى فهو العلمنة، والبُعد عن دين الله .
عاش المسلمون هناك تحت نير الشيوعية وكأنهم خرجوا من سجون مظلمة،
والعدو الآن يخطط ويبذل كل شيء محاولاً طمس معالم الإسلام في قلوب الناس،
فلقد ذعر الشرق والغرب من بقاء المسلمين على دينهم على الرغم من هذه الحرب
الشرسة على معتقدهم، ومن هذه الإبادة التامة لعلمائهم وشعائرهم لمدة سبعين عاماً؛
ولذا أقول: لابد من مد يد العون لهم، ولابد من المسارعة في ذلك وبذل الوسع
والله وصفنا أننا من المسارعين والمسابقين إلى فعل الخيرات، كما
قال - تعالى -: [وَيُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ] [آل عمران: ١١٤] ، وقال -
سبحانه-: [سَابِقُوا إلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ والأَرْضِ]
[الحديد: ٢١] .
احتياجات مسلمي الدول المستقلة:
١ - المدارس الشرعية: وكما هو معلوم فإن المدراس الدينية في تلك البلاد
تشهد إقبالاً من الآباء والشباب، ومع ذلك تشكو من عدم وجود المناهج المدروسة
والتي تتناسب مع ظروفهم الحالية؛ لذا لابد من المسارعة إلى وضع المناهج
السليمة والصحيحة التي تجمع المسلمين على كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله
عليه وسلم- ولا تفرقهم.
٢- مواجهة الطوفان الكنسي النصراني، الذي أغرق الأسواق والمدارس
والمساجد بالأناجيل والكتب والنشرات والأشرطة النصرانية، بجميع اللغات،
وتكون المواجهة بسد فراغ الضائعين، والتصدي لغزو الملحدين وذلك بتقديم
المنشورات الإسلامية الصحيحة كافة.
٣- العناية بالدعوة إلى الله واستغلال جميع الوسائل الشرعية.
٤- إن الإقبال على التعليم في تلك البلاد منقطع النظير؛ لذا لابد من السعي
إلى تكثيف المدارس وتحمل مصارف تشغيلها، وإيفاد البعثات للدراسة في الجامعات
الموثوقة في الخارج.
٥- العمل على إنشاء عدد من الكليات الشرعية لتأهيل العلماء والدعاة
والخطباء والأئمة.
٦- اهتمام الناس هناك بصلاة الجماعة وحبهم للمساجد واضح، إلا أن
الإمكانات قد لا تساعد الجميع على بناء المساجد، فلابد من تكثيف المساجد واختيار
المناطق النائية والقرى البعيدة لذلك، مع العناية في نشر المساجد في كل قرية
وناحية، وترميم المساجد القائمة، واستغلال الفرصة في ذلك ما دامت تكاليف البناء
حتى الآن زهيدة إذا ما قِيست بغيرها، مع أن الأسعار تتضاعف مع تقدم الزمن.
٧- العمل على شراء ووقف بعض المنشآت المعروضة للبيع لاستغلال ريعها
في الإنفاق على المشاريع الخيرية.
٨- تنظيم برامج ودورات لإعداد وتدريب الدعاة.
٩- تنظيم دورات للأئمة والخطباء.
١٠- تسيير قوافل الدعوة والإغاثة إلى المناطق النائية.
١١ - الإشراف على رحلات الحج.
١٢- فتح مكتبات تجارية إسلامية مقروءة ومسموعة.
١٣ - فتح مكتبات في المساجد والمدارس مقروءة ومسموعة.
١٤- إقامة مراكز ترجمة إلى اللغات المحلية.
١٥- العمل على شراء دور الطباعة والنشر؛ لتتولى طباعة الكتب الإسلامية
والدوريات والمجلات والنشرات.
١٦- إنشاء مراكز إسلامية متكاملة في العواصم لتقوم بأنشطة متعددة، مثل
عقد المحاضرات والندوات، وإقامة المخيمات، والإشراف على الدورات المركزة
للدعاة والخطباء، ومتابعة برامج الإغاثة للمسلمين في المناطق النائية، وتنظيم
الزيارات والوفود واستغلال أوقاتهم لتحقيق المنفعة العامة.
