البيان الأدبي (شعر)
وا أُمَّتاه
د. عبد الرحمن صالح العشماوي
زفراتكم من حولنا تتصعَّد ... وصراخكم في صمتنا يتبدَّدُ
ذبتم على وَهَج الرَّصاص ولم نزلْ ... لعدوِّنا وعدوِّكم نتودِّد
تتغيَّثون سحابَنا، وسحابَنا ... وَهْم كبير في الفضاء مجَّمُد
تترقَّبون قرار مؤتمراتنا ... بُشرى لكم، فقرارها سيندِّد
ولسوف ينطق ناطقٌ، أنّا على ... شَجْبِ العدوِّ المستبدِّ سنصمدُ
ولسوف يحلف حالفٌ من قومنا ... أن َّ الأسى من أجلكم يتجدَّدُ
ولسوف تُقْرَأُ كلَّ يومٍ نشرةٌ ... عنكم مصوَّرةٌ ويُعرض مشهَدُ
ولسوف تُرسَمُ لوحةٌ ... زيتيَّةٌ فيها صريع بالتراب موسَّدُ
بُشرى لكم سيُقام حفلٌ ساهرٌ ... وتُصاغ أُغنيةٌ لكم وتُردَّد
هذا الذي سترون منا فافرحوا ... واستبشروا،وعلى الكلام تعوَّدوا
أما الجهادُ لأجلكم، بعتادنا ... فمحرَّم، إنَّ الجهاد تمرُّدُ
ولِمَ الجهادُ، وهيئةُ الأممِ انبرتْ ... للظالمين، ففضلُها لا يُجحَدُ
ألقت على الصومال ألفَ قذيفةٍ ... تحيي بها الأَمْنَ الذي لا يُوجد
ورمتْ إلى الصَّرب الزِّمام فجيشهم ... يُرغي بأوروبا هناك ويُزْبُد
أحبابَنا عفواً فغايةُ قومنا ... مالٌ وأولادٌ وعيشٌ أَرْغَدُ
أما مقاومة العدوِّ فعادةٌ ... مذمومةٌ، من مثلنا لا تُحَمُد
أنَّى تجاهد أمةٌ تحيا على ... غَبَشٍ، تُفرِّط في الكتاب وتُلحِدُ
سيفُ الجهاد بغمده متلفِّع ... والبابُ في وجه المجاهد يُوصَدُ
أحبابنا إني أغالب حسرةً ... مشبوبةً وعلى الأسى أتجلَّدُ
نظراتُ أعينكم تعذِّبني فلا ... عيشي يطيب، ولا جفوني ترقدُ
تبكي سراييفوا دماً فأنينُها ... لهبٌ، وخاطرُها الحزين الموقدُ
تجري دماء الأبرياء على الثرى ... نهراً، وعالَمُنَا المخدَّر يشهَدُ
وتبيتُ مقديشو على آلامها ... نفسٌ محطَّمةٌ وجَفْنٌ مُسْهَدُ
والمسجد الأقصى يباع ويُشترى ... جهراً، وقُدس الفاتحين تُهوَّدُ
أوَّاه من نار أُحسُّ بحرِّها ... لما يُراق دَمٌ، ويهدم مسجدُ
إني لأبصر وجه طفلٍ تائهٍ ... وسؤاله الحيرانُ، أين المرشدُ؟
يبكي ولا أمُّ تكفكف دمعَه ... يشكو وليس له أبٌ يتودِّد
سرق النظام العالميُّ ثيابَه ... وسهام أوروبا إليه تُسدَّد
وقذائفُ الصِّربِ العنيفةُ لم تَدَعْ ... عصفورَ أحلام الصغير يغرِّد
أين الدفاترُ يا محمَّد، لم يُجِبْ ... أنَّى يجيب عن السؤالِ محمَّد؟!
أنَّى أُجيبُ، وفي لساني حُبْسَةٌ ... والنار من أنقاض داري تَصعَدُ؟
أنَّى أُجيبُ، ولعبتي محروقةٌ ... وأبي الحبيبُ على الرصيف مُمدَّدُ؟ !
أنَّى أُجيبُ، وثوب أمي شاهد ... أنَّ الجريمةَ، حَدَّها لا يبرُد؟ !
أنَّى أُجيبُ، وقُرط أختي لم يزلْ ... يبكي عليها، والعدوُّ يهدِّدُ؟ !
أنَّى أُجيب، ونحن زَرْعُ طفولةٍ ... كسنابل القمح النديَّة نُحْصَدُ؟ !
أنَّى أُجيبُ، ومات ألفُ تَساؤُلٍ ... ومضى الزمانُ، وما أزال أُشَرَّدُ؟ !
ماذا جنى هذا الصغيرُ، أما هُنا ... رجلٌ إلى قول الحقيقةِ يُرشدُ؟ ؟ ! !
إني لأسمع صوت مسلمةٍ لها ... قلبٌ، وليس لها على الباغي يدُ
ظلَّت تصيح وتستجير فلا ترى ... من قومها مَنْ يستجيب ويُنْجدُ
نادتْ ونادت، فاستجاب لها الصَّدَى ... إن الذي يحمي الحمى لا يُوْجَدُ
لا تصرخي، فصلاحُ دينك غائبٌ ... وحصانُ معتصم الإباءِ مقيَّد
والخيلُ، خيلُ الله، لم تُصنع لها ... سُرُجٌ، ولم يقد الكتيبةَ أحمدُ
لا تصرخي. فسلاحُ أمتك التي ... تستصرخين، من العدا مستوردُ
لا تصرخي فالحاكمون بأمرهم ... حفظوا أناشيد الخضوع وأنشدوا
يا ويحهم لو أنهم جعلوا الهدى ... درباً، لما حكم القريب الأبعدُ
إنى لأبصر أمةَ الإسلام في ... لَهْوٍ، تقوم على الهوان وتقعَدُ
نار الصليب تُشَبُّ بين خيامها ... ولواءُ إسرائيل فيها يُعقَدُ
ورصاص أوروبا مزِّق جسمَها ... وغرور أمريكا فَمٌ يتوعَّدُ
فأكاد أحلف أنَّ أمتنا غدتْ ... بالذُّل في دَيْر الهوانِ تُعمَّد
وكأنّها لم تَبْنِ صرحاً شامخاً ... ظلَّتْ به نحو المعالي تصعد
واأُمتاه، وضجَّ بحر تساؤلي ... ما هذه الحُرَقُ التي تتوقَّدُ
ماذا دهاك، وأُسرجت لي شمعةٌ ... واستبشرت طرقي وبان المقصدُ
ورأيت أمتنا، وفي تاريخها ... هِمَمٌ عظامٌ، نَهْرُها لا يركدُ
لما سألت الليل عنها، قال لي: ... كانت إذا أكْنَنْتُها تتهجَّدُ
لما سألت الفجر عنها، قال لي: ... كانت تسبح ربَّها وتحمِّدُ
لما سألت الحرب عنها أقسمتْ ... بالله، أنَّ ظهورها لا تُجلَدُ
لما سألت الروم عنها زمزموا ... لما سألت الفرْس عنها أَبْلَدٌوا
لما سألتُ مقوقساً ورجاله ... قالوا: لأمتك العُلا والسُّؤْدَدُ
كانت فوا أسفا على الحال التي ... صارت إليها، إنها لا تُسْعِدُ
ماذا أقول لها، أألطم وجهها ... بالشعر حتى ينهضَ المستعبَدُ؟!
ماذا أقول: إذا رسمنا لوحةً ... للحزن، قالوا إنّ شعرك أسودُ؟!
وإذا رفعنا الصوت نشكو ما جرى ... قالوا تُثير الغافلين وتحشُدُ
وإذا تنهدنا أداروا نحونا ... ظهراً، وقالوا: العارُ أنْ تتنهَّدوا
من أين نخرج، كلُّ زاويةً بها ... ذئبٌ يراقبنا، وعينٌ ترصدُ؟!
ماذا أقول لأمةٍ، قد خيَّبَتْ ... ظني، وصارت في المكارم ترصدُ؟
سأقول في وضح النهار وإن طغى ... طاغٍ، وإنْ كره المقالةَ مُلحِدُ:
إني أرى في جيل صحوتنا مُنَىً ... مخضلَّةً، عنها سينكشف الغَدُ
إني برغم الحزن لستُ بيائسٍ ... فالفجر من رحم الظلام سيُولَدُ
стр. 1507
يا أمتي [*]
محمود السيّد الدغيم
ما للمعارك ضدّنا تتصعَّدُ ... والضدُّ يغتال المنى ويُبدِّدُ
وقيادةٌ حيرى تخبَّط رأيُها ... لعدونا وعَدُوِّها تَتَوَدَّدُ
ففريقُها متشبثٌ بكبيرها ... وصغيرُها خلف الغريق مُجَمَّدُ
تَتَصنَّع الإنصافَ مؤتمراتُها ... وتُدين من عادى العِدا وتُندِّدُ
وتُهجَّر الأحرارَ عن أوطانهم ... وتثور في وجه الجهاد وتصمدُ
لكنَّها ترضى بذُلِّ وافد ... عَبْرَ الفصول بأرضنا يتجدَّدُ
والحقُّ مكسور الجناح مُحَطَّمٌ ... في " مجلس الأمر " المخيف مُوَسَّدُ
يتحلَّقُ الشُّذاذُ حول فراشِهِ ... ونهيقُهم مِنْ حولهِ يتردَّدُ
صاغوا قرارات لنفاق فويلهم ... قد أجحفوا، وعلى النّفاق تعوَّدوا
وَدَعَوا إلى إلغاء كُلِّ فضيلةٍ ... بَلْ كَرَّروا " إنّ الجهاد تَمَرُّدُ "
يا ويلهم! ! ودماؤنا مسفوحةُ ... في كُلِّ أرض إنها لا تُجحَدُ
شُفحَتْ ففي الصُّومال نهر دمائنا ... يَستَصْرِخُ الحرَّ الذي لا يوجدُ
والصِّرب تسبح في الدماء " وبطرسٌ " ... يُرغي بمجلسهِ الرخيصُ ويُزْبِدُ
أين العصا للعبد؟ إن دروسَها ... عِظَةٌ وأخلاقٌ " وعيشٌ أَرْغَدُ "
أما مُمالأة الوضيع فَخِلَّةٌ ... مَمجُوجةٌ- في ديننا -لا تُحْمَدُ
والسَّيْرُ في رَكْبِ النِّفاقِ جريمةٌ ... والرَّكب يَهزأ بالكتاب ويلحدُ
أما الجهاد فركبه متغيبٌ ... في السِّجن والسَّجانُ باباً يُوْصِدُ
كيف الرقادُ وفي " السَّراي " معاركٌ ... بدماء أطفالٍ صغارٍ تُوقَدُ
في كل بيتِ-في السراي - ضحيةٌ ... ظلماً، وأخبارُ الوقائعِ تشهدُ
هجم العدوُّ مدمِّراً أمجادنا ... فالقدس-في وضح النهار-تُهَوَّدُ
دُكَّتْ جوامِعُنا بأيدي عدوِّنا ... فَبَكَتْ مآذنُنا وناح المسجد
أطفالنا عَبْرَ الدروب تشرَّدوا ... فَقَدُوْا خرائطَهم وَضَاعَ المرشدُ
يبكون لا أمُّ تجيبُ ولا أب ... وَوَصِيُّهمْ لعدوِّهمْ يَتَوَدَّدُ
شَرِبَ " النظام العالميُّ " دماءَهم ... وسهامهُ نحو القلوب تسددُ
ظُلِمَ الصِّغار وشرِّدوا وتعذَّبوا ... وعلى عدوِّ الله لم تُرفعْ يدُ
فتهكمَ الأعداءُ، قال كبيُرهم: ... مَنْ ذا صِغارَ المسلمينَ سينُجْدُ؟
ما للحداثة أفسدتْ أحداثَنا، ... وشيوخنا منهاجهمْ مُسْتَوْردٌ
والحاكمون تحكَّموا بشعوبهم ... والشِّعرَ في مدح الأعادي أنشدوا
نبذوا القريبَ إلى البعيد وقرَّبوا ... أعداءهم، قَرُبَ البعيدُ الأبعدُ
نُفِيَ الكريمُ وحطِّمت آماله ... فالوغد في بيت المُهَجَّرِ يقعُدُ
والهودُ في القدس الشريفِ تحكَّموا ... راياتُهُمْ فوق السواري تُعقَدُ
حاخامُهُم في الشَّام صار مناضلاً ... فَظّاً غليظاً دائماً يتوعَّدُ
مهلاً؟ أبا حمرا [**] فإن جيوشَنا ... صارتْ بدير الراهابات تُعَمَّدُ
لكن تعميدَ الجيوشِ مؤقتٌ ... وغداً إلى قمم المعالي تَصعدُ
تلك الجيوش تَبَرَّمَتْ من قهرها ... غَضَباً وحُزْناً كاللظى تَتَوَقدُ
قد أدركت خُططَ العدو وغدرِهِ ... إذ أسفَرَ الباغي وبان المقصدُ
وتكشَّفَتْ للنَّابهين سياسةٌ ... همجيَّةٌ، وسُمومُها لا تركدُ
تغتالُ مَنْ سلكوا طريق محمدٍ ... ليلاً وتوحي أنها تَتَهَجَدَّ
وتسيرُ في درب الضَّلالة عن هوىً ... والسَّيرُ في درب الهوى لا يُحْمَدُ
سلختْ جلودَ المؤمنين سياطُها ... من غير ذنب بالمقامع تُجلدُ
ضحكتْ علينا الرُّومُ في نَدَوَاتِها ... في الغرب والفرسُ المجوسُ تَبَلَّدُوْا
للغدر - آناء الجرائم - أسفروا ... عن حقدهم جهراً وغاب السُّؤدُدُ
" ورخيصُهم " تاجٌ على رأس الخنا ... فلذا البريَّةُ كُلُّها لا تسْعَدُ
أحفيدُ من خانوا يُحَرِّرُ أُمَةً؟ ... لا لَنْ يُحَرِّرَ أمَّةً مُسْتَعْبدُ
أقواله بيضٌ وأَمِّا فِعْلُهُ ... -ضدَّ الشريعة والعروبة - أسودُ
نارٌ على الإسلامِ برْد للعدا ... وجيوشُهُ تحت البيارق تُحْشدُ
للصِّربِ عَوْنٌ في جميع حروبهم ... قَلِقاً على أحوالهم يتنهدُ
ولذا تراهُ كذئبةٍ قطبيَّةٍ ... لَبَدَتْ على درب الأيائل تَرْصدُ
وطلائعُ الفتح المبين تغيَّبَتْ ... غَصْباً فصارتْ بالملاحم تزهدُ
فانهار سَدٌّ شيدوه جدودُنا ... وتَصَدَّعَ الباقي فعربَدَ مُلحدُ
فمتى ستصحو أُمَةٌ من نومها ... وتَلُّمُّ أشتاتاً إذا هجمَ الغدُ
وتُرَشَّدُ الأجيالُ بعد تَخَبُّطٍ ... والرشد من بعد الضلالة يولدُ
* * *
يا أمة الإسلام ثوري واثأري ... لا تجزعي إنْ أبرقوا أو أرعدوا
آسي جراح النازفين على الثرى ... وتوحدي إن التوحُّدَ أَنْجد
* * *
стр. 1508
الجولة الأخيرة
مقطع من رواية (صقور القوقاز) التي تظهر موقف الشيخ شامل في نهاية الصراع مع الروس. - بتصرف -
انتهت حرب القرم، وتولى القيصر الكسندر الثاني العرش خلفاً لنيقولا الأول، فقام - لإنزال الضربة الأخيرة بشامل - بإرسال الجيش - الذي سحبه من القرم- إلى جهة القوقاز. وقد أصدر إلى (فورونتزوف) أمره التالي: ...
(- اقض على جميع عشش الصقور، وانتف أجنحة الصقور حتى لا
تستطيع الطيران بعد ذلك. انتظر منكم جميعاً النشاط والهمة والغَيْرة. ولا بد لهذا
العمل من نهاية) .
والواقع أن جناحاً من أجنحة حرب الاستقلال قد تحطم عند انفصال الحاج ...
(مراد) . وقام بعض أمراء الآوار والقازاق بتغيير المكان من جديد واتحدوا ضد ...
(شامل) ، ولم يكن هذا غير الملح والفلفل الذي يوضع على هذا الجرح. وباتت
وحدة الناس التي كانت بين المجاهدين وكانت مثل قلعة لا يمكن اختراقها، باتت
هينة لدرجة أن السيف يمكن أن يدخل بينها (..) وأثمرت بذور الشقاق التي سبق
زرعها، وحوصر الإمام " شامل " في " داركو " حاصرته جيوش روسية ثلاثة.
انسدت كل طرق المساعدات، وتحكم المستطلعون الروس في نظام التخابر
بين الداغستانيين ( ... ) يلعب (شامل) ومعه مجموعة من المسلمين المخلصين
التفوا حوله، ساعاتهم الأخيرة في جولتهم الأخيرة.
ضغط كلا الفريقين على قبضاتهم بشدة هائلة. محكوم على واحد منهما قطعاً
ألا يبقى قائماً وأن يقع أرضاً. وسيكتب على أسوار مقر القيادة في " داركو "
النتيجة القاطعة.
لم يكن الإمام " شامل " ينتظر أي مساعدة قط تأتيه من العالم الإسلامي كان
واقعياً طوال حياته، أدار ظهره دوماً للخيال، وعاش يواجه الواقع والحقائق
ويعيش فيها. وكانت الحقائق مُرَّة. كان العالم الإسلامي مشغولاً للدرجة التي لا
يستطيع فيها أن يساعد إخوان الدين الذين يجاهدون في سبيل حريتهم.. كان
مشغولاً وأي انشغال. نَسيَ فيه الغيرة الجهادية التي أمر الله بها في القرآن، والتي
حث الرسول ﷺ عليها، واستبدل هذا العالم وِفَاقَهُ بالنفاق
واتفاقَهُ بالتفرقة. لقد ألمّ بهذا العالم سبات وخدر طارئان.
وبعد دعاء طويل، قرأ للشاعر التركي الشيخ إبراهيم حقي الأرضرومي، ثم
خرج:
هيا نرى ماذا يريد المولى ... فكل ما قد قدَّر المولى جميل
كانت أضواء الغابات المحترقة من بعيد تنعكس، على وجه " شامل "،
وتجعل إنساني عينيه تلمعان. كانت هذه خطة " فورونتزوف ". كان يحرق كل
غابات بلاد القوقاز، وأخذت جريمته هذه تشمل الحيوانات أيضاً. كان القيصر قد
أصدر أمره التالي: " خرب عشش الصقور. وطالما أن هذه الغابات موجودة فلا
بد أن يكون بالضرورة خلف كل شجرة فارس ششني أو داغستاني آخر. يتحدى
بمفرده روسيا حتى لو احتاج هذا الأمر إلى روحه. كان هكذا يفكر " فورونتزوف ". ولأنه يفكر هكذا كان يحرق الغابات.
لا بد أن تكون هذه اللُهب، لهب نيران الحرية المنبعثة من عمق القوقاز.
لكن آه! لقد بدأت نيران الروس تعمل عملها بعد أن سقطت جمرات الطمع في
بعض القلوب. وإلا فهل يمكن أن يرتاح العدو في مكان تنبعث منه الغيرة الدينية؟
كم كان الظلام دامساً، يا ربي! .. لا شيء فيه يَبين، لا اتجاه ولا طريق.
لا صديق طاهر ولا غريب. إنما مجموعة من الفدائيين، ذاقوا أهوالاً كثيرة.
تخطوا الوحدات الروسية موجة بعد موجة، كسروا إطاراتهم، نجوا من ذل الأسر
أسرعوا في الجري وهم يحترقون في مشعل الحرية، وصوت " شامل " الجهوري
يدوي.
(من يفكر في نهايته لن ينجح أبداً في أي وقت. إنما القوة والقدرة من الله
وحده) . ( ... )
لم يبق في القلعة سوى ثلاثمائة شخص أغلبهم مسنون لم يعودوا بمستطيعي
إطلاق الرصاص. أو أطفال لا يستطيعون الصعود إلى الأبراج. لكن فيها نساء.
أخذت النسوة القوقازيات أمكنتهن بجوار رجالهن. تعلمت الأيدي الناعمة الإمساك
بالبنادق ومع ذلك لم يكف هذا. ورغماً عن هذا، فقد رفض الشيخ اقتراح التسليم
الثالث الذي كانت مدته حتى المساء. وأعلن قراره الحاسم بقوله:
(عدوٌّ، كل من يمد يده إلى العدو.)
стр. 1509
حديقة الحيوان
فيصل محمد الحجي
وَلَدي يزور حديقةَ الحيوانِ ... ويعود يحكي لي كوصف عيانِ
ويقول: يا أبتي رأيتُ مَشَاهداً ... تَدَعُ الحليمَ هناك كالحيرانِ
إنّي رأيتُ الذئبَ يظهرُ بأسَهُ ... في نعجةٍ منهدَّةِ الأركانِ
ورأيتُ قرداً فاسقاً متلصصاً ... يرنو إلى أُنثى لدى الجيران
ورأيتُ ديكاً مُتْخَماً شَبَعاً ولم ... يَرْمِ الفُتاتَ لجارهِ الجوعانِ
ورأيتُ ليثاً خائراً متخاذلاً ... وعرينًهً بقيادة الجرذانِ
ورأيتُ صقراً غافلاً.. وإناثُهُ ... مفتونةٌ بالبومِ والغِربانِ
ورأيتُ ثوراً كم يظنُّ خُوارَهُ ... شَدْواً كشدوِ بلابل البُستانِ
ورأيتُ دُبَّاً كالكثيب ضخامةً ... ويظنُّ قامتَهُ كغُصن البانِ
ورأيت للحرباء ألفَ عباءةٍ ... لِتَبَدُّلِ الأحوالِ والأزمانِ
والثعلبَ المكُار يمشي خاشعاً ... متظاهراً بالزُّهد والإيمانِ
فصرختُ: أُقْصُرُ يا بُنَيَّ ولا تَزِدْ ... وصفاً.. فتلك حديقة الإنسانِ
لَلذِّئب أرقى مِن بني الإنسان إنْ ... عاشوا بغير المنهج الربَّاني
стр. 1510
المسلمون والعالم
المسلمون المنسيون في روسيا
د. علي عبد الرحمن عواض
مقدمة:
إن الحديث عن الجمهوريات " الإسلامية " في آسيا الوسطى والتي كانت تابعة
للاتحاد السوفييتي يجب أن لا ينسينا مسلمي روسيا الذين يقطنون في القسم الأوربي
من الاتحاد السوفييتي السابق، فطبقاً لإحصاء عام ١٩٨٩ إن أكثر من ٦٠ شعباً من
الشعوب القاطنة في الاتحاد الروسي هي شعوب إسلامية. تتوزع على دول مستقلة
وأخرى ذات استقلال ذاتي ضمن الاتحاد الروسي، والبقية تتوزع على دول الاتحاد
الروسي الأخرى كأقليات عرقية أو على شكل قبائل مشتتة في جمهورية أو أكثر.
وفي روسيا اليوم - الوريث الشرعي للاتحاد السوفييتي - ست وعشرون
جمهورية تكون بمجموعها الاتحاد الروسي، بينها ستة ذات غالبية إسلامية بعضها
يتمتع بحكم ذاتي وإمكانات اقتصادية جيدة، وبعضها الآخر يطالب بمزيد من
الإصلاحات ويطمح إلى استقلالية أوسع.
تاريخ الإسلام في روسيا:
دخل الإسلام بلاد ما وراء القوقاز الشرقي (آذربيجان) وآسيا الوسطى في فترة
مبكرة حيث أن الفتح الإسلامي شمل آذربيجان عام ١٨ هـ، وتوغل المسلمون في
داغستان عامي ٢٢/٢٣ هـ، وفتحوا دربند (باب الأبواب) عام ٣٢ هـ ثم
تراجعوا عنها، وأعادوا فتحها عام ٣٨ هـ نهائياً وبهذا فتحت جميع بلاد القوقاز
التي انتشر فيها الإسلام بسرعة هائلة.
وفي منتصف القرن السابع توغل الفاتحون العرب في آسيا الوسطى حيث
كانت الزرداشتية والمانوية والمسيحية والنسطورية تتصارع فيما بينها فسيطروا
على باكو عام ٥٦ هـ وفتحوا بين أعوام ٨٦ و ٩٦ هـ كل الإقليم الواقع جنوب
داريا لتتحول كل المنطقة إلى الإسلام.
وبعد أن قضى المغول على الخلافة الإسلامية خلال القرن الرابع عشر
الميلادي، واستتب لهم الأمر في مناطق شاسعة من بلاد المسلمين بدأ الإسلام ينتشر
في صفوفهم بعد أن هدى الله ملكهم بركة خان للإسلام فأسلم واتخذ اسم الملك السعيد، وقد أعطى ذلك دفعاً جديداً للإسلام أوصله حتى القرم وسهوب روسيا الجنوبية في
شمال البحر الأسود وبحر الخرز وحتى سيبيريا الغربية. وفي نهاية القرن الخامس
عشر اعتنق دين الإسلام معظم البلقان والقره تشاي والكبردين والشركس الشرقيون.
وجاءت بعدها فترة التحول المعاكس، أو التوسع الروسي المضاد حيث بدأ
عام ٩٦٠ هـ توسع دولة مسكوفيا لتضم إليها قازان واستراخان وسيبيريا الغربية
ومع نهاية القرن السادس عشر كان الروس قد وصلوا إلى شمال القوقاز في كبارديا
وبلاد الشاشان، ولم يتوقف الزحف النصراني على المناطق التي كانت حديثة
الإسلام إلا بعد أن فرض المسلمون هيبتهم مع نهاية القرن وأوقفوا تقدم المسيحية في
القوقاز الأوسط وبلاد الكبردين الذين بقوا فترة طويلة يترددون بين موسكو المسيحية
واسطنبول المسلمة حتى آثروا الإسلام نهائياً وأصبحت كبارديا بلاداً مسلمة مع بداية
القرن السابع عشر ومنها دخل الإسلام بلاد الأوسيت.
في تلك الفترة، مع نهاية القرن السادس عشر، انتشر الإسلام ببطء في
غوربا جنوب شرق جورجيا ورضي به جزء من أهل البلاد الذين أقاموا فيما بعد
دولتهم التي عرفت باسم أدجاريا وهي من الدولة المكونة للاتحاد الروسي الحالي.
وقد استمر الإسلام في التوسع والانتشار في ظل الإمبراطورية الروسية
خاصة في الفترة التي حكمت فيها كاترين الثانية في المنتصف الثاني من القرن
الثامن عشر حيث أنها كانت ترى في الإسلام ديناً مقبولاً وأكثر قابلية من الدين
المسيحي فسمحت للدعاة المسلمين للعمل في بلادها بحرية كاملة كذلك سمحت في
عام ١١٨٨ هـ /١٧٧٣ م ببناء المساجد والمدارس الإسلامية فنشطت الدعوة،
ونقلت على أيدي التجار والمبشرين بالدين الحنيف إلى بشكيريا وسيبيريا الغربية
وسهول قازاخ.
وأخيراً كان انتشار الإسلام في بلاد الشاشان الذين عُرفوا عبر التاريخ
بتمسكهم بالإسلام وخوضهم أشرس المعارك في بلادهم الجبلية لإيقاف التوسع
الروسي ولعل ثورة الإمام شامل الداغستاني من أشهر الأمثلة لهذه المواجهات،
وبعدها نقل الإسلام عام ١٢٩٤هـ/١٩٠٥م إلى بلاد الأنغوش.
المرحلة الأخيرة من انتشار الإسلام كانت في مطلع هذا القرن وقد استمرت
هذه المرحلة عام ١٣٢٤هـ /١٩٠٥م حيث أعلنت الحريات الدينية في روسيا
استفاد منها الإسلام استفادة واضحة وانتهت عام ١٣٤٨هـ /١٩٢٨م عندما تدخلت
الحكومة السوفييتية وبدأت حملتها المعهودة على العلماء وكتب الإسلام ومعالمه
وأفكاره وشخصياته والتي استمرت إلى وقتنا الحاضر..
المسلمون والتوزيع العرقي:
تعيش معظم الشعوب الإسلامية في مواطنها التاريخية وعلى سبيل المثال:
يعيش في تركمانيا ٩٣% من التركمان.
وفي قبرطه بلكار ٩٣% من القبرط و ٢، ٨٢% من البلقار.
وفي داغستان ٥، ٨٢% من الأفاريين، ٢، ٨٢% من القوميك، ٦، ٧٧%
من اللاك، و ٨، ٧٦ من الدرع.
وفي فرستاي -شركساي ٨٣% من قرشاي، و ٩، ٧٦% من الشركس.
وفي بشكيرستان ٦، ٥٩% من البشكير.
والتتار هم الشعب المسلم الوحيد المشتت إذ يعيش ٦، ٢٦% منهم فقط في
تتارستان بينما تتوزع البقية على مختلف أنحاء روسيا ودول آسيا الوسطى. بعد أن
أجبر التتر على الهرب من قسوة النظام المسكوفي إلى مناطق متفرقة.
أكبر القوميات الإسلامية هي القومية الكازاخاية حيث يزيد تعداد أفرادها على
التسعة ملايين شخص جلهم من المسلمين وأقلها العرب الذين يقرب عددهم على الـ
١٠ آلاف شخص استوطنوا مناطق مختلفة منذ الدخول الأول للإسلام إلى تلك البلاد.
والقوميات المسلمة المتنوعة تنقسم في أصلها إلى مجموعات عرقية كبيرة هي:
الأتراك، والإيرانيون وقوقازيون إبيريون.
المسلمون وسياسة " الترويس ":
رافق الحملة الدعائية والفكرية ضد الإسلام حملة على المؤسسات الإسلامية إذ
ألغيت عام ١٣٤٤ هـ /١٩٢٤ المحاكم الشرعية، وكذلك محاكم للأعراف كما
ألغيت عام ١٣٤٨ هـ/١٩٢٤م جميع المدارس الدينية الثانوية والابتدائية والكتاتيب
وكان عددها في ذلك الوقت ١٥٠٠٠ مؤسسة. وفي عام ١٣٥٠ هـ/ ١٩٣٠ م تمت
مصادرة آخر ممتلكات الوقف الإسلامي الذي كان يؤمن القوة الاقتصادية للدعاة
المسلمين ولمؤسساتهم.
ثم كانت الحملة البشرية - وهي من الخطورة بمكان - والتي رتَّب لها الاتحاد
السوفييتي وخطى فيها خطوات واسعة، والتي كانت بمثابة الضربة القاسمة لكثير
من الآمال التي كان يحلم بها أبناء الجمهوريات والمقاطعات الإسلامية. حيث أن
سياسة الاتحاد السوفييتي فرضت عملية إعادة تشكيل (ديمغرافية) للمقاطعات
والدويلات الإسلامية وذلك من خلال ترتيب عمليات ترحيل قسري وطوعي لكثير
من أبناء المقاطعات واستبدالهم بوافدين روس من مناطق مختلفة من شتى أنحاء
الاتحاد السوفييتي السابق.
فقد قامت السلطات بمصادرة الملايين من الكيلومترات المربعة من ممتلكات
المسلمين لتوهب للقادمين الروس، حيث يقام لهم نظام اقتصادي متكامل يتوافق مع
الخطة المرسومة لإبقائهم في تلك المناطق على أمل كسر الطابع المميز لهذه
المناطق وذلك بتزريع هذه المجمعات السكانية الهائلة في قلب مناطق القوميات
الأخرى غير الروسية والجدول التالي يوضح بعض هذه النماذج:
التركيبة العرقية للجمهوريات والمناطق ذات الغالبية الإسلامية
الدولة ... السكان بالآلاف [*] السكان ... الروس أقليات أخرى ... نسبة
الأصليين ... ... المسلمين
بشكيرستان ... ٣.٩٤٣ ... بشكير ٢١.٩% ٣٩.٣% منهم تتار ٢٨.٤% ٥٥%
شاشان/أنغوش ١.٢٧٠ ... شاشان ٥٧.٨% ٢٣.١% منهم أنغوش ١٢.٩% ٧٥%
الأديغة ... ٤٣٢ ... اديجيين ٢٢.١% ... ٦٨% ... ١٩.٩% ... ٧٠%
جوفاش ... ١.٣٣٨ ... شوقاش ٦٧.٨% ٣٦.٧% ... ٥.٥% ... ٧٠%
داغستان ... ١.٨٠٢ داغستانيين ٨٠.٢% ... ٩.٢% ... ١٠.٦% ... ٧٥%
كاباردين-بلكار ٧٥٤ كابادانيين ٤٨.٢% ٣١.٩% منهم بلكار ٩.٤% ... ٧٠%
شركس قرتشاي ٤١٥ كاراشيين ٣١.٢% ٤٢.٤% منهم شركس ٩.٧% ٧٠%
قاقازيا ... ٥٦٧ قاقاقزيين ١١.١% ٧٩.٥% ... ٩.٥% ... ... ٢٠%
تتارستان ٣.٦٤٢ ... تتار ٤٨.٥% ٤٣.٣% ... ٨.٢% ... ... ٥٥%
رافق هذا الغزو الروسي تفريغ لمناطق إسلامية من سكانها الأصليين وإعادة
توطينهم في مناطق أخرى من روسيا.
الوضع الحالي:
إن النقص الواضح في الكتابات العربية عن مسلمي روسيا بشكل خاص يزيد
من صعوبة الكتابة في هذا الموضوع من جانبين:
- الأول: أن الكاتب سوف يضطر إلى استخدام المراجع الأجنبية غير الموثقة
أحياناً.
- الثاني: أن الكتابة المقتضبة لا تفي الموضوع غرضه وتشرح تناقضات
وتداخلات الواقع المعاش في تلك البلاد والتفصيل في واقعها.
فإلى جانب الجمهوريات الإسلامية لآسيا الوسطى والتي كثر الحديث عنها في
السنوات الأخيرة وهي ستة جمهوريات
(أذربيجان/اوزبكستان/قازاخستان/طاجيكستان/قيرغيزيا/تركمانيا) فإن الوضع الحالي
للمسلمين في روسيا يمكن تقسيمه سياسياً إلى ثلاثة مجموعات كبيرة من الكيانات
هي كالتالي:
١- الجمهوريات المستقلة ذاتياً وتضم:
* جمهورية تتاريا.
* جمهورية بشكيريا.
* جمهورية الكبردين - البلقا.
* جمهورية داغستان.
* جمهورية الشاشان - الانغوش (والتي انقسمت إلى دولتين حديثاً: الشاشان
والأنغوش) .
٢- مناطق تتمتع باستقلال ذاتي [**] :
* منطقة الأديغة.
* منطقة القره تشاي - الشركس..
٣- قوميات إسلامية ليس لها إقليم وطني، ولكنها تتمتع باستقلال ذاتي.
إلى جانبها قوميات ومجموعات عرقية لا تتمتع باستقلال ثقافي ذاتي.
١- الجمهوريات الإسلامية المستقلة ذاتياً:
من بين الجمهوريات الستة والعشرين التي تشكل الاتحاد الروسي هناك خمس
منها ذات غالبية إسلامية هي: بشكيرستان/الكبردية-
البلقارية/تتارستان/داغستان/الشاشان/الأنغوش. وكذلك جمهورية أبخازيا والتي هي
جزء من جورجيا حالياً.
أ- جمهورية تتاريا:
مساحتها ٦٨٠٠٠ كم ٢ عدد سكانها الإجمالي ٣.٥ مليون نسمة حسب
إحصائية ١٤١٣هـ /١٩٩٢ م، عاصمتها قازان وهي مركز صناعي مهم. وهي
الإقليم المسلم الأقرب إلى موسكو حيث أنها تمثل طليعة الإسلام المتقدم في قلب
روسيا. يقع هذا الإقليم في المجرى الوسط لنهر الفولغا ومعظم سكان العاصمة من
الروس. والمعروف أن الترر هم من القوميات التي أصابها التشتت بسبب الحروب
والتهجير القصري ولا يتجاوز التتر المقيمون في هذه الجمهورية ٢٨% من
المجموع العام للتر في روسيا.
ب- جمهورية بشكيريا:
تأسست الجمهورية في ٢٠ آذار ١٩١٩م/١٣١٨ هـ كجزء من الجمهوريات
الفيدرالية الاشتراكية السوفييتية. تمتد مساحتها فوق ١٤٣٥٠٠كم ٢ وعدد سكانها
يتجاوز الأربعة ملايين نسمة وعاصمتها أوفا وهي مدينة غالبيتها من الروس والتتر. تمتاز هذه الجمهورية بأن سكانها الأصليين أو البشكير هم أقلية بالنسبة للأقليات
الأخرى والتوزيع العرقي كالتالي:
بشكير ٢١.٩%، تتر ٢٨%، روس ٣٩.٣%، تشوفاش ٣.٢%،
ماريون ٢.٨%، أوكرانيون ٢.٠%.
طبيعة سكان الجمهورية بشكل عام قرويون يعملون في الزراعة (٨٠%) ،
يتولى الروس معظم العمل الصناعي والوظائف الرسمية.
ب- جمهورية الكبردين - البلقار
تحتل أراضي هذه الجمهورية الجزء الأوسط من جبال القوقاز. أنشئت
الجمهورية لأول مرة عام ١٣٤٠هـ/١٩٢١م كمنطقة مستقلة وتحولت إلى جمهورية
مستقلة عام ١٣٥٦ هـ/١٩٣٦ م وتحول اسمها إلى كبارديا خلال الحرب العالمية
الثانية لاتهام البلقار ظلماً بالتعاون مع الألمان، وجرت حملات أبعاد منظمة لهم إلى
سيبيريا وآسيا الوسطى. ولكن في عام ١٣٨٩هـ /١٩٦٨م أعيد لهم الاعتبار
وأعيدوا إلى جمهوريتهم، وعادت الجمهورية باسم الجمهورية الكبرديل - البلقارية.
مساحة الإقليم تتجاور الـ ١٢٥٠٠ كم ٢ عدد سكانها يقارب المليون عاصمتها
نالتشيق، ويقطنها ثلث سكان البلاد وهم يتألفون من عرقيتين أصليين. الكردين
(وهم الشركس الشرقيون) والبلقار (الأتراك) .
ج -جمهورية داغستان:
كغيرها من العديد من جمهورية الاتحاد الروسي فإن جمهورية داغستان
تأسست عام ١٣٤٠ هـ /١٩٢١ م، تبلغ مساحتها ٥٠٣٠٠كم ٢، وعدد سكانها
يقارب المليونين نسمة يقطن المدن منها ٣٠% والباقي قرويون. نسبة المسلمين في
هذه الجمهورية ٨٥.٣% من المجموع العام. عاصمتها مختش -قلعة. يمثل
الداغستانيون ٧٨% من مسلمي البلاد يليهم الأذاريون ثم الشاشان.
حتى الثورة البلشيفية كانت العربية هي لغة الأدب في داغستان وكانت ايضاً
اللغة الرسمية لمنطقة شامل. وفي العام ١٣٤٧ هـ/١٩٢٨م أبعدت الحكومة الروسية
اللغة العربية لما لها من طابع ديني، وحلت محلها اللغة الروسية للتعامل الرسمي
والآذارية كلغة شعبية والغالبية العظمى من السكان من أهل السنّة وتتبع المذهب
الشافعي كما تنتشر بينهم الطرق الصوفية خاصة النقشبندية والقادرية.
تعاني هذه الجمهورية كغيرها من جمهوريات الاتحاد الروسي من وضع
اقتصادي سيء ونقص في المؤسسات والكليات الشرعية.
من الأحزاب ذات الطابع الإسلامي في هذا البلد حزب النهضة الإسلامي،
الحزب الديموقراطي الإسلامي وجماعة المسلمين (صوفيين) .
د- الجمهورية الشاشانية-الإنغوشية:
تألفت هذه الجمهورية عام ١٣٥٤هـ/١٩٣٤م (وذلك بتوحيد جمهوريتي الشاشان
التي تألفت عام ١٣٤١ هـ/١٩٢٢م " وجمهورية الانغوش التي تألفت عام ١٩٢٤)
وأصبحت جمهورية مستقلة عام: ١٣٥٦هـ/١٩٣٦م. عام ١٣٦٤ هـ/١٩٤٤م طرد
من ديارهم جميع السكان الأنغوش والشاشان إلى سيبيريا وآسيا الوسطى في ظروف
صعبة أدت إلى موت أرقام كبيرة منهم أثناء عملية الترحيل. ومن ثم قسمت
أراضيهم بين جمهوريات أخرى مجاورة وجورجيا. وبعد موت ستالين أعيد
الشاشان والأنغوش إلى بلادهم وأعيد إنشاء الجمهورية واستعاد أبناؤها اعتبارهم.
يزيد عدد سكان الجمهورية على ١٣٠٠ مليون يعيشون على مساحة تغطي
١٩٣٠٠ كم ٢ عاصمتها غروزني ومعظم سكانها حالياً من الروس.
وكلتا العرقيتين الأنغوش والشاشان قرويون جبليون يعانون من أوضاع
اقتصادية صعبة. قبل الثورة كانت لغة البلاد الشائعة هي العربية وتحولت مع
سياسة الترويس إلى اللغة الروسية عام ١٣٥٩ هـ/١٩٣٩م.
دخل الإسلام هذه البلاد في وقت متأخر (القرن الثامن عشر) ومن الراجح أنه
دخل عبر بخارى وداغستان وشيرفان الذين قادوا الحرب ضد الغازي الروسي.
أعلن استقلال الجمهورية عام ١٤١٢هـ / ١٩٩١م، وتعاني البلاد من
أوضاع سياسية غير مستقلة كنتيجة للرغبة في التغيير من قبل الإصلاحيين والتي
تواجه بمعارضة منظمة مدعومة من شيوعيي البلاد، ومدعومين من الحكومة
المركزية في موسكو.
هـ - أبخازيا:
تمتد أبخازيا على الشواطئ الشمالية الشرقية للبحر الأسود على مساحة تبلغ
٨٦٠٠ كم٢ عاصمتها ساخومي وعدد سكانها مئة وخمسون ألفاً معظمهم من الأبخاز
(أو الأباض كما هي التسمية الحقيقية في تلك البلاد) . معظم الأبخاز (الأباض)
يعيشون في تركيا إذ أن ٧٠% من السكان كانوا قد هجروا ونزحوا عام ١٣١٠هـ/
١٨٦٤م وعندما تعرضوا لغزو بشري منظم وتحولت البلاد إلى خليط من الروس
والجورجيين والأرمن والروم مما أوصل نسبة السكان الأصليين من الأبخاز إلى
١٧ % من السكان.
اعتبرت أبخازيا جمهورية سوفييتية بعد الثورة الشيوعية عام ١٣٣٦هـ/١٩١٧م
ولكن ستالين ألحقها بموطنه جورجيا عندما استلم الحكم. وكانت بدايات المحاولات
الوطنية للتغيير عام ١٤٠٦هـ/١٩٨٥م عندما قامت مظاهرات من الأبخاز مطالبة
باستقلال بلادهم وانفصالها عن جورجيا، ولكن جورجيا واجهت ذلك بقمع شديد
سقط ضحيته العديد من القتلى وألغيت الحريات وعطل العمل بدستور البلاد الذي
يميزها عن جورجيا والذي كان معمولاً به منذ العام ١٣٤٠هـ/١٩٢١م ولكن السلطات
في جورجيا ضمت البلاد بكاملها لجورجيا وألغت الدستور.
