محنة جديدة للدعاة في تونس
نفذ حكم الإعدام بشابين تونسيين، ونفذت أحكام أخرى تتراوح بين السجن
المؤبد والسجن لمدد طويلة بمجموعة أخرى. وقد نقلت وسائل الإعلام العالمية ما
صدر عن السلطة التونسية بشأن ذلك. ولا نريد ذكر تفاصيل ذلك، وإنما نريد
الإشارة إلى أن نتائج هذه المحاكمة كانت متوقعة، وأن الأحكام لم تصدر يوم النطق
بها رسمياً، وإنما صدرت عند بدء الحملة الإعلامية الشرسة التي وظيفتها التمهيد
ليكون وقع هذه الأحكام الظالمة خفيفاً على الناس، ولإحداث الصدى التبريري
المناسب الذي يحجب العقلية المتغطرسة والمتعجلة التي تتميز بها هذه الأنظمة عند
معالجة كل ما له تعلق بقضايا الإسلام والمسلمين.
ومنذ أن أسندت الدولة أمر محاكمة هؤلاء إلى محكمة برئاسة المدعي العام
للدولة، ظهر أنها لن تكون منصفة ولا عادلة في حكمها على هؤلاء، فكيف يكون
الخصم هو الحكم؟ ! .
ومن الدعاوى التي ساقتها السلطة للتنكيل: أن هؤلاء اتصلوا بإيران، وقد
أكد قادة حركة الاتجاه الإسلامي في بيانات أصدروها بأنه لا صلة لهم بإيران،
وأنهم يرفضون سياسة هذه الثورة ومنهجها.
ومن جهة ثانية: فإن الذين فروا تحت وطأة المطاردة كان من المنطقي أن
يفروا إلى إيران التي ادعى أعداؤهم أنها تساندهم، ولكنا نراهم قد التجأوا إلى
جهات معادية لإيران.
أما عن القول بأنهم يؤيدون الثورة الإيرانية؛ فإن كثيراً من المسلمين قد أيدوا
هذه الثورة، ورجوا منها الخير ثم تراجعوا عن ذلك، وإن من الملفت للنظر أن
أجهزة الإعلام عربية وغربية وقفت إلى جانب الإعلام التونسي الظالم وشاركته
إصدار أحكامه على هؤلاء الشباب منذ البداية، ولم يتنبه هؤلاء الذين لا يزالون
يلوكون ألفاظ التطرف والتعصب حتى عافتها النفوس ومجتها الأسماع أن أساليبهم
الفجة هذه هي التي تدفع الشباب المتسرعين دفعاً أن يقفوا منهم هذه المواقف التي
يقذفونهم بسببها هذا القذف، ويرمونهم عليها بأقذع الشتائم وأقبح الأوصاف.
فأين ادعاءات القائمين على هذا الإعلام بمسؤوليته التربوية والتوجيهية،
وحمله لواء الحرية والدفاع عن حقوق الإنسان والكشف عن الحقائق؟ ؛ إننا وبكل
أسف لم نلمح ولم نحس حتى ولا من وراء السطور والكلمات أي أثر لتحذير النظام
التونسي الإقدام على مثل هذه الجرائم المتكررة لتشويه صورة العاملين للإسلام
عموماً، مع أن مواقف هذا النظام في عدم حياده ومجافاته للحق معروفة بدءاً
بعلمانيته التي يتفاخر بثمارها، ومروراً بالاستهتار بأركان الإسلام كالصوم،
والاستهتار بالقرآن الكريم وبأحكامه، وليست بعيدة تلك الفتاوى التي أصدرها كثير
من أفاضل العلماء بردة رئيس هذا النظام وذلك حين تجرأ وسخر من كثير من
الأحكام الإسلامية ومما عرف من الدين بالضرورة.. وانتهاء بمنع الحجاب، فقد
صرح الهادي خليفة وزير الدولة للتعليم الثانوي والابتدائي بتونس بأنه تقرر حظر
ارتداء الطالبات زي المحجبات في مختلف المدارس والمعاهد والكليات [القبس -
١٤/٩/١٩٨٧] .
بل إن هذا النظام لا يكف عن الافتخار بما يندى له جبين المؤمن، بل تثور
له النخوة العربية، ألا وهو: فتحه لأبواب بلاده لأمواج الفساد العاتية التي تقذف
بها الحضارة الغربية باسم السياحة وزيادة الدخل القومي، حتى تحولت تونس
الإسلامية على يديه إلى بلد يكاد يفقد هويته، التي إن فقدها فقد تحول إلى (بالوعة)
من بالوعات الفساد في هذه الحضارة الراهنة.
إننا في (البيان) نستنكر هذه الجرائم ضد الدعاة، ونعتقد أن مسيرة الدعوة
إلى دين الله لن توقفها مثل هذه التصرفات في بلد أنجب فحول العلماء والمجاهدين
كالشيخ محي الدين القليبي.
كما إنها فرصة ليعيد الشباب المسلم في تونس النظر في مواقفهم ومناهجهم
التي لم تسلم من دعاوى (العقلانية) ، وليبقوا على وفائهم لمنهج أهل السنة، الذي
لو لم يكن له إلا حفظ وحدة المغرب العربي الفكرية، وتجانسه الثقافي لكفت مزية.
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
стр. 177
الحضارة المعاصرة الوجه الأخر
إعداد: ضيف الله الضعيان
«.. والرسالة روح العالم ونوره وحياته،» فأي صلاح للعالم إذا عدم
الروح والحياة والنور؟ ! «» والدنيا مظلمة ملعونة، إلا ما طلعت عليه شمس
الرسالة.. «
ابن تيمية
وأخيراً اعترف الغرب
ترجمة وتعليق: محمد عثمان عقال
مجلة (بلين تروث) (the plain truth) مجلة تبشيرية تنصيرية، تصدر
بسبع لغات، ويوزع منها ٢٠ مليون نسخة شهرياً مجاناً، وقد ورد في عدد أكتوبر
١٩٨٧ منها مقال حول انحطاط المستوى التعليمي في الغرب تحت عنوان: (أعيدوا
دور الوالدين في التعليم) . وقد وجدنا من المفيد ترجمة هذا المقال لما فيه من حقائق
تحتاج إلى معرفة.
المدارس العليا تخرج جهلة وأشباه متعلمين! شباب لا يستطيعون قراءة
صحيفة أو كتابة رسالة مفهومة إلا بصعوبة بالغة! ماذا يحدث في مدارس اليوم؟ !
مثال واحد يوضح المشكلة..
طلبة الولايات المتحدة وضعوا صحراء سيناء في فيتنام! بعضهم الآخر قال:
إن رئيس وزراء كندا السابق (بيير ترودو) كان لاعب هوكي من مدينة مونتريال
فهل هناك أية غرابة إذا كان أولياء الأمور والمربون قلقين من نوعية ومستوى
التعليم لدى الشباب؟
وقد كشفت إحصائيات أخرى أجريت في أمريكا في صفوف طلبة في سن
السابعة عشرة، قام بها (المعهد القومي لتقويم التقدم التعليمي) عن حقائق مُرَّة:
* ثلثان منهم لم يستطيعوا تحديد تاريخ الحرب الأهلية في أمريكا في الفترة ما
بين١٨٥٠-١٩٠٠م.
* وثلث آخر كانوا يجهلون أن كولومبس أبحر للعالم الجديد قبل ١٧٥٠م، ثم
إن إحصائية أخرى أكثر حداثة وجدت أن ٢٠% من طلبة أمريكا لا يستطيعون
تحديد موضع أمريكا من خريطة العالم!
وكما قال مدير المعهد القومي للدراسات الجغرافية في الولايات المتحدة وفي
أسلوب مفعم بالمرارة: نحن الآن قد وصلنا إلى حد أن " جوني " ليس عاجزاً عن
القراءة فحسب، بل إنه لا يعرف حتى موضع قدميه!
والأغرب من هذا: أن كثيراً من طلبة المعاهد في أمريكا -ممن هم في سن
التاسعة عشرة- يجهلون من هي الأطراف المتصارعة في الحرب العالمية الثانية.
وهذا الجهل ليس محصوراً في الولايات المتحدة فقط؛ ففي دراسة بريطانية
حديثة جاء أن أكثر من نصف الطلبة الذين تتراوح أعمارهم بين ١٥ - ١١ عاماً لا
يستطيعون فهم تعليمات إنذار الحريق البسيطة، وأن ٤٤% منهم غير قادرين على
حل رموز جداول الحافلات ووسائل الانتقال، هذا وعلى الرغم من إدخال بعض
التحسينات الطفيفة على نظام التعليم! فإن المشاكل الأساسية لا تزال قائمة.
الحلقة المفقودة:
يؤيد كثير من دعاة الإصلاح في الولايات المتحدة فكرة العودة إلى النظام
التأديبي القديم في المدارس، ويرون أنه لابد من البدء مرة أخرى بتدريس
الأساسيات. في حين أن الغالبية العظمى ترى أن هذا الانهيار يعود إلى ضعف
الحوافز لدى المدرسين، وأنهم بحاجة إلى زيادة رواتبهم.
ولكن كل هذه الحلول تنقصها مادة وحيدة مفقودة تجاهلتها التقارير، وهي:
دور أولياء الأمور في التربية والتعليم. كما أشار إلى ذلك وزير التعليم السابق في
الولايات المتحدة (تيرل بال) ، حيث قال بحق:
» إن انهيار مستوى التعليم في المدارس الأمريكية في بعض من جوانبه
يعكس -إلى حد ما- طبيعة التقلبات على مستوى الأسرة، فلدينا أسر كثيرة يعمل
فيها كلا الوالدين، وأسر كثيرة أيضاً لا يديرها إلا شخص واحد (أباً أو أماً) «.
ونتيجة للسلبيات المترتبة على مثل هذه الحالات فإن الآباء قليلاً ما يهتمون
بالعناية بأولادهم، فهم مثلاً لا يلتفتون إلى متابعة تطور سير دراسة ولدهم إلا حينما
يفاجئ أمه بقوله: أماه.. إنني لا أفهم شيئاً.
حتى المدرسون بدورهم أصبحوا يتذمرون من اللامبالاة التي يتصف بها
سلوك الآباء. ففي مقال لـ (فيكتور فوجس) في جريدة (وول ستريت جورنال)
يقول:
» مما لا شك فيه أن اهتمام الآباء بأبنائهم، والقيم التي يحرصون على
غرسها فيهم هي من العوامل الأساسية التي تحسم مدى نجاح الطفل في المدرسة،
فنحن -مثلاً- نجد أن أبناء العائلات الآسيوية التي وفدت حديثاً إلى أمريكا غالباً ما
يتفوقون على أترابهم في المدارس الأمريكية والكندية «. ويستطرد مستر فوجس
قائلاً:
» إن تفوق الطلبة الآسيويين لدليلٍ واضح بأن الاجتهاد في التحصيل،
واحترام المدرس، والمشاركة الفعالة من الآباء في متابعة تعليم الطفل يبقى لها الأثر
الإيجابي الكبير في التفوق «.
إن الآباء الذين يهتمون بتعليم أبنائهم يحصلون على نتائج إيجابية دائماً،
وأحسن مثال على ذلك هو: اليابان، فالأم اليابانية تهتم كثيراً بتربية طفلها، كما
يقول الأستاذ جورج دي فوس، وهو انثروبولوجي من جامعة كاليفورنيا ظل يدرس
حضارة اليابان لمدة ٢٢ سنة، فهو يقول:
» إن الأم اليابانية عنصر كبير الأهمية والتأثير في تربية أطفالها، لأنها
تجعل من نفسها المسؤول الوحيد عن تعليمه، وتدعم بقوة دور المدرسة، وإن تربية
الطفل تبدأ منذ الولادة «.
إن السبب الرئيسي في انهيار مستوى تعليم الشباب بشكل عام في الدول
الصناعية هو عدم مشاركة الآباء في مسار التعليم، فإن الأب يرسل ابنه إلى
المدرسة بين الخامسة والسادسة من عمره، ثم ينتظر من الحكومة أن تتكفل بمهمة
تربية وتعليم هذا الطفل.
-انتهى المقال-
***
هذه حقائق يعترف بها عقلاء الغرب بعد أن أصبح من الصعوبة إخفاؤها،
ونسوقها لنؤكد بها تسيباً موازياً في التربية والتعليم في البلاد العربية والإسلامية،
حيث إن المستوى التربوي والتعليمي في حالة يشكو منها كل من هو مطلع على
حقائق الأمور.
وإن معالجة الماديين لمشاكلهم الاجتماعية تظل محكومة بنظرتهم المحدودة،
وقد تكون الحقيقة على مقربة منهم، ولكن يجدون الاعتراف بها صعباً، لأنه قد
يهدم الأساس الاجتماعي الذي ينطلقون منه برمته.
فلا شك أن التمرد على الفطرة، والتحدي الوقح لكل العقائد والأعراف،
والتنصل من كل ما تواطأت عليه البشرية ومصلحوها بحجة التطور والحرية،
والخروج بالمرأة عن وظيفتها التي خلقها الله، كل ذلك من الأسباب التي ينتج عنها
ما اشتكى منه القوم، إن لم يكن هو السبب الرئيسي.
ومع أن هذه النتائج يدركها أبسط معلم في مدرسة مارس مهنة التعليم،
ويستطيع أن يقيم عليها أمثلة لا حصر لها؛ فإننا وللأسف الشديد ماضون في أغلب
بقاع العالم الإسلامي في تشجيع المرأة على الخروج من بيتها بحجج يلوكها دعاة
الفتنة وأهل الأهواء، وبالتقنينات التي تدعم ذلك الخروج بشتى السبل، ويساند ذلك
إعلام لا يفتأ ليل نهار عن التحريض والإغواء ووصف الوقاحة والجرأة على الذنب
والشذوذ بالشجاعة والعبقرية والكفاح.
فهل ستكون النتيجة بعد كل ذلك أحسن مما توصل إليه الغرب الذي داس
الأسرة وروابطها، وسار شارداً لا يدري إلى أين المصير؟ ! .
стр. 178
من داخل روسيا
موسكو - ٢٨ أيلول (سبتمبر) -رويتر:
تقول تاتيانا المطلقة الشابة:
«عندما تنام طفلتي أشعر بغصة في حلقي، إنني أتوق في الحقيقة إلى
صديق يشاركني كل أفراحي وأحزاني، وابنتي الصغيرة تنتظر أباً» .
هذه شكوى تاتيانا (٢٨) سنة، في خطاب أرسلته لمحرر عمود: (القلوب
الوحيدة) في صحيفة منظمة الشباب الشيوعي، في أوكرانيا.
وبتصفح خطابات المحرومين من الحياة العائلية، يستشف القارئ أن السلطات
تبذل جهوداً منسقة لتخفيف وطأة مشكلة اجتماعية رئيسية في الاتحاد السوفيتي،
وهي: جمع شمل الملايين من العزاب والمطلقين، وكثير منهم لديه أطفال.
وإعلانات القلوب الوحيدة فكرة جديدة إلى حد ما في الاتحاد السوفيتي، حيث ... ظلت الأيدلوجية الرسمية تؤكد على مدى سنوات أن الشيوعية قد حطمت الحواجز الطبقية، وأزالت العقبات من أمام العلاقات الإنسانية.
وتستجيب أبواب القلوب الوحيدة، مثل العمود الذي ينشر في صحيفة
(كومسومولسكوي زناميا) الأوكرانية لشكاوى الباحثين عن الحياة العائلية في بلد ينتهي فيه زواج واحد من كل ثلاث زيجات بالطلاق، ويزيد فيه عدد النساء غير المتزوجات على عدد الرجال غير المتزوجين بدرجة كبيرة جداً.
وتقول الصحيفة الأوكرانية التي بدأت نشر عمودها الأسبوعي، وعنوانه:
«أنا بانتظارك» منذ أربعة أشهر: أنها تتسلم حوالي ألف خطاب في اليوم.
وقال خطاب يُعد نموذجاً لما يتسلمه العمود: «أنتظر عمودكم دائماً وأنا على
أحر من الجمر» .
وتقول (لود ميلا) ، وهي مطلقة في الرابعة والثلاثين من عمرها، ولها ابن
في العاشرة:
«لن أصف مأساتي، سأقول فقط: إنه ليس باستطاعة كل امرأة قررت
الرحيل ومعها طفل عمره شهر أن يكون رحيلها بعيداً بلا عودة على الإطلاق» ! .
وفي خطاب آخر قالت (جالينا) التي تعيش في شبه جزيرة القرم:
«أنا في الثانية والعشرين، ولي طفل عمره ثلاثة أشهر، ونفتقد وجود رجل
قوي. لقد تخلى رجل عنا، ولكننا لا نعتقد أن كل الرجال مثله» .
واشتكت " ليلينا " المدرسة (٢٨) سنة قائلة:
«إن زوجي السابق لا يقوم بأي دور في تربية ابننا، وحتى لا يتذكره،
ومع كل يوم يمر أزداد اقتناعاً بمدى حاجة ابني إلى أب» .
لا للزوجة الموظفة:
ومن السمات البارزة في خطابات من رجال سوفييت التأكيد على أنهم لا
يريدون أن تكون شريكات حياتهم موظفات طموحات.
فقد كتب فالنتين (٢٩) سنة ومطلق، الذي قال إنه يهوى التصوير: «أريد
فتاة أو امرأة متعاطفة، عمرها بين ٢٥، ٢٩، تتمتع بشخصية مرحة، وتعرف
أشغال الإبرة والطبخ وتوفير جو عائلي مريح» .
ويشاركه هذا الأمل ديمتري -كهربائي عمره ٢٤ سنة- الذي قال: " إنه
يعيش مع والدته وإخوته، وقال: «أريد فتاة متعاطفة، تطبخ جيداً، وتتمتع
بالحيوية والطيبة» . وقال (ألكسندر) (٢١) سنة الذي أتم تدريبه كبحار في ميناء
(أوديسا) على البحر الأسود: (عمل البحار صعب، ولكنه يصبح أكثر سهولة
إذا انتظرت عودتك على الشاطئ فتاة مخلصة) .
ويحرص بعض الرجال على التأكيد على أنهم لا يشربون (الخمور) ، من أجل
الفوز بقلوب النساء اللاتي يكرهن معاقرة الخمر.
ويقو ل (ألكسندر) : «ليس لدي عادات سيئة، وأحب الرياضة، وأنظر
إلى الحياة العائلية بجدية، وأريد أن تكون فتاتي رقيقة، وأن تشاركني اهتماماتي» .
وتحرص كثيرات من النساء غير المتزوجات على التأكيد على أنهن
سيصبحن زوجات وأمهات ممتازات.
وقالت (فالنتينا) (٣٣ سنة) والتي تعمل مدرسة: «أحب الأطفال جداً،
ولكنني لم أتزوج، وسعادتي الكبرى في القيام بالأعمال المنزلية» .
هذا التقرير يعكس الحياة الاجتماعية في البلد الذي يعد النموذج لتطبيق
النظرية الشيوعية ويحاول كاتب التقرير أن يكون حيادياً، وينقل شهادات صادقة
من قِبل الرجال والنساء في روسيا، ولذلك فهو يبدو تقريراً وصفياً يحاول التقاط
بعض الصور عن الحياة الاجتماعية تحط النظام الشيوعي.
إن العقيدة الشيوعية حاولت القضاء على كل الروابط العائلية الموروثة،
وسخرت من كل القيم التي أقامتها الأديان واحترمتها الأجيال، مدفوعة بتفسيرها
المادي للحياة، ومؤكدة -بسطحية وتعصب ودموية- على أن تاريخ الجنس البشري
هو تاريخ البحث عن الطعام فقط.
وبعد أن فند العقلاء هذه النظرية حتى قبل أن تطبق؛ هاهي ذي الشعوب التي
رزحت تحت نيرها تعبر عن رفضها لها، وضيقها بها، ذلك لأن الفطرة البشرية
قد تشوه وتمسخ، ولكن لا يمكن اقتلاعها من جذورها.
وفي مكان آخر من هذا العدد من المجلة هناك شهادة أخرى عن الطرف الآخر
لهذه الحضارة - وهو الطرف الذي داس الروابط العائلية والقيم الربانية باسم الحرية
الفردية-، نظرتان لم تحققا السعادة والاستقرار للجنس البشري، وكل واحدة منهما
دعت وتدعو الناس إلى احتقار كل القيم والمواريث الخلقية، بحجة مختلفة مزعومة
سواء حجة الإنتاج، أو حجة الحرية الفردية.
يفتخر العبيد من أبناء المسلمين بما يسمى بتحرير المرأة سواء في الشرق أم
في الغرب، وتعجبهم صورة المرأة هناك، حيث تزاحم الرجال كتفاً بكتف،
وتمارس المهن التي كانت إلى وقت غير بعيد وقفاً على الرجال، وتعجبهم صورتها
وهي تقود السيارة أو الطائرة، وتقوم بما من شأنه أن يلفت إليها الأنظار، ويوجه
إليها عبارات التشجيع؛ ولكن ينسون أو يتناسون أن الأنظار سرعان ما تصدف
عنها، أو التشجيع سرعان ما يحجب عنها ليصرف إلى أخرى أصغر منها سناً،
وأكثر منها جاذبية، وأنها بعد قليل ستلتفت لترى نفسها وحيدة في صحراء قاحلة،
أو في سديم قطبي متجمد.
إن المقولة التي قدمت على أن الدولة تستطيع أن تربي وأن ترعى وأن تعول
مقولة لا تثبت عند الفحص والاختبار، فلئن استطاعت الدولة أن تتكفل بالرعاية
المادية والصحية لرعاياها، فهل هي قادرة على تأمين العلاقات الاجتماعية التي لا
غنى لهم عنها؟ !
إن الناظر بتأمل وتعقل إلى حياة هؤلاء الذين تفلتوا من كل ما يربطهم بوحي
السماء، وإلى المنزلة التي آلت إليها المرأة عندهم لَيَشعر بالإشفاق والرثاء -والله-، على الرغم مما يتمتعون به من تقدم مادي، وليس غريباً أن تسود الأمراض
الاجتماعية المدمرة، والأمراض الأخرى التي تهدد البشرية بعد أن انعتقوا من كل
الروابط، وأصبح المشروع مستهجناً والمحرم مألوفاً، فسخروا من الزواج ونفروا
منه، وحولوا العلاقات العائلية والروابط الاجتماعية إلى علاقات ميكانيكية بعد أن
انصرف الرجال عن الزواج نتيجة لتشجيع العلاقات الجنسية الحرة دون تحملهم لما
يترتب على الزواج من أعباء وشعور بالمسؤولية، أصبح على المرأة أن تواجه
وحدها جفاف هذا المجتمع، وأصبحت الضحية الأولى التي تنعكس عليها تناقضاته
وعيوبه، فهي راكضة لاهثة أبداً، تركض في مبدأ حياتها لتتعلم، ثم تركض
لكسب وظيفة تعيش منها، ثم تركض وتلهث وراء " الموضة " لتلفت إليها شاباً
متقلب المزاج لا يلبث أن ينصرف عنها إلى غيرها، لأنه حر لا رابط ولا وازع،
فتبدأ المحاولة من جديد تجاه ثان وثالث.. وهكذا هي مسعورة بين حاضر ليس له
لون ولا طعم، وبين مستقبل مكشر يتهياً لتلقي بنفسها بين فكيه وحيدة منبوذة.
إن قيمة المرأة عند المسلمين لا تزيدها الأيام إلا ارتفاعاً، بينما هي عند
الماديين ممن أعماهم بريق هذه الحضارة الزائف لا تزداد على الأيام إلا هبوطاً.
ونحن هنا لا نعمم، ولا ندعي أن مجتمعاتنا خالية من العيوب، وإلا فقد انتقلت إلينا
كثير من المفاهيم الخاطئة، فبدأنا نرى التسيب العائلي والتخلي عن المسؤولية من
قِبل كل من الرجل والمرأة، وخاصة في بعض الأسر الغنية.
وعلى هذا، فأي قيمة تبقى للأرباح المادية -مهما كانت- إذا خسر الإنسان
تربية أولاده، وتخلى عن رعايتهم.
إن الرجال هم الرجال، والنساء هن النساء، في أي مجتمع كانوا، وأي
عقيدة اعتنقوا، وإن نداء الفطرة يقول: إن الرجل يبحث عن المرأة التي تعمر
البيت بوجودها وحركتها، لا عن التي تملأ المعامل والمكاتب والشوارع بينما تخلف
وراءها بيتها فريسة للفراغ والخراب. والمرأة تبحث عن الرجل الذي يقف إلى
جانبها خلال حياتها كلها، فيرعاها وأطفالها، لا الذي يعجب بها في لحظة عابرة ثم
يتركها إلى غير رجعة. وماعدا ذلك فزيف وتصنع أو جهل وعمى. [وَمِنَ النَّاسِ
مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ * كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ
يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إلَى عَذَابِ السَّعِيرِ] [الحج: ٣-٤]
стр. 179
أخبار حول العالم
السودان يطرد وكالات غربية
للإغاثة والتنمية
نيروبي -٢٨ أيلول (سبتمبر) - رويتر
قال مسؤولو وكالات للإغاثة: إن السودان أمر ثلاث وكالات أجنبية للإغاثة
والتنمية بمغادرة البلاد خلال ثلاثة أسابيع قائلاً: إنه لم يعد هناك حاجة لخدماتها.
ولكن المسؤولين قالوا: إن التلفزيون السوداني ذكر أن أوامر الطرد صدرت ... لأن الوكالات انتهكت الأمن القومي للبلاد.
وقال السيد برنارد ويلسون المدير برابطة منظمات الموارد المسيحية التي
تخدم السودان لرويتر: إن الرابطة تسلمت أمر الطرد أمس، وجاء في الأمر: أن
موقف الغذاء في السودان قد تحسن وأنه لا داعي لبقاء الرابطة.
وقال السيد ويلسون: إن الرابطة التي تعمل في السودان منذ عام ١٩٧٢ ,
ستستأنف هذا القرار.
وقال المسؤولون: إن التلفزيون السوداني ذكر يوم السبت: أن الرابطة
ومنظمة وورلد فيجن الأمريكية ومنظمة الاتحاد اللوثري العالمي يجب أن تغادر
البلاد خلال ثلاثة أسابيع؛ لأنها انتهكت الأمن القومي.
وقال مدير الاتصالات بمنظمة وورلد فيجن جاكوب أكول: إن منظمته لم
تتسلم بعد قرار الطرد، لكنه أعرب عن دهشته لأن الحكومة السودانية تعتبر
المنظمة خطراً على الأمن.
وقال السيد أكول: لقد دعينا للقيام بمهمة، والحكومة تشرف على جميع
أعمالنا ... وإذا كانوا لا يريدوننا في السودان فإننا ببساطة سنغادر البلاد.
وللوكالات الثلاث صلات مسيحية، وكانت تعمل في جنوب السودان حيث يقاتل
جيش تحرير شعب السودان القوات الحكومية منذ عام ١٩٨٣.
ولم يتسن الاتصال بمسؤولي الاتحاد اللوثري العالمي للحصول على تعليقهم
على القرار.
هجرة اليهود السوفييت
ازدادت أكثر من أي وقت
منذ ١٩٨١
جنيف -أول تشرين الأول (أكتوبر) - رويتر
ذكرت إحدى السلطات التي تهتم بشؤون الهجرة: أن الاتحاد السوفييتي سمح
لما مجموعه (٥. ٤٨٠) يهودياً بالهجرة عبر فيينا حتى الآن هذه السنة، أي ضعفي
أي رقم للمهاجرين في أي عام كامل منذ عام ١٩٨١.
وقالت اللجنة الحكومية للهجرة التي تتخذ من جنيف مركزاً لها: إن (٦٩٩)
يهودياً هاجروا في أيلول (سبتمبر) بالمقارنة مع (٧٨٢) في آب (أغسطس) ، وأكثر
من خمس مرات من العدد الذي سمح له بمغادرة الاتحاد السوفييتي في أيلول
(سبتمبر) ١٩٨٦ والبالغ (١٢٦) يهودياً.
وقد مر جميع المهاجرين اليهود عبر فيينا. وكان الاتحاد السوفييتي قد أعلن
أنه سيخفف الأنظمة بالنسبة إلى هجرة اليهود، غير أن الرقم لا يزال أدنى من رقم
المهاجرين الذين سجل في عام ١٩٧٩ , ويبلغ (٥١,٣٣٠) يهودياً.
وقد تراجعت هجرة اليهود إلى (٥٦٠, ٩) يهودياً في ١٩٨١، ولم يغادر في
العام الماضي سوى (٩٤٣) يهودياً، والشهر الماضي توجه (١٧١) من المهاجرين
إلى إسرائيل مما رفع رقم الذين توجهوا إلى هناك هذه السنة إلى (١,٣٥١) يهودياً.
محكمة في تركيا تبرىء متظاهرين
اعترضوا على منع الحجاب
٢٨ أيلول - وكالات الأنباء:
برأت محكمة أمن الدولة في قونية ١٩ طالباً وطالبة كانوا قد أوقفوا بتهمة
التظاهر للاعتراض على منع الحجاب، وكان ١٦ من الذين حكم ببراءتهم من
الطالبات.
التعليق:
عجيب أن يحاكم من يتهم بهذه التهمة أمام محاكم أمن الدولة، بل الأعجب أن
يمثل من يطالب بحريته في أن يرتدي من اللباس ما يتفق مع دينه وعقيدته أمام أي
محكمة من أي نوع كانت. لقد تحولت محاكم أمن الدولة من محاكمة الجواسيس
والخونة والذين ينشرون الفاحشة والفساد بين الناس إلى مطاردة المتمسكين بما
أمرهم به ربهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
الصين تقول: إن اليسارية
كانت خطأ كبيراً
بكين -أول تشرين الأول (أكتوبر) - رويتر:
أعلنت الصين الشيوعية اليوم أن اليسارية كانت أكبر خطأ فادح في تاريخها الذي بدأ منذ ٣٨ عاماً، وتعهدت بعدم التورط في صراع طبقي مرة أخرى.
وذكرت صحيفة الشعب الرسمية اليومية في مقال افتتاحي بمناسبة العيد الوطني:
إن الصين تقيم اشتراكية من نوع خاص بها، عن طريق تطبيق (الحقائق
العالمية للماركسية) على الظروف السائدة فيها.
وجاء في الصحيفة: إن التاريخ يعلمنا أن اليسارية كانت أكبر أخطائنا منذ
عام ١٩٤٩. إنها الخطر الأساسي.. ويجب علينا توجيه اهتمام خاص لمنعها، لا
يمكننا ولن نقوم بحملات سياسية للصراع الطبقي.
وكانت أكبر الحملات مرارة هي الثورة الثقافية للزعيم ماو تسي تونج خلال
الفترة من ١٩٦٦إلى ١٩٧٦، عندما جرى اضطهاد ألوف الأشخاص وبينهم عدة
زعماء حاليين، وتم انتهاك القانون والنظام، وتفشت الفوضى في الاقتصاد.
وجاء في المقال الافتتاحي أيضاً أنه يجب على الصين أن تواصل مناهضة "
الليبرالية البورجوازية " -أي: الأفكار السياسية الغربية -، وأن تتمسك ... بالاشتراكية وزعامة الحزب الشيوعي.
اقتراح:
اقترح مساعد وزير الدفاع الإسرائيلي ميخائيل ديكيل أن يطرد ... (١.٤٠٠.٠٠٠) فلسطينيَّاً من الضفة الغربية وغزة إلى الأردن وباقي الدول العربية.
الغارديان ٣٠/٧/١٩٨٧
стр. 180
بأقلام القراء
أمانة الله الغالية
محمد أبو زيد
لقد كانت الخلافة من الأمور العظيمة الجليلة، حيث خلق الله الأرض مكاناً لها
وأمر الإنسان وأهبطه إليها ليقوم بهذا الشأن الجليل ويحمل هذه الأمانة الغالية على
أسس من المنهج الإلهي المعصوم. قال تعالى: [وَإذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جَاعِلٌ
فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] [البقرة: ٣٠] ، وكانت تعتور الأرض جولات الإيمان والكفر،
وكان الله سبحانه كلما انحرف الناس بهذه الخلافة عن نهجه النزيه القويم يرسل
الأنبياء ليعيدوا إلهيته على أرضه كما هي في سمائه، [وهُوَ الَذِي فِي السَّمَاءِ إلَهٌ
وفِي الأَرْضِ إلَهٌ] [الزخرف: ٨٤] ، وهذه سنة الله في خلقه، كلما حادوا عن دينه
ومنهج خلافته المراد من خلقهم وأمسى الحق غريباً معذباً على الأرض هبّت غارة
الله مسرعة تلقف الكفر من جذوره لتنصر الحق المستضعف وأهله المستذلين بما
صبروا وتبرَّؤوا من الشرك وأهله.
وهاهو الرسول الكريم ﷺ بعثه الله بهذه المهمة بعد أن
محيت معالم خلافة التوحيد والعبودية لله وعاد الناس يستعبد بعضهم بعضاً.. يسنون
قوانين، ويضعون شرائع ما أنزل الله بها من سلطان.. وفي هذا الوسط البئيس
بدأت دعوة رسول الله ﷺ تصارع أمواج الكفر العاتي والإلحاد
السافر والساخر من كل فضيلة.
وعانى المؤمنون في ذلك الحين بحراً من الذل والهوان، وذاقوا أمرَّ ألوان
العذاب، ومع هذا ثبت المؤمنون على عقيدتهم وبقيت عزتهم بدينهم وثقتهم بوعد
ربهم.
وتبقى المحن بازديادٍ حتى لا يثبت على هذا المنهج إلا العصبة المؤمنة
المخلصة، التي لم تتخذ بطانة من دونها ولا ولياً غير إلهها.. فتصوغ المحن هذه
العصبة في قالب الرجولة لتزيدها صلابة وصبراً وضبطاً للنفس وزجراً لها عن أي
محاولة لتبرير المداهنة للباطل أو التنازل عن أي صغيرة من الهدف والمنهج، أو
الرضى بجزء من الدين عن كله.. عندئذ تكون الجماعة المؤمنة أهلاً لحمل أمانة
الله الغالية واستلام الخلافة في الأرض، فيأذن الله لها بالتمكين لتمثل الصورة
الحقيقية للخلافة التي يريدها الله سبحانه.
لقد أرادت قريش بعد موجتي التكذيب والعناد ثم التعذيب، أرادت أن تنظر
هل وصلت ضرباتها لداخل العصبة المؤمنة وهزت قلوب أفرادها أم لا؟ أو لعل
قائدها يترك هذا الهدف الصعب والطريق الشاق الشائك المحفوف بالمكاره، ويقبل
بعروض منحطة كزوجة جميلة ومال وفير ومُلك علماني عظيم! وبالتالي تنتهي
المعركة من الجولة الأولى، ولا تكون العصبة المؤمنة أهلاً لاستلام الأمانة
والمحافظة على طهارتها ونزاهتها المرهفة من نجس المشركين، وتثبت أنها دون
مرحلة التمكين في الأرض وعاجزة عن إعطاء الصورة الحقيقية والمرادة للخلافة
بمنهجها الإلهي وحاكميتها الواحدة. لكن الرسول ﷺ ثبت
ورفض مداهنة الطاغوت أو الركون له، ولم يطأطىء رأسه لتلك الإغراءات
المنحدرة، ولم يقبل منهم الملك أو الوزارة ثم يدعو إلى الله من خلاله.. لأن
الخلاف مع الطاغوت جذري ولا تصلح معه الحلول الترقيعية التي عن طريقها
تشترى الدعوات وتدفن في مهد طفولتها بعيدة عن أهدافها التي قامت من أجلها.
وقد خاض في هذا المعترك العفن كثير من أهل هذا الزمان، فوقعوا بأحابيل
الطواغيت، وخسروا المعركة من الجولة الأولى، وهي فترة الاستضعاف والابتلاء
للتأهيل لاستلام أمانة الله الغالية.
وهكذا عرف النبي ﷺ وصحبه الكرام قيمة هذه الدولة
وصبروا لها، ولم يهنوا أو يستكينوا أو يضعفوا، ولم يستعجلوا النصر بطلبه من
طاغوت على طاغوت، فلم يستعينوا بغير الله؛ فكانوا أهلاً للتمكين، وأورثهم الله
أرضه في المدينة ليقيموا فيها دولة الخلافة والنبوة، فأبدلهم الله بعد الضعف قوة،
وبعد المهانة عزة.. وبعد الخوف أمناً، بما صبروا على ولائهم لربهم وتبرئهم من
الكافرين. قال تعالى: [وعَدَ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ
فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَذِي ارْتَضَى لَهُمْ
ولَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً] [النور: ٥٥] .
وبقي المسلمون في هذا التمكين والتأييد من الله مدة بقائهم عادلين في الأرض
ممثلين للصورة الصحيحة للخلافة التي أرادها الله على أرضه، عارفين لقيمة هذه
الدولة، حريصين على حمايتها والذب عنها.
وهكذا تمر الأيام على المسلمين متحلِّين بهذا التمكين، إلى أن بدأت قيمة
الخلافة والدولة تتضائل في أذهانهم لموت الذين عانوا من أجلها وذاقوا مرارة
التعذيب والصبر والقهر والذل حتى ظفروا بها.. مات الذين أشربوا العقيدة
والمفاصلة والتميَّز في قلوبهم.. وبدأ تأييد الله لهذه الدولة يبتعد عنها بقدر ما تبتعد
هي عن تمثيل الصورة الصحيحة للخلافة بمنهجها القويم وشريعتها العُليا، إلى أن
زالت أهليتهم للتمكين في الأرض، فأخذ الله أمانته الغالية -المتمثلة بالخلافة-
ليستدير التاريخ من جديد، وتبدأ الأمة الإسلامية كما بدأ نبيها الكريم -صلى الله
عليه وسلم- وصحبه، تحاول وتنافح لتعود المعركة من جولتها الأولى، جولة
سيطرة الطاغوت الحاقد على رقاب المسلمين بكل ما تحويه من استضعاف وإذلال
وتعذيب وتنكيل؛ ليجتازوا مرحلة التأهيل الصعبة كما اجتازها سلفهم.
وهذا حال الأمة الآن، تلطمها أمواج الكفر في كل مكان، فتقتل من شبابها،
وتستحيي من نسائها، وتضع الآلاف في السجون، وتُخرج المتقين من أرضهم
وديارهم لتضيق عليهم الواسع وتضطرهم للكفر أو المداهنة، وليضعوا المسلمين
على مفرق طريق مع عقيدتهم وأهدافهم.. وليغروهم بعد هذه اللطمات كما حاولوا
أن يغروا نبيهم من قبل.. لكن هذا كله سيقوي عود الجماعة المسلمة ويجعلها بعد
هذا الصبر والثبات مع كمال المفاصلة أهلاً لأن يمكِّنها الله في الأرض كما مكَّن
نبيها بعد أن تثبت جدارتها على رعاية أمانة الله الغالية ...
стр. 181
ومن مختارات الأخ عبد العزيز صالح الحجيلان وصلتنا هذه الأبيات:
اعمل بعلمك تغنم أيها الرجل ... لا ينفع العلم إن لم يُحسن العملُ
العلم زين وتقوى الله زينته ... والمتقون لهم في علمهم شغل
وحجة الله يا ذا العلم بالغة ... لا المكر ينفع فيها لا ولا الحيل
تعلم العلم واعمل ما استطعت به ... لا يُلْهِيَنَّك عنه اللهو والجدل
وعلم الناس واقصد نفعهم أبداً ... إياك إياك أن يعتادك الملل
وعظ أخاك برفق عند زلته ... فالعلم يعطف من يعتاده الزلل
وإن تكن بين قوم لا خلاف لهم ... فامرر عليهم بمعروف إذا جهلوا
فإن عصوك فراجعهم بلا ضجر ... واصبر عليهم ولا يحزنك ما فعلوا
стр. 182
جمادى الآخرة - ١٤٠٨هـ
فبراير - ١٩٨٨م
(السنة: ٢)
стр. 183
الافتتاحية
هل المسلمون بحاجة إلى منهج نقدي ؟
من عادتنا، عندما نريد أن نتحدث عن مقومات النهوض وأسباب الفشل؛ أن
نلقي باللوم الأكبر على الأسباب الخارجية، كأن نلوم الاستعمار وأعداء الإسلام،
هذا في الغالب، وأحيانًا نحب أن نكون أكثر إنصافًا فنقول: إن هناك أسبابًا داخلية
في المسلمين أنفسهم. ولكن هذه الأسباب تظل في دائرة الكلام العام غير المحدد،
وغير المحلل، والجمل الوعظية التي تستهلك كثيرًا من جهود الدعاة، ويظنون
بعدها أنهم قد قاموا بالواجب، وأزاحوا عبء المسؤولية عن كواهلهم، وكثيرًا ما
يستنيمون لعبارات الإطراء والمديح التي تكال لهم ممن يسمعونهم من عامة الناس،
ويجدون متعة داخلية لا حدود لها وهم يحاطون بمثل هذه الكلمات: ما شاء الله..
سبحان الله.. الله يفتح عليك.. الخ.
وبهذا يتضح أن ما يسمى بـ (النقد الذاتي) القائم على منهج محدد غير متأثر
بالأهواء والعواطف لا زال أمرًا بعيد المنال عند المسلمين، ولازالوا لا يملكون
الجرأة على إحلاله المكانة اللائقة في حياتهم، ولا زالت الطبقة التي تقع عليها
مسؤولية حمل الدعوة - وهي طبقة المثقفين وقادة الفكر - تشمئز من النقد،
وتعتبره عملاً تخريبيًا هدامًا مثبطًا، وتضفي عليه شتى الأوصاف المنفرة، ولا
تنسى أن تسند حيثيات التهرب من النقد بما يصح وما لا يصح من الأدلة الشرعية.
هذه مقدمة لابد منها عند التعرض لبعض أمراضنا التي نعانيها، والتي تعيقنا
ليس عن البناء فقط؛ بل عن التقدم ولو قليلاً في أحيان كثيرة.
وإن من أهم الأمراض التي نتوارثها، وتكاد تكون قد أصبحت ظاهرة
تتحكم بنا، ما نلاحظه عندما تطرح بعض الأسماء المشهورة ومواقفنا منها، فإن
هذه المواقف تكون في الأغلب مطبوعة بطابع المغالاة: حبًا أو بغضًا، اتباعًا أو
نبذًا.
ومن أجل تفصيل هذه المسألة نقول:
إن داء التفرق قد ضرب المسلمين، وسمومه قد مشت في أوصالهم. ومع أن
هذا الداء من أكثر الأدواء التي حذرنا منها ديننا الحنيف قرآناً وسنة، إلا أننا
ماضون فيه، غير ملتفتين إلى العواقب.
ومن أهم الأسباب التي تذكي هذا التفرق، وتؤدي إلى ضياع الجهود؛ الأفكار
المسبقة التي تكون نتيجة للنظرة المتسرعة إلى الآراء والشخصيات. قلِّبْ أفكار
كثير من الجماعات - كل جماعة على حدة -في الأشخاص، فإنك تجد نظرة أحادية
الجانب، قد تكون صدى لآراء شخص مشهور فيها، وهذه الآراء المرتجلة آتية إما
عن عدم تعمق في الدراسة، أو بنظرة شخصية؛ أو بقصور في التحليل؛ أو قيلت
في ظروف معينة اقتضتها.
فمثلاً إذا أحب قوم شخصًا رفعوه إلى درجة التقديس، ولم يعودوا يقبلون فيه
نقدًا، أو يرون فيه أي مجال لأي مأخذ، وحتى إذا كانت له أخطاؤه التي يصعب
الدفاع عنها؛ ترى أنصاره ومحبيه يلوون الحجج، ويلفقون الأدلة، ويعتسفون في
الدفاع، ويجهدون أنفسهم فيما لا طائل تحته، وكان الأجدى عليهم، والأرحم
بالرجل أن يقال: إنه أخطأ في هذا، وتنتهي القضية.
والاعتراف بالخطأ من قبل الشخص أو مريديه لا ينزل من مكانة، ولا
يجحد الفضيلة، ولا يخرج من جنة، أو يدخل في نار، ولكنه التعصب المذموم،
والبعد عن الوسطية.
وقل مثل ذلك في حالة ما إذا كرهوا شخصًا لسبب من الأسباب، فإن الهوى
المتحكم يهوي به وبسمعته إلى الحضيض، ولا تعود نفوس القوم تتقبل ما يمكن أن
يقوله من حق في ذاته، ويصعب عليها أن تستمرئ إنصافه، وينقلب التمحل في
الأدلة لبراءة المحبوب إلى تمحل في اصطياد العثرات للمُبَغَّض، وتًجًنَّ في تلفيق
التهم والإشاعات ضده، حتى يصبح كالمنبوذ الذي إن عاش غير مؤذٍ للمجتمع
بأفكاره التي تجيء نتيجة إحساسه بالنبذ؛ فإنه يعيش عضوًا أشلَّ غير منتج في
المجتمع.
وهكذا، ونتيجة لهذا الاتجاه السائد في تقويمِ الناس والآراء، يفقد المجتمع
التوازن، ويغدو من الصعب أن تجد لك مكانًا في مجتمعات مشطورة إلى شطرين:
أنبياء وشياطين!
وفي مجال الثقافة يتوقف التجديد، وتتجمد الآراء عند نقاط معينة، حيث لا
تبقى حاجة إلى دراسة أو مراجعة، فقد كفى الزعماء والقادة الناس مؤونة التفكير
بإشاراتهم الملهمة! وتوجيهاتهم المعصومة حيال الوقائع والأحداث، مع أن هذه
الإشارات والتوجيهات تلقي بظلالها التربوية السلبية، وتعطي مردودًا سيئًا في
الواقع الإسلامي، وترسخ جذور عبادة الأشخاص، وقتل الطموح من جهة، وغمط
الناس أشياءهم من جهة أخرى.
وإذا أردنا أن نتقدم خطوة في رصد هذه الظاهرة، فإن العجب يتملكنا عندما
نرى أن من المسلمين من ينتحل المعاذير، ويقيل العثرات لغير المسلم، فيأخذ عنه
في بعض جوانب التفكير والاجتهاد - بحجة الانفتاح واتساع الأفق «والحكمة ضالة
المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها» -! مع أنه يختلف عنه في الأصول؛ ويشيح
بنظره، وينأى بنفسه بتاتًا عن أخيه المسلم، وينصب له العداوة، من أجل خلاف
فرعي أو شخصي!
إن ما يميز المسلم الحق عن غيره أنه يدور مع الحق حيث دار، ومن أي
جهة صدر، وإن النظرة النقدية للذات، ومراجعة الأخطاء وتصحيحها هي من
الأساسيات المهمة التي أمر الله عباده بها، وعلمهم إياها حيث يقول، عز من قائل: [أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إنَّ
اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] [آل عمران: ١٦٥] .
وإن حياة الصحابة الكرام كانت تطبيقًا عمليًا لهذا المبدأ: نقد للذات،
واعتراف بالخطأ، وإنصاف للخصوم، وبعد عن التعصب. وإننا لنعثر في ... سيرتهم على أمثلة رائعة لا يمكننا أن نقع على ما هو أسمى منها في تاريخ ... البشرية [١] .
ولكن مما يؤسف له أن المسلمين انشغلوا في تفضيل من يعرفون على من لا
يعرفون، واتبعوا الظنون التي لا تغني من الحق شيئًا، وداروا - ومازالوا - في
حلقة مفرغة، يضخمون أخطاء إخوانهم في الدين، ويتجاهلون محاسنهم، في حين
يضيعون الأوقات ويشغلون المسلمين في المدح العريض لبعض من يتعصبون لهم،
مع أن هذا لا يفيدهم ولا يفيد من يمدحون، ومع أن المسلم مطلوب منه أن لا يغلو
في مدح أو ذم، وأن لا يحيد عن القصد في أمره كله. فقد صح عن النبي - ... ﷺ أنه قال: «إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم
التراب» [٢] .
وقال لمن غالى أمامه بالمدح: «ويحك قطعت عنق صاحبك» [٣] .
وما أحكم كلمة الإمام ابن تيمية في هذا المجال حيث أجاب على سؤال حول
قضية تفضيل بعض المشايخ على بعض فقال:
(أما ترجيح بعض الأئمة والمشايخ على بعض؛ مثل من يرجح إمامه الذي
تفقه على مذهبه؛ أو يرجح شيخه الذي اقتدى به على غيره ... فهذا باب أكثر
الناس يتكلمون فيه بالظن وما تهوى الأنفس، فإنهم لا يعلمون حقيقة مراتب الأئمة
والمشايخ، ولا يقصدون اتباع الحق المطلق، بل كل إنسان تهوى نفسه أن يرجح
متبوعه، فيرجحه بظن يظنه، وإن لم يكن معه برهان على ذلك. وقد يفضي ذلك
إلى تحاجهم وقتالهم وتفرقهم، وهذا مما حرم الله ورسوله ... )
ثم قال: (فما دخل في هذا الباب مما نهى الله عنه ورسوله من التعصب والتفرق والاختلاف والتكلم بغير علم؛ فإنه يجب النهي عنه، فليس لأحد أن يدخل فيما نهى الله عنه ورسوله، وأما من ترجح عنده فضل إمام على إمام أو شيخ على شيخ بحسب اجتهاده كما تنازع المسلمون: أيما أفضل:
الترجيع في الأذان، أو تركه؟
أو إفراد الإقامة، أو إثنائها؟
وصلاة الفجر بغلس، أو الإسفار بها؟
والقنوت في الفجر، أو تركه؟
والجهر بالتسمية، أو المخافتة بها، أو ترك قراءتها؟ ونحو ذلك. فهذه
مسائل الاجتهاد التي تنازع فيها السلف والأئمة، فكل منهم أقر الآخر على اجتهاده،
من كان فيها أصاب الحق فله أجران، ومن كان قد اجتهد فأخطأ فله أجر، وخطؤه
مغفور له ... الفتاوى [٢٠/٢٩١-٢٩٢] .