١٧- الاستفادة من مواسم الخير مثل رمضان لإرسال الدعاة والعلماء لتعليم
الناس واستغلال تجمُّعهم في مثل هذه المواسم.
١٨- العمل الجاد على نشر اللغة العربية وتقريبها للناس، وذلك بإنشاء
مختبرات تعليم اللغة، وبعث المدرسين العرب إليهم، ونشر الآلات الكاتبة العربية
في المكاتب الرسمية وغيرها.
١٩- التركيز - وخاصة في البلاد النائية - على تعليم الناس وما يجب أن
يعلَّم من الدين بالضرورة مثل: توحيد الله والوضوء والصلاة وغير
ذلك من الأحكام المفروضة.
٢٠- العمل على إيصال بث إذاعة القرآن الكريم إليهم، باللغة العربية
ولغاتهم المحلية، حيث يوجد في هذه البلاد - أعني بلاد الحرمين - ولله الحمد -
من يجيدون تلك اللغات وهم على علم وفقه واعتقاد سليم، فينبغي المطالبة بذلك،
وتذكير المسؤولين به.
٢١- إقامة مصانع للمسلمين في بلادهم، كمصانع القطن والحرير؛ حيث لا
توجد عندهم مصانع ذات شأن يُذكر، مع العلم أن النصارى يتسابقون إلى ذلك،
فينبغي قطع الطريق عليهم.
٢٢- العمل على انتخاب بعض الشباب لدراسة العلوم التقنية الحديثة في
الخارج، مع رعايتهم ووضع برامج تربوية لهم.
٢٣- قيام لجنة من ذوي العلم والخبرة بزيارة المنطقة والبقاء فيها مدة كافية،
لتقدم للمسلمين دراسة متأنية واضحة عن المنطقة وحاجاتها.
كيف نأخذ أخبارهم بصورة صحيحة؟
لقد زار تلك المنطقة عدد كبير من الناس، على اختلاف طبقاتهم، ومشاربهم، واتجاهاتهم، وأديانهم، وكلٌّ يصف ما رأى، ويذكر ما يوافق مبدأه؛ لذا لابد من
الاعتماد على الثقات من أهل العلم والصلاح، والتجربة والرؤية الثاقبة، والدراسة
المتأنية لمعرفة أحوال أهل تلك البلاد، وعدم أخذ أخبارهم ممن لا يوثق به، أو من
المتحمسين والمستعجلين؛ حتى تكون الرؤية صحيحة وصائبة بإذن الله.
وأخيراً فهذه لمحة سريعة عن تلك البلاد وأهلها وبسط ذلك يحتاج إلى كتب
ومجلدات، وتستحق أكثر من هذا، كيف لا وهي بلاد أمير المؤمنين في الحديث،
أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ﵁ وأرضاه - وأسكنه فسيح
جنانه. إن هذه البلاد هي بلاد العلم والعلماء، بلاد الصلحاء والأتقياء، بلاد
المجاهدين في سبيل الله - تعالى - حتى كان بعض السلف يسميها (بلاد التقوى) ،
لكثرة ما فيها من العلماء الربانيين؛ ولذا لابد من أن نذكّر إخواننا هناك بأن يسيروا
على منهج أولئك، من المحدثين الصالحين البررة أمثال البخاري، والترمذي،
والنسائي وابن ماجة، والدارِمي، وعبد الله ابن المبارك، والإمام أحمد، وسفيان
الثوري، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم من نجوم هذه البلاد، فأهل هذه البلاد هم
أحفادهم وبَنُوهم، فلابد أن يسيروا على منهاجهم، وأن يقتفوا خطاهم، ويجب علينا
أن ننشر كتبهم عندهم.
وأقول مرة أخرى، ينبغي أن يحرص أهل العلم وأهل الثقة ممن يعرفون
لغات أولئك القوم - أن يقيموا معهم السنين، وإن لم يستطيعوا فالشهور، وأن
يكونوا دعاة إلى الله وعلى بصيرة فإن الله - تعالى - سائلهم عن
ذلك، وهم لهم حقوق عليهم فقد فرطوا فيها سبعين عاماً، فليقوموا بذلك ويعوضوا
ما فات، كيف وهم يعلمون نشاط أعداء الإسلام بينهم، والله - تعالى - يقول:
[إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ] [النساء
: ١٠٤] ، أي إن يُصبْكم الألم في العمل الصالح بينكم وبينهم أنكم [تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ...