وتكرر الوضع عندما قرر مثقفوا وقادة البلاد اعتبار أبخازيا جمهورية
سوفييتية مستقلة والعودة إلى دستور ١٣٤٠هـ/١٩٢١م فكان رد فعل الجورجيين أن
تصدوا للمظاهرات بشكل دموي ذهب ضحيته عشرات الأشخاص. ولكن الوضع
العسكري تفجر يوم ١٤ أغسطس (آب) ١٤١٣هـ/١٩٩٢م عندما دخلت قوات مجلس
الدولة الجورجي أبخازيا بحجة حراسة سكة الحديد ومكافحة الإرهاب والبحث عن
الرئيس الجورجي الهارب فدخلت العاصمة الأبخازية دون إذن من سلطات أبخازيا.
لكن الكميات الهائلة من الجنود الجورجيين كانت كافية للسيطرة على البلاد واحتلال
معظم أراضيها ويحاول شفرنادزه تسليح الجورجيين الذين يسكنون أبخازيا للتصدي
للأبخاز الذين ينادون بالانفصال عن جورجيا وينادون بالاستقلال.
ومع أن الإبخاز أقلية في بلدهم بسبب سياسة التهجير الستالينية ولكنهم
يتمتعون برصيد تاريخي بحقهم في البلاد يعترف لهم به غيرهم من أقليات البلاد.
ولهذا فإن من بين عدد نواب البرلمان الأبخازي (٢٨ مقعداً) للأبخاز بينما توزعت
المقاعد الأخرى كالتالي: ٢٦ للجورجيين، ٥ مقاعد للروم، ٥ للأرمن، مقعد
للأروام.
الوضع الحالي هو أن المعارك لا تزال مستمرة بين قوات الاحتلال التي
تسيطر على مناطق تكفاتيتلي، غال، تسمتثيرا، ساخوم، في محاولة لاستعادة
حرية هذه المناطق والمنطقة مقطوعة عن بقية العالم الإسلامي إلا من بعض المدد
الذي يقدمه مسلمو القوقاز من متطوعين وبعض العتاد. وقد أعلن الرئيس الجورجي
الأحكام العرفية في البلاد أوائل شهر (يوليو) ١٤١٤هـ/١٩٩٣م ولمدة شهرين فاتحاً
البلاد إلى حرب مفتوحة. وقد قامت رابطة شعوب القوقاز التي تضم القوميات
القاطنة جنوب روسيا بإعلان التعبئة العامة لنجدة الأبخازيين سيما وأنه تربطهم بهم
رابطة دينية وامتدادات عرقية وتاريخ مشترك.
٢- المناطق المستقلة ذاتياً:
إلى جانب الجمهوريات المستقلة ضمن اتحاد روسيا فإن هناك خمس مناطق
تتمتع باستقلال ذاتي بينها اثنتين ذات غالبية إسلامية وهي: منطقة الأديغة ومنطقة
القره تشاي -الشركس. وهذه المناطق تستخدم لغاتها القومية إلى جانب الروسية ولا
يمكنها الانفصال عن الاتحاد الروسي.
منطقة الأديغة:
وهذه المنطقة تشكلت عام ١٣٤١هـ /١٩٢٢م باسم منطقة الأديغة الشركس
المستقلة. وتحول اسمها إلى الأديغة عام ١٣٥٦هـ/١٩٣٦م، مساحتها ٧٦٠٠ كم٢
وعدد سكانها يتجاوز النصف مليون نسبة المسلمين بينهم ٧٠% من مجمل السكان،
عاصمتها ما يكوب معظم سكانها من الروس. والأديغة الأصليون هم من أهل السنة
يتبعون المذهب الحنفي، وهم جزء من الأمة الشركسية. والمعروف أن أكثر من
٧٠% من الأديغيين هاجروا إلى الإمبراطورية العثمانية عندما غزت روسيا
القيصرية القوقاز الشمالي، وكانت اللغة العربية هي لغة الادب حتى العام ١٣٣٧هـ/
١٩٨١م واستبدلت رسمياً عام ١٣٥٦هـ/١٩٣٦م باللغة الروسية.
منطقة القرة تشاي - الشركس:
تشكلت هذه المنطقة عام ١٣٤١هـ/١٩٢٢م وانقسمت عام ١٣٥٤هـ/١٩٢٦م إلى
منطقتين مستقلتين ذاتياً: منطقة القره تشاي المستقلة ذاتياً، ومقاطعة الشركس
القومية. وعادت إلى الاتحاد عام ١٣٤٧هـ/١٩٢٨م واتخذت اسمها الراهن. تم
ترحيل قسري للقره تشاي عام ١٣٤٦هـ /١٩٤٤م ثم أعيد البعض إليها عام ١٣٩٨
هـ/١٩٥٧م بعد اتهامهم ظلماً بالتعاون مع الألمان وإبادة أعداد كبيرة منهم ونفي الجزء
الآخر.
مساحة الإقليم ١٤١٠٠ كم٢ وعدد سكانه حوالي النصف مليون نسمة
عاصمتها شركس وغالبية سكانها من الروس.
٣- أقليات وقوميات إسلامية أخرى:
كما يتوزع في أنحاء مختلفة في الاتحاد الروسي مجموعة من القوميات التي لا
تتمتع باستقلالية ضمن إطار وطني ولكنها تتمتع بنوع من الاستقلال الثقافي الإقليمي
إذ تستخدم هذه القوميات لغاتها المكتوبة، ولها مؤسساتها التربوية والعلمية
وصحافتها ومسارحها ومعاهدها الخاصة بالبحث، وهناك أربع قوميات إسلامية
تتمتع بهذه الخصائص اثنتان منها هاجرت من الصين وهي: الويغور المسلمين
ويبلغ تعدادهم ٢٥٠ ألف نسمة وهم امتداد لنفس العرق في الصين حيث يبلغ
تعدادهم ٨ ملايين نسمة.
والدنغان: وهم مسلمون على المذهب الحنفي هربوا من الصين عام ١٢٩١هـ
/ ١٨٧٧م بعد فشل ثورة المسلمين في الصين ضد السلالة المنشورية.
الأكراد: ويبلغ تعدادهم حوالي ١٢٥ ألف نسمة جاؤوا على شكل موجات من
المهاجرين على فترات زمنية متباعدة من إيران والعراق وتركيا اثر مشاكلهم مع
الحكومات في تلك البلاد.
تتر القرم: وكان لهم حتى عام ١٣٦٤هـ/١٩٤٤ إقليم خاص بهم له استقلالية
ذاتية ولكنهم عوملوا كإخوانهم الأنغوش والشاشان عندما اتهموا بالتعاون مع الألمان
وشتتوا على أيدي ستالين في سيبيريا وقازاخستان وتذكر المصادر أن أعداد كبيرة
منهم قضت خلال فترة التشريد وقد ألغيت جمهوريتهم نهائياً وألحقت المنطقة
بأوكرانيا.
وإلى جانب هذه المجموعات العرقية هناك قوميات وعرقيات إسلامية عديدة لا
تتمتع بأي استقلال أو تميز ثقافي أو اجتماعي وقد عمل على دمجهم في الإطار
الروسي الأوسع لإذابة شخصيتهم المميزة ومنهم:
البلوش/الأيروني/الأتراك/وعرب آسيا الوسطى. كما أن الإسلام ينتشر بين
أعراق وقوميات بشكل جزئي حيث أن البعض اعتنق الإسلام بينما بقيت
المجموعات الأخرى على ديانات إما نصرانية أو وثنية منهم: الأرمن
المسلمون/التات المسلمون/الغجر المسلمون..
كلمة أخيرة:
لعل الاستعراض السريع لأحوال مسلمي هذه المناطق يلفت الانتباه إلى
الوضع المأساوي الذي تعيشه معظم هذه الدول والأقليات ضمن إطارها الروسي -
النصراني الواسع.
وقد نستخلص من أهم المشاكل التي يشترك فيها معظم مسلمي هذه المناطق:
- الأوضاع الاقتصادية السيئة التي تؤثر سلباً على إثبات أنفسهم وإصلاح
واقعهم.
- الأوضاع السياسية حيث أن معظم هذه المناطق تحكم من قبل شيوعيين
يتسمون بأسماء إسلامية.
- الجهل بالدين والبعد عنه حيث أن سنوات الشيوعية الطوال أنتجت أجيالاً
من المسلمين الذين لا يعرفون عن دينهم إلا الاسم.
- انتشار الخرافات والبدع بينهم. مما يزيد من أهمية وضرورة العمل على
نشر العلم الشرعي الصحيح بين أبناء هذه الطوائف.
- سارعت الكنيسة لاحتضان النصارى من تركة الاتحاد السوفييتي، وهي
تعمل جاهدة في بلاد المسلمين ومناطقهم. والمؤسسات الإسلامية الخيرية والدعوية
مدعوة للمشاركة في احتضان ومساعدة وتعليم المسلمين المنسيين في روسيا.
стр. 1511
تفليس عاصمة جورجيا
محمود السيد الدغيم
تضم جمهورية جورجيا، جمهوريتان هما جمهورية ابخازيا ذات الحكم الذاتي، وعاصمتها سوخومي [*] ، وجمهورية آجاريا ذات الحكم الذاتي أيضاً،
وعاصمتها باطوم [**] ، وعدد سكانها " ٨٢٠٠٠ " نسمة، كما تضم مقاطعة
أوسيتيا الجنوبية ذات الحكم الذاتي، وكان عدد سكان جورجيا بما تضمه من أبخازيا
وآجاريا وأوسيتيا، يساوي ٤ ملايين نسمة أكثر من ثلاثة أخماسهم من الجورجيين،
وبقية السكان من الروس والأوكرانيين والأرمن وغيرهم من الشعوب " [١] ولم
يشر المؤلف إلى الشعوب الأخرى وهم الترك والآذريون والأبخاز والشركس لأنهم
من المسلمين.
لا أحد يستطيع معرفة مستقبل جورجيا هل ستستمر العواصم الثلاث - تفليس
وباطوم وسوخومي - في الاتحاد، أم ستنفصل العاصمتان الأخيرتان عن جورجيا،
ولا سيما أن الجالية الإسلامية قد عانت القهر المر على أيدي شيوعي الاتحاد
السوفييتي المنهار.
تفليس (عاصمة جورجيا) :
يحتل اسم مدينة تفليس مكاناً مرموقاً في وسائل الإعلام بسبب ما تتعرض له
من كوارث الحرب الداخلية، واستعمال وسائل الإعلام لاسم هذه المدينة العريقة
متفاوت الصحة، فبعض وسائل الإعلام تذكرها بصورة صحيحة، وبعضها يترجم
اسم تفليس دون تعريب، ودون عودة إلى المراجع العربية الصحيحة فيكتبها (تبليسي) ، ونظراً للهوة الفاصلة بين المواطن العربي وتراثه فقد أصبحت تفليس في
عداد المدن المنسية؛ شأنها شأن الكثير من المدن التي اشتهرت عبر تاريخها، ثم
خبا ذكرها مع تراجعنا عنها، حتى أصبحت مجهولة من قِبَلِ قطاع عريض من
قراء لغتنا العربية، وأصبح واجبنا - إزاء ذلك - أن نعرف بها وبماضيها
وبعلاقتها بأمتنا عَبْرَ التاريخ.
تعرف هذه المدينة باسم تبليسي (Tiblisi) في لغة الكُرْج وبعض المراجع
اللاتينية تذكرها باسم تفليسي (Tphilsi) أما المراجع والمصادر العربية فتذكرها
باسم: تفليس [***] ، ما عدا البلاذري أحمد بن يحيى، المتوفى سنة ٢٧٩ هـ
فقد ذكرها في كتابه فتوح البلدان باسم " طفليس " بالطاء وليس بالتاء، وسبب
التسمية: ينابيع تفليس الحارة، فمعنى حار؛ في لغة الكُرْج: تفيلي (Tphili) ،
أما الأرمن فيطلقوا عليها اسم: تفخيس (Tpkhis) .
النسبة إلى تفليس:
" التفليسي: نسبة إلى تفليس، وهي آخر بلدة من بلاد أذربيجان، مما يلي
الثغر، خرج منها جماعة من العلماء والمُحَدِّثين، منهم: أبو بكر محمد بن إسماعيل
بن بنون بن السري التفليسي (٤٠٠ - ٤٨٣ هـ) .. وأبو أحمد حامد بن يوسف بن
أحمد بن الحسين التفليسي، من أهل تفليس.. وكانت وفاته بعد سنة ٤٨٤هـ،
ومحمد بن بيان بن حمران المدائني التفليسي، أصله من تفليس.. وعبد الله بن
حماد التفليسي [٢] ..
وذكر الذهبي، في سير أعلام النبلاء، نجم الدين ثابت بن تاوان التفليسي
المتوفى سنة ٦٣١ هـ[٣] . كما ذكر محمد بن اسماعيل السري التفليسي،
المتوفى سنة ٤٨٣ هـ[٤] ، وأسند الذهبي رواية للناتاني تفيد أن الإمام علي بن عبد
الرحمن ابن عَلِيَّك النيسابوري، قَدِمَ تفليس وحدث عن الخفاف، وتوفي في تفليس
سنة ٤٦٨ هـ[٥] والناتاني التفليسي هو أحمد بن عمر بن محمد بن ناتان، سمع منه
شيخ الإسلام أبو طاهر السِّلَفِيَّ (٤٧٥ هـ -٥٧٦ هـ) في تفليس سنة ٥٠٠ هـ[٦] .
تفيد القوائم الإحصائية، أن عدد سكان تفليس قد بلغ سنة ١٣٤١هـ/١٩٢٢م،
٩٥٨. ٢٣٣ نسمة، منهم ٨٥. ٣٠٩ من الأرمن، و ٨٠. ٨٨٤ من الكُرج،
و٣٨. ٦١٢ من الروس، و٩. ٧٦٨ من اليهود، و ٣. ٩٨٤ من الفرس، و ٣.
٢٥٥ من الترك الآذربيجانية، و ٢. ٤٥٧ من الألمان وغيرهم.
توضح لنا الإحصائيات السابقة أن سكان تفليس ينتمون إلى عدة قوميات،
وهذه نتيجة ما تعاقب على حكمها من الشعوب، ولا شك أن بعض سكانها من أصل
عربي امتزج بالفرس والترك عبر مسيرة الزمن.
ذكر الطبري، في تاريخه أن تفليس قد فتحت سنة ٢٢ هـ على يد حبيب بن
مسلمة ﵁ وذلك بعد فتح باب الأبواب على يد سراقة بن عمرو،
في زمن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب ﵁[٧] . وذكر الطبري
[٨] كتاب الأمان الذي كتبه حبيب ابن مسلمة إلى أهل تفليس، وقد عَينَّ حبيبٌ
الفقيهَ عبد الرحمن بن جزع؛ ليعلم أهالي تفليس أصول الدين الإسلامي، وأقدم
درهم أموي ضرب في تفليس سنة ٨٥ هـ في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن
مروان، وقد استمرت دارُ سَكِّ الدراهم في تفليس لغاية سنة ٣١٠ هـ. واستمرت
الإمارة الأموية في تفليس لغاية سنة ٢٣٨ هـ حيث قضى عليها " بُغَّا " التركي -
ومعنى بغا التركية: ثور باللغة العربية - وكان ذلك أيام المتوكل العباسي (٢٣٢-
٢٤٧ هـ) [٩] وإثر ذلك بدأت سيطرة العرب بالتراجع [١٠] وبدأ تاريخ الصراع
الطويل بين المسلمين العرب والترك من جهة، والكُرْج والأرمن من جهة أخرى،
حيث سيطرت الإمارة الساجية على أذربيجان وتفليس (٢٧٦-٣١٧هـ) ولكن الكُرْج
اجتاحوها سنة ٤٢١ هـ، ثم هاجمها آلب أرسلان السلجوقي (٤٥٥-٤٧١ هـ)
فشتت شمل الكُرْج، وأخضع تفليس لسيطرته.
حاصر الكُرْج مدينة تفليس، واشتد قتالهم لمن بها وتفاقم الخطب وعظم الأمر
على أهلها، ودام الحصار إلى سنة (٥١٥ هـ) فملكوها عُنْوَةً، وكان أهلها لما أشرفوا
على الهلاك قد أرسلوا قاضيها وخطيبها إلى الكُرج في طلب الأمان، فلم تُصغِ
الكُرج إليهما، فأخرقوا بهما، ودخلوا البلد قهراً، وغلبة، واستباحوه، ونهبوه،
ووصل المستنفرون منهم إلى بغداد مستصرخين ومستنصرين سنة ٥١٦ هـ،
فبلغهم أن السلطان محموداً بهمذان، فقصدوه، واستغاثوا به، فسار إلى أذربيجان،
وأقام بمدينة تبريز شهر رمضان، وأنفذ عسكراً إلى الكرج.. " [١١] .
وفي سنة ٧٨٨ هـ داهم تيمورلنك بلاد الكُرج، واحتل تفليس، وخرب
البلاد سنة ٨٠٣ هـ وأقام في تفليس حامية خراسانية، ثم استمرت المناوشات،
فأعاد تيمور الكرة على تفليس " وضرب جميع أديرتها وكنائسها وذهب سنة٨٠٥ -
٨٠٦ هـ[١٢] ، وفي عام٨٤٤ هـ استولى الشاه جهان القراقيون لي (جهان شاه)
(٨٤١-٨٧٢هـ) على تفليس، وطرد الكُرج منها، ثم غزا أوزون حسن (حسن
الطويل) الآق قويون لي (الغنام الأبيض) بلاد الكرج سنة ٨٧١ هـ وحرر الأسرى
المسلمين، وترك حامية في تفليس، بقيادة صوفي خليل بك.
واستولى العثمانيون على بلاد الكُرج فترة (٩٨٦-١٠١٢هـ/١٥٧٩-١٦٠٣ هـ)
واستولوا على تفليس، وولي عليها محمد بن فرحاد باشا (فرحات باشا) [١٣] ، ثم
استعاد الشاه عباس الأول مدينة تفليس من العثمانيين سنة ١٠١٢هـ/١٦٠٣م وسيطر
على بلاد الكُرج فقتل منهم سنة ١٠٢٥هـ حوالي " ٧٠. ٠٠٠ " ثم قتل منهم
حوالي ١٠. ٠٠٠ سنة ١٠٣٣هـ، وبعد ذلك سيطر كيخسرو (رستم) على تفليس
(١٠٤٣هـ) . ثم آلت مقاليد الحكم إلى جيورجي الحادي عشر سنة ١٠٩٩هـ وخلفه
أريكله الأول (Ereklei) (١٠٩٩- ١١٠٢هـ) فأسلم وأصبح يعرف باسم: نظر علي
خان.
توفي الملك أريكله الكهل سنة ١٢١٢هـ/١٧٩٨م وخلفه ابنه جيورجي الثاني
عشر، فأعلن تبعيته لقيصر روسيا، وأصدر بطرس الأول فرماناً بضم بلاد الكُرج
إلى روسيا سنة ١٢١٤هـ /١٨٠٠م وأعلن الضم في ٢٧ رجب ١٠٨١هـ/١١ يناير
١٨٠١م، وتخلى الفرس عن المطالبة ببلاد الكُرج منذ سنة ١٢٢٨هـ /١٨١٣م،
وفي سنة ١٣٣٦هـ/١٩١٨م أصبحت تفليس عاصمة جورجيا السوفييتية، وفي ١٦
جمادى الأولى سنة ١٣٣٩هـ/٢٦ يناير ١٩٢١م اعترف الحلفاء بالكُرج.
وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي، استيقظت النزعات القومية بعد أن عانت من
الكبت الشيوعي كثيراً، وراحت كل قومية تعمل من أجل بناء دولتها، وجورجيا
كغيرها من دول الاتحاد المنهار، تعاني من التعددية القومية، والتعددية الدينية
والمذهبية حيث تضم ثلاث جمهوريات ومقاطعة مستقلة، تحتوي على عدة شعوب
منهم الكُرج والأرمن ومنهم الفرس والترك والآذربيجانيون، وهذا هو السبب الذي
يدفع هذه الجمهورية إلى حرب أهلية ستسفر عن ثلاث جمهوريات أو أكثر، وقد
أعلنت مقاطعة أوستيتا الجنوبية استقلالها لتنضم إلى أوستيتا الشمالية، وهذه فاتحة
التمزق بالإضافة إلى حروب رئيس الوزراء السابق " زفياد غمسا خورديا "
وحروب الأبخاز التي ما زالت مستمرة.
стр. 1512
بلاد الطاغستان والشيخ شامل [*] [**]
-شكيب أرسلان-
(يا شامل! جياد غريبة تشرب من ينابيعنا،
وأناس غرباء يطفئون قناديلنا فهل تمتطي
وحدك صهوة جوادك أو نساعدك على ذلك) .
شاعر من داغستان
على الضفة الغربية من بحر الخرز بين ٤٣و٤١ من العرض الشمالي بلاد
يقال لها طاغستان، مساحتها نحو ٢٩٧٦٣٠كم٢ وعدد نفوسها سبعمائة ألف،
أما إذا انضم إليها جميع بلاد القوقاس الشمالية فيقال أن أهلها يبلغون مليونين إلى
ثلاثة. وقد فتح العرب في خلافة هشام بن عبد الملك الطاغستان سنة ١٠٥ للهجرة
ووطد أخوه مسلمة الحكم العربي في تلك الديار، وكانوا يلقبونها بالدربند، وكانت
ثغراً من ثغور العرب ومنها انتشر الإسلام في تلك الأقطار، وكان الأهالي من قبل
وثنيين ونصارى ويهوداً.
ولما اجتاح المغول بلدانهم كان أكثر هؤلاء صاروا مسلمين، ولما كانت غارة
تمرلنك (سنة ١٣٥٩م) كان أشهر شعوب الطاغستان قبيلتين أحدهما القايتاق،
والآخر القومق ويقال لهم: غازى قومق. وأكثر أشراف الطاغستان يدّعون أنهم من
أصل عربي وأن آباءهم قدموا مع مسلمة بن عبد الملك بن مروان. وقد صادفت في
الروسية بعض أشراف الطاغستان فقالوا لي: أن أصلهم من العرب يوم فتحوا
الدربند وهم يفتخرون بذلك. وقد طمع الروس في الاستيلاء على الطاغستان منذ
أواخر القرن السادس عشر للمسيح فلم يفلحوا وهزمهم أولاد الشامكال وأخرجوهم
من بلاد سولاك التي كانوا احتلوها، ثم سنة ١٦٠٤ م كروا ثانية على الطاغستان
وقصدوا بلدة طاركهو فلم يفوزوا بطائل.
وفي سنة (١٧٢٢م) ساق بطرس الأكبر جيشاً استولى الدربند وسائر سواحل
الخزر الغربية إلا أن نادر شاه صاحب فارس غزا هذه البلاد واسترجع أكثرها من
أيدي الروس (١٧٣٥ م) وزحف تتر القريم التابعون للدولة العثمانية على
الطاغستان في تلك الأثناء ففشلوا؛ وبقي الحكم هناك للعجم لكن المملكة الفارسية
بعد نادر شاه تضعضع أمرها، فتقلص ظلها عن الطاغستان وزحف الروس ثانية
فاجتاحوا البلاد سنة ١٧٥٥ وفي سنة ١٧٨٤ خضع لهم الشامكال مرتضى علي
وبعد ذلك استولوا على القوقاس، فتمكنت قدمهم في الطاغستان.
ولما تخلى الترك من جهة والفرس من جهة عن الطاغستان، عقد أمراء البلاد
محالفة فيما بينهم على مناهضة الروس فاشتبك القتال بين الفريقين، وتجشمت
الروسية كلفاً عظيمة إلى أن تمكنت من تدويخ البلاد فألغت لقب العصمى من أمراء
قايتاق (١٨١٩) ولقب المعصوم أمير تبازاران (١٨٢٨) وجعلت لدى الأمراء الباقين
ضباطاً روسيين يأخذون على أيديهم، فاستسلموا جميعاً للحكومة الروسية، فثار
الشعب على الروس وعلى الأمراء وتولى أمر الثورة علماؤهم وشيوخ الطريقة
النقشبندية المنتشرة هناك؛ وطلبوا أن تكون المعاملات وفقاً لأصول الشريعة لا
للعادات القديمة الباقية من جاهلية أولئك الأقوام؛ وكان زعيم تلك الحركة غازي
محمد الذي يلقبه الروس بقاضي ملا، وكان من العلماء المتبحرين في العلوم العربية؛ وله تأليف في وجوب نبذ تلك العادات القديمة المخالفة للشرع اسمه " إقامة
البرهان على ارتداد عرفاء طاغتسان ".
وفي ٢٩ تشرين الأول سنة ١٨٣٢ م بعد جهاد طويل أحيط بغازي محمد في
قرية جيمري، واستشهد في معمعة القتال ﵀، فخلفه حمزة بك الذي
استشهد أيضاً ﵀ بقرب غنزاق بعد ذلك بسنتين، فتولى زعامة الثورة
الشيخ شامل افندي - المقصود بهذه الترجمة - الذي خرج من المشيخة إلى الأمارة، وتناول السيف من طريق القلم. ولم يكن الشيخ شامل في سعة علم سلفيه ولكنه
كان أحسن منهم إدارة للأمور، وبصيرة بالحروب، فشمر عن ساق الجهاد والْتَفَّ
ذلك الشعب الأبي من حوله، فذب عن حوض ملته نحو ٣٥ سنة ظفر فيها بالروس
وفي وقائع عديدة وألقى الرعب في قلوبهم. وجلاهم عن جميع البلاد إلا في بعض
مواقع ثبتوا فيها في الناحية الجنوبية وكانت أعظم الدبرات التي والاها عليهم هي
في سنتي ١٨٣٤ و ١٨٤٤ حيث افتتح جميع الحصون التي كانت لهم في الجبال
وغنم منها ٣٥ مدفعاً وأعتاداً حربية ومؤناً وافرة، وأخذ عدداً كبيراً من الأسرى،
فجردت الروسية بعظمة ملكها وسلطانها جيوشاً جرارة ونادت هي بالجهاد في
الطاغستان. ونظم شعراء الروس القصائد في وصف تلك الحروب؛ وما زالت
توالي الزحوف حتى تمكنت من البلاد ولكن بقي الشيخ شامل عشر سنوات يناوشها
القتال في الجبهات الغربية من الجبال ولم يُسَلِّم هذا المجاهد العظيم للروس إلا في ٦
أيلول سنة ١٨٥٩م فعمد الروس على أثر تسلميه إلى إعادة سلطة الأمراء، ولكن
لما استتب لهم الأمر بواسطة هؤلاء الأمراء عادوا فخلعوهم هم أيضاً؛ كما هي
العادة بأن هذه الدول تبدأ أولاً باستعمال نفوذ الأمير الوطني في أغراضها،
وتصريفه في حاجاتها، حتى إذا قضتها كلها رجعت إليه ونبذته نبذ الحصاة،
وذهب يقرع سن الندم على استرساله إليها واعتماده عليها. وبقي الأمر كذلك إلى
سنة ١٨٧٧ إذ نشبت الحرب بين الروسية والعثمانية فثار الطاغستانيون وافتتحوا
قلعة القومق، ولكن لما دارت الدائرة على الدولة العثمانية في تلك الحرب، تمكن
الروس من قمع الثورة بدون عناء كبير.
ولما انحلت الحكومة القيصرية، وقامت الحكومة البولشفيكية سنة ١٩١٧
محلها وأعلنت استقلال الأمم المهضومة، وخيرت الشعوب التي كانت القياصرة
الروس قد أخضعوها بحد السيف بين أن تبقى منضمة إلى روسيا الأصلية، أو
تنفصل عنها، كان أهالي بلاد القوقاس أجمعين ممن أعلنوا استقلالهم التام، فتألفت
جمهورية في كرجستان [***] ، وأخرى في الطاغستان، والثالثة في آذربيجان،
والرابعة في أريفان [****] ، وأوفدت كل من الجمهوريات الأربع وفودها إلى
الآستانة لمفاوضة الأتراك والألمان في الاعتراف بهذه الجمهوريات الأربع، وصار
الحديث في ارتباطها بعضها ببعض بشكل حلفي، وكان الوفد الطاغستاني الجركسي
مؤلفاً من عبد المجيد بك، وعلي بك، وحيدر بك بامات الذي كان ناظر الخارجية
الطاغستاتية. وما مضت مدة قصيرة حتى داخل الكرج الدولة الألمانية وطلبوا
حمايتها فاعترفت لهم بالاستقلال دون غيرهم [١] وأحدث ذلك خلافاً بين الأتراك
والألمان لأن تركيا تقاضت حليفتها ألمانيا الاعتراف باستقلال الجمهوريات الثلاث
الباقية، حتى أن طلعت باشا الصدر الأعظم يومئذ سعى لدى ألمانيا في معرفة
استقلال جمهورية اريفان الأرمنية التي كانت تتقرب من الدولة العلية، وكان رجال
الدولة يريدون بمساعدتها إصلاح ذات البين بينهم وبين الأرمن [٢] فتقدم أنور باشا
إلى هذا العاجز [٣] أن أذهب إلى برلين وأتكلم في هذا الموضوع وأقنع نظارة
الخارجية الألمانية بلزوم المساواة بين جمهوريات القوقاس كلها، وإلا لم يكن مناص
من الاختلاف.. وكلفني الوفد الطاغستاني أيضاً أن أهتم بقضيتهم نوعاً لأنهم حسبوا
أن الترك قد يصرفون معظم عنايتهم في مصلحة جمهورية آذربيجان التركية فقط،
فبذلت في تلك الأيام جهدي مع نظارة الخارجية في برلين في تمهيد الخلاف، وكان
أكثر الكلام مع فون روزنبرغ الذي كان مديراً للأمور الشرقية، وهو هو اليوم بينما
أحرر هذه الأسطر ناظر الخارجية الألمانية. ولم يلبث أن حضر إلى برلين طلعت
باشا والكونت برنستورف سفير ألمانيا في الآستانة، واشتركنا في حل هذه المسائل
جميعاً وتم الاتفاق لولا أن الحرب في الجبهة المقدونية جاءت بما لم يكن في
الحساب. وطلبت بلغاريا الهدنة، وابتدأت نهاية الحرب فوقف كل شيء من جهة
ألمانيا وتركيا، واحتل الانكليز القوقاس، وعلق القوقاسيون عامة آمالهم بانكلترة.
أنها تعترف باستقلالهم وتوطد لهم حكوماتهم، لا سيما أنها كانت تعطف على
الطاغستانيين قديماً أثناء مقاومتهم الطويلة للروس فكان الأمر بالعكس إذ حصرت
انكلترة جهودها في مناهضة البولشفيك، وإعادة الحكم الإمبراطوري على أصله،
وأمدت الجنرال دنيكين عدو هؤلاء بالمال والسلاح، فما بدأ الجنرال بالحرب مع
البولشفيك حتى غزا الطاغستان، وحاول القضاء على استقلالهم، فجرت بين
الفريقين الوقائع الدامية، وما زالت إلى أن انقضى أمر دينيكين، واستتب الأمر
للبولشفيين أنفسهم، فجرد هؤلاء جيوشاً على جمهوريات القوقاس الأربع. فقبضوا
على أزمتها وألحقوها بحكومة موسكو خلافاً لوعدهم الأول؛ وثار أهالي الطاغستان
عليهم فتغلبت الحكومة البولشفية على الثوار وقبضت على بعضهم وألقتهم في
السجون، وشُرِّدَ قسم من رؤساء الحكومة المستقلة؛ ومنهم عبد المجيد بك،
وصديقنا حيدر بك بامات إلى أوربا، حيث يواصلون مساعيهم لأجل قضيتهم
القومية إلى يومنا هذا [*****] .
стр. 1513
آذربيجان بين الماضي والحاضر
تتناقل وسائل الإعلام اسم آذربيجان بصورة عمومية تحتاج إلى الإيضاح -
أكثر من أي وقت مضى - لأن القارئ العربي قد كونَّ صورة مغلوطة عن تلك
البلاد خلال هذا القرن.
لقد حدَّد الجغرافيون العرب موقع أذربيجان وضبطوا اسمها، والنسبة إليها،
وخير مثال على ذلك ما دونه ياقوت الحموي (ت ٢ ٦٢ هـ/١٢٢٥م) في كتاب معجم
البلدان (١/١٢٨-١٢٩) حيث قال.
" وحَدُّ أَذربيجان من بَرْذَعَة مشرقاً إلى أرزنجان مغرباً، ويتصل حدُّها من
جهة الشمال ببلاد الديلم، والجيل والطَّرْم، وهو إقليم واسع. ومن مشهور مدائنها:
تبريز، وهي اليوم قصبتها وأكبر مُدُنِها، وكانت قصبتها قديماً المَراغة، ومن مدنها
خُوَيّ، وسَلمَاس، وأُرمية، وأرْدَبيل، ومَرَند، وغير ذلك. وهو صُقع جليل،
ومملكة عظيمة، الغالب عليها الجبال.
وقد فتحت أولاً في أيام عمر بن الخطاب، ﵁، وكان عمر قد
أنفذ المغيرة بن شُعبة الثَّقفي والياً على الكوفة، ومعه كتابٌ إلى حُذيفة بن اليمان،
بولاية أَذربيجان، فورد الكتاب على حذيفة وهو بنهاوند، فسار منها إلى أَذربيجان
في جيش كثيف، حتى أتى أردبيل، وهي يومئذ مدينة أذربيجان. فقاتلوا المسلمين
قتالاً شديداً أياماً. ثم إن المرزبان صالَحَ حذيفة على جميع أذربيجان، على ثمانمائة
ألف درهم وزن ".
إن آذربيجان تعرضت للتجزئة جراء ما تعرضت له من مؤامرات خارجية،
حيث قسمت حسبما أراد جيرانها الأقوياء، فأنشئت جمهورية آذربيجان السوفييتية
في ٢٨ نيسان/أبريل سنة ١٩٢٠م كجزء من اتحاد الجمهوريات الاشتراكية المحلية
القائمة وراء القفقاس، ثم ألحقت بالاتحاد السوفييتي في ٥ كانون الأول/ديسمبر سنة
١٩٣٦، وأصبحت آذربيجان السوفييتية تعني: " آذربيجان " ومساحتها: ٨٦٦٣٠
كم٢، وجمهورية (نخجوان) المستقلة إدارياً ومساحتها: ٥٥٠٠ كم٢، ومقاطعة
(قره باغ) الأعلى ذات الاستقلال الإداري ومساحتها: ٤٤٠٠ كم٢.
الحدود: يحدها من الشرق بحر قزوين، ومن الشمال جمهورية داغستان
المستقلة استقلالاً إدارياً، ومن الشمال الغربي جمهورية جورجيا، ومن الجنوب
الغربي جمهورية أرمينيا، ومن الجنوب تركيا، وآذربيجان الإيرانية، وتفصل
أرمينية بين آذربيجان وجمهورية نخجوان. ويفصل بين آذربيجان الشمالية
وآذربيجان الجنوبية - التي هي جزء من إيران - نهر (اركس، أو اراس، أو
الرس) - حسب ما ورد في المراجع العربية، وتحدها من الشرق منطقة (كيلان)
جيلان، ومن الجنوب منطقة زنجان. ومنطقة " سنندج "، وهما إيرانيتان، علماً
أن أكثرية سكان سنندج من الأكراد.
معظم السكان في آذربيجان الإيرانية من القبائل التركية الأصل واللغة، ولا
سيما في الشمال الشرقي والجنوب، وقد هاجر الكلدان والآشوريون من الشمال إلى
العراق وسوريا، في الفترة الممتدة ما بين الحربين العالميتين، وحصلوا على
الجنسية العراقية، والجنسية السورية، وانفصلوا عن وطنهم الأم نهائياً.
والآن يدعون أن بلاد ما بين النهرين وما حولها هي بلاد أجدادهم، وتتبنى
قضاياهم منظمات حقوق الإنسانية الغربية لزرع الفتنة في بلاد المسلمين.
علماء آذربيجان:
لقد حفظت لنا كتب التاريخ، وكتب الطبقات؛ عدداً لا بأس به من أسماء
العلماء الذين انتسبوا إلى مدن آذربيجان. فقد ذكر الإمام الذهبي في كتابه سير
أعلام النبلاء (١٧/٥٤٤، الترجمة رقم: ٣٦٣) من مدينة باكو: (الإمام الصالح
المحدث: أبي عبد الله، محمد بن عبد الله بن عبيد الله بن باكويه، الشيرازي
الباكوبي (ت ٤٢٨ هـ) ، ولهذا العالم ترجمة في أنساب السمعاني ٢/٥٤، واللباب
للجزري ١/١١٣.
وذكر لنا الذهبي في سير أعلام النبلاء من مدينة زنجان، سعد بن علي بن
محمد بن علي بن الحسين الزنجاني، أبو القاسم.
عصر الاحتلال الروسي:
لم ينحصر تآمر أعداء الإسلام في منطقة معينة بل امتد التآمر إلى معظم
الأقطار، وواكب مسيرة الزمن عبر العصور، واستعراض الوقائع التاريخية يدل
على ذلك وكثيراً ما كان أعداء الإسلام يتحدون ضد الإسلام متناسين خلافاتهم،
وضمن هذا السياق يبرز الاتفاق البريطاني الروسي ضد المسلمين في القرن
الماضي وما تلاه، وقد شملت المؤامرات آذربيجان التي دخلتها القوات الروسية
القيصرية سنة ١٣٢٦هـ /١٩٠٨م ولم يختلف الحال مع وصول الشيوعيين إلى
الحكم بعد انقلاب تشرين الأول (اكتوبر) سنة ١٩١٧ م حيث أن قواتهم احتلت باكو
عاصمة آذربيجان سنة ١٩١٨م، واعتبروا آذربيجان (جمهورية سوفييتية) سنة
١٣٥٥ هـ/١٩٣٦م وبدأت مسيرة إلغاء الهوية الإسلامية الآذربيجانية.
وعندما وصلت الشيوعية إلى نهايتها وانهارت غير مأسوف عليها، بدأ الناس
يتحررون من أَسْرِ الشيوعية، ولم يقتصر الأمر على المسلمين بل شمل حتى
الروس الروم الأرثوذكس الذين اعتبروا الحزب الشيوعي الروسي حزباً محظوراً.
ومع الأسف الشديد ما زال الشيوعيون العرب متمسكين بتلك النظريات الفاسدة.
بدأ العد التنازلي السريع في مسيرة القهر الشيوعية، فسقطت النظم الشيوعية
التي كانت حاكمة سنة ١٩٨٩ في أوربا الشرقية. وفي ١٩/٨/١٩٩١م حصل
الانقلاب العسكري على غورباتشوف، وبرز بوريس يالتسين كبطل قومي روسي،
وعندها سقط الحزب الشيوعي، ومع سقوطه انتهى الاتحاد السوفييتي، وكان قد
سبق ذلك قيام اتحاد جديد أطلق عليم اسم (اتحاد الجمهوريات المستقلة) وضم
جمهورية روسيا الاشتراكية الفيدرالية، وآذربيجان، وتركمانستان، وأوزبكستان
وطاجكستان، وقيرغيزستان، وبيلوروسيا وكازاخستان، ورفضت الدخول إلى ذاك
الاتحاد دول: أرمينيا، واستونيا، وجورجيا، وليتونيا، وليتوانيا، وكولدافيا
وأوكرانيا.
هكذا خرجت الدول النصرانية من تحت السيطرة الروسية بينما بقيت للروس
سيطرة على الدول التي تضم أغلبية مسلمة من خلال الاتحاد الجديد. ويتضح ذلك
من خلال تتبع الأحداث في الدول المستقلة، فما أن تتجه إحدى هذه الدول نحو
الحرية، والتقارب مع الدول الإسلامية حتى تتصدى القوات الروسية للمسلمين
فتقمعهم وتُنَصِّب حكومات من الشيوعيين الملحدين، وتقدم لهم القوات الروسية
الحماية، وخير مثال على ذلك ما حدث في طاجيكستان، وما يحصل في جورجيا،
وآذربيجان.
الوضع المتفجر:
بعد سني الشيوعية الطوال ظن الآذارييون أن أملاً بحل الأزمات المتفاقمة في
البلاد قد لاح في الأفق عندما تخلصوا من نظامهم الشيوعي في آذار (مارس)
١٩٩٢م أقصى البرلمان مطلبوف، الرئيس الشيوعي آنذاك، في: " انقلاب
برلماني " وذلك بقرار إلغاء مجلس السوفييت الأعلى المؤلف من ٢٥٠ عضواً يشكل
الشيوعيون السابقون غالبيتهم، وأقروا " ملي مجلس " منح صلاحيات تشريعية،
اقتسم الشيوعيون والديموقراطيون مقاعده الخمسين مناصفة وبدأت رحلة الحكم
لترث تركة صعبة في " قره باخ " وفي الاقتصاد الذاتي والمدني بحل أزمة قره باخ
وأتعا وإنهائها وحسم المعارك خلال مئة يوم ولكن شيئاً من هذا لم يحصل.
وأخذت الأمور تتدهور بشكل " دراماتيكي " عندما قامت حركة معارضة
شيوعية بقيادة أحد ضباط الجيش سورت حسينوف (والذي كان الرئيس أبو الفضل
التشي بيه قد أقاله منذ فترة قصيرة) وأخذت قوات المتمردين تسيطر على مدن
آذربيجانية دون أية مقاومة من الجيش الذي تحرك باتجاه العاصمة بدلاً من التحرك
غرباً لمواجهة التقدم الأرمني داخل الأراضي الآذارية. وحسينوف هذا من
مليوناري البلاد الذين يملكون مصانع نسيج وقد ساهم في تسليح الجيش ورصد
ميزانية له مما يفسر عدم تعرض الجيش له عندما توجه إلى العاصمة.
التمرد الذي قاده سورت حسينوف كان قاصمة الظهر لوحدة الجيش الآذاري
الذي يواجه جيشاً أرمنياً منظماً حيث أن قوات التمرد وبدلاً من التوجه إلى قره باخ
فقد أحكمت سيطرتها على عدة مدن وهددت باحتلال العاصمة الأمر الذي أدى
بالرئيس التشي بيه إلى إرسال قوات حكومية لتجريدها من السلاح فاصطدمت مع
قوات التمرد في مدينة غنجة سقط من جرائه مئات القتلى والجرحى واستقال على
أثر الحادث باناخ حسينوف ورئيس الوزراء عيسى غمباروف اللذان اتهما بتدبير
الحادث.
وكانت عودة الشيوعيون إلى الحكم بتسلم حيدر علييف زعيم الحزب الشيوعي
السابق مهمات رئيس الدولة في آذربيجان يوم الجمعة ١٨/٦/١٩٩٣ بعد أن غادر
الرئيس المنتخب (في حزيران ١٩٩٢) أبو الفضل التشي بيه العاصمة باكو بصورة
مفاجئة ولجوئه إلى مسقط رأسه في ناختشيفان (وهي مقاطعة تقع بين أرمينيا
وإيران تتمتع بحكم ذاتي ضمن جمهورية آذربيجان) . وكان رئيس الدولة التشي بيه
قد وعد عند تسلُمِّه مقاليد الرئاسة بحسم مشكلة قره باخ وتحسين الأوضاع
الاقتصادية ولكن إخفاقه في تحقيق أي من هذه الوعود إلى جانب الهزائم المتكررة
التي منيت بها القوات الأذارية وضعت شعبيته موضع تساؤل أدت إلى الإنقلاب
عليه.
