منتدى القراء
فتاة الأمس ! !
حسن بن محمد الرافعي
أنا - يا فتاة الأمس - أعشق صحوتي ... تيَّاهةً تحيي موات الأمةِ
هي نظرة للحقِّ تدمغ باطلاً ... أغشى العيون وحال دون الرؤيةِ
أفنيتُ عُمراً في العواطف أبتغي ... بحراً من الأحلام يُغرق لوعتي
قدمت لي كأساً من الحب الغبي ... فسكبتُ كأسكِ في قرارة مهجتي
وبنيتُ من نسج الخيال مدينةً ... فوق السَّحاب وما سكنت مدينتي
وأتيتُ أروي ظمأتي بسرابها ... فشربتُ من ماء السراب سعادتي
وتداركتني رحمة فهجرتني ... فبكيت حزناً يا لفرط حماقتي
وَلَكَمْ تعالت من فؤادي صرخةٌ ... تشكو جراحي من فراق حبيبتي
ولقد رأيتُ الدرب في ظُلم الهوى ... كَنُجَيْمة لمعت بحالِكِ ظلمتي
هذا هو الدرب القويم وليتني ... ألفيتُه قبل الضياع وغربتي
فلتعلمي أني نسيتك والهوى ... ونسيت حباً كاد يصرع همتي
ولتعلمي أني ابتعدتُ عن الغوى ... ولْتعلمي أني سموتُ بنظرتي
وتركتُ شعرا كان يبعثُهُ النوى ... وجعلتُ قولَ الحقِّ متنَ قصيدتي
لا.. ليس شوقي اليوم قيد غرامكم ... شوقي تسامى نحو حُور الجنةِ
أنا إن سكنتُ الأرض مفترِشَ الثرى ... فهناك قرب النجم تسكن غايتي
أنا مسلم أَأْبَى الهوانَ لديننا ... أنا إن رضيت الذلَّ أقتل عزتي
أنا مسلم أهوى الجهاد وصادقاً ... أدعو إلهي أن تحقَّ شهادتي
فسفينتي عبْر الحياة تطوف بي ... وكتابُ ربي مرشدٌ لسفينتي
إني كتمت اليوم ألف قصيدة ... وقصرتُها قصراً بجوف قصيدتي
стр. 1437
يا بوسنة البُشْنَاق
مطلق عماش العتيبي
يا بوسنة البشناق صبراً ... فالمهالكُ في ذهابْ
لا يبقى إلا مسلمٌ ... باقٍ على دينِ الحبيبْ
مهلاً فقد كاد الدخانُ ... يذوبُ في الأفقِ الخضيبْ
ويصيح أن القائل ... ين الجائرين بلا قلوبْ
وَيْحَ لهم لم يرحموا ... طفلاً ولم يَرْثوا لِشِيَبْ
قتلوا النساء حواملاً ... ومشوا بهنَّ إلى الكروبْ
لا ترتجِي عطفاً من الأوْغ ... ادِ أصحابِ الصليبْ
стр. 1438
رسالة إلى قوم الصمت
عمر محمد أبو عنزة
يا قوم تحية لكم، جراحاتنا لا تعد، فكلما تذكرنا جرحنا في بورما، فتح
الجرح الآخر في سريلانكا، ثم تبعه جرح الهند، ولا أنسى جرح الفلبين،
وسأعرج بعد عودتب من الفلبين على جرح فطاني، ثم أعود لفلسطين الحزينة
وأتركها لأنتقل إلى وسط آسيا، ومنها سأمشي إلى سرايفو المثقلة بالمآسي والفظائع، فهل انتهينا؟ لا، فالمسلمون في كل مكان، ما بين تنصير وتغريب، وتقتيل
وتشريد واغتصاب وتعذيب، أرواح تزهق، أعراض تنتهك، موارد تنهب عيانا
جهارا، وإزاء هذا كله ما زال الصمت، كصمت الحجارة والصخور الصم.
آه يا قوم الصمت آه جعجعوا، ازبدوا، ارعدوا، انطلقوا، لا تبقوا هكذا،
فصمت الحجر قاس، والشجرة ترفض الصمت، فإن احتاجت الماء، عبرت عن
ذلك باصفرار أوراقها فهب زارعها وأعطاها ما تريد، أما الحجر فالصمت الصمت.
لمثل هذا يذوب القلب كمد ... إن كان في القلب إسلام وإيمان
ولكن:
إذا الإيمان ضاع فلا أمان ... ولا دنيا لمن لم يحيي دينا
ومن رضي الحياة بغير دين ... فقد جعل الفناء لها قرينا
стр. 1439
بريد القراء
* الأخ أبو مالك - الرياض:
يقترح في رسالته فتح باب (الهواة للتعارف في العالم الإسلامي) شرط أن ...
لا يُسمح بنشر الصور، و (لا مشاركة النساء) والهدف هو (معرفة المسلمين في ...
كل ناحية وزيادة التعارف بين المسلمين) .
البيان: المتابع للبيان يعرف جيداً أن هذه الأبواب ليست من سياسة المجلة.
جزاكم الله خيراً على الاقتراح.
* الأخ بوهية داروزي:
أرسل لنا بمقالة بعنوان: (لماذا يتعصب الغرب؟) يرى أن الغرب اليوم (لا
يختلف كثيراً عن الغرب الذي تعصب لصليبيته مرسلاً جيوشه لتحتل القدس عام
١٠٩٩م وما تلاها..) ، يخلص إلى القول إلى أن: (تصريحات وزير الخارجية
الأمريكي بأنهم - أي الأمريكيين - عندما يصرحون بأنهم لم يغيروا رأيهم من
الإسلام. وأنه ليس عدوهم بل عدوهم جماعة معينة متطرفة ( ... ) وهذا محض
افتراء؛ لأن الواقع يدحض ذلك) .
* الأخت عبير عبد الله الطنطاوي:
القصة القصيرة (للموت مليون طريقة) التي أرسلتِ وصلت المجلة. وهي
قيد الدرس جزاكم الله خيراً.
* الإخوة حسن عزوز وأبو ذر أحمد:
وصلت رسائلكم، جزاكم الله خيراً، للحصول على المجلة لابد من الاشتراك
الذي تجدون تفاصيله على غلاف المجلة.
* الأخ الفاضل صالح العلي الخليفة:
وصلت قصيدتكم (رثاء البوسنة والهرسك) وهي قصيدة جيدة، ولكن نعتذر
عن نشرها لكثرة ما يردنا عن الموضوع ذاته وجميعها (رثاء) للبوسنة أو غيرها ...
من مناطق العالم الإسلامي.
* الأخ الفاضل عبد العزيز بن أحمد با طرفي:
وصلت (دراستكم) ، والتي تجاوزت العشرين صفحة. جزاكم الله خيراً على
ثقتكم بالبيان وعلى المجهود الذي بُذل في هذه الدراسة، ولأسباب دلالة فالدراسة
طويلة جداً فإننا نعتذر عن نشرها إلا إذا أحببتم تزويدنا بتلخيص لها أو بمقالات
ترون نشرها في الموضوع نفسه أو بموضوعات أخرى مع الالتزام بشروط النشر.
* الأخ الفاضل شريف قاسم:
أرسل لنا قصيدة بعنوان (رواية الحجر) نعتذر عن نشرها كاملة لطولها
ولكثرة ما يردنا عن نفس الموضوع ونختار منها الأبيات التالية:
ترجع القدس ولكن بالتُّقى ... لا بأقوامٍ بغوا وانقسموا
ومفاتيح فِلسطينَ على ... صدر مغناها ولا تنبهم
بابها ينتظر النصر وكم ... مر من شارعه مَن أُتخموا
يا لأجدادي الذين استعذبوا ... نسمة الجنة إذ هم أقدموا
في ظلال السيف أحيوا مجدهم ... وبأيدي العز رفّ العلمُ
стр. 1440
واحة البيان
نشرت مجلة (الرسالة) في عددها رقم ١٢٠ الصادر في ٢٣ من رجب
١٣٥٤هـ الموافق ٢١ من أكتوبر ١٩٣٥ - قصيدة لأمير الشعراء الراحل أحمد
شوقي وجهها لمراقب الصحف في (إسطنبول) :
مراقب الصحف بالآسِتَانة
لنا رقيب كان ما أثقله ... الحمد لله الذي رحَّلهْ
لو ابتلى الله به عاشقاً ... مات به لا بالجوى والولهْ
لو دام للصحف ودامت له ... لم تنجُ منه الصحف المُنْزلةْ
إذا رأى الباطل غالى به ... وإن بدا الحق له أبطلهْ
جرائد الترك على عهده ... كانت بلا شأن ولا منزلةْ
الشر بالشر فيا قوم لا ... إثم إذا راقبتمو منزلهْ
فحاصروا الأبواب واستوقفوا ... مَن أخرج الزاد ومن أدخلهْ
إن كان في السلة تفاحةٌ ... ضعوا له موضعها حنظلةْ
أو جيء بالشرشر [١] له فاملؤوا ... مكانها من علقم جردلهْ
أو اشتهى الأبيض من ملبس ... قولوا له الأسود ما أجملهْ
ذلك يا قوم جزاء امرئ ... كم غيَّر الحق وكم بدلهْ
***
أين تعلمت هذه الكتابة؟ !
تلقى أحد الأدباء رسالة كُتبت بخط رديء فكتب لمرسلها ساخراً: أحد حروفك
طبل ممزق، والنقطة داخله بلاطة ثقيلة، والآخر حوش انهار سقفه، فلم يبقَ إلا
عمود يسند بقاياه، قل لي: كيف استطعت أن تحمله هذا الجلمود الثقيل؟ ، كل
سطر منك يشغل صفحة كاملة، الحرف كشجرة ممتدة الأغصان، وعملت فيها
فؤوس الحطَّابين، عجيب: أين تعلمت هذه الكتابة؟ !
****
فرّ زيتون من الجبن
قال خليل بن أيبك الصفدي في (الغيث المسجم في شرح لامية العجم) : كتب
القاضي محيي الدين عبد الله بن الظاهر: لما التقى الملك الظاهر مع (زيتون
الفرنجي) قريباً من عكا، هرب زيتون وأسر غالب مَن كان معه من الفرنج فجاء
في مجلة الكتاب: (وفرَّ زيتون من الجبن) !
****
المرأة والكتب
جاء في (عيون الأنباء في طبقات الأطباء) لابن أبي أصيبعة، حدثني الشيخ
شديد الدين المنطقي بمصر، قال: كان الأمير ابن فاتك محباً لتحصيل العلوم،
وكانت له خزائن كتب، فكان في أكثر أوقاته إذا نزل من الركوب لا يغادرها،
وليس له دأب إلا المطالعة والكتابة، وكانت له زوجة كبيرة القدر من أرباب الدولة، فلما توفي ﵀ نهضت هي وجواريها إلى خزائن كتبه، وفي جُلها من
الكتب، وأنه كان يشتغل بها عنها، فجعلت تندبه، وفي أثناء ذلك ترمي الكتب في
بركة ماء كبيرة في وسط الدار هي وجواريها، ثم أبلت الكتب بعد ذلك من الماء،
وقد غرق أكثرها، فهذا سبب أن كتب المبشر بن فاتك يوجد كثير منها وهو بهذه
الحال.
****
حتى متى أرقعك؟
قالت أسماء بن خارجة لجاريته: أخضبيني.
فقالت: حتى متى أرقعك؟ فقال:
عيرتني خلقاً أبليت جدته ... وهل رأيت جديداً لم يعد خلِقاً
стр. 1441
مقال
هكذا تذكرهم ذاكرة الشعوب
د. عبد الله عمر سلطان
بدون مبالغة أو تهويل مرت أحداث الصومال وأهواله لتضرب لي مثلاً آخر
على الكيفية التي أنفقت عليها القوى السياسية الإقليمية ومنابرها للتصدي للمتغيرات
الخاطفة التي تكاد تصيب المنطقة بالدوار، وقد تجلَّت تلك الكيفية حينما دخل إلى
أرض الصومال ٣٠٠٠٠ جندي من أفراد (المارينز) الأمريكيين، وكانت المواقف
المتولدة عن هذا التدخل غاية في التطابق لسابقاتها من الأحداث والأهوال، فالعالم
العربي والإسلامي قرر منذ الثاني من أغسطس عام ١٩٩٠ أن يكون بمثابة العضلة
الآلية الصَّمَّاء التي تُستثار فتقذف الطاقة اللازمة للانتفاض قبل التفكير في الاتجاه أو
عواقب هذا التقلص الآلي.
احتُلت دولة مستقلة عدة أشهر، وبدا أن خط سير التدخل طويل المدى
ومتعرج المسار لا كما تخيل هتافة التدخل، أو المتخوفون من (أمركة) البلد ذي
النسبة الكاملة من المسلمين السُّنَّة..
أردت أن أكتب شيئاً عن التدخل، لا سيما وأن ظلاله بدأت تطير (شمالاً)
منذرة (بمناطق آمنة) .. فأدركت أن التصدي للوضع أعقد مما يحتمل مقال سريع، وأن الماء الذي في فمي يلجمني عن الحديث عن الظاهرة، والراصدين لها ...
والمتأثرين بها، وقررت هذه المرة أن أبسط الحديث عن ظاهرة وإحدة صاحبت
هذا (الغزو) ، وكنت قد أعددت العدة للحديث عنها قبل سنين حينما أُثيرت كقضية
شائكة على الساحة الأمريكية..، ففي عام ١٩٨٧م سافرت وفود أمريكية شعبية إلى
فيتنام في محاولة منها لحل مشكلة جيل من اليافعين أطلق عليهم اسم (أمريكيي
فيتنام) .. أولئك كانوا أطفال السِّفَاح وشاهد الجريمة التي ارتكبها الجنود الأمريكيون
خلال الحرب في الهند الصينية.. كانت الأغلبية العظمى من أولئك من أبناء الزنى، ولا يتعدى الأبناء الشرعيون بضعة آلاف بين أكثر من ٣٥٠٠٠ طفل وشاب هو
مجموع نتاج الحضارة الأمريكية الزاحفة إلى مجاهل فيتنام..، وانطلقت الصحافة
الأمريكية ووسائل الإعلام الغربية تعرض جزءاً من المشهد الكالح.. وكيف تحولت
قرى بأكملها إلى فراش عُهر، وأن القاصرات كُنَّ هدفاً جماعياً لإغراء الدولار
الأخضر..، دُمرت أسر وهتكت أعراض وظهر جيش من الجراد البشري يذكّر
صباح مساء بالجريمة ومقترفيها من خلال المعالم والقسمات التي كانت تحكي عن
قصة حزينة جاءت بأولئك الذين لا يشبهون الفيتناميين ولا الأمريكان، إنهم أولاد (البين بين) كما يسميهم السكان المحليون..
(هكذا دخل الفاتحون من اليانكي) قالها شيخ فيتنامي عجوز، وأشار (لقد
أوجدوا مدناً ليس فيها إلا شيطان للشهوة يحكم ويعربد..) ويمضي العرض
التوثيقي فيبرز لنا (مدن الرذيلة) الشرق آسيوية، فلقد كانت بانكوك مدينة صغيرة
غارقة في أحلام وهموم أبنائها، حتى أتى الدولار الأخضر تحركه آلة بشرية
متوحشة، تبحث عن اللذة، وتدمر القيم، وفي سنوات قصيرة انقلبت بانكوك إلى
أكبر ماخور آسيوي وأخطر بيت للدبابير الوبائية في العالم.. وبالطبع كانت هناك
مدن أخرى كمانيلا وسنغافورة..
ربما تتساءلون ما علاقة الصومال بذلك؟ وأجيب: العلاقة ظاهرة لمن
يتذكر حادث الاعتداء على الفتاة الصومالية التي كانت) لا ترفِّه عن الفرقة الفرنسية
في مقديشو، والتي أفلتت من الموت بعد تدخل أهل (النخوة) من الجنود
الأمريكان لإنقاذها! .. وخوفي على الصومال زاد حين طُرحت المشكلة مرة
أخرى على نمط ما يحصل في الفلبين - حيث ينسحب الجنود الأمريكان من
قواعدهم العسكرية بعد عقود من التواجد الدائم - تفجرت مشكلة مشابهة حيث هناك
الآلاف من أطفال اللذة المحرمة الذين يرفض آباؤهم الاعتراف بهم ويتركونهم
يواجهون خطر الجوع والانحراف حيث أصبحوا مادة رائجة لتجار الانحراف في
العاصمة الفلبينية، لقد تعقدت المشكلة وتفاقمت لكن الذي بقي في ذهني من النقاش
حولها كلمة قالها (وحش بشري) من المارينز وهو متجهِّم: (يكفيهم شرف وجود
الدم الأمريكي بين أطفالهم..) ! .
هكذا ... هكذا.. والآن.. ماذا عن الفاتحين الغازين من جنود أمريكا في
الصومال؟ ؟ (إنهم يتجهون إلى هنالك لأداء مهمة لا يعرفون لها هدفاً ولا ...
يتحمسون لنتائجها..) هكذا يقول (أرنست دلسوك) المعلق الأمريكي ويضيف: (مأساة الجندي الأمريكي أنه ينفذ الأوامر دون أن يحمل قضية بل ربما حمل ...
تناقضات مجتمعه إلى البلد المغزوّ..) .
ماذا وجد هؤلاء في الصومال المسلم؟ :
بعض الشهادات من الجنود والمعلقين الأمريكيين تقول إنهم وجدوا:
(أناساً فقراء، لكنهم أعزة) .
(الشرف والعِرض أغلى ما يملكه الصومالي ولو كان لصا..)
(مقديشو أكثر أمناً من شوارع واشنطن، في واشنطن هناك أباطرة
المخدرات وزعماؤها، وهنا أباطرة الحرب والسلب، والفريق الثاني أقل خطراً من
الأول..) .
أحداث لوس أنجلوس والصراع العرقي الصاعد في المدن الأمريكية أثَّر بدوره
على التعايش، وفتح أعين العديد من الجنود السود على عالم يخلو من التفرقة،
ويعيش رغم مأساته في ألفة، وبعيداً عن العنصرية التي تعشعش داخل المؤسسة
العسكرية الأمريكية، كما تقول مجلة (نيوز ويك) [١] .
(نظر أحد الجنود البِيض إلى زميله في اللون (والعقلية) وقال: (سأطلق
النار على أول أسود ابن (..) أشاهده) .
ما الذي يجمع بين فيتنام والفلبين والصومال وبين جندي المارينز الأمريكي ... (الغازي) غير خيط رفيع يتمثل في عنصرية وبشاعة الرجل الأبيض الذي يثير هذه
العنصرية الفجة، خيط واضح كل الوضوح يجعله مسار السخط أينما حل وأينما
ارتحل حيث يعامل الآخرين من بني البشر بتعالٍ كريه ويتفضل عليهم حينما يلقي
بفضلاته على عرضهم وأرضهم التي يستبيحها.
الصومال فيه عرق إيمان سيظل نابضاً بحول الله. وهو حينما يرفض أن
يتحول إلى (لعبة سهام) أو (ساحة قنص بشري) أو (كباريه أمريكي) فإن أول تهمة ستُوجَّه له أنه: أصولي متطرف! !
خوفي على الصومال لا تطفئه إلا ثقتي باندحار كل حضارة تقدس القوة
وتحترف الرذيلة وتهلك الحرث والنسل، وهذا الاطمئنان يتأكد كلما ذكّرت البشرية
بنماذج الفاتحين الذين أحالوا الحرب إلى نموذج أخلاقي رفيع وفن في تبليغ دعوة
ورسالة.. هنا فقط تأتي المفارقة ساطعة كشمس الصومال المنيرة حينما تنتمي
الضحية إلى حضارة - وإن كانت مطمورة - بينما لا يحارب اليانكي (في قمة
صعود حضارته المادية الصماء) إلا بعضلاته وهي التي تسوقه إلى حتفه يوماً ما
سنراه قريباً.
стр. 1442
مقال
التطرف الديني:
عبارة يُراد منها الإساءة إلى عقيدتنا
سليم عبد الرحمن الزغل
(التطرف الديني) المزعوم، هذا الاصطلاح الوافد إلينا من كل الجهات
يصبح اليوم الأب الروحي لغيره من الاصطلاحات التي لا زالت تدوِّي وتجلجل
وتقرع الأسماع وتصمّ الآذان (كالتشدد والتعصب والانغلاق والأصولية ...
والإرهاب..) ، في أجهزة الإعلام الرسمية وغير الرسمية، ومن الجدير بالذكر أن ... اصطلاحاً كهذا ينصرف على الفور إلى الإسلام والمسلمين لمجرد سماعه من غير بذل أي جهد في التحليل والتمحيص؛ ذلك لأن الإشاعة التي برمجها أعداء هذا الدين في أروقة الاستخبارات التابعة للاستعمار - الكافر في الشرق والغرب - مدعومة بالجهود اليهودية والنصرانية - جعلت من هذا الاصطلاح تعبيراً بديلاً عن النشاط الإسلامي في أية بقعة من بقاع الدنيا.
يجب أن نستبعد استعمال اصطلاح (التطرف الديني) من إعلامنا وكتاباتنا
ونشراتنا؛ لأن هذا الاصطلاح لا يدل على موجود فضلاً عن أنه لا علاقة لنا به،
وهو عندما أُطلق للمرة الأولى أُطلق على غيرنا؛ فالله - جل ذكره - يقول عنا
نحن المسلمين: [وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ويَكُونَ
الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً] [البقرة: ١٤٣] ، إننا نقف وسط الخط من غير إفراط ولا
تفريط، وعندما يطلق العالم الكافر هذا الاصطلاح علينا فإنه لا يطلقه على فرد في
المجتمع وإنما يرمي به جماعات ومجتمعات وحركات عريضة، وعلماء أجلاء
وقادة أفاضل، ورموزاً طاهرة قادت الأمة إلى الجهاد في الليل الحالك لترفع سيف
الاستعمار الآثم والصهيونية المجرمة والشيوعية المقبورة عن رقاب الأطفال
ولتصون أعراض المسلمات في كل بقاع الدنيا من عدوان الصهاينة والشيوعيين.
لقد أصبحنا في العالم الإسلامي المنكود نردد ما يقوله الغرب والشرق عنا من
التطرف والغلو والتشدد، ونستخدم مثل هذه المصطلحات ضد إخواننا وأبنائنا ممن
ساروا مع قافلة الصحوة، وتشبثوا بأهداب هذا الدين الحنيف، وما ذلك إلا تنفيذاً
لكل ما لقنته لنا الهيئات الاستعمارية حول كون تلك الحركات والجماعات
والمنظمات متطرفة متعصبة أصولية إرهابية، فسِرْنا وراءهم بحماس يفوق ...
حماسهم، سرنا وراءهم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، ولو دخلوا جحر ضب لدخلناه وراءهم، كما قال رسول هذه الأمة ﵊ ..
قوافل الشباب المسلم والذين ألقي بهم في سجون الطغاة، وقُطِّعوا إرباً ارباً
وذاقوا من صنوف العذاب ما لا تتوهمه الأوهام، ودفن المئات منهم وهم أحياء،
وأعدم الكثير على أعواد المشانق، وفعلت ببعضهم الفاحشة، وقضى آلاف منهم
عشرات الأعوام في الأقبية والزنازين والسراديب المظلمة.. خرجوا بعدها إلى
الحياة لكي يجدوا أن الأبناء تشردوا، وأن الأسر قد تبعثرت بعد أن عبثت بها
الأيدي الآثمة، وحِيل بينهم وبين لقمة العيش الكريمة.. كل تلك الكؤوس المترعة
تجرَّعوها حتى الثمالة لا لذنب اقترفوه وإنما لأنهم قالوا: [رَبُّنَا اللَّهُ] [الحج:
٤٠] ، وتنفيذاً لرغبات الأسياد في الشرق والغرب حصل ما حصل.
إننا نتساءل وبكل لغات العالم: مَن هو المتطرف.. الضحية أم الجلاد؟ ؟ !
ولماذا قامت الدنيا ولم تقعد في فرنسا لأن بعض التلميذات العربيات ارتدين
اللباس الإسلامي؟ ؟ وبدأ الإعلام الآثم يمارس سياسة التحريض ضد الإسلام
والمسلمين ويصورهم على أنهم وحوش هذا العالم وصار الخطاب عن التطرف
الإسلامي والإرهاب الديني، أين هو التطرف؟ ؟ إننا لم نشاهد هذا الزخم
الإعلامي ولم نرقب مثل هذه التحذيرات المرعبة، ولا طرقت أسماعنا بالأحاديث
المفزعة عن الإرهاب والتطرف والهمجية -وسكاكين الصرب لا زالت تخوض في
بحور الدماء في البوسنة والهرسك، إدارات المدارس والوزارات والحكومات
والهيئات الشعبية هناك، كلها وقفت تنادي بطرد العرب والمسلمين، واليهود
والنصارى دقوا الطبول لأن اللحن أعجبهم، الكل صار يهتف بنغْمة متناسقة تنادي
بوقف التطرف الديني، مَن هو المتطرف - بالله عليكم - التلميذات العربيات أم
الحاقدون عليهن من أعداء الإسلام؟ !
الصليبيون عندما احتلوا مدينة القدس ذبحوا كل أهلها عن بكرة أبيهم حتى
خاضت الخيل في بحور الدماء إلى بطونها، وعندما دخلها (صلاح الدين الأيوبي)
وحررها من النصارى وأهل الصليب أعطى أهلها الأمان وعاملهم معاملة الرجال
الكرماء. إنها وسطية الإسلام وتطرف الآخرين! !
الشعب الجزائري المسلم اختار الإسلام منهاجاً للحياة بالطريقة الديمقراطية
التي يتغنى بها الغرب، ولكن العلمانيين صادروا إرادة الشعب بقوة السلاح،
وفتحوا السجون ونصبوا المشانق. وإننا نتساءل: مَن هو المتطرف؟ ؟ !
يُحتقر الإنسان الأسود في أمريكا وتصل المعاملة في بعض الأحيان إلى حد
القتل لا لذنب سوى أن لونه أسود، ذلك هو التطرف، وتلك هي الجريمة
والإرهاب والهمجية في عالم يدعي الحضارة واحترام الإنسان! أما أولئك: الذين
يحاولون جاهدين السير بقانون الله في الناس فليسوا متطرفين، وإنما هم بررة
فضلاء أطهار زكاهم ربهم وأنِس إليهم الناس رغم الجهود المبذولة لعكس
الاصطلاحات وتجريم الأبرياء وتبرئة المجرمين!
إن هتلر - لسان حال ألمانيا النازية كان يقول وبصراحة -: (الشعوب
الشرقية يجب أن لا تعيش، وإذا قُدّر لها أن تعيش فيجب أن تُدرَّب كما تدرب
الكلاب الصغار) ! !
إنه التطرف.. وإنها العنصرية والحيوانية.. والهمجية والبهيمية، إنها
صفاتهم وأما نحن المسلمون فلا نقول إلا كما قال ربنا: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم
مِّن ذَكَرٍ وأُنثَى وجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إنَّ اللَّهَ
عَلِيمٌ خَبِيرٌ] [الحجرات: ١٣] ، إنه اعتدال المسلمين ووسطية الإسلام.
اليهود في فلسطين، والصرب في البلقان، والبوذيون في بورما، والهندوس
في الهند وكشمير، والأرمن في قره باغ، والشيوعيون في جمهوريات آسيا
الوسطى خصوصاً في تركمانستان وطاجيكستان، كل هذه الملل وغيرها تمارس
القتل والذبح والاغتصاب والتصفية العرقية، وكل ما هو محرم إنسانياً وحيوانياً،
يمارسون ذلك ضد المسلمين في طول الأرض وعرضها لا لشيء سوى أنهم
مسلمون - تحت مظلة الحماية التي توفرها لهم الأمم المتحدة - (الأمم المتحدة ضد
كل مما يمتّ إلى الإسلام بصلة) - ممثلة بالدول الخمس الدائمة العضوية بمجلس
الأمن، والتي تشكل عصابة تروج للانحراف والجريمة، والتخطيط الآثم للاعتداء
على المسلمين وإذلالهم، وهتك أعراضهم والزج بهم في أتون الفضيحة الكبرى،
فقط لأنهم مسلمون! !
إذن مَن هم المتطرفرن دينياً؟ ؟ ولماذا يسكت العالم وسدنة النظام العالمي
الجديد؟ .
إن سكوت العالم يعتبر من أنواع التطرف الديني الخطر بل يعتبر تطرفاً
سافراً وعنصرية منحطة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً قط، عندما يُطلب من المسلمين
الانصياع - وبالعصا - لمقررات صِيغت بأقلام المستعمرين، وذُيلت بختم الأمم
المتحدة يُكافَأ اليهود والنصارى والهندوس والشيوعيون على قفزهم فوق مقررات
المنظمة الدولية! !
أما العلمانيون من بني جِلدتنا فإنهم لا يرون شيئاً في الإسلام يمكن أن يطلق
عليه اعتدالاً، فالإسلام والتطرف لديهم مترادفان أبداً، ونقول لهم ولأمثالهم:
كل ما عدا الإسلام هو تطرف وشطط ومروق من الفطرة، وأما أن يعمد
بعض أفراد المسلمين إلى المغالاة في تفسير بعض أحكام الدين فذلك ليس تطرفاً
بالمعنى الصحيح وإنما هو قصور في الفهم، فقصور الفهم لدى المسلم كالعالِم إذا
كان عاجزاً، كلاهما قد يسيء إلى هذا الدين من حيث يدري أو لا يدري، ورحم
الله الشهيد عبد القادر عودة عندما كتب: (ضاع الإسلام بين جهل أبنائه وعجز
علمائه) .
[وَاللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ] [الأحزاب: ٤] .
стр. 1443
من أنشطة المنتدى الإسلامي
«اللجان الخارجية»
بعون الله قامت اللجان الخارجية في المنتدى الإسلامي ببرنامج (تفطير صائم) وذلك في رمضان ١٤١٣هـ كجزء من أنشطته الإسلامية المصروفة، وبلغ ...
إجمالي المبالغ المصروفة على هذا البرنامج ٤٣٨.٠٠٥ ألف دولار أمريكي أي ما ...
يعادل ١.٦٤٢.٥١٩مليون ريال سعودي وكان إجمالي عدد الوجبات ٨٣٦.٩٩٣ ...
وجبة طوال شهر رمضان، وصاحَب هذا البرنامج محاضرات إسلامية ودروس
يومية حول الصيام والصلاة والزكاة وكذلك دورس في التفسير والعقيدة والسيرة
فضلاً عن توجيهات تربوية عامة ومواعظ كان لها أكبر الأثر في نفوس الناس.
ونرفق جدولاً تفصيلياً لهذا البرنامج، والذي ما كان أن يتم إلا بتوفيق من الله - عز
وجل - ثم بدعم من المسلمين في البلدان الإسلامية كافة والذين ما فتئوا يتبرعون
لأنشطة المنتدى الإسلامي الخيرية.
جعلها الله في ميزان حسناتهم يوم القيامة.
-------------------
الدولة: كينيا (اللاجئون الصوماليين)
المبلغ الإجمالي: ١٦٠.٠٠٠ $
عدد الوجبات: ٣٠٠.٠٠٠
تكلفة الوجبة: ٠.٥٣ $
أماكن تقديم الوجبات: ١٥مسجد، ٥ مدارس، ٥خلايا تحفيظ قرآن، ١٧
مركز إغاثي.
-------------------
الدولة: باكستان (أ-المهاجرين الأفغان - ب-البنجاب وحولها)
المبلغ الإجمالي: ١٧,٦٥٠$ ... ... - ٥١.٥٠٠$
عدد الوجبات: ... ٢٩. ٤٦٠ ... ... - ١٦١. ٦٤٠
تكلفة الوجبة: ... ٠.٥٩$ ... ... ... - ٠.٣١ $
أماكن تقديم الوجبات: ١٢٦ مسجد ومدرستين.
-------------------
الدولة: السنغال
المبلغ الإجمالي: ٣١.٦٧٥$
عدد الوجبات: ١٧.٥٠٠
تكلفة الوجبة: ١.٨١$
أماكن تقديم الوجبات: ١٢ مسجد، عدد من مراكز ومدارس تحفيظ القرآن
وبعض السجون والجمعيات الإسلامية
-------------------
الدولة: بنغلاديش (أ-البنغلاديشيين - ب-اللاجئين البورميين)
المبلغ الإجمالي: ٩.٦٦٠$ ... ... -٢٨.٧٥٠$
عدد الوجبات: ٢١.٠٠٠ ... -٦١.٥٠٠
تكلفة الوجبة: ٠.٤٦$
أماكن تقديم الوجبات: ٤ مساجد، عدد من المراكز والمدارس، أكبر مخيمين
للاجئين البورميين.
-------------------
الدولة: غانا
المبلغ الإجمالي: ٢٤.٧٠٠$
عدد الوجبات: ٩٤.٠٠٠
تكلفة الوجبة: ٠.٢٦$
أماكن تقديم الوجبات: ١٩ مسجد، ومركزين إسلاميين و٨ مدارس ومعاهد.
-------------------
الدولة: جيبوتي
المبلغ الإجمالي: ٦.٦٠٠
عدد الوجبات: ٧.٣٣٣
تكلفة الوجبة: ٠.٩$
أماكن تقديم الوجبات: ٣ مساجد
-------------------
الدولة: نيجيريا
المبلغ الإجمالي: ١٦.٠٠$
عدد الوجبات: ٢٠.٠٠٠
تكلفة الوجبة: ٠.٨$
أماكن تقديم الوجبات: مجموعة من المساجد في مختلف الولايات بلغ عددها
٢٣ ولاية.
-------------------
الدولة: أثيوبيا
المبلغ الإجمالي: ١٣.٣٥٠$
عدد الوجبات: ١٦.٦٠٠
تكلفة الوجبة: ٠.٨$
أماكن تقديم الوجبات: ٢٠ مسجد، ١٠ مدارس تحفيظ القرآن الكريم.
-------------------
الدولة: أفغانستان
المبلغ الإجمالي: ١٢.٣٢٠$
عدد الوجبات: ١٨.٤٨٠
تكلفة الوجبة: ٠.٦٦$
أماكن تقديم الوجبات: -
-------------------
الدولة: أندونيسيا
المبلغ الإجمالي: ١٠.٦٦٠$
عدد الوجبات: ٢١.٣٢٠
تكلفة الوجبة: ٠.٥$
أماكن تقديم الوجبات: مجموعة من المساجد في ٢٤ مدينة.
-------------------
الدولة: الفلبيين
المبلغ الإجمالي: ١٠.٦٠٠$
عدد الوجبات: ١٣.٢٥٠
تكلفة الوجبة: ٠.٨$
أماكن تقديم الوجبات: ٤مساجد، ١٦ مركزاً إسلامياً، و٦ مدارس.
-------------------
الدولة: السودان
المبلغ الإجمالي: ١٠.٦٠٠$
عدد الوجبات: ١٢.٨٠٠
تكلفة الوجبة: ٠.٨٢$
أماكن تقديم الوجبات: مجموعة من المساجد في ٢٤ مدينة
-------------------
الدولة: أرتيريا
المبلغ الإجمالي: ٨.٠٠٠$
عدد الوجبات: ٤.٥٠٠
تكلفة الوجبة: ١.٧٧$
أماكن تقديم الوجبات: مجموعة من المساجد، و٦مراكز في المعاهد وغيرها.
-------------------
الدولة: الصومال
المبلغ الإجمالي: ٦.٦٤٠$
عدد الوجبات: ١٢.٤٥٠
تكلفة الوجبة: ٠.٥٣$
أماكن تقديم الوجبات: مجموعة من المساجد، ٨ مراكز في مدن مختلفة داخل
الصومال.
-------------------
الدولة: مالي
المبلغ الإجمالي: ٦.٠٠٠$
عدد الوجبات: ٥.٦٦٠
تكلفة الوجبة: ١.٠٦$
أماكن تقديم الوجبات: في ٥ مساجد.
-------------------
الدولة: أوغندا
المبلغ الإجمالي: ٦.٠٠٠$
عدد الوجبات: ٧.٥٠٠
تكلفة الوجبة: ٠.٨$
أماكن تقديم الوجبات: مجموعة من المساجد.
-------------------
الدولة: تشاد
المبلغ الإجمالي: ٣.٧٠٠$
عدد الوجبات: ٦.٠٠٠
تكلفة الوجبة: ٠.٦١$
أماكن تقديم الوجبات: مجموعة من المساجد.
-------------------
الدولة: كشمير
المبلغ الإجمالي: ٣.٦٠٠$
عدد الوجبات: ٦.٠٠٠
تكلفة الوجبة: ٠.٦$
أماكن تقديم الوجبات: مجموعة من المساجد.
стр. 1444
الصفحة الأخيرة
يا رعى الله زمان الشجب
محمد بن حامد الأحمري
في زمن مضى غير بعيد كانت الإذاعات تشجب العدوان الصهيوني، وتهدد
وتتوعد لإزالة هذه الشرذمة المحتلة، وكانت الشعوب تسخر من لغة الشجب
والشكوى، ثم تتابعت النقائض، وتدهورت المواقف، وتراجع الشاجبون وحرموا
الشجب والاستنكار، بل وحرموا تلك الكلمات التي كانوا يقولونها هم؛ حتى لم يعد
يتجرأ أحد على التفوه في أية لحظة بتلك الكلمات التي كان يقولها القائلون فخراً
ونشوة. وترحمنا على الزمن الذي كنا نسميه (زمن الشجب والهزيمة) . حينما كان
يُسمح لنا فيه أن نقول: إنهم أخذوا أرضنا واستباحوا أعراضنا ودماءنا، والقرار
اليوم يقضي أن نعترف بأن لا نهاية لمطالب عدونا، وأن المنهزم لا يرده شيء
وسيقبل بكل ما يُملى عليه.