إن حال المسلمين اليوم أشد ما تكون حاجة إلى الرجوع إلى منهج علمي محدد
للنقد والمراجعة يستطيع أن يستنقذ الصالح من كل شيء ويضيفه إلى مثله،
ويستبعد الخطأ ويسقطه من حسابه، ونعني بالعلمية والتحديد أن يكون هذا المنهج
غير متأثر بالأهواء والنزوات، قائمًا على أدلة ثابتة، بعيدًا عن ادعاء العصمة
لأحد بعد الأنبياء، قادرًا على بيان مكامن الضعف والتقصير، راسمًا الطريق
للخروج منها، يتجنب طريق التحريض والصراخ والعويل والبكاء على الأطلال
التي يمارسها كثير من الدعاة عن حسن نية.
بذلك يمكننا - بإذن الله - أن نجد لنا مكانًا في أرض الله التي يورثها عباده
الصالحين، وبما عداه فإن النتيجة ليست إلا أصفارا مطروحة من أصفار.
- التحرير -
قال الذهبي في ميزان الاعتدال:
(.. فإن ذكرت أحدًا منهم من (الأئمة المتبوعين) فاذكره على الإنصاف، وما يضره ذلك عند الله، ولا عند الناس، إذ إنما يضر الإنسان الكذب والإصرار على كثرة الخطأ والتحري على تدليس الباطل، فإنه خيانة وجناية، فالمرء المسلم يطبع على كل شيء إلا الخيانة والكذب) .
стр. 184
المدرسة الإصلاحية ... والتجديد
لابد قبل الكلام عن المدرسة الإصلاحية التي قادها الأفغاني ومحمد عبده ومن
تتلمذ عليهما في نهاية القرن الماضي وأوائل هذا القرن، وهل ينطبق عليها مفهوم
التجديد أم لا؟ أن نعود مرة ثانية إلى تعريف التجديد وتحديد مضمونه وأن نفرق
أيضاً بينه وبين (التطوير) أو (العصرانية) حتى لا يختلط الأمر وتلتبس المفاهيم.
عودة إلى معنى التجديد:
جاء في العددين الأول والثاني من (البيان) حول معنى التجديد: فتجديد الدين يعنى إعادة نضارته ورونقه وبهائه وإحياء ما اندرس من سننه
ومعالمه ونشره بين الناس، ويكون التجديد بإحياء الفرائض المعطلة، وإزالة ما
علق بهذا الدين من الآراء الضالة والمفهومات المنحرفة، وتخليص العقيدة من
الإضافات البشرية لتفهم بالبساطة التي فهمها سلف هذه الأمة، وإحياء الحركة
العلمية في مجال النظر والاستدلال، والعمل على صياغة حياة المسلمين صياغة
إسلامية شرعية ".
وجاء في كتاب (مفهوم تجديد الدين) : إن التجديد يشمل حفظ نصوص الدين
الأصلية صحيحة نقية، ونقل المعاني الصحيحة للنصوص وإحياء الفهم السليم لها،
والسعي للتقريب بين واقع المجتمع المسلم في كل عصر، وبين المجتمع النموذجي
الأول الذي أنشأه الرسول ﷺ ، وإحياء مناهج ذلك المجتمع في
فهم النصوص والاجتهاد، كما يشمل التجديد تصحيح الانحرافات النظرية والفكرية
والعملية والسلوكية وتنقية المجتمع من شوائبها [١] .
التطوير أو العصرانية:
(إذا كان التجديد يعني الإحياء والعودة إلى منهج المجتمع النموذج في فهم النصوص فإن التطوير يعني أن التقدم العلمي والثقافة المعاصرة يستلزمان إعادة تأويل التعاليم الدينية على ضوء المفاهيم الفلسفية والعلمية المعاصرة) [٢] .
وقد عرفت حركة تطوير الفكر الديني الغربي باسم (العصرانية) وهي تطويع
مبادئ الدين لقيم الحضارة الغربية ومفاهيمها، وإخضاعه لتصوراتها ووجهة نظرها
في شؤون الحياة، ومنذ أوائل القرن التاسع عشر ظهر في أوربا نزعات بين
صفوف اليهود والنصارى سميت بالتحررية أو الإصلاحية، وهدفها إعادة تفسير
مفاهيم الدين في ضوء ما يسمى معارف العصر، فقالوا:
إن الشريعة الإلهية رغم أنها موحى بها من عند الله فهي موقوتة بظروفها التي
جاءت بها وليست دائمة. وفرقوا بين (الإلهي) و (البشري) وأعطوا الثاني حق
التطوير والمعرفة الجديدة في كل عصر أو (الوحي المتطور) ، وأنكروا معجزات
عيسى ﵇ مثل إحياء الموتى وتكثير الطعام، كما أنكر بعضهم ألوهية
المسيح (وهذه من حسناتهم) وفي سبيل هذا المبدأ راحوا يقترحون ويخترعون أي
فكرة لتطوير الدين وجعله ملائمًا لعصرهم. فقالوا بفكرة (الروح) ، و (الشكل)
فروح الدين دائمة وأما شكله فهو متغير، ونادى بعضهم بالحلول حتى يعطي ... لكل كلمة يقولها فيلسوف قيمة الوحي الإلهي. وظهر بين صفوف المسلمين من ... يمثل هذه الروح وراح يعبث بالنصوص يؤولها حسب هواه وحسب انهزاميته أمام الغرب وعلى رأس هؤلاء سيد أحمد خان الهندي.
وإذا اضطر كتاب اليهود لتأويل نصوص كتبهم وتفسيرها تفسيراً لا يتعارض
مع التقدم العلمي فقد يكون لهم بعض العذر في ذلك لما في كتبهم المحرفة من تناقض
واضطراب وقصص ومقولات تستعصي على الفهم، وتناقض العقل تناقضاً ... صريحاً، إذا اضطروا إلى ذلك فليس للمسلمين أي عذر أو أي مبرر للمحاولات المكشوفة للتقرب من الغرب، والتظاهر بأن الإسلام لا يتعارض مع حضارتهم، ... ذلك أن الإسلام محفوظ بحفظ الله، سواء أكان ذلك بحفظ النصوص من القرآن ... والسنة، أوطريقة فهم هذه النصوص، والقواعد التي وضعت لاستنباط الأحكام ... والاجتهاد تعطي العلماء المرونة الكافية لفهم كل عصر وبيان ما هو حق وما ... هو باطل، دون خضوع لضغوط العصر ومشكلاته.
المدرسة الإصلاحية:
على ضوء هذا التعريف للتجديد والفرق بينه وبين التطوير، نحاول تقويم
المدرسة الإصلاحية التي توسم بالتجديد ويقال عن زعمائها إنهم مجددون. ودراسة
ما قام به جمال الدين الأفغاني وتلميذه محمد عبده ومن تأثر بهما من محاولات لفهم
الإسلام على ضوء هذا العصر، وتفسير بعض نصوصه تفسيرًا يلائم الحضارة
الغربية، لنرى هل ينطبق عليهم اسم التجديد أم اسم التطوير.
إن زعيم هذا الاتجاه، والمذكي لناره، هو جمال الدين الأفغاني أو (الأسد
أبادي) كما صح أخيرًا من تحقيق نشأته. ومع أنه لم يترك وراءه عملاً علميًا يكون
دليلاً لآرائه وأفكاره - سوى كتابه (الرد على الدهريين) وآرائه المنشورة في مجلة
(العروة الوثقى) ؛ لكن بصماته ظاهرة وواضحة في تلميذه محمد عبده وغيره ممن
كانوا يحضرون دروسه ومناقشاته، وربما كان يفضل أن يلقي بآرائه شفاهًا، ليكون
التأثير أقوى (لا شك أنه ذو شخصية مؤثرة مسيطرة) وربما لخطورة ما كان يلقي
من آراء أيضاً فهو يثير موضوعًا هنا وموضوعًا هناك حسب نوعية الناس الذين
يستمعون إليه.
وإذا أردنا تقديم فكرة موجزة عن نشاط وآراء الأفغاني نقول:
١- له نشاط سياسي واسع وحركة دائبة لا تفتر، فهو يؤسس الأحزاب
وينشر الصحف والمجلات؛ ويتحالف مع الدول ثم ينقلب عليها، ويدبر المؤامرات، ويدخل المؤسسات العالمية كالماسونية، كل هذا وهو يتنقل بين البلدان يدعو
الشرق - والمسلمون منهم - إلى النهوض والتقدم، أو هكذا ظاهر دعوته، لأن
الغموض كان يحيط ببعض تصرفاته وأساليبه، كصلته بأمراء روسيا القيصرية،
وإقامته عندهم في بطرسبرج أربع سنين كان فيها موضعًا لإكرام القيصر [٣] .
ولكن هذه الحركة لم ينتج عنها شيء علمي مما تتطلع إليه آمال المسلمين، ... كإحياء خلافة، أو تأسيس ملك إسلامي، ولم يصدر عنها تيار إسلامي قوي ... يصارع الغرب ويقف في وجه شروره.
٢- من الناحية الفكرية كان الأفغاني فيلسوفًا قبل أن يكون مصلحًا، فهو من
الناحية السياسية يتكلم عن الشرق وأمراضه، ويقول: (فالشرق، الشرق، وقد
خصصت جهاز دماغي لتشخيص دائه وتحري دوائه، فوجدت أقتل أدوائه وما
يعترض توحيد الكلمة فيه داء انقسام أهليه واختلافهم على الاتحاد واتحادهم على
الاختلاف) [٤] ، ويقول عثمان أمين: (إن الجامعة التي كان ينشدها الأفغاني
ومحمد عبده ليست هي الجامعة الإسلامية وإنما هي في صحيحها الجامعة ... الشرقية) [٥] ، وهو من الناحية الدينية يحاول الجمع بين الملتين السابقتين: اليهودية والنصرانية وبين الإسلام) لما لاحظه من تمام الاتفاق بينها في المبداً ... والغاية) [٦] . ثم تراجع عن هذه الفكرة متهماً القائمين على هذه الأديان بأنهم يحبون التفرق، ويقول عنه رشيد رضا: (كان يميل إلى مذهب وحدة الوجود الذي يقول به فلاسفة الإفرنج وبعض الصوفية) [٧] ، والإنسان عنده مَلَك أرضي يجب أن يرتفع بروحه إلى العالم العقلي، فكأنه يريد جمع الشرق والأديان كأحلام ... فلسفية كبيرة، وشعارات جذابة ولكنها غير واقعية.
أو أن في الأمر شيئًا آخر كان يخطط له من وراء هذه الشعارات، وليس
غرضنا هنا تحليل شخصية وأعمال الأفغاني بقدر ما هو استجلاء أفكاره وتطلعاته
من حركته الدائبة من ثم لبيان هل ينطبق عليها اسم التجديد؛ والحقيقة أنه إذا كان
سلوكه الشخصي فيه كثير من المخالفات لقواعد وآداب الإسلام وعقيدته كما وصفنا
عدا عن ارتباطاته السياسية فهل يكون مجددًا؛ والمجدد لابد أن يكون من أهل السنة
عقيدة وسلوكًا.
محمد عبده:
إذا كانت شخصية الأفغاني وأهدافه فيهما شيء من الغموض، فإننا مع محمد
عبده حيال شخصية واضحة، فآراؤه التي تأثر فيها بأستاذه أو فكره الخاص مكتوب
بقلمه أو بواسطة تلميذه رشيد رضا، وسنجد أن معظم الآراء التي طرحها فيما
يسمى بـ (الإصلاح) يمكن إدراجها تحت مفهوم (العصرانية) ومحاولة التلفيق بين
الإسلام وروح الحضارة الغربية أو تابع فيها خطأ المعتزلة من قبل، ففي كتابه
(رسالة التوحيد) أعاد منهج علماء الكلام في عرض العقيدة الإسلامية وتركيزهم
على توحيد الربوبية، ووافقهم في قولهم (إن أول واجب على المكلف أن يأتي به
هو النظر والفكر، وإن الأصل الثاني للإسلام: تقديم العقل على ظاهر الشرع عند
التعارض) [٨] ، وجارى المعتزلة في عدم الأخذ بحديث الآحاد في العقائد. يقول:
(ما قيمة سند لا أعرف بنفسي رجاله ولا أحوالهم، ولكنا نعرض هذه المأثورات
على القرآن فما وافقه كان القرآن هو حجة صدقه، وما خالفه فلا سبيل ... لتصديقه) [٩] .
ويتبع أستاذه الأفغاني في موضوع (تقارب الأديان) فقد أسس بعد عام ١٨٨٥م
جمعية سرية للتقريب بين الأديان شارك فيها عدد من رجال الدين (المستنيرين)
ممن ينتمون إلى الأديان السماوية الثلاثة [١٠] ، وهو لا يشنع على النصارى
شركهم وادعاء الربوبية لعيسى ﵇، ويحصر الخلاف معهم بأنهم لم ... يؤمنوا بمحمد ﷺ ، يقول:
(وليس المراد بنبذهم الكتاب وراء ظهورهم أنهم طرحوه برمته وإنما المراد أنهم طرحوا جزأ منه وهو ما يبشر بالنبي ﷺ )
وعندما تعرض لموضوع الزواج من كتابية قال: (فهي تدين بوجوب عمل
الخير وتحريم الشر والفرق الجوهري العظيم بينهما هو الإيمان بنبوة محمد -صلى
الله عليه وسلم-) [١١] ، وقرر هذه القاعدة في كتابه (الإسلام والنصرانية) وذكر
بأن الأصل السابع من أصول الإسلام الثمانية مودة المخالفين في العقيدة [١٢] .
في التفسير:
أكثر ما تظهر (عصرانية) محمد عبده عندما يتعرض لتفسير القرآن الكريم
فهو يحاول تأويل بعض الآيات تأويلاً يتناسب - بظنه - مع العلم الحديث أو مع
روح العصر. ففي قوله تعالى [ومِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي العُقَدِ] ، قال: المراد هنا
النمامون المقطعون لروابط الألفة، لأنه ينكر أن يكون السحر حقيقة ... ... ... ملموسة [١٣] .
عندما يقول رشيد رضا في تفسير المنار: (إن الأجسام الحية التي تسمى
بالميكروبات يصح أن تكون نوعًا من الجن) وأن كل أمر كلي قائم بنظام مخصوص تمت به الحكمة الإلهية في إيجاده فإنما قوامه بروح إلهي سمي في لسان الشرع ملكًا. عندما يذهب بعيدًا في تفسير هذه الآيات فإنما يعبر عن رأي شيخه وموقفه من الجن والملائكة. بل إن الشيخ محمد عبده يدعو كل مفسر؛ لأن يتزود بشيء من اللغة العربية ودراسة السيرة، والنظر في الكون ثم يفهم القرآن حسب عصره، وهذه دعوة جريئة للخوض في كتاب الله بغير علم. ...
الفقه والسياسة الشرعية:
لم يتكلم محمد عبده عن الحكومة الإسلامية كما تكلم على عبد الرازق بعدئذ في
كتابه (الإسلام وأصول الحكم) ولكن كلام الشيخ عن السلطة في الإسلام وأنها مدنية
من جميع الوجوه وأنه ليس في الإسلام سلطة سوى الموعظة الحسنة والدعوة إلى
الخير، فإن كلامه هذا كان مقدمة وتمهيدًا لما كتبه على عبد الرازق، وإن لم يكن
بالوضوح نفسه، وربما يقال إنه يقصد أن الحكومة في الإسلام ليست ... (ثيوقراطية) أو ليس في الإسلام سلطة كسلطة البابا عند النصارى ولكنه يبقى كلامًا غامضًا مما شجع هذا الاتجاه الذي يعتبر أن الحكم والخلافة ليستا من أصول الإسلام.
أما رأي الشيخ في الجهاد فهو ينم عن ضعف شديد أمام الغربيين فهو يرى أن
المسلمين إنما شهروا سيوفهم في أول الدعوة دفاعًا عن أنفسهم، أما الفتوحات التي
وقعت بعدئذ فهي من (ضرورة الملك) ورأيه هذا يعنى أن الفتوحات كانت سياسة
بحتة قصدها التوسع.
ومجمل آرائه الفقهية يلحظ فيها هذا الضعف، فعندما استفتي: هل يجوز منع
تعدد الزوجات؟ أجاب: نعم، لأن العدل المطلق شرط واجب التحقيق وتحقيق هذا
العدل مفقود حتمًا، فللحاكم والعالم منع التعدد اللهم إلا في حالة واحدة، ما إذا كانت
الزوجة عقيماً.
وهذا تحكم منه في شرع الله لم يأذن به، وكذلك فتواه في حل إيداع الأموال
في صندوق التوفير وأخذ الفائدة عليها، ويبلغ الشيخ قمة التقرب من الغرب
والانبهار أمام حضارته عندما يتكلم عن الرسم والنحت وسائر الفنون فيقول:
فحفظ الآثار والرسوم والتماثيل هو حفظ للعلم والحقيقة، وشكر لصاحب الصنعة
على الإبداع فيها. ويقول لتلميذه رشيد رضا: إن الراسم قد رسم والفائدة محققة، ومعنى العبادة وتعظيم التمثال أو الصورة قد محي من الأذهان (فنحن أمام رجل يريد إعمال عقله في النصوص وليس فهم النصوص ومقاصد الشريعة، ومع ذلك فالشيخ محمد عبده يختلف عن أستاذه، فقد رأى من خلال تجربته أن الاهتمام بالتعليم وتربية الأجيال والابتعاد عن مشاكل الأفغاني ومشاغله السياسية هو الحل الصحيح، وهذا مما أغضب أستاذه فأرسل إليه يعنفه ويقول: كن فيلسوفًا يرى العالم ألعوبة ولاتكن صبيًا هلوعًا (ولكن محمد عبده آثر وصمم على انتهاج طريق إصلاح التعليم لأنه يرى أن أسباب الخذلان عند المسلمين هو القصور في التعليم الديني [١٤] ، ونقد الأزهر وجموده وطرق تعليمه، وعبارات الكتب المتأخرة المتداولة، ودعا إلى كسر قيود التقليد الأعمى، وهاجم الصوفية الذين يعتقدون بالأموات وقال: إن هذا من أعمال الوثنيين، كما نقد جمهور العامة لأنهم إما جبرية ... أو مرجئة، وبعض هذا النقد من الإيجابيات إلا أنه غالى في مهاجمة التقليد، فكان ... من وراء ذلك فتح باب الاجتهاد على مصراعيه لمن يحسنه ومن لا يحسنه، كما أنه في هجومه على عقيدة (الجبر) والتكاسل ضخّم من شأن الاختيار حتى قرب من المعتزلة، وهجومه على الصوفية وإن كان حقًا إلا أنه لم يتبن عقيدة أهل السنة، بل كان كهجوم المعتزلة عليهم لأن الصوفية لا يأبهون للعقل ويعتمدون على الذوق والوجدان، وإذا كان أهم أعمال محمد عبده هو كسر الجمود الذي ران على التعليم والأزهر، وعلى المفاهيم بشكل عام، فإن ذلك كان على حساب مبادئ الإسلام وتعاليمه، وسنرى أن تلميذه رشيد رضا كان خيرًا منه ولكن ليس كل تلامذته على هذه الشاكلة فمنهم قاسم أمين وسعد زغلول.
وعلى كلى حال لا يزال يتمسح بمحمد عبده من يريد إسلاماً عصرياً يلائم
هواه أو ضعفه.
رشيد رضا:
من أبرز تلامذة ومحبي محمد عبده، وهو وإن اختلف معه في بعض الأمور
أو ابتعد عن منهجه في التفسير بعد أن استقل به منفردًا ولكنه ظل وفياً له، منافحًا
عنه وعن الأفغاني حتى آخر حياته، ولا شك أن رشيد رضا يعتبر من المصلحين
البارزين في هذا العصر، فقد كانت مجلة المنار من المجلات الإسلامية التي تهتم
بشؤون المسلمين وتدافع عن الإسلام، وفيها كتب آراءه في الإصلاح، ونبه الأمة
وحذرها، وأبدأ وأعاد في أهمية الإصلاح السياسي بتقييد الحكومات بالشورى،
وركز على سنن الاجتماع البشري وعمارة الدنيا في سبيل الآخرة، والارتقاء
بالمسلمين والاهتمام بالصناعة وثروة الأمة، وهاجم الترف والإسراف، ودعا
العلماء للقيام بواجبهم دون خوف أو ملل، واهتم بالتعليم وتربية الأمة، وكان من
آماله الكبيرة إنشاء معهد للدعوة والإرشاد لتخريج أجيال تفهم دينها وتتعلم ... العلوم الحديثة، وقد حاول جاهدًا إقامة هذا المعهد، فرحل إلى العاصمة استامبول،
وأقام هناك سنة، ولكنه لم يوفق ثم رجع إلى القاهرة، ولكن جهوده لم تدعم ولم يقم
المعهد [١٥] ، وفي تفسير المنار أودع نظراته الثاقبة في داء الأمة وأسباب رقيها،
وتكلم عن فلسفة تاريخ الاجتماع البشري [١٦] ، كما دعا إلى نبذ التقليد والتعصب
للمذاهب الفقهية إلا أنه ذهب إلى أبعد مما تحتمله هذه المسألة.
ومع هذه اللهجة الصادقة في الإصلاح وانتهاج مذهب السلف في الأسماء
والصفات والرجوع إلى الأحاديث النبوية - وهذا مما يختلف به عن شيخه - إلا أنه
ظل متأثرًا به في كثير من المواضيع، فهو يردد شبهة العقلانيين التي تقول بأن
علماء الحديث لم يبحثوا في المتون أو يعتنوا بها، وإنما كانت عنايتهم بالأسانيد،
ولو انتقدت الروايات من جهة فحوى متنها لانتقصت كثير من الأسانيد [١٧] ،
وظل متأثرًا بشيخه في موضوع المعجزات التي ذكرت في القرآن يحاول تأويلها
تأويلاً بعيدًا غير مقبول، اعتذارًا من أحرار الغرب كما يسميهم. فمعجزة حمل
السيدة مريم بعيسى ﵇ هو أنها عندما بشرت به انفعل مزاجها ففعل في
الرحم فعل التلقيح، وكان نفخ الروح الذي ورد بعدئذ متممًا لهذا التأثير [١٨] ! !
وعندما تكلم عن إصلاح المرأة وتعليمها، وموضوع التعدد كانت لهجته اكثر تقيدًا
بالشرع وبالأحاديث، وأكثر ثقة بالإسلام من منهج شيخه، ولكنه وافق شيخه في
موضوع التعدد وأنه يجوز منعه، كما حاول تبرير كل تصرفات شيخه وأستاذه
الأفغاني، واعتذر عن بعض مواقفهم مثل دخولهم في الماسونية.
وبعد:
فإن المدرسة الإصلاحية أو (المعتذرون) ليسوا على درجة واحدة فالأفغاني
غير محمد عبده، والأخير غير رشيد رضا، وإذا كانت أهداف الأفغاني ومحمد
عبده متقاربة من ناحية الشكل النهائي رغم اختلافهما في الوسائل، فإن رشيد رضا
أقرب منهما إلى الإصلاح المنشود، وأقرب إلى فهم الإسلام.
ومشكلة المدرسة العصرانية أن منهجها غير قابل للتطبيق لأنهم يريدون
استنبات بذرة أجنبية وإدخال جسم غريب لا تتقبله طبيعة هذه الأمة.
ولأنهم انطلقوا من فرضية انهزامية تقول بأن الدين يجب أن يتلاءم مع
العصر الحاضر بظروفه وأحواله وعلومه وتقدمه لم يصلوا إلى النتائج المتوخاة،
فالدين لا يساير كل تطور بل الصحيح كما يقول الشيخ أبو الحسن الندوي: (إن
الدين يميز بين تغير سليم وآخر غير سليم، وبين نزعة هدامة وأخرى ... بناءة) [١٩] .
ورغم أننا لا نستطيع التقليل من شأن ما قام به رشيد رضا من جهود لإصلاح
حال الأمة الإسلامية، وصدق لهجته في ذلك، وما قام به أستاذه من كسر للجمود،
وتوجيه النظر للأخذ بالأسباب، إلا أننا لا نستطيع اعتبار هذه المدرسة (مدرسة
تجديدية) -رغم تباين أصحابها في الأخذ بالعصرانية - لا نستطيع اعتبارها مدرسة
تجديدية حسب التعريف والأوصاف التي وضعت للمجدد والتجديد، والحقيقة أنهم لم
يستطيعوا إرجاع الدين غضًا طريًا بعلمهم وعملهم وسلوكهم، بل حاولوا تطويره،
وهنا تكمن الخطورة لأن التطوير يشوش مفاهيم الإسلام بإدخال الزائف على
الصحيح حتى يظن الناس أن هذا من الدين، وسيئة أخرى للتطوير هو أنه ينتهي
بالتفرق لأن كل جماعة تذهب في التطوير مذهبًا يخالف الأخرى [٢٠] ? والفرق
بين العصرانية التي ينادي بها بعض المفكرين المستغربين وبين التجديد في الإسلام
أن الأصول الصحيحة للإسلام موجودة وعلى ضوئها يمكن تجديد الدين وبعثه نقيًا
خالصًا.
стр. 185
من مشكاة النبوة
لا يحقر أحدكم نفسه
منصور الأحمد
قال رسول الله ﷺ : (ألا لا يمنعنَّ أحدكم رهبةُ الناس أن
يقول بحق إذا رآه أو شهده، فإنه لا يقرب من أجلٍ ولا يباعد من رزق، أن يقول
بحق، أو يذكر بعظيم) [١] .
وعن أبى سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : لا يحقرن
أحدكم نفسه، قالوا: يا رسول الله، كيف يحقر أحدنا نفسه؛ قال: يرى أمرًا لله
عليه فيه مقال، ثم لا يقول فيه، فيقول الله له يوم القيامة. ما منعك
أن تقول في كذا وكذا؛ فيقول: خشية -الناس، فيقول: فإياي كنت أحق أن ... تخشى [٢] .
هذان الحديثان موضوعهما واحد، وهو موضوع جليل وخطير وأي شيء
أجل وأخطر من قول كلمة الحق، والشهادة به؟ وهما بمجموع معانيهما يحددان
العلل والأسباب التي تجعل الناس يستنكفون عن قول كلمة الحق، ومعالجة هذه
العلل بالدواء الذي ليس قبله ولا بعده دواء.
إن الرسول ﷺ إذ يخاطب أمته بهذين الحديثين فإنما
يرمي إلى تربية هذه الأمة، وإعدادها إعدادًا ربانياً لمهمتها المنشودة في الأرض
وفي التاريخ، ويبنيها بناء عقيديًا متماسكًا.
والمشكلة بالنسبة للأمة الإسلامية ليست في معرفة الحق والكشف عنه -حيث
إن الله قد اقتضت حكمته أن لا يخلي هذه الأمة من طائفة تعرف الحق، وتبينه
للناس - ولكن المشكلة الخطيرة هي السكوت في وجه الباطل، وعدم الجهر بالحق
الواضح خوفًا من ضرر، أو طمعاً في نفع شخصي.
إن هذين الأمرين: الخوف والطمع هما اللذان يحجبان كلمة الحق أن تصل
إلى الآذان، ويقفان حاجزًا أمام تواص الناس بالحق والصبر عليه.
ولم يزل الخوف هو العامل الأهم في القعود عن القيام بواجب الجهر بالحق،
والرضا بالدون من الأهداف، والسهل من الأعمال، وهذا الخوف يكون من بطش
ظالم، أو طغيان طاغوت، أو خوفًا من انقطاع رزق، وتضييق في عيش.
فالشيطان عندما يأتي ليصرف العالم عن القيام بهذه المهمة المقدسة يبث في ... فؤاده الرعب عن طريق تخويفه من عاقبة ذلك بإبرازه ما حدث لبعض من ... قام بهذه المهمة، وتضخيمه لما نزل بهم من صنوف التنكيل والعسف، بل ... يذهب إلى أبعد من ذلك، بأن يخوفه الموت نتيجة لذلك، حيث يصور له أن ما يحدث للمجاهدين في سبيل الله إنما هو من فعل أعدائهم بهم، وأنهم هم المؤثرون بآجالهم إطالة أو تقصيرًا، وكذلك يستعرض له الذين يضيق عليهم بسبب عدم قدرتهم على ضبط أنفسهم، وما هم عليه من هم وغم، وما في حياتهم من خشونة لا لزوم لها! وكيف أن من يسمون أنفسهم بدعاة الحق مطاردون في كل أرض، مذادون عن كل حوض، يتنكر لهم القريب، ويجفوهم الصديق.
ولكن الرسول ﷺ يريد من المسلم دائماً أن يكون على
ذكر من بدهيات عقيدته، وعلى وعي لأحابيل الشيطان، فلا يغفل عن حقيقة أن
الآجال مقدرة من الله تعالى، وأن لا أحد يستطيع أن يتقدم أو يتأخر عن أجله الذي
حدد له، وأنه ليس بمقدور أحد أن يزيد أو ينقص من أجل أحد، وكذلك فإن الله إذا
أراد نفع أو ضرر إنسان فليس هناك من يستطيع أن يغير تلك الإرادة.
داءان خطيران وقع فيهما الدعاة إلى الله، فتقاعسوا عن الإرشاد والتبليغ
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهما:
التشبث بالحياة والحرص على حطامها.
* أما التشبث بالحياة، والبعد عن شبح التهديد، وإيثار السلامة فدفعهم إما إلى
السكوت عما لا يسكت عليه؛ وإما إلى قلب الحقائق، والدخول في التأويلات التي
تزين الباطل، وتخفي دمامته وقبحه. مع أن الله قد أخذ العهد على العلماء ببيان
الحق، دون أن تأخذهم في الله لومة لائم، وقد حذرهم من مصائر الذين كتموا الحق
وأهملوه، قال تعالى: [وإذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ ولا
تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ ورَاءَ ظُهُورِهِمْ واشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ]
[آل عمران: ١٨٧] .
ووصف الله المؤمنين بأنهم [أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ] [المائدة: ٥٤] .
* وأما الحرص على حطام الدنيا فقد كان له أثره المدمر في مسيرة المسلمين
فكم من عالم عالم بالحلال والحرام ألجمه حب المال عن قول كلمة حق في موقف
يحتاج إليها فيه! وكم من أناس تفضل الله عليهم بنعمة العلم والفقه يغضون الطرف
عن كثير من المنكرات والمخالفات خوفًا من انقطاع جرايةٍ أو مرتب، أو ذهاب
امتيازات مادية يتمتعون بها، وقد يخدعهم شيطانهم بإقناعهم أن هذه الامتيازات هي
حقٌ يستحقونه، وأنهم أولى بها من غيرهم، ويغفلون أو يتغافلون عن الجانب
الآخر من القضية وهو أن هذه الامتيازات ما هي إلا رشوة لهم على سكوتهم،
وجائزة لهم لالتزامهم الأدب والسلوك الحسن أمام أعداء الله الذين تُحمد أمامهم
الغلظة، لا رقة السلوك وحسنه.
إن مما يؤسف له أن الذين أخذوا على عاتقهم مسؤولية حرب الإسلام، وندبوا
أنفسهم لإخفات كل صوت يدعو إلى الله على بصيرة بصدقٍ وتجرد؛ قد تنبهوا إلى
مقاتل الدعاة التي يصوبون إليها أسلحتهم، واستثمروا نقاط الضعف هذه ليعبثوا
بدين الله ودعاته كما يحلو لهم؛ فهم يداولون بين سلاح التخويف والإرهاب تارة،
وسلاح الوظائف والامتيازات والرشا تارة أخرى، وقد تتخصص كل جهة من
الجهات في استخدام واحد من هذين السلاحين على حسب مقتضيات الظروف
والأحوال.
لقد جعل الله المال فتنة للناس، ومحكًا لتمييز المخلص في دعوته من غيره،
وكم رأينا من الناس من كان في حال العسر يرفع عقيرته بالشكوى من أوضاع باتت
تلفه وتلف غيره، ويشتهر بين الناس بالعمل في سبيل الإسلام، حتى إذا تحول إلى
حيث جاء الرزق رغدًا، وطلَّق الفقر؛ خفت صوته بل تلاشى، ولفه ثوب الكسل، وأصبح النشاط الذي كان بالأمس أثرًا بعد عين. من يدري؟ ! فربما تكون نفسه
قد أقنعته أنه الآن -في حالته الحاضرة- قد وجد ثمرة جهاده ونتيجة صبره! مع
أن أوضاع المسلمين في أغلب البقاع لا ترضي، ومشاكلهم متشابهة، وأينما اتجهنا
وجدنا التهديدات التي تهدد مصيرهم، والأخطار التي تزيدهم ضعفًا؛ فموالاة أعداء
الله؛ والتنصير الماحق الذي يتحيف بلاد المسلمين بل يهب عليها كالريح الصفراء؛ والدعوات الهدامة التي يروج لها في كل مكان؛ وتبديد ثروات المسلمين على ما
لا يفيد؛ وإخضاع الإسلام في مجال الدعاية للأشخاص والأهواء؛ ... كل ذلك
وغيره كثير وكثير من المجالات التي يترتب على العلماء أن يقولوا فيها قولة
واضحة لا غموض فيها ولا التواء. وتبقى مسألة أخيرة وردت في الحديث الثاني،
في قوله ﷺ : (لا يحقر أحدكم نفسه) هذه المسألة هي مسألة
الثقة بالنفس التي أراد ﵊ أن يغرسها في نفوس المسلمين، فالثقة
بالنفس هي الدافع إلى العمل، وهذه الثقة لا تكون إلا حيث تكون النفس على يقين
من صحة ما تدعو إليه، ومن بطلان ما عداه، ومن آثارها أن الشخص يتحول من
عضو سلبي في المجتمع، ضائع في تيار الغفلة، إلى شخص مؤثر إيجابي لا يهاب
أحدًا إلا الله، يستهين بالباطل، وتزداد استهانته به كلما انضم إليه بهذا الشعور
أمثاله من الذين يتخذون من رسول الله أسوة حسنة.
فصلى الله على هذا النبي الأمي الذي آتاه الله الحكمة وفصل الخطاب، فهدانا
- بهداية الله له -إلى أحسن السبل، وعرفنا مواطن الخير بأقصر عبارة وأجلاها،
ونسأله تعالى أن يجعلنا من [الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً
إِلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً] [الأحزاب: ٣٩] .
стр. 186
خواطر في الدعوة
الفقه العملي عند الإمام مالك
محمد العبدة
كان الإمام مالك بن أنس يرسم منهج أهل السنة ويعبر تعبيًرا صادقًا عن
نظرتهم للأمور عندما قال قولته المشهورة: (لا أحب علمًا ليس تحته عمل) وكأنه
يرد بذلك على منهج الجدل وتكديس المعلومات التي ليس لها من الواقع العملي
نصيب، والذي بدأ يتغلغل في جسم المجتمع الإسلامي يومها. ولذلك أجاب عمن
سأله عن هذا النوع من العلم: انظر ما ينفعك في ليلك ونهارك فاشتغل به.
لقد انغمس كثير من المسلمين بعد عصر مالك بالكلام الذي ليس تحته عمل،
وأتعبوا أنفسهم وأتعبوا غيرهم، بطرق وعرة لا تصل بالمسلم إلى اليقين والعلم
النافع، ووقع المسلمون في فخ فلسفة اليونان التي تعتمد على المنطق الذهني البارد، فالفيلسوف هنا يرسم صورًا في ذهنه ولكن لاوجود لها في عالم الواقع، وأحياناً لا
يمكن أن توجد؛ ولهذا ضعف العلم التجريبي عند المسلمين وضعف الاهتمام
بالمشكلات الواقعية كما كان يفعل أئمة الفقه أمثال مالك والشافعي؛ وانصب الاهتمام
على مشكلات خيالية يفترض لحلها الافتراضات وهي لم توجد بعد، وظهرت
المعتزلة وخاضوا بأدق التفاصيل التي ليس لها وجود - وهم الذين يحاول بعض
الكتاب المعاصرين الرفع من شأنهم والإيحاء بأنهم يمثلون تيار العلم والنهضة -
هؤلاء لم يتكلموا ويتوسعوا في العلوم الطبيعية أو العلوم الرياضية التي تنفع
المسلمين، وإنما شغلوا المسلمين ب (الكلام) ونسوا هم وغيرهم أن الدنيا طريق
الآخرة، ولابد لهذا الطريق من أن يعمر ولكن عمران الوسيلة لا عمران الغاية،
لأنه إذا صلحت حال الفرد مع فساد الدنيا حوله واختلال أمورها فلن يعدم أن يتعدى
إليه فسادها وتؤثر عليه وتخل بآخرته، وكيف يقوم بالعبادات على وجهها الصحيح
والمشروع، وكيف ينشر العلم ويجاهد في سبيل الله إذا كانت دنياه خربة، ثم
يستعين بالكفار في مأكله وملبسه ومسكنه وأسلحته، وكيف يحافظ على دينه
والأعداء يتناوشونه من كل مكان.
وتابع علماء أهل السنة منهج الإمام مالك، من هؤلاء الإمام الشاطبي، وشيخ
الإسلام ابن تيمية الذي دعا إلى المنهج التجريبي العملي، وأن حصول المعرفة يأتي
من خلال استقراء الجزئيات، وإنني أعتقد أنه لو سار المسلمون على هذا المنهج
لتغير حالهم، ولما وصلوا إلى هذا الضعف المزري ولما صرفوا كل طاقاتهم في
حفظ الحواشي والكلام البارد الذي سطره أمثال (سعد الدين التفتازاني) أو (العضد
الإيجي) الذين حولوا العقيدة الإسلامية إلى ألغاز وأحاج، يقول الدكتور النشار: (إن
ابن تيمية يؤمن بالجزئيات ويرى أن التجربة وحدها هي أقرب إلى الحقيقة مما
ينتجه الفلاسفة بقياس، وليس هناك في الحقيقة من تكلم - فيما قبل العصور الحديثة
بما تكلم به ابن تيمية، لقد وصل حقًا إلى أوج الدرج في فلسفة المنهج التجريبي، وعبر عن روح الحضارة الإسلامية الحقة) (مناهج البحث عند مفكري الإسلام /
٢٢١) . وهذا الذي قاله ابن تيمية هو منهج أهل السنة لا كما يحاول بعض
المعاصرين اعتبار كثير من علماء الكلام الذين تأثروا بمنهج المعتزلة في الجدل،
من أهل السنة.
لقد تنبه الغربيون في العصر الحديث للأثر الخطير الذي يجره المنطق
الأرسطي على طرق التفكير، وتكلموا عن الفكر الذي وراءه عمل، أو من الممكن
تطبيقه في دنيا الواقع وقالوا: إذا كانت لديك فكرة وأردت تحديدًا لمضمونها فانظر
ماذا عسى أن يكون لها من نتائج تطبيقية في دنيا العمل، فهل يعي المسلمون كلام
الإمام مالك، ولا يجرون وراء الهيام الأحمق بـ (الكلام) ؟
стр. 187
قراءات حول العقل العربي
طارق عبد الحليم
منذ بداية السبعينات، وعقيب هزيمة١٩٦٧ تزايدت تلك الدراسات والكتب
التي تتحدث عن العقل العربي، ماضيه المنصرم، وحاضره المشهود، ومستقبله
المنشود، وينتمي أغلب أصحاب تلك الدراسات إلى اتجاهين رئيسيين:
أولهما: المنتمون لما يسمى التيار القومي الداعون إلى وحدة العرب على
أساس القومية المشتركة.
ثانيهما: المنتمون إلى الاتجاه التغريبي، بشكل عام، والذي يستقي نظرياته
وآراءه من الغرب، وفي إطار ذلك الفكر الغربي.
والطرفان وإن اختلفا في الأفكار والنظرات، وفي الأهداف والمشارب إلا
أنهما اتفقا على ضرورة الحديث عن (العقل العربي) كل من زاويته الخاصة، في
تلك الآونة التي أعقبت انحسار الفكر القومي بهزيمة ٦٧ من ناحية، وفقدان الثقة
في المعطيات الفكرية الغربية من ناحية أخرى، وما ألجئوا إلى ذلك إلا نتيجة
لتصاعد التيار الإسلامي بشكل عام.. فكانت المصلحة الجامعة بينهما هي الحديث
عن العقل العربي والذي يقصد به العقل الإسلامي، وإن عبر عنه (بالعربي)
تحاشيًا للصدام المباشر مع الإسلام من ناحية، ودسًا للسم في الدسم من ناحية
أخرى.
وإنك لتعجب عجبًا لا يكاد ينقضي حين تقرأ كتابًا كاملاً لواحد من هؤلاء
الكتاب، يتناول فيه الفكر العربي، والعقلية العربية، وصلة واقع الأمة بماضيها..
إلى آخر تلك الموضوعات التي يدندنون حولها فلا تكاد تجد، ولو مرة واحدة، كلمة
(الإسلام) في طول الكتاب وعرضه! إنما هي كلمات مثل (التراث) ،
الماضي، (الدين) ، (السلف) ليس إلا!
وإذن أمر يشتم منه رائحة الهوى، ولو كان بحثًا عن الحقيقة خالصاً لوجه
الحق.، لكان ذلك الحديث من أهم ما تتناوله الأقلام في هذه الآونة، فمما لاشك فيه
أن (العقل العربي) يحتاج إلى الدرس والتحليل من زاوية إسلامية أولاً، ومن
زاوية عربية ثانيًا، إلا أن ذلك الإخلاص يظهر ناقصًا في تلك الدراسات من حيث
ألبست أهدافها لباسًا عربيًا لتقف موقفًا وسطًا يكفل لها أعينًا تقرأ وآذانًا تسمع،
وعقولاً تخدع.
من تلك الدراسات كتب ثلاث سنتناولها في هذه المراجعات كمثال دال على ما
وراءه:
بنية العقل العربي: د. محمد عابد الجابري.
خطاب إلى العقل العربي: د. فؤاد زكريا.
قصة عقل: د. زكي نجيب محمود.
-١-
تذهب تلك الدراسة التي قدمها الدكتور المغربي محمد عابد الجابري كمحاولة
لتحليل بنية العقل العربي، إلى تحديد طرق الفهم المختلفة التي استطاع العقل
العربي خلال مرحلة نموه ونهضته أن يؤسس عليها معارفه، والتي تتلخص في
ثلاثة طرق مختلفة المنهج، تعتمد: إما على تحليل (الخطاب) (١٣) واستنباط
الألفاظ من المعاني، كما سلك أهل اللغة والبيان أو علماء الأصول والمتكلمون
بمختلف اتجاهاتهم، أو على (الإشراق) والفهم الباطني للألفاظ، كما فعلت
الصوفية من ناحية أو الشيعة والباطنية من ناحية أخرى (٢٥١) ، وآخرها الاتجاه
الفلسفي الذي ينطلق فيه العقل من التصورات الذهنية البحتة لإقامة بناء نظري ثم
محاولة إقامة البرهان عليه، كما فعل الفلاسفة المنتسبون للإسلام.
وبشكل عام - وبرغم جدية الموضوع وأهميته - يمكن القول بأن الدراسة لم
تقدم جديدًا في مجال فهم العقل العربي، بل كانت مجرد إعادة تصنيف لتلك الفرق
المختلفة التي سلكت مسالك عقلية مختلفة، لأسباب عديدة، محاولة أن تجد في
الإسلام ما يؤيد مذاهبها، دون التفات إلى حقيقة الإسلام كما فهمه أهل السنة
والجماعة، الذين يعي المؤلف تمامًا الفرق بينهم وبين سائر الفرق التي تحدث عنها
(٢٠٥، ٦٦) بينما لم يقدم تحليلاً لمذهبهم البتة، ولا نملك إلا أن نسجل على
المؤلف تحيزًا ظاهرًا لبعض الاتجاهات التي توافق منحاه العقلي بشكل عام،
فالمعتزلة في رأيه، كانوا وظلوا دائمًا، الممثلين الرسميين والمخلصين للبيان
والنظام المعرفي البياني (٥٤) ، كما أنهم الرواد الأوائل لما عرف (بعلم البلاغة)
(٦٤) وهم أصحاب (الرؤية العالمية) في الفكر الإسلامي (١٧٧) ، بينما أهل السنة
الأوائل - يعني الصحابة والتابعين - هم (النصيون) الملتزمون بحرفية ... النصوص فالعقل عند أهل السنة (يعني استشعار النص وهو ما يسمونه بالاجتهاد) ! (٥٣) وهم، -أي أهل السنة - يتعاملون مع النصوص على أساس من مجرد ... التقليد والاتباع وليس على أساس من التنظيم والتنظير كما فعل المعتزلة (٦٦) .
والكتاب - بعد - مليء بالتناقضات، وضعف التحقيق، فالمؤلف - في
تعاطفه مع المعتزلة - يذهب إلى أن المعتزلة كانوا أشد وطأة على الشيعة من أهل
السنة (٦٦) بينما تجاهل حقيقة أن الاعتزال نفسه قد ذاب في مذهب الشيعة، بلى
إنه حين أراد تقرير وجهة نظر المعتزلة الأوائل في العقيدة، اعتمد على القاسم
الرسي الشيعي الزيدي لبيان ذلك المذهب (١٧٧) . ذلك التعاطف هو ما يوضح
أسباب هجومه على (سلطة السلف) (١٣٣، ٥٦٢) التي قرنها بسلطة (الماضي)
والعادة، كذلك موقفه من الإجماع سواء في اللغة والنحو (١٢٧) أو في الفقه
والتشريع، بل اعتباره أن أصل الإجماع هو مصدر القهر السياسي الذي عانت منه
الأمة الإسلامية في تاريخها (١٣٤) ! ويذهب لإثبات مذهبه ذاك إلى أن خبر الواحد
إنما يستمد قوته من إجماع الصحابة (١٢٥) وسلطة السلف ليس إلا! ويهاجم القياس
كأصل شرعي، كما يتبين من طريقة مناقشته عند الأصوليين (١٣٧) مقارنة بما
يقابلها من تعاطف مع ظاهرية ابن حزم التي يصورها على أنها تحرر من سلطة
السلف، ومن القياس، وأنها دعوة للاجتهاد المبني على العقل! والتعامل المباشر
مع النفر (٥١٥، ٥٦٩) دون وساطة السلف - الصحابة والتابعين - أو غيرهم من
العلماء والأئمة.
والحق أن الكاتب قد دخل مدخلاً وعرًا في مناقشة مسائل فقهية وأصولية
متخصصة، تخرج عن مجال تخصصه كباحث في (الفلسفة) ، أما عن مفهوم
السببية كما تقرره عقلية العربي - حسب رأي المؤلف - فإن البيئة العربية
الصحراوية توجه العقل إلى عدم ربط السبب بالنتيجة! (٢٤٣) ، وأنها تنشيء
تلقائيًا ذلك المفهوم الذي ظهر لدى الأشاعرة في تفسير ارتباط السبب بالنتيجة على
أنه حكم العادة الجارية بل إنه جعل المعتزلة كذلك من دعاة مذهب (العادة) -
كالأشاعرة تمامًا - ليكتمل مفهوم النظرة الجزئية التي تولدها البيئة الصحراوية..
وهي نتيجة تؤكد خطورة تبني قوالب فكرية مسبقة، وإخضاع الأفكار والوقائع
لمقرراتها مهما استلزم ذلك من اعتساف التحليل واضطراب النتائج، إلى جانب
تجاهله لمفهوم السببية عند أهل السنة بشكل تام [١] .
ثم يقدم المؤلف للعقلية العربية حلاً مبنيًا على ضرورة القضاء على سلطة
السلف في حياة الأمة، والخروج من قيد اللفظ والنص، وإسقاط القياس كمسلك
عقلي للاستنباط واعتماد (العقل) وحده بديلاً، من خلال عصر تدوين جديد يقوم
على فكر الرباعي (المغربي) الأندلسي (ابن حزم - ابن رشد - ابن خلدون -
الشاطبي) .
-٢-
أما الكتاب الثاني، فهو عبارة عن عدة مقالات مجموعة، صدرت في مجلة
العربي للكاتب د. فؤاد زكريا، في الفترة ما بين ١٩٧٦-١٩٨٧ تحت عنوان
(خطاب إلى العقل العربي) وتناول هذه المجموعة من المقالات عدة موضوعات،
قسمها صاحبها إلى ثلاثة أقسام:
١-: دافع الثقافة العربية.
٢-: الفكر والممارسة في الوطن العربي.
٣-: أضواء على العالم المعاصر.
والكاتب يعكس بشكل واضح خلطًا وقصورًا في فهم الإسلام، وتصور طبيعة
العلاقات التي يجب أن ينبني عليها المجتمع المسلم.
فعلى الرغم من أن الكاتب قد تعرض لبعض الأسباب الرئيسية التي نشأ عنها
الخلل الحالي في المجتمعات الإسلامية، كالحكم الفردي المطلق، والسلطة الإرهابية
والوصاية على الشعوب بدعوى الجهل والتخلف، إلا أن التناقض يبدو في تحليلاته
حين تنتقل من مجال الممارسة إلى مجال الفكر والثقافة.
والكاتب - كغيره من أصحاب الاتجاه اليساري المادي - يتوهم صراعًا دائرًا
بين العلم والدين (٦٤) في المجتمع الإسلامي، على غرار الصراع بين الكنيسة
والعلم في أوربا القرون الوسطى، ويعزو لتلك المشكلة الموهومة أسباب التخلف
والانحطاط (٢٢) ! .
كذلك فهو يرى أن أسس الدين الإسلامي، التي تقوم على أن القرآن لا يأتيه
الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأن (كلمة الله الحرفية التي لا يتناولها التغيير
ولا التبديل) (٧٤) ، يجعل من الصعب على المسلمين أن يتقبلوا تغييرًا في طبيعة
العلاقة بين الله وبين الناس على غرار ما تقبلته أوربا حين قدمت
إلهًا يحكم العالم بالرياضيات، في فكر ديكارت، أو غير ذلك من صور العلاقة بين
الخالق والمخلوق، التي تنحى فيها سلطة الخالق وسيطرته الفعلية على البشر بشكل
تام وحاسم.