مَا لا يَرْجُون] ، ترجون من الله الخير والثواب في الدنيا والآخرة وذلك ما لا ...
يرجونه.
فيا إخواني: كيف نراهن على ديننا؟ كيف نراهن على إخواننا؟ أعداء الله
وأعداء رسوله ﷺ ، قاموا بكل جهدهم، ونزلوا المنطقة بكل
ثقلهم، ولم نَرَ وجوداً يُذكر لأهل السنة والجماعة إلا ظلاً، فلابد أن نسارع قبل
غيرنا لإنقاذ هذه البلاد، قبل أن تدخل في العلمنة فتمسخ فِطَرهم، وينبغي عرض
أحوال أهل هذه البلاد على أهل الغيرة من أهل العلم، والمحسنين التجار، وعدم
التأجيل في ذلك.
стр. 1436
منتدى القراء
فتاة الأمس ! !
حسن بن محمد الرافعي
أنا - يا فتاة الأمس - أعشق صحوتي ... تيَّاهةً تحيي موات الأمةِ
هي نظرة للحقِّ تدمغ باطلاً ... أغشى العيون وحال دون الرؤيةِ
أفنيتُ عُمراً في العواطف أبتغي ... بحراً من الأحلام يُغرق لوعتي
قدمت لي كأساً من الحب الغبي ... فسكبتُ كأسكِ في قرارة مهجتي
وبنيتُ من نسج الخيال مدينةً ... فوق السَّحاب وما سكنت مدينتي
وأتيتُ أروي ظمأتي بسرابها ... فشربتُ من ماء السراب سعادتي
وتداركتني رحمة فهجرتني ... فبكيت حزناً يا لفرط حماقتي
وَلَكَمْ تعالت من فؤادي صرخةٌ ... تشكو جراحي من فراق حبيبتي
ولقد رأيتُ الدرب في ظُلم الهوى ... كَنُجَيْمة لمعت بحالِكِ ظلمتي
هذا هو الدرب القويم وليتني ... ألفيتُه قبل الضياع وغربتي
فلتعلمي أني نسيتك والهوى ... ونسيت حباً كاد يصرع همتي
ولتعلمي أني ابتعدتُ عن الغوى ... ولْتعلمي أني سموتُ بنظرتي
وتركتُ شعرا كان يبعثُهُ النوى ... وجعلتُ قولَ الحقِّ متنَ قصيدتي
لا.. ليس شوقي اليوم قيد غرامكم ... شوقي تسامى نحو حُور الجنةِ
أنا إن سكنتُ الأرض مفترِشَ الثرى ... فهناك قرب النجم تسكن غايتي
أنا مسلم أَأْبَى الهوانَ لديننا ... أنا إن رضيت الذلَّ أقتل عزتي
أنا مسلم أهوى الجهاد وصادقاً ... أدعو إلهي أن تحقَّ شهادتي
فسفينتي عبْر الحياة تطوف بي ... وكتابُ ربي مرشدٌ لسفينتي
إني كتمت اليوم ألف قصيدة ... وقصرتُها قصراً بجوف قصيدتي
стр. 1437
يا بوسنة البُشْنَاق
مطلق عماش العتيبي
يا بوسنة البشناق صبراً ... فالمهالكُ في ذهابْ
لا يبقى إلا مسلمٌ ... باقٍ على دينِ الحبيبْ
مهلاً فقد كاد الدخانُ ... يذوبُ في الأفقِ الخضيبْ
ويصيح أن القائل ... ين الجائرين بلا قلوبْ
وَيْحَ لهم لم يرحموا ... طفلاً ولم يَرْثوا لِشِيَبْ
قتلوا النساء حواملاً ... ومشوا بهنَّ إلى الكروبْ
لا ترتجِي عطفاً من الأوْغ ... ادِ أصحابِ الصليبْ
стр. 1438
رسالة إلى قوم الصمت
عمر محمد أبو عنزة
يا قوم تحية لكم، جراحاتنا لا تعد، فكلما تذكرنا جرحنا في بورما، فتح
الجرح الآخر في سريلانكا، ثم تبعه جرح الهند، ولا أنسى جرح الفلبين،
وسأعرج بعد عودتب من الفلبين على جرح فطاني، ثم أعود لفلسطين الحزينة
وأتركها لأنتقل إلى وسط آسيا، ومنها سأمشي إلى سرايفو المثقلة بالمآسي والفظائع، فهل انتهينا؟ لا، فالمسلمون في كل مكان، ما بين تنصير وتغريب، وتقتيل
وتشريد واغتصاب وتعذيب، أرواح تزهق، أعراض تنتهك، موارد تنهب عيانا
جهارا، وإزاء هذا كله ما زال الصمت، كصمت الحجارة والصخور الصم.