في الخامس والعشرين من شهر يونيو (حزيران) ١٩٩٣ قرر البرلمان رسمياً
سحب جميع الصلاحيات من الرئيس أبو الفضل التشي بيه وتحويلها إلى حيدر
علييف. والذي التقى برئيس التمرد في اليوم التالي وأسند إليه منصب رئاسة
الوزراء في مطلع شهر يوليو الحالي وبذلك يكون الرئيس علييف قد تخلص من
جميع أنصار التشي بيه وأسند المراكز الحساسة وقيادة الجيش إلى من " يثق بهم ".
وبهذا تكون آذربيجان قد عادت إلى الحكم الشيوعي المباشر مضيفة هماً جديداً
إلى الثقل الذي تحمله البلاد من اعتداءات الأرمن واحتلال أراضيها.
وبسقوط مدينة مارداكيرت الاستراتيجية (أغديري كما يسميها الآذارييون) في
يد الأرمن في التاسع والعشرين من حزيران الماضي تكون القوات الأرمنية قد
استكملت احتلالها لمعظم المدن والمناطق الآذارية المحيطة والمكونة لقره باخ والتي
تخطط أرمينيا لضمها لأراضيها على أساس أنها منطقة " ذات غالبية أرمنية "،
بعدما كانوا قد سيطروا على ممر لاتشين وقضاء كلياجار وهما منطقتان
آذربيجانيتان خارج قره باخ. ثم واصلت القوات الأرمنية تقدمها نحو مدينة أغدام
داخل الأراضي الآذارية لتدخلها أوائل شهر يوليو الجاري وتحول القوات الأرمنية
لقصف مدينتي فضولي وجبريل لتغطية سقوط أغذام.
والمعروف أن أرمينيا تتلقى الدعم من الغرب بشكل عام ومن روسيا على
وجه الخصوص. كذلك تتلقى الدعم من إيران وقد حجزت تركيا باخرة سلاح
إيراني كانت متجهة عبر مياهها إلى ارمينيا، وهنا قد يتساءل البعض عن سر
الدعم الإيراني للأرمن؟ والجواب أن إيران لا ترغب في قيام دولة آذربيجانية حرة
مستقلة خوفاً من اتحاد الآذاريين في دولة واحدة لأن ذلك يهدد بانفصال آذربيجان
الجنوبية عن إيران سيما وأن الآذريين يتكلمون اللغة التركية وليس الفارسية. كذلك
فإن إيران لا تريد أن تزعج روسيا التي تزودها بالسلاح.
المشهد يتكرر في مناطق أخرى في العالم الإسلامي، فلييت الأراضي الآذارية
التي احتلها الأرمن بأحسن حال من تلك التي تسقط في أيدي الصرب أو الهنود أو
الجيش البورمي. فتقارير " جمعيات حقوق الإنسان " تتحدث عن انتهاكات خطيرة
بحق السكان العزل حيث أفادت التقارير من أغدام بأن " الجثث تملاً الشوارع
والعديد منها قد أعدم عن مسافة قريبة (..) إنك أمام مجزرة حقيقية يصل أعدادها
للمئات إذا لم نقل الآلاف ".
المئات والآلاف من القتلى أرقام اعتادت التقارير التي تتحدث عن المسلمين
أن تتميز بها ٦٠٠ ألف شخص شردوا حتى الآن من المناطق الآذارية المحتلة (أي
واحد من كل عشرة أشخاص من سكان البلاد الإجمالي) والحكومة في أزمة والجيش
في انشقاق.
الشيوعيون يهددون بإقامة دولتهم في شمال أفغانستان والحكومة في ذلك البلد
في انشقاق والجيش في انقسام.
الشيوعيون يأخذون الحكم في طاجيكستان على رقاب عشرات الآلاف من
القتلى ومئات الآلاف من المشردين.
الشيوعيون يعودون إلى الحكم في آذربيجان والأرمن يتقدمون في أراضي
المسلمين والجيش إلى مزيد من الانقسام وخلاف على (الورثة) بين زعماء البلاد
وسياسييه.
الشيوعيون الذين لفظتهم روسيا ودفنت مؤسساتهم من غير دموع يعودون
للحكم في مناطق المسلمين بدعم من روسيا التي تدعمها أميركا والغرب.
стр. 1514
أخطار الكنيسة الرومية الأرثوذكسية في ألبانيا
عبد العزيز طيفور
إن الحرية التي تتمتع بها الكنيسة الرومية الأرثوذكسية في ألبانيا دفعتها
لاختيار قس يوناني لرئاستها في ألبانيا بعد تزكيته من قبل البطريركية الرومية
الأرثوذكسية في اسطنبول، ولم تسفر معارضة القساوسة (البطارقة) الألبان رغم ما
بذلوه من معارضة اتخذت الصحافة وبعض وسائل الإعلام لها منبراً، وتم بموافقة
الحكومة الألبانية اعتماده رئيساً لأساقفتها وهو البطريق (باتو لاتوسي) .
وعمد هذا البطريق اليوناني إلى اختيار قساوسة لكل مدينة من مدن الجنوب،
وممن أختارهم: القس البطريق كريستوف استومي، لمدينة جروا كاسترا، وقد
كان يتردد عليها من مقره في يانيا بشمال اليونان، ومن نتائج حركته التي اتخذت
طابعاً ديبلوماسياً تمكن من خلاله من تنفيذ مخطط نتج عنه تهجير كمًّ هائل من
الألبان تحت ضغط المعاناة المعيشية متخذاً أسلوب تغيير الاسم المسلم إلى نصراني
سبباً للحصول على تأشيرة الدخول التي يتيسر له العمل بها، كذلك دعمه
للأرثوذكس من الأصل الألباني، أو اليوناني لشراء الأراضي في الجنوب حتى بلغ
به أن جاهر بدعوته في حث الأرثوذكس على المطالبة بالإنضمام إلى الشمال
اليوناني بحكم أنها امتداد طبيعي لخارطة اليونان، بدليل انتشار عضوية الحزب
اليوناني الذي سيطر على بعض البلديات في انتخابات المجالس البلدية بالجنوب
الألباني.
وبعد طول متابعة لما يجري على مرأى ومسمع من أهل الجنوب، بدأت
الحكومة الألبانية في جمع الحقائق والمعلومات، ثم وجهت له الانذارات التي انتهت
أخيراً بالقرار الصادر في ٢٥/٦/٩٣ بإبعاده من البلاد، وتم ذلك في ٢٦/٦/٩٣،
وعندها بدأت ردود الفعل اليونانية وبصورة عاجلة بطرد ١٥٠٠ مهاجر، واعتقال
٤٥٠٠ بدعوى دخولهم إلى البلاد وتسللهم بدون أوراق ثبوتية، ثم تلاحق الطرد
للمهاجرين الألبان إلى أن وصل إلى حوالي ٢٠ ألف مهاجر، علماً بأن اليونان
كانت قد أقامت لهم معسكراً حول مدينة سيلانيك [*] أكبر مدن الشمال اليوناني،
والمتاخمة للحدود الألبانية على الطريق المؤدي إلى اسطنبول حيث مقر المنظمة
التي تدعى منظمة شمال اليونان (Vorio Epir) ويتم فيها اعتناق الأرثوذكسية من
قبل هؤلاء المهاجرين الألبان.
ثم بدأ الإعلام دوره في تغطية ما يدور، متخذاً أسلوب صرف الأنظار عن
موضوع الإبعاد، حيث أذاعت اليونان خبراً مغايراً فادَّعت أن ما تم تنفيذه من
الإبعاد إنما كان لاتفاق سابق تم في اجتماع سابق بين السيد صالح بريشة رئيس
الجمهورية الألباني، ورئيس الوزراء اليوناني، ودعمت ذلك إذاعة لندن الـ B.
B. C في تبرير موقف اليونان، وآخر مارددته الإذاعة اليونانية، تصريح
الرئيس الروسي بوريس يالتسين في زيارته لليونان ضمن خطابه الذي ألقاه في أثينا
تحت شعار حماية الأرثوذكسية بكل الوسائل، ومواجهة هجمات المسلمين أينما
كانوا، وتكلم بشدة ضد ألبانيا.
ولا تزال اليونان تذكي نار الفتنة في جنوب ألبانيا حيث قامت عدة تظاهرات
تندد بالرئيس صالح بريشة، وتؤيد موقف اليونان، مما يؤكد فعالية الأيدي الأجنبية
التي لا تزال تعمل داخل ألبانيا.
أخي المسلم:
لا يخفى على أحد أن ما يجري في منطقة البلقان ابتداءً بالبوسنة وتمهيداً
لكوسوفو وإعداداً لألبانيا، يشبه المؤشرات التي سبقت وانتهت بالحرب العالمية
الأولى والثانية، وقد لاحت في الأفق ملامح حرب عامة وصارت قاب قوسين أو
أدنى، فقد تكالبت كل أطراف الأرثوذكسية بكل بشاعتها ووقاحتها وتحرشاتها
السافرة سواء من اليونان بما يجري الآن في جنوب ألبانيا، أو من صربيا وقناصتها
في شرق ألبانيا التي لا تزال تنال من الشعب الألباني بين فترة وأخرى.
إن موقف هذا الشعب الذي لا تزال آثار الشيوعية عالقة بسحنته شحوباً وفقراً، يتطلب حماية ووقفة تذكره بإسلامه وتدفع عنه وتواسيه.
إن ضرورة الوقوف بجانب الحكومة والشعب الألباني المسلم يحتمها الإسلام
في دعم المواقف والمؤازرة، لذلك قامت الجمعيات من خلال مجلسها التنسيقي
بإعداد وترتيب الجهود في جمع ما يمكن توفيره من المساعدات لمساعدة هذا الكم
الهائل من المهاجرين الذين افتقروا إلى المأكل والمشرب والملبس والدواء زيادة
على ما تعانيه دولتهم من البؤس وقلة المؤونة.
لذلك نهيب بأهل الخير والإحسان أن يعملوا كي تتضافر الجهود لدعم ونصرة
هؤلاء المستضعفين والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه. (وأهل
المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة) ، والله يجزي المحسنين خيراً.
стр. 1515
لمن المطرقة بعد الصومال ؟
محمد الشيخ عثمان
مضت سنتان ونصف أو أكثر على الإطاحة بمحمد سياد بري (٢١ / ١/ ١٩٩١ م) وما زالت أحوال الصومال ومصيرها غير معروفة حتى الآن، وخاصة ب عد الأحداث الأخيرة في مقديشو والتي وقعت بين قوات الأمم المتحدة بقيادة أميركا، وبين أنصار الجنرال محمد فارح عيديد، وأدت إلى خسائر في الأرواح والممتلكات بعد قصف الطائرات الأميركية الأماكن التابعة لعيديد. وقد سبق أن كتبتُ في (البيان) [*] عن أسباب التدخل الأميركي وموقف المسلمين تجاه أحداث هذا البلد.
وبما أن الأوضاع تغيرت سريعاً وجُلّ من يكتبون في هذه الأحداث لا ينطلقون من
رؤية إسلامية واضحة اضطررت إلى كتابة هذا المقال لبيان وجه الحق في هذه
القضية إن شاء الله.
١- إن جميع الجبهات السياسية-العسكرية في الصومال قبلية ولها طابع
علماني، وقادتها - بدون استثناء - لا يمثلون الشعب، وهم بحمد الله معروفون في
الداخل، ولا يوجد أدنى فرق بين الجنرال محمد فارح عيديد، والعقيد عبد الله
يوسف، والجنرال محمد سعيد حرس " مورغان "، وعلي مهدي محمد والعقيد أحمد
عمر جيس، وغيرهم. وقد شارك الجميع بشكل أو بآخر في مأساة هذا الشعب
المنكوب سواء في الحروب القبلية، أو بالمشاركة في البرنامج السياسي المتمثل
بدعوة أميركا للتدخل في الصومال لإكمال التبعية لكلينتون وبطرس غالي، وكل
أعداء الإسلام والمسلمين.
٢- إن قوات التدخل الأميركي في الصومال سواء أعملت تحت اسمها أو
تحت مظلة الأمم المتحدة لم تطبق ما ادّعته أميركا في القرار ٧٨٤ بتاريخ ٩/١٢/
١٩٩٢م والذي أوحى أنها تتدخل لإعادة الرجاء لهذا الشعب، وحماية قوافل الإغاثة
التي كانت تتعرض للنهب والسطو من قبل العصابات التابعة للجبهات القبلية، وإنما
كان هذا التدخل يمثل أموراً أخرى، على رأسها تكوين حكومة علمانية موالية بعد
إيجاد الأرضية لها، ومحاولة التخلص مما يسمونه (الأصولية) المتنامية في المنطقة، إلى غير ذلك من الأهداف. ودليل ذلك سلسلة الأحداث ابتداء بنزول المارينز
الأميركيين على شواطئ مقديشو يوم ٩/١٢/١٩٩٢م وما تبعها من قوات فرنسية
وبلجيكية وذلك فيما عُرف بـ: (UNITAF) (United Task Force) . وفور
نزول تلك القوات بدأت - كعادتها - تُحسّن صورتها بالقيام بأعمال إنسانية، وفعلاً
قامت القوات بإيصال مواد غذائية لمقديشو وبيدوا وبارديرا وكسمايوا وغير ذلك من
المدن التي كان يموت فيها يومياً مئات الأطفال والعجزة. وخلال تلك الفترة رحب
الشعب بتلك القوات اعتقاداً منه أن تدخلها إنساني، ولإيجاد حل سياسي لإنقاذ البلاد
مما تتعرض له من قتال ونهب واغتصاب واعتداءات أخرى. ولا غرابة في
ترحيب الشعب بهذه القوات وخاصة بعد ما خاب أمله في الدول الإسلامية.
كان المسؤول الأول سياسياً عن قوات الـ (UNITAF) روبرت أو كلي وهو
سفير سابق لأميركا في الصومال، والجنرال جنسون قائد القوات الأميركية في هذه
العمليات. وبدأت أميركا المرحلة الثانية من مهماتها بعد تمهيد الأرضية لها بارتداء
ثوب الأمم المتحدة معلنة انتهاء دور قواتها في الصومال، لذا فقد أصدر بطرس
غالي القرار رقم ٨١٤ بتاريخ ٢٦/٣/١٩٩٣م بدعوة قوات متعددة الجنسيات إلى
الصومال للقيام بمهام خارج مهمة حماية الإغاثة، مثل إعادة الأمن إلى البلاد،
ونزع السلاح من المسلحين، وجمع الأطراف المتنازعة إلى مائدة المفاوضات.
وذلك إثر مؤتمر أديس أبابا الثاني والذي اتفقت الجهات المتحاربة فيه على إيقاف
الحرب وتكوين مجلس انتقالي للبلاد، وخلال تلك الفترة وهي فترة (١ UNISOM) حاول مندوب الأمم المتحدة السيد محمد سحنون محاولات جادة لحل أزمة البلاد وجمع شمل الشعب من خلال التقريب بين الجبهات إلا أن جميع جهوده باءت بالفشل وذلك بسبب العراقيل التي وضعت أمامه من قبل أميركا وبطرس غالي مما أدى لاستقالة سحنون من مهمته، ولم يكن تنازل أميركا للأمم المتحدة إلا أمراً صورياً حيث عينت الأدميرال الأميركي " جونثان هاو ": (Jonothan Howe) قائداً لقوات الأمم المتحدة وعينت العقيد " ستوك ولل " (Stockwell) وهو أميركي مسؤولاً أمنياً لهذه القوات. ولما انتدبت الأمم المتحدة " عصمت كتاني " وهو ديبلوماسي عراقي لمتابعة قضية الصومال فوجئ بأن القوات المزعومة ليس لها أي صلاحيات، وأن أمور البلاد تدار من قبل السياسة الخارجية الأميركية مما أدى إلى استقالته فوراً متعللاً بأسباب صحية. وخلال فترة ما يعرف بـ (UNISOM١) خدعت أميركا رؤساء الجبهات القبلية بوعود فارغة، وذلك من خلال مؤتمر أديس أبابا الثاني. وقد وافقت جميع الجبهات على ما أملت عليها أميركا من نقاط كتعديل دستور البلاد وحذف فقرات منه، وإضافة أشياء أخرى. وأصرّ " روبرت أو كلي " حذف عبارة " الإسلام هو الدستور الوحيد للبلاد " وتغييرها بـ: " الإسلام أحد ... مصادر دستور البلاد ". ومن الغريب جداً أن أميركا طلبت أن يكون ثلث أعضاء المجلس الانتقالي المكون من ٧٥ عضواً، من النساء، كما أضافت فقرة وهي: (حرية الأديان وحماية حقوق الأقليات) . ويعنون بالأقليات فئة من الصوماليين النصارى أمثال محمد سعيد سمنتر مدرس في إحدى جامعات أميركا وأحمد حيلي الذي عينه علي مهدي في منصب نائب وزير الخارجية بمؤتمر جيبوتي المنعقد في شهر ٦ و ٧ عام ١٩٩١م.
هذا الدور الأميركي خلق شكوكاً لدى رؤساء الجبهات القبلية وبالأحرى
العساكر منهم مما أدى إلى لقاء عاجل بين الجنرال عيديد والعقيد عبد الله يوسف في
مقديشو في نهاية شهر أيار (مايو) ١٩٩٣م مما فتح مواجهة مسلحة بين عيديد
وقوات الأمم المتحدة أو القوات الأميركية بعد مقتل ٢٣ من القوات الباكستانية داخل
مقديشو. وتعد هذه المرحلة الثالثة والخطيرة، وهي مرحلة استعمال القوة وضرب
أي شخص أو مجموعة تقوم بعمل عدائي ضد قوات الأمم المتحدة وهذا تحت القرار
رقم ٨٣٧ بتاريخ ٧/٦/١٩٩٣م.
بعد صدور هذا القرار بدأت القوات الأميركية بضرب مناطق مهمة في جنوب
العاصمة كانت تحت سيطرة عيديد مما أدى إلى خسائر في الأرواح والممتلكات،
وإرغام الجنرال على الاختفاء ولا زال مصيره مجهولاً [**] . وراحت قوات
الجيش الأميركي تتصرف بطريقة عشوائية كما حصل في بداية شهر تموز (يوليو)
من قصف الجيش الأميركي اجتماعاً لأنصار عيديد مما أدى إلى مقتل ٧٣ صومالياً، وجرح أكثر من مائة وذلك كله بحجة أن الجنرال فارح عيديد كان في الاجتماع.
بيد أن الأمر ليس ملاحقة عيديد وإلاّ فقد ذكر أحد الجنرالات الإيطاليين أن قواته
كان بإمكانها مرتين القبض على عيديد إلا أن " جوناثان هاو " القائد الأميركي رفض
القيام بذلك حتى لا تنتهي المسرحية.
إن أميركا من خلال دورها الجديد في الصومال مستخدمة مظلة الأمم المتحدة
أصبح واضحاً أن هدفها الأول والأخير هو تدمير ما تبقى من هذا البلد المنكوب،
وملاحقة العناصر التي ترفض سياستها، فعلى من الدور الآن يا ترى، وعلى من
ستنزل المطرقة بعد الصومال.
стр. 1516
عودة إلى المعرفة
(٢)
محمد بن حامد الأحمري
لا تقدم المدارس - التي في بلاد المسلمين - للطالب ثروة ثقافية كافية تُعَرِّفه
بنفسه وبالحياة وبالناس من حوله، وإذا كان الطالب من ذوي الرغبة في الفهم
والوعي يجب عليه أن يترصد المعرفة خارج المدرسة، ولهذا السبب يعجز عدد
كبير عن التماس سبيل المعرفة، ويضل حيث يتلقاهم عالم نصراني واسع الاهتمام
بنشر أفكاره وسلوكه، كما يتلقاهم عالم الأحزاب المتناحرة التي يعطي كل حزب
منها ثقافة خاصة به سرية أو علنية، وربما كانت سخيفة أو ذات أهمية وخطر.
لذلك يفرض هذا المجهود الفردي المضني الذي يعانيه الطالب حتى يتعلم -
لأن المدارس لا تقدم له شيئاً من ذلك - والتخبط في وضع المناهج التعليمية هو
الذي أوجد التعليم المتناقض، والمجتمع المتباين، والولاءات المتعارضة مما لا
يعانيه غيرنا في العالم.
إن مدارس المسلمين - في أغلب الأحوال - لا تستطيع صياغة فكر الطالب
لأنها لا تعرف ماذا تريد به ومنه، وحتى لو كانت تعرف، فإن غيرها قد يجبرها
على سلوك طريق غير الطريق التي تريدها هي لأنها قامت على أسس شكلية ربما
كانت كردة فعل ضد الذين يتهمون الشعب بالافتقار إلى المدارس أو الجامعات، لذا
كان قيامها كإثبات شكلي أحياناً الغاية منه وجود المدارس لا فاعليتها وتربيتها، ولا
ليكون لها دور في تنوير المجتمع وهدايته وترقيته، وتخلصه من غابة النصارى
المفترسة وذلك بتقديم المؤسسات الإسلامية الهادفة..
اللغة:
لا تقدم المدارس للطالب آلة معرفية قوية. فآلة المعرفة هي اللغة، وتكاد
تكون معرفة اللغة العربية مشكلة جماعية، بينما نجد الأساتذة الأجانب يجيدون
لغاتهم إجادة تامة، وينقرون فيما لا يخطر على بال في أعماق اللغة " لغتهم "،
وهذا ما ذكره لي أحد الطلاب الذين يدرسون مرحلة الدكتوراة في جامعة أوربية.
وذكر أنه وزملاءه لا يعرفون لغتهم الأم مثلهم مثل الباحثين حتى بالعربية في البلدان
العربية من الذين يعانون من هذه المشكلة التي لا يحلها الأستاذ المشرف ولكن لا بد
من خبير آخر لحلها.
لقد أصبحت وسيلة المعرفة عائقاً عن التعلم والتعليم بسبب تجاهلها من قبلنا
ولأسباب ضغوط أخرى منها اللغات التي تزاحم الأصل إذ يتهجىّ الطالب أول
كلماتها، ثم لا يعرف بعد ذلك عنها شيئاً، ويشعر نفسه أنه عرف لغتين، أو تفتخر
المدرسة وتدعي أنها علمت تلاميذها عدداً من اللغات في الوقت الذي لم يتعلموا من
اللغتين شيئاً مذكوراً، ومن ضعفت وسيلته عسر عليه بلوغ غايته.
تخضع العملية التعليمية - في العالم الإسلامي - لجهات عديدة متباينة في
أهدافها ومصالحها تتنافى أحياناً مع مصالح المسلمين وغاياتهم، فالذين يضعون
البرامج التعليمية لا بد لهم من مراعاة «اليونيسكو» وقوانينها، ولا بد لهم من
مراعاة دول الغلبة والقوة، ولا بد لهم من مراعاة الأقليات والجيران، بعدوا أم
قربوا، ولكل أمة وهيئة شروطها على مدارسنا تقتضيها القوانين النصرانية التي
يسمونها عالمية.
وتخيلوا كيف يمكن لهذا التعليم أن يصوغ للطالب هوية ولغة ودين ومكانة بعد
أن اشترط الجميع عليه إرضاءهم.
إن الذي يرضع الولاء والبراء مع لبن الطفولة، ويقرر ما يفيده حين يكون
صاحب قراره، دون الانصياع لأعداء ورث عداوتهم ووعاها عن قناعة، وعاداهم
عن مصلحة وضرورة شرعية وعقلية، ذلك هو الذي يمكن أن يكون عنصر بناء
وريادة، لا عنصر تقليد وتبعية مهينة.
روافد المعرفة:
التعليم عملية مبدئية تحتاج لاستقرار بعض المبادئ الثابتة لدى الفرد، وهي
صراع بين الجهل والمعرفة، وليس لأحد الحق أن يحول الطالب إلى مادة مستهلكة
تنفق عمرها في صراعات أنواع الجهل والغموض والبلادة بلا نهاية، فالذي يريد
أن يشارك في صراع الحضارات وبناء المدنيات والأمجاد، والذي له دين ورسالة،
يجب أن يبدأ ببناء هذه الأولويات من المراحل الأولى، ومع مرور الزمن يمكننا أن
نجد رجالاً ينفعون ويضرون، فمدة حضانة المعرفة عشرون سنة يغتنم خلالها
المعلم والمتعلم زمنه، وزمن حضانة الأخلاق أربعون عاماً تنتج دربة الخُلُق بعد
التخلق أربعين عاماً. ولا يقاوم انهيار التعليم إلا بإثارة الحوافز لدى الأمة وإشعارها
بأخطار الآخرين ومنافستهم.
لقد شهدت ندوة أقيمت في بريطانيا، وكان الحديث فيها عن العملية التعليمية
وضعفها عندهم، واقتراح سبل المعالجة للشباب الذي فقد هويته ومكانة وطنه
وضعف انتماؤه وكانوا يركزون على غياب الانتماء الحضاري، وينددون بهجمة
كلمة العالمية التافهة التي جعلت البريطاني لا يحترم بلاده، ولا يعمل ولا يجدُّ ولا
يدرس، وكانت اقتراحات عديدة منها ضرورة الدخول في حروب تذكي الحمية
والولاء، وتعيد القوة والغيرة، وتفتح الأسواق، وتنمي الجيش والجدَّ في الحياة.
أما نحن فنرى - مقابل هذه الدعوات - بعض السذج في العالم الإسلامي
يطالبون المسلمين بالتخلي عن المواجهة كلية، وإلغاء كلمة الجهاد، واللحاق بالعالم
النصراني المسالم حتى لكأنهم يعيشون في كوكب آخر ليس فيه الصومال والبوسنة
وفلسطين وغيرها، وغيرها كثير جداً. ينسون دفع الله الناس بعضهم ببعض
وأهمية جندية المسلم وإعداده للغزو حماية للحمى، أما الأمر بالغزو فذلك ما لا
يطيقه الخانعون، ولا يطيقون الحديث عن استعادة كرامتهم، من خلال بناء مناهج
التعليم بناء إسلامياَ كريماً، ولا أقول: عدوانياً، ولكن بناءً يتخلص من عقدة
العدمية.
إن للإنسان المسلم روافد ثقافية عديدة يجب إحياءها كالمسجد الذي فقد دوره
الثقافي عندنا، بينما استمر دور الكنيسة عند النصارى، ودور الإعلام الثقافي
عندهم، يقابله إعلام الدعاية الفجة في بلدان العالم الإسلامي التي تدعو للجهل لا
للمعرفة.
القراءة:
لقد ضعفت إثارة الرغبة في المعرفة والفهم في مدارسنا، فالكتاب المدرسي
الذي يجب أن يكون بداية لكتب أخرى، ولسلسلة من الكتب والمعارف، واتساع
دائرة المدروس، وإثارة الرغبة الدائمة لدى الطالب والمدرس في معرفة بقية
جوانب المواضيع الدراسية لأن قراءة كل صفحة هي إضاءة لجانب مجهول،
وزيادة للقوة، فالعلم قوة، والمعلومات المتناثرة في عهد الدراسة لا بد أن يحولها
الطالب بعد فترة إلى علم، وإلا فسيبقى المدرس والطالب على هامش المعرفة، ولا
عمق لهم ولا مدخل إليه، جموع جاهلة تدعي المعرفة وتجهلها، والحكمة تغترف
من رفوف الكتب، وتأبى أن تمنح نفسها للعاجزين والكسالى، وذوي الملل
والاستغناء بالشهادة أو المغرورين بالرأي الفاسد.
حرية التعليم:
لا بد للمعرفة من حرية تصان، ولا يمكن أن يصون الجاهلون الحرية، ولا
أن يعرفوا سبيل الحصول عليها، وكلما ضاق طريق الاختيار أمام الفرد ضاق
إمكان تأثره أو استفادته من نفسه ومن الآخرين، فتنوع المعرفة وعمقها وتناول
مجالات عديدة من مجالاتها تجعل الإنسان عارفاً بحقِه، عارفاً بطريق الحصول
عليه، وأن تعسر طريق لم يكن كلاً عن ابتداع طريق آخر مدركاً لإمكان وجود
بدائل صحيحة أخرى. وليس المقصود هنا حرية إنشاء المدارس الإنجليزية
والفرنسية والصينية فذلك تعليم هدّام، يمزق المجتمع وينشئ ولاءات داخله
وتتصادم ثقافاته في عقل الطفل.
المعرفة الشرعية:
المعرفة الشرعية هي أس المعارف وهي التي تصون كل المعارف، وتهذبها
لذا يجب أن تكون مهيمنة عليها ليس فقط كمادة مدروسة، ولكن اعتمادها توجهاً،
ومساراً يجمع شمل التعليم، ويقلل الخلاف، ويوحد الأمة، ويخفف الصراعات
داخلها. وغياب المعرفة الشرعية عند المسلمين، غياب لذاتهم ولتاريخهم ولهويتهم، وهو محو للشخصية، ولذلك يوجد المجتمع ثقافته البديلة أثناء غياب المعرفة
الشرعية لتكون بديلاً عن المعرفة الشرعية، ويتصرف حسب ثقافة اجتهادية
متنوعة بديلة فيها الحق والباطل مؤذنة بالشذوذ والخرافة، وتفتح باب الثقافات
الأخرى ويدخل المجتمع في دوامة لا نهاية لها.
يدعي البعض: أن غيرنا كالنصارى مثلاً ليس لديهم تعليم ديني، ولا احترام
لدين، فهذه مغالطة فلديهم مدارس دينية، وبرامج دينية، ومحطات تلفاز عديدة
دينية، وجامعات دينية، وبعضها يميزون فيها البنين عن البنات إلى حد كبير
ويطردون من يخالف منهج جامعاتهم، أو يصرح بالإلحاد، وليس ثبوت حرية
الإلحاد في جامعات أو مكان يلزم منه حرية الإلحاد في كل مكان أو كل جامعة "
وليس هذا موطن شرح ذلك " [*] . ودارسوا الحضارات من كل الشعوب، وفي
كل العصور يرون أن الحضارة لا تقوم إلا على دين يجمع ويدفع للعمل، ولم يشذ
عن ذلك سوى الشيوعية، وكانت شاذة في بدايتها وفي نهايتها. ولا يزعم أحد أنها
كانت حضارة، بل مشهد قسوة من مشاهد الانحراف والتشوه الفكري الألماني،
وشذوذ اليهود سرعان ما ثبت فشله، فإلى متى لا نركب مركب الحق ونسلك طريقه؟ كيف نرقى بالسلوك الشاذ بين الأمم بلا دين ولا هوية؟ ونجهد لطمس ديننا كل
يوم وطمس معالمه بأنظمة تعليمية غريبة ومعادية، ولا تكفي لمعرفة الشرعية التي
تدرس على مستوى ضيق بل وندرة في بعض البلدان، وبعضها الآخر يحاربها،
فإنها تدرس بشكل نظري جاف وبلغة لا تكاد تُفْهَمُ، ونسي رجال المناهج أن يجعلوا
من العملية التعليمية الشرعية أسلوباً عملياً ولو في نطاق ضيق حسب المسموح به،
ولك أن تقارن بين شيخ صادق يدرس الفقه بالمصطلحات العباسية كالرطل العراقي، ولا يكاد يحدده لتلاميذه، وبين الإمام أبي داود الذي نزل بئر بُضاعة يقيسها
بعمامته حتى يعرف ويعرِّف بمقدار الماء النجس والطاهر. ونحتاج تحديث
المصطلحات الشرعية من خلال نشر معرفتها أو استخدام بدائل فيما يصح أن يكون
له بدائل معاصرة أو أصبحت له بدائل أو " مُسَمَّيات " في زماننا ما دام ذلك لا
يوجب حرجاً شرعياً، ومن المكاييل والمقاييس والموازين تنقل بالتحديث
والمعاصرة إلى غيرها، حتى لا يجد الطالب نفسه يتعلم رموزاً غريبة عنه. وأهم
من ذلك إنزال الفقه إلى حياتنا اليومية.
القدوة:
لا يسوق الطالب للعمل الصحيح سوى المثال الرائع بدءاً بأمثلة مدروسة في
التاريخ مثل تراجم الرجال التي تُربى لديه نزعةَ السّمو والاتباع للأبطال، وتزيد
معارفه في جوانب الحياة الإسلامية العامة، وتبعده عن أمثلة التفاهة وأقزام المجتمع، وتجنبه السلوك الضعيف والقدرة الماجنة الهزيلة التي حذرنا منها، ويكون
استبدال ذلك ببدائل جادة وأمثلة من تاريخنا الإسلامي العامر بسير ذوي الشجاعة
والعلم والكرم والحلم والجهاد، وليس في مقالات قصيرة مبتسرة وإنما في حملة
ثقافية واسعة تشمل شتى جوانب المعرفة.
إن من يجهد لإقامة أمة وتعليمها لا يمكن أن يراعي كل الأمم، ولا أن
يستشير كل مفكريها، وليس هناك شيء اسمه مناهج عالمية، أو ثقافة عالمية، أو
تربية عالمية ولكن لكل قوم مناهجهم، وثقافتهم وغاياتهم، وتربيتهم والذي يقره قوم
يرفضه آخرون، ولكن هناك وسائل قد تكون عالمية ويبقى المحتوى التربوي
والهدف أمر يصنعه العالم الإسلامي لنفسه إن كانت له قدرة على أن يفكر لنفسه في
هذا الأمر.
стр. 1517
منتدى القراء
المجلات الإسلامية والدعم المفقود
سعد العبد اللطيف
لا يجهل أحد أهمية الإعلام ودوره في التأثير على المتلقي وصياغة معتقداته
وتصوراته وسلوكه وأخلاقه، سواء أكان قاطناً في المدينة أو البادية.
وفي خضم هذا التوجه، كانت محاولات لإيجاد قنوات إعلامية تلتزم بأحكام
الإسلام، وترفع لواءه وتذب عنه. وقد أدرك الكثير من العلماء والدعاة والمصلحين
أهمية إنشاء وإصدار المجلات الإسلامية وأثرها في نشر الوعي، وتصحيح المفاهيم، ونشر الفضيلة، وممن أدرك أهمية المجلات الإسلامية من العلماء والمصلحين:
عبد الحميد بن باديس، ومحمد رشيد رضا، ومحب الدين الخطيب، ومحمد بن
إبراهيم آل الشيخ، وغيرهم ﵏ جميعاً-.
ورغم قدم عهد الأمة الإسلامية بالمجلات الإسلامية، إلا أن الغيورين من هذه
الأمة يتطلعون إلى مجلات إسلامية شاملة وقوية.
وفي هذه السطور نذكر أسباب عدم انتشار وقوة المجلات الإسلامية.
١- عدم إدراك الكثير من المنتسبين إلى الصحوة الإسلامية أهمية المجلات
الإسلامية، فالكثير ينظر إلى هذه المجلات على أنها من باب الترف الثقافي ولذلك
لا يشجعها ولا يقتنيها؟ ! وقد أشرنا آنفاً إلى كوكبة من العلماء المصلحين الذين
ساهموا في إصدار المجلات الإسلامية، وكان لتلك المجلات أثر بالغ على الأمة
الإسلامية آنذاك في توعية الأمة وشحذ همم أبنائها.
٢- ضعف الدعاية والإعلان والتوزيع لهذه المجلات، فهناك مجلات إسلامية
تصدر منذ سنين، ومع ذلك لا أحد يعلم عنها شيئاً ولا أين تصدر.
٣- هناك فجوة بين المجلة الإسلامية وبين الشباب ومعالجة قضاياهم
وأحوالهم. ...
٤- ضعف الإمكانات المادية والفنية والبشرية. ولعل هذا سر عدم
استمرارها، فربما صدر عددان في عدد واحد.. الخ، وقد يكون هذا السبب مانع يحول دون مواصلة تقدم المجلة على طريقها الدعوي الإعلامي.
اقتراحات وحلول
- السعي إلى «الاستقلالية» الشمولية، ويكاد يكون هذا حل جذري لكثير
من المشاكل والمصاعب التي يعاني منها العمل الإسلامي، ومن ذلك " المجلات
الإسلامية ".
- الاستقلالية في الموارد والدخل، فلا تكون المجلة الإسلامية عرضة
للمزايدات والمقايضات، حتى إذا ما وقع خلاف بين الممول وبين المجلة توقف
ضخ التمويل، ومن ثم فلا خيار للمجلة إلا أن تسعى إلى كسب رضاه وتستجدي
منه العفو والمال؟ !
- الاستقلالية عن الحزبية الضيقة حيث لا تكون المجلة مجرد صوت لشيخ أو
لاتجاه معين، ومن ثم تتبنى القضايا والأفكار التي توافق مسار ذلك الحزب أو ذلك
الاتجاه. بل يكون مرجع المجلة والقائمين عليها الكتاب والسنة وفق فهم السلف
الصالح -رضوان الله عليهم-. ويكون منظار المجلة والقائمين عليها للقضايا
والموضوعات من المنظور الشرعي السني لا من المنظور الحزبي الضيق، ولا
من منظور البيئة أو الطائفة.. إلخ.
- عدم الخضوع لضغوط الواقع ومجاراة السائد، أو الوقوع في فخاخ " ردود
الفعل ".
لقد كانت بعض المجلات الإسلامية تميل إلى أسلوب التهويش والصراخ،
والتحدث بلغة المجابهة والمواجهة، في فترات سابقة ثم تحولت الآن إلى لغة اللين
والتمييع والمسايرة.
- التنسيق والتعاون بين المجلات الإسلامية: فلا بد أن يستحضر القائمون
على المجلات الإسلامية الإخلاص وأن عملهم خدمة لهذا الدين ونصرته. فلا بد أن
يكون هناك تعاون بين المجلات، وتبادل الخبرات والاستشارات، وكذلك إقامة
المؤتمرات، والاجتماعات من أجل النهوض بالعمل الدعوي الإعلامي الإسلامي.
- تقوية العلاقات بين المجلات الإسلامية وبين العلماء وطلبة العلم والجهات العلمية
والدعوية، والمراكز الثقافية والعلمية الأكاديمية.
стр. 1518
شذرات وقطوف
القلوب المريضة
[فَأَمَّا الَذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إيمَاناً وهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وأَمَّا الَذِينَ فِي قُلُوبِهِم
مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إلَى رِجْسِهِمْ]
كما يصل الغذاء إلى محل غير قابل للاغتذاء، فإنه لا يؤثر شيئاً بل لا يزيده
إلا ضعفاً وفساداً إلى فساده، كما يصل الغيث إلى الأرض الغليظة العالية التي لا
تمسك ماء ولا تنبت كلأ.
ابن القيم
***
صور الجوْر كثيرة
" العدل في الشيء صورة واحدة، والجور صوره كثيرة، ولهذا سَهُلَ
ارتكاب الجور، وصَعُبَ تحري العدل، وهما يشبهان الإصابة في الرماية والخطأ
فيها، فإن الإصابة تحتاج إلى ارتياض وتعاهد، والخطأ لا يحتاج لشيء من ذلك "
أسامة بن منقذ
***
الغريب
الغريب من إذا ذَكَر الحقَّ هُجر، وإذا دعا إلى الحق زُجر.
الغريب إذا امتار لم يُمر، وإذا قعد لم يُزر، يا رحمتا للغريب: طال سفره
من غير قدوم، وطال بلاؤه من غير ذنب، واشتد ضرره من غير تقصير.
أبو حيان التوحيدي
* * *
هكذا يفعل الغرب
في حديثه مع الشيخ رشيد رضا قال أحد زعماء النصارى في طرابلس الشام
وكان قنصلاً لروسيا وألمانيا:
".. إن في الإسلام فضائل كالجبال أو أشمخ وأرسخ، ولكنكم دفنتموها حتى
لا تكاد تعرف أو ترى، ونحن عندنا شيء قليل ضئيل ككلمة " حب الله والقريب "
فما زلنا نمطه ونمده ونقول: الفضائل المسيحية حتى ملأ الدنيا كلها ".
أحد علماء النصارى
* * *
" من مصائب هذا الشرق أن الخصام السياسي فيه لا يدل على سياسة،..
تبرأ متبوعٌ من تابع فاختصما، فكانا كرجل وحذائه، يقول الرجل: أنا خلعت
الحذاء، ويقول الحذاء: بل أنا خلعت الرجل.. "
مصطفى صادق الرافعي
* * *
... ... ... ... " اجعل بينك وبين صنم الإفرنج بوناً شاسعاً،
فعهده وميثاقه لا يساوي حبة شعير،
خذ النظرة من عين الفاروق
... وضع القدم الجريء في العالم الجديد ".
محمد إقبال
стр. 1519
مقال
الكُتَّاب العرب بين السلام
والاستسلام وبين الوطنية والخيانة
المحرر الثقافي
قِيل: (الجاهل عدوّ نفسه) ومعنى ذلك أن إضراره خاصٌّ منحصر في كل
محيط محدود إلى حدًّ ما، أما المتعالم فإن إضراره يتجاوز محيطه الشخصي ويمتد إلى أماكن أخرى متجاوزاً المحيط الخاص إلى المحيط العام، ولا سيما إن كان
المتعالم مُثقًّفاً، مِمَّن ثُقِّفوا ثقافةً موجَّهة لخدمة فئة سياسة معينة، أتاحت له فرصة
الوصول إلى مركز إعلاميّ يمكِّنه من بثِّ سمومه التي تنتشر انتشار (حُمّى
الأهواز) [١] أو (حمى خيبر) [٢] ولئن كانت طرق انتشار الحمى مكشوفة واضحة الأعراض، فإن طرق انتشار الحمم الدخيلة مموهة بطريقة متقنة تتيح لها انتهاج المناهج المتعددة مستفيدة من تغير المناخ السياسي كاستفادة الحرباء من تنوع الألوان المحيطة بها، " فلكل مقام مقال، ولكل زمان دولة ورجال "، وبين الزمان والمكان يمتد " خيط الشيطان " [٣] ليفعل فعله متوهماً ديمومة " ظل الغمام " [٤] دون أن يوقظه من سُباته قول كثير عزة.. في أمالي القالي: (٢/١٠٩) .
وإنّي وَتَهْيامي بعَزَّة بعدما ... تخلَّيْتُ عمّا بيننا وتَخَلَّتِ
لكالمُرْتَجِي ظِلَّ الغَمامةِ كلما ... تبوَّأَ منها للمَقِيْل اضمَحَلَّتِ
كل هذا يحصل وأمتنا مبتلاة بكتبة مبادئهم " كسحابة الصيف " و " إلمامة
الطيف " [٥] يمرون على رزايا الأمة " مرَّ السحاب " دون أن يرفَّ لهم جفن، لأن
إخلاصهم " أبعد من مَناط الثريا " [٦] وكأن الشاعر عناهم بقوله:
مَناط الثريّا من يَدِ المُتناوِلِ ... وأبعَد من هذا الذي قدْ أَرَدْتَه
لقد انسلك لفيفّ من حملة الأقلام في سلك (كُتَّاب النِّثار) [٧] الذين ينطبق
عليهم قول الشاعر ابن عروس حيث قال: - في ثمار القلوب ص ٦٨٦ -
ولمَّا أنْ رأَيْتُهُم وقُوفاُ ... على الجِسْرَينِ كالِحِدَءِ الضَّواري
سألتُ فَقيِلَ: كُتَّابٌ ولكنْ ... أَلَمْ تَسْمَعْ بِكُتَّاب النَّثارِ؟
وَكَمْ بَغْلٍ على بغلٍ وَكَمْ مِنْ ... حمارٍ قد أنافَ على حمارِ! !