والحق أن إثارة مثل تلك المشاكل المفتعلة، وتقديم مثل تلك التحليلات الواهية
إنما يعكس أمرين:
أولهما: ضحالة المعرفة وقصور الفهم بطيعة الدين الإسلامي، الذي يعرف
الصغير الجاهل قبل الكبير العالم أنه لا تعارض بين التمسك بتعاليمه وقيمه وأحكامه
الشرعية، وبين ارتياد الفضاء، أو استخدام الكمبيوتر، أو تحليل المواد إلى
عناصرها للاستفادة منها.
وثانيهما: هو الرغبة الدفينة في تصوير العقبات أمام الأخذ بشرائع الإسلام
كما أنزلها الله سبحانه دون تبديلها أو تغييرها، تحت شعار البحث الثقافي المنصف
أو الرغبة في الإصلاح.
كما حاول الكتاب في قسمه الثالث إلقاء الأضواء على فساد المجتمع الرأسمالي
وتناقضه، لحساب المجتمع الاشتراكي الذي يحمل - في رأي الكاتب - الحل
الأمثل للأزمات الحالية، مع أن المنصف يعلم فساد النظم الرأسمالية وفشل التجارب
الاشتراكية.
-٣-
وفي سلسلة الحديث عن العقل العربي، قدم الدكتور: زكي نجيب محمود
كتابه قصة عقل (١٩٨٣) الذي نحا فيه منحى السيرة الذاتية العقلية، مؤرخًا
لرحلته الثقافية منذ اشتراكه في مجلة لسلامة موسى، بمقالات عن وحدة الوجود
(١٨) إلى أن اتجه إلى الثقافة الغربية اتجاهًا تاماً، يصوغ من خلالها اتجاهه
الفكري، وليتخير منها مذهبًا فلسفيًا يجعله له (هاديًا ونبراسًا) (٩٣) هو مذهب
(الوضعية المنطقية) لفتجنشتين، وخلاصته: أن الكلمات التي يستعملها الإنسان
(اللغة) نوعان:
نوع يمكن أن يعاين معناه مباشرة بالحس أو التجربة العلمية، وهو يحمل دليل
صدقه، إذ ينطبق على موجود خارجي.
ونوع آخر يتناول ما وراء المحسوس، وهو لغو لا معنى له. فاللغة غرضها
الأساسي هو أن تشير إلى موجودات فعلية تعاين بالحس لتكون مدلولاتها صادقة
(٩٢و١١٥) وهذا النوع الأخير من اللغة هو من قبيل التعبيرات الوجدانية التي
تقاس بمقاييس (الشعر أو ما إلى الشعر من وسائل التعبير) (١١٦) .
ولما كان الإيمان من قبيل الوجدانيات كما يراه المؤلف، وألفاظه تعبر عن
معان ذاتية لذلك فهو (تصديق بغير برهان، وأما منطق العقل فطريقه البراهين) !
(١١١) . لذلك فالتعبيرات التي تتناول موضوعات كالإيمان أو غيره (هي تعبير
ذاتي عما يخالج المتكلم من مشاعر.. وهاهنا لا منطق ولا قضايا تقاس بمقاييس
موضوعية لتفرقة بين حق وباطل) (١٧٥) . وبناء على ذلك فإنه ليس من حق أي
جماعة أن تتهم أنصار فكرة بعينها أنصار فكرة أخرى بالضلال إذا
كان كل من الجماعتين مستندًا إلى مبادئ غير المبادئ التي تستند إليها
الجماعة الأخرى (١٠٠) . فالحق - إذن -في رأيه نسبي حين يختص بمسائل لا تخضع للتجارب المعملية، وأنصار كل فكرة أو دين هم على حق من وجهة نظرهم، ولا يحق لأحدهم أن ينظر للغير على أنه ضال أو منحرف! ولا يخفى ما وراء تلك الأفكار من ضلال وخطورة والتواء.
والكتاب جاء بعد محاولات سابقة للكاتب تهدف إلى نشر هذا المذهب من
خلال الحديث عن الفكر العربي، وإحياء التراث، الذي تعرف عليه المؤلف منذ
سنوات قليلة بعد أن تشرب الثقافة الغربية حتى النخاع، ولم يتمكن من التعرف
على الفكر الإسلامي إلا من خلال (إحياء علوم الدين) للغزالي، أو (تهافت التهافت)
لابن رشد، فجاءت محاولاته خالية من الإخلاص، عارية عن الخبرة، هادفة لهدم
التراث من حيث تبدو محاولة لإحيائه! [*]
стр. 188
علماء معاصرون
المحدث الكبير
محمد أنور شاه الكشميري
تاج الدين الأزهري
ولادته ونشأته:
هو الفقيه المجتهد محمد أنور بن معظم شاه، ولد بكشمير سنة ١٢٩٢هـ وقد
تربى على والديه تربية مثالية، ولذلك كان معروفًا بالتقوى وغض البصر واحترام
الأساتذة، كان يقول الشيخ مولانا القاري محمد طيب ﵀: كنا نتعلم السنن
النبوية من سيرة الشيخ أنور وكأن الأخلاق النبوية تجسدت في صورته [١] .
ودرس على والده الشيخ غلام رسول الهزاروي كتبًا في الفقه وأصوله ولما
بلغ السابعة عشرة من عمره سافر إلى ديوبند، والتحق بدار العلوم هناك وتخرج
منها سنة ١٣١٣هـ، وقد حصل على إجازة درس الحديث من شيخ السنة مولانا
رشيد أحمد الكنكوهي وشيخ الهند مولانا محمود الحسن ﵀، ويصل سنده إلى
الإمام الترمذي والشيخ ابن عابدين الحنفي.
قوة حافظته وطريقته في المطالعة:
كان الشيخ ﵀ شديد الاستحضار قوي الحافظة، شغوفًا بالمطالعة، وقد
انتهى من مطالعة (عمدة القاري شرح صحيح البخاري) للحافظ العيني في شهر
رمضان المبارك وأراد بذلك أن يستعد لدراسة صحيح البخاري في العام الدراسي
المقبل الذي كان يبدأ في شهر شوال، وقد استوعب (فتح الباري شرح صحيح
البخاري) للحافظ ابن حجر مطالعة أثناء قراءته صحيح البخاري على شيخه مولانا
محمود الحسن ﵀ [٢] .
وكانت طريقته في المطالعة أنه إذا وقع في يده أي كتاب علمي مطبوعًا كان
أو مخطوطًا أن يأخذه ويطالعه من غير أن يترك شيئا منه، وهو أول عالم بين
علماء الهند طالع مسند الإمام أحمد بن حنبل المطبوع بمصر، فكان يطالع منه كل
يوم مائتي صفحة مع نقد أحاديثه وضبط أحكامه [٣] .
مكانته العلمية:
كان الشيخ ﵀ إمامًا في علوم القرآن والحديث، وحافظًا واعيًا لمذاهب
الأئمة مع إدراك الاختلاف بينهما، وقادرًا على اختيار ما يراه صوابًا، ولم يقتصر
في مطالعته على كتب علماء مدرسة بعينها - مع أنه كان حنفيًا - وإنما قرأ لعلماء
مدارس مختلفة لهم انتقادات شديدة فيما بينهم، مثل الحافظ ابن تيمية والحافظ ابن
القيم وابن دقيق العيد والحافظ ابن حجر ﵏، وقد أحاط بكتب أهل الكتاب
من أسفار العهد الجديد والقديم، وطالع بالعبرية وجمع مئة بشارة من التوراة تتعلق
برسالة نبينا محمد ﷺ [٤] .
رحلاته العلمية:
سافر الشيخ ﵀ بعد تخرجه إلى عدة مدارس، ودرس هناك عدة أعوام، وقد التقى في فرصة زيارة الحرمين الشريفين بعدد من رجال العلم، منهم الشيخ
حسين الجسر الطرابلسي عالم الخلافة العثمانية صاحب الرسالة الحميدية والحصون
الحميدية [٥] .
وبدأ بالتدريس في دار العلوم في ديوبند بعد عدة أعوام من رجوعه من
الحرمين الشريفين، وظل مدرسًا بها حتى عام ١٣٤٥ هـ، ثم رحل إلى (داهبيل)
في مقاطعة (كجرات) ، وأسس بها معهدًا كبيرًا يسمى (بالجامعة الإسلامية)
وإدارة تأليف تسمى (بالمجلس العلمي) .
آراء معاصريه من العلماء فيه:
وقد أثنى عليه العلماء المعاصرون، ولثناء المعاصر على المعاصر قيمة
كبيرة. فقد قال الشيخ سليمان الندوي ﵀: هو البحر المحيط الذي ظاهره
هادئ ساكن وباطنه مملوء من اللآلئ الفاخرة الثمينة [٦] .
وقال المحدث علي الحنبلي المصري ﵀: ما رأيت عالمًا مثل الشيخ
أنور الذي يستطيع أن ينقد على نظريات الحافظ ابن تيمية والحافظ ابن حجر وابن
حزم والشوكاني ﵏، ويحاكم بينهم ويؤدي حق البحث والتحقيق مع رعاية
جلالة قدرهم [٧] .
جهوده في الرد على القاديانية:
قد ظهرت في العالم فتن كثيرة، وقد عمل العلماء ضدها بجهد كبير، ومن
الفتن الكبرى التي وقعت في هذه البلاد (الهند) بوحي من أعداء الإسلام وتأييد منهم
(نشأة الفتنة القاديانية) وقد تصدى العلماء لهذه الفتنة الملعونة، وواجهوها وجدوا
في القضاء عليها في جميع البلاد.
وكانت جهود الشيخ أنور ﵀ في مواجهتهم أكثر من جهود العلماء
المعاصرين لأنه لم يكن يدخر جهدًا ولا يهدأ له بال ولا يرتاح له فكر في ليل أو
نهار، وكان يفكر دائماً في إيجاد الطرق الكفيلة للقضاء على هذه الطائفة فأيقظ
العلماء من النوم العميق في أنحاء العالم، وحثهم على القيام بواجبهم في القضاء
عليها بالتبليغ والتصنيف، وقد تيسر لأصحابه وتلامذته تأليف كتب ورسائل ضد
هذه الطائفة الكاذبة باللغات المختلفة.
وقد ألف الشيخ أنور بنفسه، مؤلفات صغيرة وكبيرة حولها منها:
١- إكفار الملحدين.
٢- التصريح بما تواتر في نزول المسيح.
٣- تحية الإسلام في حياة عيسى ﵇.
٤- عقيدة الإسلام في حياة عيسى.
٥- خاتم النبيين.
وهذه كلها باللغة العربية إلا كتاب خاتم النبيين فإنه باللغة الفارسية.
آثاره:
قد ترك الشيخ آثارًا في صورة التلامذة والكتب المؤلفة، فأما عدد تلاميذه
فيزيد على ألفين وأكتفي بذكر بعض منهم:
حضرة الأستاذ الشيخ مناظر أحسن الجيلاني ﵀: كان عالمًا كبيرًا
ومحدثًا جليلاً ومصنفًا عظيمًا وله مصنفات كثيرة.
والمحدث الكبير مولانا حفظ الرحمن السوهاروي ﵀.
والشيخ القارىء محمد طيب ﵀: ومن تصانيفه ما يلي: أصول الدعوة
الدينية، نظام الأخلاق في الإسلام، شأن الرسالة، القرآن والحديث.
والمحدث الجليل مولانا محمد إدريس الكاندهلوي ﵀.
كانوا مصنفين في علوم القرآن والسنة.
أما كتبه المؤلفة غير التي ذكرتها فهي كما يلي:
(فيض الباري شرح صحيح البخاري) في أربعة مجلدات، (عرف الشذى
على جامع الترمذي) ، (مشكلات القرآن) ، (نيل الفرقدين في مسألة رفع اليدين) ،
(فصل الخطاب في مسألة أم الكتاب) ، (ضرب الخاتم على حدوث العالم) ، (خزائن
الأسرار) ، وكلها كتب باللغة العربية.
стр. 189
شروط لا إله إلا الله
عثمان جمعة ضميرية
إن كلمة التوحيد، التي سبق الحديث عن معناها، جعلها الله تعالى عنوان
الدخول في الإسلام، وثمن الجنة ومفتاحها، كما جعلها سبب النجاة من النار ومغفرة
الذنوب.
وتواردت أحاديث النبي ﷺ في هذه المعاني: فمنها: ما
جعل الإتيان بالشهادتين سببًا لدخول الجنة، وعدم احتجاب قائلها عنها، فإن النار لا
يخلد فيها أحد من أهل التوحيد الخالص، وقد يدخل الجنة ولا يحجب عنها إذا طهر
من ذنوبه بالنار:
فعن عبادة بن الصامت، ﵁، قال: سمعت رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- يقول: «من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأن
عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، وأن الجنة حق
والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» [١] ، وفي رواية: «أدخله
الله الجنة من أي أبواب الجنة الثمانية شاء» .
وعن أبي هريرة ﵁، أن رسول- ﷺ قال:
«يا أبا هريرة اذهب بنعلي هاتين -وأعطاه نعليه - فمن لقيت من وراء هذا الحائط
يشهد أن لا إله إلا الله، مستيقنًا بها قلبه، فبشره بالجنة» [٢] .
وعنه أيضاً، قال رسول الله ﷺ : «أشهد أن لا إله إلا
الله وأني رسول الله، لا يلقى الله عبد غير شاك، فيحجب عن الجنة» [٣] ، وفي
رواية له أيضاً: «إلا دخل الجنة» .
وعن عثمان، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة» [٤] .
وفي الصحيحين عن أبي ذر ﵁ عن النبي -صلى الله عليه
وسلم- قال: «ما من عبد قال لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة»
قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: «وإن زنى وإن سرق ثلاثاً» ثم قال في
الرابعة: «على رغم أنف أبي ذر» قال: فخرج أبو ذر وهو يقول: وإن رَغِمَ
أنف أبي ذر [٥] .
ومعنى هذا الحديث: أن الزنى والسرقة لا يمنعان دخول الجنة مع التوحيد،
وهذا حق لا مرية فيه، وليس فيه أنه لا يعذب عليهما مع التوحيد [٦] ، ففي مسند
البزار عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «لا إله إلا الله نفعته يومًا من
دهره، يصيبه قبل ذلك ما أصابه» [٧] .
ومن الأحاديث النبوية ما جاء بيانًا لتحريم دخول النار على من أتى
بالشهادتين، وهذا كقوله ﵊ في حديث معاذ ﵁: «ما
من عبد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله صدقاً من قلبه إلا حرمه
الله على النار» [٨] .
وفي حديث عتبان بن مالك ﵁، عن النبي -صلى الله عليه
وسلم- قال: «إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه
الله» [٩] إلى غير ذلك من الأحاديث النبوية الشريفة [١٠] .
وقد يصاب بعض الناس بالغفلة عن حقيقة التوحيد وشرط النجاة، ويغتر
بكلمة يديرها على لسانه، دون أن يفقه معناها، يظنها مفتاحًا للجنة، بمجرد نطقها
باللسان، غافلاً عن شروطها التي ينبغي أن تتحقق، ومقتضياتها التي ينبغي أن
يعمل بها، لتكون مفتاحًا صالحًا لفتح أبواب الجنة الثمانية.
وشهادة التوحيد هذه، سبب لدخول الجنة، والنجاة من النار، ومقتضى لذلك، ولكن المقتضى لا يعمل عمله إلا باستجماع شروطه وانتفاء موانعه، فقد يختلف
عنه مقتضاه لفوات شرط من شروطه، أو لوجود مانع من الموانع، وهذا قول
الحسن البصري ووهب بن منبه، رحمهما الله.
فقد قيل للحسن البصري ﵀؛ إن أناسًا يقولون: من قال: لا إله إلا
الله دخل الجنة؟ فقال: من قال لا إله إلا الله، فأدى حقها وفرضها دخل الجنة.
وقال للفرزدق وهو يدفن امرأته: ما أعددت لهذا اليوم؟ قال: شهادة أن لا
إله إلا الله، منذ سبعين سنة، فقال الحسن: نعم العدة، لكن لـ " لا إله إلا الله "
شروطاً، فإياك وقذف المحصنة!
وقيل لوهب بن منبه: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال: بلى، ولكن ما
من مفتاح إلا له أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك [١١] .
ويدل على صحة هذا القول: أن النبي ﷺ رتب دخول
الجنة على الأعمال الصالحة في كثير من النصوص: فعن أبي أيوب الأنصاري
﵁، أن رجلاً قال: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة. فقال:
«تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم» [١٢] .
وعن أبي هريرة ﵁، أن رجلاً قال: يا رسول الله دلني على
عمل إذا عملته دخلت الجنة. قال: «تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة
المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان» فقال الرجل: والذي نفسي
بيده، لا أزيد على هذا شيئاً، ولا أنقص منه. فقال النبي ﷺ : «من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا» [١٣] .
وقد تواردت مع ذلك آيات وأحاديث تبين توقف دخول الجنة والنجاة من النار
على من فعل الفرائض واجتنب المحارم، فصارت تلك الأحاديث السابقة مفسرة
مبينة، وينبغي أن يؤخذ بالبيان والمبين معًا، ولا يجوز إعمال بعض النصوص
والأدلة وإهمال سائرها [١٤] .
ومن القواعد المقررة: أن المطلق يحمل على المقيد، فإذا جاءت نصوص
مطلقة، وجاءت نصوص أخرى متحدة معها في الحكم والسبب، فإنه يحمل النص
المطلق على المقيد. والأحاديث التي جاءت تبين أن دخول الجنة وتحريم النار
معلق على شهادة (أن لا إله إلا الله) ، وهذه الأحاديث المطلقة جاءت أحاديث
أخرى تقيدها. ففي بعضها:
من قال: «لا إله إلا الله مخلصًا ... » ، وفي بعضها: «مستيقناً بها قلبه..» وفي بعضها: «صدق لسانه..» ، وفي بعضها: «يقولها حقا من قلبه..» .. الخ.
وكذلك علقت الأحاديث دخول الجنة على: (العلم بمعنى لا إله إلا الله)
ونصوص أخرى تبين الثبات على هذه الكلمة، ونصوص أخرى تدل على ... ... وجوب الخضوع لمدلولها.. إلخ.
ومما سبق كله استنبط العلماء رحمهم الله تعالى شروطًا لابد من توافرها، مع
انتفاء الموانع، حتى تكون كلمة " لا إله إلا الله " مفتاحًا للجنة، وهذه الشروط هي
أسنان المفتاح، ولابد من أخذها مجتمعة، فإن شرطًا منها لا يغني عن سائر
الشروط.
ولعل هذه الشروط تكون واضحة من الإشارات التي سنشير إليها في هذه
العجالة، فاحرص عليها - أيها المسلم - وتحقق بها، لئلا تقف أمام باب الجنة
فترد، لأنه لا يفتح لك!
١- إن لكل شيء حقيقة، ولكل كلمة معنى، فينبغي أولاً: أن تعلم معنى
كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) علمًا منافيًا للجهل بها، في النفي والإثبات، فهي تنفي
الألوهية عن غير الله تعالى وتثبتها له سبحانه، فلا معبود بحق إلا الله، وقد سبق
ذلك وافيا في بيان (مفتاح الجنة) سابقًا.
ومن الأدلة على هذا الشرط: قول الله تعالى: [فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ
واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ] [سورة محمد: ١٩] .
[شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ والْمَلائِكَةُ وأُوْلُوا العِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ] [آل
عمران/١٨] [إلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وهُمْ يَعْلَمُونَ] [الزخرف: ٨٦] .
وأخرج مسلم عن عثمان ﵁، قال: قال رسول الله -صلى الله
عليه وسلم-: «من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة» . ويكتمل هذا
الشرط بما يليه، وهو الشرط الثاني.
٢- اليقين المنافي للشك: ومعنى ذلك أن تستيقن يقينًا جازمًا بمدلول كلمة
التوحيد، لأنها لا تقبل شكًا، ولا ظنًا، ولا ترددًا ولا ارتيابًا، بل ينبغي أن تقوم
على اليقين القاطع الجازم. فقد قال الله تعالى في وصف المؤمنين الصادقين:
[إنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ
وأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ] [الحجرات: ١٥] .
فلا يكفي مجرد التلفظ بالشهادتين، بل لابد من استيقان القلب، والبعد عن
الشد، فإن لم يحصل هذا اليقين فهو النفاق، والمنافقون هم الذين ارتابت قلوبهم،
قال الله تعالى: [إنَّمَا يَسْتَئْذِنُكَ الَذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ وارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ
فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ] [التوبة: ٤٥] .
وقد سبق آنفًا حديثان في ذلك عن أبي هريرة ﵁، وفيهما:
«أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد، غير شاك فيهما إلا
دخل الجنة» وفي رواية «فيحجب عن الجنة» . «ومن لقيت وراء هذا ... الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه..» .
٣- وإذا علمت، وتيقنت، فينبغي أن يكون لهذا العلم اليقيني أثره، فيتحقق
الشرط الثالث وهو: القبول لما اقتضته هذه الكلمة، بالقلب واللسان: فمن رد دعوة
التوحيد ولم يقبلها كان كافرًا، سواء كان ذلك الرد بسبب الكبر أو العناد أو الحسد،
وقد قال الله عن الكفار الذين ردوها استكبارًا [إنَّهُمْ كَانُوا إذَا قِيلَ لَهُمْ
لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * ويَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ؟]
[الصافات: ٣٥ - ٣٦] .
أما المؤمنون الذين قبلوا هذه الكلمة وعملوا بمقتضاها فلهم النجاة عند الله
تعالى، وعدًا منه، لا يخلف الله وعده: [ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقاًّ
عَلَيْنَا نُنْجِ المُؤْمِنِينَ] [يونس: ١٠٣] .
وهم أصحاب المثل الطيب، الذين ينتفعون بما جاء به الرسول عليه الصلاة
والسلام من الهدى والعلم. فعن أبي موسى الأشعري ﵁، عن-صلى
الله عليه وسلم- قال: «مثل ما بعثني به الله من الهدى والعلم، كمثل الغيث الكثير
أصاب أرضًا، فكان منها نقية قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت
منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا. وأصاب
منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان، لا تمسك ماء ولا تنبت كلأً. فذلك مثل من فقه
في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم
يقبل هدى الله الذي أرسلت به» [١٥] .
٤- أما الشرط الرابع: الانقياد للتوحيد الذي دلت عليه هذه الكلمة العظيمة،
انقيادًا تامًا، وهذا الانقياد والخضوع هو المحك الحقيقي للإيمان وهو المظهر العملي
له.
ويتحقق هذا ويحصل بالعمل بما شرعه الله تعالى، وبترك ما نهى عنه،
وذلك هو الإسلام حقيقة، إذ هو: أن يسلم العبد ويستسلم بقلبه وجوارحه لله تعالى،
وينقاد له بالتوحيد والطاعة، كما قال سبحانه: [ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلَى اللَّهِ وهُوَ
مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الوُثْقَى] [لقمان: ٢٢] .
وأقسم بنفسه أنه لا يؤمن المرء حتى ينقاد لحكم الله وحكم
رسوله: [فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي
أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيماً] [النساء: ٦٥] . وحتى ميول الإنسان
وما يهواه، ينبغي أن يكون من وراء ما جاء به الرسول ﷺ
وتابعًا له: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به» [١٦] ، وهذا هو
تمام الانقياد وغايته.
٥- الشرط الخامس: الصدق في قول كلمة التوحيد، صدقاً منافيًا للكذب
والنفاق، حيث يجب أن يواطئ قلبه لسانه ويوافقه، فإن المنافقين يقولونها بألسنتهم، ولكن لم يطابق هذا القول ما في قلوبهم، فصار قولهم كذبًا ونفاقًا مخالفًا للإيمان،
ونزلوا في الدرك الأسفل من النار: [يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ]
[الفتح:١١] [وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم
بِمُؤْمِنِينَ] ٨ [يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ] ٩ [
فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ]
[البقرة: ٨-١٠] ..
في آيات كثيرة وسور بمجملها في القرآن الكريم تتحدث عنهم.
وفي الصحيحين: «ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله.. صدقًا من قلبه إلا
حرمه الله على النار» فاشترط الصدق من القلب، كما اشترطه في قوله لضمام بن
ثعلبة: «إن صدق ليدخلن الجنة» [١٧] .
٦- المحبة، وهي الشرط السادس فحب المؤمن هذه الكلمة، ويحب العمل
بمقتضاها ويحب أهلها العاملين بها، وإلا لم يتحقق الإيمان ولم تكتب له النجاة،
ومن أحب شيئًا من دون الله فقد جعله لله ندًا: [ومِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ
أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ والَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُباً لِّلَّهِ] [البقرة: ١٦٥] .
وعلاقة حب العبد ربه تقديم محابه وإن خالفت هواه، وموالاة من والى الله
ورسوله، ومعاداة من عاداه واتباع رسوله ﷺ واقتفاء أثره
وقبول هداه، وهذه كلها شروط في المحبة لا تتحقق إلا بها [١٨] ، وهى مؤشر
على حب الله للعبد بعد ذلك.
ومتى استقرت هذه الكلمة في النفس والقلب، فإنه لا يعدلها شيء، ولا يفضل
عليها، فإن حبها يملأ القلب فلا يتسع لغيرها، وعندئذ يجد حلاوة الإيمان:
«ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما
سواه، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن
يقذف في النار» [١٩] .
وحتى لو تحققت تلك الشروط السابقة كلها، ولكنها فقدت الروح فيها وفقدت
سبب القبول عند الله، فإنها لا تنفع صاحبها ما لم يحقق سبب ذلك القبول، وهو
الشرط السابع.
٧- الإخلاص، ومعناه: صدق التوجه إلى الله تعالى وتصفية العمل بصالح
النية، من كل شائبة من شوائب الشرك وألوانه.
وقد تواردت الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة، تؤكد هذا
الشرط، وتجعله سببًا لقبول الأعمال عند الله تعالى. قال الله :
[ومَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ ويُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُؤْتُوا الزَّكَاةَ
وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ] [البينة: ٥] [فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ] [الزمر: ٢] .
وفي حديث عتبان بن مالك عن النبي ﷺ «إن الله حرم
على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله [٢٠] .
والآيات والأحاديث في الإخلاص كثيرة جدًا، فهو سبب القبول عند الله عز
وجل، فلا يقبل الله تعالى من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه وموافقًا لشرعه.
٨-ومع هذه الشروط مجتمعة، لابد من الإقامة على هذه الكلمة، ليختم للعبد
بها ختامًا حسنًا، فإنما الأعمال بالخواتيم، ففي حديث مسلم عن أبي هريرة رضي
الله عنه، عن النبي ﷺ قال:» إن الرجل ليعمل الزمان
الطويل بعمل أهل الجنة، ثم يختم له عمله بعمل أهل النار، وإن الرجل ليعمل
الزمان الطويل بعمل أهل النار، ثم يختم له عمله بعمل أهل الجنة «
وفي حديث ابن مسعود ﵁، عند الشيخين» .. فوالذي لا إله
غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق
عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها «.
وقد أمر الله تعالى بالإقامة على الإسلام والتوحيد: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا
اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ] [آل عمران: ١٠٢] .
وقد جاءت الأحاديث الشريفة تبين هذا المعنى: عن عبد الله بن مسعود رضي
الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ » من مات يشرك بالله شيئًا
دخل النار «وقلت أنا: من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة» [٢١] .
وفي حديث أبي ذر: «ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا
دخل الجنة» [٢٢] .
فاحرص أيها المسلم على كلمة التوحيد بشروطها تلك، واحذر من كل ما
ينافيها، فإن ما ينافيها ويوقع في الشرك قد يكون أخفى من دبيب النمل.
قال ابن القيم ﵀، في قصيدته النونية، مشيرًا إلى أسنان هذا المفتاح
الذي تفتح به أبواب الجنة، وهي العمل بشرائع الإسلام، وتحقيق تلك الشروط
السابقة، فقال:
هذا، وفتحُ الباب ليس بممكن ... إلا بمفتاح على أسنان
مفتاحه بشهادة الإخلاص والتو ... حيد، تلك شهادة الإيمان
أسنانه الأعمال، وهو شرائع الـ ... إسلام، والمفتاح بالأسنان
لا تلغين هذا المثال فكم به ... من حل إشكال لذي العرفان
стр. 190
من القومية إلي الوطنية
ناصر إبراهيم البريدي
احتل الاستعمار بلاد المسلمين سنوات طويلة، وقد بذل في هذه السنوات من
الجهود الجبارة لحرب الإسلام والمسلمين، ما يعجز القلم عن تسطيره في مثل هذه
العجالة، ولم يخرج منها إلا وقد اطمأن إلى أنه قد خلف جنودًا يحملون رسالته،
ورجالاً يذبون عن أهدافه، يحيون ويموتون في سبيله، وإن كانوا من أبناء جلدتنا
ويتكلمون بلغتنا، كثير منهم يركعون ويسجدون معنا ويصلون في مساجدنا.
ولمواجهة الخلافة الإسلامية - التي كانت قائمة في آخر عهد الدولة العثمانية-
تبنى الاستعمار لغة القوميات التي أتت على أمتنا بالشرور والويلات.
وبعد أن قضى على الخلافة العثمانية، جاءت اتفاقية (سايكس - بيكو) التي
قطعت فيها الأمة العربية إلى دويلات، وشتت شمل المسلمين من خلال تلك
المؤامرات. وبعد أن ارتفع صوت القومية طويلاً وأدى جزءاً من الأهداف
المرسومة له، ظهرت دعوة أخرى - لا تقل خطرًا عن مؤامرة القوميين - تلك هي
الدعوة إلى الوطنية، واتخاذ الوطن إلهًا يعبد من دون الله، وارتفع صوت الوطنيين
في كثير من الدول الإسلامية يدعون إلى مبادئ تخالف دعوة الإسلام، وتدعو إلى
الانصهار في بوتقة الوطن، واعتباره رابطًا قومياً يعلو فوق كل الروابط.
ولم يدر أولئك - ولربما علموا - ما يحمل هذا الفكر الخبيث من سموم، وما
سيجره على الأمة من مصائب ونكبات.
إننا في الوقت الذي تتداعى فيه أمم الكفر على أمتنا، وتجتمع علينا في إطار
عقيدة واحدة، نجد بيننا من يرفع شعارًا يمزقنا، ومبادىء تفرقنا.
إن رسول الله ﷺ بعث في قوم تحكمهم العصبيات،
وتسودهم الوثنيات، فكان السلاح الذي رفعه ﷺ في وجه أولئك
هو الإسلام، الذي جمعهم بعد تفرق، وذابت فيه كل الفوارق والألوان والجنسيات
والطبقات.
وفي ظل الإسلام عقدت أعظم مؤاخاة في التاريخ، جمعت العربي مع الرومي، والفارسي مع الأوسي، والحبشي مع الخزرجي، ولم يكن هناك أي اعتبار
لميزان الجنس واللون والوطن.
وإن أخطر ما في مثل هذه الدعوة أن بعض المسلمين يتحمس لها ويدافع عنها
بحسن نية وسلامة مقصد، بل وتجدهم يرددون ما يزعمون أنه حديث نبوي (حب
الوطن من الإيمان) وهو حديث موضوع [١] لا يجوز الاحتجاج به ولا الركون إليه.
وأشير هنا إلى أن حب الوطن أمر غريزي جبلي لا يستطيع الإنسان أن ينكره
أو ينفيه، ولكن الخطر الداهم أن كثيرًا من دعاة الوطنية اتخذوه صنماً يعبد من دون
الله، وتخلوا على مبادئهم الإسلامية باسم الوطنية [ومِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ
اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ] [البقرة: ١٦٥] .
ولنقرأ مقاطع من مقالة كتبها أحد أولئك حيث قال: (ليس أغلى على الإنسان
أو غيره من الوطن، من الأرض، من التراب الذي يخصه، وعلاقة الإنسان
وغير الإنسان بأرضه علاقة تختلف عن كل علاقة، فهي أصلب، وهي أشد) . ثم
يمضي الكاتب في غلوه، فيقول: (ليس ثمة ما هو أرقى من العلاقة بين المخلوق
وتربته وأرضه ووطنه) .
ولم يكتف بذلك، بل جاءت القاصمة -التي لا تقصم الظهر، ولكن تقصم
الدين-:
(إن كل شيء يذهب ويتلاشى، إلا حب الأرض، حب الوطن، هو الذي
يستمر مشتعلاً في الذات دائمًا أبدًا، كالوشم الذي لا يتغير) .
هذه النتيجة المتوقعة من أدعياء الوطنية، وهذا الكاتب لا يعبر عن نفسه،
ولكنه خريج مدرسة قائمة، علمته: كيف يحب، ومن يحب، ومتى يحب.
نسي هذا الكاتب -أو تناسى-أن الحب في الله، والبغض في الله من أوثق
عرى الإيمان، وتجاهل قول الرسول ﷺ «لا يؤمن أحدكم
حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» [٢] .
ونتيجة لهذا الغلو والإفراط أصبحوا من أجل الأرض يحبون، وفي سبيل
التراب يبغضون، وفي ذات الوطن يوالون ويعادون.
نعم.. كل إنسان يحب وطنه، ولكن المسلم يجعل هذا الحب في إطاره
الصحيح، فهو حب طبيعي فطري ولكنه لا يقدمه - بحال من الأحوال - على حب
الله وحب رسوله، ولا يساويه بحب دينه، بل ولا يرقى حب الوطن إلى حب
الوالدين.
إذا هو حب يحكم بحب أسمى منه والعلاقة بالوطن تخضع لعلاقة أقوى منها.
أما أن يصل حب الوطن إلى أن يقول شاعرهم:
وطني لو شغلت بالخلد عنه ... نازعتني إليه بالخلد نفسي
فهذا حب لا يقره الإسلام ولا يرضاه بل يمقته ويأباه.
إن حقيقة الدعوة للوطنية تبرز عندما تتعارض مصلحة من مصالح الوطن -
الموهومة - مع مبادئ الإسلام وقيمه الحقيقية، نجد إن دعاة الوطنية يقدمون تلك
المصلحة الظنية على ما يقره الإسلام ويدعو إليه.
ولأولئك نقول: إن الله قد ذم المنافقين الذين فضلوا البقاء في
الأوطان على الخروج منها للجهاد في سبيل الله فقال:
[ولَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إلاَّ
قَلِيلٌ مِّنْهُمْ ولَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وأَشَدَّ تَثْبِيتاً] [النساء: ٦٦] .
وأخبر سبحانه عن النهاية المخزية للذين رفضوا الهجرة وارتدوا عن دينهم
إيثارًا لحبهم لأوطانهم، وتفضيلها على حب الله ورسوله.
[إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ
فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ
وَسَاءَتْ مَصِيراً] [النساء: ٩٧] .
ورسول الله ﷺ كان يحب مكة، ولكنه قدم الهجرة فرارًا
بدينه على حب وطنه، وكذلك فعل صحابته الكرام، وهكذا يكون حب الوطن
والولاء له ليس حبًا مطلقًا ولا ولاء محررًا من كل قيد، كما يريد أولئك الأدعياء.
وأقول بصدق: إن الذي يزعم حب الوطن حبًا مجردًا من مبادئ الإسلام
وضوابطه إنه كاذب في زعمه خائن لوطنه وأمته، هو أول من ينسحب في معركة
الذب عنه والدفاع عن حرماته، وما قصة المنافقين في (أحد) إلا برهان قوي للرد
على هؤلاء، وفي (الأحزاب) خير دليل على حقيقة مواقفهم:
[وإذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ
مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ ومَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إن يُرِيدُونَ إلاَّ فِرَاراً * ولَوْ
دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لآتَوْهَا ومَا تَلَبَّثُوا بِهَا إلاَّ يَسِيراً *
ولَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولاً]
[الأحزاب: ١٣-١٥] .
وأحداث أفغانستان شاهد حي على مواقف المجاهدين الصادقين، الذين أبلوا
بلاء حسنًا في الذب عن ديارهم وبلادهم، ومواقف الذين يجعجعون بالوطنية، فلما
جد الجد ونادى منادي الجهاد: [ولَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً] [الإسراء: ٤٦] .
فبان الصادق من الكاذب [٣] والوفي من الخائن، فاعتبروا يا أولى الأبصار.
стр. 191
رجال منتظرون
أمل أمة
جمال أحمد رجب
أمة تفيء إلى ربها، وتعود من بعد طول غياب في ظلمات الجاهلية
وشرورها، أمة تستروح نسمات الإيمان، وقد آن لها أن تقف مرة أخرى بعد
عشرات من السنين على طريق الأصالة والتوحيد.
أمة ينبض قلبها بدم جديد، فتعود إليها حياتها متجددة، بعد أن ظن أعداؤها
أنهم قد قضوا عليها بالسم الزعاف، وما دروا أنهم قد قتلوا الحياة واغتالوا الوجود
يوم أن أوقفوا ريادتها وأنهكوا حياتها.
وهاهم أعداء الأمة اليوم يصرخون.. فمن ينجيهم من عذاب أليم؟ ! ! أمة
تعود إلى ذاتها التي ضيعتها، وإلى رسالتها التي هانت عليها، أمة تعود إلى روحها
إلى قرآنها.. إلى سنة نبيها.. إلى شريعتها.. إلى دستور حياتها. وطريق
العودة طويل طويل..
طويل أولاً في وقته وزمنه، فهو طريق التأسيس المنهجي وليس الإصلاح
والترقيع العفوي [أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ
بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ..] .
وطويل ثانيًا في تضحياته ومشقاته، فلن يترك الباطل الحق في يسر وسهولة
ولن يرفع أعداء الله راياتهم البيضاء إلا بعد معارك طوال.
يقول ربنا: [يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وإن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا
بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ..] ، فهنا أمران من عداد التضحيات
والمشقات:
الأول: أنه ينبغي على رجال الأمة أن يحملوا الأمانة كما أبلغهم الله إياها،
ويبلغوها العباد كما أراد الله لا كما تهوى الأنفس وتزينه الشياطين، وهذه تضحية
ومشقه أولى.
الثاني: يفهم من قوله تعالى [واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ] [المائدة: ٨] أن
البلاء واقع بمجرد إبلاغ الحق إلى الخلق، وهذه تضحية ومشقة ثانية، يقول ربنا:
[لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وأَنفُسِكُمْ ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ ومِنَ الَذِينَ
أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيراً..] وعلى هذا الطريق - طريق العودة - يقف رجال يحملون
عقيدة الأئمة وسلف الأمة، فعليها يأتلفون ويجتمعون، ومن دونها يفارقون،
يتربون على عظائم الأمور ومكارم الأخلاق، صفوفهم منتظمة، حريصون على
الوحدة والائتلاف وليس الفرقة والخلاف، هممهم عالية، صبر على المحن، وبعد
عن الفتن، عقولهم متزنة، جنوبهم لينة، أخطاؤهم معدودة، إذا ذكر الله وجلت
قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون، دامعة أعينهم،
حزينة قلوبهم، يبكون يوماً قصيًرا لغد طويل، لا يحزنون على ما فاتهم من الدنيا،
ولا يفرحون بما أتاهم منها، [الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ]
أنفاسهم طويلة مثل طول طريقهم.. وآراءهم حكيمة على مثل ما يواجهون..
واعون لواقعهم الذي يحيونه فهم له مستبينون لا يخدعهم معسول قول جاهلية
عصرهم عن حقيقة كيدها وعنادها وتنكرها لطريق الله، واجتيالها للعباد - كل
العباد - عن مصدر عزهم وسعادتهم ألا وهو دينهم الحق، فماذا بعد الحق إلا
الضلال؟ ! !
فهم ممتثلون قوله تعالى: [وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ]
وهؤلاء هم الرجال المنتظرون.
هم الصف الأول، هم النخبة الموجهة، هم الصفوة المنتقاة، هم حراس الأمة
وقادتها وعقولها، رجال هم عين الأمة وضميرها، رجال يذودون عن الأمة،
ويدافعون عنها، ويدفعون الأعداء، رجال يوجهون الأمة، وبهم تسترشد الأمة
طريقها، رجال تلوذ بهم الأمة - بعد الله - في مدلهمات الأمور وجسام المواجهات، رجال تناط بهم أمانة حمل هذا الدين العظيم، وإبلاغه للناس والتمكين به في
الأرض [وعَدَ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا
اسْتَخْلَفَ الَذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَذِي ارْتَضَى لَهُمْ ولَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ
أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً] ، رجال تحتاجهم الأمة في كل ظروف تاريخها
الطويل، وحاجتها إليهم اليوم أشد، إنهم رجال المواقف ...
غير أن المنهجية الأصولية التي تلتزم بها هذه الأمة ورجالها تقتضي أن
نعرض صفحة من علمها المدون يقتضيه السياق:
أولا: قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُوْلِي
الأَمْرِ مِنكُمْ فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ والرَّسُولِ ... ] اتفق أهل السنة
على أن العلماء من أولى الأمر وطاعتهم معطوفة على طاعة الله ورسوله، وبداهة
فإن هؤلاء العلماء في زماننا هم الذين يطيعون الله ورسوله، ويتقون الله مع قيامهم
بالحق لا يخشون في الله لومة لائم، ولا يشترون بآيات الله ثمنًا قليلاً، ولذا لا
يجوز أهل السنة لعلمائهم أن يغيروا دين الله فيأمرون بما شاؤا وينهون عما شاؤا.
مما تقدم وجب على الأمة طاعة علمائها.
ثانيًا: إننا نحيا عصر التخصص العلمي الدقيق، ولهذا كان علينا أن نصبغ
الحركة الإسلامية بصبغة التخصصية، فهذا يتخصص بتاريخ الأمة الإسلامية على
مر القرون يعلم حركته، ويدرك تطوراته ومراحله، ويفهم مده وجزره، وآخر
يتخصص بعلم الرجال الذين تصدوا القيادة والتوجيه والتأثير في هذه الأمة في
القرون الأخيرة - مثلاً - فيعلم نشأتهم وتربيتهم ومنطلقاتهم وأفكارهم ومخططاتهم
وأهدافهم التي سعوا لتحقيقها ولتنفيذها في هذه الأمة، وثالث يتخصص بعلم التفسير
الشرعي يفهم أصوله ويعلم مدلولات النصوص ومراميها وأسباب نزولها والمحكم
منها والمتشابه والخاص والعام والمطلق والمقيد إلى آخر ذلك.. ورابع يتخصص
بعلم الاقتصاد.. وخامس بعلم الدعوة والتأثير والتربية.. . إلى آخر تلك
التخصصات وهذه العلوم والفنون التي تحتاجها الأمة متمثلة في رجال أكفاء،
يوجهون ويصنعون حضارتها.
إن ميزات الرسول الكريم ﷺ أنه قد ربى جيلاً كاملاً
قادرًا على أن يتبوأ مكانة في الصدارة لهذه الأمة، وحينما رحل الرسول الكريم إلى
ربه لم تنهزم الأمة ولم تندثر بل علت وانتشرت وغزت الأرض لتكون كلمة الله
هي العليا.
وهانحن نقول مشددين عليها:
أعطني رجالاً أصنع لك حضارة..
-يتبع-
стр. 192
الآثار النفسية
للفيديو والتلفزيون
ليس بمقدور أحد أن ينكر ما للتلفزيون والفيديو من الآثار السيئة في النفس
الإنسانية، ولو أنصف كل مشاهد لأعلن عما ينتابه من إحساس لدى المشاهدة،
وليس هناك سوى الموتى لا تأثير للتلفزيون فيهم أمامه لأنهم موتى بلا نفوس.
ويقول خبراء شركة "جنرال إليكتريك " إنه بعد نصف دقيقة من المشاهدة
يبدو المخ وكأنه نائم، وهنا وجه الخطورة بالنسبة للتلفزيون، فإذا اعتاد المشاهد
الاستسلام للمشاهدة فإنه يظل مستسلمًا [١] ، وهنا مكمن الخطر فالمخ شبه نائم
وليس بمقدوره أن يدرأ عن النفس ما يوجه إليها ويصبح عاجزًا عن المقاومة فتصب
المعلومات فيه صبًا لتبدو الآثار الجانبية في النفس والعقل.
ومن المؤكد أن هذه الآثار لا تأتي مباشرة عقب صب المعلومات وتغلغلها في
النفس، وإنما تظهر بعد حين نتيجة تضافر برامج أخرى تعمل على تراكم الآثار
التي تأخذ بدورها من جديد بالاندفاع من الداخل نحو الخارج، على صورة سلوك
حركي يترجم التفاعل اللاإرادي المديد الذي يأخذ سبيله إلى النفس على شكل مفاهيم
امتزجت مع الشخصية فأكسبتها بعضًا من ملامحها وأهدافها ولذا فإن تأخر ظهور
هذه النتائج يوهم الكثيرين ويدفعهم للإقلال من الأخطار الناجمة عن ذلك، بل إن
العامة يرفضون هذا الرأي، أو على الأقل فإنهم لا يعتدون به.
والتلفزيون يثير كثيرًا من العمليات العقلية الشعورية واللاشعورية، فهو يثير
الخيال أو الوهم، فيعيش الإنسان مع خيالاته المستمدة مما يراه على شاشة
التلفزيون أو الفيديو، كما يثير فيه روح التقمص أو التوحد مع من يرى من
شخصيات يعجب بها، أو آراء أو أفعال، كما تجعله يسقط آماله، وآلامه وعقده،
ومخاوفه النفسية على ما يشاهد من مناظر وشخصيات وأحداث، ويشجع فيه أحلام
اليقظة، وفيها يهرب الإنسان من الواقع المؤلم ليحقق رغباته المكبوتة التي عجز
عن تحقيقها في عالم الحقيقة، وفي ذلك نوع من التصريف. وكذلك يقال أنه يشجع
السلبية حيث أن المشاهدة لا تتطلب أي جهل من قبل المشاهد، كذلك فإنها تقدم
الأفكار جاهزة، وقد يتعود على ذلك فيتكاسل حتى عن مجرد التفكير أو النقد أو
التمحيص فيما يرى ويسمع، يضاف إلى ذلك أنه يرى - في حالة التلفزيون
خاصة- أشياء مفروضة عليه ليس له دخل في تصميم برامجها أو وضعها [٢] .
التلفزيون وأحلام اليقظة:
يمكننا اعتبار مشاهدة التلفزيون نوعًا من أحلام اليقظة، وهى أحلام لا تعود
إلينا بل لشخص آخر في مكان بعيد مع العلم أنها تعرض على شاشة داخل عقولنا.
فالعيون الثابتة المحدقة في الشاشة الصغيرة تكاد تكون الحاسة الوحيدة العاملة من
حواسنا، ومع ذلك فإنها تتجاهل الصور وهي تصب داخل مناطق اللاوعي في
عقولنا، وقد بينت المئات من الدراسات العلاقة المباشرة بين حركة العين والتفكير.
فعملية جمع المعلومات بالنظر تتطلب أن يكون المشاهد يقظًا نشطًا، لا أن يتقبل
كل ما يجري أمامه بطريقة سلبية، وهناك دراسات تثبت أنه عندما تكون العينان
ساكنتين أو محدقتين بطريقة مخيفة فالتفكير يكون مضمحلاً تمامًا، كما يقول جيري
ماندر [٣] فربما دخلنا في العصر الذي تحشى فيه المعلومات مباشرة في العقل
الباطن عند الجميع.
وأكثر المشاهدين يشعرون بمثل هذه الأحلام التي يبدو أنها تجمح بالخيال،
فتتوزع الصور المتركبة من المشاهدات المتتالية ذات الموضوع الواحد أو المتقارب، بل باستطاعة هذا الخيال أن يؤاخي بين الصور المتناقضة ليؤلف بينها، ويجعل
منها مادة تصلح لإطلاق أحلام اليقظة على غاربها، بعيدًا عن الواقع وهروبًا من
المسؤوليات [*]
стр. 193
أدب وتاريخ (قصة قصيرة)
قهوة أبي صالح
د. مصطفى السيد
-١-
... لم يكن حبهم " لقهوة أبي صالح " وتعلقهم بها صورة من صور الهيام
بالتاريخ التي ألفها العربي، واعتاد الهجرة إلى أيامه الماضية، لاسيما في هذه
الفترة التي سكنت فيها النفوس بالقحط والإملاق، واستعمرها القلق، بل ربما كان
هناك دافع أعمق من ذلك.
لقد كانت " قهوة أبي صالح " أشبه بالمصحات النفسية التي يشعر المختلف
إليها بجواذب عميقة تشده نحوها، كما يخرج المنقلب عنها بغير قليل من العافية،
وبقطرات من التفاؤل. مشرعة الأبواب كحدود المسلمين في وجه العلوج، تسير
بضع خطوات لتبلغ صحنها، ولكنك تشعر بأنك تعبر بكل خطوة قرنًا من القرون
الخوالي! ! ! وما إن تجد نفسك مستقرًا في وسطها حتى تصافح بصرك جُدُر سود
كأنها قطعة من ليل بهيم تخلف في هذا المكان، وفي صدر المجلس كان - أبو
صالح - كثريًا من الكريستال يغمر المكان نورًا بوجهه الآتي من القرن الحادي
عشر الهجري يقلب بصره في وجوه الحاضرين بابتسامة صادقة يحاول كل من في
المجلس أن يختزنها، وكم يود لو حولت إلى فتات من المسك ليودعها خزائن
الذاكرة، ومخازن الأفئدة. وعلى يساره انتصبت خزانة ذات رفوف - أعتقد أن
القرية كلها خلت من نظير لها، إلا ما استقر في أذهان الشيبان عن أثاث المجالس
القديمة - ثبتت هذه الخزانة في الجدار، مزدانة بدلال القهوة مرصعة بأباريق
الشاي، وفي سفح هذه الخزانة كان أبو صالح يستقر مسندًا ظهره إلى جدار توارى
خلفه مستودع (الحطب) وبحركات لتكرارها باتت كأنها آلية (يشب الضو) وهو في
الشتاء مدفأة للجسوم وفي (القيظ) مدفأة للنفوس. ثم يشرع في تنضيد الفناجين
والكؤوس محدثة نغمة موسيقية تشد الحاضرين إلى المجلس، وتنتزع منهم آخر
اهتماماتهم بما هو خارج المجلس، ولا يقطع الصمت إلا كلام (أبي صالح) مرحبًا
بالحضور، متابعًا الأباريق التي تصطلي حر النار دون أن يغفل عن تعليق ينطق
الصمت، ويسيل بحر الكلام.