هل يمكن أن لا يكون لنا عدو؟ ! وهل تحيا الشعوب بدون أعداء؟
حتى بمنطق الذين لا يعترفون بنصوص القرآن والسنة الصريحة في عداوة
الكافرين وشدة عداء اليهود لنا فإن سنة الله في البشر وجو التدافع والصراع - وهي
حقيقة ثابتة ثبوت الليل والنهار - تكشف أن هذه الدعاية ومعنى هذا التوجه - الذي
يقول: إن اليهود والنصارى يحبوننا، ويعطفون علينا أكثر من إخواننا ليس معناه
أن نوقف المواجهة على جبهتهم، ولا أن يتجه السلاح إلى الداخل، إلى القمع
والاضطرابات، واختلاق المشكلات والقلاقل - وليس معناه أن تتحول حروب
الموساد والـ (سي. آي. إيه) إلى قلاعنا، ولا أن يجند عدونا منا عدواً للآخر،
ويتضح ذلك جيداً لمن تابع قضية المشكلة الأخلاقية في مصر مع (لوسي) وما تلاه
أحد نواب البرلمان من أن الموساد وقوى أخرى كانت وراء فتح جبهات داخلية
وإثارة الشعب للانتقام، وهذه نعمة يرفل في ظلالها الإسرائيليون ومن هم خلفهم؛
إذ ليس أحب إليهم من استمرار الرعب والقلاقل في بلادنا.
حقاً، إنها مسكينة هذه الشعوب التي يحدد أعداءها وأصدقاءها أناسٌ بالاتفاق
مع امرأة ذات علاقات مشبوهة. وكم من (لوسي) في بلدان أخرى! وكم من
كوهين وكوبلاند من الذين يصنعون القلق والانهيار والخوف واضطراب الأمن! ! .
أما آن للغافلين أن يعرفرا عدوهم من صديقهم؟ أما آن لهم أن يتركوا فرصة
للشعوب كي تئن من الألم؟ أما آن لهؤلاء أن يأذنوا لشعوبهم أن تعي وأن تقرأ وأن
تفهم حتى تكون مواقف الجميع سليمة؟ وأن تشارك الأمة في تحديد عدوها من
صديقها ولا تتراجع كل يوم الى الخلف حتى تصبح في حال لا تملك فيه مخالفة أي
قرار صهيوني في داخل بلدانها! !
أبعد الله ذلك اليوم.
стр. 1445
ذو الحجة - ١٤١٣هـ
يونيو - ١٩٩٣م
(السنة: ٧)
стр. 1446
كلمة صغيرة
تتعرض شعوب العالم الإسلامي لأحداث كبيرة جداً، وعلى كل المستويات من
(التطهير الديني) في البوسنة والهند إلى الحملة على (الأصولية) والتي هي حملة على
الإسلام. وقد أعددنا في العدد الماضي ملفاً عن مسلمي الهند وانتقلنا في هذا العدد
للحديث عن الأدب واللغة العربية حيت المعركة دائرة بين من يريد التدمير باسم الأدب
وبين من يراعون حق الكلمة أن لا تكون مصدراً للتخريب.
بعض قراء (البيان) لا يلتفتون إلى هذا الجزء من الصراع الذي يريده الأعداء
ونرجو أن يكون (الملف الأدبي) بداية اهتمام وتقدير.
المحرر
стр. 1447
الافتتاحية
التوحيد والتوحُّد
رئيس التحرير
لماذا يتحلّق أهل الباطل حول باطلهم، ويتعصبون له، ويؤلفون في سبيله
الأحزاب، ويقيمون له الدعايات ويجمعون الأموال لتنفق من أجله؟
ولماذا يتبع كثير من الناس رؤوس البدع والانحراف، ويستميتون في الذب
عنهم، وتجميع الأنصار حولهم؟
إننا نجد هذا لدى كثير من الفرق التي انحرفت، أو خرجت عن سنن الإسلام، ونظرة فاحصة إلى أعياد المبتدعة التي يجتمعون عليها، أو مؤسساتهم المنظمة
الكبرى، أو محاولاتهم المتكررة للتغلغل بين صفوف أهل السنة، هي خير دليل
على أحوالهم، وصحة ما يقال عن اجتماعاتهم على الباطل.
لماذا لا نجد مثل هذا التجمع ومثل هذا التكتل والالتفاف حول العلماء والدعاة
من أهل السنة والجماعة؟ ولماذا لا نجد هذا الحرص البالغ على نشر الإسلام الحق، والتبشير به؟
سؤال طالما حير أولي الألباب، وفكر فيه المخلصون، وتعجبوا وتساءلوا
قائلين: أيقام للبدع سوق وترفع لها رايات، وأهل السنة عن هذا غافلون؟
الغريب الغريب هو أن أهل السنة ليس لهم قضية، ولا قيادة، والأغرب من
ذلك أن خاصة أهل السنة الذين ينادون بمنهج الاتباع، ويحاربون الابتداع،
متفرقون لا تجمعهم وحدة، ولا يعصمهم عن التشرذم تفكير في مصلحة الإسلام
ومآل أمر المسلمين..
إن معالجة هذه الأزمة المستعصية بحاجة إلى بيان وبسط لا تحتمله هذه
الصفحات، ولكننا نحاول الإلمام بطرف فنقول:
إن أهل البدع والخرافات يجتمعون على بدعهم ورؤسائهم لانعدام تحملهم
وتفكيرهم، وهم الذين تأتي بهم الكلمة والإشارة، ويغويهم دجال من الدجاجلة،
ويغريهم بالترخص واتباع الأهواء والشهوات، والإنسان العاميّ يميل بطبعه إلى
المحسوسات والأمور المادية؛ فعندما تقام له النصب، وتعقد معه الاجتماعات
الباهرة، وعندما تدغدع عواطفه بمآس تاريخية؛ لا يلبث أن ينقاد إليها لأنه ليس
صاحب علم ينفع أو عقل يردع.
وأما أهل السنة فهم أهل الإسلام، وقد جاء الإسلام بالتوحيد الخالص، وأعظم
أغراضه محو الشرك، وعبادة الله وحده، وليس عبادة الأشخاص أو الأشياء، فلقد
جاء الإسلام لإنقاذ الناس من اتباع الشعوذة والخرافة، ودعا إلى التربية الاستقلالية
لشخصية الإنسان، وأرشد إلى طريق الصواب أولئك الذين يتبعون أهواءهم، أو
يقتفون آثار الآباء عن جهل وتقليد أعمى، أو يلقون القول بلا علم أو برهان.
وكانت الآيات القرآنية تعلّم المسلم النهج الصحيح، وتوقفه على اضطراب عقائد
المشركين وتناقضهم. وهذا المنهج يرفع المسلمين إلى مستوى العلم النافع الصحيح، الذي يؤدي بدوره إلى اجتماعهم ووحدتهم، قال الله تعالى داعياً المسلمين إلى
التفكير في أمر العبادات التي لا تعود على المعبود بنفع أو ضر: [ومَا خَلَقْتُ
الجِنَّ والإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ ومَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ]
[الذاريات ٥٧] ، وقال عن المشركين: [والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ
شَيْئاً وهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ] [النحل٢٠- ٢١] ، [أَفَمَن يَهْدِي إلَى
الحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّي إلاَّ أَن يُهْدَى] [يونس ٣٥] ، [إنَّ الَذِينَ تَدْعُونَ
مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ ... ]
[الأعراف ١٩٤] .
كل هذا يدل على أن أهل السنة لا يجتمعون إلا إذا كانوا على مستوى الإسلام، من الفطرة السليمة والتحقق بالتوحيد الخالص، والعقل الراجح، والأفق الواسع
ومعرفة سنن الله في الخلق كما يروى عن الشعبي ﵀: «إنما كان يطلب
هذا العلم من اجتمعت فيه خصلتان: العقل والنسك، فإن كان عاقلاً ولم يكن ناسكاً
قال: هذا أمر لا يناله إلا النساك وإن كان ناسكاً ولم يكن عاقلاً قال: هذا أمر لا
يناله إلا العقلاء فلن أطلبه» [١] .
إن أصحاب التربية الاستقلالية هم الذين لا تضيق صدورهم بالرأي الاجتهادي
ولا يتعصبون لشخص أو لجماعة، وينظرون دائماً إلى المستقبل والمآل، ويضعون
المصلحة العامة فوق مصالحهم وفوق أنانياتهم. والفرد الذي يربى على الفهم
الصحيح للنصوص لا يكون من دعاة التفرق لأنه سوف يفكر في مصلحة الإسلام،
أما الذي ربُّي تربية ضيقة فهو لا يرى الدنيا إلا من خلال شيخه أو جماعته أو
حزبه.
إن أصحاب السياسات الدنيوية يؤلفون أحزاباً ويجمعون لها الجموع وربما
ينجحون، وإن أصحاب البدع وأتباع الخرافات يؤلفون تجمعات؛ وقد ينجحون،
وما ذلك إلا لأنهم اجتمعوا على شيء محدد في أذهانهم، وأما أهل السنة فإذا لم
يكونوا على مستوى الإسلام فقد تفوتهم أسباب الوحدة والقوة.
стр. 1448
مقدمة في التفسير الموضوعي
محمد بن عبد العزيز الخضيري
إن أجلَّ علم صرفت فيه الهمم، علم الكتاب المنزل، إذ هو كلام الله الذي لا
يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد فيه الهدى والشفاء،
والرحمة والبيان، والموعظة الحسنة والتبيان، فلو أنفقت فيه الأعمار ما أدركت
كل غوره، ولو بذلت الجهود كلها ما أنضبت من معينه شيئاً يذكر، ومن هنا
اجتمعت كلمة علماء الأمة على العناية بتفسيره، وبيانه ودراسته، واستدرار كنوزه، والنهل من معينه العذب النمير، ولأجل انكبابهم على دراسته، تنوعت طرائقهم
في عرض علومه، واختلفت مشاريعهم في إيضاح مكنوناته، وكان القدح المعلى
لعلم التفسير من ذلك كله، ولهم في تناول هذا العلم والكتابة فيه أربعة أساليب:
أولاً: التفسير التحليلي:
يتولى فيه المفسرون بيان معنى الألفاظ في الآية، وبلاغة التركيب والنظم،
وأسباب النزول، واختلاف المفسرين في الآية، ويذكر حكم الآية وأحكامها، وقد
يزيد بتفصيل أقوال العلماء في مسألة فقهية أو نحوية أو بلاغية، ويهتم بذكر
الروابط بين الآيات والمناسبات بين السور ونحو ذلك. وهذا اللون من التفسير هو
أسبق أنواع التفسير وعليه تعتمد بقيتها، ويتفاوت فيه المفسرون إطناباً وإيجازاً،
ويتباينون فيه من حيث المنهج، فمنهم من يهتم بالفقهيات، ومنهم من يهتم
بالبلاغيات، ومنهم من يطنب في القصص وأخبار التاريخ، ومنهم من يستطرد في
سرد أقوال السلف، ومنهم من يعتني بالآيات الكونية أو الصور الفنية أو المقاطع
الوعظية أو بيان الأدلة العقدية. وبذلك يكون هذا اللون من التفسير هو الغالب على
تواليف العلماء وأكثر كتب التفسير على هذا النمط.
ثانياً: التفسير الإجمالي:
وهو بيان الآيات القرآنية بالتعرض لمعانيها إجمالاً مع بيان غريب الألفاظ
والربط بين المعاني في الآيات متوخياً في عرضها وضعها في إطار من العبارات
التي يصوغها من لفظه ليسهل فهمها وتتضح مقاصدها، وقد يضيف ما تدعو
الضرورة إليه من سبب نزول أو قصة أو حديث ونحو ذلك.
وهذا اللون أشبه ما يكون بالترجمة المعنوية للقرآن الكريم، وهو الذي
يستخدمه من يتحدث بالإذاعة والتلفاز لصلاحيته لعامة الناس ومن أمثلته (تفسير
الشيخ عبد الرحمن السعدي) .
ثالثاً: التفسير المقارن:
وهو بيان الآيات القرآنية باستعراض ما كتبه المفسرون في الآية أو مجموعة
الآيات المترابطة، والموازنة بين آرائهم، وعرض استدلالاتهم، والكرّ على القول
المرجوح بالنقض وبيان وجهه، وتوجيه أدلته، وبيان الراجح وحشد الأدلة وغير
ذلك.
رابعاً: التفسير الموضوعي:
وهذا اللون من التفسير هو مجال بحثنا، ومدار حديثنا، ولأجله كتبت هذه
الخلاصة:
أولاً: تعريفه:
يتألف مصطلح (التفسير الموضوعي) من جزأين ركبا تركيباً وصفياً فنعرف
الجزأين ابتداء ثم نعرف المصطلح المركب منهما.
فالتفسير لغةً: من الفسر وهو كشف البيان، قال الراغب: (هو إظهار
المعنى المعقول) .
واصطلاحاً: الكشف عن معاني القرآن الكريم..
والموضوع لغةً: من الوضع؛ وهو جعل الشيء في مكان ما، سواء أكان
ذلك بمعنى الحط والخفض، أو بمعنى الإلقاء والتثبيت في المكان، تقول العرب:
ناقة واضعة: إذا رعت الحمض حول الماء ولم تبرح، وهذا المعنى ملحوظ في
التفسير الموضوعي، لأن المفسر يرتبط بمعنى معين لا يتجاوزه إلى غيره حتى
يفرغ من تفسير الموضوع الذي أراده.
أما تعريف (التفسير الموضوعي) علماً على فن معين، فقد عرِّف عدة
تعريفات نختار منها ما نظنه أجمعها وأخصرها وهو: علم يتناول القضايا حسب
المقاصد القرآنية من خلال سورة أو أكثر..
ثانياً: نشأة التفسير الموضوعي:
لم يظهر هذا المصطلح عَلَمَاً على علم معين إلا في القرن الرابع عشر
الهجري، عندما قُرِّرت هذه المادة ضمن مواد قسم التفسير بكلية أصول الدين
بالجامع الأزهر، إلا أن لبنات هذا اللون من التفسير كانت موجودة منذ عهد النبوة
وما بعده، ويمكن إجمال مظاهر وجود هذا التفسير في الأمور التالية:
١- تفسير القرآن بالقرآن: لا ريب أن تفسير القرآن بالقرآن هو لب التفسير
الموضوعي وأعلى ثمراته. وجميع الآيات التي تناولت قضية واحدة والجمع بين
دلالاتها والتنسيق بينها كان أبرز ألوان التفسير التي كان النبي -صلى الله عليه
وسلم- يربي أصحابه عليها، فقد روى البخاري أن رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- فسر مفاتح الغيب في قوله تعالى: [وعِندَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إلاَّ هُوَ]
[الأنعام ٥٩] ، فقال: مفاتح الغيب خمسة: [إنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ويُنَزِّلُ
الغَيْثَ ويَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ ومَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً ومَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ
أَرْضٍ تَمُوتُ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ] [لقمان ٣٤] .
ومن هذا القبيل ما كان يلجأ إليه الصحابة -رضوان الله عليهم- من الجمع
بين الآيات القرآنية التي يُظنُّ بينها تعارضٌ. وقد وضع العلماء بعده قاعدة في
أصول التفسير تقتضي بأن أول ما يرجع إليه المفسر القرآن الكريم، إذ ما أجمل
في مكان قد فصل في آخر، وما أطلق في آية إلا قد قيد في أخرى، وما ورد عاماً
في سورة، جاء ما يخصصه في سورة أخرى، وهذا اللون من التفسير هو أعلى
مراتب التفسير وأصدقها إذ لا أحد أعلم بكلام الله من الله.
٢- آيات الأحكام: قام الفقهاء بجمع آيات كل باب من أبواب الفقه على حدة، وأخذوا في دراستها واستنباط الأحكام منها، والجمع بين ما يظهر التعارض،
وذكروا ما نص عليه وما استنبط من القرآن بطريق الإشارة والدلالة الخفية، ونحو
ذلك، وكله داخل تحت مسمى التفسير الموضوعي.
٣- الأشباه والنظائر: وهو اتجاه نحاه بعض العلماء في تتبع اللفظة القرآنية، ومحاولة معرفة دلالاتها المختلفة، مثال ذلك: كلمة (خير) وردت في القرآن على
ثمانية أوجه حسبما ذكره الدامغاني في كتابه (إصلاح الوجوه والنظائر) ، وهي:
المال: كقوله [إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ إن تَرَكَ خَيْراً] [البقرة ١٨٠] ، والإيمان
كقوله: [ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ] [الأنفال ٢٣] ، والإسلام كقوله:
[مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ] [القلم ٢] ، وبمعنى أفضل كقوله: [وأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ]
[المؤمنون ١٠٩] ، والعافية كقوله: [وإن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إلاَّ هُوَ
وإن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] [الأنعام ١٧] ، والأجر كقوله: [لَكُمْ
فِيهَا خَيْرٌ] [الحج ٣٦] ، والطعام كقوله: [فَقَالَ رَبِّ إنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إلَيَّ مِنْ خَيْرٍ
فَقِيرٌ] [القصص ٢٤] ،، وبمعنى الظفر والغنيمة والطعن في القتال كقوله:
[ورَدَّ اللَّهُ الَذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً] [الأحزاب ٢٥]
وهذا كما ترى لون من التفسير الموضوعي، وهو أول وسيلة يلجأ إليها
الباحثون في البحث عن موضوعات القرآن حيث يجمعون ألفاظ ذلك الموضوع من
سور القرآن ثم يتعرفون على دلالة اللفظ في أماكن وروده.
٤- الدراسات في علوم القرآن: اهتم العلماء بموضوعات علوم القرآن
فأشبعوها، ومن بين هذه الموضوعات والدراسات، لون ينصبُّ على دراسة وجمع
الآيات التي لها رابطة واحدة، كآيات النسخ والقسم والمشكل والجدل والأمثال وغير
ذلك، ومؤلفاتهم في ذلك يعز على الباحث حصرها وهي أشهر من أن تذكر.
كل هذه الأمور والحقائق تدلنا على أن التفسير الموضوعي ليس بدعاً من
العلوم أفرزته عقول المتأخرين، وغفلت عن الاهتمام به أفهام الأولين. لكن بروزه
لوناً من التفسير له كيانه وطريقته لم يوجد إلا في العُصُر الأخيرة - تلبية لحاجات
أهلها - التى وجد فيها من المذاهب والأفكار كما وجد فيها من الآراء والموضوعات
ما اضطر علماء الشريعة إلى بحثها من وجهة النظر القرآنية ليقينهم بأنه الكتاب
الذي يحوي دراسة وعلاج كل موضوع يطرأ في حياة الناس، علمه من علمه،
وجهله من جهله، [أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ] [الملك ١٤] .
ومن ثم كثرت الدراسات القرآنية، وأصبحت المكتبة القرآنية تستقبل كل يوم
مواداً جديدة من عالم المطبوعات، ونظرة خاطفة إلى فهارس المكتبة تنبيك بكثرة ما
كتب في هذا المجال، وإن كان في الحقيقة قليلاً على مادة القرآن. ولشدة عناية
الكاتبين بهذا الفن من التفسير قام جمع من الباحثين بخدمة هذا اللون من التفسير
بوضع فهرسة للقرآن على حسب الموضوعات منها ما هو في عداد المخطوطات،
ومنها ما طبع ككتاب المستشرق (جون لابوم) والذي عنوانه (تفصيل آيات القرآن
الكريم) ، وقد ترجمه إلى العربية محمد فؤاد عبد الباقي وترجم المستدرك الذي
وضعه (إدوار مونتيه) وخرجا في كتاب واحد، وهو خطوة أولى في طريق طويل
لا بد وأن تجد مستدركاً ومعقباً كعادة ما يكتب أولاً.
ثالثاً: ألوان التفسير الموضوعي:
الأول: أن يتتبع الباحث لفظة من كلمات القرآن الكريم، ثم يجمع الآيات
التي ترد فيها اللفظة أو مشتقاتها من مادتها اللغوية. وبعد جمع الآيات والإحاطة
بتفسيرها يحاول استنباط دلالات الكلمة من خلال استعمال القرآن الكريم لها. وقد
أصبح كثير من الكلمات القرآنية مصطلحات قرآنية ك (الأمة، والجهاد، والذين في
قلوبهم مرض، والخلافة..) ، وهذا اللون كما ترى قد اهتمت به كتب الأشباه
والنظائر إلا أنها بقيت في دائرة الكلمة في موضوعها، ولكن يحاول مؤلفوها أن
يربطوا بينها في مختلف السور، مما أبقى تفسيرهم للكلمة في دائرة الدلالة اللفظية..
أما المعاصرون فقد تتبعوا الكلمة وحاولوا الربط بين دلالاتها في مختلف
المواطن، وأظهروا بذلك لوناً من البلاغة والإعجاز القرآني، وقد كان من نتائجها
استنباط دلالات قرآنية بالغة الدقة، لم يكن بمقدورهم العثور عليها لولا انتهاجهم هذا
السبيل، وممن اعتنى بهذا اللون من المعاصرين الدكتور أحمد حسن فرحات في
سلسلة سماها (بحث قرآني وضرب من التفسير الموضوعي) أصدر منها كتاب
(الذين في قلوبهم مرض) ، و (فطرة الله التي فطر الناس عليها) ، و (الأمة في
دلالاتها العربية والقرآنية) وغيرها..
الثاني: تحديد موضوع ما، يلحظ الباحث تعرض القرآن المجيد له بأساليب
متنوعة في العرض والتحليل والمناقشة والتعليق، أو تطرأ مشكلة أو تطرح قضية
فيراد بحثها من وجهة نظر قرآنية وهنا نشير إلى عجيبة من عجائب القرآن الكريم
المعجزة، تدلنا على أن القرآن دستور حياة، ومنهج عمل، فيه الشمول والعموم
والكمال والبيان.
خلاصتها: أنه ليس بمستغرب أن يجد باحث اهتمام القرآن صريحاً بموضوع
معين فيرى جوانب معالجة الموضوع ودراسته في القرآن كافية وافية، ولكن
الغريب حقاً أن تقترح موضوعاً فتلج إلى عالم القرآن كأنما أنزل فيه فيدهشك أن
الموضوع قد استوفيت جوانب دراسته في القرآن كأنما أنزل القرآن من أجله.
وطريقة الكتابة في هذا اللون تتم باستخراج الآيات التي تناولت الموضوع،
وبعد جمعها والإحاطة بها تفسيراً وتأملاً يحاول الباحث استنباط عناصر الموضوع
من خلال ما بين يديه من آيات، ثم ينسق بين تلك العناصر بحيث يقسمها إلى
أبواب وفصول حسب حاجة الموضوع ويقدم لذلك بمقدمة حول أسلوب القرآن في
عرض أفكار الموضوع.
ويكون منطلق العرض والاستدلال والدراسة هو آيات القرآن الكريم لا غير،
مع ربط كل ذلك بواقع الناس ومشكلاتهم، وإن ذكر شيء من غير القرآن في
الموضوع فيذكر من باب الاعتضاد لا الاعتماد.
وعلى الباحث أن يتجنب خلال بحثه التعرض للأمور الجزئية في تفسير
الآيات، فلا يذكر القراءات، ووجوه الإعراب ونحو ذلك إلا بمقدار ما يخدم
الموضوع ويتصل به اتصالاً أساسياً مباشراً. والباحث في كل ذلك يهتم بأسلوب
العرض لتوضيح مرامي القرآن وأهدافه ومقاصده، ليتمكن القارئ من فهم
الموضوع وإدراك أسراره من خلال القرآن بجاذبية العرض الشائق وجودة السبك
والحبك ورصانة الأسلوب ودقة التعبيرات، وبيان الإشارات بأوضح العبارات.
وهذا اللون من التفسير الموضوعي هو المشهور في عرف أهل الاختصاص،
وحتى أن اسم (التفسير الموضوعي) لا يكاد ينصرف إلا إليه، والمتتبع لهذا يجده
جلياً، وسبب ذلك يتلخص في أمرين:
ا - غزارة الموضوعات التي طرقها القرآن وأشبعها دراسة وبحثاً.
٢- تجدد الموضوعات والمشكلات التي تحتاج إلى بحث من وجهة نظر
قرآنية فالأولون صدروا من القرآن، والآخرون وردوا إلى القرآن. وكلاهما بحر ولا ساحل له، لا تكاد تنتهي موضوعاته أو تقف عند حد.
٣- البحث عن موضوع من خلال سورة من القرآن بتحديد الهدف الأساسي
للسورة أو غيره من الأهداف ودراسته من خلال تلك السورة. وهذا اللون شبيه
بسابقه إلا أن دائرته أضيق.
وطريقة البحث فيه: أن يحدد الباحث الهدف أو الأهداف الأساسية للسورة ثم
يختاره أو يختار إحداها إن كانت ثمة أهداف متعددة ثم يحاول إبراز عناصر بحث
هذه السورة للموضوع وتقسيمها وتبويبها، ثم يدرس علاقة كل المقاطع بهذا الهدف
بدءاً بمقدمة السورة، وانتهاءً بخاتمتها، مع التعرف على أسباب نزولها، ومكان
نزولها، وترتيبها من بين سور القرآن ويبين علاقة كل ذلك بهدف السورة عنوان
البحث، وسيجد الباحث الصلة بينه وبين الرابطة جلية عند إحالة النظر وإمعان
الفكر، وسيعلم أن للسورة هدفاً واضحاً ترمي إلى إيضاحه وبيانه والاستدلال له وبه، وتفصيل جوانبه وأبعاده، وكل سورة من القرآن لها شخصية مستقلة تعلم عند
البحث فيها، بل ويمكن أن يكون للسورة أهداف متعددة بينها من الترابط
والتعاضد والتداخل شيء يصعب معه التفريق بينهما أو إفراد إحداهما بالبحث مع
إغفال البواقي.
وليعلم أنه ينبغي عند البحث في هذا اللون ألا ينطلق الباحث في دراسة
موضوع السورة من آيات لم ترد فيها، بل يكون منطلقه آيات ومباحث ومقاطع
السورة وأما غيرها فتذكر استئناساً لا تأسيساً، وتوكيداً لا تأصيلاً، واستشهاداً لا
استناداً.
وهذا اللون ظفر بعناية القدماء بل جاءت في ثنايا تفاسيرهم الإشارات إلى
بعض أهداف السورة ومحاولة الانطلاق منها لبيان تفسيرها، كالذي فعله البقاعي
في كتابه (نظم الدرر في تناسب الآيات والسور) . وأما في العصر الحديث فقد أولع
به سيد قطب في تفسيره (الظلال) حيث يقدم لكل سورة ببيان أهدافها الرئيسية أو
هدفها الوحيد، وينطلق في باقي تفسير السورة من خلال هذا المحور الذي تتحدث
السورة عنه، وقد أفردت بحوث كثيرة في هذا اللون من التفسير الموضوعي منها
سلسلة (من مواضيع سور القرآن) التي يكتبها الشيخ (عبد الحميد طهماز) وقد
صدر منها (العواصم من الفتن في سورة الكهف) .
رابعاً: أهمية التفسير الموضوعي:
ويمكن تلخيص أجدر جوانبها في الأمور التالية:
الأول: إبراز وجوه جديدة من إعجاز القرآن الكريم، فكلما جَدّت على الساحة
أفكار جديدة - من مُعطيات التقدم الفكري والحضاري - وجدها المفسر جلية في
آيات القرآن لا لبس فيها ولا غموض بعد تتبع مواطن ذكرها في القرآن، فيسجل
عندها سبق القرآن إليها، ويدلل بذلك على كونه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من
بين يديه ولا من خلفه، وأنه الذي لا تنقضي عجائبه ولا تنتهي غرائبه ودلائل
إعجازه.
الثاني: التأكيد على أهمية تفسير القرآن بالقرآن، الذي هو أعلى وأجل أنواع
التفسير، إذ قد يوجد من لا يلجأ إلى القرآن عند إرادة إيضاحه وتفسيره لقصور فيه
أو تقصير منه، وبالتفسير الموضوعي ندرك أهمية هذا اللون من التفسير فتزداد
عنايتنا به، وتتعاضد جهودنا لبيانه، فَنُكفى بذلك الوقوف عند كثير من مشكل
القرآن أو مواطن الخلاف بين علماء الأمة في تفسير آياته، لورود ما يوضح المراد
ويشفي العليل ويروي الغليل بالقرآن نفسه.
الثالث: إن تجدد حاجة البشرية، وبروز أفكار جديدة على الساحة الإنسانية
وانفتاح ميادين للنظريات العلمية الحديثة لا يمكن تغطيتها ولا رؤية الحلول لها إلا
باللجوء إلى التفسير الموضوعي للقرآن الكريم. إذ عندما نجابه بنظرة جديدة أو علم
مستحدث فإننا لا نقدر على تحديد الموقف من هذا العلم وتلك النظرية وحل المشكلة
القائمة، وبيان بطلان مذهب إلا عن طريق تتبع آيات القرآن، ومحاولة استنباط ما
يجب نحو كل أولئك.
إن جمع أطراف موضوع ما من خلال نصوص القرآن والسنة يمكن الباحث
من القيام بدور اجتهادي للتوصل إلى تنظير أصول لهذا الموضوع، وعلى ضوء
هدايات القرآن ومقاصده نستطيع معالجة أي موضوع يَجدّ على الساحة.
الرابع: إثراء المعلومات حول قضية معينة. غالباً ما يُطرح موضوع أو
قضية أو فكرة أو مشكلة للبحث ويبقى أيُّ من ذلك محتاجاً إلى إشباع البحث ومزيد
الدراسة، ويتم تحقيق ذلك من خلال التفسير الموضوعي بحيث تتبين لذوي الشأن
أدلة جديدة، ورؤى مستفيضة، وتفتيق لشيء من أبعاد القضية المطروحة.
الخامس: تأصيل الدراسات أو تصحيح مسارها:
لقد نالت بعض علوم القرآن حظاً وافراً من البحث والدراسة، إلا أن هناك
علوماً أخر برزت جديدة تحتاج إلى تأصيل بضبط مسارها حتى يؤمن عثارها مثل
(الإعجاز العلمي في القرآن) ، فقد كثر الكاتبون حوله إلا أنه بحاجة ماسة إلى
ضبط قواعده لِيُتَجَنَب الإفراط فيه أو التفريط، وهذا إنما يتم عبر دراسة موضوعية
لآيات القرآن وهداياته في هذا المجال.
وهناك علوم ودراسات قائمة منذ القدم لكن المسار الذي تنتهجه يحتاج إلى
تصحيح وتعديل، وإعادة تقويم كعلم التاريخ الذي أخذ منهجاً في سرد الوقائع
والأحداث من غير تعرض لسنن الله في الكون والمجتمع، علماً بأن هذه السنن قد
أبرزتها آيات القرآن خلال قصصه بشكل واضح، وهناك انحرافات مبثوثة في
كتب التاريخ تخالف ما نص عليه في القرآن الكريم، ولن يتم تعديلها وتقويم مثل
هذه العلوم إلا بطريق استقصاء منهج القرآن في عرضها ودراستها..
مراجع هذه النبذة:
ا- مباحث في التفسير الموضوعي للدكتور مصطفى مسلم.
٢- دراسات في التفسير الموضوعي للدكتور زاهر عواض الألمعي.
٣- الفتوحات الربانية في التفسير الموضوعي للآيات.
٤- دراسات في القرآن الكريم للدكتور محمد عبد السلام محمد.
٥- دراسات في التفسير الموضوعي للقصص القرآني للدكتور أحمد جمال
العمري.
стр. 1449
في إشراقة آية
[وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً] [*]
د. عبد الكريم بكار
قصّ الله - تعالى- علينا في كتابه العزيز نبأ لقاء موسى بالعبد الصالح
الخضر ﵉، وما جرى بينهما من إخبار الخضر لموسى بعدم صبره
على ما سيراه من أعماله، وتعهد موسى بالسمع والطاعة وعدم العجلة حتى يكون
الخضر هو الذي يخبره بكنه ما يراه وعواقبه، كما تضمنت القصة عدم
تمكن موسى ﵇ من الصبر الذي التزم بمكابدته. وفي ثنايا هذه الواقعة
عبر ودروس عديدة نجلوها في النقاط التالية:
١- أراد الله -تعالى- أن يُعلّم موسى وجوب تفويض ما لا يعلمه إليه؛ فقد
ورد في الصحيح أن رجلاً سأل موسى على ملأ من بني إسرائيل: هل تعلم أحداً
أعلم منك؟ قال: لا. فأوحى الله إليه: بل عبدنا خضر أعلم منك [١] . وفي هذا
إرشاد لأولي النهي أن يقفوا الموقف المنهجي مما لا يعرفونه؛ فنبي الله موسى كان
رسولاً من أولي العزم، وهو كليم الله ومبلغ رسالته، ومع هذا بين الله له وجوب
تفويض ما لا يعلمه إليه؛ فهو لم يجتمع بكل البشر، ولم يعرف مقادير ما خصَّ الله
به من شاء من عباده.
وفي هذا الزمان تشعبت العلوم، وتفرغت حتى صار من العسير على الواحد
منا أن يحيط بفرع من فروع المعرفة فضلاً أن يحيط بها جميعاً. وأمانة العلم
تقتضي التريث بالفتوى والتحرز من التطاول على ما لا نحسن حتى لا تجتاحنا
الفوضى العلمية..
٢- في هذه الرحلة المباركة وقف موسى موقف المتعلم، ووقف الخضر في
موقف الأستاذ، مع أنه لا خلاف في أن موسى أفضل من الخضر، وهذا يدل على
أن الأفضلية العامة لا تقتضي التفوق في العلم، وهذا يحثنا على أن نرجع لأهل
الاختصاص في اختصاصاتهم، وألا نرهق أهل الفضل بالسؤال عما لا يعرفونه،
ولا يحسنونه فيسقطون من أعيننا لعدم معرفتهم، أو يسقطون ويُسقطوننا معهم إذا ما
هم قالوا بغير علم! ورحم الله الإمام مالكاً حين كان يقول: (إن من شيوخي من
أطلب منه الدعاء، ولا أقبل روايته) .
٣- التزم موسى ﵇ في البداية بالصبر على ما يراه وعدم
العصيان حين قال: [سَتَجِدُنِي إن شَاءَ اللَّهُ صَابِراً ولا أَعْصِي لَكَ أَمْراً]
[الكهف ٦٩] . وهذا الالتزام كان بناء على ما يعرفه من نفسه من الحرص على طلب العلم ومعرفة الخير. وكان تأكيد الخضر له أنه لن يصبر معه على ما يراه لما يعرف عنه من الحرص والالتزام بما شرع الله من حرمة الأنفس والأموال، وكانت النتيجة إنكار موسى على الخضر، كما توقع الخضر. وموقف موسى كان على النهج العام الذي ينبغي على المسلم سلوكه، وهو إنكار ما خالف الشرع وعدم السكوت عليه ما دام ذلك ممكناً، ولا يعكر صفو هذا خصوصية الموقف
والحادثة [٢] .
وقد أنكر موسى على الخضر مع علمه بقدره وعلمه لأن المنهج فوق
الأشخاص أياً كانوا. وقد ابتليت هذه الأمة في تاريخها المديد بأقوام أصيبوا بداء
تقديس الأشخاص وإقامة البراهين على خيرية ما يفعلونه وتسويغ ما يرتكبونه من
مناكر ومخالفات قطعية التحريم لما يعتقدونه فيهم من الصلاح! .
وأدى ذلك إلى غبش عظيم في الرؤية، وقد حطوا من قدر المنهج المعصوم
على قدر ما رفعوا من شأن من يعظمون! وما زال هذا مستمراً إلى يوم الناس هذا
والله المستعان.
٤- كان الخضر موقناً بعدم صبر موسى على ما يراه منه، وعلل لذلك بقوله: [وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً] [الكهف ٦٨] . وهذا يشير إلى ظاهرة
ثابتة في حياة البشر، هي عدم الصبر على رؤية أحداث وأعمال تخالف ما استقر
عندهم من الأعراف والمعايير، أو على بذل جهود لا يرون لها نتائج تنسجم معها.
وقد وقف الصحابة - رضوان الله عليهم - موقفاً مشهوراً من شروط صلح الحديبية
التي كانت في ظاهرها مخالفة لمصالح المسلمين، ولولا أن الذي ارتضى تلك
الشروط النبي ﷺ المؤيد بالوحي لكان هناك شأن آخر. لكن
الله - تعالى - جعل فيها من الخير والبركة ما حمل أكثر المفسرين على القول: إن
المراد بالفتح في قوله - سبحانه -: [إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً] [الفتح ١] صلح
الحديبية [٣] . وسبب ذلك الموقف أن الصحابة ما كانوا قادرين على إبصار مآلات
تلك المعاهدة ونهاياتها.
واليوم نجد رغبة جامحة لدى كثير من الدعاة والعاملين في حرق المراحل
والقفز فوق الحواجز بدافع من الصدق والإخلاص، والسبب في ذلك أنهم ما أحاطوا
خُبْراً بجوانب العملية التغييرية الكبرى التي يتصدون للقيام بها. ونجد ذلك بشكل
واضح لدى الشباب الذين يغلي في دمائهم حب هذا الدين والغيرة على هذه الأمة.