وبرْذَوْنٍ تَراهُ وَقَدْ تَثَنَّى ... على بِرْذَوْنِهِ مثل الجدِارِ
أعداء الأمة المتلفعون بأقنعة التقدمية، المتسربلون بسرابيل المناهج الوافدة،
تفيض أقلامهم سماً زعافاً يفرق بين أبناء الأمة الواحدة. وأما آراء الكتبة فهي
(كمشية السرطان) [٨] وشأنهم كشأن من عناه أبو منصور العبدوني بقوله: - في
يتيمة الدهر ٤/٤٣ -
فَرَأيُك في الإِدبار رأيٌ أَخَذْتَهُ ... وعُلِّمْتَهُ من مِشية السَّرطانِ
لقد أدمنوا على الإدبار، ورجوع القهقري، وتمجيد الاستسلام، وتزييف
صورة السلام، مستخدمين المصطلحات التضليلية التي صيغت صياغة ملغومة بغية
تفجير البنى الفكرية ونسفها من جذورها فأطلقوا على قوى الاحتلال اسم (الاستعمار)
والأصح من ذلك أن يطلق عليه اسم (الاستخراب) لأن أعمال الغزاة المحتلين
قائمة على التخريب العام، وليست قائمةً على التعمير، ولكن العملاء من الكتبة
روَّجوا الأخطاء فشاعت وأصبحت من المسلمات السارية كالأمراض السارية،
وينشر المخربون مزيداً من المصطلحات الفتَّاكة، ودورهم في ذلك كدور " فأرة
الْعَرِم " [٩] و " بعوضة نمرود بن كنعان " [١٠] و " الصَّعوة " [١١] و " الخرفان "
التي ورد ذكرها في قول الخوارزمى: - في تيمة الدهر ٤/٢٢٢ -
لا تَعْجَبوا من صيد صَعْوٍ بازِياً ... إنْ الأُسود تُصادُ بالخرِفانِ
قَدْ غَرَّقَتْ أملاكَ حِمْيَرَ فَأْرَةٌ ... وبَعوضَةٌ قَتَلَتْ بني كَنْعانِ
إن الإنسان ليعجب من عقوق اللاهثين وراء الأجنبي، وقد أصبح (عُقوقُ
الضَّبِّ) [١٢] شعاراً لهم، وهم (أهبَرُّ مِنَ الهبيرَّة) [١٣] التي تأكل أولادها، ...
وكتاباتهم تُخيِّم على الوطن، وتُقْلِق المواطن (كظل الموت) [١٤] و (طُغيان
أقلامهم) ينبئ عن أصلهم.
والغريب الغريب من أمور الكتبة خداعهم حتى لَتجِدَ الواحد منهم " أَخْتَلَ من
الذِّئب " [١٥] إذا رام صيده، " وأحرصَ من كلبٍ على جيفةٍ أو عِرْقٍ " [١٦] فيا
ويل من احتاج النُّصرة منهم لأن مصيره كمصير من عَنَاهُ الشاعر بقوله:
أَمسى لَعَمْرُكَ مُحتاجاً إلى الصُّوفِ ... مَنْ جَزَّ كلباً لِمَا في الكلبِ منْ وَبَرٍ
وإن سأل سائل عن رأس مال المتحذلقين المتخرصين فالجواب: إن رأس
مالهم " ورأسَ مال الدَّلال " [١٧] سواء، لا يتمشى بغير الكذب والتمويه والتضليل
أسوةً بإبليس أول دلاَّل دَلَّ [عَلَى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لاَّ يَبْلَى] [طه/١٢٠] . إنهم
(كدودة الخل في الخل) ، و (ديدان السموم في السموم) نهجهم عجيب، وأمرهم
غريب، مولعون بالخلاف، ومَثلُهم الأعلى " لَجاج الْخُنْفُساء " [١٨] إذا تعلق الأمر
بخدمة العدو، وإيذاء الأهل، وهم كصاحب الشاعر خلف بن أحمر المقصود بقوله: - معجم الأدباء ١٦/١٦١ -
لنا صاحِبٌ مُوْلَعٌ بالخلافِ ... كثيرُ المرِاءِ قليلُ الصَّوابِ
أشدّ لَجاجاً من الْخُنْفُساء ... وأزهى إذا ما مشى من غُرابِ
وهم (أخلف من وَلدِ الحمار) [١٩] إن كانت أمه فرساً، فهو (لا يشبه أباه
ولا أمه) وهم كذلك لا يشبهون الأهل في إخلاصهم، ولا الأعداء في أهدافهم،
وخير وصف لهم: أنهم (مفاتيح الفتن) و (كِلاب الناس) [٢٠] الذين عناهم
الشاعر فقال:
كَكَلْبِ الإِنسِ إنْ فكَّرتَ فيه ... أشدَ عليك مِنْ كَلَبِ الكِلابِ
يروِّجون لكل ما هو دخيل، ويشيدون بالمتآمر والعميل، يطبِّلون للتنازلات،
ويزمرون للمُمَاحكات، يُدينون السلام، ويَدينون بالاستسلام، يهللون للأباطيل
الصهيونية ويلبسونها جلود الحملان، وينددون بالحقائق العربية الإسلامية،
ويصفونها بالرجعية والعدوانية والديكتاتورية المتخلفة، وكأن الشرق الأوسط مباح،
بل حق لكل طامع دخيل متآمر محتال من شذاذ الآفاق الذين ضاق العالم بهم،
فقذفهم على شواطئ بلاد الشام كما يقذف البحر زبده الذي يذهب جفاء، وبدلاً عن
الاحتجاج على هذا الأمر نرى مجموعة حاقدة من الكتبة تقوم بالدعاية - غير
الشريفة - لهذا الدجل السياسي الذي يُرتكب دون رادع، بل تحول قسم من النظارة
إلى [قِرَدَةً خَاسِئِينَ] [البقرة/٦٥] ، أذلاء وكأن أمر الوطن والمواطن لا يعنيهم لا
من قريب ولا من بعيد، وإذا ما ثار ثائر على الذل، أو دافع مدافع عن قضية تَهُمُّ
المسلمين، أو رفض رافض أمراً مرفوضاً، نجد قيامة الكتبة قد قامت وبدؤوا
يتهمون الشرفاء بالتطرف والأصولية، وراحوا يتلاعبون بالمصطلحات على هواهم
حتى يُصبحَ الحقُّ باطلاً والباطل حقاً في غمرة العزف النشاز الصادر عن جوقة
المطبلين والمزمرين والمشعوذين من دعاة الاستسلام والتسليم لكل ما هو دخيل
وغريب، ولا غرابة بذلك، فالأمر سهل على من مات ضميره وانسلك في سلك
العملاء الموتورين غير المأجورين.
إذا ما طالب مطالب بالوحدة الإسلامية قالوا: هذا طرح أصولي، وهم لا
يعنون المعنى الحقيقي لكلمة أصولي ولا يعون معناه أصلاً إنما يعنون بكلمة أصولي
المعنى المترجم للكلمة الإنجليزية «Fundamentalism» التي تعني مذهب
العصمة الحرفية الذي ابتدعته حركة بروتستانتية تؤكد على أن " الكتاب المقدس "
الذي يضم التوراة والإنجيل معصوم عن الخطأ في كل ما يحتويه، كما تعني الكلمة: الإيمان بهذا المذهب البروتستانتي. فهل من يصفونهم بالأصولية من المسلمين
يؤمنون بما يؤمن به الأصوليون البروتستانت؟ أم أن استعمال هذا المصطلح هو
استعمال نابع عن الجهل المتأصل أو التجاهل المبرمج؟ ولا يقف هذا القذف عند
حَدِّ اتهام المتدينين المسلمين بالأصولية، وإنما يتجاوزهم ليشمل قطاعات أخرى من
أبناء شعبنا حتى يعمهم جميعاً ما عدا العملاء لا غير، فَمَنْ يُطالب بتحكيم شرع الله
يُتَّهم بالأصولية الإسلامية، ومن يطالب بالوحدة العربية يتهم بالأصولية القومية،
ويجهرون بآرائهم المتهافتة دونما خجل، وكأنما المعري قد عناهم بكتابه " زجر
النَّابح " [٢١] وجمع بينهم وبين نقيضهم في كتابه " الصاهل والشاحج " [٢٢] فقدم
الصاهل لأصالته وأخر الشاحج لهجنته، وما أجدر دعاة الآراء الفاسدة بالحلول محل
الثاني في عنوان كتاب المعري، وذلك مقام لائق بمن يخلط بين الأصولية
البروتستانتية، ودين الله الذي لا يقبل من الناس غيره، ويسمى التطرف الديني،
ويضفي على الاغتصاب الصهيوني صفة الشرعية النابعة عن ديمقراطية المجازر
التي نفذتها عصابات الهاغانا في قِبية ودير ياسين، ومن ثم نسجت على منوالها
عصابات أخرى كتبت تاريخها بدماء أبناء الشعب الفلسطيني والشعب اللبناني،
واستمرأ الكتبة جرائمهم فعتَّموا عليها، وهاجموا من لم يمل للعاصفة الصهيونية،
لأنهم أكثر صهيونية من الصهاينة الأفاقين.
стр. 1520
إصدارات
الكتاب: صقور القوقاز، (٢٥٦ صفحة) .
المؤلف: سلجوق قُلَلى، ترجمة د. محمد حرب.
الناشر: دار المنارة للنشر والتوزيع جدة /١٩٩٢.
موضوع الكتاب: رواية إسلامية تصوِّر جهاد الداغستانيين بقيادة الإمام شامل
ضد الروس المعتدين على مدى خمس وثلاثين عاماً. وتفصل الرواية وقائع الحياة
في داغستان قبل وخلال ثورة هذا المجاهد الذي استحق اسم أسد القوقاز والذي "
دوّخ روسيا القيصرية وتصدى لظلمها وجبروتها وجيشها وخاض معارك ضارية
بثلة من رجاله.. صقور القوقاز ". والكتاب إلى جانب كونه دراسة في سيرة
الرجل -البطل فهو سجل تاريخي للأحداث الدامية التي مرَّت في تلك الفترة.
* * *
الكتاب: أسلوب جديد في حرب الإسلام (٢١٠ صفحات) .
المؤلف: جمعان بن عايض الزهراني.
الناشر: رابطة العالم الإسلامي (١٩٨٩) الطبعة الثانية ١٤١٢ هـ / ١٩٩١ م.
الموضوع: يرفع هذا الكتاب الستار عن الحداثة ويفضح الحداثيين ويفتح
أعين المصلحين على أخطار الوضع الراهن..
* * *
الكتاب: اليهود في القرآن والسُنَّة، بعض من خلائقهم (١٦٦ صفحة) .
المؤلف: د. محمد أديب الصالح.
الناشر: دار الهدى للنشر والتوزيع، الرياض.
الموضوع: دراسة للنصوص في محاولة لاستلهام العبر والدروس، وذلك في
سبيل تحديد شخصية اليهود، حسبما ورد في الكتاب والسنة. والكتاب هو الجزء
الأول وسيصدر الجزء الثاني قريباً.
стр. 1521
الصفحة الأخيرة
خطبة الحاجة على الطريقة العلمانية
جمال سلطان
يتأدب المسلمون - عادة - عندما يبدأون الكلام ذا البال، أو الأحاديث الهامة، أو الخطب المطولة، فيبدؤون بحمد الله تعالى، والثناء عليه بما هو أهله، يلي
ذلك إعلان كلمة التوحيد والتصديق بنبوة محمد ﷺ ، وتلاوة
آيات من القرآن الكريم، على النحو الذي يعرف باسم " خطبة الحاجة " اهتداءً
بهدى النبي الكريم ﷺ ، ثم يدخلون في الموضوع المقصود.
لقد أصبح للعلمانيين العرب في - أيامنا هذه - ما يشبه " خطبة الحاجة " عند
المسلمين، غير أن خطبتهم تبدأ بسب الإسلاميين والتعريض بهم، وإعلان
التصديق بأنهم إرهابيون، وتأييد خطوات " الحكومات الديموقراطية " التي تبطش
بهم، ووصفهم بأنهم أعداء الحضارة، وأعداء التقدم والاستنارة، ودعاة الفتنة..
إلى آخر قائمة المغالطات الإعلامية المعروفة.
ويندر أن نجد اليوم مقالاً في صحيفة، أو بحثاً في مجلة، أو حواراً بين
أصحاب الفكر العلماني المنحرف، في أي مكان، وعبر أي منبر، يتعرض
للأحوال العامة في المنطقة العربية، إلا ويبدأ بسب الإسلاميين، والهجوم عليهم،
والدعوة إلى عزلهم، والتنكيل بهم ونحو ذلك.
اليساريون في مصر، كتبوا مقالاً هاجموا فيه أحد الكتاب في صحيفة ...
(الأهرام) بدعوى أنه يتعاطف مع الإسلاميين، وقدموا للمقالة بالديباجة المعروفة فلم
يقصروا في شتم الإسلاميين ولعنهم والتأكيد على أنهم سبب كل بلاء، ولكن الكاتب
المقصود، لم يتأخر، حيث نشر مقالاً ينفي فيه " تهمة " تعاطفه مع الإسلاميين،
ولم ينس أن يبدأ مقاله بالديباجة أو " خطبة الحاجة العلمانية " من سب وتجريح
وتشهير بالإسلاميين، ثم دخل في موضوعه مدعياً: أن " التطرف اليساري " هو
الذي يغذي " التطرف " الإسلامي، فأصبح الأمر مثيراً للضحك حيناً، وللشفقة
أحياناً أخرى، في زمن الهوان والضعة، زمن انحدار أصحاب الأقلام العربية
العلمانية.
стр. 1522
ربيع الأول - ١٤١٤هـ
سبتمبر - ١٩٩٣م
(السنة: ٨)
стр. 1523
كلمة صغيرة
تجربة مرة طويلة - هي تجربة الاستبداد في عالمنا العربي منذ صرخة
الكواكبي في نهايات العشرينات من هذا القرن.. إنها نتاج غاية من نباتات السوء.. المحلية منها والوافدة. هل نذكر منها «النخب المخترقة» ، وأوكار الهزيمة من
الأحزاب الجاهلية أم يكفي أن نصف الأرض الخصبة الصالحة لاستنبات هذا النوع
من السلوك. نعم إن الأرض التي تغذو الاستبداد وتحتضن جذوره ليست سوى
الشعوب التي نخرتها الغفلة وعض عليها الجهل بأنياب حداد فلم تعد تفرق بين العدو
والصديق، ولا تملك الإرادة التي تمنحها الحركة وتجذّر فيها كره الزنازبن المعتمة
حيث لا رأي ولا رؤية؛ فما تلبث أن تظلها أفرع التسلط وتضللها ويدركها - من
بعد - سوط التجويع فيشغلها اللهاث وراء لقمة العيش عن كل جليل من العمل
والأمل!
إن أمة كهذه لن تنهض من عثارها إلا بجهود «أولي بقية» يصابرون الجسد
الذي استوطنته الأوبئة، ويحرثون الأرض من جديد كي يضعوا بذرة الشجرة
الطيبة ويرعوها مدركين أن زمن الثمر قد لا ينعم به إلا أحفاد الأحفاد وبعض ذلك
جهد يثقل الجبال غير أنه الإنسان الذي حمل الأمانة بعد أن عجزت عنها السماوات
والأرض.. والجبال أيضاً!
стр. 1524
الافتتاحية
المواقع والرجال !
التحرير
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد.
لا شك أن الممارسة الكتابية لا سيما الفكرية الدعوية منها من أشق أنواع
التفكير المقروء وأصعبها وبخاصة مع الظروف التي تحيط بأمتنا الإسلامية اليوم.
إننا نجد هنا معادلة صعبة تقتضي معالجة الأخطاء على الساحة الدعوية
الإسلامية وسط أجواء موبوءة تضخم من أخطاء التيار الإسلامي وتحاول محاصرته
بكل الوسائل المتاحة بغض النظر عن شرعيتها وزيفها ... وهنا يجد الكاتب المفكر
نفسه أمام حقل من الألغام يصعب عليه اختراقه إلا بمهارة فائقة وحسابات دقيقة ...
مجلة البيان خلال أعدادها الستة والستين الماضية كانت تعيش هذه الأجواء وتتنفس
في هذا المحيط وتخوض حقل الألغام هذا لتحافظ على رسالتها واستقلاليتها ومنهجها
الذي اختطته لنفسها ... وفي هذه المناسبة لابد من القول إن المجلة في طريقها قد
واجهت مواقف صعبة ومحطات شاقة خرجت منها في النهاية والحمد لله وقد
حافظت على الأقل على استقلاليتها وطرحها الفكري الدعوي المطالب بسلوك منهج
خير القرون، في وقت يصعب فيه الاحتفاظ بالاستقلالية ومواجهة تحديات الإبقاء
على منهجية واضحة.
إن قطاعاً عريضاً من قراء البيان قد يرى أن الاستقلالية مرتبطة طردياً مع
طرح القضايا السياسية والواقعية التي تمس هذا الطوفان المزمجر من الأحداث
والنكسات التي عاشت المجلة وعاصرت الجزء الأخير منها، وفي هذا بعض الحق
لأن القضايا السياسية ومعالجتها تشكل أعراض المرض الصارخة لا سيما في هذه
الحقبة الأخيرة من القرن العشرين حيث أصبحت القوة السياسية المتمثلة بالدولة
القطرية تتدخل لترسم لأفرادها خطوط حياتهم التفصيلية، ومع هذا فإن الإفراز
السياسي القائم هو محصلة لشبكة معقدة من التطورات العقدية والفكرية والاجتماعية
والاقتصادية ...
لقد حاولت " البيان " طوال الفترة المنصرمة أن تعالج واقعنا المعاصر من
خلال تسليط الأضواء على الانحرافات العقدية والفكرية والاجتماعية والسياسية
والتعامل معها كوحدات الأواني المطرقة التي يتأثر بعضها ببعض سلباً وإيجاباً ...
وهذا هو جانب واحد من الإشكالية وطرف مهم من المعادلة التي نحاول أن نجد لها
الحل ... ، أما الجانب الآخر فهو وصف الدواء لهذا الداء الذي يتمثل في منهج
الإسلام الذي تلقاه الرسول الكريم محمد بن عبد الله ﷺ ونشره
صحابته واقتدى به التابعون والذي عُرف وقت افتراق الأمة بمنهج أهل السنة
والجماعة المنقول عن سلفنا الصالح..
لقد حاولت المجلة أن ترسم واقع المسلمين وتعالجه من خلال ذلك المنهج في
جميع مناحي الحياة ومشكلاتها، وأصرت حينما طرحت هذا المنهج على أمر هام:
الاستقلالية. هذا المكسب (في وقفة الجرد هذه) لم يكن إلا نتيجة جهد رجال عملوا
بصمت وإنكار للذات في سبيل الوصول إليه، وعلى رأس هؤلاء الأستاذ محمد
العبدة رئيس التحرير السابق لهذه المجلة في رحلتها التي أشرنا إليها آنفاً ... الذي
بذل جهداً متميزاً للمحافظة على مستوى هذه المجلة الرفيع وما ادخر وسعاً في
تطويرها والرقي بمستواها والتنويع بمادتها منذ أن تولى مسؤوليتها وإن كان الأستاذ
محمد قد آثر الانتقال إلى موقع آخر فإن هذا لا يعني أن قراء البيان ومحبيها سوف
يفتقدونه ... ، ذلك أن الأستاذ العبدة سيستمر في تقديم عطائه الدعوى والفكري
وسيكون أكثر تفرغاً لدراسة المشكلات التي تؤرق كل من يحمل هم الإسلام ويشتغل
به ...
إن المجلة وهى تجتاز هذه المرحلة الجديدة تتمنى أن تكون قد كرست العمل
الدعوي المؤسس الذي ينهي النمط «الفردي» الذي ساد في فترات معينة من حياة
الدعوة الإسلامية المعاصرة، والذي نبه الأستاذ العبدة في أكثر من مقال على
خطورته وذلك حينما تنحصر الدعوة الإسلامية في قالب أشخاص تموت إذا ماتوا..
وتحيا إذا دب فيهم النشاط والهمة.
والله نسأل للجميع التوفيق والسداد.
стр. 1525
في إشراقة آية
فؤاد حجازي الهجرس
قال تعالى:
[يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ ولا
نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ ولا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ ولا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ ومَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ]
يمدنا القرآن الكريم بدعائم الأخلاق وكرائم الخصال والعادات، حتى تقوم
حياة مجتمع المسلمين على قدر وافر من التقدير والإعزاز والإكرام.
وللقرآن مقاصد ثلاثة: تصحيح عقيدة، وتصحيح عبادة، وإقامة أخلاق..
والأخلاق الحسنة لها أثر جليل في تأسيس المودة والحب بين الناس.. قال الشاعر:
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت ... فإن هموا ذهبت أخلاقهم ذهبوا
في هذه الآية الكريمة نهى الله عن أخلاق ذميمة ثلاثة:
١ - نهى عن السخرية.. وهي الاستهزاء بالآخرين أو التقليل من شأنهم
وتحقيرهم، وهذا يخالف الآداب الإسلامية.. قال أحد العارفين: «لو سخرت من
رضيع لخشيت أن يجوز بي فعله» . خشى جواز فعله به - أي مروره عليه - مع
أنه ضعيف لا حول له وإنما هو حِسُّ المؤمن.
٢ - ونهى عن اللمز.. وهو الغمز بالوجه مثلاً أو تحريك الشفاه بما لا يفهم،
وقد قال ﷺ : «أعوذ بك رب من همز الشيطان ولمزه» .
تعلمها من قول الله تعالى:
[وقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ] وندرك نحن أن من يفعل هذا يصبح شبيه الشيطان.. أو يكونه.
٣ - ونهى عن التنابز بالألقاب: وهو مناداة الرجل بما يكره من الأسماء،
جاء في كتاب لسان العرب أن من المسلمين من كان ينادي اليهودي بعد إسلامه:
«يا يهودي» فنزلت الآية تدفع عنهم ولذا قال تعالى: [بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ] وهو نَهْىٌ عام في كل لقب يكره المسلم أن ينادى به.
إن الكلمة إذا سَرَتْ سخريةً فإنها تفرق الوحدة وتمزق الألفة.. وهل للشيطان
تأثير إلا من خلالها وصدق الله: [وقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ] .
هي الكلمة.. فقط نحبسها داخل الجنان لا تخرج إلا مصفاةً منقاة. وهو
اللسان.. فقط يُحبس ويُطوي داخل الفم.. لا ينطق إلا بخير.. أو في الصمت نجاة. قال معاذ بن جبل -رضى الله عنه-: (يا رسول الله.. أنحن محاسبون على
الكلمة نقولها؟ ..) فقال ﷺ : (ثكلتك أمك يا معاذ.. وهل
يكب الناس في النار على وجوههم - أو قال - على مناخرهم.. إلا حصائد
ألسنتهم) .
وقرأت أن قُسَّ بن ساعدة الإيادي - خطيب العرب - اجتمع ذات يوم هو
وأكثم بن صيفي حكيم العرب، فقال أحدهما للآخر: كم وجدت في ابن آدم من
عيوب؟ .. قال: هي أكثر من أن تحصى، وقد وجدت خصلة إذا استعملها سترت
عيوبه.. وهي حفظ اللسان.
ولله در الشاعر حين قال:
احفظ لسانك لا تقول فتبتلى ... إن البلاء موكل بالمنطق
تضمنت الآية نهيا عن ثلاث: السخرية واللمز والتنابز، وهن ثلاث تؤرق
أمن الجماعة المؤمنة نفسياً، واعتبر الإسلام أن من يعملها إنما يسئ إلى نفسه،
ويوجه السهم إلى نحره: [ولا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ] كأن الآية تقول: لا تسخر من غيرك فلربما كان في ميزان الله أفضل منك، إن لله موازين يزن بها أقدار الناس وعلى أساسها يتحدد المصير.. إنْ في الجنة وإنْ في النار. وكأنها تقول كذلك: لا تلمز غيرك فهو أخوك في الإنسانية والدين، والأخوة بينكما لحمة البناء، فإن فعلت فنفسك تصيب وعيبك تفضح. وكأنها تقول أيضاً: لا تُنَابِزْ بالألقاب فتؤذي شعور مَنْ تنابزه وتشدخ كبرياءه، وتفصم آصرة الود بينك وبينه.
واعلم أن هذا الجرم قد شبهه المفسرون بالردة من بعد إيمان: [بِئْسَ الاسْمُ
الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ] ومن وقع منه ذلك ولم يتب فإنما يظلم نفسه، ويوبقها بأغلال تهوي به إلى الجحيم: [ومَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون] ومن الآية نستنبط هذه الإشارات:
أولها: لا يليق بمجتمع رباه الإسلام، أن تسود فيه موبقات.. السخرية،
واللمز والتنابز، ففيه مخالفة للمهمة التي من أجلها بعث ﷺ
حيث قال: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»
وحيث قال: «أثقل ما يوضع في ميزان العبد يوم القيامة تقوى الله وحسن
الخلق» .
وثانيها: أن هذه الصفات المسيئة تضع موازين للناس غير موازين الله تعالى
حيث قال: [إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ] فهي لا تنتقص الرجل إلا من فقر أو ضعف أو سذاجة وما إلى ذلك وهي لا تنتقص المرأة إلا بسبب دمامة أو قِصَر أو تشوُّهٍ وما إلى ذلك. إن ميزان الله أساسه التقوى وهو أبقى وأعدل: (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) ثم ... أيمكن أن يكرم الله ابن آدم على خلقه ويسخر له البر والبحر والجو، ونُهَوِّنُ نحن من شأنه بشىء من ذلك.. [ولَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ والْبَحْرِ ورَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً]
إن آثار الأمر كما يبدو أبعدُ من أن تكون كلمة تقال تسخر أو تلمز.. لأن الله
نهى عن ذلك نهياً أكيداً حفاظاً على قيمة التقوى التي هي ميزان الله لأقدار الناس.
ولقد تضافرت آيات كثيرة على كف الناس عن هذه الصفات قال تعالى: [وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ] واقرأ السورة إلى آخرها وتصور العقاب: [كَلاَّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الحُطَمَةِ * ومَا أَدْرَاكَ مَا الحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ] أي تأكل الجلد فاللحم فالعظم حتى تصل إلى عضلة القلب نعوذ بالله من ذلك الهول: [إنَّهَا ... عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ] . وقال تعالى في سورة القلم يصف الوليد بن المغيرة.. ضمن أوصاف أخرى: [هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ] .
وقال جل شأنه: [قُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ] .
يقول الإمام ابن كثير: «ولا تلمزوا أنفسكم» تساوي: «ولا تقتلوا أنفسكم» في سورة النساء.
قال بكر بن عبد الله: إذا رأيت أكبر مني سناً قلت سبقني بالإسلام والعمل
الصالح فهو أفضل مني.. وإذا رأيت أصغر مني سناً قلت سبقته بالذنوب وارتكاب
المعاصي فهو أفضل مني.. وإذا رأيت إخواني يكرمونني قلت: نعمة تفضلوا بها
علىّ.. وإذا رأيتهم يقصرون في حقي قلت: من ذنب أصبته.
стр. 1526
محاضرات إسلامية
حقيقة التطرف [*]
(الأسباب والعلاج)
الشيخ / سلمان بن فهد العودة
التطرف مصطلح صحفي - وإن كان صحيحاً من حيث اللغة - يعني أخذ
طرف الشيء لكنه ليس من المصطلحات الشرعية فهو لم يرد في القرآن الكريم ولا
في السنة النبوية وأكثر من يستخدمه العلمانيون دون أن يلتزموا بالموضوعية في
هذا الاستخدام إطلاقاً، فهم لم يحددوا أولاً ما هو التطرف؟ بل يريدون أن يبقى
لفظاً غامضاً مائعاً فضفاضاً يحاولون إضافته وإلصاقه بخصومهم سواء أكانت
خصومة سياسية أو فكرية أو شرعية أو حتى خصومة شخصية أحياناً.
وهم أيضاً لا يريدون أن يكون لهذا المصطلح معنى خاص به حتى يسهل
عليهم تقليبه كيف شاؤوا، فهم اليوم يصفون به هذه الفئة وغداً يطلقونه على تلك
الفئة الأخرى، واليوم يصفون هؤلاء بالتطرف، وغداً بالاعتدال، وفي نظر هؤلاء
يمكن أن يوظف مصطلح التطرف أحياناً في مواجهة بعض المواقف السياسية،
فالذين ينتقدون الصلح مع إسرائيل متطرفون، ومثال ذلك صنيع مجلة الوطن
العربي فهي تنبز منظمة (حماس) الإسلامية الفلسطينية بأنها منظمة متطرفة لماذا؟
لأن موقفها من قضية السلام موقف واضح وصريح، إنها ترفضه وتعتبر أن
المشاركة في مؤتمرات السلام خيانة لقضية الأمة الإسلامية وبالأمس القريب كانت
منظمة حماس عند هؤلاء وغيرهم رمزاً من رموز المقاومة الوطنية الناضجة التي
تقاوم الاحتلال الصهيوني الغاشم.
أحياناً يوظف المصطلح في مواجهة بعض المواقف السلوكية ففي نظر أولئك
العلمانيين يُعد من يلتزم بالسنة في صلاته، وفي لباسه، وفي تجنبه للمحرمات،
يعد هذا عندهم من المتطرفين وكثيراً ما تسخر الكاريكاتيرات في الصحف من
أصحاب اللحى الطويلة وأصحاب الثياب القصيرة وكأن تلك السمة عندهم هي رمز
التطرف. وترتبط هذه الصورة في ذهن السذج والبسطاء والمغفلين بالإرهاب
والتطرف والعنف وبالذين يرفضون الحوار دون أن يتحدثوا ودون أن يستخدموا
أسلوب النقاش الهادئ العلمى في الموضوع الذي يتحدثون عنه، لكننا نعرف الخلفية
التي يستبطنها هؤلاء الصحفيون وهم يتحدثون أو يرسمون، لا نعرفها من باب
ادعاء الرجم بالغيب، فالغيب لله لكن نعرفها من مواقف أخرى.
إنهم يحاولون أن يحشروا دعاة الإسلام تحت عنوان التطرف ومن ثم يحذرون
المجتمعات من خطورتهم، فجريدة عربية دولية معروفة تعتبر الجبهة الإسلامية في
الجزائر أصولية متطرفة وأهل السودان أصوليين متطرفين وأهل اليمن أصوليين
متطرفين وأهل الأردن أصوليين متطرفين وحزب النهضة في تونس أصوليين
متطرفين - والأخير من أكثر الاتجاهات الإسلامية تسامحاً في أفكاره ومصطلحاته
وفي علاقاته - أما الجماعات الإسلامية في مصر فحدث ولا حرج بل حتى
المجاهدين الأفغان صنفوا الآن ضمن المتطرفين وبالأمس كانوا شيئا آخر مختلفاً
تماماً وهذا الوصف الذي أطلقته هذه الصحيفة على الجماعات الإسلامية وعلى دعاة
الإسلام لم تصف به كل المجتمعات البشرية، حتى اليهود لم تصف مجتمعاتهم بذلك
بل وصفت مجتمعات اليهود بأن فيها صقوراً وحمائم وأن فيها معتدلين وآخرين
منادين بالسلام، ولم تصف الصرب الذين دمروا المسلمين في البوسنة والهرسك لم
تصفهم بهذا الوصف قط ولم تصف بلداً في العالم بذل، ولا الشيعة، ولا البعث ولا
غيرهم.
وخرجت علينا مطبوعات عدة تحذر من الشباب العربى المسلم العائد من
أفغانستان مع أنا لم نسمعها يوماً من الأيام تحذر من الشباب العائد من بانكوك الذي
يحمل جرثومة الإيدز، وما كانت تحذر بالأمس من الشباب العائد من موسكو يحمل
جرثومة الشيوعية والعمالة للفكر الأحمر إن هذه الصحف لا تتحدث عن فئة بعينها
ولكنها تتذرع بالحديث عن التطرف إلى شفاء غليلها والتنفيس عن أحقادها وعداوتها
لحملة رسالة الإسلام، حتى ولو كانوا معتدلين بل حتى ولو كانوا مفرطين متساهلين
وقد يوظف لفظ التطرف أحياناً في مواجهة مواقف عقائدية فمثلاً الذى يطلق على
النصارى لفظ كفار يعتبر عند بعضهم متطرفاً، والذى يتحدث عن الحكم الإسلامي
والدولة الإسلامية يعتبر متطرفاً، لماذا؟ لأن هؤلاء يقولون: الإسلام لم يطبق أبداً
حتى أيام الخلفاء الراشدين وهذا كلام فرج فوده - الذي دفع حياته ثمناً لأفكاره
العلمانية المتطرفة حقاً - يذكر في كتابه " الحقيقة الغائبة " ما معناه: إن الإسلام حلم وخيال ولم يطبق على محك الواقع يوماً من الدهر ولذلك فالذين ينادون ... بالحكم الإسلامي وتطبيق الشريعة الإسلامية هم من المتطرفين، والذي يدعو لمخالفة المشركين في هديهم وسلوكهم وأعمالهم وأعيادهم هو من المتطرفين والذي ينادي بتصحيح عقائد المسلمين وأحوالهم وأخلاقهم على ضوء الكتاب والسنة هو من المتطرفين وهو من الذين يدعون إلى الحجر على العقول وتعطيلها.
والغريب أنه يستخدم بدلاً من لفظ التطرف لفظ الأصولية وهو في الأصل لفظ
يطلق على إحدى المجموعات النصرانية التي تلتزم بحرفية الكتاب المقدس التزاماً
صارماً والتي نشأت في ظروف وأوضاع خاصة وقد حاول هؤلاء أن يبحثوا عن
أوجه شبه بين هذه الفئة من النصارى ودعاة الإسلام أو بعضهم ثم نقلوا المصطلح
إلى الشرق وهو مصطلح أجنبي له ظروفه وملابساته الخاصة، وإن كانت الصحف
العلمانية لا تتورع عن شيء في نفث أحقادها فإنها تستخدم كل مصطلح وتعده وسيلة
أو سلاحاً لها ضد دعاة الإسلام.
- المفهوم الشرعي للتطرف: اللفظ الشرعي الصحيح في مقابل التطرف هو
لفظ الغلو وقد جاء هذا اللفظ في كتاب الله في مواضع كثيرة قال الله عز
وجل: [يَا أَهْلَ الكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ولا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إلاَّ الحَقَّ] وقال
سبحانه: [قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الحَقِّ ولا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ
ضَلُّوا مِن قَبْلُ وأَضَلُّوا كَثِيراً وضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ]
كما جاء في أحاديث الرسول ﷺ كثيراً ومنها حديث ابن
عباس ﵁ لما جمع للنبي ﷺ جمرات أمره أن
يلقط له حصى صغاراً وقال مثل هؤلاء فارموا، وإياكم والغلو في الدين فإنما أهلك
من كان قبلكم الغلو في الدين.
والحديث رواه أحمد والنسائي وابن ماجه والحاكم وصححه ووافقه الذهبي
وصححه ابن خزيمة وابن تيمية والنووي والألباني وغيرهم، ولذلك ينبغي استخدام
المصطلحات الشرعية وتجنب المصطلحات العلمانية المحدثة التي أصبح لها جرس
ورنين في آذان مستمعيها وأصبح لها وقع في قلوبهم يصعب التخلص منه، مع أنها
ليس لها تعريف خاص يمكن فهمه ومعرفته وهذا لا يعني أيضاً أن استخدام
المصطلح الشرعي ينهي المشكلة ونحن نجد أن هناك من يرمي بالغلو أقواما ما
جاوزوا الحد ولا تعدوا الحق بمجرد مخالفته لهم في المنهج أو في الطريقة أو جهلاً
منه بما هم عليه أو حسداً من عند نفسه أو لأي سبب آخر، ومن أمثلة ذلك ما نعلمه
جميعاً عن خصوم الدعوة السلفية إن معنى إنهم يطلقون عليها لفظ الأصولية ولفظ
التطرف وغير ذلك من الألفاظ وهم ما فتئوا ينبزونها بالألقاب بدون علم ولا هدى
ولا كتاب منير.
إن معنى الغلو مجاوزة الحد، والحد هو النص الشرعى من كلام الله
أو كلام رسوله ﷺ والواجب على المسلم أن يكون وقافاً عند
حدود الله تعالى [فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ والرَّسُولِ] وإذا بحث
المسلم مسألة وجب عليه أن يجمع النصوص القرآنية والنبوية فيها ويؤلف بينها
على وجه لا يضرب بعضها بعضاً ولا يأخذ نصاً ويهمل غيره، أما الغلاة
فيضربون بعض النصوص ببعض أو يقتطعون نصاً يلائم غلوهم ويسكتون عما
عداه: -
الغلو نوعان:
١- غلو اعتقادي، كغلو النصارى في عيسى ﵇، أو غلو الرافضة
في الإمام علي والأئمة الاثنى عشر، أو غلو الخوارج أيضاً في تكفير أهل الإسلام
بالمعاصي والذنوب كبيرها وصغيرها، ومن الغلو أيضاً في الاعتقاد ما أشار إليه
الشاطبي وهو الغلو في بعض الفروع بتنزيلها منزلة الأصول إذ أن المعارضة
الحاصلة بذلك للشرع مماثلة للمعارضة الحاصلة له بأمرٍ كلي.
٢- أما القسم الثاني فهو غلو عملي وهو المتعلق بالأمور العملية التفصيلية
من قول السان أو عمل الجوارح مما لا يكون فرعاً عن عقيدة فاسدة، ومن أصح
الأمثلة على ذلك رمي الجمار بالحصى الكبار مثلاً فإن النبي -صلى الله عليه
وسلم- عده غلوا كما في حديث ابن عباس السابق، وهو غلو عملي لا يترتب عليه
اعتقاد، ومثله المبالغة في العبادة كما يحدث عند بعض الفرق الصوفية التي تبالغ
في العبادة وتزيد فيها عما شرع الله كوصال الصوم، وقيام الليل كله،
وما أشبه ذلك ولا شك أن الغلو الاعتقادي هو الأخطر لأنه النقطة التي تشعبت
عندها الفرق المختلفة في الإسلام، وظهرت عندها الأهواء، واختلفت عندها
القلوب والعقول، ثم سلت السيوف، فسالت الدماء.
أسباب الغلو:
والذين يحاربون الغلو - أو ما يسمونه التطرف - لم يكلفوا أنفسهم مشقة
البحث عن الأسباب الحقيقية التي كانت ستفرز - ولابد - نبتة خبيثة كهذه، ومن
أهمها:
أولاً: - الجهل وعدم معرفة حكم الله تعالى ورسوله ﷺ
ومن ثم يندفع الإنسان وراء عاطفته، وقد يكون هذا الإنسان غيوراً معظماً للحرمات
شديد الخوف من الله ، فإذا رأى إنساناً يعصي ولو كانت معصية صغيرة
لم يطق أو يتصور أن يكون هذا الشخص مسلماً أو مغفوراً له أو من أهل الجنة
لشدة غيرته فيؤدي به ذلك إلى لون من الغلو، أو يكون عنده محبة لرجل صالح
مثلاً وأصل المحبة مشروع ولكن هذه المحبة بسبب الجهل زادت وطغت حتى
وصلت إلى درجة الغلو في هذا الإنسان ورَفْعِهِ فوق منزلته. والجهل يزول بالعلم
ولهذا كان كثير من الخوارج الأوائل يرجعون عن بدعتهم بالمناظرة بل رجع منهم
على يد عبد الله بن عباس -رضى الله عنهما- لما أرسله علي بن أبى طالب
لمناقشتهم - رجع منهم في مجلس واحد - أكثر من أربعة آلاف إنسان وفي عهد
عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد ﵁ نوقشوا فرجع منهم ما يزيد
على ألف إنسان في مجلس واحد ولهذا فالجهل من أسهل الأسباب علاجاً لأنه
سرعان ما يزول بالعلم والتعليم، وقد يكون الجهل جهلاً بالدليل لعدم الاطلاع عليه
سواء أكان آية أو حديثاً وقد يكون جهلاً بطرق الاستنباط من هذا الدليل لعدم المعرفة
باللغة العربية أو القواعد الأصولية أو غيرها.
السبب الثاني: هو الهوى المؤدي إلى التعسف في التأويل ورد النصوص.
وقد يكون الهوى لغرض دنيوي من طلب الرئاسة مثلاً أو الشهرة أو نحوه، وقد
يكون الهوى لأن البدعة والانحراف والباطل سبق إلى عمق الإنسان وقلبه واستقر
فيه وتعمقت جذوره ورسخت، وكما قيل:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلباً خالياً فتمكنا
فيعز على الإنسان حينئذ أن يتخلى عنه، ويصعب عليه أن يقر على نفسه
بأنه كان متحمساً للباطل مناوئا للحق، فيتشبث بخطئه ويلتمس له الأدلة من هنا
وهناك، وقد يكون الهوى لأن هذا الإنسان الغالي ذو نفسية مريضة معتلة منحرفة
فهي تميل إلى الحدة والعنف والعسف في مواقفها وآرائها وتنظر دائماً إلى الجانب
السلبي، الجانب المظلم من الآخرين وقد يشعر صاحبها بالعلو والفوقية دون أن
يدرك ذلك من نفسه وقد يحس بأنه أتيح له في وقت يسير ومبكر من العلم والفهم
والإدراك ما لم يتح لغيره في أزمنة طويلة، وعند ذلك يفقد الثقة بالعلماء المعروفين
والدعاة المشهورين، ويستقل الإنسان بنفسه ورأيه فينتج عن ذلك الشذوذ في الآراء
والمواقف والتصورات والتصرفات.
السبب الثالث: - أحوال المجتمع، فمن الخطأ الكبير. أن نعتقد أن
المتطرف شجرة نبتت في الصحراء - لا - بل هو فرع عن شجرة، وهو جزء من
مجتمع عاش فيه، ولهذا المجتمع في نفسه وتفكيره وعقله أعظم الأثر، فمثلاً:
التطرف في الانحراف يؤدي إلى تطرف مقابل، سواء الانحراف الفكري أو
الانحراف العملى ولذلك فالذين يَجرّون المجتمعات الإسلامية إلى الفساد والانحلال
الخلقي هم في الحقيقة من المتسببين، في حصول الغلو وإن أعلنوا الحرب عليه
وعلى ما يسمونه بالتطرف إلا أنهم من أول المتسببين فيه، فمظاهر الرذيلة في
المدرسة والجامعة والشارع والشاطئ والمتجر والحديقة والشاشة والإذاعة وغير ذلك
إذا أقرها المجتمع وسكت عنها فإنه يجب عليه أن يستعد للتعامل مع أنماط كثيرة من
الغلو، فما بالك إذا كان دور المجتمع بكليته هو تشجيع مظاهر الانحراف ودعمها
وحمايتها وحراستها وتبنيها، سيكون الأمر ولا شك أخطر وقل مثل ذلك في
الأوضاع الثقافية والإعلامية، فمحاصرة فكرة من الأفكار مثلاً وإغلاق منافذ التعبير
والكلام أمامها في مختلف الوسائل الإعلامية هو سبب لأن تتبلور لدى هذه
المجموعة فكرة الغلو أحياناً أو على الأقل فكرة المواجهة والسعي لإثبات الذات ومن
الغريب جداً أن الإعلام العربي خاصة يتهم من يسميهم المتطرفين بأنهم لا
يتسامحون مع غيرهم أو أنهم يسعون لإسكات الأصوات الأخرى التي تخالفهم، مع
أننا نعلم أن هؤلاء الناس لا يملكون شيئاً أصلاً لا يملكون أجهزة الإعلام ولا
الصحافة ولا المنابر، بل الكثير منهم لا يملكون حق الاجتماع بعشرة أو أقل من
هذا العدد، فكيف يقال عنهم إنهم يقفلون منافذ التعبير على غيرهم؟ !