-٢-
وينصب الزوار في مجلس أبي صالح، على اختلاف طبقاتهم وتشعب
همومهم الدينية والدنيوية والفكرية. كبار موظفي الدولة، مدرسو الجامعات،
التجار، الفراشون، الكل يخلعون جميع ألقابهم ومكاناتهم الاجتماعية ليستقروا في
هذا المطهر الروحي الذي يشعرون فيه بالتخلص من أدران الترف، ومستلزمات
الحضارة الطارئة.
وفي فترات اللقاء المتواصلة الحوار، والمستمرة النقاش يتوحد الجميع في
المناقشة، وكثيرًا ما يصغي حملة الدكتوراه - باهتمام صادق - إلى ملاحظة لأحد
الفراشين بتمعن وتروٍ. وهكذا ظلت (قهوة أبي صالح) المنزل الوحيد الذي يجسد
الماضي حجرًا وبشرًا وقبل ذلك فكرًا.
-٣-
كان للطعام لذة لا يجدها أحدنا الآن كما كان لكل المتع نكهتها المميزة؛ هل
كان السبب في ذلك قلتها؟ أم لأنها كانت لا تحصل إلا عبر جسر من المتاعب،
فتختلط لذة الطعم بنشوة النصر، على أرض شرسة مسِّيْكَةٍ، يتابع أبو صالح حديثه
قائلاً:
لقد بات الإنسان عبداً للمعارض على اختلاف أنواعها، معارض السيارات
ومعارض الأثاث والأطعمة الدسمة، والثياب المتأنقة، ... الخ، ولكن متابعة
الجديد في هذه الميادين لم تشبع الشهوات التي تستبد بالنفوس. بالله عليكم يا جماعة
الخير - تابع أبو صالح حديثه وهو يجمع بين الحديث ومناولة الضيوف فناجين
القهوة - أليس هذا السعار الدنيوي الاستهلاكي خطر على دنيانا قبل آخرتنا؟ وعلى
رجولتنا قبل قلوبنا؟ إنه تدمير لحصون المناعة في النفوس، وغذاء للاسترخاء
والتراخي، بل إنه عبادة للدنيا [مَن كَانَ يُرِيدُ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وزِينَتَهَا نُوَفِّ إلَيْهِمْ
أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إلاَّ النَّارُ وحَبِطَ
مَا صَنَعُوا فِيهَا وبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ]
علت الجالسين سحابة من الصمت ثم الاسترجاع والحوقلة سوى ما كان من
الشيخ (أبي سعد) رجل الأعمال الناجح والرحالة الذي لا يكاد يضع عصا التسيار،
فقد أجاب أبا صالح قائلاً:
هون عليك يا أبا صالح، ففي الحاضر من المشكلات والإشكالات ما يتعدى
البكاء على الأطلال، إن العمل من قبلك على مد الجسور بين الجيلين - الشباب
والشيوخ - يحقق للإسلام مصلحة أكبر من نشوة النصر الآتية من نسف هذه
الجسور. لقد أتى على هذه الصحراء حين من الدهر لم تكن شيئًا مذكورًا، ثم
أخذت الحياة تدب في أنحائها، وأخذت الخضرة - إحدى ألوان الحضارة - تنعش
الصمت الرائن على قلبها، وتبعثر السكونية الجاثمة على صدرها؛ وهكذا امتد بنا
العمر حتى رأينا البحر الأخضر موازيًا للبحر الأحمر.
يا أبا صالح - ولا يهون الجماعة - لقد احتفظت هذه الصحراء بالكنوز التي
استؤمنت عليها، ثم أدت الأمانة؛ وما علينا إلا أن نعرف كيف نؤدي دورنا كما
أدت هذه الأرض دورها. مجلسك هذا في كثير من البلدان صار تابعًا لإحدى دوائر
مصلحة السياحة، لأن الإنسان قد غدا إنسانًا آخر، لم يبق من الماضي فيه شيء،
سوى بقية دمع في موانىء العيون، وعاطفة دينية تنبعث من رقدتها في بعض
المناسبات والمواسم فحسب، انقطعت الصلة بين مؤسسات الماضي والحاضر. هذا
رائي، ولا مانع أن نسمع رأي الأستاذ أمين، فما أدري (إيش) رأي الأستاذ أمين
فما قلت؟
- ما عقب كلامك يا أبا سعد.
- هذا تواضع منك يا أستاذ أمين فجهدك ملموس مع أولادنا، بالمدرسة،
والناس يسمونك قنطرة الجيلين، والجسر الذي يعبر عليه الشيوخ إلى عالم الشباب، ويطل منه الشباب إلى عالم الشيوخ.
- لدي إضافة قصيرة لما قلته يا أبا سعد وهي:
إن التاريخ من خلال (قهوة أبي صالح) وأمثالها لم يدخل المتحف، وهو بحد
ذاته مكسب عظيم، والفضل في ذلك لله ثم لأمثال هذه القهوة، لكنني أخشى أن
تتحول النظرة إلى تاريخنا العظيم إلى أنه مجرد تاريخ ماض لا مجال لاستئنافه،
يوفر التفكه بهذا التاريخ مادة دسمة للزائرين يتحدثون فيها اغتيالاً للأوقات التي
أصبحت عبئاً اكثر منها ثروة.
صاح أبو صالح وقد علت وجهه ابتسامة رقيقة موجهاً حديثه للأستاذ أمين
وأبي سعد:
حدثوا الناس حديثًا تبلغه عقولهم.
أجابه الشيخ سعد:
يا أبا صالح حديثنا لم يتجاوز المدركات، ولم يدخل منطقة الإعجاز، كل
الذي أخشاه أن يصبح حضورنا في هذا العصر مظهريًا محضًا، ففي مجلس يتردد
اسم ابن تيمية ما لا يحصى مرارًا، وتتساقط كالسيل الأتي شهادات الثناء المرسلة
إليه، وتتسابق دعوات الترحم عليه، ولكن للأسف لم يتمكن ابن تيمية - عمليًا -
حتى الآن من تجاوز قهوتك إلا في حالات نادرة..
إنني أخشى أن يقتصر دورنا وينحصر في (حراسة) ابن تيمية، مجرد تصور
هذا الدور كارثة حقاً.
ابن تيمية مازال حيًا بالرغم من كل العواصف التي اجتهدت في نسخ اسمه
وطمس فكره من مدرسة المفكرين الكبار والمصلحين الأتقياء.
ولكن يا أبا صالح أخشى أن تسكرنا هذه الفكرة وتلقي في روعنا أن الإشارة
والمدح لهذا المفكر وذلك الفكر هما دورنا نحوه.
ثم التفت أبو سعد إلى الأستاذ أمين قائلاً:
أقرأ في وجهك كلامًا، تفضل يا أستاذ أمين.
إن كلامك يا شيخ يذكرني بما كنت أراه صغيرًا في قريتي، فقد كنت أرى
المصحف معلقًا في الجدار، وقد أودع ثوبًا قشيبًا مطرزًا بقصب، وربما ظل على
تلك الحال أيامًا وشهورًا طوالاً.
موقفنا من ابن تيمية - والحال هذه - يلتقي في النهاية مع موقف أعدائه منه،
وهو أن تظل أفكاره تتنقل بين الأفواه والأسماع، ومن رسالة ماجستير إلى رسالة
دكتوراه، دون أن تتاح لها فرصة العمل، وهنا يحضرني قول أحد شعراء الحداثة
المعاصرين، في وصف مثل هذه الحالة:
الحياة تجف في عينيه، إنسان يموت
والكتب والأفكار مازالت تسد جبالها وجه الطريق
لم يكن (محمد الباحث) معنياً بشيء من النقاش الدائر في (قهوة أبي صالح) إلا
من ناحية واحدة، وربما ضاق ذرعًا به، ولذلك ما أن أتم الأستاذ أمين حديثه حتى
قال بتغيظ لم يقو على إخفائه.
لا أدري هل أبقت تطورات الحياة مكانًا أو دورًا لابن تيمية وأمثاله؟ ثم لماذا
ابن تيمية بالذات؟ فأنا لا أسمع في هذا المجلس إلا اسمه؛ ألا يوجد من مفكري
الإسلام ممن جاءوا بعده من يسد مسده؟
- والله ما مثل ابن تيمية مع غيره من العلماء إلا كما قال أبو نواس:
متى تحطِّى إليه الرَّحل سالمة ... تستجمعي الخَلْق في تمثال إنسان
- إنها مبالغة يا أستاذ أمين.
- لا والله يا أبا سعد لقد شغل ابن تيمية عصره، وكان حضوره لافتًا، لأنه
لم يكن تكرارًا لغيره، ولا مفكر أوراق (الكربون) الذي يواجه مشاكل عصره بعقول
غيره، أو بأفكار (مبسترة) مسبقة الإعداد، لقد كان غواصًا يعود باللآلئ بحاثة لا
يرتضي الحلول الملفقة، وعلى المستوى الاجتماعي استأنف التواصل مع العامة -
بعد أن غاب ذلك التواصل أو كاد - إبان عصره، حتى كانت العامة تعتقد أنه
إمامها وشيخها وأن همومها تقلقه وتشغله، ودعاة الضلال أزعجهم ذلك لأنه اختطف
منهم السيطرة على مواقعهم التقليدية، أما علماء عصره البارزون فلم ير المطالع
لسيرة حياته إلا تلك السيرة الطيبة التي كان يسيرها معهم، وأخيرًا لا آخراً فبلاط
الحكم في دمشق والقاهرة لم يفتقده، مكبلاً بالأصفاد تارة، منذرًا ومحذرًا من أخطار
التتار والطابور الخامس تارة أخرى. إنه الحضور المتفاوت المكان المتكامل الدور..
- جزاك الله خيرا يا أستاذ أمين. إن حضور ابن تيمية هو الذي ذكرت،
وحضورنا الآن حضور باهت ليس له قيمة، لقد بات ابن تيمية ضميرنا الإسلامي،
مبعث راحتنا ومصدر ألمنا في آن معًا.
-كيف ذلك يا أبا سعد؟
نرتحل إلى فكره فنجد للحياة لذة غير التي اعتدناها في عالم الناس، ونحاول
أن نبحر في سفائنه فتنتصب الأمواج عالية حتى تكاد تفقد الربابنة الرؤية، وتنتزع
من الركاب الطمأنينة وذلك مصدر ألمنا.
أردنا أن نطلق ابن تيمية من سجن القلعة، فدخلنا به سجن الغربة.
(طوبى للغرباء) أنهى أبو صالح الحديث بهذه الكلمة، ثم قام الجميع لأداء
صلاة المغرب.
стр. 194
أدب وتاريخ
نور من الوحي
شعر: أبي معاذ الخالدي
نور أضاء من البطحاء وائتلقا ... حتى بدا ذا جلال يغمر الأفقا
نور من الوحي وهاج أصيب به ... هامُ الظلام وهامُ الظلم فانفلقا
نور من الذكر والتنزيل يحمله ... جبريل مبتدئًا باسم الذي خلقا
يا رب شكرًا على نعماء سابغة ... أنت المنزل وحيًا هاديًا فرقا
أجبت دعوة " إبراهيم " حين دعا ... وابن البتول ببشرى المصطفى صدقا
يا فرحة الكون بالمختار.. موكبه ... رهط من الملأ الأعلى قد ارتفقا
أنقذت فيه بلادًا -أنت بارئها ... وصنت هدي النبيين الذي سبقا
هذي النبوات في التاريخ مرحمة ... للعالمين ... وتأديب لمن فسقا
يهدي بها الله أقوامًا فيجمعهم ... وليس ما يجمع الرحمن.. مفترقا
فلم يعد سر تجميع الورى نسبا ... من الجدود.. ولا دارًا.. ولا طبقا
هذي الروابط سخف لا يقر به ... إلا الذي عن سبيل الله قد مرقا
ما الأرض إلا تراب.. ليس يعبده ... موحد.. لا ولا يرضاه منطلقا
وما الحظائر للإنسان يسكنها ... ما دام يستشعر الإيمان والخلقا
تلك الطواغيت أوثان يقدسها ... عبيد إبليس عن غي ومحض شقا
منهاجنا الحق.. إسلام يوحدنا ... فلا نكون على إسلامنا فرقا
مهما نأى منزل.. مهما نأى زمن ... فالمنهج الحق للنائين خير لقا يا رب ثبت عبادًا خلصًا سلكوا ... درب النبيين.. واجعل هديهم فلقا
стр. 195
أدب وتاريخ
حول حروف الجر
منصور الأحمد
-١-
من منا لا يعرف أكثر حروف الجر؛ ولا يعرف أثرها على الاسم وهو جره
بالكسره، إذا كان مفردًا، وبالياء إذا كان مثنى أو جمعاً، وأنها من علامات الأسماء، فلا تدخل إلا عليها؟
ولكن، ما سبب تسميتها بحروف الجر؟
السبب في ذلك لأنها تجر معنى الفعل قبلها إلى الاسم بعدها، وتسمى أيضاً
(حروف الإضافة) ، لأنها تضيف معاني الأفعال قبلها إلى الأسماء بعدها. وذلك لأن
من الأفعال ما لا يقوى على الوصول إلى المفعول به، فيتقوى بهذه الحروف، كما
تقول:
(جلست على الكرسي) و (رحبت بسعيد) ولو قلت: (جلست كرسياً)
و (رحبت سعيدًا) لم يصح لضعف الفعل اللازم عن الوصول إلى المفعول به، ما لم
يستعن بحرف الجر.
-٢-
كما أن استعمال حروف الجر يسبب كثيًرا من الصعوبات لدارس اللغة
الإنكليزية؛ فهو كذلك في اللغة العربية، ويقع الكاتبون في أخطاء كثيرة في
استعمالهم لهذه الحروف، حيث إن اختيار كل حرف لكل معنى من معانيه المتعددة
يتطلب دقة ومراناً لا يتأتى إلا من خلال القراءة الكثيرة للأساليب الصحيحة،
وملاحظة ذلك عند الكتابة أو الارتجال.
وزيادة في الإيضاح نقول: إن من الأفعال ما يختلف معناه باختلاف حروف
الجر التي يتعدى بها، فمثلاً: الفعل (رغب) فعل لا يتعدى بنفسه، بل يحتاج إلى
حرف جر يحدد معناه، ويختلف هذا المعنى باختلاف حرف الجر الذي يعقبه:
فقولك: رغبت في الأمر.
غير قولك: رغبت عنه.
وهذا غير قولك: رغبت إليه أن يفعل كذا، وهكذا.
ولهذا لا يصح أن يقال: (رغبت أن أفعل كذا) لأن من يسمع ذلك لا يدري:
هل رغبت في الفعل، أم في تركه؟
-٣-
تقرأ أحيانًا في بعض الكتابات:
(ذهبت إلى عنده) وهذا خطأ شائع لأن الظروف (لدى، لدن، عند) لا تجر
إلا بحرف الجر (من) ، والصواب أن تقول: (ذهبت إليه) .
-٤-
كثيرًا ما يقع الخلط في الاستعمال بين (اللام) و (إلى) من حروف جر.
فمثلاً: اتجه المصلي للقبلة. هذه الدار إلى فلان.
وهذان الاستعمالان كلاهما خطأ، والصحيح فيهما أن يقال:
اتجه المصلي إلى القبلة. هذه الدار لفلان.
وكذلك يقع الخلط كثيرًا بين (الباء) و (في) .
فمثلاً: جلست بالسيارة. كتبت في القلم.
كلتاهما خطأ، والصواب:
جلست في السيارة. كتبت بالقلم.
وإذا أردت أن ترتقي بأسلوبك: كتابة وخطابة وحديثًا، من حيث دقة استعمال
حروف الجر فراقب ورود هذه الحروف في القرآن الكريم، وأمعن النظر في
الأفعال التي تعدت بهذه الحروف، أو المشتقات التي تعلق بها الجار والمجرور،
وستجد ذلك مرجعًا قريبًا وغاية في النفع بإذن الله.
стр. 196
شؤون العالم الإسلامي ومشكلاته
التتار في شبه جزيرة القرم
يرجع تاريخ تواجد التتار في شبه جزيرة القرم إلى أيام العصر الذهبي لدولة
المغول التتار واحتلالهم للجزيرة في النصف الأول من القرن الثالث عشر الميلادي
وما تبع ذلك من ظهور كيان مستقل في مطلع العقد الرابع من القرن الخامس عشر
لما اصطلح عليه فيما بعد بـ " تتار شبه جزيرة القرم "
لمحة تاريخية:
دخل الإسلام شبه جزيرة القرم في أواخر القرن الثالث عشر، وعم انتشاره
أرجاءها مع مطلع القرن الرابع عشر الميلادي، وتتار القرم كلهم مسلمون سنة
ويتكلمون لغة محلية شديدة التأثر باللغة التركية، وينحدر البعض منهم من أصول
تركية جاءت عن طريق القبائل التركية التي استوطنت الجزيرة في عهود مبكرة
قبل غزو المغول لها. وحكمت الجزيرة منذ نشوء الدولة المستقلة فيها سلالة
(Girey) (ربما تكون خيري والله أعلم) وازدهرت حضارة دولة التتار هذه
واتسعت رقعتها حتى شملت المناطق المتاخمة للسهول المحاذية للبحر الأسود، وبعد
وصول الفتوحات العثمانية إلى تخوم المستعمرات الرومانية على ضفاف البحر
الأسود بثلاثة أعوام وبالتحديد عام ١٤٧٨م قبل مسلموا التتار بسيادة الخلافة
العثمانية عليهم إلا أن الجزيرة بقيت تتمتع باستقلالية صنع قراراتها المحلية حتى
حين. وفي القرنين السادس والسابع عشر الميلاديين كان لمسلمي القرم شأن آخر
فقد قويت دولتهم وعظم شأنهم وأصبحت لهم القدرة على حشد الآلاف من الفرسان
وعدد ضخم من المقاتلين فشكلوا بذلك قوة أقليمية ضاربة يحسب لها حسابها. لقد
أقلق وضع المسلمين الجديد هذا بال جيرانهم لاسيما القياصرة منهم وبدأوا يعدون لهم
الكمائن والفخاخ للإيقاع بهم وإجهاض نهضتهم هذه التي أقضت مضاجعهم فلم يهدأ
لهم بال ولم يقر لهم قرار وهم يرون هذه الدولة المسلمة الفتية التي باتت تشكل
شوكة في أعناقهم وعامل استنهاض مكين لبقية الشعوب الإسلامية المبتلاة بهيمنتهم
وهمجيتهم. وهكذا بدأت أعمال التحرش والاستفزاز تظهر في الأفق شيئًا فشيئًا بين
المسلمين وبين إمارة موسكو المتنامية القوة ثم ما لبثت أن تحولت هذه الاستفزازات
إلى مواجهة عسكرية شاملة وظهر المسلمون على أعدائهم في بادئ الأمر ونجحوا
في الإغارة على موسكو ذاتها عدة مرات ووصلوا إلى أسوارها وحاصروها في عام
١٥٧١ م بل وفرضوا الجزية على أمرائها ثم امتدت غاراتهم المستمرة والمنتظمة
لتشمل فيما بعد بقاع أخرى إلى الشمال من موسكو، ووصلوا حتى حدود بولندا
غربًا. إلا أن الكفة ومع مطلع النصف الثاني من القرن السابع عشر أخذت ترجح
لصالح القياصرة الذين حققوا بعض الانتصارات التي أعادت إليهم شيئًا من الثقة
بالنفس فكانت حافزًا لهم للثأر لهزائمهم المتكررة. وعلى الرغم من هزيمتهم النكراء
على يد مسلمي القرم وحلفائهم العثمانيين في عام ١٧١١م إلا أنهم عادوا وغزوا
الجزيرة بعد سلسلة طويلة من الحروب دارت بينهم وبين الدولة العثمانية في الفترة
ما بين ١٧٣٥-١٧٣٩م و١٧٦٨-١٧٧٤م والتي اضطر العثمانيون في نهايتها إلى
التخلي عن سيادتهم على السواحل الشمالية للبحر الأسود وأعقب ذلك انفصال دولة
القرم عن السيادة العثمانية وإعلانها دولة مستقلة.
وفي حقيقة الأمر فإن القياصرة لم يمنحوا الجزيرة استقلالها البتة بل على
العكس من ذلك فقد جعلوا منها ولاية جديدة تدور في فلكهم ونصبوا عليها حكامًا
ينفذون لهم رغباتهم التي يملونها عليهم كما يفعلون اليوم في أفغانستان، ولم تكن
هذه المرحلة من تاريخ الجزيرة تمثل غاية أطماع القياصرة فيها، بل كانت جسرًا
يوصلهم إلى هدفهم الأسمى وهو ابتلاع الجزيرة وضمها بشكل نهائي. وجاء مطلب
ملكة القياصرة (كاترين) في ١٧٨٣م بضم الجزيرة مجسدًا لمخاوف المسلمين
وتوقعاتهم القديمة والتي نشأت منذ تخلي العثمانيين عن الجزيرة، مما حدا بالآلاف
منهم إلى ترك مدنهم وقراهم واللجوء إلى حمى الدولة العثمانية.
وبالفعل فقد حقق القياصرة حلمهم بعد فترة قصيرة واحتلوا الجزيرة وباشروا
على الفور في تنفيذ سياساتهم في طمس هوية وتاريخ المنطقة، فشرعوا بإلغاء
الأسماء المحلية للمدن والقرى واستبدلوها فيما بعد بأخرى يونانية. وكترسيخ لهذا
المبدأ ومنذ مطلع عام ١٧٨٤م أخذوا بمصادرة جميع الأراضي ذات الأهمية
الاستراتيجية والزراعية من أصحابها الشرعيين وقاموا بتوزيعها فيما بعد على كبار
المسؤولين ومن ثم على المستوطنين الجدد الذين استقدموا بأعداد كبيرة من مناطق
مختلفة في عام ١٧٩٠ م، ومن جهة أخرى فلقد كانت أحداث عام ١٨٢٩م وما
تضمنته من اعتراف الدولة العثمانية بسيادة القياصرة على جزيرة القرم بمثابة
قاصمة الظهر التي حرمت مسلمي الجزيرة من آخر أمل لهم في استعادة استقلالهم
الأمر الذي دفعهم للقيام بهجرات جماعية ضخمة في تلك الفترة تلتها هجرات أخرى
أضخم في الفترة ما بين ١٨٦٠-١٨٧٠م و١٨٩١-١٩٠٢م ترك فيها مئات من
العوائل مدنهم وقراهم في موطنهم الأم واتجهوا إلى حياض الدولة العثمانية.
ولم يكن المسلمون الذين آثروا البقاء في موطنهم بأوفر حظًا من إخوانهم الذين
هاجروا بدينهم، فقد وقعوا ضحية جريمة نكراء نفذها القياصرة الصليبيون في
الفترة ما بين ١٨٦٠-١٨٦٣م أرغموا فيها على هجر مدنهم وقراهم والرحيل إلى
أواسط آسيا وبالتحديد إلى ما يعرف اليوم بجمهورية كازاخستان. ولا أدل على
خبث مرامي ذلك المخطط الإجرامي الذي نفذ في حقهم مما ذكرته إحصائيات عام
١٨٩٧م من أن عدد المسلمين الذين تبقوا هناك بات لا يشكل سوى نسبة ضئيلة لا
تتجاوز ثلث مجموع سكان الجزيرة، وأن غالبيتهم من الفلاحين والأميين، في حين
بلغت نسبة المستوطنين الجدد من الروس والأوكرانيين ٤٥ %. وفي عشية قيام
الثورة الشيوعية كانت نسبة ٤٠% من الفلاحين المسلمين مازالت لا تملك أرضًا
تزرعها وتقتات منها، هذا بالإضافة إلى حرمانهم من أبسط حقوقهم الإنسانية.
ما بعد الثورة الشيوعية:
في أعقاب الثورة الشيوعية (١٧/١٠/١٩١٧) سادت الحرب الأهلية وحالة
الفوضى أرجاء روسيا مما تسبب في غياب السلطة المركزية وانكسار الطوق
الحديدي الذي كان مفروضًا من قبل القياصرة على شعوب المنطقة التي كانت ترزح
تحت نير حكمهم، ورافق تنامي قوة الشيوعيين واستقرار الأمور لصالحهم زيادة
المخاوف لدى مسلمي القرم حيال مستقبلهم الذي بات يكتنفه الغموض أكثر من أي
وقت مضى بعد سلسلة المجازر الجماعية وحمامات الدم التي ارتكبتها أيادي البلاشفة
الحمراء في حق شعوبهم من أجل الوصول إلى دفة الحكم، فكيف بهم وهم
المسلمون حملة تهمة الإسلام الخالدة وكفى بها من تهمة.
وسط هذه المخاوف وحالة الفوضى التي عمت البلاد نجح أهالي القرم في
إنشاء حكومة مستقلة لهم في منتصف شهر تشرين الثاني من العام ذاته، إلا أن
الوضع الجديد هذا لم يلق استحسانًا لدى الشيوعيين فأرسلوا إليهم إنذارًا شديد اللهجة
طالبوا فيه أفراد الجيش بتسليم أنفسهم وإلقاء أسلحتهم خلال فترة أربع وعشرين
ساعة من صدور الإنذار. وما هي إلا ساعات قليلة حتى اكتسحت القوات الشيوعية
البرية والبحرية شبه الجزيرة واحتلتها بأكملها وحلت حكومتها المستقلة في ٢٥ / ١
١٩١٨م أي بعد ثلاثة أشهر فقط من قيامها، وتعتبر هذه الفترة الوجيزة هي الفترة
الوحيدة التي نال خلالها أهالي القرم استقلالهم منذ أن اكتسحت جيوش القياصرة
بلادهم في عام ١٧٨٣م كما سبق.
وشرع المسلمون بالهرب من الجزيرة، واعتصمت أعداد كبيرة منهم في
الجبال خشية المذابح التي عرف الشيوعيون بها. وبالفعل ففي شهري شباط وآذار
من العام نفسه نفذ الشيوعيون مجازر رهيبة في عدد من مدن المسلمين راح
ضحيتها الآلاف من الأبرياء، وتكاتف المسلمون بقوة في وجه هذا المد الهمجي
الأحمر. وذكر شهود عيان في شهر أيار من نفس العام أنهم عثروا في مدينة
(سمفر بولو) كبرى مدن الجزيرة على قبور جماعية يحوي الواحد منها مالا
يقل عن ١٥٠٠ شخص.
وفي أعقاب ذلك (٦/٣/١٩١٨م) ، وكمحاولة لتهدئة الأوضاع، بادر البلاشفة
بالإعلان عن تشكيل ما أسموه بحكومة محلية وحاولوا، ولكن بدون أي جدوى إسناد
بعض المناصب الحكومية لشخصيات مسلمة مرموقة، إلا أن الأمر لم يدم طويلاً
على ذلك فبعد مرور عامين فقط على تشكيل تلك الحكومة بدأ الشيوعيون بسحب
المناصب الحكومية المهمة من أيدي الأهالي وأسندوها إلى رفاقهم، وهذا ولاشك هو
أبسط معاني الحرية لديهم، وما أحداث جمهورية كازخستان المسلمة عنا ببعيدة.
إلا أن لينين أدرك بعد فترة قصيرة من توليه دفة الحكم أهمية منح الأقليات
العرقية شيئًا من المكاسب في هذه المرحلة الفتية من عمر الثورة إذا ما هو قرر
الإبقاء على إمبراطورية أجداده، فقرر إعطاء نوع من الحكم الذاتي لبعض المناطق
الحساسة كتلك التي يشكل فيها المسلمون نسبة عالية وأطلق بعض الحريات وسمح
بتدريس اللغات المحلية كما أنه أفسح بعض المجال أمام الأقليات للمشاركة في صنع
القرارات المحلية في الوقت الذي احتفظت فيه الحكومة المركزية في موسكو لنفسها
بالهيمنة المطلقة على الوزارات والمؤسسات الرئيسية وتعيين الوزراء وكبار
مسؤولي الأقاليم، الأمر الذي لم يلق قبولاً لدى زعماء المسلمين مما دفعهم إلى
المطالبة بمنحهم استقلالية حقة تكفل لهم صنع قرارهم السياسي المستقل، إلا أنهم
ومع ذلك لم يجنوا من وراء مطالبهم تلك سوى الوعود البراقة التي بقيت حبراً على
ورق.
ولا شك أن لينين لم يكن ليلجأ إلى مثل هذا النوع من التعامل إلا لكسب تلك
الأقليات إلى جانبه حينًا من الدهر أو على الأقل ضمان حيادهم، وهذا فن في
التعامل مع الشعوب ذكي ما زال عليه كثير من طغاة اليوم، إلا أنه ومع كل أسف
لم يزل هناك كثير من الطيبين من الذين لا يستقون من التاريخ عبرًا ومن الماضي
دروسًا ممن تنطلي عليهم هذه الأحابيل فتراهم يحسنون الظن بكل وجه جديد يطل
عليهم بل وتجدهم وفي طليعة المؤيدين له والمبررين لبعض نواقصه فيكونون بذلك
أداته الأولى التي يثبت بها نفسه حتى إذا ما تحقق له ذلك كانوا هم أول ضحاياه.
ومن جهة أخرى كان للسياسات التي نفذها البلاشفة منذ اليوم الأول لاستيلائهم
على السلطة بالغ الأثر على سير الحياة في الجزيرة فعلى سبيل المثال أدت سياسة
مصادرة الأراضي الزراعية وتهجير الفلاحين وهيمنة الدولة على مساحات شاسعة
من المزارع وصلت إلى ٥٠% من مجموع الأراضي إلى هبوط مستوى الإنتاج
الزراعي بشكل رهيب لم يسبق أن عرفت الجزيرة له مثيلاً مما أدى إلى حدوث
مجاعة مروعة أودت بحياة عشرات الألوف من السكان، فقد وصل معدل الوفيات
في بعض المدن إلى ٥٠% في حين انخفض عدد سكان الجزيرة بمعدل ٢١% وقد
استغل البلاشفة أحداث المجاعة أبشع استغلال كوسيلة لتركيع شعب الجزيرة لهم،
وقد ظهر ذلك في أوضح صورة عند منعهم لوصول إمدادات الحبوب التي بعثت بها
تركيا إلى المتضررين حيث تم تحويلها إلى مناطق أخرى، وسادت الفوضى أنحاء
الجزيرة وكثرت حوادث السرقة وباتت أكثر من أن تحصى لاسيما من قبل جنود
الجيش الأحمر الذين أطلق لهم العنان ليعيثوا كما يشاؤون. وأدى غياب العقاقير
الطبية وتردي الأحوال الصحية إلى تفشي الأمراض التي فتكت بالإنسان كما فتكت
بالحيوان.
ونشرت جريدة (أزفستيا) الروسية الصادرة في ١٥/٧/١٩٢٢ تقريرًا للرفيق
كالينين جاء فيه أن عدد متضرري المجاعة في شهر شباط بلغ (٣٠٢. ٠٠٠) مات
منهم (١٤. ٤١٣) وفي شهر آذار ارتفع عددهم ليصل إلى (٣٧٩. ٠٠٠) مات
منهم (١٩. ٩٠٢) وفي شهر نيسان (٣٧٧. ٠٠٠) مات منهم (١٢. ٧٥٤) كما
ذكر التقرير أن أكل لحوم البشر لم يكن أمرًا غير مألوف.
وبعد مرور ما يقرب من أربعة أعوام على هلاك لينين ومجيء ستالين إلى
السلطة (كانون ثاني١٩٢٨) دخلت الجزيرة طورًا جديدًا من أطوار حياتها السياسية
الحافلة بالمآسي، ففي تلك السنة أقدم ستالين على حملات تطهير وإبادة جماعية
شعواء ردت إلى الأذهان المذابح التي اقترفها المغول اّبان غزوهم لعاصمة الخلافة
العباسية بغداد، ولم تقتصر تلك الحملات على شبه جزيرة القرم فقط بل امتدت
لتشمل سائر الجمهوريات المسلمة الرازحة تحت نير حكمه البغيض. ونفذت أحكام
الإعدام بأعداد كبيرة من رجال الدين وأغلقت المساجد والمدارس الدينية وحوّل كثير
منها إلى نواد رياضية واصطبلات، كما شرعوا بهدم المساجد فلم يبق من (١٥٥٨)
مسجدًا إلا قليل يعد على الأصابع، وكمحاولة يائسة منهم لفصل المسلمين عن دينهم
وتاريخهم العريق قاموا باستبدال الحروف العربية باللاتينية وتزامنت هذه الحملة
الخبيثة مع حملة أتاتورك المشابهة في تركيا.
كما أرغم ما بين ٣٠ - ٤٠ ألف من فلاحي القرم على ترك مزارعهم
والرحيل إلى مناطق الأورال وسيبيريا الأمر الذي أدى فيما بعد إلى وقوع مجاعة
أخرى في عام ١٩٣١ كنتيجة لنقص المحاصيل الزراعية راح ضحيتها أعداد
ضخمة من السكان في الوقت الذي كانت تقوم فيه الحكومة الشيوعية بجمع وتصدير
ما تنتجه الجزيرة من محاصيل من أجل الحصول على العملة الأجنبية وذلك لدفع
عجلة الثورة الصناعية في البلاد على حد زعمهم.
عملية التهجير ورحلة الهلاك:
في أواخر العقد الثالث من هذا القرن ازدادت حدة التوترات بين روسيا
الشيوعية وألمانيا الهتلرية التي باتت جيوشها المكتسحة على أبواب روسيا، وظهر
شبح الحرب في الأفق وبدأت الشكوك والمخاوف تساور ستالين حيال ولاء بعض
الأقليات العرقية القابعة تحت حكمه لاسيما تلك التي تتمركز في الأقاليم الغربية مما
يعرف اليوم بالاتحاد السوفييتي كشبه جزيرة القرم وشمال القوقاز والتي تمثل بحكم
موقعها الاستراتيجي الخط الدفاعي الأول في وجه الجيوش الألمانية المتقدمة.
ومنذ ذلك الحين وستالين يهم بالتخلص من سكان هذه الأقاليم الحساسة وذلك
بنفيهم إلى الأقاليم الداخلية من روسيا وأواسط آسيا. إلا أن التقدم السريع الذي حققه
الألمان على جبهات القتال باتجاه روسيا حال دون تنفيذ ذلك المخطط. ومع اكتساح
الألمان لشبه جزيرة القرم في أواخر السنة الثانية للحرب (تشرين الثاني ١٩٤١)
انخرط عدة مئات من الآلاف من أهالي الجزيرة - بما فيهم الروس - في صفوف
الجيوش الغازية وقاتلت جنبًا إلى جنب ضد الجيش الأحمر، وكان من بين أولئك
عدة آلاف من المسلمين التتار. وما من أدنى شك أن كراهية المسلمين المقيتة
للشيوعيين وأملهم في تطهير جزيرتهم منهم كان الحافز الوحيد وراء تواطئهم مع
الألمان.
ومن جهة أخرى فقد قاتلت أعداد كبيرة من مسلمي الجزيرة في صفوف
الجيش الأحمر ذودًا - في ظنهم - عن حياض الوطن، وأملاً في أن يلقى ذلك
تقديرًا وإجلالاً من الرفاق الحمر. وتحدثت الصحف الروسية في حينها عن
البطولات النادرة التي سطرها المسلمون التتار ضد الجيوش النازية، كما حاز عدد
منهم على أوسمة البطولة التي لا تمنح في العادة إلا في الحالات النادرة.
ومع بداية الهجوم الروسي المعاكس في ٨ / ٤ /١٩٤٤ وبداية تراجع الألمان
ومن ثم إخلائهم لمعظم أرجاء الجزيرة شرع الشيوعيون وعلى الفور بتنفيذ عقوبات
الإعدام بحق كل من اشتبه به التعاون مع الألمان، وتحدثت التقارير في حينها عن
المجازر الجماعية التي أقيمت في الطرقات والتي راح ضحيتها ألوف من المسلمين، ولم يشفع لبعضهم قتالهم في صفوف الجيش الأحمر. كما شنت الشرطة السوفيتية
السرية غارات ليلية مكثفة ومتكررة على منازل المسلمين التتار أجبرتهم فيها وتحت
وطأة السلاح على ترك منازلهم ومدنهم استعدادًا لمغادرة المنطقة بأسرها.
وعومل المسلمون معاملة وضيعة لا تليق ببني الإنسان. فقد كشفت وثيقة
سرية -كشفت فيما بعد-محتوى لرسالة كتبت في عام ١٩٦٨ من قبل أحد الروس
ممن كانت تربطه صداقة ببعض مسلمي الجزيرة جاء فيها: إن بعض العوائل كانت
قد أعطيت مهلة خمس عشر دقيقة لأخذ أمتعتها والاستعداد للرحلة الطويلة! ! في
حين لم يعط آخرون سوى خمس دقائق لمجرد التجمع قبل السفر كما أنهم منعوا من
اصطحاب أي من ممتلكاتهم حتى ظن كثير منهم أنهم أخذوا ليقتلوا! ! ..
ولنكمل قراءة ما جاء في هذه الرسالة من أمور تشيب لها الولدان، تمضي
الرسالة فتقول:
كلا إنهم لم يؤخذوا ليقتلوا، لقد كانت رحلة الموت البطيء في عربات
المواشي المكتظة بالناس والشبيهة بخزانات نقل الغاز، استغرقت الرحلة التي
أخذت طريقها عبر سهول كازاخستان ذات المناخ الصيفي المحرق من ثلاثة إلى
أربعة أسابيع، لم يستثن أحد من رحلة العذاب هذه حتى المرضى والعجزة، أما
البقية الباقية من الذين كانوا في جبهات القتال فإنهم عادوا بعد انتهاء الحرب ليجدوا
عمليات التهجير بانتظارهم وليلحقوا بأزواجهم وأطفالهم الذين (شحنوا) قبلهم.
لقد حصد الموت العجزة والضعاف، حتى الفتية لم تحتمل أجسامهم ذلك العناء لقد حصدهم الجوع والاختناق والنتانة، ومع طول أمد الرحلة أخذت الجثث بالتفسخ وسط تلك العربات المختنقة بالزحام، ولم يسمح للمهاجرين بدفن موتاهم أثناء الوقفات القصيرة التي كان يتوقفها القطار للتزود بالماء والطعام، بل كان عليهم تركها بجانب السكة ".
يا لها من مبادئ سامية نبيلة تلك التي أتتنا بها الشيوعية، ويا لها من دعاوٍٍ
وشعارات صادقة تلك التي يعد بها المناضلون الشيوعيون شعوبهم وأتباعهم، إن
نتانة خلقهم الذي جبلوا عليه لتفوح والله من بين أسطر هذه الرسالة المقتضبة التي
لم تكشف لنا سوى عن نقطة صغيرة وسط محيط متلاطم الأمواج.
لقد تمخضت عملية التهجير تلك عن شحن ما يربو على (٢٥٠) ألف من
مسلمي القرم إلى مناطق الأورال، سيبريا، كازاخستان، وبقية جمهوريات أواسط
آسيا التي تبعد آلاف الأميال عن مواطن سكناهم.
وفي كازخستان لم تكتف السلطات الشيوعية المحلية بما لقيه المسلمون من
عناء وضنك في رحلتهم تلك بل زادت على ذلك بأن ألّبت السكان المحليين ضدهم
حيث استقبلوهم بشتى صنوف الإهانات التي تراوحت بين نعتهم بنعوت تمس
كرامتهم، ورشقهم في بعض الأحيان بالحجارة، وتفشت في صفوف المهجرين
الأمراض المختلفة كالملاريا والمغص الكلوي كنتيجة لتلوث مياه البرك التي كانت
تمثل مصدر المياه الوحيد لهم، وبسبب رداءة الأغذية وشحتها، ولم يطرأ أي
تحسن على ظروفهم الصحية إلا بعد دخول عام ١٩٤٥ م حينما تمكنوا من حصد
محاصيلهم التي زرعوها بأنفسهم. كما عانى المسلمون هناك كثيرًا من صرامة
القيود التي فرضت على تنقلاتهم في مناطق سكناهم الجديدة فلم يعد أحدهم قادرًا
على تجاوز حدود مدينته أو قريته. وسنت لمخالفي هذه القوانين عقوبات صارمة
وصلت في بعض الأحيان إلى السجن مدة ٢٥ سنة مع الأشغال الشاقة في معسكرات
العمل وأدت حالة الفقر المدقع التي عايشها المسلمون التتار إلى حرمان أبنائهم من
حق الدراسة في المعاهد العليا.
وضعهم الحالي:
استمرت الظروف القاسية التي ألمت بالمسلمين من أهالي القرم منذ اليوم الذي
شردوا فيه من ديارهم، حقبة من الزمن امتدت إلى ما بعد هلاك ستالين في عام
١٩٥٣م، إلا أن هلاك هذا الأخير فتح الباب أمام خليفته خروشوف للتحدث عن
جرائمه. ففي حديثه المشهور - الذي لم ينشر في حينه - أمام المؤتمر العشرين
للحزب الشيوعي الذي عقد في شهر شباط من عام ١٩٥٦ م تطرق خروشوف إلى
جرائم تهجير الشعوب التي أعدها ونفذها سلفه ستالين، وكان مما ذكره في حديثه
أن تهمة تواطؤ التتار مع الألمان كانت تهمة خاطئة! !
ومع أنه هناك من يقول بأن خروشوف أعاد للتتار كثيرًا من حقوقهم التي
سلبهم إياها سلفه كرفع القيود التي كانت مفروضة مثلاً على تنقلاتهم بناء على قرار
نشر في٢٨/٤/١٩٥٦م إلا أن هذا القرار وغيره من القرارات الأخرى لم يرد
لمسلمي القرم حقهم الشرعي في استرداد أملاكهم التي أخذت منهم عنوة كما أنه لم
يعد لهم حقهم المشروع في العودة والاستيطان في موطنهم الأم على الرغم من
تبرئتهم من تهمة " خيانة الوطن " في أيلول ١٩٦٧م، في الوقت الذي نالت فيه
الأقليات الأخرى موافقة السلطة بالرجوع إلى مواطنها الأصلية منذ عام ١٩٥٧ م
والتي كانت قد هجرت منها تحت نفس الذريعة.
ومنذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا ومسلمو القرم ما فتئوا يسعون للحصول على
موافقة السلطات للعودة إلى جزيرتهم، فتارة عن طريق تقديم طلباتهم للمحافل
السياسية للحزب، وتارة أخرى بالمظاهرات والمسيرات التي نادرًا ما تحدث في
العاصمة موسكو كما حصل منذ فترة قصيرة من الآن عندما تجمع ما يقرب من
٣٠٠ منهم في ما يسمى بالميدان الأحمر واعتصموا لمدة ٢٧ ساعة مطالبين بتنفيذ
رغباتهم قبل أن تفرقهم قوات الشرطة. كما قامت الشرطة قبل أيام قلائل بتفريق
حشد آخر منهم أربى على ٥٠٠٠ احتشدوا في مدينة إلى الجنوب قليلاً من مدينة
طشقند عاصمة جمهورية أوزبكستان وكرروا مطالبهم.
ولم يطرأ أي تغير ملموس على مواقف السلطة الشيوعية تجاه تلك المطالب،
فعلى مدى الأعوام الثلاثين الماضية قابلت تلك السلطات مطالب المسلمين بأساليب
مختلفة فتارة باتهامهم بإثارة النزعات العرقية، وأخرى برفع شعارات معادية للدولة
السوفيتية، وثالثة بطرد رموزهم من وظائفهم أو معاهدهم الدراسية وكثيرًا ما
أصدرت في حقهم أحكامًا بالسجن في معسكرات العمل لمدة تتراوح ما بين ٥ - ٧
أعوام.
كما اتخذت السلطات الشيوعية إجراءات صارمة لضمان عدم عودة المسلمين
إلى جزيرتهم في الفترة التي أعقبت صدور قرار بتبرئتهم فعمدت إلى طردهم من
الجزيرة حال اكتشاف أمرهم ثم قامت بتحذير المستوطنين الجدد من مغبة بيع أو
تأجير بيوتهم لهم وهددتهم بعقوبات صارمة واعتبرت كل عقود البيع أو التأجير تلك
لاغية كما فرضت غرامات مالية على أطرافها.
وكنتيجة لهذه الإجراءات فإنه لم يتبق من مجموع ٦٠٠٠ شخص من المسلمين
ممن وصلوا إلى الجزيرة في نهاية عام ١٩٦٧م سوى ثلاثة رجال وعائلتين! أما
أولئك الذين نجحوا في الحصول على فرص عمل هناك فإن عمليات الفصل والطرد
كانت بانتظارهم حال التعرف على أصولهم العرقية، كما قامت الشرطة السرية
بغارات دورية على الأماكن التي يشتبه فيها وجود مواطنين مسلمين.
وفي النصف الأول من عام ١٩٧٢م وسعت السلطات نطاق هذه الإجراءات
لتشمل المناطق المحيطة بالجزيرة وذلك لمنع تمركز العوائل المنفية حولها،
وصحيح أن عدة مئات من عوائل المسلمين أتت إلى الجزيرة من خلال مشاريع
عمل إلا أن هؤلاء اقتصروا على كونهم عوائل فلاحية أمية اشترطت مسبقًا بقاؤهم
وبشكل دائم في المزارع والحقول التي أتوا من أجل العمل فيها وعلى هيئة تجمعات
لا تزيد في حال على عائلتين وفي حالات خاصة على خمس عوائل هذا بالإضافة
إلى حرمان أولادهم من حق الدراسة في المعاهد المتقدمة.
ولم تكن مشكلة ارتفاع عدد السكان في الجزيرة أو وفرة الأيدي العاملة وندرة
فرص العمل هي الباعث على فرض تلك القيود الصارمة، بل العكس هو الصحيح
فإن الحكومة الروسية ما فتئت تحضر العمال الروس والأوكرانيين للذهاب إلى
الجزيرة والعمل فيها في محاولة منها لسد الثغرة الناجمة عن قلة اليد العاملة.
وفي شهر نيسان من عام ١٩٧٠م كانت هناك خطة لنقل ما يقرب من نصف
مليون من المستوطنين من غير التتار إلى القرم في محاولة للتغلب على تلك المشكلة
في الوقت الذي كانت تعاني فيه جمهوريات آسيا الوسطى حيث قطن التتار-من
زيادة كبيرة في عدد العمال والتي أدت مؤخرًا إلى بدء ظهور حالة البطالة.
وباختصار شديد، لقد حرم مسلمو القرم من أبسط حقوق الإنسان التي يتبجح بها
الرفاق الشيوعيون عند الحديث عن حريات الشعوب، لقد سلبوا حتى من تلك
الحريات البسيطة التي يتمتع بها غيرهم من الأقليات في الاتحاد السوفييتي الذي كان
الأولى أن يسمى الاحتلال السوفييتي فهو في حقيقته احتلال وقهر وهو أبعد ما يكون
عن أدنى مبادئ الاتحاد وإن هو إلا دولة كبيرة (روسيا) جثمت على صدور دول
صغيرة غُلبت على أمرها على حين غفلة منها [*] .
وبعد:
فمعاملة الروس البلاشفة للمسلمين التتار، والتي عرضناها في الصفحات
السابقة؛ ليست إلا نموذجًا مما دأب عليه هؤلاء الشيوعيون، ومن قبلهم آباؤهم
وأجدادهم الروس القياصرة الصليبيون للشعوب المسلمة التي وقعت تحت سيطرتهم.
والدارس لمعاملة هؤلاء للشعوب المسلمة في أواسط آسيا يستنتج أنهم لا يقلون
عداوة للمسلمين عن أضرابهم من الصليبيين الأوربيين، وكذلك فإن هؤلاء
الشيوعيين الذين ورثوا ظلم وطغيان القياصرة لا يختلفون عن هؤلاء إلا بتفننهم في
حرب الإسلام والمسلمين، وابتكاراتهم الدموية، وتقدمهم في مجال الدعاية من أجل
القضاء على كل ما يمت بصلة إلى الفهم الصحيح لهذا الدين من قبل معتنقيه وأهله.
إنهم يكررون كثيًرا كلمات من مثل: (الحرية، السلام، التقدم، العدالة
الاجتماعية، تكافؤ الفرص، الشعوب المحبة للسلام، الديموقراطية، محاربة
الاستعمار ... إلخ) وهم أول من ينتهك هذه المصطلحات، بل إن هذه المصطلحات
نفسها ينبغي ألا تفهم - عندما يتلفظون بها وتدنسها أفواههم - إلا بعكس ما ترمي
إليه حتى يستقيم فهمها مع المقاصد التي تقوم عليها دعايتهم وهى الكذب، وتزوير
الحقائق، وظلم الشعوب وانتهاك حرماتها.
إن الشيوعيين - من أجل الوصول إلى أهدافهم - يستحلون كل محرم،
ويرتكبون كل نقيصة، ولا يتورعون عن ارتكاب كل مخزية، وهم - كنظرائهم
الأوربيين - أبناء موروث ثقافي واحد تقريبًا، من مبادئهم المقدسة أن الغاية تبرر
الوسيلة، والذي يشك في أن الروس والأوربيين جميعًا أبناء ثقافة واحدة تستقي
مثلها من مبادئ اليونان والرومان الوثنيين، بالإضافة إلى المسيحية المحرفة؛ ما
عليه إلا أن يقارن حرص الدول الأوربية على قتل مقومات الشخصية الإسلامية
حيثما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، كالحرص على نشر الثقافة الأوربية وقيمها،
وكراهية اللغة العربية، ومحاولة قتل حب المسلمين بل العرب لها، ومحاربة
المصطلحات القرآنية والإسلامية ما أمكنهم ذلك؛ نقول: يقارن ذلك بحرص دول
أوربا الشرقية الشيوعية التي تضم بين شعوبها أعدادًا كبيرة من المسلمين، بفتنة
هؤلاء المسلمين عن دينهم، واستخدام كافة الأساليب لطمس هويتهم، وقطع
روابطهم الإسلامية بدأ من تحطيم بنيتهم، وتهديم مساجدهم ومعاهدهم، وملاحقة من
يرفض الانصياع منهم - ولو سرًا - إلى ما تمليه رغبات هذه الأنظمة، بل وصل
الأمر إلى تدخلهم بأخص خصائصهم وهى أسماؤهم التي لا يسمحون لهم بأن يشم
منها أنهم مسلمون، وبلغاريا مثل معروف لهذا الذي نقول.