وسبب الاستعجال عند الشباب يعود - في أكثر الأمر - إلى أن كثيراً من قادة
الدعوات يوهمون الشباب بأن التمكين في الأرض وبسط سلطان الدين هو قاب
قوسين أو أدنى، وذلك رغبة في كسبهم وإغرائهم بالعمل الدعوي، حتى إذا مرت
السنين تلو السنين أدرك أولئك الشباب أن الطريق أطول بكثير مما قيل لهم، فيؤدي
ذلك - عند أية هزة - إلى الإحباط والانزواء والسلبية أو إلى تسفيه القيادات
واتهامها بالقصور وتجاوز المرحلة لها ثم الاندفاع خلف قيادات شابة تفتقر في أكثر
الأوقات إلى الحكمة والخبرة والعلم والنتيجة معروفة!
وسبب ذلك أن الشيوخ ما بصَّروا الشباب بطبيعة طريق الدعوة وتكاليفه
ومشاقه، مع أن النصوص، الواردة في ذلك كثيرة جداً.
أما الجوانب التي لم نحط بها خُبْراً فهي عديدة، نذكر منها ما يلي:
أ- المنهج الرباني الذي نحمله، منهج مشتمل على أجزاء صلبة راسخة لا
يجوز أن تتطور أو يُغض الطرف عن شيء منها كي تؤدي وظائفها في الهداية
والإصلاح، وفيه أجزاء مرنة تقبل شيئاً من الموازنة لتحقيق خير الخيرين ودفع
شر الشرين؛ وكل أجزاء المنهج خير، ومطلوب التحقق بها؛ لكن الظرف هو
الذي يعطي الأولوية لبعضها على بعض؛ فأعمال الخير كثيرة جداَ لكن الحال
المعاش يرجح شيئاً على شيء، فإذا كانت في المسلمين مجاعة كان مجال إطعام
الطعام أولى بالبذل من مجال التنفل بالحج والعمرة، وإذا اجتاح العدو بلاد المسلمين
كان تجهيز المقاتلين أولى من بناء مسجد أو تأثيث مكتبة عامة وهكذا.. وإذا كان
المريض الذي نعالجه يشكو من أمراض عديدة وجب أن نبدأ بالأخطر منها كالنزيف
مثلاً.
ب - ومما لم نحط به خُبْراً على الوجه المطلوب الواقع الذي نتحرك فيه،
وهو واقع مفعم بالمؤثرات المختلفة حيث صار من غير الممكن معالجة أية قضية
من قضايانا الكبرى على أنها شأن محلي خاص، فوسائل الاتصال العجيبة المتاحة
وتشابك المصالح وتداخلها ونفوذ الثقافة العالمية، كل أولئك يجعل ما نظنه داخلياً
خاضعاً لاعتبارات دولية وإقليمية إلي جانب الاعتبارات المحلية. وفهم تلك
الاعتبارات ما عاد ممكناً عن طريق التأمل والشفافية، وإنما عن طريق الدراسات
المتقنة والصلات والعلاقات والمعايشات الداخلية.. وفهم طريقة التفكير لصانعي
الخيارات والقرارات.
ج - ومما لم نحط به خُبْراً الإنسان موضع الدعوة، وهذا الإنسان صار
يخضع لمزيج كبير من المؤثرات الثقافية المتضادة - في كثير من الأحيان - مما
يجعل تفكيره مختلفاً عن تفكيره في القرن الماضي، ومفاتيح اهتمامه أيضاً تبدلت،
والطريق إلى حفز مشاعره صارت أكثر التواء. ولم يصاحب ذلك التعقيد كله ما
يحتاجه من الفهم العميق القائم على معرفة النفس البشرية والسنن الإلهية التي
تحكمها. وآية ذلك جمود خطاب كثيرين منا دون أدنى تحسين أو تحوير.
د- ومما لم نحط به خُبْراً سنن الله - تعالى - في تغير المجتمعات، ذلك
التغير الذي لا يتوقف أبداً لكنه لا يخرج عن الأحكام والأنظمة الإلهية التي تسيره،
وهو تغير أساسه الحركة البطيئة التي إن تسارعت لم تصل أبداً إلى حد الطفرة
المناقضة للفطرة. وبما أن عمر الإنسان قصير فهو متشوق أبداً إلى معرفة نتائج
أعماله ومجهوداته قبل أن يرحل عن هذه الدنيا لكن سنن الله - تعالى - لا تخضع
للرغبات والأهواء، ومن ثم فإن الله - تعالى - قال لنبيه: [وإمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ
الَذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإنَّمَا عَلَيْكَ البَلاغُ وعَلَيْنَا الحِسَابُ] [الرعد ٤٠]
وإذا كان الوقوف على مفاتيح شخصية الفرد صار معقداً، فإن الوقوف على
مفاتيح شخصية المجتمع أكثر تعقيداً؛ لأن أبناءه ينتمون إلى شرائح متعددة وكل
شريحة منها تخضع لمؤثرات مغايرة، وهذا يجعل التعامل معه غاية في التعقيد!
إن الحل الوحيد لحالات الاستعجال على قصف الثمار قبل نضجها هو
الإحاطة المبصرة بكل جوانب التغيير المنشود وآلياته، وإلا فإن كثيرا من الجهود
ستكون جهاداً في غير عدو، بل ستكون أخطر على الدعوة من أعدائها!
إن فقه التحرك بالمنهج أشق من فقه المنهج نفسه؛ لأنه يقوم على ركائز
عائمة، وتراكم الخبرة فيه ضعيف لتنوع أحواله وكثرة خصوصياته. ولله الأمر من
قبل ومن بعد.
стр. 1450
أخطار النزعة المادية في العالم الإسلامي
نقد كتابات جودت سعيد
(٢)
عادل التل
«تهدف هذه الدراسة إلى تحديد المعايير الثابتة وبيان المقاييس الدقيقة لحصر
وتمييز أصحاب الاتجاه المادي، من المفكرين الذين ينطلقون في اتجاههم هذا من
خلال العمل في حقل الدعوة الإسلامية، والذين يلجؤون إلى تفسير النصوص
الشرعية وفق النزعة المادية، كما تهدف ومن خلال رؤية معاصرة إلى إبراز منهج
أهل السنة والجماعة، وعرض طريقة السلف الصالح في مواجهة التحديات
الاعتقادية المعاصرة» .
رصدت في المقالة السابقة أفكار الكاتب جودت سعيد، من خلال نصوص
مختارة من كتبه ورسائله. وسيكون بحثنا هذا حول الحجج التي يعتمدها الكاتب -
والماديون من قبله - في تقديم المعرفة الصادرة عن المادة، وسنبحث في موضوع
السنن.
اتكأ الكاتب - في تقديمه المادة - على مفهوم مراتب الوجود السائدة عند
الفلاسفة والمشهور في الفلسفة، أن الصراع قائم فيها بين منهجين:
ا- المنهج العقلي (المثالي) الذي يقوم على الاعتقاد بأن الفكر هو السابق في
الوجود على المادة، ومن ثم يجب تقديم المعرفة الصادرة عن الفكر في كل شيء.
٢- المنهج المادي (الوضعي) الذي يقوم على الاعتقاد بأن المادة هي أقدم من
الفكر في الوجود، ولذلك يجب تقديم المعرفة الصادرة عن المادة على كل شيء..
وهذه الأفكار التي يتبناها جودت سعيد، ويدعو إلى التمسك بها تشبه الأفكار
الماركسية، وإذا كان الموقف النقدي الشامل يدفعنا لأن نأخذ الجانب التاريخي لهذه
الآراء بالحسبان، فإننا نلمح - وبصورة جازمة - أن تلك الأفكار ترجع في
جذورها التاريخية إلى:
ا- منهج الفلاسفة وطريقتهم في الاستدلال.
٢- منهج القدرية المعطلة - نفاة القدر - الذين وقفوا إلى جانب الفكر المادي
الأرسطي بعد انتقال العدوى في الصراع إلى علم الكلام في ديار الإسلام، وقالوا
بنفي الصفات - الذي قالت به المعتزلة والرافضة - وهؤلاء المعطلة يعتبرون
أسلافاً لأصحاب الفكر المادي المندسين بين المسلمين.
٣- علم الاجتماع الغربي، القائم على المذهب الوضعي، والذي نشأ في
عصر النهضة الأوربية، وهؤلاء يعتبرون أرسطو وأصحابه أسلافاً لهم.
أولاً: تقديم المادة على العقل والنقل:
اهتم جودت سعيد بتعريف كل مرتبة من مراتب الوجود، وبيان خصائصها [*] ليجعل هذا الأسلوب في الاستدلال ذريعة لتقديم المادة على العقل والنقل، وبعد
أن استعرض هذه المراتب انتهى إلى القول [١] : (فالوجود الخارجي - المادي -
هو الثابت الذي كلما اختلفنا في تفسيره رجعنا إليه؛ ودققنا النظر والبحث والتعامل
معه لنصحح الصور الذهنية) . ومنه فإن كل شيء خارج الواقع - المادة - فهو
عنده قابل للزيادة والنقصان [٢] ولا يجوز الاعتماد عليه، ويشمل هذا المفهوم
النصوص الشرعية (كتاباً وسنة) . ويقول في رسالة اللغة والواقع: (ولكن البدء في ...
الدراسة من كتاب الله دون أن يعترف للواقع، أنه هو الذي في النهاية سيشهد بمعنى
الكتاب وصدقه) [٣] .
ثانياً: تقديم العقل على النقل:
يحرص جودت سعيد على تقديم المادة (الواقع) على العقل والنقل - كما رأينا
- إلا أنه يقدم العقل على النقل أيضاً، لأن هذا التقديم ينسجم مع مفهوم مراتب
الوجود الذي اعتمده في تقدم الصور الذهنية - العقلية - على اللفظ والكتابة، وقد
أكثر من النقل عن أبي حامد الغزالي، وتبني منهجه، وخاصة قول الغزالي في
المنطق اليوناني: (هو مقدمة العلوم كلها، ومن لا يحيط به، فلا ثقة له بعلوم
أصلاً) ..
ونلاحظ أن جودت سعيد قد حذف كلمة (المنطق) [٤] من كلام الغزالي لإبعاد
الشبهة عن نفسه في متابعة الفلاسفة والمناطقة الإغريق، والاستمداد من أفكارهم،
والمعروف أن تقديم العقل على النقل يمثل منهج الأشاعرة والمعتزلة، ومن أجل
ذلك بدّل جودت تلك المصطلحات بألفاظ معاصرة، وتُمَثل هذه الفعلة عملية خداع
وتمويه خطيرة.
ثالثاً: مصدر المعرفة:
إن قضية مصدر المعرفة في الإسلام محسومة، وهي لا تتفق مع منهج طريقة
الفلاسفة ولم مع أسلوبهم، فأهل السنة والجماعة يقدِّمون القرآن الكريم والسنة
النبوية عند التنازع، ولا يقدمون ما يتوصل إليه عن طريق الحس ولا عن طريق
العقل. ولابن تيمية كلام مهم في بيان منهج أهل السنة في موضوع العلم حيث
يقول: (طرق العلم ثلاثة: الحس والعقل، والمركب منهما، كالخبر، فمن الأمور
ما لا يمكن عمله إلا بالخبر، كما يعلمه كل شخص بأخبار الصادقين كالخبر
المتواتر، وما يعلم بخبر الأنبياء - صلوات الله عليهم أجمعين - ويمتنع أن يقوم
دليل صحيح، على أن كل ما أخبر به الأنبياء يمكن معرفته بدون الخبر ولهذا كان
أكمل الأمم علماً المقرون بالطرق الحسية والعقلية والخبرية، فمن كذًّب بطريق منها
فاته من العلوم بحسب ما كذب من تلك الطرق) [٥] .
وكثيراً ما يحاول جودت سعيد أن يذكر ابن تيمية في موضوع مراتب الوجود، مما يوهم القارئ أن رأيه في هذه القضية يتطابق مع رأي ابن تيمية، ولكن
الحقيقة غير ذلك على الإطلاق، لأن ابن تيمية وأهل السنة جميعاً لا يقدمون على
الشرع شيئاً، فهم يعارضون المعتزلة وغيرهم في تقديم العقل على النقل وكذاك
يعارضون تقديم الحس على النصوص، ولا يبحثون المسألة مع الفلاسفة أصلاً،
ولا من خلال مراتب الوجود، كما أراد جودت سعيد أن يبعث هذا الأسلوب من
جديد. ولابن تيمية رأي واضح في هذا المقام ونحتاج أن نذكره لقطع طريق
التدليس والنقل المبتور الذي اعتاد جودت أن يستخدمه في مثل هذه المواضع،
يقول ابن تيمية: (وهو سبحانه عَلِمَ ما في الأذهان، وخلق ما في الأعيان وكلاهما
مجعول له، لكنّ الذي في الخارج جعله جعلاً خلقياً، والذي في الذهن جعله جعلاً
تعليمياً..) [٦] .
ولابن تيمية كلام صريح في رد القضية التي يعتمدها جودت سعيد وغيره من
الفلاسفة والمتكلمين من خلال مراتب الوجود حيث يقول [٧] : (والطريق المشهور ...
عند المتكلمين هو: الاستدلال بحدوث الأعراض على حدوث الأجسام، وقد بينا
الكلام على هذه في غير موضع، وأنها مخالفة للشرع والعقل..) . والذي نصل
إليه من هذه المقارنة أن طريقة جودت سعيد في تحديد مصدر المعرفة تَتِّمُّ وفق
أسلوب الفلاسفة وعلماء الكلام وتخالف منهج أهل السنة والجماعة.
مفهوم السنن
بينا - في الحلقة السابقة- أن جودت يجعل السنن في مقابل النبوة حيث يقول: ... (من هنا بدأ الاهتمام بالوقائع والتفاهم مع الله بواسطة سننه، توقفت النبوة لأن
النبوة مرحلية وانتهت) [٨] !
ما هي هذه السنن التي استبدلها بالنبوة؟
يقول الكاتب: (والناس لا يعرفون السنة إلا في الطبيعة، ولا يعترفون بها
في الأنفس، ويعتبرون عالم الأنفس خارج الثبات، أو خارج السنة وهذا مناقض
لمنهج القرآن، بل لمناهج المسلمين السابقين - ولقد جاء إلى العالم الإسلامي قصر
معنى العلم على الآفاق من المفهوم الغربي) [٩] .
يفهم من خلال هذا النص أمراً محدداً: أن الكاتب يعتبر مجال السنن:
١- في المجتمع.
٢- في الأنفس.
٣- في الطبيعة.
والذي يبحث في القرآن الكريم والسنة النبوية وأقوال الصحابة لا تظهر له
جميع هذه المجالات، التي ذكرها الكاتب. قال تعالى: [سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَذِينَ خَلَوْا
مِن قَبْلُ وكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً] [الأحزاب ٣٨] ، أي حكم الله فيها. وقال
سبحانه أيضاً: [سُنَّتَ اللَّهِ الَتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وخَسِرَ هُنَالِكَ الكَافِرُونَ]
[غافر: ٨٥] .
وفي كل آية جاء فيها لفظ السنة، كان يدل على أحد جوانب الدين، ويكون
فيها دعوة للاتباع أو موعظة للاعتبار. وأما في مجال الطبيعة، وفي الدلالة على
أحداثها، كان القرآن يطلق على مثل هذه المواضيع لفظ (الآيات) مثل قوله تعالى: [وآيَةٌ لَّهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ] [يس: ٣٧] ، وإن ما فعله الكاتب من تعميم
مفهوم السنن ليخرج عن إطاره الشرعي، ويقوم بالغاء النبوة والتعامل مع السنن،
فإن هذا يعتبر خروجاً عن المنهج القرآني ومناقضاً له. وإدراك هذا الأمر من
الأهمية بمكان كبير، ولو كان الأمر سيبقى مجرد اصطلاح فحسب، ولا تقوم عليه
نتائج أخرى، لما نشأ عليه أي اعتراض. ولكننا نتعامل مع كاتب يؤمن بالمنهج
المادي ويعتقد بانتهاء النبوة، وانحسار أهميتها ومن هنا ندرك خطر الخلط في
موضوع المصطلحات، وأثرها في تعطيل الآيات في كتاب الله، وتحريفها عن
معانيها، واستبعاد العمل بأحاديث الرسول ﷺ وإخضاعها
للسنن، فعندما يذكر مثالاً للتفريق بين الواقع والقرآن يقول: (القرآن يقول عن القلوب أنها التي تفقه، أي أن القلب هو عضو الفهم، ولكن الواقع، أي التعامل مع الواقع كشف أن القلب ما هو إلا مضخة، ولا علاقة له بالفهم، وإنما فقط هذه المضخة تشتغل بسرعة أو ببطء حسب الأوامر التي تصدر إليها، وليس هي التي تصدر الأوامر) [١٠] . وهكذا ندرك خطر هذا التوجه، وسوء هذا التصرف. ماذا ... حدث له حتى تجرأ على تكذيب القرآن بهذه الطريقة المزرية؟ إن القرآن لم يقل إن عضو الفهم هو العضلة التي تضخ الدم - كما يزعم - وإنما هذا افتراء من جودت سعيد، وتطاول على كتاب الله لا يتصور. إن الآية التي ألمح إليها هي قوله تعالى: [أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَتِي فِي الصُّدُورِ] [الحج ٤٦] . إن ما صدر عنه في تفسير الآية يعتبر خروجاً على أصول التفسير وإغفالاً لمفهوم اللغة التي نزل بها القرآن، ولو أنه عاد - قبل أن يصدر تفسيره الجائر - إلى معاجم اللغة العربية لوجد أن معنى القلب فيها (خالص الشيء وشريفه) ، وقد جاء في لسان
العرب بأنه قد يعبر بالقلب عن العقل. وقد عرف النبي ﷺ في
بيانه بين القلب والفؤاد حين قال: «أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين
قلوباً» [١١] . وإن كنا غير معنيين الآن في بحث مفهوم القلب والعقل إلا أنه من
الضروري كشف عملية التضليل التي يمارسها أصحاب الاتجاه المادي في كتاب الله، من جهة الفصل بين اللغة وآيات الكتاب، ومحاولة إيجاد التناقض بين الكتاب
والواقع وقد قال تعالى: [وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا
كِتَابٍ مُّنِيرٍ * ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ
عَذَابَ الحَرِيقِ] [الحج: ٨-٩] .
الوجود السنني
يربط الكاتب بين القدر وبين مراتب الوجود فيقول [١٢] : (وإن الوجود
الخارجي-المادي - الذي اعتبرناه أساس مراتب الوجود راجع إلى هذا الوجود
السنني -القانون-) ، أي أن القانون هو القدر.
وقد عبر الكاتب عن القدر - الوجود السنني - بأسلوب آخر حيث يقول:
(هذا الوجود السنني، هو نوع آخر من مراتب الوجود، وربما يكون مدخلاً لتصور
الروح، والله تعالى له الأمر والخلق، والروح من أمر الله، [قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ
رَبِّي] [الإسراء ٨٥] ، وأمر الله وكلمة الله وسنة الله، ألفاظ متقاربة في مدلولها،
ولكن سنة الله توصف بأنها لا تتبدل ولا تتحول) [١٣] .
يفهم من هذا النص أن الكاتب يجعل السنن في مقام كلام الله وتعبيراً عن قدر
الله وأمره في الخلق، وكأن الله ليس له تدخل في الكون إلا من خلال السنن التي
قدرها قبل الخلق، وهذا يتفق مع مفهوم المذهب الوضعي الذي يجعل قوانين
الطبيعة وسننها المصدر الأساسي للمعرفة، وهذا ما تبناه الكاتب ودعا إليه من خلال
فكرة مراتب الوجود. وبما أن السنة قابلة للكشف والمعرفة، والروح من أمر الله،
فإن الروح سيكون قابلاً للمعرفة والتصور، وسيكون - حسب هذا المفهوم - كشف
حقيقة الروح قريباً بمتناول الذين وصلوا في مجال العلوم إلى مرحلة الانطلاق وهم
- كما يزعم الكاتب - محور موسكو - واشنطن، وهذا التصور يقود إلى انتهاء
مفهوم الغيب من الحياة.
وهذه مفارقة كبيرة، وانحراف عظيم في التصور الاعتقادي، أن نجمع بين
أمر الله وكلمة الله وسنة الله ليكون الجميع في متناول المعرفة البشرية - كما
يصورها الكاتب - في موضوع الوصول إلى معرفة الروح، فإن ذلك ينسجم مع
مفهوم المذهب الوضعي المعاصر، بإخضاع كل شيء للمنهج التجريبي كما ينسجم
أيضاً مع مفهوم القدرية، وذلك بالإشارة إلى استنباط آخر يقوم على هذا التصور،
وهو أن الله يتفاهم مع البشر بواسطة السنن - الأنبياء من البشر - وأن الله لا يتكلم
إلا من خلال السنن، وهذا هو التعطيل الذي كانت عليه القدرية، الذين ينفون
الصفات عن الله تعالى [١٤] .
ونستطيع أن نختزل رأيه من خلال معادلة رياضية..
كلام الله = قدر الله = الوجود السنني «المادي» = القانون
كلمة الله = أمر الله = سنة الله!
وبما أن سنة الله قابلة للكشف عنده، فلا غيب بعد ذلك..! !
стр. 1451
خواطر في الدعوة
الأعمال الجماعية
محمد العبدة
كان الجيل الأول من الصحابة - رضوان الله عليهم - على فهم عميق
بمقاصد الإسلام ومراميه في إصلاح البشر، وكانت الأمة يومها في حالة إنشاء
وتأسيس وتيقظ واندفاع، فهي تقوم بالأعمال الحضارية بصورة عفوية تأتي من
طبيعة الإسلام نفسه.
في مثل هذه الأجواء قام الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁
بعمل علمي كبير يؤكد حديث رسول الله ﷺ (عليكم بسنتي
وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي..) .
لقد خشي عثمان ﵁ من تفرق المسلمين واختلافهم في
قراءات القرآن، فعزم على جمعهم على مصحف واحد، وشكل لهذا الأمر لجنة
علمية من: زيد بن ثابت، عبد الله بن الزبير، سعيد بن العاص، عبد الرحمن بن
الحارث بن هشام، وسأل عن أفصح هؤلاء، فقيل له سعيد بن العاص، فقال:
فليمل سعيد وليكتب زيد، وقال لهم أيضاً: (إذا اختلفتم أنتم وزيد في شيء من
القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم) . وقامت هذه اللجنة بمهمتها -
وربما تكون أول لجنة علمية في الإسلام - وأرسلت المصاحف إلى الأمصار،
واجتمع الناس على مصحف إمام.
أليس هذا عملاً عظيماً، وهو من صميم حضارة الإسلام؟ وإن عمل هذه
اللجنة يلفت نظرنا إلى ما عليه حال المسلمين اليوم من البعد عن الأعمال الجماعية
والعلمية بخاصة، حيث تجتمع الطاقات وتحشد الجهود، ويستفيد كل واحد من
الآخر، والسبب في هذا أنه لم تترسخ عندنا المؤسسات العلمية التي تقوم على
الجهد المشترك لإخراج أعمال لا يستطيع الفرد أن يقوم بها، وإن فعل فسيكون
إنتاجه ضعيفاً.
إن التخلف الحضاري الذي نعيشه والذي ورثناه يبعدنا عن العمل المؤسسي،
فالفردية متأصلة فينا، ويصعب على الفرد أن يشاركه غيره في عمل علمى، لأنه
لم يتعود على الحوار والمشاركة، وسماع وجهات النظر الأخرى.
إن الأعمال والجهود المتعاونة إذا كانت ضمن منهج علمي واضح ستؤدي إلى
نتائج يتفق عليها الجميع.
стр. 1452
«عواطفنا.. ليست لنا مطايا !!»
خالد بن صالح السيف
إن تأسيس رؤيتنا على بنية عاطفية ظاهرة تناولنا بها جملة من قضايا الأمة
المصيرية! ! ويبدو أننا لم نفق بعد من سكر العاطفة! ونتاج هذا البناء العاطفي
المكرّس بائن في الهزائم المتلاحقة والخسران المضطرد لمدخرات الأمة - الإنسان
على رأس قائمتها - وما زالت قوافلنا يتقدمها حُداة العاطفة أنفسهم بأصواتهم الشجية
وكأننا نسعى بجهد لاهث لأن نصدّق فينا هذا النعت بأننا: (ظاهرة صوتية
فحسب) ! ! ويبدو- ثانية -أن من يُناصبنا العداء هو- الآخر - يمارس باقتدار إذكاء أُوار عاطفتنا بصورة عكسية يظفر هو كنتيجة لها بإبلنا فيمتطي بعضاً ويدخر بعضاً! ! ونحن لا نصدق خبراً فنروح من حينها نوسعه سباً وتدور جولة ثانية تعود ف يها إليه الإبل والسبُّ لنا ثمن بخس! !
إن مجاوزة الحد في عواطفنا مكمن ضعف أُتينا من خلاله، كما أن الغلو في
العقل مكمن خلل سقطنا من خلاله سابقاً - والتوزير الرافضي والاعتزالي شأنه ليس
بسر في العصر العباسي - والشاطبي [١] يعتبر إلغاء هذا المفهوم قاعدة حيث يقول: ... (لا يجعل العقل حاكماً بإطلاق، وقد ثبت عليه حاكم بإطلاق وهو الشرع، بل ...
الواجب عليه أن يقدم ما حقه التقديم - وهو الشرع -، ويؤخر ما حقها التأخير -
وهو العقل -، لأنه لا يصح تقديم الناقص حاكماً على الكامل لأنه خلاف المعقول
والمنقول بل ضد القضية، وهو الموافق للأدلة فلا معدل عنه، لذلك قيل: اجعل
الشرع في يمينك والعقل في يسارك تنبيها على تقديم الشرع على العقل) ..
ونحن بإزاء هذه الظاهرة العاطفية المؤججة نتساءل: هل ثمة وسطية يُثَبَّتُ
فيها طيش العاطفة - بِقِيَم العقل - مناط التكليف وموطن التكريم لتجيء من بعد
النصوص - قرآن وسنة - مهيمنة عليهما في ابتغاء رؤية مؤصلة لا تغيرها
المستجدات بقدر ما تستوعب هي المستجد فتوجهه وفق مُرادات النصوص المتكئة
على فهوم السلف الصالح.
ف (مدار الأمر كله على العقل فإنه إذا تم العقل لم يعمل صاحبه إلا على
أقوى دليل. وثمرة العقل فهم الخطاب وتلمح المقصود من الأمر. ومن فهم
المقصود وعمل على الدليل كان كالباني على أساس وثيق) [٢] ، فهل نعي نحن
لنتجاوز البناء على العاطفة الأرضية الهشة، مستأنسين بمواطن ابن الجوزي،
ومنضبطين بقواعد الشاطبي - رحمهما الله تعالى - فحيثيات الاستخلاف والتمكين
ليست معادلات عاطفية تعالج إشكالاتها (الجماهيرية) بأرقام منْبَتّة فلا هي لظهورها
أبقت ولا هي لأرضها قطعت! !
بل الاستخلاف والتمكين (وعد حق) ممن لا يخلفه - سبحانه - بيد أنه لمن
تتوافر فيه الأهلية بصفاتها المشروطة [وعَدَ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ
الَذِي ارْتَضَى لَهُمْ ولَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ومَن
كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ] [النور ٥٥] ، فالتمكين من لدن الله متحقق لا
محالة إبان الاستواء على الشرط وامتثال واقع النص لا مجرد حفظه وبح الصوت
به..
إن أبجديات النصر والغلبة ليست أمان نُشكّل بها مربعات ضعفنا وهواننا على
الأمم؛ وليست تأريخاً نستجره - حاضراً - لندغدغ به مشاعرنا ونُحذِّر به جيلاً يُبَحُّ
هو الآخر صوته بإنشاد أفعال الماضي: (كنّا.. وكانوا ... كانت لنا.. وآبائي
وأجدادي واسألوا عنا! !) الخ.. منظومة الماضي المجيد الذي مضى برجالاته
صناع تاريخنا الذين نحفل به إلى حد استشرافه ثانية واقعاً نحياه - بإذن الله - إنما
النصر والغلبة.. وعد.. كسابقه مشروط: [إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ ويُثَبِّتْ
أَقْدَامَكُمْ] [محمد ٧] ، ولن يكون شيء من ذلك بلا قرح يمس الجيل.. ولن يكون
بلا ابتلاء ومجاهدة ومصابرة ومن قبل التمحيص: [ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا
ويَمْحَقَ الكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ ويَعْلَمَ
الصَّابِرِينَ] [آل عمران ١٤١-١٤٢] . هكذا يجيء النصر وتجيء الغلبة مع جيل
النصر وحده ذي الصياغة الفردية على منهج المدرسة النبوية.. لا غير..
وأجدني أخيراً مضطراً إلى أن أجعلك تشاركنا مخاض تجربة شيخنا الأستاذ
محمد قطب وهو - أثابه الله - لم يأل جهداً من أمد بعيد وهو يقرر أنه: (برغم كل
عواطف الجماهير، وكل حماستهم التي يبدونها حين يذكر الإسلام فهي حماسة
عاطفية لا تقيم بناءً حقيقياً.. ولا حركة حقيقية.. إنما تحتاج القاعدة إلى الإنشاء
من جديد.. فرداً فرداً حتى يكتمل بناء متماسك كبناء الجماعة الأولى على يد
الرسول ﷺ ، إلا يكن في الدرجة فعلى نفس المنهج، الذي
هو مجال الأسوة في رسول الله -صلى عليه وسلم- وفي الجماعة التي رباها ليقوم
عليها البناء) [٣] .
ويؤكد مرة أخرى على أن المعركة بين الإسلام وأعدائه ليست معركة سريعة
خاطفة بل معركة طويلة شاقة قد تستغرق عدة أجيال: (فينبغي للقاعدة التي تنشأ
للقيام بهذا العبء الضخم أن تربى لتكون طويلة النفس، شديدة الصبر، عميقة
الإيمان بالله، عميقة التوكل عليه، مستعدة لما يتطلبه أمرها من المعاناة وقادرة على
أن تبذل من نفسها: من جهدها ومالها ودمها وفكرها، ما يحتاج إليه إزالة الغربة
التي ألمت بالإسلام اليوم، واستنقاذ) الغثاء (من دوامة السيل واستنباته مرة أخرى
راسياً في الأرض عميق الجذور..) [٤] .
لست أدري.. بعد أن تشكلنا إلى حد، عاطفياً - ولم نفلح - أتصعب معاودة
الصياغة مرة أخرى ضمن ضوابط ما ذكرنا سلفاً؟
الإجابة.. تملكها أنت.. وهو.. وهي وهم.. وأنتم ونحن.. في إطار عمليٍّ
فاعل منشَؤُهُ استقامة الرؤية:
* قال الحسن البصري: (ما استودع الله أحداً عقلاً إلا استنقذه يوماً ما) [٥] .
* قال أبو حفص الكبير الشأن: (من لم يزن أحواله وأفعاله بالكتاب والسنة ولم
يَتَّهِم خواطره فلا تعدوه في ديوان الرجال) [٦] .
стр. 1453
خواطر من عرفات
أحمد بن محمد حسبو
عرفات يا رمز الأمة، والرسالة! عرفات كم وقفت بساحك جموع، وسالت
على ثراك دموع، وتعارف على راحتيك الناس، وذابت في محيطك الأجناس،
وبورك منكسر ورُدَّ شديد المراس. كم تعانقت فوقك قلوب، وفرجت على ثراك
كروب، ومحيت أوزار وذنوب. كم امتزجت فيك دموع المذنبين، وتعانقت
أصوات المستغفرين، وتوحدت رغبات الراغبين.. كم تجردت فيك النيات،
وسالت على جنباتك العبرات، وخشع أهل الأرض لخالق الأرض والسموات.
أيها المسلمون: كم تغلي قلوب أعدائكم حقداً! ! وكم عضَّوا أناملهم غيظاً
وحسداً! ! [مَا يَوَدُّ الَذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ ولا المُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ
خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ] [البقرة ١٠٥] . هم يريدون أن يقطعوا دابر الدين كي تخور القوى، ويُتَبع الهوى، وتَعُمُّ البلوى. كي لا يعز دين، ولا يقوى يقين، ولا يتم تمكين.
كيف يُضْحِي بأسنا بيننا شديداً. وأملنا في العودة إلى المنبع الرائق بعيداً.
أيها الأحباب: إن الذي أمركم بالتلبية فلبيتم، وبالحج فحججتم، وبالوقوف
هنا فوقفتم هو الذي قال: [وأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم] [الأنفال ٦٠] . وتسلحوا لهم
بالتقوى فمن أراد غنى بغير مال، وعزاً بغير جاه، ومهابة بغير سلطان فليتق الله.
فإن الله يأبى أن يذل إلا من عصاه.
وتذكروا جيداً وصية نبيكم منذ ألف وأربعمائة عام يوم النحر في منى وهو
يقول ويقرر، ويوصي ويحذر: (فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم
هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم. ألا هل بلغت؟) قالوا: نعم، قال: (اللهم اشهد. فليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع. فلا ترجعوا
بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض) رواه البخاري.
فاذكروا ذلك جيداً - واعلموا أن الأمة التي تعمل بالمعاصي وتحيد عن أمر
الله تسقط وتنهار، ولستم والله أفضل من سعد بن أبي وقاص - بطل القادسية
المبشر بالجنة، السابق إلى الإسلام - ومع كل ذلك هذه وصية عمر بن الخطاب -
﵁ له وهو متأهب للمسير إلى القادسية حيث قال له: (يا سعد!) ،
لا يغرنك من الله أن قيل خال رسول الله وصاحب رسول الله. فإن الله لا
يمحو السيء بالسيء، ولكنه يمحو السيئة بالحسنة، يا سعد! إن الله ليس بينه
وبين أحد نسب إلا طاعته. فالناس جميعاً شريفهم ووضيعهم في ذات الله سواء.
الله ربهم وهم عباده، يتفاضلون بالتقوى، ويدركون ما عنده بالطاعة) ، فكونوا - ...
رحمكم الله - على المؤمنين قلوباً صافية، وعلى أعداء دينكم أسوداً ضارية.
أنسيتم أيها الأحباب غضبة رسولكم حيث أقسم ألا يبيت اليهود بالمدينة وقد
أنجز ذلك، أنسيتم غضبة الهادئ الوديع الساكن أبي بكر حين زمجر وقال: (والله
لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه) .
أنسيتم غضبة نور الدين حينما وقع الأقصى أسيراً في أيدي الصليبية فظل
حزيناً عابساً ولما سأله سائل: (لم لا تضحك؟) قال: (أستحي من الله أن أبتسم
والأقصى أسير في أيدي الأعداء! !)
والآن أيها الأحباب متى تُحَركُنا مصاحف تُحرق، ومساجد تُهْدَم، وأعراض
تُنْتَهَك، وأطفال أطهار يداسون بالأقدام، ودموع في عين القدس وكشمير والبوسنة
والهرسك وارتيريا والصومال وغيرها.
رُبَّ وامعتصماهُ انطلقت ... مِلءَ أفواهِ الصبايا اليُتَّمِ
لامستْ أسماعَهُمْ لكنَّها ... لم تلامِسْ نخْوةَ المعتصم
نريدها أمة جادة في القول والعمل، إن قالت فبعلم، وإن سالمت فبعلم، وإن
حاربت فبعلم، وإن قررت فبعلم، ليست عابثة، ولا لاهية، ولا غافلة. يقول
يحيي بن معاذ ﵀: (القلوب كالقدور تغلي في الصدور، ومغارفها
ألسنتها. فانتظر الرجل حتى يتكلم فإن لسانه يغترف لك مما في قلبه، من بين حلو
وحامض وعذب ومالح. يخبرك عن طعم قلبه اغتراف لسانه) .
روى البخاري عن عدي بن حاتم الطائي ﵁ قال: (وفدت
في وفد على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ فجعل يدعو رجلاً
رجلاً ويُسميهم، فقلت: أما تعرفني يا أمير المؤمنين؟ قال بلى! ! أسلمت إذ
كفروا، وأقبلت إذ أدبروا، ووفيت إذ غدروا، وعرفت إذ أنكروا، فقال عدي: فلا
أبالي إذاً) . فهذا رصيده وهذا مناط فخره، ورأس ماله، وقوام شخصيته.