والواقع أن هذا الإعلام المهيمن هو الذي أصبح حكرا لاتجاه معين أو مذهب
خاص أو طائفة محدودة وأصبح يبخل على الآخرين ببضعة أسطر أو ببضع دقائق
فضلاً عن أن يساويهم بغيرهم في كافة الأجهزة الإعلامية، فقد صودرت الآراء
النزيهة المعتدلة فضلاً عن الآراء الغالية أو المتطرفة، ومثل هذا الوضع لابد أن
يولد آلاف الأمراض في المجتمعات.
وكذلك الأمر بالنسبة للأوضاع السياسية، فإن الكبت والتسلط والقهر لا يمكن
إلا أن يؤدي إلى قتل إنسانية الشعوب والقضاء على كرامتها وليس هذا فحسب بل
يؤدي مع الزمن إلى أن تفقد الثقة بقيادتها، ثم تعمل في الاتجاه المضاد، وتعتبر
هذه القيادات ضد مصالح الأمة وأنها عقبة في سبيل الإنجاز لابد من تجاوزها.
إنك تعجب من دول يرد في دساتيرها أن الدين هو الإسلام ثم لا تسمح للتعبير
الإسلامي بأي قناة وربما اعتبرت إعلان الأذان في التلفاز نوعاً من الاقتحام
الأصولي لأجهزة الإعلام.
كيف يمكن القضاء على الغلو؟
أولاً: - ينبغي أن يكون واضحاً الفرق بين نوعين من الغلو: - الغلو الذي
هو فعلاً غلو في الدين ومجاوزة للحد وانحراف عن سواء السبيل كغلو جماعات
التكفير والهجرة الموجودة في مصر وعلى قلة في الجزائر وفي بعض البلاد الأخرى، فهذا لا شك غلو وانحراف.
والثاني: - ما تسميه أجهزة الإعلام غربيها وشرقيها غلواً أو تطرفاً أو
أصولية أو غير ذلك، وهو في الواقع ليس شيئاً من ذلك وإنما هو دعوة إلى الله
وإلى دينه إلى تحكيم شريعته والعمل بالكتاب والسنة، فنحن نفرق بين هذا وذاك
ونقول إن الغلو موجود في كل مكان وفي كل الأديان، وقد أخبر النبي -صلى الله
عليه وسلم- الخوارج لا ينقطعون بل كلما انقرض منهم قرن ظهر قرن آخر إلى
آخر الزمان، وهاهنا أسئلة لابد أن نجيب عليها.
أولا: - هل يمكن القضاء على الغلو؟ أو حتى قل القضاء على الجماعات الإسلامية وعلى رجال الدعوة الإسلامية الغلاة منهم والمعتدلين هل يمكن القضاء عليهم بالسجن والرصاص والمقاصل والمجازر؟ كلا فهذا في النهاية اعتقاد وفكر وعلى قاعدة الإعلام نفسه فالفكر إنما يحارب بالفكر لا يحارب بالرصاصة وإنما يحارب بالحجة هذا أولاً.
وثانياً: - إننا سبق وأن قلنا إن الغلو هو نتاج الضغط والإرهاب والتعسف،
ولذا فالضغط والإرهاب والتعسف لا يزيده إلا مضاء وقوة وإصراراً وهذا العسف
هو «المسوغ» الذي يحرق صبر المعتدلين فالمعتدل يوماً بعد يوم يفقد اتزانه لأنه
يجد من شراسة الخصومة والقسوة وإغلاق المنافذ في وجه الدعوة ما يكون مسوغا
وحجة لأولئك الغلاة، فلماذا تصر بعض الحكومات على مواجهة ما تسميه بالتطرف
بل على مواجهة الإسلام والدعوة الإسلامية الصحيحة النظيفة بالإرهاب والمداهمة
والسجون والمعتقلات؟
لماذا كان جزاء مؤلف كتاب (معالم في الطريق) و (في ظلال القران) السجن
ثم الإعدام؟ هل تعلمون أن كتاب معالم في الطريق مثلاً يعلم القارئ كيفية صناعة
قنبلة يدوية؟ كلا، هل هو يعلم الإنسان كيف ينظم مسيرة في الشارع؟ كلا، هل
هو يدرب الناس على حرب الشوارع؟ كلا. إنه فقط يرسم منهجاً للدعوة، فلماذا
يكون جزاء صاحب هذا الكتاب الإعدام؟ وأين الذين يدافعون عن فرج فوده
صاحب كتاب (الحقيقة الغائبة) ؟ لماذا لم يدافعوا عن سيد قطب ﵀ حينما
أعدم؟ [ومَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إلاَّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ] إننا نعلم أن في
إسرائيل أحزاباً أصولية متطرفة متشددة، فماذا فعلت إسرائيل تجاه هذه الأحزاب،
ها أنتم تسمعون أنها الآن تشارك في الحكم في خلاف مع حزب العمل الذي فاز في
الانتخابات وتصل إلى الحكم، فلماذا لا يقتدون بهم في هذا؟ كنا نقرأ ونحن صغار
أن القتل والتضييق والسجن والمداهمة لا يقضي على الدعوة بل يقويها ويرسخ
جذورها ويجمع حولها الأنصار ويكثر الأتباع، كنت وأنا صغير أشعر في دخيلة
نفسي أحياناً أن هذا الكلام نوع من ترضية النفس أو خداع الذات والتسلية الوهمية،
أما الآن فنحن نرى ما نرى في المغرب ومصر والشام بل والعراق وقد جاء يدل
على أن الصحوة حتى في العراق على قدم وساق وإن لم تكن ظاهرة للعيان بسبب
العسف والكبت ولكنها قوية جداً. لقد تحولت هذه الكلمات إلى قناعة راسخة عميقة
في مشاعرنا، وآمنا أن الدعوات لا تحارب بالقهر والعسف والملاحقة.
هل يحارب الغلو بالتجاهل؟ كلا لقد سبق أن بينت أن للغلو أسبابه التي
لابد من إزالتها ولذلك فإنه لابد من: -
أولاً: - تمكين العلماء الربانيين من القيام بواجبهم وفتح السبل لكلمتهم
والسماح بمرورها إعلامياً وتسخير إمكانات الأمة كلها لهذا الغرض، وأن يشكل
العالم الشرعى مرجعية حقيقية للجميع: الحاكم، والمحكوم، على حد سواء ولا
يجوز أن تكون المنابر الدينية حكرا على فئة من الهتافين المصفقين من أمثال
المفتين الرسميين كما في بعض البلدان.
«سئل مفتي مصر في جريدة صوت الكويت عن التطرف والنصارى وكان
من ضمن ما قال: " أما أن بعض الكتب السماوية حرفت أو بدلت أو غيرت فتلك
قضية يسأل عنها أصحابها وجميع الأديان تتفق في الأصول، لماذا يقول إن الأديان
تتفق في الأصول؟ هل هو يقصد الأصول التي عليها الأديان اليوم؟ أم الأصول
المنزلة؟ ، الأصول المنزلة هي أصول التوحيد لكن أهل الأديان اليوم من اليهود
والنصارى وغيرهم أهل شرك ووثنية، فكيف يقول إن الأصول هكذا متفقة عند
الجميع؟ !
أما إذا كان الحديث عن من يسمونه بالمتطرفين فالألسنة حداد والكلمات
كالقنابل.. لأن هذا ما يريده السلطان!
إن المناصب الرسمية الدينية أصبحت وقفا في أكثر من بلد إسلامي على فئات
معلومة ممن يجيدون فن المداهنة والتلبيس، وأصبح هؤلاء في زعم الأنظمة هم
الناطقين الرسميين باسم الإسلام والمسلمين، مع أنه لا دور لهم إلا إعلان دخول
رمضان وخروجه والهجوم على من يسمونهم المتطرفين.
ثانياً: - لابد من إيجاد القنوات العلمية والدعوية والإعلامية التي يمكن للدعاة
إلى الله من خلالها عرض الصورة الصحيحة للإسلام، وتنقيته من الداخل
عليه، وتعريف الناس بدينهم الحق، أما مجرد الخطب الرنانة التي ينقضها الواقع
فإنها لن تغير شيئاً، حتى الاتجاهات التي يصاحبها نوع من الحدة أو الشدة يجب أن
تحاور وتناقش في الهواء الطلق وليس من وراء القضبان، وإذا لم تعرض الدعوة
الإسلامية الصحيحة الناضجة من الكتاب والسنة فإن البديل عن ذلك أمران: -
١ - شيوع المنكر الفكري والخلقي بلا نكير وهذا يؤدي إلى التطرف كما
سبق بيانه.
٢ - الدعوات المنحرفة التي ستجد آذاناً صاغية فإن الناس إذا لم يعرفوا الحق
تشاغلوا بالباطل.
ثالثاً: - لابد من تنقية أجهزة الإعلام من كل ما يخالف الإسلام عقيدة وأحكاماً
وأخلاقاً، ولابد من منع أصحاب الفكر المنحرف من التسلل إلى الإعلام، ومنع
المساس بالدين وأهله في تلك الأجهزة، إن مما يؤسف له أن الإعلام العربي يتحدث
عن الدعوة الإسلامية باسم التطرف أو الأصولية فيتخلى عن الموضوعية ويتناقض
وينحاز، فلا يعرض إلا رأياً واحداً ولا يعرض إلا جانباً واحداً من الحقيقة فمقتل
فرج فوده مثلاً يسمونه مصادرة للفكر وجريمة، مع أنني أقول: أي فكر يحمله
وماذا يقول؟ يقول: أفتخر بأنني أول من عارض تطبيق الشريعة الإسلامية يوم لم
يكن يعارض ذلك أحد، ويقول: سبق أن قلت لك يا وزير الصحة عليك أن تعالج
الوضع عن طريق زيادة المهدئات الجنسية، يعني أن من يسميهم المتطرفين أو
الشباب المتدين هم ضحايا الكبت الجنسي هل هذا حوار؟ هل هذه حجة؟ هل هذا
تعقل؟ أين الموضوعية! ! ؟
رابعاً: - ضرورة ضبط مناهج التعليم وربطها بدين هذه الأمة وتاريخها
وحاضرها ومستقبلها حتى يتخرج جيل مؤمن يعرف دينه.
تقول التقارير الأمنية: إن تكثيف المواد الدينية هو الذى يولد المتطرفين،
وتدريس التاريخ الإسلامي والجهاد يولد روح الفداء في نفوس الشباب، والواقع أن
تكثيف المواد الشرعية والإسلامية هو الذي ينتج العلم الصحيح الواقي من الانحراف
أما أولئك الذين يظنون أنهم سيحولون بين الأمة ودينها وبين الأمة ولغتها وبين الأمة
وتاريخها فهم مفرطون في الوهم، فالإسلام قادم لا محالة، وإذا كانوا يحاربون
الإسلام فليبشروا بالخيبة والخسارة والخذلان.
خامساً: - ضرورة إصلاح الأوضاع الشرعية والأخلاقية في المجتمعات
الإسلامية وحمايتها من الانحلال الخلقي، ودعم المؤسسات الإصلاحية القائمة على
حماية الآداب والأخلاق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إنه كما يوجد جهاز
مختص لمكافحة المخدرات يجب أن توجد أجهزة قوية ممكنة وذات صلاحية واسعة
أيضاً في مكافحة ألوان الجرائم التي لا يقرها الشرع وأول من يجب أن يساند هذه
الجهات القانون نفسه أو النظام فلا معنى لوجود جهاز مثلاً لمكافحة الرذيلة والبغاء
في بلد يسمح قانونه بالزنا ويسكت عنه.
سادساً: - ضرورة العدل وإعطاء ذوي الحقوق حقوقهم، سواء أكانت هذه
الحقوق حقوقاً مالية أو كانت حقوقاً شخصية أو سياسية أو غير ذلك، فإن
المجتمعات لا يمكن أن تقوم على الظلم أبداً، والله تعالى ينصر الدولة العادلة ولو
كانت كافرة ولا ينصر الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة، ومن الظلم سرقة أقوات
الناس وأموالهم ومن الظلم بل من أبشع الظلم مؤاخذة الناس بما لم يفعلوا ومن الظلم
حبس الناس بالتهمة والظن ومن الظلم سرقة نتائج الانتخابات في البلاد
الإسلامية [**]
سابعاً: مناقشة الأفكار والحجج والشبهات التي يتذرع بها أهل الغلو
وتفنيدها والرد عليها وتطعيم الناس ضدها لئلا يغتروا بها، فنحن نقول فعلا في بأن
الغلو هو الآخر خطر على الإسلام كما أن التفريط خطر:
ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد ... كلا طرفَيْ قصد الأمور ذميم
стр. 1527
الحلقة الثانية
٢- مراحل دعوة إبراهيم
﵊
محمد الخضيري
ذكر القرآن الكريم لدعوة إبراهيم ﵇ ثلاث مراحل، نوجزها فيما يلي:
المرحلة الأولى: دعوته لأبيه، وقد صورتها أبلغ تصوير آيات سورة مريم حيث يقول الله جل وعلا [واذْكُرْ فِي الكِتَابِ إبْرَاهِيمَ إنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِياً (٤١) إذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً (٤٢) يَا أَبَتِ إنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ العِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِياً (٤٣) يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِياً (٤٤) يَا أَبَتِ إنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ ولِياً (٤٥) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إبْرَاهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ واهْجُرْنِي مَلِياً (٤٦) قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إنَّهُ كَانَ بِي حَفِياً (٤٧) وأَعْتَزِلُكُمْ ومَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِياً] [مريم٤١ / ٤٨] .
لقد كانت كلمات إبراهيم تفيض حناناً وشفقة وتتدفق عطفاً ورقة، فبيّن لأبيه
أن ما يعبده فاقد لأوصاف الربوبية من السمع والبصر فضلاً عن الخلق فكيف يضر
أو ينفع ثم أردف ذلك ببيان ما قد أوتيه من علم وحكمة وأن دعوته فد بنيت عليهما
ففى اتباعه سلوك الصراط السوي، ثم حذره من عدو البشرية الذي تلبس بمعصية
الرحمن فهو جدير بأن يتخذ عدواً وأن لا يطاع بل يعصى، ثم أعلمه بشدة خوفه
عليه من أن يمسه مجرد مس عذاب من الرحمن فيكون ولياً للشيطان، وأمام هذه
الدعوة الحانية الرفيقة المتزنة نسمع عبارات الأب الفجة الغليظة التي تمثل صورة
التقليد الأعمى وإغلاق القلب عن النظر والتأمل، ومع ذلك كله فإن الابن البار لم
يواجه تلك السيئة إلا بالتي هي أحسن (سلام عليك) كحال عباد الرحمن الذين إذا
خاطبهم الجاهلون قالوا: (سلاماً) بل وعد بالاستغفار لأبيه، وذلك قبل أن يتبين له
أنه عدو لله [فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ] ثم قرر اعتزاله ليراجع الأب
نفسه، ولينأى إبراهيم بنفسه عن الشر ومواطنه، وكانت رحمة الله لإبراهيم أن
عوضه بأبناء صالحين بررة عن أولئك القوم الفجرة.
المرحلة الثانية: دعوته لقومه. بعد أن دعا إبراهيم أباه لقربه توجه بالدعوة إلى قومه، وكانوا فيما قبل قسمان، منهم من يعبد الأصنام، ومنهم من يعبد الكواكب، وقيل: إنهم كانوا يعبدون الكواكب ويصورون أصناماً على صورها يعبدونها ويعكفون عليها، وعلى أي، فقد أبطل كلا المعبودين بالأدلة القطعية وبين وهاء ما هم عليه من العبادة، وبدأهم بالدعوة إلى توحيد الله بالعبادة وتقواه وبين لهم أن ما يعبدون ما هو إلا إفك مفترى، وأنها لا تملك لهم رزقاً فليعبدوا من يملك رزقهم، ثم أخبرهم بأنه مبلغ لا يستطيع هدايتهم إلا بإذن الله، ولفت أنظارهم إلى أن مصيرهم إن لم يستجيبوا للدعوة مصير أمثالهم فقد سبقهم على ذلك أمم ولحقهم من ربهم من النكال والعذاب ما لا يخفي عليهم، قال تعالى [وَإِبْرَاهِيمَ
إذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * إنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وتَخْلُقُونَ إفْكاً إنَّ الَذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ واعْبُدُوهُ واشْكُرُوا لَهُ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وإن تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ومَا عَلَى الرَّسُولِ إلاَّ البَلاغُ المُبِينُ] [العنكبوت: ١٦-١٨] .
- ولقد سلك إبراهيم في إقناع قومه مسلك المساءلة عن جدوى أصنامهم، هل
تنفع أو تضر أو تسمع الدعاء، فما وجد إلا التبعية العمياء [واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ
إبْرَاهِيمَ * إذْ قَالَ لأَبِيهِ وقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ *
قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وجَدْنَا آبَاءَنَا
كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ] فما كان من إبراهيم إلا أن أعلن البراءة مما هم عليه، وأوضح
سبب ذلك وسبب قصره العبادة على الله [قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنتُمْ
وآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إلاَّ رَبَّ العَالَمِينَ * الَذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ *
والَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ * وإذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ... الآيات]
[الشعراء: ٦٩ -٨٠] .
- وبدأ القوم يراوغون فيما عرضه عليهم إبراهيم إلا أنه ما كان من إبراهيم
إلا إعلان النكير، وبيان الحق فعلاً لا قولاً فحسب ودخل بهذا مرحلة خطرة من
مراحل إقناع القوم بعدم جدوى أصنامهم وفي هذا يقول الله تعالى [ولَقَدْ آتَيْنَا
إبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إذْ قَالَ لأَبِيهِ وقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَتِي
أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وآبَاؤُكُمْ فِي
ضَلالٍ مُّبِينٍ * قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللاَّعِبِينَ * قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ
والأَرْضِ الَذِي فَطَرَهُنَّ وأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ] [للأنبياء: ٥١-٥٦] ولم
يكتف القوم بهذه المراوغة مع إبراهيم بل دعوه للخروج معهم إلي عيد من أعيادهم
ولكنه اعتذر عن الخروج بتورية [فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إنِّي سَقِيمٌ *
فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ] [الصافات: ٨٨-٩٠] وقال عند ذلك [وتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم
بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ] فسمعها بعض القوم، وبادر إبراهيم [فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إلاَّ
كَبِيراً لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إلَيْهِ يَرْجِعُونَ * قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا
سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ
* قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إن
كَانُوا يَنطِقُونَ * فَرَجَعُوا إلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى
رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ] لقد ورطهم إبراهيم في هذه الإجابة وهذا ما
كان يريده ليندفع بكل قوة مخاطبا عقولهم إن كانت لهم عقول: [قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن
دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئاً ولا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَّكُمْ ولِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلا
تَعْقِلُونَ] وهنا لم يجد القوم بدا من تدبير المؤامرة عليه والتخلص منه [قَالُوا
حَرِّقُوهُ وانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إن كُنتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وسَلاماً عَلَى
إبْرَاهِيمَ * وأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ] [الأنبياء: ٥١-٧٠] .
أما عبادتهم للكواكب فقد سلك في دحض تعلقهم بها سبيل المناظرة وذلك فيما
حكاه الله عنهم في سورة الأنعام، وسيأتي إن شاء الله تفصيل ذلك في رسائل
إبراهيم العملية.
المرحلة الثالثة: دعوته للملك، حين ناظره في ربه وذلك فيما حكاه الله تعالى عنهم في سورة البقرة فقال: [أَلَمْ تَرَ إلَى الَذِي حَاجَّ إبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ المُلْكَ إذْ قَالَ إبْرَاهِيمُ: ... ] وتفصيل ما وقع فيها آت بإذن الله في الوسائل، وهذه المناظرة كانت فيما يظهر بعد نجاة الخليل من النار كما ذكره السدي ويدل عليه: أن العادة جارية بأن الأنبياء يبدأون بتكوين قاعدة شعبية حتى يكون للدعوة ثقل ثم يلتفتون إلى القيادة ليدعوها، وأيضاً، فمن عادة خصوم الدعوة ملاحقة الداعية وإحراجه ليفضح أمام الناس خصوصاً وأن إبراهيم بعد نجاته من النار بمعجزة التفتت إليه الأنظار وتعجب الناس من ربه الذي نجاه فبادر الملك إلى مناظرته ليوقعه في الحرج ظنا منه أن إبراهيم قد ينهزم في المناظرة، وما علم أنه المؤيد من عند الله وهو سيد المناظرين، ومنظرهم الأكبر، والمجادل عن حوزة التوحيد وحمى الملة بكل ألوان الجدل.
- ولا نستطيع الجزم بأن هذه المناظرة كانت بعد النجاة لكنه الذي يظهر من
خلال ما تقدم من الأدلة والله أعلم.
стр. 1528
خواطر في الدعوة
درس من السيرة
محمد العبدة
لابد أن نعود دائماً للسيرة النبوية، نستلهم منها ما يفيدنا في سيرنا الدعوي،
ونعود لبدايات تشكل القاعدة الصلبة التي كانت قلب الوحى الذي يدور حوله
المجتمع الإسلامي. كانت هذه القاعدة في مراحلها الأولى من الطبقة التي سميت
فيما بعد بالمهاجرين، وجلّ هؤلاء من قريش، التي كانت تتمتع بصفات نادرة،
تفوقت بها على القبائل العربية، القريبة والبعيدة.
قال القدماء: والعجيب أن قريشاً تركت الغزو والنهب على طريقة العرب
يومها، ولكن بقيت فيهم الشجاعة والأنفة، وقوة البأس. ومع انشغالهم بالتجارة
والرحلات التجارية إلا انه لم يعترهم ما يعتري التجار عادة من البخل والمداهنة
والممحاكة، بل كان الفرد منهم يطعم الطعام لزوار البيت، وتمدحهم الشعراء كأنهم
ملوك.
إن بنية الفرد في هذه القاعدة بنية قوية، فكيف إذا أكرمه الله
بالإيمان والتوحيد الخالص، فلا شك أنه سينقلب إلى شخصية تقيم الدول، وتحرك
التاريخ. ولقد وصف الله هذا الدين بأنه (الفطرة) ومعنى هذا أن
الفطرة السليمة تقبله، وتقبل تفصيلاته الجزئية. أما إذا كانت الفطرة فاسدة،
والبنية الأساسية مفقودة فكيف يقوى على حمل هذا النور، ويتمثله واقعاً وعملاً من
يحمل بين جنباته الضعف والضآلة، ويحمل مفاسد المدنية المعاصرة، وتناقضات
المجتمع الذي يعيش فيه.
هل يقوى على حمل هذه الأمانة من تعوّد على الكذب؟ أو رجل أناني إقليمي
أو رجل ليس عنده وفاء وشجاعة. وهنا نجد أن شخصية الفرد شخصية هشة لا
تستطيع بناء الدول ولا إقامة بنيان مرصوص. حتى وإن قرأ الكتب وحفظها وصار
مناقشاً ومجادلاً، والأصل أن فهم العقيدة السليمة وتطبيقها على أرض الواقع يؤدي
إلى هذه الأخلاق العالية التي لابد منها لحمل الرسالة، فاذا لم نجد مثل هذه
الشخصية فهذا يعنى خللاً في فهم العقيدة أو في التطبيق.
إن الظروف العصيبة التي يعيشها المسلمون لهى في العمق من المرارة
والقسوة بحيث تحملهم على أن يفكروا في أمرهم، ويزدادوا بصيرة بأحوالهم، وقد
ضرب الله لنا الأمثال ببني إسرائيل وأخلاقهم الملتوية، ونفسياتهم المحطمة حتى لا
نقع فيما وقعوا فيه، هذه الأخلاق التي جعلت سيدنا موسى-﵇ يعاني
منهم ما يعاني وهو يريد إنقاذهم، وجاءت خاتمة الرسالات وكان حواريو رسول الله
ﷺ من المهاجرين والأنصار، فكانوا خير أصحاب لفهم الدعوة
وتبليغها والدفاع عنها.
стр. 1529
الإسلاميون وقضايا التنمية
د /أحمد بن محمد العيسى
يثير كثير من العلمانيين شبهات عديدة ويدَّعون أن الحركة الإسلامية إنما هي
عائق لمسار التنمية والتقدم في المجتمعات الإسلامية، وذلك لأن خطابها «الأيديلوجي» يهتم بتعاليم وقيم لا تتمشى مع متطلبات التنمية الحديثة مثل الانفتاح ...
الاقتصادي والتعاون الدولي والحرية الفكرية والتعليم الذي لا يركز على الغيبيات
والحفظ.. إلى آخر القائمة المعروفة التي يتداولها كثير من المفكرين والمثقفين ...
العرب في كتبهم أو في منتدياتهم الفكرية والثقافية وما يسودونه على صفحات الفكر
والثقافة في الصحف العربية. وعلى الرغم من أننا قد تجاوزنا الطرح العلماني الذي
كان سائدا قبل عقدين أو ثلاثة والذي يعزو هذا العائق إلى الإسلام ذاته لأن اعتبار
الشريعة الإسلامية هي المصدر لقضايا التنمية، وهي قضايا سياسية واقتصادية
واجتماعية لا يتناسب بزعمهم جمع واقع العصر وتعقيداته أقول على الرغم من
الفكر الإسلامي قد تجاوز هذا الطرح إلا أننا لازلنا مترددين - أو على الأقل
مقصرين - أمام كثير من الشبهات التي يطرحها كثير من العلمانيين اليوم والتي
تركز على أن الحركات الإسلامية - وليس الإسلام - هي العائق أمام «التحديث
والتنمية في بلاد المسلمين» منذ أكثر من ١٣٠٠ عام، يقول برهات غليون في
كتابه «اغتيال العقل» : «ولعل سبب هذا الانحطاط في مفهوم التقدم العري
راجع هو نفسه إلى الأزمة التي يعيشها مشروع هذا التقدم كما تبلور في القرن
الماضي، أي كبناء لمجتمع عربي موحد ديمقراطي عقلاني عادل.
ونتج عن هذه الأزمة نوعان من مواقف الهروب إلى الأمام، أحدهما يقول بالتغريب الكامل بمثالبه وحسناته، والثاني يقول بالانسحاب الكامل و» الأسلمة «أو العودة الكاملة للأصول» (ص٢٠٧) ثم يصل إلى نتيجة يعتبرها عقلانية ومنطقية في آخر كتابه، حيث يقول: «وعندما نقول أنه لا يوجد حل واحد لجميع المشكلات، فنحن نعني أن المشكلات المطروحة اليوم على العالم العربي لا يمكن حلها جميعاً من أفق أيديلوجي واحد، أو من أفق أيديلوجي بشكل عام. هذا غير منطقي وغير ممكن وغير واقعي، فليس هناك حل لمشكلة التنمية الاقتصادية، الصناعية أو الزراعية من أفق الأيديلوجية السلفية أو الأصولية، كما أنه ليس هناك حل للمشكلة القانونية والتشريعية من أفق أيديلوجية تنكر الإسلام أو تتنكر له..» (ص ٣٦٤) . وهذا الطرح الذي نتحدث عنه يجد الآن اصداء كبيرة عند كثير من المثقفين، وقد بدأ هذه الموجة المفكر المغربي محمد عابد الجابري في كتابه ... «الخطاب العربي المعاصر» (١٩٨٢م) والذى اتبعه بعدد من الكتب تدور في فلك أفكاره الذي أثبتها في الكتاب المذكور.
وقد تركز فكره في نقد الفكر التغريبي الكامل وفي نفس الوقت نقد الفكر الإسلامي الذي يعتمد على منهج أهل السنة والجماعة في التلقي والاتباع. وهو بهذا يؤسس فكرا جديدا يراه أصحابه وتلاميذه أنه فكر «عقلاني» موضوعي يستند إلى منهجية معرفية صارمة، مع أنه من الأساس فكر «تغريبي» يستقي ... أدواته المعرفية والمنهجية من نظريات المعرفة «الابستمولوحيا» الغربية التي لا تعترف بالعقائد الدينية ولا بالغيب والإيمان وثوابت العقيدة الإسلامية.
إن الخطاب الإسلامي الذي يدعوا إلى التوحيد والإيمان وإلي تطبيق الشريعة
الإسلامية لا يدعو إلى طرح (ما ضوي) - كما يقولون - ولا يريد أن يعود العرب
والمسلمون إلى ركوب النياق والحمير والبغال (كما يعبر أحمد عبد المعطي حجازي- ... الأهرام ١٥ إبريل ٩٢) . بل هم يدعون إلى طرح مستقبلي واضح يرتكز على
عقيدة سماوية وشريعة ربانية أنزلها الذي يعلم ما كان ويكون وما سوف يكون، [أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ] . وهى ليست من مخلفات الماضي مثل
شريعة حمورابي أو قوانين الرومان، بحيث نقول إنها خضعت لتصورات الإنسان
الذي عاش في تلك الفترة وفي تلك البيئة وفي تلك الظروف المحيطة، إن الشريعة
التي ندعو إليها هي شريعة متكاملة تربط العقيدة والعبادات والأحكام والحدود
والأخلاق والآداب وجميع شؤون الحياة في بوتقة واحدة لا تنفصل وتربطها بعبادة
الخالق [! قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيَايَ ومَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ] .
إن هذا الذي نقوله الآن هو من البديهيات التي لم تكن مطروحة على العقل
المسلم قبل عقود من الزمن ولم يحتاج المسلم إلى تعمق في دراسة العلم الشرعي أو
في قراءة كتب الفكر والثقافة، لكى يفهم هذه البديهيات، ولكننا في هذا الزمان -
والله المستعان - أصبحنا نجادل أهل الفكر والثقافة - أنفسهم - في أساسيات الدين
والعقيدة التي لا تستقيم حياة المسلم بدونها.
ولكن إذا سلمنا بهذه البديهية وابتعدنا قليلا عن «ردود الأفعال» لما يثيره
بعض العلمانيين، وتساءلنا: هل الفكر الإسلامي الذى يطرح في الساحة الآن قد
اهتم اهتماماً جدياً بقضايا التنمية في العالم الإسلامي؟
أحسب أن الجواب سيكون بالنفي.. ذلك أن الفكر الإسلامي، وجهود الدعوة
عموماً لا تزال مشغولة بقضية كبرى (وحق لها أن تشغل بها) ألا وهي تراكمات
موجات التغريب خلال قرن من الزمن أو يزيد، وكادت هذه الموجات أن تقتلع
الأمة من جذورها وتجعلها جزء تابع للغرب أو الشرق. إن الاهتمام بقضية الهوية
هو من الأولويات ولا شك ويجب أن يتفرغ لها القادرون على التأصيل لها والإبداع
في طرحها، ولكن ينبغي على المفكرين والأكاديميين الإسلاميين الاهتمام بقضايا
حيوية تعصف بالمجتمعات الإسلامية ومن أهمها قضايا التنمية التي غربت بها
الأفكار الدخيلة أو شرقت بها، فأصبحت التنمية في بلاد المسلمين اضحوكة يتندر
بها صحفيو الغرب ومنظروهم.
إن الحاجة اليوم ماسة لدراسة أكثر من قضية تنموية، دراسة عميقة مدعمة
بالوثائق والإحصاءات ومبنية على أسس منهجية علمية واضحة لا مجال فيها
للعاطفة المفرطة في التشاؤم أو التفاؤل أو في استباق النتائج. والمطلوب ليس فقط
تنظيراً إسلامياً لهذه القضايا وإنما دراسات واقعية وتطبيقية تهتم بمحاولة وضع
تصورات وحلول للمشاكل القائمة حالياً. إن لدينا الآن فرصة تاريخية لإبراز الفكر
الإسلامي الصحيح الذي يلتمس حلولاً جذرية من منظور إسلامي للمشكلات التنموية
التي تعانيها المجتمعات الإسلامية، ولعلي أشير هنا إلى بعض الأمثلة للقضايا
الحيوية التي يجب أن نهتم بدراستها، وهذه الأمثلة تمثل قضايا كبرى تحتاج إلى أن
تجزأ إلى قضايا صغيرة تجعل من السهل دراستها، ومن هذه القضايا:
١- قضايا التعليم: ويدخل فيها قضايا غياب الرؤية الإسلامية للعملية
التربوية، ضعف الناتج التعليمي، وانفصال واقع التعليم وأهدافه عن حاجات
المجتمع، قضايا إعداد المعلم والمربى وفق منهج الكتاب والسنة، إيجاد الحلول
لمشكلة الأمية، وغير ذلك من القضايا.
٢- قضايا الاقتصاد: ومنها قضايا أولويات النظام الاقتصادي في الإسلام
وقضايا النمو الاقتصادي والهدر العام والتبذير والاستهلاك، ومنها وقضايا الديون
والعجوزات، وقضايا النفط والتصنيع والتجارة الدولية والاتفاقات الاقتصادية
وغيرها.
٣- قضايا التنمية الاجتماعية: ومنها قضايا النمو السكانى، والبيئة وبرامج
التثقيف والتوعية، وقضايا الإعلام وقضايا العنف والتفكك الأسري والجنوح ...
وغيرها.
٤- قضايا التقنية والتقدم العلمي: ومنها قضايا التخلف التقني، وقضايا نقل
التقنية أو استنباتها، وربطها بالنظام العقائدي والأخلاقي للأمة.
كل هذه القضايا (وغيرها كثير) بحاجة إلى دراسات عميقة من قبل المفكرين
الإسلاميين توازي الجهود التي يبذلها القائمون على بعض المؤسسات العلمانية في
العالم العربي التي تعقد المؤتمرات والندوات وتنشر الكتب والمقالات عن هذه
القضايا حتى غدت مفاهيم النهضة والتنمية ترتبط غالباً بمفاهيم علمانية مثل مفاهيم
(حق الأمة في التشريع) في قضايا السياسة وغيرها، ومفاهيم إبعاد الدين والغيبيات
عن عقول الناشئة في قضايا التعليم، ومثل تقديم مفاهيم المصالح المتبادلة وقوى
السوق في قضايا الاقتصاد، ومثل مفاهيم تحرير المرأة ومشاركتها في جميع
مجالات العمل، ومفاهيم تحديد النسل في القضايا الاجتماعية، وهناك قائمة طويلة
من المنطلقات العلمانية التي تتناول قضايا التنمية لا يمكن تقصيها في هذا المقال.
وقد سبب غياب الفكر الإسلامي الصحيح عن قضايا التنمية، احتلال أصحاب
الفكر التغريبي لمواقع عالية في المؤسسات الحكومية والدولية في شتى أقطار العالم
الإسلامي، بل لقد أوهم كثير من العلمانيين وهم يكتبون ويتحدثون عن هذه القضايا، أوهموا أصحاب القرار السياسي والاقتصادي في البلاد الإسلامية بأنهم هم الذين
يفهمون لغة الأرقام ولغة النتائج الإحصائية ولغة التخاطب في المؤتمرات الدولية
والمحلية، أما أهل العلم والدعوة وأصحاب الفكر الإسلامي فإنهم لا يعرفون إلا لغة
الشعارات والخيالات والقضايا الهامشية! !
فهل من وقفة جادة من أصحاب الفكر الإسلامي مع هذه القضايا..؟ وصدق الله
العظيم إذ يقول: [أَفَمَن يَمْشِي مُكِباً عَلَى وجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِياً عَلَى صِرَاطٍ
مُّسْتَقِيمٍ] .
стр. 1530
التواضع
سمة.. قيادة.. أيضاً
سامي سلمان
التواضع سمة وخلق رفيع من تحلى به ساد نفسه ومن ساد نفسه ساد
الناس [١] .
وقد تبدو العلاقة بين التواضع وسياسة النفس وسيادة الناس غير واضحة
ولكنها تتضح عندما ندرك معنى التواضع الحقيقي، سئِلَ الفضيل بن عياض عن
التواضع فقال:
«يخضع للحق وينقاد له ويقبله ممن قاله» .
فإذا كان هذا هو حال المتواضع فهو قد ساد نفسه بلا شك وإذا أحببنا أن
نبحث عن طرف المعادلة الأخير فلابد أن نستمع لابن عطاء وهو يقول: «العز
في التواضع» .
وقد ساد رسول الله ﷺ الأمة وساد الناس وهو سيد ولد
آدم وخير الناس، فكيف كان حاله:
- كان إذا صافح الرجل لم ينقل يده من يده حتى يكون هو الذي ينزع
يده [٢]
- كان يوم الأحزاب ينزع التراب ولقد وارى التراب بياض بطنه. [٣]
- كان يأتي ضعفاء المسلمين ويزورهم ويعود مرضاهم ويشهد جنائزهم. [٤]
- كان يتخلف في المسير فيزجي الضعيف ويردف العاجز ويدعو لهم. [٥]
- كان يزور الأنصار ويسلم على صبيانهم ويمسح رؤوسهم. [٦]
-كان يدعى إلى خبز الشعير. [٧]
- كان يقول: «هون عليك فإني لست بملك إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل
القديد» [٨] .
- كان يجلس على الأرض ويأكل على الأرض ويحتلب الشاة. [٩]
- كان يقول: «أنتم أعلم بأمور دنياكم ... » .
(فأي تواضع أعظم من هذا التواضع ورسول الله ﷺ
قائد الدولة وإمام المسلمين والمشرع لهم عن الله والموحى إليه من ربه ... ) .
وعليه فإنه ينبغي التنبيه إلى أن المسئولية تستوجب التواضع إذ أن التواضع
الحقيقي هو التواضع لله ومن عرف الله عرف الناس وأنزلهم منازلهم.
ولقد كان رسول الله ﷺ أعرف الناس بربه فهو القائل أنا
أتقاكم لله.
وإن ارتباط هذه السمة بنجاح القيادة ينتج من معاني عديدة ينبغي التنبيه لها
أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: -
١- إن المتواضع لين، سهل المعشر، يفتح له الآخرون قلوبهم مما يسهل
عليه حين يكون قائداً مسئولاً القدرة على التوجيه وتملك زمام الآخرين من خلال
قلوبهم لا من خلال منصبه وجبروته وعنفوانه وهو ما يحتاجه القائد الناجح، إذ أن
الولاء الحقيقي للأفراد والمنظمات هو ما ينبع من حب الموالين واحترامهم لرؤسائهم.
٢ - إن المتواضع أقدر الناس على الاعتراف بأخطائه إذ يدرك أن اعترافه
بوقوعه في الخطأ لا يسلبه احترام الآخرين له وليس هو الذي يقول ويتبجح بأنه
صاحب الحق دائماً بل هو على العكس من ذلك فاعترافه بالخطأ بصراحة وأمانة
وشجاعة هو تأكيد لبشريته وإتاحة المجال لإصلاح الخطأ بدلاً من الاستمرار عليه.
ولا شك أن هذا هو عين ما يتميز به القائد الناجح إذ لا يُقبل نجاح قيادة تصر على
الاستمرار بالخطأ.
٣ - إن المتواضع يعطي الناس حقهم وقدرهم فلا يحتقرهم مما يساعد على
إيجاد روح المشاركة وإبداء الرأي وبروز الإبداع الذي يحتاجه أي قائد ناجح إذ لا
نجاح لقائد دون وجود هذه الروح بين مرؤسيه.
٤ - إن المتواضع لا يعيش في عالم الغرور والتيه والكبرياء الذي يجعل
القائد يحسب نفسه وكأنه صاحب صفات ومزايا لا يملكها إلا هو وحده ثم لا يلبث
إلا قليلاً وتنكشف حقيقته فلا يبق له هذا النجاح المصنوع. يقول أحد العارفين:
«لا يمكن للرئيس أن يخدع مرؤوسيه طويلاً ولابد أن تكشفه الأيام والنوائب
فإذا كان متواضعاً أمام نفسه بقى قويا أمام الآخرين وإن كان صادقاً استطاع أن
يطلب الصدق من الآخرين» [١٠] .
٥ - إن المتواضع تأبى نفسه أن يكون أنانياً لأن الأنانية هي وليدة الغرور
ولا يجتمع متضادان في نفس واحدة وعليه فإن القائد المتواضع هو الذي يعيش
ليحقق أهداف الجماعة والمصلحة العامة بدافع الواجب والذي ينجح ليحقق هدفاً
جماعياً ليس كفرد ينجح ليحقق هدفاً فردياً فالأول يكتسب بحبه للآخرين وولاءهم
والآخر ينتظر الآخرون فشله بتلهف.
٦- إن المتواضع أعظم من أن يجعل لحب الظهور مدخلاً إلى نفسه، يقول
أحدهم: «يعمل الرئيس المغرور بدافع حب الظهور فيجد نفسه في النهاية محاطاً
ببطانة لا ترى إلا بعينيه ولا تسمع إلا بأذنيه فيفقد الفائدة التي يحملها إليه انتقاد
معاونيه الصالحين الذين يرون الاشياء من زاوية مختلفة، كما يفقد الاحتكاك مع
الوسط الذي يعيش فيه، فيصبح غير أهل للقيادة. [١١]
رحم الله عمر بن عبد العزيز فلقد كان متواضعاً وكان قائدا أحبه الناس. يقول
سهيل بن أبي صالح» كنت مع أبي غداة عرفه، فوقفنا لننظر لعمر بن عبد العزيز، وهو أمير الحاج، فقلت يا أبتاه والله إني لأرى الله يحب عمر، قال: بم؟ قلت:
لما أراه دخل له في قلوب الناس من المودة «.
ولا عجب في ذلك فمن كان حاله ما أسلفناه من التواضع أحبه الناس، ولا
شك أن هذا هو معنى نجاح القيادة الحقيقي. [١٢]
стр. 1531
البيان الأدبي
نحو شعر إسلامي مبدع
بقلم: إبراهيم بن منصور التركي
مدخل:
تفتح مجلة البيان الحوار الهادف والبناء حول ما طرحه الكاتب من آراء حول
هذا الموضوع ولاسيما من ورد ذكرهم في المقالة - وصولاً إلى الرأي الصواب
ورغبة في النهوض بالأدب الإسلامي إلى المستوى اللائق به.
- البيان -
درج الباحثون في دراسة الآداب على أن يسبقوها بالحديث عن حيوات
العصور المدروسة، فيتحدثون عن التيارات الفكرية والسياسية والاجتماعية
والاقتصادية التي زامنت الأدب؛ ذلك لأن الأدب - في حقيقته - انعكاس شعوري
يتأثر بما تفرزه تلك التيارات سلباً أو إيجاباً. وما اقتيات الأدب العربي المعاصر
من موائد الرطانة المستعجمة إلا شاهد إثبات حي على ما أشربته بعض المجتمعات
العربية (والإسلامية) من حب مناهج الغرب الحياتية.