وإذا كان من عبرة لنا من عرضنا لهذا الطرف من الظلم للمسلمين، ومن
الحرب الضروس التي يشنها عليهم أعداؤهم، فهذه العبرة أن الظلم والكيد لم يستطع
اقتلاع هذه العقيدة من صدور أصحابها، ومع أنه كانت له آثاره الهدامة في حياة
هذه الشعوب الإسلامية؛ إلا أن ذلك ينبغي أن يدفع المسلمين في كل مكان إلى
الوعي والعمل على فضح أساليب الشيوعية وأساليب جميع الذين يكيدون للإسلام
والمسلمين.
إن المبادئ - الشرقية والغربية - والتي عاشت ولازالت تعيش من عدائها
للإسلام، قد ثبت فشلها، وقدمت حوادث التاريخ وعبره تراجعها سواء على
الأرض، أو في نفوس أصحابها، وهذه بشارة لنا - نحن المسلمين - وحافز لنا،
فهل نكون على مستوى المسؤولية؟ .
стр. 197
شؤون العالم الإسلامي ومشكلاته
نظرة سريعة إلى أحوال المسلمين
في الفلبين
وصلنا من الأخ سلامات هاشم، رئيس (جبهة تحرير مورو الإسلامية)
تقريران فيهما لمحة عن أوضاع المسلمين هناك، وتطورات قضية جهادهم في ظل
نظام (أكينو) الحالي، ويسرنا أن نقدم النقاط الرئيسية التي اشتمل عليها هذان
التقريران كبداية لتعاون مستمر إن شاء الله.
تقترب حكومة (أكينو) من نهاية عامها الثاني، ولم تستطع أن تأتي بدليل
عملي يثبت قدرتها على الخروج من المأزق والأزمات الخطيرة التي وقعت
فيها الدولة أثناء حكم الدكتاتور السابق المخلوع، وإن المشاكل التي أوجدتها
الإدارة الحالية أكثر مما حلته.
والجهود التي بذلتها بغية استقرار الحكومة وإيجاد حلول لمشاكلها السياسية
والأمنية والاقتصادية العويصة قد باءت كلها بالفشل الذريع، والدلائل تشير إلى أن
الحكومة لن تستقر ولن تستطيع أن تحل مشاكلها، بل ربما تتضاعف مشاكلها
بمرور الأيام، إذا قدر لها البقاء لفترة من الزمان، وصدق رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- إذ قال: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم إمرأة» .
المحاولات الانقلابية:
شهدت إدارة أكينو خمس محاولات انقلابية عسكرية منذ قيامها في٢٥ فبراير
١٩٨٦م. ولاشك أن هذه المحاولات الانقلابية المتكررة - رغم فشلها -تدل على
أمور كثيرة منها: ضعف الحكومة، وعدم وجود الثقة المتبادلة بين القيادات المدنية
والعسكرية، حيث إن مؤسسة الدولة العسكرية منقسمة إلى قسمين: قسم موال
للحكومة وقسم ضدها، وإن المحاولات الانقلابية الأخيرة هي أخطر وأقوى من
المحاولات السابقة، ويبدو أنها ليست المحاولة الأخيرة بل ستكون هناك محاولات
قادمة، وربما أقوى من المحاولات السابقة.
وجدير بالذكر أن قائد المحاولات الانقلابية الفاشلة الحديثة مازال متخفيًا وهو
مصمم على مواصلة جهوده للإطاحة بالحكومة الحالية لتحل محلها لجنة مشتركة من
مجموعة من السياسيين والعسكريين.
وكادت المحاولات الحديثة أن تنجح، فقد استولى الثوار على القاعدة
العسكرية الرئيسية وعلى بعض الإذاعات التلفزيونية، ووصلت المعارك إلى أبواب
القصر الرئاسي، حيث مكتب الرئيسة أكينو وسكنها الرسمي، وجرح أثنائها ابنها
الوحيد ولقي حرسه الثلاثة مصرعهم.
التطورات العامة في الفلبين باختصار:
١ - الحكومة الحالية لم تستقر وسوف لن تستقر ولم تحل شيئًا من مشاكلها
العويصة وسوف يستمر هذا الوضع لفترة من الزمان.
٢- احتمال تكوين مجلس عسكري سياسي لتولي الحكم مع بقاء السيدة أكينو
رئيسة رمزية إما بدون سلطة أو ببعض السلطات المحدودة. وفي هذه الحالة سوف
تتصاعد الحرب بين الحكومة والشيوعيين، وبينها وبين المسلمين.
٣-المخابرات المركزية الأمريكية تلعب دورًا كبيرًا في تسيير الأمور في
البلاد، ولعبت دورًا سيئًا في الأحداث الأخيرة إن لم تكن هي مدبرتها.
٤-المفاوضات بين الحكومة ومسواري وصلت إلى طريق مسدود، وعلى أي
حال لم يتوقع أحد ممن يعرفون الأوضاع وحقائق الأمور في البلاد أن تنجح تلك
المفاوضات، والحكومة لم تقصد إنجاحها.
التطورات الخاصة في منطقة مورو الإسلامية:
١- لاشك أن المنطقة تتأثر نوعًا ما بالتطورات في حكومة مانيلا، غير أن
الظروف فيها تختلف كثيرًا عن الظروف في بقية الفلبين، فقد تكون التطورات نقمة
بالنسبة للحكومة، ونعمة بالنسبة لمنطقة مورو، وإن المحاولات الانقلابية السالفة
الذكر أوضح مثال لذلك، حيث كانت هذه الحادثة نقمة على حكومة أكينو ولكنها
نعمة لمنطقة مورو، لأن الحكومة اضطرت إلى أن تسحب قواتها المنتشرة في
المناطق الإسلامية لتعزيز القوات الموالية لها في مانيلا، حيث وضعتها في أماكن
استراتيجية حول العاصمة.
٢-أما تغيير الحكام في الفلبين فلا يؤثر كثيرًا على وضع المسلمين وليس
هناك فرق كبير في معاملتهم مع المسلمين، والحكام الفلبينيون النصارى كلهم
متفقون على أن الإسلام هو عدو حكومتهم الأول، وأن وجود الجماعة الإسلامية في
الجنوب خطر على الدولة، وصدق الله العظيم إذ يقول: [ولَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ
ولا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ] ، ويقول في آية أخرى: [ولا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ
حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا] .
٣-إن حكومة أكينو التي كان كثير من الناس داخل البلاد وخارجها يأملون أن
تنفذ وعودها بإعادة حقوق المسلمين المسلوبة إليهم، وأن تعاملهم معاملة عادلة هي
مثل الحكومات السابقة في معاملتها للمسلمين وفي سياستها إزاء قضيتهم.
والخلاصة أن الوضع في منطقة مورو الإسلامية لم يتغير، وأن موقف
الحكومة الحالية تجاه شعب مورو المسلم كموقف الحكومات السابقة، وليس هناك
أمل في استرجاع حقوق المسلمين المسلوبة بواسطة الأسلوب السياسي السلمي، وان
الطريق الصحيح هو استمرار الجهاد في سبيل الله.
أحوال المسلمين في جنوب الفلبين:
١-رغم الحياة القاسية والظروف الصعبة التي تحيط بالمسلمين فإنهم يشقون
طريقهم إلى حياة إسلامية أفضل، فرغم بعدهم الجغرافي عن بقية العالم الإسلامي
فقد تأثروا بالوعي الإسلامي المنتشر والمحسوس بين صفوف المسلمين في شتى
أنحاء العالم الإسلامي، فقد انتشرت المدارس الإسلامية الأهلية، وكذلك مدارس
قراءة وتحفيظ القرآن الكريم، وازداد عدد المساجد، فقد أعادوا إقامة المدارس
والمساجد بعد أن أحرقتها السلطات الفلبينية وازداد تمسكهم بتعاليم دينهم.
٢-لعل انتشار الظلم والفساد من ضمن العوامل التي دفعت الناس إلى الإقبال
على الإسلام فقد سئموا الحياة في ظل المجتمع الفلبيني الظالم الفاسد، وهم الآن
يتخبطون في الظلام للبحث عن نور ينير لهم الطريق السوي الذي يوصلهم إلى
حياة أفضل، وقد وجدوا هذا النور في برامج جبهة تحرير مورو الإسلامية التربوية
والتعليمية والاجتماعية، وفي خطتها للدعوة الإسلامية العامة والخاصة.
٣-إن الدعوة الإسلامية تجد أرضًا خصبة في المنطقة، فإن المسلمين يهتمون
بدينهم الآن أكثر من اهتمامهم به من قبل، وغير المسلمين يقبلون على الإسلام عن
حب ورضا.
وضع الجهاد والمجاهدين:
تحسن وضع الجهاد ومجاهدي جبهة تحرير مورو الإسلامية وخاصة في
مجالات الإعداد والتدريب والتنظيم وتنسيق القيادات الإقليمية ولجان الجبهة،
وأجهزتها المختلفة حيث اغتنموا فرصة الهدوء النسبي الذي ساد البلاد منذ قيام
حكومة أكينو فعملوا على إعداد العدة والتدريب في جميع الميادين الضرورية في
الجهاد.
إن وضع الجهاد والمجاهدين يتحسن بمرور الأيام، وأصبحت جبهة تحرير
مورو الإسلامية الآن أقوى من قبل وذلك بعون الله ثم بفضل جهود
العلماء والدعاة والقواد العاملين في ميدان الدعوة والجهاد، فقد استطاعوا بعون الله
وفضله أن يوحدوا صفوف المجاهدين المخلصين الصادقين تحت راية الإسلام وفي
ظل جبهة تحرير مورو الإسلامية، وتمكنوا من توجيههم إلى طريق الجهاد الصحيح.
السلطات الفلبينية تقتل العلماء المسلمين وتحرق المعاهد والمدارس الإسلامية:
تقوم الوحدات التابعة للقوات المسلحة الفلبينية الجديدة التي أنشأتها حكومة
الرئيسة أكينو مؤخرًا بقتل العلماء المسلمين، وإحراق المعاهد والمدارس الإسلامية
في بلاد (المورو) بجنوب الفلبين.
وقد تلقى عدد من العلماء والأساتذة والدعاة في جنوب الفلبين رسائل بتوقيعات
مستعارة كانت موضوعاتها الرئيسية هي التهديدات بالقتل والاغتيال أو الخطف.
وقد وجهت هذه التهديدات بوجه خاص إلى العلماء والدعاة الذين يخطبون في
المساجد، ويطوفون البلاد لنشر الوعي الإسلامي والمدرسين المشهورين
والمعروفين بمواقفهم الإسلامية الصحيحة الثابتة، والذين يشرحون الدين الإسلامي، ويدعون الناس إلى الله في الإذاعات المحلية.
ولم تمنع تلك التهديدات العلماء والدعاة المخلصين من ممارسة عملهم
الإسلامي بل تجاهلوها وضاعفوا جهودهم في نشر الحق، ودعوا هؤلاء الذين
يهددونهم بالقتل إلى توثيق الروابط والتفاهم، وتدعيم المحبة والتعاون على إحلال
الأمن والاستقرار في البلاد، كما دعوهم إلى الإسلام، دين العدل والخير والبركة،
واستمرت التهديدات تارة بالرسائل، وتارة بالتليفونات وغيرها، ولم يلتفت
العاملون في الحقل الإسلامي إليها، ولم يكن أحد يعرف بالتأكيد من أين تأتي تلك
الوسائل والاتصالات التلفونية فضلاً عن مصدر التهديدات، وإن كانت التحريات
تشير إلى شبكة الاستخبارات الفلبينية والعناصر المعادية للإسلام بصفة عامة.
وقد نفذ أحد هذه التهديدات في١٩ مارس١٩٨٧ واكتشفت مصدرها بالتأكيد
حيث قام عملاء استخبارات الجيش الفلبيني تحت إشراف أحد ضباط المخابرات
المدعو (إميليو كوميلينج) باغتيال الشيخ إبراهيم ديرون أحد العلماء والدعاة
المشهورين في " كوتباتو " في جنوب الفلبين، وهو داعية ومدرس في معهد
كوتواتو الإسلامي، وعين وكيلاً للمعهد قبيل استشهاده، والفقيد رحمه الله تعالى
معروف بمواقفه الإسلامية الصحيحة، وعمله الدؤوب في ميدان الدعوة والتربية
والتدريس.
وقد عرف بالتأكيد أن عملاء المخابرات الفلبينية التابعة للكتيبة رقم (٣٥) في
بلدة (تَبٍيْرا) بمحافظة (ماجيندانا) ، هم الذين قتلوا الشيخ الشهيد ﵀ بقيادة
ضابط المخابرات المدعو (ميليو كوميلينج) ، وقد أصيب المرحوم بثلاث رصاصات
في رأسه وصدره وذراعه، وتوفي ﵀ قبل أن يصل إلى المستشفى.
وقد اكتشف أيضاً أن العملاء الذين قتلوه تابعون لشبكة استخبارات، الجيش
الفلبيني التي تعمل في الجنوب الإسلامي، وهي مكلفة بالقيام بما يسمونه (المهمة
القذرة) وتعني هذه العبارة: القيام بقتل العلماء والدعاة والزعماء الإسلاميين إضافة
إلى التزوير وتلفيق الأخبار وإيجاد البلبلة ونشر الفساد والإفساد والفوضى في بلاد
المسلمين.
وعندما علم مدبرو القتل باكتشاف أمرهم هربوا وتركوا المنطقة، وليس هناك
أي سبب دفع المجرمين إلى قتل الشيخ سوى أنه عالم وداعية يقوم بنشر الوعي
الإسلامي، ويدعو إلى إقامة حكم الإسلام وتطبيق الشريعة الإسلامية والتمسك
بالعادات والتقاليد الإسلامية الواردة في الكتاب والسنة.
وقد تظاهر في مدينة " كوتبانو " إثر الحادث ما لا يقل عن عشرة آلاف طالب
وموظف وغيرهم من عامة الشعب المسلم استنكارًا للجريمة البشعة التي لم يكن
الهدف منها قتل الشيخ المذكور فحسب، بل كانت جزءاً من المخططات الفلبينية
لمحاولة القضاء على الإسلام والمسلمين في المنطقة، ونبهوا المسلمين بأن قتل
علمائهم الأبرياء من قبل السلطات الفلبينية ليس إهانة للإسلام والمسلمين فحسب
ولكنه جزء من العمليات المدبرة التي تهدف إلى محو الإسلام في المنطقة، ودعوا
المسلمين إلى مواجهة هذا التحدي. والتهديدات بقتل أو اغتيال العلماء والدعاة
مستمرة حتى الآن، وقد اضطر بعضهم إلى الانتقال إلى أماكن آمنة تاركين بيوتهم
وأموالهم وأراضيهم.
وفي الوقت نفسه قامت بعض العناصر التابعة للقوات المسلحة الفلبينية الجديدة
في الشهر الماضي بإحراق عدد من المعاهد والمدارس الإسلامية في قرى (مغانوي
وأمباتوان، وكيتانجو) بمحافظة (ماجينداناو) وقبل إحراق المعاهد والمدارس هددوا
بقتل المدرسين فيها، علماً بأن الحكومة الفلبينية تتهم المعاهد والمدارس الإسلامية
بتخريج مجاهدين ودعاة يقومون بتغيير الوضع في البلاد وإقامة مجتمع لا يتمشى
مع الدستور الفلبيني ونظامه.
أكينو على خطى ماركوس في حرب المسلمين:
وقد تبين الآن بوضوح أن حكومة أكينو - التي علق عليها بعض المسلمين
داخل الفلبين وخارجها آمالهم بسبب تصريحاتها المغرية بشأن قضية المسلمين
ووعودها بمنح المسلمين حقوقهم -ليست أقل عداء للإسلام والمسلمين من الحكومات
السابقة، وهى تنفذ نفس الخطة المعادية للإسلام والمسلمين ولكن بأسلوب آخر
وبعمليات خفية تحت ستار الشعارات الماكرة والوعود الكاذبة، [ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ
اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ] .
وليس هذا بغريب، فإن الرئيسة أكينو تعتمد كل الاعتماد في اتخاذ قراراتها
ووضع سياستها على مستشاريها من القساوسة ورجال الكنائس الفلبينية، إضافة إلى
المخابرات الأمريكية، وصدق الله العظيم إذ يقول: [ولا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى
يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا] ، ولن يستطيعوا ذلك إن شاء الله فإن مجاهدي
جبهة تحرير مورو الإسلامية قد عاهدوا الله تعالى العلي القدير القاهر فوق عباده
على أن يستمروا في جهادهم في سبيل الله لإعلاء كلمته إلى أن يحقق الله لهم
النصر، أو ينالوا الشهادة وشعارهم (النصر أو الشهادة) .
стр. 198
شؤون العالم الإسلامي ومشكلاته
الملأ في تونس ..؟
بقلم: يحيى محمد رسام
نحن نعلم - من خلال استقراء أحداث تاريخ الصراع بين الحق وحملته،
والباطل وذويه - أنه " ليس من السهل على الذين جعلوا من أنفسهم طواغيت
ومستبدين أن يلزموا الصمت أمام الحق وحملته، وهو يهدد كيانهم، ويقرع أجراس
الخطر في أبوابهم، ويرسل عاصفة على معاقلهم ليخلص الناس من استعبادهم
وجبروتهم، ويعيد للإنسان كرامته وحريته اللائقة به.. ".
ولذلك فهم يلجئون لأساليب متعددة، وطرق متنوعة لمحاربة الحق والمبشرين
به.. وقد جاءت حقائق القرآن مؤيدة لحوادث التاريخ فمن أسالبيهم:
١ - معرفة الحق.. وجحوده:
ومعناه أنه مهما كانت معرفة أهل الباطل وعلى الأخص الملأ من كبار القوم
وأعوانهم، للحق الذي يبشر به ورثة الأنبياء والدعاة إلى الله أكيدة وعميقة في
قلوبهم، فإن ألسنتهم ووسائل إعلامهم تجحدها، أنفة ومكرًا واستكبارًا وظلمًا:
[وجَحَدُوا بِهَا واسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وعُلُواً] ..
٢ - قلب الحقائق، وتزييف الوقائع:
فقد عودتنا الأحداث أن الذين في قلوبهم زيغ يقلبون الحقائق، ويزيفون
الوقائع، ويجعلون الجناة ضحايا، والضحايا الحقيقيين جناة، ومجرمين! وهذه
الحقيقة أوضح من أن تحتاج لشواهد وأدلة.. وسنزيدها تأكيدًا بما هو مشاهد في
الأحداث المعاصرة..
٣- رمي المؤمنين بما هم متورطون فيه:
وذلك من أساليبهم -أيضًا - فبدلاً، كما يفرض المنطق، من أن توضع
الأمور في مواضعها، يقومون برمي المؤمنين بما هم واقعون فيه، ومتلبسون به،
فهم مثلاً الذين يمارسون كبت الحريات، وإرهاب الشعوب، والتطرف في معاملة
الخصوم والمخالفين لهم، وهم الذين يسيطر عليهم جنون العظمة، وشهوة السلطة،
فظنًا منهم أن الآخرين مثلهم، يعملون من أجل تحقيق شهوة.. سواء كانت شهوة
حكم أو سلطة أو شهوة مال وشهرة.. فهم لذلك يمارسون عملية الإسقاط المعروفة
في علم النفس في أبشع صورها.. ويستعملون لذلك أساليب التهييج والتحريض،
بكل جرأة وغفلة.. ألم يقل فرعون لموسى وهارون.. وقد جاءا يدعوانه إلى الله
وعدم ظلم بني إسرائيل فرماهم بما هم بريئون منه.. بل وبما هو متلبس به إلى
الأعماق.. فقال لهما: [وتَكُونَ لَكُمَا الكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ] ، ظنًا منه أن موسى
وهارون لو حكما لتكبرا مثله وحاشاهما ذلك.. فهما نبيان لله منزهان عن الكبر
والكبرياء..
٤- ادعاء الحرص وحب الخير لشعوبهم، وإظهار الخوف على ذهاب
مصالحهم:
ولنضرب المثل بفرعون أيضاً، ألم يقل وهو من هو في طغيانه، وظلمه،
وتسلطه واستبداده.. ألم يقل لقومه مظهرًا حرصه عليهم، ومحذرًا لهم من موسى،
ومشفقًا على مستقبلهم: [إنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الفَسَادَ] تمامًا نفس المنطق يكرره الطواغيت في كل مكان.. وفي كل زمان.. [يبدل
دينكم] مؤامرة لنشر الفساد، وإثارة الفتن.. كلام يقولونه في مواجهة شعوبهم..
خوفًا من استجابة هذه الشعوب لورثة الأنبياء، أو سيطرة الحق على قلوبهم ومن ثم
يفلتون من سيطرتهم والانقياد لهم.. إذًا فموسى ﵇ يريد إظهار الفساد في
الأرض، أما فرعون فإنه مخلص لشعبه يمحض له النصح، ولا يسير به إلا في
الطريق السليم، سبيل الرشاد [مَا أُرِيكُمْ إلاَّ مَا أَرَى ومَا أَهْدِيكُمْ إلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ] وفرعون يمثل في هذا المضمار قدوة للطغاة، ورائدًا لأهل الباطل، بل لقد ... أصبح علمًا على من تكبر وطغى، قديماً وحديثاً.
ومن أساليبهم في مواجهة الحق وأهله اتباع أسلوب آخر وهو:
٥-أسلوب الانتقاص والتسفيه والاستهزاء بورثة الأنبياء:
ولعل هذا الأسلوب من أشد أساليبهم خطرًا، وذلك أنهم " بإظهار عدم
الاكتراث واللامبالاة بالدعاة إلى الله أو بذكرهم، ولكن بأسلوب الاستهانة
والاستهزاء والسخرية، يهدفون إلى التهوين من أمرهم في أعين الناس والتقليل من
مكانتهم أمام الشعوب، حتى لا يتجرأ أحد على الاستجابة لهم، فضلاً عن الاقتداء
بهم، بل حتى لا يصغي لكلامهم، أو يلتفت لدعوتهم ولا يخفى ما في ذلك من مكر
سيئ يراد به صرف الناس عن دعوة الله، وصدهم عن سبيله، بل إنه يحمل في
طياته تلميحًا وإغراء للسفهاء كشأن كثير من الإعلاميين اليوم للنيل منهم وإشاعة
الأباطيل والافتراءات حولهم، حتى تتزعزع الثقة فيهم، فلا يتبعهم أحد. انظر إلى
ما قاله الملأ من قوم نوح عنه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام: [قَالَ المَلأُ مِن
قَوْمِهِ إنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ] وما أجمل وأروع ما علق به أحد العلماء العاملين
على هذه الآية حينما قال: " هل بعد هذا الأسلوب النابي والمبالغة في الطعن حيث
لم يكتفوا برميه بالضلال وهو اتباع غير سبيل الرشاد حتى وصفوا ضلاله بأنه
غاية في الوضوح والإبانة. ومرة أخرى قالوا: [قَالَ المَلأُ الَذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ
إنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وإنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكَاذِبِينَ] وهكذا رموه بالسفاهة وهي قلة
العقل دون أن يكلفوا أنفسهم بالنظر في أدلة صدقه، ودون دليل معهم، إنما هو
التكبر عن قبول الحق والاستعلاء عن الخضوع والاتباع لدين الله الذي يدعو إليه
ويبشر به.
٦- استشارة الأمة في قتل الدعاة إلى الله:
ثم يأتي في آخر المطاف بعد الحرب النفسية والإعلامية الإفصاح عن ما يبيتونه للحق وأهله، من الاجتثاث من الأرض ومن أصوله، لذلك يلجئون للشعوب لتبرير فعلتهم، فيطلبون من الأمة صورة ديمقراطية وشورية نادرة، السماح لهم بقتل هؤلاء الدعاة. هؤلاء هم الدعاة.. وهم يطالبون بذلك حتى يواصل الشعب سيره في طريق الرشاد والتقدم والرفاهية، وهاهو فرعون يمارس أعلى درجات الديمقراطية ومشاورة شعبه: [ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى ولْيَدْعُ رَبَّهُ] وهل يحتاج فرعون الإذن من شعبه، وقد أصدر حكمه مقدمًا، وهل الشعب في وضع يجعله قادرًا على ممارسة حقه في إبداء رأيه في أي قضية تخصه، أم أنه المكر وخداع الشعوب!
٧- تشابه الأساليب، وتشابه القلوب:
وكما رأينا وكما بين الله لنا تماثل أساليب أصحاب الباطل، قديماً وحديثًا في
الصد عن سبيل الله حتى لكأن أولهم أوصى أخرهم [كَذَلِكَ مَا أَتَى الَذِينَ مِن قَبْلِهِم
مِّن رَّسُولٍ إلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ] ولكن
الآية تشير إلى وجود علة أخرى غير التواصي، وهي الطغيان فمن طبيعته عندما
يسيطر على القلوب والنفوس، فإنه ينتج عنه نفس الأساليب وتصدر عنه نفس
الانفعالات لمقاومة ومحاربة حملة الحق، وتحذير الناس منهم، ولكن القرآن في
موضع أخر يذكر علة أخرى [تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ] إذًا فهو الطغيان، وتشابه القلوب
في الزيغ والضلال!
وماذا عن الملأ في تونس..؟
إذا تأملنا ما قاله الملأ في تونس في وسائل إعلامهم سنجد دون عناء أنهم قد
كرروا ما قاله الملأ من قبلهم، في مواجهة الدعوة، وورثة الأنبياء، ويكفى مثلاً لما
يردده الإعلام التونسي ضد الدعاة إلى الله من شباب الاتجاه الإسلامي ما نشرته
جريدة العمل التونسية في عددها الصادر في ٤ صفر ١٤٠٨ / ٧ ٢ سبتمبر ١٩٨٧
وفي أماكن مختلفة من العدد، وإن كان أمكر تلك المقالات ما ورد في الصفحة
الأولى تحت عنوان (حتى لا تكون فتنة) .
وقد حشرت المجلة كل الشبهات والدعايات التي مارسها وقالها كل أعداء ... دين الله على مر العصور، مما ذكرناه في أول هذا المقال، ابتداء:
١- من اتهامهم بالتخطيط لإسقاط النظام.
٢- اتهامهم بقلة العقل والسفاهة، وعدم القدرة على التفكير.
٣- وبأنهم أصيبوا بجنون العظمة، والتكبر والهوس في السلطة.
٤- وبأنهم يريدون إقامة نظام على غرار النظام الإيراني الهمجي.
٥- وبأنهم مثيرو فتن، ومظهرو فساد، وأباحوا ما حرم الله من سفك الدماء.
٦- ثم وصفهم العودة إلى الحكم الإسلامي عودة إلى عهود التخلف ... والرجعية وعهود الأمير والحاشية والحريم..!
وأخيرًا بعد هذا كله بالإرهاب والتطرف والشذوذ في فهم الدين.
ثم تأتي الخلاصة وهى المطالبة بالقضاء عليهم من الجذور، فهم ثعبان يبث
سمومه، ولا حل إلا ذلك إن أراد الشعب التونسي أن يسير على درب الرشاد.
ألا ترى معي أن الملأ في تونس يفكرون بعقلية فرعون وملئه، ويرمون
الدعاة بما رمى به موسى، ويظهرون الحرص على مصالح الشعب والسير به في
طريق الرشاد، طريق هامان وفرعون، وبعقلية الملأ والطواغيت، والمتكبرين في
كل زمان ومكان.
تساؤلات:
والآن فهل يمكن أن يكون الدعاة إلى الله من أصحاب الاتجاه الإسلامي في
تونس هم وراء ما زعمته السلطة ووسائل إعلامها وما أسمته بالمغامرة الفاشلة
لإسقاط نظام الحكم، في مسرحية هزلية.
إن الوقائع والأحداث التي سبقت المسرحية الأخيرة أثبتت بوضوح أن الاتجاه
الإسلامي أبعد ما يكون عن مثل هذه الأساليب، وإن تحليلات المطلعين والمراقبين
تشير إلى أن هنالك بعض الفئات من غير الاتجاه الإسلامي وبمعاونة بعض أجهزة
الحكومة أحيانًا وبرضاها وعلى عينها أحيانًا أخرى وراء كثير من الحوادث هناك.
ثم لماذا الربط بين الاتجاه الإسلامي والحكومة الشيعية في إيران، وموقفهم
وبياناتهم معروفة منها، والعالم كله أصبح يعرف موقف الحركة الإسلامية عالميًا من
إيران وثورتها، لولا أنه المكر السيء ضد الاتجاه الإسلامي في تونس.
هل العودة للحكم الإسلامي عودة لعهود التخلف والحريم؟ ! وهل مطالبة
الاتجاه الإسلامي للعودة للحكم الإسلامي وتطبيق شرع الله يمكن أن يسمى تخلفًا
ورجعية وعودة لعهد الأمير وحريمه؟ ! ومن قال ذلك؟ وهل يبقى مسلمًا من
يصف حكم الإسلام، وهو حكم الله، بالتخلف؟ أو يستهزئ بشيء من أوامر الله؟
وهل إذا طالب الإسلاميون بالحرية السياسية لهم كغيرهم ودافعوا عن مواقفهم صاح
بهم المغرضون أنتم مثيرو فتن ولا عقل لكم! .
ثم من هم الذين يفهمون الإسلام على الوجه الصحيح وأنه (دين السماحة
والاعتدال) هل هم الأقلية من الحزب الاشتراكي هناك الذي لا يمثل إلا نسبة ضئيلة من الشعب التونسي المسلم تحتكر لنفسها مواقع السلطة والنفوذ؟ وتمارس أبشع صور الإرهاب والتطرف من تكميم الأفواه، واستصدار أحكام ... السجن المؤبدة، والإعدام ضد الدعاة إلى الله، من أبناء الشعب، ومارست ولازالت إقصاء الإسلام عن سائر مجالات الحياة، واستبدلته بالأنظمة والقوانين العلمانية الملحدة. هل هي هذه الفئة أم هم العلماء المجاهدون والمخلصون من أبناء تونس ومعهم الأكثرية من الشعب التونسي المسلم.
وهل إذا هب هؤلاء للمطالبة بالحريات وتوسيع قاعدة الديمقراطية والسماح للشعب بممارسة حقوقه السياسية وحماية دينه وأخلاقه! يقال لهم ... مثيري فتن ولا عقل لهم، وإرهابيون ومتطرفون، ويقال للمستبدين والمنحرفين حريصون على الأمة ومصالحها، وأدرى بما يعود عليها بالخير والصلاح والرشاد.
إن ذلك هو التعامي عن الحق بل إنه قلب الحق باطلاً والباطل حقاً.
ومن هو المتطرف والإرهابي والشاذ في فهم الإسلام، هل هو الفئة الواعية
المجاهدة أم العلمانيون والاشتراكيون الذين عزلوا الإسلام عن الحياة، والذين يرون
في أداء فرائض الصيام مثلاً تعطيلاً للإنتاج؟ !
ثم نحن نسأل هل الحزب الحاكم في تونس لازال يحكم تونس نتيجة فوزه في انتخابات شعبية حرة؟ هذا على مسايرة أنه قد جاء إلى الحكم قبل ... ثلاثين سنة نتيجة قيادته لحركة جهادية. هل أعطى الشعب التونسي رأيه للحزب الاشتراكي، وصوت له، أم أن مخططات استعمارية أجنبية هيأت له الأوضاع وقوى عالمية من شرق وغرب ساندته ليحقق لها بعض أهدافها، ... وهو القضاء على الإسلام حصن الأمة الذي تحتمي به، ضد مؤامرات أولئك المستعمرين وتلك القوى العالمية.
وكلمة مخلصة لهؤلاء:
نذكرهم بها ونقول لهم قبل أن يقوم الناس لرب العالمين في يوم لا ريب فيه،
ولا ينفع فيه ومعه الندم.
إن الإسلام ليس دعوى باللسان وفي وسائل الإعلام، وليس شارة يتزين بها
الإنسان أو حتى شعائر تؤدى حينما نشاء! إنما الإسلام التزام بما جاء به رسول الله -
ﷺ من عند ربه، الإسلام تطبيق شامل لكل ما في القرآن
والسنة، الإسلام التزام في حياة الإنسان الشخصية، والتزام في نظام المجتمع،
والاقتصاد والسياسة، وكل نواحي حياة الناس.
ثم نذكرهم بأن العودة لشريعة الله التي لا يعتريها نقص البشر ولا هوى البشر
ولا جهل البشر، لأنها الشريعة الكاملة الشاملة المرنة الصالحة لكل زمان ومكان،
ليس عودة بالمجتمع لعهود التخلف والرجعية، وليست الدعوة للاحتكام للقوانين التي
صنعها للبشر رب البشر؛ رجوعًا بالمجتمعات إلى عصور الانحطاط والكبت
والجهالة.
ثم لا ننسى أن نقول بأن على الجميع أن يدرك بأن هذا الأسلوب من القتل
والتعذيب لن يجدي فتيلاً، ويكفي أمتنا تجارب مريرة، أخفقت فيها كل المحاولات
التي استمرت لأكثر من قرن في مواجهة الحركة الإسلامية.
[يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ولَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ] وإن
الله مظهر دينه، على كل دين ولو كره المشركون. فهل من معتبر؟ [*] .
стр. 199
وكالات الأنباء.. وأخبار المسلمين !
سنعرض للقارىء الكريم نموذجًا يلخص صورة الحياد المزعوم في نقل
الأخبار، وسننقل الخبر بنصه كما أوردته وكالة " رويتر " للأنباء، ثم نلقي عليه
بعض الأضواء.
نيجيريا -شغب:
سجن أربعة مسلمين في أحداث شغب دينية.
لاجوس/ ٢ تشرين الثاني (نوفمبر) رويتر: قال راديو لاجوس الرسمي:
إن أربعة شبان مسلمين أدينوا وسجنوا في مطلع الأسبوع الحالي بتهمة
الاشتراك في أحداث شغب دينية وقعت في شمال نيجيريا في شهر آذار مارس
الماضي وأودت بحياة ١٦ شخصًا.
وهؤلاء الرجال الأربعة، بين عشرات من المشتبه فيهم، الذين مثلوا أمام
محكمة خاصة في " أبوجا " التي ستكون عاصمة للبلاد في المستقبل، وقضت
المحكمة يوم السبت الماضي بسجن ثلاثة من مثيري الشغب عشر سنوات لكل منهم
بتهمة الاعتداء الجسيم على آخرين خلال قلاقل وقعت بين طلبة مسلمين ومسيحيين. وكانت هذه الاضطرابات قد اجتاحت ولاية " كادونا " ودمرت عشرات الكنائس
وبض المساجد، وحكم على الشاب الرابع بالسجن ثلاث سنوات بتهمة الإخلال
بالأمن، في حين حصل متهمان على حكم بالبراءة. وظل جميع المتهمين الذين لم
يعرف عددهم بالضبط رهن الاعتقال منذ إلقاء القبض عليهم قبل ما يزيد على سبعة
أشهر.
حتى يتهيأ ذهن القارىء للحكم مسبقًا لابد من الإثارة، والإثارة هنا وسيلتها
استعمال الكلمات، ومن أجل ذلك يطالعنا عنوان الخبر بحدي معادلة بسيطة:
الحد الأول: نيجيريا..
الحد الثاني: شغب..
واختيار كلمة شغب اختيار مقصود، فالانعكاس التلقائي البسيط الذي تحدثه
كلمة " شغب " في أذهان الناس جميعاً بشتى مستوياتهم هو: هيجان يقوم به شخص
أو أشخاص، يرافق هذا الهيجان تخريب للممتلكات واعتداء على حياة أناس آمنين،
والنقطة المهمة هنا أنه ليس وراء هذا الهيجان أي هدف سوى التخريب وحب
الاعتداء، وليس من محرك للنزوع إلى هذا الشغب إلا فساد في البنية النفسية
والعقلية لمن يقوم به وتعطشه للدم وإنزال الأذى بغيره!
وهكذا تكون الأرضية المجهزة برد الفعل العفوي تجاه هذا الخبر قد تكونت،
وقد حدث هذا بسهولة وبساطة وبحيلة بعيدة عن التعقيد لم تكلف إلا كلمة!
والآن إلى استبدال الحد الثاني من المعادلة بما يقابله:
(سجن أربعة مسلمين في أحداث شغب دينية) .
ليس من شيء طريف في هذا العنوان الصحفي سوى أمرين:
١ - حذف كل ما يمكن أن يتصف به هؤلاء الأربعة وإبقاء صفة واحدة، هي
أنهم مسلمون، فكونهم رجالاً أو نسًاء، شيبًا أو شبانًا، متعلمين أم جهلة، كل ذلك
غير مهم أما المهم فهو كونهم مسلمون، والغاية ستظهر بعد قليل.
٢ - وصف أحداث الشغب بأنها دينية، وأرجو من القارىء الكريم أن يصبر
معي قليلاً إن كان ممن يستثقل الحديث عن الإعراب واللغة، ففي الحقيقة: إن
الإعراب يحدد وظيفة الكلمة، ويضعها موضعها الصحيح لتعطي الأثر المطلوب.
لقد كان إضافة صفة " دينية " إلى الأحداث ضرورية من وجهة نظر صائغ
الخبر وناقله، فلو اكتفى بكلمة أحداث شغب لما كان هناك غرابة لا لمسلم ولا لغيره، فليس غريباً أن يقوم مسلم أو مجموعة مسلمين بأحداث شغب مجردة، ولكن لما
كان صائغ الخبر حريصًا على الأمانة والحياد في النقل؛ ولما كان يريد من هذه
الصفة أن تقوم بوظيفة تكميلية لكلمة شغب أضافها.
وأحداث الشغب الدينية لابد أن ترتبط بمسلمين لينتج عنها معادلة جديدة تستقر
وتترسخ في الجانب غير الواعي لمن يقف على الحياد أو لمن له موقف سابق من
الإسلام والمسلمين هذا المعادلة هي:
المسلمون = شغب (ديني) !
في سياق الخبر تتطابق وجهة نظر ناقل الخبر المطلقة مع وجهة صاحب
الخبر وهو راديو لاغوس الرسمي، وهذا التطابق واضح من ترك نهاية الخبر
سائبة لا يعرف عند أي عبارة انتهت، ولو جهدت لتعرف نهاية الخبر كما نقله
الراديو وتميزه عن التعليق الذي تدسس بنعومة (ولكنها نعومة ثقيلة سمجة) لما
استطعت، ولظلت تخميناتك كلها في دائرة الظنون.
إن الحياد المزعوم يفضح نفسه، ويبدو حيادًا فجًا إذا ما تقدمنا مع الخبر
خطوة خطوة، فانظر إلى عبارة (بين عشرات من المشبه فيهم) كم عشرة يا ترى!! ثلاثة، أربعة، ستة، أكثر..؟ !
وكذلك عبارة (الاعتداء الجسيم) ما حدود هذا الاعتداء، على ماذا حصل؟
على أجسادهم، على أموالهم؟ ! ثم كلمة (آخرين) ألا ترى أن التجهيل مقصود؟
أليس من الحق أن يوصفوا بأي وصف؟ (قلاقل وقعت بين مسلمين ومسيحيين)
نصل إلى هذه العبارة - وبعد كل الشحن الذي شحننا به الذين يتحكمون حتى
بصراخ المسلمين وشكاواهم - لتوحي لنا بأن المسلمين دائمًا هم البادئون بالقلاقل
وأن المسيحيين دائمًا في موقف الدفاع عن النفس! هل تريد دليلاً على هذه ... الدعوى؟! هذه الاضطرابات قد (دمرت عشرات الكنائس وبعض المساجد) عشرات الكنائس: ثلاثين، أربعين، تسعين، وما فوق ذلك؟ كله محتمل، (بعض المساجد) مهما حاولنا التكثير فإن كلمة (بعض) تقول لنا: لا ليس إلى هذا الحد، (بعض المساجد! !) ، ثم لاحظ هذا التقابل الطريف:
قلاقل وقعت بين طلبة مسلمين ومسيحيين.
دمرت عشرات الكنائس وبعض المساجد!
إن تصوير المسلمين بهذه الصورة، وتجاهل الأسباب التي تدفعهم إلى ما
يقومون به من أعمال، وإظهارهم بمظهر مجموعات خارجة على القانون، تتخذ
من الإخلال بالأمن مهنة، وتصغير ما ينزل بهم من تنكيل، وتناسي ما يقع عليهم
من اعتداءات يومية، وتضخيم آثار دفاعهم عن أنفسهم وأعراضهم وأموالهم ودينهم، وإبرازهم على هيئة قطاع الطرق؛ كل هذا من مهمة هذا الإعلام الذميم الكافر
الذي يدعي الموضوعية بينما هو في تناوله لقضايا المسلمين أبعد ما يكون عن
الموضوعية، وأقصى ما يكون عن مراعاة مقتضيات الضمير الحي، فضلاً عن
الصدق الذي هو صفة لازمة للحق من أي جهة صدر.
لقد عنيت بهذا الخبر وجعلت من تحليله دليلاً يرشدنا إلى عدم الركون إلى كل
ما تلقي به وسائل نقل الأخبار العالمية، وخاصة فيما يتعلق بأحوال المسلمين. وأنه
لابد من الحذر الشديد، والنظر بعمق إلى الأهواء التي تكمن وراء الكلمات وكشفها
وتعريتها حتى يتضح الصواب من الخطأ، وتظهر الحقيقة من بين ثنايا التحامل.
стр. 200
أخبار حول العالم
رجم اليهود بالحجارة
لم يكن حادث مقتل أربعة من الفلسطينيين -قبل أسبوعين من الآن- بعد
تعرضهم لحادث من قبل سيارة شحن كبيرة يقودها يهودي في قطاع غزة المحتل،
هو السبب الرئيسي للاضطرابات التي تشهدها الأراضي المحتلة والتي بلغت حدتها
حدًا لم تصله منذ ٢٠ عامًا، ولعل سببًا حقيقيًا لهذه الاضطرابات يكمن في الحلقة
السياسية المفرغة التي آلت إليها جهود عملية إحلال السلام في المنطقة، كما أن
الاهتمام الضئيل الذي حظيت به القضية الفلسطينية أثناء القمة العربية الطارئة في
عمان في الشهر الماضي هو عامل آخر لا يقل عن سابقه أهمية. لقد دفع إحساس
شباب المخيمات بتخلي زعمائهم عنهم إلى أخذ المبادرة بأنفسهم.
ينعكس تنامي قوة الإسلام هنا (في الضفة الغربية وغزة) بارتفاع عدد
المساجد التي تضاعف عددها تقريبًا، في الضفة الغربية، على مدى العشرين سنة
الماضية، وفي قطاع غزة ارتفع عددها من (٢٠٠) إلى (٦٠٠) .
ولا تعزى ظاهرة زيادة عدد المساجد فقط إلى الارتفاع الذي طرأ على عدد
السكان على مدى تلك الفترة، فقد أخذ الإسلام يحل محل القومية بشكل سريع كقوة
توحيد للفلسطينيين الذين أصبحوا يعتقدون أنه الأمل الوحيد لدفعهم باتجاه النصر.
وليس من الصواب شجب أو وقف ظاهرة تزايد عدد الملتزمين بالدين-
فالإسلام يبقى واحدًا من بين الأديان العظيمة في العالم - لكن الخطر يكمن في
القالب السياسي الذي قد يأتي به، فالأصولية (والكلام يشمل جميع دول الشرق
الأوسط) هي العملاق النائم.
إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه:
ماذا لو ظهر الشباب الأصوليون في غزة بأنهم القوة الوحيدة التي تستطيع
عمل شيء بطولي في وجه إسرائيل؟ إن مظهرًا كهذا قد يؤجج حماسة الشباب في
تلك الدول جميعًا، سواء منها التي دخلت في سلام مع إسرائيل؛ أو تلك التي
التزمت حد الحديث عن الحرب، ولم تتجاوزه.
التايمز ٢٣ / ١٢/ ١٩٨٧
في وسط المخيمات التي تحيط الأسلاك الشائكة نشأت بين الشباب علاقات
حميمة لم يعرفوها من قبل أبدًا، ويلتقي الشباب ذوو الأفكار المتشابهة الذين يمثلون
الجيل الثالث من أبناء المخيمات، من أنحاء قطاع غزة المختلفة وذلك لإجراء
اتصالات بين بعضهم. لقد فقدوا الأمل لعدة أسباب:
*لقد فقدوا الأمل لعدم توفر فرص العمل، فكثيرًا ما ترى الأطباء والمهندسين
وأطباء الأسنان والعلماء يمتهنون مهنًا وضيعة، كالعمل في المطاعم، أو كنس
الطرقات، أو العمل في المزارع.
*لقد فقدوا الأمل في الدول العربية التي أولت القضية الفلسطينية اهتمامًا
ثانويًا في قمة عمان الطارئة.
*لقد فقدوا الأمل في الدول العظمى حيث تجاهل مؤتمر القمة بين أمريكا
وروسيا القضية الفلسطينية.
*لقد فقدوا الأمل بمنظمة التحرير الفلسطينية، فقد أصبح عرفات في نظر
شباب المخيمات دبلوماسيًا كثير التجوال عديم القيمة، خصوصًا بعد المعاملة التي
لقيها في مؤتمر عمان، كما لم يعد لهم أي أمل في المفاوضات من أجل السلام.
*لقد وجدوا بعض الأمل في الإسلام، نعم إنه المسجد، كما يقولون، حيث
الجهاد الإسلامي.
لقد أدخلت المظاهرات المصحوبة برشق الحجارة الرعب في قلوب
المستوطنين اليهود فقد اضطر (٢٥٠٠) منهم إلى الرحيل عن أماكن إقامتهم متجهين
إلى حيث يجدون الأمان، وناقمين على رجال الأمن لعدم قدرتهم على وضع حد
لهذه المظاهرات.
التايمز ٢٢/١٢/١٩٩٧
كل التقارير التي نقلت أخبار المظاهرات في أرض فلسطين المحتلة أجمعت
على أن المحرك الأساسي الذي كان له الأثر الرئيسي لهذه الحشود في وجه سلطان
العدو هو الإسلام، وأكثر هذه التقارير كانت عباراته مغلفة بالإشفاق والقلق من هذه
الظاهرة، فما يزعج اليهود والذين ظاهروهم وزرعوهم في أرضنا هو عودة الناس
في هذه البلاد - وغيرها من بلاد المسلمين - إلى دينهم الذي ارتضاه الله لهم،
واستلهامهم منه معاني الصمود والكفاح، ولاشيء يقض مضاجعهم غير أن يفهم
المسلمون دينهم فهماً صحيحًا، ولا يعتبروه دين نواح وشكوى وأدعية وأوراد في
زوايا معزولة، ولا يكدر خواطر الأعداء - على كافة أصنافهم - سوى أن يُرمى
بتفسيرهم للإسلام في وجوههم.
ولذلك ففي كل تقرير عن تلك الأحداث نرى كيف أن عبارات الاعتراف
بالإسلام " كواحد من الأديان العظيمة في العالم "! تغتصب منهم اغتصابًا، وتفوح
منها رائحة الخوف والهلع.
وكذلك نلمح العبارات المملوءة تحريضًا واستعداء وترهيبًا، والتي يخاطب بها
القيمون على المنادين بالإسلام، والسائرين في طريقه.
لا شيء يكدر خاطر كاتب التقرير إلا أن يظهر " الشباب الأصوليون في غزة
بأنهم القوة الوحيدة التي تستطيع عمل شيء بطولي في وجه إسرائيل! " حيث " إن
مظهرًا كهذا قد يؤجج حماسة الشباب في تلك الدول جميعًا! ! ".
وماذا بعد؟ !
عند ذلك يخرج المارد من قمقمه! ويهيج العملاق مخربًا ومثيرًا للفزع
والاضطراب في هذه الدول! ويدمر اقتصادها، وتندثر حضارتها! وتخسر ما بنته
الطبقات " المستنيرة " عبر المئة سنة الأخيرة ... الخ.
أرأينا كيف يبدو أعداء الله حريصين على مصلحة الدول الإسلامية؟ ! وهم
ما يفتأون منذ عرفتهم البشرية يزرعون الشر، ويقتلعون الفضيلة ويبشرون بالإثم
والعدوان؟ ! .
يا قوم:
إن الذي جعلكم تعترفون بالإسلام كواحد من الأديان العظيمة في العالم، بعد
أن أنفقتم كل فترات تاريخكم في حربه وحرب أهله - ولا تزالون -؛ لهو القادر
على أن يبدل (نظرتكم التجزيئية) إلى هذا الدين، ويجعلكم - أنتم ومن تتولونهم
ويتولونكم - ترغمون على الاعتراف بأن الإسلام هو الإسلام، دينًا يرفض الظلم
بجميع أشكاله وصوره، حيث كان، وأينما وجد، وعقيدة عملية تستعصي على
تفسيرات أعدائها، وشروح من يريدون تغييبها في التراب.
أهل مكة أدرى بشعابها
(١٦/١١/١٩٨٧)
أشاد شمعون بيريز وزير خارجية إسرائيل بفكرة المؤتمر الدولي، وانتقد
معارضيه في إسرائيل بسبب مخاوف لا مبرر لها بشأن جهود السلام في الشرق
الأوسط.