إن الهمم العالية لا ترضى بالدنئ ولا تقنع إلا بمعالي الأمور:
قلت للصقر وهو في الجو عال ... اهبط الأرضَ فالهواء جديبُ
قال لي الصقر: في جناحي وعزمي ... وعنانِ السماءِ مرعىً خصيبُ
وهذا المرعى لا شك يجهله الأرضيون، حيث ثقلة الأرض ومطامع الأرض. وتصورات الأرض، ثقلة الخوف على الحياة، والخوف على المال، والخوف
على اللذائذ، والمصالح والمتاع، ثقلة الدعة والراحة والاستقرار:
أتُسبى المسلمات بكل ثغرٍ ... وعيش المسلمين إذن يطيبُ؟
أما لله والإسلام حقُّ ... يدافع عنه شبانٌ وشيبُ؟
فقل لذوي البصائر حيث كانوا ... أجيبوا اللهَ وَيْحَكُمُ أَجِيبوا
стр. 1454
الملف الأدبي
دعوة للأدب
محمد بن حامد الأحمري
هل هذا زمن الدعوة للأدب إنشاء وإطلاعاً؟
وهل انتهت مشاكلنا فلم تبق إلا مشكلة الأدب؟
أم هذه الدعوة من باب الهروب من الواقع المُعاش إلى الخيال الأدبي؟
كارادتش السفاح الصربي الشهير يهيج جنوده بالأشعار والأغاني الجديدة
والقديمة، ويحفظ من أشعار الصرب النصارى القديمة والحديثة ما يثير عواطف
جنوده أشد الإثارة، ويستعيد أشعار الصرب وأحزانهم في حروبهم السالفة مع
العثمانيين، ويتغنى بأمجاد أجداده الذين ماتوا في المعارك مع المسلمين، ويحث
جنوده النصارى على قتل المسلمين عند حنايا الأودية، ويحثهم على اصطياد
المسلمات، ويثير عواطف الصرب باستغلال آدابهم القديمة الحاقدة على المسلمين،
والتي ترجم بعضها وللأسف إلى العربية.
أما نحن فعندنا ضعف في الإنشاء الأدبي وفي استرجاع الأعمال الأدبية
المهمة.
ورب أمة حفظت أدبها وأساطيرها وغابت في طيات النسيان.
أدب الحرب حماسة، وأدب السلم متعة وهو في كل الأحوال صناعة من
القول العذب الراقي يستجمع فيها المنشئ للمادة الأدبية مخزونه العلمي واللغوي
ويستحث خياله لصناعة عالم جديد يبدؤه بهيكل الفكرة الرئيس حتى تكتمل، ثم
يتعهده بأجمل اللباس وأرقى الزينة اللفظية والأسلوبية، في تناسب لا تبعده الفكرة
عن الأسلوب والزينة، ولا تجرده الزينة من المضمون.
حين تطغى الفكرة على اللغة يتحول النص إلى دراسة فكرية جافة، وحين
تطغى الزينة الكلامية والأثقال اللفظية على الفكرة تتشوه الفكرة ويسقط المضمون
والزينة. لأن التناسق الفكري القوي مع الزينة لا تثقل بناء النص، فيحافظ على
رونق مقبول. والفكرة المكثفة الضعيفة الزينة تبقى خاصة بمن يقدر على ركوب
الصعب.
ما من أدب بلا قضية، حتى الذي سموه باللا معقول فإنه يحمل فكرة الضياع
والدعوة لها. إذ الفكرة أو المبدأ ليس إلا الروح السارية في النص، وهي التي
تجعلك تنتقل من صفحة إلى أخرى متابعاً لحدث أكان سببه عندك أو عند الكاتب،
سواء أفسّره كاملاً أو وقف عند جانب منه واكتفى بالرمز والإيحاء لأنه حاول
إعطاء فكرة وهدف.
إن الذين يستغفلون القراء وشداة الأدب بالزعم: إن الفن لا هدف له ولا
قضية ولا فكرة، أضاعوا أجيالاً من أمتنا؛ حاولت أن تنسج على منوال ما قيل لهم
أنه أدب بلا هوية ولا قضية، فإذا بقومنا يكتبون أدباً تملؤه أفكار أمم أخرى،
وتتلبسه صور وأحداث ومجتمعات وأديان غريبة، فهو يرثي أمة مزقت فوق
صلبانها ويحكي الضياع في أدغالها وتستهويه ثلوجها، ويتعارك مع إقطاعها
وحراس كنائسها، ترى أي أدب هذا؟ أليس صورةً لمجتمع وأفكاراً لقضايا
ومجتمعات أخرى تتردد على ألسنة من يقول: ليس لديه قضية ولا لفنه معنى.
نعم ربما كان كذلك، ولكن الذين أوحوا له هذا المعنى السلبي كان عندهم
قضية عالجوها فعالجها هو كما يعالجها أهلها دون أن يعي دوره.
حين ينجو الأديب المقلد من الصورة الوافدة لا تغادره الفكرة الغربية، وما من
عمل أدبي دون قضية أو مأساة إنسانية تعصف بقلب موهوب، سواء أكانت
العاصفة حباً أو حرباً أو موتاً، فهذه إن لامست قلباً موهوباً شجياً، وغنى ثقافياً،
وإرادة للعمل فتحت للناس نافذة للعقل والخيال، وصنعت لهم عملاً أدبياً يحمل فكرة
ومتعة، وينبئ عن صاحب الحال وزمانه جاعلاً فكرة من غير الفكرة. ومن أبسط
المواقف عبرة في سياق لا يخصك ولكنك تجد نفسك من خلاله شاهداً متفاعلاً
بدروس الأدب والحكمة. ولكم تقدر باحثاً عن الحق، هاوياً للمغامرة مثل محمد أسد
في (طريق إلى الإسلام) وأنت معه في تتابع الأحداث، لا يخبرك المؤلف بما يريد، ولكنك بعد زمن تفكر فيما قرأت، قال أحد قراء كتابه: (لقد أحسست بالظمأ في حلقي حين قص محمد أسد قصة الظمأ في الكتاب) ، إنه رسم صوراً في أذهان قرائه فكأنهم شاركوه وحلوا معه وارتحلوا وناقشوا النصارى في مصر، وجذبهم نور الإسلام في أفغانستان، وحاوروا المستشرقين بقوة وثقة. وضاغجي في (السنوات الرهيبة) صور مأساة المسلمين المحاربين في روسيا، واستطاع ... أن يجعل من القارئ مصاحباً له في القوقاز، شاهداً لإسقاط منارة المسجد العالية في قريته، وكأن القارئ يجلس معه في فصله الدراسي يرقب من النافذة السيارة الضخمة وقد ربطت المنارة بالسلاسل وجرتها، والمنارة تميل وتميل ثم تسقط، وكأنما سقطت مدينته، وانتهى تاريخه من تلك الأرض. وتقرأ رواية (السنوات الرهيبة) فكأنك تشاهد هدم المساجد اليوم في البوسنة، وتستمع إلى قول شيخ بوسني: (إن المساجد إذا هدمت فلن يعود المسلمون إلى هذه البقاع، إذا هدم المسجد انتهت هوية البلاد لذا بدؤوا بها) .
مشروعنا الإسلامي اليوم مشروع شامل لكل جوانب الحياة؛ والأدب من
أبرزها كيف لا وقد تميز ميلاد ديننا بالإعجاز القرآني، وبلاغة الكلمة النبوية،
وسحرها الذي تميز بالوضوح والإيجاز، وانتقاء الكلمات حتى ليكاد العادّ أن يعدها.
وبنى القرآن مع السنة ثقافة ثُقِّفَتْ فيها العبارة، وجلَّ الأسلوب فهدى الدعاة
العالم بفكر قويم، وأسلوب بليغ مستمد من كلام الصحابة الذين كان كل واحد منهم
حكيماً أديباً ينطق بكلمات جميلات جليلات كأنهن أفراس مسرجة.
حينما وقع الوهن جراء الانفصال الذي يروق لبعضهم أن يسميه تخصصاً
ذهب أهل المذاهب إلى عالمهم الجاف، وذهب أهل الزينة الكلامية إلى مشاغلهم،
وخرج الأولون بهياكل جافة منحوتة من الجلاميد، وبالغ أهل الزينة في زينتهم
فكانت غثاثة وملالة، فضعف الذوق، وقل الواردون إلى النبعين، ولم يصدروا
بأدب ودعوة وحكمة ذي بال.
مشروعنا الإسلامي يأخذ بشغاف القلوب، وينبه العقول، ويطلب من كلٍّ
جهدَه عملاً ومشاعراً، وفَجْرُنا يتنفس اليوم في أعقاب ليل كان حالكاً بهيماً ولم يزل
غالباً، ولكن فلوله آذنت بالرحيل والله غالب على أمره. والناشئة المسلمة لها ميول
وتلهف إلى الأدب قراءة وإنشاء بل يكاد أن يكون هو الرافد الأول في زمن المراهقة، وأوائل الشباب، لذا يجب أن لا نقف دون الرغبة ولكن نستثمرها وستجر القراءة
الأدبية إلى خير منها بإذن الله.
إن الأدب مدخل لصياغة عقول الناشئة، وتحفيز هممهم، وفتح سبل الأمل
في حياتهم، أما الثقافة المنقوصة فلا تبني الشخصية المتكاملة، والدعوة الجزئية لا
تجمع شمل الأمة، لذا يجب أن نراقب تكامل عملنا، وإلمامه بهذه الجوانب
الرئيسية، وعلينا إعداد القدوات المتميزة بغنى الثقافة، وعمق الشخصية، ونبل
العواطف، واتساع الخيال وآمال الخير.
وفي الصفوف الأولى من مسيرتنا الضاربة بعيداً في أعماق الزمان منارات
تميزت بأصالة المعرفة، ورهافة الحس والذوق بل وبمنهج نقدي واضح رائع أمثال
عمر وابن عباس - رضوان الله تعالى عليهم أجمعين -.
стр. 1455
الملف الأدبي
الحداثة بين التعمير والتدمير
د. حسن بن فهد الهويمل
الثابت من خلال المتابعة أن الحداثة ذاهبة لا محالة، وأن أشياعها سيوفضون
إلى نصب جديدة تقيمها الحضارة المهيمنة، ويقيني أن العالم النامي المسكون
بالتبعية وقابلية الاستجابة يتهيأ لاستقبال (ما بعد الحداثة) وهو مذهب نشأ قبل
خمسين عاماً وبطأ به انشغال المسرح بأدوار الحداثة في ظل إذعان كرسَّه الانبهار
وفقد الثقة والشعور بالنقص. حتى ضاعت الهوية وانطمست المعالم وتلاشت
الخصوصية، ولا مراء في أن الأخذ بعصم المتغيرات قبل وعيها سمة الضعف
والدونية والرداءة.
وما لا ننكره أن الغرب تخطى المقاعد الخلفية، وهب من رقاد طال أمده،
ونهض من تخلف استحكمت ظلمته، ونفض عن نفسه وضر الخرافة وانسلخ من
ماضيه واستقبل حياة مجردة متحررة من كل سلطان، وشكل حياة جديدة خلصته من
عصور التخلف التي حاربت العلم وأحرقت الكتب وربطت الناس بطقوس دينية
ثقيلة.
عمل كل ذلك لحياته الدنيا وحين رفض الآخرة رفضته الأولى وذلك سر
اضطرابه وتدهور حياته.
ولن تتأتى لمشرقنا العربي ممارسة التجربة الغربية لأن له عقيدة ورسالة
وموروثا، تشكلت منها حياته التي خاض بها تجربة التفوق والتألق، ولم يعش
فراغاً فكرياً، وتخلفه وضعفه العارضان نتيجة تفريطه بمؤهلاته القيادية. وحين
أدرك الغرب ببقايا صليبية وطوفان استكباره وهاجس تخوفه أن المارد منتفض لا
محالة، أفاض عليه بسقَطِه وحَشَفِه وسوء كيله ليظل مقطورة مسيرة لا مخيرة.
ومن مصائبنا الجسام قيام بعض المفكرين العرب بترسم خطى المصطلح الغربي ظناً
منهم أن التجربة الناجحة في الغرب سيكتب لها النجاح في الشرق. وتحرر الغرب
من عصور التخلف، ونجاحه في عملية الانفلات من قيوده حمله على جرأة التغيير
والتدمير وامتد وباء التغيير إلى الفن حيث استعذب التخلي والمغامرة بحثاً عن
عرض الحياة الدنيا المحصورة بين رحم الأم ورحم الأرض على حد قول الحق
عنهم [إنْ هِيَ إلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا ومَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ] [الأنعام ٢٩] .
والراصد للتحولات يصاب بالذهول لتتابعها واستشرائها في مجال الفكر
والسياسة والاقتصاد والتربية وعلم النفس والأدب، ففي مجال الفن نهضت
الكلاسيكية ماثلة بالمحافظة على القيم والمعايير القديمة، ولكنها هدمت ليقوم على
أنقاضها مذهب رومانسي تسامى على عقلانية عصر التنوير متجهاً إلى حدس
التوصف رافضاً الموروث في اللغة والشكل والمضمون، ولم يطل مقامهم في
رحابه، لأنهم لا يصبرون على طعام واحد، فألحقوا الرومانسية بالكلاسيكية
ونبذوهما معاً وراء ظهورهم سخرياً ليستقبلوا (البرناسية) وما تلبثوا في مداها إلا
قليلاً، فقد ملوا من لغو الحديث لذاته.. ثم أوجفت عليهم (الواقعية الاشتراكية)
بخيلها ورجلها واستمر ينتابهم طائف منها في مختلف تحولاتهم، وهبت وثنية العلم
تقلب لهم الأمور، فتفتقت أذهانهم عن أدب رمزي سداه الذات والموضوع، ولحمته
العالم العلوي فجسد لهم ضعف الإنسان وقلقه. واتخذ لغة الإشارة والإبهام لغةً بديلةً
عن الوضوح؛ ولما اشتد ساعد الرمزيين أفاضوا إلى (الدادية) واتخذوها احتجاجاً
على القيم والمؤسسات والمنطق فغمرتهم بطوفان القلق والتشاؤم والبَرَم بالحياة
والشك بكل شيء، واستفحل داء العبثية وتشكلت السريالية بتلقائيتها المتحررة من
العقل والقيم والجمال والشعور، وتحقق في ظل سيادتها أحط دركات الفوضى.
ومنها هبت رياح (المستقبلية) متأثرة ببقايا الرمزية وجاء (التصويريون) بصور لا
تتعلق بمعنى ولا عاطفة، وعطلوا التوصيل، وركزوا على الإيحاء والغموض،
ونهض (التعبيريون) بثورتهم ضد الفن السائد، معتمدين على تشويه الملامح
البارزة. وعلى سفوح المذاهب شبت نوابت سوء أدركها الضياع بعد ما أفسدت
الأذواق وعطلت مهمات الكلمة الطيبة وأفقدت الأدب هدفه السامي وغاياته النبيلة.
وتشعبت المذاهب الأدبية، يتجه بعضها إلى الشكل لإيمانه بجمالية الفن وإمتاعه،
ويأخذ بعضها الآخر بعصم الموضوع لإيمانه بنفعية الفن وتوجيهه. وسمع الناس
دوي المصطلحات وصخبها وتداخلت التحولات واختلطت المذاهب، ولم تقم بينهما
حواجز ظرفية تميز بعضها عن بعض، كما لم تقم في الساحة ثوابت وقناعات
يرجع إليها عند الاختلاف. وأقبلت الشيوعية بإلحادها، والرأسمالية بأنانيتها،
وهبت أعاصير الوجودية بعبثها. وقامت صراعات طاحنة بين رؤوس الفتنة،
واختلطت الأمور، واختلت الموازين، وسقط الفن في وحل الصراع، وطاف عليه
وعلى اللغة طائف (البنيوية) يُشرِّح، ويُحوِّل ويفكِّك، وتلقفها الشرق والغرب،
ووجدوا فيها ضالتهم لأنها تًمنِّيهم وتعدهم بالإنقاذ من معضلة النشأة الأولى، وامتدت
إليها يد الملاحدة لينسفوا بها كل منجزات الفكر الإنساني وارتفع مكاؤهم وتصديتهم
بعد ما اكتشفوا الخلية، وضاع رشدهم عندما سئلوا عما قبلها. وبلغ الفن دَرَك
التشتت والضياع بعد طرح مصطلح (الحداثة) ، وفيما بين هذا وذاك نسمع ونرى
مذاهب شتى لها انتفاخ الأسد وضآلة الهر. ويطل عالمنا يستهلكه التلقي الأبله
والتبعية المنضبطة، يركض وراء كل بارق، ويحارب تحت كل راية، ليس له
قضية محددة ولا هدف معين، ولا خصوصية متميزة، يؤمن بمعادلة كاذبة أطلقها
الحاقدون وصدقها المغفلون، فإما الإسلام والتخلف؛ أو العلمانية والتقدم، وأشاعوا
بأن الخطاب الإسلامي برداءته وإسفافه ومرجعيته يقف في وجه المستجدات
ويحارب العقل، ويشل التفكير. والحق أن العقل شرط التكليف، والتفكير فريضة
إسلامية. وجرَّت (الحداثة) وابلاً من إشكالياتها تمثلت في تعددها واختلاف
الحداثيين حول مقتضيات كل حداثة ومداها في التغيير، فالحداثة لم تكن أحادية
اللغة فكل قومية لها لغتها.. وكل لغة لها حداثتها. ولم تكن أحادية الأصل والتراث
فلكل قوم أصولهم وأسلوب التعامل مع هذه الأصول. ولم تكن نتاج مرحلة زمنية
واحدة، فعمرها يمتد مع الزمن الماضي، حتى أن رموز الحداثة العربية التمسوها
في اتجاهات تراثية متباينة. فهي عند أبي تمام لغوية، وعند أبي نواس عبثية،
وعند الرومي عقدية، وعند المتنبي ثورية، ومن ثم فهي مترامية الأطراف مختلفة
الألسن متباينة الأصول، ومتناقضة العقائد، فلكل رمز من رموزها حداثته.. ولكل
عصر حداثته، وهناك حداثة مطلقة وأخرى مشروطة، وحداثة إبداع، وحداثة فكر.
وتبعاً لهذا جاء تركيبها معقداً، واستوعبت كل المتناقضات وأصبح من
المجازفة إطلاق الأحكام العامة في سياق الإدانة أو البراءة.
واتساع نطاق الحداثة وتعاقب المنظرين واختلاف ألسنتهم وألوانهم ومشاربهم
وخلفياتهم الثقافية والعقدية هيأ للخلاف البين حول رسم خارطة لها.. ولو أتيحت
متابعة متأنية لطروحات الدارسين لكنا أمام كم هائل من الحداثات حتى أن بعض
النقاد يشك في قيمة المصطلح كأداة نقدية نظرية، ولكن غبش الرؤية لا يمنع من
تسليط الأضواء على المقترفات. ونحن في عالمنا العربي نتلقى هذا الفيض،
ونتمثل هذا الخلاف فنقول مثل قولهم، ونختلف كاختلافهم، حتى لو دخلوا جحر
ضبٍّ لدخلناه، وعلى المناهضين للحداثة أن يتلبثوا في أحكامهم، لأن الحداثة
العربية خليط من حداثات شتى، تسربت من كل جهة، ونسلت من كل حدب.
وفي إطار هذه التحولات المتلاحقة لن نستطيع إعطاء صورة سوية مقرؤوة
الملامح (للحداثة) ، لأنها تنتمي إلى مفاهيم متغيرة متناقضة. كالمفهوم التاريخي،
واللا تاريخي، ويسمى بالمكونات اللا زمنية، والمفهوم العقدي والفني. وإذ لم تكن
أحادية الظرف واللغة والثقافة والحضارة والدين جاء مصطلحها إشكالاً متنامياً بذاته. فالربط الزمني يحوله إلى صراع القديم والجديد مما عرفه أسلافنا: كأبي عمرو
بن العلاء والأصمعي والمبرد وابن قتيبة، والربط الدلالي يحوله إلى مقابل دلالي
هو (القِدَم) ، والربط التشكيلي يحوله إلى مناحي التجديد في الصورة والوزن
والأسلوب. وكل هذه الروابط لا تحسم جدل الحداثة، لأن جدلها عقدي حضاري
فلسفي قبل أن يكون فنياً. ومقتضيات المصطلح الغربي أخرجها من كل أطرها
الفنية، ليورطها في ممارسة منحازة تدعي الاستجابة للانفجار المَعْرفي، مما
يستتبع تفجير اللغة والبنية والدلالة، ومن ثم يتغير موقف الفن من الله والإنسان
والكون.
وعندما ناشد بعض منظري الحداثة بوضع فلسفة لها، وقدم مشروعاً يقوم
على تشكيلها من الفلسفات (الوضعية) (والمثالية) (والواقعية) ؛ تساءل أحد
الباحثين بسخرية مضحكة: (أيَّة وضعية تعني: أتعني وضعية) أوغست كونت (أو وضعية) مور (أو الوضعية المنطقية ... وأية مثالية تعني: هل تعني المثالية ...
الذاتية. مثالية) فيخته (أو المثالية الموضوعية مثالية) سللنغ (أو المثالية المطلقة مثالية) هيجل (أو المثالية المتعالية مثالية) كانت (أو المثالية الإشكالية مثالية (ديكارت) . ومع كل الصعوبات ما برح الوسطاء والتوفيقيون يخو ضون جولات مرهقة للقضاء على عنصر الرفض، وردم هوة الخلاف، وتجسير الفجوات القائمة بين الحداثة الغربية ومطالبنا الملحة في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ولم يفكروا في تشكيل حداثة تحافظ على خصوصيتنا، وتستجيب لمطالبنا، وتنسجم مع قناعاتنا وثوابتنا، بحداثة تحترم ذوق المتلقي، وتملأ فراغ نفسه، وتوقف نزيف الكلمة الطيبة المنحورة على نصب الغموض والنثرية وعبث القول.
وفي سياق التبرير والتوفيق نسمع وصف (الحداثة) والتحديث والتفريق بين
التجديد والتجدد، والاحتذاء والتجريب. ونضيق من الإسراف في ضرب الأمثال
وتناسي جوهر الأشياء وما تفضي إليه، والقول بأن الحداثة مطلق التغيير، وتقدير
حتمية التجديد، وتناسي ذلك عند التطبيق.
والكلمة.. وتفسير الكلمة لا يحل الإشكال. وإذ نؤمن بالتجدد وضرورة
التجريب يجب أن نضع لذلك ضوابطاً وشروطاً فيها اتساع ومرونة. فالتجريب
بدون ضوابط عبث، والتجريب بدون انتماء ضلال، والتجريب دون ثقافة ووعي
تخريب. والعبث والضلال والتخريب مرتكزات الحداثة التدميرية ومنطلقاتها. وإذا
أردنا مواكبة المستجدات والفكاك من العزلة والانكماش، فلا بد من التحرك في
إطار الانتماء والضوابط والثقافة والوعي، ويكون الانتماء باستصحاب مقتضاه
[الَذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وقُعُوداً وعَلَى جُنُوبِهِمْ] [آل عمران ١٩١] ، [كُنتُمْ خَيْرَ
أُمَّةٍ] ، [ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ] [آل عمران ١٣٩] ، [واعْبُدْ
رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ] [الحجر ٩٩] . ولا تكون الثقافة إلا باستيعاب الموروث
وتمثل الطارىء. ولا يكون الوعي إلا بفهم المرحلة المعاشة ومعرفة متطلباتها.
وبهذا كله نستطيع التفكير في (أَسْلَمةِ الحداثة) وجعلها إشكالية عربية متحاشية
التورط في الإلحاد والرفض والتصدي للإسلام واتهامه بتزييف الوعي وسخافة
الخطاب، في سبيل تحديث الإسلام لأسلمة الحداثة.. وإذ لا ننكر وجود تحولات
في كل أوجه الحياة؛ فإن الأدب شعره ونثره طرأ عليه تجديد واضح وملموس
أدركه علماء القرن الثاني، ورفضه بعضهم وسماه بالمحدث، ومع المقاومة العنيفة
والتصدي القوي غلب الجديد لأنه سنة الحياة التي لا تتبدل ولأن لكل زمان ذوقه
وتطلعاته، فهلا نطلق كلمة حداثة على هذا اللون من الأدب، أو أن من لازم شيئاً
اشتهر به، وملازمة الحداثة للمخالفة المرفوضة حددت مفهومها. مجرد سؤال.
فلربما يقول البعض: إن رفض هذا الإطلاق من باب كف الغيبة ودفع الشبهة
والابتعاد عن الحمى على هدى: [لا تَقُولُوا رَاعِنَا وقُولُوا انظُرْنَا] [البقرة ١٠٤] ،
فالنهي لا يرتبط بالمدلول الوضعي لهذا الجذر العربي، وإنما ينظر إلى ملابساته
وسياقه وظرفه. وعلى غرار (الكافر) للمزارع (والغائط) للمنخفض من الأرض.
فتحامي الاستعمال لتلبس الدلالة، ولما كانت ملابسات الحداثة بهذا الشكل
رفض البعض إطلاقها تلافياً للتوهيم. وقبل أن نختلف حول قبول المسمى أو
رفضه، لا بد أن نفهم جذور البلاء، ونستبين ملامح الدعاة فكم من دعاة على
أبواب جهنم. ولا يتم ذلك إلا بفهم متكامل لطبيعة الصراع بين الإسلام وسائر
القوى المضادة منذ أن وقف المنافقون واليهود في وجه المهاجرين والأنصار إلى
يومنا هذا. ولا يتم إلا بفهم شامل ودقيق للبعد الثقافي لكل الفترات ولكل
الشخصيات التي تركت بصماتها واضحة في مسار العالم الإسلامي، ابتداء من
الحملة الفرنسية، ومروراً بمحمد علي وأتاتورك، ثم بالعلماء والأدباء والمفكرين
الذين اختلفت فيهم الآراء، ومعرفة فصائل الصراع ودوافعها والممول الفعلي لهذا
الصراع وسبر أغواره وفهم منازعه. ومع كل هذا يجب استبعاد سوء النية
والتخلص من عقدة الغزو الثقافي فليس من صالحنا أن نعيش هذا الهاجس في كل
مواجهاتنا، وأن نعتبر أنفسنا في حالة حرب مستمرة مع الطرف الآخر. إن هناك
غزواً ولكنه دون الشمول الذي نتصوره، وبالتالي فليست كل ممارسات الغرب من
باب المكيدة، وفهمنا الصحيح للغزو يحدد أسلوب تحركنا وتعاملنا، وفهمنا للدعوات
يكشف الهدف من قبل التورط في النتائج.
ولو أننا فهمنا جذور البلاء وميزنا بين الغزو والتبادل لحلنا بين العدو وبين ما
يشتهي، ولتخلصنا من داء العزلة والتبعية. إن إمكانات العصر أدت إلى سرعة
الاتصال وتعدد قنواته وتداخل حاجاته وتلاحق متغيراته. وكل ذلك أسهم في تصعيد
مشكلة التصور، وأفضى إلى خلافات لا تخلو من الوهم والتفاهة والهامشية. (والحداثة) في سياق طروحات الغرب اختلفت حولها الآراء، والثابت أنها تستمد
لحمتها وسداها من واقعها المعاش، ومن ثم فإن لكل زمان، ولكل أمة، ولكل ثقافة
(حداثة متميزة) . هذا ما يجب أن يكون، أو ما هو كائن عند غير المقلدين، فهل
نملك القدرة على بلورة (حداثة عربية) ذات شخصية متميزة تصد وباء الطارىء
وتغني شبابنا عن الركض وراء سراب القيعان، وتطوق مكائد الأعداء ومكرهم
وتفسد عليهم حيلهم.
حداثة ذات ملامح عربية وإسلامية، ثم لنسمها ما شئنا حداثة أو معاصرة أو
تجديداً. ثم أنملك - وذلك أضعف الإيمان - القدرة على تحييد الحداثة القائمة من
عبثية التدمير. أم أنها عالمية الانتماء علمانية العقيدة، ثورية الحركة. ودورنا
يقف عند التلقي.
إننا نسمع بإمكان بلورة حداثة عربية، ونسمع من يؤكد هذه الهيمنة الغربية
على الحداثة العربية، ومن يناقض نفسه فينظر إلى إشكاليتها التراثية من خلال
محورين: أحدهما باركه ابرت قتيبة والمبرد وابن جني وابن رشيق. محور
التجديد الدلالي واللغوي والتجديد في البناء والصورة والأسلوب. ومحور التمرد
على الأعراف، كما هو عند الصعاليك، والتمرد على القيم والأخلاق كما هو عند
الخمريين، والمجان، والعلمانيين، والتمرد على السلفية كما هو عند شعراء الفرق، والتمرد على السلطة كما هو عند شعراء الطوائف، ومحور التمرد على الأعراف
والسلفية والأخلاق والسلطة يمثل الحداثة الحقيقية عند رموز التدمير. ونسمع من
ينادي بضرورة ربطها بحداثة الغرب ومن يراها جزءاً من مشروع حضاري شامل. وتلك المقولات المشبوهة تقف دون مشروع حداثة عربية وفصلها عن سياقها
الاجتماعي والتاريخي والحضاري في الغرب. وحين نتفق على تعريب الحداثة
وأسلمتها - ولا أحسبنا متفقين - فمن المخول بوضع شروطها وتحديد أبعادها
الدلالية والفنية؟ وتلك مشكلة لم تنشأ بعد.
وإذا كانت الحداثة في الغرب متلوثةً بمادية الماركسيين وإلحادية الوجوديين
فإنها في الشرق متلوثة بباطنية الهدامين ومادية المخربين وصليبية الحاقدين
وعلمانية المارقين.
وفي إطار هذا التورط، أنقدر على التوفيق بين وجهات النظر، ونتخلص من
تطاحن الأجيال ونطرح بديلاً يقوم على أصالة قادرة على المقاومة والتماسك في
مواجهة الطارئ؟ أم نتسلل لواذاً ونفضل التخلي عن جذر عربي للأعداء ينتزعونه
كما انتزعوا غيره على مر التاريخ العربي المدان بالتخلي الجغرافي والفكري. إنها
مشكلة يجب أن نفكر فيها جيداً قبل أن نتخذ القرار بالرفض أو القبول، لأننا مللنا
الخلاف والشجب والتناحر الكلامي، وحان الوقت لنلتقي على كلمة سواء ترأب
الصدع، وتفك الاشتباك، وتعيد لنا بعض ما فقدناه.
لقد تفرق الناس على مواجهة الحداثة إلى أصناف ثلاثة تذبذبت الحداثة عندها
بين التصنيم والتجريم والتحتيم. ففئة ترفضها بلا تفصيل، وتتهم أربابها، دون
استثناء، ولا تقبل بالمفهوم العام للتجديد والمعاصرة على سنن من قبلها من أدباء
وعلماء، ولا تفرق بين من يقبلها مفهوماً للتجديد الفني الخالص، ومن يتورط
بمدلولها الدنس وتدنيها المادي، وهذا الصنف تحركه عاطفة جياشة متقدة وتدفعه
نار متأججة، وتتحكم به رؤية غير واضحة؛ ومع عنف المواجهة وصرامتها فإن
العائد ضئيل والأثر وقتي. أما الصنف الاخر فخليط عجيب مريب من المشبوهين
والإمعات والتبعيين وعشاق الشهرة بالمخالفة، وهذا الصنف يحمل جراثيم متنوعة
لا يقضي عليها بوصفة علاجية واحدة لأن فيها مريض القلب، وضعيف الإيمان،
والمتردد، والمستجيب ببلاهة والشاك القلق، ومهزوز التصور والجاهل المستكبر،
والمتردية والنطيحة، والموقوذة وما أكل العدو.. والتصدي لهذا الخليط من
الفصائل - متفرقين أو مجتمعين - يتطلب الفهم والقوة والدراية والدربة في إطار
منهج دقيق وتحرف حاذق وأسلوب متكافىء للمجادلة والمحاجة، فالمخربون لا
يتحركون بهمجية ولا ينطلقون من فراغ، إن فيهم أساطين فكر يعرفون الحق ولكن
الهوى أصمهم وأعمى أبصارهم، وفيهم من يخبط كالعشواء في مجاهل التيه لا
يلوي على شيء من الوعي أو العلم بل سمع الناس يقولون شيئاً فقاله، ومشكلة
الواقع العربي استفاضة هذا النوع الذي يرفع رصيد الإمعية والغثائية وقابلية
الاستجابة لكل ناعق.
وثالث الثلاثة فئة تزودت من الثقافة بمفهومها الواسع، وتضلعت من التراث، وفهمت الحد المقبول من المعاصرة، وألمت بالمرحلة ومقتضياتها، وكشفت من
مكائد المقنعين والمندسين للوقيعة والفتنة وعرفت المدى المتاح للتغير والتجديد، ولم
تعر السمة أهمية بل نفذت إلى الجوهر، وجاء صراعها وتصديها متكافئين مع قوة
الخصم ومكره وخطورة الطرح المضاد، ومشكلتها الصراع الجانبي مع المتصدين
للأحداث عاطفياً، الذين يجهلون بعض الملابسات ويحرصون على تكريس الكيانات
وتنمية الصراع المذهبي. والحرص على التآلف لا يمنع من كلمة الحق، وواجبنا
الديني يقتضي الصدق والصراحة.
فالغاية واحدة والهدف مشترك، واختلاف المناهج يشفع له اتحاد الغايات.
وعلى المتخاذل في مواجهة الباطل والمتردي والمندفع باهتياج أعزل أن يقدروا
جميعاً المواقف غير المتضادة فكل إنسان مسؤول عن القول والصمت، [مَا يَلْفِظُ
مِن قَوْلٍ إلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ] [ق ١٨] ، [وجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ
وشَهِيدٌ] [ق ٢١] .
وما أريد تأكيده في هذا الموقف أننا حين نتحدث يجب أن نفكر بمسئوليتنا
الشاملة، فليست مهمتنا مقتصرة على الأقربين، فالعالم الإسلامي وحدة لا تتجزأ،
ومن لم يحمل هم أمته فوق كل أرض وتحت كل سماء فما أدى مسؤوليته، وعندما
نعرض مشاكلنا ونصنف الناس فإنما ننطلق من تصور شامل للمسلمين وهمومهم في
الداخل والخارج، وخدمة العقيدة ليست وقفاً على فرد أو جماعة وليست خاصة
بموقع دون موقع. فكل مسلم على ثغر من ثغور الإسلام، ومهمته أن يحفظ هذا
الثغر بكل ما آتاه الله من قوة وفق ما يراه مجدياً في هذا السبيل، وعلى المرء ألا
يكلف نفسه فوق طاقاتها، ودخول المعركة الفكرية بدون سلاح فكري متكافىء
تمكين للخصم وتكليف للنفس، والتصدي للفكر المضاد مناطه القدرة.
وإذا أردنا مصداقيتنا الاستمرار فعلينا أن نتخطى التعميم والتشهير وعشوائية
التصدي وأن نتجه بأناة وروية إلى الجانحين في إبداعاتهم أو في تنظيرهم لتنبيههم
وأخذهم بما اقترفوا، وتلافي إطلاق الأحكام العامة على أي مذهب يختلف حوله
الناس، وتختلف الفئة في إطاره، لأن في ذلك إفلاتاً للمذنب.
وصراع المذاهب معروف وقائم لا يستنكره أحد لأنه قد يحمل على التعصب
والهوى والمنافسة، فلا يكون له وقع ولا أثر، والمصرون على الحنث يجدون في
التراشق المذهبي فرصة ادعاء أن الخلاف من باب التنوع لا من باب التضاد.
والصراع الفكري يكرس المذهبية، ويقيم الكيانات، ويجعل الولاء والبراء للمذهب، فما الداعي لتجاوز نص الإدانة وخصوصيته إلى أفق المذهب وعموميته.
والصراع المذهبي قد يحيد بنا عن العدل في الحكم، ونحن مطالبون بالعدل،
والعدل صنو التفكير العلمي الذي لا يقبل الارتجال ولا التعميم ولا الانطباعية،
ومن مقتضياته تحديد الأحكام، وأخذ الأمور بقوة الفهم ودقة التصور، ومواجهة
الظاهرة بعقلية مستنيرة متفتحة تتيح الفرصة لعرض مفردات الظاهرة. والتبين
مطلب إسلامي ولا يعيب الحق مصدره، والمصطفى بخلقه العظيم أثنى على حلف
الفضول، وهو حلف جاهلي، وإذا بدت ظاهرة أدبية أو فكرية فعلينا محاكمتها
بصرف النظر عن مصدرها، فإن صحت قبلناها؛ وإلا رددناها. ولعلنا على علم
بنغمة حوار الحضارات، وقبل الدخول في دوامته لا بد أن نعرف مهمتنا في الحياة
وهويتنا وخصوصيتنا. فحوار الحضارات لا يعني التخلي عن ثوابتنا، ولا يعني
اللجاجة ومصادرة حق الطرف الآخر. والمحق في كل زمان ومكان حاجته إيصال
صوته، وإذا لم يذعن المبطلون لهذا الصوت فإنهم سيضيقون به ذرعاً، لأنه
صوت الضمير الحي والفطرة السليمة. والاستجابة لهذا الصوت آتية لا محالة،
فعلى صاحب الحق أن ينفي خبث اللجاجة عن صوته، وأن يقف حيث يتم
التوصيل. والمرتجفون من صوت الحق يتواصون فيما بينهم [لا تَسْمَعُوا لِهَذَا
القُرْآنِ والْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ] [فصلت ٢٦] ، لأن صوت الحق إن لم يغلب
أوهن الخصم وخلخل حشوده، وما دمنا أصحاب حق فإن علينا أن نقتصر على
التوصيل. والفكر الإسلامي في مواجهته لكل التيارات بحاجة إلى الهدوء والأناة
والملاطفة [ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ والْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ] [النحل ١٢٥] ،
وبحاجة إلى تلافي صراع النجومية الذي يحوله إلى أداة تصارع من أجل الكسب لا
من أجل التصحيح. وبحاجة إلى تلافي صراع المذهبية الذي يحول الولاء والبراء
للكيان ولأعلامه. وبحاجة إلى فهم الطرح، وتمثله سلوكاً ومنهج حياة وفهم الطرح
المضاد، والاعتراف بحقه إن كان ثمة حق في بعض مفرداته، فالاعتراف بحق
الغير دعم للمصداقية. ويحتاج أيضاً إلى عقلية مستوعبة تفهم المرحلة ومتطلباتها،
وتدرك حجم المواجهة والامكانيات المتاحة. وتدرك قبل هذا وبعده ما يحاك داخل
أوكار الماكرين لمعرفة المنحرفين الذين ينسلون من كل حدب ليندسوا في الصف
الإسلامي وراء قناع الغيرة على الإسلام والدفاع عنه. وما الصهيونية والماسونية
والعلمانية والماركسية والرأسمالية والوجودية والباطنية وسائر النحل المنحرفة إلا
تشكل معاصر لجيش الفتن الذي فرق بين كلمة المسلمين وجعل الصحابي يشهر
سيفه في وجه أخيه. وما علينا لو أعدنا قراءة التاريخ لنتزود من مواقفه، فالتاريخ
قد يعيد نفسه، وقد نسمع ونرى ابن السوداء ماثلاً أمامنا يشعل الفتنة ويغرر بالناس. فلنأخذ حذرنا ولنعرف أن زماننا المواتي لن يترك فنحن أصحاب نعمة واستقرار
ورخاء. وهل هناك نعمة تتكافأ مع نعمة الإسلام.
