← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

الصفحة الأخيرة أذكرتنيهم الخطوب التوالي حسين بن علي الذومي ما زالت صورة أولئك الرجال ترتسم في ذهني بقوة.. صورة الرجال الذين لبسوا أكفانهم ترحيباً بالموت فى سبيل الله.. وحملوا أرواحهم على أكفهم.. يرفعون كتاب الله.. ويهتفون بصوت مجلجل: الله أكبر، ولم ينسوا أن يكتبوا وصيتهم قبل مسيرتهم.. (مسيرة الموت) ! ! لله درّكم يا رجال (مرج الزهور) .. لقد ذكرتمونا رجالاً كدنا أن ننساهم في خضم أحداث الحياة.. ولم يغفلهم تاريخنا المضيء.. لم ينس من كتبوا التاريخ لإبائهم ودمائهم.. لم ينس نور الدين وصلاح الدين وعز الدين.. وكل من نصر الدين. ها أنتم تعيدون الأمل إلى القلب من جديد.. لتحيوا العزة والإباء فلكم منا كل شكر وعرفان.. ولا نملك لكم إلا الدعاء! نقول ذلك وقد وضعنا أيدينا على وجوهنا حياء وخجلاً منكم.. لأننا نعيش في زمن الضعف.. نرجو منكم أن تتقبلوا أعذارنا غير المقبولة! بينما أنتم تستنفرون حماسنا.. نسلّم خانعين معقلاً من معاقلنا في (البوسنة والهرسك) .. ها قد سقطت مدينة (سريبرينتسا) .. فهل حدث ما يحكونه فعلاً عن سقوطها؟ ! بعد إقامة المجازر البشعة بأيدي الصليبيين! ! نحن لم نُفِق منذ سقوط الأندلس (الفردوس المفقود) .. وحتى الآن فما زلنا نعيش على ذكراها.. فهل لدينا الطاقات الفكرية التي تغطي رثاء المدن الإسلامية التي بقيت لنا في أوربا؟ ! .. مع الأسف.. حتى الرثاء لم نعد نحسن صنعته. ولا يكاد يلتئم جرح في أمتنا.. إلا وتتلوه عشرات الجراح الحديثة.. ولا تقف حدود المجازر عند الجراح بل تستأصل الأطراف! ! وبدلاً من انشغال إعلامنا بإيجاد حلول لمداواة آلامنا ومتابعة قضايانا.. فإنه انشغل بمسرحية ما يُسمى (الإرهاب الأصولي) ! ! يقول رئيس تحرير أحد المجلات العربية: لا غرابة في أن يكون أكثر حديثنا عن قضية (الإرهاب الأصولي) فهو حديث اليوم وحديث الغد! فإلى هؤلاء - العملاء الخونة - نقدم التعزي بعد أن خذلوا الأمة، وزادوا المسلمين ذلة ومهانة في الأرض.. وطبقوا المشروع الصهيوني الأميركي بحذافيره.. حذو القذة بالقذة! ! ونبشرهم بأن دماء إخواننا خارج الحصون وداخلها.. ستكون سيلاً جراراً يكتم أنفاسهم.. ويكسر أقلامهم.. وسيأتي أولئك الرجال الذين إذا دعُوا هبّوا.. وإن دوى النفير أغاروا..

стр. 1472

المحرم - ١٤١٤هـ يوليو - ١٩٩٣م (السنة: ٨)

стр. 1473

كلمة صغيرة لم يكن سقوط بغداد (٦٥٦ هـ) ممكناً لولا خيانة الوزير ابن العلقمي، لأن القوى الخارجية تبقى محدودة التأثير ما لم تتعاون معها قوى عميلة من الداخل. تكررت مآسي المسلمين بعد سقوط بغداد فتساقطت مدن الأندلس واحدة تلو الأخرى وتتابعت المآسي، فضاعت فلسطين وبضياعها ضاعت حقوق أهلها، وها نحن الآن نعاصر ضياع البوسنة والهرسك والأعداء هم الأعداء، وطريقة الضياع هي نفسها لم تتغير، والعالم الإسلامي يقف متفرجاً كأنما أصيب بالشلل التام. إنه أمر عجيب تحار فيه العقول! ! ما الذي دهى المسلمين حتى ضاعوا وأضاعوا حقوقهم وبلادهم. إننا لا نطلب من العلماء والمفكرين وصف الداء بل وصف الأدواء علنّا نجد مخرجاً من هذا المأزق، كما نطلب أن يتحملوا المسؤولية كاملة قولاً وعملاً، قياماً بما يمليه عليهم الواجب في هذه الأيام العصيبة التي كرست اليأس الذي يكاد أن يحيط بالمسلمين. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... المحرر

стр. 1474

الافتتاحية قد خلت من قبلكم سنن رئيس التحرير أحداث مهمة وخطيرة جرت وتجري على الساحة الإسلامية في السنوات الأخيرة، أحداث استنفذت الطاقات وذهبت بالجهود سدى، استنزفت الدماء الطاهرة وأدت إلى زج خيرة الشباب في السجون. هذه الأحداث وغيرها مثل الدخول في معمعان السياسة من الأمور الكبار التي لا يجوز أن ينفرد بتقريرها أفراد أو تجمعات صغيرة، لأن أمرها يهمُّ الأمة كلها ونفعها أو ضرها يعمُّ الجميع، وليست من مجالات الاجتهادات الخاصة ببلد دون آخر. هذه الأحداث المستمرة لا يجوز أن تبقى خارج دائرة النصح وإبداء آراء السياسات الشرعية فيها، كما لا يجوز أن تبقى خارج دائرة التحليل والنقد ومعرفة أسباب الخلل ومواطن الضعف، وهذا يقتضي أن نصارح بعضنا وننقد أنفسنا، ولئن كان في السكوت مصلحة مقُدَّرة فيما مضى فإن الدعاة والعلماء والمفكرين مدعوُّوْن اليوم لبيان الرأي الصريح، وقول كلمة الحق في هذه الأمور الكبيرة طلباً للحق الذي يجب إحقاقه عاجلاً أو آجلاً. لقد سنَّ الله تعالى النظر في سير الأولين والآخرين لمعرفة أسباب الظفر والتمكين وأسباب الفشل والتراجع فهل كُتب على المسلمين عدم الاعتبار بحدث ماضٍ، وعدم التفكير بما وقع لإخوان لهم في زمن قريب؟ هل درُست كل الحركات التي قامت سابقاً ولاحقاً؟ تلك الحركات التي أكبر أسباب فشلها ناتج عن العجلة وقلة الاستعداد المطلوب شرعاً وعقلاً، بل إن البعض الآن لا يتعجل قطف الثمار لأنهم يعلمون - كما يصرحون - أن لا ثمار ولا نتيجة من وراء هذا العمل، ولكنهم يعملون لمجرد أنه لا يوجد طريق آخر بنظرهم! هل يجوز شرعاً.. القيام بإعمال لمجرد اجتهادات من هذا النوع؟ وهل - يصح في العقول - أن يقوم أفراد بعمل يجرون فيه المسلمين إلى الصراع دون أخذ الأهبة ودون (تخطيط مسبق) تحسب فيه كافة الاحتمالات؟ في مثل هذه الظروف الارتجالية يدخل في العمل من يظنُّ أن النصر قريب طلباً لجني الثمار، وهو بذلك أقرب إلى المنافقين، ويدخل أشخاص انتهازيون يريدون السيطرة على هذا العمل، وهذا أمر سهل، يكفيه أن يرفع شعار المرحلة، بل يزاود على الذين رفعوه - بصدق - من قبَلُ ليتقدم الصفوف الأولى. حينما تعمُّ الفوضى يعُتقل أكثر القادة وبكل سهولة، ففي أحداث بلد عربي بلغت الخسائر في مدينة واحدة خلال أشهر أكثر من (٦٠٠) شهيد، وفي مدينة أخرى يقود العمل متُصوفٌ يخطط لعملياته بناء على الأحلام التي يراها في الليل [١] ، وذلك ما أدى إلى كشف وقتل معظم الذين كانوا معه واعتقُل آلاف الشباب بسبب اشتراك أناس لم يتربوا تربية إيمانية، بل اندفعوا عاطفياً وتعرفوا على كل شيء، وعندما اعتقلوا اعترفوا بكل شيء، وكانوا صيداً ثميناً للطغاة، فهل يُضحّى بشباب تربوا تربية طويلة من أجل أهداف بسيطة، وهل أتاك نبأ الذين يتورطون في هذه الأعمال ثم يضطرون للكذب في بياناتهم عندما يتحدثون عن الإعداد والعدَّة، وإذا سألتهم عن مئات الشباب الذين قتلوا أو سجنوا (وهم على نياتهم الخيرّة الصادقة) قالوا: لا بدّ من التضحية! نعم لا بد من التضحية وليذهب الآلاف إذا كان ذلك في صالح أهداف المسلمين وإعزاز دين الله وإذلال الكفر وأهله. إن من أهداف العمل الإسلامي قمع أهل الكفر والضلال، وأن يكون الدين كله لله، وأن تعلو راية الإسلام، فإذا كانت النتائج على الضدِّ من هذا، وكانت ضعفاً للمسلمين وإذلالاً لهم وشفاءً لصدور الكفار والفسقة والعلمانيين، فلماذا لا نراجع حساباتنا لنعرف ما إذا كنا قد أخطأنا التقدير، والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل. إننا مأمورون شرعاً بأخذ كافة الاستعدادات المادية على المستوى البشري ثم نتوكل على الله ولانقلب الآية فنفسر التوكل تفسيراً غير صحيح، ونقوم بأعمال ضعيفة باسم التوكل على الله، كما أنه لا يجوز أن يجرنا اليأس والإحباط، أو تخاذل البعض وارتمائهم في أحضان أعداء الإسلام وتأويلاتهم الفاسدة، لا يجوز أن يجرنا إلى أعمال لسنا مقتنعين بها. هل يظن المسلمون أن الرعيل الأول من المسلمين لم يكونوا على علم واسع بعدوهم ومقدرته ومعرفة طبيعته من كل الجوانب، ألم يكن أبو بكر - رضي الله عنه - عالماً بأنساب العرب تفصيلاً؟ وهذا أمر مهم للدعوة. ألم تكن قريش - بسبب تجارتها - تعرف أرض فارس والروم، وطرق المواصلات وخصائص تلك الشعوب؟ ألم يكتب عمر ﵁ لسعد بن أبي وقاص طالباً منه وصف أرض العراق وأرض المعركة كأنه يراها؟ ألم يُعين القادة الفاتحون أمثال خالد وعمرو بن العاص ويزيد بن أبي سفيان ﵃ من أولي الخبرة الشخصية القيادية؟ ولم يؤمَّر من هو أعلم منهم في أمور الدين. فلماذا تترك أمور خطيرة لأصحاب النوايا الطيبة ممن ليس عندهم الخبرة الكافية. نحن نعلم أن هذا الكلام لن يعجب الكثيرين من الناس، ولكن لابدّ من قول كلمة الحق، ولابد من النصح لخاصة المسلمين وعامتهم، ولا نقصد من النصح - علم الله - تجريحاً لفرد أو جماعة مع علمنا أن الذي حدث ويحدث كان بنية طيبة، ولكن هل تكفي النوايا الصادقة؟ أم يجب الأخذ بالركن الثاني وهو الصواب في العمل.

стр. 1475

في إشراقة آية [إنَّا وجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ] د. عبد الكريم بكّار أكرم الله الخلق، فأرسل لهم الرسل تترى حتى تظل أعلام الهداية منشورة، وحتى لا يكون لأحد على الله حجة بعد إرسال الرسل. وينقسم الناس أزاء كل رسالة في العادة إلى فريقين فريق يصدق، وفريق يكذِّب، وكانت حجة المكذبين الجاحدين ما حكى الله عنهم: [وكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إنَّا وجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وإنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ * قَالَ أَوَ لَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ] [الزخرف ٢٣- ٢٤] . وظاهر هذه الآية أن الرؤساء والوجهاء والمترفين هم - في الغالب - الذين قاوموا دعوات الرسل؛ لأن أية رسالة ستحدث تغييراً في القيم السائدة والأحوال المعاشة، وهذا التغيير سيمس مصالحهم ومكاسبهم، ومن ثَمَّ فإن موقفهم هو التأبي والمعاندة. وبما أن الحياة الجمعية لا يمكن أن تستقيم، وتنتظم من غير ضوابط عرفية تؤمِّن نوعاً من التعاون، وتَحُوْل دون بغي الخلطاء على بعضهم بعضاً كان الجواب دائماً: أن ما تقوم عليه حياتهم الاجتماعية هو ما وَرِثوه عن آبائهم وأجدادهم من الأعراف والعادات والتقاليد، وما حياتهم إلا استمراراً لحياة سلفهم الذين يفاخرون بهم. والخلف لا يكتفي عادة بالتلقي الأصمّ عن السلف لكنه ينشئ من الفلسفات والمقولات والخرافات ما يمنح ما ورثه - من تقاليد - القداسة والاحترام مما يجعلها محوراً للمنظومات العقدية والفكرية والرمزية والتاريخية! وهذا كله طبيعي؛ لأنه في حالة اندراس معالم المنهج تصبح السوابق التاريخية هي المنهج، ومن ثم كان من مهمات المصلحين وضع السوابق التاريخية في إطارها الصحيح. ماذا تعني الآبائية؟ ليس كل ما يرثه المرء عن آبائه وأجداده رديئاً - لأنه لا يوجد جيل مختص بالرذائل - لكن الرديء هو أن نفقد القدرة على الحكم على تلك الموروثات، ونُحلها محلَّ القبول والاقتداء! وإذا تأملنا قضية التقاليد الموروثة وقبولها دون تبصُّر ولا تمييز وجدنا أنها تعني أموراً عديدة منها: - إن الإنسان قادر على امتلاك منهج يُسَيِّر حياته من خلال خبرته التراثية دون مرشد خارج عن حدود ذاته، وهذا ما نجده واضحاً في جواب المترفين للرسل حين قالوا لهم: [أَوَ لَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ؟] [الزخرف ٢٤] ، وكان الجواب: [إنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ] [الزخرف ٢٤] . وفي هذا الجواب القاطع الخالي من أي تدليل أو برهان توصيف آخر للآبائية هو أن التقليد وإن بنى حوله بعض الفلسفات التسويغية إلا أنه يظل مع الدليل والبرهان على طرفي نقيض، فهو ظاهرة لا دليل لها سوى وجودها فحسب! ومما تعنيه الآبائية أن البشر امتلكوا ناصية الحقيقة كاملة فيما يتعلق بشؤون حياتهم الاجتماعية. والشعور بامتلاك الحقيقة مع أنه غير صحيح إلا أنه يدفع إلى الجمود؛ لأن حركة الفكر والعلم لا تنشط إلا عند الإحساس بأن هناك حقائق خافية أو مشكلات تحتاج إلى حل. ومن هنا كانت متابعة الآباء والأجداد من غير ميزان عبارة عن حركة إلى الوراء تصادم منطق التاريخ، وتجعل أصحابها مخلفين بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى! وإذا كان المنهج الحق يسعى إلى تجديد ذوات معتنقيه ونقدها واستيعاب العظات والعبر من حياة الأولين فإن الآبائية تعني تعطيل تراكم الخبرة البشرية وتقويمها؛ لأن ذلك يخلُّ بالمكانة التي أنزلوا آباءهم فيها! وتعني الآبائية أيضاً إحالة العادات والأخلاق إلى إطار مرجعي لا منطقي ومتحجّر، يحكم الناس في حالات اجتماعهم، ويتيح لهم الانطلاق الحر في خلواتهم، أي: يؤسِّس الحياة على نوع من الازدواجية، على حين أن الدين يجعل الوازع الداخلي أساساً للانضباط الفردي والجماعي. وإن التفسير المستمر في كل شؤون الحياة يجعل تقليد الآباء فارغاً من مضامينه في أحيان كثيرة، فإذا كان الآباء يتقلدون السيف - مثلاً - لمواجة حيوان مفترس، فما معنى حمل الأبناء له وهم يركبون الطائرة؟ ! وإن الآبائية بعد هذا أو ذاك توجد نوعاً من الانحباس الاجتماعي المصادم لسنّة التغيير التي بثها الله - تعالى - في الكون، ومن ثَمَّ فإن الانغلاق على مواريث بالية لابد أن يعقبه انفلات غير متزن يطيح بصالح الموروثات وطالحها. المصلحون والآبائية: لا نبعد النجعة إذا قلنا: إن الآبائية هي أخطر مشكلة واجهت الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وتواجه أتباعهم من المصلحين على مدار التاريخ حيث تمتلئ الساحة الاجتماعية بتركة الآباء ومخلفات الأجداد مما يجعلهم يحتاجون إلى تزييف الموروثات أولاً، ثم إحلال المنهج الرباني محلها. وإن حملة الهدى الرباني يصطدمون بالآبائيين صداماً مباشراً حيث يرون أن ما بأيديهم من الهدى يجعل التراث مملوكاً خاضعاً للمحاكمة على حين يرى الآبائيون أن التراث هو مالكهم والقاضي في حياتهم لا المتهم! لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو هل بإمكان البشر الفرار من الارتهان للماضي بدون منهج منفصل عن خبرة الإنسان، أي: لا زماني؟ الواضح أن ذلك غير ممكن؛ لأننا باعتبارٍ ما جزء من الماضي ومكوناتنا الثقافية أكثرها موروث، فنقده وتجاوزه بمبادئ وأدوات منه غير ممكن. ونحن حينئذ كالجرَّاح الذي مهما كان ماهراً فإنه عاجز عن استئصال زائدته أو مرارته بنفسه! وعلى المهتمين بصلاح الأمة الغيورين على مستقبلها أن يخوضوا معركتين في آن واحد: معركة الحياة العامة وتنقيتها من الرواسب والشوائب التي تولدها حركة الأيام، ومعركة داخلية في مجال الحياة الفكرية، وما فيها من مشكلات التجديد والتقليد والاجتهاد وحدود سلطان العقل والنقل الخ.. إن معالم المعركة الأولى تتمحور حول (مفاصل) التقاليد والسنن والتوزيع الصحيح للاهتمام بمفرادت التكاليف الشرعية، وما يتصل بها مما يحفظ كيان الأمة. وعلى هذا الصعيد نلاحظ أن المسلمين منتشرون في بقاع الأرض؛ ولذا فإنهم يعيشون في ظروف شديدة الاختلاف تؤدي إلى تفاوت عظيم في معرفتهم بالدين، كما أن الثقافات الأجنبية التي تأثروا بها مختلفة أيضاً، والمؤثرات المدرسية والمناهجية التي تعرضوا لها متفاوتة، وهذا كله يجعل إمكانات إقامة التوازن بين متطلبات الدين ومتطلبات الدنيا مختلفة، كما يجعل تحرير الخلاف وترجيح الصواب مختلفاً أيضاً! ولا ننسى في هذا السياق الآثار الكثيرة التي تتركها توجهات الحكومات المختلفة في إبراز أجزاء من الدين وضمور أجزاء أخرى بحسب المصلحة! ونستطيع القول: إنه كلما خمدت حركة الفقه في دين الله، زحفت العادات والتقاليد والبدع لتحل مكانه في حياة الناس، ذلك لأن من شأن البشر أن يجعلوا الدين - الذي هو منهج رباني مطلق فوق الزمان والمكان - واحداً من عناصر ثقافتهم بدل أن يكون الموجّه لتلك الثقافة والحاكم عليها، وذلك ميسور عليهم ولا سيما حين تكون هناك بعض الملابسات بين العادات وحقائق الدين في الكُنْهِ أو المظهر، وقد ذكر ابن الجوزي ﵀ " أن من الناس من لو جلدته حتى يصلي ما فعل، ولو جلدته حتى يفطر رمضان ما فعل! " مع أن أهمية الصلاة أعظم. وفي زمننا صار إنكار الناس لتعدد الزوجات في كثير من بلاد المسلمين أعظم من إنكارهم للزنا! كما صار هناك استغراب من إقبال الشباب على المساجد لأن المساجد خُلقت لمن أكل الدهر عليهم وشرب، على ما تعودوه في عقود مضت. وفي زماننا تُشْتَنْكَرُ الفاحشة من البنات ويغضُّ الناس الطرف عنها إذا وقعت من الرجال ولا سيما الشباب! ! وفي زماننا يُتَّخذ الاهتمام بليلة القدر والمولد النبوي وليلة النصف من شعبان وإغراق الأسواق بالسلع في رمضان قناعاً وستاراً مشهوداً ومن خلف الستار لضرب ركائز الإسلام ومبادئه الكبرى وجعل الداعين إليها غلاة متشددين إرهابيين! ! ويزداد الطين بلة حين يُسهم في هذا الخلل أشخاص تثق بهم العامة لما عندهم من العلم والتقوى. والعامة غير قادرين على مناقشة الأفكار ولا التمييز بين الأدلة؛ مما يجعلهم تبعا للأعلى صوتاً والأكثر تابعاً. وهذا كله يجعل مسألة تحجيم الآبائية أكثر صعوبة وتكلفة. لكن لا خيار: فإما المنهج وإما المنهج، وإلا فكيف يكون خلود الرسالة، وكيف تستمر أنوار النبوة في العالمين؟ ! المعركة الثانية لا تبتعد في منطلقاتها وعقابيلها [*] عن المعركة الأولى؛ إذ أنّ تقديس القديم لمجرد أنه قديم هو الطاقة المحركة لأبطالهما، لكن الخصوم يختلفون فإذا كان الخصوم في معركة الحياة الاجتماعية من العامة والدهماء وأنصاف المتنورين فهم في الثانية ممن يحمل العلم، ويحسب نفسه من المصلحين - وقد يكون كذلك - لكن بُنَى ثقافتهِ العميقة لا تختلف كثيراً عما لدى العامة! هذه المعركة هي معركة الاجتهاد والتقليد، والاجتهاد هو بذل الجهد لمد سلطان النصوص إلى كلّ الحوادث والحالة المستجدة المشابهة في علة الحكم لحالات ورود النص وتطبيقاته لدى السلف، على حين أن التقليد يحجم من فاعلية النصوص، ويجعل مجالات الاهتداء بها تتضاءل يوماً بعد يوم؟ ذلك لأن أية مرحلة سابقة لا تَتَّسِع في تنظيماتها وآلياتها ومعطياتها الجزئية لمرحلة لاحقة، وهذا ما دعا الصحابة والتابعين من بعدهم إلى الاجتهاد، وهو ما يدعونا أيضاً إليه. لعل نقطة الخلاف الأساسية ليست في تجويز الاجتهاد والتقليد لشرائح محددة من الأمة، وإنما تكمُنُ في نزع (صفة دوام الصواب) عن المجتهد، ومع أن الجميع يُصَرِّحون بأن المجتهد يُخطئ ويُصيب، إلا أننا نجد في الممارسة العملية مواقف لا تحصى لا تدلّ إلا على اعتقاد أصحابها العصمة في بعض الأئمة والمجتهدين لاعتقادهم أن إحاطة أولئك الأئمة بالأدلة وَحِدَّةِ ذكائهم وفهمهم مع ما أكرمهم الله به من التوفيق يجعل وقوع الخطأ منهم نادراً أو معدوماً! وقد رأينا كثيراً من طلاب العلم يلتزم الواحد منهم مذهباً واحداً في كل دقائقه، ويحاول الدفاع عن ذلك بكل ما أوتي من قوة، ويوالي ويُعادي في ذلك، ويخسر إخوة في الله، وهو يظنّ أنه يخوض معركةً لِنُصرة دين الله! وهذا يدل على جهلٍ فاضح في العملية الاجتهادية المعقَّدة، والتي تلتحم فيها عناصر أربعة، هي مجال رحب، للاختلاف بين المجتهدين، هذه العناصر هي: الإمكانات الذهنية التي أكرمنا الله بها والنصوص والأدلة المتعلقة بالقضية موضع الاجتهاد والخلفية الثقافية للمجتهد (وهي ما كان يُسْمّى بالأهلية) بالإضافة إلى الواقعة نفسها والظروف والخلفيات المحيطة بها. وتَمَكُّنُ المجتهدين من كل ذلك متفاوت إلى حدًّ بعيد، وهذا كله ينفي عن المجتهد دوام الصواب في كلّ ما ينظر فيه. وأن من المفيد أن ننظر إلى المجتهد بعيون أبناء زمانه حيث تخلصوا من وَهْمِ التقديس بسبب من المعاصرة والمعاشرة ومعرفة الخفايا والإمكانات لبعضهم بعضاً. إننا إذا لم نتمكن من التجديد الذاتي فسنعرِّض أنفسنا إلى غزو من الخارج، أو انحباسٍ داخلي يعقبه انفجار لا ينبع معه الترقيع! وإن تجاوزنا المعطيات مراحل عديدة في حياة المتقدمين لنلتصق بالادلة في إطارٍ من مقاصد الشريعة العامة أمر حيوي للغاية؛ حتى لا نقعَ ضحيةً للغرق في مراحل الانحطاط والتدهور التي مرت بها هذه الأمة في قرونها المتأخرة! وعلى الله قصد السبيل.

стр. 1476

من إيجابيات الدعوة الإسلامية «تعظيم مذهب السلف» د. عابد السفياني الدعوة الإسلامية المعاصرة بذلت جهداً كبيراً لإصلاح العالم الإسلامي ومعالجة ما يحمله من أمراض وعلل منها على سبيل المثال شرك القبور والأضرحة وما يتبع ذلك من الخرافات والغلو في الصالحين، ومنها الإعراض عن التحاكم للشريعة الإسلامية، وقام في العالم الإسلامي علماء يمثلون صوت الدعوة الإسلامية يذكرون بالعلم الصحيح ويدعون إلى التحاكم إلى الشريعة الإسلامية في جميع المجالات. ولقد بقي أمام المصلحين من مؤسسي الدعوة الإسلامية المعاصرة مجالات كثيرة تحتاج إلى تجديد وبذل مزيد من الجهد. من هذه المجالات: ١- تصحيح العقائد عند طوائف كثيرة من الناس سيطرت عليهم الخرافات والغلو في الصالحين وانتشرت بينهم أنواع كثيرة من الشرك وحملهم التقليد والتعصب والجهل إلى رد العلم الصحيح بالسنة. ٢- انتشار الإعراض عن دين الله بترك العمل به وترك التحاكم إليه وترتب على ذلك انتشار القوانين الوضعية والعمل بها. وراجت في العالم الإسلامي المذاهب الفكرية التي زَّينها الغزو الفكري للناس فحكمت قوانينها وتمكنت وصدت طوائف من الناس عن عبادة الله وحده. وقد ناهض الدعاة والمصلحون هذا الخطر العظيم وبقي السؤال المهم وهو على أي أساس قام هؤلاء الدعاة بالإصلاح والتجديد؟ ونكتفي بذكر الجواب على سبيل الإجمال لندلّ به على جوانب الخير العظيمة التي اشتملت عليها الدعوة الإسلامية المعاصرة. ومنهجنا الذي نذكّر به - وقد سبق بيانه في المقال الأول - إن هذه الإيجابيات لا تمنعنا من الوقوف عند أمور تحتاج إلى معالجة، وتأمُّل مقالات بعض المفكرين يحتاج إلى تصحيح. والمقام هنا للحديث عن الإيجابيات ومنها: توجه الدعوة الإسلامية المعاصرة إلى تعظيم مذاهب السلف ويدل على ذلك: أولاً: استمرار دعوة الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب وانتشار آثارها العلمية في العالم الإسلامي وأبرز ما فيها تحقيق مذهب السلف في التحذير من شرك القبور والخرافة وما يتبعها من بدع وأهواء والتحذير أيضاً من كفر الطواغيت وإعراضهم عن قبول الشرع والتحاكم إليه. وقد كشف في كتابه (مسائل الجاهلية) عن تلك المظاهر الشركية والكفرية محذراً منها ومبيناً أن الإيمان قول واعتقاد وعمل وأن له نواقض هي أسباب الكفر والشرك الأكبر مذكراً بعقيدة السلف في ذلك كله داعياً الناس إلى الاعتقاد الصحيح في صفات الله . ثانياً: استمرار الدعاة إلى مذهب السلف في أنحاء كثيرة من العالم وانتشار كتبهم وأتباعم وأنصارهم ومن أبرز ما نشير إليه من المظاهر التي تدل على تعظيم مذهب السلف مما يلي: أ- نشمر العلم الصحيح بالسنة وبرزو أئمة مجتهدين في بيان صحيح الحديث وضعيفه فانتشرت كتب الحديث وشاع هذا العلم بين الطلاب. ب- نشر الاعتقاد الصحيح في صفات الله تعظيماً لله واتباعاً لعقيدة الصحابة - رضوان الله عليهم -. ب- إنكار البدع والأهواء المضلة عن مذهب السلف ومحاربتها. ومن أبرز المظاهر العملية لهذه الدعوات تعليم الأفراد في المجتمعات، وإنكار المخالفات العملية، ومن أبرزها انحراف أهل البدع وشرك القبور ومخالفة السنة. ولعل سائل يسأل فيقول: إن هذا الجهد في تعظيم مذهب السلف جهد طيب ولكن المشاهد عند هؤلاء الدعاة الاقتصار على معالجة هذه الانحرافات وهناك انحرافات أخرى مثل " المذاهب الفكرية، وقوانينها الوضعية " وهذه تحتاج من الدعاة إلى جهد كبير لكشف زيفها وتحذير الناس منها. فكيف تتم معالجتها؟ ويمكن أن يجاب على هذا السؤال بما يأتي: ١- أن الدعاة السلفيين يعتبرونه انحرافاً يحتاج إلى معالجة ولكنهم يعالجون الانحرافات التي سبق ذكرها لأنهم يرون أنها أخطر والمسألة عندهم لا تعدو ترتيب الأولويات. ٢- أنهم ينادون بتصحيح الواقع في ضوء عقيدة السلف ويرون أن تحذير الناس من شرك القبور والأهواء والبدع ومخالفة السنة هو طريق لمحاربة المذاهب الفكرية المعاصرة وقوانينها. والظاهر أن هذا النقص الموجود عندهم في مواجهة المذاهب الفكرية والقوانين الوضعية قد سده دعاة آخرون من أهل السنة والجماعة شاركوا في كشف أباطيل الغزو الفكري وقوانينه مع محافظتهم على عقيدة السلف ومشاركتهم إخوانهم في معالجة الانحرافات الأخرى. ولا شك أن هؤلاء وهؤلاء معظمين لمذهب السلف. ثالثاً: هناك دعاة آخرون يخلطون مذهب السلف بغيره من آراء المتأخرين ومناهجهم متأثرين تارة بالأشعرية وتارة بالصوفية ومع ذلك فإنهم يعظمون مذهب السلف ويدل على ذلك أنهم لما جعلوه مقارناً لبعض الأسماء قدموه عليها فقالوا: أ- دعوتنا طريقة سلفية وحقيقة صوفية.. ب- أنهم يعتقدون السلامة فيه كما قال الأشاعرة من قبل " مذهب السلف أسلم " والشهادة لمذهب السلف بالسلامة تعظيم له بهذا الاعتبار. ج- أن أكثرهم يعتبرون المسألة مسألة أولويات وأسلوب وإلا فإن عقلائهم يشهدون بأن مآل الحال هو انتصار مذهب السلف ويرددون قولتهم المشهورة وهل أحد يخالف مذهب السلف؟ ومع وجود كثير من المخالفات لمذهب السلف إلا أن ما ذكرناه فيه دلالة ظاهرة على أن مذهب السلف له تعظيمه في النفوس وله هيبته فتجد المخالف لبعض عقائد السلف يشهد بأن السلامة فيه كما صنعت الأشاعرة. فآل الأمر - والحمد لله - إلى تعظيم مذهب السلف قولاً وعملاً واعتقاداً أو على الأقل الشهادة له بالخيرية والسلامة. ومن البشائر التي نذكرها في هذا الباب وجود أقوام قد خرجوا من تحت أنقاض الشيوعية الخاسرة محتفظين بإسلامهم على عقيدة السلف الصالح وهذه بشارة تشير إلى أن البديل عن المذاهب الوضعية والعقائد البدعية هو الإسلام لا على فهم العصور المتأخرة بل على فهم الجيل القدوة الذي رباه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهذا هو الطريق الصحيح الذي ينبغي على الدعاة أن يتعاونوا على الاجتماع عليه ونصرته مبتغين بذلك وجه الله والدار الآخرة وهمهم هداية الخلق وإبعادهم عن أسباب الشرك والكفر بجميع أنواعه سواء أكان شرك القبور والغلو في الصالحين، وما يتبعه من الأهواء والبدع أو كان شركاً في العبودية والطاعة والتشريع مِنْ دون الله.

стр. 1477

دعوة حتى نستفيد من خطبة الجمعة محمد بن عبد الله الدويش ما أحوج الدعاة إلى التأمل في مجالات الدعوة، ووسائل مخاطبة الجماهير، والسعي إلى توسيع دائرة المخاطبة، والتحدث للجميع وإسماع رسالتهم للكل. إن مراجعة الدعاة لوسائلهم الدعوية، وأساليبهم مطلب ملحّ، وواجب تمليه ضرورة الدعوة ذاتها. وإن من الوسائل التي يمكن للدعاة أن يخاطبوا فيها الجميع، ويبلغوا رسالتهم للناس كافة، (خطبة الجمعة) فأي قدر حظي به هذا المنبر، وهذه الوسيلة من الدراسة، والعناية، فضلاً عن التوظيف العملي لهذه الوسيلة. وهذه محاولة لوضع إضاءات، وإشارات حول هذا الموضوع الملحّ. أولاً: أهمية خطبة الجمعة: ١- الأمر بالسعي لها، فإن المسلم مأمور بالسعي لصلاة الجمعة حين يسمع النداء، ويحرم عليه أن ينشغل ببيع أو نحوه. قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا إذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ وذَرُوا البَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ] [الجمعة ٩] . وهو في الوقت نفسه يحض على التبكير إليها كما قال - ﷺ : (مَثَلُ المهجر [١] كمثل الذي يهدي بدنه، ثم كالذي يهدي بقرة، ثم كالذي يهدي الكبش، ثم كالذي يهدي الدجاجة، ثم كالذي يهدي البيضة) [٢] . ويؤمر بالتهيؤ النفسي لها فيؤمر بالتطيب والاغتسال والسواك. قال ﷺ : (من جاء منكم الجمعة فليغتسل) [٣] . ٢- وحين يحضر المصلي للجمعة يلزمه الإنصات للخطيب ولا يجوز له الكلام ولو أن يقول لصاحبه صه. (إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة: أنصت فقد لغوت) [٤] . فهذا المصلي الذي أوجب عليه السعي للجمعة، وحُث على التبكير لها، والتغسل والتطيب، وحُرّم عليه الكلام حال الخطبة، من حقه أن يعتني بهذه الخطبة التي تقدم له. ٣- خطبة الجمعة لها شأن عظيم عند الله فهي ذكر لله كما سماها الله في كتابه، وهي شعيرة من شعائر الدين، تشهدها الملائكة، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: (إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون من جاء من الناس على قدر منازلهم، فرجل قدم جزوراً، ورجل قدم بقرة، ورجل قدم شاة، ورجل قدم دجاجة، ورجل قدم عصفورا، ورجل قدم بيضة، فإذا أذَّن المؤذن، وجلس الإمام على المنبر طووا الصحف ودخلوا المسجد يستمعون الذكر) [٥] . إن هذا الحديث يلقي ظلالاًً من الهيبة والجلال على هذه الخطبة، وفي الوقت نفسه يعطي الخطيب شعوراً بأهمية الكلمة التي يقولها من على المنبر فعلاوة على كل ما فيها من قيمة دعوية، فإن الملائكة الكرام يسمعونها، فليت الذين يوظفون خطبهم لتحقيق مصالح فلان أو علان يفقهون هذا الحديث. ٤- شهود المسلمين جميعهم لها. فالمسلمون على اختلاف طبقاتهم، ومستوياتهم التعليمية، يحضرون هذه الصلاة ويشهدونها. فيحضرها المثقف، والجاهل وطالب العلم، والمتعلم. ويحضرها الكبير والصغير، ومن جانب آخر فحضورها ليس مقصوراً على الأخيار وحدهم، فكثير ممن لا يشهد صلاة الجماعة يحضر الجمعة، وهذا يتيح للخطيب أن يخاطب الجميع، وأن يتحدث للكثير ممن لا يحضرون المحاضرات والندوات، ودروس المساجد. إنها باختصار هي المجال الوحيد المتاح للدعاة والذي من خلاله يتحدثون مع الجميع. ٥- تكررها كل أسبوع. ففي العام الواحد يستمع المصلي لـ (٥٢) خطبة، وحين يعتني بها الخطيب ويرتب موضوعاتها يقدم للمستمع مادة متكاملة. إنها تمثل دورة مكثفة مستمرة. ٦- قيمتها المعنوية عند الناس وتأثيرها، ففي بحث عن أثر خطبة الجمعة أجري في مصر أفاد ٧٨% أنهم يتأثرون تأثراً دائماً بما يقوله الخطيب، وذكر ٧١ % أنهم يلتزمون دائماً بما يقوله الخطيب. واتفق مع أحد خطباء المساجد على أن يخطب عن الربا، فأجرى استفتاء قبل الخطبة وبعدها، كانت النتيجة: أ- ٨٥% كانوا يعرفون المفهوم الصحيح للربا. وبعد الخطبة ارتفعت النسبة إلى ٩٧%. ب- ٣٣% كانوا يعرفون عقوبة المرابي. وبعد الخطبة ارتفعت النسبة إلى ٥٩%. ج- ٧١% كانوا يعلمون أن البنوك المصرية تتعامل بالربا. وبعدها ارتفعت النسبة إلى ٩٤%. د- ٥٠% كان يفضل الاستثمار في البنوك الإسلامية. وبعد الخطبة ارتفعت النسبة إلى ٦٤%. هـ- نتيجة الخطبة: ٣٤% سينصحون الآخرين بترك الربا. ٣١% سيقاومون أي عمل ربوي [٦] . إن هذه الدراسة وغيرها تعطي دلالة صادقة أن خطبة الجمعة لها تأثيرها على المصلين، وذلك حين يجدون الخطيب المؤثر. ٧- حضورها يزيد ولا ينقص. فالمصلون لا يخرج منهم أحد قبل انتهاء الخطبة، إنما يتوافدون، بخلاف المحاضرة والدرس، فقد يخرج بعضهم قبل اكتمال الموضوع. ومع اقبال الناس على الخير في هذه الفترة، يتوافد الكثير من المسلمين إلى الجمعة ممن كانوا لا يعرفونها قبل ذلك. ٨- ثباتها في كافة الأحوال، فهي مستمرة في السلم والحرب، وفي القحط والجدب، وفي سائر الظروف. ومع ذلك كله رغم مدى عنايتنا بهذا المنبر، وشعورنا بأهميته، والحرص على أن يصعده الدعاة الصادقون، وطلبة العلم الواعون؟ والخطباء أنفسهم أمام مدى إدراكهم لهذه الرسالة وقيمتها وأهميتها؟ أليست خطبة الجمعة تستحق منا عناية ودراسة لاستثمارها، وأساليب تطويرها؟ ولم لا تتلقى المراكز والمؤسسات الإسلامية دورات وبرامج لإعداد الخطباء وتدريبهم، والرفع من مستواهم؟ إنها تساؤلات آمل أن تلقى عناية إخواننا. ثانياً: الموضوع: ١- أن يختار الموضوع في وقت مبكر، فإن تأخير اختيار الموضوع، إلى ليلة الجمعة وربما يومها، يؤدي بالخطيب، إلى أن يقرر أي موضوع يخطر في باله، وربما لا يكون مقتنعاً به القناعة التامة، إضافة إلى أنه لا يترك له فرصة كافية للتحضير والتفكير في عناصر الموضوع ومحاوره. ويعاني الكثير من الخطباء من هَمِّ اختيار الموضوع، فيُقترح إعداد قائمة متنوعة من الموضوعات، يختار بعد ذلك من بينها. ٢- التفكير الجيد في الموضوع بل وطول التفكير فيه - وهذا يستوجب الاختيار المبكر له - يقول (دايل كارنيجي) في كتابه (فن الخطابة) : (حدد موضوعك مسبقاً حتى يتسنى لك الوقت للتفكير به مراراً. فكر به طيلة سبعة أيام، واحلم به طيلة سبعة ليال، فكر به أثناء خلودك إلى الراحة، وفي الصباح وأنت تستحم، وفي طريقك إلى المدينة، أو بينما تنتظر المصعد، وعندما تكوي الثياب، أو حين تطهو الطعام، وناقشه مع أصدقائك واجعله موضوع حديثك، واسأل نفسك جميع الأسئلة الممكنة التي تتعلق به) [٧] . ٣- أن يكون الموضوع عن قناعة لا تمليها ضغوط الشارع، أو المناسبة، أو جهة معينة. مع الترفع عن الإثارة العاطفية. ٤- التنويع في الموضوعات والمجالات وعدم التركيز على جانب واحد. فينبغي أن تشتمل موضوعات الخطيب الحديث عن مشاكل الناس الاجتماعية، وحلولها، وعلى بيان واقع الأمة، والمؤامرات عليها، وعلى الحديث عن الأخطاء المتفشية بين الناس، وعلى بيان العقيدة وتعليمها للناس، وعلى بيان ما يحتاجه الناس من أحكام عباداتهم ومعاملاتهم، وعن الرقائق والوعظ، وتذكير الناس؛ وباختصار ينبغي أن تشمل على كل ما يحتاج المسلم أن يعرفه في شؤون حياته. وقد تجد البعض من الخطباء يركز على جانب الوعظ دون سواه، والآخر على الجانب السياسي، والثالث على الجوانب الاجتماعية.. وهكذا. إن هناك فئة غير قليلة من المسلمين لا يتلقون العلم إلا من خلال خطبة الجمعة، وإن تحقيق التكامل والتنوع في موضوعات الخطبة يهيئ لهؤلاء حَدّاً أدنى من الثقافة الشرعية. ٥- التحضير الجيد والمتكامل للموضوع، من خلال القراءة والاطلاع على ما كتب في الموضوع حديثاً وقديماً، وإن ترتيب الخطيب لملفاته وأوراقه، وتدوين ما يمر بباله من عناوين لكتب، أو مقالات، أو موضوعات، أو تقارير مما يعينه على ذلك. إن المنبر أمانة، والمصلون ينتظرون أن يسمعوا الجديد من الخطيب، ومهما كانت ثقافة الخطيب وإطلاعه، فإنه لا يستغني عن المراجعة والإعداد، والترتيب لموضوعه، ومن الظلم للمصلين، وإهمال الأمانة، أن يحدد الخطيب موضوعه متأخراً، ولا يعد له فيجيء مهلهلاً متنافراً. وفي حادثة السقيفة المشهورة قال عمر بن الخطاب ﵁ ... (فزورت في نفسي مقالة) . قال البعيث الشاعر - وكان من أخطب الناس -: (إني والله وما أرسل الكلام قضيباً خشيباً، وما أريد أن أخطب يوم المحفل إلا بالهائت المحكك) . وكان ابن النوام الرقاشي إذا دُعي للكلام ولم يكن مهيئاً نفسه يقول: (ما اشتهي الخبز إلا بائتاً) . ٦- أن يكون الموضوع حول واقع الناس، وما يحتاجون إليه؛ فالعالم الإسلامي اليوم يموج بأحداث ساخنة، ومضطربة، والعقل المسلم يعاني من تحليلات الإعلام المضلل الذي يصور القضايا وفق ما يريد فلان، أو غيره؟ ولذا فإن المصلي ينتظر أن يسمع الكلمة الصادقة، وعرض القضية من هذا الخطيب الذي يثق فيما يقول لأنه يعرف أنه يدرك أمانة الكلمة، ومسؤليتها. وثمة طائفة من المسلمين لا تتفاعل مع قضايا الساحة، ولا تُعيرها أي اهتمام، فلها شأن آخر مع شهوات النفس ورغباتها؛ وهذه الفئة تحتاج لمن يغرس فيها التفاعل مع قضايا المسلمين، والاهتمام بها، وأقرب الناس، وأقدرهم على ذلك هو خطيب الجمعة. ومن الجوانب التي تمسّ الناس، ما قد يحصل من قضايا، وإشاعات، وأخبار أو ظواهر متفشية، إلى غير ذلك مما يخصّ بلداً معيناً، فينبغي للخطيب أن تكون له فيه كلمته. وحين يتحدث الخطيب عن هذه القضايا، لا ينبغي أن يفرط في التحليلات السياسية، والاجتهادات الخاصة، والتي هي عرضة للخطأ والصواب، إنما يركز على بيان وجه القضية، والأخبار الصادقة عنها، والمنهج الشرعي في التعامل معها. ٧- مناسبة الموضوع المصلين، فالمسجد الذي يؤمه كثير من غير أهل البلد قد لا يناسب التحدث فيه عن مشاكل اجتماعية خاصة بهذا البلد، والمسجد الذي أكثريته من الطلاب غير المتزوجين ليس من الحكمة أن يتحدث الخطيب فيه عن المشاكل الزوجية، ومسجد القرية والبادية لا يستحسن الحديث فيه عن قضايا تخص النخبة المثقفة. فعلى الخطيب أن يدرك طبيعة المصلين، وتركيبتهم، ويختار لهم ما يناسبهم، وما يحتاجون إليه. ٨- العمق العلمي في الموضوع، فلا يكفي أن يقتصر الموضوع على عبارات إنشائية، أو خواطر وأفكار شخصية، وإن العناية بالاستشهاد بالنصوص الشرعية، وأقوال أهل العلم، والعناية بالتأصيل العلمي للموضوع يعطي المستمع الثقة، والقناعة بما يطرح. ٩- دقة المعلومات والتأكد من صحتها ومن ذلك: أ- الأحكام الشرعية: ببحثها بحثاً دقيقاً وتأصيلها. ب- الأحاديث النبوية: وذلك بالتأكد من صحتها وثبوتها؛ لذا فعلى الخطيب أن يتعرف على طريقة التعامل مع كتب الحديث ليتسنى له الوقوف على ما قاله أهل العلم في درجة أي حديث يود الاستشهاد به. ج- الإخبار: فلا يليق بالخطيب أن يتلقف أية إشاعة، أو خبر ليكون مادة لخطبته، بل يثبت ويتبين. د- القضايا العلمية والمتخصصة: قد يتطرق الخطيب للحديث عن بعض الجوانب الطبية، أو التخصصية في أي فن؛ وحين يتحدث الرجل بغير فنه يأتي بالعجائب، فعليه أن يتأكد من صحة المعلومات، فقد يكون ضمن المصلين أحد المختصين بما يتحدث عنه، فيسمع الغرائب. ١٠- مناسبة الموضوع للمقام والزمن: فقد خطب أحد الخفاء، في إحدى عواصم الدول الإسلامية عن ليلة القدر يوم الثلاثين من رمضان؛ وليس هناك أمل بإدراك هذه الليلة. أو يكون هناك حدث يعني الأمة كلها، وينتظر المصلون الخطبة ليستمعون رأي خطيبهم في ذلك، فيفاجؤون به يتحدث عن قضية اجتماعية، أو قضية لا تمت بصلة لما هم فيه. ١١- الوحدة الموضوعية، فلا يسوغ أن تكون الخطبة خليطاً متنافراً من القضايا والموضوعات، ومليئة بالاستطرادات المناسبة وغير المناسبة. ١٢- تناسق الأفكار وتسلسلها. (يتبع)