إن عدم شيوع فكر إسلامي ناضج يظل الأدب في ظله ويكلؤه برعايته سبب
رئيسي وراء غربة الأدب الإسلامي. لقد نبت الفكر المعاصر على السحت حتى
أوشك الأدب أن يرتع فيه لولا بضع أيادٍ تداركت منه بعضاً.
على أن تلك الأيادي لم تخل - بحسن نية - من بعض القراءات الخاطئة،
فأدخلت في حقل الأدب الإسلامي أعمالاً بينه وبينها بعد المشرقين، لمجرد تناولها
حوادث تاريخية أو إسلامية معروفة. فلأن توفيق الحكيم يحكي قصة (أهل الكهف)
في مسرحيته المشهورة، ولأن صلاح عبد الصبور يعرض (مأساة الحلاج) !
في مسرحية أخرى، اعتُبِر عمليهما أدباً إسلامياً دون النظر إلى البعد الفكري
الذي تنطوي عليه المسرحيتان [١] رغم أن كاتباً آخر يطرح رأياً نقيضاً حول
مسرحية صلاح عبد الصبور، يرى فيه أن الحداثيين (يعتبرون رموز الإلحاد
والزندقة أهلَ الإبداع والتجاوز، وأهلَ المعاناة في سبيل حرية الفكر والتجاوز
للسائد، وألفوا في مدحهم القصائد والمسرحيات والمؤلّفات كما فعل صلاح عبد
الصبور مع الحلاج) [٢] . إن مثل هذا الخطأ - غير المقصود - لم يكن ليحدث لو
أن المسرحية وقفت في محكمة الفكر الإسلامي.
بل لعل ذلك اللغط الذي يدار بين الفينة والفينة مشروعية الأدب الإسلامي
مصطلحاً وأداءً، لم يكن ليظهر لولا أن ساحاتنا الثقافية ثمُلت من ماء الفكر الآسن
المتلوث بمعميات العلمانية والقومية والعقلانية والتنوير وما أشبهها.
لقد كان في غياب الرؤية الإسلامية تناسل للرؤى الضبابية، وإثارة للزوابع
المفتعلة حول النص الأدبي الإسلامي. بيد أن مؤثرات أخرى أوغلت في فعلها
السلبي إلى داخل النص؛ إذ لا زال بعض من منظري الأدب الإسلامي ومطبقيه
يصرّ على تكبيل الشعر والحد من قدراته الجمالية، تارة بإلباسه عباءة الهدف
الأخلاقي، أو سربلته تارة أخرى في ثياب المكاسب النفعية المجردة. على أنني
لست من أرباب الفصل الحاد بين المتعة والمنفعة في تحديد وظيفة الأدب؛ ذلك أني
أعتبر علاقة المتعة بالمنفعة كعلاقة الجزء بالكل. إن تحقيق المتعة المشروعة منفعة
ملحة لا غنى للحياة الكاملة عنها، وإيجاد الجمال المشروع جانب تكميلي لا تتم
الحياة إلا به.
ومن هذا المنطلق أرى أن الفن بكل مفرداته ليس إلا عملاً غائباً ينتهي عند
تحقيق الإمتاع المشروع [٣] ، يستوي في ذلك الرسم والشعر والموسيقى [٤] .
تلك هي الوظيفة الأصل في مهمة الفن، وإن كان لا يخلو من وظائف طارئة
تتلبّس النفعية أحياناً دون أن تكون خالصة لها. غير أن قلب الأمور أحياناً يحيل
الطارئ إلى أصيل والغاية إلى وسيلة، وذلك عندما يتم القول بأن (الفن في الإسلام
يتخذ مسلكاً مميزاً، فهو - (كما يقول الكاتب) - وسيلة مهمة من وسائل إثراء
الحس الجمالى عند الإنسان، ولكنه بفضل منهج الإسلام السليم لا يكون غاية في
ذاته، بل هو وسيلة إلى غايات سامية) [٥] .
ولا يمكن قبول ذلك على إطلاقه، فالفن - إذا شئنا اعتباره وسيلة - فليس إلا
وسيلة إلى هدف أُخروي، هو دخول الجنة، على اعتبار أن قصد المسلم في جميع
أعماله أن تقربه إلى الله زلفى. أما أن يكون الفن وسيلة إلى هدف نفعي يتحقق في
الدنيا فذلك مما اختلف مع الكاتب فيه، وإن كنت لا أريد أن أحجّر واسعاً فتغلق
أبواب النفعية في الأدب ولكني أشدد على أنها تظل طارئة وأن الأصل في الأدب
هو الجمال. إنّ فرقاً في جماليات النص يظهر واضحاً بين من يسخَّر جهده ليعلي
من أدبية النص وبين من يبتغي به وجه المكاسب النفعيّة. على أني لا أشك في أن
أرقى النصوص هو ذلك الذي يستطيع بلوغ هدفه النفعي عبر فّنّيات العمل الأدبي.
وإذا كان العالق السالف يبوء بإثم التقريرية والوضوح والخطابية في الشعر
الإسلامي فإن عائقاً آخر يأتي ليزر وازرة التخليط المستهجن. هذا التخليط الذي
يجعل بعض القصائد أمشاجاً من المعاني لا يؤلف بينها رابط، فتبدأ القصيدة بلا
إعداد مسبق لخط السير الذي ستمضي فيه [٦] ، وتخبط خبط عشواء، دون أن
يكون ثمة معنى عام تمضي لتؤديه؛ مما يجعلها مِزقاً من الخواطر تنوء بالتشرذم
والشتات.
لقد وقف الناقد العربي ابن قتيبة موقف المدافع عن الشعر الجاهلي حينما اتّهم
بتشتت موضوعاته، فراح يبحث لتلك الظاهرة عن تعليل، وبرغم تعسفه في
التعليل [٧] إلا أنه ذو دلالة واضحة على أن ابن قتيبة كان يرى أن الشاعر الجاهلي
يتصور عمله وحدة متصلة الأجزاء يسلم الواحد منها إلى صاحبه. وكذلك كان الناقد
ابن طباطبا يوجب جاهزية المعنى في الذهن بصورته النثرية قبل الشروع في كتابة
القصيدة [٨] . وفي الوقت الذي كان فيه النقد العربي يعيب التعلق المعنوي للبيت
الشعري بما قبله أو بعده، يأتي ناقد كابن الأثير ليجيز ذلك محتجاً بوروده بين
الآيات القرآنية [٩] .
إن تلك الثسذرات التراثية تأتي لتؤكد على أن ترابط القصيدة ووحدة معناها
هاجس كاد النقد العربي يركن إليه لولا أن معيار وحدة البيت شغف القصيدة العربية
حباً وملأ عليها قلبها. ومهما تكن القصيدة القديمة قد عضّت على ذلك المعيار
بالنواجذ، فإن ذلك لا يعيبها فلكل عصر مقاييسه الخاصة. غير أن الأنماط
المعيشية المنتظمة في عصرنا الحاضر توجب لوناً من التفكير المنظّم، وهو تفكير
يدفع الشاعر إلى أن يعرف سلفاً: كيف سيبدأ؟ وكيف سيستمر؟ وكيف سينهي
القصيدة؟ . ثم بعد أن يرتسم منهج القصيدة في ذهنه كاملاً يشرع في تدوين تجربته
الشعرية متحرّفاً إلى التتابع المنطقي بين معانيه.
والذي يبدو أن إمساك القصيدة الإسلامية بعِصَم التقليدية احتجزها في زاوية
ضيقة لم تخرج منها بعد. ففي الوقت الذي أثبت الشعر الحر (شعر التفعيلة) وجوده
على الساحة لازال بعض النقاد الإسلاميين يماري في مكانته [١٠] ، ولازال بعض
الشعراء محجماً عنه أو مقلاً منه. إننا لا نشك في أن الشعر العمودي متى ما أبدع
كان السقف الأعلى للإنتاج الشعري. بيد أن ذلك لا يمنعنا من طرق الأبواب
الجديدة، وتجريب الأشكال الشعرية المعاصرة متى توفر فيها إيقاع الشعر
وموسيقيته الشعرية.
هذا الجمود الشكلي عند بعض الأدباء الإسلاميين صاحبه جمود دلالي ظلّت
القصائد تئن تحت وطأته بلا فِكاك، ونراه يتمثل في وقوع القصيدة الإسلامية
مضغة في شدق المأساوية الدامية، لا تكاد تخرج منها إلا إلى شعر المواعظ والزهد وبرغم هذا فإن القصيدة لازالت دون المستوى المأمول في شعرها المأساوي ذاك،
فكما لَفَظَ الذوق السليم شعر الغزل الصريح لوقوفه عند معانٍ مستهلكة لا تتجاوز
الخد الوردي والشَعر الفاحم والقوام المعتدل، فقد استكره من الشعر الإسلامي
استعادته - أو سرقته على رأي النقد العربى القديم - لمعانٍ لاكها الشعر من قبل
حتى مَّجها. فلا زالت القصيدة تعيد - بتسطيح ظاهر - المعاني ذاتها التي ذكرها
أبو البقاء الرندي في نونيته قبل عدة قرون، وهي لا تتجاوز اغتصاب أنثى وتيتيم
طفل وإبادة الرجال والشيوخ.
إن تلك المآسى تحتاج إلى توظيف فني يعمّق أثرها في النفوس بتناول للمأساة
منفرد عبر مشاهد تعرضها وتكشف آثارها الخبيئة، بدلاً من جمع البيض في سلة
واحدة كما فعل الرندي.
على أني أعتب على كثير من الشعراء الإسلاميين عدم طرقهم موضوعات
شعرية أخرى غير الشعر المأساوي، فقد أَفَلَتْ شمس الشعر الوجداني وشمس الشعر
الغزلى العفيف، فلم يعد لهما وجود بينهم. إن ما يجب أن نذكره ها هنا أن طرحنا
للأدب الإسلامي يعني اعتباره الخيار الأول والأخير، وأن وجوده في الساحة يعني
رفض ما سواه، مما يوجب توسيع دائرة الأدب الإسلامي ليستوعب جميع
الإبداعات المحتمل وجودها في المجتمع المسلم، والتي لا تتعارض نصاً أو روحاً
مع الإسلام.
ومن ذلك المنطلق أرى وجوب مخاطبة الشعر الإسلامي لجميع فئات المجتمع، بحيث يتوجّه قسم منه، عبر الوسائل التعبيرية القريبة، ليحرّك وجدانات العامة
ويثير انفعالاتهم، على أن يبقى منه قسم آخر يستهوي المتخصصين في الأدب
والنقد بتقنياته الفنية العالية.
إنى لا أريد أن نقع - كما وقع الكثير من النقاد - في مزلق النظرة الأحادية
عند الحكم على النتاج الشعري، لقد ذهب بعضهم بدافع تقديس الرؤية الجمالية إلى
تفضيل شعر الغموض، وبزاوية قدرها مائة وثمانون درجة انحرف آخرون نحو
شعر الوضوح تحت ستار نفعية الأدب.
بينما ما أعتقده أن القضية لا تحتاج كل ذلك الورم التنظيري؛ فالشعر الزبد
سيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض، وإن كنا نتمنى أن يكون
الشعر الإسلامي قد اختار لنفسه منزلة بين تلك المنزلتين، فلا يُوغل في سماء
الغموض، ولا يُغرِق في بحار الوضوح.
ومما يلاحظ أن النقد المعاصر قد وجّه وجهه نحو تمرير الإبداع الساذج
وتبريره، فإنى أرجو أن لا تزلّ قدم النقد الإسلامي المعاصر، بعد ما رأيت الثناء
المتبادل يلفح في وجه النقد الإسلامي، مع تغييب للفعل النقدي الفاعل الذي يتلمّس
الأخطاء ويبحث سبل إصلاحها، ولعلي أرجو أن يكون ما كتبته مساهمة مفيدة في
قطع مشوار من ذلك الطريق الطويل.
والله الموفق،
стр. 1532
البيان الأدبي
برقية إلى بيقوفيتش
د/محمد بن ظافر الشهري
بيقوفيتش. .
أعرف أنك لم تسألني قول الشعرْ
أعرف أنك لم تسألني كسرة خبزْ
أعرف أنك لم تسألني شربة ماءْ
أعرف أنك لست تريد كساء
أنت تريد الجمرْ
تغرسه في عين الكفرْ
تقذف فيه كلاب الصربْ
وخنازير الجبل الاسودْ
توقد منه فتيلَ النصرْ
* * *
بيقوفيتش..
ِثق في قوليْ
فأنا مثلك مسلمْ
آلمُ للجرح كما تألمْ
سيقول لك الغرب الكافرْ
لا تسمع قول الإرهابيْ
لا تَتْبَعْ هذا المتطرفْ
بيقوفيتش..
إني أحسبُ أنك تعرفْ
أنك في حكمهمُ الجائرْ
إرهابيٌّ
أنت أصوليٌّ متطرفْ
* * *
بيقوفيتش..
لا تسأل أمما متحدةْ
أن تتدخلْ
فالبطرسُ ذو الكف الأحمرْ
مشغول جداً في البصرةْ
يقتل أطفالاً ونساءاً
كي يرتاحوا
من بطش البعثِّي " الأصغَرْ "
ولقد نفذ في " كسمايو "
نفسَ الفكرةْ
وقريباً قد يصدر أمرَهْ
بدخول السودان الحُرّة
* * *
بيقوفيتش..
لا تدخل معبد بيزنطهْ
لا تسأل أوثانَ الرومْ
إن تسألهمْ.. سيقولونْ:
لا تطلب دعم الإرهابْ:
لا تطلب نبلاً وحرابْ
نَفِّذْ أمرَ الباب العالي
بطرسْ غالي
خذ مِنّا شجباً
خذ تنديداً
وخطاباً معتدلَ اللهجةْ
.. سيقولونْ:
اطلب مِنّا " ما يطلبهُ المستمعونْ "
* * *
بيقوفيتش..
كيف تسير بلا نعلينْ
تطلب غوثاً في صحراءْ
ليس بها زرع أو ماءْ
سيحدثك الرملُ الأبكمُ فيها
بأحاديث " الَمْبعوثَيْنْ "
كيف قصدتَ النهر الأعظمْ
تحكي للطحلبِ ما يجري
وسواءً يا بيقوفيتشْ
فهم الطحلبُ أمْ لَمْ يفهمْ
فسيرفض رفضَ الصحراءْ
أن تُلْزِمَهُ ما لا يلزمْ
* * *
بيقوفيش..
تعلمُ أن زيوتَ الأرض " بِرِنْتْ "
زيت " برِنتْ "
لن يملأ قنديلك أنتْ
زيت " برنتْ "
يملأ أخدوداً صربياً، يستوعبُ كلَّ البشناقْ
املأْ قنديلكَ يا عِزّتْ
بدموعٍ من عينيْ ثكلى
بدماءٍ من صدر مجاهدْ
وإذا شئتَ بألا يُطْفأْ
املأ قنديلكَ يا عزتْ
بدموعكَ ودمائكَ أنتْ
* * *
بيقوفيتش..
لا تُدخلْ كفكَ في الأرضِ السُّفلى
لا تملأها وحلا
ارفع كفيكَ إلى الأعلى
أعلنها حرباً من أجل الله
صدقني.. لن تخسر شيئاً يُذكرْ
فسياستهمْ لن تتغيرْ
فبنو الأصفرْ
منذ البدءِ تلقوا من " كيسنجرْ "
هو من نَظّرْ
ومن الدينِ قديماً حَذّرْ
بيقوفيتش..
صدقني أنك لن تخسرْ
سوف تُمَكَّنُ مِنْ أنْ تَثأرْ
سوف تُظَفَّرْ
ستعيش إذا عشت حميداً
وإذا مت تكون شهيداً
هذا نصح أخيك المسلمْ
لا يعرف زورا ونفاقاً
لا يؤمن " بالعرف الدولي "
لا يحمل معنى للغشْ
صبراً صبراً بيقوفيتشْ
стр. 1533
البيان الأدبي
الإفك الثقافي والأدبي
إعداد:نورة السعد
لا خير في نشيد شاعر ولا صوت مغن
إذا لم يفيضا على المجتمع الحياة والحماس
(محمد إقبال)
لقد وضعت بين أيدينا آلاف الكتب المترجمة، لنطلع على آداب الغرب
والشرق من الدول الوثنية والأدب الوثني على وجه الخصوص، كل ذلك تحت اسم
عالمية الثقافة، وبهدف تعريفنا بالعطاء الإنساني! ! في ألوانه الجاهلية! ! بل لقد
دعينا من قبل أكثر مثقفينا إلى الانفتاح على الثقافات العالمية، وحضنا بعض
المتحمسين على الالتفات إلى الثقافات الأسيوية الوثنية في الصين والهند واليابان
وكوريا (انظر على وجه التحديد د. عمار الطالبي - بحث بعنوان: التفاعل
والتواصل بين الثقافات الإنسانية - قدم في ندوة الثقافة العربية: الواقع وآفاق
المستقبل من ١٢ - ١٥ إبريل ١٩٩٣ - جامعة قطر)
ولكن ما طبيعة ذلك التواصل والتلاقح الثقافي المقترح بين الإسلام والحضارة
الوثنية؟ ؟
وكيف يمكن أن تتصالح هاتان المنظومتان المتعارضتان؟: (ثقافة تراعي
الشمول الإنساني بين وفاء الإنسان لربه وتزكيته لنفسه ونقاء قلبه وعمله لآخرته
والأخذ بالمقتضيات العصرية.
ثقافة مؤسسة على الوحي وثقافة لم يرد لها أصحابها هذا الأمر، ثقافة ترفض
الغيبيات وتقوم على المادة أساساً وثقافة تتبنى ثوابت إنسانية لا تغير فيها من جانب
العقيدة والعبادة والأخلاق وأصول المعاملات.... ومصطلح التفاعل والتواصل،
هل مفهومهما واحد لدى الثقافات؟
وأين رحابة الصدر الواسعة في الثقافة الإسلامية التي تتسع للمخالفين وكم
بينها وبين الثقافات الأخرى التي تضيق بالمخالفين ولا ترضى بغير التبعية
والإلحاق [ولَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ ولا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ]
[البقرة: ١٢٠] (تعقيب للدكتور محمد رأفت سعيد على بحث الدكتور الطالبي، المشار إليه آنفا - استمع لشريط صوتي بعنوان: ندوة الثقافة العربية بالدوحة - بحث د. عمار الطالبي)
لماذا - يا ترى - حرمنا من العطاء الإنساني في صبغته الإسلامية؟ ؟
ولماذا حجبت عنا آداب الشعوب الإسلامية، وإنتاجها الأصيل، تلك التي
تجمعنا بها العقيدة الواحدة والصلات الناجزة والآلام والآمال المشتركة؟ ؟
ومتى تفتح الصفحات الثقافية والأدبية - كما يسمونها -، كوة صغيرة للأدب
الإسلامي؟ ؟ متى يكتشف القراء المسلمون أن أدب ناظم حكمت ليس هو الممثل
الحقيقي للأدب التركي وأن ناظما ورفاقه الشيوعيين ليسوا سوى الصوت النشاز في
نسق الأصوات الإسلامية المبدعة في تركيا من مثل محمد عاكف، الذي تغنى في
قصائده بالجهاد الإسلامي ضد قوات الحلفاء، وتحدث عن محنة المسلمين في ظل
(العلمانية) التركية، وكذلك نجيب فاضل وابداعاته في الشعر والمسرح، وسيزائي
قره قوج، ومصطفى مياس أوغلو، وعلي نار، وآخرين يمثلون حقاً واقع الشعب
المسلم في تركيا ومعاناته وابائه، ومتى يعلو صوت محمد إقبال عبقري شبه القارة
الهندية على طنطنات القوم حول قصائد طاغور العالمية (! !) وفلسفته الوثنية؟ ؟
متى سيفتح لنا باب صغير لندلف منه إلى عرصات الميدان الواسع للأدب
الإسلامي المغبون، ذلك الميدان الشاسع المتنوع، لدى كافة الشعوب الإسلامية في
مشارق الأرض ومغاربها، قديماً وحديثاً، زاد وفير يزدريه المثقفون ويعمى عنه
الجاهلون، ويتنكب عنه الدارسون والباحثون - تحت تأثير الأهواء والدعايات
والغفلة - إلى سواه من الآداب القميئة التي تعملقت بفعل الأضواء الباهرة. متى
نتوفر على دراسة الأدب الإسلامي؟ لنقع على قواعده الخاصة ومناجمه الغنية
ودروسه العظيمة؟ متى ننظر إلى رسالة الأديب المسلم العقدية وإلى مفاهيم الأدب
الإسلامي وقيمه الأدبية والبلاغية والنفسية والاجتماعية؟
ومن منكم سمع عن الشاعر العربي المسلم كامل أمين، شاعر الملاحم
الإسلامية، الذي يقف اليوم على مشارف العقد الثامن من عمره. لقد أبدع كامل
أمين الملحمة الشعرية بمعناها الفني المتكامل وشهد له شيخ النقاد د. شوقى ضيف،
حين وصف ملحمته (عين جالوت) بأنها الشهنامة المصرية. وقد بلغت هذه الملحمة
عشرين ألف بيت من الشعر وللشاعر ثلاث ملاحم أخرى وخمسة دواوين ومسرحية
شعرية واحدة. فأين هو هذا الإنتاج الغزير؟ ؟ (انظر مجلة المجتمع الكويتية -
٢٨ - شوال - ١٤١٣ - العدد ١٠٤٦ - ص ٥٠ - ٥١)
ولماذا يغيب كل شأن إسلامي عن أهله المسلمين؟ ولم يضرب صفحا عن كل
إنتاج يعبر عن وعي وعاطفة إسلامية؟ ؟ ولماذا يحكم عليه - غيابيا - بالوهن
والافتقار إلى الصنعة الفنية؟
ولماذا يستبعد ويطرد من حياتنا الثقافية والأدبية تماماً؟ ؟ ومن الذي يحكم؟ ؟
وما المعيار المعتبر في هذه القضية؟ ؟
إنك إذا جرؤت اليوم على الحديث عن عقدية الأدب وأخلاقياته، سيصرخون
في وجهك: ما لنا ولهذا الحديث؟ ألا تعلم أيها الجاهل بأن كتابة الأدب الحديث،
يعني أن تتحرر من كل القيود والضوابط؟ لقد روضت الحداثة ما كان صعبا حرونا
ودخلت اليوم البذاءة والفحش والتجديف في الدين إلى ما يسمونه أدبا (والأولى أن
يسمى انحلالا) . فالحداثة تعني التحرر من ورقة التوت ذاتها وصدق العمل وفنيته
مرهون، بمدى خوضه - العميق - في ما يسمونه الحياة التحتانية اللاواعية لفرد.
لكن الأديب المسلم - بالضرورة - أديب داعية مسلم، ينطلق من مشكلات
أمته وتحديات عصره، ويلتمس - بعقيدة المسلم وبصيرته - الحلول والوسائل التي
تتفق مع التصورات الإسلامية والمقاصد الشرعية. إن قضية الأديب المسلم هي
بالذات قضايا الإسلام والمسلمين في العالم. وأنى للأديب المسلم أن يتجاهل كل هذه
المآسي والمحن والنكبات وصنوف الإذلال والتعسف والهوان التي نزلت بساحة أمته
لينصرف تلقاء مشكلات مصطنعة وقضايا باطلة من مثل الاشتراكية والوجودية
والحداثية والشكلية! ! (انظر شريط سمعي - لمحمد قطب - بعنوان: رسالة
الأديب المسلم إلى النظام الجديد) وقد برز إلى الساحة الأدبية الإسلامية المعاصرة
أدباء متميزون كبار، أمسكوا بين أيديهم بخيوط الأدب والفكر والدعوة في آن واحد عرفنا منهم محمد اقبال وسيد قطب وأبا الحسن الندوي.
ولقد نظمت الملاحم الإسلامية القوية في لغة الأوردو، لغة الهند الشعبية وانتشرت هذه الملاحم الشعرية بين مسلمي الهند وكان لها أكبر الأثر في تنشئة الأجيال المسلمة على الخصائص والأخلاق الإسلامية بل إن لها فضل كبير في إثارة النخوة الدينية وتأجيج الجهاد الإسلامي ضد الانجليز المحتلين. وتصدى الأدباء والشعراء المسلمون في شبه القارة الهندية وفي باكستان لقيادة الركب الفكري والثقافي وقاوموا الغزو العقدي والثقافي والأخلاقى. (انظر نظرات في الأدب - أبو الحسن الندوي - رابطة الأدب الإسلامي العالمية - دار القلم دمشق - ١٤٠٨ - ص ٨٤ - ٨٥) هذا بقطع النظر عن الأدباء والمثقفين المتأسلمين (ذوي الأسماء الإسلامية) الذين أنبتتهم المخططات الغربية (الانجليزية على وجه التحديد) وأرضعتهم لبانها فانسلخوا عن الإسلام واتبعوا خطوات الشيطان (من أشهرهم في وقتنا الحاضر سلمان رشدي) .
إن الأدب الإسلامي ليس وعظا ولا ما يشبه الوعظ، وليس بيانات وإرشادات
مباشرة عاطلة من الجمال، مفتقرة إلى الأساليب الفنية، بل إن العقيدة الإسلامية لا
تمثل قالبا جامدا لكنها موقف عام يصدر عنه الأدباء المسلمون بمختلف آرائهم
وإمكناتهم وعواطفهم وصورهم وأخيلتهم وإبداعاتهم الخاصة. إن الأدب الإسلامي
يتفرد بكونه أدب العاطفة الحرة والحماسة المشبوبة للدعوة والجهاد. وهو أدب
مترسل طبيعي، يلجأ إلى الفنية في الأداء والتأنق في التعبير ولكن لا تسيطر عليه
الصناعات اللفظية ولا يتسلط عليه التعقيد الفكري المأزوم ولا تسجنه النخبوية ولا
تخنقه الفردية. إنه أدب معافى من وهن الروح ومرض القلب.
وفي الأدب الإسلامي - وحده - عاطفة إيمانية جياشة، صقلها الاشتغال بالله
والدعوة إليه (بمفهومها العام) ، والعزوف عن الشهوات والأهواء الدنيوية كلها،
بشتى أنواعها.
فأين تلك الأشعار والنصوص؟ ؟ هل سقطت سهوا من المناهج الدراسية
والوسائل الإعلامية والملاحق الأدبية؟ ؟ هل حار فيها الجاحدون أيمسكونها على
هون أم يدسونها في التراب؟ ! لقد استبدلت بها النصوص المبهرجة وأنواع النثر
والخمريات والهجائيات والمجونيات والحداثيات الكفرية التي تطاولت على الثوابت
العقدية وعلى سائر الغيبيات.
ولقد سخروا من المرأة طويلاً، حين استحسنوا أدب التنهدات والأوجاع
النسوية، وحين صفقوا للنماذج النسوية الجريئة (! !) التي اخترقت طوق القيم
وقاومت ما يسمونه التخلف الديني. والاجتماعي! ! وتميزت تجاربها بالصدامية
والاعترافات والممارسات التحررية، منذ صالون مي زيادة، وإلى كتابات غادة
السمان ونوال سعداوي ومن تابعهما. وما زالوا ينعون على العهود الإسلامية،
(التي منعت المرأة العربية من التعبير عن نفسها منذ أن رحلت الخنساء في العصر
الإسلامي الأول فسكتت بعدها النساء حتى العصر الحديث) هكذا! ! (رجاء النقاش
انظر جريدة الشرق القطرية - الصفحة الثقافية - عدد ١٥ ذو الحجة ١٤١٣) كثيرة
هي أحاديث الافك الثقافي والأدبى، لا سيما تلك المتعلقة بالنفخ الشيطاني في صورة
المرأة الأدبية والمرأة الفنانة! ! .
стр. 1534
المسلمون والعالم
القذافي ويهود:
بقي من الوقت ستة أعوام
د: عبد الله عمر سلطان
عنوان هذا المقال يرجع إلى تصريح أدلى به رئيس وزراء ليبيا السابق السيد
مصطفى بن حليم تعقيبا على مذكراته الشخصية التي حملت عنوان: «صفحات
مطوية من تاريخ ليبيا السياسي» والتي نشرت في بداية العام الحالي.. في هذا
التعقيب يذكر السيد (بن حليم) بعد أن صمت لأكثر من ثلاثة عقود أن الرئيس
الأمريكي رتشارد نيكسون قد قال له بعد انقلاب القذافي عام ١٩٦٩م إن وزير
الخارجية الأمريكي وسفير أمريكا لدى ليبيا قد قدما تقريراً هاماً للرئيس الأمريكي
يقولان فيه «ننصح بعدم التخلص من القذافي ... فأمامنا ٣٠ عاماً للتعاون معه! !
إذن فها هي الأعوام تمر بطيئة على شعب ليبيا المحاصر، وها هو القذافي
يمسك بزمام السلطة لربع قرن تقريباً ... وبعملية حسابية بسيطة فإن القذافي على
ضوء الكلام الرسمي الأمريكي لا يزال صالحاً للاستعمال لستة أعوام مقبلة على
الأقل ... تنتهي فيها الفترة الافتراضية التي وصفها السيناتور الأمريكي للإفادة من
الضابط الأكثر سوءاً في تاريخ العرب المعاصر ...
لن تقبل تفسيرات بالغة البساطة أو موغلة في سوء الظن.. وهي منتشرة
وشائعة بين أبناء الشعب الليبي - ترجع تفسير سلوك وتصرفات الرجل إلى أنه قد
ولد لأم يهودية ... وتربي بين اليهود ... ! !
لن نُسطِّح القضية إلى مستوى فرضية العمالة المباشرة لجهاز المخابرات
الأمريكي» CIA «وأن القذافي أتى للسلطة لتنفيذ مخطاطات وسياسات الغرب
وتوجهاته بصورة العميل المباشر الذي يقبض الثمن من خلال حمايته في السلطة أو
دفع مبلغ من المال مقابل القيام بالمهمة! !
وسنحاول ان نبتعد قليلاً في هذا المقال - حينما نتحدث عن القذافي واليهود
عن نظرية» المؤامرة «التي أعدها الصهاينة أو الماسونية العالمية بزرع هذه
النبتة الشيطانية في ليبيا لتهلك الحرث والنسل ...
ومع هذه المحاولات فإن من حقنا أن نسأل من هو المستفيد الأول في بقاء
القذافي في السلطة طوال هذا الوقت - ومن هو الخاسر الأكبر من خطواته السياسية
الأخيرة ...
يقول العقيد إن المستفيد الأول هو الشعب الليبي وإنه لا يريد الحكم ولا
يمارسه حقيقة وواقعا بل هو يحرض الجماهير على أن تحكم نفسها بنفسها كما
صرح للتلفزيون الكندي CBC ...
ونقول ... من فمك ندينك ولا سيما إذا نقلنا آخر تصريحاته النارية لجريدة
العرب القذافية الصادرة في لندن حيث يقول:» إن ليبيا بلد ليس له مستقبل.. لذا
يتوالد الناس ويتكاثرون وتبنى الطرق والمدارس والمباني فيه ... في أقل من
عشرين عاماً سنكون مضطرين أن نخرج من ليبيا ونتركها! «لا علما أن القذافي
قد عرض العام الماضي مبلغ عشرة آلاف دولار لكل ليبي مقابل أن يهاجر إلى
مصر أو السودان أو تشاد، حيث الأنهار والجنان بينما ليبيا صحاري قاحلة لا أمل
في استصلاحها ...
نسمع عن قادة يقتلون معارضيهم ... وقادة يسجنون منتقديهم ... لكننا لم
نسمع حتى الآن عن قادة يهجَّرون شعوبهم بالكامل، وينادون بإزالة بلدانهم عن
الخريطة الدولية وإقفالها وكأنها دكان أو مشروع نفطي فاشل! !
وقد يردد أنصار العقيد إن المستفيد الأول هم العرب والعروبة المستعربون! !
لكننا نقول لهم إن هذا أمر كان يقبل التصديق قبل عقد من الزمن مثلاً حينما كانت
إذاعة» صوت مصر العروبة «تنادي بالحل القومي طريقاً للخلاص وتسمى
(اتفاقيات كامب دافيد) خيانات معسكر داود ونشير إلى مقررات قمة فاس وتسميها مقررات» مربض فاس «!
أما الآن فالقذافي أول المطالبين بالانضمام إلى الإسطبل وبقبوله عضوا في
المربض الإسرائيلي.. دع عنك» مربض فاس «! لقد ثبت أن القذافي قد أضر
بقضية العرب بصورة كارثيه لا تقل شؤما عن دور إخوانه من قادة الحل القومي
العلماني: جمال عبد الناصر وصدام.
قد يقول قائل» إن القذافي في الحقيقة «رجل ثوري» وجد أن حلمه القومي
قد انتكس بعد عدة محاولات للوحدة مع الجيران العرب والأخوة الأفارقة، ولذا فقد
توجه إلى الحركات التحررية في العالم يدعمها ويقدم لها السند اللازم لخوض
معركتها الثورية العادلة «! !
والرد على هذا ندعه للناطق باسم الجيش الجمهوري الأيرلندي الذي أنفق
القذافي عليه مئات الملايين من الدولارات، واطلع في المقابل على أدق أسراره
وتركيبته التنظيميه ... ، هذا الناطق يقول لم نكن نتصور أن القذافي قذر إلى هذه
الدرجة حيث عمل كمخبر دولي تجسس على منظمتنا والمنظمات الثورية
الأخرى! !
وإن شئتم اسألوا الأشقاء الثورين في نيكراجوا والسلفادور وتشيلى وفيتنام
والصحراء الغربية وليبريا حيث بُدد مال الشعب الليبى في مشاريع العقيد التحررية
والتى كف عن ممارستها بعد أن طلب منه ذلك فسارع إليه وقدم أكبر حجم من
المعلومات السرية لأعداء المشروع الثوري الذي كان زعيمه في فترة جمع
المعلومات المطلوبة ...
وهنا قد نسأل قائل ربما كان هناك جهة أخرى مستفيدة من بقاء القذافي
ونظامه لمدة ربع قرن ...
والحقيقة أن المراقب المنصف يعجز عن أن يجد جهة واحدة تستفيد من وجود
هذا المعتوه سوى جهة واحدة هي جهة يهود.
يهود سواء أكانت متمثلة بقبائلها الإسرائيلية أو الأمريكية أو الاقتصادية
وسجل القذافي خير دليل.
القذافي خنق شعبه وأذله وحارب» الأصولية «التي تشكل التهديد الأول
لليهود والغرب بأسلوب فائق الكفاءة ...
والقذافي جعل ليبيا من أتعس دول العالم العربي ودمر قوتها الاقتصادية
بطريقة لا يمكن إلا للقذافي أن يكررها بهذه الصورة المفزعة.
القذافي شق صف العرب بحجة الرهبنة الثورية بينما كان في الحقيقة يمهد
للمشروع الصهيوني أن يأخذ مداه.
والقذافي هو الأبرز حالياً من بين الحكام العرب ممن تلاعب بالدين بصفاقة
وألغى السنة وحارب الشريعة.
والقذافي هو أكثر من شوه صورة العرب والمسلمين في أوربا خلال التاريخ
المعاصر ...
بعد هذا هل يمكن أن تكون الإجابة على السؤال الذي طرحناه آنفا عن
المستفيد من حكم القذافي غير جواب واحد من أربعة حروف: يهود!
المرحلة المكشوفة: التطبيع القائم
اختار القذافي أسلوب التناقض الشيزوفريني الذي يجعله ينتقل من النقيض إلى
النقيض دون شعور بأعراض الانفصام السلوكي ... ولذا فقد كان انتقاله من جهة
الرفض والصمود والتصدى للصهاينة إلى جبهة الانهيار الكامل أمام مشروعهم
انهياراً سريعا.. مثيراً ... مدهشاً.
القذافي الذي يعرض على كل يهودي خرج من ليبيا مليون دولار تعويضا هو
نفسه الذي لبس القفاز الأبيض حتى لا تلمس يداه يد الذين صافحوا اليهود من القادة
العرب..»
أما الآن فقد اتضح السبب ... القذافي لا يؤمن بالوسطاء ... كان يريد التحدث
مع اليهود مباشرة ومصافحتهم يدا بيد ... ! !
اتضح ذلك بعد سلسلة من الأحداث المتسارعة خلال الأشهر القليلة الماضية
في أسرع عملية تطبيع قائم بين اليهود والحكومات العربية ...
ودعا الصحفية الصهيونية جودت ميلر المشهورة بتعصبها الصهيونى لإجراء
مقابلة صحفية لجريدة الهارلد تربيون أبدى استعداده فيها لتطبيع العلاقات مع اليهود
والدخول معهم في مشاريع مشتركة واستعداده لتعويض اليهود الليبين بمبالغ مالية
مجزية.
استقبال القذافي لروميو فلاح اليهودي من أصل ليبي والاتفاق معه على صفقة
تتدخل إسرائيل بموجبها طرفا لفك الحصار عن نظام القذافي مقابل زيارة الليبيين
لدولة الكيان الصهيوني في صورة حجاج وهذا ما تم مع احتمال زيارة القذافي نفسه
للصهاينة..
الدعوة لمؤتمر للأديان السماوية على غرار مؤتمرات السادات التي رافقت
الصلح مع اليهود ويدعى خلال هذه المؤتمرات اسرائيليون بارزون منهم عمدة القدم
الصهيوني وضباط بارزون في المؤسسة العسكرية الصهيونية.
فضيحة ابراهام صوفير اليهودي من أصل عراقي وقد اتصل به رئيس الجهاز
الإستخباراتى الليبي لمواجهة المشاكل القانونية التي تواجه نظام القذافي لا سيما في
الأوساط الشعبية في الغرب ... وصوفير كان يعمل مستشاراً قانونياً لوزارة
الخارجية الأمريكية بين عامي ١٩٨٥ - ١٩٩٠ وهو الذي صاغ المذكرة الأمريكية
التي حددت التهم الموجهة للعقيد القذافي.
لقد أثار القذافي مشاعر السخط لا سيما خلال زيارة مجموعة المخابرات الليبية
للقدس في الوقت الذي كان المسلمون يحجون لبيت الله الحرام ...
فقد وصلت الخيبة ببعض القوميين لأن يكتب مخاطباً القذافي أمين عام القومية
العربية! قائلا «إن زيارة الحجاج الليبيين للقدس هي فضيحة تعادل زيارة السادات
للقدس. تلك القدس (١) وهذه القدس (٢) ...
ويحز في النفس أن الذي قام بهذه الخيانة هو الذي كان يقول:» كيف تستمر
السفارة الإسرائيلية يوماً واحداً في القاهرة، ليس في المعقول أن يسير إسرائيلي في
شوارع القاهرة مطمئناً مستهتراً ... مش قادرين تذبحوهم.. الأمريكان يذبحون
إخوانكم في ليبيا «.
هذا كان زمن الاستنكار ... واليوم يوم الانكسار.... .
لقد اتصل مواطن أمريكي بالكاتب الأمريكي الشهير جيم هو غلاند معلقا على
المحاولات القذافية للتطبيع مع اليهود قائلاً له: إن فضيحة ابراهام صوفير هي
الجزء الصغير الظاهر من جبل الجليد ... وكلما تمعنت في المحاولات الليبية على
الساحة ستجد العامل الإسرائيلي» ويعلق الكاتب الشهير، إن المواطن مصيب تماما
حيث إن واشنطن تراقب بحذر التحالف الليبي - الإسرائيلي الصاعد «واشنطن
بوست ٢٢ / ٧ / ٩٣.
.. نعم تحالف بين اليهود ... والقذافي الذي يريد إبادة شعبه مرة بالقتل
والتصفية الجسدية ومرة بالحصار الاقتصادي ومرة بمصادرة كرامته وحريته ومرة
بدعوته للهجرة من بلده علنا ودون حياء....
إن لحظة تأمل لهذه المرحلة المقبلة من التحالف الإسرائيلى/ القذافي تجعلنا
نقلب صفحات هذا المشؤوم لنفهم طبيعة الرجل فلا نجد أبلغ من خطابه الذي ألقاه
في سبتمبر عام ١٩٨٤ بعد أن أعدم مجموعة من الشباب الليبي في شهر رمضان
كما يقول محمد مخلوف» كان حادث شنق المهندس الصادق الشويهدي في ٥
حزيران قد هز الشعب الليبي حيث شاهدها الناس قبل إفطار رمضان وبعده ...
وبعد أن تم اقتياد المتهم إلى حبل المشنقة وسط هتافات اللجان الثورية وفي مجمع
المدينة الرياضية في بنغازي ... أما خصوصية حادث المهندس الشويهدي فهو أنه
بعد إنزاله من حبل المشنقة ونقله إلى المستشفى وجد حياً وأجرى له الأطباء تنفساً
صناعياً، وتم الاتصال بالقذافي لإبلاغه الأمر، فأصدر أمراً فوريا بالإجهاز عليه
وحينما رفض الأطباء القيام بذلك قامت إحدى الثوريات المقربات من القذافي
المدعوة (هدى بن عامر) بتنفيذ الأمر بقتله وبرر القذافي عمليات الإعدام العنيفة هذه
في خطابه في أيلول (سبتمبر) من العام نفسه قائلا «شفتوا الإعدامات زي السلام
عليكم في شهر رمضان (! !) ولا يهمني في رمضان لا حرام ولا شيء ... ما فيه
شىء حرام ما قمنا به عبادة! !
نعم إنها قرابين قدمها القذافي لآلهته..
فهل نبذل العناء لكي نسأل السؤال الممجوج..؟
» من المستفيد من بقاء القذافي «؟ خصوصاً إذا عرفنا أن التطبيع المتسارع في الأعوام القليلة القادمة يقتضي وجود أمثال هذه الزعامات، التي أشار نيكسون إلى أن لها أعواماً قليلة أبرز عناوينها وخططها التمكين للمشروع الصهيوني في وسط غابة الدُمى.
стр. 1535
المسلمون والعالم
أوضاع المهاجرين الطاجيك
بقلم: نظر الفريابي
توطئة:
بعد حملات الإبادة الشاملة التي قامت بها الحكومة الشيوعية الطاجيكية، فإنها
لم تستطع السيطرة التامة على الأوضاع، وتثبيت دعائم الاستقرار في البلاد،
ولأجل ذلك قامت بتوزيع الأسلحة على الموالين لها في المناطق الجبلية للحيلولة
دون سيطرة المقاومة الإسلامية عليها، ودعمها بالقوات الروسية، والأوزبكية، مما
أدى إلى قصف المدن والقرى، والمواقع التي يسيطر عليها الإسلاميون، وتقوم
بذلك القصف الطائرات الروسية، والأوزبكية، مما دفع بالمواطنين العزل إلى
الهجرة إلى جهة أكثر أمناً، فكانت هجرتهم إما إلى الدول المجاورة لطاجيكستان،
أو إلى الجبال والغابات، فتفرق أكثر من مليون نسمة، منهم من دخل إلى آسيا
الوسطى المتآخمة لطاجيكستان، ومنهم من لاذ بالفرار إلى أفغانستان، والذين
تمكنوا وعبروا الحدود يزيد عددهم عن مائة ألف نسمة، وأكثر هؤلاء هاجروا من
الولايات المتآخمة لأفغانستان، كولايات «قم سنكي» و «توس» و «بنج»
و «قورغان تبه» وبقية هؤلاء المهاجرين منتشرون وسط الجبال في طاجيكستان،
أو في القرى الأكثر أمناً.