آه يا قوم الصمت آه جعجعوا، ازبدوا، ارعدوا، انطلقوا، لا تبقوا هكذا،
فصمت الحجر قاس، والشجرة ترفض الصمت، فإن احتاجت الماء، عبرت عن
ذلك باصفرار أوراقها فهب زارعها وأعطاها ما تريد، أما الحجر فالصمت الصمت.
لمثل هذا يذوب القلب كمد ... إن كان في القلب إسلام وإيمان
ولكن:
إذا الإيمان ضاع فلا أمان ... ولا دنيا لمن لم يحيي دينا
ومن رضي الحياة بغير دين ... فقد جعل الفناء لها قرينا
стр. 1439
بريد القراء
* الأخ أبو مالك - الرياض:
يقترح في رسالته فتح باب (الهواة للتعارف في العالم الإسلامي) شرط أن ...
لا يُسمح بنشر الصور، و (لا مشاركة النساء) والهدف هو (معرفة المسلمين في ...
كل ناحية وزيادة التعارف بين المسلمين) .
البيان: المتابع للبيان يعرف جيداً أن هذه الأبواب ليست من سياسة المجلة.
جزاكم الله خيراً على الاقتراح.
* الأخ بوهية داروزي:
أرسل لنا بمقالة بعنوان: (لماذا يتعصب الغرب؟) يرى أن الغرب اليوم (لا
يختلف كثيراً عن الغرب الذي تعصب لصليبيته مرسلاً جيوشه لتحتل القدس عام
١٠٩٩م وما تلاها..) ، يخلص إلى القول إلى أن: (تصريحات وزير الخارجية
الأمريكي بأنهم - أي الأمريكيين - عندما يصرحون بأنهم لم يغيروا رأيهم من
الإسلام. وأنه ليس عدوهم بل عدوهم جماعة معينة متطرفة ( ... ) وهذا محض
افتراء؛ لأن الواقع يدحض ذلك) .
* الأخت عبير عبد الله الطنطاوي:
القصة القصيرة (للموت مليون طريقة) التي أرسلتِ وصلت المجلة. وهي
قيد الدرس جزاكم الله خيراً.
* الإخوة حسن عزوز وأبو ذر أحمد:
وصلت رسائلكم، جزاكم الله خيراً، للحصول على المجلة لابد من الاشتراك
الذي تجدون تفاصيله على غلاف المجلة.
* الأخ الفاضل صالح العلي الخليفة:
وصلت قصيدتكم (رثاء البوسنة والهرسك) وهي قصيدة جيدة، ولكن نعتذر
عن نشرها لكثرة ما يردنا عن الموضوع ذاته وجميعها (رثاء) للبوسنة أو غيرها ...
من مناطق العالم الإسلامي.
* الأخ الفاضل عبد العزيز بن أحمد با طرفي:
وصلت (دراستكم) ، والتي تجاوزت العشرين صفحة. جزاكم الله خيراً على
ثقتكم بالبيان وعلى المجهود الذي بُذل في هذه الدراسة، ولأسباب دلالة فالدراسة
طويلة جداً فإننا نعتذر عن نشرها إلا إذا أحببتم تزويدنا بتلخيص لها أو بمقالات
ترون نشرها في الموضوع نفسه أو بموضوعات أخرى مع الالتزام بشروط النشر.