وقال بيريز - وهو يرد على أسئلة البرلمان الإسرائيلي-:
" العالم العربي يقترح مفاوضات مع إسرائيل تبدأ بمؤتمر دولي "، وقال:
إنه يجلس الآن ويضحك كيف أن إسرائيل نفسها منخرطة في تشدد متزايد لا داعي
له، ومخاوف لا مبرر لها من أضرار لاوجود لها! وضغوط لا يمكن أن تمارس
علينا ".
стр. 201
الصفحة الأخيرة
التحرير
(إن الأحوال في المخيم (مخيم جباليا) فظيعة أو غير إنسانية، وإهانة
للمبادئ الحضارية، أتحدى أي أحد يأتي إلى هنا ولا يصدم) .
(إذا بقي هذا المكان بالشكل الذي هو عليه؛ فإن ذلك سيكون إدانة لكيان
أنشىء على أساس قوة أخلاقية غاية في القوة) .
بهذه الكلمات القوية أدان وزير الدولة للشؤون الخارجية البريطاني (ديفيد ...
ميللر) الأوضاع التي يعيش فيها سكان المخيمات الفلسطينية في ظل الاحتلال الصهيوني، فقد زار مخيم (جباليا) في قطاع غزة ولم يصدق ما رأته عيناه! ولكن، هل الإنكليز صادقون عندما يتجهون بإدانتهم لإسرائيل، وهل ما يصدر عنهم يمثل رؤيتهم الأخلاقية للقضية برمتها؟
إن المستقرئ لأحداث التاريخ الحديث يصدم حين يرى سلوك هؤلاء يختلف
اختلافًا كليًا عما يقولونه جدًا أو هزلاً. وإذا كان كثير من العرب: رسميين وغير
رسميين، ستدغدغ عبارات (ميللر) عواطفهم، وسيهز الفرح والاستبشار مشاعرهم
طربًا لهذه العبارات العاطفية الصادقة التي تصدر عن ممثل الدولة التي زرعت
إسرائيل في الجسد العربي؛ فإن الأغلبية العربية التي تنطلق من مبدئية إسلامية
تزن الأمور بميزان الإسلام، وتقيس الكلام والشخصيات حسب ما توصيها به
عقيدتها ينبغي أن لا تقيم لهذا الكلام وزنًا، ولا ترجو من ورائه ثمرة، بل يحسن
بها أن تكون على حذر مما يكمن وراء أمثال هذه التصريحات، ولا تنخدع بمن
يعيشون على تسويق الأوهام التي يسمونها: حقوق الإنسان والمبادئ الحضارية،
والأخلاق!
أية حقوق؟ ! وأي إنسان؟ وأية حضارة؟ ! وأية أخلاق يدافع عنها هؤلاء؟!
هل هناك من شك في أنهم لا يفهمون من هذه الرموز إلا ما يريهم منها
بصرهم القاصر ورؤيتهم العنصرية المحدودة التي تجعلهم يتجاهلون معاناة شعب
كامل أصم صراخه سمع العالم، وينقل لهم مراسلوهم ليل نهار أحواله وأخباره، بل
أنفاسه! وهل كانوا يجهلون ماذا سيحل بشعب شردوه من أرضه، ليضعوها بين
يدي إخوانهم اليهود؛ وجهه إلى الأسلحة التي زودوا بها هؤلاء؛ وظهره إلى الحدود
التي أقاموها هم بخبث وخسة؟ ثم كيف يظن بعض الناس أن كلام المسؤول
البريطاني ربما يكون تكفيرًا عما اقترفته دولته إذا كان يقول بعظمة لسانه: (إن
هذا الكيان قد أنشىء على أساس قوة أخلاقية غاية في القوة) ؟ !
стр. 202
شعبان - ١٤٠٨هـ
أبريل - ١٩٨٨م
(السنة: ٢)
стр. 203
الافتتاحية
[كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله]
إن سيطرة اليهود على فلسطين، وما أصاب أهلها وما حواليها من البلاد من
ذل وتشريد وقهر نتيجة ظلم اليهود وأنصار اليهود.. كل ذلك هو محنة وابتلاء
للمسلمين، يبتلي الله به عباده بسبب تقصيرهم في الدفاع عن حرماتهم. وفي
الابتلاء يسقط قوم، وينجح آخرون، أما الذين يسقطون فهم الذين يكونون عوناً
للعدو في نشر فكره ومشابهة أخلاقه، ويكونون عيناً له على أبناء جلدتهم يبيعونهم
لقاء عرض من الدنيا قليل، ويتاجرون بدماء شعوبهم من أجل التمكين لأنفسهم. أما
النكاية بالعدو فآخر ما يفكرون فيه. ومن هؤلاء الذين يؤمنون بسياسة الأمر الواقع، ويدركهم التعب من طول الطريق ومشقة السير، فيطرحون الحلول التي يرضى
عنها الأعداء كي يظهروا أناساً واقعيين غير متعصبين.
وأما الذين ينجحون فهم الذين يعتبرون المحنة فرصة لتمييز الخبيث من
الطيب من النفوس، ويصبرون على البلاء دون تذمر أو عجلة، ويرجعون إلى
عقيدتهم ودينهم الذي يتفق مع منطق التاريخ وقوانين الصراع، ويرون أن وجود
اليهود في فلسطين - ولو استظهروا بكل قوى الكفر، شرقية وغربية - مخالف
لمنطق التاريخ وسننه الجارية.
لقد أراد اليهود وأنصارهم أن يقطعوا صلة المسلمين في فلسطين بربهم،
ووضوا من الخطحط للقضاء على هذا الشعب وتشتيته الشيء الكثير.. لكن إرادة
هؤلاء ليست مطلقة، حتى ولو ملكواما شاءوا من المال والسلاح؛ لأن الله وإن أمد
للظالم، فهو لا يتركه يتمادى بظلمه وجبروته إلى الأبد، ولأن
الباطل مهما علا وعربد وانتفش فإن الحق غالبه لا محالة.
لقد كانت - وما زالت - محنة رهيبة أن يصول اليهود ويجولوا في الأرض
التي بارك الله فيها، محنة لا لمن يستوطن هذه البقاع فقط، بل لكل مسلم على وجه
الأرض.
وكان هناك بدهية مستقرة عند أغلب المسلمين، وهي أن سيطرة اليهود على
فلسطين بمساعدة الغرب الصليبي ليست إلا مرحلة من مراحل الصراع الطويل بين
الإسلام من جهة، وبين الصليبية الغربية من جهة أخرى. وهذه السيطرة تحقق
عدة مكاسب، فهي تساعد على بناء قاعدة متقدمة للمستعمرين الأوربيين، وتكون
عامل إضعاف مستمر للقوى العربية الإسلامية بأيد غير صليبية، وإن كانت أمينة
على تطبيق القيم والمفاهيم الغربية. ولا غرابة في ذلك؛ فاليهودية والصليبية
تشتركان في عمق فكري واحد.
وكان في تغييب الإسلام عن التأثير في مجرى الأحداث - منذ أن اكتسح
الغرب الصليبي البلاد الإسلامية، وخصوصاً منها التي كانت واقعة ضمن الدولة
العثمانية - جناية كبرى على هذه البلاد وعلى شعوبها التي أريد أن تزدهر بينها كل
الدعوات ما عدا الإسلام، ونتنفس في أجوائها كافة البدع، واستثني الإسلام بكل
صلف وخسة، وطوردت كل دعوة صادقة للحفاظ عليه عقيدة للأمة، ووسيلة عملية
وهدفاً، لا مجرد تراث للتغني والمزايدة.
في مثل هذا الجو أصبح أعداء الإسلام وتلامذتهم الجهلة يرددون مقولات
كثيرة ليست إلا خيانة وتواطؤاً تلبس لباس التعالم والاستهزاء بعقول الناس مثل:
التفريق بين اليهودية والصهيونية.
القومية العربية طريق تحرير فلسطين.
الدولة العلمانية هي مطلب الفلسطينيين.
بناء المجتمع العربي الاشتراكي الموحد هو سبيل تحرير فلسطين.
نضال الطبقة العاملة هو سبيل التحرير.
إلى غير ذلك من الشعارات التي لا تكاد تحصى، والتي تتشعب في متاهات
لا تنتهي، ولا يجمعها إلا شيء واحد فقط هو الكيد للإسلام وأهله في هذه البلاد.
وفي ظل هذه الدعوات والشعارات وصل العرب إلى مستوى لا يحسدون
عليه، فتبددت طاقاتهم، وتفرقت كلمتهم وزالت هيبتهم.
ففي الوقت الذي سودت فيه آلاف الصحائف في الدعوة إلى الوحدة على
مستوى العالم العربي؛ كان داء الإقليمية يستشري ويمد جذوره عبر هذا العالم الذي
تعصف به الأهواء، وتتوزعه القوى الكبرى بعيداً عن رغبات شعوبه.
لكن على الرغم من كل هذا فإن هناك حقيقة تستعصي على التجاهل وهي أن
المحرك المركزي لهذه الشعوب هو الإسلام، وأنه العقيدة التي لا يورث القفز عنها
ومحاولة تجاوزها إلا الذل والضياع.
فقد غبر العرب زمناً يولون وجوههم قبل المشرق والمغرب، ولم يحصدوا
ممن استنصروا بهم إلا الخيبة والشماتة والبوار.
تشبثوا ببريطانيا فخذلتهم، وها هم يتمرغون على أعتاب وريثتها أمريكا،
والنتيجة ماثلة للعيان: ضياع للمقدرات، واستنزاف للطاقات، وصورة قاتمة عن
الإسلام وعن العرب ترسمها الصحافة اليهودية والصليبية المسيطرة في أوربا
وأمريكا.
ومنذ أواسط الخمسينيات اتجه العرب نحو روسيا الشيوعية، وحدثتهم أنفسهم
المضلَّلة بأن روسيا هذه ستنصفهم من الظلم الواقع عليهم من قِبل الغرب، بل إن
منهم من منَّى نفسه أن يهب الروس ليقاتلوا معه ذوداً عن حياض العرب بقنابلهم
النووية والهيدروجينية! مع أن هؤلاء الروس البلاشفة يعلمون حق العلم أن العرب
بوضعهم الحالي الضعيف - بعيداً عن عقيدة واضحة يتمسكون بها، وينافحون عنها
بصدق - لا يساوون أكثر من أجزاء لصفقة يحققون من ورائها نفوذاً على موائد
المساومات مع القوى الغربية.
لقد أدرك الناس ذلك بكل وضوح، وليس غريبًا أن يعبر أهل فلسطين عن
هذا الإدراك تعبيراً عملياً سمع به العالم كله. فقد وقع هذا الشعب ضحية القوى
الصليبية العالمية التي ظاهرت الصهيونية على سلبه حقوقه وتشريد أكثريته ... في الآفاق، ووقع مرة أخرى ضحية انخداعه بالوعود المعسولة، وكان يتغدى على الخطب، ويتعشى بالشعارات، وينام على حلم يداعب أجفانه بـ (صلاح
دين) آخر يأتي من الشرق، وبـ (قطز) جديد يأتي من الجنوب أو الغرب.
ولم يدر أن الذين وضع أمله فيهم لتحقيق هذا الحلم ليسوا من هذا الأمر في ... كثير ولا قليل.
فالأمر على زمان صلاح الدين وقطز كان أسهل! ولم تكن هناك حدود، وقانون
دولي، وهيئة أمم، ومجلس أمن ... ! عجباً! كيف ظن الفلسطينيون أن هناك من
يمكنه أن يتحدى ما يسمى (بالشرعية الدولية) ؟ ! .
لقد أدرك أهل فلسطين ذلك جيداً، فرأوا أن يبادروا الأمر بأنفسهم - وحسناً
فعلوا - فتركوا أمر الحسابات لأصحاب الحسابات، وحملوا عقيدتهم الإسلامية
يستلهمونها الثبات، وأعرضوا عمن سرقوا صبرهم داخل الحدود وخارجها من
شيوعيين وعلمانيين، وقرروا أن ينطلقوا من المسجد وأن يلجئوا إليه.
وهكذا تبدو لهذا الشعب عدة حقائق جديرة بالتوقف عندها:
فقد أدركوا أن المحرك الفعلي للجهاد والكفاح هو الإسلام، وأن الشيوعيين
الكذبة هم حلفاء اليهود، وقفوا معهم منذ البداية، ويرون في إسرائيل دولة وجدت
لتبقى.
وأن دعاة القومية العلمانيين هم صنائع للإنكليز، يكاد يقتلهم اللهاث وراء
الحلول الاستسلامية التي يعدهم بها أولياؤهم من الصليبيين.
وعلى الرغم مما يظهر من شعور بالهلع لدى من نصبوا أنفسهم متكلمين باسم
هذا الشعب؛ لأنهم وجدوا كل متاجرتهم السابقة لم تفد شيئاً، فتحركوا بنشاط
إعلامي واسع لاحتواء دوافع الانتفاضة، ومن ثم التأثير على توجيهها الوجهة التي
يريدون؛ فإن مما يبشر بالخير إدراك الشباب الفلسطيني المسلم إفلاس دعاة
العلمانية الذين فاجأتهم أحداث الضفة الغربية وغزة، فسارعوا وسط الحيرة يتدبرون
أمرهم ليطوقوا هذا الواقع الجديد.
ولكن.. هل يستمر حبل الأكاذيب إلى ما لا نهاية؟ !
يأبى الله ذلك ... ويأبى المؤمنون الذين يستمدون منه - وحده - العون والتسديد.
стр. 204
مجددون معاصرون
حفل عصرنا الحديث بكوكبة مباركة من المجددين الذين صدقوا ما عاهدوا الله
عليه، وثبتوا على الحق الذي آمنوا به ودعوا الناس إليه، وصبروا على كل نصب
ومخمصة.. ولهذا فلقد التف الناس حولهم، واستجابوا لمطالبهم النبيلة، ووثقوا بهم
أشد الثقة.. وإذا كان من المتعذر علينا فيما تبقى من هذا البحث تناول أسمائهم كلها
فلسوف يكون حديثنا قاصراً على الأسماء التالية:
- محمد رشيد رضا.
-عبد الحميد بن باديس.
-العربي بن بلقاسم التبسي.
- حسن البنا.
-سيد قطب.
-محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ.
- عبد العزيز بن باز.
- محمد ناصر الدين الألباني.
ونظن أن بعض قرائنا الكرام سوف يستغربون اختيارنا لهذه الأسماء، وربما
قالوا: لقد أوقعنا كُتَّاب هذه المجلة في حيرة فهم يتحدثون عن التزامهم منهج أهل
السنة والجماعة ثم يشيدون برجال بعضهم لم يلتزم في دعوته أصول هذا المنهج؟ !
وجوابنا على ذلك: إننا ننطلق من منهج أهل السنة والجماعة، وهو مقياسنا
في الحكم على الرجال، ومن خالف هذا المنهج سنقول له: أخطأت والصحيح
عكس ما قلته واجتهدته، والمجدد ليس معصوماً عن الخطأ، والخطأ في مسألة لا
يخرج المجتهد من إطار أهل السنة والجماعة إذا كان من الداعين له.. والذي نريده
من إخواننا القراء أن يمهلونا حتى ننتهي من كل ما نريد أن نقوله في هذا البحث،
والله الهادي إلى سواء السبيل.
عودة إلى الحديث عن رشيد رضا
ولد محمد رشيد رضا في ٢٧ جمادى الأولى سنة ١٢٨٢هـ في قرية ...
(القلمون) التي تبعد عن مدينة طرابلس الشام بنحو ثلاثة أميال، ودخل المدرسة الرشيدية في طرابلس ثم تركها بعد سنة ودخل المدرسة الوطنية ... ... الإسلامية، وتتلمذ على الشيخ حسين الجسر مدير المدرسة الذي كان له إلمام ... واسع بالعلوم العصرية، وكان في أول نشأته يميل إلى التصوف كما كان شديد الإعجاب بكتاب إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي.. ثم ظفر- على حد
قوله- بنسخة من جريدة العروة الوثقى في أوراق والده فأعجبته، وكتب إلى
جمال الدين الأفغاني الذي كان يقيم في الأستانة لكنه لم يجتمع به، ثم اجتمع ... بالشيخ محمد عبده أثناء زيارته لطرابلس الشام، ثم رحل إلى مصر في رجب ... سنة ١٣١٥هـ، الموافق سنة١٨٩٨ م، وفي العام نفسه أصدر مجلة المنار التي استمرت حتى سنة ١٣٥٤ هـ، الموافق عام ١٩٣٥م.
وكان عضواً في الحكومة السورية الأولى التي أقامها فيصل بن الحسين بعد
الحرب العالمية الأولى، فلما استولى الفرنسيون على سورية وسقطت هذه الحكومة
عاد إلى مصر، وأعاد إصدار مجلة المنار بعد توقفها.
مات أستاذه محمد عبده سنة ١٣٢٣ هـ، الموافق سنة١٩٠٥ م، وهذا يعني
أنه عاش في صحبته حوالي سبع سنين، واستمرت المنار ثلاثين عاماً بعد موت
محمد عبده، واستمر عطاء رشيد رضا الذي يكاد لا ينضب، وخلال هذه المرحلة
صلح حاله وأقبل على كتب السنة ينهل منها، ويعترف في مقدمة المنار بأنه خالف
منهج محمد عبده بعد وفاته:
(هذا وإنني لما استقللت بالعمل بعد وفاته خالفت منهجه رحمه الله تعالى
بالتوسع فيما يتعلق بالآية من السنة الصحيحة، سواء كان تفسيراً لها أو في حكمها، وفي تحقيق بعض المفردات أو الجمل اللغوية والمسائل الخلافية بين العلماء،
وفي الإكثار من شواهد الآيات في السور المختلفة، وفي بعض الاستطرادات
لتحقيق مسائل تشتد حاجة المسلمين إلى تحقيقها، بما يثبتهم بهداية دينهم في هذا
العصر، أو يقوي حجتهم على خصومهم من الكفار والمبتدعة..) .
كانت مجلة المنار سجلاً تاريخياً لأحداث العالم الإسلامي طيلة أكثر من ثلث
قرن، وكان رشيد رضا هو المنار بتحليلاتها السياسية، ودراساتها الشرعية..
ولهذا فلقد كان يواصل الليل مع النهار من أجل أن تخرج المنار في مطلع كل شهر.. والعجيب أنها كانت تخرج كثيفة المحتوى، كثيرة الفائدة، وكان بعيد النظر في تعليقاته ومواقفه، غزير المادة، كما كان أسلوبه قوياً متماسكاً.
قال شكيب أرسلان:
(ويطول العهد بعد الأستاذ الأكبر السيد رشيد - فسح الله في أجله - حتى
يقوم في العالم الإسلامي من يسد مسده في الإحاطة والرجاحة وسعة الفكر وسعة
الرواية معاً والجمع بين المعقول والمنقول والفتيا الصحيحة الطالعة كفلق الصبح في
النوازل، العصرية والتطبيق بين الشرع والأوضاع المحدثة مما لا شك أن الأستاذ
الأكبر فيه نسيج وحده انتهت إليه الرئاسة لا يدانيه فيه مدان مع الرسوخ العظيم في
اللغة والطبع الريان من العربية والقلم السيال بالفوائد في مثل نسق الفرائد والخبر
بطبائع العمران وأحوال المجتمع الإنساني ومناهج المدنية وأساليبها وأنواع الثقافات
وضروبها إلى المنطق السديد الذي لم يقارع به خصماً مهما علا كعبه إلا أفحمه
وألزمه ولا نازل قرناً كان يستطيل على الأقران إلا رماه بسكاته وألجمه.
وأجدر بمجموعة (المنار) أن تكون المعلمة الإسلامية الكبرى التي لا
يستغني مسلم في هذا العصر عن اقتنائها) [١] .
دعوة الشيخ رشيد:
نعيد للأذهان أننا نتحدث عن دعوة الشيخ رشيد رضا في المرحلة التي تلت
وفاة شيخه محمد عبده (١٩٠٥ - ١٩٣٥) ، ونلخص أهم ما دعا إليه في النقاط
التالية:
١- كان ملتزماً بمنهج أهل السنة والجماعة، وكان يحرص على أخذ أدلته من
الكتاب والسنة، ويهتم بتخريج الأحاديث، ومعرفة الصحيح من الضعيف أو
الموضوع، وانتهج مذهب السلف في الأسماء والصفات.
٢ - من أهم ما دعا إليه نبذ التقليد، والتحذير من البدع والخرافات، والتنديد
بمناهج الصوفيين وبيان ما وقعوا فيه من انحرافات وضلالات. وموقف رجال
عصره من البدع والتقليد يختلف عن موقف رجال وعلماء عصرنا.
لقد عاصر ﵀ هيمنة أصحاب البدع والخرافات على شئون العالم
الإسلامي ومقدراته، فالسلطان عبد الحميد كان صوفياً نقشبندياً، وبقربه قبع أبو
الهدى الصيادي يأمر وينهى مدة لا تقل عن ثلاثين عاماً وكان يوغر صدر السلطان
عبد الحميد ضد كل جديد ومجدد.. وكان اسم وظيفته الرسمية مشيخة المشايخ أو
شيخ مشايخ الطرق الصوفية ونقيب الأشراف.
وفي مصر خاض السيد رشيد معركة حامية الوطيس ضد الخرافيين.
والمبتدعين.. وردوا من جهتهم له الصاع صاعين، وحاولوا تشويه سمعته،
وبالغوا في الإساءة إليه، ولا نعدو الحقيقة إذا قلنا: كان رشيد رضا أول داعية في
العصر الحديث يتصدى للمبتدعين والخرافيين، وكان ينطلق في مواجهتهم من
التزامه بمنهج أهل السنة والجماعة.
٣ - كان بارعاً في ربطه بين التصورات والمفاهيم الإسلامية، وبين واقع
العصر وذلك لأنه كان من العلماء المعدودين في عصره، وكان باعه طويلاً في
العقائد والتفسير والحديث والفقه والأصول وعلوم اللغة العربية، والعلوم الاجتماعية كما كان إلمامه بمشكلات العصر جيداً وذلك بسبب أسفاره ومخالطته لعدد من
علماء الغرب وفلاسفتههم، وكان يعرف أفكارهم وطروحاتهم، وله ردود جيدة
عليهم في كتابه (الوحي المحمدي) وفي مجلة المنار.
٤ - وكما قلنا في العدد الماضي كان داعية من دعاة الإصلاح، لقد هاجم
الترف والإسراف، وحذر من الجهل والتخلف والخوف من الظالمين، ونادى
بالشورى وندد بالاستبداد والمستبدين، ودعا علماء الأمة إلى القيام بواجبهم في
الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
مآخذنا عليه:
١- ذكر في كتابه (تاريخ الإمام) العجب العجاب عن جمال الدين الأفغاني
وعن محمد عبده.
- ذكر انتسابهما للمحفل الماسوني، وذكر في الجزء الثاني مفاوضات محمد
عبده مع القسيس الإنجليزي إسحاق تيلور، وفي الجزء الأول ذكر اشتراك اليهود
في هذه المفاوضات التي كان هدفها توحيد الأديان، والتقريب بين الإسلام
والنصرانية! !
- وذكر حوار محمد عبده مع عباس ميرزا أحد زعماء البهائيين ونبهه - أي
رشيد رضا - إلى انحرافات البهائيين فأجاب تلميذه لم أفهم من عباس أفندي شيئاً
من هذا! !
- وكان ملتصقاً بمحمد عبده ويعرف صلته بحزب الأمة واللورد كرومر،
والجاسوس الإنجليزي الخطير (ولفرد بلنت) ، ويعرف أيضاً تردد شيخه على
صالون الأميرة نازلي داعية التبرج والسفور.. كان رشيد رضا يعرف كثيراً عن
انحرافات محمد عبده ومع ذلك قال في ثنائه عليه:
(وإنني وايم الحق لم أطلع له على عمل إلا الحقيق بلقب المثل الأعلى من
ورثة الأنبياء..، وقال أيضاً: إن هذا الرجل أكمل من عرفت من البشر ديناً وأدباً
ونفساً وعقلاً وخلقاً وعملاً وصدقاً وإخلاصاً، وإن من مناقبه ما ليس له فيه ند ولا
ضريب، وإنه لهو السري الأحوذي العبقري) [٢] .
ولا ندري هل هذا رأي رشيد رضا الحقيقي بشيخه رغم أخطائه الفادحة التي
تتعارض مع المنهج الذي كان يتبناه ويدافع عنه ويشن حملات عنيفة ضد مخالفيه
من المبتدعين المقلدين ... أم أن المجاملة حالت بينه وبين الاعتراف بالحق؟ !
٢ - بقيت بصمات محمد عبده ظاهرة فيما كان يكتبه رشيد رضا بعد وفاة
الأول، ومن الأمثلة على ذلك تأويله لمعجزة انشقاق القمر رغم تخريج البخاري
ومسلم لها، وتضعيف كثير من الأحاديث التي لا تتفق مع آراء أصحاب المدرسة
الإصلاحية كما أنه صحح بعض الأحاديث الضعيفة التي تتفق مع أفكاره التي كان
ينادي بها [٣] . لكنه مع ذلك لم يتخلى عن منهج أهل السنة وكما يقولون: لكل
جواد كبوة ولكل صارم نبوة.
٣ - لم يكن موقف رشيد رضا من الدولة العثمانية سليماً، ومن آثار هذا
الموقف المؤسف قبوله الاشتراك في أول حكومة سورية بعد الحرب العالمية الأولى،
وأهداف هذه الحكومة لم تكن خافية على أمثال رشيد رضا، بل وكثير من
رجالات هذه الحكومة معروفة انتماءاتهم العالمية المشبوهة.
ولو أن رشيد رضا وقف عند حد نقد سياسة السلطان عبد الحميد وإطلاقه
لأيدي الخرافيين والمستبدين، أو أنه وقف عند حد نقد رجالات الاتحاد والترقي لما
وجدنا في هذا أو ذاك غلواً منه، ولكن موقفه تجاوز هذا الحد ولم يكن صائباً في
موقفه، وكان المنتظر منه غير ذلك لطول باعه في معرفة أحوال العصر، ولا
ندري إلى متى يستمر جهل كثير من العلماء بالسياسة؟ وإن كان موقف رشيد رضا
هنا ليس ناتجاً عن الجهل.
لماذا بدأنا برشيد رضا؟ :
يبقى الشيخ رشيد رضا رغم أخطائه عالمًا كبيراً من كبار علماء أهل السنة،
ومن يتحدث عن التجديد في العصر الحديث لا بد أن يذكر مجلة المنار وصاحبها إذا
كان جاداً ومنصفاً في بحثه. ولقد تأثر به علماء كبار مشهود لهم بالفضل والخير
والعدل. نذكر منهم الآتية أسماؤهم.
١- أسندت رئاسة تحرير مجلة المنار بعد وفاة رشيد رضا إلى العلامة السلفي
الشيخ محمد بهجت البيطار أحد كبار علماء بلاد الشام، وذلك بسبب الروابط القوية
التي كانت تربطه بمؤسسها، ولأنه خير من يخلفه في هذه المهمة، وقد أشاد الشيخ
بهجت برشيد رضا ومنهجه في تقريظ له لكتاب الوحي المحمدي وفيما كتبه في
المنار.
٢ - قال العلامة المحدث الشيخ محمد ناصر الدين الألبإني: (السيد محمد
رشيد رضا، ﵀ له فضل كبير على العالم الإسلامي، بصورة عامة، وعلى
السلفيين منهم بصورة خاصة، ويعود ذلك إلى كونه من الدعاة النادرين الذين نشروا
المنهج السلفي في سائر أنحاء العالم بوساطة مجلته المنار،.. ويقول أيضاً: فإذا
كان من الحق أن يعترف أهل الفضل بالفضل، لذوي الفضل، فأجد نفسي بهذه
المناسبة الطيبة مسجلاً هذه الكلمة، ليطلع عليها من بلغته، فإنني بفضل الله عز
وجل، بما أنا فيه من الاتجاه إلى السلفية أولاً وإلى تمييز الأحاديث الضعيفة
والصحيحة ثانياً يعود الفضل الأول في ذلك إلى السيد رضا ﵀ عن طريق
أعداد مجلته المنار التي وقفت عليها في أول اشتغالي بطلب العلم) [٤] .
٣ - أسندت رئاسة تحرير المنار بعد توقف دام ثلاث سنوات إلى الشيخ حسن
البنا ﵀، ويقول الأستاذ محمود عبد الحليم: (لم يكن الشيخ حسن البنا غريباً
على أسرة الشيخ رشيد فقد كان على صلة بالشيخ منذ كان طالباً بدار العلوم وكانت
دار مجلة المنار ملتقاه بأكثر من التقى بهم من رجالات الحركة الإسلامية في ذلك
العهد، واتخذت أكثر القرارات في مواجهة المؤامرات ضد الإسلام في هذه الدار
وظل الأستاذ حسن البنا على اتصال بالشيخ رشيد بعد قيام دعوة الإخوان،
وكان يستشيره في كثير من الأمور) [٥] .
وكتب الأستاذ البنا يقول: (وقد عز على الإخوان أن يخبو ضوء هذا السراج
المشرق بالعلم والمعرفة من اقتباس الإسلام الحنيف، فاعتزموا أن يتعاونوا مع
ورثة السيد ﵀ على إصدار المنار من جديد، وقد تم الاتفاق على ذلك وصدر
العدد الخامس من السنة الخامسة والثلاثين في غرة جمادى الآخر سنة ١٣٥٨
الموافق ١٨ يوليو سنة ١٩٣٩: أي قبل نشوب الحرب العالمية الثانية بعدة أشهر،
وتلاه خمسة أعداد أخرى تمت بها السنة الخامسة والثلاثون من المجلة..) .
ومما كتبه شيخ الجامع الأزهر محمد مصطفى المراغى في افتتاحية العدد
الخامس:
(والآن وقد علمت أن الأستاذ حسن البنا يريد أن يبعث المنار ويعيد سيرته
الأولى فسرني هذا فإن الأستاذ البنا رجل مسلم غيور على دينه، يفهم الوسط الذي
يعيش فيه، ويعرف مواع الداء في جسم الأمة الإسلامية ويفقه أسرار الإسلام، وقد
اتصل بالناس. اتصالاً وثيقاً على اختلاف طبقاتهم وشغل نفسه بالإصلاح الديني
والاجتماعي على الطريقة التي كان يرضاها سلف هذه الأمة، وبعد فإني أرجو
الأستاذ البنا أن يسير على سيرة السيد رشيد رضا، وأن يلازمه التوفيق كما
صاحب السيد رشيد رضا، والله هو المعين، عليه نتوكل وبه نستعين) [٦] .
٤ - تعتبر جمعية العلماء في الجزائر، امتداداً لدعوة رشيد رضا في مصر
وبلاد الشام، فرئيس الجمعية ونائبها - في عهد ابن باديس - البشير الإبراهيمي،
قال: إن جمعية العلماء مدينة بالكثير لرشيد رضا ومجلته المنار، وكان قد التقى به
في دمشق خلال إقامته فيها (١٩١٦-١٩٢٠) [٧] ... ويستعيد الإبراهيمي ذكرياته
مع ابن باديس فيقول:
(ولا أنسى مجلساً كنا فيه على ربوة من جبل قاسيون في زيارة من زياراته
لي، وكنا في حالة حزن لموت الشيخ (رشيد رضا) قبل أسبوع من ذلك اليوم،
فذكرنا تفسير المنار، وأسفنا لانقطاعه بموت صاحبه فقلت له. ليس لإكماله إلا
أنت، فقال لي: ليس لإكماله إلا أنت، فقلت له: حتى يكون لي علم رشيد، وسعة
رشيد، ومكتبة رشيد، ومكاتب القاهرة المفتوحة في وجه رشيد. فقال لي
واثقاً مؤكداً: إننا لو تعاونا وتفرغنا للعمل لأخرجنا للأمة تفسيراً يغطى على التفاسير
من غير احتياج إلى ما ذكرت) [٨] .
ومن خلال رسائله الشخصية التي كان يرسلها لصديقه شكيب أرسلان، والتي
جمعها الأخير في كتاب أسماه (السيد رشيد رضا أو إخاء أربعين سنة) نعلم متانة
الروابط التي تربط رشيد رضا مع علماء وقادة المغرب العربي كله.
٥- تصدى رشيد رضا للدعاية المناوئة لعلماء نجد، وكان يطلق عليهم في
رسائله إلى شكيب أرسلان الوهابية، وعندما انتشرت الأراجيف ضدهم بعد افتتاح
الطائف وزع ألوفاً من رسالة (الهدية السنية والتحفة النجدية) ونشر مقالات في
الدفاع عنهم والرد على خصومهم، وقد قال له شيخ الأزهر أمام ملأمن العلماء:
(جزاك الله خيراً بما أزلت عن الناس من الغمة في أمر الوهابية) [٩] . ...
واستمرت صلات رشيد رضا مع علماء نجد وزعمائها إلى أن لقى وجه ربه ولقد
كانت موتته بينهم.. وكانت له مثل هذه الصلات مع السلفيين في مختلف بلدان
العالم الإسلامي.
٦ - وعندما أصدر علي عبد الرازق كتابه (الإسلام وأصول الحكم) الذي
تحمس له العلمانيون أشد التحمس، كان الكاتب يرد في بعض ما كتبه على رشيد
رضا في كتابه (الخلافة أو الإمامة العظمى) الذي نشره في المنار قبل إلغاء
أتاتورك للخلافة، وبيت القصيد أن العلمانيين كان يمثلهم علي عبد الرازق
والإسلاميين كان يمثلهم رشيد رضا.
٧ - بعد وفاته أقيمت له حفلات تأبين [١٠] في كل من مصر، وتونس،
وبغداد، ودمشق، وتبارى عدد من علماء الأمة وزعمائها في هذه البلدان في إلقاء
الكلمات التي عددوا فيها مآثر الفقيد.. وفي هذا كله دليل على علو مكانته، وتقدير
الناس لدوره القيادي الذي استمر حوالي أربعين سنة.
ولهذا ففي حديثنا عن المجددين المعاصرين بدأنا برشيد رضا، لأن الذين
سنذكرهم استفادوا منه، ولأنه كان ملتزماً بمنهج أهل السنة ومن أراد العودة إلى
مؤلفاته فعليه أن يتذكر غلطاته التي أشرنا إليها (مآخذنا عليه) ونسأل الله أن يغفر
له ويرحمه.
стр. 205
زيادات أبي الحسن القطان
على سنن ابن ماجه
د. مسفر بن غرم الله الدميني
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن
سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا
إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد.
فقد حفظ الله لنا الدين وأتم علينا النعمة ورضي لنا الإسلام ديناً، ومن مظاهر
ذلك الحفظ ما قام به علماء الأمة من السلف الصالح - حيث اعتنوا بحديث رسول
الله- ﷺ حفظاً وتدويناً ونشراً له وتعليماً، فمنهم من اعتنى
بالصحيح فأفرده - كالبخاري ومسلم - ومنهم من ضم إليهما دونه - كأصحاب
السنن والمسانيد - ومن هؤلاء الأئمة: أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني الشهير
بابن ماجه، مصنف كتاب (السنن) الذي عده العلماء رابع السنن الأربع وسادس
الكتب الستة.
وقد روى عنه كتاب السنن هذا عدد من العلماء منهم:
- أبو الحسن القطان.
-وسليمان بن يزيد القزويني.
-وأبو جعفر محمد بن عيسى المطوعي الأبهري.
ويبدو أن الروايات غير رواية (أبي الحسن) قد انقطعت، فلم يبق متنها
سوى رواية أبي الحسن القطان هذه، وهي التي اعتمدها الأستاذ محمد فؤاد عبد
الباقي عند طبعه وترقيمه للكتاب، واعتمدها الدكتور محمد مصطفى الأعظمي عند
طبعه وفهرسته أيضاً للسنن.
وأبو الحسن هو: علي بن إبراهيم بن سلمة بن بحر القزويني، القطان
(٢٥٤ - ٣٤٥هـ) أحد الأئمة الأعلام الحفاظ، فقد جاء في ترجمته أنه كان يحفظ
مائة ألف حديث، وقال عنه الذهبي. الإمام الحافظ القدوة شيخ الإسلام ... عالم
قزوين.. جمع وصنف وتفنن في العلوم وثابر على القرب ... .
ولما كان رحمه الله تعالى في هذه المنزلة العالية من العلم والحفظ، وكان ممن
سمع من أبي عبد الله بن ماجه سننه، ومن طريقه - اليوم فقط -يتصل الإسناد؛
فإنه عند روايته سنن ابن ماجه لطلابه ربما كان عنده للحديث الذي يرويه لهم من
السنن إسناد آخر عال من غير طريق ابن ماجه يلتقي معه في شيخه أو من دونه،
فتراه يسوق إسناده العالي عقب روايته لحديث ابن ماجه، وهنا يروي الراوي عنه
تلك الزيادات مضمومة إلى أحاديث السنن نفسها، وهذا منه - رحمه الله تعالى -
يشبه عمل أصحاب المستخرجات، وربما زاد حديثاً مستقلاً بإسناده ومتنه -وهذا
قليل -بلفظ حديث ابن ماجه أو بنحوه.
ويجد المطالع للسنن تلك الزيادات بنوعيها مصدرة بقوله: قال أبو الحسن،
أو: قال القطان، أو قال أبو الحسن بن سلمة، أو: قال أبو الحسن القطان.
والذي دفعني إلى كتابة هذه الأسطر ما صنعه الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي،
والدكتور محمد مصطفى الأعظمي عند طبع كل منهما للكتاب، فأما الأول منهما فقد
جعل للأحاديث التي ساقها أبو الحسن بن سلمة بأسانيدها ومتونها أرقاماً مسلسلة مع
أحاديث السنن، فيحسبها الناظر من أحاديث سنن ابن ماجه جاءت في صورة
التعليق، أما الأحاديث التي ساق أبو الحسن أسانيدها وأحال على أحاديث ابن ماجه
المتقدمة لها في متونها فلم يجعل لها أرقاماً مستقلة مسلسلة، بل ذكرها عقب أحاديث
السنن، لكنه بدأ بكل زيادة سطراً جديداً.
أما الدكتور الأعظمي فجعل لكل زيادة- سواء تحمل إسناداً ومتناً معاً، أو
إسناداً مع الإحالة على متن ابن ماجه -رقماً مسلسلاً مع أحاديث السنن دون تفريق
في نوع الحرف أو إشارة في الحاشية، ولم يشر إلى ذلك إلا إشارة عابرة هي قوله
في المقدمة:
( ... وعدد أحاديثه أربعة الآف وثلاثمائة وسبعة وتسعون حديثاً بما فيها من
زيادات القطان.) . وعملهما هذا - غفر الله لهما - يوهم بعض طلاب العلم أن
الجميع من سنن ابن ماجه، وأن تلك الزيادات من معلقات ابن ماجه عن أبي الحسن
القطان، بينما الأمر خلاف ذلك، فأبو الحسن القطان تلميذ ابن ماجه، وراوية سننه
وليس شيخه، وتلك الأحاديث الواردة في صورة التعليق من زيادات أبي الحسن
القطان على كتاب شيخه ابن ماجه، ثم إنها ليست معلقة بل مسندة له، فربما ... التقى مع شيخه أثناء الإسناد وربما استقل بحديث تام بإسناده ومتنه.
ولما كانت زيادات أبي الحسن القطان هذه مدرجة مع أحاديث سنن ابن ماجه
- كما قدمنا- بل إنها قد تأخذ رقماً مسلسلاً مع تلك الأحاديث، مما يوهم بعض
طلاب العلم أنها من السنن لذلك رأيت أن أفردها بالذكر ليتنبه إليها من لا علم له ... بها، ولتكون عند العارف بها مجموعة مستقلة، مرتبة حسب ورودها في السنن، وقد سلكت في إيراد هذه الزيادات حال كل نوع منها، فإن كانت الزيادة حديثاً كاملاً بإسناده ومتنه اكتفيت بنقله تاماً، وإن كانت الزيادة كالحديث المستخرج - بحيث يلتقي أبو الحسن بن سلمة مع شيخه ابن ماجه أثناء الإسناد مع علو بدرجة أو أكثر - ثم يحيل على المتن الذي ذكره ابن ماجه قائلاً: بنحوه، أو. مثله، فإني أنقل أولاً حديث ابن ماجه بإسناده ومتنه ثم أتبعه زيادة أبي الحسن، وذلك ليعرف القارئ موضع الالتقاء مع شيخه، وليعرف أيضاً متن ابن ماجه الذي أحال عليه، ولكني سأكتفي -في هذا المقال- بإيراد الأحاديث التي جعل لها الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي أرقاماً مسلسلة مع أحاديث سنن ابن ماجه، وذلك لأنها زيادات مستقلة مشتملة على إسناد الحديث ومتنه، ثم أذكر أرقام الأحاديث التي استخرج عليها أبو الحسن زياداته تلك، علماً بأن في النسخة المخطوطة التي اعتمدها الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي من الأحاديث والزيادات ما ليس في النسخة التي اعتمدها الدكتور محمد مصطفى الأعظمي، وكذلك العكس، وسيجد القارئ قائمة تحوي أرقام الأحاديث المشتملة على الزيادات مقارنة ليسهل الرجوع إليها، ولتعرف الزيادات في كل طبعة.
أولاً: الأحاديث الزائدة:
٣٢١ -قال أبو الحسن بن سلمة: وحدثناه أبو سعد عمير بن مرداس الدونقي، ثنا عبد الرحمن بن إبراهيم أبو يحيى البصري، ثنا ابن لهيعة عن أبي الزبير عن
جابر أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: إن رسول الله- ﷺ نهاني
أن أشرب قائماً، وأن أبول مستقبل القبلة (١: ١١٦) .
٤٥١ -قال القطان: حدثنا أبو حاتم، ثنا عبد المؤمن بن علي، ثنا عبد
السلام بن حرب، عن هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة قالت: قال رسول
الله- ﷺ : «ويل للأعقاب من النار» (١: ١٥٤) .
٥٩٦- قال أبو الحسن: وثنا أبو حاتم، ثنا هشام بن عمار، ثنا إسماعيل بن
عياش، ثنا موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، قال رسول الله -صلى الله
عليه وسلم: «لا يقرأ الجنب والحائض شيئاً من القرآن» (١: ١٩٦) .
ثانياً:
أرقام الأحاديث التي استخرج عليها أبو الحسن القطان زياداته على السنن،
وذلك بذكر رقم الحديث في طبعة عبد الباقي والرقم الذي يقابله في طبعة الأعظمى:
رقم الحديث المشتمل على الزيادة ... رقم الحديث الذي يقابله في
في طبعة عبد الباقي ... ... ... طبعة الأعظمي
----------------------------------------------
٢٢ ٠٠
٨٤ ٧٣
٠٠ ٢١٣
٢٤٤ ٢١٧
٢٤٤ ٢١٨
٢٥٢ ٢٢٧
٢٥٦ ٢٣٢
٢٥٧ ٠٠
٢٦١ ٢٥٦
٠٠ ٢٥٧
٢٨٤ ٢٨٢
٢٩٩ ٢٩٩
٣٠٠ ٣٠١
٣٢١ ٣٢٥
٣٢٣ ٣٢٨
٣٢٤ ٠٠
٣٢٦ ٣٣٢
٣٤٦ ٣٥٥
٣٥٠ ٣٦٠
٣٥٦ ٣٦٧
٣٥٨ ٣٧٠
٣٧٤ ٣٨٧
٣٨٨ ٤٠٣
٤٠٠ ٤١٦
٤٠٢ ٤١٩
٤١٣ ٤٣١
٤٤٦ ٤٦٤
٤٥١ ٠٠
٢٦٢ ٤٨٠
٤٦٩ ٤٨٨
٥١٨ ٥٤٠
٥٢٥ ٠٠
٥٩٦ ٠٠
٦٥٧ ٦٢٤
٦٧٥ ٠٠
١٣٠٣ ١٢٩٦
وقد جعلت هذه الزيادات بنصوصها ومواضعها مع ترجمة لابن ماجه وأبي
الحسن القطان في رسالة لطيفة أسميتها (زيادات أبي الحسن القطان على سنن ابن
ماجه) أرجو أن تطبع قريباً. وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 206
خواطر في الدعوة
ولكن أصحابه لم يقوموا به !
محمد العبدة
يروى عن الإمام الشافعي أنه قال في (الليث بن سعد) : (هو أفقه من مالك
ولكن أصحابه لم يقوموا به) ومقصود الشافعي ﵀ أن أصحاب مالك نشطوا في نشر فقهه وعلمه، وسُمع به في الآفاق، ولم ينشط تلامذة الإمام الليث بن سعد لمثل ذلك. ونحن إذا استبعدنا عامل الحسد والمنافسة من معاصري هذا الإمام فقد يكون السبب في ذلك هو غفلتهم عن تقدير مكانة شيخهم أو إهمالاً وضعفاً منهم في نشر آرائه العلمية، وقد يكون للحسد دور أحياناً في إهمال الرجال وعدم الاستفادة منهم، ولكن يبقى مرض الإهمال والغفلة من الأمراض المستحكمة خاصة إذا غلف بغلاف من سوء الفهم للنصوص التي وردت بذم المداحين، ولا يذكرون النصوص الأخرى التي تشعر المسلمين وتنبههم إلى أهمية بعض الصحابة ومكانتهم العلمية أو القيادية حتى لا يقع الإهمال عن حسن نية.
إن الإعلاء من شأن أهل الحق عدا عن أن فيه إزراء وغضاً من مكانة أهل
الباطل، حتى لا يرفع لهم ذكر ولا يقتدى بهم، فهو كذلك مما يشجع الناس على
الالتفاف والاستفادة من الدعاة والعلماء الذين ينتصبون أمثلة للمنهج السوي، كما
كانوا يقولون. (إذا رأيت أحداً يكره مالك بن أنس فاعلم أنه مبتدع) .. والجيل
الذي لا يستفيد من الذين سبقوه ويبني علىما بنوا، ولا يقدر العلماء والنابهين،
سيكون مآل أمره إلى الفشل لأنه سيعود في كل مرة إلى نقطة الصفر، ويعود إلى
الأخطاء ذاتها، وتتكرر تجارب الفشل والنجاح، وقد تبتلى الأمة أحياناً بأمثال
الحجاج بن يوسف الذي آذى الصحابي الجليل أنس بن مالك فكتب إليه الخليفة عبد
الملك موبخاً: (والله لو أن اليهود والنصارى رأت رجلاً يخدم عزير بن عزرا،
وعيسى بن مريم لعظمته وشرفته وكرامته، بل لو رأوا من خدم حمار العزير أو
خدم حواري المسيح لعظموه وأكرموه) .
وعندما أنكر الشيخ أبو محمد العز بن عبد السلام على ملك دمشق ما عزم
عليه من الصلح مع الصليبيين، أخذ وسجن، ثم حمله الملك معه عندما ذهب
لتوقيع هذا الصلح، ووضعه في خيمة انفرادية، وكأنه أراد أن يدلل على (حسن
النوايا) فقال للمفاوضين: هذا الشيخ أنكر علي الصلح معكم فكان جوابهم: لو عندنا
مثل هذا الشيخ لغسلنا قدميه وشربنا غسالتهما.
ونحن لا نطلب الغلو في الرجال كما يفعل النصارى، فهذا من أبعد الأشياء
عن الإسلام، ولكن لا يجوز لنا أن نغمطهم حقهم، أو أن نطمس ذكرهم بكل ما
أوتينا من الوسائل وعن غفلة وحسن نية أحياناً.
ونحن نرى بأعيننا مصداق ما قاله عبد الملك بن مروان وما يفعله الأوربيون
الآن بعظمائهم أو بكل من أسهم في نهضتهم، ولا ينسون أحداً منهم، ولو كان عمله
قليلاً، وهذا يذكرني بإهمال المجلات والصحف عندنا لذكر كبار علمائنا، فعندما
توفي الشيخ محمد الأمين الشنقيطي لم تذكره إلا صحيفة واحدة، وفي زاوية صغيرة
من صفحاتها، وهؤلاء العلماء والدعاة لا يضيرهم عند الله أن يذكرهم الناس أو لا
يذكرونهم، ولكن أليس من حقهم علينا أن نستفيد منهم، وإذا لم نفعل هذا وبخسنا
الناس أشياءهم، أليس في ذلك ظلم لنا ولهم؟ ! ..
стр. 207
البدعة وأثرها في
الانحراف في الاعتقاد
الشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع
الحمد لله حمداً كثيراً كما هو أهله، وكما ينبغي لكمال وجهه، والصلاة على
رسوله الهادي إلى صراطه المستقيم بالحكمة والبصيرة، صلى الله عليه وعلى آله
وأصحابه ومن اقتفى أثره واستن بسنته وسلك سبيله إلى يوم الدين، وبعد.
إن الله بفضله ورحمته وشمول رعايته خلقه قضى بإنقاذ عباده من مكايد
الشيطان ومخططاته، فأرسل رسوله محمداً ﷺ على فترة من
الرسل وبعد أن تحولت الديانات السماوية بفعل الأحبار والرهبان إلى ديانات
ممسوخة يمجها العقل وتأباها الفطر السليمة سواءً ما كان منها متعلقاً بعلاقة العبد
بربه أو ما كان متعلقاً بعلاقة العباد مع بعضهم، فجاء ﷺ
رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً وسراجاً منيراً ورسولاً عاماً للثقلين الجن والإنس،
مؤيداً بكتاب كريم من رب رحيم، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فيه
العظة والعبرة، وفيه الحكمة والموعظة، وفيه الوعد والوعيد، والترغيب
والترهيب، وفيه التشريع الضامن لأحسن علاقة بين العبد وبين ربه، وبين العباد
فيما بينهم، ضمن لهم الحفاظ على كامل الحقوق الأساسية - الدين والنفس والعقل
والمال والعرض - وعلى كامل ما تفرع عنها مما يعود عليها بالكمال ورفع ... الحرج.