стр. 1478

في وضح النهار التطرف د. عبد الرحمن صالح العشماوي ترد في القاموس من معاني (طرف) [الطَرَف] بمعنى الناحية من النواحي ... والطائفة من الناس، وطرف الشيء: أقصاه من اليمين أو اليسار، وهو أبعد الناحيتين، ومن ذلك (طرف الحبل) و (طرف الصف) . وللكلمة معانيها الأخرى التي سردتها معاجم اللغة. ظلّت هذه الكلمة ساكنة مستقرة في مواقعها من كتب اللغة، وفي أماكنها من أساليب الناس، ومرَّت عليها قرون طويلة وهي تنعم بهذا السكون وذلك الهدوء، ولكنّ دوام الحال من المحال، والأيام مداولة بين الناس، وقد جرى لهذه الكلمة من تغير الأحوال ما أزال هدوءها، وقضى على سكينتها وملأ حياتها قلقاً واضطراباً، وقد استيقظت ذات يوم على صدى حروفها يتردد على الألسنة وتتناقله وسائل إعلام عصر (العلمانية) ومنذ ذلك الوقت فقدت راحة البال، وأصبحت مسكونة بالجنون لا يقرُّ لها قرار، وهي شقية بذلك كل الشقاء، صحيح أنها تغيظ جاراتها في قواميس اللغة لأنها أصبحت (على كل لسان) ، بل أنها أصبحت من الشمولية والانتشار بمكانة لم تحظ بها أهم كلمات القاموس وأشدها وطأة وأسماها مكاناً، صحيحٌ كل ذلك، ولكن هذه الكلمة شقية كل الشقاء لأنها حُمَّلت ما لا تطيق من المعاني التي لم تكن تخطر على بال. (التطرف) .. مصطلح جديد أضيف إلى هذه الكلمة الحزينة، وهو محدَّد المعنى، إنه يعني المبالغة في الاتجاه إلى أحد الطرفين مما لا يمكن أن يتم معه الالتقاء بينهما. وقد دار هذا المصطلح وطار، حتى استقر أخيراً على رؤوس الملتزمين من أبناء الإسلام - أعانهم الله - فأصبحت الكلمة - في عرف علماني هذا العصر - حكراً على المتدينين من أبناء الإسلام لا تكاد تتجاوزهم إلى سواهم، فهم المتطرفون أي المبالغون في الاتجاه إلى أحد الطرفين فما يدعون مجالاً للالتقاء بالطرف الآخر، وكاد الأمر يهون على هذه الكلمة لولا أنها أصبحت تعاني أشدَّ المعاناة من ملاصقة كلمة أخرى لها صارت بالنسبة إليها الشبح المخيف الذي لا يفارقها ألا وهي كلمة (الإرهاب) وقد آلم كلمة ... التطرف هذا الاقتران المفروض عليها بكلمة (الإرهاب) بالرغم من تباعد مكانهما ... في القاموس لفظاً ومعنى تباعداً لا يؤهلهما للاجتماع، ولكنَّ علمانية العصر (المتطرفة) تأبى إلا أن تجمع بينهما. ... ولا بد لنا - بعد هذا العرض المأساوي - لحياة هذه الكلمة من الوقوف قليلاً أمام كلمة (التطرف الديني) هل هي صحيحة بهذه الصورة من التركيب، وهل ... مصطلح التطرُّف موقوف على أبناء المسلمين الملتزمين به؟ ؟ هنا يكمن الخلل في نظري.. فالمعروف أن (التطرُّف) يعني الانحياز إلى أحد الطرفين، فهل انحاز أبناء الإسلام إلى أحدهما؟ ؟ أولاً: الإسلام دين شامل وهو دين (الوسطية) بمعنى أنه يراعي جوانب الحياة البشرية كلها دون انحياز إلى طرف منها على حساب الآخر، فالعقل والروح والقلب، وجوانب النفس البشرية الأخرى لها وجودها في الرؤية الإسلامية لا تطغى في ظل شرع الله واحدة منها على الأخرى، وهو بهذا يختلف عن الديانات الأخرى التي عالجت جانباً من الجوانب، وتركت الجوانب الأخرى، ومن هنا فإنَّ كلمة التطرف بعيدة كل البعد عن حقيقة الإسلام. ثانياً: شباب الإسلام الذين التزموا به حملوا مبادئه وأخلاقه بما فيها من شمولية ووسطية واعتدال، وإنما تطرَّف غيرهم ممن ابتعد عن هذا الموقع الإسلامي الفريد، فغرقوا في شهواتهم وأهوائهم، واغتروا بعقولهم واختراعاتهم، وطال عليهم أمد هذا الانحراف حتى ظنوه اعتدالاً، وظنوا الالتزام بالإسلام تطرفاً، وأوغلوا في هذا الظن السيء حتى أصبحوا يرون كلَّ مخالفة لما هم عليه (تطرفاً وإرهاباً) . ثالثاً: بناءً على هذا الفهم الصحيح يصبح (العلماني) [*] هو المتطرف، والقومي هو المتطرف، واليساري هو المتطرف، والحداثي هو المتطرف، أما الإسلامي فهو الذي يقف في منطقة الشمولية والاعتدال، ألا فليفهم المخدوعون هذه الحقيقة، وأعان الله كلمة (التطرُّف) على ما تعانيه من قلق واضطراب. ...

стр. 1479

خواطر في الدعوة أصحاب العقل المعيشي محمد العبدة لا شك أن الحزب الأكبر داخل المجتمعات الإسلامية في هذه الأيام، هم من وصفهم ابن القيم ب (أصحاب العقل المعيشي) الذين يقلقهم دائماً التفكير بكيفية رفع مستواهم المعيشي، أو كيفية المحافظة على هذا المستوى. ترى أحدهم يفكر ليل نهار في هذه الأمور، ويتعب نفسه ليل نهار بغية الوصول إلى مستوى يضاهي أصدقاءه وجيرانه، فالأحاديث دائماً عن المسكن والملبس، وعن السيارة والأثاث والراتب. هؤلاء جمهور كبير، قد ألفوا هذه الحياة وعاشوا على هامشها. تتقطع بهم الأيام والليالي، بلا هدف ولا رسالة، فهل يستطيع الدعاة نقل هذا الصنف من الناس إلى الطرف الآخر، أو بالأصح الانتقال بهم تدريجياً ليصبحوا أصحاب مبدأ ورسالة والتزام؟ ليس عسيراً نقل بعضهم على الأقل، وذلك عندما تُغشى مجالسهم، ويسمعون التذكير البليغ والموعظة المؤثرة، وبيان عظمة الله في خلقه وأمره، وآياته في الأنفس والآفاق، وأحاديث اليوم الآخر، ومصائر الشعوب والأفراد. من العصاة قديماً وحديثاً وبيان محاسن الإسلام. إن من الضروري للدعوة أن تنتقل إلى صفوفها أعداد غير قليلة حتى تفرض نفسها على أرض الواقع، ومن الضروري أن ينتقل إليها من كان عدواً لها بالأمس أو مُهملاً لها، فهؤلاء ربما يكونون أنشط وأقوى لأنهم يريدون تعويض ما فات من التقصير والنقص، هناك أساليب كثيرة - غير ما ذكرنا - لاجتذاب أمثال هؤلاء أو بعضهم، ولكننا نحن المقصرون في تجديد الوسائل الدعوية واستنفاذ كل الجهود للاتصال بجماهير الأمة ودعوتها للالتزام بدين الله. لقد سمع أحدهم حبر الأمة ابن عباس ﵄ وهو يفسر سورة البقرة في أيام منى، فقال: لو سمعها اليهود والنصارى لأسلموا، وذلك دليل على أن العلم بكلام الله ووضعه مواضعه الصحيحة قد يؤثر في أشد الناس عُتُوّاً، وخاصة إذا خرج الكلام من قلب خالص يملؤه الاهتمام بأمر المسلمين.

стр. 1480

نقد أخطار النزعة المادية في العالم الإسلامي نقد كتابات جودت سعيد (٣) عادل التل إن الخطورة في تبني المنهج المادي، لا تنشأ من خلال الانتماء الاعتقادي لهذا المنهج كشعار فحسب، وإنما تكمن في الآثار والنتائج التي تترتب على هذا الانتماء، حيث تعتبر هذه الآثار من مستلزماته الأساسية، ويتضح هذا الأمر من خلال التطبيق العملي لهذا المنهج في واقع الحياة. لأن الالتزام بالمنهج المادي، يفرض على معتنقيه التزامات أخرى تقوم عليه، وترتبط به ارتباطاً كاملاً لا تنفك عنه. وبما أن جودت سعيد من المنتمين لهذا المنهج - كما أثبتنا هذا من قبل - فإنه يدعو صراحة للتمسك بأسس هذا المنهج، والرجوع إلى هذه الأسس عند التنازع أو الاختلاف حيث يقول: " إن الوجود الخارجي للمادة أو المجتمع له حقيقة واقعية، يتفاوت تصاور الناس لها حسب خلفياتهم الفكرية، وعند الاختلاف يتم الرجوع إلى الوجود الخارجي " [١] . والمقصود بالوجود الخارجي هو الوجود المادي أو المادة وهذا يمثل لبُّ النظرية الماركسية، وبما أن النظرية الماركسية تقوم على أُسُسٍ محددة لا تنفك عن بعضها، وهي المادية الجدلية والمادية التاريخية، وشملها قوانين تطور المجتمع، فإن عزل أي جانب منها للعمل به منفرداً، لا يفيد في قطع الصلة بأصل النظرية الماركسية وفي هذا يقول ستالين: " إن المادية الديالكتيكية، والمادية التاريخية تظهران كعِلم واحد وكفلسفة متكاملة، فلا المادية التاريخية معقولة بدون المادية الديالكتيكية، ولا المادية الديالكتيكية ممكنة بدون المادية التاريخية.. " [٢] ، وبناء على ذلك فإن أي أصل من أصول النظرية الماركسية لا يكون صواباً على أي حال، لأن كل أصل منها يقوم على المادية، يقول لينين: " إن هذه الفلسفة الماركسية المسبوكة من قطعة فولاذية واحدة، لا يمكن انتزاع أي منطلق منها، ولا أي جزء جوهري واحد دون الخروج عن الحقيقة الموضوعية " [٣] . ونستطيع هنا أن نميز قاعدتين بارزتين يتسم بهما فكر جودت سعيد بشكل خاص، والفكر المادي بوجه عام. ١- قاعدة التغيير الكلية. ٢- قاعدة التطور العامة. وتمثل هاتان القاعدتان المحور الأساسي الذي تقوم عليه كتب جودت وأفكاره كلها، وسنتناول في هذا البحث بعض التطبيقات العملية لقاعدة التغيير، ونرجئ البحث في موضوع التطور إلى حلقات أخرى. قاعدة التغيير الكلية: يربط هذه القاعدة بمفهوم المشيئة ويجعل مشيئة الله تابعة لمشيئة البشر حيث يقول: " كما قلب قوله تعالى: [إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] [الرعد ١١] مفهوم الناس عن التغيير الذي كانوا ينتظرونه من الله، ويرى البشر أنفسهم مثل الطين بيدي الخزاف، تقيدهم الأقدار، قلبت هذه الآية الفكرة رأساً على عقب، فردت عملية التغيير إلى البشر واعتبرتهم مسؤولين عنها " [٤] . وفي هذا يقول أيضاً: (قلنا فيما سبق أن الله يخلق الصفات في المادة - ونكمل الموضوع الآن، بأن نبين أن الله يخلق الأفعال من الأفكار.. فمَن تمكَّنَ من معرفة الخواص التي يخلقها الله تعالى في المواد، يمكنه أن يسيطر عليها، كذلك من تمكَّنَ من معرفة الأفعال التي يخلقها الله تعالى مما بالأنفس، يمكن أن يسيطر على المجتمع) [٥] . وعن هذه الحالة يصف الشيوعيين الماركسيين أنهم: " لمحوا قدرة الإنسان على صنع التاريخ والقيام بعملية التاريخ " [٦] . إن التعامل مع الإنسان من خلال الأسس المادية - كما يرغب جودت - وقياس خواصه على خواص المادة؛ وإخضاعه لما تخضع له من قوانين، فيه إغفال لتكريم الإنسان وتميزه عن سائر المخلوقات، ومن خلال هذه المبادئ تعامل النظام الماركسي في روسيا مع الناس وأخضعهم لقوانين قسرية كالتي تخضع لها المادة فكان العذاب والشقاء، وكان التنكيل والقتل لمن يرفض هذه القوانين المادية الجائرة التي تُفْرَضَ على الناس بالقوة. ثم يقول مُبَيِّناً حقيقة التغيير المطلوب: " يفيد أنه يمكن أن توضع في النفس الأفكار ابتداء، كما يمكن أن يرفع ما فيها من مفاهيم، ويوضع فيها أخرى، وهذا أهم ما في عملية التغيير، من إنشاء الأمر ابتداء، ومع ذلك أسند الله للبشر هذه القدرة في إزالة المفاهيم واستبدال غيرها بها " [٧] . كما يقول في أكثر من موضع عن البشر: إن مصائرهم بأيديهم، وكما تلتقي هذه الأفكار مع آراء الماديين الماركسيين، فإنها تلتقي أيضاً مع آراء " فرقة القدرية " المعروفة في تاريخ علم الكلام، وقد انتصر جودت هنا لأفكار هذه الفرقة، وتعرف هذه الفرقة بمصطلح آخر هو " مذهب الاختيار " وذلك في مواجهة " مذهب الجبر " الذي بدأ ينتشر في ذلك العهد، وقد جعل جودت موضوع الصراع يدور حول (الجبر والاختيار) في حرية الإنسان، وأغفل منهج أهل السنة الذي يقوم على إثبات المشيئتين، وتقديم مشيئة الله على مشيئة البشر، وفي هذا يقول ابن تيمية: (أثبت الله المشيئتين مشيئة الله ومشيئة العبد، وبين أن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الرب) . ثم ذكر ابن تيمية قوله تعالى: [فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إلَى رَبِّهِ سَبِيلاً * ومَا تَشَاءُونَ إلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً] [الإنسان ٣] [٨] . وقال ابن تيمية أيضاً: (الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسباباً نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب المأمور بها قدح في الشرع، فعلى العبد أن يكون قلبه معتمداً على الله لا على سبب من الأسباب، والله ييسر من الأسباب ما يصلحه في الدنيا والآخرة) [٩] . أي: «أعقلها وتوكل» [١٠] . ومن الممكن أن نلخص الرد على هذا الجانب بمثال عن حياة النبي ﷺ وهذا يشهد لما ذهب إليه أهل السنة والجماعة في هذا الموضوع، وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان حريصاً على هداية عمه أبي طالب وألحَّ في دعواه، حتى نزلت الآية: [إنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ] [١١] . ولو كان تغيير ما في النفس مما يملكه رسول الله ﷺ لما تأخر عن تغيير ما بنفس عمه من الضلال إلى الهدى. فإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يستطع أن يهدي عمه أو يغير ما في نفسه فكيف يمكن لجودت سعيد أن يجعل مهمة تغيير المشيئة بيد البشر؟ لماذا لم يقدر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يهدي عمه؟ هل هذا عن عجز منه، وعدم معرفته بالأفعال التي يخلقها الله تعالى مما بالأنفس؟ أم أنه أغفل سنن التغيير التي اكتشفها جودت سعيد والماركسيون من قبله؟ ؟ .. لن يملك جودت ولا أصحابه الماديون ولا جميع علماء النفس والاجتماع الذين يُعْتَدُّ بهم أن يغيروا ما في قلب إنسان من الهدى إلى الضلال، ولا أن يبدلوا ما في قلب إنسان من الضلال إلى الهدى إلا بمشيئة الله، قال تعالى: [فَإنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إنْ عَلَيْكَ إلاَّ البَلاغُ] [الشورى ٤٨] ، وبحث هذه المسألة سيكون بصورة أشمل في الفصل الخاص بموضوع المشيئة، وإن ما ذكرناه في هذه المقدمة إنما هو توطئة لبحث جوانب أخرى من قاعدة التغيير. تغيير مصادر المعرفة: يقصد بتغيير مصادر المعرفة: تغيير مصادر العلم، يقول ابن تيمية " أصول العلم ثلاثة: الحس والعقل، والخبر المركب منهما؛ كخبر الأنبياء عن طريق الوحي "، ولكن جودت يجعل مصدر المعرفة في التاريخ وحده، حيث يقول في ندوة تلفزيونية: " اسمحوا لي أن أقول: إن الإسلام يعتبر التاريخ هو مصدر المعرفة، مصدر العلم، وأقول إن سبب انقطاع الوحي - ختم النبوة - بأن التاريخ صار مصدراً للمعرفة، وهذا النظر أعتبره فلسفة جديدة وقديمة في آن واحد، لأن التاريخ، هو الذي إذا شهد لأحدٍ استحق شهادة صحيحة، وإذا شهد على أحد أيضاً فهو الذي يَخْرُجُ من التاريخ.. " [١٢] . ويظهر في هذا الحديث - أنه يعتبر وظيفة القرآن قد انتهت، وأن التاريخ هو مصدر المعرفة الذي يُعْتَدُّ به، وأن شهادته ذات اعتبار وتأثير، وبناء على هذا التصور يذكر قاعدة التغيير في مصدر المعرفة، وأنها ليست من القرآن فيقول: " أي: أن الذي سيعلمنا ليس القرآن، وإنما نفس حوادث الكون - والتاريخ هي التي ستعلمنا " [١٣] . تغيير مصادر الأدلة: لما تقرر عند جودت استبعاد دلالة النصوص الشرعية كمصدر من مصادر المعرفة التي تقدم الحقيقة الموضوعية كان طبيعياً أن يحاول تغيير مصدر الأدلة أيضاً، فعند تفسير قول الله تعالى: [سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ] [الشورى ١٧] ، يقول: " هذه الآية تنقل أدلة موضوع الفكر الديني الذي تُقَرِّرُهُ آيات الكتاب، تنقل مصدر الأدلة من آيات الكتاب إلى آيات الآفاق والأنفس، وهذه النقلة البعيدة المدى لم تكن البشرية مهيأة لها إلى الآن. وانعدام هذه النقلة أو عدم القدرة على التكيف هو الذي جعل مصدر أدلة العلم والإيمان مختلفة في أذهان العالم المعاصر. فجعلوا الدين غير العلم، وأن مصدر العلم من الواقع، وأن مصدر الدين من الغيب، فهذه الآية بهذه النقلة التاريخية التي لم يقدر البشر على تفهمها، تدمج الدين دمجاً كاملاً في العلم الواقعيِّ في المحيط الإنساني ليكون موضع تأمل الناس " [١٤] . أليس من حقِّ المسلم أن يتساءل إلى أيِّ مدى يريد جودت أن يغير مصادر الأدلة في هذا الدين؟ لو كان هذا التبديل ضرورياً، لَبَيَّن النبيُّ ﷺ لنا ذلك، وقد قال الله تعالى له: [ونَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً وبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ] [النحل ٨٩] . يبين جودت السبب في جعل الأدلة من خارج القرآن حيث يقول: (هذه الآية؛ آية الآفاق والأنفس قَلَبَتْ مكان الدليل ومصدره، كما قلبت آية التغيير مفاهيم الناس، فآية الآفاق والأنفس حدَّدَتْ مكان الدليل ومصدره بأنه ليس الكتاب، فلا نطلب كيف بدأ الخلق من الكتاب، وإنما نطلبه من السير في الأرض والنظر، كما أمر بذلك الكتاب فالحكم في الكتاب، والدليل في الواقع والأرض وآيات الآفاق والأنفس " [١٥] . من أين جاء بهذا الحكم الذي يُلغي مكان الدليل في القرآن فيجعله في آيات الآفاق والأنفس، والآية لا تشير إلى هذه الفكرة، وليس لها هذا المنطلق ولا يمكن فهم ذلك الأمر من نصَّها، وقد جعل القرآن آيات الآفاق والأنفس تأكيداً وتوضيحاً، ولم يجعلها تغييراً ونقلاً، والله تعالى يقول لنا: [فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ والرَّسُولِ إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ] [النساء ٥٩] ، ثم يأتي جودت سعيد فيقول: ردوه إلى الوجود الخارجي المادي، أو إلى آيات الآفاق - العلوم - وإلى آيات الأنفس - علم النفس - ويجب أن نعلم أن هناك إجماعاً عند المسلمين على أن المرجع عند الاختلاف هو كتاب الله وسنة رسوله، كما أن منهج السلف الصالح هو المعتمد في فهم الكتاب والعمل بالسنة. إن تقرير هذه النقلة بهذا الأسلوب، يقطع الصلة بين المسلمين ومصدر علمهم ومنهج معرفتهم، كما يفصل بين أحكام الكتاب وبين التطبيق العملي له في واقع الحياة، وهذا يستدعي أن آيات الله تحتاج للتزكية والشهادة المستمدة من آيات الآفاق والأنفس كما يصور ذلك جودت. يقول أصحاب النزعة العقلية: إن العقل هو الذي يشهد بالصدق والقبول لآيات القرآن والسنة، وبهذا جعلوا العقل حَكَماً على الدين، كما يقول محمد إقبال: " ومما لا شك فيه أن للفلسفة الحق في الحكم على الدين " [١٦] . ويقول أصحاب النزعة المادية: إن آيات الكتاب لا تؤدي دوراً، وإنَّ الواقع أو التاريخ وآيات الآفاق والأنفس هي التي تشهد لآيات الله بالصحة والثبات والقبول. وفي هذا يقول جودت: " في القضاء يطلبون البينة والأدلة والشهود، والله يقيم على دينه وكتابه شاهدي عدل، وهما آيات الآفاق والأنفس، وهما شاهدان معتبران لهما حق الشهادة " [١٧] . وقد يظن البعض أن هذه الشهادة كما نتصورها - نحن - شهادة تأكيد وتأييد أو من العوامل التي تساعد الناس على فهم آيات الله في القرآن، والاعتبار بها ولكن نلاحظ أنه يجعلها الحَكَمَ على آيات الله، وكأن آيات الله لا تكفي لوحدها لبيان الحقِّ وتقديم العلم. وها هو يقول: " وللمجادل أن يصادر آيات الكتاب، ولكنه لا يمكنه أن يصادر آيات الافاق والأنفس، فمن هذا الجانب صار دليل الدين دليلاَ عالمياً إنسانياً علمياً، وليس دليلاً لطائفة معينة من الناس " [١٨] . وبهذا يعطي جودت الحق لأي إنسان في رفض آيات الله ومصادرة معناها باعتبارها ظنية. ويشير إلى ذلك، عند وصفه للمعارف حين كانت ظنية: " حينما كانت المعارف ظنية وتابعة للأهواء، ولم تكن تشهد بها آيات الآفاق والنفس وكان النزاع يجري فيها، ولكن حين قامت أدلتها من الآفاق والأنفس تغير الوضع " [١٩] . وها هو يردد ما بثه المستشرقون في ديار الإسلام في بداية الغزو الفكري، وزعموا أن النصوص الشرعية ظنية الدلالة ولا تصلح لقيام الحجة والبرهان من خلالها وهذا طَعْنٌ في أصول الدين، ويقول جودت في معرض تحديد مصادر جديدة للمعرفة، وتعيين أصول جديدة للدين: " يذكر إقبال: إن هذه الآية جعلت آيات الآفاق والأنفس مصادر لمعرفة الحق، فكأن هذا القول يظهر شيئاً جديداً في أدلة أصول الدين من الكتاب والسنة والقياس والإجماع، وبمقتضى هذه الآية، فإن آيات الآفاق والأنفس لها حق معرفة الحق وكشفه، وهذا الحق كشيء مستنبط من الكتاب لا يؤدي دوراً كبيراً مثل قوله تعالى: [قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الخَلْقَ] [العنكبوت ٢٠] ، ولكن حين يبدأ الناس يتعلمون كيف يتعاملون مع آيات الآفاق والأنفس فإن دلالة آيات الآفاق والأنفس تطلع ضوءاً مبحراً يحق معه أن يقال: طلع الصباح فأطفئ القنديل، ولكن الذين ظلوا طويلاً في الظلام يصيبهم العشي من الضوء الساطع. وقد يرى بعض الناس في هذا الاتجاه خروجاً من الدين وتضييعاً له ولكننا نرى عكس ذلك.. " [٢٠] . نضع هذا النص الواضح في دلالته على تغيير مصدر أدلة أصول الدين أمام أهل العلم، ونسألهم: هل يمثل هذا الطَّرح خروجاً من الدين أم لا؟ ! ! وأما قوله: " طلع الصَّباح فأطفئ القنديل " فإنه يمثل سُخرية واضحة للتفريق بين أدلة أصول الدين، وأدلة اللا أصول الجديدة التي اختارها واعتمد (آيات الآفاق والأنفس) بديلاً جديداً عن الأدلة الصحيحة. وأخيراً فإن الطريقة التي أعرض بها آراء اصحاب النزعة المادية ونقدها وإبراز مواضع الانحراف فيها لا تعدو أن تكون نموذجاً لنقد مناهجهم، فالهجمة على أصول الدين كبيرة وقد هيأ الأعداء لها من الأساليب والخطط ما يفوق التصور. يقول محمد أركون في معرض حديث عن مواجهة الذين لا يزالون متمسكين بالنصوص الشرعية: (نحتاج إلى مائة مؤسسة وثلاثين سنة للتمكن من زحزحة المسلمين عن التمسك بحرفية النصوص..) .

стр. 1481

تيار التجزئة والتفتيت منصور بن زويد المطيري حينما قال الرسول ﷺ وهو بالمدينة: (اللهم حبب إلينا ... المدينة كحبنا مكة أو أشد، اللهم وصححها وبارك لنا في مدّها وصاعها) . وحينما رفع بلال عقيرته بالمدينة بعد أن نزعه الشوق إلى مكة: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بواد وحولي أذخر وجليل وهل أردنْ يوماً مياه مجنّة ... وهل يبدونْ لي شامة وطفيل؟ لم يكن ذلك إلا تعبيراً عن شعور فطري يعتري الإنسان تجاه منبته وموطنه والدار التي درج فيها، وترعرع في رباها، وهو شعور يجده كل إنسان في شتى بقاع العالم، ليس فيه ما يُعاب أو يُذَمُّ بل هو من تمام المرؤة وكمال الخلق إلا أن هناك شروطاً لا بدّ من وجودها حتى لا يخرج هذا الشعور الفطري من المدح إلى القدح وهو أن يكون في حجم طبيعي بسيط. أما إذا تضخم هذا الشعور ونفخ فيه حتى يصل إلى حدود الولاء فإنه يتحول عندئذ إلى خصلة ممقوتة وصفة مذمومة من وجهة النظر الإسلامية. والحقيقة أن هذا الشعور المتضخم تجاه الوطن أو الإقليم وُجِدَ في بلاد الإسلام في العصر الحديث بل إنه صنع وصدر إليها بغرض خبيث، بعد أن كان شعور المسلمين في مختلف أنحاء العالم تجاه بلادهم المختلفة شعور فطري طبيعي مما يُحْمَدُ ويمدح. إن الغرب بالذات صنع كثيراً من المبادئ والعقائد في أرضه ثم صدَّرها عامداً إلى أبناء العالم الإسلامي - والحق أنه لم يكن ليصدرها لو لم تكن عند المسلمين قابلية للاستيراد - يقول المستشرق اليهودي برنارد لويس معترفاً بالجريمة الغربية: (كل باحث في التاريخ الإسلامي يعرف قصّة الإسلام الرائعة في محاربته لعبادة الأوثان منذ دعوة النبي ﷺ وكيف انتصر النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحبه وأقاموا عبادة الإله الواحد التي حلت محل الديانات الوثنية لعرب الجاهلية، وفي أيامنا هذه تقوم معركة مماثلة أخرى ولكنها ليست ضد ( اللات) و (العزى) وبقية آلهة الجاهلية بل ضد مجموعة جديدة من الأصنام اسمها: الدولة والعنصر والقومية. وفي هذه المرة يظهر أن النصر حتى الآن هو حليف.. الأصنام! ! فإدخال هرطقة القومية والعلمانية أو عبادة الذات الجماعية كان أرسخ المظالم التي أوقعها الغرب على الشرق الأوسط - ولكنها مع كل ذلك كانت أقل المظالم ذكراً وإعلاناً) [١] . وليس من العجيب أن يحرص الغرب على تفتيت وحدة المسلمين، فقد كانت العقبة الكأداء في وجهه إبان استِعَارِ الاستعمار، حيث كانت الجامعة الإسلامية كفيلة بأن تثير حمية الهندي والفارسي والأفغاني والتركي والعربي وكل مسلم وسيلبون النداء حين يدعو داعيه. ومن المعلوم أن انتشار الإسلام في بقاع الأرض ضمّ في إطاره الكثير من الأعراق والشعوب والبلاد، وكتب لهم تاريخاً جديدا وبتَّ الصلة بما كان قبله، ورتَّب حياتهم على أساس الولاء للإسلام وحده، وكوَّن من كل هذه الأعراق أمة واحدة تَتَّفق في الاعتقاد وفي التشريع المنظم للحياة الروحية والمادية، وقد كان الإسلام هو السِّمة الأساسية لهذه الشعوب والأعراق التي تكونت في رحابه، وتحت حكمه وفي ظله. وعلى ضوئه قام المجتمع الإسلامي والحضارة الإسلامية، وأصبحت اللغة العربية وعلومها وأدابها تاجاً يتزين به كل عالم في هذه الأمة من العرب أو من غيرهم؟ بل لقد برز غير العرب كعلماء ترجع إليهم الأمة في مختلف المعارف، وكانت الأعراق تكّون أمه واحدة إذا اشتكى منها عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى. ومع مرور التاريخ استلم قيادة هذه الأمة الإسلامية خلفاء بني عثمان، وساروا بها في جزء كبير من تاريخهم من نصر إلى نصر. وكانت دولتهم في أول أمرها فتية ثم اشتد عودها ثم شاخت في نهاية أمرها لتعود رجلاً مريضاً يدفن بمرضه، ويردم الأعداء التراب على قبره، ليتردد بعد ذلك في الأرجاء النواح والعويل والجزع والذهول يشارك الجميع أحمد شوقي [*] في مرثيته للخلافة: عادت أغاني العرس رَجْع نُواح ... ونُعيتِ بين معالم الأفراحِ كُفِّنْت في ليل الزفافِ بثوبه ... ودُفِنْت عند تَبَلُّج الإصباحِ شُيِّعتِ من هَلَعٍ بِعَبْرةِ ضاحكٍ ... في كل ناحيةٍ وسكرةِ صاحِ ضَجَّتْ عليكِ مآذنٌ ومنابرٌ ... وبَكَتْ عليك ممالكٌ ونُواحِ الهند والهةٌ ومصرُ حزينةٌ ... تبكي عليك بمدمعٍ سَحَّاحِ والشامُ تسألُ والعراقُ وفارسُ: ... أمَحَا مِنَ الأرضِ الخلافةَ ماحِ لقد تحققت إرادة الأعداء في تفتيت وحدة هذه الأمة، ولكن لم تحققت إرادة الأعداء؟ وكإجابة على هذا السؤال سنشير فيما يلي وفي عجل إلى عامل واحد أدى إلى فقدان الأمة الإسلامية لوحدتها وهو ظهور النزعات الإقليمية والقومية. لقد انتقل كثير من المفاهيم الغربية إلى بلاد الإسلام عن طريق الاحتكاك الثقافي، وعن طريق الزرع المقصود. ومن هذه المفاهيم، القومية. وهي مفهوم برز في المجتمعات الغربية بشكل واضح وقوي في القرن التاسع عشر، وهو يهتم بخلقِ وعي جديد يمجَّد جماعة محدودة من الناس، يضمها إطار جغرافي ثابت، ويجمعها تراث مشترك وتنتمي إلى أصول عرقية واحدة (وهذا الوعي القومي على درجات، ويبدأ من مرحلة العاطفة الوطنية أي حب البلد الذي تتفتح فيه عينا الإنسان للنور، بلد الآباء والأجداد، بلده الذي يحنُّ إليه إذا نأى عنه، ويحميه إذا اعتُدِيَ عليه.. وينتهي بمرحلة التفكير القومي وليس لهذه المرحلة حدّ، ولكن المراد منها هو جمع شمل أبناء القوم الواحد، ولمّ شعثهم، والخلاص من الأجنبي الذي يرزحون تحت نيره إن وجد، وإنشاء دولة مستقلة تضمُّ تحت لوائها مَنْ تجمعهم وحدة الأفكار والمصالح والعواطف والذكريات والرغبة في العيش المشترك ضمن إطار جغرافي معين تحدده في الغالب اللغة القومية) [٢] . وروح القومية هي الشعور بالتشابه من ناحية، والشعور بالامتياز عن الغير من ناحية أخرى. فالشعور بالتشابه به يؤدي إلى عاطفة التضامن والتآلف والتناصر بين أعضاء الأمة الواحدة، وهو الذي يقرِّب بين طباعهم وأمزجتهم وآرائهم، ويشكِّل عامل توحيد وجذب بينهم. والشعور بالامتياز ينمِّي الشعور بالكرامة الوطنية والشرف القومي والحسّ بالمصير القومي، وينمي الرغبة في تأكيد صفات الخلق القومي وفرضه على مرأى ومسمع من العناصر الأجنبية الأخرى، فهو الذي يحملهم على منافسة الغير وبذل أقصى الجهد في سبيل التفوُّق. هذه الفكرة وُجِدَتْ في بلاد المسلمين أول ما وجدت في دار الخلافة الإسلامية تركيا فقد تسربت إليها من أواسط وشرق أوربا عبر قنوات عديدة منها أن اللاجئين البولنديين والمجريين نقلوا معهم هذا المبدأ بعدما لجأوا إلى تركيا بعد فشل ثورتهم سنة ١٨٤٨م. فلقد بقي قسم كبير منهم فيها واعتنقوا الإسلام واحتلوا مناصب هامة في الدولة العثمانية. وكان أحدهم الكونت بورزيسكس الذي سمى نفسه بعد ذلك مصطفى جلال الدين باشا قد نشر كتاباً بعنوان (أتراك الأمس وأتراك اليوم) وفيه جزء عن تاريخ الشعب التركي القديم يوضح الدور الإيجابي الخلاّق للأتراك في التاريخ وقد كرَّس بورزيسكي جهده لإثبات أن الأتراك هم من العرق الأبيض مثل شعوب أوربا، وينتمون لما أسماه العرق (الطوراني - الآري) . ويقول برنارد لويس: (ولقد عمل الكونت بورزيسكس على نقل القومية البولندية ووضعها في قالب تركي وساعده على هذا العمل ما عرضه من أعمال المستشرقين الأوربيين الباحثين في الشؤون التركية، ولقد وصلت نتائج أبحاث هؤلاء إلى المجتمع التركي عن عدة طرق، وكان لها تأثير هام على الذهنية التركية خصوصاً في تقدير التركي القديم، والاعتقاد بالهوية المميزة والمركز اللائق في التاريخ، ولقد كان الأتراك أكثر من العرب والعجم نسياناً لتاريخهم الماضي فقد كانوا لا يفكرون بأية هوية أخرى غير الهوية الإسلامية، ولكن المستشرقين.. ساعدوا الأتراك على استعادة هويتهم القوية الضائعة وعلى الدعوة إلى حركة قومية جديدة) [٣] . وبمثل هذه الأساليب تعزَّز عند جزء من الأتراك هذا الشعور القومي، وأدى بعد ذلك كواحد من عوامل كثيرة إلى نشوء القومية العربية. لقد كان لغير المسلمين جهد واضح وأثر فعال في ترسيخ الانتماء القومي الذي يستند على العلمنة كإطار مبدئي. ولنستمع إلى ما يقوله إبراهيم اليازجي وهو يستنهض همم العرب ويدعوهم إلى إحياء أمجاد آبائهم ويحثهم على الثورة على الترك: دع مجلس الغيد الأوانس ... وهوى لواحظها النواعس إلى أن يقول: ودع التنعم بالمطا ... يا والمشارب والملابس أي النعيم لمن يبيت ... على فراش الذل جالس ولمن تراه بائساً ... أبداً لذيل الترك بائس [**] ولمن أزمته بك ... ف عداه يُظلم وهو آيس إلى أن يقول داعياً العرب إلى الثورة على الترك كما فعلت شعوب البلقان: ماذا نؤمل بعدهم ... إلا مقارعة الفوارس فإليكم يا قوم واطَّ ... رحوا المؤانس والمدالس وتشبهوا بفعال غي ... ركم من القوم الأحامس بعصائبَ اتفقوا فجا ... دو بالنفوس وبالنفائس تركوا جموع الترك يق ... صفُ فوقها الركب الروامس فالترك قوم لا يفو ... ز لديهم إلا المشاكس وفي آخر القصيدة يظهر الشاعر الوجه العلماني للقومية العربية: ودعوا مقال ذوي الشقا ... ق من المشايخ والقمايس ما هم رجال الله في ... كم بل هُمُ القومُ الأبالس فالشر كل الشر ما ... بين العمائم والقلانس وله قصيدة بائية أخرى لها نفس الغرض ختمها بقوله: صبراً هيا أمة الترك التي ظلمت ... دهراً فعما قليل تُرفع الحجبُ لنطلبنّ بحد السيف مأربنا ... فلن يخيب لنا في جنبه أربُ يقول مؤلف كتاب الاتجاهات الفكرية عند العرب في عصر النهضة (وقد سبق المسيحيون العرب المسلمين منهم إلى التحسس بالشعور القومي، وإلى المجاهرة بالحركة القومية. ففي بداية القرن التاسع عشر دخل المذهب البروتستانتي إلى البلاد العربية وترجم الإنجيل إلى اللغة العربية، وأخذت طوائف الروم الأرثوذكس في بلاد الشام تطالب بتعريب كنيستها - وكانت الكنائس الكاثوليكية بما فيها الموارنة قد استقلت عن روما وصار لها بطاركة، وخوارنة من العرب وغدت لها مدارسها العربية، وتخرج من المعاهد التي أنشأتها الإرساليات التبشيرية والطوائف المختلفة رواد الحركة القومية العربية) [٤] . ويقول: (وعلى يد العرب المسيحيين تشكلت أول الجمعيات السرية العربية، التي ندَّدت بالحكم التركي وطالبت باستقلال الولايات العربية عن الدولة العثمانية) [٥] . وكما هو معروف فقد لعبت القومية العربية بعد ذلك بسنين دوراً أساسياً في الساحة شَهِدَهُ الجميع. والحقيقة أن هناك ما هو أخطر من القومية على وحدة المسلمين ويتمثل في تيار الإقليمية الوطنية بمعنى حب الوطن والولاء له. وهو مفهوم حديث لم يعرفه المسلمون من قبل، وقد ورد إلى العالم الإسلامي قبل المفهوم القومي. وكان أول من دعا إلى الوطنية بهذا المفهوم رفاعة الطهطاوي، فمثلاً يقول في أحد كتبه: (فقد أجمع المؤرخون على أن مصر دون غيرها من الممالك عَظُم تمدُّنها وبلغ أهلها درجة عالية في الفنون والمنافع العمومية، فكيف لا وأن آثار التمدن وأماراته وعلاماته مكثت بمصر نحو ثلاثة وأربعين قرناً، ويشاهدها الوارد والمتردد، ويعجب من حسنها الوافد والمتفرج. مع تنوعها كل التنوع، فجميع المباني التي تدل على عظم ملوكها وسلاطينها هي من أقوى دلائل العظمة الملوكية وبراهينها) [٦] ، وقد تطورت مثل هذه الفكرة بعد ذلك حتى أصبحت دعوة شعبية شعارها (مصر للمصريين) . وكما يقرر المستشرق لويس فإن مصر كانت (البلد المسلم الوحيد الذي تقدمت فيه فكرة الوطنية المحلية وكان ذلك بسبب عوامل عدة: ١- مصر بلد واضح المعالم الجغرافية والتاريخية. ٢- كان فيها عائلة حاكمة قوية مصممة على إتمام الاستقلال (يقصد الانفصال عن تركيا) . ٣- تاريخ قديم رائع اكتشفت آثاره منذ مدة وهو من أهم العوامل التي يستند إليها الافتخار بالوطنية) [٧] . وفي سبيل ترسيخ الشعور بالوطنية في بلاد المسلمين نشط الاستشراق بشكل فعال في بعث التاريخ السابق على الإسلام في كل بلد من البلاد الإسلامية وأفلح في تأسيس هيئات للإشراف على عمليات التنقيب عن الآثار وإنشاء متاحف وطنية، وكان الإشراف على هذه العمليات في يد الغرب فقد أشرفت فرنسا على بحوث الآثار في مصر وإيران، وأشرفت بريطانيا على الهند، وأشرفت إيطاليا على آثار ليبيا. وبعد الاستقلال تغيرت الأوضاع واستلمت الحكومات الإشراف على هذه الآثار ولكن الذي حدث (هو أن عالم الآثار الغربي في كل دولة من تلك الدول قد ساعد في إعداد قانون خاص بالآثار للبلد الإسلامي الذي يعمل فيه، وأصبح مستشاراً لموظف وطني عين من حكومته مديراً لمصلحة الآثار) ، وكان الغرض من هذا كله أمرين: الأول: إحياء التاريخ الميت للبلاد الإسلامية ومحاولة بثه في شعور أهل كل بلد بحيث يحصل اعتزاز وافتخار بالانتساب إلى مثل هذه الحضارات، والشعور بهوية متميزة، فالمصريون أحفاد الفراعنة والسوريون أحفاد الفينيقيين، والعراقيون أحفاد الآشوريين والبابليين، والمغاربة أحفاد البربر، وأبناء الجزيرة العربية أحفاد العرب الأقحاح وهكذا الثاني: إضعاف دور الإسلام حيث تعطي مثل هذه البحوث التاريخية انطباعاً عاماً بأن الإسلام مرحلة من مراحل حضارة البلد، سبقته حضارات وستتلوه حضارات. وما هو إلا حلقة ضمن هذه الحلقات يعتز به كما يعتز بغيره، والولاء في النهاية للوطن الذي أبدع كل هذا. وعلى كل حال لم تكن هذه الجهود لتؤتي أُكُلها في تجزئة بلاد المسلمين لولا القوة الاستعمارية التي فرضت هذه التجزئة، فكما يقطع الجزار ذبيحته قطعة قطعة فعل الاستعمار بالدولة العثمانية فعل الجزار، فالبلاد الواقعة تحت سيطرة العثمانيين قُسِّمت إلى عشرات الأجزاء ولم يكن ذلك لتعدد المستعمرين، بل كانت العملية واعية ومقصودة هدفها التمزيق إلى أقصى درجة فالذي حدث (أن المناطق التي وقعت تحت سيطرة الاستعمار الواحد جزئت تجزيئاً، فلبنان انفصل عن سوريا، وكلاهما تحت الانتداب الفرنسي، والأردن فصل عن فلسطين، وفصل العراق على حدة، وكذلك دول الخليج ومصر والسودان وكلها كانت تحت نفوذ الاستعمار البريطاني، الأمر نفسه بالنسبة للمغرب العربي الكبير الذي تجزأ وكان أغلبه تحت السيطرة الفرنسية) [٩] . كما عُزِلَتْ البلاد التي لم تدخل تحت الولاية العثمانية حيث عُزِلَتْ إيران على حدة، وأفغانستان على حِدَةٍ، والمناطق الإسلامية في آسيا الوسطى كل منطقة على حدة، والهند على حدة. انتهت خطة التجزئة بالعدد الذي نراه من الدول في العالم الإسلامي، وبالحواجز التي نشاهدها بين أبناء الأمة الواحدة، وقد تكوّنت في كل بلد مع الأيام أنظمة وقوانين خاصة، ودساتير متنوعة، ووُجِدَ في كل بلد أصحابُ مصالح في إبقاء الوضع وإدامته، ونشأت افكار وعقليات وطنية خاصة بكل بلد، ونشأت محظورات عالمية يُحَزَّمُ المساس بها (سيادة الدولة) و (سلامة أراضي الإقليم) و (حرمة الحدود) و (تخطيط الحدود) وعدم التدخل في (الشؤون الداخلية) وإقامة (الدولة العصرية) أو (الاشتراكية) أو (التقدمية) وغيرها مما يكرِّس واقع التجزئة. ومن ناحية أخرى فعلى كلّ بلد أن يُسَيِّرَ أموره حسب إمكاناته حتى ولو سارت الأمور عكس ما هو معقول بالنسبة للأمة الواحدة، فكم من بلد يملك القدرة البشرية ولكنه لا يملك المال، وكم من بلد يملك المال وتنقصه القدرة البشرية، وكم من بلد يملك الإمكانات الاستراتيجية ولكنه لا يملك المال أو البشر، فمثلاً: (أكثر من ثلثي الأراضي العربية الصالحة للزراعة تقع في خمسة أقطار عربية، ... ومعظم النفط العربي يكمن في خمسة أقطار عربية، وإن ثلاثة أقطار عربية يتركز فيها أكثر من نصف سكان الوطن العربي، وإن عشرة منها يتركز فيها ٩٠% من السكان) [١٠] . هذا على نطاق العالم العربي فما بالك بالعالم الإسلامي. لقد كان الأمر يسيراً في البداية ولم يكن يسيطر واقع التجزئة على العقول بل كان يُنْظَرُ إليه على أنه حالة طارئة، ولكن في الوقت الحاضر أصبح الواقع يحظى بالقبول من الكثرة الأكثرية ويشكل الأساس في الفكر وفي الحياة الواقعية. وفي الختام فإن تنمية الوعي بأهمية وحدة المسلمين كما يأمرهم الإسلام هي النقطة الأساسية الأولى في سبيل التغلب على الواقع. لقد نقلتهم الإقليمية من القوة إلى الضعف ومن الغنى إلى الفقر ومن الأخوة إلى العداوة (كم هناك من الخلافات حول الحدود قابلة للانفجار في أية لحظة) . وستجعل لهم الوحدة مكانة متميزة بين الأمم، وستوفر لهم مجالات أرحب للتنمية. وعلى كل حال فإن الواقع يفرض أن يقتصر الحديث في هذه المرحلة على التكامل الاقتصادي، وإنشاء سوق إسلامية مشتركة، والتقارب عن طريق المنظمات الإسلامية وأن شحَّت فاعليتها إلى أكبر حد ممكن. كما ينبغي أن تيسر تنقلات المسلمين فيما بين دولهم، ومن الأهمية بمكان وجود تكامل سياسي يدعم معنوياً ومادياً ويساعد على حل الخلافات بين دول العالم الإسلامي.