стр. 1456
الملف الأدبي
مقدمة في بناء الرواية
د.مصطفى بكري بن محمد السيد
- ١ -
مكتبة علوم القرآن، معجزة أخرى لهذا الكتاب العظيم، تتمثل في نهر ...
المعرفة المتدفقة التي فجرتها آياته وكلماته منذ لحظة نزوله الأولى وحتى النصف
الأول من الألف الثانية من عمره المبارك، هذا ما كان في المضمار الثقافي، أما
في الميدان العملي، فما زال يبعث في الأمة أملاً متجدداً وعزة قعساء [١] ، لا ترى
فيما يجبهها أكثر من كبوة عابرة ومحنة زائلة، لأنها تجد في تاريخ البشرية الممتد
فوق جباه القرون لوحات ناطقة، مواعظ وعبراً، إنشاءً وخبراً، وكم أرخت هموم
الحياة سدولها على واقع المسلمين حتى قال أعداؤهم: هذه مُهلكتهُم، فيُقيِّض الله
لهذه الغمة رجالاً ينكشف بهم الضر ويصححون العلاقة بين الأمة والقرآن، بتقديم
الدراسة الواعية والقراءة العميقة، التي تجعل منه سوراً منيعاً أمام محاولات
الاجتياح الثقافي والانكسار الحضاري.
لقد كان القرآن الكريم مصحوباً بالحديث الشريف أمام كل انتصار ووراء كل
وثبة للأمة الإسلامية؛ وكان العلماء هم الطليعة في كل الزحوف، ولم يكن أعداء
الدين جاهلين مصدر قوة المسلمين وتماسكهم، ففكروا وقدروا ثم فكروا وقدروا
فرأوا ألا مُكْنة [٢] لهم في إدخال الزيادة أو النقصان على حروفه وكلماته وسوره
وآياته لأنه محفوظ في حرز حريز إنجازاً لوعد الله الذي تكفل بحفظه حيث يقول:
[إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ] [الحجر١٥] ، فلم يصبه ما أصاب الكتب الماضية من التحريف والتبديل وانقطاع السند، حيث لم يتكفل الله بحفظها، بل وكلها إلى حفظ الناس فقال تعالى: [والرَّبَّانِيُّونَ والأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ] [المائدة ٤٤] ، أي بما طلب إليهم حفظه، والسر في هذه التفرقة أن سائر الكتب السماوية جيء بها على التوقيت لا التأبيد وأن هذا القرآن جيء به مصدقاً لما بين يديه ومهيمناً عليه [٣] ..
(وكم من القناطير المقنطرة من الذهب والفضة تنفق في كل عام لمحو هذا
القرآن وصد الناس عن الإسلام بالتضليل والبهتان والخداع والإغراء ثم لا يظفر
أهلها من وراء ذلك إلا بما قال الله تعالى: [إنَّ الَذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا
عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ] [الأنفال ٣٦] ، ذلك بأن
الذي يمسكه أن يزول هو الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا) [٤] .
إن أكبر مصيبة تحل بالمسلمين هو أن يحال بينهم وبين كتاب ربهم وسنة
نبيهم، وذلك عندما يُقرآن قراءة لا تتأسس على أصول السلف ولا تستصحب معها
رؤى العصر، إن ذلك عندما يحصل يجعل من المسلمين أمة بلا هوية، ويفقدهم
الشهادة على الناس لأن الحياة لا تستأمر غائبين، ولا تستشهد مغيبين.
- ٢ -
وإن من أكبر الجهاد إعادة تشكيل العقل المسلم وبناءه على معايير النصين
المباركين في كل شؤون الحياة الحاضرة والتي يعد الأدب المعاصر أحد أهم روافدها، وفي التجهيز المعنوي والأسلوبي للأدب ما يؤهله ليوفر المساندة الفعالة لتصحيم
مسار الحياة الإسلامية، وإيقاف التداعي المؤسسي والخلل البنيوي في جهدها
وجهادها، وإذا كانت أفعالنا أبناءً لأفكارنا فإن دور النص الأدبي في مملكة الفكر
يأتي بعد النص الشرعي مكوناً أساساً للبنية الثقافية للفرد والأمة، وفي الثقافة العامة
والخاصة لأية أمة يكمن التفسير الدقيق لفعلها وانفعالها وتخلفها، ومن هنا فالأدب
الذي يكون اليوم أسطورياً، سيكون غداً شخوصاً ودستوراً، ولكم سمعنا عن نبيل
يخال القرار يباعد الأجل فيتحرك محفوظه الشعري ليرده إلى قلب المعركة كما
حصل لمعاوية بن أبي سفيان ﵄[٥] والمتنبي.
وكم رأينا قائلاً يتوازى إيقاعه مع توقيع [٦] الأمة فيتوحد المرسل بالمتلقي
ليصبح عمله الأدبي صوتاً قومياً كنونية عمرو بن كلثوم أو نشيداً إسلامياً كبائية أبي
تمام (١٩٠ هـ - ٢٣١ هـ) التي جعلت مباشرة الخيار العسكري دليلاً على وجود الأمة وألقت بمؤسسة الكهانة في مزابل التاريخ.
وليست القصة أقل خطراً من الشعر في أثرها وتأثيرها، بل وفي إيثارها من
القراء أكثرهم على بقية الأجناس الأدبية. ففي صياغتها النثرية ما يحرر المبدع من
بعض القيود، التي قد تحدّ من تدفق أفكاره.
ولئن كان الشعر قد أطرب البشرية وأمتعها، فإن النثر قد بلغ مع هذين
الهدفين أهدافاً كثيرة أخرى كالمعرفة والخبرة وتقطير التجربة. والنثر كما كان
أسلوب الكتب المنزلة من الله ، هو أيضاً لسان الحياة الحديثة، (لأن
الأديب فيه يكون أكثر حرية تجاه اللغة فهو ليس مقيداً بقيود التشكيل الموسيقي
للشعر، والذي تقف فيه (أنا) الشاعر ولغته ورؤيته في الصدارة) [٧] .
وهذا رأي كبار النقاد الذين يؤمنون بأن (لغة النثر حمالة للمضمون والمحتوى، وأن قيمتها فيما تحمله من أفكار للتخاطب، ولغة الشعر قيمتها ذاتية، لأنها تهدف
إلى توصيل معان ومضامين، بقدر ما تشكله هي ذاتها من تعبير فني يقوم على
التوزيع الصوتي والموسيقي، والقدرات التعبيرية الصورية أو المادية، أو
الإيحاءات الكامنة الهائلة التي يمكن أن تفجرها الصور الشعرية في ائتلافها
وتلاحمها أو في تعارضها وتنافرها) [٨] .
(فالكلمة في الشعر تستخدم بطاقاتها التصويرية، والتشكيلية والإيقاعية،
وليست مهمتها في الدرجة الأولى أن تحكي الحدث، إنما الشعر طاقة انفعالية
وشعورية مكثفة إزاء موقف ما أو حدث ما) [٩] .
أما القاصُّ فالمطلوب منه أن يختفي كلية وراء عمله، وأن يفسح المجال
للشخوص كي تتحرك في علاقات محددة، وأن يدع الأفعال تترابط وتتحرك على
مستوى معين، ثم أن يدع الحركة تنمو والزمن يتحرك من الماضي إلى الحاضر أو
العكس، ومن الحاضر والماضي إلى المستقبل ثم عليه بعد ذلك أن يعزز المغزى
البعيد الذي ينسج من حوله الأحداث وتطور الزمن وحوار الشخوص مع بعضهم
بعضاً.
والكثيرون من المبدعين يؤثرونها أي القصة (لأنها أقدر الأنواع الأدبية على
التأثير على الناس أفراداً وجماعات وطبقات وحقباً معاصرة وتاريخية) [١٠] .
وبتقدم الأمم ثقافياً وفكرياً وإيثارها التأمل على الصوت والتحليل على الانفعال
فمن المحتمل في ظل ذلك أن تقفز القصة لتكون فن المستقبل، وربما صارت
الجنس الأدبي الذي يحتكر القراءة والقراء، إذ فيها من الشعر لغته، ومن المسرح
قضيته. ومضامينها المختلفة تشكل لقرائها ومشاهديها ومستمعيها - عبر وسائل
الإعلام - منظومة معرفية، ودستورية أخلاقية وذوقية، ومعايير محاكمة للذات
والآخر أفراداً وجماعات أفكاراً وتيارات، ولو رحنا نحلل فكرياً وسلوكياً ثقافة
الكثيرين لوجدناها غالباً تنحدر من مقروءاتهم القصصية، ولعل ذلك يجعلنا نفقه
لماذا يأتي نجيب محفوظ في مقدمة المقروئين في مصر يتلوه الشيخ محمد متولي
الشعراوي [١١] فهذه النتيجة تفصح عن مكانة القصة والثقافة الشرعية وإن كنا
نرجو أن تتقدم الثانية على الأولى..
إن القصة تفعِّل الموضوع الماضي الحاضر وتخصبه فنياً ليكون المستقبل،
لأن الفنان حقاً لن يذهب إلى عرض الحياة في صورة فوتوغرافية ولكنه سيذهب
إلى عرض صورة أكثر حقيقة وحيوية وكمالاً من الحقيقة نفسها. (وإذا كانت نقطة
انطلاق الروائي هي عالم الواقع، فإن نقطة الوصول ليست هي العودة إلى عالم
الواقع بل إنها إيجاد عالم مستقل له خصائصه الفنية التي تميزه عن غيره) [١٢] .
وبرؤيتها المستقبلية تكون مسودة التاريخ ومخطط حياة الغد، يقول أندريه جيد:
(لئن كان التاريخ رواية وقعت فعلاً، فإن الرواية تاريخ يمكن أن يقع [١٣] ، لأنها
كما يقول الفرنسي الآخر (البير كامو) : القصة هي الواقع مصححاً) [١٤] . ...
(وخلاصة القول إن لغة القصة إذا ما استخدمت بكفاءة بالغة تجعل الماضي
واقعاً معاشاً، وتمتد بالحاضر إلى رؤية مستقبلية مشحونة بالتوقعات، كما إنها
تحمل الإشعاعات العاطفية والفكرية) [١٥] . وإذا كانت القصة بهذه الخطورة فإن
إنتاجها إنما يكون عبر التأليف أو من خلال الدارسة النقدية (لأن حكمنا على
التجربة هو نفسه تجربة) [١٦] ..
هذه الإنتاجية لم تعد مغامرة فنية ومشاركة أدبية فحسب، بل مواجهة أداتها
الكلمة المعبأة بالأسلوب المتشبع المتضلع بالمعمار الفني. وأنا لا أصطنع
لأطروحتي مناخاً خيالياً فتكون مجتثة من فوق الأرض ما لها من قرار، بل أدعو
القارئ الكريم ليتأمل أولاً كلمة القاصّ الرافضي اليساري العراقي المنشق عن روح
الأمة عبد الرحمن مجيد الربيعي (إنني أكتب القصة لأطرح من خلالها موقفي
السياسي والاجتماعي أي أنني كاتب ذو قضية، وإن وسيلتي الناجحة في التعبير
عنها هي هذا الفن الصاعد، القصة القصيرة) [١٧] .
ثم ليتأمل ثانياً: استعداء الناقد الماركسي القبطي غالي شكري للقاصّ يوسف
إدريس ت (١٩٩١ م) على من يسميهم (الأصوليين) وتهييجه أن يترجم سخطه
عليهم في أحد أعماله القصصية القادمة! !
- ٣ -
(وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما) [١٨] .
لقد كان في هذه الحفاوة المبكرة من الرسول ﷺ بالقصة
ما يؤهل هذا النوع الأدبي، لتتأوج مكانته، وليحتل المنزلة المناسبة لعطاءاته
التربوية والجمالية، والمعرفية فنسبة القصة في القرآن الكريم إلى غيرها من
الموضوعات ما يعزز هذه المكانة إذ نجد أن المساحة التي شغلتها (من كتاب الله
كانت مساحة واسعة، ما نظن أن موضوعاً آخر كان له ما كان للقصة من نصيب،
فالقصص القرآني لا يقل الحيز الذي شغله من كتاب الله عن الربع إن لم يزد
قليلاً) [١٩] . وتجد في آيات القرآن الكريم من قواعد القصِّ في الشكل والمضمون والمتبوع بالنموذج التطبيقي ما يرفد هذا الفن ويضع بين يديه صُوى [٢٠] ، ليسترشد بها مبدعو الفن القصصي، فقد وصف الله تعالى القرآن بقوله: [اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ] [الزمر ٢٣] ، ووصف قصصه بأنها [أَحْسَنَ القَصَصِ] [يوسف ٣] ، وقد يكون الحديث عن القصة أكثر تفصيلاً، في قوله عز اسمه: [لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى ولَكِن تَصْدِيقَ الَذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ]
[يوسف ١١١] . وقوله عز اسمه: [وكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وجَاءَكَ فِي هَذِهِ الحَقُّ ومَوْعِظَةٌ وذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ] [هود ١٢٠] ، فالتاريخ كما هو مدون ومكون للقص مقصود له [٢١] ، والقرآن الكريم لا يسرد التاريخ سرداً
آلياً، بل يعرضه بأسلوب يتجاور فيه الحق والجمال، ويتحد معه الشكل بالمضمون فيشبع الذائقة الأدبية بلغته الجمالية، ويترع الواعية المعرفية بحقائقه النهائية، وإخال أن الموسوعات التاريخية الإسلامية - في أسلوب تدوينها التاريخي - لم تكن بمبعدة عن النهج القرآني ولا سيما في كتابي (الرسل
والملوك) لابن حجر [٢٢] و (البداية والنهاية) لابن كثير [٢٣] .
فقد كان علمهما بالتفسير يترك بصمات واضحة على عملهما في التاريخ
والعكس صحيح أيضاً، كتبا كمؤرخين وأديبين ومسؤولين تجاه دينهما وأمتهما،
وتناثرت في سفريهما لوحات موحية ولمحات مورقة، لا تمر بالحدث مروراً محايداً، ولا تباعد يبن العلم والعقيدة بدعوى الموضوعية، وهكذا تكون عطاءات القرآن
الأسلوبية، ثروة معرفية أخرى من كنوز هذا الكتاب الذي لا تنقضي عجائبه..
وإذا كان قارئ الرواية ينتقل من موضعه إلى عوالم شتى من صنع الروائي
نفسه [٢٤] ، فإن دراسة قصة مثل قصة موسى [٢٥]﵇ تفتح عين
القارئ على ملحمة صادقة لهذا الرسول ﵇ منذ ألقت به الأم في لجة اليم
إلى أن تمكن بسلاح الكلمة أن يثل عرش طاغية كان قد أعلن في لحظة مظلمة من
تاريخ البشرية [أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى] [النازعات ٢٤] ، وبين لحظة الميلاد ونهاية الحياة تطوف بنا الآيات بين مصر والشام وشمال الجزيرة (مدين) ، وهي تتابع مسيرة هذا الفتى قبل أن ينبأ، والذي كان في نفسه شديد الغضب وتوقفنا على شهامته ونخوته عندما يسقي لبنات شعيب ﵇، ولا تأخذه العزة بهذه اليد التي يسديها إلى الفتاتين بل ينجلي شكره على هذه النعمة بهذا الحوار مع النفس
[رَبِّ إنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ] [القص ٢٤] .
وتستدعي الآيات إلى أبصارنا مسيرة ابنة شعيب ﵇ تدعو موسى
﵇ بحديث خال من تبرج الكلمات، ليلقى والدها ﵇،
فيعرض عليه شعيب [*] (أن يجزيه أجر ما سقى لابنتيه، فيجيبه موسى - عليه
السلام-: (إنا أهل بيت لا نبيع ديننا بطلاع الأرض ذهباً، ولانأخذ على
المعروف ثمناً) ، فيعقد له على إحدى ابنتيه مقابل أن يسترعيه ثمان حجج، وبذلك
يدخل مدرسة الأنبياء: (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي -صلى الله
عليه وسلم- قال: ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم. فقال صحابته: وأنت؟ فقال:
نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة) [٢٦] ..
هكذا تكون تربية الأنبياء، إنهم ليسوا مثل أولئك الواثبين على السلطة أو
المستقدمين إليها دونما رصيد وتدرج في سلم المسؤوليات، فمن رعاية موسى -
﵇ للمواشي، (اكتسب الكثير من حكمة النبوة، فلما حان موعد سيناء
كان مهيئاً للنهوض بالعبء الذي لا يصلح له إلا (أولو العزم) [٢٧] .
ونتابع سيرة هذا النبي ﵇ في آيات القرآن التي تنقل لنا:
مواجهته للكفر المؤسس بفرعون ودولته وما فيهما من سحر ومكر، وتصديه لليهود
الذين كانوا الخصم الألد [٢٨] لدعوته ولكل داع ودعوة، ولقارون وثروته التي
وظفت للصد عن سبيل الله، وغير ذلك من الموضوعات الرئيسية والقضايا الجانبية، خلال حياته التي امتدت حتى بلغت عشرين ومائة سنة [٢٩] ، هذا الزمن الفلكي
الممتد يختصر إلى أبعد حد في (زمن القص) المذكور في السور القرآنية المباركة،
هذه الشخصية التي تبدأ حياتها بفتوة عارمة تسخرها لطاعة الله تنتهي
أيضاً كذلك مع ملك الموت: فقد روى عن أبي هريرة ﵁ قال: (أرسل ملك الموت إلي موسى ﵇ فلما جاءه صكه..) ، الحديث [٣٠] .
هذه السيرة العطرة جعلت رسولنا محمد ﷺ يتنازل
تواضعاً أمام إنجازاتها النبوية الفذة فيقول: بأبي هو وأمي (لا تخيروني على موسى
فإن الناس يصعقون، فأكون أول من يفيق فإذا موسى باطش بجانب العرش، فلا
أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي أو كان ممن استثنى الله) [٣١] .
стр. 1457
الملف الأدبي
إسلامية الأدب كيف ولماذا؟ ؟
عبد الرحمن صالح العشماوي
الشبهة السادسة [*] :
تثار هذه الشبهة منذ زمن بعيد بالصيغة التالية: الأديب العالمي هو الذي
يتخلص من النظرة الأحادية، إلى العالم من حوله، فتكون له رؤاه المتعددة القائمة
على مرونته لا في التجامل مع الأفكار والمبادئ الأخرى، والأدب الإسلامي يقوم
على (النظرة الأحادية) التي لا تتحقق معها الرؤية العامة والعالمية.. أما هذه الأيام، فإن هذه الشبهة تثار بعينها، ولكن بأسلوب آخر فيقال: النظام العالمي الجديد ينادي بثقافة عالمية موحدة لا فواصل بين العقول والأفكار فيها، فالناس جميعاً ينتمون الآن إلى ثقافة واحدة تقوم على فكرة (الإنسانية [**] ) التي لا تعرف الحدود، والأدب الإسلامي بنظرته الأحادية يدعو إلى التميز، وإقامة الفواصل بينه وبين الآداب العالمية المخالفة له في الوجهة الثقافية.
هكذا تثار هذه الشبهة، فما موقفنا منها؟ ؟ !
أولاً: نؤكد أنه لا تعارض بين (أحادية النظرة) وتعدد الثقافة ومصادر الفكر
في حياة الإنسان السوي، ولذلك فإن من الخطأ الكبير ما يقال عن حيلولة النظرة
الأحادية دون تعدد مصادر ثقافة صاحبها، فالثقافة بمعناها العام ليست حكراً على
أحد من البشر، والإطلاع على العلوم والأفكار المختلفة شيء، والمرونة القائمة
على الذوبان في تلك الأفكار شيء آخر، والأدب الإسلامي قائم على تصور إسلامي
واضح لا غبار عليه، ولا يجيز لنفسه أن يتركه بدعوى تعدد الرؤية الثقافية،
ولكنه مع ذلك يؤمن بأن الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها.
ثانياً: أحادية النظرة بهذا المعنى - الذي ألمحنا إليه - هي الطريق السليم إلى
التميز عن الآخرين؛ التميز في الفكر، وأصول الثقافة، وقبل ذلك كله (في
الاعتقاد) ، أي في (الدين) . وإذا كان هذا التميز مطلباً فطرياً في الإنسان، وهدفاً تسعى إليه الأمم والشعوب في ظل أفكارها ومبادئها الخاصة بها، فإنه مطلب شرعي أساس في دين الإسلام.
يقول الله تعالى: [فِطْرَتَ اللهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ
الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ] [الروم ٣٠] ، وهذه الآية صريحة كل
الصراحة في رسم إطار التميز للإنسان المسلم وهو تميز فريد ذلك لأن الله قال:
[إنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإسْلامُ ومَا اخْتَلَفَ الَذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ إلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ العِلْمُ
بَغْياً بَيْنَهُمْ ومَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسَابِ) ] آل عمران ١٩ [.
إذن فالدين الإسلامي هو الدين الذي دعا إلية الأنبياء جميعاً، وهو قائم على
رؤية متميزة كل التميز عن الرؤى العقدية والفكرية والثقافية التي تقوم عليها
المذاهب البشرية الوضعية، بل والديانات السماوية المحرفة وهذا التميز يقوم في
أساسه على (رؤية واحدة) لا يجوز للمسلم الحق أن يتزحزح عنها قيد أنملة، ولا يصح له أن يستقي أصول ثقافته وفكره وأدبه من سواها، ولهذا قال الله تعالى لنبيه ﵊ بعد هذه الآية:] فَإنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ومَنِ اتَّبَعَنِ وقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ والأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَوْا وإن تَوَلَّوْا فَإنَّمَا عَلَيْكَ البَلاغُ واللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [] آل عمران ٢٠ [،. وهذه الآية صريحة كما نرى في تأكيد (الرؤية الواحدة) مهما اختلفت الرؤى، ومهما أصر أصحاب التعددية الفكرية على مواقفهم، ذلك لأن هذه الرؤية الواحدة هي التي تبني (القاعدة الأم) لفكر الإنسان وثقافته وأدبه] فَإنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ومَنِ اتَّبَعَنِ [] آل عمران ٢٠ [، أي: أن أولئك الذين يعترضون على هذه القاعدة الصلبة والرؤية الواحدة قد يحاجون الرسول ﵊ فيها، فإذا حاجوه فإن عليه - بأمر من الله - أن يعلن لهم الثبات عليها دون تردد أبداً، فإذا ما تولى أولئك فأمرهم إلى الله وهو بصير بعباده.
وهذه المعاني التي يغفل عنها كثير من نقاد الأدب المسلمين المعاصرين هي
القاعدة التي يقوم عليها التصور الإسلامي في أدبنا.
ويبرز هنا سؤال هو: هل تتعارض هذه القاعدة، وهذا التصور مع تنويع
مصادر ثقافة الأديب الإسلامي؟ ؟
الجواب الذي لا احتمال لغيره: كلا.. ثم كلا.. فالأديب المسلم مطالب
بالإطلاع على الثقافات المختلفة وأساليب الأدب المتعددة، مع أن له نظرته الموحدة
القائمة على تصوره الإسلامي الثابت. ومن هنا ندرك أن شبهة التميز المثارة هي
خاصية يتميز بها الأديب الإسلامي عن سواه، ويسلم بها فكره وأدبه من
الاضطراب، والذوبان، والسير الأعمى وراء كل ناعق ثقافي أو أدبي يدعو إلى
التعددية الثقافية الشوهاء.
وإذا كان التميز مطلباً إسلامياً بناء على نصوص القرآن والسنة المطهرة فإنه
قاعدة لا بد من الاتكاء عليها في مواجهة انحراف الثقافات والآداب الأخرى، وهو
أيضاً قاعدة يمكن أن ينطلق منها الأديب الإسلامي إلى العالمية. فالعالمية في الأدب
لا تعني انفلات الأديب من قيمه وملاحقة المذاهب والأفكار الأخرى المنتشرة في
العالم ملاحقة التابع المقلد، ولكنها تعني الانطلاق من رؤية خاصة وقاعدة أدبية
مستقلة إلى آفاق إنسانية رحبة..
إن الشاعر الإسلامي محمد إقبال ﵀ هو الذي أوصاه أبوه أن يقرأ
القرآن، وهو الذي تناول في شعره قضايا عالمية كبرى تحققت له بها العالمية التي
نتحدث عنها. فهل كان التميز عقبة في طريقه؟ ؟] ١ [.
وكذلك (شاعر الإنسانية المؤمنة) عمر بهاء الدين الأميري ﵀ لم
ينطق إلى دوره الشعري العالمي من تقليد أعمى لشاعر غربي أو شرقي، وإنما
انطق إليه من ديوانه الأول (مع الله) ، إنه التميز الذي يحققه الأديب الإسلامي
على وعي وبصيرة، وهذا التميز هو الذي يحمي الأديب الإسلامي من الانخداع
بدعاوى النظام العالمي الزائفة، فيقف أمام هذه الدعاوى شامخاً، ويفندها ويبين
للأجيال زيفها وتضليلها، وهو بذلك يسلم من تلك الرؤية الزائفة التي يرى بها -
بعض الأدباء المنحرفين - أحداث العالم المعاصر..
يتناول الأديب الإسلامي القضايا الكبرى تناولاً واعياً فإذا تحدث عن النظام
العالمي الجديد تحدث عنه حديث الواعي الذي يدرك أنه استعمار صليبي وهيمنة
غربية جديدة. بينما نجد من أدباء ونقاد العرب - ممن يتنادون إلى التعددية الثقافية
والفكرية الزائفة - من يرى النظام العالمي الجديد وسيلة من وسائل التقدم لأمتنا..
فها هو لطفي الخولي يقول في كلمة ألقاها في مهرجان أصيلة الأخير: (النظام
العالمي الجديد سيفرز ثقافة جديدة تحاول إنقاذ العالم من أهم أربعة أخطار وهي
القنبلة النووية، ومشكلة تلوث البيئة، وتفجر الصراعات العرقية، ومشكلة
الفقر) ] ٢ [.
ويبدو أن هذا الكاتب (المثقف) ] *** [؟ ! .. لم ير ما يجري في البوسنة ...
والهرسك ولم ير الهياكل العظمية التي تعرضها وسائل الإعلام في الصومال
الجريح، ولم يفهم معنى التآمر العالمي على الجهاد الأفغاني، ولذلك كانت صورة النظام العالمي في ذهنه صورة حسنة..
وبمثل هذا الوعي الناقص قال أحد أبناء الجزيرة العربية التي انبثق منها نور
الإسلام المتميز: (إن النظام العالمي الجديد يستوعب تفكيراً جديداً، رائده هو كيف
(نتأقلم) ] ٣ [. وكأنه يريد أن نصنع ما تصنع الحرباء ذات التعددية في اللون حيث
أنها تغير لونها على حسب الموقع الذي تكون فيه.
إن الأديب الإسلامي يظل بمنجاة من هذا التخبط لأن التصور عنده إسلامي
قائم على تميز في الفكر والثقافة والأدب، وليس معنى هذا التميز أن يكون الأديب
الإسلامي غائباً عما يجري في هذا العالم - كما قد يخطر ببال البعض - كلا فإن
رؤية هذا الأديب أعم وأشمل، وهنالك قدر مشترك من القضايا والمواقف بين أدباء
العالم على اختلاف أفكارهم وثقافاتهم ومعتقداتهم، مع وجود الفوارق التي تميز
بعضهم عن بعضهم.. فالحديث عن المظلومين والمشردين، وتصوير آهات اليتامى
والثكالى.. والحديث عن العدل وقيمته، والحرية وأثرها إلى غير ذلك من القضايا، كل ذلك من الأمور المشتركة بين أدباء العالم، أما التميز والنظرة الموحدة إلى
الأمور فمن أهم خصائص الأدب الإسلامي الذي تضرب جذوره في تربة الإسلام
الخصبة النقية..
وختاماً أنادي كل أديب وناقد يتخذ موقفاً سلبياً من الأدب الإسلامي أن يتخلص
من هوى نفسه، وأن يدرس حقيقة هذا الأدب دراسة موضوعية منصفة، فإذا فعل
الأديب ذلك فإنني أبشره بزوال غشاوة الشبه المثارة حول هذا الأدب عن عينيه،
وعندها سيرى أن الأدب الإسلامي هو سفينة النجاة للأجيال المسلمة في هذا الخضم
المائج من المذاهب الأدبية الزائفة المنتشرة في عالم اليوم.
стр. 1458
الملف الأدبي
قصيدة عن حُبٍّ قديم
د. صالح الزهراني
تسعونَ قرناً، في هواك غريقُ ... من بعد هذا العُمر كيف أفيقُ
يا أيها الوجهُ الذي أحببتُهُ ... من أين يبتدىءُ الحديث مَشوقُ
تسعون قرناً، كان حبُّك رايتي ... ولمثل عينيك العذاب يروقُ
تسعون عاماً، والقصائدُ شُرَّعٌ ... والليل نزفٌ، والفؤاد حريقُ
ما قلت: يا أمي الحبيبة، خانني ... قلبي، فقلبُ المستهام صدوقُ
ما قلت.. أعلم أن حُبَّك واجبٌ ... وعليَّ في هذا الجهاد حقوقُ
كانت تضيقُ بي البسيطةُ كلّها ... ونفوسُ مَنْ حفِظَ الوداد تضيقُ
ويظل هذا الوجه غايةَ رحلتي ... والحرفُ حُرٌّ، والنّشيدُ سبوقُ
والشّعر منكوس البيارقِ، لم يزلْ ... والبيت فيه عناكبٌ وشُقوقُ
يتسابقون إلى القصيد جحافلاً ... تترى، وكُلٌّ خَانَهُ التّوفيق
وأَتيتِ فوق مطالعي شَمْسَ الضُّحى ... وعليَّ من حُلَلِ الضّياء بُروقُ
وقصيدتي من طُهْرِ وَجْهِك تَزْدَهي ... في كُلّ حرفٍ نضرةُ.. ورحيقُ
وأتيتِ يا وجْهَ الحياةِ، على فمي ... شجرُ له في الخافقين عروقُ
وأتيتُ ما ضيّعت عهد أميرتي ... فالعهدُ في لغةِ القلوبِ وثيقُ
يا عُنفوانَ الشِّعرِ حين أهزُّهُ ... والخطبُ هوْلُ، والمدارُ نعيقُ
تتخشَّبُ الكلماتُ، يصبح عَذْبُها ... شَجناً، فيا لِلْمُرِّ حين أذوقُ
أمي الحبيبة، يزدهون ببِّرهم ... والبرّ في هذا الزمان عقوقُ
أسرجتُ ظهر الشّعر قلتُ لك اركبي ... وركبت والمُهْر الحرون عتيقُ
تسعون قرناً، ما تراخى عزمُهُ ... فكأنَّه من حُرقتي مخلوقُ
واليوم يا نهرَ الجلال وسيفُنا ... خشبٌ وفارسُنا العظيم مَعوقُ
ما غيَّر الفكرُ الجديد مواقفي ... فالبعدُ بين الموقفين سحيقُ
أَنَّى أبيعك للظَّلام، وِلِلْخَنَا ... ضِدان ليلٌ أليلٌ وشروقُ
يتكالبون على جِراحِكِ، ما دَرَوْا ... أنَّ الكريمةَ دونها العيُّوقُ
ما ضرَّني لجبُ العُداةِ وحشدهم ... وَرَقُ العُداةِ بأرضنا محروقُ
ما ضرَّني إلا بَنُوْكِ تطاحنوا ... ماذا إذا طَحَنَ الشّقيقَ شقيقُ؟ !
في كلِّ قارعةٍ يُجالِدُ مَجْدَنا ... باسم الحضارةِ خائنٌ زنديقُ!
(يا عالمي العربيُّ) أين عُروبةٌ؟ ... من نَسْلِها الصدّيق والفاروقُ
(يا عالمي العربيُّ) أي عُروبةٍ؟ ... (والقبلة الأولى) دَمٌ وشهيقُ
(يا عالمي العربيُّ) أي عروبةٍ؟ ... في القلب حقدٌ، والكساء فسوقُ
(يا عالمي العربيُّ) ، كُلٌّ يدعي ... صدق الصّديق وما هناك صديقُ
ضيعت مبدأك العظيم، وليس في ... عصر الدراهم للبطالة سوقُ
دعْ هذه الألقابَ، دينك واحدٌ ... دينُ المحبَّةِ ليس فيه فُروقُ
من (قندهارَ) إلى (الرصافةِ) وحدةٌ ... (بيمار) يشرب من شَجَاه طُويْقُ
إني لألمح في يمينك رقدةٌ ... والكفُّ حتفٌ والحسامُ ذليقُ
ما خانَ هذا الكفَّ إلا ماكرٌ ... والمكرُ بالقلب الخؤوفِ محيق
يا فجرَنا الميمون ضَوْؤُك قادمٌ ... مهما يُعَششُ في العيون بريقُ
والأفق في عينيك يا محبوبتي ... معشوشبٌ، غضُ الإهابِ، وريقُ
تسعون قرناً والجراح مُرِبَّةٌ ... والوجهُ يندى، واللسان طليقُ
ما كلَّ زندُك، يا أميرةَ أحرفي ... زند العظيمةِ بالعظام خليقُ
ورحلتِ يَصْفَعُك العُبابُ بِكَفِّهِ ... ويعوقُ سَيِركِ عاصفٌ ومضيقُ
وبلغتِ كان بلوغُ أمرِكِ آيةً ... ولمن نجا فوق السُّيوفِ طريقُ!