جاء ﷺ -كماوصفه ربه: [لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ
عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ] [التوبة: ١٢٨] ، فبلغ -
ﷺ رسالة ربه وأمانة من أرسله، ونصح -صلى الله عليه
وسلم- للأمة النصح الكامل، ما من خير إلا دل الأمة عليه وما من شر إلا حذرها
منه، فانقاد لدعوته ﷺ صفوة مختارة من عباد الله، آمنوا بالله،
وأخلصوا دينهم لله وجاهدوا مع رسول الله حق الجهاد مضحين في سبيل الله
بأموالهم وديارهم وأهليهم، حتى دخل الناس في دين الله أفواجاً، وحطم -صلى الله
عليه وسلم- الأصنام التي حول الكعبة وهو يقول [وقُلْ جَاءَ الحَقُّ وزَهَقَ البَاطِلُ
إنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً] [الإسراء: ٨١] .
وكان ﷺ مدركاً أن الشيطان حريص على نقض ما أبرمه -
ﷺ من وحدة إسلامية ترجع في حياتها وفي تكييف علاقاتها إلى
كتاب الله وإلى سنة رسول الله، وأن مداخل الشيطان على عباد الله مختلفة ومتنوعة،
فمن كان إيمانه ضعيفاً انقض عليه بخيله ورجله في التشكيك وطرح الشبهات في
أصول الإيمان وفروعه حتى يرتد عن دين الله بالكفر والإلحاد والزندقة. وإن كان
إيمانه قوياً لا مدخل عليه في التشكيك والزعزعة دخل عليه من باب الابتداع ومن
باب الغلو في الدين وأتباعه كما هي حاله لعنه الله مع الأحبار والرهبان من اليهود
والنصارى حيث انقادوا لوساوس الشيطان ومكايده وضلالالته، فحرفوا كتب الله،
وغيروا مقتضيات شرعه، حتى صارت ديانات ممسوخة ليس لها عند الله القبول،
قال تعالى: [ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ
الخَاسِرِينَ] لقد كان رسول الله ﷺ مدركاً طرق غواية الشيطان
وإضلاله فركز ﷺ لحماية هذا الدين على أمرين: أحدهما:
التحذير من الغلو والإفراط في الدين ومجاوزة الحد في المدح والثناء إذا كان ... ذلك لغير الله، ففي الصحيحين عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: إن رسول الله- ﷺ قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله» .
وعن ابن عباس ﵄ قال: إن رسول الله- ﷺ
قال: «إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو» رواه الإمام أحمد والترمذي
وابن ماجه.
ولمسلم عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله-صلى الله عليه
وسلم-: «هلك المتنطعون» قالها ثلاثاً. وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله
عنها أن أم سلمة ذكرت لرسول الله- ﷺ -كنيسة رأتها بأرض
الحبشة وما فيها من الصور، فقال: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد
الصالح بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصورة، أولئك شرار الخلق عند
الله» .
ولهما عنها قالت: لما نزل برسول الله- ﷺ طفق يطرح
خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها فقال وهو كذلك: «لعنة الله على
اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» - يحذر ما صنعوا - ولولا ذلك
لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً.
ولمسلم عن جندب بن عبد الله ﵁ قال: سمعت رسول الله-صلى
الله عليه وسلم-يقول: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد،
ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك» .
وعن ابن عباس ﵄ قال: إن رجلاً قال للنبي -صلى الله عليه
وسلم-: ما شاء الله وشئت، قال. «أجعلتني لله نداً قل ما شاء الله وحده» . رواه
النسائى وابن ماجه.
ولأبي داود عن جبير بن مطعم ﵁ قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله نهكت الأنفس وجاع العيال وهلكت الأموال فاستسق لنا ربك فإنا نستشفع بالله عليك وبك على الله. ... فقال النبي ﷺ : «سبحان الله سبحان الله، فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه ثم قال: ويحك أتدري ما الله؟ إن شأن الله ... أعظم من ذلك، إنه لا يستشفع بالله على أحد» .
ولأبي داود بسند جيد عن عبد الله بن الشخير ﵁ قال: انطلقت
مع وفد بني عامر إلى رسول الله- ﷺ -فقلنا: أنت سيدنا. فقال:
«السيد الله ﵎» . فقلنا: وأفضلنا فضلاً وأعظمنا طولاً. فقال:
«قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستجرينكم الشيطان» .
فهذه الأحاديث وغيرها من عشرات الأحاديث ومئات أمثالها كلها تؤكد
حرص رسول الله- ﷺ على سلامة أمته من وساوس الشيطان
وخواطره وإيحاءاته وهمزاته، وتحذر هذه الأمة أن يدخل الشيطان عليها مع مداخله
على من سبقها من الأمم من يهودية ونصرانية وغيرهما، فإن أكبر باب للشيطان
للضلالة والإضلال هو باب الغلو والابتداع. فلقد نهى ﷺ
أصحابه أن يتجاوزوا الحد في إطرائه ومدحه وتعظيمه، وحمى جناب التوحيد من
أن تدنس مقتضياته أو تطمس معالمه، وأوضح في أكثر من مقام أن ضلال من
قبلنا من اليهود والنصارى وغيرهم كان بسبب غلوهم في أنبيائهم وصالحيهم حيث
كانوا يتخذون المساجد على قبورهم، فيعظمونها على سبيل العبادة، وكانوا بذلك
شرار الخلق عند الله، وكانوا بذلك أبعد الخلق عن الله، وكانوا بذلك أولياء الشيطان
وحزبه. [أَلا إنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ] .
ومع هذا الحرص الشديد من رسول الله- ﷺ -وتناقل علماء
السنة الآثار الواردة في ذلك عنه ﷺ وإشاعتها بين عباد الله إلا
أن الشيطان كان دائب الحركة في سبيل الغواية والضلال والإضلال، وقد وجد له
من الصوفية والمتصوفة، من اتخذهم له أولياء واتخذوه لهم وليًّا فغلوا في دين الله،
وشرعوا من الدين مالم يأذن به الله، فاعتقدوا النفع والضر عند غير الله، والمنع
والعطاء لدى غير الله، لدى مشايخ الطرق وأدعياء التصوف والدجل والشعوذة
أحياء وأمواتاً، وصرفوا للمخلوق مما هو محض حق الخالق حقوقاً لا تصح نسبتها
إلا لله فهذا البوصيري يقول:
يا أكرم الخلق ما لي من أوذ به ... سواك عند حلول الحادث العم
فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم
وهذا البرعي يقول:
يا سيدي يا رسول الله يا أملي ... يا موئلي يا ملاذ يوم تلقاني
فأنت أقرب من ترجى عواطفه ... عندي وإن بعدت داري وأوطاني
وهذا البكري يقول:
وناده إن أزمة أنشبت ... ظفارها واستحكم المعضل
عجل بأذهاب الذي اشتكى ... فإن توقفت فمن أسأل؟ !
وهذا رابع يقول:
يا سيدي يا صفي الدين يا سندي ... يا عمدتي بل وا ذخري ومفتخري
فإنني عبدك الراجي بودك ما ... أملته يا صفي السادة الغرر
وبالرغم من حركات الشيطان في الغواية والإضلال، وقدرته على اصطفاء
مجموعة من عباد الله ليكونوا أعواناً في الضلال والإضلال؛ إلا أن الله يأبى إلا أن
يتم نوره ولو كره الكافرون، فلقد وعد الله تعالى بحفظ كتابه من التحريف والتغيير
والتبديل، وتم وعد الله فلقد مضى على نزوله أكثر من أربعة عشر قرناً وهو
محفوظ بكل وسائل الحفظ سراجاً منيراً ومحجة بيضاء، كما أن الله تعالى قيض
لسنة رسوله (ص) رجالاً أتقياء أذكياء صالحين نقلوها إلى الأمة الإسلامية ... نقية صافية وبذلك تحقق قول رسول الله ﷺ : «تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك» ؟ وقوله: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا، كتاب الله وسنة رسوله» الأمر الثاني من ... الأمرين اللذين ركز عليهما -صلى الله عليه سلم- في حماية الدين: الابتداع في الدين.
لقد عرَّف العلماء البدعة بأنها طريقة محدثة في الدين يضاهي بها أحد
مقتضياته، إلا أن هذه المضاهاة تنطلق من معقول بشري محدود ليس له القدرة
على استطلاع حكمة الله في تشريعه، ولا علم الله بما تصلح به أمور عباده، يأتي
العقل البشري فيرى حسناً ما ليس بالحسن ويظن نقصاً فيما فيه الكمال، فيقول
اجتهاداً أو انسياقاً وراء هوى أو إغواء شيطان ما ليس في الدين في شيء مما هو
محض الإحداث والابتداع.
لقد كان ﷺ حريصاً كل الحرص على تجنيب أمته شر
الابتداع فأكثر من ذم الابتداع وحض الأمة على التمسك بسنته -صلى الله عليه
وسلم- فقال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا
عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة
وكل ضلالة في النار» .
وقال: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» وفي رواية: «من
أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» - وقال: «إن أحسن الحديث كتاب الله
وخير الهدي هدي رسول الله، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» .
ولم يكن منه ﷺ إلا أن التشريع مكتمل فما من خير إلا
ودل الأمة عليه، وما من شر إلا حذرها منه، وقد حكى الله كمال
الدين فقال: [اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ
دِيناً] فلقد وقف ﷺ يوم عرفة في حجة الوداع ومعه جمع كبير
من أصحابه، فذكرهم ووعظهم وبين لهم ما على العبد من حقوق لله وحقوق لعباده،
وكان ﷺ في كل أمر يقوله لهم: «ألا هل بلغت اللهم فاشهد»
؟ ثم انتقل ﷺ إلى الرفيق الأعلى بعد أن بلغ الرسالة أتم بلاغ،
وأدى الأمانة أتم أداء.، ونصح للأمة النصح البالغ، وبين لهم حبائل الشيطان
ووساوسه وخواطره ومكائده ومداخله على العباد.
لا شك أن الابتداع الطريق القصير إلى تشويه الدين وطمس معالم الإشراق
فيه، والتحكم على الله وعلى رسوله، والاشتراك مع الله ﵎ في التشريع
بما لم يأذن به الله، وفضلاً عن هذا الأثر السيء للابتداع فإنه يستلزم أموراً مهينة
أهمها ما يلي:
أولاً: القول بلسان المقال أو بلسان الحال: أن الدين ناقص وأن هناك جوانب
تكميلية ينبغي الأخذ بها تكملة للدين، وفي هذا رد قوله تعالى. [اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ
دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً] كما أن فيه تكذيباً لقول
رسول الله- ﷺ : «تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا
يزيغ عنها إلا هالك» ؟ فإن من يبتدع يعترف أن لا سند لبدعته من كتاب ولا سنة، ولكنه يدعي أنها عمل صالح. فما صلاح عمل لم يأمر به الله ولم يفعله رسوله
الله؟ ! وما صلاح عمل يراد به إكمال ما أكمله الله على أتم وجه ورضيه؟ !
ولكنها وساوس الشيطان وهمزاته.
ثانياً: إن الابتداع يستلزم القدح في إبلاغ رسول الله رسالة ربه، فلقد أرسل
الله رسوله بالهدى ودين الحق، وأمره بإبلاغ الرسالة، قال تعالى: [يَا أَيُّهَا
الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وإن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ] فبلغها -صلى
الله عليه وسلم- أتم بلاغ. فإذا كان المبتدع يرى في بدعته الخير والعمل الصالح،
ويعترف أن لا سند لبدعته من كتاب ولا سنة ولكنها حسنة في نفسها - حسب زعمه -
فإن هذا يعني أن رسول الله- ﷺ -حاشاه وكلا - بين أمرين: إما
أن يكون جاهلاً بما ينفغ الأمة وأن هناك جملة من جوانب الخير لا يعلمها فجاء
معاصرو القرون المتأخرة فأخرجوها للأمة وأضافوها إلى الدين، أو أن يكون -
ﷺ يعلم حسن هذه الأعمال المبتدعة، إلا أنه كتمها عن الأمة
وهذا يعني تخونه والقدح في أدائه رسالة ربه، وكلا الأمرين شر وقدح في شهادة
أن محمداً رسوله، ورسول الله- ﷺ مبرأ عنهما معاً.
ثالثاً: إن في الابتداع مخالفة صريحة لأوامر رسول الله-صلى الله عليه
وسلم-، فإنه ﷺ أكد ضرورة التمسك بسنته والابتعاد عن
الابتداع والإحداث في الدين، كما أكد أن الإحداث في الدين مردود ولا شك إن
مخالفته ﷺ مظنة الفتنة. قال تعالى: [فَلْيَحْذَرِ الَذِينَ يُخَالِفُونَ
عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ]
ولقد فهم أصحاب رسول الله- ﷺ وتابعوهم هذا الفهم، ففي
الجامع لأبي بكر الخلال أن رجلاً جاء إلى مالك بن أنس فقال: من أين أحرم؟ قال: من الميقات الذي وقت رسول الله- ﷺ -وأحرم منه. فقال الرجل: فإن أحرمت من أبعد منه؟ فقال مالك: لا أرى ذلك. فقال الرجل: ما تكره من
ذلك؟ قال: أكره عليك الفتنة. قال: وأي فتنة من ازدياد الخير؟ فقال مالك: فإن
الله تعالى يقول: [فَلْيَحْذَرِ الَذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ] ؟ وأي فتنة أكبر من أنك خصصت بفضل لم يخص به رسول الله-
ﷺ -وفي رواية: وأي فتنة أعظم من أن ترى أن اختيارك لنفسك
خير من اختيار الله واختيار رسوله؟ !
لقد حرص أصحاب رسول الله ﷺ على تبليغ الأمة سنة
رسول الله من قول أو فعل أو تقرير، وبالغوا في التحذير عما يخالفها من قول أو
فعل مهما كان ذلك وعلى أي وجه يكون، ولم يفرقوا في الإنكار بين ما ظاهره
الحسن وما ظهر سوءه، فلم يقولوا بتقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة، بل اعتبروا
البدعة أمراً منكراً وزوراً من القول والعمل، وقولاً على الله بلا علم، وتشريعاً من
الدين بما لم يأذن به الله، حجتهم في ذلك الإيمان بأن الله أكمل دينه وأن رسوله -
ﷺ بلغ رسالة ربه وأدى أمانته وبين لعباد الله خصائص دينهم
ومقتضيات أعمالهم وأن الأخذ بالبدعة يعني مناقضة ذلك الإيمان باعتبار أن البدعة
في ظن مبتدعيها والآخذين بها إكمال نقص في الدين، كما أن حجتهم كذلك الامتثال
للانتهاء عن الابتداع مطلقاً مهما كان وعلى أي سبيل يقع، يستوي في ذلك حسنة
وسيئة للعموم في نفي البدع والابتداع، فقد حذر ﷺ عن
الابتداع بلفظ العموم فقال: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» ؟ وبلفظ
الاختصاص والحصر فقال: «إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل
بدعة ضلالة» .
ومن حججهم ﵏ في رد الابتداع إدراك أن الابتداع باب الشيطان إلى
الغواية والإضلال والضلال، فمنه دخل على الأمم السابقة يضلهم ويمنيهم ويغويهم
ويزين لهم أبواب الابتداع حتى غيروا كتب الله وحرفوها. وبدلوها فأحلوا ما حرم
الله وحرموا ما أحل الله.
أدرك أصحاب رسول الله ذلك وكانوا حربًا على البدع والابتداع والإحداث
والمحدثات، وفيما يلي مجموعة من الآثار الواردة عن أصحاب رسول الله في
محاربة البدعة.
فقد روى محمد بن وضاح القرطبي في كتاب البدع والنهي عنها بإسناده فقال: بلغ ابن مسعود ﵁ أن عمرو بن عتبة- في أصحاب له - بنوا مسجداً
بظهر الكوفة، فأمر عبد الله بذلك المسجد فهدم، ثم بلغه أنهم يجتمعون في ناحية من
مسجد الكوفة يسبحون تسبيحاً معلوماً، ويهللون ويكبرون، قال: فلبس برنسًا ثم
انطلق فجلس إليهم فلما عرف ما يفعلون رفع البرنس عن رأسه ثم قال: أنا أبو عبد
الرحمن، ثم قال: لقد فضلتم أصحاب محمد ﷺ علماً أو لقد
جئتم ببدعة ظلماً، قال: فقال عمرو بن عتبة: واللهِ ما فضلنا أصحاب محمد -
ﷺ علماً ولا جئنا ببدعة ظلماً، ولكننا قوم نذكر ربنا، فقال:
بلى والذي نفس ابن مسعود بيده لئن أخذتم آثار القوم لتسبقن سبقاً بعيداً، ولئن
حُرْتُم يميناً أو شمالاً لتضلن ضلالاً بعيداً.
وذكر بإسناده عن بعض أصحاب عبد الله بن مسعود قال: مر عبد الله برجل
يقص في المسجد على أصحابه وهو يقول: سبحوا عشراً، وهللوا عشراً، فقال
عبد الله: إنكم لأهدى من أصحاب رسول الله- ﷺ -أو أضل، بل
هذه، بل هذه، يعني: أضل.
وروى بإسناده عن أبان بن أبي عياش قال: لقيت طلق بن عبد الله بن كرز
الخزاعي فقلت له: قوم من إخوانك من أهل السنة والجماعة لا يطعنون على أحد
من المسلمين، يجتمعون في بيت هذا يوماً وفي بيت هذا يومًا، ويجتمعون يوم
النيروز والمهرجان ويصومونهما، فقال طلق: بدعة من أشد البدع والله لهم أشد
تعظيماً للنيروز والمهرجان من غيرهما ثم استيقظ أنس بن مالك فوثبت إليه فسألته
كما سألت طلقاً فرد عليَّ كما رد علي طلق كأنما كانوا على ميعاد.
وروى بإسناده قال: ثوب المؤذن في المدينة في زمان مالك، فأرسل إليه
مالك فجاءه فقال له مالك: ما هذا الذي تفعل؟ قال: أردت أن يعرف الناس طلوع
الفجر فيقوموا. فقال له مالك. لا تفعل، لا تحدث في بلدنا شيئاً لم يكن فيه، قد
كان رسول الله- ﷺ -بهذا البلد عشر سنين، وأبو بكر وعمر
وعثمان فلم يفعلوا هذا، فلا تحدث في بلدنا مالم يكن فيه. فكف المؤذن عن ذلك،
وأقام زماناً ثم إنه تنحنح في المنارة عند طلوع الفجر فأرسل إليه مالك فقال: ما هذا
الذي تفعل؟ قال: أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر. فقال: ألم أنهك لا تحدث
عندنا مالم يكن؟ ! فقال: إنما نهيتني عن التثويب، فقال له مالك: لا تفعل. فكف
أيضاً زماناً، ثم جعل يضرب الأبواب، فأرسل مالك إليه فقال له: ما هذا الذي
تفعل؟ فقال: أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر، فقال له مالك: لا تفعل، لا
تحدث في بلدنا مالم يكن فيه.
وقد ذكر الشاطبي ﵀ تفسير التثويب الذي نهى عنه مالك ﵀ بأن
المؤذن كان إذا أذن فأبطأ الناس قال بين الأذان والإقامة: قد قامت الصلاة حي على
الفلاح. وذكر الشاطبي في كتابه الاعتصام قال: وقال ابن حبيب أخبرني ابن
الماجشون أنه سمع مالكاً يقول. من أحدث في هذه الأمة شيئاً لم يكن عليه سلفها فقد
زعم أن رسول الله- ﷺ -خان الدين لأن الله تعالى يقول: [اليَوْمَ
أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً] وأختتم هذا
البحث بما روى أبو داود والترمذي عن أبي نجيح العرباض بن سارية رضي الله
عنه قال: وعظنا رسول الله- ﷺ موعظة وجلت منها القلوب
وذرفت منها الدموع فقلت: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال:
«أوصيكم بتقوى الله ، والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد فإنه من يعش
منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا
عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة» .
قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 208
وكلمة بها كلام قد يؤم [*]
د. مصطفى السيد
الكلمة الطيبة [كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ
حِينٍ بِإذْنِ رَبِّهَا] وفي روضة النبوة وقد سئل الرسول ﷺ عن
الفأل فقال: الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم البخاري ٧/٨ والكلم في مرضاة الله كالكلْم (الجرح) في سبيله، كلاهما طريق مَهْيَعٌ إلى الجنة.
ولئن طوت المنون أولئك المتكلمين فلقد ظلت الأجيال المتعاقبة تبعث الحياة
في الموروث من كلماتهم. وإذا كان شموخ الحضارة المادية المعاصرة قد قزم وحجَّم
الآثار المادية للمدنيات الغابرة، فإن هذا الشموخ قد سجل تراجعاً ملحوظاً في مجال
الكلمة، وظلت (روائع) الأقدمين في كل أمة قدوة المتأدبين وقبلة القائلين. ولم
تكن الكلمة لتدخل متحف البيان أو لتلج معرض الجمال وهي عطل من مؤهلات
البقاء أو غفل من طاقة الإشعاع.
لم تكن كذلك في الماضي، ولن تكون في الحاضر، بل لقد كانت تأخذ من
جهد قائلها كل مأخذ. روى العتبي (إخباري عباسي) قال: قيل لمعاوية: أسرع
إليك الشيب. قال: كيف لا؟ ولا أعدم رجلاً من العرب قائماً على رأسي يلقح لي
كلاماً يلزمنني جوابه، فإن أصبت لم أحمد، وإن أخطأت سارت به البرد- (جمع
بريد) ابن عساكر١٦/٣٧٥.
وأخرج أبو نعيم عن ثابت البناني قال: كان الحسن في مجلس، فقيل لأبي العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير تكلم، فقال: (أو هناك أنا؟ ثم ذكر الكلام ومؤنته) (الحلية٢/٢١٣) .
وإذا كان أبو العلاء يتحاشى الكلمة مخافة ألا يكون من أهلها فلا يجمل بأهلها أن يكتموها، وأن يظلوا محرمين بالصوم عن الكلام، متلبسين بشعيرة الصمت حتى ولو وجدوا متكلماً.
قال العلامة الشنقيطي في معرض تعليقه على قوله تعالى: [إنِّي نَذَرْتُ
لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنسِياً] (هذا النذر الذي نذرته ألا تكلم اليوم إنسياً ... كان جائزاً في شريعتهم، أما في الشريعة التي جاءنا بها نبينا- ﷺ فلا يجوز ذلك النذر ولا يجب الوفاء به لما روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس قال: بينا النبي يخطب إذا هو برجل قائم، فسأل عنه فقالوا: أبو ... إسرائيل، نذرأن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم. فقال النبى ﷺ : «مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه (أضواء البيان
٤/٢٦٧) .
والكلام هو الأصل، والصمت طارئ أو عارض فهو ميزة الإنسان (علمه البيان) وتركيز معناه وتكثيفه من فرائد سيدنا محمد -صلى الله عليه
وسلم-» أعطيت جوامع الكلم «والعبارة في سياق التحدث عما خص به رسول
الله ﷺ » وجعل الله منيحة داود ﵇ الحكمة
وفصل الخطاب « (البيان والتبيين ٤/٣١) (وكانوا يمدحون شدة العارضة وقوة المنة وظهور الحجة) البيان والتبيين ١/١٧٦ ويحمد الصمت إن جاء الكلام
مباينا للخير» فليقل خيراً أو ليصمت «أو إذا كان العبث محركه، واللغو مادته
[والَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ] ولقد قال عبد الملك بن مروان لمن أطال
الكلام وقصر في الفائدة. يا هذا بكلامك مدح الصمت!
واستأذن مثل هذا النموذج في السكوت بعد كلمة طويلة في غير ما طائل فقال
عبد الملك له: وهل تكلمت حتى تصمت؟ ! .
ترى كم من كاتب ومتكلم قد ينفعه أن يتأمل ملياً كلام عبد الملك. واليوم كما
الأمس وكذا الغد، ستظل الكلمة الحجر الأساسي في صرح الحضارة، والمطلب
الأول في بناء العقول التي إن غذيت بصائب الكلام أثمرت صالح العمل.
ولئن اغتصبت المنابر، وعلاها علوج الألسنة، ومنافقو الروح، وتمكنوا من
السيطرة على أكثر المواقع في الساحة الفكرية دعماً للظلم أو ملئاً للفراغ بالفراغ،
فذلك وإن كان مدعاة للأسف، فلن يقوى على البقاء، بل ربما سقط قبل أن ينفق
قائلوه.
لئن حصل ذلك كله -وهو حاصل - فإن مسئولية أصحاب الأقلام الشريفة
تتأكد وتزداد في الذب عن قيم الحق والعدل ورفع المعاناة بكل صورها عن كل
مأزوم ومكروب.
لقد فرضت الآثار العظيمة نفسها على ذاكرة التاريخ وشقت طريقها إلى البقاء، متحدية كل طاقات الخصوم التي حاولت طمسها. ينطبق هذا على فرائد النصائح التي صبها علماء المسلمين في آذان الظالمين، ومسامع الغافلين، كما ينطبق على موسوعات العلم والمعرفة التي وصلت إلينا، عابرة قروناً متطاولة من فجر التاريخ حتى يوم الناس هذا. إنها الكلمة التي أعطاها صاحبها دمه وحياته، فأعطته جواز البقاء، لا يقهر الفناء إلا الكلمة والحجر والكلمة أطول عمراً من الحجر وأصلب على الزمن وأقدر على مغالبة الفناء.
وكم من كلمات خرجت من القلوب لتصبح منهج عمل، ودستور حياة،
وتكون نقطة تحول في سلوك كثير من الشخصيات.
وصدق الله القائل في فضل الكلمة الطيبة [تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّهَا] .
نسأل الله أن يلزمنا كلمة التقوى وأن يجعلنا من أهلها.
стр. 209
ضوابط العمل الصالح
جمال أحمد بشير
في توجه العبد المؤمن إلى ربه، وفي سيره وانقطاعه إليه يحتاج إلى ما
يضبط سلوكه ويزن أفعاله حتى لا يحيد عن الطريق ولا يخطئ الجادة. لذلك ذكر
سلفنا الصالح شروطاً وضوابط للعمل الصالح باستقراء نصوص الكتاب والسنة
وبدون هذه الشروط والضوابط يكون العمل معرضاً للخلل والنقصان؛ بل والرد
على صاحبه فلا يجني من عمله إلا التعب والمشقة.
ونذكر فيما يلي أهم هذه الشروط:
الأول: الإخلاص لله .
الثاني: متابعة الرسول ﷺ .
فلا بد من إخلاص النية لله في أي عمل يعمله العبد. قال تعالى: [ومَا
أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ] [البينة: ٥] ، وقال -صلى الله عليه
وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» [١] ؟ وقال -صلى
الله عليه وسلم-: «قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ من عمل عملاً
أشرك فيه غيري فأنا بريء منه؛ وهو كله للذي أشرك» [٢] .
ولا بد في إخلاص العمل من أن يكون هذا العمل مما شرعه الله على لسان
رسوله ﷺ يقول تعالى: [قُلْ إن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي
يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ] [آل عمران: ٣١] ويقول ﷺ : «من أحدث في
أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» [٣] وفي لفظ. «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا
فهو رد» .
وبهذين الشرطين يتحصن المسلم من ألد أعدائه ألا وهو الرياء والبدعة والشرك. يقول ابن أبي العز الحنفي ﵀: (فهما توحيدان، لا نجاه للعبد من عذاب الله إلا بهما: توحيد المرسل، وتوحيد متابعة الرسول ﷺ ) [٤] .
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وبالجملة فمعنا أصلان عظيمان،أحدهما: أن لا نعبد إلا الله. والثاني: أن لا نعبده إلا بما شرع. لا نعبده بعبادة
مبتدعة. وهذان الأصلان هما تحقيق (شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول
الله) كما قال تعالى: [لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً] .
قال الفضيل بن عياض: أخلصه وأصوبه. قالوا. يا أبا علي ما أخلصه
وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإن كان صواباً
ولم يكن خالصاً لم يقبل حتى يكون خالصاً صواباً. والخالص أن يكون لله،
والصواب أن يكون على السنة. وذلك تحقيق قوله تعالى: [فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ
رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً ولا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً] [٥] .
ويقول ابن القيم ﵀: (فلا يكون العبد متحققاً بـ[إيَّاكَ نَعْبُدُ] إلا
بأصلين عظيمين:
أحدهما: متابعة الرسول ﷺ .
والثاني: الإخلاص للمعبود [٦] .
والعمل - بالمشروع يحصن المؤمن من الوقوع في المبتدع من الأعمال
ويغنيه عنه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وكذلك العباد: إذا تعبدوا بما شرع
من الأقوال والأعمال ظاهراً وباطناً، وذاقوا طعم الكلم الطيب، والعمل الصالح
الذي بعث الله به رسوله، وجدوا في ذلك من الأحوال الزكية، والمقامات العلية،
والنتائج العظيمة، ما يغنيهم عما قد يحدث في نوعه، كالتغبير ونحوه، من
السماعات المبتدعة، الصارفة عن سماع القرآن، وأنواع من الأذكار والأوراد،
لفقهاء بعض الناس. أو في قدره، كزيادة من التعبدات، أحدثها من أحدثها لنقص
تمسكه بالمشروع منها) [٧] .
ومن الضوابط المهمة التي ذكرها أهل السنة في شأن الأعمال الصالحة التي
تقرب إلى الله تعالى: القصد. والمداومة.
قال تعالى: [يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ] [البقرة: ١٨٥] ،
وقال تعالى: [وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ] [الحج: ٧٨] .
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله- ﷺ
لن ينجي أحداً منكم عمله. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن
يتغمدني الله برحمته. سددوا وقاربوا، واغدوا وروحوا، وشيء من الدلجة،
والقصد القصد تبلغوا [٨] .
وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال:
«سددوا وقاربوا، واعلموا أن لن يدخل أحدكم عمله الجنة، وأن أحب الأعمال أدومها
إلى الله وإن قل» [٩] .
وعنها ﵂ قالت: سئل النبي ﷺ : أي
الأعمال أحب إلى الله؟ قال: أدومها وإن قل. وقال. اكلفوا من الأعمال ما
تطيقون [١٠] .
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ -قال:
«إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا،
واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة» [١١] .
قال ابن حجر ﵀ في شرح الحديث الثاني: (ثم ختم ذلك بأن المداومة
على عمل من أعمال البر ولو كان مفضولاً أحب إلى الله من عمل يكون أعظم أجراً
لكن ليس فيه مداومة) [١٢] .
وقال ابن حجر في شرح (واكلفوا، من الأعمال ما تطيقون) : (ما تطيقون)
أي قدر طاقتكم، والحاصل أنه أمر بالجد في العبادة والإبلاغ بها إلى حد النهاية لكن
بقيد ما لا تقع معه المشقة المفضية إلى السآمة والملال) [١٣] .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فإن المشروع المأمور به الذي يحبه الله ورسوله ﷺ هو الاقتصاد في العبادة) [١٤] إلى أن قال: فمتى كانت العبادة توجب له ضرراً يمنعه عن فعل واجب أنفع له منها، كانت محرمة، مثل أن يصوم صومأ يضعفه عن الكسب الواجب أو يمنعه عن العمل أو الفهم الواجب، أو يمنعه عن الجهاد الواجب. وكذلك إذا كانت توقعه في محل محرم لا يقاوم مفسدته مصلحتها، مثل أن يخرج ماله كله، ثم يستشرف إلى أموال الناس، ويسألهم. وأما إن أضعفته عما هو أصلح منها، وأوقعته في مكروهات، فإنها مكروهة) [١٥] .
وأورد قول ابن مسعود: (إني إذا صمت ضعفت عن قراءة القرآن، وقراءة
القرآن أحب إلي) [١٦] . وذكر الحافظ ابن رجب الحنبلي ﵀ في معرض
شرحه للأحاديث المذكورة السابقة أن فيها إشارة إلى أن أحب الأعمال إلى الله شيئان:
أحدهما: ما داوم عليه صاحبه وإن كان قليلاً، وهكذا كان عمل النبي ﷺ وعمل آله وأزواجه من بعده. وكان ينهى عن قطع ... العمل [١٧] .
والثاني: أن أحب الأعمال إلى الله ما كان على وجه السداد والاقتصاد
والتيسير دون ما كان على وجه التكلف والاجتهاد والتعسير [١٨] .
وقال ابن رجب ﵀ في تفسير (سددوا وقاربوا) : المراد بالتسديد:
العمل بالسداد، وهو القصد، والتوسط في العبادة فلا يقصر فيما أمر به، ولا يتحمل منها ما لا يطيقه [١٩] .
وحول معنى قوله ﷺ «وأبشروا» قال: يعني أن من
مشى في طاعة الله على التسديد والمقاربة فليبشر، فإنه يصل ويسبق الدائب
المجتهد في الأعمال. فإن طريق الاقتصاد والمقاربة أفضل من غيرها، فمن سلكها
فليبشر بالوصول فإن الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في غيرها. وخير ...
الهدي هدي محمد ﷺ فمن سلك طريقه كان أقرب إلى الله ... من غيره. وليست الفضائل بكثرة الأعمال البدنية، لكن بكونها خالصة لله صواباً على متابعة السنة وبكثرة معارف القلوب وأعمالها. فمن كان ... بالله أعلم وبدينه وأحكامه وشرائعه، وله أخوف وأحب وأرجى فهو أفضل ممن ... ليس كذلك وإن كان أكثر منه عملاً بالجوارح) [٢٠] .
ومما يتعلق بهذا الباب ما ثبت في الصحيح من نصح النبي -صلى الله عليه
وسلم- لعبد الله ابن عمرو بن العاص بأن يقرأ القرآن في كل شهر مرة، وبأن
يصوم من كل شهر ثلاثة أيام عندما رآه مقبلاً على الطاعة والعبادة وقال له: «إن
لنفسك عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقاً، وإن لزورك عليك حقاً، فائت كل ذي
حق حقه» .
فينبغي مراعاة الواجبات والموازنة بينها وأن لا يجتهد المؤمن في جانب
ويترك جوانب أخرى من الواجبات التي عليه. لذلك نرى ابن القيم قد قسم الناس
في العبادة إلى أربعة أصناف، ثم رجح الصنف الرابع الذين: قالوا: إن أفضل
العبادة العمل على مرضاة الرب في كل وقت بما هو مقتضى ذلك الوقت ... ووظيفته [٢١] . وليعلم المؤمن أن المشقة ليست مقصودة في التكليف كما قرره علماء الأصول من أهل السنة بل الأصل هو رفع الحرج والعنت عن الناس. فليس لأحد أن يقصد المشقة طالباً بذلك الأجر. قال الشاطبي ﵀ (أصل آخر: وهو أن المشقة ليس للمكلف أن يقصدها في التكليف نظراً إلى عظم أجرها، وله أن يقصد العمل الذي يعظم أجره لعظم مشقته من حيث هو عمل) [٢٢] . ثم ... زاد الأمر توضيحًا فقال:
(فإذا كان مقصد المكلف إيقاع المشقة فقد خالف قصد الشارع، من حيث إن ...
الشارع لا يقصد بالتكليف نفس المشقة، وكل قصد يخالف قصد الشارع ... باطل) [٢٣] . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (ومما ينبغي أن يعرف أن الله ليس رضاه أو محبته في مجرد عذاب النفس وحملها على المشاق، حتى يكون العمل كلما كان أشق كان أفضل، كما يحسب كثير من الجهال أن الأجر على قدر المشقة، في كل شيء، لا! ولكن الأجر على قدر منفعة العمل، ومصلحته،
وفائدته، وعلى قدر طاعة أمر الله ورسوله. فأي العملين كان أحسن، وصاحبه
أطوع، وأتبع، كان أفضل. فإن الأعمال. لا تتفاضل بالكثرة، وإنما تتفاضل بما
يحصل في القلوب حال العمل) [٢٤] ومما ينبغي التنبيه عليه أن هذه الأمور
وأمثالها لا تدرك إلا بالعلم وطلبه ولذلك ورد في حديث عائشة السابق (واعلموا)
وهو إشارة إلى أهمية العلم النافع الذي يثمر العمل الصالح المقبول.
стр. 210
رسالة إلى أخي المسلم
بقلم: محمد محمد بدري
أخي العزيز، أيها المسلم من أجل الإسلام في كل مكان يا من يقلب وجهه في
السماء ويعمل فكره في الكون باحثاً عن الطريق الصحيح لعودة أمة الإسلام.. إني
أشاركك حيرتك وهمومك وتطلعاتك.. لقد عانيت ما تعاني، فتعال نبحث معاً في
هدوء دون أن أضيق بك أو تضيق بي.. نعم لن أضيق بك يا أخي العزيز فإني
أستبشر خيرًا باهتمامك وتطلعك وتفكرك من أجل عودة أمة الإسلام، وإني أرى
نفسي فيك، فقد مشيت معك هذا الدرب ومررت على ثغراته ومَنَّ الله علي بمعرفة
كثير من مسالكه ومنعطفاته، لن أطلب منك أن تكون أسير فهمي أو فهم غيري،
لن أزعم لك أني أحتكر الفهم الصحيح وحدي.. لكني أدعوك دعوة هادئة إلى كتاب
الله الذي أنزل ليمنحنا الحياة [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ
إذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ]- إنك - يا أخي العزيز - تتفق معي أن هدفنا في الحياة قد
حدده الله بقوله: [ومَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ] عبادة الله وحده
لا شريك له.. وأن الناس إذا انحرفوا عن هذا الهدف كان على المسلمين أن
يعيدوهم إلى دائرة الالتزام به.. وعليه فمهمتنا هي تحقيق عبودية الإنسان كل
الإنسان في الأرض كل الأرض لله رب العالمين.
واعلم -يا أخي العزيز- أنك تحزن وأنا أحزن معك من هذه الغربة الثانية
للإسلام «بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء» .. (يصلحون
ما أفسد الناس «وتسعى وأسعى معك من أجل أن نصلح ما أفسد الناس ونغير هذا
الواقع ونعيد أمة الإسلام إلى الخيرية التي أرسلت من أجلها [كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ
أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ] وهكذا يا
أخي تجمعني معك أخوة الإسلام والرغبة في عودة أمة الإسلام
إلى المقدمة في قيادة الأمم.. ويجمعني معك شعور كلانا بالغربة، غربة
الإسلام بين أهله..
واتفاقك واجتماعك معي في هذه المقدمات هو ما دعاني اليوم أن أحدثك بكل
بساطة وكما يتحدث الأخ إلى أخيه في موضوع تدفعنا إليه تلك الصحوة الإسلامية
المباركة التي تسير في طريق عودة الأمة إلى الله لكي تصبح أمة مسلمة تستحق
نصر الله ورضوانه.
أخي العزيز.. تتفق معي أن نزول هذه الأمة من عليائها كان وفق سنن
ربانية مفادها أن الله لا يمكن للناس حتى يستقيموا على عهده [وعَدَ اللَّهُ
الَذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَذِينَ مِن
قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَذِي ارْتَضَى لَهُمْ ولَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا
يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً] تتفق معي في ذلك؟ ! فهل تؤمن معي أن عودة هذه الأمة
تخضع لسنن معينة أيضاً؟ ! إذا كنت تؤمن بذلك، فأنت رجل يؤمن بإمكانية
التغيير.. وهذا يدعوني إلى أن أقرر أمراً هنا أراك لا تخالفني فيه وهو أن التغيير
يخضع لعلاقة بين الهدف والوسيلة.. فإذا كنا نريد عودة الأمة المسلمة فهذا هدف له
وسائل توصل إليه.. وإنه من الخطأ كل الخطأ أن نتصور أن نجاحنا في تحقيق
هدفنا يمكن أن يحدث بطريقة سحرية غامضة الأسباب؟ ! قد تقول -يا أخي العزيز
- إن ما نملكه من وسائل لا يكفي لنصل إلى هدفنا، وإننا في حاجة إلى إمكانيات
أكبر، وهذه الإمكانيات غير متوفرة لدينا الآن؟ .. وأنا أوافقك على ذلك،.. ولكن
إذا كنا لا نملك الآن ما يمكننا من الوصول إلى هدفنا هل نتوقف عن العمل حتى
تتدخل القوة الخارقة الغامضة الأسباب لتوصلنا إلى هدفنا؟ ! .. أم أن المطلوب منا
هو العمل قدر الوسع والطاقة واستخدام الوسائل التي نملكها.. وما وراء ذلك من
أمور أرادها الله بمشيئته المطلقة وحكمته البالغة فالله أعلم متى يهب النصر ويمكَّن
لمن يستحق من عباده.
أخي العزيز: إن علينا أن نعلم أن الحركة الإسلامية تخضع لسنن الله العامة
التي تشمل البشر جميعاً مؤمنهم وكافرهم، والإيمان والالتزام بعقائد أهل السنة
والجماعة دون الأخذ بالأسباب المادية للنصر لا يضمن النصر والظهور والتمكين
في الأرض.
والآن - أخي العزيز - هل اتضح عندك ما أردت الوصول إليه.. إنه بكل
بساطة ووضوح وتحديد إقرار لفكرة " المنهجية في العمل الإسلامي " فبين الحركة
وبين هدفها منهاج عمل يلعب دوراً كبيراً في تحقيق ذلك الهدف، والمنتصر في
أمور الدنيا هو من يملك في تحركه منهاجاً واضحاً سواء كانت أهدافه سليمة أم لا..
فالدنيا ليست للمؤمنين فقط [كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ] وللدنيا
قوانينها وأسبابها، ومن قوانين الدنيا أن الذي يمتلك منهاجاً واضحًا في العمل هو
الذي ينجح في الوصول إلى الهدف،.. والمنهاج الذي نريده لحركتنا منهاج يأخذ
بالإمكانات المتوفرة حالياً للحركة ليصل إلى أهداف معينة، بينما هو يسعى
للحصول على إمكانات أخرى توصل إلى الهدف الأكبر. أو بعبارة محددة وبسيطة
منهاج قوامه (الاستفادة من الإمكانات حسب الظروف للوصول إلى الأهداف مع
حساب الاحتمالات ومحاولة إيجاد الحل لكل احتمال) .. (وتفصيل ذلك له مقام
آخر) .
ولكني أريد أن أقول لك - يا أخي العزيز - إن الله تعالى قال: [قُلْ هَذِهِ
سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا ومَنِ اتَّبَعَنِي] فالتحرك الإسلامي يجب أن
يكون واعياً صادراً عن خطط مدروسة، وإعداد محكم، واستراتيجية كاملة واضحة
تغطي كافة مراحل التحرك وتدرس الواقع من جميع جوانبه.. فإذا كانت كذلك فإن
التحرك يكون صحيحاً.. ويكون مؤثراً.. ويكون مُبْلِغًا الهدف بإذن الله.. ويكون
لحركتنا شرف أذان الفجر في ليل الشتاء الطويل الذي نعيشه وتعيشه أمتنا..
وسيجيء هناك الحق ويزهق.
стр. 211
القنبلة البشرية المؤقتة
في حوض البحر الأبيض المتوسط
إعداد وتعليق: قسم الترجمة بالمجلة
نشرت صحيفة (الديلي تلغراف) مقالاً بعنوان (القنبلة السكانية المؤقتة في
حوض المتوسط) تناول فيه كاتبه هذه القضية التي تقض مضاجع الغرب وهي
الزيادة السكانية الكبيرة بالنسبة للدول التي تقع شرق وجنوب المتوسط، وتراجعها
في الدول التي تقع شماله.
تكشف الانتفاضة الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة عن أعراض أزمة في
طور التكوين تتعدى حدود الأراضي المحتلة من قبل إسرائيل بكثير، وتمس الأزمة
كل قطر من أقطار المتوسط غير الأوربية من المغرب إلى البوسفور متزايدة في
تأمين متطلبات أجيالها الناشئة.
لا شك أن زيادة عمق الهوة بين الدول الغنية في الشمال، والدول النامية
والفقيرة في جنوب المتوسط سوف تؤثر على توازن دول حلف الأطلسي
والمجموعة الأوربية التي تملك كلها مصالح مباشرة في المنطقة.
أما بالنسبة للفلسطينيين فالأرقام مذهلة حقاً، فالشريط الساحلي المتداعي الواقع
في واجهة البحر المتوسط المعروف بقطاع غزة كان ولا يزال مرشحًا لمدة طويلة
ليكون إحدى الشرائح الأرضية المنسية الأكثر كثافة سكانية على وجه المعمورة،
فقد تضاعف عدد السكان فيه منذ١٩٤٨ ثلاث مرات من (٢٠٠) ألف إلى (٦٠٠)
ألف تقل أعمار نصفهم عن الرابعة عشرة، وبعد أن تقلصت محاصيل الفاكهة على
الصعيد المحلي لم يبق من موارد الدخل إلا ما يجلبه ما يقرب من (٤٠) ألف عامل
يضطرون كل يوم للانتقال إلى إسرائيل - ومعظمهم بطرق غير قانونية، وكذلك
من التبرعات التي تهبهم إياها وكالة غوث اللاجئين الأونروا unrwa.
هذا ويتفق الخبراء العرب والإسرائيليون على أن الفلسطينيين الواقعين تحت
الاحتلال الإسرائيلي سيتساوى عددهم مع الإسرائيليين في غضون ٢٠ - ٢٥ سنة
قادمة.
ويزيد هذا التنبؤ في تعقيد ما يسميه (ميرون بن فينيستي) المساعد السابق
لرئيس بلدية القدس والرئيس الحالي لمشروع تجيمع المعطيات عن الضفة الغربية:
(الأزمة والحيرة القاسية) لدى إسرائيل. فهو يرى أن إسرائيل لم تكسب حدوداً
استراتيجية مناسبة لأول مرة في حرب الأيام الستة إلا لتجد نفسها أمام مشكلة
السكان العرب في الأراضي التي أخضعت لها والذين يتزايد تهديدهم لفكرة
(إسرائيل) ذاتها كدولة يهودية.
لا يمكن فصل اقتصاد الأراضي المحتلة عن اقتصاد إسرائيل أبداً، إذ إنهما
متشابكان إلى أبعد الحدود. فإسرائيل في حاجة إلى اليد العاملة العربية التي يفوق
عددها (١٠٠) ألف عامل يشتغل الكثير منهم (في مهن حقيرة) يترفع عنها
الإسرائيليون عادة، وتحتاج الصناعة الإسرائيلية سوقاً فلسطينية لاستهلاك بضائعها
المتنوعة ابتداء م+ن الأغذية المعلبة إلى معجون الأسنان.
ويتماثل هذا التزايد السكاني في فلسطين مع الحال في كل من بلاد الشام
وشمال أفريقيا، وقد أوضحت ذلك بشكل جلي الدراسة التي قام بها برنامج الأمم
المتحدة للبيئة حول ما يتوقع بالنسبة للخمسين سنة المقبلة عندما نشر (خطته
الزرقاء) في أثينا في الخريف السابق، حيث برهن التقرير على أن ثلثي سكان
البحر الأبيض المتوسط في الخمسينات كانوا أوربيين منتشرين في الدول الممتدة من
مضيق جبل طارق إلى مضيق البوسفور، غير أن هذه الصورة ستنعكس بحلول
(٢٠٢٥) وسيصبح البحر المتوسط في غضون عشر سنوات من الآن بحراً إسلإمياً، إن لم يكن عربياً، السيناريو الذي طالما توجس منه مستشارو شارلمان خيفة.
وقد أدى هذا التنبؤ بأعضاء بارزين من دول المجموعة الأوربية التي تطل
على البحر الأبيض المتوسط إلى المناداة لاتخاذ تدابير فورية، فالإيطاليون في ... حالة هلع من إمكانية تدهور اقتصاد بلدان البحر الأبيض المتوسط الجديدة المرتبطة بازدياد عدد سكانها، حيث إن هذا يعني تقلصاً لأسواق دول الشمال الكائنة بجوار جيران تعم بينهم البلبلة، وقد اقترح (فرانكو رافيليو) رئيس إدارة الطاقة في إيطاليا أن تستثمر الدول الشمالية (٣٠) مليار دولار من رصيد الأرباح الناجمة عن انخفاض أسعار النفط في إطار مشروع شبيه بمشروع مارشال لتدعيم الأنظمة الاقتصادية في دول البحر الأبيض المتوسط. وقد صرح (بييرو باسيتى) - وهو وزير سابق للصناعة - قائلاً: (إن ما نشاهده حالياً في البحر المتوسط قد يجعل المباحثات بين الشرق والغرب تبدو كأنها صفحة مطوية من فصول التاريخ) .
وتواجه اليونان حالياً مسألة تجمد عدد سكانها -إن لم نقل: ظهور علامات
تقلصهم -في حين يزداد عدد سكان خصمها اللدود - تركيا - بشكل مطرد. وسوف
تصبح كل من تركيا ومصر في غضون (٢٥) عاماً قوتين عظيمتين في المنطقة من
الناحية البشرية، حيث سيزداد عدد سكان كل منهما آنذاك على (١٠٠) مليون نسمة.
إن التركيبة السياسية المعقدة القابلة للانفجار والناجمة عن فقدان التوازن في
الأرقام تتجسد بخطوة مكشوفة في لبنان، فعلى مدى (٤٥) سنة منذ أن وزعت
السلطة والمناصب على الأقليات حسب الحجم تحت بنود الميثاق الوطني المبرم في
١٩٤٣ تمكن الشيعة من الانتقال من المرتبة الثالثة إلى المرتبة الأولى ليصبحوا
أكبر طائفة دينية في البلد.
تترعرع في بيروت في الوقت الحاضر نزعة دينية متطرفة من جراء الفقر
والفوضى اللذين يشكلان البيئة المثالية لتفشي التعصب الديني والعقائدي على حساب
التعقل والتسامح! ! فمثل هذه التطورات ليست بالضرورة من صنع التدخل
الخارجي البعيد العهد في شئون البلاد من طرف (الملالي) في طهران وقم. إذ
يشير ظهور الحجاب والشادور واليشمك على رءوس الشابات في إسطمبول
والقاهرة وتونس إلى أن الطريق نحو التعصب الديني نابع من أماكن شتى.