стр. 1482

عودة إلى المعرفة محمد بن حامد الأحمري هل من المناسب أن نكتب عن التعلم والقراءة في الوقت الذي يشهد العالم فيه نهاية دولة مسلمة، وإلغائها من الأرض ودفن كل المعالم التي قد تشير إلى مكانها في قادم الأزمان؟ تكتب صحف العدو على صدر صفحاتها (وداعاً البوسنة) ويقولون عن خطة الغدر التي كتبها أوين وفانس: (لقد أصبحت حبراً علتى ورق) على رغم كونها مأساة، فقد سلبت المسلمين أرضهم، ولكن تدهور الموقف فيما بعد جعل المسلمين يتمنونها. نكتب عن هذه القضية لأن الجهل أنشب مخالبه في عقول وقلوب المسلمين؛ في جامعاتهم ومدارسهم وكل مرافق حياتهم، حتى إذا أرادوا أن يهربوا من الجهل فروا إلى الحصول على الشهادات فزادتهم عماية وضياعاً وغروراً بجهلهم. ولا بد قبل الاهتمام بالمعرفة من الاعتراف بالجهل؛ وذلك بعرض بعض مظاهره عندنا. إعادة سبب مصائبنا إلى البعد عن الدين والعلم - وهما في ثقافة المسلم متلازمان - تفسير صحيح لما حل بنا، تفسير يقوله العدو والصديق، يقوله الثعالبي عند خروجه من تونس، ويرى الحل في المدارس الشرعية، ويرى أهميتها قبل القتال، ويرى ذلك محمد علي السنوسي عندما كان عائداً من الحجاز في طريقه إلى تلمسان بالجزائر، وجد بلاده قد وقعت تحت أيدي الفرنسيين ولا يستطيع العودة إليها فيبقى في برقة يعلم الناس ويحثهم على التعلم، ويتابع إنشاء الزوايا السنوسية، ومن أهم أهدافها التعليم. ولمس هذا السبب كل من اتصل بهموم الأمة وقضاياها من رجالها أو من أعدائها، فكتب الرحالة الغربيون وهم طلائع الاستعمار؛ كتبوا بكل سخرية واستصغار عن الجهل وترسخه في بلاد المسلمين. وكتبوا عن الخرافة والكرامات والقبور التي لها مكانة خاصة عند أصحاب المدن، ويتعجب من إيمان بعض المسلمين بأن بعض القبور والمشاهد تحكم العالم وتهيمن عليه وهكذا فرق السحرة وجيوش الخرافة. الإعجاب المتناهي بالغريب والجهتل المتناهي به، جعل بعض المسلمين يكتب إلى الحاكم الفاشي الإيطالي موسيليني يخاطبه بحامي حمى الإسلام والمسلمين، ولا نستغرب الذين قالوا أبشع من ذلك أو قالوا لن تتحرر فلسطين (حتى يرفرف فوقها العلم الأحمر) فانضموا إلى حزب راكاح الشيوعي الصهيوني ليحرروا فلسطين من الرأسماليين اليهود وليحكمها الشيوعيون اليهود بدماء الأعراب. أما في البوادي فكان الحال أشنع فليس غريباً أن يقف أعراب سيناء مع الإنكليز ضد الثوار المصريين مقابل الذهب الذي دفع لهم، ثم اكتشفوا وبعد مناصرة بريطانيا أن الذهب الذي أعطي لهم كان مزيفاً (صفراً) . وأعراب العراق كانوا يتلقون الأوراق التي تلقيها الطائرات البريطانية والتي تحتوي تعليمات أو تحذيراً أو أوامر لهم، فيظنون أن الطائرة فيها ثقب ولذلك يجمعون الأوراق ليعيدوها لهم لأنهم لا يقدرون على القراءة. وكانت الرسالة تصل القرية فيمر بها صاحبها عدداً من القرى لا يجد من يقرأ له رسالته. وهكذا آل مآل أمة محمد ﷺ الذي قال لهم فيما صح عنه: (العلم فريضة على كل مسلم) [رواه ابن ماجه] ، وتحولت وسائل التعليم والمدارس والجامعات في بلدان العالم الإسلامي إلى مواقع ينتشر فيها الجهل والتقليد، والعمل الإداري الروتيني، والسباق الساذج نحو الشهادات، وترك العلم الذي قيل إنها أنشئت من أجله. فقد أصبح التعليم وسيلة للعيش فقط، والتعلم طريق الشهادة التي تفتح باباً للعيش، وأنىّ للمدرس الذي يحيا هذه الظروف حوله أن يخلص من هذه الكوابيس إلا من رزقه الله إخلاصاً وهمة وحمية لدينه وأمته. إن الجامعات الغربية التي على مثالها أنشئت ما نسميه جامعات في بلداننا تقوم بدور آخر، لا أقول كل جامعاتهم ولكن كثيراً منها يقوم بدور حيوي في حياة أمتهم، فتعلم الصناعات الكبرى تبدأ نظرية وتطبق أولاً في الجامعات، حيث يطلب الجيش الأميركي أو الفرنسي تطويراً لجهاز ما ويتحدثون عن المشكلة الصناعية أو الجهاز الذي يريدون مع أستاذ في الجامعة وسرعان ما يقوم المدرس وعدد من تلاميذه وأكثرهم وللأسف من دول العالم الإسلامي بدراسة المشكلة وحلها، وما هو إلا زمن يسير حتى تنتهي وتتحسن الصناعة وهكذا بقية الشركات وأغلب المؤسسات العلمية العلم عندهم يعني العمل والتطبيق المباشر. أما السياسة عندهم فهي علم يدرس في الجامعات، يدرّسه مهرة يعيشون في موقع القرار في الدولة، أو عايشوا ذلك في الماضي، وهم على صلة قريبة جداً بكل ما يحدث، وما تسمعه اليوم من خبر في وسيلة إعلام قد يكون موضع نقاش ودرس وبحث عن السبب والحل في الجامعة والصحافة، لأنهم كما قالوا: سياستهم علم وسياستنا كهانة. إن الذي صاغ ورقة الحوار ونقاش السلام المصري -الإسرائيلي في عهد السادات أستاذ في جامعة هارفارد، صاغه مع تلاميذه وقسمهم إلى فريقين كل منهم مستوعب لقضيته يطالب بحقه، والمدرس وفريق معه يدرس عملية الصلح حتى إذا تمت الدراسة ونجحت الفكرة طبقت على المتحاورين الإسرائيليين والمصريين، ولم يجدوا صعوبة إلا مع الجانب الإسرائيلي؛ لأن (بيغن) لم يكن يقطع برأي حتى يشاور حزبه والكنيست، أما السادات فيقول عنه (كارتر) إنه كان يعيد الأوراق موقعة وبسرعة، حتى أن فريق السادات الذي كان معه لم يكن يقرأ أوراق المعاهدة هكذا قال عنه كارتر في كتاب (دم إبراهيم) . وهكذا بإمكاننا نقل الأسماء والمصطلحات والاشكال والطقوس الجامعية أو البرلمانية، ولكن المضمون يبقى غريباً عنا فالجامعة عندنا مكان نحصل منه على شهادة ولو كاذبة، والمدرس في أي المستويات بعد حصوله على الشهادة يطلّق العلم طلاقاً بائناً، ويكرهه ويكره ذويه، ذلك أن مقتضى الترك له البعد والكراهة. والبرلمانات مكانة اجتماعية يتسابق الناس لها وليس لها تبعات ولا اعتراضات بل أدوات زينة وديكور بلا قرار، يندر فيهم الدارس الجاد لمشكلات أمته الباحث عن الحلول، ولقد قالت زوجة بوش تصف زوجها يوماً: إنه رجل دراسة لما كان ينفق من الوقت في قراءة ما يصله، وعندهم للأسف أمثلة من رجال السياسة والمعرفة ما لا يوجد له قرين عندنا في زمن الانحدار، إذ لا يمكن أن يهدي أمته جاهل أو ينتصر لها. ولقد كان العلم دائماً رفيق الغلبة والجهل قرين الهزيمة، لم يكن بعيداً أن ينتصر صلاح الدين وابن هبيرة يتنقل معه بعلمه وكتبه في الخيام من جبهة لأخرى، وليس غريباً أن ينتصر الشيخ شامل في داغستان على القياصرة ومعه مكتبته تحمل على الخيول. ويلخص أحد المؤرخين الغربيين انتصارهم على المسلمين في بداية المرحلة الاستعمارية علينا نحن المسلمين أن عندنا جهل وشجاعة وقصر نَفَس وفساد نظام، وعندهم علم ومثابرة وجد متدرج فغلبوا. يقول: (يقهر علم الغرب ومثابرته تدريجياً شجاعة أهل الشرق وفساد نظامهم) [١] . وبعد الإشارة إلى هذه المظاهر يأتي الحديث - بإذن الله - عن بعض وسائل الخلاص. ... ... ... ... ... ... ... ... ... - يتبع -

стр. 1483

البيان الأدبي مقدمة في بناء الرواية (القسم الثاني) [*] د.مصطفى بكري السيّد -٤- لا يأتي الباحث بدعاً من الرأي إن قال بأولوية زمانية وفنية للقصة القرآنية بوصفها الجذر الفني الذي استولدت منه القصة الحديثة سواء في الشرق أو الغرب، ولا بأس أن نردد مع إحدى الدراسات قولها: (يبدو أنه قد آن الأوان لكي نقول أن القصة القديمة أشد ظهوراً في القرآن الكريم منها في أي موضع آخر) [١] . ولئن سبقت قصة التوراة قصص القرآن، فإن التحريف الذي أملته أهواء أهل الكتاب جعلت العقول المؤمنة تمجّ القصص التوراتية لما (فيها من مخالفة قواعد العلم، وقوانين التربية، وهي تذكر الله ورسله بما يأباه العقل وتشمئز منه النفس، وماذا أكثر من أن يوصف الله بالندم والبداء (أي تبدو له الأمور وكأنه يجهلها، والظهور بصور البشر - تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً - وأن يوصف الرسل بالكذب والسكر والزنا) [٢] . كما نجد في القصص التوراتي (هيجاناً جنسياً لا يتورع عن استباحة أخس الوسائل لتحقيق الاتصال الفاجر حتى بين النبي وابنيته كما يزعم (سفر الخروج) في شأن لوط، وكالذي يطالعنا في بعض تلك الأسفار عن اتهام داود، باقتراف أحط الجرائم في سبيل السطو على زوجة أحد رجاله) [٣] . ماذا ترك التحريف في الكتاب المقدس (للأدب اليوناني الذي يعد المنبع الأول للأدب في شطريه الإباحي والوثني؟ وما هي العلاقة بين القصة الأوربية - بوصفها أصدق امتداد مضموني للإباحية والوثنية - والكتاب (المقدس) (*) في وضعه الحالي المحرف؟ إن هذا التساؤل يذكر بقالة قرأتها لبعض علماء المسلمين في تنظير العلاقة بين أوربا ودعوة المسيح ﵇ (إن أوربا لم تتنصّر، ولكن المسيحية تأوربت) . وأياً كان الرأي المضاد لهذه الأولية - أي أولية القصة القرآنية الزمانية والأسلوبية، إن كان من أهل النصفة - أن ينكر أن القصة القرآنية كانت بمضمونها وأسلوبها؛ ولا تزال نقطة مضيئة في مسيرة هذا الفن، وأنها في الشكل والأسلوب لم تكن عبر الحروب الصليبية في المشرق والأندلس غائبة عن التأثير والتأسيس لهذا الفن في الأدب العربي. - ٥ - وليس غريباً أن تتقدم قصة موسى ﵇ سائر القصص القرآني سواء لجهة المكان الذي شغلته من صفحات المصحف الشريف، أو المكانة التي تبوأتها عند العلماء، أو لخطورة الفئتين اللتين واجههما موسى حيث كانت إحداهما فئة ممعنة في التكبر والطغيان (فرعون وملؤه) وأخرى استمرأت الذل والتبعة والاستضعاف (بنو إسرائيل) [٤] . هذه القصة وإن كانت تتمحور حول حدث من الماضي، فهي قادرة على تحريك الزمن، ومن ثَمَّ الملتقى في كل اتجاه، بوصفها بنية عقدية تشريعية، تربوية، تاريخية، زمانية، مكانية، أداتها اللغة، وقراؤها لأداء العبادة في الصلاة والتلاوة تعلماً وتعليماً، يعدون بمئات الملايين، فمن حق هؤلاء أن تكون بين أيديهم قراءة واعية وعميقة للقصص القرآني عموماً، وقصة موسى ﵇ على وجه الخصوص، بحيث تضاعف هذه القراءة - الدراسة - فهم المسلم وغيره لمقروئه، لأنها ليست قصة فرد أو قصة أمة (بل قصة البشرية جميعاً) [٥] . فالمسلم يدرك بتأمل القصص القرآني عموماً أنه سليل أمة متميزة بعقيدتها ضاربة بجذورها في أعماق التاريخ، قادتها الأنبياء، وهويتها العقيدة، [إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ] [الأنبياء ٩٢] ، [وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ] [المؤمنون ٥٢] ، ويدرك خصوصاً أوجه الشبه بين دعوة رسولنا محمد ﷺ وأخيه موسى ﵇[٦] ، فيعلم ديمومة المعركة، وأن شرف الجندية لخدمة هذه الدعوة المباركة من أعظم ما صرفت فيه الأعمار [ومَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إلَى اللَّهِ وعَمِلَ صَالِحاً وقَالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ] [فصلت ٣٣] . أين كتاب وأدباء المسلمين من دراسة القصة القرآنية التي يجب أن تتم ابتغاء تحقيق أكبر محصول عملي من قراءة المسلم القرآن وصولاً إلى الفهم الحقيقي الشامل لخطاب الله ، وتأسيساً لمعرفة قرآنية إسلامية تعطي النص الإسلامي دوره المطلوب في تشكيل القول والفعل والقول في دار الإسلام؟ ... إنني أكتب هذا الكلام (لأذكر بأن رسالة الأدباء والمفكرين في هذه المرحلة في بلادنا ليست هي دور (المَوالي) (بفتح الميم) لثقافة وآداب وصيغ وشعارات أوربا شرقاً وغرباً) [٧] . وكم يؤلمنا عندما يتشبه قلة من كتابنا (بالمستشرقين والملاحدة) فيستشهدون بالآيات الكريمة من غير اعتبار خاص ويشيرون إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - من غير تمييز [٨] . إن دورهم الحقيقي يكون في انسجام إبداعهم الأدبي مع عقيدة الأمة وتجربتها العميقة ورحلتها الطويلة، ولكننا نلاحظ بعض الغياب بين الدراسات القرآنية والدراسات الأدبية، التي كانت سالكة في الاتجاهين، وكانت خيراً عميماً للجانبين، أما الآن فإذا تقدمت كمَاً تراجعت كيفاً، وإذا برز مفكرون متمكنون، نرى آراءهم تعْليباً جديداً لأفكار المعتزلة، وهم مستعدون على أمتهم بالمناهج الغربية [٩] . إن هذا الغياب عن ساحة الدراسة الجادة للقصة القرآنية آثار تعجباً وتساؤلاً لدى بعض الكتّاب فقال: (عجبت أن لم يلتفت إليها (القصة القرآنية) أحد من نقادنا ثم ما لبثتُ أن قمعتُ هذا العجب، فمنذ متى يهتم نقادنا بديننا أو تراثنا؟ إنما كل همهم أن يلووا ألسنتهم بلغة غير لغة بلادهم، وينسبوا أنفسهم إلى أدب غير أدبهم وحسبنا الله ونعم الوكيل) [١٠] . وإذا كان هذا موقف أكثر المعاصرين فإن مجهودات الأقدمين على جلالتها في خدمة التفسير عموماً فقد حجب سحاب الإسرائيليات اللجب جماليات القصص القرآني أحياناً كثيرة، كما تمحور كثير من دراسات السابقين حول المفردات والتراكيب دون التمكن من تشييد فضاء واسع يتجلى في منظومة متكاملة تكون أكثر عونا للقارئ لتمضي به نحو فَهْمٍ شامل وكامل للقصص القرآني، وبعضها كان يجهد في غير عدو ويعمل في غير معمل، عندما (يشغلون أنفسهم ويشغلون الناس معهم بالبحث عن النملة، وهل هي ذكر أم أنثى، وعن الموضع الذي كانت فيه مملكتها، واسم الوادي الذي قامت فيه تلك المملكة.. ثم اسم النملة إي والله اسم النملة) [١١] . لقد أدان ابن تيمية ﵀ هذا الاتجاه - عند المفسرين - الذي يأتي على حساب النص لا لحسابه فيقول: (لا خير فيما لم يذكره القرآن، كالبعض الذي ضرب به موسى الغلام، والغلام الذي قتله الخضر ما اسمه..) [١٢] ... يكفي القصص القرآنية فضلاً ومكانة اختيار الله لها لتكون موضوع إحدى سور القرآن الكريم الطويلة [١٣] ، أو بعض موضوعات تلك السور، ولتكون صورة للوجود المثالي للإنسانية متمثلاً بالأنبياء ونموذجاً للعلاقة بين ... الإنسان والكون وبارئه ، وبياناً لمنهج العيش مع أفراد الأسرة البشرية من مؤمنين وكافرين ومنافقين. ويكفي هذه القصة أن تحمل إلينا صيحة أطلقتها نملة - نعم نملة - فكرة - وأن هذه الصيحة تبالغ مسامع سليمان ﵇، لو أن قاصاً معاصراً - غربياً على وجه الخصوص - أفسح للنملة في صفحات قصته مكاناً لسدت الأفق إشادات النقاد بهذه اللفتة الإنسانية لهذا المخلوق الضعيف! ! [الَذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ] [الحجر ٩١] ما كان لهم أن يرتقوا إلى سمو القرآن وأفقه الرحب. تتساءل إحدى دراسات الرواية العربية (كيف يمكن أن تنتظم العلاقة بين السماء والأرض أو بين الله والإنسان، بحيث يمكن أن تسير الحياة في إيقاع منسجم في جميع مراحل الحياة؟) [١٤] . إن وجودنا في هذا العالم وحياتنا فوق هذا الكوكب من صنع [رَبُّنَا الَذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى] [طه ٥٠] . وإن الله سبحانه قد هيأ لهذا الإنسان - فضلاً منه ومنّة - كل أسباب العيش الرغيد والوجود المتوازن، والقصة القرآنية باستعراضها النماذج المختلفة لما كان لينسج على منوالها ما يكون ولما فات ليبني على منوالها ما هو آت. لا ندعو إلى استعادة آلية للماضي، ولا إسقاطه على الحاضر دونما مراعاة خصوصية كل عصر أو مصر، بل ما نريد أن نستحضره في كتابة الأدب وقراءته ونقده جوهر الحياة التي يريدها القرآن. ولعل في الأسطر السابقة إجابة على تساؤل الناقدة والدراسة المتعمقة..

стр. 1484

شعر سراييفو يا.. مدينة المساجد إبراهيم داود سراييفو ماذا تبقّى لديكِ؟ وماذا لديّ؟ اعذريني فليس لديّ سوى جَسَدٍ مُثْخَنٍ بالجراحِ، وقَلْبٍ مُدَمَّى وحُبٍ كبيرٍ، وإِرْثٍ دفيْن اعذريني إذا صار لونُك لونَ الرَّمادْ وشَبَّ الحريقُ هنا وهناك، وعمَّ الحدادْ اعذريني فليس لديَّ سوى أوتارِ قلبي، وَذَوْبِ فؤادي، وزَيْتِ عيوني وأنّي سأبقى على العهد مهما تَجَّرعتُ مُراً وَصَابا ومهما لَقِيُت على القرب والبعد فيك عذابا.. سأبقى ولو أنّ أهدابَ عينيك أضحتْ حِرابا سأبقى وأَدْفِن ما بين عينيْكِ وَجْهي لأِشمَّ طِيبَ رجالٍ يموتون مثلَ الرِّماحِ شبابا وأبقى يَسُدُّون بيني وبينكِ باباً، فأفتح بابا * * * سراييفو كنّا رفيقيِّ عذابٍ طويلٍ طويلْ وَصَبْرٍ جميلٍ جميلٍ جميلْ وَرِحْلَةِ بحث عن الضوِء والدِّفء، والممكنِ المستحيلْ شقينا سَوِيَّا، شَبِعْنا وجُعْنا وعند اشتداد الظلامِ افتَرَقْنا وضُعنا وكانتْ رياحُ السَّمُومِ تُشَّتِتُ خَطْوي وكنتُ أواصِل زَحْفي إليكِ بِرَغْم عذابي، وَرَغْمِ عِثاري وفي زَحْمَةِ الزَّحف والخوف بيني وبينك كانتْ تموتُ المسافاتُ كالأُمْنِيات وكنتُ أراكِ كَشَمْسِ النهارِ * * * يا سراييفو! أيتها الشهيدةُ الشاهدة! أيتها المجاهدة! أيتها الغريبة! أيتها البعيدةُ القريبة! يا دُرَّةَ البلادْ، يا حَبَّةَ الفؤاد " يا مدينةَ المساجدْ.. " وأنّةً مكتومةً في صدرِ كُلِّ راكعٍ وساجدْ يا كوكبَ الضياء، يا كَوْثرَ الدُّنى يا حُزْمِة السناء والسنى يا بُؤرةَ الآمالَ والآلام والمنايا والمنى أَذِّني وأكثري من الدُّعاء وكبِّري وسبحي لخالقِ السماء تأَلَّقي وأشرقي في الصيف والشتاء توهَّجي وأحرقي في الصبح والمساء واصبري وأَبْشِري ففي غدٍ سيطلع النهارْ وفي غدٍ ستلبسين ثوبَكِ الجديدْ وتطلعين من وراء ذلك الرُّكامْ.. بَهيَّةً كأنكِ القمرْ ويكتب التاريخُ في دفاترِ الأيامْ تاريخك المجيدْ: سراييفو ملحمةُ الجهاد وقصةُ الإباءِ والظَّفَرْ

стр. 1485

شعر مغامرات هر فيصل محمد الحجي يعيش في بيت الشاعر هر أليف..غاب هذا الهر عن المنزل شهراً كاملاً ... على غير عادته.. وفي يوم من الأيام سمع الأطفال مُواءهُ على الباب فخرجوا ... متصايحين متدافعين ليفتحوا له الباب.. وخرج الشاعر يستقبله ويسأله: ... ... ... ... ... ادخل رعاك الله يا هرُّ ... طال الغياب وفي الجوى جَمْرُ فارقتنا شهراً.. وما أَلِفَتْ ... نفسي فراقاً طوله شهر..! ماذا دهاك؟ وهل لقيتَ أذىً ... حتى تركتَ البيتَ؟ ما السرُّ؟ * * * أَتُرى وقعتَ بحب شاردةٍ ... حسناءَ في ألحاظها أسر؟ صادفتَها عند الرصيفِ وقد ... مالتْ.. فمال القلب والثغر ماءتْ.. فَمُئْتَ ودار بينكما ... همسٌ ... وهمس كِلَيْكما جهر فَمَشَتْ. وسِرْت وراءها وَلِهاً ... وبشائر الآمال تفترّ ألفيتَها في بيت سيّدها ... كحمامةٍ يصطادها نسر حتّى إذا ملَّتْ.. وقد وَجَدَتْ ... منك الفتورَ.. تحطّم الجسر طردتْك زاهدةً.. فعُدْت لنا ... لولا الجفا.. ما عُدْتَ يا هرَ * * * أتُراكَ كنت بقصر ذي نَشَبٍ ... رجلٍ كريمٍ مالُهُ وَفْرُ ووجدتَ أصنافَ الطعام فلا ... بُخْلٌ يقترها ولا حظر شتّان بين فُتاتِ مطبخنا ... الخاوي وما يُلْقي به القصر كم لاطفوك وأنت مغتبطٌ ... جذلانُ لا ضربٌ ولا نهر وتنام فوقَ سرير سيّدةٍ ... يحنو عليك بدفئه الصدر حتى إذا رحلوا بنعمتهم ... أَضْحَتْ همومكَ ما لها حصر والجوع أبدى ناجذيه فلا ... لحمٌ تفوز به ولا فأر فذكرتَ عند الجوع مطبخَنا ... لولا الطوى ما عُدتَ يا هرّ * * * أَتُرى مواءك كان مرتفعاً ... رَفْعُ المواءِ نتاجه ضرّ ولربَّما بعضُ المواءِ له ... معنىً يُسيء لمن له الأمر وضعوك في زنزانةٍ غضباً ... ضاقتْ عليك كأنّها قبر قد ذقتَ ألوانَ العذاب بها ... فاليومُ ضِمْنَ سجونهم دهرُ حتى إذا اكتشفوا البراءة من ... فحوى غبائكَ وانتهى الجورُ فكوا قيودك ثُمّة اعتذروا ... فشكرتَهم وتكررّ الشكر تلك السجون حَبَتْكَ حكمتها ... أنّ المواءَ بأرضنا كفر لو كنتَ مثلَ خروف جارتنا ... لسلمتَ لم ينزلْ بك الضيْرُ أُنظُرْ إليه في سعادته ... يغفو.. ويسترخي.. ويجتر كم علّمونا في مداجنهم ... أنَّ السكوتَ على الأذى تِبْرُ ورجعتَ غيرَ مصدِّقٍ أبداً ... لولا الدُّعا ما عُدْتُ يا هرّ * * * أتراكَ أغضبتَ المرور هنا ... ومررتَ قسراً حينما مرّوا وشرعتَ (بالتفحيط) لم تحفِلْ ... بإشارة التنبيه تحمرّ وضعوكَ في سجن المرور وقد ... طال المُقام وضامك الأسر وعزاءُ من يُلقَى بفندقهم ... أنّ المرور سجونُهُ حَشْرُ ونَسُوك.. لا همُّ يؤرّقهم ... مَنّ أنت؟ لا شأنٌ ولا قَدْرُ لو كنتُ أعلم جئت ملتمساً ... ودعوتُ أصحابي وهم كُثْر ليوسِّطوا ذا الشأنِ صاحبهم ... فبهاتفٍ يتضاءل الوزر مَضَتِ الليالي لم يَبِنْ أَمَلٌ ... وكأنّ ليلك ما له فجر وَجرَتَ دموعُك في محاجرها ... ممّا جرى.. وتبدّد الصبر نظر الرقيب وقال حكمته ... وحنا عليك فناله الأجر: اثنانِ لا تخرِقْ نظامهما: ... الدّينُ -يا فهمانُ- والسَّيْرُ ورجعتَ نحوَ البيتِ منطلقاً ... لولا الرضا ما عُدْتَ يا هرّ * * * أَتُرى غدوتَ تهيمُ في كرةٍ ... جوفاءَ حيث الكرّ والفرّ كرةٍ بها الأنظار عالقةٌ ... فَهُمُ العبيدُ وطيشها حرّ حَمِيَ الوطيسُ وثار ثائرهم ... فكأنّها اليرموكُ أو بَدْرُ شَغْبٌ وتصفيقٌ وهمهمةٌ ... في جوِّها الغوغاءُ قد سُرّوا حتى إذا انتصر الفريق طَغَتْ ... حُمّى الجنونِ وعربد الفخر وحماسة الجمهور ترجمها ... صَدْمٌ وضربٌ فيك أو عَصْرُ ورماك تحت نعالهم أَلَمٌ ... وإصابةٌ في الرأس بل عشر واستقبل الإسعاف ما حملتْ ... سيارة الإسعاف و " المكرو " وبقيتَ شهراً في معالجةٍ ... إنّ العلاج أقّله شهر.. ورجعتَ نحو البيت منكسراً ... لولا الشفا ما عدتَ يا هرّ * * * أَتُرى ذهبتَ إلى المطار وقد ... أغراكَ ما يلغُو به السَّفْرُ عن بلدةٍ في الأرض قاصيةٍ ... لكنّها للمشتهي شِبْرُ.. فاض الجمالُ على شواطِئها ... ومِنَ الفنادقِ يشرقُ السحر فحِسانُها في ساحها بحر ... وطريقها بحسانه نهر دوّى برأسك بعض ما وصفوا ... والغِرُّ بالأهواءِ ينجرّ فحشرتَ نفسك في زحامِهمو ... وصعدتَ مستتراً فلم يَدْرُوا وجلستَ بين (العفش) مختبئاً ... والحرُّ يصبر حين يُضْطَرُّ واستقْبَلَتْ (بَنْكوكُ) فارسَها ... ومشى بها فانتابه كِبْرُ حَلُمَ الغبيُّ بأنّ مغنَمها ... سَهْلٌ وأنّ عسيرها يُسْرُ سينال شهوتَهُ بلا حَرَجٍ ... فهناك لا نَهْيٌ ولا زَجْرُ * * * وَقَفَتْ أمامك هرةٌ تزهو ... بجمالها وسلاحها مَكْرُ فكأنَّ شعر جبينها زهرُ ... وكأنّ دورةَ وجهها بدر ماءتْ فلم تَفْهَمْ.. ومُئْتَ فما ... فَهِمَتْ.. فغاض بوجهك البشرُ " وتعطّلتْ لغةُ الكلام " فلا ... نثرٌ يوضّحها ولا شعر نَظَرَتْ إليك فأبصرتْ ذَكَرَاً ... لا المالُ يرفعه ولا الذِّكْرُ ورأت وِفاضَكَ خالياً فَأَبَتْ ... أَنْ يعترِيْها الفقرُ والعُهْرُ لو كنتَ مِنْ أهلِ الثراء لَمَا ... ضَنَّت عليك ونالك الخير ما تبتغي بالفقر في بلدٍ ... أجواؤهُ وتُرابُه فقر قد أرخصوا أعراضهم طلباً ... للأصفر الرنّان كي يُثْروا فارحلْ فلا وَطَراً قضيتَ ولا ... شَرَفٌ يعزُّ بمثلهِ الحرّ ورجعتَ.. بل هم أرجعوك لنا ... لولا العصا ما عدتَ يا هرّ * * * يا هرّ لي رأيٌ أبوح به ... فاسمع فإنّك جاهلٌ غِرّ.. سر في المكان أو الزمان كما ... تهوى.. مداك الكون والدهر واسْبرْ غوامضَها وقاصيَها ... وانْظُرْ بما يأتي به السبر ستعودُ يوماً ما لِتخبَرنا ... أَنَّ الحقيقةَ ما لها سِتر التائهون لدى الخنا كُثُرٌ ... لكنّهم عند القنا صفر قد نكّسوا راياتِ أمّتهم ... لا (خالدٌ) يغزو ولا (عمرو) قد آثروا الخضراءَ في دِمَنٍ ... فكأنّ نَتْنَ فجورها عِطر تلقاكَ تسقيك الهلاكَ كما ... لو تلتقي السكينُ والنحرُ هذي هداياها تهاجمنا ... " الإْدزُ " والأفيونُ والخمرُ أين الحرائر قد سَمَتْ نسباً ... والحُسْنُ يكسوهنَّ والطُّهْرُ تُبدي الوفا والخبزُ بُلْغَتُها ... والزيتُ والزيتونُ والتمرُ أين البطولةُ في معاركنا ... وعدوّنا مستأسدٌ يَضْرو ساحاتها طِرْسٌ نسطّرهُ.. ... ودماؤنا لسطورها حِبْرُ سترى إذا عهد الصبا ولّى ... وبدا خريف العمر يصفّر وَغدتْ عروضُ البيع كاسدةً ... في السوق.. لم يُدْفَعْ بها سِعر وتهاوتِ الأوهامُ زائفةً ... وأتى النذير وأَمْرُهُ الأمر: أنّ الندامةَ لَسْعُها جَمَرُ ... أنّ الخطيئةَ طَعْمُها مُرّ.. طاشَتْ سهامُك هاهنا وهنا ... عَبَثاً رميتَ وأُفْلِتَ الطيرُ وتمزّقت منك الدّلاءُ.. فلا ... ماءٌ يبلّلها ولا قَطْرُ.. وبقيتَ في تيهِ السرابِ.. له ... قَفْرٌ وخلفَ قِفاره.. قَفْرُ مَنْ ذا الذي يَهْدي خُطاك إلى ... برّ الأمان.. وقد مضى العُمْرُ العمرُ مثل البئرِ تنزله.. ... والموت يحفظه لك القعر.. * * * ُدخل هداك الله يا هرّ ... أرأيتَ أنّك جاهل غرّ؟ * * *

стр. 1486

التعليق الثقافي أحدث اكتشافات عصر الانحطاط المعاصر (اللغة التونسية) - المحرر الثقافي - منذ أمد طويل والمعارك تُشَنُّ بعض المعارك، واللغة العربية الفصحى هي ... المستهدفة في تلك المعارك، وأمّا أعداء اللغة العربية الفصحى فهم كالبعوض كثرة وأذىً لا يكتفون بما لديهم من جراثيم بل يستوردون وينقلون الجراثيم الخارجية ليزداد السوء سوءاً، واستيراد المؤذي والضار ليس أمراً جديداً، وإنما عرفه حُمَاة اللغة العربية الفصحى منذ القديم، وكان فريق الأعداء مكوناً من الأعاجم الشعوبيين بالإضافة إلى عملائهم الذين هم أكثر منهم ضِعَةً وانحلالاً وتآمراً وأذىً، لأن العدو الداخلي أخطر من العدو الخارجي لتمكنه من نسف البناء من الداخل. ذهبت القرون تلو القرون، وانقرضت طبقات وطبقات فخلَّف أنصار اللغة العربية الفصحى ميراثاً نزيهاً تفوح منه عطور الإخلاص والأمانة، أما الأعداء فخلفوا ورائهم روائح الخيانة العفنة النتنة. رفع راية العداء في العصر العباس أعاجم شعوبيون ومجوس، وتتالت القرون، ومرَّ ما يسمى عصر اليقظة، وهو عصر السُّبات العميق، وأعقبه ما يسمى عصر النهضة - زيفاً وبهتاناً - لأنه عصر الغيبوبة والخدر، ومصداق ذلك ما آلت إليه الثقافة العربية التي قُلبت رأساً على عقب، فحلّ الهجين محل الأصيل، والعميل محل الوطني، والخائن محل المخلص، والجاهل محل العالم، والكافر محل المؤمن، والغبي محل الذكي، وعديم الشعور محل الشاعر، والمغفل محل النبيه، والأصاغر محل الأكابر، وزُوِّرت الأسماء والصفات فأطلق على الأوضاع الشاذة مصطلح (عصر الحداثة) ! ! في عصر الحداثة سُنَّت الحروب على اللغة العربية الفصحى، فرُفِعت بيارق اللهجات العامية الضحلة في أكثر من قطر عربي، وبلغ البعض أسفل درجة من الانحطاط فدعوا إلى استخدام الحروف اللاتينية محل الحروف العربية، واتخذوا مما نفذه يهود الدونمة نبراساً يهتدون به. إن سبب إعلانات الحروب على اللغة العربية الفصحى هي كون تلك اللغة: لغة القرآن الكريم، ولغة السُّنة النبوية، ولغة التراث الإسلامي بشكل عام. فإذا ما هُزِمت تسهل هزيمة ما تحتويه من تراث مشرف، فاللغة كالإناء إذا كسر ضاع محتواه. لم تتوقف أنواع المعارك، كما لم تقتصر على الدعوات إلى العامية، واستبدال الحروف، وإلى آخر ما هنالك من جِيَفٍ فاحت عفونتها من مصر وسوريا ولبنان والعراق والجزائر. لعل الغريب أتى هذه المرة من تونس الخضراء، وذلك بالدعوة إلى الاهتمام باللغة التونسية، نعم اللغة التونسية، وربما يدعون إلى القومية التونسية غداً، والدين التونسي (البورقيبي + ورثته) بعد غد. لقد تضمنت أخبار الثقافة - خبراً تقشعر منه أبدان الذين ما زال عندهم بقية باقية من غيرة وحياء. وهذا هو الخبر: تونس/ إصدارات كتاب: (الأمثلة الشعبية التونسية) محاولة لتأكيد وجود (لغة) تونسية. ... تونس ١٠/٥/١٩٩٣: يتضمن كتاب (الأمثلة الشعبية التونسية) للأستاذ الجامعي التونسي (الهادي بالغ) مدرس اللغة الفرنسية في إحدى الكليات التونسية، اعتقاداً راسخاً بوجود (لغة) تونسية بعيدة عن اللغة العربية الأم، وقد جمع فيه المأثورات الشعبية المتداولة في تونس معتمداً منهجية دقيقة قوامها تصنيف المأثورات بحسب التوزيع الأبجدي. وفي لقاء مع (وكالة فرانس برس) لم يعتبر المؤلف كتابه شاملاً لكل المأثورات التونسية بل خطوة ستليها خطوات أخرى (موضحاً أن فكرة الكتاب نبعت من تجربته مع صحيفة (لا بريس) اليومية الصادرة باللغة الفرنسية حيث كان يقوم أسبوعياً بترجمة الأمثلة التونسية إلى اللغة الفرنسية. وبعد ما توافر له عدد كبير من الأمثال الشعبية جمعها في الكتاب المشار إليه. وأضاف: إن كتابه (أسس لقيام مُنجد خاصّ باللغة (التونسية) الأمر الذي ... يحمله على الاعتقاد الراسخ - بوجود لغة تونسية بعيدة عن اللغة الأم العربية) . ... وقال: إن (الحديث عن لهجة تونسية على غرار اللهجات العربية الأخرى أمر مغلوط وأوضح: إن (اللغة التونسية) لغة أصيلة يعتمدها أفرد الشعب التونسي في تخاطبهم اليومي) ، وهي حسب رأيه (وإن تعرضت إلى ضغوطات سابقة نتيجة ... الاستعمار، تظل دائماً محافظة على شخصيتها المستقلة، وعلى كيانها اللغوي المتكامل والمتناسق) ، ويؤكد المؤلف أن كتابه (يقيم مصالحة بين الإرث الثقافي في تونس وبين نخبتها المثقفة) ، ويسعى إلى البحث في ثقافات أخرى ولا سيما الفرنسية منها عن مأثورات نظيرة لما وجده في المخزون الثقافي التونسي الأمر الذي استغرقه جهداً كبيراً. وقد أراده قناة تؤمِّن التواصل بين الثقافات الإنسانية في الجنوب والشمال وفي الشرق والغرب. ولا ينكر (الهادي بالغ) وجود مأثورات تونسية شعبية منقولة عن اللغة الأم وهي تُمثل الجانب الأوفر مما هو متداول. كذلك يرى جانباً من هذه الأمثلة متجانس مع بعض الأمثلة الأخرى المتداولة في أقطار عربية أخرى. ويؤكد على أن نسبة لا تَقِلُّ أهمية عن سابقاتها تونسية محضة، وهي من إبداعات التونسي، ومعبرة عن واقعه الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. ويتمنى المؤلف أن يتمكن الكاتب من أن يُطلِعَ التونسي على إرثه الثقافي الثري وأن يتجاوز رواجه الحدود التونسية على غرار شريط الخرج التونسي (فريد بوغدير) (عصفور سطح) الذي حقق نجاحات كبيرة في السنوات القليلة الماضية، ... لأنه ضمنه أمثلة شعوب أخرى متعددة ناطقة بالعربية والألمانية والسويدية والإيطالية والإسبانية. وسيصدر المؤلف الأجزاء الأخرى من (الأمثلة الشعبية التونسية) في مرحلة لاحقة) . *** هذا هو الخبر، اكتشاف بحجم المآسي التي تصفع وجه العالم الذي يدعي الحضارة زيفاً ونفاقاً، ومختصر القول: من تونس لم يأت الجديد، وإنما من هناك فاحت رائحة العداء للغة العربية بعد معاداة الإسلام والمسلمين.