стр. 1459
الملف الأدبي
سراي ايفو = سراي البوسنة
محمود السيد الدغيم
سراي ايفو سراييفو
إذا ما قعقعَ المدفع
ورددتِ الجبال الشُّمُّ أصداءَ انفجاراتِ
وعاثَ القصفُ بالأرواح فاضطربت
وأصبح شعبُك المنكوبُ محتجزاً ومُغْتَصَبَاً
كما احتُجِزَت رُبوُع القدس بل أرض النبواتِ
فلا تدعي إلى الميدان أعراباً ولا عربا
لأنَّهم طوال الوقت مشغولونَ بالأفيون بالقاتِ
لقد أعموا عيونَهُمُ عن الماضي عن الآتي
وناموا في فراشِ الذلِّ ما اختلجتْ
جوارِحُهُمْ
بل انتشرتْ
فضائِحُهُم
وصبَّ الصِّرب حِقْدهُمٌ، وصوتُ رصاصِهم لَعْلَعْ
لقد خانوا، كما خانتْ جهاتُ العالم الأربعْ
وغاب الخُبزُ، غاب الأمنُ، غاب الحبٌّ، غاب العُرْبُ، غاب العدلُ
والإنصافُ والإسلام واكتأبت قلوبُ الناسِ وانحسرتْ
عن المأساةِ أفواجٌ وأفواجٌ، من التعتيمِ والتضليلِ والدجلِ
وفاضتْ أدمعُ الأملِ
وسادتْ موجة الإحباط وانتصرتْ
وماتت ثُلة الأطفال وانطفأتْ
بأعينهمْ خيوطُ النورِ للأبدِ
لقد حُرِقوا وأذرعهم مُشَبَكةٌ على الصدرِ
أمامَ الفرن ينتظرون تحتَ القصفِ والتجويعِ دهراً لقمة الخبزِ
وناغاهم حمامُ الجامع الباكي
ورَدَّدَت اليمَاماتُ التي في الجامع المأسور صرخَتَهُم
وعمَّ هديلُها الأنجادَ والوديانَ كالطوفانِ كالبحرِ
هديلٌ يوقظ الأشجانَ يا أبناءَ أُمَّتِنا
تُكرِرُهُ صحافتُنا إذا قُمنا إذا بِتْنا
وخالطنا من الأوهام ما يُوْهي عزيمتَنا
وما يُدمي كرامتَنا التي طُعِنَتْ
بمديةِ مجلس الخوفِ الذي سَموه مَيْناً " مجلس الأمن "
بسهم عصابةِ الأمم، وخائِبها الرخيص الأصل والفصلِ
تُرى هل تُحفظُ الأنسابُ إن خَضَعَت لأمرِ الحاقدِ النّغلِ؟
بلا شكٍ يُدنِّسُها - وَضِيْعُ النَّهج - بالوحل
ويقتلُها كما قُتِلَتْ سراييفو بِخُطّة " مجلسِ الأمنِ "
بخطةِ مجلسِ الأقباط والرومِ
بخطة " مجلس الكرواتِ والصربِ "
وَكَرَّرتِ الإذاعاتُ التي في الشرقِ والغربِ
صدى صوتِ الحماماتِ التي ناحت
وناحَ الغصنُ
ناح البرجُ
ناح الجسرُ والدوحُ
فلم يُجْدِ النّواح الناسَ وانْصَبَّتْ قنابِلُهمْ
وغطت نَوحَ من ناحوا من التُّجارِ قعقعةٌ
وفاضَ القصفُ، ماجَ الجمعُ والمجموعُ واجتمعت
أمام الفرن والفران جَدَّاتُ وأحفادُ
وعضَّ الجوعُ أكبرهم، وأصغرَهم
فَجمَّعهم، وأرسلهم إلى الفرنِ وحاصرهم ليستمعوا خطاب الكافر الأكبرْ
وخاطبهم خطيبُ الصِّرب بالبارود والمدفعْ
فلم ترجعْ - بُعَيْدَ القصفِ - كوكبةٌ من الجوعى إلى المهجعْ
لقد كُتبتْ بلون الدمّ ملحمةٌ أمامَ الفرنِ تُنبي عن تَخَاذلنا
ستحملها إلى الأجيالِ أجيالٌ وأجيالٌ
سَتَشتُمُنا سلالتنا إذا قرأتْ وقائعنا
إذا عرفتْ مواقفنا تواطؤنا
إذا عرفت تخاذلنا
لقد كِلْنا كما كالوا بمكيالين واغتلنا كرامتنا كما اغتلنا ديانتنا حضارتنا
لقد نمنا كأهلِ الكهف بل أكثر
وقعقع مدفعُ الأعداء بئس الضِّدّ والمدفعْ
стр. 1460
المسلمون والعالم
التحالف المشبوه بين الهندوس واليهود
أحمد بن عبد العزيز أبو عامر
عاشت بعض الأقطار العربية في عصورها الأخيرة تحت مظلات الحكومات
العربية العلمانية التي جعلت من صداقة (الهند الوثنية) واحدة من ثوابتها السياسية
العقيمة؛ تارة تحت عنوان (تجمع دول عدم الإنحياز) وتارة تحت عنوان (تجمع
دول العالم الثالث) وربما وقفت تلك الحكومات في صف حكومة الهند (الهندوسية)
ضد مصالح دول إسلامية كالباكستان، وضد مصالح شعوب إسلامية في جامو
وكشمير. وسكتت عن تدخلاتها في مصالح ذلك البلد وذلك الشعب المسلم وما
يعانيانه من حملات عنصرية وهمجية كما حصل عند اكتساح الهند لولاية (حيدر
أباد) ، و (جامو وكشمير) و (جوكانده) . بينما ميول حكومة الهند الهندوسية هي
العداء لكل ما هو إسلامي عامة وللشعب الباكستاني خاصة وبالرغم من ادعائها
(الحكم العلماني في الهند) إلا أن ميولها، وحكم الأحزاب الهندوسية لها يجعلها
تسكت، وربما ترعى كل المؤامرات التي يحركها الهندوس ضد المسلمين في الهند
من قتل وهدم وتشويه لتاريخ الإسلام، وهجوم على تعاليم الإسلام. في المقررات
المدرسية، وليس آخرها هدم (المسجد التاريخي المعروف بالبابري) وما تبعه من
هدم العديد من المساجد الأخرى، والقتل والتشريد للمسلمين هناك. وجل إخوانهم
المسلمين بعيدون كل البعد عن نجدتهم ونصرهم.
العلاقة بين اليهود والهندوس:
قل من يعلم بوجود حلف بين الهندوس واليهود، مهدت له بريطانيا رغم
تأليف العديد من الدراسات العلمية، والوثائقية التي تفضح ذلك الحلف الخطير،
وترجمت إلى اللغة العربية إلا أنه قل من يعرفها وبخاصة الصفوة المثقفة،
والمتنفذين من الساسة والإعلاميين العرب، وسأذكر ثلاثة مصادر في هذا
الموضوع وهي أهم مراجعي في هذه المقالة.
١- الحلف الدنس: التعاون الهندي الإسرائيلي ضد العالم الإسلامي: تأليف
الأستاذ محمد حامد [١] .
٢- مؤامرة الصهيونية والهندوكية على المسلمين لنفس المؤلف وهو أشبه ما
يكون بملخص للكتاب السابق.
٣- علمانية الهند: للأستاذ شريف المجاهد، عميد كلية الصحافة في
كراتشي [٢] ، وكل تلك الكتب نشرت بعناية وتقديم الأستاذ (إحسان حقي) وقبل ... بيان أوجه التحالف المشبوه بين الهندوس واليهود نرجع إلى تاريخ العلاقة القديمة كما سجلها كتاب الهندوس المقدس (منو سمرتي) [٣] لنعلم التشابه بين الديانتين، وسر التآلف والتحالف بينهما، وذلك الكتاب يعني (شريعة منو) أحد آلهة الهندوس المزعومة. وفيه يجد القارئ كل ما يجب أن يعرفه عن الديانة الهندوسية وزيفها وأحكامها وأهلها، وهذا الكتاب ترجمه العلامة (إحسان حقي) للعربية، ووضح: أنه عقد مقارنة بين هذا الكتاب والشرائع السماوية الثلاث (اليهودية والنصرانية والإسلام) وتبين له بجلاء أن الهندوسية هي صنو الديانة اليهودية في (توراتهم المحرفة) وكأنهما من أصل واحد مع اختلافات يسيرة لعلها نتيجة من نتائج تقادم الزمان، وتغير المكان، ومن أبرز سمات التشابه بين الهندوسية واليهودية ما يلي:
١ - اعتقاد الهندوس أنهم شعب الله المختار، والنظر لغيرهم - وخاصة
المسلمين - نظرة احتقار وإهانة، وهذه الدعوى معروفة عند اليهود.
٢- تقديسهم ليوم السبت فهم لا يعملون فيه ولا يطبخون إلا ما يعتبرونه
إنسانياً كقتل المسلم دون حرج. وتقديس اليهود للسبت معروف.
٣- تقديسهم (العجل -والبقر) معروف للجميع [*] .
٤- يشتركون مع اليهود في التجارة والمراباة، فالهندوسي يبيع السلعة للمسلم
ولغيره ولكنه لا يشتري منهما لأنهما نجسين في نظره، لكن الدراهم التي يأخذها
من البيع لهما ليست نجسة، ومعلوم أن بالهند يهوداً منذ الزمن القديم. (انظر
مؤامرة الصهيونية والهندوكية ص ١١٧، والحلف الدنس ص ١٩٧) .
ومن العجيب أن العقلية التوسعية بين هذين الشعبين واحدة، فاليهود يأملون
الوصول في حدودهم من الفرات إلى النيل، وطموحات الهندوس في مد حدودهم
من الفرات إلى (الميكونج) في فيتنام، ليدخل فيها كل بلد يبدأ بلفظ (هندو)
كإندونيسيا وبلاد (الهند الصينية) .
وهناك رابط واضح بين اليهود والهندوس وهو العداء للمسلمين، رغم العشرة
الطويلة التي جمعت بين المسلمين والهندوس في الهند لإثني عشر قرناً تحت الحكم
الإسلامي العادل آمنين على أرواحهم وممتلكاتهم وأديانهم. ولم يدخل الإسلام أحد
منهم إلا عن اقتناع وحب للإسلام.
كان من المفروض أن يثمنوا ذلك التاريخ المشرق تجاه مواقف المسلمين إبان
حكمهم للهند، لكنهم بعد الاستقلال، وبعد قرن من الاستعمار الإنجليزي كشروا عن
أنيابهم وهاجموا المسلمين بوحشية وهمجية لا يمكن أن تحصل من أمة متحضرة،
وما زالت هذه النظرة العنصرية الوحشية يسام بها المسلمون سوء العذاب قتلاً وهدماً
وتشريداً، وليس آخرها هدم المسجد (البابري) كما عرفنا، وما يؤكد تواطؤ
الحكومة الهندية الهندوسية في هدم البابري، أو على الأقل لا مبالاتها بما حصل هو
نشر الغسيل الهندوسي بين حكومة الهند وحزب (جاناتا) من نشرهما لكتابين سماه
كل منهما (الكتاب الأبيض) لشرح وجهة نظره حول الموضوع [٤] .
بداية العلاقة المعاصرة بين الهندوس واليهود:
عرفنا العلاقة الروحية المتمثلة في التشابه بين كتابيهما المقدسين، وتجدر
الإشارة هنا إلى دور بريطانيا في تاريخها الاستعماري وعدوانها على كل ما هو
إسلامي.
من إيجاد مراكز نفوذ له وإيجاد مناطق متنازع عليها طبقاً لسياستها المعروفة
(فرق تسد) فقد فكر الساسة الإنجليز مع بدايات أفول إمبراطوريتهم بإقامة قواعد لهم
في المناطق الإسلامية لتلعب دوراً مماثلاً لدورهم الاستعماري. وقد نجحوا في
التخطيط لإنشاء دولتين خطيرتين من أخطر الدول عداء للإسلام وأهله، الأولى
لليهود في (فلسطين) بدأت بوعد بلفور الذي أوجد دولتهم ككيان مستقل بعد ذلك عام
١٩٤٨، أما المؤامرة الثانية فهي إعطاء القارة الهندية للهندوس، غير أن توفيق الله
ثم صحوة رجال الدعوة الإسلامية آنذاك في الهند حال دون ذلك الخطط، واضطروا
للاتفاق مع المسلمين على أن تتمتع المناطق ذات الأغلبية المسلمة بالسيادة
والاستقلال، ومن هنا قامت دولة (باكستان) إلا أن الإنجليز كعادتهم نكثوا بوعدهم
باعطائهم بقاعاً شاسعة للمسلمين وسلمت للهندوس مثل (حيدر أباد الدكن) و (غالبية
جامو وكشمير) و (جوناكد) .. مع تهيئة الهنادكة تعليمياً وثقافياً وإدارياً وسياسياً،
والمساهمة بتأسيس (حزب المؤتمر الهندي) كما ساهم المؤرخون وعلماء الآثار
الإنجليز مع الهنادكة في البحث والتنقيب لاختراع تاريخ مزيف للهنادكة حتى
باللجوء إلى الأساطير والخرافات، وحولوا (غاندي) من محام بسيط إلى زعيم
لعموم الهند بواسطة (اللورد ريدنج) نائب الملك الإنجليزي في الهند، وساهمت
الزعيمة اليهودية لرابطة الحكم الذاتي (آني بيزانت) بمسرحية إنجليزية مكشوفة
بوضع غاندي في السجن مدة تعظيماً لشأنه، ثم مُكِّن من تخطي عقبات كثيرة في
سياق عمله السياسي مما جعله في عيون الشعب الهندي بطلاً.
عرف الهندوس خطر وحدة المسلمين وصحوتهم في الهند على مخططاتهم
فتعاونوا مع الإنجليز على نشر الآراء والمبادئ القومية والعنصرية الهندوسية التي
وضعها أحد زعمائهم في القرن الرابع قبل الميلاد والمدعو (كوتيليا) وهو يتفوق
على (ميكيافيلي) في المكر والدهاء. وهكذا استقلت دولة الهندوس، وبعد استقلال
باكستان أصبح المسلمون وهم أكثر من مائة مليون أقلية في بحر الهندوس والسيخ
وغيرهم. وتعرضوا للاضطهاد. ومع ذلك تَزْعم الهند أنها دولة علمانية، وتخدع
الدول العربية والإسلامية، وهي وثنية هندوسية مطلقة كما أوضحت ذلك الأيام
والأخبار، وساعدهم الإنجليز في النهضة والتقدم التقني مع أنها من أفقر دول العالم
ومن أضعفها في دخل الفرد.
عود على بدء: للعلاقات اليهودية الهندية المعاصرة
بعد ثلاثة أشهر من قيام دولة العدو الصهيوني عام ١٩٤٨م الذي كان انتهاكاً
صارخاً لكل شرائع العالم، وتحد واضح للمنظمات الدولية بسلب وطن وطرد شعب
من أرضه وجدنا (الزعيم الهندي المحبب لحكام العرب) (نهرو) ، آنذاك في
البرلمان الهندي يقول: (من البديهي أن نعترف بواقع قائم وهو أن إسرائيل دولة
قائمة) ، وبعد إعلان الاعتراف الرسمي أعلن ناطق رسمي هندي أن إسرائيل
موجودة وأنها خلقت لتبقى) ، وقد عملت الهند طوال السنتين الماضيتين بتعاون قائم
مع إسرائيل.. وأنشأ العدو الصهيوني (قنصليته في بومبي) فكانت حصناً قوياً
للتعاون بين الدولتين المعاديتين للعرب والإسلام.
يقول الأستاذ محمد حامد: (والحقيقة إنها لم تكن قنصلية بالمعنى المتعارف
عليه دولياً بل كانت مستعمرة كاملة الجهاز تضم أكثر من مائتي موظف، وكان لها
من الإمكانات والسيارات ما يفوق ما لدى السفارات العربية في الهند، ولها دور
ضخم في تغيير الرأي العام لصالح العدو الصهيوني، وقد بقي الهندوس يلعبون
لعبتهم السياسية بدعوى حيادهم بين العرب واليهود كذباً وبهتاناً حينما زعموا أن
اعترافهم بدولة العدو الصهيوني إنما كان اعترافاً بالأمر الواقع. لمعرفتهم بردود
الفعل العربية آنذاك لو كان الاعتراف كاملاً) .
موقف الهند من العدو الصهيوني في مؤتمر (باندونج)
كان الموقف الهندوسي واضحاً من العدو الصهيوني عام ١٩٥٥م حينما عقد
مؤتمر باندونج بإندونيسيا حيث دعا (نهرو) - نصير العدل والسلام المزعوم - إلى
إشراك العدو الصهيوني في ذلك المؤتمر بدعوى: أن دولتهم معترف بها من الأم
المتحدة وترتبط بها العديد من دول عدم الإنحياز بعلاقات ديبلوماسية، وحينما
علمت الدول العربية بذلك هددت بمقاطعة المؤتمر فألغي اقتراح نهرو.
التعاون العسكري بينهما:
بعد مراسم الاعتراف بين الدولتين زارت الهند وفود رسمية صهيونية لتوثيق
عرى التعاون بين البلدين وبخاصة في النواحي العسكرية، ومن أشهرها عام
١٩٦٢ م الوفد الذي كان برئاسة (الادان بركمان) العضو في وكالة الطاقة النووية
للتوقيع مع الهند على اتفاقية التعاون النووي بينهما، وتم التوقيع عام ١٩٦٣م بين
الوفد الصهيوني برئاسة (دافيد شفيل) ورئيس أركان الجيش الهندي على اتفاقية
سرية وكان موضوعها تزويد الهند بالأسلحة، وتدريب العسكريين في المؤسسات
والكليات العسكرية، وكان لهزيمة العرب سنة ١٩٦٧ م صداها باغتباط الهندوس
بانتصار العدوان الصهيوني، وقال وزير دفاع الهند: أننا حريصون على معرفة
كيف تمكنت إسرائيل من تعبئة جميع قواتها في غضون ٢٤ ساعة وبطريقة أدت
إلى نتائج إيجابية مؤكدة. ومن العجيب أن ينشر ضمن ما نشر من خفايا هزيمة ٦٧
دور عديمي الخبرة من الضباط الهندوس الذين كانوا يدربون الطيارين المصريين،
وكانوا عملاء للاستخبارات الصهيونية وقد وصل الخبر خطأ ونشر في غانا في ٢٠
أيار عام ١٩٧٠م مما كشف المستور. وما زال التعاون بينهما مستمراً وإن أخذ
صفة السرية غالباً.
التعاون النووي:
بريطانيا وضعت أساس البرنامج النووي للهند بعد الاستقلال وشجعت الكوادر
الهندية لدراسة ذلك التخصص، ولما أرادت الهند التوسع في برنامجها النووي
وجدت في اليهود ضالتها حيث أنشأت مفاعلاتها النووية في العديد من مدنها مثل
(كلكام) و (بهابها) .. ومعلوم أن العدو الصهيوني يمدها بالخصبات النووية، وكان
لكندا دور في دعم برامج الهند النووية ثم ادعت كندا أنها فوجئت بقيام الهند بالتفجير
النووي وكان (للاتحاد السوفييتي) السابق دور كبير أيضاً في دخول الهند (عالم
الفضاء) حينما ساعدها على إطلاق قمرها الصناعي الأول (آريا بهارتا) من
الأراضي السوفيتية آنذاك في ١٩ نيسان ١٩٧٤ م.
التعاون الاقتصادي بين اليهود والهندوس:
من صور التشابه بين هذين الشعبين عبادتهم للمال واستعمالهم الربا، ومن
خلال معاملة الهندوس للفقراء والفلاحين، وخاصة المسلمين لا تختلف عن معاملة
اليهود إذ كانوا يستولون على أراضي المسلمين، ويقرضونهم المال كلما ساءت
المحاصيل، ويرتهنون الأراضي حتى يتم الدفع، وكان القضاء الهندوسي ينقل
ملكية الأراضي للمرابين كلما عرضت لهم قضية مما أدى إلى استيلائهم على
مساحات شاسعة من أراضي المسلمين، ونشأ فيما بينهم ما سمي بالملف الصامت
القائم على إنشاء (الشركات المتعددة الجنسيات) حيث تستعمل كواسطة للعلاقات
المتبادلة بينهما وتستطيع أن تعمل لصالح الصهاينة. وأشار إلى فاعلية هذه
المؤسسات (مايلز كوبلاند) في كتابه (عالم التجسس الحقيقي) . وهناك بيانات
توضح الآثار الكبيرة للتعاون بين اليهود والهندوس، ودور القنصلية الصهيونية في
تدعيمها مما يضيق المجال عن بيانه، وبخاصة في كتاب (التحالف الدنس) الآنف
الذكر.
التعاون الاجتماعي:
معلوم أن للعدو الصهيوني دور بارز في توطيد العلاقات بين الصهاينة وبين
الشعوب التي لا تعرف حقيقتهم العدوانية ولا تعلم منطلقاتهم العنصرية، وهذا ما
فعلوه مع إخوانهم الهندوس ساعدهم على ذلك وجود جالية بل طائفة يهودية في الهند، إضافة إلى دور القنصلية الصهيونية في بومبي في دعم العلاقات بين البلدين،
وتوجيه الرأي العام الهندي غير المسلم لتأييد الصهاينة عن طريق إقامة الحفلات في
المناسبات واستدعاء صفوة المثقفين من كافة فئات الشعوب الهندية، وتارة تستغل
التسميات الساذجة مثل (مجلس المواطنين) للدعاية وتوثيق العلاقات الاجتماعية بين
أولئك المدعوين، وفي عام ١٩٦٢ م أسمت جمعيات (أصدقاء إسرائيل) والتي
تضاعفت بعد حرب ١٩٦٧م تحت مسمى (مؤسسات الصداقة الإسرائيلية الهندية)
في طول البلاد وعرضها تحت رعاية أعضاء البرلمان والشخصيات السياسية
ورجال الأعمال. ومن مهامها توثيق روابط التفاهم والأخوة وتبادل المنافع بين
الشعبين والحكومتين، ومن أشهر الأحزاب ذات العلاقة الوطيدة مع الصهاينة حزب
(جان سنغ) و (جناتا) الهندوسيين الإرهابيين. وكذلك مختلف الأحزاب العلمانية
حيث تقوم يبنهما زيارات متبادلة وليست الأحزاب الأخرى أقل اندفاعاً للولاء
للصهاينة مثل حزب (المؤتمر) والذي كثيراً ما يسمي أعضاؤه (العرب) بالمعتدين
ونجد حزب (سوانتا نترا) يندد بطلب العرب من الهند قطع علاقاتها مع الصهاينة،
وللصحافة الهندوسية في دعم العدو الصهيوني دور كبير وليس من المبالغة أنهم
صهاينة أكثر من اليهود أنفسهم، وتتوالى الزيارات بينهم ومن خلال المتابعة
للصحافة الهندوسية نجد موالاة اليهود سمة بارزة من سمات الصحافة الهندوسية ومن
جانب آخر نجد العلاقة الثقافية والفكرية بين اليهود والهندوس بارزة أيضاً بالدعاية
للأدب الصهيوني وترجمتهم للأدب الهندي الوثني.
خطر اليهود والهندوس على المسلمين:
الخطر الصهيوني معروف وأساليبه مكشوفة، أما خطر الهندوس فهو القائم،
ولم يتم الكشف عن أبعاده التي تتمثل فيما يلي:
١- أن الحكومة الهندية بالرغم من إعلان علمانيتها إلا أنها تخضع للأحزاب
الهندوسية التي تملك مراكز قوى تؤثر في صنع القرار، وما موقفها غير المبالي
من هدم المسجد البابري عنا ببعيد، وتواطؤ الشرطة والجيش الهندي مع المتطرفين
الهندوس كالشمس في رابعة النهار. ومضايقتها للمسلمين في أرزاقهم ومدنهم
ومساجدهم وحتى تشريعاتهم لم تعد مجهولة، وبالرجوع إلى كتاب (المسلمون في
الهند بين خدعة الديموقراطية وأكذوبة العلمانية) نجد مصداق ذلك [**] .
٢- المسلم الهندي حين ينشأ في محيط وثني ولا يرى أثراً لمظاهر الإسلام
يتراخى رويداً رويداً وخاصة أمام الاضطهاد والجهل والجوع والمرض بدءاً بتغيير
الاسم وانتهاء بتغيير الدين، وهذا ما حدث بالفعل جراء ما يعانونه من مضايقات
تحت سمع وبصر الحكومة الهندية الوثنية.
٣- إن المسلم هناك أمام تلك الضغوط الكبيرة وإهمال إخوانه المسلمين له، لا
ينصرونه ولا يعملون لرفع الظلم عنه، يعاني ما يعاني من أخطار. فماذا صنعنا
لهم؟ وما هو واجبنا تجاه إخواننا المسلمين في الهند؟
يفترض فينا نحن المسلمين ألا نجهل عداء أولئك الكافرين لنا، وهذا أمر
صريح في القرآن الذي نقرؤه ليل نهار في أكثر من آية ومنها قوله تعالى:
[لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ والَّذِينَ أَشْرَكُوا] [التوبة ٨٢] .
يجب أن يفكر كل مسلم بالأطروحات المؤيدة للصلح مع اليهود. لأننا نعرف
من هم اليهود؟ وما هو العداء الذي يكتمونه لنا ولديننا، وما آثار السلام عليهم؟
ويجب على كل مسلم بشكل عام وكل مسؤول بشكل خاص أن يبذل كل ما في وسعه
لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. وأن يقوم المسلمون جميعاً كل فيما يستطيع بذله لنصرة هذا
الدين، وعلى كل الحكومات في البلاد الإسلامية أن تضغط على هؤلاء الأعداء
لرفع يد الضر عن إخواننا المسلمين المستضعفين في الهند وفي غيرها، وإتاحة
المجال لهم لأداء عباداتهم وحفظ مساجدهم واحترام تشريعاتهم، وألا يهاجم الإسلام
في وسائل إعلامهم ولا في مناهجهم الدراسية، وعلى المسؤولين أن يهددوا بكل ما
من شأنه تعكير العلاقات مع تلك الدول الظالمة. فهم المحتاجون لنا ولسنا بحاجة
لهم. وإذا وجدوا أننا صف واحد وقلب واحد رضخوا راغمين ورفعوا ظلمهم،
وحينها تعود لإخواننا مكانتهم رغم أنف الظالمين وإن أي تساهل في ذلك يبوء بإثمه
كل مفرط في نصرة هذا الدين، فإن من يرى الإسلام وأهله يهانون وهو قادر على
نصرتهم ولا يفعل شيئاً، لا شك أنه منافق معلوم النفاق. وأن أي تساهل في ذلك
هوان وأي هوان، وخيانة للواجب وانهزامية [إنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وأَكِيدُ كَيْداً *
فَمَهِّلِ الكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً] [الطارق ١٥-١٧] .
стр. 1461
دراسة في الجغرافية البشرية للهند
المسلمون في الهند
أقلية تتجاوز المائة مليون
د. علي عبد الرحمن عواض
الهند بالأرقام [١] :
تعتبر الهند من أكبر دول العالم، إذ تتجاوز مساحتها ٣.٢٨٧.٢٦٣ كم٢. تمتد من الشرق إلى الغرب بعرض ٢٩٣٣ كم، ومن الشمال حتى الجنوب بطول
٣٢١٤ كم. تمتد حدودها مع الدول المجاورة إلى ١٥.٥٠٠ كم منها ما يقارب ٧.٥١٧ كم سواحل وهي سابع دولة في العالم من حيث المساحة.
أما من حيث تعداد السكان، فهي الدولة الثانية عالمياً وعدد سكانها يتجاوز ال
٨٤٤.٣٢٤.٢٢٢ نسمة حسب إحصائية ١٩٩١م. ولا يتوزع البشر بالتساوي
فبعض المناطق الهندية مكتظة بالسكان وبعضها تكاد تكون خالية. وأسباب ذلك عدة
عناصر أهمها: خصوبة الأرض، ومستوى هطول المطر، وسائل الزراعة
والاتصالات، والوضع السياسي إلى جانب عناصر اجتماعية ودينية أخرى. ونسبة
الكثافة السكانية في المناطق الهندية هي ٢٦٧ نسمة في الكيلومتر المربع الواحد.
وتتفاوت النسبة بين الولايات الهندية: فعدد السكان في الكيلومتر الواحد في البنغال
الغربي هي ٧٦٦ نسمة، أما في كيرالا فهي ٧٤٧، ويصل في بيهار إلى ٤٩٧،
وإلى ٧٨ في فيعالايا، و ٣٣ في ميزورام، و١٠ في ارونشال باراديش.
تعتبر نسبة النمو السكاني في الهند من النسب العالية دولياً حتى بين معدلات
دول العالم النامية. فمعدل الولادات ٣٠.٤ في الألف والمعدل العالمي ٢٧.١ في الألف، ومعدل الوفيات ١٠.٢ في الألف والمعدل الدولي ٩.٩ في الألف،
وبهذا تكون الزيادة السكانية الطبيعية: ٢٠.٢ في الألف والمعدل الدولي ١٧.٢
في الألف. ومعدل الأعمار هو ٥٨.١ سنة للرجال و ٥٩.١ سنة للنساء. يعتبر
المجتمع الهندي من المجتمعات المتخلفة من نواح عدة أهمها: الجانب التعليمي
التربوي إذ أن ما يزيد عن ٦٤.٨% من السكان يعانون الأمية الكاملة بينما ٧.١% حصل على التعليم الابتدائي فقط ولا يتجاوز خريجو الجامعات والحاصلين على
درجة علمية عالية على ٢.٥% من السكان.
الهند.. القوميات والعقائد:
تعج الهند بخليط من البشر الذين يتفاوتون في الشكل والعرق واللغة والدين
والطبقة الاجتماعية.. ففي شبه القارة الهندية ما يزيد عن خمسمائة لغة محلية،
واللغة الرسمية هي الهندية. ويعتنق الهنود عدداً هائلاً من المعتقدات والأديان
تتفاوت ما بين الديانات السماوية إلى عبادة الأصنام والنار والأبقار.. عبادة البشر.
والهندوس يمثلون ٨٢% من السكان وهم الغالبية العظمى. كما أنهم مقسمون إلى
طبقات اجتماعية وأعراق ومذاهب.
وتصل نسبة المسلمين إلى ١٢% تقريباً معظمهم من أهل السنة ويتبعون
المذهب الحنفي، كما يوجد هناك أصحاب المذاهب الأخرى المنحرفة والتي تحسب
على الإسلام كالأحمدية والبابية، والبهائية والقاديانية والإسماعيلية. كما أن للشيعة
تواجد في الهند.
ونسبة النصارى ٢.٤٣%، والسيخ إلى (١.٩٧%) ، والبوذيون (١.٧١%) ، والجاين (٠.٤٨ %) ، والمجوس (٠.٠١ %) . وتبرز في الهند الممارسات والطقوس الغريبة والمعتقدات المجهولة إلى جانب مجموعة قليلة جداً من اليهود.
المسلمون على الخارطة الهندية:
تفيد إحصائيات العام ١٩٩١م أن عدد المسلمين يزيد عن ٩٦ مليون نسمة
(وأكثر من مائة مليون في ١٩٩٣م) . وقد تصاعد عدد المسلمين في الهند في
النصف الأخير من هذا القرن (منذ الاستقلال) على النحو التالي:
السنة عدد المسلمين نسبة النمو النسبة للسكان الازدياد الإسلامي
----------------------------------------------------
١٩٥١ ٣٥.٤٤.٢٨٤ --- ٩.٩١ ---
١٩٦١ ٤٦.٩٤٠.٧٩٩ ٢٥.٦١ ١٠.٧٠ ٠.٧٩
١٩٧١ ٦١.٤١٧.٩٣٤ ٣٠.٨٥ ١١.٢١ ٠.٥١
١٩٨١ ٧٥.٥١٢.٤٨٩ ٣٠.٥٩ ١١.٣٥ ٠.١٤
١٩٩١ ٩٦.٦٥٥.٩٢٢ ٢٨.٠٠ ١١.٤٥ ٠.١٠
----------------------------------------------------
يقيم مسلمو الهند بشكل عام في المناطق الغنية بالمياه والثروات النباتية في
شمالي الهند وعلى الشواطئ في الجنوب والجنوب الغربي وليس لهم وجود ملاحظ
في مناطق الجبال والأدغال. ويتواجد المسلمون بشكل كبير في ثلاث مناطق شمالية
أساسية هي: بيهار والبنغال الغربي وجامو وكشمير إذ أن ٥٢.١ % من مسلمي
الهند يتواجدون في هذه الولايات الشمالية الثلاث. كما يقطن٢٢.٤ % أي خمس
المسلمين في الهند في أربع ولايات جنوبية هي: كيرالا، أندهار باريش، كارناتاكا
وتاميل نادو. كما يعيش ١٤.٩ % أي سبع مسلمي الهند في أربع ولايات غربية
هي: راجستان، كجرات، ماهارشاترا وغولا. كما يوجد ٥.٠٥ % منهم في
الولايات الشمالية الشرقية و ٣.٨٦ % في الولايات الشرقية. وتوجد أقل نسبة
للمسلمين في ولايات تشاها يسفارا واندكاريانا.
ويُرجع الدارسون السبب في خلو المناطق الجبلية والأدغال (في مناطق
غودافاري) من المسلمين إلى أن المنطقة كانت ولا زالت تُسكن من قبائل لا تقبل
التعامل مع الآخرين ويتميزون بالعدائية والانطوائية حيث أنه لا مجال للدخول إليهم
أو التكلم معهم. أما المناطق التي تقطنها مجموعات إسلامية لا تتعدى ال ١% من
السكان هي: البنجاب، هايريانا، هيكاشال باراديش، أردناكالي باردايش، ناغالا
لاند، ميزورام، ميغاليا، آسام. وانخفاض هذه النسب نتيجة لحملات التهجير
القسري عام ١٩٤٧م، وقد كانت النسبة في هذه الولايات تتراوح بين ٥ا-٣٣%
من المجموع العام للسكان في ولاية هيراما، و ٢٣- ٥٠% من سكان ولاية
البنجاب.
في الولايات:
لن نستعرض كثيراً ولاية جامو وكشمير مع أنها الولاية الوحيدة ذات الغالبية
الإسلامية في الهند..
١ - أوتار براديش: وتأتي من حيث الترتيب الرابعة بالنسبة للمساحة،
ويصل عدد المسلمين فيها إلى ٢٣ مليون نسمة حسب إحصائية عام ١٩٩١م. وأهم
المقاطعات التي يسكنها المسلمون في هذه الولاية هي: مراد آباد (٣٨.٠٦%) ،
ساهار نابور (٣١.٥٧ %) ، بجنوري (٣٩.٤٥%) ، رامبور (٤٧.٢٢%) ،
وأقل نسبة للمسلمين تتواجد في منشة باندا (٥.٥١%) .
٢- البنغال الغربي: تصل نسبة السكان إلى ٧٦٦ شخص في الكيلومتر
المربع وتوجد فيها مقاطعة مرشد آباد أكبر تجمع إسلامي في الهند إذ يصل عددهم
إلى ٢.١٧٠.٠٠٠ شخص بنسبة تصل إلى ٥٨.٦٧% من السكان. أما أقل نسبة في مقاطعات هذه الولاية فهي مقاطعة بنمورة (٥.٦٥%) ودارجلنغ (٣.٦٤%) . ويعتبر كثير من مسلمي هذه الولاية امتداد لمسلمي بنغلادش. والعدد الإجمالي لمسلمي هذه الولاية هو ١٥.٢٦٧.٠٠٠ نسمة.
٣- بيهار: وفيها ثالث أكبر تجمع إسلامي في الهند وتقع بين ولايتي أوتار
بارديش والبنغال الغربي، ومساحتها ١٢٣.٨٧٧كم ٢ وعدد السكان ٨٦.٣٣٩.٠٠٠
نسمة، وعدد مقاطعاتها ٤٢ مقاطعة. وفيها ١٣% من مسلمي الهند. وكان عدد المسلمين في الولاية عام ١٩٥١ م ٤.٣١٤.٠٠٠ نسمة، نسبة المسلمين بينهم ١١.٢٨%، وارتفع العدد إلى ١٢.٨٧٤.٩٩٣ عام ١٩٩١.
٤- مهارشترا: ويبلغ عدد المسلمين في هذه الولاية ٧.٦٠٦.٠٠٠نسمة، نسبتهم إلى العدد الإجمالي ٩.٢٥%. ومعظم المسلمين يقطنون في مقاطعات:
بومباي، جالفون، برهاني، نانديد، عثمان أباد، بولدانا.. وتتدنى نسبتهم في
مقاطعة بندارا إلى ٢% من مجموع السكان.
٥- كيرالا: يقطن في هذه الولاية ما يزيد عن ٦.٤٩٢.٠٠٠ نسمة.
وتصل النسبة فيها إلى ٧٤٧ نسمة في الكيلومتر المربع الواحد. ونسبة المسلمين
هي ٢١.٢٥%.
٦- اندهرا براديش: عدد سكانها ٦٦.٣٥٥.٠٠٠ نسمة، ونسبة المسلمين
بينهم ٨.٤٧%. وأهم المقاطعات التي يقطنها المسلمون هي كورنول ونسبتهم
(١٧%) وفي حيدر آباد ونسبة المسلمين فيها (٢٧%) وهي من أهم المراكز الثقافية
والتراثية للمسلمين في الهند.
٧- كارناتاكا: يبلغ تعداد المسلمين في هذه الولاية٥.٢١٣.٠٠٠ نسمة، ومساحتها ١٩١.٧٩١كم ٢. ونسبة المسلمين فيها١١.٠٥%. أهم المناطق التي يسكنها المسلمون كولارغا (١٨ %) وييدار (١٩ %) ونسبتهم من ٥- ١٠% في عشرة مقاطعات.
٨- جامو وكشمير: وقد اتسع الحديث عنها في العددين السابقين للبيان،
حيث أن هذه هي الولاية الوحيدة في الهند ذات الغالبية المسلمة،. ويحاول أبناؤها
الاستقلال وإقامة دولة لهم.
٩- آسام: عدد سكانها ٢٢.٢٩٥.٠٠٠ نسمة ومساحتها ٧٨.٤٣٨ كم ٢ ونسبة المسلمين فيها ٢٤.٠٣% من مجموع السكان.
١٠- كجرات: مساحتها تقدر بـ ١٩٦.٠٢٤ كم ٢ وعدد المسلمين ٢.٩٠٨.٠٠٠ نسمة (عام١٩٨١) ، ونسبة المسلمين بينهم ٨.٥٣%. وأهم
المقاطعات مقاطعة أحمد آباد وتصل نسبة المسلمين فيها إلى ١١%.
١١- تاميل نادو: مساحتها ١٣٠.٠٣٨ كم ٢ وعدد سكانها ٣.٠٢٤.٠٠٠
نسمة، وعدد مقاطعاتها ٢١. ونسبة المسلمين فيها ٥.٢١%. وأهم مناطق المسلمين كانياكوماري وتانجافور.
١٢- مادهيا براديش: تبلغ مساحة هذه الولاية ٤٤٣.٤٤٦ كم ٢، وعدد
سكانها ٦٦.١٣٦.٠٠٠نسمة. ونسبة المسلمين فيها ٤.٨٠% من مجموع السكان، وأهم مناطقهم راتلام، أوجيان.. (مجموع عدد المسلمين ٣.٣٠٣.٠٠٠ نسمة) .
١٣- راجستان: مساحتها ٣٤٢.٢٣٩ كم ٢ وعدد سكانها ٤٣.٨٨١.٠٠٠ نسمة. ونسبة المسلمين ٤.٠٥% من السكان (عدد المسلمين فيها ٣.٣١٥.٠٠٠
نسمة) .
١٤- هاريانا: مساحتها ٤٤.٢١٢كم ٢، ويبلغ تعداد المسلمين فيها ٢٣.٥٣٦ نسمة، ونسبة المسلمين فيها ٤.٠٢ %من مجموع السكان. وأهم المقاطعات
فريد آباد (١١.٢٧%) ، جورجوان (٣٠.٨%) . وعدد سكانها ١٦.٣١٥.٠٠٠
نسمة.