وقد قام الشيوعيون بالهجوم الشرس على هؤلاء فاضطروا لاختراق الأسلاك
الشائكة، وعبور نهر «جيحون» والدخول إلى شمال أفغانستان، وذلك بمجازر
وحشية مما جعل بعض المهاجرين يرمون بأنفسهم في النهر، وحسب الإحصائيات
يبلغ عدد الذين قتلوا عند العبور، أو ماتوا غرقاً في النهر ما يقارب عشرين ألف
مسلم، أما عن انتهاك الحرمات، واغتصاب الفتيات اللاتي أخذن بالقوة،
وإرجاعهن إلى داخل طاجيكستان، بعد أن قاموا باغتصابهن، وغير ذلك من
الأفعال المشينة التي يعجز القلم عن تصويرها في هذا الموجز، فحدث ولا حرج.
وضع المهاجرين في أفغانستان:
تربط الشعب الأفغاني بالشعب الطاجيكي بالإضافة إلى الروابط العقدية، وحدة
اللغة، والعادات، مما جعل الأفغان بحكم ما عانوه خلال الغزو السوفيتي الشيوعي
الغاشم من تهجير ولجوء، يسارعون وعلى جميع المستويات بإيواء هؤلاء
المهاجرين خلال الفترة التي سبقت وصول المساعدات الإغاثية، وامتدت هذه الفترة
حوالي أكثر من شهرين:
بعد ذلك تم نقل هؤلاء المهاجرين من مناطق لجوئهم خاصة عند نهر
«جيحون» إلى معسكرات أعدت لهم، وقد تضافرت في ذلك العمل جهود الحكومة
الأفغانية، والشعب الأفغاني، وقد كان لهذا العمل الأثر الكبير في نفوس هؤلاء
المهاجرين، والتخفيف عن آلامهم؛ حتى وصول المساعدات الإغاثية الخارجية.
ويتوزع المهاجرون في عدة مناطق، وهي كالآتي:
١ - ولاية «قندوز» :
يوجد في ولاية «قندوز» ما يقارب أربعين ألف مهاجر، توزعوا في:
أ- المدارس، والمرافق الحكومية.
ب- مطار قندوز حيث كانت ثكنات الجيش الروسي في عهد الاحتلال
الروسي لأفغانستان ويبعد عن مركز «قندوز» عشرة كيلو مترات.
ج - مخيم الإمام البخاري، وأقيم هذا المخيم بجهود من مجلس التنسيق
الإسلامي، ويقع على مسافة قريبة من مطار «قندوز» .
٢ - ولاية تخار:
ويوجد في مركز «طالقان» ما يقارب ثلاثة آلاف وخمسمائة عائلة توزعوا
في بيوت المواطنين في «طالقان» حيث لم تتوفر لهم إقامة المخيمات.
٣ - ولاية «بدخشان» :
لا يتجاوز عدد المهاجرين في هذه الولاية ألفي شخص، وسبب ذلك عدم توفر
المواد الغذائية في المناطق التاخمة للحدود الطاجيكية لولاية «بدخشان» ونأمل أن
يتم نقل هؤلاء إلى مناطق أخرى يتوفر فيها إمكانيات إيوائهم، وإعاشتهم، لأنهم
يعيشون في حالة مأساوية شديدة.
٤ - ولاية «مزار شريف» :
تم نقل عدد كثير من المهاجرين بواسطة طائرات مروحية إلى «مزار شريف» لأن المسافة من الحدود الطاجيكية إلى «مزار شريف» تبعد حوالي ثلاثمائة
كيلو متر، وقد أقيم لهم مخيم على بعد عشرة كيلو مترات من مركز «مزار شريف» وقد ساعدت في ذلك المنظمات الإغاثية الدولية، وذلك بحفر الآبار، وإيوائهم في
المخيمات، وتقديم المساعدات الغذائية لهم، علما بأن عدد هؤلاء المهاجرين يتجاوز
خمسة وعشرين ألف مهاجر.
وأريد أن أشير هنا إلى أن إدارة مزار شريف مشتركة بين المجاهدين،
وقوات دوستم، ووالي «مزار شريف» مولوي محمد علم من المجاهدين الأوائل،
أبدى استعداده الكامل لتقديم كل التسهيلات للمشاريع التي يتم تنفيذها بين المجاهدين
الطاجيك في مزار شريف «.
٥ - مديرية» طاشقرغان «:
هذه المديرية تابعة لولاية» سمنجان «لكنها لا تبعد عن» مزار شريف «
أكثر من ثلاثين كيلو متراً تقريباً، وقد أقيم فيها مخيم على مقربة من مديرية
» طاشقرغان «من قبل المنظمات الإغاثية، وهذا المخيم تشرف عليه منظمة الأمم ...
المتحدة كما تشرف على مخيمات المهاجرين في ولاية» مزار شريف «وعدد ...
هؤلاء لا يتجاوز خمسة آلاف مهاجر.
المنظمات الإغاثية:
لا يوجد في الساحة سوي منظمتين للإغاثة، وهما:
(١) مجلس التنسيق الإسلامي:
وهو يتكون من عدة منظمات إغاثية إسلامية كان يقوم بين المهاجرين الأفغان ...
في بيشاور بعمل الإغاثة، ثم انتقل فرع منه إلى ولاية» قندز «ليقوم بعمل
الإغاثة وسط المهاجرين الطاجيك، وهي الجهة الوحيدة التي تقوم بهذا العمل في
ولاية» قندز «حيث لم تقدم منظمة الإغاثة الدولية التابعة للأم المتحدة أي مساعدة، وتعلل ذلك بأسباب واهية بعيدة عن الحقائق، ويكمن ذلك في عدم إمكانية
استقلالية عملها في هذه الولاية، وقد قام والي» قندز «قاري -رحمة الله- مع
بعض المسؤولين بمقابلة مندوبي الإغاثة الدولية لإقناعهم بتقديم المساعدات لهؤلاء
المهاجرين، وبعد محادثات طويلة اعتذروا عن تقديم أي مساعدة في ولاية» قندز «إلا إذا تم نقل هؤلاء المهاجرين إلى ولاية» مزار شريف «حيث توجد
محاولات بين الأمم المتحدة، والحكومة الطاجيكية الشيوعية لإرجاع هؤلاء
المهاجرين إلى طاجيكستان، لا يتحقق لهم هذا الحلم في ولاية» قندز «مع أن
دوستم في زياراته لهؤلاء المهاجرين في مخيم» مزار شريف «يتظاهر لهم أنه لن
يسمح لأي جهة بإرجاعهم إلى طاجيكستان إلى أن يستقر الوضع هناك.
نظرا لقلة إمكانيات مجلس التنسيق الإسلامي، فإنه لا يستطيع أن يوفر جميع
احتياجات المهاجرين في ولاية» قندز «لذلك ينحصر نشاطه في توزيع الخبز،
والأرز، والدقيق، وتوزيع الخيام، ويقوم يومياً بتوزيع أربعين ألف قطعة خبز
على المهاجرين الذين يسكنون في المدارس، والمرافق الحكومية، وكذلك مخيم
الإمام البخاري.
وقد كون والى» قندز «قاري -رحمة الله- لجنة من أئمة المساجد، وبعض
القيادات من المجاهدين، لتقوم بجانب مجلس التنسيق الإسلامي في تحمل أعبائها،
وهم الذين يقومون بتوزيع المواد الغذائية بين المهاجرين.
(٢) منظمة الإغاثة الدولية:
وهى إحدى المنظمات التابعة لمنظمة الأمم المتحدة، وتنحصر مجالات عملها
في ولاية» مزار شريف «ومديرية» طاشقرغان «وذلك بإيواء المهاجرين في
المخيمات، وتوزيع المواد الغذائية عليهم، وقد قاموا بحفر عدة آبار في هذا المخيم، ويعتبر هذا المخيم أفضل حالاً من المخيمات الأخرى. حيث تشرف عليه هذه
المنظمة المدعومة دولياً، ولا يخفى على ذي بصيرة مآرب هذه المنظمة في تقديمها
هذه الخدمات.
وضع المهاجرين في ولاية» قندز «:
كما أشرنا فيما سبق أن مجلس التنسيق الإسلامي رغم جهوده المشكورة
والمقدرة في إغاثة هؤلاء المهاجرين، إلا أن حالتهم سيئة للغاية، حيث لا يتوفر
لديهم ما يفترشونه، وما يتقون به شدة البرد، كما أن الماء لا يتوفر خاصة في
ثكنات مطار» قندز «ومخيم الإمام البخاري، حيث يواجهون صعوبات في جلب
الماء، فيضطر أحدهم أن يقطع مسافة ساعة ونصف مشياً على الأقدام، لجلب
الماء لشربه، وبسبب هذه الصعوبات فإنهم يؤدون صلواتهم الخمس بالتيمم، حيث
الماء فقط للشرب وصنع الطعام، والناظر لأحوال هؤلاء المهاجرين يلحظ أن كثيراً
منهم لا يملكون سوي ثوب واحد، وهو الذي فروا به من بلادهم، كما أنك تجد
معظمهم حفاة لا يملكون نعالاً، وأما الناحية الطبية، والرعاية الصحية بين هؤلاء
المهاجرين، فإنها تكاد أن تكون معدومة، حيث يعاني بعضهم الأمراض الناتجة من
سوء التغذية، والأمراض متفشية بينهم لقلة الرعاية الصحية، وبسبب ما عانوه
خلال عبورهم النهر في فصل الشتاء القارص.
الكفاءات الموجودة لدى المهاجرين:
نجد غالب المهاجرين متعلمين، بل كثير منهم أكمل تعليمه الجامعي، فيوجد
بينهم المهندسون، والأطباء بمختلف تخصصاتهم، والمعلمون، والكفاءات العلمية
الأخرى من الرجال والنساء، كما أنهم مستعدون للعمل إن تيسرت الظروف.
احتياجات المهاجرين:
القارئ لما ورد في هذا التقرير يدرك أن الحاجة قائمة في كل جانب من
جوانب الحياة، ويتمثل ذلك فيما يلى:
١ - تأمين الطعام، والملابس، والمحروقات.
٢ - تأمين حليب الأطفال المجفف.
٣ - تأمين الخيام، والأغطية كالبطاطين، وفراش النوم.
٤ - حفر الآبار بواسطة الحفارات.
٥ - بناء المساجد في المخيمات، وتعيين الأئمة والدعاة بين المهاجرين، مع
فتح الخلوات، والكتاتيب البسيطة لتعليمهم القرآن، وأمور دينهم.
٦ - طباعة الكتب، والنشرات الإسلامية التي تبصرهم بأمور دينهم.
٧ - الرعاية الصحية، وذلك بتقديم الأدوية والأجهزة الطبية، والوحدات
الصحية المتكاملة فقط، حيث يوجد بينهم الأطباء والممرضون والفنيون القادرون
على القيام بالأعمال المهنية.
٨ - القيام بالعمل التعليمي والتربوي خاصة وأنهم تنسموا عبير الحرية من
برِاثن الشيوعية، فهم بحاجة ماسة إلى التعليم، وذلك ببناء دور الأيتام للرعاية
وكفالة الأيتام، وتقديم المواد التعليمية والتربوية، علماً بأنه توجد في ولاية» قندز «مدارس عديدة لم تتمكن الحكومة الأفغانية من الاستفادة منها، وتشغيلها لقلة ...
إمكانياتها، ويمكن الاستفادة منها لأبناء مهاجري طاجيكستان.
واقتراح مهم، آمل أن يؤخذ بعين الاعتبار، وهو:
اتخاذ كل الإجراءات الممكنة لنقل هؤلاء المهاجرين إلى منطقة أبعد من مركز
» قندز «بسبعة كيلو مترات وهو واد يسمى ب» ميدان مير علم «يتسع لكل
المهاجرين الموجودين في» قندز «و» طالقان «و» بدخشان «على أن يتخذ
تدابير مهمة لحفر الآبار، ونقل الأجهزة التي تقوم بذلك، ولاتساع الوادي بإمكان
المهاجرين أن يقوموا بزرع هذا الوادي ليخفف عنهم بعض المعاناة، وبالتالي نوجد
حلاً للفراغ الهائل الموجود لديهم، ونشغل القدرات الفنية، والمهنية لدى
المهاجرين.
стр. 1536
المسلمون والعالم
ألبانيا
أدركوها قبل أن تفقدوها
عبد الرحمن العقيل
تقع ألبانيا في شبه جزيرة البلقان ويحدها من الشمال والشمال الشرقي
جمهورية يوغسلافيا الجديدة (صربيا - كوسفو - الجبل الأسود) ويحدها من الشرق
ماقدونيا ومن الجنوب الشرقي اليونان ومن الغرب البحر الأدرياتيكي وجزء من
البحر الأبيض المتوسط وتقدر مساحتها بـ ٧٤٨ر٢٨ كيلو متر مربع تقريباً
وعاصمتها تيرانا ويبلغ التعداد السكاني فيها ٥ر٣ مليون نسمة نسبة المسلمين
٨٥% تقريباً و١٥% نصارى.
ويُعدُ الألبانيون من أقدم الشعوب الأوربية ويتميزون بلغة خاصة بهم لا يتكلم
بها أحد غيرهم.
وفي أواخر القرن الرابع عشر الميلادي دخل الإسلام إلى ألبانيا حيث جاء
العثمانيون وفتحوها ونشروا الإسلام في ربوعها وكان ذلك في عام ١٣٨٥ م. وقد
نالت ألبانيا استقلالها في عام ١٣٣٠هـ وبعد نيلها الاستقلال بدأت محنتها الجديدة
حين تسلم أنور خوجه زمام الأمور في البلاد لمدة ٤٥ سنة هي عمر الحقبة
الشيوعية من الفترة ١٤/١٢/١٣٣٦هـ وحتى ١٨/٩/ ١٤١٢ هـ إذ بقيت ألبانيا
في عزلة عن العالم الخارجي خلال تلك الفترة وأعلن الإلحاد رسمياً وحورب الدين
فهدمت المساجد حيث لم يبق من مجموع ١٧٠٠ مسجد كانت موجودة في ألبانيا
سوى ٥٠ مسجداً حولت إلى متاحف وورش للنجارة والحدادة، وسُجن العلماء وقُتل
بعضهم ومُنع إظهار أي شعيرة من شعائر هذا الدين.
وقام أنور خوجه بربط ألبانيا بالنظام الشيوعي تحت ظل الاتحاد السوفيتي
ولكن في سنة ١٣٨٠ هـ وقع خلاف عقدي بينه وبين خروشوف مما أدى إلى قطع
العلاقات الدبلوماسية بين البلدين وكل الدول السائرة في فلك الروس وهكذا بقيت
ألبانيا معزولة عن العالم الخارجي، وتميز النظام الشيوعي في ألبانيا بتطرف عقدي
منع بموجبه ممارسة أي لون من ألوان الشعائر الدينية.
وابتداء من سنة ١٤٠٥ هـ بدأ الغضب الشعبي يتزايد إلى أن تم إسقاط
النظام سنة ١٤١٢هـ عن طريق الانتخابات الأولى من نوعها في البلاد.
وبذلك انتقلت البلاد من الانغلاق الكامل إلى الانفتاح الكامل الأمر الذي أدى
إلى التسيب الكامل حيث تسبب في تدمير المصانع والمرافق المحدودة التي كانت
قائمة.
ونتيجة لذلك فإن ألبانيا تعيش الآن أزمة اقتصادية تحاول الحكومة الخروج
منها بأي طريقة حتى أنهم أقاموا علاقات مع إسرائيل وتبادلوا الزيارات من أجل
الحصول على بعض المعونات.
ويجرى هناك صراع سياسي عنيف بين الأحزاب يقابله استياء شعبي من كل
الساسة الذين كثرت وعودهم ولم يفوا بشيء من هذه الوعود مما جعلهم يعلقون أمالاً
كبيرة على الغرب وما يجود به من معدات قديمة وأدوية انتهت صلاحيتها للخروج
من الأزمة.
الوضع الاقتصادي لألبانيا:
إن الزائر لألبانيا لا يصدق أنه في بلد أوروبي نظرا للحالة الاقتصادية الرديئة
التي يعيشها البلد والشعب فالمواصلات غير كافية، والطرق رديئة ومتطلبات الحياة
الضرورية غير متوفرة، ولذلك تجد أن المصانع متعطلة والبطالة مرتفعة حتى أن
الماء والكهرباء في انقطاع مستمر ليلاً ونهاراً والشعب الألباني أغلبه من الطبقة
الكادحة.
ولذلك فإنهم اعتمدوا على ما يقدمه الغرب لهم وبخاصة إيطاليا فهي تمولهم
بكثير من المواد التموينية الضرورية. وبدأت تستغل مدخرات البلد الذي يُعدُ غنياً
بالمعادن التي تقع عليها أطماع الغرب.
والوضع الاقتصادي الرديء في البلد له دور سلبي نتيجة للضغوط التي
يمارسها الغرب على الحكومة من خلال المساعدات المشروطة. والحكومة تحاول
الخروج من هذه الأزمة بأية طريقة والدول الغربية حريصة على تقديم الدعم
للحكومة من أجل تسييرها في فلكها مما يشكل خطراً كبيراً على عقيدة هذا الشعب
واستقلاله وهويته وإليك مثالاً واحداً على ذلك:
لقد زار وفد من السوق الأوروبية المشتركة ألبانيا وتم الاتفاق مع وزير التعليم
على أساس توأمة كل مدارس ألبانيا مع نظيراتها في أي قطر من الأقطار الأوروبية
وتبني الصلة بين تلاميذ كل مدرسة مع نظرائهم في المدرسة الأخرى على أساس
التوأمة الفعلية.
ويلاحظ من هذا شدة رياح التنصير التدريجي للشعب الألباني من خلال التعليم
في مراحله المختلفة. فهم لم يستطيعوا اكتساح المسلمين عن طريق الكنيسة ففضلوا
الانسياب البارد بهذا الأسلوب. ولقد لاقى هذا الخبر القبول عند عدد من مديري
المدارس تحت وطأة الظروف الاقتصادية الملحة لتحسين حال المعلم والطالب.
وهذا بند من بنود الاتفاقية مع دول السوق الأوروبية المشتركة والتي لا يُعلم كثير
من تفاصيلها وخفاياها وهذا حدث في ظل غيبة الحكومات الإسلامية عن تقديم الدعم
لهذا البلد المحتاج والذي يعد كالسلعة فمن يقدم أكثر فهو الكاسب في هذا الميدان
فالبدار ... البدار.
وجمعية اتحاد المعلمين المسلمين في ألبانيا يرون ضرورة قيام عمل مسبق قبل
تنفيذ هذا القرار الذي سيبدأ في شهر صفر القادم ولا بد من الترتيب قبل بدء العام
الدراسي الجديد.
ولابد أيضاً من استغلال موافقة وزير التعليم الألباني المبدئية على إمكانية
تدريس اللغة العربية والعلوم الإسلامية في جميع المدارس إذا تم تمويل الكتاب
والمعلم من قبل من يتولى هذا الأمر فلابد من التحرك الفوري السريع الذي يجعلنا
نقف سداً منيعاً أمام هذا التيار الأوروبي النصراني.
المنظمات التنصيرية:
تعيش ألبانيا هذه الأيام حملة تنصيرية شرسة تحتاج إلى من يقف في وجهها
ويصدها حيث توجد قرابة ٨٣ منظمة تنصيرية تمارس أعمالها بحرية تامة فلقد
وجدوا الساحة خالية أمامهم تماماً وفي ظل الفراغ الروحي والفقر المدقع والبطالة
الكبيرة دخلت الأموال الغربية والمنظمات التنصيرية التي تسترت بدعوى الإغاثة
الإنسانية ومساعدة الشعب الألباني فتدفقت هذه الجمعيات لتلقي بكل قواها محاولة
كسب أكبر عدد ممكن من الشباب المسلم فقدمت تسهيلات للعمل في كثير من الدول
الغربية وقامت بطباعة الكثير من الكتب والنشرات التنصيرية ووزعت الصلبان
وعُلقت على صدور الأطفال والنساء، لذلك فهم لا يركزون على بناء الكنائس
وتشيدها بقدر حرصهم على من يدخل الكنيسة قبل بنائها، كل هذا حدث في ظل
غيبة المسلمين عن هذا البلد المسلم الذي ينتظر منا جهوداً مخلصة وجادة لإعادته
إلى الإسلام ولقد سيطروا على وسائل الإعلام سيطرة تامة وخاصة التلفاز وبدأوا
ببث البرامج التنصيرية التي تتحدث عن ما يسمونه المسيح المخلص وأيضاً قدموا
البرامج التي تضخم حجم المساعدات التي قدمتها المنظمات والدول النصرانية
وشوهوا صورة المسلمين حيث صوروهم بأنهم هم الذين استعبدوا المرأة وقيدوا
حريتها ووصفوهم بأنهم شهوانيون لا هم لهم إلا الزواج وتعدد الزوجات. وترزح
ألبانيا الآن تحت ضغط إعلامي غربي موجه حيث من السهولة التقاط القنوات
الأوربية الإباحية والتنصيرية.
ولقد تم توزيع الكثير من المنشورات التنصيرية على كل منزل بل على كل
طالب حيث قام النصارى بإهداء طلاب المدارس حقائب تحتوي على بعض
الأدوات المدرسية والنشرات التي تدعو إلى النصرانية ونسخة من الإنجيل وقدموا
الصليب لكل طالب لتغريب أبناء المسلمين.
ومن وسائلهم الماكرة التي يسممون بها أفكار الشباب إقامة الدورات لدراسة
اللغات والتي يهدفون من خلالها إلى دس السم في العسل.
ولقد قامت إحدى المنظمات التنصيرية الأمريكية بكفالة دار للأيتام في
العاصمة تيرانا فأيتام المسلمين بأيدي المنصرين ولا حول ولا قوة إلا بالله! !
وتنتظر ألبانيا هذه الأيام زيارة من بابا الفاتيكان وقد أعدت العدة لهذه الزيارة فعلقت
اللافتات والشعارات الترحيبية ووزعت النشرات بأعداد كبيرة في مختلف أنحاء
ألبانيا، والمنظمات التنصيرية تعمل ليل نهار للتمهيد والاستعداد لهذه الزيارة لأنهم
يعلمون الأثر الذي ستتركه، وسيقوم البابا بجولة في ألبانيا وزيارة المدن والقرى
وتقديم بعض المساعدات للأسر الفقيرة ناهيك عما سيقدمه للحكومة من أجل أن
تكون له يد عليها وسوف تستغل هذه الزيارة من قبل البابا والمنظمات التنصيرية
لصرف الناس عن الإسلام والإيحاء لهم بأنهم مهتمون بهم. وأعتقد أن هذه الزيارة
سيكون لها أثر سلبي على المسلمين في ألبانيا وستعزز ولاء الشعب الألباني للغرب
لأنهم خذلوا من كثير من الدول الإسلامية التي وعدت بالكثير ولكنها لم تفِ بشيء
من تلك الوعود. ولذلك لابد من تكثيف الجهود والقيام بحملة دعوية مخطط لها عبر
الجمعيات الإسلامية القائمة هناك لمواجهة هذا المد الصليبي الحاقد، ويقع على
عاتق الدعاة المخلصين جزء من المسئولية للوقوف أمام هذه التيارات التي تهدف
إلى مسخ هوية هذا الشعب.
المذاهب والتيارات الهدامة:
وبما أن الغرب الصليبي يسعى إلى انتزاع الإسلام من نفوس المسلمين فقد
عَمِدَ إلى محاولة ضرب الإسلام من الداخل فصور الإسلام على أنه دروشة وجنون
وأنه دين لا يصلح للحياة وذلك عن طريق دعم الطرق الصوفية المنتشرة هناك
والتي لديها الكثير من البدع والضلالات وقد بدأت هذه الجماعات الصوفية تغزو
فكر الناس وتصور الإسلام على أنه عبادة للأحجار وتوسل بالموتى فبنيت التكايا
والمقامات وانتشرت الزوايا في أنحاء ألبانيا المختلفة وتنتشر هناك فرقة البكداشية
ورأينا بعضاً من مواقعهم التي يتوسلون بها ولمسنا الأثر الذي تركته هذه الفرقة على
الناس حيث عادت بهم إلى الجاهلية الأولى فتوسلوا بالأموات واعتقدوا فيهم معتقدات
باطلة.
وهناك فرق منحرفة أخرى متفرقة في أنحاء ألبانيا لها مريدوها وأتباعها فتجد
التكايا والأضرحة في كل يوم تزداد رغم الفقر الذي يعيشه الشعب وهذا ناتج عن
جهلهم بدينهم فهم يصدقون مثل هذه الخزعبلات.
دور العالم الإسلامي والمسلمين:
إن العالم الإسلامي ممثلاً في حكوماته وشعوبه وهيئاته الخيرية مطالب
بالوقوف في مواجهة المد الصليبي الحاقد الذي اجتاح ألبانيا. ومطالب أيضاً بتقديم
كافة أنواع المساعدات العينية والمادية لهذا الشعب الذي تجرع مرارة الفقر
والحرمان لفترة طويلة من الزمن وهذا الشعب بحاجة إلى من يعيد إليه هويته
وكرامته ويقع هذا الأمر على عاتق الدعاة المخلصين الذين يضحون بالغالي
والنفيس في سبيل خدمة هذا الدين. إنها صرخة نوجهها إلى كل ضمير حي، إلى
كل من في قلبه غيرة على حرمات المسلمين وعلى دينهم وعقيدتهم في بقاع الأرض
قاطبة.
إلى الشعوب الإسلامية إلى الجماعات والهيئات والمؤسسات الخيرية صرخة
نطلقها علّها تحرك شيئاً في هذه القلوب فتقدم عملاً يعيد هذا الشعب إلى دينه فيكون
ذلك نصراً وعزاً للإسلام والمسلمين.
стр. 1537
مقال
كلمة في تقويم الرجال
خالد بن عثمان السبت
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين،
نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فقد كثر الكلام وتقابلت الآراء في مسألة دقيقة مهمة، وهي: المنهج الصحيح
في الكلام على الطوائف والأفراد والكتب.
وصار كثير من الناس في هذه المسألة على طرفين متباعدين:
الأول: من يرى أن العدل الواجب أن تُذكر الحسنات مع السيئات ويستدل
على ذلك بأدلة يمكن أن يُستدل على رأي الطرف الآخر بمثلها أو أقوى منها. وقد
يرى هؤلاء أن الكلام إن عري من ذكر الحسنات فهو يدل على تحامل قائله أو
كاتبه.
والطرف الآخر: يُشنع على هؤلاء ويرى أن لا وجه لذكر الحسنات بل تُذكر
المثالب فحسب، إذ المقام مقام نقد.
ولا ريب أن موقف كل واحد من هؤلاء فيه نظر، لأنه أطلق وأجمل
والصواب في مثل هذه المسائل يلزم التفصيل الذي به تتبين كثير من الأمور.
قال ابن القيم ﵀:
فعليك بالتفصيل والتبيين فالـ ... إطلاق والإجمال دون بيان
قد أفسدا هذا الوجود وخبّطا الـ ... آراء والأذهان كل أوان
وحاصل الكلام في هذه المسألة هو أن الكلام في الآخرين له ثلاثة مقامات:
المقام الأول: وهو الذي تُذكرُ فيه الحسنات والسيئات. ويكون هذا في
الحالات الآتية:
١ - إذا تعادلت الأقوال (أعني أقوال المجرحين والمعدلين) في الراوي، فهنا
يُذكر هذا وهذا.
٢ -عند دراسة طائفة أو شخص أو كتاب أو منهج من المناهج يُذكر ما له ما
عليه.
٣ - حينما يكون القصد من الكلام مجرد الترجمة والتعريف فيذُكر ما للرجل
وما عليه. وهذا واضح جداً في كتب التراجم.
٤ - إذا كانت الكتابة موجهة للطائفة نفسها أو للرجل ذاته أو إذا كان له أتباع
كثر ويُراد ردهم إلى الحق فعند ذلك يُذكر شيء من فضائل الرجل ومحاسن الطائفة
كما فعل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لما كتب الوصية الكبرى لاتباع عدي
بن مسافر.
المقام الثاني: وهو الذي تُذكر فيه الحسنات فحسب ويكون هذا في حالتين:
١ - إذا كان الرجل من أهل السنة وله من الفضائل ما يربو على سيئاته فلا
وجه لذكر المثالب في مثل هذه الحال إلا إن دعت الحاجة إلى ذلك من أجل التنبيه
حتى لا يغتر السامع بهذا القول. لكن لا يُذكر الغلط ليكون سبباً في التنقص من
قائله. (أما ترى أن الماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث) .
٢ - في الكلام على الرواة إذا كان الغالب على الرجل التعديل وكان هو
المختار فلا وجه لذكر أقوال المجرحين حينما نعرض للرجل بل يكفي أن نقول
(ثقة) مثلاً.
المقام الثالث: وهو الذي يُذكر فيه الجرح فقط ويكون هذا في الحالات الآتية:
١ - في مقام التحذير. فإن المطلوب هو ذكر ما ينفّر من المتكلم عليه
وبالتالي لا تُذكر محاسنه.
٢ - إذا غلب على الراوي الجرح وكان هو المختار فلا حاجة لذكر أقوال
المعدلين.
٣ - إذا كان الغالب على الطائفة أو الفرد الانحرافات والمخالفات التي
تتضاءل معها حسناتهم فهم بحسب ما غلب عليهم.
هذه خلاصة القول - فيما أظن - في هذا الموضوع ويوجد من الأدلة
والشواهد من كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ وكلام السلف
شيء كثير يدل على ما سبق. لعله يتيسر فسحة من الوقت فتبسط هذه المسألة
بشكل أكبر مدعمة بشواهدها.
والله من وراء القصد.
стр. 1538
مكتبة البيان
الإسلاميون وسراب الديموقراطية [*]
تأليف: عبد الغني الرحال
عرض: أبو أنس
يعتبر الكتاب بحق إضافة هامة للمكتبة الإسلامية في حقل شديد الحساسية وهو
شرعية دخول الإسلاميين للبرلمانات، والموضوع وإن طرقه الكثيرون سابقاً وكتبوا
فيه، لكن كل ما كتب - فيما أعلم - إما أن يكون تبريرات عاجلة في وريقات قليلة
أو اتهامات شديدة على عجل وقد نشر بعض منها في مجلات إسلامية في أوقات
متفرقة.
وبالتالي فإن هذا الكتاب يعتبر الأول من نوعه في هذا المضمار حيث إنه
دراسة أصولية شرعية مستفيضة لمشاركة الإسلاميين في المجالس النيابية.
الكاتب يقرر ابتداء عتدم الموافقة على دخول الإسلاميين البرلمان ثم هو ينقد
الإسلاميين المجلسيين كما يسميهم في إجازتهم لأنفسهم الدخول فيه من دون دراسة
لحكم الدخول في تلك المجالس دراسة شرعية متعمقة.
ويقوم الباحث بجمع كافة المبررات والمسوغات التي يحتج بها هؤلاء
الإسلاميون وبالأخص قضية المصلحة ثم يفندها بنداً بنداً مؤصلاً لمبدأ مهم وهو أن
المشاركة في هذه البرلمانات هو تأصيل لواقعها المخالف لدين الله دستورياً
وقانونياً.
والكاتب بذل جهداً مضنياً ومستفيضاً في دراسته التي استغرقت - كما يقول -
سنين طويلة.
وتبدأ الدراسة بمقدمة ضافية تمثل دراسة نقدية موجزة للواقع المعاصر وموقف
الجماعات الإسلامية منه، وهي مقدمة رائعة - حبذا لو نشرت مستقلة - ثم يتبعها
ثلاثة أبواب بفصولها ومباحثها المتعددة وهي كالتالي:
الباب الأول: الديمقراطية، وفيه فصول:
- النظام الديمقراطي.
- مصلحة الأنظمة الحاكمة من النظام الديمقراطي.
- مصلحة الإسلاميين المجلسيين من النظام الديمقراطي.
الباب الثاني: المجالس النيابية ومقاصد الشرع، وفيه مباحث؛
* الاندراج في مقاصد الشرع، وفيه فصول:
- مصلحة تحكيم الشريعة.
- مصلحة الإصلاح.
- مصلحة عدم تمكين أعداء الله من الانفراد بالسلطة.
- مصلحة نشر الدعوة.
- مصلحة الدفاع عن حقوق المسلمين في العالم.
* عدم المعارضة للكتاب والسنة، وفيه فصول:
- حق التشريع.
- تضييع حدود الولاء والبراء..
- تثبيت أركان الأنظمة المتبرقعة بالديمقراطية.
- تضييع المنهاج النبوي في طريقة تغيير الواقع الشركي إلى واقع إيماني.
- التلبيس على المسلمين في عقيدتهم من خلال إضفاء ثوب إسلامي على
أنظمة غير إسلامية.
- الرضا بواقع الأنظمة الديمقراطية.
* عدم المعارضة للقياس، وفيه فصلان:
- القياس..
- وقفات مع استدلالهم بالقياس.
* عدم تفويتها مصلحة أهم منها أو مساوية لها، وفيه فصول:
- إجمالي المصالح التي تضيع بمشاركة الإسلاميين في المجالس النيابية.
- ميزان النظر في المصالح.
الباب الثالث: مصالح متوهمة أمام أبوب مغلقة، وفيه فصول:
- عدم اندراجها في المصالح المرسلة.
- عدم اندراجها في باب سد الذرائع.
- عدم اندراجها في باب الضرورة.
يختم الكاتب بحثه بخلاصة موجزة لأهم النتائج التي حصل عليها ويقول إن
النتيجة النهائية التي يُخرج بها من هذه الدراسة أن الإسلاميين المجلسيين اختطوا
بمشاركتهم في المجالس النيابية منهجاً في التغيير مخالفاً لمنهج الأنبياء في ذلك،
متجردين عن الدليل الشرعي، مما أدى إلى إضاعة الجهود الكثيرة في غير ما
طائل، فضلاً عن صرف الأنظار عن المنهاج النبوي في مواجهة الملأ وتغيير
الواقع الشركي إلى واقع إيماني ثم يقول: «وبصوت عال أدعو الإسلاميين
المشاركين في المجالس النيابية أن ينسحبوا منها ويوظفوا جهودهم لصالح خدمة
الإسلام وفق منهاج الرسول ﷺ وأن يبينوا للناس حقيقة تلك
المجالس بعد أن عرفوها من الداخل وعرفوا أساليبها في الوقوف في وجه أي
مشاريع إسلامية جادة» .
وأخيراً فالكتاب جدير بالقراءة، مع التركيز والتمعن فالكتاب عميق في طرحه
دقيق في معالجته.
стр. 1539
في دائرة الضوء
الشيوعيون والوظيفة الجديدة
د. محمد يحيى
من الظواهر الثقافية التي تستحق الرصد أو على الأقل التسجيل في العالم
الإسلامي وبالذات البلاد العربية في الفترة الأخيرة ذلك الدور الذي أنيط بنفر من
الشيوعيين أو أنهم سعوا إليه في منظومة التصدي للحركات والفكر الإسلامي إن
نجم النخب الشيوعية الذى علا وتألق في سماء عدد من البلدان العربية في ...
الأربعينات وحتى الستينات قد خبا وأفل في السنوات الأخيرة، ولا يرجع ذلك
فحسب إلى تدهور وسقوط التجارب السياسية الشيوعية فيما عرف بالاتحاد السوفيتي
والكتلة الاشتراكية بل إن هذا السقوط للشيوعية المحلية كان قد بدأ قبل سقوط
الشيوعية الدولية بعد فشل طروحاتها المحلية وبعد ثبوت تواطئها مع مجمل النخب
العلمانية الحاكمة وبعد تخليها عن العديد من مواقفها وشعاراتها التي أعلنت فيها
الانحياز للجماهير الكادحة وتغيير المجتمع إلى الأفضل وما شابه ذلك من الأهداف.
إن القضية المحيرة التي ظهرت في الأعوام الأخيرة وشغلت بالعديد من
الكتاب الصحفيين تمثلت في سؤال مهم هو: لماذا سقطت الشيوعية في روسيا
وأوروبا الشرقية وغير ذلك من أنحاء العالم بينما ازدهرت فجأة في عدد من البلدان
العربية في وقت كان فيه الجميع يتحدثون عن ذبولها؟
والواقع أن هذا السؤال وبصياغته هذه بحاجة إلى توضيح وتحليل. إن
السقوط الذي حدث في أوروبا الشرقية وغيرها كان في المقام الأول سقوط أنظمة
سياسية واجتماعية واقتصادية شيوعية لأسباب داخلية وخارجية متعددة سبقه فشل
الفكر الاشتراكي النظري والأيدلوجية الماركسية التي كانت تستند إليها تلك النظم.
وقد بادر بعض المحللين المدافعين عن النظرية الماركسية إلى التمييز بين الأنظمة
والتجارب الشيوعية من ناحية، التي اعترفوا بفشلها، وبين الفكر الاشتراكي كفكر
اجتماعي سياسي اقتصادي من ناحية أخرى الذي أقروا بتعرضه للفشل إلا أنهم رأوا
أنه ممكن تعديله لمواجهة الظروف الاقتصادية العالمية الجديدة وهي سيادة النظام
الرأسمالي الغربي ومعه فلسفاته المميزة من ليبرالية وبراجماتية ويمينية وغيرها.
كذلك ميز المدافعون بين النظم والتطبيقات الشيوعية - الاشتراكية من ناحية وبين الفكر الماركسي من ناحية أخرى فبينما رأوا أن الأولى قد فشلت وتهاونت زعموا أن الأخير مازال حيا وصالحاً وأنه قابل للتطور والتكيف ليتمشى مع التطورات العالمية.
وذهب بعضهم إلى أنه إذا كانت الماركسية كفكر قد ثبت خطؤها في معظم تنبؤاتها وتفاصيلها التحليلية إلا أنه تبقى مبادئها العامة ومستوياتها النظرية العليا الصالحة لتكون إطار نظر فلسفي في شتى جوانب الحياة أي أنه إذا كانت الماركسية قد فشلت كعلم كما كانت تزعم لنفسها إلا أنها لم تفشل كفلسفة أو كدعوة أيدلوجية
«أخلاقية» ! ! أو كإطار نظري لتحليل المجتمع وفهم ووضع بعض الطرق والبدائل أمامه.
ويذكر أن الذاهبين إلى هذا الرأي الذي يحول الماركسية من عقيدة ثورة وتغيير
للمجتمع إلى فكرة فلسفية تأملية كانوا من الغرب ومن المفكرين والأساتذة في معاهد
البحث والجامعات بأوروبا الغربية وأمريكا الشمالية حيث أصبحت تسود الآن في
دوائر معينة تلك الفلسفة الماركسية (وليس الشيوعية أو الاشتراكية) المنقحة.
هذا عن مجمل التطور الحادث في الغرب أما في البلدان الإسلامية ونحن
نركز هنا على البلدان العربية، فقد فشلت أيضاً الأنظمة الحاكمة التي إن لم تكن
شيوعية معلنة - باستثناء ما كان في اليمن الجنوبي أو بعض فترات الحكم في
العراق أو السودان أو مصر - إلا أنها تبنت ما وصف بالاشتراكية في المجالات
السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. ومع فشل هذه الأنظمة الحاكمة من
خلال الهزائم الخارجية العسكرية وتفاقم الأزمات الداخلية انهارت أحزابها الأحادية
وسقطت معها الأحزاب الشيوعية، المعلنة وشبة المعلنة، التي كانت تساندها بالدعم
السياسي والمعنوي والدعائي الفكري. وسقط كذلك الفكر والبرنامج الاشتراكي ولا
سيما في المجال الاقتصادي والاجتماعي. لكن هذا السقوط لم ينسحب على النخب
الشيوعية الفكرية والثقافية والإعلامية وبعض النخب السياسة التي كانت خلال فترة
الأنظمة الاشتراكية قد نجحت في التخندق في العديد من المؤسسات السياسية
والاجتماعية كالنظام السياسي الحزبي والإعلام والتعليم الجامعي والثقافة بل وبعض
هيئات صنع القرار على المستويات العليا كوزارات الخارجية والمكاتب الرئاسية
الاستشارية وما شابهها.
ونشأ في البلدان العربية خلال الثمانينات وضع محدد غريب يتمثل في وجود
نخب شيوعية قوية في مواقع مؤثرة ولكنها تسبح في شبه فراغ بعد سقوط الأنظمة
الدولية أو ضعفها التي كانت تستمد منها الدعم والقوة المادية والمعنوية وتعمل من
خلالها وفي سياقها وبالإضافة إلى ذلك فإن الرسالة- الاشتراكية الشيوعية ذات
المحتوى السياسي والاقتصادي التي كانت هذه النخب تروجها من خلال مواقعها
وتعاونها مع الأنظمة قد فقدت مصداقيتها وسقطت هي الأخرى تاركة النخب بدون
محتوى أو رسالة سوى ذلك الكم من الفكر الماركسي النظري الذي وجد لنفسه
فرصة حياة داخل نطاق الفلسفة الغربية العلمانية التي احتضنته كأحد روافدها
المتعددة. لكن المشكلة التي واجهت هذه النخب الشيوعية المحلية تمثلت في أن جل
أفرادها لم يكونوا من المثقفين حقيقة أو الفاهمين أو حتى المطلعين على هذا الفكر
الماركسي لأنهم كانوا يعيشون على فتات نظري محدود متمثل في بعض الشعارات
والشذرات ألقيت لهم من الكتلة الشرقية البائدة في سنوات سابقة من التلقين والترويج
والدعاية العقائدية الفجة. ومن هنا انطبق على النخب الشيوعية المحلية قانون البقاء
للأصلح وتعرضت لمزيد من الضعف ليس فقط لانفصالها عن الأنظمة الحاكمة
المغذية لها ولا عن الكتلة الاشتراكية الأم بل لأنها كذلك لم تكن تتقن صنعة الفكر
الماركسي النظري الذي تبقى بعد الانهيار العظيم.
ولكن وسط هذا الركام من التدهور والفوضى تجمعت عناصر قوة معينة أو
لعلها «عوامل حظ» لتنقذ هذه النخب. أول هذه العوامل هو أن انفصال النخب
الشيوعية المحلية في الظاهر عن دعم وقوة الأنظمة السياسية الحاكمة محلياً أو دولياً
مع انهيار هذه الأنظمة ومعها الحركة الدولية الشيوعية قد أزال أو أضعف عنصر
الخوف والقلق والتوجس الذي كانت دوائر محلية عديدة حاكمة وعلمانية ومتغربة،
تنظر به إلى تلك النخب. فقد انتهت مثلاً نظرية الخطر السوفيتي وخطر نخب
الشيوعية كعملاء وطلائع للسوفيت وانتهت نظرية خطر الثورة العمالية وغيرها من
الأخطار التي كانت هذه النخب تمثلها وأدى هذا الوضع إلى إزالة أي تحرج من
التعامل مع النخب الشيوعية لا سيما فى حالة ضعفها المادي والمعنوي وإفلاسها
وخوائها وفشلها الفكري الواضح لقد تحول الثعبان الضاري فجأة إلى حيوان أليف
منزوع الأنياب والسم.
وعنصر القوة الثاني هو ذلك الالتقاء الذي يبدو غريبا لكنه منطقي وطبيعي
الذي حدث بين النخب الشيوعية وبين الدوائر النافذة والسياسات الغربية في المنطقة. لقد نشأ الجميع في العقود السابقة على فكرة أصبحت أشبه باليقين والبديهيات
مفادها أن الغرب لا يعادي ولا يواجه إلا الخطر الشيوعي في المنطقة العربية رغم
أن المواجهة الغربية كانت دائماً وفي الحقيقة مع الإسلام.