стр. 1487

المسلمون والعالم مأساة البوسنة و (الحل الغربي) رصاصة الرحمة د. علي عبد الرحمن عواض الإجماع الأوروبي الاميركي: لمدة أشهر وأسابيع بقيت الولايات المتحدة تتلاعب بعواطف المسلمين وتدغدغ مشاعرهم بالعزف على وتيرة التدخل العسكري لحماية (ضحايا الإجرام الصربي) ... وتهدد برفع الحظر (حظر التسلح) عن البوسنة حتى يتمكن سكان البلد وجيشه من ... حماية أنفسهم. ظلت أميركا تزيد من حدة وتيرة التدخل العسكري وضرب مواقع ... الصرب.. حتى أوهمت المسلمين الذين لا حول لهم ولا قوة بأن الفرج اقترب، ... وأن الضمير الإنساني لا بد وقد استيقظ حتى كتبت جريدة الاندبندنت في عنوانها الرئيسي [١] : (أوين يستجدي الأميركيين ألا يطلقوا النار) . لكن الأحداث الأخيرة نقلت لنا صورة أخرى فقد وافق الأميركيون أخيراً (ورضخوا للإصرار الأوروبي) ووقعوا على خطة جديدة لحل مشكلة البوسنة ... والهرسك راعت (مشاعر الأوروبيين) وأخذت بالاعتبار الموقف الروسي الموالي ... للصرب. وقع على (مشروع العمل المشترك، كل من أميركا، روسيا، بريطانيا، فرنسا وإسبانيا. بينما وقفت ألمانيا (وهي السند الأصلي لكرواتيا) موقف الناقد ... والمشكك فيما توزعت الدول الأخرى بين مؤيد ومشكك ومعارض. معظم المعارضة جاءت من باكستان وفنزويلا. والخطة الجديدة هي عملية تقزيم جديدة - إن لم نقل إنهاء فعلي - للدولة البوسنوية ولوجود المسلمين في هذا البلد، فالمناطق الآمنة هي جيوب سكانية - مدن وقرى محيطة بها - تقل مساحتها بكثير عن مساحة الأقاليم التي حددها الوسيطان الدوليان - سايروس فانس واللورد دايفد أوين في تقسيمها للبوسنة إلى عشر مناطق عرقية بين المسلمين والصرب والكروات. طبعاً الخطة كان لها وقع الصاعقة على مسلمي البلاد حيث صرح رئيس البلاد علي عزت بيكوفيتش أن الخطة هي (خيانة) لقضية البوسنة والهرسك ودعا شعبه إلى (القتال) لأنه (على ما يبدو فإن الحل الأوحد لإثبات حقنا في الوجود والأرض.. إننى أدعو شعبي وكل المحبين لهذا البلد أن يتوحدوا ويقاتلوا من أجل إبقائه ومن أجل إثبات وجودهم) [٢] . الصرب رحبوا بالخطة ورأوا فيها اعترافاً دولياً (بانتصاراتهم العسكرية) ... ووصفوها (بالواقعية) مشيدين بالرئيس الأميركي على (مواقفه الحازمة) وبأنه ... (سوف يكون رئيساً عظيماً لأنه لم يستمع إلى نصائح محبي الحروب ممن أرادوا أن يقحموا الولايات المتحدة في فيتنام أخرى) [٣] ، كما جاء على لسان زعيم صرب البوسنة رادوفان كاراداجيتش. الكروات بدورهم لم يعلنوا رفضاً أو قبولاً لأن الأمر لا يرتبط بهم كثيراً ولكون هذه الجيوب (مناطق آمنة) في إطار صربي صرف. تهدف الخطة إلى حماية (ستة مناطق) أعلنتها الاتفاقية (مناطق آمنة) . ولا تتعرض لمئات الآلاف من المسلمين تحت سيطرة القوات الصربية والكرواتية أو المشردين في أنحاء أخرى من العالم. كما تهدف الخطة لوضع مراقبين دوليين على الحدود بين صربيا والبوسنة وزيادة عدد الجنود العاملين ضمن قوات الأمم المتحدة لحماية (المدنيين الأبرياء) كذلك وافقت على استمرار الحظر الجوي على البوسنة و (التحرك بسرعة لتشكيل محكمة دولية لمحاكمة مجرمي الحرب والسعي إلى تنفيذ خطة السلام الدولية على مراحل) . المناطق (الآمنة) التي وافقت عليها أوروبا وأميركا وأقرتها الأمم المتحدة لا ... تمتلك من مقومات الاكتفاء الذاتي شيئاً. فالصرب الذين يحاصرونها من جميع جوانبها يستطيعون خنقها متى شاؤوا وبهذا فهي مناطق آيلة للسقوط آجلاً أم عاجلاً للصرب الذين أكملوا المرحلة الأولى من إقامة دولة صربيا الكبرى. المعلقون السياسيون والإعلاميون وصفوا هذه المناطق بأنها: (ليست سوى مخيمات واسعة للاجئين لا تمتلك من مقومات القوة الذاتية شيئاً وتعتمد كلياً على العالم الخارجي لاستمرارية بقائها. لذا فإن سقوطها أمر حتمي) [٤] . تقول مجلة الإيكونومست: إن هذه المناطق الستة (يمكن تسميتها بأي شيء إلا بالآمنة، والمسلمون على ما يبدو بعيدون جداً عن الأمن في هذه المناطق فهي محاصرة مخنوقة من الخارج ومزعزعة من الداخل اجتماعياً واقتصادياً ... على ما يبدو أنه ليس هناك مستقبل للبوسنة (الحكومة البوسنية)) [٥] . ومع أن هذه المنطقة أُعلنت رسمياً (مناطق آمنة) فإن القصف العنيف والحصار والهجوم عليها مستمر - بل بعنف لم يُشهد من قبل - ويبدو أن الأمم ... المتحدة نفذت لديها تعابير الاستنكار لذا لم يكن رد الفعل - بالمستوى - حتى كلامياً. ... الرئيس الأميركي الذي ندد في ٢١ أيار/ مايو بفكرة المناطق الآمنة رافضاً أن يورط الولايات المتحدة في قضية ينتج عنها إيرلندا شمالية أو قبرص أو لبنان آخر [٦] .. عاد فصرح بعد يومين (٢٣/٥/١٩٩٣) وأشاد (بالحل العملي الأمثل ... الذي سيكون الخطوة الأولى والمرحلة لإحلال السلام في البوسنة. واعتبر أن هذه الخطوة هي لمصلحة الشعب الأميركي ذاته! !) (الغارديان ٢٤/٩٣٥) . ... عملياً فالخطوة الأميركية-الأوروبية الجديدة هي إنهاء، وبشرعية دولية، لوجود البوسنة والهرسك كدولة ذات سيادة تتمتع بحريتها واستقلالها وتحويلها إلى مخيمات كبيرة للاجئين يجردون من سلاحهم ويحبسون فيها. الحلول البديلة: كانت هناك بعض المعارضة داخل الولايات المتحدة كتلك التي برزت من الديموقراطيين والجمهوريين الذين صرحوا على لسان نائبهم في البرلمان بوب دول: ... (أن الخطة جاءت لتمحي من الوجود شيء اسمه دولة البوسنة والهرسك) . وقد ... صرح النائب الديموقراطي دانيال باتريك مونيهام: (إننا بهذا نُشَّرع للقتل الجماعي والمجازر.. لم يشهد النظام الدولي ذلاً وعوجاً أخلاقياً لهذا منذ العام ١٩٣٠) . الدول الإسلامية - (بكل ما عُرف عنها في الفترة الأخيرة من حزم وشدة وقرار) - عملت مع (الدول غير المنحازة) على إعداد مشروع قرار هدفه ... (إطاحة استراتيجية الاحتواء للنزاع البوسنوي التي تبنتها الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وفرنسا وإسبانيا في واشنطن في إطار ما يسمى برنامج العمل المشترك) [٧] . ويدعم مشروع القرار استعداد عدد من الدول الإسلامية مثل باكستان والمغرب للمساهمة بقوات ضمن إطار قوة الحماية التابعة للأمم المتحدة في البوسنة والهرسك وذلك لحماية المسلمين شرط (تمكين القوة الدولية من اتخاذ إجراءات لفرض التنفيذ، وشرط ربط حماية المناطق الآمنة في إطار زمني بتنفيذ خطة فانس أوين للسلام لئلا يتكرس الأمر الواقع الذي أفرزته سياسة التطهير العرقي الصربية) [٨] . وقد ... أصدرت منظمة المؤتمر الإسلامي بياناً دعت فيه إلى توسيع قوة الحماية الدولية لتشمل قوات الدول الإسلامية وأعربت باكستان عن استعدادها لإرسال كتيبة من حوالي ٤٠٠ جندي. ورحب الأوروبيون بالفكرة شرط انتقاء دول إسلامية مثل مصر والمغرب والأردن وماليزيا وأندونيسيا وباكستان كرد على بلاغ الأمين العام للأمم المتحدة الدكتور بطرس غالي أن (العجز بالميزانية والقوات يجعل الأمانة العامة غير قادرة على تعزيز الحماية في المناطق الآمنة والذي يتطلب حوالي ١٠ آلاف جندي و٧٠٠ مليون دولار) .. (ودبت النخوة) في أحد السفراء المسلمين في الأمم المتحدة فصرَّح إثر الاجتماع: (إن حجة الأوروبيين - خاصة الفرنسيين والبريطانيين منهم - أن عدم فرض التنفيذ في البوسنة - الهرسك هي الحرص على سلامة وأمن قواتهم العاملة في إطار قوة الحماية الدولية وأمنها، لذا فإن ردنا هو أننا على استعداد لإرسال قواتنا والمخاطرة بأرواح شبابنا في البوسنة (..) ونريد بذلك منع تكرار التذرع بالحرص على سلامة شبابهم (..) فلقد طفح الكيل) [٩] ! ! زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً ... أبشر بطول سلامةٍ يا مربع مناطق آمنة أو خطة فانس - أوين: الأوروبيون والاميركيون الذين وقعوا على وثيقة أو برنامج (العمل المشترك) ... والذي شاعت تسميته (مشروع المناطق الآمنة) علقوا على النقد الذي وجه إليهم بأن خطتهم هذه ليست خطة جديدة بل هي خطوة عملية أولى لتطبيق خطة فانس - أوين التي وافقت عليها الأمم المتحدة. وبما أن المسلمين في وضع (كلما أشرق عليهم يوم ترحموا على الذي قبله) أخذوا يطالبوا بالالتزام الكامل بخطة السلام الأولى والتي وقع عليها رئيس الدولة علي عزت بيكوفيتش، وكان الكروات قد وقعوا عليها مسبقاً ورفضها الصرب رفضاً قاطعاً، بعد أن وقع عليها زعيم صرب البوسنة كارادجتش معلقاً توقيعه بشرط قبول برلمان صرب -البوسنة للاتفاقية وقد أجري استفتاء شعبي للصرب في البوسنة أظهر رفضاً كلياً للاتفاقية. فإذا كانت الاتفاقية تحرم المسلمين من معظم حقوقهم وتعطي للصرب والكروات أكثر مما يستحقون فلماذا يرفضها الصرب. طبعاً الجواب المبدئي هو أن الصرب الذين لا يواجهون - على المدى البعيد أو القريب - بأية قوة توقفهم عند حدهم، يرون أنه لا داعي لأن تتوقف (انتصاراتهم) عند هذا الحد. بل يجب أن يستكملوا مخطط إقامة دولة صربيا الكبرى طالما الظروف العسكرية والسياسية (والإسلامية) ملائمة لهذا المشروع. عرف الصرب من أين (تؤكل الكتف) وكيف. فقد أعدوا إلى جانب القوة ... العسكرية الطاحنة جواً (شرعياً) داخل مناطقهم وبلادهم لتقبل فكرة إنهاء الوجود الإسلامي في هذا القطاع من (أوروبا المتحضرة) . فكارادجتش نفسه شاعر قومي طالما أثار حماسة أهل بلاده بقصائده الوطنية المليئة بالحقد والنقمة على الإسلام وأهله. وأصدرت كنائسهم ورجالات دينهم (الفتاوى) بقتل المسلمين وسبي نسائهم وإبادة أطفالهم وتدمير ممتلكاتهم أو مصادرتها وطردهم منها إلى غير رجعة. الكنيسة الشرقية التي لا زالت تعيش مشاعر هزائمها مع الأتراك المسلمين وجدت الفرصة سانحة للثأر ولإعادة الكرة عليهم. لذا وجدنا أن ناقوس الحرب قد دُقّ في مناطق (أرثوذكسية) أخرى ليلبي أبناؤها نداء الدين في اليونان ورومانيا وروسيا.. حتى وصلت أعداد مرتزقة تلك المناطق عشرات الآلاف ممن جاءوا (ليحموا الكنيسة من الأصولية الإسلامية) . وقد عرف الصرب أيضاً من أين تؤكل الكتف (سياسياً ودبلوماسياً) . فقد ... شاركت وفودهم في المفاوضات من أمريكا إلى بريطانيا إلى.. جنيف باسطين الغطاء على العمل العسكري الذي لم يتوقف يوماً واحداً داخل البوسنة-الهرسك. هكذا يأتي أعداء الإسلام إلى طاولات المفاوضات ورأينا كيف أتاها المسلمون أو من يمثلهم في البوسنة وغيرها. (الحلفاء المخلصون) ؛ الكروات: منذ اندلاع الشرارة الأولى للحرب الشاملة في البوسنة والناس تتداول أخبار الحلف الكرواتي - المسلم في هذا البلد فحيناً يصفه بعض المراقبون بأنه حلف (صادق) وثابت لأن الكروات والمسلمين بحاجة إلى الوقوف في صف واحد أمام جحافل الصرب القادمة من صربيا والجبل الأسود لتدعم كتائب صرب البوسنة ومرتزقتها من روس ويونانيين، جاؤوا ليحموا الكنيسة الأرثوذكسية من (خطر الأصولية الإسلامية) . وحيناً كان (المشككون) يرون أن الكروات يستغلون المسلمين كوقود لمعركة يعرفون أن المسلمين لن يخرجوا منها إلا بخفي حنين خاصة وأن (التجاوزات) التي كان يرتكبها عساكر الكروات كانت تزودهم بالأدلة على صحة ادعاءاتهم، وبعد أن نشرت الصحف الألمانية خطة تودجمان - ميلوسيفيتش [١٠] لتقسيم البوسنة وضمها إلى كرواتيا الكبرى وصربيا الكبرى نشطت الزيارات وكثرت التصريحات لتؤكد أن لا صحة لهذا الادعاء وأن الكروات متعهدين بوعودهم تجاه (رفاق السلاح) و (أصحاب الحق الشرعي) حكومة البوسنة والهرسك. وجاءت الحقائق والأحداث لتدفع بالأدلة وثيقة الخداع والنفاق الكرواتي وتبرز حقدهم وتميط اللثام عن أنياب أبناء الكنيسة الكاثوليكية وحقيقة نواياهم تجاه هذه الدولة الوليدة، فقد أبرز الكروات نواياهم علناً بعد العدوان الخفي المستمر والمتمثل بحرمان جيش البوسنة من الإمدادات التي لا بد وأن تمر عبر الأراضي التي تسيطر عليها القوات الكرواتية مباشرة بعد توقيع الرئيس البوسني علي عزت بيكوفيتش على خطة السلام المقدمة من سايروس فانس واللورد أوين (وهو ما عرف بخطة فانس -اوين) . وقبل التوقيع عليها أعطى الرئيس الكرواتي توجمان اليمين المغلظة لرئيس البوسنة بأن جميع المساعدات على اختلاف أنواعها ستصل إلى قوات الجيش البوسنوي بدون أي عراقيل فور توقيع الرئيس البوسنوي على الخطة. وهذا ليس سراً فقد غطته وكالات الأنباء والصحافة الكرواتية قبل غيرها. ولكن كعادتهم في حفظ العهود، قام أعداء الإسلام الكروات وبتوجيه من رئيس الدولة الكرواتية بهجوم عسكري واسع شمل جميع المدن ذات الغالبية المسلمة التي ضمها الوسيطان الدوليان إلى الجانب الكرواتي. وقد سبق الهجوم تحذير وإنذار من القوات الكرواتية للجيش البوسني والمسلمين بأن (الجيش الكرواتي) ... يجب أن يأخذ السيطرة على جميع المناطق الكرواتية. لذلك لا بد لجيش البوسنة أن يذعن لأوامر قوات مجلس الدفاع الكرواتي، أو يسلم أسلحته أو يغادر فوراً الأقاليم الكرواتية إلى الأقاليم المسلمة (كما جاء في المؤتمر الصحفي للناطق الرسمي لمجلس الدفاع الكرواتي في ١٥/٤/١٩٩٣. علماً بأن الأقاليم المسلمة محتلة بمعظمها من الصرب.. المدن والقرى التي يتحدث عنها الكروات هي مدن ذات غالبية إسلامية، وقد ضمها الوسيطان إلى الأقاليم الكرواتية، ونظرة فاحصة في بعضها يوضح الأمر: ---------------------------------------------- المدينة عدد السكان [١١] مسلمون: كروات: صرب: آخرون ---------------------------------------------- موستار ١٢٦٠٠٦٧ ٣٥% ... ٣٤% ١٩% ١٢% ستولاتس ١٨٠٨٤٥ ٤٤% ... ٣٢% ١٢% ... ٣% يابلانيشا ٦٦٤ ١٢٠ ... ٧٢% ... ١٨% ٤% ... ٦ % كونيتس ٦٣٦ ٤٣٠ ٥٥% ٢٦% ... ١٥% ٤ % ترادينك ٤٠١ ٧٠٠ ... ٤٥% ٣٧% ... ١١% ٧% دوني واقف ٢٣٢ ٢٤٠ ٥٥% ٧% ... ٣٨% ... - غورني واقف١٣٠ ٢٥٠ ٥٦% ٤٢% ... ١% ... ١% ... بوغوينو ٨٣٤ ٤٦٠ ٤٢% ... ٣٤% ... ١٩% ٥% ---------------------------------------------- لم يختلف الكروات كثيراً عن إخوانهم الصرب في معاملة المسلمين في المناطق التي سيطروا عليها أو هاجموها. فقد طبقت القوات الكرواتية سياسة الصرب بحذافيرها إذا لم نقل أنهم (أبدعوا) أكثر في إجرامهم. فسياسة التطهير العرقي وقتل المدنيين الأبرياء وإحراق القرى المسلمة على أهلها ونهب الممتلكات واغتصاب النساء والبنات القاصرات والذبح والتمثيل بجثث الشيوخ والأطفال أو زجهم في السجون وإجبار المدنيين على حفر الخنادق في خطوط القتال مع المسلمين أو استخدامهم كدروع بشرية في المواقع الكرواتية.. من معالم (الوفاء الكرواتي) ... لمسلمي المنطقة. مشاهد وأمثلة: رافق الهجوم العسكري تخطيط لإذابة أي وجود إسلامي في تلك المناطق التي يعتبر المسلمون غالبية في معظمها وذلك من خلال تطبيق الإجراءات التالية: - فرض اللغة الكرواتية في جميع المراحل الدراسية عند المسلمين في الأقاليم التي أصبحت من نصيب الكروات وفرض مناهج التدريس في جمهورية كرواتيا. - إلغاء اسم (جامعة موستار) وفرض اسم (الجامعة الكرواتية بموستار) . - تدمير المساجد (وبعضه ضارب في التاريخ قدماً إلى ما يقارب الـ ٥٠٠ سنة) وإقفال جميع المؤسسات الإسلامية أو ذات التوجه البوسنوي المسلم. وقد نقلت أجهزة الإعلام صور المساجد المدمرة والمآذن المتهاوية شاهدة على المؤامرة الصربية - الكرواتية وخذلان العالم الإسلامي لهم. وقد تزامن ذلك مع حملة الصرب لتدمير المساجد، خاصة الأثرية منها، في بانيالوقه وغيرها.. وقف مراسل التلفزيون البريطاني أمام أنقاض منزل أحرق كغيره من منازل القرى التي هاجمها الكروات وقال: (اعتقد بأن المشهد لا تتحمله أعصاب ... المشاهدين، ولكن لا بد من القول أن ما يحصل هنا أقل ما يمكن وصفه هو أنها حملة لا ترحم طفلاً ولا امرأة ولا عجوز.. إنها حرب ضد الإنسان وحضارته) . استخدمت القوات الكرواتية في جميع الجبهات الدبابات والمدفعية الثقيلة لقصف المدنيين وضرب تجمعات اللاجئين. - يوم ١٦/٤/١٩٩٣ مسحت القرية المسلمة الشهيرة (أحميتشي) في بلدية (فيتيز) بالأرض. وقد نقل شهود عيان - ومنهم أفراد القوات الدولية - أن الكروات أشعلوا النيران في البيوت وأجبروا الأمهات مع أطفالهن والعجائز على القفز من الدور الثاني أو الثالث من المنازل الملتهبة. ثم بدأوا يجربون مهارتهم القتالية بإطلاق النار عليهم وهم في الهواء.. والملفت للانتباه في القضية أن الإعلام الكرواتي أشاع أن المسلمين قاموا بإحراق البلدة وقتل أهلها (بهدف إثارة الخلافات بين المسلمين والكروات) ! ! - أحرق الكروات قرى روتيلويشينيسا وباليز ونهبوها واغتصبوا النساء والبنات القاصرات وأحرقوا المساجد وساقوا أكثر من ٢. ٨٠٠ مسلم إلى ثكنة الجيش بينهم الأئمة والدعاة وأبرز المثقفين في المنطقة لتبدأ معهم سلسلة التعذيب والتقتيل.. الأخوي. هذا غيض من فيض ما نشرته وسائل الإعلام الغربية والعربية وما لم ينشر فحدث عنه ولا حرج. وبالتحديد الاتفاق الذي نشرت تفاصيله الصحف العالمية في ١٦ حزيران ١٩٩٣ حيث توصل الكرواتيون والصرب في مدينة تشيليبيتشي جنوب غرب البوسنة والهرسك إلى اتفاق ينظم عملية نقل السكان واستكمال عملية ... (التطهير العرقي) بينهما بدون إراقة دماء إن سياسة (فكي الكماشة) التي يتعاون الصرب والكروات على تطبيقها لكسر المسلمين تؤكد كلمات الرسول الأعظم - وكل ما قاله حق - (أمة الكفر واحدة) وصدق الله القائل: [ولَن ترْضَى عَنكَ اليَهُودُ ولا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ..] [البقرة: ١٢٠] . صناعة فلسطين جديدة: أوجه الشبه بين مأساتي البوسنة وفلسطين أكثر من أن تعد وتحصى. ففي كلا البلدين نجد أن العصابات والمرتزقة تأخذ بزمام المبادرة لتقوم بحملة شعواء على الأهالي الأصليين في البلاد فتذيقهم أشد التنكيل في عمليات وحشية من قتل وبقر بطون الحوامل من النساء، والاعتداء على الأعراض والممتلكات كتفريغ البلاد من أهلها الأصليين لتهيئتها لقدوم جحافل من مرتزقتهم لتقيم دولة على أنقاض دولة أهل الحق من أبناء البلاد. وفي كلا الحالتين وقف العالم (المتحضر) إلى جانب المعتدِي لأن المعتدَى ... عليه هو الإسلام وأهله. وطبعاً فإن الأمم المتحدة، والتي وجدت لمثل هذه الأغراض، لا يسعها إلا أن تتبنى مواقف الكبار فيها وهم الأوربيين والروس وأميركا، وموقفهم وتاريخهم مع الإسلام معروف. ففي عام ١٩٤٧ لجأت الأمم المتحدة إلى حيلة قذرة لتكريس شرعية الاحتلال اليهودي بتبني قرارات التقسيم لتبدأ مرحلة الحوارات التي لم يحصد أبناء فلسطين إلا مزيداً من الويل والضحايا والضياع. وهل يختلف الأمر كثيراً عندما تتبنى الأمم المتحدة في ٥/٦/١٩٩٣ قرار تقسيم البوسنة (على أن يبدأ بعدها الأطراف الثلاثة مفاوضات من أجل حل القضية بالطرق السلمية) . فهل حلت المفاوضات السلمية قضية ملايين اللاجئين الفلسطينيين وأين أصبح الفلسطيني اليوم؟ ! كتبت جريدة الاندبندنت البريطانية (٢٥ /٥/١٩٩٣) مقالاً تحليلياً بعنوان ... (فلسطين أخرى قيد التصنيع) (Another Palestine in the Making) نترجم منه النقاط التالية: (بغض النظر عن صحة أو خطأ الاتفاق الأميركي الأوروبي فإنه - أي الاتفاق - لا بد أن يُرى على أنه نموذج آخر لنتائج أول حرب عربية-إسرائيلية عام ١٩٤٨ والتي أدت إلى تهجير ٧٠. ٠٠٠ فلسطيني من بيوتهم. الأمر الذي أدى إلى تسميم ليس المنطقة فحسب بل والعلاقات الدولية منذ ذلك الحين) . وسيراً على منهج الصحافة الغربية - والعربية هذه الأيام - في التحذير من الإسلام و (أصولييه) فقد أضافت الأندبندنت: (.. المحزن جداً والخطير في هذه القضية أن هؤلاء الضحايا من الاعتداءات الكرواتية والصربية وغياب القرار الغربي هم الذين قدموا أنموذجاً جيداً لمجتمع متسامح متطور وغير متدين من المسلمين. إن سقوط مثل هذا المجتمع تحت ضربات الديموقراطية الغربية سوف تجعل من هذه الفئة من الناس أرضاً خصبة للمتطرفين والأصوليين المسلمين من إيرانيين وسعوديين. إن السعودية لن تتردد في مساعدة ودعم هؤلاء الناس لبناء مدراس وجامعات ومساجد. وطبعاً فلن يكون هناك نقص بالإمدادات العسكرية التي سوف يستخدمونها لتوسيع دائرة) مناطقهم الآمنة (.. وعندها فإن التاريخ لن يرحم المسؤولين عن مثل ما سوف يحدث) ! ! يهاجمون المسلمين ويخوفون منهم حتى في أحط وأدنى مراحل وجودهم. نعم إن المعركة ضد الإسلام سوف توقظ كثيراً من النائمين في تلك البلاد، ولكن هل هي حرب ضد (المتطرفين) المسلمين في البوسنة والهرسك؟ وهل لهم وجود هناك؟ ! هل يقتل الطفل ابن الأشهر الثلاثة - حتى الجنين في جوف أمه المغتصبة - لأنه متطرف أصولي يهدد بقنابله ومتفجراته سلام العالم وأمنه واستقراره. [قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ] [التوبة: ٣٠] . الاجتماع الثلاثي الذي حضره رؤساء كل من صربيا وكرواتيا والرئيس البوسني علي عزت في جنيف في ١٦/٦/١٩٩٣ على ما يبدو قد وضع النقاط على الحروف وأسدل الستار عن آخر مشاهد المسرحية - المأساة التي سميت مفاوضات السلام. فالاجتماع أسفر عن خطة (معدلة) لمشروع فانس - أوين ينص على تقسيم البوسنة إلى ثلاث دويلات عرقية بدلاً من عشرة أقاليم. وبهذا يكون الصرب والكروات قد بدأوا المرحلة الثانية بعد الإجهاز على الهيكلية السياسية والعسكرية لحكومة البوسنة وشعبها في المرحلة الأولى. المرحلة الثانية هي بعينها إرهاصات المرحلة الأخيرة والتي تهدف إلى إتمام المشروع بضم الأجزاء المغتصبة من البوسنة وضمها إلى دولتي صربيا وكرواتيا ليبقى الجانب الإسلامي هو الطرف الخاسر الأوحد في معركة رفع فيها المسلمون خيرة أبنائهم وأكلت ماكينة الحرب إمكانياتهم ولوثت كراماتهم أمام عدسات العالم المتحضر! ! فهل يعتبر المسلمون من أن جولة السكين ليست بعيدة عن أعناقهم إذا لم ينتبهوا ويواجهوا مأساتهم والواقع بأنفسهم وليس باستجداء العدالة والنصر من مؤسسات قامت أصلاً لإذلال المسلمين وكسر شوكتهم. غداً تنتهي السكين من أعناق مسلمي البوسنة والهرسك لتعمل في رقاب مسلمين آخرين في مكان ما من العالم. وتستمر العلاقات الرسمية مع حكام صربيا وكرواتيا لأنهم من (الدول الصديقة) ومن (مجموعة دول عدم الانحياز) وكأن شيئاً لم يكن. وبين شدة وصرامة الأمم ... المتحدة في الصومال وضعفها وليونتها في البوسنة يبقى الدم الإسلامي يسير مهراقاً باسم الشرعية الدولية. أرقام للمقارنة [١٢] المسلمون ٤٥% من السكان يسيطرون على ١٤% من الأرض الكروات ١٧% من السكان يسيطرون على ١٣% من الأرض الصرب ٣١% من السكان يسيطرون على ٧٠% من الأرض سراييفو ومحيطها: منطقة سيطرة مشتركة. خطة المناطق الآمنة الخطة تحِّول مناطق المسلمين إلى مخيمات كبيرة تعج باللاجئين دون أي ضمانات مستقبلية أو مقومات الاستقلال. الخطة الأخيرة التي وافق عليها الصرب والكروات وديفيد أوين ورفضها المسلمون لم تنشر تفاصيلها بعد ولكنها تقترح تقسيم البوسنة إلى ثلاث ولايات: واحدة للصرب وأخرى للكروات وثالثة للمسلمين (وتتألف من شقين الأول في وسط البوسنة والثاني في مقاطعة بيهاتش في الشمال الغربي من البلاد مع حق استخدام مرفأ على البحر الأدرياتيكي تحت حماية الأمم المتحدة) . والخطة تقلص مناطق المسلمين أكثر مما اقترحته خطة فانس أوين وتبقي على المناطق التي احتلها الصرب والكروات كجزء من ولاياتهم.

стр. 1488

كابل وأزمة التحالفات الهشة أحمد الإدلبي رغم مرور عام على وصول المجاهدين الأفغان للسلطة في كابل لم تظهر في الأفق أية علامة على اتفاق فيما بينهم بتشكيل حكومة جديدة [*] مجمع عليها من قبل كافة الأطراف لتدير البلاد بقوة وحزم خاصة في بلد عُرف بتنائي أراضيه وعدم توفر المواصلات والاتصالات بين الولايات وبين الأطراف والمركز أيضاً إلى جانب قيام كل حزب أو فصيل أو قبيلة بإدارة شئون منطقتها بمعزل عن الآخرين خاصة مع إقامة إدارة كل إقليم علاقات مع دول مجاورة تسهل عليه التمويل والاتصالات والخبرات ونحو ذلك. وما تزال الخريطة الأفغانية مرشحة لعديد من الهزات والزلازل ما دامت خريطة التحالفات في تقلب مستمر فحليف الأمس عدو اليوم والعكس صحيح. خاصة وأن هذه التحالفات لم تقم على أرضية مشتركة في الهدف والمصير والواقع وإنما تحالفات آنية تفرضها ظروف وقتية إما بظلم الأخ لأخيه حيث يدفع الواحد منهم لإيجاد أي تحالف مع عدو الأمس حتى يستطيع الصمود أمام عاديات المرحلة. لعل الاجتماع الأخير الذي ضم الرئيس برهان الدين رباني ورئيس وزرائه قلب الدين حكمتيار وعبد رب الرسول سياف أمير الاتحاد الإسلامي في بغمان (٢٠كم غرب كابل) حيث معقل الأخير لعل هذا اللقاء يجسد جانباً من الأمل الذي طالما دغدغ المخلصين من أبناء الأمة في لم شمل المخلصين الذين حمَّل بعضهم جانباً مهماً من المأساة لسياف الذي وقف إلى جانب الحكومة في كابل والتي تضم ... جنرالات الشيوعيين البارزين أيام حكم نجيب الله من أمثال الجنرال عبد الرشيد دوستم والجنرال باباجان قائد الفيلق المركزي في كابل والقائد عبد المؤمن قائد الميليشيات الشيوعية المعروفة إضافة للجنرال آصف ديلاور، وفريد مزدك وبابرك كارمل ومحمود بريالي وآخرين. وتقول مصادر الحزب الإسلامي في بيشاور: إن اجتماع بغمان كان مشجعاً حيث علق حكمتيار آمالاً على اللقاء والذي وافق فيه رباني وسياف على إرسال وزرائهم إلى مجلس الوزراء الذي يقوده حكمتيار حيث كان وزراء الحزبين قد تغيبوا عن اللقاءات التمهيدية للحكومة في محاولة وصفت بأنها إصرار على إفشال حكمتيار في لقاءاته، ويبني المعلقون والمراقبون كثيراً على اللقاء لأنه الوحيد الذي حصل منذ سقوط نجيب الله في إبريل (نيسان) العام الماضي بدون وسطاء خارجيين أو داخليين. ويبدو أن لقاء بغمان إن كان كما صُوِّرَ من الإيجابية والتفائلية فحينها سيكون على هذا التلاحم بين القادة الثلاثة أمرين: الأول: ما بدأ يظهر على العلن من لقاءات بين قادة الفصائل الشيوعية من خلق وبرشم حيث عقدوا في مارس (آذار) الماضي لقاءً في موسكو، ثم تبعه اجتماع في مدينة بيشاور معقل حزب العوام القومي - (اليساري) التوجه-، والذي يقوده عبد الولي خان، وكان من ضمن الحاضرين سليمان لاتعد وزير الحدود والقبائل السابق والجنرال محمد رفيع نائب الرئيس نجيب الله سابقاً والجنرال أسلم وطنجار وزير الدفاع السابق وبابرك شنواري رئيس منظمة الشباب الشيوعي وغيرهم كثير. ومعلوم أن قادة الحزب الشيوعي الأفغان بشتية (برشم) الراية، وخلق ... (الشعب) قد تفرقوا بين مزار شريف - حيث معقل المليشيات الأوزبكية بزعامة الجنرال عبد الرشيد دوستم الذي فك ارتباطه شكلياً مع نجيب الله في أبريل (نيسان) العام الماضي ليتحالف مع أحمد شاه مسعود رئيس مجلس شورى النظار للإطاحة بنجيب الله - وبين موسكو ودلهي وبيشاور ويعمدون حالياً على تجميع أنفسهم بالتحالف مع المعتدلين من الأفغان خاصة الجبهة الإسلامية التوجه بزعامة بيرسيد أحمد جيلاني لعقد اجتماع في قندهار معقل الملك الأفغاني ظاهر شاه للمناداة به كملك للبلاد. وكان بعض القادة من الحزب الشيوعي (الوطن حالياً) زاروا مقره وناقشوا المسؤولين هناك بالأمر. وتجدر الإشارة إلى أن جيلاني نادى مؤخراً وعلناً بعودته رغم توقيعه اتفاق جلال آباد الذي ينص على عقد انتخابات عامة ولعقد لوياجركا الذي سينجم عنه بالتأكيد عودة الملك الأفغاني السابق. ويرى البعض أن تجميع الشيوعيين أنفسهم مع المعتدلين بحيث تكون السلطة السياسية القوية في البلاد سيسهل عملية تزاوج أو تحالف بين هذه السلطة والسلطة العسكرية التي يقودها دوستم في مزار شريف خاصة مع هروب (خانو) رئيس ميليشيات هلمند أمام هجمات مشتركة للجمعية الإسلامية والحزب الإسلامي حيث فر مع قادته إلى دوستم الأوزبكي رغم أنه بشتوي مما يؤكد أن الرابطة الشيوعية لديهم فوق الرابطة العرقية. أما الأمر الثاني فهو ما تسرب من معلومات عن انقلاب يقوم به دوستم ومسعود وبعض المعتدلين على الرئيس رباني لإقصائه عن الرئاسة (وتنصيب شخصية معتدلة) وبهذا تستبعد أي تسوية مستقبلية في البلاد. لعل هذا أو ذاك أو أموراً كثيرة دفعت بالمخلصين للالتقاء، ولكن يبقى القول أن تحالفات أفغانستان ليس لها أرضية ثابتة صلدة، وإنما تحالفات آنية فهل سيكون ذلك ضمن المعادلة الأفغانية للتحالفات أم أنه سيكسر القاعدة ويخيب ظن الشائنين والمعتدين؟

стр. 1489

الأمم المتحدة: صقر الصومال وحمامة البوسنة - التحرير- توالت الأحداث متسارعة في الصومال حيث تحولت مهمة جنود القوات ... الدولية من (إغاثة الجائعين) وتأمين (المساعدات الإنسانية) و (إحلال السلام) ، ... كما ورد في قرار الأمم المتحدة، إلى كتيبة تزرع القتل والدمار والدماء في جميع ... أنحاء العاصمة مقديشو وذلك بحجة تأديب (أمراء الحرب) أو (لوردات الحرب) كما يُطلق عليهم و (المسؤولون عن تفلت الأمن في البلاد) . الأجواء السياسية والعسكرية كانت تنذر وتنبئ بما حصل. فقد فشلت [*] (الأمم المتحدة، ومن قبل أبناء البلاد وقادته في إيجاد صيغة حل سياسي يزيل عن الصومال غبار الحرسب ويمسح دموع الثكالى والأيتام والأرامل الذين أنهكهم القتل وأضناهم الجوع. أشعلت الشرارة عندما قامت قوات مؤلفة من أميركيين وباكستانيين بقيادة جنرال أميركي بهجوم مفاجئ فجر يوم السبت ٥/٦/١٩٩٣ على مبنى الإذاعة التابع للجنرال محمد فارح عيديد مما أسفر عن مقتل أفراد الحراسة وبعض المدنيين إلى جانب احتلال الإذاعة والسيطرة عليها. وقد قام عيديد أثناء الغارة باستدعاء قواته واستنجد بأعوانه الذين تدفقوا بالآلاف مدججين بسلاحهم. عندها انسحبت قوات الأمم المتحدة من موقع العملية واستعادت قواته السيطرة على الإذاعة مصحوباً بجماهير مسلحة غاضبة صبت جام غضبها على كتيبة باكستانية كانت توزع المساعدات في إحدى المدارس حاصدة ٢٣ جندياً. تلت ذلك عملية انتقام للقوات الباكستانية حيث أطلقت النار على المتظاهرين فقُتِلَ عشرات الصوماليين. الجدير بالذكر أن القوات الأميريكية تستخدم غيرها من قوات الدول الأخرى كحرس لها، فبينما تدير شئون المطار واستقبال الرحلات وإدارة شؤون المرفأ، فإن الحراسة تقوم بها قوات أخرى. حتى السفارة الأميركية يقوم على حراستها جنود غير أميركيين مما يضع هذه القوات في الصف الأمامي وفي حالة صدام مباشر مع الصوماليين وهذا ما يفسر وقوع ضحايا من غير القوات الأميركية كالباكستانيين مثلاً. وتفيد المصادر أن الأميركيين والذين يسيطرون على القرار السياسي الصومالي لا يسمحون لغيرهم من القوات بالمشاركة في اتخاذ القرارات، حتى للقوات الأوربية الموجودة هناك. وقد بدأت تظهر علامات التذمر حيث كتبت الصحافة الألمانية عن تحجيم دور وصلاحيات القوات الألمانية وانتقدت الهيمنة الأميركية في الصومال وجمدت الحكومة الألمانية إرسال الإمدادات العسكرية والإنسانية التي كانت مقررة من قبل. وتهدف الإدارة الاميركية من وراء ذلك تكوين حكومة صومالية أحضرت لها شخصياتها من الصوماليين الذين يعيشون في أميركا منذ عشرات السنين. وهذا ما يفسر بعض التصادم في المصالح بين عيديد وصاحبة (الأيدي البيضاء) أميركا. الأخبار التي احتلت عناوين الصحف والمجلات والإذاعات - والتي تعتبر الأسوأ من نوعها بالنسبة لجنود الأمم المتحدة منذ مقتل المئات منهم في كمبوديا في أوائل السبعينيات - أخذت بُعداً جديداً عندما استنكر مجلس الأمن (الجريمة) ووعد ... بملاحقة المسؤولين وبالفعل صدر قرار الأمم المتحدة رقم ٨٣٧ القاضي بملاحقة ومعاقبة قادة التحالف الوطني الصومالي. وقد تعهد الأميركيون بالقيام بالمهمة مذكرين العالم باجتياح (بنما) واعتقال رئيسها (نورييغا) . الأيام التي تلت ضجت بأخبار الصدامات بين المتظاهرين و (جنود السلام) ... حيث حصد رصاصهم عشرات القتلى من نساء وأطفال وعُزَّل خرجوا إلى الشوارع متظاهرين، ثم استكملت القوات الدولية مهمتها عندما بدأت حرب شاملة في نقاط متعددة من العاصمة ومناطق أخرى استخدمت فيها الطائرات والدبابات والصواريخ في عملية هدف إلى (إسقاط عيديد) عسكرياً واعتقاله ومحاكمته كمجرم حرب، النتيجة طبعاً دماء المسلمين العزل وجنود عيديد الذين امتلأت شوارع العاصمة بهم حيث تحدثت الأرقام عن مئات القتلى والجرحى ونزوح الأهالي بعد أن دمرت بيوتهم وأحرقت محلاتهم في عملية (شرعية دولية) لإعادة السلام إلى البلاد. الغياب الإعلامي العربي والإسلامي من الساحة الصومالية أعطى للإعلام الغربي ومن ورائه الإعلام الأميركي بشكل خاص فرصة ترجمة الأحداث وتشكيلها ورسمها في عقول الناس كما شاءت وبما يتناسب والمصلحة الغربية. عيديد الذي تواجهه الأمم المتحدة مسؤول كغيره من (قادة) الصومال عن ... تدمير البلاد وإغراقها في حرب طائفية طاحنة أعطت الضوء الأخضر للأمم المتحدة لدخول الصومال. وعيديد نفسه خرج مصفقاً مهللاً لوصولها شاكراً المجتمع الدولي على تعاونه ومساعدته لإيقاف المعارك وإعادة السلام إلى البلاد. وعيديد نفسه الذي يحذر الصومال اليوم من (هجمة الصليبية الدولية) على ... المسلمين ويهدد (بإعلان الجهاد) لم يكن غيوراً على مستقبل الإسلام في الصومال ... بالأمس عندما رأى في الصليبيين أيدي خير وبركة سوف تدر بخيراتها على الصومال وأهله.. ويبقى الخاسر الوحيد هم المسلمون الذين أوكلوا قيادتهم وسياساتهم إلى رجالات عقائدهم كالحرباء التي تغير لونها حسب (الظروف) والمكان الذي تقف عليه. ولكنها (موضة) حكام اليوم وزعماء العالم الإسلامي يتحدثون عن الإسلام عندما يحتاج الأمر ليتحولوا لألد الأعداء عندما يمر الزلزال وتنتهي العاصفة وتثبت الكراسي. الأصوات بدأت تتصاعد في أنحاء متعددة من الصومال للتحذير من مخططات مشبوهة تهدف إلى استغلال المجاعة والحرب في هذا البلد لأغراض تنصيرية حيث أن مئات الجمعيات النصرانية تعمل بلا كلل في مخيمات اللاجئين وإقامة العيادات ومآوىٍ للعجزة والأطفال، ومؤسسات الأيتام حيث تسهل لديهم إعطاء أبناء الصومال جرعة التنصير مع رغيف الخبز وحبة الدواء. وقد حذرت مصادر إغاثة إسلامية من احتمال قيام الأمم المتحدة بتنفيذ مخطط تنصيري تحت غطاء المساعدات الإنسانية في الأراضي الصومالية. وقالت أن الأمم المتحدة نجحت حتى الآن من خلال وسائل الإعلام الغربية في إقناع العالم أن ما يحدث في الصومال هو حرب قبلية بين الجنرال محمد فارح عيديد والرئيس المؤقت علي مهدي تمهيداً للمطالبة بوضع هذا البلد تحت حماية الأمم المتحدة وتنفيذ برنامج (تبشيري) هناك. الأحداث الأخيرة وغزارة الدماء - وهي دماء المسلمين من الطرفين - التي سالت فيها وضعت الأمم المتحدة موضع النقد، وقراراتها موضع تساؤل. لماذا هذا (الإصرار والعزيمة) و (الدقة) في تطبيق قرارات الأمم المتحدة ... والضرب بيد من حديد (لإحقاق الحق) في الصومال بينما هي مجرد اقتراحات و (تمنيات) و (قرارات لا تطبق) في البوسنة وفلسطين وكشمير؟ ... لماذا تصبح الأمم المتحدة (شحاذاً) يستعطي عندما تكون بصدد مناقشة ... مشروع قد يكون فيه بعض الخير للمسلمين ولكنها (تستغني وتكتفي) ولا تحتاج للاستشارة والمشاركة عندما يكون في الأمر ضرب للمسلمين أياً كانوا؟ ألا يرى المسلمون في العالم أن للأمم المتحدة وقواتها أنياباً تُلبسها إياه القوى العظمى - بالأحرى القوة الوحيدة العظمى اليوم - عندما تريدها أن تنهش لحوم (الخصوم) وتقتلعها متى شاءت؟ !