١٥- دلهي: وتتجاوز مساحتها ١.٤٨٣كم ٢، وعدد سكانها يقارب العشرة
ملايين نسمة، وعدد المسلمين فيها ١.٠٣١.٠٥٦ نسمة؛ أي بنسبة ١١.٤% من مجموع السكان.
وهناك عدد من الولايات نسبة المسلمين ضئيلة جداً لا تتجاوز ١% من
مجموع السكان في بعض الأماكن..
إن المجموع النهائي لمسلمي الهند هو موضع خلاف بين المصادر. فبينما
تكاد تجمع المصادر الغربية على أنهم لا يتجاوزون المائة مليون، نجد أن المصادر
الإسلامية تلمح إلى أرقام أعلى من ذلك تصل إلى ١٢٠ مليون وأحياناً إلى ١٤٥
مليون. (راجع جدول ١ و ٢) .
الحاضر.. ونظرة إلى المستقبل:
المجازر التي تناقلت الصحف أخبارها مع نهاية شهر أبريل الماضي، والتي
ذهب ضحيتها مئات المسلمين معظمهم من النساء والأطفال وكثير منهم أحرقوا
أحياء، تنذر بخطر جديد على مسلمي الهند. تقع ولاية مانيبور في شمال شرقي
الهند، وهي على الحدود مع بورما. ولم تشهد سابقاً حوادث عنف بين المسلمين
والهندوس، بل إن الولاية كانت ملجأ لعدد من المسلمين الذين هربوا من الاضطهاد
البورمي للمسلمين (١٩٩٢م) في ولاية أراكان الإسلامية الواقعة تحت السيطرة
البورمية. فاندلاع حملات العنف والاضطهاد في مثل هذه الولايات يعني إيقاظاً
للأحقاد الدفينة ضد المسلمين في المناطق التي تشهد تسامحاً نسبياً مع غيرهم.
مع أن المجازر بحق المسلمين كانت ولا زالت ترتكب بشكل متكرر في الهند
لكنها لم تؤثر على قرار السياسة الهندية حتى العام ١٩٨٩م حيث تفجرت قضية
مسجد البابري واندلعت الانتفاضة في كشمير إلى جانب التغييرات في الإطار
الإسلامي المحيط فبدأت ترتسم أطر لسياسة جديد تجاه المسلمين في البلد. وفي عام
(١٩٨٩) قتل ٥٠٠شخص (حسب الإحصائية الرسمية الهندية) علي الأقل في
الاضطرابات العرقية والدينية، وهذا الرقم هو ضعف الرقم للعام الماضي وتد ميز
هذه الاضطرابات أنها حدثت في ولايات: أوتار بارديش، كارانتاكار، بيهار،
مادهيا بارديش، جرنمارات، ماهراشترا.. وهذه الولايات لم تشهد أية اضطرابات
عرقية ودينية منذ تقسيم الهند. مما اعتبره المراقبون السياسيون بداية تحول جديد
في التعامل مع الوجود الإسلامي في الهند. الملاحظ أن أية محاولة لتحسين ظروف
المسلمين في الولايات الهندية يلقى مقاومة قاسية من الأكثرية الهندوسية. وهذا
الواقع يعاني منه معظم الأقليات الإسلامية فليس المسلمون في بورما أو الفلبين
بأفضل حال من إخوانهم في البوسنة أو الهند. وليس الحقد البوذي هناك بأقل منه
عند الصليبي الحاقد أو الهندوسي الفاجر. ولا يتردد دعاة الشيطان وجنوده من
التصريح بأن معركتهم مع الإسلام والمسلمين لن تنتهي ما دام للدين قائمة. فهل
يقدّر المسلمون أبعاد كلمة (بال تاكري) (زعيم مجموعة شيف سيفا الهندوسية) ؟
(لقد خرج النمر الهندوسي من قفصه والويل لمن يقف في طريقه) .
المسلمون حسب توزيعهم في ولايات الاتحاد الهندي [٢] :
--------------------------------------------------
الولاية عدد المسلمين النسبة المئوية
--------------------------------------------------
١- جاموا وكشمير (Jammu& Kashmir) ٣.٨٤٣.٤٥١ ٦٤.٤٩%
٢- البنغال الغرب (west Bangal) ١١.٧٤٣.٢٥٩ ٢١.٥١%
٣- كيرالا (Kerala) ٥.٤٠٩.٦٨٧ ٢١.٢٥%
٤- أوتار براديش (Uttar Pradesh) ١٧.٦٥٧.٧٣٥ ١٥.٩٣%
٥- بيهار (Behar) ٩.٨٧٤.٩٩٣ ١٤.١٣%
٦- كارناتاكا (Karnataka) ٤.١٠٤.٦١٦ ١١.٠٥%
٧- مانيوبار (Maniupar) ١.٦٠٠.٠٠٠ ١٠.٠٠%
٨- ماهاراشترا (Maharashtra) ٥.٨٠٥.٧٨٥ ٩.٢٥%
٩- غوجارات (Gujarat) ٢.٩٠٧.٧٤٤ ٨.٥٣%
١٠- أندهرا براديش (Andhra Pradesh) ٤.٥٣٣.٧٠٠ ٨.٤٧%
١١- راجاستان (Rajastthan) ٢.٤٩٢.١٤٥ ٧.٢٨%
١٢- تاميل نادو (Tamil Nadu) ٢.٥١٩.٩٤٧ ٥.٢١%
١٣- مادهيا براديش (Madhya Pradesh) ٢.٥٠١.٩١٩ ٤.٨٠%
١٤- أوريسا (Orissa) ٤٢٢.٢٦٦ ١.٦٠%
١٥- البنجاب (Punjab) ١٦٨.٠٩٤ ١.٠٠%
-------------------------------------------------
المجموع في الولايات الرئسية [٢] ٧٧.١١٢.٤٣٩ ١١.٣٥%
المسلمون في الولايات الأخرى [٣] ٢١.٠٢٥.٤٦٦ ٠.١-٠.٩%
المجموع العام لمسلمي الهند [٤] ٩٨.١٣٧.٨٩٥ ١١.٥%
-------------------------------------------------
التواجد الهندوسي في البلاد العربية والإسلامية [٥]
-------------------------------
الدولة ... ... ... ... ... العدد
-------------------------------
أفغانستان ... ... ... ... ١٢٠.٠٠٠
الجزائر ... ... ... ... ٥٠٠
البحرين ... ... ... ... ٢٠.٠٠٠
بنغلادش ... ... ١١.٠٠٠.٠٠
بروناي ... ... ... ... ... ٥٠٠
تشاد ... ... ... ... ... ... ٢٠
مصر ... ... ... ... ... ٥.٠٠٠ ...
غامبيا ... ... ... ... ... ٥٠٠
غينيا ... ... ... ... ... ... ٥٠
أندونيسيا ... ... ٥.٠٠٠.٠٠٠
إيران ... ... ... ... ... ١٠.٠٠٠
العراق ... ... ... ... ... ٥.٠٠٠
الأردن ... ... ... ... ... ١.٠٠٠
الكويت ... ... ... ... ١٠.٠٠٠
لبنان ... ... ... ... ... ١٠٠
ليبيا ... ... ... ... ... ٥٠٠
ماليزيا ... ... ... ١.٠٩٥.٠٠٠
المغرب ... ... ... ... ... ٥٠
نيجيريا ... ... ... ... ٢٢.٠٠٠
باكستان ... ... ... ١.١٠٠.٠٠٠
قطر ... ... ... ... ... ٥٠٠
السعودية ... ... ٥.٠٠٠
السنغال ... ... ... ... ١٠٠
سيراليون ... ... ... ٥٠٠
الصومال ... ... ٥٠٠٠
السودان ... ... ... ... ٥٠٠
سوريا ... ... ... ... ... ١٠٠
تانزانيا ... ... ... ٦٠.٠٠٠
تونس ... ... ... ... ... ١٠٠
تركيا ... ... ... ... ... ١٠٠
الإمارات ... ... ١٥.٠٠٠
-------------------------------
المجموع ... ١٨.٤٨٢.١٢٠
-------------------------------
стр. 1462
المسلمون والعالم
القرآنيون وشبهاتهم حول السنة
تأليف: د. خادم حسين بخش
عرض: عثمان جمعة ضميرية
أنكرت فئة ضالة حجية السنة النبوية كخطوة على طريق إنكار حجية القرآن
الكريم نفسه، ثم انقرضت تلك الفئة، لتظهر في هذا القرن بصور جديدة، حيث
ظهرت في شبه القارة الهندية بزعامة غلام نبي المعروف بـ (عبد الله جَكْرَالَوِي)
وكان من أبرز دعاتها مع آخرين ساعدوه في ذلك، وسموا أنفسهم باسم (أهل ...
القرآن) .
وساعدت على قيام الحركة عدة أسباب، أهمها:
ا- المناخ الذي هيأته حركة السيد أحمد خان.
٢- الاستعمار بأساليبه المختلفة حيث كان الإنجليز يسيطرون على الهند
وباكستان.
٣- هزيمة بعض المسلمين النفسية أمام الحضارة الغربية.
كافح علماء شبه القارة الهندية فكرة (أهل القرآن) منذ وجودها، وذلك لما
يترتب عليها من خطر وردة عن الدين، وقاموا بتفنيد شبهاتهم، وذلك بدراسات
علمية كشفت ضلال هذه الفرقة وفندت جوانب الزيف والانحراف لهذه الحركة في
مجال السنة والقرآن والعقيدة والعبادات والتشريع الإسلامي. وقد تصدى لهم الأستاذ
الباحث خادم حسين بخش، فقدم هذه الدراسة (القرآنيون وشبهاتهم حول السنة)
وهي أطروحة جامعية تقدم بها لنيل درجة الماجستير من كلية الشريعة والدراسات
الإسلامية بمكة المكرمة. وقد طبعتها مكتبة الصديق بالطائف في مجلد واحد.
جاءت هذه الرسالة في بابين وخاتمة:
أما الباب الأول فقد عالج فيه المؤلف فكرة إنكار السنة قديماً وحديثاً، فتحدث
عن تاريخ فرقة القرآنيين والأصول التاريخية لها.
وأما الباب الثاني فقد جعله خاصاً لدراسة أفكار القرآنيين، ويقع في أربعة
فصول.
عرض في الفصل الأول شبهات القرآنيين حول السنة مع مناقشتها، وفي
الفصل الثاني دراسة لمنهج القرآنيين في تفسير القرآن الكريم. وفي الثالث عرض
ومناقشة لآرائهم الاعتقادية في مسائل وأحكام اعتقادية كثيرة. وفي الفصل الأخير
عرض لآراء الجماعة في جوانب الشريعة، فتحدث عن موقفهم من العبادات
والعقوبات والمعاملات، وعن موقفهم من الحدود، والميراث.. وكانت الخاتمة
خلاصة عامة، تضمنت أهم النتائج التي توصلت إليها الدراسة. ويليها ثبت
المراجع العربية والأجنبية وكان عددها وفيراً ومتنوعاً. هذا وقد اجتمعت لهذه
الرسالة ميزات جمة تجعلها جديرة بالقراءة والاطلاع، فهي رسالة علمية كتبها
باحث مطلع على أفكار الجماعة عن كثب، ويقرأ لهم بلغتهم ولسانهم، مع حماس
لدينه وعقيدته، فنسأل الله تعالى أن ينفع به وبما كتب.
стр. 1463
مقابلة
البيان تحاور المتحدث الرسمي
باسم حزب النهضة الإسلامي في طاجيكستان
أجرى الحوار: د. مالك الأحمد
ضيف (البيان) في هذا اللقاء هو سيد قيام الدين غازي المتحدث الرسمي
لحزب النهضة الإسلامي في طاجيكستان، وهو من الخمسة المؤسسين لهذا الحزب
وعضو مجلس الشورى فيه، وهو خطيب الحزب المفوه الذي كان يخطب في
الجماهير المحتشدة في ميدان الشهداء في دوشنبه أيام الاعتصام، وكان عددهم يربو
على المائتي ألف، وكان الناس يستمعون لتوجيهاته، ولم ينفضُّوا إلا بعد أن أمرهم
بذلك.
* يستغرب الكثيرون الظهور القوي والمفاجئ لحزب النهضة في طاجيكستان
فكيف تعلل ذلك؟
يظن الكثيرون أن حزب النهضة وليد السنوات القليلة السابقة وهذا غير
صحيح، نحن كنا نعمل منذ ١٥ سنة لكن جهادنا كان سرياً، كنا نعلم أبناءنا في
الإسطبلات والسراديب كي نحفظ عليهم دينهم. لكن بعد سقوط الشيوعية أنشأنا
الحزب كي يكون واجهة لنا، ورغم ذلك لم نكشف كل ما لدينا خوفاً من الشيوعيين
الذين ما زالوا على رأس الحكم، فقد خشينا أن ينضم الناس نظراً لجهلهم وتشوقهم
للحرية إلى الأحزاب الجديدة الوليدة وبعضها إسلامي الاسم؛ كالحزب الديمقراطي
الإسلامي لكنها كانت علمانية التوجه.
* كيف سمح لكم الشيوعيون بإنشاء الحزب رغم أن كثيراً من البلدان
الإسلامية تعارض إنشاء أحزاب ذات توجه ديني إسلامي؟
ظن الشيوعيون أن الإسلام قد دفن وللأبد في بلادنا وبالتالي فلا خوف من
ظهور حزب إسلامي لأنه في نظرهم مهزوم لا محالة، لكن الله رد كيدهم وظنهم
في نحورهم، فانطلق الشباب للدعوة في أصقاع البلاد، وأنشأت المساجد، وظهر
الحجاب، وعم الخير في بلادنا ولله الحمد.
* كيف تطورت الأمور بعد ذلك؟
بعد انتشار المد الإسلامي خلال سنتين تقريباً صدم الشيوعيون بهذا الأمر
وكان التخوف لدى الروس أيضاً، وعقدوا اجتماعات كثيرة متتالية لدراسة خطة
ملائمة لمقاومة المد الإسلامي، وبعدها أصدر (البرلمان) الكثير من القرارات
الجائرة للتضييق على المسلمين، وحبسوا بعض العلماء، وشددوا على حزب
النهضة، فاضطررنا للخروج ومواجهة الحكومة سلمياً عن طريق الاعتصام بميدان
الشهداء، وجلسنا أياماً مطالبين بتغيير الحكومة، وإلغاء الأحكام الظالمة ضد العلماء، وتطبيق نظم الإسلام في البلد سواء في العطلة (الأحد) أو اللغة (الروسية) أو
الإعلام أو القوانين الأخرى.
وقبلت الحكومة مطالبنا، فطلبنا من الناس الرجوع إلى منازلهم، لكن فوجئنا
بعد ذلك بنقضهم للاتفاقات، بل زادوا من التشديد على المسلمين؛ فخرجنا مرة ثانية
- ومعنا الأحزاب الأخرى التي تنادي بالديموقراطية - وحدثت اضطرابات شديدة
أدت إلى استقالات جماعية للوزراء، وسقط الرئيس، وتحولت الصلاحيات إلى
البرلمان وأغلبه من الشيوعيين، وتطورت الأمور سلباً لأن البرلمان استمر في
الضغط والتضييق على المسلمين، ووضعت المساجد تحت يد الحكومة وكذلك
الخطباء. فاضطررنا للخروج مرة ثالثة ضد قرارات البرلمان المجحفة واعتصمنا
في الميدان قرابة الشهر، فوافق البرلمان أخيراً على مطالبنا، لكن ظهر أنهم قبلوا
فقط ليتفرق الناس، وفوجئنا في الوقت الذي كنا نستعد فيه للخروج من الميدان
بتجمع عدد من الشيوعيين في ميدان مجاور مطالبين بأمور مخالفة لمطالبنا، وهذا
كان من تدبير قادة الشيوعية في البلد، فأصبح الوضع متفجراً خصوصاً بعدما
حصلوا هم على أسلحة.
* كيف أنقذتم الموقف المتفجر في تلك الساعات العصيبة؟
خطبت في الناس وقلت لهم نحن لا نخشى شيئاً لأن الله معنا، نحن مسلحون
بالإيمان والثقة بالله. وطمأنت الناس، فهدأت النفوس، وخاف الشيوعيون وظنوا
أنه لدينا أسلحة فهربوا من الميدان المجاور.
* كيف تكونت الحكومة الائتلافية؟
في البدء انسحب الروس من العاصمة ومعهم الأسلحة، ومع تطور الأمور
أوقع الله في قلوب الشيوعيين الرعب، فبدؤوا بالفرار، فاستولى بعض الشباب -
من حزب النهضة - على مبنى الإذاعة والتلفاز بعد معركة قصيرة، وسقطت البلاد
بأيدي التحالف الإسلامي الديمقراطي، وكونت حكومة ائتلافية ووافق عليها البرلمان
(والذي ما زال شيوعياً) .
* وكيف سقطت الحكومة بعد ذلك ووقعت المأساة؟
تطورت الأمور باتجاهين داخلي وخارجي، ففي الداخل أُخرج الشيوعيون
المجرمون من السجون وجمعوا قواتهم - وهم يملكون في الأصل أسلحة - وبدؤوا
بحملات عسكرية خارج العاصمة. وخارجياً اجتمع الشيوعيون من طاجيكستان
وأوزبكستان وروسيا وكازاخستان وقيرغيزيا، واتفقوا على ضرب الإسلاميين
خوفاً من استفحال أمرهم في طاجيكستان؛ وانتقال الأمر إلى الدول المجاورة.
وفعلاً أرسلت الدبابات والأسلحة الثقيلة، وهاجموا بالطائرات من أوزبكستان،
وساعدتهم القوات الروسية الموجودة أصلاً في المنطقة.
* حبذا لو أعطيتمونا نبذة عاجلة عن المأساة؟
الأمر أصعب وأشق من أن يصور، فالقتلى بعشرات الآلاف والمفقودون
كذلك، فضلاً عن أكثر من مليون مشرد، لقد دمروا منطقة قرغان تبه حيث معقل حركة النهضة ودمروا القرى وأحرقوا المساكن والبشر حتى الحيوانات لم تسلم من شرهم، لقد فعلوا ما لم يفعله جنكيزخان أو هولاكو، لم يرحموا صغيراً ولا كبيراً ولا مريضاً، حتى بيوت الله لم تسلم من شرهم. وكان العلماء أشد بلاء، فقد عذبوهم ثم مثلوا بهم قبل أن يقتلوهم.
* يؤخذ عليكم أنكم دخلتم اللعبة السياسية قبل أن تنضج الحركة؟
أقولها لك صريحة، أنا شخصياً لا أؤمن باللعبة الديموقراطية، ولنا في
التجربة الجزائرية خير شاهد، أنا أريدها إسلامية صريحة، وكنت أقول للناس في
الميدان ماذا تريدون؟ قالوا: نريد الإسلام. وكان الناس يستمعون لقولي، لو قلت
لهم قوموا لقاموا. بالنسبة للحزب كان هناك رأيان في مجلس الشورى. الأول:
هو التدرج في إعلان الحكومة الإسلامية، واستخدام سياسة الخطوة خطوة كي لا
نثير الأعداء الشيوعيين علينا مرة واحدة. وكان الرأي الثاني - وكنت من أنصاره
- أن الفرصة مواتية والشيوعيين في أضعف أحوالهم والناس تريد الإسلام، وإن
كان ولا بد فدعوا الأمر يتناطح فيه الشيوعيون والديموقراطيون حتى تحين فرصة
مواتية لنا، وساد الرأي الأول، وأنصاره يأسفون اليوم لما آل إليه رأيهم ويبقى
الأمر اجتهاداً منهم لنصرة الدين.
* ألم يحسب الأخوة في حزب النهضة أي حساب لما قد تؤول إليه الأمور؟
لم يكن لدينا خيارات كثيرة فقد علمنا - بعد مدة قصيرة من تكوين الحكومة
الائتلافية - عزم الشيوعيين على التحرك ضدنا، ولكنا كنا محاصرين. فالدول
المجاورة كلها شيوعية، ولا يمكن أن نتحرك من خلالها، أما أفغانستان فقد كان
الروس يحرسون الحدود، وكان من الصعب علينا التحرك، ولم تكن لدينا أصلاً
أسلحة، وليس لدينا أموال لشرائها.
* هل من كلمة خاتمة؟
أقول مأساتنا قد علمتموها وتفاصيلها قد نشرت، ونحن نحتاج من إخواننا
المسلمين لكل أنواع المساعدة بالمال والسلاح والدعاء والله لا يضيع أجر المحسنين.
стр. 1464
أخبار قصيرة
إسرائيل ... والزئبق الأحمر
قدَّم الكسندر روتسكوي نائب رئيس جمهورية روسيا الاتحادية تقريراً بعنوان
(من أين لك هذا؟ وأين ذهبت ثروات روسيا؟) جاء يعرض لكثير من قضايا الفساد ...
والرشوة في البلاد ولكن أخطر ما جاء في التقرير على جميع المستويات التالي:
(منذ عام ١٩٦٨ والعمل في الاتحاد السوفييتي يجري لتصنيع مادة الزئبق الأحمر)
أو (ملح الزئبق) وحسب تقديرات الخبراء فإنه لا يوجد غير مركز واحد في أوربا
(سويسرا) قادر على الاستفادة من المادة. واستناداً إلى المعطيات المتوفرة فإن سعر
الغرام الواحد من مادة الزئبق الأحمر تتراوح بين ٣٤٠ أو ٣٨٠ دولاراً أي أكبر
بعشر مرات من سعر الذهب. وهذه المادة يستفاد منها لتصنيع: صواعق ذات دقة
متناهية للقنابل العادية، تصنيع صواعق قنابل نووية، تشغيل المفاعلات النووية،
تصنيع معدات وآلات الكترونية غاية في الدقة، صناعة ورق خاص بطبع النقود،
صناعة رؤوس أوتوماتيكية للصواريخ ذات الدقة المتناهية في تدمير الأهداف....
ومن خلال عقود تمت بين شركة (بن صهيون) والإدارة الروسية فقد تم بيع كميات
هائلة منها إلى إسرائيل بسعر بخس. حيث أن القرار رقم ٨٧ بتاريخ ١٦ يناير
١٩٩٢ أوعز بتسليم شركة (سوفيجزدين) الإسرائيلية ٣٠ كيلوغراماً من مادة ...
الزمرد الخام بهدف تصنيعه وبيعه في الخارج لقاء بضعة آلاف من الروبلات. إنه
هدية للإسرائيليين تزيد قيمتها عن عشرة مليارات دولار علماً بأن ديون روسيا
بلغت عام ١٩٩٢م بلغت ١٢ مليار دولار) .
... ... ... ... ... ... الأسبوع العربي٢٦/٤/١٩٩٣
التقرير-الضجة لم تشأ أجهزة الإعلام - المحكومة صهيونياً - أن تثيره
خاصة في معمعة الأحداث الجارية في أوربا الشرقية وإن كانت قد تحدثت بعضها
عنه، كما أنه وجد بعض التغطية في الصحافة العربية. هكذا تخطط إسرائيل
(لسلام دائم وشامل مع العرب) !
ساعدوهم لمحاربة التطرف
أكد خبير أميركي في شئون الأمن القومي أمس أن العالم العربي يجب أن
يعالج مشاكله الاجتماعية والاقتصادية المتمثلة في الفقر والنمو السكاني الكبير
وغياب الانتماء الاجتماعي لمواجهة انتشار الأصولية. وعليه ألا يكتفي بالإشارة
إلى خطر هذه الدولة أو تلك لأن معظم الدول التي يشار إلى أخطارها العسكرية لم
تعد تملك التجهيزات العسكرية المتطورة لا في أساطيلها الجوية ولا في تجهيزاتها
الألكترونية المطلوبة للتفوق في هذا العصر التي تعتمد على التكنولوجيا المتطورة،.
الحياة ٨ / ٤ / ١٩٩٣
أصابع الاتهام تشير إليهم
تناقلت الإذاعات والصحف المصرية أخبار حالات الإغماء الجماعي التي
أصيب بها مئات الطالبات في المدارس المصرية في منتصف شهر مايو. الأخبار
تفيد أن ما يزيد عن خمسمائة تلميذة أصبن بالإغماء والغيبوبة من دون سبب واضح، وقد خصصت مستشفيات كثيرة في الجيزة والقاهرة والإسكندرية لمعالجتهن وقد
أصبحت هذه الحادثة - الظاهرة لغزاً! للإعلاميين والتربويين.. كل يدلو بدلوه
فيه. وقد تعطلت الدراسة في مدرستين للفتيات في قريتي بويط وفيشان التابعين
لمدينة الرحمانية حيث بلغ عدد المصابات بالإغماء والغيبوبة في المدرسة ٢٥٠
تلميذة. وقد قامت مجموعة من الأطباء والمتخصصين في الأمراض الوبائية
واستعين ببعض المعامل الخاصة لكشف غموض حالات الإغماء. وانتشرت
مجموعة من القوات المسلحة في المناطق التي تشهد هذه الحالات واستدعي خبراء
في الحرب الكيمياوية من القوات المسلحة المصرية لتحليل الظاهرة.
وقد ألقى وزير الصحة الدكتور راغب دويدار بياناً رسمياً في مجلس الشعب
دعمه بالبيانات والإحصاءات عن عدد المصابات وحالاتهن والتفسير الطبي لهذه
الحالات والنتائج المخبرية والعينات التي أخذت من المصابات وأكدت خلوها من أي
إشعاعات وفيروسات خطيرة قادمة من الخارج أو مبيدات حشرية أو نفايات ذرية.
وقد فسر (السيد الوزير) الظاهرة بأنها: (إما هستيريا جماعية) ، أو (حالة نفسية
بحتة) ! !
ولكن (السيد الوزير) نسي أن يذكرنا بأن هذه الحالة والتي ظهرت قبل ذلك
بأسبوعين بأعداد أقل تكاد تكون تكراراً لما حدث في مدراس البنات في (بير زيت) في فلسطين المحتلة عام ١٩٨٣م عندما دس خبراء الموساد مواداً كيماوية في
خزان مياه الشرب التابع للمدرسة. علماً بأن هذه المواد لا يتأثر بها إلا البنات وفي
سن المراهقة وتؤدي إلى إفقادهن خصوبتهن.
والجدير بالذكر أن إسرائيل - والتي امتدت أيديها إلى إفساد قطاعات كبيرة
في الزراعة المصرية - تحاول باستمرار تقديم العرب للعالم على أنهم سريعو
التكاثر داخل فلسطين مما يعني أن اليهود مهددون بأن يصبحوا أقلية في (بلادهم)
لذا يرى الخبراء اليهود بأن إفقاد قطاع كبير من المسلمات لخصوبتهن سبيل لتحقيق
أغراضهم.
ليسوا متطرفين! !
انتهى الحصار الذي فرضته قوات الشرطة الفيدرالية الأميركية على مجمع
سكني تحاصر فيه مجموعة دينية يرأسهم كوريش الذي (يزعم أنه رسول من الله،
برسالة جديدة محتواها يهودي بإطار مسيحي. وقد قضى (جميع من كان بالداخل
تقريباً) ٩٥ شخصاً حرقاً بينهم ١٧ طفلاً بعد أن رفض (سيدهم) الخروج قبل أن
تأتيه (رسالة من الله) . المجموعة المسلحة بأحدث البنادق قد قتلت خمسة من
رجال الشرطة عند محاولتهم اقتحام الموقع منذ شهرين تقريباً. جميع الذين كتبوا
عن الموضوع لم يبرزوا الرجل وجماعته كمتطرفين لأن وصف التطرف يُحتفظ به
لقضايا المسلمين ورجالاتهم فقط.
من جرَّب المجرَّب
أنهى الحزب الشيوعي التونسي مؤتمره العام في ٢٤/٤/١٩٩٣ بالإعلان عن
(عهد بالوفاء للشيوعية) وتغيير اسمه إلى (حركة التجديد) لأن المرحلة - كما يقول رئيسها العام - محمد حرمل: (تقتضي تضافر جهود الديموقراطيين لمجابهة خطر التيارات الأصولية) .
стр. 1465
الملف الإعلامي
إحصائيات
العرب بالأرقام
قدر التقرير العربي الموحد للعام ١٩٩٢ عدد سكان العالم العربي في نهاية عام
١٩٩١م بـ ٢٣٠ مليون نسمة يشكلون ٥ بالمئة من عدد سكان العالم. فيما يبلغ
عدد العمالة العربية ٦٧ مليون عامل. واعتبر التقرير أن نسبة احتياطي النفط
المؤكدة في الدول العربية (١ ٦٣ بليون برميل) أي ٦٢٠٦% من الاحتياطي
العالمي. وتشكل نسبة احتياطي الغاز في الدول العربية ٢٤٠٢% من الاحتياطي
العالمي. وقدر التقرير الصادرات السلعية بـ ١١٩ بليون دولار عام ١٩٩١م،
وهي تشكل نسبة ٣٠٧% من الصادرات العالمية. فيما بلغت قيمة الواردات ١٠٥
بليون دولار تشكل نسبتها ٣% من إجمالي الواردات العالمية.
أعلن صندوق الأمم المتحدة لرعاية الطفولة يونيسيف في كراتشي أن خمسة
ملايين طفل مسلم يموتون سنوياً في العالم الإسلامي، وأن ملايين آخرين يعانون
من سوء التغذية التي تترك بصماتها على حياتهم مستقبلاً. ودعت المنظمة التي
تعمل على حماية الطفولة بلدان منظمة المؤتمر الإسلامي إلى تخصيص ٢٠% من
موازناتها للتنمية البشرية لتلبية حاجات النساء والأطفال.
المسلمون في أميركا
عرضت جريدة (هيرالد تريبيون) الدولية في عددها الصادر ٨/٥/١٩٩٣ أن
عدد المسلمين في أميركا يتجاوز الـ ٤ ملايين نسمة، وأن أعدادهم في تزايد
مستمر، ومعظمهم من الدول العربية والإفريقية إلى جانب الباكستانيين والهنود..
ويقيم المسلمون في بعض المدن مثل (ديربورن) وسكانها ٨٧٠٠٠٠ نسمة
يشكل المسلمون فيها ٢٠% منهم.
ويقول التقرير أيضاً أن المسلمين في أمريكا ليس لهم وجود سياسي واضح
ولا يشكلون (قوة ضغط) واضحة المعالم، ولكنهم على ما يبدو في الطريق إليها إذ
أن ذلك يبدو واضحاً من خلال إنشاء المقومات الأساسية لتكوين أنفسهم، حيث لهم
١٦٥ مدرسة إسلامية.
стр. 1466
مصطلحات
القنبلة الإسلامية [*]
وهو تعبير أطلقته باكستان عام ١٩٧٩م على القنبلة النووية الباكستانية المزمع
تصنيعها آنذاك. وهذا التعبير كثير الاستخدام في العالم الغربي للتحذير من أية قوة
إسلامية علماً بأن جميع شعوب العالم - ما عدا المسلمين - يملكونها. فالهند لديها
مشاريعها النووية وكذلك كوريا واليابان وإسرائيل وجنوب أفريقيا ودول أوربا
وأمريكا ولكنها محظورة على المسلمين.
وقد كان الدافع الأول للمشروع الباكستاني هو التهديد والتحدي الهندي - العدو
التقليدي والأول لباكستان. وقد هددت إسرائيل عشرات المرات وأشارت إلى
إمكانية قيامها بتدمير المنشآت النووية الباكستانية للحيلولة دون تصنيع (القنبلة
الإسلامية) على غرار مما فعلت عام ١٩٨١م عندما قامت بقصف المفاعل النووي
العراقي.
فمع أن القانون الدولي يحرم استخدام أسلحة التدمير الشامل، وعقدت مئات
الاتفاقيات وعشرات المعاهدات إلا أن العالم لا زال يمتلك ذلك السلاح [*] :
- أميركا: لديها ما يكفي لتدمير العالم ٢١ مرة.
- روسيا: لديها ما يكفي لتدمير العالم ١٨ مرة.
- فرنسا وبريطانيا لديها ما يكفي لتدمير العالم ٥مرات.
- إسرائيل تمتلك ٢٦ قنبلة نووية صغيرة.
стр. 1467
الملف الإعلامي
إصدارات
من الكتب التي صدرت حديثاً عن أحداث الجزائر، كتاب (شيوخ وجنرالات؛ الصراع على الجزائر) ، أعده فريق من الخبراء العرب، نشر دار الكتاب
العربي، القاهرة /دمشق، سنة ١٤١٢هـ/١٩٩٢م، الكتاب من ٢٠٠ صفحة من الحجم المتوسط.
جاء في مقدمة الفصل الأول منه: (طويلة هي قصة الصراع بين العسكر
والدين في أوطاننا العربية، ومعقدة هي فصول هذه القصة ومتداخلة، وهو واقع
الحال مع الجزائر في تاريخها الحديث، وبخاصة في تجربتها الأخيرة (ديسمبر
١٩٩١م - يناير١٩٩٢ م) فلقد كان الصراع دامياً ودرامياً بين العسكر والشيوخ) .
والكتاب عبارة عن سرد للوقائع والأحداث ورصد المواقف، مدعماً بالوثائق
والنصوص، لفترة معينة في الصراع بين الحق والباطل وحتى قبل هلاك
(بوضياف) !
وقد قسم الكتاب إلى أربعة فصول هي:
الفصل الأول: رياح الديمقراطية تأتي بالإسلاميين (الجزائر قبل الاستقلال) . ...
الفصل الثاني: مواقف القوى السياسية العربية من الفوز الإسلامي (مواقف ما ...
قبل استقالة (بن جديد)) وفيه: أولاً: موقف الإخوان المسلمين، ثانياً: موقف
الإسلاميين المستغلين، ثالثاً: موقف القوى اليسارية.
الفصل الثالث: الإنقلاب الأبيض (الجزائر بعد استقالة (بن جديد) وفيه:
رصد للأحداث الداخلية من خلال الصحف المحلية والغربية، وبيان بعض مواقف
قيادات الجبهة الإسلامية للإنقاذ مع تصريحات لبعض القيادات العربية. كما يحتوي
هذا الفصل على أول رد فعلي رسمي أميركي على أحداث الجزائر.
الفصل الرابع: الدبابات تعود (رصد عام لمواقف القوى السياسية العربية بعد
استقالة (بن جديد) وفيها: أولاً: موقف الإخوان المسلمين، ثانياً: موقف القوى
الإسلامية المستقلة، ثالثاً: موقف القوى اليسارية، رابعاً: موقف قوى رسمية
مستقلة. ثم يختتم الكتاب بالنص الكامل للبرنامج السياسي للجبهة الإسلامية للإنقاذ.
وفي الجملة، فإن الكتاب من (أحسن ما في الباب) حالياً، لمن يهمه أمر أمة
المليون شهيد، حتى يأذن الله.
стр. 1468
صور من تاريخ الطغيان
د.محمد عابد باخطمه
التاريخ كتاب عظيم الفائدة لمن أراد أن يقرأه ويستفيد من حوادثه كمنهج
قرآني. قال تعالى: [قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَذِينَ مِن
قَبْلُ] [الروم ٤٢] . وقد استخدم الرسول ﷺ هذا المنهج في
غير موضع.
دراسة التاريخ غزيرة الفوائد ولعل من أهمها:
أولاً: إن الحقائق تصبح ظاهرة.. حيث أن الحادثة وتفاعلاتها ونتائجها تكون
معروفة، لذلك يمكن إعطاء الأحكام العادلة على الحوادث المنصرمة.
ثانياً: يصبح في المقدور ربط الحاضر بأصوله، وجذوره في الماضي، فلا
نخدع بالثمرة الحسنة المظهر المرة المذاق من الشجرة الخبيثة الأصل، وعلى أثر
ذلك فإن أحكامنا على الحوادث والأمور الحاضرة سوف تتسم بالجدية والأسلوب
العلمي البعيد عن العاطفة والتخمين.
ثالثاً: يمكننا عند دراسة التاريخ - دراسة واعية - أن نستشف المستقبل،
فيصبح خداعنا أمراً صعباً ومستحيلاً، وتكون الخطط المستقبلية - وهي أحد
أساسيات تطور الشعوب - مبنية على أسس صلبة لا تتأثر بالرياح الموسمية.
إذن التاريخ يخبرنا عن الماضي لنفهم الحاضر ونخطط للمستقبل، وفي هذه
المقالة أريد أن أدرس أمراً واحداً فقط وهو الطغيان لنرى ماذا يقول التاريخ فيه.
والطغيان في اللغة: مجاوزة الحد والتعدي. وعند تطبيق هذا المعنى في الدين
يكون الطغيان: التمرد على أوامر الله ومحاربته سبحانه، وللطغيان
أسس هي:
أولاً: الطاغوت: وهو كل ما يعبد من دون. الله تعالى.. صنم.. رجل..
شجرة.. حزب.. منهج ... الخ.
ثانياً: الطاغية: وهو المؤمن بأحد هذه الطواغيت، ويجبر الناس على
عبادتها مثله،
ثالثاً: السبيل الذي يسلكه الطاغية للوصول إلى هدفه وقد يكون القتل.
التجويع.. الإغراء.. الخ،
رابعاً: الأمة الضعيفة.. الجاهلة.. الواهنة.. المترفة.
ويقول لنا التاريخ: أنه لا بد من اجتماع هذه الأصول، فالطاغوت بدون
طاغية لا قيمة له.. والطاغية لا يجبر الأمة العالمة القوية المجاهدة على عبادة
طاغوته مهما استخدم من سبل، وقد تطغى أمة بمجموعها أو قد يطغى فرد واحد،
والأمثلة على النوعين كثيرة.