* الأخ الفاضل شريف قاسم:
أرسل لنا قصيدة بعنوان (رواية الحجر) نعتذر عن نشرها كاملة لطولها
ولكثرة ما يردنا عن نفس الموضوع ونختار منها الأبيات التالية:
ترجع القدس ولكن بالتُّقى ... لا بأقوامٍ بغوا وانقسموا
ومفاتيح فِلسطينَ على ... صدر مغناها ولا تنبهم
بابها ينتظر النصر وكم ... مر من شارعه مَن أُتخموا
يا لأجدادي الذين استعذبوا ... نسمة الجنة إذ هم أقدموا
في ظلال السيف أحيوا مجدهم ... وبأيدي العز رفّ العلمُ
стр. 1440
واحة البيان
نشرت مجلة (الرسالة) في عددها رقم ١٢٠ الصادر في ٢٣ من رجب
١٣٥٤هـ الموافق ٢١ من أكتوبر ١٩٣٥ - قصيدة لأمير الشعراء الراحل أحمد
شوقي وجهها لمراقب الصحف في (إسطنبول) :
مراقب الصحف بالآسِتَانة
لنا رقيب كان ما أثقله ... الحمد لله الذي رحَّلهْ
لو ابتلى الله به عاشقاً ... مات به لا بالجوى والولهْ
لو دام للصحف ودامت له ... لم تنجُ منه الصحف المُنْزلةْ
إذا رأى الباطل غالى به ... وإن بدا الحق له أبطلهْ
جرائد الترك على عهده ... كانت بلا شأن ولا منزلةْ
الشر بالشر فيا قوم لا ... إثم إذا راقبتمو منزلهْ
فحاصروا الأبواب واستوقفوا ... مَن أخرج الزاد ومن أدخلهْ
إن كان في السلة تفاحةٌ ... ضعوا له موضعها حنظلةْ
أو جيء بالشرشر [١] له فاملؤوا ... مكانها من علقم جردلهْ
أو اشتهى الأبيض من ملبس ... قولوا له الأسود ما أجملهْ
ذلك يا قوم جزاء امرئ ... كم غيَّر الحق وكم بدلهْ
***
أين تعلمت هذه الكتابة؟ !
تلقى أحد الأدباء رسالة كُتبت بخط رديء فكتب لمرسلها ساخراً: أحد حروفك
طبل ممزق، والنقطة داخله بلاطة ثقيلة، والآخر حوش انهار سقفه، فلم يبقَ إلا
عمود يسند بقاياه، قل لي: كيف استطعت أن تحمله هذا الجلمود الثقيل؟ ، كل
سطر منك يشغل صفحة كاملة، الحرف كشجرة ممتدة الأغصان، وعملت فيها
فؤوس الحطَّابين، عجيب: أين تعلمت هذه الكتابة؟ !
****
فرّ زيتون من الجبن
قال خليل بن أيبك الصفدي في (الغيث المسجم في شرح لامية العجم) : كتب
القاضي محيي الدين عبد الله بن الظاهر: لما التقى الملك الظاهر مع (زيتون
الفرنجي) قريباً من عكا، هرب زيتون وأسر غالب مَن كان معه من الفرنج فجاء
في مجلة الكتاب: (وفرَّ زيتون من الجبن) !
****
المرأة والكتب
جاء في (عيون الأنباء في طبقات الأطباء) لابن أبي أصيبعة، حدثني الشيخ
شديد الدين المنطقي بمصر، قال: كان الأمير ابن فاتك محباً لتحصيل العلوم،
وكانت له خزائن كتب، فكان في أكثر أوقاته إذا نزل من الركوب لا يغادرها،
وليس له دأب إلا المطالعة والكتابة، وكانت له زوجة كبيرة القدر من أرباب الدولة، فلما توفي ﵀ نهضت هي وجواريها إلى خزائن كتبه، وفي جُلها من
الكتب، وأنه كان يشتغل بها عنها، فجعلت تندبه، وفي أثناء ذلك ترمي الكتب في
بركة ماء كبيرة في وسط الدار هي وجواريها، ثم أبلت الكتب بعد ذلك من الماء،
وقد غرق أكثرها، فهذا سبب أن كتب المبشر بن فاتك يوجد كثير منها وهو بهذه
الحال.
****
حتى متى أرقعك؟
قالت أسماء بن خارجة لجاريته: أخضبيني.
فقالت: حتى متى أرقعك؟ فقال:
عيرتني خلقاً أبليت جدته ... وهل رأيت جديداً لم يعد خلِقاً