стр. 1490

مقال يائيل دايان والثوار والمبادئ أحمد عبد العزيز أبو عامر نقلت بعض الصحف العربية والأجنبية مؤخراً نبأ لقاء (يائيل دايان) - عضوة حزب (مابام) الصهيوني - مع زعيم (منظمة التحرير الفلسطينية) وسروره ... بإهدائها له مذكرات والدها المقبور موشي دايان الذي سام الأمة العربية والفلسطينيين سوء العذاب بحروبه ومواقفه الدموية. ولقد فرح بعضهم حينما أعلنت: ... أنها ستعود إلى تل أبيب بانطباع آخر يدعو إلى فتح صفحة جديدة بين دولتها والمنظمة على أساس (وضع ما يقارب نصف قرن من الصراع العربي الإسرائيلي في مزبلة التاريخ) هكذا! مع إشادتها بالزعيم الفلسطيني ووصفه بأنه صادق في توجهه للسلام بنسبة ١٠٠%، وقد نقلت بعض الأوساط الفلسطينية إنه ربما تكون النائبة الصهيونية قد نقلت أفكاراً ومقترحات من (شمعون بيريز) للزعيم. بغضّ النظر عن حقيقة هذه الزيارة والتي لا تخفى مبرراتها لكل متابع للأحداث على الساحتين (العربية والإسرائيلية) لا سيما بعد سطوع نجم (منظمه حماس الإسلامية) وتعاطف الكثير من الفلسطينيين معها في الأراضي المحتلة، بعد تداعي المنظمة المترهلة) على عملية السلام بالرغم مما لحقها من إذلال (يهود) في عدم الاعتراف بها ورفضهم قبول أحد أعضائها في الوفد المفاوض إلا أنها تداعت على عملية السلام تداعي الذباب على الشراب. بينما العدو الصهيوني ما زال يُصِرُّ على أحقيته في الأراضي المحتلة ويرفض الجلاء حتى عن الأراضي المحتلة بعد نكبة (١٩٦٧) ويكتفي بالقول: يمكن الجلاء عن (أراض) محتلة وليس عن (الأراضي) المحتلة. فضلاً عما يقوم به من بطش وإرهاب هناك، ومن آخرها ... الإبعاد المتمثل في نفي أربعمائة عنصر من خيرة الشباب الفلسطيني المتعاطف مع التيار الإسلامي. ولا يخفى ما يعانونه الآن من لأواء ومشقة في (مرج الزهور) حيث الظروف المناخية السيئة المعروفة أمام سمع وبصر العالم المتحضر من أدعياء حقوق الإنسان بل وحتى حقوق الحيوان. وإزاء رفض الشعب الفلسطيني المغلوب على أمره لهذا الإبعاد، وما قام به من مقاومة للإرهاب اليهودي لم يسلم من أبشع عمليات البطش حينما ضربت غزة مؤخراً بالطائرات مما يخالف كل النظم الدولية. وليس هناك من يُنكر تلك الأفعال غير الإنسانية أو يفكر حتى بإدانتها وتحذير العدو من تكرارها، وما دام أن المتنفذين في (هيئة الأمم المتحدة) يهود أو متعاطفون معهم فلن ننتظر منهم أي إنصاف فضلاً عن إعطاء الحقوق لأهلها. والواقع أكبر شاهد، حيث نرى تساهلهم أمام تعنت الصرب حيال جرائمهم ضد مسلمى (البوسنة والهرسك) . أما تعنُّت الصهيونية أمام قرارات (هيئة الأمم) - التي تصدرها لمن يخالف الأعراف الدولية وآخرها القرار رقم (٧٩٩) بوجوب إعادة المبعدين لأرضهم فهذا ليس له عقوبة - مستغلةً تعاطف الإدارة الأميركية معها حينما قبلت بالتجاوب الجزئي لعودة المبعدين حتى وبعد جولة وزير الخارجية الأميركية في المنطقة والتي عاد منها (بخفي حنين) وما زال العدو مستشهداً بالقرار الأخير. هكذا وبكل بساطة ... تسير السياسة الأميركية وفقاً لرأي الصهاينة حتى ولو خالفت القرارات الدولية التي يفترض التزامها نصّاً وروحاً من الجميع، ومن لا يلتزم بها يلزم بها قسراً ولو بالقوة، عدا (الصهاينة) وتصبح قرارات (هيئة الأمم) حيالها غير ملزمة، ويمكن الاكتفاء بالحلول الجزئية حتى ولو كانت المخالفات تدينها كل الأعراف الدولية والإنسانية لا سيما في واقع المبعدين الأربعمائة وما يعانونه من ظروف صعبة لا يمكن بحال من الأحوال قبولها لو كانت لفئة أخرى غير مسلمة مهما كانت توجهاتهم أما (المسلمون فلا بواكي لهم) . إن الكيل بمكيالين في السياسة الأميركية جعلها سياسة عوراء وأوضح ميولها الصهيونية التي لم تعد تخفى على أحد وهذا أصبح معروفاً للجميع ولا يجهله إلا مغفل ولا يتجاهله إلا مكابر عنيد. ويكفي أن الإدارة الأميركية الجديدة جاءت بدعم (اللوبي الصهيوني) وحتى لا أكون متجنياً في قولي هذا أحيل القارئ الكريم إلى كتابين وثائقيين يوضحان الخلفيات الحقيقية للسياسة الأميركية وهما: ١- الخلفيات التوراتية للسياسة الأميركية (د. إسماعيل الكيلاني) . ٢- البعد الديني في السياسة الأميركية (د. يوسف الحسن) . إن ما يلزم بيانه والتنبيه عليه في هذا المقام هو مدى صدق الصهاينة مع مبادئهم وحدبهم عليها واستماتهم في الدفاع عنها بكل السبل، ويكفي أن نعرف أنهم أتاحوا المجال للأحزاب " الدينية الصهيونية " لها لتعمل في وضح النهار حتى صار لها دورها المؤثر في وصول أحد الحزبين للحكم، ولهذه الأحزاب جهودها المؤثرة في المجتمع الصهيوني مما جعل الصهاينة يحترمون دينهم ومبادئهم ولا سيما في المواقف الدولية ولعلنا نتذكر رفض الوفد الصهيوني الاجتماع بعد حرب رمضان في خيمة " الكيلو ١٠١ " (يوم السبت) بينما رضي قومنا بالاجتماع في وقت صلاة الجمعة ومما يؤسف له أن كثيراً من المنتسبين لهذه الأمة ممن ابتلينا بهم قادة للأحزاب وزعماء للمنظمات ورؤساء للدول من الحاكمين بأمرهم، نجد أن آخر ما يفكرون به هو طاعتهم لربهم واقتفاؤهم لسنة نبيهم ﵊ لا سيما في التحذير من عداوة الكافرين وبخاصة (يهود) لما عرفنا من عدائهم وخُبْثِ نواياهم، وحسبهم أنهم الأمة الملعونة في القرآن وقد حذر الإسلام من كيدهم ومكرهم فيما نقرأه من كتاب ربنا -جل وعلا- فهم الكذابون على الله بقولهم: [إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أَغْنِيَاءُ] [آل عمران ١٨١] ، وبقولهم: [يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ ولُعِنُوا بِمَا قَالُوا] [المائدة ٦٤] ، وهم المتمردون على الله تعالى بقولهم: [سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ] [المائدة ٤١] ، وفي آية أخرى: [سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ] [المائدة ٤٢] ، وهم المتمردون على رسل الله ﵈: [أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وفَرِيقاً تَقْتُلُونَ] [البقرة٧] ... ولنقضهم العهود: [الَذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ] ... [الأنفال ٥٦] ، ولجهودهم المستمرة في الإفساد: [كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ويَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً] [المائدة ٦٤] ، وحبهم الشر لغيرهم: [ودُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ومَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ] [آل عمران ١١٨] ، وتحريفهم للكتب السماوية: [فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ] [البقرة ٧٩] ، وذلك غيض من فيض مما سجله القرآن عليهم من سيء الخلق وفاسد الأفكار مما ربُّوا عليه أجيالهم وأنشأوا عليه أبناءهم. فهم مخادعون كاذبون ومبغضون لكل ما عداهم ممن يسمونهم (الجوين) والذين يعتقدون بأنهم ما خلقوا إلا ليكونوا حميراً لهم لكي يركبوهم. (يائيل دايان) واحدة من ذلك الشعب الملعون، لها أفكارها الصهيونية التي تربت عليها، وهي لا تقل خبثاً وعنصرية ولا كذباً من بني جنسها، وسيتضح ذلك بجلاء في استعراض سريع لبعض نتاجها الفكري؛ فَمَنْ هي هذه المرأة وما حقيقة توجهاتها؟ يائيل دايان في دائرة الضوء: هي ابنة وزير الدفاع الصهيوني الأسبق (موشي دايان) وهي كاتبة وروائية [*] ... صهيونية معروفة. وضعت أفكارها اليهودية في رواياتها نصرة لأمتها ودولتها مع الافتراء والعنصرية ضد العرب والمسلمين عامة والشعب الفلسطيني خاصة، وهي الآن عضو في حزب (مابام الصهيوني) . كتابها الأول (وجه امرأة) وهو مذكراتها الشخصية التي صاغتها في قالب روائي استعرضت فيه أيام طفولتها، وكشفت القناع عن حالتها النفسية المضطربة التي عانتها من أب يكره البشر ويعتزلهم ويهمل عائلته. وأم وجدت أن زوجها لا يعيرها اهتماماً فعوضت ذلك بالعبث واللهو والفجور.. وكيف دخلت (يائيل) الجيش باسم مستعار هو (إريال رون) وعرفت فيما بعد أنها ابنة وزير دفاعهم المشهور (موشي دايان) فساعدوها على سرعة الترقية وأتاحوا لها المجال في الدورات العسكرية فاجتازتها بسرعة حتى صارت مدرسة لوحدة من المجندات قبل إنهاء خدمتها العسكرية وكشفت الحقيقة عن جيش بلادها وما يحويه من فساد وفجور، وكيف كان يلذ لها أن ترى الرجال يتعذبون وهي توقعهم في حبالها. ثم تتحدث عن حياة (المجندات اليهوديات) الإباحية وخاصة في المستعمرات، وكيف أن نتاج السفاح الحاصل معهن هم (أبناء المستعمرة) حيث يكون لهم بيت خاص ومربيات وميزانية خاصة وأن الأم هي التي تحدد والد الطفل في حفل خاص، وتطرقت لفساد الشباب اليهودي وما يعيشه من أنواع الفواحش التي يُسرت لهم أسبابها في الملاهي وبيوت الدعارة.. وأنها حينما تخرجت جاء والدها ليسلمها شهادة التخرج.. ثم أوضحت في الأخير سوء حالتها الأسرية حينما طردها والدها في ليلة ماطرة فلجأت إلى بيت للدعارة وعاشت فيه أياماً في موقف حرج لكونها خالية الوفاض من أي شيء معها، وفجأة أُنقذت حينما لمحت صديق أسرتها (العسكري الإنكليزي بيتر) فألقت بنفسها بين يديه وشرحت له ظروفها وعادت معه إلى (القدس) قبل احتلالها النهائي عام ١٩٦٧، حيث يعيش في شقة الوحدة وقررت أن تكون عشيقته لتلهب قلبه وهو في الخمسين من عمره ثم تتركه لتحطم قلبه! ! ثم بينت كيف توسط لها للعمل مشرفة اجتماعية لمساعدة (اليهود المهجرين) للوطن المحتل حيث عملت في ذلك العمل بكل جهد.. ثم بينت التفرقة العنصرية بين اليهود الشرقيين (السفارديم) واليهود الغربيين (الاشكناز) ثم كيف حلت محل (بيتر) في مراسلة صحيفة بريطانية بعدما سافر بيتر إلى بلده وراسلها مشيداً بتقاريرها التي تنشرها الصحيفة ثم فاجأته بزيارتها لندن حيث استقبلها بكل شوق وعلى ضوء حياتها الإباحية معه كتبت مذكراتها الوقحة تلك. والحق يقال إن (يائيل دايان) في كتابها هذا أقل غطرسة في الحديث عن العرب وعن اليهود حيث وجدناها أكثر واقعية، وأقل تزييفًا لقربها من الأحداث ومعايشتها لما يدور في الداخل بعكس كتابات اليهود خارج الأراضي المحتلة لفقدانهم الموضوعية وللجوئهم للمبالغات، وخضوعهم للتناقضات، وهي على كل صهيونية تكتب لخدمة مبادئها وإفساد الآخرين. ثانياً: روايتها (للموت ولدان) وهي عبارة عن نسيج من بطولات وهمية (للسوبرمان الصهيوني) القاتل والحاقد واجترار لحوادث ماضية من معاناة اليهود المزعومة على يد النازية حيث تبدأ الرواية بوصف عملية العذاب التي تعرض لها (حاييم كالنسكي) وفقده لولديه وبيته، ومقتل زوجته وتشرده، وجهله كل شيء عن مصير ولده (دانييل) الذي رحل على متن قارب من (البيريه) في اليونان إلى الأرض المحتلة مع عدد من الأطفال اليهود اليتامى إبان (الحرب الهتلرية) حيث التقى (دانييل) مع صديق عمره (يورام) وعاشا في (مستعمرة جلعاد) وهناك كبر وهو لا يعرف له أباً غير (إسرائيل) ولا صديقاً إلا (السوبرمان: يورام) وصديقته (ريتا) عشيقة (يورام) ، وفي حرب ١٩٦٧ م انتقلا إلى سيناء حيث لقي صديقه يورام حتفه بلغم مصري. وبعد مراسلات طويلة وبحث شاق يتوصل (حاييم) إلى معرفة مكان ابنه (دانييل) فيجيء إليه في الأرض المحتلة بعد أن تزوج الأب من أخرى وأنجب ابنته (مريم) ، ثم يصاب بالسرطان ويموت بمستشفى بئر السبع وحيداً بعد خلاف مع ابنه (دانييل) ويجتمع شمل الأسرة هو واخته مريم وزوجها وطفلها. وقد وضحت الكاتبة أثر تربية المستعمرة لدانييل على المبادئ الصهيونية الحاقدة وتطبيقه دروس القتل التي تلقاها ضد العرب وكيف كان يمارس (رجولته) !! كما تراها في القتل كوظيفة، وكيف أصبح الحقد لديه شيئاً طبيعياً. والرواية أشبه ما تكون بدعاية إعلانية مكشوفة لاحتوائها على الأفكار الصهيونية التالية: ١- دعوة يهود العالم أجمع لتأييد دولتهم والإيمان برجوعهم لأرض الميعاد المزعومة. ٢- العرب لديها مجرد متسولين يبحثون عن المال حتى بالدعاء من أجل المرض مقابل دريهمات. ٣- الدعاية السياحية المزينة لحياة (الكيبوتزات) التي تغري أطفال العالم بالهروب إليها لأنها جنة العصر الموعودة لليهود. ٤- إمبراطوريتهم يجب أن تمتد حدودها حتى الفرات كما توضحها طموحاتهم الصهيونية المزيفة. ٥- وضع نموذج " السوبرمان الصهيوني " الذي له قدرة على استيعاب الأشياء وهضمها والاستفادة منها مع البطولة الخارقة. والخلاصة أن هذه الرواية مجرد دعاية صهيوينة في ثوب أدبي حاكت فيه الكاتبة قصة حاييم اليهودي، والذي كان له ولدان الأول (شمؤيل) الذي قتلته (النازية) والآخر (دانييل) الذي نجا بأعجوبة! ويكاد يقتله العرب اليوم! وتناست الصهيونية الحاقدة كيف تحول (دانييل) إلى هتلر جديد في الأرض المحتلة إذ جعل القتل والحقد وظيفة له ضد الشعب الفلسطيني المغلوب على أمره. ثالثاً: روايتها (طوبى للخائفين) وكانت المؤلفة فيها أكثر قدرة على مسايرة الفكر الصهيوني وتطلعاته ووضعها القيَم كلها بما فيها (الدينية) بمرتبة الوسائل التي يمكن الصعود عليها، فالصبي (نمرود) بطل الرواية هو التعبير الحقيقي عن الأطماع الصهيوينة، وهو رمز للجيل الذري يُهيّأ لممارسة القوة، أما " جيديون " فهو النموذج. وطموح الآباء والأجداد لتربية أبنائهم على مشاكلهم ليعبر حقيقة عن الفكر الصهيوني الإرهابي فهو نموذج للقوة الجسدية والاستهانة بالأخطار حيث يشترك في أعمال إرهابية ضد الفلسطينيين ثم يعود سالماً إلى مستعمرته. هذه حقيقة (يائيل دايان) ، تلك الصهيونية الحاقدة الفاسدة المفسدة تبينت لنا أفكارها بجلاء بما عرفناه من استعراض سريع لبعض أعمالها الأدبية المشهورة وفيها تتضح بجلاء منطلقاتها الصهيونية وتصوراتها التوراتية، ومبادئها الانتهازية الميكافيلية. فإلى متى نبقى ساذجين، نصدق دعواها وقومها بالرغبة في السلام بينما هم يغتصبون أرضنا المباركة، ويقومون ليل نهار بالإرهاب لأهل الأرض المحتلة. وكتبهم الدينية تنطق بتلك الأسس الإرهابية وأكثر، ويتضح لنا أن أدبها فيه كل خصائص أدب العدوان الصهيوني الذي يحاول اجتذاب اهتمام العالم ويعمل جاهداً لإجهاض أدب المقاومة العربية ضده ولا سيما ما ينطلق من أطر وتصورات إسلامية. ومن أبرز ملامح الأدب الصهيوني ما يلي: ١- توظيف معاناتهم المزعومة من الحرب النازية ضدهم وقد تبين مؤخراً أن جلّ هذه الدعاوى مبالغ فيها، وتبين كذبها وزيفها، وكُتِبت فيها دراسات علمية من أهمها: (هل فعلاً قتل ٦ ملايين يهودي) وهو بحث من تأليف (روبير موريسون وماري بول ترجمة ماجد حلاوي) ، وانظر أيضاً إلى كتاب (الأكذوبة الكبرى: حرق ٦ ملايين يهودي، للأستاذ أحمد التهامي سلطان) . ٢- احتقار كل ما هو غير صهيوني كما أوضحته كتبهم المحرَّفة ولا سيما كتابهم المخترع (التلمود) . ٣- إظهار شخصية الصهيوني (السوبرمان) المتفوق جسدياً وعقلياً وحضارياً. ٤- احتقار العرب بصورة خاصة وجعلهم في صورة متخلفة لتبرير معاملتهم باحتقار واستخفاف. ٥- إفساد الشعوب بإشاعة الفواحش والإباحية سلوكاً اجتماعياً عادياً. ٦- عداوة أمتنا باستمرار مثلما شربوها مع الحليب صغاراً وتربوا عليها كباراً مما لا يمكن بحال أن يأمنوا المسلم أو يأمنهم المسلم لما يعرفه عنهم من أخلاق منحطة وسلوك همجي. ٧- الغاية في مناهجهم الفكرية والدينية تبرر الوسيلة، والزعم بخلاف ذلك عندهم محال. والخلاصة: أن يائيل دايان تؤمن إيماناً جازماً بمبادئها لأن ما تلقته من دروس في حياتها جعلها تعمل بكل دأب لصالح عقيدتها وأعمالها الأدبية تنطلق من منطلقات عقائدها وكونها اليوم نائبة في حزب سياسي لا شك له أيديولوجيته ومنطلقاته الفكرية التي تعمل لخدمة شعب إسرائيل فحالها ليست كحال كثير من بني جلدتنا ممن يعيشون بعيداً عن مبادئ دينهم، ويعملون غالباً وفقاً لمنطلقات فكرية وأيديولوجيات حزبية لا تمت لمعتقداتهم بأدنى صلة بل ربما كانت تضرب بالدين الإسلامي عرض الحائط بدعوى التقدمية والتمدن لأنهم أذناب لجهات شتى، وعملاء لأعداء الإسلام فأي خير فيهم وقد تجردوا من قيم وأخلاق ديننا الحنيف.

стр. 1491

منتدى القراء صدمة وحيرة محمد بيومي طالعت ما كتب الأخ (عادل التل) تحت عنوان (أخطار النزعة المادية في ... العالم الإسلامي) فأصابتني صدمة وحيرة؟ ! أما الصدمة: فكان سببها تلك الأفكار التي نقلها الأخ عادل التل عن جودت سعيد، فمما لا شك فيه أن هذه الأفكار والعبارات - التي سُطرت بها - تصدم كل مفكر ينتمي إلى أهل السنة والجماعة وتدعه في حالة من العجب: كيف تأتي هذه الأفكار وتصدر تلك العبارات عن رجل مثل (جودت سعيد) يعمل في حقل الدعوة الإسلامية ويسعى لحل مشاكل الأمة الإسلامية! ! وأما الحيرة: فكان منشؤها أن بعض الكتاب الإسلاميين من أمثال " الأستاذ محمد العبدة " [١] " والدكتور محمد بن صامل السلمي " [٢] وغيرهما قد نقل عن جودت سعيد وعن ذات الكتب التي تناولها الأخ عادل التل بالنقد، كما أن مجلة البيان قد نشرت مقالات [٣] لبعض الأخوة وبها استدلالات بآراء جودت سعيد! ! لقد دفعني ذلك إلى الحيرة، وألجأتني الحيرة إلى تفكير طويل لعلي أجد لهذا الأمر تفسيراً، وأَصِلُ من هذه الحيرة إلى مخرج؟ ! وبعد التفكير الطويل لم أجد إلا هذا التفسير الذي أرجو الله أن يكون موفقاً: ١- موقف جودت سعيد: أظن -والله أعلم- أن نشوء الآراء الغريبة في فكره قد حصل لأن (جذور) الرجل الفكرية ليست موصولة بالتربية الفكرية الصافية لأهل السنة والجماعة، بل هي موصولة بخليط من التربية والأفكار الأخرى الغريبة على الفكر السني تُعلي من قيمة العقل إلى حدّ يجاوز حدوده التي رسمها الشرع. ٢- وأما المفكرون والكتاب الذين استدلوا بآراء؛ أو على الأصح ببعض آراء جودت سعيد، فإنهم - في تقديري - قد استدلوا بها لأنهم رأوا فيها الحكمة التي هي ضالة المؤمن، ولأنهم حين يتعاملون مع غيرهم لا يأتمنوهم مطلقاً ولا يعصمونهم مطلقاً، بل يسيرون في تعاملهم معهم وِفْقَ قول الله [وإذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا] (الأنعام ١٥٢) ، كما أنهم حين ينقلون عن غيرهم يقتدون بسلفهم، الصالح الذين قال قائلهم: " لا تنظر إلى من قال، وانظر إلى ما قال " [٤] . أو كما قال أحدهم تعليقاً على كتاب قد ضمنه منهجه: " الكتاب لا الكاتب " [٥] . أظن هذا الذي ذكرت يزيل بعض آثار صدمتي وصدمة كثير من قراء مجلة البيان.. ويخرجني ويخرج كثيراً منهم من حيرة أوقعتنا فيها تلك المقالات التي كتبها الأخ عادل التل. أسال الله أن يوفقنا وإياكم إلى ما يحب ويرضى، وأن يعافينا وكل إخواننا مما يصيبنا بصدمة أو حيرة [٦] ".

стр. 1492

تعدد النجاحات عبد العزيز بن محمد الخضر لم تكن الدعوة الإسلامية أشد حاجة لتوحيد الصف والاستفادة من هذا المد الإسلامي مما هي عليه اليوم، فهي بحاجة إلى كل جهد - ولو كان قليلاً - وإلى كل الطاقات في كل مجال لسد الثغرات، لذا فهي بأمسِّ الحاجة إلى استيعاب تعدد النجاحات التي تصب في مكان واحد وتخدم مسار الدعوة. متى تختفي ظاهرة الإعاقة في أسلوب الرد لمناقشة أية قضية وتُسْتَبْدَلُ بالتشجيع والمساعدة وتعديل المسار بأسلوب لا يدخل منه الأعداء لتفريق الصف وتشتيت الجهود، وتقدير عامل المصلحة والمفسدة ومتى..؟ وأين..؟ وكيف..؟ يكون هذا الرد. هناك عدة أساليب تستخدمها نوعية من هواة رصد الأخطاء، بها يستطيعون تخطئة أي عامل في حقل الدعوة ... وهم بها يحسمون القضية حتى لا يدعون للآخر أية فرصة للمناقشة، وكأن وجهة نظهرهم هي الحق حتماً وما عداه باطل، وإن كانت هذه الأساليب تستخدم عن حسن نية غالباً، إلا أنها تنشأ ممن لديهم خلل في جانب تجعل النقاش معهم متعذراً. قد يستخدم أحدهم حجة صحيحة، ودليلاً صحيحاً، وكلاماً عاماً لا أحد يخالفه عليه، لكنك تجده يركز عليه تركيزاً يوحي للمتابع أن الطرف الآخر لا يوافقه عليه - مع أنهم متفقون عليها - فيأتي بالنصوص وأقوال السلف وعموميات تبعده عن الفكرة التي اختلف الرأي حولها، وخطورة الدندنة في هذا الأمر مع خصومه الذين يوافقونه في المنهج تصبح وكأنها تهمة بطريقة إيحائية تجعله بعيداً عن منهج السلف، خاصة إذا لم يجد مع خصمه أمراً واضحاً لاتهامه بها. أحياناً نجد الاختلاف في وجهة النظر في أمر واسع لا يتعدى كونه مستحباً، لكنك تجد عند بعضهم الحماس لهذه الأمور حتى أنه يوالي ويعادي من أجلها، فمثلاً عند الاختلاف حول أساليب الدعوة نجد أن هناك من يريد أن يحجر على من يخالفونه في الرأي - وإن كان لا يطلب ذلك مباشرة - حتى في طريقة عرضهم للقضايا في محاضراتهم ودروسهم وكتبهم، مع أنه لا يوجد خطأ شرعي، في مضمون الفكرة التي يريد الوصول إليها أو إقناع المتلقي بها، ومع هذا نجد التُّهم توجه إليهم بطريقة أو بأخرى وهي ناتجة عن ضيق أفق وعُقَدٍ نفسية ممن يخالفه، فإذا لم يجد خطأ في الفكرة أوحى إلى المتابع أنه يخالف منهج السلف ويشابه أهل البدع بطريقة غير موضوعية، وينصَّب نفسه حكماً. إذا كان الردّ على أحد نفع الله به، وصار كثير من الناس يستمع له ويقبل منه قال إن الكثرة لا تدل على صحّة المنهج ثم يستشهد بالأدلة وكلام السلف وهذا الكلام صحيح، لكن هل قلة الأتباع وعدم النجاح في نشر الدعوة دليل على صحة المنهج..؟ ! فهم يتعاملون مع هذا حسب الحاجة. إطلاق تُهم عدم المنهجية عند فلان وفلان - أيضاً بطريقة إيحائية - خاصّة عند كلامهم مع تفصيلات دقيقة حول أي حدث لتبرير عجزه، فتجده يقلِّل من شأن أية معلومة صغيرة بحجة أنها لا تفيد المنهجيين في طلب العلم وتدريسه مع أن هذه التفصيلات تعطي رؤيا أوضح، وتصور أكثر واقعية لكلّ حدث خاصّة أن الحكم على الشيء فرع من تصوره، ومع هذا فهم يصرون على أن هناك استحالة للجمع بين الاهتمام بالتفاصيل المعقولة للأحداث وبين المنهجية في طلب العلم،، والتربية للأمة من خلال الأحداث ينبغي الاهتمام بها وهذا لا يتأثر بالكلام العام دون التعليق والدخول في التفصيلات المعقولة للأحداث والتربية في كل حدث لا يكون أثره إيجابياً إلا إذا جاء في وقته، لأن الجميع يتابعونه، أما إذا مضت السنون على حدث فإنه يفقد قيمته حيث يندر المتابع له بعد هذه المدة، ونحن إذا تأملنا أهمّ الأسباب التي جعلت الأمة تفقد وعيها وهويتها حتى وصلت إلى درجة كبيرة من الانحراف في جميع المجالات، إضافة إلى جعلها لا تستفيد من الأخطاء في كل مجال وكل حدث، نجد أهمها هو الإعلام بجميع أنواعه فهو الذي يوجِّه الأمة إلى ما يريد، ولا يكاد يسلم من هذا إلا أقلّ القليل، فتأثيره شامل لجميع فئات المجتمع ومختلف الأعمار ففي كلّ يوم، بل وفي كل ساعة والأمة تتربى على هذا. ولو كان هناك استيعاب لتعدد النجاحات وعدم احتقار الجهود - لتسير النجاحات بخطوط متوازية مع انطلاقها من قاعدة واحدة لا نقبل الاختلاف فيه - لتوفرت الطاقات وتوحدت الأهداف.. فلينزل إلى الساحة من حصر نفسه علمياً داخل الغرف المغلقة، أو في الزوايا والتكايا فلسنا بحاجة إلى متفرجين يجيدون فنَّ التنظير والتعليق على الأخطاء من خلف الأسوار.

стр. 1493

نصائح طبية ماذا تفعل الأم ؟ د.محمد محمد القرمه كثيراً ما يصاب الطفل بحوادث طارئة، وتكون السرعة في علاج هذه الطوارئ هي السبب الأول الذي يُقدرّه الله في طريق الشفاء.. وهنا سنبين للأم كيفية التعامل مع الحالات الطارئة على طفلها، ونوضح لها ماذا تفعل في كل منها قبل مراجعة الطبيب. * إذا دخلت ذبابة أو بعوضة إلى أذن الطفل. تضع قطرات من الزيت داخل الأذن وبذلك تموت الحشرة وتفرزها الأذن بعد إحاطتها بالشمع. * إذا أصيب الطفل بدمامل صغير في الأنف. لا تعبث به أبداً لاتصال أوردة هذه المنطقة بالمخ وسهولة تسرب الميكروبات إليه عند العبث بالدمل. * إذا ابتلع الطفل قطعة نقود أو خرزة. يعطى الطفل بعض القطن أو حتى طعامه الطبيعي مع ملاحظة براز الطفل ٣ أيام فإذا مرت الأيام الثلاثة دون خروج الجسم الغريب، فلا بد من عرض الطفل على الطبيب لتصوير جهازه الهضمي بالأشعة ومعرفة مكان الجسم الغريب. * إذا دخلت ذرة رمل أو نشارة خشب أو غيرها في عين الطفل تغسل العين بكمية كبيرة من الماء لطرد هذا الجسم الغريب، فإذا استمر احمرار العين، فلا بد من مراجعة طبيب العيون. * إذا دخل حنجرة الطفل جسم غريب كالحمص أو الخرز. سترى الأم أن طفلها بحالة اختناق وأن هناك صفيراً مع التنفس، ويكون دور الأم هو تمييل رأس الطفل وصدره إلى الأمام والأسفل مع الخبط تحت مؤخرة العنق وأعلى الصدر، وسترى أن هذا الشيء الذي يسبب الاختناق قد خرج بإذن الله. أمّا إذا لم يخرج فعليها أن تسرع إلى الطبيب لاستخراجه بالوسائل المناسبة. * إذا تناول الطفل مادة سامة. ينقل الطفل إلى المستشفى مع ما يدل على نوع المادة أو الدواء الذي تناوله.. ويمكن بوجه عام إعطاء الطفل كوباً من الماء به ٣ ملاعق من ملح الطعام وذلك لدفعه إلى القيء. ولكن تستثنى من ذلك الحالات التي يشرب فيها الطفل الكيروسين أو البنزين أو المواد الكاوية.. حيث يكون العلاج السريع هو إعطاء الطفل كوباً من اللبن مخلوطاً ببياض البيض. * إذا أصيب الطفل بحروق. تضع الثلج على مكان الحرق لمدة ١٠ دقائق ثم تدهنه بمرهم ملطف وتعطيه بعض المسكنات حتى يعرض على الطبيب. * إذا أصيب الطفل بتشنجات مصحوبة بفقدان الوعي. تفك الأزار والأحزمة ويمدَّد الطفل على بطنه، ورأسه إلى أسفل قليلاً حتى لا يبتلع الطفل لسانه، ويتسبب اللسان في انسداد الحلق. وإذا كانت التشنجات بسبب ارتفاع درجة الحرارة، فيجب على الأم العمل على تخفيض درجة الحرارة بوضع كمادات باردة على الجبهة والرقبة وإعطاء الطفل " تحاميل " خافض للحرارة. * إذا أصيب الطفل بنزيف من الأنف. يُجلس الطفل بحيث يميل رأسه إلى الأمام، وتضغط الأم على جانب الأنف لسد فتحته وإعطاء الفرصة لتجلط الدم النازف، مع وضع قطعة من الثلج على جبهة الطفل بضع دقائق. * إذا أصيب الطفل بالتهاب حاد في الأذن. يُعطى الطفل المسكنات، ولا يُنقط أي دواء في الأذن، مع ضرورة عرض الطفل على الطبيب. ... هذه بعض النصائح الطبية للأم.. وقد حاولنا فيها أن يكون العلاج في حدود قدرتها، وما يمكن أن يحويه بيتها، ونسأل الله لجميع أطفال المسلمين العافية والنجاة من الحوادث.

стр. 1494

إصدارات -التحرير- الإسلام كبديل، ٢٥١ صفحة: المؤلف: مراد هوفمان. المترجم: د. غريب محمد غريب. الناشر: مؤسسة بافاريا للنشر والإعلام ألمانيا، ومجلة النور الكويت، الطبعة الأولى ١٤١٣ - ١٩٩٣. موضوع الكتاب: المؤلف هو سفير ألمانيا في المغرب الذي أعلن إسلامه، وكتب عن الإسلام كبديل، استعرض فيه المجتمع الغربي وعوامل الضعف فيه، كما تكلم عن العقيدة الإسلامية مقارنة بالنصرانية، وعن الصوفية، وعن الحرية الاقتصادية، وعن الحكومة الإسلامية، والمؤلف صاحب ثقافة واسعة، ولا يخلو الكتاب من أخطاء نظراً لعدم تعمق المؤلف بالعلوم الإسلامية، واعتماده على الكتب المترجمة أو المؤلفة باللغات الأجنبية. *** البوسنة والهرسك من الفتح إلى الكارثة، ٢١٢ صفحة: المؤلف: الدكتور محمد حرب. الناشر: المركز المصري للدراسات العثمانية وبحوث العالم التركي، القاهرة، الطبعة الأولى ١٤١٣هـ/١٩٩٣م. موضوع الكتاب: دارسة عامة لبلاد البوسنة والهرسك منذ الفتح الإسلامي وحتى الوقت الحاضر، والكتاب دراسة أكاديمية موثقة. *** المسلمون واكتشاف الأميركيتين، ٨٠ صفحة: المؤلف: خالد عزب. الناشر: دار الصحوة في القاهرة، الطبعة الأولى ١٤١٣هـ/١٩٩٣م. الموضوع: دارسة مفصلة لاكتشاف أميركا مع إبراز الدلائل على وجود المسلمين في أميركا قبل وصول كولومبس إليها.

стр. 1495

الصفحة الأخيرة الأرض الثقافية المحروقة ! جمال سلطان الثابت في ساحة الفكر والثقافة العربية الحالية؛ أن ثقافة الاغتراب والعلمنة والتبعية، آلت إلى المحاق الأخير، وأوشكت آثارها على الاندراس نهائياً من ديار الإسلام، فقد سقطت الماركسية في أعلى نماذجها، بل إن موجة (الاشتراكية) ذاتها تُمنَّى بانتكاسات خطيرة على امتداد العالم كله، شرقية وغربية، كما أن العلمانية الغربية ودعاوى التقدم والإخاء الإنساني والحضارة الإنسانية الواحدة، والعقلانية وعصر النور، كل هذه الدعاوى الغريبة قد سقطت تماماً على أرض الواقع، وتم تكفينها ودفنها من تراب البوسنة والهرسك، حتى ارتفعت أصوات بعض المثقفين الغربيين بالصراخ ولطم الخدود، وشق الجيوب على هذا الانحدار المزري الذي آلت إليه حضارة أوربا وإنسانيتها، أمام ما يحدث بين جنباتها أو تحت سمعها وبصرها وبصنع أيديها. اليسار العربي - بفصائله - والعلمانية العربية على اختلاف ألوانها ومذاهبها، ترى ذلك وتتيقن منه، وتعلم يقيناً أن فكرها ومذاهبها ومناهجها وأحزابها، ليس إلا زبالة ستئول إلى مقابر التاريخ! كما أنها توقن أن " الدين الإسلامي " هو دين الأمس واليوم والغد، في ديار العرب والإسلام، وهل تخطيء العين شمس الواقع ونهاره إلا عن رمد أو عمى؟ المهم في القضية هو: أن ثقافة الاغتراب وثقافة الماركسيين العرب، تأبى لجماهير الأمة أن تختار طريقها، وتخط مستقبلها، وتبني مشروعها الثقافي والحضاري، بحرية وهدوء، وترقى إلى تدمير كل شيء، أي شيء من ثقافة الأمة، ودين الأمة، ومعالم حضارتها وسكب الوحل على تاريخها كله، ولا تزال فلول المخربين المتنفذة في بعض مراكز التوجيه والقرار - في عدد من البلدان العربية - تحاول إحراق أرضنا الثقافية قبيل إعلان النصر الإسلامي الحضاري نهائياً على أعداء الإسلام، ولا زالت الفلول تغذي نيران الفتنة، طائفية أو سياسية، في عدد من ديار العرب، بغية تدمير ما يمكن تدميره من بناء الأمة النفسي والاجتماعي. هذه الهجمة الموتورة، هي - بلا شك - إرهاصات النصر وإشارات المنتهى، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

стр. 1496

صفر - ١٤١٤هـ أغسطس - ١٩٩٣م (السنة: ٨)

стр. 1497

كلمة صغيرة سلك الأعداء كافة السبل للنيل من شأن الإسلام والمسلمين، واستخدموا العديد من الأقنعة لإخفاء صورهم القبيحة، فتستروا بستائر (العلمانية) إخفاء لما في السرائر من الأحقاد والضغائن، ورغم التمويه فقد انكشفت الحقائق عن سوء الطوية، والتخطيط لاستلاب هوية الأمة، ووضع مقدراتها بين أيدي أعدائها، وأصبحت (العلمانية) حديث الساعة، فجاءت الكتابات - وبعضها لم ينشر في هذا العدد - حول هذا الموضوع دون اتفاق أو تخطيط مسبق وكأنه مطابق لما جاء في الحديث: " الأرواح جنود مجندة ". إنه لأمر غريب جداً ومستنكر ولكن هذا هو الواقع المرّ. المحرر

стр. 1498

الافتتاحية [مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ] رئيس التحرير جاء الإسلام والعرب من أشد الأمم استعداداً لقبوله، وهم - في الوقت نفسه - من أشد الأمم تفرقاً، فجمعهم رسول الله ﷺ على الهدى، وأنقذ الله بهم أمماً من الكفر والضلال عندما حملوا الرسالة وتمسكوا بها، ثم كان ما كان من التراجع عن هذا المركز الخطير، حتى صاروا من أضعف الأمم، ولكن الجذوة ما تزال باقية تحتاج من يوقدها، والراية تنتظر من يرفعها، ولا شك أن الغرب يعي ويعلم أهمية المنطقة العربية، وأنها مَهْدُ الإسلام ومادته، وهي منه بمثابة قطب الرحى، ولذلك كان التركيز لإبعاد المنطقة وأهلها عن الإسلام، وتشجيع التيارات العلمانية والإلحادية، والمساعدة على الانقلابات العسكرية التي أكلت الأخضر واليابس، وتسخير الأقليات التي تخدم الغرب خدمة تفوق توقعاته أحياناً. قامت الدولة الإقليمية العلمانية بالمهمة نفسها، فأبعدت الدين عن مواقع التأثير، وخرِّبت مرافق العلم والاقتصاد والبنية الاجتماعية، وتجرأت التيارات العلمانية فجهرت بأفكارها وآرائها بكل وضوح وصراحة متحدية شعور الأمة، وطاعنة بأعز ما تملك هذه الشعوب وهو الإسلام، وظهرت على الساحة فلول العلمانيين من بقايا الشيوعيين، أو الأحزاب الغابرة والإلحادية الذين ارتكسوا في الضلال واستمرأوا التبعية والذل لكل متسلط من الشرق أو الغرب. وقامت بدعم هذه الفئة فئات مستهترة، تعرف وتحرف، وتعلم وتنكر، أصحاب أهواء وأتباع مناصب ومال، أعمتهم الشهوات، وأضلهم طول الأمل، وهم في غمرة ساهون. وهناك فريق ثالث قوامه أفراد متحيرون، متهوكون، جاهلون بأمر الله، لا يعادون الإسلام ولكنهم يظنون أنه صلاة وصيام، وأما شؤون الحياة الأخرى فتنظمها القوانين الوضعية والتراتيب الإدارية، فهؤلاء يجهلون عظمة هذا الدين ومنهجه في إصلاح البشر، و [مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ] [الحج ٧٤] إذ ظنوا أنه يخلق الخلق ثم يتركهم هملاً، فلا ينزل عليهم كتاباً فيه حياتهم وسعادتهم، وتشريعاً يجب أن يطبق في الأرض، وإن لم يفعلوا فهو الشرك، قال تعالى: [ولا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وإنَّهُ لَفِسْقٌ وإنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وإنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ] [الأنعام ١٢١] . تقف هذه الفئة موقفاً سلبياً تجاه الأحداث التي تعصف بهذا الدين، وتلحق الضرر بالدعاة والدعوة الإسلامية، وتصدق هذه الفئة ما يُروج من دعايات تُصور بأن المعركة مع (الأصولية والإرهاب) وليست مع الإسلام. إن هذه الفئة وأمثالها بحاجة ماسة إلى من يوضح معالم الطريق الصحيح، ويصدع بالحق دون وَجَلٍ، حتى تكون الصورة جلية مكشوفة لا عوج فيها ولا تمويه ولا تضليل، وحتى تكون على بينة من أمرها، وتكون عوناً للمسلمين على أعدائهم، وعدم الاكتفاء بالمواقف المحايدة فالله هو الخالق الآمر [أَلا لَهُ الخَلْقُ والأَمْرُ] [الأعراف ٥٤] ، ولا يكون الناس عبيد سوء يأكلون من رزقه ويطيعون غيره، فالإسلام جاء لإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله. إن الاعتراف بربوبيته سبحانه يستلزم العبودية له، والخضوع لشرعه [أَمَّن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ومَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ أَإلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ] [النمل ٦٤] ، [الله الَذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّن شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشرِكُونَ] [الشعراء ٤٠] . ماذا يظن هؤلاء بآيات تحريم الربا (سورة البقرة) وآيات تشريع العلاقات الأسرية (البقرة، النور، الأحزاب) وآيات الميراث (النساء) وآيات الحكم بما أنزل الله (المائدة، الأنعام، النساء) وآيات الشورى (الشورى، آل عمران) وغير ذلك من الآيات الكثيرة الموجودة في القرآن العظيم، مما يتعلق بشؤون الناس في الدنيا؟ هل يظنون أنها للتلاوة والتبرك بها فقط؟ وكذلك أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - الكثيرة التي تفصل أحكام معاملات المسلم في شؤونه اليومية، وما قيده علماء المسلمين في الموسوعات الفقهية التي تضم أدق التفاصيل في المعاملات والحكم. كل هذا جاء ليطبق في الأرض، ولا يطبق إلا بحاكم ودولة، وإلا فمن الذي يطبق قوله تعالى: (والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَ.. [ ] المائدة ٣٨ [،] ولَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [] البقرة ١٧١ [،] فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ.. [] المائدة ٤٨ [. إن الذين يقولون: إن هذه الآيات لا تصلح لهذا العصر - مع أن البشر هم البشر، والأرض هي الأرض - فإن طرحهم هذا هو الخروج من ربقة الإسلام والتفصي عن منهجه، وهذا الذي جعل المنطقة العربية والإسلامية تعيش النكد والغصص في العيش، والذل والهوان أمام الغرب والشرق. ففي ظل الدولة العلمانية الإقليمية، هاجرت أكثر العقول العربية المسلمة المتعلمة تعليماً عالياً إلى أوربا وأميركا وعملت هناك، واستفاد منهم الغرب علمياً وتقنياً ثم عاد يضرب المسلمين بعلمه وصناعته المتفوقة فكنا كمن يخربون بيوتهم بأيديهم، وفي ظل الدولة الإقليمية قضي على العلم والجامعات، وأممت المساجد فأصبح الإمام كما قال أحد المفكرين (شاويش صلاة) ، وفقدت الأمة روح المقاومة والاستقلالية، وتم استيراد كل شيء من الغرب والشرق، وعندما نتأمل ما نأكله ونلبسه ونستعمله في الإدارة، والتجارة والزراعة نجد أكثره ليس من صنعنا. لقد طالت آثار هذا الضعف والهوان كل شيء بدءاً من فلسطين حيث يضرب الأب في غزة أمام أولاده لتحطيم الأسرة في عزتها وكرامتها، مروراً بالبوسنة والهرسك حيث كارثة قتل واقتلاع شعب بكامله من أراضيه، ومرت هذه الكارثة ولم تستطع دول العالم الإسلامي إيقافها، وبتنا نراقب المؤامرة الغربية الدنيئة دون أن نستطيع الحراك، وما أظن أحداً يتجرأ على دولة في أميركا اللاتينية، أو شرق آسيا كما يتجرأ الأعداء على العرب والمسلمين في هذه الأيام. وصلت آثار هذا الذل إلى العرب والمسلمين المقيمين في الغرب فارين بدينهم، أو يعملون لكسب قوُتهم. فعندها تأججت نار العنصرية الأوربية وجد المسلمون أنفسهم بين المطرقة والسندان، فلا دولهم تدافع عنهم، ولا الدول الغربية قلمت أظفار الأحزاب العنصرية عندها، فأُحرقت أسر بكاملها، ودمرت بيوت وبدأ التحرش بالمسلمين وإهانتهم بشكل سافر في فرنسا وألمانيا، وبشكل مستور في بقية أنحاء العالم الجديد! ! ترى هل يتنبه الذين يقفون موقفاً سلبياً من الأحداث الجسيمة التي تلف العالم الإسلامي، فيدركون خطورة مواقفهم؟ هل يفهمون أن حماية الإسلام ونصرته ليست موقوفة على فئة معينة دون فئات كثيرة، ولا على قلة من الدعاة والعلماء، بل هو واجب مشترك لكافة المسلمين؟ إن ما يفعله العلمانيون أو يريدون فعله، إن هو إلا تجريد للأمة من هويتها وسلخها عن حضارتها، بل عن روحها وحياتها. ماذا نسمي هذا الفعل، ألا يعني ذلك تسليم القلعة وما فيها إلى الأعداء البغضاء؟ ما زال في الوقت متسع لمن يود العودة إلى رشده، وما زالت الفرصة متاحة أمام من عقد العزم على النهوض من نومه العميق. وما زالت نيران أحقاد العدو تستعر في قلب العالم الإسلامي وأطرافه ولكن إطفاءها ليس مستحيلاً على من تمسك بحبل الله المتين وصراطه المستقيم.