وأيا كانت الحال وأيا كان خطر هذا التصور فقد استمر مهيمنا على الأذهان
لكن السقوط الواضح لنظرية الخطر الشيوعى وظهور نظرية الخطر الإسلامي لدى
الغرب كان بمثابة صك البقاء للنخب الشيوعية. فمن ناحية كانت هذه النخب أمام
الغرب مجموعات من المثقفين منزوعة القوة وبلا دور واضح في المجتمعات
العربية التي توجد فيها، ومن ناحية أخرى كانت أفكار بعض أفرادها الماركسية
تلقى القبول في الفكر الغربي المعاصر باعتبارها أحد مكونات هذا الفكر وجذوره
وكذلك باعتبارها فاقدة للطابع الثوري المعادي للغرب الذي كان يميز شعاراتها
المرفوعة في وقت سابق. وبجانب ذلك كانت تلك النخب وبرغم عوامل الضعف
المتعددة التي أشرنا إليها تحتفظ بمواقعها الوظيفية والمؤثرة داخل المؤسسات
السياسية والاقتصادية والثقافية وهى فوق أي شيء آخر تبحث عن دور أو وظيفة
جديدة تتناسب مع مؤهلاتها. واجتمعت كل تلك العوامل لتجعل من التعامل الغربى
مع النخب الشيوعية المحلية أو ما تبقى منها أمرا مرغوبا بل مطلوبا في ظل
سيطرة نظرية الخطر الإسلامي على التفكير الغربي وإزاء «مؤهلات» هذه
النخب من ناحية الموقع الوظيفي المؤثر الموروث من عهود سابقة وامتلاكها لفكر
يحظى بالقبول الغربي العام.
ونقطة الفكر هذه مهمة للغاية في تفسير عنصر القوة الرئيسي الثالث لهذه
النخب ألا وهو الالتقاء والاندماج مع مجمل النخبة العلمانية في العالم الغربي بل
والوصول إلى زعامتها وزيادتها وتوجيهها. إن النخب العلمانية المتغربة في العالم
العربي كما في مجمل العالم الإسلامي قد تأسست على الفكر الليبرالي الذي صيغ
صياغة خاصة ركزت على جوانبه اللادينية وليس الديمقراطية، وكان ذلك أمرًا
طبيعيا في عهود الاستعمار وما له من حكومات محلية. وعندما ورد الفكر الشيوعي
والماركسي إلى البلاد الإسلامية من خلال دعايات الكتلة السوفيتية أو من خلال
التعامل من عدد من البلاد الغربية على المستوى الثقافي والأدبي والجامعي فإنه
برغم احتوائه على عنصر العداء للدين والإلحاد إلا أنه طرح في شكل سياسي
ثوري أوجد قطيعة مع سائر عناصر النخب العلمانية صاحبة النفوذ والمتأثرة بالفكر
الليبرالي والبراجماتي الغربي وتفريعاتها. وهكذا عانت النخبة العلمانية في البلاد
العربية من انقسام بين عنصريها اليميني والأوسط من ناحية واليساري الماركسي
من ناحية أخري، وهو انقسام أضعف من أفاقها إلى حد كبير وكان انقساما تقع
خطوطه على السطح فقط أي في المواقف السياسية والاقتصادية والتكتيكات بينما
كان الجميع في المستويات الأبعد عمقا والأكثر نظرية يشتركون في الموقف العدائي
نفسه الناقد للإسلام من منظور فلسفي ثقافي واحد هو منظور علمانية الغرب المشكلة
في فكر عصر النهضة وعصر التنوير هناك قبل ظهور الماركسية بزمن بعيد وهى
على أي حال بنت هذه العصور مثلها في ذلك مثل الليبرالية والبراجماتية وغيرها
من المذاهب الغربية الكبرى.
لكن التحول الخطير الذي طرأ على النخب الشيوعية في السنوات الأخيرة
قضى على هذا الانقسام وفتح أبواب الوحدة والتكاتف بين مكونات النخبة العلمانية
العامة مرة أخرى بعد أن كان الشيوعيون أو الماركسيون قد ناصبوا الطرف
الليبرالي العداء من موقع الإحساس بالقوة وموقع احتكار التعامل مع الأنظمة الحاكمة، ... وتمثل هذا التحول الخطير في هذا الصدد في سقوط الفكر الشيوعي والاشتراكي
الثوري في جوانبه الاقتصادية والسياسية التي كانت تعتبر حد الانقسام أو الحد
الفاصل بين المكونين الماركسي والليبرالي للنخبة العلمانية. ولم يبق من الفكر
الشيوعي سوى المكون الماركسي الثقافي النظري الفلسفي الأصلي الذي يلتقي مع
الفكر الليبرالي في جذر أساسي هو العلمانية والنظرة الناقدة والرافضة للدين. وهكذا
وبعد تعرية النخب الشيوعية من أسباب القوة السياسية ومن أقسام رئيسة وواسعة
من أفكارها أصبحت مؤهلة وراغبة في الانضمام إلى عموم النخبة العلمانية المتغربة
تلتمس فيها القوة والبقاء من خلال التضامن السياسي كما تلتقي معها في المكون
العلماني الفج والصارخ وفي العداء للدين (الصاعد نفوذه) بعد زوال الكم الفكري
«الكم الاشتراكي الثوري» الذي كان يميزها ويفصلها عنها.
لكن الشيوعية العائدة إلى صف النخبة العلمانية المتغربة العام كانت تمتلك
سبباً آخر للقوة، هو العنصر الرابع في تحليلنا هذا، لا تمتلكه سائر مكونات النخبة
ألا وهو امتلاكها لتحليل مطول ونقدي لظاهرة الدين (المسيحي بالذات) بالإضافة
إلى سبق خبرتها الواسعة خلال الخمسينات والستينات في الحرب الفعلية والمواجهة
الميدانية للتيارات الإسلامية على المستوي الفكري والسياسي. وفي الواقع كانت
هذه الورقة الرابحة أو عنصر القوة الحقيقي الذي يميز النخبة الشيوعية في نظر
السياسة الغربية مؤخراً وأيضاً في نظر الدوائر السياسية الحاكمة الجديدة والتى
خلفت الأنظمة التى سبق أن تعاونت النخبة الشيوعية معها ضد الإسلام صحيح أن
الليبرالية علمانية التوجه وأنها تمتلك هي الأخرى تحليلاً نقدياً للدين تضخم في
العقود الماضية كثيرا لكن هذا التحليل ليس جذرياً أو متخصصاً. مما فيه الكفاية
كما أن الدوائر الليبرالية والمصاحبة لها في العالم العربي بالذات لا تمتلك مثل هذا
التحليل لأنها ركزت في الفترة الأخيرة على الجوانب الاقتصادية بالذات (سياسات
الانفتاح الاقتصادي والخصخصة وتنفيذ برامج المؤسسات المالية الدولية - إلخ)
أكثر من تركيزها على نقد الدين ومواجهة أفكاره وفوق ذلك فإن الخط الليبرالي
العلماني العام كما تطور في العالم العربي لم ينشأ في الغالب علاقة تصادمية مع
الدين بالدعوة إلى الإلحاد أو رفض العقيدة والطعن فيها وفي الشريعة وفي النصوص
الدينية كما فعل الشيوعيون في أوقات سابقة وكما يفعلون الآن ولهذا كانت النخبة
الشيوعية أقوى من سائر مكونات النخبة العلمانية المتغربة في جانب التصدي للفكر
الديني (الإسلامي وحده) الذي أصبح يلح الآن على الدوائر الغربية والأنظمة
السياسية الحاكمة الآن في العديد من البلاد العربية والإسلامية.
لقد تضافرت عناصر القوة الأربعة هذه وتجمعت في نسيج واحد لتؤدي إلى ما
يسميه بعضهم بالازدهار الظاهري الذي تمر به الشيوعية على المستوى السياسي
الرسمي العربي في وقت كان يفترض فيه وفق منطق الأشياء أن تذوي وتذوب.
إن أحزابا شيوعية تقام هنا وهناك في وقت تلغى فيه الأحزاب الشيوعية
الكبرى في شرق وغرب أوروبا وتغير أسماءها خجلا وعارا رغم طول تاريخها.
وفي بلادنا العربية تنشأ الصحف والمجلات ودور النشر والمنتديات والتجمعات
الشيوعية الثقافية والأدبية والنسوية بشكل شبه يومي في الأعوام الأخيرة. ويقفز
دعاة الشيوعية السابقون والذين كانوا قد سقطوا وأفلسوا فكريا إلى مواقع الوزارة
والصدارة في شتى المؤسسات ويناط بهم تشكيل النظام التعليمي وتكوين الرأي العام
من خلال وسائل الإعلام والتأثير في محتوى ومضمون الثقافة والفكر في المجتمعات
ككل ويرسمون السياسات الاقتصادية ويضعون القرار السياسي. لكن كل هذا
النشاط ليس ازدهارا طبيعيا بل هو تحرك مصنوع ومدبر ومفتعل بقرار علوي من
السلطات الحاكمة وبمباركة وتوجيه حاسم من جانب الدوائر الغربية السياسية
المؤثرة ومعها المؤسسات المالية الدولية والحركات الكبرى كالصهيونية والعلمانية
والصليبية كذلك. وهذا الازدهار المصطنع والخطط المحكوم يجيء لكي تؤدي
النخبة الشيوعية دور التصدي لصعود قوة الإسلام.
إن الصورة الفعلية التي تواجهنا هي صورة نخب سقطت وأفلست وصارت
تبحث عن دور وعندما عرض عليها هذا الدور في التصدي الفكري لتيار الإسلام
سارعت بانتهازية معهودة إلى العض عليه بالنواجذ ولم تفلته لأنه فرصتها الوحيدة
في البقاء. وإذا كانت هذه النخبة قد مارست التصدي والهجوم على الإسلام في
عقود سابقة إبان فترات قوتها النسبية وجدتها ولحساب الأنظمة الاشتراكية
الدكتاتورية التي تحالفت معها فإنها تمارسه الآن من موقع الضعف والإفلاس الفكري
والذيلية المطلقة لأنظمة علمانية متغربة وديكتاتورية أيضاً وتمارسه باضطرار من
يغرق ويريد النجاة بأي ثمن وليس بحنكة من يريد أن يؤدي دورا في لعبة القوة
والسلطة له منه نصيب. والصورة التي تواجهنا ليست صورة تيار سياسي فكري
يستعيد أو يواصل عافيته بل هي صورة التقاء مصالح ومخططات أقرها لنا الدور
الشيوعي الجديد على امتداد الساحة العربية. فهناك نخب ساقطة ومنتهية لكنها تملك
فقط توزيعا جغرافيا ومناخيا وبقايا فكر معاد للدين ومتخصص في مواجهته بسابق
الخبرة وهى تبحث باستماتة عن دور يحفظ وجودها، وهناك على الناحية الأخرى
دوائر غربية ومحلية مؤثرة وحاكمة تبحث بإلحاح عن طرف يؤدي مهمة ضرب
الإسلام والتصدي لفكره على أن يكون مؤهلا لذلك وعلى ألا يكون من القوة أو
الإمكانية بحيث يخرج من طور التابع الذيلي العميل إلى دور الفاعل المستقل بالرأي
والمصلحة.
هذا الالتقاء أو هذا البحث المزدوج هو الذي أخرج لنا الدور الشيوعي الجديد
في العالم العربى في سياق من العناصر والعوامل التي أشرنا إليها آنفا.
ولكن الدور الشيوعي الجديد في خط الدفاع ضد الإسلام يجرى على حساب ما
تبقى من صورة النخب الشيوعية ودعايتها لنفسها وشعاراتها.
فالنخبة الآن لا تنشغل إلا بشيء واحد فقط هو الهجوم والمزيد من الهجوم
على الإسلام وهي بذلك تؤدي وظيفتها بأمانة تحسد عليها ولم تعهد فيها من قبل
وتتلقى الثمن المناسب ماديا ومعنويا بتوزيع الحقائب الوزارية والمغانم المادية
والظهور والشهرة الإعلامية. ولكن الانغماس الشيوعي شبه التام في التصدي
للطرح الإسلامي يجعل الشيوعيين مكشوفين مفضوحين أكثر مما كانوا أمام
الجماهير التي ما عادوا يثبتون أيا من قضاياها ومشاكلها السياسية والاقتصادية بل
على العكس يهاجمون عقيدتها.
إن الشيوعي النمطى يقف الآن بورجوازيا محترما يدافع عن القطاع الاقتصادي الخاص والملكية الفردية والقيم الغربية الليبرالية كما يقف محافظا رصينا يدعوإلى الاستقرار والسكينة في ظل نظم شمولية ويبشر بالتعاون مع الغرب (الاستعماري سابقا) وبالتحالف مع اليمين المحلي والعالمى في وجه الخطر الإسلامي ويرحب بالصهيونية وإسرائيل كشريك في صنع التقدم المستقبلي غير الإسلامي في المنطقة كما يرحب بالصليبية الدولية والمحلية باعتبارهما حلفاء في وجه العدو المشترك أي الإسلام. وهو ينسى كل الشعارات القديمة عن الثورة والجماهير الكادحة والاستغلال الاقتصادي الطبقي وهبة القوى العاملة ولا يعود إليها، وإن عاد فإنه يستخدمها فقط ضد الإسلام الذي اخترع له ألفاظ الظلامية والسلفية والأصولية ليشوه صورته بها. هذا الشيوعي النمطي إذن وهو يؤدي الدور الذي أنيط بقومه يخاطر بفقدان البقية من ورقة التوت التي تغطي العورة لأنه يتحالف وبشدة مع من كان حتى الأمس القريب ينعتهم بالأعداء سواء على المستوى المحلي أو العالمي وهو كذلك يتخلى عن الدور السابق المزعوم كمعارض صلب ومناضل يضحي من أجل مصالح الكادحين.
إن الوضع الجديد للنخبة الشيوعية في العالم العربى وفي العالم الإسلامي على
نطاق أوسع بحاجة إلى تدبر وتحليل حاولت هنا أن أضع معالمه الأساسية.
والخلاصة التي أتوصل إليها ويتوصل إليها أي تدبر موضوعي هي أننا أمام حالة
من حالات السياسة الثقافية التي توظف مجموعة انتهازية من المثقفين في أداء مهمة
الهجوم بوسائل فكرية وإعلامية متعددة على تيار معين (الإسلام) لحساب قوى
خارجية وأخرى محلية تريد التخلص من هذا التيار لأنه يناقض طروحاتها العلمانية
ومصالحها السياسية في الحكم والسيطرة واحتكار السلطة وانتزاع المجتمعات
الإسلامية من دينها وعقيدتها بل تاريخها وهويتها.
إن ما يحدث على الساحة الفكرية الآن وفي بلدان عربية كثيرة هو أبعد ما
يكون عن مجرد تطورات فكرية وثقافية جريئة أو كما يصوره بعضهم من تصد لما
يسمى بالإرهاب والتطرف المنسوب للإسلام وحده.
إنما يحدث هو استراتيجية موضوعة بعناية لتتكامل مع استراتيجيات أخرى
أمنية وسياسية واجتماعية لكي تضرب جذور الإسلام. ودور النخب الشيوعية في
هذه الاستراتيجية هو دور المنقذ الباحث عن دور والمعَّين لدي أصحاب المهمة
الباحثين عمن يقوم لهم بهذا الدور.
стр. 1540
منتدى القراء
إلي إخواننا العرب المسلمين
أسامة أمين الطيب
(الفلبين)
أيها الأخوة الأعزاء:
إن القلوب دائما معلقة بكم وإن العيون لتنظر إليكم وإن الآمال معلقة بكم بعد
الله ﷻ لما لسلفكم الصالح من الفضل العظيم والأجر الكبير في هدايتنا بإذن
الله إلى هذا الدين القويم بعد أن كنا كغيرنا شبه حيوانات بأكل ونشرب ونتناسل
ونعبد الأوثان وأنقذنا الله بفضله ومنته ثم بفضل أولئك الذين قطعوا الفيافي والفجاج
بين الأخطار المحدقة من أمواج البحار وهوامه وقراصنته، يهلك. إن ذلك يعني
تحمل العبء الكبير في حمله وإبلاغه ثم أدركوا معنى الآيات الأخرى بإبلاغه
والدعوة إليه وأن ذلك أمر واجب التنفيذ وعرفوا معنى التقصير فيه والحساب عليه
ثم علموا علم اليقين عظيم الأجر والثواب لمن قام بهذه الدعوة لأنها أهم وظيفة في
الحياة فهي وظيفة الأنبياء والرسل ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، إذ أن هذه
أمور تقتضي التضحية بالغالي والنفيس وكل ممتلكات الحياة من ماديات أو معنويات
أو طاقات علمية أو عملية وتعلمون ما فعلوا وحق لهم ذلك الفعل والفوز بالأجر
والثواب لما أحدثوا من أثر فعَّال في هذه الجزر حيث أنقذوها من براثن الشرك إلى
هدى الإسلام.
أيها الأخوة الأعزاء:
مع اعترافنا بجميلكم في مؤازرتنا في هذا العصر الحاضر بالمساعدات المادية
والمعنوية منذُ بدء اليقظة الإسلامية الجديدة إلا أننا نعتبر أنفسنا وإياكم مقصرين
تقصيراً كبيراً تجاه هذا الدين العظيم وما يجب له من الدعوة والإبلاغ فنحن وإن كنا
قد أخذنا في الدعوة إلى الله وأنشأنا المؤسسات التعليمية والتربوية باللغة العربية
وعلى مناهج البلاد العربية ومنهج السلف الصالح بجهودنا الضعيفة ومساعدتكم
بالإمداد المادي والمعنوي مما ساهم في نشر اللغة العربية للتعرف إلى الإسلام من
خلالها مباشرة والارتواء من معينه الصافي وقد اهتدى الكثير وأسلم كذلك من
الوثنيين والنصارى الكثير، إلا أننا نعتبر أن هذه جهود ضعيفة وأعمالاً هزيلة، إذا
قورنت بما يجب علينا جميعاً وبما نملك من الوسائل الآلية مما يلزم من تبليغ دين
الله والدعوة إليه في كل دار وفي أي موقع وبأقصى سرعة.
ألا يعتبر عملنا هذا تقصيراً كبيراً في حق أنفسنا وديننا؟ بلى والله! ومن
جانب آخر إذا رجعنا إلى تعليمنا ومدارسنا نجدها تقوم في الدرجة الأولى على
رسوم طلابها الفقراء أو ما يتبرع به بعض الفقراء أو مستوري الحال؟ لا الأغنياء ... وتسير الهوينا بشكل مزرٍ فالكتاب المدرسي الذي هو عماد التعليم لا يوجد إلا بالنقل من اللوح - السبورة - أو تصويراً لمن يجد قيمة الكتاب ... ومباني المدارس معظمها من القش والأخشاب والزنك وبالإضافة إلى سوء مظهرها فإنها لا تصمد أمام مياه الأمطار ولا تحمى طلابها. والمدرسون معظمهم متطوعون أو بمكافآت رمزية والواحد منهم يدرس درساً ويترك الآخر ولا عليه من سبيل مادام متطوعاً ... والمراجع الإسلامية شبه معدومة، ورب الأسرة قد يدرس واحداً من أبنائه أو أكثر أو لا يدرسهم بالكلية لأنه قد لا يجد النفقات الدراسية من رسوم أو أدوات مدرسية.
وهكذا يسير تعليمنا الإسلامي بخط متعرج، ومع هذا له أثر كبير مع ضعف
ما يقدم له من إمكانيات مادية أو معنوية وذلك فضل من الله ونعمه لا من جهود
البشر المقصرين. بينما غير المسلمين نجد لهم في كل حي أو قرية مدرسة على
الطراز الحديث مجهزة بالمعلمين والكتب والوسائل المدرسية وحتى وسائل العلاج
وتستميل أبناء المسلمين بالإغراءات والعروض المادية فتعطيهم الكتب والمواد
المدرسية مجاناً بل واللباس والعلاج، وفي بعض المواقع تعطي لأهلهم بعض
الأطعمة والملابس، وفي مواقع أخرى تهيئ لهم المساكن للعائلة بكاملها مقابل
تمكينهم واحداً فقط من أبنائهم في مدارسهم لينصروه أو يمسخوا شخصيته الإسلامية
فيكون حربة ضد الإسلام فيما بعد وحتى الجبال العالية التي لا تصل إليها السيارات
يصلونها بالطائرات المروحية أو على الدواب ... فما لهؤلاء القوم مع ضلالهم
يبذلون ما لم نتحمله نحن أبناء البلاد وأبناء المسلمين.... وهم قد أتَواْ من بلاد
الترف والنعيم ... لماذا هذه المفارقات أيها الأخوة الأعزاء.
ابن الإسلام لا يتحمل في سبيل دينه الحق إلا ساعات أو أيام قلائل ... وابن
الضلال يقيم الشهور والسنين ويخترق الغابات ويتسلق الجبال العاليات ويجتاز
المخاطر، كل ذلك في سبيل الدعوة إلى ضلاله ... لماذا هذه الفوارق؟ ألا يدل ذلك
على خلل في المنهج التربوي لأمتنا المعاصرة؟ بلى والله إنه لبرهان عليه.
ولو نهجنا منهج رسول الله ﷺ في تربية أصحابه وما
ساروا عليه في تربية أتباعهم ومن بعدهم: أولئك الذين فتحوا الدنيا آنذاك، لو فعلنا
ذلك لما سبقنا هؤلاء إلى التضحية والبذل في سبيل باطلهم، إن هذه هي رسالتكم يا
حملة العلم والمعرفة ومسئوليتكم تجاه أمتكم يا من نزل هذا الدين القويم بلغتكم وفي
أرضكم ... إنها مسئوليتكم بالدرجة الأولى ثم مسئولية كل فرد مسلم بأن تربوا الأمة
الإسلامية على حمل هم الإسلام وجعله أهم شيء في الحياة إذا بصرتم الناس إلى
هذا الواجب وأشعرتموهم بمسئوليتكم عن ذلك ... فإن هذا كفيل بإذن الله بإعادة دور
الأمة الإسلامية إلى مكانتها اللائقة بها ... فهل أنتم فاعلون؟ إننا والله مقصرون
نهتم لمأكلنا ومشربنا وراحتنا أكثر مما نهتم للإسلام بل الكثير منا لا يهمه إلا نفسه
ولا يحمل للإسلام هماً ومن حمل منه شيئاً قارنه بمصلحته قبل الإقدام عليه، نسأل
الله العون والبصيرة لنا ولإخواننا في كل مكان.
أيها الأخوة الأعزاء:
مع ما ذكرناه أعلاه من واجبات ومسئوليات ومشاعر فإننا نعترف بفضلكم
سابقاً ولاحقاً ونقر بجهدكم ونقول إن لكم الباع الطويل في هذه الأعمال ونتائجها
تعليماً ودعوة فما وجدنا المدد المادي والمعنوي إلا من الله ثم من إخواننا العرب
المسلمين.
стр. 1541
الورقة الأخيرة
في تقويم الصحوة
د / صلاح الصاوي
للصحوة الإسلامية المعاصرة إيجابياتها العديدة نذكر منها المحافظة على شمول
الإسلام وتكامل فهمه في حس أجيالنا المعاصرة، فقد أبقت في ذاكرة الأمة قضايا
أساسية في دين الله كان يمكن أن تكون أثراً بعد عين، كقضية تحكيم الشريعة.
ومنها الانتقال بمنهج التعامل مع القرآن الكريم من مجرد التعبد بسماعه وتلاوته
والاستمتاع الفني بدراسته إلى ما كان عليه سلفنا الصالح من الاتباع لأمره ونهيه
والتقيد بتحليله وتحريمه كما روي عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قولها: كنا نقرأ الآية من القرآن فنحل حلالها ونحرم حرامها ونتأدب بآدابها لا نتجاوز
إلى الآية التي بعدها حتى نفعل بها ذلك فتعلمنا العلم والعمل جميعاً، ولقد كاد
خصوم الإسلام في هذا العصر أن يحيلوا الكتاب الكريم إلى أثر تاريخي مقدس يتلى
على سبيل البركة ولا علاقة له بالحياة ولا بالأحياء فجاءت هذه الصحوة المباركة
لترد الأمة إلى كتابها باعتباره المصدر الأعلى للوحي المعصوم الذي أنزله الله
ليكون الحجة القاطعة والحكم الأعلى بين العباد.
ومنها: تجديد الدين بإحياء كثير من السنن وإماتة كثير من البدع، وإزالة
الغربة عن كثير مما هجر الناس من شعائر الإسلام وشرائعه من كان يظن أن
حجاب المرأة المسلمة سيبعث مرة أخرى في جامعاتنا المعاصرة التي دار معظمها
في فلك التغريب بعد أن حرص خصوم الإسلام على إماتته والتشنيع عليه أكثر من
نصف قرن؟ ؟ ! إنه القدر الأعلى الذي لا يقف في وجهه أحد!
وللصحوة الإسلامية سلبياتها المتعددة كذلك، نذكر منها: تفرق كلمتها وفساد
ذات بين أفرادها في بعض الأحيان.. وهو أمر جد خطير لأن مآله في منطق السنن
الكونية إلى الفشل وذهاب الريح، قال تعالى: [ولا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ
رِيحُكُمْ] ومنها: عدم ترتيب الأولويات في بعض الأحيان، فقد تهمش أموراً
أساسية وقد تغلوا في أمور جانبية، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم، ومنها غياب
فقه الموازنة بين المصالح والمفاسد أو ضعفه وهو عمدة الفقه وأساس التعامل في
واقع الفتن وغربة الدين..
إن العمل الإسلامي المعاصر يعيش في واقع لا تكاد تتمحض فيه المصالح
والمفاسد، إنما تتلاقى وتتزاحم في مناط واحد وعند حدوث هذا التلازم يقع الاشتباه
ويحدث الالتباس، ولا مناص في مثل هذه الحالة من الاجتهاد لتحقيق خير الخيرين
ودفع شر الشرين، لأن مبنى الشريعة كما قال أهل العلم تحصيل المصالح وتكميلها
وتعطيل المفاسد وتقليلها.. إن هذه الموازنة وهذا النوع من الفقه هو عمدة التعامل
في هذه المرحلة، ومن لم يستوعب أبعاده أعياه الأمر وعطل كثيراً من المصالح
الشرعية، وربما يفضي ببعض الناس إلى التحلل وخلع الربقة بالكلية، إن ذلك في
الحقيقة يمثل معقد التفرقة بين التطرف والاعتدال أو بين القصد والغلو.
стр. 1542
ربيع الآخر - ١٤١٤هـ
أكتوبر - ١٩٩٣م
(السنة: ٨)
стр. 1543
كلمة صغيرة
لا يخلو الجهد الإنساني من قصور؛ وبالتالي من سلبيات والصحوة الإسلامية، ...
بوصفها جهداً إنسانياً يستهدي بكتاب الله وبسنة رسوله ﷺ وبمنهج
سلفنا الصالح، لم يكن من المتصور أن تخلو من بعض السلبيات، إلا أن كثرة ...
الحديث عن نقد الصحوة والإلحاح عليه قد أنسى بعضاً منا «إيجابيات» هذه الصحوة، وعطاءاتها المتميزة وآثارها الكبرى في حياة الأمة، هذه الإيجابية وتلكم الآثار،
التي حاولت «البيان» إبراز بعض جوانبها في هذا العدد.
المحرر
стр. 1544
الافتتاحية
الإيجابية والسلبّية
التحرير
العناية والاهتمام بأخبار المسلمين وأحوالهم، والكلام عن المآسي والآلام في
ديار الإسلام، مما يقتضيه واجب الموالاة والنصرة، حيث نحزن لحزن إخواننا،
ونفرح لفرحهم فالمسلمون كرجل واحد، إن اشتكى عينه، اشتكى كله، وإن اشتكى
رأسه اشتكى كلّه « [١] .
وهذا الإحساس والاهتمام يجب أن يدفعنا إلى برامج عملية جادّة لمعالجة هذه
الآلام أو تخفيفها، وهذا الواجب لا يخص فئة دون أخرى، بل يشمل جميع
القادرين من المسلمين ذكوراً وإناثاً، علماء وعامة، تجارا وأطباء مهندسين
وغيرهم، فعليك أخي المسلم المشاركة بما تستطيع لخدمة دينك وأمتك، وقول ما
تستطيع فلا يكفي منك مجرد مشاركة يسيرة بوسيلة قد يستطيعها الكثيرون ممن هم
أقل منك قدرة وإمكانات، بل نريد المشاركة الجادة بكل ما تستطيع من وسائل، بل
وابتكار وسائل وأساليب جديدة، فالثغرات كثيرة، والأعداء كثيرة والمسؤولية
جسيمة، فلا مجال للتهرب من المسؤولية، وإلقائها على الغير، أو التعلل بالعلل
الواهية، التي إن أعفتك أمام الناس، فلن تعفيك من المسؤولية أمام الله ،
وهنا لابد لنا من التحذير من بعض السلبيات الواقعة لدى بعض العاملين في الحقل
الدعوي:
١- التحذير من النقد السلبي، ومن مظاهره: كثرة النقد بمناسبة وبدون
مناسبة، وتضخيم السلبيات والأخطاء، والتقليل من الإيجابيات أو تجاهلها،
والإغراق في المثالية، مما يصيب بعض طلبة العلم باليأس والإحباط، ومن ثم عدم
تقديم أي شيء للدعوة، لأنه لا جدوى من ذلك - حسب ظنهم - ونحن هنا لا نقلل
من أهمية النقد والتقويم، ومراجعة الأخطاء، فالصحوة في أمس الحاجة له، وإنما
نريد أن يكون ذلك باعتدال وتوازن مع طرح بدائل عملية أفضل.
٢- توهم البعض أن الإصلاح، ونصرة الدين لا تكون إلاَّ بهذه الوسيلة أو
تلك، ومن ثمّ التحقير والتصغير من شأن الوسائل الأخرى، مثل أن يظن أن نصرة
الدين لن تكون إلا بوسائل علنية، ولا يجدي غير ذلك، أو يظن أن ذلك لا يكون
إلا بوسائل سرية، ومن ثم يهون من تأثير الوسائل العلنية، وقد يتجاهل جهود
الآخرين وإنجازاتهم، وقد يتجاوز مرحلة التجاهل فيشكَّك في أعمال الآخرين، أو
يطعن في نياتهم رغم اتفاقهم معه في المنهج والهدف، مما يؤدي إلى تشتت الجهود، وتفرق الكلمة والفشل، قال تعالى: [ولا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ]
فهل من وقفة جادة لتنسيق الجهود وتكاملها؟ هذا ما نرجوه، ونسأل الله عز
وجل إخلاص النية والقصد، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1545
في إشراقة آية
[وإذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ]
د.عبد الكريم بكار
أنزل الله - جلَّ وعلا - في المنافقين سورة سُميت باسمهم، تفضح بعض
مواقفهم، وتُخبر عن بعض صفاتهم، وكان من جملة ما نَعَتَهُمْ الله تعالى به قوله:
[وإذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وإن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ
كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ العَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ] [١] .
فقد وصفهم الله - تعالى - بأن الناظر إليهم يُعجبُ بجمال أجسامهم، ومن
يسمعهم يُؤخذ بفصاحة ألسنتهم، لكنهم كالهياكل الفارغة، أشباح بلا أرواح،
وأجسام بلا أحلام ...
وهذه الصفات تتناسب مع حالة النفاق، إذ إن ظاهر المنافق دائماً خير من
باطنه، فظاهره الإيمان، وباطنه الكفر، وهو ذلق اللسان، لكنه يقول غير ما يعتقد؛ فهو كذاب، وهو جميل الصورة، لكنه عاطل من الصفات النبيلة كالإيمان
والمروءة والرجولة، وكل ما يزين الباطن.
وقد روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «كان عبد الله ابن
أُبي (رأسُ النفاق) وسيماً جسيما صحيحاً صبيحاً ذلق اللسان، فإذا قال سمع النبي -
ﷺ مقالته» [٢] .
ولمّا كان للظاهر سلطانه القوي في التأثير، وانتزاع الإعجاب علَّم النبي -
ﷺ أصحابه ضرورة تجاوزه إلى المعاني الباطنية؛ لأنها هي
الفيصل الحقيقي في تقييم الرجال؛ وقد ورد في الحديث الصحيح: أن مرَّ رجلاًَ
على النبي ﷺ فقال: ما تقولون في هذا؟ «قالوا: حري إن
خطب أن ينكح، وإن شفع يُشفع، وإن قال أن يُستمع إليه» قالوا: «حريٌّ إن
خطب ألا يُنكح، وإن شفع ألا يُشفَّع، وإن قال ألا يُستمع إليه» ثم مر رجل آخر،
فقال: «ما تقولون في هذا» . فقال رسول الله ﷺ : «هذا
خير من ملء الأرض مثل هذا [٣] ففضَّل النبي ﷺ الفقير على الغني
، وذلك لا يلزم منه تفضيل كل فقير على كل غني، إنما أراد أن يعلمهم أن التفاضل
لا يقوم أبداً إلا على المعاني الباطنية، وما يتبعها من أعمال.
وتطرح هذه الآية الكريمة مسألة خطيرة في حياة الإنسانية بعامة وحياة
المسلمين بخاصة، هي قضية العلاقة بين الشكل والمضمون، أو الجوهر
والمظهر [٤] .
ونعني بالجوهر ابتداءً: مجموع الخصائص الخُلُقِيَّة والنفسية. والصور
الذهنية، والخبرات والموازنات العميقة للفرد.
أما المظهر: فإنه مجموع ما يحمله الفرد من الصفات الجسمية، وما يمتلكه
من الأشياء، وما يتحمله من وظائف، مما لا يعد على صلة مباشرة بكينونته الذاتية.
في البداية ليس الجوهر والمظهر شيئين منفصلين انفصالاً تاماً، بل بينهما
علاقة تأثر وتأثير وأخذ وعطاء، وقد ورد ما يدل على هذا فقد كان النبي -صلى
الله عليه وسلم- كان يمسح مناكب أصحابه في الصلاة، ويقول:» استووا، ولا
تختلفوا فتختلف قلوبكم « [٥] . والمرء حين ينشرح صدره يظهر ذلك على مُحيّاه،
ومن ثم قيل:» من كثرت صلاته بالليل ضاء وجهه في النهار «.
وإذا كان بين الظاهر والباطن مثل هذا التجاذب والتلازم فإن من البدهي ألا
يزهِّد الإسلام الناس في الشكل؛ فالصلاة موقف روحي بحت، ومع ذلك حرص
النبي ﷺ على انتظام الصفوف فيها، والأمر قريب من ذلك في
صفوف القتال.
وحث الإسلام على النظافة، كما امتنَّ الله - تعالى - علينا بما نشعر به من
التأنق عند غدوِّ الأنعام ورواحها، كما قال سبحانه: [ولَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ
تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ] [٦] ، وتلك مسألة شكلية. والأمثلة على هذا أكثر من
أن تُحصى.
إذن ما هي المشكلة؟
تكمن المشكلة في اختلال التوازن بين الجوهر والمظهر، أو بين المضمون
والشكل؛ فالبشر متفقون على أن اللباب هو الأصل، وأنه ينبغي أن يُعطي من
الاهتمام والعناية والبلورة القسط الأكبر لأن كل الإنجازات الحقيقية التي تتم على
السطح نابعة أساساً من إنجازات تمت على مستوى الكينونة والجوهر. وهذا
يتناسب مع حقيقة تسخير الكون الذي حبا الله - تعالى - به الإنسان؛ كيما يظل
حراً طليقاً يحكم ويأمر دون أن يُكَبَّل! بشيء من صنع يديه!
وللمجتمع وما يقره من أعراف سلطانٌ كبير على الناس، ولما كان الحكم
الاجتماعي منصباً على الشكل كان الانحدار نحو الاهتمام بالشكل هو الأمر الطبيعي
المتبادر إليه، أما العناية بالجوهر فيمكن أن تنمو عن طريق التربية الخاصة في
الأسرة أو المدرسة، لكن ذلك سيظل ضعيف التأثير ما لم يكن المجتمع كله خاضعاً
لمبادئ عليا خارجة عن إنتاجه، ولن يكون مصدر تلك المبادئ حينئذ الأرض،
وإنما السماء! لكن حين يكون الدين عبارة عن بعض الرؤى الغيبية، أو الدغدغات
العاطفية - كما هو الشأن عند بعض الملل - فإنه لا يضع شيئاً في مواجهة التيارات
الاجتماعية العاتية؛ لأنه لا يعدو آنذاك أن يكون عنصراً رخواً من عناصر الثقافة!
وإن الذين الذي يوجِّه ويقاوم هو الذي نُمحِّص حياتنا من أجله!
وحينما يضعف الوازع الديني لدى المسلم فإن الميزان يميل مباشرة لصالح
المظهر. وبما أننا نعيش في عصر نتأثر فيه أكثر مما نؤثر فقد أضيف إلى ضعف
الوازع الديني عند أكثر الناس الوقوع تحت تأثير الفلسفة الغربية في جوانب الحياة
المختلفة، تلك الفلسفة التي شكَّلت من الإنتاج غير المحدود والحرية غير المحدودة
والسعادة غير المتناهية ديناً جديداً اسمه التقدم! واقتضى ذلك توجهاً كلياً نحو
الطبيعة لاستثمار كل شيء فيها! ثم استهلاكه بصورة جشعة لم يسبق لها مثيل
ناسين أن موارد الطبيعة محدودة، وأن الطبيعة. سوف ترد على ذلك، بل إنها
بدأت بالرد فعلاً!
وعلى صعيد الرمز فقد كان البطل المسيحي يستوحي شخصية الشهيد، وهو
عيسى ﵇ حيث وهب حياته من أجل غيره - حين صلب كما
يزعمون -، ثم انقلبت الأمور رأساً على عقب، حيث صار العالم الغربي يستوحي
شخصية البطل الوثني، كما يتجسد في أبطال الإغريق والرومان، ذلك البطل الذي
يغزو، وينتصر، ويدمر، ويسرق، وينهب. وشتان ما بين شخصية الشهيد الذي
يهب حياته من أجل غيره، وبين المقاتل الذي غايته السيطرة على الآخرين
وتضخيم الحياة الشخصية! ! ١٢
وكانت النتيجة ولادة مجتمعات تعاني من الوحدة، والقلق، والاكتئاب،
والنزوع التدميري، والخوف من المستقبل، والأنانية الشخصية، والتفكك الأسري ...
تأثرنا - نحن المسلمين - بهذا كله من حيث ندري، ولا ندري، وتوجهت
قوانا الفاعلة نحو الخارج، وأهملنا الجوهر، وكانت حالتنا في بعض النواحي أسوأ
ممن تأثرنا بهم؛ لأن القوم صاروا إلى الشكل بعد أن حققوا ذواتهم بطريقة فعَّالة
وإن كان انحرافها يحمل في النهاية بذرة موتها؛ أما نحن فقد غادرنا الجوهر لغمر
أنفسنا بالشكليات!
والناظر في سيرة النبي ﷺ والحياة العامة لصحابته -
رضوان الله عليهم - يجد أن السيطرة كانت للكينونة الداخلية، وليس لما يمتلكه
الناس من أشياء؛ لأن المحور الأساسي للحياة الاجتماعية كان الإنسان، وليس
الأشياء؛ أما الآن فقد صارت (الملكية) هي المحور، ويتجلى ذلك واضحاً في أمور
عديدة منها:
١ - تناقصت الألفاظ المستعملة في الدلالة على الجوهر، في حين زاد تداول
الألفاظ الدالة على الأشياء، فحديث المجالس لم يعد يتمحور حول البطولات،
والإنجازات، والمواقف الكريمة، والصفات الحميدة، وإنما حول العقارات،
والسيارات، وأسعار السلع، وأثاث البيوت، والأرصدة المالية ...
٢ - الرغبة في مزيد من الإنتاج لتحقيق مزيد من الاستهلاك جعل اعتماد
الناس على الآلة يتزايد يوماً بعد يوم، وصار الإنسان ترساً من تروسها، وصار
دوره مكملاً لدورها؛ ومن طبيعة هذا الشأن أن يزيد اهتمامنا بالمظاهر، ويشغلنا
عن الحقائق.
٣ - كانت قيمة وجود الإنسان مستمدة مما يُحسن ويتقن، وصارت المعادلة
الجديدة: قيمة وجودي مستمدة من مقدار ما أملك، ومقدار ما أستهلكُ! وهذا ولَّد
الخوف الدائم من ذهاب الملكية؛ لأن ذهابها ذهاب لمالكها؛ واقتضى ذلك مزيداً من
الشح والأثرة والتقاطع ...
٤ - علاقتنا بالمعرفة تبدلت؛ فقد كان حب العلم واكتساب المعرفة من أجل
الفقه في الدين وتنمية الشخصية ومعرفة الحياة ... وكانت العملية التعليمية عبارة
عن اندماج بين العلم وطالبه، أما الآن فقد صارت علاقة طالب العلم بما يطلب
علاقة تجارية بحتة، فهو يتعلم لينال الشهادة؛ وحفظه للمعلومات ظاهري ينتهي
عند إفراغها على الورق في الامتحان!
٥ - السمات الأساسية للجوهر هي: الاستقلالية، والحرية، وحضور العقل
النقدي، والاستخدام المثمر للطاقة الإنسانية، والنمو، والتدفق، لكن العلاقات
الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية الجديدة جعلت أنشطة الإنسان عبارة عن
انشغال دائم مفصول تماماً عن قواه الروحية، بل يقف ضدها، ويحد من فاعليتها
في كثير من الأحيان؛ مما أدى إلى الاتكالية والسأم والتذمر، وجعل الحياة تفقد
طعمها الحقيقي بشكل عام.
٦ - كانت عواقب الاتجاه إلى الشكل والتغافل عن المضمون كثرَة اللذائذ
وانعدام السعادة! واللذة إشباع الرغبة على نحو لا يتطلب نشاطاً، مثل لذة الحصول
على مزيد من الربح، أو هي: تجربة لحظة من لحظات الذروة يعقبها في الغالب
نوع من الكآبة، ولا سيما حين تكون غير مشروعة، حيث يبدأ التقريع الداخلي.
أما السعادة فهي: شعور مصاحب للنشاط الإنساني؛ وهي أقرب إلى أن تكون
حالة من الوجود المتصل على ربوة رحبة؛ لأنها وهجٌ لكينونة الإنسان، ونشاطه
الداخلي.
ويمكن القول: إن السعادة في مقياسنا الإسلامي تتعاظم كلما ردم المسلم من
الفجوة القائمة بين معتقداته وسلوكياته، حيث يرضى المسلم عن أدائه، ويستشرف
عاقبة المتقين.
كل هذه التحولات باتجاه الشكليات جعلت كثيراً من أمة الإسلام قوة عددية
ليس إلا؛ لأن الذي يفقد الصلة بمكوناته الأساسية لابد أن يصبح شكلياً. فهل تعيد
الصحوة المباركة الأمر إلى نصابه بإعادة التوازن من جديد بين الشكل والمضمون،
والجوهر والمظهر لنستأنف رسالتنا الحضارية؟ ! هذا ما نرجوه. وعلى الله قصد
السبيل.