١ - طغيان الأمم:
قوم نوح ﵇، قال تعالى [قَالَ رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً ونَهَاراً
* فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إلاَّ فِرَاراً * وإنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي
آذَانِهِمْ واسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وأَصَرُّوا واسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً] [نوح٥- ٧] .
القوم أبوا إلا عبادة الأصنام وأصروا على ذلك.. قال تعالى: [وقَالُوا لا
تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ ولا تَذَرُنَّ وداً ولا سُوَاعاً ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْراً] [نوح ٢٣] ،
أعلنوها حرباً صريحة مع الله تعالى، وهنا صدر الحكم، قال تعالى: [مِّمَّا
خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَاراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَاراً] [نوح ٢٥] .
إذن اتخذوا طواغيت.. استكبروا وأصروا على غيهم.. أعلنوا الحرب مع
الله فأغرقوا وانتقلوا من الدنيا إلى جهنم وبئس المصير.
ثم قوم هود وهم عاد كانوا جبابرة، قال لهم نبيهم.. قال تعالى: [واذْكُرُوا
إذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وزَادَكُمْ فِي الخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ] [الأعراف ١٦٩] . وقال تعالى: [فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ
الحَقِّ وقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً]
[فصلت ١٥] . إذن أعلنوا التحدي لله تعالى بل طلبوا المنازلة..! وهنا صدر
الحكم، قال تعالى: [وأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ
لَيَالٍ وثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً] [الحاقة ٦-٧] .
أما قوم لوط.. فاختاروا طريق الشهوات ونكسوا فطرتهم وأصبح العفاف
عندهم جريمة تستوجب النفي، ألم يقولوا [أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إنَّهُمْ أُنَاسٌ
يَتَطَهَّرُونَ] [النمل ٥٦] ، ومثلهم قوم شعيب وقوم سبأ.. الخ، فمما سبق نستنتج ما
يلي:
قوله تعالى: [ولَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ
السَّمَاءِ والأَرْضِ ولَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * أَفَأَمِنَ أَهْلُ القُرَى أَن
يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَاتاً وهُمْ نَائِمُونَ * أَوَ أَمِنَ أَهْلُ القُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًى وهُمْ
يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلاَّ القَوْمُ الخَاسِرُونَ] [الأعراف ٩٦ -
٩٩] .
التاريخ يقول: أن الأمة التي تكثر معاصيها وتطغى لابد وأن تهلك، ولا
ينجو إلا من آمن بالله تعالى، بل إن المؤمن إن لم ينه عن المنكر فقد يهلكه ذلك
المنكر الذي لم ينه عنه.
والنوع الثاني من الطغيان هو طغيان الأفراد، ومن أمثلة ذلك إمامهم وقدوتهم
فرعون الذي أُعطى كل دعائم القوة.... . الشباب.. السلطة.. الفصاحة.. المال.. الجيوش.. الأراضي.. القصور.. العبيد، ومع ذلك كله كان عنده قومه إنهم
كانوا قوم سوء فاسقين لأنهم مهدوا له طريق الطغيان، كل هذا جعله يقول لهم: [أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى] فأماته الله شر ميتة مع جنده، وهو في أوج مجده، وقارون كان
فقيراً معدماُ فآتاه الله علماً در عليه المال فلم يحمد الله على ذلك.. فخسفت به
الأرض وهو يمشي متبختراً بين قومه. وكسرى.. كان أقوى ملوك الدنيا في
عصره ولكنه باستخفاف الطاغية لم يحترم رسالة الرسول ﷺ
بل مزقها، فمزق الله ملكه. وأبو جهل لقي نفس المصير.. لقد ماتوا شر ميتة وهم
في أوج تغطرسهم.. وفي عصرنا الحاضر ماذا كانت عاقبة هتلر.. جنرالات
إسبانيا.. ماذا حصل لتشاوشيسكو.. المصير واحد والمعادلة معروفة الطغيان يؤدي
إلى الهلاك.. التاريخ يقول لنا أن الطاغية يصل إلى أوج مجده ثم بسرعة جداً
يسقط إلى الحضيض، ومن لا يعتبر فالسنة الربانية لا تتغير.
وما هو حال من يطغى في وسط أمة صالحة؟ الجواب: هو ما حصل
لصاحب الجنتين الذي قال لصاحبه وهو يحاوره: [ومَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً ولَئِن
رُّدِدتُّ إلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْهَا مُنقَلَباً] [الكهف ٣٦] ، أحرقت جنته وأصبح
يعض أصابع الندم. الحقيقة التي لا تقبل الجدل هي قوله تعالى: [فَأَمَّا مَن طَغَى
* وآثَرَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإنَّ الجَحِيمَ هِيَ المَأْوَى] [النازعات ٣٧-٣٩] ،.
إن العودة إلى الله تعالى وترك المعاصي هي سبيل النجاة الوحيد للأمم
والأفراد، ووقوع الكوارث والمصائب لا يكون إلا عندما تكثر المعاصي، ولا ترفع
إلا بالتوبة إلى الله .
وباختصار إذا أرادت أمة أن تطغى.. أو أراد فرد أن يطغى فلتبحث تلك
الأمة.. أو ذلك الفرد عن ملكوت غير ملكوت الله تعالى، أما في ملكوته فهو وحده
الجبار المتكبر ..
стр. 1469
بريد القراء
* من الأخ سليمان عبد الرحمن العبيد وصلتنا قصيدة (كم وكم) نختار منها ...
بعض الأبيات:
يا من له الأولى وحكم الآخرة ... ربَّ العشية والضحى والهاجرة
يا رب نسألك النجاة جراحنا ... من كسب أيدينا الضعيفة غائرة
يا رب نسألك الثبات عقولنا ... من كيد صهيون -الخيانة- حائرة
ولقد علمنا لا محالة أن في ... يوم تدور على اليهود الدائرة
كم ساجد جاؤوه وقت سجوده ... عَدْواً بمطرقة الحديد الكاسرة
وجماعة تدعو بمسجد ربها ... مَلأتْ سجون الظالمين الجائرة
هذي المساجد معقل الإرهاب بل ... هذي وصايا (أورشليم) الكافرة
* الأخ سعد الحمدان
نشكرك على عواطفك النبيلة، وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه.
* الأخ بدر الربدي
نتيجة بحوث المسابقة خاصة بالمجلة، ولا نستطيع في الوقت الحاضر توزيع
هذه البحوث، وقد طبع البحث الأول على حساب مؤلفه.
* الأخ زين بن حسن يماني
ملاحظاتك حول الأخطاء المطبعية سيتم التنبه إليها. جزاكم الله خيراً على
نصائحكم.
* الأخ إبراهيم المزيني
يدعو لمناصرة المسلمين في كل مكان، وجمع التبرعات لنصرة قضاياهم
ويخص المنتدى الإسلامي بذلك.
* الأخ عمر كوري
سوف تصلك مستقبلاً إن شاء الله أعداد البيان كاملة.
* الأخ عبد الرحمن عبد اللطيف
اقتراحاتك وملاحظاتك نرجو التفاهم حولها مع أقرب مكاتب المجلة إليك.
* الأخ خالد يوسف
اقتراحاتك موضع عناية واهتمام من أسرة تحرير المجلة.
* الأخت حصة البازعي
موضوع السنن الربانية: هناك رسالة دكتوراة في الموضوع من جامعة أم
القرى ويمكنك الرجوع إلى تفسير (المنار) للشيخ رشيد رضا.
* الأخ عبد العزيز التويجري
نشكرك على ثقتك بمجلة البيان، وبالنسبة لطلبك فإنه يتعذر الآن.
* الأخ محمد سليمان آدم
نرحب بك قارئاً للمجلة ونحن نستقبل جميع الكتابات حول شؤون العالم
الإسلامي..
* الأخ جمعان الزهراني
نوافقك على ما جاء في رسالتك ونرجو أن نكون عند حسن ظنك.
* الأخ محمد أبو عزام
أرسل نداءً خاراً للمسلمين داعياً إياهم للوحدة والاجتماع على منهج أهل السنة
والجماعة.
* الأخ عثمان الخنين
يطرح قضية هامة وهي تعرية رؤوس الشر والفساد والتخريب في الأمة وفي
الساحة الثقافية على وجه الخصوص، ويدعو الكتاب والمفكرين للمساهمة في هذا
الموضوع.
* الأخ محمد ابكر طبيقي
نشكرك على ثقتك بالمجلة، أما عن وصول المجلة إليك كما ذكرت في
رسالتك فهي خارجة عن إرادتنا تماماً.
* الأخ سليمان السنيدي
ملاحظاتك حول بريد القراء واقتراحاتك بشأن المقالات محل دراسة وشكراً
لك.
* الأخ عبد الله بن عبد اللطيف الحميدي
أرسل لنا رسالة يبدي فيها إعجابه بقصيدة الأخ د. محمد وليد في العدد ٦١
وكان له بعض الملاحظات التي طلب منا إرسالها للشاعر.
البيان: ونشكر لك اهتمامك وملاحظاتك المهمة سنحقق رغبتك إن شاء الله.
стр. 1470
شذرات وقطوف
دعاء
(اللهم قد أطغاهم حلمك وتجبروا بأمانك حتى تعدوا على المسلمين بغياً، ...
اللهم قلّ الناصر، واعتز الظالم، وأنت المنصف الحاكم، بك نستعين وإليك نهرب
من أيديهم، اللهم إنَّا حاكمناهم إليك، وتوكلنا في إنصافنا منهم عليك، فاحكم بيننا
بالحق وأنت خير الحاكمين) .
حنين إلى العدل
يكفيك حزناً ذهاب الصالحين معاً ... وأننا بعدهم في الأرض قُطَّان
إنّ العراقَ وإن الشام من زمن ... صفْرانِ ما بهما للعدلِ سلطانُ
ساسَ الأنام شياطينٌ مُسَلَّطَةٌ ... في كلِّ قُطْرِ من الوالين شَيطانُ
متى يقومَ (زعيمٌ) يستقيدُ لنا؟ ... فتعرف العدل أجيال وغيطان!
أبو العلاء المعري
حب الرئاسة
(وهلاك من هلك من الأمم فيما سلف بحب الرياسة وكذلك من يهلك إلى ...
انقضاء الدهر فبحب الرياسة) .
... ... ... ... ... رسالة بين العداوة والحسد، الجاحظ ٣٦٩
***
(ولا يقتل النبوغ شيء كالعمل في هذه الصحافة بطريقتها، فإن أساس ...
النبوغ (ما يجب كما يجب) ودأبه العمق والتغلغل في أسرار الأشياء وإخراج الثمرة
الصغيرة من مثل الشجرة الكبيرة بعمل طويل دقيق، أما هي (الصحافة) فأساسها
(ما يمكن كما يمكن) ودأبها السرعة والتصفح والإلمام وصناعة كصناعة العنوان لا
غير) .
... ... ... ... ... مصطفى صادق الرافعي، الرسالة ٥/٢٤٤
آفة المزاح
قال سعيد بن العاص لابنه: اقتصد في مزاحك فالإفراط فيه يذهب بالبهاء،
ويجرئ عليك السفهاء، وتركه يقبض المؤانسين ويوحش المخالطين، ولكن
الاقتصاد فيه صعب جداً، ولذلك تحرَّج عنه أكثر الحكماء لأنه مقطعةٌ للإخاء مسلبةٌ
للبهاء.
***
أقوال
(لا خير فيمن لا يريد جمع المال من حله، يُعطي منه حقه، ويكف به
وجهه عن الناس) .
... ... ... ... ... ... سعيد بن المسيب، سير ٤/٢٣٨
(إن الحق لا ينقلب باطلاً لاختلاف الناس فيه، ولا الباطل يصير حقاً لاتفاق
الناس عليه) .
... ... ... ... ... ... ... ... ... العامري ١٩٢
стр. 1471
الصفحة الأخيرة
أذكرتنيهم الخطوب التوالي
حسين بن علي الذومي
ما زالت صورة أولئك الرجال ترتسم في ذهني بقوة.. صورة الرجال الذين
لبسوا أكفانهم ترحيباً بالموت فى سبيل الله.. وحملوا أرواحهم على أكفهم.. يرفعون
كتاب الله.. ويهتفون بصوت مجلجل: الله أكبر، ولم ينسوا أن يكتبوا وصيتهم قبل
مسيرتهم.. (مسيرة الموت) ! !
لله درّكم يا رجال (مرج الزهور) .. لقد ذكرتمونا رجالاً كدنا أن ننساهم في
خضم أحداث الحياة.. ولم يغفلهم تاريخنا المضيء.. لم ينس من كتبوا التاريخ
لإبائهم ودمائهم.. لم ينس نور الدين وصلاح الدين وعز الدين.. وكل من نصر
الدين.
ها أنتم تعيدون الأمل إلى القلب من جديد.. لتحيوا العزة والإباء فلكم منا كل
شكر وعرفان.. ولا نملك لكم إلا الدعاء! نقول ذلك وقد وضعنا أيدينا على وجوهنا
حياء وخجلاً منكم.. لأننا نعيش في زمن الضعف.. نرجو منكم أن تتقبلوا أعذارنا
غير المقبولة!
بينما أنتم تستنفرون حماسنا.. نسلّم خانعين معقلاً من معاقلنا في (البوسنة
والهرسك) ..
ها قد سقطت مدينة (سريبرينتسا) .. فهل حدث ما يحكونه فعلاً عن سقوطها؟ ! بعد إقامة المجازر البشعة بأيدي الصليبيين! !
نحن لم نُفِق منذ سقوط الأندلس (الفردوس المفقود) .. وحتى الآن فما زلنا
نعيش على ذكراها.. فهل لدينا الطاقات الفكرية التي تغطي رثاء المدن الإسلامية
التي بقيت لنا في أوربا؟ ! .. مع الأسف.. حتى الرثاء لم نعد نحسن صنعته.
ولا يكاد يلتئم جرح في أمتنا.. إلا وتتلوه عشرات الجراح الحديثة.. ولا
تقف حدود المجازر عند الجراح بل تستأصل الأطراف! !
وبدلاً من انشغال إعلامنا بإيجاد حلول لمداواة آلامنا ومتابعة قضايانا.. فإنه
انشغل بمسرحية ما يُسمى (الإرهاب الأصولي) ! !
يقول رئيس تحرير أحد المجلات العربية: لا غرابة في أن يكون أكثر حديثنا
عن قضية (الإرهاب الأصولي) فهو حديث اليوم وحديث الغد!
فإلى هؤلاء - العملاء الخونة - نقدم التعزي بعد أن خذلوا الأمة، وزادوا
المسلمين ذلة ومهانة في الأرض.. وطبقوا المشروع الصهيوني الأميركي بحذافيره.. حذو القذة بالقذة! ! ونبشرهم بأن دماء إخواننا خارج الحصون وداخلها..
ستكون سيلاً جراراً يكتم أنفاسهم.. ويكسر أقلامهم.. وسيأتي أولئك الرجال الذين
إذا دعُوا هبّوا.. وإن دوى النفير أغاروا..
стр. 1472
المحرم - ١٤١٤هـ
يوليو - ١٩٩٣م
(السنة: ٨)
стр. 1473
كلمة صغيرة
لم يكن سقوط بغداد (٦٥٦ هـ) ممكناً لولا خيانة الوزير ابن العلقمي، لأن القوى الخارجية تبقى محدودة التأثير ما لم تتعاون معها قوى عميلة من الداخل.
تكررت مآسي المسلمين بعد سقوط بغداد فتساقطت مدن الأندلس واحدة تلو
الأخرى وتتابعت المآسي، فضاعت فلسطين وبضياعها ضاعت حقوق أهلها، وها
نحن الآن نعاصر ضياع البوسنة والهرسك والأعداء هم الأعداء، وطريقة الضياع
هي نفسها لم تتغير، والعالم الإسلامي يقف متفرجاً كأنما أصيب بالشلل التام.
إنه أمر عجيب تحار فيه العقول! !
ما الذي دهى المسلمين حتى ضاعوا وأضاعوا حقوقهم وبلادهم. إننا لا نطلب
من العلماء والمفكرين وصف الداء بل وصف الأدواء علنّا نجد مخرجاً من هذا
المأزق، كما نطلب أن يتحملوا المسؤولية كاملة قولاً وعملاً، قياماً بما يمليه عليهم
الواجب في هذه الأيام العصيبة التي كرست اليأس الذي يكاد أن يحيط بالمسلمين.
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... المحرر
стр. 1474
الافتتاحية
قد خلت من قبلكم سنن
رئيس التحرير
أحداث مهمة وخطيرة جرت وتجري على الساحة الإسلامية في السنوات
الأخيرة، أحداث استنفذت الطاقات وذهبت بالجهود سدى، استنزفت الدماء الطاهرة
وأدت إلى زج خيرة الشباب في السجون. هذه الأحداث وغيرها مثل الدخول في
معمعان السياسة من الأمور الكبار التي لا يجوز أن ينفرد بتقريرها أفراد أو تجمعات
صغيرة، لأن أمرها يهمُّ الأمة كلها ونفعها أو ضرها يعمُّ الجميع، وليست من
مجالات الاجتهادات الخاصة ببلد دون آخر.
هذه الأحداث المستمرة لا يجوز أن تبقى خارج دائرة النصح وإبداء آراء
السياسات الشرعية فيها، كما لا يجوز أن تبقى خارج دائرة التحليل والنقد ومعرفة
أسباب الخلل ومواطن الضعف، وهذا يقتضي أن نصارح بعضنا وننقد أنفسنا،
ولئن كان في السكوت مصلحة مقُدَّرة فيما مضى فإن الدعاة والعلماء والمفكرين
مدعوُّوْن اليوم لبيان الرأي الصريح، وقول كلمة الحق في هذه الأمور الكبيرة طلباً
للحق الذي يجب إحقاقه عاجلاً أو آجلاً.
لقد سنَّ الله تعالى النظر في سير الأولين والآخرين لمعرفة أسباب الظفر
والتمكين وأسباب الفشل والتراجع فهل كُتب على المسلمين عدم الاعتبار بحدث
ماضٍ، وعدم التفكير بما وقع لإخوان لهم في زمن قريب؟ هل درُست كل
الحركات التي قامت سابقاً ولاحقاً؟ تلك الحركات التي أكبر أسباب فشلها ناتج عن
العجلة وقلة الاستعداد المطلوب شرعاً وعقلاً، بل إن البعض الآن لا يتعجل قطف
الثمار لأنهم يعلمون - كما يصرحون - أن لا ثمار ولا نتيجة من وراء هذا العمل،
ولكنهم يعملون لمجرد أنه لا يوجد طريق آخر بنظرهم!
هل يجوز شرعاً.. القيام بإعمال لمجرد اجتهادات من هذا النوع؟ وهل -
يصح في العقول - أن يقوم أفراد بعمل يجرون فيه المسلمين إلى الصراع دون أخذ
الأهبة ودون (تخطيط مسبق) تحسب فيه كافة الاحتمالات؟
في مثل هذه الظروف الارتجالية يدخل في العمل من يظنُّ أن النصر قريب
طلباً لجني الثمار، وهو بذلك أقرب إلى المنافقين، ويدخل أشخاص انتهازيون
يريدون السيطرة على هذا العمل، وهذا أمر سهل، يكفيه أن يرفع شعار المرحلة،
بل يزاود على الذين رفعوه - بصدق - من قبَلُ ليتقدم الصفوف الأولى.
حينما تعمُّ الفوضى يعُتقل أكثر القادة وبكل سهولة، ففي أحداث بلد عربي
بلغت الخسائر في مدينة واحدة خلال أشهر أكثر من (٦٠٠) شهيد، وفي مدينة
أخرى يقود العمل متُصوفٌ يخطط لعملياته بناء على الأحلام التي يراها في
الليل [١] ، وذلك ما أدى إلى كشف وقتل معظم الذين كانوا معه واعتقُل آلاف الشباب بسبب اشتراك أناس لم يتربوا تربية إيمانية، بل اندفعوا عاطفياً وتعرفوا على كل شيء، وعندما اعتقلوا اعترفوا بكل شيء، وكانوا صيداً ثميناً للطغاة، فهل يُضحّى بشباب تربوا تربية طويلة من أجل أهداف بسيطة، وهل أتاك نبأ الذين يتورطون في هذه الأعمال ثم يضطرون للكذب في بياناتهم عندما يتحدثون عن الإعداد والعدَّة، وإذا سألتهم عن مئات الشباب الذين قتلوا أو سجنوا (وهم على نياتهم الخيرّة الصادقة) قالوا: لا بدّ من التضحية! نعم لا بد من التضحية وليذهب الآلاف إذا كان ذلك في صالح أهداف المسلمين وإعزاز دين الله وإذلال الكفر وأهله.
إن من أهداف العمل الإسلامي قمع أهل الكفر والضلال، وأن يكون الدين كله
لله، وأن تعلو راية الإسلام، فإذا كانت النتائج على الضدِّ من هذا، وكانت ضعفاً
للمسلمين وإذلالاً لهم وشفاءً لصدور الكفار والفسقة والعلمانيين، فلماذا لا نراجع
حساباتنا لنعرف ما إذا كنا قد أخطأنا التقدير، والرجوع إلى الحق خير من التمادي
في الباطل.
إننا مأمورون شرعاً بأخذ كافة الاستعدادات المادية على المستوى البشري ثم
نتوكل على الله ولانقلب الآية فنفسر التوكل تفسيراً غير صحيح، ونقوم بأعمال
ضعيفة باسم التوكل على الله، كما أنه لا يجوز أن يجرنا اليأس والإحباط، أو
تخاذل البعض وارتمائهم في أحضان أعداء الإسلام وتأويلاتهم الفاسدة، لا يجوز أن
يجرنا إلى أعمال لسنا مقتنعين بها.
هل يظن المسلمون أن الرعيل الأول من المسلمين لم يكونوا على علم واسع
بعدوهم ومقدرته ومعرفة طبيعته من كل الجوانب، ألم يكن أبو بكر - رضي الله
عنه - عالماً بأنساب العرب تفصيلاً؟ وهذا أمر مهم للدعوة. ألم تكن قريش -
بسبب تجارتها - تعرف أرض فارس والروم، وطرق المواصلات وخصائص تلك
الشعوب؟ ألم يكتب عمر ﵁ لسعد بن أبي وقاص طالباً منه
وصف أرض العراق وأرض المعركة كأنه يراها؟ ألم يُعين القادة الفاتحون أمثال
خالد وعمرو بن العاص ويزيد بن أبي سفيان ﵃ من أولي الخبرة
الشخصية القيادية؟ ولم يؤمَّر من هو أعلم منهم في أمور الدين. فلماذا تترك أمور
خطيرة لأصحاب النوايا الطيبة ممن ليس عندهم الخبرة الكافية.
نحن نعلم أن هذا الكلام لن يعجب الكثيرين من الناس، ولكن لابدّ من قول
كلمة الحق، ولابد من النصح لخاصة المسلمين وعامتهم، ولا نقصد من النصح -
علم الله - تجريحاً لفرد أو جماعة مع علمنا أن الذي حدث ويحدث كان بنية طيبة،
ولكن هل تكفي النوايا الصادقة؟ أم يجب الأخذ بالركن الثاني وهو الصواب في
العمل.
стр. 1475
في إشراقة آية
[إنَّا وجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ]
د. عبد الكريم بكّار
أكرم الله الخلق، فأرسل لهم الرسل تترى حتى تظل
أعلام الهداية منشورة، وحتى لا يكون لأحد على الله حجة بعد إرسال الرسل.
وينقسم الناس أزاء كل رسالة في العادة إلى فريقين فريق يصدق، وفريق يكذِّب،
وكانت حجة المكذبين الجاحدين ما حكى الله عنهم: [وكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي
قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إنَّا وجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وإنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ *
قَالَ أَوَ لَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ]
[الزخرف ٢٣- ٢٤] .
وظاهر هذه الآية أن الرؤساء والوجهاء والمترفين هم - في الغالب - الذين
قاوموا دعوات الرسل؛ لأن أية رسالة ستحدث تغييراً في القيم السائدة والأحوال
المعاشة، وهذا التغيير سيمس مصالحهم ومكاسبهم، ومن ثَمَّ فإن موقفهم هو التأبي
والمعاندة. وبما أن الحياة الجمعية لا يمكن أن تستقيم، وتنتظم من غير ضوابط
عرفية تؤمِّن نوعاً من التعاون، وتَحُوْل دون بغي الخلطاء على بعضهم بعضاً كان
الجواب دائماً: أن ما تقوم عليه حياتهم الاجتماعية هو ما وَرِثوه عن آبائهم
وأجدادهم من الأعراف والعادات والتقاليد، وما حياتهم إلا استمراراً لحياة سلفهم
الذين يفاخرون بهم.
والخلف لا يكتفي عادة بالتلقي الأصمّ عن السلف لكنه ينشئ من الفلسفات
والمقولات والخرافات ما يمنح ما ورثه - من تقاليد - القداسة والاحترام مما يجعلها
محوراً للمنظومات العقدية والفكرية والرمزية والتاريخية! وهذا كله طبيعي؛ لأنه
في حالة اندراس معالم المنهج تصبح السوابق التاريخية هي المنهج، ومن ثم كان
من مهمات المصلحين وضع السوابق التاريخية في إطارها الصحيح.
ماذا تعني الآبائية؟
ليس كل ما يرثه المرء عن آبائه وأجداده رديئاً - لأنه لا يوجد جيل مختص
بالرذائل - لكن الرديء هو أن نفقد القدرة على الحكم على تلك الموروثات، ونُحلها
محلَّ القبول والاقتداء! وإذا تأملنا قضية التقاليد الموروثة وقبولها دون تبصُّر ولا
تمييز وجدنا أنها تعني أموراً عديدة منها:
- إن الإنسان قادر على امتلاك منهج يُسَيِّر حياته من خلال خبرته التراثية
دون مرشد خارج عن حدود ذاته، وهذا ما نجده واضحاً في جواب المترفين للرسل
حين قالوا لهم: [أَوَ لَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ؟] [الزخرف ٢٤] ،
وكان الجواب: [إنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ] [الزخرف ٢٤] . وفي هذا الجواب
القاطع الخالي من أي تدليل أو برهان توصيف آخر للآبائية هو أن التقليد وإن بنى حوله بعض الفلسفات التسويغية إلا أنه يظل مع الدليل والبرهان على طرفي نقيض، فهو ظاهرة لا دليل لها سوى وجودها فحسب!
ومما تعنيه الآبائية أن البشر امتلكوا ناصية الحقيقة كاملة فيما يتعلق بشؤون
حياتهم الاجتماعية. والشعور بامتلاك الحقيقة مع أنه غير صحيح إلا أنه يدفع إلى
الجمود؛ لأن حركة الفكر والعلم لا تنشط إلا عند الإحساس بأن هناك حقائق خافية
أو مشكلات تحتاج إلى حل. ومن هنا كانت متابعة الآباء والأجداد من غير ميزان
عبارة عن حركة إلى الوراء تصادم منطق التاريخ، وتجعل أصحابها مخلفين بكل
ما تحمله هذه الكلمة من معنى! وإذا كان المنهج الحق يسعى إلى تجديد ذوات
معتنقيه ونقدها واستيعاب العظات والعبر من حياة الأولين فإن الآبائية تعني تعطيل
تراكم الخبرة البشرية وتقويمها؛ لأن ذلك يخلُّ بالمكانة التي أنزلوا آباءهم فيها!
وتعني الآبائية أيضاً إحالة العادات والأخلاق إلى إطار مرجعي لا منطقي
ومتحجّر، يحكم الناس في حالات اجتماعهم، ويتيح لهم الانطلاق الحر في خلواتهم، أي: يؤسِّس الحياة على نوع من الازدواجية، على حين أن الدين يجعل الوازع
الداخلي أساساً للانضباط الفردي والجماعي. وإن التفسير المستمر في كل شؤون
الحياة يجعل تقليد الآباء فارغاً من مضامينه في أحيان كثيرة، فإذا كان الآباء
يتقلدون السيف - مثلاً - لمواجة حيوان مفترس، فما معنى حمل الأبناء له وهم
يركبون الطائرة؟ ! وإن الآبائية بعد هذا أو ذاك توجد نوعاً من الانحباس
الاجتماعي المصادم لسنّة التغيير التي بثها الله - تعالى - في الكون، ومن ثَمَّ فإن
الانغلاق على مواريث بالية لابد أن يعقبه انفلات غير متزن يطيح بصالح
الموروثات وطالحها.
المصلحون والآبائية:
لا نبعد النجعة إذا قلنا: إن الآبائية هي أخطر مشكلة واجهت الأنبياء - عليهم
الصلاة والسلام - وتواجه أتباعهم من المصلحين على مدار التاريخ حيث تمتلئ
الساحة الاجتماعية بتركة الآباء ومخلفات الأجداد مما يجعلهم يحتاجون إلى تزييف
الموروثات أولاً، ثم إحلال المنهج الرباني محلها. وإن حملة الهدى الرباني
يصطدمون بالآبائيين صداماً مباشراً حيث يرون أن ما بأيديهم من الهدى يجعل
التراث مملوكاً خاضعاً للمحاكمة على حين يرى الآبائيون أن التراث هو مالكهم
والقاضي في حياتهم لا المتهم!
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو هل بإمكان البشر الفرار من الارتهان
للماضي بدون منهج منفصل عن خبرة الإنسان، أي: لا زماني؟ الواضح أن ذلك
غير ممكن؛ لأننا باعتبارٍ ما جزء من الماضي ومكوناتنا الثقافية أكثرها موروث،
فنقده وتجاوزه بمبادئ وأدوات منه غير ممكن. ونحن حينئذ كالجرَّاح الذي مهما
كان ماهراً فإنه عاجز عن استئصال زائدته أو مرارته بنفسه! وعلى المهتمين
بصلاح الأمة الغيورين على مستقبلها أن يخوضوا معركتين في آن واحد: معركة
الحياة العامة وتنقيتها من الرواسب والشوائب التي تولدها حركة الأيام، ومعركة
داخلية في مجال الحياة الفكرية، وما فيها من مشكلات التجديد والتقليد والاجتهاد
وحدود سلطان العقل والنقل الخ..
إن معالم المعركة الأولى تتمحور حول (مفاصل) التقاليد والسنن والتوزيع
الصحيح للاهتمام بمفرادت التكاليف الشرعية، وما يتصل بها مما يحفظ كيان الأمة. وعلى هذا الصعيد نلاحظ أن المسلمين منتشرون في بقاع الأرض؛ ولذا فإنهم
يعيشون في ظروف شديدة الاختلاف تؤدي إلى تفاوت عظيم في معرفتهم بالدين،
كما أن الثقافات الأجنبية التي تأثروا بها مختلفة أيضاً، والمؤثرات المدرسية
والمناهجية التي تعرضوا لها متفاوتة، وهذا كله يجعل إمكانات إقامة التوازن بين
متطلبات الدين ومتطلبات الدنيا مختلفة، كما يجعل تحرير الخلاف وترجيح
الصواب مختلفاً أيضاً! ولا ننسى في هذا السياق الآثار الكثيرة التي تتركها توجهات
الحكومات المختلفة في إبراز أجزاء من الدين وضمور أجزاء أخرى بحسب
المصلحة!
ونستطيع القول: إنه كلما خمدت حركة الفقه في دين الله، زحفت العادات
والتقاليد والبدع لتحل مكانه في حياة الناس، ذلك لأن من شأن البشر أن يجعلوا
الدين - الذي هو منهج رباني مطلق فوق الزمان والمكان - واحداً من عناصر
ثقافتهم بدل أن يكون الموجّه لتلك الثقافة والحاكم عليها، وذلك ميسور عليهم ولا
سيما حين تكون هناك بعض الملابسات بين العادات وحقائق الدين في الكُنْهِ أو
المظهر، وقد ذكر ابن الجوزي ﵀ " أن من الناس من لو جلدته حتى
يصلي ما فعل، ولو جلدته حتى يفطر رمضان ما فعل! " مع أن أهمية الصلاة
أعظم. وفي زمننا صار إنكار الناس لتعدد الزوجات في كثير من بلاد المسلمين
أعظم من إنكارهم للزنا! كما صار هناك استغراب من إقبال الشباب على المساجد
لأن المساجد خُلقت لمن أكل الدهر عليهم وشرب، على ما تعودوه في عقود مضت. وفي زماننا تُشْتَنْكَرُ الفاحشة من البنات ويغضُّ الناس الطرف عنها إذا وقعت من
الرجال ولا سيما الشباب! !
وفي زماننا يُتَّخذ الاهتمام بليلة القدر والمولد النبوي وليلة النصف من شعبان
وإغراق الأسواق بالسلع في رمضان قناعاً وستاراً مشهوداً ومن خلف الستار لضرب
ركائز الإسلام ومبادئه الكبرى وجعل الداعين إليها غلاة متشددين إرهابيين! !
ويزداد الطين بلة حين يُسهم في هذا الخلل أشخاص تثق بهم العامة لما عندهم
من العلم والتقوى. والعامة غير قادرين على مناقشة الأفكار ولا التمييز بين الأدلة؛
مما يجعلهم تبعا للأعلى صوتاً والأكثر تابعاً. وهذا كله يجعل مسألة تحجيم الآبائية
أكثر صعوبة وتكلفة. لكن لا خيار: فإما المنهج وإما المنهج، وإلا فكيف يكون
خلود الرسالة، وكيف تستمر أنوار النبوة في العالمين؟ !
المعركة الثانية لا تبتعد في منطلقاتها وعقابيلها [*] عن المعركة الأولى؛ إذ
أنّ تقديس القديم لمجرد أنه قديم هو الطاقة المحركة لأبطالهما، لكن الخصوم
يختلفون فإذا كان الخصوم في معركة الحياة الاجتماعية من العامة والدهماء وأنصاف
المتنورين فهم في الثانية ممن يحمل العلم، ويحسب نفسه من المصلحين - وقد
يكون كذلك - لكن بُنَى ثقافتهِ العميقة لا تختلف كثيراً عما لدى العامة!
هذه المعركة هي معركة الاجتهاد والتقليد، والاجتهاد هو بذل الجهد لمد
سلطان النصوص إلى كلّ الحوادث والحالة المستجدة المشابهة في علة الحكم لحالات
ورود النص وتطبيقاته لدى السلف، على حين أن التقليد يحجم من فاعلية
النصوص، ويجعل مجالات الاهتداء بها تتضاءل يوماً بعد يوم؟ ذلك لأن أية
مرحلة سابقة لا تَتَّسِع في تنظيماتها وآلياتها ومعطياتها الجزئية لمرحلة لاحقة، وهذا
ما دعا الصحابة والتابعين من بعدهم إلى الاجتهاد، وهو ما يدعونا أيضاً إليه.
لعل نقطة الخلاف الأساسية ليست في تجويز الاجتهاد والتقليد لشرائح محددة
من الأمة، وإنما تكمُنُ في نزع (صفة دوام الصواب) عن المجتهد، ومع أن الجميع
يُصَرِّحون بأن المجتهد يُخطئ ويُصيب، إلا أننا نجد في الممارسة العملية مواقف لا
تحصى لا تدلّ إلا على اعتقاد أصحابها العصمة في بعض الأئمة والمجتهدين
لاعتقادهم أن إحاطة أولئك الأئمة بالأدلة وَحِدَّةِ ذكائهم وفهمهم مع ما أكرمهم الله به
من التوفيق يجعل وقوع الخطأ منهم نادراً أو معدوماً! وقد رأينا كثيراً من طلاب
العلم يلتزم الواحد منهم مذهباً واحداً في كل دقائقه، ويحاول الدفاع عن ذلك بكل ما
أوتي من قوة، ويوالي ويُعادي في ذلك، ويخسر إخوة في الله، وهو يظنّ أنه
يخوض معركةً لِنُصرة دين الله!
وهذا يدل على جهلٍ فاضح في العملية الاجتهادية المعقَّدة، والتي تلتحم فيها
عناصر أربعة، هي مجال رحب، للاختلاف بين المجتهدين، هذه العناصر هي:
الإمكانات الذهنية التي أكرمنا الله بها والنصوص والأدلة المتعلقة بالقضية موضع
الاجتهاد والخلفية الثقافية للمجتهد (وهي ما كان يُسْمّى بالأهلية) بالإضافة إلى الواقعة
نفسها والظروف والخلفيات المحيطة بها. وتَمَكُّنُ المجتهدين من كل ذلك متفاوت
إلى حدًّ بعيد، وهذا كله ينفي عن المجتهد دوام الصواب في كلّ ما ينظر فيه. وأن
من المفيد أن ننظر إلى المجتهد بعيون أبناء زمانه حيث تخلصوا من وَهْمِ التقديس
بسبب من المعاصرة والمعاشرة ومعرفة الخفايا والإمكانات لبعضهم بعضاً.
إننا إذا لم نتمكن من التجديد الذاتي فسنعرِّض أنفسنا إلى غزو من الخارج، أو
انحباسٍ داخلي يعقبه انفجار لا ينبع معه الترقيع! وإن تجاوزنا المعطيات مراحل
عديدة في حياة المتقدمين لنلتصق بالادلة في إطارٍ من مقاصد الشريعة العامة أمر
حيوي للغاية؛ حتى لا نقعَ ضحيةً للغرق في مراحل الانحطاط والتدهور التي مرت
بها هذه الأمة في قرونها المتأخرة! وعلى الله قصد السبيل.