стр. 1499

دعوة حتى نستفيد من خطبة الجمعة (٢) محمد بن عبد الله الدويش تحدث الكاتب في العدد الماضي عن أهمية خطبة الجمعة واختيار الموضع المناسب وفي هذا العدد يُكمل الحديث عن هذا الموضوع المهم. ثالثاً: الأسلوب: ١- حسن الأسلوب وجودته فالألفاظ قوالب المعاني. ٢- وحسن الأسلوب وجودته لا يعني أن يتكلف الخطيب فيقع فيما نُهي عنه [قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ومَا أَنَا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ] [ص ٨٦] . وأخبر - صلى الله عليه وسلم - أن التكلف، والتفاصح صفة مذمومة يبغضها الله فقال: ... ... (إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة بلسانها) [١] . ... ... وقال أيضاً: (هلك المتنطعون) [٢] قال ابن الأثير: التنطع في الكلام: التعمق فيه والتفاصح [٣] . ومن ذلك قول أحدهم: (لقد فاحت رائحة الشمس، فعطرت وجنات القلوب، وتركت قطرات الندى الإيماني الأبيض على شفاه الخفقات الدافئة في الصدور) . ٣- الاعتماد على الحجج العلمية المنطقية، وعدم إلقاء النتائج مباشرة. فإن ... الخطيب لم يعد المتعلم الوحيد ولا فريد عصره، أو نسيج دهره. ٤- تجنب النقد اللاذع والعبارات الجارحة، والتركيز على الأخطاء، والحكمة في معالجة الخطأ. ٥- الاعتدال وعدم المبالغة. خَطَبَ أحد الخطباء عن الفتيات وخروجهن ليلاً، ... وطالب الآباء أن يقوم أحدهم منتصف الليل ليتأكد من وجود ابنته على سريرها؛ فخرج المصلون وهم يمقتون مثل هذه المبالغة. ونموذج آخر ذكره الشيخ عبد اللطيف السبكي في مجلة الأزهر [٤] وذلك أن خطيباً خطب في جامع الأزهر عن حديث " واتبع السيئة الحسنة تمحها " فهَوَّن أمر المعصية، وأن الله فطر الناس عليها وقال بالحرف الواحد: (إن الله لم يقل للناس لا تسيئوا، ولكن قال إذا أسأتم ... فاستغفروا) . إنه لا يسوغ أن تمتلك الخطيب عاطفته الجياشة فيتحدث بمبالغة دون اعتدال أو إنصاف؛ بل إن المبالغة تؤدي إلى نتائج معاكسة. رابعاً: الأداء: ١- الصوت: فينبغي العناية بوضوح الصوت والتأكد من الأجهزة التي تنقل الصوت، إضافة إلى التحكم في صوته هو، ورفعه وخفضه في المكان المناسب، وأن يعتني بسلامة إخراج الحروف. ٢- تصوير المعاني بالنطق، ففي حالة الاستفهام ينتظر الجواب، وهكذا في حالة التعجب. ٣- حسن الوقوف، فيراعي المعاني وتمامها عند وقوفه. ٤- الحماسة، والعاطفة الحية التي يشعر المصلي من خلالها أن الخطيب يحمل الفكرة في عروقه ودمائه، وليست مجرد كلمات هامدة، وقد كان - صلى الله عليه وسلم - إذا خطب علا صوته، واحمر وجهه كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم. ٥- رباطة الجأش، والتعود على ذلك. ٦- سلامة اللغة وعدم اللحن، وقد كان السلف يعتنون باللغة وسلامتها، وكان اللحن مما يعاب به على المرء فضلاً عن طالب العلم، وليس ثمة ما يعيب الخطيب، أو ينقص من قدره، أن يدرس مبادئ النحو، أو يبحث عمن يقرأ عليه فيصحح قراءته. قال عمر بن الخطاب ﵁: " تعلموا الفرائض واللحن اللغة والنحو فإنه من دينكم ". ويمكن أن يلجأ إلى حل مرحلي بأن يشكل الكلمات التي يرى أنه عرضة لأن يخطئ بها. خامساً: بين الارتجال والخطبة من ورقة: أولاً: نود الإشارة إلى أن هنالك فرقاً بين الارتجال في المصطلح المعاصر، وعند العرب، فهو لدى العرب الخطبة من غير إعداد واستعداد، ولم يكونوا يعرفون الخطبة من الورقة أصلاً؟ أما في المصطلح المعاصر فيقصد به الخطبة دون ورقة، ولو أعد الخطيب لتلك الخطبة. فالارتجال بمعناه عند العرب لا ينبغي أن يسلكه الخطيب فيصعد المنبر، ويفكر في موضوع الخطبة أثناء الآذان، أو يفكر وهو في الطريق إلى المسجد، ومهما علت مكانة الخطيب، واتسع علمه، فلا يستغني عن الإعداد والتحضير المسبق، لكن ما يكثر عنه السؤال، ويدور حوله النقاش، أيهما أولى: أن يخطب الخطيب من ورقة، أو من دون ورقة مع التحضير والإعداد المسبق. والموضوع يحتاج لتفصيل تضيق عنه هذه المقالة لكننا نسجل بعض الملحوظات: ١- الناس يختلفون ويتفاوتون في ذلك. أ- فبعضهم يحتاج للورقة لتضبط ألفاظه، فلا يشطح، ويقول ما يُحسب عليه، أو تضبط له موضوعه فلا يتشتت به الحديث يمنة ويسرى، وينسى موضوعه، أو يضبط له وقته فلا يطيل على الناس. ب- والبعض يحتاج لرؤوس الأقلام، والنصوص. ج- والبعض لا يحتاج لذلك، ويستطيع أن يستوعب موضوعه، ويضبط ألفاظه، ووقته. فإذا كان كذلك فهذا أدعى للتأثير على الجمهور وجلب انتباههم. ٢- من لا يجيد الارتجال يستطيع التعود، بالتدرج؛ وأفصح الناس قد ولدته أمه وهو لا يجيد النطق بحرف واحد. ٣- ليس بالضرورة أن يجعل الخطيب الخطبة دون ورقة هدفاً له، فقد يخطب من خلالها، ويفيد الناس، ويحقق المقصود. سادساً: بين الإيجاز والتطويل: الإيجاز هو السنة. روى مسلم في صحيحه عن أبي وائل قال خطبنا عمار فأوجز وأبلغ، فلما نزل، قلنا يا أبا اليقظان لقد أبلغت وأوجزت فلو كنت تنفست، فقال إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مَئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة وإن من البيان سحراً ". وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: (كنت أصلي مع رسول الله ﷺ فكانت صلاته قصداً، وخطبته قصداً) . وقال أبو بكر ﵁ ليزيد بن أبي سفيان ﵄ حين أمّره على جيش إلى الشام: " وإذا وعظتهم فأوجز فإن كثير الكلام ينسي بعضه بعضاً ". وها نحن نرى في عصرنا من يطيل الخطبة حتى يُملَّ الناس. ذكر اللواء محمود شيت خطاب أنه صلى مع خطيب في القاهرة استمرت خطبته ساعة وعشر دقائق، مع اللحن والخطأ في الآيات، والأحاديث، والشعر [٥] . الإيجاز والتطويل نسبي وقد يتطلب الموضوع أحياناً قدراً من الإطالة، أو طبيعة المستمعين. أو من الخطيب؛ كأن يفد غريب وهو ممن يحب الناس سماع كلامه؛ فمثل هذه المواقف قد تسوغ فيها الإطالة ويبقى بعد ذلك الإيجاز هو الأصل، فالإيجاز يزيد مسؤولية الخطيب؛ إذ سيحتاج لعرض جملة من الحقائق والمعلومات في وقت يسير. وليس صحيحاً أن التحضير يتناسب طردياً مع وقت الخطبة. سابعاً: أمور لابد من اجتنابها: أ- التركيز على سلبيات المصلين، والحديث عن أخطائهم، أو استعمال ضمير المخاطب كثيراً، وهذا مثل الطبيب الذي يحدث المريض عن مرضه ويبالغ في وصفه وخطورته؛ إن التركيز على مثل هذا الأسلوب من شأنه أن يحطِّم كل جوانب الأمل لدى المصلي، مما يجعله يشعر أنه لا يمثل إلا مجموعة من الأخطاء والعيوب، ومع كثرة النقد وبيان الأخطاء يتلبد إحساسه؛ فيشعر أن الخطأ أمر طبيعي لا يمكن أن يفارقه. أو أن يشعر أن هذا الخطيب لا ينظر إلا بعين واحدة، فينصرف عن سماع ما يقول. إن الخطيب الناجح يستطيع أن يحقق المقصود، ويعالج الخطأ دون حاجة للانتقاد المباشر للناس، فحين يتحدث عن إهمال الناس لصلاة الجماعة مثلاً؛ بإمكانه بدلاً من النقد اللاذع أن يتحدث عن أهميتها، وفضلها، ويسوق الأدلة الشرعية على ذلك؛ ثم يُثَنِّيْ بعناية السلف بها، ومحافظتهم عليها، وذمهم من يتخلف عنها؛ وبعد ذلك يقف عند هذا الحد، واللبيب يفهم الإشارة، وفي التلميح ما يغني عن التصريح، وهذا لا يعني بالضرورة عدم الحديث عن الخطأ أو مجاملة الناس، لكن هذا شيء، وما نفعله أحياناً شيء آخر. ٢- وصف الأخطاء والتحذير منها دون العمق في تحليل أسبابها، والتفتيش عن مكمن الضعف. فقد أصبح الشعور بالخطأ مشتركاً لدى الأغلب، لكنهم ينتظرون برنامجاً عملياً، وخطوات واقعية. ومن ذلك الحديث المجرد عن الموت والقبر دون ربط ذلك بالواقع. ويشير ابن القيم ﵀ إلى شيء من ذلك، فيقول: " وكذلك كانت خطبته، إنما هي تقرير لأصول الإيمان، من الإيمان بالله، وملائكته وكتبه، ورسله ولقائه، وذكر الجنة والنار، وما أعد الله لأوليائه وأهل طاعته، وما أعد لأعدائه وأهل معصيته، فيملأ القلوب من خفته إيماناً وتوحيداً، ومعرفة بالله وأيامه، لا كخطب غيره التي إنما تفيد أمراً مشتركاً بين الخلائق، وهي النوح على الحياة، والتخويف بالموت، فإن هذا أمر لا يحصل في القلب إيماناً بالله، ولا توحيداً له، ولا معرفة خاصة به، ولا تذكيراً بأيامه، ولا بعثاً للنفوس على محبته والشوق إلى لقائه، فيخرج السامعون ولم يستفيدوا فائدة؛ غير أنهم يموتون، وتقسم أموالهم، ويبلي التراب أجسامهم، فليت شعري أي إيمان حصل بهذا؛ وأي توحيد وعلم نافع حصل به؟ ! " [٦] . ٣- النقد الشخصي والتصريح بالأسماء، فهذا خلاف هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي كان كثيراً ما كان يقول: " ما بال أقوام يفعلون كذك وكذا ". أو الغلو والإيغال في التعمية، فالمنكرات الظاهرة العامة يجب أن تنكر صراحة. ٤- مدح من لا يستحق المدح، والثناء عليه، كما في بعض المواقف والمشاريع التي يدرك الجميع أنها غير صادقة، وغير جادة، أو كانت جادة؛ لكن الخطيب لا يستطع أن يقول كل شيء، فلا يستطيع الانتقاد وبيان الخطأ، فلا يسوغ له الاقتصار على الثناء؛ لأنه يتضمن التزكية عند الناس، أما ما يقوله البعض من أن هذا شهادة للمحسن بإحسانه؟ فهذا مطلوب لكن حين يستطيع أن يشهد بالإساءة والإحسان، أما حين تكون الشهادة بالإحسان وسيلة لطمس الحقائق؛ والتلبيس على الناس، فهذا أمر مرفوض. ٥- تأثر الخطيب بعمله الوظيفي. فحين يكون مدرساً يتحدث كثيراً عن الإجازات، والامتحان، وبدء العام، وهكذا مَنْ يعمل في ميدان الاحتساب ترى معظم خطبه تدور حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعن المنكرات المتفشية في المجتمعات، وهذه أمور مطلوبة؛ لكن هذا شيء وكونها سمة غالبة على الخطيب شيء آخر. ثامناً: مقترحات للخطيب: لعلنا نقترح هاهنا بعض المقترحات للخطيب على أمل أن تساهم في إفادته، ورفع مستوى خطبته: ١- اللقاء بالخطباء في الحي، والتنسيق معهم، والاستفادة المشتركة من المعلومات، ووجهات النظر، مما يختصر عليهم كثيراً من الوقت. ٢- وضع صندوق للمقترحات؛ يشمل موضوعات للخطبة، وانتقادات، ومعلومات عن ظاهرة معينة، ليكون هذا الصندوق حلقة وصل بين الخطيب والمصلين، وقناة للتفاهم بينهم. ٣- اللقاء ببعض فئات المجتمع كالمدرسين، والطلاب، والعمال، والأطباء، والقضاة، والعسكريين، فيستفيد من إطلاعهم على جوانب في المجتمع قد لا يطلع عليها، ومن التعرف على مشاكلهم، والتي تمثل عينة من مشكلات يعاني منها الكثير من زملائهم، إلى غير ذلك مما يفتح للخطيب قنوات أكثر مع المجتمع. ٤- الاستفادة من بعض المصلين، فقد يصلي مع الخطيب أحد طلبة العلم، أو المثقفين، أو ممن يمكن أن يستفيد منه، انتقاداً، واقتراحاً، ومعلومات؛ إلى غير ذلك. ٥- وضع " أرشيف " شخصي، ينظم له معلوماته، ويمكن أن ينسق مع غيره من الخطباء لتبادل الخبرة، والمعلومات. ٦- الخطيب هو الرجل الوحيد الذي لا يسمع خطبة الجمعة، ولعله حين يحرص على سماع الأشرطة المسجلة لمشاهير الخطباء يستفيد كثيراً. ٧- القراءة في الكتب المؤلفة في الخطابة وفنها. ٨- الترجمة للخطبة إذا كان في المسجد جاليات أعجمية. تاسعاً: هل سألت نفسك هذا السؤال؟ ماذا حققت من خلال الخطابة خلال مدة اعتلائك المنبر. هل صححت أخطاء تربوية؟ هل قمت بحل مشاكل اجتماعية؟ هلى ساهمت في تعليم الناس أصول العقيدة، والأحكام التي يحتاجونها في حياتهم؟ إن هذا السؤال لا يعني فشلك، أو اتهامك بالتقصير. لكنه سؤال يجب أن تطرحه على نفسك باستمرار مدى قيامك بهذه الأمانة، ورعايتها.

стр. 1500

دعوة إبراهيم ﵇ - محمد الخضيري إن الدعوة إلى الله تعالى طريق الأنبياء ﵈ وأتباعهم كما قال تعالى: [قُلْ هَذِهِ سَبيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا ومَنِ اتَّبَعَنِي وسُبْحَانَ اللَّهِ ومَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ] . وكان مما اعتنى به القرآن الكريم ذكر قصص دعوات الأنبياء، وتصويرها بأبلغ أسلوب، وعرضها بأدق عبارة، حتى أصبحت أخبارهم في القرآن نماذج حيّة يحتذيها الدعاة ويقتبسون من نورها، ويهتدون بهداها [أُوْلَئِكَ الَذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ] . وقد اخترنا دراسة موضوع الدعوة إلى الله من خلال قصة إمام الحنفاء وأبي الأنبياء إبراهيم ﵇ ولم يكن اختياري لهذه الدعوة جزافاً بل لأسباب أوجزها فيما يلي: أولاً: أنها دعوة خليل الرحمن، ومؤسس الحنيفية، وأحد أولي العزم الخمسة من الرسل. ثانياً: أن رسولنا محمداً ﷺ قد أمر باتباع ملته [ثُمَّ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ حَنِيفاً ومَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ] . ... ... ثالثاً: تلك الصفات العظيمة التي تحلى بها إبراهيم حتى قال الله تعالى فيه [وإبْرَاهِيمَ الَذِي وفَّى] فكانت نبراساً يقتفى أثره فيها الدعاة إلى الله. ... رابعاً: استغراق القرآن واستقصاؤه لأساليب إبراهيم المتنوعة في عرض دعوته على قومه، حتى إنه ليعز على الباحث أن يجد لنبي من الأنبياء خلا نبينا - ﷺ مثلما يجد لهذه الأيام من الطرائق والسبل في إقناع المدعوين وترويضهم على قبول الدعوة. ولا غرو فقد سنَّ للناس من بعده من الدعوة أساليب لم تعهد لأحد من قبله ولم تقف عند حد الكلمة بل تخطتها إلى الحركة والفعل. خامساً: رسمت هذه الدعوة للدعاة منهاجاً في الصبر يحق لهم أن يقتدوا به، فقد صبر إبراهيم ﵇ في أحوال مختلفة وظروف متباينة وأعمال متنوعة كالصبر على جفاء الأبوة، وعدوان العشيرة، وهجران الأرض، والفتنة بالنار، والأمر بذبح الولد، وغير ذلك. وسنعرض الموضوع من خلال نماذج من صفات إبراهيم ﵇ الدعوية وأساليبه في نشر دعوته. نماذج من صفات إبراهيم الدعوية: لن يتسع المقام لحصر تلك الصفات التي اتسم بها إبراهيم ﵇ فلقد وصفه ربه بأنه وفّي جميع مقامات العبد مع ربه ولذلك سنقتصر. على جملة من الصفات ونخص بالذكر منها ما له صلة ظاهرة بدعوته، وله أثر ظاهر في الاهتداء والاقتداء به. ١- أمة: قال تعالى: [إنَّ إبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً..] وهذه الكلمة تأتي لعدة معان، منها الجماعة [كَانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً] ، ومنها الزمان والحين [وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ] ومنها: الرجل الجامع لخصال الخير حتى يقوم مقام أمة من الناس، وهذا هو المقصود في حق إبراهيم، وهذه تدلنا على عظيم ما كان يتصف به إبراهيم من عبادة ودعوة وخلق حري بأن يحتذي به الدعاة في حياتهم وتزكية أنفسهم، واجتهاد أحدهم في تقويم أخلاقه والنشاط في دعوته ليقوم مقام أمة في ذلك. وقيل أن المقصود بالأمة هنا: أي الإمام، أي قدوة يقتدى به في الخير، وممن قال به ابن جرير الطبري وابن كثير. ٢- قانت: قال تعالى: [إنَّ إبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِّلَّهِ حَنِيفاً] ، والقنوت: لزوم الطاعة مع الخضوع، وكذا يجب أن يكون الداعية ملازماً لطاعة الله على كل حال، فلا يكون كالمنبت يجتهد حتى تكلّ راحلته، ثم ينقطع، بل يلازم ويستقيم. ٣- حنيفاً: والحَنَف: الميل عن الضلال إلى الاستقامة، والحنيفُ: المائل والجنف: ضده. والأحنف: مَنْ في رجله ميل سمي بذلك تفاؤلاً، وقيل لمجرد الميل. قال ابن كثير: الحنيف: المنحرف قصداً عن الشرك إلى التوحيد. وقد كان ذلك من إبراهيم حتى عُدَّ إمام الحنفاء الموحدين، قال تعالى: [ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ] ، وقال: [ومَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ] ، وهكذا فليكن أولياء الله. ٤- شاكر: قال تعالى: [شَاكِراً لأَنْعُمِهِ] أي قائماً بشكر نعم الله عليه (وأصل الشكر) ظهور أثر الغذاء في أبدان الحيوان ظهوراً بيناً. يقال: شكرت الدابة: أي سمنت وظهر عليها العلف، وكذلك حقيقته في العبودية: وهذا ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده: ثناء واعترافاً، وعلى قلبه: شهوداً ومحبة، وعلى جوارحه: انقياداً وطاعة. والشكر مبني على خمس قواعد: خضوع الشاكر للمشكور، وحبه له، واعترافه بنعمته، وثناؤه عليه، وأن لا يستعملها فيما يكره [١] ، وقد كان ذلك من إبراهيم ﵇. ٥- الحلم: قال تعالى: [إنَّ إبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ] . والحلم: ضبط النفس والطبع عن الهيجان عند الاستثارة. والحليم: الكثير الحلم وموقف إبراهيم من مقالة أبيه [لأَرْجُمَنَّكَ] ومن العتاة قوم لوط حينما مرت به الملائكة وأخبرته بما أمرت بها قال: [فلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وجَاءَتْهُ البُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ * إنَّ إبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ] ، ولم يكن حلم إبراهيم ذريعة يتذرع للسكوت عن المنكر بل كان يعلن الحق وينكر الباطل [وتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ] . ٦- أوّاه: قال الراغب الأصفهاني: (الذي يكثر التأوه وهو أن يقول: أوّه وكل كلام يدل على حزن يقال له التأوّه، ويعبر بالأوّاه، عمن يظهر خشية الله تعالى) [٢] ، والذي يتحقق من معنى الأوّاه أنه الخاشع الدعّاء المتضرع، وكثرة تأوّه إبراهيم وتضرعه بين يدي ربه قد ذكرت في آيات كثيرة تدل على تحقيق إبراهيم [رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وإلَيْكَ أَنَبْنَا وإلَيْكَ المَصِيرُ] وجدير بمن سلك طريق الدعوة أن يجعل تعجيل الإنابة من أبرز سماته ليكسب عون ربه وتسديده ومحبته. ٧- السخاء: قال تعالى: [هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْرَاهِيمَ المُكْرَمِينَ * إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًاً قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ * فَرَاغَ إلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ] فذكر أن الضيف مكرمون لإكرام إبراهيم لهم، ولم يذكر استئذانهم ليدل على أنه قد عرف بإكرام الضيفان، مع أنهم قوم منكرون لا يعرفهم فقد ذبح لهم عجلاً واستسمنه، ولم يعلمهم بذلك بل راح: أي ذهب خفية حتى لا يُشعر به، تجاوباً لضيافة، فدل على أن ذلك كان معداً عندهم مهيئاً للضيفان، وخدمهم بنفسه، فجاء به ومرّ به إليهم ولم يقربهم إليه، وتلطف مبالغة في الإكرام فقال: [أَلا تَأْكُلُونَ] . قال ابن القيم: " فقد جمعت هذه الآية آداب الضيافة التي هي أشرف الآداب، وما عداها من التكلفات التي هي تَخَلف وتكلف: إنما هي من أوضاع الناس وعوائدهم، وكفى بهذه الآداب شرفاً وفخراً فصلى الله على نبينا وعلى إبراهيم وعلى آلهما وعلى سائر النبيين " [٢] . ٨- الصبر: كان إبراهيم مثلاً يحتذى في الصبر حتى استحق أن يكون من أولي العزم الذين أمر رسولنا ﷺ أن يصبر كصبرهم [فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ] . وكان صبر إبراهيم شاملاً لابتلاءات كثيرة، سيأتي بيان جملة منها بإذن الله. ٩- رعايته لأهله: لم يكن إبراهيم ممن يلتفت إلى الناس بدعوته ويترك أهله، بل بدأ بهم وخصهم بمزيد الرعاية والعناية وقد قال الله لمحمد ﷺ [وأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ] وكذلك كان إبراهيم، فدعا أباه [يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا ... لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ] ، ووصى أبناءه بالتمسك بالدين [ووَصَّى بِهَا إبْرَاهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلاَّ وأَنتُم مُّسْلِمُونَ..] ، وكان يدعو [واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ] ، ويتضرع بقوله: [رَبَّنَا إنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ] . ١٠- شجاعته: واجه إبراهيم قومه ولم يخش كيدهم وقال مقسماً: [وتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ] ، وقوله لهم: [أُفٍّ لَّكُمْ ولِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ..] . وكان ذلك لعلم إبراهيم بأن معه القوة التي لا تهزم، وأن ما أصابه لم يكن يخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه فرسم للدعاة منهجاً في الشجاعة المنضبطة بضوابط الشرع بلا تهور يحتذونه في مواجهة الباطل من إقرار الحق. ١١- تحقيقه الكامل لعقيدة الولاء والبراء: قال تعالى عن [فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي] ، وقال: [وإذْ قَالَ إبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إلاَّ الَذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ] فكل عدو لله وإن قربه النسب تجب البراءة منه، وكل ولي لله وإن باعدت به الأوطان والأزمان تجب موالاته ومحبته وقد أمرنا أن نتأسى بإبراهيم في ذلك: [قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبْرَاهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ ومِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وبَدَا بَيْنَنَا وبَيْنَكُمُ العَدَاوَةُ والْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ..] . ١٢- سلامة القلب: قال تعالى: [وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لإبْرَاهِيمَ * إذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ] وسلامة القلب نوعان: كلاهما داخل في مضمون الآية، أحدهما: في حق الله وهو سلامة قلبه من الشرك، وإخلاصه العبودية لله، وصدق التوكل عليه. والثاني: في حق المخلوقين بالنصح لهم وإيصال الخير إليهم، وسلامة القلب من الحقد والحسد وسوء الظن والكبر وغير ذلك. وبعد فهذه جملة مختصرة من الصفات الدعوية لإبراهيم ﵇ سائلاً الله تعالى أن يوفقنا لاتباع ملته والسير على منهجه وبالله التوفيق. -يتبع -

стр. 1501

نقد أخطار النزعة المادية في العالم الإسلامي نقد كتابات جودت سعيد (٤) عادل التل مفهوم العقيدة: لم يتناول جودت موضوع العقيدة في بحث مستقل ولم يحدد مفهومها بناءً على المنهج الإسلامي، وإنما كانت مباحثتها متناثرة، وكان له فيها فهم خاص يتلاءم مع أصول المذهب المادي، وقد أظهر في هذا المجال مصطلحات جديدة وغريبة، ولكنها تلتقي مع آراء الفرق الضالة وتبتعد عن منهج السلف الصالح. وقد أظهر هذه الآراء عندما تعرض لتعريف الإيمان وجعله مرتبطاً بالحقائق الخارجية المادية، حيث قال: " والإيمان ليس مجرد إيمان وإنما توحيد، أي الإنسان مرتبطاً بالحقائق الخارجية وتحريره من عالم الأشخاص والصور الذهنية " [١] . وينطلق جودت من مفهوم حسي للغيب حيث يقول: " وهكذا يصبح الغيب علماً، عندما تكون طريقة إيماننا بالقيم السماوية كإيماننا بأي شيء محسوس " [٢] . ثم يربط بين الإيمان ونتائج الأسباب في عالم الواقع سلباً وإيجاباً فيقول: " إذا أدركنا معنى ربط الأسباب بالنتائج، وأنها ليست عقلية وإنما مشاهدية، نستطيع أن نربط الإيمان بالنتائج فإذا شاهدنا الإيمان ونتائجه، جعلنا شروط العلم بكل محتوياته في موضوع الإيمان " [٣] . ثم يجعل للعلم - الذي وضع له شروطاً حسية - سلطاناً على دين الله حين يقول: " كما بسط العلم سلطانه على الفلك والكيمياء والطب فسيبسط سلطانه أيضاً على الدين " [٤] . ومما لا شك فيه عند المسلمين جميعاً أن العقيدة لا تؤخذ إلا من مصدر واحد هو طريق الوحي، طريق النبوة. قال تعالى: [وكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ ولا الإيمَانُ ولَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشاءُ مِنْ عِبَادِنَا وإنَّكَ لَتَهْدِي إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ ومَا فِي الأَرْضِ أَلا إلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ] [الشورى ٥٤] . لقد قرن جودت مفهوم التوحيد بالوقائع الخارجية المادية، كما أخضعه إلى مرحلية تاريخية عند قوله: " إن العلماء يشكون من أن العلم كَمَلكة في البشر وكمعرفة لكنهه وتعميمه محدود الانتشار بين الناس، كما أن ظهوره بين البشر تاريخياً محدود أيضاً، وحديث النشأة، إن التوحيد في مبدئه ومنتهاه إنما هو إيقاظ ملكة العلم " [٥] . ثم يظهر المفهوم المادي لتوحيد الله عندما يقول: " وتوحيد الله يأمر بالنظر إلى الوقائع الخارجية للاتصال بالحقائق الخارجية وإعطاء معنى أقدس لظاهرة الكون كعملية إبداع " [٦] . ثم يصل جودت سعيد إلى الهدف الأساسي من بحث التوحيد والعلم إلى النتيجة النهائية في تعريف الإيمان: " يصبح العلم في نهاية الأمر هو الإيمان، والإيمان هو العلم والشرك هو الجهل، والجهل هو الشرك) [٧] وتعتبر هذه التعريفات غريبة على العقيدة الإسلامية، وليس من الصعوبة إيجاد المصادر المستمدة منها، فإن سجل الفرق الكلامية الضالة حافل بمثل هذه الآراء، ومثال ذلك قول الجهم بن صفوان: (الإيمان هو المعرفة، والكفر هو الجهل) . قد بين النبي ﷺ معنى الإيمان بما لا يدع مجالاً للجدل والانحراف وذلك في حديث جبريل المشهور حين سأل النبي ﷺ - عن الإيمان: " قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت " [٨] ، ولكن جودت سعيد تأثر بالمنهج المادي، حتى لم يعد عنده للغيب اعتبار، وقد قال تعالى: [الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ] [البقرة ٣] . لقد قاده هذا الفهم إلى أن يجعل للبشر سلطاناً على تصور وجود الروح من خلال كشف السنن فقال: " هذا الوجود السنني هو نوع آخر من مراتب الوجود، وربما يكون مدخلاً لتصور وجود الروح، والله تعالى له الخلق والأمر والروح من أمر الله، [قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي] [الإسراء ٨٥] . وأمر الله، وكلمة الله، وسنة الله ألفاظ قد تكون متقاربة في مدلولها، ولكن سنة الله قد توصف بأنها لا تتبدل ولا تتحول " [٩] . مصطلحات الاعتقاد: يسخر جودت من المسلمين حين يعظمون التشكك بالاعتقاد فيقول: " ولكن السلوك هو الكافر (من ترك الصلاة فقد كفر) والمسلمون عكسوا القضية فعظموا التشكيك في الاعتقاد، وتهاونوا بالتقصير بالأعمال " [١٠] . صحيح أن بعض الفرق تهاونوا بالأعمال ولكن من الخطورة بمكان كبير تعميم هذه القاعدة ومحاولة عكس مفهوم عقيدة أهل السنة والجماعة، للمصطلحات الشرعية (الإيمان، والشرك، والكفر) حيث يعتمد المسلمون في تحديدها على منهج القرآن، قال تعالى: [إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إثْماً عَظِيماً] [النساء ٤٨] . ومنهج أهل السنة في هذه المسألة واضح من خلال قولهم المشهور: " ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله " [١١] . والاستحلال أمر اعتقادي قلبي، وقد تَبَنَّى الخوارج هذا المنهج واعتبروا مرتكب الكبيرة - المعصية أو السلوك - كافراً حتى تجرأ هؤلاء على تكفير الصحابة وتطبيق الأحكام الخاصة بالكافرين في حق المسلمين. وقد ذكر جودت مذهبي الجبرية والقدرية ولم يذكر الرأي الصحيح وهو ما عليه أهل السنة والجماعة إذ يقول: " ومن أسباب جعل السلوك البشري خارج العلم وخارج السيطرة عليه أمران: أولاً: فهم العقيدة الدينية فهماً خاطئاً، وهو أن الله يفعل ما يشاء [ومَا تَشَاءُونَ إلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ ... ] [التكوير ٢٩] وتاريخ النزاع طويل بين الذين يرون الجبرية في سلوك البشر، وبين من يرون الانسان مخيراً في سلوكه " [١٢] . وظاهر كلامه الانتصار لمذهب المعتزلة الذين يرون أن للإنسان مشيئته التامة دون ربطها بمشيئة الله، ويجعلون عقولهم الحكم على أمر الله، فيقولون: يجب على الله.. كذا بناءاً على تصوراتهم البشرية عن الحكمة والعدل، وهذه النظرة للاعتقاد تحمل جودت على القول: أن الاعتقاد خاضع لعمليات الضبط والتصحيح وذلك حين يقول: " إذا كان عالم الأشخاص يقدم لنا العلم والتوحيد إلا أن العلم والتوحيد لا بد أن تجري فيهما دائماً عمليات التصحيح والضبط " [١٣] . كيف بدأ الخلق: لبيان موقف جودت من موضوعات الخلق نجده يلجأ إلى فكرة إعادة النظر فيما تعتقده الأمة بموضوع كيف بدأ الخلق، وعند تفسير قوله تعالى: [قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الخَلْقَ] [العنكبوت ٢٠] . يقول: (تحتوي هذه الآية الكريمة على منهج محدد للبحث يشمل جوانب العالم المادية وغير المادية، الجواهر والأعراض حسب تعبير الأقدمين، فالموضوع يشمل كل الكائنات من الذرة وما دونها من الصفر إلى المجرة بل عموم الكون من المواد العضوية إلى الإنسان الذي هو في أحسن تقويم، عضوياً وفكرياً واجتماعياً، ومن الأفكار الأولية التي أعقدها) [١٤] . وعن السبب في تبني هذا المنهج يقول جودت: " أن معرفة كيف بدأ الخلق وفهم الأمور على هذا المستوى، ينبه الإنسان إلى أن الخلق قد ينمو ويتحسن لأن من عرف كيف بدأ الخلق ضعيفاً وعاجزاً ثم نما نمواً بطيئاً وأن هذا النمو اقتضى دهوراً طويلة، فقد يقوده التأمل في بدء الخلق إلى التفكير في مصير الخلق " [١٥] ، ثم يبين جودت الأمور التي تخضع للبحث وعدد بعضها، فقال: " وعلى مقتضى ... هذه الآية ينبغي أن يذكر في مقدمة كل موضوع كيف بدأ خلقه، حتى ما يتعلق بطريقة الإيمان بالله: كيف بدأ الإنسان يدرك معنى الألوهية، إذن كل موضوع له بدء خلق بالنسبة لدخوله إلى إدراك الإنسان، وبمقتضى ما تطلبه الآية ينبغي أن نعيد النظر في كل ما نراه من حيث كيف بدأ خلقه " [١٦] . إن إعادة النظر هذه وإعادة البحث في أمور اعتقادية مقررة في النصوص الشرعية، يعتبر خروجاً على هذه النصوص وتعطيلاً لمضمونها، وإن الخطر لا يكمن لمجرد إعادة النظر في هذه القضايا فحسب وإنما في تغيير مكان الدليل، ومكان هذا العلم، ويقول: (إن هذه الآية تنقل موضوع بحث معرفة كيف بدأ الخلق، من آيات كتاب الله إلى آيات الآفاق والأنفس والسير في الأرض) [١٧] . ما هي الحاجة الملحة التي يراها جودت لإعادة النظر بالمعارف التي يتضمنها كتاب الله أو سنة الرسول ﷺ ؟ نستطيع أن نشير إلى موضوعين هامين يطلب جودت فيهما إعادة النظر وتغيير الاعتقاد السابق، وهما بداية الإيمان بالله، وخلق الإنسان، فكيف خلق الله الإنسان؟ من لا يعرف كيف خلق الله الإنسان؟ إن الطفل الصغير ليدرك هذه الحقيقة.. إن الله خلق الإنسان من تراب فقد قال تعالى: [إن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ البَعْثِ فَإنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ] [الحج: ٥] . وقال أيضاً: [قال: يَا إبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ] [ص: ٧٥] . ثم يبين الله كيف بدأ الخلق: [الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وبَدَأَ خَلْقَ الإنسَانِ مِن طِينٍ] [السجدة: ٧] . لقد بين الله تعالى لنا بطريقة واضحة كيف بدأ خلق الإنسان، الخلق والمادة التي كان منها الخلق، وتفصيلات عن طريقة الخلق، فلماذا نبحث هذه القضية في مصدر آخر؟ وما حقيقة أن نطلب تعديل ما هو مقرر في كتاب الله؟ أليس في ذلك نفي لقدرة النصوص الشرعية، على تقديم المعرفة العلمية الصحيحة؟ ولقد فصل القرآن كل شيء عن خلق الإنسان، ولا نحتاج إلى تلقي هذه المعلومات من مصادر أخرى. لقد خالف جودت إجماع المسلمين في تلقي النصوص الشرعية والعمل بها والتحاكم إليها عند التنازع والرضا التام بما يصدر عنها، ولئن لم يعتقد جودت بتلقي، كيف بدأ الخلق من الكتاب والسنة فمن أين يحصل عليها؟ هل نعود في ذلك إلى الذين ساروا في الأرض وقاموا بالحفريات ثم قالوا بنظرية النشوء والارتقاء، أو الانتخاب الطبيعي، أو الصفات المكتسبة، وقد دحض العلماء هذه النظريات وكذبوها، ولكن جودت لا يزال يلمح إليها في كل مناسبة، رغم أنه لا يؤمن إلا بما يصدر عن الواقع والأمر الحسي إلا أنه في موضوع التطور يتخلى عن منهجه المادي قليلاً ليقول بلغة التخيل: (لو تيسر للإنسان أن يراقب فكرياً وضع الكرة الأرضية ونشوء الحياة فيها وأنواع الحيوان التي عاشت عليها، وأنها يوماً ما كانت الحياة كلها في الماء، ثم صارت في اليابسة ثم وجد الإنسان، لماذا لا يخطر لنا أن هذا الخلق لا يزال مستمراً؟ لماذا لا يخطر لنا أن الخلق لم يتوقف ولا يزال يخلق، ويزاد في الخلق وأن هناك نشأة أخرى؟) [١٨] . يقصد النشأة في ... الحياة الدنيا أو الانسان المتفوق (السوبرمان) [*] ثم يقول بأسلوب السخرية من المسلمين: " إن التاريخ سيضطر المسلمين أن يغيروا فهمهم للقرآن، لهذا يقفون من التاريخ موقفاً سلبياً " [١٩] . كيف أدرك الإنسان الألوهية؟ إن طلب جودت إعادة النظر بموضوع كيف بدأ الإنسان يدرك معنى الألوهية، وكيف كان الإيمان بالله، وكيف نتلقي هذا الأمر من خارج القرآن الكريم؟ تلك أمور تحتاج إلى وقفة مع جودت، وذلك لأن موضوع إدارك الإنسان الأول - آدم ﵇ لمعنى الألوهية لم يكن موضوع اختلاف بين المسلمين، لأن هذه الحقيقة واضحة عندهم، ولا تغيب عنهم، وهم يتلقونها من كتاب ربهم وسنة نبيهم، وأما ميدان هذه البحوث والجدل القائم حولها فهو لدى علماء الاجتماع الوضعيين، الذين يرفضون تلقي هذه العقيدة من مصدر الوحي، ويظهر أن جودت قد انحاز إلى رأيهم وتبني منهجهم في هذه القضية، وأصبح يدعو لإعادة النظر فيها، وهو يؤمن كما يؤمنون بمراحل التاريخ وتقسيماته، إذ يقول جودت عن التاريخ: " قطع الإنسان فيه مراحل ومراحل حين خرج من حياة الصيد إلى الرعي إلى الزراعة، إن تقسيم تاريخ البشر إلى عصور حجرية وقديمة وحديثة وعصر البرونز والحديد كل ذلك يدل على: كيف بدأ الخلق والعلم وخلق السيطرة والتسخير " [٢٠] . ولا يشك المسلمون - كما يفعل علماء الاجتماع - بأن آدم ﵇ كان نبياً وكان موحداً خالصاً، وأنه تلقى عقيدة التوحيد من الله تعالى: [إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ ونُوحاً وآلَ إبْرَاهِيمَ وآلَ عِمْرَانَ عَلَى العَالَمِينَ] [آل عمران ٣٣] . وقال تعالى يصف توبة آدم: [فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ] [البقرة ٣٧] . هذا هو منهج آدم ومنهج الأنبياء من بعده، وكلما أتى على هذا المنهج طارئ من المعتقدات المنحرفة، كان يستدعي إرسال رسول جديد. وظن أصحاب التوجه المادي أن هذه الانحرافات في تاريخ البشر، هي تطور في تاريخ العقيدة، فوضعوا على أساس هذا الفهم الخاطئ تصورات عن تطور مفهوم هذه الألوهية، من التعددية إلى التثليث إلى الثنائية إلى التوحيد، وأنكروا أن يكون أول البشر مهتدياً موحداً، وظهرت عند بعض المسلمين هذه الأفكار واستخدموا عبارات علماء الاجتماع الوضعية ذاتها، مثل قولهم: الأديان العليا، والأديان السفلى، كما جاء عند جودت في كتاب اقرأ: " لهذا اعتبر توينبي الحضارات نكوصاً عن الأديان العليا، فالأديان العليا إنسانية وسمو.. " [٢١] ، والقرآن يرد هذا الافتراء حيث يقول الله تعالى: [كَانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنذِرِينَ وأَنزَلَ مَعَهُمُ الكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ومَا اخْتَلَفَ فِيهِ إلاَّ الَذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ البَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِهِ واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ] [البقرة ٢١٣] . - يتبع -