من بين جوانب الاضطرابات الأخيرة التي قام بها الفلسطينيون في الأراضي
المحتلة القوة المتزايدة للمتعصبين الإسلاميين! ! مما يبعث على الأسف في صفوف
أنصار فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية. إن مكونات النقمة على بواعثها لا تخفى
على من له نظرة أقل تبصراً من نظرة السيد (ديفيد ميلر) . ويبعث منظر عمارات
غزة الممتدة بغير اتساق ولا انتظام في الذهن صورة يمكن تعميمها على بقية البلدان
الجديدة في البحر الأبيض المتوسط.
في العشرين سنة القادمة (ستغطى أكثر من أربعة أخماس السواحل بمساكن لإسكان (٢٠٠) مليون مقيم، ومنتجعات سياحية من أجل الغزوات السنوية لأكثر
من (٥٠٠) مليون سائح، وسيغلب على الشكل الجديد لسواحل البحر المتوسط ... طابع المدن المكتظة بالسكان وهو أمر بعيد كل البعد عن التصور الأسطوري لبلاد الرعاة وصيادي السمك في أركاديا arcady.
إن تحديث الزراعة وإدخال التقنية عليها سيجعل مدن حوض المتوسط تنتفخ
بالسكان الوافدين بالإضافة إلى تزايد سكانها الأصليين، فمثلاً تستوعب إسطمبول
سنوياً - رغم أنفها - ثلث مليون من المهاجرين المتقاطرين عليها من القرى، وبما
أن فرص العمل تتقلص كل يوم فإن الكثير يكسبون لقمة عيش لا تكاد تسد الرمق
بعد جهد وعناء في ممارسة (الأعمال الهامشية) مثل تلميع الأحذية، وكنس
الطرقات، وغسل السيارات، وحمل الأمتعة.
إن أحوالاً كهذه من شأنها أن ترسخ المخاوف حول مدى قدرة بلدان البحر
المتوسط غير الأوربية على تطوير وتوسيع أسواقها.
وقد كاشفني (عز الدين جسوس) - الوزير المغربي المكلف بالعلاقات
المغربية بالسوق الأوربية المشتركة - بهذا الواقع المر دون لف أو دوران، فقد
صرح بأن بلده يهدف إلى تحسين علاقاته مع بلدان السوق الأوربية المشتركة ويحلم
في أحسن الحالات بالانضمام التام إليها إذ إن دخول إسبانيا والبرتغال السوق
الأوربية قد وضع المغرب أمام خطر فقدان سوق لترويج ما يعادل مليون طن من
المنتجات الزراعية والحمضيات.
وقد اختتم كلامه قائلاً: (لا يمكن أن يتحول البحر الأبيض المتوسط - وهو
أكبر الممرات التجارية في التاريخ - إلى طريق مسدود، فقد سبق أن أدت محاولة
ذلك في الماضي إلى الحرب) .
وإذا تركنا جانباً إسهاب) الخطة الزرقاء (في الجانب الاجتماعي فإن توقعاتها
لمصير البحر الأبيض المتوسط تذكر المرء بشكل عجيب بالسيناريو الذي رسم
خطوطه بوليبيوس، الذي سبق ليفي حول الاصطدام بين القوتين العظميين شمال
وجنوب البحر الأبيض المتوسط روما وقرطاج: الحرب البونية الأولى First
punic war
الديلي تلغراف ١٩ /١/١٩٨٨
تعليق على المقال
هذا المقال يعطي صورة واضحة لا غموض فيها عن نظرة أعداء الإسلام
بشكل عام، والغربيين بشكل خاص؛ إلى التكاثر السكاني عند المسلمين، ويعكس
النظرة الضيقة المتعصبة المخالفة لكل ادعاءات التحضر والحياد العلمي الذي يزعمه
من يتناولون القضايا الإسلامية بالبحث والتعليق.
ويأتي هذا المقال في وقت تصدر فيه دراسات كثيرة كلها تدق نواقيس الخطر
في الغرب للبحث عن حل لمشكلة زيادة السكان في البلاد الإسلامية، وخصوصاً
القريب منها من أوربا، ويرد موازياً للدراسات والتقارير الصادرة من اليهود سواء
داخل إسرائيل أو خارجها، ويجد له مناسبة في الأجواء السائدة الآن في فلسطين
المحتلة والتي وجد العدو فيها نفسه في مأزق حقيقي أبرز مظاهره الزيادة السكانية
المتصاعدة والمتسارعة في صفوف الفلسطينيين، يقابلها تراجع في نسبة الزيادة
عند المغتصبين اليهود.
وإذا كانت أغلب الدراسات في هذا الموضوع تؤكد على المقارنة بين العرب
واليهود للبحث عن حل إقليمي على مستوى فلسطين وماحولها فقط؛ فإن هذا المقال
يضع المقارنة بين العرب واليهود في إطار القضية الأوسع والأعمق، ويعتبرها
جزءاً من مشكلة ذات أبعاد تتعلق بالصراع الدائم بين الإسلام والصليبية الأوربية
الوثنية تحديداً..
ونتيجة لهذه النظرة فإن الغربيين يرعبهم أن يعود البحر المتوسط بحراً
إسلامياً، ويؤلمهم أن يختل التوازن الذي أرادوه لهذه المنطقة التي جعلوها مجالاً
للتنافس فيما بينهم، ومضماراً لجشعهم وشرههم.
إن بواعث التعصب والعنصرية وحب السيطرة والتعالي التي تحكم آراء
الغربيين تجاه المسلمين واضحة من خلال كلمات هذا المقال، فبينما نراه يتحسر
على الوضع الذي أراده الغرب للبنان؛ نجده يأسى بمرارة لمشاهد لابسات الحجاب
والشادر واليشمك (البرقع) في العواصم الإسلامية، وكذلك إن جهاد أهل فلسطين
وهم في غالبيتهم مسلمون على مدى ثلاثة أرباع القرن ضد الاستعمار البريطاني
وضد الاستيطان اليهودي لم يعره كاتب المقال بالاً، حتى آلمته وأوجعته الأخبار
الجديدة التي نقلت إليه وإلى غيره (القوة المتزايدة للمتعصبين المسلمين! !) .
واختصاراً فإن مما تجدر ملاحظته في هذا المقال أنه:
١- خطاب موجه بالدرجة الأولى إلى الدول التي يهمها أن يبقى المسلمون
ضعفاء على كل المستويات، ونذير خطر لها كي تبذل ما في وسعها لعلاج هذا
الأمر الخطير.
٢ - وأنه يشير بطريق غير مباشر، وبما لا يدع مجالاً للشك، إلى أن الذي
يشجع قضايا تحديد النسل والحد من الزيادة السكانية بين المسلمين، وتشجيع
الدعوات العاملة على ذلك تحت شعارات كثيرة مثل: (تنظيم الأسرة) ، (تنظيم
المجتمع) ؟ (تخطيط الأسرة) إلى غير ذلك من الشعارات الكثيرة.. نقول:
إن الذي يشجع على ذلك هم أعداء للإسلام والمسلمين ويخدمون أفكار مصاصي
دماء الشعوب من المتعصبين الأوربيين، علموا بذلك أو جهلوه.
٣ - إن هذا المقال مثال على قصر نظر السياسات الاستعمارية المادية التي
تقيس كل شيء قياساً مادياً رقمياً، وتبني توقعاتها على ما يقدمه إليها (العلم الجامد)
الذي اتخذوه إلهاً يعبد من دون الله، غافلين عن أن قوانين الحياة ليست بهذا الجمود، وأن الصراع لا يحسم لمصلحة من يملك المال والسلاح فقط في مواجهة من لا
يملكها؛ بل إن فضل الله وعونه يشتمل على أمور كثيرة بالإضافة إلى المال
والسلاح اللذين - إذا لم يضف إليهما التواضع والرحمة والشكر - يتحولان إلى أداة
تقتل صاحبها..
إن الغربيين - مع اعترافنا لهم بأنهم كشفوا كثيراً من الأمور التي كانت
مجهولة، وسخروا المادة في خدمة الإنسان، وتفوقوا على غيرهم في دراسة
الظواهر الكونية والطبيعية - لهم منطقهم الخاص القاصر في فهم التاريخ وفي فهم
حقائق الصراع البشري، وهم والمسلمون على طرفي نقيض، فالمسلمون لهم
منطقهم الذي تعلموه من كتاب ربهم الذي يقول: [وتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ
ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا ويَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) ولِيُمَحِّصَ
اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا ويَمْحَقَ الكَافِرِينَ] [آل عمران: ١٤٠-١٤١] .
стр. 212
أدب وتاريخ
ولات حين مندم
عدنان بن سالم الفهد
.. قال الفتى الشامي: وقفت متقطع الفؤاد.. مقروح الكبد.. من هول
الفاجعة! ! بالأمس كانت أمي.. واليوم أبي.. رحمة بي يا أرحم الراحمين.. إني
لأذكر ذلك الأمس حينما قفل في وجهي باب من أبواب الجنة بموت أمي.. وبكيت
ذلك اليوم وبكى كل نبض في قلبي حتى تقطعت أطنابه حرقة ومرارة.. وكلما
تذكرت قصة إياس القاضي - عندما ماتت أمه فبكى وأجاب عندما سأله السائل ما
أبكاك؟ ! قال: (كان لي بابان مفتوحان إلى الجنة فأغلق أحدهما) فتزداد حرقتي
ويزداد نحيبي.. وها هو الباب الثاني قد أقفل اليوم.. من يواسيني؟ ؟ .. ومن
يدعو لي بالرضا؟ ؟ .. رحمة الله عليك يا أمي.. كم قد تحملت من عذاب وألم،
وكم كنت لا أعرف لك فضلاً! ! .. رحمة الله عليك يا أبي.. وحمداً لك يا رب أن
لم تجعل أبواب رحمتك تقفل في وجهي، أما قال رسولك في صلة الوالدين بعد
موتهما ... وإكرام صديقهما، ومنه ما ورد عن ابن عمر: (إن أبر البر صلة الولد
أهل ود أبيه) ..
أعاهدك يا رب أن أصل صديقهما، وأبرهما بأهل ودهما بعد موتهما..
وإني أتوب إليك توبة نصوحًا عن ما مضى من عصياني وعقوقي.. ولكن..
للتوبة شرط إرجاع الحق.! ! أبي.. أمي.. ولكن يا رب.. يا للهول! ! ..
ياللفجيعة! ! .. أحقاً أني في حقيقة؟ ؟ كيف أعتذر؟ ؟ .. كيف أرجع الحق
وصاحبا الحق قد مضيا؟ ! ! كيف أقابلهما؟ ؟ .. كيف أرجع الحق.؟ . كيف
يقبل قولي؟ .. ولات حين مندم! ! . أبي.. أمي..
قال الفتى الشامي: فتخيلت لفرط حزني أن أبي قد تبسم وهو يقول لي:
يا أسعد: إني أعلمك كلمات في المروءة.. قلت: نعم يا أبي، كأنك تسمعني
وأنت في عالمك الآخر.. قال: لا يا بني.. بل أعيد عليك كلمات تعرفها قد علمتك
إياها في صغرك.. أو أحسبك قرأتها في تلك الأكداس من الكتب التي كنت تقرأ لي
منها بعد أن هداك الله والتزمت بالإسلام - أو كما زعمت لي -.. يا بني.. (إن
للسان مروءة فمروءة اللسان حلاوته وطيبه ولينه واجتناء الثمار منه بسهولة ويسر
.. وللخلق مروءته، فمروءته سعته وبسطه للحبيب والبغيض) .. بني أما مروءة
النفس هي حملها قسراً وقهراً على ما يجمل ويزين، وترك ما يدنس ويشين ليصير
لها ملكة في جهره وعلانيته) .
- قال الفتى الشامي. نعم يا أبي. نعم، ولكن ثق أني على عهدك وسأحمل
نفسي على المروءة الحقة في لساني وجناني..
- قال الفتى: قالت أمي مقاطعة. دعك من هذا يا أبا أسعد فوالله ما رأيت
منه تلك المروءة التي تحدثه عنها، فما كان للسانه حلاوة ولا لين، وما كان في
خلقه سعة ولا بسطة، وما حمل نفسه قسراً وما أجبرها قهراً. قال الفتى: حسبك
ياأماه.. حسبك.
- قال الفتى. فصرخت صرخة قطعت كبدي ومزقت أضلعي.. ونحبت
وبكيت.. وأمي تكمل: مروءتك يا بني أين كانت عندما كنا في الحياة الدنيا؟ ؟
- قال الفتى: وأين أنت يا أماه الآن؟ ؟ ألست معي.. إني أعتذر إليك مما
بدر مني.
- قالت: دعك من هذا يا بني كفاك يا أسعد [فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) ومَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَراً يَرَهُ] ? [وسَيَعْلَمُ الَذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ]- قال الفتى: فشهقت.. فوقعت ولكن تمالكت نفسي ونهضت قائماً.. رحماك ربي.. أرجوك يا أمي لا تكملي.. إني قد تبت الآن.. و.. سوف تصفحين عني.. لا لن أعود لمثل ذلك.
- قال أبي: وما ذلك يا أم أسعد؟ !
- قالت أمي: أما تذكر يا أبا أسعد كم رفع في وجهي صوتاً منتصراً لزوجته
أو محتجاً على تدليلي لابنته.. أما سمع وهو الملتزم بالإسلام ذلك الحديث عن أبي
الدرداء، أن رجلاً أتاه فقال: إن لي امرأة وإن أمي تأمرني بطلاقها، فقال أبو
الدرداء: سمعت رسول الله- ﷺ يقول. «الوالد أوسط أبواب
الجنة» .. فإن شئت فضيع هذا الباب أو احفظه.. والله يا أبا أسعد ما أمرته
بطلاق وإنما كانت بعض الأمور المنزلية البسيطة.. ووالله لو أرجعت إلى الدنيا
لسامحته.. ولكن قد مضى قول ربي أن لا أعود..
- قال الفتى: نعم يا أمي إني أعلم ذلك.. ولكن لِمَ لَمْ تغفري لي وأنا في
الدنيا؟ ؟ ..
قال الفتى: إني أعلم لم ذلك! ! .. لأني ما اعتذرت ليغفر لي أو أسامح
ولكني أخذت زوجتي إلى غرفة أخرى متسلياً بها.
- قد أضعت الباب (باب الجنة) يا أسعد..
- لا. لا يا أبي ما أضعته..
- قال الفتى. قال أبي: أضعته يا أسعد.. أما أغضبتك في ذلك اليوم..
فنظرت إلي شزراً، وأنت تعلم في ذلك اليوم أن ابن أبي حاتم قد نقل عن عروة في
قوله تعالى: [واخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ] ، قال عروة: إن أغضباك
فلا تنظر إليهما شزراً..
وجهي، أما قال رسولك في صلة الوالدين بعد موتهما ... وإكرام صديقهما،
ومنه ما ورد عن ابن عمر: (إن أبر البر صلة الولد أهل ود أبيه) ..
أعاهدك يا رب أن أصل صديقهما، وأبرهما بأهل ودهما بعد موتهما.
وإني أتوب إليك توبة نصوحاً عن ما مضى من عصياني وعقوقي.. ولكن..
للتوبة شرط إرجاع الحق..! ! أبي.. أمي.. ولكن يا رب.. يا للهول! ! .. يا
للفجيعة! ! .. أحقاً؟ ني في حقيقة؟ ؟ كيف أعتذر؟ ؟ .. كيف أرجع الحق
وصاحبا الحق قد مضيا؟ ! ! كيف أقابلهما؟ ؟ .. كيف أرجع الحق.. كيف يقبل
قولي.. ولات حين مندم! ! .. أبي..؟ مي..
قال الفتى الشامي: فتخيلت لفرط حزني أن أبي قد تبسم وهو يقول لي:
يا أسعد: إني أعلمك كلمات في المروءة.. قلت: نعم يا أبي، كأنك تسمعني
وأنت في عالمك الآخر.. قال: لا يا بني.. بل أعيد عليك كلمات تعرفها قد
علمتك إياها في صغرك.. أو أحسبك قرأتها في تلك الأكداس من الكتب التي
كنت تقرأ؟ ي منها بعد أن هداك الله والتزمت بالإسلام - أو كما زعمت لي -.. يا
بني.. (إن للسان مروءة فمروءة اللسان حلاوته وطيبه ولينه واجتناء الثمار منه بسهولة ويسر.. وللخلق مروءته، فمروءته سعته وبسطه للحبيب والبغيض) .
بني (أما مروءة النفس هي حملها قسراً وقهراً على ما يجمل ويزين، وترك
ما يدنس ويشين ليصير لها ملكة في جهره وعلانيته) .
- قال الفتى الشامي. نعم يا أبي. نعم، ولكن ثق أني على عهدك وسأحمل
نفسي على المروءة الحقة في لساني وجناني..
- قال الفتى: قالت أمي مقاطعة. دعك من هذا يا أبا أسعد فوالله ما رأيت
منه تلك المروءة التي تحدثه عنها، فما كان للسانه حلاوة ولا لين، وما كان في
خلقه سعة ولا بسطة، وما حمل نفسه قسراً وما أجبرها قهراً.. (قال الفتى: حسبك
يا أماه.. حسبك..) .
- قال الفتى: فصرخت صرخة قطعت كبدي ومزقت أضلعي.. ونحبت
وبكيت.. وأمي تكمل: مروءتك يا بني أين كانت عندما كنا في الحياة الدنيا؟ ؟ .
- قال الفتى: وأين أنت يا أماه الآن؟ ؟ ألست معي.. إني أعتذر إليك مما
بدر مني.
- قالت: دعك من هذا يا بني كفاك يا أسعد: [فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً
يَرَهُ (٧) ومَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَراً يَرَهُ] [وسَيَعْلَمُ الَذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ] ...
- قال الفتى: فشهقت.. فوقعت ولكن تمالكت نفسي ونهضت قائماً..؟
حماك ربي.. أرجوك يا أمي لا تكملي.. إني قد تبت الآن.. و.. سوف تصفحين
عني.. لا لن أعود لمثل ذلك.
- قال أبي: وما ذلك يا أم أسعد؟ !
- قالت أمي: أما تذكر يا أبا أسعد كم رفع في وجهي صوتاً منتصراً لزوجته
أو محتجاً على تدليلى لابنته.. أما سمع وهو الملتزم بالإسلام ذلك الحديث عن أبي
الدرداء، أن رجلاً أتاه فقال: إن لي امرأة وإن أمي تأمرني بطلاقها، فقال أبو
الدرداء: سمعت رسول الله ﷺ يقول. (الوالد أوسط أبواب
الجنة) .. فإن شئت فضيع هذا الباب أو احفظه.. والله يا أبا أسعد ما أمرته بطلاق
وإنما كانت بعض الأمور المنزلية البسيطة.. ووالله لو أرجعت إلى الدنيا لسامحته
.. ولكن قد مضى قول ربي أن لا أعود..
- قال الفتى: نعم يا أمي إني أعلم ذلك.. ولكن لم لم تغفري لي وأنا في
الدنيا..
قال الفتى: إني أعلم لم ذلك! ! .. لأني ما اعتذرت ليغفر لي أو أسامح
ولكني أخذت زوجتي إلى غرفة أخرى متسلياً بها.
- قد أضعت الباب (باب الجنة) يا أسعد..
- لا. لا يا أبي ما أضعته..
- قال الفتى. قال أبى: أضعته يا أسعد.. أما أغضبتك في ذلك اليوم..
فنظرت إلى شزراً، وأنت تعلم في ذلك اليوم أن ابن أبي حاتم قد نقل عن عروة في
قوله تعالى [واخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ] قال عروة: إن أغضباك فلا
تنظر إليهما شزراً..
- قال الفتى: قلت: يا أبي.. ولكنك ظلمتني.. فقال لي أبي: وإن.. وإن
يا أسعد.. أما نقل لك البخاري في الأدب المفرد عن ابن عباس أنه قال: «ما من
مسلم له والدان مسلمان يصبح إليهما محتسباً إلا فتح الله له بابين - يعني من الجنة -
وإن كان واحد فواحد، وإن أغضب أحدهما لم يرض الله عنه حتى يرضي عنه،
قيل: وإن ظلماه؟ قال: وإن ظلماه. وربك يقول [وصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً] ثم.. أي ظلم هذا؟ ! ! .. هل أمرتك بشر؟ ؟ لا والله.. إن هي إلا أمور دنيا..
ولتكن أموراً كنت تتعبد الله فيها ... ثق تماماً.. أنك أضعت الباب يا أسعد..
- قال الفتى: فصرخت.. وما عساني أن أفعل وقد ماتا..؟ ! نعم.. لا
عذر ولا قبول.. وربي بالمرصاد.. ويلي! ! ..
- قال الفتى: وسرت راجعاً بعد دفن أبي ومعي من الجموع الكثير.. وكنت
والله مرعوباً متفتت الأحشاء كسيفاً مطرقاً.. ما زال في فكري ذلك اليوم.. وتلك
الأيام التي كنت أرد على أمي أصواتاً أو أحتج على أبي مغاضباً وكإني سيد الدنيا..
وفي تلك الأيام التي ما أرضى أن ترفع أمي طرفاً لزوجتي أو يحتج أبي على
تصرف لي مهما كان صغيراً.. في تلك الأيام كنت أعلم قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا
الَذِينَ آمَنُوا إنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُواً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ] .. وما أعي معنى لذلك
إلا اليوم.. وكم أبكيتها.. ولكني كنت أقرأ قول ابن عمر: بكاء الوالدين من
العقوق والكبائر.. وأقرأ قوله ﷺ : (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟
ثلاثاً قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين وجلس وكان
متكئاً: ألا وقول الزور، وما زال يكررها حتى قلت ليته سكت) - قال الفتى:
وكم أبكيتك يا أمي.. وكم.. ويا ليتنى قد اعتذرت، ما منعني إلا النسيان أو
الغضب، و.. لست أدري.. ولكني سأستغفر ربي ما عشت وأتذكر الأثر دائماً:
لا تقطع من كان يصل أباك فيطفأ بذلك نورك) .. - قال الفتى: وخطرت لي أمي..
بني أسعد.. إذا ألمت بك مصيبة فكيف تفعل؟ ؟
- قلت: سأستغفر ربي.. قالت: أما لو كنت حية لهانت عليك. قال الفتى:
قلت كيف ذاك يا أماه؟ ؟ قالت: روي عن ابن عباس أنه أتاه رجل فقال: إني
خطبت امرأة فأبت أن تنكحني، وخطبها غيري فأحبت أن تنكحه فغرت عليها،
فقتلتها، فهل لي من توبة؟ قال له: (هل أمك حية؟) ، قال: لا، قال: تب إلى
الله وتقرب إليه ما استطعت، فذهب.. يقول الراوي: فسألت ابن عباس: لم سألته عن حياة أمه؟ فقال: إني لا أعلم عملاً أقرب إلى الله من بر الوالدة..
- قال الفتى الشامي: قلت: يا أماه والله لست أدري هل أضعت الجنة حقاً أم
ماذا..؟ ولكني حسبي بإني قد بررت ما استطعت إلى ذلك سبيلاً ولا يكلف الله
نفساً إلا وسعها..
- قال: قالت أمي: دونك وما رغبت فيه من زهد في الجنة، وهل ظننت
أن سلعة الله تكون حسب الهوى، ورسول الله ﷺ يقول:
» رغم أنف ثم رغم أنف ثم رغم أنف من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كلاهما فلم
يدخل الجنة «.. دعك من هذا، أما أحرقت قلبي وأنا حية؟ .. أما أبكيتني طاعة
لشهواتك أو لنزعاتك أو لزوجتك أو لأمزجتك الخاصة في مواعيد إعداد الطعام أو
استقبال ضيف.. بني.. اسمع بني وأخبر من وراءك من الناس.. قال الفتى:
قلت هاتي يا أم.
- قالت: بني إن الطاعة التي يريدها الله ليست الطاعة التي على هواك متى
غضبت نفرت.. ومتى رضيت وأنست استرضيت.. فالأم لهجها الدائم) قد
رضيت عليك يا بني) . وما تظنها قائلة وقد فطر الله قلبها على حب الابن.. أما
ترى كم من أصدقائك من هجر وفجر فإذا رجع إلى أمه تبسمت وكأن لم يكن قد
حدث منه شيء.. وأنى لها أن تعتب على فلذة كبدها.. ولكن.. هل يرضي هذا
الله؟ .. ثم إن كان ذلك فما معنى قوله تعالى: [وقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ
وبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَاناً إمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ ولا
تَنْهَرْهُمَا وقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً، واخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وقُل رَّبِّ
ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً] .. وهذا قضاء وحكم وجوب من رب العزة على عدم
التأفف وهو الأصغر.. وما علمت الأم تبالي بالتأفف ولكنه طاعة لله، وتأدب معه،
وقد قرن ذلك بالإخلاص له وعدم الشرك.. ومرة أخرى قرن فقال: [واعْبُدُوا اللَّهَ
ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَاناً] .. إذا كان لك رغبات في الحب والكره،
وذبذبات في الرأي فمتى كان لك أن تقيس الرضا بمعيارك وتظن أنه رضى للوالدين
فقد هلكت يا أسعد.. أما رأيت كيف يستذل الطائر وينكسر إذا خفض جناحه للنزول
فكذلك اخفض لهما جناح الذل من الرحمة.. وهذا ما فهمه ذلك السلف الصالح.. أما
سمعت عن ذلك الرجل الذي حمل أمه على عنقه حاجاً وكان يرتجز وهو يطوف
ويقول:
إني لها بعيرها المذلل ... إن أذعرت ركابها لم أذعر
ثم التفت إلى ابن عمر وقال له: يا ابن عمر أتراني جازيتها؟ قال: لا ولا
بطلقة واحدة من طلقاتها، ولكن أحسنت، والله يثيبك على القليل الكثير.
- قال الفتى: وأكملت أمي قائلة: إيه يا بني.. كم كنت أتمنى أن أراك
شاكراً لي قلباً وقالباً، وكم كنت لا أراك إلا مرات قلائل ربما يمر اليوم واليومان
ولا أراك.. وقد شغلت بمعافسة زوجتك وأولادك.. وأحن أن تتمثل الطاعة الحقة
التي عرفها أبو هريرة ﵁ عندما كان في بيت غير بيت أمه، فإذا أراد
أن يخرج مر ببيت أمه ووقف على بابها فقال: السلام عليك يا أمتاه ورحمة الله
وبركاته، فتقول: وعليك السلام يا بني ورحمة الله وبركاته. فيقول: رحمك الله
كما ربيتني صغيراً، فتقول: رحمك الله كما بررتني كبيراً.. ثم إذا أراد أن يدخل
بيته صنع مثله ... بربك يا بني هل كنت تستطيع أن تتخلف عن زوجتك يوماً أو
يومين.. لا..
- قال الفتى: قلت: ولكن يا أماه كانت سليطة اللسان لا تتركني.. أما أنت
فطيبة القلب..
- قال الشامي: قالت: هو ذاك.. إنها سلعة الله.. ولكني لا أعلم ما يفعل
بي غداً حتى أصفح عنك أولاً.. فذلك اليوم الذي سنتقابل فيه هو اليوم الذي يفر فيه
المرء من أخيه، وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه.. لكل منا شأن يغنيه.. وهو يوم لا
أعرف فيه إلا نفسى! ! ..
- قال الشامي. فتأملت ما خطر لي وبكيت وأنا أقول:
فضيعتها لما أنست جهالة ... وطال عليَّ الأمر وهو قصير
فآهاً لذي عقل ويتبع الهوى ... وواهاً لأعمى القلب وهو بصير
ولكن هيهات.. ولات حين مندم ...
- قال الفتى:.. أما بعد.. فإني لا أعلم هل يقدر لي الله من الأعمال
الصالحات ما يؤهلني للتوفيق في الحياة والاستغفار عن ذنبي، أم تراه يصيبني
بتفريطي في حقهما يوم كانا.. وكم رأيت من عبر ودولة الأيام على الناس.. فالله
منتقم ... والله بالمرصاد..
.. فيا غافل.. وما زال والدك معك.. وما زالت أمك معك.. أما لك في
قصتي معتبر؟ ! ! اسمع يا أخا الإسلام، والله إني أخشى عليك وعلى أهلك
وأولادك الهلاك.. كن على حذر.. وتأمل معنى آية التأفف.. [فَلا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ] وحسبي بها.. فرفع طرف الأم نحو السماء مصيب:
إذاالتفتت نحو السماء بطرفها ... كن حذراً من أن يصب قلبك السهم
وفي آية التأفيف للمرء مقنع ... ولكنه ما كل عبد له فهم
ودونك فارغب في عميم دعائها ... فأنت لما تدعو إليه فقير
وطاعتها وبرها قولاً وعملاً، لا قول لطيف.. وعمل هباء.. فالكلمات لا
تغني ولا تشبع من جوع. أما تعرف من هم أصحاب الأعراف؟ .. جاء في بعض
التفاسير عنهم أنهم أقوام قتلوا في سبيل الله ولكنهم خرجوا بدون إذن آبائهم فكانوا
من أصحاب الأعراف.. ومن قال لك يا مسكين أنك ستموت شهيداً؟ وقد خرجت
بطراً لمشاغل الدنيا.
- قال الفتى الشامي: يا أخا الإسلام.. لا تظن كما ظننت سابقاً أن طاعة
الآباء والأمهات حسب رغبتك وهواك، وإنما هي حسب ما يرغبان هما.. وإلا
لهان الأمر! !
- قال الفتى: كنت أظن أن أبي سيئ الطباع.. وأمي شرسة نمامة، ولكني
أتأمل اليوم وأقول: إن ذلك الرجل الذي قد خلقه الله منبوذاً أو مكروهاً بين الناس
طوال حياته المديدة فكان يتألم ويحتقر.. قد ضمن له الله ألا يظلم.. ووعده بتاج
يناله حقاً وهو إذعان أولاده له إذا ما كبر..
- قال الشامي:.. فبأي حق يا شامي قد انتزعت هذا الحق من أبيك؟ .. إنه
والله الهوى وحب النفس.. ويلك يا شامي يوم تعرض الموازين القسط.
يا أخا الإسلام.. يا من رغبت بزوجتك وفرحت بها متجاهلاً أمك.. ويا من
رغبت بمالك وعيالك وأصدقائك عن أبيك.. تأمل معي كيف تكون الطاعة..
أما تذكر قصة الثلاثة الذين كانوا في الغار.. نعم.. قال الأول: اللهم كان لي أبوان
شيخان كبيران وكنت لا أغبق قبلهما أهلاً ولا مالاً فَناء بي طلب الشجر يوماً فلم
أرح عليهما حتى ناما.. فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين فكرهت أن أوقظهما
فلبثت والقدح على يدي أنظر استيقاظهما.. حتى برق الفجر فاستيقظا فشربا
غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه
الصخرة.. تأمل أخي بأي شيء توسل إلى ربه.. بالطاعة الحقة.. ومن يفعل هذا
اليوم فعله؟ ! فكم ترى زوجات مترفات منعمات.. وأنى للأم المسكينة من أن تغبق
أولاً، وكم من أبناء قد أترفوا بنعيم وأنى للأب أن يغبق قبلهم ...
أخا الإسلام.. لا تظنني أريد تفريطاً في حق الزوجة أو الأطفال ولكن أعطِ
كل ذي حق حقه.. وإياك وما أنا فيه.. واغتنم حياتهما، ورغم أنف امرء أدرك
أبويه أحدهما أو كلاهما ولم يدخل الجنة.. وما هي إلا مرارات وآلام أجترها يوشك
أن تنسينيها الأيام ولكن من لي بمحوها من اللوح المحفوظ.. يوم تجد كل نفس ما
عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً
ويحذركم الله نفسه ...
.. ثم إنك توشك أن تقول لي: ولكن لست كأفعالك فاعل فما قدمت على أبي
زوجة، وما رفعت على أمي صوتاً.. وأنا أقول لك: صدقاً قلت ولكن.. أما وإن
أوشكت أن تصر على سلامة سيرتك معهما.. فشد الوثاق ولا تمن.. فذلك هو
رباط قد هداك الرحمن لحراسته وحفظه فدونك وتوثيقه ... ويا سعتادتك.
стр. 213
شعر
إلى متى ؟
شعر: أبي معاذ الخالدي
تحية يا فتى الإسلام والعرب ... في غمرة الليل والإعصار الغضب
تحية.. وفلول الحق لاهثة ... وواثب الحق رغم الحرق لم يثب
تحية.. لك في السراء أبعثها ... وفي الشدائد في الآلام في النكب
ومن دياجي ملمات يضيق لها ... صدر الحليم أناجي كل ذي أرب
من أمتي وعوادي الدهر تطحنها ... في مهمة القحط والأجداب واللغب
من أمتي أمة كانت مكانتها ... فوق الثريا تخطت هامة الشهب
عزاً وبأساً.. وإيماناً تلوذ به ... في كل مصطدم في الدهر اضطرب
تجتاز ليل البرايا من مشاعلها ... وهج الهداية يجلو ظلمة الريب
شبابها درة الأكوان ما جنحوا ... لغير حق.. وما مالوا إلى لعب
إذا جنا الليل لم تلبث مضاجعهم ... أن حركتهن ترنيمات مغترب
جثوا أمام شديد الطول خاشعة ... أبصرهم ودموع الذل في صبب
والوحي عطّر أجواء الظلام ولو ... لا الوحي ما بزغوا كالصبح من عجب
تمتد أعمدة الضوء التي هتكت ... بقوة الحق ما استعصى من الحجب
يا ليل كم شهدت عيناك من بطل ... يبكي أمام جلال الله في رهب؟
وفي النهار ليوث.. كان واحدهم ... في ساحة الحرب كالإعصار كاللهب
في كف أروع لا يخشى وإن ... الموت ينقض كالموتور من قرب
والله أكبر.. رغم اليأس قنبلة ... عنيفة الحس ترمي القوم عنه كثب
يا للشهادة.. أعيتهم مذاهبها ... حيناً فما يئسوا من شدة لطلب
وللسيوف المواضي كم قضت وطراً ... وكم رأت خطراً في لجة الغضب؟
أولئك القوم آبائي مفاخرهم ... مفاخري.. وأنا أولى الورى بأبي
أعظم وأكرم بجيل كان منبته ... روض العقيدة في إثمارها العجب
ويا سعادته.. والكون يحضنه ... وينتشي من عظيم الحب كالحبب
ويا شقاوة أعداء قد احترقوا ... حقداً وضاق عليهم واسع السهب
غشى النواظر حتى ما تكاد ترى ... من الحقائق إلا صورة الكذب
فعد إلى الله.. يامن عضه الألم ال ... دامي ويا من ربي في دجية الريب
واحمل إلى الكون نور الحق إنك ... إن تحمل إلى الكون نور الحق في لب
стр. 214
معضلة التاء المربوطة والهاء !
منصور الأحمد
يشيع اليوم على أقلام الكاتبين: طلاباً، ومدرسين، وصحفيين، وحتى أدباء
خطأ يحسبونه بسيطًا ولكنه ليس بذلك، إذ إنه يوقع في عدم الدقة والالتباس وهو
عدم الاهتمام وقلة الاكتراث بالتفريق بين حرف الهاء (هـ، ـه) والتاء المربوطة
(ة، ـة) وعندما تحاول لفت نظر من يقع في مثل ذلك في كتابته يجيبك في استغراب
وكثيراً في عدم اكتراث: ما الفرق؟ !
فتقول له: الفرق أنهما حرفان مختلفان لكل منهما وظيفته، وشتان ما بينهما،
وإن تشابها في الظاهر، ويجب أن يكون أحدهما منقوطًا، وهو (التاء المربوطة)
والآخر غير منقوط، وهو (الهاء) .
وللتمثيل لذلك فإن: شجرة، مكتبة، وجميع الأسماء التي تنتهي بتاء مربوطة
يجب نَقْط تائها وصلاً ووقفاً، غاية ما في الأمر أننا عندما نقف عليها نلفظ التاء
هاءً (وهذا هو الذي يوهم من لا تدقيق عنده ومن لا يعير ذلك انتباهه أنها هاء
فيتركها بدون نقط) .
أما الكلمات: جباه (جمع جبهة) وجوه، الله، تنبيه، معتوه ... فهذه الكلمات
تنتهي بالحرف (هـ) ولا يصح بحال نقطه لأننا نقرؤه هاء في حالتي الوصل والوقف
وكذلك الكلمات: كتابه، قوله، دوره- تكتب هاء لا تاء مربوطة (أعنى هاء
دون نقط) لأنها هنا هاء الضمير وتقرأ هاء وصلاً ووقفاً، ولو نقطناها لربما حسبت: كتابة (مصدر كتب) قولة (المرة من القول) دورة (المرة من الدوران) .
وهناك خطأ آخر (وهو متفرع من عدم التفريق بين التاء المربوطة والهاء)
ولكنه لا يظهر إلا في القراءة وهو لفظ التاء المربوطة أثناء القراءة هاء ساكنة مثل: (عاد الطلاب إلى المدرسه بعد انتهاء العطلهْ الصيفيهْ) والواجب أن تقرأ (عاد
الطلاب إلى المدرسة بعد انتهاء العطلةِ الصيفيةِ) وقد يلجأ بعض الناس إلى لفظ
التاء هاء ساكنة أثناء القراءة لأنه لا يعرف حركة التاء أهي: ضمة أم فتحة أم
كسرة؟ وهنا يصبح الخطأ الإملائي هروبًا من الخطأ الإعرابي، ولا يظن من يفعل
ذلك أنه ارتكب خطأين وتداوى من الداء بداء آخر.
إن هذه الملاحظات ربما تقابل بهز الكتف من فئتين:
أ - فئة غير مقتنعة بأن هذا الأمر ذو بال ومهم إلى درجة التنبيه عليه، بل
لا تعتبر أمر اللغة العربية كله من الأمور التي ينبغي صرف الجهد إليها ونحن هنا
لا نعني غير المسلمين، أو أعداء الإسلام بل نعني كثيراً من المسلمين ذوي النوايا
الطيبة.
ب - وفئة أخرى تعتبره تحصيل حاصل، وهناك من أمور اللغة ما هو أهم
منه لبذل الجهود، وقد يستكثرون أن ينبه على موضوع كهذا في مجلة.
ولنا أمل في كل من يقرأ هذه الملاحظات من الفريقين أن يغيروا من رأيهم
ويعطوها شيئاً من الجدية، فضعف العربية ليس إلا ضعفاً لأهلها، والخطأ فيها منها
كبائر ومنه صغائر، ولكن الصغائر إذا صاحبها التكرار والإصرار أصبحت كبائر.
стр. 215
هل الدولة العباسية دولة أعجمية ؟
محمد العبدة
من أصعب الأمور في الدراسات الاجتماعية أن تظن أنك في معمل للكيمياء،
أو أنك أمام معادلات رياضية، إذا أضفت هذا العنصر إلى ذاك، أو هذا الرقم إلى
أخيه فلا بد أن تكون النتيجة معلومة محددة، فالنفس الإنسانية تأبى هذه المعادلات،
بل هي أعقد مما كان يظن علماء النفس في أول هذا القرن.
وفي تعليلنا لحوادث التاريخ، أو عندما نصف عصراً من العصور لا نستطيع-
وبكل بساطة - أن نلقي الكلام على عواهنه، ونحدد طبيعة هذا العصر أو ذاك
بجملة واحدة وكأنها بديهية رياضية. ومما يتردد على الألسنة قول بعض المؤرخين
أو الأدباء الذين يكتبون في التاريخ أن الدولة العباسية (دولة أعجمية خراسانية،
ودولة بني مروان دولة عربية أعرابية) [١] هكذا وبهذا التعميم، وبهذا الإطلاق
تصبح هذه الكلمة مسلمة لا شك فيها ولا جدال، وهذه التعميمات والنظرة الأحادية
للدول تطبق أحياناً على الأفراد فيظن الناس أن هذه صفاتهم الرئيسية، وباقي
الصفات ضعيفة، كما يقال: شجاعة عليٍّ وحياء عثمان ﵄، فيظن
البعيد أن علياً شجاع بلا سياسة، وأن عثمان حيي بضعف.
إن هذه التعميمات في الأحكام قد تكون صادقة في جانب من الجوانب، ولكنها
لا تعطي الصورة الصحيحة للموضوع المتحدث عنه، وهذا من أكبر المغالطات
التي تحجبنا
عن التفكير السليم، بل وتحجب الحقائق عنا لأننا لم نتعود الدخول في
التفاصيل والجزئيات التي باستقرائنا لها نكون أقرب للصواب.
وقبل أن نجيب على السؤال المتبادر: هل الدولة العباسية أعجمية خراسانية؟ أحب أن أوضح طبيعة الدعوة العباسية أولاً ثم الدولة العباسية ثانياً.
أولاً: نشطت الدعوة العباسية كحركة مضادة للدولة الأموية، همها الأول
إسقاط الحكم الأموي مهما كانت الوسائل، فهي حركة منظمة ترفع شعارات عامة
لتجمع الناس من حولها، وينضوي الكل تحت لوائها، كل حسب فهمه وتوقعاته،
ولا مانع لديها من العمل بواجهات متعددة ومختلفة، فهي إسلامية ترفع شعار العدل
ضد ظلم بني أمية، وهي هاشمية ترفع شعار أحقية بني هاشم دون تفريق بين آل
العباس أو آل علي. وهي في خراسان تتقرب من السكان الأصليين ومن العرب
اليمانية الذين استقروا هناك، ومن قوادها ومنظميها عرب وخراسانيون، وقد ينضم
إليها من يحمل في نفسه أغراضاً دينية وسياسية بعيدة كل البعد عن الإسلام.
يقول ابن تيمية واصفاً هذه الحالة: وكان في أنصارها من أهل المشرق ...
والأعاجم طوائف من الذين نعتهم النبي ﷺ حيث قال: «الفتنة
هاهنا» [٢] وظهر حينئذ كثير من البدع ... وكان المهدي من خيار خلفاء بني
العباس وأحسنهم إيماناً وعدلاً وجوداً فصار يتتبع المنافقين الزنادقة [٣] .
ثانياً: ولكن الدعوة بعد نجاحها وتحولها إلى دولة تبنت المذهب السني، وتجد
الدولة نفسها في صراع مع أصحاب المذاهب الهدامة من (مانوية) أو (بابكية ... خرمية) وعندما لم تجد في العراق ما يكفي من العلماء لنشر السنة أتوا من المدينة بعلماء مهدوا السبيل كربيعة بن أبي عبد الرحمن ويحيى بن سعيد، وارتحل إليهم هشام بن عروة وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون ومحمد بن إسحاق، ومن حينئذ بدأ ظهور السنة هناك " [٤] .
ويقول ابن تيمية: وكان خلفاء بني العباس أحسن تعاهداً للصلوات في أوقاتها من بني أمية، فإن أولئك كانوا كثيري الإضاعة لمواقيت الصلاة كما جاءت فيهم الأحاديث:
(سيكون من بعدي أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها فصلوا الصلاة لوقتها
واجعلوا صلاتكم معهم نافلة) [٥] .
وهذه الدولة فيها ظلم أيضاً وقع من ملوكها أو ولاتها وفيها بدع تبناها المأمون
وإخوته، وترجموا كتب اليونان التي كان لها الأثر السيئ على الأمة الإسلامية
ولكنها تبقى دولة إسلامية كما جاء في الحديث (ثم يكون ملكاً عضوضاً) ويصفها
المؤرخ ابن طباطبا: بأنها دولة فيها مكر وخداع، وفي تعليق للذهبي عن تحول
الدولة إلى بني العباس قال: (فرحنا بمصير الأمر إليهم ولكن والله ساءنا ما جرى
من سيول الدماء والسلب والنهب) [٦] .
ونستطيع القول: إن الدعوة العباسية أرادت أن تكون دولة إسلامية غير
منحازة لفريق دون آخر ولكنها لم تتخذ الوسائل الكافية لذلك، بل وقعت فيما أبت
وتسلط عليها في بعض الفترات أسر ذات نفوذ كبير، ثم تسلط عليها الأتراك.
ونعود للسؤال الأول: هل الدولة العباسية دولة أعجمية؟ فنقول:
١- إن مؤسسي هذه الدولة من بني هاشم من صميم قريش وكانوا مؤسسين
فعلاً وليسوا أداة بيد أحد، والذي خطط لهذه الدعوة هو محمد بن علي بن عبد الله
بن العباس وقام بتنفيذها بعده ابنه إبراهيم. وبدأت الدولة بأخيه عبد الله الملقب
بالسفاح ثم بأبي جعفر المنصور، وكانوا أقوياء ولا يستطيع أحد أن يتخذهم أداة
لتنفيذ أغراضه.
٢- كان عدد النقباء الذين يشرفون على الدعوة في خراسان وغيرها اثني
عشر نقيباً معظمهم من العرب أمثال:
سليمان بن كثير الخزاعي، وهو رئيس النقباء وشيخهم.
مالك بن الهيثم الخزاعي.
طلحة بن رزيق الخزاعي.
موسى بن كعب التميمي.
القاسم بن مجاشع التميمي.
قحطبة بن شبيب الطائي.
خالد بن إبراهيم الشيباني.
سالم بن سلام البجلي.
٣- إن اصطلاح (أهل خراسان) لا يعني بالتاكيد أن جميعهم من سكان البلاد
الأصليين، فالعرب استوطنوا قرى خراسان ومدنها، وكثير منهم من العرب الذين
هجّرهم زياد بن أبيه حين كان أميراً على العراق، وذلك لشغبهم على الأمويين،
وكثيراً ما يظن بعض الكتاب أن فلاناً أعجمي بسبب نسبته إلى إقليم أو مدينة في
إيران، والحقيقة أنه عربي فالذي يسمع باسم جديع بن علي الكرماني يظنه أعجمي
وهو من رؤساء الأزد، أو الفضل بن سليمان الطوسي وهو من تميم [٧] .
٤- من الأدلة على أن عرب خراسان ساهموا في الدعوة العباسية ما تؤكده
رواية في مخطوط (أخبار العباس) تقول: " طالت الفتنة بين نصر بن سيار وعلي
ابن الكرماني ومن كان بها من العرب حتى أضجر ذلك كثيراً من أصحابها، وجعلت
نفوسهم تتطلع إلى غير ما هم فيه وإلى أمر يجمعهم، فتحركت الدعوة يدعو اليماني
اليماني والربعي الربعي.. " [٨] .
ولا شك أن الموالي لهم دور في قيام الدولة، فالدعوة كما قلنا قامت بواجهات
متعددة.
٥- وأما ما يذكر عن رسالة إبراهيم بن محمد بن علي العباسي إلى أبي مسلم
الخراساني الذي يقول فيها: (.. وإن استطعت ألا تدع بخراسان لساناً عربياً فافعل..)
(الطبري ٦/ ١٤) فهذا الجزء من الرسالة فيه تناقض صريح، فكيف يعتمد
على نقباء عرب وعلى قبائل عربية ويوصي خاصة باليمانيين ثم يقول له اقتل كل
عربي. وقد حاول الدكتور يوسف العش في كتابه عن الخلافة العباسية أن يثبت
تصحيف هذه الجملة وأنها ربما تكون (إنساناً مريباً) وحاول منقح الكتاب أن يثبت
أنها (لساناً غريباً) ولكن الدكتور فاروق عمر أثبت من خلال مخطوط (تاريخ
الموصل) للأزدي أن الرسالة كتبت بهذه الصيغة (فاقتل من شككت في أمره ومن
كان في نفسك منه شبهة، أو وقع في نفسك منه شيء، وأيما غلام بلغ خمسة أشبار
تتهمه فاقتله) [٩] . ونحن هنا لا نناقش الوصية من حيث قسوتها أو وحشيتها،
فالأزدي نفسه الذي أورد هذا النص أنكر على العباسيين قسوتهم على حركة قامت
بالموصل، والذي نريد التأكيد عليه هو أنه لا يمكن أن يصدر كلام متناقض من قبل
منظر كبير للدعوة مثل إبراهيم الإمام.
٦-إن العباسيين بعد أن استقر لهم الأمر استخدموا أقسى الوسائل مع
خصومهم سواء كانوا عرباً أم خراسانيين فقد قتل أبو سلمة الخلال الذي كان يسمى
بوزير آل محمد، وقتل عبد الله بن علي العباسي عم الخلفاء السفاح والمنصور لأنه
منافس خطير لأبي جعفر على الخلافة، وقتل قائدهم المشهور أبو مسلم الخراساني، كما جابه المنصور حركة الرواندية الباطنية بعد أن أصبحوا خطراً على الدولة،
أما قبل ذلك فلم يتحرك لهم وعندما نصح بضربهم قال. (دعهم يدخلون النار في
طاعتنا على أن يدخلوا الجنة في معصيتنا) [١٠] .
وأخيراً فإننا لا نستطيع أن نبرئ الدولة العباسية بشكل عام من الوصف الذي
وصفت به لأنه قد تسلط فعلاً بعض الأسر الأعجمية الذين لهم هوى وثقافة معينة
يريدون تطبيقها على نظم الحكم أو العادات والتقاليد، ومن أمثلة هذه الأسر.
البرامكة، وبنو سهل، وبنو طاهر، ولكن الخلفاء في هذه الفترة كانوا أقوياء
وعندما كانوا يشعرون بجدية خطر هؤلاء كانوا يستأصلونه.
وقد يقال إن طبيعة التطور في أمثال هذه الدول أن تستعين بالأباعد حسداً
وحرصاً وبعداً عن أطماع الأقارب وإن كان فيه هلاكها في النهاية. وقد وقع لبني
أمية في الأندلس قريب من هذا وتبقى المشكلة في هذا الفكر الذي يريد أن يلخص
حال دولة بجملة واحدة، ولا يحب الدخول في تفاصيل الأسباب الكثيرة والجزئيات، هذه النظرة القاصرة الأحادية للأمور وعللها والتي لا زالت تؤثر في حياتنا
وتقويمنا للأشخاص والأشياء.