стр. 1502

في وضح النهار هرقل والعلمانيون د. عبد الرحمن صالح العشماوي ما أزال أعجب كلَّ العجب، وآسى كلَّ الأسى على فئات من المسلمين يرفعون شعارات بعيدة عن الإسلام، ويدعون إليها وينافحون عنها، وينالون من الإسلام وأحكامه وشعائره من أجلها، ويهاجمون دعاة الإسلام ورجاله المصلحين ليل نهار، أعجب والله من ذلك كلَّ العجب، وأسأل الله السلامة والعافية وأحمده على صحة المعتقد، وسلامة العقل، وأسأله الثبات على الحق. إنَّ الذي يتأمل (الطرح العلماني) في صُحفنا ووسائل إعلامنا في هذه الأيام يشعر بالحزن لحال هذه الفئة (العلمانية) التي أغلقت عقولها وقلوبها أمام الحق، ورضيت لنفسها أن تتخبط في دروب الضياع. ومع أننا لا نستغرب (الهجمة العلمانية) الشرسة - هذه الأيام - التي يشنها ... أدعياء الثقافة والفكر على إسلامنا ورجاله فإنها (شنشنة نعرفها من أخزم) ، وقد ... تعودنا على مثل هذه الهجمات من (اليساريين) الذين أفرغوا - في زمن مضى - ... ما في قواميس اللغة من عبارات السِّباب والشتم للدين والدعاة الملتزمين به والداعين إليه، مع أننا لا نستغرب هذه الهجمة، إلا أننا نستغرب هذا القدر الهائل من الوهم الذي تشقى به عقول هؤلاء العلمانيين، وهذا القدر الكبير من (الغباء) الذي يُعمي أبصارهم عن رؤية الحق. فهذه الأنظمة البشرية، والمذاهب والأفكار والمعتقدات الوضعية تتهاوى واحداً تلو الآخر، وتنهار بصورة مروِّعة أمام أعين الناس، ومع ذلك ما تزال فئة (العلمانية) في بلادنا جادة في طرح أفكار الغرب، وطروحات الغرب السياسية والثقافية، وكأن ما يجري في العالم من سقوط لتلك الأفكار إنما هو شريط خيال يمر، أو مشهد من مسرحية (مأساوية) لا علاقة له بالواقع المعاش. أحدهم يكتب المقالات الطوال مؤكداً أهمية (المشروع الغربي) سياسياً وثقافياً واجتماعياً لإنقاذ الأمة من ضعفها وتخاذلها، ويرى أن النظام العالمي الجديد مظلة يمكن أن نستظل بها، وأن نعيش حياة العزة والكرامة تحت سقفها، ويرى أن هؤلاء المتخلفين أصحاب النظرة الأحادية من (دعاة الإسلام ورجاله) إنما يريدون أن يعودوا بالأمة إلى الوراء وأن يمارسوا نوعاً من (التسلط الديني) على رقاب الناس. وآخر من فئة (العلمانيين) يرى أن علمنة الفكر والثقافة والنقد الأدبي أمرٌ لا ... بد منه إذا أردنا الخروج من سجن (الفكرة الواحدة) و (النظرة الواحدة) إلى ... فضاءات الحرية الثقافية التي لا حدود لها، وهي حرية - في رأيه متحققة - في ... (المشروع الثقافي الغربي) . وآخر يقول: إن فكرة النظام العالمي الجديد ستساعدنا على التخلص من سيطرة (الدوغما) أي من سيطرة العقيدة والمبدأ، فهو يرى أن سبب تخلُّف الأمة العربية هو التزامها بالمبدأ مما يشكل (سلطوية دينية) [*] تحكم الثقافة العربية والعقل العربي، ولذلك تخلف العقل العربي عن اللحاق بالعقل الغربي في ميادين العلم والثقافة والسياسة وغيرها. إن هذا الاتجاه المخيف - عند فئة (العلمانيين) - إلى ثقافة الآخرين وفكرهم ومذاهبهم بحاجة إلى طرح واع ودراسة واعية، إنها فجيعة كبيرة يجب أن لا تمر بنا هكذا، ففي الوقت الذي طلعت فيه الشمس صافية لا يكدر وجهها غبار ولا غيوم، وفي الوقت الذي تتهاوى فيه طروحات الديموقراطية الغربية إلى الحضيض؛ كما تهاوت قبلها الأيديولوجية الروسية - وما جرى في الجزائر دليل على ذلك - وفي الوقت الذي يعلن فيه الغرب عودة أساليب الاستعمار العسكري بشكل واضح فيه قدر كبير من التبجح - كما هو الحال في البوسنة والهرسك والصومال - أقول: في هذا الوقت ما نزال نرى هذا الاندفاع الأعمى من فئة (العلمانيين) في بلادنا في هذه ... الطرق المعوجّة المنحرفة، وما نزال نرى هذا التحامل على الإسلام وأهله وعلى كتابه وسنته، وأقول لفئة العلمانيين من أبناء المسلمين: ألا يسعكم ما وسع هرقل الروم في موقفه الإيجابي من دعوة الرسول ﵊ حينما قال - كما ورد في صحيح البخاري -: (قد كنت أعلم أنه خارج - يعني النبي عليه الصلاة والسلام - لم أكن أعلم أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشَّمت لقاءه ولو كنت عنده لغسلت قدمه) . ألا يخجلكم أيها العلمانيون موقف هرقل هذا؟ * * *

стр. 1503

خواطر في الدعوة طبيعة الإسلام محمد العبدة إن طبيعة الإسلام تأبى أن يقوى عوده، ويعلو شأنه، عن طريق المؤتمرات التي تعقد في الفنادق الفخمة، وفي الصالات والردهات التي تنفق عليها عشرات الألوف إن لم نقل مئات الألوف من الدولارات. ويبدو هذا الأمر واضحاً للدعاة الذين تمرسوا بالدعوة، وعاشوا همومها، وتدراسوا السيرة النبوية وعاشوا مراحلها من حراء إلى حصار الشعب، ومن الدعوة في الطائف والاتصال بالقبائل إلى الهجرة والجهاد، ثم بناء الدولة. إن القرآن الكريم قد ذمّ الترف والمترفين، ونهى المسلمين عن الركون إلى ذلك، ودعا إلى القصد وعدم الإسراف في شؤون الحياة. كما نهى عن إنفاق الأموال الكثيرة في سبيل الكماليات ورغد العيش، وهذا أمر مطلوب إذ كان الإسلام هو الحكم المنتصر، الضّاربُ بجُرّانه في الأرض، فكيف إذا كان في غربة وأهله مستضعفون متخطفون في الأرض، يحاربهم القريب قبل البعيد؟ ! إن الإسلام لا يقوى إلا بالجهد والتعب، ولا يقوى إلا بالإيواء الذي يوفر للمسلم الأمن النفسي والاجتماعي، ولا يقوى إلا بالنصرة التي تأخذ للمظلوم من الظالم، وتحقيق معاني المؤاخاة والموالاة على أرض الواقع وليس في طيات الكتاب المؤلفة عن (الأخوة الإسلامية) ، [إنَّ الَذِينَ آمَنُوا وهَاجَرُوا وجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوا ونَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ] [الأنفال ٧٢] . منذ أن نشأت ظاهرة المؤتمرات في الفنادق لم نجد لها أثراً كبيراً في تقوية جبهة الإسلام، وإن ما ينفق عليها يمكن أن يؤسس مدرسة بل كلية في بلاد المسلمين الفقيرة، كي يتخرج منها مئات الطلبة الذين يتربون على منهج سليم، وأخلاق عالية، لأن أولئك هم الذين يمكن أن يحدثوا أثراً فعالاً في بلادهم. كيف نقدم أموالنا للغربيين (أصحاب الفنادق) ثم نقول: إن ما نقوم به هو خطوة كبرى في سبيل تقدم الإسلام، وإذا كان أمر المؤتمرات بهذه الأهمية فلماذا لا تكون للمسلمين أماكن مُعدّة لهذا الغرض، وتكون ملكاً لهم حتى لا تذهب أموالهم سدى.

стр. 1504

الحركة العلمية في بلاد الحجاز في العهد الأموي [*] (٤) د. محمد أمحزون الفقه: يقرر الرأي السائد والواقعي عن تطور التأليف في كثير من ميادين المعرفة في العصر الأموي: أن كتب الإخباريين الكثيرة في القرن الثاني الهجري؛ أمثال كتب: ابن إسحاق، وسيف بن عمر، وأبي مخنف، والواقدي هي عملية جمع لما تفرق من كتب سابقة، وأن تفاسير كثيرة للقرآن الكريم في القرن الأول الهجري قد دخلت في المؤلفات التي ظهرت بعد ذلك، وأن مؤلفات الحديث في القرنين الثاني والثالث الهجريين سبقتها كتب أخرى مهَّدت لها، وبناء على ما تقدم يمكننا أن نعد كتب الفقه الضخمة التي ألفت في القرن الثاني الهجري نتيجة تطور مواز. ولا شطط في ذلك، فقد شهدت بلاد الحجاز في القرن الأول الهجري نشاطاً ... فقهياً منقطع النظير. وتميزت به المدينة المنورة بفقهائها السبعة المرموقين وهم: سعيد بن المسيب (ت ٩٤ هـ) وسليمان بن يسار (ت١٠٧ هـ) وسالم بن عبد الله (ت ١٠٦ هـ) والقاسم بن محمد (ت ١٢٠ هـ) وعروة بن الزبير (ت ٩٤ هـ) وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود (ت بعد ٩٠ هـ) وخارجة بن زيد بن ثابت (ت ١٠٠ هـ) وهؤلاء قد كونوا مجلساً للفقه والنظر تدور عليه الفتوى، وكانوا إذا وردت عليهم مسألة، أو قضية من القضايا المستجدة جلسوا جميعاً فتأملوها، وأصدروا ما يلزمها من فتوى أو رأي [١] . وقد كون عمر بن عبد العزيز - عندما كان عاملاً على المدينة - مجلساً استشارياً يتألف من هؤلاء الفقهاء [٢] . وتشير الروايات إلى خبر لهشام بن عروة يقول: أن كثيراً من كتب الفقه كانت في حوزة أبيه عروة بن الزبير يوم الحرّة (سنة ٦٣ هـ) ، وأنها احترقت كلها، فحزن لذلك حزناً شديداً [٣] . بل منذ زمن الرسول ﷺ وأصحابه وجدت مسائل في الفقه مدونة، فعندما وُلِّيَ عمر بن عبد العزيز إمارة المدينة أمر بالبحث عن مدونتين قديمتين، الأولى: (كتاب الصدقات) للنبي ﷺ ، والأخرى بنفس ... التسمية لعمر بن الخطاب ﵁ وقد احتفظ بالنسخة الأصلية للمدونة الأولى أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم (ت سنة ١٢٠ هـ) [٤] . وكان جد والده عمرو بن حزم تلقاها من النبي ﷺ . وفيها كلام في الفرائض والزكاة والديات والصلاة وغير ذلك [٥] ، وقد دخلت هذه الرسالة فيما بعد في كتب الحديث التي تشمل أبواباً فقهية [٦] . وتلقى أنس بن مالك كتاباً من أبي بكر الصديق ﵁ عن فرائض الصدقة كما بَيَّنها رسول الله ﷺ [٧] . وكانت لعلي ﵁ صحيفة دوّن فيها مسائل فقهية تحفظ عادة في قراب سيفه [٨] . لكن الأفضل أن تسمى - الكتب المذكورة آنفاً - فتاوى فقهية لا رسائل في الفقه. ويمكن اعتبار أول رسائل فقهية حقة تلك التي ظهرت في عصر بني أمية من تأليف شباب الصحابة والتابعين، ويعد زيد بن ثابت (ت بعد ٥٠ هـ) من الفقهاء المشاهير في تلك الفترة، روى عنه تلميذه قبيصة بن ذويب كتاباً في الفرائض [٩] . كما رواه عنه ابنه خارجة، وهو من مرويات ابن خير الإشبيلي [١٠] ، وهناك أخبار كثيرة حول هذا الكتاب احتفظ بها البيهقي في كتاب السنن في الباب الخاص بالميراث. وقد أفرد فيه قسماً خاصاً لزيد بن ثابت ومكانته الممتازة في الفقه وكتابه الفرائض [١١] ، ويتضح من الأخبار أن هذه الرسالة عُدَّت عند التابعين مصدراً لا ... غنى عنه في موضوع المواريث؛ ويتضح ذلك في قول الزهري: (لولا أن زيد بن ثابت كتب الفرائض لرأيت أنها ستذهب من الناس [١٢] ) . ومما يدل على تقدير هذا المصنّف أنه شرح في وقت مبكر، حيث شرحه أبو الزناد عبد الله بن ذكوان المدني (ت ١٣٢ هـ) وكان أحد كبار فقهاء التابعين بالمدينة، ووصف بأنه كان صاحب علم وحساب، بصيراً بالعربية [١٣] ، ومن العلماء الذين شغلوا بالفقه في ذلك الوقت قبيصة بن ذؤيب بن حلحلة الخزاعي المدني تلميذ زيد بن ثابت. وقد اتفقت الآراء على أنه كان ذا مكانة مرموقة بين فقهاء الطبقة الأولى [١٤] وقد ذكرنا سابقاً أنه راوية كتاب الفرائض لزيد بن ثابت - رضي الله عنه -، أما آراؤه فقد وصلتنا عن طريق بعض كتب الحديث والفقه [١٥] . ... وكان زيد بن أسلم (ت سنة ١٣٦ هـ) من مشاهير الفقهاء بالمدينة؛ وهو أحد الفقهاء الذين دعاهم الوليد بن يزيد إلى دمشق ليسمع فتاواهم في قضايا فقهية [١٦] . أما آراؤه الخاصة فقد جمعها ابن عبد البر نقلاً عن الموطأ في كتابه (التجريد) بعنوان: مراسيل زيد بن أسلم [١٧] . وتشير الأخبار إلى أنه كان من المألوف في العصر الأموي تبادل الرسائل في المسائل الفقهية. وقد كتب مثلاً نافع بن الأزرق (أحد زعماء الخوارج) إلى ابن عباس ﵁ يسأله عن رأيه في نصيب الأقارب في الميراث ويسأله عن رأيه في قتل الأطفال [١٨] . يبدو أن بداية تأليف كتب الفقه المصنفة حسب الأبواب الفقهية كان في أواخر القرن الأول الهجري، إذ يذكر ابن قيم الجوزية: أن مصنفاً للزهري في الفقه كان في ثلاثة أسفار، وأن فتاوى الحسن البصري كانت في سبعة أسفار مرتبة على أبواب الفقه [١٩] . وفي تلك الفترة أيضاً برز فقهاء مهدوا لمدرسة الرأي منهم علقمة بن قيس (ت سنة ٦٢ هـ) والأسود بن يزيد (ت سنة ٧٥ هـ) . وكان على رأس هؤلاء ربيعة بن أبي فروخ (ت سنة ١٣٦ هـ) ، روى عن الصحابي أنس بن مالك وعن كبار التابعين [٢٠] وأبرز تلاميذه مالك بن أنس [٢١] . وكان الناس يلجأون ... إليه عند عدم وجود نص، فسمي ربيعة الرأي [٢٢] ، تقديراً له، ولذلك قال مالكاً: ... (ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة) [٢٣] ، ويبدو أن له كتاباً في الفقه أفاد منه المالكية في كتبهم، إذ يذكر صاحب المدونة بعض آراء ربيعة في الفقه [٢٤] . والراجح أن مالكاً قد استخدم هذا المصنف الذي يحتوي على عدد كبير من آراء ربيعة في كتابه الموطأ [٢٥] . العقائد: ترتبط بدايات الدراسات العقيدية الإسلامية ارتباطاً وثيقاً بالأحداث السياسية في صدر الإسلام، إذ شهد عصر ما بعد الفتنة ظهور فرق تميزت بنظريات وآراء خاصة بها في المجال السياسي. فمن الحقائق المعروفة في التاريخ الإسلامي أن قضية الخلافة التي واجه فيها الخوارج فكرة الإمامة عند الشيعة قد تطورت تطوراً سريعاً إلى نقاش حول القدر، ثم تطور ذلك النقاش إلى فروع أخرى من العقيدة مثل: مرتكب الكبيرة أكافر هو أم مسلم؟ . فلما غالى الخوارج في الوعيد بتكفيرهم أصحاب الكبائر واعتبارهم مخلدين في النار بالغت المرجئة في الوعد، وارجأت الحكم على أهل المعاصي إلى يوم الحشر مع تفويض أمرهم إلى الله إن شاء غفر لهم وإن شاء عذبهم [٢٦] . وإزاء تلك المواقف المتطرفة للفرق، هب أهل السنة والجماعة لنصرة الحق، وبيان العقيدة الصحيحة، وتحذير الأمة من تلك المذاهب الضالة. فبدأت مرحلة جديدة عنى فيها علماء السنة بالتدوين والتأليف لبيان العقيدة الصحيحة والردّ على المنحرفين عنها، واتخذت مصنفاتهم منهجين اثنين: الأول منهج الردّ، والثاني منهج العرض. وقد نشط أرباب الفرق بدورهم في مجال التأليف، وخاصة المعتزلة، وقد كان واصل بن عطاء (ت ١٣١ هـ) مؤسس مدرسة الاعتزال بليغاً مفوهاً، مكَّنته قدرته اللغوية من التصنيف في مذهبه، فألف عدداً من الكتب منها: كتاب (المنزلة بين المنزلتين) ، وكتاب (العدل والتوحيد) [٢٧] ، وكتاب (أصناف المرجئة) [٢٨] . لقد كثر التأليف في الرد على القدرية، واعتبر أقدم ضروب المصنفات العقيدية. ومن أوائل من ألف في الردّ على القدرية أبو الأسود الدؤلي (ت سنة ٦٩ هـ) في مصنفه المسمى (رسالة في ذم القدرية) [٢٩] . كما ألف آخرون كتباً في الردّ على القدرية والمعتزلة مثل عيسى بن عمر الثقفي، ويحيى بن معمر (ت ٨٩ هـ) ، وزيد بن علي الهاشمي المدني (ت سنة ١٢٢ هـ) . وهذا الأخير صنف كتابين في الرد على القدرية والمعتزلة وهما: (الردّ على القدرية) و (رسالة في الإمامة إلى واصل بن عطاء) [٣٠] . . وصف البغدادي كتاب الردّ على القدرية للخليفة عمر بن عبد العزيز بأنه رسالة بليغة [٣١] . وصنف جعفر الصادق الهاشمي (ت سنة ١٠٣ هـ) ثلاثة رسائل في الردّ على القدرية والخوارج والرافضة (الشيعة) [٣٢] . أما كتب القدرية أنفسهم فلا يعرف منها إلا كتاب القدر لوهب ابن مُنَبِّه (ت سنة ١١٠هـ/٧٢٨ م) [٣٣] . ويقال إنه ندم بعد ذلك على تصنيفه [٣٤] . أما كتب غيلان بن مسلم وهو من أوائل من قال بالقدر فيبدوا أنها ضاعت، وقد ذكر له ابن النديم مجموعة من الرسائل في " الفهرست " [٣٥] . وهناك مجموعة من خطبه وصلت إلينا في كتاب " عيون الأخبار " لابن قتيبة [٣٦] . وترجع أقدم المؤلفات حول الإرجاء والردود عليها إلى تلك الفترة اأيضاً، فأول من تكلم في الإرجاء الحسن بن محمد بن الحنفية الهاشمي المدني (ت سنة ٩٩ هـ) ويقال أن رجلان (وهما زاذان وميسرة) دخلا عليه فلاماه على الكتاب ... الذي وضع في الأرجاء، فقال لزاذان: لَوَدَدْتُ أني متُّ ولم أكتبه [٣٧] . ثم كتب الرسالة التي نبذ فيها الإرجاء بعد ذلك [٣٨] . والرسالة الأولى في الإرجاء ذكرها أبو عمر العدني في كتابه " الإيمان " [٣٩] . ويصور ثابت قطنة (ت ١١٠ هـ) الشاعر الأموي المشهور عقيدة المرجئة وفكرهم في قصيدة محكمة البناء نظمها لبيان الإرجاء الخاص بالصحابة بعد الفتنة، وهو ما يسمى بإرجاء المرجئة الأولى. ومطلع القصيدة: يا هند فاستمعي إن سيرتنا ... أن نعبد الله لا نشرك به أحدا نرجي الأمور إذا كانت مُشَبَّهة ... ونصدق القول فيمن جار أو عندا وقد وردت هذه القصيدة في كتاب (الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني) [٤٠] . ... ... وترجمها (فان فولتن) إلى اللغة الألمانية، و (ألفرد فون كريمر) إلى اللغة ... ... الألمانية، كما ترجمها " نالينو " إلى اللغة الإيطالية [٤١] . وهناك بضع رسائل وقصائد ذات مضمون عقيدي ألفها ونظمها زعماء ... الخوارج، ومنها كتاب العقيدة لعبد الله بن أباض المري الذي عاش في النصف الثاني من القرن الأول الهجري [٤٢] . ولأبي حمزة مختار بن أوس الأزدي ... (ت سنة ٩٠ هـ) مجموعة من العظات في باب العقيدة [٤٣] . وأورد أبو مخنَّف في كتابه (الغارات) بضع رسائل ذات مضمون عقيدي ألفها زعماء الخوارج في مناقشاتهم وجدالهم مع بعض الصحابة مثل ابن عباس [٤٤] . كما عبر الخوارج عن آرائهم وعقائدهم عبر خطبهم وأشعارهم. وكان قَطَرِيّ بن الفُجَاءة، وعمران بن حطان ذوي موهبة حقيقية في الشعر والخَطابة، وسخرا خطبهما وأشعارهما للدعوة إلى عقيدة ورأي الخوارج. وهناك نصوص وردت من ذلك في كتاب (البيان والتبيين) للجاحظ [٤٥] ، و (المؤتلف والمختلف) ... للآمدي [٤٦] ، وقد جمع إحسان عباس هذه الأشعار في كتاب ونشرها بعنوان (شعر الخوارج) [٤٧] . وفي الختام يمكن القول: أن الأمويين أَصَّلوا مبادئ بعض العلوم، وفتحوا طريق التأليف، إذ نشط التدوين والكتابة في عصرهم، وكثرت المؤلفات ذات الصبغة العربية الإسلامية الخالصة، ولو أن الزمن أغار على جُلِّها وأضاعها. وبصفة خاصة: إن الأمويين يمثلون بحق طبيعة العربي المتحضر، تلك الطبيعة التي تتبلور من خلال ميلهم للحضارة والعمران والفن، والآداب والشعر، وعنايتهم بمختلف العلوم وتشجيع أهلها.

стр. 1505

وقائع برلمانية د.أحمد إبراهيم خضر " لم أكن أظن أن ما قضى الله به في كتابه وعلى لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - يحتاج إلى موافقة عباد الله، ولكنني فوجئت أن قول الرب الأعلى يظل في المصحف - له قداسته في قلوبنا - إلى أن يوافق عباد الله في البرلمان على تصيير كلام الله قانوناً. وإذا اختلف قرار عباد الله في البرلمان عن حكم الله في القرآن فإن قرار عباد الله يصير قانوناً معمولاً به في السلطة القضائية مكفولاً تنفيذه من قبل السلطة التنفيذية؛ ولو عارض القرآن والسنة. والدليل على ذلك أن الله حرم الخمر، وأباحها البرلمان. وأن الله أمر بإقامة الحدود، وأهدرها البرلمان. والنتيجة على ضوء هذه الأمثلة أن ما قرره البرلمان صار قانوناً رغم مخالفته للإسلام ". هذه الكلمات هي خلاصة ما انتهى إليه أحد علماء الإسلام بعد أن قضى ثماني سنوات كنائب في البرلمان. وكان ذلك النائب العالم قد أحس بضرورة الخطابة على المنابر، والكتابة في الصحف، بعد طول معايشته لتلك الأساليب، ازداد إيماناً بجدواها لكنه شعر أنها وحدها لا تحدث تغييراً في القوانين، ولا تأثيراً مستمراً في السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية، فرشح نفسه لعضوية البرلمان بحثاً عن أسلوب جديد لإعلاء كلمة الله تعالى بتطبيق الشريعة الإسلامية، إنقاذاً للعباد من الضلالة وتخليصاً لهم من الأباطيل ودفعاً بهم إلى رحاب الإسلام. فاز العالم بعضوية البرلمان تحت شعار " أعطني صوتك لنصلح الدنيا بالدين " وأعطاه الناس أصواتهم ثقة فيه رغم كل وسائل التزييف والتزوير في الانتخابات. واستمر النائب في عضوية البرلمان دورتين متتاليتين ثم قال بعدها: " إنه عَزَّ على البيان الإسلامي أن يجد صداه المنطقي في هاتين الدورتين ". ذهب النائب العالم يوماً إلى واحدة من مديريات الأمن لقضاء مصالح مواطنيه ففوجئ في مكتب الآداب بحوالي ثلاثين امرأة يجلسن على البلاط فسأل قائلاً: ما ذنب هؤلاء؟ فقال له المسؤول: إنهن الساقطات! فسأل وأين الساقطون؟ إنها جريمة لا تتم إلا بين زان وزانية. فأخبره المسؤول بأن الزاني عندهم هو مجرد شاهد بأنه قد ارتكب الزنا مع هذه وأعطاها على ذلك أجراً فهي تحاكم ليس لأنها ارتكبت الزنا ولكن لأنها تقاضت الأجر. فتحول المّقُرُّ والمعترف بأنه زان إلى شاهد عليها ولا يلتفت القانون إلى إقراره واعترافه بالزنا. غضب النائب العالم غضبة لله، فقال له المسؤول ببساطة: (نحن ننفذ قانوناً أنتم أقررتموه في البرلمان) . أدرك النائب العالم أنه مهما كثرت الجماهير المنادية بتطبيق الشريعة، ومهما ساندها كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فإن الآمال في تطبيق الشريعة لا يمكن أن تتحقق إلا عن طريق البرلمان الذين يسمونه (السلطة التشريعية) ، ولأن السلطة القضائية لا تحكم إلا بالقوانين التي تصدر عن البرلمان، وأن السلطة التنفيذية لا تتحرك لحماية القرآن والسنة، ولا لحماية الإسلام إلا بمقدار ما أقره البرلمان من هذه الجوانب المقدسة، اعتقد النائب العالم بأن الوصول إلى هذه الغاية ممكن إذا علم نواب البرلمان أن هذا هو قول الله، وقول رسوله، وحكم الإسلام ليقروه. انطلق النائب العالم فقدم مشروع قانون لإقامة الحدود الشرعية، ومشروع قانون لتحريم الربا مع اقتراح الحل البديل، ومشروع قانون لتطويع وسائل الإعلام لأحكام الله، ومشروع قانون لرعاية حرمة شهر رمضان، وعدم الجهر بالفطر في نهاره، ومشروع قانون لتنقية الشواطئ من العربدة، والعديد من المشاريع الإسلامية الأخرى. ووقع معه على مشاريع هذه القوانين عدد كبير من أعضاء البرلمان. وذهب النائب العالم لأداء العمرة، واصطحب معه بعض أعضاء البرلمان، وعند الحجر الأسود عاهدوا الله جميعاً على مناصرة شريعة الله في البرلمان، ثم ركبوا الطائرة إلى المدينة المنورة، ثم تعاهدوا في رحاب المسجد النبوي على رفع أصواتهم لنصرة شرع الله لا لنصرة انتماءاتهم الحزبية. حمّل النائب العالم السلطات الثلاث في الدولة مسؤولية إقرار المحرمات ومخالفة الشريعة، وتوعد وزير العدل آنذاك بأنه سيستجوبه بعد بضعة شهور إذا هو لم يقدم ما تم إنجازه من قوانين تطبيق الشريعة الإسلامية. ولم يقدم الوزير ما طلبه منه النائب فوجه إليه النائب استجواباً - والاستجواب في عرف البرلمانات ملزم للمستجوب بالرد عليه ما لم تسقط عضوية الوزير أو يخرج الوزير المستجوب من الوزارة - وأصر النائب على استجواب الوزير ووقفت الحكومة خلف وزيرها، وأصرت على إسقاط الاستجواب، ولما اشتد إصرار النائب على الاستجواب أحدثت الحكومة تعديلاً وزارياً لم يخرج منه إلا وزير العدل، أي أن الوزير أخرج من الوزارة ليسقط الاستجواب، وتكرر هذا العمل حتى أصبح قاعدة من قواعد التعامل مع البرلمان. لجأ النائب العالم مرة ثانية إلى أعضاء البرلمان وقال لهم: إن مشاريع القوانين الإسلامية وضعت في أدراج اللجان، وقد عاهدتم الله في الحرمين على أن تكون أصواتكم لله ورسوله، وطالب بتوقيعهم على المطالبة بالتطبيق الفوري للشريعة الإسلامية فاستجابوا، ووقعوا على ما طالبهم به ووضع النائب العالم هذه الوثيقة في أمانة البرلمان، وطالب باسم النواب جميعاً النظر في قوانين شرع الله. فقام رئيس البرلمان وطالب باسم النواب جميعاً النظر في قوانين شرع الله. وقال للنواب: إن الحكومة لا تقل عنكم حماسة للإسلام، ولكننا نطلب منكم فرصة للمواءمات السياسية، فصفق له النواب الموقعون، المتعاهدون في الحرمين على العمل على تطبيق شريعة الله، ووافقوا على طلبه، فضاعت المطالبة بالتطبيق الفوري للشريعة وانتصرت الحكومة. غلب اليأس النائب العالم لعدم جدوى محاولاته في سبيل تطبيق الشريعة مع أعضاء يناديهم فيستجيبون ثم يعدلون، ثم فوجئ يوماً باقتراح من رئيس البرلمان للموافقة على تكوين لجنة عامة لقوننة الشريعة الإسلامية، وتبين حقيقة الأمر فوجد أن قرار الحكومة المفاجئ هذا لم يكن إلا تغطية لفضيحة كبرى مست كرامة البلاد. ولم تتخذ الحكومة قراراً لصالح الإسلام. ورحب النائب بالفكرة رغم فهمه لأبعادها، واجتمعت اللجنة لكن النائب العالم أحس عدم جدية الدولة في تطبيق شرع الله لأنها إذا أرادت إرضاء الله فهناك أمور لا تحتاج إلى إجراءات. فإغلاق مصانع الخمور يمكن أن يكون بجرة قلم. وإغلاق الحانات يمكن أن يتم بجرة قلم. كانت هناك مظاهر تدل على ما في الأعماق حقيقة، تضافرت كلها لتترك في نفس النائب العالم انطباعاً - يشكل في حد ذاته قاعدة من قواعد التعامل مع البرلمانات - مؤداه: أن شرع الله لن يتحقق أبداً على أيدي هؤلاء. فوجئ الناس وفوجئ النائب العالم بحل البرلمان بعد أن كان هو رئيساً للجنة مرافعات تطبيق الشريعة الإسلامية، وظل يوالي مع اللجنة عملية الدراسة والتقنين عبر ثلاثين اجتماعاً. وفي غيبة البرلمان صدر قرار خطير في مسألة تمس حياة الناس الشخصية. فوقف النائب العالم ضد هذا القرار لأنه مخالف للإسلام والدستور، ولكن القاعدة تقول: أن البرلمان كله يمكن أن يحل بقرار إذا أرادت الدولة فرض أمر على الناس حتى ولو كان مخالفاً للإسلام. أما أهم قاعدة يستند إليها البرلمان فقد لخصها النائب العالم بقوله: " إنه مهما أوتيت من حجج ومهما استند موقفي إلى الكتاب والسنة فإن من عيوب البرلمان ومسؤوليته الفادحة أن الديموقراطية تجعل القرار ملكاً للغالبية المطلقة بإطلاق وبلا قيد ولا شروط ولو خالف الإسلام ". أحس النائب العالم بأن زحفاً من التضييق عليه يشتد من جانب الحكومة، ومن رئيس البرلمان، ومن حزب الغالبية؛ وافتعلت رئاسة البرلمان ثورات ضده، واتهمته بأنه يعطل أعمال اللجان. ولكنه استمر في بذل جهوده. فقدم العديد من الأسئلة التي لم تدرج في جداول الأعمال، وقام بالعديد من طلبات الإحالة فوجدها قد دفنت ولم تقم لها قائمة، ثم عاد إلى استخدام سلاح الاستجواب الذي لا يمكن رده. فاستجوب وزراء الحكومة عن ضرب الدولة للقضاء الشرعي والأوقاف، والمعاهد الدينية، ومكاتب تحفيظ القرآن الكريم، وعن ضربها لمناهج التعليم في الجامعات الدينية بحجة تطويرها، وعن ضربها للمساجد بإصدارها قانوناً لا يسمح لأحد حتى ولو كان من (المشايخ) أن يدخل دور العبادة، وأن يقول ولو على سبيل النصيحة الدينية قولاً يعارض به قراراً إدارياً أو قانوناً مستقراً؛ ومن فعل ذلك حبس وغرم، فإن قاوم ضوعفت الغرامة وسجن. قدم النائب العالم استجواباً إلى وزير السياحة لأن طلاباً في المدارس الفندقية أرغموا على تذوق الخمور فرفضوا ففصلوا، وقدم استجواباً آخر إلى وزير الإعلام بغية تطهير وسائل الإعلام من العربدة التي تعصف بالقيم والأخلاق ومقدسات البلاد، واستجواباً ثالثاً إلى وزير النقل والمواصلات عن صور القصور والتقصير بهذه المرافق، وشعر النائب العالم أنه يقدم الاستجواب تلو الاستجواب إلى بالوعات، فوقف في البرلمان يحاسب رئيسه ويتهمه بالخروج على لائحة البرلمان، فأمر رئيس البرلمان في لعبة مثيرة بإدراج الاستجوابات الثلاثة في جلسة واحدة مع أن كل استجواب يحتاج إلى أيام، ثم دعا الهيئة البرلمانية لحزب الأغلبية لتحبط هذه الاستجوابات، ونودي على وزير السياحة فتدخلت الحكومة التي اعترضت على إدراج هذا الاستجواب في جدول الأعمال لأن فيه كلمة نابية هي بالضبط (اتهام صاحب الاستجواب الوزير بأنه جافى الحقيقة أثناء رده على السؤال) ثم طرح الموقف على نواب البرلمان فقرروا إحباط الاستجواب وعطلوا ما يسمى بالحق الدستوري للنائب في محاسبة الدولة، ثم نودي على الاستجواب الثاني المقدم لوزير الإعلام، وكما انتصر النواب للخمر، انتصروا للرقص رغم أنهم عاهدوا الله على النصرة لشريعته، ثم نودي على وزير النقل لكن النواب رأوا أن محاسبة الوزير تتلاقى مع أهوائهم، فقام النائب العالم إلى المنصة وقال لنواب البرلمان: " يا حضرات النواب المحترمين لست عابد منصب ولست حريصاً على كرسي لذاته، ولقد كان شعاري مع أهل دائرتي " أعطني صوتك لنصلح الدنيا بالدين " وكنت أظن أنه يكفي لإدراك هذه الغاية أن تقدم مشروعات القوانين الإسلامية لكنه تراءى لي أن مجلسنا هذا لا يرى لله حكماً إلا من خلال الأهواء الحزبية، وهيهات أن تسمح بأن تكون كلمة الله هي العليا.. لقد وجدت طريقي بينكم إلى هذه الغاية مسدوداً، لذلك أعلن استقالتي من البرلمان غير آسف على عضويته " وانصرف النائب العالم إلى داره في أبريل ١٩٨١ ورفعت الجلسة. رحل النائب العالم عن البرلمان، ثم رحل عن هذه الدنيا كلها بعد ذلك بعدة سنوات، وبقي البرلمان يقضي ويشرع وينفذ بغير ما أنزل الله.

стр. 1506

البيان الأدبي (شعر) وا أُمَّتاه د. عبد الرحمن صالح العشماوي زفراتكم من حولنا تتصعَّد ... وصراخكم في صمتنا يتبدَّدُ ذبتم على وَهَج الرَّصاص ولم نزلْ ... لعدوِّنا وعدوِّكم نتودِّد تتغيَّثون سحابَنا، وسحابَنا ... وَهْم كبير في الفضاء مجَّمُد تترقَّبون قرار مؤتمراتنا ... بُشرى لكم، فقرارها سيندِّد ولسوف ينطق ناطقٌ، أنّا على ... شَجْبِ العدوِّ المستبدِّ سنصمدُ ولسوف يحلف حالفٌ من قومنا ... أن َّ الأسى من أجلكم يتجدَّدُ ولسوف تُقْرَأُ كلَّ يومٍ نشرةٌ ... عنكم مصوَّرةٌ ويُعرض مشهَدُ ولسوف تُرسَمُ لوحةٌ ... زيتيَّةٌ فيها صريع بالتراب موسَّدُ بُشرى لكم سيُقام حفلٌ ساهرٌ ... وتُصاغ أُغنيةٌ لكم وتُردَّد هذا الذي سترون منا فافرحوا ... واستبشروا،وعلى الكلام تعوَّدوا أما الجهادُ لأجلكم، بعتادنا ... فمحرَّم، إنَّ الجهاد تمرُّدُ ولِمَ الجهادُ، وهيئةُ الأممِ انبرتْ ... للظالمين، ففضلُها لا يُجحَدُ ألقت على الصومال ألفَ قذيفةٍ ... تحيي بها الأَمْنَ الذي لا يُوجد ورمتْ إلى الصَّرب الزِّمام فجيشهم ... يُرغي بأوروبا هناك ويُزْبُد أحبابَنا عفواً فغايةُ قومنا ... مالٌ وأولادٌ وعيشٌ أَرْغَدُ أما مقاومة العدوِّ فعادةٌ ... مذمومةٌ، من مثلنا لا تُحَمُد أنَّى تجاهد أمةٌ تحيا على ... غَبَشٍ، تُفرِّط في الكتاب وتُلحِدُ سيفُ الجهاد بغمده متلفِّع ... والبابُ في وجه المجاهد يُوصَدُ أحبابنا إني أغالب حسرةً ... مشبوبةً وعلى الأسى أتجلَّدُ نظراتُ أعينكم تعذِّبني فلا ... عيشي يطيب، ولا جفوني ترقدُ تبكي سراييفوا دماً فأنينُها ... لهبٌ، وخاطرُها الحزين الموقدُ تجري دماء الأبرياء على الثرى ... نهراً، وعالَمُنَا المخدَّر يشهَدُ وتبيتُ مقديشو على آلامها ... نفسٌ محطَّمةٌ وجَفْنٌ مُسْهَدُ والمسجد الأقصى يباع ويُشترى ... جهراً، وقُدس الفاتحين تُهوَّدُ أوَّاه من نار أُحسُّ بحرِّها ... لما يُراق دَمٌ، ويهدم مسجدُ إني لأبصر وجه طفلٍ تائهٍ ... وسؤاله الحيرانُ، أين المرشدُ؟ يبكي ولا أمُّ تكفكف دمعَه ... يشكو وليس له أبٌ يتودِّد سرق النظام العالميُّ ثيابَه ... وسهام أوروبا إليه تُسدَّد وقذائفُ الصِّربِ العنيفةُ لم تَدَعْ ... عصفورَ أحلام الصغير يغرِّد أين الدفاترُ يا محمَّد، لم يُجِبْ ... أنَّى يجيب عن السؤالِ محمَّد؟! أنَّى أُجيبُ، وفي لساني حُبْسَةٌ ... والنار من أنقاض داري تَصعَدُ؟ أنَّى أُجيبُ، ولعبتي محروقةٌ ... وأبي الحبيبُ على الرصيف مُمدَّدُ؟ ! أنَّى أُجيبُ، وثوب أمي شاهد ... أنَّ الجريمةَ، حَدَّها لا يبرُد؟ ! أنَّى أُجيبُ، وقُرط أختي لم يزلْ ... يبكي عليها، والعدوُّ يهدِّدُ؟ ! أنَّى أُجيب، ونحن زَرْعُ طفولةٍ ... كسنابل القمح النديَّة نُحْصَدُ؟ ! أنَّى أُجيبُ، ومات ألفُ تَساؤُلٍ ... ومضى الزمانُ، وما أزال أُشَرَّدُ؟ ! ماذا جنى هذا الصغيرُ، أما هُنا ... رجلٌ إلى قول الحقيقةِ يُرشدُ؟ ؟ ! ! إني لأسمع صوت مسلمةٍ لها ... قلبٌ، وليس لها على الباغي يدُ ظلَّت تصيح وتستجير فلا ترى ... من قومها مَنْ يستجيب ويُنْجدُ نادتْ ونادت، فاستجاب لها الصَّدَى ... إن الذي يحمي الحمى لا يُوْجَدُ لا تصرخي، فصلاحُ دينك غائبٌ ... وحصانُ معتصم الإباءِ مقيَّد والخيلُ، خيلُ الله، لم تُصنع لها ... سُرُجٌ، ولم يقد الكتيبةَ أحمدُ لا تصرخي. فسلاحُ أمتك التي ... تستصرخين، من العدا مستوردُ لا تصرخي فالحاكمون بأمرهم ... حفظوا أناشيد الخضوع وأنشدوا يا ويحهم لو أنهم جعلوا الهدى ... درباً، لما حكم القريب الأبعدُ إنى لأبصر أمةَ الإسلام في ... لَهْوٍ، تقوم على الهوان وتقعَدُ نار الصليب تُشَبُّ بين خيامها ... ولواءُ إسرائيل فيها يُعقَدُ ورصاص أوروبا مزِّق جسمَها ... وغرور أمريكا فَمٌ يتوعَّدُ فأكاد أحلف أنَّ أمتنا غدتْ ... بالذُّل في دَيْر الهوانِ تُعمَّد وكأنّها لم تَبْنِ صرحاً شامخاً ... ظلَّتْ به نحو المعالي تصعد واأُمتاه، وضجَّ بحر تساؤلي ... ما هذه الحُرَقُ التي تتوقَّدُ ماذا دهاك، وأُسرجت لي شمعةٌ ... واستبشرت طرقي وبان المقصدُ ورأيت أمتنا، وفي تاريخها ... هِمَمٌ عظامٌ، نَهْرُها لا يركدُ لما سألت الليل عنها، قال لي: ... كانت إذا أكْنَنْتُها تتهجَّدُ لما سألت الفجر عنها، قال لي: ... كانت تسبح ربَّها وتحمِّدُ لما سألت الحرب عنها أقسمتْ ... بالله، أنَّ ظهورها لا تُجلَدُ لما سألت الروم عنها زمزموا ... لما سألت الفرْس عنها أَبْلَدٌوا لما سألتُ مقوقساً ورجاله ... قالوا: لأمتك العُلا والسُّؤْدَدُ كانت فوا أسفا على الحال التي ... صارت إليها، إنها لا تُسْعِدُ ماذا أقول لها، أألطم وجهها ... بالشعر حتى ينهضَ المستعبَدُ؟! ماذا أقول: إذا رسمنا لوحةً ... للحزن، قالوا إنّ شعرك أسودُ؟! وإذا رفعنا الصوت نشكو ما جرى ... قالوا تُثير الغافلين وتحشُدُ وإذا تنهدنا أداروا نحونا ... ظهراً، وقالوا: العارُ أنْ تتنهَّدوا من أين نخرج، كلُّ زاويةً بها ... ذئبٌ يراقبنا، وعينٌ ترصدُ؟! ماذا أقول لأمةٍ، قد خيَّبَتْ ... ظني، وصارت في المكارم ترصدُ؟ سأقول في وضح النهار وإن طغى ... طاغٍ، وإنْ كره المقالةَ مُلحِدُ: إني أرى في جيل صحوتنا مُنَىً ... مخضلَّةً، عنها سينكشف الغَدُ إني برغم الحزن لستُ بيائسٍ ... فالفجر من رحم الظلام سيُولَدُ

стр. 1507

يا أمتي [*] محمود السيّد الدغيم ما للمعارك ضدّنا تتصعَّدُ ... والضدُّ يغتال المنى ويُبدِّدُ وقيادةٌ حيرى تخبَّط رأيُها ... لعدونا وعَدُوِّها تَتَوَدَّدُ ففريقُها متشبثٌ بكبيرها ... وصغيرُها خلف الغريق مُجَمَّدُ تَتَصنَّع الإنصافَ مؤتمراتُها ... وتُدين من عادى العِدا وتُندِّدُ وتُهجَّر الأحرارَ عن أوطانهم ... وتثور في وجه الجهاد وتصمدُ لكنَّها ترضى بذُلِّ وافد ... عَبْرَ الفصول بأرضنا يتجدَّدُ والحقُّ مكسور الجناح مُحَطَّمٌ ... في " مجلس الأمر " المخيف مُوَسَّدُ يتحلَّقُ الشُّذاذُ حول فراشِهِ ... ونهيقُهم مِنْ حولهِ يتردَّدُ صاغوا قرارات لنفاق فويلهم ... قد أجحفوا، وعلى النّفاق تعوَّدوا وَدَعَوا إلى إلغاء كُلِّ فضيلةٍ ... بَلْ كَرَّروا " إنّ الجهاد تَمَرُّدُ " يا ويلهم! ! ودماؤنا مسفوحةُ ... في كُلِّ أرض إنها لا تُجحَدُ شُفحَتْ ففي الصُّومال نهر دمائنا ... يَستَصْرِخُ الحرَّ الذي لا يوجدُ والصِّرب تسبح في الدماء " وبطرسٌ " ... يُرغي بمجلسهِ الرخيصُ ويُزْبِدُ أين العصا للعبد؟ إن دروسَها ... عِظَةٌ وأخلاقٌ " وعيشٌ أَرْغَدُ " أما مُمالأة الوضيع فَخِلَّةٌ ... مَمجُوجةٌ- في ديننا -لا تُحْمَدُ والسَّيْرُ في رَكْبِ النِّفاقِ جريمةٌ ... والرَّكب يَهزأ بالكتاب ويلحدُ أما الجهاد فركبه متغيبٌ ... في السِّجن والسَّجانُ باباً يُوْصِدُ كيف الرقادُ وفي " السَّراي " معاركٌ ... بدماء أطفالٍ صغارٍ تُوقَدُ في كل بيتِ-في السراي - ضحيةٌ ... ظلماً، وأخبارُ الوقائعِ تشهدُ هجم العدوُّ مدمِّراً أمجادنا ... فالقدس-في وضح النهار-تُهَوَّدُ دُكَّتْ جوامِعُنا بأيدي عدوِّنا ... فَبَكَتْ مآذنُنا وناح المسجد أطفالنا عَبْرَ الدروب تشرَّدوا ... فَقَدُوْا خرائطَهم وَضَاعَ المرشدُ يبكون لا أمُّ تجيبُ ولا أب ... وَوَصِيُّهمْ لعدوِّهمْ يَتَوَدَّدُ شَرِبَ " النظام العالميُّ " دماءَهم ... وسهامهُ نحو القلوب تسددُ ظُلِمَ الصِّغار وشرِّدوا وتعذَّبوا ... وعلى عدوِّ الله لم تُرفعْ يدُ فتهكمَ الأعداءُ، قال كبيُرهم: ... مَنْ ذا صِغارَ المسلمينَ سينُجْدُ؟ ما للحداثة أفسدتْ أحداثَنا، ... وشيوخنا منهاجهمْ مُسْتَوْردٌ والحاكمون تحكَّموا بشعوبهم ... والشِّعرَ في مدح الأعادي أنشدوا نبذوا القريبَ إلى البعيد وقرَّبوا ... أعداءهم، قَرُبَ البعيدُ الأبعدُ نُفِيَ الكريمُ وحطِّمت آماله ... فالوغد في بيت المُهَجَّرِ يقعُدُ والهودُ في القدس الشريفِ تحكَّموا ... راياتُهُمْ فوق السواري تُعقَدُ حاخامُهُم في الشَّام صار مناضلاً ... فَظّاً غليظاً دائماً يتوعَّدُ مهلاً؟ أبا حمرا [**] فإن جيوشَنا ... صارتْ بدير الراهابات تُعَمَّدُ لكن تعميدَ الجيوشِ مؤقتٌ ... وغداً إلى قمم المعالي تَصعدُ تلك الجيوش تَبَرَّمَتْ من قهرها ... غَضَباً وحُزْناً كاللظى تَتَوَقدُ قد أدركت خُططَ العدو وغدرِهِ ... إذ أسفَرَ الباغي وبان المقصدُ وتكشَّفَتْ للنَّابهين سياسةٌ ... همجيَّةٌ، وسُمومُها لا تركدُ تغتالُ مَنْ سلكوا طريق محمدٍ ... ليلاً وتوحي أنها تَتَهَجَدَّ وتسيرُ في درب الضَّلالة عن هوىً ... والسَّيرُ في درب الهوى لا يُحْمَدُ سلختْ جلودَ المؤمنين سياطُها ... من غير ذنب بالمقامع تُجلدُ ضحكتْ علينا الرُّومُ في نَدَوَاتِها ... في الغرب والفرسُ المجوسُ تَبَلَّدُوْا للغدر - آناء الجرائم - أسفروا ... عن حقدهم جهراً وغاب السُّؤدُدُ " ورخيصُهم " تاجٌ على رأس الخنا ... فلذا البريَّةُ كُلُّها لا تسْعَدُ أحفيدُ من خانوا يُحَرِّرُ أُمَةً؟ ... لا لَنْ يُحَرِّرَ أمَّةً مُسْتَعْبدُ أقواله بيضٌ وأَمِّا فِعْلُهُ ... -ضدَّ الشريعة والعروبة - أسودُ نارٌ على الإسلامِ برْد للعدا ... وجيوشُهُ تحت البيارق تُحْشدُ للصِّربِ عَوْنٌ في جميع حروبهم ... قَلِقاً على أحوالهم يتنهدُ ولذا تراهُ كذئبةٍ قطبيَّةٍ ... لَبَدَتْ على درب الأيائل تَرْصدُ وطلائعُ الفتح المبين تغيَّبَتْ ... غَصْباً فصارتْ بالملاحم تزهدُ فانهار سَدٌّ شيدوه جدودُنا ... وتَصَدَّعَ الباقي فعربَدَ مُلحدُ فمتى ستصحو أُمَةٌ من نومها ... وتَلُّمُّ أشتاتاً إذا هجمَ الغدُ وتُرَشَّدُ الأجيالُ بعد تَخَبُّطٍ ... والرشد من بعد الضلالة يولدُ * * * يا أمة الإسلام ثوري واثأري ... لا تجزعي إنْ أبرقوا أو أرعدوا آسي جراح النازفين على الثرى ... وتوحدي إن التوحُّدَ أَنْجد * * *

стр. 1508

الجولة الأخيرة مقطع من رواية (صقور القوقاز) التي تظهر موقف الشيخ شامل في نهاية الصراع مع الروس. - بتصرف - انتهت حرب القرم، وتولى القيصر الكسندر الثاني العرش خلفاً لنيقولا الأول، فقام - لإنزال الضربة الأخيرة بشامل - بإرسال الجيش - الذي سحبه من القرم- إلى جهة القوقاز. وقد أصدر إلى (فورونتزوف) أمره التالي: ... (- اقض على جميع عشش الصقور، وانتف أجنحة الصقور حتى لا تستطيع الطيران بعد ذلك. انتظر منكم جميعاً النشاط والهمة والغَيْرة. ولا بد لهذا العمل من نهاية) . والواقع أن جناحاً من أجنحة حرب الاستقلال قد تحطم عند انفصال الحاج ... (مراد) . وقام بعض أمراء الآوار والقازاق بتغيير المكان من جديد واتحدوا ضد ... (شامل) ، ولم يكن هذا غير الملح والفلفل الذي يوضع على هذا الجرح. وباتت وحدة الناس التي كانت بين المجاهدين وكانت مثل قلعة لا يمكن اختراقها، باتت هينة لدرجة أن السيف يمكن أن يدخل بينها (..) وأثمرت بذور الشقاق التي سبق زرعها، وحوصر الإمام " شامل " في " داركو " حاصرته جيوش روسية ثلاثة. انسدت كل طرق المساعدات، وتحكم المستطلعون الروس في نظام التخابر بين الداغستانيين ( ... ) يلعب (شامل) ومعه مجموعة من المسلمين المخلصين التفوا حوله، ساعاتهم الأخيرة في جولتهم الأخيرة. ضغط كلا الفريقين على قبضاتهم بشدة هائلة. محكوم على واحد منهما قطعاً ألا يبقى قائماً وأن يقع أرضاً. وسيكتب على أسوار مقر القيادة في " داركو " النتيجة القاطعة. لم يكن الإمام " شامل " ينتظر أي مساعدة قط تأتيه من العالم الإسلامي كان واقعياً طوال حياته، أدار ظهره دوماً للخيال، وعاش يواجه الواقع والحقائق ويعيش فيها. وكانت الحقائق مُرَّة. كان العالم الإسلامي مشغولاً للدرجة التي لا يستطيع فيها أن يساعد إخوان الدين الذين يجاهدون في سبيل حريتهم.. كان مشغولاً وأي انشغال. نَسيَ فيه الغيرة الجهادية التي أمر الله بها في القرآن، والتي حث الرسول ﷺ عليها، واستبدل هذا العالم وِفَاقَهُ بالنفاق واتفاقَهُ بالتفرقة. لقد ألمّ بهذا العالم سبات وخدر طارئان. وبعد دعاء طويل، قرأ للشاعر التركي الشيخ إبراهيم حقي الأرضرومي، ثم خرج: هيا نرى ماذا يريد المولى ... فكل ما قد قدَّر المولى جميل كانت أضواء الغابات المحترقة من بعيد تنعكس، على وجه " شامل "، وتجعل إنساني عينيه تلمعان. كانت هذه خطة " فورونتزوف ". كان يحرق كل غابات بلاد القوقاز، وأخذت جريمته هذه تشمل الحيوانات أيضاً. كان القيصر قد أصدر أمره التالي: " خرب عشش الصقور. وطالما أن هذه الغابات موجودة فلا بد أن يكون بالضرورة خلف كل شجرة فارس ششني أو داغستاني آخر. يتحدى بمفرده روسيا حتى لو احتاج هذا الأمر إلى روحه. كان هكذا يفكر " فورونتزوف ". ولأنه يفكر هكذا كان يحرق الغابات. لا بد أن تكون هذه اللُهب، لهب نيران الحرية المنبعثة من عمق القوقاز. لكن آه! لقد بدأت نيران الروس تعمل عملها بعد أن سقطت جمرات الطمع في بعض القلوب. وإلا فهل يمكن أن يرتاح العدو في مكان تنبعث منه الغيرة الدينية؟ كم كان الظلام دامساً، يا ربي! .. لا شيء فيه يَبين، لا اتجاه ولا طريق. لا صديق طاهر ولا غريب. إنما مجموعة من الفدائيين، ذاقوا أهوالاً كثيرة. تخطوا الوحدات الروسية موجة بعد موجة، كسروا إطاراتهم، نجوا من ذل الأسر أسرعوا في الجري وهم يحترقون في مشعل الحرية، وصوت " شامل " الجهوري يدوي. (من يفكر في نهايته لن ينجح أبداً في أي وقت. إنما القوة والقدرة من الله وحده) . ( ... ) لم يبق في القلعة سوى ثلاثمائة شخص أغلبهم مسنون لم يعودوا بمستطيعي إطلاق الرصاص. أو أطفال لا يستطيعون الصعود إلى الأبراج. لكن فيها نساء. أخذت النسوة القوقازيات أمكنتهن بجوار رجالهن. تعلمت الأيدي الناعمة الإمساك بالبنادق ومع ذلك لم يكف هذا. ورغماً عن هذا، فقد رفض الشيخ اقتراح التسليم الثالث الذي كانت مدته حتى المساء. وأعلن قراره الحاسم بقوله: (عدوٌّ، كل من يمد يده إلى العدو.)

стр. 1509

حديقة الحيوان فيصل محمد الحجي وَلَدي يزور حديقةَ الحيوانِ ... ويعود يحكي لي كوصف عيانِ ويقول: يا أبتي رأيتُ مَشَاهداً ... تَدَعُ الحليمَ هناك كالحيرانِ إنّي رأيتُ الذئبَ يظهرُ بأسَهُ ... في نعجةٍ منهدَّةِ الأركانِ ورأيتُ قرداً فاسقاً متلصصاً ... يرنو إلى أُنثى لدى الجيران ورأيتُ ديكاً مُتْخَماً شَبَعاً ولم ... يَرْمِ الفُتاتَ لجارهِ الجوعانِ ورأيتُ ليثاً خائراً متخاذلاً ... وعرينًهً بقيادة الجرذانِ ورأيتُ صقراً غافلاً.. وإناثُهُ ... مفتونةٌ بالبومِ والغِربانِ ورأيتُ ثوراً كم يظنُّ خُوارَهُ ... شَدْواً كشدوِ بلابل البُستانِ ورأيتُ دُبَّاً كالكثيب ضخامةً ... ويظنُّ قامتَهُ كغُصن البانِ ورأيت للحرباء ألفَ عباءةٍ ... لِتَبَدُّلِ الأحوالِ والأزمانِ والثعلبَ المكُار يمشي خاشعاً ... متظاهراً بالزُّهد والإيمانِ فصرختُ: أُقْصُرُ يا بُنَيَّ ولا تَزِدْ ... وصفاً.. فتلك حديقة الإنسانِ لَلذِّئب أرقى مِن بني الإنسان إنْ ... عاشوا بغير المنهج الربَّاني

стр. 1510

المسلمون والعالم المسلمون المنسيون في روسيا د. علي عبد الرحمن عواض مقدمة: إن الحديث عن الجمهوريات " الإسلامية " في آسيا الوسطى والتي كانت تابعة للاتحاد السوفييتي يجب أن لا ينسينا مسلمي روسيا الذين يقطنون في القسم الأوربي من الاتحاد السوفييتي السابق، فطبقاً لإحصاء عام ١٩٨٩ إن أكثر من ٦٠ شعباً من الشعوب القاطنة في الاتحاد الروسي هي شعوب إسلامية. تتوزع على دول مستقلة وأخرى ذات استقلال ذاتي ضمن الاتحاد الروسي، والبقية تتوزع على دول الاتحاد الروسي الأخرى كأقليات عرقية أو على شكل قبائل مشتتة في جمهورية أو أكثر. وفي روسيا اليوم - الوريث الشرعي للاتحاد السوفييتي - ست وعشرون جمهورية تكون بمجموعها الاتحاد الروسي، بينها ستة ذات غالبية إسلامية بعضها يتمتع بحكم ذاتي وإمكانات اقتصادية جيدة، وبعضها الآخر يطالب بمزيد من الإصلاحات ويطمح إلى استقلالية أوسع. تاريخ الإسلام في روسيا: دخل الإسلام بلاد ما وراء القوقاز الشرقي (آذربيجان) وآسيا الوسطى في فترة مبكرة حيث أن الفتح الإسلامي شمل آذربيجان عام ١٨ هـ، وتوغل المسلمون في داغستان عامي ٢٢/٢٣ هـ، وفتحوا دربند (باب الأبواب) عام ٣٢ هـ ثم تراجعوا عنها، وأعادوا فتحها عام ٣٨ هـ نهائياً وبهذا فتحت جميع بلاد القوقاز التي انتشر فيها الإسلام بسرعة هائلة. وفي منتصف القرن السابع توغل الفاتحون العرب في آسيا الوسطى حيث كانت الزرداشتية والمانوية والمسيحية والنسطورية تتصارع فيما بينها فسيطروا على باكو عام ٥٦ هـ وفتحوا بين أعوام ٨٦ و ٩٦ هـ كل الإقليم الواقع جنوب داريا لتتحول كل المنطقة إلى الإسلام. وبعد أن قضى المغول على الخلافة الإسلامية خلال القرن الرابع عشر الميلادي، واستتب لهم الأمر في مناطق شاسعة من بلاد المسلمين بدأ الإسلام ينتشر في صفوفهم بعد أن هدى الله ملكهم بركة خان للإسلام فأسلم واتخذ اسم الملك السعيد، وقد أعطى ذلك دفعاً جديداً للإسلام أوصله حتى القرم وسهوب روسيا الجنوبية في شمال البحر الأسود وبحر الخرز وحتى سيبيريا الغربية. وفي نهاية القرن الخامس عشر اعتنق دين الإسلام معظم البلقان والقره تشاي والكبردين والشركس الشرقيون. وجاءت بعدها فترة التحول المعاكس، أو التوسع الروسي المضاد حيث بدأ عام ٩٦٠ هـ توسع دولة مسكوفيا لتضم إليها قازان واستراخان وسيبيريا الغربية ومع نهاية القرن السادس عشر كان الروس قد وصلوا إلى شمال القوقاز في كبارديا وبلاد الشاشان، ولم يتوقف الزحف النصراني على المناطق التي كانت حديثة الإسلام إلا بعد أن فرض المسلمون هيبتهم مع نهاية القرن وأوقفوا تقدم المسيحية في القوقاز الأوسط وبلاد الكبردين الذين بقوا فترة طويلة يترددون بين موسكو المسيحية واسطنبول المسلمة حتى آثروا الإسلام نهائياً وأصبحت كبارديا بلاداً مسلمة مع بداية القرن السابع عشر ومنها دخل الإسلام بلاد الأوسيت. في تلك الفترة، مع نهاية القرن السادس عشر، انتشر الإسلام ببطء في غوربا جنوب شرق جورجيا ورضي به جزء من أهل البلاد الذين أقاموا فيما بعد دولتهم التي عرفت باسم أدجاريا وهي من الدولة المكونة للاتحاد الروسي الحالي. وقد استمر الإسلام في التوسع والانتشار في ظل الإمبراطورية الروسية خاصة في الفترة التي حكمت فيها كاترين الثانية في المنتصف الثاني من القرن الثامن عشر حيث أنها كانت ترى في الإسلام ديناً مقبولاً وأكثر قابلية من الدين المسيحي فسمحت للدعاة المسلمين للعمل في بلادها بحرية كاملة كذلك سمحت في عام ١١٨٨ هـ /١٧٧٣ م ببناء المساجد والمدارس الإسلامية فنشطت الدعوة، ونقلت على أيدي التجار والمبشرين بالدين الحنيف إلى بشكيريا وسيبيريا الغربية وسهول قازاخ. وأخيراً كان انتشار الإسلام في بلاد الشاشان الذين عُرفوا عبر التاريخ بتمسكهم بالإسلام وخوضهم أشرس المعارك في بلادهم الجبلية لإيقاف التوسع الروسي ولعل ثورة الإمام شامل الداغستاني من أشهر الأمثلة لهذه المواجهات، وبعدها نقل الإسلام عام ١٢٩٤هـ/١٩٠٥م إلى بلاد الأنغوش. المرحلة الأخيرة من انتشار الإسلام كانت في مطلع هذا القرن وقد استمرت هذه المرحلة عام ١٣٢٤هـ /١٩٠٥م حيث أعلنت الحريات الدينية في روسيا استفاد منها الإسلام استفادة واضحة وانتهت عام ١٣٤٨هـ /١٩٢٨م عندما تدخلت الحكومة السوفييتية وبدأت حملتها المعهودة على العلماء وكتب الإسلام ومعالمه وأفكاره وشخصياته والتي استمرت إلى وقتنا الحاضر.. المسلمون والتوزيع العرقي: تعيش معظم الشعوب الإسلامية في مواطنها التاريخية وعلى سبيل المثال: يعيش في تركمانيا ٩٣% من التركمان. وفي قبرطه بلكار ٩٣% من القبرط و ٢، ٨٢% من البلقار. وفي داغستان ٥، ٨٢% من الأفاريين، ٢، ٨٢% من القوميك، ٦، ٧٧% من اللاك، و ٨، ٧٦ من الدرع. وفي فرستاي -شركساي ٨٣% من قرشاي، و ٩، ٧٦% من الشركس. وفي بشكيرستان ٦، ٥٩% من البشكير. والتتار هم الشعب المسلم الوحيد المشتت إذ يعيش ٦، ٢٦% منهم فقط في تتارستان بينما تتوزع البقية على مختلف أنحاء روسيا ودول آسيا الوسطى. بعد أن أجبر التتر على الهرب من قسوة النظام المسكوفي إلى مناطق متفرقة. أكبر القوميات الإسلامية هي القومية الكازاخاية حيث يزيد تعداد أفرادها على التسعة ملايين شخص جلهم من المسلمين وأقلها العرب الذين يقرب عددهم على الـ ١٠ آلاف شخص استوطنوا مناطق مختلفة منذ الدخول الأول للإسلام إلى تلك البلاد. والقوميات المسلمة المتنوعة تنقسم في أصلها إلى مجموعات عرقية كبيرة هي: الأتراك، والإيرانيون وقوقازيون إبيريون. المسلمون وسياسة " الترويس ": رافق الحملة الدعائية والفكرية ضد الإسلام حملة على المؤسسات الإسلامية إذ ألغيت عام ١٣٤٤ هـ /١٩٢٤ المحاكم الشرعية، وكذلك محاكم للأعراف كما ألغيت عام ١٣٤٨ هـ/١٩٢٤م جميع المدارس الدينية الثانوية والابتدائية والكتاتيب وكان عددها في ذلك الوقت ١٥٠٠٠ مؤسسة. وفي عام ١٣٥٠ هـ/ ١٩٣٠ م تمت مصادرة آخر ممتلكات الوقف الإسلامي الذي كان يؤمن القوة الاقتصادية للدعاة المسلمين ولمؤسساتهم. ثم كانت الحملة البشرية - وهي من الخطورة بمكان - والتي رتَّب لها الاتحاد السوفييتي وخطى فيها خطوات واسعة، والتي كانت بمثابة الضربة القاسمة لكثير من الآمال التي كان يحلم بها أبناء الجمهوريات والمقاطعات الإسلامية. حيث أن سياسة الاتحاد السوفييتي فرضت عملية إعادة تشكيل (ديمغرافية) للمقاطعات والدويلات الإسلامية وذلك من خلال ترتيب عمليات ترحيل قسري وطوعي لكثير من أبناء المقاطعات واستبدالهم بوافدين روس من مناطق مختلفة من شتى أنحاء الاتحاد السوفييتي السابق. فقد قامت السلطات بمصادرة الملايين من الكيلومترات المربعة من ممتلكات المسلمين لتوهب للقادمين الروس، حيث يقام لهم نظام اقتصادي متكامل يتوافق مع الخطة المرسومة لإبقائهم في تلك المناطق على أمل كسر الطابع المميز لهذه المناطق وذلك بتزريع هذه المجمعات السكانية الهائلة في قلب مناطق القوميات الأخرى غير الروسية والجدول التالي يوضح بعض هذه النماذج: التركيبة العرقية للجمهوريات والمناطق ذات الغالبية الإسلامية الدولة ... السكان بالآلاف [*] السكان ... الروس أقليات أخرى ... نسبة الأصليين ... ... المسلمين بشكيرستان ... ٣.٩٤٣ ... بشكير ٢١.٩% ٣٩.٣% منهم تتار ٢٨.٤% ٥٥% شاشان/أنغوش ١.٢٧٠ ... شاشان ٥٧.٨% ٢٣.١% منهم أنغوش ١٢.٩% ٧٥% الأديغة ... ٤٣٢ ... اديجيين ٢٢.١% ... ٦٨% ... ١٩.٩% ... ٧٠% جوفاش ... ١.٣٣٨ ... شوقاش ٦٧.٨% ٣٦.٧% ... ٥.٥% ... ٧٠% داغستان ... ١.٨٠٢ داغستانيين ٨٠.٢% ... ٩.٢% ... ١٠.٦% ... ٧٥% كاباردين-بلكار ٧٥٤ كابادانيين ٤٨.٢% ٣١.٩% منهم بلكار ٩.٤% ... ٧٠% شركس قرتشاي ٤١٥ كاراشيين ٣١.٢% ٤٢.٤% منهم شركس ٩.٧% ٧٠% قاقازيا ... ٥٦٧ قاقاقزيين ١١.١% ٧٩.٥% ... ٩.٥% ... ... ٢٠% تتارستان ٣.٦٤٢ ... تتار ٤٨.٥% ٤٣.٣% ... ٨.٢% ... ... ٥٥% رافق هذا الغزو الروسي تفريغ لمناطق إسلامية من سكانها الأصليين وإعادة توطينهم في مناطق أخرى من روسيا. الوضع الحالي: إن النقص الواضح في الكتابات العربية عن مسلمي روسيا بشكل خاص يزيد من صعوبة الكتابة في هذا الموضوع من جانبين: - الأول: أن الكاتب سوف يضطر إلى استخدام المراجع الأجنبية غير الموثقة أحياناً. - الثاني: أن الكتابة المقتضبة لا تفي الموضوع غرضه وتشرح تناقضات وتداخلات الواقع المعاش في تلك البلاد والتفصيل في واقعها. فإلى جانب الجمهوريات الإسلامية لآسيا الوسطى والتي كثر الحديث عنها في السنوات الأخيرة وهي ستة جمهوريات (أذربيجان/اوزبكستان/قازاخستان/طاجيكستان/قيرغيزيا/تركمانيا) فإن الوضع الحالي للمسلمين في روسيا يمكن تقسيمه سياسياً إلى ثلاثة مجموعات كبيرة من الكيانات هي كالتالي: ١- الجمهوريات المستقلة ذاتياً وتضم: * جمهورية تتاريا. * جمهورية بشكيريا. * جمهورية الكبردين - البلقا. * جمهورية داغستان. * جمهورية الشاشان - الانغوش (والتي انقسمت إلى دولتين حديثاً: الشاشان والأنغوش) . ٢- مناطق تتمتع باستقلال ذاتي [**] : * منطقة الأديغة. * منطقة القره تشاي - الشركس.. ٣- قوميات إسلامية ليس لها إقليم وطني، ولكنها تتمتع باستقلال ذاتي. إلى جانبها قوميات ومجموعات عرقية لا تتمتع باستقلال ثقافي ذاتي. ١- الجمهوريات الإسلامية المستقلة ذاتياً: من بين الجمهوريات الستة والعشرين التي تشكل الاتحاد الروسي هناك خمس منها ذات غالبية إسلامية هي: بشكيرستان/الكبردية- البلقارية/تتارستان/داغستان/الشاشان/الأنغوش. وكذلك جمهورية أبخازيا والتي هي جزء من جورجيا حالياً. أ- جمهورية تتاريا: مساحتها ٦٨٠٠٠ كم ٢ عدد سكانها الإجمالي ٣.٥ مليون نسمة حسب إحصائية ١٤١٣هـ /١٩٩٢ م، عاصمتها قازان وهي مركز صناعي مهم. وهي الإقليم المسلم الأقرب إلى موسكو حيث أنها تمثل طليعة الإسلام المتقدم في قلب روسيا. يقع هذا الإقليم في المجرى الوسط لنهر الفولغا ومعظم سكان العاصمة من الروس. والمعروف أن الترر هم من القوميات التي أصابها التشتت بسبب الحروب والتهجير القصري ولا يتجاوز التتر المقيمون في هذه الجمهورية ٢٨% من المجموع العام للتر في روسيا. ب- جمهورية بشكيريا: تأسست الجمهورية في ٢٠ آذار ١٩١٩م/١٣١٨ هـ كجزء من الجمهوريات الفيدرالية الاشتراكية السوفييتية. تمتد مساحتها فوق ١٤٣٥٠٠كم ٢ وعدد سكانها يتجاوز الأربعة ملايين نسمة وعاصمتها أوفا وهي مدينة غالبيتها من الروس والتتر. تمتاز هذه الجمهورية بأن سكانها الأصليين أو البشكير هم أقلية بالنسبة للأقليات الأخرى والتوزيع العرقي كالتالي: بشكير ٢١.٩%، تتر ٢٨%، روس ٣٩.٣%، تشوفاش ٣.٢%، ماريون ٢.٨%، أوكرانيون ٢.٠%. طبيعة سكان الجمهورية بشكل عام قرويون يعملون في الزراعة (٨٠%) ، يتولى الروس معظم العمل الصناعي والوظائف الرسمية. ب- جمهورية الكبردين - البلقار تحتل أراضي هذه الجمهورية الجزء الأوسط من جبال القوقاز. أنشئت الجمهورية لأول مرة عام ١٣٤٠هـ/١٩٢١م كمنطقة مستقلة وتحولت إلى جمهورية مستقلة عام ١٣٥٦ هـ/١٩٣٦ م وتحول اسمها إلى كبارديا خلال الحرب العالمية الثانية لاتهام البلقار ظلماً بالتعاون مع الألمان، وجرت حملات أبعاد منظمة لهم إلى سيبيريا وآسيا الوسطى. ولكن في عام ١٣٨٩هـ /١٩٦٨م أعيد لهم الاعتبار وأعيدوا إلى جمهوريتهم، وعادت الجمهورية باسم الجمهورية الكبرديل - البلقارية. مساحة الإقليم تتجاور الـ ١٢٥٠٠ كم ٢ عدد سكانها يقارب المليون عاصمتها نالتشيق، ويقطنها ثلث سكان البلاد وهم يتألفون من عرقيتين أصليين. الكردين (وهم الشركس الشرقيون) والبلقار (الأتراك) . ج -جمهورية داغستان: كغيرها من العديد من جمهورية الاتحاد الروسي فإن جمهورية داغستان تأسست عام ١٣٤٠ هـ /١٩٢١ م، تبلغ مساحتها ٥٠٣٠٠كم ٢، وعدد سكانها يقارب المليونين نسمة يقطن المدن منها ٣٠% والباقي قرويون. نسبة المسلمين في هذه الجمهورية ٨٥.٣% من المجموع العام. عاصمتها مختش -قلعة. يمثل الداغستانيون ٧٨% من مسلمي البلاد يليهم الأذاريون ثم الشاشان. حتى الثورة البلشيفية كانت العربية هي لغة الأدب في داغستان وكانت ايضاً اللغة الرسمية لمنطقة شامل. وفي العام ١٣٤٧ هـ/١٩٢٨م أبعدت الحكومة الروسية اللغة العربية لما لها من طابع ديني، وحلت محلها اللغة الروسية للتعامل الرسمي والآذارية كلغة شعبية والغالبية العظمى من السكان من أهل السنّة وتتبع المذهب الشافعي كما تنتشر بينهم الطرق الصوفية خاصة النقشبندية والقادرية. تعاني هذه الجمهورية كغيرها من جمهوريات الاتحاد الروسي من وضع اقتصادي سيء ونقص في المؤسسات والكليات الشرعية. من الأحزاب ذات الطابع الإسلامي في هذا البلد حزب النهضة الإسلامي، الحزب الديموقراطي الإسلامي وجماعة المسلمين (صوفيين) . د- الجمهورية الشاشانية-الإنغوشية: تألفت هذه الجمهورية عام ١٣٥٤هـ/١٩٣٤م (وذلك بتوحيد جمهوريتي الشاشان التي تألفت عام ١٣٤١ هـ/١٩٢٢م " وجمهورية الانغوش التي تألفت عام ١٩٢٤) وأصبحت جمهورية مستقلة عام: ١٣٥٦هـ/١٩٣٦م. عام ١٣٦٤ هـ/١٩٤٤م طرد من ديارهم جميع السكان الأنغوش والشاشان إلى سيبيريا وآسيا الوسطى في ظروف صعبة أدت إلى موت أرقام كبيرة منهم أثناء عملية الترحيل. ومن ثم قسمت أراضيهم بين جمهوريات أخرى مجاورة وجورجيا. وبعد موت ستالين أعيد الشاشان والأنغوش إلى بلادهم وأعيد إنشاء الجمهورية واستعاد أبناؤها اعتبارهم. يزيد عدد سكان الجمهورية على ١٣٠٠ مليون يعيشون على مساحة تغطي ١٩٣٠٠ كم ٢ عاصمتها غروزني ومعظم سكانها حالياً من الروس. وكلتا العرقيتين الأنغوش والشاشان قرويون جبليون يعانون من أوضاع اقتصادية صعبة. قبل الثورة كانت لغة البلاد الشائعة هي العربية وتحولت مع سياسة الترويس إلى اللغة الروسية عام ١٣٥٩ هـ/١٩٣٩م. دخل الإسلام هذه البلاد في وقت متأخر (القرن الثامن عشر) ومن الراجح أنه دخل عبر بخارى وداغستان وشيرفان الذين قادوا الحرب ضد الغازي الروسي. أعلن استقلال الجمهورية عام ١٤١٢هـ / ١٩٩١م، وتعاني البلاد من أوضاع سياسية غير مستقلة كنتيجة للرغبة في التغيير من قبل الإصلاحيين والتي تواجه بمعارضة منظمة مدعومة من شيوعيي البلاد، ومدعومين من الحكومة المركزية في موسكو. هـ - أبخازيا: تمتد أبخازيا على الشواطئ الشمالية الشرقية للبحر الأسود على مساحة تبلغ ٨٦٠٠ كم٢ عاصمتها ساخومي وعدد سكانها مئة وخمسون ألفاً معظمهم من الأبخاز (أو الأباض كما هي التسمية الحقيقية في تلك البلاد) . معظم الأبخاز (الأباض) يعيشون في تركيا إذ أن ٧٠% من السكان كانوا قد هجروا ونزحوا عام ١٣١٠هـ/ ١٨٦٤م وعندما تعرضوا لغزو بشري منظم وتحولت البلاد إلى خليط من الروس والجورجيين والأرمن والروم مما أوصل نسبة السكان الأصليين من الأبخاز إلى ١٧ % من السكان. اعتبرت أبخازيا جمهورية سوفييتية بعد الثورة الشيوعية عام ١٣٣٦هـ/١٩١٧م ولكن ستالين ألحقها بموطنه جورجيا عندما استلم الحكم. وكانت بدايات المحاولات الوطنية للتغيير عام ١٤٠٦هـ/١٩٨٥م عندما قامت مظاهرات من الأبخاز مطالبة باستقلال بلادهم وانفصالها عن جورجيا، ولكن جورجيا واجهت ذلك بقمع شديد سقط ضحيته العديد من القتلى وألغيت الحريات وعطل العمل بدستور البلاد الذي يميزها عن جورجيا والذي كان معمولاً به منذ العام ١٣٤٠هـ/١٩٢١م ولكن السلطات في جورجيا ضمت البلاد بكاملها لجورجيا وألغت الدستور. وتكرر الوضع عندما قرر مثقفوا وقادة البلاد اعتبار أبخازيا جمهورية سوفييتية مستقلة والعودة إلى دستور ١٣٤٠هـ/١٩٢١م فكان رد فعل الجورجيين أن تصدوا للمظاهرات بشكل دموي ذهب ضحيته عشرات الأشخاص. ولكن الوضع العسكري تفجر يوم ١٤ أغسطس (آب) ١٤١٣هـ/١٩٩٢م عندما دخلت قوات مجلس الدولة الجورجي أبخازيا بحجة حراسة سكة الحديد ومكافحة الإرهاب والبحث عن الرئيس الجورجي الهارب فدخلت العاصمة الأبخازية دون إذن من سلطات أبخازيا. لكن الكميات الهائلة من الجنود الجورجيين كانت كافية للسيطرة على البلاد واحتلال معظم أراضيها ويحاول شفرنادزه تسليح الجورجيين الذين يسكنون أبخازيا للتصدي للأبخاز الذين ينادون بالانفصال عن جورجيا وينادون بالاستقلال. ومع أن الإبخاز أقلية في بلدهم بسبب سياسة التهجير الستالينية ولكنهم يتمتعون برصيد تاريخي بحقهم في البلاد يعترف لهم به غيرهم من أقليات البلاد. ولهذا فإن من بين عدد نواب البرلمان الأبخازي (٢٨ مقعداً) للأبخاز بينما توزعت المقاعد الأخرى كالتالي: ٢٦ للجورجيين، ٥ مقاعد للروم، ٥ للأرمن، مقعد للأروام. الوضع الحالي هو أن المعارك لا تزال مستمرة بين قوات الاحتلال التي تسيطر على مناطق تكفاتيتلي، غال، تسمتثيرا، ساخوم، في محاولة لاستعادة حرية هذه المناطق والمنطقة مقطوعة عن بقية العالم الإسلامي إلا من بعض المدد الذي يقدمه مسلمو القوقاز من متطوعين وبعض العتاد. وقد أعلن الرئيس الجورجي الأحكام العرفية في البلاد أوائل شهر (يوليو) ١٤١٤هـ/١٩٩٣م ولمدة شهرين فاتحاً البلاد إلى حرب مفتوحة. وقد قامت رابطة شعوب القوقاز التي تضم القوميات القاطنة جنوب روسيا بإعلان التعبئة العامة لنجدة الأبخازيين سيما وأنه تربطهم بهم رابطة دينية وامتدادات عرقية وتاريخ مشترك. ٢- المناطق المستقلة ذاتياً: إلى جانب الجمهوريات المستقلة ضمن اتحاد روسيا فإن هناك خمس مناطق تتمتع باستقلال ذاتي بينها اثنتين ذات غالبية إسلامية وهي: منطقة الأديغة ومنطقة القره تشاي -الشركس. وهذه المناطق تستخدم لغاتها القومية إلى جانب الروسية ولا يمكنها الانفصال عن الاتحاد الروسي. منطقة الأديغة: وهذه المنطقة تشكلت عام ١٣٤١هـ /١٩٢٢م باسم منطقة الأديغة الشركس المستقلة. وتحول اسمها إلى الأديغة عام ١٣٥٦هـ/١٩٣٦م، مساحتها ٧٦٠٠ كم٢ وعدد سكانها يتجاوز النصف مليون نسبة المسلمين بينهم ٧٠% من مجمل السكان، عاصمتها ما يكوب معظم سكانها من الروس. والأديغة الأصليون هم من أهل السنة يتبعون المذهب الحنفي، وهم جزء من الأمة الشركسية. والمعروف أن أكثر من ٧٠% من الأديغيين هاجروا إلى الإمبراطورية العثمانية عندما غزت روسيا القيصرية القوقاز الشمالي، وكانت اللغة العربية هي لغة الادب حتى العام ١٣٣٧هـ/ ١٩٨١م واستبدلت رسمياً عام ١٣٥٦هـ/١٩٣٦م باللغة الروسية. منطقة القرة تشاي - الشركس: تشكلت هذه المنطقة عام ١٣٤١هـ/١٩٢٢م وانقسمت عام ١٣٥٤هـ/١٩٢٦م إلى منطقتين مستقلتين ذاتياً: منطقة القره تشاي المستقلة ذاتياً، ومقاطعة الشركس القومية. وعادت إلى الاتحاد عام ١٣٤٧هـ/١٩٢٨م واتخذت اسمها الراهن. تم ترحيل قسري للقره تشاي عام ١٣٤٦هـ /١٩٤٤م ثم أعيد البعض إليها عام ١٣٩٨ هـ/١٩٥٧م بعد اتهامهم ظلماً بالتعاون مع الألمان وإبادة أعداد كبيرة منهم ونفي الجزء الآخر. مساحة الإقليم ١٤١٠٠ كم٢ وعدد سكانه حوالي النصف مليون نسمة عاصمتها شركس وغالبية سكانها من الروس. ٣- أقليات وقوميات إسلامية أخرى: كما يتوزع في أنحاء مختلفة في الاتحاد الروسي مجموعة من القوميات التي لا تتمتع باستقلالية ضمن إطار وطني ولكنها تتمتع بنوع من الاستقلال الثقافي الإقليمي إذ تستخدم هذه القوميات لغاتها المكتوبة، ولها مؤسساتها التربوية والعلمية وصحافتها ومسارحها ومعاهدها الخاصة بالبحث، وهناك أربع قوميات إسلامية تتمتع بهذه الخصائص اثنتان منها هاجرت من الصين وهي: الويغور المسلمين ويبلغ تعدادهم ٢٥٠ ألف نسمة وهم امتداد لنفس العرق في الصين حيث يبلغ تعدادهم ٨ ملايين نسمة. والدنغان: وهم مسلمون على المذهب الحنفي هربوا من الصين عام ١٢٩١هـ / ١٨٧٧م بعد فشل ثورة المسلمين في الصين ضد السلالة المنشورية. الأكراد: ويبلغ تعدادهم حوالي ١٢٥ ألف نسمة جاؤوا على شكل موجات من المهاجرين على فترات زمنية متباعدة من إيران والعراق وتركيا اثر مشاكلهم مع الحكومات في تلك البلاد. تتر القرم: وكان لهم حتى عام ١٣٦٤هـ/١٩٤٤ إقليم خاص بهم له استقلالية ذاتية ولكنهم عوملوا كإخوانهم الأنغوش والشاشان عندما اتهموا بالتعاون مع الألمان وشتتوا على أيدي ستالين في سيبيريا وقازاخستان وتذكر المصادر أن أعداد كبيرة منهم قضت خلال فترة التشريد وقد ألغيت جمهوريتهم نهائياً وألحقت المنطقة بأوكرانيا. وإلى جانب هذه المجموعات العرقية هناك قوميات وعرقيات إسلامية عديدة لا تتمتع بأي استقلال أو تميز ثقافي أو اجتماعي وقد عمل على دمجهم في الإطار الروسي الأوسع لإذابة شخصيتهم المميزة ومنهم: البلوش/الأيروني/الأتراك/وعرب آسيا الوسطى. كما أن الإسلام ينتشر بين أعراق وقوميات بشكل جزئي حيث أن البعض اعتنق الإسلام بينما بقيت المجموعات الأخرى على ديانات إما نصرانية أو وثنية منهم: الأرمن المسلمون/التات المسلمون/الغجر المسلمون.. كلمة أخيرة: لعل الاستعراض السريع لأحوال مسلمي هذه المناطق يلفت الانتباه إلى الوضع المأساوي الذي تعيشه معظم هذه الدول والأقليات ضمن إطارها الروسي - النصراني الواسع. وقد نستخلص من أهم المشاكل التي يشترك فيها معظم مسلمي هذه المناطق: - الأوضاع الاقتصادية السيئة التي تؤثر سلباً على إثبات أنفسهم وإصلاح واقعهم. - الأوضاع السياسية حيث أن معظم هذه المناطق تحكم من قبل شيوعيين يتسمون بأسماء إسلامية. - الجهل بالدين والبعد عنه حيث أن سنوات الشيوعية الطوال أنتجت أجيالاً من المسلمين الذين لا يعرفون عن دينهم إلا الاسم. - انتشار الخرافات والبدع بينهم. مما يزيد من أهمية وضرورة العمل على نشر العلم الشرعي الصحيح بين أبناء هذه الطوائف. - سارعت الكنيسة لاحتضان النصارى من تركة الاتحاد السوفييتي، وهي تعمل جاهدة في بلاد المسلمين ومناطقهم. والمؤسسات الإسلامية الخيرية والدعوية مدعوة للمشاركة في احتضان ومساعدة وتعليم المسلمين المنسيين في روسيا.
следующие страницы →